الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 تاريخ الطبري - الطبري ج 7

تاريخ الطبري

الطبري ج 7


[ 1 ]

تاريخ الامم والملوك للامام أبى جعفر محمد بن جرير الطبري الجزء السابع [ قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة ] [ بمطبعة " بريل " بمدينة ليدن في سنة 1879 م ]. راجعه وصححه وضبطه نخبة من العلماء الاجلاء منشورات موسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب 7120

[ 2 ]

* بسم الله الرحمن الرحيم * * ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من أمر محمد بن هارون باسقاط ما كان ضرب لاخيه عبد الله المأمون من الدنانير والدراهم بخراسان في سنة 194 لان المأمون كان أمر ألا يثبت فيها اسم محمد وكان يقال لتلك الدنانير والدراهم الرباعية وكانت لا تجوز حينا (وفيها) نهى الامين عن الدعاء على المنابر في عمله للمأمون والقاسم وأمر بالدعاء له عليها ثم من بعده لابنه موسى وذلك في صفر من هذه السنة وابنه موسى يومئذ طفل صغير فسماه الناطق بالحق وكان ما فعل من ذلك عن رأى الفضل بن الربيع فقال في ذلك بعض الشعراء أضاع الخلافة غش الوزير * وفسق الامير وجهل المشير ففضل وزير وبكر مشير * يريدان ما فيه حتف الامير فبلغ ذلك المأمون فتسمى بامام الهدى وكوتب بذلك (وفيها) عقد محمد لعلى ابن عيسى بن ماهان يوم الاربعاء لليلة خلت من شهر ربيع الآخر على كور الجبل كلها نهاوند وهمذان وقم واصفهان حربها وخراجها وضم إليه جماعة من القواد وأمر له فيما ذكر بمائتي ألف دينار ولولده بخمسين ألف دينار وأعطى الجند مالا عظيما وأمر له من السيوف المحلاة بألفى سيف وستة آلاف ثوب للخلع وأحضر محمد أهل بيته ومواليه وقواده المقصورة بالشماسية يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الآخرة فصلى محمد الجمعة ودخل وجلس لهم ابنه موسى في المحراب ومعه الفضل بن الربيع وجميع من أحضر فقرأ عليهم كتابا من الامين يعلمهم رأيه فيهم وحقه عليهم وما سبق لهم من البيعة متقدما مفردا بها ولزوم ذلك لهم وما أحدث عبد الله من التسمى بالامامة والدعاء إلى نفسه وقطع البريد وقطع ذكره في دور الضرب والطرز وأن ما أحدث من ذلك ليس له ولا ما يدعى من الشروط التى شرطت

[ 3 ]

له بجائزة له وحثهم على طاعته والتمسك ببيعته وقام سعيد بن الفضل الخطيب بعد قراءة الكتاب فعارض ما في الكتاب بتصديقه والقول بمثله ثم تكلم الفضل ابن الربيع وهو جالس فبالغ في القول وأكثر وذكر أنه لاحق لاحد في الامامة والخلافة إلا لامير المؤمنين محمد الامين وان الله لم يجعل لعبد الله ولا لغيره في ذلك حظا له ولا نصيبا فلم يتكلم أحد من أهل بيت محمد ولا غيرهم بشئ إلا محمد بن عيسى بن نهيك ونفر من وجوه الحرس وقال الفضل بن الربيع في كلامه إن الامير موسى ابن أمير المؤمنين قد أمر لكم يا معاشر أهل خراسان من صلب ماله بثلاثة آلاف ألف درهم تقسم بينكم ثم انصرف الناس وأقبل على بن عيسى على محمد يخبره أن أهل خراسان كتبوا إليه يذكرون أنه ان خرج هو أطاعوه وانقادوا معه (وفيها) شخص على بن عيسى إلى الرى إلى حرب المأمون * ذكر الخبر عن شخوصه إليها وما كان من أمره في شخوصه ذلك * ذكر الفضل بن إسحاق أن على بن عيسى شخص من مدينة السلام عشية الجمعة لخمس عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة 195 شخص عشية تلك فيما بين صلاة الجمعة إلى صلاة العصر إلى معسكره بنهر بين فأقام فيها زهاء أربعين ألفا وحمل معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه وشخص معه محمد الامين إلى النهروان يوم الاحد لست بقين من جمادى الآخرة فعرض بها الذين ضموا إلى على بن عيسى ثم أقام بقية يومه ذلك بالنهروان ثم انصرف إلى مدينة السلام وأقام على بن عيسى بالنهروان ثلاثة أيام ثم شخص إلى ما وجه له مسرعا حتى نزل همذان فولى عليها عبد الله بن حميد بن قحطبة وقد كان محمد كتب إلى عصمة بن حماد بالانصراف في خاصة أصحابه وضم بقية العسكر وما فيه من الاموال وغير ذلك إلى على بن عيسى وكتب إلى أبى دلف القاسم بن عيسى بالانضمام إليه فيمن معه من أصحابه.... معه هلال بن عبد الله الحضرمي وأمر له بالفرض ثم عقد لعبد الرحمن ابن جبلة الانباري على الدينور وأمره بالسير في بقية أصحابه ووجه معه ألفى ألف درهم حملت إليه قبل ذلك ثم شخص على بن عيسى من همذان يريد الرى

[ 4 ]

قبل ورود عبد الرحمن عليه فسار حتى بلغ الرى على تعبئة فلقيه طاهر بن الحسين وهو في أقل من أربعة آلاف وقيل كان في ثلاثة آلاف وثمانمائة وخرج من عسكر طاهر ثلاثة أنفس إلى على بن عيسى يتقربون إليه بذلك فسألهم من هم ومن أي البلدان هم فأخبره أحدهم أنه كان من جند عيسى ابنه الذى قتله رافع قال فأنت من جندي فأمر به فضرب مائتي سوط واستخف بالرجلين وانتهى الخبر إلى أصحاب طاهر فازدادوا جدا في محاربته ونفورا منه فذكر أحمد بن هشام أنه لم يكن ورد عليهم الكتاب من المأمون بأن تسمى بالخلافة إذ التقينا وكان أحمد على شرطة طاهر فقلت لطاهر قد ورد على بن عيسى فيمن ترى فان ظهرنا له فقال أنا عامل أمير المؤمنين وأقررنا له بذلك لم يكن لنا أن نحاربه فقال لى طاهر لم يجئني في هذا شئ فقلت دعني وما أريد قال شأنك قال فصعدت المنبر فخلعت محمدا ودعوت للمأمون بالخلافة وسرنا من يومنا أو من غد يوم السبت وكان ذلك في شعبان سنة 195 فنزلنا قسطانة وهى أول مرحلة من الرى إلى العراق وانتهى على بن عيسى إلى برية يقال لها مشكويه وبيننا وبينه سبعة فراسخ وجعلناه معه مقدمتنا على فرسخين من جنده وكان على بن عيسى ظن أن طاهرا إذا رآه يسلم إليه العمل فلما رأى الجد منه قال هذا موضع مفازة وليس... فأخذ يساره إلى رستاق يقال له رستاق بنى الرازي وكان معنا الاتراك فنزلنا على نهر ونزل قريبا منا وكان بيننا وبينه دكادك وجبال فلما كان في آخر الليل جاءني رجل فأخبرني أن على بن عيسى قد دخل الرى وقد كان كاتبهم فأجابوه فخرجت معه إلى الطريق فقلت له هذا طريقهم وما هنا أثر حافر وما يدل على أنه سار وجئت إلى طاهر فأنبهته فقلت له تصلى قال نعم فدعا بماء فتهيأ فقلت له الخبر كيت وكيت وأصبحنا فقال لى تركب فوقفنا على الطريق فقال لى هل لك أن تجوز هذه الدكادك فأشرفنا على عسكر على بن عيسى وهم يلبسون السلاح فقال ارجع أخطأنا فرجعنا فقال لى اخرج قال فدعوت المأمونى والحسن بن يونس المحاربي والرسهمى فخرجوا جميعا فكان على الميمنة المأمونى وعلى الميسرة

[ 5 ]

الرسهمى ومحمد بن مصعب قال وأقبل على في جيشه فامتلات الصحراء بياضا وصفرة من السلاح والذهب وجعل على ميمنته الحسين بن على ومعه أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس وعلى ميسرته آخر وكروا فهزمونا حتى دخلوا العسكر فخرج إليهم الساعة السوعاء فهزموهم قال وقال طاهر لما رأى على بن عيسى هذا مالا قبل لنا به ولكن نجعلها خارجية فقصد قصد القلب فجمع سبعمائة رجل من الخوارزمية فيهم ميكائيل وسبسل وداود سياه قال أحمد بن هشام قلنا لطاهر نذكر على بن عيسى البيعة التى كانت والبيعة التى أخذها هو للمأمون خاصة على معاشر أهل خراسان فقال نعم قال فعلقناهما على رمحين وقمت بين الصفين فقلت الامان لا ترمونا ولا نرميكم فقال على بن عيسى ذلك لك فقلت يا على بن عيسى ألا تتقى الله أليس هذه نسخة البيعة التى أخذتها أنت خاصة اتق الله فقد بلغت باب قبرك فقال من أنت قلت أحمد بن هشام وقد كان على بن عيسى ضربه أربعمائة سوط فصاح على بن عيسى يا أهل خراسان من جاء به فله ألف درهم قال وكان معنا قوم بخارية فرموه وقالوا نقتلك ونأخذ مالك وخرج من عسكره العباس بن الليث مولى المهدى وخرج رجل يقال له حاتم الطائى فشد عليه طاهر وشد يديه على مقبض السيف فضربه فصرعه وشد داود سياه على على بن عيسى فصرعه وهو لا يعرفه وكان على بن عيسى على برذون أرحل حمله عليه محمد وذلك يكره في الحرب ويدل على الهزيمة قال فقال داود نارى اسنان كتبتم قال فقال طاهر الصغير وهو طاهر بن التاجى على بن عيسى أنت قال نعم أنا على بن عيسى وظن أنه يهاب ولا يقدم عليه أحد فشد عليه فذبحه بالسيف ونازعهم محمد بن مقاتل بن صالح الرأس فنتف محمد خصلة من لحيته فذهب بها إلى طاهر وبشره وكانت ضربة طاهر هي الفتح فسمى يومئذ ذا اليمينين بذلك السبب لانه أخذ السيف بيديه وتناول أصحابه النشاب ليرمونا فلم أعلم بقتل على حتى قيل قتل والله الامير فتبعناهم فرسخين وواقفونا اثنى عشرة مرة كل ذلك نهزمهم فلحقني طاهر بن التاجى ومعه رأس على بن عيسى وكان آلى أن ينصب رأس أحمد عند المنبر الذى خلع عليه محمد وقد

[ 6 ]

كان أمر أن يهيأ له الغداء بالرى قال فانصرفت فوجدت عيبة لعلى فيها دراعة وجبة وغلالة فلبستها وصليت ركعتين شكر الله تبارك وتعالى ووجدنا في عسكره سبعمائة كيس في كل كيس ألف درهم ووجدنا عدة بغال عليها صناديق في أيدى أولئك البخارية الذين شتموه وظنوا أنه مال فكسروا الصناديق فإذا فيها خمر سوادى وأقبلوا يفرقون القنانى وقالوا عملنا الجد حتى نشرب قال أحمد بن هشام وجئت إلى مضرب طاهر وقد اغتم لتأخري عنه فقال لى البشرى هذا رأس على قال فأعتق طاهر من كان بحضرته من غلمانه شكرا لله ثم جاؤا بعلى قد شدوا الاعوان يديه إلى رجليه يحمل على خشبة كما يحمل الحمار وأمر به فلف في لبد وألقى في بئر قال وكتب إلى ذى الرئاستين بالخبر قال فسارت الخريطة وبين مرو وذلك الموضع نحو من خمسين ومائتي فرسخ ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الاحد وردت عليهم يوم الاحد قال ذو الرئاستين كنا قد وجهنا هرثمة واحتشدنا في السلاح مددا وسار في ذلك اليوم وشيعه المأمون فقلت للمأمون لا تبرح أبدا حتى يسلم عليك بالخلافة فقد وجب لك ولا نأمن أن يقال بصلح بين الاخوين فإذا سلم عليك بالخلافة لم يمكن أن ترجع فتقدمت أنا وهرثمة والحسن بن سهل فسلمنا عليه بالخلافة وتبادر شيعة المأمون فرجعت وأنا كال تعب لم أنم ثلاثة أيام في جهاز هرثمة فقال لى الخادم هذا عبد الرحمن بن مدرك وكان يلى البريد ونحن نتوقع الخريطة لنا أو علينا فدخل وسكت قلت ويلك ما وراءك قال الفتح فإذا كتاب طاهر إلى أطال الله بقاءك وكبت أعداءك وجعل من يشنأك فداءك كتبت اليك ورأس على بن عيسى بين يدى وخاتمه في أصبعي والحمد لله رب العالمين فوثبت إلى دار أمير المؤمنين فلحقني الغلام بالسواد فدخلت على المأمون فبشرته وقرأت عليه الكتاب فأمر بإحضار أهل بيته والقواد ووجوه الناس فدخلوا فسلموا عليه بالخلافة ثم ورد رأس على يوم الثلاثاء فطيف به في خراسان * وذكر الحسن بن أبى سعيد قال عقدنا للطاهر سنة 194 فاتصل عقده إلى الساعة * وذكر محمد بن يحيى بن عبد الملك النيسابوري قال لما جاء نعى على بن عيسى وقتله إلى محمد بن زبيدة وكان في وقته ذلك على

[ 7 ]

الشط يصيد السمك فقال للذى أخبره ويلك دعني فان كوثرا قد اصطاد سمكتين وأنا ما اصطدت شيئا بعد قال وكان بعض الحسد لطاهر يقول إن عليا يعلو عليه وقال متى يقوم طاهر لحرب على مع كثرة جيشه وطاعة أهل خراسان له فلما قتل على تضاءل وقال والله لو لقيه طاهر وحده لقاتله في جيشه حتى يغلب أو يقتل دونه وقال رجل من أصحاب على له بأس ونجدة في قتل على لقينا الليث مفترسا لديه * وكنا ما ينهنهنا اللقاء نخوض الموت والغمرات قدما * إذا ما كر ليس به خفاء فضعضع ركبنا لما التقينا * وراح الموت وانكشف الغطاء وأردى كبشنا والرأس منا * كأن بكفه كان القضاء ولما انتهى الخبر بقتل على بن عيسى إلى محمد والفضل بعث إلى نوفل خادم المأمون وكان وكيل المأمون ببغداد وخازنه وقيمه في أهله وولده وضياعه وأمواله عن لسان محمد فأخذ منه الالف ألف درهم التى كان الرشيد وصل بها المأمون وقبض ضياعه وغلاته بالسواد وولى عليها عمالا من قبله ووجه عبد الرحمن الانباري بالقوة والعدة فنزل همدان * وذكر بعض من سمع عبد الله بن خازم عند ذلك يقول يريد محمد ازالة الجبال وفل العساكر بتدبيره والمنكوس من تظهيره هيهات والله كما قال الاول * قد ضيع الله ذودا انت راعيها * ولما بايع محمد لابنه موسى ووجه على بن عيسى قال شاعر من أهل بغداد في ذلك لما رأى تشاغل محمد بلهوه وبطالته وتخليته عن تدبير على والفضل بن الربيع أضاع الخلافة غش الوزير * وفسق الامام وجهل المشير ففضل وزير وبكر مشير * يريدان ما فيه حتف الامير وما ذاك إلا طريق غرور * وشر المسالك طرق الغرور لواط الخليفة أعجوبة * وأعجب منه خلاق الوزير فهذا يدوس وهذا يداس * كذاك لعمري اختلاف الامور فلو يستعينان هذا بذاك * لكانا بعرضة أمر ستير

[ 8 ]

ولكن ذا لج في كوثر * ولم يشف هذا دعاس الحمير فشنع فعلاهما منهما * وصارا خلافا كبول البعير وأعجب من ذا وذا أننا * نبايع للطفل فينا الصغير ومن ليس يحسن غسل استه * ولم يخل متنه من حجر ظير وما ذاك إلا بفضل وبكر * يريدان نقض الكتاب المنير وهذان لولا انقلاب الزمان * أفى العير هذان أم في النفير ولكنها قنن كالجبال * ترفع فيها الوضيع الحقير فصبرا ففى الصبر خير كبير * وإن كان قد ضاق صبر الصبور فيارب فاقبضهما عاجلا * إليك وأورد عذاب السعير ونكل بفضل وأشياعه * وصلبهم حول هذى الجسور وذكر أن محمدا لما بعث إلى المأمون في البيعة لابنه موسى ووجه الرسل إليه في ذلك كتب المأمون جواب كتابه (أما بعد) فقد انتهى إلى كتاب أمير المؤمنين منكرا لابائي منزلة تهضمني بها وأرادني على خلاف ما يعلم من الحق فيها ولعمري أن أورد أمير المؤمنين موارد النصفة فلم يطالب إلا بها ولم يوجب نكرة تركها لانبسطت بالحجة مطالع مقالته ولكنت محجوجا بمفارقة ما يوجب من طاعته فأما وأنا مذعن بها وهو على ترك إعمالها فأولى به أن يدير الحق في أمره ثم يأخذ به ويعطى من نفسه فان صرت إلى الحق فرغت عن قلبه وإن أبيت الحق قام بمعذرته وأما ما وعد من بر طاعته وأوعد من الوطأة بمخالفته فهل أحد فارق الحق في فعله فأبقى للمتبين موضع ثقة بقوله والسلام قال وكتب إلى على بن عيسى لما بلغه ما عزم عليه (أما بعد) فإنك في ظل دعوة لم تزل أنت وسلفك بمكان ذب عن حريمها وعلى العناية لحفظها ورعاية لحقها توجبون ذلك لائمتكم وتعتصمون بحبل جماعتكم وتعطون بالطاعة من أنفسكم وتكونون يدا على أهل مخافتكم وحزبا وإخوانا لاهل موافقتكم تؤثرونهم على الآباء والابناء وتتصرفون فيما تصرفوا فيه من منزلة شديدة ورجاء لاترون شيئا أبلغ في صلاحكم من الامر الجامع

[ 9 ]

لالفتكم ولا أجرى لبواركم مما دعا بشتات كلمتكم ترون من رغب عن ذلك جائرا عن القصد وعن أمه على منهاج الحق ثم كنتم على منهاج الحق ثم كنتم على أولئك سيوفا من سيوف نقم الله فكم من أولئك قد صاروا وديعة مسبعة وجزرا جامدة قد سفت الرياح في وجهه وتداعت السباع إلى مصرعه غير ممهد ولا موسد قد صار إلى أمة... وغير عاجل حظه ممن كانت الائمة تنزلكم لذلك بحيث أنزلتم أنفسكم من الثقة بكم في أمورها والتقدمة في آثارها وأنت مستشعر دون كثير من ثقاتها وخاصتها حتى بلغ الله بك في نفسك أن كنت قريع أهل دعوتك والعلم القائم بمعظم أمر أمتك إن قلت ادنوا دنواوان أشرت أقبلوا أقبلوا وإن أمسكت وقفوا وأقروا وآمالك واستنصاحا وتزداد نعمة مع الزيادة في نفسك ويزدادون نعمة مع الزيادة لك بطاعتك حتى حللت المحل الذى قربت به من يومك وانقرض فيما دونه أكثر مدتك لا ينتظر بعدها الا ما يكون ختام عملك من خير فيرضى به ما تقدم من صالح فعلك أو خلاف فيضل له متقدم سعيك ولا ترى يا أبا يحيى حالا عليها جلوت أهل نعمتك والولاة القائمة بحق امامتك من طعن عقدة كنت القائم بشدها وبعهود توليت معاقد أخذها يبدأ فيها بالاخصين حتى أفضى الامر إلى العامة من المسلمين بالايمان المحرجة والمواثيق المؤكدة وما طلع مما يدعو إلى نشر كلمة وتفريق أمة وشت جماعة وتتعرض به لتبديل نعمة وزوال ما وطأت الاسلاف من الائمة ومتى زالت نعمة من ولاة أمركم وصل زوالها اليكم في خواص أنفسكم ولن يغير الله بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وليس الساعي في نشرها بساع فيها على نفسه دون السعي على جملتها القائمين بحرمتها قد عرضوهم أن يكونوا جزرا لاعدائهم وطعمة قوم يتظفر مخالبهم في دمائهم ومكانك المكان الذى إن قلت رجع إلى قولك وإن أشرت لم تتهم في نصيحتك ولك مع إيثار الحق الحظوة عند أهل الحق ولاسواء من حظى بعاجل مع فراق الحق فأوبق نفسه في عاقبته ومن أعان الحق فأدرك به صلاح العاقبة مع وفور الحظ في عاجلته وليس لك ما تستدعى ولا عليه ما تستعطف ولكنه حق من حق أحسابك

[ 10 ]

يجب ثوابه على ربك ثم على من قمت بالحق فيه من أهل إمامتك فان أعجزك قول أو فعل فصر إلى الدار التى تأمن فيها على نفسك وتحكم فيها برأيك وتجاوز إلى من يحسن تقبلا لصالح فعلك ويكون مرجعك إلى عقدك وأموالك ولك بذلك الله وكفى بالله وكيلا وإن تعذر ذلك بقية على نفسك فإمساكا بيدك وقولا بحق ما لم نخف وقوعه بكرهك فلعل مقتديا بك ومغتبطا بنهيك ثم أعلمني رأيك أعرفه إن شاء الله قال فأتى على بالكتاب إلى محمد فشب أهل النكث من الكفاة من تلهيبه وأوقدوا نيرانه وأعان على ذلك حميا قدرته وتساقط طبيعته ورد الرأى إلى الفضل بن الربيع لقيامه كان بمكانفته وكانت كتب ذى الرئاستين ترد إلى الدسيس الذى كان يشاوره في أمره ان أبى القوم إلا عزمة الخلاف فالطف لان يجعلوا أمره لعلى بن عيسى وإنما خص ذو الرئاستين عليا بذلك لسؤ أثره في أهل خراسان واجتماع رأيهم على ماكرهه وإن العامة قائلة بحربه فشاور الفضل الدسيس الذى كان يشاوره فقال على بن عيسى وإن فعل فلم ترمهم بمثله في بعد صومه وسخاوة نفسه ومكانه في بلاد خراسان في طول ولايته وكثرة صنائعه فيهم ثم هو شيخ الدعوة وبقية أهل المشايعة فأجمعوا على توحيه على فكان من توجيهه ما كان وكان يجتمع للمأمون بتوجيه على جندان أجناده الذين يحاربه بهم والعامة من أهل خراسان حزب عليه لسؤ أثره فيهم وذلك رأى يكثر الاخطار به إلا في صدور رجال ضعاف الرأى بحال على في نفسه وما تقدم له ولسلفه فكان ما كان من أمره ومقتله * وذكر سهل أن عمرو بن حفص مولى محمد قال دخلت على محمد في جوف الليل وكنت من خاصته أصل إليه حيث لا يصل إليه أحد من مواليه وحشمه فوجدته والشمع بين يديه وهؤ يفكر فسلمت عليه فلم يردد على فعلمت أنه في تدبير بعض أموره فلم أزل واقفا على رأسه حتى مضى أكثر الليل ثم رفع رأسه إلى فقال أحضرني عبد الله بن خازم فمضيت إلى عبد الله فأحضرته فلم يزل في مناظرته حتى انقضى الليل فسمعت عبد الله وهو يقول أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تكون أول الخلفاء نكث عهده ونقض ميثاقه

[ 11 ]

واستخف بيمينه ورد رأى الخليفة قبله فقال اسكت لله أبوك فعبد الملك كان أفضل منك رأيا وأكمل نظرا حيث يقول لا يجتمع فحلان في هجمة قال عمرو ابن حفص وسمعت محمدا يقول للفضل بن الربيع ويلك يا فضل لاحياة مع بقاء عبد الله وتعرضه ولابد من خلعه والفضل يعينه على ذلك ويعده أن يفعل وهو يقول فمتى ذلك إذا غلب على خراسان وما يليها * وذكر بعض خدم محمد أن محمدا لما هم بخلع المأمون والبيعة لابنه جمع وجوه القواد فكان يعرض عليهم واحدا واحدا فيأبونه وربما ساعده قوم حتى بلغ إلى خزيمة بن خازم فشاوره في ذلك فقال يا أمير المؤمنين لم ينصحك من كذبك ولم يغشك من صدقك لاتجرئ القواد على الخلع فيخلعوك ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك فان الغادر مخذول والناكث مفلول وأقبل على بن عيسى بن ماهان فتبسم محمد ثم قال لكن شيخ هذه الدعوة وناب هذه الدولة لا يخالف على إمامه ولا يوهن طاعته ثم رفعه إلى موضع لم أره رفعه إليه فيما مضى فيقال إنه أول القواد أجاب إلى خلع عبد الله وتابع محمدا على رأيه (قال أبو جعفر) ولما عزم محمد على خلع عبد الله قال له الفضل بن الربيع لا تعذر إليه يا أمير المؤمنين فانه أخوك ولعله يسلم هذا الامر في عافية فتكون قد كفيت مؤونته وسلمت من محاربته ومعاندته قال فأفعل ماذا قال تكتب إليه كتابا تستطيب به نفسه وتسكن وحشته وتسأله الصفح لك عما في يده فان ذلك أبلغ في التدبير وأحسن في القالة من مكاثرته بالجنود ومعاجلته بالكيد فقال له أعمل في ذلك رأيك فلما حضر اسماعيل بن صبيح للكتاب إلى عبد الله قال يا أمير المؤمنين إن مسألتك الصفح عما يديه توليد للظن وتقوية للتهمة ومدعاة للحذر ولكن اكتب إليه فأعلمه حاجتك إليه وما تحب من قربه والاستعانة برأيه وسله القدوم اليك فان ذلك أبلغ وأحرى أن يبلغ فيما يوجب طاعته وإجابته فقال الفضل القول ما قال يا أمير المؤمنين قال فليكتب بما رأى قال فكتب إليه من عند الامين محمد أمير المؤمنين إلى عبد الله بن هارون أمير المؤمنين (أما بعد) فان أمير المؤمنين روى في أمرك والموضع الذى أنت فيه من ثغرك وما يؤمل في قربك

[ 12 ]

من المعاونة والمكانفة على ما حمله الله وقلده من أمور عباده وبلاده وفكر فيما كان أمير المؤمنين الرشيد أوجب لك من الولاية وأمر به من افرادك على ما تصير اليك منها فرجا أمير المؤمنين أن لايدخل عليه وكف في دينه ولانكث في يمينه إذ كان اشخاصه إياك فيما يعود على المسلمين نفعه ويصل إلى عامتهم صلاحه وفضله وعلم أمير المؤمنين أن مكانك بالقرب منه أسد للثغور وأصلح للجنود وآكد للفئ وأرد على العامة من مقامك ببلاد خراسان منقطعا عن أهل بيتك متغيبا عن أمير المؤمنين وما يحب الاستمتاع به من رأيك وتدبيرك وقد رأى أمير المؤمنين أن يولى موسى بن أمير المؤمنين فيما يقلده من خلافتك ما يحدث إليه من أمرك ونهيك فاقدم على أمير المؤمنين على بركة الله وعونه بأبسط أمل وأفسح رجاء وأحمد عاقبة وأنفذ بصيرة فإنك أولى من استعان به أمير المؤمنين على أموره واحتمل عنه النصب فيما فيه صلاح أهل بيته وذمته والسلام ودفع الكتاب إلى العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على وإلى عيسى بن جعفر بن أبى جعفر وإلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى صالح صاحب المصلى وأمرهم أن يتوجهوا به إلى عبد الله المأمون وأن لايدعوا وجها من اللين والرفق إلا بلغوه وسهلوا الامر عليه فيه وحمل بعضهم الاموال والالطاف والهدايا وذلك في سنة 194 فتوجهوا بكتابه فلما وصلوا إلى عبد الله أذن لهم فدفعوا إليه كتاب محمد وما كان بعث به معهم من الاموال والالطاف ثم تكلم العباس بن موسى بن عيسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الامير إن أخاك قد تحمل من الخلافة ثقلا عظيما ومن النظر في أمور الناس عبئا جليلا وقد صدقته نيته في الخير فأعوزه الوزراء والاعوان والكفاة على العدل وقليل ما يأنس بأهل بيته وأنت أخوه وشقيقه وقد فزع اليك في أموره وأملك للموازرة والمكانفة ولسنا نستبطئك في بره اتهاما لنصرك له ولانحضك على طاعة تخوفا لخلافك عليه وفى قدومك عليه أنس عظيم وصلاح لدولته وسلطانه فأجب أيها الامير دعوة أخيك وآثر طاعته وأعنه على ما استعانك عليه في أمره فان في ذلك قضاء الحق وصلة الرحم وصلاح الدولة وعز الخلافة عزم الله للامير على الرشيد في أموره وجعل له الخيرة

[ 13 ]

والصلاح في عواقب رأيه وتكلم عيسى بن جعفر بن أبى جعفر فقال إن الاكثار على الامير الله الله في القول خرق والاقتصار في تعريفه ما يجب من حق أمير المؤمنين تقصير وقد غاب الامير أكرمه الله عن أمير المؤمنين ولم يستغن عن قربه من شهد غيره من أهل بيته ولا يجد عنده غنى ولا يجد منه خلفا ولا عوضا والامير أولى من بر أخاه وأطاع إمامه فليعمل الامير فيما كتب به إليه أمير المؤمنين بما هو أرضى وأقرب من موافقة أمير المؤمنين ومحبته فإن القدوم عليه فضل وحظ عظيم والابطاء عنه وكف في الدين وضرر ومكروه على المسلمين وتكلم محمد بن عيسى بن نهيك فقال أيها الامير إنا لا نزيدك بالاكتار والتطويل فيما أنت عليه من المعرفة بحق أمير المومنين ولا يشحذ نيتك بالاساطير والخطب فيما يلزمك من النظر والعناية بأمور المسلمين وقد أعوز أمير المؤمنين الكفاة والنصحاء بحضرته وتناولك فزعا اليك في المعونة والتقوية له على أمره فان تجب أمير المؤمنين فيما دعاك الين فنعمة عظيمة يتلافى بها رعيتك وأهل بيتك وإن تقعد يغن الله أمير المؤمنين عنك ولن يضعه ذلك مما هو عليه من البر بك والاعتماد على طاعتك ونصيحتك وتكلم صالح صاحب المصلى فقال أيها الامير إن الخلافة ثقيلة والاعوان قليل ومن يكيد هذه الدولة وينطوى على غشها والمعاندة لاوليائها من أهل الخلافة والمعصية كثير وأنت أخو أمير المؤمنين وشقيقه وصلاح الامور وفسادها راجع عليك وعليه إذ أنت ولى عهده والمشارك في سلطانه وولايته وقد تناولك أمير المؤمنين بكتابه ووثق بمعاونتك على ما استعانك عليه من أموره وفى اجابتك إياه إلى القدوم عليه صلاح عظيم في الخلافة وأنس وسكون لاهل الملة والذمة وفق الله الامير في أموره وقضى له بالذى هو أحب إليه وأنفع له * فحمد الله المأمون وأثنى عليه ثم قال قد عرفتموني من حق أمير المؤمنين أكرمه الله مالا أنكره ودعوتموني من الموازرة والمعونة إلى ما أوثره ولا أدفعه وأنا لطاعة أمير المؤمنين مقدم وعلى المسارعة إلى ما سره ووافقه حريص وفى الروية تبيان الرأى وفى إعمال الرأى نصح الاعتزام والامر الذى دعاني إليه

[ 14 ]

أمير المؤمنين أمر لا أتأخر عنه تثبطا ومدافعة ولا أتقدم عليه اعتسافا وعجلة وأنا في ثغر من ثغور المسلمين كلب عدوه شديد شوكته وان أهملت أمره لم آمن دخول الضرر والمكروه على الجنود والرعية وان أقمت عليه لم آمن فوت ما أحب من معونة أمير المؤمنين وموازرته وإيثار طاعته فانصرفوا حتى أنظر في أمرى ونصح الرأى فيما أعتزم عليه من مسيرى ان شاء الله ثم أمر بإنزالهم واكرامهم والاحسان إليهم * فذكر سفيان بن محمد أن المأمون لما قرأ الكتاب أسقط في يده وتعاظمه ما ورد عليه منه ولم يدر ما يرد عليه فدعا الفضل بن سهل فأقرأه الكتاب وقال ما عندك في هذا الامر قال أرى أن تتمسك بموضعك ولا تجعل علينا سبيلا وانت تجد من ذلك بدا قال وكيف يمكننى التمسك بموضعي ومخالفة محمد وعظم القواد والجنود معه وأكثر الاموال والخزائن قد صارت إليه مع ما قد فرق في أهل بغداد من صلاته وفوائده وإنما الناس مائلون مع الدراهم منقادون لها لا ينظرون إذا وجدوها حفظ بيعة ولا يرغبون في وفاء عهد ولا أمانة فقال له الفضل إذا وقعت التهمة حق الاحتراس وأنا لغدر محمد متخوف ومن شرهه إلى ما في يديك مشفق ولان تكون في جندك وعزك مقيما بين ظهرانى أهل ولايتك أحرى فان دهمك منه أمر جردت له وناجزته وكايدته فإما أعطاك الله الظفر عليه بوفائك ونيتك أو كانت الاخرى فمت محافظا مكرما غير ملق بيديك ولا ممكن عدوك من الاحتكام في نفسك ودمك قال إن هذا الامر لو كان أتانى وأنا في قوة من أمرى وصلاح من الامور كان خطبه يسيرا والاحتيال في دفعه ممكنا ولكنه أتانى بعد إفساد خراسان واضطراب عامرها وغامرها ومفارقة جيغويه الطاعة والنواء خافان صاحب التبت وتهيئ ملك كابل للغارة على ما يليه من بلاد خراسان وامتناع ملك أترار بنده بالضريبة التى كان يؤديها ومالى بواحدة من هذه الامور يد وأنا أعلم أن محمدا لم يطلب قدومى إلا لشر يريده وما أرى إلا تخلية ما أنا فيه واللحاق بخاقان ملك الترك والاستجارة به وببلاده فبالحرى أن آمن على نفسي وأمتنع ممن أراد قهرى والغدر بى فقال له

[ 15 ]

الفضل أيها الامير إن عاقبة الغدر شديدة وتبعة الظلم والبغى غير مأمون شرها ورب مستدل قد عاد عزيزا ومقهور قد عاد قاهرا مستطيلا وليس النصر بالقلة والكثرة وحرج الموت أيسر من حرج الذل والضيم وما أرى تفارق ما أنت فيه وتصير إلى طاعة محمد متجردا من قوادك وجندك كالرأس المختزل عن بدنه يجرى عليك حكمه فتدخل في جملة أهل مملكته من غير أن تبلى عذرا في جهاد ولاقتال ولكن اكتب إلى جيغويه وخاقان فولهما بلادهما وعدهما التقوية لهما في محاربة الملوك وابعث إلى ملك كابل بعض هدايا خراسان وطرفها وسله الموادعة تجده على ذلك حريصا وسلم لملك اترابنده ضريبته في هذه السنة وصيرها صلة منك وصلته بها ثم أجمع اليك أطرافك واضمم اليك من شذ من جندك ثم اضرب الخيل بالخيل والرجال بالرجال فان ظفرت وإلا كنت على ما تريد من اللحاق بخاقان قادرا فعرف عبد الله صدق ما قال فقال اعمل في هذا الامر وغيره من أمورى بما ترى وأنفذ الكتب إلى أولئك العصاة فرضوا وأذعنوا وكتب إلى من كان شاذا عن مرو من القواد والجنود فأقدمهم عليه وكتب إلى طاهر بن الحسين وهو يومئذ عامل عبد الله على الرى فأمره أن يضبط ناحيته وأن يجمع إليه أطرافه ويكون على حذر وعدة من جيش إن تطرقه وعدد إن هجم عليه فاستعد للعرب وتهيأ لدفع محمد عن بلاد خراسان ويقال إن عبد الله بعث إلى الفضل بن سهل فاستشاره في أمر محمد فقال أيها الامير نظر في يومى هذا أغد عليك برأى فبات يدبر الرأى ليلته فلما أصبح غدا عليه فأعلمه أنه نظر في النجوم فرأى أنه سيغلبه وان العاقبة له فأقام عبد الله بموضعه ووطن نفسه على محاربة محمد ومناجزته فلما فرغ عبد الله مما أراد إحكامه من أمر خراسان كتب لعبد الله محمد أمير المؤمنين من عبد الله بن هارون (أما بعد) فقد وصل إلى كتاب أمير المؤمنين وإنما أنا عامل من عماله وعون من أعوانه أمرنى الرشيد صلوات الله عليه بلزوم هذا الثغر ومكايدة من كايد أهله من عدو أمير المؤمنين ولعمري إن مقامي به أرد على أمير المؤمنين

[ 16 ]

وأعظم غناء عن المسلمين من الشخوص إلى أمير المؤمنين وإن كنت مغتبطا بقربه مسرورا بمشاهدة نعمة الله عنده فان رأى أن يقرني على عملي ويعفيني من الشخوص إليه فعل إن شاء الله والسلام ثم دعا العباس بن موسى وعيسى بن جعفر ومحمدا وصالحا فدفع الكتاب إليهم وأحسن إليهم في جوائزهم وحمل إلى محمد ما تهيأ له من ألطاف خراسان وسألهم أن يحسنوا أمره عنده وأن يقوموا بعذره قال سفيان بن محمد لما قرأ محمد كتاب عبد الله عرف أن المأمون لا يتابعه على القدوم عليه فوجه عصمة بن حماد بن سالم صاحب حرسه وأمره أن يقيم مسلحة فيما بين همذان والرى وأن يمنع التجار من حمل شئ إلى خراسان من الميرة وأن يفتش المارة فلا يكون معهم كتب بأخباره وما يريد وذلك سنة 194 ثم عزم على محاربته فدعا على بن عيسى بن ماهان فعقد له على خمسين ألف فارس وراجل من أهل بغداد ودفع إليه دفاتر الجند وأمره أن ينتقى ويتخير من أراد على عينه ويخص من أحب ويرفع من أراد إلى الثمانين وأمكنه من السلاح وبيوت الاموال ثم وجهوا إلى المأمون * فذكر يزيد بن الحارث قال لما أراد على الشخوص إلى خراسان ركب إلى باب أم جعفر فودعها فقالت يا على إن أمير المؤمنين وإن كان ولدى إليه تناهت شفقتي وعليه تكامل حذرى فانى على عبد الله منعطفة مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى وإنما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه وغاره على ما في يده والكريم يأكل لحمه ويميته غيره فاعرف لعبد الله حق والده وأخوته ولا تجبهه بالكلام فانك لست نظيره ولا تقتسره اقتسار العبيد ولا ترهنه بقيد ولاغل ولا تمنع منه جارية ولا خادما ولا تعنف عليه في السير ولا تساوه في المسير ولا تركب قبله ولا تستقل على دابتك حتى تأخذ بركابه وإن شتمك فاحتمل منه وإن سفه عليك فلا تراده ثم دفعت إليه قيدا من فضة وقالت إن صار في يدك فقيده بهذا القيد فقال لها سأقبل أمرك وأعمل في ذلك بطاعتك وأظهر محمد خلع المأمون وبايع لابنيه في جميع الآفاق إلا خراسان موسى وعبد الله وأعطى عند بيعتهم بنى هاشم والقواد والجند

[ 17 ]

الاموال والجوائز وسمى موسى الناطق بالحق وسمى عبد الله القائم بالحق ثم خرج على بن عيسى لسبع ليال خلون من شعبان سنة 195 من بغداد حتى عسكر بالنهروان وخرج معه يشيعه محمد وركب القواد والجنود وحشرت الاسواق وأشخص معه الصناع والفعلة فيقال إن عسكره كان فرسخا بفسطاطيه وأهبته وأثقاله * فذكر بعض أهل بغداد أنهم لم يروا عسكرا كان أكثر رجالا وأفره كراعا وأظهر سلاحا وأتم عدة وأكمل هيئة من عسكره * وذكر عمرو بن سعيد أن محمدا لما جاز باب خراسان نزل فترجل وأقبل يوصيه فقال امنع جندك من العبث بالرعية والغارة على أهل القرى وقطع الشجر وانتهاك النساء وول الرى يحيى بن على واضمم إليه جندا كثيفا ومره ليدفع إلى جنده أرزاقهم مما يجئ من خراجها وول كل كورة ترحل عنها رجلا من أصحابك ومن خرج اليك من جند أهل خراسان ووجوهها فأظهر إكرامه وأحسن جائزته ولا تعاقب أخا بأخيه وضع عن أهل خراسان ربع الخراج ولا تؤمن أحدا رماك بسهم أو طعن في أصحابك برمح ولا تأذن لعبد الله في المقام أكثر من ثلاثة من اليوم الذى تظهر فيه عليه فإذا أشخصته فليكن مع أوثق أصحابك عندك فان غره الشيطان فناصبك فاحرص على أن تأسره أسرا وإن هرب منك إلى بعض كور خراسان فتول إليه المسير بنفسك أفهمت كل ما أوصيك به قال نعم أصلح الله أمير المؤمنين قال سر على بركة الله وعونه * وذكر أن منجمه أتاه فقال أصلح الله الامير لو انتظرت بمسيرك صلاح القمر فان النحوس عليه عالية والسعود عنه ساقطة منصرفة فقال لغلام له يا سعيد قل لصاحب المقدمة يضرب بطبله ويقدم علمه فانا لا ندري ما فساد القمر من صلاحه غير أنه من نازلنا نازلناه ومن وادعنا وادعناه وكففنا عنه ومن حاربنا وقاتلنا لم يكن لنا إلا أروى السيف من دمه إنا لا نعتد بفساد القمر فانا وطنا أنفسنا على صدق اللقاء ومناجزة الاعداء (قال أبو جعفر) وذكر بعضهم أنه قال كنت فيمن خرج في عسكر على بن عيسى بن ماهان فلما جاز حلوان لقيته القوافل من (2 - 7)

[ 18 ]

خراسان فكان يسألها عن الاخبار يستطلع علم أهل خراسان فيقال له إن طاهرا مقيم بالرى يعرض أصحابه ويرم آلته فيضحك ثم يقول وما طاهر فوالله ما هو إلا شوكة من أغصاني أو شرارة من نارى وما مثل طاهر يتولى على الجيوش ويلقى الحروب ثم التفت إلى أصحابه فقال والله ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف الا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان فإن السخال لا تقوى على النطاح والثعالب لاصبر لها على لقاء الاسد فإن يقم طاهر بموضعه يكن أول معرض لظباة السيوف وأسنة الرماح * وذكر يزيد ابن الحارث أن على بن عيسى لما صار إلى عقبة همذان استقبل قافلة قدمت من خراسان فسألهم عن الخبر فقالوا إن طاهرا مقيم بالرى وقد استعد للقتال واتخذ آلة الحرب وان المدد يثرى عليه من خراسان وما يليها من الكور وانه في كل يوم يعظم أمره ويكثر أصحابه وانهم يرون أنه صاحب جيش خراسان قال على فهل شخص من أهل خراسان أحد به قالوا لا غير أن الامور بها مضطربة والناس رعبون فأمر بطى المنازل والمسير وقال لاصحابه ان نهاية القوم الرى فلو قد صيرناها خلف ظهورنا فت ذلك في أعضادهم وانتشر نظامهم وتفرقت جماعتهم ثم أنفذ الكتب إلى ملوك الديلم وجبال طبرستان وما والاها من الملوك يعدهم الصلات والجوائز وأهدى إليهم التيجان والاسورة والسيوف المحلاة بالذهب وأمرهم أن يقطعوا طريق خراسان ويمنعوا من أراد الوصول إلى طاهر من المدد فأجابوه إلى ذلك وسار حتى صار في أول بلاد الرى وأتاه صاحب مقدمته وقال لو كنت أبقى الله الامير أذكيت العيون وبعثت الطلائع وارتدت موضعا تعسكر فيه وتتخذ خندقا لاصحابك يأمنون به وكان ذلك أبلغ في الرأى وآنس للجند قال لا ليس مثل طاهر يستعد له بالمكايد والتحفظ إن حال طاهر تؤول إلى أحد أمرين إما أن يتحصن بالرى فيبهته أهلها فيكفونا مؤنته أو يخليها ويدبر راجعا لو قربت خيولنا وعساكرنا منه وأتاه يحيى بن على فقال أجمع متفرق العسكر واحذر على جندك البيات ولا تسرح الخيل إلا ومعها كنف من القوم فإن العساكر لاتساس

[ 19 ]

بالتوانى والحروب لا تدبر بالاغترار والثقة أن تحترز ولا تقل المحارب لى طاهر فالشرارة الخفية ربما صارت ضراما والثلمة من السيل ربما اغتر بها وتهون فصارت بحرا عظيما وقد قربت عساكرنا من طاهر فلو كان رأيه الهرب لم يتأخر إلى يومه هذا قال اسكت فإن طاهرا ليس في هذا الموضع ؟ ترى وإنما يتحفظ الرجال إذا لقيت أقرانها وتستعد إذا كان المناوى لها أكفاءها ونظراءها * وذكر عبد الله ابن مجالد قال أقبل على بن عيسى حتى نزل من الرى على عشرة فراسخ وبها طاهر قد سد أبوابها ووضع المسالح على طرقها واستعد لمحاربته فشاور طاهر أصحابه فأشاروا عليه أن يقيم بمدينة الرى ويدافع القتال ما قدر عليه إلى أن يأتيه من خراسان المدد من الخيل وقائد يتولى الامر دونه وقالوا إن مقامك بمدينة الرى أرفق بأصحابك وبك وأقدر لهم على الميرة وأكن من البرد وأحرى إن دهمك قتال أن يعتصموا بالبيوت ويقووا على المماطلة والمطاولة إلى أن يأتيك مدد أو ترد عليك قوة من خلفك فقال طاهر إن الرأى ليس ما رأيتم إن أهل الرى لعلى هائبون ومن معرته وسطوته متقون ومعه من قد بلغكم من أعراب البوادى وصعاليك الجبال ولفيف القرى ولست آمن إن هجم علينا مدينة الرى أن يدعو أهلها خوفه إلى الوثوب بنا ويعينوه على قتالنا مع أنه لم يكن قوم قط روعبوا في ديارهم ويورد عليهم عسكرهم إلا وهنوا وذلوا وذهب عزهم واجترأ عليهم عدوهم وما الرأى إلا أن نصير مدينة الرى قفا ظهورنا فإن أعطانا الله الظفر وإلا عولنا عليها فقاتلنا في سككها وتحصنا في منعتها إلى أن يأتينا مدد أو قوة من خراسان قالوا الرأى ما رأيت فنادى طاهر في أصحابه فخرجوا فعسكروا على خمسة فراسخ من الرى بقرية يقال لها كلواص وأتاه محمد بن العلاء فقال أيها الامير إن جندك قد هابوا هذا الجيش وامتلات قلوبهم خوفا ورعبا منه فلو أقمت بمكانك ودافعت القتال إلى أن يشامهم أصحابك ويأنسوا بهم ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم فقال لا إنى لا أوتى من قلة تجربة وحزم أن أصحابي قليل والقوم عظيم سوادهم كثير عددهم فان دافعت القتال وأخرت المناجزة

[ 20 ]

لم آمن أن يطلعوا على قلتنا وعورتنا وأن يستميلوا من معى برغبة أو رهبة فينفر عنى أكثر أصحابي ويخذلني أهل الحفاظ والصبر ولكن ألف الرجال بالرجال وألحم الخيل بالخيل وأعتمد على الطاعة والوفاء وأصبر صبر محتسب للخير حريص على الفوز بفضل الشهادة فان يرزق الله الظفر والفلح فذلك الذى نريد ونرجو وإن تكن الاخرى فلست بأول من قاتل فقتل وما عند الله أجزل وأفضل وقال على لاصحابه بادروا القوم فان عددهم قليل ولو قد زحفتم إليهم لم يكن لهم صبر على حرارة السيوف وطعن الرماح وعبأ جنده ميمنة وميسرة وقلبا وصير عشر رايات في كل راية ألف رجل وقدم الرايات راية راية فصير بين كل راية غلوة وأمر أمراءها إذا قاتلت الاولى فصبرت وحمت وطال بها القتال أن تقدم التى تليها وتؤخر التى قاتلت حتى ترجع إليها أنفسها وتستريح وتنشط للمحاربة والمعاودة وصير أصحاب الدروع والجواشن والخوذ أمام الرايات ووقف في القلب في أصحابه من أهل البأس والحفاظ والنجدة منهم وكتب طاهر بن الحسين كتائبه وكردس كراديسه وسوى صفوفه وجعل يمر بقائد قائد وجماعة جماعة فيقول يا أولياء الله وأهل الوفاء والشكر إنكم لستم كهؤلاء الذين ترون من أهل النكث والغدر إن هؤلاء ضيعوا ما حفظتم وصغروا ما عظمتم ونكثوا الايمان التى رعيتم وإنما يطلبون الباطل ويقاتلون على الغدر والجهل أصحاب سلب ونهب فلو قد غضضتم الابصار وأثبتم الاقدام قد أنجز الله وعده وفتح عليكم أبواب عزه ونصره فجالدوا طواغيت الفتنة ويعاسيب النار عن دينكم ودافعوا بحقكم باطلهم فانما هي ساعة واحدة حتى يحكم الله بينكم وهو خير الحاكمين وقلق قلقا شديدا وأقبل يقول يا أهل الوفاء والصدق الصبر الصبر الحفاظ الحفاظ وتزاحف الناس بعضهم إلى بعض وتزاحف أهل الرى فغلقوا أبواب المدينة ونادى طاهر يا أولياء الله اشتغلوا بمن أمامكم عمن خلفكم فانه لا ينجيكم إلا الجد والصدق وتلاحموا واقتتلوا قتالا شديدا وصبر الفريقان جميعا وعلت ميمنة على على ميسرة طاهر ففضتها فضا منكرا وميسرته على ميمنته فأزالتها عن موضعها وقال طاهر اجعلوا

[ 21 ]

بأسكم وجدكم على كراديس القلب فانكم لو قد فضضتم منها راية واحدة رجعت أوائلها على أواخرها فصبر أصحابه صبرا صادقا ثم حملوا على أولى رايات القلب فهزموهم وأكثروا فيهم القتل ورجعت الرايات بعضها على بعض وانتقضت ميمنة على ورأى أصحاب ميمنة طاهر وميسرته ما عمل أصحابه فرجعوا على من كان في وجوههم فهزموهم وانتهت الهزيمة إلى على فجعل ينادى أصحابه أين أصحاب الاسورة والاكاليل يا معشر الابناء إلى الكرة بعد الفرة معاونة الحرب من الصبر فيها ورماه رجل من أصحاب طاهر بسهم فقتله ووضعوا فيهم السيوف يقتلونهم ويأسرونهم حتى حال الليل بينهم وبين الطلب وغنموا غنيمة كثيرة ونادى طاهر في أصحاب على من وضع سلاحه فهو آمن فطرحوا أسلحتهم ونزلوا عن دوابهم ورجع طاهر إلى مدينة الرى وبعث بالاسرى والرؤس إلى المأمون وذكر أن عبد الله بن على بن عيسى طرح نفسه في ذلك اليوم بين القتلى وقد كانت به جراحات كثيرة فلم يزل بين القتلى متشبها بهم يومه وليلته حتى أمن الطلب ثم قام فانضم إلى جماعة من فل العسكر ومضى إلى بغداد وكان من أكابر ولده وذكر سفيان بن محمد أن عليا لما توجه إلى خراسان بعث المأمون إلى من كان معه من القواد يعرض عليهم قتاله رجلا رجلا فكلهم يصرح بالهيبة ويعتل بالعلل ليجدوا إلى الاعفاء من لقائه ومحاربته سبيلا وذكر بعض أهل خراسان أن المأمون لما أتاه كتاب طاهر بخبر على وما أوقع الله به قعد للناس فكانوا يدخلون فيهنئونه ويدعون له بالعز والنصر وأنه في ذلك اليوم أعلن خلع محمد ودعاء الخلافة في جميع كور خراسان وما يليها وسر أهل خراسان وخطب بها الخطباء وأنشدت الشعراء وفى ذلك يقول الشاعر أصبحت الامة في غبطة * من أمر دنياها ومن دينها إذ حفظت عهد إمام الهدى * خير بنى حواء مأمونها على شفا كانت فلما وفت * تخلصت من سوء تحيينها قامت بحق الله إذ ذبرت * في ولده كتب دواوينها

[ 22 ]

ألا تراها كيف بعد الردى * وفقها الله لتزيينها وهى أبيات كثيرة وذكر على بن صالح الحربى أن على بن عيسى لما قتل أرجف الناس ببغداد إرجافا شديدا وندم محمد على ما كان من نكثه وغدره ومشى القواد بعضهم إلى بعض وذلك يوم الخميس للنصف من شوال سنة 195 فقالوا إن عليا قد قتل ولسنا نشك أن محمدا يحتاج إلى الرجال واصطناع أصحاب الصنائع وإنما يحرك الرجال أنفسها ويرفعها بأسها وإقدامها فليأمر كل رجل منكم جنده بالشغب وطلب الارزاق والجوائز فلعلنا أن نصيب منه في هذه الحالة ما يصلحنا ويصلح جندنا فاتفق على ذلك رأيهم وأصبحوا فتوافوا إلى باب الجسر وكبروا فطلبوا الارزاق والجوائز وبلغ الخبر عبد الله بن خازم فركب إليهم في أصحابه وفى جماعة غيره من قواد الاعراب فتراموا بالنشاب والحجارة واقتتلوا قتالا شديدا وسمع محمد التكبير والضجيج فأرسل بعض مواليه أن يأتيه الخبر فرجع إليه فأعلمه أن الجند قد اجتمعوا وشغبوا لطلب أرزاقهم قال فهل يطلبون شيئا غير الارزاق قال لا قال ما أهون ما طلبوا ارجع إلى عبد الله بن خازم فمره فلينصرف عنهم ثم أمر لهم بأرزاق أربعة أشهر ورفع من كان دون الثمانين إلى الثمانين وأمر للقواد والخواص بالصلات والجوائز (وفى هذه السنة) وجه محمد المخلوع عبد الرحمن بن جبلة الا بناوي إلى همذان لحرب طاهر * ذكر الخبر عن ذلك * ذكر عبد الله بن صالح أن محمدا لما انتهى إليه قتل على بن عيسى بن ماهان واستباحة طاهر عسكره وجه عبد الرحمن الا بناوي في عشرين ألف رجل من الابناء وحمل معه الاموال وقواه بالسلاح والخيل وأجازه بجوائز وولاه حلوان إلى ما غلب عليه من أرض خراسان وندب معه فرسان الابناء وأهل البأس والنجدة والغناء منهم وأمره بالاكماش في السير وتقليل اللبث والتضجع حتى ينزل مدينة همذان فيسبق طاهرا إليها ويخندق عليه وعلى أصحابه ويجمع إليه آلة ويغادى طاهرا وأصحابه إلى القتال وبسط يده وأنفذ أمره في كل ما يريد العمل به وتقدم

[ 23 ]

إليه في التحفظ والاحتراس وترك ما عمل به على من الاغترار والتضجع فتوجه عبد الرحمن حتى نزل مدينة همذان فضبط طرقها وحصن سورها وأبوابها وسد ثلمها وحشر إليها الاسواق والصناع وجمع فيها الآلات والمير واستعد للقاء طاهر ومحاربته وكان يحيى بن على لما قتل أبوه هرب في جماعة من أصحابه فأقام بين الرى وهمذان فكان لا يمر به أحد من فل أبيه إلا احتبسه وكان يرى أن محمدا سيوليه مكان أبيه ويوجه إليه الخيل والرجال فأراد أن يجمع الفل إلى أن يوافيه القوة والمدد وكتب إلى محمد يستمده ويستنجده فكتب إليه محمد يعلمه توجيه عبد الرحمن الا بناوي ويأمره بالمقام موضعه وتلقى طاهر فيمن معه وإن احتاج إلى قوة ورجال كتب إلى عبد الرحمن فقواه وأعانه فلما بلغ طاهرا الخبر توجه نحو عبد الرحمن وأصحابه فلما قرب من يحيى قال يحيى لاصحابه إن طاهرا قد قرب منا ومعه من تعرفون من رجال خراسان وفرسانها وهو صاحبكم بالامس ولا آمن إن لقيته بمن معى من هذا الفل أن يصدعنا صدعا يدخل وهنه على من خلفنا وأن يعتل عبد الرحمن بذلك ويقلدنى به العار والوهن والعجز عند أمير المؤمنين وإن استنجد به وأقم على انتظار مدده لم آمن أن يمسك عنا ضنا برجاله وإبقاء عليهم وشحا بهم على القتل ولكن نتزاحف إلى مدينة همذان فنعسكر قريبا من عبد الرحمن فإن استعنا به قرب منا عونه وإن احتاج الينا أعناه وكنا بفنائه وقاتلنا معه قالوا الرأى ما رأيت فانصرف يحيى فلما قرب من مدينة همذان خذله أصحابه وتفرق أكثر من كان اجتمع إليه وقصد طاهر لمدينة همذان فأشرف عليها ونادى عبد الرحمن في أصحابه فخرج على تعبية فصاف طاهرا فاقتتلوا قتالا شديدا وصبر الفريقان جميعا وكثر القتلى والجرحى فيهم ثم ان عبد الرحمن انهزم فدخل مدينة همذان فأقام بها أياما حتى قوى أصحابه واندمل جرحاهم ثم أمر بالاستعداد وزحف إلى طاهر فلما رأى طاهر اعلامه وأوائل أصحابه قد طلعوا قال لاصحابه ان عبد الرحمن يريد أن يترايا لكم فإذا قربتم منه قاتلكم فان هزمتموه بادر إلى المدينة فدخلها وقاتلكم على خندقها وامتنع بابوابها وسورها وان هزمكم اتسع لهم المجال عليكم وأمكنته سعة

[ 24 ]

المعترك من قتالكم وقتل من انهزم وولى منكم ولكن قفوا من خندقنا وعسكرنا قريبا فان تقارب منا قاتلناه وإن بعد من خندقهم قربنا منه فوقف طاهر مكانه وظن عبد الرحمن أن الهيبة بطأت به عن لقائه والنهود إليه فبادر قتاله فاقتتلوا قتالا شديدا وصبر طاهر وأكثر القتل في أصحاب عبد الرحمن وجعل عبد الرحمن يقول لاصحابه يا معشر الابناء يا أبناء الملوك وألفاف السيوف انهم لعجم وليسوا بأصحاب مطاولة ولا صبر فاصبروا لهم فداكم أبى وأمى وجعل يمر على راية راية فيقول اصبروا انما صبرنا ساعة هذه أول الصبر والظفر وقاتل بيديه قتالا شديدا وحمل حملات منكرة ما منها حملة الا وهو يكثر في أصحاب طاهر القتل فلا يزول أحد ولا يتزحزح ثم إن رجلا من أصحاب طاهر حمل على صاحب علم عبد الرحمن فقتله وزحمهم أصحاب طاهر زحمة شديدة فولوهم أكتافهم فوضعوا فيهم السيوف فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهوا بهم إلى باب مدينة همذان فأقام طاهر على باب المدينة محاصرا لهم وله فكان عبد الرحمن يخرج في كل يوم فيقاتل على أبواب المدينة ويرمى أصحابه بالحجارة من فوق السور واشتد بهم الحصار وتأذى بهم أهل المدينة وتبرموا بالقتال والحرب وقطع طاهر عنهم المادة من كل وجه فلما رأى ذلك عبد الرحمن ورأى أصحابه قد هلكوا وجهدوا وتخوف أن يثب به أهل همذان أرسل إلى طاهر فسأله الامان له ولمن معه فآمنه طاهر ووفى له واعتزل عبد الرحمن فيمن كان استأمن معه من أصحابه وأصحاب يحيى بن على (وفى هذه السنة) سمى طاهر بن الحسين ذا اليمينين * ذكر الخبر عن ذلك * قد مضى الخبر عن السبب الذى من أجله سمى بذلك ويذكر الذى سماه بذلك ذكر أن طاهرا لما هزم جيش على بن عيسى بن ماهان وقتل على بن عيسى كتب إلى الفضل بن سهل أطال الله بقاءك وكبت أعداءك وجعل من يشنأك فداك كتبت اليك ورأس على بن عيسى في حجري وخاتمه في يدى والحمد لله رب العالمين فنهض الفضل فسلم على المأمون بأمير المؤمنين فأمد المأمون طاهر بن الحسين بالرجال

[ 25 ]

والقواد وسماه ذا اليمينين وصاحب حبل الدين ورفع من كان معه في دون الثمانين إلى الثمانين (وفى هذه السنة) ظهر بالشأم السفياني على بن عبد الله بن خالد بن يزيد ابن معاوية فدعا إلى نفسه وذلك في ذى الحجة منها فطرد عنها سليمان بن أبى جعفر بعد حصره إياها بدمشق وكان عامل محمد عليها فلم يفلت منه الا بعد البأس فوجه إليه محمد المخلوع الحسين بن على بن عيسى بن ماهان فلم ينفذ إليه ولكنه لما صار إلى الرقة أقام بها (وفى هذه السنة) طرد طاهر عمال محمد عن قزوين وسائر كور الجبال * ذكر الخبر عن سبب ذلك * ذكر على بن عبد الله بن صالح أن طاهرا لما توجه إلى عبد الرحمن الا بناوي بهمذان تخوف أن يثب به كثير بن قادرة وهو بقزوين عاملا من عمال محمد في جيش كثيف إن هو خلفه وراء ظهره فلما قرب طاهر من همذان أمر أصحابه بالنزول فنزلوا ثم ركب في ألف فارس وألف راجل ثم قصد قصد كثير بن قادرة فلما قرب منه هرب كثير وأصحابه وأحلى قزوين وجعل طاهر فيها جندا كثيفا وولاها رجلا من أصحابه وأمر أن يحارب من أراد دخولها من أصحاب عبد الرحمن الا بناوي وغيرهم (وفى هذه السنة) قتل عبد الرحمن بن جبلة الا بناوي بأسداباذ * ذكر الخبر عن مقتله * ذكر عبد الرحمن بن صالح أن محمدا المخلوع لما وجه عبد الرحمن الا بناوي إلى همذان أتبعه بابنى الحرشى عبد الله وأحمد في خيل عظيمة من أهل بغداد وأمرهما أن ينزلا قصر اللصوص وأن يسمعا ويطيعا لعبد الرحمن ويكونا مددا له إن احتاج إلى عونهما فلما خرج عبد الرحمن إلى طاهر في الامان أقام عبد الرحمن يرى طاهرا وأصحابه أنه له مسالم راض بعهودهم وأيمانهم ثم اغترهم وهم آمنون فركب في أصحابه فلم يشعر طاهر وأصحابه حتى هجموا عليهم فوضعوا فيهم السيوف فثبت لهم رجالة أصحاب طاهر بالسيوف والتراس والنشاب وجثوا على الركب فقاتلوه كأشد ما يكون من القتال ودافعهم الرجال إلى أن أخذت

[ 26 ]

الفرسان عدتها وأهبتها وصدقوهم القتال فاقتتلوا قتالا منكرا حتى تقطعت السيوف وتقصفت الرماح ثم إن أصحاب عبد الرحمن هربوا وترجل هو في ناس من أصحابه فقاتل حتى قتل فجعل أصحابه يقولون له قد أمكنك الهرب فاهرب فإن القوم قد كلوا من القتال وأتبعتهم الحرب وليس بهم حراك ولا قوة على الطلب فيقول لا أرجع أبدا ولا يرى أمير المؤمنين وجهى منهزما وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة واستبيح عسكره وانتهى من أفلت من أصحابه إلى عسكر عبد الله وأحمد ابني الحرشى فدخلهم الوهم والفشل وامتلات قلوبهم خوفا ورعبا فولوا منهزمين لا يلوون على شئ من غير أن يلقاهم أحد حتى صاروا إلى بغداد وأقبل طاهر وقد خلت له البلاد يجوز بلدة بلدة كورة وكورة حتى نزل بقرية من قرى حلوان يقال لها شلاشان فخندق بها وحصن عسكره وجمع إليه أصحابه وقال رجل من الابناء يرثى عبد الرحمن الا بناوي ألا إنما تبكى العيون لفارس * نفى العار عنه بالمناصل والقنا تجلى غبار الموت عن صحن وجهه * وقد أحرز العليا من المجد واقتنى فتى لا يبالى إن دنا من مروة * أصاب مصون النفس أو ضيع الغنا يقيم لاطراف الذوابل سوقها * ولا يرهب الموت المتاح إذا دنا وكان العامل في هذه السنة على مكة والمدينة من قبل محمد بن هاون دواد ابن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس وهو الذى حج بالناس في هذه السنة وسنتين قبلها وذلك سنة 193 و 194 وعلى الكوفة العباس بن موسى الهادى من قبل محمد وعلى البصرة منصور بن المهدى من قبل محمد وبخراسان المأمون وببغداد أخوه محمد * ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمما كان من ذلك حبس محمد بن هارون أسد بن يزيد بن مزيد وتوجيهه أحمد بن

[ 27 ]

مزيد وعبد الله بن حميد بن قحطبة إلى حلوان لحرب طاهر * ذكر الخبر عن سبب حبسه وتوجيهه من ذكرت * ذكر عن عبد الرحمن بن وثاب إن أسد بن يزيد بن مزيد حدثه أن الفضل ابن الربيع بعث إليه بعد مقتل عبد الرحمن الا بناوي قال فأتيته فلما دخلت عليه وجدته قاعدا في صحن داره وفى يده رقعة قد قرأها واحمرت عيناه واشتد غضبه وهو يقول ينام نوم الظربان لا يفكر في زوال نعمة ولا يروى في امضاء رأى ولا مكيدة قد ألهاه كأسه وشغله قدحه فهو يجرى في لهوه والايام تصرع في هلاكه قد شمر عبد الله له عن ساقه وفوق له أصيب أسهمه يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد قد عبى له المنايا على متون الخيل وناط له البلاء في أسنة الرماح وشفار السيوف ثم استرجع وتمثل بشعر البعيث: ومجدولة جدل العنان خريدة * لها شعر جعد ووجه مقسم وثغر نقى اللون عذب مذاقه * يضئ له الظلماء ساعة تبسم وثديان كالحقين والبطن ضامر * خميص وجهر ناره تتضرم لهوت بها ليل التمام ابن خالد * على بمرو الروذ غيظا تجرم أظل أناغيها وتحت ابن خالد * أمية نهد المركلين عثمثم طواها طراد الخيل في كل غارة * لها عارض فيه الاسنة ترزم يقارع أتراك ابن خاقان ليلة * إلى أن يرى الاصباح لا يتلعثم فيصبح من طول الطراد وجسمه * نحيل وأضحى في النعيم أصمم فشتان ما بينى وبين ابن خالد * أمية في الرزق الذى الله قاسم ثم التفت إلى فقال يا أبا الحارث أنا وإياك لنجرى إلى غاية إن قصرنا عنها ذممتنا وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا وإنما نحن شعب من أصل إن قوى قوينا وان ضعف ضعفنا إن هذا قد ألقى بيده القاء الامة الوكعاء يشاور النساء ويعتزم على الرؤيا وقد أمكن بمسامعه ما معه من أهل اللهو والجسارة فهم يعدونه الظفر ويمنونه عقب الايام والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل وقد خشيت

[ 28 ]

والله أن نهلك بهلاكه ونعطب بعطبه وأنت فارس العرب وابن فارسها فزع اليك في لقاء هذا الرجل وأطمعه فيما قبلك أمران أما أحدهما فصدق طاعتك وفضل نصيحتك والثانى يمن نقيبتك وشدة بأسك وقد أمرنى إزاحة علتك وبسط يدك فيما أحببت غير أن الاقتصاد رأس النصيحة ومفتاح اليمن والبركة فانجز حوائجك وعجل المبادرة إلى عدوك فإنى أرجو أن يوليك الله شرف هذا الفتح ويلم بك شعث هذه الخلافة والدولة فقلت أنا لطاعة أمير المؤمنين أعزه الله وطاعتك مقدم ولكل ما أدخل الوهن والذل على عدوه وعدوك حريص غير أن المحارب لا يعمل بالغرور ولا يفتتح أمره بالتقصير والخلل وإنما ملاك المحارب الجنود وملاك الجنود المال وقد ملا أمير المؤمنين أعزه الله أيدى من شهد العسكر من جنوده وتابع لهم الارزاق الدارة والصلاة والفوائد الجزيلة فإن سرت بأصحابى وقلوبهم متطلعة إلى من خلفهم من اخوانهم لم أنتفع بهم في لقاء من امامى وقد فضل أهل على أهل الحرب وجاز بأهل الدعوة منازل أهل النصب والمشقة والذى أسأل أن يؤمر لاصحابي برزق سنة ويحمل معهم أرزاق سنة ويخص من لاخاصة له منهم من أهل الغناء والبلاء وأبدل من فيهم من الزمنى والضعفاء وأحمل ألف رجل ممن معى على الخيل ولا أسأل عن محاسبة ما افتتحت من المدن والكور فقال قد اشتططت ولابد من مناظرة أمير المؤمنين ثم ركب وركبت معه فدخل قبلى على محمد وأذن لى فدخلت فما كان بينى وبينه إلا كلمتان حتى غضب وأمر بحبسي وذكر عن بعض خاصة محمد إن أسدا قال لمحمد ادفع إلى ولدى عبد الله المأمون حتى يكونا أسيرين في يدى فان أعطاني الطاعة وألقى إلى بيده وإلا عملت فيهما بحكمى وأنفذت فيهما أمرى فقال أنت أعرابي مجنون أدعوك إلى ولاء أعنة العرب والعجم وأطعمك خراج كور الجبال إلى خراسان وارفع منزلتك عن نظرائك من أبناء القواد والملوك وتدعونني إلى قتل ولدى وسفك دماء أهل بيتى إن هذا للخرق والتخليط وكان ببغداد ابنان لعبد الله المأمون وهما مع أمهما أم عيسى ابنة موسى الهادى نزولا في قصر المأمون بغداد فلما ظفر المأمون ببغداد خرجا إليه مع أمهما إلى خراسان فلم يزالا

[ 29 ]

بها حتى قدموا بغداد وهما أكبر ولده وذكر زياد بن على قال لما غضب محمد على أسد بن يزيد وأمر بحبسه قال هل في أهل في أهل بيت هذا من يقوم مقامه فانى أكره أن أستفسدهم مع سابقهم وما تقدم من طاعتهم ونصيحتهم قالوا نعم فيهم أحمد بن مزيد وهو أحسنهم طريقة وأصحهم نية في الطاعة وله مع هذا بأس ونجدة وبصر بسياسة الجنود ولقاء الحررب فأنفذ إليه محمد بريدا يأمره بالقدر عليه فذكر بكر بن أحمد قال كان أحمد متوجها إلى قرية تدعى اسحاقية ومعه نفر من أهل بيته ومواليه وحشمه فلما جاوز نهر أبان سمع صوت بريد في جوف الليل فقال إن هذا لعجبا بريد في مثل هذه الساعة وفى مثل هذا الموضع إن هذا الامر لعجيب ثم لم يلبث البريد أن وقف ونادى الملاح معك أحمد بن مزيد قال نعم فنزل فدفع إليه كتاب محمد فقرأ ثم قال إنى بلغت ضيعتي وإنما بينى وبينها ميل فدعني أقعها وقعة فأمر فيها بما أريد ثم أغدو معك فقال لا ان أمير المؤمنين أمرنى ألا أنظرك ولا أرفهك وإن أشخصك أي ساعة صادفتك فيها من ليل أو نهار فانصرف معه حتى أتى الكوفة فأقام بها يوما حتى تجمل وأخذ أهبة السفر ثم مضى إلى محمد فذكر عن أحمد قال لما دخلت بغداد بدأت بالفضل بن الربيع فقلت أسلم عليه واستعين بمنزلته ومحضره عند محمد فلما أذن لى دخلت عليه وإذا عنده عبد الله بن حميد بن قحطبة وهو يريده على الشخوض إلى طاهر وعبد الله يشتط عليه في طلب المال والاكثار من الرجال فلما رأني رحب بى وأخذ بيدى فرفعني حتى صيرني معه على صدر المجلس وأقبل على عبد الله يداعبه ويمازحه فتبسم في وجهه ثم قال إنا وجدنا لكم إذ رث حبلكم * من آل شيبان أما دونكم وأبا الاكثرون إذا عد الحصى عددا * والاقربون إلينا منكم نسبا فقال عبد الله إنهم لكذلك وان منهم لسد الخلل ونكاء العدو ودفع معرة أهل المعصية عن أهل الطاعة ثم أقبل على الفضل فقال أن أمير المؤمنين أجرى ذكرك فوصفتك له بحسن الطاعة وفضل النصيحة والشدة على أهل المعصية والتقدم بالرأى فأحب أصطناعك والتنويه باسمك وان يرفعك إلى منزلة لم يبلغها

[ 30 ]

أحد من أهل بيتك والتفت إلى خادمه فقال يا سراج مر دوابى فلم ألبث أن أسرج له فمضى ومضيت معه حتى دخلنا على محمد وهو في صحن داره له ساج فلم يزل يأمرنى بالدنو حتى كدت ألاصقه فقال أنه قد كثر على تخليط ابن أخيك وتنكره وطال خلافه على حتى أوحشني ذلك منه وولد في قلبى التهمة له وصيرني بسوء المذهب وحنث الطاعة إلى أن تناولته من الادب والحبس بما لم أحب أن أكون أتناوله به وقد وصفت لى بخير ونسبت إلى جميل فأحببت أن أرفع قدرك وأعلى منزلتك وأقدمك على أهل بيتك وأن أوليك جهاد هذه الفئة الباغية الناكثة وأعرضك للاجر والثواب في قتالهم ولقائهم فانظر كيف تكون وصحح نيتك وأعن أمير المؤمنين على اصطناعك وسره في عدوه ينعم سرورك وتشريفك فقلت سأبذل في طاعة أمير المؤمنين أعزه الله مهجتي وأبلغ في جهاد عدوه أفضل ما أمله عندي ورجاه من غنائي وكفايتي ان شاء الله فقال يا فضل قال لبيك يا أمير المؤمنين قال ادفع إليه دفاتر أصحاب أسد واضمم إليه من شهد العسكر من رجال الجزيرة والاعراب وقال أكمش على أمرك وعجل المسير إليه فخرجت فانتخبت الرجال واعترضت الدفاتر فبلغت عدة من صححت اسمه عشرين ألف رجل ثم توجهت بهم إلى حلوان وذكر أن أحمد بن مزيد لما أراد الشخوص دخل على محمد فقال أوصني أكرم الله أمير المؤمنين فقال أوصيك بخصال عدة اياك والبغى فانه عقال النصر ولاتقدم رجلا الا باستخارة ولا تشهر سيفا إلا بعد إعذار ومهما قدرت باللين فلا تتعده إلى الخرق والشره وأحسن صحابة من معك من الجند وطالعني بأخبارك في كل يوم ولا تخاطر بنفسك طلب الزلفة عندي ولا تستقها فيما تخوف رجوعه على وكن لعبد الله أخا مصافيا وقرينا برا وأحسن مجامعته وصحبته ومعاشرته ولا تخذله إن استنصرك ولا تبطئ عنه إذا استصرخك ولتكن أيديكما واحدة وكلمتكما متفقة ثم قال سل حوائجك وعجل السراح إلى عدوك فدعا له أحمد وقال يا أمير المؤمنين كثر لى الدعاء ولاتقبل في قول باغ ولا ترفضنى قبل المعرفة بموضع قدمى لك ثم ابعث إلى أسد فحل قيوده وخل سبيله فقال أبو الأسد الشيباني في ذلك

[ 31 ]

ليهن أبا العباس رأى إمامه * وما عنده منه القضا بمزيد دعاه أمير المؤمنين إلى التى * يقصر عنها ظل كل عميد فبادر بالرأى والحزم والحجى * ورأى أبى العباس سد أئيد نهضت بما أعيا الرجال بحمله * وأنت بسعد حاضر وسعيد رددت بها للرائدين أعزهم * ومثلك وإلى طارفا بتليد كفى أسدا ضيق الكبول وكربها * وكان عليه عاطفا كيزيد وحصله فيها كليث غضنفر * أبى أشبل عبل الذراع مديد وذكر يزيد بن الحارث أن محمدا وجه أحمد بن مزيد في عشرين ألف رجل من الاعراب وعبد الله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألف رجل من الابناء وأمرهما أن ينزلا حلوان ويدفعا طاهرا وأصحابه عنها وإن أقام طاهر بشلاشان أن يتوجها إليه في أصحابهما حتى يدفعاه وينصبا له الحرب وتقدم إليهما في اجتماع الكلمة والتواد والتحاب على الطاعة فتوجها حتى نزلا قريبا من حلوان بموضع يقال له حانقين وأقام طاهر بموضعه وخندق عليه وعلى أصحابه ودس الجواسيس والعيون إلى عسكريهما فكانوا يأتونهم بالاراجيف ويخبرونهم أن محمدا قد وضع العطاء لاصحابه وقد أمر لهم من الارزاق بكذا وكذا ولم يزل يحتال في وقوع الاختلاف والشغب بينهم حتى اختلفوا وانتقض أمرهم وقاتل بعضهم بعضا فأخلوا خانقين ورجعوا عنها من غير أن يلقوا طاهرا ويكون بينهم وبينه قتال وتقدم طاهر حتى نزل حلوان فلما دخل طاهر حلوان لم يلبث إلا يسيرا حتى أتاه هرثمة بن أعين بكتاب المأمون والفضل بن سهل يأمره بتسليم ما حوى من المدن والكور إليه ويتوجه إلى الاهواز فسلم ذلك إليه وأقام هرثمة بحلوان فحصنها ووضع مسالحه ومراصده في طرقها وجبالها وتوجه طاهر إلى الاهواز (وفى هذه السنة) رفع المأمون منزلة الفضل بن سهل وقدره * ذكر الخبر عما كان من المأمون إليه في ذلك * ذكر أن المأمون لما انتهى إليه الخبر عن قتل طاهر على بن عيسى واستيلائه

[ 32 ]

على عسكره وتسميته إياه أمير المؤمنين وسلم الفضل بن سهل عليه بذلك وصح عنده الخبر عن قتل طاهر عبد الرحمن بن حبلة الا بناوي وغلبته على عسكره دعا الفضل بن سالم فعقد له في رجب من هذه السنة على الشرق من جبل همذان إلى جبل سقينان والتبت طولا ومن بحر فارس والهند إلى بحر الديلم وجرجان عرضا وجعل له عماله ثلاثة آلاف ألف درهم وعقد له لواء على سنان ذى شعبتين وأعطاه علما وسماه ذا الرئاستين فذكر بعضهم أنه رأى سيفه عند الحسن بن سهل مكتوبا عليه بالفضة من جانب رئاسة الحرب ومن الجانب الآخر رئاسة التدبير فحمل اللواء على بن هشام وحمل العلم نعيم بن حازم وولى الحسن بن سهل ديوان الخراج (وفى هذه السنة) ولى محمد بن هارون عبد الملك بن صالح بن على على الشأم وأمره بالخروج إليها وفرض له من رجالها جنودا يقاتل بها طاهرا وهرثمة * ذكر الخبر عن سبب توليته ذلك * ذكر داود بن سليمان أن طاهرا لما قوى واستعلى أمره وهزم من هزم من قواد محمد وجيوشه دخل عبد الملك بن صالح على محمد وكان عبد الملك محبوسا في حبس الرشيد فلما توفى الرشيد وأفضى الامر إلى محمد أمر بتخلية سبيله وذلك في ذى القعدة سنة 139 فكان عبد الملك يشكر ذلك لمحمد ويوجب به على نفسه طاعته ونصيحته فقال يا أمير المؤمنين إنى أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك وقد بذلت سماحتك فان أتممت على أمرك أفسدتهم وأبطرتهم وان كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطتهم وأغضبتهم وليس تملك الجنود بالامساك ولا يبقى ثبوت الاموال على الانفاق والسرف ومع هذا فان جندك قد رعبتهم الهزائم ونهكتهم وأضعفتهم الحرب والوقائع وامتلات قلوبهم هيبة لعدوهم ونكولا عن لقائهم ومناهضتهم فان سيرتهم إلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونياتهم وأهل الشأم قوم قد ضرستهم الحروب وأدبتهم الشدائد وجلهم منقاد إلى مسارع إلى طاعتي فان وجهنى أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندا يعظم نكايتهم في عدوه ويؤيد الله بهم أولياءه

[ 33 ]

وأهل طاعته فقال محمد فانى موليك أمرهم ومقويك بما سألت من مال وعدة فعجل الشخوص إلى ما هنالك فاعمل عملا يظهر أثره ويحمد بركته برأيك ونظرك فيه ان شاء الله فولاه الشأم والجزيرة واستحثه بالخروج استحثاثا شديدا ووجه معه كنفا من الجند والابناء (وفى هذه السنة) سار عبد الملك بن صالح إلى الشأم فلما بلغ الرقة أقام بها * ذكر الخبر عن ذلك * قد تقدم ذكرى سبب توجيه محمد اياه لذلك فذكر داود بن سليمان أنه لما قدم عبد الملك الرقة أنفذ رسله وكتب إلى رؤساء أجناد الشأم ووجوه الجزيرة فلم يبق أحد ممن يرجى ويذكر بأسه وغناؤه الا وعده وبسط له في أمله وأمنيته فقدموا عليه رئيسا بعد رئيس وجماعة بعد جماعة فكان لايدخل عليه أحد إلا أجازه وخلع عليه وحمله فأتاه أهل الشأم الزواقيل والاعراب من كل فج واجتمعوا عنده حتى كثروا ثم إن بعض جند أهل خراسان نظر إلى دابة كانت أخذت منه في وقعة سليمان بن أبى جعفر تحت بعض الزواقيل فتعلق بها فجرى الامر بينهما إلى أن اختلفا واجتمعت جماعة من الزواقيل والجند فتلاحموا وأعان كل فريق منهم صاحبه وتلاطموا وتضاربوا بالايدي ومشى بعض الابناء إلى بعض فاجتمعوا إلى محمد بن أبى خالد فقالوا أنت شيخنا وكبيرنا وفارسنا وقد ركب الزواقيل منا ما قد بلغك فاجمع أمرنا وإلا استذلونا وطمعوا فينا وركبوا بمثل هذا في كل يوم فقال ما كنت لادخل في شغب ولا أشاهدكم على مثل الحالة فاستعد الابناء وتهيئوا وأتوا الزواقيل وهم غارون فوضعوا فيهم السيوف فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وذبحوهم في رحالهم وتنادى الزواقيل فركبوا خيولهم ولبسوا أسلحتهم ونشبت الحرب بينهم وبلغ ذلك عبد الملك بن صالح فوجه إليهم رسولا يأمرهم بالكف ووضع السلاح فرموه بالحجارة واقتتلوا يومهم ذلك قتالا شديدا وأكثرت الابناء القتل في الزواقيل فأخبر عبد الملك بكثرة من قتل وكان مريضا مدنفا فضرب بيده على يد ثم قال واذلاه تستضام العرب في دارها ومحلها وبلادها فغضب من (3 - 7)

[ 34 ]

كان أمسك عن الشر من الابناء وتفاقم الامر فيما بينهم وقام بأمر الابناء الحسين ابن على بن عيسى بن ماهان وأصبح الزواقيل فاجتمعوا بالرقة واجتمع الابناء وأهل خراسان بالرافقة وقام رجل من أهل حمص فقال يا أهل حمص الهرب أهون من العطب والموت أهون من الذل إنكم بعدتم عن بلادكم وخرجتم من أقاليمكم ترجون الكثرة بعد القلة والعزة بعد الذلة ألا وفى الشر وقعتم وإلى حومة الموت أنختم إن المنايا في شوارب المسودة وقلانسهم النفير النفير قبل أن ينقطع السبيل وينزل الامر الجليل ويفوت المطلب ويعسر المذهب ويبعد العمل ويقترب الاجل وقام رجل من كلب في غرز ناقته ثم قال شؤبوب حرب خاب من يصلاها * قد شرعت فرسانها قناها فأورد الله لظى لظاها * إن غمرت كلب بها لحاها ثم قال يا معشر كلب إنها الراية السوداء والله ما ولت ولا عدلت ولا ذل نصرها ولاضعف وليها وإنكم لتعرفون مواقع سيوف أهل خراسان في رقابكم وآثار أسنتهم في صدوركم اعتزلوا الشر قبل أن يعظم وتخطوه قبل أن يضطرم شأمكم داركم داركم الموت الفلسطيني خير من العيش الجزرى ألا وإنى راجع فمن أراد الانصراف فلينصرف معى ثم سار وسار معه عامة أهل الشأم وأقبلت الزواقيل حتى أضرموا ما كان التجار جمعوا من الاعلاف بالنار وأقام الحسين بن على بن عيسى بن ماهان مع جماعة أهل خراسان والابناء على باب الرافقة تخوفا لطوق بن مالك فأتى طوقا رجل من بنى تغلب فقال ألا ترى ما لقيت العرب من هؤلاء انهض فإن مثلك لا يقعد عن هذا الامر قد مد أهل الجزيرة أعينهم اليك وأملوا عونك ونصرك فقال والله ما أنا من قيسها ولايمنها ولا كنت في أول هذا الامر لاشهد آخره وإنى لاشد إبقاء على قومي وأنظر لعشيرنى من أن أعرضهم للهلاك بسبب هؤلاء السفهاء من الجند وجهال قيس وما أرى السلامة إلا في الاعتزال وأقبل نصر بن شبث في الزواقيل على فرس كميت أغر عليه دراعة سوداء قد ربطها خلف ظهره وفى يده رمح وترس وهو يقول

[ 35 ]

فرسان قيس اصمدن للموت * لا ترهبني عن لقاء الفوت دعى التحنى بعسى وليت ثم حمل هو وأصحابه فقاتل قتالا شديدا فصبر لهم الجند وكثر القتل في الزواقيل وحملت الابناء حملات في كلها يقتلون ويجرحون وكان أكثر القتل والبلاء في تلك الدفعة لكثير بن قادرة وأبى الفيل وداود بن موسى بن عيسى الخراساني وانهزمت الزواقيل وكان على حاميتهم يومئذ نصر بن شبث وعمرو السلمى والعباس ابن زفر (وتوفى في هذه السنة) عبد الملك بن صالح (وفى هذه السنة) خلع محمد بن هارون وأخذت عليه البيعة لاخيه عبد الله المأمون ببغداد (وفيها) حبس محمد بن هارون في قصر أبى جعفر مع أم جعفر بنت جعفر بن أبى جعفر * ذكر الخبر عن سبب خلعه * ذكر عن داود بن سليمان أن عبد الملك بن صالح لما توفى بالرقة نادى الحسين بن على بن عيسى بن ماهان في الجند فصير الرجالة في السفن والفرسان على الظهر ووصلهم وقوى ضعفاءهم ثم حملهم حتى أخرجهم من بلاد الجزيرة وذلك في سنة 196 وذكر أحمد بن عبد الله أنه كان فيمن شهد مع عبد الملك الجزيرة لما انصرف بهم الحسين بن على وذلك في رجب من سنة 196 وذكر أنه تلقاه الابناء وأهل بغداد بالتكرمة والتعظيم وضربوا له القباب واستقبله القواد والرؤساء والاشراف ودخل منزله في أفضل كرامة وأحسن هيئة فلما كان في جوف الليل بعث إلى محمد يأمره بالركوب إليه فقال للرسول والله ما أنا بمغن ولا بمسامر ولا مضحك ولا وليت له عملا ولاجرى له على يدى مال فلاى شئ يريدنى في هذه السنة انصرف فإذا أصبحت غدوت إليه إن شاء الله فانصرف الرسول وأصبح الحسين فوافى باب الجسر واجتمع إليه الناس فأمر باغلاق الباب الذى يخرج منه إلى قصر عبيد الله بن على وباب سوق يحيى وقال يا معشر الابناء إن خلافة الله لاتجاوز بالبطر ونعمه لا تستصحب بالتجبر والتكبر وأن محمدا يريد أن يوتغ أديانكم وينكث بيعتكم ويفرق جمعكم وينقل عزكم إلى غيركم وهو صاحب الزواقيل بالامس وبالله إن طالت به مدة وراجعه من أمره قوة ليرجص

[ 36 ]

وبال ذلك عليكم وليعرفن ضرره ومكروهه في دولتكم ودعوتكم فاقطعوا أثره قبل أن يقطع آثاركم وضعوا عزه قبل أن يضع عزكم فوالله لا ينصره منكم ناصر إلا خذل ولا يمنعه مانع إلا قتل وما عند الله لاحد هوادة ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده والحنث بأيمانه ثم أمر الناس بعبور الجسر فعبروا حتى صاروا إلى سكة باب خراسان واجتمعت الحربية وأهل الارباض مما يلى باب الشأم وتسرعت خيول من خيول محمد من الاعراب وغيرهم إلى الحسين بن على فاقتتلوا قتالا شديدا مليا من النهار وأمر الحسين من كان معه من قواده وخاصة أصحابه بالنزول فنزلوا إليهم بالسيوف والرماح وصدقوهم القتال وكشفوهم حتى تفرقوا عن باب الخلد قال فخلع الحسين بن على محمدا يوم الاحد لاحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة 196 وأخذ البيعة لعبد الله المأمون من غد يوم الاثنين إلى الليل وغدا إلى محمد يوم الثلاثاء فوثب بعد الوقعة التى كانت بين الحسين وبين أصحاب محمد العباس بن موسى بن عيسى الهاشمي على محمد ودخل عليه فأخرجه من قصر الخلد إلى قصر أبى جعفر فحبسه هناك إلى صلاة الظهر ثم وثب العباس بن موسى ابن عيسى على أم جعفر فأمرها بالخروج من قصرها إلى مدينة أبى جعفر فأبت فدعا لها بكرسى وأمرها بالجلوس فيه فقنعها بالسوط وساءها وأغلظ لها القول فجلست فيه ثم أمر بها فأدخلت المدينة مع ابنها وولدها فلما أصبح الناس من الغد طلبوا من الحسين بن على الارزاق وماج الناس بعضهم في بعض وقام محمد بن أبى خالد بباب الشأم فقال أيها الناس والله ما أدرى بأى سبب يتأمر الحسين ابن على علينا ويتولى هذا الامر دوننا ما هو بأكبرنا سنا ولا أكرمنا حسبا ولا أعظمنا منزلة وإن فينا من لا يرضى بالدنية ولا يقاد بالمخادعة وإنى أولكم نقض عهده وأظهر التعيير عليه والانكار لفعله فمن كان رأيه رأيى فليعتزل معى وقام أسد الحربى فقال يا معشر الحربية هذا يوم له ما بعده إنكم قد نمتم وطال نومكم وتأخرتم فقدم عليكم غيركم وقد ذهب أقوام بذكر خلع محمد وأسره فاذهبوا بذكر فكه وإطلاقه فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفاية على فرس فصاح بالناس

[ 37 ]

أسكتوا فسكتوا فقال أيها الناس هل تعتدون على محمد بقطع منه لارزاقكم قالوا لا قال فهل قصر بأحد منكم أو من رؤسائكم وكبرائكم قالوا ما علمنا قال فهل عزل أحدا من قوادكم قالوا معاذ الله أن يكون فعل ذلك قال فما بالكم خذلتموه وأعنتم عدوه على اضطهاده وأسره أما والله ما قتل قوم خليفتهم قط إلا سلط الله عليهم السيف القاتل والحتف الجارف انهضوا إلى خليفتكم وادفعوا عنه وقاتلوا من أراد خلعه والفتك به ونهضت الحربية ونهض معهم عامة أهل الارباض في المشتهرات والعدة الحسنة فقاتلوا الحسين بن على وأصحابه قتالا شديدا منذ ارتفاع النهار إلى انكسار الشمس وأكثروا في أصحابه الجراح وأسر الحسين بن على ودخل أسد الحربى على محمد فكسر قيوده وأقعده في مجلس الخلافة فنظر محمد إلى قوم ليس عليهم لباس الحرب والجند ولا عليهم سلاح فأمرهم فأخذوا من السلاح الذى في الخزائن حاجتهم ووعدهم ومناهم وانتهب الغوغاء بذلك السبب سلاحا كثيرا ومتاعا من خز وغير ذلك وأتى بالحسين بن على فلامه محمد على خلافه وقال ألم أقدم أباك على الناس وأوله أعنة الخيل وأملا يده من الاموال وأشرف أقداركم في أهل خراسان وأرفع منازلكم على ؟ كم من القواد قال بلى قال فما الذى استحققت به منك أن تخلع طاعتي وتؤلب الناس على وتندبهم إلى قتالي قال الثقة بعفو أمير المؤمنين وحسن الظن بصفحة وتفضله قال فإن أمير المؤمنين قد فعل ذلك بك وولاك الطلب بثأرك ومن قتل من أهل بيتك ثم دعا له بخلعة فخلعها عليه وحمله على مراكب وأمره بالمسير إلى حلوان وولاه ما وراء بابه * وذكر عن عثمان بن سعيد الطائى قال كانت لى من الحسين بن على ناحية خاصة فلما رضى عنه محمد ورد إليه قيادته ومنزلته عبرت إليه مع المهنئين فوجدته واقفا بباب الجسر فهنأته ودعوت له ثم قلت له إنك قد أصبحت سيد العسكرين وثقة أمير المؤمنين فاشكر العفو والاقالة ثم داعبته ومازحته ثم أنشأت أقول هم قتلوه حين تم تمامه * وصار معزا بالندى والتمجد

[ 38 ]

أغر كأن البدر سنة وجهه * إذا جاء يمشى في الحديد المسرد إذا جشأت نفس الجنان وهللت * مضى قدما بالمشرفى المهند حليم لدى النادى جهول لدى الوغا * عكور على الاعدا قليل التزيد فثارك أدركه من القوم إنهم * رموك على عمد بشنعا مزند فضحك ثم قال ما أحرصنى على ذاك إن ساعدني عمر وأيدت بفتح ونصر ثم وقف على باب الجسر وهرب في نفر من خدمه ومواليه فنادى محمد في الناس فركبوا في طلبه فأدركوه بمسجد كوثر فلما بصر بالخيل نزل وقيد فرسه وصلى ركعتين وتحرم ثم لقيهم فحمل عليهم حملات في كلها يهزمهم ويقتل فيهم ثم إن فرسه عثر به وسقط وابتدره الناس طعنا وضربا وأخذوا رأسه وفى ذلك يقول على بن جبلة وقيل الخزيمى ألا قاتل الله الالى كفروا به * وفادوا برأس الهرثمى حسين لقد أوردوا منه قناة صليبه * بشطب يمانى ورمح ردين رجا في خلاف الحق عزا وإمرة * فألبسه التأميل خف حنين وقيل إن محمدا لما صفح عن الحسين استوزره ودفع إليه خاتمه وقتل الحسين بن على بن عيسى بن ماهان للنصف من رجب من هذه السنة في مسجد كوثر وهو على فرسخ من بغداد في طريق النهر بين وجدد البيعة لمحمد يوم الجمعة لست عشرة خلت من رجب من هذه السنة وكان حبس الحسين محمدا في قصر أبى جعفر يومين * وفى الليلة التى قتل فيها حسين بن على هرب الفضل ابن الربيع (وفى هذه السنة) توجه طاهر بن الحسين حين قدم عليه هرثمة من حلوان إلى الاهواز فقتل عامل محمد عليها وكان عامله عليها محمد بن يزيد المهلبى بعد تقديم طاهر جيوشا أمامه إليها قبل انفصاله إليه لحربه * ذكر الخبر عن مقتل محمد بن يزيد المهلبى ودخول طاهر إلى الاهواز * ذكر عن يزيد بن الحارث قال لما نزل طاهر شلاشان وجه الحسين بن عمر الرستمى إلى الاهواز وأمره أن يسير سيرا مقتصدا ولا يسير إلا بطلائع

[ 39 ]

ولا ينزل إلا في موضع حصين يأمن فيه على أصحابه فلما توجه أتت طاهرا عيونه فأخبروه أن محمد بن يزيد المهلبى وكان عاملا لمحمد على الاهواز قد توجه في جمع عظيم يريد نزول جندي سابور وهو حد ما بين الاهواز والجبل ليحمى الاهواز ويمنع من أراد دخولها من أصحاب طاهر وإنه في عدة وقوة فدعا طاهر عدة من أصحابه منهم محمد بن طالوت ومحمد بن العلاء والعباس بن بخار اخذاه والحارث ابن هشام وداود بن موسى وهادى بن حفص وأمرهم أن يكمشوا السير حتى يتصل أولهم بآخر أصحاب الحسين بن عمر الرستمى فان احتاج إلى إمداد أمدوه أو لقيه جيش كانوا ظهرا له فوجه تلك الجيوش فلم يلقهم أحد حتى شارفوا الاهواز وبلغ محمد بن يزيد خبرهم فعرض أصحابه وقوى ضعفاءهم وحمل الرجالة على البغال وأقبل حتى نزل سوق عسكر مكرم وصير العمران والماء وراء ظهره وتخوف طاهر أن يعجل إلى أصحابه فأمدهم بقريش بن شبل وتوجه هو بنفسه حتى كان قريبا منهم ووجه الحسن بن على المأمونى وأمره بمضامة قريش بن شبل والحسين بن عمر الرستمى وسارت تلك العساكر حتى قاربوا محمد بن يزيد بعسكر مكرم فجمع أصحابه فقال ما ترون أطاول القوم القتال وأماطلهم اللقاء أم أناجزهم كانت لى أم على فوالله ما أرى أن أرجع إلى الاهواز فنتحصن بها ونعادى طاهرا القتال ونبعث إلى البصرة فقال له بعض أصحابه ترجع إلى الاهواز فتفرض بها الفروض وتستجيش بمن قدرت عليه وبايعك من قومك فقبل ما أشاروا عليه وتابعه قومه فرجع حتى صار بسوق الاهواز وأمر طاهر قريش بن شبل أن يتبعه وأن يعاجله قبل أن يتحصن بسوق الاهواز وأمر الحسن بن على المأمونى والحسين بن عمر الرستمى أن يسيرا بعقبه فان احتاج إلى معونتهما أعاناه ومضى قريش بن شبل يقفو محمد بن يزيد كلما ارتحل محمد بن يزيد من قرية نزلها قريش حتى صاروا إلى سوق الاهواز وسبق محمد بن يزيد إلى المدينة فدخلها واستند إلى العمران فصيره وراء ظهره وعبى أصحابه وعزم على مواقعهم ودعا بالاموال فصبت بين يديه وقال لاصحابه من أحب منكم الجائزة

[ 40 ]

والمنزلة فليعرفني أثره وأقبل قريش بن شبل حتى صار قريبا منه وقال لاصحابه الزموا موضعكم ومصافكم وليكن أكثر ما قاتلتموهم وأنتم مريحبون فقاتلوهم بنشاط وقوة فلم يبق أحد من أصحابه إلا جمع بين يديه ما قدر عليه من الحجارة فلم يعبر إليهم محمد بن يزيد حتى أوهنوهم بالحجارة وجرحوهم جرحات كثيرة بالنشاب أو عبرت طائفة من أصحاب محمد بن يزيد فأمر قريش أصحابه أن ينزلوا إليهم فنزلوا إليهم فقاتلوهم قتالا شديدا حتى رجعوا وتراد الناس بعضهم إلى بعض والتفت محمد بن يزيد إلى نفر كانوا معه من مواليه فقال ما رأيكم قالوا فيماذا قال إنى أرى من معى قد انهزم ولست آمن من خذلانهم ولا آمل رجعتهم وقد عزمت على النزول والقتال بنفسى حتى يقضى الله ما أحب فمن أراد منكم الانصراف فلينصرف فوالله لان تبقوا أحب إلى من أن تعطبوا وتهلكوا فقالوا والله ما أنصفناك إذا تكون أعتقتنا من الرق ورفعتنا من الضعة ثم أغنيتنا بعد القلة ثم نخذلك على هذه الحال بل نتقدم أمامك ونموت تحت ركابك فلعن الله الدنيا والعيش بعدك ثم نزلوا فعرقبوا دوابهم وحملوا على أصحاب قريش حملة منكرة فأكثروا فيهم القتل وشدخوهم بالحجارة وغير ذلك وانتهى بعد أصحاب طاهر إلى محمد بن يزيد فطعنه بالرمح فصرعه وتبادروا إليه بالضرب والطعن حتى قتلوه فقال بعض أهل البصرة يرثيه من ذاق طعم الرقاد من فرح * فإننى قد أضر بى سهري ولى فتى الرشد فافتقدت به * قلبى وسمعي وعزنى بصرى كان غياثا لدى المحول فقد * ولى غمام الربيع والمطر وفى العيينى للامام ولم * يرهبه وقع المشطب الذكر ساور ريب المنون داهية * لولا خضوع العباد للقدر فامض حميدا فكل ذى أجل * يسعى إلى ما سعيت بالاثر وقال بعض المهالبة وجرح في تلك الوقعة جراحات كثيرة وقطعت يده فما لمت نفسي غير أنى لم اطق * حراكا وأنى كنت بالضرب مثخنا

[ 41 ]

ولو سلمت كفاى قاتلت دونه * وضاربت عنه الطاهري الملقنا فتى لا يرى أن يخذل السيف في الوغا * إذا ادرع الهيجاء في النقع واكتنى * وذكر عن الهيثم بن عدى قال لما دخل ابن أبى عيينة على طاهر فأنشده قوله من آنسته البلاد لم يرم * منها ومن أوحشته لم يقم حتى انتهى إلى قوله ما ساء ظنى إلا لواحدة * في الصدر محصورة عن الكلم فتبسم طاهر ثم قال أما والله لقد ساءنى من ذلك ما ساءك والمنى ما آلمك ولقد كنت كارها لما كان غير أن الحتف واقع والمنايا نازلة ولابد من قطع الاواصر والشكر للاقارب في تأكيد الخلافة والقيام بحق الطاعة فظننا أنه يريد محمد بن يزيد بن حاتم * وذكر عمر بن أسد قال أقام طاهر بالاهواز بعد قتله محمد بن يزيد بن حاتم وأنفذ عماله في كورها وولى على اليمامة والبحرين وعمان مما يلى الاهواز ومما يلى عمل البصرة ثم أخذ على طريق البر متوجها إلى واسط وبها يومئذ السندي بن يحيى ابن الحرشى والهيثم خليفة خزيمة بن خازم فجعلت المسالح والعمال تتقوض مسلحة مسلحة وعاملا عاملا كلما قرب طاهر منهم تركوا أعمالهم وهربوا عنها حتى قرب من واسط فنادى السندي بن يحيى والهيثم بن شعبة في أصحابهما فجمعاهم اليهما وهما بالقتال وأمر الهيثم بن شعبة صاحب مراكبه أن يسرج له دوابه فقرب إليه فرسا فأقبل يقسم طرفه بينها واستقبلته عدة فرأى المراكبى التغير والفزع في وجهه فقال إن أردت الهرب فعليك بها فانها أبسط في الركض وأقوى على السفر فضحك ثم قال قرب فرس الهرب فانه طاهر ولا عار علينا في الهرب منه فتركا واسطا وهربا عنها ودخل طاهر واسطا وتخوف إن سبق الهيثم والسندى إلى فم الصلح فيتحصنا بها فوجه محمد بن طالوت وأمره أن يبادرهما إلى فم الصلح ويمنعهما من دخولها إن أرادا ذلك ووجه قائدا من قواده يقال له أحمد بن المهلب نحو الكوفة وعليها يومئذ العباس بن موسى الهادى فلما بلغ العباس خبر أحمد بن المهلب خلع محمدا وكتب بطاعته إلى طاهر وببيعته للمأمون ونزلت خيل طاهر فم النيل وغلب

[ 42 ]

على ما بين واسط والكوفة وكتب المنصور بن المهدى وكان عاملا لمحمد على البصرة إلى طاهر بطاعته ورحل طاهر حتى نزل طرنايا فأقام بها يومين فلم يرها موضعا للعسكر فأمر بجسر فعقد وخندق له وأنفذ كتبه بالتولية إلى العمال وكانت بيعة المنصور بن المهدى بالبصرة وبيعة العباس بن موسى الهادى بالكوفة وبيعة المطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل للمأمون وخلعهم محمدا في رجب من سنة 196 وقيل ان الذى كان على الكوفة حين نزل طاهر من قبل محمد الفضل بن العباس ابن موسى بن عيسى ولما كتب من ذكرت إلى طاهر ببيعتهم للمأمون وخلعهم محمدا أقرهم طاهر على أعمالهم وولى داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على الهاشمي مكة والمدينة ويزيد بن جرير البجلى اليمن ووجه الحارث بن هشام وداود بن موسى إلى قصر ابن هبيرة (وفى هذه السنة) أخذ طاهر بن الحسين من أصحاب محمد المدائني ثم صار منها إلى صرصر فعقد جسرا ومضى إلى صرصر * ذكر الخبر عن سبب دخوله المدائن ومصيره إلى صرصر * * ذكر أن طاهرا لما وجه إلى قصر ابن هبيرة الحارث بن هشام وداود بن موسى وبلغ محمدا خبر عامله بالكوفة وخلعه إياه وبيعته للمأمون وجه محمد بن سليمان القائد ومحمد بن حماد البربري وأمرهما أن يبيتا الحارث وداود بالقصر فقيل لهما إن سلكتما الطريق الاعظم لم يخف ذلك عليهما ولكن اختصر الطريق إلى فم الجامع فانه موضع سوق ومعسكر فانزلاه وبيتاهما إن أردتما ذلك وقد قربتما منهما فوجها الرجال من الياسرية إلى فلم الجامع وبلغ الحارث وداود الخبر فركبا في خيل مجرد وتهيآ للرجالة فعبرا من مخاضة في سوراء إليهم وقد نزلوا إلى جنبها فأوقعا بهم وقعة شديدة ووجه طاهر محمد بن زياد ونصير بن الخطاب مددا للحارث وداود فاجتمعت العساكر بالجامع وساروا حتى لقوا محمد بن سليمان ومحمد بن آحماد في مابين نهر درقيط والجامع فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم أهل بغداد وهرب محمد بن سليمان حتى صار إلى قرية شاهى وعبر الفرات وأخذ على طريق البرية إلى الانبار ورجع محمد بن حماد إلى بغداد وقال أبو يعقوب الخزيمى في ذلك

[ 43 ]

هما عدوا بالنكث كى يصدعا به * صفا الحق فانفضا بجمع مبدد وأفلتنا ابن البربري مضمر * من الخيل يسمو للجياد ويهتدى وذكر يزيد بن الحارث أن محمد بن حماد البربري لما دخل بغداد وجه محمد المخلوع الفضل بن موسى بن عيسى الهاشمي إلى الكوفة وولاه عليها وضم إليه أبا السلاسل وإياس الحرابى وجمهورا النجارى وأمره بسرعة السير فتوجه الفضل فلما عبر نهر عيسى عثر به فرسه فتحول منه إلى غيره وتطير وقال اللهم إنى أسألك بركة هذا الوجه وبلغ طاهرا الخبر فوجه محمد بن العلاء وكتب إلى الحارث بن هشام وداود بن موسى بالطاعة له فلقى محمد بن العلاء الفضل بقرية الاعراب فبعث إليه الفضل إنى سامع مطيع لطاهر وانما كان مخرجى بالكيد منى لمحمد فخل لى الطريق حتى أصبر إليه فقال له محمد لست أعرف ما تقول ولا أقبله ولا أنكره فان أردت الامير طاهرا فارجع وراءك فخذ أسهل الطريق وأقصدها فرجع وقال محمد لاصحابه كونوا على حذر فانى لست آمن مكر هذا فلم يلبث أن كبر وهو يرى أن محمد بن العلاء قد أمنه فوجده على عدة وأهبة واقتتلوا كأشد ما يكون من القتال وكبا بالفضل فرسه فقاتل عنه أبو السلاسل حتى ركب وقال أذكر هذا الموقف لامير المؤمنين وحمل أصحاب محمد بن العلاء على أصحاب الفضل فهزموهم ولم يزالوا يقتلونهم إلى كؤثى وأسر في تلك الوقعة اسماعيل بن محمد القرشى وجمهور النجارى وتوجه طاهر إلى المدائن وفيها جند كثير من خيول محمد عليهم البرمكى قد تحصن بها والمدد يأتيه في كل يوم والصلات والخلع من قبل محمد فلما قرب طاهر من المدائن وكان منها على رأس فرسخين نزل فصلى ركعتين وسبح فأكثر التسبيح فقال اللهم إنا نسألك نصرا كنصرك المسلمين يوم المدائن ووجه الحسن بن على المأمونى وقريش بن شبل ووجه الهادى بن حفص على مقدمته وسار فلما سمع أصحاب البرمكى صوت طبوله أسرجوا الدواب وأخذوا في تعبيتهم وجعل من في أوائل الناس ينضم إلى أواخرهم وأخذ البرمكى في تسوية الصفوف فكلما سوى صفا انتقض واضطرب عليه أمرهم فقال اللهم

[ 44 ]

إنا نعوذ بك من الخذلان ثم التفت إلى صاحب ساقته فقال خل سبيل الناس فإنى أرى جندا لاخير عندهم فركب بعضهم بعضا نحو بغداد فنزل طاهر المدائن وقدم منها قريش بن شبل والعباس بن بخاراخذاه إلى الدرزيجان وأحمد بن سعيد الحرشى ونصر بن منصور بن نصر بن مالك معسكران بنهر ديالى فمنعا أصحاب البرمكى من الجواز إلى بغداد وتقدم طاهر حتى صار إلى الدرزيجان حيال أحمد ونصر بن منصور فسير اليهما الرجال فلم يجر بينهما كثير قتال حتى انهزموا وأخذ طاهر ذات اليسار إلى نهر صرصر فعقد بها جسرا ونزلها (وفى هذه السنة) خلع داود بن عيسى عامل مكة والمدينة محمدا وهو عامله يومئذ عليهما وبايع للمأمون وأخذ البيعة بهما على الناس له وكتب بذلك إلى طاهر والمأمون ثم خرج بنفسه إلى المأمون * ذكر الخبر عن ذلك وكيف جرى الامر فيه * ذكر أن الامين لما أفضت الخلافة إليه بعث إلى مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس وعزل عامل الرشيد على مكة وكان عامله عليها محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومى وكان إليه الصلاة بها وأحداثها والقضاء بين أهلها فعزل محمد عن ذلك كله بداود بن عيسى سوى القضاء فانه أقره على القضاء فأقام داود واليا على مكة والمدينة لمحمد وأقام للناس أيضا الحج سنة ثلاث وأربع وخمس وتسعين ومائة فلما دخلت سنة 196 بلغه خلع عبد الله المأمون أخاه وما كان فعل طاهر بقواد محمد وقد كان محمد كتب إلى داود بن عيسى يأمره بخلع عبد الله المأمون والبيعة لابنه موسى وبعث محمد إلى الكتابين اللذين كان الرشيد كتبهما وعلقهما في الكعبة فأخذهما فلما فعل ذلك جمع داود حجبة الكعبة والقرشيين والفقهاء ومن كان شهد على ما في الكتابين من الشهود وكان داود أحدهم فقال داود قد علمتم ما أخذ علينا وعليكم الرشيد من العهد والميثاق عند بيت الله الحرام حين بايعنا لابنيه لتكونن مع المظلوم منهما على الظالم ومع المبغى عليه على الباغى ومع المغدور به على الغادر

