الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تاريخ الطبري - الطبري ج 5

تاريخ الطبري

الطبري ج 5


[ 1 ]

تاريخ الامم والملوك للامام أبى جعفر محمد بن جرير الطبري الجزء الخامس [ قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة ] [ بمطبعة " بريل " بمدينة ليدن في سنة 1879 م ] راجعه وصححه وضبطه نخبة من العلماء الاجلاء منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب 7120

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة سبعين ففى هذه السنة ثارت الروم واستجاشوا على من بالشأم من ذلك فصالح عبد الملك ملك الروم على أن يؤدى إليه في كل جمعة ألف دينار خوفا منه على المسلمين (وفيها) شخص فيما ذكر محمد بن عمر مصعب بن الزبير إلى مكة فقدمها بأموال عظيمة فقسمها في قومه وغيرهم وقدم بدواب كثيرة وظهر وأثقال فأرسل إلى عبد الله بن صفوان وجبير بن شيبة وعبد الله بن مطيع مالا كثيرا ونحر بدنا كثيرة (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان عماله على الامصار في هذه السنة عماله في السنة التى قبلها على المعاون والقضاء ثم دخلت سنة احدى وسبعين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمن ذلك مسير عبد الملك بن مروان فيها على العراق لحرب مصعب بن الزبير وكان عبد الملك فيما قيل لا يزال يقرب من مصعب حتى يبلغ بطنان حبيب ويخرج مصعب إلى باجميرا ثم تهجم الشتاء فيرجع كل واحد منهما إلى موضعه ثم يعودان فقال عدى بن زيد بن عدى بن الرقاع العاملي لعمري لقد أصحرت خيلنا * بأكناف دجلة للمصعب إذا ما منافق أهل العرا * ق عوتب ثمت لم يعتب دلفنا إليه بذى تدرإ * قليل التفقد للغيب يهزون كل طويل القنا * ة ملتئم النصل والثعلب كأن وعاهم إذا ما غدوا * ضجيج قطا بلد مخصب فقدمنا واضح وجهه * كريم الضرائب والمنصب

[ 3 ]

أعين بنا ونصرنا به * ومن ينصر الله لم يغلب * فحدثني عمر بن شبة قال حدثنى على بن محمد قال أقبل عبد الملك من الشأم يريد مصعبا وذلك قبل هذه السنة في سنة 70 ومعه خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فقال خالد لعبد الملك إن وجهتني إلى البصرة وأتبعتني خيلا يسيرة رجوت أن أغلب لك عليها فوجهه عبد الملك فقدمها مستخفيا في مواليه وخاصته حتى نزل على عمرو بن أصمع الباهلى قال عمر قال أبو الحسن قال مسلمة بن محارب أجار عمرو بن أصمع خالدا وأرسل إلى عباد بن الحصين وهو على شرطة ابن معمر وكان مصعب إذا شخص عن البصرة استخلف عليها عبيد الله بن عبيد الله بن معمر ورجا عمرو بن أصمع أن يبايعه عباد بن الحصين بأنى قد أجرت خالدا فأحببت أن تعلم ذلك لتكون لى ظهر افوافاه رسوله حين نزل عن فرسه فقال له عباد قل له والله لا أضع لبد فرسى حتى آتيك في الخيل فقال عمرو لخالد إنى لا أغرك هذا عباد يأتينا الساعة ولا والله ما أقدر على منعك ولكن عليك بمالك بن مسمع قال أبو زيد قال أبو الحسن ويقال إنه نزل على على بن أصمع فبلغ ذلك عبادا فأرسل إليه عباد إنى سائر إليك * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد عن مسلمة وعوانة أن خالدا خرج من عند ابن أصمع يركض عليه قميص قوهى رقيق قد حسر على فخذيه وأخرج رجليه من الركابين حتى أتى مالكا فقال انى قد اضطررت إليك فأجرنى قال نعم وخرج هو وابنه وأرسل إلى بكر بن وائل والازد فكانت أول راية أتته راية بنى يشكر وأقبل عباد في الخيل فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال فلما كان من الغد غدوا إلى جفرة نافع بن الحارث التى نسبت بعد إلى خالد ومع خالد رجال من بنى تميم قد أتوه منهم صعصعة بن معاوية وعبد العزيز بن بشر ومرة بن محكان في عدد منهم وكان أصحاب خالد جفرية ينسبون إلى الجفرة وأصحاب ابن معمر زبيرية فكان من الجفرية عبيد الله بن أبى بكرة وحمران والمغيرة بن المهلب ومن الزبيرية قيس بن الهيثم السلمى وكان يستأجر الرجال يقاتلون معه فتقاضاه رجل أجرة فقال غدا أعطيكها فقال غطفان بن أنيف أحد بنى كعب بن عمرو:

[ 4 ]

لبئس ما حكمت يا جلاجل * النقد دين والطعان عاجل وأنت بالباب * سمير آجل وكان قيس يعلم في عنق فرسه جلاجل وكان على خيل بنى حنظلة عمرو بن وبرة القحيفى وكان له عبيد يؤاجرهم بثلاثين ثلاثين كل يوم فيعطيهم عشرة عشرة فقيل له لبئس ما حكمت يا ابن وبره * تعطى ثلاثين وتعطى عشره ووجه المصعب زحر بن قيس الجعفي مددا لابن معمر في ألف ووجه عبد الملك عبيد الله بن زياد بن ظبيان مددا لخالد فكره أن يدخل البصرة وأرسل مطر بن التوأم فرجع إليه فأخبره بتفرق الناس فلحق بعبد الملك * قال أبو زيد قال أبو الحسن فحدثني شيخ من بنى عرين عن السكن بن قتادة قال اقتتلوا أربعة وعشرين يوما وأصيبت عين مالك فضجر من الحرب ومشت السفراء بينهم يوسف ابن عبد الله بن عثمان بن أبى العاص فصالحه على أن يخرج خالدا وهو آمن فأخرج خالدا من البصرة وخاف أن لا يجيز المصعب أمان عبيد الله فلحق مالك بثأج فقال الفرزدق يذكر مالكا ولحوق التميمية به وبخالد عجبت لاقوام تميم أبوهم * وهم في بنى سعد عظام المبارك وكانوا أعز الناس قبل مسيرهم * إلى الازد مصفرا لحاها ومالك فما ظنكم بابن الحوارى مصعب * إذا افتر عن أنيابه غير ضاحك ونحن نفينا مالكا عن بلاده * ونحن فقأنا عينه بالنيازك قال أبو زيد قال أبو الحسن حدثنى مسلمة أن المصعب لما انصرف عبد الملك إلى دمشق لم يكن له همة الا البصرة وطمع أن يدرك بها خالدا فوجده قد خرج وآمن ابن معمر الناس فأقام أكثرهم وخاف بعضهم مصعبا فشخص فغضب مصعب على ابن معمر وحلف أن لا يوليه وأرسل إلى الجفرية فسبهم وأنبهم قال أبو زيد فزعم المدائني وغيره من رواة أهل البصرة أنه أرسل إليهم فأتى بهم فأقبل على عبيد الله بن أبى بكرة فقال يا ابن مسروح إنما أنت ابن كلبة تعاورها الكلاب فجاءت بأحمر وأسود وأصفر من كل كلب بما يشبهه وإنما كان أبوك عبدا نزل إلى

[ 5 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصن الطائف ثم أقمتم البينة تدعون أن أبا سفيان زنى بأمكم أما والله لئن بقيت لالحقنكم بنسبكم ثم دعا بحمران فقال يا ابن اليهودية إنما أنت علج نبطى سبيت من عين التمر ثم قال للحكم بن المنذر بن الجارود يا ابن الخبيث أتدرى من أنت ومن الجارود إنما كان الجارود علجا بجزيرة ابن كاوان فارسيا فقطع إلى ساحل البحر فانتمى إلى عبد القيس ولا والله ما أعرف حيا أكثر اشتمالا على سوءة منهم ثم أنكح أخته المكعبر الفارسى فلم يصب شرفا قط أعظم منه فهؤلاء ولدها يا ابن قباذ ثم أتى بعبدالله بن فضالة الزهراني فقال ألست من أهل هجر ثم من أهل سماهيج أما والله لاردنك إلى نسبك ثم أتى بعلى بن أصمع فقال أعبد لبنى تميم مرة وعزى من باهلة ثم أتى بعبد العزيز بن بشر بن حناط فقال يا ابن ؟ ؟ المشتور ألم يسرق عمك عنزا في عهد عمر فأمر به فسير ليقطعه أما والله ما أعنت إلا من ينكح أختك وكانت أخته تحت مقاتل بن مسمع ثم أتى بأبى حاضر الاسدي فقال يا ابن الاصطخرية ما أنت والاشراف وإنما أنت من أهل قطر دعى في بنى أسد ليس لك فيهم قريب ولا نسيب ثم أتى بزياد بن عمرو فقال يا ابن الكرماني إنما أنت علج من أهل كرمان قطعت إلى فارس فصرت ملاحا مالك وللحرب لانت بجر القلس أحذق ثم أتى بعبدالله بن عثمان بن أبى العاص فقال أعلى تكثر وأنت علج من أهل هجر لحق أبوك بالطائف وهم يضمون من تأشب إليهم يتعززون به أما والله لاردنك إلى أصلك ثم أتى بشيخ بن النعمان فقال يا ابن الخبيث إنما أنت علج من أهل زندورد هربت أمك وقتل أبوك فتزوج أخته رجل من بنى يشكر فجاءت بغلامين فألحقاك بنسبهما ثم ضربهم مائة مائة وحلق رؤوسهم ولحاهم وهدم دورهم وصهرهم في الشمس ثلاثا وحملهم على طلاق نسائهم وجمر أولادهم في البعوث وطاف بهم في أقطار البصرة وأحلفهم أن لا ينكحوا الحرائر وبعث مصعب خداش بن يزيد الاسدي في طلب من هرب من أصحاب خالد فأدرك مرة بن محكان فأخذه فقال مرة بنى أسد إن تقتلوني تحاربوا * تميما إذا الحرب العوان اشمعلت

[ 6 ]

بنى أسد هل فيكم من هوادة * فتعفون إن كانت بى النعل زلت فلا تحسب الاعداء إذ غبت عنهم * وأوريت معنا أن حربى كلت تمشى خداش في الاسكة آمنا * وقد نهلت منى الرماح وعلت فقر به خداش فقتله وكان خداش على شرطة مصعب يومئذ وأمر مصعب سنان بن ذهل أحد بنى عمرو بن مرثد بدار مالك بن مسمع فهدمها وأخذ مصعب ما كان في دار مالك فكان فيما أخذ جارية ولدت له عمر بن مصعب قال وأقام مصعب بالبصرة حتى شخص إلى الكوفة ثم لم يزل بالكوفة حتى خرج لحرب عبد الملك ونزل عبد الملك مسكن وكتب عبد الملك إلى المروانية من أهل العراق فأجابه كلهم وشرط عليه ولاية أصبهان فأنعم بها لهم كلهم منهم حجار بن أبجر والغضبان بن القبعثرى وعتاب بن ورقاء وقطن بن عبد الله الحارثى ومحمد بن عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس وزحر بن قيس ومحمد بن عمير وعلى مقدمته محمد بن مروان وعلى ميمنته عبد الله بن يزيد بن معاوية وعلى ميسرته خالد بن يزيد وسار إليه مصعب وقد خذله أهل الكوفه قال عروة بن المغيرة بن شعبة فخرج يسير متكئا على معرفة دابته ثم تصفح الناس يمينا وشمالا فوقعت عينه على فقال يا عروة إلى فدنوت منه فقال أخبرني عن الحسين بن على كيف صنع بإبائه النزول على حكم ابن زياد وعزمه على الحرب فقال: إن الالى بالطف من آل هاشم * تأسوا فسنوا للكرام التأسيا قال فعلمت أنه لا يريم حتى يقتل وكان عبد الملك فيما ذكر محمد بن عمر عن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبى قرة عن اسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن رجاء بن حيوة قال لما قتل عمرو بن سعيد وضع السيف فقتل من خالفه فلما أجمع بالمسير إلى مصعب وقد صفت له الشأم وأهلها خطب الناس وأمرهم بالتهيؤ إلى مصعب فاختلف عليه رؤساء أهل الشأم من غير خلاف لما يريده ولكنهم أحبوا أن يقيم ويقدم الجيوش فإن ظفروا فذاك وإن لم يظفروا أمدهم بالجيوش خشية على الناس أن أصيب في لقائه مصعبا لم يكن وراءه ملك

[ 7 ]

فقالوا يا أمير المؤمنين لو أقمت مكانك وبعثت على هؤلاء الجيوش رجلا من أهل بيتك ثم سرحته إلى مصعب فقال عبد الملك إنه لا يقوم بهذا الامر إلا قرشي له رأى ولعلى أبعث من له شجاعة ولا رأى له وإنى أجد في نفسي أنى بصير بالحرب شجاع بالسيف إن ألجئت إلى ذلك ومصعب في بيت شجاعة أبوه أشجع قريش وهو شجاع ولا علم له بالحرب يحب الخفض ومعه من يخالفه ومعه من ينصح لى فسار عبد الملك حتى نزل مسكن وسار مصعب إلى باجميرا وكتب عبد الملك إلى شيعته من أهل العراق فأقبل إبراهيم بن الاشتر بكتاب عبد الملك مختوما لم يقرأه فدفعه إلى مصعب فقال ما فيه ؟ فقال ما قرأته فقرأه مصعب فإذا هو يدعوه إلى نفسه ويجعل له ولاية العراق فقال لمصعب إنه والله ما كان من أحد آيس منه منى ولقد كتب إلى أصحابك كلهم بمثل الذى كتب إلى فأطعني فيهم فاضرب أعناقهم قال إذا لا تناصحنا عشائرهم قال فأوقرهم حديدا وابعث بهم إلى أبيض كسرى فاحبسهم هنالك ووكل بهم من إن غلبت ضرب أعنقهم وإن غلبت مننت بهم على عشائرهم فقال يا أبا النعمان إنى لفى شغل عن ذلك يرحم الله أبا بحر إن كان ليحذرني غدر أهل العراق كأنه كان ينظر إلى ما نحن فيه * حدثنى عمر قال حدثنا محمد بن سلام عن عبد القاهر بن السرى قال هم أهل العراق بالغدر بمصعب فقال قيس بن الهيثم ويحكم لا تدخلوا أهل الشأم عليكم فوالله لئن تطعموا بعيشكم ليصفين عليكم منازلكم والله لقد رأيت سيد أهل الشأم على باب الخليفة يفرح إن أرسله في حاجة ولقد رأيتنا في الصوائف وأحدنا على ألف بعير وإن الرجل من وجوههم ليغزو على فرسه وزاده خلفه قال ولما تدانى العسكران بدير الجانليق من مسكن تقدم ابراهيم بن الاشتر فحمل على محمد بن مروان فأزاله عن موضعه فوجه عبد الملك ابن مروان عبد الله بن يزيد بن معاوية فقرب من محمد بن مروان والتقى القوم فقتل مسلم بن عمرو الباهلى وقتل يحيى بن مبشر أحد بنى ثعلبة بن يربوع وقتل إبراهيم بن الاشتر فهرب عتاب بن ورقاء وكان على الخيل مع مصعب فقال مصعب لقطن بن عبد الله الحارثى أبا عثمان قدم خيلك قال ما أرى ذلك قال ولم قال أكره

[ 8 ]

أن تقتل مذحج في غير شئ فقال لحجار بن أبجر أبا أسيد قدم رايتك قال إلى هذه العذرة قال ما تتأخر إليه والله أنتن وألام فقال لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد ابن قيس مثل ذلك فقال ما أرى أحدا فعل ذلك فأفعله فقال مصعب يا إبراهيم ولا ابراهيم لى اليوم * حدثنى أبو زيد قال حدثنى محمد بن سلام قال أخبر ابن خازم بمسير مصعب إلى عبد الملك فقال أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر قيل لا استعمله على فارس قال أفمعه المهلب بن أبى صفرة قيل لا استعمله على الموصل قال أفمعه عباد بن الحصين قيل لا استخلفه على البصرة فقال وأنا بخراسان خذيني فجرينى جعار وأبشرى * بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره فقال مصعب لابنه عيسى بن مصعب يا بنى اركب أنت ومن معك إلى عمك بمكة فأخبره ما صنع أهل العراق ودعني فإنى مقتول فقال ابنه والله لا أخبر قريشا عنك أبدا ولكن إن أردت ذلك فالحق بالبصرة فهم على الجماعة أو الحق بأمير المؤمنين قال مصعب والله لا تتحدث قريش أنى فررت بما صنعت ربيعة من خذلانها حتى أدخل الحرم منهزما ولكن أقاتل فإن قتلت فلعمري ما السيف بعار وما الفرار لى بعادة ولا خلق ولكن إن أردت أن ترجع فارجع فقاتل فرجع فقاتل حتى قتل * قال على بن محمد عن يحيى بن اسماعيل بن أبى المهاجر عن أبيه أن عبد الملك أرسل إلى مصعب مع أخيه محمد بن مروان أن ابن عمك يعطيك الامان فقال مصعب إن مثلى لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبا أو مغلوبا وقال الهيثم بن عدى حدثنا عبد الله بن عياش عن أبيه قال إنا لوقوف مع عبد الملك ابن مروان وهو يحارب مصعبا إذ دنا منه زياد بن عمرو فقال يا أمير المؤمنين إن اسماعيل بن طلحة كان لى جار صدق قلما أرادنى مصعب بسوء إلا دفعه عنى فإن رأيت أن تؤمنه على جرمه قال هو آمن فمضى زياد وكان ضخما على ضخم حتى صار بين الصفين فصاح أين أبو البخترى اسماعيل بن طلحة فخرج إليه فقال إنى أريد أن أذكر لك شيئا فدنا حتى اختلفت أعناق دوابهما وكان الناس ينتطقون بالحواشى المحشوة فوضع زياد يده في منطقة اسماعيل ثم اقتلعه عن سرجه وكان نحيفا فقال

[ 9 ]

أنشدك الله يا أبا المغيرة إن هذا ليس بالوفاء لمصعب فقال هذا أحب إلى من أن أراك غدا مقتولا ولما أبى مصعب قبول الامان نادى محمد بن مروان عيسى ابن مصعب وقال له يا ابن أخى لا تقتل نفسك لك الامان فقال له مصعب قد آمنك عمك فامض إليه قال لا تتحدث نساء قريش أنى أسلمتك للقتل قال فتقدم بين يدى أحتسبك فقاتل بين يديه حتى قتل وأثخن مصعب بالرمي ونظر إليه زائدة ابن قدامة فشد عليه فطعنه وقال يا لثارات المختار فصرعه ونزل إليه عبيد الله بن زياد ابن ظبيان فاحتز رأسه وقال إنه قتل أخى النابئ بن زياد فأتى به عبد الملك بن مروان فأثابه ألف دينار فأبى أن يأخذها وقال إنى لم أقتله على طاعتك إنما قتلته على وتر صنعه بى ولا آخذ في حمل رأس مالا فتركه عند عبد الملك وكان الوتر الذى ذكره عبيد الله بن زياد بن ظبيان أنه قتل عليه مصعبا أن مصعبا كان ولى في بعض ولايته شرطة مطرف بن سيدان الباهلى ثم أحد بنى جأوة * فحدثني عمر بن شبة قال حدثنى أبو الحسن المدائني ومخلد بن يحيى بن حاضر أن مطرفا أتى بالنابئ بن زياد بن ظبيان ورجل من بنى نمير قد قطعا الطريق فقتل النابئ وضرب النميري بالسياط فتركه فجمع له عبيد الله بن زياد بن ظبيان جمعا بعد أن عزله مصعب عن البصرة وولاه الاهواز فخرج يريده فالتقيا فتواقفا وبينهما نهر فعبر مطرف إليه النهر وعاجله ابن ظبيان فطعنه فقتله فبعث مصعب مكرم بن مطرف في طلب ابن ظبيان فسار حتى بلغ عسكر مكرم فنسب إليه ولم يلق ابن ظبيان ولحق ابن ظبيان بعبد الملك لما قتل أخوه فقال البعيث اليشكرى بعد قتل مصعب يذكر ذلك: ولما رأينا الامر نكسا صدوره * وهم الهوادى أن تكن تواليا صبرنا لامر الله حتى يقيمه * ولم نرض إلا من أمية واليا ونحن قتلنا مصعبا وابن مصعب * أخا أسد والنخعي اليمانيا ومرت عقاب الموت منا بمسلم * فأهوت له نابا فأصبح ثاويا سقينا ابن سيدان بكاس روية * كفتنا وخير الامر ما كان كافيا

[ 10 ]

* حدثنى أبو زيد قال حدثنى على بن محمد قال مر ابن ظبيان بابنة مطرف بالبصرة فقيل لها هذا قاتل أبيك فقالت في سبيل الله أبى فقال ابن ظبيان: فلا في سبيل الله لاقى حمامه * أبوك ولكن في سبيل الدراهم فلما قتل مصعب دعا عبد الملك بن مروان أهل العراق إلى البيعة فبايعوه وكان مصعب قتل على نهر يقال له الدجيل عند دير الجاثليق فلما قتل أمر به عبد الملك وبابنه عيسى فدفنا ذكر الواقدي عن عثمان بن محمد عن أبى بكر بن عمر عن عروة قال قال عبد الملك حين قتل مصعب واروه فقد والله كانت الحرمة بيننا وبينه قديمة ولكن هذا الملك عقيم قال أبو زيد وحدثني أبو نعيم قال حدثنى عبد الله بن الزبير أبو أبى أحمد عن عبد الله بن شريك العامري قال إنى لواقف إلى جنب مصعب بن الزبير فأخرجت له كتابا من قبائى فقلت له هذا كتاب عبد الملك فقال ما شئت قال ثم جاء رجل من أهل الشأم فدخل عسكره فأخرج جارية فصاحت واذلاه فنظر إليها مصعب ثم أعرض عنها قال وأتى عبد الملك برأس مصعب فنظر إليه فقال متى تغذو قريش مثلك وكانا يتحدثان إلى حبى وهما بالمدينة فقيل لها قتل مصعب فقالت تعس قاتله قيل قتله عبد الملك بن مروان قالت بأبى القاتل والمقتول * قال وحج عبد الملك بعد ذلك فدخلت عليه حبى فقالت أقتلت أخاك مصعبا فقال: من يذق الحرب يجد طعمها * مرا وتتركه بجعجاع وقال ابن قيس الرقيات: لقد أورث المصرين خزيا وذلة * قتيل بدير الجاثليق مقيم فما نصحت لله بكر بن وائل * ولا صبرت عند اللقاء تميم ولو كان بكريا تعطف حوله * كتائب يغلى حميها ويدوم ولكنه ضاع الذمام ولم يكن * بها مضرى يوم ذاك كريم جزى الله كوفيا هناك ملامة * وبصريهم إن المليم مليم وإن بنى العلات أخلوا ظهورنا * ونحن صريح بينهم وصميم

[ 11 ]

فإن نفن لا يبقوا أولئك بعدنا * لذى حرمة في المسلمين حريم (قال أبو جعفر) وقد قيل إن ما ذكرت من مقتل مصعب والحرب التى جرت بينه وبين عبد الملك كانت في سنة 72 وأن أمر خالد بن عبد الله بن خالد ابن أسيد ومصيره إلى البصرة من قبل عبد الملك كان في سنة 71 وقتل مصعب في جمادى الآخرة (وفى هذه السنة) دخل عبد الملك بن مروان الكوفة وفرق أعمال العراق والمصرين الكوفة والبصرة على عماله في قول الواقدي وأما أبو الحسن فانه ذكر أن ذلك في سنة 72 * وحدثني عمر قال حدثنى على بن محمد قال قتل مصعب يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الاولى أو الآخرة سنة 72 ولما أتى عبد الملك الكوفة فيما ذكر نزل النخيلة ثم دعا الناس إلى البيعة فجاءت قضاعة فرأى قلة فقال يا معشر قضاعة كيف سلمتم من مصر مع قلتكم فقال عبد الله بن يعلى النهدي نحن أعز منهم وأمنع قال بمن قال بمن معك منا يا أمير المؤمنين ثم جاءت مذحج وهمدان فقال ما أرى لاحد مع هؤلاء بالكوفة شيئا ثم جاءت جعفى فلما نظر إليهم عبد الملك قال يا معشر جعفى اشتملتم على ابن أختكم وواريتموه يعنى يحيى بن سعيد بن العاص قالوا نعم قال فهاتوه قالوا وهو آمن قال وتشترطون أيضا فقال رجل منهم إنا والله ما نشترط جهلا بحقك ولكنا نتسحب عليه تسحب الولد على والده فقال أما والله لنعم الحى أنتم إن كنتم لفرسانا في الجاهلية والاسلام هو آمن فجاؤا به وكان يكنى أبا أيوب فلما نظر إليه عبد الملك قال أبا قبيح بأى وجه تنظر إلى ربك وقد خلعتني قال بالوجه الذى خلقه فبايع ثم ولى فنظر عبد الملك في قفاه فقال لله دره أي ابن زوملة هو يعنى غريبة وقال على بن محمد حدثنى للقاسم بن معن وغيره أن معبد بن خالد الجدلي قال ثم تقدمنا إليه معشر عدوان قال فقدمنا رجلا وسيما جميلا وتأخرت وكان معبد دميما فقال عبد الملك من فقال الكاتب عدوان فقال عبد الملك: عذير الحى من عدوا * ن كانوا حية الارض

[ 12 ]

بغى بعضهم بعضا * فلم يرعوا على بعض ومنهم كانت السادا * ت والموفون بالقرض ثم أقبل على الجميل فقال إيه فقال لا أدرى فقلت من خلفه: ومنهم حكم يقضى * فلا ينقض ما يقضى ومنهم من يجيز الح‍ * ج بالسنة والفرض وهم مذ ولدوا شبوا * بسر النسب المحض قال فتركني عبد الملك ثم أقبل على الجميل فقال من هو قال لا أدرى فقلت من خلفه ذو الاصبع قال فأقبل على الجميل فقال ولم سمى ذا الاصبع فقال لا أدرى فقلت من خلفه لان حية عضت أصبعه فقطعتها فأقبل على الجميل فقال ما كان اسمه فقال لا أدرى فقلت من خلفه حرثان بن الحارث فأقبل على الجميل فقال من أيكم كان قال لا أدرى فقلت من خلفه من بنى ناج فقال أبعد بنى ناج وسعيك بينهم * فلا تتبعن عينيك ما كان هالكا إذا قلت معروفا لاصلح بينهم * يقول وهيب لا أصالح ذلكا فأضحى كظهر العيرجب سنامه * تطيف به الولدان أحدب باركا ثم أقبل على الجميل فقال كم عطاؤك قال سبعمائة فقال لى في كم أنت قلت في ثلثمائة فأقبل على الكاتبين فقال حطا من عطاء هذا أربعمائة وزيداها في عطاء هذا فرجعت وأنا في سبعمائة وهو في ثلثمائة ثم جاءت كندة فنظر إلى عبد الله بن إسحاق بن الاشعث فأوصى به بشرا أخاه وقال اجعله في صحابتك وأقبل داود بن قحذم في مائتين من بكر بن وائل عليهم الاقبية الداودية وبه سميت فجلس مع عبد الملك على سريره فأقبل عليه عبد الملك ثم نهض ونهضوا معه فأتبعهم عبد الملك بصره فقال هؤلاء الفساق والله لولا أن صاحبهم جاءني ما أعطاني أحد منهم طاعة ثم إنه ولى فيما قيل قطن بن عبد الله الحارثى الكوفة أربعين يوما ثم عزله وولى بشر بن مروان وصعد منبر الكوفة فخطب فقال إن عبد الله بن الزبير لو كان خليفة كما يزعم لخرج فآسى بنفسه ولم يغرز ذنبه

[ 13 ]

في الحرم ثم قال إنى قد استعملت عليكم بشر بن مروان وأمرته بالاحسان إلى أهل الطاعة والشدة على أهل المعصية فاسمعوا له وأطيعوا واستعمل محمد بن عمير على همذان ويزيد بن رويم على الرى وفرق العمال ولم يف لاحد شرط عليه ولاية اصبهان ثم قال على هؤلاء الفساق الذين أنغلوا الشأم وأفسدوا العراق فقيل قد أجارهم رؤساء عشائرهم فقال وهل يجير على أحد وكان عبد الله بن يزيد ابن أسد لجأ إلى على بن عبد الله بن عباس ولجأ إليه أيضا يحيى بن معيوف الهمداني ولجأ الهذيل بن زفر بن الحارث وعمرو بن زيد الحكمى إلى خالد بن يزيد بن معاوية فآمنهم عبد الملك فظهروا (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة تنازع الرياسة بالبصرة عبيد الله بن أبى بكرة وحمران بن أبان * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى على بن محمد قال لما قتل المصعب وثب حمران بن أبان وعبيد الله بن أبى بكرة فتنازعا في ولاية البصرة فقال ابن أبى بكرة أنا أعظم غناء منك أنا كنت أنفق على أصحاب خالد يوم الجفرة فقيل لحمران إنك لا تقوى على ابن أبى بكرة فاستعن بعبدالله بن الاهتم فإنه إن أعانك لم يقو عليك ابن أبى بكرة ففعل وغلب حمران على البصرة وابن الاهتم على شرطها وكان لحمران منزلة عند بنى أمية * حدثنى أبو زيد قال حدثنى أبو عاصم النبيل قال أخبرني رجل قال قدم شيخ أعرابي فرأى حمران فقال من هذا فقالوا حمران فقال لقد رأيت هذا وقد مال رداؤه عن عاتقه فابتدره مروان وسعيد بن العاص أيهما يسويه قال أبو زيد قال أبو عاصم فحدثت بذلك رجلا من ولد عبد الله بن عامر فقال حدثنى أبى أن حمران مد رجله فابتدر معاوية وعبد الله بن عامر أيهما يغمزها (وفى هذه السنة) بعث عبد الملك خالد بن عبد الله على البصرة واليا * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد قال مكث حمران على البصرة يسيرا وخرج ابن أبى بكرة حتى قدم على عبد الملك الكوفة بعد مقتل مصعب فولى عبد الملك خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد على البصرة وأعمالها فوجه خالد عبيد الله ابن أبى بكرة خليفته على البصرة فلما قدم على حمران قال أقد جئت لا جئت فكان ابن أبى بكرة على البصرة حتى قدم خالد (وفى هذه السنة) رجع عبد الملك فيما زعم الواقدي

[ 14 ]

إلى الشأم. قال وفيها نزع ابن الزبير جابر بن الاسود بن عوف عن المدينة واستعمل عليها طلحة بن عبد الله بن عوف قال وهو آخر وال لابن الزبير على المدينة حتى قدم عليها طارق بن عمرو مولى عثمان فهرب طلحة وأقام طارق بالمدينة حتى كتب إليه عبد الملك (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير في قول الواقدي وذكر أبو زيد عن أبى غسان محمد بن يحيى قال حدثنى مصعب بن عثمان قال لما انتهى إلى عبد الله بن الزبير قتل مصعب قام في الناس فقال الحمد لله الذى له الخلق والامر يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ألا وإنه لم يذلل الله من كان الحق معه وإن كان فردا ولم يعزز من كان وليه الشيطان وحزبه وإن كان معه الانام طرا ألا وإنه قد أتانا من العراق خبر حزننا وأفرحنا أتانا قتل مصعب رحمة الله عليه فأما الذى أفرحنا فعلمنا أن قتله له شهادة وأما الذى حزننا فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يرعوى من بعدها ذو الرأى إلى جميل الصبر وكريم العزاء ولئن أصبت بمصعب لقد أصبت بالزبير قبله وما أنا من عثمان بخلو مصيبة وما مصعب إلا عبد من عبيد الله وعون من أعواني ألا إن أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقل الثمن فإن يقتل فإنا والله ما نموت على مضاجعنا كما تموت بنو أبى العاص والله ما قتل منهم رجل في زعف في الجاهلية ولا الاسلام وما نموت إلا قعصا بالرماح وموتا تحت ظلال السيوف ألا إنما الدنيا عارية من الملك الاعلى الذى لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه فإن تقبل لا آخذها أخذ الاشر البطر وإن تدبر لا أبك عليها بكاء الخرق المهين أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم وذكر أن عبد الملك لما قتل مصعبا ودخل الكوفة أمر بطعام كثير فصنع وأمر به إلى الخورنق وأذن إذنا عاما فدخل الناس فأخذوا مجالسهم فدخل عمرو بن حريث المخزومى فقال إلى وعلى سريري فأجلسه معه ثم قال أي الطعام أكلت أحب اليك وأشهى عندك قال عناق حمراء قد أجيد تمليحها وأحكم نضجها قال ما صنعت شيئا فأين أنت من عمروس راضع قد أجيد سمطه وأحكم نضجه اختلجت اليك رجله فأتبعتها يده غذى بشريجين من لبن

[ 15 ]

وسمن ثم جاءت الموائد فأكلوا فقال عبد الملك بن مروان ما ألذ عيشنا لو أن شيئا يدوم ولكنا كما قال الاول: وكل جديد يا أميم إلى بلى * وكل امرئ يوما يصير إلى كان فلما فرغ من الطعام طاف عبد الملك في القصر يقول لعمرو بن حريث لمن هذا البيت ومن بنى هذا البيت وعمرو يخبره فقال عبد الملك وكل جديد يا أميم إلى بلى * وكل امرئ يوما يصير إلى كان ثم أتى مجلسه فاستلقى وقال: اعمل على مهل فانك ميت * واكدح لنفسك أيها الانسان فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى * وكأن ما هو كائن قد كان (وفى هذه السنة) افتتح عبد الملك في قول الواقدي قيسارية ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث الجليلة (قال أبو الجعفر) فمن ذلك ما كان من أمر الخوارج وأمر المهلب بن أبى صفرة وعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد (ذكر هشام بن محمد) عن أبى مخنف أن حصيرة بن عبد الله وأبا زهير العبسى حدثاه أن الازارقة والمهلب بعد ما اقتتلوا بسولاف ثمانية أشهر أشد القتال أتاهم أن مصعب بن الزبير قد قتل فبلغ ذلك الخوارج قبل أن يبلغ المهلب وأصحابه فناداهم الخوارج ألا تخبروننا ما قولكم في مصعب قالوا إمام هدى قالوا فهو وليكم في الدنيا والآخرة قالوا نعم قالوا وأنتم أولياؤه أحياء وأمواتا قالوا ونحن أولياؤه أحياء وأمواتا قالوا فما قولكم في عبد الملك بن مروان قالوا ذلك ابن اللعين نحن إلى الله منه برآء هو عندنا أحل دما منكم قالو افأنتم منه برآء في الدنيا والآخرة قالوا نعم كبراء تنامنكم قالوا وأنتم له أعداء أحياء وأمواتا قالوا نعم نحن له أعداء كعداوتنا لكم قالوا فان امامكم مصعبا قد قتله عبد الملك بن مروان ونراكم ستجعلون غدا عبد الملك إمامكم وأنتم الآن تتبرؤن منه وتلعنون أباه قالوا كذبتم يا أعداء الله فلما كان

[ 16 ]

من الغد تبين لهم قتل مصعب فبايع المهلب الناس لعبد الملك بن مروان فأتتهم الخوارج فقالوا ما تقولون في مصعب قالوا يا أعداء الله لا نخبركم ما قولنا فيه وكرهوا أن يكذبوا أنفسهم عندهم قالوا فقد أخبرتمونا أمس أنه وليكم في الدنيا والاخرة وأنكم أولياؤه أحياء وأمواتا فأخبرونا ما قولكم في عبد الملك قالوا ذاك إمامنا وخليفتنا ولم يجدوا إذ بايعوه بدا من أن يقولوا هذا القول قالت لهم الازارقة يا أعداء الله أنتم أمس تتبرؤن منه في الدنيا والآخرة وتزعمون أنكم له أعداء أحياء وأمواتا وهو اليوم إمامكم وخليفتكم وقد قتل إمامكم الذى كنتم تولونه فأيهما المحق وأيهما المهتدى وأيهما الضال قالوا لهم يا أعداء الله رضينا بذاك إذ كان ولى أمورنا ونرضى بهذا كما رضينا بذاك قالوا لا والله ولكنكم إخوان الشياطين وأولياء الظالمين وعبيد الدنيا وبعث عبد الملك بن مروان بشر بن مروان على الكوفة وخالد بن عبد الله ابن خالد بن أسيد على البصرة فلما قدم خالد أثبت المهلب على خراج الاهواز ومعونتها وبعث عامر بن مسمع على سابور ومقاتل بن مسمع على اردشير خره ومسمع بن مالك بن مسمع على فساودرا بجرد والمغيرة بن المهلب على اصطخر ثم إنه بعث إلى مقاتل فبعثه على جيش وألحقه بناحية عبد العزيز فخرج يطلب الازارقة فانحطوا عليه من قبل كرمان حتى أتوا درابجرد فسار نحوهم وبعث قطرى مع صالح بن مخراق تسعمائة فارس فأقبل يسير بهم حتى استقبل عبد العزيز وهو يسير بالناس ليلا يجرون على غير تعبية فهزم الناس ونزل مقاتل بن مسمع فقاتل حتى قتل وانهزم عبد العزيز بن عبد الله وأخذت امرأته ابنة المنذر بن الجارود فأقيمت فيمن يزيد فبلغت مائة ألف وكانت جميلة فغار رجل من قومها كان من رؤس الخوارج يقال له أبو الحديد الشنى فقال تنحوا هكذا ما أرى هذه المشركة إلا قد فتنتكم فضرب عنقها ثم زعموا أنه لحق بالبصرة فرآه آل منذر فقالوا والله ما ندرى أنحمدك أم نذمك فكان يقول ما فعلته إلا غيرة وحمية وجاء عبد العزيز حتى انتهى إلى رام هرمز وأتى المهلب فأخبر به فبعث إليه شيخا من أشياخ قومه كان أحد فرسانه فقال ائته فان كان منهزما فعزه وأخبره أنه لم يفعل شيئا لم يفعله الناس قبله

[ 17 ]

وأخبره أن الجنود تأتيه عاجلا ثم يعزه الله وينصره فأتاه ذلك الرجل فوجدوه نازلا في نحو من ثلاثين رجلا كئيبا حزينا فسلم عليه الازدي وأخبره أنه رسول المهلب وبلغه ما أمره به وعرض عليه أن يذكر له ما كانت له من حاجة ثم انصرف إلى المهلب فأخبره الخبر فقال له المهلب الحق الآن بخالد بالبصرة فأخبره الخبر فقال أنا آتيه أخبره أن أخاه هزم والله لا آتيه فقال المهلب لا والله لا يأتيه غيرك أنت الذى عاينته ورأيته وأنت كنت رسولي إليه قال هو إذا يهديك يا مهلب إن ذهب إليه العام ثم خرج قال المهلب أما أنت والله فانك لى آمن أما والله لو أنك مع غيرى ثم أرسلك على رجليك خرجت تشتد قال له وأقبل عليه كأنك إنما تمن علينا بحلمك فنحن والله نكافيك بل نزيد أما تعلم أنا نعرض أنفسنا للقتل دونك ونحميك من عدوك ولو كنا والله مع من يجهل علينا ويبعثنا في حاجاته على أرجلنا ثم احتاج إلى قتالنا ونصرتنا جعلناه بيننا وبين عدونا ووقينا به أنفسنا قال له المهلب صدقت صدقت ثم دعا فتى من الازد كان معه فسرحه إلى خالد يخبره خبر أخيه فأتاه الفتى الازدي وحوله الناس وعليه جبة خضراء ومطرف أخضر فسلم عليه فرد عليه فقال ما جاء بك قال أصلحك الله أرسلني اليك المهلب لاخبرك خبر ما عاينته قال وما عاينت قال رأيت عبد العزيز برام هرمز مهزوما قال كذبت قال لا والله ما كذبت وما قلت لك إلا الحق فان كنت كاذبا فاضرب عنقي وإن كنت صادقا فأعطني أصلحك الله جبتك ومطرفك قال ويحك ما أيسر ما سألت ولقد رضيت مع الخطر العظيم إن كنت كاذبا بالخطر الصغير إن كنت صادقا فحبسه وأمر بالاحسان إليه حتى تبينت له هزيمة القوم فكتب إلى عبد الملك أما بعد فإنى أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنى بعثت عبد العزيز بن عبد الله في طلب الخوارج وأنهم لقوه بفارس فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم عبد العزيز لما انهزم عنه الناس وقتل مقاتل بن مسمع وقدم الفل إلى الاهواز فأحببت أن أعلم أمير المؤمنين ذلك ليأتيني رأيه وأمره أنزل عنده إن شاء الله والسلام عليك ورحمة الله فكتب إليه أما بعد فقد قدم رسولك في كتابك تعلمني فيه بعثتك أخاك على قتال الخوارج وبهزيمة من هزم وقتل من قتل وسألت

[ 18 ]

رسولك عن مكان المهلب فحدثني أنه عامل لك على الاهواز فقبح الله رأيك حين تبعث أخاك أعرابيا من أهل مكة على القتال وتدع المهلب إلى جنبك يجبى الخراج وهو الميمون النقيبة الحسن السياسة البصير بالحرب المقاسى لها ابنها وابن أبنائها انظر أن ينهض بالناس حتى تستقبلهم بالاهواز ومن وراء الاهواز وقد بعثت إلى بشر أن يمدك بجيش من أهل الكوفة فإذا أنت لقيت عدوك فلا تعمل فيهم برأى حتى تحضره المهلب وتستشيره فيه إن شاء الله والسلام عليك ورحمة الله فشق عليه أن فيل رأيه في بعثة أخيه وترك المهلب وفى أنه لم يرض رأيه خالصا حتى قال أحضره المهلب واستشره فيه وكتب عبد الملك إلى بشر بن مروان أما بعد فانى قد كتبت إلى خالد بن عبد الله آمره بالنهوض إلى الخوارج فسرح إليه خمسة آلاف رجل وابعث عليهم رجلا من قبلك ترضاه فإذا قضوا غزواتهم تلك صرفتهم إلى الرى فقاتلوا عدوهم وكانوا في مسالحهم وجبوا فيأهم حتى تأتى أيام عقبهم فتعقبهم وتبعث آخرين مكانهم فقطع على أهل الكوفة خمسة آلاف وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث وقال إذا قضيت غزاتك هذه فانصرف إلى الرى وكتب له عليها عهدا وخرج خالد بأهل البصرة حتى قدم الاهواز وجاء عبد الرحمن بن محمد ببعث أهل الكوفة حتى وافاهم بالاهواز وجاءت الازارقة حتى دنوا من مدينة الاهواز ومن معسكر القوم وقال المهلب لخالد بن عبد الله إنى أرى ههنا سفنا كثيرة فضمها اليك فوالله ما أظن القوم إلا محرقيها فما لبث إلا ساعة حتى ارتفعت خيل من خيلهم إليها فحرقتها وبعث خالد بن عبد الله على ميمنته المهلب وعلى ميسرته داود بن قحذم من بنى قيس ابن ثعلبة ومر المهلب على عبد الرحمن بن محمد ولم يخندق فقال له يا ابن أخى ما يمنعك من الخندق فقال والله لهم أهون على من ضرطة الجمل قال فلا يهونوا عليك يا ابن أخى فانهم سباع العرب لا أبرح أو تضرب عليك خندقا ففعل وبلغ الخوارج قول عبد الرحمن بن محمد لهم أهون على من ضرطة الجمل فقال شاعرهم يا طالب الحق لا تستهو بالامل * فإن من دون ما تهوى مدى الاجل

[ 19 ]

واعمل لربك واسأله مثوبته * فان تقواه فاعلم أفضل العمل واغز المخانيث في الماذى معلمة * كيما تصبح غدوا ضرطة الجمل فأقاموا نحوا من عشرين ليلة ثم إن خالدا زحف إليهم بالناس فرأوا أمرا هالهم من عدد الناس وعدتهم فأخذوا يتحازون واجتزأ عليهم الناس فكرت عليهم الخيل وزحف إليهم فانصرفوا كأنهم على حامية وهم مولون لا يرون لهم طاقة بقتال جماعة الناس وأتبعهم خالد بن عبد الله داود بن قحذم في جيش من أهل البصرة وانصرف خالد إلى البصرة وانصرف عبد الرحمن بن محمد إلى الرى وأقام المهلب بالاهواز فكتب خالد بن عبد الله إلى عبد الملك أما بعد فإنى أخبر أمير المؤمنين أصلحه الله أنى خرجت إلى الازارقة الذين مرقوا من الدين وخرجوا من ولاية المسلمين فالتقينا بمدينة الاهواز فتناهضنا فاقتتلنا كأشد قتال كان في الناس ثم إن الله أنزل نصره على المؤمنين والمسلمين وضرب الله وجوه أعدائه فأتبعهم المسلمون يقتلونهم ولا يمنعون ولا يمتنعون وأفاء الله ما في عسكرهم على المسلمين ثم أتبعتهم داود بن قحذم والله إن شاء مهلكهم ومستأصلهم والسلام عليك فلما قدم هذا الكتاب على عبد الملك كتب عبد الملك إلى بشر بن مروان أما بعد فابعث من قبلك رجلا شجاعا بصيرا بالحرب في أربعة آلاف فارس فليسيروا إلى فارس في طلب المارقة فان خالدا كتب إلى يخبرني أنه قد بعث في طلبهم داود بن قحذم فمر صاحبك الذى تبعث أن لا يخالف داود بن قحذم إذا ما التقيا فان اختلاف القوم بينهم عون لعدوهم عليهم والسلام عليك فبعث بشر بن مروان عتاب بن ورقاء في أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة فخرجوا حتى التقوا هم وداود بن قحذم بأرض فارس ثم اتبعوا القوم يطلبونهم حتى نفقت خيول عامتهم وأصابهم الجهد والجوع ورجع عامة ذينك الجيشين مشاة إلى الاهواز فقال ابن قيس الرقيات من بنى مخزوم في هزيمة عبد العزيز وفراره عن امرأته. عبد العزيز فضحت جيشك كلهم * وتركتهم صرعى بكل سبيل من بين ذى عطش يجود بنفسه * وملحب بين الرجال قتيل

[ 20 ]

هلا صبرت مع الشهيد مقاتلا * إذ رحت منتكث القوى بأصيل وتركت جيشك لا أمير عليهم * فارجع بعار في الحياة طويل ونسيت عرسك إذ تقاد سبية * تبكى العيون برنة وعويل (وفى هذه السنة) كان خروج أبى فديك الخارجي وهو من بنى قيس بن ثعلبة فغلب على البحرين وقتل نجدة بن عامر الحنفي فاجتمع على خالد بن عبد الله نزول قطرى الاهواز وأمر أبى فديك فبعث أخاه أمية بن عبد الله على جند كثيف إلى أبى فديك فهزمه أبو فديك وأخذ جارية له فاتخذها لنفسه وسار أمية على فرس له حتى دخل البصرة في ثلاثة أيام فكتب خالد إلى عبد الملك بحاله وحال الازارقة (وفى هذه السنة) وجه عبد الملك الحجاج بن يوسف إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير وكان السبب في توجيهه الحجاج إليه دون غيره فيما ذكر أن عبد الملك لما أراد الرجوع إلى الشأم قام إليه الحجاج بن يوسف فقال يا أمير المؤمنين إنى رأيت في منامي أنى أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته فابعثني إليه وولنى قتاله فبعثه في جيش كثيف من أهل الشام فسار حتى قدم مكة وقد كتب إليهم عبد الملك بالامان إن دخلوا في طاعته فحدثني الحارث قال حدثنى محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا مصعب بن ثابت عن أبى الاسود عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال بعث عبد الملك بن مروان حين قتل مصعب بن الزبير الحجاج ابن يوسف إلى ابن الزبير بمكة فخرج في ألفين من جند أهل الشام في جمادى من سنة 72 فلم يعرض للمدينة وسلك طريق العراق فنزل بالطائف فكان يبعث البعوث إلى عرفة في الحل ويبعث ابن الزبير بعثا فيقتتلون هنالك فكل ذلك تهزم خيل ابن الزبير وترجع خيل الحجاج بالظفر ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في حصار ابن الزبير ودخول الحرم عليه ويخبره أن شوكته قد كلت وتفرق عنه عامة أصحابه ويسأله أن يمده برجال فجاءه كتاب عبد الملك وكتب عبد الملك إلى طارق بن عمرو يأمره أن يلحق بمن معه من الجند بالحجاج فسار في خمسة آلاف من أصحابه حتى لحق بالحجاج وكان قدوم الحجاج الطائف في

[ 21 ]

شعبان سنة 72 فلما دخل ذو القعدة رحل الحجاج من الطائف حتى نزل بئر ميمون وحصر ابن الزبير وحج الحجاج بالناس في هذه السنة وابن الزبير محصور وكان قدوم طارق مكة لهلال ذى الحجة ولم يطف بالبيت ولم يصل إليه وهو محرم وكان يلبس السلاح ولا يقرب النساء ولا الطيب إلى أن قتل عبد الله بن الزبير ونحر ابن الزبير بدنا بمكة يوم النحر ولم يحج ذلك العام ولا أصحابه لانهم لم يقفوا بعرفة * قال محمد بن عمر حدثنى سعيد بن مسلم بن بابك عن أبيه قال حججت في سنة 72 فقدمنا مكة فدخلناها من أعلاها فنجد أصحاب الحجاج وطارق فيما بين الحجون إلى بئر ميمون فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ثم حج بالناس الحجاج فرأيته واقفا بالهضبات من عرفة على فرس وعليه الدرع والمغفر ثم صدر فرأيته عدل إلى بئر ميمون ولم يطف بالبيت وأصحابه متسلحون ورأيت الطعام عندهم كثيرا ورأيت العير تأتى من الشأم تحمل الطعام الكعك والسويق والدقيق فرأيت أصحابه مخاصيب ولقد ابتعنا من بعضهم كعكا بدرهم فكفانا إلى أن بلغنا الجحفة وإنا لثلاثة نفر * قال محمد بن عمر حدثنى مصعب بن ثابت عن نافع مولى بنى أسد قال وكان عالما بفتنة ابن الزبير قال حصر ابن الزبير ليلة هلال ذى القعدة سنة 72 (وفى هذه السنة) كتب عبد الملك إلى عبد الله بن خازم السلمى يدعوه إلى بيعته ويطعمه خراسان سبع سنين فذكر على بن محمد أن المفضل بن محمد ويحيى بن طفيل وزهير بن هنيد حدثوه قال وفى خبر بعضهم زيادة على خبر بعض أن مصعب ابن الزبير قتل سنة 72 وعبد الله بن خازم بأبر شهر يقاتل بحير بن ورقاء الصريمى صريم بن الحارث فكتب عبد الملك بن مروان إلى ابن خازم مع سورة بن أشيم النميري إن لك خراسان سبع سنين على أن تبايع لى فقال ابن خازم لسورة لولا أن أضرب بين بنى سليم وبنى عامر لقتلتك ولكن كل هذه الصحيفة فأكلها قال وقال أبو بكر بن محمد بن واسع بل قدم بعهد عبد الله بن خازم سوادة بن عبيد الله النميري وقال بعضهم بعث عبد الملك إلى ابن خازم سنان بن مكمل الغنوى وكتب إليه أن خراسان طعمة لك فقال له ابن خازم إنما بعثك أبو الذبان لانك من غنى

[ 22 ]

وقد علم أنى لا أقتل رجلا من قيس ولكن كل كتابه قال وكتب عبد الملك إلى بكير بن وشاح أحد بنى عوف بن سعد وكان خليفة ابن خازم على مرو بعهده على خراسان ووعده ومناه فخلع بكير بن وشاح عبد الله بن الزبير ودعا إلى عبد الملك ابن مروان فأجابه أهل مرو وبلغ ابن خازم فخاف أن يأتيه بكير بأهل مرو فيجتمع عليه أهل مرو وأهل أبرشهر فترك بحيرا وأقبل إلى مرو يريد أن يأتي ابنه بالترمذ فأتبعه بحير فلحقه بقرية يقال لها بالفارسية شاهميغد بينها وبين مرو ثمانية فراسخ قال فقاتله ابن خازم فقال مولى لبنى ليث كنت قريبا من معترك القوم في منزل فلما طلعت الشمس تهايج العسكران فجعلت أسمع وقع السيوف فلما ارتفع النهار خفيت الاصوات فقلت هذا لارتفاع النهار فلما صليت الظهر أو قبل الظهر خرجت فتلقاني رجل من بنى تميم فقلت ما الخبر قال قتلت عدو الله ابن خازم وها هو ذا وإذا هو محمول على بغل وقد شدوا في مذاكيره حبلا وحجرا وعدلوه به على البغل قال وكان الذى قتله وكيع بن عميرة القريعى وهو ابن الدورقية اعتور عليه بحير بن ورقاء وعمار بن عبد العزيز الجشمى ووكيع فطعنوه فصرعوه فقعد وكيع على صدره فقتله فقال بعض الولاة لوكيع كيف قتلت ابن خازم قال غلبته بفضل القنا فلما صرع قعدت على صدره فحاول القيام فلم يقدر عليه وقلت يا لثأرات دويلة ودويلة أخ لوكيع لامه قتل قبل ذلك في غير تلك الايام قال وكيع فتنخم في وجهى وقال لعنك الله تقتل كبش مضر بأخيك علج لا يساوي كفا من نوى أو قال من تراب فما رأيت أحدا أكثر ريقا منه على تلك الحال عند الموت قال فذكر ابن هبيرة يوما هذا الحديث فقال هذه والله البسالة قال وبعث بحير ساعة قتل ابن خازم رجلا من بنى غدانة إلى عبد الملك بن مروان يخبره بقتل ابن خازم ولم يبعث بالرأس وأقبل بكير بن وشاح في أهل مرو فوافاهم حين قتل ابن خازم فأراد أخذ رأس ابن خازم فمنعه بحير فضربه بكير بعمود وأخذ الرأس وقيد بحيراو حبسه وبعث بكير بالرأس إلى عبد الملك وكتب إليه يخبره أنه هو الذى قتله فلما قدم بالرأس على عبد الملك دعا الغدانى رسول بحير وقال ماهذا

[ 23 ]

قال لا أدرى وما فارقت القوم حتى قتل فقال رجل من بنى سليم أليلتنا بنيسابور ردى * على الصبح ويحك أو أنيرى كواكبها زواحف لاغبات * كان سماءها بيدى مدير تلوم على الحوادث أم زيد * وهل لك في الحواث من نكير جهلن كرامتي وصددن عنى * إلى أجل من الدنيا قصير فلو شهد الفوارس من سليم * غداة يطاف بالاسد العقير لنازل حوله قوم كرام * فعز الوتر في طلب الوتور فقد بقيت كلاب نابحات * وما في الارض بعدك من زئير قولى الحج بالناس في هذه السنة الحجاج بن يوسف وكان العامل على المدينة طارق مولى عثمان من قبل عبد الملك وعلى الكوفة بشر بن مروان وعلى قضائها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعلى البصرة خالد بن عبد الله بن خالد ابن أسيد وعلى قضائها هشام بن هبيرة وعلى خراسان في قول بعضهم عبد الله ابن خازم السلمى وفى قول بعض بكير بن وشاح وزعم من قال كان على خراسان في سنة 72 عبد الله بن حازم أن عبد الله بن خازم إنما قتل بعد ما قتل عبدا لله بن الزبير وأن عبد الملك إنما كتب إلى عبد الله بن خازم يدعوه إلى الدخول في طاعته على أن يطعمه خراسان عشر سنين بعد ما قتل عبد الله بن الزبير وبعث برأسه إليه وأن عبد الله بن خازم حلف لما ورد عليه رأس عبد الله ابن الزبير أن لايعطيه طاعة أبدا وأنه دعا بطست فغسل رأس ابن الزبير وحنطه وكفنه وصلى عليه وبعث به إلى أهل عبد الله بن الزبير بالمدينة وأطعم الرسول الكتاب وقال لولا أنك رسول لضربت عنقك وقال بعضهم قطع يديه ورجليه وضرب عنقه. فصل نذكر فيه الكتاب من بدء أمر الاسلام (روى) هشام وغيره أن أول من كتب من العرب حرب بن أمية بن عبد شمس بالعربية وإن أول من كتب بالفارسية بيوراسب وكان في زمان إدريس

[ 24 ]

وكان أول من صنف طبقات الكتاب وبين منازلهم لهراسب بن كاو غان بن كيموس وحكى أن أبرويز قال لكاتبه إنما الكلام أربعة: أقسام سؤالك الشئ وسؤالك عن الشئ وأمرك بالشئ وخبرك عن الشئ فهذه دعائم المقالات إن التمس لها خامس لم يوجدو إن نقص منها رابع لم تتم فإذا طلبت فأسجح وإذا سألت فأوضح وإذا أمرت فاحتم وإذا أخبرت فحقق * وقال أبو موسى الاشعري أول من قال أما بعد داود وهى فصل الخطاب الذى ذكره الله عنه * وقال الهيثم بن عدى أول من قال أما بعد قس بن ساعدة الابادي (أسماء من كتب للنبى صلى الله عليه وسلم) على بن أبى طالب عليه السلام وعثمان بن عفان كانا يكتبان الوحى فإن غابا كتبه أبى بن كعب وزيد بن ثابت وكان خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية ابن أبى سفيان يكتبان بين يديه في حوائجه وكان عبد الله بن الارقم بن عبد يغوث والعلاء بن عقبة يكتبان بين القوم في حوائجهم وكان عبد الله بن الارقم ربما كتب إلى الملوك عن النبي صلى الله عليه وسلم (وكتب لابي بكر) عثمان وزيد بن ثابت وعبد الله بن الارقم وعبد لله بن خلف الخزاعى وحنظلة بن الربيع (وكتب لعمر ابن الخطاب) زيد بن ثابت وعبد الله بن الارقم وعبد الله بن خلف الخزاعى أبو طلحة الطلحات على ديوان البصرة وكتب له على ديوان الكوفة أبو جبيرة بن الضحاك الانصاري وقال عمر بن الخطاب لكتابه وعماله إن القوة على العمل أن لا تؤخروا عمل اليوم لغد فإنكم إذا فعلتم ذلك تذاءبت عليكم الاعمال فلا تدرون بأيها تبدؤن وأيها تأخذون وهو أول من دون الدواوين في العرب في الاسلام (وكان يكتب لعثمان) مروان بن الحكم وكان عبد الملك يكتب له على ديوان المدينة وأبو جبيرة الانصاري على ديوان الكوفة وكان أبو غطفان بن عوف بن سعد بن دينار من بنى دهمان من قيس عيلان يكتب له وكان يكتب له أهيب مولاه وعمران مولاه (وكان يكتب لعلى عليه السلام) سعيد بن نمران الهمداني ثم ولى قضاء الكوفة لابن الزبير وكان يكتب له عبد الله بن مسعود وروى أن عبد الله بن جبير كتب له وكان عبيد الله بن أبى رافع يكتب له واختلف في اسم أبى رافع فقيل اسمه إبراهيم

[ 25 ]

وقيل أسلم وقيل سنان وقيل عبد الرحمن * وكان يكتب لمعاوية على الرسائل عبيد الله ابن أوس الغساني وكان يكتب له على ديوان الخراج سرجون بن منصور الرومي وكتب له عبد الرحمن بن دراج وهو مولى معاوية وكتب على بعض دواوينه عبيد الله بن نصر بن الحجاج بن علاء السلمى * وكان يكتب لمعاوية بن يزيد الريان ابن مسلم ويكتب له على الديوان سرجون ويروى أنه كتب له أبو الزعيزعة * وكتب لعبد الملك بن مروان قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعى ويكنى أبا اسحاق وكتب على ديوان الرسائل أبو الزعيزعة مولاه * وكان يكتب للوليد القعقاع بن خالد أو خليد العبسى وكتب له على ديوان الخراج سليمان بن سعد الخشنى وعلى ديوان الخاتم شعيب العماني مولاه وعلى ديوان الرسائل جناح مولاه وعلى المستغلات نفيع ابن ذؤيب مولاه * وكان يكتب لسليمان سليمان بن نعيم الحميرى * وكان يكتب لمسلمة سميع مولاه وعلى ديوان الرسائل الليث بن أبى رقية مولى أم الحكم بنت أبى سفيان وعلى ديوان الخراج سليمان بن سعد الخشنى وعلى ديوان الخاتم نعيم بن سلامة مولى لاهل اليمن من فلسطين وقيل بل رجاء بن حيوة كان يتقلد الخاتم * وكان يكتب ليزيد بن المهلب المغيرة بن أبى فروة وكان يكتب لعمر بن عبد العزيز الليث بن أبى فروة مولى أم الحكم بنت أبى سفيان ورجاء بن حيوة وكتب له إسماعيل بن أبى حكيم مولى الزبير وعلى ديوان الخراج سليمان بن سعد الخشنى وقلد مكانه صالح بن جبير الغساني وقيل الغدائى وعدى بن الصباح بن المثنى ذكر الهيثم بن عدى أنه كان من جلة كتابه * وكتب ليزيد بن عبد الملك قبل الخلافة رجل يقال له يزيد بن عبد الله ثم استكتب أسامة بن يزيد السليحى * وكتب لهشام سعيد بن الوليد بن عمرو بن جبلة الكلبى الابرش ويكنى أبا مخاشع وكان نصر بن سيار يتقلد ديوان خراج خراسان لهشام وكان من كتابه بالرصافة شعيب بن دينار * وكان يكتب للوليد بن يزيد بكير بن الشماخ وعلى ديوان الرسائل سالم مولى سعيد بن عبد الملك ومن كتابه عبد الله ابن أبى عمرو ويقال عبد الاعلى بن أبى عمرو وكتب له على الحضرة عمرو بن عتبة وكتب ليزيد بن الوليد الناقص عبد الله بن نعيم وكان عمرو بن الحارث مولى

[ 26 ]

بنى جمح يتولى له ديوان الخاتم وكان يتقلد له ديوان الرسائل ثابت بن سليمان بن سعد الخشنى ويقال الربيع بن عرعرة الخشنى وكان يتقلد له الخراج والديوان الذى للخاتم الصغير النضر بن عمرو من أهل اليمن * وكتب لابراهيم بن الوليد ابن أبى جمعة وكان يتقلد له الديوان بفلسطين وبايع الناس إبراهيم أعنى ابن الوليد سوى أهل حمص فإنهم بايعوا مروان بن محمد الجعدى وكتب لمروان عبد الحميد ابن يحيى مولى العلاء بن وهب العامر ومصعب بن الربيع الخثعمي وزياد بن أبى الورد وعلى ديوان الرسائل عثمان بن قيس مولى خالد القسرى وكان من كتابه مخلد بن محمد بن الحارث ويكنى أبا هاشم ومن كتابه مصعب بن الربيع الخثعمي ويكنى أبا موسى وكان عبد الحميد بن يحيى من البلاغة في مكان مكين ومما اختير له من الشعر ترحل ما ليس بالقافل * وأعقب ما ليس بالزائل فلهفي على الخلف النازل * ولهفي على السلف الراحل أبكى على ذا وأبكى لذا * بكاء مولهة ثاكل تبكى من ابن لها قاطع * وتبكى على ابن لها واصل فليست تفتر عن عبرة * لها في الضمير ومن هامل تقضت غوايات سكر الصبى * ورد التقى عين الباطل وكتب لابي العباس خالد بن برمك ودفع أبو العباس ابنته ريطة إلى خالد ابن برمك حتى أرضعتها زوجته أم خالد بنت يزيد بلبان بنت لخالد تدعى أم يحيى وأرضعت أم سلمة زوجة أبى العباس أم يحيى بنت خالد بلبان ابنتها ريطة وقلد ديوان الرسائل صالح بن الهيثم مولى ريطة بنت أبى العباس * وكتب لابي جعفر المنصور عبد الملك بن حميد مولى حاتم بن النعمان الباهلى من أهل خراسان وكتب له هاشم بن سعيد الجعفي وعبد الاعلى بن أبى طلحة من بنى تميم بواسط وروى أن سليمان بن مخلد كان يكتب لابي جعفر ومما كان يتمثل به أبو جعفر المنصور وما إن شفا نفسا كأمر صريمة * إذا حاجة في النفس طال اعتراضها

[ 27 ]

وكتب له الربيع وكان عمارة بن حمزة من نبلاء الرجال وله لا تشكون دهرا صححت به * إن الغنى في صحة الجسم هبك الامام أكنت منتفعا * بغضارة الدنيا مع السقم وكان يتمثل بقول عبد بنى الحسحاس أمن أمية دمع العين مذروف * لو أن ذامنك قبل اليوم معروف لا تبك عينك إن الدهر ذو غير * فيه تفرق ذو إلف ومألوف وكتب للمهدى أبو عبد الله وأبان بن صدقة على ديوان رسائله ومحمد بن حميد الكاتب على ديوان جنده ويعقوب بن داود وكان اتخذه على وزارته وأمره وله عجبا لتصريف الامو * ر محبة وكراهيه والدهر يلعب بالرجا * ل له دوائر جاريه ولابنه عبد الله بن يعقوب وكان له محمد ويعقوب كلا هما شاعر مجيد ورع المشيب شراستي وغرامي * ومرى الجفون بمسبل سجام ولقد حرصت بأن أوارى شخصه * عن مقلتي فرمت غير مرام وصبغت ما صبغ الزمان فلم يدم * صبغي ودامت صبغة الايام * لا تبعدن شبيبة ذيالة * فارقتها في سالف الاعوام * ما كان ما استصحبت من أيامها * إلا كبعض طوارق الاحلام ولابيه طلق الدنيا ثلاثا * واتخذ زوجا سواها إنها زوجة سوء * لا تبالي من أتاها واستوزر بعده الفيض بن أبى صالح وكان جوادا وكتب للهادي موسى عبيد الله ابن زياد بن أبى ليلى ومحمد بن حميد وسأل المهدى يوما أبا عبيد الله عن أشعار العرب فصنفها له فقال أحكمها قول طرفة بن العبد أي قبر نحام بخيل بماله * كقبر غوى في البطالة مفسد ترى جثوتين من تراب عليهما * صفائح صم من صفيح مصمد

[ 28 ]

أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى * عقيلة مال الفاحش المتشدد أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة * وما تنقص الايام والدهر ينفد لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى * لكالطول المرخى وثنياه باليد وقوله وقد أرانا كلانا هم صاحبه * لو أن شيئا إذا ما فاتنا رجعا وكان شئ إلى شئ ففرقه * دهر يكر على تفريق ما جمعا وقول لبيد: ألا تسألان المرء ماذا يحاول * أنحب فيقضى أم ضلال وباطل ألا كل شئ ما خلا الله باطل * وكل نعيم لا محالة زائل أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم * بلى كل ذى رأى إلى الله واسل وكقول النابغة الجعدى: وقد طال عهدي بالشباب وأهله * ولاقيت روعات تشيب النواصيا فلم أجد الاخوان إلا صحابة * ولم أجد الاهلين إلا مثاويا ألم تعلمي أن قد رزئت محاربا * فمالك منه اليوم شئ ولاليا وكقول هدبة بن خشرم: ولست بمفراح إذا الدهر سرنى * ولا جازع من صرفه المتقلب ولا أتبغى الشر والشر تاركى * ولكن متى أحمل على الشر أركب وما يعرف الاقوام للدهر حقه * وما الدهر مما يكرهون بمعتب وللدهر في أهل الفتى وتلاده * نصيب كحز الجازر المتشعب وكقول زيادة بن زيد وتمثل به عبد الملك بن مروان تذكر عن شحط أميمة فارعوى * لها بعد إكثار وطول نحيب وإن امرءا قد جرب الدهر لم يخف * تقلب عصريه لغير لبيب هل الدهر والايام إلا كما ترى * رزيئة مال أو فراق حبيب وكل الذى يأتي فأنت نسيبه * ولست لشئ ذاهب بنسيب وليس بعيد ما يجئ كمقبل * ولا ما مضى من مفرح بقريب

[ 29 ]

وكقول ابن مقبل: لما رأت بدل الشباب بكت له * والشيب أرذل هذه الابدال والناس همهم الحياة ولا أدرى * طول الحياة يزيد غير خبال وإذا افترقت إلى الذخائر لم تجد * ذخرا يكون كصالح الاعمال ووزر له يحيى بن خالد ووزر للرشيد ابنه جعفر بن يحيى بن خالد فمن مليح كلامه الخط سمة الحكمة به تفصل شذورها وينظم منثورها قال ثمامة قلت لجعفر ابن يحيى ما البيان فقال أن يكون الاسم محيطا بمعناك مخبرا عن مغزاك مخرجا من الشركة غير مستعان عليه بالفكرة قال الاصمعي سمعت يحيى بن خالد يقول الدنيا دول والمال عارية ولنا بمن قبلنا أسوة وفينا لمن بعدنا عبرة ونأتى بتسمية باقى كتاب خلفاء بنى العباس إذا انتهينا إلى الدولة العباسية إن شاء الله تعالى ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ذكر الكائن الذى كان فيها من الامور الجليلة فمن ذلك مقتل عبد الله بن الزبير ذكر الخبر عن صفة ذلك * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى اسحاق بن يحيى عن عبيد الله بن القبطية قال كانت الحرب بين ابن الزبير والحجاج ببطن مكة ستة أشهر وسبع عشرة ليلة قال محمد بن عمر وحدثني مصعب بن ثابت عن نافع مولى بنى أسد وكان عالما بفتنة ابن الزبير قال حصر ابن الزبير ليلة هلال ذى القعدة سنة 72 وقتل لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى سنة 73 وكان حصر الحجاج لابن الزبير ثمانية أشهر وسبع عشرة ليلة * حدثنا الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى اسحاق بن يحيى عن يوسف بن ماهك قال رأيت المنجنيق يرمى به فرعدت السماء وبرقت وعلا صوت الرعد والبرق على الحجارة فاشتمل عليها فأعظم ذلك أهل الشأم فأمسكوا بأيديهم فرفع الحجاج بركة قبائه فغرزها

[ 30 ]

في منطقته ورفع حجر المنجنيق فوضعه فيه ثم قال ارموا ورمى معهم قال ثم أصبحوا فجاءت صاعقة تتبعها أخرى فقتلت من أصحابه اثنى عشر رجلا فانكسر أهل الشأم فقال الحجاج يا أهل الشأم لا تنكروا هذا فإنى ابن تهامة هذه صواعق تهامة هذا الفتح قد حضر فأبشروا إن القوم يصيبهم مثل ما أصابكم فصعقت من الغد فأصيب من أصحاب ابن الزبير عدة فقال الحجاج ألا ترون أنهم يصابون وأنتم على الطاعة وهم على خلاف الطاعة فلم تزل الحرب بين ابن الزبير والحجاج حتى كان قبيل مقتله وقد تفرق عنه أصحابه وخرح عامة أهل مكة إلى الحجاج في الامان * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى اسحاق بن عبيد الله عن المنذر بن جهم الاسدي قال رأيت ابن الزبير يوم قتل وقد تفرق عنه أصحابه وخذله من معه خذلانا شديدا وجعلوا يخرجون إلى الحجاج حتى خرج إليه نحو من عشرة آلاف وذكر أنه كان ممن فارقه وخرج إلى الحجاج ابناه حمزة وخبيب فأخذا منه لانفسهما أمانا فدخل على أمه أسماء كما ذكر محمد بن عمر عن أبى الزناد عن مخرمة بن سليمان الوالبى قال دخل ابن الزبير على أمه حين رأى من الناس ما رأى من خذلانهم فقال يا أمه خذلني الناس حتى ولدى وأهلي فلم يبق معى إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة والقوم يعطوننى ما أردت من الدنيا فما رأيك فقالت أنت والله يا بنى أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق واليه تدعو فامض له فقد قتل عليه أصحابك ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بنى أمية وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل الاحرار ولا أهل الدين وكم خلودك في الدنيا القتل أحسن فدنا ابن الزبير فقبل رأسها وقال هذا والله رأيى والذى قمت به داعيا إلى يومى هذا ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن يستحل حرمه ولكني أحببت أن أعلم رأيك فزدتيني بصيرة مع بصيرتي فانظري يا أمه فانى مقتول من يومى هذا فلا يشتد حزنك وسلمى لامر

[ 31 ]

الله فان ابنك لم يتعمد إتيان منكر ولا عملا بفاحشة ولم يجر في حكم الله ولم يغدر في أمان ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ولم يبلغني ظلم عن عما لى فرضيت به بل أنكرته ولم يكن شئ آثر عندي من رضى ربى اللهم إنى لا أقول هذا تزكية منى لنفسي أنت أعلم بى ولكن أقوله تعزية لامى لتسلو عنى فقالت أمه إنى لارجو من الله أن يكون عزائى فيك حسنا إن تقدمتني وإن تقدمتك ففى نفسي أخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك قال جزاك الله يا أمه خيرا فلا تدعى الدعاء لى قبل وبعد فقالت لا أدعه أبدا فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق ثم قالت اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة وبره بأبيه وبى اللهم قد سلمته لامرك فيه ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين قال مصعب بن ثابت فما مكثت بعده إلا عشرا ويقال خمسة أيام * قال محمد بن عمر حدثنى موسى بن يعقوب بن عبد الله عن عمه قال دخل ابن الزبير على أمه وعليه الدرع والمغفر فوقف فسلم ثم دنا فتناول يدها فقبلها فقالت هذا وداع فلا تبعد قال ابن الزبير جئت مودعا إنى لارى هذا آخر يوم من الدنيا يمر بى واعلمي يا أمه أنى إن قتلت فانما أنا لحم لا يضرنى ما صنع بى قالت صدقت يا بنى أتمم على بصيرتك ولا تمكن ابن أبى عقيل منك وادن منى أودعك فدنا منها فقبلها وعانقها وقالت حيث مست الدرع ما هذا صنيع من يريد ما تريد قال ما لبست هذا الدرع إلا لاشد منك قالت العجوز فانه لا يشد منى فنزعها ثم أدرج كميه وشد أسفل قميصه وجبة خز تحت القميص فأدخل أسفلها في المنطقة وأمه تقول البس ثيابك مشمرة ثم انصرف ابن الزبير وهو يقول إنى إذا أعرف يومى أصبر * إذ بعضهم يعرف ثم ينكر فسمعت العجوز قوله فقالت تصبر والله إن شاء الله أبوك أبو بكر والزبير وأمك صفية بنت عبد المطلب * حدثنى الحارث قال حدثنى ابن سعد قال أخبرني محمد بن عمر قال أخبرنا ثور بن يزيد عن شيخ من أهل حمص شهد وقعة ابن الزبير مع أهل الشأم قال رأيته يوم الثلاثاء وإنا لنطلع عليه أهل حمص خمسمائة خمسمائة

[ 32 ]

من باب لنا ندخله لا يدخله غيرنا فيخرج الينا وحده في أثرنا ونحن منهزمون منه فما أنسى أرجوزة له إنى إذا أعرف يومى أصبر * وإنما يعرف يوميه الحر إذ بعضهم يعرف ثم ينكر فأقول أنت والله الحر الشريف فلقد رأيته يقف في الابطح ما يدنو منه أحد حتى ظننا إنه لا يقتل * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد ابن عمر قال حدثنا مصعب بن ثابت عن نافع مولى بنى أسد قال رأيت الابواب قد شحنت من أهل الشأم يوم الثلاثاء وأسلم أصحاب ابن الزبير المحارس وكثرهم القوم فأقاموا على كل باب رجالا وقائدا وأهل بلد فكان لاهل حمص الباب الذى يواجه باب الكعبة ولاهل دمشق باب بنى شيبة ولاهل الاردن باب الصفا ولاهل فلسطين باب بنى جمح ولاهل قنسرين باب بنى سهم وكان الحجاج وطارق بن عمرو جميعا في ناحية الابطح إلى المروة فمرة يحمل ابن الزبير في هذه الناحية ومرة في هذه الناحية فلكأنه أسد في أجمة ما يقدم عليه الرجال فيعدو في أثر القوم وهم على الباب حتى يخرجهم وهو يرتجز إنى إذا أعرف يومى أصبر * وإنما يعرف يوميه الحر ثم يصيح يا أبا صفوان ويل أمه فتحالو كان له رجال لو كان قرنى واحدا كفيته قال ابن صفوان إى والله وألف * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال فحدثني ابن أبى الزناد وأبو بكر بن عبد الله بن مصعب عن ابن المنذر وحدثنا نافع مولى بنى أسد قالا لما كان يوم الثلاثاء صبيحة سبع عشرة من جمادى الاولى سنة 73 وقد أخذ الحجاج على ابن الزبير بالابواب بات ابن الزبير يصلى عامة الليل ثم احتبى بحمائل سيفه فأغفى ثم انتبه بالفجر فقال أذن يا سعد فأذن عند المقام وتوضأ ابن الزبير وركع ركعتي الفجر ثم تقدم وأقام المؤذن فصلى بأصحابه فقرأ ن والقلم حرفا حرفا ثم سلم فقام فحمد الله وأثنى عليه

[ 33 ]

ثم قال اكشفوا وجوهكم حتى أنظر وعليهم المغافر والعمائم فكشفوا وجوههم فقال يا آل الزبير لو طبتم لى نفسا عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب اصطلمنا في الله لم تصبنا زباء بتة أما بعد يا آل الزبير فلا يرعكم وقع السيوف فإنى لم أحضر موطنا قط إلا ارتثت فيه من القتل وما أجد من دواء جراحها أشد مما أجد من ألم وقعها صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم لا أعلم امرءا كسر سيفه واستبقى نفسه فان الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة أعزل غضوا أبصاركم عن البارقة وليشغل كل امرئ قرنه ولا يلهينكم السؤال عنى ولا تقولن أين عبد الله بن الزبير ألا من كان سائلا عنى فإنى في الرعيل الاول أبى لابن سلمى أنه غير خالد * ملاقي المنايا أي صرف تيمما فلست بمبتاع الحياة بسبة * ولا مرتق من خشية الموت سلما احملوا على بركة الله ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون فرمى بآجرة في وجهه فأرعش لها ودمى وجهه فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه ولحيته قال لسنا على الاعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا تقطر الدما وتغاووا عليه قالا وصاحت مولاة لنا مجنونة وأمير المؤمنيناه قالا وقد رأته حيث هوى فأشارت لهم إليه فقتل وإن عليه ثياب خز وجاء الخبر إلى الحجاج فسجد وسار حتى وقف عليه وطارق بن عمرو فقال طارق ما ولدت النساء أذكر من هذا فقال الحجاج تمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين قال نعم هو أعذر لنا ولولا هذا ما كان لنا عذر إنا محاصروه وهو في غير خندق ولا حصن ولا منعة منذ سبعة أشهر ينتصف منابل يفضل علينا في كل ما التقينا نحن وهو فبلغ كلامهما عبد الملك فصوب طارقا * حدثنا عمر قال حدثنا أبو الحسن عن رجاله قال كأنى أنظر إلى ابن الزبير وقد قتل غلاما أسود ضربه فعرقبه وهو يمر في حملته عليه ويقول صبرا يا ابن حام ففى مثل هذه المواطن تصبر الكرام * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى عبد الجبار بن عمارة عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال بعث الحجاج برأس ابن الزبير

[ 34 ]

ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة فنصبت بها ثم ذهب بها إلى عبد الملك بن مروان ثم دخل الحجاج مكة فبايع من بهامن قريش لعبد الملك بن مروان (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة ولى عبد الملك طارقا مولى عثمان المدينة فوليها خمسة أشهر (وفى هذه السنة) توفى بشر بن مروان في قول الواقدي وأما غيره فإنه قال كانت وفاته في سنة 74 (وفيها) أيضا وجه فيما ذكر عبد الملك بن مروان عمر بن عبيد الله بن معمر لقتال أبى فديك وأمره أن يندب معه من أحب من أهل المصرين فقدم الكوفة فندب أهلها فانتدب معه عشرة آلاف ثم قدم البصرة فندب أهلها فانتدب معه عشرة آلاف فأخرج لهم أرزاقهم وأعطياتهم فأعطوها ثم سار بهم عمر بن عبيد الله فجعل أهل الكوفة على الميمنة وعليهم محمد بن موسى بن طلحة وجعل أهل البصرة على الميسرة وعليهم ابن أخيه عمر بن موسى بن عبيد الله وجعل خيله في القلب حتى انتهوا إلى البحرين فصف عمر بن عبيد الله أصحابه وقدم الرجالة في أيديهم الرماح قد ألزموها الارض واستتروا بالبراذع فحمل أبو فديك وأصحابه حملة رجل واحد فكشفوا ميسرة عمر بن عبيد الله حتى ذهبوا في الارض إلا المغيرة بن المهلب ومعن بن المغيرة ومجاعة بن عبد الرحمن وفرسان الناس فإنهم مالوا إلى صف أهل الكوفة وهم ثابتون وارتث عمر بن موسى بن عبيد الله فهو في القتلى قد أثخن جراحه فلما رأى أهل البصرة أهل الكوفة لم ينهزموا تذمموا ورجعوا وقاتلوا وما عليهم أمير حتى مروا بعمر بن موسى بن عبيد الله جريحا فحملوه حتى أدخلوه عسكر الخوارج وفيه تبن كثير فأحرقوه ومالت عليهم الريح وحمل أهل الكوفة وأهل البصرة حتى استباحوا عسكرهم وقتلوا أبافديك وحصروهم في المشقر فنزلوا على الحكم فقتل عمر بن عبيد الله منهم فيما ذكر نحوا من ستة آلاف وأسر ثمانمائة وأصابوا جارية لامية بن عبد الله حبلى من أبى فديك وانصرفوا إلى البصرة (وفى هذه السنة) عرل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة وولاها أخاه بشر بن مروان فصارت ولايتها وولاية الكوفة إليه فشخص بشر لما ولى مع الكوفة البصرة إلى البصرة

[ 35 ]

واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث (وفيها) غزا محمد بن مروان الصائفة فهزم الروم وقيل إنه كان في هذه السنة وقعة عثمان بن الوليد بالروم في ناحية أرمينية وهو في أربعة آلاف والروم في ستين ألفا فهزمهم وأكثر القتل فيهم وأقام الحج في هذه السنة للناس الحجاج بن يوسف وهو على مكة واليمن واليمامة وعلى الكوفة والبصرة في قول الواقدي بشر بن مروان وفى قول غيره على الكوفة بشر بن مروان وعلى البصرة خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة وعلى خراسان بكير بن وشاح ثم دخلت سنة أربع وسبعين ذكر ما كان فيها من الاحداث الجليلة فمما كان فيها من ذلك عزل عبد الملك طارق بن عمرو عن المدينة واستعماله عليها الحجاج بن يوسف فقدمها فيما ذكر فأقام بها شهرا ثم خرج معتمرا (وفيها) كان فيما ذكر نقض الحجاج بن يوسف بنيان الكعبة الذى كان ابن الزبير بناه وكان إذ بناه أدخل في الكعبة الحجر وجعل لها بابين فأعادها الحجاج على بنائها الاول في هذه السنة ثم انصرف إلى المدينة في صفر فأقام بها ثلاثة أشهر يتعبث بأهل المدينة ويتعنتهم وبنى بها مسجدا في بنى سلمة فهو ينسب إليه واستخف فيها بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فختم في أعناقهم فذكر محمد بن عمران بن أبى ذيب حدثه عمن رأى جابر بن عبد الله مختوما في يده وعن ابن أبى ذيب عن إسحاق بن يزيد أنه رأى أنس بن مالك مختوما في عنقه يريد أن يذله بذلك قال ابن عمر وحدثني شرحبيل بن أبى عون عن أبيه قال رأيت الحجاج أرسل إلى سهل ابن سعد فدعاه فقال ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان قال قد فعلت قال كذبت ثم أمر به فختم في عنقه برصاص (وفيها) استقضى عبد الملك أبا إدريس الخولانى فيما ذكر الواقدي (وفى هذه السنة) شخص في قول بعضهم بشر بن مروان

[ 36 ]

من الكوفة إلى البصرة واليا عليها (وفى هذه السنة) ولى المهلب حرب الازارقة من قبل عبد الملك ذكر الخبر عن أمره وأمرهم فيها ولما صار بشر بالبصرة كتب عبد الملك إليه فيما ذكر هشام عن أبى مخنف عن يونس بن أبى اسحاق عن أبيه أما بعد فابعث المهلب في أهل مصره إلى الازارقة ولينتخب من أهل مصره وجوههم وفرسانهم وأولى الفضل والتجربة منهم فإنه أعرف بهم وخله ورأيه في الحرب فإنى أوثق شئ بتجربته ونصيحته للمسلمين وابعث من أهل الكوفة بعثا كثيفا وابعث عليهم رجلا معروفا شريفا حسيبا صليبا يعرف بالبأس والنجدة والتجربة للحرب ثم أنهض إليهم أهل المصرين فليتبعوهم أي وجه ما توجهوا حتى يبيدهم الله ويستأصلهم والسلام عليك فدعا بشر المهلب فأقرأه الكتاب وأمره أن ينتخب من شاء فبعث بجديع بن سعيد بن قبيصة ابن سراق الازدي وهو خال يزيد ابنه فأمره أن يأتي الديوان فينتخب الناس وشق على بشر أن أمرة المهلب جاءت من قبل عبد الملك فلا يستطيع أن يبعث غيره فأوغرت صدره عليه حتى كأنه كان له إليه ذنب ودعا بشر بن مروان عبد الرحمن ابن مخنف فبعثه على أهل الكوفة وأمره أن ينتخب فرسان الناس ووجوههم وأولى الفضل منهم والنجدة (قال أبو مخنف) فحدثني أشياخ الحى عن عبد الرحمن ابن مخنف قال دعاني بشر بن مروان فقال لى إنك قد عرفت منزلتك منى وأثرتك عندي وقد رأيت أن أوليك هذا الجيش للذى عرفت من جزئك وغنائك وشرفك وبأسك فكن عند أحسن ظنى بك انظر هذا الكذا كذا يقع في المهلب فاستبدل عليه بالامر ولا تقبلن له مشورة ولا رأيا وتنقصه وقصر به قال فترك أن يوصيني بالجند وقتال العدو والنظر لاهل الاسلام وأقبل يغرينى بابن عمى كأنى من السفهاء أو ممن يستصبى ويستجهل ما رأيت شيخا مثلى في مثل هيئتي ومنزلتي طمع منه في مثل ما طمع فيه هذا الغلام منى شب عمرو عن الطوق قال ولما رأى أنى لست بالنشيط إلى جوابه قال لى مالك قلت أصلحك الله وهل يسعنى إلا إنفاذ أمرك

[ 37 ]

في كل ما أحببت وكرهت قال امض راشدا قال فودعته وخرجت من عنده وخرج المهلب بأهل البصرة حتى نزل رام هرمز فلقى بها الخوارج فخندق عليه وأقبل عبد الرحمن بن مخنف بأهل الكوفة على ربع أهل المدينة معه بشر بن جرير وعلى ربع تميم وهمدان محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس وعلى ربع كندة وربيعة اسحاق بن محمد بن الاشعث وعلى ربع مذحج وأسد زحر بن قيس فأقبل عبد الرحمن حتى نزل من المهلب على ميل أو ميل ونصف حيث تراءى العسكران برام هرمز فلم يلبث الناس الا عشرا حتى أتاهم نعى بشر بن مروان وتوفى بالبصرة فارفض ناس كثير من أهل البصرة وأهل الكوفة واستخلف بشر خالد بن عبد الله بن أسيد وكان خليفته على الكوفة عمرو بن حريث وكان الذين انصرفوا من أهل الكوفة زحر بن قيس وإسحاق بن محمد بن الاشعث ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس فبعث عبد الرحمن بن مخنف ابنه جعفرا في آثارهم فرد إسحاق ومحمدا وفاته زحر ابن قيس فحبسهما يومين ثم أخذ عليهما أن لا يفارقاه فلم يلبثا إلا يوما حتى انصرفا فأخذا غير الطريق وطلبا فلم يلحقا وأقبلا حتى لحقا زحر بن قيس بالاهواز فاجتمع بها ناس كثير ممن يريد البصرة فبلغ ذلك خالد بن عبد الله فكتب إلى الناس كتابا وبعث رسولا يضرب وجوه الناس ويردهم فقدم بكتابه مولى له فقرأ الكتاب على الناس وقد جمعوا له بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن عبد الله إلى من بلغه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين سلام عليكم فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فإن الله كتب على عباده الجهاد وفرض طاعة ولاة الا مر فمن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ومن ترك الجهاد في الله كان الله عنه أغنى ومن عصى ولاة الامر والقوام بالحق أسخط الله عليه وكان قد استحق العقوبة في بشره وعرض نفسه لاستفاءة ماله وإلقاء عطائه والتسيير إلى أبعد الارض وشر البلدان أيها المسلمون اعلموا على من اجترأتم ومن عصيتم إنه عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين الذى ليست فيه غميزة ولا لاهل المعصية عنده رخصة سوطه على من عصى وعلى من خالف سيفه فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلا فإنى لم الكم نصيحة عباد الله أرجعوا

[ 38 ]

إلى مكتبكم وطاعة خليفتكم ولا ترجعوا عاصين مخالفين فيأتيكم ما تكرهون أقسم بالله لا أثقف عاصيا بعد كتابي هذا إلا قتلته إن شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وأخذ كلما قرأ عليهم سطرا أو سطرين قال له زحر أو جز فيقول له مولى خالد والله إنى لاسمع كلام رجل ما يريد أن يفهم ما يسمع أشهد لا يعيج بشئ مما في هذا الكتاب فقال له اقرأ أيها العبد الاحمر ما أمرت به ثم ارجع إلى أهلك فإنك لا تدرى ما في أنفسنا فلما فرغ من قراءته لم يلتفت الناس إلى ما في كتابه وأقبل زحر واسحاق بن محمد ومحمد بن عبد الرحمن حتى نزلوا قرية لآل الاشعث إلى جانب الكوفة وكتبوا إلى عمرو بن حريث أما بعد فإن الناس لما بلغهم وفاة الامير رحمة الله عليه تفرقوا فلم يبق معنا أحد فأقبلنا إلى الامير وإلى مصرنا وأحببنا أن لا ندخل الكوفة الا بإذن الامير وعلمه فكتب إليهم أما بعد فإنكم تركتم مكتبكم وقبلتم عاصين مخالفين فليس لكم عندنا إذن ولا أمان فلما أتاهم ذلك انتظروا حتى إذا كان الليل دخلوا إلى رحالهم فلم يزالوا مقيمين حتى قدم الحجاج بن يوسف (وفى هذه السنة) عزل عبد الملك بكير بن وشاح عن خراسان وولاها أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد ذكر الخبر عن سبب عزل بكير وولاية أمية وكانت ولاية بكير بن وشاح خراسان إلى حين قدم أمية عليها واليا سنتين في قول أبى الحسن وذلك أن ابن خازم قتل سنة 73 وقدم أمية سنة 74 وكان سبب عزل بكير عن خراسان أن بحيرا فيما ذكر على عن المفضل حبسه بكير بن وشاح لما كان منه فيما ذكرت في رأس ابن خازم حين قتله فلم يزل محبوسا عنده حتى استعمل عبد الملك أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد فلما بلغ ذلك بكرا أرسل إلى بحير ليصالحه فأبى عليه وقال ظن بكير أن خراسان تبقى له في الجماعة فمشت السفراء بينهم فأبى بحير فدخل عليه ضرار بن حصين الضبى فقال ألا أراك مائقا يرسل اليك ابن عمك يعتذر اليك وأنت أسيره والمشرفي في يده ولو قتلك ما حبقت فيك عنز ولا تقبل منه ما أنت بموفق اقبل الصلح وأخرج وأنت على أمرك فقبل مشورته وصالح بكيرا فأرسل إليه بكير بأربعين ألفا وأخذ على بحير أن لا يقاتله وكانت تميم قد

[ 39 ]

اختلفت بخراسان فصارت مقاعس والبطون يتعصبون له فخاف أهل خراسان أن تعود الحرب وتفسد البلاد ويقهرهم عدوهم من المشركين فكتبوا إلى عبد الملك ابن مروان إن خراسان لا تصلح بعد الفتنة إلا على رجل من قريش لا يحسدونه ولا يتعصبون عليه فقال عبد الملك خراسان ثغر المشرق وقد كان به من الشر ما كان وعليه هذا التميمي وقد تعصب الناس وخافوا أن يصيروا إلى ما كانوا عليه فهلك الثغر ومن فيه وقد سألوا ان أولى أمرهم رجلا من قريش فيسمعوا له ويطيعوا فقال أمية بن عبد الله يا أمير المؤمنين تداركهم برجل منك قال لولا انحيازك عن أبى فديك كنت ذلك الرجل قال يا أمير المؤمنين والله ما انحزت حتى لم أجد مقاتلا وخذلني الناس فرأيت أن انحيازي ؟ ؟ إلى فئة أفضل من تعريضي عصبة بقيت من المسلمين للهلكة وقد علم ذلك مرار بن عبد الرحمن بن أبى بكرة وكتب اليك خالد بن عبد الله بما بلغه من عذرى قال وكان خالد كتب إليه بعذره ويخبره أن الناس قد خذلوه فقال مرار صدق أمية يا أمير المؤمنين لقد صبر حتى لم يجد مقاتلا وخذله الناس فولاه خراسان وكان عبد الملك يحب أمية ويقول نتيجتى أي لدتى ققال الناس ما رأينا أحدا عوض من هزيمة ما عوض أمية فر من أبى فديك فاستعمل على خراسان فقال رجل من بكر بن وائل في محبس بكير بن وشاح أتتك العيس تنفخ في براها * تكشف عن مناكبها القطوع كأن مواقع الاكرار منها * حمام كنائس بقع وقوع بأبيض من أمية مضرحى * كأن جبينه سيف صنيع وبحير يومئذ بالسنج يسأل عن مسير أمية فلما بلغه أنه قد قارب أبرشهر ؟ ؟ قال لرجل من عجم أهل مرو يقال له رزين أو زرير دلنى على طريق قريب لالقى الامير قبل قدومه ولك كذا وكذا وأجزل لك العطية وكان عالما بالطريق فخرج به فسار من السنج إلى أرض سرخس في ليلة ثم مضى به إلى نيسابور فوافى أمية حين قدم أبر شهر فلقيه فأخبره عن خراسان وما يصلح أهلها وتحسن به طاعتهم ويخف على بكير أموالا أصابها وحذره غدره قال وسار معه حتى قدم مرو وكان أمية سيدا

[ 40 ]

كريما فلم يعرض لبكير ولا لعماله وعرض عليه أن يوليه شرطته فأبى بكير فولاها بحير بن ورقاء فلام بكيرا رجال من قومه فقالوا أبيت أن تلى فولى بحيرا وقد عرفت ما بينكما قال كنت أمس والى خراسان تحمل الحراب بين يدى فأصبر اليوم على الشرطة أحمل الحربة وقال أمية لبكير اختر ما شئت من عمل خراسان قال طخارستان قال هي لك قال فتجهز بكير وأنفق مالا كثيرا فقال بحير لامية إن أتى بكير طخارستان خلعك فلم يزل يحذره حتى حذر فأمره بالمقام عنده (وحج) بالناس في هذه السنة الحجاج بن يوسف وكان ولى قضاء المدينة عبد الله ابن قيس بن مخرمة قبل شخوصه إلى المدينة كذلك ذكر ذلك عن محمد بن عمرو كان على المدينة ومكة الحجاج بن يوسف وعلى الكوفة والبصرة بشر بن مروان وعلى خراسان أمية بن عبد الله خالد بن أسيد وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة وقد ذكر أن عبد الملك بن مروان اعتمر في هذه السنة ولا نعلم صحة ذلك. ثم دخلت سنة خمس وسبعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك غزوة محمد بن مروان الصائفة حين خرجت الروم من قبل مرعش (وفى هذه السنة) ولى عبد الملك يحيى بن الحكم بن أبى العاص المدينة (وفى هذه السنة) ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف العراق دون خراسان وسجستان (وفيها) قدم الحجاج الكوفة * فحدثني أبو زيد قال حدثنى محمد بن يحيى أبو غسان عن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال خرج الحجاج بن يوسف من المدينة حين أتاه كتاب عبد الملك بن مروان بولاية العراق بعد وفاة بشر بن مروان في اثنى عشر راكبا على النجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار فجاءة وقد كان بشر بعث المهلب إلى الحرورية فبدأ بالمسجد فدخله ثم صعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء فقال على بالناس فحسبوه وأصحابه خارجة فهموا به

[ 41 ]

حتى إذا اجتمع إليه الناس قام فكشف عن وجهه وقال أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني أما والله إنى لاحمل الشر محمله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله وإنى لارى رؤسا قد أينعت وحان قطافها وإنى لانظر إلى الدماء بين العمائم واللحى قد شمرت عن ساقها تشميرا هذا أوان الشد فاشتدى ريم * قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعى إبل ولا غنم * ولا بجزار على ظهر وضم قد لفها الليل بعصلبى * أورع خراج من الدوى مهاجر ليس بأعرابى ليس أوان يكره الخلاط * جاءت به والقلص الاعلاط تهوى هوى سابق الغطاط وإنى والله يا أهل العراق ما أغمز كتغماز التين ولا يقعقع لى بالشنان ولقد فررت عن ذكاء وجريت إلى الغاية القصوى إن أمير المؤمنين عبد الملك نثر كنانته ثم عجم عيدانها فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا فوجهني إليكم فإنكم طالما أوضعتم في الفتن وسننتم سنن الغى أما والله لالحونكم لحو العود ولا عصبنكم عصب السلمة ولاضربنكم ضرب غرائب الابل إنى والله لا أعد إلا وفيت ولا أخلق إلا فريت فإياى وهذه الجماعات وقيلا وقالا وما يقول فيم أنتم وذاك والله لتستقيمن على سبل الحق أو لادعن لكل رجل منكم شغلا في جسده من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه وأنهبت ماله ثم دخل منزله ولم يزد على ذلك قال ويقال إنه لما طال سكوته تناول محمد بن عمير حصى فأراد أن يحصبه بها وقال قاتله الله ما أعياه وأدمه والله إنى لا حسب خبره كروائه فلما تكلم الحجاج جعل الحصى ينتثر من يده ولا يعقل به وأن الحجاج قال في خطبته شاهت الوجوه إن الله ضرب مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون وأنتم أولئك وأشباه

[ 42 ]

أولئك فاستوثقوا واستقيموا فوالله لا ذيقنكم الهوان حتى تدروا ولا عصبنكم عصب السلمة حتى تنقادوا أقسم بالله لتقبلن على الانصاف ولتدعن الارجاف وكان وكان وأخبرني فلان عن فلان والهبر وما الهبر أو لاهبرنكم بالسيف هبرا يدع النساء أيامى والولدان يتامى وحتى تمشوا السمهى وتقلعوا عن هاوها إياى وهذه الزرافات لا يركبن الرجل منكم إلا وحده ألا إنه لو ساغ لاهل المعصية معصيتهم ماجبى في ولا قوتل عدو ولعطلت الثغور ولولا أنهم يغزون كرها ما غزوا طوعا وقد بلغني رفضكم المهلب وإقبالكم على مصركم عصاة مخالفين وإنى أقسم لكم بالله لا أجد أحدا بعد ثالثة إلا ضربت عنقه ثم دعا العرفاء فقال ألحقوا الناس بالمهلب وأتوني بالبراآت بموافاتهم ولا تغلقن أبواب الجسر ليلا ولا نهارا حتى تنقضي هذه المدة (تفسير الخطبة) قوله أنا ابن جلا فابن جلا الصبح لانه يجلو الظلمة والثنايا ما صغر من الجبال ونتا وأينع الثمر بلغ إدراكه وقوله فاشتدى زيم فهى اسم للحرب والحطم الذى يحطم كل شئ يمر به والوضم ما وقى به اللحم من الارض والعصلبي الشديد والدوية الارض الفضاء التى يسمع فيها دوى أخفاف الابل وإلا علاط الابل التى لا أرسان عليها أنشد أبو زيد الاصمعي وأعرورت العلط العرضى تركضه * أم الفوارس بالديداء والربعه والشنان جمع شنة القربة البالية اليابسة قال الشاعر كأنك من جمال بنى أقيش * يقعقع خلف رجليه بشن وقوله فعجم عيدانها أي غضها والعجم بفتح الفاء حب الزبيب قال الاعشى وملفوظها كلقيط العجم وقوله أمرها عودا أي أصلبها يقال حبل ممر إذا كان شديد الفتل وقوله لاعصبنكم عصب السلمة فالعصب القطع والسلمة شجرة من العضاه وقوله لا أخلق إلا فريت فالخلق التقدير قال الله تعالى (من نطفة مخلقة وغير مخلقة) أي مقدرة وغير مقدرة يعنى ما يتم وما يكون سقطا قال الكميت يصف قربة لم تجشم الخالقات فريتها * ولم يفض من نطاقها السرب

[ 43 ]

وإنما وصف حواصل الطير يقول ليست كهذه وصخرة خلقاء أي ملساء قال الشاعر وبهو هواء فوق مور كأنه * من الصخرة الخلقاء زحلوق ملعب ويقال فريت الاديم إذا أصلحته وأفريت بالالف إذا أنت أفسدته والسمهى الباطل قال أبو عمرو الشيباني وأصله ما تسميه العامة مخاط الشيطان وهو لعاب الشمس عند الظهيرة قال أبو النجم العجلى وذاب للشمس لعاب فنزل * وقام ميزان الزمان فاعتدل والزرافات: الجماعات. تم التفسير (قال أبو جعفر) قال عمر فحدثني محمد بن يحيى عن عبد الله بن أبى عبيدة قال فلما كان اليوم الثالث سمع تكبيرا في السوق فخرج حتى جلس على المنبر فقال يا أهل العراق وأهل الشقاق والنفاق ومساوئ الاخلاق إنى سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذى يراد الله به في الترغيب ولكنه التكبير الذى يراد به الترهيب وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف يا بنى اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الايامى ألا يربع رجل منكم على ظلعه ويحسن حقن دمه ويبصر موضع قدمه فأقسم بالله لاوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها وأدبا لما بعدها * قوله تحتها قصف فهو شدة الريح واللكعاء الورهاء وهى الحمقاء من الاماء والظلع الضعف والوهن من شدة السير وقوله تهوى هوى سابق الغطاط فالغطاط بضم الغين ضرب من الطير قال الاصمعي الغطاط بفتح الغين ضرب من الطير وأنشد لحسان بن ثابت يغشون حتى ما تهر كلابهم * لا يسألون عن الغطاط المقبل بفتح الغين قال والغطاط بضم الغين اختلاط الضوء بالظلمة من آخر الليل قال الراجز قام إلى أدماء في الغطاط * يمشى بمثل قائم الفسطاط (تم التفسير) قال فقام إليه عمير بن ضابئ التميمي ثم الحنظلي فقال أصلح الله الامير أنا في هذا البعث وأنا شيخ كبير عليل وهذا ابني وهو أشب منى قال ومن أنت قال عمير بن ضابئ التميمي قال أسمعت كلامنا بالامس قال نعم قال ألست الذى غزا أمير المؤمنين عثمان قال بلى قال وما حملك على ذلك قال كان

[ 44 ]

حبس أبى وكان شيخا كبيرا قال أو ليس يقول هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكى حلائله إنى لا حسب في قتلك صلاح المصرين قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه فقام إليه رجل فضرب عنقه وأنهب ماله ويقال ان عنبسة بن سعيد قال للحجاج أتعرف هذا قال لا قال هذا أحد قتلة أمير المؤمنين عثمان فقال الحجاج يا عدو الله أفلا إلى أمير المؤمنين بعثت بديلا ثم أمر بضرب عنقه وأمر مناديا فنادى ألا إن عمير ابن ضابئ أتى بعد ثالثة وقد كان سمع النداء فأمرنا بقتله ألا فإن ذمة الله بريئة ممن بات الليلة من جند المهلب فخرج الناس فازدحموا على الجسر وخرجت العرفاء إلى المهلب وهو برامهرمز فأخذوا كتبه بالموافاة فقال المهلب قدم العراق اليوم رجل ذكر اليوم قوتل العدو قال ابن أبى عبيدة في حديثه فعبر الجسر تلك الليلة أربعة آلاف من مذحج فقال المهلب قدم العراق رجل ذكر قال عمر عن أبى الحسن قال لما قرأ عليهم كتاب عبد الملك قال القارئ أما بعد سلام عليكم فانى أحمد اليكم الله فقال له اقطع يا عبيد العصا أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا يرد راد منكم السلام هذا أدب ابن نهية أما والله لاؤدبنكم غير هذا الادب ابدأ بالكتاب فلما بلغ إلى قوله أما بعد سلام عليكم لم يبق منهم أحد إلا قال وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله قال عمر حدثنى عبد الملك بن شيبان بن عبد الملك بن مسمع قال حدثنى عمر وبن سعيد قال لما قدم الحجاج الكوفه خطبهم فقال إنكم قد اخللتم بعسكر المهلب فلا يصبحن بعد ثالثة من جنده أحد فلما كان بعد ثالثة أبى رجل يستدمى فقال من بك قال عمير ابن ضابئ البرجمى أمرته بالخروج إلى معسكره فضربني وكذب عليه فأرسل الحجاج إلى عمير بن ضابئ فأتى به شيخا كبيرا فقال له ما خلفك عن معسكرك قال أنا شيخ كبير لا حراك بئ فأرسلت ابني بديلا فهو أجلد منى جلدا وأحدث منى سنا فسل عما أقول لك فإن كنت صادقا وإلا فعاقبني قال فقال عنبسة بن سعيد هذا الذى أتى عثمان قتيلا فلطم وجهه ووثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه فأمر به الحجاج فضربت عنقه قال عمر وبن سعيد فوالله إنى لا سير بين الكوفة والحيرة إذ سمعت رجزا مضريا فعدلت إليهم فقلت ما الخبر فقالوا قدم علينا رجل

[ 45 ]

من شر أحياء العرب من هذا الحى من ثمود أسقف الساقين ممسوح الجاعرتين أخفش العينين فقدم سيد الحى عمير بن ضابئ فضرب عنقه ولما قتل الحجاج عمير ابن ضابئ لقى ابراهيم بن عامر أحد بنى غاضرة من بنى أسد عبد الله بن الزبير في السوق فسأله عن الخبر فقال ابن الزبير أقول لابراهيم لما لقيته * أرى الامر أمسى منصبا متشعبا تجهز وأسرع والحق الجيش لا أرى * سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا تخير فاما أن تزور ابن ضابئ * عميرا وإما أن تزور المهلبا هما خطتا كره نجاؤك منهما * ركوبك حوليا من الثلج أشهبا فحال ولو كانت خراسان دونه * رآها مكان السوق أو هي أقربا فكأن ترى من مكره العود مسمن * تحمم حنو السرج حتى تحنبا وكان قدوم الحجاج الكوفة فيما قيل في شهر رمضان من هذه السنة فوجه الحكم بن أيوب الثقفى على البصرة أميرا وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله فلما بلغ خالدا الخبر خرج من البصرة قبل أن يدخلها الحكم فنزل الجلحاء وشيعه أهل البصرة فلم يبرح مصلاه حتى قسم فيهم ألف ألف (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الملك بن مروان حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر ووفد يحيى بن الحكم في هذه السنة على عبد الملك ابن مروان واستخلف على عمله بالمدينة أبان بن عثمان وأمر عبد الملك يحيى بن الحكم أن يقر على عمله على ما كان عليه بالمدينة وعلى الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف وعلى خراسان أمية بن عبد الله وعلى قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة زرارة بن أوفى (وفى هذه السنة) خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة واستخلف على الكوفة أبا يعفور عروة بن المغيرة بن شعبة فلم يزل عليها حتى رجع إليها بعد وقعة رستقباذ (وفى هذه السنة) ثار الناس بالحجاج بالبصرة ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به ذكر هشام عن أبى مخنف عن أبى زهير العبسى قال خرج الحجاج بن يوسف

[ 46 ]

من الكوفة بعد ما قدمها وقتل ابن ضابئ من فوره ذلك حتى قدم البصرة فقام فيها بخطبة مثل الذى قام بها في أهل الكوفة وتوعدهم مثل وعيده اياهم فأتى برجل من بنى يشكر فقيل هذا عاص فقال إن بى فتقا وقد رآه بشر فعذرني وهذا عطائي مردود في بيت المال فلم يقبل منه وقتله ففزع لذلك أهل البصرة فخرجوا حتى تداكوا على العارض بقنطرة رامهرمز فقال المهلب جاء الناس رجل ذكر وخرج الحجاج حتى نزل رستقباذ في أول شعبان سنة 75 فثار الناس بالحجاج عليهم عبد الله بن الجارود فقتل عبد الله بن الجارود وبعث بثمانية عشر رأسا فنصبت برامهرمز للناس فاشتدت ظهور المسلمين وساء ذلك الخوارج وقد كانوا رجوا أن يكون من الناس فرقة واختلاف فانصرف الحجاج إلى البصرة وكان سبب أمر عبد الله بن الجارود أن الحجاج لما ندب الناس إلى اللحاق بالمهلب بالبصرة فشحصوا سار الحجاج حتى نزل رستقباذ قريبا من دستوى في آخر شعبان ومعه وجوه أهل البصرة وكان بينه وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا فقام في الناس فقال ان الزيادة التى زادكم ابن الزبير في أعطياتكم زيادة فاسق منافق ولست أجيزها فقام إليه عبد الله بن الجارود العبدى فقال إنها ليست بزيادة فاسق منافق ولكنها زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أثبتها لنا فكذبه وتوعده فخرج ابن الجارود على الحجاج وتابعه وجوه الناس فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل ابن الجارود وجماعة من أصحابه وبعث برأسه ورؤس عشرة من أصحابه إلى المهلب وانصرف إلى البصرة وكتب إلى المهلب وإلى عبد الرحمن بن مخنف أما بعد إذا أتاكم كتابي هذا فناهضوا الخوارج والسلام (وفى هذه السنة) نفى المهلب وابن مخنف الازارقة عن رامهرمز ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهم في هذه السنة (ذكر هشام) عن أبى مخنف عن أبى زهير العبسى قال ناهض المهلب وابن مخنف الازارقة برامهرمز بكتاب الحجاج إليهما لعشر بقين من شعبان يوم الاثنين سنة 75 فأجلوهم عن رامهرمز من غير قتال شديد ولكنهم زحفوا إليهم حتى أزالوهم وخرج القوم كأنهم على حامية حتى نزلوا سابور بأرض منها يقال لها

[ 47 ]

كازرون وسار المهلب وعبد الرحمن بن مخنف حتى نزلوا بهم في أول رمضان فخندق المهلب عليه فذكر أهل البصرة أن المهلب قال لعبد الرحمن بن مخنف إن رأيت إن تخندق عليك فافعل وإن أصحاب عبد الرحمن أبوا عليه وقالوا إنما خندقنا سيوفنا وإن الخوارج زحفوا إلى المهلب ليلا ليبيتوه فوجدوه قد أخذ حذره فمالوا نحو عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه لم يخندق فقاتلوه فانهزم عنه أصحابه فنزل فقاتل في أناس من أصحابه فقتل وقتلوا حوله فقال شاعرهم لمن العسكر المكلل بالصر * عى فهم بين ميت وقتيل فتراهم تسفى الرياح عليهم * حاصب الرمل بعد جر الذيول وأما أهل الكوفة فإنهم ذكروا أن كتاب الحجاج بن يوسف أتى المهلب وعبد الرحمن بن مخنف أن ناهضا الخوارج حين يأتيكما كتابي فناهضاهم يوم الاربعاء لعشر بقين من رمضان سنة 75 واقتتلوا قتالا شديدا لم يكن بينهم فيما مضى قتال كان أشد منه وذلك بعد الظهر فمالت الخوارج بحدها على المهلب بن أبى صفرة فاضطروه إلى عسكره فسرح إلى عبد الرحمن رجالا من صلحاء الناس فأتوه فقالوا إن المهلب يقول لك إنما عدونا واحد وقد ترى ما قد لقى المسلمون فأمد إخوانك يرحمك الله فأخذ يمده بالخيل بعد الخيل والرجال بعد الرجال فلما كان بعد العصر ورأت الخوارج ما يجئ من عسكر عبد الرحمن من الخيل والرجال إلى عسكر المهلب ظنوا أنه قد خف أصحابه فجعلوا خمس كتائب أو ستا تجاه عسكر المهلب وانصرفوا بجدهم وجمعهم إلى عبد الرحمن بن مخنف فلما رآهم قد صمدوا له نزل ونزل معه القراء عليهم أبو الاحوص صاحب عبد الله بن مسعود وخزيمة ابن نصر أبو نصر بن خزيمة العبسى الذى قتل مع زيد بن على وصلب معه بالكوفة ونزل معه من خاصة قومه أحد وسبعون رجلا وحملت عليهم الخوارج فقاتلتهم قتالا شديدا ثم إن الناس انكشفوا عنه فبقى في عصابة من أهل الصبر ثبتوا معه وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن بعثه إلى المهلب فنادى في الناس ليتبعوه إلى أبيه فلم يتبعه إلا ناس قليل فجاء حتى إذا دنا من أبيعه حالت الخوارج بينه وبين

[ 48 ]

أبيه فقاتل حتى ارتثته الخوارج وقاتل عبد الرحمن بن مخنف ومن معه على تل مشرف حتى ذهب نحو من ثلثى الليل ثم قتل في تلك العصابة فلما أصبحوا جاء المهلب حتى أتاه فدفنه وصلى عليه وكتب بمصابه إلى الحجاج فكتب بذلك الحجاج إلى عبد الملك بن مروان فنعى عبد الرحمن بمنى وذم أهل الكوفة وبعث الحجاج على عسكر عبد الرحمن بن مخنف عتاب بن ورقاء وأمره إذا ضمتهما الحرب أن يسمع للمهلب ويطيع فساءه ذلك فلم يجد بدا من طاعة الحجاج ولم يقدر على مراجعته فجاء حتى أقام في ذلك العسكر وقاتل الخوارج وأمره إلى المهلب وهو في ذلك يقضى أموره ولا يكاد يستشير المهلب في شئ فلما رأى ذلك المهلب اصطنع رجالا من أهل الكوفة فيهم بسطام من مصقلة بن هبيرة فأغراهم بعتاب (قال أبو مخنف) عن يوسف بن يزيد أن عتابا أتى المهلب يسأله أن يرزق أصحابه فأجلسه المهلب معه على مجلسه قال فسأله أن يرزق أصحابه سؤالا فيه غلظة وتجهم قال فقال له المهلب وإنك لههنا يا ابن اللخناء فبنو تميم يزعمون أنه رد عليه وأما يوسف بن يزيد وغيره فيزعمون أنه قال والله إنها لمعمة محولة ولوددت أن الله فرق بينى وبينك قال فجرى بينهما الكلام حتى ذهب المهلب ليرفع القضيب عليه فوثب عليه ابنه المغيرة فقبض على القضيب وقال أصلح الله الامير شيخ من أشياخ العرب وشريف من أشرافهم إن سمعت منه بعض ما تكرهه فاحتمله له فإنه لذلك منك أهل ففعل وقام عتاب فرجع من عنده واستقبله بسطام بن مصقلة يشتمه ويقع فيه * فلما رأى ذلك كتب إلى الحجاج يشكو إليه المهلب ويخبره أنه قد أغرى به سفهاء أهل المصر ويسأله أن يضمه إليه فوافق ذلك من الحجاج حاجة إليه فيما لقى أشراف الكوفة من شبيب فبعث إليه أن اقدم واترك أمر ذلك الجيش إلى المهلب فبعث المهلب عليه حبيب بن المهلب وقال حميد بن مسلم يرثى عبد الرحمن بن مخنف إن يقتلوك أبا حكيم غدوة * فلقد تشد وتقتل الا بطالا أو يثكلونا سيدا لمسود * سمح الخليقة ماجدا مفضالا

[ 49 ]

فلمثل قتلك هد قومك كلهم * من كان يحمل عنهم الاثقالا من كان يكشف غرمهم وقتالهم * يوما إذا كان القتال نزالا أقسمت ما نيلت مقاتل نفسه * حتى تدرع من دم سر بالا وتناجز الابطال تحت لوائه * بالمشرفية في الاكف نصالا يوما طويلا ثم آخر ليلهم * حين استبانوا في السماء هلالا وتكشفت عنه الصفوف وخيله * فهناك نالته الرماح فمالا وقال سراقة بن مرادس البارقى أعيني جودا بالدموع السواكب * وكونا كواهى شنة مع راكب على الازد لما أن اصيب سراتهم * فنوحا لعيش بعد ذلك خائب نرجى الخلود بعدهم وتعوقنا * عوائق موت أو قراع الكتائب وكنا بخير قبل قتل ابن مخنف * وكل امرئ يوما لبعض المذاهب أمار دموع الشيب من أهل مصره * وعجل في الشبان شيب الذوائب وقاتل حتى مات أكرم ميتة * وخر على خد كريم وحاجب وضارب عنه المارقين عصابة * من الازد تمشى بالسيوف القواضب فلا ولدت أنثى ولا آب غائب * إلى أهله إن كان ليس بآيب فيا عيني ابكى مخنفا وابن مخنف * وفرسان قوى قصرة وأقاربي وقال سراقة أيضا يرثى عبد الرحمن بن مخنف: ثوى سيد الازدين أزد شنوءة * وأزد عمان رهن رمس بكازر وضارب حتى مات أكرم ميتة * بأبيض صاف كالعقيقة باتر وصرع حول التل تحت لوائه * كرام المساعى من كرام المعاشر قضى نحبه يوم اللقاء ابن مخنف * وأدبر عنه كل ألوث داثر أمد فلم يمدد فراح مشمرا * إلى الله لم يذهب بأثواب غادر وأقام المهلب بسابور يقاتلهم نحوا من سنة (وفى هذه السنة) تحرك صالح بن

[ 50 ]

مسرح أحد بنى امرئ القيس وكان يرى رأى الصفرية وقيل إنه أول من خرج من الصفرية ذكر الخبر عن تحرك صالح للخروج وما كان منه في هذه السنة ذكر أن صالح بن مسرح أحد بنى امرئ القيس حج سنه 75 ومعه شبيب بن يزيد وسويد والبطين وأشباههم وحج في هذه السنة عبد الملك بن مروان فهم شبيب بالفتك به وبلغه ذرء من خبرهم فكتب إلى الحجاج بعد انصرافه يأمره بطلبهم وكان صالح يأتي الكوفة فيقيم بها الشهر ونحوه فيلقى أصحابه ليعدهم فنبت بصالح الكوفة لما طلبه الحجاج فتنكبها ثم دخلت سنة ست وسبعين ذكر الكائن من الاحداث فيها فمن ذلك خروج صالح بن مسرح ذكر الخبر عن خروج صالح بن مسرح وعن سبب خروجه وكان سبب خروجه فيما ذكر هشام عن أبى مخنف عن عبد الله بن علقمة عن قبيصة بن عبد الرحمن الخثعمي أن صالح بن مسرح التميمي كان رجلا ناسكا مخبتا مصفر الوجه صاحب عبادة وأنه كان بدارا وأرض الموصل والجزيرة له أصحاب يقرئهم القرآن ويفقههم ويقص عليهم فكان قبيصة بن عبد الرحمن حدث أصحابنا أن قصص صالح بن مسرح عنده وكان ممن يرى رأيهم فسألوه أن يبعث بالكتاب إليهم ففعل وكان قصصه الحمد لله الذى خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون اللهم إنا لا نعدل بك ولا نحفد إلا اليك ولا نعبد إلا إياك لك الخلق والامر ومنك النفع والضر واليك المصير ونشهد أن محمدا عبدك الذى اصطفيته ورسولك الذى اخترته وارتضيته لتبليغ رسالاتك ونصيحة عبادك ونشهد أنه قد بلغ الرسالة ونصح للامة ودعا إلى الحق وقام بالقسط ونصر الدين وجاهد المشركين حتى توفاه الله صلى الله عليه وسلم أوصيكم بتقوى

[ 51 ]

الله والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وكثرة ذكر الموت وفراق الفاسقين وحب المؤمنين فإن الزهادة في الدنيا ترغب العبد فيما عند الله وتفرغ بدنه لطاعة الله وإن كثرة ذكر الموت يخيف العبد من ربه حتى يجأره إليه ويستكين له وإن فراق الفاسقين حق على المؤمنين قال الله في كتابه (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) وإن حب المؤمنين للسبب الذى ينال به كرامة الله ورحمته وجنته جعلنا الله وإياكم من الصادقين الصابرين ألا إن من نعمة الله على المؤمنين أن بعث فيهم رسولا من أنفسهم فعلمهم الكتاب والحكمة وزكاهم وطهرهم ووفقهم في دينهم وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما حتى قبضه الله صلوات الله عليه ثم ولى الامر من بعده التقى الصديق على الرضا من المسلمين فاقتدى بهديه واستن بسنته حتى لحق بالله رحمه الله واستخلف عمر فولاه الله أمر هذه الرعية فعمل بكتاب الله وأحيا سنة رسول الله ولم يحنق في الحق على جرته ولم يخف في الله لومة لائم حتى لحق به رحمة الله عليه وولى المسلمين من بعده عثمان فاستأثر بالفئ وعطل الحدود وجار في الحكم واستذل المؤمن وعزز المجرم فسار إليه المسلمون فقتلوه فبرئ الله منه ورسوله وصالح المؤمنين وولى أمر الناس من بعده على بن أبى طالب فلم ينشب أن حكم في أمر الله الرجال وشك في أهل الضلال وركن وأدهن فنحن من على وأشياعه برآء فتيسروا رحمكم الله لجهاد هذه الاحزاب المتحزبة وأئمة الضلال الظلمة وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء واللحاق باخواننا المؤمنين الموقنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة وأنفقوا أموالهم التماس رضوان الله في العاقبة ولا تجزعوا من القتل في الله فإن القتل أيسر من الموت والموت نازل بكم غير ما ترجم الظنون فمفرق بينكم وبين أبائكم وأبنائكم وحلائلكم ودنياكم وإن اشتد لذلك كرهكم وجزعكم ألا فبيعوا الله أنفسكم طائعين وأموالكم تدخلوا الجنة آمنين وتعانقوا الحور العين جعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين الذين يهدون بالحق وبه يعدلون (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الله بن علقمة قال بينا أصحاب صالح يختلفون إليه إذ قال لهم

[ 52 ]

ذات يوم ما أدرى ما تنتظرون وحتى متى أنتم مقيمون هذا الجور قد فشا وهذا العدل قد عفا ولا تزداد هذه الولاة على الناس إلا غلوا وعتوا وتباعدا عن الحق وجرأة على الرب فاستعدوا وابعثوا إلى إخوانكم الذين يريدون من إنكار الباطل والدعاء إلى الحق مثل الذى تريدون فيأتوكم فنلتقى وننظر فيما نحن صانعون وفى أي وقت إن خرجنا نحن خارجون قال فتراسل أصحاب صالح وتلاقوا في ذلك فبيناهم في ذلك إذ قدم عليهم المحلل بن وائل اليشكرى بكتاب من شبيب إلى صالح بن مسرح أما بعد فقد علمت أنك كنت أردت الشخوص وقد كنت دعوتني إلى ذلك فاستجبت لك فإن كان ذلك اليوم من شأنك فأنت شيخ المسلمين ولن نعدل بك منا أحدا وإن أردت تأخير ذلك اليوم أعلمتني فإن الآجال غادية ورائحة ولا آمن أن تختر منى المنية ولما أجاهد الظالمين فياله غبنا ويا له فضلا متروكا جعلنا الله وإياك ممن يريد بعمله الله ورضوانه والنظر إلى وجهه ومرافقة الصالحين في دار السلام والسلام عليك قال فلما قدم على صالح المحلل بن وائل بذلك الكتاب من شبيب كتب إليه صالح أما بعد فقد كان كتابك وخبرك أبطأ عنى حتى أهمنى ذلك ثم إن أمراء من المسلمين نبأنى بنبإ مخرجك ومقدمك فنحمد الله على قضاء ربنا وقد قدم على رسولك بكتابك فكل ما فيه قد فهمته ونحن في جهاز واستعداد للخروج ولم يمنعنى من الخروج إلا انتظارك فأقبل الينا ثم اخرج بنا متى ما أحببت فإنك ممن لا يستغنى عن رأيه ولا تقضى دونه الامور والسلام عليك * فلما قدم على شبيب كتابه بعث إلى نفر من أصحابه فجمعهم إليه منهم أخوه مصاد بن يزيد بن نعيم والمحلل بن وائل اليشكرى والصقر بن حاتم من بنى تيم بن شيبان وإبراهيم بن حجر أبو الصقير من بنى محلم والفضل بن عامر من بنى ذهل بن شيبان ثم خرج حتى قدم على صالح بن مسرح بدارا فلما لقيه قال اخرج بنا رحمك الله فوالله ما تزداد السنة إلا دروسا ولا يزداد المجرمون إلا طغيانا فبث صالح رسله في أصحابه وواعدهم الخروج في هلال صفر ليلة الاربعاء سنة 76 فاجتمع بعضهم إلى بعض وتهيأوا وتيسروا للخروج في تلك الليلة واجتمعوا

[ 53 ]

جميعا عنده في تلك الليلة لميعاده (قال أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط الازدي قال والله إنى لمع شبيب بالمدائن إذ حدثنا عن مخرجهم قال لما هممنا بالخروج اجتمعنا إلى صالح بن مسرح ليلة خرج فكان رأيى استعراض الناس لما رأيت من المنكر والعدوان والفساد في الارض فقمت إليه فقلت يا أمير المؤمنين كيف ترى في السيرة في هؤلاء الظلمة أنقتلهم قبل الدعاء أم ندعوهم قبل القتال وسأخبرك برأيى فيهم قبل أن تخبرني فيهم برأيك أما أنا فأرى أن نقتل كل من لا يرى رأينا قريبا كان أو بعيدا فانا نخرج على قوم غاوين طاغين باغين قد تركوا أمر الله واستحوذ عليهم الشيطان فقال لا بل ندعوهم فلعمري لا يجيبك إلا من يرى رأيك وليقاتلنك من يزرى عليك والدعاء أقطع لحجتهم وأبلغ في الحجة عليهم قال فقلت له فكيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا به ما تقول في دمائهم وأموالهم فقال إن قتلنا وغنمنا فلنا وإن تجاوزنا وعفونا فموسع علينا ولنا قال فأحسن القول وأصاب رحمة الله عليه وعلينا (قال أبو مخنف) فحدثني رجل من بنى محلم أن صالح بن مسرح قال لاصحابه ليلة خرج اتقوا الله عباد الله ولا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس إلا أن يكونوا قوما يريدونكم وينصبون لكم فانكم إنما خرجتم غضبا لله حيث انتهكت محارمه وعصى في الارض فسفكت الدماء بغير حلها وأخذت الاموال بغير حقها فلا تعيبوا على قوم أعمالا ثم تعملوا بها فان كل ما أنتم عاملون أنتم عنه مسؤلون وإن عظمكم رجالة وهذه دواب لمحمد بن مروان في هذا الرستاق فابدؤا بها فشدوا عليها فاحملوا أرجلكم وتقووا بها على عدوكم فخرجوا فأخذوا تلك الليلة الدواب فحملوا رجالتهم عليها وصارت رجالتها فرسانا وأقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة وتحصن منهم أهل دارا وأهل نصيبين وأهل سنجار وخرج صالح ليلة خرج في مائة وعشرين وقيل في مائة وعشرة قال وبلغ مخرجهم محمد بن مروان وهو يومئذ أمير الجزيرة فاستخف بأمرهم وبعث إليهم عدى بن عدى بن عميرة من بنى الحارث بن معاوية بن ثور في خمسمائة فقال له أصلح الله الامير أتبعثني إلى رأس الخوارج منذ عشرين سنة قد خرج معه رجال من ربيعة قد سموا لى

[ 54 ]

كانوا يعازوننا الرجل منهم خير من مائة فارس في خمسمائة رجل قال له فإنى أزيدك خمسمائة أخرى فسر إليهم في ألف فسار من حران في ألف رجل فكان أول جيش سار إلى صالح وسار إليه عدى وكأنما يساق إلى الموت وكان عدى رجلا يتنسك فأقبل حتى إذا نزل دوغان نزل بالناس وسرح إلى صالح بن مسرح رجلا دسه إليه من بنى خالد من بنى الورثة يقال له زياد بن عبد الله فقال إن عديا بعثنى اليك يسألك أن تخرج من هذا البلد وتأتى بلدا آخر فتقاتل أهله فإن عديا للقائك كاره فقال له صالح ارجع إليه فقال له إن كنت ترى رأينا فأرنا من ذلك ما نعرف ثم نحن مدلجون عنك من هذا البلد إلى غيره وإن كنت على رأى الجبابرة وأئمة السوء رأينا رأينا فإن شئنا بدأنا بك وإن شئنا رحلنا إلى غيرك فانصرف إليه الرسول فأبلغه ما أرسل به فقال له ارجع إليه فقل له انى والله ما أنا على رأيك ولكني أكره قتالك وقتال غيرك فقاتل غيرى فقال صالح لاصحابه اركبوا فركبوا وحبس الرجل عنده حتى خرجوا ثم تركه ومضى بأصحابه حتى يأتي عدى بن عدى ابن عميرة في سوق ذوغان وهو قائم يصلى الضحى فلم يشعر إلا والخيل طالعة عليهم فلما بصروا بها تنادوا وجعل صالح شبيبا في كتيبة في ميمنة أصحابه وبعث سويد ابن سليم الهندي من بنى شيبان في كتيبة في ميسرة أصحابه ووقف هو في كتيبة في القلب فلما دنا منهم رآهم على غير تعبية وبعضهم يجول في بعض فأمر شبيبا فحمل عليهم ثم حمل سويد عليهم فكانت هزيمتهم ولم يقاتلوا وأتى عدى بن عدى بدابته وهو يصلى فركبها ومضى على وجهه وجاء صالح بن مسرح حتى نزل عسكره وحوى ما فيه وذهب فل عدى وأوائل أصحابه حتى دخلوا على محمد بن مروان فغضب ثم دعا خالد بن جزء السلمى فبعثه في ألف وخمسمائة ودعا الحارث بن جعونة من بنى ربيعة بن عامر بن صعصعة فبعثه في ألف وخمسمائة ودعاهما فقال اخرجا إلى هذه الخارجة القليلة الخبيثة وعجلا الخروج وأغذا السير فأيكما سبق فهو الامير على صاحبه فخرجا من عنده فأغذا السير وجعلا يسألان عن صالح بن مسرح فيقال لهما إنه توجه نحو آمد فأتبعاه حتى انتهيا إليه وقد نزل على أهل آمد فنزلا

[ 55 ]

ليلا فخندقا وانهيا إليه وهما متساندان كل واحد منهما في أصحابه على حدته فوجه صالح شبيبا إلى الحارث بن جعونة العامري في شطر أصحابه وتوجه هو نحو خالد ابن جزء السلمى (قال أبو مخنف) فحدثني المحلمى قال انتهوا إلينا في أول وقت العصر فصلى بنا صالح العصر ثم عبانا لهم فاقتتلنا كأشد قتال اقتتله قوم قط وجعلنا والله نرى الظفر يحمل الرجل منا على العشرة منهم فيهزمهم وعلى العشرين فكذلك وجعلت خيلهم لا تثبت لخيلنا * فلما رأى أميراهم ذلك ترجلا وأمرا جل من معهما فترجل فعند ذلك جعلنا لا نقدر منهم على الذى نريد إذا حملنا عليهم استقبلتنا رجالتهم بالرماح ونضحتنا رماتهم بالنبل وخيلهم تطاردنا في خلال ذلك فقاتلناهم إلى المساء حتى حال الليل بيننا وبينهم وقد أفشوا فينا الجراحة وأفشيناها فيهم ووالله ما أمسينا حتى كرهناهم وكرهونا وقد قتلوا منا نحوا من ثلاثين رجلا وقتلنا منهم أكثر من سبعين فوقفنا مقابلهم ما يقدمون علينا وما نقدم عليهم فلما أمسوا رجعوا إلى عسكرهم ورجعنا إلى عسكرنا فصلينا وتروحنا وأكلنا من الكسر ثم إن صالحا دعا شبيبا ورؤوس أصحابه فقال يا أخلائى ماذا ترون فقال شبيب أرى أنا قد لقينا هؤلاء القوم فقاتلناهم وقد اعتصموا بخندقهم فلا أرى أن نقيم عليهم فقال صالح وأنا أرى ذلك فخرجوا من تحت ليلتهم سائرين فمضوا حتى قطعوا أرض الجزيرة ثم دخلوا أرض الموصل فساروا فيها حتى قطعوها ومضوا حتى قطعوا الدسكرة * فلما بلغ ذلك الحجاج سرح إليهم الحارث بن عميرة بن ذى المشعار الهمداني في ثلاثة آلاف رجل من أهل الكوفة ألف من المقاتلة الاولى وألفين من الفرض الذى فرض لهم الحجاج فسار حتى إذا دنا من الدسكرة خرج صالح بن مسرح نحو جلولاء وخانقين وأتبعه الحارث بن عميرة حتى انتهى إلى قرية يقال لها المدبج من أرض الموصل على تخوم ما بينها وبين أرض جوخى وصالح يومئذ في تسعين رجلا فعبى الحارث بن عميرة يومئذ أصحابه وجعل على ميمنته أبا الرواع الشاكرى وعلى ميسرته الزبير بن الا روح التميمي ثم شد عليهم وذلك بعد العصر وقد جعل أصحابه ثلاثة كراديس فهو في كردوس وسبيب في كردوس في ميمنته وسويد

[ 56 ]

ابن سليم في كردوس في الميسرة في كل كردوس منهم ثلاثون رجلا * فلما شد عليهم الحارث بن عميرة في جماعة أصحابه انكشف سويد بن سليم وثبت صالح ابن مسرح فقتل وضارب شبيب حتى صرع عن فرسه فوقع في رجالة فشد عليهم فانكشفوا فجاء حتى انتهى إلى موقف صالح بن مسرح فأصابه قتيلا فنادى إلى يا معشر المسلمين فلا ذوابه فقال لاصحابه ليعجل كل واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه وليطاعن عدوه إذا أقدم عليه حتى ندخل هذا الحصن ونرى رأينا ففعلوا ذلك حتى دخلوا الحصن وهم سبعون رجلا بشبيب وأحاط بهم الحارث بن عميرة ممسيا وقال لاصحابه احرقوا الباب فإذا صار جمرا فدعوه فانهم لا يقدرون على أن يخرجوا منه حتى نصبحهم فنقتلهم ففعلوا ذلك بالباب ثم انصرفوا إلى عسكرهم فأشرف شبيب عليهم وطائفة من أصحابه فقال بعض أولئك الفرض يا بنى الزوانى ألم يخزكم الله فقالوا يا فساق نعم تقاتلوننا لقتالنا إياكم إذ عماكم الله عن الحق الذى نحن عليه فما عذركم عند الله في الفرى على أمهاتنا فقال لهم حلمؤهم إنما هذا من قول شباب فينا سفهاء والله ما يعجبنا قولهم ولا نستحله وقال شبيب لاصحابه يا هؤلاء ما تنتظرون فوالله لئن صبحكم هؤلاء غدوة إنه لهلاككم فقالوا له مرنا بأمرك فقال لهم إن الليل أخفى للويل بايعوني أو من شئتم منكم ثم اخرجوا بنا حتى نشد عليهم في عسكرهم فإنهم لذلك منكم آمنون وأنا أرجو أن ينصركم الله عليهم قالوا فابسط يدك فلنبايعك فبايعوه ثم جاءوا ليخرجوا وقد صار بابهم جمرا فأتوا باللبود فبلوها بالماء ثم ألقوها على الجمر ثم قطعوا عليها فلم يشعر الحارث بن عميرة ولا أهل العسكر إلا وشبيب وأصحابه يضربونهم بالسيوف في جوف عسكرهم فضارب الحارث حتى صرع واحتمله أصحابه وانهزموا وخلوا لهم العسكر وما فيه ومضوا حتى نزلوا المدائن فكان ذلك الجيش أول جيش هزمه شبيب وأصيب صالح بن مسرح يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الاول من سنته (وفى هذه السنة) دخل شبيب الكوفة ومعه زوجته غزالة

[ 57 ]

ذكر الخبر عن دخوله الكوفة وما كان من أمره وأمر الحجاج بها والسبب الذى دعا شبيبا إلى ذلك وكان السبب في ذلك فيما ذكر هشام عن أبى مخنف عن عبد الله بن علقمة عن قبيصة بن عبد الرحمن الخثعمي أن شبيبا لما قتل صالح بن مسرح بالمدبج وبايعه أصحاب صالح ارتفع إلى أرض الموصل فلقى سلامة بن سيار بن المضاء التيمى تيم شيبان فدعاه إلى الخروج معه وكان يعرفه قبل ذلك إذ كان في الديوان والمغازى فاشترط عليه سلامة أن ينتخب ثلاثين فارسا ثم لا يغيب عنه الا ثلاث ليال عددا ففعل فانتخب ثلاثين فارسا فانطلق بهم نحو عنزة وإنما أرادهم ليشفى نفسه منهم لقتلهم أخاه فضالة وذلك أن فضالة كان خرج قبل ذلك في ثمانية عشر نفسا حتى نزل ماء يقال له الشجرة من أرض الجال عليه أثلة عظيمة وعليه عنزة * فلما رأته عنزة قال بعضهم لبعض نقتلهم ثم نغدو بهم إلى الامير فنعطي ونحيى فأجمعوا على ذلك فقالت بنو نصر أخواله لعمز الله لا نساعدكم على قتل ولدنا فنهضت عنزة إليهم فقاتلوهم فقتلوهم وأتوا برؤوسهم عبد الملك بن مروان فلذلك أنزلهم بانقيا وفرض لهم ولم تكن لهم فرائض قبل ذلك إلا قليلة فقال سلامة بن سيار أخو فضالة يذكر قتل أخيه وخذلان أخواله إياه وما خلت أخوال الفتى يسلمونه * لوقع السلاح قبل ما فعلت نصر قال وكان خروج أخيه فضالة قبل خروج صالح بن مسرح وشبيب * فلما بايع سلامة شبيبا اشترط عليه هذا الشرط فخرج في ثلاثين فارسا حتى انتهى إلى عنزة فجعل يقتل المحلة منهم بعد المحلة حتى انتهى إلى فريق منهم فيهم خالته وقد أكبت على ابن لها وهو غلام حين احتلم فقالت وأخرجت ثديها إليه أنشدك برحم هذا يا سلامة فقال لا والله ما رأيت فضالة مذ أناخ بعمر الشجرة يعنى أخاه لتقومن عنه أو لاجمعن جافتك بالرمح فقامت عن ابنها عند ذلك فقتله (قال أبو مخنف) فحدثني المفضل بن بكر من بنى تيم بن شيبان أن شبيبا أقبل في أصحابه نحو راذان فلما سمعت به طائفة من بنى تيم بن شيبان خرجوا هرابا منه ومعهم ناس من غيرهم

[ 58 ]

قليل فأقبلوا حتى نزلوا دير خر زاد إلى جنب حولا يا وهم نحو من ثلاثة آلاف وشبيب في نحو من سبعين رجلا أو يزيدون قليلا فنزل بهم فهابوه وتحصنوا منه ثم إن شبيبا سرى في اثنى عشر فارسا من أصحابه إلى أمه وكانت في سفح ساتيد ما نازلة في مظلة من مظال الاعراب تقال لآتين بأمى فلاجعلنها في عسكري فلا تفارقني أبدا حتى أموت أو تموت وخرج رجلان من بنى تيم بن شيبان تخوفا على أنفسهما فنزلا من الدير فلحقا بجماعة من قومهما وهم نزول بالجال منهم على مسيرة ساعة من النهار وخرج شبيب في أولئك الرهط في أولهم وهم اثنا عشر يريد أمه بالسفح فإذا هو بجماعة من بنى تيم بن شيبان غارين في أموالهم مقيمين لا يرون أن شبيبا يمر بهم لمكانهم الذى هم به ولا يشعر بهم فحمل عليهم في فرسانه تلك فقتل منهم ثلاثين شيخا فيهم حوثرة بن أسد ووبرة بن عاصم اللذان كانا نزلا من الدير فلحقا بالجال ومضى شبيب إلى أمه فحملها من السفح فأقبل بها وأشرف رجل من أصحاب الدير من بكر بن وائل على أصحاب شبيب وقد استخلف شبيب أخاه على أصحابه مصاد ابن يزيد ويقال لذلك الرجل الذى أشرف عليهم سلام بن حيان فقال لهم يا قوم القرآن بيننا وبينكم ألم تسمعوا قول الله " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه " قالوا بلى قال لهم فكفوا عنا حتى نصبح ثم نخرج إليكم على أمان لنا منكم لكيلا تعرضوا لنا بشئ نكرهه حتى تعرضوا علينا أمركم هذا فإن نحن قبلناه حرمت عليكم أموالنا ودماؤنا وكنا لكم إخوانا وإن نحن لم نقبله رددتمونا إلى مأمننا ثم رأيتم رأيكم فيما بيننا وبينكم قالوا لهم فهذا لكم * فلما أصبحوا خرجوا إليهم فعرض عليهم أصحاب شبيب قولهم ووصفوا لهم أمرهم فقبلوا ذلك كله وخالطوهم ونزلوا إليهم فدخل بعضهم إلى بعض وجاء شبيب وقد اصطلحوا فأخبره أصحابه خبرهم فقال أصبتم ووفقتم وأحسنتم ثم إن شبيبا ارتحل فخرجت معه طائفة وأقامت طائفة جانحة وخرج يومئذ معه إبراهيم بن حجر المحلمى أبو الصيقير كان مع بنى تيم بن شيبان نازلا فيهم ومضى شبيب في أداني أرض الموصل وتخوم أرض جوخى ثم ارتفع نحو آذربيجان وأقبل سفيان بن أبى العالية

[ 59 ]

الخثعمي في خيل قد كان أمر أن يدخل بها طبرستان فأمر بالقفول فأقبل راجعا في نحو من ألف فارس فصالح صاحب طبرستان (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الله بن علقمة الخثعمي أن كتاب الحجاج أتاه أما بعد فسر حتى تنزل الدسكرة فيمن معك ثم أقم حتى يأتيك جيش الحارث بن عميرة الهمداني بن ذى المشعار وهو الذى قتل صالح بن مسرح وخيل المناظر ثم سر إلى شبيب حتى تناجزه * فلما أتاه الكتاب أقبل حتى نزل الدسكرة ونودى في جيش الحارث بن عميرة بالكوفة والمدائن ان برئت الذمة من رجل من جيش الحارث بن عميرة لم يواف سفيان بن أبى العالية بالدسكرة قال فخرجوا حتى أتوه وأتته خيل المناظر وكانوا خمسمائة عليهم سورة بن أبجر التميمي من بنى أبان بن دارم فوافره إلا نحوا من خمسين رجلا تخلفوا عنه وبعث إلا سفيان بن أبى العالية أن لا تبرح العسكر حتى آتيك فعجل سفيان فارتحل في طلب شبيب فلحقه بخانقين في سفح جبل فجعل على ميمنته خازم بن سفيان الخثعمي من بنى عمرو بن شهران وعلى ميسرته عدى بن عميرة الشيباني وأصحر لهم شبيب ثم ارتفع عنهم حتى كأنه يكره لقاءه وقد أكمن له أخاه مصادا معه خمسون في هزم من الارض فلما رأوه جمع أصحابه ثم مضى في سفح الجبل مشرقا فقالوا هرب عدو الله فاتبعوه فقال لهم عدى بن عميرة الشيباني أيها الناس لا تعجلوا عليهم حتى نضرب في الارض ونسير بها فإن يكونوا قد أكمنوا لنا كمينا قد حذرناه وإلا فإن طلبهم لن يفوتنا فلم يسمع منه الناس وأسرعوا في آثارهم * فلما رأى شبيب أنهم قد جازوا الكمين عطف عليهم * ولما رأى الكمين أن قد جاوزوهم خرجوا إليهم فحمل عليهم شبيب من أمامهم وصاح بهم الكمين من ورائهم فلم يقاتلهم أحد وكانت الهزيمة فثبت ابن أبى العالية في نحو من مائتي رجل فقاتلهم قتالا شديدا حسنا حتى ظن أنه انتصف من شبيب وأصحابه فقال سويد بن سليم لاصحابه أمنكم أحد يعرف أمير القوم ابن أبى العالية فوالله لئن عرفته لاجهدن نفسي في قتله فقال شبيب أنا من أعرف الناس به أما ترى صاحب الفرس الاغر الذى دونه المرامية فإنه ذلك فإن كنت تريده فأمهله قليلا ثم قال يا قعنب اخرج في عشرين فأتهم من

[ 60 ]

ورائهم فخرج قعنب في عشرين فارتفع عليهم * فلما رأره يريد أن يأتيهم من ورائهم جعلوا يتنقضون ويتسللون وحمل سويد بن سليم على سفيان بن أبى العالية فطاعنه فلم تصنع رمحاهما شيئا ثم اضطربا بسيفيهما ثم اعتنق كل منهما صاحبه فوقعا إلى الارض يعتر كان ثم تحاجزوا أو حمل عليهم شبيب فانكشفوا وأتى سفيان غلام له يقال له غزوان فنزل عن برذونه وقال اركب يا مولاى فركب سفيان وأحاط به أصحاب شبيب فقاتل دونه غزوان فقتل وكانت معه رايته وأقبل سفيان بن أبى العالية حتى انتهى إلى بابل مهروذ فنزل بها وكتب إلى الحجاج أما بعد فإنى أخبر الامير أصلحه الله أنى اتبعت هذه المارقة حتى لحقتهم بخانقين فقاتلهم فضرب الله وجوههم ونصرنا عليهم فبينا نحن كذلك إذ أتاهم قوم كانوا غيبا عنهم فحملوا على الناس فهزموهم فنزلت في رجال من أهل الدين والصبر فقاتلتهم حتى خررت بين القتلى فحملت مرتثا فأتى بى بابل مهروذفها أنا بها والجند الذين وجههم إلى الامير ووافوا الاسورة بن أبجر فإنه لم يأتنى ولم يشهد معى إذا ما نزلت بابل مهروذ أتانى يقول مالا أعرف ويعتذر بغير العذر والسلام * فلما قرأ الحجاج الكتاب قال من صنع كما صنع هذا وأبلى كما أبلى فقد أحسن ثم كتب إليه أما بعد فقد أحسنت البلاء وقضيت الذى عليك فإذا خف عنك الوجع فأقبل مأجورا إلى أهلك والسلام وكتب إلى سورة بن أبجر أما بعد فيا ابن أم سورة ما كنت خليقا أن تجترئ على ترك عهدي وخذلان جندي فإذا أتاك كتابي فابعث رجلا ممن معك صليبا إلى الخيل التى بالمدائن فلينتخب منهم خمسمائة رجل ثم ليقدم بهم عليك ثم سر بهم حتى تلقى هذه المارقة واحزم في أمرك وكد عودك فإن أفضل أمر الحرب حسن المكيدة والسلام * فلما أتى سورة كتاب الحجاج بعث عدى بن عميرة إلى المدائن وكان بها ألف فارس فانتخب منهم خمسمائة ثم دخل على عبد الله بن أبى عصيفير وهو أمير المدائن إمارته الاولى فسلم عليه فأجازه بألف درهم وحمله على فرس وكساه أثوابا ثم إنه خرج من عنده فأقبل بأصحابه حتى قدم بهم على سورة بن أبجر ببابل مهروذ فخرج في طلب شبيب وشبيب يجول في جوخى وسورة في طلبه

[ 61 ]

فجاء شبيب حتى انتهى إلى المدائن فتحصن منه أهل المدائن وتحرزوا ووهى أبنية المدائن الاولى فدخل المدائن فأصاب بها دواب جند كثيرة فقتل من ظهر له ولم يدخلوا البيوت فأتى فقيل له هذا سورة بن أبجر قد أقبل إليك فخرج في أصحابه حتى انتهى إلى النهروان فنزلوا به وتوضؤا وصلوا ثم أتوا مصارع إخوانهم الذين قتلهم على بن أبى طالب عليه السلام فاستغفروا لاخوانهم وتبرؤا من على وأصحابه وبكوا فأطالوا البكاء ثم خرجوا فقطعوا جسر النهروان فنزلوا من جانبه الشرقي وجاء سورة حتى نزل بقطراثا وجاءته عيونه فأخبرته بمنزل شبيب بالنهروان فدعا رؤس أصحابه فقال إنهم قلما يلقون مصحرين أو على ظهر إلا انتصفوا منكم وظهروا عليهم وقد حدثت أنهم لا يزيدون على مائة رجل إلا قليلا وقد رأيت أن أنتخبكم فأسير في ثلثمائة رجل منكم من أقويائكم وشجعانكم فأتيهم الآن إذ هم آمنون لبياتكم فوالله إنى لارجو أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم الذين صرعوا منهم بالنهروان من قبل فقالوا اصنع ما أحببت فاستعمل على عسكره حازم بن قدامة الخثعمي وانتخب من أصحابه ثلاثمائة رجل من أهل القوة والجلد والشجاعة ثم أقبل بهم نحو النهروان وبات شبيب وقد أذكى الحرس فلما دنا أصحاب سورة منهم نذروا بهم فاستووا على خيولهم وتعبوا تعبيتهم * فلما انتهى إليهم سورة وأصحابه أصابوهم قد حذروا واستعدوا فحمل عليهم سورة وأصحابه فثبتوا لهم وضاربوهم حتى صد عنهم سورة وأصحابه ثم صاح شبيب بأصحابه فحمل عليهم حتى تركوا له العرضة وحملوا عليهم معه وجعل شبيب يضرب ويقول من ينك العيرينك نياكا * جندلتان اصطكتا اصطكاكا فرجع سورة إلى عسكره وقد هزم الفرسان وأهل القوة فتحمل بهم حتى أقبل بهم نحو المدائن فدفع إليهم وقد تحمل وتعدى الطريق الذى فيه شبيب واتبعه شبيب وهو يرجو أن يلحقه فيصيب عسكره ويصيب بهزيمته أهل العسكر فأغذ السير في طلبهم فانتهوا إلى المدائن فدخلوها وجاء شبيب حتى انتهى إلى بيوت المدائن

[ 62 ]

فدفع إليهم وقد دخل الناس وخرج ابن أبى عيفير في أهل المدائن فرماهم الناس بالنبل ورموا من فوق البيوت بالحجارة فارتفع شبيب بأصحابه عن المدائن فمر على كلو إذا فأصاب بها دواب كثيرة للحجاج فأخذها ثم خرج يسير في أرض جوخى ثم مضى نحو تكريت فبينا ذلك الجند في المدائن إذ أرجف الناس بينهم فقالوا هذا شبيب قد دنا وهو يريد أن يبيت أهل المدائن الليلة فارتحل عامة الجند فلحقوا بالكوفة (قال أبو مخنف) وحدثني عبد الله بن علقمة الخثعمي قال والله لقد هربوا من المدائن وقالوا نبيت الليلة وإن شبيبا لبتكريت قال ولما قدم الفل على الحجاج سرح الجزل بن سعيد بن شرحبيل بن عمرو الكندى (قال أبو مخنف) حدثنا النضر بن صالح العبسى وفضيل بن خديج الكندى أن الحجاج لما أتاه الفل قال قبح الله سورة ضيع العسكر والجند وخرج يبيت الخوارج أما والله لاسو أنه وكان بعد قد حبسه ثم عوفي عنه (قال أبو مخنف) وحدثني فضيل بن خديج أن الحجاج دعا الجزل وهو عثمان بن سعيد فقال له تيسر للخروج إلى هذه المارقة فإذا لقيتهم فلا تعجل عجلة الخرق ولا تحجم إحجام الوانى الفرق هل فهمت لله أنت يا أخا بنى عمرو بن معاوية فقال نعم أصلح الله الامير قد فهمت قال له فاخرج فعسكر بدير عبد الرحمن حتى يخرج إليك الناس فقال أصلح الله الامير لا تبعثن معى أحدا من أهل هذا الجند المفلول المهزوم فإن الرعب قد دخل قلوبهم وقد خشيت أن لا ينفعك والمسلمين منهم أحد قال له فإن ذلك لك ولا أراك الا قد أحسنت الرأى ووفقت ثم دعا أصحاب الدواوين فقال اضربوا على الناس البعث فأخرجوا أربعة آلاف من الناس من كل ربع ألف رجل وأعجلوا ذلك فجمعت العرفاء وجلس أصحاب الدواوين وضربوا البعث فأخرجوا أربعة آلاف فأمرهم بالعسكر فعسكروا ثم نودى فيهم بالرحيل ثم ارتحلوا ونادى منادى الحجاج أن برئت الذمة من رجل أصبناه من هذا البعث متخلفا قال فمضى الجزل بن سعيد وقد قدم بين يديه عياض بن أبى لينة الكندى على مقدمته فخرج حتى أتى المدائن فأقام بها ثلاثا وبعث إليه ابن أبى عصيفير بفرس وبرذون

[ 63 ]

وبغلين وألفى درهم ووضع للناس من الجزر والعلف ما كفاهم ثلاثة أيام حتى ارتحلوا فأصاب الناس ما شاءوا من تلك الجزر والعلف الذى وضع لهم ابن أبى عصيفير ثم ان الجزل بن سعيد خرج بالناس في أثر شبيب فطلبه في أرض جوخى فجعل شبيب يريه الهيبة فيخرج من رستاق إلى رستاق ومن طسوج إلى طسوج ولا يقيم له ارادة أن يفرق الجزل أصحابه ويتعجل إليه فيلقاه في يسير من الناس على غير من تعبية فجعل الجزل لا يسير الا على تعبية ولا ينزل إلا خندق على نفسه خندقا فلما طال ذلك على شبيب أمر أصحابه ذات ليلة فسروا (قال أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط أن شبيبا دعانا ونحن بدير بيرما ستون ومائة رجل فجعل على كل أربعين من أصحابه رجلا وهو في أربعين وجعل أخاه مصادا في أربعين وبعث سويد بن سليم في أربعين وبعث المحلل بن وائل في أربعين وقد أتته عيونه فأخبرته ان الجزل بن سعيد قد نزل دير يزدجرد قال فدعانا عند ذلك فعبانا هذه التعبية وأمرنا فعلقنا على دوابنا وقال لنا تيسروا فإذا قضمت دوابكم فاركبوا وليسر كل امرئ منكم مع أميره الذى أمرناه عليه ولينظر كل امرئ منكم ما يأمره أميره فليتبعه ودعا أمراءنا فقال لهم إنى أريد أن أبيت هذا العسكر الليلة ثم قال لاخيه مصادآتهم فارتفع من فوقهم حتى تأتيهم من ورائهم من قبل حلوان وسأتيهم أنا من أمامى من قبل الكوفة وأتهم أنت يا سويد من قبل المشرق وأتهم أنت يا محلل من قبل المغرب وليلج كل امرئ منكم على الجانب الذى يحمل عليه ولا تقلعوا عنهم تحملون وتكرون عليهم وتصيحون بهم حتى يأتيكم أمرى فلم نزل على تلك التعبية وكنت أنا في الاربعين الذين كانوا معه حتى إذا قضمت دوابنا وذلك أول الليل أول ما هدأت العيون خرجنا حتى انتهينا إلى دير الخرارة فإذا للقوم مسلحة عليهم عياض بن أبى لينة فما هو إلا أن انتهينا إليهم فحمل عليهم مصادا خو شبيب في أربعين رجلا وكان امام شبيب وقد كان أراد أن يسبق شبيبا حتى يرتفع عليهم ويأتيهم من ورائهم كما أمره * فلما لقى هؤلاء قاتلهم فصبروا ساعة وقاتلوهم ثم انا دفعنا إليهم جميعا فحملنا عليهم فهزمناهم وأخذوا الطريق

[ 64 ]

الاعظم وليس بينهم وبين عسكرهم بدير يزدجرد إلا قريب من ميل فقال لنا شبيب اركبوا معاشر المسلمين أكتافهم حتى تدخلوا معهم عسكرهم إن استطعتم فأتبعناهم والله ملظين بهم ملحين عليهم ما نرفه عنهم وهم منهزمون مالهم همة إلا عسكرهم فانتهوا إلى عسكرهم ومنعهم أصحابهم أن يدخلوا عليهم ورشقونا بالنبل وكانت عيون لهم قد أتتهم فأخبرتهم بمكاننا وكان الجزل قد خندق عليه وتحرز ووضع هذه المسلحة الذين لقيناهم بدير الخرارة ووضع مسلحة أخرى مما يلى حلوان على الطريق فلما أن دفعنا إلى هذه المسلحة التى كانت بدير الخرارة فألحقناهم بعسكر جماعتهم رجعت المسالح الاخر حتى اجتمعت ومنعها أهل العسكر دخول العسكر وقالوا لهم قاتلوا ونضحوا عنكم بالنبل (قال أبو مخنف) وحدثني جرير ابن الحسين الكندى قال كان على المسلحتين الاخرتين عاصم بن حجر على التى تلى حلوان وواصل بن الحارث السكوني على الاخرى فلما أن اجتمعت المسالح جعل شبيب يحمل عليها حتى اضطرها إلى الخندق ورشقهم أهل العسكر بالنبل حتى ردوهم عنهم فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليهم قال لاصحابه سيروا ودعوهم فمضى على الطريق نحو حلوان حتى إذا كان قريبا من موضع قباب حسين بن زفر من بنى بدر بن فزارة وانما كانت قباب حسين بن زفر بعد ذلك قال لاصحابه انزلوا فأقضموا وأصلحوا نبلكم وتروحوا وصلوا ركعتين ثم اركبوا فنزلوا ففعلوا ذلك ثم إنه أقبل بهم راجعا إلى عسكر أهل الكوفة أيضا وقال سيروا على تعبيتكم التى عبأتكم عليها بدير بير ما أول الليل ثم أطيفوا بعسكرهم كما أمرتكم فأقبلوا قال فأقبلنا معه وقد أدخل أهل العسكر مسالحهم إليهم وقد أمنونا فما شعروا حتى سمعوا وقع حوافر خيولنا قريبا منهم فانتهينا إليهم قبيل الصبح فأحطنا بعسكرهم ثم صيحنا بهم من كل جانب فإذا هم يقاتلوننا من كل جانب ويرموننا بالنبل ثم ان شبيبا بعث إلى أخيه مصاد وهو يقاتلهم من نحو الكوفة أن أقبل الينا وخل لهم سبيل الطريق إلى الكوفة فأقبل إليه وترك ذلك الوجه وجعلنا نقاتلهم من تلك الوجوه الثلاثة حتى أصبحنا فأصبحنا ولم نستفل منهم شيئا

[ 65 ]

فسرنا وتركناهم فجعلوا بصيحون بنا أين يا كلاب النار أين أيتها العصابة المارقة أصبحوا نخرج اليكم فارتفعنا عنهم نحوا من ميل ونصف ثم نزلنا فصلينا الغداة ثم أخذنا الطريق على براز الروز ثم مضينا إلى جرجرايا وما يليها فأقبلوا في طلبنا (قال أبو مخنف) فحدثني مولى لنا يدعى غاضرة أو قيصر قال كنت مع الناس تاجرا وهم في طلب الحرورية وعلينا الجزل بن سعيد فجعل يتبعهم فلا يسير إلا على تعبية ولا ينزل إلا على خندق وكان شبيب يدعه ويضرب في أرض جوخى وغيرها يكسر الخراج وطال ذلك على الحجاج فكتب إليه كتابا فقرئ على الناس أما بعد فإنى بعثتك في فرسان أهل المصر ووجوه الناس وأمرتك باتباع هذه المارقة الضالة المضلة حتى تلقاها فلا تقلع عنها حتى تقتلها وتفنيها فوجدت التعريس في القرى والتخييم في الخنادق أهون عليك من المضى لما أمرتك به من مناهضتهم ومناجزتهم والسلام فقرئ الكتاب علينا ونحن بقطراثا ودير أبى مريم فشق ذلك على الجزل وأمر الناس بالسير فخرجوا في طلب الخوارج جادين وأرجفنا بأميرنا وقلنا يعزل (قال أبو مخنف) فحدثني اسماعيل بن نعيم الهمداني ثم البرسمى ان الحجاج بعث سعيد بن المجالد على ذلك الجيش وعهد إليه إن لقيت المارقة فازحف إليهم ولا تناظرهم ولا تطاولهم وواقفهم واستعن بالله عليهم ولا تصنع صنيع الجزل واطلبهم طلب السبع وحد عنهم حيدان الضبع وأقبل الجزل في طلب شبيب حتى انتهوا إلى النهروان فأدركوه فلزم عسكره وخندق عليه وجاء إليه سعيد بن المجالد حتى دخل عسكر أهل الكوفة أميرا فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيا أهل الكوفة إنكم قد عجزتم ووهنتم وأغضبتم عليكم أميركم أنتم في طلب هذه الاعاريب العجف منذ شهرين وهم قد خربوا بلادكم وكسروا خراجكم وأنتم حاذرون في جوف هذه الخنادق لا تزايلونها إلا ان يبلغكم أنهم قد ارتحلوا عنكم ونزلوا بلدا سوى بلدكم اخرجوا على اسم الله إليهم فخرج وأخرج الناس معه وجمع إليه خيول أهل العسكر فقال له الجزل ما تريد أن تصنع قال أريد أن أقدم على شبيب في هذه الخيل فقال له الجزل أقم أنت في جماعة الجيش فارسهم وراجلهم وأصحر له فوالله ليقدمن

[ 66 ]

عليك فلا تفرق أصحابك فان ذلك شر لهم وخير لك فقال له قف أنت في الصف فقال يا سعيد بن مجالد ليس لى فيما صنعت رأى أنا برئ من رأيك هذا سمع الله ومن حضر من المسلمين فقال هو رأيى إن أصبت فالله وفقني له وإن يكن غير صواب فأنتم منه برآء قال فوقف الجزل في صف أهل الكوفة وقد أخرجهم من الخندق وجعل على ميمنتهم عياض بن أبى لينة الكندى وعلى ميسرتهم عبد الرحمن ابن عوف أبا حميد الرواسى ووقف الجزل في جماعتهم واستقدم سعيد بن مجالد فخرج وأخرج الناس معه وقد أخذ شبيب إلى براز الروز فنزل قطيطيا وأمر دهقانها ان يشترى لهم ما يصلحهم ويتخد لهم غداء ففعل ودخل مدينة قطيطيا وأمر بالباب فأغلق فلم يفرغ من الغداء حتى أتاه سعيد بن مجالد في أهل ذلك العسكر فصعد الدهقان السور فنظر إلى الجند مقبلين قد دنوا من حصنه فنزل وقد تغير لونه فقال له شبيب ما لى أراك متغير اللون فقال له الدهقان قد جاءتك الجنود من كل ناحية قال لا بأس هل أدرك غداؤنا قال نعم قال فقربه وقد أغلق الباب وأتى بالغداء فتغدى وتوضأ وصلى ركعتين ثم دعا ببغل له فركبه ثم انهم اجتمعوا على باب المدينة فأمر بالباب ففتح ثم خرج على بغلة فحمل عليهم وقال لا حكم إلا للحكم الحكيم أنا أبو مدله اثبتوا ان شئتم وجعل سعيد يجمع قومه وخيله ثم يدلفها في أثره ويقول ما هؤلاء إنما هم أكلة رأس فلما رآهم شبيب قد تقطعوا وانتشرو الف خيله كلها ثم جمعها ثم قال استعرضوهم استعراضا وانظروا إلى أميرهم فوالله لاقتلنه أو يقتلنى وحمل عليهم مستعرضا لهم فهزمهم وثبت سعيد ابن المجالد ثم نادى أصحابه إلى إلى أنا ابن ذى مران وأخذ فلنسوته فوضعها على قربوس سرجه وحمل عليه شبيب فعممه بالسيف فخالط دماغه فخر ميتا وانهزم ذلك الجيش وقتلوا كل قتلة حتى انتهوا إلى الجزل ونزل الجزل ونادى أيها الناس إلى وناداهم عياض بن أبى لينة أيها الناس إن كان أميركم القادم قد هلك فأميركم الميمون النقيبة المبارك حى لم يمت فقاتل الجزل قتالا شديدا حتى حمل من بين القتلى فحمل إلى المدائن مرتثا وقدم فل أهل ذلك العسكر الكوفة وكان من أشد

[ 67 ]

الناس بلاء يومئذ خالد بن نهيك من بنى ذهل بن معاوية وعياض بن أبى لينة حتى استتقذاه وهو مرتث هذا حديث طائفة من الناس والحديث الآخر قتالهم فيما بين دير أبى مريم إلى براز الروز ثم ان الجزل كتب إلى الحجاج قال وأقبل شبيب حتى قطع دجلة عند الكرخ وبعث إلى سوق بغداذ فآمنهم وذلك اليوم يوم سوقهم وكان بلغه أنهم يخافونه فأحب أن يؤمنهم وكان أصحابه يريدون أن يشتروا من السوق دواب وثيابا وأشياء ليس لهم منها بد ثم أخذ بهم نحو الكوفة وساروا أول الليل حتى نزلوا عقر الملك الذى يلى قصر ابن هبيرة ثم أغذ السير من الغد فبات بين حمام عمر بن سعد وبين قبين فلما بلغ الحجاج مكانه بعث إلى سويد بن عبد الرحمن السعدى فبعثه في ألفى فارس نقاوة وقال له اخرج إلى شبيب فالقه واجعل ميمنة وميسرة ثم انزل إليه في الرجال فإن استطرد ذلك فدعه ولا تتبعه فخرج فعسكر بالسبخة فبلغه أن شبيبا قد أقبل فأقبل نحوه وكأنما يساقون إلى الموت وأمر الحجاج عثمان بن قطن فعسكر بالناس بالسبخة ونادى ألا برئت الذمة من رجل من هذا الجند بات الليلة بالكوفة لم يخرج إلى عثمان بن قطن بالسبخة وأمر سويد بن عبد الرحمن أن يسير في الالفين اللذين معه حتى يلقى شبيبا فعبر بأصحابه إلى زرارة وهو يعبئهم ويحرضهم إذ قيل له قد غشيك شبيب فنزل ونزل معه جل أصحابه وقدم رايته ومضى إلى أقصى زرارة فأخبر أن شبيبا قد أخبر بمكانك فتركك ووجد مخاضة فعبر الفرات وهو يريد الكوفة من غير الوجه الذى أنت به ثم قيل له أما تراهم فنادى في أصحابه فركبوا في آثارهم وإن شبيبا أتى دار الرزق فنزلها فقيل له إن أهل الكوفة بأجمعهم معسكرون بالسبخة فلما بلغهم مكان شبيب صاح بعضهم ببعض وجالوا وهموا أن يدخلوا الكوفة حتى قيل لهم إن سويد بن عبد الرحمن في آثارهم قد لحقهم وهو يقاتلهم في الخيل (قال هشام) وأخبرني عمر بن بشير قال لما نزل شبيب الدير أمر بغنم تهيأ له فصعد الدهقان ثم نزل وقد تغير لونه فقال مالك قال قد والله جاءك جمع كثير قال أبلغ الشواء بعد قال لا قال دعه قال ثم أشرف اشرافة أخرى فقال قد والله احاطوا

[ 68 ]

بالجوسق قال هات شواءك فجعل يأكل غير مكترث لهم فلما فرغ توضأ وصلى بأصحابه الاولى ثم تقلد سيفين بعد ما لبس درعه وأخذ عمود حديد ثم قال اسرجوا لى البغلة فقال أخوه مصادا في هذا اليوم تسرج بغلة قال نعم اسرجوها فركبها ثم قال يا فلان أنت على الميمنة وأنت يا فلان على الميسرة وقال لمصاد أنت في القلب وأمر الدهقان ففتح الباب في وجوههم قال فخرج إليهم وهو يحكم فجعل سعيد وأصحابه يرجعون القهقرى حتى صار بينهم وبين الدير نحو من ميل قال وجعل سعيد يقول يا معشر همدان أنا ابن ذى مروان إلى إلى ووجه سربا مع ابنه وقد أحس أنها تكون عليه فنظر شبيب إلى مصاد فقال أثكلنيك الله ان لم أثكله ولده قال ثم علاه بالعمود فسقط ميتا وانهزم أصحابه وما قتل بينهم يومئذ إلا قتيل واحد قال وانكشف أصحاب سعيد بن مجالد حتى أتوا الجزل فناداهم الجزل أيها الناس إلى إلى وناداهم عياض بن أبى لينة أيها الناس إن يكن أميركم هذا القادم قد هلك فهذا أميركم الميمون النقيبة أقبلوا إليه وقاتلوا معه فمنهم من أقبل إليه ومنهم من ركب رأسه منهزما وقاتل الجزل قتالا شديدا حتى صرع وقاتل عنه خالد بن نهيك وعياض بن أبى لينة حتى استنقذاه وهو مرتث وأقبل الناس منهزمين حتى دخلوا الكوفة فأتى بالجزل حتى أدخل المدائن وكتب إلى الحجاج بن يوسف * قال أبو مخنف حدثنى بذلك ثابت مولى زهير أما بعد فإنى أخبر الامير أصلحه الله إنى خرجت فيمن قبلى من الجند الذى وجهنى فيه إلى عدوه وقد كنت حفظت عهد الامير إلى فيهم ورأيه فكنت أخرج إليهم إذا رأيت الفرصة وأحبس الناس عنهم إذا خشيت الورطة فلم أزل كذلك ولقد أرادنى العدو بكل إرادة فلم يصب منى غرة حتى قدم على سعيد بن مجالد رحمة الله عليه ولقد أمرته بالتؤدة ونهيته عن العجلة وأمرته أن لا يقاتلهم إلا في جماعة الناس عامة فعصاني وتعجل إليهم في الخيل فأشهدت عليه أهل المصرين إنى برئ من رأيه الذى رأى وإنى لا أهوى ما صنع فمضى فأصيب تجاوز الله عنه ودفع الناس إلى فنزلت ودعوتهم إلى ورفعت لهم رايتى وقاتلت حتى صرعت فحملني أصحابي من بين القتلى فما أفقت إلا وأنا على

[ 69 ]

أيديهم على رأس ميل من المعركة فأنا اليوم بالمدائن في جراحة قد يموت الرجل من دونها ويعافى من مثلها فليسأل الامير أصلحه الله عن نصيحتي له ولجنده وعن مكايدتي عدوه وعن موقفي يوم البأس فإنه يستبين له عند ذلك انى قد صدقته ونصحت له والسلام فكتب إليه الحجاج أما بعد فقد أتانى كتابك وقرأته وفهمت كل ما ذكرت فيه وقد صدقتك في كل ما وصفت به نفسك من نصيحتك لاميرك وحيطتك على أهل مصرك وشدتك على عدوك وقد فهمت ما ذكرت من أمر سعيد وعجلته إلى عدوه فقد رضيت عجلته وتؤدتك فأما عجلته فانها أفضت به إلى الجنة وأما تؤدتك فانها لم تدع الفرصة إذا أمكنت وترك الفرصة إذا لم تمكن حزم وقد أصبت وأحسنت البلاء وأجرت وأنت عندي من أهل السمع والطاعة والنصيحة وقد أشخصت إليك حيان بن أبجر ليداويك ويعالج جراحتك وبعثت إليك بألفى درهم فأنفقها في حاجتك وما ينوبك والسلام فقدم عليه حيان بن أبجر الكنانى من بنى فراس وهم يعالجون الكى وغيره فكان يداويه وبعث إليه عبد الله ابن أبى عصيفير بألف درهم وكان يعوده ويتعاهده باللطف والهدية قال وأقبل شبيب نحو المدائن فعلم أنه لا سبيل له إلى أهلها مع المدينة فأقبل حتى انتهى إلى الكرخ فعبر دجلة إليه وبعث إلى أهل سوق بغداذ وهو بالكرخ أن اثبتوا في سوقكم فلا بأس عليكم وكان ذلك يوم سوقهم وقد كان بلغه أنهم يخافونه قال ويخرج سويد حتى جعل بيوت مزينة وبنى سليم في ظهره وظهور أصحابه وحمل عليهم شبيب حملة منكرة وذلك عند المساء فلم يقدر منهم على شئ فأخذ على بيوت الكوفة نحو الحيرة وأتبعه سويد لا يفارقه حتى قطع بيوت الكوفة كلها إلى الحيرة وأتبعه سويد حتى انتهى إلى الحيرة فيجده قد قطع قنطرة الحيرة ذاهبا فتركه وأقام حتى أصبح وبعث إليه الحجاج أن أتبعه فأتبعه ومضى شبيب حتى أغار في أسفل الفرات على من وجد من قومه وارتفع في البر من وراء خفان في أرض يقال لها الغلظة فيصيب رجالا من بنى الورثة فحمل عليهم فاضطرهم إلى جدد من الارض فجعلوا يرمونه وأصحابه بالحجارة من حجارة الارحاء كانت حولهم فلما نفدت

[ 70 ]

وصل إليهم فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا منهم حنظلة بن مالك ومالك بن حنظلة وحمران ابن مالك كلهم من بنى الورثة (قال أبو مخنف) حدثنى بذلك عطاء بن عرفجة بن زياد بن عبد الله الورثى ومضى شبيب حتى يأتي بنى أبيه على اللصف ماء لرهطه وعلى ذلك الماء الفزر بن الاسود وهو أحد بنى الصلت وهو الذى كان ينهى شبيبا عن رأيه وأن يفسد بنى عمه وقومه فكان شبيب يقول والله لئن ملكت سبعة أعنة لاغزون الفزر فلما غشيهم شبيب في الخيل سأل عن الفزر فاتقاه الفزر فخرج على فرس لا تجارى من وراء البيوت فذهب عليها في الارض وهرب منه الرجال ورجع وقد أخاف أهل البادية حتى أخذ على القطقطانة ثم على قصر مقاتل ثم أخذ على شاطئ الفرات حتى أخذ على الحصاصة ثم على الانباء ثم مضى حتى دخل دقوقاء ثم ارتفع إلى أداني آذربيجان فتركه الحجاج وخرج إلى البصرة واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة فما شعر الناس بشئ حتى جاء كتاب من ماذر واسب دهقان بابل مهروذ وعظيمها إلى عروة بن المغيرة بن شعبة أن تاجرا من تجار الانبار من أهل بلادي أتانى فذكر أن شبيبا يريد أن يدخل الكوفة في أول هذا الشهر المستقبل أحببت إعلامك ذلك لترى رأيك ثم لم ألبث إلا ساعة حتى جاءني جابيان من جباتى فحدثاني أنه قد نزل خانيجار فأخذ عروة كتابه فأدرجه وسرح به إلى الحجاج بالبصرة فلما قرأه الحجاج أقبل جوادا إلى الكوفة وأقبل شبيب يسير حتى انتهى إلى قرية يقال لها حربى على شاطئ دجلة فعبر منها فقال ما اسم هذه القرية فقالوا حربى فقال حرب يصلى بها عدوكم وحرب تدخلونه بيوتهم إنما يتطير من يقوف ويعيف ثم ضرب رايته وقال لاصحابه سيروا فأقبل حتى نزل عقر قوفا فقال له سويد بن سليم يا أمير المؤمنين لو تجولت بنا من هذه القرية المشؤمة الاسم قال وقد تطيرت أيضا والله لا أتحول عنها حتى أسير إلى عدوى منها إنما شؤمها إن شاء الله على عدوكم تحملون عليهم فيها فالعقر لهم ثم قال لاصحابه يا هؤلاء إن الحجاج ليس بالكوفة وليس دون الكوفة إن شاء الله شئ فسيروا بنا فخرج يبادر الحجاج إلى الكوفة وكتب عروة إلى الحجاج

[ 71 ]

أن شبيبا قد أقبل مسرعا يريد الكوفة فالعجل العجل فطوى الحجاج المنازل واستبقا إلى الكوفة ونزلها الحجاج صلاة الظهر ونزل شبيب السبخة صلاة المغرب فصلى المغرب والعشاء ثم أصاب هو وأصحابه من الطعام شيئا يسيرا ثم ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة فجاء شبيب حتى انتهى إلى السوق ثم شد حتى ضرب باب القصر بعموده قال أبو المنذر رأيت ضربة شبيب بباب القصر قد أثرت أثرا عظيما ثم أقبل حتى وقف عند المصطبة ثم قال وكأن حافرها بكل خميلة * كيل يكيل به شحيح معدم عبد دعى من ثمود أصله * لا بل يقال أبو أبيهم يقدم ثم اقتحموا المسجد الاعظم وكان كثيرا لا يفارقه قوم يصلون فيه فقتل عقيل ابن مصعب الوادعى وعدى بن عمرو الثقفى وأبا ليث بن أبى سليم مولى عنبسة ابن أبى سفيان وقتلوا أزهر بن عبد الله العامري ومروا بدار حوشب وهو على الشرط فوقفوا على بابه وقالوا إن الامير يدعو حوشبا فأخرج ميمون غلامه برذون حوشب ليركبه حوشب فكأنه أنكرهم فظنوا أنه قد اتهمهم فأراد أن يدخل فقالوا له كما أنت حتى يخرج صاحبك فسمع حوشب الكلام فأنكر القوم فخرج إليهم فلما رأى جماعتهم أنكرهم وذهب لينصرف فعجلوا نحوه ودخل وأغلق الباب وقتلوا غلامه ميمونة وأخذوا برذونه ومضوا حتى مروا بالجحاف بن نبيط الشيباني من رهط حوشب فقال له سويد انزل الينا فقال له ما تصنع بنزولي قال له سويد أقضيك ثمن البكرة التى كنت ابتعت منك بالبادية فقال له الجحاف بئس ساعة القضاء هذه الساعة وبئس قضاء الدين هذا المكان أما ذكرت أمانتك إلا والليل مظلم وأنت على ظهر فرسك قبح الله يا سويد دينا لا يصلح ولا يتم إلا بقتل ذوى القرابة وسفك دماء هذه الامة قال ثم مضوا فمروا بمسجد بنى ذهل فلقوا ذهل بن الحارث وكان يصلى في مسجد قومه فيطيل الصلاة فصادفوه منصرفا إلى منزله فشدوا عليه ليقتلوه فقال اللهم إنى أشكو اليك هؤلاه وظلمهم وجهلهم اللهم إنى عنهم ضعيف فانتصر لى منهم فضربوه حتى قتلوه ثم مضوا حتى خرجوا من

[ 72 ]

الكوفة متوجهين نحو المردمة (قال هشام) قال أبو بكر بن عياش واستقبله النضر بن قعقاع بن شور الذهلى وأمه ناجية بنت هانئ بن قبيصة بن هانئ الشيباني فأبطره حين نظر إليه قال يعنى بقوله أبطره أفزعه فقال السلام عليك أيها الامير ورحمة الله قال له سويد مبادرا أمير المؤمنين ويلك فقال أمير المؤمنين حتى خرجوا من الكوفة متوجهين نحو المردمة وأمر الحجاج المنادى فنادى يا خيل الله اركبي وابشرى وهو فوق باب القصر و ثم مصباح مع غلام له قائم فكان أول من جاء إليه من الناس عثمان بن قطن بن عبد الله بن الحصين ذى الغصة ومعه مواليه وناس من أهله فقال أنا عثمان بن قطن أعلموا الامير مكاني فليأمر بأمره فقال له ذلك الغلام قف مكانك حتى يأتيك أمر الامير وجاء الناس من كل جانب وبات عثمان فيمن اجتمع إليه من الناس حتى أصبح ثم إن الحجاج بعث بسر بن غالب الاسدي من بنى والبة في ألفى رجل وزائدة بن قدامة الثقفى في ألفى رجل وأبا الضريس مولى بنى تميم في ألف من الموالى وأعين صاحب حمام أعين مولى بسر بن مروان في ألف رجل وكان عبد الملك بن مروان قد بعث محمد بن موسى بن طلحة على سجستان وكتب له عليها عهده وكتب إلى الحجاج أما بعد فإذا قدم عليك محمد بن موسى فجهز معه ألفى رجل إلى سجستان وعجل سراحه وأمر عبد الملك محمد بن موسى بمكاتبة الحجاج فلما قدم محمد بن موسى جعل يتحبسر في الجهاز فقال له نصحاؤه تعجل أيها الامير إلى عملك فانك لا تدرى ما يكون من أمر الحجاج وما يبدو له فأقام على حاله وحدث من أمر شبيب ما حدث فقال الحجاج لمحمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله تلقى شبيبا وهذه الخارجة فتجاهدهم ثم تمضى إلى عملك وبعث الحجاج مع هؤلاء الامراء أيضا عبد الاعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز القرشى وزياد بن عمر والعتكي وخرج شبيب حيث خرج من الكوفة فأتى المردمة وبها رجل من حضر موت على العشور يقال له ناجية من مرثد الحضرمي فدخل الحمام ودخل عليه شبيب فاستخرجه فضرب عنقه واستقبل شبيب النضر بن القعقاع ابن شور وكان مع الحجاج حين أقبل من البصرة فلما طوى الحجاج المنازل خلفه

[ 73 ]

وراءه فلما رآه شبيب ومعه أصحابه عرفه فقال له شبيب يا نضر بن القعقاع لا حكم إلا لله وإنما أراد شبيب بمقالته له تلقينه فلم يفهم النضر فقال إنا لله وإنا إليه راجعون فقال أصحاب شبيب يا أمير المؤمنين كأنك إنما تريد بمقالتك أن تلقنه فشدوا على نضر فقتلوه قال واجتمعت تلك الامراء في أسفل الفرات فترك شبيب الوجه الذى فيه جماعة أولئك القواد وأخذ نحو القادسية ووجه الحجاج زحر بن قيس في جريدة خيل نقاوة ألف وثمانمائة فارس وقال له اتبع شبيبا حتى تواقعه حيثما أدركته إلا أن يكون منطلقا ذاهبا فاتركه ما لم يعطف عليك أو ينزل فيقيم لك فلا تبرح إن هو أقام حتى تواقعه فخرج زحر حتى انتهى إلى السيلحين وبلغ شبيبا مسيره إليه فأقبل نحوه فالتقيا فجعل زحر على ميمنته عبد الله بن كناز النهدي وكان شجاعا وعلى ميسرته عدى بن عدى بن عميرة الكندى ثم الشيباني وجمع شبيب خيله كلها كبكبة واحدة ثم اعترض بها الصف فوجف وجيفا واضطرب حتى انتهى إلى زحر بن قيس فنزل زحر بن قيس فقاتل زحر حتى صرع وانهزم أصحابه وظن القوم أنهم قد قتلوه فلما كان في السحر وأصابه البرد قام يتمشى حتى دخل قرية فبات بها وحمل منها إلى الكوفة بوجهه ورأسه بضعة عشر جراحة من بين ضربة وطعنة فمكث أياما ثم أتى الحجاج وعلى وجهه وجراحه القطن فأجلسه الحجاج معه على السرير وقال لمن حوله من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة يمشى بين الناس وهو شهيد فلينظر إلى هذا وقال أصحاب شبيب لشبيب وهم يظنون أنهم قد قتلوا زحرا قد هزمنا لهم جند أو قتلنا لهم أميرا من أمرائهم عظيما وانصرف بنا الآن وافرين فقال لهم ان قتلنا هذا الرجل وهزيمتنا هذا الجند قد أرعبت هذه الامراء والجنود التى بعثت في طلبكم فاقصدوا بنا قصدهم فوالله لئن نحن قتلناهم ما دون الحجاج من شئ وأخذ الكوفة إن شاء الله فقالوا نحن لرأيك سمع تبع ونحن طوع يديك قال فانقض بهم جوادا حتى يأتي نجران وهى نجران الكوفة ناحية عين التمر ثم سأل عن جماعة القوم فخبر باجتماعهم بروذبار في أسفل الفرات في بهقباذ الاسفل على رأس أربعة وعشرين فرسخا من الكوفة فبلغ الحجاج مسيره إليهم فبعث إليهم

[ 74 ]

عبد الرحمن بن الغرق مولى ابن أبى عقيل وكان على الحجاج كريما فقال له الحق بجماعتهم يعنى جماعة الامراء فاعلمهم بمسير المارقة إليهم وقل لهم إن جمعكم قتال فأمير الناس زائدة بن قدامة فأتاهم بن الغرق فأعلمهم ذلك وانصرف عنهم (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الرحمن بن جندب قال انتهى الينا شبيب وفينا سبعة أمراء على جماعتهم زائدة بن قدامة وقد عبى كل أمير أصحابه على حدة ففى ميمنتنا زياد بن عمر والعتكي وفى ميسرتنا بشر بن غالب الاسدي وكل أمير واقف في أصحابه فأقبل شبيب حتى وقف على تل فأشرف على الناس وهو على فرس له كميت أغر فنظر إلى تعبيتهم ثم رجع إلى أصحابه فأقبل في ثلاث كتائب يوجفون حتى إذا دنا من الناس مضت كتيبة فيها سويد بن سليم فتقف في ميمنتنا ومضت كتيبة فيها مصاد أخو شبيب فوقفت على ميسرتنا وجاء شبيب في كتيبة حتى وقف مقابل القلب قال وخرج زائدة بن قدامة يسير في الناس فيما بين ميمنتهم إلى ميسرتهم يحرض الناس ويقول يا عباد الله أنتم الكثيرون الطيبون وقد نزل بكم القليلون الخبيثون فاصبروا جعلت لكم الفداء لكرتين أو ثلاث تكرون عليهم ثم هو النصر ليس بينه حاجز ولا دونه شئ ألا ترون إليهم والله ما يكونون مائتي رجل إنما هم أكلة رأس إنما هم السراق المراق إنما جاؤكم ليهريقوا دماءكم ويأخذوا فيأكم فلا يكونوا على أخذه أقوى منكم على منعه وهم قليل وأنتم كثير وهم أهل فرقة وأنتم أهل جماعة غضوا الابصار واستقبلوهم بالاسنة ولا تحملوا عليهم حتى آمركم ثم انصرف إلى موقفه قال ويحمل سويد بن سليم على زياد بن عمر وفانكشف صفهم وثبت زياد في نحو من نصف أصحابه ثم ارتفع عنهم سويد قليلا ثم كر عليهم ثانية ثم اطعنوا ساعة (قال أبو مخنف) فحدثني فروه بن لقيط قال أنا والله فيهم يومئذ قال اطعنا ساعة وصبروا لنا حتى ظننت أنهم لن يزولوا وقاتل زياد بن عمر وقتالا شديدا وجعل ينادى يا حيلى ويشد بالسيف فيقاتل قتالا شديدا فلقد رأيت سويد بن سليم يومئذ وإنه لاشجع العرب وأشده قتالا وما يعرض له قال ثم إنا ارتفعنا عنهم آخرا فاذاهم يتقوضون فقال له أصحابه ألا ترهم يتقوضون احمل عليهم فقال لهم شبيب خلوهم حتى يخفوا فتركوهم قليلا

[ 75 ]

ثم حمل عليهم الثالثة فانهزموا فنظرت إلى زياد بن عمرو وإنه ليضرب بالسيف وما من سيف يضرب به إلا نباعنه وهو مجفف ولقد رأيته اعتوره أكثر من عشرين سيفا فماضره من ذلك شئ ثم إنه انهزم وقد جرح جراحة يسيرة وذلك عند المساء قال ثم شددنا على عبد الاعلى بن عبد الله بن عامر فهزمناه وما قاتلنا كثير قتال وقد ضارب ساعة وقد بلغني أنه كان جرح ثم لحق بزياد بن عمر وفمضيا منهزمين حتى انتهينا إلى محمد بن موسى بن طلحة عند المغرب فقاتلنا قتالا شديدا وصبر لنا (ذكر هشام) عن أبى مخنف قال حدثنى عبد الرحمن بن جندب وفروة بن لقيط ان أخا شبيب مصادا حمل على بشر بن غالب وهو في الميسرة فأبلى وكرم والله وصبر فنزل ونزل معه رجال من أهل الصبر نحو من خمسين فضاربوا بأسيا فهم حتى قتلوا عن آخرهم وكان فيهم عروة بن زهير بن ناجذ الازدي وأمه زرارة امرأة ولدت في الازد فيقال لهم بنو زرارة فلما قتلوه وانهزم أصحابه مالوا فشدوا على أبى الضريس مولى بنى تميم وهو يلى بشر بن غالب فهزموه حتى انتهى إلى موقف أعين ثم شدوا عليه وعلى أعين جميعا فهزموهما حتى انتهوا بهما إلى زائدة بن قدامة فلما انتهوا إليه نزل ونادى يا أهل الاسلام الارض الارض إلى إلى لا يكونوا على كفرهم أصبر منكم على إيمانكم فقاتلهم عامة الليل حتى كان السحر ثم إن شبيبا شد عليه في جماعة من أصحابه فقتله وأصحابه وتركهم ربضة حوله من أهل الحفاظ (قال أبو مخنف) وحدثني عبد الرحمن بن جندب قال سمعت زائدة بن قدامة ليلتئذ رافعا صوته يقول يا أيها الناس اصبروا وصابروا يا أيها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ثم والله ما برح يقاتلهم مقبلا غير مدبر حتى قتل (قال أبو مخنف) وحدثني فروة بن لقيط أن أبا الصقر الشيباني ذكر أنه قتل زائدة بن قدامة وقد حاجه في ذلك آخر يقال له الفضل بن عامر قال ولما قتل شبيب زائدة ابن قدامة دخل أبو الضريس وأعين جوسقا عظيما وقال شبيب لاصحابه ارفعوا السيف عن الناس وادعوهم إلى البيعة فدعوهم إلى البيعة عند الفجر * قال عبد الرحمن ابن جندب فكنت فيمن قدم إليه فبايعه وهو واقف على فرس وخيله واقفة

[ 76 ]

دونه فكل من جاء ليبايعه نزع سيفه عن عاتقه وأخذ سلاحه منه ثم يدنى من شبيب فيسلم عليه بإمرة المؤمنين ثم يخلى سبيله قال وإنا لكذلك إذ انفجر الفجر ومحمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله في أقصى العسكر معه عصابة من أصحابه قد صبروا فلما انفجر الفجر أمر مؤذنه فأذن فلما سمع شبيب الاذان قال ما هذا فقال هذا محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله لم يبرح فقال قد ظننت أن حمقه وخيلاءه سيحمله على هذا نحوا هؤلاء عنا وانزلوا بنا فلنصل قال فنزل فأذن هو ثم استقدم فصلى بأصحابه فقرأ ويل لكل همزة لمزة - و - أرأيت الذى يكذب بالدين ثم سلم ثم ركبوا فحمل عليهم فانكشفت طائفة من أصحابه وثبتت طائفة قال فروة فما أنسى قوله وقد غشيناه وهو يقاتل بسيفه وهو يقول الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين قال وضارب حتى قتل قال فسمعت أصحابي يقولون إن شبيبا هو الذى قتله ثم إنا نزلنا فأخذنا ما كان في العسكر من شئ وهرب الذين كانوا بايعوا شبيبا فلم يبق منهم أحد وقد ذكر من أمر محمد بن موسى بن طلحة غير أبى مخنف أمرا غير الذى ذكرته عنه والذى ذكر من ذلك أن عبد الملك بن مروان كان ولى محمد بن موسى بن طلحة سجستان فكتب إليه الحجاج إنك عامل كل بلد مررت به وهذا شبيب في طريقك فعدل إليه محمد فأرسل إليه شبيب إنك امرؤ مخدوع قد اتقى بك الحجاج وأنت جار لك حق فانطلق لما أمرت به ولك الله لا آذيتك فأبى إلا محاربته فواقفه شبيب وأعاد إليه الرسول فأبى إلا قتاله فدعا إلى البراز فبرز إليه البطين ثم قعنب ثم سويد فأبى إلا شبيبا فقالوا لشبيب قد رغب عنا اليك قال فما ظنكم هذه الاشراف فبرز إليه شبيب وقال إنى أنشدك الله في دمك فان لك جوارا فأبى إلا قتاله فحمل عليه شبيب فضربه بعصا حديد فيها اثنا عشر رطلا بالشأمى فهشم بها بيضة عليه ورأسه فسقط ثم كفنه ودفنه وابتاع ما غنموا من عسكره فبعث به إلى أهله واعتذر إلى أصحابه وقال هو جارى بالكوفة ولى أن أهب ما غنمت لاهل الردة * قال عمر بن شبة قال أبو عبيدة كان محمد بن موسى

[ 77 ]

مع عمر بن عبيد الله بن معمر بفارس وشهد معه قتال أبى فديك وكان على ميمنته وشهر بالنجدة وشدة البأس وزوجه عمر بن عبيد الله بن معمر ابنته أم عثمان وكانت أخته تحت عبد الملك بن مروان فولاه سجستان فمر بالكوفة وبها الحجاج ابن يوسف فقيل للحجاج إن صار هذا إلى سجستان مع نجدته وصهره لعبد الملك فلجأ إليه أحد ممن تطلب منعك منه قال فما الحيلة قيل تأتيه وتسلم عليه وتذكر نجدته وبأسه وأن شبيبا في طريقه وأنه قد أعياك وأنك ترجو أن يريح الله منه على يده فيكون له ذكر ذلك وشهرته ففعل فعدل إليه محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله فواقعه شبيب فقال له شبيب إنى قد علمت خداع الحجاج وإنما اغترك ووقى بك نفسه وكأني بأصحابك لو قد التقت حلقتا البطان قد أسلموك فصرعت مصرع أصحابك فأطعني وانطلق لشأنك فانى أنفس بك عن الموت فأبى محمد بن موسى فبارزه شبيب فقتله (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) قال عبد الرحمن لقد كان فيمن بايعه تلك الليلة أبو بردة بن أبى موسى الاشعري فلما بايعه قال له شبيب ألست أبا بردة قال بلى قال شبيب لاصحابه يا أخلائى أبو هذا أحد الحكمين فقالوا ألا نقتل هذا فقال إن هذا لا ذنب له فيما صنع أبوه قالوا أجل قال وأصبح شبيب فأتى مقبلا نحو القصر الذى فيه أبو الضريس وأعين فرموه بالنبل وتحصنا منه فأقام ذلك اليوم عليهم ثم شخص عنهم فقال له أصحابه ما دون الكوفة أحد يمنعنا فنظر فإذا أصحابه قد خرجوا فقال لهم ما عليكم أكثر مما قد فعلتم فخرج بهم على نفر ثم على الصراة ثم على بغداد ثم خرج إلى خانيجار فأقام بها قال ولما بلغ الحجاج أن شبيبا قد أخذ نحو نفر ظن أنه يريد المدائن وهى باب الكوفة ومن أخذ المدائن كان ما في يده من أرض الكوفة أكثر فهال ذلك الحجاج وبعث إلى عثمان بن قطن ودعاه وسرحه إلى المدائن وولاه منبرها والصلاة ومعونة جوخى كلها وخراج الاستان فخرج مسرعا حتى نزل المدائن وعزل الحجاج عبد الله بن أبى عصيفير وكان بها الجزل مقيما أشهرا يداوى جراحته وكان ابن أبى عصيفير يعوده ويكرمه فلما قدم عثمان بن قطن المدائن لم يعده ولم يكن يتعاهده ولا يلطفه بشئ فقال الجزل اللهم زد ابن عصيفير جودا وكرما وفضلا وزد عثمان

[ 78 ]

ابن قطن ضيقا وبخلا قال ثم إن الحجاج دعا عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث فقال له انتخب الناس واخرج في طلب هذا العدو فأمره بنخبة ستة آلاف فانتخب فرسان الناس ووجوههم وأخرج من قومه ستمائة من كندة وحضر موت واستحثه الحجاج بالعسكر فعسكر بدير عبد الرحمن فلما أراد الحجاج أشخاصهم كتب إليهم أما بعد فقد اعتدتم عادة الاذلاء ووليتم الدبر يوم الزحف وذلك دأب الكافرين وإنى قد صفحت عنكم مرة بعد مرة ومرة بعد مرة وإنى أقسم لكم بالله قسما صادقا لئن عدتم لذلك لاوقعن بكم إيقاعا أكون أشد عليكم من هذا العدو الذى تهربون منه في بطون الاودية والشعاب وتستترون منه بأثناء الانهار وألواذ الجبال فخاف من له معقول على نفسه ولم يجعل عليها سبيلا وقد أعذر من أنذر وقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادى والسلام عليكم قال ثم سرح ابن الاصم مؤذنه فأتى عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث عند طلوع الشمس فقال له ارتحل الساعة وناد في الناس أن برئت الذمة عن رجل من هذا البعث وجدناه متخلفا فخرج عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث في الناس حتى مر بالمدائن فنزل بها يوما وليلة وتشرى أصحابه حوائجهم ثم نادى في الناس بالرحيل فارتحلوا ثم أقبلوا حتى دخل على عثمان بن قطن ثم أتى الجزل فسأله عن جراحته وسأله ساعة وحدثه ثم إن الجزل قال له يا ابن عم إنك تسير إلى فرسان العرب وأبناء الحرب وأحلاس الخيل والله لكأنما خلقوا من ضلوعها ثم بنوا على ظهورها ثم هم أسد الاجم الفارس منهم أشد من مائة إن لم تبدأ به بدأ وإن هجهج أقدم فإنى قد قاتلتهم وبلوتهم فإذا أصحرت لهم انتصفوا منى وكان لهم الفضل على وإذا خندقت على وقاتلتهم في مضيق نلت منهم بعض ما أحب وكان لى عليهم الظفر فلا تلقهم وأنت تستطيع الا في تبقية أو في خندق ثم إنه ودعه فقال له الجزل هذه فرسى الفسيفساء خذها فإنها لا تجارى فأخذها ثم خرج بالناس نحو شبيب فلما دنا منه ارتفع عنه شبيب إلى دقوقاء وشهرزور فخرج عبد الرحمن في طلبه حتى إذا كان على التخوم أقام وقال إنما هو في أرض الموصل فليقاتلوا

[ 79 ]

عن بلادهم أو ليدعوه فكتب إليه الحجاج بن يوسف أما بعد فاطلب شبيبا واسلك في أثره أين سلك حتى تدركه فتقتله أو تنفيه فانما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده والسلام فخرج عبد الرحمن حين قرأ كتاب الحجاج في طلب شبيب فكان شبيب يدعه حتى إذا دنا منه بيته فيجده قد خندق على نفسه وحذر فيمضى ويدعه فيتبعه عبد الرحمن فإذا بلغه أنه قد تحمل وأنه يسير أقبل في الخيل فإذا انتهى إليه وجده قد صف الخيل والرجال وأدنى المرامية فلا يصيب له غرة ولاله علة فيمضى ويدعه قال ولما رأى شبيب أنه لا يصيب لعبد الرحمن غرة ولا يصل إليه جعل يخرج إذا دنا منه عبد الرحمن في خيله فينزل على مسيرة عشرين فرسخا ثم يقيم في أرض غليظة جدبة فيجئ عبد الرحمن فإذا دنا من شبيب ارتحل شبيب فسار خمسة عشر أو عشرين فرسخا فنزل منزلا غليظا خشنا ثم يقيم حتى يدنو عبد الرحمن (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الرحمن بن جندب أن شبيبا كان قد عذب ذلك العسكر وشق عليهم وأحفى دوابهم ولقوا منه كل بلاء فلم يزل عبد الرحمن يتبعه حتى مر به على خانقين ثم على جلولاء ثم على تامرا ثم أقبل حتى نزل البت قرية من قرى الموصل على تخوم الموصل ليس بينها وبين سواد الكوفة إلا نهر يسمى حولا يا قال وجاء عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث حتى نزل في نهر حولايا وفى زاذان الاعلى من أرض جوخى ونزل عواقيل من النهر ونزلها عبد الرحمن حيث نزلها وهى تعجبه يرى أنها مثل الخندق والحصن قال وأرسل شبيب إلى عبد الرحمن ان هذه الايام أيام عيد لنا ولكم فإن رأيتم أن توادعونا حتى تمضى هذه الايام فافعلوا فقال له عبد الرحمن نعم ولم يكن شئ أحب إلى عبد الرحمن من المطاولة والموادعة قال وكتب عثمان بن قطن إلى الحجاج أما بعد فإنى أخبر الامير أصلحه الله أن عبد الرحمن بن محمد قد حفر جوخى كلها خندقا واحدا وخلى شبيبا وكسر خراجها وهو يأكل أهلها والسلام فكتب إليه الحجاج أما بعد فقد فهمت ما ذكرت لى عن عبد الرحمن وقد لعمري فعل ما ذكرت فسر إلى الناس فأنت أميرهم وعاجل المارقة حتى تلقاهم فإن الله إن شاء الله ناصرك عليهم والسلام *

[ 80 ]

قال وبعث الحجاج إلى المدائن مطرف بن المغيرة بن شعبة وخرج عثمان حتى قدم على عبد الرحمن بن محمد ومن معه من أهل الكوفة وهم معسكرون على نهر حولايا قريبا من البت عشية الثلاثاء وذلك يوم التروية فنادى الناس وهو على بغلة أيها الناس اخرجوا إلى عدوكم فوثب إليه الناس فقالوا ننشدك الله هذا المساء قد غشينا والناس لم يوطنوا أنفسهم على القتال فبت الليلة ثم اخرج بالناس على تعبية فجعل يقول لانا جزنهم ولتكونن الفرصة لى أولهم فأتاهم عبد الرحمن فأخذ بعنان دابته وناشده الله لما نزل وقال له عقيل بن شداد السلولى إن الذى تريد من مناجزتهم الساعة أنت فاعله غدا وهو غدا خير لك وللناس إن هذه ساعة ريح وغبرة وقد أمسيت فانزل ثم أبكر بنا إليهم غدوة فنزل فسفت عليه الريح وشق عليه الغبار ودعا صاحب الخراج العلوج فبنوا له قبة فبات فيها ثم أصبح يوم الاربعاء فجاء أهل البت إلى شبيب وكان قد نزل ببيعتهم فقالوا له أصلحك الله أنت ترحم الضعفاء وأهل الجزية ويكلمك من تلى عليه ويشكون إليك ما نزل بهم فتنظر لهم وتكف عنهم وإن هؤلاء القوم جبابرة لا يكلمون ولا يقبلون العذر والله لئن بلغهم أنك مقيم في بيعتنا ليقتلنا إن قضى لك أن ترتحل عنا فإن رأيت فانزل جانب القرية ولا تجعل لهم علينا مقالا قال فإنى أفعل ذلك بكم ثم خرج فنزل جانب القرية قال فبات عثمان ليلته كلها يحرضهم فلما أصبح وذلك يوم الاربعاء خرج بالناس فاستقبلتهم ريح شديدة وغبرة فصاح الناس إليه فقالوا ننشدك الله أن تخرج بنا في هذا اليوم فإن الريح علينا فأقام بهم ذلك اليوم وأراد شبيب قتالهم وخرج أصحابه فلما رآهم لم يخرجوا إليه أقام فلما كان ليلة الخميس خرج عثمان فعبى الناس على أرباعهم فجعل كل ربع في جانب العسكر وقال لهم اخرجوا على هذه التعبية وسألهم من كان على ميمنتكم قالوا خالد بن نهيك بن قيس الكندى وكان على ميسرتنا عقيل بن شداد السلولى فدعاهما فقال لهما قفا مواقفكما التى كنتما بها فقد وليتكما المجنبتين فاثبتا ولا تفرا فوالله لا أزول حتى يزول نخل زاذان عن أصوله فقالا ونحن والله الذى لا إله إلا هو لا نفر حتى نظفر أو نقتل فقال لهما جزا كما الله خيرا ثم أقام حتى صلى بالناس الغداة

[ 81 ]

ثم خرج فجعل ربع أهل المدينة تميم وهمدان نحو نهر حولايا في الميسرة وجعل ربع كندة وربيعة ومذحج وأسد في الميمنة ونزل يمشى في الرجال وخرج شبيب وهو يومئذ في مائة وأحد وثمانين رجلا فقطع إليهم النهر فكان هو في ميمنة أصحابه وجعل على ميسرته سويد بن سليم وجعل في القلب مصاد بن يزيد أخاه وزحفوا وسما بعضهم لبعض (قال أبو مخنف) فحدثني النضر بن صالح العبسى أن عثمان كان يقول فيكثر لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا أين المحافظون على دينهم المحامون عن فيئهم فقال عقيل بن شداد بن حبشي السلولى لعلى أن أكون أحدهم قتل أولئك يوم روذبار ثم قال شبيب لاصحابه إنى حامل على ميسرتهم مما يلي النهر فإذا هزمتها فليحمل صاحب ميسرتي على ميمنتهم ولا يبرح صاحب القلب حتى يأتيه أمرى وحمل في ميمنة أصحابه مما يلي النهر على ميسرة عثمان بن قطن فانهزموا ونزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل وقتل يومئذ مالك بن عبد الله الهمداني ثم المرهبى عم عياش بن عبد الله بن عياش المنتوف وجعل يومئذ عقيل بن شداد يقول وهو يجالدهم لاضربن بالحسام الباتر * ضرب غلام من سلول صابر ودخل شبيب عسكرهم وحمل سويد بن سليم في ميسرة شبيب على ميمنة عثمان ابن قطن فهزمها وعليها خالد بن نهيك بن قيس الكندى فنزل خالد فقاتل قتالا شديدا وحمل عليه شبيب من ورائه وهو على ربع كندة وربيعة يومئذ وهو صاحب الميمنة فلم ينثن شبيب حتى علاه بالسيف فقتله ومضى عثمان بن قطن وقد نزلت معه العرفاء وأشراف الناس والفرسان نحو القلب وفيه أخو شبيب في نحو من ستين راجلا فلما دنا منهم عثمان بن قطن شد عليهم في الاشراف وأهل الصبر فضاربوهم حتى فرقوا بينهم وحمل شبيب بالخيل من ورائهم فما شعروا إلا والرماح في أكتافهم تكبهم لوجوههم وعطف عليهم سويد بن سليم أيضا في خيله ورجع مصاد وأصحابه وقد كان شبيب رجلهم فاضطربوا ساعة وقاتل عثمان بن قطن فأحسن القتال ثم إنهم شدوا عليهم فأحاطوا به وحمل عليه مصاد أخو شبيب

[ 82 ]