[ 45 ]

فقد رأينا ورأيتم أن محمدا قد بدأ بالظلم والبغى والغدر على أخويه عبد الله المأمون والقاسم المؤتمن وخلعهما وبايع لابنه الطفل رضيع صغير لم يفطم واستخرج الشرطين من الكعبة عاصيا فحرقهما بالنار وقد رأيت خلعه وان أبايع لعبد الله المأمون بالخلافة إذ كان مظلوما مبغيا عليه فقال له أهل مكة رأينا تبع لرأيك ونحن خالعوه معك فوعدهم صلاة الظهيرة وأرسل في فجاج مكة صائحا يصيح الصلاة جامعة فلما جاء وقت صلاة الظهر وذلك يوم الخميس لسبع وعشرين ليلة خلت من رجب سنة 196 خرج داود بن عيسى فصلى بالناس صلاة الظهر وقد وضع له المنبر بين الركن والمقام فصعد فجلس عليه وأمر بوجوه الناس وأشرافهم فقربوا من المنبر وكان داود خطيبا فصيحا جهر الصوت فلما اجتمع الناس قام خطيبا فقال الحمد لله مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شئ قدير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالدين وختم به النبيين وجعله رحمة للعالمين صلى الله عليه في الاولين والآخرين أما بعد يا أهل مكة فأنتم الاصل والفرع والعشيرة والاسرة والشركاء في النعمة إلى بلدكم نفذ وفد الله وإلى قبلتكم يأتم المسلمون وقد علمتم ما أخذ عليكم الرشيد هارون رحمة الله عليه وصلاته حين بايع لابنيه محمد وعبد الله بين أظهركم من العهد والميثاق لتنصرن المظلوم منهما على الظالم والمبغى عليه على الباغى والمغدور به على الغادر ألا وقد علمتم وعلمنا أن محمد بن هارون قد بدأ بالظلم والبغى والغدر وخالف الشروط التى أعطاها من نفسه في بطن البيت الحرام وقد حل لنا ولكم خلعه من الخلافة وتصييرها إلى المظلوم المبغى عليه المغدور به ألا وإنى أشهدكم أنى قد خلعت محمد بن هارون من الخلافة كما خلعت قلنسوتي هذه من رأسي وخلع قلنسوته عن رأسه فرمى بها إلى بعض الخدم تحته وكانت من برود حبرة مسلسلة حمراء وأتى بقلنسوة سوداء هاشمية فلبسها ثم قال قد بايعت لعبد الله عبد الله المأمون أمير المؤمنين

[ 46 ]

بالخلافة ألا فقوموا إلى البيعه لخليفتكم فصعد جماعة من الوجوه إليه إلى المنبر رجل فرجل فبايعه لعبدالله المأمون بالخلافة وخلع محمدا ثم نزل عن المنبر وحانت صلاة العصر فصلى بالناس ثم جلس في ناحية المسجد وجعل الناس يبايعونه جماعة بعد جماعة يقرأ عليهم كتاب البيعة ويصافحونه على كفه ففعل ذلك أياما وكتب إلى سليمان بن داود بن عيسى وهو خليفته على المدينة يأمره أن يفعل بأهل المدينة مثل ما فعل هو بأهل مكة من خلع محمد والبيعة لعبد الله المأمون فلما رجع جواب البيعة من المدينة إلى داود وهو بمكة رحل من فوره بنفسه وجماعة من ولده يريد المأمون بمرو على طريق البصرة ثم على فارس ثم على كرمان حتى صار إلى المأمون بمرو فأعلمه ببيعته وخلعه محمداو مسارعة أهل مكة وأهل المدينة إلى ذلك فسر بذلك المأمون وتيمن ببركة مكة والمدينة إذ كانوا أول من بايعه وكتب إليهم كتابا لينا لطيفا يعدهم فيه الخير وبسط أملهم وأمر أن يكتب لداود عهد على مكة والمدينة وأعمالها من الصلاة والمعاون والجباية وزيد له ولاية عك وعقد له على ذلك ثلاثة ألوية وكتب له إلى الرى بمعونة خمسمائة ألف درهم وخرج داود بن عيسى مسرعا مغذا مبادرا لادراك الحج ومعه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس وقد عقد المأمون للعباس بن موسى بن عيسى على ولاية الموسم فسار هو وعمه داود حتى نزلا بغداد على طاهر بن الحسين فاكرمهما وقربهما وأحسن معونتهما ووجه معهما يزيد ابن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسرى وقد عقد له طاهر على ولاية اليمن وبعث معه خيلا كثيفة وضمن لهم يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسرى أن يستميل قومه وعشيرته من ملوك أهل اليمن وأشرافهم ليخلعوا محمدا ويبايعوا عبد الله المأمون فساروا جميعا حتى دخلوا مكة وحضر الحج فحج بأهل الموسم العباس بن موسى بن عيسى فلما صدروا عن الحج انصرف العباس حتى أتى طاهر بن الحسين وهو على حصار محمد وأقام داود بن عيسى على عمله بمكة والمدينة ومضى يزيد بن جرير إلى اليمن فدعا أهلها إلى خلع محمد

[ 47 ]

وبيعة عبد الله المأمون وقرأ عليهم كتابا من طاهر بن الحسين يعدهم العدل والانصاف ويرغبهم في طاعة المأمون ويعلمهم ما بسط المأمون من العدل في رعيته فأجاب أهل اليمن إلى بيعة المأمون واستبشروا بذلك وبايعوا للمأمون وخلعوا محمدا فسار فيهم يزيد بن جرير بن يزيد بأحسن سيرة وأظهر عدلا وإنصافا وكتب بإجابتهم وبيعتهم إلى المأمون وإلى طاهر بن الحسين (وفى هذه السنة) عقد محمد في رجب وشعبان منها نحوا من أربعمائة لواء لقواد شتى وأمر على جميعهم على بن محمد بن عيسى بن نهيك وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين فساروا فالتقوا بجللتا في رمضان على أميال من النهروان فهزمهم هرثمة وأسر على بن محمد بن عيسى بن نهيك وبعث به هرثمة إلى المأمون وزحف هرثمة فنزل النهروان (وفى هذه السنة) أستأمن إلى محمد من طاهر جماعة كثيرة وشغب الجند على طاهر ففرق محمد فيمن صار إليه من أصحاب طاهر مالا عظيما وقود رجالا وغلف لحاهم بالغالية فسموا بذلك قواد الغالية * ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل إليه الامر فيه * ذكر عن يزيد بن الحارث قال أقام طاهر على نهر صرصر لما صار إليها وشمر في محاربة محمد وأهل بغداد فكان لا يأتيه جيش إلا هزمه فاشتد على أصحابه ما كان محمد يعطى من الاموال والكسى فخرج من عسكره نحو من خمسة آلاف رجل من اهل خراسان ومن التف إليهم فسر بهم محمد ووعدهم ومناهم وأثبت أسماءهم في الثمانين قال فمكثوا بذلك أشهرا وقود جماعة من الحربية وغيرهم ممن تعرض لذلك وطلبه وعقد لهم ووجههم إلى دسكرة الملك والنهروان ووجه إليهم حبيب بن جهم النمري الاعرابي في أصحابه فلم يكن بينهم كثير قتال وندب محمد قوادا من قواد بغداد فوجههم إلى الياسرية والكوثرية والسفيانيين وحمل إليهم الاطعمة وقواهم بالارزاق وصيرهم ر ؟ ءا لمن خلفهم وفرق الجواسيس في أصحاب طاهر ودس إلى رؤساء الجند الكتب بالاطماع والترغيب فشغبوا على طاهر واستأمن كثير منهم إلى محمد ومع كل عشرة أنفس منهم طبل

[ 48 ]

فأرعدوا وأبرقوا وأجلبوا ودبوا حتى أشرفوا على نهر صرصر فعبى لطاهر أصحابه كراديس ثم جعل يمر على كل كردوس منهم فيقول لا يغرنكم كثرة من ترون ولا يمنعكم استئمان من استأمن منهم فان النصر مع الصدق والثبات والفتح مع الصبر ورب فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ثم أمرهم بالتقدم فتقدموا واضطربوا بالسيوف مليا ثم ان الله ضرب أكتاف أهل بغداد فولوا منهزمين وأخلوا موضع عسكرهم فانتهب أصحاب طاهر كل ما كان فيه من سلاح ومال وبلغ الخبر محمدا فأمر بالعطاء فوضع وأخرج خزائنه وذخائره وفرق الصلات وجمع أهل الارباض واعترض الناس على عينه فكان لا يرى أحدا وسيما حسن الرؤاء إلا خلع عليه وقوده وكان لا يقود أحدا إلا غلفت لحيته بالغالية وهم الذين يسمون قواد الغالية قال وفرق في قواده المحدثين لكل رجل منهم خمسمائة درهم وقارورة غالية ولم يعط جند القواد وأصحابهم شيئا وأتت عيون طاهر وجواسيسه طاهزا بذلك فراسلهم وكاتبهم ووعدهم واستمالهم وأغرى أصاغرهم بأكابرهم فشغبوا على محمد يوم الاربعاء لست خلون من ذى الحجة سنة 196 فقال رجل من أبناء أهل بغداد في ذلك: قل للامين الله في نفسه * ما شتت الجند سوى الغاليه وطاهر نفسي تقى طاهرا * برسله والعدة الكافية أضحى زمام الملك في كفه * مقاتلا للفئة الباغيه يا ناكثا أسلمه نكثه * عيوبه من خبثه فاشيه قد جاءك الليث بشداته * مستكلبا في أسد ضاريه فاهرب ولا مهرب من مثله * إلا إلى النار أو الهاويه قال ولما شغب الجند وصعب الامر على محمد شاور قواده فقيل له تدارك القوم فتلاف أمرك فان بهم قوام ملكك وهم بعد الله أزالوه عنك أيام الحسين وهم ردوه عليك وهم من قد عرفت نجدتهم وبأسهم فلج في أمرهم وأمر بقتالهم فوجه إليهم التنوخى وغيره من المستأمنة والاجناد الذين كانوا معه فعاجل القوم القتال

[ 49 ]

وراسلهم طاهر وراسلوه فأخذ رهائنهم على بذل الطاعة له وكتب إليهم فأعطاهم الامان وبذل لهم الاموال ثم قدم فصار إلى البستان الذى على باب الانبار يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة فنزل البستان بقواده وأجناده وأصحابه ونزل من لحق بطاهر من المستأمنة من قواد محمد وجنده في البستان وفى الارباض وألحقهم جميعا بالثمانين في الارزاق وأضعف للقواد وأبناء القواد الخواص وأجرى عليهم وعلى كثير من رجالهم الاموال ونقب أهل السجون السجون وخرجوا منها وفتن الناس ووثب على أهل الصلاح الدعار والشطار فعز الفاجر وذل المؤمن واحتل الصالح وساءت حال الناس إلا من كان في عسكر طاهر لتفقده أمرهم وأخذه على أيدى سفهائهم وفساقهم واشتد في ذلك عليهم وغادى القتال وراحه حتى تواكل الفريقان وخربت الدار (وحج) بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على من قبل طاهر ودعا للمأمون بالخلافة و ؟ أول موسم دعى له فيه بالخلافة بمكة والمدينة * ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة * * ؟ كر الخبر عما كان فيها من الاحداث * ففى هذه السنه لحق القاسم بن هارون الرشيد ومنصور بن المهدى بالمأمون من العراق فوجه المأمون القاسم إلى جرجان (وفيها) حاصر طاهر وهرثمة وزهير بن المسيب محمد بن هارون ببغداد ذكر الخبر عما آل إليه أمر حصارهم في هذه السنة وكيف كان الحصار فيها ذكر محمد بن يزيد التميمي وغيره أن زهير بن المسيب الضبى نزل قصر رقة كلواذى ونصب المجانيق والعرادات واحتفر الخنادق وجعل يخرج في الايام عند اشتغال الجند بحرب طاهر فيرمى بالعرادات من أقبل وأدبر ويعشر أموال التجار ويجبى السفن وبلغ من الناس كل مبلغ وبلغ أمره طاهرا وأتاه الناس فشكوا إليه ما نزل بهم من زهير بن المسيب وبلغ ذلك هرثمة فأمده بالحند وقد كاد يؤخذ (4 - 7)

[ 50 ]

فأمسك عنه الناس فقال شاعر من أهل الجانب الشرقي لم يعرف اسمه في زهير وقتله الناس بالمجانيق لا تقرب المنجنيق والحجرا * فقد رأيت القتيل إذ قبرا باكر كى لا يفوته خبر * راح قتيلا وخلف الخبرا ماذا كان به من نشاط ومن * صحة جسم به إذا ابتكرا أراد ألا يقال كان له * أمر فلم يدر من به أمرا يا صاحب المنجنيق ما فعلت * كفاك لم تبقيا ولم تذرا كان هواه سوى الذى قدرا * هيهات لن يغلب الهوى القدرا ونزل هرثمة نهر بين وجعل عليه حائطا وخندقا وأعد المجانيق والعرادات وأنزل عبيد الله بن الوضاح الشماسية ونزل طاهر البستان بباب الانبار فذكر عن الحسين الخليع أنه قال لما تولى طاهر البستان بباب الانبار دخل محمدا أمر عظيم من دخوله بغداد وتفرق ما كان في يده من الاموال وضاق ذرعا وتحرق صدرا فأمر ببيع كل ما في الخزائن من الامتعة وضرب آنية الذهب والفضة دنانير ودراهم وحملها إليه لاصحابه وفى نفقاته وأمر حينئذ برمى الحربية بالنفط والنيران والمجانيق والعرادات يقتل بها المقبل والمدبر ففى ذلك يقول عمرو بن عبد الملك العترى الوراق يا رماة المنجنيق * كلكم غير شفيق ما تبالون صديقا * كان أو غير صديق ويلكم تدرون ما تر * مون مرار الطريق رب خود ذات دل * وهى كالغصن الوريق أخرجت من جوف دنيا * ها ومن عيش أنيق لم تجد من ذاك بدا * أبرزت يوم الحريق وذكر عن محمد بن منصور الباوردى قال لما اشتدت شوكة طاهر على محمد وهزمت عساكره وتفرق قواده كان فيمن استأمن إلى طاهر سعيد بن مالك بن قادم فلحق به فولاه ناحية البغيين والاسواق هنالك وشاطئ دجلة وما اتصل به أمامه

[ 51 ]

إلى جسور دجلة وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان في كل ما غلب عليه من الدور والدروب وأمده بالنفقات والفعلة والسلاح وأمر الحربية بلزومه على النوائب ووكل بطريق دار الرقيق وباب الشأم واحدا بعد واحد وأمر بمثل الذى أمر به سعيد بن مالك وكثر الخراب والهدم حتى درست محاسن بغداد ففى ذلك يقول العترى من ذا أصابك يا بغداد بالعين * ألم تكوني زمانا قرة العين ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم * وكان قربهم زينا من الزين صا ؟ الغراب بهم بالبين فافترقوا * ماذا لقيت بهم من لوعة البين أستودع الله قوما ما ذكرتهم * إلا تحدر ماء العين من عينى كانوا ففرقهم دهر وصدعهم * والدهر يصدع ما بين الفريقين قال ووكل محمد عليا فراهمرد فيمن ضم إليه من المقاتلة بقصر صالح وقصر سليمان بن أبى جعفر إلى قصور دجلة وما والاها فألح في إحراق الدور والدروب وهدمها بالمجانيق والعرادات على يدى رجل كان يعرف بالسمرقندى فكان يرمى بالمنجنيق وفعل طاهر مثل ذلك وأرسل إلى أهل الارباض من طريق الانبار وباب الكوفة وما يليها وكلما أجابه أهل ناحية خندق عليهم ووضع مسالحه وأعلامه ومن أبى اجابته والدخول في طاعته ناصبه وقاتله وأحرق منزله فكان كذلك يغدو ويروح بقواده وفرسانه ورجالته حتى أوحشت بغداد وخاف الناس أن تبقى خرابا وفى ذلك يقول الحسين الخليع أتسرع الرجلة أغذاذا * عن جانبى بغداد أم ماذا ألم تر الفتنة قد ألفت * إلى أولى الفتنة شذاذا وانتقضت بغداد عمرانها * عن رأى لاذاك ولا هذا هدما وحرقا قد أبيد أهلها * عقوبة لاذت بمن لاذا ما أحسن الحالات إن لم تعد * بغداد في القلة بغداذا قال وسمى طاهر الارباض التى خالفه أهلها ومدينة أبى جعفر الشرقية وأسواق

[ 52 ]

الكرخ والخلد وما والاها دار النكث وقبض ضياع من لم ينجز إليه من بنى هاشم والقواد والموالي وغلاتهم حيث كانت من عمله فذلوا وانكسروا وانقادوا وذلت الاجناد وتواكلت عن القتال إلا باعة الطريق والعراة وأهل السجون والاوباش والرعاع والطرارين وأهل السوق وكان حاتم بن الصقر قد أباحهم النهب وخرج الهرش والافارقة فكان طاهر يقاتلهم لايفتر عن ذلك ولا يمله ولاينى فيه فقال الخزيمى يذكر بغداد ويصف ما كان فيها قالوا ولم يلعب الزمان ببغ‍ * داد وتعثر بها عواثرها إذ هي مثل العروس باديها * مهول للفتى وحاضرها جنة دنيا ودار مغبطة * قل من النائبات وائرها درت خلوف الدنيا لساكنها * وقل معسورها وعاسرها وانفرجت بالنعيم وانتجعت * فيها بلذاتها حواضرها فالقوم منها في روضة أنق * أشرق غب القطان زائرها من غره العيش في بلهنية * لو أن دنيا يدوم عامرها دار ملوك رست قواعدها * فيها وقرت بها منابرها أهل العلى والثرى وأندية ال‍ * فخر إذا عددت مفاخرها أفراخ نعمى في إرث مملكة * شد عراها لها أكابرها فلم يزل والزمان ذو غير * يقدح في ملكها أصاغرها حتى تساقت كأسا مثملة * من فتنة لا يقال عاثرها وافترقت بعد ألفة شيعا * مقطوعة بينها أياصرها ياهل رأيت الاملاك ما صنعت * إذ لم يزغها بالنصح زاجرها أورد أملاكنا نفوسهم * هوة غى أعيت مصادرها ما ضرها لو وفت بموثقها * واستحكمت في التقى بصائرها ولم تسافك دماء شيعتها * وتبتعل فتية تكابرها وأقنعتها الدنيا التى جمعت * لها ورغب النفوس ضائرها

[ 53 ]

ما زال حوض الاملاك مسجورها *... بالهوى وساجرها تبقى فضول الدنيا مكاثرة * حتى أبيحت كرها ذخائرها تبيع ما جمع الابوة لل‍ * أبناء لا أربحت متاجرها يا هل رأيت الجنان زاهرة * يروق عين البصير زاهرها وهل رأيت القصور شارعة * تكن مثل الدمى مقاصرها وهل رأيت القرى التى غرس ال‍ * أملاك مخضرة دسا كرها محفوفة بالكروم والنخل وال‍ * ريحان قد دميت محاجرها فإنها أصبحت خلايا من ال‍ * إنسان قد دميت محاجرها قفرا خلاء تعوى الكلاب بها * ينكر منها الرسوم داثرها وأصبح البؤس ما يفارقها * إلفا لها والسرور هاجرها بزندورد والياسرية وال‍ * شطين حيث انتهت معابرها وبالرحى والخيزرانية ال‍ * عليا التى أشرفت قناطرها وقصر عبدويه عبرة وهدى * لكل نفس زكت سرائرها فأين حراسها وحارسها * وأين مجبورها وجابرها وأين خصيانها وحشوتها * وأين سكانها وعامرها أين الجرادية الصقالب وال‍ * أحبش تعدو هدلا مشافرها ينصدع الجند عن مواكبها * تعدو بها سربا ضوامرها بالسند والهند والصقالب وال‍ * نوبة شيبت بها برابرها طيرا أبابيل أرسلت عبثا * يقدم سودانها أحامرها أين الظباء الابكار في روضة ال‍ * ملك تهادى بها غرائرها أين غضاراتها ولذتها * وأين محبورها وحابرها بالمسك والعنبر اليماني وال‍ * أنجوج مشبوبة مجامرها يرفلن في الخز والمجاسد وال‍ * موشى محطومة مزامرها فأين رقاصها وزامرها * يجبن حيث انتهت حناجرها

[ 54 ]

تكاد أسماعهم تسل إذا * عارض عيدانها مزامرها أمست كجوف الحمار خالية * يسعرها بالجحيم ساعرها كأنما أصبحت بساحتهم * عاد ومستهم صراصرها لا تعلم النفس ما يبايتها * من حادث الدهر أو يباكرها تضحى وتمسى درية غرضا * حيث استقرت بها شراشرها لا سهم الدهر وهو يرشقها * محنطها مرة وباقرها يا بؤس بغداد دار مملكة * دارت على أهلها دوائرها أمهلها الله ثم عاقبها * لما أحاطت بها كبائرها بالخسف والقذف والحريق وبال‍ * حرب التى أصبحت تساورها كم قد رأينا من المعاصي بها * كالعاهر السوء... حلت ببغداد وهى آمنة * داهية لم تكن تحاذرها طالعها السوء من مطالعه * وأدركت أهلها جرائرها رق بها الدين واستخف بذى ال‍ * فضل وعز النساك فاجرها وخطم العبد أنف سيده * بالرغم واستعبدت مخادرها وصار رب الجيران فاسقهم * وابتز أمر الدروب ذاعرها من ير بغداد والجنود بها * قد ربقت حولها عساكرها كل طحون شهباء باسلة * تسقط أحبالها زماجرها تلقى بغى الردى أوانسها * يرهقها للقاء طاهرها والشيخ يعدو حزما كتائبه * يقدم أعجازها يعاورها ولزهير بالقول ماسدة * مرقومة صلبة مكاسرها كتائب الموت تحت ألوية * أبرح منصورها وناصرها يعلم أن الاقدار واقعة * وقعا على ما أحب قادرها فتلك بغداد ما يبنى من ال‍ * دله في دورها عصافرها محفوفة بالردى منطقة * بالصغر محصورة جبابرها

[ 55 ]

وبين شط الفرات منه إلى * دجلة حيث انتهت معابرها كهادى السفراء نافره * تركض من حولها أشاقرها يحرقها ذا وذاك يهدمها * ويشتفي بالنهاب شاطرها والكرخ أسواقها معطلة * يستن عيارها وعائرها أخرجت الحرب من سواقطها * آساد غيل غلبا تساورها من البوارى تراسها ومن ال‍ * خوص إذا استلامت مغافرها تغدو إلى الحرب في جواشنها ال‍ * صوف إذا ما عدت أساورها كتائب الهرش تحت رايته * ساعد طرارها مقامرها لا الرزق تبغى ولا العطاء ولا * يحشرها للقاء حاشرها في كل درب وكل ناحية * خطارة يستهل خاطرها بمثل هام الرجال من فلق ال‍ * صخر يزود المقلاع بائرها كأنما فوق هامها عدف * من القطا الكدر هاج نافرها والقوم من تحتها لهم زجل * وهى ترامى بها خواطرها بل هل رأيت السيوف مصلتة * أشهرها في الاسواق شاهرها والخيل تستن في أزقتها * بالترك مسنونة خناجرها والنفط والنار في طرائقها * وهابيا للدخان عامرها والنهب تعدو به الرجال وقد * أبدت خلاخيلها حرائرها معصوصبات وسط الازقة قد * أبرزها للعيون ساترها كل رقود الضحى مخبأة * لم تبد في أهلها محاجرها بيضة خدر مكنونة برزت * للناس منشورة غدائرها تعثر في ثوبها وتعجلها * كبة خيل زيعت حوافرها تسأل أين الطريق والهة * والنار من خلفها تبادرها لم تجتل الشمس حسن بهجتها * حتى اختلتها حرب تباشرها يا هل رأيت الثكلى مولولة * في الطرق تسعى والجهد باهرها

[ 56 ]

في إثر نعش عليه واحدها * في صدره طعنة يساورها فرغاء ينقى الشنار مريدها * يهزها بالسنان شاجرها تنظر في وجهه وتهتف بال‍ * ثكل وعز الدموع خامرها غرغر بالنفس ثم أسلمها * مطلولة لا يخاف ثائرها وقد رأيت الفتيان في عرصة ال‍ * معرك معفورة مناخرها كل فتى مناع حقيقته * تشقى به في الوغا مساعرها باتت عليه الكلاب تنهشه * مخضوبة من دم أظافرها أما رأيت الخيول جائلة * بالقوم منكوبة دوائرها تعثر بالاوجه الحسان من ال‍ * قتلى وغلت دما أشاعرها يطأن أكباد فتية نجد * يفلق هاماتهم حوافرها أما رأيت النساء تحت المجا * نيق تعادى شعثا ضفائرها عقائل القوم والعجائز وال‍ * عنس لم تخير معاصرها يحملن قوتا من الطحين على ال‍ * أكتاف معصوبة معاجرها وذات عيش ضنك ومقعسة * تشدخها صخرة تعاورها تسأل عن أهلها وقد سلبت * وابتز عن رأسها غفائرها ياليت ما وللدهر ذو دول * يرجى وأخرى تخشى بوادرها هل ترجعن أرضنا كما غنيت * وقد تناهت بنا مصايرها من مبلغ ذا الرئاستين رسا * لات تأتى للنصح شاعرها بأن خير الولاة قد علم الن‍ * اس إذا عددت مآثرها خليفة الله من بريته ال‍ * مأمون سائسها وجابرها سمت إليه آمال أمته * منقادة برها وفاجرها شاموا حيا العدل من مخايله * وأصحرت بالتقى بصائرها وأحمدوا منك سيرة جلت ال‍ * شك وأخرى صحت معاذرها واستجمعت طاعة برفقك لل‍ * مأمون نجديها وغائرها

[ 57 ]

وأنت سمع في العالمين له * ومقلة ما يكل ناظرها فاشكر لذى العرش فضل نعمته * أوجب فضل المزيد شاكرها واحذر فداء لك الرعية وال‍ * أجناد مأمورها وآمرها لا تردن غمرة بنفسك لا * يصدر عنها بالرأى صادرها عليك ضحضاحها فلا تلج ال‍ * غمرة ملتجمة زواخرها والقصد إن الطريق ذو شعب * أشأمها وعثها وجائرها أصبحت في أمة أوائلها * قد فارقت هديها أواخرها وأنت سرسورها وسائسها * فهل على الحق أنت قاسرها أدب رجالا رأيت سيرتهم * خالف حكم الكتاب سائرها وامدد إلى الناس كف مرحمة * تسد منهم بها مفاقرها أمكنك العدل إذ هممت به * ووافقت مده مقادرها وأبصر الناس قصد وجههم * وملكت أمة أخايرها تشرع أعناقها إليك إذا * السادات يوما جمت عشائرها كم عندنا من نصيحة لك في الل‍ * ه وقربى عزت زوافرها وحرمة قربت أياصرها * منك وأخرى هل أنت ذاكرها سعى رجال في العلم مطلبهم * رائحها باكر وباكرها دونك غراء كالوذيلة لا * تفقد في بلدة سوائرها لا طمعا قلتها ولا بطرا * لكل نفس نفس تؤامرها سيرها الله بالنصيحة وال‍ * خشية فاستدمجت مرائرها جاءتك تحكى لك الامور كما * ينشر بز التجار ناشرها حملتها صاحبا أخا ثقة * يظل عجبا بها يحاضرها (وفى هذه السنة) استأمن الموكلون بقصر صالح من قبل محمد (وفيها) كانت الوقعة التى كانت على أصحاب طاهر بقصر صالح

[ 58 ]

* ذكر الخبر عن هذه الوقعة * ذكر عن محمد بن الحسين بن مصعب أن طاهرا لم يزل مصابرا محمدا وجنده على ما وصفت من أمره حتى مل أهل بغداد من قتاله وأن على فراهمرد الموكل بقصري صالح وسليمان بن أبى جعفر من قبل محمد كتب إلى طاهر يسأله الامان ويضمن له أن يدفع ما في يده من تلك الناحية إلى الجسور وما فيها من المجانيق والعرادات إليه وأنه قبل ذلك منه وأجابه إلى ما سأل ووجه إليه أبا العباس يوسف بن يعقوب الباذغيسى صاحب شرطه فيمن ضم إليه من قواده وذوى البأس من فرسانه ليلا فسلم إليه كل ما كان محمد وكله به من ذلك ليلة السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة 197 واستأمن إليه محمد بن عيسى صاحب شرطة محمد وكان يقاتل مع الافارقة وأهل السجون والاوباش وكان محمد بن عيسى غير مداهن في أمر محمد وكان مهيبا في الحرب فلما استأمن هذان إلى طاهر أشفى محمد على الهلاك ودخله من ذلك ما أقامه وأقعده حتى استسلم وصار على باب أم جعفر يتوقع ما يكون وأقبلت الغواة من العيارين وباعة الطرق والاجناد فاقتتلوا داخل قصر صالح وخارجه إلى ارتفاع النهار قال فقتل في داخل القصر أبو العباس يوسف ابن يعقوب الباذغيسى ومن كان معه من القواد والرؤساء المعدودين وقاتل فراهمرد وأصحابه خارجا من القصر حتى فل وانحاز إلى طاهر ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها أشد على طاهر وأصابه منها ولا أكثر قتيلا وجريحا معقورا من أصحاب طاهر من تلك الوقعة فأكثرت الحزب فيها القول من الشعر وذكر ما كان فيها من شدة الحرب وقال فيها الغوغاء والرعاع وكان مما قيل في ذلك قول الخليع أمين الله ثق بالل‍ * ه تعط الصبر والنصره كل الامر إلى الله * كلاك الله ذو القدره لنا النصر بعون الل‍ * ه والكرة لا الفره وللمراق أعدائ‍ * ك يوم السوء والدبره وكاس تلفظ الموت * كريه طعمها مره

[ 59 ]

سقينا وسقيناهم * ولكن بهم الحره كذاك الحرب أحيانا * علينا ولنا مره فذكر عن بعض الابناء أن طاهرا بث رسله وكتب إلى القواد والهاشميين وغيرهم بعد أن حاز ضياعهم وغلاتهم يدعوهم إلى الامان والدخول في خلع محمد والبيعة للمأمون فلحق به جماعة منهم عبد الله بن حميد بن قحطبة الطائى وإخوته ولد الحسن بن قحطبة ويحيى بن على بن ماهان ومحمد بن أبى العاص وكاتبه قوم من القواد والهاشميين في السر وصارت قلوبهم وأهواؤهم معه قال ولما كانت وقعة قصر صالح أقبل محمد على اللهو والشرب ووكل الامر إلى محمد بن عيسى ابن نهيك وإلى الهرش فوضعا مما يليهما من الدروب والابواب وكلاءهما بأبواب المدينة والارباض وسوق الكرخ وفرض دجلة وباب المحول والكناسة فكان لصوصها وفساقها يسلبون من قدروا عليه من الرجال والنساء والضعفاء من الملة والذمة فكان منهم في ذلك ما لم يبلغنا أن مثله كان في شئ من سائر بلاد الحروب قال ولما طال ذلك بالناس وضاقت بغداد بأهلها وخرج عنها من كانت به قوة بعد الغرم الفادح والمضايقة الموجعة والخطر العظيم فأخذ طاهر أصحابه بخلاف ذلك واشتد فيه وغلظ على أهل الريب وأمر محمد بن أبى خالد بحفظ الضعفاء والنساء وتجويزهم وتسهيل أمرهم فكان الرجل والمرأة إذا تخلص من أيدى أصحاب الهرش وصار إلى أصحاب طاهر ذهب عنه الروع وأمن وأظهرت المرأة ما معها من ذهب وفضة أو متاع أو بز حتى قيل إن مثل أصحاب طاهر ومثل أصحاب الهرش وذويه ومثل الناس إذا تخلصوا مثل السور الذى قال الله تعالى ذكره (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب فلما طال على الناس ما بلوا به ساءت حالهم وضاقوا به ذرعا وفى ذلك يقول بعض فتيان بغداد: بكيت دما على بغداد لما * فقدت غضارة العيش الانيق تبدلنا هموما من سرور * ومن سعة تبدلنا بضيق أصابتها من الحساد عين * فأفنت أهلها بالمنجيق فقوم أحرقوا بالنار قسرا * ونائحة تنوح على غريق

[ 60 ]

وصائحة تنادى واصباحا * وباكية لفقدان الشفيق وحوراء المدامع ذات دل * مضمخة المجاسد بالخلوق تفر من الحريق إلى انتهاب * ووالدها يفر إلى الحريق وسالبة الغزالة مقلتيها * مضاحكها كلالاة البروق حيارى كالهدايا مفكرات * عليهن القلائد في الحلوق ينادين الشفيق ولا شفيق * وقد فقد الشقيق من الشقيق وقوم خرجوا من ظل دنيا * متاعهم يباع بكل سوق ومغترب قريب الدار ملقى * بلا رأس بقارعة الطريق توسط من قتالهم جميعا * فما يدرون من أي الفريق فلا ولد يقيم على أبيه * وقد هرب الصديق بلا صديق ومهما أنس من شئ تولى * فإنى ذاكر دار الرقيق وذكر أن قائد من قواد أهل خراسان ممن كان مع طاهر من أهل النجدة والبأس خرج يوما إلى القتال فنظر إلى قوم عراة لا سلاح معهم فقال لاصحابه ما يقاتلنا إلا من أرى استهانة بأمرهم واحتقارا لهم فقيل له نعم هؤلاء الذين ترى هم الآفة فقال أف لكم حين تنكصون عن هؤلاء وتخيمون عنهم وأنتم في السلاح الظاهر والعدة والقوة ولكم مالكم من الشجاعة والنجدة وما عسى أن يبلغ كيد من أرى من هؤلاء ولا سلاح معهم ولا عدة لهم ولا جنة تقيهم فأوتر قوسه وتقدم وأبصر بعضهم فقصد نحوه وفى يده بارية مقبرة وتحت إبطه مخلاة فيها حجارة فجعل الخراساني كلما رمى بسهم استتر منه العيار فوقع في باريته أو قريبا منه فيأخذه فيجعله في موضع من باريته قد هيأه لذلك وجعله شبيها بالجعبة وجعل كلما وقع سهم أخذه وصاح دانق أي ثمن النشابة دانق قد أحرزه ولم يزل تلك حالة الخراساني وحال العيار حتى أنفذ الخراساني سهامه ثم حمل على العيار ليضربه بسيفه فأخرج من مخلاته حجرا فجعله في مقلاع ورماه فما أخطأ به عينه ثم ثناه بآخر فكاد يصرعه عن فرسه لولا تحاميه وكر راجعا وهو يقول ليس هؤلاء

[ 61 ]

بإنس قال فحدثت أن طاهرا حدث بحديثه فاستضحك وأعفى الخراساني من الخروج إلى الحرب فقال بعض شعراء بغداد في ذلك خرجت هذه الحروب رجالا * لا لقحطانها ولا لنزار معشرا في جواشن الصوف يغدو * ن إلى الحرب كالاسود الضوارى وعليهم مغافر الخوص تجزي‍ * هم عن البيض والتراس البوارى ليس يدرون ما الفرار إذا الاب‍ * طال عاذوا من القنا بالفرار واحد منهم يشد على أل‍ * فين عريان ماله من إزار ويقول الفتى إذا طعن الطع‍ * نة خذها من الفتى العيار كم شريف قد أخملته وكم قد * رفعت من مقامر طرار * ذكر الخبر عما كان منه ومن أصحاب محمد المخلوع في ذلك * * وعن السبب الذى من أجله فعل ذلك طاهر * أما السبب في ذلك فإنه فيما ذكر كان أن طاهرا لما قتل من قتل في قصر صالح من أصحابه ونالهم فيه من الجراح ما نالهم مضه ذلك وشق عليه لانه لم يكن له وقعة إلا كانت له لا عليه فلما شق عليه أمر بالهدم والاحراق عند ذلك فهدم دور من خالفه ما بين دجلة ودار الرقيق وباب الشأم وباب الكوفة إلى الصراة وأرجاء أبى جعفر وربض حميد ونهر كرخايا والكناسة وجعل يبايت أصحاب محمد ويدالجهم ويحوى في كل يوم ناحية من بعد ناحية ويخندق عليها المراصد من المقاتلة وجعل أصحاب محمد ينقصون ويزيدون حتى لقد كان أصحاب طاهر يهدمون الدار وينصرفون فتقلع أبوابها وسقوفها أصحاب محمد ويكونون أضر على أصحابهم من أصحاب طاهر تعديا فقال شاعر منهم وذكر أنه عمرو بن عبد الملك الوراق العترى في ذلك لنا كل يوم ثلمة لا نسدها * يزيدون فيما يطلبون وننقص إذا هدموا دارا أخذنا سقوفها * ونحن لاخرى غيرها نتربص وإن حرصوا يوما على الشر جهدهم * فغوغاؤنا منهم على الشر أحرص

[ 62 ]

فقد ضيقوا من أرضنا كل واسع * وصار لهم أهل بها وتعرصوا يثيرون بالطبل القنيص فإن بدا * لهم وجه صيد من قريب تقنصوا لقد أفسدوا شرق البلاد وغربها * علينا فما ندرى إلى أين نشخص إذا حضروا قالوا بما يعرفونه * وإن يروا شيئا قبيحا تخرصوا وما قتل الابطال مثل مجرب * رسول المنايا ليلة يتلصص ترى البطل المشهور في كل بلدة * إذا ما رأى العريان يوما يبصبص إذا ما رآه الشمري مقزلا * على عقبيه للمخافة ينكص يبيعك رأسا للصبى بدرهم * فإن قال إنى مرخص فهو مرخص فكم قاتل منا لآخر منهم * بمقتله عنه الذنوب تمحص تراه إذا نادى الامان مبارزا * ويغمزنا طورا وطورا يخصص وقد رخصت قراؤنا في قتالهم * وما قتل المقتول إلا المرخص وقال أيضا في ذلك الناس في الهدم وفى الانتقال * قد عرض الناس بقيل وقال يا أيها السائل عن شأنهم * عينك تكفيك مكان السؤال قد كان للرحمن تكبيرهم * فاليوم تكبيرهم للقتال اطرح بعينيك إلى جمعهم * وانتظر الروح وعد الليال لم يبق في بغداد إلا امرؤ * حالفه الفقر كثير العيال لا أم تحمى عن حماها ولا * خال له يحمى ولا غير خال ليس له مال سوى مطرد * مطرده في كفه رأس مال هان على الله فأجرى على * كفيه للشقوة قتل الرجال إن صار ذا الامر إلى واحد * صار إلى القتل على كل حال ما بالنا نقتل من أجلهم * سبحانك اللهم يا ذا الجلال وقال أيضا ولست بتارك بغداد يوما * ترحل من ترحل أو أقاما

[ 63 ]

إذا ما العيش ساعدنا فلسنا * نبالي بعد من كان الاماما قال عمرو بن عبد الملك العترى لما رأى طاهر أنهم لا يحفلون بالقتل والهدم والحرق أمر عند ذلك بمنع التجارات وأن يحرزوا الدقيق وغيره من المنافع من ناحيته إلى مدينة أبى جعفر والشرقية والكرخ وأمر بصرف سفن البصرة وواسط بطربايا إلى الفرات ومنه إلى المحول الكبير وإلى الصراة ومنها إلى خندق باب الانبار فما كان زهير بن المسيب يبذرقه إلى بغداد أخذ من كل سفينة فيها حمولة ما بين الالف درهم إلى الالفين والثلاثة وأكثر وأقل وفعل عمال طاهر وأصحابه ببغداد في جميع طرقها مثل ذلك وأشد فغلت الاسعار وصار الناس في أشد الحصار فيئسوا كثير منهم من الفرج والروح واغتبط من كان خرج منها وأسف على مقامه من أقام (وفى هذه السنة) استأمن ابن عائشة إلى طاهر وكان قد قاتل مع محمد حينا بالياسرية (وفيها) جعل طاهر قوادا من قواده بنواحي بغداد فجعل العلاء بن الوضاح الازدي في أصحابه ومن ضم إليه بالرباضة على المحول الكبير وجعل نعيم بن الوضاح أخاه فيمن كان معه من الاتراك وغيرهم مما يلى ربض أبى أيوب على شاطئ الصراة ثم غادى القتال وراوح أشهرا وصبر الفريقان جميعا فكانت لهم فيها وقعة بالكناسة باشرها طاهر بنفسه قتل فيها بشر كثير من أصحاب محمد فقال عمرو بن عبد الملك وقعة يوم الاحد * صارت حديث الابد كم جسد أبصرته * ملقى وكم من جسد وناظر كانت له * منية بالرصد أتاه سهم عائر * فشك جوف الكبد وصائح يا والدى * وصائح يا ولدى وكم غريق سابح * كان متين الجلد لم يفتقده أحد * غير بنات البلد وكم فقيد بئس * عز على المفتقد

[ 64 ]

كان من النظارة ال‍ * أولى شديد الخرد لو أنه عاين ما * عاينه لم يعد لم يبق من كهل لهم * فات ولا من أمرد وطاهر ملتهم * مثل التهام الاسد خيم لا يبرح في ال‍ * عرصة مثل اللبد تقذف عيناه لدى ال‍ * حرب بنار الوقد فقائل قد قتلوا * ألفا ولما يزد وقائل أكثر بل * مالهم من عدد وهارب نحوهم * يرهب من خوف غد هيهات لا تبصر م‍ * من قد مضى من أحد لا يرجع الماضي إلى ال‍ * باقى طول الابد قلت لمطعون وفي‍ * ه روحه لم تؤد من أنت يا ويلك يا * مسكين من محمد فقال لا من نسب * دان ولا من بلد لم أره قط ولم * أجد له من صفد وقال لا للغى قا * تلت ولا للرشد إلا لشئ عاجل * يصير منه في يدى * وذكر عن عمرو بن عبد الملك ان محمدا أمر زريحا غلامه بتتبع الاموال وطلبها عند أهل الودائع وغيرهم وأمر الهرش بطاعته فكان يهجم على الناس في منازلهم ويبيتهم ليلا ويأخذ بالظنة فجبى بذلك السبب أموالا كثيرة وأهلك خلقا فهرب الناس بعلة الحج وفر الاغنياء فقال القراطيسى في ذلك أظهروا الحج وما ينوونه * بل من الهرش يريدون الهرب كم أناس اصبحوا في غبطة * وكل الهرش عليهم بالعطب كل من راد زريح بيته * لقى الذل ووافاه الحرب (وفيها) كانت وقعة درب الحجارة

[ 65 ]

* ذكر الخبر عنها * * ذكر أن هذه الوقعة كانت بحضرة درب الحجارة وكانت لاصحاب محمد على أصحاب طاهر قتل فيها خلق كثير فقال في ذلك عمر بن عبد الملك العترى وقعة السبت يوم درب الحجاره * قطعت قطعة من النظاره ذاك من بعد ما تفانوا ولكن * أهلكتهم غوغاؤنا بالحجاره قدم الشورجين... عمدا * قال إنى لكم أريد الاماره فتلقاه كل لص مريب * عمر السجن دهره بالشطاره ما عليه شئ يواريه منه * أيره قائم كمثل المنارة فتولوا عنهم وكانوا قديما * يحسنون الضراب في كل غاره هؤلاء مثل هؤلاك لدينا * ليس يرجون.. حقا وجاره كل من كان خاملا صار رأسا * من نعيم في عيشه وغضاره حامل في يمينه كل يوم * مطردا فوق رأسه طياره أخرجته من بيتها أم سؤ * طلب النهب أمه العياره يشتم الناس ما يبالى بإفصا * ح لذى الشتم لا يشير إشاره ليس هذا زمان حر كريم * ذا زمان الانذال أهل الزعاره كان فيما مضى القتال قتالا * فهو اليوم يا على تجاره وقال أيضا بارية قد قيرت ظهرها * محمد فيها ومنصور العز والامن أحاديثهم * وقولهم قد أخذ السور وأى نفع لك في سورهم * وأنت مقتول وماسور قد قتلت فرسانكم عنوة * وهدمت من دوركم دور هاتوا لكم من قائد واحد * مهذب في وجهه نور يا أيها السائل عن شأننا * محمد في القصر محصور (وفيها) أيضا كانت وقعة بباب الشماسية أسر فيها هرثمة (5 - 7)

[ 66 ]

* ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان والى ما آل الامر فيه * ذكر عن على بن زيد أنه قال كان ينزل هرثمة نهر بين وعليه حائط وخندق وقد أعد المجانيق والعرادات وأنزل عبيد الله بن الوضاح الشماسية وكان يخرج أحيانا فيقف بباب خراسان مشفقا من أهل العسكر كارها للحرب فيدعو الناس إلى ما هو عليه فيشتمه ويستخف به فيقف ساعة ثم ينصرف وكان حاتم بن الصقر من قواد محمد وكان قد وافق أصحابه العراة والعيارين أن يواقفوا عبيد الله بن الوضاح ليلا فمضوا إلى عبيد الله مفاجأة وهو لا يعلم فأوقعوا به وقعة أزالوه عن موضعه وولى منهزما فأصابوا له خيلا وسلاحا ومتاعا كثيرا وغلب على الشماسية حاتم بن الصقر وبلغ الخبر هرثمة فأقبل في أصحابه لنصرته وليرد العسكر عنه إلى موضعه فوافاه أصحاب محمد ونشب الحرب بينهم وأسر رجل من العراة هرثمة ولم يعرفه فحمل بعض أصحاب هرثمة على الرجل فقطع يده وخلصه فمر منهزما وبلغ خبره أهل عسكره فتقوض بما فيه وخرج أهله هاربين على وجوههم نحو حلوان وحجز أصحاب محمد الليل عن الطلب وما كانوا فيه من النهب والاسر فحدثت أن عسكر هرثمة لم يتراجع أهله يومين وقويت العراة بما سار في أيديهم وقيل في تلك الوقعة أشعار كثيرة فمن ذلك قول عمرو الوراق عريان ليس بذى قميص * يغدو على طلب القميص يغدو على ذى جوشن * يعمى العيون من البصيص في كفه طرادة * حمراء تلمع كالفصوص حرصا على طلب القتا * ل أشد من حرص الحريص سلس القياد كأنما * يغدو على أكل الخبيص ليثا مغيرا لم يزل * رأسا يعد من اللصوص أجرى وأثبت مقدما * في الحرب من أسد رهيص يدنو على سنن الهوا * ن وعيصه من شر عيص ينجو إذا كان النجا * ء على أخف من القلوص

[ 67 ]

ما للكمى إذا بمق‍ * تله تعرض من محيص كم من شجاع فارس * قد باع بالثمن الرخيص يدعو ألا من يشترى * رأس الكمى بكف شيص وقال بعض أصحاب هرثمة يفنى الزمان وما يفنى قتالهم * والدور تهدم والاموال تنتقص والناس لا يستطيعون الذى طلبوا * لا يدفعون الردى عنهم وإن حرصوا يأتوا ؟ حديث لا ضياء له * في كل يوم لاولاد الزنى قصص قال ولما بلغ طاهرا ما صنع العراة وحاتم بن الصقر بعبيد الله بن الوضاح وهرثمة شتد ذلك عليه وبلغ منه وأمر بعقد جسر على دجلة فوق الشماسية ووجه أصحابه وعبأهم وخرج معهم إلى الجسر فعبروا إليهم وقاتلوهم أشد القتال وأمدهم بأصحابه ساعة بعد ساعة حتى ردوا أصحاب محمد وأزالوهم عن الشماسية ورد المهاجر عبيد الله بن الوضاح وهرثمة قال وكان محمد أعطى بنقض قصوره ومجالسه والخيزرانية بعد ظفر العراة ألفى ألف درهم فحرقها أصحاب طاهر كلها وكانت السقوف مذهبة وقتلوا من العراة والمنتهبين بشرا كثيرا وفى ذلك يقول عمرو الوراق ثقلان وطاهر بن الحسين * صبحونا صبيحة الاثنين جمعوا جمعهم بليل ونادوا * اطلبوا اليوم ثأركم بالحسين ضربوا طلبهم فثار إليهم * كل صلب القناة والساعدين يا قتيلا بالقاع ملقى على الش‍ * ط هواه بطئ الجبلين ما الذى في يديك أنت إذا ما اص‍ * طلح الناس أنت بالخلتين أوزير أم قائد بل بعي‍ * د أنت من ذين موضع الفرقدين كم بصير غدا بعينين كى يب‍ * صر ما حالهم فعاد بعين ليس يخطون ما يريدون ما يع‍ * مد راميهم سوى الناظرين سائلي عنهم هم شر من أب‍ * صرت في الناس ليس غير كذين شر باق وشر ماض من النا * س مضى أو رأيت في الثقلين

[ 68 ]

قال وبلغ ذلك من فعل طاهر محمدا فاشتد عليه وغمه وأجزعه فذكر كاتب لكوثر أن محمدا قال أو قيل على لسانه هذه الابيات منيت بأشجع الثقلين قلبا * إذا ما طال ليس كما يطول له مع كل ذى بدد رقيب * يشاهده ويعلم ما يقول فليس بمغفل أمرا عنادا * إذا ما الامر ضيعه الغفول (وفى هذه السنة) ضعف أمر محمد وأيقن بالهلاك وهرب عبد الله بن خازم ابن خزيمة من بغداد إلى المدائن فذكر عن الحسين بن الضحاك أن عبد الله بن خازم ابن خزيمة ظهرت له التهمة من محمد والتحامل عليه من السفلة والغوغاء فهم على نفسه وماله فلحق بالمدائن ليلا في السفن بعياله وولده فأقام بها ولم يحضر شيئا من القتال وذكر غيره أن طاهرا كاتبه وحذره قبض ضياعه واستئصاله فحذره ونجا من تلك الفتنة وسلم فقال بعض قرائبه في ذلك: وما جبن ابن خازم من رعاع * وأوباش الطغام من الانام ولكن خاف صولة ضيغمى * هصور الشد مشهور العرام فذاع أمره في الناس ومشى تجار الكرخ بعضهم إلى بعض فقالوا ينبغى لنا أن نكشف أمرنا لطاهر ونظهر له براءتنا من المعونة عليه فاجتمعوا وكتبوا كتابا أعلموه فيه أنهم أهل السمع والطاعة والحب له لما يبلغهم من إيثاره طاعة الله والعمل بالحق والاخذ على يد المريب وأنهم غير مستحلى النظر إلى الحرب فضلا عن القتال وأن الذى يكون حزبه من جانبهم ليس منهم قد ضاقت بهم طرق المسلمين حتى إن الرجل ولالهم بالكرخ دور ولا عقار وإنما هم بين طرار وسواط ونطاف وأهل السجون إنما مأواهم الحمامات والمساجد والتجار منهم إنما هم باعة الطريق يتجرون في محقرات تستقل المرأة في رحمه قلتبان ساعة قبل التخلص وحتى إن الشيخ ليسقط لوجهه ضعفا وحتى إن الحامل الكيس في حجزته وكفه ليطر منه ومالنا بهم بدان ولا طاقة ولا نملك لانفسنا معهم شيئا وإن بعضنا يرفع الحجر عن الطريق لما جاء فيه من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف لو اقتدرنا على من في اقامته

[ 69 ]

عن الطريق وتخليده السجن وتنفيته عن البلاد وجسم الشر والشغب ونفى الدعارة والطر والسرق صلاح الدين والدنيا وحاش لله أن يحاربك منا أحد * فذكر أنهم كتبوا بهذا قصة وأنفذوا قوما على الانسلال إليه بها فقال لهم أهل الرأى منهم والحزم لا تظنوا أن طاهرا ؟ عن هذا أو قصر عن إذكاء العيون فيكم وعليكم حتى كأنه شاهدكم والرأى ألا تشهروا أنفسكم بهذا فانا لا نأمن إن رأكم أحد من السفلة أن يكون به هلاككم وذهاب أموالكم والحزب في تعرضكم لهؤلاء السفلة أعظم من طلبكم براءة الساحة عند طاهر خوفا بل لو كنتم من أهل الآثام والذنوب لكنتم إلى صفحه وتغمده وغفره أقرب فتوكلوا على الله تبارك وتعالى وأمسكوا فأجابوهم وأمسكوا وقال ابن أبى طالب المكفوف دعوا أهل الطريق فعن قليل * تنالهم مخاليب الهصور فتهتك حجب أفئدة شداد * وشيكا ما تصير إلى القبور فإن الله مهلكهم جميعا * بأسباب التمنى والفجور وذكر أن الهرش خرج ومعه الغوغاء والعراة ولفيفهم حتى صار إلى جزيرة العباس وخرجت عصابة من أصحاب طاهر فاقتتلوا قتالا شديدا وكانت ناحية لم يقاتل فيها فصار ذلك الوجه بعد ذلك اليوم موضعا للقتال حتى كان الفتح منه وكان أول يوم قاتلوا فيه استعلى أصحاب محمد على أصحاب طاهر حتى بلغوا بهم دار أبى يزيد السروى وخاف أهل الارباض في تلك النواحى مما يلى طريق ؟ ب الانبار فذكر أن طاهرا لما رأى ذلك وجه إليهم قائدا من أصحابه وكان مشتغلا بوجوه كثيرة يقاتل منها أصحاب محمد فأوقع لهم فيها وقعة صعبة وغرق في الصراة بشر كثير وقتل آخرون فقال في هزيمة طاهر في أول عمرو الوراق نادى منادى طاهر عندنا * يا قوم كفوا واجلسوا في البيوت فسوف يأتيكم غد فاحذروا *..... فثارت الغوغاء في وجهه * بعد انتصاف الليل قبل القنوت في يوم سبت تركوا جمعه * في ظلمة الليل سمودا خفوت

[ 70 ]

وقال في الوقعة التى كانت على أصحاب محمد كم قتيل ما رأينا * ما سألناه لايش دراعا يلقاه عريا * ن بجهل وبطيش إن تلقاه برمح * يتلقاه بفيش حبشيا يقتل النا * س على قطعة خيش مرتدا بالشمس راض * بالمنى من كل عيش يحمل الحملة لا يقتل إلا رأس جيش كعلى أفراهمرد * أو علاء أو قريش احذر الرمية ياطا * هر من كف الجيشى وقال أيضا عمرو الوراق في ذلك ذهبت بهحة بغدا * د وكانت ذات بهجه فلها في كل يوم * رجة من بعد رجه ضجت الارض إلى * الله من المنكر ضجه أيها المقتول ما أن‍ * ت على دين المحجه ليت شعرى ما الذى نل‍ * ت وقد أدلجت دلجه أإلى الفردوس وجه‍ * ت أم النار توجه حجر أرداك أم أر * ديت قسرا بالازجه إن تكن قاتلت برا * فعلينا ألف حجه وذكر عن على بن يزيد أن بعض الخدم حدثه أن محمدا أمر ببيع ما بقى في الخزائن التى كانت أنهبت فكم ولاتها ما فيها ليسرق فتضايق على محمد أمره وفقد ما كان عنده وطلب الناس الارزاق فقال يوما وقد ضجر مما يرد عليه وددت أن الله عزوجل قتل الفريقين جميعا وأراح الناس منهم فما منهم إلا عدو ممن معنا ومما علينا أما هؤلاء فيريدون مالى وأما أولئك فيريدون نفسي وذكرت أبياتا قيل إنه قالها

[ 71 ]

تفرقوا ودعوني * يا معشر الاعوان فكلكم ذو وجوه * كخلقة الانسان وما أرى غير إفك * وترهات الامانى ولست أملك شيئا * فسائلوا خزاني فالويل لى ما دهاني * من ساكن البستان قال وضعف أمر محمد وانتشر جنده وارتاع في عسكره وأحس من طاهر بالعلو عليه وبالظفر به (وحج الناس) في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بتوجيه طاهر إياه على الموسم بأمر المأمون بذلك وكان على مكة في هذه السنة داود بن عيسى * ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من خلاف خزيمة بن خازم محمد بن هارون ومفارقته إياه واستئمانه إلى طاهر بن الحسين ودخول هرثمة الجانب الشرقي ذكر الخبر عن سبب فراقه إياه وكيف كان الامر في مصيره والدخول في طاعة طاهر ذكر أن السبب في ذلك كان أن طاهرا كتب إلى خزيمة يذكر له أن الامر إن يقطع بينه وبين محمد لم يكن له أثر في نصرته ولم يقصر في أمره فلما وصل كتابه إليه شاور ثقات أصحابه وأهل بيته فقالوا له نرى والله أن هذا الرجل أخذ بقفا صاحبنا فاحتل لنفسك ولنا فكتب إلى طاهر بطاعته وأخبره أنه لو كان هو البازل في الجانب الشرقي مكان هرثمة لكان يحمل نفسه له على كل هول وأعلمه قلة ثقته بهرثمة ويناشده ألا بحمله على مكروه من أمره إلا أن يضمن له القيام دونه وإدخال هرثمة إليه ليقطع الجسور ويتبع هو أمرا يؤثر رأيه ورضاه وأنه لم يضمن له ذلك فليس يسعه تعريضه للسفلة والغوغاء والرعاع والتلف فكتب طاهر إلى هرثمة يلومه ويعجزه ويقول جمت الاجناد وأتلفت الاموال وأقطعتها دون

[ 72 ]

أمير المؤمنين ودوني وفى مثل حاجتى إلى الكلف والنفقات وقد وقفت على قوم هينة شوكتهم يسير أمرهم وقوف المحجم الهائب ان في ذلك جرما فاستعد للدخول فقد أحكمت الامر على دفع العسكر وقطع الجسور وأرجو ألا يختلف عليك في ذلك اثنان إن شاء الله قال وكتب إليه هرثمة أنا عارف ببركة رأيك ويمن مشورتك فمر بما أحببت فلن أخالفك قال فكتب طاهر بذلك إلى خزيمة وقد ذكر أن طاهرا لما كاتب خزيمة كتب أيضا إلى محمد بن على بن عيسى بن ماهان بمثل ذلك قيل فلما كانت ليلة الاربعاء لثمان بقين من المحرم سنة 198 وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن على بن عيسى على جسر دجلة فقطعاه وركزا أعلامهما عليه وخلعا محمدا ودعوا لعبد الله المأمون وسكن أهل عسكر المهدى ولزموا منازلهم وأسواقهم في يومهم ذلك ولم يدخل هرثمة حتى مضى إليه نفر يسير غيرهما من القواد فحلفوا له أنه لا يرى منهم مكروها فقبل ذلك منهم فقال حسين الخليع في قطع خزيمة الجسر علينا جميعا من خزيمة منة * بها أخمد الرحمن ثائرة الحرب تولى أمور المسلمين بنفسه * فذب وحامى عنهم أشرف الذب ولولا أبو العباس ما انفك دهرنا * يبيت على عتب ويغدو على عتب خزيمة لم ينكر له مثل هذه * إذ اضطربت شرق البلاد مع الغرب أناخ بجسرى دجلة القطع والقنا * شوارع والارواح في راحة العضب وأم المنايا بالمنايا مخيلة * تفجع عن خطب وتضحك عن خطب فكانت كنار ماكرتها سحابة * فأطفأت اللهب الملفف باللهب وما قتل نفس في نفوس كثيرة * إذا صارت الدنيا إلى الامن والخصب بلاء أبى العباس غير مكفر * إذا فزع الكرب المقيم إلى الكرب فذكر عن يحيى بن سلمة الكاتب أن طاهرا غدا يوم الخميس على المدينة الشرقية وأرباضها والكرخ وأسواقها وهدم قنطرتي الصراة العتيقة والحديثة واشتد عندهما القتال واشتد طاهر على أصحابه وباشر القتال بنفسه وقاتل من كان معه بدار الرقيق فهزمهم حتى ألحقهم بالكرخ وقاتل طاهر بباب الكرخ

[ 73 ]

وقصر الوضاح فهزمهم أصحاب محمد وردوا على وجوههم ومر طاهر لا يلوى على أحد حتى دخل قسرا بالسيف وأمر مناديه فنادى بالامان لمن لزم منزله ووضع بقصر الوضاح وسوق الكرخ والاطراف قوادا وجندا في كل موضع على قدر حاجته منهم وقصد إلى مدينة أبى جعفر فأحاط بها وبقصر زبيدة وقصر الخلد من لدن باب الجسر إلى باب خراسان وباب الشأم وباب الكوفة وباب البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة بالخيول والعدة والسلاح وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش والافارقة فنصب المجانيق خلف السور على المدينة وبإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد ورمى وخرج محمد بأمه وولده إلى مدينة أبى جعفر وتفرق عنه عامة جنده وخصانه وجواريه في السكك والطرق لا يلوى منهم أحد على أحد وتفرق الغوغاء والسفلة وفى ذلك يقول عمرو الوراق يا طاهر الظهر الذى * مثاله لم يوجد يا سيد بن السيد ب‍ * ن السيد بن السيد رجعت إلى أعمالها الا * ولى عراة محمد من بين نطاف وس‍ * واط وبين مقرد ومجرد يأوى إلى * عيارة ومجرد ومقيد نقب السجو * ن فعاد غير مقيد ومسود بالنهب سا * د وكان غير مسود ذلوا لعزك واستكا * نوا بعد طول تمرد وذكر عن على بن يزيد أنه قال كنت يوما عند عمرو الوراق أنا وجماعة فجاء رجل فحدثنا وقعة طاهر بباب الكرخ وانهزام الناس عنه فقال عمرو ناولنى قدحا وقال في ذلك خذها فللخمرة أسماء * لها دواء ولها داء يصلحها الماء إذا صفقت * يوما وقد يفسدها ؟ وقائل كانت لهم وقعة * في يومنا هذا وأشياء

[ 74 ]

قلت له أنت أمرؤ جاهل * فيك عن الخيرات إبطاء اشرب ودعنا من أحاديثهم * يصطلح الناس إذا شاؤا قال ودخل علينا آخر فقال قاتل فلان العراة وأقدم فلان وانتهب فلان قال فقال أيضا أي دهر نحن فيه * مات فيه الكبراء هذه السفلة والغو * غاء فينا أمناء ما لنا شئ من الاش‍ * ياء إلا ما يشاء ضجت الارض وقد ض‍ * جت إلى الله السماء رفع الدين وقد ها * نت على الله الدماء يا أبا موسى لك الخي‍ * رات قد حان اللقاء هاكها صرفا عقارا * قد أتاك الندماء وقال أيضا عمرو الوراق في ذلك إذا ما شئت أن تغض‍ * ب جنديا وتستأمر فقل يا معشر الاجنا * د قد جاءكم طاهر قال وتحصن محمد بالمدينة هو ومن يقاتل معه وحصره طاهر وأخذ عليه الابواب ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء وغيرهما فذكر عن الحسين ابن أبى سعيد أن طارقا الخادم وكان من خاصة محمد وكان المأمون بعد مقدمه أخبره أن محمدا سأله يوما من الايام وهو محصورا أو قال في آخر يوم من أيامه ان يطعمه شيئا قال فدخلت المطبخ فلم أجد شيئا فجئت إلى حمرة العطارة وكانت جارية الجوهر فقلت لها إن أمير المؤمنين جائع فهل عندك شئ فانى لم أجد في المطبخ شيئا فقالت لجارية لها يقال لهابنان أي شئ عندك فجاءت بدجاجة ورغيف فأتيته بهما فأكل وطلب ماء يشربه فلم يوجد في خزانة الشراب فأمسى وقد كان عزم على لقاء هرثمة فما شرب ماء حتى أتى عليه وذكر عن محمد بن راشد أن إبراهيم ابن المهدى أخبره أنه كان نازلا مع محمد المخلوع في مدينة المنصور في قصر بباب

[ 75 ]

الذهب لما حصره طاهر قال فخرج ذات ليلة من القصر يريد أن يتفرج من الضيق الذى هو فيه فصار إلى قصر القرار في قرن الصراة أسفل من قصر الخلد في جوف الليل ثم أرسل إلى فصرت إليه فقال يا إبراهيم أما ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر في السماء وضوئه في الماء ونحن حينئذ في شاطئ دجلة فهل لك في الشرب فقلت شأنك جعلني الله فداك فدعا برطل نبيذ فشربه ثم أمر فسقيت مثله قال فابتدأت أغنيه من غير أن يسألنى لعلمي بسوء خلقه فغنيت ما كنت أعلم أنه يحبه فقال لى ما تقول فيمن يضرب عليك فقلت ما أحوجنى إلى ذلك فدعا بجارية متقدمة عنده يقال لها ضعف فتطيرت من اسمها ونحن في تلك الحال التى هو عليها فلما صارت بين يديه قال تغنى فغنت بشعر النابغة الجعدى كليب لعمري كان أكثر ناصرا * وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم قال فاشتد ما غنت به عليه وتطاير منه وقال لها غنى غير هذا فتغنت أبكى فراقهم عينى وأرقها * إن التفرق للاحباب بكاء ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم * حتى تفانوا وريب الدهر عداء فقال لها لعنك الله أما تعرفين من الغناء شيئا غير هذا قالت يا سيدى ما تغنيت إلا بما ظننت أنك تحبه وما أردت ما تكرهه وما هو إلا شئ جاءني ثم أخذت في غناء آخر أما ورب السكون والحرك * إن المنايا كثيرة الشرك ما اختلف الليل والنهار ولا * دارت نجوم السماء في الفلك إلا لنقل النعيم من ملك * عان بحب الدنيا إلى ملك وملك ذى العرش دائم أبدا * ليس بفان ولا بمشترك فقال لها قومي غضب الله عليك قال فقامت وكان له قدح بلور حسن الصنعة وكان محمد يسميه زب رباح وكان موضوعا بين يديه فقامت الجارية منصرفة فتعثرت بالقدح فكسرته قال إبراهيم والعجب أنا لم نجلس مع هذه الجارية قط إلا رأينا ما نكره في مجلسنا ذلك فقال لى ويحك يا إبراهيم ما نرى ما جاءت به هذه

[ 76 ]

الجارية ثم ما كان من أمر القدح والله ما أظن أمرى إلا وقد قرب فقلت يطيل الله عمرك ويعز ملكك ويديم لك ويكبت عدوك فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتا من دجلة قضى الامر الذى فيه تستفتيان فقال يا إبراهيم ما سمعت ما سمعت قلت لا والله ما سمعت شيئا وقد كنت سمعت قال تسمع حسا قال فدنوت من الشط فلم أر شيئا ثم عاودنا الحديث فعاد الصوت قضى الامر الذى فيه تستفتيان فوثب من مجلسه ذلك مغتما ثم ركب فرجع إلى موضعه بالمدينة فما كان بعد هذا إلا ليلة أو ليلتان حتى حدث ما حدث من قتله وذلك يوم الاحد لست أو لاربع خلون من صفر سنة 198 وذكر عن أبى الحسن المدائني قال لما كان ليلة الجمعة لسبع بقين من المحرم سنة 198 دخل محمد بن هارون مدينة السلام هاربا من القصر الذى كان يقال له الخلد مما كان يصل إليه من حجارة المنجنيق وأمر بمجالسه وبسطه أن تحرق فأحرقت ثم صار إلى المدينة وذلك لاربع عشرة شهرا منذ ثارت الحرب مع طاهر إلا اثنى عشر يوما (وفى هذه السنة) قتل محمد بن هارون * ذكر الخبر عن مقتله * ذكر عن محمد بن عيسى الجلودى أنه قال لما صار محمد إلى المدينة وقر فيها وعلم قواده أنه ليس لهم ولا له فيها عدة للحصار وخافوا أن يظفر بهم دخل على محمد حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الاغلب الافريقى وقواده فقالوا قد آلت حالك وحالنا إلى ما ترى وقد رأينا رأيا نعرضه عليك فانظر فيه واعتزم عليه فانا نرجو أن يكون صوابا ويجعل الله فيه الخيرة إن شاء الله قال ما هو قالوا قد تفرق عنك الناس وأحاط بك عدوك من كل جانب وقد بقى من خيلك معك ألف فرس من خيارها وجيادها فنرى أن نختار من قد عرفناه بمحبتك من الابناء سبعمائة رجل فنحملهم على هذه الخيل ونخرج ليلا على باب من هذه الابواب فان الليل لاهله ولن يثبت لنا أحد إن شاء الله فنخرج حتى نلحق بالجزيرة والشأم فتفرض الفروض وتجبى الخراج وتصير في مملكة واسعة وملك جديد فيسارع اليك الناس وينقطع عن طلبك الجنود وإلى ذاك ما قد أحدث الله عزوجل في

[ 77 ]

مكر الليل والنهار أمورا فقال لهم نعم ما رأيتم واعتزم على ذلك وخرج الخبر إلى طاهر فكتب إلى سليمان بن أبى جعفر وإلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى السندي ابن شاهك والله لئن تقروه وتردوه عن هذا الرأى لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها ولا تكون لى همة إلا أنفسكم فدخلوا على محمد فقالوا قد بلغنا الذى عزمت عليه فنحن نذكرك الله في نفسك ان هؤلاء صعاليك وقد بلغ الامر إلى ما ترى من الحصار وضاق عليهم المذهب وهم يرون ألا أمان لهم على أنفسهم وأموالهم عند أخيك وعند طاهر وهرثمة لما قد انتشر عنهم من مباشرة الحرب والجد فيها ولسنا نأمن إذا برزوا بك وحصلت في أيديهم أن يأخذوك أسيرا ويأخذوا رأسك فيتقربوا بك ويجعلوك سبب أمانهم وضربوا له فيه الامثال قال محمد بن عيسى الجلودى وكان أبى وأصحابه قعودا في رواق البيت الذى محمد وسليمان وأصحابه فيه قال فلما سمعوا كلامهم ورأوا أنه قد قبله مخافة أن يكون الامر على ما قالوا له هموا أن يدخلوا عليهم فيقتلوا سليمان وأصحابه ثم بدا لهم وقالوا حرب من داخل وحرب من خارج فكفوا وأمسكوا قال محمد بن عيسى فلما نكت ذلك في قلب محمد ووقع في نفسه ما وقع منه أضرب عما كان عزم عليه ورجع إلى قبول ما كانوا بذلوا له من الامان والخروج فأجاب سليمان والسندى ومحمد بن عيسى إلى ما سألوه من ذلك فقالوا إنما غايتك اليوم السلامة واللهو وأخوك يتركك حيث أحببت ويفردك في موضع ويجعل لك كل ما يصلحك وكل ما تحب وتهوى وليس عليك منه بأس ولا مكروه فركن إلى ذلك وأجابهم إلى الخروج إلى هرثمة قال محمد بن عيسى وكان أبى وأصحابه يكرهون الخروج إلى هرثمة لانهم كانوا من أصحابه وقد عرفوا مذاهبه وخافوا أن يجفوهم ولا يخصهم ولا يجعل لهم مراتب فدخلوا على محمد فقالوا له إذ أبيت أن تقبل منا ما أشرنا عليك به وهو الصواب وقبلت من هؤلاء المداهنين فالخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة قال محمد بن عيسى فقال لهم ويحكم أنا أكره طاهرا وذلك أنى رأيت في منامي كأنى قائم على حائط من آجر شاهق في السماء عريض الاساس وثيق لم أر حائطا يشبهه في الطول والعرض والوثاقة وعلى سوادى

[ 78 ]

ومنطقتي وسيفي وقلنسوتي وخفى وكان طاهر في أصل ذلك الحائط فما زال يضرب أصله حتى سقط الحائط وسقطت وندرت قلنسوتي من رأسي وأنا أتطير من طاهر وأستوحش منه وأكره الخروج إليه لذلك وهرثمة مولانا وبمنزلة الوالد وأنا به أشد أنسا وأشد ثقة وذكر عن محمد بن اسماعيل عن حفص بن أرميائيل أن محمدا لما أراد أن يعبر من الدار بالقرار إلى منزل كان في بستان موسى وكان له جسر في ذلك الموضع أمر أن يفرش في ذلك المجلس ويطيب قال فمكثت ليلتى أنا وأعواني نتخذ الروائح والطيب ونكثب التفاح والرمان والاترج ونضعه في البيوت فسهرت ليلتى أنا وأعواني ولما صليت الصبح دفعت إلى عجوز قطعة بخور من عنبر فيها مائة مثقال كالبطيخة وقلت لها إنى سهرت ونعست نعاسا شديدا ولابد لى من نومة فإذا نظرت إلى أمير المؤمنين قد أقبل على الجسر فضعى هذا العنبر على الكانون وأعطيتها كانونا من فضة صغيرا عليه جمر وأمرتها أن تنفخ حتى تحرقها كلها ودخلت حرافة فنمت فما شعرت إلا وبالعجوز قد جاءت فزعة حتى أيقظتني فقالت لى قم يا حفص فقد وقعت في بلاء قلت وما هو قالت نظرت إلى رجل مقبل على الجسر منفرد شبيه الجسم بجسم أمير المؤمنين وبين يديه جماعة وخلفه جماعة فلم أشك أنه هو فأحرقت العنبرة فلما جاء فإذا هو عبد الله بن موسى وهذا أمير المؤمنين قد أقبل قال فشتمتها وعنفتها قال وأعطيتها أخرى مثل تلك لتحرقها بين يديه ففعلت وكان هذا من أوائل الادبار وذكر على بن يزيد قال لما طال الحصار على محمد فارقه سليمان بن أبى جعفر وابراهيم بن المهدى ومحمد بن عيسى بن نهيك ولحقوا جميعا بعسكر المهدى ومكث محمد محصورا في المدينة يوم الخميس ويوم الجمعة والسبت وناظر محمد أصحابه ومن بقى معه في طلب الامان وسألهم عن الجهة في النجاة من طاهر فقال له السندي والله يا سيدي لئن ظفر بنا المأمون لعلى رغم منا وتعس جدودنا وما أرى فرجا إلا هرثمة قال له وكيف بهرثمة وقد أحاط الموت بى من كل جانب وأشار عليه آخرون بالخروج إلى طاهر وقالوا لو حلفت له بما يتوثق به منك أنك مفوض إليه ملكك فلعله كان سيركن

[ 79 ]

اليك فقال لهم أخطأتهم وجه الرأى وأخطأت في مشاورتكم هل كان عبد الله أخى لو جهد نفسه وولى الامور برأيه بالغا عشر ما بلغه له طاهر وقد محصته وبحثت عن رأيه فما رأيته يميل إلى غدر به ولا طمع فيما سواه ولو أجاب إلى طاعتي وانصرف إلى ثم ناصبنى أهل الارض ما اهتممت بأمر ولوددت أنه أجاب إلى ذلك فمنحته خزائني وفوضت إليه أمرى ورضيت أن أعيش في كنفه ولكني لا أطمع في ذلك منه فقال له السندي صدقت يا أمير المؤمنين فبادر بنا إلى هرثمة فانه يرى ألا سبيل عليك إذا خرجت إليه من الملك وقد ضمن إلى أنه مقاتل دونك إن هم عبد الله بقتلك فاخرج ليلا في ساعة قد نوم الناس فيها فانى أرجو أن يغبى على الناس أمرنا وقال أبو الحسن المدائني لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة وأجابه إلى ما أراد اشتد ذلك على طاهر وأبى أن يرفه عنه ويدعه يخرج وقال هو في حيزى والجانب الذى أنا فيه وأنا أخرجته بالحصار والحرب حتى صار إلى طلب الامان ولا أرضى أن يخرج إلى هرثمة دوني فيكون الفتح له ولما رأى هرثمة والقواد ذلك اجتمعوا في منزل خزيمة بن خازم فصار إليهم طاهر وخاصة قواده وحضرهم سليمان بن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسندى بن شاهك وأداروا الرأى بينهم ودبروا الامر وأخبروا طاهرا انه لا يخرج إليه أبدا وانه إن لم يجب إلى ما سأل لم يؤمن أن يكون الامر في أمره مثله في أيام الحسين بن على بن عيسى ابن ماهان فقالوا له يخرج ببدنه إلى هرثمة إذ كان يأمن به ويثق بناحيته وكان مستوحشا منك ويدفع اليك الخاتم والقضيب والبردة وذلك الخلافة ولا تفسد هذا الامر واغتنمه إذ يسره الله فأجاب إلى ذلك ورضى به ثم قيل إن الهرش لما علم بالخبر أراد التقرب إلى طاهر فخبره ان الذى جرى بينهم وبينه مكر وان الخاتم والبردة والقضيب تحمل مع محمد إلى هرثمة فقبل طاهر ذلك منه وظن أنه كما كتب به إليه فاغتاظ وكمن حول قصر أم جعفر وقصور الخلد كمناء بالسلاح ومعهم العتل والفؤوس وذلك ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 وفى الشهر السرياني خمسة وعشرون من ايلول فذكر الحسن بن أبى سعيد قال أخبرني

[ 80 ]

طارق الخادم قال لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة عطش قبل خروجه فطلبت له في خزانة شرابه ماء فلم أجده قال وأمسى فبادر يريد هرثمة للوعد الذى كان بينه وبينه ولبس ثياب الخلافة دراعة وطيلسانا والقلنسوة الطويلة وبين يديه شمعة فلما انتهينا إلى دار الحرس من باب البصرة قال اسقنى من جباب الحرس فناولته كوزا من ماء فعافه لزهو كته فلم يشرب منه وصار إلى هرثمة فوثب به طاهر وأكمن له نفسه في الخلد فلما صار إلى الحراقة خرج طاهر وأصحابه فرموا الحراقة بالسهام والحجارة فمالوا ناحية الماء وانكفأت الحراقة فغرق محمد وهرثمة ومن كان فيها فسبح محمد حتى عبر وصار إلى بستان موسى وظن أن غرقه انما كان حيلة من هرثمة فعبر دجلة حتى صار إلى قرب الصراة وكان على المسلحة ابراهيم بن جعفر البلخى ومحمد بن حميد هو ابن أخى شكلة أم ابراهيم بن المهدى وكان طاهر ولاه وكان إذا ولى رجلا من أصحابه خراسانيا ضم إليه قوما فعرفه محمد بن حميد وهو المعروف بالطاهري وكان طاهر يقدمه في الولايات فصاح بأصحابه فنزلوا فأخذوه فبادر محمدا لما فاخذ بساقيه فجذبه وحمل على برذون وألقى عليه أزار من أزر الجند غير مفتول وصار به إلى منزل ابراهيم بن جعفر البلخى وكان ينزل بباب الكوفة وأردف رجلا خلفه يمسكه لئلا يسقط كما يفعل بالاسير فذكر عن الحسن ابن أبى سعيد أن خطاب بن زياد حدثه ان محمدا وهرثمة لما غرقا بادر طاهر إلى بستان مؤنسة بإزاء باب الانبار موضع معسكره لئلا يتهم بغرق هرثمة قال فلما انتهى طاهر ونحن معه في الموكب والحسن بن على المأمونى والحسن الكبير الخادم للرشيد إلى باب الشأم لحقنا محمد بن حميد فترجل ودنا من طاهر فأخبره انه قد أسر محمدا ووجه به إلى باب الكوفة إلى منزل ابراهيم البلخى قال فالتفت الينا طاهر فأخبرنا الخبر وقال ما تقولون فقال له المأمونى مكن أي لا تفعل فعل حسين بن على قال فدعا طاهر بمولى له يقال له قريش الدندانى فأمره بقتل محمد قال وأتبعه طاهر يريد باب الكوفة إلى الموضع وأما المدائني فانه ذكر عن محمد بن عيسى الجلودى قال لما تهيأ للخروج وكان بعد عشاء

[ 81 ]

الآخرة من ليلة الاحد خرج إلى صحن القصر فقعد على كرسى وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود فدخلنا عليه فقمنا بين يديه بالاعمدة قال فجاء كتلة الخادم فقال يا سيدى أبو حاتم يقرئك السلام ويقول يا سيدى وافيت للميعاد لحملك ولكني أرى ألا تخرج الليلة فانى رأيت في دجلة على الشط أمرا قد رابنى وأخاف أن أغلب فتؤخذ من يدى أو تذهب نفسك ولكن أقم بمكانك حتى أرجع ثم أستعد ثم آتيك القابلة فأخرجك فان حوربت حاربت دونك ومعى عدتي قال فقال له محمد ارجع إليه فقل له لا تبرح فانى خارج اليك الساعة لا محالة ولست أقيم إلى غد قال وقلق وقال قد تفرق عنى الناس ومن على بابى من الموالى والحرس ولا آمن إن أصبحت وانتهى الخبر بتفريقهم إلى طاهر أن يدخل على فيأخذني ودعا بفرس له أدهم محذوف أغر محجل كان يسميه الزهري ثم دعا بابنيه فضمهما إليه وشمهما وقبلهما وقال أستودعكما الله ودمعت عيناه وجعل يمسح دموعه بكمه ثم قام فوثب على الفرس وخرجنا بين يديه إلى باب القصر حتى ركبنا دوابنا وبين يديه شمعة واحدة فلما صرنا إلى الطاقات مما يلى باب خراسان قال لى أبى يا محمد ابسط يدك عليه فانى أخاف أن يضربه إنسان بالسيف فان ضرب كان الضرب بك دونه قال فألقيت عنان فرسى بين معرفته وبسطت يدى عليه حتى انتهينا إلى باب خراسان فأمرنا به ففتح ثم خرجنا إلى المشرعة فإذا حراقة هرثمة فرقى إليها فجعل الفرس يتلكأ وينفر وضربه بالسوط وحمله عليها حتى ركبها في دجلة فنزل في الحراقة وأخذنا الفرس ورجعنا إلى المدينة فدخلناها وأمرنا بالباب فأغلق وسمعنا الواعية فصعدنا على القبة التى على الباب فوقفنا فيها نسمع الصوت * فذكر عن أحمد بن سلام صاحب المظالم أنه قال كنت فيمن ركب مع هرثمة من القواد في الحراقة فلما نزلها محمد قمنا على أرجلنا إعظاما وجثى هرثمة على ركبتيه وقال له يا سيدى ما أقدر على القيام لمكان النقرس الذى بى ثم احتضنه وصيره في حجره ثم جعل يقبل يديه ورجليه وعينيه ويقول يا سيدى ومولاى وابن سيدى ومولاى قال وجعل يتصفح وجوهنا قال ونظر إلى (6 - 7)

[ 82 ]

عبيد الله بن الوضاح فقال له أيهم أنت قال أنا عبيد الله بن الوضاح قال نعم فجزاك الله خيرا فما أشكرني لما كان منك من أمر الثلج ولو قد لقيت أخى أبقاه الله لم أدع أن أشكرك عنده وسألته مكافأتك عنى قال فبينا نحن كذلك وقد أمر هرثمة بالحراقة أن تدفع إذ شد علينا أصحاب طاهر في الزواريق والشذوات وعطعطوا وتعلقوا بالسكان فبعض يقطع السكان وبعض ينقب الحراقة وبعض يرمى بالآجر والنشاب قال فنقبت الحراقة فدخلها الماء فغرقت وسقط هرثمة إلى الماء فأخرجه ملاح وخرج كل واحد منا على حيله ورأيت محمدا حين صار إلى تلك الحال قد شق عليه ثيابه ورمى بنفسه إلى الماء قال فخرجت إلى الشط فعلقني رجل من أصحاب طاهر فمضى بى إلى رجل قاعد على كرسى من حديد على شط دجلة في ظهر قصر أم جعفر بين يديه نار توقد فقال بالفارسية هذا رجل خرج من الماء ممن غرق من أهل الحراقة فقال لى من أنت قلت من أصحاب هرثمة أنا أحمد بن سلام صاحب شرطة مولى أمير المؤمنين قال كذبت فاصدقني قال قلت قد صدقتك قال فما فعل المخلوع قلت قد رأيته حين شق عليه ثيابه وقذف بنفسه في الماء قال قدموا دابتي فقدموا دابته فركب وأمر بى أن أجنب قال فجعل في عنقي حبل وجنبت وأخذ في درب الرشدية فلما انتهى إلى مسجد أسد بن المرزبان انبهرت من العدو فلم أقدر أن أعدو فقال الذى يجننبى قد قام هذا الرجل وليس يعد وقال أنزل فحذ رأسه فقلت له جعلت فداك لم تقتلني وأنا رجل على من الله نعمة ولم أقدر على العدو وأنا أفدى نفسي بعشرة آلاف درهم قال فلما سمع ذكر العشرة آلاف درهم قلت تحبسني عندك حتى تصبح وتدفع إلى رسولا حتى أرسله إلى وكيلى في منزلي في عسكر المهدى فان لم يأتك بالعشرة آلاف فاضرب عنقي قال قد أنصفت فأمر بحملي فحملت ردفا لبعض أصحابه فمضى بى إلى دار صاحبه دار أبى صالح الكاتب فأدخلني الدار وأمر غلمانه أن يحتفظوا بى وتقدم إليهم وأوعز وتفهم منى خبر محمد ووقوعه في الماء ومضى إلى طاهر ليخبره خبره فإذا هو إبراهيم البلخى قال فصيرني غلمانه في بيت من بيوت الدار فيه بوار ووسادتان

[ 83 ]

أو ثلاث وفى رواية حصر مدرجة قال فقعدت في البيت وصيروا فيه سراجا وتوثقوا من باب الدار وقعدوا يتحدثون قال فلما ذهب من الليل ساعة إذا نحن بحركة الخيل فدقوا الباب ففتح لهم فدخلوا وهم يقولون يسر زبيدة قال في أدخل على رجل عريان عليه سراويل وعمامة متلثم بها وعلى كتفيه خرقة خلقة فصيروه معى وتقدموا إلى من في الدار في حفظه وخلفوا معهم قوما آخرين أيضا منهم قال فلما استقر في البيت حسر العمامة عن وجهه فإذا هو محمد فاستعبرت واسترجعت فيما بينى وبين نفسي قال وجعل ينظر إلى ثم قال أيهم أنت قال قلت أنا مولاك يا سيدي قال وأى الموالى قلت أحمد بن سلام صاحب المظالم فقال وأعرفك بغير هذا كنت تأتيني بالرقة قال قلت نعم قال كنت تأتيني وتلطفني كثيرا لست مولاى بل أنت أخى ومنى ثم قال يا أحمد قلت لبيك يا سيدي قال ادن منى وضمني إليك فإنى أجد وحشة شديدة قال فضممته إلى فإذا قلبه يخفق خفقا شديدا كاد أن يفرج عن صدره فيخرج قال فلم أزل أضمه إلى وأسكنه قال ثم قال يا أحمد ما فعل أخى قال قلت هو حى قال قبح الله صاحب بريدهم ما أكذبه كان يقول قد مات شبه المعتذر من محاربته قال قلت بل قبح الله وزراءك قال لا تقل لوزرائي إلا خيرا فما لهم ذنب ولست بأول من طلب أمرا فلم يقدر عليه قال ثم قال يا أحمد ما تراهم يصنعون بى أتراهم يقتلوني أو يفون لى بأيمانهم قال قلت بل يفون لك يا سيدى قال وجعل يضم على نفسه الخرقة التى على كتفيه ويضمها ويمسكها بعضده يمنة ويسرة قال فنزعت مبطنة كانت على ثم قلت يا سيدي ألق هذه عليك قال ويحك دعني هذا من الله عزوجل لى في هذا الموضع خير قال فبينا نحن كذلك إذ دق باب الدار ففتح فدخل علينا رجل عليه سلاحه فتطلع في وجهه مستثبتا له فلما أثبته معرفة انصرف وغلق الباب وإذا هو محمد بن حميد الطاهري قال فعلمت أن الرجل مقتول قال وكان بقى على من صلاتي الوتر فخفت أن أقتل معه ولم أوتر قال فقمت أوتر فقال لى يا أحمد لا تتباعد منى وصل إلى جانبى أجد وحشة شديدة قال فاقتربت منه فلما انتصف الليل أو قارب سمعت

[ 84 ]

حركة الخيل ودق الباب ففتح فدخل الدار قوم من العجم بأيديهم السيوف مسللة فلما رآهم قام قائما وقال إنا لله وإنا إليه راجعون ذهبت والله نفسي في سبيل الله أما من حيلة أما من مغيث أما من أحد من الابناء قال وجاءوا حتى قاموا على باب البيت الذى نحن فيه فأحجموا عن الدخول وجعل بعضهم يقول لبعض تقدم ويدفع بعضهم بعضا قال فقمت فصرت خلف الحصر المدرجة في زاوية البيت وقام محمد فأخذه بيده وسادة وجعل يقول ويحكم إنى ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ابن هارون وأنا أخو المأمون الله الله في دمى قال فدخل عليه رجل منهم يقال له خمارويه غلام لقريش الدندانى مولى طاهر فضربه بالسيف ضربة وقعت على مقدم رأسه وضرب محمد وجهه بالوسادة التى كانت في يده واتكأ عليه ليأخذ السيف من يده فصاح خمارويه قتلني قتلني بالفارسية قال فدخل منهم جماعة فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته وركبوه فذبحوه ذبحا من قفاه وأخذوا رأسه فمضوا به إلى طاهر وتركوا جثته قال ولما كان في وقت السحر جاءوا إلى جثته فأدرجوها في جل وحملوها قال فأصبحت فقيل لى هات العشرة آلاف درهم وإلا ضربنا عنقك قال فبعثت إلى وكيلى فأتاني فأمرته فأتاني بها فدفعتها إليه قال وكان دخول محمد المدينة يوم الخميس وخرج إلى دجلة يوم الاحد وذكر عن أحمد بن سلام في هذه القصة أنه قال قلت لمحمد لما دخل على البيت وسكن لاجزى الله وزراءك خيرا فانهم أوردوك هذا المورد فقال لى يا أخى ليس بموضع عتاب ثم قال أخبرني عن المأمون أخى أحى هو قلت نعم هذا القتال عمن إذا هو إلا عنه قال فقال لى أخبرني يحيى أخو عامر بن اسماعيل بن عامر وكان يلى الخبر في عسكر هرثمة أن المأمون مات فقلت له كذب قال ثم قلت له هذا الازار الذى عليك إزار غليظ فالبس إزارى وقميصي هذا فانه لين فقال لى من كانت حاله مثل حالى فهذا له كثير قال فلقنته ذكر الله والاستغفار فجعل يستغفر قال وبينا نحن كذلك إذ هدة تكاد الارض ترجف منها وإذا أصحاب طاهر قد دخلوا الدار وأرادوا البيت وكان في الباب ضيق فدافعهم محمد بمجنة كانت معه في البيت فما

[ 85 ]

وصلوا إليه حتى عرقبوه ثم هجموا عليه فحزوا رأسه واستقبلوا به طاهرا وحملوا جثته إلى بستان مؤنسة إلى معسكره إذ أقبل عبد السلام بن العلاء صاحب حرس هرثمة فأذن له وكان عبر إليه على الجسر الذى كان بالشماسية فقال له أخوك يقرئك السلام فما خبرك قال يا غلام هات الطس فجاؤا به وفيه رأس محمد فقال هذا خبرى فاعلمه فلما أصبح نصب رأس محمد على باب الانبار وخرج من أهل بغداد للنظر إليه ما لا يحصى عددهم وأقبل طاهر يقول رأس المخلوع محمد * وذكر محمد بن عيسى أنه رأى المخلوع على ثوبه قملة فقال ما هذا فقالوا شئ يكون في ثياب الناس فقال أعوذ بالله من زوال النعمة فقتل من يومه * وذكر عن الحسن بن أبى سعيد أن الجندين جند طاهر وجند أهل بغداد ندموا على قتل محمد لما كانوا يأخذون من الاموال * وذكر عنه أنه ذكر أن الخزانة التى كان فيها رأس محمد ورأس عيسى بن ماهان ورأس أبى السرايا كانت إليه قال فنظرت في رأس محمد فإذا فيه ضربة في وجهه وشعر رأسه ولحيته صحيح لم ينجاب منه شئ ولونه على حاله قال وبعث طاهر برأس محمد إلى المأمون مع البردة والقضيب والمصلى وهو من سعف مبطن مع محمد بن الحسن بن مصعب ابن عمه فأمر له بألف ألف درهم فرأيت ذا الرئاستين وقد أدخل رأس محمد على ترس بيده إلى المأمون فلما رآه سجد قال الحسن فأخبرني ابن أبى حمزة قال حدثنى على بن حمزة العلوى قال قدم جماعة من آل أبى طالب على طاهر وهو بالبستان حين قتل محمد بن زبيدة ونحن بالحضرة فوصلهم ووصلنا وكتب إلى المأمون بالاذن لنا أو ولبعضنا فخرجنا إلى مرو وانصرفنا إلى المدينة فهنؤنا بالنعمة ولقينا من بها من أهلها وسائر أهل المدينة فوصفنا لهم قتل محمد وأن طاهر بن الحسين دعا مولى له يقال له قريش الدندانى وأمره بقتله قال فقال لنا شيخ منهم كيف قلت فأخبرته فقال الشيخ سبحان الله كنا نرى هذا أن قريشا يقتله فذهبنا إلى القبيلة فوافق الاسم الاسم * وذكر عن محمد بن أبى الوزير أن على بن محمد بن خالد بن برمك أخبره أن إبراهيم بن المهدى لما بلغه قتل محمد استرجع وبكى طويلا ثم قال

[ 86 ]

عوجا بمغنى طلل داثر * بالخلد ذات الصخر والآجر والمرمر المسنون يطلى به * والباب باب الذهب الناضر عوجا بها فاستيقنا عندها * على يقين قدرة القادر وأبلغا عنى مقالا إلى ال‍ * مولى على المأمور والآمر قولا له يا ابن ولى الهدى * طهر بلاد الله من طاهر لم يكفه أن حز أوداجه * ذبح الهدايا بمدى الجازر حتى أتى يسحب أوصاله * في شطن يفنى مدى الشابر قد برد الموت على جنبه * وطرفه منكسر الناظر قال وبلغ ذلك المأمون فاشتد عليه * وذكر عن المدائني أن طاهرا كتب إلى المأمون بالفتح أما بعد فالحمد لله المتعالى ذى العزة والجلال والملك والسلطان الذى إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون لا إله إلا هو الرحمن الرحيم كان فيما قدر الله فأحكم ودبر فأبرم انتكاث المخلوع ببيعته وانتقاضه بعهده وارتكاثه في فتنته وقضاؤه عليه القتل بما كسبت يداه وما الله بظلام للعبيد وقد كتبت إلى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه في إحاطة جند الله بالمدينة والخلد وأخذهم بأفواهها وطرقها ومسالكها في دجلة نواحى أزقة مدينة السلام وانتظام المسالح حواليها وحدرى السفن والزواريق بالعرادات والمقاتلة إلى ما واجه الخلد وباب خراسان تحفظا بالمخلوع وتخوفا من أن يروغا مراعا ويسلك مسلكا يجد به السبيل إلى إثارة فتنة وإحياء ثائرة أو يهايج قتالا بعد أن حصره الله عزوجل وخذله ومتابعة الرسل بما يعرض عليه هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين ويسألني من تخلية الطريق له في الخروج إليه واجتماعى وهرثمة بن أعين لنتناظر في ذلك وكراهتي ما أحدث وراءه من أمره بعد إرهاق الله إياه وقطعه رجاءه من كل حيلة ومتعلق وانقطاع المنافع عنه وحيل بينه وبين الماء فضلا عن غيره حتى هم به خدمه وأشياعه من أهل المدينة ومن نجا معه إليها وتحزبوا على الوثوب به للدفع عن أنفسهم والنجاة بها وغير ذلك مما فسرت لامير المؤمنين أطال الله بقاءه مما أرجو أن

[ 87 ]

يكون قد أتاه وإنى أخبر أمير المؤمنين أنى رويت فيما دبر هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين في المخلوع وما عرض عليه وأجابه إليه فوجدت الفتنة في تخلصه من موضعه الذى قد أنزله الله فيه بالذلة والصغار وصيره فيه إلى الضيق والحصار تزداد ولا يزيد أهل التربص في الاطراف إلا طمعا وانتشارا وأعلمت ذلك هرثمة ابن أعين وكراهتي ما أطعمه فيه وأجابه إليه فذكر أنه لا يرى الرجوع عما أعطاه فصادرته بعد يأس من انصرافه عن رأيه على أن يقدم المخلوع رداء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيفه وقضيبه قبل خروجه ثم أخلى له طريق الخروج إليه كراهة أن يكون بينى وبينه اختلاف نصير منه إلى أمر يطمع الاعداء فينا أو فراق القلوب بخلاف ما نحن عليه من الائتلاف والاتفاق على ذلك وعلى أن نجتمع لميعادنا عشية السبت فتوجهت في خاصة ثقاتي الذين اعتمدت عليهم وأثق بهم بربط الجأش وصدق البأس وصحة المناصحة حتى طالعت جميع أمر كل من كنت وكلت بالمدينة والخلد برا وبحرا والتقدمة إليهم في التحفظ والتيقظ والحراسة والحذر ثم انكفأت إلى باب خراسان وكنت أعددت حراقات وسفنا سوى العدة التى كانت لاركبها بنفسى لوقت ميعادى بينى وبين هرثمة فنزلتها في عدة ممن ركب معى من خاصة ثقاتي وشاكريتى وصيرت عدة منهم فرسانا ورجالة بين باب خراسان والمشرعة وعلى الشط وأقبل هرثمة بن أعين حتى صار بقرب باب خراسان معدا مستعدا وقد خاتلنى بالرسالة إلى المخلوع إلى أن يخرج إليه إذا وافى المشرعة ليحمله قبل أن أعلم أو يبعث إلى بالرداء والسيف والقضيب على ما كان فارقني عليه من ذلك فلما وافى خروج المخلوع على من وكلت بباب خراسان نهضوا عند طلوعه عليهم ليعرفوا الطابع لامرى كان أتاهم وتقدمى إليهم ألا يدعوا أحدا يجوزهم الا بأمرى فبادرهم نحو المشرعة وقرب هرثمة إليه الحراقة فسبق الناكث أصحابي إليها وتأخر كوثر فظفر به قريش مولاى ومعه الرداء والقضيب والسيف فأخذه وما معه فنفر أصحاب المخلوع عند ما رأوا من ارادة أصحابي منع مخلوعهم من الخروج فبادر بعضهم حراقة هرثمة فتكفأت بهم حتى أغرقت في الماء ورسبت

[ 88 ]

فانصرف بعضهم إلى المدينة ورمى المخلوع عند ذلك بنفسه من الحراقة في دجلة متخلصا إلى الشط نادما على ما كان من خروجه ناقضا للعهد داعيا بشعاره فابتدره عدة من أوليائي الذين كنت وكلتهم بما بين مشرعة باب خراسان وركن الصراة فأخذوه عنوة قهرا بلا عهد ولا عقد فدعا بشعاره وعاد في نكثه فعرض عليهم مائة حبة ذكر أن قيمة كل حبة مائة ألف درهم فأبوا الا الوفاء لخليفتهم أبقاه الله وصيانة لدينهم وايثارا للحق الواجب عليهم فتعلقوا به قد أسلمه وأفرده كل يرغبه ويريد أن يفوز بالحظوة عندي دون صاحبه حتى اضطربوا فيما بينهم وتناولوه بأسيافهم منازعة فيه وتشاحا عليه إلى أن أتيح له مغيظا لله ودينه ورسوله وخليفته فأوتى عليه وأتانى الخبر بذلك فأمرت بحمل رأسه إلى فلما أتيت به تقدمت إلى من كنت وكلت بالمدينة والخلد وما حواليها وسائر من في المسالح في لزوم مواضعهم والاحتفاظ بما يليهم إلى أن يأتيهم أمرى ثم انصرفت فأعظم الله لامير المؤمنين الصنع والفتح عليه وعلى الاسلام به وفيه فلما أصبحت هاج الناس واختلفوا في المخلوع فمصدق بقتله ومكذب وشاك وموقن فرأيت أن أطرح عنهم الشبهة في أمره فمضيت برأسه لينظروا إليه فيصح بعينهم وينقطع بذلك بعل قلوبهم ودخل التياث المستشرفين للفساد والمستوفزين للفتنة وغدوت نحو المدينة فاستسلم من فيها وأعطى أهلها الطاعة واستقام لامير المؤمنين شرقي ما يلى مدينة السلام وغربيه وأرباعه وأرباضه ونواحيه وقد وضعت الحرب أوزارها وتلافي بالسلام والاسلام أهله وبعد الله الدغل عنهم وأصارهم ببركة أمير المؤمنين إلى الامن والسكون والدعة والاستقامة والاغتباط والصنع من الله جل وعز والخيرة والحمد لله على ذلك فكتبت إلى أمير المؤمنين حفظه الله وليس قبلى داع إلى فتنة ولا متحرك ولا ساع في فساد ولا أحد إلا سامع مطيع باخع حاضر قد أذاقه الله حلاوة أمير المؤمنين ودعة ولايته فهو يتقلب في ظلها يغدو في متجره ويروح في معايشه والله ولى ما صنع من ذلك والمتمم له والمان بالزيادة فيه برحمته وأنا أسأل الله ان يهنئ أمير المؤمنين نعمته ويتابع له فيها مزيده

[ 89 ]

ويوزعه عليها شكره وأن يجعل منته لديه متواليا دائما متواصلا حتى يجمع الله له خير الدنيا والآخرة ولاوليائه وأنصار حقه ولجماعة المسلمين ببركته وبركة ولايته ويمن خلافته إنه ولى ذلك منهم وفيه انه سميع لطيف لما يشاء وكتب يوم الاحد لاربع بقين من المحرم سنة 198 وذكر عن محمد المخلوع أنه قبل مقتله وبعد ما صار في المدينة ورأى الامر قد تولى عنه وأنصاره يتسللون فيخرجون إلى طاهر قعد في الجناح الذى كان عمله على باب الذهب وكان تقدم في بنائه قبل ذلك وأمر بإحضار كل من كان معه في المدينة من القواد والجند فجمعوا في الرحبة فأشرف عليهم وقال الحمد لله الذى يرفع ويضع ويعطى ويمنع ويقبض ويبسط واليه المصير أحمده على نوائب الزمان وخذلان الاعوان وتشتت الرجال وذهاب الاموال وحلول النوائب وتوفد المصائب حمدا يدخر لى به أجزل الجزاء ويرفدنى أحسن العزاء وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد لنفسه وشهدت له ملائكته وأن محمدا عبده الامين ورسوله إلى المسلمين صلى الله عليه وسلم آمين رب العالمين أما بعد يا معشر الابناء وأهل السبق إلى الهدى فقد علمتم غفلتي كانت أيام الفضل بن الربيع وزير على ومشير فمادت به الايام بما لزمنى به من الندامة في الخاصة والعامة إلى أن نبهتمونى فانتبهت واستعنتموني في جميع ما كرهتم من نفسي وفيكم فبذلت لكم ما حواه ملكى ونالته مقدرتي مما جمعته وورثته عن آبائى فقودت من لم يجز واستكفيت من لم يكف واجتهدت علم الله في طلب رضاكم بكل ما قدرت عليه واجتهدتم علم الله في مساءتى في كل ما قدرتم عليه من ذلك توجيهي اليكم على بن عيسى شيخكم وكبيركم وأهل الرأفة بكم والتحنن عليكم فكان منكم ما يطول ذكره فغفرت الذنب وأحسنت واحتملت وعزيت نفسي عند معرفتي بشذوذ الظفر وحرصي على مقامكم مسلحة بحلوان مع ابن كبير صاحب دعوتكم ومن على يدى أبيه كان فخركم وبه تمت طاعتكم عبد الله بن حميد بن قحطبة فصرتم من التألب عليه إلى مالا طاقة له به ولا صبر عليه يقودكم رجل منكم وأنتم

[ 90 ]

عشرون ألفا إلى عامين وعلى سيدكم متوثبين مع سعيد الفرد سامعين له مطيعين ثم وثبتم مع الحسين على فخلعتموني وشتمتمونى وانتهبتموني وحبستموني وقيدتمونى وأشياء منعتموني من ذكرها حقد قلوبكم وتلكى طاعتكم أكبر وأكثر فالحمد لله حمد من أسلم لامره ورضى بقدره والسلام (وقيل) لما قتل محمد وارتفعت الثائرة وأعطى الامان الابيض والاسود وهدأ الناس ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة فصلى بالناس وخطبهم خطبة بليغة نزع فيها من قوارع القرآن فكان مما حفظ من ذلك أن قال الحمد لله مالك الملك يوتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شئ قدير في آى من القرآن أتبع بعضها بعضا وحض على الطاعة ولزوم الجماعة ورغبهم في التمسك بحبل الطاعة وانصرف إلى معسكره * وذكر أنه لما صعد المنبر يوم الجمعة وحضره من بنى هاشم والقواد وغيرهم جماعة كثيرة قال الحمد لله مالك الملك يؤتيه من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شئ قدير لا يصلح عمل المفسدين ولا يهدى كيد الخائين ان ظهور غلبتنا لم يكن من أيدينا ولا كيدنا بل اختار الله للخلافة إذ جعلها عمادا لدينه وقواما لعباده وضبط الاطراف وسد الثغور وإعداد العدة وجمع الفئ وإنفاذ الحكم ونشر العدل وإحياء السنة بعد إذبال البطالات والتلذذ بموبق الشهوات والمخلد إلى الدنيا مستحسن لداعى غرورها محتلب درة نعمتها ألف لزهرة روضتها كلف برونق نهجتها وقد رأيتم من وفاء موعود الله عزوجل لمن بغى عليه وما أحل به من بأسه ونقمته لما نكب عن عهده وارتكب معصيته وخالف أمره وغيره ناهيه وعظته مردية فتمسكوا بدقائق عصم الطاعة واسلكوا مناحى سبيل الجماعة واحذروا مصارع أهل الخلاف والمعصية الذين قدحوا زناد الفتنة وصدعوا شعب الالفة فأعقبهم الله خسار الدنيا والآخرة ولما فتح طاهر بغداد كتب إلى أبى اسحاق المعتصم وقد ذكر بعضهم أنه إنما كتب بذلك إلى ابراهيم بن المهدى وقال الناس كتبه إلى أبى اسحاق المعتصم أما بعد فانه عزيز على أن أكتب إلى رجل من أهل

[ 91 ]

بيت الخلافة بغير التأمير ولكنه بلغني أنك تميل بالرأى وتصغى بالهوى إلى الناكث المخلوع وإن كان كذلك فكثير ما كتبت به اليك وإن كان غير ذلك فالسلام عليك أيها الامير ورحمة الله وبركاته وكتب في أسفل الكتاب هذه الابيات ركوبك الامر ما لم تبل فرصته * جهل ورأيك بالتغرير تغرير أقبح بدنيا ينال المخطئون بها * حظ المصيبين والمغرور مغرور (وفى هذه السنة) وثب الجند بعد مقتل محمد بطاهر فهرب منهم وتغيب أياما حتى أصلح أمرهم * ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به وإلى ما آل أمره وأمرهم * ذكر عن سعيد بن حميد أنه ذكر أن أباه حدثه أن أصحاب طاهر بعد مقتل محمد بخمسة أيام وثبوا به ولم يكن في يديه مال فضاق به أمره وظن أن ذلك عن مواطأة من أهل الارباض إياهم وأنهم معهم عليه ولم يكن تحرك في ذلك من أهل الارباض أحد فاشتدت شوكة أصحابه وخشى على نفسه فهرب من البستان وانتهبوا بعض متاعه ومضى إلى عاقرقوف وكان قد أمر بحفظ أبواب المدينة وباب القصر على أم جعفر وموسى وعبد الله ابني محمد ثم أمر بتحويل زبيدة وموسى وعبد الله ابني محمد معها من قصر أبى جعفر إلى قصر الخلد فحولوا ليلة الجمعة لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ربيع الاول ثم مضى بهم من ليلتهم في حراقة إلى همينيا على الغربي من الزاب الاعلى ثم أمر بحمل موسى وعبد الله إلى عمهما بخراسان على طريق الاهواز وفارس قال ولما وثب الجند بطاهر وطلبوا الارزاق أحرقوا باب الانبار الذى على الخندق وباب البستان وشهروا السلاح وكانوا كذلك يومهم ومن الغد ونادوا موسى يا منصور وصوب الناس إخراج طاهر موسى وعبد الله وقد كان طاهر انحاز ومن معه من القواد وتعبأ لقتالهم ومحاربتهم فلما بلغ ذلك القواد والوجوه صاروا إليه واعتذروا وأحالوا على السفهاء والاحداث وسألوه الصفح عنهم وقبول عذرهم والرضى عنهم وضمنوا له ألا يعود والمكروه له ما أقام معهم فقال لهم طاهر والله ما خرجت عنكم إلا لوضع

[ 92 ]

سيفى فيكم وأقسم بالله لئن عدتم لمثلها لاعودن إلى رأيى فيكم ولاخرجن إلى مكروهكم فكسرهم بذلك وأمر لهم برزق أربعة أشهر فقال في ذلك بعض الابناء آلى الامير وقوله وفعاله * حق بجمع معاشر الذعار إن هاج هائجهم وشغب شاغب * من كل ناحية من الاقطار ألا يناظر معشرا من جمعهم * إمهال ذى عدل وذى إنظار حتى ينيخ عليهم بعظيمة * تدع الديار بلاقع الآثار فذكر عن المدائني أن الجند لما شغبوا وانحاز طاهر ركب إليه سعيد بن مالك ابن قادم ومحمد بن أبى خالد وهبيرة بن خازم في مشيخة من أهل الارباض فحلفوا بالمغلظة من الايمان أنه لم يتحرك في هذه الايام أحد من أبناء الارباض ولا كان ذلك عن رأيهم ولا أرادوه وضمنوا له صلاح نواحيهم من الارباض وقيام كل انسان منهم في ناحيته بكل ما يجب عليه حتى لا يأتيه من ناحية أمر يكرهه وأتاه عميرة أبو شيخ بن عميرة الاسدي وعلى بن يزيد في مشيخة من الابناء فلقوه بمثل ما لقبه به ابن أبى خالد وسعيد بن مالك وهبيرة وأعلموه حسن رأى من خلفهم من الابناء ولين طاعتهم له وأنهم لم يدخلوا في شئ مما صنع أصحابه في البستان فطابت نفسه الا أنه قال لهم إن القوم يطلبون أرزاقهم وليس عندي مال فضمن لهم سعيد بن مالك عشرين ألف دينار وحملها إليه فطابت بها نفسه وانصرف إلى معسكره بالبستان وقال طاهر لسعيد إنى أقبلها منك على أن تكون على دينا فقال له بل هي انما صلة وقليل لغلامك وفيما أوجب الله من حقك فقبلها منه وأمر للجند برزق أربعة أشهر فرضوا وسكنوا (قال المدائني) وكان مع محمد رجل يقال له السمرقندى وكان يرمى عن مجانيق كانت في سفن من باطن دجلة وربما كان يشتد أمر أهل الارباض على من بإزائهم من أصحاب محمد في الخنادق فكان يبعث إليه فيجئ به فيرميهم وكان راميا لم يكن حجره يخطئ ولم يقتل الناس يومئذ بالحجارة كما قيل فلما قتل محمد قطع الجسر وأحرقت المجانيق التى كانت في دجلة يرمى عنها فأشفق على نفسه وتخوف من بعض من وتره أن يطلبه فاستخفى وطلبه

[ 93 ]

الناس فتكارى بغلا وخرج إلى ناحية خراسان هاربا فمضى حتى إذا كان في بعض الطريق استقبله رجل فعرفه فلما جازه قال الرجل للمكارى ويحك أين تذهب مع هذا الرجل والله لئن ظفر بك معه لتقتلن وأهون ما هو مصيبك أن تحبس قال إنا لله وإنا إليه راجعون قد والله عرفت اسمه وسمعت به قتله الله فانطلق المكارى إلى أصحابه أو مسلحة انتهى إليها فأخبرهم خبره وكانوا من أصحاب كندغوش من أصحاب هرثمة فأخذوه وبعثوا به إلى هرثمة وبعث به هرثمة إلى خزيمة بن خازم بمدينة السلام فدفعه خزيمة إلى بعض من وتره فأخرجه إلى شاطئ دجلة من الجانب الشرقي فصلب حيا * فذكروا أنه لما أرادوا شده على خشبته اجتمع خلق كثير فجعل يقول قبل أن يشدوه أنتم بالامس تقولون لا قطع الله يا سمرقندي يدك واليوم قد هيأتم حجارتكم ونشابكم لترموني فلما رفعت الخشبة أقبل الناس عليه رميا بالحجارة والنشاب وطعنا بالرماح حتى قتلوه وجعلوا يرمونه بعد موته ثم أحرقوه من غد وجاؤا بنار ليحرقوه بها وأشعلوها فلم تشتعل وألقوا عليه قصبا وحطبا فأشعلوها فيه فاحترق بعضه وتمزقت الكلاب بعضه وذلك يوم السبت لليلتين خلتا من صفر * ذكر الخبر عن صفة محمد بن هارون وكنيته وقدر ما ولى ومبلغ عمره * (قال) هشام بن محمد وغيره ولى محمد بن هارون وهو أبو موسى يوم الخميس لاحدى عشرة بقيت من جمادى الاولى سنة 193 وقتل ليلة الاحد لست بقين من صفر سنة 197 وأمه زبيدة ابنة جعفر الاكبر بن أبى جعفر فكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام وقد قيل كانت كنيته أبا عبد الله * وأما محمد ابن موسى الخوارزمي فانه ذكر عنه أنه قال أتت الخلافة محمد بن هارون للنصف من جمادى الآخرة سنة 193 وحج بالناس في هذه السنة التى ولى فيها داود بن عيسى بن موسى وهو على مكة وأبو البخترى على ولايته وبعد ولايته بعشرة أشهر وخمسة أيام وجهه عصمة بن أبى عصمة إلى ساوة وعقد ولايته لابنه موسى بولاية العهد لثلاث خلون من شهر ربيع الاول وكان على شرطه على بن

[ 94 ]

عيسى بن ماهان وحج بالناس سنة 194 على بن الرشيد وعلى المدينة اسماعيل بن العباس بن محمد وعلى مكة داود بن عيسى وكان بين أن عقد لابنه إلى التقاء على بن عيسى بن ماهان وطاهر بن الحسين وقتل على بن عيسى بن ماهان سنة 195 ستة وثلاثة أشهر وتسعة وعشرين يوما قال وقتل المخلوع ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم قال فكانت ولايته مع الفتنة أربع سنين وسبعة أشهر وثلاثة أيام ولما قتل محمد ووصل خبره إلى المأمون في خريطة من طاهر يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من صفر سنة 198 وأظهر المأمون الخبر وأذن للقواد فدخلوا عليه وقام الفضل بن سهل فقرأ الكتاب بالخبر فهنئ بالظفر ودعوا الله له وورد الكتاب من المأمون بعد قتل محمد على طاهر وهرثمة بخلع القاسم بن هارون فأظهرا ذلك ووجها كتبهما به وقرئ الكتاب بخلعه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر ربيع الاول سنة 197 وكان عمر محمد كله فيما بلغني ثمانيا وعشرين سنة وكان سبطا أنزع أبيض صغير العينين أقنى جميلا عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين وكان مولده بالرصافة وذكر أن طاهرا قال حين قتله قتلت الخليفة في داره * وأنهيت بالسيف أمواله وقال أيضا ملكت الناس قسرا واقتدارا * وقتلت الجبابرة الكبارا ووجهت الخلافة نحو مرو * إلى المأمون تبتدر ابتدارا * ذكر ما قيل في محمد بن هارون ومرثيته * فما قيل في هجائه لم نبكيك لماذا للطرب * يا أبا موسى وترويج اللعب ولترك الخمس في أوقاتها * حرصا منك على ماء العنب وشنيف أنا لا أبكى له * وعلى كوثر لا أخشى العطب لم يكن تعرف ما حد الرضى * لا ولا تعرف ما حد الغضب لم تكن تصلح للملك ولم * تعطك الطاعة بالملك العرب

[ 95 ]

أيها الباكى عليه لا بكت * عين من أبكاك إلا للعجب لم نبكيك لما عرضتنا * للمجانيق وطورا للسلب ولقوم صيرونا أعبدا * لهم يبدو على الرأس الذنب في عذاب وحصار مجهد * سدد الطرق فلا وجه طلب زعموا أنك حى حاشر * كل من قال هذا قد كذب ليت من قد قاله في وحدة * من جميع ذاهب حيث ذهب أوجب الله علينا قتله * فإذا ما أوجب الامر وجب كان والله علينا فتنة * غضب الله عليه وكتب وقال عمرو بن عبد الملك الوراق يبكى بغداد ويهجو طاهرا ويعرض به من ذا أصابك يا بغداد بالعين * ألم تكوني زمانا قرة العين ألم يكن فيك أقوام لهم شرف * بالصالحات وبالمعروف يلقوني ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم * وكان قرهم زينا من الزين صاح الزمان بهم بالبين فانقرضوا * ما ذا الذى فجعتني لوعة البين أستودع الله قوما ما ذكرتهم * إلا تحدر ماء العين من عينى كانوا ففرقهم دهر وصدعهم * والدهر يصدع ما بين الفريقين كم كان لى مسعد منهم على زمنى * كم كان منهم على المعروف من عون لله در زمان كان يجمعنا * أين الزمان الذى ولى ومن أين يا من يخرب بغداد ليعمرها * أهلكت نفسك ما بين الطريقين كانت قلوب جميع الناس واحدة * عينا وليس لكون العين كالدين لما أشتهم فرقتهم فرقا * والناس طرا جميعا بين قلبين وذكر عمر بن شبة أن محمد بن أحمد الهاشمي حدثه أن لبابة ابنة على بن المهدى قالت أبكيك لا للنعيم والانس * بل للمعالي والرمح والترس أبكى على هالك فجعت به * أرملني قبل ليلة العرس وقد قيل إن هذا الشعر لابنة عيسى بن جعفر وكانت مملكة بمحمد وقال الحسين

[ 96 ]

ابن الضحاك الاشقر مولى باهلة يرثى محمدا وكان من ندمائه وكان لا يصدق بقتله ويطمع في رجوعه يا خير أسرته وإن زعموا * إنى عليك لمثبت أسف الله يعلم أن لى كبدا * حرى عليك ومقلة تكف ولئن شجيت بما رزيت به * إنى لاضمر فوق ما أصف هلا بقيت لسد فاقتنا * أبدا وكان لغيرك التلف فلقد خلفت خلائفا سلفوا * ولسوف يعوز بعدك الخلف لابات رهطك بعد هفوتهم * إنى لرهطك بعدها شنف هتكوا بحرمتك التى هتكت * حرم الرسول ودونها السجف وثبت أقاربك التى خذلت * وجميعها بالذل معترف لم يفعلوا بالشط إذ حضروا * ما تفعل الغيرانة الانف تركوا حريم أبيهم نفلا * والمحصنات صوارخ هتف أبدت مخلخلها على دهش * أبكارهن ورنت ؟ سلبت معاجرهن واجتليت * ذات النقاب ونوزع الشنف فكأنهن خلال منتهب * در تكشف دونه الصدف ملك تخون ملكه قدر * فوهى وصرف الدهر مختلف هيهات بعدك أن يدوم لنا * عز وأن يبقى لنا شرف لا هيبوا صحفا مشرفة * للغادرين تحتها الجدف أفبعد عهد الله تقتله * والقتل بعد أمانة سرف فستعرفون غدا بعاقبة * عز الاله فأوردوا وقفوا يامن يخون نومه أرق * هدت الشجون وقلبه لهف قد كنت لى أملا غنيت به * فمضى وحل محله الاسف مرج النظام وعاد منكرنا * عرفا وأنكر بعدك العرف فالشمل منتشر لفقدك وال‍ * دنيا سدى والبال منكثف

[ 97 ]

وقال أيضا يرثيه: إذا ذكر الامين نعى الامينا * وإن رقد الخلى حمى الجفونا وما برحت منازل بين بصرى * وكلواذى تهيج لى شجونا عراص الملك خاوية تهادى * بها الارواح تنسجها فنونا تخون عز ساكنها زمان * تلعب بالقرون الاولينا فشتت شملهم بعد اجتماع * وكنت بحسن ألفتهم ضنينا فلم أر بعدهم حسنا سواهم * ولم ترهم عيون الناظرينا فوا أسفا وإن شمت الاعادي * وآه على أمير المؤمنينا أضل العرف بعدك متبعوه * ورفه عن مطايا الراغبينا وكن إلى جنابك كل يوم * يرحن على السعود ويغتدينا هو الجبل الذى هوت المعالى * لهدته وريع الصالحونا ستندب بعدك الدنيا جوارا * وتندب بعدك الدين المصونا فقد ذهب بشاشة كل شئ * وعاد الدين مطروحا مهينا تعقد عز متصل بكسرى وملته وذل المسلمونا وقال أيضا يرثيه: أسفا عليك سلاك أقرب قربة * منى وأحزانى عليك تزيد وقال عبد الرحمن بن أبى الهداهد يرثى محمدا: يا غرب جودى قد بت من وذمه * فقد فقدنا العزيز من ديمه ألوت بدنياك كف نائبة * وصرت مغضى لنا على نقمه أصبح للموت عندنا علم * يضحك سن المنون من علمه ما استنزلت درة المنون على * أكرم من حل في ثرى رحمه خليفة الله في بريته * تقصر أيدى الملوك عن شيمه يفتر عن وجهه سنا قمر * ينشق عن نوره دجى ظلمه زلزلت الارض من جوانبها * إذا أولغ السيف من نجيع دمه (7 - 7)

[ 98 ]

من سكتت نفسه لمصرعة * من عمم الناس أو ذوى رحمه رأيته مثل ما رآه به * حتى تذوق الامر من سقمه كم قد رأينا عزيز مملكة * ينقل عن أهله وعن خدمه يا ملكا ليس بعده ملك * لخاتم الانبياء في أممه جادى وحى الذى أقمت به * سح عزيز الوكيف من ديمه لو أحجم الموت عن أخى ثقة * أسوى في العز مستوى قدمه أو ملك لاترام سطوته * إلا مرام الشتيم في أجمه خلدك العز ما سرى سدف * أو قام طفل العشى في قدمه أصبح ملك إذا اتزرت به * يقرع سن الشقاة من ندمه أثر ذوى العرش في عداك كما * أثر في عاده وفى إرمه لا يبعد الله صيورة تليت * لخير داع دعاه في حرمه ما كنت إلا كحلم ذى حلم * أولج باب السرور في حلمه حتى إذا أطلقته رقدته * عاد إلى ما اعتراه من عدمه وقال أيضا يرثيه: أقول وقد دنوت من الفرار * سقيت الغيث يا قصر القرار رمتك يد الزمان بسهم عين * فصرت ملوحا بدخان نار أبن لى عن جميعك أين حلوا * وأين زمرهم بعد المزار وأين محمد وابناه مالى * أرى أطلالهم سود الديار كأن لم يؤنسوا بأنيس ملك * يصون على الملوك بخير جار إمام كان في الحدثان عونا * لنا والغيث يمنح بالقطار لقد ترك الزمان بنى أبيه * وقد غمرتهم سود البحار أضاعوا شمسهم فجرت بنحس * فصاروا في الظلام بلا نهار وأجلوا عنهم قمرا منيرا * وداستهم خيول بنى الشرار ولو كانوا لهم كفؤا ومثلا * إذا ما توجوا تيجان عار

[ 99 ]

ألا بان الامام ووارثاه * لقد ضرما الحشا منا بنار وقالوا الخلد بيع فقلت ذلا * يصير ببائعيه إلى صغار كذاك الملك يتبع أوليه * إذا قطع القرار من القرار وقال مقدس بن صيفي يرثيه: خليلي ما أتتك به الخطوب * فقد أعطتك طاعته النحيب تدلت من شماريخ المنايا * منايا ما تقوم لها القلوب خلال مقابر البستان قبر * يجاور قبره أسد غريب لقد عظمت مصيبته على من * له في كل مكرمة نصيب على أمثاله العبرات تذرى * وتهتك في مآتمه الجيوب وما اذحرت زبيدة عنه دمعا * تخص به النسيبة والنسيب دعوا موسى ابنه لبكاء دهر * على موسى ابنه دخل الحزيب رأيت مشاهد الخلفاء منه * خلاء ما بساحتها مجيب ليهنك أننى كهل عليه * أذوب وفى الحشا كبد تذوب أصيب به البعيد فخر حزنا * وعاين يومه فيه المريب أنادى من بطون الارض شخصا * يحركه النداء فما يجيب لئن نعت الحروب إليه نفسا * لقد فجعت بمصرعه الحروب وقال خزيمة بن الحسن يرثيه على لسان أم جعفر لخير إمام قام من خير عنصر * وأفضل سام فوق أعواد منبر لوارث علم الاولين وفهمهم * وللملك المأمون من أم جعفر كتبت وعينى مستهل دموعها * إليك ابن عمى من جفوني ومحجري وقد مسنى ضر وذل كآبة * وأرق عينى يا ابن عمى تفكري وهمت لما لاقيت بعد مصابه * فأمري عظيم منكر حد منكر سأشكوا الذى لا فيته بعد فقده * إليك شكاة المستهام المقهر وأرجو لما قد مربى مذ فقدته * فأنت لبثى خير رب مغير

[ 100 ]

أتى طاهر لا طهر الله طاهرا * فما طاهر فيما أتى بمطهر فأخرجني مكشوفة الوجه حاسرا * وأنهب أموالي وأحرق آدرى يعز على هارون ما قد لقيته * وما مر بى من ناقص الخلق أعور فإن كان ما أسدى بأمر أمرته * صبرت لامر من قدير مقدر تذكر أمير المؤمنين قرابتي * فديتك من ذى حرمة متذكر وقال أيضا يرثيه: سبحان ربك رب العزة الصمد * ماذا أصبنا به في صبحة الاحد وما أصيب به الاسلام قاطبة * من التضعضع في ركنيه والاود من لم يصب بأمير المؤمنين ولم * يصبح بمهلكة والهم في صعد فقد أصبت به حتى تبين في * عقلي وديني وفى دنياى وجسدى ياليلة يشتكى الاسلام مدتها * والعالمون جميعا آخر الابد غدرت بالملك الميمون طائره * وبالامام وبالضرغامة الاسد سارت إليه المنايا وهى ترهبه * فواجهته بأوغاد ذوى عدد بشورجين وأغتام يقودهم * قريش بالبيض في قمص من الزرد فصادفوه وحيدا لا معين له * عليهم غائب الانصار بالمدد فجرعوه المنايا غير ممتنع * فردا فيالك من مستسلم فرد يلقى الوجوه بوجه غير مبتذل * أبهى وأنقى من القوهية الجدد واحسرتا وقريش قد أحاط به * والسيف مرتعد في كف مرتعد فما تحرك بل ما زال منتصبا * منكس الرأس لم يبدى ولم يعد حتى إذا السيف وافى وسط مفرقه * أذرته عنه يداه فعل متئد وقام فاعتلقت كفاه لبته * كضيغم شرس مستبسل لبد فاجتره ثم أهوى فاستقل به * للارض من كف ليث مخرج حرد فكاد يقتله لو لم يكاثره * وقام منفلتا منه ولم يكد هذا حديث أمير المؤمنين وما * نقصت من أمره حرفا ولم أزد

[ 101 ]

لازلت أندبه حتى الممات وإن * أخنى عليه الذى أخنى على لبد * وذكر عن الموصلي أنه قال لما بعث طاهر برأس محمد إلى المأمون بكى ذو الرئاستين وقال سل علينا سيوف الناس وألسنتهم أمرناه أن يبعث به أسيرا فبعث به عقيرا وقال له المأمون قد مضى ما مضى فاحتل في الاعتذار منه فكتب الناس فأطالوا وجاء أحمد بن يوسف بشبر من قرطاس فيه أما بعد فان المخلوع كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة وقد فرق الله بينه وبينه في الولاية والحرمة بمفارقته عصم الدين وخروجه من الامر الجامع للمسلمين يقول الله عزوجل حين اقتص علينا نبأ ابن نوح إنه ليس من أهلك " إنه عمل غير صالح " فلا طاعة لاحد في معصية الله ولا قطيعة إذا كانت القطيعة في جنب الله وكتابي إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع ورداه رداء نكثه وأحصد لامير المؤمنين أمره وأنجز له وعده وما ينتظر من صادق وعده حين رد به الالفة بعد فرقتها وجمع الامة بعد شتاتها وأحيا به أعلام الاسلام بعد دروسها * ذكر الخبر عن بعض سير المخلوع محمد بن هارون * ذكر عن حميد بن سعيد قال لما ملك محمد وكاتبه المأمون وأعطاه بيعته طلب الخصيان وابتاعهم وغالى بهم وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره وقوام طعامه وشرابه وأمره ونهيه وفرض لهم فرضا سماهم الجرادية وفرضا من الحبشان سماهم الغرابية ورفض النساء الحرائر والاماء حتى رمى بهن ففى ذلك يقول بعضهم ألا يا مزمن المثوى بطوس * عزيبا ما يفادى بالنفوس لقد أبقيت للخصيان بعلا * تحمل منهم شؤم البسوس فأما نوفل فالشأن فيه * وفى بدر فيالك من جليس وما العصمى بشار لديه * إذا ذكروا بذى سهم خسيس وما حسن الصغير أخس حالا * لديه عند محترق الكؤس لهم من عمره شطر وشطر * يعاقر فيه شرب الخندريس وما للغانيات لديه حظ * سوى التقطيب بالوجه العبوس

[ 102 ]

إذا كان الرئيس كذا سقما * فكيف صلاحنا بعد الرئيس فلو علم المقيم بدار طوس * لعز على المقيم بدار طوس قال حميد ولما ملك محمد وجه إلى جميع البلدان في طلب الملهين وضمهم إليه وأجرى لهم الارزاق ونافس في ابتياع فره الدواب وأخذ الوحوش والسباع والطير وغير ذلك واحتجب عن اخوته وأهل بيته وقواده واستخف بهم وقسم ما في بيوت الاموال وما بحضرته من الجوهر في خصيانه وجلسائه ومحدثيه وحمل إليه ما كان في الرقة من الجوهر والخزائن والسلاح وأمر ببناء مجالس لمتنزهاته ومواضع خلوته ولهوه ولعبه بقصر الخلد والخيزرانية وبستان موسى وقصر عبدويه وقصر المعلى ورقة كلواذى وباب الانبار ونبارى والهوب وأمر بعمل خمس حرافات في دجلة على خلقة الاسد والفيل والعقاب والحية والفرس وأنفق في عملها مالا عظيما فقال أبو نواس يمدحه سخر الله للامين مطايا * لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سرن برا * سار في الماء راكبا ليث غاب أسدا باسطا ذراعيه يهوى * أهوب الشدق كالح الانياب لا يعانيه باللجام ولا السو * ط ولا غمز رجله في الركاب عجب الناس إذ رأوك على صو * رة ليث تمر مر السحاب سبحوا إذ رأوك سرت عليه * كيف لو أبصروك فوق العقاب ذات زور ومنسر وجناح‍ * ين تشق العباب بعد العباب تسبق الطير في السماء إذا ما اس‍ * تعجلوها بجيئة وذهاب بارك الله للامير وأبقا * ه وأبقى له رداء الشباب ملك تقصر المدائح عنه * هاشمى موفق للصواب * وذكر عن الحسين بن الضحاك قال ابتنى الامير سفينة عظمية أنفق عليها ثلاثة آلاف ألف درهم واتخذ أخرى على خلقة شئ يكون في البحر يقال له الدلفين فقال في ذلك أبو نواس الحسن بن هاني

[ 103 ]

قد ركب الدلفين بدر الدجى * مقتحما في الماء قد لججا فأشرقت دجلة في حسنه * وأشرق السكان واستبهجا لم تر عينى مثله مركبا * أحسسن إن سار وإن أحنجا إذا استحثته مجاديفه * أعنق فوق الماء أو هملجا خص به الله الامين الذى * أضحى بتاج الملك قد توجا * وذكر عن أحمد بن اسحاق بن برصوما المغنى الكوفى أنه قال كان العباس ابن عبد الله بن جعفر بن أبى جعفر من رجالات بنى هاشم جلدا وعقلا وصنيعا وكان يتخذ الخدم وكان له خادم من أثر خدمه عنده يقال له منصور فوجد الخادم عليه فهرب إلى محمد وأتاه وهو بقصر أم جعفر المعروف بالقرار فقبله محمد أحسن قبول وحظي عنده حظوة عجيبة قال فركب الخادم يوما في جماعة خدم كانوا لمحمد يقال لهم السيافة فمر بباب العباس بن عبد الله يريد بذلك أن يرى خدم العباس هيئته وحاله التى هو عليها وبلغ ذلك الخبر العباس فخرج محضرا في قميص حاسرا في يده عمود عليه كيمخت فلحقه في سويقة أبى الورد فعلق بلجامه ونازعه أولئك الخدم فجعل لا يضرب أحدا منهم الا أوهنه حتى تفرقوا عنه وجاء به يقوده حتى أدخله داره وبلغ الخبر محمدا فبعث إلى داره جماعة فوقفوا احيا لها وصف العباس غلمانه ومواليه على سور داره ومعهم الترسة والسهام فقال أحمد بن اسحاق فخفنا والله النار أن تحرق منازلنا وذلك أنهم أرادوا أن يحرقوا دار العباس قال وجاء رشيد الهاروني فاستأذن عليه فدخل إليه فقال ما تصنع أتدرى ما أنت فيه وما قد جاءك لو أذن لهم لا قتلعوا دارك بالاسنة ألست في الطاعة قال بلى قال فقم فاركب قال فخرج في سواده فلما صار على باب داره قال يا غلام هلم دابتي فقال رشيد لا ولا كرامة ولكن تمضى راجلا قال فمضى فلما صار إلى الشارع نظر فإذا العالمون قد جاؤا وجاءه الجلودى والافريقى وأبو البط وأصحاب الهرش قال فجعل ينظر إليهم وأنا أراه راجلا ورشيد راكب قال وبلغ أم جعفر الخبر فدخلت على محمد وجعلت تطلب إلى محمد فقال لها نفيت من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم أقتله وجعلت

[ 104 ]

تلح عليه فقال لها والله إنى لاظننى سأسطو بك قال فكشفت شعرها فقالت ومن يدخل على وأنا حاسر قال فبينا محمد كذلك ولم يأت العباس بعد إذ قدم صاعد الخادم عليه بقتل على بن عيسى بن ماهان فاشتغل بذلك وأقام العباس في الدهليز عشرة أيام ونسيه ثم ذكره فقال يحبس في حجرة من حجر داره ويدخل عليه ثلاثة رجال من مواليه من مشايخهم يخدمونه ويجعل له وظيفة في كل يوم ثلاثة ألوان قال فلم يزل على هذه الحال حتى خرج حسين بن على بن عيسى بن ماهان ودعا إلى المأمون وحبس محمدا قال فمر إسحاق بن عيسى بن على ومحمد بن محمد المعبدى بالعباس بن عبد الله وهو في منظره فقالا له ما قعودك اخرج إلى هذا الرجل يعنيان حسين بن على قال فخرج فأتى حسينا ثم وقف عند باب الجسر فما ترك لام جعفر شيئا من الشتم إلا قاله وإسحاق بن موسى يأخذ البيعة للمأمون قال ثم لم يكن إلا يسيرا حتى قتل الحسين وهرب العباس إلى نهر بين إلى هرثمة ومضى ابنه الفضل بن العباس إلى محمد فسعى إليه بما كان لابيه ووجه محمد إلى منزله فأخذ منه أربعة آلاف ألف درهم وثلثمائة ألف دينار وكانت في قماقم في بئر وأنسوا قمقمين من تلك القماقم فقال ما بقى من ميراث أبى سوى هذين القمقمين وفيها سبعون ألف دينار فلما انقضت الفتنة وقتل محمد رجع إلى منزله فأخذ القمقمين وجعلهما... وحج في تلك السنة وهى 198 قال أحمد بن إسحاق وكان العباس بن عبد الله يحدث بعد ذلك فيقول قال لى سليمان بن جعفر ونحن في دار المأمون أما قتلت ابنك بعد فقلت يا عم جعلت فداك ومن يقتل ابنه فقال لى اقتله فهو الذى سعى بك وبمالك فأفقرك * وذكر عن أحمد بن إسحاق بن برصوما قال لما حصر محمد وضغطه الامر قال ويحكم ما أحد يستراح إليه فقيل له بلى رجل من العرب من أهل الكوفة يقال له وضاح بن حبيب بن بديل التميمي وهو بقية من بقايا العرب وذو رأى أصيل قال فأرسلوا إليه قال فقدم علينا فلما صار إليه قال له إنى قد خبرت بمذهبك ورأيك فأشر علينا في أمرنا قال له يا أمير المؤمنين قد بطل الرأى اليوم وذهب ولكن استعمل الاراجيف فإنها من آلة الحرب

[ 105 ]

فنصب رجلا كان ينزل دجيلا يقال له بكير بن المعتمر فكان إذا نزلت بمحمد نازلة وحادثة هزيمة قال له هات فقد جاءنا نازلة فيضع له الاخبار فإذا مشى الناس تبينوا بطلانها قال أحمد بن اسحاق كأنى أنظر إلى بكير بن المعتمر شيخ عظيم الخلق * وذكر عن العباس بن أحمد بن أبان الكتاب قال حدثنا ابراهيم بن الجراح قال حدثنى كوثر قال أمر محمد بن زبيدة يوما أن يفرش له على دكان في الخلد فبسط له عليه بساط زرعي وطرحت عليه نمارق وفرش مثله و ؟ له من آنية الفضة والذهب والجوهر أمر عظيم وأمر قيمة جواريه أن ؟ له مائة جارية صانعة فتصعد إليه عشرا عشرا بأيديهن العيدان يغنين بصوت واحد فأصعدت إليه عشرا فلما استوين على الدكان اندفعن فغنين هم قتلوه كى يكونوا مكانه * كما غدرت يوما بكسرى مراز به قال فتأفف من هذا ولعنها ولعن الجوارى فأمر بهن فأنزلن ثم لبث هنيهة وأمرها أن تصعد عشرا فلما استوين على الدكان اندفعن فغنين من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرا يندبنه * يلطمن قبل تبلج الاسحار قال فضجر وفعل مثل فعلته الاولى وأطرق طويلا ثم قال أصعدى عشرا فأصعدتهن فلما وقفن على الدكان اندفن يغنين بصوت واحد كليب لعمري كان أكثر ناصرا * وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم قال فقام من مجلسه وأمر بهدم ذلك المكان تطيرا مما كان * وذكر عن محمد ابن عبد الرحمن الكندى قال حدثنى محمد بن دينار قال كان محمد المخلوع قاعدا يوما وقد اشتد عليه الحصار فاشتد اغتمامه وضاق صدره فدعا بندمائة والشراب ليتسلى به في أتى به وكانت له جارية يتحظاها من جواريه فأمرها أن تغنى وتناول كأسا ليشربه فحبس الله لسانها عن كل شئ فغنت كليب لعمري كان أكثر ناصرا * وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم فرماها بالكأس الذى في يده وأمر بها فطرحت للاسد ثم تناول كأسا أخرى

[ 106 ]

ودعا بأخرى فغنت هم قتلوه كى يكونوا مكانه * كما غدرت يوما بكسرى مرازبه فرمى وجهها بالكأس ثم تناول كأسا أخرى ليشربها وقال لاخرى غنى فغنت قومي هم قتلوا أميم أخى قال فرمى وجهها بالكأس ورمى الصينية برجله وعاد إلى ما كان فيه من همه وقتل بعد ذلك بأيام يسيرة. وذكر عن أبى سعيد أنه قال ماتت فطيم وهى أم موسى بن محمد بن هارون المخلوع فجزع عليها جزعا شديدا وبلغ أم جعفر فقالت احملوني إلى أمير المؤمنين قال فحملت إليه فاستقبلها فقال يا سيدتي ماتت فطيم فقالت نفسي فداؤك لا يذهب بك اللهف * ففى بقائك ممن قد مضى خلف عوضت موسى فهانت كل مرزئة * ما بعد موسى على مفقود أسف وقالت أعظم الله أجرك ووفر صبرك وجعل العزاء عنها ذخرك * وذكر عن إبراهيم بن إسماعيل بن هانئ ابن أخى أبى نواس قال حدثنى أبى قال هجا عمك أبو نواس مضر في قصيدته التى يقول فيها أما قريش فلا افتخار لها * إلا التجارات من مكاسبها وإنها إن ذكرت مكرمة * جاءت قريش تسعى بغالبها إن قريشا إذا هي انتسبت * كان لها الشطر من مناسبها قال يريد أن أكرمها تغالب قال فبلغ ذلك الرشيد في حياته فأمر بحبسه فلم يزل محبوسا حتى ولى محمد فقال يمدحه وكان انقطاعه إليه أيام إمارته فقال تذكر أمين الله والعهد يذكر * مقامي وإنشاديك والناس حضر ونثرى عليك الدر يادر هاشم * فيامن رأى درا على الدر ينثر أبوك الذى لم يملك الارض مثله * وعمك موسى عد له المتخير وجدك مهدى الهدى وشقيقه * أبو أمك الادنى أبو الفضل جعفر وما مثل منصوريك منصور هاشم * ومنصور قحطان إذا عد مفخر

[ 107 ]

فمن ذا الذى يرمى بسهميك في العلى * وعبد مناف والداك وحمير قال فتغنت بهذه الابيات جارية بين يدى محمد فقال لها لمن الابيات فقيل له لابي نواس فقال وما فعل فقيل له محبوس فقال ليس عليه بأس قال فبعث إليه إسحاق بن فراشة وسعيد بن جابر أخا محمد من الرضاعة فقال إن أمير المؤمنين ذكرك البارحة فقال ليس عليه بأس فقال أبياتا وبعث بها إليه وهى هذه الابيات أرقت وطار عن عينى النعاس * ونام السامرون ولم يؤاسوا أمين الله قد ملكت ملكا * عليك من التقى فيه لباس ووجهك يستهل ندى فيحيا * به في كل ناحية أناس كأن الخلق في تمثال روح * له جسد وأنت عليه راس أمين الله إن السجن بأس * قد أرسلت ليس عليك باس فلما أنشده قال صدق على به فجئ به في الليل فكسرت قيوده وأخرج حتى أدخل عليه فأنشأ يقول مرحبا مرحبا بخير إمام * صيغ من جوهر الخلافة نحتا يا أمين الاله يكلاك الل‍ * ه مقيما ظاعنا حيث سرتا إنما الارض كلها دار * فلك الله صاحب حيث كنتا قال فخلع عليه وخلى سبيله وجعله في ندمائه * وذكر عن عبد الله بن عمرو التميمي قال حدثنى أحمد بن إبراهيم الفارسى قال شرب أبو نواس الخمر فرفع ذلك إلى محمد في أيامه فأمر بحبسه فحبسه الفضل بن الربيع ثلاثة أشهر ثم ذكره محمد فدعا به وعنده بنو هاشم وغيرهم ودعا له بالسيف والنطع يهدده بالقتل فأنشده أبو نواس هذه الابيات تذكر أمين الله والعهد يذكر الشعر الذى ذكرناه قبل وزاد فيه تحسنت الدنيا بحسن خليفة * هو البدر إلا أنه الدهر مقمر إمام يسوس الناس سبعين حجة * عليه له منها لباس ومئزر

[ 108 ]

يشير إليه الجود من وجناته * وينظر من أعطافه حين ينظر أيا خير مأمول يرجى أنا أمرؤ * رهين أسير في سجونك مقفر مضى أشهر لى مذ حبست ثلاثة * كأنى قد أذنبت ما ليس يغفر فإن كنت لم أذنب ففيم تعقبي * إن كنت ذا ذنب فعفوك أكثر قال فقال له محمد فان شربتها قال دمى لك حلال يا أمير المؤمنين فأطلقه قال فكان أبو نواس يشمها ولا يشربها وهو قوله * لا أذوق المدام إلا شميما * وذكر عن مسعود بن عيسى العبدى قال أخبرني يحيى بن المسافر القرقسائى قال أخبرني دحيم غلام أبى نواس أن أبا نواس عتب عليه محمد في شرب الخمر فطبق به وكان للفضل بن الربيع خال يستعرض أهل السجون ويتعاهدهم ويتفقدهم ودخل في حبس الزنادقة فرأى فيه أبا نواس ولم يكن يعرفه فقال له يا شاب أنت مع الزنادقة قال معاذ الله قال فلعلك ممن يعبد الكبش قال أنا آكل الكبش بصوفه قال فلعلك ممن يعبد الشمس قال إنى لاتجنب القعود فيها بغضا لها قال فبأى جرم حبست قال حبست بتهمة أنا منها برئ قال ليس إلا هذا قال والله لقد صدقتك قال فجاء إلى الفضل فقال له يا هذا لا تحسنون جوار نعم الله عز وجل أيحبس الناس بالتهمة قال وما ذاك فاخبره بما ادعى من جرمه فتبسم الفضل ودخل على محمد فأخبره بذلك فدعا به وتقدم إليه أن يجتنب الخمر والسكر إن قال نعم قيل له فبعهد الله قال نعم قال فأخرج فبعث إليه فتيان من قريش فقال لهم إنى لا أشرب قالوا وإن لم تشرب فآنسنا بحديثك فأجاب فلما دارت الكأس بينهم قالوا ألم ترتح لها قال لا سبيل والله إلى شربها فأنشأ يقول أيها الرائحان باللوم لوما * لا أذوق المدام إلا شميما نالنى بالملام فيها إمام * لا أرى في خلافه مستقيما فاصرفاها إلى سواى فإنى * لست إلا على الحديث نديما إن حظى منها إذا هي دارت * أن أراها وأن أشم النسيما فكأني وما أحسن منها * قعدى يزين التحكيما

[ 109 ]

كل عن حملة السلاح إلى الحر * ب فأوصى المطيق ألا يقيما وذكر عن أبى الورد السبعى أنه قال كنت عند الفضل بن سهل بخراسان فذكر الامين فقال كيف لا يستحل قتال محمد وشاعره يقول في مجلسه ألا سقنى خمرا وقل لى هي الخمر * ولا تسقنى سرا إذا أمكن الجهر قال فبلغت القصة محمدا فأمر الفضل بن الربيع فأخذ أبا نواس فحبسه * وذكر كامل بن جامع عن بعض أصحاب أبى نواس ورواته قال كان أبو نواس قال أبياتا بلغت الامين في آخرها وقد زادني تيها على الناس أننى * أرانى أغناهم إذا كنت ذا عسر ولو لم أنل فخرا لكانت صيانتي * فمى عن جميع الناس حسبى من الفخر ولا يطمعن في ذاك منى طامع * ولا صاحب التاج المحجب في القصر قال فبعث إليه الامين وعنده سليمان بن أبى جعفر فلما دخل عليه قال يا عاض بظر أمه العاهرة يا ابن اللخناء وشتمه أقبح الشتم أنت تكسب بشعرك أوساخ أيدى اللئام ثم تقول ولا صاحب التاج المحجب في القصر أما والله لا نلت منى شيئا أبدا فقال له سليمان بن أبى جعفر والله يا أمير المؤمنين وهو من كبار الثنوية فقال محمد هل يشهد عليه بذلك شاهد فاستشهد سليمان جماعة فشهد بعضهم أنه شرب في يوم مطير ووضع قدحه تحت السماء فوقع فيه القطر وقال يزعمون أنه ينزل مع كل قطرة ملك فكم ترى انى أشرب الساعة من الملائكة ثم شرب ما في القدح فأمر محمد بحبسه فقال أبو نواس في ذلك يا رب إن القوم قد ظلموني * وبلا اقتراف تعطل حبسوني وإلى الجحود بما عرفت خلافه * منى إليه بكيدهم نسبوني ما كان إلا الجرى في ميدانهم * في كل جرى والمخافة دينى لا العذر يقبل لى فيفرق شاهدى * منهم ولا يرضون حلف يمينى ولكان كوثر كان أولى محبسا * في دار منقصة ومنزل هون أما الامين فلست أرجو دفعه * عنى فمن لى اليوم بالمأمون

[ 110 ]

قال وبلغت المأمون أبياته فقال والله لئن لحقته لاغنيته غنى لا يؤمله قال فمات قبل دخول المأمون مدينة السلام قال ولما طال حبس أبى نواس قال في حبسه فيما ذكر عن دعامة احمدوا الله جميعا * يا جميع المسلمينا ثم قولوا لا تملوا * ربنا أبق الامينا صير الخصيان حتى * صير التعنين دينا فاقتدى الناس جميعا * بأمير المؤمنينا قال وبلغت هذه الابيات أيضا المأمون وهو بخراسان فقال إنى لا توكفه أن يهرب إلى وذكر يعقوب بن إسحاق عمن حدثه عن كوثر خادم المخلوع أن محمدا أرق ذات ليلة وهو في حربه مع طاهر فطلب من يسامره فلم يقرب إليه أحد من حاشيته فدعا حاجبه فقال ويلك قد خطرت بقلبي خطرات فأحضرني شاعرا ظريفا أقطع به بقية ليلتى فخرج الحاجب فاعتمد أقرب من بحضرته فوجد أبا نواس فقال له أجب أمير المؤمنين فقال له لعلك أردت غيرى قال لم أرد أحدا سواك فأتاه به فقال من أنت قال خادمك الحسن بن هانئ وطليقك بالامس قال لا ترع أنه عرضت بقلبي أمثال أحببت أن تجعلها في شعر فان فعلت ذلك أجزت حكمك فيما تطلب فقال وما هي يا أمير المؤمنين قال قولهم عفا الله عما سلف وبئس والله ما جرى فرسى واكسرى عودا على أنفك وتمنعي أشهى لك قال فقال أبو نواس حكمي أربع وصائف مقدودات فأمر بإحضارهن فقال فقدت طول اعتلالك * وما أرى في مطالك لقد أردت جفائى * وقد أردت وصالك ما ذا أردت بهذا * تمنعى أشهى لك وأخذ بيد وصيفة فعزلها ثم قال قد صحت الايمان من حلفك * وصحت حتى مت من خلفك بالله يا سني احنثى مرة * ثم اكسرى عودا على أنفك

[ 111 ]

ثم عزل الثانية ثم قال فديتك ماذا الصلف * وشتمك أهل الشرف صلى عاشقا مدنفا * قد أعتب مما اقترف ولا تذكري ما مضى * عفا الله عما سلف ثم عزل الثالثة وقال وباعثات إلى في الغلس * أن ائتنا واحترس من العسس حتى إذا نوم العداة ولم * أخش رقيبا ولا سنا قبس ركبت مهرى وقد طربت إلى * حور حسان نواعم لعس فجئت والصبح قد نهض له * فبئس والله ما جرى فرسى فقال خذهن لا بارك الله لك فيهن وذكر عن الموصلي عن حسين خادم الرشيد قال لما صارت الخلافة إلى محمد هيئ له منزل من منازله على الشط بفرش أجود ما يكون من فرش الخلافة وأسواه فقال يا سيدي لم يكن لابيك فرش يباهى به الملوك والوفود الذين يردون عليه أحسن من هذا فأحببت أن أفرشه لك قال فأحببت أن يفرش لى في أول خلافتي المردراج وقال مزقوه قال فرأيت والله الخدم والفراشين قد صيروه ممزقا وفرقوه وذكر عن محمد بن الحسن قال حدثنى أحمد بن محمد البرمكى ان ابراهيم بن المهدى غنى محمد بن زبيدة هجرتك حتى قيل لا يعرف القلى * وزرتك حتى قيل ليس له صبر فطرب محمد وقال أوقروا زورقه ذهبا وذكر عن على بن محمد بن اسماعيل عن مخارق قال انى لعند محمد بن زبيدة يوما ماطرا وهو مصطبح وأنا جالس بالقرب منه وأنا أغنى وليس معه أحد وعليه جبة وشى لا والله ما رأيت أحسن منها فأقبلت أنظر إليها فقال كأنك استحسنتها يا مخارق قلت نعم يا سيدى عليك لان وجهك حسن فيها فأنا أنظر إليه وأعوذك قال يا غلام فأجابه الخادم قال فدعا بجبة غير تلك فلبسها وخلع التى عليه على ومكثت هنيهة ثم نظرت إليه فعاودني بمثل ذلك الكلام وعاودته فدعا بأخرى حتى فعل ذلك بثلاث جبات

[ 112 ]

ظاهرت بينها قال فلما رآها على ندم وتغير وجهه وقال يا غلام اذهب إلى الطباخين فقل لهم يطبخوا لنا مصلية ويجدوا صنعتها وأتنى بها الساعة فما هو إلا أن ذهب الغلام حتى جاء الخوان وهو لطيف صغير في وسطه غضارة ضخمة ورغيفان فوضعت بين يديه فكسر لقمة فأهوى بها إلى الصحيفة ثم قال كل يا مخارق قلت يا سيدى أعفنى من الاكل قال لست أعفيك فكل فكسرت لقمة ثم تناولت شيئا فلما وضعته في فمى قال لعنك الله ما أشرهك نغصتها على وأفسدتها وأدخلت يدك فيها ثم رفع للغضارة بيده فإذا هي في حجري وقال قم لعنك الله فقمت وذاك الودق والمرق يسيل من الجباب فخلعتها وأرسلت بها إلى منزلي ودعوت القصارين والوشائين فجهدت جهدي أن تعود كما كانت فما عادت (وذكر) عن البحترى أبى عبادة عن عبيد الله بن أبى غسان قال كنت عند محمد في يوم شات شديد البرد وهو في مجلس له مفرد مفروش بفرش قلما رأيت أرفع قيمة مثله ولا أحسن وأنا في ذلك اليوم طاو ثلاثة أيام ولياليهن إلا من النبيذ والله لا أستطيع أن أتكلم ولا أعقل فنهض نهضة البول فقلت لخادم من خدم الخاصة ويلك قد والله مت فهل من حيلة إلى شئ تلقيه في جوفى يبرد عنى ما أنا فيه فقال دعني حتى أحتال لك وأنظر ما أقول وصدق مقالتي فلما رجع محمد وجلس نظر الخادم إلى نظرة فتبسم فرآه محمد فقال مم تبسمت قال لا شئ يا سيدي فغضب قال البحترى فقال شئ في عبيد الله بن أبى غسان لا يستطيع أن يشم رائحة البطيخ ولا يأكله ويجزع منه جزعا شديدا فقال يا عبيد الله هذا فيك قال قلت إى والله يا سيدى ابتليت به قال ويجك مع طيب البطيخ وطيب ريحه قال فقلت أنا كذا قال فتعجب ثم قال على ببطيخ فأتى منه بعدة فلما رأيته أظهرت القشعريرة منه وتنحيت قال خذوه وضعوا البطيخ بين يديه قال فأقبلت أريه الجزع والاضطراب من ذلك وهو يضحك ثم قال كل واحدة قال فقلت يا سيدى تقتلني وترمى بكل شئ في جوفى وتهيج على العلل الله الله في قال كل بطيخة ولك فرش هذا البيت على عهد الله بذلك وميثاقه قلت ما أصنع بفرش بيت وأنا أموت إن أكلت

[ 113 ]

قال فتأبيت وألح على وجاء الخادم بالسكاكين فقطعوا بطيخة فجعلوا يحشونها في فمى وأنا أصرخ وأضطرب وأنا مع ذلك أبلع وأنا أريه أنى بكره أفعل ذلك وألطم رأسي وأصيح وهو يضحك فلما فرغت تحول إلى بيت آخر ودعا الفراشين فحملوا فرش ذلك البيت إلى منزلي ثم عاودني في فرش ذلك البيت في بطيخة أخرى ثم فعل كفعله الاول وأعطاني فرش البيت حتى أعطاني فرش ثلاثة أبيات وأطعمني ثلاث بطيخات قال وحسنت والله حالى واشتد ظهرى قال وكان منصور بن المهدى يريه أنه ينصح له فجاء وقد قام محمد يتوضأ وعلمت أن محمدا سيعفيني بشر ندامة على ما خرج من يديه فأقبل على منصور ومحمد غائب عن المجلس وقد بلغه الخبر فقال يا ابن الفاعلة تخدع أمير المؤمنين فتأخذ متاعه والله لقد هممت أفعل وأفعل فقلت يا سيدى قد كان ذاك وكان السبب فيه كذا وكذا فان أحببت أن تقتلني فتأثم فشأنك وإن تفضلت فأهل لذلك أنت ولست أعود قال فإنى أتفضل عليك قال وجاء محمد فقال افرشوا لنا على تلك البركة ففرشوا له عليها فجلس وجلسنا وهى مملوءة ماء فقال يا عم اشتهيت أن أصنع شيئا أرمى بعبيد الله إلى البركة وتضحك منه قال يا سيدى إن فعلت هذا قتلته لشدة برد الماء وبرد يومنا هذا ولكني أدلك على شئ خيرت به طيب قال ما هو قال تأمر به يشد في تخت ويطرح على باب المتوضأ ولا يأتي باب المتوضأ أحد إلا بال على رأسه قال طيب والله ثم أتى بتخت فأمر فشددت فيه ثم أمر فحملت وألقيت على باب المتوضأ وجاء الخدم فأرخوا الرباط عنى وأقبلوا يرونه أنهم يبولون على وأنا أصرخ فمكث بذلك ما شاء الله وهو يضحك ثم أمر بى فحللت وأريته أنى تنظفت وأبدلت ثيابي وجاوزت عليه * وذكر عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع عن أبيه وكان حاجب المخلوع قال كنت قائما على رأسه فأتى بغداء فتغدى وحده وأكل أكلا عجيبا وكان يوما يعد للخلفاء قبله على هيئة ما كان يهيأ لكل واحد منهم يأكل من كل طعام ثم يؤتى بطعامه قال فأكل حتى فرغ ثم رفع رأسه إلى أبى العنبر خادم كان لامه فقال اذهب (8 - 7)

[ 114 ]

إلى المطبخ فقل لهم يهيئون لى بزماورد ويتركونه طوالا لا يقطعونه ويكون حشوه شحوم الدجاج والسمن والبقل والبيض والجبن والزيتون والجوز ويكثرون منه ويعجلونه فما مكث إلا يسيرا حتى جاؤا به في خوان مربع وقد جعل عليه البزماورد الطوال على هيئة القبة العبد صمدية حتى صير أعلاها بزماوردة واحدة فوضع بين يديه فتناول واحدة فأكلها ثم لم يزل كذلك حتى لم يبق على الخوان شيئا * وذكر عن على بن محمد أن جابر بن مصعب حدثه قال حدثنى مخارق قال مرت بى ليلة ما مرت بى مثلها قط إنى لفى منزلي بعد ليل إذ أتانى رسول محمد وهو خليفة فركض بى ركضا فانتهى بى إلى داره فأدخلت فإذا ابراهيم بن المهدى قد أرسل إليه كما أرسل إلى فوافينا جميعا فانتهى إلى باب مفض إلى صحن فإذا الصحن مملوء شمعا من شمع محمد العظام وكأن ذلك الصحن في نهار وإذا محمد في كرج وإذا الدار مملوءة وصائف وخدما وإذا اللعابون يلعبون ومحمد وسطهم في الكرج يرقص فيه فجاءنا رسول يقول قال لكما قوما في هذا الموضع على هذا الباب مما يلى الصحن ثم ارفعا أصواتكما معبرا ومقصرا عن السور ناى واتبعاه في لحنه قال وإذا السور ناى والجوارى واللعابون في شئ واحد * هذى دنانير تنساني وأذكرها * تتبع الزمار قال فوالله ما زلت وابراهيم قائمين نقولها نشق بها حلوقنا حتى انفلق الصبح ومحمد في الكرج ما يسأمه ولا يمله حتى أصبح يدنو منا أحيانا نراه واحيانا يحول بيننا وبينه الجوارى والخدم وذكر الحسين بن فراس مولى بنى هاشم قال غزا الناس في زمان محمد على أن يرد عليهم الخمس فرد عليهم فأصاب الرجل ستة دنانير وكان ذلك مالا عظيما وذكر عن ابن الاعرابي قال كنت حاضر الفضل بن الربيع وأتى بالحسن بن هانئ فقال رفع إلى أمير المؤمنين انك زنديق فجعل يبرأ من ذلك ويحلف وجعل الفضل يكرر عليه وسأل أن يكلم الخليفة فيه ففعل وأطلقه فخرج وهو يقول أهلى أتيتكم من القبر * والناس محتبسون للحشر لولا أبو العباس ما نظرت * عينى إلى ولد ولا وفر فالله ألبسني به نعما * شغلت حسابتها يدى شكرى

[ 115 ]

لقيتها من مفهم فهم * فمددتها بأنامل عشر وذكر عن الرياشى أن أبا حبيب الموشى حدثه قال كنت مع مؤنس بن عمران ونحن نريد الفضل بن الربيع ببغداد فقال لى مؤنس لو دخلنا على أبى نواس فدخلنا عليه السجن فقال لمؤنس يا أبا عمران أين تريد قال أردت أبا العباس الفضل بن الربيع قال فتبلغه رقعة أعطيكها قال نعم قال فأعطاه رقعة فيها ما من يد في الناس واحدة * إلا أبو العباس مولاها نام الثقات على مضاجعهم * وسرى إلى نفسي فأحياها قد كنت خفتك ثم أمننى * من أن أخافك خوفك الله فعفوت عنى عفو مقتدر * وجبت له نقم فألغاها قال فكانت هذه الابيات سبب خروجه من الحبس وذكر عن محمد بن خلاد الشرورى قال حدثنى أبى قال سمع محمد شعر أبى نواس وقوله * ألا اسقنى خمرا وقل لى هي الخمر - وقوله اسقنيها يا ذفافه * مرة الطعم سلافه ذل عندي من قلاها * لرجاء أو مخافه مثل ما ذلت وضاعت * بعد هارون الخلافه قال ثم أنشد له فجاء بها زيتية ذهبية * فلم نستطع دون السجود لها صبرا قال فحبسه محمد على هذا وقال إيه أنت كافر وأنت زنديق فكتب في ذلك إلى الفضل بن الربيع أنت يا ابن الربيع علمتني الخي‍ * ر وعودتنيه والخير عاده فارعوى باطلى وأقصر جه‍ * لى وأظهرت رهبة وزهادة لو تراني شبهت بى الحسن البص‍ * رى في حال نسكه وقتاده بركوع أزينه بسجود * واصفرار مثل اصفرار الجراده فادع بى لاعدمت تقويم مثلى * فتأمل بعينك السجادة

[ 116 ]

لو رآها بعض المرائين يوما * لاشتراها يعدها للشهاده * خلافة المأمون عبد الله بن هارون * (وفى هذه السنة) وضعت الحرب بين محمد وعبد الله ابني هارون الرشيد أوزارها واستوثق الناس بالمشرق والعراق والحجاز لعبد الله المأمون بالطاعة (وفيها) خرج الحسن الهرش وذى الحجة منها يدعو إلى الرضى من آل محمد بزعمه في سفلة الناس وجماعة كثيرة من الاعراب حتى أتى النيل فجبى الاموال وأغار على التجار وانتهب القرى واستاق المواشى (وفيها) ولى المأمون كل ما كان طاهر ابن الحسين افتتحه من كور الجبال وفارس والاهواز والبصرة والكوفة والحجاز واليمن الحسن بن سهل أخا الفضل بن سهل وذلك بعد مقتل محمد المخلوع ودخول الناس في طاعة المأمون (وفيها) كتب المأمون إلى طاهر بن الحسين وهو مقيم ببغداد بتسليم جميع ما بيده من الاعمال في البلدان كلها إلى خلفاء الحسن بن سهل وأن يشخص عن ذلك كلها إلى الرقة وجعل إليه حرب نصر بن شبث وولاه الموصل والجزيزة والشأم والمغرب (وفيها) قدم على بن أبى سعيد العراق خليفة للحسن بن سهل على خراجها فدافع طاهر عليا بتسليم الخراج إليه حتى وفى الجند أرزاقهم فلما وفاهم سلم إليه العمل (وفيها) كتب المأمون إلى هرثمة يأمره بالشخوص إلى خراسان (وحج) بالناس في هذه السنة العباس بن موسى ابن عيسى بن موسى بن محمد بن على * ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث المشهورة * فمن ذلك قدوم الحسن بن سهل فيها بغداد من عند المأمون واليه الحرب والخراج فلما قدمها فرق عماله في الكور والبلدان (وفيها) شخص طاهر إلى الرقة في جمادى الاولى ومعه عيسى بن محمد بن أبى خالد (وفيها) شخص أيضا هرثمة

[ 117 ]

إلى خراسان (وفيها) خرج أزهر بن زهير بن المسيب إلى الهرش فقتله في المحرم (وفيها) خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن ابراهيم بن الحسن ابن الحسن بن على بن أبى طالب يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة يدعو إلى الرضى من آل محمد والعمل بالكتاب والسنة وهو الذى يقال له ابن طباطبا وكان القيم بأمره في الحرب وتدبيرها وقيادة جيوشه أبا السرايا واسمه السرى بن منصور وكان يذكر أنه من ولد هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود ابن عامر بن عمرو بن أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان * ذكر الخبر عن سبب خروج محمد بن ابراهيم ابن طباطبا * (اختلف) في ذلك فقال بعضهم كان سبب خروجه صرف المأمون طاهر بن الحسين عما كان إليه من أعمال البلدان التى افتتحها وتوجيهه إلى ذلك الحسن بن سهل فلما فعل ذلك تحدث الناس بالعراق بينهم ان الفضل بن سهل قد غلب على المأمون وأنه قد أنزله قصرا حجبه فيه عن أهل بيته ووجوه قواده من الخاصة والعامة وأنه يبرم الامور على هواه ويستبد بالرأى دونه فغضب لذلك بالعراق من كان بها من بنى هاشم ووجوه الناس وأنفوا من غلبة الفضل بن سهل على المأمون واجترأوا على الحسن بن سهل بذلك وهاجت الفتن في الامصار فكان أول من خرج بالكوفة ابن طباطبا الذى ذكرت وقيل كان سبب خروجه ان أبا السرايا كان من رجال هرثمة فمطله بأرزاقه وأخره بها فغضب أبو السرايا من ذلك ومضى إلى الكوفة فبايع محمد بن أبراهيم وأخذ الكوفة واستوثق له أهلها بالطاعة وأقام محمد بن ابراهيم بالكوفة وأتاه الناس من نواحى الكوفة والاعراب وغيرهم (وفيها) وجه الحسن بن سهل زهير بن المسيب في أصحابه إلى الكوفة وكان عامل الكوفة يومئذ حين دخلها ابن طباطبا سليمان بن أبى جعفر المنصور من قبل الحسن ابن سهل وكان خليفة سليمان بن أبى جعفر بها خالد بن محجل الضبى فلما بلغ الخبر الحسن بن سهل عنف سليمان وضعفه ووجه زهير بن المسيب في عشرة آلاف فارس وراجل فلما توجه إليهم وبلغهم خبر شخوصه إليهم تهيؤا للخروج إليه فلم تكن

[ 118 ]

له قوة على الخروج فأقاموا حتى إذا بلغ زهير قرية شاهى خرجوا فأقاموا حتى إذا بلغ القنطرة أتاهم زهير فنزل عشية الثلاثاء صعنبا ثم واقعهم من الغد فهزموه واستباحوا عسكره وأخذوا ما كان معه من مال وسلاح ودواب وغير ذلك يوم الاربعاء فلما كان من غد اليوم الذى كانت فيه الوقعة بين أهل الكوفة وزهير بن المسيب وذلك يوم الخميس لليلة خلت من رجب سنة 199 مات محمد بن ابراهيم بن طباطبا فجاءة فذكر أن أبا السرايا سمه وكان السبب في ذلك فيما ذكر أن ابن طباطبا لما أحرز ما في عسكر زهير من المال والسلاح والدواب وغير ذلك منعه أبا السرايا وحظره عليه وكان الناس له مطيعين فعلم أبا السرايا أنه لا أمر له معه فسمه فلما مات ابن طباطبا أ ؟ م أبو السرايا مكانه غلاما أمرد حدثا يقال له محمد بن محمد بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب فكان أبو السرايا هو الذى ينفذ الامور ويولى من رأى ويعزل من أحب واليه الامور كلها ورجع زهير من يومه الذى هزم فيه إلى قصر ابن هبيرة فأقام به وكان الحسن بن سهل قد وجه عبدوس بن محمد بن أبى خالد المروروذى إلى النيل حين وجه زهير إلى الكوفة فخرج بعد ما هزم زهير عبوس يريد الكوفة بأمر الحسن بن سهل حتى بلغ الجامع هو وأصحابه وزهير مقيم بالقصر فتوجه أبو السرايا إلى عبدوس فواقعه بالجامع يوم الاحد لثلاث عشرة بقيت من رجب فقتله وأسر هارون بن محمد بن أبى خالد واستباح عسكره وكان عبدوس فيما ذكر في أربعة آلاف فارس فلم يفلت منهم أحد كانوا بين قتيل وأسير وانتشر الطالبيون في البلاد وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة ونقش عليها إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ولما بلغ زهير قتل أبى السرايا عبدوسا وهو بالقصر انحاز بمن معه إلى نهر الملك ثم إن أبا السرايا أقبل حتى نزل قصر ابن هبيرة بأصحابه وكانت طلائعه تأتى كوثى ونهر الملك فوجه أبو السرايا جيوشا إلى البصرة وواسط فدخلوهما وكان بواسط ونواحيها عبد الله بن سعيد الحرشى واليا عليها من قبل الحسن بن سهل فواقعه جيش أبى السرايا قريبا من واسط فهزموه فانصرف راجعا إلى بغداد وقد قتل

[ 119 ]

من أصحابه جماعة وأسر جماعة فلما رأى الحسن بن سهل أن أبا السرايا ومن معه لا يلقون له عسكرا إلا هزموه ولا يتوجهون إلى بلدة إلا دخلوها ولم يجد فيمن معه من القواد من يكفيه حربه اضطر إلى هرثمة وكان هرثمة حين قدم عليه الحسين ابن سهل العراق واليا عليها من قبل المأمون سلم له ما كان بيده من الاعمال وتوجه نحو خراسان مغاضبا للحسن فسار حتى بلغ حلوان فبعث إليه السندي وصالحا صاحب المصلى يسأله الانصراف إلى بغداد لحرب أبى السرايا فامتنع وأبى وانصرف الرسول إلى الحسن بإبائه فأعاد إليه السندي بكتب لطيفة فأجاب وانصرف إلى بغداد فقدمها في شعبان فتهيأ للخروج إلى الكوفة وأمر الحسن بن سهل على ابن أبى سعيد أن يخرج إلى ناحية المدائن وواسط والبصرة فتهيؤا لذلك وبلغ الخبر أبا السرايا وهو بقصر ابن هبيرة فوجه إلى المدائن فدخلها أصحابه في رمضان وتقدم هو بنفسه وبمن معه حتى نزل نهر صرصر مما يلى طريق الكوفة في شهر رمضان وكان هرثمة لما احتبس قدومه على الحسن ببغداد أمر المنصور بن المهدى أن يخرج فيعسكر بالياسرية إلى قدم هرثمة فخرج فعسكر فلما قدم هرثمة خرج فعسكر بالسفينيين بين يدى منصور ثم مضى حتى عسكر بنهر صرصر بإزاء أبى السرايا والنهر بينهما وكان على بن أبى سعيد معسكرا بكلواذى فشخص يوم الثلاثاء بعد الفطر بيوم ووجه مقدمته إلى المدائن فقاتل بها أصحاب أبى السرايا غداة الخميس إلى الليل قتالا شديدا فلما كان الغد غدا وأصحابه على القتال فانكشف أصحاب أبى السرايا وأخذ ابن أبى سعيد المدائن وبلغ الخبر أبا السرايا وأخذ ابن أبى سعيد المدائن فلما كان ليلة السبت لخمس خلون من شوال رجع أبو السرايا من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة فنزل به وأصبح هرثمة فجد في طلبه فوجد جماعة كثيرة من أصحابه فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل ثم صار هرثمة إلى قصر ابن هبيرة فكانت بينه وبين أبى السرايا وقعة قتل فيها من أصحاب أبى السرايا خلق كثير فانحاز أبو السرايا إلى الكوفة فوثب محمد بن محمد ومن معه من الطالبيين على دور بنى العباس ودور مواليهم وأتباعهم بالكوفة فانتهبوها وخربوها

[ 120 ]

وأخرجوهم من الكوفة وعملوا في ذلك عملا قبيحا واستخرجوا الودائع التى كانت لهم عند الناس فأخذوها وكان هرثمة فيما ذكر يخبر الناس أنه يريد الحج فكان قد حبس من يريد الحج من خراسان والجبال والجزيرة وحاج بغداد وغيرهم فلم يدع أحدا يخرج رجاء أن يأخذ الكوفة ووجه أبو السرايا إلى مكة والمدينة من يأخذهما ويقيم الحج للناس وكان الوالى على مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس وكان الذى وجهه أبو السرايا إلى مكة حسين بن حسن الافطس بن على بن أبى طالب والذى وجهه إلى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب فدخلها ولم يقاتله بها أحد ومضى حسين بن حسن يريد مكة فلما قرب منها وقف هنيهة لمن فيها وكان داود بن عيسى لما بلغه توجيه أبى السرايا حسين بن حسن إلى مكة لاقامة الحج للناس جمع موالى بنى العباس وعبيد حوائطهم وكان مسرور الكبير الخادم قد حج في تلك السنة في مائتي فارس من أصحابه فتعبأ لحرب من يريد دخول مكة وأخذها من الطالبيين فقال لداود بن عيسى أقم لى شخصك أو شخص بعض ولدك وأنا أكفيك قتالهم فقال له داود لا أستحل القتال في الحرم والله لئن دخلوا من هذا الفج لاخرجن من هذا الفج الآخر فقال له مسرور تسلم ملكك وسلطانك إلى عدوك ومن لا يأخذ فيك لومة لائم في دينك ولا حرمك ولا مالك قال له داود أي ملك لى والله لقد أقمت معهم حتى شيخت فما ولوني ولاية حتى كبرت سنى وفنى عمرى فولونى من الحجاز ما فيه القوت إنما هذا الملك لك وأشباهك فقاتل إن شئت أودع فانحاز داود من مكة إلى ناحية المشاش وقد شد أثقاله على الابل فوجه بها في طريق العراق وافتعل كتابا من المأمون بتولية ابنه محمد بن داود على صلاة الموسم فقال له اخرج فصل بالناس الظهر والعصر بمنى والمغرب والعشاء وبت بمنى وصل بالناس الصبح ثم اركب دوابك فانزل طريق عرفة وخذ على يسارك في شعب عمرو حتى تأخذ طريق المشاش حتى تلحقني ببستان ابن عامر ففعل ذلك وافترق الجمع الذى كان داود بن عيسى معهم بمكة من موالى بنى العباس وعبيد

[ 121 ]

الحوائط وقت ذلك في عضد مسرور الخادم وخشى إن قاتلهم أن يميل أكثر الناس معهم فخرج في أثر داود راجعا إلى العراق وبقى الناس بعرفة فلما زالت الشمس وحضرت الصلاة تدافعها قوم من أهل مكة فقال أحمد بن محمد بن الوليد الردمى وهو المؤذن وقاضي الجماعة والامام بأهل المسجد الحرام إذا لم تحضر الولاة لقاضي مكة محمد بن عبد الرحمن المخزومى تقدم فاخطب بالناس وصل بهم الصلاتين فإنك قاضى البلد قال فلمن أخطب وقد هرب الامام وأطل هؤلاء القوم على الدخول قال لا تدع لاحد قال له محمد بل أنت فتقدم واخطب وصل بالناس فأبى حتى قدموا رجلا من عرض أهل مكة فصلى بالناس الظهر والعصر بلا خطبة ثم مضوا فوقفوا جميعا بالموقف من عرفة حتى غربت الشمس فدفع الناس لانفسهم من عرفة بغير إمام حتى أتوا مزدلفة فصلى بهم المغرب والعشاء رجل أيضا من عرض الناس وحسين بن حسن يتوقف بسرف يرهب أن يدخل مكة فيدفع عنها ويقاتل دونها حتى خرج إليه قوم من أهل مكة ممن يميل إلى الطالبيين ويتخوف من العباسيين فأخبروه أن مكة ومنى وعرفة قد خلت ممن فيها من السلطان وأنهم قد خرجوا متوجهين إلى العراق فدخل حسين بن حسن مكة قبل المغرب من يوم عرفة وجميع من معه لا يبلغون عشرة فطافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة ومضوا إلى عرفة في الليل فوقفوا بها ساعة من الليل ثم رجع إلى مزدلفة فصلى بالناس الفجر ووقف على قزح ودفع بالناس منه وأقام بمنى أيام الحج فلم يزل مقيما بها حتى انقضت سنة 199 وأقام محمد بن سليمان بن داود الطالبى بالمدينة السنة أيضا فانصرف الحاج ومن كان شهد مكة والموسم على أن أهل الموسم قد أفاضوا من عرفة بغير إمام وقد كان هرثمة لما تخوف أن يفوته الحج وقد نزل قرية شاهى واقع أبا السرايا وأصحابه في المكان الذى واقعه فيه زهير فكانت الهزيمة على هرثمة في أول النهار فلما كان آخر النهار كانت الهزيمة على أصحاب أبى السرايا فلما رأى هرثمة أنه لم يصر إلى ما أراد أقام بقرية شاهى وود الحاج وغيرهم وبعث إلى المنصور بن المهدى فأتاه بقرية شاهى وصار يكاتب رؤساء أهل الكوفة

[ 122 ]

وقد كان على بن أبى سعيد لما أخذ المدائن توجه إلى واسط فأخذها ثم إنه توجه إلى البصرة فلم يقدر على أخذها حتى انقضت سنة 199 * ثم دخلت سنة مائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمما كان فيها من ذلك هرب أبى السرايا من الكوفة ودخول هرثمة إليها: ذكر أن أبا السرايا هرب هو ومن معه من الطالبيين من الكوفة ليلة الاحد لاربع عشرة ليلة بقية من المحرم من سنة 200 حتى أتى القادسية ودخل منصور بن المهدى وهرثمة الكوفة صبيحة تلك الليلة وآمنوا أهلها ولم يعرضوا لاحد منهم فأقاموا بها يومهم إلى العصر ثم رجعوا إلى معسكرهم وخلفوا بها رجلا منهم يقال له غسان بن أبى الفرج أبو ابراهيم بن غسان صاحب حرس صاحب خراسان فنزل في الدار التى كان فيها محمد بن محمد وأبو السرايا ثم ان أبا السرايا خرج من القادسية هو ومن معه حتى أتوا ناحية واسط وكان بواسط على بن أبى سعيد وكانت البصرة بيد العلويين بعد فجاء أبو السرايا حتى عبر دجلة أسفل من واسط فأتى عبدسى فوجد بها مالا كان حمل من الاهواز فأخذه ثم مضى حتى أتى السوس فنزلها ومن معه وأقام بها أربعة أيام وجعل يعطى الفارس ألفا والراجل خمسمائة فلما كان اليوم الرابع أتاهم الحسن ابن على الباذغيسى المعروف بالمأمونى فأرسل إليهم اذهبوا حيث شئتم فانه لا حاجة لى في قتالكم وإذا خرجتم من عملي فلست أتبعكم فأبى أبو السريا الا القتال فقاتلهم فهزمهم الحسن واستباح عسكرهم وجرح أبو السرايا جراحة شديدة فهرب واجتمع هو ومحمد بن محمد وأبو الشوك وقد تفرق أصحابهم فأخذوا ناحية طريق الجزيرة يريدون منزل أبى السرايا برأس العين فلما انتهوا إلى جلولاء عثر بهم فأتاهم حماد الكندغوش فأخذهم فجاء بهم إلى الحسن بن سهل وكان مقيما بالنهروان حين طردته الحربية فقدم بأبى السرايا فضرب عنقه يوم الخمبس لعشر خلون من ربيع الاول وذكر أن الذى تولى ضرب عنقه هارون بن محمد بن

[ 123 ]

أبى خالد وكان أسيرا في يدى أبى السرايا وذكر أنه لم يروا أحدا عند القتل أشد جزعا من أبى السرايا كان يضطرب بيديه ورجليه ويصيح أشد ما يكون من الصياح حتى جعل في رأسه حبل وهو في ذلك يضطرب ويلتوى ويصيح حتى ضربت عنقه ثم بعث برأسه فطيف به في عسكر الحسن بن سهل وبعث بجسده إلى بغداد فصلب نصفين على الجسر في كل جانب نصف وكان بين خروجه بالكوفة وقتله عشرة أشهر وكان على بن أبى سعيد حين عبر أبو السرايا توجه إليه فلما فاته توجه إلى البصرة فافتتحها والذى كان بالبصرة من الطالبيين زيد بن موسى ابن جعفر بن محمد بن على بن حسين بن على بن أبى طالب ومعه جماعة من أهل بيته رهو الذى يقال له زيد النار وانما سمى زيد النار لكثرة ما حرق من الدور بالبصرة من دور بنى العباس وأتباعهم وكان إذا أتى برجل من المسودة كان عقوبته عنده أن يحرقه بالنار وانتهبوا بالبصرة أموالا فأخذه على بن أبى سعيد أسيرا وقيل انه طلب الامان فآمنه وبعث على بن أبى سعيد ممن كان معه من القواد عيسى بن يزيد الجلودى وورقاء بن جميل وحمدويه بن على بن عيسى بن ماهان وهارون بن المسيب إلى مكة والمدينة واليمن وأمرهم بمحاربة من بها من الطالبيين وقال التميمي في قتل الحسن بن سهل أبا السرايا ألم تر ضربة الحسن بن سهل * بسيفك يا أمير المؤمنينا أدارت مرو رأس أبى السرايا * وأبقت عبرة للعابرينا وبعث الحسن بن سهل محمد بن محمد حين قتل أبو السرايا إلى المأمون بخراسان (وفى هذه السنة) خرج ابراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن حسين ابن على بن أبى طالب باليمن * (ذكر الخبر عنه وعن أمره) * وكان ابراهيم بن موسى فيما ذكر وجماعة من أهل بيته بمكة حين خرج أبو السرايا وأمره وأمر الطالبيين بالعراق ما ذكر وبلغ ابراهيم بن موسى خبرهم فخرج من مكة مع من كان معه من أهل بيته ؟ يد اليمن ووالى اليمن يومئذ المقيم

[ 124 ]

بها من قبل المأمون اسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله ابن عباس فلما سمع بإقبال ابراهيم بن موسى العلوى وقربه من صنعاء خرج منصرفا عن اليمن في الطريق النجدية بجميع من في عسكره من الخيل والرجل وخلى لابراهيم بن موسى بن جعفر اليمن وكره قتاله وبلغه ما كان من فعل عمه داود بن عيسى بمكة والمدينة ففعل مثل فعله وأقبل يريد مكة حتى نزل المشاش فعسكر هناك وأراد دخول مكة فمنعه من كان بها من العلويين وكانت أم اسحاق بن موسى ابن عيسى متوارية بمكة من العلويين وكانوا يطلبونها فتوارت منهم ولم يزل اسحاق ابن موسى معسكرا بالمشاش وجعل من كان بمكة مستخفيا يتسللون من رؤوس الجبال فأتوا بها ابنها في عسكره وكان يقال لابراهيم بن موسى الجزار لكثرة من قتل باليمن من الناس وسبى وأخذ من الاموال (وفى هذه السنة) في أول يوم من المحرم منها بعد ما تفرق الحاج من مكة جلس حسين بن حسن الافطس خلف المقام على نمرقة مثنية فأمر بثياب الكعبة التى عليها فجردت منها حتى لم يبق عليها من كسوتها شيئا وبقيت حجارة مجردة ثم كساها ثوبين من قز رقيق كان أبو السرايا وجه بها معه مكتوب عليها أمر به الاصفر بن الاصفر أبو السرايا داعية آل محمد لكسوة بيت الله الحرام وأن يطرح عنه كسوة الظلمة من ولد العباس ليطهر من كسوتهم وكتب في سنة تسع وتسعين ومائة ثم أمر حسين بن حسن بالكسوة التى كانت على الكعبة فقسمت بين أصحابه من العلويين وأتباعهم على قدر منازلهم عنده وعمد إلى ما في خزانة الكعبة من مال فأخذه ولم يسمع بأحد عنده وديعة لاحد من ولد العباس وأتباعهم إلا هجم عليه في داره فان وجد من ذلك شيئا أخذه وعاقب الرجل وان لم يجد عنده شيئا حبسه وعذبه حتى يفتدى نفسه بقدر طوله ويقر عند الشهود أن ذلك للمسودة من بنى العباس وأتباعهم حتى عم هذا خلقا كثيرا وكان الذى يتولى العذاب لهم رجلا من أهل الكوفة يقال له محمد بن مسلمة كان ينزل في دار خالصة عند الحناطين فكان يقال لها دار العذاب وأخافوا الناس حتى هرب منهم خلق كثير من أهل النعم

[ 125 ]

فتعقبوهم بهدم دورهم حتى صاروا من أمر الحرم وأخذ أبناء الناس في أمر عظيم وجعلوا يحكون الذهب الرقيق الذى في رؤوس أساطين المسجد فيخرج من الاسطوانة بعد التعب الشديد قدر مثقال ذهب أو نحوه حتى عم ذلك أكثر أساطين المسجد الحرام وقلعوا الحديد الذى على شبابيك زمزم ومن خشب الساج فبيع بالثمن الخسيس فلما رأى حسين بن حسن ومن معه من أهل بيته تغير الناس لهم بسيرتهم وبلغهم أن أبا السرايا قد قتل وأنه قد طرد من الكوفة والبصرة وكور العراق من كان بها من الطالبيين ورجعت الولاية بها لولد العباس اجتمعوا إلى محمد بن جعفر بن محمد بن على بن حسين بن على بن أبى طالب وكان شيخا وداعا محببا في الناس مفارقا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة وكان يروى العلم عن أبيه جعفر بن محمد وكان الناس يكتبون عنه وكان يظهر سمتا وزهدا فقالوا له قد تعلم حالك في الناس فأبرز شخصك نبايع لك بالخلافة فإنك إن فعلت ذلك لم يختلف عليك رجلان فأبى ذلك عليهم فلم يزل به ابنه على بن محمد بن جعفر وحسين بن حسن الافطس حتى غلبا الشيخ على رأيه فأجابهم فأقاموه يوم صلاة الجمعة بعد الصلاة لست خلون من ربيع الآخر فبايعوه بالخلافة وحشروا إليه الناس من أهل مكة والمجاورين فبايعوه طوعا وكرها وسموه بإمرة المؤمنين فأقام بذلك أشهرا وليس له من الامر الا اسمه وابنه على وحسين بن حسن وجماعة منهم أسوأ ما كانوا سيرة وأقبح ما كانوا فعلا فوثب حسين بن حسن على امرأة من قريش من بنى فهر وزوجها رجل من بنى مخزوم وكان لها جمال بارع فأرسل إليها لتأتيه فامتنعت عليه فأخاف زوجها وأمر بطلبه فتوارى منه فأرسل ليلا جماعة من أصحابه فكسروا باب الدار واغتصبوها نفسها وذهبوا بها إلى حسين فلبثت عنده إلى قرب خروجه من مكة فهربت منه ورجعت إلى أهلها وهم يقاتلون بمكة ووثب على بن محمد بن جعفر على غلام من قريش ابن قاض بمكة يقال له اسحاق ابن محمد وكان جميلا بارعا في الجمال فاقتحم عليه بنفسه نهارا جهارا في داره على الصفا مشرفا على المسعى حتى حمله على فرسه في السرج وركب على بن محمد على عجز الفرس

[ 126 ]

وخرج به يشق السوق حتى أتى بئر ميمون وكان ينزل في دار داود بن عيسى في طريق منى فلما رأى ذلك أهل مكة ومن بها من المجاورين خرجوا فاجتمعوا في المسجد الحرام وغلقت الدكاكين ومال معهم أهل الطواف بالكعبة حتى أتوا محمد بن جعفر بن محمد وهو نازل دار داود فقالوا والله لنخلعنك ولنقتلنك أو تردن الينا هذا الغلام الذى ابنك أخذه جهرة فأغلق باب الدار وكلمهم من الشباك الشارع في المسجد فقال والله ما علمت وأرسل إلى حسين بن حسن يسأله أن يركب إلى ابنه على فيستنقذ الغلام منه فأبى ذلك حسين وقال والله إنك لتعلم أنى لا أقوى على ابنك ولو جئته لقاتلني وحاربني في أصحابه فلما رأى ذلك محمد قال لاهل مكة آمنونى حتى أركب إليه وآخذ الغلام منه فآمنوه وأذنوا له في الركوب فركب بنفسه حتى صار إلى ابنه فأخذ الغلام منه وسلمه إلى أهله قال فلم يلبثوا الا يسيرا حتى أقبل إسحاق بن موسى ابن عيسى العباس مقبلا من اليمن حتى نزل المشاش فاجتمع العلويون إلى محمد بن جعفر ابن محمد فقالوا له يا أمير المؤمنين هذا إسحاق بن موسى مقبلا الينا في الخيل والرجال وقد رأينا أن نخندق خندقا بأعلى مكة وتبرز شخصك ليراك الناس ويحاربوا معك وبعثوا إلى من حولهم من الاعراب ففرضوا لهم وخندقوا على مكة ليقاتلوا اسحاق بن موسى من ورائه فقاتلهم اسحاق أياما ثم ان اسحاق كره القتال والحرب وخرج يريد العراق فلقيه ورقاء بن جميل في أصحابه ومن كان معه من أصحاب الجلودى فقالوا لاسحاق ارجع معنا إلى مكة ونحن نكفيك القتال فرجع معهم حتى أتوا مكة فنزلوا المشاش واجتمع إلى محمد بن جعفر من كان معه من غوغائها ومن سودان أهل المياه ومن فرض له من الاعراب فعبأهم ببئر ميمون وأقبل إليهم اسحاق بن موسى وورقاء بن جميل بمن معه من القواد والجند فقاتلهم ببئر ميمون فوقعت بينهم قتلى وجراحات ثم رجع اسحاق وورقاء إلى معسكرهم ثم عاودهم بعد ذلك بيوم فقاتلهم فكانت الهزيمة على محمد بن جعفر وأصحابه فلما رأى ذلك محمد بعث رجالا من قريش فيهم قاضى مكة يسألون لهم الامان حتى يخرجوا من مكة ويذهبوا حيث شاءوا فأجابهم اسحاق وورقاء بن جميل إلى ذلك وأجلوهم ثلاثة أيام

[ 127 ]

فلما كان في اليوم الثالث دخل اسحاق وورقاء إلى مكة في جمادى الآخرة وورقاء الوالى على مكة للجلودي وتفرق الطالبيون من مكة فذهب كل قوم ناحية فأما محمد بن جعفر فاخذ ناحية جدة ثم خرج الجحفة فعرض له رجل من موالى بنى العباس يقال له محمد بن حكيم بن مروان قد كان الطالبيون انتهبوا داره بمكة وعذبوه عذابا شديدا وكان يتوكل لبعض العباسيين بمكة لآل جعفر ابن سليمان فجمع عبيد الحوائط من عبيد العباسيين حتى لحق محمد بن جعفر بين جدة وعسفان فانتهب جميع ما معه مما خرج به من مكة وجرده حتى تركه في سراويل وهم بقتله ثم طرح عليه بعد ذلك قميصا وعمامة ورداء ودريهمات يتسبب بها فخرج محمد بن جعفر حتى أتى بلاد جهينة على الساحل فلم يزل مقيما هنالك حتى انقضى الموسم وهو في ذلك يجمع الجموع وقد وقع بينه وبين هارون بن المسيب والى المدينة وقعات عند الشجرة وغيرها وذلك أن هارون بعث ليأخذه فلما رأى ذلك أتاه بمن اجتمع إليه حتى بلغ الشجرة فخرج إليه هارون فقاتله فهزم محمد بن جعفر وفقئت عينه بنشابة وقتل من أصحابه بشر كثير فرجع حتى أقام بموضعه الذى كان فيه ينتظر ما يكون من أمر الموسم فلم يأته من كان وعده فلما رأى ذلك وانقضى الموسم طلب الامان من الجلودى ومن رجاء ابن عم الفضل ابن سهل وضمن له رجاء على المأمون وعلى الفضل بن سهل ألا يهاج وأن يوفى له بالامان فقبل ذلك ورضيه ودخل به إلى مكة يوم الاحد بعد النفر الاخير بثمانية أيام لعشر بقين من ذى الحجة فأمر عيسى بن يزيد الجلودى ورجاء بن أبى الضحاك ابن عم الفضل بن سهل بالمنبر فوضع بين الركن والمقام حيث كان محمد بن جعفر بويع له فيه وقد جمع الناس من القريشيين وغيرهم فصعد الجلودى رأس المنبر وقام محمد بن جعفر تحته بدرجة وعليه قباء أسود وقلنسوة سوداء وليس عليه سيف ليخلع نفسه ثم قام محمد فقال أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا محمد بن جعفر بن محمد بن على بن حسين ابن على بن أبى طالب فإنه كان لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين في رقبتي بيعة بالسمع والطاعة طائعا غير مكروه وكنت أحد الشهود الذين شهدوا في الكعبة في الشرطين

[ 128 ]

لهارون الرشيد على ابنيه محمد المخلوع وعبد الله المأمون أمير المؤمنين ألا وقد كانت فتنة غشيت عامة الارض منا ومن غيرنا وكان نمى إلى خبر أن عبد الله عبد الله المأمون أمير المؤمنين كان توفى فدعاني ذلك إلى أن بايعوا لى بإمرة المؤمنين واستحللت قبول ذلك لما كان على من العهود والموا ؟ في بيعتى لعبد الله عبد الله الامام المأمون فبايعتموني أو من فعل منكم ألا وقد بلغني وصح عندي أنه حى سوى ألا وإنى أستغفر الله مما دعوتكم إليه من البيعة وقد خلعت نفسي من بيعتى التى بايعتموني عليها كما خلعت خاتمي هذا من أصبعي وقد صرت كرجل من المسلمين فلا بيعة لى في رقابهم وقد أخرجت نفسي من ذلك وقد رد الله الحق إلى الخليفة المأمون عبد الله عبد الله المأمون أمير المؤمنين والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد خاتم النبيين والسلام عليكم أيها المسلمون ثم نزل فخرج به عيسى بن يزيد الجلودى إلى العراق واستخلف على مكة ابنه محمد بن عيسى في سنة 201 وخرج عيسى ومحمد بن جعفر حتى سلمه إلى الحسن بن سهل فبعث به الحسن بن سهل إلى المأمون بمرو مع رجاء بن أبى الضحاك (وفى هذه السنة) وجه إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد الطالبى بعض ولد عقيل بن أبى طالب من اليمن في جند كثيف إلى مكة ليحج بالناس فحورب العقيلى فهزم ولم يقدر على دخول مكة * ذكر الخبر عن أمر إبراهيم والعقيلي الذى ذكرنا أمره * ذكر أن أبا إسحاق بن هارون الرشيد حج بالناس في سنة 200 فسار حتى دخل مكة ومعه قواد كثير فيهم حمدويه بن على بن عيسى بن ماهان وقد استعمله الحسن بن سهل على اليمن ودخلوا مكة وبها الجلودى في جنده وقواده ووجه إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد العلوى من اليمن رجلا من ولد عقيل بن أبى طالب وأمره أن يحج بالناس فلما صار العقيلى إلى بستان ابن عامر بلغه أن أبا إسحاق بن هارون الرشيد قد ولى الموسم وأن معه من القواد والجنود مالا قبل لاحد به في أقام ببستان ابن عامر فمرت به قافلة من الحاج والتجار وفيها

[ 129 ]

كسوة الكعبة وطيبها فأخذ أموال التجار وكسوة الكعبة وطيبها وقدم الحاج والتجار مكة عراة مسلبين فبلغ ذلك أبا إسحاق بن الرشيد وهو نازل بمكة في دار القوارير فجمع إليه القواد فشاورهم فقال له الجلودى وذلك قبل التروية بيومين أو ثلاثة أصلح الله الامير أنا أكفيكهم أخرج إليهم في خمسين من نخبة أصحابي وخمسين انتخبهم من سائر القواد فأجابوه إلى ذلك فخرج الجلودى في مائة حتى صبح العقيلى وأصحابه ببستان ابن عامر فأحدق بهم فأسر أكثرهم وهرب من هرب منهم يسعى على قدميه فأخذ كسوة الكعبة إلا شيئا كان هرب به من هرب قبل ذلك بيوم واحد وأخذ الطيب وأموال التجار والحاج فوجه به إلى مكة ودعا بمن أسر من أصحاب العقيلى فأمر بهم فقنع كل رجل منهم عشرة أسواط ثم قال اعزبوا يا كلاب النار فوالله ما قتلكم وعر ولا في أسركم جمال وخلى سبيلهم فرجعوا إلى اليمن يستطعمون في الطريق حتى هلك أكثرهم جوعا وعريا (وخالف) ابن أبى سعيد على الحسن بن سهل فبعث المأمون بسراج الخادم وقال له إن وضع على يده في يد الحسن أو شخص إلى بمرو وإلا اضرب اعنقه فشخص إلى المأمون مع هرثمة بن أعين (وفى هذه السنة) شخص هرثمة في شهر ربيع الاول منها من معسكره إلى المأمون بمرو * ذكر الخبر عن شخوص هرثمة إلى المأمون وما آل إليه أمره في مسيره ذلك * ذكر أن هرثمة لما فرغ من أمر أبى السرايا ومحمد بن محمد العلوى ودخل الكوفة أقام في معسكره إلى شهر ربيع الاول فلما أهل الشهر خرج حتى أتى نهر صرصر والناس يرون أنه يأتي الحسن بن سهل بالمدائن فلما بلغ نهر صرصر خرج على عقرقوف ثم خرج حتى أتى البردان ثم أتى النهروان ثم خرج حتى أتى إلى خراسان وقد أتته كتب المأمون في غير منزل أن يرجع فيلى الشأم أو الحجاز فأبى وقال لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين إدلالا منه عليه لما كان يعرف من نصيحته له ولآبائه وأراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل ابن سهل وما يكتم عنه من الاخبار وألا يدعه حتى يرده إلى بغداد دار خلافة (9 - 7)

[ 130 ]

آبائه وملكهم ليتوسط سلطانه ويشرف على أطرافه فعلم الفضل ما يريد فقال للمأمون إن هرثمة قد أنغل عليك البلاد والعباد وظاهر عليك عدوك وعادى وليك ودس أبا السرايا وهو جندي من جنده حتى عمل ما عمل ولو شاء هرثمة ألا يفعل ذلك أبو السرايا ما فعله وقد كتب إليه أمير المؤمنين عدة كتب أن يرجع فيلى الشأم أو الحجاز فأبى وقد رجع إلى باب أمير المؤمنين عاصيا مشاقا يظهر القول الغليظ ويتواعد بالامر الجليل وإن أطلق وهذا كان مفسدة لغيره فأشرب قلب أمير المؤمنين عليه وأبطأ هرثمة في المسير فلم يصل إلى خراسان حتى كان ذو القعدة فلما بلغ مرو خشى أن يكتم المأمون قدومه فضرب بالطبول لكى يسمعها المأمون فسمعها فقال ما هذا قالوا هرثمة قد أقبل يرعد ويبرق وظن هرثمة أن قوله المقبول فأمر بإدخاله فلما أدخل وقد أشرب قلبه ما أشرب قال له المأمون مالات أهل الكوفة والعلويين وداهنت ودسست إلى أبى السرايا حتى خرج وعمل ما عمل وكان رجلا من أصحابك ولو أردت أن تأخذهم جميعا لفعلت ولكنك أرخيت خناقهم وأجررت لهم رسنهم فذهب هرثمة ليتكلم ويعتذر ويدفع عن نفسه ما قرف به فلم يقبل ذلك منه وأمر به فوجئ على أنفه وديس بطنه وسحب من بين يديه وقد تقدم الفضل بن سهل إلى الاعوان بالغلظ عليه والتشديد حتى حبس فمكث في الحبس أياما ثم دسوا إليه فقتلوه وقالوا له إنه مات (وفى هذه السنة) هاج الشغب ببغداد بين الحربية والحسن بن سهل * ذكر الخبر عن ذلك وكيف كان * ذكر أن الحسن بن سهل كان بالمدائن حين شخص هرثمة إلى خراسان ولم ؟ ل مقيما بها إلى أن اتصل بأهل بغداد والحربية ما صنع به فبعث الحسن بن سهل إلى على بن هشام وهو والى بغداد من قبله أن أمطل الجند من الحربية والبغداديين أرزاقهم ومنهم ولا تعطهم وقد كان الحسن قبل ذلك اتعدهم أن يعطيهم أرزاقهم وكانت الحربية حين خرج هرثمة إلى خراسان وثبوا وقالوا لا نرضى حتى نطرد الحسن بن سهل عن بغداد وكان من عماله بها محمد بن أبى خالد

[ 131 ]

وأسد بن أبى الاسد فوثبت الحربية عليهم فطردوهم وصيروا إسحاق بن موسى ابن المهدى خليفة للمأمون ببغداد فاجتمع أهل الجانبين على ذلك ورضوا به فدس الحسن إليهم وكاتب قوادهم حتى وثبوا من جانب عسكر المهدى وجعل يعطى الجند أرزاقهم لستة أشهر عطاء نزرا فحول الحربية إسحاق إليهم وأنزلوه على دجيل وجاء زهير بن المسيب فنزل في عسكر المهدى وبعث الحسن بن سهل على بن هشام فجاء من الجانب الآخر حتى نزل نهر صرصر ثم جاء هو ومحمد بن أبى خالد وقوادهم ليلا حتى دخلوا بغداد فنزل على بن هشام دار العباس بن جعفر بن محمد الاشعث الخزاعى على باب المحول لثمان خلون من شعبان وقبل ذلك ما كان الحربية حين بلغهم أن أهل الكرخ يريدون أن يدخلوا زهيرا وعلى ابن هشام شدوا على باب الكرخ فأحرقوه وانتهبوا من حد قصر الوضاح إلى داخل باب الكرخ إلى أصحاب القراطيس ليلة الثلاثاء ودخل على بن هشام صبيحة تلك الليلة فقاتل الحربية ثلاثة أيام على قنطرة الصراة العتيقة والجديدة والارحاء ثم إنه وعد الحربية أن يعطيهم رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلة فسألوه أن يعجل لهم خمسين درهما لكل رجل لينفقوها في شهر رمضان فأجابهم إلى ذلك وجعل يعطى فلم يتم لهم اعطاءهم حتى خرج زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن حسين بن على بن أبى طالب الخارج بالبصرة المعروف بزيد النار كان أفلت من الحبس عند على بن أبى سعيد فخرج في ناحية الانبار ومعه أخو أبى السرايا في ذى القعدة سنة 200 فبعثوا إليه فأخذ فأتى به على بن هشام فلم يلبث إلا جمعة حتى هرب من الحربية فنزل نهر صرصر وذلك أنه كان يكذبهم ولم يف لهم باعطاء الخمسين إلى أن جاء الاضحى وبلغهم خبر هرثمة وما صنع به فشدوا على على فطردوه وكان المتولي ذلك والقائم بأمر الحرب محمد بن أبى خالد وذلك أن على بن هشام لما دخل بغداد كان يستخف به فوقع بين محمد ابن أبى خالد وبين زهير بن المسيب إلى أن قنعه زهير بالسوط فغضب محمد من ذلك وتحول إلى الحربية في ذى القعدة ونصب لهم الحرب واجتمع إليه الناس

[ 132 ]

فلم يقوبهم على بن هشام حتى أخرجوه من بغداد ثم اتبعه حتى هزمهم من نهر صرصر (وفى هذه السنة) وجه المأمون رجاء بن أبى الضحاك وفرناس الخادم لاشخاص على بن موسى بن جعفر بن محمد ومحمد بن جعفر * وأحصى في هذه السنة ولد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين ذكر وأنثى (وفى هذه السنة) قتلت الروم ملكها ليون فكان قد ملك عليهم سبع سنين وستة أشهر وملكوا عليهم ميخائيل ابن جورجس ثانية (وفيها) قتل المأمون يحيى بن عامر بن اسماعيل وذلك أن يحيى أغلظ له فقال له يا أمير الكافرين فقتل يين يديه وأقام للناس الحج في هذه السنة أبو إسحاق بن الرشيد * ثم دخلت سنة إحدى ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمما كان فيها من ذلك مراودة أهل بغداد منصور بن المهدى على الخلافة وامتناعه عليهم فلما امتنع من ذلك راودوه على الامرة عليهم على أن يدعوا للمأمون بالخلافة فأجابهم إلى ذلك * ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الامر فيه * قد ذكرنا قبل ذلك سبب إخراج أهل بغداد على بن هشام من بغداد ويذكر عن الحسن ابن سهل أن الخبر عن إخراج أهل بغداد على بن هشام من بغداد لما اتصل به وهو بالمدائن انهزم حتى صار إلى واسط وذلك في أول سنة 201 وقد قيل إن سبب إخراج أهل بغداد على بن هشام من بغداد كان أن الحسن بن سهل وجه محمد بن خالد المروروزى بعد ما قتل أبو السرايا أفسده وولى على بن هشام الجانب الغربي من بغداد وزهير ابن المسيب يلى الجانب الشرقي وأقام هو بالخيزرانية وضرب الحسن عبد الله ابن على بن عيسى بن ماهان حدا بالسياط فغضب الابناء فشغب الناس فهرب إلى بربخا ثم إلى باسلاما وأمر بالارزاق لاهل عسكر المهدى ومنع أهل الغربي واقتتل أهل الجانبين ففرق محمد بن أبى خالد على الحربية مالا فهزم على بن هشام فا ؟ م

[ 133 ]

الحسن بن سهل بانهزام على بن هشام فلحق بواسط فتبعه محمد بن أبى خالد بن الهند وان مخالفا له وقد تولى القيام بأمر الناس وولى سعيد بن الحسن بن قحطبة الجانب الغربي ونصر بن حمزة بن مالك الشرقي وكنفه ببغداد منصور بن المهدى وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع وقد قيل إن عيسى بن محمد بن أبى خالد قدم في هذه السنة من الرقة وكان عند طاهر بن الحسين فاجتمع هو وأبوه على قتال الحسن فمضيا حتى انتهيا ومن معهما من الحربية وأهل بغداد إلى قرية أبى قريش قرب واسط وكان كلما أتيا موضعا فيه عسكر من عساكر الحسن فيكون بينهما فيه وقعة تكون الهزيمة فيه على أصحاب الحسن ولما انتهى محمد بن خالد إلى دير العاقول أقام به ثلاثا وزهير ابن المسيب حينئذ مقيم بإسكاف بنى الجنيد وهو عامل الحسن على جوخى مقيم في عمله فكان يكاتب قواد أهل بغداد فبعث ابنه الازهر فمضى حتى انتهى إلى نهر النهروان فلقى محمد بن أبى خالد فركب إليه فأتاه باسكاف فأحاط به فأعطاه الامان وأخذه أسيرا فجاء به إلى عسكره بدير العاقول وأخذ أمواله ومتاعه وكل قليل وكثير وجد له ثم تقدم محمد بن أبى خالد فلما صار إلى واسط بعث به إلى بغداد فحبسه عند ابن له مكفوف يقال له جعفر فكان الحسن مقيما بجر جرايا فلما بلغه خبر زهير وأنه قد صار في يد محمد بن أبى خالد ارتحل حتى دخل واسط فنزل بفم الصلح ووجه محمد من دير العاقول ابنه هارون إلى النيل وبها سعيد بن الساجور الكوفى فهزمه هارون ثم تبعه حتى دخل الكوفة فأخذها هارون وولى عليها وقدم عيسى بن يزيد الجلودى من مكة ومعه محمد بن جعفر فخرجوا جميعا حتى أتوا واسط في طريق البر ثم رجع هارون إلى أبيه فاجتمعوا جميعا في قرية أبى قريش ليدخلوا واسط وبها الحسن بن سهل فتقدم الحسن بن سهل فنزل خلف واسط في أطرافها وكان الفضل بن الربيع مختفيا من حين قتل المخلوع فلما رأى أن محمد بن أبى خالد قد بلغ واسط بعث إليه يطلب الامان منه فأعطاه إياه وظهر ثم تعبأ محمد بن أبى خالد للقتال فتقدم هو وابنه عيسى وأصحابهما حتى صاروا على ميلين من واسط فوجه إليهم الحسن أصحابه وقواده فاقتتلوا قتالا شديدا عند أبيات

[ 134 ]

واسط فلما كان بعد العصر هبت ريح شديدة وغبرة حتى اختلط القوم بعضهم ببعض وكانت الهزيمة على أصحاب محمد بن أبى خالد فثبت للقوم فأصابته جراحات شديدة في جسده فانهزم هو وأصحابه هزيمة شديده قبيحة فهزم أصحابه الحسن وذلك يوم الاحد لسبع بقين من شهر ربيع الاول سنة 201 فلما بلغ محمد فم الصلح خرج عليهم أصحاب الحسن فصافهم للقتال فلما جنهم الليل ارتحل هو وأصحابه حتى نزلوا المبارك فأقاموا به فلما أصبحوا غدا عليهم أصحاب الحسن فصافوهم واقتتلوا فلما جنهم الليل ارتحلوا حتى أتوا جبل فأقاموا بها ووجه ابنه هارون إلى النيل فأقام بها وأقام محمد بجر جرايا فلما اشتدت به الجراحات خلف قواده في عسكره وحمل ابنه أبو زنبيل حتى أدخله بغداد ليلة الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر فدخل أبو زنبيل ليلة الاثنين ومات محمد بن أبى خالد من ليلته من تلك الجراحات ودفن من ليلته في داره سرا وكان زهير بن المسيب محبوسا عند جعفر بن محمد بن أبى خالد فلما قدم أبو زنبيل أتى خزيمة بن خازم يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الآخر فأعلمه أمر أبيه فبعث خزيمة إلى بنى هاشم والقواد وأعلمهم ذلك وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد بن أبى خالد وأنه يكفيهم الحرب فرضوا بذلك فصار عيسى مكان أبيه على الحرب وانصرف أبو زنبيل من عند خزيمة حتى أتى زهير بن المسيب فأخرجه من حبسه فضرب عنقه ويقال إنه ذبحه ذبحا وأخذ رأسه فبعث به إلى عيسى في عسكره فنصبه على رمح وأخذوا جسده فشدوا في رجليه حبلا ثم طافوا به في بغداد ومروا به على دوره ودور أهل بيته عند باب الكوفة ثم طافوا به في الكرخ ثم ردوه إلى باب الشأم بالعشى فلما جنهم الليل طرحوه في دجلة وذلك يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الآخر ثم رجع أبو زنبيل حتى انتهى إلى عيسى فوجهه عيسى إلى فم الصراة وبلغ الحسن بن سهل موت محمد ابن أبى خالد فخرج من واسط حتى انتهى إلى المبارك فأقام بها فلما كان جمادى الآخرة وجه حميد بن عبد الحميد الطوسى ومعه عركوا الاعرابي وسعيد بن الساجور وأبو البط ومحمد بن إبراهيم الافريقى وعدة سواهم من القواد فلقوا

[ 135 ]

أبا زنبيل بفم الصراة فهزموه وانحاز إلى أخيه هارون بالنيل فالتقوا عند بيوت النيل فاقتتلوا ساعة فوقعت الهزيمة على أصحاب هارون وأبى زنبيل فخرجوا هاربين حتى أتوا المدائن وذلك يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الآخرة ودخل حميد وأصحابه النيل فانتهبوها ثلاثة أيام فانتهبوا أموالهم وأمتعتهم وانتهبوا ما كان حولهم من القرى وقد كان بنو هاشم والقواد حين مات محمد بن أبى خالد تكلموا في ذلك وقالوا نصير بعضنا خليفة ونخلع المأمون فكانوا يتراضون في ذلك إذ بلغهم خبر هارون وأبى زنبيل وهزيمتهم فجدوا فيما كانوا فيه وأداروا منصور ابن المهدى على الخلافة فأبى ذلك عليهم فلم يزالوا به حتى صيروه أميرا خليفة للمأمون ببغداد والعراق وقالوا لا نرضى بالمجوسى ابن المجوسى الحسن بن سهل ونطرده حتى يرجع إلى خراسان (وقد قيل) إن عيسى بن محمد بن أبى خالد لما اجتمع إليه أهل بغداد وساعدوه على حرب الحسن بن سهل رأى الحسن أنه لا طاقة له بعيسى فبعث إليه وهب بن سعيد الكاتب وبذل له المصاهرة ومائة ألف دينار والامان له ولاهل بيته ولاهل بغداد وولاية أي النواحى أحب فطلب كتاب المأمون بذلك بخطه فرد الحسن بن سهل وهبا بإجابته فغرق وهب بين المبارك وجبل فكتب عيسى إلى أهل بغداد إنى مشغول بالحرب عن جباية الخراج فولوا رجلا من بنى هاشم فولوا منصور بن المهدى وعسكر منصور بن المهدى بكلواذى وأرادوه على الخلافة فأبى وقال أنا خليفة أمير المؤمنين حتى يقدم أو يولى من أحب فرضى بذلك بنو هاشم والقواد والجند وكان القيم بهذا الامر خزيمة بن خازم فوجهه القواد في كل ناحية وجاء حميد الطوسى من فوره في طلب بنى محمد حتى انتهى إلى المدائن فأقام بها يومه ثم انصرف إلى النيل فلما بلغ منصورا خبره خرج حتى عسكر بكلواذى وتقدم يحيى بن على بن عيسى بن ماهان إلى المدائن ثم إن منصورا وجه إسحاق بن العباس بن محمد الهاشمي من الجانب الآخر فعسكر بنهر صرصر ووجه غسان بن عباد بن أبى الفرج أبا إبراهيم بن غسان صاحب حرس خراسان ناحية الكوفة فتقدم حتى أتى قصر ابن هبيرة فأقام به فلما بلغ حميدا

[ 136 ]

الخبر فلم يعلم غسان إلا وحميد قد أحاط بالقصر فأخذ غسان أسيرا وسلب أصحابه وقتل منهم وذلك يوم الاثنين لاربع خلون من رجب ثم لم يزل كل قوم مقيمين في عساكرهم إلا أن محمد بن يقطين بن موسى كان مع الحسن بن سهل فهرب منه إلى عيسى فوجهه عيسى إلى منصور فوجه منصور إلى ناحية حميد وكان حميد مقيما بالنيل إلا أن له خيلا بالقصر وخرج ابن يقطين من بغداد يوم السبت لليلتين خلتا من شعبان حتى أتى كوثى وبلغ حميد الخبر فلم يعلم ابن يقطين حتى أتاه حميد وأصحابه إلى كوثى فقاتلوه فهزموه وقتلوا من أصحابه وأسروا وغرق منهم بشر كثير وانتهب حميد وأصحابه ما كان حول كوثى من القرى وأخذوا البقر والغنم والحمير وما قدروا عليه من حلى ومتاع وغير ذلك ثم انصرف حتى النيل ورجع ابن يقطين فأقام بنهر صرصر وفى محمد بن أبى خالد قال أبو الشداخ هوى خيل الابناء بعد محمد * وأصبح منها كاهل العز أخضعا فلا تشمتوا يا آل سهل بموته * فإن لكم يوما من الدهر مصرعا (وأحصى) عيسى بن محمد بن أبى خالد ما كان في عسكره فكانوا مائة ألف وخمسة وعشرين ألفا بين فارس وراجل فأعطى الفارس أربعين درهما والراجل عشرين درهما (وفى هذه السنة) تجردت المطوعة للنكير على الفساق ببغداد ورئيسهم خالد الدريوش وسهل بن سلامة الانصاري أبو حاتم من أهل خراسان * ذكر الخبر عن السبب الذى من أجله فعلت المطوعة ما ذكرت * كان السبب في ذلك أن فساق الحربية والشطار الذين كانوا ببغداد والكرخ آذوا الناس أذى شديدا وأظهروا الفسق وقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء علانية من الطرق فكانوا يجتمعون فيأتون الرجل فيأخذون ابنه فيذهبون به فلا يقدر أن يمتنع وكانوا يسألون الرجل أن يقرضهم أو يصلهم فلا يقدر أن يمتنع عليهم وكانوا يجتمعون فيأتون القرى فيكاثرون أهلها ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وغير ذلك لا سلطان يمنعهم ولا يقدر على ذلك منهم لان السلطان كان يعتز بهم وكانوا بطانته فلا يقدر أن يمنعهم من فسق يركبونه وكان يجبون

[ 137 ]

المارة في الطرق وفى السفن وعلى الظهر ويخفرون البساتين ويقطعون الطرق علانية ولا أحد يعدو عليهم وكان الناس منهم في بلاء عظيم ثم كان آخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قطر بل فانتهبوها علانية وأخذوا المتاع والذهب والفضة والغنم والبقر والحمير وغير ذلك وأدخلوها بغداد وجعلوا يبيعونها علانية وجاء أهلها فاستعدوا السلطان عليهم فلم يمكنه تعديهم عليهم ولم يرد عليهم شيئا مما كان أخذ منهم وذلك آخر شعبان فلما رأى الناس ذلك وما قد أخذ منهم من بيع متاع الناس وفى أسواقهم وما قد أظهروا من الفساد في الارض والظلم والبغى وقطع الطريق وأن السلطان لا يغير عليهم قام صلحاء كل ربض وكل درب فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا إنما في الدرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة وقد غلبوكم وأنتم أكثر منهم فلو اجتمعتم حتى يكون أمركم واحد لقمعتم هؤلاء الفساق وصاروا لا يفعلون ما يفعلون من إظهار الفسق بين أظهركم فقام رجل من ناحية طريق الانبار يقال له خالد الدريوش فدعا جيرانه وأهل بيته وأهل محلته على أن يعاونوه على الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فأجابوه إلى ذلك وشد على من يليه من الفساق والشطار فمنعهم مما كانوا يصنعون فامتنعوا عليه وأرادوا قتاله فقاتلهم فهزمهم وأخذ بعضهم فضربهم وحبسهم ورفعهم إلى السلطان الا أنه كان لا يرى أن يغير على السلطان شيئا ثم قام من بعده رجل من أهل الحربية يقال له سهل بن سلامة الانصاري من أهل خراسان يكنى أبا حاتم فدعا الناس إلى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والعمل بكتاب الله عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعلق مصحفا في عنقه ثم بدأ بجيرانه وأهل محلته فأمرهم ونهاهم فقبلوا منه ثم دعا الناس جميعا إلى ذلك الشريف منهم والوضيع بنى هاشم ومن دونهم وجعل له ديوانا يثبت فيه اسم من أتاه منهم فبايعه على ذلك وقتال من خالفه وخالف مادعا إليه كائنا من كان فأتاه خلق كثير فبايعوا ثم إنه طاف ببغداد وأسواقها وأرباضها وطرقها ومنع كل من يخفر ويجبى المارة والمختلفة وقال لا خفارة في الاسلام والخفارة أنه كان يأتي الرجل بعض أصحاب البساتين فيقول بستانك في خفرى أدفع عنه من أراده بسوء ولى في عنقك كل

[ 138 ]

شهر كذا وكذا درهما فيعطيه ذلك شائيا وآبيا فقوى على ذلك الا أن الدريوش خالفه وقال أنا لا أعيب على السلطان شيئا ولا أغيره ولا أقاتله ولا آمره بشئ ولا أنهاه وقال سهل بن سلامة لكنى أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائنا من كان سلطانا أو غيره والحق قائم في الناس أجمعين فمن بايعني على هذا قبلته ومن خالفني قاتلته فقام في ذلك سهل يوم الخميس لاربع خلون من شهر رمضان سنة 201 في مسجد طاهر بن الحسين الذى كان بناه في الحربية وكان خالد الدريوش قام قبله بيومين أو ثلاثة وكان منصور بن المهدى مقيما بعسكره بجبل فلما كان من ظهور سهل بن سلامة وأصحابه ما كان وبلغ ذلك منصورا وعيسى وإنما كان عظم أصحابهما الشطار ومن لاخير فيه كسرهما ذلك ودخل منصور بغداد وقد كان عيسى يكاتب الحسن بن سهل فلما بلغه خبر بغداد سأل الحسن بن سهل أن يعطيه الامان له ولاهل بيته ولاصحابه على أن يعطى الحسن أصحابه وجنده وسائر أهل بغداد رزق ستة أشهر إذا أدركت له الغلة فأجابه الحسن وارتحل عيسى من معسكره فدخل بغداد يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من شوال وتقوضت جميع عساكرهم فدخلوا بغداد فأعلمهم عيسى مادخل لهم فيه من الصلح فرضوا بذلك ثم رجع عيسى إلى المدائن وجاءه يحيى بن عبد الله ابن عم الحسن بن سهل حتى نزل دير العاقول فولوه السواد وأشركوا بينه وبين عيسى في الولاية وجعلوا لكل عدة من الطساسيج وأعمال بغداد فلما دخل عيسى فيما دخل فيه وكان أهل عسكر المهدى مخالفين له وثب المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعى يدعى إلى المأمون وإلى الفضل والحسن ابني سهل فامتنع عليه سهل بن سلامة وقال ليس على هذا بايعتني * وتحول منصور بن المهدى وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع وكانوا يوم تحولوا بايعوا سهل بن سلامة على ما يدعو إليه من العمل بالكتاب والسنة فنزلوا بالحربية فرارا من الطلب وجاء سهل بن سلامة إلى الحسن وبعث إلى المطلب أن يأتيه وقال ليس على هذا بايعني فأبى المطلب أن يجيئه فقاتله سهل يومين أو ثلاثة قتالا شديدا حتى اصطلح عيسى والمطلب فدس عيسى إلى سهل من اغتاله

[ 139 ]