فضربه ضربة بالسيف استدار لها ثم قال وكان أمر الله مفعولا ثم إن الناس قتلوه وقتل يومئذ الابرد بن ربيعة الكندى وكان على تل فألقى سلاحه إلى غلامه وأعطاه فرسه وقاتل حتى قتل ووقع عبد الرحمن فرآه ابن أبى سبرة الجعفي وهو على بغلة فعرفه فنزل إليه فناوله الرمح وقال له اركب فقال عبد الرحمن بن محمد أينا الرديف قال ابن أبى سبرة سبحان الله أنت الامير تكون المقدم فركب وقال لابن أبى سبرة ناد في الناس الحقوا بدير أبى مريم فنادى ثم انطلقا ذاهبين ورأى واصل بن الحارث السكوني فرس عبد الرحمن الذى حمله عليه الجزل يجول في العسكر فأخذها بعض أصحاب شبيب فظن أنه قد هلك فطلبه في القتلى فلم يجده وسأل عنه فقيل له قد رأينا رجلا قد نزل عن دابته فحمله عليها فما أخلقه أن يكون إياه وقد أخذههنا آنفا فاتبعه واصل بن الحارث على برذونه ومع واصل غلامه على بغل فلما دنوا منهما قال محمد بن أبى سبرة لعبد الرحمن قدو الله لحق بنا فارسان فقال عبد الرحمن فهل غير اثنين فقال لا فقال عبد الرحمن فلا يعجز اثنان عن اثنين قال وجعل يحدت ابن أبى سبرة كأنه لا يكترث بهما حتى لحقهما الرجلان فقال له ابن أبى سبرة رحمك الله قد لحقنا الرجلان فقال له فانزل بنا فنزلا فانتضيا سيفيهما ثم مضيا اليهما * فلما رآهما واصل عرفهما فقال لهما إنكما قد تركتما النزول في موضعه فلا تنزلا الان ثم حسر العمامة عن وجهه فعرفاه فرحبا به وقال لابن الاشعث إنى لما رأيت فرسك يجول في العسكر ظننتك راجلا فأتيتك ببرذونى هذا لتركبه فترك لابن أبى سبرة بغلته وركب البرذون وانطلق عبد الرحمن بن الاشعث حتى نزل دير اليعار وأمر شبيب أصحابه فرفعوا عن الناس السيف ودعاهم إلى البيعة فأتاه من بقى من الرجالة فبايعوه وقال له أبو الصقر المحلمى قتلت من الكوفيين سبعة في جوف النهر كان آخرهم رجلا تعلق بثوبي وصاح ورهبنى حتى رهبته ثم إنى أقدمت عليه فقتلته وقتل من كندة مائة وعشرون يومئذ وألف من سائر الناس أو ستمائة وقتل عظم العرفاء يومئذ (قال أبو مخنف) حدثنى قدامة بن حازم بن سفيان الخثعمي أنه

[ 83 ]

قتل منهم يومئذ جماعة وبات عبد الرحمن بن محمد تلك الليلة بدير اليعار فأتاه فارسان فصعدا إليه فوق البيت وقام آخر قريبا منهما فخلا أحدهما بعبد الرحمن طويلا يناجيه ثم نزل هو وأصحابه وقد كان الناس يتحدثون أن ذلك كان شبيبا وأنه قد كان كاتبه ثم خرج عبد الرحمن آخر الليل فسار حتى أتى دير أبى مريم فإذا هو بأصحاب الخيل قد وضع لهم محمد بن عبد الرحمن بن أبى سبرة صبر الشعير والقت بعضه على بعض كأنه القصور ونحر لهم من الجزر ما شاؤا فأكلوا يومئذ وعلفوا دوابهم واجتمع الناس إلى عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث فقالوا له ان سمع شبيب بمكانك أتاك وكنت له غنيمة قد ذهب الناس وتفرقوا وقتل خيارهم فالحق أيها الرجل بالكوفة فخرج إلى الكوفة ورجع الناس أيضا وجاء فاختبى من الحجاج حتى أخذ الامان بعد ذلك (وفى هذه السنة) أمر عبد الملك بن مروان بنقش الدنانير والدراهم (ذكر الواقدي) ان سعد بن راشد حدثه عن صالح بن كيسان بذلك قال وحدثني ابن أبى الزناد عن أبيه أن عبد الملك ضرب الدراهم والدنانير عامئذ وهو أول من أحدث ضربها قال وحدثني خالد بن أبى ربيعة عن أبى هلال عن أبيه قال كانت مثاقيل الجاهلية التى ضرب عليها عبد الملك اثنين وعشرين قيراطا إلا حبة وكان العشرة وزن سبعة قال وحدثني عبد الرحمن ابن جرير الليثى عن هلال بن أسامة قال سألت سعيد بن المسيب في كم تجب الزكاة من الدنانير قال في كل عشرين مثقالا بالشأمى نصف مثقال قلت ما بال الشأمى من المصرى قال هو الذى تضرب عليه الدنانير وكان ذلك وزن الدنانير قبل أن تضرب الدنانير كانت اثنين وعشرين قيراطا إلا حبة قال سعيد قد عرفته قد أرسلت بدنانير إلى دمشق فضربت على ذلك (وفى هذه السنة) وفد يحيى ابن الحكم على عبد الملك بن مروان وولى أبان بن عثمان المدينة في رجب (وفيها) استقضى أبان بن نوفل بن مساحق بن عمرو بن خداش من بنى عامر بن لؤى (وفيها) ولد مروان بن محمد بن مروان (وأقام الحج) للناس في هذه السنة أبان بن عثمان وهو أمير على المدينة حدثنى بذلك احمد بن ثابت عمن

[ 84 ]

ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وكان على الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف وعلى خراسان أمية بن عبد الله بن خالد وعلى قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة زراة بن أوفى ثم دخلت سنة سبع وسبعين (ففى هذه السنة) قتل شبيب عتاب بن ورقاء الرياحي وزهرة بن حوية ذكر الخبر عن سبب مقتلهما وكان سبب ذلك فيما ذكر هشام عن أبى مخنف عن عبد الرحمن بن جندب وفروة من لقيط ان شبيبا لما هزم الجيش الذى كان الحجاج وجهه مع عبد الرحمن ابن محمد بن الاشعث إليه وقتل عثمان بن قطن وذلك في صيف وحر شديد اشتد الحر عليه وعلى أصحابه فأتى ماه بهر اذان فتصيف بها ثلاثة أشهر وأتاه ناس كثير ممن يطلب الدنيا فلحقوا به وناس ممن كان الحجاج يطلبهم بمال أو تباعات كان منهم رجل من الحى يقال له الحر بن عبد الله بن عوف وكان دهقانان من أهل نهر درقيط قد أسا آ إليه وضيقا عليه فشد عليهما فقتلهما ثم لحق بشبيب فكان معه بماه وشهد معه مواطنه حتى قتل فلما آمن الحجاج كل من كان خرج إلى شبيب من أصحاب المال والتباعات وذلك بعد يوم السبخة خرج إليه الحر فيمن خرج فجاء أهل الدهقا نين يستعدون عليه الحجاج فأتى به فدخل وقد أوصى ويئس من نفسه فقال له الحجاج يا عدو الله قتلت رجلين من أهل الخراج فقال له قد كان أصلحك الله ما هو أعظم من هذا فقال وما هو قال خروجي من الطاعة وفراق الجماعة ثم آمنت كل من خرج إليك فهذا أمانى وكتابك لى فقال له الحجاج أولى لك قد لعمري فعلت وخلى سبيله قال ولما انفسخ الحر عن شبيب خرج من ماه في نحو من ثمانمائة رجل فأقبل نحو المدائن وعليها مطرف بن المغيرة بن شعبة فجاء حتى نزل قناطر حذيفة بن اليمان فكتب ما ذرواسب عظيم بابل مهروز إلى الحجاج أما بعد فانى أخبر الامير أصلحه الله أن

[ 85 ]

شبيبا قد أقبل حتى نزل قناطر حذيفة ولا أدرى أين يريد * فلما قرأ الحجاج كتابه قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس والله لتقاتلن عن بلادكم وعن فيئكم أو لابعثن إلى قوم هم أطوع وأسمع وأصبر على اللاواء والغيظ منكم فيقاتلون عدوكم ويأكلون فيأكم فقام إليه الناس من كل جانب فقالوا نحن نقاتلهم ونعتب الامير فليندبنا الامير إليهم فإنا حيث سره وقام إليه زهرة بن حوية وهو شيخ كبير لا يستتم قائما حتى يؤخذ بيده فقال له أصلح الله الامير إنك إنما تبعث إليهم الناس متقطعين فاستنفر الناس إليهم كافة فلينفر إليهم كافة وابعث عليهم رجلا ثبتا شجاعا مجربا للحرب ممن يرى الفرار هضما وعارا والصبر مجدا وكرما فقال الحجاج فأنت ذاك فاخرج فقال أصلح الله الامير إنما يصلح للناس في هذا رجل يحمل الرمح والدرع ويهز السيف ويثبت على متن الفرس وأنا لا أطيق من هذا شيئا وقد ضعف بصرى وضعفت ولكن أخرجنى في الناس مع الامير فانى إنما أثبت على الراحلة فأكون مع الامير في عسكره وأشير عليه برأيى فقال له الحجاج جزاك الله عن الاسلام وأهله في أول الاسلام خيرا وجزاك الله عن الاسلام في آخر الاسلام خيرا فقد نصحت وصدقت أنا مخرج الناس كافة ألا فسيروا أيها الناس فانصرف الناس فجعلوا يسيرون وليس يدرون من أميرهم وكتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان أما بعد فإنى أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن شبيبا قد شارف المدائن وإنما يريد الكوفة وقد عجز أهل الكوفة عن قتاله في مواطن كثيرة في كلها يقتل أمراءهم ويفل جنودهم فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إلى أهل الشأم فيقاتلوا عدوهم ويأكلوا بلادهم فليفعل والسلام فلما أتى عبد الملك كتابه بعث إليه سفيان بن الابرد في أربعة آلاف وبعث إليه حبيب بن عبد الرحمن الحكمى من مذحج في ألفين فسرحهم حين أتاه الكتاب إلى الحجاج وجعل أهل الكوفة يتجهزون إلى شبيب ولا يدرون من أميرهم وهم يقولون يبعث فلانا أو فلانا وقد بعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء ليأتيه وهو على خيل الكوفة مع المهلب وقد كان ذلك الجيش من أهل الكوفة هم الذين كان بشر بن مروان بعث

[ 86 ]

عبد الرحمن بن مخنف عليهم إلى قطرى فلم يلبث عبد الرحمن بن مخنف إلا نحوا من شهرين حتى قدم الحجاج على العراق فلم يلبث عليهم عبد الرحمن بن مخنف بعد قدوم الحجاج إلا رجب وشعبان وقتل قطرى عبد الرحمن في آخر رمضان فبعث الحجاج عتاب بن ورقاء على ذلك الجيش من أهل الكوفة الذين أصيب فيهم عبد الرحمن ابن مخنف وأمر الحجاج عتابا بطاعة المهلب فكأن ذلك قد كبر على عتاب ورفع بينه وبين المهلب شرحتي كتب عتاب إلى الحجاج يستعفيه من ذلك الجيش ويضمه إليه فلما أن جاءه كتاب الحجاج بإتيانه سر بذلك قال ودعا الحجاج أشراف أهل الكوفة فيهم زهرة بن حوية السعدى من بنى الاعرج وقبيصة بن والق التغلبي فقال لهم من ترون أن أبعث على هذا الجيش فقالوا رأيك أيها الامير أفضل قال فإنى قد بعثت إلى عتاب بن ورقاء وهو قادم عليكم الليلة أو القابلة فيكون هو الذى يسير في الناس قال زهرة بن حوية أصلح الله الامير رميتهم بحجرهم لا والله لا يرجع اليك حتى يظفر أو يقتل وقال له قبيصة بن والق إنى مشير عليك برأيى فان يكن خطأ فبعد اجتهادى في النصيحة لامير المؤمنين وللامير ولعامة المسلمين وإن يك صوابا فالله سددني له إنا قد تحدثنا وتحدث الناس أن جيشا قد فصل اليك من قبل الشأم وأن أهل الكوفة قد هزموا وملوا واستخفوا بالصبر وهان عليهم عار الفرار فقلوبهم كأنها ليست فيهم كأنما هي في قوم آخرين فإن رأيت أن تبعث إلى جيشك الذى أمددت به من أهل الشأم فيأخذوا حذرهم ولا يبيتوا إلا وهم يرون أنهم مبيتون فعلت فإنك تحارب حولا قلبا ظعانا رحالا وقد جهزت إليه أهل الكوفة ولست واثقا بهم كل الثقة وإنما إخوانهم هؤلاء القوم الذين بعثوا اليك من الشأم أن شبيبا بينا هو في أرض إذ هو في أخرى ولا آمن أن يأتيهم وهم غارون فإن يهلكوا نهلك ويهلك العراق فقال لله أنت ما أحسن ما رأيت وما أحسن ما أشرت به على قال فبعث عبد الرحمن ابن الغرق مولى أبى عقيل إلى من أقبل إليه من أهل الشأم فأتاهم وقد نزلوا هيت بكتاب من الحجاج أما بعد فإذا حاذيتم هيت فدعوا طريق الفرات والانبار وخذوا

[ 87 ]

على عين التمر حتى تقدموا الكوفة إن شاء الله وخذوا حذركم وعجلوا السير والسلام فأقبل القوم سراعا قال وقدم عتاب بن ورقاء في الليلة التى قال الحجاج إنه قادم عليكم فيها فأمره الحجاج فخرج بالناس فعسكر بهم بحمام أعين وأقبل شبيب حتى انتهى إلى كلو إذا فقطع منها دجلة ثم أقبل حتى نزل مدينة بهر سير الدنيا فصار بينه وبين مطرف بن المغيرة بن شعبة جسر دجلة فلما نزل شبيب مدينة بهر سير قطع مطرف الجسر وبعث إلى شبيب أن ابعث إلى رجالا من وجوه أصحابك أدارسهم القرآن وأنظر فيما تدعو إليه فبعث إليه شبيب رجالا من وجوه أصحابه فيهم قعنب وسويد والمحلل فلما أرادوا أن ينزلوا في السفينة بعث إليهم شبيب ألا تدخلوا السفينة حتى يرجع إلى رسولي من عند مطرف فرجع الرسول وبعث إلى مطرف أن ابعث إلى من أصحابك بعدد أصحابي يكونوا رهنا في يدى حتى ترد على أصحابي فقال مطرف لرسوله القه وقل له كيف آمنك أنا على أصحابي إذا أنا بعثتهم الان اليك وأنت لا تأمننى على أصحابك فرجع الرسول إلى شبيب فأبلغه فأرسل إليه شبيب انك قد علمت أنا لا نستحل الغدر في ديننا وأنتم تفعلونه وتستحلونه فبعث إليه مطرف الربيع بن يزيد الاسدي وسليمان بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني ويزيد بن أبى زياد مولاه وصاحب حرسه فلما صاروا في يدى شبيب سرح إليه أصحابه فأتوا مطرفا فمكثوا أربعة أيام يتراسلون ثم لم يتفقوا على شئ فلما تبين لشبيب أن مطرفا غير تابعه ولا داخل معه تهيأ للمسير إلى عتاب بن ورقاء والى أهل الشأم (قال أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط ان شبيبا دعا رؤوس أصحابه فقال لهم انه لم يثبطني على رأى قد كنت رأيته الا هذا الثقفى منذ أربعة أيام قد كنت حدثت نفسي أن أخرج في جريدة خيل حتى ألقى هذا الجيش المقبل من الشأم رجاء أن أصادف غرتهم أو يحذروا فلا أبالى كنت ألقاهم منقطعين من المصر ليس عليهم أمير كالحجاج يستندون إليه ولا مصر كالكوفة يعتصمون به وقد جاءتني عيوني اليوم فخبروني أن أوائلهم قد دخلوا عين التمر فهم الان قد شارفوا الكوفة وجاءتني عيوني من نحو عتاب بن ورقاء فحدثوني

[ 88 ]

أنه قد نزل بجماعة أهل الكوفة الصراة فما أقرب ما بيننا وبينهم فتيسروا بنا للمسير إلى عتاب بن ورقاء قال وخاف مطرف أن يبلغ خبره وما كان من أرساله إلى شبيب الحجاج فخرج نحو الجبال وقد كان أراد أن يقيم حتى ينظر ما يكون بين شبيب وعتاب فأرسل إليه شبيب أما إذ لم تبايعني فقد نبذت اليك على سواء فقال مطرف لاصحابه اخرجوا بنا وافرين فإن الحجاج سيقاتلنا فيقاتلنا وبنا قوة أمثل فخرج ونزل المدائن فعقد شبيب الجسر وبعث إلى المدائن أخاه مصادا وأقبل إليه عتاب حتى نزل بسوق حكمة وقد أخرج الحجاج جماعة أهل الكوفة مقاتلتهم ومن شط إلى الخروج من شبابهم وكانت مقاتلتهم أربعين ألفا سوى الشباب ووافى مع عتاب يومئذ أربعون ألفا من المقاتلة وعشرة آلاف من الشباب بسوق حكمة فكانوا خمسين ألفا ولم يدع الحجاج قرشيا ولا رجلا من بيوتات العرب الا أخرجه (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الرحمن بن جندب قال سمعت الحجاج وهو على المنبر حين وجه عتابا إلى شبيب في الناس وهو يقول يا أهل الكوفة اخرجوا مع عتاب بن ورقاء بأجمعكم لا أرخص لاحد من الناس في الاقامة إلا رجلا قد وليناه من أعمالنا ألا إن للصابر المجاهد الكرامة والاثرة ألا وان للناكل الهارب الهوان والجفوة والذى لا اله غيره لئن فعلتم في هذا الموطن كفعلكم في المواطن التى كانت لاولينكم كنفا خشنا ولاعر ككم يكلكل ثقيل ثم نزل وتوافى الناس مع عتاب بسوق حكمة (قال أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط قال عرضنا شبيب بالمدائن فكنا ألف رجل فقام فينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا معشر المسلمين إن الله قد كان ينصركم عليهم وأنتم مائة ومائتان وأكثر من ذلك قليلا وأنقص منه قليلا فأنتم اليوم مئون ومئون ألا إنى مصلى الظهر ثم سائر بكم فصلى الظهر ثم نودى في الناس يا خيل الله اركبي وأبشرى فخرج في أصحابه فأخذوا يتخلفون ويتأخرون فلما جاوزنا ساباط ونزلنا معه قص علينا وذكرنا بأيام الله وزهدنا في الدنيا ورغبنا في الاخرة ساعة طويلة ثم أمر مؤذنه فأذن ثم تقدم فصلى بنا العصر ثم أقبل حتى أشرف بنا على عتاب بن ورقاء وأصحابه

[ 89 ]

فلما أن رآهم من ساعته نزل وأمر مؤذنه فأذن ثم تقدم فصلى بنا المغرب وكان مؤذنه سلام بن سيار الشيباني وكانت عيون عتاب بن ورقاء قد جاءوه فأخبروه أنه قد أقبل إليه فخرج بالناس كلهم فعبأهم وكان قد خندق أول يوم نزل وكان يظهر كل يوم أنه يريد أن يسير إلى شبيب بالمدائن فبلغ ذلك شبيبا فقال أسير إليه أحب إلى من أن يسير إلى فأتاه فلما صف عتاب الناس بعث على ميمنته محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس وقال يا ابن أخى إنك شريف فاصبر وصابر فقال أما أنا فوالله لاقاتلن ما ثبت معى إنسان وقال لقبيصة بن والق وكان يومئذ على ثلث بنى تغلب اكفني الميسرة فقال أنا شيخ كبير كثير منى أن أثبت تحت رايتى قد انبت منى القيام ما أستطيع القيام إلا أن أقام ولكن هذا عبيد الله بن الحليس ونعيم بن عليم التغلبيان وكان كل واحد منهما على ثلث من أثلاث تغلب فقال ابعث أيهما أحببت فأيهما بعثت فلتبعثن ذا حزم وعزم وغناء فبعث نعيم بن عليم على ميسرته وبعث حنظلة بن الحارث اليربوعي وهو ابن عم عتاب شيخ أهل بيته على الرجالة وصفهم ثلاث صفوف صف فيهم الرجال معهم السيوف وصف وهم أصحاب الرماح وصف فيه المرامية ثم سار فيما بين الميمنة إلى الميسرة يمر بأهل راية راية فيحثهم على تقوى الله ويأمرهم بالصبر ويقص عليهم (قال أبو مخنف) فحدثني حصيرة بن عبد الله أن تميم بن الحارث الازدي قال وقف علينا فقص علينا قصصا كثيرا كان مما حفظت منه ثلاث كلمات قال يا أهل الاسلام إن أعظم الناس نصيبا في الجنة الشهداء وليس الله لاحد من خلقه بأحمد منه للصابرين ألا ترون أنه يقول اصبروا إن الله مع الصابرين فمن حمد الله فعله فما أعظم درجته وليس الله لاحد أمقت منه لاهل البغى ألا ترون أن عدوكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه لا يرون إلا أن ذلك لهم قربة عند الله فهم شرار أهل الارض وكلاب أهل النار أين القصاص قال ذلك فلم يجبه والله أحد منا فلما رأى ذلك قال أين من يروى شعر عنترة قال فلا والله مارد عليه إنسان كلمة فقال إنا لله كأنى بكم قد فررتم عن عتاب بن ورقاء وتركتموه تسفى في استه

[ 90 ]

الريح ثم أقبل حتى جلس في القلب معه زهرة بن حوية جالس وعبد الرحمن بن محمد ابن الاشعث وأبو بكر بن محمد بن أبى جهم العدوى وأقبل شبيب وهو في ستمائة وقد تخلف عنه من الناس أربعمائة فقال له لقد تخلف عنا من لا أحب أن يرى فينا فبعث سويد بن سليم في مائتين إلى الميسرة وبعث المحلل بن وائل في مائتين إلى القلب ومضى هو في مائتين إلى الميمنة بين المغرب والعشاء الاخرة حين أضاء القمر فناداهم لمن هذه الرايات قالوا رايات ربيعة فقال شبيب رايات طالما نصرت الحق وطالما نصرت الباطل لها في كل نصيب والله لا جاهدنكم محتسبا للخير في جهادكم أنتم ربيعة وأنا شبيب أنا أبو المدله لا حكم إلا للحكم اثبتوا إن شئتم ثم حمل عليهم وهو على مسناة أمام الخندق ففضهم فثبت أصحاب رايات قبيصة بن والق وعبيد بن الحليس ونعيم بن عليم فقتلوا وانهزمت الميسرة كلها وتنادى أناس من بنى تغلب قتل قبيصة بن والق فقال شبيب قتلتم قبيصة بن والق التغلبي يا معشر المسلمين قال الله (واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) هذا مثل ابن عمكم قبيصة بن والق أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ثم جاء يقاتلكم مع الكافرين ثم وقف عليه فقال ويحك لو ثبت على إسلامك الاول سعدت ثم حمل من الميسرة على عتاب بن ورقاء وحمل سويد بن سليم على الميمنة وعليها محمد بن عبد الرحمن فقاتل في الميمنة في رجال من بنى تميم وهمدان فأحسنوا القتال فما زالوا كذلك حتى أتوا فقيل لهم قتل عتاب بن ورقاء فانفضوا ولم يزل عتاب جالسا على طنفسة في القلب وزهرة ابن حوية معه إذ غشيهم شبيب فقال له عتاب يا زهرة بن حوية هذا يوم كثر فيه العدد وقل فيه الغناء والهفى على خمسمائة فارس من نحو رجال تميم معى من جميع الناس ألا صابر لعدوه ألا مؤاس بنفسه فانفضوا عنه وتركوه فقال له زهرة أحسنت يا عتاب فعلت فعل مثلك والله والله لو منحتهم كتفك ما كان بقاؤك إلا قليلا أبشر فإنى أرجو أن يكون الله قد أهدى إلينا الشهادة عند فناء أعمارنا فقال له جزاك الله خيرا ما جزى امرءا لمعروف وحاثا على تقوى دنا فلما منه شبيب

[ 91 ]

وثب في عصابة صبرت معه قليلة وقد ذهب الناس يمينا وشمالا فقال له عمار بن يزيد الكلبى من بنى المدينة أصلحك الله إن عبد الرحمن بن محمد قد هرب عنك فانصفق معه أناس كثير فقال له قد فر قبل اليوم وما رأيت ذلك الفتى يبالى ما صنع ثم قاتلهم ساعة وهو يقول ما رأيت كاليوم قط موطنا لم أبتل بمثله قط أقل مقاتلا ولا أكثر هاربا خاذلا فرآه رجل من بنى تغلب من أصحاب شبيب من بنى زيد ابن عمرو يقال له عامر بن عمرو بن عبد عمرو وكان قد أصاب دما في قومه فلحق بشبيب وكان من الفرسان فقال لشبيب والله إنى لاظن هذا المتكلم عتاب بن ورقاء فحمل عليه فطعنه فوقع فكان هو ولى قتله ووطئت الخيل زهرة بن حوية فأخذ يذب بسيفه وهو شيخ كبير لايستطيع أن يقوم فجاء الفضل بن عامر الشيباني فقتله فانتهى إليه شبيب فوجده صريعا فعرفه فقال من قتل هذا فقال الفضل أنا قتلته فقال شبيب هذا زهرة بن حوية أما والله لئن كنت قتلت على ضلالة لرب يوم من أيام المسلمين قد حسن فيه بلاؤك وعظم فيه غناؤك ولرب خيل للمشركين قد هزمتها وسرية لهم قد أغرتها وقرية من قراهم جم أهلها قد افتتحتها ثم كان في علم الله أن تقتل ناصرا للظالمين (قال أبو مخنف) فحدثني فروة ابن لقيط قال رأيناه والله توجع له فقال رجل من شبان بكر بن وائل والله إن أمير المؤمنين منذ الليلة ليتوجع لرجل من الكافرين قال إنك لست بأعرف بضلالتهم منى ولكني أعرف من قديم أمرهم مالا تعرف مالو ثبتوا عليه كانوا إخوانا وقتل في المعركة عمار بن يزيد بن شبيب الكلبى وقتل أبو خيثمة بن عبد الله يومئذ واستمكن شبيب من أهل العسكر والناس فقال ارفعوا عنهم السيف ودعا إلى البيعة فبايعه الناس من ساعتهم وهربوا من تحت ليلتهم وأخذ شبيب يبايعهم ويقول إلى ساعة يهربون وحوى شبيب على ما في العسكر وبعث إلى أخيه فأتاه من المدائن فلما وفاه بالعسكر أقبل إلى الكوفة وقد أقام بعسكره ببيت قرة يومين ثم توجه نحو وجه أهل الكوفة وقد دخل سفيان بن الابرد الكلبى وحبيب بن عبد الرحمن الحكمى من مذحج فيمن معهما من أهل الشأم الكوفة فشدوا للحجاج

[ 92 ]

ظهره فاستغنى بهما عن أهل الكوفة فقام على منبر الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا أهل الكوفة فلا أعز الله من أراد بكم العز ولانصر من أراد بكم النصر اخرجوا عنا ولا تشهدوا معنا قتال عدونا الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى ولا تقاتلوا معنا إلا من كان لنا عاملا ومن لم يكن شهد قتال عتاب بن ورقاء (قالوا أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط قال والله لخرجنا نتبع آثار الناس فانتهى إلى عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث ومحمد بن عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس الهمداني وهما يمشيان كأنى أنظر إلى رأس عبد الرحمن قد امتلا طينا فصددت عنهما وكرهت أن أذعرهما ولو أنى أوذن بهما أصحاب شبيب لقتلا مكانهما وقلت في نفسي لثن سقت إلى مثلكما من قومي القتل ما أنا برشيد الرأى وأقبل شبيب حتى نزل الصراة (قال أبو مخنف) فحدثني موسى بن سوار أن شبيبا خرج يريد الكوفة فانتهى إلى سورا فندب الناس فقال أيكم يأتيني برأس عامل سورا فانتدب له بطين وقعنب وسويد ورجلان من أصحابه فساروا مغذين حتى انتهوا إلى دار الخراج والعمال في سمرجة فدخلوا الدار وقد كادوا الناس بأن قالوا أجيبوا الامير فقالوا أي الامراء قالوا أمير خرج من قبل الحجاج يريد هذا الفاسق شبيبا فاغتر بذلك العامل منهم ثم إنهم شهروا السيوف وحكموا حين وصلوا إليه فضربوا عنقه وقبضوا على ما كان من مال ولحقوا بشبيب فلما انتهوا إليه قال ما الذى أتيتمونا به قالوا جئناك برأس الفاسق وما وجدنا من مال والمال على دابة في بدوره فقال شبيب أتيتمونا بفتنة للمسلمين هلم الحربة يا غلام فخرق بها البدور وأمر فنخس بالدابة والمال يتناثر من بدوره حتى وردت الصراة فقال إن كان بقى شئ فاقذفه في الماء ثم خرج إليه سفيان بن الابرد مع الحجاج وكان أتاه قبل خروجه معه فقال ابعثنى أستقبله قبل أن يأتيك فقال ما أحب أن نفترق حتى ألقاه في جماعتكم والكوفة في ظهورنا والحصن في أيدينا (وفى هذه السنة) دخل شبيب الكوفة دخلته الثانية

[ 93 ]

ذكر الخبر عن ذلك وما كان من حربه بها الحجاج (قال هشام) حدثنى أبو مخنف عن موسى بن سوار قال قدم سبرة بن عبد الرحمن ابن مخنف من الدسكرة الكوفة بعد ما قدم جيش الشأم الكوفة وكان مطرف ابن المغيرة كتب إلى الحجاج إن شبيبا قد أطل على فابعث إلى المدائن بعثا فبعث إليه سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف في مائتي فارس فلما خرج مطرف يريد الجبل خرج بأصحابه معه وقد أعلمهم ما يريدوكتم ذلك سبرة فلما انتهى إلى دسكرة الملك دعا سبرة فأعلمه ما يريد ودعاه إلى أمره فقال له نعم أنا معك فلما خرج من عنده بعث إلى أصحابه فجمعهم وأقبل بهم فيصادف عتاب بن ورقاء قد قتل وشبيبا قد مضى إلى الكوفة فأقبل حتى انتهى إلى قرية يقال لها بيطري وقد نزل شبيب حمام عمر فخرج سبرة حتى يعبر الفرات في معبر قرية شاهى ثم أخذ الظهر حتى قدم على الحجاج فوجد أهل الكوفة مسخوطا عليهم فدخل على سفيان بن الابرد فقص قصته عليه وأخبره بطاعته وفراقه مطرفا وأنه لم يشهد عتابا ولم يشهد هزيمة في موطن من مواطن أهل الكوفة ولم أزل للامير عاملا ومعى مائتا رجل لم يشهدوا معى هزيمة قط وهم على طاعتهم لم يدخلوا في فتنة فدخل سفيان إلى الحجاج فخبره بخبر ما قص عليه سبرة بن عبد الرحمن فقال صدق وبرقل له فليشهد معنا لقاء عدونا فخرج إليه فأعلمه ذلك وأقبل شبيب حتى نزل موضع حمام أعين ودعا الحجاج الحارث ابن معاوية بن أبى زرعة بن مسعود الثقفى فوجهه في ناس من الشرط لم يكونوا شهدوا يوم عتاب ورجالا كانوا عمالا في نحو من مائتي رجل من أهل الشأم فخرج في نحو من ألف فنزل زرارة وبلغ ذلك شبيبا فتعجل إليه في أصحابه فلما انتهى إليه حمل عليه فقتله وهزم أصحابه وجاءت المنهزمة فدخلوا الكوفة وجاء شبيب حتى قطع الجسر وعسكر دونه إلى الكوفة وأقام شبيب في عسكره ثلاثة أيام فلم يكن في أول يوم إلا قتل الحارث بن معاوية فلما كان في اليوم الثاني أخرج الحجاج مواليه وغلمانه عليهم السلاح فأخذوا بأفواه السكك مما يلى الكوفة وخرج أهل الكوفة فأخذوا بأفواه سككهم وخشوا إن لم يخرجوا موجدة الحجاج وعبد الملك

[ 94 ]

ابن مروان وجاء شبيب حتى ابتنى مسجدا في أقصى السبخة مما يلى موقف أصحاب القت عند الايوان وهو قائم حتى الساعة فلما كان اليوم الثالث أخرج الحجاج أبا الورد مولى له عليه تجفاف وأخرج مجففة كثيرة وغلمانا له وقالوا هذا الحجاج فحمل عليه شبيب فقتله وقال إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه ثم إن الحجاج أخرج له غلامه طهمان في مثل تلك العدة على مثل تلك الهيئة فحمل عليه شبيب فقتله وقال إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه ثم إن الحجاج خرج ارتفاع النهار من القصر فقال ائتونى ببغل أركبه ما بينى وبين السبخة فأتى ببغل محجل فقيل له إن الاعاجم أصلحك الله تطير أن تركب في مثل هذا اليوم مثل هذا البغل فقال ادنوه منى فان اليوم يوم أغر محجل فركبه ثم خرج في أهل الشأم حتى أخذ في سكة البريد ثم خرج في أعلى السبخة فلما نظر الحجاج إلى شبيب وأصحابه نزل وكان شبيب في ستمائة فارس فلما رأى الحجاج قد خرج إليه أقبل بأصحابه وجاء سبرة بن عبد الرحمن إلى الحجاج فقال أين يأمرنى الامير أن أقف فقال قف على أفواه السكك فان جاء وكم فكان فيكم قتال فقاتلوا فانطلق حتى وقف في جماعة الناس ودعا الحجاج بكرسى له فقعد عليه ثم نادى يا أهل الشأم أنتم أهل السمع والطاعة والصبر واليقين لا يغلبن باطل هؤلاء الارجاس حقكم غضوا الابصار واجثوا على الركب واستقبلوا القوم بأطراف الاسنة فجثوا على الركب وأشرعوا الرماح وكأنهم حرة سوداء وأقبل إليهم شبيب حتى إذا دنا منهم عبى أصحابه ثلاثة كراديس كتيبة معه وكتيبة مع سويد بن سليم وكتيبة مع المحلل بن وائل فقال لسويد احمل عليهم في خيلك فحمل عليهم فثبتوا له حتى إذا غشى أطراف الاسنة وثبوا في وجهه ووجوه أصحابه فطعنوا قدما حتى انصرف وصاح الحجاج يا أهل السمع والطاعة هكذا فافعلوا قدم كرسى يا غلام وأمر شبيب المحلل فحمل عليهم ففعلوا به مثل ما فعلوا بسويد فناداهم الحجاج يا أهل السمع والطاعة هكذا فافعلوا قدم كرسى يا غلام ثم إن شبيبا حمل عليهم في كتيبته فثبتوا له حتى إذا غشى أطراف الرماح وثبوا في وجهه فقاتلهم طويلا ثم إن أهل الشأم طعنوه قدما حتى ألحقوه بأصحابه

[ 95 ]

فلما رأى صبرهم نادى يا سويدا حمل في خيلك على أهل هذه السكة يعنى سكة لحام جرير لعلك تزيل أهلها عنها فتأتى الحجاج من ورائه ونحمل نحن عليه من أمامه فانفرد سويد بن سليم فحمل على أهل تلك السكة فرمى من فوق البيوت وأفواه السكك فانصرف وقد كان الحجاج جعل عروة بن المغيرة بن شعبة في نحو من ثلثمائة رجل من أهل الشأم ردءاله ولاصحابه لئلا يؤتوا من ورائه (قال أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط أن شبيبا قال لنا يومئذ يا أهل الاسلام إنما شرينا الله ومن شرى الله لم يكبر عليه ما أصابه من الاذى والالم في جنب الله الصبر الصبر شدة كشداتكم في مواطنكم الكريمة ثم جمع أصحابه فلما ظن الحجاج أنه حامل عليهم قال لاصحابه يا أهل السمع والطاعة اصبروا لهذه الشدة الواحدة ثم ورب السماء ما شئ دون الفتح فجثوا على الركب وحمل عليهم شبيب بجميع أصحابه فلما غشيهم نادى الحجاج بجماعة الناس فوثبوا في وجهه فما زالوا يطعنون ويضربون قدما ويدفعون شبيبا وأصحابه وهو يقاتلهم حتى بلغوا موضع بستان زائدة فلما بلغ ذلك المكان نادى شبيب أصحابه يا أولياء الله الارض الارض ثم نزل وأمر أصحابه فنزل نصفهم وترك نصفهم مع سويد بن سليم وجاء الحجاج حتى انتهى إلى مسجد شبيب ثم قال يا أهل الشأم يا أهل السمع والطاعة هذا أول الفتح والذى نفس الحجاج بيده وصعد المسجد معه نحو من عشرين رجلا معهم النبل فقال إن دنوا منا فارشقوهم فاقتتلوا عامة النهار من أشد قتال في الارض حتى أقر ؟ ؟ كل واحد من الفريقين لصاحبه ثم إن خالد بن عتاب قال للحجاج ائذن لى في قتالهم فإنى موتور وأنا ممن لا يتهم في نصيحة قال فانى قد أذنت لك قال فانى آتيهم من ورائهم حتى أغير على عسكرهم فقال له افعل ما بدالك قال فخرج معه بعصابة من أهل الكوفة حتى دخل عسكرهم من ورائهم فقتل مصادا أخا شبيب وقتل غزالة امرأته قتلها فروة بن الدفان الكلبى وحرق في عسكره وأتى ذلك الخبر الحجاج وشبيبا فأما الحجاج وأصحابه فكبروا تكبيرة واحدة وأما شبيب فوثب هو وكل راجل معه على خيولهم وقال الحجاج لاهل الشأم شدوا عليهم فإنه قد أتاهم ما أرعب قلوبهم فشدوا عليهم

[ 96 ]

فهزموهم وتخلف شبيب في حامية الناس (قال هشام) فحدثني أصغر الخارجي قال حدثنى من كان مع شبيب قال لما انهزم الناس فخرج من الجسر تبعه خيل الحجاج قال فجعل يخفق برأسه فقلت يا أمير المؤمنين التفت فانظر من خلفك قال فالتفت غير مكترث ثم أكب يخفق برأسه قال ودنوا منا فقلنا يا أمير المؤمنين قد دنوا منك قال فالتفت والله غير مكترث ثم جعل يخفق برأسه قال فبعث الحجاج إلى خيله أن دعوه في حرق الله وناره فتركوه ورجعوا (قال هشام) قال أبو مخنف حدثنى أبو عمرو العذري قال قطع شبيب الجسر حين عبر قال وقال لى فروة كنت معه حين انهزمنا فما حرك الجسر ولا اتبعونا حتى قطعنا الجسر ودخل الحجاج الكوفة ثم صعد المنبر فحمد الله ثم قال والله ما قوتل شبيب قبلها ولى والله هاربا وترك امرأته يكسر في استها القصب (وقد قيل) في قتال الحجاج شبيبا بالكوفة ما ذكره عمر بن شبة قال حدثنى عبد الله بن المغيرة بن عطية قال حدثنى أبى قال حدثنا مزاحم بن زفر بن جساس التيمى قال لما فض شبيب كتائب الحجاج أذن لنا فدخلنا عليه في مجلسه الذى يبيت فيه وهو على سرير وعليه لحاف فقال إنى دعوتكم لامر فيه أمان ونظر فأشيروا على إن هذا الرجل قد تبحبح بحبوحتكم ودخل حريمكم وقتل مقاتلتكم فأشيروا على فأطرقوا وفصل رجل من الصف بكرسيه فقال إن أذن لى الامير تكلمت فقال تكلم فقال إن الامير والله ما راقب الله ولا حفظ أمير المؤمنين ولا نصح الرعية ثم جلس بكرسيه في الصف قال وإذا هو قتيبة قال فغضب الحجاج وألقى اللحاف ودلى قدميه من السرير كأنى أنظر اليهما فقال من المتكلم قال فخرج قتيبة بكرسيه من الصف فأعاد الكلام قال فما الرأى قال الرأى أن تخرج إليه فتحاكمه قال فارتد لى معسكرا ثم اغد إلى قال فخرجنا نلعن عنبسة بن سعيد وكان كلم الحجاج في قتيبة فجعله من أصحابه فلما أصبحنا وقد أوصينا جميعا غدونا في السلاح فصلى الحجاج الصبح ثم دخل فجعل رسوله يخرج ساعة بعد ساعة فيقول أجاء بعد أجاء بعد ولا ندرى من يريد وقد أفعمت المقصورة بالناس فخرج الرسول فقال أجاء بعد وإذا قتيبة يمشى

[ 97 ]

في المسجد عليه قباء هروى أصفر وعمامة خز أحمر متقلدا سيفا عريضا قصير الحمائل كأنه في ابطه قد أدخل بركة قبائه في منطقته والدرع يصفق ساقيه ففتح له الباب فدخل ولم يحجب فلبث طويلا ثم خرج وأخرج معه لواء منشورا فصلى الحجاج ركعتين ثم قام فتكلم وأخرج اللواء من باب الفيل وخرج الحجاج يتبعه فإذا بالباب بغلة شقراء غراء محجلة فركبها وعارضه الوصفاء بالدواب فأبى غيرها وركب الناس وركب قتيبة فرسا أغر محجلا كميتا كأنه في سرجه رمانة من عظم السرج فأخذ في طريق دار السقاية حتى خرج إلى السبخة وبها عسكر شبيب وذلك يوم الاربعاء فتواقفوا ثم غدوا يوم الخميس للقتال ثم غادوهم يوم الجمعة فلما كان وقت الصلاة انهزمت الخوارج * قال أبو زيد حدثنى خلاد بن يزيد قال حدثنا الحجاج بن قتيبة قال جاء شبيب وقد بعث إليه الحجاج أميرا فقتله ثم آخر فقتله أحدهما عين صاحب حمام أعين قال فجاء حتى دخل الكوفة ومعه غزالة وقد كانت نذرت أن تصلى في مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران قال ففعلت قال واتخذ شبيب في عسكره أخصاصا فقام الحجاج فقال لا أراكم تناصحون في قتال هؤلاء القوم يا أهل العراق وأنا كاتب إلى أمير المؤمنين ليمدنى بأهل الشأم قال فقام قتيبة فقال إنك لم تنصح لله ولا لامير المؤمنين في قتالهم (قال عمر بن شبة) قال خلاد فحدثني محمد بن حفص بن موسى بن عبيد الله بن معمر بن عثمان التميمي أن الحجاج خنق قتيبة بعمامته خنقا شديدا (ثم رجع الحديث إلى حديث الحجاج وقتيبة) قال فقال وكيف ذاك قال تبعث الرجل الشريف وتبعث معه رعاعا من الناس فينهزمون عنه ويستحيا فيقاتل حتى يقتل قال فما الرأى قال أن تخرج بنفسك ويخرج معك نظراؤك فيؤاسونك بأنفسهم قال فلعنه من ثم وقال الحجاج والله لابرزن له غدا فلما كان الغد حضر الناس فقال قتيبة اذكر يمينك أصلح الله الامير فلعنوه أيضا وقال الحجاج اخرج فارتد لى معسكرا فذهب وتهيأ هو وأصحابه فخرجوا فأتى على موضع فيه بعض القذر موضع كناسة فقال ألقوا لى ههنا فقيل إن الموضع قذر فقال ما تدعونني إليه أقذر الارض تحته طيبة والسماء فوقه طيبة قال فنزل وصف

[ 98 ]

الناس وخالد بن عتاب بن ورقاء مسخوط عليه فليس في القوم وجاء شبيب وأصحابه لتقربوا دوابهم وخرجوا يمشون فقال لهم شبيب الهوا عن رميكم ودبوا تحت تراسكم حتى إذا كانت أسنتهم فوقها فأزلقوها صعدا ثم ادخلوا تحتها لتستقلوا فتقطعوا أقدامهم وهى الهزيمة بإذن الله فأقبلوا يدبون إليهم وجاء خالد بن عتاب في شاكريته فدار من وراء عسكرهم فأضرم أخصاصهم بالنار فلما رأوا ضوء النار وسمعوا معمعتها التفتوا فرأوها في بيوتهم فولوا إلى خيلهم وتبعهم الناس وكانت الهزيمة ورضى الحجاج عن خالد وعقد له على قتالهم قال لما قتل شبيب عتابا أراد دخول الكوفة ثانية فأقبل حتى شارفها فوجه إليه الحجاج سيف بن هانئ ورجلا معه ليأتياه بخبر شبيب فأتيا عسكره ففطن بهما فقتل الرجل وأفلت سيف وتبعه رجل من الخوارج فأوثب سيف فرسه ساقية ثم سأل الرجل الامان على أن يصدقه فآمنه فأخبره أن الحجاج بعثه وصاحبه ليأتياه بخبر شبيب قال فأخبره أنا نأتيه يوم الاثنين فأتى سيف الحجاج فأخبره فقال كذب وماق فلما كان يوم الاثنين توجهوا ؟ ؟ يريدون الكوفة فوجه إليهم الحجاج الحارث بن معاوية الثقفى فلقيه شبيب بزرارة فقتله وهزم أصحابه ودنا من الكوفة فبعث البطين في عشرة فوارس يرتاد له منزلا على شاطئ الفرات في دار الرزق فأقبل البطين وقد وجه الحجاج حواشب بن يزيد في جمع من أهل الكوفة فأخذوا بأفواه السكك فقاتلهم البطين فلم يقو عليهم فبعث إلى شبيب فأمده بفوارس فعقروا فرس حوشب وهزموه ونجا ومضى البطين إلى دار الرزق وعسكر على شاطئ الفرات وأقبل شبيب فنزل دون الحسر فلم يوجه إليه الحجاج أحدا فمضى فنزل السبخة بين الكوفة والفرات فأقام ثلاثا لا يوجه إليه الحجاج أحدا فأشير على الحجاج أن يخرج بنفسه فوجه قتيبة بن مسلم فهيأ له عسكرا ثم رجع فقال وجدت المأتى سهلا فسر على الطائر الميمون فنادى في أهل الكوفة فخرجوا وخرج معه الوجوه حتى نزلوا في ذلك العسكر وتواقفوا وعلى ميمنة شبيب البطين وعلى ميسرته قعنب مولى بنى أبى ربيعة بن ذهن وهو في زهاء مائتين وجعل الحجاج على ميمنته مطر بن ناجية الرياحي وعلى ميسرته خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي في زهاء

[ 99 ]

أربعة آلاف وقيل له لا تعرفه موضعك فتنكر وأخفى مكانه وشبه له أبا الورد مولاه فنظر إليه شبيب فحمل عليه فضربه بعمود وزنه خمسة عشر رطلا فقتله وشبه له أعين صاحب حمام أعين بالكوفة وهو مولى لبكر بن وائل فقتله فركب الحجاج بغلة غراء محجلة وقال إن الدين أغر محجل وقال لابي كعب قدم لواءك أنا ابن أبى عقيل وحمل شبيب على خالد بن عتاب وأصحابه فبلغ بهم الرحبة وحملوا على مطر ابن ناجية فكشفوه فنزل عند ذلك الحجاج وأمر أصحابه فنزلوا فجلس على عباءة ومعه عنبسة بن سعيد فانهم على ذلك إذ تناول مصقلة بن مهلهل الضبى لجام شبيب فقال ما تقول في صالح بن مسرح وبما تشهد عليه قال أعلى هذه الحال وفى هذه الحزة والحجاج ينظر قال فبرئ من صالح فقال مصقلة برئ الله منك وفارقوه إلا أربعين فارسا هم أشد أصحابه وانحاز الآخرون إلى دار الرزق وقال الحجاج قد اختلفوا وأرسل إلى خالد بن عتاب فأتاهم فقاتلهم فقتلت غزالة ومر برأسها إلى الحجاج فارس فعرفه شبيب فأمر علوان فشد على الفارس فقتله وجاء بالرأس فأمر به فغسل ودفنه وقال هي أقرب اليكم رحما يعنى غزالة ومضى القوم على حاميتهم ورجع خالد إلى الحجاج فأخبره بانصراف القوم فأمره أن يحمل على شبيب فحمل عليهم وأتبعه ثمانية منهم قعنب والبطين وعلوان وعيسى والمهذب وابن عويمر وسنان حتى بلغوا به الرحبة وأتى شبيب في موقفه بخوط بن عمير السدوسى فقال له شبيب يا خوط لا حكم إلا لله فقال لا حكم إلا لله فقال شبيب خوط من أصحابكم ولكنه كان يخاف فأطلقه وأتى بعمير بن القعقاع فقال له لا حكم إلا لله يا عمير فجعل لا يفقه عنه ويقول في سبيل الله شبابى فردد عليه شبيب لا حكم إلا لله ليتخلصه فلم يفقه فأمر بقتله وقتل مصاد أخو شبيب وجعل شبيب ينتظر النفر الذين تبعوا خالدا فأبطؤا ونعس شبيب فأيقظه حببب بن حدرة وجعل أصحاب الحجاج لا يقدمون عليه هيبة له وسار إلى دار الرزق فجمع رثة من قتل من أصحابه وأقبل الثمانية إلى موضع شبيب فلم يجدوه فظنوا أنهم قتلوه ورجع مطر وخالد إلى الحجاج فأمرهما فأتبعا الرهط الثمانية وأتبع الرهط شبيبا فمضوا جميعا حتى قطعوا جسر المدائن فدخلوا

[ 100 ]

ديرا هنالك وخالد يقفوهم فحصرهم في الدير فخرجوا عليه فهزموه نحوا من فرسخين حتى ألقوا أنفسهم في دجلة بخيلهم وألقى خالد نفسه بفرسه فمر به ولواؤه في يده فقال شبيب قاتله الله فارسا وفرسه، هذا أشد الناس وفرسه أقوى فرس في الارض فقيل له هذا خالد بن عتاب فقال معرق له في الشجاعة والله لو علمت لاقحمت خلفه ولو دخل النار (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) عن أبى عمر والعذري أن الحجاج دخل الكوفة حين انهزم شبيب ثم صعد المنبر فقال والله ما قوتل شبيب قط قبلها مثلها ولى والله هاربا وترك امرأته يكسر في استها القصب ثم دعا حبيب بن عبد الرحمن الحكمى فبعثه في أثره في ثلاثة آلاف من أهل الشأم فقال له الحجاج احذر بياته وحيثما لقيته فنازله فان الله قد فل حده وقصم نابه فخرج حبيب بن عبد الرحمن في أثر شبيب حتى نزل الانبار وبعث الحجاج إلى العمال أن دسوا إلى أصحاب شبيب أن من جاءنا منهم فهو آمن فكان كل من ليست له تلك البصيرة ممن قد هده القتال يجئ فيؤمن وقبل ذلك ما قد نادى فيهم الحجاج يوم هزموا إن من جاءنا منكم فهو آمن فتفرق عنه ناس كثير من أصحابه وبلغ شبيبا منزل حبيب بن عبد الرحمن الانبار فأقبل بأصحابه حتى إذا دنا من عسكرهم نزل فصلى بهم المغرب (قال أبو مخنف) فحدثني أبو يزيد السكسكى قال أنا والله في أهل الشأم ليلة جاءنا شبيب فبيتنا قال فلما أمسينا جمعنا حبيب بن عبد الرحمن فجعلنا أرباعا وقال لكل ربع منا ليجزئ كل ربع منكم جانبه فان قاتل هذا الربع فلا يغثهم هذا الربع الآخر فانه قد بلغني أن هذه الخوارج منا قريب فوطنوا أنفسكم على أنكم مبيتون ومقاتلون فما زلنا على تعبيتنا حتى جاءنا شبيب فبيتنا فشد على ربع منا عليهم عثمان بن سعيد العذري فضاربهم طويلا فما زالت قدم الانسان منهم ثم تركهم وأقبل على الربع الآخر وقد جعل عليهم سعد بن بجل العامري فقاتلهم فما زالت قدم إنسان منهم ثم تركهم وأقبل على الربع الآخر وعليهم النعمان بن سعد الحميرى فما قدر منهم على شئ ثم أقبل على الربع الآخر وعليهم ابن أقيصر الخثعمي فقاتلهم طويلا فلم يظفر بشئ ثم أطاف بنا يحمل علينا حتى ذهب ثلاثة أرباع الليل وألزبنا ؟ حتى قلنا لا يفارقنا

[ 101 ]

ثم نازلنا راجلا طويلا فسقطت والله بيننا وبينهم الايدى وفقئت الاعين وكثرت القتلى قتلنا منهم نحوا من ثلاثين وقتلوا منا نحو من مائة والله لو كانوا فيما نرى يزيدون على مائة رجل لاهلكونا وايم الله على ذلك ما فارقونا حتى مللناهم وملونا وكرهونا وكرهناهم ولقد رأيت الرجل منا يضرب بسيفه الرجل منهم فما يضره شيئا من الاعياء والضعف ولقد رأيت الرجل منا يقاتل جالسا ينفح بسيفه ما يستطيع أن يقوم من الاعياء فلما يئسوا منا ركب شبيب ثم قال لمن كان نزل من أصحابه اركبوا فلما استووا على متون خيولهم وجه منصرفا عنا (قال أبو مخنف) حدثنى فروة بن لقيط عن شبيب قال لما انصرفنا عنهم وبنا كآبة شديدة وجراحة ظاهرة قال لنا ما أشد هذا الذى بنا لو كنا إنما نطلب الدنيا وما أيسر هذا في ثواب الله فقال أصحابه صدقت يا أمير المؤمنين قال فما أنسى منه اقباله على سويد بن سليم ولا مقالته له قتلت منهم أمس رجلين أحدهما أشجع الناس والآخر أجبن الناس خرجت عشية أمس طليعة لكم فلقيت منهم ثلاثة نفر دخلوا قرية يشترون منها حوائجهم فاشترى أحدهم حاجته ثم خرج قبل أصحابه وخرجت معه فقال كأنك لم تشتر علفا فقلت إن لى رفقاء قد كفوني ذلك فقلت له أين ترى عدونا هذا نزل قال بلغني أنه قد نزل منا قريبا وايم الله لوددت أنى قد لقيت شبيبهم هذا قلت فتحب ذلك قال نعم قلت فخذ حذرك فأنا والله شبيب وانتضيت سيفى فخر والله ميتا فقلت له ارتفع ويحك وذهبت أنظر فإذا هو قد مات فانصرفت راجعا فأستقبل الآخر خارجا من القرية فقال أين تذهب هذه الساعة وإنما يرجع الناس إلى عسكرهم فلم أكلمه ومضيت يقرب بى فرسى وأتبعني حتى لحقني فقطعت عليه فقلت له مالك فقال أنت والله من عدونا فقلت أجل والله فقال والله لا تبرح حتى تقتلني أو أقتلك فحملت عليه وحمل على فاضطربنا بسيفينا ساعة فوالله ما فضلته في شدة نفس ولا إقدام إلا ان سيفى كان أقطع من سيفه فقتلته قال فمضينا حتى قطعنا دجلة ثم أخذنا في أرض جوخى حتى قطعنا دجلة مرة أخرى من عند واسط ثم أخذنا إلى الاهواز ثم إلى فارس ثم

[ 102 ]

ارتفعنا إلى كرمان (وفى هذه السنة) هلك شبيب في قول هشام بن محمد وفى قول غيره كان هلاكه سنة 78 ذكر سبب هلاكه (قال هشام) عن أبى مخنف قال حدثنى أبو يزيد السكسكى قال أقفلنا الحجا إليه يعنى إلى شبيب فقسم فينا مالا عظيما وأعطى كل جريح منا وكل ذى بلاء ثم أمر سفيان بن الابرد أن يسير إلى شبيب فتجهز سفيان فشق ذلك على حبيب ابن عبد الرحمن الحكمى وقال تبعث سفيان إلى رجل قد فللته وقتلت فرسان أصحابه فأمضى سفيان بعد شهرين وأقام شبيب بكرمان حتى إذا انجبر واستراش هو وأصحابه أقبل راجعا فيستقبله سفيان بجسر دجيل الاهواز وقد كان الحجاج كتب إلى الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبى عقيل وهو زوج ابنة الحجاج وعامله على البصرة أما بعد فابعث رجلا شجاعا شريفا من أهل البصرة في أربعة آلاف إلى شبيب ومره فليلحق بسفيان بن الابرد وليسمع له وليطع فبعث إليه زياد بن عمرو العتكى في أربعة آلاف فلم ينته إلى سفيان حتى التقى سفيان وشبيب ولما أن التقيا بجسر دجيل عبر شبيب إلى سفيان فوجد سفيان قد نزل في الرجال وبعث مهاصر بن صيفي العذري على الخيل وبعث على ميمنته بشر بن حسان الفهرى وبعث على ميسرته عمر بن هبيرة الفزارى فأقبل شبيب في ثلاثة كراديس من أصحابه هو في كتيبة وسويد في كتيبة وقعنب المحلمى في كتيبة وخلف المحلل بن وائل في عسكره قال فلما حمل سويد وهو في ميمنته على ميسرة سفيان وقعنب وهو في ميسرته على ميمنته حمل هو على سفيان فاضطربنا طويلا من النهار حتى انحازوا فرجعوا إلى المكان الذى كانوا فيه فكر علينا هو وأصحابه أكثر من ثلاثين كرة كل ذلك لا نزول من صفنا وقال لنا سفيان بن الابرد لا تتفرقوا ولكن لتزحف الرجال إليهم زحفا فوالله ما زلنا نطاعنهم ونضاربهم حتى اضطررناهم إلى الجسر فلما انتهى شبيب إلى الجسر نزل ونزل معه نحو من مائة رجل فقاتلناهم حتى المساء أشد قتال قاتله قوم قط فما هو إلا ان نزلوا

[ 103 ]

فأوقعوا لنا من الطعن والضرب شيئا ما رأينا مثله من قوم قط فلما رأى سفيان انه لا يقدر عليهم ولا يأمن مع ذلك ظفرهم دعا الرماة فقال ارشقوهم بالنبل وذلك عند المساء وكان التقاؤهم نصف النهار فرماهم أصحاب النبل بالنبل عند المساء وقد صفهم سفيان بن الابرد على حدة وبعث على المرامية رجلا فلما رشقوهم بالنبل ساعة شدوا عليهم فلما شدوا على رماتنا شددنا عليهم فشغلناهم عنهم فلما رموا بالنبل ساعة ركب شبيب وأصحابه ثم كروا على أصحاب النبل كرة صرع منهم أكثر من ثلاثين رجلا ثم عطف بخيله علينا فمشى عامدا نحونا فطاعناه حتى اختلط الظلام ثم انصرف عنا فقال سفيان لاصحابه أيها الناس دعوهم لا تتبعوهم حتى نصبحهم غدوة قال فكففنا عنهم وليس شئ أحب الينا من أن ينصرفوا عنا (قال أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط قال فما هو إلا أن انتهينا إلى الجسر فقال اعبروا معاشر المسلمين فإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء الله فعبرنا أمامه وتخلف في أخرانا فأقبل على فرسه وكانت بين يديه فرس أنثى ماذيانة فنزا فرسه عليها وهو على الجسر فاضطربت الماذيانة ونزل حافر رجل فرس شبيب على حرف السفينة فسقط في الماء فلما سقط قال ليقضى الله أمرا كان مفعولا فارتمس في الماء ثم ارتفع فقال ذلك تقدير العزيز العليم (قال أبو مخنف) فحدثني أبو يزيد السكسكى بهذا الحديث وكان ممن يقاتله من أهل الشأم وحدثني فروة بن لقيط وكان ممن شهد مواطنه فأما رجل من رهطه من بنى مرة بن همام فإنه حدثنى أنه كان معه قوم يقاتلون من عشيرته ولم يكن لهم تلك البصيرة النافذة وكان قد قتل من عشائرهم رجالا كثيرا فكان ذلك قد أوجع قلوبهم وأوغر صدورهم وكان رجل يقال له مقاتل من بنى تيم بن شيبان من أصحاب شبيب فلما قتل شبيب رجالا من بنى تيم بن شيبان أغار هو على بنى مرة بن همام فأصاب منهم رجلا فقال له شبيب ما حملك على قتلهم بغير أمرى فقال له أصلحك الله قتلت كفار قومي وقتلت كفار قومك قال وأنت الوالى على حتى تقطع الامور دوني فقال أصلحك الله أليس من ديننا قتل من كان على غير رأينا منا كان أو من غيرنا قال بلى قال فانما فعلت ما كان ينبغى ولا والله يا أمير

[ 104 ]

المؤمنين ما أصبت من رهطك عشر ما أصبت من رهطي وما يحل لك يا أمير المؤمنين أن تجد من قتل الكافرين قال إنى لا أجد من ذلك وكان معه رجال كثير قد أصاب من عشائرهم فزعموا انه لما تخلف في أخريات أصحابه قال بعضهم لبعض هل لكم أن نقطع به الجسر فندرك ثأرنا الساعة فقطعوا الجسر فمالت السفن ففزع الفرس ونفر ووقع في الماء فغرق (قال أبو مخنف) فحدثني ذلك المرى بهذا الحديث وناس من رهط شبيب يذكرون هذا أيضا وأما حديث العامة فالحديث الاول (قال أبو مخنف) وحدثني أبو يزيد السكسكى قال إنا والله لنتهيأ للانصراف إذ جاء صاحب الجسر فقال أين أميركم قلنا هو هذا فجاءه فقال أصلحك الله إن رجلا منهم وقع في الماء فتنادوا بينهم غرق أمير المؤمنين ثم انهم انصرفوا راجعين وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد فكبر سفيان وكبرنا ثم أقبل حتى انتهى إلى الجسر وبعث مهاصر بن صيفي فعبر إلى عسكرهم فإذا ليس فيه منهم صافر ولا آثر فنزل فيه فإذا أكثر عسكر خلق الله خيرا وأصبحنا فطلبنا شبيبا حتى استخرجناه وعليه الدرع فسمعت الناس يزعمون انه شق بطنه فاخرج قلبه فكان مجتمعا صلبا كأنه صخرة وانه كان يضرب به الارض فيثب قامة انسان فقال سفيان احمدوا الله الذى أعانكم فأصبح عسكرهم في أيدينا (قال أبو زيد) عمر بن شبة حدثنى خلاد بن يزيد الارقط قال كان شبيب ينعى لامه فيقال قتل فلا تقبل قال فقيل لها انه غرق فقبلت وقالت إنى رأيت حين ولدته انه خرج منى شهاب نار فعلمت انه لا يطفئه إلا الماء (قال هشام) عن أبى مخنف حدثنى فروة بن لقيط الازدي ثم العامري أن يزيد بن نعيم أبا شبيب كان ممن دخل في جيش سلمان بن ربيعة إذ بعث به وبمن معه الوليد بن عقبة عن أمر عثمان اياه بذلك مدد الاهل الشأم أرض الروم فلما قفل المسلمون أقيم السبى للبيع فرأى يزيد بن نعيم أبو شبيب جارية حمراء لا شهلاء ولا زرقاء طويلة جميلة تأخذها العين فابتاعها ثم أقبل بها وذلك سنة 25 أول السنة فلما أدخلها الكوفة قال أسلمى فأبت عليه فضربها فلم تزدد إلا عصيانا فلما رأى ذلك أمر بها فأصلحت ثم

[ 105 ]

دعا بها فأدخلت عليه فلما تغشاها تلقت منه بحمل فولدت شبيبا وذلك سنة 25 في ذى الحجة في يوم النحر يوم السبت وأحبت مولاها حبا شديدا وكانت تحدثه وقالت ان شئت أجبتك إلى ما سألتنى من الاسلام فقال لها قد شئت فأسلمت وولدت شبيبا وهى مسلمة وقالت إنى رأيت فيما يرى النائم انه خرج من قبلى شهاب فثقب يسطع حتى بلغ السماء وبلغ الآفاق كلها فبينا هو كذلك إذ وقع في ماء كثير جار فخبا وقد ولدته في يومكم هذا الذى تهريقون فيه الدماء وإنى قد أولت رؤياي هذه أنى أرى ولدى هذا غلاما أراه سيكون صاحب دماء يهريقها وإنى أرى أمره سيعلو ويعظم سريعا قال فكان أبوه يختلف به وبأمه إلى البادية إلى أرض قومه على ماء يدعى اللصف (قال أبو مخنف) وحدثني موسى بن أبى سويد ابن رادى أن جند أهل الشام الذين جاؤا حملوا معهم الحجر فقالوا لا نفر من شبيب حتى يفر هذا الحجر فبلغ شبيبا أمرهم فأراد أن يكيدهم فدعا بأفراس أربعة فربط في أذنابها ترسه في ذنب كل فرس ترسين ثم ندب معه ثمانية نفر من أصحابه ومعه غلام له يقال له حيان وأمره أن يحمل معه إداوة من ماء ثم سار حتى يأتي ناحية من العسكر فأمر أصحابه أن يكونوا في نواحى العسكر وأن يجعلوا مع كل رجلين فرسا ثم يمسوها الحديد حتى تجد حره ويخلوها في العسكر وواعدهم تلعة قريبة من العسكر فقال من نجا منكم فان موعده هذه التلعة وكره أصحابه الاقدام على ما أمرهم به فنزل حيث رأى ذلك منهم حتى صنع بالخيل مثل الذى أمرهم ثم وغلت في العسكر ودخل يتلوها محكما فضرب الناس بعضهم بعضا فقام صاحبهم الذى كان عليهم وهو حبيب بن عبد الرحمن الحكمى فنادى أيها الناس إن هذه مكيدة فالزموا الارض حتى يتبين لكم الامر ففعلوا وبقى شبيب في عسكرهم فلزم الارض حيث رآهم قد سكنوا وقد أصابته ضربة عمود أوهنته فلما أن هدأ الناس ورجعوا إلى أبنيتهم خرج في غمارهم حتى أتى التلعة فإذا هو بحيان فقال أفرغ يا حيان على رأسي من الماء فلما مد رأسه ليصب عليه من الماء هم حيان أن يضرب عنقه فقال لنفسه لا أجد لى مكرمة ولا ذكرا

[ 106 ]

أرفع من قتلى هذا وهو أمانى عند الحجاج فاستقبلته الرعدة حيث هم بما هم به فلما أبطأ بحل الاداوة قال ما يبطئك بحلها فتناول السكين من موزجه فخرقها به ثم ناولها إياه فأفرغ عليه من الماء فقال حيان منعنى والله الجبن وما أخذني من الرعدة أن أضرب عنقه بعد ما هممت به ثم لحق شبيب بأصحابه في عسكره (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة خرج مطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج وخلع عبد الملك بن مروان ولحق بالجبال فقتل ذكر السبب الذى كان عند خروجه وخلعه عبد الملك بن مروان (قال هشام) عن أبى مخنف قال حدثنى يوسف بن يزيد بن بكر الازدي أن بنى المغيرة بن شعبة كانوا صلحاء نبلاء أشرافا بأبدانهم سوى شرف أبيهم ومنزلتهم في قومهم قال فلما قدم الحجاج فلقوه وشافههم علم أنهم رجال قومه وبنو أبيه فاستعمل عروة بن المغيرة على الكوفة ومطرف بن المغيرة على المدائن وحمزة بن المغيرة على همذان (قال أبو مخنف) فحدثني الحصين ابن عبد الله بن سعد بن نفيل الازدي قال قدم علينا مطرف بن المغيرة بن شعبة المدائن فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن الامير الحجاج أصلحه الله قد ولانى عليكم وأمرني بالحكم بالحق والعدل في السيرة فان عملت بما أمرنى به فأنا أسعد الناس وإن لم أفعل فنفسي أو بقت وحظ نفسي ضيعت ألا إنى جالس لكم العصرين فارفعوا ؟ ؟ إلى حوائجكم وأشيروا على بما يصلحكم ويصلح بلادكم فانى لن آلوكم خيرا ما استطعت ثم نزل وكان بالمدائن إذ ذاك رجال من أشراف أهل المصر وبيوتات الناس وبها مقاتلة لا تسعها عدة أن كان كرن بأرض جوخى أو بأرض الانبار فأقبل مطرف حين نزل حتى جلس للناس في الايوان وجاء حكيم بن الحارث الازدي يمشى نحوه وكان من وجوه الازد وأشرافهم وكان الحجاج قد استعمله بعد ذلك على بيت المال فقال له أصلحك الله إنى كنت منك نائيا حتى تكلمت وإنى أقبلت نحوك لاجيبك فوافق ذلك نزولك إنا قد فهمنا ما ذكرت لنا انه عهد إليك فأرشد الله العاهد والمعهود إليه وقد منيت من نفسك

[ 107 ]

العدل وسألت المعونة على الحق فأعانك الله على ما نويت إنك تشبه أباك في سيرته برضى الله والناس فقال له مطرف ههنا إلى فأوسع له فجلس إلى جنبه (قال أبو مخنف) فحدثني الحصين بن يزيد أنه كان من خير عامل قدم عليهم قط أقمعه للمريب وأشده إنكارا للظلم فقدم عليه بشر بن الاجدع الهمداني ثم الثوري وكان شاعرا فقال إنى كلفت بخود غير فاحشة * غراء وهنانة حسانة الجيد كأنها الشمس يوم الدجن إذ برزت * تمشى مع الانس الهيف الاماليد سل الهوى بعلنداة مذكرة * عنها إلى المجتدى ذى العرف والجود إلى الفتى الماجد الفياض نعرفه * في الناس ساعة يحلى كل مردود من الاكارم أنسابا إذا نسبوا * والحامل الثقل يوم المغرم الصيد إنى أعيذك بالرحمن بن نفر * حمر السبال كأسد الغابة السود فرسان شيبان لم نسمع بمثلهم * أبناء كل كريم النجل صنديد شدوا على ابن حصين في كتيبته * فغادروه صريعا ليلة العيد وابن المجالد أردته رماحهم * كأنما زل عن خوصاء صيخود وكل جمع بروذاباذ كان لهم * قد فض بالطعن بين النخل والبيد فقال له ويحك ما جئت إلا لترغبنا وقد كان شبيب أقبل من ساتيد ما فكتب مطرف إلى الحجاج أما بعد فانى أخبر الامير أكرمه الله أن شبيبا قد أقبل نحونا فان رأى الامير أن يمدنى برجال أضبط بهم المدائن فعل فان المدائن باب الكوفة وحصنها فبعث إليه الحجاج بن يوسف سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف في مائتين وعبد الله بن كناز في مائتين وجاء شبيب فأقبل حتى نزل قناطر حذيفة ثم جاء حتى انتهى إلى كلواذا فعبر منها دجلة ثم أقبل حتى نزل مدينة بهرسير ومطرف ابن المغيرة في المدينة العتيقة التى فيها منزل كسرى والقصر الابيض * فلما نزل شبيب بهرسير قطع مطرف الجسر فيما بينه وبين شبيب وبعث إلى شبيب أن ابعث إلى رجالا من صلحاء أصحابك أدارسهم القرآن وانظر ما تدعون إليه فبعث

[ 108 ]

إليه رجالا منهم سويد بن سليم وقعنب والمحلل بن وائل فلما فلما أدنى منهم المعبر وأرادوا أن ينزلوا فيه أرسل إليهم شبيب أن لا تدخلوا السفينة حتى يرجع إلى رسولي من عند مطرف وبعث إلى مطرف أن ابعث إلى بعدة من أصحابك حتى ترد على أصحابي فقال لرسوله القه فقل له فكيف آمنك على أصحابي إذا بعثتهم الآن إليك وأنت لا تأمني ؟ ؟ على أصحابك فأرسل إليه شبيب إنك قد علمت أنا لا نستحل في ديننا الغدر وأنتم تفعلونه وتهونونه فسرح إليه مطرف الربيع بن يزيد الاسدي وسليمان بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني ويزيد بن أبى زياد مولى المغيرة وكان على حرس مطرف فلما وقعوا في يديه بعث أصحابه إليه (قال أبو مخنف) حدثنى النضر بن صالح قال كنت عند مطرف بن المغيرة بن شعبة فما أدرى أقال إنى كنت في الجند الذين كانوا معه أو قال كنت بإزائه حيث دخلت عليه رسل شبيب وكان لى ولاخى ودا مكرما ولم يكن ليستر منا شيئا فدخلوا عليه وما عنده أحد من الناس غيرى وغير أخى حلام بن صالح وهم ستة ونحن ثلاثة وهم شاكون في السلاح ونحن ليس علينا إلا سيوفنا * فلما دنوا قال سويد السلام على من خاف مقام ربه وعرف الهدى وأهله فقال له مطرف أجل فسلم الله على أولئك ثم جلس القوم فقال لهم مطرف قصوا على أمركم وخبروني ما الذى تطلبون وإلى ما تدعون فحمد الله سويد بن سليم وأثنى عليه ثم قال أما بعد فان الذى ندعو إليه كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم وإن الذى نقمنا على قومنا الاستئثار بالفئ وتعطيل الحدود والتسلط بالجبرية فقال لهم مطرف ما دعوتم إلا إلى حق ولا نقمتم إلا جورا ظاهرا أنالكم على هذا متابع فتابعوني إلى ما أدعوكم إليه ليجتمع أمرى وأمركم وتكون يدى وأيديكم واحدة فقالوا هات إذكر ما تريد أن تذكر فان يكن ما تدعونا إليه حقا نجبك قال فانى أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظلمة العاصين على أحداثهم الذى أحدثوا وأن ندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه وأن يكون هذا الامر شورى بين المسلمين يؤمرون عليهم من يرضون لانفسهم على مثل الحال التى تركهم عليها عمر بن الخطاب فان العرب إذا علمت

[ 109 ]

إنما يراد بالشورى الرضى من قريش رضوا وكثر تبعكم منهم وأعوانكم على عدوكم وتم لكم هذا الامر الذى تريدون قال فوثبوا من عنده وقالوا هذا ما لا نجيبك إليه أبدا فلما مضوا فكادوا أن يخرجوا من صفة البيت التفت إليه سويد بن سليم فقال يا ابن المغيرة لو كان القوم عداة غدرا كنت قد أمكنتهم من نفسك ففزع لها مطرف وقال صدقت وإله موسى وعيسى قال ورجعوا إلى شبيب فأخبروه بمقالته فطمع فيه وقال لهم إن أصبحتم فليأته أحدكم * فلما أصبحوا بعث إليه سويدا وأمره بأمره فجاء سويد حتى انتهى إلى باب مطرف فكنت أنا المستأذن له فلما دخل وجلس أردت أن أنصرف فقال لى مطرف اجلس فليس دونك ستر فجلست وأنا يومئذ شاب أغيد فقال له سويد من هذا الذى ليس لك دونه ستر فقال له هذا الشريف الحسيب هذا ابن مالك بن زهير بن جذيمة فقال له بخ أكرمت فارتبط إن كان دينه على قدر حسبه فهو الكامل ثم أقبل على فقال إنا لقينا أمير المؤمنين بالذى ذكرت لنا فقال لنا القوة فقولوا له ألست تعلم أن اختيار المسلمين منهم خيرهم لهم فيما يرون رأى رشيد فقد مضت به السنة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا قال لكم نعم فقولوا له فانا قد اخترنا لانفسنا أرضانا فينا وأشدنا اضطلاعا لما حمل فما لم يغير ولم يبدل فهو ولى أمرنا وقال لنا قولوا له فيما ذكرت لنا من الشورى حين قلت إن العرب إذا علمت أنكم إنما تريدون بهذا الامر قريشا كان أكثر لتبعكم منهم فإن أهل الحق لا ينقصهم عند الله أن يقلوا ولا يزيد الظالمين خيرا أن يكثروا وإن تركنا حقنا الذى خرجنا له ودخولنا فيما دعوتنا إليه من الشورى خطيئة وعجز ورخصة إلى نصر الظالمين ووهن لانا لا نرى أن قريشا أحق بهذا الامر من غيرها من العرب فقال له فان زعم أنهم أحق بهذا الامر من غيرها من العرب فقولوا له ولم ذاك فان قال لقرابة محمد صلى الله عليه وسلم بهم فقل له فوالله ما كان ينبغى إذا لاسلافنا الصالحين من المهاجرين الاولين أن يتولوا على أسرة محمد ولا على ولد أبى لهب لو لم يبق غيرهم ولولا أنهم علموا أن خير الناس عند الله أتقاهم وأن

[ 110 ]

أولاهم بهذا الامر أتقاهم وأفضلهم فيهم وأشدهم اضطلاعا بحمل أمورهم ما تولوا أمور الناس ونحن أول من أنكر الظلم وغير الجور وقاتل الاحزاب فان اتبعنا فله ما لنا وعليه ما علينا وهو رجل من المسلمين وإلا يفعل فهو كبعض من نعادي ونقاتل من المشركين فقال له مطرف قد فهمت ما ذكرت ارجع يومك هذا حتى ننظر في أمرنا فرجع ودعا مطرف رجالا من أهل ثقاته وأهل نصائحه منهم سليمان بن حذيفة المزني والربيع بن يزيد الاسدي قال النضر بن صالح وكنت أنا ويزيد بن أبى زياد مولى المغيرة بن شعبة قائمين على رأسه بالسيف وكان على حرسه فقال لهم مطرف يا هؤلاء إنكم نصحائى وأهل مودتي ومن أثق بصلاحه وحسن رأيه والله ما زلت لاعمال هؤلاء الظلمة كارها أنكرها بقلبي وأغيرها ما استطعت بفعلى وأمري فلما عظمت خطيئتهم ومربى هؤلاء القوم يجاهدونهم لم أر أنه يسعنى إلا مناهضتهم وخلافهم إن وجدت أعوانا عليهم وإنى دعوت هؤلاء القوم فقلت لهم كيت وكيت وقالوا لى كيت وكيت فلست أرى القتال معهم ولو تابعوني على رأيى وعلى ما وصفت لهم لخلعت عبد الملك والحجاج ولسرت إليهم أجاهدهم فقال له المزني إنهم لن يتابعوك وإنك لن تتابعهم فأخف هذا الكلام ولا تظهره لاحد وقال له الاسدي مثل ذلك فجثا مولاه ابن أبى زياد على ركبتيه ثم قال والله لا يخفى مما كان بينك وبينهم على الحجاج كلمة واحدة وليزادن على كل كلمة عشرة أمثالها والله أن لو كنت في السحاب هاربا من الحجاج ليلتمسن أن يصل إليك حتى يهلكك أنت ومن معك فالنجاء النجاء من مكانك هذا فان أهل المدائن من هذا الجانب ومن ذاك الجانب وأهل عسكر شبيب يتحدثون بما كان بينك وبين شبيب ولا تمسى من يومك هذا حتى يبلغ الخبر الحجاج فاطلب دارا غير المدائن فقال له صاحباه ما نرى الرأى إلا كما ذكر لك قال لهما مطرف فما عندكما قالا الاجابة إلى ما دعوتنا إليه والمؤاساة لك بأنفسنا على الحجاج وغيره ثم نظر إلى فقال ما عندك فقلت قتال عدوك والصبر معك ما صبرت فقال لى ذاك الظن بك قال ومكث حتى إذا كان في اليوم الثالث أتاه

[ 111 ]

قعنب فقال له إن تابعتنا فأنت منا وإن أبيت فقد نابذناك فقال لا تعجلوا اليوم فانا ننظر قال وبعث إلى أصحابه أن ارحلوا الليلة من عند آخركم حتى توافوا الدسكرة معى لحدث حدث هنالك ثم ادلج وخرج أصحابه معه حتى مر بدير يزد جرد فنزله فلقيه قبيصة بن عبد الرحمن القحافى من خثعم فدعاه إلى صحبته فصحبه فكساه وحمله وأمر له بنفقة ثم سار حتى نزل الدسكرة * فلما أراد أن يرتحل منها لم يجد بدا من أن يعلم أصحابه ما يريد فجمع إليه رؤوس أصحابه فذكر الله بما هو أهله وصلى على رسوله ثم قال لهم أما بعد فان الله كتب الجهاد على خلقه وأمر بالعدل والاحسان وقال فيما انزل علينا تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب وإنى أشهد الله أنى قد خلعت عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف فمن أحب منكم صحبتي وكان على مثل رأيى فليتابعني فان له الاسوة وحسن الصحبة ومن أبى فليذهب حيث شاء فانى لست أحب أن يتبعني من ليست له نية في جهاد أهل الجور أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى قتال الظلمة فإذا جمع الله لنا أمرنا كان هذا الامر شورى بين المسلمين يرتضون لانفسهم من أحبوا قال فوثب إليه أصحابه فبايعوه ثم إنه دخل رحله وبعث إلى سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف وإلى عبد الله بن كناز النهدي فاستخلاهما ودعاهما إلى مثل ما دعا إليه عامة أصحابه فأعطياه الرضى فلما ارتحل انصرفا بمن معهما من أصحابه حتى أتيا الحجاج فوجداه قد نازل شبيبا فشهدا معه وقعة شبيب قال وخرج مطرف بأصحابه من الدسكرة موجها نحو حلوان وقد كان الحجاج بعث في تلك السنة سويد بن عبد الرحمن السعدى على حلوان وماه سبذان * فلما بلغه أن مطرف بن المغيرة فد أقبل نحو أرضه عرف أنه إن رفق في أمره أو داهن لا يقبل ذلك منه الحجاج فجمع له سويد أهل البلد والاكراد فأما الاكراد فأخذوا عليه ثنية حلوان وخرج إليه سويد وهو يحب أن يسلم من قتاله وأن يعافى من الحجاج فكان خروجه كالتعذير (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الله بن علقمة الخثعمي أن الحجاج بن جارية الخثعمي حين سمع بخروج مطرف من المدائن نحو الجبل أتبعه في نحو من ثلاثين رجلا من قومه وغيرهم قال وكنت

[ 112 ]

فيهم فلحقناه بحلوان فكنا ممن شهد معه قتال سويد بن عبد الرحمن (قال أبو مخنف) وحدثني بذلك أيضا النضر (قال أبو مخنف) وحدثني عبد الله بن علقمة قال ما هو إلا أن قدمنا على مطرف ين المغيرة فسر بمقدمنا عليه وأجلس الحجاج بن جارية معه على مجلسه (قال أبو مخنف) وحدثني النضر بن صالح وعبد الله بن علقمة أن سويدا لما خرج إليهم بمن معه وقف في الرجال ولم يخرج بهم من البيوت وقدم ابنه القعقاع في الخيل وما خيله يومئذ بكثير (قال أبو مخنف) قال النضر بن صالح أراهم كانوا مائتين وقال ابن علقمة أراهم كانوا ينقصون من الثلاثمائة قال فدعا مطرف الحجاج بن جارية فسرحه إليهم في نحو من عدتهم فأقبلوا نحو القعقاع وهم جادون في قتاله وهم فرسان متعالمون فلما رآهم سويد قد تيسروا نحو ابنه أرسل إليهم غلاما له يقال له رستم قتل معه بعد ذلك بدير الجماجم وفى يده راية بنى سعد فانطلق غلامه حتى انتهى إلى الحجاج بن جارية فأسر إليه إن كنتم تريدون الخروج من بلادنا هذه إلى غيرها فاخرجوا عنا فإنا لا نريد قتالكم وإن كنتم إيانا تريدون فلا بد لنا من منع ما في أيدينا * فلما جاءه بذلك قال له الحجاج بن جارية ائت أميرنا فاذكر له ما ذكرت لى فخرج حتى أتى مطرفا فذكر له مثل الذى ذكر للحجاج بن جارية فقال له مطرف ما أريدكم ولا بلادكم فقال له فالزم هذا الطريق حتى تخرج من بلادنا فانا لا نجد بدا من أن يرى الناس وتسمع بذلك أنا قد خرجنا اليك قال فبعث مطرف إلى الحجاج فأتاه ولزموا الطريق حتى مروا بالثنية فإذا الاكراد بها فنزل مطرف ونزل معه عامة أصحابه وصعد إليهم في الجانب الايمن الحجاج بن جارية وفى الجانب الايسر سليمان بن حذيفة فهزماهم وقتلاهم وسلم مطرف وأصحابه فمضوا حتى دنوا من همذان فتركها وأخذ ذات اليسار إلى ماه دينار وكان أخوه حمزة بن المغيرة على همذان فكره أن يدخلها فيتهم أخوه عند الحجاج فلما دخل مطرف أرض ماه دينار كتب إلى أخيه حمزة أما بعد فإن النفقة قد كثرت والمؤنة قد اشتدت فامدد أخاك بما قدرت عليه من مال وسلاح وبعث إليه يزيد بن أبى زياد مولى المغيرة بن شعبة فجاء حتى دخل على حمزة بكتاب

[ 113 ]

مطرف ليلا فلما رآه قال له ثكلتك أمك أنت قتلت مطرفا فقال له ما أنا قتلته جعلت فداك ولكن مطرفا قتل نفسه وقتلني وليته لا يقتلك فقال له ويحك من سول له هذا الامر فقال نفسه سولت هذا له ثم جلس إليه فقص عليه القصص وأخبره بالخبر ودفع كتاب مطرف إليه فقرأه ثم قال نعم وأنا باعث إليه بمال وسلاح ولكن أخبرني ترى ذلك يخفى لى قال ما أظن أن يخفى فقال له حمزة فو الله لئن أنا خذلته في أنفع النصرين له نصر العلانية لا أخذله في أيسر النصرين نصر السريرة قال فسرح إليه مع يزيد بن أبى زياد بمال وسلاح فأقبل به حتى أتى مطرفا ونحن نزول في رستاق من رساتيق ماه دينار يقال له سامان متاخم أرض أصبهان وهو رستان كانت الحمراء تنزله (قال أبو مخنف) فحدثني النضر بن صالح قال والله ما هو إلا أن مضى يزيد بن أبى زياد فسمعت أهل العسكر يتحدثون أن الامير بعث إلى أخيه يسأله النفقة والسلاح فأتيت مطرفا فحدثته بذلك فضرب بيده على جبهته ثم قال سبحان الله قال الاول ما يخفى قال ما لا يكون قال وما هو إلا أن قدم يزيد بن أبى زياد علينا فسار مطرف بأصحابه حتى نزل قم وقاشان وأصبهان (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الله بن علقمة أن مطرفا حين نزل قم وقاشان واطمأن دعا الحجاج بن جارية فقال له حدثنى عن هزيمة شبيب يوم السبخة أكانت وأنت شاهدها أم كنت خرجت قبل الوقعة قال لا بل شهدتها قال فحدثني حديثهم كيف كان فحدثه فقال إنى كنت أحب أن يظفر شبيب وإن كان ضالا فيقتل ضالا قال فظننت أنه تمنى ذلك لانه كان يرجو أن يتم له الذى يطلب لو هلك الحجاج قال ثم إن مطرفا بعث عماله (قال أبو مخنف) فحدثني النضر بن صالح أن مطرفا عمل عملا حازما لولا أن الاقدار غالبة قال كتب مع الربيع بن يزيد إلى سويد بن سرحان الثقفى والى بكير بن هارون البجلى أما بعد فإنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى جهاد من عند عن الحق واستأثر بالفئ وترك حكم الكتاب فإذا ظهر الحق ودمغ الباطل وكانت كلمة الله هي العليا جعلنا هذا الامر شورى بين الامة يرتضى المسلمون لانفسهم الرضى فمن قبل هذا منا كان أخانا

[ 114 ]

في ديننا وولينا في محيانا ومماتنا ومن رد ذلك علينا جاهدناه واستنصرنا الله عليه فكفى بنا عليه حجة وكفى بتركه الجهاد في سبيل الله غبنا وبمداهنة الظالمين في أمر الله وهنا إن الله كتب القتال على المسلمين وسماه كرها ولن ينال رضوان الله إلا بالصبر على أمر الله وجهاد أعداء الله فأجيبوا رحمكم الله إلى الحق وادعوا إليه من ترجون إجابته وعرفوه ما لا يعرفه وليقبل إلى كل من رأى رأينا وأجاب دعوتنا ورأى عدوه عدونا أرشدنا الله وإياكم وتاب علينا وعليكم إنه هو التواب الرحيم والسلام فلما قدم الكتاب على ذينك الرجلين دبافى رجال من أهل الرى ودعوا من تابعهما ثم خرجا في نحو من مائة من أهل الرى سرا لا يفطن بهم فجاءوا حتى وافوا مطرفا وكتب البراء بن قبيصة وهو عامل الحجاج على أصبهان أما بعد فان كان للامير أصلحه الله حاجة في أصبهان وغير أصبهان فليبعث إلى مطرف جيشا كثيفا يستأصله ومن معه فانه لا تزال عصابة قد انتفحت له من بلدة من البلدان حتى توافيه بمكانه الذى هو به فإنه قد استكثف وكثر تبعه والسلام فكتب إليه الحجاج أما بعد إذا أتاك رسولي فعسكر بمن معك فإذا مربك عدى بن وتاد فاخرج معه في أصحابك واسمع له وأطع والسلام فلما قرأ كتابه خرج فعسكر وجعل الحجاج ابن يوسف يسرح إلى البراء بن قبيصة الرجال على دواب البريد عشرين عشرين وخمسة عشر خمسة عشر وعشرة عشرة حتى سرح إليه نحوا من خمسمائة وكان في ألفين وكان الاسود بن سعد الهمداني أتى الرى في فتح الله على الحجاج يوم لقى شبيبا بالسبخة فمر بهمذان والجبال ودخل على حمزة فاعتذر إليه فقال الاسود فأبلغت الحجاج عن حمزة فقال قد بلغى ذاك وأراد عزله فخشى أن يمكر به وأن يمتنع منه فبعث إلى قيس بن سعد العجلى وهو يومئذ على شرطة حمزة بن المغيرة ولبنى عجل وربيعة عدد بهمذان فبعث إلى قيس بن سعد بعهده على همذان وكتب إليه أن أوثق حمزة بن المغيرة في الحديد واحبسه قبلك حتى يأتيك أمرى فلما أتاه عهده وأمره أقبل ومعه ناس من عشيرته كثير فلما دخل المسجد وافق الاقامة لصلاة العصر فصلى مع حمزة فلما انصرف حمزة انصرف معه قيس بن سعد العجلى صاحب

[ 115 ]

شرطه فأقرأه كتاب الحجاج إليه وأراه عهده فقال حمزة سمعا وطاعة فأوثقه وحبسه في السجن وتولى أمر همذان وبعث عماله عليها وجعل عماله كلهم من قومه وكتب إلى الحجاج أما بعد فإنى أخبر الامير أصلحه الله أنى قد شددت حمزة بن المغيرة في الحديد وحبسته في السجن وبعثت عمالى على الخراج ووضعت يدى في الجباية فان رأى الامير أبقاه الله أن يأذن لى في المسير إلى مطرف أذن لى حتى أجاهده في قومي ومن أطاعنى من أهل بلادي فإنى أرجو أن يكون الجهاد أعظم أجرا من جباية الخراج والسلام فلما قرأ الحجاج كتابه ضحك ثم قال هذا جانب آثر أما قد أمناه وقد كان مكان حمزة بهمذان أثقل ما خلق الله على الحجاج مخافة أن يمد أخاه بالسلاح والمال ولا يدرى لعله يبدو له فيعق فلم يزل يكيده حتى عزله فاطمأن وقصد قصد مطرف (قال أبو مخنف) فحدثني مطرف بن عامر بن واثلة أن الحجاج لما قرأ كتاب قيس بن سعد العجلى وسمع قوله إن أحب الامير سرت إليه حتى أجاهده في قومي قال ما أبغض إلى أن تكثر العرب في أرض الخراج قال فقال لى ابن الغرق ما هو الا أن سمعتها من الحجاج فعلمت أنه لو قد فرغ له قد عزله قال وحدثني النضر بن صالح أن الحجاج كتب إلى عدى بن وتاد الايادي وهو على الرى يأمره بالمسر إلى مطرف بن المغيرة وبالممر على البراء بن قبيصة فإذا اجتمعوا فهو أمير الناس (قال أبو مخنف) وحدثني أبى عن عبد الله بن زهير عن عبد الله بن سليم الازدي قال إنى لجالس مع عدى بن وتاد على مجلسه بالرى إذ أتاه كتاب الحجاج فقرأه ثم دفعه إلى فقرأته فإذا فيه أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فانهض بثلاثة أرباع من معك من أهل الرى ثم أقبل حتى تمر بالبراء بن قبيصة بجى ثم سيرا جميعا فإذا التقيتما فأنت أمير الناس حتى يقتل الله مطرفا فإذا كفى الله المؤمنين مؤنته فانصرف إلى عملك في كنف من الله وكلايته وستره فلما قرأته قال لى قم وتجهز قال وخرج فعسكر ودعا الكتاب فضربوا البعث على ثلاثة أرباع الناس فما مضت جمعة حتى سرنا فانتهينا إلى جى ويوافينا بها قبيصة القحافى في تسعمائة من أهل الشأم فيهم عمر بن هبيرة قال ولم نلبث بجى إلا يومين حتى نهض عدى بن وتاد بمن أطاعه

[ 116 ]

من الناس ومعه ثلاثة آلاف مقاتل من أهل الرى وألف مقاتل مع البراء بن قبيصة بعثهم إليه الحجاج من الكوفة وسبعمائة من أهل الشأم ونحو من ألف رجل من أهل أصبهان والاكراد فكان في قريب من ستة آلاف مقاتل ثم أقبل حتى دخل على مطرف بن المغيرة (قال أبو مخنف) فحدثني النصر بن صالح عن عبد الله بن علقمة أن مطرفا لما بلغه مسيرهم إليه خندق على أصحابه خندقا فلم يزالوا فيه حتى قدموا عليه (قال أبو مخنف) وحدثني يزيد مولى عبد الله بن زهير قال كنت مع مولاى إذ ذاك قال خرج عدى بن وتاد فعبى الناس فجعل على ميمنته عبد الله بن زهير ثم قال للبراء بن قبيصة قم في الميسرة فغضب البراء وقال تأمرني بالوقوف في الميسرة وأنا أمير مثلك تلك خيلى في الميسرة وقد بعثت عليها فارس مضر الطفيل بن عامر ابن وائلة قال فأنهى ذلك إلى عدى بن وتاد فقال لابن أقيصر الخثعمي انطلق فأنت على الخيل وانطلق إلى البراء بن قبيصة فقل له إنك قد أمرت بطاعتي ولست من الميمنة والميسرة والخيل والرجالة في شئ إنما عليك أن تؤمر فتطيع ولا تعرض لى في شئ أكرهه فأتنكر لك وقد كان له مكرما ثم إن عديا بعث على الميسرة عمر بن هبيرة وبعثه في مائة من أهل الشأم فجاء حتى وقف برايته فقال رجل من أصحابه للطفيل بن عامر خل رايتك وتنح عنا فإنما نحن أصحاب هذا الموقف فقال الطفيل إنى لا أخاصمكم إنما عقد لى هذه الراية البراء بن قبيصة وهو أميرنا وقد علمنا أن صاحبكم على جماعة الناس فان كان قد عقد لصاحبكم هذا فبارك الله له ما أسمعنا وأطوعنا فقال لهم عمر بن هبيرة مهلا كفوا عن أخيكم وابن عمكم رايتنا رايتك فان شئت آثرناك بها قال فما رأينا رجلين كانا أحلم منهما في موقفهما ذلك قال ونزل عدى بن وتاد ثم زحف نحو مطرف (قال أبو مخنف) فحدثني النضر ابن صالح وعبد الله بن علقمة أن مطرفا بعث على ميمنته الحجاج بن جارية وعلى ميسرته الربيع بن يزيد الاسدي وعلى الحامية سليمان بن صخر المزني ونزل هو يمشى في الرجال ورايته مع يزيد بن أبى زياد مولى أبيه المغيرة بن شعبة قال فلما زحف القوم بعضهم إلى بعض وتدانوا قال لبكير بن هارون البجلى أخرج

[ 117 ]

إليهم فادعهم إلى كتاب الله وسنة نبيه وبكتهم بأعمالهم الخبيثة فخرج إليهم بكير ابن هارون على فرس له أدهم أقرح ذنوب عليه الدرع والمغفر والساعدان في يده الرمح وقد شد درعه بعصابة حمراء من حواشى البرود فنادى بصوت له عال رفيع يا أهل قبلتنا وأهل ملتنا وأهل دعوتنا إنا نسألكم بالله الذى لا إله إلا هو الذى علمه بما تسرون مثل علمه بما تعلنون لما أنصفتمونا وصدقتمونا وكانت نصحتكم لله لالخلقه وكنتم شهداء الله على عباده بما يعلمه الله من عباده خبروني عن عبد الملك بن مروان وعن الحجاج بن يوسف ألستم تعلمونهما جبارين مستأثرين يتبعان الهوى فيأخذان بالظنة ويقتلان على الغضب قال فتنادوا من كل جانب يا عدو الله كذبت ليسا كذلك فقال لهم ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى ويلكم أو تعلمون الله ما لا يعلم إنى قد استشهدتكم وقد قال الله في الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه فخرج إليه صارم مولى عدى ابن وتاد وصاحب رايته فحمل على بكير بن هارون البجلى فاضطربا بسيفيهما فلم تعمل ضربة مولى عدى شيئا وضربه بكير باليف فقتله ثم استقدم فقال فارس لفارس فلم يخرج إليه أحد فجعل يقول صارم قد لاقيت سيفا صارما * وأسدا ذا لبدة ضبار ما قال ثم إن الحجاج بن جارية حمل وهو في الميمنة على عمر بن هبيرة وهو في الميسرة وفيها الطفيل بن عامر بن وائلة فالتقى هو والطفيل وكانا صديقين متواخيين فتعارفا وقد رفع كل واحد منهما السيف على صاحبه فكفا أيديهما فاقتتلوا طويلا ثم إن ميسرة عدى بن وتاد زالت غير بعيد وانصرف الحجاج بن جارية إلى موقفه ثم إن الربيع بن يزيد حمل على عبد الله بن زهير فاقتتلوا طويلا ثم إن جماعة الناس حملت على الاسدي فقتلته وانكشفت ميسرة مطرف بن المغيرة حتى انتهت إليه ثم إن عمر بن هبيرة حمل على الحجاج بن جارية وأصحابه فقاتله قتالا طويلا ثم إنه حذره حتى انتهى إلى مطرف وحمل ابن أقيصر الخثعمي في الخيل على سليمان ابن صخر المزني فقتله وانكشفت خيلهم حتى انتهى إلى مطرف فثم اقتتلت

[ 118 ]

الفرسان أشد قتال رآه الناس قط ثم إنه وصل إلى مطرف (قال أبو مخنف) فحدثني النضر بن صالح أنه جعل يناديهم يومئذ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون قال ولم يزل يقاتل حتى قتل واحتز رأسه عمر بن هبيرة وذكر أنه قتله وقد كان أسرع إليه غير واحد غير أن ابن هبيرة احتز رأسه وأوفده به عدى بن وتاد وحظي به وقاتل عمر بن هبيرة يومئذ وأبلى بلاء حسنا (قال أبو مخنف) وقد حدثنى حكيم بن أبى سفيان الازدي أنه قتل يزيد بن أبى زياد مولى المغيرة بن شعبة وكان صاحب راية مطرف قال ودخلوا عسكر مطرف وكان مطرف قد جعل على عسكره عبد الرحمن بن عبد الله ابن عفيف الازدي فقتل وكان صالحا ناسكا عفيفا (قال أبو مخنف) حدثنى زيد مولاهم أنه رأى رأسه مع ابن أقيصر الخثعمي فما ملكت نفسي أن قلت له أما والله لقد قتلته من المصلين العابدين الذاكرين الله كثيرا قال فأقبل نحوى وقال من أنت فقال له مولاى هذا غلامي ماله قال فأخبره بمقالتي فقال إنه ضعيف العقل قال ثم انصرفنا إلى الرى مع عدى بن وتاد قال وبعث رجالا من أهل البلاء إلى الحجاج فأكرمهم وأحسن إليهم قال ولما رجع إلى الرى جاءت بجيلة إلى عدى بن وتاد فطلبوا لبكير بن هارون الامان فآمنه وطلبت ثقيف لسويد ابن سرحان الثقفى الامان فآمنه وطلبت في كل رجل كان مع مطرف عشيرته فآمنهم وأحسن في ذلك وقد كان رجال من أصحاب مطرف أحيط بهم في عسكر مطرف فنادوا يا براء خذلنا الامان يا براء اشفع لنا فشفع لهم فتركوا وأسر عدى ناسا كثيرا فخلى عنهم (قال أبو مخنف) وحدثني النضر بن صالح أنه أقبل حتى قدم على سويد بن عبد الرحمن بحلوان فأكرمه وأحسن إليه ثم إنه انصرف بعد ذلك إلى الكوفة (قال أبو مخنف) وحدثني عبد الله بن علقمة أن الحجاج بن جارية الخثعمي أتى الرى وكان مكتبه بها فطلب إلى عدى فيه فقال هذا رجل مشهور قد شهر مع صاحبه وهذا كتاب الحجاج إلى فيه (قال أبو مخنف) فحدثني أبى عن

[ 119 ]

عبد الله بن زهير قال كنت فيمن كلمه في الحجاج بن جارية فأخرج إلينا كتاب الحجاج بن يوسف أما بعد فإن كان الله قتل الحجاج بن جارية فبعدا له فذاك ما أهوى وأحب وإن كان حيا فاطلبه قبلك حتى توثقه ثم سرح به إلى إن شاء الله والسلام قال فقال لنا قد كتب إلى فيه ولا بد من السمع والطاعة ولو لم يكتب إلى فيه آمنته لكم وكففت عنه فلم أطلبه وقمنا من عنده قال فلم يزل الحجاج بن جارية خائفا حتى عزل عدى بن وتاد وقدم خالد بن عتاب بن ورقاء فمشيت إليه فيه فكلمته فآمنه وقال حبيب بن خدرة مولى لبنى هلال بن عامر هل أتى فائد عن أيسارنا * إذ خشينا من عدو خرقا إذ أتانا الخوف من مأمننا * فطوينا في سواد أفقا وسلى هدية يوما هل رأت * بشرا أكرم منا خلقا وسليها أعلى العهد لنا * أو يصرون علينا حنقا ولكم من خلة من قبلها * قد صرمنا حبلها فانطلقا قد أصبنا العيش عيشا ناعما * وأصبنا العيش عيشا رنقا وأصبت الدهر دهرا أشتهى * طبقا منه وألوى طبقا وشهدت الخيل في ملمومة * ما ترى منهن إلا الحدقا يتساقون بأطراف القنا * من نجيع الموت كأسا دهقا فطراد الخيل قد يؤنقنى * ويرد اللهو عنى الانقا بمشيح البيض حتى يتركوا * لسيوف الهند فيها طرقا وكأني من غد وافقتها * مثل ما وافق شن طبقا (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة وقع الاختلاف بين الازارقة أصحاب قطرى بن الفجاءة فخالفه بعضهم واعتزله وبايع عبد رب الكبير وأقام بعضهم على بيعة قطرى ذكر الخبر عن ذلك وعن السبب الذى من أجله حدث الاختلاف بينهم حتى صار أمرهم إلى الهلاك * ذكر هشام عن أبى مخنف عن يوسف بن يزيد أن المهلب أقام بسابور

[ 120 ]