فضربه ضربة بالسيف إلا أنها لم تعمل فيه فلما اغتيل سهل رجع إلى منزله وقام عيسى بأمر الناس فكفوا عن القتال وقد كان حميد بن عبد الحميد مقيما بالنيل فلما بلغه هذا الخبر دخل الكوفة فأقام بها أياما ثم إنه خرج منها حتى أتى قصر ابن هبيرة فأقام به واتخذ منزلا وعمل عليه سورا وخندقا وذلك في آخر ذى القعدة وأقام عيسى ببغداد يعرض الجند ويصححهم إلى أن تدرك الغلة وبعث إلى سهل ابن سلامة فاعتذر إليه مما كان صنع به وبايعه وأمره أن يعود إلى ما كان عليه من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وأنه عونه على ذلك فقام سهل بما كان قام به أولا من الدعاء إلى العمل بالكتاب والسنة (وفى هذه السنة) جعل المأمون على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن حسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه ولى عهد المسلمين والخليفة من بعده وسماه الرضى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمر جنده بطرح السواد ولبس ثياب الخضرة وكتب بذلك إلى الآفاق * ذكر الخبر عن ذلك وعما كان سبب ذلك وما آل الامر فيه إليه * (ذكر) أن عيسى بن محمد بن أبى خالد بينما هو فيما هو فيه من عرض أصحابه بعد منصرفه من عسكره إلى بغداد إذ ورد عليه كتاب من الحسن بن سهل يعلمه أن أمير المؤمنين المأمون قد جعل على بن موسى بن جعفر بن محمد ولى عهده من بعده وذلك أنه نظر في بنى العباس وبنى على فلم يجد أحدا هو أفضل ولا أورع ولا أعلم منه وأنه سماه الرضى من آل محمد وأمره بطرح لبس الثياب السود ولبس ثياب الخضرة وذلك يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة 201 ويأمره أن يأمر من قبله من أصحابه والجند والقواد وبنى هاشم بالبيعة له وأن يأخذهم بلبس الخضرة في أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم ويأخذ أهل بغداد جميعا بذلك فلما أتى عيسى الخبر دعا أهل بغداد إلى ذلك على أن يعجل لهم رزق شهر والباقى إذا أدركت الغلة فقال بعضهم نبايع ونلبس الخضرة وقال بعضهم لا نبايع ولا نلبس الخضرة ولا نخرج هذا الامر من ولد العباس وإنما هذا دسيس

[ 140 ]

من الفضل بن سهل فمكثوا بذلك أياما وغضب ولد العباس من ذلك واجتمع بعضهم إلى بعض وتكلموا فيه وقالوا نولي بعضنا ونخلع المأمون وكان المتكلم في هذا والمختلف فيه والمتقلد له ابراهيم ومنصور ابنا المهدى (وفى هذه السنة) بايع أهل بغداد ابراهيم بن المهدى بالخلافة وخلعوا المأمون * ذكر السبب في ذلك * قد ذكرنا سبب إنكار العباسيين ببغداد على المأمون ما أنكروا عليه واجتماع من اجتمع على محاربة الحسن بن سهل منهم حتى خرج عن بغداد ولما كان من بيعة المأمون لعلى بن موسى بن جعفر وأمره الناس بلبس الخضرة ما كان وورد كتاب الحسن على عيسى بن محمد بن أبى خالد يأمره بذلك وأخذ الناس به ببغداد وذلك يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذى الحجة أظهر العباسيون ببغداد أنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهدى بالخلافة ومن بعده ابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهدى وأنهم قد خلعوا المأمون وأنهم يعطون عشرة دنانير كل إنسان أول يوم من المحرم أول يوم من السنة المستقبلة فقبل بعض ولم يقبل بعض حتى يعطى فلما كان يوم الجمعة وأرادوا الصلاة أرادوا أن يجعلوا إبراهيم خليفة للمأمون مكان منصور فأمروا رجلا يقول حين أذن المؤذن إنا نريد أن ندعو للمأمون ومن بعده لابراهيم يكون خليفة وكانوا قد دسوا قوما فقالوا لهم إذا قام يقول ندعو للمأمون فقوموا أنتم فقولوا لا نرضى إلا أن تبايعوا لابراهيم ومن بعده لاسحاق وتخلعوا المأمون أصلا ليس نريد أن تأخذوا أموالنا كما صنع منصور ثم تجلسوا في بيوتكم فلما قام من يتكلم أجابه هؤلاء فلم يصل بهم تلك الجمعة صلاة الجمعة ولا خطب أحد إنما صلى الناس أربع ركعات ثم انصرفوا وذلك يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذى الحجة سنة 201 (وفى هذه السنة) افتتح عبد الله بن حرداذ به وهو والى طبرستان اللارز والشيرز من بلاد الديلم وزادهما في بلاد الاسلام وافتتح جبال طبرستان وأنزل شهريار بن شروين عنها فقال سلام الخاسر:

[ 141 ]

إنا لنأمل فتح الروم والصين * بمن أذل لنا من ملك شروين فاشدد يديك لعبد الله إن له * مع الامانة رأى غير موهون وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون وأسر أبا ليلى الديلم بغير عهد في هذه السنة (وفيها) مات محمد بن محمد صاحب أبى السرايا (وفيها) تحرك بابك الخرمى في الجويذانية أصحاب جاويذان بن سهل صاحب البذ وادعى أن روح جاويذان دخلت فيه وأخذ في العيث والفساد وفيها أصاب أهل خراسان والرى واصبهان مجاعة وعز الطعام ووقع الموت (وحج) بالناس فيها إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على * ثم دخلت سنة اثنين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمما كان فيها من ذلك بيعة أهل بغداد لابراهيم بن المهدى بالخلافة وتسميتهم إياه المبارك وقيل إنهم بايعوه في أول يوم من المحرم بالخلافة وخلعوا المأمون فلما كان يوم الجمعة صعد إبراهيم المنبر فكان أول من بايعه عبيد الله بن العباس بن محمد الهاشمي ثم منصور بن المهدى ثم سائر بنى هاشم ثم القواد وكان المتولي لاخذ البيعة المطلب بن عبد الله بن مالك وكان الذى سعى في ذلك وقام به السندي وصالح صاحب المصلى ومنجاب ونصير الوصيف وسائر الموالى إلا أن هؤلاء كانوا الرؤساء والقادة غضبا منهم على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس إلى ولد على ولتركه لباس آبائه من السواد ولبسه الخضرة ولما أفرغ من البيعة وعد الجند أن يعطيهم أرزاق الستة أشهر فدافعهم بها فلما رأوا ذلك شغبوا عليه فأعطاهم مائتي درهم لكل رجل وكتب لبعضهم إلى السواد بقيمة بقية مالهم حنطة وشعيرا فخرجوا في قبضها فلم يمروا بشئ إلا انتهبوه فأخذوا النصيبين جميعا نصيب أهل البلاد ونصيب السلطان وغلب إبراهيم مع أهل بغداد على أهل الكوفة والسواد كله وعسكر بالمدائن وولى الجانب الشرقي من بغداد العباس بن موسى الهادى

[ 142 ]

والجانب الغربي إسحاق بن موسى الهادى وقال ابراهيم بن المهدى ألم تعلموا يا آل فهر بأننى * شريت بنفسى دونكم في المهالك (وفى هذه السنة) حكم مهدى بن علوان الحروري وكان خروجه بزرجسابور وغلب على طساسيج هنالك وعلى نهر بوق والراذانين وقد قيل إن خروج مهدى كان في سنة 203 في شوال منها فوجه إليه إبراهيم بن المهدى أبا اسحاق ابن الرشيد في جماعة من القواد منهم أبو البط وسعيد بن الساجور ومع أبى اسحاق غلمان له أتراك فذكر عن شبيل صاحب السلبة أنه كان معه وهو غلام فلقوا الشراة فطعن رجل من الاعراب أبا إسحاق فحامى عنه غلام له تركي وقال له أشناس مرا أي اعرفني فسماه يومئذ أشناس وهو أبو جعفر أشناس وهزم مهدى إلى حولايا وقال بعضهم إنما وجه ابراهيم إلى مهدى بن علوان الدهقاني الحروري المطلب فسار إليه فلما قرب منه أخذ رجلا من قعد الحرورية يقال له أقذى فقتله واجتمعت الاعراب فقاتلوه فهزموه حتى أدخلوه بغداد (وفى هذه السنة) وثب أخو أبى السرايا بالكوفة فبيض واجتمعت إليه جماعة فلقيه غسان بن أبى الفرج في رجب فقتله وبعث برأسه إلى ابراهيم بن المهدى * ذكر الخبر عن تبييض أخى أبى السرايا وظهوره بالكوفة * ذكر أن الحسن بن سهل أتاه وهو مقيم بالمبارك في معسكره كتاب المأمون يأمره بلبس الخضرة وأن يبايع لعلى بن موسى بن جعفر بن محمد بولاية العهد من بعده ويأمره أن يتقدم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها فارتحل حتى نزل سمر وكتب إلى حميد بن عبد الحميد أن يتقدم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها من ناحية أخرى ويأمره بلباس الخضرة ففعل ذلك حميد وكان سعيد بن الساجور وأبو البط وغسان ابن أبى الفرج ومحمد بن ابراهيم الافريقى وعدة من قواد حميد كاتبوا إبراهيم بن المهدى على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة وكان قد تباعد ما بينهم وبين حميد فكانوا يكتبون إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميدا يكاتب ابراهيم وكان حميد يكتب فيهم بمثل ذلك وكان الحسن يكتب إلى حميد يسأله أن يأتيه فلم يفعل وخاف إن هو خرج

[ 143 ]

إلى الحسن أن يثب الآخرون بعسكره فكانوا يكتبون إلى الحسن انه ليس يمنعه من إتيانك إلا أنه مخالف لك وأنه قد اشترى الضياع بين الصراة وسورا والسواد فلما ألح عليه الحسن بالكتب خرج إليه يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الآخر فكتب سعيد وأصحابه إلى ابراهيم يعلمونه ويسألون أن يبعث إليهم عيسى بن محمد ابن أبى خالد حتى يدفعوا إليه القصر وعسكر حميد وكان ابراهيم قد خرج من بغداد يوم الثلاثاء حتى عسكر بكلواذى يريد المدائن فلما أتاه الكتاب وجه عيسى إليهم فلما بلغ أهل عسكر حميد خروج عيسى ونزوله قرية الاعراب على فرسخ من القصر تهيؤا للهرب وذلك ليلة الثلاثاء وشد أصحاب سعيد وأبى البط والفضل بن محمد بن الصباح الكندى الكوفى على عسكر حميد فانتهبوا ما فيه أخذوا لحميد فيما ذكر مائة بدرة أموالا ومتاعا وهرب ابن لحميد ومعاذ بن عبد الله فأخذ بعضهم نحو الكوفة وبعض نحو النيل فأما ابن حميد فانه انحدر بجواري أبيه إلى الكوفة فلما أتى الكوفة اكترى بغالا ثم أخذ الطريق ثم لحق بأبيه بعسكر الحسن ودخل عيسى القصر وسلمه له سعيد وأصحابه وصار عيسى وأخذه منهم وذلك يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الآخر وبلغ الحسن بن سهل وحميد عنده فقال له حميد ألم أعلمك بذلك ولكن خدعت وخرج من عنده حتى أتى الكوفة فأخذ أموالا له كانت هنالك ومتاعا وولى على الكوفة العباس بن موسى بن جعفر العلوى وأمره بلباس الخضرة وأن يدعو للمأمون ومن بعده لاخيه على ابن موسى وأعانه بمائة ألف درهم وقال له قاتل عن أخيك فان أهل الكوفة يجيبونك إلى ذلك وأنا معك فلما كان الليل خرج حميد من الكوفة وتركه وقد كان الحسن وجه حكيما الحارثى حين بلغه الخبر إلى النيل فلما بلغ ذلك عيسى وهو بالقصر تهيأ هو وأصحابه حتى خرجوا إلى النيل فلما كان ليلة السبت لاربع عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر طلعت حمرة في السماء ثم ذهبت الحمرة وقى عمودان أحمران في السماء إلى آخر الليل وخرج غداة السبت عيسى وأصحابه من القصر إلى النيل فواقعهم حكيم وأتاهم عيسى وسعيد وهم في الوقعة فانهزم حكيم ودخلوا النيل

[ 144 ]

فلما صاروا بالنيل بلغهم خبر العباس بن موسى بن جعفر العلوى وما يدعو إليه أهل الكوفة وأنه قد أجابه قوم كثير منهم وقال له قوم آخرون إن كنت تدعو للمأمون ثم من بعده لاخيك فلا حاجة لنا في دعوتك وإن كنت تدعو إلى أخيك أو بعض أهل بيتك أو إلى نفسك أجبناك فقال أنا أدعو إلى المأمون ثم من بعده لاخى فقعد عنه الغالية من الرافضة وأكثر الشيعة وكان يظهر أن حميدا يأتيه فيعينه ويقويه وأن الحسن يوجه إليه قوما من قبله مددا فلم يأته منهم أحد وتوجه إليه سعيد وأبو البط من النيل إلى الكوفة فلما صاروا بدير الاعور أخذوا طريقا يخرج بهم إلى عسكر هرثمة عند قرية شاهى فلما التأم إليه أصحابه خرجوا يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الاولى فلما صاروا قرب القنطرة خرج عليهم على بن محمد بن جعفر العلوى بن المبايع كان له بمكة وأبو عبد الله أخو أبى السرايا ومعهم جماعة كثيرة وجههم مع على بن محمد ابن عمه صاحب الكوفة العباس بن موسى بن جعفر فقاتلوهم ساعة فانهزم على وأصحابه حتى دخلوا الكوفة وجاء سعيد وأصحابه حتى نزلوا الحيرة فلما كان يوم الثلاثاء غدوا فقاتلوهم مما يلى دار عيسى بن موسى وأجابهم العباسيون ومواليهم فخرجوا إليهم من الكوفة فاقتتلوا يومهم إلى الليل وشعارهم يا إبراهيم يا منصور لا طاعة للمأمون وعليهم السواد وعلى العباس وأصحابه من أهل الكوفة الخضرة فلما كان يوم الاربعاء اقتتلوا في ذلك الموضع فكان كل فريق منهم إذا ظهروا على شئ أحرقوه فلما رأى ذلك رؤساء أهل الكوفة أتوا سعيدا وأصحابه فسألوه الامان للعباس بن موسى بن جعفر وأصحابه على أن يخرج من الكوفة فأجابوهم إلى ذلك ثم أتوا العباس فأعلموه وقالوا إن عامة من معك غوغاء وقد ترى ما يلقى الناس من الحرق والنهب والقتل فاخرج من بين أظهرنا فلا حاجة لنا فيك فقبل منهم وخاف أن يسلموه وتحول من منزله الذى كان فيه بالكناسة ولم يعلم أصحابه بذلك وانصرف سعيد وأصحابه إلى الحيرة وشد أصحاب العباس بن موسى على من بقى من أصحاب سعيد وموالى عيسى بن موسى العباسي فهزموهم حتى بلغوا بهم الخندق ونهبوا ربض عيسى بن موسى فأحرقوا الدور

[ 145 ]

وقتلوا من ظهروا به فبعث العباسيون ومواليهم إلى سعيد يعلمونه بذلك وأن العباس قد رجع عما كان طلب من الامان فركب سعيد وأبو البط وأصحابهما حتى أتوا الكوفة عتمة فلم يظفروا بأحد منهم ينتهب إلا قتلوه ولم يظهروا على شئ مما كان في أيدى أصحاب العباس إلا أحرقوه حتى بلغوا الكناسة فمكثوا بذلك عامة الليل حتى خرج إليهم رؤساء أهل الكوفة فأعلموهم أن هذا من عمل الغوغاء وأن العباس لم يرجع عن شئ فانصرفوا عنهم فلما كان غداة الخميس لخمس خلون من جمادى الاولى جاء سعيد وأبو البط حتى دخلوا الكوفة ونادى مناديهم أمن الابيض والاسود ولم يعرضوا لاحد من الخلق إلا بسبيل خير وولوا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندى من أهلها فكتب إليهم إبراهيم بن المهدى يأمرهم بالخروج إلى ناحية واسط وكتب إلى سعيد أن يستعمل على الكوفة غير الكندى لميله إلى أهل بلده فولاها غسان بن أبى الفرج ثم عزله بعد ما قتل أبا عبد الله أخا أبى السرايا فولاها سعيد ابن أخيه الهول فلم يزل واليا عليها حتى قدمها حميد بن عبد الحميد وهرب الهول منها وأمر ابراهيم بن المهدى عيسى بن محمد بن أبى خالد أن يسير إلى ناحية واسط على طريق النيل وأمر ابن عائشة الهاشمي ونعيم بن خازم أن يسيرا جميعا فخرجا مما يلى جوخى وبذلك أمرهما وذلك في جمادى الاولى ولحق بهما سعيد وأبو البط والافريقى حتى عسكروا بالصيادة قرب واسط فاجتمعوا جميعا في مكان واحد وعليهم عيسى بن محمد بن أبى خالد فكانوا يركبون حتى يأتوا عسكر الحسن وأصحابه بواسط في كل يوم فلا يخرج إليهم من أصحاب الحسن أحد وهم متحصنون بمدينة واسط ثم إن الحسن أمر أصحابه بالتهيئ للخروج للقتال فخرجوا إليهم يوم السبت لاربع بقين من رجب فاقتتلوا قتالا شديدا إلى قريب الظهر ثم وقعت الهزيمة على عيسى وأصحابه فانهزموا حتى بلغوا طرنايا والنيل وأخذ أصحاب الحسن جميع ما كان في عسكرهم من سلاح ودواب وغير ذلك (وفى هذه السنة) ظفر ابراهيم ابن المهدى بسهل بن سلامة المطوعى فحبسه وعاقبه (10 - 7)

[ 146 ]

* ذكر الخبر عن سبب ظفره به وحبسه إياه * * ذكر أن سهل بن سلامة كان مقيما ببغداد يدعو إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فلم يزل كذلك حتى اجتمع إليه عامة أهل بغداد ونزلوا عنده سوى من هو مقيم في منزله وهواه ورأيه معه وكان ابراهيم قدهم بقتاله قبل الوقعة ثم أمسك عن ذلك فلما كانت هذه الوقعة وصارت الهزيمة على أصحاب عيسى ومن معه أقبل على سهل بن سلامة فدس إليه وإلى أصحابه الذين بايعوه على العمل بالكتاب والسنة وألاطاعة لمخلوق في معصية الخالق فكان كل من أجابه إلى ذلك قد عمل على باب داره برجا بجص وآجر ونصب عليه السلاح والمصاحف حتى بلغوا قرب باب الشأم سوى من أجابه من أهل الكرخ وسائر الناس فلما رجع عيسى من الهزيمة إلى بغداد أقبل هو وإخوته وجماعة أصحابه نحو سهل بن سلامة لانه كان يذكرهم بأسوء أعمالهم وفعالهم ويقول الفساق لم يكن لهم عنده اسم غيره فقاتلوه أياما وكان الذى تولى قتاله عيسى بن محمد بن أبى خالد فلما صار إلى الدروب التى قرب سهل أعطى أهل الدروب الالف درهم والالفين على أن يتنحوا له عن الدروب فأجابوه إلى ذلك فكان نصيب الرجل الدرهم والدرهمان ونحو ذلك فلما كان يوم السبت لخمس بقين من شعبان تهيؤا له من كل وجه وخذله أهل الدروب حتى وصلوا إلى مسجد طاهر بن الحسين وإلى منزله وهو بالقرب من المسجد فلما وصلوا إليه اختفى منهم وألقى سلاحه واختلط بالنظارة ودخل بين النساء فدخلوا منزله فلما لم يظفروا به جعلوا عليه العيون فلما كان الليل أخذوه في بعض الدروب التى قرب منزله فأتوا به اسحاق بن موسى الهادى وهو ولى العهد بعد عمه ابراهيم بن المهدى وهو بمدينة السلام فكلمه وحاجه وجمع بينه وبين أصحابه وقال له حرضت علينا الناس وعبت أمرنا فقال له انما كانت دعوتي عباسية وانما كنت أدعو إلى العمل بالكتاب والسنة وأنا على ما كنت عليه أدعوكم إليه الساعة فلم يقبلوا ذلك منه ثم قالوا له اخرج إلى الناس فقل لهم إن ما كنت أدعوكم إليه باطل فأخرج إلى الناس وقال قد علمتم ما كنت أدعوكم إليه من العمل بالكتاب والسنة وأنا أدعوكم إليه

[ 147 ]

الساعة فلما قال لهم هذا وجؤا عنقه وضربوا وجهه فلما صنعوا ذلك به قال المغرور من غررتموه يا أصحاب الحربية فأخذ فأدخل إلى اسحاق فقيده وذلك يوم الاحد فلما كان ليلة الاثنين خرجوا به إلى إبراهيم بالمدائن فلما دخل عليه كلمه بما كلم به اسحاق فرد عليه مثل ما رد على اسحاق وقد كانوا أخذوا رجلا من أصحابه يقال له محمد الرواعى فضربه ابراهيم ونتف لحيته وقيده وحبسه فلما أخذ سهل بن سلامة حبسوه أيضا وادعوا أنه كان دفع إلى عيسى وأن عيسى قتله وإنما أشاعوا ذلك تخوفا من الناس أن يعلموا بمكانه فيخرجوه فكان بين خروجه وبين أخذه وحبسه اثنا عشر شهرا (وفى هذه السنة) شخص المأمون من مرو يريد العراق * ذكر الخبر عن شخوصه منها * ذكر أن على بن موسى بن جعفر بن محمد العلوى أخبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل أخوه وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الاخبار وأن أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء وأنهم يقولون إنه مسحور مجنون وأنهم لما رأوا ذلك بايعوا لعمه إبراهيم بن المهدى بالخلافة فقال المأمون إنهم لم يبايعوا له بالخلافة وإنما صيروه أميرا يقوم بأمرهم على ما أخبره به الفضل فأعلمه أن الفضل قد كذبه وغشه وأن الحرب قائمة بين إبراهيم والحسن بن سهل وأن الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه ومكاني ومكان بيعتك لى من بعدك فقال ومن يعلم هذا من أهل عسكري فقال له يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وعدة من وجوه أهل العسكر فقال له أدخلهم على حتى أسائلهم عما ذكرت فأدخلهم عليه وهم يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وموسى وعلى بن أبى سعيد وهو ابن أخت الفضل وخلف المصرى فسألهم عما أخبره فأبوا أن يخبروه حتى يجعل لهم الامان من الفضل بن سهل ألا يعرض لهم فضمن ذلك لهم وكتب لكل رجل منهم كتابا بخطه ودفعه إليهم فأخبروه بما فيه الناس من الفتن وبينوا ذلك له وأخبروه بغضب أهل بيته ومواليه وقواده عليه في أشياء كثيرة وبما موه عليه

[ 148 ]

الفضل من أمر هرثمة وأن هرثمة إنما جاء لينصحه وليبين له ما يعمل عليه وأنه إن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة منه ومن أهل بيته وأن الفضل دس إلى هرثمة من قتله وأنه أراد نصحه وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما أبلى وافتتح ما افتتح وقاد إليه الخلافة مزمومة حتى إذا وطأ الامر أخرج من ذلك كله وصير في زاوية من الارض بالرقة قد حظرت عليه الاموال حتى ضعف أمره فشغب عليه جنده وأنه لو كان على خلافتك ببغداد لضبط الملك ولم يجترئ عليه بمثل ما اجترأ به على الحسن بن سهل وأن الدنيا قد تفتقت من أقطارها وأن طاهر بن الحسين قد تنوسى في هذه السنين منذ قتل محمد في الرقة لا يستعان به في شئ من هذه الحروب وقد استعين بمن هو دونه أضعافا وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد في بنى هاشم والموالي والقواد والجند لو رأوا عزتك سكنوا إلى ذلك وبخعوا بالطاعة لك فلما تحقق ذلك عند المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد فلما أمر بذلك علم الفضل ابن سهل ببعض ذلك من أمرهم فتعنتهم حتى ضرب بعضهم بالسياط وحبس بعضا ونتف لحى بعض فعاوده على بن موسى في أمرهم وأعلمه ما كان من ضمانه لهم فأعلمه أنه يدارى ما هو فيه ثم ارتحل من مرو فلما أتى سرخس شد قوم على الفضل بن سهل وهو في الحمام فضربوه بالسيوف حتى مات وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان سنة 202 فأخذوا وكان الذين قتلوا الفضل من حشم المأمون وهم أربعة نفر أحدهم غالب المسعودي الاسود وقسطنطين الرومي وفرج الديلمى وموفق الصقلبى وقتلوه وله ستون سنة وهربوا فبعث المأمون في طلبهم وجعل لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار فجاء بهم العباس بن الهيثم ابن بزرجمهر الدينورى فقالوا للمأمون أنت أمرتنا بقتله فأمر بهم فضربت أعناقهم وقد قيل إن الذين قتلوا الفضل لما أخذوا سألهم المأمون فمنهم من قال إن على بن أبى سعيد بن أخت الفضل دسهم ومنهم من أنكر ذلك وأمر بهم فقتلوا ثم بعث إلى عبد العزيز بن عمران وعلى وموسى وخلف فسألهم فأنكروا أن يكونوا علموا بشئ من ذلك فلم يقبل ذلك منهم وأمر بهم فقتلوا وبعث برؤوسهم

[ 149 ]

إلى الحسن بن سهل إلى واسط وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل وأنه قد صيره مكانه ووصل الكتاب بذلك إلى الحسن في شهر رمضان فلم يزل الحسن وأصحابه بواسط حتى أدركت الغلة وجبى بعض الخراج ورحل المأمون من سرخس نحو العراق يوم الفطر وكان إبراهيم بن المهدى بالمدائن وعيسى وأبو البط وسعيد بالنيل وطرنايا يراوحون القتال ويغادونه وقد كان المطلب بن عبد الله بن مالك بن عبد الله قدم من المدائن فاعتل بأنه مريض وجعل يدعو في السر إلى المأمون على أن المنصور بن المهدى خليفة المأمون ويخلعون إبراهيم فأجابه إلى ذلك منصور وخزيمة بن خازم وقواد كثير من أهل الجانب الشرقي وكتب المطلب إلى حميد وعلى بن هشام أن يتقدما فينزل حميد نهر صرصر وعلى النهروان فلما تحقق عند إبراهيم الخبر خرج من المدائن إلى بغداد فنزل زندورد يوم السبت لاربع عشرة خلت من صفر وبعث إلى المطلب ومنصور وخزيمة فلما أتاهم رسوله اعتلوا عليه فلما رأى ذلك بعث إليهم عيسى بن محمد بن أبى خالد وإخوته فأما منصور وخزيمة فأعطوا بأيديهما وأما المطلب فإن مواليه وأصحابه قاتلوا عن منزله حتى كثر الناس عليهم وأمر إبراهيم مناديا فنادى من أراد النهب فليأت دار المطلب فلما كان وقت الظهر وصلوا إلى داره فانتهبوا ما وجدوا فيها وانتهبوا دور أهل بيته وطلبوه فلم يظفروا به وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من صفر فلما بلغ حميدا وعلى بن هشام الخبر بعث حميد قائدا فأخذ المدائن وقطع الجسر ونزل بها وبعث على بن هشام قائدا فنزل المدائن وأتى نهر ديالى فقطعه وأقاموا بالمدائن وندم إبراهيم حيث صنع بالمطلب ما صنع ثم لم يظفر به (وفى هذه السنة) تزوج المأمون بوران بنت الحسن ابن سهل (وفيها) زوج المأمون على بن موسى الرضى ابنته أم حبيب وزوج محمد بن على بن موسى ابنته أم الفضل (وحج) بالناس في هذه السنة إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد فدعا لاخيه بعد المأمون بولاية العهد وكان الحسن بن سهل كتب إلى عيسى بن يزيد الجلودى وكان بالبصرة فوافى مكة في أصحابه فشهد

[ 150 ]

الموسم ثم انصرف ومضى إبراهيم بن موسى إلى اليمن وكان قد غلب عليها حمدويه ابن على بن عيسى بن ماهان * ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * ذكر أن مما كان فيها موت على بن موسى بن جعفر * ذكر الخبر عن سبب وفاته * ذكر أن المأمون شخص من سرخس حتى صار إلى طوس فلما صار بها أقام بها عند قبر أبيه أياما ثم إن على بن موسى أكل عنبا فأكثر منه فمات فجأة وذلك في آخر صفر فأمر به المأمون فدفن عند قبر الرشيد وكتب في شهر ربيع الاول إلى الحسن بن سهل يعلمه أن على بن موسى بن جعفر مات ويعلمه ما دخل عليه من الغم والمصيبة بموته وكتب إلى بنى العباس والموالي وأهل بغداد يعلمهم موت على بن موسى وأنهم إنما نقموا بيعته له من بعده ويسألهم الدخول في طاعته فكتبوا إليه وإلى الحسن جواب الكتاب بأغلظ ما يكتب به إلى أحد وكان الذى صلى على على بن موسى المأمون ورحل المأمون في هذه السنة من طوس يريد بغداد فلما صار إلى الرى أسقط من وظيفتها ألفى ألف درهم (وفي هذه السنة) غلبت السوداء على الحسن بن سهل فذكر سبب ذلك أنه كان مرض مرضا شديدا فهاج به من مرضه تغير عقله حتى شد في الحديد وحبس في بيت وكتب بذلك قواد الحسن إلى المأمون فأتاهم جواب الكتاب أن يكون على عسكره دينار بن عبد الله ويعلمهم أنه قادم على أثر كتابه (وفي هذه السنة) ضرب إبراهيم بن المهدى عيسى بن محمد بن أبى خالد وحبسه * ذكر الخبر عن سبب ذلك * ذكر أن عيسى بن محمد بن أبى خالد كان يكاتب حميدا والحسن وكان الرسول بينهم محمد بن محمد المعبدى الهاشمي وكان يظهر لابراهيم الطاعة والنصيحة ولم يكن

[ 151 ]

يقاتل حميدا ولا يعرض له في شئ من عمله وكان كلما قال ابراهيم تهيأ للخروج لقتال حميد يعتل عليه بأن الجند يريدون أرزاقهم ومرة يقول حتى تدرك الغلة فما زال بذلك حتى إذا توثق مما يريد مما بينه وبين الحسن وحميد فارقهم على أن يدفع إليهم ابراهيم بن المهدى يوم الجمعة لانسلاخ شوال وبلغ الخبر إبراهيم فلما كان يوم الخميس جاء عيسى إلى باب الجسر فقال للناس إنى قد سالمت حميدا وضمنت له ألا أدخل عمله وضمن لى ألا يدخل عملي ثم أمر أن يحفر خندق بباب الجسر وباب الشأم وبلغ ابراهيم ما قال وما صنع وقد كان عيسى سأل ابراهيم أن يصلى الجمعة بالمدينة فأجابه إلى ذلك فلما تكلم عيسى بما تكلم به وبلغ ابراهيم الخبر وأنه يريد أخذه حذر وذكر أن هارون أخا عيسى أخبر ابراهيم بما يريد أن يصنع به عيسى فلما أخبره بعث إليه ان يأتيه حتى يناظره في بعض ما يريد فاعتل عليه عيسى فلم يزل ابراهيم يعيد إليه الرسل حتى أتاه إلى قصره بالرصافة فلما دخل عليه حجب الناس وخلا ابراهيم وعيسى وجعل يعاتبه وأخذ عيسى يعتذر إليه مما يعتبه به وينكر بعض ما يقول فلما قرره بأشياء أمر به فضرب ثم انه حبسه وأخذ عدة من قواده فحبسهم وبعث إلى منزله فأخذ أم ولده وصبيانا له صغارا فحبسهم وذلك ليلة الخميس لليلة بقيت من شوال وطلب خليفة له يقال له العباس فاختفى فلما بلغ حبس عيسى أهل بيته وأصحابه مشى بعضهم إلى بعض وحرض أهل بيته وإخوته الناس على ابراهيم واجتمعوا وكان رأسهم عباس خليفة عيسى فشدوا على عامل ابراهيم على الجسر فطردوه وعبر إلى ابراهيم فأخبره الخبر وأمر بقطع الجسر فطردوا كل عامل كان لابراهيم في الكرخ وغيره وظهر الفساق والشطار فعقدوا في المسالح وكتب عباس إلى حميد يسأله أن يقدم إليهم حتى يسلموا إليه بغداد فلما كان يوم الجمعة صلوا في مسجد المدينة أربع ركعات صلى بهم المؤذن بغير خطبة (وفى هذه السنة) خلع أهل بغداد ابراهيم بن المهدى ودعوا للمأمون بالخلافة

[ 152 ]

* ذكر الخبر عن سبب ذلك * قد ذكرنا قبل ما كان من إبراهيم وعيسى بن محمد بن أبى خالد وحبس إبراهيم إياه واجتماع عباس خليفة عيسى وإخوة عيسى على إبراهيم وكتابهم إلى حميد يسألونه المصير إليهم ليسلموا بغداد إليه فذكر أن حميدا لما أتاه كتابهم وفيه شرط منهم عليه أن يعطى جند أهل بغداد كل رجل منهم خمسين درهما فأجابهم إلى ذلك وجاء حتى نزل صرصر بطريق الكوفة يوم الاحد وخرج إليه عباس وقواد أهل بغداد فلقوه غداء الاثنين فوعدهم ومناهم وقبلوا ذلك منه فوعدهم أن يضع لهم العطاء يوم السبت في الياسرية على أن يصلوا الجمعة فيدعوا للمأمون ويخلعوا إبراهيم فأجابوه إلى ذلك فلما بلغ ابراهيم الخبر أخرج عيسى وإخوته من الحبس وسأله أن يرجع إلى منزله ويكفيه أمر هذا الجانب فأبى ذلك عليه فلما كان يوم الجمعة بعث عباس إلى محمد بن أبى رجاء الفقيه فصلى بالناس الجمعة ودعا للمأمون فلما كان يوم السبت جاء حميد إلى الياسرية فعرض حميد جند أهل بغداد وأعطاهم الخمسين التى وعدهم فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة فيعطيهم أربعين أربعين درهما لكل رجل منهم لما كانوا تشاءموا به من على ابن هشام حين أعطاهم الخمسين فغدر بهم وقطع العطاء عنهم فقال لهم حميد لابل أزيدكم وأعطيكم ستين درهما لكل رجل فلما بلغ ذلك ابراهيم دعا عيسى فسأله أن يقاتل حميدا فأجابه إلى ذلك فخلى سبيله وأخذ منه كفلاء فكلم عيسى الجند أن يعطيهم مثل ما أعطى حميد فأبوا ذلك عليه فلما كان يوم الاثنين عبر إليهم عيسى وإخوته وقواد أهل الجانب الشرقي فعرضوا على أهل الجانب الغربي أن يزيدوهم على ما أعطى حميد فشتموا عيسى وأصحابه وقالوا لا نريد ابراهيم فخرج عيسى وأصحابه حتى دخلوا المدينة وأغلقوا الابواب وصعدوا السور وقاتلوا الناس ساعة فلما كثر عليهم الناس انصرفوا راجعين حتى أتوا باب خراسان فركبوا في السفن ورجع عيسى كأنه يريد أن يقاتلهم ثم احتال حتى صار في أيديهم شبه الاسير فأخذه بعض قواده فأتى به منزله ورجع الباقون إلى إبراهيم فأخبروه الخبر فاغتم

[ 153 ]

لذلك غما شديدا وقد كان المطلب بن عبد الله بن مالك اختفى من ابراهيم فلما قدم حميد أراد العبور إليه فاخذه المعبر فذهب إلى ابراهيم فحبسه عنده ثلاثة أيام أو أربعة ثم إنه خلى عنه ليلة الاثنين لليلة خلت من ذى الحجة (وفى هذه السنة) اختفى ابراهيم بن المهدى وتغيب بعد حرب جرت بينه وبين حميد بن عبد الحميد وبعد أن أطلق سعد بن سلامة من حبسه * ذكر الخبر عن اختفائه والسبب في ذلك * ذكر أن سهل بن سلامة كان الناس يذكرون أنه مقتول وهو عند ابراهيم محبوس فلما صار حميد إلى بغداد ودخلها أخرجه ابراهيم وكان يدعو في مسجد الرصافة كما كان يدعو فإذا كان الليل رده إلى حبسه فمكث بذلك أياما فأتاه أصحابه ليكونوا معه فقال لهم الزموا بيوتكم فانى أرزى هذا يعنى ابراهيم فلما كان ليلة الاثنين لليلة خلت من ذى الحجة خلى سبيله فذهب فاختفى فلما رأى أصحاب ابراهيم وقواده أن حميدا قد نزل في أرحاء عبد الله بن مالك تحول عامتهم إليه وأخذوا له المدائن فلما رأى ذلك ابراهيم أخرج جميع من عنده حتى يقاتلوا فالتقوا على جسر نهر ديالى فاقتتلوا فهزمهم حميد فقطعوا الجسر فتبعهم أصحابه حتى أدخلوهم بيوت بغداد وذلك يوم الخميس لانسلاخ ذى القعدة فلما كان يوم الاضحى أمر ابراهيم القاضى أن يصلى بالناس في عيساباذ فصلى بهم فانصرف الناس واختفى الفضل بن الربيع ثم تحول إلى حميد ثم تحول على بن ريطة إلى عسكر حميد وجعل الهاشميون والقواد يلحقون بحميد واحدا بعد واحد فلما رأى ذلك ابراهيم أسقط في يديه فشق عليه وكان المطلب يكاتب حميدا على أن يأخذ له الجانب الشرقي وكان سعيد ابن الساجور وأبو البط وعبدويه وعدة معهم من القواد يكاتبون على بن هشام على أن يأخذوا له ابراهيم فلما علم ابراهيم بأمرهم وما اجتمع عليه كل قوم من أصحابه وانهم قد أحدقوا به جعل يداريهم فلما جنه الليل اختفى ليلة الاربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذى الحجة سنة 203 وبعث المطلب إلى حميد يعلمه أنه قد أحدق بدار ابراهيم هو وأصحابه فان كان يريده فليأته وكتب ابن الساجور وأصحابه إلى على بن هشام فركب

[ 154 ]

حميد من ساعته وكان نازلا في أرحاء عبد الله فأتى باب الجسر وجاء على بن هشام حتى نزل نهر بين وتقدم إلى مسجد كوثر وخرج إليه بن الساجور وأصحابه وجاء المطلب إلى حميد فلقوه بباب الجسر فقربهم ووعدهم ونبأهم أن يعلم المأمون ما صنعوا فأقبلوا إلى دار إبراهيم وطلبوه فيها فلم يجدوه فلم يزل إبراهيم متواريا حتى قدم المأمون وبعد ما قدم حتى كان من أمره ما كان وقد كان سهل بن سلامة حيث اختفى تحول إلى منزله وظهر وبعث إليه حميد فقربه وأدناه وحمله على بغل ورده إلى أهله فلم يزل مقيما حتى قدم المأمون فأتاه فأجازه ووصله وأمره أن يجلس في منزله (وفى هذه السنة) انكسفت الشمس يوم الاحد لليلتين بقيتا من ذى الحجة حتى ذهب ضوؤها وكان غاب أكثر من ثلثيها وكان انكسافها ارتفاع النهار فلم يزل كذلك حتى قرب الظهر ثم انجلت (فكانت) أيام ابراهيم بن المهدى كلها سنة وأحد عشر شهرا واثنى عشر يوما وغلب على بن هشام على شرقي بغداد وحميد بن عبد الحميد على غربيها وصار المأمون إلى همذان في آخر ذى الحجة (وحج) بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن على * ثم دخلت سنة أربع ومائتين * * ذكر الاحداث التى كانت فيها * فمما كان فيها من ذلك قدوم المأمون العراق وانقطاع مادة الفتن ببغداد * ذكر الخبر عن مقدمه العراق وما كان فيه بها عند مقدمه * ذكر عن المأمون أنه لما قدم جرجان أقام بها شهرا ثم خرج منها فصار إلى الرى في ذى الحجة فأقام بها أياما ثم خرج منها فجعل يسير المنازل ويتم اليوم واليومين حتى صار إلى النهروان وذلك يوم السبت فأقام فيه ثمانية أيام وخرج إليه أهل بيته والقواد ووجوه الناس فسلموا عليه وقد كان كتب إلى طاهر بن الحسين من الطريق وهو بالرقة أن يوافيه إلى النهروان فوافاه بها فلما كان السبت الآخر دخل بغداد ارتفاع النهار لاربع عشرة ليلة بقيت من صفر سنة 204 ولباسه ولباس

[ 155 ]

أصحابه أقبيتهم وقلانسهم وطراداتهم وأعلامهم كلها الخضرة فلما قدم نزل الرصافة وقدم معه طاهر فأمره بنزول الخيزرانية مع أصحابه ثم تحول فنزل قصره على شط دجلة وأمر حميد بن عبد الحميد وعلى بن هشام وكل قائد كان في عسكره أن يقيم في عسكره فكانوا يختلفون إلى دار المأمون في كل يوم ولم يكن يدخل عليه أحد إلا في الثياب الخضر ولبس ذلك أهل بغداد وبنو هاشم أجمعون فكانوا يخرقون كل شئ يرونه من السواد على إنسان إلا القلنسوة فإنه كان يلبسها الواحد بعد الواحد على خوف ووجل في أما قباء أو علم فلم يكن أحد يجترئ ولبست الخضرة وكتب إليه في ذلك قواد أهل خراسان وقيل أنه أمر طاهر ابن الحسين أن يسأله حوائجه فكان أول حاجة سأله أن يطرح لباس الخضرة ويرجع إلى لبس السواد وزى دولة الآباء فلما رأى طاعة الناس له في لبس الخضرة وكراهتهم لها وجاء السبت قعد لهم وعليه ثياب خضر فلما اجتمعوا عنده دعا بسواد فلبسه ودعا بخلعة سواد فألبسها طاهرا ثم دعا بعدة من قواده فألبسهم أقبية وقلانس سود فلما خرجوا من عنده وعليهم السواد طرح سائر القواد والجند لبس الخضرة ولبسوا السواد وذلك يوم السبت لسبع بقين من صفر (وقد قيل) أن المأمون لبس الثياب الخضر بعد دخوله بغداد سبعة وعشرين ثم مزقت (وقيل) أنه لم يزل مقيما ببغداد في الرصافة حتى بنى منازل على شط دجلة عند قصره الاول وفى بستان موسى وذكر عن إبراهيم بن العباس الكاتب عن عمرو ابن مسعدة أن أحمد بن أبى خالد الاحول قال لما قدمنا من خراسان مع المأمون وصرنا في عقبة حلوان وكنت زميله قال لى يا أحمد إنى أجد رائحة العراق فأجبت بغير جوابه وقلت ما أخلقه قال ليس هذا جوابي ولكني أحسبك سهوت أو كنت مفكرا قال قلت نعم يا أمير المؤمنين قال فيم فكرت قال قلت يا أمير المؤمنين فكرت في هجومنا على أهل بغداد وليس معنا إلا خمسون ألف درهم مع فتنة غلبت على قلوب الناس فاستعذبوها فكيف يكون حالنا إن هاج هائج أو تحرك متحرك قال فأطرق مليا ثم قال صدقت يا أحمد ما أحسن ما فكرت ولكني أخبرك الناس

[ 156 ]

على طبقات ثلاث في هذه المدينة ظالم ومظلوم ولا ظالم ولا مظلوم فأما الظالم فليس يتوقع إلا عفونا وإمساكنا وأما المظلوم فليس يتوقع أن ينتصف إلا بنا ومن كان لا ظالما ولا مظلوما فبيته يسعه فوالله ما كان إلا كما قال وأمر المأمون في هذه السنة بمقاسمة أهل السواد على الخمسين وكانوا يقاسمون على النصف واتخذ القفيز الملجم وهو عشرة مكاكيك بالمكوك الهاروني كيلا مرسلا (وفى هذه السنة) واقع يحيى ابن معاذ بابك فلم يظفر واحد منهما بصاحبه (وولى) المأمون صالح بن الرشيد البصرة وولى عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب الحرمين (وحج بالناس) في هذه السنة عبيد الله بن الحسن * ثم دخلت سنة خمس ومائتين * * ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الاحداث * فمن ذلك تولية المأمون فيها طاهر بن الحسين من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق وقد كان قبل ذلك ولاه الجزيرة والشرط وجانبي بغداد ومعاون السواد وقعد للناس * ذكر الخبر عن سبب توليته * وكان سبب توليته إياه خراسان والمشرق ما ذكر عن حماد بن الحسن عن بشر بن غياث المريسى قال حضرت عبد الله المأمون أنا وثمامة ومحمد بن أبى العباس وعلى بن الهيثم فتناظروا في التشيع فنصر محمد بن أبى العباس الامامية ونصر على ابن الهيثم الزيدية وجرى الكلام بينهما إلى أن قال محمد لعلى يا نبطى ما أنت والكلام قال فقال المأمون وكان متكئا فجلس الشتم عى والبذاء لؤم إنا قد أبحنا الكلام وأظهرنا المقالات فمن قال بالحق حمدناه ومن جهل ذلك وقفناه ومن جهل الامرين حكمنا فيه بما يجب فاجعلا بينكما أصلا فان الكلام فروع فإذا افترعتم شيئا رجعتم إلى الاصول قال فانا نقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وذكر الفرائض والشرائع في الاسلام وتناظرا بعد ذلك فأعاد محمد لعلى بمثل

[ 157 ]

المقالة الاولى فقال له على والله لو لا جلالة مجلسه وما وهب الله من رأفته ولولا ما نهى عنه لاعرقت جبينك وبحسبك من جهلك غسلك المنبر بالمدينة * قال فجلس المأمون وكان متكئا فقال وما غسلك المنبر التقصير منى في أمرك أو لتقصير المنصور كان في أمر أبيك لولا أن الخليفة إذا وهب شيئا استحى أن يرجع فيه لكان أقرب شئ بينى وبينك إلى الارض رأسك قم وإياك ما عدت قال فخرج محمد بن أبى العباس ومضى إلى طاهر بن الحسين وهو زوج أخته فقال له كان من قصتي كيت وكيت وكان يحجب المأمون على النبيذ فتح الخادم وياسر يتولى الخلع وحسين يسقى وأبو مريم غلام سعيد الجوهرى يختلف في الحوائج فركب طاهر إلى الدار فدخل فتح فقال طاهر بالباب فقال إنه ليس من أوقاته ائذن له فدخل طاهر فسلم عليه فرد عليه السلام وقال اسقوه رطلا فأخذه في يده اليمنى وقال له اجلس فخرج فشربه ثم عاد وقد شرب المأمون رطلا آخر فقال اسقوه ثانيا ففعل كفعله الاول ثم دخل فقال له المأمون اجلس فقال يا أمير المؤمنين ليس لصاحب الشرطة أن يجلس بين يدى سيده فقال له المأمون ذلك في مجلس العامة فأما مجلس الخاصة فطلق قال وبكى المأمون وتغرغرت عيناه فقال له طاهر يا أمير المؤمنين لم تبكى لا أبكى الله عينيك فوالله لقد دانت لك البلاد وأذعن لك العباد وصرت إلى المحبة في كل أمرك فقال أبكى لامر ذكره ذل وستره حزن ولن يخلو أحد من شجن فتكلم بحاجة إن كانت لك قال يا أمير المؤمنين محمد بن أبى العباس أخطأ فأقله عثرته وارض عنه قال قد رضيت عنه وأمرت بصلته ورردت عليه مرتبته ولولا أنه ليس من أهل الانس لاحضرته * قال وانصرف طاهر فأعلم ابن أبى العباس ذلك ودعا بهارون بن جيغويه فقال له إن للكتاب عشيرة وإن أهل خراسان يتعصب بعضهم لبعض فخذ معك ثلثمائة ألف درهم فأعط الحسين الخادم مائنى ألف وأعط كاتبه محمد بن هارون مائة ألف وسله أن يسأل المأمون لما بكى قال ففعل ذلك قال فلما تغدى قال يا حسين اسقنى قال لا والله لا أسقينك أو تقول لى لم بكيت حين دخل عليك طاهر قال يا حسين وكيف عنيت بهذا حتى سألتنى عنه قال لغمي بذاك قال يا حسين هو أمر إن خرج من رأسك قتلتك قال يا سيدى ومتى

[ 158 ]

أخرجت لك سرا قال إنى ذكرت محمدا أخى وما ناله من الذلة فخنقتنى العبرة فاسترحت إلى الافاضة ولن يفوت طاهرا منى ما يكره قال فأخبر حسين طاهرا بذلك فركب طاهر إلى أحمد بن بى خالد فقال له إن الثناء منى ليس برخيص وإن المعروف عندي ليس بضائع فغيبني عن عينه فقال له سأفعل فبكر إلى غدا قال فركب ابن أبى خالد إلى المأمون فلما دخل عليه قال ما نمت البارحة قال لم ويحك فقال لانك وليت غسان خراسان وهو ومن معه أكلة رأس فأخاف أن يخرج عليه خارجة من الترك فتصطلمه فقال له لقد فكرت فيما فكرت فيه قال فمن ترى قال طاهر بن الحسين قال ويلك يا أحمد هو والله خالع قال أنا الضامن له قال فأنفذه قال فدعا بطاهر من ساعته فعقد له فشخص من ساعته فنزل في بستان خليل بن هاشم فحمل إليه في كل يوم ما أقام فيه مائة ألف فأقام شهرا فحمل إليه عشرة آلاف ألف التى تحمل إلى صاحب خراسان قال أبو حسان الزيادي وكان عقد له على خراسان والجبال من حلوان إلى خراسان وكان شخوصه من بغداد يوم الجمعة لليلة بقيت من ذى القعدة سنة 205 وقد كان عسكر قبل ذلك بشهرين فلم يزل مقيما في عسكره قال أبو حسان وكان سبب ولايته فيما اجتمع الناس عليه أن عبد الرحمن المطوعى جمع جموعا بنيسابور ليقاتل بهم الحرورية بغير أمر والى خراسان فتخوفوا أن يكون ذلك لاصل عمل عليه وكان غسان بن عباد يتولى خراسان من قبل الحسن بن سهل وهو ابن عم الفضل بن سهل وذكر عن على بن هارون أن طاهر ابن الحسين قبل خروجه إلى خراسان وولايته لها ندبه الحسن بن سهل للخروج إلى محاربة نصر بن شبث فقال حاربت خليفة وسقت الخلافة إلى خليفة وأومر بمثل هذا وإنما كان ينبغى أن توجه لهذا قائدا من قوادى فكان سبب المصارمة بين الحسن وطاهر قال وخرج طاهر إلى خراسان لما تولاها وهو لا يكلم الحسن ابن سهل فقيل له في ذلك فقال ما كنت لاحل عقدة عقدها لى في مصارمته (وفى هذه السنة) ورد عبد الله بن طاهر بغداد منصرفا من الرقة وكان أبوه طاهرا استخلفه عليها وأمره بقتال نصر بن شبث وقدم يحيى بن معاذ فولاه المأمون الجزيرة

[ 159 ]

(وفيها) ولى المأمون عيسى بن محمد بن أبى خالد أرمينية وآذربيجان ومحاربة بابك (وفيها) مات السرى بن الحكم بمصر وكان واليها (وفيها) مات داود بن يزيد عامل السند فولاها المأمون بشر بن داود على أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم (وفيها) ولى المأمون عيسى بن يزيد الجلودى محاربة الزط (وفيها) شخص طاهر بن الحسين إلى خراسان في ذى القعدة وأقام شهرين حتى بلغه خروج عبد الرحمن النيسابوري المطوعى بنيسابور فشخص ووافى التغزغزية أشر وسنة (وفيها) أخذ فرج الرخجى عبد الرحمن بن عمار النيسابوري (وحج بالناس) في هذه السنة عبيد الله بن الحسن وهو والى الحرمين * ثم دخلت سنة ست ومائتين * * ذكر ما كان فيها من الاحداث * فمما كان فيها من ذلك تولية المأمون داود بن ماسجور محاربة الزط وأعمال البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين (وفيها) كان المد الذى غرق منه السواد وكسكر وقطيعة أم جعفر وقطيعة العباس وذهب بأكثرها (وفيها) نكب بابك بعيسى بن محمد بن أبى خالد (وفيها) ولى المأمون عبد الله بن طاهر الرقة لحرب نصر بن شبث ومضر * ذكر الخبر عن سبب توليته إياه * وكان السبب في ذلك فيما ذكر أن يحيى بن معاذ كان المأمون ولاه الجزيرة فمات في هذه السنة واستخلف ابنه أحمد على عمله * فذكر عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أن المأمون دعا عبد الله بن طاهر في شهر رمضان فقال بعض كان ذلك في سنة 205 وقال بعض في سنة بضع وقال بعض في سنة 7 فلما دخل عليه قال يا عبد الله استخير الله منذ شهر وأرجو أن يخير الله لى ورأيت الرجل يصف ابنه ليطريه لرأيه فيه وليرفعه ورأيتك فوق ما قال أبوك فيك وقد مات يحيى بن معاذ وأستخلف ابنه أحمد بن يحيى وليس بشئ وقد رأيت توليتك مضر ومحاربة

[ 160 ]

نصر بن شبث فقال السمع والطاعة يا أمير المؤمنين وأرجو أن يجعل الله الخيرة لامير المؤمنين وللمسلمين قال فعقد له ثم أمر أن تقطع حبال القصارين عن طريقه وتنحى عن الطرقات المظال كيلا يكون في طريقه ما يرد لواءه ثم عقد له لواء مكتوبا عليه بصفرة ما يكتب على الالوية وزاد فيه المأمون يا منصور وخرج ومعه الناس فصار إلى منزله ولما كان من غد ركب إليه الناس وركب إليه الفضل بن الربيع فأقام عنده إلى الليل فقام الفضل فقال عبد الله يا أبا العباس قد تفضلت وأحسنت وقد تقدم أبى وأخوك إلى ألا أقطع أمرا دونك وأحتاج أن أستطلع رأيك وأستضئ بمشورتك فإن رأيت أن تقيم عندي إلى أن نفطر فافعل فقال له إن لى حالات ليس يمكننى معها الافطار ههنا قال ان كنت تكره طعام أهل خراسان فابعث إلى مطبخك يأتوا بطعامك فقال له إن لى ركعات بين العشاء والعتمة قال ففى حفظ الله وخرج معه إلى صحن داره يشاوره في خاص أموره (وقيل) كان خروج عبد الله الصحيح إلى مضر لقتال نصر بن شبث بعد خروج أبيه إلى خراسان بستة أشهر وكان طاهر حين ولى ابنه عبد الله ديار ربيعة كتب إليه كتابا نسخته * عليك بتقوى الله وحده لا شريك له وخشيته ومراقبته ومزايلة سخطه وحفظ رعيتك والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك وما أنت صائر إليه وموقوف عليه ومسؤول عنه والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله وينجيك يوم القيامة من عذابه وأليم عقابه فان الله قد أحسن اليك وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده وألزمك العدل عليهم والقيام بحقه وحدوده فيهم والذب عنهم والدفع عن حريمهم وبيضتهم والحقن لدمائهم والامن لسبيلهم وإدخال الراحة عليهم في معايشهم ومؤاخذك بما فرض عليك من ذلك وموقفك عليه ومسائلك عنه ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت ففرغ لذلك فكرك وعقلك وبصرك ورؤيتك ولا يذهلك عنه ذاهل ولا يشغلك عنه شاغل فانه رأس أمرك وملاك شأنك وأول ما يوفقك الله به لرشدك وليكن أول ما تلزم به نفسك وتنسب إليه فعالك المواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها

[ 161 ]

بالناس قبلك في مواقيتها على سننها في إسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله فيها وترتل في قراءتك وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك ولتصدق فيها لربك نيتك واحضض عليها جماعة من معك وتحت يدك وادأب عليها فانها كما قال الله تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ثم أتبع ذلك الاخذ بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمثابرة على خلائقه واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله وتقواه ولزوم ما أنزل الله في كتابه من أمره ونهيه وحلاله وحرامه وائتمام ما جاءت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قم فيه بما يحق لله عليك ولا نمل عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو بعيد وآثر الفقه وأهله والدين وحملته وكتاب الله والعاملين به فان أفضل ما تزين به المرء الفقه في دين الله والطلب له والحث عليه والمعرفة بما يتقرب فيه منه إلى الله فانه الدليل على الخير كله والقائد له والآمر به والناهي عن المعاصي والموبقات كلها وبها مع توفيق الله تزداد العباد معرفة بالله عزوجل وإجلالا له ودركا للدرجات العلى في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لامرك والهيبة لسلطانك والانسة بك والثقة بعدلك وعليك بالاقتصاد في الامور كلها فليس شئ أبين نفعا ولا أحضر أمنا ولا أجمع فضلا من القصد والقصد داعية إلى الرشد والرشد دليل على التوفيق والتوفيق منقاد إلى السعادة وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد فآثره في دنياك كلها ولا تقصر في طلب الآخرة والاجر والاعمال الصالحة والسنن المعروفة ومعالم الرشد فلا غاية للاستكثار من البر والسعى له إذا كان يطلب به وجه الله ومرضاته ومرافقة أوليائه في دار كرامته واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز ويحصن من الذنوب وإنك لن تحوط نفسك ومن يليك ولا تستصلح أمورك بأفضل منه فأته واهتد به تتم أمورك وتزد مقدرتك وتصلح خاصتك وعامتك وأحسن الظن بالله عزوجل يستقم لك رعيتك والتمس الوسيلة إليه في الامور كلها تستدم به النعمة عليك ولا تنهض أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل تكشف أمره (11 - 7)

[ 162 ]

بالتهمة فان إيقاع التهم بالبراء والظنون السيئة بهم مأثم واجعل من شأنك حسن الظن باصحابك واطرد عنهم سوء الظن بهم وارفضه عنهم يعنك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم ولا يجدن عدو الله الشيطان في أمرك مغمزا فانه إنما يكتفى بالقليل من وهنك فيدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشك واعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة وتكفى به ما أحببت كفايته من أمورك وتدعو به الناس إلى محبتك والاستقامة في الامور كلها لك ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك والمباشرة لامور الاولياء والحياطة للرعية والنظر فيما يقيمها وبصلحها بل لتكن المباشرة لامور الاولياء والحياطة للرعية والنظر في حوائجهم وحمل مؤناتهم آثر عندك مما سوى ذلك فانه أقوم للدين وأحيا للسنة وأخلص نيتك في جميع هذا وئفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسؤل عما صنع ومجزى بما أحسن ومأخوذ بما أساء فان الله جعل الدين حرزا وعزا ورفع من اتبعه وعززه فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين وطريقة الهدى وأقم حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه ولا تعطل ذلك ولا تهاون به ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة فان في تفريطك في ذلك لما يفسد عليك حسن ظنك واعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة وجانب الشبه والبدعات يسلم لك دينك وتقم لك مروتك وإذا عاهدت عهدا فف به وإذا وعدت الخير فأنجزه واقبل الحسنة وادفع بها واغمض عن عيب كل ذى عيب من رعيتك واشدد لسانك عن قول الكذب والزور وابغض أهله وأقص أهل النميمة فان أول فساد أمرك في عاجل الامور وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب لان الكذب رأس المآثم والزور والنميمة خاتمتها لان النميمة لا يسلم صاحبها وقائلها لا يسلم له صاحب ولا يستقيم لمطيعها أمر وأحب أهل الصدق والصلاح وأعن الاشراف بالحق وواصل الضعفاء وصل الرحم وابتغ بذلك وجه الله وعزة أمره والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة واجتنب سوء الاهواء والجور واصرف عنهما رأيك وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك وأنعم بالعدل سياستهم وقم بالحق فيهم

[ 163 ]

وبالمعرفة التى تنتهى بك إلى سبيل الهدى واملك نفسك عند الغضب وآثر الوقار والحلم وإياك والحدة والطيرة والغرور فيما أنت بسبيله وإياك أن تقول إنى مسلط أفعل ما أشاء فان ذلك سريع فيك إلى نقص الرأى وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له وأخلصل لله النية فيه واليقين به واعلم أن الملك لله يعطيه من يشاء وينزعه ممن يشاء ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمة إلى أحد أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا بنعم الله وإحسانه واستطالوا بما آتاهم الله من فضله ودع عنك شره نفسك ولتكن ذخائرك وكنوزك التى تذخر وتكنز البر والتقوى و ؟ واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم والتفقد لامورهم والحفظ لدهمائهم والاغاثة لملهوفهم واعلم أن الاموال إذا كثرت وذخرت في الخزائن لا تثمر وإذا كانت في اصلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف المؤنة عنهم نمت وربت وصلحت به العامة وتزينت الولاة وطاب به الزمان واعتقد فيه العز والمنعة فليكن كنز خزائنك تفريق الاموال في عمارة الاسلام وأهله ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم وأوف رعيتك من ذلك حصصهم وتعهد ما يصلح أمورهم ومعايشهم فانك إذا فعلت ذلك قرت النعمة عليك واستوجبت المزيد من الله وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيتك وعملك أقدر وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك وأطيب أنفسا لكل ما أردت فاجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب ولتعظم حسبتك فيه فانما يبقى من المال ما أنفق في سبيل حقه واعرف للشاكرين شكرهم وأثبهم عليه وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة فتتهاون بما يحق عليك فان التهاون يوجب التفريط والتفريط يورث البوار وليكن عملك لله وفيه تبارك وتعالى وارج الثواب فان الله قد أسبغ عليك نعمته في الدنيا وأظهر لديك فضله فاعتصم بالشكر وعليه فاعتمد يزدك الله خيرا وإحسانا فان الله يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين وقضى الحق فيما حمل من النعم وألبس من العافية والكرامة ولا تحقرن ذنبا ولا تمايلن حاسدا ولا ترحمن فاجرا ولا تصلن كفورا

[ 164 ]

ولا تداهنن عدوا ولا تصدقن نماما ولا تأمنن غداراولا توالين فاسقا ولا تتبعن غاويا ولا تحمدن مرائيا ولا تحقرن إنسانا ولا تردن سائلا فقيرا ولا تجيبن باطلا ولا تلاحظن مضحكا ولا تخلفن وعدا ولا ترهبن فجرا ولا تعملن غضبا ولا تأتين بذخا ولا تمشين مرحا ولا تركبن سفها ولا تفرطن في طلب الآخرة ولا تدفع الايام عيانا ولا تغمضن عن الظالم رهبة منه أو مخافة ولا تطلبن ثواب الآخرة بالدنيا وأكثر مشاورة الفقهاء واستعمل نفسك بالحلم وخذ عن أهل التجارب وذوى العقل والرأى والحكمة ولا تدخلن في مشورتك أهل الدقة والبخل ولا تسمعن لهم قولا فان ضررهم أكثر من منفعتهم وليس شئ أسرع فسادا لما استقبلت في أمر رعيتك من الشح واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الاخذ قليل العطية وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا فإن رعيتك إنما تعتقد على محبتك بالكف عن أموالهم وترك الجور عنهم ويدوم صفاء أوليائك لك بالافضال عليهم وحسن العطية لهم فاجتنب الشح وأعلم أنه أول ما عصى به الا ؟ ن ربه وأن العاصى بمنزلة خزى وهو قول الله عزوجل (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) فسهل طريق الجود بالحق واجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظا ونصيبا وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد فاعدده لنفسك خلقا وارض به عملا ومذهبا وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم وأدرر عليهم أرزاقهم ووسع عليهم في معايشهم ليذهب بذلك الله فاقتهم ويقوم لك أمرهم ويزيد به قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا وحسب ذى سلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله وحيطته وانصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته فزايل مكروه إحدى البليتين باستشعار تكملة الباب الآخر ولزوم العمل به تلق إن شاء الله نجاحا وصلاحا وفلاحا واعلم أن القضاء من الله بالمكان الذى ليس به شئ من الامور لانه ميزان الله الذى يعتدل عليه الاحوال في الارض وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح الرعية وتأمن السبل وينتصف المظلوم ويأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة ويؤدى حق الطاعة ويرزق الله العافية والسلامة ويقوم الدين وتجرى السنن والشرائع

[ 165 ]

وعلى مجاريها ينتجز الحق والعدل في القضاء واشتد في أمر الله وتورع عن النطف وأمض لاقامة الحدود وأقلل العجلة وابعد من الضجر والقلق واقنع بالقسم ولتسكن ريحك ويقر جدك وانتفع بتجربتك وانتبه في صمتك واسدد في منطقك وانصف الخصم وقف عند الشبهة وأبلغ في الحجة ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا محاماة ولالوم لائم وتثبت وتأن وراقب وانظر وتدبر وتفكر واعتبر وتواضع لربك وارأف بجميع الرعية وسلط الحق على نفسك ولا تسرعن إلى سفك دم فإن الدماء من الله بمكان عظيم انتهاكا لها بغير حقها وانظر هذا الخراج الذى قد استقامت عليه الرعية وجعله الله للاسلام عزا ورفعة ولاهله سعة ومنعة ولعدوه وعدوهم كبتا وغيظا ولاهل الكفر من معاهدتهم ذلا وصغارا فوزعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم فيه ولا ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه وعن غنى لغناه ولا عن كاتب لك ولا أحد من خاصتك ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له ولا تكلفن أمرا فيه شطط واحمل الناس كلهم على مر الحق فإن ذلك أجمع لالفتهم وألزم لرضى العامة واعلم انك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا وإنما سمى أهل عملك رعيتك لانك راعيهم وقيمهم تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم فاستعمل عليهم في كور عملك ذوى الرأى والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعفاف ووسع عليهم في الرزق فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت وأسند اليك ولا يشغلنك عنه شاغل ولا يصرفنك عنه صارف فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الاحدوثة في أعمالك واحترزت النصيحة من رعيتك وأعنت على الصلاح فدرت الخيرات ببلدك وفشت العمارة بناحيتك وظهر الخصب في كورك فكثر خراجك وتوفرت أموالك وقويت بذلك على ارتباط جندك وإرضاء العامة بإقامة العطاء فيهم من نفسك وكنت محمود السياسة مرضى العدل في ذلك عند عدوك وكنت في أمورك كلها ذا عدل وقوة وآلة وعدة فنافس في هذا ولا تقدم عليه شيئا تحمد مغبة أمرك إن شاء الله واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار

[ 166 ]

عمالك ويكتب اليك بسيرتهم وأعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لامره كله وإن أردت أن تأمره بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك فإن رأيت السلامة فيه والعافية ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فأمضه وإلا فتوقف عنه وراجع أهل البصر والعلم ثم خذ فيه عدته فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أمره قد واتاه على ما يهوى فقواه ذلك وأعجبه وإن لم ينظر في عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره فاستعمل الحزم في كل ما أردت وباشره بعد عون الله بالقوة وأكثر استخارة ربك في جميع أمورك وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك وأكثر مباشرته بنفسك فان لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذى أخرت واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه وإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمر يومين فشغلك ذلك حتى تعرض عنه فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك وأحكمت أمور سلطانك وانظر أحرار الناس وذوى الشرف منهم ثم استيقن صفاء طويتهم وتهذيب مودتهم لك ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك فاستخلصهم وأحسن إليهم وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة فاحتمل مؤنتهم وأصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسا وأفرد نفسك للنظر في أمور الفقراء والمساكين ومن لا يقدر على رفع مظلمة اليك والمحتقر الذى لا علم له بطلب حقه فاسأل عنه أحفى مسألة ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم اليك لتنظر فيها بما يصلح الله أمرهم وتعاهد ذوى البأساء ويتاماهم وأراملهم واجعل لهم أرزاقا من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه الله في العطف عليهم والصلة لهم ليصلح الله بذلك عيشهم ويرزقك به بركة وزيادة وأجر للاضراء من بيت المال وقدم حملة القرآن منهم والحافظين لا كثره في الجراية على غيرهم وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم وقواما يرفقونهم وأطباء يعالجون أسقامهم وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانهم لم يرضهم ذلك ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعا في نيل الزيادة وفضل الرفق منهم وربما برم المتصفح لامور الناس لكثرة

[ 167 ]

ما يرد عليه ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة وليس من يرغب في العدل ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل كالذى يستقبل ما يقربه إلى الله ويلتمس رحمته به وأكثر الاذن للناس عليك وأبرز لهم وجهك وسكن لهم أحراسك واخفض لهم جناحك وأظهر لهم بشرك ولن لهم في المسألة والمنطق واعطف عليهم بجودك وفضلك وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس والتمس الصنيعة والاجر غير مكدر ولامنان فان العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى من قبلك من أهل السلطان والرئاسة في القرون الخالية والامم البائدة ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله والوقوف عند محبته والعمل بشريعته وسنته وإقامة دينه وكتابه واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله واعرف ما تجمع عمالك من الاموال وينفقون منها ولا تجمع حراما ولا تنفق إسرافا وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها وإيثار مكارم الامور ومعاليها وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم يمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سر وإعلامك ما فيه من النقص فان أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامرته وما عنده من حوائج عمالك وأمر كورك ورعيتك ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك وكرر النظر إليه والتدبير له فما كان موافقا للحزم والحق فأمضه واستخر الله فيه وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور أمير المؤمنين ولا تضعن المعروف إلا على ذلك وتفهم كتابي اليك وأكثر النظر فيه والعمل به واستعن بالله على جميع أمورك واستخره فان الله مع الصلاح وأهله وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك ما كان لله رضى ولدينه نظاما ولاهله عزا وتمكينا وللذمة والملة عدلا وصلاحا وأنا أسأل الله أن

[ 168 ]

يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءك وأن ينزل عليك فضله ورحمته بتمام فضله عليك وكرامته لك حتى يجعلك أفضل أمثالك نصيبا وأوفرهم حظا وأسناهم ذكرا وأمرا وأن يهلك عدوك ومن ناوأك وبغى عليك ويرزقك من رعيتك العافية ويحجز الشيطان عنك ووساوسه حتى يستعلى أمرك بالعز والقوة والتوفيق إنه قريب مجيب * وذكر أن طاهرا لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد تنازعه الناس وكتبوه وتدارسوه وشاع أمره حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ عليه فقال ما بقى أبو الطيب شيئا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأى والسياسة وإصلاح الملك والرعية وحفظ البيضة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه وأوصى به وتقدم وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحى الاعمال وتوجه عبد الله إلى عمله فسار بسيرته واتبع أمره وعمل بما عهد إليه (وفى هذه السنة) ولى عبد الله بن طاهر إسحاق بن إبراهيم الجسرين وجعله خليفته على ما كان طاهر أبوه استخلفه فيه من الشرط وأعمال بغداد وذلك حين شخص إلى الرقة لحرب نصر بن شبث (وحج) بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن وهو والى الحرمين * ثم دخلت سنة سبع ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك خروج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب ببلاد عك من اليمن يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى الله عليه وسلم * ذكر الخبر عن سبب خروجه * وكان السبب في خروجه أن العمال باليمن أساؤا السيرة فبايعوا عبد الرحمن هذا فلما بلغ ذلك المأمون وجه إليه دينار بن عبد الله في عسكر كثيف وكتب معه بأمانة فحضر دينار بن عبد الله الموسم وحج فلما فرغ من حجه سار إلى اليمن حتى أتى عبد الرحمن فبعث إليه بأمانة من المأمون فقبل ذلك ودخل ووضع يده

[ 169 ]

في يد دينار فخرج به إلى المأمون فمنع المأمون عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه وأمر بأخذهم بلبس السواد وذلك يوم الخميس لليلة بقيت من ذى القعدة (وفى هذه السنة) كانت وفاة طاهر بن الحسين * ذكر الخبر عن وفاته * ذكر عن مطهر بن طاهر أن وفاة ذى اليمينين كانت من حمى وحرارة أصابته وأنه وجد في فراشه ميتا * وذكر أن عميه على بن مصعب وأخاه أحمد بن مصعب صارا إليه يعودانه فسألا الخادم عن خبره وكان يغلس بصلاة الصبح فقال الخادم هو نائم لم ينتبه فانتظراه ساعة فلما انبسط الفجر وتأخر عن الحركة في الوقت الذى كان يقوم فيه للصلاة أنكرا ذلك وقالا للخادم أيقظه فقال الخادم لست أجسر على ذلك فقالا له اطرق لنا لندخل إليه فدخلا فوجداه ملتفا في دواج قد أدخله تحته وشده عليه من عند رأسه ورجليه فحركاه فلم يتحرك فكشفا عن وجهه فوجداه قد مات ولم يعلما الوقت الذى توفى فيه ولا وقف أحد من خدمه على وقت وفاته وسألا الخادم عن خبره وعن آخر ما وقف عليه منه فذكر أنه صلى المغرب والعشاء الآخرة ثم التف في دواجه قال الخادم فسمعته يقول بالفارسية كلاما وهو درمرك نيز مردى ويد تفسيره أنه ؟ في الموت أيضا إلى الرجلة * وذكر عن كلثوم بن ثابت بن أبى سعد وكان يكنى أبا سعدة قال كنت على بريد خراسان ومجلسي يوم الجمعة في أصل المنبر فلما كان في سنة 207 بعد ولاية طاهر بن الحسين بسنتين حضرت الجمعة فصعد طاهر المنبر فخطب فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له فقال اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك واكفها مؤونة من بغى فيها وحشد عليها بلم الشعث وحقن الدماء وإصلاح ذات البين قال فقلت في نفسي أنا أول مقتول لانى لا أكتم الخبر فانصرفت واغتسلت بغسل الموتى وائتزرت بازار الموتى ولبست قميصا وارتديت رداء وطرحت السواد وكتبت إلى المأمون قال فلما صلى العصر دعاني وحدث به حادث في جفن عينه وفى مأقه فخر ميتا

[ 170 ]

قال فخرج طلحة بن طاهر فقال ردوه ردوه وقد خرجت فردوني فقال هل كتبت بما كان قلت نعم قال فاكتب بوفاته وأعطاني خمسمائة ألف ومائتي ثوب فكتبت بوفاته وبقيام طلحة بالجيش قال فوردت الخريطة على المأمون بخلعه غدوة فدعا ابن أبى خالد فقال له اشخص فأت به كما زعمت وضمنت قال أبيت ليلتى قال لا لعمري لا تبيت إلا على ظهر فلم يزل يناشده حتى أذن له في المبيت قال ووافت الخريطة بموته ليلا فدعاه فقال قد مات فمن ترى قال ابنه طلحة قال الصواب ما قلت فاكتب بتوليته فكتب بذلك وأقام طلحة واليا على خراسان في أيام المأمون سبع سنين بعد موت طاهر ثم توفى وولى عبد الله خراسان وكان يتولى حرب بابك فأقام بالدينور ووجه الجيوش ووردت وفاة طلحة على المأمون فبعث إلى عبد الله يحيى بن أكتم يعزيه عن أخيه ويهنئه بولاية خراسان وولى على بن هشام حرب بابك * وذكر عن العباس أنه قال شهدت مجلسا للمأمون وقد أتاه نعى الطاهر فقال لليدين وللفم الحمد لله الذى قدمه وأخرنا (وقد ذكر) في أمر ولاية طلحة خراسان بعد أبيه طاهر غير هذا القول والذى قيل من ذلك أن طاهرا لما مات وكان موته في جمادى الاولى وثب الجند فانتهبوا بعض خزائنه فقام بأمرهم سلام الابرش الخصى فأمر فأعطوا رزق ستة أشهر فصير المأمون عمله إلى طلحة خليفة لعبد الله بن طاهر وذلك أن المأمون ولى عبد الله في قول هؤلاء بعد موت طاهر عمل طاهر كله وكان مقيما بالرقة على حرب نصر بن شبث وجمع له مع ذلك الشأم وبعث إليه بعهده على خراسان وعمل أبيه فوجه عبد الله أخاه طلحة بخراسان واستخلف بمدينة السلام إسحاق بن إبراهيم وكاتب المأمون طلحة باسمه فوجه المأمون أحمد بن أبى خالد إلى خراسان للقيام بأمر طلحة فشحص أحمد إلى ما وراء النهر فافتتح أشر وسنة وأسر كاوس بن خاراخره وابنه الفضل وبعث بهما إلى المأمون ووهب طلحة لابن أبى خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعروضا بألفى ألف ووهب لابراهيم بن العباس كاتب أحمد بن أبى خالد خمسمائة ألف درهم

[ 171 ]

(وفى هذه السنة) غلا السعر ببغداد والبصرة والكوفة حتى بلغ سعر القفيز من الحنطة بالهارونى أربعين درهما إلى الخمسين بالقفيز الملجم (وفى هذه السنة) ولى موسى بن حفص طبرستان والرويان ودنباوند (وحج) بالناس في هذه السنة أبو عيسى بن الرشيد * ثم دخلت سنة ثمان ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمما كان فيها من ذلك مصير الحسن بن الحسين بن مصعب من خراسان إلى كرماني ممتنعا بها ومصير أحمد بن خالد إليه حتى أخذه فقدم به على المأمون فعفا عنه (وفيها) ولى المأمون محمد بن عبد الرحمن المخزومى قضاء عسكر المهدى في المحرم (وفيها) استعفى محمد بن سماعة القاضى من القضاء فأعفي وولى مكانه إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة (وفيها) عزل محمد بن عبد الرحمن عن القضاء بعد أن وليه فيها في شهر ربيع الاول ووليه بشر بن الوليد الكندى فقال بعضهم يا أيها الملك الموحد ربه * قاضيك بشر بن الوليد حمار ينفى شهادة من يدين بما ب‍ * نطق الكتاب وجاءت الاخبار ويعد عدلا من يقول بأنه * شيخ يحيط بجسمه الاقطار ومات موسى بن محمد المخلوع في شعبان ومات الفضل بن الربيع في ذى القعدة (وحج) بالناس في هذه السنة صالح بن الرشيد * ثم دخلت سنة تسع ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من حصر عبد الله بن طاهر نصر بن شبث وتضييقه عليه حتى طلب الامان * فذكر عن جعفر بن محمد العامري أنه قال قال المأمون لثمامة ألا تدلني على رجل من أهل الجزيرة له عقل وبيان ومعرفة يؤدى عنى ما أوجهه به

[ 172 ]

إلى نصر بن شبت قال بلى يا أمير المؤمنين رجل من بنى عامر يقال له جعفر بن محمد قال له أحضرنيه قال جعفر فأحضرني ثمامة فأدخلني عليه فكلمنى بكلام كثير ثم أمرنى أن أبلغه نصر بن شبث قال فأتيت نصرا وهو بكفر عزون بسروج فأبلغته رسالته فأذعن وشرط شروطا منها ألا يطأ له بساطا قال فأتيت المأمون فأخبرته فقال لا أجيبه والله إلى هذا أبدا ولو أفضيت إلى بيع قميصي حتى يطأ بساطى وما باله ينفر منى قال قلت لجرمه وما تقدم منه فقال أتراه أعظم جرما عندي من الفضل ابن الربيع ومن عيسى بن أبى خالد أتدرى ما صنع بى الفضل أخذ قوادى وجنودي وسلاحي وجميع ما أوصى به لى أبى فذهب به إلى محمد وتركني بمرو وحيدا فريدا وأسلمنى وأفسد على أخى حتى كان من أمره ما كان وكان أشد على من كل شئ أتدرى ما صنع بى عيسى بن أبى خالد طرد خليفتي من مدينتي ومدينة آبائى ودهب بخراجى وفيئى وأخرب على ديارى وأقعد إبراهيم خليفة دوني ودعاه باسمى قال قلت يا أمير المؤمنين أتأذن لى في الكلام فأتكلم قال تكلم قلت الفضل ابن الربيع رضيعكم ومولاكم وحال سلفه حالكم وحال سلفكم حاله ترجع عليه بضروب كلها تردك إليه وعيسى بن أبى خالد فرجل من أهل دولتك وسابقته وسابقة من مضى من سلفه سابقتهم ترجع عليه بذلك وهذا رجل لم تكن له يد قط فيحمل عليها ولا لمن مضى من سلفه إنما كانوا من جند بنى أمية قال إن كان ذلك كما تقول فكيف بالحنق والغيظ ولكني لست أقلع عنه حتى يطأ بساطى قال فأتيت نصرا فأخبرته بذلك كله قال فصاح بالخيل صيحة فجالت ثم قال ويلى عليه هو لم يقو على أربعمائة ضفدع تحت جناحه يعنى الزظ يقوى على حلبة العرب * فذكر أن عبد الله بن طاهر لما جاده القتال وحصره وبلغ منه طلب الامان فأعطاه وتحول من معسكره إلى الرقة سنة 209 وصار إلى عبد الله بن طاهر وكان المأمون قد كتب إليه قبل ذلك بعد أن هزم عبد الله بن طاهر جيوشه كتابا يدعوه إلى طاعته ومفارقة معصيته فلم يقبل فكتب عبد الله إليه وكان كتاب المأمون إليه من المأمون كتبه عمرو بن مسعدة أما بعد فإنك يا نصر بن شبث قد عرفت الطاعة وعزها وبرد ظلها

[ 173 ]

وطيب مرتعها وما في خلافها من الندم والخسار وإن طالت مدة الله بك فانه انما يملى لمن يلتمس مظاهرة الحجة عليه لتقع عبره بأهلها على قدر إصرارهم واستحقاقهم وقد رأيت إذ كارك وتبصيرك لما رجوت أن يكون لما أكتب به اليك موقع منك فان الصدق صدق والباطل باطل وإنما القول بمخارجه وبأهله الذين يعنون به ولم يعاملك من عمال أمير المؤمنين أحد أنفع لك في مالك ودينك ونفسك ولا أحرص على استنقاذك والانتياش لك من خطائك منى فبأى أول أو آخر أو سطة أو إمرة إقدامك يانصر على أمير المؤمنين تأخذ أمواله وتتولى دونه ما ولاه الله وتريد أن تبيت آمنا أو مطمئنا أو وادعا أو ساكنا أو هادئا فو عالم السر والجهر لئن لم تكن للطاعة مراجعا وبها خانعا لتستوبلن وخم العاقبة ثم لابد أن بك قبل كل عمل فان قرون الشيطان إذا لم تقطع كانت في الارض فتنة وفسادا كبيرا ولاطأن بمن معى من أنصار الدولة كواهل رعاع أصحابك ومن تأشب اليك من أداني البلدان وأقاصيها وطغامها وأوباشها ومن انضوى إلى حوزتك من خراب الناس ومن لفظه بلده ونفته عشيرته لسوء موضعه فيهم وقد أعذر من أنذر والسلام وكان مقام عبد الله بن طاهر على نصر بن شبث محاربا له فيما ذكر خمس سنين حتى طلب الامان فكتب عبد الله إلى المأمون يعلمه أنه حصره وضيق عليه وقتل رؤساء من معه وأنه قد عاذ بالامان وطلبه فأمره أن يكتب له كتاب أمان فكتب إليه أمانا نسخته أما بعد فان الاعذار بالحق حجة الله المقرون بها النصر والاحتجاج بالعدل دعوة الله الموصول بها العز ولا يزال المعذر بالحق المحتج بالعدل في استفتاح أبواب التأييد واستدعاء أسباب التمكين حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين ويمكن وهو خير الممكنين ولست تعدو أن تكون فيما لهجت به أحد ثلاثة طالب دين أو ملتمس دنيا أو متهورا يطلب الغلبة ظلما فان كنت للدين تسعى بما تصنع فأوضح ذلك لامير المؤمنين يغتنم قبوله إن كان حقا فلعمري ما همته الكبرى ولا غايته القصوى الا الميل مع الحق حيث مال والزوال مع العدل حيث زال وإن كنت للدنيا تقصد فأعلم أمير المؤمنين غايتك فيها والامر الذى تستحقها به فان

[ 174 ]

استحققتها وأمكنه ذلك فعله بك فلعمري ما يستجيز منع خلق ما يستحقه وإن عظم وان كنت متهورا فسيكفى الله أمير المؤمنين مؤنتك ويعجل ذلك كما عجل كفايته مؤن قوم سلكوا مثل طريقك كانوا أقوى يدا وأكثف جندا وأكثر جمعا وعددا ونصرا منك فيما أصارهم إليه من مصارع الخاسرين وأنزل بهم من جوائح الظالمين وأمير المؤمنين يختم كتابه بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وضمانه لك في دينه وذمته الصفح عن سوالف جرائمك ومتقدمات جرائرك وانزالك ما تستأهل من منازل العز والرفعة إن أتيت وراجعت إن شاء الله والسلام ولما خرج نصر بن شبث إلى عبد الله بن طاهر بالامان هدم كيسوم وخربها (وفى هذه السنة) ولى المأمون صدقة بن على المعروف بزريق أرمينية وآذربيجان ومحاربة بابك وانتدب للقيام بأمره أحمد بن الجنيد بن فرزندى الاسكافي ثم رجع أحمد بن الجنيد بن فرزندى إلى بغداد ثم رجع إلى الخرمية فأسره بابك فولى إبراهيم بن الليث بن الفضل التجيبى آذربيجان (وحج) بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد بن على وهو والى مكة (وفيها) مات ميخائيل بن جورجس صاحب الروم وكان ملكه تسع سنين وملكت الروم عليهم ابنه توفيل بن ميخائيل * ثم دخلت سنة عشر ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك وصول نصر بن شبث فيها إلى بغداد وجه به عبد الله بن طاهر إلى المأمون فكان دخوله إليها يوم الاثنين لسبع خلون من صفر فأنزل مدينة أبى جعفر ووكل به من يحفظه (وفيها) ظهر المأمون على إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب ابن إبراهيم الامام الذى يقال له ابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الافريقى ومالك بن شاهى وفرج البعوارى ومن كان معهم ممن كان يسعى في البيعة لابراهيم المهدى وكان الذى أطلعه عليهم وعلى ما كانوا يسعون فيه من ذلك عمران القطربلى

[ 175 ]

فأرسل إليهم المأمون يوم السبت فيما ذكر لخمس خلون من صفر سنة 210 فأمر المأمون بإبراهيم بن عائشة أن يقام ثلاثة أيام في الشمس على باب دار المأمون ثم ضربه يوم الثلاثاء بالسياط ثم حبسه في المطبق ثم ضرب مالك بن شاهى وأصحابه وكتبوا للمأمون أسماء من دخل معهم في هذا الامر من القواد والجند وسائر الناس فلم يعرض المأمون لاحد ممن كتبوا به ولم يأمن أن يكونوا قد قذفوا أقواما براء وكانوا اتعدوا أن يقطعوا الجسر إذا خرج الجند يتلقون نصر بن شبث فغمز بهم فأخذوا ودخل نصر بن شبث بعد ذلك وحده ولم يوجه إليه أحد من الجند فأنزل عند إسحق بن إبراهيم ثم حول إلى مدينة أبى جعفر (وفيها) أخذ إبراهيم بن المهدى ليلة الاحد لثلاث عشرة من ربيع الآخر وهو متنقب مع امرأتين في زى امرأة أخذه حارس أسود ليلا فقال من أنتن وأين تردن في هذا الوقت فأعطاه إبراهيم فيما ذكر خاتم ياقوت كان في يده له قدر عظيم ليخليهن ولا يسألهن فلما نظر الحارس إلى الخاتم استراب بهن وقال هذا خاتم رجل له شأن فرفعهن إلى صاحب المسلحة فأمرهن أن يسفرن فتمنع ابراهيم فجبذه صاحب المسلحة فبدت لحيته فرفعه إلى صاحب الجسر فعرفه فذهب به إلى باب المأمون فأعلم به فأمر بالاحتفاظ به في الدار فلما كان غداة الاحد أقعد في دار المأمون لينظر إليه بنو هاشم والقواد والجند وصيروا المقنعة التى كان متقبا بها في عنقه والملحفة التى كان ملتحفا بها في صدره ليراه الناس ويعلموا كيف أخذ فلما كان يوم الخميس حوله المأمون إلى منزل أحمد بن أبى خالد فحبسه عنده ثم أخرجه المأمون معه حيث خرج إلى الحسن بن سهل بواسط فقال الناس ان الحسن كلمه فيه فرضى عنه وخلى سبيله وصيره عند أحمد بن أبى خالد وصير معه ابن يحيى بن معاذ وخالد بن يزيد بن مزيد يحفظانه الا أنه موسع عليه عنده أمه وعياله ويركب إلى دار المأمون وهؤلاء معه يحفظونه (وفى هذه السنة) قتل المأمون ابراهيم بن عائشة وصلبه * ذكر الخبر عن سبب قتله إياه * كان السبب في ذلك أن المأمون حبس ابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الافريقى

[ 176 ]

ورجلين من الشطار يقال لاحدهما أبو مسمار وللآخر عمار وفرج البغوارى ومالك بن شاهى وجماعة معهم ممن كان سعى في البيعة لابراهيم بعد أن ضربوا بالسياط ما خلا عمارا فانه أو من لما كان من اقراره على القوم في المطبق فرفع بعض أهل المطبق أنهم يريدون أن يشغبوا وينقبوا السجن وكانوا قبل ذلك بيوم قد سدوا باب السجن من داخل فلم يدعوا أحدا يدخل عليهم فلما كان الليل وسمعوا شغبهم بلغ المأمون خبرهم فركب إليهم من ساعته بنفسه فدعا بهؤلاء الاربعة فضرب أعناقهم صبرا وأسمعه ابن عائشة شتما قبيحا فلما كانت الغداة صلبوا على الجسر الاسفل فلما كان من الغداة يوم الاربعاء أنزل إبراهيم بن عائشة فكفن وصلى عليه ودفن في مقابر قريش وأنزل ابن الافريقى فدفن في مقابر الخيزران وترك الباقون * وذكر أن إبراهيم بن المهدى لما أخذ صير به إلى دار أبى إسحق ابن الرشيد وأبو إسحق عند المأمون فحمل رديفا لفرج التركي فلما أدخل على المأمون قال له هيه يا إبراهيم فقال يا أمير المؤمنين ولى الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه وقد جعلك الله فوق كل ذى ذنب فما جعل كل ذنب دونك فان تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك قال بل أعفو يا إبراهيم فكبر ثم خر ساجدا (وقيل) إن إبراهيم كتب بهذا الكلام إلى المأمون وهو مختف فوقع المأمون في حاشية رقعته القدرة تذهب الحفيظة والندم توبة وبينهما عفو الله وهو أكبر ما نسأله فقال إبراهيم يمدح المأمون يا خير من ذملت يمانية به * بعد الرسول لآيس ولطامع وأبر من عبد الاله على التقى * عينا وأقوله بحق صادع عسل الفوارع ما أطعت فإن تهج * فالصاب يمزج بالسمام الناقع متيقظا حذرا وما يخشى العدى * نبهان من وسنات ليل الهاجع ملئت قلوب الناس منك مخافة * وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع بأبى وأمى فدية وبنيهما * من كل معضلة وريب واقع

[ 177 ]

ما ألين الكنف الذى بوأتنى * وطنا وأمرع رتعه للراتع للصالحات أخا جعلت وللتقى * وأبا رؤفا ؟ القانع نفسي فداؤك إذ تضل معاذرى * وألوذ منك بفضل حلم واسع أملا لفضلك والفواضل شيمة * رفعت بناءك بالمحل اليافع فبذلت أفضل ما يضيق ببذله * وسع النفوس من الفعال البارع وعفوت عمن لم يكن عن مثله * عفو ولم يشفع إليك بشافع إلا العلو عن العقوبة بعدما * ظفرت يداك بمستكين خاضع فرحمت أطفالا كأفراخ القطا * وعويل عانسة كقوس النازع وعطفت آصرة على كما وعى * بعد انهياض الوثى عظم الظالع الله يعلم ما أقول فإنها * جهد الالية من حنيف راكع ما إن عصيتك والغواة تقودني * أسبابها إلا بنية طائع حتى إذا علقت حبائل شقوتى * بردى إلى حفر المهالك هائع لم أدر أن لمثل جرمى غافرا * فوقفت أنظر أي حتف صارعي رد الحياة على بعد ذهابها * ورع الامام القادر المتواضع أحياك من ولاك أطول مدة * ورمى عدوك في الوتين بقاطع كم من يد لك لم تحدثني بها * نفسي إذا آلت إلى مطامعي أسديتها عفوا إلى هنيئة * فشكرت مصطنعا لاكرم صانع إلا يسيرا عند ما أوليتني * وهو الكثير لدى غير الضائع إن أنت جدت بها على تكن لها * أهلا وإن تمنع فأعدل مانع إن الذى قسم الخلافة حازها * في صلب آدم للامام السابع جمع القلوب عليك جامع أمرها * وحوى رداؤك كل خير جامع فذكر أن المأمون حين أنشده إبراهيم هذه القصيدة قال أقول ما قال يوسف لاخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (وفى هذه السنة) بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل في شهر رمضان منها (12 - 7)

[ 178 ]

* ذكر الخبر عن أمر المأمون في ذلك وما كان في أيام بنائه * ذكر أن المأمون لما مضى إلى فم الصلح إلى معسكر الحسن بن سهل حمل معه ابراهيم بن المهدى وشخص المأمون من بغداد حين شخص إلى ما هنالك للبناء ببوران راكبا زورقا حتى أرسى على باب الحسن وكان العباس بن المأمون قد تقدم أباه على الظهر فتلقاه الحسن خارجا عسكره في موضع قد اتخذ له على شاطئ دجلة بنى له فيه جوسق فلما عاينه العباس ثنى رجله لينزل فحلف عليه الحسن ألا يفعل فلما ساواه ثنى رجله الحسن لينزل فقال له العباس بحق أمير المؤمنين لا تنزل فاعتنقه الحسن وهو راكب ثم أمر أن يقدم إليه دابته ودخلا جميعا منزل الحسن ووافى المأمون في وقت العشاء وذلك في شهر رمضان من سنة 210 فأفطر هو والحسن والعباس ودينار بن عبد الله قائم على رجله حتى فرغوا من الافطار وغسلوا أيديهم فدعا المأمون بشراب فأتى بجام ذهب فصب فيه وشرب ومد يده بجام فيه شراب إلى الحسن فتباطأ عنه الحسن لانه لم يكن يشرب قبل ذلك فغمز دينار بن عبد الله الحسن فقال له الحسن يا أمير المؤمنين أشربه بإذنك وأمرك فقال له المأمون لولا أمرى لم أمدد يدى اليك فأخذ الجام فشربه فلما كان في الليلة الثانية جمع بين محمد بن الحسن بن سهل والعباسة بنت الفضل ذى الرئاستين فلما كان في الليلة الثالثة دخل على بوران وعندها حمدونة وأم جعفر وجدتها فلما جلس المأمون معها نثرت عليها جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب فأمر المأمون أن تجمع وسألها عن عدد ذلك الدر كم هو فقالت ألف حبة فأمر بعدها فنقصت عشرا فقال من أخذها منكم فليردها فقالوا حسين زجلة فأمره بردها فقال يا أمير المؤمنين إنما نثر لنأخذه قال ردها فانى أخلفها عليك فردها وجمع المأمون ذلك الدر في الآنية كما كان فوضع في حجرها وقال هذه نحلتك وسلى حوائجك فأمسكت فقالت لها جدتها كلمى سيدك وسليه حوائجك فقد أمرك فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدى فقال قد فعلت وسألته الاذن لام جعفر في الحج فأذن لها وألبستها أم جعفر البدنة الاموية وابتنى بها في ليلته وأوقد

[ 179 ]

في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منافى تور ذهب فأنكر المأمون ذلك عليهم وقال هذا سرف فلما كان من الغد دعا بإبراهيم بن المهدى فجاء يمشى من شاطئ دجلة عليه مبطنة ملحم وهو معتم بعمامة حتى دخل فلما رفع الستر عن المأمون رمى بنفسه فصاح المأمون يا عم لا بأس عليك فدخل فسلم عليه تسليم الخلافة وقبل يده وأنشد شعره ودعا بالخلع فخلع عليه خلعة ثانية ودعا له بمركب وقلده سيفا وخرج فسلم على الناس ورد إلى موضعه * وذكر أن المأمون أقام عند الحسن بن سهل سبعة عشر يوما يعد له في كل يوم لجميع من معه جميع ما يحتاج إليه وأن الحسن خلع على القواد على مراتبهم وحملهم ووصلهم وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم قال وأمر المأمون غسان بن عباد عند منصرفه أن يدفع إلى الحسن عشرة آلاف ألف من مال فارس وأقطعه الصلح فحملت إليه على المكان وكانت معدة عند غسان بن عباد فجلس الحسن ففرقها في قواده وأصحابه وحشمه وخدمه فلما انصرف المأمون شيعه الحسن ثم رجع إلى فم الصلح * فذكر عن أحمد بن الحسن بن سهل قال كان أهلنا يتحدثون أن الحسن بن سهل كتب رقاعا فيها أسماء ضياعه ونثرها على القواد وعلى بنى هاشم فمن وقعت في يده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها * وذكر عن أبى الحسن على بن الحسين بن عبد الاعلى الكاتب قال حدثنى الحسن بن سهل يوما بأشياء كانت في أم جعفر ووصف رجاحة عقلها وفهمها ثم قال سألها يوما المأمون بفم الصلح حيث خرج الينا عن النفقة على بوران وسأل حمدونة بنت غضيض عن مقدار ما أنفقت في ذلك الامر قال فقالت حمدونة أنفقت خمسة وعشرين ألف ألف قال فقلت أم جعفر ما صنعت شيئا قد أنفقت ما بين خمسة وثلاثين ألف ألف إلى سبعة وثلاثين ألف ألف درهم قال وأعددنا له شمعتين من عنبر قال فدخل بها ليلا فأوقدتا بين يديه فكثر دخانهما فقال ارفعوهما قد أذانا الدخان وهاتوا الشمع قال ونحلتها أم جعفر في ذلك اليوم الصلح قال فكان سبب عود الصلح إلى ملكى وكانت قبل ذلك لى فدخل على يوما حميد الطوسى فأقرأني أربعة أبيات امتدح بها ذا الرئاستين فقلت له ننفذها لك إلى ذى الرئاستين

[ 180 ]

وأقطعك الصلح في العاجل إلى أن تأتى مكفأتك من قبله فأقطعته إياها ثم ردها المأمون على أم جعفر فنحلتها بوران * وروى على بن الحسين أن الحسن بن سهل كان لاترفع الستور عنه ولا يرفع الشمع من بين يديه حتى تطلع الشمس ويتبينها إذا نظر إليها وكان متطيرا يحب أن يقال له إذا دخل عليه انصرفنا من فرح وسرور ويكره أن يذكر له جنازة أو موت أحد قال ودخلت عليه يوما فقال له قائل إن على بن الحسين أدخل ابنه الحسن اليوم الكتاب قال فدعالى وانصرفت فوجدت منزلي عشرين ألف درهم هبة للحسن وكتابا بعشرين ألف درهم قال وكان قد وهب لى من أرضه بالبصرة ما قوم بخمسين ألف دينار فقبضه عنى بغا الكبير وأضافه إلى أرضه * وذكر عن أبى حسان الزيادي أنه قال لما صار المأمون إلى الحسن بن سهل أقام عنده أياما بعد البناء ببوران وكان مقامه في مسيره وذهابه ورجوعه أربعين يوما ودخل إلى بغداد يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة خلت من شوال وذكر عن محمد بن موسى الخوارزمي أنه قال خرج المأمون نحو الحسن ابن سهل إلى فم الصلح لثمان خلون من شهر رمضان ورحل من فم الصلح لتسع بقين من شوال سنة 201 (وهلك) حميد بن عبد الحميد يوم الفطر من هذه السنة وقالت جاربته عذل من كان أصبح يوم الفطر مغتبطا * فما غبطنا به والله محمود أو كان منتظرا في الفطر سيده * فإن سيدنا في الترب ملحود (وفى هذه السنة) افتتح عبد الله بن طاهر مصر واستأمن إليه عبيد الله بن السرى بن الحكم * ذكر الخبر عن سبب شخوص عبد الله بن طاهر من الرقة إلى مصر * * وسبب خروج ابن السرى إليه في الامان * ذكر أن عبد الله بن طاهر لما فرغ من مصر بن شبث العقيلى ووجهه إلى المأمون فوصل إليه ببغداد كتب المأمون يأمره بالمصير إلى مصر فحدثني أحمد بن محمد بن مخلد أنه كان يومئذ بمصر وأن عبد الله بن طاهر لما قرب منها وصار منها على

[ 181 ]

مرحلة قدم قائدا من قواده إليها ليرتاد لمعسكره موضعا يعسكر فيه وقد خندق ابن السرى عليها خندقا فاتصل الخبر بابن السرى عن مصير القائد إلى ما قرب منها فخرج بمن استجاب له من أصحابه إلى القائد الذى كان عبد الله بن طاهر وجهه لطلب موضع معسكره فالتقى جيش ابن السرى وقائد عبد الله وأصحابه وهم في قلة فجال القائد وأصحابه جولة وأبرد القائد إلى عبد الله بريدا يخبره بخبره وخبر ابن السرى فحمل رجاله على البغال على كل بغل رجلين بآلتها وأدواتها وجنبوا الخيل وأسرعوا السير حتى لحقوا القائد وابن السرى فلم تكن من عبد الله وأصحابه إلا حملة واحدة حتى انهزم ابن السرى وأصحابه وتساقطت عامة أصحابه يعنى ابن السرى في الخندق فمن هلك منهم بسقوط بعضهم على بعض في الخندق كان أكثر ممن قتله الجند بالسيف وانهزم ابن السرى فدخل الفسطاط وأغلق على نفسه وأصحابه ومن فيها الباب وحاصره عبد الله بن طاهر فلم يعاوده ابن السرى الحرب بعد ذلك حتى خرج إليه في الامان * وذكر عن ابن ذى القلمين قال بعث ابن السرى إلى عبد الله بن طاهر لما ورد مصر ومانعه من دخولها بألف وصيف ووصيفة مع كل وصيف ألف دينار في كيس حرير وبعث بهم ليلا قال فرد ذلك عليه عبد الله وكتب إليه لو قبلت هديتك نهارا لقبلتها ليلا بل أنتم بهديتكم تفرحون ارجع إليهم فلتأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون قال فحينئذ طلب الامان منه وخرج إليه * وذكر أحمد بن حفص بن عمر عن أبى السمراء قال خرجنا مع الامير عبد الله بن طاهر متوجهين إلى مصر حتى إذا كنا بين الرملة ودمشق إذا نحن بأعرابى قد اعترض فإذا شيخ فيه بقية على بعير له أورق فسلم علينا فرددنا عليه السلام قال أبو السمراء وأنا واسحاق بن ابراهيم الرافقى واسحاق بن أبى ربعى ونحن نساير الامير وكنا يومئذ أفره من الامير دواب وأجود منه كسا قال فجعل الاعرابي ينظر في وجوهنا قال فقلت يا شيخ قد ألححت في النظر أعرفت شيئا أم أنكرته قال لا والله ما عرفتكم قبل يومى هذا ولا أنكرتكم لسوء أراه فيكم ولكني رجل حسن الفراسة في الناس

[ 182 ]

جيد المعرفة بهم قال فأشرت له إلى اسحاق بن أبى ربعى فقلت ما تقول في هذا فقال أرى كاتبا هي الكتابة بين * عليه وتأديب العراق منير له حركات قد يشاهدن أنه * عليم بتقسيط الخراج بصير ونظر إلى اسحاق بن ابراهيم الرافقى فقال ومظهر نسك ما عليه ضميره * يحب الهدايا بالرجال مكور أخال به جنبا وبخلا وشيمة * تخبر عنه أنه لوزير ثم نظر إلى وأنشأ يقول وهذا نديم للامير ومؤنس * يكون له بالقرب منه سرور أخاله للاشعار والعلم راويا * فبعض نديم مرة وسمير ثم نظر إلى الامير وأنشأ يقول وهذا الامير المريجى سيب كفه * فما إن له فيمن رأيت نظير عليه رداء من جمال وهيبة * ووجه بإدراك النجاح بشير لقد عصم الاسلام منه بدابد * به عاش معروف ومات نكير ألا إنما عبد الاله بن طاهر * لنا والد بر بنا وأمير قال فوقع ذلك من عبد الله أحسن موقع وأعجبه ما قال الشيخ فأمر له بخمسمائة دينار وأمره أن يصحبه وذكر عن الحسن بن يحيى الفهرى قال لقينا البطين الشاعر الحمصى ونحن مع عبد الله بن طاهر فيما بين سلمية وحمص فوقف على الطريق فقال لعبد الله بن طاهر مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا * بابن ذى الجود طاهر بن الحسين مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا * بابن ذى الغرتين في الدعوتين مرحبا مرحبا بمن كفه البح‍ * ر إذا فاض مزبد الرجوين ما يبالى المأمون أيده الل‍ * ه إذا كنتما له باقيين أنت غرب وذاك شرق مقيما * أي فتق أتى من الجانبين وحقيق إذ كنتما في قديم * لزريق ومصعب وحسين

[ 183 ]

أن تنالا ما نلتماه من المج‍ * د وأن تعلوا على الثقلين قال من أنت ثكلتك أمك قال أنا البطين الشاعر الحمصى قال اركب يا غلام وانظر كم بيت قال قال سبعة فأمر له بسبعة آلاف درهم أو بسبعمائة دينار ثم لم يزل معه حتى دخلوا مصر والاسكندرية حتى انخسف به وبدابته مخرج فمات فيه بالاسكندرية (وفى هذه السنة) فتح عبد الله بن طاهر الاسكندرية وقيل كان فتحه إياها في سنة 211 وأجلى من كان تغلب عليها من أهل الاندلس عنها * ذكر الخبر عن أمره وأمرهم * * حدثنى غير واحد من أهل مصر أن مراكب أقبلت من بحر الروم من قبل الاندلس فبها جماعة كبيرة أيام شغل الناس قبلهم بفتنة الجروى وابن السرى حتى أرسوا مراكبهم بالاسكندرية ورئيسهم يومئذ رجل يدعى أبا حفص فلم يزالوا بها مقيمين حتى قدم عبد الله بن طاهر مصر قال لى يونس بن عبد الاعلى قدم علينا من قبل المشرق فتى حدث يعنى عبد الله بن طاهر والدنيا عندنا مفتونة قد غلب على كل ناحية من بلادنا غالب والناس منهم في بلاء فأصلح الدنيا وأمن البرئ وأخاف السقيم واستوثقت له الرعية بالطاعة ثم قال أخبرنا عبد الله بن وهب قال أخبرني عبد الله بن لهيعة قال لا أدرى رفعه إلى قبل أم لا فلم نجد فيما قرأنا من الكتب إن لله بالمشرق جندا لم يطغ عليه أحد من خلقه إلا بعثهم عليه وانتقم بهم منه أو كلاما هذا معناه فلما دخل عبد الله بن طاهر بن الحسين مصر أرسل إلى من كان بها من الاندلسيين وإلى من كان انضوى إليهم يؤذنهم بالحرب إن هم لم يدخلوا في الطاعة فأخبروني أنهم أجابوه إلى الطاعة وسألوه الامان على أن يرتحلوا من الاسكندرية إلى بعض أطراف الروم التى ليست من بلاد الاسلام فأعطاهم الامان على ذلك وأنهم رحلوا عنها فنزلوا جزيرة من جزائر البحر يقال لها إقريطش فاستو طنوها وأقاموا بها وفيها بقايا أولادهم إلى اليوم (وفى هذه السنة) خلع أهل قم السلطان ومنعوا الخراج

[ 184 ]

* ذكر الجبر عن سبب خلعهم السلطان ومآل أمرهم في ذلك * ذكر أن سبب خلعهم إياه كان أنهم كانوا استكثروا ما عليهم من الخراج وكان خراجهم ألفى ألف درهم وكان المأمون قد حط عن أهل الرى حين دخلها منصرفا من خراسان إلى العراق ما قد ذكرت قبل فطمع أهل قم من المأمون في الفعل بهم في الحط عنهم والتخفيف مثل الذى فعل من ذلك بأهل الرى فرفعوا إليه يسألونه الحط ويشكون إليه ثقله عليهم فلم بجيهم المأمون إلى ما سألوه فامتنعوا من أدائه فوجه المأمون إليهم على بن هشام ثم أمده بعجيف بن عنبسة وقدم قائد لحميد يقال له محمد بن يوسف الكح بقوص من خراسان فكتب إليه بالمصير إلى قم لحرب أهلها مع على بن هشام فحاربهم على فظفر بهم وقتل يحيى بن عمران وهدم سور قم وجباها سبعة آلاف ألف درهم بعد ما كانوا يتظلمون من ألفى ألف درهم (ومات في هذه السنة) شهريار وهو ابن شروين وصار في موضعه ابنه سابور فنازعه مازيار بن قارن فأسره وقتله وصارت الجبال في يدى مازيار بن قارن (وحج) بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد وهو يومئذ والى مكة * ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك خروج عبيد الله بن السرى إلى عبد الله بن طاهر بالامان ودخول عبد الله بن طاهر مصر وقيل إن ذلك في سنة 210 وذكر بعضهم أن ابن السرى خرج إلى عبد الله بن طاهر يوم السبت لخمس بقين من صفر سنة 211 وأدخل بغداد لسبع بقين من رجب سنة 211 وأنزل مدينة أبى جعفر وأقام عبد الله بن طاهر بمصر واليا عليها وعلى سائر الشأم والجزيرة فذكر عن طاهر بن خالد ابن نزار الغساني قال كتب المأمون إلى عبد الله بن طاهر وهو بمصر حين فتحها في أسفل كتاب له

[ 185 ]

أخى أنت ومولاى * ومن أشكر نعماه فما أحببت من أمر * فإنى الدهر أهواه وما تكره من شئ * فإنى لست أرضاه لك الله على ذاك * لك الله لك الله وذكر عن عطاء صاحب مظالم عبد الله بن طاهر قال قال رجل من إخوة المأمون للمأمون يا أمير المؤمنين ان عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد أبى طالب وكذا كان أبوه قبله قال فدفع المأمون ذلك وأنكره ثم عاد بمثل هذا القول فدس إليه رجلا ثم قال له امض في هيئة القراء والنساك إلى مصر فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم ابن ابراهيم بن طباطبا واذكر مناقبه وعلمه وفضائله ثم صر بعد ذلك إلى بعض بطانة عبد الله بن طاهر ثم ائته فادعه ورغبه في استجابته له وابحث عن دفين نيته بحثا شافيا وائتنى بما تسمع منه قال ففعل الرجل ما قال له وأمره به حتى إذا دعا جماعة من الرؤساء والآعلام قعد يوما بباب عبد الله بن طاهر وقد ركب إلى عبيد الله بن السرى بعد صلحه وأمانه فلما انصرف قام إليه الرجل فأخرج من كمه رقعة فدفعها إليه فأخذها بيده فما هو إلا أن دخل فخرج الحاجب إليه فأدخله عليه وهو قاعد على بساطه ما بينه وبين الارض غيره وقد مد رجليه وخفاه فيهما فقال له قد فهمت ما في رقعتك من جملة كلامك فهات ما عندك قال ولى أمانك وذمة الله معك قال لك ذلك قال فأظهر له ما أراد ودعاه إلى القاسم وأخبره بفضائله وعلمه وزهده فقال له عبد الله أتنصفني قال نعم قال هل يجب شكر الله على العباد قال نعم قال فهل يجب شكر بعضهم لبعض عند الاحسان والمنة والتفضل قال نعم قال فتجئ إلى وأنا في هذه الحالة التى ترى لى خاتم في المشرق جائز وفى المغرب كذلك وفيما بينهما أمرى مطاع وقولى مقبول ثم ما التفت يمينى ولا شمالى وورائي وقدامي إلا رأيت نعمة لرجل أنعمها على ومنة ختم بها رقبتي ويدا لائحة بيضاء ابتدأنى بها تفضلا وكرما فتدعوني إلى الكفر بهذه النعمة وهذا الاحسان وتقول غدر بمن كان أولا لهذا وآخرا واسع في إزالة خيط عنقه وسفك دمه تراك لو

[ 186 ]

دعوتني إلى الجنة عيانا من حيث أعلم أكان الله يحب أن أغدر به وأكفر احسانه ومنته وأنكث بيعته فسكت الرجل فقال له عبد الله أما انه قد بلغني أمرك وتالله ما أخاف عليك إلا نفسك فارحل عن هذا البلد فان السلطان الاعظم إن بلغه أمرك وما آمن ذلك عليك كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك فلما أيس الرجل مما عنده جاء إلى المأمون فاخبره الخبر فاستبشر وقال ذلك غرس يدى وإلف أدبى وترب تلقيحي ولم يظهر من ذلك لاحد شيئا ولاعلم به عبد الله إلا بعد موت المأمون وذكر عن عبد الله بن طاهر أنه قال وهو محاصر بمصر عبيد الله بن السرى بكرت تسبل دمعا * إن رأت وشك براحى وتبدلت صقيلا * يمنيا بوشاحي وتماديت بسير * لغدو ورواح زعمت جهلا بأنى * تعب غير مراح أقصرى عنى فإنى * سالك قصد فلاحى أنا للمأمون عبد * منه في ظل جناح إن يعاف الله يوما * فقريب مستراحى أو يكن هلك فقولي * بعويل وصياح حل في مصر قتيل * ودعى عنك التلاحى وذكر عن عبد الله بن أحمد بن يوسف أن أباه كتب إلى عبد الله بن طاهر عند خروج عبيد الله بن السرى إليه يهنئه بذلك الفتح بلغني أعز الله الامير ما فتح الله عليك وخروج ابن السرى اليك فالحمد لله الناصر لدينه المعز لدولة خليفته على عباده المذل لمن عند عنه وعن حقه ورغب عن طاعته ونسأل الله أن يظاهر له النعم ويفتح له بلدان الشرك والحمد لله على ما وليك به مذ ظعنت لوجهك فإنا ومن قبلنا نتذاكر سيرتك في حربك وسلمك ونكثر التعجب لما وفقت له من الشدة والليان في مواضعهما ولا نعلم سائس جند ورعية عدل بينهم عدلك ولا عفا بعد القدرة عمن آسفه وأضغنه عفوك ولقل ما رأينا ابن شرف لم يلق بيده متكلا على

[ 187 ]

ما قدمت له أبوته ومن أوتى حظا وكفاية وسلطانا وولاية لم يخلد إلى ما عفا له حتى يخل بمساماة ما أمامه ثم لا نعلم سائسا استحق النجح لحسن السيرة وكف معرة الاتباع استحقاقك وما يستجيز أحد ممن قبلنا أن يقدم عليك أحدا يهوى عند الحاقة والنازلة المعضلة فليهنك منة الله ومزيده ويسوغك الله هذه النعمة التى حواها لك بالمحافظة على ما به تمت لك من التمسك بحبل إمامك ومولاك ومولى جميع المسلمين وملاك وايانا العيش ببقائه وأنت تعلم أنك لم تزل عندنا وعند من قبلنا مكرما مقدما معظما وقد زادك الله في أعين الخاصة والعامة جلالة وبجالة فأصبحوا يرجونك لانفسهم ويعدونك لاحداثهم ونوائبهم وأرجو أن يوفقك الله لمحابه كما وفق لك صنعه وتوفيقه فقد أحسنت جوار النعمة فلم تطغك ولم تزدد إلا تذللا وتواضعا فالحمد لله على ما أنالك وأبلاك وأودع فيك والسلام (وفى هذه السنة) قدم عبد الله بن طاهر بن الحسين مدينة السلام من المغرب فتلقاه العباس ابن المأمون وأبو اسحاق المعتصم وسائر الناس وقدم معه بالمتغلبين على الشأم كابن السرج وابن أبى الجمل وابن أبى الصقر ومات موسى بن حفص فولى محمد ابن موسى طبرستان مكان أبيه وولى حاجب بن صالح الهند فهزمه بشر بن داود فانحاز إلى كرمان (وفيها) أمر المأمون مناديا فنادى برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير أو فضله على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (وحج) بالناس في هذه السنة صالح بن العباس وهو والى مكة (وفيها) مات أبو العتاهية الشاعر * ثم دخلت سنة اثنتى عشرة ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من توجيه المأمون محمد بن حميد الطوسى إلى بابك لمحاربته على طريق الوصل وتقويته إياه فأخذ محمد بن حميد يعلى بن مرة ونظراءه من المتغلبة بآذربيجان فبعث بهم إلى المأمون (وفيها) خلع أحمد بن محمد العمرى المعروف

[ 188 ]

بالاحمر العين باليمن (وفيها) ولى المأمون محمد بن عبد الحميد المعروف بأبى الرازي اليمن (وفيها) أظهر المأمون القول بخلق القرآن وتفضيل على بن أبى طالب عليه السلام وقال هو أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك في شهر ربيع الاول منها (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد * ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من خلع عبد السلام وابن جليس بمصر في القيسية واليمانية ووثوبهما بها (وفيها) مات طلحة بن طاهر بخراسان (وفيها) ولى المأمون أخاه أبا إسحاق الشأم ومصر وولى ابنه العباس بن المأمون الجزيرة والثغور والعواصم وأمر لكل واحد منهما ومن عبد الله بن طاهر بخمسمائة ألف دينار وقيل إنه لم يفرق في يوم من المال مثل ذلك (وفيها) ولى غسان بن عباد السند * ذكر الخبر عن سبب توليته إياه السند * وكان السبب في ذلك فيما بلغني أن بشر بن داود بن يزيد خالف المأمون وجبا الخراج فلم يحمل إلى المأمون شيئا منه فذكر أن المأمون قال يوما لاصحابه أخبروني عن غسان بن عباد فإنى أريده لامر جسيم وكان قد عزم على أن يوليه السند لما كان من أمر بشر بن داود فتكلم من حضر وأطنبوا في مدحه فنظر المأمون إلى أحمد بن يوسف وهو ساكت فقال له ما تقول يا أحمد قال يا أمير المؤمنين ذاك رجل محاسنه أكثر من مساويه لاتصرف به إلى طبقة إلا انتصف منهم فمهما تخوفت عليه فانه لن يأتي أمرا يعتذر منه لانه قسم أيامه بين أيام الفضل فجعل لكل خلق نوبة إذا نظرت في أمره لم تدر أي حالاته أعجب إما هداه إليه عقله أم إما اكتسبه بالادب قال لقد مدحته على سوء رأيك فيه قال لانه فيما قلت كما قال الشاعر

[ 189 ]

كفى شكرا بما أسديت أنى * مدحتك في الصديق وفى عداتي قال فأعجب المأمون كلامه واسترجح أدبه (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد * ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمما كان فيها من ذلك مقتل محمد بن حميد الطوسى قتله بابك بهشتادسر يوم السبت لخمس ليال بقين من شهر ربيع الاول وفض عسكره وقتل جمعا كثيرا ممن كان معه (وفيها) قتل أبو الرازي باليمن (وفيها) قتل عمير بن الوليد الباذغيسى عامل أبى إسحاق بن الرشيد بمصر بالحوف في شهر ربيع الاول فخرج أبو إسحاق إليها فافتتحها وظفر بعبد السلام وابن جليس فقتلهما فضرب المأمون ابن الحروري ورده إلى مصر (وفيها) خرج بلال الضبابى الشارى فشخص المأمون إلى العلث ثم رجع إلى بغداد فوجه عباسا ابنه في جماعة من القواد فيهم على بن هشام وعجيف وهارون بن محمد بن أبى خالد فقتل هارون بلالا (وفيها) خرج عبد الله بن طاهر إلى الدينور فبعث المأمون إليه اسحاق بن ابراهيم ويحيى بن أكثم يخيرانه بين خراسان والجبال وأرمينية وآذربيجان ومحاربة بابك فاختار خراسان وشخص إليها (وفيها) تحرك جعفر بن داود القمى فظفر به عزيز مولى عبد الله بن طاهر وكان هرب من مصر فرد إليها (وفيها) ولى على بن هشام الجبل وقم واصبهان وآذربيجان (وحج) بالناس في هذه السنة اسحاق ابن العباس بن محمد * ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * (وفى هذه السنة) شخص المأمون من مدينة السلام لغزو الروم وذلك يوم السبت فيما قيل لثلاث بقين من المحرم وقيل كان ارتحاله من الشماسية إلى

[ 190 ]

البردان يوم الخميس بعد صلاة الظهر لست بقين من المحرم سنة 215 واستخلف حين رحل عن مدينة السلام عليها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وولى مع ذلك السواد وحلوان وكور دجلة فلما صار المأمون بتكريت قدم عليه محمد بن على ابن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رحمه الله من المدينة في صفر ليلة الجمعة من هذه السنة ولقيه بها فأجازه وأمره أن يدخل بابنته أم الفضل وكان زوجها منه فأدخلت عليه في دار أحمد بن يوسف التى على شاطئ دجلة فأقام بها فلما كان أيام الحج خرج بأهله وعياله حتى أتى مكة ثم أتى منزله بالمدينة فأقام بها ثم سلك المأمون طريق الموصل حتى صار إلى منبج ثم إلى دابق ثم إلى انطاكية ثم إلى المصيصة ثم خرج منها إلى طرسوس ثم دخل من طرسوس إلى بلاد الروم للنصف من جمادى الاولى ورحل العباس ابن المأمون من ملطية فأقام المأمون على حصن يقال له قرة حتى فتحه عنوة وأمر بهدمه وذلك يوم الاحد لاربع بقين من جمادى الاولى وكان قد افتتح قبل ذلك حصنا يقال له ماجدة فمن على أهلها وقيل إن المأمون لما أناخ على قرة فحارب أهلها طلبوا الامان فآمنهم المأمون فوجه أشناس إلى حصن سندس فأتاه برئيسه ووجه عجيفا وجعفرا الخياط إلى صاحب حصن سنان فسمع وأطاع (وفى هذه السنة) انصرف أبو إسحاق بن الرشيد من مصر فلقى المأمون قبل دخوله الموصل ولقيه منويل وعباس ابنه برأس العين (وفيها) شخص المأمون بعد خروجه من أرض الروم إلى دمشق (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الله ابن عبيد الله بن العباس بن محمد * ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك كر المأمون إلى أرض الروم

[ 191 ]

* ذكر السبب في كره إليها * اختلف في ذلك فقيل كان السبب فيه ورود الخبر على المأمون بقتل ملك الروم قوما من أهل طرسوس والمصيصة وذلك فيما ذكر ألف وستمائة فلما بلغه ذلك شخص حتى دخل أرض الروم يوم الاثنين لاحدى عشرة بقيت من جمادى الاولى من هذه السنة فلم يزل مقيما فيها إلى النصف من شعبان * وقيل إن سبب ذلك أن توفيل بن ميخائيل كتب إليه فبدأ بنفسه فلما ورد الكتاب عليه لم يقرأه وخرج إلى أرض الروم فوافاه رسل توفيل بن ميخائيل بأذنه ووجه بخمسمائة رجل من أسارى المسلمين إليه فلما دخل المأمون أرض الروم ونزل على أنطيغوا فخرج أهلها على صلح وصار إلى هرقلة فخرج أهلها إليه على صلح ووجه أخاه أبا إسحاق فافتتح ثلاثين حصنا ومطمورة ووجه يحيى بن أكثم من طوانة فأغار وقتل وحرق وأصاب سبيا ورجع إلى العسكر ثم خرج المأمون إلى كيسوم فأقام بها يومين أو ثلاثة ثم ارتحل إلى دمشق (وفى هذه السنة) ظهر عبدوس الفهرى فوثب بمن معه على عمال أبى إسحاق فقتل بعضهم وذلك في شعبان فشخص المأمون من دمشق يوم الاربعاء لاربع عشرة بقيت من ذى الحجة إلى مصر (وفيها) قدم الافشين من برقة منصرفا عنها فأقام بمصر (وفيها) كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا فبدأوا بذلك في مسجد المدينة والرصافة يوم الجمعة لاربع عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان من هذه السنة حين قضوا الصلاة فقاموا قياما فكبروا ثلاث تكبيرات ثم فعلوا ذلك في كل صلاة مكتوبة (وفيها) غضب المأمون على على بن هشام فوجه إليه عجيف بن عنبسة وأحمد بن هشام وأمر بقبض أمواله وسلاحه (وفيها) ماتت أم جعفر ببغداد في جمادى الاولى (وفيها) قدم غسان بن عباد من السند وقد استأمن إليه بشر ابن داود المهلبى وأصلح السند واستعمل عليها عمران بن موسى البرمكى فقال الشاعر سيف غسان رونق الحرب فيه * وسمام الحتوف في ظبتيه فإذا جره إلى بلد السن‍ * د فألقى المقاد بشر إليه

[ 192 ]

مقسما لا يعود ما حج لل‍ * ه مصل وما رمى جمرتيه غادرا يخلع الملوك ويغتا * ل جنودا تأوى إلى ذروتيه فرجع غسان إلى المأمون * وهرب جعفر بن داود القمى إلى قم وخلع بها (وفى هذه السنة) كان البرد الشديد (وحج) بالناس في قول بعضهم في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس وفى قول بعضهم حج بهم في هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن على بن عبد الله ابن العباس وكان المأمون ولاه اليمن وجعل إليه ولاية كل بلدة يدخلها حتى يدخل إلى اليمن فخرج من دمشق حتى قدم بغداد فصلى بالناس بها يوم الفطر فشخص من بغداد يوم الاثنين لليلة خلت من ذى القعدة وأقام الحج للناس * ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ظفر الافشين فيها بالبيما وهى من أرض مصر ونزل أهلها بأمان على حكم المأمون، قرئ كتاب فتحها لليلة بقيت من شهر ربيع الآخر * وورد المأمون فيها مصر في المحرم فأتى بعبدوس الفهرى فضرب عنقه وانصرف إلى الشأم (وفيها) قتل المأمون ابني هشام عليا وحسينا بأذنة في جمادى الاولى * ذكر الخبر عن سبب قتله عليا * وكان سبب ذلك أن المأمون للذى بلغه من سوء سيرته في أهل عمله الذى كان المأمون ولاه وكان ولاه كور الجبال وقتله الرجال وأخذه الاموال فوجه إليه عجيف فأراد أن يفتك به ويلحق ببابك فظفر به عجيف فقدم به على المأمون فأمر بضرب عنقه فتولى قتله ابن الجليل وتولى ضرب عنق الحسين محمد بن يوسف ابن أخيه بأذنة يوم الاربعاء لاربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الاولى ثم بعث رأس على بن هشام إلى بغداد وخراسان فطيف به ثم رد إلى الشأم والجزيرة فطيف به كورة كورة فقدم به دمشق في ذى الحجة ثم ذهب به إلى مصر ثم ألقى بعد

[ 193 ]

ذلك في البحر * وذكر أن المأمون لما قتل على بن هشام أمر أن يكتب رقعة وتعلق على رأسه ليقرأها الناس فكتب أما بعد فان أمير المؤمنين كان دعا على بن هشام فيمن دعا من أهل خراسان أيام المخلوع إلى معاونته والقيام بحقه وكان فيمن أجاب وأسرع الاجابة وعاون فأحسن المعاونة فرعى أمير المؤمنين ذلك له واصطنعه وهو يظن به تقوى الله وطاعته والانتهاء إلى أمر أمير المؤمنين في عمل إن أسند إليه في حسن السيرة وعفاف الطعمة وبدأه أمير المؤمنين بالافضال عليه فولاه الاعمال السنية ووصله بالصلات الجزيلة التى أمر أمير المؤمنين بالنظر في قدرها فوجدها أكثر من خمسين ألف ألف درهم فمد يده إلى الخيانة والتضييع لما استرعاه من الامانة فباعده عنه وأقصاه ثم استقال أمير المؤمنين عثرته فأقاله إياها وولاه الجبل وآذربيجان وكور أرمينية ومحاربة أعداء الله الخرمية على أن لا يعود لما كان منه فعاود أكثر ما كان بتقديمه الدينار والدرهم على العمل لله ودينه وأساء السيرة وعسف الرعية وسفك الدماء المحرمة فوجه أمير المؤمنين عجيف بن عنبسة مباشرا لامره وراعيا إلى تلافى ما كان منه فوثب بعجيف يريد قتله فقوى الله عجيفا بنيته الصادقة في طاعة أمير المؤمنين حتى دفعه عن نفسه ولو تم ما أراد بعجيف لكان في ذلك مالا يستدرك ولا يستقال ولكن الله إذا أراد أمرا كان مفعولا فلما أمضى أمير المؤمنين حكم الله في على بن هشام رأى أن لا يؤاخذ من خلفه بذنبه فأمر أن يجرى لولده ولعياله ولمن اتصل بهم ومن كان يجرى عليهم مثل الذى كان جاريا لهم في حياته ولولا أن على بن هشام أراد العظمى بعجيف لكان في عداد من كان في عسكره ممن خالف وخان كعيسى بن منصور ونظرائه والسلام (وفى هذه السنة) دخل المأمون أرض الروم فأناخ على لؤلؤة مائة يوم ثم رحل عنها وخلف عليها عجيفا فاختدعه أهلها وأسروه فمكث أسيرا في أيديهم ثمانية أيام ثم أخرجوه وصار توفيل إلى لؤلؤة فأحاط بعجيف فصرف المأمون الجنود إليه فارتحل توفيل قبل موافاتهم وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان (وفيها) كتب توفيل صاحب الروم إلى المأمون يسأله الصلح وبدأ بنفسه في (13 - 7)

[ 194 ]

كتابه وقدم بالكتاب الفصل وزير توفيل يطلب الصلح وعرض الفدية وكانت نسخة كتاب توفيل إلى المأمون أما بعد فإن اجتماع المختلفين على حفظهما أولى بهما في الرأى مما عاد بالضرر عليهما ولست حريا أن تدع لحظ يصل إلى غيرك حظا تحوزه إلى نفسك وفى علمك كاف عن اخبارك وقد كنت كتبت اليك داعيا إلى المسالمة راغبا في فضيلة المهادنة لتضع أوزار الحرب عنا ونكون كل واحد لكل واحد وليا وحزبا مع اتصال المرافق والفسح في المتاجر وفك المستأسر وأمن الطرق والبيضة فإن أبيت فلا أدب لك في الخمر ولا أزخرف لك في القول فإنى لخائض اليك غمارها آخذ عليك أسدادها شان خيلها ورجالها وأن افعل فبعد أن قدمت المعذرة وأقمت بينى وبينك علم الحجة والسلام فكتب إليه المأمون أما بعد فقد بلغني كتابك فيما سألت من الهدنة ودعوت إليه من الموادعة وخلطت فيه من اللين والشدة مما استعطفت به من شرح المتاجر واتصال المرافق وفك الاسارى ورفع القتل والقتال فلولا ما رجعت إليه من اعمال التؤدة والاخذ بالحظ في تقليب الفكرة وألا أعتقد الرأى في مستقبله الا في استصلاح ما أوثره في معتقبه لجعلت جواب كتابك لخيلا تحمل رجالا من أهل البأس والنجدة والبصيرة ينازعونكم عن ثكلكم ويتقربون إلى الله بدمائكم ويستقلون في ذات الله ما نالهم من ألم شوكتكم ثم أوصل إليهم من الامداد وأبلغ لهم كافيا من العدة والعتاد هم أظمأ إلى موارد المنايا منكم إلى السلامة من مخوف معرتهم عليكم موعدهم احدى الحسنيين عاجل غلبة أو كريم منقلب غير أنى رأيت أن أتقدم اليك بالموعظة التى يثبت الله بها عليك الحجة من الدعاء لك ولمن معك إلى الوحدانية والشريعة الحنيفية فإن أبيت ففدية توجب ذمة وتثبت نظرة وان تركت ذلك ففى يقين المعاينة لنعوتنا ما يغنى عن الابلاغ في القول والاغراق في الصفة والسلام على من اتبع الهدى (وفيها) صار المأمون إلى سلغوس (وفيها) بعث على بن عيسى القمى جعفر بن داود القمى فضرب أبو إسحاق بن الرشيد عنقه (وحج) بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الله ابن سليمان بن على

[ 195 ]

* ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من شخوص المأمون من سلغوس إلى الرقة وقتله بها ابن أخت الدارى (وفيها) أمر بتفريغ الرافقة لينزلها حشمه فضج من ذلك أهلها فأعفاهم (وفيها) وجه المأمون ابنه العباس إلى أرض الروم وأمره ؟ ول الطوانة وبنائها وكان قد وجه الفعلة والفروض فابتدأ البناء وبناها ميلا في ميل وجعل سوزها على ثلاثة فراسخ وجعل لها أربعة أبواب وبنى على كل باب حصنا وكان توجيهه ابنه العباس في ذلك في أول يوم من جمادى * وكتب إلى أخيه أبى اسحاق بن الرشيد أنه قد فرض على جند دمشق وحمص والاردن وفلسطين أربعة آلاف رجل وأنه يجرى على الفارس مائة درهم وعلى الراجل أربعين درهما وفرض على مصر فرضا وكتب إلى العباس بمن فرض على قنسرين والجزيرة وإلى إسحاق بن إبراهيم بمن فرض على أهل بغداد وهم ألفا رجل وخرج بعضهم حتى وافى طوانة ونزلها مع العباس (وفى هذه السنة) كتب المأمون إلى إسحاق بن ابراهيم في امتحان القضاة والمحدثين وأمر بإشخاص جماعة منهم إليه إلى الرقة وكان ذلك أول كتاب كتب في ذلك ونسخة كتابه إليه أما بعد فان حق الله على أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهاد في إقامة دين الله الذى استحفظهم ومواريث النبوة التى أورثهم وأثر العلم الذى استودعهم والعمل بالحق في رعيتهم والتشمير لطاعة الله فيهم والله يسأل أمير المؤمنين أن يوفقه لعزيمة الرشد وصريمته والاقساط فيما ولاه الله من رعيته برحمته ومنته وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الاعظم والسواد الاكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لانظر له ولا روية ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته والاستضاء بنور العلم وبرهانه في جميع الاقطار والآفاق أهل جهالة بالله وعمى عنه وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والايمان به ونكوب عن واضحات أعلامه وواجب سبيله وقصور أن يقدروا الله حق

[ 196 ]

قدره ويعرفوه كنه معرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه لضعف آرائهم ونقص عقولهم وجفائهم عن التفكر والتذكر وذلك أنهم ساووا بين الله تبارك وتعالى وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا مجتمعين واتفقوا غير متعاجمين على أنه قديم أول لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه وقد قال الله عزوجل في محكم كتابه الذى جعله لما في الصدور شفاء وللمؤمنين رحمة وهدى " إنا جعلناه قرآنا عربيا " فكل ما جعله الله فقد خلقه وقال " الحمد لله الذى خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور " وقال عزوجل " كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق " فأخبر أنه قصص لامور أحدثه بعدها وتلا به متقدمها وقال " الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير " وكل محكم مفصل فله محكم مفصل والله محكم كتابه ومفصله فهو خالفه ومبتدعه ثم هم الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم ونسبوا أنفسهم إلى السنة وفى كل فصل من كتاب الله قصص من تلاوته مبطل قولهم ومكذب دعواهم يرد عليهم قولهم ونحلتهم ثم أظهروا مع ذلك أنهم أهل الحق والدين والجماعة وأن من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة فاستطالوا بذلك على الناس وغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله والتقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه ومواطأتهم على سيئ آرائهم تزينا بذلك عندهم وتصنعا للرئاسة والعدالة فيهم فتركوا الحق إلى باطلهم واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالتهم فقبلت بتزكيتهم لهم شهادتهم ونفذت أحكام الكتاب بهم على دغل دينهم ونغل أديمهم وفساد نياتهم ويقينهم وكان ذلك غايتهم التى إليها أجروا وإياها طلبوا في متابعتهم والكذب على مولاهم وقد أخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه اولئك الذين أصمهم الله وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الامة ورؤس الضلالة المنقوصون من التوحيد حظا والمخسوسون من الايمان نصيبا وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه والهائل على أعدائه من أهل دين الله وحق من يتهم في صدقه وتطرح

[ 197 ]

شهادته لا يوثق بقوله ولا عمله فانه لاعمل إلا بعد يقين ولا يقين إلا بعد استكمال حقيقة الاسلام وإخلاص التوحيد ومن عمى عن رشده وحظه من الايمان بالله وبتوحيده كان عما سوى ذلك من عمله والقصد في شهادته أعمى وأضل سبيلا ولعمر أمير المؤمنين إن أحجى الناس بالكذب في قوله وتخرص الباطل في شهادته من كذب على الله ووحيه ولم يعرف الله حقيقة معرفته وإن أولاهم برد شهادته في حكم الله ودينه من رد شهادة الله على كتابه وبهت حق الله بباطله فأجمع من بحضرتك من القضاة واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا اليك فابدأ بامتحانهم فيما يقولون وتكشيفهم عما يعتقدون في خلق الله القرآن وإحداثه وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله ولا واثق فيما قلده الله واستحفظه من أمور رعيته بمن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه وكانوا على سبيل الهدى والنجاة فمرهم بنص من يحضرهم من الشهود على الناس ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك إثبات شهادة من لم يقرأنه مخلوق محدث ولم يره والامتناع من توقيعها عنده واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والامر لهم بمثل ذلك ثم أشرف عليهم وتفقد آثارهم حتى لا تنفذ أحكام الله الا بشهادة أهل البصائر في الدين والاخلاص للتوحيد واكتب إلى أمير المؤنين بما يكون في ذلك ان شاء الله وكتب في شهر ربيع الاول سنة 218 وكتب المأمون إلى اسحاق بن ابراهيم في إشخاص سبعة نفر منهم محمد بن سعد كاتب الواقدي وأبو مسلم مستملى يزيد بن هارون ويحيى بن معين وزهير بن حرب أبو خيثمة وإسماعيل بن داود واسماعيل بن أبى مسعود وأحمد بن الدورقى فأشخصوا إليه فامتحنهم وسألهم عن خلق القرآن فأجابوا جميعا إن القرآن مخلوق فأشخصهم إلى مدينة السلام وأحضرهم اسحاق بن ابراهيم داره فشهر أمرهم وقولهم بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث فأقروا بمثل ما أجابوا به المأمون فخلى سبيلهم وكان ما فعل من ذلك اسحاق بن ابراهيم بأمر المأمون * وكتب المأمون بعد ذلك إلى اسحاق بن ابراهيم * أما بعد فان من حق

[ 198 ]

الله على خلفائه في أرضه وأمنائه على عباده الذين ارتضاهم لاقامة دينه وحملهم رعاية خلقه وإمضاء حكمه وسننه والائتمام بعدله في بريته أن يجهدو الله أنفسهم وينصحوا له فيما استحفظهم وقلدهم ويدلوا عليه تبارك اسمه وتعالى بفضل العلم الذى أودعهم والمعرفة التى جعلها فيهم ويهدوا إليه من زاغ عنه ويردوا من أد ؟ عن أمره وينهجوا لرعاياهم سمت نجاتهم ويقفوهم على حدود ايمانهم وسبيل فوزهم وعصمتهم ويكشفوا لهم عن مغطيات أمورهم ومشتبهاتها عليهم بما يدفعون الريب عنهم ويعود بالضياء والبينة على كافتهم وأن يؤثروا ذلك من ارشادهم وتبصيرهم إذ كان جامعا لفنون مصانعهم ومنتظما لحظوظ عاجلتهم وآجلتهم ويتذكروا ما الله مرصد من مساءلتهم عما حملوه ومجازاتهم بما أسلفوه وقدموا عنده وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله وحده وحسبه الله وكفى به ومما بينه أمير المؤمنين برويته وطالعه بفكره فتبين عظيم خطره وجليل ما يرجع في الدين من وكفه وضرره ما ينال المسلمون بينهم من القول في القرآن الذى جعله الله إماما لهم وأثرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفيه محمد صلى الله عليه وسلم باقيا لهم واشتباهه على كثير منهم حتى حسن عندهم وتزين في عقولهم ألا يكون مخلوقا فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله الذى بان به عن خلقه وتفرد بجلالته من ابتداع الاشياء كلها بحكمته وانشائها بقدرته والتقدم عليها بأوليته التى لا يبلغ أولاها ولا يدرك مداها وكان كل شئ دونه خلقا من خلقه وحدثا هو المحدث له وإن كان القرآن ناطقا به ودالا عليه وقاطعا للاختلاف فيه وضاهوا به قول النصارى في ادعائهم في عيسى ابن مريم انه ليس بمخلوق إذ كان كلمة الله والله عزوجل يقول " إنا جعلناه قرآنا عربيا " وتأويل ذلك أنا خلقناه كما قال جل جلاله " وجعل منها زوجها ليسكن إليها " وقال " وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا " وجعلنا من الماء كل شئ حى " فسوى عزوجل بين القرآن وبين هذه الخلائق التى ذكرها في شية الصنعة وأخبر أنه جاعله وحده فقال " إنه لقرآن مجيد في لوح محفوظ " فقال ذلك على إحاطة اللوح بالقرآن ولا يحاط الا بمخلوق وقال لنبيه صلى الله عليه

[ 199 ]

وسلم " لا تحرك به لسانك لتعجل به " وقال " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " وقال " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته " وأخبر عن قوم ذمهم بكذبهم أنهم قالوا " ما أنزل الله على بشر من شئ " ثم أكذبهم على لسان رسوله فقال لرسوله " قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى " فسمى الله تعالى القرآن قرآنا وذكرا وإيمانا ونورا وهدى ومباركا وعربيا وقصصا فقال " نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن " وقال " قل لئن اجتمت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله " وقال " قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات " وقال " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " فجعل له أولا وآخرا ودل عليه أنه محدود مخلوق وقد عظم هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن الثلم في دينهم والحرج في أمانتهم وسهلوا السبيل لعدو الاسلام واعترفوا بالتبديل والالحاد على قلوبهم حتى عرفوا ووصفوا خلق الله وفعله بالصفة التى هي لله وحده وشبهوه به والاشباه أولى بخلقه وليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظا في الدين ولا نصيبا من الايمان واليقين ولا يرى أن يحل أحدا منهم محل الثقة في أمانة ولا عدالة ولا شهادة ولا صدق في قول ولا حكاية ولا تولية لشئ من أمر الرعية وإن ظهر قصد بعضهم وعرف بالسداد مسدد فيهم فان الفروع مردودة إلى أصولها ومحمولة في الحمد والذم عليها ومن كان جاهلا بأمر دينه الذى أمره الله به من وحدانيته فهو بما سواه أعظم جهلا وعن الرشد في غيره أعمى وأضل سبيلا فاقرأ على جعفر ابن عيسى وعبد الرحمن بن اسحاق القاضى كتاب أمير المؤمنين بما كتب به اليك وأنصصهما عن علمهما في القرآن وأعلمهما أن أمير المؤمنين لا يستعين على شئ من أمور المسلمين الا بمن وثق باخلاصه وتوحيده وأنه لا توحيد لمن لم يقر بأن القرآن مخلوق فان قالا بقول أمير المؤمنين في ذلك فتقدم اليهما في امتحان من يحضر مجالسهما بالشهادات على الحقوق ونصهم عن قولهم في القرآن فمن لم يقل منهم أنه مخلوق أبطلا شهادته ولم يقطعا حكما بقوله وإن ثبت عفافه بالقصد والسداد في أمره وافعل ذلك بمن في سائر عملك من القضاة وأشرف عليهم إشرافا يزيد الله

[ 200 ]

به ذا البصيرة في بصيرته ويمنع المرتاب من اغفال دينه واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك إن شاء الله (قال) فأحضر إسحاق بن ابراهيم لذلك جماعة من الفقهاء والحكام والمحدثين وأحضر أبا حسان الزيادي وبشر بن الوليد الكندى وعلى بن أبى مقاتل والفضل بن غانم والذيال بن الهيثم وسجادة والقواريري وأحمد بن حنبل وقتيبة وسعدويه الواسطي وعلى بن الجعد واسحاق بن أبى إسرائيل وابن الهرش وابن علية الاكبر ويحيى بن عبد الرحمن العمرى وشيخا آخر من ولد عمر بن الخطاب كان قاضى الرقة وأبا نصر التمار وأبا معمر القطيعى ومحمد بن حاتم بن ميمون ومحمد بن نوح المضروب وابن الفرخان وجماعة منهم النضر بن شميل وابن على بن عاصم وأبو العوام البزاز وابن شجاع وعبد الرحمن بن اسحاق فأدخلوا جميعا على اسحاق فقرأ عليهم كتاب المأمون هذا مرتين حتى فهموه ثم قال لبشر ابن الوليد ما تقول في القرآن فقال قد عرفت مقالتي لامير المؤمنين غير مرة قال فقد تجدد من كتاب أمير المؤمنين ما قد ترى فقال أقول القرآن كلام الله قال لم أسألك عن هذا أمخلوق هو قال الله خالق كل شئ قال ما القرآن شئ قال هو شئ قال فمخلوق قال ليس بخالق قال ليس أسألك عن هذا أمخلوق هو قال ما أحسن غير ما قلت لك وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه وليس عندي غير ما قلت لك فأخذ اسحاق بن ابراهيم رقعة كانت بين يديه فقرأها عليه ووقفه عليها فقال أشهد أن لا إله إلا الله أحدا فردا لم يكن قبله شئ ولا بعده شئ ولا يشبهه شئ من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه قال نعم وقد كنت أضرب الناس على دون هذا فقال للكاتب اكتب ما قال ثم قال لعلى بن أبى مقاتل ما ؟ يا على قال قد سمعت كلامي لامير المؤمنين في هذا غير مرة وما عندي غير ما سمع فامتحنه بالرقعة فأفر بما فيها ثم قال القرآن مخلوق قال القرآن كلام الله قال لم أسألك عن هذا قال هو كلام الله وإن أمرنا أمير المؤمنين بشئ سمعنا وأطعنا فقال للكاتب اكتب مقالته ثم قال للذيال نحوا من مقالته لعلى بن أبى مقاتل فقال له مثل ذلك ثم قال لابي حسان الزيادي ما عندك قال سل عما شئت فقرا

[ 201 ]

عليه الرقعة ووقفه عليها فأقر بما فيها ثم قال من لم يقل هذا القول فهو كافر فقال القرآن مخلوق هو قال القرآن كلام الله والله خالق كل شئ وما دون الله مخلوق وأمير المؤمنين إما سنا وبسببه سمعنا عامة العلم وقد سمع ما لم نسمع وعلم ما لم نعلم وقد قلده الله أمرنا فصار يقيم حجنا وصلاتنا ونؤدى إليه زكاة أموالنا ونجاهد معه ونرى امامته إمامة وإن أمرنا ائتمرنا وإن نهانا انتهينا وإن دعانا أجبنا قال القرآن مخلوق هو فأعاد عليه أبو حسان مقالته قال إن هذه مقالة أمير المؤمنين قال قد تكون مقالة أمير المؤمنين ولا يأمر بها الناس ولا يدعوهم إليها وإن أخبرتني أن أمير المؤمنين أمرك أن أقول قلت ما أمرتنى به فإنك الثقة المأمون عليه فيما أبلغتني عنه من شئ فان أبلغتني عنه بشئ صرت إليه قال ما أمرنى أن أبلغك شيئا قال على بن أبى مقاتل قد يكون قوله كاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفرائض والمواريث ولم يحملوا الناس عليها قال له أبو حسان ما عندي الا السمع والطاعة فمرنى آتمر قال ما أمرنى أن آمرك وإنما أمرنى أن أمتحنك ثم عاد إلى أحمد بن حنبل فقال له ما ثقول في القرآن قال هو كلام الله قال أمخلوق هو قال هو كلام الله لا أزيد عليها فامتحنه بما في الرقعة فلما أتى إلى " ليس كمثله شئ وهو السميع البصير " وأمسك عن لا يشبهه شئ من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه فاعترض عليه ابن البكاء الاصفر فقال أصلحك الله إنه يقول سميع من أذن بصير من عين فقال اسحاق لاحمد بن حنبل ما معنى قوله سميع بصير قال هو كما وصف نفسه قال فما معناه قال لا أدرى هو كما وصف نفسه ثم دعا بهم رجلا رجلا كلهم يقول القرآن كلام الله إلا هؤلاء النفر قتيبة وعبيد الله بن محمد بن الحسن وابن علية الاكبر وابن البكاء وعبد المنعم بن ادريس بن بنت وهب بن منبه والمظفر ابن مرجا ورجلا ضريرا ليس من أهل الفقه ولا يعرف بشئ منه إلا أنه دس في ذلك الموضع ورجلا من ولد عمر بن الخطاب قاضى الرقة وابن الاحمر فأما ابن البكاء الاكبر فانه قال القرآن مجعول لقول الله تعالى " إنا جعلناه قرآنا عربيا " والقرآن محدث لقوله " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " قال له اسحاق فالمجعول مخلوق قال

[ 202 ]

نعم قال فالقرآن مخلوق قال لا أقول مخلوق ولكنه مجعول فكتب مقالته فلما فرغ من امتحان القوم وكتب مقالاتهم اعترض ابن البكاء الاصغر فقال أصلحك الله إن هذين القاضيين أئمة فلو أمرتهما فأعادا الكلام قال له اسحق هما من يقوم بحجة أمير المؤمنين قال فلو أمرتهما أن يسمعانا مقالتهما لنحكى ذلك عنهما قال له اسحق إن شهدت عندهما بشهادة فستعلم مقالتهما إن شاء الله فكتب مقالة القوم رجلا رجلا ووجهت إلى المأمون فمكث القوم تسعة أيام ثم دعا بهم وقد ورد كتاب المأمون جواب كتاب اسحق بن ابراهيم في أمرهم ونسخته (بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك جواب كتابه كان اليك فيما ذهب إليه متصنعة أهل القبلة وملتمسو الرئاسة فيما ليسوا له بأهل من أهل الملة من القول في القرآن وأمرك به أمير المؤمنين من امتحانهم وتكشيف أحوالهم واحلالهم محالهم تذكر احضارك جعفر بن عيسى وعبد الرحمن بن اسحق عند ورود كتاب أمير المؤمنين مع من أحضرت ممن كان ينسب إلى الفقه ويعرف بالجلوس للحديث وينصب نفسه للفتيا بمدينة السلام وقراءتك عليهم جميعا كتاب أمير المؤمنين ومسألتك إياهم عن اعتقادهم في القرآن والدلالة لهم على حظهم واطباقهم على نفى التشبيه واختلافهم في القرآن وأمرك من لم يقل منهم إنه مخلوق بالامساك عن الحديث والفتوى في السر والعلانية وتقدمك إلى السندي وعباس مولى أمير المؤمنين بما تقدمت به فيهم إلى القاضيين يمثل ما مثل لك أمير المؤمنين من امتحان من يحضر مجالسهما من الشهود وبث الكتب إلى القضاة في النواحى من عملك بالقدوم عليك لتحملهم وتمتحنهم على ما حده أمير المؤمنين وتثبيتك في آخر الكتاب أسماء من حضر ومقالاتهم وفهم أمير المؤمنين ما اقتصصت وأمير المؤمنين يحمد الله كثيرا كما هو أهله ويسأله أن يصلى على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ويرغب إلى الله في التوفيق لطاعته وحسن المعونة على صالح نيته برحمته وقد تدبر أمير المؤمنين ما كتبت به من أسماء من سألت عن القرآن وما رجع اليك فيه كل امرئ منهم وما شرحت من مقالتهم فأما ما قال المغرور

[ 203 ]

بشر بن الوليد في نفى التشبيه وما أمسك عنه من أن القرآن مخلوق وادعى من تركه الكلام في ذلك واستعهاده أمير المؤمنين فقد كذب بشر في ذلك وكفر وقال الزور والمنكر ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك ولا في غيره عهد ولا نظر أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الاخلاص والقول بأن القرآن مخلوق فادع به اليك وأعلمه ما أعلمك به أمير المؤمنين من ذلك وأنصصه عن قوله في القرآن واستتبه منه فإن أمير المؤمنين يرى أن تستتيب من قال بمقالته إذ كانت تلك المقالة الكفر الصراح والشرك المحض عند أمير المؤمنين فإن تاب منها فأشهر أمره وأمسك عنه وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه إن شاء الله وكذلك ابراهيم بن المهدى فامتحنه بمثل ما تمتحن به بشرا فإنه كان يقول بقوله وقد بلغت أمير المؤمنين عنه بوالغ فإن قال إن القرآن مخلوق فأشهر أمره واكشفه وإلا فاضرب عنقه وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه إن شاء الله وأما على بن أبى مقاتل فقل له ألست القائل لامير المؤمنين إنك تحلل وتحرم والمكلم له بمثل ما كلمته به مما لم يذهب عنه ذكره وأما الذيال بن الهيثم فأعلمه أنه كان في الطعام الذى كان يسرقه في الانبار وفيما يستولى عليه من أمر مدينة أمير المؤمنين أبى العباس ما يشغله وأنه لو كان مقتفيا آثار سلفه وسالكا مناهجهم ومحتديا سبيلهم لما خرج إلى الشرك بعد إيمانه وأما أحمد بن يزيد المعروف بأبى العوام وقوله أنه لا يحسن الجواب في القرآن فأعلمه أنه صبى في عقله لافى سنه جاهل وأنه إن كان لا يحسن الجواب في القرآن فيسحسنه إذا أخذه التأديب ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك إن شاء الله وأما أحمد بن حنبل وما تكتب عنه فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك المقالة وسبيله فيها واستدل على جهله وآفته بها وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر وما اكتسب من الاموال في أقل من سنة وما شجر بينه وبين المطلب بن عبد الله في ذلك فإنه من كان شأنه شأنه وكانت رغبته في الدينار والدرهم رغبته فليس بمستنكر أن يبيع إيمانه طمعا فيهما وإيثارا لعاجل

[ 204 ]

نفعهما وأنه مع ذلك القائل لعلى بن هشام ما قال والمخالف له فيما خالفه فيه فما الذى حال به عن ذلك ونقله إلى غيره وأما الزيادي فأعلمه أنه كان منتحلا ولا أول دعى كان في الاسلام خولف فيه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان جديرا أن يسلك مسلكه فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد أو يكون مولى لاحد من الناس (وذكر أنه إنما نسب إلى زياد لامر من الامور) وأما المعروف بأبى نصر التمار فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره وأما الفضل بن الفرخان فأعلمه أنه حاول بالقول الذى قاله في القرآن أخذ الودائع التى أودعها إياه عبد الرحمن بن اسحق وغيره تربصا بمن استودعه وطمعا في الاستكثار لما صار في يده ولا سبيل عليه عن تقادم عهده وتطاول الايام به فقل لعبد الرحمن بن اسحق لا جزاك الله خيرا عن تقويتك مثل هذا وإيمانك إياه وهو معتقد للشرك منسلخ من التوحيد وأما محمد ابن حاتم وابن نوح والمعروف بأبى معمر فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد وأن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله ومجاهدتهم إلا لاربائهم وما نزل به كتاب الله في أمثالهم لاستحل ذلك فكيف بهم وقد جمعوا مع الارباء شركا وصاروا للنصارى مثلا وأما أحمد بن شجاع في أعلمه أنك صاحبه بالامس والمستخرج منه ما استخرجته من المال الذى كان استحله من مال على بن هشام وأنه ممن الدينار والدرهم دينه وأما سعدويه الواسطي فقل له قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث والتزين به والحرص على طلب الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة فيقول بالتقرب بها منى يمتحن فيجلس للحديث وأما المعروف بسجادة وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من أهل الحديث وأهل الفقه القول بأن القرآن مخلوق فأعلمه أنه في شغله بإعداد النوى وحكه لاصلاح سجادته وبالودائع التى دفعها إليه على بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد وألهاه ثم سله عما كان يوسف بن أبى يوسف ومحمد بن الحسن يقولانه ان كان شاهدهما وجالسهما وأما القواريرى ففيما تكشف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه وقد انتهى إلى أمير المؤمنين انه يتولى

[ 205 ]

لجعفر بن عيسى الحسنى مسائله فتقدم إلى جعفر بن عيسى في رفضه وترك الثقة به والاستنامة إليه وأما يحبى بن عبد الرحمن العمرى فانه كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف وأما محمد بن الحسن بن على بن عاصم فانه لو كان مقتديا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التى حكيت عنه وانه بعد صبى يحتاج إلى تعلم وقد كان أمير المؤمنين وجه اليك المعروف بأبى مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن فجمجم عنها ولجلج فيها حتى دعى له أمير المؤمنين بالسيف فأقر ذميما فأنصصه عن اقراره فان كان مقيما عليه فأشهر ذلك وأظهره ان شاء الله ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت لامير المؤمنين في كتابك وذكره أمير المؤمنين لك أو أمسك عن ذكره في كتابه هذا ولم يقل ان القرآن مخلوق بعد بشر بن الوليد وابراهيم بن المهدى فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين مع من يقوم بحفظهم وحراستهم في طريقهم حتى يؤديهم إلى عسكر أمير المؤمنين ويسلمهم إلى من يؤمن بتسليمهم إليه لينصهم أمير المؤمنين فان لم يرجعوا ويتوبوا حملهم جميعا عى السيف ان شاء الله ولا قوة الا بالله وقد أنفذ أمير المؤمنين كتابه هذا في خريطة بندارية ولم ينظر به اجتماع الكتب الخرائطية معجلا به تقربا إلى الله عزوجل بما أصدر من الحكم ورجاء ما اعتمد وادراك ما أمل من جزيل ثواب الله عليه فأنفذ لما أتاك من أمر المؤمنين وعجل اجابة أمير المؤمنين بما يكون منك في خريطة بندارية مفردة عن سائر الخرائط لتعرف أمير المؤمنين ما يعلمونه ان شاء الله وكتب سنة 218 فأجاب القوم كلهم حين أعاد القول عليهم إلى أن القرآن مخلوق الا أربعة نفر منهم احمد بن حنبل وسجادة والقواريري ومحمد بن نوح المضروب فامر بهم اسحاق بن ابراهيم فشدوا في الحديد فلما كان من الغد دعا بهم جميعا يساقون في الحديد فاعاد عليهم المحنة فاجابه سجادة إلى أن القرآن مخلوق فأمر باطلاق قيده وخلى سبيله وأصر الآخرون على قولهم فلما كان من بعد الغد عاودهم أيضا فأعاد عليهم القول فأجاب القواريرى إلى أن القرآن مخلوق فأمر بإطلاق قيده وخلى سبيله وأصر احمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما ولم يرجعا

[ 206 ]

فشدا جميعا في الحديد ووجها إلى طرسوس وكتب معهما كتابا باشخاصهما وكتب كتابا مفردا بتأويل القوم فيما أجابوا إليه فمكثوا أياما ثم دعا بهم فإذا كتاب قد ورد من المأمون على اسحاق بن ابراهيم أن قد فهم أمير المؤمنين ما أجاب القوم إليه وذكر سليمان بن يعقوب صاحب الخبر أن بشر بن الوليد تأول الآية التى أنزلها الله تعالى في عمار بن ياسر إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان وقد أخطأ التأويل إنما عنى الله عزوجل بهذه الآية من كان معتقد الايمان مظهر الشرك فاما من كان معتقد الشرك مظهر الايمان فليس هذه له فاشخصهم جميعا إلى طرسوس ليقيموا بها إلى خروج أمير المؤمنين من بلاد الروم فاخذ اسحاق بن ابراهيم من القوم الكفلاء ليوافوا العسكر بطرسوس فأشخص أبا حسان وبشر ابن الوليد والفضل بن غانم وعلى بن أبى مقاتل والذيال بن الهيثم ويحيى بن عبد الرحمن العمرى وعلى بن الجعد وأبا العوام وسجادة والقواريري وابن الحسن بن على ابن عاصم واسحاق بن أبى اسرائيل والنضر بن شميل وأبا نصر التمار وسعدويه الواسطي ومحمد بن حاتم بن ميمون وأبا معمر وابن الهرش وابن الفرخان واحمد ابن شجاع وأبا هارون بن البكاء فلما صاروا إلى الرقة بلغتهم وفاة المأمون فامر بهم عنبسة بن اسحاق وهو والى الرقة أن يصيروا إلى الرقة ثم أشخصهم إلى اسحاق ابن ابراهيم بمدينة السلام مع الرسول المتوجه بهم إلى أمير المؤمنين فسلمهم إليه فامرهم اسحاق بلزوم منازلهم ثم رخص لهم بعد ذلك في الخروج فاما بشر بن الوليد والذيال وأبو العوام وعلى بن أبى مقاتل فانهم شخصوا من غير أن يؤذن لهم حتى قدموا بغداد فلقوا من اسحاق بن ابراهيم في ذلك أذى وقدم الآخرون مع رسول اسحاق بن ابراهيم فخلى سبيلهم (وفى هذه السنة) نفذت كتب المأمون إلى عماله في البلدان من عبد الله عبد الله الامام المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبى اسحاق ابن أمير المؤمنين الرشيد وقيل ان ذلك لم يكتبه المأمون كذلك وانما كتب في حال افاقة من غشية أصابته في مرضه بالبدندون عن أمر المأمون إلى العباس ابن المأمون وإلى اسحاق وعبد الله بن طاهر انه إن حدث به حدث الموت

[ 207 ]

في مرضه هذا فالخليفة من بعده أبو اسحاق ابن أمير المؤمنين الرشيد فكتب بذلك محمد بن داود وختم الكتب وأنفذها فكتب أبو اسحاق إلى عماله من أبى إسحاق أخى أمير المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين فورد كتاب من أبى إسحاق محمد بن هارون الرشيد إلى إسحاق بن يحيى بن معاذ عامله على جند دمشق يوم الاحد لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب عنوانه من عبد الله عبد الله الامام المأمون أمير المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين أبى إسحاق بن أمير المؤمنين الرشيد * أما بعد فان أمير المؤمنين أمر بالكتاب اليك في التقدم إلى عمالك في حسن السيرة وتخفيف المؤنة وكف الاذى عن أهل عملك فتقدم إلى عمالك في ذلك أشد التقدمة واكتب إلى عمال الخراج بمثل ذلك وكتب إلى جميع عماله في أجناد الشأم جند حمص والاردن وفلسطين بمثل ذلك فلما كان يوم الجمعة لاحدى عشرة بقيت من رجب صلى الجمعة إسحاق بن يحيى بن معاذ في مسجد دمشق فقال في خطبته بعد دعائه لامير المؤمنين اللهم وأصلح الامير أخا أمير المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين أبا إسحاق ابن أمير المؤمنين الرشيد (وفى هذه السنة) توفى المأمون * ذكر الخبر عن سبب المرض الذى كانت فيه وفاته * ذكر عن سعيد العلاف القارئ قال أرسل إلى المأمون وهو ببلاد الروم وكان دخلها من طرسوس يوم الاربعاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة فحملت إليه وهو في البدندون فكان يستقرئنى فدعاني يوما فجئت فوجدته جالسا على شاطئ البدندون وأبو اسحاق المعتصم جالس عن يمينه فأمرني فجلست نحوه منه فإذا هو وأبو إسحاق مدليان أرجلهما في ماء البدندون فقال يا سعيد دل رجليك في هذا الماء وذقه فهل رأيت ماء قط أشد بردا ولا أعذب ولا أصفى صفاء منه ففعلت وقلت يا أمير المؤمنين ما رأيت مثل هذا قط قال أي شئ يطيب أن يؤكل ويشرب هذا الماء عليه فقلت أمير المؤمنين أعلم فقال رطب الآزاذ فبينا هو يقول هذا إذ سمع وقع لجم البريد فالتفت فنظر فإذا بغال من بغال البريد على

[ 208 ]

أعجازها حقائب فيها الالطاف فقال لخادم له اذهب فانظر هل في هذه الالطاف رطب فانظر فان كان آزاذ فأت به فجاء يسعى بسلتين فيهما رطب آزاذ كأنما جنى من النخل تلك الساعة فأظهر شكرا لله تعالى وكثر تعجبا منه فقال ادن فكل فأكل هو وأبو إسحاق وأكلت معهما وشربنا جميعا من ذلك الماء فما قام منا أحد إلا وهو محموم فكانت منية المأمون من تلك العلة ولم يزل المعتصم عليلا حتى دخل العراق ولم أزل عليلا حتى كان قريبا ولما اشتدت بالمأمون علته بعث إلى ابنه العباس وهو يظن أن لن يأتيه فأتاه وهو شديد المرض متغير العقل وقذ نفذت الكتب بما نفذت له في أمر أبى إسحاق بن الرشيد فأقام العباس عند أبيه أياما وقد أوصى قبل ذلك إلى أخيه أبى إسحاق وقيل لم يوص إلا والعباس حاضر والقضاة والفقهاء والقواد والكتاب وكانت وصيته هذا ما أشهد عليه عبد الله بن هارون أمير المؤمنين بحضرة من حضره أشهدهم جميعا على نفسه أنه يشهد ومن حضره أن الله عزوجل وحده لا شريك له في ملكه ولا مدبر لامره غيره وأنه خالق وما سواه مخلوق ولا يخلو القرآن أن يكون شيئا له مثل ولا شئ مثله تبارك وتعالى وأن الموت حق والبعث حق والحساب حق وثواب المحسن الجنة وعقاب المسئ النار وأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد بلغ عن ربه شرائع دينه وأدى نصيحته إلى أمته حتى قبضه الله إليه صلى الله عليه أفضل صلاة صلاها على أحد من ملائكته المقربين وأنبيائه والمرسلين وأنى مقر مذنب أرجو وأخاف إلا أنى إذا ذكرت عفو الله رجوت فإذا أنا مت فوجهوني وغمضونى وأسبغوا وضوئي وطهورى وأجيدوا كفني ثم أكثروا حمد الله على الاسلام ومعرفة حقه عليكم في محمد إذ جعلنا من أمته المرحومة ثم أضجعوني على سريري ثم عجلوا بى فإذا أنتم وضعتموني للصلاة فليتقدم بها من هو أقربكم بى نسبا وأكبركم سنا فليكبر خمسا يبدأ في الاولى في أولها بالحمد لله والثناء عليه والصلاة على سيدى وسيد المرسلين جميعا ثم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات الاحياء منهم والاموات ثم الدعاء للذين سبقونا بالايمان ثم ليكبر الرابعة فيحمد الله ويهلله ويكبره ويسلم في الخامسة ثم أقلونى فأبلغوا بى حفرتي ثم لينزل أقربكم

[ 209 ]

إلى قرابة وأودكم محبة وأكثروا من حمد الله وذكره ثم ضعوني على شقى الايمن واستقبلوا بى القبلة وحلوا كفني عن رأسي ورجلي ثم سدوا اللحد باللبن واحثوا ترابا على واخرجوا عنى وخلونى وعملى فلكلكم لا يغنى عنى شيئا ولا يدفع عنى مكروها ثم قفوا بأجمعكم فقولوا خيرا إن علمتم وأمسكوا عن ذكر شر إن كنتم عرفتم فإنى مأخوذ من بينكم بما تقولون وما تلفظون به ولا تدعوا باكية عندي فان المعول عليه يعذب رحم الله أمرءا اتعظ وفكر فيما حتم الله على جميع خلقه من الفناء وقضى عليهم من الموت الذى لابد منه فالحمد لله الذى توحد بالبقاء وقضى على جميع خلقه الفناء ثم لينظر ما كنت فيه من عز الخلافة هل أغنى ذلك عنى شيئا إذ جاء أمر الله لا والله ولكن أضعف على به الحساب فياليت عبد الله بن هارون لم يكن بشرا بل ليته لم يكن خلقا يا أبا إسحاق ادن منى واتعظ بما ترى وخذ بسيرة أخيك في القرآن واعمل في الخلافة إذا طوقكها الله عمل المريد لله الخائف من عقابه وعذابه ولا تغتر بالله ومهلته فكان قد نزل بك الموت ولا تغفل أمر الرعية الرعية الرعية العوام العوام فان الملك بهم وبتعهدك المسلمين والمنفعة لهم الله الله فيهم وفى غيرهم من المسلمين ولا ينهين اليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة لهم إلا قدمته وآثرته على غيره من هواك وخذ من أقويائهم لضعفائهم ولا تحمل عليهم في شئ وأنصف بعضهم من بعض بالحق بينهم وقربهم وتأتهم وعجل الرحلة عنى والقدوم إلى دار ملكك بالعراق وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم في كل وقت والخرمية فأغزهم ذا حزامة وصرامة وجلدو أكنفه بالاموال والسلاح والجنود من الفرسان والرجالة فان طالت مدتهم فنجرد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك واعمل في ذلك عمل مقدم النية فيه راجيا ثواب الله عليه واعلم أن العظة إذا طالت أوجبت على السامع لها والموصى بها الحجة فاتق الله في أمرك كله ولا تفتن ثم دعا أبا إسحاق بعد ساعة حين اشتد به الوجع وأحس بمجئ أمر الله فقال له يا أبا إسحاق عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقومن بحق الله في عباده ولتؤثرن طاعته على معصيته إذ أنا (14 - 7)

[ 210 ]

نقلتها من غيرك إليك قال اللهم نعم قال فانظر من كنت تسمعني أقدمه على لساني فأضعف له التقدمة عبد الله بن طاهر أقره على عمله ولا تهجه فقد عرفت الذى سلف منكما أيام حياتي وبحضرتي استعطفه بقلبك وخصه ببرك فقد عرفت بلاءه وغناءه عن أخيك وإسحاق بن إبراهيم فأشركه في ذلك فانه أهل له وأهل بيتك فقد علمت أنه لا بقية فيهم وإن كان بعضهم يظهر الصيانة لنفسه عبد الوهاب عليك به من بين أهلك فقدمه عليهم وصير أمرهم إليه وأبو عبد الله بن أبى داود فلا يفارقك وأشركه في المشورة في كل أمرك فانه موضع لذلك منك ولا تتخذن بعدى وزيرا تلقى إليه شيئا فقد علمت ما نكبنى به يحيى بن أكثم في معاملة الناس وخبث سيرته حتى أبان الله ذلك منه في صحة منى فصرت إلى مفارقته قاليا له غير راض بما صنع في أموال الله وصدقاته لاجزاه الله عن الاسلام خيرا وهؤلاء بنو عمك من ولد أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه فأحسن صحبتهم وتجاوز عن مسيئهم واقبل من محسنهم وصلاتهم فلا تغفلها في كل سنة عند محلها فان حقوقهم تجب من وجوه شتى اتقوا الله ربكم حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون اتقوا الله واعملوا له اتقوا الله في أموركم كلها أستودعكم الله ونفسي وأستغفر الله مما سلف وأستغفر الله مما كان ؟ إنه كان غفارا فانه ليعلم كيف ندمى على ذنوبي فعليه توكلت من عظيمها وإليه أنيب ولا قوة إلا بالله حسبى الله ونعم الوكيل وصلى الله على محمد نبى الهدى والرحمة ذكر الخبر عن وقت وفاته والموضع الذى دفن فيه ومن صلى عليه * ومبلغ سنه وقدر مدة خلافته * أما وقت وفاته فانه اختلف فيه فقال بعضهم توفى يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من رجب بعد العصر سنة 218 وقال آخرون بل توفى في هذا اليوم مع الظهر ولما توفى حمله ابنه العباس وأخوه أبو إسحاق محمد بن الرشيد إلى طرسوس فدفناه في دار كانت لخاقان خادم الرشيد وصلى عليه أخوه أبو إسحاق المعتصم ثم وكلوا به حرسا من أبناء أهل طرسوس وغيرهم مائة رجل وأجرى

[ 211 ]

على كل رجل منهم تسعون درهما وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما وذلك سوى سنتين كان دعى له فيهما بمكة وأخوه الامين محمد بن رشيد محصور ببغداد وكان ولد للنصف من ربيع الاول سنة 170 وكان يكنى فيما ذكر ابن الكلبى أبا العباس وكان ربعة أبيض جميلا طويل اللحية قد وخطه الشيب وقيل كان أسمر تعلوه صفرة أخنى أعين طويل اللحية رقيقها أشيب ضيق الجبهة بخده خال أسود واستخلف يوم الخميس لخمس ليال بقين من المحرم * ذكر بعض أخبار المأمون وسيره * ذكر عن محمد بن الهيثم بن عدى أن إبراهيم بن عيسى بن بريهة بن المنصور قال لما أراد المأمون الشخوص إلى دمشق هيأت له كلاما مكثت فيه يومين وبعض آخر فلما مثلت بين يديه قلت أطال الله بقاء أمير المؤمنين في أدوم العز وأسبغ الكرامة وجعلني من كل سوء فداه إن من أمسى وأصبح يتعرف من نعمة الله له الحمد كثيرا عليه برأى أمير المؤمنين أيده الله فيه وحسن تأنيسه له حقيق بأن يستديم هذه النعمة ويلتمس الزيادة فيها بشكر الله وشكر أمير المؤمنين مد الله في عمره عليها وقد أحب أن يعلم أمير المؤمنين أيده الله أنى لا أرغب بنفسى عن خدمته أيده الله بشئ من الخفض والدعة إذ كان هو أيده الله بتجشم خشونة السفر ونصب الظعن وأولى الناس بمواساته في ذلك وبذل نفسه فيه أنا لما عرفني الله من رأيه وجعل عندي من طاعته ومعرفة ما أوجب الله من حقه فان رأى أمير المؤمنين أكرمه الله أن يكرمني بلزوم خدمته والكينونة معه فعل فقال لى مبتدئا من غير تروية لم يعزم أمير المؤمنين في ذلك على شئ وإن استصحب أحدا من أهل بيتك بدأ بك وكنت المقدم عنده في ذلك ولا سيما إذ أنزلت نفسك بحيث أنزلك أمير المؤمنين من نفسه وإن ترك ذلك فمن غير قلى لمكانك ولكن بالحاجة إليك قال فكان والله ابتداؤه أكثر من ترويتى وذكر عن محمد بن على بن صالح السرخسى قال تعرض رجل للمأمون بالشأم مرارا فقال

[ 212 ]

له يا أمير المؤمنين انظر لعرب الشأم كما نظرت لعجم أهل خراسان فقال أكثرت على يا أخا أهل الشأم والله ما أنزلت قيسا عن ظهور الخيل إلا وأنا أرى أنه لم يبق في بيت مالى درهم واحد وأما اليمن فوالله ما أحببتها ولا أحبتني قط وأما قضاعة فسادتها تنتظر السفياني وخروجه فتكون من أشياعه وأما ربيعة فساخطة على الله منذ بعث نبيه من مضر ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاريا أعزب فعل الله بك وذكر عن سعيد بن زياد أنه لما دخل على المأمون بدمشق قال له أرنى الكتاب الذى كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم قال فأريته قال فقال إنى لاشتهى ان أدرى أي شئ هذا الغشاء على هذا الخاتم قال فقال له أبو إسحاق حل العقد حتى تدرى ما هو قال فقال ما أشك ان النبي صلى الله عليه وسلم عقد هذا العقد وما كنت لاحل عقدا عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال للواثق خذه فضعه على عينك لعل الله أن يشفيك قال وجعل المأمون يضعه على عينه ويبكى وذكر عن العيشى صاحب إسحاق بن إبراهيم أنه قال كنت مع المأمون بدمشق وكان قد قل المال عنده حتى ضاق وشكا ذلك إلى أبى إسحاق المعتصم فقال له يا أمير المؤمنين كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعة قال وكان حمل إليه ثلاثون ألف ألف من خراج ما يتولاه له قال فلما ورد عليه ذلك المال قال المأمون ليحيى بن أكثم اخرج بنا ننظر إلى هذا المال قال فخرج حتى أصحرا ووقفا ينظرانه وكان قد هيئ بأحسن هيئة وحليت أباعره وألبست الاحلاس الموشاة والجلال المصبغة وقلدت العهن وجعلت البدر بالحرير الصينى الاحمر والاخضر والاصفر وأبديت رؤوسها قال فنظر المأمون إلى شئ حسن واستكثر ذلك فعظم في عينه واستشرفه الناس ينظرون إليه ويعجبون منه فقال المأمون ليحيى يا أبا محمد ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم الساعة خائبين إلى منازلهم وننصرف بهذه الاموال قد ملكناها دونهم إنا إذا للئام ثم دعا محمد بن يزداد فقال له وقع لآل فلان بألف ألف ولآل فلان بمثلها ولآل فلان بمثلها قال فوالله إن زال كذلك حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف درهم ورجله في الركاب ثم قال ادفع الباقي إلى المعلى

[ 213 ]

يعطى جندنا قال العيشى فجئت حتى قمت نصب عينه فلم أرد طرفي عنها لا يلحظنى إلا رأني بتلك الحال فقال يا أبا محمد وقع لهذا بخمسين ألف درهم من الستة الآلاف ألف لا يختلس ناظري قال فلم يأت على ليلتان حتى أخذت المال وذكر عن محمد ابن أيوب بن جعفر بن سليمان أنه كان بالبصرة رجل من بنى تميم وكان شاعرا ظريفا خبيثا منكرا وكنت أنا والى البصرة آنس به وأستحليه فأردت أن أخدعه وأستنزله فقلت له أنت شاعر وأنت ظريف والمأمون أجود من السحاب الحافل والريح العاصف فما يمنعك منه قال ما عندي ما يقلنى قلت فأنا أعطيك نجيبا فارها ونفقة سابغة وتخرج إليه وقد امتدحته فانك إن حظيت بلقائه صرت إلى أمنيتك قال والله أيها الامير ما أخالك أبعدت فأعد لى ما ذكرت قال فدعوت له بنجيب فاره فقلت شأنك به فامتطه قال هذه إحدى الحسنيين فما بال الاخرى فدعوت له بثلثمائة درهم وقلت هذه نفقتك قال أحسبك أيها الامير قصرت في النفقة قلت لاهى كافية وإن قصرت عن السرف قال ومتى رأيت في أكابر سعد سرفا حتى تراه في أصاغرها فأخذ النجيب والنفقة ثم عمل أرجوزة ليست بالطويلة فأنشدنيها وحذف منها ذكرى والثناء على وكان ماردا فقلت له ما صنعت شيئا قال وكيف قلت تأتى الخليفة ولا تثنى على أميرك قال أيها الامير أردت أن تخدعني فوجدتني خداعا ولمثلها ضرب هذا المثل من ينك العير ينك نياكا أما والله ما لكرامتي حملتني على نجيبك ولاجدت لى بمالك الذى ما رامه أحد قط إلا جعل الله حده الاسفل ولكن لاذكرك في شعرى وأمدحك عند الخليفة افهم هذا قلت قد صدقت فقال أما إذا أبديت ما في ضميرك فقد ذكرتك وأثنيت عليك قلت فأنشدني ما قلت فأنشدنيه فقلت أحسنت ثم ودعني وخرج فأتى الشأم وإذا المأمون بسلغوس قال فأخبرني قال بينا أنا في غزاة فرة قد ركبت نجيبي ذاك ولبست مقطعاتى وأنا أروم العسكر فإذا أنا بكهل على بغل فاره ما يقر قراره ولا يدرك خطاه قال فتلقاني مكافحة ومواجهة وأنا أردد نشيد أرجوزتي فقال سلام عليكم بكلام جهورى ولسان بسيط فقلت وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته قال قف إن شئت فوقفت

[ 214 ]

قتضوعت مته رائحة العنبر والمسك الاذفر فقال ما أولك قلت رجل من مضر قال ونحن من مضر ثم قال ثم ماذا قلت رجل من بنى تميم قال وما بعد تميم قلت من بنى سعد قال هيه فما أقدمك هذا البلد قال قلت قصدت هذا الملك الذى ما سمعت بمثله أندى رائحة ولا أوسع راحة ولا أطول باعا ولا أمد يفاعا منه قال فما الذى قصدته به قلت شعر طيب يلذ على الافواه وتقتفيه الرواة ويحلو في آذان المستمعين قيل فأنشدنيه فغضبت وقلت يا ركيك أخبرتك أنى قصدت الخليفة بشعر قلته ومديح حبرته تقول أنشدنيه قال فتغافل والله عنها وتطأ من لها وألغى عن جوابها قال وما الذى تأمل منه قلت إن كان على ما ذكر لى عنه فألف دينار قال فأنا أعطيك ألف دينار إن رأيت الشعر جيدا والكلام عذبا وأضع عنك العناء وطول الترداد ومتى تصل إلى الخليفة وبينك وبينه عشرة آلاف رامح ونابل قلت فلى الله عليك أن تفعل قال نعم لك الله على أن أفعل قلت ومعك الساعة مال قال هذا بغلى وهو خير من ألف دينار أنزل لك عن ظهره قال فغضبت أيضا وعارضني ؟ ق سعد وخفة أحلامه فقلت ما يساوى هذا البغل هذا النجيب قال فدع عنك البغل ولك الله على أن أعطيك الساعة ألف دينار قال فأنشدته مأمون يا ذا المنن الشريفه * وصاحب المرتبة المنيفه وقائد الكتيبة الكثيفة * هل لك في أرجوزة ظريفه أظرف من فقه أبى حنيفه * لا والذى أنت له خليفه ما ظلمت في أرضنا ضعيفه * أميرنا مؤنته خفيفه وما اجتبى شيئا سوى الوظيفة * فالذئب والنعجة في سقيفه واللص والتاجر في قطيفه قال فوالله ما عدا أن أنشدته فإذا زها عشرة آلاف فارس قد سدوا الافق يقولون السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته قال فأخذني أفكل ونظر إلى بتلك الحال فقال لا بأس عليك أي أخى قلت يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك أتعرف لغات العرب قال إى لعمر الله قلت فمن جعل الكاف منهم مكان

[ 215 ]

القاف قال هذه حمير قلت لعنها الله ولعن من استعمل هذه اللغة بعد اليوم فضحك المأمون وعلم ما أردت والتفت إلى خادم إلى جانبه فقال أعطه ما معك فاخرج إلى كيسا فيه ثلاثة آلاف دينار فقال هاك ثم قال السلام عليك ومضى فكان آخر العهد به وقال أبو سعيد المخزومى هل رأيت النجوم أغنت عن المأ * مون شيئا أو ملكه المأسوس خلفوه بعرصتي طرسوس * مثل ما خلفوا أباه بطوس وقال على بن عبيدة الريحاني ما أقل الدموع للمأمون * لست أرضى إلا دما من جفوني وذكر أبو موسى هارون بن محمد بن اسماعيل بن موسى الهادى أن على ابن صالح حدثه قال: قال لى المأمون يوما أبغني رجلا من أهل الشأم له أدب يجالسني ويحدثني فالتمست ذلك فوجدته فدعوته فقلت له إنى مدخلك على أمير المؤمنين فلا تسأله عن شئ حتى يبتديك فانى أعرف الناس بمسئلتكم يا أهل الشأم فقال ما كنت متجاوز ما أمرتنى به فدخلت على المأمون فقلت له قد أصبت الرجل يا أمير المؤمنين فقال أدخله فدخل فسلم ثم استدناه وكان المأمون على شغله من الشراب فقال له إنى أردتك لمجالستي ومحادثتي فقال الشأمى يا أمير المؤمنين إن الجليس إذا كان ثيابه دون ثياب جليسه دخله لذلك غضاضة قال فأمر المأمون أن يخلع عليه قال فدخلني من ذلك ما الله به أعلم قال فلما خلع عليه ورجع إلى مجلسه قال يا أمير المؤمنين إن قلبى إذا كان متعلقا بعيالي لم تنتفع بمحادثتي قال خمسون ألفا تحمل إلى منزله ثم قال يا أمير المؤمنين وثالثة قال وما هي قال قد دعوت بشئ يحول بين المرء وعقله فان كانت منى هنة فاغتفرها قال وذاك قال على فكأن الثالثة جلت عنى ما كان بى * وذكر أبو حشيشة محمد بن على بن أمية بن عمرو قال كنا قدام أمير المؤمنين المأمون بدمشق فغنى علويه برئت من الاسلام إن كان ذا الذى * أتاك به الواشون عنى كما قالوا ولكنهم لما رأوك سريعة * إلى تواصوا بالنميمة واحتالوا

[ 216 ]

فقال يا علويه لمن هذا الشعر فقال للقاضى قال أي قاض ويحك قال قاضى دمشق فقال يا أبا اسحاق اعزله قال قد عزلته قال فيحضر الساعة قال فأحضر شيخ مخضوب قصير فقال له المأمون من تكون قال فلان بن فلان الفلاني قال تقول الشعر قال قد كنت أقوله فقال يا علويه أنشده الشعر فأنشده فقال هذا الشعر لك قال نعم يا أمير المؤمنين ونساؤه طوالق وكل ما يملك في سبيل الله إن كان قال الشعر منذ ثلاثون سنة إلا في زهد أو معاتبة صديق فقال يا أبا اسحاق اعزله فما كنت أولى رقاب المسلمين من يبدأ في هزله بالبراءة من الاسلام ثم قال اسقوه فأتى بقدح فيه شراب فأخذه وهو يرتعد فقال يا أمير المؤمنين ما ذقته قط قال فلعلك تريد غيره قال لم أذق منه شيئا قط قال فحرام هو قال نعم يا أمير المؤمنين قال أولى لك بها نجوت اخرج ثم قال يا علويه لا تقل برئت من الاسلام ولكن قل حرمت مناى منك إن كان ذا الذى * أتاك به الواشون عنى كما قالوا قال وكنا مع المأمون بدمشق فركب يريد جبل الثلج فمر ببركة عظيمة من برك بنى أمية وعلى جوانبها أربع سروات وكان الماء يدخلها سيحا ويخرج منها فاستحسن المأمون الموضع فدعا ببز ما ورد ورطل وذكر بنى أمية فوضع منهم وتنقصهم فأقبل علويه على العود واندفع يغنى أولئك قومي بعد عز وثروة * تفانوا فألا أذرف العين أكمدا فضرب المأمون الطعام برجله ووثب وقال لعلويه يا ابن الفاعلة لم يكن لك وقت تذكر فيه مواليك إلا في هذا الوقت فقال مولاكم زرياب عند موالى يركب في مائة غلام وأنا عندكم أموت من الجوع فغضب عليه عشرين يوما ثم رضى عنه قال وزرياب مولى المهدى صار إلى الشأم ثم صار إلى المغرب إلى بنى أمية هناك * وذكر السليطى أبو على عن عمارة بن عقيل قال أنشدت المأمون قصيدة فيها مديح له هي مائة بيت فابتدئ بصدر البيت فيبادرني إلى قافيته كما قفيته فقلت والله يا أمير المؤمنين ما سمعها منى أحد قط قال هكذا ينبغى أن يكون

[ 217 ]

ثم أقبل على فقال لى أما بلغك أن عمر بن أبى ربيعة أنشد عبد الله بن العباس قصيدته التى يقول فيها * تشط غدا دار جيراننا * فقال ابن العباس * وللدار بعد غد أبعد * حتى أنشده القصيدة يقفيها ابن عباس ثم قال أنا ابن ذاك * وذكر عن أبى مروان كازر بن هارون أنه قال: قال المأمون بعثتك مرتادا ففزت بنظرة * وأغفلتنى حتى أسأت بك الظنا فناجيت من أهوى وكنت مباعدا * فياليت شعرى عن دنوك ما أغنا أرى أثرا منه بعينيك بينا * لقد أخذت عيناك من عينه حسنا قال أبو مروان وإنما عول المأمون في قوله في هذا المعنى على قول العباس ابن الاحنف فإنه اخترع إن تشق عينى بها فقد سعدت * عين رسولي وفزت بالخبر وكلما جاءني الرسول لها * رددت عمدا في طرفه نظرى يظهر في وجهه محاسنها * قد أثرت فيه أحسن الاثر خذ مقلتي يا رسول عارية * فانظر بها واحتكم على بصرى قال أبو العتاهية وجه إلى المأمون يوما فصرت إليه فألفيته مطرقا مفكرا فأحجمت عن الدنو منه في تلك الحال فرفع رأسه فنظر إلى وأشار بيده أن ادن فدنوت ثم أطرق مليا ورفع رأسه فقال يا أبا اسحاق شأن النفس الملل وحب الاستطراف تأنس بالوحدة كما تأنس بالالفة قلت أجل يا أمير المؤمنين ولى في هذا بيت قال وما هو قلت لا يصلح النفس إذ كانت مقسمة * إلا التنقل من حال إلى حال وذكر عن أبى نزار الضرير الشاعر أنه قال قال لى على بن جبلة قلت لحميد ابن عبد الحميد يا أبا غانم قد امتدحت أمير المؤمنين بمدح لا يحسن مثله أحد من أهل الارض فاذكرني له فقال أنشدنيه فأنشدته فقال أشهد أنك صادق فأخذ المديح فأدخله على المأمون فقال يا أبا غانم الجواب في هذا واضح ان شاء عفونا عنه وجعلنا ذلك ثوابا بمديحه وإن شاء جمعنا بين شعره فيك وفى أبى دلف القاسم بن عيسى فان

[ 218 ]

كان الذى قال فيك وفيه أجود من الذى مدحنا به ضربنا ظهره وأطلنا حبسه وإن كان الذى قال فينا أجود أعطيته بكل بيت من مديحه ألف درهم وإن شاء أقلناه فقلت يا سيدى ومن أبو دلف ومن أنا حتى يمدحنا بأجود من مديحك فقال ليس هذا الكلام من الجواب عن المسألة في شئ فاعرض ذلك على الرجل قال على بن جبلة فقال لى حميد ما ترى قلت الاقالة أحب إلى فأخبر المأمون فقال هو أعلم قال حميد فقلت لعلى بن جبلة إلى أي شئ ذهب في مدحك أبا دلف وفى مدحك لى قال إلى قولى في أبى دلف إنما الدنيا أبو دلف * بين معراه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف * ولت الدنيا على أثره وإلى قولى فيك لولا حميد لم يكن * حسب يعد ولا نسب يا واحد العرب الذى * عزت بعزته العرب قال فأطرق حميد ساعة ثم قال يا أبا الحسن لقد انتقد عليك أمير المؤمنين وأمر لى بعشرة آلاف درهم وحملان وخلعة وخادم وبلغ ذلك أبا دلف فأضعف لى العطية وكان ذلك منهما في ستر لم يعلم به أحد إلى أن حدثتك يا أبا نزار بهذا قال أبو نزار وظننت أن المأمون تعقد عليه هذا البيت ؟ أبى دلف تحدر ماء الجود من صلب آدم * فأثبته الرحمن في صلب قاسم وذكر عن سليمان بن رزين الخزاعى بن أخى دعبل قال هجا دعبل المأمون فقال ويسومني المأمون حطة عارف * أو ما رأى بالامس رأس محمد يوفى على هام الخلائف مثل ما * يوفى الجبال على رؤس القردد ويحل في أكناف كل ممنع * حتى يذلل شاهقا لم يصعد إن التراث مسهد طلابها * فاكفف لعابك عن لعاب الاسود فقيل للمأمون إن دعبلا هجاك فقال هو يهجو أبا عباد لا يهجوني يريد حدة

[ 219 ]

أبى عباد وكان أبو عباد إذا دخل على المأمون كثيرا ما يضحك المأمون ويقول له ما أراد دعبل منك حين يقول وكأنه من دير هرقل مفلت * حرد يجر سلاسل الاقياد وكان المأمون يقول لابراهيم بن شكلة إذا دخل عليه لقد أوجعك دعبل حين يقول إن كان إبراهيم مضطلعا بها * فلتصلحن من بعده لمخارق ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل * ولتصلحن من بعده للمارق أنى يكون ولا يكون ولم يكن * لينال ذلك فاسق عن فاسق وذكر محمد بن الهيثم الطائى أن القاسم بن محمد الطيفورى حدثه قال شكا اليزيدى إلى المأمون خلة أصابته ودينا لحقه فقال ما عندنا في هذه الايام ما إن أعطينا كه بلغت به ما تريد فقال يا أمير المؤمنين إن الامر قد ضاق على وإن غرمائي قد أرهقوني قال فرم لنفسك أمرا تنال به نفعا فقال لك منادمون فيهم من إن حركته نلت منه ما أحب فأطلق لى الحيلة فيهم قال قل ما بدا لك قال فإذا حضروا وحضرت فمر فلانا الخادم أن يوصل إليك رقعتي فإذا قرأتها فأرسل إلى دخولك في هذا الوقت متعذر ولكن اختر لنفسك من أحببت قال فلما علم أبو محمد بجلوس المأمون واجتماع ندمائه إليه وتيقن أنهم قد ثملوا من شربهم أتى الباب فدفع إلى ذلك الخادم رقعة قد كتبها فأوصلها له إلى المأمون فقرأها فإذا فيها ياخير إخوانى وأصحابي * هذا الطفيلى لدى الباب خبر أن القوم في لذة * يصبو إليها كل أواب فصيروني واحدا منكم * أو أخرجو إلى بعض أترابي قال فقرأها المأمون على من حضره فقالوا ما ينبغى أن يدخل هذا الطفيلى على مثل هذه الحال فأرسل إليه المأمون دخولك في هذا الوقت متعذر فاختر لنفسك من أحببت تنادمه فقال ما أرى لنفسي اختيارا غير عبد الله بن طاهر فقال له المأمون قد وقع اختياره عليك فصر إليه قال يا أمير المؤمنين فأكون شريك الطفيلى قال ما يمكن رد أبى محمد عن أمرين فان أحببت أن تخرج وإلا فافتد نفسك قال

[ 220 ]

فقال يا أمير المؤمنين له على عشرة آلاف درهم قال لا أحسب ذلك يقنعه منك ومن مجالستك قال فلم يزل يزيده عشرة عشرة والمأمون يقول له لا أرضى له بذلك حتى بلغ المائة ألف قال فقال له المأمون فعجلها له قال فكتب له بها إلى وكيله ووجه معه رسولا فأرسل إليه المأمون قبض هذه في هذه الحال أصلح لك من منادمته على مثل حاله وأنفع عاقبة وذكر عن محمد بن عبد الله صاحب المراكب قال أخبرني أبى عن صالح بن الرشيد قال دخلت على المأمون ومعى بيتان للحسين ابن الضحاك فقلت يا أمير المؤمنين أحب أن تسمع منى بيتين قال أنشدهما قال فأنشده صالح حمدنا الله شكرا إذ حبانا * بنصرك يا أمير المؤمنينا فأنت خليفة الرحمن حقا * جمعت سماحة وجمعت دينا فاستحسنهما المأمون وقال لمن هذان البيتان يا صالح قلت لعبدك يا أمير المؤمنين الحسين بن الضحاك قال قد أحسن قلت وله يا أمير ؟ ما هو أجود من هذا قال وما هو فأنشدته أيبخل فرد الحسن فرد صفاته * على وقد أفردته بهوى فرد رأى الله عبد الله خير عباده * فملكه والله أعلم بالعبد وذكر عن عمارة بن عقيل أنه قال قال لى عبد الله بن أبى السمط علمت أن المأمون لا يبصر الشعر قال قلت ومن ذا يكون أعلم به منه فوالله إنك لترانا ننشده أول البيت فيسبقنا إلى آخره قال أنشدته بيتا أجدت فيه فلم أره تحرك له قال قلت وما الذى أنشدته قال أنشدته أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا * بالدين والناس بالدنيا مشاغيل قال فقلت له إنك والله ما صنعت شيئا وهل زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحتها فمن القائم بأمر الدنيا إذا تشاغل عنها وهو المطوق بها هلا قلت فيه كما قال عمك جرير في عبد العزيز بن الوليد فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه * ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله

[ 221 ]

فقال الآن علمت أنى قد أخطأت * وذكر عن محمد بن ابراهيم السبارى قال لما قدم العتابى على المأمون مدينة السلام أذن له فدخل عليه وعنده اسحق بن ابراهيم الموصلي وكان شيخا جليلا فسلم عليه فرد عليه السلام وأدناه وقربه حتى قرب منه فقبل يده ثم أمره بالجلوس فجلس وأقبل عليه يسائله عن حاله فجعل يجيبه بلسان طلق فاستظرف المأمون ذلك فأقبل عليه بالمداعبة والمزاح فظن الشيخ أنه استخف به فقال يا أمير المؤمنين ألا بساس قبل الايناس قال فاشتبه على المأمون الابساس فنظر إلى اسحق بن ابراهيم ثم قال نعم يا غلام ألف دينار فأتى بها ثم صبت بين يدى العتابى ثم أخذوا في المفاوضة والحديث وغمز عليه اسحق بن ابراهيم فأقبل لا يأخذ العتابى في شئ إلا عارضه اسحاق بأكثر منه فبقى متعجبا ثم قال يا أمير المؤمنين ائذن لى في مسألة هذا الشيخ عن اسمه قال نعم سله قال يا شيخ من أنت وما اسمك قال أنا من الناس واسمى كل بصل قال أما النسبة فمعروفة وأما الاسم فمنكر وما كل بصل من الاسماء فقال له اسحق ما أقل انصافك وما كل ثوم من الاسماء البصل أطيب من الثوم فقال العتابى لله درك ما أحجك يا أمير المؤمنين ما رأيت كالشيخ قط أتأذن لى في صلته بما وصلنى به أمير المؤمنين فقد والله غلبنى فقال المأمون بل هذا موفر عليك ونأمر له بمثله فقال له اسحق أما إذا أقررت بهذه فتوهمني تجدني فقال والله ما أظنك إلا الشيخ الذى يتناهى الينا خبره من العراق ويعرف بابن الموصلي قال أنا حيث ظننت فأقبل عليه بالتحية والسلام فقال المأمون وقد طال الحديث بينهما أما إذا نفقتما على الصلح والمودة فقوما فانصرفا متنادمين فانصرف العتابى إلى منزل اسحق فأقام عنده وذكر عن محمد بن عبد الله بن جشم الربعي أن عمارة بن عقيل قال قال لى المأمون يوما وأنا أشرب عنده ما أخبثك يا أعرابي قال قلت وما ذاك يا أمير المؤمنين وهمتني نفسي قال كيف قلت قالت مفداة لما أن رأت أرقي * والهم يعتادني من طيفه لمم نهبت مالك في الادنين آصرة * وفى الاباعد حتى حفك العدم

[ 222 ]

فاطلب إليهم ترى ما كنت من حسن * تسدى إليهم فقد باتت لهم صرم فقلت عذلك قد أكثرت لائمتي * ولم يمت حاتم هزلا ولا هرم فقال لى المأمون أين رميت بنفسك إلى هرم بن سنان سيد العرب وحاتم الطائى فعلا كذا وفعلا كذا وأقبل ينثال على بفضلهما قال فقلت يا أمير المؤمنين أنا خير منهما أنا مسلم وكانا كافرين وأنا رجل من العرب * وذكر عن محمد بن زكرياء بن ميمون الفزعانى قال قال المأمون لمحمد بن الجهم أنشدني ثلاثة أبيات في المديح والهجاء والمراثي ولك بكل بيت كورة فأنشده في المديح يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود وأنشده في الهجاء قبحت مناظرهم فحين خبرتهم * حسنت مناظرهم لقبح المخبر وأنشده في المراثى أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه * فطيب تراب القبر دل على القبر وذكر عن العباس بن أحمد بن أبان بن القاسم الكاتب قال أخبرني الحسين ابن الضحاك قال قال لى علويه أخبرك أنه مر بى مرة ما أيست من نفسي معه لولا كرم المأمون فانه دعا بنا فلما أخذ فيه النبيذ قال غنوني فسبقني مخارق فاندفع فغنى صوتا لا بن سريج في شعر جرير لما تذكرت بالديرين أرقني * صوت الدجاج وضرب بالنواقيس فقلت للركب إذ جد المسير بنا * يا بعد يبرين من باب الفراديس قال فحين لى ان تغنيت وكان قد هم بالخروج إلى دمشق يريد الثغر الحين ساق إلى دمشق وما * كانت دمشق لاهلها بلدا فضرب بالقدح الارض وقال مالك عليك لعنة الله ثم قال يا غلام أعط مخارقا ثلاثة آلاف درهم وأخذ بيدى فأقمت وعيناه تدمعان وهو يقول للمعتصم هو والله آخر خروج ولا أحسبنى أن أرى العراق أبدا قال فكان والله آخر عهده بالعراق عند خروجه كما قال

[ 223 ]

* خلافة أبى اسحاق المعتصم محمد بن هارون الرشيد * (وفى هذه السنة) بويع لابي اسحاق محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدى ابن عبد الله المنصور بالخلافة وذلك يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة 218 وذكر أن الناس كانوا قد أشفقوا من منازعة العباس ابن المأمون له في الخلافة فسلموا من ذلك * ذكر أن الجند شغبوا لما بويع لابي اسحاق بالخلافة فطلبوا العباس ونادوه باسم الخلافة فأرسل أبو إسحاق إلى العباس فأحضره فبايعه ثم خرج إلى الجند فقال ما هذا الحب البارد قد بايعت عمى وسلمت الخلافة إليه فسكن الجند (وفيها) أمر المعتصم بهدم ما كان المأمون أمر ببنائه بطوانة وحمل ما كان بها من السلاح والآلة وغير ذلك مما قدر على حمله وأحرق ما لم يقدر على حمله وأمر بصرف من كان المأمون أسكن ذلك من الناس إلى بلادهم (وفيها) انصرف المعتصم إلى بغداد ومعه العباس بن المأمون فقدمها فيما ذكر يوم السبت مستهل شهر رمضان (وفيها) دخل فيما ذكر جماعة كثيرة من أهل الجبال من همذان وأصبهان وماسبذان ومهر جانقذق في دين الخريمة وتجمعوا فعسكروا في عمل همذان فوجه المعتصم إليهم عساكر فكان آخر عسكر وجه إليهم عسكر وجهه مع إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وعقد له على الجبال في شوال في هذه السنة فشخص إليهم في ذى القعدة وقرئ كتابه بالفتح يوم التروية وقتل في عمل همذان ستين ألفا وهرب باقيهم إلى بلاد الروم (وحج) بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد وضحى أهل مكة يوم الجمعة وأهل بغداد يوم السبت * ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من ظهور محمد بن القاسم بن عمر بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب بالطالقان من خراسان يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى الله

[ 224 ]

عليه وسلم فاجتمع إليه بها ناس كثير وكانت بينه وبين قواد عبد الله بن طاهر وقعات بناحية الطالقان جبالها فهزم هو وأصحابه فخرج هاربا يريد بعض كور خراسان كان أهله كاتبوه فلما صار بنساوبها والد لبعض من معه مضى الرجل معه من أهل نسا إلى والده ليسلم عليه فلما لقى أباه سأله عن الخبر فأخبره بأمرهم وأنهم يقصدون كورة كذا فمضى أبو ذلك الرجل إلى عامل نسا فأخبره بأمر محمد بن القاسم فذكر أن العامل بذل له عشرة آلاف درهم على دلالته عليه فدله عليه فجاء العامل إلى محمد بن القاسم فأخذه واستوثق منه وبعث به إلى عبد الله بن طاهر فبعث به عبد الله بن طاهر إلى المعتصم فقدم به عليه يوم الاثنين لاربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر فحبس فيما ذكر بسامرا عند مسرور الخادم الكبير في محبس ضيق يكون قدر ثلاث أذرع في ذراعين فمكث فيه ثلاثة أيام ثم حول إلى موضع أوسع من ذلك وأجرى عليه طعام ووكل به قوم يحفظونه فلما كان ليلة الفطر واشتغل الناس بالعيد والتهنئة احتال للخروج ذكر أنه هرب من الحبس بالليل وأنه دلى إليه حبل من كوة كانت في أعلى البيت يدخل عليه منها الضوء فلما أصبحوا أتوا بالطعام للغداء ففقد * فذكر أنه جعل لمن دل عليه مائة ألف درهم وصاح بذلك الصائح فلم يعرف له خبر (وفى هذه السنة) قدم إسحاق بن إبراهيم بغداد من الجبل يوم الاحد لاحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى ومعه الاسرى من الخرمية والمستأمنة وقيل ان إسحق بن إبراهيم قتل منهم في محاربته إياهم نحوا من مائة ألف سوى النساء والصبيان (وفى هذه السنة) وجه المعتصم عجيف بن عنبسة في جمادى الآخرة منها لحرب الزط الذين كانوا قد عاثوا في طريق البصرة فقطعوا فيه الطريق واحتملوا الغلات من البيادر بكسكر وما يليها من البصرة وأخافوا السبيل ورتب الخيل في كل سكة من سكك البرد تركض بالاخبار فكان الخبر يخرج من عند عجيف فيصل إلى المعتصم من يومه وكان الذى يتولى النفقة على عجيف من قبل المعتصم محمد بن منصور كاتب إبراهيم بن البخترى فلما صار عجيف إلى واسط ضرب عسكره بقرية أسفل واسط

[ 225 ]

يقال لها الصافية في خمسة آلاف رجل وصار عجيف إلى نهر يحمل من دجلة يقال له بردودا فلم يزل مقيما عليه حتى سده وقيل إن عجيفا إنما ضرب عسكره بقرية أسفل واسط يقال لها نجيدا ووجه هارون بن نعيم بن الوضاح القائد الخراساني إلى موضع يقال له الصافية في خمسة آلاف رجل ومضى عجيف في خمسة آلاف إلى بردودا فأقام عليه حتى سده وسد أنهارا أخر كانوا يدخلون منها ويخرجون فحصرهم من كل وجه وكان من الانهار التى سدها عجيف نهر يقال له العروس فلما أخذ عليهم طرقهم حاربهم وأسر منهم خمسمائة رجل وقتل منهم في المعركة ثلثمائة رجل فضرب أعناق الاسرى وبعث برؤس جميعهم إلى باب المعتصم ثم أقام عجيف بإزاء الزط خمسة عشر يوما فظفر منهم بخلق كثير وكان رئيس الزط رجلا يقال له محمد بن عثمان وكان صاحب أمره والقائم بالحرب سملق ومكث عجيف يقاتلهم فيما قيل تسعة أشهر (وحج) بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد * ثم دخلت سنة عشرين ومائتين * * ذكر ما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من دخول عجيف بالزط بغداد وقهره إياهم حتى طلبوا منه الامان فآمنهم فخرجوا إليه في ذى الحجة سنة 219 على أنهم آمنون على دمائهم وأموالهم وكانت عدتهم فيما ذكر سبعة وعشرين ألفا المقاتلة منهم اثنا عشر ألفا وأحصاهم عجيف سبعة وعشرين ألف إنسان بين رجل ومرأة وصبى ثم جعلهم في السفن وأقبل بهم حتى نزل الزعفرانية فأعطى أصحابه دينارين دينارين جائزة وأقام بها يوما وعبأهم في زواريقهم على هيئتهم في الحرب معهم البوقات حتى دخل بهم بغداد يوم عاشوراء سنة 220 والمعتصم بالشماسية في سفينة يقال لها الزو حتى مر به الزط على تعبئتهم ينفخون بالبوقات فكان أولهم بالقفص وآخرهم بحذاء الشماسية وأقاموا في سفنهم ثلاثة أيام ثم عبر بهم إلى الجانب الشرقي فدفعوا إلى (10 - 7)

[ 226 ]

بشر بن السميدع فذهب بهم إلى خانقين ثم نقلوا إلى الثغر إلى عين زربة فأغارت عليهم الروم فاجتاحوهم فلم يفلت منهم أحد فقال شاعرهم يا أهل بغداد موتوا دام غيظكم * شوقا إلى تمر برنى وسهريز نحن الذين ضربناكم مجاهرة * قسرا وسقناكم سوق المعاجيز لم تشكروا الله نعماه التى سلفت * ولم تحوطوا أياديه بتعزيز فاستنصروا العبد من أبناء دولتكم * من يا زمان ومن بلج ومن توز ومن شناس وأفشين ومن فرج * المعلمين بديباج وابريز واللابسى كمخان الصين قد خرطت * أردانه درز برواز الدخاريز والخاملين الشكى نيطت علائقها * إلى مناطق خاص غير مخروز يفرى ببيض من الهندي هامهم * بنو بهيلة في أبناء فيروز فوارس خيلها دهم مودعة * على الخراطيم منها والفراريز مسخرات لها في الماء أجنحة * كالابنوس إذا استحضرن والشيز متى تروموا لنا في غمر لجتنا * حذرا نصيدكم صيد المقاقيز أو اختطافا وإرهابا كما اختطفت * طير الرجال حثاثا بالشناقيز ليس الجلاد جلاد الزط فاعترفوا * أكل الثريد ولاشرب القواقيز نحن الذين سقينا الحرب درتها * ونققينها مقاساة الكواليز لنسفعنكم سفعا يدل له * رب السرير ويشجى صاحب التيز فابكوا على التمر أبكى الله أعينكم * في كل أضحى وفى فطر ونيروز (وفى هذه السنة) عقد المعتصم للافشين حيدر بن كاوس على الجبال ووجه به لحرب بابك وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة فعسكر بمصلى بغداد ثم صار إلى برزند ذكر الخبر عن أمر بابك ومخرجه * ذكر أن ظهور بابك كان في سنة 201 وكانت قريته ومدينته البد وهزم من جيوش السلطان وقتل من قواده جماعة فلما أفضى الامر إلى المعتصم وجه أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل وأمره أن يبنى الحصون التى خربها بابك

[ 227 ]

فيما بين زنجان وأردبيل ويجعل فيها الرجال مسالح لحفظ الطريق لمن يجلب الميرة إلى أردبيل فتوجه أبو سعيد لذلك وبنى الحصون التى خربها بابك ووجه بابك سرية له في بعض غاراته وصير أميرهم رجلا يقال له معاوية فخرج فأغار على بعض النواحى ورجع منصرفا فبلغ ذلك أبا سعيد محمد بن يوسف فجمع الناس وخرج إليه يعترضه في بعض الطريق فواقعه فقتل من أصحابه جماعة وأسر منهم جماعة واستنقذ ما كان حواه فهذه أول هزيمة كانت على أصحاب بابك ووجه أبو سعيد الرؤس والاسرى إلى المعتصم بالله ثم كانت الاخرى لمحمد بن البعيث وذلك أن محمد بن البعيث كان في قلعة له حصينة تسمى شاهى كان ابن البعيث أخذها من الوجناء بن الرواد عرضها نحو من فرسخين وهى من كورة آذربيجان وله حصن آخر في بلاد آذربيجان يسمى تبريز وشاهى أمنعهما وكان ابن البعيث مصالحا لبابك إذا توجهت سراياه نزلت به في أضافهم وأحسن إليهم حتى أنسوا به وصارت له عادة ثم ان بابك وجه رجلا من أصحابه يقال له عصمة من أصبهبذيه في سرية فنزل بابن البعيث فأنزل إليه ابن البعيث على العادة الجارية الغنم والانزال وغير ذلك وبعث إلى عصمة أن يصعد إليه في خاصته ووجوه أصحابه فصعد فغداهم وسقاهم حتى أسكرهم ثم وثب على عصمة فاستوثق منه وقتل من كان معه من أصحابه وأمره أن يسمى رجلا رجلا من أصحابه باسمه فكان يدعى بالرجل باسمه فيصعد ثم يأمر به فيضرب عنقه حتى علموا بذلك فهربوا ووجه ابن البعيث بعصمة إلى المعتصم وكان البعيث أبو محمد صعلوكا من صعاليك ابن الرواد فسأل المعتصم عصمة عن بلاد بابك فأعلمه طرقها ووجوه القتال فيها ثم لم يزل عصمة محبوسا إلى أيام الواثق ولما صار الافشين إلى برزند عسكر بها ورم الحصون فيما بين برزند وأردبيل وأنزل محمد بن يوسف بموضع يقال له خش فاحتفر فيه خندقا وأنزل الهيثم الغنوى القائد من أهل الجزيرة في رستاق يقال له أرشق فرم حصنه وحفر حوله خندقا وأنزل علويه الاعور من قواد الابناء في حصن مما يلى أردبيل يسمى حصن النهر فكانت السابلة والقوافل تخرج من أردبيل معها من يبذرقها

[ 228 ]

حتى تصل إلى حصن النهر ثم يبذرقها صاحب حصن النهر إلى الهيثم الغنوى ويخرج هيثم فيمن جاء من ناحيته حتى يسلمه إلى أصحاب حصن النهر ويبذرق من جاء من أردبيل حتى يصير الهيثم وصاحب حصن النهر في منتصف الطريق فيسلم صاحب حصن النهر من معه إلى هيثم ويسلم هيثم من معه إلى صاحب حصن النهر فيسير هذا مع هؤلاء وهذا مع هؤلاء وإن سبق أحدهما صاحبه إلى الموضع لم يجزه حتى يجئ الآخر فيدفع كل واحد منهما من معه إلى صاحبه ليبذرقهم هذا إلى أردبيل وهذا إلى عسكر الافشين ثم يبذرق الهيثم الغنوى من كان معه إلى أصحاب أبى سعيد وقد خرجوا فوقفوا على منتصف الطريق معهم قوم فيدفع أبو سعيد وأصحابه من معهم إلى الهيثم ويدفع الهيثم من معه إلى أصحاب أبى سعيد فيصير أبو سعيد وأصحابه بمن في القافلة إلى خش وينصرف الهيثم وأصحابه بمن صار في أيديهم إلى أرشق حتى يصيروا به من غد فيدفعونهم إلى علوية الاعور وأصحابه ليوصلوهم إلى حيث يريدون ويصير أبو سعيد ومن معه إلى خش ثم إلى عسكر الافشين فتلقاه صاحب سيارة الافشين فيقبض منه من في القافلة فيؤديهم إلى عسكر الافشين فلم يزل الامر جاريا على هذا وكلما صار إلى أبى سعيد أو إلى أحد من المسالح أحد من الجواسيس وجهوا به إلى الافشين فكان الافشين لا يقتل الجواسيس ولا يضربهم ولكن يهب لهم ويصلهم ويسألهم ما كان بابك يعطيهم فيضعفه لهم ويقول للجاسوس كن جاسوسا لنا (وفيها) كانت وقعة بين بابك وأفشين بأرشق قتل فيها الافشين من أصحاب بابك خلقا كثيرا قيل أكثر من ألف وهرب بابك إلى موقان ثم شخص منها إلى مدينته التى تدعى البذ * ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة بين الافشين وبابك * ذكر أن سبب ذلك أن المعتصم وجه مع بغا الكبير بمال إلى الافشين عطاء لجنده وللنفقات فقدم بغا بذلك المال إلى أردبيل فلما نزل أردبيل بلغ بابك وأصحابه خبره فتهيأ بابك وأصحابه ليقطعوا عليه قبل وصوله إلى الافشين فقدم صالح الجاسوس على الافشين فأخبره أن بغا الكبير قد قدم بمال وأن بابك

[ 229 ]

وأصحابه قد تهيئوا ليقتطعوه قبل وصوله اليك (وقيل) كان مجئ صالح إلى أبى سعيد فوجه به أبو سعيد إلى الافشين وهيأ بابك كمينا في مواضع فكتب الافشين إلى أبى سعيد يأمره أن يحتال لمعرفة صحة خبر بابك فمضى أبو سعيد متنكرا هو وجماعة من أصحابه حتى نظروا إلى النيران والوقود في المواضع التى وصفها لهم صالح فكتب الافشين إلى بغا أن يقيم بأردبيل حتى يأتيه رأيه وكتب أبو سعيد إلى الافشين بصحة خبر صالح فوعد الافشين صالحا وأحسن إليه ثم كتب الافشين إلى بغا أن يظهر أنه يريد الرحيل ويشد المال على الابل ويقطرها ويسير متوجها من أردبيل كأنه يريد برزند فإذا صار إلى مسلحة النهر أو سار شبيها بفرسخين احتبس القطار حتى يجوز من صحب المال إلى برزند فإذا جازت القافلة رجع بالمال إلى أردبيل ففعل ذلك بغا وسارت القافلة حتى نزلت النهر وانصرف جواسيس بابك إليه يعلمونه أن المال قد حمل وعاينوه محمولا حتى صار إلى النهر ورجع بغا بالمال إلى أردبيل وركب الافشين في اليوم الذى وعد فيه بغا عند العصر من برزند فوافى خش مع غروب الشمس فنزل معسكرا خارج خندق أبى سعيد فلما أصبح ركب في سر لم يضرب طبلا ولا نشر علما وأمر أن يلف الاعلام وأمر الناس بالسكوت وجد في السير ورحلت القافلة التى كانت توجهت في ذلك اليوم من النهر إلى ناحية الهيثم الغنوى ورحل الافشين من خش يريد ناحية الهيثم ليصادفه في الطريق ولم يعلم الهيثم فرحل بمن كان معه من القافلة يريد بها النهر وتعبأ بابك في خيله ورجاله وعساكره وصار على طريق النهر وهو يظن أن المال موافيه وخرج صاحب النهر ببذرق من قبله إلى الهيثم فخرجت عليه خيل بابك وهم لا يشكون أن المال معه فقاتلهم صاحب النهر فقتلوه وقتلوا من كان معه من الجند والسابلة وأخذوا جميع ما كان معهم من المتاع وغيره وعلموا أن المال قد فاتهم وأخذوا علمه وأخذوا لباس أهل النهر ودراريعهم وطراداتهم وخفاتينهم فلبسوها وتنكروا ليأخذوا الهيثم الغنوى ومن معه أيضا ولا يعلمون بخروج الافشين وجاؤا كأنهم أصحاب النهر فلما جاؤا لم يعرفوا

[ 230 ]

الموضع الذى كان يقف فيه علم صاحب النهر فوقفوافى غير موضع صاحب النهر وجاء الهيثم فوقف في موقفه فأنكر ما رأى فوجه ابن عم له فقال له اذهب إلى هذا البغيض فقل له لاى شئ وقوفك فجاء ابن عم الهيثم فلما رأى القوم أنكرهم لما دنا منهم فرجع إلى الهيثم فقال له ان هؤلاء القوم لست أعرفهم فقال له الهيثم أخزاك الله ما أجبنك ووجه خمسة فرسان من قبله فلما جاؤا وقربوا من بابك خرج من الخرمية رجلان فتلقوهما وأنكروهما وأعلموهما أنهم قد عرفوهما ورجعوا إلى الهيثم ركضا فقالوا إن الكافر قد قتل علويه وأصحابه وأخذوا أعلامهم ولباسهم فرحل هيثم منصرفا فأتى القافلة التى جاء بها معه وأمرهم أن يركضوا ويرجعوا لئلا يؤخذوا ووقف هو في أصحابه يسير بهم قليلا قليلا ويقف بهم قليلا ليشغل الخرمية عن القافلة وصار شبيها بالحامية لهم حتى وصلت القافلة إلى الحصن الذى يكون فيه الهيثم وهو أرشق وقال لاصحابه من يذهب منكم إلى الامير وإلى أبى سعيد فيعلمهما وله عشرة آلاف درهم وفرس بدل فرسه إن نفق فرسه فله مثل فرسه على مكانه فتوجه رجلان من أصحابه على فرسين فارهين يركضان ودخل الهيثم الحصن وخرج بابك فيمن معه فنزل بالحصن ووضع له كرسى وجلس على شرف بحيال الحصن وأرسل إلى الهيثم خل عن الحصن وانصرف حتى أهدمه فأبى الهيثم وحاربه وكان مع الهيثم في الحصن ستمائة راجل وأربعمائة فارس وله خندق حصين فقاتله وقعد بابك فيمن معه ووضع الخمر بين يديه ليشربها والحرب مشتبكة كعادته ولقى الفارسان الافشين على أقل من فرسخ من أرشق فساعة نظر اليهما من بعيد قال لصاحب مقدمته أرى فارسين يركضان ركضا شديدا ثم قال اضربوا الطبل وانشروا الاعلام واركضوا نحو الفارسين ففعل أصحابه ذلك وأسرعوا السير وقال لهم صيحوا بهما لبيك لبيك فلم يزل الناس في طلق واحد متراكضين يكسر بعضهم بعضا حتى لحقوا بابك وهو جالس فلم يتدارك أن يتحول ويركب حتى وافته الخيل والناس واشتبكت الحرب فلم يفلت من رجالة بابك أحد وأفلت هو في نفر يسير ودخل موقان وقد تقطع عنه أصحابه وأقام

[ 231 ]

الافشين في ذلك الموضع وبات ليلته ثم رجع إلى معسكره ببرزند فاقام بابك بموقان أياما ثم إنه بعث إلى البذ فجاءه في الليل عسكر فيه رجالة فرحل بهم من موقان حتى دخل البذ فلم يزل الافشين معسكرا ببرزند فلما كان في بعض الايام مرت به قافلة من خش إلى برزند ومعها رجل من قبل أبى سعيد يسمى صالح آب كش تفسيره السقاء فخرج عليه اصبهبذ بابك فاخذ القافلة وقتل من فيها وقتل من كان مع صالح وأفلت صالح بلا خف مع من أفلت وقتل جميع أهل القافلة وانتهب متاعهم فقحط عسكر الافشين من أجل تلك القافلة التى أخذت من الآب كش وذلك أنها كانت تحمل الميرة فكتب الافشين إلى صاحب المراغة يأمره بحمل الميرة وتعجيلها عليه فان الناس قد قحطوا وجاعوا فوجه إليه صاحب المراغة بقافلة ضخمة فيها قريب من ألف ثور سوى الحمر والدواب وغير ذلك تحمل الميرة ومعها جند يبذرقونها فخرجت عليهم أيضا سرية لبابك كان عليك طرخان أو آذين فاستباحوها عن آخرها بجميع ما فيها وأصاب الناس ضيق شديد فكتب الافشين إلى صاحب السيروان أن يحمل إليه طعاما فحمل إليه طعاما كثيرا وأغاث الناس في تلك السنة وقدم بغا على الافشين بمال ورجال (وفى هذه السنة) خرج المعتصم إلى القاطول وذلك في ذى القعدة منها * ذكر الخبر عن سبب خروجه إليها * ذكر عن أبى الوزير أحمد بن خالد أنه قال بعثنى المعتصم في سنة 219 وقال لى يا أحمد اشتر لى بناحية سامرا موضعا أبنى فيه مدينة فإنى أتخوف أن يصيح هؤلاء الحربية صيحة فيقتلون غلماني حتى أكون فوقهم فإن رابنى منهم ريب أتيتهم في البر والبحر حتى آتى عليهم وقال لى خذ مائة ألف دينار * قال قلت آخذ خمسة آلاف دينار فكلما احتجت إلى زيادة بعثت اليك فاستزدت قال نعم فأتيت الموضع فاشتريت سامرا بخمسمائة درهم من النصارى أصحاب الدير واشتريت موضع البستان الخاقانى بخمسة آلاف درهم واشتريت عدة مواضع حتى أحكمت ما أردت ثم انحدرت فأتيته بالصكاك فعزم على الخروج إليها في سنة 220 فخرج حتى إذا