فقاتل قطريا وأصحابه من الازارقة بعد ما صرف الحجاج عتاب بن ورقاء عن عسكره نحوا من سنة ثم إنه زاحفهم يوم البستان فقاتلهم قتالا شديدا وكانت كرمان في أيدى الخوارج وفارس في يد المهلب فكان قد ضاق عليهم مكانهم الذى هم به لا يأتيهم من فارس مادة وبعد ديارهم عنهم فخرجوا حتى أتوا كرمان وتبعهم المهلب حتى نزل بجيرفت وجيرفت مدينة كرمان فقاتلهم بها أكثر من سنة قتالا شديدا وحازهم عن فارس كلها فلما صارت فارس كلها في يدى المهلب بعث الحجاج عليها عماله وأخذها من المهلب فبلغ ذلك عبد الملك فكتب إلى الحجاج أما بعد فدع بيد المهلب خراج جبال فارس فانه لا بد للجيش من قوة ولصاحب الجيش من معونة ودع له كورة فسا ودرابجرد وكورة اصطخر فتركها للمهلب فبعث المهلب عليها عماله فكانتا له قوة على عدوه وما يصلحه ففى ذلك يقوله شاعر الازد وهو يعاتب المهلب نقاتل عن قصور درابجرد * ونجبى للمغيرة والرقاد وكان الرقاد بن زياد بن همام رجل من العتيك كريما على المهلب وبعث الحجاج إلى المهلب البراء بن قبيصة وكتب إلى المهلب أما بعد فإنك والله لو شئت فيما أرى لقد اصطلمت هذه الخارجة المارقة ولكنك تحب طول بقائهم لتأكل الارض حولك وقد بعثت إليك البراء بن قبيصة لينهضك إليهم فانهض إليهم إذا قدم عليك بجميع المسلمين ثم جاهدهم أشد الجهاد وإياك والعلل والاباطيل والامور التى ليست لك عندي بسائغة ولا جائزة والسلام فأخرج المهلب بنيه كل ابن له في كتيبة وأخرج الناس على راياتهم ومصافهم وأخماسهم وجاء البراء بن قبيصة فوقفه على تل قريب منهم حيث يراهم فأخذت الكتائب تحمل على الكتائب والرجال على الرجال فيقتتلون أشد قتال رآه الناس من صلاة الغداة إلى انتصاف النهار ثم انصرفوا فجاء البراء بن قبيصة إلى المهلب فقال له لا والله ما رأيت كبنيك فرسانا قط ولا كفرسانك من العرب فرسانا قط ولا رأيت مثل قوم يقاتلونك قط أصبر ولا أبأس أنت والله المعذور فرجع بالناس المهلب حتى إذا كان عند

[ 121 ]

العصر خرج إليهم بالناس وبنيه في كتائبهم فقاتلوه كقتالهم في أول مرة (قال أبو مخنف) وحدثني أبو المغلس الكنانى عن عمه أبى طلحة قال خرجت كتيبة من كتائبهم لكتيبة من كتائبنا فاشتد بينهما القتال فأخذت كل واحدة منهما لا تصد عن الاخرى فاقتتلتا حتى حجز الليل بينهما فقالت إحداهما للاخرى ممن أنتم فقال هؤلاء نحن من بنى تميم وقال هؤلاء نحن من بنى تميم فانصرفوا عند المساء قال المهلب للبراء كيف رأيت قال رأيت قوما والله ما يعينك عليهم إلا الله فأحسن إلى البراء بن قبيصة وأجازه وحمله وكساه وأمر له بعشرة آلاف درهم ثم انصرف إلى الحجاج فأتاه بعذر المهلب وأخبره بما رأى وكتب المهلب إلى الحجاج أما بعد فقد أتانى كتاب الامير أصلحه الله واتهامه إياى في هذه الخارجة المارقة وأمرني الامير بالنهوض إليهم وإشهاد رسوله ذلك وقد فعلت فليسأله عما رأى فأما أنا فو الله لو كنت أقدر على استئصالهم أو إزالتهم عن مكانهم ثم أمسكت عن ذلك لقد غششت المسلمين وما وفيت لامير المؤمنين ولا نصحت للامير أصلحه الله فمعاذ الله أن يكون هذا من رأيى ولا مما أدين الله به والسلام ثم إن المهلب قاتلهم بها ثمانية عشر شهرا لا يستفل منهم شيئا ولا يرى في موطن ينقعون له ولمن معه من أهل العراق من الطعن والضرب ما يردعونهم به ويكفونهم عنهم ثم إن رجلا منهم كان عاملا لقطرى على ناحية من كرمان خرج في سرية لهم يدعى المقعطر من بنى ضبة فقتل رجلا قد كان ذا بأس من الخوارج ودخل منهم في ولاية فقتله المقعطر فوثبت الخوارج إلى قطرى فذكروا له ذلك وقالوا أمكنا من الضبى نقتله بصاحبنا فقال لهم ما أرى أن أفعل رجل تأول فأخطأ في التأويل ما أرى أن تقتلوه وهو من ذوى الفضل منكم والسابقة فيكم قالوا بلى قال لهم لا فوقع الاختلاف بينهم فولوا عبد رب الكبير وخلعوا قطريا وبايع قطريا منهم عصابة نحو من ربعهم أو خمسهم فقاتلهم نحوا من شهر غدوة وعشية فكتب بذلك المهلب إلى الحجاج أما بعد فإن الله قد ألقى بأس الخوارج بينهم فخلع عظمهم قطريا وبايعوا عبد رب الكبير وبقيت عصابة منهم مع قطرى فهم يقاتل ؟ ؟ بعضهم بعضا

[ 122 ]

غدوا وعشيا وقد رجوت أن يكون ذلك من أمرهم سبب هلاكهم إن شاء الله والسلام فكتب إليه أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه اختلاف الخوارج بينها فإذا أتاك كتابي هذا فناهضهم على حال اختلافهم وافتراقهم قبل أن يجتمعوا فتكون مؤنتهم عليك أشد والسلام فكتب إليه أما بعد فقد بلغني كتاب الامير وكل ما فيه قد فهمت ولست أرى أن أقاتلهم ما داموا يقتل بعضهم بعضا وينقص بعضهم عدد بعض فإن تموا على ذلك فهو الذى نريد وفيه هلاكهم وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلا وقد رقق بعضهم بعضا فأناهضهم على تفيئة ذلك وهم أهون ما كانوا وأضعفه شوكة إن شاء الله والسلام فكف عنه الحجاج وتركهم المهلب يقتتلون شهرا لا يحركهم ثم ان قطريا خرج بمن اتبعه نحو طبرستان وبايع عامتهم عبد رب الكبير فنهض إليهم المهلب فقاتلوه قتالا شديدا ثم إن الله قتلهم فلم ينج منهم إلا قليل وأخذ عسكرهم وما فيه وسبوا لانهم كانوا يسبون المسلمين وقال كعب الاشقري والاشقر بطن من الازد يذكر يوم رام هرمز وأيام سابور وأيام جيرفت يا حفص إنى عدانى عنكم السفر * وقد أرقت فآذى عينى السهر علقت يا كعب بعد الشيب غانية * والشيب فيه عن الاهواء مزدجر أممسك أنت عنها بالذى عهدت * أم حبلها إذ نأتك اليوم منبتر علقت خودا باعلى الطف منزلها * في غرفة دونها الابواب والحجر درما مناكبها ريا مآكمها * تكاد إذ نهضت للمشى تنبتر وقد تركت بشط الزابيين لها * دارا بها يسعد البادون والحضر واخترت دارا بها حى أسر بهم * ما زال فيهم لمن فيهم لمن نختارهم خير لما نبت بى بلادي سرت منتجعا * وطالب الخير مرتاد ومنتظر أبا سعيد فإنى جئت منتجعا * أرجو نوالك لما مسنى الضرر لولا المهلب ما زرنا بلادهم * مادامت الارض فيها الماء والشجر فما من الناس من حى علمتهم * إلا يرى فيهم من سيبكم أثر

[ 123 ]

أحييتهم بسجال من نداك كما * تحيا البلاد إذا ما مسها المطر إنى لا رجو إذا ما فاقة نزلت * فضلا من الله في كفيك يبتدر فاجبر أخا لك أوهى الفقر قوته * لعله بعد وهى العظم ينجبر جفا ذوو نسبي عنى وأخلفني * ظنى فلله درى كيف آتمر يا واهب القينة الحسناء سنتها * كالشمس هركولة في طرفها فتر وما تزال بدور منك رائحة * وآخرون لهم من سيبك الغرر نماك للمجد أملاك ورثتهم * شم العرانين في أخلاقهم يسر ثاروا بقتلى وأوتار تعددها * في حين لا حدث في الحرب يتئر واستسلم الناس إذ حل العدو بهم * فما لامرهم ورد ولا صدر وما تجاوز باب الجسر من أحد * وعضت الحرب أهل المصر فانجحروا وأدخل الخوف أجواف البيوت على * مثل النساء رجال ما بهم غير واشتدت الحرب والبلوى وحل بنا * أمر تشمر في أمثاله الازر نظل من دون خفض معصمين بهم * فشمر الشيخ لما أعظم الخطر كنا نهون قبل اليوم شأنهم * حتى تفاقم أمر كان يحتقر لما وهنا وقد حلوا بساحتنا * واستنفر الناس تارات فما نفروا نادى امرؤ لا خلاف في عشيرته * عنه وليس به في مثله قصر أفشى هنالك مما كان مذ عصروا * فيهم صنائع مما كان يدخر تلبسوا لقراع الحرب بزتها * فأصبحوا من وراء الجسر قد عبروا ساروا بألوية للمجد قد رفعت * وتحتهن ليوث في الوغا وقر حتى إذا خلفوا الاهواز واجتمعوا * برام هرمز وافاهم بها ؟ ؟ الخبر نعى بشر فجال القوم وانصدعوا * إلا بقايا إذا ما ذكروا ذكروا ثم استمر بنا راض ببيعته * ينوى الوفاء ولم نغدر كما غدروا حتى اجتمعنا بسابور الجنود وقد * شبت لنا ولهم نار لها شرر نلقى مساعير أبطالا كأنهم * جن نقارعهم ما مثلهم بشر

[ 124 ]

نسقى ونسقيهم سما على حنق * مستأنفى الليل حتى أسفر السحر قتلى هنالك لا عقل ولا قود * منا ومنهم دماء سفكها هدر حتى تنحوا لنا عنها تسوقهم * منا ليوث إذا ما أقدموا جسروا لم يغن عنهم غداة التل كيدهم * عند الطعان ولا المكر الذى مكروا باتت كتائبنا تردى مسومة * حول المهلب حتى نور القمر هناك ولوا حزانا بعد ما فرحوا * وحال دونهم الانهار والجدر عبوا جنودهم بالسفح إذ نزلوا * بكازرون فما عزوا ولا ظفروا وقد لقوا مصدقا ؟ ؟ منا بمنزلة * ظنوا بأن ينصروا فيها فما نصروا بدشت بارين يوم الشعب إذ لحقت * أسد بسفك دماء الناس قد زئروا لا قوا كتائب لا يخلون ثغرهم * فيهم على من يقاسى حربهم صعر المقدمين إذ ما خيلهم وردت * والعاطفين إذا ما ضيع الدبر وفى جبيرين إذ صفوا بزحفهم * ولوا خزايا وقد فلوا وقد قهرا والله ما نزلوا يوما بساحتنا * إلا أصابهم من حربنا ظفر تنفيهم بالقنا عن كل منزلة * تروح منا مساعير وتبتكر ولوا حذارا وقد هزوا أسنتنا * نحو الحروب فما نجاهم الحذر صلت الجبين طويل الباع ذو فرح * ضخم الدسيعة لا وان ولا غمر مجرب الحرب ميمون نقيبته * لا يستخف ولا من رأيه البطر وفى ثلاث سنين يستديم بنا * يقارع الحرب أطوارا ويأتمر يقول إن غدا مبد لناظره * وفى الليالى وفى الايام معتبر دعوا التتابع والاسراع وارتقبوا * إن المحارب يستأنى وينتظر حتى أتته أمور عندها فرج * وقد تبين ما يأتي وما يذر لما زواهم إلى كرمان وانصدعوا * وقد تقاربت الآجال والقدر سرنا إليهم بمثل الموج وازدلفوا * وقبل ذلك كانت بيننا مئر وزادنا حنقا قتلى نذكرها * لا تستفيق عيون كلما ذكروا

[ 125 ]

إذا ذكرنا جروزا والذين بها * قتلى مضى لهم حولان ما قبروا تأتى علينا حزازات النفوس فما * نبقى عليهم وما يبقون إن قدروا ولا يقيلوننا في الحرب عثرتنا * ولا نقيلهم يوما إذا عثروا لا عذر يقبل منا دون أنفسنا * ولا لهم عندنا عذر لو اعتذروا صفان بالقاع كالطودين بينهما * كالبرق يلمع حتى يشخص البصر على بصائر كل غير تاركها * كلا الفريقين تتلى فيهم السور يمشون في البيض والابدان إذ وردوا * مشى الزوامل تهدى صفهم زمر وشيخنا حوله منا ململمة * حى من الازد فيما نابهم صبر في موطن يقطع الابطال منظره * تشاط فيه نفوس حين تبتكر ما زال منا رجال ثم نضربهم * بالمشرفى ونار الحرب تستعر وباد كل سلاح يستعان به * في حومة الموت الا الصارم الذكر ندوسهم بعناجيج مجففة * وبيننا ثم من صم القنا كسر يغشين قتلى وعقرى ما بها رمق * كأنما فوقها الجادى يعتصر قتلى بقتلى قصاص يستقاد بها * تشفى صدور رجال طالما وتروا مجاورين بها خيلا معقرة * للطير فيها وفى أجسادهم جزر في معرك تحسب القتلى بساحته * أعجاز نخل زفته الريح ينقعر وفى مواطن قبل اليوم قد سلفت * قد كان للازد فيها الحمد والظفر في كل يوم تلاقى الازد مفظعة * يشيب في ساعة من هولها الشعر والازد قومي خيار القوم قد علموا * إذا قرومهم يوم الوغى خطروا فيهم معاقل من عز يلاذ بها * يوما إذا شمرت حرب لها درر حى بأسيافهم يبغون مجدهم * إن المكارم في المكروه تبتدر لولا المهلب للجيش الذى وردوا * أنهار كرمان بعد الله ما صدروا إنا اعتصمنا بحبل الله إذ جحدوا * بالمحكمات ولم نكفر كما كفروا جاروا عن القصد والاسلام واتبعوا * دينا يخالف ما جاءت به النذر

[ 126 ]

وقال الطفيل بن عامر بن وائلة وهو ذكر قتل عبد رب الكبير وأصحابه وذهاب قطرى في الارض واتباعهم إياه ومراوغته إياهم: لقد مس منا عبد رب وجنده * عقاب فأمسى سبيهم في المقاسم سمالهم بالجيش حتى أزاحهم * بكرمان عن مثوى من الارض ناعم وما قطرى الكفر إلا نعامة * طريد يدوى ليله غير نائم إذا فرمنا هاربا كان وجهه * طريقا سوى قصد الهدى والمعالم فليس بمنجيه الفرار وإن جرت * به الفلك في لج من البحر دائم (قال أبو جعفر) وفي هذه السنة كانت هلكة قطرى وعبيدة بن هلال وعبد رب الكبير ومن كان معهم من الازارقة ذكر سبب مهلكهم وكان سبب ذلك أن أمر الذين ذكرنا خبرهم من الازارقة لما تشتت بالاختلاف الذى حدث بينهم بكرمان فصار بعضهم مع عبد رب الكبير وبعضهم مع قطرى ووهى أمر قطرى توجه يريد طبرستان وبلغ أمره الحجاج فوجه فيما ذكر هشام عن أبى مخنف عن يونس بن يزيد سفيان بن الابرد ووجه معه جيشا من أهل الشأم عظيما في طلب قطرى فأقبل سفيان حتى أتى الرى ثم أتبعهم وكتب الحجاج إلى إسحاق بن محمد بن الاشعث وهو على جيش لاهل الكوفة بطبرستان أن اسمع وأطع لسفيان فأقبل إلى سفيان فسار معه في طلب قطرى حتى لحقوه في شعب من شعاب طبرستان فقاتلوه فتفرق عنه أصحابه ووقع عن دابته في أسفل الشعب فتدهدى حتى خر إلى أسفله فقال معاوية بن محصن الكندى رأيته حيث هوى ولم أعرفه ونظرت إلى خمس عشرة امرأة عربية هن في الجمال والبزازة وحسن الهيئة كما شاء ربك ما عدا عجوزا فيهن فحملت عليهن فصرفتهن إلى سفيان بن الابرد * فلما دنوت بهن منه انتحت لى بسيفها العجوز فتضرب به عنقي فقطعت المغفر وقطعت جلدة من حلقى وأختلج السيف فأضرب بها وجهها فأصاب قحف رأسها فوقعت ميتة وأقبلت بالفتيات حتى دفعتهن إلى سفيان

[ 127 ]

وإنه ليضحك من العجوز وقال ما أردت إلى قتل هذه أخزاها الله فقلت أو ما رأيت أصلحك الله ضربتها إياى والله إن كادت لتقتلني قال قد رأيت فوالله ما ألومك على فعلك أبعدها الله ويأتى قطريا حيث تدهدى من الشعب علج من أهل البلد فقال له قطرى اسقنى من الماء وقد كان اشتد عطشه فقال أعطني شيئا حتى أسقيك فقال ويحك والله ما معى إلا ما ترى من سلاحي أنا مؤتيكه إذا أتيتني بماء قال لا بل أعطنيه الآن قال لا ولكن ائتنى بماء قبل فانطلق العلج حتى أشرف على قطرى ثم حدر عليه حجرا عظيما من فوقه دهدأه عليه فأصاب إحدى وركيه فأوهنته وصاح بالناس فأقبلوا نحوه والعلج حينئذ لا يعرف قطريا غير أنه يظن أنه من أشرافهم لحسن هيئته وكمال سلاحه فدفع إليه نفر من أهل الكوفة فابتدروه فقتلوه منهم سورة بن أبجر التميمي وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف والصباح بن محمد بن الاشعث وبادام مولى بنى الاشعث وعمر بن أبى الصلت بن كناز مولى بنى نصر بن معاوية وهو من الدهاقين فكل هؤلاء ادعوا قتله فدفع إليهم أبو الجهم ابن كنانة الكلبى وكلهم يزعم أنه قاتله فقال لهم ادفعوه إلى حتى تصطلحوا فدفعوه إليه فأقبل به إلى اسحاق بن محمد وهو على أهل الكوفة ولم يأته جعفر لشئ كان بينه وبينه قبل ذلك وكان لا يكلمه وكان جعفر مع سفيان بن الابرد ولم يكن معه إسحاق كان جعفر على ربع أهل المدينة بالرى * فلما مر سفيان بأهل الرى انتخب فرسانهم بأمر الحجاج فسار بهم معه فلما أتى القوم بالرأس فاختصموا فيه إليه وهو في يدى أبى الجهم بن كنانة الكلبى قال له امض به أنت ودع هؤلاء المختلفين فخرج برأس قطرى حتى قدم به على الحجاج ثم أتى به عبد الملك بن مروان فألحق في ألفين وأعطى فطما يعنى أنه يفرض للصغار في الديوان وجاء جعفر إلى سفيان فقال له أصلحك الله إن قطريا كان أصاب والدى فلم يكن لى هم غيره فاجمع بينى وبين هؤلاء الذين ادعوا قتله فسلهم ألم أكن أمامهم حتى بدرتهم فضربته ضربة فصرعته ثم جاؤني بعد فأقبلوا يضربونه بأسيافهم فإن أقروا لى بهذا فقد صدقوا وإن أبوا فأنا أحلف بالله أنى صاحبه وإلا فليحلفوا بالله أنهم أصحابه الذين قتلوه وأنهم

[ 128 ]

لا يعرفون ما أقول ولا حق لى فيه قال جئت الآن وقد سرحنا بالرأس فانصرف عنه فقال لاصحابه أما والله إنك لا خلق القوم أن تكون صاحبه ثم إن سفيان بن الابرد أقبل منصرفا إلى عسكر عبيدة بن هلال وقد تحصن في قصر بقومس فحاصره فقاتله أياما ثم إن سفيان بن الابرد سار بنا إليهم حتى أحطنا بهم ثم أمر مناديه فنادى فيهم أيما رجل قتل صاحبه ثم خرج الينا فهو آمن فقال عبيدة بن هلال: لعمري لقد قام الاصم بخطبة * لذى الشك منها في الصدور غليل لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتى * وفارقت دينى إننى لجهول إلى الله أشكو ما ترى بجيادنا * تساوك هزلى مخهن قليل تعاورها القذاف من كل جانب * بقومس حتى صعبهن ذلول فإن يك أفناها الحصار فربما * تشحط فيما بينهن قتيل وقد كن مما إن يقدن على الوجى * لهن بأبواب القباب صهيل فحاصرهم حتى جهدوا وأكلوا دوابهم ثم انهم خرجوا إليه فقاتلوه فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحجاج ثم د خل إلى دنباوند وطبرستان فكان هنا لك حتى عزله الحجاج قبل الجماجم (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة قتل بكير بن وشاح السعدى أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد ذكر سبب قتله إياه وكان سبب ذلك فيما ذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد أن أمية بن عبد الله وهو عامل عبد الملك بن مروان على خراسان ولى بكيرا غزو ما وراء النهر وقد كان ولاه قبل ذلك طخارستان فتجهز للخروج إليها وأنفق نفقة كثيرة فوشى به إليه بحير بن ورقاء الصريمى على ما بينت قبل فأمره أمية بالمقام * فلما ولاه غزو ما وراء النهر تجهز وتكلف الخيل والسلاح وادان من رجال السغد وتجارهم فقال بحير لامية إن صار بينك وبينه النهر ولقى الملوك خلع الخليفة ودعا إلى نفسه فأرسل إليه أمية أقم لعلى أغزو فتكون معى فغضب بكير وقال كأنه يضارني وكان

[ 129 ]

عتاب اللقوة الغدانى استدان ليخرج مع بكير فلما أقام أخذه غرماؤه فحبس فأدى عنه بكير وخرج ثم أجمع أمية على الغزو قال فأمر بالجهاز ليغزو بخارى ثم يأتي موسى بن عبد الله بن خازم بالترمذ فاستعد الناس وتجهزوا واستخلف على خراسان ابنه زيادا وسار معه بكير فعسكر بكثماهن ؟ ؟ فأقام أياما ثم أمر بالرحيل فقال له بحير إنى لا آمن أن يتخلف الناس فقل لبكير فلتكن في الساقة ولتحشر الناس قال فأمره أمية فكان على الساقة حتى أتى النهر فقال له أمية اقطع يا بكير فقال عتاب اللقوة الغدانى أصلح الله الامير اعبر ثم يعبر الناس بعدك فعبر ثم عبر الناس فقال أمية لبكير قد خفت أن لا يضبط ابني عمله وهو غلام حدث فارجع إلى مرو فاكفنتها فقد وليتكها فزين ابني وقم بأمره فانتخب بكير فرسانا من فرسان خراسان قد كان عرفهم ووثق بهم وعبر ومضى أمية إلى بخارى على مقدمته أبو خالد ثابت مولى خزاعة فقال عتاب اللقوة لبكير لما عبر وقد مضى أمية إنا قتلنا أنفسنا وعشائرنا حتى ضبطنا خراسان ثم طلبنا أميرا من قريش يجمع أمرنا فجاءنا أمير يلعب بنا يحولنا من سجن إلى سجن قال فما ترى قال احرق هذه السفن وامض إلى مرو فاخلع أمية وتقيم بمرو تأكلها إلى يوم ما قال فقال الاحنف بن عبد الله العنبري الرأى ما رأى عتاب فقال بكير إنى أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معى فقال أتخاف في لرجال أنا آتيك من أهل مرو بما شئت إن هلك هؤلاء الذين معك قال يهلك المسلمون قال إنما يكفيك أن ينادى مناد من أسلم رفعنا عنه الخراج فيأتيك خمسون ألفا من المصلين أسمع لك من هؤلاء وأطوع قال فيهلك أمية ومن معه قال ولم يهلكون ولهم عدة وعدد ونجدة وسلاح ظاهر وأداة كاملة ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين فأحرق بكير السفن ورجع إلى مرو فأخذ ابن أمية فحبسه ودعا الناس إلى خلع أمية فأجابوه وبلغ أمية فصالح أهل بخارى على فدية قليلة ورجع فأمر باتخاذ السفن فاتخذت له وجمعت وقال لمن معه من وجوه تميم ألا تعجبون من بكير إنى قدمت خراسان فحذرته ورفع عليه وشكى منه وذكروا (9 - 5)

[ 130 ]

أموالا أصابها فأعرضت عن ذلك كله ثم لم أفتشه عن شئ ولا أحدا من عماله ثم عرضت عليه شرطى فابى فاعفيته ثم وليته فحذرته فأمرته بالمقام وما كان ذلك إلا نظرا له ثم رددته إلى مرو وليته الامر فكفر ذلك كله وكافأني بما ترون فقال له قوم أيها الامير لم يكن هذا من شأنه إنما أشار عليه بإحراق السفن عتاب اللقوة فقال وما عتاب وهل عتاب إلا دجاجة حاضنة فبلغ قوله عتابا فقال عتاب في ذلك إن الحواضن تلقاها مجففة * غلب الرقاب على المنسوبة النجب تركت أمرك من جبن ومن خور * وجئتنا حمقا يا ألام العرب لما رأيت جبال السغد معرضة * وليت موسى ونوحا عكوة الذنب وجئت ذيخا مغذا ما تكلمنا * وطرت من سعف البحرين كالخرب أوعد وعيدك إنى سوف تعرفني * تحت الخوافق دون العارض اللجب يخب بى مشرف عار نواهقه * يغشى الكتيبة بين العدو والخبب قال فلما تهيأت السفن عبر أمية وأقبل إلى مرو وترك موسى بن عبد الله وقال اللهم إنى أحسنت إلى بكير فكفر إحساني وصنع ما صنع اللهم اكفنيه فقال شماس ابن دثار وكان رجع من سجستان بعد قتل ابن خازم فغزامع أمية أيها الامير أكفيكه إن شاء الله فقدمه أمية في ثمانمائة فأقبل حتى نزل باسان وهى لبنى نصر وسار إليه بكير ومعه مدرك بن أنيف وأبوه مع شماس فقال أما كان في تميم أحد يحاربني غيرك ولامه فأرسل ؟ ؟ إليه شماس أنت ألوم وأسوء صنيعا منى لم تف لامية ولم تشكر له صنيعه بك قدم فأكرمك ولم يعرض لك ولا لاحد من عمالك قال فبيته بكير ففرق جمعه وقال لا تقتلوا منهم أحدا وخذوا سلاحهم فكانوا إذا أخذوا رجلا سلبوه وحلوا عنه فتفرقوا ونزل شماس في قرية لطيئ يقال لها بوينه وقدم أمية فنزل كشماهن ورجع إليه شماس بن دثار فقدم أمية ثابت بن قطبة مولى خزاعة فلقيه بكير فأسر ثابتا وفرق جمعه وخلى بكير سبيل ثابت ليد كانت له عنده قال فرجع إلى أمية فأقبل أمية في الناس فقاتله بكير وعلى شرطة بكير أبو رستم الحليل بن أوس العبشمى

[ 131 ]

فأبلى يومئذ فنادوه يا صاحب شرطة عارمة وعارمة جارية بكير فأحجم فقال له بكير لا أبا لك لا يهدك نداء هؤلاء القوم فإن للعارمة فحلا يمنعها فقدم لواءك فقاتلوا حتى انحاز بكير فدخل الحائط فنزل السوق العتيقة ونزل أمية باسان فكانوا يلتقون في ميدان يزيد فانكشفوا يوما فحماهم بكير ثم التقوا يوما آخر في الميدان فضرب رجل من بنى تميم على رجله فجعل يسحبها وهريم يحميه ؟ ؟ فقال الرجل اللهم أيدنا فأمدنا بالملائكة فقال له هريم أيها الرجل قاتل عن نفسك فإن الملائكة في شغل عنك فتحامل ثم أعاد قوله اللهم أمدنا بالملائكة فقال هريم لتكفن عنى أو لا دعنك والملائكة وحماه حتى ألحقه بالناس قال ونادى رجل من بنى تميم يا أمية يا فاضح قريش فآلى أمية إن ظفر به أن يذبحه ؟ ؟ فظفر به فذبحه بين شرفتين من المدينة ثم التقوا يوما آخر فضرب بكير بن وشاح ثابت بن قطة على رأسه وانتمى أنا ابن وشاح فحمل حريث بن قطة أخو ثابت على بكير فانحاز بكير وانكشف أصحابه وأتبع حريث بكيرا حتى بلغ القنطرة فناداه أين يا بكير فكر عليه فضربه حريث على رأسه فقطع المغفر وعض السيف برأسه فصرع فاحتمله أصحابه فأدخلوه المدينة قال فكانوا على ذلك يقاتلونهم وكان أصحاب بكير يغدون متفضلين في ثياب مصبغة وملاحف وأزرصفر وحمر فيجلسون على نواحى المدينة يتحدثون وينادى مناد من رمى بسهم رمينا إليه برأس رجل من ولده وأهله فلا يرميهم أحد قال فأشفق بكير وخاف إن طال الحصار أن يخذله الناس فطلب الصلح وأحب ذلك أيضا أصحاب أمية لمكان عيالاتهم بالمدينة فقالوا لا مية صالحه وكان أمية يحب العافية فصالحه على أن يقضى عنه أربعمائة ألف ويصل أصحابه ويوليه أيضا أي كور خراسان شاء ولا يسمع قول بحير فيه وإن رابه منه ريب فهو آمن أربعين يوما حتى يخرج عن مرو فأخذ الامان لبكير من عبد الملك وكتب له كتابا على باب سنجان ودخل أمية المدينة قال وقوم يقولون لم يخرج بكير مع أمية غازيا ولكن أمية لما غزا استخلفه على مرو فخلعه فرجع أمية فقاتله ثم صالحه ودخل مرو ووفى أمية لبكير وعاد إلى ما كان عليه من الاكرام وحسن الاذن وأرسل

[ 132 ]

إلى عتاب اللقوة فقال أنت صاحب المشورة فقال نعم أصلح الله الامير قال ولم قال خف ما كان في يدى وكثر دينى وأعديت على غرمائي قال ويحك فضربت بين المسلمين وأحرقت السفن والمسلمون في بلاد العدو وما خفت الله قال قد كان ذلك فأستغفر الله قال كم دينك قال عشرون ألقا قال تكف عن غش المسلمين وأقضى دينك قال نعم جعلني الله فداك قال فضحك أمية وقال إن ظنى بك غير ما تقول وسأقضى عنك فأدى عنه عشرين ألفا وكان أمية سهلا لينا سخيا لم يعط أحد من عمال خراسان بها مثل عطاياه قال وكان مع ذلك ثقيلا عليهم كان فيه زهو شديد وكان يقول ما أكتفى بخراسان وسجستان لمطبخي وعزل أمية بحيرا عن شرطته وولاها عطاء بن أبى السائب وكتب إلى عبد الملك بما كان من أمر بكير وصفحه عنه فضرب عبد الملك بعثا إلى أمية بخراسان فتجاعل الناس فأعطى شقيق ابن سليل الاسدي جعالته رجلا من جرم وأخذ أمية الناس بالخراج واشتد عليهم فيه فجلس بكير يوما في المسجد وعنده ناس من بنى تميم فذكروا شدة أمية على الناس فذموه وقالوا سلط علينا الدهاقين في الجباية وبحير وضرار بن حصن وعبد العزيز بن جارية بن قدامة في المسجد فنقل بحير ذلك إلى أمية فكذبه فأدعي شهادة هؤلاء وادعى شهادة مزاحم بن أبى المجشر السلمى فدعا أمية مزاحما فسأله فقال إنما كان يمزح فأعرض عنه أمية ثم أتاه بحير فقال أصلح الله الامير إن بكيرا والله قد دعاني إلى خلعك وقال لولا مكانك لقتلت هذا القرشى وأكلت خراسان فقال أمية ما أصدق بهذا وقد فعل ما فعل فآمنته ووصلته قال فأتاه بضرار بن حصن وعبد العزيز بن جارية فشهد أن بكيرا قال لهما لو أطعتماني لقتلت هذا القرشى المخنث وقد دعانا إلى الفتك بك فقال أمية أنتم أعلم وما شهدتم وما أظن هذا به وإن تركه وقد شهدتم بما شهدتم عجز وقال لحاجبه عبيدة ولصاحب حرسه عطاء بن أبى السائب إذا دخل بكير وبدل وشمر دل ابنا أخيه فنهضت فخذوهم وجلس أمية للناس وجاء بكير وابنا أخيه فلما جلسوا قام أمية عن سريره فدخل وخرج الناس وخرج بكير فحبسوه وابن أخيه فدعا أمية ببكير فقال أنت القائل

[ 133 ]

كذا وكذا قال تثبت أصلحك الله ولا تسمعن قول ابن المحلوقة فحبسه وأخذ جاريته العارمة فحبسها وحبس الاحنف بن عبد الله العنبري وقال أنت ممن أشار على بكير بالخلع * فلما كان من الغد أخرج بكيرا فشهد عليه بحير وضرار وعبد العزير ابن جارية أنه دعاهم إلى خلعه والفتك به فقال أصلحك الله تثبت فإن هؤلاء أعدائي فقال أمية لزياد بن عقبة وهو رأس أهل العالية ولا بن ولان العدوى وهو يومئذ من رؤساء بنى تميم وليعقوب بن خالد الذهلى أتقتلونه فلم يجيبوه فقال لبحير أتقتله قال نعم فدفعه إليه فنهض يعقوب بن القعقاع الاعلم الازدي من مجلسه وكان صديقا لبكير فاحتضن أمية وقال أذكرك الله أيها الامير في بكير فقد أعطيته ما أعطيته من نفسك قال يا يعقوب ما يقتله إلا قومه شهدوا عليه فقال عطاء ابن أبى السائب الليثى وهو على حرس أمية خل عن الامير قال لا فضربه عطاء بقائم السيف فأصاب أنفه فأدماه فخرج ثم قال لبحير يا بحير إن الناس أعطوا بكيرا ذمتهم في صلحه وأنت منهم فلا تخفر ذمتك قال يا يعقوب ما أعطيته ذمة ثم أخذ بحير سيف بكير الموصول الذى كان أخذه من إسوار الترجمان ترجمان ابن خازم فقال له بكير يا بحير إنك تفرق أمر بنى سعد إن قتلتنى فدع هذا القرشى يلى منى ما يريد فقال بحير لا والله يا ابن الاصبهانية لا تصلح بنو سعد ما دمنا حيين قال فشأنك يا ابن المحلوقة فقتله وذلك يوم جمعة وقتل أمية ابني أخى بكير ووهب جارية بكير العارمة لبحير وكلم أمية في الاحنف بن عبد الله العنبري فدعا به من السجن فقال وأنت ممن أشار على بكير وشتمه وقال قد وهبتك لهؤلاء قال ثم وجه أمية رجلا من خزاعة إلى موسى بن عبد الله بن خازم فقتله عمرو بن خالد بن حصن الكلابي غيلة فتفرق جيشه فاستأمن طائفة منهم موسى فصاروا معه ورجع بعضهم إلى أمية (وفى هذه السنة) عبر النهر نهر بلخ أمية للغزو فحوصر حتى جهد هو وأصحابه ثم نجوا بعد ما أشرفوا على الهلاك فانصرف والذين معه من الجند إلى مرو وقال عبد الرحمن ابن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة يهجو أمية ألا أبلغ أمية أن سيجزى * ثواب الشر إن له ثوابا

[ 134 ]

ومن ينظر عتابك أو يرده * فلست بناظر منك العتابا محا المعروف منك خلال سوء * منحت صنيعها بابا فبابا ومن سماك إذ قسم الاسامي * أمية إذ ولدت فقد أصابا (قال أبو جعفر) وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان وهو أمير على المدينة وكان على الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف وعلى خراسان أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد * وحدثني أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال حج أبان بن عثمان وهو على المدينة بالناس حجتين سنة 76 وسنة 77 وقد قيل ان هلاك شبيب كان في سنة 78 وكذلك قيل في هلاك قطرى وعبيدة بن هلال وعبد رب الكبير وغزا في هذه السنة الصائفة الوليد ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ذكر الخبر عن الكائن في هذه السنة من الاحداث الجليلة فمن ذلك عزل عبد الملك بن مروان أمية بن عبد الله عن خراسان وضمه خراسان وسجستان إلى الحجاج بن يوسف فلما ضم ذلك إليه فرق فيه عماله ذكر الخبر عن العمال الذين ولاهم الحجاج خراسان وسجستان وذكر السبب في توليته من ولاه ذلك وشيئا منه (ذكر) أن الحجاج لما فرغ من شبيب ومطرف شخص من الكوفة إلى البصرة واستخلف على الكوفة المغيرة بن عبد الله بن أبى عقيل وقد قيل إنه استخلف عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي ثم عزله وجعل مكانه المغيرة ابن عبد الله فقدم عليه المهلب بها وقد فرغ من الازارقة فقال هشام حدثنى أبو مخنف عن أبى المخارق الراسبى أن المهلب بن أبى صفرة لما فرغ من الازارقة قدم على الحجاج وذلك سنة 78 فأجلسه ودعا بأصحاب البلاء من المهلب فأخذ الحجاج لا يذكر له المهلب رجلا من أصحابه ببلاء حسن إلا صدقه الحجاج بذلك فحملهم الحجاج وأحسن عطاياهم وزاد في أعطياتهم ثم قال هؤلاء أصحاب الفعال وأحق

[ 135 ]

بالاموال هؤلاء حماة الثغور وغيظ الاعداء (قال هشام) عن أبى مخنف قال يونس بن أبى إسحاق قد كان الحجاج ولى المهلب سجستان مع خراسان فقال له المهلب ألا أدلك على رجل هو أعلم بسجستان منى وقد كان ولى كابل وزابل وجباهم وقاتلهم وصالحهم قال له بلى فمن هو قال عبيد الله بن أبى بكرة ثم إنه بعث المهلب على خراسان وعبيد الله بن أبى بكرة على سجستان وكان العامل هنالك أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبى العيص بن أمية وكان عاملا لعبد الملك بن مروان لم يكن للحجاج شئ من أمره حين بعث على العراق حتى كانت تلك السنة فعزله عبد الملك وجمع سلطانه للحجاج فمضى المهلب إلى خراسان وعبيد الله بن أبى بكرة إلى سجستان فمكث عبيد الله بن أبى بكرة بقية سنته فهذه رواية أبى مخنف عن أبى المخارق وأما على بن محمد فإنه ذكر عن المفضل بن محمد أن خراسان وسجستان جمعتا للحجاج مع العراق في أول سنة 78 بعد ما قتل الخوارج فاستعمل عبيد الله بن أبى بكرة على خراسان والمهلب بن أبى صفرة على سجستان فكره المهلب سجستان فلقى عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العبشمى وكان على شرطة الحجاج فقال إن الامير ولانى سجستان وولى ابن أبى بكرة خراسان وأنا أعرف بخراسان منه قد عرفتها أيام الحكم بن عمرو الغفاري وابن أبى بكرة أقوى على سجستان منى فكلم الامير يحولني إلى خراسان وابن أبى بكرة إلى سجستان قال نعم وكلم زاذان فروخ يعيننى فكلمه فقال نعم فقال عبد الرحمن بن عبيد للحجاج وليت المهلب سجستان وابن أبى بكرة أقوى عليها منه فقال زاذان فروخ صدق قال إنا قد كتبنا عهده قال زاذان فروخ ما أهون تحويل عهده فحول ابن أبى بكرة إلى سجستان والمهلب إلى خراسان وأخذ المهلب بألف ألف من خراج الاهواز وكان ولاها إياه خالد بن عبد الله فقال المهلب لابنه المغيرة إن خالدا ولانى الاهواز وولاك اصطخر وقد أخذني الحجاج بألف ألف فنصف على ونصف عليك ولم يكن عند المهلب مال كان إذا عزل استقرض قال فكلم أبا ماوية مولى عبد الله بن عامر وكان أبو ماوية على بيت مال عبد الله بن عامر فأسلف المهلب ثلثمائة ألف فقالت خيرة القشيرية امرأة المهلب

[ 136 ]

هذا لا يفى بما عليك فباعت حليا لو متاعا فأكمل خمسمائة ألف وحمل المغيرة إلى أبيه خمسمائة ألف فحملها إلى الحجاج ووجه المهلب ابنه حبيبا على مقدمته فأتى الحجاج فودعه فأمر الحجاج له بعشرة آلاف وبغلة خضراء قال فسار حبيب على تلك البغلة حتى قدم خراسان هو وأصحابه على البريد فسار عشرين يوما فتلقاهم حين دخلوا حمل حطب فنفرت البغلة فتعجبوا منها ومن نفارها بعد ذلك التعب وشدة السير فلم يعرض لا مية ولا لعماله وأقام عشرة أشهر حتى قدم عليه المهلب سنة 79 (وحج) بالناس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان أمير المدينة في هذه السنة أبان ابن عثمان وأمير الكوفة والبصرة وخراسان وسجستان وكرمان الحجاج بن يوسف وخليفته بخراسان المهلب وبسجستان عبيد الله بن أبى بكرة وعلى قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة فيما قيل موسى بن أنس وأغزى عبد الملك في هذه السنة يحيى بن الحكم ثم دخلت سنة تسع وسبعين ذكر ما كان فيها من الاحداث الجليلة فمن ذلك ما أصاب أهل الشأم في هذه السنة من الطاعون حتى كادوا يفنون من شدته فلم يغز في تلك السنة أحد فيما قبل ؟ ؟ للطاعون الذى كان بها وكثرة الموت (وفيها) فيما قبل أصابت الروم أهل أنطاكية (وفيها) غزا عبيد الله بن أبى بكرة رتبيل ذكر الخبر عن غزوه إياه (قال هشام) حدثنى أبو مخنف عن أبى المخارق الراسبى قال لما ولى الحجاج المهلب خراسان وعبيد الله بن أبى بكرة سجستان مضى المهلب إلى خراسان وعبيد الله بن أبى بكرة إلى سجستان وذلك في سنة 78 فمكث عبيد الله بن أبى بكرة بقية سنته ثم إنه غزا رتبيل وقد كان مصالحا وقد كانت العرب قبل ذلك تأخذ منه خراجا وربما امتنع فلم يفعل فبعث الحجاج إلى عبيد الله بن أبى بكرة أن ناجزه بمن معك من المسلمين

[ 137 ]

فلا ترجع حتى تستبيح أرضه وتهدم قلاعه وتقتل مقاتلته وتسبى ذريته فخرج بمن معه من المسلمين من أهل الكوفة وأهل البصرة وكان على أهل الكوفة شريح بن هانئ الحارثى ثم الضبابى وكان من أصحاب على وكان عبيد الله على أهل البصرة وهو أمير الجماعة فمضى حتى وغل في بلاد رتبيل فأصاب من البقر والغنم والاموال ما شاء وهدم قلاعا وحصونا وغلب على أرض من أرضهم كثيرة وأصحاب رتبيل من الترك يخلون لهم عن أرض بعد أرض حتى أمعنوا في بلادهم ودنوا من مدينتهم وكانوا منها على ثمانية عشر فرسخا فأخذوا على المسلمين العقاب والشعاب وخلوهم والرساتيق فسقط في أيدى المسلمين وظنوا أن قد هلكوا فبعث ابن أبى بكرة إلى شريح بن هانئ إنى مصالح القوم على أن أعطيهم مالا ويخلوا بينى وبين الخروج فأرسل إليهم فصالحهم على سبعمائة الف درهم فلقيه شريح فقال إنك لا تصالح على شئ إلا حسبه السلطان عليكم في أعطياتكم قال لو منعنا العطاء ما حيينا كان أهون علينا من هلاكنا قال شريح والله لقد بلغت سنا وقد هلكت لذاتي ما تأتى على ساعة من ليل أو نهار فأظنها تمضى حتى أموت ولقد كنت أطلب الشهادة مند زمان ولئن فاتتني اليوم ما اخالنى مدركها حتى أموت وقال يا أهل الاسلام تعاونوا على عدوكم فقال له ابن أبى بكرة إنك شيخ قد خرفت فقال شريح إنما حسبك أن يقال بستان ابن أبى بكرة وحمام ابن أبى بكرة يا أهل الاسلام من أراد منكم الشهادة فالى فاتبعه ناس من المتطوعة غير كثير وفرسان الناس وأهل الحفاظ فقاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلا فجعل شريح يرتجز يومئذ ويقول: أصبحت ذا بث أقاسى الكبرا * قد عشت بين المشركين أعصرا ثمت أدركت النبي المنذرا * وبعده صديقه وعمرا ويوم مهران ويوم تسترا * والجمع في صفينهم والنهرا وبا جميرات مع المشقرا * هيهات ما أطول هذا عمرا فقاتل حتى قتل في ناس من أصحابه ونجا من نجا فخرجوا من بلاد رتبيل حتى خرجوا منها فاستقبلهم من خرجوا إليهم من المسلمين بالاطعمة فإذا أكل أحدهم

[ 138 ]

وشبع مات فلما رأى ذلك الناس حذروا يطعمونهم ثم جعلوا يطعمونهم السمن قليلا قليلا حتى استمرؤا وبلغ ذلك الحجاج فأخذه ما تقدم وما تأخر وبلغ ذلك منه كل مبلغ وكتب إلى عبد الملك أما بعد فان جند أمير المؤمنين الذين بسجستان أصيبوا فلم ينج منهم إلا القليل وقد اجترأ العدو بالذى أصابه على أهل الاسلام فدخلوا بلادهم وغلبوا على حصونهم وقصورهم وقد أردت أن أوجه إليهم جندا كثيفا من أهل المصرين فأحببت أن أستطلع رأى أمير المؤمنين في ذلك فإن رأى لى بعثة ذلك الجند أمضيته وإن لم ير ذلك فإن أمير المؤمنين أولى بجنده مع أنى أتخوف إن لم يأت رتبيل ومن معه من المشركين جند كثيف عاجلا أن يستولوا على ذلك الفرج كله (وفى هذه السنة) قدم المهلب خراسان أميرا وانصرف عنها أمية بن عبد الله وقيل استعفى شريح القاضى من القضاء في هذه السنة وأشار بأبى بردة بن أبى موسى الاشعري فأعفاه الحجاج وولى أبا بردة (وحج) بالناس في هذه السنة فيما حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر أبان ابن عثمان وكذلك قال الواقدي وغيره من أهل السير وكان أبان هذه السنة أميرا على المدينة من قبل عبد الملك بن مروان وعلى العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف وكان على خراسان المهلب من قبل الحجاج وقيل إن المهلب كان على حربها وابنه المغيرة على خراجها وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبى موسى وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس ثم دخلت سنة ثمانين ذكر الاحداث الجليلة التى كانت في هذه السنة (وفى هذه السنة) جاء فيما حدثت عن ابن سعد عن محمد بن عمر الواقدي سيل بمكة ذهب بالحجاج فغرقت بيوت مكة فسمى ذلك العام عام الجحاف لان ذلك السيل جحف كل شئ مر به قال محمد بن عمر حدثنى محمد بن رفاعة بن ثعلبة عن أبيه عن جده قال جاء السيل حتى ذهب بالحجاج ببطن مكة فسمى لذلك عام الجحاف

[ 139 ]

ولقد رأيت الابل عليها الحمولة والرجال والنساء يمر بهم ما لاحد فيهم حيلة وإنى لا نظر إلى الماء قد بلغ الركن وجاوزه (وفى هذه السنة) كان بالبصرة طاعون الجارف فيما زعم الواقدي (وفى هذه السنة) قطع المهلب نهر بلخ فنزل على كش فذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد وغيره أنه كان على مقدمة المهلب حين نزل على كش أبو الادهم زياد بن عمر والزماني في ثلاثة آلاف وهم خمسة آلاف إلا أن أبا الادهم كان يغنى غناء الفين في البأس والتدبير والنصيحة قال فأتى المهلب وهو نازل على كش ابن عم ملك الختل فدعاه إلى غزو الختل فوجه معه ابنه يزيد فنزل في عسكره ونزل ابن عم الملك وكان الملك يومئذ اسمه السبل في عسكره على ناحية فبيت السبل ابن عمه فكبر في عسكره فظن ابن عم السبل أن العرب قد غدروا به وأنهم خافوه على الغدر حين اعتزل عسكرهم فأسره السبل فأتى به قلعته فقتله قال فأطاف يزيد بن المهلب بقلعة السبل فصالحوه على فدية حملوها إليه ورجع إلى المهلب فأرسلت أم الذى قتله السبل إلى أم السبل كيف ترجين بقاء السبل بعد قتل ابن عمه وله سبعة أخوة قد وترهم وأتت أم واحد فأرسلت إليها أن الاسد تقل أولادها والخنازير كثير أولادها ووجه المهلب ابنه حبيبا إلى ربنجن فوافى صاحب بخارى في أربعين ألفا فدعا رجل من المشركين المبارزة فبرز له جبلة غلام حبيب فقتل المشرك وحمل على جمعهم فقتل منهم ثلاثة نفر ثم رجع ورجع العسكر ورجع العدو إلى بلادهم ونزلت جماعة من العدو قرية فسار إليهم حبيب في أربعة آلاف فقاتلهم فظفر بهم فأحرقها ورجع إلى أبيه فسميت المحترقة ويقال أن الذى أحرقها جبلة غلام حبيب قال فمكث المهلب سنتين مقيما بكش فقيل له لو تقدمت إلى السغد وما وراء ذلك قال ليت حظى من هذه الغزوة سلامة هذه الجند حتى يرجعوا إلى مرو سالمين قال وخرج رجل من العدو يوما فسأله البراز فبرز إليه هريم بن عدى أبو خالد بن هريم وعليه عمامة قد شدها فوق البيضة فانتهى إلى جدول فجاوله المشرك ساعة فقتله هريم وأخذ سلبه فلامه المهلب وقال لو أصبت ثم أمددت بألف فارس ما عدلوك عندي واتهم المهلب وهو بكش قوما

[ 140 ]

من مضر فحبسهم بها فلما قفل وصار صلح خلاهم فكتب إليه الحجاج إن كنت أصبت بحبسهم فقد أخطأت في تخليتهم وان كنت أصبت بتخليتهم فقد ظلمتهم إذ حبستهم فقال المهلب خفتهم فحبستهم فلما أمنت خليتهم وكان فيمن حبس عبد الملك بن أبى شيخ القشيرى ثم صالح المهلب أهل كش على فدية فأقام ليقبضها وأتاه كتاب ابن الاشعث بخلع الحجاج ويدعوه إلى مساعدته على خلعه فبعث بكتاب ابن الاشعث إلى الحجاج (وفى هذه السنة) وجه الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث إلى سجستان لحرب رتبيل صاحب الترك وقد اختلف أهل السير في سبب توجيهه اياه إليها وأين كان عبد الرحمن يوم ولاه الحجاج سجستان وحرب رتبيل فأما يونس ابن أبى اسحاق فيما حدث هشام عن أبى مخنف عنه فانه ذكر أن عبد الملك لما ورد عليه كتاب الحجاج بن يوسف بخبر الجيش الذى كان مع عبيد الله بن بكرة في بلاد رتبيل وما لقوا بها كتب إليه أما بعد فقد أتانى كتابك تذكر فيه مصاب المسلمين بسجستان وأولئك قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وعلى الله ثوابهم وأما ما أردت أن يأتيك فيه رأيى من توجيه الجنود وامضائها إلى ذلك الفرج الذى أصيب فيه المسلمون أوكفها فان رأيى في ذلك أن تمضى رأيك راشدا موفقا وكان الحجاج وليس بالعراق رجل أبغض إليه من عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث وكان يقول ما رأيته قط الا أردت قتله (قال أبو مخنف) فحدثني نمير ابن وعلة الهمداني ثم اليناعى عن الشعبى قال كنت عند الحجاج جالسا حين دخل عليه عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث فلما رآه الحجاج قال انظر إلى مشيته والله لهممت أن أضرب عنقه قال فلما خرج عبد الرحمن خرجت فسبقته وانتظرته على باب سعيد بن قيس السبيعى فلما انتهى إلى قلت ادخل بنا الباب انى أريد أن أحدثك حديثا هو عندك بأمانة الله أن تذكره ما عاش الحجاج فقال نعم فأخبرته بمقاتلة الحجاج له فقال وأنا كما زعم الحجاج إن لم أحاول أن أزيله عن سلطانه فأجهد الجهد إذ طال بى وبه بقاء ثم إن الحجاج أخذ في جهاز عشرين ألف رجل من أهل الكوفة وعشرين ألف رجل من أهل البصرة وجد في ذلك وشمر

[ 141 ]

وأعطى الناس أعطياتهم كملا وأخذهم بالخيول الروائع والسلاح الكامل وأخذ في عرض الناس ولا يرى رجلا تذكر منه شجاعة إلا أحسن معونته فمر عبيد الله ابن أبى محجن الثقفى على عباد بن الحصين الحبطى وهو مع الحجاج يريد عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفى وهو يعرض الناس فقال عباد ما رأيت فرسا أروع ولا أحسن من هذا وأن الفرس قوة وسلاح وأن هذه البغلة علنداة فزاده الحجاج خمسين وخمسمائة درهم ومر به عطية العنبري فقال له الحجاج يا عبد الرحمن أحسن إلى هذا فلما استتب له أمر ذينك الجندين بعث الحجاج عطارد بن عمر التميمي فعسكر بالاهواز ثم بعث عبيد الله بن حجر بن ذى الجشن العامري من بنى كلاب ثم بدا له فبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث وعزل عبيد الله بن حجر فأتى الحجاج عمه إسماعيل بن الاشعث فقال له لا تبعثه فانى أخاف خلافه والله ما جاز جسر الفرات قط فرأى لوال من الولاة عليه طاعة وسلطانا فقال الحجاج ليس هناك هولي أهيب وفى أرغب من أن يخالف أمرى أو يخرج من طاعتي فأمضاه على ذلك الجيش فخرج بهم حتى قدم سجستان سنة 80 فجمع أهلها حين قدمها (قال أبو مخنف) فحدثني أبو الزبير الا رحبى رجل من همدان كان معه أنه صعد منبرها فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أن الامير الحجاج ولانى ثغركم وأمرني بجهاد عدوكم الذى استباح بلادكم وأباد خياركم فاياكم أن يتخلف منكم رجل فيحل بنفسه العقوبة اخرجوا إلى معسكركم فعسكروا به مع الناس فعسكر الناس كلهم في معسكرهم ووضعت لهم الاسواق وأخذ الناس بالجهاز والهيئة بآلة الحرب فبلغ ذلك رتبيل فكتب إلى عبد الرحمن بن محمد يعتذر إليه من مصاب المسلمين ويخبره أنه كان لذلك كارها وأنهم ألجؤه إلى قتالهم ويسأله الصلح ويعرض عليه أن يقبل منه الخراج فلم يجبه ولم يقبل منه ولم ينشب عبد الرحمن أن سار في الجنود إليه حتى دخل أول بلاده وأخذ رتبيل بضم إليه جنده ويدع له الارض رستاقا رستاقا وحصنا حصنا وطفق ابن الاشعث كلما حوى بلدا بعث إليه عاملا وبعث معه أعوانا ووضع البرد فيما بين كل بلد وبلد وجعل الارصاد على العقاب

[ 142 ]

والشعاب ووضع المسالح بكل مكان مخوف حتى إذا حاز من أرضه أرضا عظيمة وملا يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة حبس الناس عن الوغول في أرض رتبيل وقال نكتفي بما أصبناه العام من بلادهم حتى نجبيها ونعرفها وتجترئ المسلمون على طرقها ثم نتعاطى في العام المقبل ما وراءها ثم لم نزل نتنقصهم في كل عام طائفة من أرضهم حتى نقاتلهم آخر ذلك على كنوزهم وذراريهم وفى أقصى بلادهم وممتنع حصونهم ثم لا نزايل بلادهم حتى يهلكهم الله ثم كتب إلى الحجاج بما فتح الله عليه من بلاد العدو وبما صنع الله للمسلمين وبهذا الرأى الذى رآه لهم وأما غير يونس ابن أبى إسحاق وغير من ذكرت الرواية عنه في أمر ابن الاشعث فإنه قال في سبب ولايته سجستان ومسيره إلى بلاد رتبيل غير الذى رويت عن أبى مخنف وزعم ان السبب في ذلك كان أن الحجاج وجه هميان بن عدى السدوسى إلى كرمان مسلحة لها ليمد عامل سجستان والسندان احتاجا إلى مدد فعصى هميان ومن معه فوجه الحجاج بن الاشعث في محاربته فهزمه وأقام بموضعه ومات عبيد الله بن أبى بكرة وكان عاملا على سجستان فكتب الحجاج عهد ابن الاشعث عليها وجهز إليها جيشا أنفق عليهم ألفى ألف سوى أعطياتهم كان يدعى جيش الطواويس وأمره بالاقدام على رتبيل (وحج) بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان كذلك حدثنى احمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال محمد بن عمر الواقدي وقال بعضهم الذى حج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الملك وكان على المدينة في هذه السنة أبان بن عثمان وعلى العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف وعلى خراسان المهلب بن أبى صفرة من قبل الحجاج وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبى موسى وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس وأغزى عبد الملك في هذه السنة ابنه الوليد

[ 143 ]

ثم دخلت سنة احدى وثمانين ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففى هذه السنة) كان فتح قاليقلا حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا على بن محمد قال أغزى عبد الملك سنة 81 ابنه عبيد الله بن عبد الملك ففتح قاليقلا (وفى هذه السنة) قتل بحير بن ورقاء الصريمى بخراسان ذكر الخبر عن مقتله وكان سبب قتله أن بحيرا كان هو الذى تولى قتل بكير بن وشاح بأمر أمية بن عبد الله اياه بذلك فقال عثمان بن رجاء بن جابر بن شداد أحد بنى عوف بن سعد من الابناء يحض رجلا من الابناء من آل بكير بالوتر لعمري لقد أغضيت عينا على القذى * وبت بطينا من رحيق مروق وخليت ثارا طل واخترت نومة * ومن شرب الصهباء بالوتر يسبق فلو كنت من عوف بن سعد ذؤابة * تركت بحيرا في دم مترقرق فقل لبحير نم ولا تخش ثائرا * بعوف فعوف أهل شاة حبلق دع الضأن يوما قد سبقتم بوتركم * وصرتم حديثا بين غرب ومشرق وهبوا فلو أمسى بكير كعهده * صحيحا لغاداهم بحاواء فيلق (وقال أيضا) فلو كان بكر بارزا في أداته * وذى العرش لم يقدم عليه بحير ففى الدهر إن أبقاني الدهر مطلب * وفى الله طلاب بذاك جدير وبلغ بحيرا أن الابناء يتوعدونه فقال توعدنى الابناء جهلا كأنما * يرون فنائى مقفرا من بنى كعب رفعت له كفى بحد مهند * حسام كلون الملح ذى رونق عضب فذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد أن سبعة عشر رجلا من بنى عوف ابن كعب بن سعد تعاقدوا على الطلب بدم بكير فخرج فتى منهم يقال له الشمردل

[ 144 ]

من البادية حتى قدم خراسان فنظر إلى بحير واقفا فشد عليه فطعنه فصرعه فظن انه قد قتله وقال الناس خارجي فراكضهم فعثر فرسه فندر عنه فقتل ثم خرج صعصعة بن حرب العوفى ثم أحد بنى جندب من البادية وقد باع غنيمات له واشترى حمارا ومضى إلى سجستان فجاور قرابة لبحير هناك ولا طفهم وقال أنا رجل من بنى حنيفة من أهل اليمامة فلم يزل يأتيهم ويجالسهم حتى أنسوا به فقال لهم إن لى بخراسان ميراثا قد غلبت عليه وبلغني أن بحيرا عظيم القدر بخراسان فاكتبوا لى إليه كتابا يعيننى على طلب حقى فكتبوا إليه فخرج فقدم مرو والمهلب غاز قال فلقى قوما من بنى عوف فأخبرهم أمره فقام إليه مولى لبكير صيقل فقبل رأسه فقال له صعصعة اتخذ لى خنجرا فعمل له خنجرا وأحماه وغمسه في لبن أتان مرارا ثم شخص من مرو فقطع النهر حتى أتى عسكر المهلب وهو بأخرون يومئذ فلقى بحيرا بالكتاب وقال انى رجل من بنى حنيفة كنت من أصحاب ابن أبى بكرة وقد ذهب مالى بسجستان ولى ميراث بمرو فقدمت لا بيعه وأرجع إلى اليمامة قال فأمر له بنفقة وأنزله معه وقال له استعن بى على ما أحببت قال أقيم عندك حتى يقفل الناس فأقام شهرا أو نحوا من شهر يحضر معه باب المهلب ومجلسه حتى عرف به قال وكان بحير يخاف الفتك به ولا يأمن أحدا فلما قدم صعصعة بكتاب أصحابه قال هو رجل من بكر بن وائل فأمنه فجاء يوما وبحير جالس في مجلس المهلب عليه قميص ورداء ونعلان فقعد خلفه ثم دنا منه فأكب عليه كأنه كان يكلمه فوجأه بخنجره في خاصرته فغيبه في جوفه فقال الناس خارجي فنادى يا لثأرات بكير أنا ثائر ببكير فأخذه أبو العجفاء ابن أبى الخرقاء وهو يومئذ على شرط المهلب فأتى به المهلب فقال له بؤسا لك ما أدركت بثأرك وقتلت نفسك وما على بحير بأس فقال لقد طعنته طعنة لو قسمت بين الناس لماتوا ولقد وجدت ريح بطنه في يدى فحبسه فدخل عليه السجن قوم من الابناء فقبلوا رأسه قال ومات بحير من غد عند ارتفاع النهار فقبل لصعصعة مات بحير فقال اصنعوا بى الآن ما شئتم وما بدا لكم أليس قد حلت نذور نساء بنى عوف وأدركت بثأرى لا أبالى ما لقيت أما والله لقد

[ 145 ]

أمكننى ما صنعت خاليا غير مرة فكرهت أن أقتله سرا فقال المهلب ما رأيت رجلا أسخى نفسا بالموت صبرا من هذا وأمر بقتله أبا سويقة ابن عم لبحير فقال له أنس بن طلق ويحك قتل بحير فلا تقتلوا هذا فأبى وقتله فشتمه أنس وقال آخرون بعث به المهلب إلى بحير قبل أن يموت فقال له أنس بن طلق العبشمى يا بحير إنك قتلت بكيرا فاستحى هذا فقال بحير ادنوه منى لا والله لا أموت وأنت حى فأدنوه منه فوضع رأسه بين رجليه وقال اصبر عفاق إنه شرباق فقال ابن طلق لبحير لعنك الله أكلمك فيه وتقتله بين يدى فطعنه بحير بسيفه حتى قتله ومات بحير فقال المهلب إنا لله وإنا إليه راجعون غزوة أصيب فيها بحير فغضب عوف بن كعب والابناء وقالوا علام قتل صاحبنا وإنما طلب بثأره فنازعتهم مقاعس والبطون حتى خاف الناس أن يعظم البأس فقال أهل الحجى احملوا دم صعصعة واجعلوا دم بحير بواء ببكير فودوا صعصعة فقال رجل من الابناء يمدح صعصعة لله در فتى تجاوز همه * دون العراق مفاوزا وبحورا ما زال يدأب نفسه ويكدها * حتى تناول في حرون بحيرا قال وخرج عبد ربه الكبير أبو وكيع وهو من رهط صعصعة إلى البادية فقال لرهط بكير قتل صعصعة بطلبه بدم صاحبكم فودوه فأخذ لصعصعة ديتين (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة خالف عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث الحجاج ومن معه من جند العراق وأقبلوا إليه لحربه في قول أبى مخنف وروايته لذلك عن أبى المخارق الراسبى وأما الواقدي فإنه زعم أن ذلك كان في سنة 82 ذكر الخبر عن السبب الذى دعا عبد الرحمن بن محمد إلى ما فعل من ذلك وما كان من صنيعه بعد خلافه الحجاج في هذه السنة قد ذكرنا فيما مضى قبل ما كان من عبد الرحمن بن محمد في بلاد رتبيل وكتابه إلى الحجاج بما كان منه هناك وبما عرض عليه من الرأى فيما يستقبل من أيامه في سنة 80 ونذكر الآن ما كان من أمره في سنة 81 في رواية أبى مخنف عن أبى المخارق

[ 146 ]

(ذكر هشام) عن أبى مخنف قال قال أبو المخارق الراسبى كتب الحجاج إلى عبد الرحمن ابن محمد جواب كتابه أما بعد فإن كتابك أتانى وفهمت ما ذكرت فيه وكتابك كتاب امرئ يحب الهدنة ويستريح إلى الموادعة قد صانع عدوا قليلا ذليلا قد أصابوا من المسلمين جندا كان بلاؤهم حسنا وغناؤهم في الاسلام عظيما لعمرك يا ابن أم عبد الرحمن إنك حيث تكف عن ذلك العدو بجندي وحدي لسخى النفس عمن أصيب من المسلمين إنى لم أعدد رأيك الذى زعمت أنك رأيته رأى مكيدة ولكني رأيت أنه لم يحملك عليه إلا ضعفك والتياث رأيك فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم والهدم لحصونهم وقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم ثم أردفه كتابا فيه أما بعد فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا وليقيموا فإنها دارهم حتى يفتحها الله عليهم ثم أردفه كتابا آخر فيه أما بعد فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم وإلا فان إسحاق بن محمد أخاك أمير الناس فخله وما وليته فقال حين قرأ كتابه أنا أحمل ثقل إسحاق فعرض له فقال لا تفعل فقال ورب هذا يعنى المصحف لئن ذكرته لاحد لاقتلنك فظن أنه يريد السيف فوضع يده على قائم السيف ثم دعا الناس إليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنى لكم ناصح ولصلاحكم محب ولكم في كل ما يحيط بكم نفعه ناظر وقد كان من رأيى فيما بينكم وبين عدوكم رأى استشرت فيه ذوى أحلامكم وأولى التجربة للحرب منكم فرضوه لكم رأيا ورأوه لكم في العاجل والآجل صالحا وقد كتبت إلى أميركم الحجاج فجاءني منه كتاب يعجزنى ويضعفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو وهى البلاد التى هلك إخوانكم فيها بالامس وإنما أنا رجل منكم أمضى إذا مضيتم وآبى إذا أبيتم فثار إليه الناس فقالوا لا بل نأبى على عدو الله ولا نسمع له ولا نطيع (قال أبو مخنف) فحدثني مطرف بن عامر بن واثلة الكنانى أن أباه كان أول متكلم يومئذ وكان شاعرا خطيبا فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه أما بعد فان الحجاج والله ما يرى بكم إلا ما رأى القائل الاول إذ قال لاخيه احمل عبدك على الفرس فإن هلك هلك وإن نجا فلك إن الحجاج والله ما يبالى أن يخاطر بكم فيقحمكم

[ 147 ]

بلادا كثيرة اللهوب والصوب فإن ظفرتم فغنمتم أكل البلاد وحاز المال وكان ذلك زيادة في سلطانه وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الاعداء البغضاء الذى لا يبالى عنتهم ولا يبقى عليهم اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا عبد الرحمن فإنى أشهدكم أنى أول خالع فنادى الناس من كل جانب فعلنا فعلنا قد خلعنا عدو الله وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعى التميمي ثانيا وكان على شرطته حين أقبل فقال عباد الله إنكم إن أطعتم الحجاج جعل هذه البلاد بلادكم ما بقيتم وجمركم تجمير فرعون الجنود فانه بلغني أنه أول من جمر البعوث ولن تعاينوا الاحبة فيما أرى أو يموت أكثركم بايعوا أميركم وانصرفوا إلى عدوكم فانفوه عن بلادكم فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه فقال تبايعوني على خلع الحجاج عدو الله وعلى النصرة لى وجهاده معى حتى ينفيه الله من أرض العراق فبايعه الناس ولم يذكر خلع عبد الملك إذ ذاك بشئ (قال أبو مخنف) حدثنى عمر بن ذر القاص أن أباه كان معه هنالك وأن ابن محمد كان ضربه وحبسه لانقطاعه كان إلى أخيه القاسم بن محمد فلما كان من أمره الذى كان من الخلاف دعاه فحمله وكساه وأعطاه فأقبل معه فيمن أقبل وكان قاصا خطيبا (قال أبو مخنف) حدثنى سيف بن بشر العجلى عن المنخل بن حابس العبدى أن ابن محمد لما أقبل من سجستان أمر على بست عياض بن هميان البكري من بنى سدوس بن شيبان ابن ذهل بن ثعلبة وعلى زرنج عبد الله بن عامر التميمي ثم الدارمي ثم بعث إلى رتبيل فصالحه على أن ابن الاشعث إن ظهر فلا خراج عليه أبدا ما بقى وإن هزم فأراده ألجأه عنده (قال أبو مخنف) حدثنى خشينة بن الوليد العبسى أن عبد الرحمن لما خرج من سجستان مقبلا إلى العراق سار بين يديه الاعشى على فرس وهو يقول شطت نوى من داره بالايوان * إيوان كسرى ذى القرى والريحان من عاشق أمسى بزابلستان * إن ثقيفا منهم الكذابان كذابها الماضي وكذاب ثان * أمكن ربى من ثقيف همدان

[ 148 ]

يوما إلى الليل يسلى ما كان * إنا سمونا للكفور الفتان حتى طغى في الكفر بعد الايمان * بالسيد الغطريف عبد الرحمن سار بجمع كالدبى من قحطان * ومن معد قد أتى ابن عدنان بجحفل جم شديد الارنان * فقل لحجاج ولى الشيطان يثبت لجمع مذحج وهمدان * فإنهم ساقوه كأس الذيفان وملحقوه بقرى ابن مروان قال وبعث على مقدمته عطية بن عمرو العنبري وبعث الحجاج إليه الخيل فجعل لا يلقى خيلا إلا هزمها فقال الحجاج من هذا فقيل له عطية فذلك قول الاعشى فإذا جعلت دروب فا * رس خلفهم دربا فدربا فابعث عطية في الخيو * ل يكبهن عليك كبا ثم إن عبد الرحمن أقبل يسير بالناس فسأل عن أبى إسحاق السبيعى وكان قد كتبه في أصحابه وكان يقول أنت خالي فقيل له ألا تأتيه فقد سأل عنك فكره أن يأتيه ثم أقبل حتى مر بكرمان فبعث عليهم خرشة بن عمر والتميمى ونزل أبو اسحاق بها فلم يدخل في فتنته حتى كانت الجماجم ولما دخل الناس فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض وقالوا إنا إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك فاجتمعوا إلى عبد الرحمن فكان أول الناس (قال أبو مخنف) فيما حدثنى أبو الصلت التيمى خلع عبد الملك بن مروان تيحان بن أبجر من بنى تيم الله بن ثعلبة فقام فقال أيها الناس إنى خلعت أبا ذبان كخلعي قميصي فخلعه الناس إلا قليلا منهم ووثبوا إلى ابن محمد فبايعوه وكانت بيعته تبايعون على كتاب الله وسنة نبيه وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحلين فإذا قالوا نعم بايع فلما بلغ الحجاج خلعه كتب إلى عبد الملك يخبره خبر عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث ويسأله أن يعجل بعثه الجنود إليه وبعث كتابه إلى عبد الملك يتمثل في آخره بهذه الابيات وهى للحارث بن وعلة سائل مجاور جرم هل جنيت لهم * حربا تفرق بين الجيرة الخلط وهل سموت بجرار له لجب * جم الصواهل بين الجم والفرط

[ 149 ]

وهل تركت نساء الحى ضاحية * في ساحة الدار يستوقدن بالغبط وجاء حتى نزل البصرة وقد كان بلغ المهلب شقاق عبد الرحمن وهو بسجستان فكتب إليه أما بعد فانك وضعت رجلك يا ابن محمد في غرز طويل الغى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الله الله فانظر لنفسك لا تهلكها ودماء المسلمين فلا تسفكها والجماعة فلا تفرقها والبيعة فلا تنكثها فان قلت أخاف الناس على نفسي فالله أحق أن تخافه عليها من الناس فلا تعرضها لله في سفك دم ولا استحلال محرم والسلام عليك وكتب المهلب إلى الحجاج أما بعد فإن أهل العراق قد أقبلوا اليك وهم مثل السيل المنحدر من عل ليس شئ يرده حتى ينتهى إلى قراره وان لاهل العراق شرة في أول مخرجهم وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم فليس شئ يردهم حتى يسقطوا إلى أهليهم ويشموا أولادهم ثم واقفهم عندها فإن الله ناصرك عليهم ان شاء الله فلما قرأ كتابه قال فعل الله به وفعل لا والله مالى نظر ولكن لابن عمه نصح ولما وقع كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله ثم نزل عن سريره وبعث إلى خالد بن يزيد بن معاوية ودعاه فأقرأه الكتاب ورأى ما به من الجزع فقال يا أمير المؤمنين ان كان هذا الحدث من قبل سجستان فلا تخفه وان كان من قبل خراسان تخوفته قال فخرج إلى الناس فقام فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ان أهل العراق طال عليهم عمرى فاستعجلوا قدري اللهم سلط عليهم سيوف أهل الشأم حتى يبلغوا رضاك فإذا بلغوا رضاك لم يجاوزا إلى سخطك ثم نزل وأقام الحجاج بالبصرة وتجهز ليلقى ابن محمد وترك رأى المهلب وفرسان أهل الشأم يسقطون إلى الحجاج في كل يوم مائة وخمسون وعشرة وأقل على البرد من قبل عبد الملك وهو في كل يوم تسقط إلى عبد الملك كتبه ورسله بخبر ابن محمد أي كورة نزل ومن أي كورة يرتحل وأى الناس إليه أسرع (قال أبو مخنف) حدثنى فضيل بن خديج ان مكتبه كان بكرمان وكان بها أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة وأهل البصرة فلما مر بهم ابن محمد بن الاشعث انجفلوا معه وعزم الحجاج رأيه على استقبال ابن الاشعث فسار بأهل الشأم حتى نزل تستر وقدم بين يديه مطهر بن حر العكى أو الجذامي وعبد الله بن رميثة

[ 150 ]

الطائى ومطهر على الفريقين فجاءوا حتى انتهوا إلى دجيل وقد قطع عبد الرحمن بن محمد خيلا له عليها عبد الله بن أبان الحارثى في ثلثمائة فارس وكانت مسلحة له وللجند فلما انتهى إليه مطهر بن حر أمر عبد الله بن رميثة الطائى فأقدم عليهم فهزمت خيل عبد الله حتى انتهت إليه وجرح أصحابه (قال أبو مخنف) فحدثني أبو الزبير الهمداني قال كنت في أصحاب ابن محمد إذ دعا الناس وجمعهم إليه ثم قال اعبروا إليه من هذا المكان فأقحم الناس خيولهم دجيل من ذلك المكان الذى أمرهم به فوالله ما كان بأسرع من أن عبر عظم خولنا فما تكاملت حتى حملنا على مهر بن حر والطائي فهزمناهما يوم الاضحى في سنة 81 وقتلناهم قتلا ذريعا وأصبنا عسكرهم وأتت الحجاج الهزيمة وهو يخطب فصعد إليه أبو كعب بن عبيد بن سرجس فأخبره بهزيمة الناس فقال أيها الناس ارتحلوا إلى البصرة إلى معسكر ومقاتل وطعام ومادة فإن هذا المكان الذى نحن به لا يحمل الجند ثم انصرف راجعا وتبعته خيول أهل العراق فكلما أدركوا منهم شاذا قتلوه وأصابوا ثقلا حووه ومضى الحجاج لا يلوى على شئ حتى نزل الزاوية وبعث إلى طعام التجار الكلاء فأخذه فحمله إليه وخلى البصرة لاهل العراق وكان عامله عليهم الحكم بن أيوب ابن الحكم بن أبى عقيل الثقفى وجاء أهل العراق حتى دخلوا البصرة وقد كان الحجاج حين صدم تلك الصدمة وأقبل راجعا دعا بكتاب المهلب فقرأه ثم قال لله أبوه أي صاحب حرب هو أشار علينا بالرأى ولكنا لم نقبل وقال غير أبى مخنف كان عامل البصرة يومئذ الحكم بن أيوب على الصلاة والصدقة وعبد الله بن عامر بن مسمع على الشرط فسار الحجاج في جيشه حتى نزل رستقباذ وهى من دستوى من كور الاهواز فعسكر بها وأقبل ابن الاشعث فنزل تستر وبينهما نهر فوجه الحجاج مطهر بن حر العكى في ألفى رجل فأوقعوا بمسلحة لابن الاشعث وسار ابن الاشعث مبادرا فواقعهم وهى عشية عرفة من سنة 81 فيقال إنهم قتلوا من أهل الشأم ألفا وخمسمائة وجاءه الباقون منهزمين ومعه يومئذ مائة وخمسون ألف ألف ففرقها في قواده وضمنهم إياها وأقبل منهزما إلى البصرة وخطب ابن الاشعث

[ 151 ]

أصحابه فقال أما الحجاج فليس بشئ ولكنا نريد غزو عبد الملك وبلغ أهل البصرة هزيمة الحجاج فأراد عبد الله بن عامر بن مسمع أن يقطع الجسر دونه فرشاه الحكم ابن أيوب مائة ألف فكف عنه ودخل الحجاج البصرة فأرسل إلى ابن عامر فانتزع المائة الالف منه (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف عن أبى الزبير الهمداني) فلما دخل عبد الرحمن بن محمد البصرة بايعه على حرب الحجاج وخلع عبد الملك جميع أهلها من قرائها وكهولها وكان رجل من الازد من الجهاضم يقال له عقبة ابن عبد الغافر له صحابة فنزا فبايع عبد الرحمن مستبصرا في قتال الحجاج وخندق الحجاج عليه وخندق عبد الرحمن على البصرة وكان دخول عبد الرحمن البصرة في آخر ذى الحجة من سنة 81 (وحج) بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الملك كذا حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وقال في هذه السنة ولى ابن أبى ذئب وكان العامل في هذه السنة على المدينة أبان بن عثمان وعلى العراق والمشرق الحجاج بن يوسف وعلى حرب خراسان المهلب وعلى خراجها المغيرة بن مهلب من قبل الحجاج وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبى موسى وعلى قضاء البصرة عبد الرحمن بن أذينة ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ذكر الخبر عن الكائن من الاحداث فيها فمن ذلك ما كان بين الحجاج وعبد الرحمن بن محمد بن الحروب بالزاوية (ذكر هشام) بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى أبو الزبير الهمداني قال كان دخول عبد الرحمن البصرة في آخر ذى الحجة واقتتلوا في المحرم من سنة 82 فتزاحفوا ذات يوم فاشتد قتالهم ثم إن أهل العراق هزموهم حتى انتهوا إلى الحجاج وحتى قاتلوهم على خنادقهم وانهزمت عامة قريش وثقيف حتى قال عبيد بن موهب مولى الحجاج وكاتبه فر البراء وابن عمه مصعب * وفرت قريش غير آل سعيد

[ 152 ]

ثم إنهم تزاحفوا في المحرم في آخره في اليوم الذى هزم فيه أهل العراق أهل الشام فنكصت ميمنتهم وميسرتهم واضطربت رماحهم وتقوض صفهم حتى دنوا منا فلما رأى الحجاج ذلك جثا على ركبتيه وانتضى نحوا من شبر من سيفه وقال لله در مصعب ما كان أكرمه حين نزل به ما نزل فعلمت أنه والله لا يريد أن يفر قال فغمزت أبى بعينى ليأذن لى فيه فأضربه بسيفي فغمزني غمزة شديدة فسكنت وحانت منى التفاتة فإذا سفيان بن الابرد الكلبى قد حمل عليهم فهزمهم من قبل الميمنة فقلت أبشر أيها الامير فإن الله قد هزم العدو فقال لى قم فانظر قال فقمت فنظرت فقلت قد هزمهم الله قال قم يا زياد فانظر قال فقام فنظر فقال الحق أصلحك الله يقينا قد هزموا فخر ساجدا فلما رجعت شتمنى أبى وقال أردت أن تهلكني وأهل بيتى وقتل في المعركة عبد الرحمن بن عوسجة أبو سفيان النهمى وقتل عقبة بن عبد الغافر الازدي ثم الجهضمى في أولئك القراء في ربضة واحدة وقتل عبد الله بن رزام الحارثى وقتل المنذر بن الجارود وقتل عبد الله ابن عامر بن مسمع وأتى الحجاج برأسه فقال ما كنت أرى هذا فارقني حتى جاءني الآن برأسه وبارز سعيد بن يحيى بن سعيد بن العاص رجلا يومئذ فقتله وزعموا أنه كان مولى للمفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان شجاعا يدعى نصيرا فلما رأى مشيته بين الصفين وكان يلومه على مشيته قال لا ألومه على هذه المشية أبدا وقتل الطفيل بن عامر بن واثلة وقد كان قال وهو بفارس يقبل مع عبد الرحمن بن كرمان إلى الحجاج ألا طرقتنا بالغريين بعد ما * كللنا على شحط المزار جنوب أتوك يقودون المنايا وإنما * هدتها بأولانا إليك ذنوب ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له * من الله في دار القرار نصيب ألا أبلغ الحجاج أن قد أظله * عذاب بأيدى المؤمنين مصيب متى نهبط المصرين يهرب محمد * وليس بمنجى ابن اللعين هروب قال منيتنا أمرا كان في علم الله إنك أولى به فعجل لك في الدنيا وهو معذبك

[ 153 ]

في الآخرة وانهزم الناس فأقبل عبد الرحمن نحو الكوفة وتبعه من كان معه من أهل الكوفة وتبعه أهل القوة من أصحاب الخيل من أهل البصرة ولما مضى عبد الرحمن نحو الكوفة وثب أهل البصرة إلى عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه فقاتل بهم خمس ليال الحجاج أشد قتال رآه الناس ثم انصرف فلحق بابن الاشعث وتبعه طائفة من أهل البصرة فلحقوا به وخرج الحريش بن هلال السعدى وهو من بنى أنف الناقة وكان جريحا إلى سفوان فمات من جراحته وقتل في المعركة زياد بن مقاتل بن مسمع من بنى قيس ابن ثعلبة فقامت حميدة ابنته تندبه وكان على خمس بكر بن وائل مع ابن الاشعث وعلى الرجال فقالت حامى زياد على رايتيه * وفر جدى بنى العنبر فجاء البلتع السعدى فسمعها وهى تندب أباها وتعيب التميمي فجاء وكان يبيع سمنا بالمربد فترك سمنه عند أصحابه وجاء حتى قام تحتها فقال علام تلومين من لم يلم * تطاول ليلك من معصر فإن كان أردى أباك السنان * فقد تلحق الخيل بالمدبر وقد تنطح الخيل تحت العجا * ج غير البرى ولا المعذر ونحن منعنا لواء الحري‍ * ش وطاح لواء بنى جحدر فقال عامر بن واثلة يرثى ابنه طفيلا خلى طفيل على الهم فانشعبا * وهد ذلك ركني هدة عجبا وابنى سمية لا أنساهما أبدا * فيمن نسيت وكل كان لى نصبا وأخط تنى المنايا لا تطالعني * حتى كبرت ولم يتركن لى نشبا وكنت بعد طفيل كالذى نضبت * عنه المياه وغاض الماء فانقضبا فلا بعير له في الارض يركبه * وإن سعى إثر من قد فاته لغبا وسار من أرض خاقان التى غلبت * أبناء فارس في أربائها غلبا ومن سجستان أسباب تزينها * لك المنية حينا كان مجتلبا

[ 154 ]

حتى وردت حياض الموت فانكشفت * عنك الكتائب لا تخفى لها عقبا وغادروك صريعا رهن معركة * ترى النسور على القتلى بها عصبا تعاهدوا ثم لم يوفوا بما عهدوا * وأسلموا للعدو السبى والسلبا يا سوءة القوم إذ تسبى نساؤهم * وهم كثير يرون الخزى والحربا (قال أبو مخنف) فحدثني هشام بن أيوب بن عبد الرحمن بن أبى عقيل الثقفى أن الحجاج أقام بقية المحرم وأول صفر ثم استعمل على البصرة أيوب بن الحكم ابن أبى عقيل ومضى ابن الاشعث إلى الكوفة وقد كان الحجاج خلف عبد الرحمن ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي حليف حرب بن أمية على الكوفة (قال أبو مخنف) كما حدثنى يونس بن أبى اسحاق أنه كان على أربعة آلاف من أهل الشأم (قال أبو مخنف) فحدثني سهم بن عبد الرحمن الجهنى أنهم كانوا ألفين وكان حنظلة بن الوراد من بنى رياح بن يربوع التميمي وابن عتاب بن ورقاء على المدائن وكان مطر بن ناجية من بنى يربوع على المعونة فلما بلغه ما كان من أمر ابن الاشعث أقبل حتى دنا من الكوفة فتحصن منه ابن الحضرمي في القصر ووثب أهل الكوفة مع مطر بن ناجية بابن الحضرمي ومن معه من أهل الشأم فحاصرهم فصالحوه على ان يخرجوا ويخلوه والقصر فصالحهم (قال أبو مخنف) فحدثني يونس بن أبى اسحاق أنه رآهم ينزلون من القصر على العجل وفتح باب القصر لمطر بن ناجية فازدحم الناس على باب القصر فزحم مطر على باب القصر فاخترط سيفه فضرب به جحفلة بغل من بغال أهل الشأم وهم يخرجون من القصر فألقى جحفلته ودخل القصر واجتمع الناس عليه فأعطاهم مائتي درهم قال يونس وأنا رأيتها تقسم بينهم وكان أبو السقر فيمن أعطيها وأقبل ابن الاشعث منهزما إلى الكوفة وتبعه الناس إليها (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة كانت وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الاشعث في قول بعضهم قال الواقدي كانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة وفى قول بعضهم كانت في سنة 83

[ 155 ]

ذكر الخبر عن ذلك وعن سبب مصير ابن الاشعث إلى دير الجماجم وذكر ما جرى بينه وبين الحجاج بها (ذكر هشام) عن أبى مخنف قال حدثنى أبو الزبير الهمداني ثم الارحبي قال كنت قد أصابتني جراحة وخرج أهل الكوفة يستقبلون ابن الاشعث حين أقبل فاستقبلوه بعد ما جاز قنطرة زبارا فلما دنا منها قال لى إن رأيت أن تعدل عن الطريق فلا يرى الناس جراحتك فإنى لا أحب أن يستقبلهم الجرحى فافعل فعدلت ودخل الناس فلما دخل الكوفة مال إليه أهل الكوفة كلهم وسبقت همدان إليه فحفت به عند دار عمرو بن حريث إلا أن طائفه من تميم ليسوا بالكثير قد أتوا مطر بن ناجية فأرادوا أن يقاتلوا دونه فلم يطيقوا قتال الناس فدعا عبد الرحمن بالسلاليم والعجل فوضعت ليصعد الناس القصر فصعد الناس القصر فأخذوه فأتى به عبد الرحمن بن محمد فقال له استبقني فانى أفضل فرسانك وأعظمهم عنك غنى فأمر به فحبس ثم دعا به بعد ذلك فعفا عنه وبايعه مطر ودخل الناس إليه فبايعوه وسقط إليه أهل البصرة وتقوضت إليه المسالح والثغور وجاءه فيمن جاءه من أهل البصرة عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وعرف بذلك وكان قد قاتل الحجاج بالبصرة بعد خروج ابن الاشعث ثلاثا فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فقال قاتل الله عبد الرحمن إنه قد فر وقاتل غلمان من غلمان قريش بعد ثلاثا وأقبل الحجاج من البصرة فسار في البر حتى مر بين القادسية والعذيب ومنعوه من نزول القادسية وبعث إليه عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من خيل المصرين فمنعوه من نزول القادسية ثم سايروه حتى ارتفعوه على وادى السباع ثم تسايروا حتى نزل الحجاج دير قرة ونزل عبد الرحمن بن العباس دير الجماجم ثم جاء ابن الاشعث فنزل بدير الجماجم والحجاج بدير قرة فكان الحجاج بعد ذلك يقول أما كان عبد الرحمن يزجر الطير حيث رأني نزلت دير قرة ونزل دير الجماجم واجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم والقراء

[ 156 ]

من أهل المصرين فاجتمعوا جميعا على حرب الحجاج وجمعهم عليه بغضهم والكراهية له وهم إذ ذاك مائة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء ومعهم مثلهم من مواليهم وجاءت الحجاج أيضا أمداده من قبل عبد الملك من قبل أن ينزل دير قرة وقد كان الحجاج أراد قبل أن ينزل دير قرة أن يرتفع إلى هيت وناحية الجزيرة إرادة أن يقترب من الشأم والجزيرة فيأتيه المدد من الشأم من قريب ويقترب من رفاغة سعر الجزيرة فلما مر بدير قرة قال بهذا المنزل بعد من أمير المؤمنين وإن الفلاليج وعين التمر إلى جنبنا فنزل فكان في عسكره مخندقا وابن محمد في عسكره مخندقا والناس يخرجون في كل يوم فيقتتلون فلا يزال أحدهما يدنى خندقه نحو صاحبه فإذا رآه الآخر خندق أيضا وأدنى خندقه من صاحبه واشتد القتال بينهم فلما بلغ ذلك رؤس قريش وأهل الشأم قبل عبد الملك ومواليه قالوا إن كان إنما يرضى أهل العراق أن تنزع عنهم الحجاج فإن نزع الحجاج أيسر من حرب أهل العراق فانزعه عنهم تخلص لك طاعتهم وتحقن به دماءنا ودماءهم فبعث ابنه عبد الله بن عبد الملك وبعث إلى أخيه محمد بن مروان بأرض الموصل يأمره بالقدوم عليه فاجتمعا جميعا عنده كلاهما في جنديهما فأمرهما أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجاج عنهم وأن يجرى عليهم أعطياتهم كما تجرى على أهل الشأم وأن ينزل ابن محمد أي بلد من عراق شاء يكون عليه واليا ما دام حيا وكان عبد الملك واليا فإن هم قبلوا ذلك عزل عنهم الحجاج وكان محمد بن مروان أمير العراق وإن أبوا أن يقبلوا فالحجاج أمير جماعة أهل الشأم وولى القتال ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته فلم يأت الحجاج أمر قط كان أشد عليه ولا أغيظ له ولا أوجع لقلبه منه مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم فكتب إلى عبد الملك يا أمير المؤمنين والله لئن أعطيت أهل العراق نزعى لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا اليك ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الاشتر على ابن عفان * فلما سألهم ما يريدون قالوا نزع سعيد بن العاص فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه إن الحديد بالحديد يفلح خار الله لك فيما ارتأيت والسلام عليك فأبى عبد الملك إلا عرض هذه

[ 157 ]

الخصال على أهل العراق إرادة العافية من الحرب فلما اجتمعا مع الحجاج خرج عبد الله بن عبد الملك فقال يا أهل العراق أنا عبد الله بن أمير المؤمنين وهو يعطيكم كذا وكذا فذكر هذه الخصال التى ذكرنا * وقال محمد بن مروان أنا رسول أمير المؤمنين اليكم وهو يعرض عليكم كذا وكذا فذكر هذه الخصال قالوا نرجع العشية فرجعوا فاجتمعوا عند ابن الاشعث فلم يبق قائد ولا رأس قوم ولا فارس إلا أتاه فحمد الله ابن الاشعث وأثنى عليه ثم قال أما بعد فقد أعطيتم أمرا انتهازكم اليوم إياه فرصة ولا آمن أن يكون على ذى الرأى غدا حسرة وإنكم اليوم على النصف وإن كانوا اعتدوا بالزاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزاء أقوياء والقوم لكم هائبون وأنتم لهم منتقصون فلا والله لا زلتم عليهم جراء ولا زلتم عندهم أعزاء إن أنتم قبلتم أبدا ما بقيتم فوثب الناس من كل جانب فقالوا إن الله قد أهلكهم فأصبحوا في الازل والضنك والمجاعة والقلة والذلة ونحن ذوو العدد الكثير والسعر الرفيع والمادة القريبة لا والله لا نقبل فأعادوا خلعه ثانية وكان عبد الله ابن ذواب السلمى وعمير بن تيحان أول من قام بخلعه في الجماجم وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من خلعهم إياه بفارس فرجع محمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك إلى الحجاج فقالا شأنك بعسكرك وجندك فاعمل برأيك فانا قد أمرنا أن نسمع لك ونطيع فقال قد قلت لكما إنه لا يراد بهذا الامر غيركما ثم قال إنما أقاتل لكما وإنما سلطاني سلطانكما فكانا إذا لقياه سلما عليه بالامرة وقد زعم أبو يزيد السكسكى أنه إنما كان أيضا يسلم عليهما بالامرة إذا لقيهما وخلياه والحرب تتولاها (قال أبو مخنف) فحدثني الكلبى محمد بن السائب أن الناس لما اجتمعوا بالجماجم سمعت عبد الرحمن ابن محمد وهو يقول ألا ان بنى مروان يعيرون بالزرقاء والله مالهم نسب أصح منه إلا أن بنى أبى العاص أعلاج من أهل صفورية فان يكن هذا الامر في قريش فعينى فقئت بيضة قريش وإن يك في العرب فأنا ابن الاشعث بن قيس ومد بها صوته يسمع الناس وبرزوا للقتال فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبى وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمى وعلى خيله سفيان بن الابرد الكلبى وعلى

[ 158 ]

رجاله عبد الرحمن بن حبيب الحكمى وجعل ابن الاشعث على ميمنته الحجاج ابن جارية الخثعمي وعلى ميسرته الابرد بن قرة التميمي وعلى خيله عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث الهاشمي وعلى رجاله محمد بن سعد بن أبى وقاص وعلى مجففته عبد الله رزام الحارثى وجعل على القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي وكان معه خمسة عشر رجلا من قريش وكان فيهم عامر الشعبى وسعيد بن جبير وأبو البخترى الطائى وعبد الرحمن بن أبى ليلى ثم إنهم أخذوا يتزاحفون في كل يوم ويقتتلون وأهل العراق تأتيهم موادهم من الكوفة ومن سوادها فيما شاؤا من خصبهم وإخوانهم من أهل البصرة وأهل الشأم في ضيق شديد قد غلقت عليهم الاسعار وقل عندهم الطعام وفقدوا اللحم وكانوا كأنهم في حصار وهم على ذلك يغادون أهل العراق ويراوحونهم فيقتتلون أشد القتال وكان الحجاج يدنى خندقه مرة وهؤلاء أخرى حتى كان اليوم الذى أصيب فيه جبلة بن زحر ثم إنه بعث إلى كميل بن زياد النخعي وكان رجلا ركينا وقورا عند الحرب له بأس وصوت في الناس وكانت كتيبته تدعى كتيبة القراء يحمل عليهم فلا يكادون يبرحون ويحملون فلا يكذبون فكانوا قد عرفوا بذلك فخرجوا ذات يوم كما كانوا يخرجون وخرج الناس فعبى الحجاج أصحابه ثم زحف في صفوفه وخرج ابن محمد في سبعة صفوف بعضها على أثر بعض وعبى الحجاج لكتيبة القراء التى مع جبلة بن زحر ثلاث كتائب وبعث عليها الجراح بن عبد الله الحكمى فأقبلوا نحوهم (قال أبو مخنف) حدثنى أبو يزيد السكسكى قال أنا والله في الخيل التى غبيت لجبلة بن زحر قال حملنا عليه وعلى أصحابه ثلاث حملات كل كتيبة تحمل حملة فلا والله ما استنقصنا منهم شيئا (وفى هذه السنة) توفى المغيرة بن المهلب بخراسان (ذكر على بن محمد) عن المفضل بن محمد قال كان المغيرة بن المهلب خليفة أبيه بمرو على عمله كله فمات في رجب سنة 82 فأتى الخبر يزيد وعلمه أهل العسكر فلم يخبروا المهلب وأحب يزيد أن يبلغه فأمر النساء فصرخن فقال المهلب ما هذا فقيل مات المغيرة فاسترجع وجزع حتى ظهر جزعه عليه فلامه بعض خاصته فدعا

[ 159 ]

يزيد فوجه إلى مرو فجعل يوصيه بما يعمل ودموعه تنحدر على لحيته وكتب الحجاج إلى المهلب يعزيه عن المغيرة وكان سيدا وكان المهلب يوم مات المغيرة مقيما بكش وراء النهر لحرب أهلها قال فسار يزيد في ستين فارسا ويقال سبعين فيهم مجاعة بن عبد الرحمن العتكى وعبد الله بن معمر بن سمير اليشكرى ودينار السجستاني والهيثم بن المنخل الجرموزى وغزوان الاسكاف صاحب زم وكان أسلم على يد المهلب وأبو محمد الزمى وعطية مولى لعتيك فلقيهم خمسمائة من الترك في مفازة نسف فقالوا ما أنتم قالوا تجار قالوا فأين الاثقال قالوا قدمناها قالوا فأعطونا شيئا فأبى يزيد فأعطاهم مجاعة ثوبا وكرابيس وقوسا فانصرفوا ثم غدروا وعادوا إليهم فقال يزيد أنا كنت أعلم بهم فقاتلوهم فاشتد القتال بينهم ويزيد على فرس قريب من الارض ومعه رجل من الخوارج كان يزيد أخذه فقال استبقني فمن عليه فقال له ما عندك فحمل عليهم حتى خالطهم وصار من ورائهم وقد قتل رجلا ثم كر فخالطهم حتى تقدمهم وقتل رجلا ثم رجع إلى يزيد وقتل يزيد عظيما من عظمائهم ورمى يزيد في ساقه واشتدت شوكتهم وهرب أبو محمد الزمى وصبر لهم يزيد حتى حاجزوهم وقالوا قد غدرنا ولكن لاننصرف حتى نموت جميعا أو تموتوا أو تعطونا شيئا فحلف يزيد لا يعطيهم شيئا فقال مجاعة أذكرك الله قد هلك المغيرة وقد رأيت ما دخل على المهلب من مصابه فأنشدك الله أن تصاب اليوم قال إن المغيرة لم يعد أجله ولست أعدو أجلى فرمى إليهم مجاعة بعمامة صفراء فأخذوها وانصرفوا وجاء أبو محمد الزمى بفوارس وطعام فقال له يزيد أسلمتنا يا أبا محمد فقال إنما ذهبت لا جيئكم بمدد وطعام فقال الراجز يزيد يا سيف أبى سعيد * قد علم الاقوام والجنود والجمع يوم المجمع المشهود * أنك يوم الترك صلب العود وقال الاشقري: والترك تعلم إذ لاقى جموعهم * أن قد لقوه شهابا يفرج الظلما بفتية كأسود الغاب لم يجدوا * غير التأسي وغير الصبر معتصما

[ 160 ]

نرى شرائج تغشى القوم من علق * وما أرى نبوة منهم ولا كزما وتحتهم قرح يركبن ما ركبوا * من الكريهة حتى يبتلعن دما في حازة الموت حتى جن ليلهم * كلا الفريقين ما ولى ولا انهزما (وفى هذه السنة) صالح المهلب أهل كش على فدية ورحل عنها يريد مرو ذكر الخبر عن سبب انصراف المهلب عن كش ذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد أن المهلب اتهم قوما من مضر فحبسهم وقفل من كش وخلفهم وخلف حريث بن قطبة مولى خزاعة وقال إذا استوفيت الفدية فرد عليهم الرهن وقطع النهر * فلما صار ببلخ أقام بها وكتب إلى حريث إن لست آمن إن رددت عليهم الرهن أن يغيروا عليك فإذا قبضت الفدية فلا تخلى الرهن حتى تقدم أرض بلخ فقال حريث لملك كش إن المهلب كتب إلى أن احبس الرهن حتى أقدم أرض بلخ فإن عجلت لى ما عليك سلمت إليك رهائنك وسرت فأخبرته أن كتابه ورد وقد استوفيت ما عليكم ورددت عليكم الرهن فعجل لهم صلحهم ورد عليهم من كان في أيديهم منهم وأقبل فعرض لهم الترك فقالوا افسد نفسك ومن معك فقد لقينا يزيد بن المهلب ففدى نفسه فقال حريث ولدتني إذا أم يزيد وقاتلهم فقتلهم وأسر منهم أسرى ففدوهم فمن عليهم وخلاهم ورد عليهم الفداء وبلغ المهلب قوله ولدتني أم يزيد إذا فقال يأنف العبد أن تلده رحمه وغضب * فلما قدم عليه بلخ قال له أين الرهن قال قبضت ما عليهم وخليتهم قال ألم أكتب اليك أن لا تخليهم قال أتانى كتابك وقد خليتهم وقد كفيت ما خفت قال كذبت ولكنك تقربت إليهم وإلى ملكهم فأطلعته على كتابي اليك وأمر بتجريده فجزع من التجريد حتى ظن المهلب أن به برصا فجرده وضربه ثلاثين سوطا فقال حريث وددت أنه ضربني ثلاثمائة سوط ولم يجردنى أنفا واستحياء من التجريد وحلف ليقتلن المهلب فركب المهلب يوما وركب حريث فأمر غلامين له وهو يسير خلف المهلب أن يضرباه فأبى أحدهما وتركه وانصرف ولم يجترئ الآخر لما صار وحده أن يقدم عليه فلما رجع قال لغلامه ما منعك

[ 161 ]

منه قال الاشفاق والله عليك ووالله ما جزعت على نفسي وعلمت أنا إن قتلناه أنك ستقتل ونقتل ولكن كان نظرى لك ولو كنت أعلم أنك تسلم من القتل لقتلته قال فترك حريث إتيان المهلب وأظهر أنه وجع وبلغ المهلب أنه تمارض وأنه يريد الفتك به فقال المهلب لثابت بن قطبة جئني بأخيك فإنما هو كبعض ولدى عندي وما كان ما كان منى إليه إلا نظرا له وأدبا ولربما ضربت بعض ولدى أؤدبه فأتى ثابت أخاه فناشده وسأله أن يركب إلى المهلب فأبى وخافه وقال والله لا أجيئه بعد ما صنع بى ما صنع ولا آمنه ولا يأمننى فلما رأى ذلك أخوه ثابت قال له أما إن كان هذا رأيك فاخرج بنا إلى موسى بن عبد الله بن خازم وخاف ثابت أن يفتك حريث بالمهلب فيقتلون جميعا فخرجا في ثلثمائة من شاكريتهما والمنقطعين اليهما من العرب (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة توفى المهلب بن أبى صفرة ذكر الخبر عن سبب موته ومكان وفاته قال على بن محمد حدثنى المفضل قال مضى المهلب منصرفه من كش يريد مرو فلما كان بزاغول من مرو الروذ أصابته الشوصة وقوم يقولون الشوكة فدعا حبيبا ومن حضره من ولده ودعا بسهام فحزمت وقال أترونكم كاسريها مجتمعة قالوا لا قال أفترونكم كاسريها متفرقة قالوا نعم قال فهكذا الجماعة فأوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم فإن صلة الرحم تنسئ في الاجل وتثرى المال وتكثر العدد وأنهاكم عن القطيعة فإن القطيعة تعقب النار وتورث الذلة والقلة فتحابوا وتواصلوا وأجمعوا أمركم ولا تختلفوا وتباروا تجتمع أموركم إن بنى الام يختلفون فكيف ببنى العلات وعليكم بالطاعة والجماعة وليكن فعالكم أفضل من قولكم فإنى أحب للرجل أن يكون لعمله فضل على لسانه واتقوا الجواب وزلة اللسان فان الرجل تزل قدمه فينتعش من زلته ويزل لسانه فيهلك اعرفوا لمن يغشاكم حقه فكفى بغدو الرجل ورواحه إليكم تذكرة له وآثروا الجود على البخل وأحبوا العرب واصطنعوا العرف فإن الرجل من العرب تعده العدة

[ 162 ]