[ 232 ]

قارب القاطول ضربت له فيه القباب والمضارب وضرب الناس الاخبية ثم لم يزل يتقدم وتضرب له القباب حتى وضع البناء بسامرا في سنة 221 * فذكر عن أبى الحسن بن أبى عباد الكاتب أن مسرور الخادم الكبير قال سألني المعتصم أين كان الرشيد يتنزه إذا ضجر من المقام ببغداد (قال) قلت له بالقاطول وقد كان بنى هناك مدينة آثارها وسورها قائم وقد كان خاف من الجند ما خاف المعتصم فلما وثب أهل الشأم بالشأم وعصوا خرج الرشيد إلى الرقة فأقام بها وبقيت مدينة القاطول لم تستتم ولما خرج المعتصم إلى القاطول استخلف ببغداد ابنه هارون الواثق * وقد حدثنى جعفر بن محمد بن بوازة الفراء أن سبب خروج المعتصم إلى القاطول كان أن غلمانه الاتراك كانوا لا يزالون يجدون الواحد بعد الواحد منهم قتيلا في أرباضها وذلك أنهم كانوا عجما جفاة يركبون الدواب فيتراكضون في طرق بغداد وشوارعها فيصدمون الرجل والمرأة ويطؤن الصبى فيأخذهم الابناء فينكسونهم عن دوابهم ويجرحون بعضهم فربما هلك من الجراح بعضهم فشكت الاتراك ذلك إلى المعتصم وتأذت بهم العامة فذكر أنه رأى المعتصم راكبا منصرفا من المصلى في يوم عيد أضحى أو فطر فلما صار في مربعة الحرشى نظر إلى شيخ قد قام إليه فقال له يا أبا اسحق قال فابتدره الجند ليضربوه فأشار إليهم المعتصم فكفهم عنه فقال للشيخ مالك قال لاجزاك الله عن الجوار خيرا جاورتنا جئت بهؤلاء العلوج فأسكنتهم بين أظهرنا فأيتمت بهم صبياننا وأرملت بهم نسواننا وقتلت بهم رجالنا والمعتصم يسمع ذلك كله قال ثم دخل داره فلم ير راكبا إلى السنة القابلة في مثل ذلك اليوم فلما كان في العام المقبل في مثل ذلك اليوم خرج فصلى بالناس العيد ثم لم يرجع إلى منزله ببغداد ولكنه صرف وجه دابته إلى ناحية القاطول وخرج من بغداد ولم يرجع إليها (وفى هذه السنة) غضب المعتصم على الفضل بن مروان وحبسه * ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وحبسه إياه وسبب اتصاله بالمعتصم * ذكر أن الفضل بن مروان وهو رجل من أهل البردان كان متصلا برجل

[ 233 ]

من العمال يكتب له وكان حسن الخط ثم صار مع كاتب كان للمعتصم يقال له يحيى الجرمقانى وكان الفضل بن مروان يخط بين يديه فلما مات الجرمقانى صار الفضل في موضعه وكان يكتب للفضل على بن حسان الانباري فلم يزل كذلك حتى بلغ المعتصم الحال التى بلغها والفضل كاتبه ثم خرج معه إلى معسكر المأمون ثم خرج معه إلى مصر فاحتوى على أموال مصر ثم قدم الفضل قبل موت المأمون بغداد ينفذ أمور المعتصم ويكتب على لسانه بما أحب حتى قدم المعتصم خليفة فصار الفضل صاحب الخلافة وصارت الدواوين كلها تحت يديه وكنز الاموال وأقبل أبو اسحق حين دخل بغداد يأمره بإعطاء المغنى والملهى فلا ينفذ الفضل ذلك فثقل على أبى اسحاق فحدثني ابراهيم بن جهرويه أن ابراهيم المعروف بالهفتى وكان مضحكا أمر له المعتصم بمال وتقدم إلى الفضل بن مروان في اعطائه ذلك فلم يعطه الفضل ما أمر له به المعتصم فبينا الهفتى يوما عند المعتصم بعد ما بنيت له داره التى ببغداد واتخذ له فيها بستان قام المعتصم تمشى في البستان ينظر إليه وإلى ما فيه من أنواع الرياحين والغروس ومعه الهفتى وكان الهفتى يصحب المعتصم قبل أن يفضى الخلافة إليه فيقول فيما يداعبه والله لا تفلح أبدا قال وكان الهفتى رجلا مربوعا ذا كدنة والمعتصم رجلا معرفا خفيف اللحم فجعل المعتصم يسبق الهفتى في المشى فإذا تقدمه ولم ير الهفتى معه التفت إليه فقال له مالك لا تمشى يستعجله المعتصم في المشى ليلحق به فلما كثر ذلك من أمر المعتصم على الهفتى قال له الهفتى مداعبا له كنت أصلحك الله أرانى أماشى خليفة ولم أكن أرانى أماشى فيجا والله لا أفلحت فضحك منها المعتصم وقال ويلك هل بقى من الفلاح شئ لم أدركه أبعد الخلافة تقول هذا لى فقال له الهفتى أتحسب أنك قد أفلحت الآن انمالك من الخلافة الاسم والله ما يجاوز أمرك أذنيك وإنما الخليفة الفضل ابن مروان الذى يأمر فينفذ أمره من ساعته فقال له المعتصم وأى أمر لى لا ينفذ فقال له الهفتى أمرت لى بكذا وكذا منذ شهرين فما أعطيت مما أمرت به منذ ذاك حبة (قال) فاحتجنها على الفضل المعتصم حتى أوقع به (فقيل) إن أول ما أحدثه في أمره حين تغير له أن صير أحمد بن عمار الخرساني زماما عليه في نفقات الخاصة ونصر بن منصور

[ 234 ]

ابن بسام زماما عليه في الخراج وجميع الاعمال فلم يزل كذلك وكان محمد بن عبد الملك الزيات يتولى ما كان أبوه يتولاه للمأمون من عمل المشمس والفساطيط وآلة الجمازات ويكتب على ذلك مما جرى على يدى محمد بن عبد الملك وكان يلبس إذا حضر الدار دراعة سوداء وسيفا بحمائل فقال له الفضل بن مروان انما أنت تاجر فمالك وللسواد والسيف فترك ذلك محمد فلما تركه أخذه الفضل برفع حسابه إلى دليل بن يعقوب النصراني فرفعه فأحسن دليل في أمره ولم يرزأه شيئا وعرض عليه محمد هدايا فأبى دليل أن يقبل منها شيئا فلما كانت سنة 219 وقيل سنة 20 وذلك عندي خطأ خرج المعتصم يريد القاطول ويريد البناء بسامرا فصرفه كثرة زيادة دجلة فلم يقدر على الحركة فانصرف إلى بغداد إلى الشماسية ثم خرج بعد ذلك فلما صار بالقاطول غضب على الفضل بن مروان وأهل بيته في صفر وأمرهم برفع ما جرى على أيدهم وأخذ الفضل وهو مغضوب عليه في عمل حسابه فلما فرغ من الحساب لم يناظر فيه وأمر بحبسه وأن يحمل إلى منزله ببغداد في شارع الميدان وحبس أصحابه وصير مكانه محمد بن عبد الملك الزيات فحبس دليلا ونفى الفضل إلى قرية في طريق الموصل يقال لها السن فلم يزل بها مقيما فصار محمد بن عبد الملك وزيرا كاتبا وجرى على يديه عامة ما بنى المعتصم بسامرا من الجانبين الشرقي والغربي ولم يزل في مرتبته حتى استخلف المتوكل فقتل محمد بن عبد الملك * وذكر أن المعتصم لما استوزر الفضل بن مروان حل من قبله الحل الذى لم يكن أحد يطمع في ملاحظته فضلا عن منازعته ولا في الاعتراض في أمره ونهيه وارادته وحكمه فكانت هذه صفته ومقداره حتى حملته الدالة وحركته الحرمة على خلافه في بعض ما كان يأمره به ومنعه ما كان يحتاج إليه من الاموال في مهم أموره فذكر عن ابن أبى دؤاد أنه قال كنت أحضر مجلس المعتصم فكثيرا ما كنت أسمعه يقول للفضل بن مروان أحمل إلى كذا وكذا من المال فيقول ما عندي فيقول فاحتلها من وجه من الوجوه فيقول ومن أين احتالها ومن يعطينى هذا القدر من المال وعند من أجده فكان ذلك يسوؤه وأعرفه في وجهه فلما كثر هذا من فعله ركبت

[ 235 ]

إليه يوما فقلت له مستخليا به يا أبا العباس إن الناس يدخلون بينى وبينك بما أكره وتكره وأنت أمرؤ قد عرفت أخلاقك وقد عرفها الداخلون بيننا فإذا حركت فيك بحق فاجعله باطلا وعلى ذلك فما أدع نصيحتك وأداء ما يجب على في الحق لك وقد أراك كثيرا ما ترد على أمير المؤمنين أجوبة غليظة ترمضه وتقدح في قلبه والسلطان لا يحتمل هذا لابنه لاسيما إذا كثر ذلك وغلظ قال وما ذاك يا أبا عبد الله قلت أسمعه كثيرا ما يقول لك نحتاج إلى كذا من المال لنصرفه في وجه كذا فتقول ومن يعطينى هذا وهذا مالا يحتمله الخلفاء قال فما أصنع إذا طلب منى ما ليس عندي قلت تصنع أن تقول يا أمير المؤمنين نحتال في ذاك بحيلة فتدفع عنك أياما إلى أن يتهيأ وتحمل إليه بعض ما يطلب وتسوفه بالباقي قال نعم أفعل وأصير إلى ما أشرت به قال فوالله لكأنى كنت أغريه بالمنع فكان إذا عاوده بمثل ذلك من القول عاد إلى مثل ما يكره من الجواب قال فلما كثر ذلك عليه دخل يوما إليه وبين يديه حزمة نرجس غض فأخذها المعتصم فهزها ثم قال حياك الله يا أبا العباس فأخذها الفضل بيمينه وسل المعتصم خاتمه من أصبعه بيساره وقال له بكلام خفى أعطني خاتمي فانتزعه من يده ووضعه في يد ابن عبد الملك (وحج بالناس) في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد * ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك الوقعة التى كانت بين بابك وبغا الكبير من ناحية هشتادسر فهزم بغا واستبيح عسكره (وفيها) واقع الافشين بابك وهزمه * ذكر الخبر عن هذه الوقعة وكيف كان السبب فيها * ذكر أن بغا الكبير قدم بالمال الذى قد مضى ذكره وأن المعتصم وجهه معه إلى الافشين عطاء للجند الذى كان معه ولنفقات الافشين على الافشين وبالرجال الذين توجهوا معه إليه فأعطى الافشين أصحابه وتجهز بعد النيروز ووجه بغا في

[ 236 ]

عسكر ليدور حول هشتادسر وينزل في خندق محمد بن حميد ويحفره ويحكمه وينزله فتوجه بغا إلى خندق محمد بن حميد وصار إليه ورحل الافشين من برزند ورحل أبو سعيد من حش يريد بابك فتوافوا بموضع يقال له دروذ فاحتفر الافشين بها خندقا وبنى حوله سورا ونزل هو وأبو سعيد في الخندق مع من كان صار إليه من المطوعة فكان بينه وبين البذ ستة أميال ثم إن بغا تجهز وحمل معه الزاد من غير أن يكون الافشين كتب إليه ولا أمره بذلك فدار حول هشتادسر حتى دخل إلى قرية البذ فنزل في وسطها وأقام بها يوما واحدا ثم وجه ألف رجل في علافة له فخرج عسكر من عساكر بابك فاستباح العلافة وقتل جميع من قاتله منهم وأسر من قدر عليه وأخذ بعض الاسرى فأرسل منهم رجلين مما يلى الافشين وقال لهما اذهبا إلى الافشين وأعلماه ما نزل بأصحابكم فأشرف الرجلان فنظر اليهما صاحب الكوهبانية فحرك العلم فصاح أهل العسكر السلاح السلاح وركبوا يريدون البذ فتلقاهم الرجلان عريانين فأخذهما صاحب المقدمة فمضى بهما إلى الافشين فأخبراه بقضيتهما فقال فعل شيئا من غير أن نأمره ورجع بغا إلى خندق محمد بن حميد شبيها بالمنهزم وكتب إلى الافشين يعلمه ذلك ويسأله المدد ويعلمه أن العسكر مفلول فوجه إليه الافشين أخاه الفضل بن كاوس وأحمد بن الخليل بن هشام وابن جوشن وجناحا الاعور السكرى وصاحب شرطة الحسن بن سهل وأحد الاخوين قرابة الفضل بن سهل فداروا حول هشتادسر قسروا أهل عسكره بهم ثم كتب الافشين إلى بغا يعلمه أنه يغزو بابك في يوم سماه له ويأمره أن يغزوه في ذلك اليوم بعينه ليحاربه من كلا الوجهين فخرج الافشين في ذلك اليوم من دروذ يريد بابك وخرج بغا من خندق محمد بن حميد فصعد إلى هشتادسر فعسكر على دعوة بجنب قبر محمد بن حميد فهاجت ريح باردة ومطر شديد فلم يكن للناس عليها صبر لشدة البرد وشدة الريح فانصرف بغا إلى عسكره وواقعهم الافشين من الغد وقد رجع بغا إلى عسكره فهزمه الافشين وأخذ عسكره وخيمته وامرأة كانت معه في العسكر ونزل الافشين في معسكر بابك ثم تجهز بغا من الغد وصعد

[ 237 ]

هشتادسر فأصاب العسكر الذى كان مقيما بإزائه بهشتادسر قد انصرف إلى بابك ورحل بغا إلى موضعه فأصاب خرثيا وقماشا وانحدر من هشتادسر يريد البذ فأصاب رجلا وغلاما نائمين فأخذهما داود سياه وكان على مقدمته فساءلهما فذكر أن رسول بابك أتاهم في الليلة التى انهزم فيها بابك فأمرهم أن يوافوه بالبذ فكان الرجل والغلام سكرانين فذهب بهما النوم فلا يعرفان من الخبر غير هذا وكان ذلك قبل صلاة العصر فبعث بغا إلى داود سياه قد توسطنا الموضع الذى نعرفه يعنى الذى كنا فيه في المرة الاولى وهذا وقت المساء وقد تعب الرجالة فانظر جبلا حصينا يسع عسكرنا حتى نعسكر فيه ليلتنا هذه فالتمس داود سياه ذلك فصعد إلى بعض الجبال فالتمس أعلاه فأشرف فرأى أعلام الافشين ومعسكره شبه الحيال فقال هذا موضعنا إلى غدوة وننحدر من الغد إلى الكافر إن شاء الله فجاءهم في تلك الليلة سحاب وبرد ومطر وثلج كثير فلم يقدر أحد حين أصبحوا أن ينزل من الجبل يأخذ ماء ولا يسقى دابته من شدة البرد وكثرة الثلج وكأنهم كانوا في ليل من شدة الظلمة والضباب فلما كان اليوم الثالث قال الناس لبغاقد فنى ما معنا من الزاد وقد أضر بنا البرد فانزل على أي حالة كانت إما راجعين وإما إلى الكافر وكان في أيام الضباب فبيت بابك الافشين ونقض عسكره وانصرف الافشين عنه إلى معسكره فضرب بغا بالطبل وانحدر يريد البذ حتى صار إلى البطن فنظر إلى السماء منجلية والدنيا طيبة غير رأس الجبل الذى كان عليه بغا فعبى بغا أصحابه ميمنة وميسرة ومقدمة وتقدم يريد البذ وهو لا يشك أن الافشين في موضع معسكره فمضى حتى صار بلزق جبل البذ ولم يبق بينه وبين أن يشرف على أبيات البذ الا صعود قدر نصف ميل وكان على مقدمته جماعة فيهم غلام لابن البعيث له قرابة بالبذ فلقيتهم طلائع لبابك فعرف بعضهم الغلام فقال له فلان فقال من هذا ههنا فسمى له من كان معه من أهل بيته فقال ادن حتى أكلمك فدنا الغلام منه فقال له ارجع وقل لمن تعنى به يتنحى فإنا قد بيتنا الافشين وانهزم إلى خندقه وقد هيأنا لكم عسكرين فعجل الانصراف لعلك أن تفلت فرجع الغلام فأخبر ابن البعيث

[ 238 ]

بذلك وسمى له الرجل فعرفه ابن البعيث فأخبر ابن البعيث بغا بذلك فوقف بغا وشاور أصحابه فقال بعضهم هذا باطل هذه خدعة ليس من هذا شئ فقال بعض الكوهبانيين ان هذا رأس جبل أعرفه من صعد إلى رأسه نظر إلى عسكر الافشين فصعد بغا والفضل بن كاوس وجماعة منهم ممن نشط فأشرفوا على الموضع فلم يروا فيه عسكر الافشين فتيقنوا أنه قد مضى وتشاوروا فرأوا أن ينصرف الناس راجعين في صدر النهار قبل أن يجنهم الليل فأمر بغا داود سياه بلانصراف فتقدم داود وجد في السير ولم يقصد الطريق الذى كان دخل منه إلى هشتادسر مخافة المضايق والعقاب وأخذ الطريق الذى كان دخل منه في المرة الاولى يدور حول هشتادسر وليس فيه مضيق إلا في موضع واحد فسار بالناس وبعث بالرجالة فطرحوا رماحهم وأسلحتهم في الطريق ودخلتهم وحشة شديدة ورعب وصار بغا والفضل بن كاوس وجماعة القواد في الساقة وظهرت طلائع بابك فكلما نزل هؤلاء جبلا صعدته طلائع بابك يتراءون لهم مرة ويغيبون عنهم مرة وهم في ذلك يقفون آثارهم وهم قدر عشرة فرسان حتى كان بين الصلاتين الظهر والعصر فنزل بغا ليتوضأ ويصلى فتدانت منه طلائع بابك فبرزوا لهم وصلى بغا ووقف في وجوههم فوقفوا حين رأوه فتخوف بغا على عسكره أن يواقعه الطلائع من ناحية ويدور عليهم في بعض الجبال والمضايق قوم آخرون فشاور من حضره وقال لست آمن أن يكونوا جعلوا هؤلاء مشغلة يحبسوننا عن المسير ويقدمون أصحابهم ليأخذوا على أصحابنا المضايق فقال له الفضل بن كاوس ليس هؤلاء أصحاب نهار وإنما هم أصحاب ليل وإنما يتخوف على أصحابنا من الليل فوجه إلى داود سياه ليسرع السير ولا ينزل ولو صار إلى نصف الليل حتى يجاوز المضيق ونقف نحن ههنا فان هؤلاء ماداموا يروننا في وجوههم لا يسيرون فنماطلهم وندافعهم قليلا قليلا حتى تجئ الظلمة فإذا جاءت الظلمة لم يعرفوا لنا موضعا وأصحابنا يسيرون فينفذون أولا فأولا فان أخذ علينا نحن المضيق تخلصنا من طريق هشتادسر أو من طريق آخر وأشار غيره على بغا فقال ان العسكر قد تقطع وليس يدرك أوله

[ 239 ]

آخره والناس قد رموا بسلاحهم وقد بقى المال والسلاح على البغال وليس معه أحد ولا نأمن أن يخرج عليه من يأخذ المال والاسير وكان ابن جويدان معهم أسيرا أرادوا أن يفادوا به كاتبا لعبد الرحمن بن حبيب أسره بابك فعزم بغا على أن يعسكر بالناس حين ذكر له المال والسلاح والاسير فوجه إلى داود سياه حيث ما رأيت جبلا حصينا فعسكر عليه فعدل داود إلى جبل مؤرب لم يكن للناس موضع يقعدون فيه من شدة هبوطه فعسكر عليه فضرب مضربا لبغا على طرف الجبل في موضع شبيه بالحائط ليس فيه مسلك وجاء بغا فنزل وأنزل الناس وقد تعبوا وكلوا وفنيت أزوادهم فباتوا على تعبئة وتحارس من ناحية المصعد فجاءهم العدو من الناحية الاخرى فتعلقوا بالجبل حتى صاروا إلى مضرب بغا فكبسوا المضرب وبيتوا العسكر وخرج بغا راجلا حتى نجا وجرح الفضل ابن كاوس وقتل جناح السكرى وقتل ابن جوشن وقتل أحد الاخوين قرابة الفضل بن سهل وخرج بغا من العسكر راجلا فوجد دابة فركبها ومر بابن البعيث فأصعده على هشتادسر حتى انحدر به على عسكر محمد بن حميد فوافاه في جوف الليل وأخذ الخرمية المال والمعسكر والسلاح والاسير ابن جويدان ولم يتبعوا الناس ومر الناس منهزمين منقطعين حتى وافوا بغا وهو في خندق محمد ابن حميد فأقام بغا في خندق محمد بن حميد خمسة عشر يوما فأتاه كتاب الافشين يأمره بالرجوع إلى المراغة وأن يرد إليه المدد الذى كان أمده به فمضى بغا إلى المراغة وانصرف الفضل بن كاوس وجميع من كان جاء معه من عسكر الافشين إلى الافشين وفرق الافشين الناس في مشاتيهم تلك السنة حتى جاء الربيع من السنة المقبلة (وفى هذه السنة) قتل قائد لبابك كان يقال له طرخان * ذكر سبب قتله * ذكر أن طرخان هذا كان عظيم المنزلة عند بابك وكان أحد قواده فلما دخل الشتاء من هذه السنة استأذن بابك في الاذن له أن يشتو في قرية له بناحية المراغة وكان الافشين يرصده ويحب الظفر به لمكانه من بابك فأذن له بابك فصار إلى قريته ليشتو بها

[ 240 ]

بناحية هشتادسر فكتب الافشين إلى ترك مولى إسحق بن إبراهيم بن مصعب وهو بالمراغة يأمره أن يسرى إلى تلك القرية ووصفها له حتى يقتل طرخام أو يبعث به إليه أسيرا فأسرى ترك إلى طرخان فصار إليه في جوف الليل فقتل طرخان وبعث برأسه إلى الافشين (وفى هذه السنة) قدم صول أرتكين وأهل بلاده في قيود فنزعت قيودهم وحمل على الدواب منهم نحو من مائتي رجل (وفيها) غضب الافشين على رجاء الحضاري وبعث به مقيدا (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس وهو والى مكة * ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من توجيه المعتصم جعفر بن دينار الخياط إلى الافشين مددا له ثم إتباعه بعد ذلك بايتاخ وتوجيهه معه ثلاثين ألف ألف درهم عطاء للجند وللنفقات (وفيها) كانت وقعة بين أصحاب الافشين وقائد لبابك يقال له آذين * ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها * ذكر أن الشتاء لما انقضى من سنة 221 وجاء الربيع ودخلت معه سنة 222 ووجه المعتصم إلى الافشين ما وجهه إليه من المدد والمال فوافاه ذلك كله ببرزند سلم ايتاخ إلى الافشين المال والرجال الذين كانوا معه وانصرف وأقام جعفر الخياط مع الافشين مدة ثم رحل الافشين عند إمكان الزمان فصار إلى موضع يقال له كلان روذ فاحتفر فيه خندقا وكتب إلى أبى سعيد فرحل من برزند إلى إزائه على طرف رستاق كلان روذ وتفسيره نهر كبير بينهما قدر ثلاثة أميال فأقام معسكرا في خندق فأقام بكلان روذ خمسة أيام فأتاه من أخبره أن قائدا من قواد بابك يدعى آذين قد عسكر بازاء الافشين وأنه قد صير عياله في جبل يشرف على روذ الروذ وقال لاأتحصن من اليهود يعنى المسلمين ولا أدخل عيالي حصنا وذلك أن بابك

[ 241 ]

قال له أدخل عيالك الحصن قال أنا أتحصن من اليهود والله لا أدخلتهم حصنا أبدا فنقلهم إلى هذا الجبل فوجه الافشين ظفر بن العلاء السعدى والحسين بن خالد المدائني من قواد أبى سعيد في جماعة من الفرسان والكوهبانية فساروا ليلتهم من كلان روذ حتى انحدرا في مضيق لا يمر فيه راكب واحد إلا بجهد فأكثر الناس قادوا دوابهم وانسلوا رجلا خلف رجل فأمرهم أن يصيروا قبل طلوع الفجر على روذ الروذ فيعبر الكوهبانية رجالة لانه لا يمكن الفارس أن يتحرك هناك ويتسلقوا الجبل فصاروا على روذ الروذ قبل السحر ثم أمر من أطاف من الفرسان أن يترجل وينزع ثيابه فترجل عامة الفرسان وعبروا وعبر معهم الكوهبانية جميعا وصعدوا الجبل فأخذوا عيال آذين وبعض ولده وعبروا بهم وبلغ آذين الخبر بأخذ عياله وكان الافشين عند توجه هؤلاء الرجالة ودخولهم المضيق يخاف أن يؤخذ عليهم المضيق فأمر الكوهبانية أن يكون معهم أعلام وأن يكونوا على رؤس الجبال الشواهق في المواضع التى يشرفون منها على ظفر ابن العلاء وأصحابه فإن رأوا أحدا يخافونه حركوا الاعلام فبات الكوهبانية على رؤوس الجبال فلما رجع ابن العلاء والحسين بن خالد بمن أخذوا من عيال آذين وصاروا في بعض الطريق قبل أن يصيروا إلى المضيق انحدر عليهم رجالة آذين فحاربوهم قبل أن يدخلوا المضيق فوقع بينهم قتلى واستنقذوا بعض النساء ونظر إليهم الكوهبانية الذين رتبهم الافشين وكان آذين قد وجه عسكرين عسكرا يقاتلهم وعسكرا يأخذ عليهم المضيق فلما حرك الاعلام وجه الافشين مظفر ابن كيدر في كردوس من أصحابه فأسرع الركض ووجه أبا سعيد خلف المظفر واتبعهما ببخار اخذاه فوافوا فلما نظر إليهم رجالة آذين الذين كانوا على المضيق انحدروا عن المضيق وانضموا إلى أصحابهم ونجا ظفر بن العلاء والحسين بن خالد ومن معهما من أصحابهما ولم يقتل منهم إلا من قتل في الوقعة الاولى وجاؤا جميعا إلى عسكر الافشين ومعهم بعض النساء اللواتى أخذوهن (وفى هذه السنة) فتحت البذ مدينة بابك ودخلها المسلمون واستباحوها وذلك في يوم الجمعة لعشر بقين (16 - 8)

[ 242 ]

من شهر رمضان في هذه السنة * ذكر الخبر عن أمرها وكيف فتحت والسبب في ذلك * ذكر أن الافشين لما عزم على الدنو من البذ والارتحال من كلان روذ جعل يزحف قليلا قليلا على خلاف زحفه قبل ذلك إلى المنازل التى كان ينزلها فكان يتقدم الاميال الاربعة فيعسكر في موضع على طريق المضيق الذى ينحدر إلى روذ الروذ ولا يحفر خندقا ولكنه يقيم معسكرا في الحسك وكتب إليه المعتصم يأمره أن يجعل الناس نوائب كراديس تقف على ظهور الخيل كما يدور العسكر بالليل فبعض القوم معسكرون وبعض وقوف على ظهور دوابهم على ميل كما يدور العسكر بالليل والنهار مخافة البيات كى إن دهمهم أمر يكون الناس على تعبية والرجالة في العسكر فضخ الناس من التعب وقالوا كم نقعد ههنا في المضيق ونحن قعود في الصحراء وبيننا وبين العدو أربع فراسخ ونحن نفعل فعالا كأن العدو بإزائنا قد استحينا من الناس والجواسيس الذين يمرون بيننا وبين العدو أربعة فراسخ ونحن قد متنا من الفزع أقدم بنا فإما لنا وإما علينا فقال أنا والله أعلم أن ما تقولون حق ولكن أمير المؤمنين أمرنى بهذا ولا أجد منه بدا فلم يلبث أن جاءه كتاب المعتصم يأمره أن يتحرى بدراجه الليل على حسب ما كان فلم يزل كذلك أياما ثم انحدر في خاصته حتى نزل إلى روذ الروذ وتقدم حتى شارف الموضع الذى به الركوة التى واقعه عليها بابك في العام الماضي فنظر إليها ووجد عليها كردوسا من الخرمية فلم يحاربوه ولم يحاربهم فقال بعض العلوج مالكم تجيئون وتقرون أما تستحيون فأمر الافشين ألا يجيئوهم ولا يبرز إليهم أحد فلم يزل مواقفهم إلى قريب من الظهر ثم رجع إلى عسكره فمكث فيه يومين ثم انحدر أيضا في أكثر مما كان انحدر في المرة الاولى فأمر أبا سعيد أن يذهب فيواقفهم على حسب ما كان واقفهم في المرة الاولى ولا يحركهم ولا يهجم عليهم وأقام الافشين بروذ الروذ وأمر الكوهبانية أن يصعدوا إلى رؤس الجبال التى يظنون أنها حصينة فيتراؤا له فيها ويختاروا له في رؤس الجبال

[ 243 ]

مواضع يتحصن فيها الرجالة فاختاروا له ثلاثة أجبل قد كانت عليها حصون فيما مضى فخربت فعرفها ثم بعث إلى أبى سعيد فصرفه يومه ذلك فلما كان بعد يومين انحدر من معسكره إلى روذ الروذ وأخذ معه الكلغرية وهم الفعلة وحملوا معهم شكاء الماء والكعك فلما صاروا إلى روذ الروذ وجه أبا سعيد وأمره أن يواقفهم أيضا على حسب ما كان أمره به في اليوم الاول وأمر الفعلة بنقل الحجارة وتحصين الطرق التى تسلك إلى تلك الثلاثة الا جبل حتى صارت شبه الحصون وأمر فاحتفر على كل طريق وراء تلك الحجارة إلى المصعد خندقا فلم يترك مسلكا إلى جبل منها إلا مسلكا واحدا ثم أمر أبا سعيد بالانصراف فانصرف ورجع الافشين إلى معسكره قال فلما كان في اليوم الثامن من الشهر واستحكم القصر دفع إلى الرجالة كعكا وسويقا ودفع إلى الفرسان الزاد والشعير ووكل بمعسكره ذلك من يحفظه وانحدروا وأمر الرجالة أن يصعدوا إلى رؤس تلك الجبال وأن يصعدوا معهم بالماء وبجميع ما يحتاجون إليه ففعلوا ذلك وعسكر ناحية ووجه أبا سعيد ليواقف القوم على حسب ما كان يواقفهم وأمر الناس بالنزول في سلاحهم وألا يأخذ الفرسان سروج دوابهم ثم خط الخندق وأمر الفعلة بالعمل فيه ووكل بهم من يستحثهم ونزل هو والفرسان فوقفوا تحت الشجر في ظل يرعون دوابهم فلما صلى العصر أمر الفعلة بالصعود إلى رؤس الجبال التى حصنها مع الرجالة وأمر الرجالة أن يتحارسوا ولا يناموا ويدعوا الفعلة فوق الجبال ينامون وأمر الفرسان بالركوب عند اصفرار الشمس فصيرهم كراديس وقفها حيالهم بين كل كردوس وكردوس قدر رمية سهم وتقدم إلى جميع الكراديس أن لا يلتفتن كل واحد منكم إلى الآخر ليحفظ كل واحد منكم ما يليه فان سمعتم هدة فلا يلتفتن أحد منكم إلى أحد وكل كردوس منكم قائم بما يليه فانه لا بهدة يأخذ فلم يزل الكراديس وقوفا على ظهور دوابهم إلى الصباح والرجالة فوق رؤس الجبال يتحارسون وتقدم إلى الرجالة متى ما أحسوا في الليل بأحد فلا يكترثوا وليلزم كل قوم منهم المواضع التى لهم وليحفظوا جبلهم وخندقهم فلا يلتفتن أحد إلى

[ 244 ]

أحد فلم يزالوا كذلك إلى الصباح ثم أمر من يتعاهد الفرسان والرجالة بالليل فينظر إلى حالتهم فلبثوا في حفر الخندق عشرة أيام ودخله اليوم العاشر فقسمه بين الناس وأمر القواد أن يبعثوا إلى أثقالهم وأثقال أصحابهم على الرفق وأتاه رسول بابك ومعه قثاء وبطيخ وخيار يعلمه أنه في أيامه هذه في جفاء انما يأكل الكعك والسويق هو وأصحابه وأنه أحب أن يلطفه بذلك فقال الافشين للرسول قد عرفت أي شئ أراد أخى بهذا انما أراد أن ينظر إلى العسكر وأنا أحق من قبل بره وأعطاه شهوته فقد صدق أنا في جفاء وقال للرسول اما أنت فلا بدلك أن تصعد حتى ترى معسكرنا فقد رأيت ما ههنا وترى ما وراءنا أيضا فأمر بحمله على دابة وأن يصعد به حتى يرى الخندق ويرى خندق كلان روذ وخندق برزند ولينظر إلى الخنادق الثلاثة ويتأملها ولا يخفى عليه منها شئ ليخبر به صاحبه ففعل به ذلك حتى صار إلى برزند ثم رده إلى عنده فأطلقه وقال له اذهب فأقره منى السلام وكان من الخرمية الذين يتعرضون لمن يجلب الميرة إلى العسكر ففعل ذلك مرة أو مرتين ثم جاءت الخرمية بعد ذلك في ثلاثة كراديس حتى صاروا قريبا من سور خندق الافشين يصيحون فأمر الافشين الناس ألا ينطق أحد منهم ففعلوا ذلك ليلتين أو ثلاث ليال وجعلوا يركضون دوابهم خلف السور ففعلوا ذلك غير مرة فلما أنسوا هيأ لهم الافشين أربعة كراديس من الفرسان والرجالة فكانت الرجالة ناشبة فكمنوا لهم في الاودية ووضع عليهم العيون فلما انحدروا في وقتهم الذين كانوا ينحدرون فيه في كل مرة وصاحوا وجلبوا كعادتهم شد عليهم الخيل والرجالة الذين رتبوا فأخذوا عليهم طريقهم وأخرج الافشين إليهم كردوسين من الرجالة في جوف الليل فأحسوا ان قد أخذت عليهم العقبة فتفرقوا في عدة طرق حتى أقبلوا يتسلقون الجبال فمروا فلم يعودوا إلى ما كانوا يفعلون ورجع الناس من الطلب مع صلاة الغداة إلى الخندق بروذ الروذ ولم يلحقوا من الخرمية أحدا ثم إن الافشين كان في كل أسبوع يضرب بالطبول نصف الليل ويخرج بالشمع والنفاطات إلى باب الخندق وقد عرف كل إنسان منهم كردوسه من كان في الميمنة ومن كان في الميسرة

[ 245 ]

فيخرج الناس فيقفون في مواقفهم ومواضعهم وكان الافشين يحمل اعلاما سودا كبارا اثنى عشر علما يحملها على البغال ولم يكن يحملها على الخيل لئلا تزعزع بحملها على اثنى عشر بغلا وكانت طبوله الكبار أحدا وعشرين طبلا وكانت الاعلام الصغار نحوا من خمسمائة علم فيقف أصحابه كل فرق على مرتبتهم من ربع الليل حتى إذا طلع الفجر ركب الافشين من مضربه فيؤذن المؤذن بين يديه ويصلى ثم يصلى الناس بغلس ثم يأمر بضرب الطبول ويسير زحفا وكانت علامته في المسير والوقوف تحريك الطبول وسكونها لكثرة الناس ومسيرهم في الجبال والازقة على مصافهم كلما استقبلوا جبلا صعدوه وإذا هبطوا إلى واد مضوا فيه إلا أن يكون جبلا منيعا لا يمكنهم صعوده وهبوطه فانهم كانوا ينضمون إلى العساكر ويرجعون إذا جاؤا إلى الجبل إلى مصافهم ومواضعهم وكانت علامة المسير ضرب الطبول فان أراد أن يقف امسك عن ضرب الطبول فيقف الناس جميعا من كل ناحية على جبل أو في واد أو في مكانه وكان يسير قليلا قليلا كلما جاءه كوهبانى بخبر وقف قليلا وكان يسير هذه الستة الاميال التى بين روذ الروذ بين البذما بين طلوع الفجر إلى الضحى الاكبر فإذا أراد أن يصعد إلى الركوة التى كانت الحرب تكون عليها في العام الماضي خلف بخاراخذاه على رأس العقبة مع الف فارس وستمائة راجل يحفظون عليه الطريق لا يخرج أحد من الخرمية فيأخذ عليه الطريق وكان بابك إذا أحس بالعسكر أنه وارد عليه وجه عسكرا له فيه رجالة إلى واد تحت تلك العقبة التى كان عليها بخار اخذاه ويمكنون لمن يريد أن يأخذ عليه الطريق وكان الافشين يقف بخار اخذاه يحفظ هذه العقبة التى وجه بابك عسكره إليها ليأخذها على الافشين وكان بخاراخذاه يقف بها أبدا ما دام الافشين داخل البذ على الركوة وكان الافشين يتقدم إلى بخاراخذاه أن يقف على واد فيما بينه وبين البذ شبه الخندق وكان يأمر أبا سعيد محمد بن يوسف أن يعبر ذلك الوادي في كردوس من أصحابه ويأمر جعفرا الخياط أن يقف أيضا في كردوس من أصحابه ويأمر أحمد بن الخليل فيقف في كردوس آخر فيصير في ذلك جانب الوادي ثلاثة

[ 246 ]

كراديس في طرف أبياتهم وكان بابك يخرج عسكرا مع آذين فيقف على تل بإزاء هؤلاء الثلاثة الكراديس خارجا من البذ لئلا يتقدم أحد من عساكر الافشين إلى باب البذ وكان الافشين يقصد إلى باب البذ وبأمرهم إذا عبروا بالوقوف فقط وترك المحاربة وكان بابك إذا أحس بعساكر الافشين أنها قد تحركت من الخندق تريده فرق أصحابه كمناء ولم يبق معه إلا نفير يسير وبلغ ذلك الافشين ولم يكن يعرف المواضع التى يكمنون فيها ثم أتاه الخبر بأن الخرمية قد خرجوا جميعا ولم يبق مع بابك الا شرذمة من أصحابه وكان الافشين إذا صعد إلى ذلك الموضع بسط له نطع ووضع له كرسى وجلس على تل مشرف يشرف على باب قصر بابك والناس كراديس وقوف من كان معه من هذا جانب الوادي أمره بالنزول عن دابته ومن كان من ذاك الجانب مع أبى سعيد وجعفر الخياط وأصحابه وأحمد بن الخليل لم ينزل لقربه من العدو فهم وقوف على ظهور دوابهم ويفرق رجالته الكوهبانية ليفتشوا الاودية طمع أن يقع على مواضع الكمناء فيعرفها فكانت هذه حالته في التفتيش إلى بعد الظهر والخرمية بين يدى بابك يشربون النبيذ ويزمرون بالسرنايات ويضربون بالطبول حتى إذا صلى الافشين الظهر تقدم فانحدر إلى خندقه بروذ الروذ فكان أول من ينحدر أبو سعيد ثم أحمد بن الخليل ثم جعفر بن دينار ثم ينصرف الافشين وكان مجيئه ذلك مما يغيظ بابك وانصرافه فإذا دنا الانصراف ضربوا بصنوجهم ونفخوا بوقاتهم استهزاء ولا يبرح بخار اخذاه من العقبة التى هو عليها حتى تجوزه الناس جميعا ثم ينصرف في آثارهم فلما كان في بعض أيامهم ضجرت الخرمية من المعادلة والتفتيش الذى كان يفتش عليهم فانصرف الافشين كعادته وانصرفت الكراديس أولا فأولا وعبر أبو سعيد الوادي وعبر أحمد بن الخليل وعبر بعض أصحاب جعفر الخياط فتح الخرمية باب خندقهم وخرج منهم عشرة فوارس وحملوا على من بقى من أصحاب جعفر الخياط في ذلك الموضع وارتفعت الضجة في العسكر فرجع جعفر مع كردوس من أصحابه بنفسه فحمل على أولئك الفرسان حتى ردهم إلى باب البذ ثم وقعت الضجة في العسكر فرجع

[ 247 ]

الافشين وجعفر وأصحابه من ذلك الجانب يقاتلون وقد خرج من أصحاب جفعر عدة وخرج بابك بعدة فرسان لم يكن معهم رجالة لا من أصحاب الافشين ولا من أصحاب بابك كان هؤلاء يحملون وهؤلاء يحملون فوقعت بينهم جراحات ورجع الافشين حتى طرح له النطع والكرسي فجلس في موضعه الذى كان يجلس فيه وهو يتلظى على جعفر ويقول قد أفسد على تعبيتى وما أريد وارتفعت الضجة وكان مع أبى دلف في كردوس قوم من المطوعة من أهل البصرة وغيرهم فلما نظروا إلى جعفر يحارب انحدر أولئك المطوعة بغير أمر الافشين وعبروا إلى ذلك جانب الوادي حتى صاروا إلى جانب البذ فتعلقوا به وأثروا فيه آثارا وكادوا يصعدونه فيدخلون البذ ووجه جعفر إلى الافشين أن أمدنى بخمسمائة راجل من الناشبة فإنى أرجوا أن أدخل البذ إن شاء الله ولست أرى في وجهى كثير أحد إلا هذا الكردوس الذى تراه أنت فقط يعنى كردوس آذين فبعث إليه الافشين أن قد أفسدت على أمرى فتخلص قليلا قليلا وخلص أصحابك وانصرف وارتفعت الضجة من المطوعة حين تعلقوا بالبذ وظن الكمناء الذين أخرجهم بابك أنها حرب قد اشتبكت فنعروا ووثبوا من تحت عسكر بخاراخذاه ووثب كمين آخر من وراء الركوة التى كان الافشين يقعد عليها فتحركت الخرمية والناس وقوف على رؤسهم لم يزل منهم أحد فقال الافشين الحمد الله الذى بين لنا مواضع هؤلاء ثم انصرف جعفر وأصحابه والمطوعة فجاء جعفر إلى الافشين فقال له إنما وجهنى سيدى أمير المؤمنين للحرب التى ترى ولم يوجهني للقعود ههنا وقد قطعت بى في موضع حاجتى ما كان يكفيني الا خمسمائة راجل حتى أدخل البذ أو جوف داره لانى قد رأيت من بين يدى فقال له الافشين لا تنظر إلى مابين يديك ولكن انظر إلى ما خلفك وما قد وثبوا ببخار اخذاه وأصحابه فقال الفضل بن كاوس لجعفر الخياط لو كان الامر إليك ما كنت تقدر أن تصعد إلى هذا الموضع الذى أنت عليه واقف حتى تقول كنت وكنت فقال له جعفر هذه الحرب وها أنا واقف لمن جاء فقال له الفضل

[ 248 ]

لولا مجلس الامير لعرفتك نفسك الساعة فصاح بهما الافشين فأمسكا وأمر أبا دلف أن يرد المطوعة عن السور فقال أبو دلف للمطوعة انصرفوا فجاء رجل منهم ومعه صخرة فقال أتردنا وهذا الحجر أخذته من السور فقال له الساعة إذا انصرفت تدرى من على طريقك جالس يعنى العسكر الذى وثب على بخاراخذاه من وراء الناس ثم قال الافشين لابي سعيد في وجه جعفر أحسن الله جزاءك عن نفسك وعن أمير المؤمنين فإنى ما علمتك عالما بأمر هذه العساكر وسياستها ليس كل من حف رأسه يقول إن الوقوف في الموضع الذى يحتاج إليه خير من المحاربة في الموضع الذى لا يحتاج إليه لو وثب هؤلاء الذين تحتك وأشار إلى الكمين الذى تحت الجبل كيف كنت ترى هؤلاء المطوعة الذين لهم في القمص أي شئ كان يكون حالهم ومن كان يجمعهم الحمد لله الذى سلمهم فقف ههنا فلا تبرح حتى لا يبقى ههنا أحد وانصرف الافشين وكان من سنته إذا بدأ بالانصراف ينحدر علم الكراديس وفرسانه ورجالته والكردوس الآخر واقف بينه وبينه قدر رمية سهم لا يدنو من العقبة ولا من المضيق حتى يرى أنه قد عبر كل من في الكردوس الذى بين يديه وخلا به الطريق ثم يدنو بعد ذلك فينحدر في الكروس الآخر بفرسانه ورجالته ولا يزال كذلك وقد عرف كل كردوس من خلف من ينصرف فلم يكن يتقدم أحد منهم بين يدى صاحبه ولا يتأخر هكذا حتى إذا نفذت الكراديس كلها ولم يبق أحد غير بخاراخذاه انحدر بخاراخذاه وخلى العقبة فانصرف ذلك اليوم على هذه الهيئة وكان أبو سعيد آخر من انصرف وكلما مر العسكر بموضع بخاراخذاه ونظروا إلى الموضع الذى كان فيه الكمين علموا ما كان وطئ لهم وتفرق أولئك الاعلاج الذين أرادوا أخذ الموضع الذى كان بخاراخذاه يحفظه ورجعوا إلى مواضعهم فأقام الافشين في خندقه بروذ الروذ أياما فشكا إليه المطوعة الضيق في العلوفة والازواد والنفقات فقال لهم من صبر منكم فليصبر ومن لم يصبر فالطريق واسع فلينصرف بسلام معى جند أمير المؤمنين ومن هو في أرزاقة يقيمون معى في الحر والبرد ولست أبرح من ههنا حتى يسقط الثلج فانصرف المطوعة وهم

[ 249 ]

يقولون لو ترك الافشين جعفرا وتركنا لاخذنا البذ هذا لا يشتهى إلا المماطلة فبلغه ذلك وما كثر المطوعة فيه ويتناولونه بألسنتهم وأنه لا يحب المناجزة وإنما يريد التطويل حتى قال بعضهم إنه رأى في المنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له قل للافشين إن أنت حاربت هذا الرجل وجددت في أمره وإلا أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة فتحدث الناس بذلك في العسكر علانية كأنه مستور فبعث الافشين إلى رؤساء المطوعة فأحضرهم وقال لهم أحب أن ترونى هذا الرجل فان الناس يرون في المنام أبوابا فأتوه بالرجل في جماعة من الناس فسلم عليه فقربه وأدناه وقال له قص على رؤياك لا تحتشم ولا تستحى فانما تؤدى قال رأيت كذا ورأيت كذا فقال الله يعلم كل شئ قبل كل أحد وما أريد بهذا الخلق ان الله تبارك وتعالى لو أراد أن يأمر الجبال أن ترجم أحدا لرجم الكافر وكفانا مؤنته كيف يرجمنى حتى أكفيه مؤنة الكافر كان يرجمه ولا يحتاج أن أقاتله أنا وأنا أعلم أن الله عزوجل لا يخفى عليه خافية فهو مطلع على قلبى وما أريد بكم يا مساكين فقال رجل من المطوعة من أهل الدين يا أيها الامير لا تحرمنا شهادة إن كانت قد حضرت وإنما قصدنا وطلبنا ثواب الله ووجهه فدعنا وحدنا حتى نتقدم بعد أن يكون بإذنك فلعل الله أن يفتح علينا فقال الافشين إنى أرى نياتكم حاضرة وأحسب هذا الامر يريده الله وهو خير إن شاء الله وقد نشطتم ونشط الناس والله أعلم ما كان هذا رأيى وقد حدث الساعة لما سمعت من كلامكم وأرجو أن يكون أراد هذا الامر وهو خير اعزموا على بركة الله أي يوم أحببتم حتى نناهضهم ولا حول ولا قوة إلا بالله فخرج القوم مستبشرين فبشروا أصحابهم فمن كان أراد أن ينصرف أقام ومن كان في القرب وقد خرج مسيرة أيام فسمع بذلك رجع ووعد الناس ليوم وأمر الجند والفرسان والرجالة وجميع الناس بالاهبة وأظهر أنه يريد الحرب لا محالة وخرج الافشين وحمل المال والزاد ولم يبق في العسكر بغل إلا وضع عليه محمل للجرحى وأخرج معه المتطببين وحمل الكعك والسويق وغير ذلك وجميع ما يحتاج إليه وزحف الناس

[ 250 ]

حتى صعد إلى البذ وخلف بخاراخذاه في موضعه الذى كان يخلفه عليه على العقبة ثم طرح النطع ووضع له الكرسي وجلس عليه كما كان يفعل وقال لابي دلف قل للمطوعة أي ناحية هي أسهل عليكم فاقتصروا عليها وقال لجعفر العسكر كله بين يديك والناشبة والنفاطون فان أردت رجالا دفعتهم اليك فخذ حاجتك وما تريد واعزم على بركة الله فادن من أي موضع تريد قال أريد أن أقصد الموضع الذى كنت عليه قال امض إليه ودعا أبا سعيد فقال له قف بين يدى أنت وجميع أصحابك ولا يبرحن منكم أحد ودعا أحمد بن الخليل فقال له قف أنت وأصحابك ههنا ودع جعفرا يعبر وجميع من معه من الرجال فان أراد رجالا أو فرسانا أمددناه ووجهنا بهم إليه ووجه أبا دلف وأصحابه من المطوعة فانحدروا إلى الوادي وصعدوا إلى حائط البذ من الموضع الذى كانوا صعدوا عليه تلك المرة وعلقوا بالحائط على حسب ما كانوا فعلوا ذلك اليوم وحمل جعفر حملة حتى ضرب باب البذ على حسب ما كان فعل تلك المرة الاولى ووقف على الباب وواقفه الكفرة ساعة صالحة فوجه الافشين برجل معه بدرة دنانير وقال اذهب إلى أصحاب جعفر فقل من تقدم فاحث له مل ء كفك ودفع بدرة أخرى إلى رجل من أصحابه وقال له اذهب إلى المطوعة ومعك هذا المال وأطواق وأسورة وقل لابي دلف كل من رأيته محسنا من المطوعة وغيرهم فأعطه ونادى صاحب الشراب فقال له اذهب فتوسط الحرب معهم حتى أراك بعيينى معك السويق والماء لئلا يعطش القوم فيحتاجوا إلى الرجوع وكذلك فعل بأصحاب جعفر في الماء والسويق ودعا الكلغرية فقال له من رأيته في وسط الحرب من المطوعة في يده فأس فله عندي خمسون درهما ودفع إليه بدرة دراهم وفعل مثل ذلك بأصحاب جعفر ووجه إليهم الكلغرية بأيديهم الفؤس ووجه إلى جعفر بصندوق فيه أطواق وأسورة فقال له ادفع إلى من أردت من أصحابك هذا سوى مالهم عندي وما تضمن لهم على من الزيادة في أرزاقهم والكتاب إلى أمير المؤمنين بأسمائهم فاشتبكت الحرب على الباب طويلا ثم فتح الخرمية الباب وخرجوا على أصحاب جعفر فنحوهم عن الباب

[ 251 ]

وشدوا على المطوعة من الناحية الاخرى فأخذوا منهم علمين وطرحوهم عن السور وجرحوهم بالصخر حتى أثروا فيهم فرقوا عن الحرب ووقفوا وصاح جعفر بأصحابه فبدر منهم نحو من مائة رجل فبركوا خلف تراسهم التى كانت معهم وواقفوهم متحاجزين لا هؤلاء يقدمون على هؤلاء ولا هؤلاء يقدمون على هؤلاء فلم يزالوا كذلك حتى صلى الناس الظهر وكان الافشين قد حمل عرادات فنصب عرادة منها مما يلى جعفرا على الباب وعرادة أخرى من طرف الوادي من ناحية المطوعة فأما العرادة التى من ناحية جعفر فدافع عنها جعفر حتى صارت العرادة فيما بينهم وبين الخرمية ساعة طويلة ثم تخلصها أصحاب جعفر بعد جهد فعلقوها وردوها إلى العسكر فلم يزل الناس متواقفين متحاجزين يختلف بينهم النشاب والحجارة أولئك على سورهم والباب وهؤلاء قعود تحت أتراسهم ثم تناجز وابعد ذلك فلما نظر الافشين إلى ذلك كره أن يطمع العدو في الناس فوجه الرجالة الذين كان أعدهم قبله حتى وقفوا في موضع المطوعة وبعث إلى جعفر بكردوس فيه رجالة فقال جعفر لست أوتى من قلة الرجالة معى رجال فرة ولكني لست أرى للحرب موضعا يتقدمون إنما ههنا موضع مجال رجل أو رجلين قد وقفوا عليه وانقطعت الحرب فبعث إليه انصرف على بركة الله فانصرف جعفر وبعث الافشين بالبغال التى كان جاء بها معه عليها المحامل فجعلت فيها الجرحى ومن كان به وهن من الحجارة ولا يقدر على المشى وأمر الناس بالانصراف فانصرفوا إلى خندقهم بروذ الروذ وأيس الناس من الفتح في تلك السنة وانصرف أكثر المطوعة * ثم إن الافشين تجهز بعد جمعتين فلما كان في جوف الليل بعث الرجالة الناشبة وهم مقدار ألف رجل فدفع إلى كل واحد منهم شكوة وكعكا ودفع إلى بعضهم أعلاما سودا وغير ذلك وأرسلهم عند مغيب الشمس وبعث معهم أدلاء فساروا ليلتهم في جبال منكرة صعبة على غير الطريق حتى داروا فصاروا خلف التل الذى يقف آذين عليه وهو جبل شاهق وأمرهم ألا يعلم بهم أحد حتى إذا رأوا أعلام الافشين وصلوا الغداة ورأوا الوقعة ركبوا تلك الاعلام في الرماح وضربوا الطبول وانحدروا

[ 252 ]

من فوق الجبل ورموا بالنشاب والصخر على الخرمية وإن هم لم يروا الاعلام لم يتحركوا حتى يأتيهم خبره ففعلوا ذلك فوافوا رأس الجبل عند السحر وجعلوا في تلك الشكاء الماء من الوادي وصاروا فوق الجبل فلما كان في بعض الليل وجه الافشين إلى القواد أن يتهيئوا في السلاح فانه يركب في السحر فلما كان في بعض الليل وجه بشيرا التركي وقوادا من الفراغنة كانوا معه فأمرهم أن يسيروا حتى يصيروا تحت التل من أسفل الوادي الذى حملوا منه الماء وهو تحت الجبل الذى كان عليه آذين وقد كان الافشين علم أن الكافر يكمن تحت ذلك الجبل كلما جاءه العسكر فقصد يشير والفراغنة إلى ذلك الموضع الذى علم ان للخرمية فيه عسكرا كامنين فساروا في بعض الليل ولا يعلم بهم أكثر أهل العسكر ثم بعث للقواد تأهبوا للركوب في السلاح فان الامير يعدو في السحر فلما كان السحر خرج وأخرج الناس وأخرج النفاطين والنفاطات والشمع على حسب ما كان يخرج فصلى الغداة وضرب الطبل وركب حتى وافى الموضع الذى كان يقف فيه في كل مرة وبسط له النطع ووضع له الكرسي كعادته وكان بخاراخذاه يقف على العقبة التى كان يقف عليها في كل يوم فلما كان ذلك اليوم صير بخاراخذاه في المقدمة مع أبى سعيد وجعفر الخياط وأحمد بن الخليل فانكر الناس هذه التعبية في ذلك الوقت وأمرهم أن يدنوا من التل الذى عليه آذين فيحدقوا به وقد كان ينهاهم عن هذا قبل ذلك اليوم فمضى الناس مع هؤلاء القواد الاربعة الذين سمينا حتى صاروا حول التل وكان جعفر الخياط مما يلى باب البذوكان أبو سعيد مما يليه وبخار اخذاه مما يلى أبا سعيد وأحمد بن الخليل بن هشام مما يلى بخاراخذاه فصاروا جميعا حلقة حول التل وارتفعت الضجة من أسفل الوادي وإذا الكمين الذى تحت التل الذى كان يقف عليه آذين قد وثب ببشير التركي والفراغنة فحاربوهم واشتبكت الحرب بينهم ساعة وسمع أهل العسكر ضجتهم فتحرك الناس فأمر الافشين أن ينادوا أيها الناس هذا بشير التركي والفراغنة قد وجهتهم فأثاروا كمينا فلا تتحركوا فلما سمع الرجالة الناشبة الذين كانوا تقدموا وصاروا فوق الجبل ركبوا الاعلام كما أمرهم

[ 253 ]

الافشين فنظر الناس إلى أعلام تجئ من جبل شاهق أعلام سود وبين العسكر وبين الجبل نحو من فرسخ وهم ينحدرون على جبل آذين من فوقهم قد ركبوا الاعلام وجعلوا ينحدرون يريدون آذين فلما نظر إليهم أهل عسكر آذين وجه آذين إليهم بعض رجالته الذين معه من الخرمية ولما نظر الناس إليهم راعوهم فبعث إليهم الافشين أولئك رجالنا أنجدتنا على آذين فحمل جعفر الخياط وأصحابه على آذين وأصحابه حتى صعدوا إليهم فحملوا عليهم حملة شديدة قلبوه وأصحابه في الوادي وحمل عليهم رجل ممن في ناحية أبى سعيد من أصحاب أبى سعيد يقال له معاذ بن محمد أو محمد بن معاذ في عدة معه فإذا تحت حوافر دوابهم آبار محفورة تدخل أيدى الدواب فيها فتساقطت فرسان أبى سعيد فيها فوجه الافشين الكلغرية يقلعون حيطان منازلهم ويطمون بها تلك الآبار ففعلوا ذلك فحمل الناس عليهم حملة واحدة وكان آذين قد تهيأ فوق الجبل عجلا عليها صخر فلما حمل الناس عليه دفع العجل على الناس فأفرجوا عنها قد تدحرجت ثم حمل الناس من كل وجه فلما نظر بابك إلى أصحابه قد أحدق بهم خرج من طرف البذ من باب مما يلى الافشين يكون بين هذا الباب وبين التل الذى عليه الافشين قدر ميل فأقبل بابك في جماعة معه يسألون عن الافشين فقال لهم أصحاب أبى دلف من هذا فقالوا هذا بابك يريد الافشين فأرسل أبو دلف إلى الافشين يعلمه ذلك فأرسل الافشين رجلا يعرف بابك فنظر إليه ثم عاد إلى الافشين فقال نعم هو بابك فركب إليه الافشين فدنا منه حتى صار في موضع يسمع كلامه وكلام أصحابه والحرب مشتبكة في ناحية آذين فقال له أريد الامان من أمير المؤمنين فقال له الافشين قد عرضت عليك هذا وهو لك مبذول متى شئت فقال قد شئت الآن على أن تؤجلنى أجلا أحمل فيه عيالي وأتجهز فقال له الافشين قد والله نصحتك غير مرة فلم تقبل نصيحتي وأنا أنصحك الساعة خروجك اليوم في الامان خير من غد قال قد قبلت أيها الامير وأنا على ذلك فقال له الافشين فابعث بالرهائن الذين كنت سألتك قال نعم أما فلان وفلان فهم على ذلك التل فمر أصحابك بالتوقف * قال فجاء رسول الافشين ليرد الناس فقيل له إن أعلام الفراغنة قد دخلت البذ

[ 254 ]

وصعدوا بها القصور فركب وصاح بالناس فدخل ودخلوا وصعد الناس بالاعلام فوق قصور بابك وكان قد كمن في قصوره وهى أربعة ستمائة رجل فوافاهم الناس فصعدوا بالاعلام فوق القصور وامتلا شوارع البذ وميدانها من الناس وفتح أولئك الكمناء أبواب القصور وخرجوا رجالة يقاتلون الناس ومر بابك حتى دخل الوادي الذى يلى هشتادسر واشتغل الافشين وجميع قواده بالحرب على أبواب القصور فقاتل الخرمية قتالا شديدا وأحضر النفاطين فجعلوا يصبون عليهم النفط والنار والناس يهدمون القصور حتى قتلوا عن آخرهم وأخذ الافشين أولاد بابك ومن كان معهم في البذ من عيالاتهم حتى أدركهم المساء فأمر الافشين بالانصراف فانصرفوا وكان عامة الخرمية في البيوت فرجع الافشين إلى الخندق بروذ الروذ * فذكر أن بابك وأصحابه الذين نزلوا معه الوادي حين علموا أن الافشين قد رجع إلى خندقه رجعوا إلى البذ فحملوا من الزاد ما أمكنهم حمله وحملوا أموالهم ثم دخلوا الوادي الذى يلى هشتادسر فلما كان في الغد خرج الافشين حتى دخل البذ فوقف في القرية وأمر بهدم القصور ووجه الرجالة يطوفون في أطراف القرية فلم يجدوا فيها أحدا من العلوج فاصعد الكلغرية فهدموا القصور وأحرقوها فعل ذلك ثلاثة أيام حتى أحرق خزائنه وقصوره ولم يدع فيها بيتا ولاقصرا إلا أحرقه وهدمه ثم رجع وعلم أن بابك قد أفلت في بعض أصحابه فكتب الافشين إلى ملوك أرمينية وبطارقها يعلمهم أن بابك قد هرب وعدة معه وصار إلى واد وخرج منه إلى ناحية أرمينية وهو مار بكم وأمرهم أن يحفظ كل واحد منهم ناحيته ولا يسلكها أحد إلا أخذوه حتى يعرفوه فجاء الجواسيس إلى الافشين فأخبروه بموضعه في الوادي وكان واديا كثير العشب والشجر طرفه بأرمينية وطرفه الآخر بآذربيجان ولم يمكن الخيل أن تنزل إليه ولا يرى من يستخفى فيه لكثرة شجره ومياهه إنما كانت غيضة واحدة ويسمى هذا الوادي غيضة فوجه الافشين إلى كل موضع يعلم أن منه طريقا ينحدر منه إلى تلك الغيضة أو يمكن بابك أن يخرج من ذلك الطريق فصير على كل طريق وموضع من هذه المواضع عسكرا فيه ما بين أربعمائة إلى خمسمائة مقاتل ووجه معهم الكوهبانية

[ 255 ]

ليقفوهم على الطريق وأمرهم بحراسة الطريق في الليل لئلا يخرج منه أحد وكان يوجه إلى كل عسكر من هذه العساكر الميرة من عسكره وكانت هذه العساكر خمسة عشر عسكرا فكانوا كذلك حتى ورد كتاب أمير المؤمنين المعتصم بالذهب مختوما فيه أمان لبابك فدعا الافشين من كان استأمن إليه من أصحاب بابك وفيهم ابن له كبيرا كبر ولده فقال له وللاسرى هذا ما لم أكن أرجوه من أمير المؤمنين ولا أطمع له فيه أن يكتب إليه وهو في هذه الحال بأمان فمن يأخذه منكم ويذهب به إليه فلم يجسر على ذلك أحد منهم فقال بعضهم أيها الامير ما فينا أحد يجترئ أن يلقاه بهذا فقال له الافشين ويحك إنه يفرح بهذا قال أصلح الله الامير نحن أعرف بهذا منك قال فلا بد لكم من أن تهبوا لى نفسكم وتوصلوا هذا الكتاب إليه فقام رجلان منهم فقالا له اضمن لنا أنك تجرى على عيالاتنا فضمن لهما الافشين ذلك وأخذ الكتاب وتوجها فلم يزالا يدوران في الغيضة حتى أصاباه وكتب معهما ابن بابك بكتاب يعلمه الخبر ويسأله أن يصير إلى الامان فهو أسلم له وخير فدفعا إليه كتاب ابنه فقرأه وقال أي شئ كنتم تصنعون قالا أسر عيالاتنا في تلك الليلة وصبياننا ولم نعرف موضعك فنأتيك وكنا في موضع تخوفنا أن يأخذونا فطلبنا الآمان فقال للذى كان الكتاب معه هذا لا أعرفه ولكن أنت يا ابن الفاعلة كيف اجترأت على هذا أن تجيئني من عند ذاك ابن الفاعلة فأخذه وضرب عنقه وشد الكتاب على صدره مختوما لم يفضه ثم قال للآخر اذهب وقل لذاك ابن الفاعلة يعنى ابنه حيث يكتب إلى وكتب إليه لو أنك لحقت بى واتبعت دعوتك حتى يجيئك الامر يوما كنت ابني وقد صح عندي الساعة فساد أمك الفاعلة يا ابن الفاعلة عسى أن أعيش بعد اليوم قد كنت باسم هذه الرياسة وحيث ما كنت أو ذكرت كنت ملكا ولكنك من جنس لاخير فيه وأنا أشهد أنك لست بابنى تعيش يوما واحدا وأنت رئيس خير أو تعيش أربعين سنة وأنت عبد ذليل ورحل من موضعه ووجه مع الرجل ثلاثة نفر حتى أصعدوه من موضع من المواضع ثم لحقوا ببابك فلم يزل في تلك الغيضة حتى فنى زاده وخرج مما يلى طريقا كان عليه بعض

[ 256 ]

العساكر وكان موضع الطريق جبلا ليس فيه ماء فلم يقدر العسكر أن يقيم على الطريق لبعده عن الماء فتنحى العسكر عن الطريق إلى قرب الماء وصيروا كوهبانيين وفارسين على طرف الطريق يحرسونه والعسكر بينه وبين الطريق نحو من ميل ونصف كان ينوب على الطريق كل يوم فارسان وكوهبانيان فبيناهم ذات يوم نصف النهار إذ خرج بابك وأصحابه فلم يروا أحدا ولم يروا الفارسين والكوهبانيين وظنوا أن ليس هناك عسكر فخرج هو وأخواه عبد الله ومعاوية وأمه وامرأة له يقال لها ابنة الكلندانية فخرجوا من الطريق وساروا يريدون أرمينية ونظر إليهم الفارسان والكوهبانيان فوجهوا إلى العسكر وعليه أبو الساج انا قد رأينا فرسانا يمرون ولا ندرى من هم فركب الناس وساروا فنظروا إليهم من بعد وقد نزلوا على عين ماء يتغدون عليها فلما نظروا إلى الناس بادر الكافر فركب وركب من كان معه فأفلت وأخذ معاوية وأم بابك والمرأة التى كانت معه ومع بابك غلام له فوجه أبو الساج بمعاوية والمرأتين إلى العسكر ومر بابك متوجها حتى دخل جبال أرمينية يسير في الجبال متكمنا فاحتاج إلى طعام وكان جميع بطارقة أرمينية قد تحفظوا بنواحيهم وأطرافهم وأوصوا مسالحهم ألا يجتاز عليهم أحد إلا أخذوه حتى يعرفوه فكان أصحاب المسالح كلهم متحفظين وأصاب بابك الجوع فأشرف فإذا هو بحراث يحرث على فدان له في بعض الاودية فقال لغلامه انزل إلى هذا الحراث وخذ معك دنانير ودراهم فان كان معه خبز فخذه وأعطه وكان للحراث شريك ذهب لحاجته فنزل الغلام إلى الحراث فنطر إليه شريكه من بعيد فوقف بالبعد يفرق من أن يجئ إلى شريكه وهو ينظر ما يصنع شريكه فدفع الغلام إلى الحراث شيئا فجاء الحراث فأخذ الخبز فدفعه إلى الغلام وشريكه قائم ينظر إليه ويظن أنما اغتصبه خبزه ولم يظن أنه أعطاه شيئا فعدا إلى المسلحة فأعلمهم أن رجلا جاءهم عليه سيف وسلاح وأنه أخذ خبز شريكه من الوادي فركب صاحب المسلحة وكان في جبال ابن سنباط ووجه إلى سهل بن سنباط بالخبر فركب ابن سنباط وجماعة معه حتى جاء مسرعا فوافى الحراث والغلام

[ 257 ]

عنده فقال له هذا قال له الحراث هذا رجل مر بى فطلب منى خبزا فأعطيته فقال للغلام وأين مولاك قال ههنا وأومى إليه فاتبعه فأدركه وهو نازل فلما رأى وجهه عرفه فترجل له ابن سنباط عن دابته ودنا منه فقبل يده ثم قال له يا سيداه إلى أين قال أريد بلاد الروم أو موضعا سماه فقال له لاتجد موضعا ولا أحدا أعرف بحقك ولا أحق أن تكون عنده منى تعرف موضعي ليس بينى وبين السلطان عمل ولا تدخل على أحد من أصحاب السلطان وأنت عارف بقضيتي وبلدي وكل من ههنا من البطارقة إنما هم أهل بيتك قد صار لك منهم أولاد وذلك أن بابك كان إذا علم أن عند بعض البطارقة ابنة أو أختا جميلة وجه إليها يطلبها فان بعث بها إليه وإلا بيته وأخذها وأخذ جميع ماله من متاع وغير ذلك وصار به إلى بلده غصبا ثم قال ابن سنباط له صر عندي في حصنى فانما هو منزلك وأنا عبدك كن فيه شتوتك هذه ثم ترى رأيك وكان بابك قد أصابه الضر والجهد فركن إلى كلام سهل بن سنباط وقال له ليس يستقيم أن أكون أنا وأخى في موضع واحد فلعله أن يعثر بأحدنا فيبقى الآخر ولكن أقيم عندك أنا ويتوجه عبد الله أخى إلى ابن اصطفانوس لا ندري ما يكون وليس لنا خلف يقوم بدعوتنا فقال له ابن سنباط ولدك كثير قال ليس فيهم خير وعزم على أن يصير أخاه في حصن ابن اصطفانوس وكان يثق به فصار هو مع ابن سنباط في حصنه فلما أصبح عبد الله مضى إلى حصن ابن اصطفانوس وأقام بابك عند ابن سنباط وكتب ابن سنباط إلى الافشين يعلمه أن بابك عنده في حصنه فكتب إليه إن كان هذا صحيحا فلك عندي وعند أمير المؤمنين أيده الله الذى تحب وكتب يجزيه خيرا ووصف الافشين صفة بابك لرجل من خاصته ممن يثق به ووجه به إلى ابن سنباط وكتب إليه يعلمه أنه قد وجه إليه برجل من خاصته يحب أن يرى بابك ليحكى للافشين ذلك فكره ابن سنباط أن يوحش بابك فقال للرجل ليس يمكن أن تراه إلا في الوقت الذى يكون منكبا على طعامه يتغدى فإذا رأيتنا قد دعونا بالغداء فالبس ثياب الطباخين الذين معنا على هيئة علوجنا وتعال كأنك تقدم الطعام أو تناول شيئا فانه يكون منكبا على الطعام فتفقد منه ما تريد فاذهب فاحكه لصاحبك ففعل (18 - 7)

[ 258 ]

ذلك في وقت الطعام فرفع بابك رأسه فنظر إليه فأنكره فقال من هذا الرجل فقال له ابن سنباط هذا رجل من أهل خراسان منقطع الينا منذ زمان نصراني فلقن ابن سنباط الاشر وسنى ذلك فقال له بابك منذكم أنت ههنا قال منذ كذا وكذا سنة قال وكيف أقمت ههنا قال تزوجت ههنا قال صدقت إذا قيل للرجل من أين أنت قال من حيث امرأتي ثم رجع إلى الافشين فأخبره ووصف له جميع ما رأى ثم من بابك ووجه الافشين أبا سعيد وبوزباره إلى ابن سنباط وكتب إليه معهما وأمرهما إذا صارا إلى بعض الطريق قدما كتابه إلى ابن سنباط مع علج من الاعلاج وأمرهما ألا يخالفا ابن سنباط فيما يشير به عليهما ففعلا ذلك فكتب اليهما ابن سنباط في المقام بموضع قد سماه ووصفه لهما إلى أن يأتيهما رسوله فلم يزالا مقيمين بالموضع الذى وصفه لهما ووجه اليهما ابن سنباط بالميرة والزاد حتى تحرك بابك للخروج إلى الصيد فقال له ههنا واد طيب وأنت مغموم في جوف هذا الحصن فلو خرجنا ومعنا بازى وباشق وما يحتاج إليه فنتفرج إلى وقت الغداء بالصيد فقال له بابك إذا شئت فانفذ ليركبا بالغداة وكتب ابن سنباط إلى أبى سعيد وبوزباره يعلمهما ما قد عزم عليه ويأمرهما أن يوافياه واحد من هذا الجانب من الجبل والآخر من الجانب الآخر في عسكرهما وأن يسيرا متكمنين مع صلاة الصبح فإذا جاءهما رسوله أشرفا على الوادي فانحدروا عليه إذا رأوهم وأخذوهم فلما ركب ابن سنباط وبابك بالغداة وجه ابن سنباط رسولا إلى أبى سعيد ورسولا إلى بوزباره وقال لكل رسول جئ بهذا إلى موضع كذا وجئ بهذا إلى موضع كذا فأشرنا علينا فإذا رأيتمونا فقولوا هم هؤلاء خذوهما وأراد أن يشبه على بابك فيقول هذه خيل جاءتنا فأخذتنا ولم يحب أن يدفعه إليهما من منزله فصار الرسولان إلى أبى سعيد وبوزباره فمضيا بهما حتى أشرفا على الوادي فإذا هما ببابك وابن سنباط فنظرا إليه وانحدرا وأصحابهما عليه هذا من ههنا وهذا من ههنا وأخذاهما ومعهما البواشيق وعلى بابك دراعة بيضاء وعمامة بيضاء وخف قصير ويقال كان بيده باشق فلما نظر إلى العساكر قد أحدقت به وقف فنظر إليهما فقالا له انزل فقال ومن أنتما فقال أحدهما أنا أبو سعيد

[ 259 ]

والآخر أنا بوزبارة فقال نعم وثنى رجله فنزل وكان ابن سنباط ينظر إليه فرفع رأسه إلى ابن سنباط فشتمه وقال إنما بعتني لليهود بالشئ اليسير لو أردت المال وطلبته لاعطيتك أكثر مما يعطيك هؤلاء فقال له أبو سعيد قم فاركب قال نعم فحملوه وجاؤا به إلى الافشين فلما قرب من العسكر صعد الافشين برزند فضربت له خيمة على برزند وأمر الناس فاصطفوا صفين وجلس الافشين في فازة وجاؤا به وأمر الافشين ألا يتركوا عربيا يدخل بين الصفين فرقا أن يقتله إنسان أو يجرحه ممن قتل أولياءه أو صنع به داهية وكان قد صار إلى الافشين نساء كثير وصبيان ذكروا أن بابك كان أسرهم وأنهم أحرار من العرب والدهاقين فأمر الافشين فجعلت لهم حظيرة كبيرة وأسكنهم فيها وأجرى لهم الخبز وأمرهم أن يكتبوا إلى أوليائهم حيث كانوا فكان كل من جاء فعرف امرأة أو صبيا أو جارية وأقام شاهدين أنه يعرفها أو أنها حرمة له أو قرابة دفعها إليه فجاء الناس فأخذوا منهم خلقا كثيرا وبقى منهم ناس كثير ينتظرون أن يجئ أولياؤهم ولما كان ذلك اليوم الذى أمر الافشين الناس أن يصطفوا فصار بين بابك وبينه قدر نصف ميل أنزل بابك يمشى بين الصفين في دراعته وعمامته وخفيه حتى جاء فوقف بين يدى الافشين فنظر إليه الافشين ثم قال انزلوا به إلى العسكر فنزلوا به راكبا فلما نظر النساء والصبيان الذين في الحظيرة إليه لطموا على وجوههم وصاحوا وبكوا حتى ارتفعت أصواتهم فقال لهم الافشين أنتم بالامس تقولون أسرنا وأنتم اليوم تبكون عليه عليكم لعنة الله قالوا كان يحسن إلينا فأمر به الافشين فأدخل بيتا ووكل به رجالا من أصحابه وكان عبد الله أخو بابك لما أقام بابك عند ابن سنباط صار إلى عيسى بن يوسف بن اصطفانوس فلما أخذ الافشين بابك وصيره معه في عسكره ووكل به أعلم بمكان عبد الله أنه عند ابن اصطفانوس فكتب الافشين إلى ابن اصطفانوس أن يوجه إليه بعبد الله فوجه به ابن اصطفانوس إلى الافشين فلما صار في يد الافشين حبسه مع أخيه في بيت واحد ووكل بهما قوما يحفظونهما وكتب الافشين إلى المعتصم بأخذه بابك وأخاه فكتب المعتصم إليه يأمره بالقدوم

[ 260 ]

بهما عليه فلما أراد أن يسير إلى العراق وجه إلى بابك فقال إنى أريد أن أسافر بك فانظر ما تشتهى من بلاد آذربيجان فقال أشتهى أن أنظر إلى مدينتي فوجه معه الافشين قوما في ليلة مقمرة إلى البذ حتى دار فيه ونظر إلى القتلى والبيوت إلى وقت الصبح ثم رده إلى الافشين وكان الافشين قد وكل به رجلا من أصحابه فاستعفاه منه بابك فقال له الافشين لم استعفيت منه قال يجئ ويده ملاى غمرا حتى ينام عند رأسي فيؤذيني ريحها فأعفاه منه وكان وصول بابك إلى الافشين ببرزند لعشر خلون من شوال بين بوزباره وديوداذ (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن داود * ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك قدوم الافشين على المعتصم ببابك وأخيه: ذكر أن قدومه عليه به كان ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر بسامرا وأن المعتصم كان يوجه إلى الافشين كل يوم من حين فصل من برزند إلى أن وافى سامرا فرسا وخلعة وأن المعتصم لعنايته بأمر بابك وأخباره ولفساد الطريق بالثلج وغيره جعل من سامرا إلى عقبة حلوان خيلا مضمرة على رأس كل فرسخ فرسا معه مجر مرتب فكان يركض بالخبر ركضا حتى يؤديه من واحد إلى واحد يدا بيد وكان ما خلف حلوان إلى آذربيجان قد رتبوا فيه دواب المرج فكانت يركض بها يوما أو يومين ثم تبدل ويصير غيرها ويحمل عليها غلمان من أصحاب المرج كل دابة على رأس فرسخ وجعل لهم ديادبة على رؤوس الجبال بالليل والنهار وأمرهم أن ينعروا إذا جاءهم الخبر فإذا سمع الذى يليه النعير تهيأ فلا يبلغ إليه صاحبه الذى نعر حتى يقف له على الطريق فيأخذ الخريطة منه فكانت الخريطة تصل من عسكر الافشين إلى سامرا في أربعة أيام وأقل فلما صار الافشين بقناطر حذيفة تلقاه هارون بن المعتصم وأهل بيت المعتصم فلما صار الافشين ببابك إلى سامرا أنزله الافشين في

[ 261 ]

قصره بالمطيرة فلما كان في جوف الليل ذهب أحمد بن أبى دؤاد متنكرا فرآه وكلمه ثم رجع إلى المعتصم فوصفه له فلم يصبر المعتصم حتى ركب إليه بين الحائطين في الحير فدخل إليه متنكرا ونظر إليه وتأمله وبابك لا يعرفه فلما كان من غد قعد له المعتصم يوم اثنين أو خميس واصطف الناس من باب العامة إلى المطيرة وأراد المعتصم أن يشهره ويريه الناس فقال على أي شئ يحمل هذا وكيف يشهر فقال حزام يا أمير المؤمنين لا شئ أشهر من الفيل فقال صدقت فأمر بتهيئة الفيل وأمر به فجعل في قباء ديباج وقلنسوة سمور ومدورة وهو وحده فقال محمد بن عبد الملك الزيات قد خضب الفيل كعاداته * يحمل شيطان خراسان والفيل لا تخضب أعضاؤه * إلا الذى شأن من الشان فاستشرفه الناس من المطيرة إلى باب العامة فأدخل دار العامة إلى أمير المؤمنين وأحضر جزارا ليقطع يديه ورجليه ثم أمر أن يحضر سيافه فخرج الحاجب من باب العامة وهو ينادى نودنود وهو اسم سياف بابك فارتفعت الصيحة بنودنود حتى حضر فدخل دار العامة فأمره أمير المؤمنين أن يقطع يديه ورجليه فقطعهما فسقط وأمر أمير المؤمنين بذبحه وشق بطنه أحدهما ووجه برأسه إلى خراسان وصلب بدنه بسامرا عند العقبة فموضع خشبته مشهور وأمر بحمل أخيه عبد الله مع بن شروين الطبري إلى اسحاق بن ابراهيم خليفته بمدينة السلام وأمره بضرب عنقه وأن يفعل به مثل ما فعل بأخيه وصلبه فلما صار به الطبري إلى البردان نزل به ابن شروين في قصر البردان فقال عبد الله أخو بابك لابن شروين من أنت فقال ابن شروين ملك طبرستان فقال الحمد لله الذى وفق لى رجلا من الدهاقين يتولى قتلى قال إنما يتولى قتلك هذا وكان عنده نودنود وهو الذى قتل بابك فقال له أنت صاحبي وانما هذا علج فأخبرني أأمرت أن تطعمني شيئا أم لا قال قل ما شئت قال اضرب لى فالوذجة قال فأمر فضربت له فالوذجة في جوف الليل فأكل منها حتى تملا ثم قال يا أبا فلان ستعلم غدا انى دهقان إن شاء الله ثم قال تقدر أن تسقينى نبيذا قال

[ 262 ]

نعم ولا بكثير قال فإنى لا أكثر قال فأحضر أربعة أرطال خمر فقعد فشربها على مهل إلى قريب من الصبح ثم رحل في السحر فوافى به مدينة السلام ووافى به رأس الجسر وأمر إسحاق بن ابراهيم بقطع يديه ورجليه فلم ينطق ولم يتكلم وأمر بصلبه فصلب في الجانب الشرقي بين الجسرين بمدينة السلام وذكر عن طوق بن أحمد أن بابك لما هرب صار إلى سهل بن سنباط فوجه الافشين أبا سعيد وبوزباره فأخذاه منه فبعث سهل مع بابك بمعاوية ابنه إلى الافشين فأمر لمعاوية بمائة ألف درهم وأمر لسهل بألف ألف درهم استخرجها له من أمير المؤمنين ومنطقة مغرقة بالجوهر وتاج البطرقة فبطرق سهل بهذا السبب والذى كان عنده عبد الله أخو بابك عيسى بن يوسف المعروف بابن أخت اصطفانوس ملك البيلقان * وذكر عن محمد بن عمران كاتب على بن مر قال حدثنى على بن مر عن رجل من الصعاليك يقال له مطر قال كان والله يا أبا الحسن بابك ابني قلت وكيف قال كنا مع ابن الرواد وكانت أمه بروميد العوراء من علوج ابن الرواد فكنت أنزل عليها وكانت مصكة فكانت تخدمني وتغسل ثيابي فنظرت إليها يوما فواثبتها بشبق السفر وطول الغربة فأقررته في رحمها ثم قال غبنا غيبة بعد ذلك ثم قدمنا فإذا هي تطلق فنزلت في منزل آخر فصارت إلى يوما فقالت حين ملات بطني تنزل ههنا وتتركني فاذاعت أنه منى فقلت والله لئن ذكرتني لاقتلنك فأمسكت عنى فهو والله ابني وكان يجزى الافشين في مقامه بازاء بابك سوى الارزاق والانزال والمعاون في كل يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم وفي كل يوم لا يركب فيه خمسة آلاف درهم وكان جميع من قتل بابك في عشرين سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفا وخمسمائة انسان وغلب يحيى بن معاذ وعيسى بن محمد بن أبى خالد وأحمد بن الجنيد وأسره وزريق بن على ابن صدقة ومحمد بن حميد الطوسى وابراهيم بن الليث وأسر مع بابك ثلاثة آلاف وثلثمائة وتسعة أناسى واستنقذ ممن كان في يده من المسلمات وأولادهم سبعة آلاف وستمائة إنسان وعدة من صار في يد الافشين من بنى بابك سبعة عشر رجلا ومن البنات والكنات ثلاث وعشرون امرأة فتوج المعتصم الافشين

[ 263 ]

وألبسه وشاحين بالجوهر ووصله بعشرين ألف ألف درهم منها عشرة آلاف ألف صلة وعشرة آلاف ألف درهم يفرقها في أهل عسكره وعقد له على السند وأدخل عليه الشعراء يمدحونه وأمر للشعراء بصلات وذلك يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر وكان مما قيل فيه قول أبى تمام الطائى بذ الجلاد البذ فهو دفين * ما إن بها إلا الوحوش قطين لم يقر هذا السيف هذا الصبر في * هيجاء إلا عز هذا الدين قد كان عذرة سودد فافتضها * بالسيف فحل المشرق الافشين فأعادها تعوى الثعالب وسطها * ولقد ترى بالامس وهى عرين هطلت عليها من جماجم أهلها * ديم إمارتها طلى وشؤون كانت من المهجات قبل مفازة * عسرا فأضحت وهى منه معين (وفى هذه السنة) أوقع توفيل بن ميخائيل صاحب الروم بأهل زبطرة فأسرهم وخرب بلدهم ومضى من فوره إلى ملطية فأغار على أهلها وعلى أهل حصون من حصون المسلمين إلى غير ذلك وسبا من المسلمات فيما قيل أكثر من ألف امرأة ومثل بمن صار في يده من المسلمين وسمل أعينهم وقطع آذانهم وآنافهم * ذكر الخبر عن سبب فعل صاحب الروم بالمسلمين ما فعل من ذلك * ذكر أن السبب في ذلك كان مالحق بابك من تضيق الافشين عليه وإشرافه على الهلاك وقهر الافشين إياه فلما أشرف على الهلاك وأيقن بالضعف من نفسه عن حربه كتب إلى ملك الروم توفيل بن ميخائيل بن جورجس يعلمه أن ملك العرب قد وجه عساكره ومقاتلته إليه حتى وجه خياطه يعنى جعفر بن دينار وطباخه يعنى إيتاخ ولم يبق على بابه أحد فان أردت الخروج إليه فاعلم أنه ليس في وجهك أحد يمنعك طمعا منه بكتابه ذلك إليه في أن ملك الروم إن تحرك انكشف عنه بعض ما هو فيه بصرف المعتصم بعض من بإزائه من جيوشه إلى ملك الروم واشتغاله به عنه فذكر أن توفيل خرج في مائة ألف وقيل أكثر فيهم من الجند نيف وسبعون ألفا وبقيتهم اتباع حتى صار إلى زبطرة ومعه من المحمرة الذين كانوا خرجوا بالجبال

[ 264 ]

فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب جماعة رئيسهم بارسيس وكان ملك الروم قد فرض لهم وزوجهم وصيرهم مقاتلة يستعين بهم في أهم أموره إليه فلما دخل ملك الروم زبطرة وقتل الرجال الذين فيها وسبى الذرارى والنساء التى فيها وأحرقها بلغ النفير فيما ذكر إلى سامرا وخرج أهل ثغور الشأم والجزيرة وأهل الجزيرة إلا من لم يكن عنده دابة ولا سلاح واستعظم المعتصم ذلك فذكر أنه لما انتهى إليه الخبر بذلك صاح في قصره النفير ثم ركب دابته وسمط خلفه شكالا وسكة حديد وحقيبة فلم يستقم له أن يخرج إلا بعد التعبية فجلس فيما ذكر في دار العامة وقد أحضر من أهل مدينة السلام قاضيها عبد الرحمن بن اسحق وشعيب بن سهل ومعهما ثلثمائة وثمانية وعشرون رجلا من أهل العدالة فأشهدهم على ما وقف من الضياع فجعل ثلثا لولده وثلثا لله وثلثا لمواليه ثم عسكر بغربي دجلة وذلك يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الاولى ووجه عجيف بن عنبسة وعمرا الفرغانى ومحمد كوته وجماعة من القواد إلى زبطرة إعانة لاهلها فوجدوا ملك الروم قد انصرف إلى بلاده بعد ما فعل ما قد ذكرناه فوقفوا قليلا حتى تراجع الناس إلى قراهم واطمأنوا فلما ظفر المعتصم ببابك قال أي بلاد الروم أمنع وأحصن فقيل عمورية لم يعرض لها أحد من المسلمين منذ كان الاسلام وهى عين النصرانية وبنكها وهى أشرف عندهم من القسطنطينية (وفى هذه السنة) شخص المعتصم غازيا إلى بلاد الروم وقيل كان شخوصه إليها من سامرا في سنة 224 وقيل في سنة 222 بعد قتله بابك * فذكر أنه تجهز جهازا لم يتجهز مثله قبله خليفة قط من السلاح والعدد والآلة وحياض الادم والبغال والروايا والقرب وآلة الحديد والنفط وجعل على مقدمته أشناس ويتلوه محمد بن إبراهيم وعلى ميمنته ايتاخ وعلى ميسرته جعفر بن دينار بن عبد الله الخياط وعلى القلب عجيف بن عنبسة ولما دخل بلاد الروم أقام على نهر اللمس وهو على سلوقية قريبا من البحر بينه وبين طرسوس مسيرة يوم وعليه يكون الفداء إذا فودى بين المسلمين والروم وأمضى المعتصم الافشين حيدر بن كاوس إلى سروج وأمره بالبروز منها والدخول من

[ 265 ]

درب الحدث وسمى له يوما أمره أن يكون دخوله فيه وقدر لعسكره وعسكر أشناس يوما جعله بينه وبين اليوم الذى يدخل فيه الافشين بقدر مابين المسافتين إلى الموضع الذى رأى أن يجتمع العساكر فيه وهو أنقرة ودبر النزول على أنقرة فإذا فتحها الله عليه صار إلى عمورية إذ لم يكن شئ مما يقصد له من بلاد الروم أعظم من هاتين المدينتين ولا أحرى أن تجعل غايته التى يؤمها وأمر المعتصم أشناس أن يدخل من درب طرسوس وأمره بانتظاره بالصفصاص فكان شخوص أشناس يوم الاربعاء لثمان بقين من رجب وقدم المعتصم وصيفا في أثر أشناس على مقدمات المعتصم ورحل المعتصم يوم الجمعة لست بقين من رجب فلما صار أشناس بمرج الاسقف ورد عليه كتاب المعتصم من المطامير يعلمه أن الملك بين يديه وأنه يريد أن يجوز العساكر اللمس فيقف على المخاضة فيكبسهم ويأمره بالمقام بمرج الاسقف وكان جعفر بن دينار على ساقة المعتصم وأعلم المعتصم أشناس في كتابه أن ينتظر موافاة الساقة لان فيها الاثقال والمجانيق والزاد وغير ذلك وكان ذلك بعد في مضيق الدرب لم يخلص ويأمره بالمقام إلى أن يتخلص صاحب الساقة من مضيق الدرب بمن معه ويصحر حتى يصير في بلاد الروم فأقام اشناس بمرج الاسقف ثلاثة أيام حتى ورد كتاب المعتصم يأمره أن يوجه قائدا من قواده في سرية يلتمسون رجلا من الروم يسألونه عن خبر الملك ومن معه فوجه اشناس عمرا الفرغانى في مائتي فارس فساروا ليلتهم حتى أتوا حصن قرة فخرجوا يلتمسون رجلا من حول الحصن فلم يمكن ذلك و ؟ بهم صاحب قرة فخرج في جميع فرسانه الذين كانوا معه بالقرة وكمن في الجبل الذى فيما بين قرة ودرة وهو جبل كبير يحيط برستاق يسمى رستاق قرة وعلم عمرو الفرغانى أن صاحب قرة قد نذر بهم فتقدم إلى درة فكمن بها ليلته فلما انفجر عمود الصبح صير عسكره ثلاثة كراديس وأمرهم أن يركضوا ركضا سريعا بقدر ما يأتونه بأسير عنده وخبر الملك ووعدهم أن يوافوه به في بعض المواضع التى عرفها الادلاء ووجه مع كل كردوس دليلين وخرجوا مع الصبح فتفرقوا في ثلاثة وجوه فأخذوا عدة من الروم بعضهم من

[ 266 ]

أهل عسكر الملك وبعضهم من الضواحى وأخذ عمرو رجلا من الروم من فرسان أهل القرة فسأله عن الخبر فأخبره أن الملك وعسكره بالقرب منه وراء اللمس بأربعة فراسخ وأن صاحب قرة نذر بهم في ليلتهم هذه وأنه ركب فكمن في هذا الجبل فوق رؤسهم فلم يزل عمرو في الموضع الذى كان وعد فيه أصحابه وأمر الادلاء الذين معه ان يتفرقوا في رؤس الجبال وأن يشرفوا على الكراديس الذين وجههم اشفاقا أن يخالفهم صاحب قرة إلى أحد الكراديس فرآهم الادلاء ولو حوالهم فأقبلوا فتوافواهم وعمرو في موضع غير الموضع الذى كانوا اتعدوا له ثم نزلوا قليلا ثم ارتحلوا يريدون العسكر وقد أخذوا عدة ممن كان في عسكر الملك فصاروا إلى اشناس في اللمس فسألهم عن الخبر فأخبره أن الملك مقيم منذ أكثر من ثلاثين يوما ينتظر عبور المعتصم ومقدمته باللمس فيواقعهم من وراء اللمس وأنه جاءه الخبر قريبا أنه قد رحل من ناحية الارمنياق عسكر ضخم وتوسط البلاد يعنى عسكر الافشين وأنه قد صار خلفه فأمر الملك رجلا من أهل بيته ابن خاله فاستخلفه على عسكره وخرج ملك الروم في طائفة من عسكره يريد ناحية الافشين فوجه اشناس بذلك الرجل الذى أخبره بهذا الخبر إلى المعتصم فأخبره بالخبر فوجه المعتصم من عسكره قوما من الادلاء وضمن لهم لكل رجل منهم عشرة آلاف درهم على أن يوافوا بكتابه الافشين وأعلمه فيه أن أمير المؤمنين مقيم فليقم إشفاقا من أن يواقعه ملك الروم وكتب إلى اشناس كتابا يأمره أن يوجه من قبله رسولا من الادلاء الذين يعرفون الجبال والطرق والمشبهة بالروم وضمن لكل رجل منهم عشرة آلاف درهم ان هو أوصل الكتاب ويكتب إليه أن ملك الروم قد أقبل نحوه فليقم مكانه حتى يوافيه كتاب أمير المؤمنين فتوجهت الرسل إلى ناحية الافشين فلم يلحقه أحد منهم وذلك أنه كان وغل في بلاد الروم وتوافت آلات المعتصم وأثقاله مع صاحب الساقة إلى العسكر فكتب إلى أشناس يأمره بالتقدم فتقدم أشناس والمعتصم من ورائه بينهم مرحلة ينزل هذا ويرحل هذا ولم يرد عليهم من الافشين خبر حتى صاروا من أنقرة على مسيرة ثلاث مراحل وضاق عسكر المعتصم ضيقا شديدا من الماء والعلف وكان أشناس قد

[ 267 ]

أسر عدة أسرى في طريقه فأمر بهم فضربت أعناقهم حتى بقى منهم شيخ كبير فقال الشيخ ما ينتفع بقتلى وأنت في هذا الضيق وعسكرك أيضا في ضيق من الماء والزاد وههنا قوم قد هربوا من أنقرة خوفا من أن ينزل بهم ملك العرب وهم بالقرب منا ههنا معهم من الميرة والطعام والشعير شئ كثير فوجه معى قوما لادفعهم إليهم وخل سبيلى فنادى منادى أشناس من كان به نشاط فليركب فركب معه قريب من خمسمائة فارس فخرج أشناس حتى صار من العسكر على ميل وبرز معه من نشط من الناس ثم برز فضرب دابته بالسوط فركض قريبا من ميلين ركضا شديدا ثم وقف ينظر إلى أصحابه خلفه فمن لم يلحق بالكردوس لضعف دابته رده إلى العسكر ودفع الرجل الاسير إلى مالك بن كيدر وقال له متى ما أراك هذا سبيا وغنيمة كثيرة ؟ سبيله على ما ضمنا له فسار بهم الشيخ إلى وقت العتمة فأوردهم على واد وحشيش كثير فأمرج الناس دوابهم في الحشيش حتى شبعت وتعشى الناس وشربوا حتى رووا ثم سار بهم حتى أخرجهم من الغيضة وسار أشناس من موضعه الذى كان به متوجها إلى أنقرة وأمر مالك بن كيدر والادلاء الذين معه أن يوافوه بأنقرة فسار بهم الشيخ العلج بقية ليلتهم يدور بهم في جبل ليس يخرجهم منه فقال الادلاء لمالك بن كيدر هذا الرجل يدور بنا فسأله مالك عما ذكر الادلاء فقال صدقوا القوم الذين تريدهم خارج الجبل وأخاف أن أخرج من الجبل بالليل فيسمعوا صوت حوافر الخيل على الصخر فيهربوا فإذا خرجنا من الجبل ولم نر أحدا قتلتنى ولكن أدور بك في هذا الجبل إلى الصبح فإذا أصبحنا خرجنا إليهم فأريتك إياهم حتى آمن أن تقتلني فقال له مالك ويحك فأنزلنا في هذا الجبل حتى نستريح فقال رأيك فنزل مالك ونزل الناس على الصخرة وأمسكوا لجم دوابهم حتى انفجر الصبح فلما طلع الفجر قال وجهوا رجلين يصعدان هذا الجبل فينظران ما فوقه فيأخذان من أدركا فيه فصعد أربعة من الرجال فأصابوا رجلا وامرأة فأنزلوهما فساءلهما العلج أين بات أهل أنقرة فسموا لهم الموضع الذى باتوا فيه فقال لمالك خل

[ 268 ]

عن هذين فإنا قد أعطيناهما الامان حتى دلونا فخلى مالك عنهما ثم سار بهم العلج إلى الموضع الذى سماه لهم فأشرف بهم على العسكر عسكر أهل أنقرة وهم في طرف ملاحة فلما رأوا العسكر صاحوا بالنساء والصبيان فدخلوا الملاحة ووقفوا لهم على طرف الملاحة يقاتلون بالقنا ولم يكن موضع حجارة ولا موضع خيل وأخذوا منهم عدة أسرى وأصابوا في الاسرى عدة بهم جراحات عنق من جراحات متقدمة فساءلوهم عن تلك الجراحات فقالوا كنا في وقعة الملك مع الافشين فقالوا لهم حدثونا بالقضية فأخبروهم أن الملك كان معسكرا على أربعة فراسخ من اللمس حتى جاءه رسول أن عسكرا ضخما قد دخل من ناحية الارمنياق فاستخلف على عسكره رجلا من أهل بيته وأمره بالمقام في موضعه فان ورد عليه مقدمة ملك العرب واقعه إلى أن يذهب هو فيواقع العسكر الذى دخل الارمنياق يعنى عسكر الافشين فقال أميرهم نعم وكنت ممن سار مع الملك فواقعناهم صلاة الغداة فهزمناهم وقتلنا رجالتهم كلهم وتقطعت عساكرنا في طلبهم فلما كان الظهر رجع فرسانهم فقاتلونا قتالا شديدا حتى حرقوا عسكرنا واختلطوا بنا واختلطنا بهم فلم ندر في أي كردوس الملك فلم نزل كذلك إلى وقت العصر ثم رجعنا إلى موضع عسكر الملك الذى كنا فيه فلم نصادفه فرجعنا إلى موضع معسكر الملك الذى خلفه على اللمس فوجدنا العسكر قد انتقض وانصرف الناس عن الرجل قرابة الملك الذى كان الملك استخلفه على العسكر فأقمنا على ذلك ليلتنا فلما كان الغد وافانا الملك في جماعة يسيرة فوجد عسكره قد اختل وأخذ الذى استخلفه على العسكر فضرب عنقه وكتب إلى المدن والحصون ألا يأخذوا رجلا ممن انصرف من عسكر الملك إلا ضربوه بالسياط ويرجع إلى موضع سماه لهم الملك انحاز إليه ليجتمع إليه الناس ويعسكر به ليناهض ملك العرب ووجه خادما له خصيا إلى أنقرة على أن يقيم بها ويحفظ أهلها إن نزل بها ملك العرب قال الاسير فجاء الخصى إلى أنقرة وجئنا معه فإذا أنقرة قد عطلها أهلها وهربوا منها فكتب الخصى إلى ملك الروم يعلمه ذلك فكتب إليه الملك يأمره بالمسير إلى عمورية قال وسألت عن الموضع الذى قصد إليه أهلها

[ 269 ]

يعنى أهل أنقرة فقالوا لى انهم بالملاحة فلحقنا بهم قال مالك بن كيدر فدعوا الناس كلهم خذوا ما أخذتم ودعوا الباقي فترك الناس السبى والمقاتلة وانصرفوا راجعين يريدون عسكر اشناس وساقوا في طريقهم غنما كثيرا وبقرا وأطلق ذلك الشيخ الاسير مالك وسار إلى عسكر اشناس بالاسرى حتى لحق بأنقرة فمكث أشناس يوما واحدا ثم لحقه المعتصم من غد فأخبره بالذى أخبره به الاسير فسر المعتصم بذلك فلما كان اليوم الثالث جاءت البشرى من ناحية الافشين يخبرون بالسلامة وانه وارد على أمير المؤمنين بأنقرة * قال ثم ورد على المعتصم الافشين بعد ذلك اليوم بيوم بأنقرة فأقاموا بها أياما ثم صير العسكر ثلاثة عساكر عسكر فيه أشناس في الميسرة والمعتصم في القلب والافشين في الميمنة وبين كل عسكر وعسكر فرسخان وأمر كل عسكر منهم أن يكون له ميمنة وميسرة وأن يحرقوا القرى ويخربوها ويأخذوا من لحقوا فيها من السبى وإذا كان وقت النزول توافي كل أهل عسكر إلى صاحبهم ورئيسهم يفعلون ذلك فيما بين أنقرة إلى عمورية وبينهما سبع مراحل حتى توافت العساكر بعمورية * قال فلما توافت العساكر بعمورية كان أول من وردها اشناس وردها يوم الخميس ضحوة فدار حولها دورة ثم نزل على ميلين منها بموضع فيه ماء وحشيش فلما طلعت الشمس من الغد ركب المعتصم فدار حولها دورة ثم جاء الافشين في اليوم الثالث فقسمها أمير المؤمنين بين القواد كما تدور صير إلى كل واحد منهم أبراجا منها على قدر كثرة أصحابه وقلتهم وصار لكل قائد منهم ما بين البرجين إلى عشرين برجا وتحصن أهل عمورية وتحرزوا * وكان رجل من المسلمين قد أسره أهل عمورية فتنصر وتزوج فيهم فحبس نفسه عند دخولهم الحصن فلما رأى أمير المؤمنين ظهر وصار إلى المسلمين وجاء إلى المعتصم وأعلمه أن موضعا من المدينة حمل الوادي عليه من مطر جاءهم شديد فحمل الماء عليه فوقع السور من ذلك الموضع فكتب ملك الروم إلى عامل عمورية أن يبنى ذلك الموضع فتوانى في بنائه حتى كان خروج الملك من القسطنطينية إلى بعض المواضع فتخوف الوالى أن يمر الملك

[ 270 ]

على تلك الناحية فيمر بالسور فلا يراه بنى فوجه خلف الصناع فبنى وجه السور بالحجارة حجرا حجرا وصير وراءه من جانب المدينة حشوا ثم عقد فوقه الشرف كما كان فوقف ذلك الرجل المعتصم على هذه الناحية التى وصف فأمر المعتصم فضرب مضربه في ذلك الموضع ونصب المجانيق على ذلك البناء فانفرج السور من ذلك الموضع فلما رأى أهل عمورية انفراج السور علقوا عليه الخشب الكبار كل واحد بلزق الاخرى فكان حجر المنجنيق إذا وقع على الخشب تكسر فعلقوا خشبا غيره وصيروا فوق الخشب البراذع ليترسوا السور فلما ألحت المجانيق على ذلك الموضع وانصدع السور فكتب ياطس والخصى إلى ملك الروم كتابا يعلمانه أمر السور ووجها الكتاب مع رجل فصيح بالعربية وغلام رومى وأخرجاهما من الفصيل فعبرا الخندق ووقعا إلى ناحية أبناء الملوك المضمومين إلى عمرو الفرغانى فلما خرجا من الخندق أنكروهما فسألوهما من أين أنتما قالا لهم نحن من أصحابكم قالوا من أصحاب من أنتم فلم يعرفا أحدا من قواد أهل العسكر يسميانه لهم فأنكروهما وجاؤا بهما إلى عمرو الفرغانى بن أربخا فوجه بهما عمرو إلى أشناس فوجه بهما أشناس إلى المعتصم فساءلهما المعتصم وفتشهما فوجد معهما كتابا من ياطس إلى ملك الروم يعلمه فيه أن العسكر قد أحاط بالمدينة في جمع كثير وقد ضاق بهما الموضع وقد كان دخوله ذلك الموضع خطأ وأنه قد اعتزم على أن يركب ويحمل خاصة أصحابه على الدواب التى في الحصن ويفتح الابواب ليلا غفلة ويخرج فيحمل على العسكر كائنا فيه ما كان أفلت فيه من أفلت وأصيب فيه من أصيب حتى يتخلص من الحصار ويصير إلى الملك فلما قرأ المعتصم الكتاب أمر للرجل الذى يتكلم منهما بالعربية والغلام الرومي الذى معه ببدرة فأسلما وخلع عليهما وأمر بهما حين طلعت الشمس فأداروهما حول عمروية فقالا ياطس يكون في هذا البرج فامر بهما فوقفا بحذاء البرج الذى فيه ياطس طويلا وبين أيديهما رجلان يحملان لهما الدراهم وعليهما الخلع ومعهما الكتاب حتى فهمهما ياطس وجميع الروم وشتموهما من فوق السور ثم أمر بهما المعتصم فنحوهما وأمر المعتصم أن تكون

[ 271 ]

الحراسة بينهم نوائب في كل ليلة يحضرها الفرسان يبيتون على دوابهم بالسلاح وهم وقوف عليها لئلا يفتح الباب ليلا فيخرج من عمورية إنسان فلم يزل الناس يبيتون كذلك نوائب على ظهور الدواب في السلاح ودوابهم بسروجها حتى انهدم السور ما بين برجين من الموضع الذى وصف للمعتصم أنه لم يحكم عمله وسمع أهل العسكر الوجبة فتشوفوا وظنوا أن العدو قد خرج على بعض الكراديس حتى أرسل المعتصم من طاف على الناس في العسكر يعلمهم أن ذلك صوت السور وقد سقط فطيبوا نفسا وكان المعتصم حين نزل عمورية ونظر إلى سعة خندقها وطول سورها وكان قد استاق في طريقه غنما كثيرة فدبر في ذلك أن يتخذ مجانيق كبارا على قدر ارتفاع السور يسع كل ؟ منها أربعة رجال وعملها أوثق ما يكون وأحكمه وجعلها على كراسي تحتها عجل ودبر في ذلك أن يدفع الغنم إلى أهل العسكر إلى كل رجل شاة فيأكل لحمها ويحشو جلدها ترابا ثم يؤتى بالجلود مملوءة ترابا حتى تطرح في الخندق ففعل ذلك بالخندق وعمل دبابات كبارا تسع كل دبابة عشرة رجال وأحكمها على أن يدحرجها على الجلود المملوءة ترابا حتى يمتلئ الخندق ففعل ذلك وطرحت الجلود فلم تقع الجلود مستوبة منضدة خوفا منهم من حجارة الروم فوقعت مختلفة ولم يمكن تسويتها فأمر أن يطرح فوقها التراب حتى استوت ثم قدمت دبابة فدحرجها فلما صارت من الخندق في نصفه تعلقت بتلك الجلود وبقى القوم فيها فما تخلصوا منها إلا بعد جهد ثم مكثت تلك العجلة مقيمة هناك لم يمكن فيها حيلة حتى فتحت عمورية وبطلت الدبابات والمنجنيقات والسلاليم وغير ذلك حتى أحرقت فلما كان من الغد قاتلهم على الثلمة وكان أول من بدأ بالحرب اشناس وأصحابه وكان الموضع ضيقا فلم يمكنهم الحرب فيه فأمر المعتصم بالمنجنيقات الكبار التى كانت متفرقة حول السور فجمع بعضها إلى بعض وصيرها حول الثلمة وأمر أن يرمى ذلك الموضع وكانت الحرب في اليوم الثاني على الافشين وأصحابه فأجادوا الحرب وتقدموا وكان المعتصم واقفا على دابته بازاء الثلمة وأشناس وأفشين وخواص

[ 272 ]

القواد معه وكان باقى القواد الذين دون الخاصة وقوفا رجالة فقال المعتصم ما كان أحسن الحرب اليوم فقال عمرو الفرغانى الحرب اليوم أجود منها أمس وسمعها اشناس فأمسك فلما انتصف النهار وانصرف المعتصم إلى مضربه يتغدى وانصرف القواد إلى مضاربهم يتغدون وقرب أشناس من باب مضربه ترجل له القواد كما كانوا يفعلون وفيهم عمرو الفرغانى وأحمد بن الخليل بن هشام فمشوا بين يديه كعادتهم عند مضربه فقال لهم اشناس يا أولاد الزنا اين تمشون بين يدى كان ينبغى أن تقاتلوا أمس حيث تقفون بين يدى أمير المؤمنين فتقولون إن الحرب اليوم أحسن منها أمس كأن أمس يقاتل غيركم انصرفوا إلى مضاربكم فلما انصرف عمر والفرغاني وأحمد بن الخليل بن هشام قال أحدهما للآخر أما ترى هذا العبد ابن الفاعلة يعنى اشناس ما صنع بنا اليوم أليس الدخول إلى بلاد الروم أهون من هذا الذى سمعناه اليوم فقال عمرو الفرغانى لاحمد بن الخليل وكان عند عمرو خبر يا أبا العباس سيكفيك الله أمره عن قريب أبشر فأوهم أحمد أن عنده خبرا فألح عليه أحمد يسأله فأخبره بما هم فيه وقال إن العباس ابن المأمون قد تم أمره وسنبايع له ظاهرا ونقتل المعتصم واشناس وغيرهما عن قريب ثم قال له أشير عليك أن تأتى العباس فتقدم فتكون في عداد من مال إليه فقال له أحمد هذا أمر لا أحسبه ينم فقال له عمر وقد تم وفرغ وأرشده إلى الحارث السمرقندى قرابة سلمة بن عبيد الله بن الوضاح وكان المتولي لايصال الرجال إلى العباس وأخذ البيعة عليهم فقال له عمرو أنا أجمع بينك وبين الحارث حتى تصير في عداد أصحابنا فقال له أحمد أنا معكم إن كان هذا الامر يتم فيما بيننا وبين عشرة أيام وإن جاوز ذلك فليس بينى وبينكم عمل فذهب الحارث فلقى العباس فأخبره أن عمرا قد ذكره لاحمد بن الخليل فقال له ما كنت أحب أن يطلع الخليل على شئ من أمرنا أمسكوا عنه ولا تشركوه في شئ من أمركم دعوه بينهما فأمسكوا عنه * فلما كان في اليوم الثالث كانت الحرب على أصحاب أمير المؤمنين خاصة ومعهم المغاربة والاتراك والقيم بذلك إيتاخ فقاتلوا فأحسنوا

[ 273 ]