فيموت دونك فكيف الصنيعة عند عليكم في الحرب بالاناة والمكيدة فإنها أنفع في الحرب من الشجاعة وإذا كان اللقاء نزل القضاء فإن أخذ رجل بالحزم فظهر على عدوه قيل أتى الامر من وجهه ثم ظفر فحمد وإن لم يظفر بعد الاناة قيل ما فرط ولا ضيع ولكن القضاء غالب وعليكم بقراءة القرآن وتعليم السنن وأدب الصالحين وإياكم والخفة وكثرة الكلام في مجالسكم وقد استخلفت عليكم يزيد وجعلت حبيبا على الجند حتى يقدم بهم على يزيد فلا تخالفوا يزيد فقال له المفضل لو لم تقدمه لقدمناه ومات المهلب وأوصى إلى حبيب فصلى عليه حبيب ثم سار إلى مرو وكتب يزيد إلى عبد الملك بوفاة المهلب واستخلافه إياه فاقره الحجاج ويقال إنه قال عند موته ووصيته لو كان الامر إلى لوليت سيد ولدى حبيبا قال وتوفى في ذى الحجة سنة 82 فقال نهار بن توسعة التميمي: ألا ذهب الغزو المقرب للغنى * ومات الندى والجود بعد المهلب أقاما بمرو الروذ رهني ضريحه * وقد غيبا عن كل شرق ومغرب إذا قيل أي الناس أولى بنعمة * على الناس قلناه ولم نتهيب أباح لنا سهل البلاد وحزنها * بخيل كإرسال القطا المتسرب يعرضها للطعن حتى كأنما * يجللها بالارجوان المخضب تطيف به قحطان قد عصبت به * وأحلافها من حى بكر وتغلب وحيا معد عوذ بلوائه * يفدونه بالنفس والام والاب (وفى هذه السنة) ولى الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب خراسان بعد موت المهلب (وفيها) عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة قال الواقدي عزله عنها لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة قال وفيها ولى عبد الملك هشام بن إسماعيل المخزومى المدينة وعزل هشام بن إسماعيل عن قضاء المدينة لما وليها نوفل بن مساحق العامري وكان يحيى بن الحكم هو الذى استقضاه على المدينة * فلما عزل يحيى ووليها أبان بن عثمان أفره على قضائها وكانت ولاية أبان المدينة سبع سنين وثلاثة أشهر وثلاث عشرة ليلة فلما عزل هشام بن إسماعيل نوفل بن مساحق عن

[ 163 ]

القضاء ولى مكانه عمرو بن خالد الزرقى (وحج) بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان على الكوفة والبصرة والمشرق الحجاج وعلى خراسان يزيد بن المهلب من قبل الحجاج ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ذكر الاحداث التى كانت فيها فما كان فيها من ذلك هزيمة عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث بدير الجماجم ذكر الخبر عن سبب انهزامه ذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى أبو الزبير الهمداني قال كنت في خيل جبلة بن زحل * فلما حمل عليه أهل الشأم مرة بعد مرة نادانا عبد الرحمن ابن أبى ليلى الفقيه فقال يا معشر القراء إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم إنى سمعت عليا رفع الله درجته في الصالحين وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصديقين يقول يوم لقينا أهل الشأم أيها المؤمنون إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ ومن أنكر بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه ومن أنكر بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذى أصاب سبيل الهدى ونور في قلبه باليقين فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه وقال أبو البخترى أيها الناس قاتلوهم على دينكم ودنياكم فو الله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم وليغلبن على دنياكم وقال الشعبى يا أهل الاسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم فو الله ما أعلم قوما على بسيط الارض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم الحكم فليكن بهم البدار وقال سعيد بن جبير قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين وعلى آثامهم قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة (قال أبو مخنف) قال أبو الزبير فتهيأنا

[ 164 ]

للحملة عليهم فقال لنا جبلة إذا حملتم عليهم فاحملوا حملة صادقة ولا تردوا وجوهكم عنهم حتى تواقعوا صفهم قال فحملنا عليهم حملة بجد منا في قتالهم وقوة منا عليهم فضربنا الكتائب الثلاث حتى اشفترت ثم مضينا حتى واقعنا صفهم فضربناهم حتى أزلناهم عنه ثم انصرفنا فمررنا بجبلة صريعا لا ندرى كيف قتل قال فهدنا ذلك وجبنا فوقفنا موقفنا الذى كنابه وإن قراءنا لمتوافرون ونحن نتناعى جبلة بن زحر بيننا كأنما فقد به كل واحد منا أباه أو أخاه بل هو في ذلك الموطن كان أشد علينا فقدا فقال لنا أبو البخترى الطائى لا يستبيتن فيكم قتل جبلة بن زحر فانما كان كرجل منكم أتته منيته ليومها فلم يكن ليتقدم يومه ولا ليتأخر عنه وكلكم ذائق ما ذاق ومدعو فمجيب قال فنظرت إلى وجوه القراء فإذا الكآبة على وجوههم بينة وإذا ألسنتهم منقطعة وإذا الفشل فيهم قد ظهر وإذا أهل الشأم قد سروا وجذلوا فنادوا يا أعداء الله قد هلكتم وقد قتل الله طاغوتكم (قال أبو مخنف) فحدثني أبو يزيد السكسكى أن جبلة حين حمل هو وأصحابه علينا انكشفنا وتبعونا وافترقت منا فرقة فكانت ناحية فنظرنا فإذا أصحابه يتبعون أصحابنا وقد وقف لاصحابه ليرجعوا إليه على رأس رهوة فقال بعضنا هذا والله جبلة بن زحرا حملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيل بالقتال عنه لعلكم تصيبونه قال فحملنا عليه فأشهد ما ولى ولكن حمل علينا بالسيف * فلما هبط من الرهوة شجرناه بالرماح فأذريناه عن فرسه فوقع قتيلا ورجع أصحابه فلما رأيناهم مقبلين تنحينا عنهم فلما رأوه قتيلا رأينا من استرجاعهم وجزعهم ما قرت به أعيننا قال فتبينا ذلك في قتالهم إيانا وخروجهم الينا (قال أبو مخنف) حدثنى سهم بن عبد الرحمن الجهنى قال لما أصيب جبلة هد الناس مقتله حتى قدم علينا بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني فشجع الناس مقدمه وقالوا هذا يقوم مقام جبلة فسمع هذا القول من بعضهم أبو البخترى فقال قبحتم إن قتل منكم رجل واحد ظننتم أن قد أحيط بكم فان قتل الان ابن مصقلة ألقيتم بأيديكم إلى التهلكة وقلتم لم يبق أحد يقاتل معه ما أخلقكم أن يخلف رجاؤنا فيكم وكان مقدم بسطام من الرى فالتقى هو وقتيبة

[ 165 ]

في الطريق فدعاه قتيبة إلى الحجاج وأهل الشأم ودعاه بسطام إلى عبد الرحمن وأهل العراق فكلا هما أبى على صاحبه وقال بسطام لان أموت مع أهل العراق أحب إلى من أن أعيش مع أهل الشأم وكان قد نزل ما سبذان فلما قدم قال لابن محمد أمرنى على خيل ربيعة ففعل فقال لهم يا معشر ربيعة إن في شر سفة عند الحرب فاحتملوها لى وكان شجاعا فخرج الناس ذات يوم ليقتتلوا فحمل في خيل ربيعة حتى دخل عسكرهم فأصابوا فيهم نحوا من ثلاثين امرأة من بين أمة وسرية فأقبل بهن حتى إذا دنا من عسكره ردهن فجئن دخلن عسكر الحجاج فقال أولى لهم منع القوم نساءهم أما لو لم يردوهن لسبيت نساؤهم غدا إذا ظهرت ثم اقتتلوا يوما آخر بعد ذلك فحمل عبد الله بن مليل الهمداني في خيل له حتى دخل عسكرهم فسبا ثمانى عشرة امرأة وكان معه طارق بن عبد الله الاسدي وكان راميا فخرج شيخ من أهل الشأم من فسطاطه فأخذ الاسدي يقول لبعض أصحابه استر مني هذا الشيخ لعلنى أرميه أو أحمل عليه فأطعنه فإذا الشيخ يقول رافعا صوته اللهم لمنا وإياهم بعافية فقال الاسدي ما أحب أن أقتل مثل هذا فتركه وأقبل ابن مليل بالنساء غير بعيد ثم خلى سبيلهن أيضا فقال الحجاج مثل مقالته الاولى (قال هشام) قال أبى أقبل الوليد بن نحيت الكلبى من بنى عامر في كتيبة إلى جبلة بن زحر فانحط عليه الوليد من رابية وكان جسيما وكان جبلة رجلا ربعة فالتقيا فضربه على رأسه فسقط وانهزم أصحابه وجئ برأسه (قال هشام) فحدثني بهذا الحديث أبو مخنف وعوانة الكلبى قال لما جئ برأس جبلة بن زحر إلى الحجاج حمله على رمحين ثم قال يا أهل الشأم أبشروا هذا أول الفتح لا والله ما كانت فتنة قط فخبت حتى يقتل فيها عظيم من عظماء أهل اليمن وهذا من عظمائهم ثم خرجوا ذات يوم فخرج رجل من أهل الشأم يدعو إلى المبارزة فخرج إليه الحجاج بن جارية فحمل عليه فطعنه فأذراه وحمل أصحابه فاستنقذوه فإذا هو رجل من خثعم يقال له أبو الدرداء فقال الحجاج بن جارية أما إنى لم أعرفه حتى وقع ولو عرفته ما بارزته ما أحب أن يصاب من قومي مثله وخرج عبد الرحمن بن عوف الرؤاسى أبو حميد فدعا إلى المبارزة فخرج إليه ابن عم

[ 166 ]

له من أهل الشأم فاضطر بابسيفيهما فقال كل واحد منهما أنا الغلام الكلابي فقال كل واحد منهما لصاحبه من أنت فلما تساء لا تحاجزا وخرج عبد الله بن رزام الحارثى إلى كتيبة الحجاج فقال أخرجوا إلى رجلا رجلا فأخرج إليه رجل فقتله ثم فعل ذلك ثلاثة أيام يقتل كل يوم رجلا حتى إذا كان اليوم الرابع أقبل فقالوا قد جاء لا جاء الله به فدعا إلى المبارزة فقال الحجاج للجراح اخرج إليه فخرج إليه فقال له عبد الله بن رزام وكان له صديقا ويحك يا جراح ما أخرجك إلى قال قد ابتليت بك قال فهل لك في خير قال ما هو قال أنهزم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وحمدك وأما أنا فإنى أحتمل مقالة الناس في انهزامي عنك حبا لسلامتك فإنى لا أحب أن أقتل من قومي مثلك قال فافعل فحمل عليه فأخذ يستطرد له وكان الحارثى قد قطعت لهاته وكان يعطش كثيرا وكان معه غلام له معه إداوة من ماء فكلما عطش سقاه الغلام فاطرد له الحارثى وحمل عليه الجراح حملة بجد لا يريد إلا قتله فصاح به غلامه إن الرجل جاد في قتلك فعطف عليه فضربه بالعمود على رأسه فصرعه فقال لغلامه انضح على وجهه من ماء الاداوة واسقه ففعل ذلك به فقال يا جراح بئس ما جزيتني أردت بك أردت بك العافية وأردت أن تزيرنى المنية فقال لم أرد ذلك فقال انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة (قال محمد بن عمر الواقدي) حدثنى ابن أبى سبرة عن صالح بن كيسان قال قال سعيد الحرشى أنا في صف القتال يومئذ إذ خرج رجل من أهل العراق يقال له قدامة بن الحريش التميمي فوقف بين الصفين فقال يا معشر جرا مقة أهل الشأم إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله فإن أبيتم فليخرج إلى رجل فخرج إليه رجل من أهل الشأم فقتله حتى قتل أربعة فلما رأى ذلك الحجاج أمر مناديا فنادى لا يخرج إلى هذا الكلب أحد قال فكف الناس قال سعيد الحرشى فدنوت من الحجاج فقلت أصلح الله الامير إنك رأيت أن لا يخرج إلى هذا الكلب أحد وإنما هلك من هلك من هؤلاء النفر بآجالهم ولهذا الرجل أجل وأرجو أن يكون قد حضر فأذن لاصحابي الذين قدموا معى فليخرج إليه رجل منهم فقال الحجاج إن هذا الكلب

[ 167 ]

لم يزل هذا له عادة وقد أرعب الناس وقد أذنت لاصحابك فمن أحب أن يقوم فليقم فرجع سعيد الحرشى إلى أصحابه فأعلمهم فلما نادى ذلك الرجل بالبراز برز إليه رجل من أصحاب الحرشى فقتله قدامة فشق ذلك على سعيد وثقل عليه لكلامه الحجاج ثم نادى قدامة من يبارز فدنا سعيد من الحجاج فقال أصلح الله الامير ائذن لى في الخروج إلى هذا الكلب فقال وعندك ذلك قال سعيد نعم أنا كما تحب فقال الحجاج أرنى سيفك فأعطاه إياه فقال الحجاج معى سيف أثقل من هذا فأمر له بالسيف فأعطاه إياه فقال الحجاج ونظر إلى سعيد فقال ما أجود درعك وأقوى فرسك ولا أدرى كيف تكون مع هذا الكلب قال سعيد أرجو أن يظفرني الله به قال الحجاج اخرج على بركة الله قال سعيد فخرجت إليه فلما دنوت منه قال قف يا عدو الله فوقفت فسرني ذلك منه فقال اختر إما أن تمكنني فأضربك ثلاثا وإما أن أمكنك فتضربني ثلاثا ثم تمكنني قلت أمكنى فوضع صدره على قربوسه ثم قال اضرب فجمعت يدى على سيفى ثم ضربت على المغفر متمكنا فلم يصنع شيئا فساءنى ذلك من سيفى ومن ضربتي ثم أجمع رأيى أن أضربه على أصل العاتق فأما أن أقطع وإما أن أو هن يده عن ضربته فضربته فلم أصنع شيئا فساءنى ذلك ومن غاب عنى ممن هو في ناحية العسكر حين بلغه ما فعلت والثالثه كذلك ثم اخترط سيفا ثم قال أمكنى فامكنته فضربني ضربه صرعني منها ثم نزل عن فرسه وجلس على صدري وانتزع من خفيه خنجرا أو سكينا فوضعها على حلقى يريد ذبحى فقلت له أنشدك الله فانك لست مصيبا من قتلى الشرف والذكر مثل ما أنت مصيب من تركي قال ومن أنت قلت سعيد الحرشى قال أولى يا عدو الله فانطلق فأعلم صاحبك ما لقيت قال سعيد فانطلقت أسعى حتى انتهيت إلى الحجاج فقال كيف رأيت فقلت الامير كان أعلم بالامر (رجع الحديث) إلى حديث أبى مخنف عن أبى يزيد قال وكان أبو البخترى الطائى وسعيد بن جبير يقولان ما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله كتابا مؤجلا إلى آخر الاية ثم يحملان حتى يواقعا الصف (قال أبو المخارق) قاتلناهم مائة يوم سواء أعدها عدا قال نزلنا دير الجماجم مع ابن محمد

[ 168 ]

غداة الثلاثاء لليلة مضت من شهر بيع الاول سنة 83 وهزمنا يوم الاربعاء لا ربع عشرة مضت من جمادى الاخرة عند امتداد الضحى ومتوع النهار وما كنا قط أجرأ عليهم ولاهم أهون علينا منهم في ذلك اليوم قال خرجنا إليهم وخرجوا إلينا يوم الاربعاء لاربع عشرة مضت من جمادى الاخرة فقاتلناهم عامة النهار أحسن قتال قاتلناهموه قط ونحن آمنون من الهزيمة عالون للقوم إذ خرج سفيان بن الابرد الكلبى في الخيل من قبل ميمنة أصحابه حتى دنا من الابرد بن قرة التميمي وهو على ميسرة عبد الرحمن بن محمد فو الله ما قاتله كبير قتال حتى انهزم فأنكرها الناس منه وكان شجاعا ولم يكن الفرار له بعادة فظن الناس أنه قد كان أو من وصولح على أن ينهزم بالناس فلما فعلها تقوضت الصفوف من نحوه وركب الناس وجوههم وأخذوا في كل وجه وصعد عبد الرحمن بن محمد المنبر فأخذ ينادى الناس عباد الله إلى أنا ابن محمد فأتاه عبد الله بن رزام الحارثى فوقف تحت منبره وجاء عبد الله بن ذؤاب السلمى في خيل له فوقف منه قريبا وثبت حتى دنا منه أهل الشأم فأخذت نبلهم تحوزه فقال يا ابن رزام احمل على هذه الرجال والخيل فحمل عليهم حتى أمعنوا ثم جاءت خيل لهم أخرى ورجالة فقال احمل عليهم يا ابن ذؤاب فحمل عليهم حتى أمعنوا وثبت لا يبرح منبره ودخل أهل الشأم العسكر فكبروا فصعد إليه عبد الله بن يزيد بن المغفل الازدي وكانت مليكة ابنة أخيه امرأة عبد الرحمن فقال انزل فانى أخاف عليك ان لم تنزل أن تؤسر ولعلك إن انصرفت أن تجمع لهم جمعا يهلكهم الله به بعد اليوم فنزل وخلى أهل العراق العسكر وانهزموا لا يلوون على شئ ومضى عبد الرحمن بن محمد مع ابن جعدة ابن هبيرة ومعه أناس من أهل بيته حتى إذا حاذوا قرية بنى جعدة بالفلوجة دعوا بمعبر فعبروا فيه فانتهى إليهم بسطام بن مصقلة فقال هل في السفينة عبد الرحمن ابن محمد فلم يكلموه وظن أنه فيهم فقال لا وألت نفس عليها تحاذر ضرم قيس على البلا * د حتى إذ اضطرمت أجذما ثم جاء حتى انتهى إلى بيته وعليه السلاح وهو على فرسه لم ينزل عنه فخرجت

[ 169 ]

إليه ابنته فالتزمها وخرج إليه أهله يبكون فأوصاهم بوصية وقال لا تبكوا أرأيتم ان لم أترككم كم عسيت أن أبقى معكم حتى أموت وإن أنامت فان الذى رزقكم الان حى لا يموت وسيرزقكم بعد وفاتي كما رزقكم في حياتي ثم ودع أهله وخرج من الكوفة (قال أبو مخنف) فحدثني الكلبى محمد بن السائب أنهم لما هزموا ارتفاع النهار حين امتد ومتع قال جئت أشتد ومعى الرمح والسيف والترس حتى بلغت أهلى من يومى ما ألقيت شيئا من سلاحي فقال الحجاج اتركوهم فليتبددوا ولا تتبعوهم ونادى المنادى من رجع فهو آمن ورجع محمد بن مروان إلى الموصل وعبد الله بن عبد الملك إلى الشأم بعد الوقعة وخليا الحجاج والعراق وجاء الحجاج حتى دخل الكوفة وأجلس مصقلة بن كرب بن رفبة العبدى إلى جنبه وكان خطيبا فقال اشتم كل امرئ بما فيه ممن كنا أحسنا إليه فاشتمه بقلة شكره ولؤم عهده ومن علمت منه عيبا فعبه بما فيه وصغر إليه نفسه وكان لا يبايعه أحد إلا قال له أتشهد انك قد كفرت فإذا قال نعم بايعه وإلا قتله فجاء إليه رجل من خثعم قد كان معتزلا للناس جميعا من وراء الفرات فسأله عز حاله فقال ما زلت معتزلا وراء هذه النطفة منتظرا أمر الناس حتى ظهرت فأتيتك لا بايعك مع الناس قال أمتربص أتشهد أنك كافر قال بئس الرجل أنا ان كنت عبدت الله ثمانين سنة ثم أشهد على نفسي بالكفر قال إذا أقتلك قال وان قتلتنى فو الله ما بقى من عمرى إلا ظم ء حمار وإنى لا ننظر الموت صباح مساء قال اضربوا عنقه فضربت عنقه فزعموا أنه لم يبق حوله قرشي ولا شأمى ولا أحد من الحزبين إلا رحمه ورثى له من القتل ودعا بكميل بن زياد النخعي فقال له أنت المقتص من عثمان أمير المؤمنين قد كنت أحب أن أجد عليك سبيلا فقال والله ما أدرى على أينا أنت أشد غضبا عليه حين أقاد من نفسه أم على حين عفوت عنه ثم قال أيها الرجل من ثقيف لا تصرف على أنيابك ولا تهدم على تهدم الكثيب ولا تكشر كشران الذئب والله ما بقى من عمرى إلا ظم ء الحمار فانه يشرب غدوة ويموت عشية ويشرب عشية ويموت غدوة اقض ما أنت قاض فان الموعد الله وبعد القتل

[ 170 ]

الحساب قال الحجاج فان الحجة عليك قال ذلك إن كان القضاء اليك قال بلى كنت فيمن قتل عثمان وخلعت أمير المؤمنين اقتلوه فقدم فقتل قتله أبو الجهم بن كنانة الكلبى من بنى عامر بن عوف ابن عم منصور بن جمهور وأتى بآخر من بعده فقال الحجاج انى أرى رجلا ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر فقال أخادعى عن نفسي أنا أكفر أهل الارض وأكفر من فرعون ذى الاوتاد فضحك الحجاج وخلى سبيله وأقام بالكوفة شهرا وعزل أهل الشأم عن بيوت أهل الكوفة (وفى هذه السنة) كانت الوقعة بمسكن بين الحجاج وابن الاشعث بعد ما انهزم من دير الجماجم ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وعن صفتها (قال هشام) حدثنى أبو مخنف عن أبى يزيد السكسكى قال خرج محمد بن سعد بن أبى وقاص بعد وقعة الجماجم حتى نزل المدائن واجتمع إليه ناس كثير وخرج عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشى حتى أتى البصرة وبها أيوب بن الحكم بن أبى عقيل ابن عم الحجاج فأخذها وخرج عبد الرحمن بن محمد حتى قدم البصرة وهو بها فاجتمع الناس إلى عبد الرحمن ونزل فأقبل عبيد الله حينئذ إلى ابن محمد بن الاشعث وقال له إنى لم أرد فراقك وانما أخذتها لك وخرج الحجاج فبدأ بالمدائن فأقام عليها خمسا حتى هيأ الرجال في المعابر فلما بلغ محمد بن سعد عبورهم إليهم خرجوا حتى لحقوا بابن الاشعث جميعا وأقبل نحوهم الحجاج فخرج الناس معه إلى مسكن على دجيل وأتاه أهل الكوفة والفلول من الاطراف وتلاوم الناس على الفرار وبايع أكثرهم بسطام بن مصقلة على الموت وخندق عبد الرحمن على أصحابه وبثق الماء من جانب فجعل القتال من وجه واحد وقدم عليه خالد بن جرير بن عبد الله القسرى من خراسان في ناس من بعث الكوفة فاقتتلوا خمس عشرة ليلة من شعبان أشد القتال حتى قتل زياد بن غنيم القينى وكان على مسالح الحجاج فهده ذلك وأصحابه هدا شديدا (قال أبو مخنف) حدثنى أبو جهضم الازدي قال بات الحجاج ليله كله يسير فينا يقول لنا إنكم أهل الطاعة وهم أهل المعصية وأنتم تسعون في رضوان الله وهم يسعون في

[ 171 ]

سخط الله وعادة الله عندكم فيهم حسنة ما صدقتموهم في موطن قط ولا صبرتم لهم الا أعقبكم الله النصر عليهم والظفر بهم فأصبحوا إليهم عادين جادين فانى لست أشك في النصر ان شاء الله قال فأصبحنا وقد عبأنا في السحر فباكرناهم فقاتلناهم أشد قتال قاتلناهموه قط وقد جاءنا عبد الملك بن المهلب محففا وقد كشفت خيل سفيان بن الابرد فقال له الحجاج ضم إليك يا عبد الملك هذا البشر لعلى أحمل عليهم ففعل وحمل الناس من كل جانب فانهزم أهل العراق أيضا وقتل أبو البخترى الطائى وعبد الرحمن بن أبى ليلى وقالا قبل أن يقتتلا إن الفرار كل ساعة بنا لقبيح فأصيبا قال ومشى بسطام بن مصقلة الشيباني في أربعة آلاف من أهل الحفاظ من أهل المصرين فكسروا جفون السيوف وقال لهم ابن مصقلة لو كنا إذا فررنا بأنفسنا من الموت نجونا منه فررنا ولكنا قد علمنا أنه نازل بنا عما قليل فأين المحيد عما لا بد منه يا قوم إنكم محقون فقاتلوا على الحق والله لو لم تكونوا على الحق لكان موت في عز خيرا من حياة في ذل فقاتل هو وأصحابه قتالا شديدا كشفوا فيه أهل الشأم مرارا حتى قال الحجاج على بالرماة لا يقاتلهم غيرهم فلما جاءتهم الرماة وأحاط بهم الناس من كل جانب قتلوا إلا قليلا وأخذ بكير ابن ربيعة بن أبى ثروان الضبى أسيرا فأتى به الحجاج فقتله (قال أبو مخنف) فحدثني أبو الجهضم قال جئت بأسير كان الحجاج يعرفه بالبأس فقال الحجاج يا أهل الشأم إنه من صنع الله لكم أن هذا غلام من الغلمان جاء بفارس أهل العراق أسيرا اضرب عنقه فقتله قال ومضى ابن الاشعث والفل من المنهزمين معه نحو سجستان فاتبعهم الحجاج عمارة بن تميم اللخمى ومعه ابنه محمد بن الحجاج وعمارة أمير على القوم فسار عمارة بن تميم إلى عبد الرحمن فأدركه بالسوس فقاتله ساعة من نهار ثم إنه انهزم هو وأصحابه فمضوا حتى أتوا سابور واجتمعت إلى عبد الرحمن بن محمد الاكراد مع من كان معه من الفلول فقاتلهم عمارة بن تميم قتالا شديدا على العقبة حتى جرح عمارة وكثير من أصحابه ثم انهزم عمارة وأصحابه وخلوا لهم عن العقبة ومضى عبد الرحمن حتى مر بكرمان (قال الواقدي) كانت

[ 172 ]

وقعة الزاوية بالبصرة في المحرم سنة 83 (قال أبو مخنف) حدثنى سيف بن بشر العجلى عن المنخل بن حابس العبدى قال لما دخل عبد الرحمن بن محمد كرمان تلقاه عمرو بن لقيط العبدى وكان عامله عليها فهيأ له نزلا فنزل فقال له شيخ من عبد القيس يقال له معقل والله لقد بلغنا عنك يا ابن الاشعث أن قد كنت جبانا فقال عبد الرحمن والله ما جبنت والله لقد دلفت الرجال بالرجال ولففت الخيل بالخيل ولقد قاتلت فارسا وقاتلت راحلا وما انهزمت ولا تركت العرصة للقوم في موطن حتى لا أجد مقاتلا ولا أرى معى مقاتلا ولكني زاولت ملكا مؤجلا ثم إنه مضى بمن معه حتى فوز في مفازة كرمان (قال أبو مخنف) فحدثني هشام ابن أيوب بن عبد الرحمن بن أبى عقيل الثقفى قال لما مضى ابن محمد في مفازة كرمان وأتبعه أهل الشأم دخل بعض أهل الشأم قصرا في المفازة فإذا فيه كتاب قد كتبه بعض أهل الكوفة من شعر أبى جلدة اليشكرى وهى قصيدة طويلة أيا لهفا ويا حزنا جميعا * ويا حر الفؤاد لما لقينا تركنا الدين والدنيا جميعا * وأسلمنا الحلائل والبنينا فما كنا أناسا أهل دين * فنصبر في البلاء إذا ابتلينا وما كنا أناسا أهل دنيا * فنمنعها ولو لم نرج دينا تركنا دورنا لطغام عك * وأنباط القرى والاشعرينا ثم إن ابن محمد مضى حتى خرج على زرنج مدينة سجستان وفيها رجل من بنى تميم قد كان عبد الرحمن استعمله عليها يقال له عبد الله بن عامر البعار من بنى مجاشع بن دارم فلما قدم عليه عبد الرحمن بن محمد منهزما أغلق باب المدينة دونه ومنعه دخولها فأقام عليها عبد الرحمن أيام رجاء افتتاحها ودخولها فلما رأى أنه لا يصل إليها خرج حتى أتى بست وقد كان استعمل عليها رجلا من بكر ابن وائل يقال له عياض بن هميان أبو هشام بن عياض السدوسى فاستقبله وقال له انزل فجاء حتى نزل به وانتظر حتى إذا غفل أصحاب عبد الرحمن وتفرقوا عنه وثب عليه فأوثقه وأراد أن يأمن بها عند الحجاج ويتخذ بها عنده مكانا وقد كان رتبيل

[ 173 ]

سمع بمقدم عبد الرحمن عليه فاستقبله في جنوده فجاء رتبيل حتى أحاط ببست ثم نزل وبعث إلى البكري والله لئن آذيته بما يقذى عينه أو ضررته ببعض المضرة أو رزأته حبلا من شعر لا أبرح العرصة حتى أستنزلك فأقتلك وجميع من معك ثم أسبى ذراريكم وأقسم بين الجند أموالكم فأرسل إليه البكري أن أعطنا أمانا على أنفسنا وأموالنا ونحن ندفعه إليك سالما وما كان له من مال موفرا فصالحهم على ذلك وآمنهم ففتحوا لابن الاشعث الباب وخلوا سبيله فأتى رتبيل فقال له إن هذا كان عاملي على هذه المدينة وكنت حيث وليته واثقابه مطمئنا إليه فغدر بي وركب منى ما قد رأيت فأذن لى في قتله قال قد آمنته وأكره أن أغدر به قال فأذن لى في دفعه ولهزه والتصغير به قال أما هذا فنعم ففعل به عبد الرحمن بن محمد ثم مضى حتى دخل مع رتبيل بلاده فأنزله رتبيل عنده وأكرمه وعظمه وكان معه ناس من الفل كثير ثم إن عظم الفلول وجماعة أصحاب عبد الرحمن ومن كان لا يرجو الامان من الرؤوس والقادة الذين نصبوا للحجاج في كل موطن مع ابن الاشعث ولم يقبلوا أمان الحجاج في أول مرة وجهدوا عليه الجهد كله أقبلوا في أثر ابن الاشعث وفى طلبه حتى سقطوا بسجستان فكان بها منهم وممن تبعهم من أهل سجستان وأهل البلد نحو من ستين ألفا ونزلوا على عبد الله بن عامر البعار فحصروه وكتبوا إلى عبد الرحمن يخبرونه بقدومهم وعددهم وجماعتهم وهو عند رتبيل وكان يصلى بهم عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فكتبوا إليه أن أقبل الينا لعلنا نسير إلى خراسان فان بها منا جندا عظيما فلعلهم يبايعوننا على قتال أهل الشأم وهى بلاد واسعة عريضة وبها الرجال والحصون فخرج إليهم عبد الرحمن ابن محمد بمن معه فحصروا عبد الله بن عامر البعار حتى استنزلوه فأمر به عبد الرحمن فضرب وعذب وحبس وأقبل نحوهم عمارة بن تمم في أهل الشأم فقال أصحاب عبد الرحمن بن محمد لعبد الرحمن اخرج بنا عن سجستان فلندعها له ونأتى خراسان فقال عبد الرحمن بن محمد على خراسان يزيد بن المهلب وهو شاب شجاع صارم وليس بتارك لكم سلطانه ولو دخلتموها

[ 174 ]

وجدتموه اليكم سريعا ولن يدع أهل الشأم اتباعكم فأكره أن يجتمع عليكم أهل خراسان وأهل الشأم وأخاف أن لا تنالوا ما تطلبون فقالوا إنما أهل خراسان منا ونحن نرجو أن لو قد دخلناها أن يكون من يتبعنا منهم أكثر ممن يقاتلنا وهى أرض طويلة عريضة ننتحى فيها حيث شئنا ونمكث حتى يهلك الله الحجاج أو عبد الملك أو نرى من رأينا فقال لهم عبد الرحمن سيروا على اسم الله فساروا حتى بلغوا هراة فلم يشعروا بشئ حتى خرج من عسكره عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة القرشى في ألقين ففارقه فأخذ طريقا سوى طريقهم فلما أصبح ابن محمد قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنى قد شهدتكم في هذه المواطن وليس فيها مشهد إلا أصبر لكم فيه نفسي حتى لا يبقى منكم فيه أحد فلما رأيت أنكم لا تقاتلون ولا تصبرون أتيت ملجأ ومأمنا فكنت فيه فجاءتني كتبكم بأن أقبل إلينا فإنا قد اجتمعنا وأمرنا واحد لعلنا نقاتل عدونا فأتيتكم فرأيت أن أمضى إلى خراسان وزعمتم أنكم مجتمعون لى وإنكم لن تفرقوا عنى ثم هذا عبيد الله بن عبد الرحمن قد صنع ما قدرأيتم فحسبي منكم يومى هذا فاصنعوا ما بدالكم أما أنا فمنصرف إلى صاحبي الذى أتيتكم من قبله فمن أحب منكم أن يتبعني فليتبعني ومكره ذلك فليذهب حيث أحب في عياذ من الله فتفرقت منهم طائفة ونزلت معه طائفة وبقى عظم العسكر فوثبوا إلى عبد الرحمن بن العباس لما انصرف عبد الرحمن فبايعوه ثم مضى ابن محمد إلى رتبيل ومضوا هم إلى خراسان حتى انتهوا إلى هراة فلقوا بها الرقاد الازدي من العتيك فقتلوه وسار إليهم يزيد ابن المهلب * وأما على بن محمد المدائني فإنه ذكر عن المفضل بن محمد أن ابن الاشعث لما انهزم من مسكن مضى إلى كابل وأن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة أتى هراة فذم ابن الاشعث وعابه بفراره وأتى عبد الرحمن بن عباس سجستان فانضم إليه فل ابن الاشعث فسار إلى خراسان في جمع يقال عشرين ألفا فنزل هراة ولقوا الرقاد بن عبيد العتكى فقتلوه وكان مع عبد الرحمن من عبد القيس عبد الرحمن بن المنذر بن الجارود فأرسل إليه يزيد بن المهلب قد كان لك في البلاد

[ 175 ]

متسع ومن هو أكل منى حدا وأهون شوكة فارتحل إلى بلد ليس لى فيه سلطان فانى أكره قتالك وإن أحببت أن أمدك بمال لسفرك أعنتك به فأرسل إليه ما نزلنا هذه البلاد لمحاربة ولا لمقام ولكنا أردنا أن نريح ثم نشخص إن شاء الله وليست بنا حاجة إلى ما عرضت فانصرف رسول يزيد إليه وأقبل الهاشمي على الجباية وبلغ يزيد فقال من أراد يريح ثم يجتاز لم يجب الخراج فقدم المفضل في أربعة آلاف ويقال في ستة آلاف ثم أتبعه في أربعة آلاف ووزن يزيد نفسه بسلاحه فكان أربعمائة رطل فقال ما أرانى إلا قد ثقلت عن الحرب أي فرس يحملنى ثم دعا بفرسه الكامل فركبه واستخلف على مر وخاله جديع بن يزيد وصير طريقه على مرر الروذ فأتى قبر أبيه فأقام عنده ثلاثة أيام وأعطى من معه مائة درهم مائة درهم ثم أتى هراة فأرسل إلى الهاشمي قد أرحت وأسمنت وجبيت فلك ما جبيت وإن أردت زيادة زدناك فاخرج فو الله ما أحب أن أقاتلك قال فأبى إلا القتال ومعه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة ودس الهاشمي إلى جند يزيد يمنيهم ويدعوهم إلى نفسه فأخبر بعضهم يزيد فقال جل الامر عن العتاب أتغدى بهذا قبل أن يتعشى بى فسار إليه حتى تدانى العسكران وتأهبوا للقتال وألقى ليزيد كرسى فقعد عليه وولى الحرب أخاه المفضل فأقبل رجل من أصحاب الهاشمي يقال له خليد عينين من عبد القيس على ظهر فرسه فرفع صوته فقال دعت يا يزيد بن المهلب دعوة * لها جزع ثم استهلت عيونها ولم يسمع الداعي النداء أجابها * بصم القنا والبيض تلقى جفونها وقد فرأشراف العراق وغادروا * بها بقرا للحين جما قرونها وأراد أن يحض يزيد فسكت يزيد طويلا حتى ظن الناس أن الشعر قد حركه ثم قال لرجل ناد وأسمعهم جشموهم ذلك فقال خليد لبئس المنادى والمنوه باسمه * تناديه أبكار العراق وعونها يزيد إذا يدعى ليوم حفيظة * ولا يمنع السوآت إلا حصونها فإنى أراه عن قليل بنفسه * يدان كما قد كان قبل يدينها

[ 176 ]

فلا حرة تبكيه لكن نوائح تبكى عليه البقع منها وجونها فقال يزيد للمفضل قدم خيلك فتقدم بها وتهايجوا فلم يكن بينهم كبير قتال حتى تفرق الناس عن عبد الرحمن وصبر وصبرت معه طائفة من أهل الحفاظ وصبر معه العبديون وحمل سعد بن نجد القردوسى على حليس الشيباني وهو إمام عبد الرحمن فطعنه حليس فأذراه عن فرسه وحماه أصحابه وكثرهم الناس فانكشفوا فأمر يزيد بالكف عن اتباعهم وأخذوا ما كان في عسكرهم وأسروا منهم أسرى فولى يزيد عطاء بن أبى السائب العسكر وأمره بضم ما كان فيه فأصابوا ثلاث عشرة امرأة فأتوا بهن يزيد فدفعهن إلى مرة بن عطاء بن أبى السائب فحملهن إلى الطبسين ثم حملهن إلى العراق وقال يزيد لسعد بن نجد من طعنك قال حليس الشيباني وأنا والله راجلا أشد منه وهو فارس قال فبلغ حليسا فقال كذب والله لانا أشد منه فارسا وراجلا وهرب عبد الرحمن بن منذر بن بشر بن حارثة فصار إلى موسى بن عبد الله بن خازم قال فكان في الاسرى محمد بن سعد بن أبى وقاص وعمرو بن موسى بن عبيد الله بن معمر وعياش بن الاسود بن عوف الزهري والهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة وفيروز حصين وأبو العلج مولى عبيد الله بن معمر ورجل من آل أبى عقيل وسوار بن مروان وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خلف وعبد الله بن فضالة الزهراني ولحق الهاشمي بالسند وأتى ابن سمرة مرو ثم انصرف يزيد إلى مرو وبعث بالاسرى إلى الحجاج مع سبرة بن نخف بن أبى صفرة وخلى عن ابن طلحة وعبد الله بن فضاله وسعى قوم بعبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة فأخذه يزيد فحبسه (وأما هشام) فانه ذكر أنه حدثه القاسم بن محمد الحضرمي عن حفص بن عمر بن قبيصة عن رجل من بنى حنيفة يقال له جابر بن عمارة أن يزيد بن المهلب حبس عنده عبد الرحمن بن طلحة وآمنه وكان الطلحى قد آلى على يمين أن لا يرى يزيد بن المهلب في موقف إلا أتاه حتى يقبل يده شكرا لما أبلاه قال وقال محمد بن سعد بن أبى وقاص ليزيد أسألك بدعوة أبى لابيك فخلى سبيله ولقول محمد بن سعد ليزيد أسألك بدعوة أبى لابيك

[ 177 ]

حديث فيه بعض الطول (قال هشام) حدثنى أبو مخنف قال حدثنى هشام بن أيوب ابن عبد الرحمن بن أبى عقيل الثقفى قال بعث يزيد بن المهلب ببقية الاسرى إلى الحجاج بن يوسف بعمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر فقال أنت صاحب شرطة عبد الرحمن فقال أصلح الله الامير كانت فتنة شملت البر والفاجر فدخلنا فيها فقد أمكنك الله منا فإن عفوت فبحلمك وفضلك وإن عاقبت عاقبت ظلمة مذنبين فقال الحجاج أما قولك إنها شملت البر والفاجر فكذبت ولكنها شملت الفجار وعوفى منها الابرار وأما اعترافك بذنبك فعسى أن ينفعك فعزل ورجا الناس له العافية حتى قدم بالهلقام بن نعيم فقال له الحجاج أخبرني عنك ما رجوت من اتباع عبد الرحمن بن محمد أرجوت أن يكون خليفة قال نعم رجوت ذلك وطمعت أن ينزلني منزلتك من عبد الملك قال فغضب الحجاج وقال اضربوا عنقه فقتل قال ونظر إلى عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر وقد نحى عنه فقال اضربوا عنقه وقتل بقيتهم وقد كان آمن عمرو بن أبى قرة الكندى ثم الحجرى وهو شريف وله بيت قديم فقال يا عمرو كنت تقضى إلى وتحدثني أنك ترغب عن ابن الاشعث وعن الاشعث قبله ثم تبعث عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث والله ما بك عن اتباعهم رغبة ولا نعمة عين لك ولا كرامة قال وكان الحجاج حين هزم الناس بالجماجم نادى مناديه من لحق بقتيبة بن مسلم بالرى فهو أمانه فلحق ناس كثير بقتيبة وكان فيمن لحق به عامر الشعبى فذكر الحجاج الشعبى يوما فقال أين هو وما فعل فقال له يزيد بن أبى مسلم بلغني أيها الامير أنه لحق بقتيبة بن مسلم بالرى قال فابعث إليه فلنؤت به فكتب الحجاج إلى قتيبة أما بعد فابعث إلى بالشعبي حين تنظر في كتابي هذا والسلام عليك فسرح إليه (قال أبو مخنف) فحدثني السرى بن اسماعيل عن الشعبى قال كنت لابن أبى مسلم صديقا فلما قدم بى على الحجاج لقيت ابن أبى مسلم فقلت أشر على قال ما أدرى ما أشير به عليك غير أن أعتذر ما استطعت من عذر وأشار بمثل ذلك على نصحائى وإخوانى فلما دخلت عليه رأيت والله غير ما رأوا لى فسلمت عليه بالامرة ثم قلت أيها الامير إن الناس قد أمروني أن

[ 178 ]

أعتذر إليك بغير ما يعلم الله أنه الحق وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا حقا قد والله سودنا عليك وحرضنا وجهدنا عليك كل الجهد فما آلونا فما كنا بالاقوياء الفجرة ولا الاتقياء البررة ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا فإن سطوت فبذنوبنا وما جرت إليه أيدينا وإن عفوت عنا فبحلمك وبعد الحجة لك علينا فقال له الحجاج أنت والله أحب إلى قولا ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول ما فعلت ولا شهدت قد أمنت عندنا يا شعبي فانصرف قال فانصرفت فلما مشيت قليلا قال هلم يا شعبى قال فوجل لذلك قلبى ثم ذكرت قوله قد أمنت يا شعبى فاطمأنت نفسي قال كيف وجدت الناس يا شعبي بعدنا قال وكان لى مكر ما فقلت أصلح الله الامير اكتحلت والله بعدك السهر واستوعرت الجناب واستحلست الخوف وفقدت صالح الاخوان ولم أجد من الامير خلفا قال انصرف يا شعبي فانصرفت (قال أبو مخنف) قال خالد بن قطن الحارثى أتى الحجاج بالاعشى أعشى همدان فقال إيه يا عدو الله أنشدني قولك بين الاشج وبين قيس أنفذ بيتك قال بل أنشدك ما قلت لك قال بل أنشدني هذه فأنشده أبى الله إلا أن يتمم نوره * ويطفى نور الفاسقين فيحمدا ويظهر أهل الحق في كل موطن * ويعدل وقع السيف من كان أصيدا وينزل ذلا بالعراق وأهله * لما نقضوا العهد الوثيق المؤكدا وما أحدثوا من بدعة وعظيمة * من القول لم تصعد إلى الله مصعدا وما نكثوا من بيثة بعد بيعة * إذا ضمنوها اليوم خاسوا بها غدا وجبنا حشاه ربهم في قلوبهم * فما يقربون الناس إلا تهددا فلا صدق في قول ولا صبر عندهم * ولكن فخرا فيهم وتزيدا فكيف رأيت الله فرق جمعهم * ومزقهم عرض البلاد وشردا فقتلاهم قتلى ضلال وفتنة * وحيهم أمسى ذليلا مطردا ولما زحفنا لابن يوسف غدوة * وأبرق منا العارضان وأرعدا قطعنا إليه الخندقين وإنما * قطعنا وأفضينا إلى الموت مرصدا

[ 179 ]

فكافحنا الحجاج دون صفوفنا * كفاحا ولم يضرب لذلك موعدا بصف كأن البرق في حجراته * إذا ما تجلى بيضه وتوقدا دلفنا إليه في صفوف كأنها * جبال شرورى لو تعان فتنهدا فما لبث الحجاج أن سل سيفه * علينا فولى جمعنا وتبددا وما زاحف الحجاج إلا رأيته * معانا ملقى للفتوح معودا وإن ابن عباس لفى مرجحنة * نشبهها قطعا من الليل أسودا فما شرعوا رمحا ولا جردوا له * ألا ربما لاقى الجبان فجردا وكرت علينا خيل سفيان كرة * بفرسانها والسمهري مقصدا وسفيان يهديها كأن لواءه * من الطعن سند بات بالصبغ مجسدا كهول ومرد من قضاعة حوله * مساعير أبطال إذا النكس عردا إذا قال شدوا شدة حملوا معا * فأنهل خرصان الرماح وأوردا جنود أمير المؤمنين وخيله * وسلطانه أمسى عزيزا مؤيدا فيهنى أمير المؤمنين ظهوره * على أمة كانوا بغاة وحسدا نزوا يشتكون البغى من أمرائهم * وكانوا هم أبغى البغاة وأعندا وجدنا بنى مروان خير أئمة * وأفضل هذى الناس حلما وسوددا وخير قريش في قريش أرومة * وأكرمهم إلا النبي محمدا إذا ما تدبرنا عواقب أمره * وجدنا أمير المؤمنين مسددا سيغلب قوم غالبوا الله جهرة * وإن كايدوه كان أقوى وأكيدا كذاك يضل الله من كان قلبه * مريضا ومن والى النفاق وألحدا فقد تركوا الاهلين والمال خلفهم * وبيضا عليهن الجلابيب خردا ينادينهم مستعبرات إليهم * ويذرين دمعا في الخدود وأثمدا فإلا تناولهن منك برحمة * يكن سبايا والبعولة أعبدا أنكثا وعصيانا وغدرا وذلة * أهان الاله من أهان وأبعدا لقد شأم المصرين فرخ محمد * بحق وما لاقى من الطير أسعدا

[ 180 ]

كما شأم الله النجير وأهله * بجد له قد كان أشقى وأنكدا فقال أهل الشأم أحسن أصلح الله الامير فقال الحجاج لا لم يحسن إنكم لا تدرون ما أراد بها ثم قال يا عدو الله إنا لسنا نحمدك على هذا القول إنما قلت تأسف أن لا يكون ظهر وظفر وتحريضا لاصحابك علينا وليس عن هذا سألناك أنفذ لنا قولك * بين الاشج وبين قيس باذخ * فأنفذها فلما قال * بخ بخ لوالده وللمولود * قال الحجاج لا والله لا تبخبخ بعدها لاحد أبدا فقدمه فضرب عنقه (وقد ذكر) من أمر هؤلاء الاسرى الذين أسرهم يزيد بن المهلب ووجههم إلى الحجاج ومن فلول ابن الاشعث الذين انهزموا يوم مسكن أمر غير ما ذكره أبو مخنف عن أصحابه والذى ذكر عنهم من ذلك أنه لما انهزم ابن الاشعث مضى هؤلاء مع سائر الفل إلى الرى وقد غلب عليها عمر بن أبى الصلت بن كناز مولى بنى نصر بن معاوية وكان من أفرس الناس فانضموا إليه فأقبل قتيبة بن مسلم إلى الرى من قبل الحجاج وقد ولاه عليها فقال النفر الذين ذكرت أن يزيد بن المهلب وجههم إلى الحجاج مقيدين وسائر فل ابن الاشعث الذين صاروا إلى الرى لعمر بن أبى الصلت نوليك أمرنا وتحارب بنا قتيبة فشاور عمر أباه أبا الصلت فقال له أبوه والله يا بنى ما كنت أبالى إذا سار هؤلاء تحت لوائك أن تقتل من غد فعقد لواءه وسار فهزم وهزم أصحابه وانكشفوا إلى سجستان واجتمعت بها الفلول وكتبوا إلى عبد الرحمن بن محمد وهو عند رتبيل ثم كان من أمرهم وأمر يزيد بن المهلب ما قد ذكرت * وذكر أبو عبيدة أن يزيد لما أراد أن يوجه الاسرى إلى الحجاج قال له أخوه حبيب بأى وجه تنظر إلى اليمانية وقد بعثت ابن طلحة فقال يزيد هو الحجاج ولا يتعرض له وقال وطن نفسك على العزل ولا ترسل فإن له عندنا بلاء قال وما بلاؤه قال لزم المهلب في مسجد الجماعة بمائتي ألف فأداها طلحة عنه فأطلقه وأرسل بالباقين فقال الفرزدق وجد ابن طلحة يوم لاقى قومه * قحطان يوم هراة خير المعشر وقيل إن الحجاج لما أتى بهؤلاء الاسرى من عند يزيد بن المهلب قال لحاجبه

[ 181 ]

إذا دعوتك بسيدهم فأتني بفيروز فأبرز سريره وهو حينئذ بواسط القصب قبل أن تبنى مدينة واسط ثم قال لحاجبه جئني بسيدهم فقال لفيروز قم فقال له الحجاج أبا عثمان ما أخرجك مع هؤلاء فوالله ما لحمك من لحومهم ولا دمك من دمائهم قال فتنة عمت الناس فكنا فيها قال اكتب لى أموالك قال ثم ماذا قال اكتبها أول قال ثم أنا آمن على دمى قال اكتبها ثم أنظر قال اكتب يا غلام ألف ألف ألفى ألف فذكر مالا كثيرا فقال الحجاج أين هذه الاموال قال عندي قال فأدها قال وأنا آمن على دمى قال والله لتؤدينها ثم لاقتلنك قال والله لا تجمع مالى ودمى فقال الحجاج للحاجب نحه فنحاه ثم قال ائتنى بمحمد بن سعد بن أبى وقاص فدعاه فقال له الحجاج أيها ياطل الشيطان أعظم الناس تيها وكبرا تأبى بيعة يزيد ابن معاوية وتشبه بحسين وابن عمر ثم صرت مؤذنا لابن كناز عبد بنى نصر يعنى عمر بن أبى الصلت وجعل يضرب بعود في يده رأسه حتى أدماه فقال له محمد أيها الرجل ملكت فأسجح فكف يده فقال إن رأيت أن تكتب إلى أمير المؤمنين فإن جاءك عفو كنت شريكا في ذلك محمودا وإن جاءك غير ذلك كنت قد أعذرت فأطرق مليا ثم قال اضرب عنقه فضربت عنقه ثم دعا بعمر بن موسى فقال يا عبد المرأة أتقوم بالعمود على رأس ابن الحائك وتشرب معه الشراب في حمام فارس وتقول المقالة التى قلت أين الفرزدق قم فأنشده ما قلت فيه فأنشده وخضبت أيرك للزناء ولم تكن * يوم الهياج لتخضب الابطالا فقال أما والله لقد رفعته عن عقائل نسائك ثم أمر بضرب عنقه ثم دعا ابن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة فإذا غلام حدث فقال أصلح الله الامير مالى ذنب إنما كنت غلاما صغيرا مع أبى وأمى لا أمر لى ولا نهى وكنت معهما حيث كانا فقال وكانت أمك مع بيك في هذه الفتن كلها قال نعم قال على أبيك لعنة الله ثم دعا بالهلقام ابن نعيم فقال اجعل ابن الاشعث طلب ما طلب ما الذى أملت أنت معه قال أملت أن يملك فيوليني العراق كما ولاك عبد الملك قال قم يا حوشب فاضرب عنقه فقام إليه فقال له الهلقام يا ابن لطيفة أتنكأ القرح فضرب عنقه ثم أتى بعبدالله بن

[ 182 ]

عامر فلما قام بين يديه قال لا رأت عيناك يا حجاج الجنة إن أقلت ابن المهلب بما صنع قال وما صنع قال لانه كاس في إطلاق أسرته * وقاد نحوك في أغلالها مضرا وقى بقومك ورد الموت أسرته * وكان قومك أدنى عنده خطرا فأطرق الحجاج مليا ووقرت في قلبه وقال وما أنت وذاك اضرب عنقه فضربت عنقه ولم تزل في نفس الحجاج حتى عزل يزيد عن خراسان وحبسه ثم أمر بفيروز فعذب فكان فيما عذب به أن كان يشد عليه القصب الفارسى المشقوق ثم يجر عليه حتى يخرق جسده ثم ينضح عليه الخل والملح فلما أحس بالموت قال لصاحب العذاب إن الناس لا يشكون أنى قد قتلت ولى ودائع أموال عند الناس لا تؤدى اليكم أبدا فأظهروني للناس ليعلموا أنى حى فيؤدوا المال فأعلم الحجاج فقال أظهروه فأخرج إلى باب المدينة فصاح في الناس من عرفني فقد عرفني ومن أنكرني فأنا فيروز حصين إن لى عند أقوام مالا فمن كان لى عنده شئ فهو له وهو منه في حل فلا يؤدين منه أحد درهما ليبلغ الشاهد الغائب فأمر به الحجاج فقتل وكان ذلك مما روى الوليد بن هشام بن قحذم عن أبى بكر الهذلى * وذكر ضمره بن ربيعة عن أبى شوذب أن عمال الحجاج كتبوا إليه إن الخراج قد انكسر وإن أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالامصار فكتب إلى البصرة وغيرها أن من كان له أصل في قرية فليخرج إليها فخرج الناس فعسكروا فجعلوا يبكون وينادون يا محمداه يا محمداه وجعلوا لا يدرون أين يذهبون فجعل قراء أهل البصرة يخرجون إليهم متقنعين فيبكون لما يسمعون منهم ويرون قال فقدم ابن الاشعث على تفيئة ذلك واستبصر قراء أهل البصرة في قتال الحجاج مع عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث * وذكر عن ضمرة بن ربيعة عن الشيباني قال قتل الحجاج يوم الزاوية أحد عشر ألفا ما استحيا منهم إلا واحدا كان ابنه في كتاب الحجاج فقال له أتحب أن نعفو لك عن أبيك قال نعم فتركه لابنه وإنما خدعهم بالامان أمر مناديا فنادى عند الهزيمة ألا لا أمان لفلان ولا فلان

[ 183 ]

فسمى رجالا من أولئك الاشراف ولم يقل الناس آمنون فقالت العامة قد آمن الناس كلهم إلا هؤلاء النفر فأقبلوا إلى حجرته فلما اجتمعوا أمرهم بوضع أسلحتهم ثم قال لآمرن بكم اليوم رجلا ليس بينكم وبينه قرابة فأمر بهم عمارة بن تميم اللخمى فقر بهم فقتلهم * وروى عن النضر بن شميل عن هشام بن حسان أنه قال بلغ ما قتل الحجاج صبرا مائة وعشرين أو مائة وثلاثين ألفا * وقد ذكر في هزيمة ابن الاشعث بمسكن قول غير الذى ذكره أبو مخنف والذى ذكر من ذلك أن ابن الاشعث والحجاج اجتمعا بمسكن من أرض ابن قباذ فكان عسكر ابن الاشعث على نهر يدعى خداش مؤخر النهر نهر تيرى ونزل الحجاج على نهر أفريذ والعسكران جميعا بين دجلة والسيب والكرخ فاقتتلوا شهرا وقيل دون ذلك ولم يكن الحجاج يعرف إليهم طريقا إلا الطريق الذى يلتقون فيه فأتى بشيخ كان راعيا يدعى زورقا فدله على طريق من وراء الكرخ طوله ستة فراسخ في أجمة وضحضاح من الماء فانتخب أربعة آلاف من جلة أهل الشأم وقال لقائدهم ليكن هذا العلج أمامك وهذه أربعة آلاف درهم معك فإن أقامك على عسكرهم فادفع المال إليه وإن كان كذبا فاضرب عنقه فإن رأيتهم فاحمل عليهم فيمن معك وليكن شعاركم يا حجاج يا حجاج فانطلق القائد صلاة العصر والتقى عسكر الحجاج وعسكر ابن الاشعث حين فصل القائد بمن معه وذلك مع صلاة العصر فاقتتلوا إلى الليل فانكشف الحجاج حتى عبر السيب وكان قد عقده ودخل ابن الاشعث عسكره فانتهب ما فيه فقيل له لو أتبعته فقال قد تعبنا وتصبنا فرجع إلى عسكره فألقى أصحابه السلاح وباتوا آمنين في أنفسهم لهم الظفر وهجم القوم عليهم نصف الليل يصيحون بشعارهم فجعل الرجل من أصحاب ابن الاشعث لا يدرى أين يتوجه دجيل عن يساره ودجلة أمامه ولها جرف منكر فكان من غرق أكثر ممن قتل وسمع الحجاج الصوت فعبر السيب إلى عسكره ثم وجه خيله إلى القوم فالتقى العسكران على عسكر ابن الاشعث وانحاز في ثلثمائة فمضى على شاطئ دجلة حتى أتى دجيلا فعبره في السفن وعقروا دوابهم وانحدروا

[ 184 ]

في السفن إلى البصرة ودخل الحجاج عسكره فانتهب ما فيه وجعل يقتل من وجد حتى قتل أربعة آلاف فيقال إن فيمن قتل عبد الله بن شداد بن الهاد وقتل فيهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة وعمرو بن ضبيعة الرقاشى وبشر بن المنذر بن الجارود والحكم بن مخرمة العبديين وبكير بن ربيعة بن ثروان الضبى فأتى الحجاج برؤوسهم على ترس فجعل ينظر إلى رأس بسطام ويتمثل: إذا مررت بوادي حية ذكر * فاذهب ودعني أقاسى حية الوادي ثم نظر إلى رأس بكير فقال ما ألقى هذا الشقى مع هؤلاء خذ بأذنه يا غلام فألقه عنهم ثم قال ضع هذا الترس بين يدى مسمع بن مالك بن مسمع فوضع بين يديه فبكى فقال له الحجاج ما أبكاك أحزنا عليهم قال بل جزعا لهم من النار (وفى هذه السنة) بنى الحجاج واسطا وكان سبب بنائه ذلك فيما ذكر أن الحجاج ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان فعسكروا بحمام عمر وكان فتى من أهل الكوفة من بنى أسد حديث عهد بعرس بابنة عم له انصرف من العسكر إلى ابنة عمه ليلا فطرق الباب طارق ودقه دقا شديدا فإذا سكران من أهل الشأم فقالت للرجل ابنة عمه لقد لقينا من هذا الشأمى شرا يفعل بنا كل ليلة ما ترى يريد المكروه وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه وعرضوا ذلك فقال ائدنوا له ففعلوا فأغلق الباب وقد كانت المرأة نجدت منزلها وطيبته فقال الشامي قد آن لكم فاستقنأه الاسدي فأندر رأسه فلما أذن بالفجر خرج الرجل إلى العسكر وقال لامرأته إذا صليت الفجر فابعثي إلى الشاميين أن أخرجوا صاحبكم فسيأتون بك الحجاج فاصدقيه الخبر على وجهه ففعلت ورفع القتيل إلى الحجاج وأدخلت المرأة عليه وعنده عنبسة بن سعيد على سريره فقال لها ما خطبك فأخبرته فقال صدقتني ثم قال لولاة الشامي ادفنوا صاحبكم فإنه قتيل الله إلى النار لا قود له ولا عقل ثم نادى مناديه لا ينزلن أحد على أحد واخرجوا فعسكروا وبعث روادا يرتادون له منزلا وأمعن حتى نزل أطراف كسكر فبينا هو في موضع واسط إذا راهب قد أقبل على حمار له وعبر دجلة * فلما كان في موضع واسط تفاجت الاتان فبالت

[ 185 ]

فنزل الراهب فاحتفر ذلك البول ثم احتمله فرمى به في دجلة وذلك بعين الحجاج فقال على به فأتى به فقال ما حملك على ما صنعت قال نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الارض أحد يوحده فاختط الحجاج مدينة واسط وبنى المسجد في ذلك الموضع (وفى هذه السنة) عزل عبد الملك فيما قال الواقدي عن المدينة أبان بن عثمان واستعمل عليها هشام بن اسماعيل المخزومى * وحج بالناس في هذه السنة هشام بن اسماعيل حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان العمال في هذه السنة على الامصار سوى المدينة هم العمال الذين عليها في السنة التى قبلها وأما المدينة فقد ذكرنا من كان عليها فيها ثم دخلت سنة أربع وثمانين ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففيها) كانت غزوة عبد الله بن عبد الملك بن مروان الروم ففتح فيها المصيصة كذلك ذكر الواقدي (وفيها) قتل الحجاج أيوب بن القرية وكان ممن كان مع ابن الاشعث وكان سبب قتله إياه فيما ذكر أنه كان يدخل حوشب بن يزيد بعد انصرافه من دير الجماجم وحوشب على الكوفة عامل للحجاج فيقول حوشب انظروا إلى هذا الواقف معى وغدا أو بعد غد يأتي كتاب من الامير لا أستطيع إلا نفاذه فبينا هو ذات يوم واقف إذ أتاه كتاب من الحجاج أما بعد فإنك صرت كهفا لمنافقي أهل العراق ومأوى فإذا نظرت في كتابي هذا فابعث إلى بابن القرية مشدودة يده إلى عنقه مع ثقة من قبلك فلما قرأ حوشب الكتاب رمى به إليه فقرأه فقال سمعا وطاعة فبعث به إلى الحجاج موثقا فلما دخل على الحجاج قال له يا ابن القرية ما أعددت لهذا الموقف قال أصلح الله الامير ثلاثة حروف * كأنهن ركب وقوف * دنيا وآخرة ومعروف * قال اخرج مما قلت قال أفعل أما الدنيا فمال حاضر يأكل منه البر والفاجر وأما الآخرة فميزان عادل ومشهد ليس فيه باطل

[ 186 ]

وأما المعروف فإن كان على اعترفت وان كان لى اغترفت قال أمالى فاعترف بالسيف إذا وقع بك قال أصلح الله الامير أقلنى عثرتي واسقني ريقي فانه ليس جواد إلاله كبوة ولا شجاع إلاله هبوة قال الحجاج كلا والله لا رينك جهنم قال فأرحني فإنى أجد حرها قال قدمه يا حرسي فاضرب عنقه فلما نظر إليه الحجاج يتشحط في دمه قال لو كنا تركنا ابن القرية حتى نسمع من كلامه ثم أمر به فأخرج فرمى به قال هشام قال عوانة حين منع الحجاج من الكلام ابن القرية قال له ابن القرية أما والله لو كنت أنا وأنت على السواء لسكنا جميعا أولا لفيت منيعا (وفى هذه السنة) فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس ذكر سبب فتحه إياها * ذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد قال كان نيزك ينزل بقلعة باذغيس فتحين يزيد غزوه ووضع عليه العيون فبلغه خروجه فخالفه يزيد إليها وبلغ نيزك فرجع فصالحه على أن يدفع إليه ما في القلعة من الخزائن ويرتحل عنها بعياله فقال كعب بن معدان الاشقري وباذغيس التى من حل ذروتها * عز الملوك فان شا جار أو ظلما منيعة لم يكدها قبله ملك * إلا إذا وجهت جيشاله وجما تخال نيرانها من بعد منظرها * بعض النجوم إذا ما ليلها عتما لما أطاف بها ضاقت صدورهم * حتى أقروا له بالحكم فاحتكما فذل ساكنها من بعد عزته * يعطى الجزى عارفا بالذل مهتضما وبعد ذلك أياما نعددها * وقبلها ما كشفت الكرب والظلما أعطاك ذاك ولى الرزق يقسمه * بين الخلائق والمحروم من حرما يداك إحداهما تسقى العدو بها * سما وأخرى نداها لم يزل ديما فهل كسيب يزيد أو كنائله * إلا الفرات وإلا النيل حين طما ليسا بأجود منه حين مدهما * إذ يعلوان حداب الارض والا كما وقال ثنائي على حى العتيك بأنها * كرام مقاريها كرام نصابها

[ 187 ]

إذا عقدوا للجار حل بنجوة * عزيز مراقيها منيع هضابها نفى نيزكا عن باذغيس ونيزك * بمنزلة أعيى الملوك اغتصابها محلقة دون السماء كأنها * غمامة صيف زل عنها سحابها ولا يبلغ الاروى شماريخها العلى * ولا الطير إلا نسرها وعقابها وما خوفت بالذئب ولدان أهلها * ولا نبحت إلا النجوم كلابها تمنيت أن ألقى العتيك ذوى النهى * مسلطة تحمى بملك ركابها كما يتمنى صاحب الحرث أعطشت * مزارعه غيثا غزيرا ربابها فأسقى بعد اليأس حتى تحيرت * جداولها ريا وعب عبابها لقد جمع الله النوى وتشعبت * شعوب من الآفاق شتى مآبها قال وكان نيزك يعظم القلعة إذا رآها سجد لها وكتب يزيد بن المهلب إلى الحجاج بالفتح وكانت كتب يزيد إلى الحجاج يكتبها يحيى بن يعمر العدواني وكان حليفا لهذيل فكتب إنا لقينا العدو فمنحنا الله أكتافهم فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة ولحقت طائفة برؤوس الجبال وعراعر الاودية وأهضام الغيطان وأثناء الانهار فقال الحجاج من يكتب ليزيد فقيل يحيى بن يعمر فكتب إلى يزيد فحمله على البريد فقدم عليه أفصح الناس فقال له أين ولدت قال بالاهواز قال فهذه الفصاحة قال حفظت كلام أبى وكان فصيحا قال من هناك فأخبرني هل يلحن عنبسة بن سعيد قال نعم كثيرا قال ففلان قال نعم قال فاخبرني عنى ألحن قال نعم تلحن لحنا خفيا تزيد حرفا وتنقص حرفا وتجعل أن في موضع إن وإن في موضع أن قال قد أجلتك ثلاثا فإن أجدك بعد ثلاث بأرض العراق قتلتك فرجع إلى خراسان (وحج) بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومى كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكانت عمال الامصار في هذه السنة عمالها الذين سميت قبل في سنة 83

[ 188 ]

ثم دخلت سنة خمس وثمانين ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففيها) كان هلاك عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث ذكر السبب الذى به هلك وكيف كان (ذكر هشام بن محمد) عن أبى مخنف قال لما انصرف ابن الاشعث من هراة راجعا إلى رتبيل كان معه رجل من أود يقال له علقمة بن عمرو فقال له ما أريد أن أدخل معك فقال له عبد الرحمن لم قال لانى أتخوف عليك وعلى من معك والله لكأنى بكتاب الحجاج قد جاء فوقع إلى رتبيل يرغبه ويرهبه فإذا هو قد بعث بك سلما أو قتلكم ولكن ههنا خمسمائة قد تبايعنا على أن ندخل مدينة فنتحصن فيها ونقاتل حتى نعطى أمانا أو نموت كراما فقال له عبد الرحمن أما لو دخلت معى لآسيتك وأكرمتك فأبى عليه علقمة ودخل عبد الرحمن بن محمد إلى رتبيل وخرج هؤلاء الخمسمائة فبعثوا عليهم مودودا النضرى وأقاموا حتى قدم عليهم عمارة بن تميم اللخمى فحاصرهم فقاتلوه وامتنعوا منه حتى آمنهم فخرجوا إليه فوفى لهم قال وتتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل في عبد الرحمن بن محمد أن ابعث به إلى والا فو الذى لا إله إلا هو لاوطئن أرضك ألف ألف مقاتل وكان عند رتبيل رجل من بنى تميم ثم من بنى يربوع يقال له عبيد بن أبى سبيع فقال لرتبيل أنا آخذ لك من الحجاج عهدا ليكفن الخراج عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه عبد الرحمن بن محمد قال رتبيل لعبيد فان فعلت فان لك عندي ما سألت فكتب إلى الحجاج يخبره أن رتبيل لا يعصيه وأنه لن يدع رتبيل حتى يبعث إليه بعبد الرحمن بن محمد فأعطاه الحجاج على ذلك مالا وأخذ من رتبيل عليه مالا وبعث رتبيل برأس عبد الرحمن بن محمد إلى الحجاج وترك له الصلح الذى كان يأخذه منه سبع سنين وكان الحجاج يقول بعث إلى رتبيل بعدو الله فألقى نفسه من فوق إجار فمات (قال أبو مخنف) وحدثني سليمان بن أبى راشد أنه سمع مليكة ابنة يزيد تقول والله لمات عبد الرحمن وإن رأسه لعلى فخذي كان السل قد أصابه * فلما

[ 189 ]

مات وأرادوا دفنه بعث إليه رتبيل فحز رأسه فبعث به إلى الحجاج وأخذ ثمانية عشر رجلا من آل الاشعث فحبسهم عنده وترك جميع من كان معه من أصحابه وكتب إلى الحجاج بأخذه الثمانية عشر رجلا من أهل بيت عبد الرحمن فكتب إليه أن اضرب رقابهم وابعث إلى برؤوسهم وكره أن يؤتى بهم إليه أحياء فيطلب فيهم إلى عبد الملك فيترك منهم أحدا وقد قيل في أمر ابن أبى سبيع وابن الاشعث غير ما ذكرت عن أبى مخنف وذلك ما ذكر عن أبى عبيدة معمر بن المثنى أنه كان يقول زعم أن عمارة بن تميم خرج من كرمان فأتى سجستان وعليها رجل من بنى العنبر يدعى مردودا فحصره ثم آمنه ثم استولى على سجستان وأرسل رتبيل وكتب إليه الحجاج أما بعد فإنى قد بعثت اليك عمارة بن تميم في ثلاثين ألفا من أهل الشأم لم يخالفوا طاعة ولم يخلعوا خليفة ولم يتبعوا إمام ضلالة يجرى على كل رجل منهم في كل شهر مائة درهم يستطعمون الحرب استطعاما يطلبون ابن الاشعث فأبى رتبيل أن يسلمه وكان مع ابن الاشعث عبيد بن أبى سبيع التميمي قد خص به وكان رسوله إلى رتبيل فخص برتبيل أيضا وخف عليه فقال القاسم بن محمد بن الاشعث لاخيه عبد الرحمن إنى لا آمن غدر التميمي فاقتله فهم به وبلغ ابن أبى سبيع فخافه فوشى به إلى رتبيل وخوفه الحجاج ودعاه إلى الغدر بابن الاشعث فأجابه فخرج سرا إلى عمارة بن تميم فاستعجل في ابن الاشعث فجعل له ألف ألف فأقام عنده وكتب بذلك عمارة إلى الحجاج فكتب إليه أن أعط عبيدا ورتبيل ما سألاك فاشترط رتبيل أن لا تغزى بلاده عشر سنين وأن يؤدى بعد العشر سنين في كل سنة تسعمائة ألف فأعطى وعبيدا ما سألا وأرسل رتبيل إلى ابن الاشعث فأحضره وثلاثين من أهل بيته وقد أعدلهم الجوامع والقيود فألقى في عنقه جامعة وفى عنق القاسم جامعة وأرسل بهم جميعا إلى أدنى مسالح عمارة منه وقال لجماعة من كان مع ابن الاشعث من الناس تفرقوا إلى حيث شئتم ولما قرب ابن الاشعث من عمارة ألقى نفسه من فوق قصر فمات فاحتز رأسه فأتى به وبالاسرى عمارة فضرب أعناقهم وأرسل برأس ابن الاشعث وبرؤوس أهله وبامرأته إلى الحجاج فقال في ذلك بعض الشعراء

[ 190 ]

هيهات موضع جثة من رأسها * رأس بمصر وجثة بالرحج وكان الحجاج أرسل به إلى عبد الملك فأرسل به عبد الملك إلى عبد العزيز وهو يومئذ على مصر * وذكر عمر بن شبة أن ابن عائشة حدثه قال أخبرني سعد ابن عبيد الله قال لما أتى عبد الملك برأس ابن الاشعث أرسل به مع خصى إلى امرأة منهم كانت تحت رجل من قريش فلما وضع بين يديها قالت مرحبا بزائر لا يتكلم ملك من الملوك طلب ما هو أهله فأبت المقادير فذهب الخصى يأخذ الرأس فاجتذبته من يده قالت لا والله حتى أبلغ حاجتى ثم دعت بخطمى فغسلته وغلفته ثم قالت شأنك به الآن فأخذه ثم أخبر عبد الملك فلما دخل عليه زوجها قال إن استطعت أن تصيب منها سخلة * وذكر أن ابن الاشعث نظر إلى رجل من أصحابه وهو هارب إلى بلاد رتبيل فتمثل يطرده الخوف فهو تائه * كذاك من يكره حر الجلاد منخرق الخفين يشكو الوجا * تنكبه أطراف مرو حداد قد كان في الموت له راحة * والموت حتم في رقاب العباد فالتفت إليه فقال يا لحية هلا ثبت في موطن من المواطن فنموت بين يديك فكان خيرا لك مما صرت إليه (قال هشام) قال أبو مخنف خرج الحجاج في أيامه تلك يسير ومعه حميد الارقط وهو يقول: ما زال يبنى خندقا ويهدمه * عن عسكر يقوده فيسلمه حتى يصير في يديك مقسمه * هيهات من مصفه منهزمه إن أخا الكظاظ من لا يسأمه فقال الحجاج هذا أصدق من قول الفاسق أعشى همدان نبئت أن بنى يو * سف خر من زلق فتبا قد تبين له من زلق وتب ودحض فانكب وخاف وخاب وشك وارتاب ورفع صوته فما بقى أحد إلا فزع لغضبه وسكت الاريقط فقال له الحجاج عد فيما كنت فيه مالك يا أرقط قال إنى جعلت فداك أيها الامير وسلطان الله عزيز ما هو إلا

[ 191 ]

أن رأيتك غضبت فأرعدت خصائلى واحزالت مفاصلي وأظلم بصرى ودارت بى الارض قال له الحجاج أجل إن سلطان الله عزيز عد فيما كنت فيه ففعل وقال الحجاج وهو ذات يوم يسير ومعه زياد بن جرير بن عبد الله البجلى وهو أعور فقال الحجاج للاريقط كيف قلت لابن سمرة قال قلت: يا أعور العين فديت العورا * كنت حسبت الخندق المخفورا يرد عنك القدر المقدورا * ودائرات السوء أن تدورا وقد قيل إن مهلك عبد الرحمن بن محمد كان في سنة 84 (وفى هذه السنة) عزل الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب عن خراسان وولاها المفضل بن المهلب أخا يزيد ذكر السبب الذى من أجله عزله الحجاج عن خراسان واستعمل المفضل ذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد أن الحجاج وفد إلى عبد الملك فمر في منصرفه بدير فنزله فقيل له إن في هذا الدير شيخا من أهل الكتب عالما فدعا به فقال يا شيخ هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه ونحن قال نعم نجد ما مضى من أمركم وما أنتم فيه وما هو كائن قال أفمسمى أم موصوفا قال كل ذلك موصوف بغير اسم واسم بغير صفة قال فما تجدون صفة أمير المؤمنين قال نجده في زماننا الذى نحن فيه ملك أقرع من يقم لسبيله يصرع قال ثم من قال اسم رجل يقال له الوليد قال ثم ماذا قال رجل اسمه اسم نبى يفتح به على الناس قال أفتعرفني قال قد أجبرت بك قال أفتعلم ما إلى قال نعم قال فمن يليه بعدى قال رجل يقال له يزيد قال في حياتي أم بعد موتى قال لا أدرى قال أفتعرف صفته قال يغدر غدرة لا أعرف غير هذا قال فوقع في نفسه يزيد بن المهلب وارتحل فسار سبعا وهو وجل من قول الشيخ وقدم فكتب إلى عبد الملك يستعفيه من العراق فكتب إليه يا ابن أم الحجاج قد علمت الذى تغزو وإنك تريد أن تعلم رأيى فيك ولعمري إنى لارى مكان نافع بن علقمة فاله عن هذا حتى يأتي الله بما هو آت فقال الفرزدق يذكر مسيره لو أن طيرا كلفت مثل سيره * إلى واسط من إيلياء لملت

[ 192 ]

سرى بالمهارى من فلسطين بعد ما * دنا الليل من شمس النهار فولت فما عاد ذاك اليوم حتى أناخها * بميسان قد ملت سراها وكلت كأن قطاميا على الرحل طاويا * إذا غمرة الظلماء عنه تجلت قال فبينا الحجاج يوما خال إذ دعا عبيد بن موهب فدخل وهو ينكث في الارض فرفع رأسه فقال ويحك يا عبيد إن أهل الكتب يذكرون أن ما تحت يدى يليه رجل يقال له يزيد وقد تذكرت يزيد بن أبى كبشة ويزيد بن حصين بن نمير ويزيد بن دينار فليسوا هناك وما هو إن كان إلا يزيد بن المهلب فقال عبيد لقد شرفتهم وأعظمت ولايتهم وإن لهم لعددا وجلدا وطاعة وحظا فأخلق به فأجمع على عزل يزيد فلم يجد له شيئا حتى قدم الخيار بن بن سبرة بن ذؤيب بن عرفجة بن محمد بن سفيان بن مجاشع وكان من فرسان المهلب وكان مع يزيد فقال له الحجاج أخبرني عن يزيد قال حسن الطاعة لين السيرة قال كذبت أصدقني عنه قال الله أجل وأعظم قد أسرج ولم يلجم قال صدقت واستعمل الخيار على عمان بعد ذلك قال ثم كتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل المهلب بالزبيرية فكتب إليه عبد الملك إنى لا أرى نقصا بآل المهلب طاعتهم لآل الزبير بل أراه وفاء منهم لهم وإن وفاءهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لى فكتب إليه الحجاج يخوفه غدرهم لما أخبره به الشيخ فكتب إليه عبد الملك قد أكثرت في يزيد وآل المهلب فسم لى رجلا يصلح لخراسان فسمى له مجاعة بن سعر السعدى فكتب إليه عبد الملك إن رأيك الذى دعاك إلى استفساد آل المهلب هو الذى دعاك إلى مجاعة بن سعر فانظر لى رجلا صار ما ماضيا لامرك فسمى قتيبة بن مسلم فكتب إليه وله وبلغ يزيد أن الحجاج عزله فقال لاهل بيته من ترون الحجاج يولى خراسان قالوا رجلا من ثقيف قال كلا ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعهده فإذا قدمت عليه عزله وولى رجلا من قيس وأخلق بقتيبة قال فلما أذن عبد الملك للحجاج في عزل يزيد كره أن يكتب إليه بعزله فكتب إليه أن استخلف المفضل وأقبل فاستشار يزيد حضين بن المنذر فقال له أقم واعتل فان أمير المؤمنين حسن الرأى فيك وإنما أتيت من الحجاج فإن أقمت ولم تعجل

[ 193 ]

رجوت أن يكتب إليه أن يقر يزيد قال انا أهل بيت بورك لنا في الطاعة وأنا أكره المعصية والخلاف فأخذ في الجهاز وأبطأ ذلك على الحجاج فكتب إلى المفضل إنى قد وليتك خراسان فجعل المفضل يستحث يزيد فقال له يزيد إن الحجاج لا يقرك بعدى وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه قال بل حدثنى قال يزيد يا ابن بهلة أنا أحسدك ستعلم وخرج يزيد في ربيع الآخر سنة 85 فعزل الحجاج المفضل فقال الشاعر للمفضل وعبد الملك وهو أخوه لامه يا ابني بهلة إنما أخزاكما * ربى غداة غدا الهمام الازهر أحفرتم لاخيكم فوقعتم * في قعر مظلمة أخوها المعور جودوا بتوبة مخلصين فإنما * يابى ويأنف أن يتوب الاخسر وقال حضين ليزيد أمرتك أمرا حازما فعصيتني * فأصبحت مسلوب الامارة نادما فما أنا بالباكى عليك صبابة * وما أنا بالداعى لترجع سالما فلما قدم قتيبة خراسان قال لحضين كيف قلت ليزيد قال قلت أمرتك أمرا حازما فعصيتني * فنفسك أولى اللوم إن كنت لائما فإن يبلغ الحجاج أن قد عصيته * فإنك تلقى أمره متفاقما قال فماذا أمرته به فعصاك قال أمرته أن لا يدع صفراء ولا بيضاء إلا حملها إلى الامير فقال رجل لعياض بن حضين أما أبوك فوجده قتيبة حين فره قارحا بقوله أمرته أن لا يدع صفراء ولا بيضاء إلا حملها إلى الامير * قال على وحدثنا كليب بن خلف قال كتب الحجاج إلى يزيد أن اغز خوارزم فكتب إليه أيها الامير انها قليلة السلب شديدة الكلب فكتب إليه الحجاج استخلف واقدم فكتب إليه إنى أريد أن أغزو خوارزم فكتب إليه لا تغزها فانها كما وصفت فغزا ولم يطعه فصالحه أهل خوارزم وأصاب سبيا مما صالحوه وقفل في الشتاء فاشتد عليهم البرد فأخذ الناس ثياب الاسرى فلبسوها فمات ذلك السبى من البرد قال ونزل يزيد بالاستانة وأصاب أهل مرو الروذ طاعون ذلك العام فكتب إليه الحجاج أن

[ 194 ]

اقدم فقدم فلم يمر ببلد إلا فرشوا له الرياحين وكان يزيد ولى سنة 82 وعزل سنة 85 وخرج من خراسان في ربيع الآخر سنة 85 وولى قتيبة (وأما هشام بن محمد) فإنه ذكر عن أبى مخنف في عزل الحجاج يزيد عن خراسان سببا غير الذى ذكره على بن محمد والذى ذكر من ذلك عن أبى مخنف أن أبا المخارق الراسبى وغيره حدثوه أن الحجاج لم يكن له حين فرغ من عبد الرحمن بن محمد هم إلا يزيد بن المهلب وأهل بيته وقد كان الحجاج أذل أهل العراق كلهم إلا يزيد وأهل بيته ومن معهم من أهل المصرين بخراسان ولم يكن يتخوف بعد عبد الرحمن بن محمد بالعراق غير يزيد ابن المهلب فأخذ الحجاج في مؤاربة يزيد ليستخرجه من خراسان فكان يبعث إليه ليأتيه فيعتل عليه بالعدو وحرب خراسان فمكث بذلك حتى كان آخر سلطان عبد الملك ثم إن الحجاج كتب إلى عبد الملك يشير عليه بعزل يزيد بن المهلب ويخبره بطاعة آل المهلب لابن الزبير وأنه لا وفاء لهم فكتب إليه عبد الملك إنى لا أرى تقصيرا بولد المهلب طاعتهم لآل الزبير ولا وفاءهم لهم فان طاعتهم ووفاءهم لهم هو دعاهم إلى طاعتي والوفاء لى ثم ذكر بقية الخبر نحو الذى ذكره على بن محمد (وفى هذه السنة) غزا المفضل باذغيس ففتحها ذكر الخبر عن ذلك ذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد قال عزل الحجاج يزيد وكتب إلى المفضل بولايته على خراسان سنة 85 فوليها تسعة أشهر فغزا باذغيس ففتحها وأصاب مغنما فقسمه بين الناس فأصاب كل رجل منهم ثمانمائة درهم ثم غزا اخرون وشومان فظفر وغنم وقسم ما أصاب بين الناس ولم يكن للمفضل بيت مال كان يعطى الناس كلما جاءه شئ وإن غنم شيئا قسمه بينهم فقال كعب الاشقري يمدح المفضل: ترى ذا الغنى والفقر من كل معشر * عصائب شتى ينتوون المفضلا فمن زائر يرجو فواضل سيبه * وآخر يقضى حاجة قد ترحلا إذا ما انتوينا غير أرضك لم نجد * بها منتوى خيرا ولا متعللا

[ 195 ]

إذا ما عددنا الاكرمين ذوى النهى * وقد قدموا من صالح كنت أولا لعمري لقد صال المفضل صولة * أباحت بشومان المناهل والكلا ويوم ابن عباس تناولت مثلها * فكانت لنا بين الفريقين فيصلا صفت لك أخلاق المهلب كلها * وسربلت من مسعاته ما تسربلا أبوك الذى لم يسع ساع كسعيه * فأورث مجدا لم يكن متنحلا (وفى هذه السنة) قتل موسى بن عبد الله بن خازم السلمى بالترمذ ذكر سبب قتله ومصيره إلى الترمذ حتى قتل بها ذكر أن سبب مصيره إلى الترمذ كان أن أباه عبد الله بن خازم لما قتل من قتل من بنى تميم بفرتنا وقد مضى ذكرى خبر قتله إياهم تفرق عنه عظم من كان بقى معه منهم فخرج إلى نيسابور وخاف بنى تميم على ثقله بمرو فقال لابنه موسى حول ثقلى عن مرو وأقطع نهر بلخ حتى تلجأ إلى بعض الملوك أو إلى حصن تقيم فيه فشخص موسى من مرو في عشرين ومائتي فارس فأتى آمل وقد ضوى إليه قوم من الصعاليك فصار في أربعمائة وانضم إليه رجال من بنى سليم منهم زرعة بن علقمة فأتى زم فقاتلوه فظفر بهم وأصاب مالا وقطع النهر فأتى بخارى فسأل صاحبها أن يلجأ إليه فأبى وخافه وقال رجل فاتك وأصحابه مثله أصحاب حرب وشر فلا آمنه وبعث إليه بصلة عين ودواب وكسوة ونزل على عظيم من عظماء أهل بخارى في نوقان فقال له إنه لا خير لك في المقام في هذه البلاد وقد هابك القوم وهم لا يأمنونك فأقام عند دهقان نوقان أشهرا ثم خرج يلتمس ملكا يلجأ إليه أو حصنا فلم يأت بلدا إلا كرهوا مقامه فيهم وسألوه أن يخرج عنهم * قال على بن محمد فأتى سمرقند فأقام بها وأكرمه طرخون ملكها وأذن له في المقام فأقام ما شاء الله ولاهل الصغد مائدة يوضع عليها لحم ودك وخبز وابريق شراب وذلك في كل عام يوما يجعل ذلك لفارس الصغد فلا يقربه أحد غيره هو طعامه في ذلك اليوم فإن أكل منه أحد غيره بارزه فأيهما قتل صاحبه فالمائدة له فقال رجل من أصحاب موسى ما هذه المائدة فأخبر

[ 196 ]

عنها فسكت فقال صاحب موسى لآكلن ما على هذه المائدة ولا بارزن فارس الصغد فإن قتلته كنت فارسهم فجلس فأكل ما عليها وقيل لصاحب المائدة فجاء مغضبا فقال يا عربي بارزنى قال نعم وهل أريد إلا المبارزة فبارزه فقتله صاحب موسى فقال ملك الصغد أنزلتكم وأكرمتكم فقتلتم فارس الصغد لو لا أنى أعطيتك وأصحابك الامان لقتلتكم اخرجوا عن بلدي ووصله فخرج موسى فأتى كس فكتب صاحب كس إلى طرخون يستنصره فأتاه فخرج إليه موسى في سبعمائة فقاتلهم حتى أمسوا وتحاجزوا وبأصحاب موسى جراح كثير فلما أصبحوا أمرهم موسى فحلقوا رؤوسهم كما يصنع الخوارج وقطعوا صفنات أخبيتهم كما يصنع العجم إذا استماتوا وقال موسى لزرعة بن علقمة انطلق إلى طرخون فاحتل له فأتاه فقال له طرخون لم صنع أصحابك ما صنعوا قال استقتلوا فما حاجتك إلى أن تقتل أيها الملك موسى وتقتل فإنك لا تصل إليه حتى يقتل مثل عدتهم منكم ولو قتلته وإياهم جميعا ما نلت حظا لان له قدرا في العرب فلا يلى أحد خراسان إلا طالبك بدمه فإن سلمت من واحد لم تسلم من آخر قال ليس إلى ترك كس في يده سبيل قال فكف عنه حتى يرتحل فكف وأتى موسى الترمذ وبها حصن يشرف على النهر إلى جانب منه فنزل موسى على بعض دهاقين الترمذ خارجا من الحصن والدهقان مجانب لترمذ شاه فقال لموسى إن صاحب الترمذ متكرم شديد الحياء فإن ألطفته وأهديت إليه أدخلك حصنه فإنه ضعيف قال كلا ولكني أسأله أن يدخلنى حصنه فسأله فأبى فما كره موسى وأهدى له وألطفه حتى لطف الذى بينهما وخرج فتصيد معه وكثر الطاف موسى له فصنع صاحب الترمذ طعاما وأرسل إليه إنى أحب أكرمك فتغد عندي وائتنى في مائة من أصحابك فانتخب موسى من أصحابه مائة فدخلوا على خيولهم فلما صارت في المدينة تصاهلت فتطير أهل الترمذ وقالوا لهم انزلوا فنزلوا فأدخلوا بيتا خمسين في خمسين وغدوهم فلما فرغوا من الغداء اضطجع موسى فقالوا له اخرج قال لا أصيب منزلا مثل هذا فلست بخارج منه حتى يكون بيتى أو قبري وقاتلوهم في المدينة فقتل من أهل الترمذ عدة وهرب الآخرون فدخلوا منازلهم وغلب موسى على المدينة وقال لترمذ شاه

[ 197 ]

اخرج فإنى لست أعرض لك ولا لاحد من أصحابك فخرج الملك وأهل المدينة فأتوا الترك يستنصرونهم فقالوا دخل إليكم مائة رجل فأخرجوكم عن بلادكم وقد قاتلناهم بكس فنحن لا نقاتل هؤلاء فأقام ابن خازم بالترمذ ودخل إليه أصحابه وكانوا سبعمائة فأقام فلما قتل أبوه انضم إليه من أصحاب أبيه أربعمائة فارس فقوى فكان يخرج فيغير على من حوله قال فأرسل الترك قوما إلى أصحاب موسى ليعلموا علمه فلما قدموا قال موسى لاصحابه لا بد من مكيدة لهؤلاء قال وذلك في أشد الحر فأمر بنار فأججت وأمر أصحابه فلبسوا ثياب الشتاء ولبسوا فوقها لبودا ومدوا أيديهم إلى النار كأنهم يصطلون وأذن موسى للترك فدخلوا ففزعوا مما رأوا وقالوا لم صنعتم هذا قالوا نجد البرد في هذا الوقت ونجد الحر في الشتاء فرجعوا وقالوا جن لا نقاتلهم قال وأراد صاحب الترك أن يغزو موسى فوجه إليه رسلا وبعث بسم ونشاب في مسك وإنما أراد بالسم أن حربهم شديدة والنشاب الحرب والمسك السلم فاختر الحرب أو السلم فأحرق السلم وكسر النشاب ونثر المسك فقال القوم لم يريدوا الصلح وأخبر أن حربهم مثل النار وأنه يكسرنا فلم يغزهم قال فولى بكير بن وشاح خراسان فلم يعرض له ولم يوجه إليه أحدا ثم قدم أمية فسار بنفسه يريده فخالفه بكير وخلع فرجع إلى مرو فلما صالح أمية بكيرا أقام عامه ذلك فلما كان في قابل وجه إلى موسى رجلا من خزاعة في جمع كثير فعاد أهل الترمذ إلى الترك فاستنصروهم فأبوا فقالوا لهم قد غزاهم قوم منهم وحصروهم فان أعناهم عليهم ظفرنا بهم فسارت الترك مع أهل الترمذ في جمع كثير فأطاف بموسى الترك والخزاعي فكان يقاتل الخزاعى أول النهار والترك آخر النهار فقاتلهم شهرين أو ثلاثة فقال موسى لعمرو بن خالد بن حصين الكلابي وكان فارسا قد طال أمرنا وأمر هؤلاء وقد أجمعت أن أبيت عسكر الخزاعى فانهم للبيات آمنون فما ترى قال البيات نعما هو وليكن ذلك بالعجم فإن العرب أشد حذرا وأسرع فزعا وأجرأ على الليل من العجم فبيتهم فإنى أرجوا أن ينصرنا الله عليهم ثم ننفرد لقتال الخزاعى فنحن في

[ 198 ]

حصن وهم بالعراء وليسوا بأولى بالصبر ولا أعلم بالحرب منا قال فأجمع موسى على بيات الترك فلما ذهب من الليل ثلثه خرج في أربعمائة وقال لعمرو بن خالد اخرجوا بعدنا وكونوا منا قريبا فإذا سمعتم تكبيرنا فكبروا وأخذ على شاطئ النهر حتى ارتفع فوق العسكر ثم أخذ من ناحية كفتان فلما قرب من عسكرهم جعل أصحابه أرباعا ثم قال أطيفوا بعسكرهم فإذا سمعتم تكبيرنا فكبروا وأقبل وقدم عمرا بين يديه ومشوا خلفه فلما رأته أصحاب الارصاد قالوا من أنتم قالوا عابرى سبيل قال فلما جازوا الرصد تفرقوا وأطافوا بالعسكر وكبروا فلم يشعر الترك إلا بوقع السيوف فثاروا يقتل بعضهم بعضا وولوا وأصيب من المسلمين ستة عشر رجلا وحووا عسكرهم وأصابوا سلاحا ومالا وأصبح الخزاعى وأصحابه قد كسرهم ذلك وخافوا مثلها من البيات فتحذروا فقال لموسى عمرو بن خالد إنك لا تظفر إلا بمكيدة ولهم أمداد وهم يكثرون فدعني آتهم لعلى أصيب من صاحبهم فرصة إنى إن خلوت به قتلته فتناولنى بضرب قال تتعجل الضرب وتتعرض للقتل قال أما التعرض للقتل فأنا كل يوم متعرض له وأما الضرب فما أيسره في جنب ما أريد فتناوله بضرب ضربه خمسين سوطا فخرج من عسكر موسى فاتى عسكر الخزاعى مستأمنا وقال أنا رجل من أهل اليمن كنت مع عبد الله بن خازم فلما قتل أتيت ابنه فلم أزل معه وكنت أول من أتاه فلما قدمت اتهمني وتعصب على وتنكر لى وقال لى قد تعصبت لعدونا فأنت عين له فضربني ولم آمن القتل وقلت ليس بعد الضرب إلا القتل فهربت منه فآمنه الخزاعى وأقام معه قال فدخل يوما وهو خال ولم ير عنده سلاحا فقال كأنه ينصح له أصلحك الله إن مثلك في مثل حالك لا ينبغى أن يكون في حال من أحواله بغير سلاح فقال إن معى سلاحا فرفع صدر فراشه فإذا سيف منتضى فتناوله عمرو فضربه فقتله وخرج فركب فرسه ونذروا به بعد ما أمعن فطلبوه ففاتهم فأتى موسى وتفرق ذلك الجيش فقطع بعضهم النهر وأتى بعضهم موسى مستأمنا فآمنه فلم يوجه إليه أمية أحدا قال وعزل أمية وقدم المهلب أميرا فلم يعرض لابن خازم وقال لبنيه إياكم وموسى

[ 199 ]

فانكم لا تزالون ولاة هذا الثغر ما أقام هذا الثط بمكانه فان قتل كان أول طالع عليكم أميرا على خراسان رجل من قيس فمات المهلب ولم يوجه إليه أحدا ثم تولى يزيد بن المهلب فلم يعرض له وكان المهلب ضرب حريث بن قطبة الخزاعى فخرج هو وأخوه ثابت إلى موسى فلما ولى يزيد بن المهلب أخذ أموالهما وحرمهما وقتل أخاهما لا مهما الحارث بن منقذ وقتل صهرا لهما كانت عنده أم حفص ابنة ثابت فبلغهما ما صنع يزيد قال فخرج ثابت إلى طرخون فشكا إليه ما صنع به وكان ثابت محببا في العجم بعيد الصوت يعظمونه ويتقون به فكان الرجل منهم إذا أعطى عهدا يريد الوفاء به حلف بحياة ثابت فلا يغدر فغضب له طرخون وجمع له نيزك والسبل وأهل بخارى والصغانيا فقدموا مع ثابت إلى موسى بن عبد الله وقد سقط إلى موسى فل عبد الرحمن بن العباس من هراة وفل ابن الاشعث من العراق ومن ناحية كابل وقوم من بنى تميم ممن كان يقاتل ابن خازم في الفتنة من أهل خراسان فاجتمع إلى موسى ثمانية آلاف من تميم وقيس وربيعة واليمن فقال له ثابت وحريث سر حتى تقطع النهر فتخرج يزيد بن المهلب عن خراسان ونوليك فإن طرخون ونيزك والسبل وأهل بخارى معك فهم أن يفعل فقال له أصحابه إن ثابتا وأخاه خائفان ليزيد وإن أخرجت يزيد عن خراسان وأمنا توليا الامر وغلباك على خراسان فأقم مكانك فقبل رأيهم وأقام بالترمذ وقال لثابت إن أخرجنا يزيد قدم عامل لعبد الملك ولكنا نخرج عمال يزيد من وراء النهر مما يلينا وتكون هذه الناحية لنا نأكلها فرضى ثابت بذلك وأخرج من كان من عمال يزيد من وراء النهر وحملت إليهم الاموال وقوى أمرهم وأمر موسى وانصرف طرخون ونيزك وأهل بخارى والسبل إلى بلادهم وتدبير الامر لحريث وثابت والامير موسى ليس له غير الاسم فقال لموسى أصحابه لسنا نرى من الامر في يديك شيئا أكثر من اسم الامارة فأما التدبير فلحريث وثابت فاقتلهما وتول الامر فأبى وقال ما كنت لا غدر بهما وقد قويا أمرى فحسدوهما وألحوا على موسى في أمرهما حتى أفسدوا قلبه وخوفوه غدرهما وهم بمتابعتهم على الوثوب بثابت

[ 200 ]

وحريث واضطرب أمرهم فإنهم لفى ذلك إذ خرجت عليهم الهياطلة والتبت والترك فأقبلوا في سبعين ألفا لا يعدون الحاسر ولا صاحب بيضة جماء ولا يعدون إلا صاحب بيضة ذات قونس قال فخرج ابن خازم إلى ربض المدينة في ثلثمائة راجل وثلاثين مجففا وألقى له كرسى فقعد عليه قال فأمر طرخون أن يثلم حائط الربض فقال موسى دعوهم فهدموا ودخل أوائلهم فقال دعوهم يكثرون وجعل يقلب طبرزينا بيده فلما كثروا قال الآن امنعوهم فركب وحمل عليهم فقاتلهم حتى أخرجهم عن الثلمة ثم رجع فجلس على الكرسي ودمر الملك أصحابه ليعودوا فأبوا فقال لفرسانه هذا الشيطان من سره أن ينظر إلى رستم فلينظر إلى صاحب الكرسي فمن أبى فليقدم عليه ثم تحولت الاعاجم إلى رستاق كفتان قال فأغاروا على سرح موسى فاغتم ولم يطعم وجعل يعبث بلحيته فسار ليلا على نهر في حافتيه نبات لم يكن فيه ماء وهو يفضى إلى خندقهم في سبعمائة فأصبحوا عند عسكرهم وخرج السرح فأغار عليه فاستاقه واتبعه قوم منهم فعطف عليه سوار مولى لموسى فطعن رجلا منهم فصرعه فرجعوا عنهم وسلم موسى بالسرح قال وغاداهم العجم القتال فوقف ملكهم على تل في عشرة آلاف في أكمل عدة فقال موسى إن أزلتم هؤلاء فليس الباقون بشئ فقصد لهم حريث بن قطبة فقاتلهم صدر النهار وألح عليهم حتى أزالوهم عن التل ورمى يومئذ حريث بنشابة في جهته فتحاجزوا فبيتهم موسى وحمل أخوه خازم بن عبد الله بن خازم حتى وصل إلى شمعة ملكهم فوجأ رجلا منهم بقبيعة سيفه فطعن فرسه فاحتمله فألقاه في نهر بلخ فغرق وعليه درعان فقتل العجم قتلا ذريعا ونجا منهم من نجا بشر ومات حريث بن قطبة بعد يومين فدفن في قبته قال وارتحل موسى وحملوا الرؤس إلى الترمذ فبنوا من تلك الرؤس جوسقين وجعلوا الرؤس يقابل بعضها بعضا وبلغ الحجاج خبر الوقعة فقال الحمد لله الذى نصر المنافقين على الكافرين فقال أصحاب موسى قد كفينا أمر حريث فأرحنا من ثابت فأبى وقال لا وبلغ ثابتا بعض ما يخوضون فيه فدس محمد بن عبد الله بن مرثد الخزاعى عم نصر بن عبد الحميد

[ 201 ]

عامل أبى مسلم على الرى وكان في خدمة موسى عبد الله وقال له إياك أن تتكلم بالعربية وان سألوك من أين أنت فقل من سبى الباميان فكان يخدم موسى وينقل إلى ثابت خبرهم فقال له تحفظ ما يقولون وحذر ثابت فكان لا ينام حتى يرجع الغلام وأمر قوما من شاكريته يحرسونه ويبيتون عنده في داره ومعهم قوم من العرب وألح القوم على موسى فأضجروه فقال لهم ليلة قد أكثرتم على وفيها تريدون هلاككم وقد أبرمتمونى فعلى أي وجه تفتكون به وأنا لا أغدر به فقال نوح بن عبد الله أخو موسى خلنا وإياه فإذا غدا إليك عدوة عدلنا به إلى بعض الدور فضربنا عنقه فيها قبل أن يصل إليك قال أما والله إنه لهلاككم وأنتم أعلم والغلام يسمع فأتى ثابتا فأخبره فخرج من ليلته في عشرين فارسا فمضى وأصبحوا وقد ذهب فلم يدروا من أين أوتوا وفقدوا الغلام فعلموا أنه كان عينا له عليهم ولحق ثابت بحشورا فنزل المدينة وخرج إليه قوم كثير من العرب والعجم فقال موسى لاصحابه قد فتحتم على أنفسكم بابا فسدوه وسار إليه موسى فخرج إليه ثابت في جمع كثير فقاتلهم فأمر موسى بإحراق السور وقاتلهم حتى ألجؤا ثابتا وأصحابه إلى المدينة وقاتلوهم عن المدينة فأقبل رقبة بن الحر العنبري حتى اقتحم النار فانتهى إلى باب المدينة ورجل من أصحاب ثابت واقف يحمى أصحابه فقتله ثم رجع فخاض النار وهى تلتهب وقد أخذت بجوانب نمط عليه فرمى به عنه ووقف وتحصن ثابت في المدينة وأقام موسى في الربض وكان ثابت حين شخص إلى حشورا أرسل إلى طرخون فأقبل طرخون معينا له وبلغ موسى مجئ طرخون فرجع إلى الترمذ وأعانه أهل كس ونسف وبخاري فصار ثابت في ثمانين ألفا فحصروا موسى وقطعوا عنه المادة حتى جهدوا قال وكان أصحاب ثابت يعبرون نهرا إلى موسى بالنهار ثم يرجعون بالليل إلى عسكرهم فخرج يوما رقبة وكان صديقا لثابت وقد كان ينهى أصحاب موسى عما صنعوا فنادى ثابتا فبرز له وعلى رقبة قباء خز فقال له كيف حالك يا رقبة فقال ما تسأل عن رجل عليه جبة خز في حمارة القيظ وشكا إليه حالهم فقال أنتم صنعتم هذ بأنفسكم فقال أما والله ما دخلت في أمرهم

[ 202 ]

ولقد كرهت ما أرادوا فقال ثابت أين تكون حتى يأتيك ما قدر لك قال أنا عند المحل الطفاوى رجل من قيس من يعصر وكان المحل شيخا صاحب شراب فنزل رقبة عنده قال فبعث ثابت إلى رقبة بخمسمائة درهم مع على بن المهاجر الخزاعى وقال إن لنا تجارا قد خرجوا من بلخ فإذا بلغك أنهم قد قدموا فأرسل إلى تأتك حاجتك فأتى على باب المحل فدخل فإذا رقبة والمحل جالسان بينهما جفنة فيها شراب وخوان عليه دجاج وأرغفة ورقبة شعث الرأس متوشح بملحفة حمراء فدفع إليه الكيس وأبلغه الرسالة وما كلمه وتناول الكيس وقال له بيده اخرج ولم يكلمه قال وكان رقبة جسيما كبيرا غائر العينين ناتئ الوجنتين مفلج بين كل سنين له موضع سن كأن وجهه ترس قال فلم أضاق أصحاب موسى واشتد عليهم الحصار قال يزيد بن هزيل إنما مقام هؤلاء مع ثابت والقتل أحسن من الموت جوعا والله لافتكن بثابت أو لاموتن فخرج إلى ثابت فاستأمنه فقال له ظهير أنا أعرف بهذا منك إن هذا لم يأتك رغبة فيك ولا جزعا لك ولقد جاءك بغدرة فاحذره وخلنى وإياه فقال ما كنت لا قدم على رجل أتانى لا أدرى أكذلك هو أم لا قال فدعني أرتهن منه رهنا فأرسل ثابت إلى يزيد فقال أما أنا فلم أكن أظن رجلا يغدر بعد ما يسأل الامان وابن عمك أعلم بك منى فانظر ما يعاملك عليه فقال يزيد لظهير أبيت يا أبا سعيد إلا حسدا قال أما يكفيك ما ترى من الذل تشردت عن العراق وعن أهلى وصرت بخراسان فيما ترى أفما تعطفك الرحم فقال له ظهير أما والله لو تركت ورأيى فيك لما كان هذا ولكن أرهنا ابنيك قدامة والضحاك فدفعهما إليهم فكانا في يدى سهير قال وأقام يزيد يلتمس غرة ثابت لا يقدر منه على ما يريد حتى مات ابن لزياد القصير الخزاعى أتى أباه نعيه من مرو فخرج ثابت متفضلا إلى زياد ليعزيه ومعه ظهير ورهط من أصحابه وفيهم يزيد ابن هزيل وقد غابت الشمس فلما صار على نهر الصغانيان تأخر يزيد بن هزيل ورجلان معه وقد تقدم ظهير وأصحابه فدنا يزيد من ثابت فضربه فعض السيف برأسه فوصل إلى الدماغ قال ورمى يزيد وصاحباه بأنفسهم في نهر الصغانيان

[ 203 ]

فرموهم فنجا يزيد سباحة وقتل صاحباه وحمل ثابت إلى منزله فلما أصبح طرخون أرسل إلى ظهير ائتنى بابنى يزيد فأتاه بهما فقدم ظهير الضحاك بن يزيد فقتله ورمى به وبرأسه في النهر وقدم قدامة ليقتله فالتفت فوقع السيف في صدره ولم يبن فألقاه في النهر حيا فغرق فقال طرخون أبو هما قتلهما وغدره فقال يزيد ابن هزيل لاقتلن بابنى كل خزاعي بالمدينة فقال له عبد الله بن بديل بن عبد الله ابن بديل بن ورقاء وكان ممن أتى موسى من فل بن الاشعث لو رمت ذاك من خزاعة لصعب عليك وعاش ثابت سبعة أيام ثم مات وكان يزيد بن هزيل سخيا شجاعا شاعرا ولى أيام بن زياد جزيرة ابن كاوان فقال قد كنت أدعو الله في السر مخلصا * ليمكننى من جزية ورجال فأترك فيها ذكر طلحة خاملا * ويحمد فيها نائلي وفعالى قال فقام بأمر العجم بعد موت ثابت طرخون وقام ظهير بأمر أصحاب ثابت فقاما قياما ضعيفا وانتشر أمرهم فأجمع موسى على بياتهم فجاء رجل فأخبر طرخون فضحك وقال موسى يعجز أن يدخل متوضأه فكيف يبيتنا لقد طار قلبك لا يحرسن الليلة أحد العسكر فلما ذهب من الليل ثلثه خرج موسى في ثمانمائة قد عباهم من النهار وصيرهم أرباعا قال فصير على ربع رقبة ابن الحر وعلى ربع أخاه نوح بن عبد الله ابن خازم وعلى ربع يزيد ابن هزيل وصار هو في ربع وقال لهم إذا دخلتم عسكرهم فتفرقوا ولا يمرن أحد منكم بشئ الا ضربه فدخلوا عسكرهم من أربع نواح لا يمرون بدابة ولا رجل ولا خباء ولا جولق إلا ضربوه وسمع الوجبة نيزك فلبس سلاحه ووقف في ليلة مظلمة وقال لعلى بن المهاجر الخزاعى انطلق إلى طرخون فأعلمه موقفي وقل له ما ترى أعمل به فأتى طرخون فإذا هو في فازة قاعد على كرسى وشاكريته قد أوقدوا النيران بين يديه فأبلغه رسالة نيزك فقال اجلس وهو طامح ببصره نحو العسكر والصوت إذ أقبل محمية السلمى وهو يقول حم لا ينصرون فتفرق في الشاكرية ودخل محمية الفازة وقام إليه طرخون فبدره فضربه فلم يغن شيئا قال وطعنه طرخون بذباب السيف في صدره فصرعه

[ 204 ]

ورجع إلى الكرسي فجلس عليه وخرج محمية يعدو قال ورجعت الشاكرية فقال لهم طرخون فررتم من رجل أرأيتم لو كان نارا هل كانت تحرق منكم أكثر من واحد فما فرغ من كلامه حتى دخل جواريه الفازة وخرج الشاكرية هرابا فقال للجواري اجلسن وقال لعلى بن المهاجر قم قال فخرجا فإذا نوح بن عبد الله ابن خازم في السرادق فتجاولا ساعة واختلفا ضربتين فلم يصنعا شيئا وولى نوح وأتبعه طرخون فطعن فرس نوح في خاصرته فشب فسقط نوح والفرس في نهر الصغابيان ورجع طرخون وسيفه يقطر دما حتى دخل السرادق وعلى ابن المهاجر معه ثم دخلا الفازة وقال طرخون للجواري ارجعن فرجعن إلى السرادق وأرسل طرخون إلى موسى كف أصحابك فانا نرتحل إذا أصبحنا فرجع موسى إلى عسكره فلما أصبحوا ارتحل طرخون والعجم جميعا فأتى كل قوم بلادهم قال وكان أهل خراسان يقولون ما رأينا مثل موسى بن عبد الله بن خازم ولا سمعنا به قاتل مع أبيه سنتين ثم خرج يسير في بلاد خراسان حتى أتى ملكا فغلبه على مدينته وأخرجه منها ثم سارت إليه الجنود من العرب والترك فكان يقاتل العرب أول النهار والعجم آخر النهار وأقام في حصنه خمس عشرة سنة وصار ما وراء النهر لموسى لا يعازه فيه أحد قال وكان بقومس رجل يقال له عبد الله يجتمع إليه فتيان يتنادمون عنده في مؤونته ونفقته فلزمه دين فأتى موسى بن عبد الله فأعطاه أربعة آلاف فأتى بها أصحابه فقال الشاعر يعاتب رجلا يقال له موسى فما أنت موسى إذ يناجى إلهه * ولا واهب القينات موسى بن خازم قال فلما عزل يزيدو ولى المفضل خراسان أراد أن يحظى عند الحجاج بقتال موسى بن عبد الله فأخرج عثمان بن مسعود وكان يزيد حبسه فقال إنى أريد أن أوجهك إلى موسى بن عبد الله فقال والله لقد وترنى وإنى لثائر بابن عمتى ثابت وبالخزاعي وما يد أبيك وأخيك عندي وعند أهل بيتى بالحسنة لقد حبستموني وشردتم بنى عمى واصطفيتم أموالهم فقال له المفضل دع هذا عنك وسر فأدرك بثأرك فوجهه في ثلاثة آلاف وقال له مر مناديا فليناد من لحق بنا فله ديوان فنادى

[ 205 ]

بذلك في السوق فسارع إليه الناس وكتب المفضل إلى مدرك وهو ببلخ أن يسير معه فخرج فلما كان ببلخ خرج ليلة يطوف في العسكر فسمع رجلا يقول قتلته والله فرجع إلى أصحابه فقال قتلت موسى ورب الكعبة قال فأصبح فسار من بلخ وخرج مدرك معه متثاقلا فقطع النهر فنزل جزيرة بالترمذ يقال لها اليوم جزيرة عثمان لنزول عثمان بها في خمسة عشر ألفا وكتب إلى السبل وإلى طرخون فقدموا عليه فحصروا موسى فضيقوا عليه وعلى أصحابه فخرج موسى ليلا فأتى كفتان فامتار منها ثم رجع فمكث شهرين في ضيق وقد خندق عثمان وحذر البيات فلم يقدر موسى منه على غرة فقال لاصحابه حتى متى اخرجوا بنا فاجعلوا يومكم إما ظفرتم وإما قتلتم وقال لهم اقصدوا اللصغد والترك فخرج وخلف النضر بن سليمان بن عبد الله ابن خازم في المدينة وقال له ان قتلت فلا تدفعن المدينة إلى عثمان وادفعها إلى مدرك بن المهلب وخرج فصير ثلث أصحابه بإزاء عثمان وقال لا تهايجوه إلا أن يقاتلكم وقصد لطرخون وأصحابه فصدقوهم فانهزم طرخون والترك وأخذوا عسكرهم فجعلوا ينقلونه ونظر معاوية بن خالد بن أبى برزة إلى عثمان وهو على برذون لخالد بن أبى برزة الاسلمي فقال أنزل أيها الامير فقال خالد لا تنزل فان معاوية مشؤم وكرت الصغد والترك راجعة فحالوا بين موسى وبين الحصن فقاتلهم فعقر به فسقط فقال لمولى له احملني فقال الموت كريه ولكن ارتدف فان نجونا نجونا جميعا وإن هلكنا هلكنا جميعا قال فارتدف فنظر إليه عثمان حين وثب فقال وثبة موسى ورب الكعبة وعليه مغفر له موشى بخز أحمر في أعلاه ياقوتة اسمانجونية فخرج من الخندق فكشفوا أصحاب موسى فقصد لموسى وعثرت دابة موسى فسقط هو ومولاه فابتدروه فانطووا عليه فقتلوه ونادى منادى عثمان لا تقتلوا أحدا من لقيتموه فخذوه أسيرا قال فتفرق أصحاب موسى وأسر منهم قوم فعرضوا على عثمان فكان إذا أتى بأسير من العرب قال دماؤنا لكم حلال ودماؤكم علينا حرام ويأمر بقتله وإذا أتى بأسير من الموالى شتمه وقال هذه العرب تقاتلني فهلا غضبت لى فيأمر به فيشدخ وكان فظا غليظا فلم يسلم عليه يومئذ أسير إلا عبد الله بن بديل بن عبد الله

[ 206 ]

ابن بديل بن ورقاء فانه كان مولاه فلما نظر إليه أعرض عنه وأشار بيده أن خلوا عنه ورقبة بن الحر لما أتى به نظر إليه وقال ما كان من هذا الينا كبير ذنب وكان صديقا لثابت وكان مع قوم فوفى لهم والعجب كيف أسرتموه قالوا طعن فرسه فسقط عنه في وهدة فأسر فأطلقه وحمله وقال لخالد بن أبى برزة ليكن عندك قال وكان الذى أجهز على موسى بن عبد الله واصل بن طيسلة العنبري ونظر يومئذ عثمان إلى زرعة بن علقمة السلمى والحجاج بن مروان وسنان الاعرابي ناحية ناحية فقال لكم الامان فظن الناس انه لم يؤمنهم حتى كاتبوه قال وبقيت المدينة في يدى النضر بن سليمان بن عبد الله بن خازم فقال لا أدفعها إلى عثمان ولكني أدفعها إلى مدرك فدفعها إليه وآمنه فدفعها مدرك إلى عثمان وكتب المفضل بالفتح إلى الحجاج فقال الحجاج العجب من ابن بهلة آمره بقتل ابن سمرة فيكتب إلى إنه قتل موسى بن عبد الله بن خازم قال وقتل موسى سنة 85 فذكر البحترى أن مغراء بن المغيرة بن أبى صفرة قتل موسى فقال وقد عركت بالترمذ الخيل خازما * ونوحا وموسى عركة بالكلاكل قال فضرب رجل الجند ساق موسى فلما ولى قتيبة أخبر عنه فقال ما دعاك إلى ما صنعت بقتى العرب بعد موته قال كان قتل أخى فأمر به قتيبة فقتل بين يديه (وفى هذه السنة) أراد عبد الملك بن مروان خلع أخيه عبد العزيز بن مروان ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهما فيه * ذكر الواقدي ان عبد الملك هم بذلك فنهاه عنه قبيصة بن ذؤيب وقال لا تفعل هذا فإنك باعث على نفسك صوت نعار ولعل الموت يأتيه فتستريح منه فكف عبد الملك عن ذلك ونفسه تنازعه إلى أن يخلعه ودخل عليه روح بن زنباع الجذامي وكان أجل الناس عند عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين لو خلعته ما انتطح فيه عنزان فقال ترى ذلك يا أبا زرعة قال إى والله وأنا أول من يجيبك إلى ذلك فقال نصيح ان شاء الله قال فبينا هو على ذلك وقد نام عبد الملك وروح بن زنباع إذ دخل عليها قبيصة بن ذؤيب طروقا وكان عبد الملك قد تقدم إلى حجابه

[ 207 ]

فقال لا يحجب عنى قبيصة أي ساعة جاء من ليل أو نهار إذا كنت خاليا أو عندي رجل واحد وان كنت عند النساء أدخل المجلس وأعلمت بمكانه فدخل وكان الخاتم إليه وكانت السكة إليه تأتيه الاخبار قبل عبد الملك ويقرأ الكتاب قبله ويأتى بالكتاب إلى عبد الملك منشورا فيقرأه إعظاما لقبيصة فدخل عليه فسلم عليه وقال آجرك الله يا أمير المؤمنين في أخيك عبد العزيز قال وهل توفى قال نعم فاسترجع عبد الملك ثم أقبل على روح فقال كفانا الله أبا زرعة ما كنا نريد وما أجمعنا عليه وكان ذلك مخالفا لك يا أبا اسحاق فقال قبيصة ما هو فأخبره بما كان فقال قبيصة يا أمير المؤمنين إن الرأى كله في الاناة والعجلة فيها ما فيها فقال عبد الملك ربما كان في العجلة خير كثير رأيت أمر عمرو بن سعيد ألم تكن العجلة فيه خيرا من التأني (وفى هذه السنة) توفى عبد العزيز بن مروان بمصر في جمادى الاولى فضم عبد الملك عمله إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك وولاه مصر وأما المدائني فانه قال في ذلك ما حدثنا به أبو زيد عنه أن الحجاج كتب إلى عبد الملك يزين له بيعة الوليد وأوفد وفدا في ذلك عليهم عمران بن عصام العنزي فقام عمران خطيبا فتكلم وتكلم الوفد وحثوا عبد الملك وسألوه ذلك فقال عمران بن عصام أمير المؤمنين إليك نهدى * على النأى التحية والسلاما أجبني في بنيك يكن جوابي * لهم عادية ولنا قواما فلو أن الوليد أطاع فيه * جعلت له الخلافة والذماما شبيهك حول قبته قريش * به يستمطر الناس الغماما ومثلك في التقى لم يصب يوما * لدن خلع القلائد والتماما فإن تؤثر أخاك بها فإنا * وجدك لا نطق لها اتهاما ولكنا نحاذر من بنيه * بنى العلات مأثرة سماما ونخشى أن جعلت الملك فيهم * سحابا أن تعود لهم جهاما فلا يك ما حلبت غدا لقوم * وبعد غد بنوك هم العياما فأقسم لو تخطأني عصام * بذلك ما عذرت به عصاما

[ 208 ]

ولو أنى حبوت أخا بفضل * أريد به المقالة والمقاما لعقب في بنى على بنيه * كذلك أو لرمت له مراما فمن يك في أقاربه صدوع * فصدع الملك أبطأه التئاما فقال عبد الملك يا عمران انه عبد العزيز قال احتل له يا أمير المؤمنين قال على أراد عبد الملك بيعة الوليد قبل أمر ابن الاشعث لان الحجاج بعث في ذلك عمران بن عصام فلما أبى عبد العزيز أعرض عبد الملك عما أراد حتى مات عبد العزيز ولما أراد أن يخلع أخاه عبد العزيز ويبايع لابنه الوليد كتب إلى أخيه إن رأيت أأتصير هذا الامر لابن أخيك فأبى فكتب إليه فاجعلها له من بعدك فانه أعز الخلق على أمير المؤمنين فكتب إليه عبد العزيز إنى أرى في أبى بكر بن عبد العزيز ما ترى في الوليد فقال عبد الملك اللهم ان عبد العزيز قطعني فاقطعه فكتب إليه عبد الملك احمل خراج مصر فكتب إليه عبد العزيز يا أمير المؤمنين انى واياك قد بلغنا سنا لم يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلا وإنى لا أدرى ولا تدرى أينا يأتيه الموت أولا فان رأيت أن لا تغثث على بقية عمرى فافعل فرق له عبد الملك وقال لعمري لا أغثث عليه بقية عمره وقال لا بنيه إن يرد الله أن يعطيكموها لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك وقال لا بنيه الوليد وسليمان هل قارفتما حراما قط قالا لا والله قال الله أكبر نلتماها ورب الكعبة قال فلما أبى عبد العزيز أن يجيب عبد الملك إلى ما أراد قال عبد الملك اللهم قد قطعني فاقطعه فلما مات عبد العزيز قال أهل الشأم رد على أمير المؤمنين أمره فدعا عليه فاستجيب له قال وكتب الحجاج إلى عبد الملك يشير عليه أن يستكتب محمد بن يزيد الانصاري وكتب إليه إن أردت رجلا مأمونا فاضلا عاقلا وديعا مسلما كتوما تتخذه لنفسك وتضع عنده سرك وما لا تحب أن يظهر فاتخذ محمد بن يزيد فكتب إليه عبد الملك احمله إلى فحمله فاتخذه عبد الملك كاتبا قال محمد فلم يكن يأتيه كتاب إلا دفعه إلى ولا يستر شيئا إلا أخبرني به وكتمه الناس ولا يكتب إلى عامل من عماله إلا أعلمنيه فإنى لجالس يوما نصف النهار إذا أنا ببريد قد قدم من مصر فقال الاذن على أمير المؤمنين

[ 209 ]

قلت ليست هذه ساعة إذن فأعلمني ما قد قدمت له قال لا قلت فإن كان معك كتاب فادفعه إلى قال لا قال فأبلغ بعض من حضرني أمير المؤمنين فخرج فقال ما هذا قلت رسول قدم من مصر قال فخذ الكتاب قلت زعم أنه ليس معه كتاب قال فسله عما قدم له قلت قد سألته فلم يخبرني قال أدخله فأدخلته فقال آجرك الله يا أمير المؤمنين في عبد العزيز فاسترجع وبكى ووجم ساعة ثم قال يرحم الله عبد العزيز مضى والله عبد العزيز لشأنه وتركنا وما نحن فيه ثم بكى النساء وأهل الدار ثم دعاني من غد فقال إن عبد العزيز رحمه الله قد مضى لسبيله ولا بد الناس من علم وقائم يقوم بالامر من بعدى فمن ترى قلت يا أمير المؤمنين سيد الناس وأرضاهم وأفضلهم الوليد بن عبد الملك قال صدقت وفقك الله فمن ترى أن يكون بعده قلت يا أمير المؤمنين أين تعد لها عن سليمان فتى العرب قال وفقت أما إنا لو تركنا الوليد وإياها لجعلها لبنيه اكتب عهدا للوليد وسليمان بن بعده فكتبت بيعة الوليد ثم سليمان من بعده فغضب على الوليد فلم يولنى شيأ حين أشرت بسليمان من بعده قال على عن ابن جعدبة كتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل المخزومى أن يدعو الناس لبيعة الوليد وسليمان فبايعوا غير سعيد بن المسيب فإنه أبى وقال لا أبايع وعبد الملك حى فضربه هشام ضربا مبرحا وألبسه المسوح وسرحه إلى ذباب ثنية بالمدينة كانوا يقتلون عندها ويصلبون فظن أنهم يريدون قتله فما انتهوا به إلى ذلك الموضع ردوه فقال لو ظننت أنهم لا يصلبوني ما لبست سراويل مسوح ولكن قلت يصلبونني فيسترنى وبلغ عبد الملك الخبر فقال قبح الله هشاما وإنما كان ينبغى أن يدعوه إلى البيعة فان أبى يضرب عنقه أو يكف عنه (وفى هذه السنة) بايع عبد الملك لا بنيه الوليد ثم من بعده لسليمان وجعلهما وليى عهد المسلمين وكتب ببيعته لهما إلى البلدان فبايع الناس وامتنع من ذلك سعيد بن المسيب فضربه هشام بن إسماعيل وهو عامل عبد الملك على المدينة وطاف به وحبسه فكتب عبد الملك إلى هشام يلومه على ما فعل من ذلك وكان ضربه ستين سوطا وطاف به في تبان شعر حتى بلغ به رأس الثنية وأما الحارث فإنه قال حدثنى ابن سعد عن محمد

[ 210 ]

ابن عمر الواقدي قال حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا قالوا استعمل عبد الله بن الزبير جابر بن الاسود بن عوف الزهري على المدينة فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير فقال سعيد بن المسيب لا حتى يجتمع الناس فضربه ستين سوطا فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إلى جابر يلومه وقال ما لنا ولسعيد دعه * وحدثني الحارث عن ابن سعد أن محمد بن عمر أخبره قال حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا أن عبد العزيز بن مروان توفى بمصر في جمادى سنة 84 فعقد عبد الملك لا بنيه الوليد وسليمان العهد وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان وعامله يومئذ هشام بن إسماعيل المخزومى فدعا الناس إلى البيعة فبايع الناس ودعا سعيد بن المسيب أن يبايع لهما فأبى وقال لا حتى أنظر فضربه هشام بن إسماعيل ستين سوطا وطاف به في تبان شعر حتى بلغ به رأس الثنية فلما كروا به قال أين تكرون بى قالوا إلى السجن قال والله لولا أنى ظننت أنه الصلب لما لبست هذا التبان أبدا فرده إلى السجن وحبسه وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه وما كان من أمره فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع ويقول سعيد والله كان أحوج أن تصل رحمه من أن تضربه وإنا لنعلم ما عنده من شقاق ولا خلاف (وحج) بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومى كذلك حدثنا أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وكان العامل على المشرق في هذه السنة مع العراق الحجاج ابن يوسف ثم دخلت سنة ست وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك هلاك عبد الملك بن مروان وكان مهلكه في النصف من شوال منها * حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال توفى عبد الملك بن مروان يوم الخميس للنصف من شوال سنة 86 فكانت خلافته ثلاث عشرة سنة وخمسة أشهر * وأما الحارث فإنه حدثنى عن ابن سعد

[ 211 ]

عن محمد بن عمر قال حدثنى شرحبيل بن أبى عون عن أبيه قال أجمع الناس على عبد الملك بن مروان سنة 73 قال ابن عمر وحدثني أبو معشر نجيح قال مات عبد الملك بن مروان بدمشق يوم الخميس للنصف من شوال سنة 86 فكانت ولايته منذ يوم بويع إلى يوم توفى إحدى وعشرين سنة وشهرا ونصفا كان تسع سنين منها يقاتل فيها عبد الله بن الزبير ويسلم عليه بالخلافة بالشأم ثم بالعراق بعد مقتل مصعب وبقى بعد مقتل عبد الله بن الزبير واجتماع الناس عليه ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر إلا سبع ليال * وأما على بن محمد المدائني فانه فيما حدثنا أبو زيد عنه قال مات عبد الملك سنة 86 بدمشق وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة عشر يوما ذكر الخبر عن مبلغ سنه يوم توفى اختلف أهل السير في ذلك فقال أبو معشر فيه ما حدثنى الحارث عن ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى أبو معشر نجيح قال مات عبد الملك بن مروان وله ستون سنة (قال الواقدي) وقد روى لنا أنه مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة قال والاول أثبت وهو على مولده قال وولد سنة 26 في خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه وشهد يوم الدار مع أبيه وهو ابن عشر سنين وقال المدائني على بن محمد فيما ذكر أبو زيد عنه مات عبد الملك وهو ابن ثلاث وستين سنة ذكر نسبه وكنيته أما نسبه فانه عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف وأما كنيته فأبو الوليد وأما عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبى العاص ابن أمية وله يقول ابن قيس الرقيات أنت ابن عائشة التى * فضلت أروم نسائها لم تلتفت للداتها * ومضت على غلوائها ذكر أولاده وأزواجه منهم الوليد وسليمان ومروان الاكبر درج وعائشة أمهم ولادة بنت العباس

[ 212 ]

ابن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث ابن قطيعة بن عبس بن بغيض ويزيد ومروان ومعاوية درج وأم كلثوم وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبى سفيان وهشام وأمه أم هشام بنت هشام ابن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومى وقال المدائني اسمها عائشة بنت هشام وأبو بكر واسمه بكار أمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله والحكم درج أمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان وفاطمة بنت عبد الملك أمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة وعبد الله ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير والحجاج لامهات أولاد * قال المدائني وكان له من النساء سوى من ذكرنا شقراء بنت سلمة بن حليس الطائى وابنة لعلى بن أبى طالب عليه السلام وأم أبيها بنت عبد الله بن جعفر * وذكر المدائني عن عوانة وغيره أن سلمة بن زيد بن وهب بن نباتة الفهمى دخل على عبد الملك فقال له أي الزمان أدركت أفضل وأى الملوك أكمل قال أما الملوك فلم أر إلا ذاما وحامدا وأما الزمان فيرفع اقواما ويضع اقواما وكلهم يذم زمانه لانه يبلى جديدهم ويهرم صغيرهم وكل ما فيه منقطع غير الامل قال فأخبرني عن فهم قال هم كما قال من قال درج الليل والنهار على فه‍ * م بن عمرو فأصبحوا كالرميم وخلت دارهم فأضحت يبابا * بعد عز وثروة ونعيم وكذلك الزمان يذهب بالنا * س وتبقى ديارهم كالرسوم قال فمن يقول منكم رأيت الناس مذ خلقوا وكانوا * يحبون الغنى من الرجال وإن كان الغنى قليل خير * بخيلا بالقليل من النوال فما أدرى علام وفيم هذا * وماذا يرتجون من البخال أللدنيا فليس هناك دنيا * ولا يرجى لحادتة الليالى قال أنا * قال على قال أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط

[ 213 ]

لعبد الملك بن مروان نبئت أن ابن القلمس عابنى * ومن ذا من الناس الصحيح المسلم فأبصر سبل الرشد سيد قومه * وقد يبصر الرشد الرئيس المعمم فمن أنتم ها خبرونا من انتم * وقد جعلت أشياء تبدوو تكتم فقال عبد الملك ما كنت أرى أن مثلنا يقال له من أنتم أما والله لولا ما تعلم لقلت قولا ألحقكم بأصلكم الخبيث ولضربتك حتى تموت وقال عبد الله بن الحجاج الثعلبي لعبد الملك يا ابن أبى العاص ويا خير فتى * أنت سداد الدين إن دين وهى أنت الذى لا يجعل الامر سدى * حيب قريش عنكم حوب الرحى إن أبا العاصى وفى ذاك اعتصى * أوصى بنيه فوعوا عنه الوصي إن يسعروا الحرب ويأبوا ما أبى * الطاعنين في النحور والكلى شزرا ووصلا للسيوف بالخطى * إلى القتال فحووا ما قد حوى قال أعشى بنى شيبان عرفت قريش كلها * لبنى أبى العاص الاماره لابرها وأحقها * عند المشورة بالاشارة المانعين لما ولوا * والنافعين ذوى الضراره وهم أحقهم بها * عند الحلاوة والمرارة وقال عبد الملك ما أعلم مكان أحد أقوى على هذا الامر منى وإن ابن الزبير لطويل الصلاة كثير الصيام ولكن لبخله لا يصلح أن يكون سائسا خلافة الوليد بن عبد الملك (وفى هذه السنة) بويع للوليد بن عبد الملك بالخلافة فذكر أنه لما دفن أباه وانصرف عن قبره دخل المسجد فصعد المنبر واجتمع إليه الناس فخطب فقال إنا لله وإنا إليه راجعون والله المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين والحمد لله على ما أنعم به علينا من الخلافة قوموا فبايعوا فكان أول من قام لبيعته

[ 214 ]

عبد الله بن همام السلولى فإنه قام وهو يقول الله أعطاك التى لا فوقها * وقد أراد الملحدون عوقها عنك ويأبى الله إلا سوقها * إليك حتى قلدوك طوقها فبايعه ثم تتابع الناس على البيعة * وأما الواقدي فإنه ذكر أن الوليد لما رجع من دفن أبيه ودفن خارج باب الجابية ولم يدخل منزله حتى صعد على منبر دمشق فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أيها الناس إنه لا مقدم لما أخر الله ولا مؤخر لما قدم الله وقد كان من قضاء الله وسابق علمه وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت وقد صار إلى منازل الابرار ولى هذه الامة الذى يحق عليه لله من الشدة على المريب واللين لاهل الحق والفضل وإقامة ما أقام الله من منار الاسلام وأعلامه من حج هذا البيت وغزو هذه الثغور وشن هذه الغارة على أعداء الله فلم يكن عاجزا ولا مفرطا أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فإن الشيطان مع الفرد أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذى فيه عيناه ومن سكت مات بدائه ثم نزل فنظر إلى ما كان من دواب الخلافة فحازه وكان جبارا عنيدا (وفى هذه السنة) قدم قتيبة بن مسلم خراسان واليا عليها من قبل الحجاج فذكر على بن محمد أن كليب بن خلف أخبره عن طفيل بن مرداس العمى والحسن بن رشيد عن سليمان بن كثير العمى قال أخبرني عمى قال رأيت قتيبة بن مسلم حين قدم خراسان في سنة 86 فقدم والمفضل يعرض الجند وهو يريد أن يغزو آخرون وشومان فخطب الناس قتيبة وحثهم على الجهاد وقال إن الله أحلكم هذا المحل ليعز دينه ويذب بكم عن الحرمات ويزيد بكم المال استفاضة والعدو وقما وعد نبيه صلى الله عليه وسلم النصر بحديث صادق وكتاب ناطق فقال (هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) ووعد المجاهدين في سبيله أحسن الثواب وأعظم الذخر عنده فقال (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظما ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله إلى قوله أحسن ما كانوا يعملون) ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنه حى مرزوق فقال (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله

[ 215 ]

أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) فتنجزوا موعود ربكم ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمضى ألم وإياى والهوينا ذكر ما كان من أمر قتيبة بخراسان في هذه السنة ثم عرض قتيبة الجند في السلاح والكراع وسار واستخلف بمرو على حربها إياس بن عبد الله بن عمرو وعلى الخراج عثمان بن السعدى فلما كان بالطالقان تلقاه دهاقين بلخ وبعض عظمائهم فساروا معه فلما قطع النهر تلقاه بيش الاعور ملك الصغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب فدعاه إلى بلاده فأتاه وأتى ملك كفتان بهدايا وأموال ودعاه إلى بلاده فمضى مع بيش إلى الصغانيان فسلم إليه بلاده وكان ملك أخرون وشومان قد أساء جوار بيش وغزاه وضيق عليه فسار قتيبة إلى أخرون وشومان وهما من طخارستان فجاءه غيسلشتان فصالحه على فدية أداها إليه فقبلها قتيبة ورضى ثم انصرف إلى مرو واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم وتقدم جنده فسبقهم إلى مرو وفتح صالح بعد رجوع قتيبة باسار التحصن وكان معه نصر بن سيار فأبلى يومئذ فوهب له قرية تدعى تنجانة ثم قدم صالح على قتيبة فاستعمله على الترمذ وقال وأما الباهليون فيقولون قدم قتيبة خراسان سنة 85 فعرض الجند فكان جميع ما أحصوا من الدروع في جند خراسان ثلاثمائة وخمسين درعا فغزا أخرون وشومان ثم قفل فركب السفن فانحدر إلى آمل وخلف الجند فأخذوا طريق بلخ إلى مرو وبلغ الحجاج فكتب إليه يلومه ويعجز رأيه في تخليفه الجند وكتب إليه إذا غزوت فكن في مقدم الناس وإذا قفلت فكن في أخرياتهم وساقتهم * وقد قيل إن قتيبة أقام قبل أن يقطع النهر في هذه السنة على بلخ لان بعضها كان منتقضا عليه وقد ناصب المسلمين فحارب أهلها فكان ممن سبى امرأة برمك أبى خالد بن برمك وكان برمك على النو بهار فصارت لعبد الله بن مسلم الذى يقال له الفقير أخى قتيبة بن مسلم فوقع عليها وكان به شئ من الجذام ثم إن أهل بلخ صالحوا من غد اليوم الذى حاربهم قتيبة فأمر قتيبة يرد السبى فقالت امرأة برمك لعبدالله بن مسلم يا نازى إنى قد علقت منك وحضرت

[ 216 ]

عبد الله بن مسلم الوفاة فأوصى أن يلحق به ما في بطنها وردت إلى برمك * فذكر أن ولد عبد الله بن مسلم جاءوا أيام المهدى حين قدم الرى إلى خالد فادعوه فقال لهم مسلم بن قتيبة إنه لا بد لكم إن استلحقتموه ففعل من أن تزوجوه فتركوه وأعرضوا عن دعواهم وكان برمك طبيبا فداوى بعد ذلك مسلمة من علة كانت به (وفى هذه السنة) غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم (وفيها) حبس الحجاج ابن يوسف يزيد بن المهلب وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان وعبد الملك بن المهلب عن شرطته (وحج) بالناس في هذه السنة هشام بن اسماعيل المخزومى كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وكان الامير على العراق كله والمشرق كله الحجاج بن يوسف وعلى الصلاة بالكوفة المغيرة بن عبد الله بن أبى عقيل وعلى الحرب بها من قبل الحجاج زياد بن جرير بن عبد الله وعلى البصرة أيوب بن الحكم وعلى خراسان قتيبة بن مسلم ثم دخلت سنة سبع وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث (ففى هذه السنة) عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن اسماعيل عن المدينة وورد عزله عنها فيما ذكر ليلة الاحد لسبع ليال خلون من شهر ربيع الاول سنة 87 وكانت إمرته عليها أربع سنين غير شهر أو نحوه (وفى هذه السنة) ولى الوليد عمر بن عبد العزيز المدينة قال الواقدي قدمها واليا في شهر ربيع الاول وهو ابن خمس وعشرين سنة وولد سنة 62 قال وقدم على ثلاثين بعيرا فنزل دار مروان قال فحدثني عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال لما قدم عمر بن عبد العزيز المدينة ونزل دار مروان دخل عليه الناس فسلموا فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا بكر ابن سليمان بن أبى خيثمة وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عامر بن ربيعة وخارجة بن يزيد فدخلوا

[ 217 ]

عليه فجلسوا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال إنى إنما دعوتكم لامر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانا على الحق ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأى من حضر منكم فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لى ظلامة فأحرج الله على من بلغه ذلك إلا بلغني فخرجوا يجزونه خيرا وافترقوا قال وكتب الوليد إلى عمر يأمره أن هشام يقف بن إسماعيل للناس وكان فيه سيئ الرأى قال الواقدي فحدثني داود بن جبير قال أخبرتني أم ولد سعيد بن المسيب أن سعيدا دعا ابنه ومواليه فقال إن هذا الرجل يوقف للناس أو قد وقف لا يتعرض له أحد ولا يؤذه بكلمة فانا سنترك ذلك لله وللرحم فان كان ما علمت لسيئ النظر لنفسه فأما كلامه فلا أكلمه أبدا * قال وحدثني محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر عن أبيه قال كان هشام بن إسماعيل يسئ جوارنا ويؤذينا ولقى منه على بن الحسين أذى شديدا فلما عزل أمر به الوليد أن يوقف للناس فقال ما أخاف إلا من على بن الحسين فمر به على وقد وقف عند دار مروان وكان على قد تقدم إلى خاصته أن لا يعرض له أحد منهم بكلمة فلما مر ناداه هشام بن إسماعيل الله أعلم حيث يجعل رسالته (وفى هذه السنة) قدم نيزك على قتيبة وصالح قتيبة أهل باذغيس على أن لا يدخلها قتبية ذكر الخبر عن ذلك ذكر على بن محمد أن أبا الحسن الخشمى أخبره عن أشياخ من أهل خراسان وجبلة بن فروخ عن محمد بن المثنى أن نيزك طرخان كان في يديه أسراء من المسلمين وكتب إليه قتيبة حين صالح ملك شومان فيمن في يديه من أسرى المسلمين أن يطلقهم ويهدده في كتابه فخافه نيزك فأطلق الاسرى وبعث بهم إلى قتيبة فوجه إليه قتيبة سليمان الناصح مولى عبيد الله بن أبى بكرة يدعوه إلى الصلح وإلى أن يؤمنه وكتب إليه كتابا يحلف فيه بالله لئن لم يقدم عليه ليغزونه ثم ليطلبنه حيث كان لا يقلع عنه حتى يظفر به أو يموت قبل ذلك فقدم سليم على نيزك بكتاب قتيبة وكان يستنصحه فقال له يا سليم ما أظن عند صاحبك خيرا كتب إلى كتابا لا يكتب إلى مثلى قال

[ 218 ]

له سليم يا أبا الهياج إن هذا رجل شديد في سلطانه سهل إذا سوهل صعب إذا عوسر فلا يمنعك منه غلظة كتابه إليك فما أحسن حالك عنده وعند جميع مضر فقدم نيزك مع سليم على قتيبة فصالحه أهل باذغيس في سنة 87 على أن لا يدخل باذغيس (وفى هذه السنة) غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم ومعه يزيد بن جبير فلقى الروم في عدد كثير بسوسنة من ناحية المصيصة قال الواقدي فيها لاقى مسلمة ميمونا الجرجاني ومع مسلمة نحو من ألف مقاتل من أهل انطاكية عند طوانة فقتل منهم بشرا كثيرا وفتح الله على يديه حصونا وقيل إن الذى غزا الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك ففتح الله على يديه حصن بولق وحصن الاخرم وحصن بولس وقمقم وقتل من المستعربة نحوا من ألف مقاتل وسبى ذراريهم ونساءهم (وفى هذه السنة) غزا قتيبة بيكند ذكر الخبر عن غزوته هذه ذكر على بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس عن أبيه عن حصين بن مجاهد الرازي وهارون بن عيسى عن يونس بن أبى إسحاق وغيرهم أن قتيبة لما صالح نيزك أقام إلى وقت الغزو ثم غزا في تلك السنة سنة 87 بيكند فسار من مرو وأتى مرو روذ ثم أتى آمل ثم مضى إلى زم فقطع النهر وسار إلى بيكند وهى أدنى مدائن بخارى إلى النهر يقال لها مدينة التجار على رأس المفازة من بخارى فلما نزل بعقوتهم استنصروا الصغد واستمدوا من حولهم فأتوهم في جمع كثير وأخذوا بالطريق فلم ينفذ لقتيبة رسول ولم يصل إليه رسول ولم يجر له خبر شهرين وأبطأ خبره على الحجاج فأشفق الحجاج على الجند فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد وكتب بذلك إلى الامصار وهم يقتتلون في كل يوم قال وكان لقتيبة عين يقال له تنذر من العجم فأعطاه أهل بخارى الاعلى ما لا على أن يفثأ عنهم قتيبة فأتاه فقال أخلني فنهض الناس واحتبس قتيبة ضرار بن حصين الضبى فقال تنذر هذا عامل يقدم عليك وقد عزل الحجاج فلو انصرفت بالناس إلى مرو فدعا قتيبة سياه مولاه فقال اضرب عنق تنذر فقتله ثم قال لضرار لم يبق أحد يعلم هذا الخبر غيرى

[ 219 ]

وغيرك وإنى أعطى الله عهد ان ظهر هذا الحديث من أحد حتى تنقضي حربنا هذه لالحقنك به فأملك لسانك فان انتشار هذا الحديث يفت في أعضاد الناس ثم أذن للناس قال فدخلوا فراعهم قتل تنذر فوجموا وأطرقوا فقال قتيبة ما يروعكم من قتل عبد أحانه الله قالوا إنا كنا نظنه ناصحا للمسلمين قال بل كان غاشا فأحانه الله بذنبه فقد مضى لسبيله فاغدوا على قتال عدوكم والقوهم بغير ما كنتم تلقونهم به فغدا الناس متأهبين وأخذوا مصافهم ومشى قتيبة فحض أهل الرايات فكانت بين الناس مشاولة ثم تزاحفوا والتقوا وأخذت السيوف مأخذها وأنزل الله على المسلمين الصبر فقاتلوهم حتى زالت الشمس ثم منح الله المسلمين أكتافهم فانهزموا يريدون المدينة وأتبعهم المسلمون فشغلوهم عن الدخول فتفرقوا وركبهم المسلمون قتلا وأسرا كيف شاؤا واعتصم من دخل المدينة بالمدينة وهم قليل فوضع قتيبة الفعلة في أصلها ليهدمها فسألوه الصلح فصالحهم واستعمل عليهم رجلا من بنى قتيبة وارتحل عنهم يريد الرجوع فلما سار مرحلة أو ثنتين وكان منهم على خمس فراسخ نقضوا وكفروا فقتلوا العامل وأصحابه وجدعوا آنفهم وآذانهم وبلغ قتيبة فرجع إليهم وقد تحصنوا فقاتلهم شهرا ثم وضع الفعلة في أصل المدينة فعلقوها بالخشب وهو يريد إذا فرغ من تعليقها أن يحرق الخشب فتنهدم فسقط الحائط وهم يعلقونه فقتل أربعين من الفعلة فطلبوا الصلح فأبى وقاتلهم فظفر بهم عنوة فقتل من كان فيها من المقاتلة وكان فيمن أخذوا في المدينة رجل أعور كان هو الذى استجاش الترك على المسلمين فقال لقتيبة أنا أفدى نفسي فقال له سليم الناصح ما تبذل قال خمسة آلاف حريرة صينية قيمتها ألف ألف فقال قتيبة ما ترون قالوا نرى أن فداه زيادة في غنائم المسلمين وما عسى أن يبلغ من كيد هذا قال لا والله لا تروع بك مسلمة أبدا وأمر به فقتل * قال على قال أبو الذيال عن المهلب بن إياس عن أبيه والحسن بن رشيد عن طفيل بن مرداس أن قتيبة لما فتح بيكند أصابوا فيها من آنية الذهب والفضة ما لا يحصى فولى الغنائم والقسم عبد الله بن وألان العدوى أحد بنى ملكان وكان قتيبة

[ 220 ]

يسميه الامين ابن الامين وإياس بن بيهس الباهلى فأذابا الآنية والاصنام فرفعاه إلى قتيبة ورفعا إليه خبث ما أذابا فوهبه لهما فأعطيا به أربعين ألفا فأعلماه فرجع فيه وأمرهما أن يذيباه فأذاباه فخرج منه خمسون ومائة ألف مثقال أو خمسون ألف مثقال وأصابوا في بيكند شيئا كثيرا وصار في أيدى المسلمين من بيكند شئ لم يصيبوا مثله بخراسان ورجع قتيبة إلى مرو وقوى المسلمون فاشتروا السلاح والخيل وجلبت إليهم الدواب وتنافسوا في حسن الهيئة والعدة وغالوا بالسلاح حتى بلغ الرمح سبعين وقال الكميت: ويوم بيكند لا تحصى عجائبه * وما بخاراء مما أخطأ العدد وكان في الخزائن سلاح وآلة من آلة الحرب كثيرة فكتب قتيبة إلى الحجاج يستأذنه في دفع ذلك السلاح إلى الجند فأذن له فأخرجوا ما كان في الخزائن من عدة الحرب وآلة السفر فقسمه في الناس فاستعدوا فلما كان أيام الربيع ندب الناس وقال إنى أغزيكم قبل أن تحتاجوا إلى حمل الزاد وأنتقلكم قبل أن تحتاجوا إلى الادفاء فسار في عدة حسنة من الدواب والسلاح فأتى آمل ثم عبر من زم إلى بخارى فأتى نو مشكث وهى من بخارى فصالحوه قال على حدثنا أبو الذيال عن أشياخ من بنى عدى أن مسلما الباهلى قال لو ألان إن عندي مالا أحب أن أستودعكه قال أتريد أن يكون مكتوما أولا تكره أن يعلمه الناس قال أحب أن تكتمه قال ابعث به مع رجل تثق به إلى موضع كذا وكذا ومره إذا رأى رجلا في ذلك الموضع أن يضع ما معه وينصرف قال نعم فجعل مسلم المال في خرج ثم حمله على بغل وقال لمولى له انطلق بهذا البغل إلى موضع كذا وكذا فإذا رأيت رجلا جالسا فخل عن البغل وانصرف فانطلق الرجل بالبغل وقد كان وألان أتى الموضع لميعاده فأبطأ عليه رسول مسلم ومضى الوقت الذى وعده فظن أنه قد بدا له فانصرف وجاء رجل من بنى تغلب فجلس في ذلك الموضع وجاء مولى مسلم فرأى الرجل جالسا فخلى عن البغل ورجع فقام التغلبي إلى البغل فلما رأى المال ولم ير مع البغل أحدا قاد البغل إلى منزله فأخذ البغل وأخذ المال فظن مسلم أن

[ 221 ]

المال قد صار إلى وألان فلم يسأل عنه حتى احتاج إليه فلقيه فقال مالى فقال ما قبضت شيئا ولا لك عندي مال قال فكان مسلم يشكوه ويتنقصه قال فأتى يوما مجلس بنى ضبيعة فشكاه والتغلبى جالس فقام إليه فخلا به وسأله عن المال فأخبره فانطلق به إلى منزله وأخرج الخرج فقال أتعرفه قال نعم قال والخاتم قال نعم قال اقبض مالك وأخبره الخبر فكان مسلم يأتي الناس والقبائل التى كان يشكو إليهم وألان فيعذره ويخبرهم الخبر وفى وألان يقول الشاعر: لست كو ألان الذى ساد بالتقى * ولست كعمران ولا كالمهلب وعمران بن الفضيل البرجمى (وحج) بالناس في هذه السنة فيما حدثنى أحمد ابن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة وكان على قضاء المدينة في هذه السنة أبو بكر بن عمرو بن حزم من قبل عمر بن عبد العزيز وكان على العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف وخليفته على البصرة في هذه السنة فيما قيل الجراح بن عبد الله الحكمى وعلى قضائها عبد الله بن أذينة وعامله على الحرب بالكوفة زياد بن جرير بن عبد الله وعلى قضائها أبو بكر بن أبى موسى الاشعري وعلى خراسان قتيبة بن مسلم ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من فتح الله على المسلمين حصنا من حصون الروم يدعى طوانة في جمادى الآخرة وشتوا بها وكان على الجيش مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بن عبد الملك * فذكر محمد بن عمر الواقدي أن ثور بن يزيد حدثه عن أصحابه قال كان فتح طوانة على يدى مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد وهزم المسلمون العدو يومئذ هزيمة صاروا إلى كنيستهم ثم رجعوا فانهزم الناس حتى ظنوا ألا يجتبروها أبدا وبقى العباس معه نفير منهم ابن محيريز الجمحى فقال العباس لابن محيريز أين أهل القرآن الذين يريدون

[ 222 ]

الجنة فقال ابن محيريز نادهم يأتوك فنادى العباس يا أهل القرآن فأقبلوا جميعا فهزم الله العدو حتى دخلوا طوانة وكان الوليد بن عبد الملك ضرب عبد الملك ضرب البعث على أهل المدينة في هذه السنة * فذكر محمد بن عمر عن أبيه أن مخرمة بن سليما الوالبى قال ضرب عليهم بعثت ألفين وإنهم تجاعلوا فخرج ألف وخمسمائة وتخلف خمسمائة فغزوا الصائفة مع مسلمة والعباس وهما على الجيش وإنهم شتوا بطوانة وافتتحوها (وفيها) ولد الوليد بن يزيد بن عبد الملك (وفيها) أمر الوليد بن عبد الملك بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدم بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإدخالها في المسجد فذكر محمد ابن عمر أن محمد بن جعفر بن وردان البناء قال رأيت الرسول الذى بعثه الوليد بن عبد الملك قدم في شهر ربيع الاول سنة 88 قدم معتجرا فقال الناس ما قدم به الرسول فدخل على عمر بن عبد العزيز بكتاب الوليد بأمره بإدخال حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد رسول الله وأن يشترى ما في مؤخره ونواحيه حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع ويقول له قدم القبلة إن قدرت وأنت تقدر لمكن أخوالك فإنهم لا يخالفونك فمن أبى منهم فمر أهل المصر فليقوموا له قيمة عدل ثم اهدم عليهم وادفع إليهم الاثمان فان لك في ذلك سلف صدق عمر وعثمان فأقرأهم كتاب الوليد وهم عنده فأجاب القوم إلى الثمن فأعطاهم إياه وأخذ في هدم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناء المسجد فلم يمكث إلا يسيرا حتى قدم الفعلة بعث بهم الوليد (قال محمد بن عمر) وحدثني موسى ابن يعقوب عن عمه قال رأيت عمر بن عبد العزيز يهدم المسجد ومعه وجوه الناس القاسم وسالم وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وعبيد الله بن عبد الله ابن عتبة وخارجة بن زيد وعبد الله بن عبد الله بن عمر يرونه أعلاما في المسجد ويقدرونه فاسسوا أساسه (قال محمد بن عمر) وحدثني يحيى بن النعمان الغفاري عن صالح بن كيسان قال لما جاء كتاب الوليد من دمشق سار خمس عشرة بهدم المسجد تجرد عمر بن عبد العزيز قال صالح فاستعملني على هدمه وبنائه فهدمناه

[ 223 ]

بعمال المدينة فبدأنا بهم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى قدم علينا الفعلة الذين بعث بهم الوليد (قال محمد) وحدثني موسى بن أبى بكر عن صالح ابن كيسان قال ابتدأنا بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر من سنة 88 وبعث الوليد إلى صاحب الروم يعلمه أنه أمر بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يعينه فيه فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهب وبعث إليه بمائة عامل وبعث إليه من الفسيفساء بأربعين حملا وأمر أن يتتبع الفسيفساء في المدائن التى خربت فبعث بها إلى الوليد فبعث بذلك الوليد إلى عمر بن عبد العزيز (وفى هذه السنة) ابتدأ عمر بن عبد العزيز في بناء المسجد (وفيها) غزا أيضا مسلمة الروم ففتح على يديه حصون ثلاثة حصن قسطنطين وغزالة وحصن الاخرم وقتل من المستعربة نحو من ألف مع سبى الذرية وأخذ الاموال (وفى هذه السنة) غزا قتيبة نومشكث وراميثنه ذكر الخبر عما كان من خبر غزوته هذه * ذكر على بن محمد أن المفضل بن محمد أخبره عن أبيه ومصعب بن حيان عن مولى لهم أدرك ذلك أن قتيبة غزا نو مشكث في سنة 88 واستخلف على مرو بشار ابن مسلم فتلقاه أهلها فصالحهم ثم صار إلى راميثنه فصالحه أهلها فانصرف عنهم وزحف إليه الترك معهم السغد وأهل فرغانة فاعترضوا المسلمين في طريقهم فلحقوا عبد الرحمن بن مسلم الباهلى وهو على الساقة بينه وبين قتيبة وأوائل العسكر ميل فلما قربوا منه أرسل رسولا إلى قتيبة بخبره وغشيه الترك فقاتلوه وأتى الرسول قتيبة فرجع بالناس فانتهى إلى عبد الرحمن وهو يقاتلهم وقد كاد الترك يستعلونهم فلما رأى الناس قتيبة طابت أنفسهم فصبروا وقاتلوهم إلى الظهر وأبلى يومئذ نيزك وهو مع قتيبة فهزم الله الترك وفض جمعهم ورجع قتيبة يريد مرو وقطع النهر من الترمذ يريد بلخ ثم أتى مرو وقال الباهليون لقى الترك المسلمين عليهم كوربغانون التركي ابن أخت ملك الصين في مائتي ألف فأظهر الله المسلمين عليهم (وفى هذه السنة) كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز في تسهيل الثنايا وحفر

[ 224 ]

الآبار في البلدان (قال محمد بن عمر) حدثنى ابن أبى سبرة قال حدثنى صالح ابن كيسان قال كتب الوليد إلى عمر في تسهيل الثنايا وحفر الآبار بالمدينة وخرجت كتبه إلى البلدان بذلك وكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله بذلك قال وحبس المجذمين عن أن يخرجوا على الناس وأجرى عليهم أرزاقا وكانت تجرى عليهم وقال ابن أبى سبرة عن صالح بن كيسان قال كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز أن يعمل الفوارة التى عند دار يزيد بن عبد الملك اليوم فعملها عمر وأجرى ماءها فلما حج الوليد وقف عليها فنظر إلى بيت الماء والفوارة فأعجبته وأمر لها بقوام يقومون عليها وأن يسقى أهل المسجد منها ففعل ذلك (وحج) بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز في رواية محمد بن عمر * ذكر أن محمد بن عبد الله بن جبير مولى لبنى العباس حدثه عن صالح بن كيسان قال خرج عمر بن عبد العزيز تلك السنة يعنى سنة 88 بعدة من قريش أرسل إليهم بصلات وظهر للحمولة وأحرموا معه من ذى الحليفة وساق معه بدنا فلما كان بالتنعيم لقيهم نفر من قريش منهم ابن أبى مليكة وغيره فاخبروه أن مكة قليلة الماء وانهم يخافون على الحاج العطش وذلك ان المطر قل فقال عمر فالمطلب ههنا بين تعالوا ندع الله قال فرأيتهم دعوا ودعا معهم فألحوا في الدعاء قال صالح فلا والله ان وصلنا إلى البيت ذلك اليوم إلا مع المطر حتى كان مع الليل وسكبت السماء وجاء سيل الوادي فجاء أمر خافه أهل مكة ومطرت عرفة ومنى وجمع فما كانت إلا عبرا قال ونبتت مكة تلك السنة للخصب. وأما أبو معشر فانه قال حج بالناس سنة 88 عمر بن الوليد بن عبد الملك حدثنى بذلك احمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عنه وكانت العمال على الامصار في هذه السنة العمال الذين ذكرنا انهم كانوا عمالها في سنة 87 ثم دخلت سنة تسع وثمانين ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها من ذلك افتتاح المسلمين في هذه السنة حصن سورية وعلى الجيش مسلمة بن

[ 225 ]

عبد الملك زعم الواقدي أن مسلمة غزا في هذه السنة أرض الروم ومعه العباس ابن الوليد ودخلاها جميعا ثم تفرقا فافتتح مسلمة حصن سورية وافتتح العباس اذرولية ووافق من الروم جمعا فهزمهم وأما غير الواقدي فانه قال قصد مسلمة عمورية فوافق بها للروم جمعا كثيرا فهزمهم الله وافتتح هرقلة وقمودية وغزا العباس الصائفة من ناحية البدندون (وفى هذه السنة) غزا قتيبة بخارى ففتح راميثنه * ذكر على بن محمد عن الباهليين أنهم قالوا ذلك وأن قتيبة رجع بعد ما فتحها في طريق بلخ فلما كان بالفارياب أتاه كتاب الحجاج أن رد وردان خذاه فرجع قتيبة سنة 89 فأتى زم فقطع النهر فلقيه السغد وأهل كس ونسف في طريق المفازة فقاتلوه فظفر بهم ومضى إلى بخارى فنزل خرقانة السفلى عن يمين وردان فلقوه بجمع كثير فقاتلوهم يومين وليلتين ثم أعطاه الله الظفر عليهم فقال نهارين توسعة وباتت لهم منا بخرقان ليلة * وليلتنا كانت بخرقان أطولا قال على أخبرنا أبو الذيال عن المهلب بن إياس وأبو العلاء عن إدريس ابن حنظلة أن قتيبة غزا وردان خذاه ملك بخارى سنة 89 فلم يطقه ولم يظفر من البلد بشئ فرجع إلى مرو وكتب إلى الحجاج بذلك فكتب إليه الحجاج أن صورها لى فبعث إليه بصورتها فكتب إليه الحجاج أن ارجع إلى مراغتك فتب إلى الله مما كان منك وأتها من مكان كذا وكذا وقيل كتب إليه الحجاج أن كس بكس وانسف نسفا ورد وردان وإياك والتحويط ودعني من بنيات الطريق (وفى هذه السنة) ولى خالد بن عبد الله القسرى مكة فيما زعم الواقدي وذكر أن عمر بن صالح حدثه عن نافع مولى بنى مخزوم قال سمعت قال بن عبد الله يقول على منبر مكة وهو يخطب أيها الناس أيهما أعظم أخليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم والله لو لم تعلموا فضل الخليفة ألا إن ابراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه ملحا أجاجا واستسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا بئرا حفرها الوليد بن عبد الملك بالثنيتين ثنية طوى وثنية الحجون فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم قال ثم غارت البئر فذهبت فلا يدرى أين هي اليوم

[ 226 ]

(وفيها) غزا مسلمه بن عبد الملك الترك حتى بلغ الباب من ناحية آذربيجان ففتح حصونا ومدائن هنالك (وحج) بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان العمال في هذه على الامصار العمال في السنة التى قبلها وقد ذكرناهم قبل ثم دخلت سنة تسعين ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها (ففى هذه السنة) غزا مسلمة أرض الروم فيما ذكر محمد بن عمر من ناحية سورية ففتح الحصون الخمسة التى بسورية (وغزا) فيها العباس بن الوليد قال بعضهم حتى بلغ الارزن وقال بعضهم حتى بلغ سورية وقال محمد بن عمر قول من قال حتى بلغ سورية أصح (وفيها) قتل محمد بن القاسم الثقفى داهر بن صصة ملك السند وهو على جيش من قبل الحجاج بن يوسف (وفيها) استعمل الوليد قرة بن شريك على مصر موضع عبد الله بن عبد الملك (وفيها) أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر فذهبوا به إلى ملكهم فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك (وفيها) فتح قتيبة بخارى وهزم جموع العدو بها ذكر الخبر عن ذلك ذكر على بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس وأبو العلاء عن إدريس ابن حنظلة أن كتاب الحجاج لما ورد على قتيبة يأمره بالتوبة مما كان من انصرافه عن وردان خذاه ملك بخارى قبل الظفر به والمصير إليه ويعرفه الموضع الذى ينبغى له أن يأتي بلده منه خرج قتيبة إلى بخارى في سنة 90 غازيا فأرسل وردان خذاه إلى السغد والترك ومن حولهم يستنصرونهم فأتوهم وقد سبق إليها قتيبة فحصرهم فلما جاءتهم أمدادهم خرجوا إليهم ليقاتلوهم فقالت الازد اجعلونا على حدة وخلوا بيننا وبين قتالهم فقال قتيبة تقدموا فتقدموا يقاتلونهم وقتيبة جالس عليه رداء أصفر فوق سلاحه فصبروا جميعا مليا ثم جال المسلمون وركبهم المشركون

[ 227 ]

فحطموهم حتى دخلوا في عسكر قتيبة وجازوه حتى ضرب النساء وجوه الخيل وبكين فكروا راجعين وانطوت مجنبتا المسلمين على الترك فقاتلوهم حتى ردوهم إلى مواقفهم فوقف الترك على نشز فقال قتيبة من يزيلهم لنا عن هذا الموضع فلم يقدم عليهم أحد والاحياء كلها وقوف فمشى قتيبة إلى بنى تميم فقال يا بنى تميم إنكم أنتم بمنزلة الحطمية فيوم كأيامكم أبى لكم الفداء قال فأخذ وكيع اللواء بيده وقال يا بنى تميم أتسلمونني اليوم قالوا لا يا أبا مطرف وهريم بن أبى طحمة المجاشعى على خيل بنى تميم ووكيع رأسهم والناس وقوف فأحجموا جميعا فقال وكيع ياهريم قدم ودفع إليه الراية وقال قدم خيلك فتقدم هريم ودب وكيع في الرجال فانتهى هريم إلى نهر بينه وبين العدو فوقف فقال له وكيع اقحم يا هريم قال فنظر هريم إلى وكيع نظر الجمل الصؤول وقال أنا أقحم خيلى هذا النهر فان انكشفت كان هلاكها والله إنك لاحمق قال يا ابن اللخناء ألا أراك ترد أمرى وحذفه بعمود كان معه فضرب هريم فرسه فأقحمه وقال ما بعد هذا أشد من هذا وعبر هريم في الخيل وانتهى وكيع إلى النهر فدعا بخشب فقنطر النهر وقال لاصحابه من وطن منكم نفسه على الموت فليعبر ومن لا فليثبت مكانه فما عبر معه إلا ثمانمائة راجل فدب فيهم حتى إذا أعيوا أقعدهم فأراحوا حتى دنا من العدو فجعل الخيل مجنبتين وقال لهريم مطاعن القوم فاشغلهم عنا بالخيل وقال للناس شدوا فحملوا فما انثنوا حتى خالطوهم وحمل هريم خيله عليهم فطاعنوهم بالرماح فما كفوا عنهم حتى حدروهم عن موقفهم ونادى قتيبة أما ترون العدو منهزمين فما عبر أحد ذلك النهر حتى ولى العدو منهزمين فأتبعهم الناس ونادى قتيبة من جاء برأس فله مائة قال فزعم موسى بن المتوكل القريعى قال جاء يومئذ أحد عشر رجلا من بنى قريع كل رجل رجل يجئ برأس فيقال له من أنت فيقول قريعى قال فجاء رجل من الازد برأس فألقاه فقالوا له من أنت قال قريعى قال وجهم بن زحر قاعد فقال كذب والله أصلحك الله انه لابن عمى فقال له قتيبة ويحك ما دعاك إلى هذا قال رأيت كل من جاء قال قريعى فظننت أنه ينبغى لكل من جاء برأس أن يقول قريعى

[ 228 ]

قال فضحك قتيبة قال وجرح يومئذ خافان ؟ ؟ وابنه ورجع قتيبة إلى مرو وكتب إلى الحجاج انى بعثت عبد الرحمن بن مسلم ففتح الله على يديه قال وقد شهد الفتح مولى للحجاج فقدم فأخبره الخبر فغضب الحجاج على قتيبة فاغتم لذلك فقال له الناس ابعث وفدا من بنى تميم وأعطهم وأرضهم يخبروا الامير أن الامر على ما كتبت فبعث رجالا فيهم عرام بن شتير الضبى فلما قدموا على الحجاج صاح بهم وعابهم ودعا بالحجام بيده مقراض فقال لاقطعن ألسنتكم أو لتصدقنني قالوا الامير قتيبة وبعث عليهم عبد الرحمن فالفتح للامير والرأس الذى يكون على الناس وكلمه بهذا عرام بن شتير فسكن الحجاج (وفى هذه السنة) جدد قتيبة الصلح بينه وبين طرخون ملك السغد ذكر الخبر عن ذلك * قال على ذكر أبو السرى عن الجهم الباهلى قال لما أوقع قتيبة بأهل بخارى ففض جمعهم هابه أهل السغد فرجع طرخون ملك السغد ومعه فارسان حتى وقف قريبا من عسكر قتيبة وبينهما نهر بخارى فسأل أن يبعث إليه رجلا يكلمه فأمر قتيبة رجلا فدنا منه وأما الباهليون فيقولون نادى طرخون حيان النبطي فأتاه فسألهم الصلح على فدية يؤديها إليهم فأجابه قتيبة إلى ما طلب وصالحه وأخذ منه رهنا حتى يبعث إليه بما صالحه عليه وانصرف طرخون إلى بلاده ورجع قتيبة ومعه نيزك (وفى هذه السنة) غدر نيزك فنقض الصلح الذى كان بينه وبين المسلمين وامتنع بقلعته وعاد حربا فغزاه قتيبة ذكر الخبر عن سبب غدره وسبب الظفر به * قال على ذكر أبو الذيال عن المهلب بن إياس والمفضل الضبى عن أبيه وعلى ابن مجاهد وكليب بن خلف العمى كل قد ذكر شيئا فألفته وذكر الباهليون شيئا فألحقته في خبر هؤلاء وألفته أن قتيبة فصل من بخارى ومعه نيزك وقد ذعره ما قد رأى من الفتوح وخاف قتيبة فقال لاصحابه وخاصته متهم أنا مع هذا ولست آمنه وذلك أن العربي بمنزلة الكلب إذا ضربته نبح وإذا أطعمته بصبص واتبعك

[ 229 ]

وإذا غزوته ثم أعطيته شيئا رضى ونسى ما صنعت به وقد قاتله طرخون مرارا فلما أعطاه فدية قبلها ورضى وهو شديد السطوة فاجر فلو استأذنت ورجعت كان الرأى قالوا استأذنه فلما كان قتيبة بآمل استأذنه في الرجوع إلى تخارستان فأذن له فلما فراق عسكره متوجها إلى بلخ قال لاصحابه أغذوا السير فساروا سيرا شديدا حتى أتوا النوبهار فنزل يصلى فيه وتبرك به وقال لاصحابه إنى لا أشك أن قتيبة قد ندم حين فارقنا عسكره على اذنه لى وسيقدم الساعة رسوله على المغيرة بن عبد الله يأمره بحبسي فأقيموا ربئة تنظر فإذا رأيتم الرسول قد جاوز المدينة وخرج من الباب فانه لا يبلغ البروقان حتى نبلغ تخارستان فيبعث المغيرة رجلا فلا يدركنا حتى ندخل شعب خلم ؟ ؟ ففعلوا قال وأقبل رسول من قبل قتيبة إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك فلما مر الرسول إلى المغيرة وهو بالبروقان ومدينة بلخ يومئذ خراب ركب نيزك وأصحابه فمضوا وقدم الرسول على المغيرة فركب بنفسه في طلبه فوجده قد دخل شعب خلم فانصرف المغيرة وأظهر نيزك الخلع وكتب إلى أصبهبذ بلخ وإلى باذام ملك مروروذ وإلى سهرك ملك الطالقان وإلى ترسل ملك الفارياب وإلى الجوزجانى ملك الجوزجان يدعوهم إلى خلع قتيبة فأجابوه وواعدهم الربيع أن يجتمعوا ويغزوا قتيبة وكتب إلى كابل شاه يستظهر به وبعث إليه بثقله وماله وسأله أن يأذن له إن اضطر إليه أن يأتيه ويؤمنه في بلاده فأجابه إلى ذلك وضم ثقله قال وكان جيغويه ملك تخارستان ضعيفا واسمه الشذ فأخذه نيزك فقيده بقيد من ذهب مخافة أن يشغب عليه وجيغويه ملك تخارستان ونيزك من عبيده فلما استوثق منه وضع عليه الرقباء وأخرج عامل قتيبة من بلاد جغوبه وكان العامل محمد بن سليم الناصح وبلغ قتيبة خلعه قبل الشتاء وقد تفرق الجند فلم يبق مع قتيبة الا أهل مرو فبعث عبد الرحمن أخاه إلى بلخ في اثنى عشر ألفا إلى البروقان وقال أقم بها ولا تحدث شيئا فإذا حسر الشتاء فعسكر وسر نحو تخارستان واعلم انى قريب منك فسار عبد الرحمن فنزل البروقان وأمهل قتيبة حتى إذا كان في آخر الشتاء كتب إلى أبر شهر وبيورد وسرخس

[ 230 ]

وأهل هراة ليقدموا عليه فقدموا قبل أوانهم الذى كانوا يقدمون عليه فيه (وفى هذه السنة) أوقع قتيبة بأهل الطالقان بخراسان فيما قال بعض أهل الاخبار فقتل من أهلها مقتلة عظيمة وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ في نظام واحد ذكر الخبر عن سبب ذلك وكان السبب في ذلك فيما ذكر أن نيزك طرخان لما غدر وخلع قتيبة وعزم على حربه طابقه على حربه ملك الطالقان وواعده المصير إليه من استجاب للنهوض معه من الملوك لحرب قتيبة فلما هرب نيزك من قتيبة ودخل شعب خلم الذى يأخذ إلى طخارستان علم أنه لا طاقة له بقتيبة فهرب وسار قتيبة إلى الطالقان فأوقع بأهلها ففعل ما ذكرت فيما قبل وقد خولف قائل هذا القول فيما قال من ذلك وأنا ذاكره في أحداث سنة 91 (وحج) بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال محمد بن عمر وكان عمر بن عبد العزيز في هذه السنة عامل الوليد بن عبد الملك على مكة والمدينة والطائف وعلى العراق والمشرق الحجاج بن يوسف وعامل الحجاج على البصرة الجراح بن عبد الله وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة وعلى الكوفة زياد ابن جرير بن عبد الله وعلى قضائها أبو بكر بن أبى موسى وعلى خراسان قتيبة بن مسلم وعلى مصر قرة بن قرة بن شريك (وفى هذه السنة) هرب يزيد بن المهلب وإخوته الذين كانوا معه في السجن مع آخرين غيرهم فلحقوا بسليمان بن عبد الملك مستجيرين به من الحجاج بن يوسف والوليد بن عبد الملك ذكر الخبر عن سبب تخلصهم من سجن الحجاج ومسيرهم إلى سليمان (قال هشام) حدثنى أبو مخنف عن أبى المخارق الراسبى قال خرج الحجاج إلى رستقباذ للبعث لان الا كراد كانوا قد غلبوا على عامة أرض فارس فخرج بيزيد وباخوته المفضل وعبد الملك حتى قدم بهم رستقباذ فجعلهم في عسكره وجعل عليهم كهيئة الخندق وجعلهم في فسطاطا قريبا من حجرته وجعل عليهم حرسا من أهل الشأم وأغرمهم ستة آلاف ألف وأخذ يعذبهم وكان يزيد يصبر صبرا

[ 231 ]

حسنا وكان الحجاج يغيظه ذلك فقيل له إنه رمى بنشابة فثبت نصلها في ساقه فهو لا يمسها شئ إلا صاح فان حركت أدنى شئ سمعت صوته فأمر أن يعذب ويدهق ساقه فلما فعل ذلك به صاح وأخته هند بنت المهلب عند الحجاج فلما سمعت صباح يزيد صاحت وناحت فطلقها ثم إنه كف عنهم وأقبل يستأديهم فأخذوا يؤدون وهم يعملون في التخلص من مكانهم فبعثوا إلى مروان بن المهلب وهو بالبصرة يأمرونه أن يضمر لهم الخيل ويرى الناس أنه إنما يريد بيعها ويعرضها على البيع ويغلى بها لئلا تشترى فتكون لنا عدة إن نحن قدرنا على أن ننجو مما ههنا ففعل ذلك مروان وحبيب بالبصرة يعذب أيضا وأمر يزيد بالحرس فصنع لهم طعام كثير فأكلوا وأمر بشراب فسقوا فكانوا متشاغلين به ولبس يزيد ثياب طباخه ووضع على لحيته لحية بيضاء وخرج فرآه بعض الحرس فقال كأن هذه مشية يزيد فجاء حتى استعرض وجهه ليلا فرأى بياض اللحية فانصرف عنه فقال هذا شيخ وخرج المفضل على أثره ولم يفطن له فجاؤا إلى سفنهم وقد هيأوها في البطائح وبينهم وبين البصرة ثمانية عشر فرسخا فلما انتهوا إلى السفن أبطأ عليهم عبد الملك وشغل عنهم فقال يزيد للمفضل اركب بنا فانه لاحق فقال المفضل وعبد الملك أخوه لامه وهى بهلة هندية لا والله لا أبرح حتى يجئ ولو رجعت إلى السجن فأقام يزيد حتى جاءهم عبد الملك وركبوا عند ذلك السفن فساروا ليلتهم حتى أصبحوا ولما أصبح الحرس علموا بذهابهم فرفع ذلك إلى الحجاج وقال الفرزدق في خروجهم لم أر كالرهط الذين تتابعوا * على الجذع والحراس غير نيام مضوا وهم مستيقنون بأنهم * إلى قدر آجالهم وحمام وإن منهم إلا يسكن جأشه * بعضب صقيل صارم وحسام فلما التقوا لم يلتقوا بمنقه * كبير ولا رخص العظام غلام بمثل أبيهم حين تمت لداتهم * بخمسين تترى جرأة وتمام ففزع له الحجاج وذهب وهمه أنهم ذهبوا قبل خراسان وبعث البريد إلى قتيبة

[ 232 ]

ابن مسلم يحذره قدومهم ويأمره أن يستعد لهم وبعث إلى أمراء الثغور والكور أن يرصدوهم ويستعدوا لهم وكتب إلى الوليد بن عبد الملك يخبره بهربهم وأنه لا يراهم أرادوا إلا خراسان ولم يزل الحجاج يظن بيزيد ما صنع كان يقول إنى لا ظنه يحدث نفسه بمثل الذى صنع ابا الاشعث ولما دنا يزيد من البطائح من موقوع استقبلته الخيل قد هيئت له ولاخوته فخرجوا عليها ومعهم دليل لهم من كلب يقال له عبد الجبار بن يزيد بن الربعة فأخذ بهم على السماوة وأتى الحجاج بعد يومين فقيل له إنما أخذ الرجل طريق الشأم وهذه الخيل حسرى في الطريق وقد أتى من رآهم موجهين في البر فبعث إلى الوليد يعلمه ذلك ومضى يزيد حتى قدم فلسطين فنزل على وهيب بن عبد الرحمن الازدي وكان كريما على سليمان وأنزل بعض ثقله وأهله على سفيان بن سليمان الازدي وجاء وهيب بن عبد الرحمن حتى دخل على سليمان فقال هذا يزيد بن المهلب وإخوته في منزلي وقد أتوك هرابا من الحجاج متعوذين بك قال فأتني بهم فهم آمنون لا يوصل إليهم أبدا وأنا حى فجاء بهم حتى أدخلهم عليه فكانوا في مكان آمن وقال الكلبى دليلهم في مسيرهم ألا جعل الله الاخلاء كلهم * فداء على ما كان لابن المهلب لنعم الفتى يا معشر الازد أسعفت * ركابكم بالوهب شرقي منقب عدلن يمينا عنهم رمل عالج * وذات يمين القوم أعلام غرب فإلا تصبح بعد خمس ركابنا * سليمان من أهل اللوى تتأوب تقر قرار الشمس مما وراءنا * وتذهب في داج من الليل غيهب بقوم هم كانوا الملوك هديتهم * بظلماء لم يبصر بها ضوء كوكب ولا قمر إلا ضئيلا كأنه * سوار حناه صائغ السور مذهب (قال هشام) فأخبرني الحسن بن أبان العليمى قال بينا عبد الجبار بن يزيد ابن الربعة يسرى بهم فسقطت عمامة يزيد فقدها فقال يا عبد الجبار ارجع فاطلبها لنا قال إن مثلى لا يؤمر بهذا فأعاد فأبى فتناوله بالسوط فانتسب له فاستحيا منه فذلك قوله ألا جعل الله الاخلاء كلهم * فداء على ما كان لابن المهلب

[ 233 ]

وكتب الحجاج أن آل المهلب خانوا مال الله وهربوا منى ولحقوا بسليمان وكان آل المهلب قدموا على سليمان وقد أمر الناس أن يحصلوا ليسرحوا إلى خراسان لا يرون إلا أن يزيد توجه إلى خراسان ليفتن من بها فلما بلغ الوليد مكانه عند سليمان هون عليه بعض ما كان في نفسه وطار غضبا للمال الذى ذهب به وكتب سليمان إلى الوليد أن يزيد بن المهلب عندي وقد آمنته وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف كان الحجاج أغرمهم ستة آلاف ألف فأدوا ثلاثة آلاف ألف وبقى ثلاثة آلاف ألف فهى على فكتب إليه لا والله لا أو منه حتى تبعث به إلى فكتب إليه لئن أنا بعثت به إليك لا جيئن معه فأنشدك الله ألا تفضحني ولا أن تخفرنى فكتب إليه والله لئن جئتني لا أو منه فقال يزيد ابعثنى إليه فوا لله ما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحربا ولا أن يتشاءم بى لكما الناس ابعث إليه بى وأرسل معى ابنك واكتب إليه بألطف ما قدرت عليه فأرسل ابنه أيوب معه وكان الوليد أمره أن يبعث به إليه في وثاق فبعث به إليه وقال لابنه إذا أردت أن تدخل عليه فادخل أنت ويزيد في سلسلة ثم ادخلا جميعا على الوليد ففعل ذلك به حين انتهيا إلى الوليد فدخلا عليه فلما رأى الوليد ابن أخيه في سلسلة قال والله لقد بلغنا من سليمان ثم إن الغلام دفع كتاب أبيه إلى عمه وقال يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبى وأنت أحق من منعها ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك وقرأ الكتاب لعبدالله الوليد أمير المؤمنين من سليمان بن عبد الملك أما بعد يا أمير المؤمنين فو الله إن كنت لا ظن لو استجار بى عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته أنك لا تذل جارى ولا تخفر جواري بل لم أجر إلا سامعا مطيعا حسن البلاء والاثر في الاسلام هو وأبوه وأهل بيته وقد بعثت به إليك فان كنت إنما تغزو قطيعتي والاخفار لذمتي والابلاغ في مساءتى فقد قدرت إن أنت فعلت وأنا أعيذك بالله من احتراد قطيعتي وانتهاك حرمتي وترك برى وصلتي فو الله يا أمير المؤمنين ما تدرى ما بقائي وبقاؤك ولا متى يفرق الموت بينى وبينك فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله سروره أن لا يأتي علينا

[ 234 ]

أجل الوفاة الا وهو لى واصل ولحقي مؤد وعن مساءتى نازع فليفعل والله يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشئ من أمر الدنيا بعد تقوى الله فيها بأسر منى برضاك وسرورك وان رضاك مما ألتمس به رضوان الله فإن كنت يا أمير المؤمنين تريد يوما من الدهر مسرتي وصلتي وكرامتي وإعظام حقى فتجاوز لى عن يزيد وكل ما طلبته به فهو على فلما قرأ كتابه قال لقد شفقنا على سليمان ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه وتكلم يزيد فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله ثم قال يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء فمن ينس ذلك فلسنا ناسيه ومن يكفر فلسنا كافريه وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب ما إن المنة علينا فيها عظيمة فقال له أجلس فجلس فآمنه وكف عنه ورجع إلى سليمان وسعى إخوته في المال الذى عليه وكتب إلى الحجاج إنى لم أصل إلى يزيد وأهل بيته مع سليمان فاكفف عنهم واله عن الكتاب إلى فيهم فلما رأى ذلك الحجاج كف عنهم وكان أبو عيينة ابن المهلب عند الحجاج عليه ألف ألف درهم فتركها له وكف عن حبيب بن المهلب ورجع يزيد إلى سليمان بن عبد الملك فأقام عنده يعلمه الهيئة ويصنع له طيب الاطعمة ويهدى له الهدايا العظام وكان من أحسن الناس عنده منزلة وكان لا تأتى يزيد ابن المهلب هدية إلا بعث بها إلى سليمان ولا تأتى سليمان هدية ولا فائدة إلا بعث بنصفها إلى يزيد بن المهلب وكان لا تعجبه جارية إلا بعث بها إلى يزيد إلا خطيئة الجارية فبلغ ذلك الوليد بن عبد الملك فدعا الحارث بن مالك بن ربيعة الاشعري فقال انطلق إلى سليمان فقل له يا خالفة أهل بيته ان أمير المؤمنين قد بلغه أنه لا تأتيك هدية ولا فائدة إلا بعثت إلى يزيد بنصفها وانك تأتى الجارية من جواريك فلا ينقضى طهرها حتى تبعث بها إلى يزيد وقبح ذلك عليه وعيره به أتراك مبلغا ما أمرتك به قال طاعتك طاعة وانما إنا رسول قال فأته فقل له ذلك وأقم عنده فإنى باعث إليه بهدية فادفعها إليه وخذ منه البراءة بما تدفع إليه ثم أقبل فمضى حتى قدم عليه وبين يديه المصحف وهو يقرأ فدخل عليه فسلم فلم يرد عليه السلام حتى فرغ من قراءته ثم رفع رأسه إليه فكلمه بكل

[ 235 ]

شئ أمره به الوليد فتعمر وجهه ثم قال أما والله لئن قدرت عليك يوما من الدهر لاقطعن منك طابقا فقال له إنما كانت على الطاعة ثم خرج من عنده فلما أتى بذلك الذى بعث به الوليد إلى سليمان دخل عليه الحارث بن ربيعة الاشعري وقال له اعطني البراءة بهذا الذى دفعت إليك فقال كيف قلت لى قال لا أعيده عليك أبدا إنما كان على فيه الطاعة فسكن وعلم أن قد صدقه الرجل ثم خرج وخرجوا معه فقال خذوا نصف هذه الاعدال وهذه الاسقاط وابعثوا بها إلى يزيد قال فعلم الرجل أنه لا يطيع في يزيد أحدا ومكث يزيد بن المهلب عند سليمان تسعة أشهر وتوفى الحجاج سنة 95 في رمضان لتسع بقين منه في يوم الجمعة ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففيها) غزا فيما ذكر محمد بن عمر وغيره الصائفة عبد العزيز بن الوليد وكان على الجيش مسلمة بن عبد الملك (وفيها) غزا أيضا مسلمة الترك حتى بلغ الباب من ناحية آذربيجان ففتح على يديه مدائن وحصون (وفيها) غزا موسى بن نصير الاندلسي ففتح على يديه أيضا مدائن وحصون (وفى هذه السنة) قتل قتيبة بن مسلم نيزك طرخان (رجع الحديث) إلى حديث على بن محمد وقصة نيزك وظفر قتيبة به حتى قتله ولما قدم من كان قتيبة كتب إليه يأمره بالقدوم عليه من أهل أبر شهر وبيورد وسرخس وهراة على قتيبة سار بالناس إلى مروروذ واستخلف على الحرب حماد بن مسلم وعلى الخراج عبد الله بن الاهتم وبلغ مرزبان مروروذ إقباله إلى بلاده فهرب إلى بلاد الفرس وقدم قتيبة مروروذ فأخذ ابنين له فقتلهما وصلبهما ثم سار إلى الطالقان فقام صاحبها ولم يحاربه فكف عنه وفيها لصوص فقتلهم قتيبة وصلبهم واستعمل الطالقان وعمرو بن مسلم ومضى إلى الفارياب فخرج إليه ملك الفارياب مذعنا مقرا بطاعته فرضى عنه ولم يقتل بها أحدا واستعمل عليها رجلا من باهلة وبلغ صاحب الجوزجان خبرهم فترك أرضه وخرج إلى

[ 236 ]

الجبال هاربا وسار قتيبة إلى الجوز جان فلقيه أهلها سامعين مطيعين فقبل منهم فلم يقتل فيها أحدا واستعمل عليها عامر بن مالك الحمانى ثم أتى بلخ فلقيه الا سبهبذ في أهل بلخ فدخلها فلم يقم بها إلا يوما واحدا ثم مضى يتبع عبد الرحمن حتى أتى شعب خلم وقد مضى نيزك فعسكر ببغلان وخلف مقاتلة على فم الشعب ومضايقه يمنعونه ووضع مقاتلة في قلعة حصينة من وراء الشعب فأقام قتيبة أياما يقاتلهم على مضيق الشعب لا يقدر منهم على شئ ولا يقدر على دخوله وهو مضيق الوادي يجرى وسطه ولا يعرف طريقا يفضى به إلى نيزك إلا الشعب أو مفازة لا تحتمل العساكر فبقى متلددا يلتمس الحيل قال فهو في ذلك إذ قدم عليه الرؤب خان ملك الرؤب وسمنجان فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة التى وراء هذا الشعب فآمنه قتيبة وأعطاه ما سأله وبعث معه رجالا ليلا فانتهى بهم إلى القلعة التى من وراء شعب خلم فطرقوهم وهم آمنون فقتلوهم وهرب من بقى منهم ومن كان في الشعب فدخل قتيبة والناس الشعب فأتى القلعة ثم مضى إلى سمنجان ونيزك ببغلان بعين تدعى فنج جاه وبين سمنجان وبغلان مفازة ليست بالشديدة قال فأقام قتيبة بسمنجان أياما ثم سار نيزك وقدم أخاه عبد الرحمن وبلغ نيزك فارتحل من منزله حتى قطع وادى فرغانة ووجه ثقله وأمواله إلى كابل شاه ومضى حتى نزل الكرز وعبد الرحمن بن مسلم يتبعه فنزل عبد الرحمن وأخذ بمضايق الكرز ونزل قتيبة اسكيمشت بينه وبين عبد الرحمن فرسخان فتحرز نيزك في الكرز وليس إليه مسلك إلا من وجه واحد وذلك الوجه صعب لا تطيقه الدواب فحصره قتيبة شهرين حتى قل ما في يدنيزك من الطعام وأصابهم الجدرى وجدر جيغويه وخاف قتيبة الشتاء فدعا سليما الناصح فقال انطلق إلى نيزك واحتل لان تأتيني به بغير أمان فإن أعياك وأبى فآمنه واعلم أنى إن عاينتك وليس هو معك صلبتك فاعمل لنفسك قال فاكتب إلى عبد الرحمن لا يخالفني قال نعم فكتب له إلى عبد الرحمن فقدم عليه فقال له ابعث رجالا فليكونوا على فم الشعب فإذا خرجت أنا ونيزك فليعطفوا من ورائنا فيحولوا بيننا وبين الشعب فال فبعث عبد الرحمن خيلا فكانوا حيث

[ 237 ]

أمرهم سليم ومضى سليم وقد حمل معه من الاطعمة التى تبقى أياما والاخبصة أوقارا حتى أتى نيزك فقال له نيزك خذلتني يا سليم قال ما خذلتك ولكنك عصيتني وأسأت بنفسك خلعت وغدرت قال فما الرأى قال الرأى أن تأتيه فقد أمحكته وليس ببارح موضعه هذا قد اعتزم على أن يشتو بمكانه هلك أو سلم قال آتيه على غير أمان قال ما أظنه يؤمنك لما في قلبه عليك فإنك قد ملاته غيظا ولكني أرى أن لا يعلم بك حتى تضع يدك في يده فإنى أرجو إن فعلت ذاك أن يستحيى ويعفو عنك قال أترى ذلك قال نعم قال إن نفسي لتأبى هذا وهو إن رأني قتلني فقال له سليم ما أتيتك إلا لاشير عليك بهذا ولو فعلت لرجوت أن تسلم وأن تعود حالك عنده إلى ما كانت فأما إذا أبيت فإنى منصرف قال فنغديك إذا قال إنى لاظنكم في شغل عن تهيئة الطعام ومعنا طعام كثير قال ودعا سليم بالغداء فجاءوا بطعام كثير لا عهد لهم بمثله منذ حصروا فانتهبه الاتراك فغم ذلك نيزك وقال سليم يا أبا الهياج أنا لك من الناصحين أرى أصحابك قد جهدوا وإن طال بهم الحصار وأقمت على حالك لم آمنهم أن يستأمنوا بك فانطلق وأت قتيبة قال ما كنت لا منه على نفسي ولا آتيه على غير أمان فإن ظنى به أنه قاتلي وإن آمنني ولكن الامان أعذر لى وأرجى قال فقد آمنك أفتتهمني قال لا قال فانطلق معى قال له أصحابه اقبل قول سليم فلم يكن ليقول إلا حقا فدعا بدورا به وخرج مع سليم فلما انتهى إلى الدرجة التى يهبط منها إلى قرار الارض قال يا سليم من كان لا يعلم متى يموت فإنى أعلم متى أموت أموت إذا عاينت قتيبة قال كلا أيقتلك مع الامان فركب ومضى معه جيغويه وقد برأ من الجدرى وصول وعثمان ابنا أخى نيزك وصول طرخان خليفة جيغويه وخنس وطرخان صاحب شرطه قال فلما خرج من الشعب عطفت الخيل التى خلفها سليم ؟ ؟ فوهة الشعب فحالوا بين الاتراك وبين الخروج فقال نيزك لسليم هذا أول الشر قال لا تفعل تخلف هؤلاء عنك خير لك وأقبل سليم ونيزك ومن خرج معه حتى دخلوا على عبد الرحمن بن مسلم فأرسل رسولا إلى قتيبة يعلمه فأرسل قتيبة عمرو بن أبى مهزم إلى عبد الرحمن أن اقدم بهم على فقدم بهم عبد الرحمن

[ 238 ]

عليه فحبس أصحاب نيزك ودفع نيزك إلى ابن بسام الليثى وكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك فجعل ابن بسام نيزك في قبته وحفر حول القبة خندقا ووضع عليه حرسا ووجه قتيبة معاوية بن عامر بن علقمة العليمى فاستخرج ما كان في الكرز من متاع ومن كان فيه وقدم به على قتيبة فحبسهم ينتظر كتاب الحجاج فيما كتب إليه فأتاه كتاب الحجاج بعد أربعين يوما يأمره بقتل نيزك قال فدعا به فقال هل لك عندي عقد أو عند عبد الرحمن أو عند سليم قال لى عند سليم قال كذبت وقام فدخل ورد نيزك إلى حبسه فمكث ثلاثة أيام لا يظهر للناس قال فقال المهلب بن إياس العدوى وتكلم الناس في أمر نيزك فقال بعضهم ما يحل له أن يقتله وقال بعضهم ما يحل له تركه وكثرت الاقاويل فيه قال وخرج قتيبة اليوم الرابع فجلس وأذن للناس فقال ما ترون في قتل نيزك فاختلفوا فقال قائل اقتله وقال قائل أعطيته عهدا فلا تقتله وقال قائل ما نأمنه على المسلمين ودخل ضرار بن حصين الضبى فقال ما تقول يا ضرار قال أقول إنى سمعتك تقول أعطيت الله عهدا إن أمكنك منه أن تقتله فان لم تفعل لا ينصرنك الله عليه أبدا فأطرق قتيبة طويلا ثم قال والله لو لم يبق من أجلى إلا ثلاث كلمات لقلت اقتلوه اقتلوه اقتلوه وأرسل إلى نيزك فأمر بقتله وأصحابه فقتل مع سبعمائة وأما الباهليون فيقولون لم يؤمنه ولم يؤمنه سليم فلما أراد قتله دعا به ودعا بسيف حنفى فانتضاه وطول كميه ثم ضرب عنقه بيده وأمر عبد الرحمن فضرب عنق صول وأمر صالحا فقتل عثمان ويقال شقران ابن أخى نيزك وقال لبكر بن حبيب السهمى من باهلة هل بك قوة قال نعم وأريد وكانت في بكر أعرابية فقال دونك هؤلاء الدهاقين قال وكان إذا أتى برجل ضرب عنقه وقال أوردوا ولا تصدروا فكان من قتل يومئذ اثنا عشر ألفا في قول الباهليين وصلب نيزك وابنى أخيه في أصل عين تدعى وخش خاشان في اسكيمشت فقال المغيرة بن حبناء يذكر ذلك في كلمة له طويلة: لعمري لنعمت غزوة الجند غزوة * قضت نحبها من نيزك وتعلت قال على أخبرنا مصعب بن حيان عن أبيه قال بعث قتيبة برأس نيزك مع محفن

[ 239 ]

ابن جزء الكلابي وسوار بن زهدم الجرمى فقال الحجاج إن كان قتيبة لحقيقا أن يبعث برأس نيزك مع ولد مسلم فقال سوار: أقول لمحفن وجرى سنيح * وآخر بارح من عن يمينى وقد جعلت بوائق من أمور * ترفع حوله وتكف دوني نشدتك هل يسرك أن سرجى * وسرجك فوق ابغل باذيين قال فقال محفن نعم وبالصين قال على أخبرنا حمزة بن إبراهيم وعلى بن مجاهد عن حنبل بن أبى حريدة عن مرزبان قهستان وغيرهما أن قتيبة دعا يوما بنيزك وهو محبوس فقال ما رأيك في السبل والشذ أتراهما يأتيان إن أرسلت اليهما قال لا قال فأرسل اليهما قتيبة فقد ما عليه ودعا نيزك وجيغويه فدخلا فإذا السبل والشذ بين يديه على كرسيين فجلسا بإزائهما فقال الشذ لقتيبة إن جيغويه وإن كان لى عدوا فهو أسن منى وهو الملك وأنا كعبده فأذن لى أدن منه فأذن له فدنا منه فقبل يده وسجد له قال ثم استأذنه في السبل فأذن له فدنا منه فقبل يده فقال نيزك لقتيبة اثذن لى أدن من الشذ فانى عبده فأذن له فدنا منه فقبل يده ثم أذن قتيبة للسبل والشذ فانصرفا إلى بلادهما وضم إلى الشذ الحجاج القينى وكان من وجوه أهل خراسان وقتل قتيبة نيزك فأخذ الزبير مولى عابس الباهلى خفا لنيزك فيه جوهر وكان أكثر من في بلاده مالا وعقارا من ذلك الجوهر الذى أصابه في خفه فسوغه إياه قتيبة فلم يزل موسرا حتى هلك بكابل في ولاية أبى داود قال وأطلق قتيبة جيغويه ومن عليه وبعث به إلى الوليد فلم يزل بالشأم حتى مات الوليد ورجع قتيبة إلى مرو واستعمل أخاه عبد الرحمن على بلخ فكان الناس يقولون غدر قتيبة بنيزك فقال ثابت قطنة: لا تحسبن الغدر حزما فربما * ترفت به الاقدام يوما فزلت وقال وكان الحجاج يقول بعثت قتيبة فتى غرا فما زدته ذراعا إلا زادني باعا قال على أخبرنا حمزة بن إبراهيم عن أشياخ من أهل خراسان وعلى بن مجاهد عن حنبل بن أبى حريدة عن مرزبان قهستان وغيرهما أن قتيبة بن مسلم لما رجع

[ 240 ]

إلى مرو وقتل نيزك طلب ملك الجوزجان وكان قد هرب عن بلاده فأرسل يطلب الامان فآمنه على أن يأتيه فيصالحه فطلب رهنا يكونون في يديه ويعطى رهائن فأعطى قتيبة حبيب بن عبد الله بن عمرو بن حصين الباهلى وأعطى ملك الجوزجان رهائن من أهل بيته فخلف ملك الجوزجان حبيبا بالجوزجان في بعض حصونه وقدم على قتيبة فصالحه ثم رجع فمات بالطالقان فقال أهل الجوزجان سموه فقتلوا حبيبا وقتل قتيبة الرهن الذين كانوا عنده فقال نهار بن توسعة لقتيبة أراك الله في الاتراك حكما * كحكم في قريظة والنضير قضاء من قتيبة غير جور * به يشفى الغليل من الصدور فإن ير نيزك خزيا وذلا * فكم في الحرب حمق من أمير وقال المغيرة بن حبناء يمدح قتيبة وبذكر قتل نيزك وصول وابن أخى نيرك عثمان أو شقران لمن الديار عفت بسفح سنام * إلا بقية أيصر وثمام عصف الرياح ذيولها فمحونها * وجرين فوق عراصها بتمام دار لجارية كأن رضابها * مسك يشاب مزاجه بمدام ابلغ أبا حفص قتيبة مدحتي * واقرا عليه تحيتي وسلامي يا سيف أبلغها فإن ثناءها * حسن وإنك شاهد لمقامي يسمو فتتضع الرجال إذا سما * لقتيبة الحامى حمى الاسلام لاغر منتجب لكل عظيمة * نحر يباح به العدو لهام يمضى إذا هاب الجبان وأحمشت * حرب تسعر نارها بضرام تروى القناة مع اللواء أمامه * تحت اللوامع والنحور دوام والهام تفريه السيوف كأنه * بالقاع حين تراه قيض نعام وترى الجياد مع الجياد ضوامرا * بفنائه لحوادث الايام وبهن أنزل نيزكا من شاهق * والكرز حيث يروم كل مرام وأخاه شقرانا سقيت بكأسه * وسقيت كأسهما أخا باذام

[ 241 ]

وتركت صولا حين صال مجدلا * يركبنه بدوابر وحوام (وفى هذه السنة) أعنى سنة 91 غزا قتيبة شومان وكس ونسف غزوته الثانية وصالح طرخان ذكر الخبر عن ذلك قال على أخبرنا بشر بن عيسى عن أبى صفوان وأبو السرى وجبلة بن فروخ عن سليمان بن مجالد والحسن بن رشيد عن طفيل بن مرداس العمى وأبو السرى المروزى عن عمه وبشر بن عيسى وعلى بن مجاهد عن حنبل بن أبى حريدة عن مرزبان قهستان وعياش بن عبد الله الغنوى عن أشياخ من أهل خراسان قال وحدثني ظئرى كل قد ذكر شيئا فألفته وأدخلت من حديث بعضهم في حديث بعض أن فيلسنشب باذق وقال بعضهم غيسلشتان ملك شومان طرد عامل قتيبة ومنع الفدية التى صالح عليها قتيبة فبعث إليه قتيبة عياشا الغنوى ومعه رجل من نساك أهل خراسان يدعوان ملك شومان إلى أن يؤدى الفدية على ما صالح عليه قتيبة فقد ما البلد فخرجوا إليهما فرمو هما فانصرف الرجل وأقام عياش الغنوى فقال أما ههنا مسلم فخرج إليه رجل من المدينة فقال أنا مسلم فما تريد قال تعينني على جهادهم قال نعم فقال له عياش كن خلفي لتمنع لى ظهرى فقام خلفه وكان اسم الرجل المهلب فقاتلهم عياش فحمل عليهم فتفرقوا عنه وحمل المهلب على عياش من خلفه فقتله فوجدوا به ستين جراحة فغمهم قتله وقالوا قتلنا رجلا شجاعا وبلغ قتيبة فسار إليهم بنفسه وأخذ طريق بلخ فلما أتاها قدم أخاه عبد الرحمن واستعمل على بلخ عمرو بن مسلم وكان ملك شومان صديقا لصالح بن مسلم فأرسل إليه صالح رجلا يأمره بالطاعة ويضمن له رضى قتيبة إن رجع إلى الصلح فأبى وقال لرسول صالح ما تخوفنى به من قتيبة وأنا أمنع الملوك حصنا أرمى أعلاه وأنا أشده الناس قوسا وأشده رميا فلا تبلغ نشابتى نصف حصنى فما أخاف من قتيبة فمضى قتيبة من بلخ فعبر النهر ثم أتى شومان وقد تحصن ملكها فوضع عليه المجانيق ورمى حصنه فهشمه فلما خاف أن يظهر عليه ورأى ما نزل به جمع ما كان له من مال وجوهر فرمى به في عين في وسط القلعة لا يدرك

[ 242 ]

قعرها قال ثم فتح القلعة وخرج إليهم فقاتلهم فقتل وأخذ قتيبة القلعة عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية ثم رجع إلى باب الحديد فأجاز منه إلى كس ونسف وكتب إليه الحجاج أن كس بكس وانسف نسف وإياك والتحويط ففتح كس ونسف وامتنع عليه فرياب فحرقها فسميت المحترقة وسرح قتيبة من كس ونسف أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى السغد إلى طرخون فسار حتى نزل بمرج قريبا منهم وذلك في وقت العصر فانتبذ الناس وشربوا حتى عبثوا وعاثوا وأفسدوا فأمر عبد الرحمن أبا مرضية مولى لهم أن يمنع الناس من شرب العصير فكان يضربهم ويكسر آنيتهم ويصب نبيذهم فسال في الوادي فسمى مرج النبيذ فقال بعض شعرائهم أما النبيذ فلست أشربه * أخشى أبا مرضية الكلب متعسفا يسعى بسكته * يتوثب الحيطان للشرب فقبض عبد الرحمن من طرخون شيئا كان قد صالحه عليه قتيبة ودفع إليه رهنا كانوا معه وانصرف عبد الرحمن إلى قتيبة وهو ببخارى فرجعوا إلى مرو فقالت السغد لطرخون إنك قد رضيت بالذل واستطبت الجزية وأنت شيخ كبير فلا حاجة لنا بك قال فولوا من أحببتم قال فولوا غوزك وحبسوا طرخون فقال طرخون ليس بعد سلب الملك إلا القتل فيكون ذلك بيدى أحب إلى من أن يليه منى غيرى فاتكأ على سيفه حتى خرج من ظهره قال وإنما صنعوا بطرخون هذا حين خرج قتيبة إلى سجستان وولوا غوزك وأما الباهليون فيقولون حصر قتيبة ملك شومان ووضع على قلعته المجانيق ووضع منجنيقا كان يسميها الفحجاء فرمى بأول حجر فأصاب الحائط ورمى بآخر فوقع في المدينة ثم تتابعت الحجارة في المدينة فوقع حجر منها في مجلس الملك فأصاب رجلا فقتله ففتح القلعة عنوة ثم رجع إلى كس ونصف ثم مضى إلى بخارى فنزل قرية فيها بيت نار وبيت آلهة وكان فيها طواويس فسموه منزل الطواويس ثم سار إلى طرخون بالسغد ليقبض منه ما كان صالحه عليه فلما أشرف على وادى السغد فرأى حسنه تمثل

[ 243 ]

وادخصيب عشيب ظل يمنعه * من الانيس حذار اليوم ذى الرهج وردته بعناجيج مسومة * يردين بالشعث سفاكين للمهج قال فقبض من طرخون صلحه ثم رجع إلى بخارى فملك بخارى خذاه غلاما حدثا وقتل من خاف أن يضاده ثم أخذ على آمل ثم أتى مرو قال وذكر الباهليون عن بشار بن عمرو عن رجل من باهلة قال لم يفرغ الناس من ضرب أبنيتهم حتى افتتحت القلعة (وفى هذه السنة) ولى الوليد بن عبد الملك مكة خالد بن عبد الله القسرى فلم يزل واليا عليها إلى أن مات الوليد * فذكر محمد بن عمر الواقدي أن اسماعيل بن ابراهيم بن عقبة حدثه عن نافع مولى بنى مخزوم قال سمعت خالد بن عبد الله يقول يا أيها الناس إنكم بأعظم بلاد الله حرمة وهى التى اختار الله من البلدان فوضع بها بيته ثم كتب على عباده حجه من استطاع إليه سبيلا أيها الناس فعليكم بالطاعة ولزوم الجماعة واياكم والشبهات فانى والله ما أوتى بأحد يطعن على امامه إلا صلبته في الحرم ان الله جعل الخلافة منه بالموضع الذى جعلها فسلموا وأطيعوا ولا تقولوا كيت وكيت إنه لا رأى فيما كتب به الخليفة أو رآه إلا إمضاؤه واعلموا أنه بلغني أن قوما من أهل الخلاف يقدمون عليكم ويقيمون في بلادكم فإياكم أن تنزلوا أحدا ممن تعلمون أنه زائغ عن الجماعة فإنى لا أجد أحدا منهم في منزل أحد منكم إلا هدمت منزله فانظروا من تنزلون في منازلكم وعليكم بالجماعة والطاعة فان الفرقة هي البلاء العظيم * قال محمد بن عمرو حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن موسى بن عقبة عن أبى حبيبة قال اعتمرت فنزلت دور بنى أسد في منازل الزبير فلم أشعر إلا به يدعوني فدخلت عليه فقال ممن أنت قلت من أهل المدينة قال ما أنزلك في منازل المخالف للطاعة قلت إنما مقامي إن أقمت يوما أو بعضه ثم رجع إلى منزلي وليس عندي خلاف أنا ممن يعظم أمر الخلافة وأزعم أن من جحدها فقد هلك قال فلا عليك ما أقمت إنما يكره أن يقيم من كان زاريا على الخليفة قلت معاذ الله وسمعته يوما يقول والله لو أعلم أن هذه الوحش التى تأمن في الحرم لو نطقت لم تقر بالطاعة لا خرجتها من الحرم إنه لا يسكن