واتسع لهم الموضع المنثلم فلم تزل الحرب كذلك حتى كثرت في الروم الجراحات وكان قواد ملك الروم عندما نزل بهم عسكر المعتصم اقتسموا البروج لكل قائد وأصحابه عدة أبرجة وكان الموكل بالموضع الذى انثلم من السور رجلا من قواد الروم يقال له وندوا وتفسيره بالعربية ثور فقاتل الرجل وأصحابه قتالا شديدا بالليل والنهار والحرب عليه وعلى أصحابه لم يمده ياطس ولا غيره بأحد من الروم فلما كان بالليل مشى القائد الموكل بالثلمة إلى الروم فقال إن الحرب على وعلى أصحابي ولم يبق معى أحد إلا قد جرح فصيروا أصحابكم على الثلمة يرمون قليلا وإلا افتضحتم وذهبت المدينة فأبوا أن يمدوه بأحد فقالوا سلم السور من ناحيتنا وليس نسألك أن تمدنا فشأنك وناحيتك فليس لك عندنا مدد فاعتزم هو وأصحابه على أن يخرجوا إلى أمير المؤمنين المعتصم ويسألوه الامان على الذرية ويسلموا إليه الحصن بما فيه من الخرثى والمتاع والسلاح وغير ذلك فلما أصبح وكل أصحابه بجنبى الثلمة وخرج فقال إنى أريد أمير المؤمنين وأمر أصحابه ألا يحاربوا حتى يعود إليهم فخرج حتى وصل إلى المعتصم فصار بين يديه والناس يتقدمون إلى الثلمة وقد أمسك الروم عن الحرب حتى وصلوا إلى السور والروم يقولون بأيديهم لاتحيوا وهم يتقدمون ووندوا بين يدى المعتصم جالس فدعا المعتصم بفرس فحمله عليه وقابل حتى صار الناس معهم على حرف الثلمة وعبد الوهاب بن على بين يدى المعتصم فأومأ إلى الناس بيده أن ادخلوا فدخل الناس المدينة فالتفت وندوا وضرب بيده إلى لحيته فقال له المعتصم مالك قال جئت أريد أن أسمع كلامك وتسمع كلامي فغدرت بى فقال المعتصم كل شئ تريد أن تقوله فهو لك على قل ما شئت فإنى لست أخالفك قال إيش لا تخالفني وقد دخلوا المدينة فقال المعتصم اضرب بيدك إلى ما شئت فهو لك وقل ما شئت فإنى أعطيكه فوقف في مضرب المعتصم وكان ياطس في برجه الذى هو فيه وحوله جماعة من الروم مجتمعين وصارت طائفة منهم إلى كنيسة كبيرة في زاوية عمورية فقاتلوا قتالا شديدا فأحرق الناس الكنيسة عليهم فاحترقوا عن آخرهم وبقى ياطس في برجه م (18 - 7)

[ 274 ]

حوله أصحابه وباقى الروم وقد أخذتهم السيوف فبين مقتول ومجروح فركب المعتصم عند ذلك حتى جاء فوقف حذاء ياطس وكان مما يلى عسكر أشناس فصاحوا يا ياطس هذا أمير المؤمنين فصاح الروم من فوق البرج ليس ياطس ههنا قالوا بلى قولوا له إن أمير المؤمنين واقف فقالوا ليس ياطس ههنا فمر أمير المؤمنين مغضبا فلما جاوز صاح الروم هذا ياطس هذا ياطس فرجع المعتصم إلى حيال البرج حتى وقف ثم أمر بتلك السلاليم التى هيئت فحمل سلم منها فوضع على البرج الذى هو فيه وصعد عليه الحسن الرومي غلام لابي سعيد محمد بن يوسف وكلمه ياطس فقال هذا أمير المؤمنين فانزل على حكمه فنزل الحسن فأخبر المعتصم أنه قد رآه وكلمه فقال المعتصم قل له فلينزل فصعد الحسن ثانية فخرج ياطس من البرج متقلدا سيفا حتى وقف على البرج والمعتصم ينظر إليه فخلع سيفه من عنقه فدفعه إلى الحسن ثم نزل ياطس فوقف بين يدى المعتصم فقنعه سوطا وانصرف المعتصم إلى مضربه وقال هاتوه فمشى قليلا ثم جاءه رسول المعتصم أن احملوه فحملوه فذهب به إلى مضرب أمير المؤمنين * ثم أقبل الناس بالاسرى والسبي من كل وجه حتى امتلا العسكر فأمر المعتصم بسيل الترجمان أن يميز الاسرى فيعزل منهم أهل الشرف والقدر من الروم في ناحية ويعزل الباقين في ناحية ففعل ذلك بسيل ثم أمر المعتصم فوكل بالمقاسم قواده ووكل أشناس بما يخرج من ناحيته وأمره أن ينادى عليه ووكل الافشين بما يخرج من ناحيته وأمره أن ينادى ويبيع وأمر إيتاخ بناحيته مثل ذلك وجعفر الخياط بمثل ذلك في ناحيته ووكل مع كل قائد من هؤلاء رجلا من قبل أحمد بن أبى دؤاد يحصى عليه فبيعت المقاسم في خمسة أيام بيع منها ما استباع وأمر بالباقي فضرب بالنار وارتحل المعتصم منصرفا إلى أرض طرسوس * ولما كان يوم إيتاخ قبل أن يرتحل المعتصم منصرفا وثب الناس على المغنم الذى كان إيتاخ على بيعه وهو اليوم الذى كان عجيف وعد الناس فيه أن يثب بالمعتصم فركب المعتصم بنفسه ركضا وسل سيفه فتنحى الناس عنه من بين يديه وكفوا عن انتهاب المغنم فرجع إلى مضربه فلما كان من الغد أمر ألا ينادى على السبى إلا ثلاثة أصوات ليتروج البيع فمن زاد

[ 275 ]

بعد ثلاثة أصوات وإلا بيع العلق فكان يفعل ذلك في اليوم الخامس فكان ينادى على الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة والمتاع الكثير جملة واحدة قال وكان ملك الروم قد وجه رسولا في أول ما نزل المعتصم على عمورية فأمر به المعتصم فأنزل على موضع الماء الذى كان الناس يستقون منه وكان بينه وبين عمورية ثلاثة أميال ولم يأذن له في المصير إليه حتى فتح عمورية فلما فتحها أذن له في الانصراف إلى ملك الروم فانصرف وانصرف المعتصم يريد الثغور وذلك أنه بلغه أن ملك الروم يريد الخروج في أثره أو يريد التعبث بالعسكر فمضى في طريق الجادة مرحلة ثم رجع إلى عمورية وأمر الناس بالرجوع ثم عدل عن طريق الجادة إلى طريق وادى الجور ففرق الاسرى على القواد ودفع إلى كل قائد من القواد طائفة منهم يحفظهم ففرقهم القواد على أصحابهم فساروا في طريق نحوا من أربعين ميلا ليس فيه ماء فكان كل من امتنع من الاسرى أن يمشى معهم لشدة العطش الذى أصابهم ضربوا عنقه فدخل الناس في البرية في طريق وادى الجور فأصابهم العطش فتساقط الناس والدواب وقتل بعض الاسرى بعض الجند وهرب وكان المعتصم قد تقدم العسكر فاستقبل الناس ومعه الماء قد حمله من الموضع الذى نزله وهلك الناس في هذا الوادي من العطش وقال الناس للمعتصم إن هؤلاء الاسرى قد قتلوا بعض جندنا فأمر عند ذلك بسيل الرومي بتمييز من له القدر منهم فعزلوا ناحية ثم أمر بالباقين فأصعدوا إلى الجبال وأنزلوا إلى الاودية فضربت أعناقهم جميعا وهم مقدار ستة آلاف رجل قتلوا في موضعين بوادي الجور وموضع آخر ورحل المعتصم من ذلك الموضع يريد الثغر حتى دخل طرسوس وكان قد نصب له الحياض من الادم حول العسكر من الماء إلى العسكر بعمورية والحياض مملؤة والناس يشربون منها لا يتعبون في طلب الماء وكانت الوقعة التى وقعت بين الافشين وملك الروم فيما ذكر يوم الخميس لخمس بقين من شعبان وكانت اناخة المعتصم على عمورية يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان وقفل بعد خمسة وخمسين يوما وقال الحسين بن الضحاك الباهلى يمدح الافشين ويذكر

[ 276 ]

وقعته التى كانت بينه وبين ملك الروم أثبت المعصوم عزا لابي * حسن أثبت من ركن إضم كل مجد دون ما أثله * لبنى كاوس أملاك العجم إنما الافشين سيف سله * قدر الله بكف المعتصم لم يدع بالبذ من ساكنة * غير أمثال كأمثال إرم ثم أهدى سلما بابكة * رهن حجلين نجيا للندم وقرا توفيل طعنا صادقا * فض جمعيه جميعا وهزم قتل الاكثر منهم ونجا * من نجا لحما على ظهر وضم (وفى هذه السنة) حبس المعتصم العباس بن المأمون وأمر بلعنه * ذكر الخبر عن سبب فعله ذلك * ذكر أن السبب كان في ذلك أن عجيف بن عنبسة حين وجهه المعتصم إلى بلاد الروم لما كان من أمر ملك الروم بزبطرة مع عمرو بن أربخا الفرغانى ومحمد كوته لم يطلق يد عجيف في النفقات كما أطلقت يد الافشين واستقصر المعتصم أمر عجيف وأفعاله واستبان ذلك لعجيف فوبخ عجيف العباس على ما تقدم من فعله عند وفاة المأمون حين بايع أبا اسحاق وعلى تفريطه فيما فعل وشجعه على أن يتلافى ما كان منه فقبل العباس ذلك ودس رجلا يقال له الحارث السمرقندى قرابة عبيد الله ابن الوضاح وكان العباس يأنس به وكان الحارث رجلا أديبا له عقل ومداراة فصيره العباس رسوله وسفيره إلى القواد فكان يدور في العسكر حتى تألف له جماعة من القواد وبايعوه وبايعه منهم خواص وسمى لكل رجل من قواد المعتصم رجلا من ثقات أصحابه ممن بايعه ووكله بذلك وقال إذا أمرنا بذلك فليثب كل رجل منكم على من ضمناه أن يقتله فضمنوا له ذلك فكان يقول للرجل ممن بايعه عليك يا فلان أن تقتل فلانا فيقول نعم فوكل من بايعه من خاصة المعتصم بالمعتصم ومن خاصة الافشين بالافشين ومن خاصة أشناس بأشناس ممن بايعه من الاتراك فضمنوا ذلك جميعا فلما أرادوا أن يدخلوا الدرب وهم يريدون أنقرة وعمورية ودخل الافشين من ناحية ملطية أشار عجيف على العباس

[ 277 ]

أن يثب على المعتصم في الدرب وهو في قلة من الناس وقد تقطعت عنه العساكر فيقتله ويرجع إلى بغداد فكان الناس يفرحون بانصرافهم من الغزو فأبى العباس عليه وقال لا أفسد هذه الغزاة حتى دخلوا بلاد الروم وافتتحوا عمورية فقال عجيف للعباس يا نائم كم تنام قد فتحت عمورية والرجل ممكن دس قوما ينتهبون هذا الخرثى فانه إذا بلغه ذلك ركب بسرعة فتأمر بقتله هناك فأبى عليه العباس وقال أنتظر حتى يصير إلى الدرب فيخلو كما خلا في البدأة فهو أمكن منه ههنا وكان عجيف قد أمر من ينتهب المتاع فانتهب بعض الخرثى في عسكر ايتاخ فركب المعتصم وجاء ركضا فسكن الناس ولم يطلق العباس أحدا من أولئك الرجال الذين كان واعدهم فلم يحدثوا شيئا وكرهوا أن يفعلوا شيئا بغير أمره وكان عمرو الفرغانى قد بلغه الخبر ذلك اليوم ولعمرو الفرغانى قرابة غلام أمرد في خاصة المعتصم فجاء الغلام إلى ولد عمرو يشرب عندهم في تلك الليلة فأخبرهم أن أمير المؤمنين ركب مستعجلا وأنه كان يعدو بين يديه وقال إن أمير المؤمنين قد غضب اليوم فأمرني أن أسل سيفى وقال لا يستقبلك أحد إلا ضربته فسمع عمرو ذلك من الغلام فأشفق عليه أن يصاب فقال له يا بنى أنت أحمق أقل من الكينونة عند أمير المؤمنين بالليل والزم خيمتك فان سمعت صيحة مثل هذه الصيحة أو شغبا أو شيئا فلا تبرح من خيمتك فانك غلام غر لست تعرف بعد العساكر فعرف الغلام مقالة عمرو وارتحل المعتصم من عمورية يريد الثغر ووجه الافشين بن الاقطع في طريق خلاف طريق المعتصم وأمره أن يغير على موضع سماه له وأن يوافيه في بعض الطريق فمضى ابن الاقطع وتوجه المعتصم يريد الثغر فسار حتى صار إلى موضع أقام فيه ليريح ويستريح وليسلك الناس من المضيق الذى بين أيديهم ووافى ابن الاقطع عسكر الافشين بما أصاب من الغنائم وكان عسكر المعتصم على حدة وعسكر الافشين على حدة بين كل عسكر قدر ميلين أو أكثر واعتل أشناس فركب المعتصم صلاة الغداة يعوده فجاء إلى مضربه فعاده ولم يكن الافشين لحقه بعد ثم خرج المعتصم منصرفا فتلقاه الافشين في الطريق فقال له المعتصم تريد

[ 278 ]

أبا جعفر وكان عمرو الفرغانى وأحمد بن الخليل عند منصرف المعتصم من عيادة أشناس توجها إلى ناحية عسكر الافشين لينظرا ما جاء به ابن الاقطع من السبى فيشتريا منه ما أعجبهما فتوجها ناحية عسكر الافشين ولقيهما الافشين يريد أشناس فترجلا وسلما عليه ونظر اليهما حاجب أشناس من بعد فدخل الافشين إلى أشناس ثم انصرف وتوجها إلى عسكر الافشين فلم يكن السبى أخرج بعد فوقفا ناحية ينتظران أن ينادى على السبى فيشتريا منه ودخل حاجب أشناس على أشناس فقال إن عمرا الفرغانى وأحمد بن الخليل تلقيا الافشين وهما يريدان عسكره فترجلا وسلما عليه وتوجها إلى عسكره فدعا أشناس محمد بن سعيد السعدى فقال له اذهب إلى عسكر الافشين فانظر هل ترى هناك عمرا الفرغانى وأحمد ابن الخليل وانظر عند من نزلا وأى شئ قصتهما فجاء محمد بن سعيد فأصابهما واقفين على ظهور دوابهما فقال ما أوقفكما ههنا قالا وقفنا ننتظر سبى ابن الاقطع يخرج فنشتري بعضه فقال لهما محمد بن سعيد وكلا وكيلا يشترى لكما فقالا لا نحب أن نشترى إلا ما نراه فرجع محمد فأخبر أشناس بذلك فقال لحاجبه قل لهؤلاء الزموا عسكركم فهو خير لكم يعنى عمرا وابن الخليل ولا تذهبوا ههنا وههنا فذهب الحاجب اليهما فأعلمهما فاغتما لذلك واتفقا على أن يذهبا إلى صاحب خبر العسكر فيستعفياه من أشناس فصارا إلى صاحب الخبر فقالا نحن عبيد أمير المؤمنين يضمنا إلى من شاء فان هذا الرجل يستخف بنا قد شتمنا وتوعدنا ونحن نخاف ان يقدم علينا فليضمنا أمير المؤمنين إلى من أحب فأنهى صاحب الخبر ذلك إلى المعتصم من يومه واتفق الرحيل صلاة الغداة وكان إذا ارتحل الناس سارت العساكر على حيالها وسار أشناس والافشين وجميع القواد في عسكر أمير المؤمنين ووكلوا خلفاءهم بالعساكر فيسيرون بها وكان الافشين على الميسرة وأشناس على الميمنة فلما ذهب أشناس إلى المعتصم قال له أحسن أدب عمرو الفرغانى وأحمد بن الخليل فانهما قد حمقا أنفسهما فجاء أشناس ركضا إلى معسكره فسأل عن عمرو وابن الخليل فأصاب عمرا وكان ابن الخليل قد مضى في

[ 279 ]

الميسرة يبادر الروم فجاؤه بعمرو الفرغانى وقال هاتوا سياطا فمكث طويلا مجردا ليس يؤتى بالسياط فتقدم عمه إلى أشناس فكلمه في عمرو وكان عمه أعجميا وعمرو واقف فقال احملوه فألبسوه قباطاق فحملوه على بغل في قبة وساروا به إلى العسكر وجاء أحمد بن الخليل وهو يركض فقال احبسوا هذا معه فأنزل عن دابته وصير عديله ودفعا إلى محمد بن سعيد السعدى يحفظهما فكان يضرب لهما مضربا في فازة وحجرة ومائدة ويفرش لهما فرشا وطية وحوضا من ماء وأثقالهما وغلمانهما في العسكر لم يحرك منها شئ فلم يزالا كذلك حتى صارا إلى جبل الصفصاف وكان أشناس على الساقة وكان بغا على ساقة عسكر المعتصم فلما صار بالصفصاف وسمع الغلام الفرغانى قرابة عمرو بحبس عمرو ذكر الغلام للمعتصم ما دار بينه وبين عمرو من الكلام في تلك الليلة مما قال له عمرو إذا رأيت شغبا فالزم خيمتك فقال المعتصم لبغا لا ترحل غدا حتى تجئ أشناس فتأخذ منه عمرا وتلحقني به وكان هذا بالصفصاف فوقف بغا بأعلامه ينتظر أشناس وجاء محمد بن سعيد ومعه عمرو وأحمد بن الخليل فقال بغا لاشناس أمرنى أمير المؤمنين ان أوافيه بعمرو الساعة فأنزل عمرو وجعل مع أحمد بن الخليل في القبة رجل يعادله ومضى بغا بعمرو إلى المعتصم فأرسل أحمد بن الخليل غلاما من غلمانه إلى عمرو لينظر ما يصنع به فرجع الغلام فأخبره انه أدخل على أمير المؤمنين فمكث ساعة ثم دفع إلى ايتاخ وكان أمير المؤمنين لما دخل ساءله عن الكلام الذى قاله للغلام قرابته فأنكر وقال هذ الغلام كان سكران ولم يفهم ولم أقل شيئا مما ذكره فأمر به فدفع إلى ايتاخ وسار المعتصم حتى صار إلى باب مضايق البدندون وأقام أشناس ثلاثة أيام على مضيق البدندون ينتظر أن تتخلص عساكر أمير المؤمنين لانه كان على الساقة فكتب أحمد بن الخليل إلى أشناس رقعة يعلمه أن لامير المؤمنين عنده نصيحة وأشناس مقيم على مضيق البدندون فبعث إليه أشناس باحمد بن الخصيب وأبى سعيد محمد بن يوسف يسألانه عن النصيحة فذكر أنه لا يخبر بها الا أمير المؤمنين فرجعا فأخبرا أشناس بذلك فقال ارجعا

[ 280 ]

فاحلفا له أنى حلفت بحياة أمير المؤمنين إن هو لم يخبرني بهذه النصيحة أن أضربه بالسياط حتى يموت فرجعا فاخبرا أحمد بن الخليل بذلك فأخرج جميع من عنده وبقى أحمد بن الخصيب وأبو سعيد فأخبرهما بما ألقى إليه عمرو الفرغانى من أمر العباس وشرح لهما جميع ما كان عنده وأخبرهما بخبر الحارث السمرقندى فانصرفا إلى أشناس فأخبراه بذلك فبعث أشناس في طلب الحدادين فجاؤا بحدادين من الجند فدفع اليهما حديدا فقال اعملا لى قيدا مثل قيد أحمد بن الخليل وعجلا به الساعة ففعلا ذلك فلما كان عند عتمة وكان حاجب أشناس يبيت عند أحمد بن الخليل مع محمد بن سعيد السعدى فلما كان تلك الليلة عند العتمة ذهب الحاجب إلى خيمة الحارث السمرقندى فأخرجه منها وجاء به إلى أشناس فقيده وأمر الحاجب أن يحمله إلى أمير المؤمنين فحمله الحاجب إليه واتفق رحيل أشناس صبة الغداة فجاء أشناس إلى موضع معسكره فتلقاه الحارث معه رجل من قبل المعتصم وعليه خلع فقال له أشناس مه فقال القيد الذى كان في رجلى صار في رجل العباس وسأل المعتصم الحارث حين صار إليه عن أمره فأقر أنه كان صاحب خبر العباس وأخبره بجميع أمره وجميع من بايع العباس من القواد فأطلق المعتصم الحارث وخلع عليه ولم يصدق على أولئك القواد لكثرتهم وكثرة من سمى منهم وتحير المعتصم في أمر العباس فدعا به حين خرج إلى الدرب فأطلقه ومناه وأوهمه أنه قد صفح عنه وتغدى معه وصرفه إلى مضربه ثم دعاه بالليل فنادمه على النبيذ وسقاه حتى أسكره واستحلفه أن لا يكتمه من أمره شيئا فشرح له قصته وسمى له جميع من كان دب في أمره وكيف كان السبب في ذلك في كل واحد منهم فكتبه المعتصم وحفظه ثم دعا الحارث السمرقندى بعد ذلك فسأله عن الاسباب فقص عليه مثل ما قص عليه العباس ثم أمر بعد ذلك بتقييد العباس ثم قال للحارث قد رضتك على أن تكذب فأجد السبيل إلى سفك دمك فلم تفعل فقد أفلت فقال له يا أمير المؤمنين لست بصاحب كذب ثم دفع العباس إلى الافشين ثم تتبع المعتصم أولئك القواد فأخذوا جميعا فأمر أن يحمل أحمد

[ 281 ]

ابن الخليل على بغل بإكاف بلا وطاء ويطرح في الشمس إذا نزل ويطعم في كل يوم رغيفا واحدا وأخذ عجيف بن عنبسة فيمن أخذ من القواد فدفع من سائر القواد إلى إيتاخ ودفع ابن الخليل إلى أشناس فكان عجيف وأصحابه يحملون في الطريق على بغال بأكف بلا وطاء وأخذ الشاه بن سهل وهو الرأس ابن الرأس من أهل قرية من خراسان يقال لها سجستان فدعا به المعتصم والعباس بين يديه فقال له يا ابن الزانية أحسنت إليك فلم تشكر فقال له الشاه بن سهل ابن الزانية هذا الذى بين يديك يعنى العباس لو تركني هذا كنت أنت الساعة لا تقدر أن تقعد في هذا المجلس وتقول لى يا ابن الفاعلة فأمر به المعتصم فضربت عنقه وهو أول من قتل من القواد ومعه صحبه ودفع عجيف إلى ايتاخ فعلق عليه حديدا كثيرا وحمله على بغل في محمل بلا وطاء وأما العباس فكان في يدى الافشين فلما نزل المعتصم منبج وكان العباس جائعا سأل الطعام فقدم إليه طعام كثير فأكل فلما طلب الماء منع وأدرج في مسح فمات بمنبج وصلى عليه بعض اخوته وأما عمرو الفرغانى فانه لما نزل المعتصم بنصيبين في بستان دعا صاحب البستان فقال له احفر بئرا في موضع أومأ إليه بقدر قامة فبدأ صاحب البستان فحفرها ثم دعا بعمرو والمعتصم جالس في البستان قد شرب أقداحا من نبيذ فلم يكلمه المعتصم ولم يتكلم عمرو حتى مثل بين يديه فقال جردوه فجرد وضرب بالسياط ضربه الاتراك والبئر تحفر حتى إذا فرغ من حفرها قال صاحب البستان قد حفرتها فأمر المعتصم عند ذلك فضرب وجه عمرو وجسده بالخشب فلم يزل يضرب حتى سقط ثم قال جروه إلى البئر فاطرحوه فيها فلم يتكلم عمرو ولم ينطق يومه ذلك حتى مات فطرح في البئر وطمت عليه وأما عجيف بن عنبسة فلما صار بباعيناثا فوق بلد قليلا مات في المحمل فطرح عند صاحب المسلحة وأمر أن يدفن فيها فجاء به إلى جانب حائط خرب فطرحه عليه فقبر هناك وذكر عن على بن حسن الريدانى أنه قال كان عجيف في يد محمد بن ابراهيم ابن مصعب فسأله المعتصم عنه فقال له يا محمد لم يمت عجيف قال يا سيدى اليوم يموت ثم أتى محمد مضربه فقال لعجيف يا أبا صالح أي شئ تشتهى قال أسفيد باج وحلوى

[ 282 ]

فالوذج فامر أن يعمل له من كل طعام فأكل وطلب الماء فمنع فلم يزل بطلب وهو يسوق حتى مات فدفن بباعيناثا قال وأما التركي الذى كان ضمن للعباس قتل أشناس متى ما أمره العباس وكان كريما على أشناس ينادمه ولا يحجب عنه في ليل ولا نهار فانه أمر بحبسه فحبسه أشناس قبله في بيت وطين عليه الباب وكان يلقى إليه في كل يوم رغيفا وكوز ماء فأتاه ابنه في بعض أيامه فكلمه من وراء الحائط فقال له يا بنى لو كنت تقدر لى على سكين كنت أقدر أن أتخلص من موضعي هذا فلم يزل ابنه يتلطف في ذلك حتى أوصل إليه سكينا فقتل به نفسه وأما السندي بن بختاشه فامر المعتصم أن يوهب لابيه بختاشه لان بختاشه لم يكن يتلطخ بشئ من أمر العباس فقال المعتصم لا يفجع هذا الشيخ بابنه فأمر بتخلية سبيله وأما أحمد بن الخليل فانه دفعه أشناس إلى محمد بن سعيد السعدى فحفر له بئرا في الجزيرة بسامرا فسأل عنه المعتصم يوما من الايام فقال لاشناس ما فعل أحمد بن الخليل فقال له أشناس هو عند محمد بن سعيد السعدى قد حفر له بئرا وأطبق عليه وفتح له فيها كوة ليرمى إليه بالخبز والماء فقال المعتصم هذا أحسبه قد سمن على هذه الحال فأخبر أشناس محمد بن سعيد بذلك فأمر محمد بن سعيد أن يسقى الماء ويصب عليه في البئر حتى يموت ويمتلئ البئر فلم يزل يصب عليه الماء والرمل ينشف الماء فلم يغرق ولم يمتلئ البئر فأمر أشناس بدفعه إلى غطريف الخجندى فدفع إليه فمكث عنده أياما ثم مات فدفن وأما هرثمة بن النضر الختلى فكان واليا على المراغة وكان في عداد من سماه العباس أنه من أصحابه فكتب في حمله في الحديد فتكلم فيه الافشين واستوهبه من المعتصم فوهبه له فكتب الافشين كتابا إلى هرثمة بن النضر يعلمه أن أمير المؤمنين قد وهبه له وأنه قد ولاه البلد الذى يصل إليه الكتاب فيه فورد به الدينور عند العشاء مقيدا فطرح في الخان وهو موثق في الحديد فوافاه الكتاب في جنح الليل فأصبح وهو والى الدينور وقتل باقى القواد ومن لم يحفظ اسمه من الاتراك والفراغنة وغيرهم قتلوا جميعا وورد المعتصم سامرا سالما بأحسن حال فسمى العباس اللعين يومئذ ودفع ولد سندس من ولد المأمون إلى ايتاخ فحبسوا في سرادب

[ 283 ]

من داره ثم ماتوا بعد وجرح في هذه السنة في شوال اسحاق بن ابراهيم جرحه خادم له (وحج) بالناس فيها محمد بن داود * ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمما كان فيها من ذلك اظهار مازيار بن قارن بن ونداهر مز بطبرستان الخلاف على المعتصم ومحاربته أهل السفح والامصار منها * ذكر الخبر عن سبب إظهاره الخلاف على المعتصم * * وفعله ما فعل من الوثوب بأهل السفح * ذكر أن السبب في ذلك كان أن مازيار بن قارن كان منافرا لآل طاهر لا يحمل إليهم الخراج وكان المعتصم يكتب إليه يأمره بحمله إلى عبد الله بن طاهر فيقول لا أحمله إليه ولكني أحمله إلى أمير المؤمنين فكان المعتصم إذا حمل المازيار إليه الخراج يأمر إذا بلغ المال همذان رجلا من قبله أن يستوفيه ويسلمه إلى صاحب عبد الله بن طاهر ليرده إلى خراسان فكانت هذه حاله في السنين كلها ونافر آل طاهر حتى تفاقم الامر بينهم وكان الافشين يسمع من المعتصم أحيانا كلاما يدل على أنه يريد عزل آل طاهر عن خراسان فلما ظفر الافشين ببابك ونزل من المعتصم المنزلة التى لم يتقدمه فيها أحد طمع في ولاية خراسان وبلغته منافرة مازيار آل طاهر فرجا أن يكون ذلك سببا لعزل عبد الله بن طاهر فدس الافشين الكتب إلى المازيار يستميله بالدهقنة ويعلمه ما هو عليه من المودة له وأنه قد وعد ولاية خراسان فدعا ذلك المازيار إلى ترك حمل خراجه إلى عبد الله ابن طاهر وواتر عبد الله بن طاهر الكتب فيه إلى المعتصم حتى أوحش المعتصم منه وأغضبه عليه وحمل ذلك المازيار إلى أن وثب وخالف ومنع الخراج وضبط جبال طبرستان وأطرافه وكان ذلك مما يسر الافشين ويطمعه في الولاية فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمره بمحاربة مازيار وكتب الافشين إلى المازيار

[ 284 ]

يأمره بمحاربة عبد الله بن طاهر ويعلمه أنه يقوم له عند المعتصم بما يحب وكاتبه المازيار أيضا فلا يشك الافشين أن المازيار سيواقف عبد الله بن طاهر ويقاومه حتى يحتاج المعتصم إلى أن يوجهه وغيره إليه فذكر عن محمد بن حفص الثقفى الطبري أن المازيار لما عزم على الخلاف دعا الناس إلى البيعة فبايعوه كرها وأخذ منهم الرهائن فحبسهم في برج الاصبهبذ وأمر أكرة الضياع بالوثوب بأرباب الضياع وانتهاب أموالهم وكان المازيار يكاتب بابك ويحرضه ويعرض عليه النصرة فلما فرغ المعتصم من أمر بابك أشاع الناس أن أمير المؤمنين يريد المسير إلى قرماسين ويوجه الافشين إلى الرى لمحاربة مازيار فلما سمع المازيار بإرجاف الناس بذلك أمر أن يمسح البلد خلا من قاطع على ضياعه بزيادة العشرة ثلاثة ومن لم يقاطع رجع عليه فحسب ما عليه من الفضل ولم يحسب له النقصان ثم أنشأ كتابا إلى عامله على الخراج وكان عامله عليه رجلا يقال له شاذان بن الفضل نسخته (بسم الله الرحمن الرحيم) إن الاخبار تواترت علينا وصحت عندنا بما يرجف به جهال أهل خراسان وطبرستان فينا ويولدون علينا من الاخبار ويحملون عليه رؤسهم من التعصب لدولتنا والطعن في تدبيرنا والمراسلة لاعدائنا وتوقع الفتن وانتظار الدوائر فينا جاحدين للنعم مستقلين للامن والدعة والرفاهية والسعة التى آثرهم الله بها فما يرد الرى قائد ولا مشرف ولا يأتينا رسول صغير ولا كبير إلا قالوا كيت وكيت ومدوا أعناقهم نحوه وخاضوا فيما قد كذب الله أحدوثتهم وخيب أمانيهم فيه مرة بعد مرة فلا ينهاهم الاولى عن الآخرة ولا يزجرهم عن ذلك تقية ولا خشية كل ذلك نغضى عليه ونتجرع مكروهه استبقاء على كافتهم وطلبا للصلاح والسلامة لهم فلا يزيدهم استبقاؤنا إلا لجاجا ولا كفنا عن تأديبهم إلا إغراء ان أخرنا عنهم افتتاح الخراج نظرا لهم ورفقا بهم قالوا معزول وإن بادرنا به قالوا لحادث أمر لا يزدجرون عن ذلك بالشدة ان أغلظنا ولا برفق ان أنعمنا والله حسبنا وهو ولينا عليه نتوكل واليه ننيب وقد أمرنا بالكتاب إلى بندار آمل والرويان في استغلاق الخراج في عملهما وأجلناهما في ذلك

[ 285 ]

إلى سلخ تير ماه فاعلم ذلك وجرد جبايتك واستخرج ما على أهل ناحيتك كملا ولا يمضين عنك تيرماه ولك درهم باق فانك إن خالفت ذلك إلى غيره لم يكن جزاؤك عندنا الا الصلب فانظر لنفسك وحام عن مهجتك وشمر في أمرك وتابع كتابك إلى العباس واياك والتعذير واكتب بما يحدث منك من الانكماش والتشمير فانا قد رجونا أن يكون في ذلك مشغلة لهم عن الاراجيف ومانع عن التسويف فقد أشاعوا في هذه الايام أن أمير المؤمنين أكرمه الله صائر إلى قرماسين وموجه الافشين إلى الرى ولعمري لئن فعل أيده الله ذلك إنه لمما يسرنا الله به ويؤنسنا بجواره ويبسط الامل بما قد عودنا من فوائده وأفضاله ويكبت أعداءه وأعداءنا ولن يهمل أكرمه الله أموره ويرفض ثغوره والتصرف في نواحى ملكه لاراجيف مرجف بعماله وقول قائل في خاصته فانه لا يسرب أكرمه الله جنده إذا سرب ولا يندب قواده إذا ندب إلا إلى المخالف فاقرأ كتابنا هذا على من بحضرتك من أهل الخراج ليبلغ شاهدهم غائبهم فاعنف عليهم في استخراجه ومن هم بكسره فليبد بذلك صفحته لينزل الله به ما أنزل بأمثاله فان لهم أسوة في الوظائف وغيرها بأهل جرجان والرى وما والاهما فانما خفف الخلفاء عنهم خراجهم ورفعت الرفائع عنهم للحاجة التى كانت إليهم في محاربة أهل الجبال ولمغازى الديلم الضلال وقد كفى الله أمير المؤمنين أعزه الله ذلك كله وجعل أهل الجبال والديلم جندا وأعوانا والله المحمود * قال فلما ورد كتاب المازيار على شاذان بن الفضل عامله على الخراج أخذ الناس بالخراج فجبى جميع الخراج في شهرين وكان يجبى في اثنى عشر شهرا في كل أربعة أشهر الثلث وأن رجلا يقال له على بن يزداد العطار وهو ممن أخذ منه رهينة هرب وخرج من عمل المازيار فأخبر أبو صالح سرخاستان بذلك وكان خليفة المازيار على سارية فجمع وجوه أهل مدينة سارية وأقبل يوبخهم ويقول كيف يطمئن الملك اليكم أم كيف يثق بكم وهذا على بن يزداد ممن قد حلف وبايع وأعطى الرهينة ثم نكث وخرج وترك رهينته وأنتم لا تفون بيمين ولا تكرهون الخلف والحنث

[ 286 ]

فكيف يثق بكم الملك أم كيف يرجع لكم إلى ما تحبون فقال بعضهم نقتل الرهينة حتى لا يعود غيره إلى الهرب فقال لهم أتفعلون ذلك قالوا نعم فكتب إلى صاحب الرهائن فأمره أن يوجه بالحسن بن على بن يزداد وهو رهينة أبيه فلما صاروا به إلى سارية ندم الناس على ما قالوا لابي صالح وجعلوا يرجعون على الذى أشار بقتله بالتعنيف ثم جمعهم سرخاستان وقد أحضر الرهينة فقال لهم إنكم قد ضمنتم شيئا وهذا الرهينة فاقتلوه فقال له عبد الكريم بن عبد الرحمن الكاتب أصلحك الله إنك أجلت من خرج من هذا البلد شهرين وهذا الرهينة قبلك نسألك أن تؤجله شهرين فان رجع أبوه وإلا أمضيت فيه رأيك * قال فغضب على القوم ودعا بصاحب حرسه وكان يقال له رستم بن بارويه فأمره بصلب الغلام وأن الغلام سأله أن يأذن له أن يصلى ركعتين فأذن له فطول في صلاته وهو يرعد وقد مد له جذع فجذبوا الغلام من صلاته ومدوه فوق الجذع وشدوا حلقه معه حتى اختنق وتوفى فوقه وأمره سرخاستان أهل مدينة سارية أن يخرجوا إلى آمل وتقدم إلى أصحاب المسالح في إحضار أهل الخنادق من الابناء والعرب فأحضروا ومضى مع أهل سارية إلى آمل وقال لهم إنى أريد أن أشهدكم على أهل آمل وأشهد أهل آمل عليكم وأرد ضياعكم وأموالكم فان لزمتم الطاعة والمناصحة زدناكم من عندنا ضعف ما كنا أخذنا منكم فلما وافوا آمل جمعهم بقصر الخليل بن وند اسنجان وصير أهل سارية ناحية عن غيرهم ووكل بهم اللوزجان وكتب أسماء جميع أهل آمل حتى لم يخف منهم أحد عليه ثم عرضهم بعد ذلك على الاسماء حتى اجتمعوا ولم يتخلف منهم أحد وأحدق الرجال في السلاح بهم وصفوا جميعا ووكل بكل واحد منهم رجلين بالسلاح وأمر الموكل بهم أن يحمل رأس كل من كاع عن المشى وساقهم مكتفين حتى وافى بهم جبلا يقال له هرمز داباذ على ثمانية فراسخ من آمل وثمانية فراسخ من مدينة سارية وكبلهم بالحديد وحبسهم وبلغت عدتهم عشرين ألفا وذلك في سنة 225 فيما ذكر عن محمد بن حفص فأما غيره من أهل الاخبار وجماعة ممن أدرك ذلك فإنهم قالوا كان ذلك في سنة 224 وهذا القول

[ 287 ]

عندي أولى بالصواب وذلك أن مقتل مازيار كان في سنة 225 وكان فعله ما فعل بأهل طبرستان قبل ذلك بسنة (رجع الحديث) إلى الخبر عن قصة مازيار وفعله بأهل آمل على ما ذكر عن محمد بن حفص * قال وكتب إلى الدرى ليفعل ذلك بوجوه العرب والابناء ممن كان معه بمرو وكبلهم بالحديد وحبسهم ووكل بهم الرجال في حبسهم فلما تمكن المازيار واستوى له أمره وأمر القوم جمع أصحابه وأمر سرخاستان بتخريب سور مدينة آمل فخربه بالطبول والمزامير ثم سار إلى مدينة سارية ففعل بها مثل ذلك ثم وجه مازيار أخاه فوهيار إلى مدينة طميس وهى على حد جرجان من عمل طبرستان فخرب سورها ومدينتها وأباح أهلها فهرب منهم من هرب وبلى من بلى ثم توجه بعد ذلك إلى طميس سرخاستان وانصرف عنها فوهيار فلحق بأخيه المازيار فعمل سرخاستان سورا من طميس إلى البحر ومده في البحر مقدار ثلاثة أميال وكانت الاكاسرة بنته بينها وبين الترك لان الترك كانت تغير على أهل طبرستان في أيامها ونزل معسكرا بطميس سرخاستان وصير حولها خندقا وثيقا وأبراجا للحرس وصير عليها بابا وثيقا ووكل به الرجال الثقات ففزع أهل جرجان وخافوا على أموالهم ومدينتهم فهرب منها نفر إلى نيسابور وانتهى الخبر إلى عبد الله بن طاهر وإلى المعتصم فوجه إليه عبد الله بن طاهر عمه الحسن بن الحسين بن مصعب وضم إليه جيشا كثيفا يحفظ جرجان وأمره أن يعسكر على الخندق فنزل الحسن بن الحسين معسكرا على الخندق الذى عمله سرخستان وصار بين العسكرين عرض الخندق ووجه أيضا عبد الله بن طاهر حيان بن جبلة في أربعة آلاف إلى قومس معسكرا على حد جبال شروين ووجه المعتصم من قبله محمد بن إبراهيم بن مصعب أخا إسحاق بن إبراهيم في جمع كثيف وضم إليه الحسن بن قارن الطبري القائد ومن كان بالباب من الطبرية ووجه منصور بن الحسن هار صاحب دنباوند إلى مدينة الرى ليدخل طبرستان من ناحية الرى ووجه أبا الساج إلى اللارز ودنباوند فلما أحدقت الخيل بالمازيار من كل جانب بعث عند ذلك إبراهيم بن مهران صاحب شرطته وعلى بن ربن الكاتب

[ 288 ]

النصراني ومعهما خليفة صاحب الحرس إلى أهل المدن المحتبسين عنده أن الخيل قد زحفت إلى من كل جانب وإنما حبستكم ليبعث إلى هذا الرجل فيكم يعنى المعتصم فلم يفعل وقد بلغني أن الحجاج بن يوسف غضب على صاحب السند في امرأة أسرت من المسلمين وأدخلت إلى بلاد السند حتى غزا السند وأنفق بيوت الاموال حتى استنفذ المرأة وردها إلى مدينتها وهذا الرجل لا يكترث بعشرين ألفا ولا يبعث إلى يسأل فيكم وإنى لا أقدم على حربه وأنتم ورائي فأدوا إلى خراج سنتين وأخلى سبيلكم ومن كان منكم شابا قويا قدمته للقتال فمن وفى لى منكم رددت عليه ماله ومن لم يف أكون قد أخذت ديته ومن كان شيخا أو ضعيفا صيرته من الحفظة والبوابين فقال رجل يقال له موسى بن هرمز الزاهد كان يقال إنه لم يشرب الماء منذ عشرين سنة أنا أؤدى إليك خراج سنتين وأقوم به فقال خليفة صاحب الحرس لاحمد بن الصقير لم لا تتكلم وقد كنت أحظى القوم عند الاصبهبذ وقد كنت أراك تتغذى معه وتتكئ على وسادته وهذا شئ لم يفعله الملك بأحد غيرك فأنت أولى بالقيام بهذا الامر من موسى قال أحمد إن موسى لا يقدر على القيام بجباية درهم واحد وإنما أجابكم بجهل وبما هو عليه وعلى الناس أجمع ولو علم صاحبكم أن عندنا درهما واحدا لم يحبسنا وإنما حبسنا بعد ما استنظف كل ما عندنا من الاموال والذخائر فان أراد الضياع بهذا المال أعطيناه فقال له على بن ربن الكاتب الضياع للملك لا لكم فقال له إبراهيم بن مهران أسألك بالله يا أبا محمد لما سكت عن هذا الكلام فقال له أحمد لم أزل ساكتا حتى كلمني هذا بما قد سمعت ثم انصرفت الرسل على ضمان موسى الزاهد وأعلموا المازيار ضمانه وانضم إلى موسى الزاهد قوم من السعاة فقالوا فلان يحتمل عشرة آلاف وفلان يحتمل عشرين ألفا وأقل وأكثر وجعلوا يستأكلون الناس أهل الخراج وغيرهم فلما مضى لذلك ايام رد مازيار الرسل مقتضيا المال ومتنجزا ما كان من ضمان موسى الزاهد ولم يزلف لذلك أثرا ولا تحقيقا وتحقق قول أحمد وألزمه الذنب وعلم المازيار أن ليس عند القوم

[ 289 ]

ما يؤدون وإنما أراد أن يلقى الشر بين أصحاب الخراج ومن لاخراج عليه من التجار والصناع * قال ثم إن سرخاستان كان معه ممن أختار من أبناء القواد وغيرهم من أهل آمل فتيان لهم جلد وشجاعة فجمع منهم في داره مائتين وستين فتى ممن يخاف ناحيته وأظهر أنه يريد جمعهم للمناظرة وبعث إلى الاكرة المختارين من الدهاقين فقال لهم إن الابناء هواهم مع العرب والمسودة ولست آمن غدرهم ومكرهم وقد جمعت أهل الظنة ممن أخاف ناحيته فاقتلوهم لتأمنوا ولا يكون في عسكركم ممن يخالف هواه هواكم ثم أمر بكتفهم ودفعهم إلى الاكرة ليلا فدفعوهم إليهم وصاروا بهم إلى قتادة هناك فقتلوهم ورموا بهم في آبار تلك القناة وانصرفوا فلما ثاب إلى الاكرة عقولهم ندموا على فعلهم وفزعوا من ذلك فلما علم المازيار أن القوم ليس عندهم ما يؤدونه إليه بعث إلى الاكرة المختارين وهم الذين قتلوا المائتين والستين فتى فقال لهم إنى قد أبحتكم منازل أرباب الضياع وحرمهم إلا ما كان من جارية جميلة من بناتهم فإنها تصير للملك وقال لهم صيروا إلى الحبس فاقتلوا أرباب الضياع جميعهم قبل ذلك ثم حوزوا بعد ذلك ما وهبت لكم من المنازل والحرم فجبن القوم عن ذلك وخافوا وحذروا فلم يفعلوا ما أمرهم به قال وكان الموكلون بالسور من أصحاب سرخاستان يتحدثون ليلا مع حرس الحسن ابن الحسين بن مصعب وبينهم عرض الخندق حتى استأنس بعضهم ببعض وتآمروا وحرس سرخاستان بتسليم السور إليهم فسلموه ودخل أصحاب الحسن ابن الحسين من ذلك الموضع إلى عسكر سرخاستان في غفلة من الحسن بن الحسين ومن سرخاستان فنظر أصحاب الحسن إلى قوم يدخلون من الحائط فدخلوا معهم فنظر الناس بعضهم إلى بعض فثاروا وبلغ الحسن بن الحسين بن مصعب فجعل يصيح بالقوم ويمنعهم ويقول يا قوم إنى أخاف عليكم أن تكونوا مثل قوم داوندان ومضى أصحاب قيس بن زنجويه وهو من أصحاب الحسن بن الحسين حتى نصبوا العلم على السور في معسكر سرخاستان وانتهى الخبر إلى سرخاستان أن العرب قد كسروا السور ودخلوا بغتة فلم تكن له همة إلا الهرب وكان سرخاستان (19 - 7)

[ 290 ]

في الحمام فسمع الصياح فخرج هاربا في غلالة وقال الحسن بن الحسين حين لم يقدر على رد أصحابه اللهم إنهم قد عصوني وأطاعوك اللهم فأحفظهم وانصرهم ولم يزل أصحاب الحسن يتبعون القوم حتى صاروا إلى الدرب الذى على السور فكسروه ودخل الناس من غير مانع حتى استولوا على جميع ما في العسكر ومضى قوم في الطلب * وذكر عن زرارة بن يوسف السجزى أنه قال مررت في الطلب فبينا أنا كذلك إذ صرت إلى موضع عن يسرة الطريق فوجلت من الممر فيه ثم تقحمته بالرمح من غير أن أرى أحدا وصحت من أنت ويلك فإذا شيخ جسيم قد صاح زينهار يعنى الامان قال فحملت عليه فأخذته وشددت كتافه فإذا هو شهريار أخو أبى صالح سرخاستان صاحب العسكر قال فدفعته إلى قائدى يعقوب بن منصور وحال الليل بيننا وبين الطلب فرجع الناس إلى المعسكر وأتى بشهريار إلى الحسن ابن الحسين فضرب عنقه وأما أبو صالح فمضى حتى صار على خمسة فراسخ من معسكره وكان عليلا فجهده العطش والفزع فنزل في غيضة يمنة الطريق إلى سفح جبل وشد دابته واستلقى فبصر به غلام له ورجل من أصحابه يقال له جعفر ابن ونداميد فنظر إليه نائما فقال سرخاستان يا جعفر شربة ماء فقد جهدني العطش قال فقلت ليس معى إناء أغرف به من هذا الموضع فقال سرخاستان خذ رأس جعبتى فاسقني به قال جعفر وملت إلى عداد من أصحابي فقلت لهم هذا الشيطان قد أهلكنا فلم لا تتقرب به إلى السلطان ونأخذ لانفسنا الامان فقالوا لجعفر كيف لنا به قال فوقفهم عليه وقال لهم أعينوني ساعة وأنا أثاوره فأخذ جعفر خشبة عظيمة وسرخاستان مستلق فألقى نفسه عليه وملكوه وشدوه كتافا مع الخشبة فقال لهم أبو صالح خذوا منى مائة ألف درهم واتركوني فان العرب لا تعطيكم شيئا قالوا له أحضرها قال هاتوا ميزانا قالوا ومن أين ههنا ميزان قال فمن أين ههنا ما أعطيكم ولكن صيروا معى إلى المنزل وأنا أعطيكم العهود والمواثيق أنى أفى لكم بذلك وأوفر عليكم فصاروا به إلى الحسن بن الحسين فاستقبلهم خيل للحسن بن الحسين فضربوا رؤسهم وأخذوا سرخاستان منهم فهمتهم أنفسهم

[ 291 ]

ومضى أصحاب الحسن بأبى صالح إلى الحسن فلما وقفوه بين يديه دعا الحسن قواد طبرستان مثل محمد بن المغيرة بن شعبة الازدي وعبد الله بن محمد القطقطى الضبى والفتح بن قراط وغيرهم فسألهم هذا سرخاستان قالوا نعم قال لمحمد بن المغيرة قم فاقتله بابنك وأخيك فقام إليه فضربه بالسيف وأخذته السيوف فقتل * (ذكر خبر أبى شاس الشاعر) * وكان أبوشاس الشاعر وهو الغطريف بن حصين بن حنش فتى من أهل العراق ربى بخراسان أديبا فهما وكان سرخاستان ألزمه نفسه يتعلم منه أخلاق العرب ومذاهبها فلما نزل بسرخاستان ما نزل به وأبوشاس في معسكره ومعه دواب وأثقال فهجم عليه قوم من البخارية من أصحاب الحسن فانتهبوا جميع ما كان معه وأصابته جراحات فبادر أبوشاس فأخذ جرة كانت معه فوضعها على عاتقه وأخذ بيده قدحا وصاح الماء للسبيل حتى أصاب غفلة من القوم فهرب من مضربه وقد أصابته جراحة فبصر به غلام وقد كان مر بمضرب عبد الله بن محمد ابن حميد القطقطى الطبري وكان كاتب الحسن بن الحسين فعرفوه عرفه خدمه وعلى عاتقه الجرة وهو يسقى الماء فأدخلوه خيمتهم وأخبروا صاحبهم بمكانه فأدخل عليه فحمله وكساه وأكرمه غاية الاكرام ووصفه للحسن بن الحسين وقال له قل في الامير قصيدة فقال أبوشاس والله لقد امتحى ما في صدري من كتاب الله من الهول فكيف أحسن الشعر ووجه الحسن برأس أبى صالح سرخاستان إلى عبد الله ابن طاهر ولم يزل من معسكره * وذكر عن محمد بن حفص أن حيان بن جبلة مولى عبد الله بن طاهر كان أقبل مع الحسن بن الحسين إلى ناحية طميس فكاتب قارن ابن شهريار ورغبه في الطاعة وضمن له أن يملكه على جبال أبيه وجده وكان قارن من قواد مازيار وهو ابن أخيه وكان مازيار صيره مع أخيه عبد الله بن قارن وضم إليهما عدة من ثقات قواده وقراباته فلما استماله حيان وكان قارن قد ضمن له أن يسلم له الجبال ومدينة سارية إلى حد جرجان على أن يملكه على جبال أبيه وجده إذا وفى له بالضمان وكتب بذلك حيان إلى عبد الله بن طاهر فسجل له عبد الله بن

[ 292 ]

طاهر بكل ما سأل وكتب إلى حيان بأن يتوقف ولا يدخل الجبل ولا يوغل حتى يكون من قارن ما ؟ به على الوفاء لئلا يكون منه مكر فكتب حيان إلى قارن بذلك فدعا قارن بعبد الله بن قارن وهو أخو مازيار ودعا جميع قواده إلى طعامه فلما أكلوا ووضعوا سلاحهم واطمأنوا أحدق بهم أصحابه في السلاح الشاك وكتفهم ووجه بهم إلى حيان بن جبلة فلما صاروا إليه استوثق منهم وركب حيان في جمعه حتى دخل جبال قارن وبلغ مازيار الخبر فاغتم لذلك وقال له القوهيار أخوه في حبسك عشرون ألفا من المسلمين ما بين إسكاف وخياط وقد شغلت نفسك بهم وإنما أتيت من مأمنك وأهل بيتك وقرابتك فما تصنع بهؤلاء المحبسين عندك قال فأمر مازيار بتخلية جميع من في حبسه ثم دعا إبراهيم بن مهران صاحب شرطته وعلى بن ربن النصراني كاتبه وشاذان بن الفضل صاحب خراجه ويحيى ابن الروذبهار جهبذه وكان من أهل السهل عنده فقال لهم إن حرمكم ومنازلكم وضياعكم بالسهل وقد دخلت العرب إليه وأكره أن أشومكم فاذهبوا إلى منازلكم وخذوا لانفسكم الامان ثم وصلهم وأذن لهم في الانصراف فصاروا إلى منازلهم وأخذوا الامان لانفسهم ولما بلغ أهل مدينة سارية أخذ سرخاستان واستباحة عسكره ودخول حيان بن جبلة جبل شروين وثبوا على عامل مازيار بسارية وكان يقال له مهريستانى بن شهريز فهرب منهم ونجا بنفسه وفتح الناس باب السجن وأخرجوا من فيه ووافى حيان بعد ذلك مدينة سارية وبلغ قوهيار أخا مازيار موافاة حيان سارية فأطلق محمد بن موسى بن حفص الذى كان عامل طبرستان من حبسه وحمله على بغل بسرج ووجه به إلى حيان ليأخذ له الامان ويجعل له جبال أبيه وجده على أن يسلم له مازيار ويوثق له بذلك بضمان محمد بن موسى بن حفص وأحمد بن الصقير فلما صار محمد بن موسى إلى حيان وأخبره برسالة قوهيار إليه قال له حيان من هذا يعنى أحمد قال شيخ البلاد يعرفه الخلفاء والامير عبد الله ابن طاهر بن عارف فبعث حيان إلى أحمد فأتاه فأمره بالخروج إلى مسلحة خرماباذ مع محمد بن موسى وكان لاحمد ابن يقال له اسحاق وكان قد هرب من مازيار يأوى

[ 293 ]

نهاره الغياض ويصير بالليل إلى ضيعة يقال لها ساوا شريان وهى على طريق الجادة من قدح الاصبهبذ الذى فيه قصر مازيار * فذكر عن إسحاق أنه قال كنت في هذه الضيعة فمر بى عدة من أصحاب مازيار معهم دواب تقاد وغير ذلك قال فوثبت على فرس منها هجين ضخم فركبته عريا وصرت إلى مدينة سارية فدفعته إلى أبى فلما أراد أحمد الخروج إلى خرماباذ ركب ذلك الفرس فنظر إليه حيان فأعجبه فالتفت حيان إلى اللوزجان وكان من أصحاب قارن فقال رأيت هذا الشيخ على فرس نبيل قل ما رأيت مثله فقال له اللوزجان هذا الفرس كان لمازيار فبعث حيان إلى أحمد يسأله البعثة بالفرس إليه لينظر إليه فبعث به إليه فلما تأمل النظر وفتشه وجده مشطب اليدين فزهد فيه ودفعه إلى اللوزجان وقال لرسول أحمد هذا لمازيار ومال مازيار لامير المؤمنين فرجع الرسول فأخبر أحمد فغضب على اللوزجان من ذلك فبعث إليه أحمد بالشتيمة فقال اللوزجان مالى في هذا ذنب ورد الفرس إلى أحمد ومعه برذون وشهرى فأمر رسوله فدفعهما إليه وغضب أحمد من فعل حيان به وقال هذا الحائك يبعث إلى شيخ مثلى فيفعل به ما فعل ثم كتب إلى قوهيار ويحك لم تغلط في أمرك وتترك مثل الحسن بن الحسين عم الامير عبد الله بن طاهر وتدخل في أمان هذا العبد الحائك وتدفع أخاك وتضع قدرك وتحقد عليك الحسن ابن الحسين بتركك اياه وميلك إلى عبد من عبيده فكتب إليه قوهيار قد غلطت في أول الامر وواعدت الرجل أن أصير إليه بعد غد ولا آمن إن خالفته أن يناهضنى ويحاربني ويستبيح منازلي وأموالي وان قاتلته فقتلت من أصحابه وجرت الدماء بيننا ووقعت الشحناء ويبطل هذا الامر الذى التمسته فكتب إليه أحمد إذا كان يوم الميعاد فابعث إليه رجلا من أهل بيتك واكتب إليه أنه قد عرضت لك علة منعتك من الحركة وأنك تتعالج ثلاثة أيام فإن عوفيت وإلا صرت إليه في محمل وسنحمله نحن على قبول ذلك منك والمصير في الوقت وأن أحمد بن الصقير ومحمد بن موسى ابن حفص كتبا إلى الحسن بن الحسين وهو في معسكره بطميس ينتظر أمر عبد الله بن طاهر وجواب كتابه بقتل سرخاستان وفتح طميس فكتبا إليه أن

[ 294 ]

اركب الينا لندفع إليك مازيار والجبل وإلا فاتك فلا نقم ووجها الكتاب مع شاذان بن الفضل الكاتب وأمراه أن يعجل السير فلما وصل الكتاب إلى الحسن ركب من ساعته وسار مسيرة ثلاثة أيام في ليلة حتى انتهى إلى سارية فلما أصبح سار إلى خرماباذ وهو يوم موعد قوهيار وسمع حيان وقع طبول الحسن فركب فتلقاه على فرسخ فقال له الحسن ما تصنع ههنا ولم توجه إلى هذا الموضع وقد فتحت جبال شروين وتركتها وصرت إلى ههنا فما يؤمنك أن يبدو للقوم فيغدروا بك فينتقض عليك جميع ما عملت ارجع إلى الجبل فصير مسالحك في النواحى والاطراف وأشرف على القوم إشرافا لا يمكنهم الغدر إن هموا به فقال له حيان أنا على الرجوع وأريد أن أحمل أثقالي وأتقدم إلى رجالى بالرحلة فقال له الحسن امض أنت فأنا باعث بأثقالك ورجالك خلفك وبت الليلة بمدينة سارية حتى يوافوك ثم تبكر من غد فخرج حيان من فوره كما أمره الحسن إلى سارية ثم ورد عليه كتاب عبد الله بن طاهر أن يعسكر بلبورة وهى من جبال وندا هرمز وهى احصن موضع من جباله وكان أكثر مال مازيار بها وأمره عبد الله أن لا يمنع قارن مما يريد من تلك الجبال والاموال فاحتمل قارن ما كان لمازيار هنالك من المال والذى كان بأسباندرة من ذخائر مازيار وما كان لسرخاستان بقدح السلتان واحتوى على ذلك كله فانتقض على حيان جميع ما كان سنح له بسبب ذلك الفرس وتوفى بعد ذلك حيان بن جبلة فوجه عبد الله مكانه على أصحابه محمد بن الحسين بن مصعب وتقدم إليه عبد الله أن لا يضرب على يدى قارن شئ يريده وصار الحسن ابن الحسين إلى خرماباذ فأتاه محمد بن موسى بن حفص وأحمد بن الصقير فناظرا سرا فجزاهما خيرا وكتب هو إلى قوهيار فوافى خرماباذ وصار إلى الحسن فبره وأكرمه وأجابه إلى كل ما سأل واتعدا على يوم ثم صرفه وصار قوهيار إلى مازيار فأعلمه أنه قد أخذ له الامان واستوثق له وكان الحسن بن قارن قد كاتب قوهيار من ناحية محمد بن ابراهيم بن مصعب وضمن له الرغائب عن أمير المؤمنين فأجابه قوهيار وضمن له ما ضمن لغيره كل ذلك ليردهم عن الحرب ومال إليه

[ 295 ]

فركب محمد بن ابراهيم من مدينة آمل وبلغ الحسن بن الحسين الخبر فذكر عن ابراهيم بن مهران أنه كان يتحدث عند أبى السعدى فلما قرب الزوال انصرف يريد منزله وكان طريقه على باب مضرب الحسن قال فلما حاذيت مضربه إذا بالحسن راكب وحده لم يتبعه إلا ثلاثة غلمان له أتراك قال فرميت بنفسى وسلمت عليه فقال اركب فلما ركبت قال أين طريق آرم قلت هي على هذا الوادي فقال لى أمض أمامى قال فمضيت حتى بلغت دربا على ميلين من آرم قال ففزعت وقلت أصلح الله الامير هذا موضع مهول ولا يسلكه إلا الالف فارس فأرى لك أن تنصرف ولا تدخله قال فصاح بى امض فمضيت وأنا طائش العقل ولم نر في طريقنا أحدا حتى وافينا آرم فقال لى أين طريق هرمزداباذ قلت على هذا الجبل في هذا الشراك قال فقال لى سر إليها أعز الله الامير الله الله في نفسك وفينا وفى هذا الخلق الذى معك قال فصاح بى امض يا ابن اللخناء قال فقلت له أعزك الله اضرب أنت عنقي فإنه أحب إلى من أن يقتلنى مازيار ويلزمنى الامير عبد الله ابن طاهر الذنب قال فانتهرني حتى ظننت أنه سيبطش بى ومضيت وأنا خليع الفؤاد وقلت في نفسي الساعة نؤخذ جميعا وأوقف بين يدى مازيار فيوبخني ويقول جئت دليلا على فبينا نحن كذلك إذ وافينا هرمزداباذ مع اصفرار الشمس فقال لى أين كان سجن المسلمين ههنا فقلت له في هذا الموضع قال فنزل فجلس ونحن صيام والخيل تلحقنا متقطعة وذلك أنه ركب من غير علم الناس فعلموا بعد ما مضى فدعا الحسن بيعقوب بن منصور فقال له يا أبا طلحة أحب أن تصير إلى الطالقانية فتلطف بحيلك لجيش أبى عبد الله محمد بن ابراهيم بن مصعب هنالك ساعتين أو ثلاث ساعات أو أكثر ما أمكنك وكان بينه وبين الطالقانية فرسخان أو ثلاثة فراسخ قال إبراهيم فبينا نحن وقوف بين يدى الحسن إذ ؟ عا بقيس بن زنجويه فقال له امض إلى درب لبورة وهو على أقل من فرسخ فابرز بأصحابك على الدرب قال فلما صلينا المغرب وأقبل الليل إذا أنا بفرسان بين أيديهم الشمع مشتعلا مقبلين من طريق لبورة فقال لى يا ابراهيم أين طريق لبورة فقلت أرى نيرانا وفرسانا قد أقبلوا من ذلك

[ 296 ]

الطريق قال وأنا داهش لا أقف على ما نحن فيه حتى قربت النيران منا فأنظر فإذا المازيار مع القوهيار فلم أشعر حتى نزلا وتقدم المازيار فسلم على الحسن بالامرة فلم يرد عليه وقال لطاهر بن ابراهيم وأوس البلخى خذاه اليكما وذكر عن أخى وميدوار بن خواست جيلان أنه في تلك الليلة صار مع نفر إلى قوهيار وقال له اتق الله قد خلفت سرواتنا فأذن لى أكنف هؤلاء العرب كلهم فان الجند حيارى جياع وليس لهم طريق يهربون فتذهب بشرفها ما بقى الدهر ولا تثق بما يعطيك العرب فليس لهم وفاء فقال قوهيار لا تفعلوا وإذا قوهيار قد عبى علينا العرب ودفع مازيار وأهل بيته إلى الحسن لينفرد بالملك ولا يكون أحد ينازعه ويضاده فلما كان في السحر وجه الحسن بالمازيار مع طاهر بن ابراهيم وأوس البلخى إلى خرماباذ وأمرهما أن يمرا به إلى مدينة سارية وركب الحسن وأخذ على وادى بابك إلى الكانية مستقبل محمد بن ابراهيم بن مصعب فالتقيا ومحمد يريد المصير إلى هرمزداياذ لاخذ المازيار فقال له الحسن يا أبا عبد الله أين تريد قال أريد المازيار فقال هو بسارية وقد صار إلى ووجهت به إلى هنالك فبقى محمد بن ابراهيم متحيرا وكان القوهيار قد هم بالغدر بالحسن ودفع المازيار إلى محمد بن ابراهيم فسبق الحسن إلى ذلك وتخوف القوهيار منه أن يحاربه حين رآه متوسطا الجبل وأن أحمد بن الصقير كتب إلى القوهيار لا أرى لك التخليط والمناصبة لعبد الله بن طاهر وقد كتب إليه بخبرك وضمانك فلا تكن ذا قلبين فعند ذلك حذره ودفعه إلى الحسن وصار محمد بن ابراهيم والحسن بن الحسين إلى هرمزداباذ فأحرقا قصر المازيار بها وأنهبا ماله ثم صارا إلى معسكر الحسن بخرماباذ ووجها إلى اخوة المازيار فحبسوا هنالك في داره ووكل بهم ثم رحل الحسن إلى مدينة سارية فأقام بها وحبس المازيار بقرب خيمة الحسن وبعث الحسن إلى محمد بن موسى بن حفص يسأله عن القيد الذى كان قيده به المازيار فبعث به محمد إليه فقيد المازيار بذلك القيد ووافى محمد بن ابراهيم الحسن بمدينة سارية ليناظره في مال المازيار وأهل بيته فكتبا بذلك إلى عبد الله بن طاهر وانتظرا أمره فورد كتاب عبد الله إلى الحسن

[ 297 ]

بتسليم المازيار واخوته وأهل بيته إلى محمد بن إبراهيم ليحملهم إلى أمير المؤمنين المعتصم ولم يعرض عبد الله لاموالهم وأمره أن يستصفى جميع ما للمازيار ويحرزه فبعث الحسن إلى المازيار فأحضره وسأله عن أمواله فذكر أن ماله عند قوم سماهم من وجوه أهل سارية وصلحائهم عشرة نفر وأحضر القوهيار وكتب عليه كتابا وضمنه توفير هذه الاموال التى ذكرها المازيار أنها عند خزانه وأصحاب كنوزه فضمن القوهيار ذلك وأشهد على نفسه ثم إن الحسن أمر الشهود الذين أحضرهم أن يصيروا إلى المازيار فيشهدوا عليه فذكر عن بعضهم أنه قال لما دخلنا على المازيار تخوفت من أحمد بن الصقير ان يفزعه بالكلام فقلت له أحب أن تمسك عنه ولا تذكر ما كنت أشرت به فسكت أحمد عند ذلك فقال المازيار اشهدوا أن جميع ما حملت من أموالي وصحبني ستة وتسعون ألف دينار وسبع عشرة قطعة زمرد وست عشرة قطعة ياقوت أحمر وثمانية أوقار سلال مجلدة فيها ألوان الثياب وتاج وسيف من ذهب وجوهر وخنجر من ذهب مكلل بالجوهر وحق كبير مملوء جواهرا وقد وضعه بين أيدينا وقد سلمت ذلك إلى محمد بن الصباح وهو خازن عبد الله بن طاهر وصاحب خبره على العسكر وإلى القوهيار قال فخرجنا إلى الحسن بن الحسين فقال أشهدتم على الرجل قال قلنا نعم قال هذا شئ كنت اخترته لى فأحببت ان يعلم قتلته وهو انه عندي وذكر عن على بن ربن النصراني الكاتب أن ذلك الحق كان شرى جوهره على المازيار وجده وشروين وشهريار ثمانية عشر ألف ألف درهم وكان المازيار حمل ذلك كله إلى الحسن بن الحسين على أن يظهر أنه خرج إليه في الامان وأنه قد آمنه على نفسه وماله وولده وجعل له جبال أبيه فامتنع الحسن بن الحسين من هذا وعف عنه وكان أعف الناس عن أخذ درهم أو دينار فلما أصبح أنفذ المازيار مع طاهر بن إبراهيم وعلى بن إبراهيم الحربى وورد كتاب عبد الله بن طاهر في إنفاذه مع يعقوب بن منصور وقد ساروا بالمازيار ثلاث مراحل فبعث الحسن فرده وأنفذ مع يعقوب بن منصور ثم أمر الحسن بن الحسين القوهيار أخا

[ 298 ]

المازيار أن يحمل الاموال التى ضمنها ودفع إليه بغالا من العسكر وأمر بإنفاذ جيش معه فامتنع القوهيار وقال لا حاجة لى بهم وخرج بالبغال هو وغلمانه فلما ورد الجبل وفتح الخزائن وأخرج الاموال وعباها ليحملها وثب عليه مماليك المازيار من الديالمة وكانوا ألفا ومائتين فقالوا له غدرت بصاحبنا وأسلمته إلى العرب وجئت لتحمل أمواله فاخذوه وكبلوه بالحديد فلما جنه الليل قتلوه وانتهبوا تلك الاموال والبغال فانتهى الخبر إلى الحسن فوجه جيشا إلى الذين قتلوا القوهيار ووجه قارن جيشا من قبله في أخذهم فأخذ منهم صاحب قارن عدة منهم ابن عم للمازبار يقال له شهريار بن المصمغان وكان رأس العبيد ومحرضهم فوجه به قارن إلى عبد الله بن طاهر فلما صار بقومس مات وكان جماعة أولئك الديالمة أخذوا على السفح والغيضة يريدون الديلم فنذر بهم محمد بن ابراهيم ابن مصعب فوجه من قبله الطبرية وغيرهم حتى عارضوهم وأخذوا عليهم الطريق فأخذوا فبعث بهم إلى مدينة سارية مع على بن ابراهيم وكان مدخل محمد بن ابراهيم حين دخل من شلنبة على طريق الروذبار إلى الرويان (وقيل) إن فساد أمر مازيار وهلاكه كان من قبل ابن عم له يقال له... كان في يديه جبال طبرستان كلها وكان في يد المازيار السهل وكان ذلك كالقسمة بينهم يتوارثونه فذكر عن محمد بن حفص الطبري أن الجبال بطبرستان ثلاثة جبل وندا هرمز في وسط جبال طبرستان والثانى جبل أخيه ونداسنجان بن الانداد بن قارن والثالث جبل شروين بن سرخاب ابن باب فلما قوى أمر المازيار بعث إلى ابن عمه ذلك وقيل هو أخوه القوهيار فألزمه بابه وولى الجبل واليا من قبله يقال له درى فلما احتاج المازيار إلى الرجال لمحاربة عبد الله بن طاهر دعا بابن عمه أو أخيه القوهيار فقال له أنت أعرف بجبلك من غيرك وأظهره على أمر الافشين ومكاتبته له وقال له صر في ناحية الجبل فاحفظ على الجبل وكتب المازيار إلى الدرى يأمره بالقدوم عليه فقدم عليه فضم إليه العساكر ووجهه في وجه عبد الله بن طاهر وظن أنه قد توثق من الجبال بابن عمه أو أخيه القوهيار وذلك أن الجبل لم يظن أنه يؤتى منه لانه ليس فيه للعساكر والمحاربة

[ 299 ]

طريق لكثرة المضايق والشجر الذى فيه وتوثق من المواضع التى يتخوف منها بالدرى وأصحابه وضم إليه المقاتلة وأهل عسكره فوجه عبد الله بن طاهر عمه الحسن ابن الحسين بن مصعب في جيش كثيف من خراسان إلى المازيار ووجه المعتصم محمد ابن ابراهيم بن مصعب ووجه معه صاحب خبر يقال له يعقوب بن ابراهيم البوشنجى مولى الهادى ويعرف بقو صرة يكتب بخبر العسكر فوافى محمد بن ابراهيم الحسن ابن الحسين وزحفت العساكر نحو المازيار حتى قربوا منه والمازيار لا يشك أنه قد توثق من الموضع الذى قد تلقاه الجبل فيه وكان المازيار في مدينته في نفر يسير فدعا ابن عم المازيار الحقد الذى كان في قلبه على المازيار وصنيعه به وتنحيته إياه عن جبلة أن كاتب الحسن بن الحسين وأعلمه جميع ما في عساكره وأن الافشين كاتب المازيار فأنفذ الحسن كتاب ابن عم المازيار إلى عبد الله بن طاهر فوجه به عبد الله برجل إلى المعتصم وكاتب عبد الله والحسن بن الحسين ابن عم المازيار وقيل القوهيار وضمنا له جميع ما يريد وكان ابن عم المازيار أعلم عبد الله بن طاهر أن الجبل الذى هو عليه كان له ولابيه ولآبائه من قبل المازيار وأن المازيار عند تولية الفضل بن سهل إياه طبرستان انتزع الجبل من يديه وألزمه بابه واستخف به فشرط له عبد الله بن طاهر إن هو وثب بالمازيار واحتال له أن يصير الجبل في يديه على حسب ما لم يزل ولا يعرض له فيه ولا يحارب فرضى بذلك ابن عم المازيار فكتب له عبد الله بن طاهر بذلك كتابا وتوثق له فيه فوعد ابن عم المازيار الحسن بن الحسين ورجالهم أن يدخلهم الجبل فلما كان وقت الميعاد أمر عبد الله بن طاهر الحسن بن الحسين أن يزحف للقاء الدرى ووجه عسكرا ضخما عليه قائد من قواده في جوف الليل فوافوا ابن عم المازيار في الجبل فسلم الجبال إليهم وأدخلهم إليها وصاف الدرى العسكر الذى بإزائه فلم يشعر المازيار وهو في قصره حتى وقفت الرجالة والخيل على باب قصره والدرى يحارب العسكر الآخر فحصروا المازيار وأنزلوه على حكم أمير المؤمنين المعتصم وذكر عمرو بن سعيد الطبري أن المازيار كان يتصيد فوافته الخيل في الصيد فأخذ أسيرا ودخل قصره عنوة وأخذ جميع

[ 300 ]

ما فيه وتوجه الحسن بن الحسين بالمازيار والدرى يقاتل العسكر الذى بإزائه لم يعلم بأخذ المازيار فلم يشعر إلا وعسكر عبد الله بن طاهر من ورائه فتقطعت عساكره فانهزم ومضى يريد الدخول إلى بلاد الديلم فقتل أصحابه واتبعوه فلحقوه في نفر من أصحابه فرجع يقاتلهم فقتل وأخذ رأسه فبعث به إلى عبد الله بن طاهر وقد صار المازيار في يده فوعده عبد الله بن طاهر إن هو أظهره على كتب الافشين أن يسأل أمير المؤمنين الصفح عنه وأعلمه عبد الله أنه قد علم أن الكتب عنده فأقر المازيار بذلك فطلبت الكتب فوجدت وهى عدة كتب فأخذها عبد الله بن طاهر فوجه بها مع المازيار إلى اسحاق بن ابراهيم وأمره أن لا يخرج الكتب من يده ولا المازيار إلا إلى يد أمير المؤمنين لئلا يحتال للكتب والمازيار ففعل اسحاق ذلك في أوصلها من يده إلى يد المعتصم فسأل المعتصم المازيار عن الكتب فلم يقر بها فأمر بضرب المازيار حتى مات وصلب إلى جانب بابك وكان المأمون يكتب إلى المازيار من عبد الله المأمون إلى جيل جيلان أصبهبذ أصبهبذان بشوار خرشاد محمد بن قارن مولى أمير المؤمنين (وقد ذكر) أن بدء وهى أمر الدرى كان أنه لما بلغه بعد ما ضم إليه المازيار الجيش نزول جيش محمد بن ابراهيم دنباوند وجه أخاه بزرجشنس وضم إليه محمدا وجعفرا ابني رستم الكلارى ورجالا من أهل الثغر وأهل الرويان وأمرهم أن يصيروا إلى حد الرويان والرى لمنع الجيش وكان الحسن بن قارن قد كاتب محمدا وجعفرا ابني رستم ورغبهما وكانا من رؤساء أصحاب الدرى فلما التقى جيش الدرى وجيش محمد بن ابراهيم انقلب ابنا رستم وأهل الثغرين وأهل الرويان على بزرجشنس أخى الدرى فأخذوه أسيرا وصاروا مع محمد بن ابراهيم على مقدمته وكان الدرى بموضع يقال له مرو في قصره مع أهله وجميع عسكره فلما بلغه غدر محمد وجعفر ابني رستم ومتابعة أهل الثغرين والرويان لهما وأسر أخيه بزرجشنس اغتم لذلك غما شديدا وأذعن أصحابه وهمتهم أنفسهم وتفرق عامتهم يطلبون الامان ويحتالون لانفسهم فبعث الدرى إلى الديالمة فصار ببابه مقدار أربعة آلاف رجل منهم فرغبهم ومناهم ووصلهم ثم ركب وحمل

[ 301 ]

الاموال معه ومضى كأنه يريد أن يستنقذ أخاه ويحارب محمد بن ابراهيم وإنما أراد الدخول إلى الديلم والاستظهار بهم على محمد بن ابراهيم فاستقبله محمد بن ابراهيم في جيشه فكانت بينهم وقعة صعبة فلما مضى الدرى هرب الموكلون بالسجن وكسر أهل السجن أقيادهم وخرجوا هاربين ولحق كل إنسان ببلده واتفق خروج أهل سارية الذين كانوا في حبس المازيار وخروج هؤلاء الذين كانوا في حبس الدرى في يوم واحد وذلك في شعبان لثلاث عشرة ليلة خلت منه سنة 225 في قول محمد ابن حفص وقال غيره كان ذلك في سنة 224 وذكر عن داود بن قحذم أن محمد ابن رستم قال لما التقى الدرى ومحمد بن إبراهيم بساحل البحر بين الجبل والغيضة والبحر والغيضة متصلة بالديلم وكان الدرى شجاعا بطلا فكان يحمل بنفسه على أصحاب محمد حتى يكشفهم ثم يحمل معارضة من غير هزيمة يريد دخول الغيضة فشد عليه رجل من أصحاب محمد بن إبراهيم يقال له فند بن حاجبة فأخذه أسيرا واسترجع واتبع الجند أصحابه وأخذ جميع ما كان معه من الاثاث والمال والدواب والسلاح فأمر محمد بن إبراهيم بقتل بزرجشنس أخى الدرى ودعى بالدرى فمد يده فقطعت من مرفقه ومدت رجله فقطعت من الركبة وكذا باليد الاخرى والرجل الاخرى فقعد الدرى على استه ولم يتكلم ولم يتزعزع فأمر بضرب عنقه وظفر محمد بن إبراهيم بأصحاب الدرى فحملهم مكبلين (وفى هذه السنة) ولى جعفر ابن دينار اليمن (وفيها) تزوج الحسن بن الافشين أترنجة بنت أشناس ودخل بها في العمرى قصر المعتصم في جمادى الآخر وأحضر عرسها عامة أهل سامرا فحدثت أنهم كانوا يغلفون العامة فيها بالغالية في تغار من فضة وأن المعتصم كان يباشر بنفسه تفقد من حضرها (وفيها) امتنع عبد الله الورثانى بورثان (وفيها) خالف منكجور الاشروسنى قرابة الافشين بآذربيجان * ذكر الخبر عن سبب خلافه * ذكر أن الافشين عند فراغه من أمر بابك ومنصرفه من الجبال ولى آذربيجان وكانت من عمله واليه منكجور هذا فأصاب في قرية بابك في بعض منازله مالا

[ 302 ]

عظيما فاحتجنه لنفسه ولم يعلم به الافشين ولا المعتصم وكان على البريد بآذربيجان رجل من الشيعة يقال له عبد الله بن عبد الرحمن فكتب إلى المعتصم بخبر ذلك المال وكتب منكجور يكذب ذلك فوقعت المناظرة بين منكجور وعبد الله بن عبد الرحمن حتى هم منكجور بقتل عبد الله بن عبد الرحمن فاستغاث عبد الله بأهل أردبيل فمنعوه مما أراد به منكجور فقاتلهم منكجور وبلغ ذلك المعتصم فأمر الافشين أن يوجه رجلا بعزل منكجور فوجه رجلا من قواده في عسكر ضخم فلما بلغ منكجور ذلك خلع وجمع إليه الصعاليك وخرج من أردبيل فرآه القائد فواقعه فانهزم منكجور وصار إلى حصن من حصون آذربيجان التى كان بابك أخربها حصين في جبل منيع فبناه وأصلحه وتحصن فيه فلم يلبث إلا أقل من شهد حتى وثب به أصحابه الذين كانوا معه في الحصن فأسلموه ودفعوه إلى القائد الذى كان يحاربه فقدم به إلى سامرا فأمر المعتصم بحبسه فاتهم الافشين في أمره (وقيل) إن القائد الذى وجه لحرب منكجور هذا كان بغا الكبير وقيل إن بغا لما لقى منكجور خرج منكجور إليه بأمان (وفيها) مات ياطس الرومي وصلب بسامرا إلى جانب بابك (وفيها) مات إبراهيم بن المهدى في شهر رمضان وصلى عليه المعتصم (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن داود * ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك كان قدوم الورثانى على المعتصم في المحرم بالامان (وفيها) قدم بغا الكبير بمنكجور سامرا (وفيها) خرج المعتصم إلى السن واستخلف أشناس (وفيها) أجلس المعتصم أشناس على كرسى وتوجه ووشحه في شهر ربيع الاول (وفيها) أحرق غنام المرتد (وفيها) غضب المعتصم على جعفر بن دينار وذلك من أجل وثوبه على من كان معه من الشاكرية وحبسه عند أشناس خمسة عشر يوما وعزله عن اليمن وولاها إيتاخ ثم رضى عن جعفر (وفيها) عزل الافشين

[ 303 ]

عن الحرس ووليه إسحاق بن معاذ (وفيها) وجه عبد الله بن طاهر بمازيار فخرج إسحاق بن إبراهيم إلى الدسكرة فأدخله سامرا في شوال وأمر بحمله على الفيل فقال محمد بن عبد الملك الزيات قد خضب الفيل كعاداته * يحمل جيلان خراسان والفيل لا تخضب أعضاؤه * إلا الذى شأن من الشان فأبى مازيار أن يركب الفيل فأدخله على بغل بإكاف فجلس المعتصم في دار العامة لخمس ليال خلون من ذى القعدة وأمر فجمع بينه وبين الافشين وقد كان الافشين حبس قبل ذلك بيوم فأقر المازيار أن الافشين كان يكاتبه ويصوب له الخلاف والمعصية فأمر برد الافشين إلى محبسه وأمر بضرب مازيار فضرب أربعمائة سوط وخمسين سوطا وطلب ماء فسقى فمات من ساعته (وفيها) غضب المعتصم على الافشين فحبسه * ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وحبسه إياه * ذكر أن الافشين كان أيام حربه بابك ومقامه بأرض الخرمية لا يأتيه هدية من أهل أرمينية إلا وجه بها إلى أشر وسنة فيجتاز ذلك بعبد الله بن طاهر فيكتب عبد الله إلى المعتصم بخبره فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمر بتعريف جميع ما يوجه به الافشين من الهدايا إلى أشر وسنة ففعل عبد الله بذلك وكان الافشين كلما تهيأ عنده مال حمله أوساط أصحابه من الدنانير والهما بين بقدر طاقتهم كان الرجل يحمل من الالف فما فوقه من الدنانير في وسطه فأخبر عبد الله بذلك فبينا هو في يوم من الايام وقد نزل رسل الافشين معهم الهدايا نيسابور وجه إليهم عبد الله بن طاهر وأخذهم ففتشهم فوجد في أساطهم همايين فأخذها منهم وقال لهم من أين لكم هذا المال فقالوا هذه هدايا الافشين وهذه أمواله فقال كذبتم لو أراد أخى الافشين أن برسل بمثل هذه الاموال لكتب إلى يعلمنى ذلك لآمر بحراسته وبذرقته لان هذا مال عظيم وإنما أنتم لصوص فأخذ عبد الله بن طاهر المال وأعطاه الجند قبله وكتب إلى الافشين يذكر له ما قال

[ 304 ]

القوم وقال أنا أنكر أن تكون وجهت بمثل هذا المال إلى أشر وسنة ولم تكتب إلى تعلمني لا بذرقه فإن كان هذا المال ليس لك فقد أعطيته الجند مكان المال الذى يوجهه إلى أمير المؤمنين في كل سنة وإن كان المال لك كما زعم القوم فإذا جاء المال من قبل أمير المؤمنين رددته اليك وإن يكن غير ذلك فأمير المؤمنين أحق بهذا المال وإنما دفعته إلى الجند لانى أريد أن أوجههم إلى بلاد الترك فكتب إليه الافشين يعلمه أن ماله ومال أمير المؤمنين واحد ويسأله إطلاق القوم ليمضوا إلى أشر وسنة فأطلقهم عبد الله بن طاهر فمضوا فكان ذلك سبب الوحشة بين عبد الله بن طاهر وبين الافشين ثم جعل عبد الله يتتبع عليه وكان الافشين يسمع أحيانا من المعتصم كلاما يدل على أنه يريد أن يعزل آل طاهر عن خراسان فطمع الافشين في ولايتها فجعل يكاتب مازيار ويبعثه على الخلاف ويضمن له القيام بالدفع عنه عند السلطان ظنا منه أن مازيار إن خالف احتاج المعتصم إلى أن يوجهه لمحاربته ويعزل عبد الله بن طاهر ويوليه خراسان فكان من أمر مازيار ما قد مضى ذكره * وكان من أمر منكجور بآذربيجان ما قد وصفنا قبل فتحقق عند المعتصم بما كان من أمر الافشين ومكاتبته مازيار بما كان يكاتبه به ما كان اتهمه به من أمر منكجور وأن ذلك كان عن رأى الافشين وأمره اياه به فتغير المعتصم للافشين لذلك وأحس الافشين بذلك وعلم تغير حاله عنده فلم يدر ما يصنع فعزم فيما ذكر على أن يهيئ أطوافا في قصره ويحتال في يوم شغل المعتصم وقواده أن يأخذ طريق الموصل ويعبر الزاب على تلك الاطواف حتى يصير إلى بلاد أرمينية ثم إلى بلاد الخزر فعسر ذلك عليه فهيأ سما كثيرا وعزم على أن يعمل طعاما ويدعو المعتصم وقواده فيسقيهم فان لم يجبه المعتصم استأذنه في قواده الاتراك مثل أشناس وايتاخ وغيرهم في يوم تشاغل أمير المؤمنين فإذا صاروا إليه أطعمهم وسقاهم وسمهم فإذا انصرفوا من عنده خرج من أول الليل وحمل تلك الاطواف والآلة التى يعبر بها على ظهور الدواب حتى يجئ إلى الزاب فيعبر بأثقاله على الاطراف ويعبر الدواب سباحة كما أمكنه ثم يرسل الاطواف حتى يعبر في دجلة

[ 305 ]

ويدخل هو بلاد أرمينية وكانت ولاية أرمينية إليه ثم يصير هو إلى بلاد الخزر مستأمنا ثم يدور من بلاد الخزر إلى بلاد الترك ويرجع من بلاد الترك إلى بلاد أشر وسنة ثم يستميل الخزر على أهل الاسلام فكان في تهيئة ذلك وطال به الامر فلم يمكنه ذلك وكان قواد الافشين ينوبون في دار أمير المؤمنين كما ينوب القواد فكان واجن الاشروسنى قد جرى بينه وبين من قد اطلع على أمر الافشين حديث فذكر له واجن ان هذا الامر لا أراه يمكن ولا يتم فذهب ذلك الرجل الذى سمع قول واجن فحكاه للافشين وسمع بعض من يميل إلى واجن من خدم الافشين وخاصته ما قال الافشين في واجن فلما انصرف واجن من النوبة في بعض الليل أتاه فاخبره أن قد لقى ذلك إلى الافشين فحذر واجن على نفسه فركب من ساعته في جوف الليل حتى أتى دار أمير المؤمنين وقد نام المعتصم فصار إلى ايتاخ فقال إن لامير المؤمنين عندي نصيحة فقال له ايتاخ أليس الساعة كنت ههنا قد نام أمير المؤمنين فقال له واجن ليس يمكننى أن أصبر إلى غد فدق ايتاخ الباب على بعض من يعلم المعتصم بالذى قال واجن فقال المعتصم قل له ينصرف الليلة إلى منزله ويبكر على في غد فقال واجن إن انصرفت الليلة ذهبت نفسي فأرسل المعتصم إلى ايتاخ بيته الليلة عندك فبيته ايتاخ عنده فلما أصبح بكر به مع صلاة الغداة فأوصله إلى المعتصم فأخبره بجميع ما كان عنده فدعا المعتصم محمد بن حماد بن دنقش الكاتب فوجهه يدعو الافشين فجاء الافشين في سواد فأمر المعتصم بأخذ سواده وحبسه فحبس في الجوسق ثم بنى له حبسا مرتفعا وسماه لؤلؤة داخل الجوسق وهو يعرف بالافشين فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر في الاحتيال للحسن بن الافشين وكان الحسن قد كثرت كتبه إلى عبد الله بن طاهر في نوح بن أسد يعلمه ماكتب به أمير المؤمنين في أمره وأمره بجمع أصحابه والتأهب له فإذا قدم عليه الحسن ابن الافشين بكتاب ولايته استوثق منه وحمله إليه وكتب عبد الله بن طاهر إلى الحسن بن الافشين يعلمه أنه عزل نوح بن أسد وأنه قد ولاه الناحية ووجه إليه بكتاب عزل نوح بن أسد فخرج الحسن بن الافشين في قلة من أصحابه وسلاحه حتى

[ 306 ]

ورد على نوح بن أسد وهو يظن أنه والى الناحية فأخذه نوح بن أسد وشده وثاقا ووجه به إلى عبد الله بن طاهر فوجه به عبد الله إلى المعتصم وكان الحبس الذى بنى للافشين شبيها بالمنارة وجعل في وسطها مقدار مجلسه وكان الرجال ينوبون تحتها كما يدور * وذكر عن هارون بن عيسى بن المنصور أنه قال شهدت دار المعتصم وفيها أحمد بن أبى داود واسحاق بن ابراهيم بن مصعب ومحمد بن عبد الملك الزيات فأتى بالافشين ولم يكن بعد في الحبس الشديد فاحضر قوم من الوجوه لتبكيت الافشين بما هو عليه ولم يترك في الدار أحد من أصحاب المراتب إلا ولد المنصور وصرف الناس وكان المناظر له محمد بن عبد الملك الزيات وكان الذين حضروا المازيار صاحب طبرستان والموبذ والمرزبان بن تركش وهو أحد ملوك السغد ورجلان من أهل السغد فدعا محمد بن عبد الملك بالرجلين وعليهما ثياب رثة فقال لهما محمد بن عبد الملك ما شأنكما فكشفا عن ظهورهما وهى عارية من اللحم فقال له محمد تعرف هذين قال نعم هذا مؤذن وهذا إمام بنيا مسجدا باشروسنة فضربت كل واحد منهما ألف سوط وذلك أن بينى وبين ملوك السغد عهدا وشرطا أن أترك كل قوم على دينهم وماهم عليه فوثب هذان على بيت كان فيه أصنامهم يعنى أهل أشر وسنة فأخرجا الاصنام واتخذاه مسجدا فضربتهما على هذا ألفا ألفا لتعديهما ومنعهما القوم من بيعتهم فقال له محمد ما كتاب عندك قد زينته بالذهب والجوهر والديباج فيه الكفر بالله قال هذا كتاب ورثته عن أبى فيه أدب من آداب العجم وما ذكرت من الكفر فكنت أستمتع منه بالادب وأترك ما سوى ذلك ووجدته محلى فلم تضطرني الحاجة إلى أخذ الحلية منه فتركته على حاله ككتاب كليلة ودمنة وكتاب مزدك في منزلك فما ظننت أن هذا يخرج من الاسلام * قال ثم تقدم الموبذ فقال إن هذا كان يأكل المخنوقة ويحملني على أكلها ويزعم أنها أرطب لحما من المذبوحة وكان يقتل شاة سوداء كل يوم أربعاء يضرب وسطها بالسيف يمشى بين نصفيها ويأكل لحمها وقال لى يوما انى قد دخلت لهؤلاء القوم في كل شئ أكرهه حتى اكلت لهم الزيت وركبت الجمل ولبست النعل غير انى إلى

[ 307 ]

هذه الغاية لم تسقط عنى شعرة يعنى لم يطل ولم يختتن فقال الافشين خبروني عن هذا الذى يتكلم بهذا الكلام ثقة هو في دينه وكان الموبذ مجوسيا أسلم بعد على يد المتوكل ونادمه قالوا لا قال فما معنى قبولكم شهادة من لا تثقون به ولا تعدلونه ثم أقبل على الموبذ فقال هل كان بين منزلي ومنزلك باب أو كوة تطلع على منها وتعرف أخباري منها قال لا قال أفليس كنت أدخلك إلى وأبثك سرى وأخبرك بالاعجمية وميلى إليها وإلى أهلها قال نعم قال فلست بالثقة في دينك ولا بالكريم في عهدك إذا أفشيت على سرا أسررته اليك ثم تنحى الموبذ وتقدم المرزبان بن تركش فقالوا للافشين هل تعرف هذا قال لا فقيل للمرزبان هل تعرف هذا قال نعم هذا الافشين قالوا له هذا المرزبان فقال له المرزبان يا ممخرق كم تدافع وتموه قال له الافشين يا طويل اللحية ما تقول قال كيف يكتب اليك أهل مملكتك قال كما كانوا يكتبون إلى أبى وجدى قال فقل قال لا أقول فقال المرزبان أليس يكتبون اليك بكذا وكذا بالاشر وسنية قال بلى قال أفليس تفسيره بالعربية إلى إله الآلهة من عبده فلان بن فلان قال بلى قال محمد بن عبد الملك والمسلمون يحتملون أن يقال لهم هذا فما بقيت لفرعون حين قال لقومه أنا ربكم الاعلى قال كانت هذه عادة القوم لابي وجدى ولى قبل أن أدخل في الاسلام فكرهت أن أضع نفسي دونهم فتفسد على طاعتهم فقال له اسحاق بن ابراهيم بن مصعب ويحك يا حيدر كيف تحلف بالله لنا فنصدقك ونصدق يمينك ونجريك مجرى المسلمين وأنت تدعى ما ادعى فرعون قال يا أبا الحسين هذه سورة قرأها عجيف على على بن هشام وأنت تقرأها على فأنظر غدا من يقرأها عليك * قال ثم قدم مازيار صاحب طبرستان فقالوا للافشين تعرف هذا قال لا قالوا للمازيار تعرف هذا قال نعم هذا الافشين فقالوا له هذا المازيار قال نعم قد عرفته الآن قالوا هل كاتبته قال لا قالوا للمازيار هل كتب اليك قال نعم كتب أخوه خاش إلى أخى قوهيار أنه لم يكن ينصر هذا الدين الابيض غيرى وغيرك وغير بابك فأما بابك فانه بحمقه قتل نفسه ولقد جهدت أن أصرف عنه الموت فأبى حمقه إلا أن دلاه فيما وقع فيه فان خالفت لم يكن للقوم من يرمونك

[ 308 ]

به غيرى ومعى الفرسان وأهل النجدة والبأس فإن وجهت إليه لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة العرب والمغاربة والاتراك والعربي بمنزلة الكلب أطرح له كسرة ثم اضرب رأسه بالدبوس وهؤلاء الذباب يعنى المغاربة إنما هم أكلة رأس وأولاد الشياطين يعنى الاتراك فإنما هي ساعة حتى تنفذ سهامهم ثم تجول الخيل عليهم جولة فتأتى على آخرهم ويعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام العجم فقال الافشين هذا يدعى على أخيه وأخى دعوى لا يجب على ولو كنت كتبت بهذا الكتاب إليه لاستميله إلى ويثق بناحيتي كان غير مستنكر لانى إذا نصرت الخليفة بيدى كنت بالحيلة أحرى أن أنصره لآخذ بقفاه وآتى به الخليفة لاحظي به عنده كما حظى به عبد الله ابن طاهر عند الخليفة ثم نحى المازيار ولما قال الافشين للمرزبان التركشى ما قال وقال لاسحاق بن إبراهيم ما قال زجر بن أبى دؤاد الافشين فقال له الافشين أنت يا أبا عبد الله ترفع طيلسانك بيدك فلا تضعه على عاتقك حتى تقتل به جماعة فقال له ابن أبى دؤاد أمطهر أنت قال لا قال فما منعك من ذلك وبه تمام الاسلام والطهور من النجاسة قال أو ليس في دين الاسلام استعمال التقية قال بلى قال خفت أن أقطع ذلك العضو من جسدي فأموت قال أنت تطعن بالرمح وتضرب بالسيف فلا يمنعك ذلك من أن تكون في الحرب وتجزع من قطع قلفة قال تلك ضرورة تعنيني فأصبر عليها إذا وقعت وهذا شئ أستجلبه فلا آمن معه خروج نفسي ولم أعلم أن في تركها الخروج من الاسلام فقال ابن أبى دؤاد قد بان لكم أمره يابغا (لبغا الكبير أبى موسى التركي) عليك به * قال فضرب بيده بغا على منطقته فجذبها فقال قد كنت أتوقع هذا منكم قبل اليوم فقلب بغا ذيل القباء على رأسه ثم أخذ بمجامع القباء من عند عنقه ثم أخرجه من باب الوزيرى إلى محبسه (وفى هذه السنة) حمل عبد الله بن طاهر الحسن بن الافشين وأترنجة بنت أشناس إلى سامرا (وحج بالناس) في هذه السنة محمد بن داود

[ 309 ]

* ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان فيها من وثوب على بن اسحاق بن يحيى بن معاذ وكان على المعونة بدمشق من قبل صول أرتكين برجاء بن أبى الضحاك وكان على الخراج فقتله وأظهر الوسواس ثم تكلم أحمد بن أبى دؤاد فيه فأطلق من محبسه فكان الحسن ابن رجاء يلقاه في طريق سامرا فقال البحترى الطائى عفا على بن إسحاق بفتكته * على غرائب تيه كن في الحسن أنسته تنقيعه في اللفظ نازلة * لم تبق فيه سوى التسليم للزمن فلم يكن كابن حجر حين ثارولا * أخى كليب ولا سيف بن ذى يزن ولم يقل لك في وتر طلبت به * تلك المكارم لاقعبان من لبن (وفيها) مات محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين فصلى عليه المعتصم في دار محمد (وفيها) مات الافشين * ذكر الخبر عن موته وما فعل به عند موته وبعده * ذكر عن حمدون بن اسماعيل أنه قال لما جاءت الفاكهة الحديثة جمع المعتصم من الفواكه الحديثة في طبق وقال لابنه هارون الواثق اذهب بهذه الفاكهة بنفسك إلى الافشين فأدخلها إليه فحملت مع هارون الواثق حتى صعد بها إليه في البناء الذى بنى له فحبس فيه الذى يسمى لؤلؤة فنظر إليه الافشين فافتقد بعض الفاكهة إما الاجاص وإما الشاهلوج فقال للواثق لا إله إلا الله ما أحسنه من طبق ولكن ليس لى فيه إجاص ولا شاهلوج فقال له الواثق هو ذا أنصرف أوجه به إليك ولم يمس من الفاكهة شيئا فلما أراد الواثق الانصراف قال له الافشين أقرى سيدى السلام وقل له أسألك أن توجه إلى ثقة من قبلك يؤدى عنى ما أقول فأمر المعتصم حمدون بن اسماعيل وكان حمدون في أيام المتوكل في حبس سليمان بن وهب في حبس الافشين هذا فحدث بهذا الحديث وهو فيه * قال حمدون فبعث بى المعتصم

[ 310 ]

إلى الافشين فقال لى إنه سيطول عليك فلا تحتبس * قال فدخلت عليه وطبق الفاكهة بين يديه لم يمس منه واحدة فما فوقها فقال لى اجلس فجلست فاستمالني بالدهقنة فقلت لا تطول فان أمير المؤمنين قد تقدم إلى ألا أحتبس عندك فأوجز فقال قل لامير المؤمنين أحسنت إلى وشرفتني وأوطأت الرجال عقبى ثم قبلت في كلاما لم يتحقق عندك ولم تتدبره بعقلك كيف يكون هذا وكيف يجوز لى أن أفعل هذا الذى بلغك تخبر بأنى دسست إلى منكجور أن يخرج وتقبله وتخبراني قلت للقائد الذى وجهته إلى منكجور لا تحاربه واعذر وإن أحسست بأحد منا فانهزم من بين يديه أنت رجل قد عرفت الحرب وحاربت الرجال وسست العساكر هذا يمكن رأس عسكر يقول لجند يلقون قوما أفعلوا كذا وكذا هذا مالا يسوغ لاحد أن يفعله ولو كان هذا يمكن ما كان ينبغى أن تقبله من عدو قد عرفت سببه وأنت أولى بى انما أنا عبد من عبيدك وصنيعك ولكن مثلى ومثلك يا أمير المؤمنين مثل رجل ربى عجلا له حتى أسمنه وكبر وحسنت حاله وكان له أصحاب اشتهوا أن يأكلوا من لحمه فعرضوا له بذبح العجل فلم يجيهم إلى ذلك فاتفقوا جميعا على أن قالوا له ذات يوم ويحك لم تربى هذا الاسد هذا سبع وقد كبر والسبع إذا كبر يرجع إلى جنسه فقال لهم ويحكم هذا عجل بقر ما هو سبع فقالوا هذا سبع سل من شئت عنه وقد تقدموا إلى جميع من يعرفونه فقالوا له ان سألكم عن العجل فقولوا له هذا سبع فكلما سأل الرجل انسانا عنه وقال له أما ترى هذا العجل ما أحسنه قال الآخر هذا سبع هذا أسد ويحك فأمر بالعجل فذبح ولكني أنا ذلك العجل كيف أقدر أن أكون أسدا الله الله في أمرى اصطنعتني وشرفتني وأنت سيدى ومولاى أسأل الله أن يعطف بقلبك على * قال حمدون فقمت فانصرفت وتركت الطبق على حاله لم يمس منه شيئا ثم ما لبثنا الا قليلا حتى قيل إنه يموت أو قد مات فقال المعتصم أروه ابنه فأخرجوه فطرحوه بين يديه فنتف لحيته وشعره ثم أمر به فحمل إلى منزل ايتاخ * قال وكان أحمد بن أبى دؤاد دعا به في دار العامة من الحبس فقال له قد بلغ أمير المؤمنين إنك يا حيدر أقلف قال نعم وانما أراد ابن

[ 311 ]

أبى دؤاد أن يشهد عليه فان تكشف نسب إلى الخرع وإن لم يتكشف صح عليه أنه أقلف فقال نعم أنا أقلف وحضر الدار ذلك اليوم جميع القواد والناس وكان ابن أبى دؤاد أخرجه إلى دار العامة قبل مصير الواثق إليه بالفاكهة وقبل مصير حمدون بن اسماعيل إليه * قال حمدون فقلت له أنت أقلف كما زعمت فقال الافشين أخرجنى إلى مثل ذلك الموضع وجميع القواد والناس قد اجتمعوا فقال لى ما قال وانما أراد أن يفضحنى إن قلت له نعم لم يقبل قولى وقال لى تكشف فيفضحني بين الناس فالموت كان أحب إلى من أن أتكشف بين يدى الناس ولكن يا حمدون إن أحببت أن أتكشف بين يديك حتى تراني فعلت قال حمدون فقلت له أنت عندي صدوق وما أريد أن تكشف فلما انصرف حمدون فابلغ المعتصم رسالته أمر بمنع الطعام منه الا القليل فكان يدفع إليه في كل يوم رغيف حتى مات فلما ذهب به بعد موته إلى دار ايتاخ أخرجوه فصلبوه على باب العامة ليراه الناس ثم طرح بباب العامة مع حشبته فأحرق وحمل الرماد وطرح في دجلة وكان المعتصم حين أمر بحبسه وجه سليمان بن وهب الكاتب يحصى جميع ما في دار الافشين ويكتبه في ليلة من الليالى وقصر الافشين بالمطيرة فوجد في داره بيت فيه تمثال انسان من خشب عليه حلية كثيرة وجوهر وفى أذنيه حجران أبيضان مشتبكان عليهما ذهب فأخذ بعض من كان مع سليمان أحد الحجرين وظن أنه جوهر له قيمة وكان ذلك ليلا فلما أصبح ونزع عنه شباك الذهب وجده حجرا شبيها بالصدف الذى يسمى الحبرون من جنس الصدف الذى يقال له البوق من صدف أخرج من منزله صور السماجة وغيرها وأصنام وغير ذلك والاطواف والخشب التى كان أعدها وكان له متاع بالوزيرية فوجد فيه أيضا صنم آخر ووجدوا في كتبه كتابا من كتب المجوس يقال له زراوه وأشياء كثيرة من الكتب فيها ديانته التى كان يدين بها ربه وكان موت الافشين في شعبان من سنة 226 (وحج) بالناس في هذه السنة محمد ابن داود بأمر أشناس وكان أشناس حاجا في هذه السنة فولى كل بلدة يدخلها فدعى له على جميع المنابر التى مر بها من سامرا إلى مكة والمدينة وكان الذى دعا له

[ 312 ]

على منبر الكوفة محمد بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى وعلى منبر فيد هارون بن محمد ابن أبى خالد المروروذى وعلى منبر المدينة محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان وعلى منبر مكة محمد بن داود بن عيسى بن موسى وسلم عليه في هذه الكور كلها بالامارة وكانت له ولايتها إلى أن رجع إلى سامرا * ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من خروج أبى حرب المبرقع اليماني بفلسطين وخلافه على السلطان * ذكر الخبر عن سبب خروجه وما آل إليه أمره * ذكر لى بعض أصحابي ممن ذكر أنه خبير بامره أن سبب خروجه على السلطان كان أن بعض الجند أراد النزول في داره وهو غائب عنها وفيها إما زوجته وإما أخته فما نعته ذلك فضربها بسوط كان معه فاتقته بذراعها فأصاب السوط ذراعها فأثر فيها فلما رجع أبو حرب إلى منزله بكت وشكت إليه ما فعل بها وأرته الاثر الذى بذراعها من ضربه فأخذ أبو حرب سيفه ومشى إلى الجندي وهو غار فضربه به حتى قتله ثم هرب وألبس وجهه برقعا كى لا يعرف فصار إلى جبل من جبال الاردن فطلبه السلطان فلم يعرف له خبر وكان أبو حرب يظهر بالنهار فيقعد على الجبل الذى أوى إليه متبرقعا فيراه الرائى فيأتيه فيذكره ويحرضه على الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ويذكر السلطان وما يأتي إلى الناس ويعيبه فما زال ذلك دأبه حتى استجاب له قوم من حراثى أهل تلك الناحية وأهل القرى وكان يزعم أنه أموى فقال الذين استجابوا له هذا هو السفياني فلما كثرت غاشيته وتباعه من هذه الطبقة من الناس دعا أهل البيوتات من أهل تلك الناحية فاستجاب له منهم جماعة من رؤساء اليمانية منهم رجل يقال له ابن بيهس كان مطاعا في أهل اليمن ورجلان آخران من أهل دمشق فاتصل الخبر

[ 313 ]

بالمعتصم وهو عليل علته التى مات فيها فبعث إليه رجاء بن أيوب الحضاري في زهاء ألف من الجند فلما صار رجاء إليه وجده في عالم من الناس فذكر الذى أخبرني بقصته أنه كان في زهاء مائة ألف فكره رجاء مواقعته وعسكر بحذائه وطاوله حتى كان أول عمارة الناس الارضين وحراثتهم وانصرف من كان من الحراثين مع أبى حرب إلى الحراثة وأرباب الارضين إلى أرضيهم وبقى أبو حرب في نفر زهاء ألف أو ألفين ناجزه رجاء الحرب فالتقى العسكران عسكر رجاء وعسكر المبرقع فلما التقوا تأمل رجاء عسكر المبرقع فقال لاصحابه ما أرى في عسكره رجلا له فروسية غيره وإنه سيظهر لاصحابه من نفسه بعض ما عنده من الرجلة فلا تعجلوا عليه قال وكان الامر كما قال رجاء فما لبث المبرقع أن حمل على عسكر رجاء فقال رجاء لاصحابه أفرجوا له فأفرجوا له حتى جاوزهم ثم كر راجعا فأمر رجاء أصحابه أن يفرجوا له فأفرجوا له حتى حاوزهم ورجع إلى عسكر نفسه ثم أمهل رجاء وقال لاصحابه إنه سيحمل عليكم مرة أخرى فأفرجوا له فإذا أراد الرجوع فحولوا بينه وبين ذلك وخذوه ففعل المبرقع ذلك فحمل على أصحاب رجاء فأفرجوا له حتى جاوزهم ثم كر راجعا فأحاطوا به فأخذوه فأنزلوه عن دابته قال وقد كان قدم على رجاء حين ترك معاجلة المبرقع الحرب من قبل المعتصم مستحث فأخذ الرسول فقيده إلى أن كان من أمره وأمر أبى حرب ما كان مما ذكرنا ثم أطلقه قال فلما كان يوم قدوم رجاء بأبى حرب على المعتصم عزله المعتصم على ما فعل برسوله فقال له رجاء يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك وجهتني في ألف إلى مائة ألف فكرهت أن أعاجله فأهلك ويهلك من معى ولا نغنى شيئا فتمهلت حتى خف من معه ووجدت فرصة ورأيت لحربه وجها وقياما فناهضته وقد خف من معه وهو في ضعف ونحن في قوة وقد جئتك بالرجل أسيرا (قال أبو جعفر) وأما غير من ذكرت أنه حدثنى حديث أبى حرب على ما وصفت فانه زعم أن خروجه إنما كان في سنة 226 وإنه خرج بفلسطين أو بالرملة فقالوا إنه سفياني فصار في خمسين ألفا من أهل اليمن وغيرهم واعتقد ابن

[ 314 ]

بيهس وآخر ان معه من أهل دمشق فوجه إليهم المعتصم رجاء الحضاري في جماعة كبيرة فواقعهم بدمشق فقتل من أصحاب ابن بيهس وصاحبيه نحوا من خمسة آلاف وأخذ ابن بيهس أسيرا وقتل صاحبيه وواقع أبا حرب بالرملة فقتل من أصحابه نحوا من عشرين ألفا وأسر أبا حرب فحمل إلى سامرا فجعل وابن بيهس في المطبق (وفى هذه السنة) أظهر جعفر بن مهرجش الكردى الخلاف فبعث إليه المعتصم في المحرم ايتاخ إلى جبال الموصل لحربه فوثب بجعفر بعض أصحابه فقتله (وفيها) كانت وفاة بشر بن الحارث الحافى في شهر ربيع الاول وأصله من مرو (وفيها) كانت وفاة المعتصم وذلك فيما ذكر يوم الخميس فقال بعضهم لثماني عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول لساعتين مضتا من النهار * ذكر الخبر عن العلة التى كانت منها وفاته وقدر مدة عمره وصفته * ذكر أن بدء علته أنه احتجم أول يوم من المحرم واعتل عندها فذكر عن محمد بن أحمد بن رشيد عن زنام الزامر قال قد وجد المعتصم في علته التى توفى فيها إفاقة فقال هيؤ إلى الزلال لاركب غدا قال فركب وركبت معه فمر في دجلة بإزاء منازله فقال يا زنام ازمر لى يا منزلا لم تبل أطلاله * حاشى لاطلالك أن تبلى لم أبك أطلالك لكننى * بكيت عيشي فيك إذ ولى والعيش أولى ما بكاه الفتى * لابد للمحزون أن يسلى قال فما زلت أزمر هذا الصوت حتى دعا برطلية فشرب منها قدحا وجعلت أزمره وأكرره وقد تناول منديلا بين يديه فما زال يبكى ويمسح دموعه فيه وينتحب حتى رجع إلى منزله ولم يستتم شرب الرطلية * وذكر عن على بن الجعدانه قال لما احتضر المعتصم جعل يقول ذهبت الحيل ليست حيلة حتى أصمت * وذكر عن غيره أنه جعل يقول إنى أخذت من بين هذا الخلق * وذكر عنه أنه قال لو علمت أن عمرى هكذا قصير ما فعلت ما فعلت فلما مات دفن بسامرا فكانت خلافته ثمانى سنين وثمانية أشهر ويومين