[ 244 ]

حرم الله وأمنه مخالف للجماعة زار عليهم قلت وفق الله الامير (وحج) بالناس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال حج الوليد بن عبد الملك سنة 91 وكذلك قال محمد بن عمر حدثنى موسى ابن أبى بكر قال حدثنا صالح بن كيسان قال لما حضر قدوم الوليد أمر عمر بن عبد العزيز عشرين رجلا من قريش يخرجون معه فيتلقون الوليد بن عبد الملك منهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الحارث بن هشام وأخوه محمد بن عبد الرحمن وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فخرجوا حتى بلغوا السويداء وهم مع عمر ابن عبد العزيز وفى الناس يومئذ دواب وخيل فلقوا الوليد وهو على ظهر فقال لهم الحاجب انزلوا لامير المؤمنين فنزلوا ثم أمرهم فركبوا فدعا بعمر بن عبد العزيز فسايره حتى نزل بذى خشب ثم أحضروا فدعاهم رجلا رجلا فسلموا عليه ودعا بالغداء فتغدوا عنده وراح من ذى خشب فلما دخل المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بنائه فأخرج الناس منه فما ترك فيه أحد وبقى سعيد بن المسيب ما يجترئ أحد من الحرس أن يخرجه وما عليه إلا ريطتان ما تساويان إلا خمسة دراهم في مصلاه فقيل له لو قمت قال والله لا أقوم حتى يأتي الوقت الذى كنت أقوم فيه قيل فلو سلمت على أمير المؤمنين قال والله لاأقوم إليه قال عمر بن عبد العزيز فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد رجاء أن لا يرى سعيدا حتى يقوم فحانت من الوليد نظرة إلى القبلة فقال من ذلك الجالس أهو الشيخ سعيد بن المسيب فجعل عمر يقول نعم يا أمير المؤمنين ومن حاله ومن حاله ولو علم بمكانك لقام فسلم عليك وهو ضعيف البصر قال الوليد قد علمت حاله ونحن نأتيه فنسلم عليه فدار في المسجد حتى وقف على القبر ثم أقبل حتى وقف على سعيد فقال كيف أنت أيها الشيخ فو الله ما تحرك سعيد ولا قام فقال بخير والحمد لله فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله قال الوليد خير والحمد لله فانصرف وهو يقول لعمر هذا بقية الناس فقلت أجل يا أمير المؤمنين قال وقسم الوليد بالمدينة رقيقا كثيرا عجما بين الناس وآنية من ذهب وفضة وأموالا وخطب بالمدينة في الجمعة فصلى بهم (قال محمد بن عمر) وحدثني إسحاق بن يحيى قال رأيت الوليد يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة عام

[ 245 ]

حج قد صف له جنده صفين من المنبر إلى جدار مؤخر المسجد في أيديهم الجرزة وعمد الحديد على العواتق فرأيته طلع في دراعة وقلنسوة ما عليه رداء فصعد المنبر فلما صعد سلم ثم جلس فأذن المؤذنون ثم سكتوا فخطب الخطبة الاولى وهو جالس ثم قام فخطب الثانية قائما قال إسحاق فلقيت رجاء بن حيوة وهو معه فقلت هكذا يصنعون قال نعم وهكذا صنع معاوية فهلم جرا قلت أفلا تكلمه قال أخبرني قبيصة ابن ذؤيب أنه كلم عبد الملك بن مروان فأبى أن يفعل وقال هكذا خطب عثمان فقلت والله ما خطب هكذا ما خطب عثمان إلا قائما قال رجاء روى لهم هذا فأخذوا به قال إسحاق لم نر منهم أحدا أشد تجبرا منه (قال محمد بن عمر) وقدم بطيب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجمره وبكسوة الكعبة فنشرت وعلقت على حبال في المسجد من ديباج حسن لم ير مثله قط فنشرها يوما وطوى ورفع قال وأقام الحجاج الوليد بن عبد الملك * وكانت عمال الامصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عمالها في سنة 90 غير مكة فان عاملها كان في هذه السنة خالد ابن عبد الله القسرى في قول الواقدي وقال غيره كانت ولاية مكة في هذه السنة أيضا إلى عمر بن عبد العزيز. ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ذكر الاحداث التى كانت فيها فمن ذلك غزوة مسلمة بن عبد الملك وعمر بن الوليد أرض الروم ففتح على يدى مسلمة حصون ثلاثة وجلا أهل سوسنه إلى جوف أرض الروم (وفيها) غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير الاندلس في اثنى عشر ألفا فلقى ملك الاندلس زعم الواقدي أنه يقال له ادر ينوق وكان رجلا من أهل أصبهان قال وهم ملوك عجم الاندلس فزحف له طارق بجميع من معه فزحف الادرينوق في سرير الملك وعلى الادرينوق تاجه وقفازه وجميع الحلية التى كان يلبسها الملوك فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل الله الادرينوق وفتح الاندلس سنة 92 (وفيها) غزا فيما زعم بعض أهل

[ 246 ]

السير قتيبة سجستان يريد رتيبل الاعظم والزابل فلما نزل سجستان تلقته رسل رتبيل بالصلح فقبل ذلك وانصرف واستعمل عليهم عبد ربه بن عبد الله بن عمير الليثى (وحج) بالناس في هذه السنة عمربن عبد العزيز وهو على المدينة كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وكان عمال الامصار في هذه السنة عمالها في السنة التى قبلها ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ذكر الاحداث التى كانت فيها فمما كان فيها من ذلك غزوة العباس بن الوليد أرض الروم ففتح الله على يديه سمسطية (وفيها) كانت أيضا غزوة مروان بن الوليد الروم فبلغ خنجرة (وفيها) كانت غزوة مسلمة بن عبد الملك أرض الروم فافتتح ماسة وحصن الحديد وغزالة وبرجمة من ناحية ملطية (وفيها) قتل قتيبة ملك خام جرد وصالح مالك خوارزم صلحا مجددا ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الامر فيه ذكر على بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس والحسن بن رشيد عن طفيل بن مرداس العمى وعلى بن مجاهد عن حنبل بن أبى حريدة عن مرزبان قهستان وكليب بن خلف والباهليين وغيرهم وقد ذكر بعضهم ما لم يذكر بعض فألفته أن ملك خوارزم كان ضعيفا فغلبه أخوه خر زاذ على أمره وخرزاذ أصغر منه فكان إذا بلغه أن عند أحد ممن هو منقطع إلى الملك جارية أو دابة أو متاعا فاخرا أرسل فأخذه أو بلغه أن لاحد منهم بنتا أو أختا أو امرأة جميلة أرسل إليه فغصبه وأخذ ما شاء وحبس ما شاء لا يمتنع عليه أحد ولا يمنعه الملك فإذا قيل له قال لا أقوى عليه وقد ملاه مع هذا غيظا فلما طال ذلك منه عليه كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه يريد أن يسلمها إليه وبعث إليه بمفاتيح مدائن خوارزم ثلاثة مفاتيح من ذهب واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكل من كان يضاده

[ 247 ]

يحكم فيه ما يرى وبعث في ذلك رسلا ولم يطلع أحدا من مرازبته ولا دهاقينه على ماكتب به إلى قتيبة فقدمت رسله على قتيبة في آخر الشتاء ووقت الغزو وقد تهيأ للغزو فأظهر قتيبة أنه يريد السغد ورجع رسل خوارزم شاه إليه بما يحب من قبل قتيبة وسار واستخلف على مرو ثابتا الاعور مولى مسلم قال فجمع ملوكه وأحباره ودهاقينه فقال إن قتيبة يريد السغد وليس بغازيكم فهلم نتنعم في ربيعنا هذا فأقبلوا على الشرب والتنعم وأمنوا عند أنفسهم الغزو قال فلم يشعروا حتى نزل قتيبة في هزار سب دون النهر فقال خوارزم شاه لاصحابه ما ترون قالوا نرى أن نقاتله قال لكنى لا أرى ذلك قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشد شوكة ولكني أرى أن نصرفه بشئ نؤديه إليه فنصرفه عامنا هذا ونرى رأينا قالوا ورأينا رأيك فأقبل خوارزم شاه فنزل في مدينة الفيل من وراء النهر قال ومدائن خوازم شاه ثلاث مدائن يطيف بها فارقين واحد فمدينة الفيل أحصنهن فنزلها خوارزم شاه وقتيبة في هزار سب دون النهر لم يعبره بينه وبين خوارزم شاه نهر بلخ فصالحه على عشرة آلاف رأس وعين ومتاع وعلى أن يعينه على ملك خام جرد وأن يفى له بما كتب إليه فقبل ذلك منه قتيبة ووفى له وبعث قتيبة أخاه إلى ملك خام جرد وكان يعادى خوارزم شاه فقاتله فقتله عبد الرحمن وغلب على أرضه وقدم منهم على قتيبة بأربعة آلاف أسير فقتلهم وأمر قتيبة لما جاءه بهم أخاه عبد الرحمن بسريره فأخرج وبرز للناس قال وأمر بقتل الاسرى فقتل بين يديه ألف وعن يمينه ألف وعن يساره ألف وخلف ظهره ألف قال قال المهلب بن إياس أخذت يومئذ سيوف الاشراف فضرب بها الاعناق فكان فيها ما لا يقطع ولا يجرح فأخذوا سيفى فلم يضرب به شئ إلا أبانه فحسدني بعض آل قتيبة فغمز الذى يضرب أن اصفح به فصفح به قليلا فوقع في ضرس المقتول فثلمه (قال أبو الذيال) والسيف عندي قال ودفع قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفه فقتلهم واصطفى أموالهم فبعث بها إلى قتيبة ودخل قتيبة مدينة فيل فقبل من خوارزم شاه ما صالحه عليه ثم رجع إلى هزار سب وقال كعب الاشقري رمتك فيل بما فيها وما ظلمت * ورامها قبلك الفجفاجة الصلف

[ 248 ]

لا يجزى الثغر خوار القناة ولا * هش المكاسر والقلب الذى يجف هل تذكرون ليالى الترك تقتلهم * ما دون كازه والفجفاج ملتحف لم يركبوا الخيل إلا بعد ما كبروا * فهم ثقال على أكتافها عنف أنتم شباس ومرداذان محتقر * وبسخراء قبور حشوها القلف إنى رأيت أبا حفص تفضله * أيامه ومساعي الناس تختلف قيس صريح وبعض الناس يجمعهم * قرى وريف فمنسوب ومقترف لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا * سبعين ألفا وعز السغد مؤتنف وفى سمرقند أخرى أنت قاسمها * لئن تأخر عن حوبائك التلف ما قدم الناس من خير سبقت به * ولا يفوتك مما خلفوا شرف قال أنشدني على بن مجاهد رمتك * رمتك فيل بما دون كازه * قال وكذلك قال الحسن بن رشيد الجوزجانى وأما غيرهما فقال * رمتك فيل بما فيها * وقالوا فيل مدينة سمرقند قال وأثبتها عندي قول على بن مجاهد قال وقال الباهليون أصاب قتيبة من خوارزم مائة ألف رأس قال وكان خاصة قتيبة كلموه سنة 93 وقالوا الناس كالون قدموا من سجستان فأجمهم عامهم هذا فأبى قال فلما صالح أهل خوارزم سار إلى السغد فقال الاشقري لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا * سبعين ألفا وعز السغد مؤتنف (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة غزا قتيبة بن مسلم منصرفه من خوارزم سمرقند فافتتحها ذكر الخبر عن ذلك قد تقدم ذكر الاسناد عن القوم الذين ذكر على بن محمد أنه أخذ عنهم حين صالح قتيبة صاحب خوارزم ثم ذكر مد رجا في ذلك أن قتيبة لما قبض صلح خوارزم قام إليه المجسر ابن مزاحم السلمى فقال إن لى حاجة فأخلني فأحلاه فقال ان أردت السغد يوما من الدهر فالان فانهم آمنون من أن تأتيهم من عامك هذا وانما بينك وبينهم عشرة أيام قال أشار بهذا عليك أحد قال لا قال فأعلمته أحدا قال لا قال والله لئن تكلم

[ 249 ]

به أحد لاضربن عنقك فأقام يومه ذلك فلما أصبح من الغد دعا عبد الرحمن فقال سر في الفرسان والمرامية وقدم الاثقال إلى مرو فوجهت الاثقال إلى مرو ومضى عبد الرحمن يتبع الاثقال يريد مرو يومه كله فلما أمسى كتب إليه إذا أصبحت فوجه الاثقال إلى مرو وسر في الفرسان والمرامية نحو السغدوا كتم الاخبار فانى بالاثر قال فلما أتى عبد الرحمن الخبر أمر أصحاب الاثقال أن يمضوا إلى مرو وسار حيث أمره وخطب قتيبة الناس فقال ان الله قد فتح لكم هذه البلدة في وقت الغزو فيه ممكن وهذه السغد شاغرة برجلها قد نقضوا العهد الذى كان ببننا ومنعونا ما كنا صالحنا عليه طرخون وصنعوا به ما بلغكم وقال الله من نكث فانما ينكث على نفسه فسيروا على بركة الله فإنى أرجو أن يكون خوارزم والسغد كالنضير وقريظة وقال الله وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها، قال فأتى السغد وقد سبقه إليها عبد الرحمن بن مسلم في عشرين ألفا وقدم عليه قتيبة في أهل خوارزم وبخاري بعد ثلاثة أو أربعة من نزول عبد الرحمن بهم فقال انا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين فحصرهم شهرا فقاتلوهم في حصارهم مرارا من وجه واحد وكتب أهل السغد وخافوا طول الحصار إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة أن العرب إن ظفروا بنا عادوا عليكم بمثل ما أتونا به فانظروا لانفسكم فأجمعوا على أن يأتوهم وأرسلوا إليهم أرسلوا من يشغلهم حتى نبيت عسكرهم قال وانتخبوا فرسانا من أبناء المرازبة والاساورة والاشداء الابطال فوجهوهم وأمروهم أن يبيتوا عسكرهم وجاءت عيون المسلمين فأخبروهم فانتخب قتيبة ثلثمائة أو ستمائة من أهل النجدة واستعمل عليهم صالح بن مسلم فصيرهم في الطريق الذى يخاف أن يؤتى منه وبعث صالح عيونا يأتونه بخبر القوم ونزل على فرسخين من عسكر القوم فرجت إليه عيونه فأخبروه أنه يصلون إليه من ليلتهم ففرق صالح خيله ثلاث فرق فجعل كمينا في موضعين وأقام على قارعة الطريق وطرقهم المشركون ليلا ولا يعلمون بمكان صالح وهم آمنون في أنفسهم من أن يلقاهم أحد دون العسكر فلم يعلموا بصالح حتى غشوه قال فشدوا عليهم حتى إذا اختلفت الرماح

[ 250 ]

بينهم خرج الكمينان فاقتتلوا قال وقال رجل من البراجم حضرتهم فما رأيت قط قوما كانوا أشد قتالا من أبناء أولئك الملوك ولا أصبر فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا نفر يسير وحوينا سلاحهم واحتززنا رؤوسهم وأسرنا منهم أسرى فسألناهم عمن قتلنا فقالوا ما قتلتم إلا ابن ملك أو عظيما من العظماء أو بطلا من الابطال ولقد قتلتم رجالا إن كان الرجل ليعدل بمائة رجل فكتبنا على آذانهم ثم دخلنا العسكر حين أصبحنا وما منا رجل إلا معلق رأسا معروفا باسمه وسلبنا من جيد السلاح وكريم المتاع ومناطق الذهب ودواب فرهة فنفلنا قتيبة ذلك كله وكسر ذلك أهل السغد ووضع قتيبة عليهم المجانيق فرماهم بها وهو في ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم وناصحه من معه من أهل بخارى وأهل خوارزم فقاتلوا قتالا شديدا وبذلوا أنفسهم فأرسل إليه غوزك إنما تقاتلني بإخوتى وأهل بيتى من العجم فأخرج إلى العرب فغضب قتيبة ودعا الجدلي فقال اعرض الناس وميز أهل البأس فجمعهم ثم جلس قتيبة يعرضهم بنفسه ودعا العرفاء فجعل يدعو برجل رجل فيقول ما عندك فيقول العريف شجاع ويقول ما هذا فيقول مختصر ويقول ما هذا فيقول جبان فسمى قتيبة الجبناء الانتان وأخذ خيلهم وجيد سلاحهم فاعطاه الشجعاء والمختصرين وترك لهم رث السلاح ثم زحف بهم فقاتلهم بهم فرسانا ورجالا ورمى المدينة بالمجانيق فثلم فيها ثلمة فسدوها بغرائر الدخن وجاء رجل حتى قام على الثلمة فشتم قتيبة وكان مع قتيبة قوم رماة فقال لهم قتيبة اختاروا منكم رجلين فاختاروا فقال أيكما يرمى هذا الرجل فان أصابه فله عشرة آلاف وإن أخطأه قطعت يده فتلكأ أحدهما وتقدم الاخر فرماه فلم يخطئ عينه فامر له بعشرة آلاف قال وأخبرنا الباهليون عن يحيى بن خالد عن أبيه خالد بن باب مولى مسلم بن عمرو قال كنت في رماة قتيبة فلما افتتحنا المدينة صعدت السور فاتيت مقام ذلك الرجل الذى كان فيه فوجدته ميتا على الحائط ما أخطأت النشابة عينه حتى خرجت من قفاه ثم أصبحوا من غد فرموا المدينة فثلموا فيها وقال قتيبة ألحوا عليها حتى تعبروا على الثلمة فقاتلوهم حتى صاروا على ثلمة المدينة

[ 251 ]

ورماهم السغد بالنشاب فوضعوا أترستهم فكان الرجل يضع ترسه على عينه ثم يحمل حتى صاروا على الثلمة فقالوا له انصرف عنا اليوم حتى نصالحك غدا فاما باهلة فيقولون قال قتيبة لانصالحهم إلا ورجالنا على الثلمة ومجانيقنا تخطر على رؤسهم ومدينتهم قال وأما غيرهم فيقولون قال قتيبة جزع العبيد فانصرفوا على ظفركم فانصرفوا فصالحهم من الغد على ألفى ألف ومائتي ألف في كل عام على أن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس ليس فيهم صبى ولاشيخ ولا عيب على أن يخلوا المدينة لقتيبة فلا يكون لهم فيها مقاتل فيبنى له فيه مسجد فيدخل ويصلى ويوضع له فيها منبر فيخطب ويتغدى ويخرج قال فلما تم الصلح بعث قتيبة عشرة من كل خمس برجلين فقبضوا ما صالحوهم عليه فقال قتيبة الان ذلوا حين صار إخوانهم وأولادهم في أيديكم ثم أخلوا المدينة وبنوا مسجدا ووضعوا منبرا ودخلها في أربعة آلاف انتخبهم فلما دخلها أتى المسجد فصلى وخطب ثم تغدى وأرسل إلى أهل السغد من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذ فإنى لست خارجا منها وإنما صنعت هذا لكم ولست آخذ منكم أكثر مما صالحتكم عليه غير أن الجند يقيمون فيها قال أما الباهليون فيقولون صالحهم قتيبة على مائة ألف رأس وبيوت النيران وحلية الاصنام فقبض ما صالحهم عليه وأتى بالاصنام فسلبت ثم وضعت بين يديه فكانت كالقصر العظيم حين جمعت فأمر بتحريقها فقالت الاعاجم إن فيها أصناما من حرقها هلك فقال قتيبة أنا أحرقها بيدى فجاء عوزك فجثا بين يديه وقال أيها الامير إن شكرك على واجب لا تعرض لهذه الاصنام فدعا قتيبة بالنار وأخذ شعلة بيده وخرج فكبر ثم أشعلها وأشعل الناس فاضطرمت فوجدوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال قال وأخبرنا مخلد بن حمزة بن بيض عن أبيه قال حدثنى من شهد قتيبة وفتح سمرقند أو بعض كور خراسان فاستخرجوا منها قدورا عظاما من نحاس فقال قتيبة لحضين يا أبا ساسان أترى رقاش كان لها مثل هذه القدور قال لا لكن كان لعيلان قدر مثل هذه القدور فضحك قتيبة وقال أدركت بثأرك قال وقال

[ 252 ]

محمد بن أبى عيينة لمسلم بن قتيبة بين يدى سليمان بن على إن العجم ليعيرون قتيبة الغدر انه غدر بخوارزم وسمرقند قال فأخبرنا شيخ من بنى سدوس عن حمزة ابن بيض قال أصاب قتيبة بخراسان بالسغد جارية من ولد يزد جرد فقال أترون ابن هذه يكون هجينا فقالوا نعم يكون هجينا من قبل أبيه فبعث بها إلى الحجاج فبعث بها الحجاج إلى الوليد فولدت له يزيد بن الوليد * قال وأخبرنا بعض الباهليين عن نهشل بن يزيد عن عمه وكان قد أدرك ذلك كله قال لما رأى غوزك إلحاح قتيبة عليهم كتب إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة وخاقان إنا نحن دونكم فيما بينكم وبين العرب فان وصل الينا كنتم أضعف وأذل فمهما كان عندكم من قوة فابذلوها فنظروا في أمرهم فقالوا إنما نؤتى من سفلتنا وأنهم لا يجدون كوجدنا ونحن معشر الملوك المعنيون بهذا الامر فانتخبوا أبناء الملوك وأهل النجدة من فتيان ملوكهم فليخرجوا حتى يأتوا عسكر قتيبة فليبيت فانه مشغول بحصار السغد ففعلوا وولوا عليهم ابنا لخاقان وساروا وقد أجمعوا أن يبيتوا العسكر وبلغ قتيبة فانتخب أهل النجدة والبأس ووجوه الناس فكان شعبة بن ظهير وزهير بن حيان فيمن انتخب فكانوا أربعمائة فقال لهم إن عدوكم قدرأ وابلاء الله عندكم وتأييده إياكم في مزاحفتكم ومكاثر تكم كل ذلك يفلجكم الله عليهم فأجمعوا على أن يحتالوا غرتكم وبياتكم واختاروا دهاقينهم وملوكهم وأنتم دهاقين العرب وفرسانهم وقد فضلكم الله بدينه فأبلوا الله بلاء حسنا تستوجبون به الثواب مع الذب عن أحسابكم قال ووضع قتيبة عيونا على العدو حتى إذا قربوا منه قدر ما يصلون إلى عسكره من الليل أدخل الذين انتخبهم فكلمهم وحضهم واستعمل عليهم صالح بن مسلم فخرجوا من العسكر عند المغرب فساروا فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم الذين وصفوا لهم ففرق صالح خيله وأكمن كمينا عن يمينه وكمينا عن يساره حتى إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه جاء العدو باجتماع وإسراع وصمت وصالح واقف في خيله فلما رأوه شدوا عليه حتى إذا اختلفت الرماح شد الكمينان عن يمين وعن شمال فلم نسمع الا الاعتزاء فلم نرقو ما كانوا أشد منهم قال وقال رجل من البراجم حدثنى زهير

[ 253 ]

أو شعبة قال إنا لنختلف عليهم بالطعن والضرب إذ تبينت تحت الليل قتيبة وقد ضربت ضربة أعجبتني وأنا أنظر إلى قتيبة فقلت كيف ترى بأبى أنت وأمى قال اسكت دق الله فاك قال فقتلناهم فلم يفلت منهم الا الشريد وأقمنا نحوى الاسلاب ونحتز الرؤس حتى أصبحنا ثم أقبلنا إلى العسكر فلم أر جماعة قط جاؤا بمثل ما جئنا به ما منا رجل إلا معلق رأسا معروفا باسمه وأسير في وثاقه قال وجئنا قتيبة بالرؤس فقال جزاكم الله عن الدين والاعراض خيرا وأكرمني قتيبة من غير أن يكون باح لى بشئ وقرن بى في الصلة والاكرام حيان العدوى وحليس الشيباني فظننت أنه رأى منهما مثل الذى رأى منى وكسر ذلك أهل السغد فطلبوا الصلح وعرضوا الفدية فأبى وقال أنا ثائر بدم طرخون كان مولاى وكان من أهل ذمتي قالوا حدث عمرو بن مسلم عن أبيه قال أطال قتيبة المقام وثلمت الثلمة في سمرقند قال فنادى مناد فصيح بالعربية يشتم قتيبة قال فقال عمرو بن أبى زهدم ونحن حول قتيبة فحين سمعنا الشتم خرجنا مسرعين فمكثنا طويلا وهو ملح بالشتم فجئت إلى رواق قتيبة فاطلعت فإذا قتيبة محتب بشملة يقول كالمناجي لنفسه حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان أما والله لئن أصبحت لا حاولن من أهلك أقصى غاية فانصرفت إلى أصحابي فقلت كم من نفس أبية ستموت غدا منا ومنهم فأخبرتهم الخبر قال وأما باهلة فيقولون سار قتيبة فجعل النهر يمين حتى ورد بخارى فاستنهضهم معه وسار حتى إذا كان بمدينة أربنجن وهى التى تجلب منها اللبود الاربنجنية لقيهم غوزك صاحب السغد في جمع عظيم من الترك وأهل الشاش وفرغانة فكانت بينهم وقائع من غير مزاحفة كل ذلك يظهر المسلمون ويتحاجزون حتى قربوا من مدينة سمرقند فتزاحفوا يومئذ فحمل الغد على المسلمين حملة حطموهم حتى جازوا عسكرهم ثم كر المسلمون عليهم حتى ردوهم إلى عسكرهم وقتل الله من المشركين عددا كثيرا ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم قال وأخبرنا الباهليون عن حاتم بن أبى صغيرة قال رأيت خيلا يومئذ تطاعن خيل المسلمين وقد أمر يومئذ قتيبة بسريره فأبرز وقعد عليه وطاعنوهم حتى جازوا قتيبة وإنه لمحتب بسيفه ما حل حبوته وانطوت

[ 254 ]

مجنبتا المسلمين على الذين هزموا القلب فهزموهم حتى ردوهم إلى عسكرهم وقتل من المشركين عدد كثير ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم وصنع غوزك طعاما ودعا قتيبة فأتاه في عدد من أصحابه فلما تغدى استوهب منه سمرقند فقال للملك انتقل عنها فانتقل عنها وتلاقتيبة " وأنه أهلك عادا الاولى وثمود فما أبقى " قال وأخبرنا أبو الذيال عن عمر بن عبد الله التميمي قال حدثنى الذى سرحه قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند قال قدمت على الحجاج فوجهني إلى الشأم فقدمتها فدخلت مسجدها فجلست قبل طلوع الشمس وإلى جنبى رجل ضرير فسألته عن شئ من أمر الشأم فقال إنك لغريب قلت أجل قال من أي بلد أنت قلت من خراسان قال ما أقدمك فأخبرته فقال والذى بعث محمدا بالحق ما افتتحتموها إلا غدرا وإنكم يا أهل خراسان الذين تسلبون بنى أمية ملكهم وتنقضون دمشق حجرا حجرا قال وأخبرنا العلاء بن جرير قال بلغني أن قتيبة لما فتح سمرقند وقف على جبلها فنظر إلى الناس متفرقين في مروج السغد فتمثل قول طرفة: وأرتع أقوام ولولا محلنا * بمخشية ردوا الجمال فقوضوا قال وأخبرنا خالد بن الاصفح قال قال الكميت: كانت سمرقند أحقابا يمانية * فاليوم تنسبها قيسية مضر قال وقال أبو الحسن الجشمى فدعا قتيبة نهار بن توسعة حين صالح أهل السغد فقال يا نهار أين قولك: ألا ذهب الغزو المقرب للغنى * ومات الندى والجود بعد المهلب أقاما بمرو الروذ رهن ضريحه * وقد غيبا عن كل شرق ومغرب أفغزو هذا يا نهار قال لا هذا أحسن وأنا الذى أقول: وما كان مذكنا ولا كان قبلنا * ولا هو فيما بعد نا كابن مسلم أعم لاهل الترك قتلا بسيفه * وأكثر فينا مقسما بعد مقسم قال ثم ارتحل قتيبة راجعا إلى مرو واستخلف على سمرقند عبد الله بن مسلم وخلف عنده جندا كثيفا وآلة من آلة الحرب كثيرة وقال لاتد عن مشركا يدخل

[ 255 ]

بابا من أبواب سمرقند إلا مختوم اليد وان جفت الطينة قبل أن يخرج فاقتله وإن وجدت معه حديدة سكينا فما سواه فاقتله وإن أغلقت الباب ليلا فوجدت فيها أحدا منهم فاقتله فقال كعب الاشقري ويقال رجل من جعفى: كل يوم يحوى قتيبة نهبا * ويزيد الاموال مالا جديدا باهلي قد ألبس التاج حتى * شاب منه مفارق كن سودا دوخ السغد بالكتائب حتى * ترك السغد بالعراء قعودا فوليد يبكى لفقد أبيه * وأب موجع يبكى الوليدا كلما حل بلدة أو أتاها * تركت خيله بها أخدودا قال وقال قتيبة هذا العداء لاعداء عيرين لانه فتح خوارزم وسمرقند في عام واحد وذلك أن الفارس إذا صرع في طلق واحد عيرين قيل عادى بين عيرين ثم انصرف عن سمرقند فأقام بمرو وكان عامله على خوارزم إياس بن عبد الله بن عمرو على حربها وكان ضعيفا وكان على خراجها عبيد الله بن أبى عبيد الله مولى بنى مسلم قال فاستضعف أهل خوارزم إياسا وجمعوا له فكتب عبيد الله إلى قتيبة فبعث قتيبة عبد الله بن مسلم في الشتاء عاملا وقال اضرب إياس بن عبد الله وحيان النبطي مائة مائة واحلقهما وضم اليك عبيد الله بن أبى عبيد الله مولى بنى مسلم واسمع منه فإن له وفاء فمضى حتى إذا كان من خوارزم على سكة فدس إلى إياس فأنذره فتنحى وقدم فأخذ حيان فضربه مائة وحلقه قال ثم وجه قتيبة بعد عبد الله المغيرة ابن عبد الله في الجنود إلى خوارزم فبلغهم ذلك فلما قدم المغيرة اعتزل أبناء الذين قتلهم خوارزم شاه وقالوا لا نعينك فهرب إلى بلاد الترك وقدم المغيرة فسبى وقتل وصالحه الباقون فأخذ الجزية وقدم على قتيبة فاستعمله على نيسابور (وفى هذه السنة) عزل موسى بن نصير طارق بن زياد عن الاندلس ووجهه إلى مدينة طليطلة ذكر الخبر عن ذلك ذكر محمد بن عمر أن موسى بن نصير غضب على طارق في سنة 93 فشخص إليه في رجب منها ومعه حبيب بن عقبة بن نافع الفهرى واستخلف حين شخص

[ 256 ]

على افريقية ابنه عبد الله بن موسى بن نصير وعبر موسى إلى طارق في عشرة آلاف فتلقاه فترضاه فرضى عنه وقبل منه عذره ووجهه منها إلى مدينة طليطلة وهى من عظام مدائن الاندلس وهى من قرطبة على عشرين يوما فأصاب فيها مائدة سليمان ابن داود فيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به (قال) وفيها أجدب أهل افريقية جدبا شديدا فخرج موسى بن نصير فاستسقى ودعا يومئذ حتى انتصف النهار وخطب الناس فلما أراد أن ينزل قيل له ألا تدعو لامير المؤمنين قال ليس هذا يوم ذاك فسقوا سقيا كفاهم حينا (وفيها) عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة ذكر سبب عزل الوليد إياه عنها وكان سبب ذلك فيما ذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج أهل عمله بالعراق واعتدائه عليهم وظلمه لهم بغير حق ولا جناية وأن ذلك بلغ الحجاج فاضطغنه على عمرو كتب إلى الوليد أن من قبلى من مراق أهل العراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق ولجأوا إلى المدينة ومكة وإن ذلك وهن فكتب الوليد إلى الحجاج أن أشر على برجلين فكتب إليه يشير عليه بعثمان ابن حيان وخالد بن عبد الله فولى خالدا مكة وعثمان المدينة وعزل عمر بن عبد العزيز قال محمد بن عمر خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة فأقام بالسويداء وهو يقول لمزاحم أتخاف أن تكون ممن نفته طيبة (وفيها) ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير بأمر الوليد إياه وصب على رأسه قربة من ماء بارد (ذكر) محمد بن عمر أن أبا المليح حدثه عمن حضر عمر بن عبد العزيز حين جلد خبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطا وصب على رأسه قربة من ماء في يوم شات ووقفه على باب المسجد فمكث يومه ثم مات (وحج بالناس في هذه السنة) عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكانت عمال عمال الامصار في هذه السنة عمالها في السنة التى قبلها إلا ما كان من المدينة فإن العامل عليها كان عثمان بن حيان المرى وليها فيما قيل في شعبان سنة 93 وأما الواقدي

[ 257 ]

فإنه قال قدم عثمان المدينة لليلتين بقيتا من شوال سنة 94 وقال بعضهم شخص عمر ابن عبد العزيز عن المدينة معزولا في شعبان من سنة 93 وغزا فيها واستخلف عليها حين شخص عنها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الانصاري وقدم عثمان ابن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال ثم دخلت سنة أربع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من غزوة العباس بن الوليد أرض الروم فقيل إنه فتح فيها انطاكية (وفيها) غزا فيما قيل عبد العزيز بن الوليد أرض الروم حتى بلغ غزالة وبلغ الوليد بن هشام المعيطى أرض برج الحمام ويزيد بن أبى كبشة أرض سورية (وفيها) كانت الرجفة بالشأم (وفيها) افتتح القاسم بن محمد الثقفى أرض الهند (وفيها) غزا قتيبة شاش وفرغانة حتى بلغ خجندة وكاشان مدينتي فرغانة ذكر الخبر عن غزوة قتيبة هذه ذكر على بن محمد أن أبا الفوارس التميمي أخبره عن ماهان ويونس بن أبى إسحاق أن قتيبة غزا سنة 94 فلما قطع النهر فرض على أهل بخارى وكس ونسف وخوارزم عشرين ألف مقاتل قال فساروا معه إلى السغد فوجهوا إلى الشاش وتوجه هو إلى فرغانة وسار حتى أتى خجندة فجمع له أهلها فلقوه فاقتتلوا مررارا كل ذلك يكون الظفر للمسلمين ففرغ الناس يوما فركبوا خيولهم فأوفى رجل على نشر فقال تالله ما رأيت كاليوم غرة لو كان هيج اليوم ونحن على ما أرى من الانتشار لكانت الفضيحة فقال له رجل إلى جنبه كلا نحن كما قال عوف بن الخرع نؤم البلاد لحب اللقا * ولا نتقى طائرا حيث طارا سنيحا ولا جاريا بارحا * على كل حال نلاقى اليسارا وقال سحبان وائل يذكر قتالهم بخجندة فسل الفوارس في خجن‍ * دة تحت مرهفة العوالي

[ 258 ]

هل كنت أجمعهم إذا * هزموا وأقدم في قتالي أم كنت أضرب هامة ال‍ * عاتى وأصبر للعوالى هذا وأنت قريع قي‍ * س كلها ضخم النوال وفضلت قيسا في الندى * وأبوك في الحجج الخوالى ولقد تبين عدل حك‍ * مك فيهم في كل مال تمت مروأتكم ونا * غى عزكم غلب الجبال قال ثم أتى قتيبة كاشان مدينة فرغانة وأتاه الجنود الذين وجههم إلى الشاش وقد فتحوها وحرقوا أكثرها وانصرف قتيبة إلى مرو وكتب الحجاج إلى محمد ابن القاسم الثقفى أن وجه من قبلك من أهل العراق إلى قتيبة ووجه إليهم جهم ابن زحر بن قيس فإنه في أهل العراق خير منه في أهل الشأم وكان محمد وادا لجهم ابن زحر فبعث سليمان بن صعصعة وجهم بن زحر فلما ودعه جهم بكى وقال يا جهم إنه للفراق قال لا بد منه قال وقدم على قتيبة سنة 95 (وفى هذه السنة) قدم عثمان بن حيان المرى المدينة واليا عليها من قبل الوليد بن عبد الملك ذكر الخبر عن ولايته قد ذكرنا قبل سبب عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن المدينة ومكة وتأميره على المدينة عثمان بن حيان فزعم محمد بن عمر أن عثمان قدم المدينة أميرا عليها لليلتين بقيتا من شوال سنة 94 فنزل بها دار مروان وهو يقول محلة والله مظعان المغرور من غر بك فاستقضى أبا بكر بن حزم قال محمد بن عمر حدثنى محمد بن عبد الله بن أبى حرة عن عمه قال رأيت عثمان بن حيان أخذ رياح بن عبيد الله ومنقذ العراقى فحبسهم وعاقبهم ثم بعث بهم في جوامع إلى الحجاج بن يوسف ولم يترك بالمدينة أحدا من أهل العراق تاجرا ولا غير تاجر وأمر بهم أن يخرجوا من كل بلد فرأيتهم في الجوامع واتبع أهل الاهواء وأخذ هيصما فقطعه ومنحورا وكانا من الخوارج قال وسمعته يخطب على المنبر يقول بعد حمد الله أيها الناس إنا وجدناكم أهل غش لامير المؤمنين في قديم الدهر وحديثه وقد ضوى إليكم من يزيدكم خبالا

[ 259 ]

أهل العراق هم أهل الشقاق والنفاق هم والله عش النفاق وبيضته التى تفلقت عنه والله ما جربت عراقيا قط إلا وجدت أفضلهم عند نفسه الذى يقول في آل أبى طالب ما يقول وما هم لهم بشيعة وإنهم لا عداء لهم ولغيرهم ولكن لما يريد الله من سفك دمائهم فإنى والله لا أوتى بأحد آوى أحدا منهم أو أكراه منزلا ولا أنزله إلا هدمت منزله وأنزلت به ما هو أهله ثم إن البلدان لما مصرها عمر بن الخطاب وهو مجتهد على ما يصلح رعيته جعل يمر عليه من يريد الجهاد فيستشيره الشأم أحب إليك أم العراق فيقول الشأم أحب إلى إنى رأيت العراق داء عضالا وبها فرخ الشيطان والله لقد أعضلوا بى وإنى لارانى سأفرقهم في البلدان ثم أقول لو فرقتهم لافسدوا من دخلوا عليه بجدل وحجاج وكيف ولم وسرعة وجيف في الفتنة فإذا خبروا عند السيوف لم يخبر منهم طائل لم يصلحوا على عثمان فلقى منهم الامرين وكانوا أول الناس فتق هذا الفتق العظيم ونقضوا عرى الاسلام عروة عروة وأنغلوا البلدان والله إنى لاتقرب إلى الله بكل ما أفعل بهم لما أعرف من رأيهم ومذاهبهم ثم وليهم أمير المؤمنين معاوية فدامجهم فلم يصلحوا عليه ووليهم رجل الناس جلدا فبسط عليهم السيف وأخافهم فاستقاموا له أحبوا أو كرهوا وذلك أنه خبرهم وعرفهم أيها الناس إنا والله ما رأينا شعارا قط مثل الامن ولا رأينا حلسا قط شرا من الخوف فالزموا الطاعة فإن عندي يا أهل المدينة خبرة من الخلاف والله ما أنتم بأصحاب قتال فكونوا من أحلاس بيوتكم وعضوا على النواجذ فإنى قد بعثت في مجالسكم من يسمع فيبلغني عنكم انكم في فضول كلام غيره ألزم لكم فدعوا عيب الولاة فإن الامر إنما ينقض شيئا شيئا حتى تكون الفتنة وإن الفتنة من البلاء والفتن تذهب بالدين وبالمال والولد قال يقول القاسم بن محمد صدق في كلامه هذا الاخير إن الفتنة لهكذا * قال محمد بن عمر وحدثني خالد بن القاسم عن سعيد بن عمرو الانصاري قال رأيت منادى عثمان بن حيان ينادى عندنا يا بنى أمية بن زيد برئت ذمة الله ممن آوى عراقيا وكان عندنا رجل من أهل البصرة له فضل يقال له أبو سوادة من العباد فقال والله ما أحب أن أدخل عليكم

[ 260 ]

مكروها بلغوني مأمنى قلت لا خير لك في الخروج إن الله يدفع عنا وعنك قال فأدخلته بيتى وبلغ عثمان بن حيان فبعث أحراسا فأخرجته إلى بيت أخى فما قدروا على شئ وكان الذى سعى بى عدوا فقلت للامير أصلح الله الامير يؤتى بالباطل فلا تعاقب عليه قال فضرب الذى سعى بى عشرين سوطا وأخرجنا العراقى فكان يصلى معنا ما يغيب يوما واحدا وحدب عليه أهل دارنا فقالوا نموت دونك فما برح حتى عزل الخبيث * قال محمد بن عمر وحدثنا عبد الحكم بن عبد الله بن أبى فروة قال إنما بعث الوليد عثمان بن حيان إلى المدينة لاخراج من بها من العراقيين وتفريق أهل الاهواء ومن ظهر عليهم أو علا بأمرهم فلم يبعثه واليا فكان لا يصعد المنبر ولا يخطب عليه فلما فعل في أهل العراق ما فعل وفى منحور وغيره أثبته على المدينة فكان يصعد على المنبر (وفى هذه السنة) قتل الحجاج سعيد بن جبير ذكر الخبر عن مقتله وكان سبب قتل الحجاج إياه خروجه عليه مع من خرج عليه مع عبد الرحمن ابن محمد بن الاشعث وكان الحجاج جعله على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن إلى رتبيل لقتاله فلما خلع عبد الرحمن الحجاج كان سعيد فيمن خلعه معه فلما هزم عبد الرحمن وهرب إلى بلاد رتبيل هرب سعيد * فحدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر بن عياش قال كتب الحجاج إلى فلان وكان على أصبهان وكان سعيد قال الطبري أظنن لما هرب من الحجاج ذهب إلى أصبهان فكتب إليه أن سعيدا عندك فخذه فجاء الامر إلى رجل تحرج فأرسل إلى سعيد تحول عنى فتنحى عنه فأتى آذربيجان فلم يزل بآذربيجان فطال عليه السنون واعتمر فخرج إلى مكة فأقام بها فكان أناس من ضربه يستخفون فلا يخبرون بأسمائهم قال فقال أبو حصين وهو بحدثنا هذا فبلغنا أن فلانا قد أمر على مكة فقلت له يا سعيد إن هذا الرجل لا يؤمن وهو رجل سوء وأنا أتقيه عليك فأظعن وأشخص فقال يا أبا حصين قد والله فررت حتى استحييت من الله سيجيئني ما كتب الله لى قلت أظنك والله

[ 261 ]

سعيدا كما سمتك أمك قال فقدم ذلك الرجل إلى مكة فأرسل فأخذ فلان له وكلمه فجعل يدبره وذكر أبو عاصم عن عمر بن قيس قال كتب الحجاج إلى الوليد إن أهل النفاق والشقاق قد لجؤا إلى مكة فإن رأى أمير المؤمنين ان يأذن لى فيهم فكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله القسرى فأخذ عطاء وسعيد بن جبير ومجاهد وطلق بن حبيب وعمرو بن دينار فأما عمرو بن دينار وعطاء فأرسلا لانهما مكيان وأما الآخرون فبعث بهم إلى الحجاج فمات طلق في الطريق وحبس مجاهد حتى مات الحجاج وقتل سعيد بن جبير * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر قال حدثنا الاشجعى قال لما أقبل الحرسيان بسعيد بن جبير نزل منزلا قريبا من الربذة فانطلق أحد الحرسيين في حاجته وبقى الآخر فاستيقظ الذى عنده وقد رأى رؤيا فقال يا سعيد إنى أبرأ إلى الله من دمك إنى رأيت في منامي فقيل ويلك تبرأ من دم سعيد بن جبير اذهب حيث شئت لا أطلبك أبدا فقال سعيد أرجو العافية وأرجو وأبى حتى جاء ذاك فنزلا من الغد فأرى مثلها فقيل أبرأ من دم سعيد فقال يا سعيد اذهب حيث شئت إنى أبرأ إلى الله من دمك حتى جاء به فلما جاء به إلى داره التى كان فيها سعيد وهى دارهم هذه * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر قال حدثنا يزيد بن أبى زياد مولى بنى هاشم قال دخلت عليه في دار سعيد هذه جئ به مقيدا فدخل عليه قراء أهل الكوفة قلت يا أبا عبد الله فحدثكم قال إى والله ويضحك وهو يحدثنا وبنية له في حجره فنظرت نظرة فأبصرت القيد فبكت فسمعته يقول أي بنية لا تطيري إياك وشق والله عليه فاتبعناه نشيعه فانتهينا به إلى الجسر فقال الحرسيان لا نعبر به أبدا حتى يعطينا كفيلا نخاف أن يغرق نفسه قال قلنا سعيد يغرق نفسه فما عبروا حتى كفلنا به * قال وهب بن جرير حدثنا أبى قال سمعت الفضل بن سويد قال بعثنى الحجاج في حاجة فجئ بسعيد بن جبير فرجعت فقلت لانظرن ما يصنع فقمت على رأس الحجاج فقال له الحجاج يا سعيد ألم أشركك في أمانتى ألم أستعملك ألم أفعل حتى ظننت أنه يخلى سبيله قال بلى قال فما حملك على خروجك على قال عزم على قال فطار غضبا وقال هيه رأيت

[ 262 ]

لعزمة عدو الرحمن عليك حقا ولم تر لله ولا لأمير المؤمنين ولا لى عليك حقا اضربا عنقه فضربت عنقه فندر رأسه عليه كمة بيضاء لاطية صغيرة * وحدثت عن أبى غسان مالك بن إسماعيل قال سمعت خلف بن خليفة يذكر عن رجل قال لما قتل سعيد بن جبير فندر رأسه هلل ثلاثا مرة يفصح بها وفي الثنتين يقول مثل ذلك فلا يفصح بها * وذكر أبو بكرة الباهلى قال سمعت أنس بن أبى شيخ يقول لما أتى الحجاج بسعيد بن جبير قال لعن الله ابن النصرانية قال يعنى خالد القسرى وهو الذى أرسل به من مكة أما كنت أعرف مكانه بلى والله والبيت الذى هو فيه بمكة ثم أقبل عليه فقال يا سعيد ما أخرجك على فقال أصلح الله الامير إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب مرة قال فطابت نفس الحجاج وتطلق وجهه ورجا أن يتخلص من أمره قال فعاوده في شئ فقال له إنما كانت له بيعة في عنقي قال فغضب وانتفخ حتى سقط أحد طرفي ردائه عن منكبه فقال يا سعيد ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير ثم أخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لامير المؤمنين عبد الملك قال بلى قال ثم قدمت الكوفة واليا على العراق فجددت لامير المؤمنين البيعة فأخذت بيعتك له ثانية قال بلى قال فتنكث بيعتين لامير المؤمنين وتفى بواحدة للحائك ابن الحائك اضربا عنقه قال فإياه عنى جرير بقوله يا رب ناكث بيعتين تركته * وخضاب لحيته دم الاوداج وذكر عتاب بن بشر عن سالم الافطس قال أتى الحجاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب وقد وضع إحدى رجليه في الغرز أو الركاب فقال والله لا أركب حتى تبوء مقعدك من النار اضربوا عنقه فضربت فالتبس عقله مكانه فجعل يقول قيودنا قيودنا فظنوا أنه قال القيود التى على سعيد بن جبير فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود * قال محمد بن حاتم حدثنا عبد الملك بن عبد الله عن هلال بن جناب قال جئ بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال اكتبت إلى مصعب ابن الزبير قال بل كتب إلى مصعب قال والله لاقتلنك قال إنى إذا لسعيد كما سمتنى أمي قال فقتله فلم يلبث بعده إلا نحوا من أربعين يوما فكان إذا نام يراه في منامه

[ 263 ]

يأخذ بمجامع ثوبه فيقول يا عدو الله فيم قتلتنى فيقول مالى ولسعيد بن جبير مالى ولسعيد بن جبير (قال أبو جعفر) وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء مات فيها عامة فقهاء أهل المدينة مات في أولها على بن الحسين عليه السلام ثم عروة بن الزبير ثم سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (واستقصى) الوليد في هذه السنة بالشأم سليمان بن حبيب واختلف فيمن أقام الحج للناس في هذه السنة فقال أبو معشر فيما حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عنه قال حج بالناس مسلمة بن عبد الملك سنة 94 وقال الواقدي حج بالناس سنة 94 عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك قال ويقال مسلمة بن عبد الملك وكان العامل فيها على مكة خالد بن عبد الله القسرى وعلى المدينة عثمان بن حيان المرى وعلى الكوفة زياد بن جرير وعلى قضائها أبو بكر بن أبى موسى وعلى البصرة الجراح بن عبد الله وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة وعلى خراسان قتيبة بن مسلم وعلى مصر قرة بن شريك وكان العراق والمشرق كله إلى الحجاج ثم دخلت سنة خمس وتسعين ذكر الاحداث التى كانت فيها (ففيها) كانت غزوة العباس بن الوليد بن عبد الملك أرض الرم ففتح الله على يديه ثلاثة حصون فيما قيل وهى طولس والمرزبانين وهر قلة (وفيها) فتح آخر الهند إلا الكيرج والمندل (وفيها) بنيت واسط القصب في شهر رمضان (وفيها) انصرف موسى بن نصير إلى إفريقية من الاندلس وضحى بقصر الماء فيما قيل على ميل من القيروان (وفيها) غزا قتيبة بن مسلم الشاش ذكر الخبر عن غزوته هذه (رجع الحديث) إلى حديث على بن محمد قال وبعث الحجاج جيشا من العراق فقدموا على قتيبة سنة 95 فغزا فلما كان بالشاش أو بكشماهن أتاه موت الحجاج في شوال فغمه ذلك وقفل راجعا إلى مرو وتمثل

[ 264 ]

لعمري لنعم المرء من آل جعفر * بحوران أمسئ اعلقته الحبائل فإن تحى لا أملل حياتي وإن تمت * فما في حياة بعد موتك طائل قال فرجع بالناس ففرقهم فخلف في بخارى قوما ووجه قوما إلى كس ونسف ثم أتى مرو فأقام بها وأتاه كتاب الوليد قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجدك في جهاد أعداء المسلمين وأمير المؤمنين رافعك وصانع بك كالذى يجب لك فالمم مغازيك وانتظر ثواب ربك ولا تغيب عن أمير المؤمنين كتبك حتى كأنى أنظر إلى بلادك والثغر الذى أنت به (وفيها) مات الحجاج بن يوسف في شوال وهو يومئذ ابن أربع وخمسين سنة وقيل ابن ثلاث وخمسين سنة وقيل كانت وفاته في هذه السنة لخمس ليال بقين من شهر رمضان (وفيها) استخلف الحجاج لما حضرته الوفاة على الصلاة ابنه عبد الله بن الحجاج وكانت إمرة الحجاج على العراق فيما قال الواقدي عشرين سنة (وفى هذه السنة) افتتح العباس بن الوليد قنسرين (وفيها) قتل الوضاحى بأرض الروم ونحو من ألف رجل معه (وفيها) ذكر ولد المنصور عبد الله بن محمد بن على (وفيها) ولى الوليد بن عبد الملك يزيد ابن أبى كبشة على الحرب والصلاة بالمصرين الكوفة والبصرة وولى خراجهما يزيد بن أبى مسلم وقيل إن الحجاج كان استخلف حين حضرته الوفاة على حرب البلدين والصلاة بأهلهما يزيد بن أبى كبشة وعلى خراجهما يزيد بن أبى مسلم فأقرهما الوليد بعد موت الحجاج على ما كان الحجاج استخلفهما عليه وكذلك فعل بعمال الحجاج كلهم أقرهم بعده على أعمالهم التى كانوا عليها في حياته (وحج) بالناس في هذه السنة بشر بن الوليد بن عبد الملك حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وكان عمال الامصار في هذه السنة هم العمال الذى كانوا في السنة التى قبلها إلا ما كان من الكوفة والبصرة فانهما ضمتا إلى من ذكرت بعد موت الحجاج

[ 265 ]

ثم دخلت سنة ست وتسعين ذكر الاحداث التى كانت فيها (ففيها) كانت فيما قال الواقدي غزوة بشر بن الوليد الشاتية فقفل وقد مات الوليد (وفيها) كانت وفاة الوليد بن عبد الملك يوم السبت في النصف من جمادى الآخرة سنة 96 في قول جميع أهل السير واختلف في قدر مدة خلافته فقال الزهري في ذلك ما حدثت عن ابن وهب عن يونس عنه ملك الوليد عشر سنين إلا شهرا وقال أبو معشر فيه ما حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عنه كانت خلافة الوليد تسع سنين وسبعة أشهر (وقال هشام) ابن محمد كانت ولاية الوليد ثمان سنين وستة أشهر وقال الواقدي كانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر وليلتين واختلف أيضا في مبلغ عمره فقال محمد بن عمر توفى بدمشق وهو ابن ست وأربعين سنة وأشهر وقال هشام بن محمد توفى وهو ابن خمس وأربعين سنة وقال على بن محمد توفى وهو ابن اثنتين وأربعين سنة وأشهر وقال على كانت وفاة الوليد بدير مران ودفن خارج باب الصغير ويقال في مقابر الفراديس ويقال إنه توفى وهو ابن سبع وأربعين سنة وقيل صلى عليه عمر بن عبد العزيز وكان له فيما قال على تسعة عشرا بنا عبد العزيز ومحمد والعباس وإبراهيم وتمام وخالد وعبد الرحمن ومبشر ومسرور وأبو عبيدة وصدقة ومنصور ومروان وعنبسة وعمر وروح وبشر ويزيد ويحيى وأم عبد العزيز ومحمد وأم البنين بنت عبد العزيز بن مروان وأم أبى عبيدة فزارية وسائرهم لامهات شتى ذكر الخبر عن بعض سيره * حدثنى عمر قال حدثنى على قال كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشأم أفضل خلائفهم بنى المساجد مسجد دمشق ومسجد المدينة ووضع المنار وأعطى الناس وأعطى المجذمين وقال لا تسألوا الناس وأعطى كل مقعد خادما وكل ضرير قائدا وفتح في ولايته فتوح عظام فتح موسى بن نصير الاندلس

[ 266 ]

وفتح قتيبة كاشغر وفتح محمد بن القاسم الهند قال وكان الوليد يمر بالبقال فيقف عليه فيأخذ حزمة البقل فيقول بكم هذه فيقول بفلس فيقول زد فيها قال وأتاه رجل من بنى مخزوم يسأله في دينه فقال نعم إن كنت مستحقا لذلك قال يا أمير المؤمنين وكيف لا أكون مستحقا لذلك مع قرابتي قال أقرأت القرآن قال لا قال ادن منى فدنا منه فنزع عمامته بقضيب كان في يده وقرعه قرعات بالقضيب وقال لرجل ضم هذا إليك فلا يفارقك حتى يقرأ القرآن فقام إليه عثمان بن يزيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فقال يا أمير المؤمنين إن على دينا فقال أقرأت القرآن قال نعم فاستقرأه عشر آيات من الانفال وعشر آيات من براءة فقرأ فقال نعم نقضى عنكم ونصل أرحامكم على هذا قال ومرض الوليد فرهقته غشية فمكث عامة يومه عندهم ميتا فبكى عليه وخرجت البرد بموته فقدم رسول على الحجاج فاسترجع ثم أمر بحبل فشد في يديه ثم أوثق إلى اسطوانة وقال اللهم لا تسلط على من لا رحمة له فقد طال ما سألتك أن تجعل منيتى قبل منيته وجعل يدعو فانه لكذلك إذ قدم عليه بريد بإفاقته قال على ولما أفاق الوليد قال ما أحد أسر بعافية أمير المؤمنين من الحجاج فقال عمر بن عبد العزيز ما أعظم نعمة الله علينا بعافيتك وكأني بكتاب الحجاج قد أتاك يذكر فيه أنه لما بلغه برؤك خر الله ساجدا وأعتق كل مملوك له وبعث بقوارير من أنبج الهند فما لبث إلا أياما حتى جاء الكتاب بما قال قام ثم لم يمت الحجاج حتى ثقل على الوليد فقال خادم للوليد إنى لاوضئ الوليد يوما للغداء فمد يده فجعلت أصب عليه الماء وهو ساه والماء يسيل ولا أستطيع أن أتكلم ثم نضح الماء في وجهى وقال أناعس أنت ورفع رأسه إلى وقال ما تدرى ما جاء الليلة قلت لا قال ويحك مات الحجاج فاسترجعت قال اسكت ما يسر مولاك أن في يده تفاحة يشمها قال على وكان الوليد صاحب بناء واتخاذ المصانع والضياع وكان الناس يلتقون في زمانه فانما يسأل بعضهم بعضا عن البناء والمصانع فولى سليمان فكان صاحب نكاح وطعام فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن التزويج والجوارى * فلما ولى عمر بن

[ 267 ]

عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل ما وردك الليلة وكم تحفظ من القرآن ومتى تختم ومتى ختمت وما تصوم من الشهر ورثى جرير الوليد فقال يا عين جودى بدمع هاجه الذكر * فما لدمعك بعد اليوم مدخر إن الخليفة قد وارت شمائله * غبراء ملحدة في جولها زور أضحى بنوه وقد جلت مصيبتهم * مثل النجوم هوى من بينها القمر كانوا جميعا فلم يدفع منيته * عبد العزيز ولا روح ولا عمر * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حج الوليد بن عبد الملك وحج محمد بن يوسف من اليمن وحمل هدايا للوليد فقالت أم البنين للوليد يا أمير المؤمنين اجعل لى هدية محمد بن يوسف فأمر بصرفها إليها فجاءت رسل أم البنين إلى محمد فيها فأبى وقال حتى ينظر إليها أمير المؤمنين فيرى رأيه وكانت هدايا كثيرة فقالت يا أمير المؤمنين إنك أمرت بهدايا محمد أن تصرف إلى ولا حاجة لى بها قال ولم قالت بلغني أنه غصبها الناس وكلفهم عملها وظلمهم وحمل محمد المتاع إلى الوليد فقال بلغني أنك أصبتها غصبا قال معاذ الله فأمر فاستحلف بين الركن والمقام خمسين يمينا بالله ما غصب شيئا منها ولا ظلم أحدا ولا أصابها إلا من طيب فحلف فقبلها الوليد ودفعها إلى أم البنين فمات محمد بن يوسف باليمن أصابه داء تقطع منه (وفى هذه السنة) كان الوليد أراد الشخوص إلى أخيه سليمان لخلعه وأراد البيعة لابنه من بعده وذلك قبل مرضته التى مات فيها * حدثنى عمر قال حدثنا على قال كان الوليد وسليمان وليى عهد عبد الملك فلما أفضى الامر إلى الوليد أراد أن يبايع لابنه عبد العزيز ويخلع سليمان فأبى سليمان فأراده على أن يجعله له من بعده فأبى فعرض عليه أموالا كثيرة فأبى فكتب إلى عماله أن يبايعوا لعبد العزيز ودعا الناس إلى ذلك فلم يجبه أحد إلا الحجاج وقتيبة وخواص من الناس فقال عباد بن زياد إن الناس لا يجيبونك إلى هذا ولو أجابوك لم آمنهم على الغدر بابنك فاكتب إلى سليمان فليقدم عليك فان لك عليه طاعة فأرده على البيعة لعبد العزيز من بعده فانه لا يقدر على الامتناع وهو عندك فان أبى كان الناس عليه فكتب

[ 268 ]

الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم فأبطأ فاعتزم الوليد على المسير إليه وعلى أن يخلعه فأمر الناس بالتأهب وأمر بحجره فأخرجت فمرض ومات قبل أن يسير وهو يريد ذلك قال عمر قال على وأخبرنا أبو عاصم الزيادي من الهلواث الكلبى قال كنا بالهند مع محمد بن القاسم فقتل الله داهرا وجاءنا كتاب من الحجاج أن اخلعوا سليمان فلما ولى سليمان جاءنا كتاب سليمان أن ازرعوا واحرثوا فلا شأم لكم فلم نزل بتلك البلاد حتى قام عمر بن عبد العزيز فأقفلنا قال عمر قال على أراد الوليد أن يبنى مسجد دمشق وكانت فيه كنيسة فقال الوليد لاصحابه أقسمت عليكم لما أتانى كل رجل منكم بلبنة فجعل كل رجل يأتيه بلبنة ورجل من أهل العراق يأتيه بلبنتين فقال له ممن أنت قال من أهل العراق قال يا أهل العراق تفرطون في كل شئ حتى في الطاعة وهدموا الكنيسة وبناها مسجدا فلما ولى عمر بن عبد العزيز شكوا ذلك إليه فقيل إن كل ما كان خارجا من المدينة افتتح عنوة فقال لهم عمر نرد عليكم كنيستكم ونهدم كنيسة توما فإنها فتحت عنوة ونبنيها مسجدا فلما قال لهم ذلك قالوا بل ندع لكم هذا الذى هدمه الوليد ودعوا لنا كنيسة توما ففعل عمر ذلك (وفى هذه السنة) افتتح قتيبة بن مسلم كاشغر وغزا الصين ذكر الخبر عن ذلك (رجع الحديث) إلى حديث على بن محمد بالاسناد الذى ذكرت قبل قال ثم غزا قتيبة في سنة 96 وحمل مع الناس عيالهم وهو يريد أن يحرز عياله في سمرقند خوفا من سليمان فلما عبر النهر استعمل رجلا من مواليه يقال له الخوارزمي على مقطع النهر وقال لا يجوزن أحد إلا بجواز ومضى إلى فرغانة وأرسل إلى شعب عصام من يسهل له الطريق إلى كاشغر وهى أدنى مدائن الصين فأتاه موت الوليد وهو بفرغانة قال فأخبرنا أبو الذيال عن المهلب بن إياس قال قال إياس بن زهير لما عبر قتيبة النهر أتيته فقلت له إنك خرجت ولم أعلم رأيك في العيال فنأخذ أهبة ذلك وبنى الاكابر معى ولى عيال قد خلفتهم وأم عجوز وليس عندهم من يقوم بأمرهم فإن رأيت أن تكتب لى كتابا مع بعض بنى أوجهه فيقدم على بأهلى فكتب

[ 269 ]

فأعطاني الكتاب فانتهيت إلى النهر وصاحب النهر من الجانب الآخر فألويت بيدى فجاء قوم في سفينة فقالوا من أنت وأين جوازك فأخبرتهم فقعد معى قوم ورد قوم السفينة إلى العامل فاخبروه قال ثم رجعوا إلى فحملوني فانتهيت إليهم وهم يأكلون وأنا جائع فرميت بنفسى فسألني عن الامر وأنا آكل لا أجيبه فقال هذا أعرابي قد مات من الجوع ثم ركبت فمضيت فأتيت مرو فحملت أمي ورجعت أريد العسكر وجاءنا موت الوليد فانصرفت إلى مرو قال وأخبرنا أبو مخنف عن أبيه قال بعث قتيبة كثيرا بن فلان إلى كاشغر فسبى منها سبيا فختم أعناقهم مما أفاء الله على قتيبة ثم رجع قتيبة وجاءهم موت الوليد قال وأخبرنا يحيى بن زكرياء الهمداني عن أشياخ من أهل خراسان والحكم بن عثمان قال حدثنى شيخ من أهل خراسان قال وغل قتيبة حتى قرب من الصين قال فكتب إليه ملك الصين أن ابعث الينا رجلا من أشراف من معكم يخبرنا عنكم ونسائله عن دينكم فانتخب قتيبة من عسكره اثنى عشر رجلا وقال بعضهم عشرة من أفناء القبائل لهم جمال وأجسام وألسن وشعور وبأس بعد ما سأل عنهم فوجدهم من صالح من هم منه فكلمهم قتيبة وفاطنهم فرأى عقولا وجمالا فأمر لهم بعدة حسنة من السلاح والمتاع الجيد من الخزوز والوشى واللين من البياض والرقيق والنعال والعطر وحملهم على خيول مطهمة تقاد معهم ودواب يركبونها قال وكان هبيرة بن المشمرج الكلابي مفوها بسيط اللسان فقال يا هبيرة كيف أنت صانع قال أصلح الله الامير قد كفيت الادب وقل ما شئت أقله وآخذ به قال سيروا على بركة الله وبالله التوفيق لا تضعوا العمائم عنكم حتى تقدموا البلاد فإذا دخلتم عليه فأعلموه أنى قد حلفت أن لا أنصرف حتى أطأ بلادهم وأختم ملوكهم وأجبى خراجهم قال فساروا وعليهم هبيرة بن المشمرج فلما قدموا أرسل إليهم ملك الصين يدعوهم فدخلوا الحمام ثم خرجوا فلبسوا ثيابا بياضا تحتها الغلائل ثم مسوا الغالية وتدخنوا ولبسوا النعال والاردية ودخلوا عليه وعنده عظماء أهل مملكته فجلسوا فلم يكلمهم الملك ولا أحد من جلسائه فنهضوا فقال الملك لمن حضره كيف رأيتم

[ 270 ]

هؤلاء قالوا رأينا قوما ما هم إلا نساء ما بقى منا أحد حين رآهم ووجد رائحتهم إلا انتشر ما عنده قال فلما كان الغد أرسل إليهم فلبسوا الوشى وعمائم الخز والمطارف وغدوا عليه فلما دخلوا عليه قيل لهم ارجعوا فقال لاصحابه كيف رأيتم هذه الهيئة قالوا هذه الهيئة أشبه بهيئة الرجال من تلك الاولى وهم أولئك فلما كان اليوم الثالث أرسل إليهم فشدوا عليهم سلاحهم ولبسوا البيض والمغافر وتقلدوا السيوف وأخذوا الرماح وتنكبوا القسى وركبوا خيولهم وغدوا فنظر إليهم صاحب الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة فلما دنوا ركزوا رماحهم ثم أقبلوا نحوهم مشمرين فقيل لهم قبل أن يدخلوا ارجعوا لما دخل قلوبهم من خوفهم قال فانصرفوا فركبوا خيولهم واختلجوا رماحهم ثم دفعوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها فقال الملك لاصحابه كيف ترونهم قالوا ما رأينا مثل هؤلاء قط فلما أمسى أرسل إليهم الملك أن ابعثوا إلى زعيمكم وأفضلكم رجلا فبعثوا إليه هبيرة فقال له حين دخل عليه قد رأيتم عظيم ملكى وإنه ليس أحد يمنعكم منى وأنتم في بلادي وإنما أنتم بمنزلة البيضة في كفى وأنا سائلك عن أمر فان لم تصدقني قتلتكم قال سل قال لم صنعتم ما صنعتم من الزى في اليوم الاول والثانى والثالث قال أما زينا الاول فلباسنا في أهالينا وريحنا عندهم وأما يومنا الثاني فإذا أتينا أمراءنا وأما اليوم الثالث فزينا لعدونا فإذا هاجنا هيج وفزع كنا هكذا قال ما أحسن ما دبرتم دهركم فانصرفوا إلى صاحبكم فقولوا له ينصرف فانى قد عرفت حرصه وقلة أصحابه وإلا بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه قال له كيف يكون قليل الاصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون وكيف يكون حريصا من خلف الدنيا قادرا عليها وغزاك وأما تخويفك إيانا بالقتل فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل فلسنا نكرهه ولا نخافه قال فما الذى يرضى صاحبك قال إنه قد حلف أن لا ينصرف حتى يطأ أرضكم ويختم ملوككم ويعطى الجزية قال فإنا نخرجه من يمينه نبعث إليه بتراب من تراب أرضنا فيطأه ونبعث ببعض أبنائنا فيختمهم ونبعث إليه بجزية يرضاها قال فدعا بصحاف من ذهب فيها تراب وبعث بحرير

[ 271 ]

وذهب وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم ثم أجازهم فأحسن جوائزهم فساروا فقدموا بما بعث به فقبل قتيبة الجزية وختم الغلمة وردهم ووطئ التراب فقال سوادة ابن عبد الله السلولى لا عيب في الوفد الذين بعثتهم * للصين إن سلكوا طريق المنهج كسروا الجفون على القذى خوف الردى * حاشى الكريم هبيرة بن مشمرج لم يرض غير الختم في أعناقهم * ورهائن دفعت بجمل سمرج أدى رسالتك التى استرعيته * وأتاك من حنث اليمين بمخرج قال فأوفد قتيبة هبيرة إلى الوليد فمات بقرية من فارس فرثاه سوادة فقال لله قبر هبيرة بن مشمرج * ما ذا تضمن من ندى وجمال وبديهة يعيا بها أبناؤها * عند احتفال مشاهد الاقوال كان الربيع إذا السنون تتابعت * والليث عند تكعكع الابطال فسقت بقرية حيث أمسى قبره * غر يرحن بمسبل هطال بكت الجياد الصافنات لفقده * وبكاه كل مثقف عسال وبكته شعث لم يجدن مؤاسيا * في العام ذى السنوات والامحال قال وقال الباهليون كان قتيبة إذا رجع من غزاته كل سنة اشترى اثنى عشر فرسا من جياد الخيل واثنى عشر هجينا لا يجاوز بالفرس أربعة آلاف فيقام عليها إلى وقت الغزو فإذا تأهب للغزو وعسكر قيدت وأضمرت فلا يقطع نهرا بخيل حتى تخف لحومها فيحمل عليها من يحمله في الطلائع وكان يبعث في الطلائع الفرسان من الاشراف ويبعث معهم رجالا من العجم ممن يستنصح على تلك الهجن وكان إذا بعث بطليعة أمر بلوح فنقش ثم يشقه شقتين فأعطاه شقة واحتبس شقة لئلا يمثل مثلها ويأمره أن يدفنها في موضع يصفه له من مخاضة معروفة أو تحت شجرة معلومة أو خربة ثم يبعث بعده من يستبريها ليعلم أصادق طليعته أم لا وقال ثابت قطنة العتكى يذكر من قتل من ملوك الترك أقر العين مقتل كازرنك * وكشبيز وما لاقى يباد

[ 272 ]

وقال الكميت يذكر غزوة السغد وخوارزم وبعد في غزوة كانت مباركة * تردى زراعة أقوام وتحتصد نالت غمامتها فيلا بوابلها * والسغد حين دنا شؤبوبها البرد إذ لا يزال له نهب ينفله * من المقاسم لا وحش ولا نكد تلك الفتوح التى تدلى بحجتها * على الخليفة أنا معشر حشد لم تثن وجهك عن قوم غزوتهم * حتى يقال لهم بعدا وقد بعدوا لم ترض من حصنهم إن كان ممتنعا * حتى يكبر فيه الواحد الصمد خلافة سليمان بن عبد الملك (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة بويع سليمان بن عبد الملك بالخلافة وذلك في اليوم الذى توفى فيه الوليد بن عبد الملك وهو بالرملة (وفيها) عزل سليمان ابن عبد الملك عثمان بن حيان عن المدينة ذكر محمد بن عمر أنه نزعه عن المدينة لسبع بقين من شهر رمضان سنة 96 قال وكان عمله على المدينة ثلاث سنين وقيل كانت إمرته عليها سنتين غير سبعة ليال قال الواقدي وكان أبو بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم قد استأذن عثمان أن ينام في غدو لا يجلس للناس ليقوم ليلة إحدى وعشرين فأذن له وكان أيوب بن سلمة المخزومى عنده وكان الذى بين أيوب ابن سلمة وبين أبى بكر بن عمرو بن حزم سيئا فقال أيوب لعثمان ألم تر إلى ما يقول هذا إنما هذا منه رثاء فقال عثمان قد رأيت ذلك ولست لابي إن أرسلت إليه غدوة ولم أجده جالسا لاجلدنه مائة ولاحلقن رأسه ولحيته قال أيوب فجاءني أمر أحبه فعجلت من السحر فإذا شمعة في الدار فقلت عجل المرى فإذا رسول سليمان قد قدم على أبى بكر بتأميره وعزل عثمان وحده قال أيوب فدخلت دار الامارة فإذا ابن حيان جالس وإذا بأبى بكر على كرسى يقول للحداد اضرب في رجل هذا الحديد ونظر إلى عثمان فقال آبوا على أدبارهم كشفا * والامر يحدث بعده الامر

[ 273 ]

(وفى هذه السنة) عزل سليمان يزيد بن أبى مسلم عن العراق وأمر عليه يزيد ابن المهلب وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج وأمره أن يقتل آل أبى عقيل ويبسط عليهم العذاب * فحدثني عمر بن شبة قال حدثنى على بن محمد قال قدم صالح العراق على الخراج ويزيد على الحرب فبعث يزيد زياد بن المهلب على عمان وقال له كاتب صالحا وإذا كتبت إليه فابدأ باسمه وأخذ صالح آل أبى عقيل فكان يعذبهم وكان يلى عذابهم عبد الملك بن المهلب (وفى هذه السنة) قتل قتيبة ابن مسلم بخراسان ذكر الخبر عن سبب مقتله وكان سبب ذلك أن الوليد بن عبد الملك أراد أن يجعل ابنه عبد العزيز بن الوليد ولى عهده ودس في ذلك إلى القواد والشعراء فقال جرير في ذلك إذا قيل أي الناس خير خليفة * أشارت إلى عبد العزيز الاصابع رأوه أحق الناس كلهم بها * وما ظلموا فبايعوه وسارعوا وقال أيضا جرير يحض الوليد على بيعة عبد العزيز إلى عبد العزيز سمت عيون الر * عية إذا تحيرت الرعاء إليه دعت دواعيه إذا ما * عماد الملك خرت والسماء وقال أولو الحكومة من قريش * علينا البيع إن بلغ الغلاء رأوا عبد العزيز ولى عهد * وما ظلموا بذاك ولا أساؤا فماذا تنظرون بها وفيكم * جسور بالعظائم واعتلاء فزحلفها بأزملها إليه * أمير المؤمنين إذا تشاء فإن الناس قد مدوا إليه * أكفهم وقد برح الخفاء ولو قد بايعوك ولى عهد * لقام الوزن واعتدل البناء فبايعه على خلع سليمان الحجاج بن يوسف وقتيبة ثم هلك الوليد وقام سليمان ابن عبد الملك فخافه قتيبة قال على بن محمد أخبرنا بشر بن عيسى والحسن بن رشيد وكليب بن خلف عن طفيل بن مرداس وجبلة بن فروخ عن محمد بن عزيز

[ 274 ]

الكندى وجبلة بن أبى داود ومسلمة بن محارب عن السكن بن قتادة أن قتيبة لما أتاه موت الوليد بن عبد الملك وقيام سليمان أشفق من سليمان لانه كان يسعى في بيعة عبد العزيز بن الوليد مع الحجاج وخاف أن يولى سليمان يزيد بن المهلب خراسان قال فكتب إليه كتابا يهنئه بالخلافة ويعزيه على الوليد ويعلمه بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد وأنه له على مثل ما كان لهما عليه من الطاعة والنصيحة إن لم يعزله عن خراسان وكتب إليه كتابا آخر يعلمه فيه فتوحه ونكايته وعظم قدره عند ملوك العجم وهيبته في صدورهم وعظم صوته فيهم ويذم المهلب وآل المهلب ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنه وكتب كتابا ثالثا فيه خلعه وبعث بالكتب الثلاثة مع رجل من باهلة وقال له ادفع إليه هذا الكتاب فان كان يزيد بن المهلب حاضرا فقرأه ثم ألقاه إليه فادفع إليه هذا الكتاب فإن قرأه وألقاه إلى يزيد فادفع إليه هذا الكتاب فإن قرأ الاول ولم يدفعه إلى يزيد فاحتبس الكتابين الآخرين قال فقدم رسول قتيبة فدخل على سليمان وعنده يزيد بن المهلب فدفع إليه الكتاب فقرأه ثم ألقاه إلى يزيد فدفع إليه كتابا آخر فقرأه ثم رمى به إلى يزيد فأعطاه الكتاب الثالث فقرأه فتمعر لونه ثم دعا بطين فختمه ثم أمسكه بيده وأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فانه قال فيما حدثت عنه كان في الكتاب الاول وقيعة في يزيد بن المهلب وذكر غدره وكفره وقلة شكره وكان في الثاني ثناء على يزيد وفى الثالث لئن لم تقرنى على ما كنت عليه وتؤمنني لاخلعنك خلع النعل ولاملانها عليك خيلا ورجالا وقال أيضا لما قرأ سليمان الكتاب الثالث وضعه بين مثالين من المثل التى تحته ولم يحر في ذلك مرجوعا (رجع الحديث) إلى حديث على بن محمد قال ثم أمر يعنى سليمان برسول قتيبة أن ينزل فحول إلى دار الضيافة فلما أمسى دعا به سليمان فأعطاه صرة فيها دنانير فقال هذه جائزتك وهذا عهد صاحبك على خراسان فسر وهذا رسولي معك بعهده قال فخرج الباهلى وبعث معه سليمان رجلا من عبد القيس ثم أحد بنى ليث يقال له صعصعة أو مصعب فلما كان بحلوان تلقاهم الناس بخلع قتيبة فرجع العبدى ودفع العهد إلى رسول قتيبة

[ 275 ]

وقد خلع واضطرب الامر فدفع إليه عهده فاستشار إخوته فقالوا لا يثق بك سليمان بعد هذا (قال على) وحدثني بعض العنبريين عن أشياخ منهم أن توبة بن أبى أسيد العنبري قال قدم صالح العراق فوجهني إلى قتيبة ليطلعني طلع ما في يده فصحبني رجل من بنى أسد فسألني عما خرجت فيه فكاتمته أمرى فإنا لنسير إذ سنح لنا سانح فنظر إلى رفيقي فقال أراك في أمر جسيم وأنت تكتمني فمضيت فلما كنت بحلوان تلقاني الناس بقتل قتيبة * قال على وذكر أبو الذيال وكليب بن خلف وأبو على الجوزجانى عن طفيل بن مرداس وأبو الحسن الجشمى ومصعب بن حبان عن أخيه مقاتل ابن حبان وأبو مخنف وغيرهم أن قتيبة لما هم بالخلع استشار إخوته فقال له عبد الرحمن اقطع بعثا فوجه فيه كل من تخافه ووجه قوما إلى مرو وسر حتى تنزل سمرقند ثم قل لمم معك من أحب المقام فله المواساة ومن أراد الانصراف فغير مستكره ولا متبوع بسوء فلا يقيم معك الا مناصح وقال له عبد الله أخلعه مكانك وادع الناس إلى خلعه فليس يختلف عليك رجلان فأخذ برأى عبد الله فخلع سليمان ودعا الناس إلى خلعه فقال للناس إنى قد جمعتكم من عين التمر وفيض البحر فضممت الاخ إلى أخيه والولد إلى أبيه وقسمت بينكم فيأكم وأجريت عليكم أعطياتكم غير مكدرة مالا مؤخرة وقد جربتم الولاة قبلى أتاكم أمية فكتب إلى أمير المؤمنين ان خراج خراسان لا يقيم بمطبخى ثم جاءكم أبو سعيد فدوم بكم ثلاث سنين لا تدرون أفى طاعة أنتم أم في معصية لم يجب فيئا ولم ينكأ عدوا ثم جاءكم بنوه بعده يزيد فحل تبارى إليه النساء وانما خليفتكم يزيد بن ثروان هبنقة القيسي قال فلم يجبه أحد فغضب فقال لا أعز الله من نصرتم والله لو اجتمعتم على عنز ما كسرتم قرنه يا أهل السافلة ولا أقول أهل العالية يا أوباش الصدقة جمعتكم كما تجمع إبل الصدقة من كل أوب يا معشر بكر بن وائل يا أهل النفخ والكذب والبخل بأى يوميكم تفخرون بيوم حربكم أو بيوم سلمكم فو الله لانا أعز منكم يا أصحاب مسيلمة يا بنى ذميم ولا أقول تميم يا أهل الخور والقصف والغدر كنتم تسمون الغدر في الجاهلية كيسان يا أصحاب سجاح يا معشر عبد القيس القساة

[ 276 ]

تبدلتم بأبر النخل أعنة الخيل يا معشر الازدت بدلتم بقلوس السفن أعنة الخيل الحصن إن هذا لبدعة في الاسلام والاعراب وما الاعراب لعنة الله على الاعراب يا كناسة المصرين جمعتكم من منابت الشيح والقيصوم ومنابت الفلفل تركبون البقر والحمر في جزيرة ابن كاوان حتى إذا جمعتكم كما تجمع قرع الخريف قلتم كيت وكيت أما والله إنى لابن أبيه وأخو أخيه أما والله لا عصبنكم عصب السلمة إن حول الصلبان الزمزمة يا أهل خراسان هل تدرون من وليكم وليكم يزيد بن ثروان كأنى بأمير مزجاء وحكم قد جاءكم فغلبكم على فيئكم وأطلالكم إن ههنا نارا ارموها أرم معكم ارموا غرضكم الاقصى قد استخلف عليكم أبو نافع ذو الودعات إن الشأم أب مبرور وإن العراق أب مكفور حتى متى يتبطح أهل الشأم بأفنيتكم وظلال دياركم يا أهل خراسان انسبوني تجدونى عراقى الام عراقى الاب عراقى المولد عراقى الهوى والرأى والدين وقد أصبحتم اليوم فيما ترون من الامن والعافية قد فتح الله لكم البلاد وآمن سلبكم فالظعينة تخرج من مرو إلى بلخ بغير جواز فاحمدوا الله على النعمة وسلوه الشكر والمزيد قال ثم نزل فدخل منزله فأتاه أهل بيته فقالوا ما رأينا كاليوم قط والله ما اقتصرت على أهل العالية وهم شعارك ودثارك حتى تناولت بكرا وهم أنصارك ثم لم ترض بذلك حتى تناولت تميما وهم إخوتك ثم لم ترض بذلك حتى تناولت الازد وهم يدك ؟ ؟ فقال لما تكلمت فلم يجبنى أحد غضبت فلم أدر ما قلت إن أهل العالية كإبل الصدقة قد جمعت من كل أوب وأما بكر فإنها أمة لا تمنع يد لا مس وأما تميم فجعل أجرب وأما عبد القيس فما يضرب العير بذنبه وأما الازد فأعلاج شرار من خلق الله لو ملكت أمرهم لوسمتهم قال فغضب الناس وكرهوا خلع سليمان وغضبت القبائل من شتم قتيبة فأجمعوا على خلافه وخلعه وكان أول من تكلم في ذلك الازد فأتوا حضين بن المنذر فقالوا إن هذا قد دعا إلى ما دعا إليه من خلع الخليفة وفيه فساد الدين والدنيا ثم لم يرض بذلك حتى قصر بنا وشتمنا فما ترى يا أبا حفص وكان يكتنى في الحرب بأبى ساسان ويقال كنيته أبو محمد فقال لهم حضين مضر بخراسان تعدل هذه الثلاثة

[ 277 ]

الاخماس وتميم أكثر الخمسين وهم فرسان خراسان ولا يرضون أن يصير الامر في غير مضر فان أخرجتموهم من الامر أعانوا قتيبة قالوا إنه قد وتر بنى تميم بقتل ابن الاهتم قال لا تنظروا إلى هذا فانهم يتعصبون للمضرية فانصرفوا رادين لرأى حضين فأرادوا أن يولوا عبد الله بن حوذان الجهضمى فأبى وتدافعوها فرجعوا إلى حضين فقالوا قد تدافعنا الرياسة فنحن نوليك أمرنا وربيعة لا تخالفك قال لا ناقة لى في هذا ولا جمل قالوا ما ترى قال إن جعلتم هذه الرياسة في تميم تم أمركم قالوا فمن ترى من تميم قال ما أرى أحدا غير وكيع فقال حيان مولى بنى شيبان ان أحدا لا يتقلد هذا الامر فيصلى بحره ويبذل دمه ويتعرض للقتل فان قدم أمير أخذه بما جنى وكان المهنأ لغيره إلا هذا الاعرابي وكيع فإنه مقدام لا يبالى ما ركب ولا ينظر في عاقبة ولا عشيرة كثيرة تطيعه وهو موتور يطلب قتيبة برياسته التى صرفها عنه وصيرها لضرار بن حصين بن زيد الفوارس بن حصين بن ضرار الضبى فمشى الناس بعضهم إلى بعض سرا وقيل لقتيبة ليس يفسد أمر الناس إلا حيان فأراد أن يغتاله وكان حيان يلاطف حشم الولاة فلا يخفون عنه شيئا قال فدعا قتيبة رجلا فأمره بقتل حيان وسمعه بعض الخدم فأتى حيان فأخبره فأرسل إليه يدعوه فحذر وتمارض وأتى الناس وكيع فسألوه أن يقوم بأمرهم فقال نعم وتمثل قول الاشهب بن رميلة سأجني ما جنيت وأن ركني * لمعتمد إلى نضد ركين قال وبخراسان يومئذ من المقاتلة من أهل البصرة من أهل العالية تسعة آلاف وبكر سبعة آلاف رئيسهم الحضين بن المنذر وتميم عشرة آلاف عليهم ضرار ابن حصين الضبى وعبد القيس أربعة آلاف عليهم عبد الله بن علوان عوذى والازد عشرة آلاف رأسهم عبد الله بن حوذان ومن أهل الكوفة سبعة آلاف عليهم جهم بن زحر أو عبيد الله بن على والموالي سبعة آلاف عليهم حيان وحيان يقال إنه من الديلم ويقال إنه من خراسان وإنما قيل له نبطى للكنته فأرسل حيان إلى وكيع أرأيت إن كففت عنك وأعنتك تجعل لى جانب نهر بلخ خراجه ما دمت حيا وما دمت واليا قال نعم فقال للعجم هؤلاء يقاتلون على غير دين فدعوهم

[ 278 ]

يقتل بعضهم بعضا قالوا نعم فبايعوا وكيعا سرا فاتى ضرار بن حصين قتيبة فقال ان الناس يختلفون إلى وكيع وهم يبايعونه وكان وكيع يأتي منزل عبد الله بن مسلم الفقير فيشرب عنده فقال عبد الله هذا يحسد وكيعا وهذا الامر باطل هذا وكيع في بيتى يشرب ويسكر ويسلخ في ثيابه وهذا يزعم أنهم يبايعونه قال وجاء وكيع إلى قتيبة فقال احذر ضرارا فإنى لا آمنه عليك فأنزل قتيبة ذلك منهما على التحاسد وتمارض وكيع ثم إن قتيبة دس ضرار بن سنان الضبى إلى وكيع فبايعه سرا فتبين لقتيبة أن الناس يبايعونه فقال لضرار قد كنت صدقتني قال إنى لم أخبرك إلا بعلم فأنزلت ذلك منى على الحسد وقد قضيت الذى كان على قال صدقت وأرسل قتيبة إلى وكيع يدعوه فوجده رسول قتيبة قد طلى على رجله مغرة وعلى ساقه خرزا وودعا وعنده رجلان من زهران يرقيان رجله فقال له أجب الامير قال قد ترى ما برجلي فرجع الرسول إلى قتيبة فأعاده إليه قال يقول لك ائتنى محمولا على سرير قال لا أستطيع قال قتيبة لشريك بن الصامت الباهلى أحد بنى وائل وكان على شرطته ورجل من غنى انطلقا إلى وكيع فأتيانى به فإنى أبى فاضربا عنقه ووجه معهما خيلا ويقال كان على شرطه بخراسان ورقاء بن نصر الباهلى * قال على قال أبو الديال قال ثمامة بن ناجذ العدوى أرسل قتيبة إلى وكيع من يأتيه به فقلت أنا آتيك به أصلحك الله فقال ائتنى به فأتيت وكيعا وقد سبق إليه الخبر أن الخيل تأتيه فلما رأني قال يا ثمامة ناد في الناس فناديت فكان أول من أتاه هريم بن أبى طحمة في ثمانية قال وقال الحسن بن رشيد الجوزجانى أرسل قتيبة إلى وكيع فقال هريم أنا آتيك به قال فانطلق قال هريم فركبت برذونى مخافة أن يردنى فأتيت وكيعا وقد خرج قال وقال كليب بن خلف أرسل قتيبة إلى وكيع شعبة بن ظهير أحد بنى صخر بن نهشل فأتاه فقال يا ابن ظهير لبث قليلا تلحق الكتائب ثم دعا بسكين فقطع خرزا كان على رجليه ثم لبس سلاحه وتمثل شدوا على سرتى لا تنقلف * يوم لهمدان ويوم للصدف وخرج وحده ونظر إليه نسوة فقلن أبو مطرف وحده فجاء هريم بن أبى طحمة

[ 279 ]

في ثمانية فيهم عميرة بن البريد بن ربيعة العجيفى قال حمزة بن ابراهيم وغيره أن وكيعا خرج فتلقاه رجل فقال ممن أنت قال من بنى أسد قال ما اسمك قال ضرغامة قال ابن من قال ابن ليث قال دونك هذه الراية قال المفضل بن محمد الضبى ودفع وكيع رايته إلى عقبة بن شهاب المازنى قال ثم رجع إلى حديثهم قالوا فخرج وكيع وأمر غلمانه فقال اذهبوا بثقلي إلى بنى العم فقالوا لا نعرف موضعهم قال انظروا رمحين مجموعين أحدهما فوق الآخر فوقهما مخلاة فهم بنو العم قال وكان في العسكر ومنهم خمسمائة قال فنادى وكيع في الناس فأقبلوا أرسالا من كل وجه فأقبل في الناس يقول قرم إذا حمل مكروهة * شد الشراسيف لها والحزيم وقال قوم تمثل وكيع حين خرج أنحن بلقمان بن عاد فجنسه * أريني سلاحي لن يطيروا بأعزل واجتمع إلى قتيبة أهل بيته وخواص من أصحابه وثقاته فيهم اياس ابن بيهس بن عمرو بن عم قتيبة دنيا وعبد الله بن وألان العدوى وناس من رهطة بنى وائل وأتاه حيان بن اياس العدوى في عشرة فيهم عبد العزيز بن الحارث قال وأتاه ميسرة الجدلي وكان شجاعا فقال ان شئت أتيتك برأس وكيع فقال قف مكانك وأمر قتيبة رجلا فقال ناد في الناس أين بنو عامر فنادى أين بنو عامر فقال محفن بن جزء الكلابي وقد كان جفاهم حيث وضعتهم قال ناد أذكركم الله والرحم فنادى محفن أنت قطعتها قال ناد لكم العتبى فناداه محفن أو غيره لا أقالنا الله إذا فقال قتيبة - يا نفس صبرا على ما كان من ألم * إذا لم أجد لفضول القوم أقرانا ودعا بعمامة كانت أمه بعثت بها إليه فاعتم بها كان يعتم بها في الشدائد ودعا ببرذون له مدرب كان يتطير إليه في الزحوف فقرب إليه ليركبه فجعل يقمص حتى أعياه فلما رأى ذلك عاد إلى سريره فقعد عليه وقال دعوه فإن هذا أمر يراد وجاء حيان النبطي في العجم فوقف وقتيبة واجد عليه فوقف معه عبد الله بن مسلم فقال

[ 280 ]

عبد الله لحيان احمل على هذين الطرفين قال لم يأن لذلك فغضب عبد الله وقال ناولنى قوسى قال حيان ليس هذا يوم قوس فأرسل وكيع إلى حيان أين ما وعدتني فقال حيان لابنه إذ رأيتنى قد حولت قلنسوتي ومضيت نحو عسكر وكيع فمل بمن معك من العجم إلى فوقف ابن حيان مع العجم فلما حول حيان قلنسوته مالت الاعجام إلى عسكر وكيع فكبر أصحابه وبعث قتيبة أخاه صالحا إلى الناس فرماه رجل من بنى ضبة يقال له سليمان الزنجيرج وهو الخرنوب ويقال بل رماه رجل من بلعم فأصاب هامته فحمل إلى قتيبة ورأسه مائل فوضع في مصلاه فتحول قتيبة فجلس عنده ساعة ثم تحول إلى سريره قال وقال أبو السرى الازدي رمى صالحا رجل من بنى ضبة فأثقله وطعنه زياد بن عبد الرحمن الازدي من بنى شريك ابن مالك * قال وقال أبو مخنف حمل رجل من غنى على الناس فرأى رجلا مجففا فشبهه بجهم بن زحر بن قيس فطعنه وقال إن غنيا أهل عز ومصدق * إذا حاربوا والناس مفتتنونا فإذا الذى طعن علج وتهايج الناس وأقبل عبد الرحمن بن مسلم نحوهم فرماه أهل السوق والغوغاء فقتلوه وأحرق الناس موضعا كانت فيه إبل لقتيبة ودوابه ودنوا منه فقاتل عنه رجل من باهلة من بنى وائل فقال له قتيبة انج بنفسك فقال له بئس ما جزيتك إذا وقد أطعمتني الجردق والبستني النرمق قال فدعا قتيبة بدابة فأتى ببرذون فلم يقر ليركبه فقال إن له لشأنا فلم يركبه وجلس وجاء الناس حتى بلغوا الفسطاط فخرج إياس بن بيهس وعبد الله بن وألان حين بلغ الناس الفسطاط وتركا قتيبة وخرج عبد العزيز بن الحارث يطلب ابنه عمرا أو عمر فلقيه الطائى فحذره ووجد ابنه فأردفه قال وفطن قتيبة للهيثم بن المنخل وكان ممن يعين عليه فقال أعلمه الرماية كل يوم * فلما اشتد ساعده رماني قال وقتل معه إخوته عبد الرحمن وعبد الله وصالح وحصين وعبد الكريم بنو مسلم وقتل ابنه كثير بن قتيبة وناس من أهل بيته ونجا أخوه ضرار استنقذه

[ 281 ]

أخواله وأمه غراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة وقال قوم قتل عبد الكريم بن مسلم بقزوين وقال أبو عبيدة قال أبو مالك قتلوا قتيبة سنة 96 وقتل من بنى مسلم أحد عشر رجلا فصلبهم وكيع سبعة منهم لصلب مسلم وأربعة من بنى أبنائهم قتيبة وعبد الرحمن وعبد الله الفقير وعبيد الله وصالح وبشار ومحمد بنو مسلم وكثير بن قتيبة ومغلس بن عبد الرحمن ولم ينج من صلب مسلم غير عمرو وكان عامل الجوزجان وضرار وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع ابن معبد بن زرارة فجاء أخواله فدفعوه حتى نجوه ففى ذلك يقول الفرزدق عشية ماود ابن غراء أنه * له من سوانا إذ دعا أبوان وضرب إياس بن عمرو ابن أخى مسلم بن عمرو على ترقوته فعاش قال ولما غشى القوم الفسطاط قطعوا أطنابه قال زهير فقال جهم بن زحر لسعد انزل فحز رأسه وقد أثخن جراحا فقال أخاف أن تجول الخيل قال تخاف وأنا إلى جنبك فنزل سعد فشق صوقعة الفسطاط فاحتز رأسه فقال حضين بن المنذر وأن ابن سعد وابن زحر تعاورا * بسيفيهما رأس الهمام المتوج عشية جئنا بابن زحر وجئتم * بادغم مرقوم الذراعين ديزج أصم غدانى كأن جبينه * لطاخة نقس في أديم ممجمج قال فلما قتل مسلمة يزيد بن المهلب استعمل على خراسان سعيد خذينة بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبى العاص فحبس عمال يزيد وحبس فيهم جهم بن زحر الجعفي وعلى عذابه رجل من باهلة فقيل له هذا قاتل قتيبة فقتله في العذاب فلامه سعيد فقال أمرتنى أن أستخرج منه المال فعذبته فأتى على أجله قال وسقطت على قتيبة يوم قتل جارية له خوارزمية فلما قتل خرجت فأخذها بعد ذلك يزيد بن المهلب فهى أم خليدة قال على قال حمزة بن إبراهيم وأبو اليقظان لما قتل قتيبة صعد عمارة بن جنية الرياحي المنبر فتكلم فأكثر فقال له وكيع دعنا من قذرك وهذرك ثم تكلم وكيع فقال مثلى ومثل قتيبة كما قال الاول من ينك العير ينك نياكا

[ 282 ]

أراد قتيبة أن يقتلنى وأنا قتال قد جربوني ثم جربوني * من غلوتين ومن المئين حتى إذا شبت وشيبونى * خلوا عناني وتنكبوني أنا أبو مطرف قال وأخبرنا أبو معاوية عن طلحة بن إياس قال قال وكيع يوم قتل قتيبة أنا ابن خندف تنمينى قبائلها * للصالحات وعمى قيس عيلانا ثم أخذ بلحيته ثم قال شيخ إذا حمل مكروهة * شد الشراسيف لها والحزيم والله لاقتلن ثم لاقتلن ولاصلبن ثم لاصلبن إنى والغ دما أن مرزبانكم هذا ابن الزانية قد أغلى عليكم أسعاركم والله ليصيرن القفيز في السوق غدا بأربعة أو لاصلبنه صلوا على نبيكم ثم نزل قال على وأخبرنا المفضل بن محمد وشيخ من بنى تميم ومسلمة بن محارب قالوا طلب وكيع رأس قتيبة وخاتمه فقيل له إن الازد أخذته فخرج وكيع وهو يقول ده درين سعد القين في أي يومى من الموت أفر * أيوم لم يقدر أم يوم قدر لا خير في أحزم جياد القرع * في أي يوم لم أرع ولم أرع والله الذى لا إله غيره لا أبرح حتى أوتى بالرأس أو يذهب برأسي مع رأس قتيبة وجاء بخشب فقال إن هذه الخيل لا بد لها من فرسان يتهدد بالصلب فقال له حضين يا أبا مطرف تؤتى به فاسكن وأتى حضين الازد فقال أحمقي أنتم بايعناه وأعطيناه المقادة وعرض نفسه ثم تأخذون الرأس أخرجوه لعنه الله من رأس فجاءوا بالرأس فقالوا يا أبا مطرف إن هذا هو احتزه فاشكمه قال نعم فأعطاه ثلاثة آلاف وبعث بالرأس مع سليط بن عبد الكريم الحنفي ورجال من القبائل وعليهم سليط ولم يبعث من بنى تميم أحدا * قال قال أبو الذيال كان فيمن ذهب بالرأس أنيف بن حسان أحد بنى عدى (قال أبو مخنف) وفى وكيع لحيان النبطي بما كان أعطاه * قال قال خريم بن أبى يحيى عن أشياخ من قيس قالوا قال سليمان

[ 283 ]

للهذيل بن زفر حين وضع رأس قتيبة ورؤوس أهل بيته بين يديه هل ساءك هذا يا هذيل قال لو ساءنى ساء قوما كثيرا فكلمه خريم بن عمرو والقعقاع بن خليد فقال ائذن في دفن رؤوسهم قال نعم وما أردت هذا كله قال على قال أبو عبد الله السلمى عن يزيد بن سويد قال قال رجل عن عجم أهل خراسان يا معشر العرب قتلتم قتيبة والله لو كان قتيبة منا فمات فينا جعلناه في تابوت فكنا نستفتح به إذا غزونا وما صنع أحد قط بخراسان ما صنع قتيبة إلا أنه قد غدر وذلك أن الحجاج كتب إليه أن احتلهم واقتلهم في الله قال وقال الحسن بن رشيد قال الاصبهبذ لرجل يا معشر العرب قتلتم قتيبة ويزيد وهما سيدا العرب قال فأيهما كان أعظم عندكم وأهيب قال لو كان قتيبة بالمغرب بأقصى جحر به في الارض مكبلا بالحديد ويزيد معنا في بلادنا وال علينا لكان قتيبة أهيب في صدورنا وأعظم من يزيد قال على قال المفضل بن محمد الضبى جاء رجل إلى قتيبة يوم قتل وهو جالس فقال اليوم يقتل ملك العرب وكان قتيبة عندهم ملك العرب فقال له اجلس قال وقال كليب بن خلف حدثنى رجل ممن كان مع وكيع حين قتل قتيبة قال أمر وكيع رجلا فنادى لا يسلبن قتيل فمر ابن عبيد الهجرى على أبى الحجر الباهلى فسلبه فبلغ وكيعا فضرب عنقه قال أبو عبيدة قال عبد الله بن عمر من تيم اللات ركب وكيع ذات يوم فأتوه بسكران فأمر به فقتل فقيل له ليس عليه القتل إنما عليه الحد قال لا أعاقب بالسياط ولكني أعاقب بالسيف فقال نهار بن توسعة وكنا نبكى من الباهلى * فهذا العدانى شر وشر (وقال أيضا) ولما رأينا الباهلى ابن مسلم * تجبر عممناه عضبا مهندا وقال الفرزدق يذكر وقعة وكيع ومنا الذى سل السيوف وشامها * عشية باب القصر من فرغان عشية لم تمنع بنيها قبيلة * بعز عراقى ولا بيمان عشية ماود ابن غراء أنه * له من سوانا إذ دعا أبوان

[ 284 ]

عشية لم تستر هوازن عامر * ولا غطفان عورة ابن دخان عشية ود الناس أنهم لنا * عبيد إذ الجمعان يضطربان رأوا جبلا يعلو الجبال إذا التقت * رؤس كبيريهن ينتطحان رجال على الاسلام إذ ما تجالدوا * على الدين حتى شاع كل مكان وحتى دعا في سور كل مدينة * مناد ينادى فوقها بأذان فيجزى وكيع بالجماعة إذ دعا * إليها بسيف صارم وبنان جزاء بأعمال الرجال كما جرى * ببدر وباليرموك فئ جنان وقال الفرزدق في ذلك أيضا أتانى ورحلي بالمدينة وقعة * لآل تميم أقعدت كل قائم وقال على أخبرنا خريم بن أبى يحيى عن بعض عمومته قال أخبرني شيوخ من غسان قالوا إنا لبثنية العقاب إذ نحن برجل يشبه الفيوج معه عصا وجراب قلنا من أين أقبلت قال من خراسان قلنا فهل كان بها من خير قال نعم قتل قتيبة بن مسلم أمس فتعجبنا لقوله فلما رأى انكارنا ذلك قال أين تروننى الليلة من افريقية ومضى واتبعناه على خيولنا فإذا شئ يسبق الطرف وقال الطرماح لولا فوارس مذحج ابنة مذحج * والازد زعزع واستبيح العسكر وتقطعت بهم البلاد ولم يؤب * منهم إلى أهل العراق مخبر واستضلعت عقد الجماعة وازدرى * أمر الخليفة واستحل المنكر قوم هم قتلوا قتيبة عنوة * والخيل جانحة عليها العثير بالمرج مرج الصين حيث تبينت * مضر العراق من الاعز الاكبر إذ حالفت جزعا ربيعة كلها * وتفرقت مضر ومن يتمضر وتقدمت أزد العراق ومذحج * للموت يجمعها أبوها الاكبر قحطان تضرب رأس كل مدجج * تحمى بصائرهن إذ لا تبصر والازد تعلم أن تحت لوائها * ملكا قراسية وموت أحمر فبعزنا نصر النبي محمد * وبنا تثبت في دمشق المنبر

[ 285 ]