[ 315 ]

وقيل كان مولده سنة 180 في شعبان وقيل كان في سنة 179 فان كان مولده سنة 180 فان عمره كله كان ستا وأربعين سنة وسبعة أشهر وثمانية عشر يوما وإن كان مولده سنة 179 فان عمره كان سبعا وأربعين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما وكان فيما ذكر أبيض أصهب اللحية طويلها مربوعا مشرب اللون حمرة حسن العينين وكان مولده بالخلد وقال بعضهم ولد سنة 180 في الشهر الثامن وهو ثامن الخلفاء والثامن من ولد العباس وعمره كان ثمانيا وأربعين سنة ومات عن ثمانية بنين وثمان بنات وملك ثمان سنين وثمانية أشهر فقال محمد بن عبد الملك الزيات قد قلت إذ غيبوك واصطفقت * عليك أيد بالترب والطين اذهب فنعم الحفيظ كنت على ال‍ * دنيا ونعم الظهير للدين لاجبر الله أمة فقدت * مثلك إلا بمثل هارون وقال مروان بن أبى الجنوب وهو ابن أبى حفصة أبو إسحاق مات ضحى فمتنا * وأمسينا بهارون حيينا لئن جاء الخميس بما كرهنا * لقد جاء الخميس بما هوينا * (ذكر الخبر عن بعض أخلاق المعتصم وسيره) * ذكر عن ابن أبى دؤاد أنه ذكر المعتصم بالله فأسهب في ذكره وأكثر في وصفه وأطنب في فضله وذكر من سعة أخلاقة وكرم اعراقه وطيب مركبه ولين جانبه وجميل عشرته فقال قال لى يوما ونحن بعمورية ما تقول في البسر يا أبا عبد الله قلت يا أمير المؤمنين نحن ببلاد الروم واليسر بالعراق قال صدقت قد وجهت إلى مدينة السلام ؟ بكباستين وعلمت أنك تشتهيه ثم قال يا إيتاخ هات إحدى الكباستين فجاء بكباسة بسر فمد ذراعه وقبض عليها بيده وقال كل بحياتي عليك من يدى فقلت جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين بل تضعها فآكل كما أريد قال لا والله إلا من يدى قال فوالله ما زال حاسرا عن ذراعه ومادا يده وأنا أجتنى من العذق وآكل حتى رمى به خاليا ما فيه بسرة قال وكنت كثيرا ما أزامله في سفره ذلك إلى أن قلت له يوما يا أمير المؤمنين لو زاملك بعض مواليك وبطانتك فاسترحت منى إليهم مرة ومنهم إلى مرة أخرى كان ذلك

[ 316 ]

أنشط لقلبك وأطيب لنفسك وأشد لراحتك قال فان سيما الدمشقي يزاملني اليوم فمن يزاملك أنت قلت الحسن بن يونس قال فأنت واذك قال فدعوت الحسن فزاملني وتهيأ ان ركب المعتصم بغلا فاختار أن يكون منفردا قال فجعل يسير بسير بعيرى فإذا أراد أن يكلمني رفع رأسه إلى وإذا أردت أن أكلمه خفضت رأسي قال فانتهينا إلى واد ولم نعرف غوره وقد خلفنا العسكر وراءنا فقال لى مكانك حتى أتقدم فأعرف غور الماء وأطلب قلته واتبع أنت موضع سيرى قال فتقدم فدخل الوادي وجعل يطلب قلة الماء فمرة ينحرف عن يمينه ومرة ينحرف عن شماله وتارة يمشى لسننه وأنا خلفه متبع لاثره حتى قطعنا الوادي قال واستخرجت منه لاهل الشاش ألفى ألف درهم لكرى نهر لهم اندفن في صدر الاسلام فأضر ذلك بهم فقال لى يا أبا عبد الله مالى ولك تأخذ مالى لاهل الشاش ويرغانة قلت هم رعيتك يا أمير المؤمنين والاقصى والادنى في حسن نظر الامام سواء وقال غيره إنه إذا غضب لا يبالي من قتل ولا ما فعل * وذكر عن الفضل بن مروان أنه قال لم يكن للمعتصم لذة في تزيين البناء وكانت غايته فيه الاحكام قال ولم يكن بالنفقة على شئ أسمح منه بالنفقة في الحرب * وذكر محمد بن راشد قال قال لى أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم دعاني أمير المؤمنين المعتصم يوما فدخلت عليه وعليه صدرة وشى ومنطقة ذهب وخف أحمر فقال لى يا إسحاق أحببت أن أضرب معك بالصوالجة فبحياتي عليك إلا لبست مثل لباسى فاستعفيته من ذلك فأبى فلبست مثل لباسه ثم قدم إليه فرس محلاة بحلية الذهب ودخلنا الميدان فلما ضرب ساعة قال لى أراك كسلان وأحسبك تكره هذا الزى فقلت هو ذاك يا أمير المؤمنين فنزل وأخذ بيدى ومضى يمشى وأنا معه إلى أن صار إلى حجرة الحمام فقال خذ ثيابي يا إسحاق فأخذت ثيابه حتى تجرد ثم أمرنى بنزع ثيابي ففعلت ثم دخلنا أنا وهو الحمام وليس معنا غلام فقمت عليه ودلكته وتولى أمير المؤمنين المعتصم منى مثل ذلك وأنا في كل ذلك أستعفيه فيأبى على ثم خرج من الحمام فأعطيته ثيابه ولبست ثيابي ثم أخذ بيدى ومضى يمشى وأنا معه حتى صار إلى

[ 317 ]

مجلسه فقال يا إسحاق جئني بمصلى ومخدتين فجئته بذلك فوضع المخدتين ونام على وجهه ثم قال هات مصلى ومخدتين فجئت بهما فقال ألقه ونم عليه بحذائي فحلفت ألا أفعل فجلست عليه ثم حضر إيتاخ التركي واشناس فقال لهما امضيا إلى حيث إذا صحت سمعتما ثم قال يا اسحاق في قلبى أمر أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة وانما بسطتك في هذا الوقت لافشيه اليك فقلت قل يا سيدى يا أمير المؤمنين فانما أنا عبدك وابن عبدك قال نظرت إلى أخى المأمون وقد اصطنع أربعة أنجبوا واصطنعت أنا أربعة لم يفلح أحد منهم قلت ومن الذين اصطنعهم أخوك قال طاهر بن الحسين فقد رأيت وسمعت وعبد الله بن طاهر فهو الرجل الذى لم ير مثله وأنت فأنت والله لا يعتاض السلطان منك أبدا وأخوك محمد بن ابراهيم وأين مثل محمد وأنا فاصطنعت الافشين فقد رأيت إلى ما صار أمره واشناس ففشل أيه وايتاخ فلا شئ ووصيف فلا مغنى فيه فقلت يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك أجيب على أمان من غضبك قال قلت يا أمير المؤمنين أعزك الله نظر أخوك إلى الاصول فاستعملها فأنجبت فروعها واستعمل أمير المؤمنين فروعا لم تنجب إذ لا أصول لها قال يا اسحاق لمقاساة ما مر بى في طول هذه المدة أسهل على من هذا الجواب * وذكر عن اسحاق بن ابراهيم الموصلي أنه قال أتيت أمير المؤمنين المعتصم بالله يوما وعنده قينة كان معجبا بها وهى تغنيه فلما سلمت وأخذت مجلسي قال لها خذى فيما كنت فيه فغنت فقال لى كيف تراها يا اسحاق قلت يا أمير المؤمنين أراها تقهره بحذق وتختله برفق ولا تخرج من شئ إلا إلى أحسن منه وفى صوتها قطع شذور أحسن من نظم الدر على النحور فقال يا اسحاق لصفتك لها أحسن منها ومن غنائها فقال لابنه هارون اسمع هذا الكلام * وذكر عن اسحاق بن ابراهيم الموصلي أنه قال قلت للمعتصم في شئ فقال لى يا اسحاق إذا نصر الهوى بطل الرأى فقلت له كنت أحب يا أمير المؤمنين أن يكون معى شبابى فأقوم من خدمتك بما أنويه قال لى أو لست كنت تبلغ إذ ذاك جهدك قلت بلى قال فأنت الآن تبلغ جهدك فسيان إذا * وذكر عن أبى حسان أنه قال كانت أم أبى اسحاق المعتصم من مولدات

[ 318 ]

الكوفة يقال لها ماردة * وذكر عن الفضل بن مروان أنه قال كانت أم المعتصم ماردة سغدية وكان أبوها نشأ بالسواد قال أحسبه بالبندنيجين وكان للرشيد من ماردة مع أبى اسحاق أبو اسماعيل وأم حبيب وآخران لم يعرف أسماؤهما * وذكر عن أحمد بن أبى دؤاد أنه قال تصدق المعتصم ووهب على يدى وبسببي بقيمة مائة ألف ألف درهم * خلافة هارون الواثق أبى جعفر * وبويع في يوم توفى المعتصم ابنه هارون الواثق بن محمد المعتصم وذلك في يوم الاربعاء لثمان ليال خلون من شهر ربيع الاول سنة 227 وكان يكنى أبا جعفر وأمه أم ولد رومية تسمى قراطيس وهلك هذه السنة توفيل ملك الروم وكان ملكه اثنتى عشرة سنة (وفيها) ملكت بعده امرأته تدورة وابنها ميخائيل بن توفيل صبى (وحج) بالناس فيها جعفر بن المعتصم وكانت أم الواثق خرجت معه تريد الحج فماتت بالحيرة لاربع خلون من ذى القعدة ودفنت بالكوفة في دار داود بن عيسى * ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من الواثق إلى أشناس أن توجه وألبسه وشاحين بالجوهر في شهر رمضان (وفيها) مات أبو الحسن المدائني في منزل اسحاق بن ابراهيم الموصلي (وفيها) مات حبيب بن أوس الطائى أبو تمام الشاعر (وفيها) حج سليمان بن عبد الله بن طاهر (وفيها) غلا السعر بطريق مكة فبلغ رطل خبز بدرهم وراوية ماء بأربعين درهما وأصاب الناس في الموقف حر شديد ثم مطر شديد فيه برد فأضر بهم شدة الحر ثم شدة البرد في ساعة واحدة ومطروا بمنى في يوم النحر مطرا شديدا لم ؟ مثله وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة قتلت عدة من الحاج (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن داود

[ 319 ]

* ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من حبس الواثق بالله الكتاب وإلزامهم أموالا فدفع أحمد بن اسرائيل إلى اسحاق بن يحيى بن معاذ صاحب الحرس وأمر بضربه كل يوم عشرة أسواط فضربه فيما قيل نحوا من ألف سوط فأدى ثمانين ألف دينار وأخذ من سليمان بن وهب كاتب ايتاخ أربعمائة ألف دينار ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار وأخذ من أحمد بن الخصيب وكنا به ألف ألف دينار ومن ابراهيم بن رباح وكتابه مائة ألف دينار ومن نجاح ستين ألف دينار ومن أبى الوزير صلحا مائة ألف وأربعين ألف دينار وذلك سوى ما أخذ من العمال بسبب عمالاتهم ونصب محمد بن عبد الملك لابن أبى دؤاد سائر أصحاب المظالم العداوة فكشفوا وحبسوا وأجلس اسحاق بن ابراهيم فنظر في أمرهم وأقيموا للناس ولقوا كل جهد (ذكر الخبر عن السبب الذى بعث الواثق على فعله ما ذكرت بالكتاب في هذه السنة) * ذكر عن عزون بن عبد العزيز الانصاري أنه قال كنا ليلة في هذه السنة عند الواثق فقال لست أشتهى الليلة النبيذ ولكن هلموا نتحدث الليلة فجلس في رواقه الاوسط في الهاروني في البناء الاول الذى كان ابراهيم بن رباح بناه وقد كان في أحد شقى ذلك الرواق قبة مرتفعة في السماء بيضاء كأنها بيضة إلا قدر ذراع فيما ترى العين حولها في وسطها ساج منقوش مغشى باللازورد والذهب وكانت تسمى قبة المنطقة وكان ذلك الرواق يسمى رواق قبة المنطقة قال فتحدثنا عامة الليل فقال الواثق من منكم يعلم السبب الذى به وثب جدى الرشيد على البرامكة فأزال نعمتهم قال عزون فقلت أنا والله أحدثك يا أمير المؤمنين كان سبب ذلك أن الرشيد ذكرت له جارية لعون الخياط فأرسل إليها فاعترضها فرضى جمالها وعقلها وحسن أدبها فقال لعون ما تقول في ثمنها قال يا أمير المؤمنين أمر ثمنها واضح مشهور حلفت بعتقها وعتق رقيقي جميعا وصدقة مالى الايمان المغلظة التى لا

[ 320 ]

مخرج منها لى وأشهدت على بذلك العدول أن لا أنقص ثمنها عن مائة ألف دينار ولا أحتال في ذلك بشئ من الحيل هذه قضيتها فقال أمير المؤمنين قد أخذتها منك بمائة ألف دينار ثم أرسل إلى يحيى بن خالد يخبره بخبر الجارية ويأمره أن يرسل إليه بمائة ألف دينار فقال يحيى هذا مفتاح سوء إذا اجترأ في ثمن جارية واحدة على طلب مائة ألف دينار فهو أحرى أن يطلب المال على قدر ذلك فأرسل يخبره أنه لا يقدر على ذلك فغضب عليه الرشيد وقال ليس في بيت مالى مائة ألف دينار فأعاد عليه لابد منها فقال يحيى اجعلوها دراهم ليراها فيستكثرها فلعله يردها فأرسل بها دراهم وقال هذه قيمة مائة ألف دينار وأمر أن توضع في رواقه الذى يمر فيه إذا أراد المتوضأ لصلاة الظهر قال فخرج الرشيد في ذلك الوقت فإذا جبل من بدر فقال ما هذا قالوا ثمن الجارية لم تحضر دنانير فأرسل قيمتها دراهم فاستكثر الرشيد ذلك ودعا خادما له فقال اضمم هذه إليك واجعل لى بيت مال لاضم إليه ما أريده وسماه بيت مال العروس وأمر برد الجارية إلى عون وأخذ في التفتيش عن المال فوجد البرامكة قد استهلكوه فأقبل يهم بهم ويمسك فكان يرسل إلى الصحابة وإلى قوم من أهل الادب من غيرهم فيسامرهم ويتعشى معهم فكان فيمن يحضر إنسان كان معروفا بالادب وكان يعرف بكنيته يقال له أبو العود فحضر ليلة فيمن حضره فأعجبه حديثه فأمر خادما له أن يأتي يحيى بن خالد إذا أصبح فيأمره أن يعطيه ثلاثين ألف درهم ففعل فقال يحيى لابي العود أفعل وليس بحضرتنا اليوم مال يجئ المال ونعطيك إن شاء الله ثم دافعه حتى طالت به الايام قال فأقبل أبو العود يحتال أن يجد من الرشيد وقتا يحرضه فيه على البرامكة وقد كان شاع في الناس ما كان يهم به الرشيد في أمرهم فدخل عليه ليلة فتحدثوا فلم يزل أبو العود يحتال للحديث حتى وصله بقول عمر بن أبى ربيعة وعدت هند وما كانت تعد * ليت هندا أنجزتنا ما تعد واستبدت مرة واحدة * إنما العاجز من لا يستبد

[ 321 ]

فقال الرشيد أجل والله إنما العاجز من لا يستبد حتى انقضى المجلس وكان يحيى قد اتخذ من خدم الرشيد خادما يأتيه بأخباره وأصبح يحيى غاديا على الرشيد فلما رآه قال قد أردت البارحة أن أرسل إليك بشعر أنشدنيه بعض من كان عندي ثم كرهت أن أزعجك فأنشده البيتين فقال ما أحسنهما يا أمير المؤمنين وفطن لما أراد فلما انصرف أرسل إلى ذلك الخادم فسأله عن إنشاد ذلك الشعر فقال أبو العود أنشده فدعا الوزير يحيى بأبى العود فقال له إنا كنا قد لويناك بمالك وقد جاءنا مال ثم قال لبعض خدمه اذهب فأعطه ثلاثين ألف درهم من بيت مال أمير المؤمنين وأعطه من عندي عشرين ألف درهم لمطلنا إياه واذهب إلى الفضل وجعفر فقل لهما هذا رجل مستحق أن يبر وقد كان أمير المؤمنين أمر له بمال فأطلت مطله ثم حضر المال فأمرت أن يعطى ووصلته من عندي صلة وقد أحببت أن تصلاه فسألا بكم وصله قال بعشرين ألف درهم فوصله كل واحد منهما بعشرين ألف درهم فانصرف بذلك المال كله إلى منزله وجد الرشيد في أمرهم حتى وثب عليهم وأزال نعمتهم وقتل جعفرا وصنع ما صنع فقال الواثق صدق والله جدى إنما العاجز من لا يستبد وأخذ في ذكر الخيانة وما يستحق أهلها قال عزون أحسبه سيوقع بكتابه فما مضى أسبوع حتى أوقع بكتابه وأخذ إبراهيم ابن رباح وسليمان بن وهب وأبا الوزير وأحمد بن الخصيب وجماعتهم قال وأمر الواثق بحبس سليمان بن وهب كاتب إيتاخ وأخذه بمائتي ألف درهم وقيل دينار فقيد وألبس مدرعة من مدارع الملاحين فأدى مائة ألف درهم وسأل أن يؤخذ بالباقي عشرين شهرا فأجابه الواثق إلى ذلك وأمر بتخلية سبيله ورده إلى كتابة إيتاخ وأمره بلبس السواد (وفى هذه السنة) ولى شارباميان لايتاخ اليمن وشخص إليها في شهر ربيع الآخر (وفيها) ولى محمد بن صالح بن العباس المدينة (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن داود (21 - 7)

[ 322 ]

* ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من توجيه الواثق بغا الكبير إلى الاعراب الذين عاثوا بالمدينة وما حواليها * ذكر الخبر عن ذلك * ذكر أن بدء ذلك كان أن بنى سليم كانت تطاول على الناس حول المدينة بالشر وكانوا إذا وردوا سوقا من أسواق الحجاز أخذوا سعرها كيف شاؤا ثم تراقى بهم الامر إلى أن أوقعوا بالجار بناس من بنى كنانة وباهلة فأصابوهم وقتلوا بعضهم وذلك في جمادى الآخر سنة 230 وكان رأسهم عزيزة بن قطاب السلمى فوجه إليهم محمد بن صالح بن العباس الهاشمي وهو يومئذ عامل المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم حماد بن جرير الطبري وكان الواثق وجه حمادا مسلحة للمدينة لئلا يتطرقها الاعراب في مائتي فارس من الشاكرية فتوجه إليهم حماد في جماعة من الجند ومن تطوع للخروج من قريش والانصار ومواليهم وغيرهم من أهل المدينة فسار إليهم فلقيته طلائعهم وكانت بنو سليم كارهة للقتال فأمر حماد بن جرير بقتالهم وحمل عليهم بموضع يقال له الرويثة من المدينة على ثلاث مراحل وكانت بنو سليم يومئذ وأمدادها جاؤا من البادية في ستمائة وخمسين وعامة من لقيهم من بنى عوف من بنى سليم ومعهم أشهب بن دويكل بن يحيى بن حمير العوفى وعمه سلمة بن يحيى وعزيزة بن قطاب اللبيدى من بنى لبيد بن سليم فكان هؤلاء قوادهم وكانت خيلهم مائة وخمسين فرسا فقاتلهم حماد وأصحابه ثم أتت بنى سليم أمدادها خمسمائة من موضع فيه بدوهم وهو موضع يسمى أعلى الرويثة بينها وبين موضع القتال أربعة أميال فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت سودان المدينة بالناس وثبت حماد وأصحابه وقريش والانصار فصلوا بالقتال حتى قتل حماد وعامة أصحابه وقتل ممن ثبت من قريش

[ 323 ]

والانصار عدد صالح وحازت بنو سليم الكراع والسلاح والثياب وغلظ أمر بنى سليم فاستباحت القرى والمناهل فيما بينها وبين مكة والمدينة حتى لم يمكن أحدا أن يسلك ذلك الطريق وتطرقوا من يليهم من قبائل العرب فوجه إليهم الواثق بغا الكبير أبا موسى التركي في الشاكرية والاتراك والمغاربة فقدمها بغا في شعبان سنة 230 وشخص إلى حرة بنى سليم لايام بقين من شعبان وعلى مقدمته طردوش التركي فلقيهم ببعض مياه الحرة وكانت الوقعة بشق الحرة من وراء السوارقية وهى قريتهم التى كانوا يأوون إليها والسوارقية حصون وكان جل من لقيه منهم بنو عوف قيهم عزيزة بن قطاب والاشهب وهما رأسا القواد يومئذ فقتل بغا منهم نحوا من خمسين رجلا وأسر مثلهم فانهزم الباقون وانكشف بنو سليم لذلك ودعاهم بغا بعد الوقعة إلى الامان على حكم أمير المؤمنين الواثق وأقام بالسوارقية فأتوه واجتمعوا إليه وجمعهم من عشرة واثنين وخمسة وواحد وأخذ من جمعت السوارقية من غير بنى سليم من أفناء الناس وهربت خفاف بنى سليم إلا أقلها وهى التى كانت تؤذى الناس وتطرق الطريق وجل من صار في يده ممن ثبت من بنى عوف كان آخر من أخذ منهم من بنى حبشي من بنى سليم فاحتبس عنده من وصف بالشر والفساد وهم زهاء ألف رجل وخلى سبيل سائرهم ثم رحل عن السوارقية بمن صار في يده من أسارى بنى سليم ومستأمنيهم إلى المدينة في ذى القعدة سنة 230 فحبسهم فيها في الدار المعروفة بيزيد بن معاوية ثم شخص إلى مكة حاجا في ذى الحجة فلما انقضى الموسم انصرف إلى ذات عرق ووجه إلى بنى هلال من عرض عليهم مثل الذى عرض على بنى سليم فأقبلوا فأخذ من مردتهم وعتاتهم نحوا من ثلثمائة رجل وخلى سائرهم ورجع من ذات عرق وهى على مرحلة من البستان بينها وبين مكة مرحلتان (وفى هذه السنة) مات أبو العباس عبد الله ابن طاهر بنيسابور يوم الاثنين لاحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول بعد موت اشناس التركي بتسعة أيام ومات عبد الله بن طاهر واليه الحرب والشرطة والسواد وخراسان وأعمالها والرى وطبرستان وما يتصل بها وكرمان

[ 324 ]

وخراج هذه الاعمال كان يوم مات ثمانية وأربعين ألف ألف درهم فولى الواثق أعمال عبد الله بن طاهر كلها ابنه طاهرا (وحج) في هذه السنة إسحاق بن إبراهيم ابن مصعب فولى احداث الموسم (وحج) بالناس في هذه السند محمد بن داود * ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من أمر الفداء الذى جرى على يد خاقان الخادم بين المسلمين والروم في المحرم منها فبلغت عدة المسلمين فيما قيل أربعة آلاف وثلثمائة واثنين وستين إنسانا (وفيها) قتل من قتل من بنى سليم بالمدينة في حبس بغا * ذكر الخبر عن سبب قتلهم وما كان من أمرهم * ذكر أن بغا لما صار إليه بنو هلال بذات عرق فأخذ منهم من ذكرت أنه أخذ منهم شخص معتمرا عمرة المحرم ثم انصرف إلى المدينة فجعل كل من أخذ من بنى هلال واحتبسهم عنده مع الذين كان أخذ من بنى سليم وجمعهم جميعا في دار يزيد بن معاوية في الاغلال والاقياد وكانت بنو سليم حبست قبل ذلك بأشهر ثم سار بغا إلى بنى مرة وفي حبس المدينة نحو من ألف وثلثمائة رجل من بنى سليم وهلال فنقبوا الدار ليخرجوا فرأت امرأة من أهل المدينة النقب فاستصرخت أهل المدينة فجاؤا فوجدوهم قد وثبوا على الموكلين بهم فقتلوا منهم رجلا أو رجلين وخرج بعضهم أو عامتهم فأخذوا سلاح الموكلين بهم واجتمع عليهم أهل المدينة أحرارهم وعبيدهم وعامل المدينة يومئذ عبد الله بن أحمد بن داود الهاشمي فمنعوهم الخروج وباتوا محاصريهم حول الدار حتى أصبحوا وكان وثوبهم عشية الجمعة وذلك أن عزيزة بن قطاب قال لهم إنى أتشأم بيوم السبت ولم يزل أهل المدينة يعتقبون القتال وقاتلتهم بنو سليم فظهر أهل المدينة عليهم فقتلوهم أجمعين وكان عزيزة يرتجز ويقول لا بد من زحم وإن ضاق الباب * إنى أنا عزيزة بن القطاب للموت خير للفتى من العاب * هذا وربى عمل للبواب

[ 325 ]

وقيده في يده قد فكه فرمى به رجلا فخر صريعا وقتلوا جميعا وقتلت سودان المدينة من لقيت من الاعراب في أزقة المدينة ممن دخل يمتار حتى لقوا أعرابيا خارجا من قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه وكان أحد بنى أبى بكر بن كلاب من ولد عبد العزيز بن زرارة وكان بغا غائبا عنهم فلما قدم فوجدهم قد قتلوا شق ذلك عليه ووجد وجدا شديدا * وذكر أن البواب كان قد ارتشى منهم ووعدهم أن يفتح لهم الباب فعجلوا قبل ميعاده فكانوا يرتجزون ويقولون وهم يقاتلون الموت خير للفتى من العار * قد أخذ البواب ألف دينار وجعلوا يقولون حين أخذهم بغا يا بغية الخير وسيف المنتبه * وجانب الجور البعيد المشتبه من كان منا جانيا فلست به * إفعل هداك الله ما أمرت به فقال أمرت أن أقتلكم وكان عزيزة بن قطاب رأس بنى سليم حين قتل أصحابه صار إلى بئر فدخلها فدخل عليه رجل من أهل المدينة فقتله وصفت القتلى على باب مروان بن الحكم بعضها فوق بعض * وحدثني أحمد بن محمد أن مؤذن أهل المدينة أذن ليلة حراستهم بنى سليم بليل ترهيبا لهم بطلوع الفجر وأنهم قد أصبحوا فجعل الاعراب يضحكون ويقولون يا شربة السويق تعلموننا بالليل ونحن أعلم به منكم فقال رجل من بنى سليم متى كان ابن عباس أميرا * يصل لصقل نابيه صريف يجور ولا يرد الجور منه * ويسطو ما لوقعته ضعيف وقد كنا نرد الجور عنا * إذا انتضيت بأيدينا السيوف أمير المؤمنين سما إلينا * سمو الليث ثار من الغريف فإن يمنن فعفو الله نرجو * وإن يقتل فقاتلنا شريف وكان سبب غيبة بغا عنهم أنه توجه إلى فدك لمحاربة من فيها ممن كان تغلب عليها من بنى فزارة ومرة فلما شارفهم وجه إليهم رجلا من فزارة يعرض عليهم الامان ويأتيه بأخبارهم فلما قدم عليهم الفزارى حذرهم سطوته وزين لهم الهرب

[ 326 ]

فهربوا ودخلوا في البر وخلوا فدك إلا نفرا بقوافيها منهم وكان قصدهم خيبر وجنفا ونواحيها فظفر ببعضهم واستأمن بعضهم وهرب الباقون مع رأس لهم يقال له الركاض إلى موضع من البلقاء من عمل دمشق وأقام بغا بجنفاء وهى قرية من حد عمل الشأم مما يلى الحجاز نحوا من أربعين ليلة ثم انصرف إلى المدينة بمن صار في يديه من بنى مرة وفزارة (وفى هذه السنة) صار إلى بغا من بطون غطفان وفزارة وأشجع جماعة وكان وجه إليهم وإلى بنى ثعلبة فلما صاروا إليه فيما ذكر أمر محمد بن يوسف الجعفري فاستحلفهم الايمان الموكدة ألا يتخلفوا عنه متى دعاهم فحلفوا ثم شخص إلى ضرية لطلب بنى كلاب ووجه إليهم رسله فاجتمع إليه منهم فيما قيل نحو من ثلاثة آلاف رجل فاحتبس منهم من أهل الفساد نحوا من ألف رجل وثلثمائة رجل وخلى سائرهم ثم قدم بهم المدينة في شهر رمضان سنة 231 فحبسهم في دار يزيد بن معاوية ثم شخص إلى مكة بغا وأقام بها حتى شهد الموسم فبقى بنو كلاب في الحبس لا يجرى عليهم شئ مدة غيبة بغا حتى رجع إلى المدينة فلما صار إلى المدينة أرسل إلى من كان استحلف من ثعلبة وأشجع وفزارة فلم يجيبوه وتفرقوا في البلاد فوجه في طلبهم فلم يلحق منهم كثير أحد (وفى هذه السنة) تحرك ببغداد قوم في ربض عمرو بن عطاء فأخذوا على أحمد بن نصر الخزاعى البيعة ذكر الخبر عن سبب حركة هؤلاء القوم وما آل إليه أمرهم أمر أحمد بن نصر وكان السبب في ذلك أن أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعى ومالك بن الهيثم أحد نقباء بنى العباس وكان ابنه أحمد يغشاه أصحاب الحديث كيحيى بن معين وابن الدورقى وابن خيثمة وكان يظهر المباينة لمن يقول القرآن مخلوق مع منزلة أبيه كانت من السلطان في دولة بنى العباس ويبسط لسانه فيمن يقول ذلك مع غلظة الواثق كانت على من يقول ذلك وامتحانه إياهم فيه وغلبة أحمد بن أبى دؤاد عليه فحدثني بعض أشياخنا عمن ذكره أنه دخل على أحمد بن نصر في بعض تلك الايام وعنده جماعة من الناس فذكر عنده الواثق فجعل يقول ألا فعل هذا الخنزير أو قال هذا الكافر وفشا ذلك من امره فخوف بالسلطان وقيل له قد اتصل أمرك

[ 327 ]

به فخافه وكان فيمن يغشاه رجل فيما ذكر يعرف بأبى هارون السراج وآخر يقال له طالب وآخر من أهل خراسان من أصحاب إسحاق بن إبراهيم بن مصعب صاحب الشرطة ممن يظهر له القول بمقالته فحرك المطيفون به يعنى أحمد بن نصر من أصحاب الحديث وممن ينكر القول بخلق القرآن من أهل بغداد أحمد وحملوه على الحركة لانكار القول ؟ القرآن وقصدوه بذلك دون غيره لما كان لابيه وجده في دولة بنى العباس من الاثر ولما كان له ببغداد وأنه كان أحد من بايع له أهل الجانب الشرقي على الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والسمع له في سنة 201 لما كثر الدعار بمدينة السلام وظهر بها الفساد والمأمون بخراسان وقد ذكرنا خبره فيما مضى وأنه لم يزل أمره على ذلك ثابتا إلى أن قدم المأمون بغداد في سنة 204 فرجوا استجابة العامة له إذا هو تحرك للاسباب التى ذكرت * فذكر أنه أجاب من سأله ذلك وأن الذى كان يسعى له في دعاء الناس له الرجلان اللذان ذكرت أسماءهما قبل وأن أبا هارون السراج وطالبا فرقا في قوم مالا فأعطيا كل رجل منهم دينارا دينارا وواعدهم ليلة يضربون فيها الطبل للاجتماع في صبيحتها للوثوب بالسلطان فكان طالب بالجانب الغربي من مدينة السلام فيمن عاقده على ذلك وأبو هارون بالجانب الشرقي فيمن عاقده عليه وكان طالب وأبو هارون أعطيا فيمن أعطيا رجلين من بنى أشرس القائد دنانير يفرقانها في جيرانهم فانتبذ بعضهم نبيذا واجتمع عدة منهم على شربه فلما ثملوا ضربوا بالطبل ليلة الاربعاء قبل الموعد بليلة وكان الموعد لذلك ليلة الخميس في شعبان سنة 231 لثلاث تخلو منه وهم يحسبونها ليلة الخميس التى اتعدوا لها فأكثروا ضرب الطبل فلم يجبهم أحد وكان إسحاق بن إبراهيم غائبا عن بغداد وخليفته بها اخوه محمد بن إبراهيم فوجه إليه محمد بن ابراهيم غلاما له يقال له رحش فأتاهم فسألهم عن قصتهم فلم يظهر له أحد ممن ذكر بضرب الطبل فدل على رجل يكون في الحمامات مصاب بعينه يقال له عيسى الاعور فهدده بالضرب فأقر على ابني أشرس وعلى أحمد بن نصر بن مالك وعلى آخرين سماهم فتتبع القوم من ليلتهم فأخذ بعضهم وأخذ طالبا ومنزله في الربض من الجانب

[ 328 ]

الغربي وأخذ أبا هارون السراج ومنزله في الجانب الشرقي وتتبع من سماه عيسى الاعور في أيام وليال فصير وافى الحبس في الجانب الشرقي والغربي كل قوم في ناحيتهم التى أخذوا فيها وقيد أبو هارون وطالب بسبعين رطلا من الحديد كل واحد منهما واصيب في منزل ابني أشرس علمان أخضران فيهما حمرة في بئر فتولى إخراجهما رجل من أعوان محمد بن عياش وهو عامل الجانب الغربي وعامل الجانب الشرقي العباس بن محمد بن جبريل القائد الخراساني ثم أخذ خصى لاحمد ابن نصر فتهدد فأقر بما أقر به عيسى الاعور فمضى إلى أحمد بن نصر وهو في الحمام فقال لاعوان السلطان هذا منزلي فإن أصبتم فيه علما أو عدة أو سلاحا لفتنة فأنتم في حل منه ومن دمى ففتش فلم يوجد فيه شئ فحمل إلى محمد بن إبراهيم بن مصعب وأخذوا خصيين وابنين له ورجلا ممن كان يغشاه يقال له اسماعيل بن محمد بن معاوية ابن بكر الباهلى ومنزله بالجانب الشرقي فحمل هؤلاء الستة إلى أمير المؤمنين الواثق وهو بسامرا على بغال بأكف ليس تحتهم وطاء فقيد أحمد بن نصر بزوج قيود وأخرجوا من بغداد يوم الخميس لليلة بقيت من شعبان سنة 231 وكان الواثق قد أعلم بمكانهم وأحضر ابن أبى دؤاد وأصحابه وجلس لهم مجلسا عاما ليمتحنوا امتحانا مكشوفا فحضر القوم واجتمعوا عنده وكان أحمد بن أبى دؤاد فيما ذكر كارها قتله في الظاهر فلما أتى بأحمد بن نصر لم يناظره الواثق في الشغب ولا فيا رفع عليه من ارادته الخروج عليه ولكنه قال له يا أحمد ما تقول في القرآن قال كلام الله وأحمد بن نصر مستقتل قد تنور وتطيب قال أفمخلوق هو قال هو كلام الله قال فما تقول في ربك أتراه يوم القيامة قال يا أمير المؤمنين جاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته فنحن على الخبر قال وحدثني سفيان بن عيينة بحديث يرفعه أن قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الله يقلبه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك فقال له اسحاق بن ابراهيم ويلك انظر ماذا تقول قال أنت أمرتنى بذلك فأشفق اسحاق من كلامه وقال أنا أمرتك بذلك

[ 329 ]

قال نعم أمرتنى أن أنصح له إذ كان أمير المؤمنين ومن نصيحتي له ألا يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الواثق لمن حوله ما تقولون فيه فأكثروا فقال عبد الرحمن بن اسحاق وكان قاضيا على الجانب الغربي فعزل وكان حاضرا وكان أحمد بن نصر ودا له يا أمير المؤمنين هو حلال الدم وقال أبو عبد الله الارمني صاحب ابن أبى دؤاد اسقنى دمه يا أمير المؤمنين فقال الواثق القتل يأتي على ما تريد وقال ابن أبى دؤاد يا أمير المؤمنين كافر يستتاب لعل به عاهة أو تغير عقلي كأنه كره أن يقتل بسببه فقال الواثق إذا رأيتموني قد قمت إليه فلا يقومن أحد معى فإنى أحتسب خطاى إليه ودعا بالصمصامة سيف عمرو بن معد يكرب الزبيدى وكان في الخزانة كان أهدى إلى موسى الهادى فأمر سلما الخاسر الشاعر أن يصفه له فوصفه فأجازه فأخذ الواثق الصمصامة وهى صفيحة موصولة من أسفلها مسمورة بثلاثة مسامير تجمع بين الصفيحة والصلة فمشى إليه وهو في وسط الدار ودعا بنطع فصير في وسطه وحبل فشد رأسه ومد الحبل فضربه الواثق ضربة فوقعت على حبل العاتق ثم ضربه أخرى على رأسه ثم انتضى سيما الدمشقي سيفه فضرب عنقه وحز رأسه * وقد ذكر أن بغا الشرابى ضربه ضربة أخرى وطعنه الواثق بطرف الصمصامة في بطنه فحمل معترضا حتى أتى به الحظيرة التى فيها بابك فصلب فيها وفى رجله زوج قيود وعليه سراويل وقميص وحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقي أياما وفى الجانب الغربي أياما ثم حول إلى الشرقي وحظر على الرأس حظيرة وضرب عليه فسطاط وأقيم عليه الحرس وعرف ذلك الموضع برأس أحمد بن نصر وكتب في أذنه رقعة هذا رأس الكافر المشرك الضال وهو أحمد بن نصر بن مالك ممن قتله الله على يدى عبد الله هارون الامام الواثق بالله أمير المؤمنين بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن ونفى التشبيه وعرض عليه التوبة ومكنه من الرجوع إلى الحق فأبى إلا المعاندة والتصريح والحمد لله الذى عجل به إلى ناره وأليم عقابه وإن أمير المؤمنين سأله عن ذلك فأقر بالتشبيه وتكلم بالكفر فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه ولعنه * وأمر أن

[ 330 ]

يتتبع من وسم بصحبة أحمد بن نصر ممن ذكر أنه كان متشايعا له فوضعوا في الحبوس ثم جعل نيف وعشرون رجلا وسموا في حبوس الظلمة ومنعوا من أخذ الصدقة التى يعطاها أهل السجون ومنعوا من الزوار وثقلوا بالحديد وحمل أبو هارون السراج وأخر معه إلى سامرا ثم ردوا إلى بغداد فجعلوا في المحابس وكان سبب أخذ الذين أخذوا بسبب أحمد بن نصر أن رجلا قصارا كان في الربض جاء إلى اسحاق بن ابراهيم بن مصعب فقال أنا أدلك على أصحاب أحمد بن نصر فوجه معه من يتبعهم فلما اجتمعوا وجدوا على القصار سببا حبسوه معهم وكان له في المهرزار نخل فقطع وانتهب منزله وكان ممن حبس بسببه قوم من ولد عمرو بن اسفنديار فماتوا في الحبس فقال بعض الشعراء في أحمد بن أبى دؤاد ما إن تحولت من إياد * صرت عذابا على العباد أنت كما قلت من إياد * فارفق بذا الخلق يا إيادى (وفى هذه السنة) أراد الواثق الحج فاستعد له ووجه عمر بن فرج إلى الطريق لاصلاحه فرجع فأخبره بقلة الماء فبدأ له (وحج) بالناس فيها محمد بن داود (وفيها) ولى الواثق جعفر بن دينار اليمن فشخص إليها في شعبان وحج هو وبغا الكبير وعلى أحداث الموسم بغا الكبير وكان شخوص جعفر إلى اليمن في أربعة آلاف فارس وألفى راجل وأعطى رزق ستة أشهر (وعقد) محمد بن عبد الملك الزيات لاسحاق بن إبراهيم بن أبى خميصة مولى بنى قشير من أهل أضاخ فيها على اليمامة والبحرين وطريق مكة مما يلى البصرة في دار الخلافة ولم يذكر أن أحدا عقد لاحد في دار الخلافة إلا الخليفة غير محمد بن عبد الملك الزيات (وفى هذه السنة) نقب قوم من اللصوص بيت المال الذى في دار العامة في جوف القصر وأخذوا اثنين وأربعين ألفا من الدراهم وشيئا من الدنانير يسيرا فأخذوا بعد وتتبع أخذهم يزيد الحلواني صاحب الشرطة خليفة إيتاخ (وفيها) خرج محمد بن عمرو الخارجي من بنى زيد بن تغلب في ثلاثة عشر رجلا في ديار ربيعة فخرج إليه غانم بن أبى مسلم بن حميد الطوسى وكان على حرب الموصل في مثل عدته فقتل من

[ 331 ]

الخوارج أربعة وأخذ محمد بن عمرو أسيرا فبعث به إلى سامرا فبعث به إلى مطبق بغداد ونصبت رؤس أصحابه وأعلامه عند خشبة بابك (وفى هذه السنة) قدم وصيف التركي من ناحية أصبهان والجبال وفارس وكان شخص في طلب الاكراد لانهم قد كانوا تطرقوا إلى هذه النواحى وقدم معه منهم بنحو من خمسمائة نفس فيهم غلمان صغار جمعهم في قيود وأغلال فأمر بحبسهم وأجيز وصيف بخمسة وسبعين ألف دينار وقلد سيفا وكسى (وفى هذه السنة) تم الفداء بين المسلمين وصاحب الروم واجتمع فيها المسلمون والروم على نهر يقال له اللامس على سلوقية على مسيرة يوم من طرسوس * ذكر الخبر عن سبب هذا الفداء وكيف كان * ذكر عن أحمد بن أبى قحطبة صاحب خاقان الخادم وكان خادم الرشيد وكان قد نشأ بالثغر أن خاقان هذا قدم على الواثق وقدم معه نفر من وجوه أهل طرسوس وغيرها يشكون صاحب مظالم كان عليهم يكنى أبا وهب فأحضر فلم يزل محمد بن عبد الملك يجمع بينه وبينهم في دار العامة عند انصراف الناس يوم الاثنين والخميس فيمكثون إلى وقت الظهر وينصرف محمد بن عبد الملك وينصرفون فعزل عنهم وأمر الواثق بامتحان أهل الثغور في القرآن فقالوا بخلقه جميعا إلا أربعة نفر فأمر الواثق بضرب أعناقهم إن لم يقولوه وأمر لجميع أهل الثغور بجوائز على ما رأى خاقان وتعجل أهل الثغور إلى ثغورهم وتأخر خاقان بعدهم قليلا فقدم على الواثق رسل صاحب الروم وهو ميخائيل بن توفيل ابن ميخائيل بن اليون بن جورجس يسأله أن يفادى بمن في يده من أسارى المسلمين فوجه الواثق خاقان في ذلك فخرج خاقان ومن معه في فداء أسارى المسلمين في آخر سنة 230 على موعد بين خاقان ورسل صاحب الروم الالتقاء للفداء في يوم عاشوراء وذلك في العاشر من المحرم سنة 231 ثم عقد الواثق لاحمد ابن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلى على الثغور والعواصم وأمره بحضور الفداء فخرج على سبعة عشر من البرد وكان الرسل الذين قدموا في طلب الفداء قد جرى

[ 332 ]

بينهم وبين ابن الزيات اختلاف في الفداء قالوا لا نأخذ في الفداء امرأة عجوزا ولا شيخا كبيرا ولا صبيا فلم يزل ذلك بينهم أياما حتى رضوا عن كل نفس بنفس فوجه الواثق إلى بغداد والرقة في شرى من يباع من الرقيق من مماليك فاشترى من قدر عليه منهم فلم تتم العدة فأخرج الواثق من قصره من النساء الروميات العجائز وغيرهن حتى تمت العدة ووجه ممن مع ابن أبى دؤاد رجلين يقال لاحدهما يحيى بن آدم الكرخي ويكنى أبا رملة وجعفر بن الحداء ووجه معهما كاتبا من كتاب العرض يقال له طالب بن داود وأمره بامتحانهم هو وجعفر فمن قال القرآن مخلوق فودى به ومن أبى ذلك ترك في أيدى الروم وأمر لطالب بخمسة آلاف درهم وأمر أن يعطوا جميع من قال إن القرآن مخلوق ممن فودى به دينارا لكل إنسان من مال حمل معهم فمضى القوم * فذكر عن أحمد بن الحارث أنه قال سألت ابن أبى قحطبة صاحب خاقان الخادم وكان السفير الموجه بين المسلمين والروم وجه ليعرف عدة المسلمين في بلاد الروم فاتى ملك الروم وعرف عدتهم قبل الفداء فذكر أنه بلغت عدتهم ثلاثة آلاف رجل وخمسمائة امرأة فأمر الواثق بفدائهم وعجل أحمد بن سعيد على البريد ليكون الفداء على يديه ووجه من يمتحن الاسراء من المسلمين فمن قال منهم إن القرآن مخلوق وإن الله عزوجل لا يرى في الآخرة فودى به ومن لم يقل ذلك ترك في أيدى الروم ولم يكن فداء منذ أيام محمد بن زبيدة في سنة 4 أو 195 * قال فلما كان يوم عاشوراء لعشر خلون من المحرم سنة 231 اجتمع المسلمون ومن معهم من العلوج وقائدان من قواد الروم يقال لاحدهما القاس وللآخر طلسيوس والمسلمون والمطوعة في أربعة آلاف بين فارس وراجل فاجتمعوا بموضع يقال له اللامس فذكر عن محمد بن أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلى أن كتاب أبيه أتاه أن من فودى به من المسلمين ومن كان معهم من أهل ذمتهم أربعة آلاف وستمائة إنسان منهم صبيان ونساء ستمائة ومنهم من أهل الذمة أقل من خمسمائة والباقون رجال من جميع الآفاق * وذكر أبو قحطبة وكان رسول خاقان الخادم إلى ملك

[ 333 ]

الروم لينظر كم عدد الاسرى ويعلم صحة ما عزم عليه ميخائيل ملك الروم أن عدد المسلمين قبل الفداء كان ثلاثة آلاف رجل وخمسمائة امرأة وصبى ممن كان بالقسطنطينية وغيرها إلا من أحضره الروم ومحمد بن عبد الله الطرسوسى وكان عندهم فأوفده أحمد بن سعيد بن سلم وخاقان مع نفر من وجوه الاسرى على الواثق فحملهم الواثق على فرس فرس وأعطى لكل رجل منهم ألف درهم وذكر محمد هذا أنه كان أسيرا في أيدى الروم ثلاثين سنة وأنه كان أسر في غزاة رامية كان في العلافة فأسر وكان فيمن فودى به في هذا الفداء وقال فودى بنا في يوم عاشوراء على نهر يقال له اللامس على سلوقية قريبا من البحر وأن عدتهم كانت أربعة آلاف وأربعمائة وستين نفسا النساء وأزواجهن وصبيانهن ثمانمائة وأهل ذمة المسلمين مائة أو أكثر فوقع الفداء كل نفس عن نفس صغيرا أو كبيرا فاستفرغ خاقان جميع من كان في بلد الروم من المسلمين ممن علم موضعه قال فلما جمعوا للفداء وقف المسلمون من جانب النهر الشرقي والروم من الجانب الغربي وهو مخاضة فكان هؤلاء يرسلون من ههنا رجلا وهؤلاء من ههنا رجلا فيلتقيان في وسط النهر فإذا صار المسلم إلى المسلمين كبر وكبروا وإذا صار الرومي إلى الروم تكلم بكلامهم وتكلموا شبيها بالتكبير وذكر عن السندي مولى حسين الخادم أنه قال عقد المسلمون جسرا على النهر وعقد الروم جسرا فكنا نرسل الرومي على جسرنا ويرسلون الروم المسلم على جسرهم فيصير هذا الينا وذاك إليهم وأنكر أن يكون مخاضة وذكر عن محمد بن كريم أنه قال لما صرنا في أيدى المسلمين امتحننا جعفر ويحيى فقلنا وأعطينا دينارين دينارين قال وكان البطريقان اللذان قدما بالاسرى لا بأس بهما في معاشرتهما قال وخاف الروم عدد المسلمين لقلتهم وكثرة المسلمين فآمنهم خاقان من ذلك وضرب بينهم وبين المسلمين أربعين يوما لا يغزون حتى يصلون إلى بلادهم ومأمنهم وكان الفداء في أربعة أيام ففضل مع خاقان ممن كان أمير المؤمنين أعد لفداء المسلمين عدة كبيرة وأعطى خاقان صاحب الروم ممن كان قد فضل في يده مائة نفس ليكون عليهم الفضل استظهارا مكان من يخشى أن

[ 334 ]

يأسروه من المسلمين إلى انقضاء المدة ورد الباقين إلى طرسوس فباعهم قال وكان خرج معنا ممن كان تنصر ببلاد الروم من المسلمين نحو من ثلاثين رجلا فودى بهم قال محمد بن كريم ولما انقضت المدة بين خاقان والروم الاربعون يوما غزا أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة شاتيا فأصاب الناس الثلج والمطر فمات منهم قدر مائتي انسان وغرق منهم في البدندون قوم كثير وأسر منهم نحو من مائتين فوجد أمير المؤمنين الواثق عليه لذلك وحصل جميع من مات وغرق خمسمائة انسان وكان أقبل إلى أحمد بن سعيد وهو في سبعة آلاف بطريق من عظمائهم فحيز عنه فقال له وجوه الناس إن عسكرا فيه سبعة آلاف لا يتخوف عليه فإن كنت لا تواجه القوم فتطرق بلادهم فأخذ نحوا من ألف بقرة وعشرة آلاف شاة وخرج فعزله الواثق وعقد لنصر بن حمزة الخزاعى يوم الثلاثاء لاربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الاولى من هذه السنة (وفى هذه السنة) مات الحسن بن الحسين أخو طاهر بن الحسين بطبرستان في شهر رمضان (وفيها) مات الخطاب ابن وجه الفلس (وفيها) مات أبو عبد الله بن الاعرابي الراوية يوم الاربعاء لثلاث عشرة خلت من شعبان وهو ابن ثمانين سنة (وفيها) ماتت أم أبيها بنت موسى أخت على بن موسى الرضا (وفيها) مات مخارق المغنى وأبو نصر أحمد ابن حاتم راوية الاصمعي وعمرو بن أبى عمرو الشيباني ومحمد بن سعدان النحوي * ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من مسير بغا الكبير إلى بنى نمير حتى أوقع بهم ذكر الخبر عن سبب مسيره إليهم وكيف كان الامر بينه وبينهم حدثنى أحمد بن محمد بن خالد بمعظم خبرهم وذكر أنه كان مع بغا في ذلك السفر وأما سياق الكلام فلغيره ذكر أن سبب شخوص بغا إلى بنى نمير كان أن عمارة ابن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفى امتدح الواثق بقصيدة فدخل عليه فأنشده

[ 335 ]

إياها فأمر له بثلاثين ألف درهم وبنزل فكلم عمارة الواثق في بنى نمير وأخبره بعبثهم وفسادهم في الارض واغارتهم على الناس وعلى اليمامة وما قرب منها فكتب الواثق إلى بغا يأمره بحربهم فذكر أحمد بن محمد أن بغا لما أراد الشخوص من المدينة إليهم حمل معه محمد بن يوسف الجعفري دليلا له على الطريق فمضى نحو اليمامة يريدهم فلقى منهم جماعة بموضع يقال له الشريف فحاربوه فقتل بغا منهم نيفا وخمسين رجلا وأسر نحوا من أربعين ثم سار إلى حظيان ثم سار إلى قرية لبنى تميم من عمل اليمامة تدعى مرأة فنزل بها ثم تابع إليهم رسله يعرض عليهم الامان ودعاهم إلى السمع والطاعة وهم في ذلك يمتنعون عليه ويشتمون رسله ويتفلتون إلى حربه حتى كان آخر من وجه إليهم رجلين أحدهما من بنى عدى من تميم والآخر من بنى نمير فقتلوا التميمي وأثبتوا النميري جراحا فسار بغا إليهم من مرأة وكان مسيره إليهم في أول صفر من سنة 232 فورد بطن نخل وسار حتى دخل نخيلة وأرسل إليهم أن ائتونى فاحتملت بنو ضبة من نمير فركبت جبالها مياسر جبال السود وهو جبل خلف اليمامة أكثر أهله باهلة فأرسل إليهم فأبوا أن يأتوه فأرسل إليهم سرية فلم تدركهم فوجه سرايا فاصابت فيهم وأسرت منهم ثم إنه أتبعهم بجماعة من معه وهم نحو من ألف رجل سوى من تخلف في العسكر من الضعفاء والاتباع فلقيهم وقد جمعوا له وحشدوا لحربه وهم يومئذ نحو من ثلاثة آلاف بموضع يقال له روضة الا بان وبطن السر من القرنين على مرحلتين ومن أضاخ على مرحلة فهزموا مقدمته وكشفوا ميسرته وقتلوا من أصحابه نحوا من مائة وعشرين أو مائة وثلاثين رجلا وعقروا من ابل عسكره نحوا من سبعمائة بعير ومائة دابة وانتهبوا الاثقال وبعض ما كان مع بغا من الاموال قال لى أحمد لقيهم بغا وهجم عليهم وغلبه الليل فجعل بغا يناشدهم ويدعوهم إلى الرجوع وإلى طاعة أمير المؤمنين ويكلمهم بذلك محمد بن يوسف الجعفري فجعلوا يقولون له يا محمد ابن يوسف قد والله ولدناك فما رعيت حرمة الرحم ثم جئتنا بهؤلاء العبيد والعلوج تقاتلنا بهم والله لنرينك العبر ونحو ذلك من القول فلما دنا الصبح قال محمد بن يوسف

[ 336 ]

لبغا أوقع بهم من قبل أن يضئ الصبح فيروا قلة عددنا فيجترئوا علينا فأبى بغا عليه فلما أضاء الصبح ونظروا إلى عدد من مع بغا وكانوا قد جعلوا رجالتهم أمامهم وفرسانهم وراءهم ونعمهم ومواشيهم من ورائهم حملوا علينا فهزمونا حتى بلغت هزيمتنا معسكرنا وأيقنا بالهلكة قال وكان قد بلغ بغا أن خيلا لهم بمكان من بلادهم فوجه من أصحابه نحوا من مائتي فارس إليها قال فبينا نحن فيما نحن فيه من الاشراف على العطب وقد هزم بغا ومن معه إذ خرجت الجماعة التى كان بغا وجهها من الليل إلى تلك الخيل وقد أقبلت منصرفة من الموضع الذى وجهت إليه من العسكر في ظهور بنى نمير وقد فعلوا ما فعلوا ببغا وأصحابه فنفخوا في صفاراتهم فلما سمعوا نفخ الصفارات ونظروا إلى من خرج عليهم في أدبارهم قالوا عذر والله العبد وولوا هاربين وأسلم فرسانهم رجالتهم بعد أن كانوا على غاية المحاماة عليهم قال لى أحمد ابن محمد فلم يفلت من ؟ كثير أحد حتى قتلوا عن آخرهم وأما الفرسان فطاروا هرابا على ظهور الخيل وأما غير أحمد بن محمد فانه قال لم تزل الهزيمة على بغا وأصحابه منذ غدوة إلى انتصاف النهار وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة 232 ثم تشاغلوا بالنهب وعقر الابل والدواب حتى تاب إلى بغا من كان انكشف من أصحابه واجتمع إليه من كان تفرق عنه فكروا على بنى نمير فهزمهم وقتل منهم منذ زوال الشمس إلى وقت العصر زهاء ألف وخمسمائة رجل وأقام بغا بموضع الوقعة على الماء المعروف ببطن السر حتى جمعت له رؤس من قتل من بنى نمير واستراح هو وأصحابه ثلاثة أيام فحدثني أحمد بن محمد أن من هرب من فرسان بنى نمير من الوقعة أرسلوا إلى بغا يطلبون منه الامان فأعطاهم الامان فصاروا إليه فقيدهم وأشخصهم معه وأما غيره فانه قال سار بغا من موضع الوقعة في طلب من شذ عنه منهم فلم يدرك إلا الضعيف ممن لم يكن له نهوص منهم وبعض المواشى والنعم ورجع إلى حصن باهلة قال وإنما قاتل بغا من بنى نمير بنو عبد الله بن نمير وبنو بسرة وبلحجاج وبنو قطن وبنو سلاه وبنو شريح وبطون من الخوالف وهم من بنى عبد الله بن نمير ولم يكن في القتال من بنى عامر بن نمير إلا القليل وبنو عامر

[ 337 ]

ابن نمير أصحاب نخل وشاء وليسوا أصحاب خيل وعبد الله بن نمير هي التى تحارب العرب فقال عمارة بن عقيل لبغا تركت الاعقفين وبطن قو * وملات السجون من القماش فحدثني أحمد بن محمد أن الذين دخلوا إلى بغا بالامان من بنى نمير لما قيدهم وحبسهم وأشخصهم معه شغبوا في الطريق وحاولوا كسر قيودهم والهرب فأمر باحضارهم واحدا بعد واحد فكان إذا حضر الواحد يضربه ما بين الاربعمائة إلى الخمسمائة وأقل من ذلك وأكثر فزعم أحد أنه حضر ضربهم ولم ينطق منهم ناطق يتوجع من الضرب وأنه أحضر منهم شيخ قد علق في عنقه مصحفا ومحمد ابن يوسف جالس إلى جنب بغا فضحك منه محمد بن يوسف وقال لبغا هذا أخبث ما كان أصلحك الله حين علق المصحف في عنقه فضربه أربعمائة أو خمسمائة فما توجع وما استغاث * وذكر أن فارسا من بنى نمير لقى بغا في وقعتهم التى ذكرت أمرها بدعاء المجنون فطعن بغا ورمى المجنون رجل من الاتراك فأفلت وعاش أياما ثلاثة ثم مات من رميته * قال ثم قدم عليه واجن الاشروسنى الصغدى في سبعمائة رجل مددا له من الاشر وسنيه الا ؟ فوجهه بغا ومحمد بن يوسف الجعفري في أثرهم فلم يزل يتبعهم حتى وغلوا في البلاد وصاروا بتبالة وما يليها من حد عمل اليمن وفاتوه فانصرف ولم يصر في يديه منهم إلا ستة نفر أو سبعة وأقام بحصن باهلة ووجه إلى جبال بنى نمير وسهلها من هلان والسود وغيرها من عمل اليمامة سرايا في محاربة من امتنع ممن قبل الامان منهم فقتلوا جماعة وأسروا جماعة وأقبل عدة من ساداتهم كلهم يطلب الامان لنفسه والبطن الذى هو منه فقبل ذلك منهم وبسطهم وآنسهم ولم يزل مقيما إلى أن جمع إليه كل من ظن أنه كان في هذه النواحى منهم وأخذ منهم زهاء ثمانمائة رجل فأثقلهم بالحديد وحملهم إلى البصرة في ذى القعدة من سنة 232 وكتب إلى صالح العباسي بالمسير بمن قبله في المدينة من بنى كلاب وفزارة ومرة وثعلبة وغيرهم واللحاق به فوافاه صالح العباسي ببغداد وصاروا جميعا في المحرم إلى سامرا سنة 233 وكانت عدة من (22 - 7)

[ 338 ]

قدم به بغا وصالح العباسي من الاعراب سوى من مات منهم وهرب وقتل في هذه الوقائع التى وصفناها ألفى رجل ومائتي رجل من بنى نمير ومن بنى كلاب ومن مرة وفزارة ومن ثعلبة وطيئ (وفى هذه السنة) أصاب الحاج في المرجع عطش شديد في أربعة منازل إلى الربذة فبلغت الشربة عدة دنانير ومات خلق كثير من العطش (وفيها) ولى محمد بن إبراهيم بن مصعب فارس (وفيها) أمر الواثق بترك جباية اعشار سفن البحر (وفيها) اشتد البرد في نيسان حتى جمد الماء لخمس خلون منه (وفيها) مات الواثق * ذكر الخبر عن العلة التى كانت بها وفاته * ذكر لى جماعة من أصحابنا أن علته التى توفى منها كانت الاستسقاء فعولج بالاقعاد في تنور مسخن فوجد لذلك راحة وخفة مما كان به فأمرهم من غد ذلك اليوم بزيادة في إسخان التنور ففعل ذلك وقعد فيه أكثر من قعوده في اليوم الذى قبله فحمى عليه فأخرج منه وصير في محفة وحضره الفضل بن إسحاق الهاشمي وعمر بن فرج وغيرهم ثم حضر ابن الزيات وابن أبى دؤاد فلم يعلموا بموته حتى ضرب بوجهه المحفة فعلموا أنه قد مات (وقد قيل) إن أحمد بن أبى دؤاد حضره وقد أغمى عليه فقضى وهو عنده فأقبل يغمضه ويصلح من شأنه. وكانت وفاته لست بقين من ذى الحجة ودفن في قصره بالهارونى وكان الذى صلى عليه وأدخله قبره وتولى أمره أحمد بن أبى دؤاد وكان الواثق أمر أحمد بن أبى دؤاد أن يصلى بالناس يوم الاضحى في المصلى فصلى بهم العيد لان الواثق كان شديد العلة فلم يقدر على الحضور إلى المصلى ومات من علته تلك * ذكر الخبر عن صفة الواثق وسنه وقدر مدة خلافته * ذكر من رآه وشاهده أنه كان أبيض مشربا حمرة جميلا ربعة حسن الجسم قائم العين اليسرى وفيها نكت بياض وتوفى فيما زعم بعضهم وهو ابن ست وثلاثين سنة وفى قول بعضهم وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة فقال الذين زعموا أنه كان ابن ست وثلاثين كان مولده سنة 196 وكانت خلافته خمس سنين وتسعة

[ 339 ]

أشهر وخمسة أيام وقال بعضهم وسبعة أيام واثنتي عشرة ساعة وكان ولد بطريق مكة وأمه أم ولد رومية يقال لها قراطيس واسمه هارون وكنيته أبو جعفر. وذكر أنه لما اعتل علته التى مات فيها وسقى بطنه أمر باحضار المنجمين فاحضروا وكان ممن حضر الحسن بن سهل أخو الفضل بن سهل والفضل بن إسحاق الهاشمي وإسماعيل بن نوبخت ومحمد بن موسى الخوارزمي المجوسى القطر بلى وسند صاحب محمد بن الهيثم وعامة من ينظر في النجوم فنظروا في علته ونجمه ومولده فقالوا يعيش دهرا طويلا وقدروا له خمسين سنة مستقبلة فلم يلبث إلا عشرة أيام حتى مات * ذكر بعض أخباره * ذكر الحسن بن الضحاك أنه شهد الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام وقد قعد مجلسا كان أول مجلس قعده فكان أول ما تغنى به من الغناء في ذلك المجلس أن تغنت شارية جارية إبراهيم بن المهدى ما درى الحاملون يوم استقلوا * نعشه للثواء أم للفناء فليقل فيك با كياتك ما شئ‍ * ن صباحا ووقت كل مساء قال فبكى والله وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه ثم اندفع بعض المغنيين فغنى: ودع هريرة إن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل * قال فازداد والله في البكاء وقال ما سمعت كاليوم قط تعزية بأب وبغى نفس ثم ارفض ذلك المجلس * وذكر عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع أن على بن الجهم قال في الواثق بعد أن ولى الخلافة قد فاز ذو الدنيا وذو الدين * بدولة الواثق هارون أفاض من عدل ومن نائل * ما أحسن الدنيا مع الدين قد عم بالاحسان في فضله * فالناس في خفض وفى لين ما أكثر الداعي له بالبقا * وأكثر التالى بآمين وقال على بن الجهم أيضا فيه

[ 340 ]

وثقت بالملك الوا * ثق بالله النفوس ملك يشقى به الما * ل ولا يشقى الجليس أنس السيف به واست‍ * وحش العلق النفيس أسد تضحك عن ش‍ * داته الحرب العبوس يا بنى العباس يأبى الل‍ * ه إلا أن تسوسوا فغنت قلم جارية صالح بن عبد الوهاب في هذين الشعرين وغنت في شعر محمد بن كناسة: في انقباض وحشمة فإذا * جالست أهل الوفاء والكرم أرسلت نفسي على سجيتها * وقلت ما شئت غير محتشم فغنته الواثق فاستحسنه فبعث إلى ابن الزيات ويحك من صالح بن عبد الوهاب هذا فابعث إليه فأشخصه وليحمل جاريته فغدا بها صالح إلى الواثق فأدخلت عليه فلما تغنت ارتضاها فبعث إليه فقال قل فقال مائة ألف دينار يا أمير المؤمنين وولاية مصر فردها ثم قال أحمد بن عبد الوهاب أخو صالح في الواثق أبت دار الاحبة أن تبينا * أجدك ما رأيت لها معينا تقطع حسرة من حب ليلى * نفوس ما أثبن ولا جزينا فصنعت فيه قلم جارية صالح فغناه زرزر الكبير للواثق فقال لمن ذا فقال لقلم فبعث إلى ابن الزيات فأشخص صالحا ومعه قلم فلما دخلت عليه قال هذا لك قالت نعم يا أمير المؤمنين قال بارك الله عليك وبعث إلى صالح استم وقل قولا يتهيأ أن تعطاه فبعث إليه قد أهديتها إلى أمير المؤمنين فبارك الله لامير المؤمنين فيها قال قد قبلتها يا محمد عوضه خمسة آلاف دينار وسماها اغتباط فمطله ابن الزيات فأعادت الصوت وهو * أبت دار الاحبة * البيت فقال لها بارك الله عليك وعلى من رباك فقالت يا سيدى وما ينتفع من ربانى وقد أمرت له بشئ لم يصل إليه فقال الواثق يا سيمانة الدواة فكتب إلى ابن الزيات ادفع إلى صالح بن عبد الوهاب ما عوضناه من ثمن اغتباط خمسة آلاف دينار وأضعفها قال صالح

[ 341 ]

فصرت إلى ابن الزيات فقربنى وقال هذه الخمسة الاولى خذها والخمسة آلاف الاخرى أدفعها اليك بعد جمعة فان سئلت فقل إنى قبضت المال قال فكرهت أن أسأل فأقر بالقبض فاختفيت في منزلي حتى دفع إلى المال فقال لى سيمانة قبضت المال قلت نعم وترك عمل السلطان وتجر بها حتى توفى * خلافة جعفر المتوكل على الله * (وفى هذه السنة) بويع لجعفر المتوكل على الله بالخلافة وهو جعفر بن محمد ابن هارون بن محمد بن عون الله بن محمد ذى الثفنات بن على السجاد بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب * ذكر الخبر عن سبب خلافته ووقتها * حدثنى غير واحد أن الواثق لما توفى حضر الدار أحمد بن أبى دؤاد وإيتاخ ووصيف وعمر بن فرج وابن الزيات وأحمد بن خالد أبو الوزير فعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق وهو غلام أمرد فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة رصافية فإذا هو قصير فقال لهم وصيف أما تتقون الله تولون مثل هذا الخلافة وهو لا يجوز معه الصلاة * قال فتناظروا فيمن يولونها فذكروا عدة فذكر عن بعض من حضر الدار مع هؤلاء أنه قال خرجت من الموضع الذى كنت فيه فمررت بجعفر المتوكل فإذا هو في قميص وسروال قاعد مع أبناء الاتراك فقال لى ما الخبر فقلت لم ينقطع أمرهم ثم دعوا به فأخبره بغا الشرابى الخبر وجاء به فقال أخاف أن يكون الواثق لم يمت قال فمر به فنظر إليه مسجى فجاء فجلس فألبسه أحمد بن أبى دؤاد الطويلة وعممه وقبله بين عينيه وقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ثم غسل الواثق وصلى عليه ودفن ثم صاروا من فورهم إلى دار العامة ولم يكن لقب المتوكل * وذكر أنه كان يوم بويع له ابن ست وعشرين سنة ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر وكان الذى كتب البيعة له محمد بن عبد الملك الزيات وهو إذ ذاك على ديوان الرسائل واجتمعوا بعد ذلك على اختيار

[ 342 ]

لقب له فقال ابن الزيات نسميه المنتصر بالله وخاض الناس فيها حتى لم يشكوا فيها فلما كان غداة يوم بكر أحمد بن أبى دؤاد إلى المتوكل فقال قد رويت في لقب أرجوا أن يكون موافقا حسنا إن شاء الله وهو المتوكل على الله أمر بإمضائه وأحضر محمد بن عبد الملك فأمر بالكتاب بذلك إلى الناس فنفذت إليهم الكتب نسخة ذلك بسم الله الرحمن الرحيم أمر أبقاك الله أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن يكون الرسم الذى يجرى به ذكره على أعواد منابره وفى كتبه إلى قضاته وكتابه وعماله وأصحاب قضاته وكتابه وعماله وأصحاب دواوينه وغيرهم من سائر من تجرى المكاتبة بينه وبينه من عبد الله جعفر الامام المتوكل على الله أمير المؤمنين فرأيك في العمل بذلك وإعلامى بوصول كتابي اليك موفقا إن شاء الله وذكر أنه لما أمر للاتراك برزق أربعة أشهر وللجند والشاكرية ومن يجرى مجراهم من الهاشميين برزق ثمانية أشهر أمر للمغاربة برزق ثلاثة أشهر فأبوا أن يقبضوا فأرسل إليهم من كان منكم مملوكا فليمض إلى أحمد بن أبى دؤاد حتى يبيعه ومن كان حرا صيرناه أسوة الجند فرضوا بذلك وتكلم وصيف فيهم حتى رضى عنهم فأعطوا ثلاثة ثم أجروا بعد ذلك مجرى الاتراك وبويع للمتوكل ساعة مات الواثق بيعة الخاصة وبايعته العامة حين زالت الشمس من ذلك اليوم * وذكر عن سعيد الصغير أن المتوكل قبل أن يستخلف ذكر له ولجماعة معه أنه رأى في المنام أن سكرا سليمانيا يسقط عليه من السماء مكتوبا عليه جعفر المتوكل على الله فعبرها علينا فقلنا هي والله أيها الامير أعزك الله الخلافة قال وبلغ الواثق ذلك فحبسه وحبس سعيدا معه وضيق على جعفر بسبب ذلك (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن داود * ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من غضب المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات وحبسه إياه

[ 343 ]

* ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل إليه الامر * أما السبب في غضبه عليه فانه كان فيما ذكر أن الواثق كان استوزر محمد ابن عبد الملك الزيات وفوض إليه الامور وكان الواثق قد غضب على أخيه جعفر المتوكل لبعض الامور فوكل عليه عمر بن فرج الرخجى ومحمد بن العلاء الخادم فكانا يحفظانه ويكتبان بأخباره في كل وقت فصار جعفر إلى محمد بن عبد الملك يسأله أن يكلم له أخاه الواثق ليرضى عنه فلما دخل عليه مكث واقفا بين يديه مليا لا يكلمه ثم أشار إليه أن يقعد فقعد فلما فرغ من نظره في الكتب التفت إليه كالمتهدد له فقال ما جاء بك قال جئت لتسأل أمير المؤمنين الرضى عنى فقال لمن حوله انظروا إلى هذا يغضب أخاه ويسألني أن أسترضيه له اذهب فانك إذا صلحت رضى عنك فقام جعفر كئيبا حزينا لما لقيه به من قبح اللقاء والتقصير به فخرج من عنده فأتى عمر بن فرج ليسأله أن يختم له صكه ليقبض أرزاقه فلقيه عمر بن فرج بالخيبة وأخذ الصك فرمى به إلى صحن المسجد وكان عمر يجلس في مسجد وكان أبو الوزير أحمد بن خالد حاضرا فقام لينصرف فقام معه جعفر فقال يا أبا الوزير أرأيت ما صنع بى عمر بن فرج قال جعلت فداك أنا زمام عليه وليس يختم صكى بأرزاق إلا بالطلب والترفق به فابعث إلى بوكيلك فبعث جعفر بوكيله فدفع إليه عشرين ألفا وقال انفق هذا حتى يهيئ الله أمرك فأخذها ثم أعاد إلى أبى الوزير رسوله بعد شهر يسأله اعانته فبعث إليه بعشرة آلاف درهم ثم صار جعفر من فوره حين خرج من عند عمر إلى أحمد بن أبى دؤاد فدخل عليه فقام له أحمد واستقبله على باب البيت وقبله والتزمه وقال ما جاء بك جعلت فداك قال قد جئت لتسترضى لى أمير المؤمنين قال أفعل ونعمة عين وكرامة فكلم أحمد بن أبى دؤاد الواثق فيه فوعده ولم يرض عنه فلما كان يوم الحلبة كلم أحمد بن أبى دؤاد الواثق وقال معروف المعتصم عندي معروف وجعفر ابنه فقد كلمتك فيه ووعدت الرضى فبحق المعتصم يا أمير المؤمنين إلا رضيت عنه فرضى عنه من ساعته وكساه وانصرف الواثق وقد قلد أحمد بن أبى دؤاد

[ 344 ]

جعفرا بكلامه حتى رضى عنه أخوه شكرا فأحظاه ذلك عنده حين ملك وذكر أن محمد بن عبد الملك كان كتب إلى الواثق حين خرج جعفر من عنده يا أمير المؤمنين أتانى جعفر بن المعتصم يسألنى ان أسأل أمير المؤمنين الرضى عنه في زى المخنثين له شعر قفا فكتب إليه الواثق ابعث إليه فأحضره ومر من يجز شعر قفاه ثم مر من يأخذ من شعره ويضرب به وجهه واصرفه إلى منزله * فذكر عن المتوكل انه قال لما أتانى رسوله لبست سوادا لى جديدا وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضى عنى فأتيته فقال يا غلام ادع لى حجاما فدعى به فقال خذ شعره واجمعه فأخذه على السواد الجديد ولم يأته بمنديل فأخذ شعره وشعر قفاه وضرب به وجهه قال المتوكل فما دخلنى من الجزع على شئ مثل ما دخلنى حين أخذني على السواد الجديد وقد جئته فيه طامعا في الرضى فاخذ شعرى عليه ولما توفى الواثق أشار محمد بن عبد الملك بابن الواثق وتكلم في ذلك وجعفر في حجرة غير الحجرة التى يتشاورون فيها فيمن يقعدون حتى بعث إليه فعقد له هناك فكان سبب هلاك ابن الزيات وكان بغا الشرابى الرسول إليه يدعوه فسلم عليه بالخلافة في الطريق فعقدوا له وبايعوا فأمهل حتى إذا كان يوم الاربعاء لسبع خلون من صفر وقد عزم المتوكل على مكروه أن يناله به أمر ايتاخ بأخذه وعذابه فبعث إليه ايتاخ فظن أنه دعى به فركب بعد غدائه مبادرا يظن أن الخليفة دعا به فلما حاذى منزل ايتاخ قيل له اعدل إلى منزل أبى منصور فعدل وأوجس في نفسه خيفة فلما جاء إلى الموضع الذى كان ينزل فيه ايتاخ عدل به عنه فأحس بالشر ثم أدخل حجرة وأخذ سيفه ومنطقته وقلنسوته ودراعته فدفع إلى غلمانه وقيل لهم انصرفوا فانصرفوا لا يشكون انه مقيم عند ايتاخ ليشرب النبيذ قال وقد كان ايتاخ أعد له رجلين من وجوه أصحابه يقال لهما يزيد بن عبد الله الحلواني وهرثمة شارباميان فلما حصل محمد بن عبد الملك خرجا يركضان في جندهما وشاكريتهما حتى أتيا دار محمد بن عبد الملك فقال لهم غلمان محمد أين تريدون قد ركب أبو جعفر فهجما على داره وأخذا جميع ما فيها فذكر عن ابن

[ 345 ]

الحلواني انه قال أتيت البيت الذى كان لمحمد بن عبد الملك يجلس فيه فرأيته رث الهيئة قليل المتاع ورأيت فيه طنافس أربعة وقناني رطليات فيها شراب ورأيت بيتا ينام فيه جواريه فرأيت فيه بوريا ومخاد منضدة في جانب البيت على أن جواريه كن ينمن فيه بلا فرش * وذكر أن المتوكل وجه في هذا اليوم من قبض ما في منزله من متاع ودواب وجوار وغلمان فصير ذلك كله في الهاروني ووجه راشدا المغربي إلى بغداد في قبض ما هنالك من أمواله وخدمه وأمر أبا الوزير يقبض ضياعه وضياع أهل بيته حيث كانت فأما ما كان بسامرا فحمل إلى خزائن مسرور سيمانة بعد أن اشترى للخليفة وقيل لمحمد بن عبد الملك وكل ببيع متاعك وأتوه بالعباس بن أحمد بن رشيد كاتب عجيف فوكله بالبيع عليه فلم يزل أياما في حبسه مطلقا ثم أمر بتقييده فقيد وامتنع من الطعام وكان لا يذوق شيئا وكان شديد الجزع في حبسه كثير البكاء قليل الكلام كثير التفكر فمكث أياما ثم سوهر ومنع من النوم يساهر وينخس بمسلة ثم ترك يوما وليلة فنام وانتبه فاشتهى فاكهة وعنبا فأتى به فأكل ثم أعيد إلى المساهرة ثم أمر بتنور من خشب فيه مسامير حديد * فذكر عن ابن أبى دؤاد وأبى الوزير أنهما قالا هو أول من أمر بعمل ذلك فعذب به ابن أسباط المصرى حتى استخرج منه جميع ما عنده ثم ابتلى به فعذب به أياما * فذكر عن الدندانى عن الموكل بعذابه أنه قال كنت أخرج وأقفل الباب عليه فيمد يديه إلى السماء جميعا حتى يدق موضع كتفيه ثم يدخل التنور فيجلس والتنور فيه مسامير حديد وفى وسطه خشبة معترضة يجلس عليها المعذب إذا أراد أن يستريح فيجلس على الخشبة ساعة ثم يجئ الموكل به فإذا هو سمع صوت الباب يفتح قام قائما كما كان ثم شددوا عليه قال المعذب له خاتلته يوما وأريته أنى أقفلت الباب ولم أقفله إنما أغلقته بالقفل ثم مكثت قليلا ثم دفعت الباب غفلة فإذا هو قاعد في التنور على الخشبة فقلت أراك تعمل هذا العمل فكنت إذا خرجت بعد ذلك شددت خناقه فكان لا يقدر على القعود واستللت الخشبة حتى كانت تكون بين رجليه فما مكث

[ 346 ]

بعد ذلك إلا أياما حتى مات * واختلف في الذى قتل به فقيل بطح فضرب على بطنه خمسين مقرعة ثم قلب فضرب على استه يثلها فمات وهو يضرب وهم لا يعلمون فأصبح ميتا قد التوت عنقه ونتفت لحيته وقيل مات بغير ضرب * وذكر عن مبارك المغربي أنه قال ما أظنه أكل في طول حبسه إلا رغيفا واحدا وكان يأكل العنبة والعنبتين قال وكنت أسمعه قبل موته بيومين أو ثلاثة يقول لنفسه يا محمد بن عبد الملك لم يقنعك النعمة والدواب الفرة والدار النظيفة والكسوة الفاخرة وأنت في عافية حتى طلبت الوزارة ذق ما عملت بنفسك فكان يكرر ذلك على نفسه فلما كان قبل موته بيوم ذهب عنه عتاب نفسه فكان لا يزيد على التشهد وذكر الله فلما مات أحضره ابناه سليمان وعبيد الله كانا محبوسين وقد طرح على باب من خشب في قميصه الذى حبس فيه وقد اتسخ فقالا الحمد الله الذى أراح من هذا الفاسق فدفعت جثته اليهما فغسلاه على الباب الخشب ودفناه وحفرا له فلم يعمقا فذكر أن الكلاب نبشته وأكلت لحمه وكان إبراهيم بن العباس على الاهواز وكان محمد بن عبد الملك له صديقا فوجه إليه محمد أحمد بن يوسف أبا الجهم فأقامه للناس فصالحه عن نفسه بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم فقال إبراهيم وكنت أخى بإخاء الزمان * فلما أبى عدت حربا عوانا وكنت أذم إليك الزمان * فأصبحت منك أذم الزمانا وكنت أعدك للنائبات * فها أنا أطلب منك الامانا وقال: أصبحت من رأى أبى جعفر * في هيئة تنذر بالصيلم من غير ما ذنب ولكنها * عداوة الزنديق للمسلم وأحدر بعد ما قبض عليه مع راشد المغربي إلى بغداد لاخذ ماله بها فوردها فأخذ روحا غلامه وكان قهرمانه في يده أمواله يتجر بها وأخذ عدة من أهل بيته وأخذ معهم حمل بغل ووجدت له بيوت فيها أنواع التجارة من الحنطة والشعير والدقيق والحبوب والزيت والزبيب والتين وبيت مملوء ثوما فكان جميع ما قبض

[ 347 ]

له مع قيمة ما وجد قمية تسعين ألف دينار وكان حبس المتوكل إياه يوم الاربعاء لسبع خلون من صفر ووفاته يوم الخميس لاحدى عشرة بقيت من شهر ربيع الاول (وفيها) غضب المتوكل على عمر بن فرج وذلك في شهر رمضان فدفع إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب فحبس عنده وكتب في قبض ضياعه وأمواله وصار نجاح بن سلمة إلى منزله فلم يجد فيه إلا خمسة عشر ألف درهم وحضر مسرور سمانة فقبض جواريه وقيد عمر ثلاثين رطلا وأحضر مولاه نصر من بغداد فحمل ثلاثين ألف دينار وحمل نصر من مال نفسه أربعة عشر ألف دينار وأصيب له بالاهواز أربعون ألف دينار ولاخيه محمد بن فرج مائة ألف دينار وخمسون ألف دينار وحمل من داره من المتاع ستة عشر بعيرا فرشا ومن الجوهر قيمة أربعين ألف دينار وحمل من متاعه وفرشه على خمسين جملا كرت مرارا وألبس فرجية صوف وقيد فمكث بذلك سبعا ثم أطلق عنه وقبض قصره وأخذ عياله ففتشوا وكن مائة جارية ثم صولح على عشرة آلاف ألف درهم على أن يرد عليه ما حين عنه من ضياع الاهواز فقط ونزعت عنه الجبة الصوف والقيد وذلك في شوال وقال على بن الجهم بن بدر لنجاح بن سلمة يحرضه على عمر بن فرج أبلغ نجاحا فتى الكتاب مألكة * يمضى بها الريح إصدرا وإيرادا لا يخرج المال عفوا من يدى عمر * أو يغمد السيف في فوديه إغمادا الرخجيون لا يوفون ما وعدوا * والرخجيات لا يخلفن ميعادا وقال أيضا يهجوه جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما * تيه الملوك وأفعال المماليك أردت شكرا بلا بر ومرزئة * لقد سلكت سبيلا غير مسلوك ظننت عرضك لم يقرع بقارعة * وما أراك على حال بمتروك (وفى هذه السنة) أمر المتوكل بابراهيم بن الجنيد النصراني أخى أيوب كاتب سمانة فضرب له بالاعمدة حتى أقر بسبعين ألف دينار فوجه معه مباركا المغربي إلى بغداد حتى استخرجها من منزله وجئ به فحبس (وفيها) غضب المتوكل على أبى

[ 348 ]

الوزيز في ذى الحجة وأمر بمحاسبته فحمل نحوا من ستين ألف دينار وحمل بدور دراهم وحليا وأخذ له من متاع مصر اثنين وستين سفطا واثنين وثلاثين غلاما وفرشا كثيرا وحبس بخيانته محمد بن عبد الملك أخو موسى بن عبد الملك والهيثم ابن خالد النصراني وابن أخيه سعدون بن على وصولح سعدون على أربعين ألف دينار وصولح ابنا أخيه عبد الله وأحمد على نيف وثلاثين ألف دينار وأخذت ضياعهم بذلك (وفى هذه السنة) استكتب المتوكل محمد بن الفضل الجرجرائى (وفى هذه السنة) عزل المتوكل يوم الاربعاء لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان عن ديوان الخراج الفضل بن مروان وولاه يحيى بن خاقان الخراساني مولى الازد وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول في هذا اليوم ديوان زمام النفقات وعزل عنه أبا الوزير (وفيها) ولى المتوكل ابنه محمدا المنتصر الحرمين واليمن والطائف وعقد له يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان (وفيها فلج) أحمد بن أبى دؤاد لست خلون من جمادى الآخرة (فيها) قدم يحيى بن هرثمة مكة وهو والى طريق مكة بعلى بن محمد بن على الرضى بن موسى بن جعفر من المدينة (وفيها) وثب ميخائيل بن توفيل على أمه تذورة فشمسها وأدخلها الدير وقتل اللغثيط لانه اتهمها به وكان ملكها ست سنين (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن داود * ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك ما كان من هرب محمد بن البعيث بن حلبس جئ به أسيرا من قبل آذربيجان فحبس * ذكر الخبر عن سبب هربه وما كان آل إليه أمره * * ذكر أن السبب في ذلك كان أن المتوكل كان اعتل في هذه السنة وكان مع ابن البعيث رجل يخدمه يسمى خليفة فأخبره بأن المتوكل قد توفى وأعد له

[ 349 ]

دواب فهرب هو وخليفة الذى أخبره الخبر إلى موضعه من آذربيجان وموضعه منها مرند وقيل كانت له قلعتان تدعى إحداهما شاهى والاخرى يكدر ويكدر خارج البحيرة وشاهى في وسط البحيرة والبحيرة قدر خمسين فرسخا من حد أرمية إلى رستاق داخرقان بلاد محمد بن الرواد وشاهى قلعة ابن البعيث حصينة يحيط بها ماء قائم ثم يركب الناس من أطراف المراغة إلى أرمية وهى بحيرة لاسمك فيها ولا خير * وذكر أن ابن البعيث كان في حبس إسحاق بن إبراهيم ابن مصعب فتكلم فيه بغا الشرابى وأخذ منه الكفلاء نحوا من ثلاثين كفيلا منهم محمد بن خالد بن يزيد ابن مزيد الشيباني فكان يتردد بسامرا فهرب إلى مرند فجمع بمرند الطعام وفيها عيون ماء فرم ما كان وهى من سورها وأتاه من أراد الفتنة من كل ناحية من ربيعة وغيرهم فصار في نحو من ألفين ومائتي رجل وكان الوالى بآذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة فقصر في طلبه فولى المتوكل حمدويه ابن على بن الفضل السعدى آذربيجان ووجهه من سامرا على البريد فلما صار إليها جمع الجند والشاكرية ومن استجاب له فصار في عشرة آلاف فزحف إلى ابن البعيث فألجأه إلى مدينة مرند وهى مدينة استدارتها فرسخان وفى داخلها بساتين كثيرة ومن خارجها كما تدور شجر الا في موضع أبوابها وقد جمع فيها ابن البعيث آلة الحصار وفيها عيون ماء فلما طالت مدته وجه المتوكل زيرك التركي في مائتي ألف فارس من الاتراك فلم يصنع شيئا فوجه إليه المتوكل عمرو بن سيسل بن كال في تسعمائة من الشاكرية فلم يغن شيئا فوجه إليه بغا الشرابى في أربعة آلاف مابين تركي وشاكري ومغربى وكان حمدويه بن على وعمر بن سيسل وزيرك زحفوا إلى مدينة مرند وقطعوا ما حولها من الشجر فقطعوا نحوا من مائة ألف شجرة وغير ذلك من شجر الغياض ونصبوا عليها عشرين منجنيقا وبنوا بحذاء المدينة ما يستكنون فيه ونصب عليهم ابن البعيث من المجانيق مثل ذلك وكان من معه من علوج رساتيقه يرمون بالمقاليع فكان الرجل لا يقدر على الدنو من سور المدينة فقتل من أولياء السلطان في حربه في ثمانية أشهر نحو من مائة رجل وجرح نحو من

[ 350 ]

أربعمائة وقتل وجرح من أصحابه مثل ذلك وكان حمدويه وعمرو وزيرك يغادونه القتال ويراوحونه وكان السور من قبل المدينة ذليلا ومن القرار نحوا من عشرين ذراعا وكانت الجماعة من أصحاب ابن البعيث يتدلون بالحبال معهم الرماح فيقاتلون فإذا حمل عليهم من أصحاب السلطان لجؤا إلى الحائط وكانوا ربما فتحوا بابا يقال له باب الماء فيخرج منه العدة يقاتلون ثم يرجعون ولما قرب بغا الشرابى من مرند بعث فيما ذكر عيسى بن الشيخ بن السليل الشيباني ومعه أمانات لوجوه أصحاب ابن البعيث ولابن البعيث أن ينزلوا وينزل على حكم أمير المؤمنين وإلا قاتلهم فان ظفر بهم لم يستبق منهم أحدا ومن نزل فله الامان وكان عامة من مع ابن البعيث من ربيعة من قوم عيسى بن الشيخ فنزل منهم قوم كثير بالحبال ونزل ختن ابن البعيث على أخته أبو الأغر * وذكر عن أبى الاغر هذا أنه قال ثم فتحوا باب المدينة فدخل أصحاب حمدويه وزيرك وخرج ابن البعيث من منزله هاربا يريد أن يخرج من وجه آخر فلحقه قوم من الجند معهم منصور قهرمانه وهو راكب دابة يريد أن يصير إلى نهر عليه رحى ليستخفى في الرحى وفى عنقه السيف فأخذه أسيرا وانتهب الجند منزله ومنازل أصحابه وبعض منازل أهل المدينة ثم نودى بعد ما انتهب الناس برئت الذمة ممن انتهب وأخذوا له أختين وثلاث بنات وخالته والبواقي سرارى فحصل في يد السلطان من حرمه ثلاث عشرة امرأة وأخذ من وجوه أصحابه المذكورين نحو من مائتي رجل وهرب الباقون فوافاهم بغا الشرابى من غد فنادى مناديه بالمنع من النهب فكتب بغا الشرابى بالفتح لنفسه * وخرج المتوكل فيها إلى المدائن في جمادى الاولى (وحج) في هذه السنة إيتاخ وكان والى مكة والمدينة والموسم ودعى له على المنابر * ذكر الخبر عن سبب حجه في هذه السنة * ذكر أن إيتاخ كان غلاما خزريا لسلام الابرش طباخا فاشتراه منه المعتصم في سنة 199 وكان لايتاخ رجلة وبأس فرفعه المعتصم ومن بعده الواثق حتى ضم إليه من أعمال السلطان أعمالا كثيرة وولاه المعتصم معونة سامرا مع إسحاق بن إبراهيم وكان من قبله رجل ومن قبل إسحاق رجل وكان من أراد المعتصم أو

[ 351 ]

الواثق قتله فعند إيتاخ يقتل وبيده يحبس منهم محمد بن عبد الملك الزيات وأولاد المأمون من سندس وصالح بن عجيف وغيرهم فلما ولى المتوكل كان إيتاخ في مرتبته إليه الجيش والمغاربة والاتراك والموالي والبريد والحجابة ودار الخلافة فخرج المتوكل بعد ما استوت له الخلافة متنزها إلى ناحية القاطول فشرب ليلة فعربد على إيتاخ فهم إيتاخ بقتله فلما أصبح المتوكل قيل له فاعتذر إليه والتزمه وقال له أنت أبى وربيتنى فلما صار المتوكل إلى سامرادس إليه من يشير عليه بالاستئذان للحج ففعل وأذن له وصيره امير كل بلدة يدخلها وخلع عليه وركب جميع القواد معه وخرج معه من الشاكرية والقواد والغلمان سوى غلمانه وحشمه بشر كثير فحين خرج صيرت الحجابة إلى وصيف وذلك يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى القعدة وقد قيل إن هذه القصة من أمر إيتاخ كانت في سنة 233 وأن المتوكل إنما صير إلى وصيف الحجابة لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة من سنة 233 (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن داود بن موسى بن عيسى * ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين * * ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث * فمن ذلك مقتل إيتاخ الخزرى * ذكر الخبر عن صفة مقتله * ذكر عن إيتاخ أنه لما ؟ من مكة راجعا إلى العراق وجه المتوكل إليه سعيد بن صالح الحاجب مع كسوة والطاف وأمره أن يلقاه بالكوفة أو ببعض طريقه وقد تقدم المتوكل إلى عامله على الشرطة ببغداد بأمره فيه * فذكر عن إبراهيم بن المدبر أنه قال خرجت مع إسحاق بن إبراهيم حين قرب إيتاخ من بغداد وكان يريد أن يأخذ طريق الفرات إلى الانبار ثم يخرج إلى سامر فكتب إليه إسحاق بن ابراهيم إن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه قد أمر أن تدخل بغداد وأن يلقاك بنو هاشم ووجوه الناس وأن تقعد لهم في دار خزيمة بن خازم فتأمر لهم بجوائز

[ 352 ]

قال فخرجنا حتى إذا كنا بالياسرية وقد شحن ابن ابراهيم الجسر بالجند والشاكرية وخرج في خاصته وطرح له بالياسرية صفة فجلس عليها حتى قالوا قد قرب منك فركب فاستقبله فلما نظر إليه أهوى إسحاق لينزل فحلف عليه إيتاخ ألا يفعل قال وكان إيتاخ في ثلثمائة من أصحابه وغلمانه عليه قباء أبيض متقلدا سيفا بحمائل فسارا جميعا حتى إذا صارا عند الجسر تقدمه اسحاق عند الجسر وعبر حتى وقف على باب خزيمة بن خازم وقال لايتاخ تدخل أصلح الله الامير وكان الموكلون بالجسر كلما مر بهم غلام من غلمانه قدموه حتى بقى في خاصة غلمانه ودخل بين يديه قوم وقد فرشت له دار خزيمة وتأخر اسحاق وأمر ألا يدخل الدار من غلمانه الا ثلاثة أو أربعة وأخذت عليه الابواب وأمر بحراسته من ناحيه الشط وكسرت كل درجة في قصر خزيمة بن خازم فحين دخل أغلق الباب خلفه فنظر فإذاليس معه الا ثلاثة غلمان فقال قد فعلوها ولو لم يؤخذ ببغداد ما قدروا على أخذه ولو دخل إلى سامرا فأراد بأصحابه قتل جميع من خالفه أمكنه ذلك قال فأتى بطعام قرب الليل فأكل فمكث يومين أو ثلاثة ثم ركب اسحاق في حراقة وأعد لايتاخ أخرى ثم أرسل إليه أن يصير إلى الحراقة وأمر بأخذ سيفه فحدروه إلى الحراقة وصير معه قوم بالسلاح وصاعد اسحاق حتى صار إلى منزله وأخرج ايتاخ حين بلغ دار اسحاق فأدخل ناحية منها ثم قيد فأثقل بالحديد في عنقه ورجليه ثم قدم بابنيه منصور ومظفر وبكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة ابن زياد النصراني بغداد وكان سليمان على أعمال السلطان وقدامة على ضياع إيتاخ خاصة فحبسوا ببغداد فأما سليمان وقدامة فضربا فأسلم قدامة وحبس منصور ومظفر * وذكر عن ترك مولى اسحق أنه قال وقفت على باب البيت الذى فيه ايتاخ محبوس فقال لى يا ترك قلت ما تريد يا منصور قال أقرئ الامير السلام وقل له قد علمت ما كان يأمرنى به المعتصم والواثق في أمرك فكنت أدفع عنك ما أمكننى فلينفعنى ذلك عندك أما أنا فقد مر بى شدة ورخاء فما أبالى ما أكلت وما شربت وأما هذان الغلامان فإنهما عاشا في نعمة ولم يعرفا البؤس فصير لهما مرقة ولحما وشيئا

[ 353 ]

يأكلان منه قال ترك فوقفت على باب مجلس إسحاق قال لى مالك يا ترك أتريد أن تتكلم بشئ قلت نعم قال لى إيتاخ كذا وكذا قال وكانت وظيفة إيتاخ رغيفا وكوزا من ماء ويأمر لابنيه بخوان فيه سبعة أرغفة وخمس غرف فلم يزل ذلك قائما حياة إسحاق ثم لا أدرى ما صنع بهما فأما إيتاخ فقيد وصير في عنقه ثمانون رطلا وقيد ثقيل فمات يوم الاربعاء لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة 235 وأشهد إسحاق على موته أبا الحسن إسحاق بن ثابت بن أبى عباد وصاحب بريد بغداد والقضاة وأراهم إياه لا ضرب به ولا أثر * وحدثني بعض شيوخنا أن إيتاخ كان موته بالعطش وأنه أطعم فاستسقى فمنع الماء حتى مات عطشا وبقى ابناه في الحبس حياة المتوكل فلما أفضى الامر إلى المنتصر أخرجهما فأما مظفر فانه لم يعش بعد أن أخرج من السجن إلا ثلاثة أشهر حتى مات وأما منصور فعاش بعده (وفى هذه السنة) قدم بغا الشرابى بابن البعيث في شوال وبخليفته أبى الاغر وبأخوى ابن البعيث صقر وخالد وكانا نزلا بأمان وبابن لابن البعيث يقال له العلاء خرج بأمان وقدم من الاسرى بنحو من مائة وثمانين رجلا ومات باقيهم قبل أن يصلوا فلما قربوا من سامرا حملوا على الجمال يستشرفهم الناس فأمر المتوكل بحبسه وحبسهم وأثقله حديدا * فذكر عن على بن الجهم أنه قال أتى المتوكل بمحمد ابن البعيث فأمر بضرب عنقه فطرح على نطع وجاء السيافون فلوحوا له فقال المتوكل وغلظ عليه ما دعاك يا محمد إلى ما صنعت قال الشقوة وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه وإن لى فيك لظنين أسبقهما إلى قلبى أولاهما بك وهو العفو ثم اندفع بلا فصل فقال أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي * إمام الهدى والصفح بالناس أجمل وهل أنا إلا جبلة من خطية * وعفوك من نور النبوة يجبل فإنك خير السابقين إلى العلى * ولا شك أن خير الفعالين تفعل قال على ثم التفت إلى المتوكل فقال إن معه لادبا وبادرت فقلت بل يفعل أمير المؤمنين خيرهما ويمن عليك فقال ارجع إلى منزلك * وحدثني... أنه أنشدني (23 - 7)

[ 354 ]

بالمراغة جماعة من أشياخها أشعارا لابن البعيث بالفارسية ويذكرون أدبه وشجاعته وله أخبار وأحاديث وحدثني بعض من ذكر أنه شهد المتوكل حين أتى بابن البعيث وكلمه ابن البعيث بما كلمه به فتكلم فيه المعتز وهو جالس مع أبيه المتوكل فاستوهبه فوهب له وعفى عنه * وكان ابن البعيث حين هرب قال كم قد قضيت أمورا كان أهملها * غيرى وقد أخذ الافلاس بالكظم لا تعذليني فيما ليس ينفعني * إليك عنى جرى المقدار بالقلم ساتلف المال في عسر وفى يسر * إن الجواد الذى يعطى على العدم وكان ابن البعيث حين هرب خلف في منزله ثلاثة بنين له يقال لهم البعيث وجعفر وحلبس وجواري فحبسوا ببغداد في قصر الذهب فتكلم بغا الشرابى بعد موت ابن البعيث ومات بعد دخوله سامرا بشهر في أبى الاغر ختنه فأطلق وأطلقت خالة لابن البعيث فخرجت من السجن فماتت فرحا من يومها وبقى الباقون في الحبس * وذكر أن ابن البعيث صير في عنقه مائة رطل فلم يزل مكبوبا على وجهه حتى مات * ولما أخذ ابن البعيث أخرج من الحبس من كان محبوسا بسبب كفالته به وقد كان بعضهم مات في الحبس فأخرج بعد باقى عياله وصير بنوه حلبس والبعيث وجعفر في عداد الشاكرية مع عبيد الله بن يحيى بن خاقان وأجريت عليهم الانزال (وفى هذه السنة) أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير وركوب السروج بركب الخشب وبتصيير كرتين على مؤخر السروج وبتصيير زرين على قلانس من لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة التى يلبسها المسلمون وبتصيير رقعتين على ما ظهر من لباس مماليكهم مخالف لونهما لون الثوب الظاهر الذى عليه وأن تكون إحدى الرقعتين بين يديه عند صدره والاخرى منهما خلف ظهره وتكون كل واحدة من الرقعتين قدر أربع أصابع ولونهما عسليا ومن لبس منهم عمامة فكذلك يكون لونها لون العسلي ومن خرج من نسائهم فبرزت فلا تبرز إلا في ازار عسلى وأمر بأخذ مماليكهم بلبس الزنانير وبمنعهم لبس المناطق وأمر بهدم بيعهم المحدثة وبأخذ العشر من منازلهم وان كان

[ 355 ]

الموضع واسعا صير مسجدا وان كان لا يصلح أن يكون مسجدا صير فضاء وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة تفريقا بين منازلهم وبين منازل المسلمين ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التى يجرى أحكامهم فيها على المسلمين ونهى أن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين ولا يعلمهم مسلم ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليبا وأن يشمعلوا في الطريق وأمر بتسوية قبورهم مع الارض لئلا تشبه قبور المسلمين * وكتب إلى عماله في الآفاق بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله تبارك وتعالى بعزته التى لا تحاول وقدرته على ما يريد اصطفى الاسلام فرضيه لنفسه وأكرم به ملائكته وبعث به رسله وأيد به أولياءه وكنفه بالبر وحاطه بالنصر وحرسه من العاهة وأظهره على الاديان مبرءا من الشبهات معصوما من الآفات محبوا بمناقب الخير مخصوصا من الشرائع بأطهرها وأفضلها ومن الفرائض بأزكاها وأشرفها ومن الاحكام بأعدلها وأقنعها ومن الاعمال بأحسنها وأقصدها وأكرم أهله بما أحل لهم من حلاله وحرم عليهم من حرامه وبين لهم من شرائعه وأحكامه وحد لهم من حدوده ومناهجه وأعد لهم من سعة جزائه وثوابه فقال في كتابه فيما أمر به ونهى عنه وفيما حض عليه فيه ووعظ " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون " وقال فيما حرم على أهله مما غمط فيه من ردئ المطعم والمشرب والمنكح لينزههم عنه وليظهر به دينهم ليفظهم عليهم تفضيلا " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة " إلى آخر الآية ثم ختم ما حرم عليهم من ذلك في هذه الآية بحراسة دينه ممن عند عنه وبإتمام نعمته على أهله الذين اصطفاهم فقال عزوجل (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشوني اليوم اكملت لكم دينكم الآية) وقال عزوجل (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم الآية) وقال (إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان الآية) فحرم على المسلمين من مآكل أهل الاديان أرجسها وأنجسها ومن شرابهم أدعاه إلى المداوة والبغضاء وأصده عن ذكر الله وعن

[ 356 ]

الصلاة ومن مناكحهم أعظمها عنده وزرا وأولاها عند ذوى الحجى والالباب تحريما ثم حباهم محاسن الاخلاق وفضائل الكرامات فجعلهم أهل الايمان والامانة والفضل والتراحم واليقين والصدق ولم يجعل في دينهم التقاطع والتدابر ولا الحمية ولا التكبر ولا الخيانة ولا الغدر ولا التباغى ولا التظالم بل أمر بالاولى ونهى عن الاخرى ووعد وأوعد عليها جنته وناره وثوابه وعقابه فالمسلمون بما اختصهم الله من كرامته وجعل لهم من الفضيلة بدينهم الذى اختاره لهم بائنون على الاديان بشرائعهم الزاكية وأحكامهم المرضية الطاهرة وبراهينهم المنيرة وبتطهير الله دينهم بما أحل وحرم فيه لهم وعليهم قضاء من الله عزوجل في اعزاز دينه حتما ومشيئة منه في اظهار حقه ماضية وإرادة منه في اتمام نعمته على أهله نافذة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة وليجعل الله الفوز والعاقبة للمتقين والخزى في الدنيا والآخرة على الكافرين * وقد رأى أمير المؤمنين وبالله توفيقه وإرشاده أن يحمل أهل الذمة جميعا بحضرته وفى نواحى أعماله أقربها وأبعدها وأخصهم وأخسهم على تصيير طيالستهم التى يلبسونها من لبسها من تجارهم وكتابهم وكبيرهم وصغيرهم على ألوان الثياب العسلية لا يتجاوز ذلك منهم متجاوز إلى غيره ومن قصر عن هذه الطبقة من أتباعهم وأرذالهم ومن يقعد به حاله عن لبس الطيالسة منهم أخذ بتركيب خرقتين صبغهما ذلك الصبغ يكون استدارة كل واحدة منهما شبرا تاما في مثله على موضع أمام ثوبه الذى يلبسه تلقاء صدره ومن وراء ظهره وأن يؤخذ الجميع منهم في قلانسهم بتركيب أزرة عليها يخالف ألوانها ألوان القلانس ترتفع في أماكنها التى تقع بها لئلا تلصق فتستر ولا ما يركب منها على حباك فيخفى وكذلك في سروجهم باتخاذ ركب خشب لها ونصب أكر على قرابيسها تكون ناتئة عنها وموفية عليها لا يرخص لهم في ازالتها عن قرابيسهم وتأخيرها إلى جوانبها بل تتفقد ذلك منهم ليقع ما وقع من الذى أمر أمير المؤمنين بحملهم عليه ظاهرا يبينه الناظر من غير تأمل وتأخذه الاعين من غير طلب وأن نؤخذ عبيدهم وإماؤهم ومن يلبس المناطق من تلك الطبقة بشد

[ 357 ]

الزنانير والكساتيج مكان المناطق التى كانت في أوساطهم وأن توعز إلى عمالك فيما أمر به أمير المؤمنين في ذلك إيعازا تحدوهم به إلى استقصاء ما تقدم إليهم فيه وتحذرهم إدهانا وميلا وتتقدم إليهم في إنزال العقوبة بمن خالف ذلك من جميع أهل الذمة عن سبيل عناد وتهوين إلى غيره ليقتصر الجميع منهم على طبقاتهم وأصنافهم على السبيل التى أمر أمير المؤمنين بحملهم عليها وأخذهم بها إن شاء الله فاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين وأمره وأنفذ إلى عمالك في نواحى عملك ما ورد عليك من كتاب أمير المؤمنين بما تعمل به إن شاء الله وأمير المؤمنين يسأل الله ربه ووليه أن يصلى على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وملائكته وأن يحفظه فيما استخلفه عليه من أمر دينه ويتولى ما ولاه مما لا يبلغ حقه فيه إلا بعونه حفظا يحمل به ما حمله وولاية يقضى بها حقه منه ويوجب بها له أكمل ثوابه وأفضل مزيده إنه كريم رحيم وكتب ابراهيم بن العباس في شوال سنة خمس وثلاثين ومائتين * فقال على بن الجهم: العسليات التى فرقت * بين ذوى الرشدة والغى وما على العاقل إن يكثروا * فإنه أكثر للفى (وفى هذه السنة) ظهر بسامرا رجل يقال له محمود بن الفرج النيسابوري فزعم أنه ذو القرنين ومعه سبعة وعشرون رجلا عند خشبة بابك وخرج من أصحابه بباب العامة رجلان وببغداد في مسجد مدينتها آخران وزعما أنه نبى وأنه ذو القرنين فأتى به وبأصحابه المتوكل فأمر بضربه بسياط فضرب ضربا شديدا فمات من بعد من ضربه ذلك وحبس أصحابه وكانوا قدموا من نيسابور ومعهم شئ يقرؤنه وكان معهم عيالاتهم وفيهم شيخ يشهد له بالنبوة ويزعم أنه بوحى إليه وأن جبريل يأتيه بالوحى فضرب محمود مائة ضرب فلم ينكر نبوته حين ضرب وضرب الشيخ الذى كان يشهد له أربعين سوطا فأنكر نبوته حين ضرب وحمل محمود إلى باب العامة فأكذب نفسه وقال الشيخ قد اختدعني وأمر أصحاب محمود أن يصفعوه فصفعوه كل واحد منهم عشر صفعات وأخذ له مصحف فيه كلام قد جمعه

[ 358 ]

ذكر أنه قرآنه وأن جبريل عليه السلام كان يأتيه به ثم مات يوم الاربعاء لثلاث خلون من ذى الحجة في هذه السنة ودفن في الجزيرة (وفى هذه السنة) عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة لمحمد وسماه المنتصر ولابي عبد الله بن قبيحة ويختلف في اسمه فقيل إن اسمه محمد وقيل اسمه الزبير ولقبه المعتز ولابراهيم وسماه المؤيد بولاية العهد وذلك فيما قيل يوم السبت لثلاث بقين من ذى الحجة وقيل لليلتين بقيتا منه وعقد لكل واحد منهم لواءين أحدهما أسود وهو لواء العهد والآخر أبيض وهو لواء العمل وصم إلى كل واحد من العمل ما أنا ذاكره فكان ما ضم إلى ابنه محمد المنتصر من ذلك أفريقية والمغرب كله من عريش مصر إلى حيث بلغ سلطانه من المغرب وجند قنسر بن والعواصم والثغور الشأمية والجزرية وديار مضر وديار ربيعة والموصل وهيت وعانات والخابور وقرقيسيا وكور باجرمى وتكريت وطساسيج السواد وكور دجلة والحرمين واليمن وعك وحضرموت واليمامة والبحرين والسند ومكران وقندابيل وفرج بيت الذهب وكور الاهواز والمستغلات بسامرا وماه الكوفة وماه البصرة وماسبذان ومهرجان قذق وشهر زور ودراباذ والصامغان وأصبهان وقم وقاشان وقزوين وأمور الجبل والضياع المنسوبة إلى الجبال وصدقات العرب بالبصرة وكان ما ضم إلى ابنه المعتز كور خراسان وما يضاف إليها وطبرستان والرى وأرمينية وآذربيجان وكور فارس ضم إليه في سنة 40 خزن بيوت الاموال في جميع الآفاق ودور الضرب وأمر بضرب اسمه على الدراهم وكان ما ضم إلى ابنه المؤيد جند دمشق وجند حمص وجند الاردن وجند فلسطين فقال أبو الغصن الاعرابي إن ولاة المسلمين الجله * محمد ثم أبو عبد الله ثمت إبراهيم آبى الذله * بورك في بنى خليفة الله وكتب بينهم كتابا نسخته هذا كتاب كتبه عبد الله جعفر الامام المتوكل على الله أمير المؤمنين وأشهد الله على نفسه بجميع ما فيه ومن حضر من أهل بيته وشيعته وقواده وقضاته وكفاته وفقهائه وغيرهم من المسلمين لمحمد المنتصر بالله ولابي

[ 359 ]

عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله بنى أمير المؤمنين في أصالة من رأيه وعموم من عافية بدنه واجتماع من فهمه مختارا لما شهد به متوخيا بذلك طاعة ربه وسلامة رعيته واستقامتها وانقياد طاعتها واتساع كلمتها وصلاح ذات بينها وذلك في ذى الحجة سنة خمس وثلاثين ومائتين إلى محمد المنتصر بالله بن جعفر الامام المتوكل على الله أمير المؤمنين ولاية عهد المسلمين في حياته والخلافة عليهم من بعده وأمره بتقوى الله التى هي عصمة من اعتصم بها ونجاة من لجأ إليها