وقال عبد الرحمن بن جمانة الباهلى كأن أبا حفص قتيبة لم يسر * بجيش إلى جيش ولم يعل منبرا ولم تخفق الرايات والقوم حوله * وقوف ولم يشهد له الناس عسكرا دعته المنايا فاستجاب لربه * وراح إلى الجنات عفا مطهرا فما رزئ الاسلام بعد محمد * بمثل أبى حفص فبكيه عبهرا يعنى أم ولد له وقال الاصم بن الحجاج يرثى قتيبة ألم يأن للاحياء أن يعرفوا لنا * بلى نحن أولى الناس بالمجد والفخر نقود تميما والموالي ومذحجا * وأزد وعبد القيس والحى من بكر نقتل من شئنا بعزة ملكنا * ونجبر من شئنا على الخسف والقسر سليمان كم من عسكر قد حوت لكم * أسنتنا والمقربات بنا تجرى وكم من حصون قد أبحنا منيعة * ومن بلد سهل ومن جبل وعر ومن بلدة لم يغزها الناس قبلنا * غزونا نقود الخيل شهرا إلى شهر مرن على الغزو الجرور ووقرت * على النفر حتى ما تهال من النفر وحتى لو ان النار شبت وأكرهت * على النار خاضت في الوغى لهب الجمر تلاعب أطراف الاسنة والقنا * بلباتها والموت في لجج خضر بهن أبحنا أهل كل مدينة * من الشرك حتى جاوزت مطلع الفجر ولو لم تعجلنا المنايا لجاوزت * بناردم ذى القرنين ذا الصخر والقطر ولكن آجالا قضين ومدة * تناهى إليها الطيبون بنو عمرو (وفى هذه السنة) عزل سليمان بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسرى عن مكة وولاها طلحة بن داود الحضرمي (وفيها) غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم الصائفة ففتح حصنا يقال له حصن عوف (وفى هذه السنة) توفى قرة بن شريك العبسى وهو أمير مصر في صفر في قول بعض أهل السير وقال بعضهم كان هلاك قرة في حياة الوليد في سنة 95 في الشهر الذى هلك فيه الحجاج (وحج) بالناس في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الانصاري كذلك حدثنى أحمد

[ 286 ]

ابن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وكان الامير على المدينة في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلب وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن وعلى البصرة سفيان بن عبد الله الكندى من قبل يزيد بن المهلب وعلى قضاء البصرة عبد الرحمن بن أذينة وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبى موسى وعلى حرب خراسان وكيع بن أبى سود ثم دخلت سنة سبع وتسعين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الاحداث فمن ذلك ما كان من تجهيز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينية واستعماله ابنه داود بن سليمان على الصائفة فافتتح حصن المرأة (وفيها) غزا فيما ذكر الواقدي مسلمة بن عبد الملك أرض الروم ففتح الحصن الذى كان فتحه الوضاح صاحب الوضاحية (وفيها) غزا عمرو بن هبيرة الفزارى في البحر أرض الروم فشتابها (وفيها) قتل عبد العزيز بن موسى بن نصير بالاندلس وقدم برأسه على سليمان حبيب بن أبى عبيد الفهرى (وفيها) ولى سليمان بن عبد الملك يزيد بن المهلب خراسان ذكر الخبر عن سبب ولايته خراسان وكان السبب في ذلك أن سليمان بن عبد الملك لما أفضت الخلافة إليه ولى يزيد بن المهلب حرب العراق والصلاة وخراجها (فذكر هشام) بن محمد عن أبى مخنف أن يزيد نظر لما ولاه سليمان ما ولاه من أمر العراق في أمر نفسه فقال إن العراق قد أحربها الحجاج وأنا اليوم رجاء أهل العراق ومتى قدمتها وأخذت الناس الناس بالخراج وعذبتهم عليه صرت مثل الحجاج أدخل على الناس الحرب وأعيد عليهم تلك السجون التى قد عافاهم الله منها ومتى لم آت سليمان بمثل ما جاء به الحجاج لم يقبل منى فأتى يزيد سليمان فقال أدلك على

[ 287 ]

رجل بصير بالخراج توليه إياه فتكون أنت تأخذه به صالح بن عبد الرحمن مولى بنى تميم فقال له قد قبلنا رأيك فأقبل يزيد إلى العراق * وحدثني عمر بن شبة قال قال على كان صالح قدم العراق قبل قدوم يزيد فنزل واسطا قال على فقال عباد ابن أيوب لما قدم يزيد خرج الناس يتلقونه فقيل لصالح هذا يزيد وقد خرج الناس يتلقونه فلم يخرج حتى قرب يزيد من المدينة فخرج صالح عليه دراعة ودبوسية صفراء صغيرة بين يديه أربعمائة من أهل الشأم فلقى يزيد فسايره فلما دخل المدينة قال له صالح قد فرغت لك هذا الدار فأشار له إلى دار فنزل يزيد ومضى صالح إلى منزله قال وضيق صالح على يزيد فلم يملكه شيئا واتخذ يزيد ألف خوان يطعم الناس عليها فأخذها صالح فقال له يزيد اكتب ثمنها على واشترى متاعا كثيرا وصك صكاكا إلى صالح لباعتها منه فلم ينفذه فرجعوا إلى يزيد فغضب وقال هذا عملي بنفسى فلم يلبث أن جاء صالح فأوسع له يزيد فجلس وقال ليزيد ما هذه الصحكاك الخراج لا يقوم لها قد أنفذت لك منذ أيام صكا بمائة ألف وعجلت لك أرزاقك وسألت مالا للجند فأعطيتك فهذا لا يقوم له شئ ولا يرضى أمير المؤمنين به وتؤخذ به فقال له يزيد يا أبا الوليد أجز هذه الصكاك هذه المرة وضاحكه قال فإنى أجيزها فلا تكثرن على قال لا * قال على بن محمد حدثنا مسلمة بن محارب وأبو العلاء التيمى والطفيل بن مرداس العمى وأبو حفص الازدي عمن حدثه عن جهم بن زحر بن قيس والحسن بن رشيد عن سليمان بن كثير وأبو الحسن الخراساني عن الكرماني وعامر بن حفص وأبو مخنف عن عثمان بن عمرو بن محصن الازدي وزهير بن هنيد وغيرهم وفى خبر بعضهم ما ليس في خبر بعض فألفت ذلك أن سليمان بن عبد الملك ولى يزيد بن المهلب العراق ولم يوله خراسان فقال سليمان بن عبد الملك لعبد الملك بن المهلب وهو بالشأم ويزيد بالعراق كيف أنت يا عبد الملك إن وليتك خراسان قال يجدنى أمير المؤمنين حيث يحب ثم أعرض سليمان عن ذلك قال وكتب عبد الملك بن المهلب إلى جرير ابن يزيد الجهضمى وإلى رجال من خاصته إن أمير المؤمنين عرض على ولاية خراسان فبلغ الخبر يزيد بن المهلب وقد ضجر بالعراق وقد ضيق عليه صالح

[ 288 ]

ابن عبد الرحمن فليس يصل معه إلى شئ فدعا عبد الله بن الاهتم فقال إنى أريدك لامر قد أهمنى فأحب أن تكفينيه قال مرنى بما أحببت قال أنا فيما ترى من الضيق وقد أضجرني ذلك وخراسان شاغرة برجلها وقد بلغني أن أمير المؤمنين ذكرها لعبد الملك بن المهلب فهل من حيلة قال نعم سرحني إلى أمير المؤمنين فإنى أرجو أن آتيك بعهدك عليها قال فاكتم ما أخبرتك به وكتب إلى سليمان كتابين أحدهما يذكر له فيه أمر العراق وأثنى فيه على ابن الاهتم وذكر له علمه بها ووجه ابن الاهتم وحمله على البريد وأعطاه ثلاثين ألفا فسار سبعا فقدم بكتاب يزيد على سليمان فدخل عليه وهو يتغدى فجلس ناحية فأتى بدجاجتين فأكلهما قال فدخل ابن الاهتم فقال له سليمان لك مجلس غير هذا تعود إليه ثم دعا به بعد ثالثة فقال له سليمان إن يزيد بن المهلب كتب إلى يذكر علمك بالعراق وبخراسان ويثنى عليك فكيف علمك بها قال أنا أعلم الناس بها: بها ولدت وبها نشأت فلى بها وبأصلها خبر وعلم قال ما أحوج أمير المؤمنين إلى مثلك يشاوره في أمرها فأشر على برجل أوليه خراسان قال أمير المؤمنين أعلم بمن يريد يولى فإن ذكر منهم أحدا أخبرته برأيى فيه هل يصلح لها أم لا قال فسمى سليمان رجلا من قريش قال يا أمير المؤمنين ليس من رجال خراسان قال فعبد الملك بن المهلب قال لا حتى عدد رجالا فكان في آخر من ذكر وكيع بن أسود سود فقال يا أمير المؤمنين وكيع رجل شجاع صارم بئيس مقدام وليس بصاحبها مع هذا إنه لم يقد ثلثمائة قط فرأى لا حد عليه طاعة قال صدقت ويحك فمن لها قال رجل أعلمه لم تسمه قال فمن هو قال لا أبوح باسمه إلا أن يضمن لى أمير المؤمنين ستر ذلك وأن يجيرني منه إن علم قال نعم سمه من هو قال يزيد بن المهلب قال ذاك بالعراق والمقام بها أحب إليه من المقام بخراسان قال قد علمت يا أمير المؤمنين ولكن تكرهه على ذلك فيستخلف على العراق رجلا ويسير قال أصبت الرأى فكتب عهد يزيد على خراسان وكتب إليه كتابا إن ابن الاهتم كما ذكرت في عقله ودينه وفضله ورأيه ودفع الكتاب وعهد يزيد إلى

[ 289 ]

ابن الاهتم فسار سبعا فقدم على يزيد فقال له ما وراءك قال فأعطاه الكتاب فقال ويحك أعندك خير فأعطاه العهد فأمر يزيد بالجهاز للمسير من ساعته ودعا ابنه مخلدا فقدمه إلى خراسان قال فسار من يومه ثم سار يزيد واستخلف على واسط الجراح بن عبد الله الحكمى واستعمل على البصرة عبد الله بن هلال الكلابي وصير مروان بن المهلب على أمواله وأموره بالبصرة وكان أوثق إخوته عنده ولمروان يقول أبو البهاء الايادي رأيت أبا قبيصة كل يوم * على العلات أكرمهم طباعا إذا ما هم أبوا أن يستطيعوا * جسيم الامر يحمل ما استطاعا وإن ضاقت صدورهم بأمر * فضلتهم بذاك ندى وباعا وأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فإنه قال في ذلك حدثنى أبو مالك أن وكيع ابن أبى سود بعث بطاعته وبرأس قتيبة إلى سليمان فوقع ذلك من سليمان كل موقع فجعل يزيد بن المهلب لعبدالله بن الاهتم مائة ألف على أن ينقر وكيعا عنده فقال أصلح الله أمير المؤمنين والله ما أحد أوجب شكرا ولا أعظم عندي يدا من وكيع لقد أدرك بثأرى وشفاني من عدوى ولكن أمير المؤمنين أعظم وأوجب على حقا وإن النصيحة تلزمني لامير المؤمنين إن وكيعا لم يجتمع له مائة عنان قط إلا حدث نفسه بغدوة خامل في الجماعة نابه في الفتنة فقال ما هو إذا ممن نستعين به وكانت قيس تزعم أن قتيبة لم يخلع فاستعمل سليمان يزيد بن المهلب على حرب العراق وأمره إن أقامت قيس البينة أن قتيبة لم يخلع فينزع يدامن طاعة أن يقيد وكيعا به فغدر يزيد فلم يعط عبد الله بن الاهتم ما كان ضمن له ووجه ابنه مخلد ابن يزيد إلى وكيع (رجع الحديث إلى حديث على) قال على أخبرنا أبو مخنف عن عثمان بن عمرو بن محصن وأبو الحسن الخراساني عن الكرماني قال وجه يزيد ابنه مخلدا إلى خراسان فقدم مخلد عمرو بن عبد الله بن سنان العتكى ثم الصنابحى حين دنا من مرو فلما قدمها أرسل إلى وكيع أن القنى فأبى فأرسل إليه عمرو يا أعرابي أحمق جلفا جافيا انطلق إلى أميرك فتلقه وخرج وجوه من أهل

[ 290 ]

مرو يتلقون مخلدا وتثاقل وكيع عن الخروج فأخرجه عمرو الازدي فلما بلغوا مخلدا نزل الناس كلهم غير وكيع ومحمد بن حمران السعدى وعباد بن لقيط أحد بنى قيس بن ثعلبة فأنزلوهم فلما قدم مرو حبس وكيعا فعذبه وأخذ أصحابه فعذبهم قبل قدوم أبيه قال على عن كليب بن خلف قال حدثنا إدريس بن حنظلة قال لما قدم مخلد خراسان حبسني فجاءني ابن الاهتم فقال لى أتريد أن تنجو قلت نعم قال أخرج الكتب التى كتبها القعقاع بن خليد العبسى وخريم بن عمرو المرى إلى قتيبة في خلع سليمان فقلت له يا ابن الاهتم إياى تخدع عن دينى قال فدعا بطومار وقال إنك أحمق فكتب كتبا عن لسان القعقاع ورجال من قيس إلى قتيبة أن الوليد ابن عبد الملك قد مات وسليمان باعث هذا المزونى على خراسان فاخلعه فقلت يا ابن الاهتم تهلك والله نفسك والله لئن دخلت عليه لاعلمنه أنك كتبتها (وفى هذه السنة) شخص يزيد بن المهلب إلى خراسان أميرا عليها فذكر على بن محمد عن أبى السرى الازدي عن عمه قال ولى وكيع خراسان بعد قتل قتيبة تسعة أشهر أو عشرة وقدم يزيد بن المهلب سنة 97 قال على فذكر المفضل بن محمد عن أبيه قال أدنى يزيد أهل الشأم وقوما من أهل خراسان فقال نهار بن توسعة وما كنا نؤمل من أمير * كما كنا نؤمل من يزيد فأخطأ ظننا فيه وقدما * زهدنا في معاشرة الزهيد إذا لم يعطنا نصفا أمير * مشينا نحوه مثل الاسود فمهلا يا يزيد أنب إلينا * ودعنا من معاشرة العبيد نجئ فلا نرى إلا صدودا * على أنا نسلم من بعيد ونرجع خائبين بلا نوال * فما بال التجهم والصدود قال على أخبرنا زياد بن الربيع عن غالب القطان قال رأيت عمر بن عبد العزيز واقفا بعرفات في خلافه سليمان وقد حج سليمان عامئذ وهو يقول لعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد العجب لامير المؤمنين استعمل رجلا على أفضل ثغر للمسلمين فقد بلغني عمن يقدم من التجار من ذلك الوجه أنه يعطى الجارية من

[ 291 ]

جواريه مثل سهم ألف رجل أما والله ما الله أراد بولايته فعرفت أنه يعنى يزيد والجهنية فقلت يشكر بلاءهم أيام الازارقة قال ووصل يزيد عبد الملك بن سلام السلولى فقال ما زال سيبك يا يزيد بحوبتى * حتى ارتويت وجودكم لا ينكر أنت الربيع إذا تكون خصاصة * عاش السقيم به وعاش المقتر عمت سحابته جميع بلادكم * فرووا وأغدقهم سحاب ممطر فسقاك ربك حيث كنت مخيلة * ريا سحائبها تروح وتبكر (وفى هذه السنة) حج بالناس سليمان بن عبد الملك حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر (وفيها) عزل سليمان طلحة ابن داود الحضرمي عن مكة قال الواقدي حدثنى إبراهيم بن نافع عن ابن أبى مليكة ؟ ؟ قال لما صدر سليمان بن عبد الملك من الحج عزل طلحة بن داود الحضرمي عن مكة وكان عمله عليها ستة أشهر وولى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد ابن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكانت عمال الامصار في هذه السنة عمالها في السنة التى قبلها إلا خراسان فان عاملها على الحرب والخراج والصلاة يزيد بن المهلب وكان خليفته على الكوفة فيما قيل حرملة بن عمير اللخمى أشهرا ثم عزله وولاها بشير بن حسان النهدي ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من توجيه سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة بن عبد الملك إلى القسطنطينية وأمره أن يقيم عليها حتى يفتحها أو يأتيه أمره فشتا بها وصاف فذكر محمد بن عمر أن ثور بن يزيد حدثه عن سليمان بن موسى قال لما دنا مسلمة من قسطنطينية أمر كل فارس أن يحمل على عجز فرسه مدين من طعام حتى يأتي به القسطنطينية فأمر بالطعام فألقى في ناحية مثل الجبال ثم قال للمسلمين لا تأكلوا منه شيئا أغيروا

[ 292 ]

في أرضهم وازرعوا وعمل بيوتا من خشب فشتافيها وزرع الناس ومكث ذلك الطعام في الصحراء لا يكنه شئ والناس يأكلون مما أصابوا من الغارات ثم أكلوا من الزرع فأقام مسلمة بالقسطنطينية قاهرا لاهلها معه وجوه أهل الشأم خالد ابن معدان وعبد الله بن أبى زكرياء الخزاعى ومجاهد بن جبر حتى أتاه موت سليمان فقال القائل تحمل مديها ومدى مسلمه * حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد قال لما ولى سليمان غزا الروم فنزل دابق وقدم مسلمة فهابه الروم فشخص إليون من أرمينية فقال لمسلمة ابعث إلى رجلا يكلمني فبعث ابن هبيرة فقال له ابن هبيرة ما تعدون الاحمق فيكم قال الذى يملا بطنه من كل شئ يجده فقال له ابن هبيرة إنا أصحاب دين ومن ديننا طاعة أمرائنا قال صدقت كنا وأنتم نقاتل على الدين ونغضب له فأما اليوم فإنا نقاتل على الغلبة والملك نعطيك عن كل رأس دينارا فرجع ابن هبيرة إلى الروم من غد وقال أبى أن يرضى أتيته وقد تغدى وملابطنه ونام فانتبه وقد غلب عليه البلغم فلم يدر ما قلت وقالت البطارقة لا ليون إن صرفت عنا مسلمة ملكناك فوثقوا له فأتى مسلمة فقال قد علم القوم أنك لا تصدقهم القتال وأنك تطاولهم ما دام الطعام عندك ولو أحرقت الطعام أعطوا بأيديهم فأحرقه فقوى العدو وضاق المسلمون حتى كادوا يهلكون فكانوا على ذلك حتى مات سليمان قال وكان سليمان بن عبد الملك لما نزل دابق أعطى الله عهدا أن لا ينصرف حتى يدخل الجيش الذى وجهه إلى الروم القسطنطينية قال وهلك ملك الروم فأتاه اليون فأخبره وضمن له أن يدفع إليه أرض الروم فوجه معه مسلمة حتى نزل بها وجمع كل طعام حولها وحصر أهلها وأتاهم اليون فملكوه فكتب إلى مسلمة يخبره بالذى كان ويسأله أن يدخل من الطعام ما يعيش به القوم ويصدقونه بأن أمره وأمر مسلمة واحد وأنهم في أمان من السباء والخروج من بلادهم وأن يأذن لهم ليلة في حمل الطعام وقد هيأ اليون السفن والرجال فأذن له فما بقى في تلك الحظائر الا ما لا يذكر حمل في ليلة وأصبح

[ 293 ]

اليون محاربا وقد خدعه خديعة لو كان أمرأة لعيب بها فلقى الجند ما لم يلق جيش حتى إن كان الرجل ليخاف أن يخرج من العسكر وحده وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق وكل شئ غير التراب وسليمان مقيم بدابق ونزل الشتاء فلم يقدر يمدهم حتى هلك سليمان (وفى هذه السنة) بايع سليمان بن عبد الملك لابنه أيوب بن سليمان وجعله ولى عهده فحدثني عمر بن شبة عن على بن محمد قال كان عبد الملك أخذ على الوليد وسليمان أن يبايعا لابن عاتكة ولمروان بن عبد الملك من بعده قال فحدثني طارق بن المبارك قال مات مروان بن عبد الملك في خلافة سليمان منصرفه من مكة فبايع سليمان حين مات مروان لايوب وأمسك عن يزيد وتربص به ورجا أن يهلك فهلك أيوب وهو ولى عهده (وفى هذه السنة) فتحت مدينة الصقالبة قال محمد بن عمر أغارت برجان في سنة 98 على مسلمة بن عبد الملك وهو في قلة من الناس فأمده سليمان بن عبد الملك بمسعدة أو عمرو بن قيس في جمع فمكرت بهم الصقالبة ثم هزمهم الله بعد أن قتلوا شراحيل بن عبدة (وفى هذه السنة) فيما زعم الواقدي غزا الوليد بن هشام وعمرو بن قيس فأصيب ناس من أهل إنطاكية وأصاب الوليد ناسا من ضواحي الروم وأسر منهم بشرا كثيرا (وفى هذه السنة) غزا يزيد بن المهلب جرجان وطبرستان فذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف أن يزيد ابن المهلب لما قدم خراسان أقام ثلاثة أشهر أو أربعة ثم أقبل إلى دهستان وجرجان وبعث ابنه مخلدا على خراسان وجاء حتى نزل بدهستان وكان أهلها طائفة من الترك فأقام عليها وحاصر أهلها معه أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشأم ووجوه أهل خراسان والرى وهو في مائة ألف مقاتل سوى الموالى والمماليك والمتطوعين فكانوا يخرجون فيقاتلون الناس فلا يلبثهم الناس أن يهزموهم فيدخلون حصنهم ثم يخرجون أحيانا فيقاتلون فيشتد قتالهم وكان جهم وجمال ابنا زحر من يزيد بمكان وكان يكرمهما وكان محمد بن عبد الرحمن بن أبى سبرة الجعفي له لسان وبأس غير أنه كان يفسد نفسه بالشراب وكان لا يكسر غشيان يزيد وأهل بيته وكأنه أيضا حجزه عن ذلك ما رأى من حسن أثرهم على ابني زحر جهم وجمال وكان إذا نادى

[ 294 ]

المنادى يا خيل الله اركيى وأبشرى كان أول فارس من أهل العسكر يبدر إلى موقف البأس عند الروع محمد بن عبد الرحمن بن أبى سبرة فنودى ذات يوم في الناس فبدر الناس ابن أبى سبرة فإنه لواقف على تل إذ مر به عثمان بن المفضل فقال له يا ابن أبى سبرة ما قدرت على أن أسبقك إلى الموقف قط فقال وما يغنى ذلك عنى وأنتم ترشحون غلمان مذحج وتجهلون حق ذوى الاسنان والتجارب والبلاء فقال أما إنك لو تريد ما قبلنا لم نعدل عنك ما أنت له أهل قال وخرج الناس فاقتتلوا قتالا شديدا فحمل محمد بن أبى سبرة على تركي قد صد الناس عنه فاختلفا ضربتين فثبت سيف التركي في بيضة ابن أبى سبرة وضربه ابن أبى سبرة فقتله ثم أقبل وسيفه في يده يقطر دما وسيف التركي في بيضته فنظر الناس إلى أحسن منظر رأوه من فارس ونظر يزيد إلى ائتلاق السيفين والبيضة والسلاح فقال من هذا فقالوا ابن أبى سبرة فقال لله أبوه أي رجل هو لولا إسرافه على نفسه وخرج يزيد بعد ذلك يوما وهو يرتاد مكانا يدخل منه على القوم فلم يشعر بشئ حتى هجم عليه جماعة من الترك وكان معه وجوه الناس وفرسانهم وكان في نحو من أربعمائة والعدو في نحو من أربعة آلاف فقاتلهم ساعة ثم قالوا ليزيد أيها الامير انصرف ونحن نقاتل عنك فأبى أن يفعل وغشى القتال يومئذ بنفسه وكان كأحدهم وقاتل ابن أبى سبرة وابنا زحر والحجاج ابن جارية الخثعمي وجل أصحابه فأحسنوا القتال حتى إذا أرادوا الانصراف جعل الحجاج ابن جارية على الساقة فكان يقاتل من ورائه حتى انتهى إلى الماء وقد كانوا عطشوا فشربوا وانصرف عنهم العدو ولم يظفروا منهم بشئ فقال سفيان بن صفوان الخثعمي لولا ابن جارية الاغر جبينه * لسقيت كأسا مرة المتجرع وحماك في فرسانه وخيوله * حتى وردت الماء غير متعتع ثم إنه ألح عليها وأنزل الجنود من كل جانب حولها وقطع عنهم المواد فلما جهدوا وعجزوا عن قتال المسلمين واشتد عليهم الحصار والبلاء بعث صول دهقان دهستان إلى يزيد إنى أصالحك على أن تؤمنني على نفسي وأهل بيتى ومالى وأدفع

[ 295 ]

إليك المدينة وما فيها وأهلها فصالحه وقبل منه ووفى له ودخل المدينة فأخذ ما كان فيها من الاموال والكنوز ومن السبى شيئا لا يحصى وقتل أربعة عشر ألف تركي صبرا وكتب بذلك إلى سليمان بن عبد الملك ثم خرج حتى أتى جرجان وقد كانوا يصالحون أهل الكوفة على مائة ألف ومائتي ألف أحيانا وثلثمائة ألف وصالحوهم عليها فلما أتاهم يزيد استقبلوه بالصلح وهابوه وزادوه واستخلف عليهم رجلا من الازد يقال له أسد بن عبد الله ودخل يزيد إلى الا صبهبذ في طبرستان فكان معه الفعلة يقطعون الشجر ويصلحون الطرق حتى انتهوا إليه فنزل به فحصره وغلب على أرضه وأخذ الا صبهبذ يعرض على يزيد الصلح ويزيده على ما كان يؤخذ منه فيأبى رجاء افتتاحها فبعث ذات يوم أخاه أبا عيينة في أهل المصرين فأصعد في الجبل إليهم وقد بعث الا صبهبذ إلى الديلم فاستجاش بهم فاقتتلوا فحازهم المسلمون ساعة وكشفوهم وخرج رأس الديلم يسأل المبارزة فخرج إليه ابن أبى سبرة فقتله فكانت هزيمتهم حتى انتهى المسلمون إلى فم الشعب فذهبوا ليصعدوا فيه وأشرف عليهم العدو يرشقونهم بالنشاب ويرمونهم بالحجارة فانهزم الناس من فم الشعب من غير كبير قتال ولا قوة من عدوهم على اتباعهم وطلبهم وأقبلوا يركب بعضهم بعضا حتى أخذوا يتساقطون في اللهوب ويتدهدأ الرجل من رأس الجبل حتى نزلوا إلى عسكر يزيد لا يعبئون بالشر شيئا وأقام يزبد بمكانه على حاله وأقبل الا صبهبذ بكاتب أهل جرجان ويسألهم أن يثبوا بأصحاب يزيد وأن يقطعوا عليه مادته والطرق فيما بينه وبين العرب ويعدهم أن يكافئهم على ذلك فوثبوا بمن كان يزيد خلف من المسلمين فقتلوا منهم من قدروا عليه واجتمع بقيتهم فتحصنوا في جانب فلم يزالوا فيه حتى خرج إليهم يزيد وأقام يزيد على الاصبهبذ في أرضه حتى صالحه على سبعمائة ألف درهم وأربعمائة ألف نقدا ومائتي ألف وأربعمائة حمار موقرة زعفران وأربعمائة رجل على رأس كل رجل برنس على البرنس طيلسان ولجام من فضة وسرقة من حرير وقد كانوا صالحوا قبل ذلك على مائتي ألف درهم ثم خرج منها يزيد وأصحابه كأنهم فل ولولا

[ 296 ]

ما صنع أهل جرجان لم يخرج من طبرستان حتى يفتحها وأما غير أبى مخنف فإنه قال في أمر يزيد وأمر أهل جرجان ما حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد عن كليب بن خلف وغيره أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان ثم امتنعوا وكفروا فلم يأت جرجان بعد سعيد أحد ومنعوا ذلك الطريق فلم يكن يسلك طريق خراسان من ناحيته أحد إلا على وجل وخوف من أهل جرجان كأن الطريق إلى خراسان من فارس إلى كرمان فأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولى خراسان ثم غزا مصقلة خراسان أيام معاوية في عشرة آلاف فأصيب وجنده بالرويان وهى متاخمة طبرستان فهلكوا في واد من أوديتها أخذ العدو عليهم بمضايقه فقتلوا جميعا فهو يسمى وادى مصقلة قال وكان يضرب به المثل حتى يرجع مثقلة من طبرستان قال على عن كليب بن خلف العمى عن طفيل بن مرداس العمى وإدريس بن حنظلة أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان فكانوا يجيؤن أحيانا مائة ألف ويقولون هذا صلحنا وأحيانا مائتي ألف وأحيانا ثلاثمائة ألف وكانوا ربما أعطوا ذلك وربما منعوه ثم امتنعوا وكفروا فلم يعطوا خراجا حتى أتاهم يزيد بن المهلب فلم يعازه أحد حين قدمها فلما صالح صول وفتح البحيرة ودهستان صالح أهل جرجان على صلح سعيد بن العاص * حدثنى أحمد عن على عن كليب بن خلف العمى عن طفيل ابن مرداس وبشر بن عيسى عن صفوان قال على وحدثني أبو حفص الازدي عن سليمان بن كثير وغيرهم أن صول التركي كان ينزل دهستان والبحيرة جزيرة في البحر بينها وبين دهستان خمسة فراسخ وهما من جرجان مما يلي خوارزم فكان صول يغير على فيروز بن قول مرزبان جرجان وبينهم خمسة وعشرون فرسخا فيصيب من أطرافهم ثم يرجع إلى البحيرة ودهستان فوقع بين فيروز وبين ابن عم له يقال له المرزبان منازعة فاعتزله المرزبان فنزل البياسان فخاف فيروز أن يغير عليه الترك فخرج إلى يزيد بن المهلب بخراسان وأخذ صول جرجان فلما قدم على يزيد بن المهلب قال له ما أقدمك قال خفت صولا فهربت منه قال له يزيد هل من حيلة لقتاله قال نعم شئ واحد إن ظفرت به قتلته أو أعطى بيده قال ما هو قال إن خرج من جرجان حتى ينزل البحيرة ثم أتيته ثم فحاصرته بها ظفرت به فاكتب

[ 297 ]

إلى الاصبهبذ كتابا تسأله فيه أن يحتال لصول حتى يقيم بجرجان واجعل له على ذلك جعلا ومنه فإنه يبعث بكتابك إلى صول يتقرب به إليه لانه يعظمه فيتحول عن جرجان فينزل البحيرة فكتب يزيد بن المهلب إلى صاحب طبرستان إنى أريد أن أغزو صولا وهو بجرجان فخفت إن بلغه أنى أريد ذلك أن يتحول إلى البحيرة فينزلها فإن تحول إليها لم أقدر عليه وهو يسمع منك ويستنصحك فإن حبسته العام بجرجان فلم يأت البحيرة حملت إليك خمسين ألف مثقال فاحتل له حيلة تحبسه بجرجان فإنه إن أقام بها ظفرت به فلما رأى الاصبهبذ الكتاب أراد أن يتقرب إلى صول فبعث بالكتاب إليه فلما أتاه الكتاب أمر الناس بالرحيل إلى البحيرة وحمل الاطعمة ليتحصن فيها وبلغ يزيد أنه قد سار من جرجان إلى البحيرة فاعتزم على السير إلى الجرجان فخرج في ثلاثين ألفا ومعه فيروز بن قول واستخلف على خراسان مخلد بن يزيد واستخلف على سمرقند وكس ونسف وبخاري ابنه معاوية بن يزيد وعلى طخارستان حاتم بن قبيصة بن المهلب وأقبل حتى أتى جرجان ولم تكن يومئذ مدينة إنما هي جبال محيطة بها وأبواب ومخارم يقوم الرجل على باب منها فلا يقدم عليه أحد فدخلها يزيد لم يعازه أحد وأصاب أموالا وهرب المرزبان وخرج يزيد بالناس إلى البحيرة فأناخ على صول وتمثل حين نزل بهم فخر السيف وارتعشت يداه * وكان بنفسه وقيت نفوس قال فحاصرهم فكان يخرج إليه صول في الايام فيقاتله ثم يرجع إلى حصنه ومع يزيد أهل الكوفة وأهل البصرة ثم ذكر من قصة جهم بن زحر وأخيه ومحمد نحوا مما ذكره هشام غير أنه قال في ضربة التركي ابن أبى سبرة فنشب سيف التركي في درقة ابن أبى سبرة قال على بن محمد عن على بن مجاهد عن عنبسة قال قاتل محمد بن أبى سبرة الترك بجرجان فأحاطوا به واعتوروه بأسيافهم فانقطع في يده ثلاثة أسياف (ثم رجع إلى حديثهم) قال فمكثوا بذلك يعنى الترك محصورين يخرجون فيقاتلون ثم يرجعون إلى حصنهم ستة أشهر حتى شربوا ماء الاحساء فأصابهم داء يسمى السؤاد فوقع فيهم الموت وأرسل صول في ذلك يطلب الصلح

[ 298 ]

فقال يزيد بن المهلب لا إلا أن ينزل على حكمي فأبى فأرسل إليه أنى أصالحك على نفسي ومالى وثلاثمائة من أهل بيتى وخاصتي على أن تؤمنني فتنزل البحيرة فأجابه إلى ذاك يزيد فخرج بماله وثلاثمائة ممن أحب وصار مع يزيد فقتل يزيد من الاتراك أربعة عشر ألفا صبرا ومن على الاخرين فلم يقتل منهم أحدا وقال الجند ليزيد أعطنا أرزاقنا فدعا إدريس بن حنظلة العمى فقال يا ابن حنظلة أحص لنا ما في البحيرة حتى نعطى الجند فدخلها إدريس فلم يقدر على إحصاء ما فيها فقال ليزيد فيها ما لا أستطيع إحصاءه وهو في ظروف فنحصى الجواليق ونعلم ما فيها ونقول للجند ادخلوا فخذوا فمن أخذ شيئا عرفنا ما أخذ من الحنطة والشعير والارز والسمسم والعسل قال نعم ما رأيت فأحصوا الجواليق عددا وعلموا كل جولق ما فيه وقالوا للجند خذوا فكان الرجل يخرج وقد أخذ ثيابا أو طعاما أو ما حمل من شئ فيكتب على كل رجل ما أخذ فأخذوا شيئا كثيرا قال على قال أبو بكر الهذلى كان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب فرفعوا عليه أنه أخذ خريطة فسأله يزيد عنها فأتاه بها فدعا يزيد الذى رفع عليه فشتمه وقال لشهر هي لك قال لا حاجة لى فيها فقال القطامى الكلبى ويقال سنان بن مكمل النميري لقد باع شهر دينه بخريطة * فمن يأمن القراء بعدك يا شهر أخذت به شيئا طفيفا وبعته * من ابن جونبوذان هذا هو الغدر وقال مرة النخعي لشهر يا ابن المهلب ما أردت إلى امرئ * لولاك كان كصالح القراء قال على قال أبو محمد الثقفى أصاب يزيد بن المهلب تاجا بجرجان فيه جوهر فقال أترون أحدا يزهد في هذا التاج قالوا لا فدعا محمد بن واسع الازدي فقال خذ هذا التاج فهو لك قال لا حاجة لى فيه قال عزمت عليك فأخذه وخرج فأمر يزيد رجلا ينظر ما يصنع به فلقى سائلا فدفعه إليه فأخذ الرجل السائل فأتى به يزيد وأخبره الخبر فأخذ يزيد التاج وعوض السائل مالا كثيرا قال على وكان سليمان ابن عبد الملك كلما افتتح قتيبة فتحا قال ليزيد بن المهلب أما ترى ما يصنع الله على

[ 299 ]

يدى قتيبة فيقول ابن المهلب ما فعلت جرجان التى حالت بين الناس والطريق الاعظم وأفسدت قومس وأبرشهر ويقول هذه الفتوح ليست بشئ الشأن في جرجان فلما ولى يزيد بن المهلب لم يكن له همة غير جرجان قال ويقال كان يزيد بن المهلب في عشرين ومائة ألف معه من أهل الشأم ستون ألفا قال على في حديثه عمن ذكر خبر جرجان عنهم وزاد فيه على بن مجاهد عن خالد بن صبيح أن يزيد بن المهلب لما صالح صول طمع في طبرستان أن يفتحها فاعتزم على أن يسير إليها فاستعمل عبد الله بن المعمر اليشكرى على البياسان ودهستان وخلف معه أربعة آلاف ثم أقبل إلى أداني جرجان مما يلي طبرستان واستعمل على اندرستان أسد بن عمرو أو ابن عبد الله بن الربعة وهى مما يلي طبرستان وخلفه في أربعة آلاف ودخل يزيد بلاد الاصبهبذ فأرسل إليه يسأله الصلح وأن يخرج من طبرستان فأبى يزيد ورجا أن يفتحها فوجه أخاه أبا عيينة من وجه وخالد بن يزيد ابنه من وجه وأبا الجهم الكلبى من وجه وقال إذا اجتمعتم فأبو عيينة على الناس فسار أبو عيينة في أهل المصرين ومعه هريم بن أبى طحمة وقال يزيد لابي عيينة شاور هريما فإنه ناصح وأقام يزيد معسكرا قال واستجاش الاصبهبذ بأهل جيلان وأهل الديلم فأتوه فالتقوا في سند جبل فانهزم المشركون وأتبعهم المسلمون حتى انتهوا إلى فم الشعب فدخله المسلمون فصعد المشركون في الجبل واتبعهم المسلمون فرماهم العدو بالنشاب والحجارة فانهزم أبو عيينة والمسلمون فركب بعضهم بعضا يتساقطون من الجبل فلم يثبتوا حتى انتهوا إلى عسكر يزيد وكف العدو عن اتباعهم وخافهم الاصبهبذ فكتب إلى المرزبان ابن عم فيروز بن قول وهو بأقصى جرجان مما يلى البياسان إنا قد قتلنا يزيد وأصحابه فاقتل من في البياسان من العرب فخرج إلى أهل البياسان والمسلمون غارون في منازلهم قد أجمعوا على قتلهم فقتلوا جميعا في ليلة فأصبح عبد الله بن المعمر مقتولا وأربعة آلاف من المسلمين لم ينج منهم أحد وقتل من بنى العم خمسون رجلا قتل الحسين بن عبد الرحمن واسماعيل بن ابراهيم بن شماس وكتب إلى الاصبهبذ يأخذ بالمضايق والطرق وبلغ يزيد قتل عبد الله بن المعمر وأصحابه فأعظموا ذلك وهالهم ففزع يزيد إلى

[ 300 ]

حيان النبطي وقال لا يمنعك ما كان منى إليك من نصيحة المسلمين قد جاءنا عن جرجان ما جاءنا وقد أخذ هذا بالطرق فاعمل في الصلح قال نعم فأتى حيان الاصبهبذ فقال أنا رجل منكم وان كان الدين قد فرق بينى وبينكم فإنى لك ناصح وأنت أحب إلى من يزيد وقد بعث يستمد وأمداده منه قريبة وانما أصابوا منه طرفا ولست آمن أن يأتيك ما لا تقوم له فأرح نفسك منه وصالحه فإنك إن صالحته صير حده على أهل جرجان بغدرهم وقتلهم من قتلوا فصالحه على سبعمائة ألف وقال على بن مجاهد على خمسمائة ألف وأربعمائة وقر زعفران أو قيمته من العين وأربعمائة رجل على كل رجل برنس وطيلسان ومع كل رجل جام فضة وسرقة خز وكسوة ثم رجع إلى يزيد بن المهلب فقال ابعث من يحمل صلحهم الذى صالحتهم عليه قال من عندهم أو من عندنا قال من عندهم وكان يزيد قد طابت نفسه على أن يعطيهم ما سألوا ويرجع إلى جرجان فأرسل يزيد من يحمل ما صالحهم عليه حيان وانصرف إلى جرجان وكان يزيد قد غرم حيانا مائتي ألف فخاف أن لا يناصحه والسبب الذى له أغرم حيانا فيه ما حدثنى على بن مجاهد عن خالد بن صبيح قال كنت مؤدبا لولد حيان فدعاني فقال لى اكتب كتابا إلى مخلد بن يزيد ومخلد يومئذ ببلخ ويزيد بمرو فتناولت القرطاس فقال اكتب من حيان مولى مصقلة إلى مخلد بن يزيد فغمزني مقتل بن حيان أن لا تكتب وأقبل على أبيه فقال يا أبت تكتب إلى مخلد وتبدأ بنفسك قال نعم يا بنى فان لم يرض لقى ما لقى قتيبة ثم قال لى اكتب فكتبت فبعث مخلد بكتابه إلى أبيه فأغرم يزيد حيانا مائتي ألف درهم (وفى هذه السنة) فتح يزيد جرجان الفتح الآخر بعد غدرهم بجنده ونقضهم العهد قال على عن الرهط الذين ذكر أنهم حدثوه بخبر جرجان وطبرستان ثم إن يزيد لما صالح أهل طبرستان قصد لجرجان فأعطى الله عهدا لئن ظفر بهم أن لا يقلع عنهم ولا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل منه فلما بلغ المرزبان أنه قد صالح الاصبهبذ وتوجه إلى جرجان جمع أصحابه وأتى وجاه فتحصن فيها وصاحبها لا يحتاج إلى عدة من

[ 301 ]

طعام ولا شراب وأقبل يزيد حتى نزل عليها وهم متحصنون فيها وحولها غياض فليس يعرف لها إلا طريق واحد فأقام بذلك سبعة أشهر لا يقدر منهم على شئ ولا يعرف لهم مأتى إلا من وجه واحد فكانوا يخرجون في الايام فيقاتلونه ويرجعون إلى حصنهم فبيناهم على ذلك إذ خرج رجل من عجم خراسان كان مع يزيد يتصيد ومعه شاكرية له (وقال هشام بن محمد) عن أبى مخنف فخرج رجل من عسكره من طيئ يتصيد فأبصر وعلا يرقى في الجبل فاتبعه وقال لمن معه قفوا مكانكم ووقل في الجبل يقتص الاثر فما شعر بشئ حتى هجم على عسكرهم فرجع يريد أصحابه فخاف أن لا يهتدى فجعل يخرق قباءه ويعقد على الشجر علامات حتى وصل إلى أصحابه ثم رجع إلى العسكر ويقال إن الذى كان يتصيد الهياج بن عبد الرحمن الازدي من أهل طوس وكان منهوما بالصيد فلما رجع إلى العسكر أتى عامر بن أينم الواشجى صاحب شرطة يزيد فمنعوه من الدخول فصاح إن عندي نصيحة (وقال هشام) عن أبى مخنف جاء حتى رفع ذلك إلى ابني زحر بن قيس فانطلق به ابنا زحر حتى أدخلاه على يزيد فأعلمه الخبر فضمن له بضمان الجهنية أم ولد كانت ليزيد على شئ قد سماه وقال على بن محمد في حديثه عن أصحابه فدعا به يزيد فقال ما عندك قال أتريد أن تدخل وجاه بغير قتال قال نعم قال جعالتي قال احتكم قال أربعة آلاف قال لك دية قال عجلوا لى أربعة آلاف ثم أنتم بعد من وراء الاحسان فأمر له بأربعة آلاف وندب الناس فانتدب ألف وأربعمائة فقال الطريق لا يحمل هذه الجماعة لالتفاف الغياض فاختار منهم ثلثمائة فوجههم واستعمل عليهم جهم بن زحر وقال بعضهم استعمل عليهم ابنه خالد بن يزيد وقال له ان غلبت على الحياة فلا تغلبن على الموت واياك أن أراك عندي منهزما وضم إليه جهم بن زحر وقال يزيد للرجل الذى ندب الناس معه متى تصل إليهم قال غدا عند العصر فيما بين الصلاتين قال امضوا على بركة الله فانى سأجهد على مناهضتهم غدا عند صلاة الظهر فساروا فلما قارب انتصاف النهار من غد أمر يزيد الناس أن يشعلوا النار في حطب كان جمعه في حصاره إياهم فصيره

[ 302 ]

آكاما فأضرموه نارا فلم تزل الشمس حتى صار حول عسكره أمثال الجبال من النيران ونظر العدو إلى النار فهالهم ما رأوا من كثرتها فخرجوا إليهم وأمر يزيد الناس حين زالت الشمس فصلوا فجمعوا بين الصلاتين ثم زحفوا إليهم فاقتتلوا وسار الآخرون بقية يومهم والغد فهجموا على عسكر الترك قبيل العصر وهم آمنون من ذلك الوجه ويزيد يقاتل من هذا الوجه فما شعروا إلا بالتكبير من ورائهم فانقطعوا جميعا إلى حصنهم وركبهم المسلمون فأعطوا بأيديهم ونزلوا على حكم يزيد فسبى ذراريهم وقتل مقاتلتهم وصلبهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره وقادمنهم اثنى عشر ألفا إلى الاندرهز وادى جرجان وقال من طلبهم بثأر فليقتل فكان الرجل من المسلمين يقتل الاربعة والخمسة في الوادي وأجرى الماء في الوادي على الدم وعليه أرحاء ليطحن بدمائهم ولتبر يمينه فطحن واختبز وأكل وبنى مدينة جرجان وقال بعضهم قتل يزيد من أهل جرجان أربعين ألفا ولم تكن قبل ذلك مدينة ورجع إلى خراسان واستعمل على جرجان جهم بن زحر الجعفي (وأما هشام) بن محمد فإنه ذكر عن أبى مخنف أنه قال دعا يزيد جهم بن زحر فبعث معه أربعمائة رجل حتى أخذوا في المكان الذى دلوا عليه وقد أمرهم يزيد فقال إذا وصلتم إلى المدينة فانتظروا حتى إذا كان في السحر فكبروا ثم انطلقوا نحو باب المدينة فإنكم تجدونى وقد نهضت بجميع الناس إلى بابها فلما دخل ابن زحر المدينة أمهل حتى إذا كانت الساعة التى أمره يزيد أن ينهض فيها مشى بأصحابه فأخذ لا يستقبل من أحراسهم أحدا إلا قتله وكبر ففزع أهل المدينة فزعا لم يدخلهم مثله قط فيما مضى فلم يرعهم إلا والمسلمون معهم في مدينتهم يكبرون فدهشوا فألقى الله في قلوبهم الرعب وأقبلوا لا يدرون أين يتوجهون غير أن عصابة منهم ليسوا بالكثير قد أقبلوا نحو جهم بن زحر فقاتلوا ساعة فدقت يد جهم وصبر لهم هو أصحابه فلم يلبثوهم أن قتلوهم إلا قليلا وسمع يزيد بن المهلب التكبير فوثب في الناس إلى الباب فوجدوهم قد شغلهم جهم بن زحر عن الباب فلم يجد عليه من يمنعه ولا من يدفع عنه كبير دفع ففتح الباب ودخلها الباب ودخلها من ساعته فأخرج من كان فيها

[ 303 ]

من المقاتلة فنصب لهم الجذوع فرسخين عن يمين الطريق ويساره فصلبهم أربعة فراسخ وسبى أهلها وأصاب ما كان فيها قال على في حديثه عن شيوخه الذين قد ذكرت أسماءهم قبل وكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك أما بعد فان الله قد فتح لامير المؤمنين فتحا عظيما وصنع للمسلمين أحسن الصنع فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه أظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان وقد أعيى ذلك سابور ذا الاكتاف وكسرى بن قباذ وكسرى بن هرمز وأعيى الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومن بعدهما من خلفاء الله حتى فتح الله ذلك لامير المؤمنين كرامة من الله له وزيادة في نعمه عليه وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كان ذى حق حقه من الفئ والغنيمة ستة آلاف ألف وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله فقال له كاتبه المغيرة بن أبى قرة مولى بنى سدوس لا تكتب بتسمية مال فإنك من ذلك بين أمرين إما استكثره فأمرك بحمله وإما سخت نفسه لك به فسوغكه فتكلفت الهدية فلا يأتيه من قبلك شئ إلا استقله فكأني بك قد استغرقت ما سميت ولم يقع منه موقعا ويبقى المال الذى سميت مخلدا عندهم عليك في دواوينهم فإن ولى وال بعده أخذك به وإن ولى من يتحامل عليك لم يرض منك بأضعافه فلا تمض كتابك ولكن اكتب بالفتح وسله القدوم فتشافهه بما أحببت مشافهة وتقصر فانك إن تقصر عما أحببت أحرى من أن تكثر فأبى يزيد وأمضى الكتاب وقال بعضهم كان في الكتاب أربعة آلاف ألف (قال أبو جعفر) وفي هذه السنة توفى أيوب بن سليمان بن عبد الملك فحدثت عن على بن محمد قال حدثنا على بن مجاهد عن شيخ من أهل الرى أدرك يزيد قال أتى يزيد بن المهلب الرى حين فرغ من جرجان فبلغه وفاة أيوب بن سليمان وهو يسير في باغ أبى صالح على باب الرى فارتجز راجز بين يديه فقال إن يك أيوب مضى لشأنه * * * فإن داود لفى مكانه يقيم ما قد رال من سلطانه (وفى هذه السنة) فتحت مدينة الصقالبة (وفيها) غزا داود بن سليمان بن

[ 304 ]

عبد الملك أرض الروم ففتح حصن المرأة مما يلى ملطية (وحج) بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وهو يومئذ أمير على مكة حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان عمال الامصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عليها سنة سبع وقد ذكرناهم قبل غير أن عامل يزيد بن المهلب على البصرة في هذه السنة كان فيما قيل سفيان بن عبد الله الكندى ثم دخلت سنة تسع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك وفاة سليمان بن عبد الملك توفى فيما حدثت عن هشام عن أبى مخنف بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر فكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام وقد قيل توفى لعشر ليال مضين من صفر وقيل كانت خلافته سنتين وسبعة أشهر وقيل سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام وقد حدث الحسن بن حماد عن طلحة أبى محمد عن أشياخه أنهم قالوا استخلف سليمان بن عبد الملك بعد الوليد ثلاث سنين وصلى عليه عمر بن عبد العزيز * وحدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال توفى سليمان بن عبد الملك يوم الجمعة لعشرخلون من صفر سنة 99 فكانت خلافته ثلاث سنين إلا أربعة أشهر ذكر الخبر عن بعض سيره حدثت عن على بن محمد قال كان الناس يقولون سليمان مفتاح الخير ذهب عنهم الحجاج فولى سليمان فأطلق الاسارى وخلى أهل السجون وأحسن إلى الناس واسثخلف عمر بن عبد العزيز فقال ابن بيض حاز الخلافة والداك كلاهما * من بين سخطة ساخط أو طائع أبواك ثم أخوك أصبح ثالثا * وعلى جبينك نور ملك الرابع وقال على قال المفضل بن المهلب دخلت على سليمان بدابق يوم جمعة فدعا

[ 305 ]

بثياب فلبسها فلم تعجبه فدعا بغيرها بثياب خضر سوسية بعث بها يزيد بن المهلب فلبسها واعتم وقال يا ابن المهلب أعجبتك قلت نعم فحسر عن ذراعيه ثم قال أنا الملك الفتى فصلى الجمعة ثم لم يجمع بعدها وكتب وصيته ودعا ابن أبى نعيم صاحب الخاتم فختمه قال على قال بعض أهل العلم إن سليمان لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء ونظر في المرآة فقال أنا الملك الفتى فما عاش بعد ذلك إلا أسبوعا (قال على) وحدثنا سحيم بن حفص قال نظرت إلى سليمان جارية له يوما فقال ما تنظرين فقالت أنت خير المتاع لو كنت تبقى * * * غير أن لا بقاء للانسان ليس فيما علمته فيك عيب * * * كان في الناس غير أنك فان فنفض عمامته (قال على) كان قاضى سليمان سليمان بن حبيب المحاربي وكان ابن أبى عيينة يقص عنده * وحدثت عن أبى عبيدة عن رؤبة بن العجاج قال حج سليمان بن عبد الملك وحج الشعراء معه وحججت معهم فلما كان بالمدينة راجعا تلقوه بنحو من أربعمائة أسير من الروم فقعد سليمان وأقربهم منه مجلسا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب صلوات الله عليهم فقدم بطريقهم فقال يا عبد الله اضرب عنقه فقام فما أعطاه أحد سيفا حتى دفع إليه حرسي سيفه فضربه فأبان الرأس وأطن الساعد وبعض الغل فقال سليمان أما والله ما من جودة السيف جادت الضربة ولكن لحسبه وجعل يدفع البقية إلى الوجوه وإلى الناس يقتلونهم حتى دفع إلى جرير رجلا منهم فدست إليه بنو عبس سيفا في قراب أبيض فضربه فأبان رأسه ودفع إلى الفرزدق أسيرا فلم يجد سيفا فدسوا له سيفا ددانا متينا لا يقطع فضرب به الاسير ضربات فلم يصنع شيئا فضحك سليمان والقوم وشمت بالفرزدق بنو عبس أخوال سليمان فألقى السيف وأنشأ يقول ويعتذر إلى سليمان ويأتسى بنبو سيف ورقاء عن رأس خالد إن يك سيف خان أو قدر أتى * * * بتأخير نفس حتفها غير شاهد فسيف بنى عبس وقد ضربوا به * * * نبا بيدى ورقاء عن رأس خالد

[ 306 ]

كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها * * * وتقطع أحيانا مناط القلائد وورقاء هو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسى ضرب خالد بن جعفر بن كلاب وخالد مكب على أبيه زهير قد ضربه بالسيف وصرعه فأقبل ورقاء بن زهير فضرب خالدا فلم يصنع شيئا فقال ورقاء بن زهير رأيت زهيرا تحت كلكل خالد * * * فأقبلت أسعى كالعجول أبادر فشلت يمينى يوم أضرب خالدا * * * ويحصنه منى الحديد المظاهر وقال الفرزدق في مقامه ذلك أيعجب الناس إن أضحكت خيرهم * * * خليفة الله يستسقى به المطر فما نبا السيف عن جبن ولا دهش * * * عند الامام ولكن أخر القدر ولو ضربت على عمر مقلده * * * لخر جثمانه ما فوقه شعر وما يعجل نفسا قبل ميتتها * * * جمع اليدين ولا الصمصامة الذكر وقال جرير في ذلك بسيف أبى رغوان سيف مجاشع * * * ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم ضربت به عند الامام فأرعشت * * * يداك وقالوا محدث غير صارم * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله ابن محمد بن عيينة قال أخبرني أبو بكر بن عبد العزيز بن الضحاك بن قيس قال شهد سليمان بن عبد الملك جنازة بدابق فدفنت في حقل فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة فيقول ما أحسن هذه التربة ما أطيبها فما أتى عليه جمعة أو كما قال حتى دفن إلى جنب ذلك القبر خلافة عمر بن عبد العزيز (وفي هذه السنة) استخلف عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم ذكر الخبر عن سبب استخلاف سليمان إياه * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنى الهيثم

[ 307 ]

ابن واقد قال استخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يوم الجمعة لعشر مضين من صفر سنة 99 قال محمد بن عمر حدثنى داود بن خالد بن دينار عن سهيل بن أبى سهيل قال سمعت رجاء بن حيوة يقول لما كان يوم الجمعة لبس سليمان بن عبد الملك ثيابا خضرا من خز ونظر في المرآة فقال أنا والله الملك الشاب فخرج إلى الصلاة فصلى بالناس الجمعة فلم يرجع حتس وعك فلما ثقل عهده في كتاب كتبه لبعض بنيه وهو غلام ولم يبلغ فقلت ما تصنع يا أمير المؤمنين إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على المسلمين الرجل الصالح فقال سليمان أنا أستخير الله وأنظر فيه ولم أعزم عليه قال فمكث يوما أو يومين ثم خرقه فدعاني فقال ما ترى في داود بن سليمان فقلت هو غائب عنك بقسطنطينية وأنت لا تدرى أحى هو أم ميت فقال لى فمن ترى قلت رأيك يا أمير المؤمنين وأنا أريد أنظر من يذكر قال كيف ترى في عمر بن عبد العزيز فقلت أعلمه والله خيرا فاضلا مسلما فقال هو والله على ذلك ثم قال والله لئن وليته ولم أول أحدا سواه لتكونن فتنة ولا يتركونه أبدا يلى عليهم إلا أن يجعل أحدهم بعده ويزيد بن عبد الملك غائب على الموسم قال فيزيد بن عبد الملك أجعله بعده فان ذلك مما يسكنهم ويرضون به قلت رأيك قال فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز إنى قد وليتك الخلافة من بعدى ومن بعدك يزيد بن عبد الملك فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم وختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن حامد العبسى صاحب شرطه فقال مر أهل بيتى فليجتمعوا فأرسل كعب إليهم أن يجتمعوا فاجتمعوا ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم اذهب بكتابي هذا إليهم فاخبرهم أن هذا كتابي وأمرهم فليبايعوا من وليت فيه ففعل رجاء فلما قال رجاء ذلك لهم قالوا ندخل فنسلم على أمير المؤمنين قال نعم فدخلوا فقال لهم سليمان في هذا الكتاب وهو يشير لهم إليه وهم ينظرون إليه في يد رجاء بن حيوة عهدي فاسمعوا وأطيعوا وبايعوا لمن سميت في هذا الكتاب فبايعوه رجلا رجلا ثم خرج بالكتاب مختوما في يد رجاء بن حيوة قال رجاء فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال أخشى

[ 308 ]

أن يكون هذا أسند إلى شيئا من هذا الامر فأنشدك الله وحرمتي ومودتي إلا أعلمتني إن كان ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن تأتى حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة قال رجاء لا والله ما أنا بمخبرك حرفا قال فذهب عمر غضبان قال رجاء وليقينى هشام بن عبد الملك فقال يا رجاء إن لى بك حرمة ومودة قديمة وعندي شكر فأعلمني هذا الامر فإن كان إلى علمت وان كان إلى غيرى تكلمت فليس مثلى قصر به فأعلمني فلك الله على أن لا أذكر من ذلك شيئا أبدا قال رجاء فأبيت فقلت والله لا أخبرك حرفا وأحدا مما أسر إلى قال فانصرف هشام وهو قد يئس ويضرب بإحدى يديه على الاخرى وهو يقول فإلى من إذا نحيت عنى اتخرج من بنى عبد الملك قال رجاء ودخلت على سليمان فإذا هو يموت فجعلت إذا أخذته السكرة من سكرات الموت حرفته إلى القبلة فجعل يقول حين يفيق لم يأن لذلك بعد يا رجاء ففعلت ذلك مرتين فلما كانت الثلاثة قال من الآن يا رجاء ان كنت تريد شيئا أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فحرفته ومات فلما غمضته سجيته بقطيفة خضراء وأغلقت الباب وأرسلت إلى زوجته تقول كيف أصبح فقلت نائم وقد تغطى فنظر الرسول إليه مغطى بالقطيفة فرجع فأخبرها فقبلت ذلك وظنت أنه نائم قال رجاء وأجلست على الباب من أثق به وأوصيته أن لا يبرح حتى آتيه ولا يدخل على الخليفه أحد قال فخرجت فأرسلت إلى كعب ابن حامد العبسى فجمع أهل بيت أمير المؤمنين فاجتمعوا في مسجد دابق فقلت بايعوا فقالوا قد بايعنا مرة ونبايع أخرى قلت هذا عهد أمير المؤمنين فبايعوا على ما أمر به ومن سمى في هذا الكتاب المختوم فبايعوا الثانية رجلا رجلا قال رجاء فلما بايعوا بعد موت سليمان رأيت أنى قد أحكمت الامر قلت قوموا إلى صاحبكم فقد مات قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون وقرأت الكتاب عليهم فلما انتهيت إلى ذكر عمر ابن عبد العزيز نادى هشام بن عبد الملك لا تبايعه أبدا قلت أضرب والله عنقك قم فبايع فقام يجر رجليه قال رجال وأخذت بضبعى عمر بن عبد العزيز فأجلسته لما وقع فيه وهشام يسترجع على المنبر وهو يسترجع لما أخطأه فلما انتهى هشام إلى عمر قال عمر إنا لله

[ 309 ]

وإنا إليه راجعون حين صارت إلى لكراهته والآخر يقول إنا لله وإنا إليه راجعون حيث نحيت عنى قال وغسل سليمان وكفن وصلى عليه عمر بن عبد العزيز قال رجاء فلما فرغ من دفنه أتى بمراكب الخلافة البراذين والخيل والبغال ولكل دابة سائس فقال ما هذا قالوا مركب الخلافة قال دابتي أوفق لى وركب دابته قال فصرفت تلك الدواب ثم أقبل سائرا فقيل منزل الخلافة فقال فيه عيال أبى أيوب وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا فأقام في منزله حتى فرغوه بعد قال رجاء فلما كان المساء من ذلك اليوم قال يا رجاء ادع لى كاتبا فدعوته وقد رأيت منه كل ما سرنى صنع في المراكب ما صنع وفي منزل سليمان فقلت كيف يصنع الآن في الكتاب أيصنع نسخا أم ماذا فلما جلس الكاتب أملى عليه كتابا واحدا من فيه إلى يد الكاتب بغير نسخة فأملى أحسن إملاء وأبلغه وأوجزه ثم أمر بذلك الكتاب أن ينسخ إلى كل بلد وبلغ عبد العزيز بن الوليد وكان غائبا عن موت سليمان بن عبد الملك ولم يعلم ببيعة الناس عمر بن عبد العزيز وعهد سليمان إلى عمر فعقد لواء ودعا إلى نفسه فبلغته بيعة الناس عمر بعهد سليمان فأقبل حتى دخل على عمر بن عبد العزيز فقال له عمر قد بلغني أنك كنت بايعت من قبلك وأردت دخول دمشق فقال قد كان ذلك وذلك أنه بلغني أن الخليفة سليمان لم يكن عقد لاحد فخفت على الاموال أن تنتهب فقال عمر لو بايعت وقمت بالامر ما نازعتك ذلك ولقعدت في بيتى فقال عبد العزيز ما أحب أنه ولى هذا الامر غيرك وبايع عمر بن عبد العزيز قال فكان يرجى لسليمان بتوليته عمر بن عبد العزيز وترك ولده (وفي هذه السنة) وجه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة وهو بأرض الروم وأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين ووجه إليه خيلا عتاقا وطعاما كثيرا وحث الناس على معونهم وكان الذى وجه إليه من الخيل العتاق فيما قيل خمسمائة فرس (وفي هذه السنة) أغارت الترك على آذربيجان فقتلوا من المسلمين جماعة ونالوا منهم فوجه إليهم عمر بن عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلى فقتل أولئك الترك فلم يفلت منهم الا اليسير فقدم منهم على عمر بخناصرة بخمسين أسيرا (وفيها)

[ 310 ]

عزل عمر يزيد بن المهلب عن العراق ووجه على البصرة وأرضها عدى بن أرطاة الفزارى وبعث على الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الاعرج القرشى من بنى عدى بن كعب وضم إليه أبا الزناد فكان أبو الزناد كاتب عبد الحميد بن عبد الرحمن وبعث عدى في أثر يزيد بن المهلب موسى بن الوجيه الحميرى (وحج) بالناس في هذه السنة أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم وكان عامل عمر على المدينة وكان عامل عمر على مكة في هذه السنة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن وعلى البصرة وأرضها عدى بن ارطاة وعلى خراسان الجراح بن عبد الله وعلى قضاء البصرة إياس بن معاوية بن قرة المزني وقد ولى فيما ذكر قبله الحسن بن أبى الحسن فشكى فاستقصى إياس بن معاوية وكان على قضاء الكوفة في هذه السنة فيما قيل عامر الشعبى (وكان الواقدي) يقول كان الشعبى على قضاء الكوفة أيام عمر بن عبد العزيز من قبل عبد الحميد بن عبد الرحمن والحسن بن أبى الحسن البصري على قضاء البصرة من قبل عدى بن أرطاة ثم ان الحسن استعفى من القضاء عديا فأعفاه وولى إياسا ثم دخلت سنة مائة ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها فمن ذلك خروج الخارجة التى خرجت على عمر بن عبد العزيز بالعراق ذكر الخبر عن أمرهم ذكر محمد بن عمر أن ابن أبى الزناد حدثه قال خرجت حرورية بالعراق فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عامل العراق يأمره أن يدعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فلما أعذر في دعائهم بعث إليهم عبد الحميد جيشا فهزمتهم الحرورية فبلغ عمر فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشأم جهزهم من الرقة وكتب إلى عبد الحميد قد بلغني ما فعل جيشك جيش السوء وقد بعثت مسلمة بن عبد الملك فخل بينه وبينهم

[ 311 ]

فلقيهم مسلمة في أهل الشأم فلم ينشب أن أظهره الله عليهم (وذكر أبو عبيدة) معمر بن المثنى أن الذى خرج على عبد الحميد بن عبد الرحمن بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز شوذب واسمه بسطام من بنى يشكر فكان مخرجه بجوخى في ثمانين فارسا أكثرهم من ربيعة فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد ألا تحركهم إلا أن يسفكوا دما أو يفسدوا في الارض فان فعلوا فحل بينهم وبين ذلك وانظر رجلا صليبا حازما فوجهه إليهم ووجه معه جندا وأوصه بما أمرتك به فعقد عبد الحميد لمحمد بن جرير بن عبد الله البجلى في ألفين من أهل الكوفة وأمره بما أمره به عمر وكتب عمر إلى بسطام يدعوه ويسأله عن مخرجه فقدم كتاب عمر عليه وقد قدم عليه محمد بن جرير فقام بإزائه لا يحركه ولا يهيجه فكان في كتاب عمر إليه انه بلغني أنك خرجت غضبا لله ولنبيه ولست بأولى بذلك منى فهلم ؟ ؟ أناظرك فان كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس وإن كان في يدك نظرنا في أمرنا قلم يحرك بسطام شيئا وكتب إلى عمر قدم أنصفت وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرانك قال أبو عبيدة أحد الرجلين اللذين بعثهما شوذب إلى عمر ممزوج مولى بنى شيبان والآخر من صليبة بنى يشكر قال فيقال أرسل نفرا فيهم هذان فأرسل إليهم عمر أن اختاروا رجلين فاختاروهما فدخلا عليه فناظراه فقالا له أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك قال صيره غيرى قال أفرأيت لو وليت مالا لغيرك ثم وكلته إلى غير مأمون عليه أتراك كنت أديت الامانة إلى من ائتمتك قال فقال أنظراني ثلاثا فخرجا من عنده وخاف بنو مروان أن يخرج ما عندهم وفي أيديهم من الاموال وأن يخلع يزيد فدسوا إليه من سقاه سما فلم يلبث بعد خروجهما من عنده إلا ثلاثا حتى مات (وفي هذه السنة) أغزى عمر بن عبد العزيز الوليد بن هشام المعيطى وعمرو بن قيس الكندى من أهل حمص الصائفة (وفيها) شخص عمر بن هبيرة الفزارى إلى الجزيرة عاملا لعمر عليها (وفى هذه السنة) حمل يزيد بن المهلب من العراق إلى عمر ابن عبد العزيز

[ 312 ]

ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف وصل إليه حتى استوثق منه اختلف أهل السير في ذلك فأما هشام بن محمد فانه ذكر عن أبى مخنف أن عمر ابن عبد العزيز لما جاء يزيد بن المهلب فنزل واسطا ثم ركب السفن يريد البصرة بعث عدى بن ارطاة إلى البصرة أميرا فبعث عدى موسى بن الوجيه الحميرى فلحقه في نهر معقل عند الجسر جسر البصرة فأوثقه ثم بعث به إلى عمر بن عبد العزيز فقدم به عليه موسى بن الوجيه فدعا به عمر بن عبد العزيز وقد كان عمر يبغض يزيد وأهل بيته ويقول هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم وكان يزيد بن المهلب يبغض عمر ويقول إنى لا ظنه مرائيا فلما ولى عمر عرف يزيد أن عمر كان من الرياء بعيدا ولما دعا عمر يزيد سأله عن الاموال التى كتب بها إلى سليمان ابن عبد الملك فقال كنت من سليمان بالمكان الذى قد رأيت وإنما كتبت إلى سليمان لا سمع الناس به وقد علمت أن سليمان لم يكن ليأخذني بشئ سمعت ولا بأمر أكرهه فقال له ما أجد في أمرك إلا حبسك فاتق الله وأد ما قبلك فإنها حقوق المسلمين ولا يسعنى تركها فرده إلى محبسه وبعث إلى الجراح بن عبد الله الحكمى فسرحه إلى خراسان وأقبل مخلد بن يزيد من خراسان يعطى الناس ولا يمر بكورة الا أعطاهم فيها أموالا عظاما ثم خرج حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فدخل عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ان الله يا أمير المؤمنين صنع لهذه الامة بولايتك عليها وقد ابتلينا بك فلا نكن أشقى الناس بولايتك علام تحبس هذا الشيخ أنا أتحمل ما عليه فصالحني على ما اياه تسأل فقال عمر لا الا أن تحمل جميع ما نسأله اياه فقال يا أمير المؤمنين إن كانت لك بينة فخذ بها وإن لم تكن بينة فصدق مقالة يزيد وإلا فاستحلفه فان لم يفعل فصالحه فقال له عمر ما أجد إلا أخذه بجميع المال فلما خرج مخلد قال هذا خير عندي من أبيه فلم يلبث مخلد إلا قليلا حتى مات فلما أبى يزيد أن يؤدى إلى عمر شيئا ألبسه جبة من صوف وحمله على جمل ثم قال سيروا به إلى دهلك فلما أخرج فمر به على الناس أخذ يقول مالى عشيرة مالى يذهب بى إلى دهلك إنما يذهب إلى دهلك بالفاسق المريب الخارب

[ 313 ]

سبحان الله أما لى عشيرة فدخل على عمر سلامة بن نعيم الخولانى فقال يا أمير المؤمنين اردد يزيد إلى محبسه فإنى أخاف إن أمضيته أن ينتزعه قومه فإنى قد رأيت قومه غضبوا له فرده إلى محبسه فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر * وأما غير أبى مخنف فانه قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن ارطاة يأمره بتوجيه يزيد بن المهلب ودفعه إلى من بعين التمر من الجند فوجهه عدى ابن ارطاة مع وكيع بن حسان بن أبى سود التميمي مغلولا مقيدا في سفينة فلما انتهى به إلى نهر أبان عرض لوكيع ناس من الازد لينتزعوه منه فوثب وكيع فانتضى سيفه وقطع قلس السفينة وأخذ سيف يزيد بن المهلب وحلف بطلاق امرأته ليضربن عنقه إن لم يتفرقوا فناداهم يزيد بن المهلب فأعلمهم يمين وكيع فتفرقوا ومضى به حتى سلمه إلى الجند الذين بعين التمر ورجع وكيع إلى عدى ابن ارطاة ومضى الجند الذين بعين التمر بيزيد بن المهلب إلى عمر بن عبد العزيز فحبسه في السجن (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة عزل عمر بن عبد العزيز الجراح بن عبد الله عن خراسان وولاها عبد الرحمن بن نعيم القشيرى فكانت ولاية الجراح بخراسان سنة وخمسة أشهر قدمها سنة 99 وخرج منها لايام بقيت من شهر رمضان سنة 100 ذكر سبب عزل عمر اياه وكان سبب ذلك فيما ذكر على بن محمد عن كليب بن خلف عن إدريس بن حنظلة والمفضل عن جده وعلى بن مجاهد عن خالد بن عبد العزيز أن يزيد بن المهلب ولى جهم بن زحر جرجان حين شخص عنها فلما كان من أمر يزيد ما كان وجه عامل العراق من العراق واليا على جرجان فقدم الوالى عليها من العراق فأخذه جهم فقيده وقيد رهطا قدموا معه ثم خرج في خمسين من اليمن يريد الجراح بخراسان فأطلق أهل جرجان عاملهم فقال الجراح لجهم لولا أنك ابن عمى لم أسوغك هذا فقال له جهم ولولا أنك ابن عمى لم آتك وكان جهم سلف الجراح من قبل ابنتى حصين بن الحارث وابن عمه لان الحكم وجعفى ابنا سعد فقال له الجراح خالفت إمامك وخرجت

[ 314 ]

عاصيا فاغز لعلك أن تظفر فيصلح أمرك عند خليفتك فوجهه إلى الختل فخرج فلما قرب منهم سار متنكرا في ثلاثة وخلف في عسكره ابن عمه القاسم بن حبيب وهو ختنه على ابنته أم الاسود حتى دخل على صاحب الختل فقال له أخلني فأخلاه فاعتزى فنزل صاحب الختل عن سريره وأعطاه حاجته ويقولون الختل موالى النعمان وأصاب مغنما فكتب الجراح إلى عمرو أوفد وفدا رجلين من العرب ورجلا من الموالى من بنى ضبة ويكنى أبا الصيداء واسمه صالح ابن طريق كان فاضلا في دينه وقال بعضهم المولى سعيد أخو خالد أو يزيد النحوي فتكلم العربيان والاخر جالس فقال له عمر أما أنت من الوفد قال بلى قال فما يمنعك من الكلام قال يا أمير المؤمنين عشرون ألفا من الموالى يغزون بلا عطاء ولا رزق ومثلهم قد أسلموا من أهل الذمة يؤخذون بالخراج وأميرنا عصبي جاف يقوم على منبرنا فيقول أتيتكم حفيا وأنا اليوم عصبي والله لرجل من قومي أحب إلى من مائة من غيرهم وبلغ من جفائه أن كم درعه ببلغ نصف درعه وهو بعد سيف من سيوف الحجاج قد عمل بالظلم والعدوان فقال عمر إذن مثلك فليوفد وكتب عمر إلى الجراح انظر من صلى قبلك إلى القبلة فضع عنه الجزية فسارع الناس إلى الاسلام فقيل للجراح ان الناس قد سارعوا إلى الاسلام وإنما ذلك نفورا من الجزية فامتحنهم بالختان فكتب الجراح بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر إن الله بعث محمدا صلى الله عليه داعيا ولم يبعثه خاتنا وقال عمر ابغونى رجلا صدوقا أسأله عن خراسان فقيل له قد وجدته عليك بأبى مجلز فكتب إلى الجراح أن أقبل واحمل أبا مجلز وخلف على حرب خراسان عبد الرحمن بن نعيم الغامدى وعلى جزيتها عبيد الله أو عبد الله ابن حبيب فخطب الجراح فقال يا أهل خراسان جئتكم في ثيابي هذه التى على وعلى فرسى لم أصب من مالكم إلا حلية سيفى ولم يكن عنده إلا فرس قد شاب وجهه وبغلة قد شاب وجهها فخرج في شهر رمضان واستخلف عبد الرحمن بن نعيم فلما قدم قال له عمر متى خرجت قال في شهر رمضان قال قد صدق من

[ 315 ]

وصفك بالجفاء هلا أقمت حتى تفطر ثم تخرج وكان الجراح يقول أنا والله عصبي عقبى يريد من العصبية وكان الجراح لما قدم خراسان كتب إلى عمر إنى قدمت خراسان فوجدت قوما قد أبطرتهم الفتنة فهم ينزون فيها نزوا أحب الامور إليهم أن تعود ليمنعوا حق الله عليهم فليس يكفهم إلا السيف والسوط وكرهت الاقدام على ذلك إلا بإذنك فكتب إليه عمر يا ابن أم الجراح أنت أحرص على الفتنة منهم لا تضربن مؤمنا ولا معاهدا سوطا إلا في حق واحذر القصاص فإنك صائر إلى من يعلم خائنة الا عين وما تخفى الصدور وتقرأ كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ولما أراد الجراح الشخص من خراسان إلى عمر بن عبد العزيز أخذ عشرين ألفا وقال بعضهم عشرة آلاف من بيت المال وقال هي على سلفا حتى أؤديها إلى الخليفة فقدم على عمر فقال له عمر متى خرجت قال لايام بقين من شهر رمضان وعلى دين فاقضه قال لو قمت حتى تفطر ثم خرجت قضيت عنك فأدى عنه قومه في أعطياتهم ذكر الخبر عن سبب تولية عمر بن عبد العزيز عبد الرحمن بن نعيم وعبد الرحمن بن عبد الله القشيرى خراسان وكان سبب ذلك فيما ذكر لى أن الجراح بن عبد الله لما شكى واستقدمه عمر ابن عبد العزيز فقدم عليه عزله عن خراسان لما قد ذكرت قبل ثم إن عمر لما أراد استعمال عامل على خراسان قال فيما ذكر على بن محمد عن خارجة بن مصعب الضبعى وعبد الله بن المبارك وغيرهما ابغونى رجلا صدوقا أسأله عن خراسان فقيل له أبو مجلز لا حق بن حميد فكتب إليه فقدم عليه وكان رجلا لا تأخذه العين فدخل أبو مجلز على عمر في جفة الناس فلم يثبته عمر وخرج مع الناس فسأل عنه فقيل دخل مع الناس ثم خرج فدعا به عمر فقال يا أبا مجلز لم أعرفك قال فهلا أنكرتني إذ لم تعرفني قال أخبرني عن عبد الرحمن بن عبد الله قال يكافئ الاكفاء ويعادي الاعداء وهو أمير يفعل ما يشاء ويقدم إن وجد من يساعده قال عبد الرحمن ابن نعيم قال ضعيف لين يحب العافية وتأتى له قال الذى يحب العافية وتأتى له

[ 316 ]

أحب إلى فولاه الصلاة والحرب وولى عبد الرحمن القشيرى ثم أحد بنى الاعور ابن قشير الخراج وكتب إلى أهل خراسان إنى استعملت عبد الرحمن على حربكم وعبد الرحمن بن عبد الله على خراجكم عن غير معرفة منى بهما ولا اختيار إلا ما أخبرت عنهما فإن كانا على ما تحبون فاحمدوا الله وإن كانا على غير ذلك فاستعينوا بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال على وحدثنا أبو السرى الازدي عن إبراهيم الصائغ أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم أما بعد فكن عبدا ناصحا لله في عباده ولا يأخذك في الله لومة لائم فإن الله أولى بك من الناس وحقه عليك أعظم فلا تولين شيئا من أمر المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم والتوفير عليهم وأداء الامانة فيما استرعى وإياك أن يكون ميلك ميلا إلى غير الحق فإن الله لا يخفى عليه خافية ولا تذهبن عن الله مذهبا فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه قال على عن محمد الباهلى وأبى نهيك بن زياد وغيرهما إن عمر بن عبد العزيز بعث بعهد عبد الرحمن بن نعيم على حرب خراسان وسجستان مع عبد الله بن صخر القرشى فلم يزل عبد الرحمن بن نعيم على خراسان حتى مات عمر بن عبد العزيز وبعد ذلك حتى قتل يزيد بن المهلب ووجه مسلمة سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف وليها في شهر رمضان من سنة 100 وعزل سنة 102 بعد ما قتل يزيد بن المهلب قال على كانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستة عشر شهرا أول الدعوة (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة أعنى سنة 100 وجه محمد بن على بن عبد الله ابن عباس من أرض الشراة ميسرة إلى العراق ووجه محمد بن خنيس وأبا عكرمة السراج وهو أبو محمد الصادق وحيان العطار خال ابراهيم بن سلمة إلى خراسان وعليها يومئذ الجراح بن عبد الله الحكمى من قبل عمر بن عبد العزيز وأمرهم بالدعاء إليه والى أهل بيته فلقوا من لقوا ثم انصرفوا بكتب من استجاب لهم إلى محمد بن على فدفعوها إلى ميسرة فبعث بها ميسرة إلى محمد بن على واختار أبو محمد

[ 317 ]

الصادق لمحمد بن على اثنى عشر رجلا نقباء منهم سليمان بن كثير الخزاعى ولاهز ابن قريظ التميمي وقحطبة بن شبيب الطائى وموسى بن كعب التميمي وخالد بن ابراهيم أبو داود من بنى عمرو بن شيبان بن ذهل والقاسم بن مجاشع التميمي وعمران بن اسماعيل أبو النجم مولى لال أبى معيط ومالك بن الهيثم الخزاعى وطلحة بن زريق الخزاعى وعمرو بن أعين أبو حمزة مولى لخزاعة وشبل بن طهمان أبو على الهروي مولى لبنى حنيفة وعيسى بن أعين مولى خزاعة واختار سبعين رجلا فكتب إليهم محمد بن على كتابا ليكون لهم مثالا وسيرة يسيرون بها (وحج) بالناس في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وكان عمال الامصار في هذه السنة العمال في السنة التى قبلها وقد ذكرناهم قبل ما خلا عامل خراسان فان عاملها كان في آخرها عبد الرحمن بن نعيم على الصلاة والحرب وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج ثم دخلت سنة إحدى ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز ذكر الخبر عن سبب هربه منه وكيف كان هربه منه ذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف أن عمر بن عبد العزيز لماكلم في يزيد ابن المهلب حين أراد نفيه إلى دهلك وقيل له إنا نخشى أن ينتزعه قومه رده إلى محبسه فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر فأخذ يعمل بعد في الهرب من محبسه مخافة يزيد بن عبد الملك لانه كان قد عذب أصهاره آل أبى عقيل كانت أم الحجاج بنت محمد بن يوسف أخى الحجاج بن يوسف عند يزيد بن عبد الملك فولدت له الوليد بن يزيد المقتول فكان يزيد بن عبد الملك قد عاهد الله لئن أمكنه الله من يزيد بن المهلب ليقطعن منه طابقا فكان يخشى ذلك فبعث يزيد بن المهلب

[ 318 ]

إلى مواليه فأعدوا له إبلا وكان مرض عمر في دير سمعان فلما اشتد مرض عمر أمر بإبله فأتى بها فلما تبين له أنه قد ثقل نزل من محبسه فخرج حتى مضى إلى المكان الذى واعدهم فيه فلم يجدهم جاءوا فجزع أصحابه وضجروا فقال لاصحابه أتروني أرجع إلى السجن لا والله لا أرجع إليه أبدا ثم إن الابل جاءت فاحتمل فخرج ومعه عاتكة امرأته ابنة الفرات بن معاوية العامرية من بنى البكافى شق المحمل فمضى فلما جاز كتب إلى عمر ابن عبد العزيز إنى والله لو علمت أنك تبقى ما خرجت من محبسي ولكني لم آمن يزيد بن عبد الملك فقال عمر اللهم إن كان يزيد يريد بهذه الامة شرافا كفهم شره واردد كيده في نحره ومضى يزيد بن المهلب حتى مر بحدث الزقاق وفيه الهذيل ابن زفر معه قيس فأتبعوا يزيد بن المهلب حيث مربهم فأصابوا طرفا من ثقله وغلمة من وصفائه فأرسل الهذيل بن زفرفى آثارهم فردهم فقال ما تطلبون أخبروني أتطلبون يزيد بن المهلب أو أحدا من قومه بتبل فقالوا لا قال فما تريدون إنما هو رجل كان في أسار فخاف على نفسه فهرب وزعم الواقدي أن يزيد بن المهلب إنما هرب من سجن عمر بعد موت عمر (وفى هذه السنة) توفى عمر بن عبد العزيز فحدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال توفى عمر ابن عبد العزيز لخمس ليال بقين من رجب سنة 101 وكذلك قال محمد بن عمر حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى عمرو بن عثمان قال مات عمر بن عبد العزيز لعشر ليال بقين من رجب سنة 101 (وقال هشام) عن أبى مخنف مات عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لخمس بقين من رجب بدير سمعان في سنة 101 وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر ومات بدير سمعان * حدثنى الحارث قال حدثنا أحمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى عمى الهيثم بن واقد قال ولدت سنة 97 واستخلف عمر ابن عبد العزيز بدابق يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة 99 فأصابني من قسمه ثلاثة دنانير وتوفى بخناصرة يوم الاربعاء لخمس ليال بقين من رجب سنة 101 وكان شكوه عشرين يوما وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام ومات

[ 319 ]

وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر ودفن بدير سمعان وقد قال بعضهم كان له يوم توفى تسع وثلاثون سنة وخمسة أشهر * وقال بعضهم كان له أربعون سنة (وقال هشام) توفى عمر وهو ابن أربعين سنة وأشهر وكان يكنى أبا حفص وله يقول عويف القوافى وقد حضره في جنازة شهدها معه أجبني أبا حفص لقيت محمدا * على حوضه مستبشرا من وراكا فأنت امرؤ كلتا يديك مفيدة * شمالك خير من يمين سواكا وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وكان يقال له أشج بنى أمية وذلك أن دابة من دواب أبيه كانت شجته فقيل له أشج بنى أمية * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا سليمان بن حرب قال حدثنا المبارك بن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال كنت أسمع ابن عمر كثيرا يقول ليت شعرى من هذا الذى من ولد عمر في وجهه علامة يملا الارض عدلا * وحدثت عن منصور ابن أبى مزاحم قال حدثنا مروان بن شجاع عن سالم الافطس أن عمر بن عبد العزيز رمحته دابة وهو غلام بدمشق فأتيت به أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر ابن الخطاب فضمته إليها وجعلت تمسح الدم عن وجهه ودخل أبوه عليها على تلك الحال فأقبلت عليه تعذله وتلومه وتقول ضيعت ابني ولم تضم إليه خادما ولا حاضنا يحفظه من مثل هذا فقال لها اسكتي يا أم عاصم فطوباك إذ كان أشج بنى أمية ذكر بعض سيره ذكر على بن محمد أن كليب بن خلف حدثهم عن إدريس بن حنظلة والمفضل عن جده وعلى بن مجاهد عن خالد أن عمر بن عبد العزيز كتب حين ولى الخلافة إلى يزيد بن المهلب أما بعد فان سليمان كان عبدا من عبيد الله أنعم الله عليه ثم قبضه واستخلفني ويزيد بن عبد الملك من بعدى إن كان وإن الذى ولانى الله من ذلك وقدر لى ليس على بهين ولو كانت رغبتي في اتخاذ أزواج واعتقاد أموال كان في الذى أعطاني من ذلك ما قد بلغ بى أفضل ما بلغ بأحد من خلقه وأنا أخاف فيما ابتليت به حسابا شديدا ومسألة غليظة إلا ما عافى الله ورحم وقد بايع من قبلنا

[ 320 ]

فبايع من قبلك فلما قدم الكتاب على يزيد بن المهلب ألقاه إلى أبى عيينة فلما قرأه قال لست من عماله قال ولم قال ليس هذا كلام من مضى من أهل بيته وليس يريد أن يسلك مسلكهم فدعا الناس إلى البيعة فبايعوا قال ثم كتب عمر إلى يزيد استخلف على خراسان وأقبل فاستخلف ابنه مخلدا قال على وحدثنا على بن مجاهد عن عبد الاعلى بن منصور عن ميمون بن مهران قال كتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم أن العمل والعلم قريبان فكن عالما بالله عاملا له فان أقواما علموا ولم يعملوا فكان علمهم عليهم وبالا قال وأخبرنا مصعب بن حيان عن مقاتل بن حيان قال كتب عمر إلى عبد الرحمن أما بعد فاعمل عمل رجل يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين قال على أخبرنا كليب بن خلف عن طفيل بن مرداس قال كتب عمر إلى سليمان ابن أبى السرى أن اعمل خانات في بلادك فمن مربك من المسلمين فاقروهم يوما وليلة وتعهدوا دوابهم فمن كانت به علة فاقروه يومين وليلتين فان كان منقطعا به فقووه بما يصل به إلى بلده فلما أتاه كتاب عمر قال أهل سمرقند لسليمان إن قتيبة غدر بنا وظلمنا وأخذ بلادنا وقد أظهر الله العدل والانصاف فائذن لنا فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين يشكون ظلامتنا فان كان لنا حق أعطيناه فان بنا إلى ذلك حاجة فأذن لهم فوجهوا منهم قوما فقدموا على عمر فكتب لهم عمر إلى سليمان ابن أبى السرى إن أهل سمرقند قد شكوا إلى ظلما أصابهم وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضى فلينظر في أمرهم فان قضى لهم فاخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة قال فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضى الناجى فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء فيكون صلحا جديدا أو ظفرا عنوة فقال أهل السغدبل نرضى بما كان ولا نجدد حربا وتراضوا بذلك فقال أهل الرأى قدخالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم وأمنوا وأمناهم فإن حكم لنا عدنا إلى الحرب ولا ندرى لمن يكون الظفر وإن لم يكن لنا كنا قد اجتلبنا عداوة في المنازعة فتركوا الامر على ما كان ورضوا ولم ينازعوا قال وكتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم يأمره بإقفال من

[ 321 ]

وراء النهر من المسلمين بذراريهم قال فأبوا وقالوا لا يسعنا مرو فكتب إلى عمر بذلك فكتب إليه عمر اللهم إنى قد قضيت الذى على فلا تغز بالمسلمين فحسبهم الذى قد فتح الله عليهم قال وكتب إلى عقبة بن زرعة الطائى وكان قد ولاه الخراج بعد القشيرى إن للسلطان أركانا لا يثبت إلا بها فالوالى ركن والقاضى ركن وصاحب بيت المال ركن والركن الرابع أنا وليس من ثغور المسلمين ثغر أهم إلى ولا أعظم عندي من ثغر خراسان فاستوعب الخراج وأحرزه في غير ظلم فإن يك كفافا لاعطياتهم فسبيل ذلك وإلا فاكتب إلى حتى أحمل إليك الاموال فتوفرلهم أعطياتهم قال فقدم عقبة فوجد خراجهم يفضل عن أعطياتهم فكتب إلى عمر فأعلمه فكتب إليه عمر أن اقسم الفضل في أهل الحاجة * وحدثني عبد الله بن أحمد بن شبوية قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال سمعت عبد الله يقول عن محمد بن طلحة عن داود بن سليمان الجعفي قال كتب عمر بن عبد العزيز من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الحميد سلام عليك أما بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله وسنة خبيثة استنها عليهم عمال السوء وإن قوام الدين العدل والاحسان فلا يكونن شئ أهم إليك من نفسك فإنه لا قليل من الاثم ولا تحمل خرابا على عامر ولا عامرا على خراب انظر الخراب فخذ منه ما أطاق وأصلحه حتى يعمر ولا يؤخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لاهل الارض ولا تأخذن في الخراج إلا وزن سبعة ليس لها آيين ولا أجور الضرابين ولا هدية النيروز والمهرجان ولا ثمن الصحف ولا أجور الفيوج ولا أجور البيوت ولا دراهم النكاح ولا خراج على من أسلم من أهل الارض فاتبع في ذلك أمرى فإنى قدوليتك من ذلك ما ولانى الله ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه وانظر من أراد من الذرية أن يحج فعجل له مائة يحج بها والسلام * حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه قال حدثنى أبى قال حدثنا سليمان قال حدثنى عبد الله عن شهاب بن شريعة المجاشعى قال ألحق عمر بن عبد العزيز ذرارى الرجال الذين في العطايا أقرع بينهم فمن أصابته القرعة جعله في المائة ومن

[ 322 ]

لم تصبه القرعة جعله في الاربعين وقسم في فقراء أهل البصرة كل إنسان ثلاثة دراهم فأعطى الزمنى خمسين خمسين قال وأراه رزق الفطم * حدثنى عبد الله قال حدثنا أبى قال حدثنا الفضيل عن عبد الله قال بلغني أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل الشأم سلام عليكم ورحمة الله أما بعد فإنه من أكثر ذكر الموت قل كلامه ومن علم أن الموت حق رضى اليسير والسلام قال على بن محمد وقال أبو مجلز لعمر إنك وضعتنا بمنقطع التراب فاحمل إلينا الاموال قال يا أبا مجلز قلبت الامر قال يا أمير المؤمنين أهولنا أم لك قال بل هو لكم إذا قصر خراجكم عن أعطياتكم قال فلا أنت تحمله إلينا ولا نحمله إليك وقد وضعت بعضه على بعض قال أحمله إليكم ان شاء الله ومرض من ليلته فمات من مرضه وكانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستة عشر شهرا (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة توفى عمارة بن أكيمة الليثى ويكنى أبا الوليد وهو ابن تسع وسبعين زيادة في سيرة عمر بن عبد العزيز ليست من كتاب أبى جعفر إلى أول خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان روى عبد الله بن بكر بن حبيب السهمى قال حدثنا رجل في مسجد الجنابذان عمر بن عبد العزيز خطب الناس بخناصرة فقال أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم وقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التى وسعت كل شئ وحرم الجنة التى عرضها السموات والارض ألا واعلموا أنما الامان غدا لمن حذر الله وخافه وباع نافدا بباق وقليلا بكثير وخوفا بأمان ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفها بعدكم الباقون كذلك حتى تردد إلى خير الوارثين وفى كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه وانقضى أجله فتغيبونه في صدع من الارض ثم تدعونه غير موسد ولاممها ؟ قد فارق الاحبة وخلع الاسباب فسكن التراب وواجه الحساب فهو مرتهن بعمله فقير إلى ما قدم غنى عما ترك فاتقوا الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقعه وأيم الله إنى لاقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند

[ 323 ]

أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي فأستغفر الله وأتوب إليه وما منكم من أحد تبلغنا عنه حاجة إلا أحببت أن أسد من حاجته ما قدرت عليه وما منكم أحد يسعه ما عندنا إلا وددت أنه ساواني ولحمتي حتى يكون عيشنا وعيشه سواء وأيم الله أن لو أردت غير هذا من الغضارة والعيش لكان اللسان منى به ذلو لا عالما بأسبابه ولكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة يدل فيها على طاعته وينهى عن معصيته ثم رفع طرف ردائه فبكى حتى شهق وأبكى الناس حوله ثم نزل فكانت إياها لم يخطب بعدها حتى مات رحمه الله (روى خلف بن تميم) قال حدثنا عبد الله بن محمد بن سعد قال بلغني أن عمر بن عبد العزيز مات ابن له فكتب عامل له يعزيه عن ابنه فقال لكاتبه أجبه عنى قال فأخذ الكاتب يبرى القلم قال فقال للكاتب أدق القلم فإنه أبقى للقرطاس وأوجز للحروف واكتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن هذا الامر أمر قد كنا وطنا أنفسنا عليه فلما نزل لم نذكره والسلام روى منصور ابن مزاحم قال حدثنا شعيب يعنى ابن صفوان عن ابن عبد الحميد قال قال عمر بن عبد العزيز من وصل أخاه بنصيحة له في دينه ونظر له في صلاح دنياه فقد أحسن صلته وأدى واجب حقه فاتقوا الله فانها نصيحة لكم في دينكم فاقبلوها وموعظة منجية في العواقب فالزموها الرزق مقسوم فلن يغدر المؤمن ما قسم له فأجملوا في الطلب فان في القنوع سعة وبلغة وكفافا إن أجل الدنيا في أعناقكم وجهنم أمامكم وما ترون ذاهب وما مضى فكأن لم يكن وكل أموات عن قريب وقد رأيتم حالات الميت وهو يسوق وبعد فراغه وقد ذاق الموت والقوم حوله يقولون قد فرغ رحمه الله وعاينتم تعجيل إخراجه وقسمة تراثه ووجهه مفقود وذكره منسى وبابه مهجور وكأن لم يخالط إخوان الحفاظ ولم يعمر الديار فاتقوا هول يوم لا تحقر فيه مثقال ذرة في الموازين * روى سهل بن محمود قال حدثنا حرملة ابن عبد العزيز قال حدثنى أبى عن ابن لعمر بن عبد العزيز قال أمرنا عمر أن نشترى موضع قبره فاشتريناه من الراهب قال فقال بعض الشعراء أقول لما نعى الناعون لى عمرا * لا يبعدن قوام العدل والدين

[ 324 ]

قدغا در القوم باللحد الذى لحدوا * بدير سمعان قسطاس الموازين روى عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان قال قال عمر بن عبد العزيز من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ومن لم يعد كلامه من عمله كثرت ذنوبه والرضا قليل ومعول المؤمن الصبر وما أنعم الله على عبد نعمة ثم انتزعها منه فأعاضه مما انتزع منه الصبر إلا كان ما أعاضه خيرا مما انتزع منه ثم قرأ هذه الاية " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " وقدم كتابه على عبد الرحمن ابن نعيم لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار صولحتم عليه ولا تحدثن كنيسة ولا بيت نار ولا تجر الشاة إلى مذبحها ولا تحدوا الشفرة على رأس الذبيحة ولا تجمعوا بين الصلاتين إلا من عذر روى عفان بن مسلم عن عثمان بن عبد الحميد قال حدثنا أبى قال بلغنا أن فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز قالت اشتد علزه ليلة فسهر وسهرنا معه فلما أصبحنا أمرت وصيفا له يقال له مرثد فقلت له يا مرثد كن عند أمير المؤمنين فإن كانت له حاجة كنت قريبا منه ثم انطلقنا فضربنا برؤوسنا لطول سهرنا فلما انتفخ النهار استيقظت فتوجهت إليه فوجدت مرثدا خارجا من البيت نائما فأيقظته فقلت يا مرثد ما أخرجك قال هو أخرجنى قال يا مرثد اخرج عنى فوالله إنى لارى شيئا ما هو بالانس ولا جان فخرجت فسمعته يتلو هذه الاية " تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " قال فدخلت عليه فوجدته قد وجه نفسه وأغمض عينيه وإنه لميت رحمه الله خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان (وفيها) ولى يزيد بن عبد الملك بن مروان وكنيته أبو خالد وهو ابن تسع وعشرين سنة في قول هشام بن محمد ولما ولى الخلافة نزع عن المدينة أبا بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم وولاها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى فقدمها فيما زعم الواقدي يوم الاربعاء لليال بقين من شهر رمضان فاستقضى عبد الرحمن

[ 325 ]

سلمة بن عبد الله بن عبد الاسد المخزومى وذكر محمد بن عمر أن عبد الجبار ابن عمارة حدثه عن أبى بكر بن حزم أنه قال لما قدم عبد الرحمن بن الضحاك المدينة وعزلني دخلت عليه فسلمت فلم يقبل على فقلت هذا شئ لا تملكه قريش الانصار فرجعت إلى منزلي وخفته وكان شابا مقداما فإذا هو يبلغني عنه أنه يقول ما يمنع ابن حزم أن يأتيني إلا الكبر وإنى لعالم بخيانته فجاءني ما كنت أحذر وما أستيقن من كلامه فقلت للذى جاءني بهذا قل له ما الخيانة لى بعادة وما أحب أهلها والامير يحدث نفسه بالخلود في سلطانه كم نزل هذه الدار من أمير وخليفة قبل الامير فخرجوا منها وبقيت آثارهم أحاديث إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا فاتق الله ولا تسمع قول ظالم أو حاسد على نعمة فلم يزل الامر يترقى بينهما حتى خاصم إليه رجل من بنى فهر وآخر من بنى النجار وكان أبو بكر قضى للنجارى على الفهرى في أرض كانت بينهما نصفين فدفع أبو بكر الارض إلى النجارى فأرسل الفهرى إلى النجارى وإلى أبى بكر بن حزم فأحضرهما ابن الضحاك فتظلم الفهرى من أبى بكر بن حزم وقال أخرج مالى من يدى فدفعه إلى هذا النجارى فقال أبو بكر اللهم غفرا أما رأيتنى سألت أياما في أمرك وأمر صاحبك فاجتمع لى على إخراجها من يدك وأرسلتك إلى من أفتانى بذلك سعيد بن المسيب وأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فسألتهما فقال الفهرى بلى وليس يلزمنى قولهما فانكسر ابن الضحاك فقال قوموا فقاموا فقال للفهرى تقر له أنك سألت من أفتاه بهذا ثم تقول ردها على أنت أرعن اذهب فلا حق لك فكان أبو بكر يتقيه ويخافه حتى كلم ابن حيان يزيد أن يقيده من أبى بكر فإنه ضربه حدين فقال يزيد لا أفعل رجل اصطنعه أهل بيتى ولكني أوليك المدينة قال لا أريد ذلك لو ضربته بسلطاني لم يكن لى قودا فكتب يزيد إلى عبد الرحمن بن الضحاك كتابا أما بعد فانظر فيما ضرب ابن حزم ابن حيان فإن كان ضربه في أمر بين فلا تلتفت إليه وإن كان ضربه في أمر يختلف فيه فلا تلتفت إليه فإن كان ضربه في أمر غير ذلك فأقده منه فقدم بالكتاب على

[ 326 ]

عبد الرحمن بن الضحاك فقال عبد الرحمن ما جئت بشئ أترى ابن حزم ضربك في أمر لا يختلف فيه فقال عثمان لعبد الرحمن إن أردت أن تحسن أحسنت قال الان أصبت المطلب فأرسل عبد الرحمن إلى ابن حزم فضربه حدين في مقام واحد ولم يسأله عن شئ فرجع أبو المعز حيان وهو يقول أنا أبو المعز ابن الحيان والله ما قربت النساء من يوم صنع بى ابن أبى حزم ما صنع حتى يومى هذا واليوم أقرب النساء (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة قتل شوذب الخارجي ذكر الخبر عن مقتله قد ذكرنا قبل الخبر عما كان من مراسلة شوذب عمر بن عبد العزيز لمناظرته في خلافه عليه فلما مات عمر أحب فيما ذكر معمر بن المثنى عبد الحميد بن عبد الرحمن أن يحظى عند يزيد بن عبد الملك فكتب إلى محمد بن جرير يأمره بمحاربة شوذب وأصحابه ولم يرجع رسولا شوذب ولم يعلم بموت عمر فلما رأوا محمد بن جرير يستعد للحرب أرسل إليه شوذب ما أعجلك قبل انقضاء المدة فيما بيننا وبينكم اليسر قدتوا عدنا إلى أن يرجع رسولا شوذب فأرسل إليهم محمد إنه لا يسعنا ترككم على هذه الحالة قال غير أبى عبيدة فقالت الخوارج ما فعل هؤلاء هذا إلا وقد مات الرجل الصالح قال معمر بن المثنى فبرزلهم شوذب فاقتتلوا فأصيب من الخوارج نفر وأكثروا في أهل القبلة القتل وولوا منهزمين والخوارج في أعقابهم تقتل حتى بلغوا أخصاص الكوفة ولجأوا إلى عبد الحميد وجرح محمد بن جرير في استه ورجع شوذب إلى موضع فأقام ينتظر صاحبيه فجاآه فأخبراه بما صادرا عليه عمروان قد مات فأقر يزيد عبد الحميد على الكوفة ووجه من قبله تميم بن الحباب في ألفين فراسلهم وأخبرهم أن يزيد لا يفارقهم على ما فارقهم عليه عمر فلعنوه ولعنوا يزيد فحاربهم فقتلوه وهزموا اصحابه فلجأ بعضهم إلى الكوفة ورجع الاخرون إلى يزيد فوجه إليهم نجدة بن الحكم الازدي في جمع فقتلوه وهزموا أصحابه فوجه إليهم الشحاج ابن وداع في ألفين فراسلهم وراسلوه فقتلوه وقتل منهم نفرا فيهم هدبة اليشكرى ابن عم بسطام وكان عابدا وفيهم أبو شبيل مقاتل بن شيبان وكان فاضلا عندهم

[ 327 ]

فقال أبو ثعلبة أيوب بن خولى يرثيهم تركنا تميما في الغبار ملحبا * تبكى عليه عرسه وقرائبه وقد أسلمت قيس تميما ومالكا * كما أسلم الشحاج أمس أقاربه وأقبل من حران يحمل راية * يغالب أمر الله والله غالبه فيأهدب للهيجا ويا هدب للندى * ويا هدب للخصم الالد يحاربه ويا هدب من كم من ملحم قد أجبته * وقد أسلمته للرماح جوالبه وكان أبو شيبان خير مقاتل * يرجى ويخشى بأسه من يحاربه ففاز ولاقى الله بالخير كله * وخذمه بالسيف في الله ضاربه تزود من دنياه درعا ومغفرا وعضبا حساما لم تخنه مضاربه وأجرد محبوك السراة كأنه * إذا انقض وافى الريش حجن مخالبه فلما دخل مسلمة الكوفة شكا إليه أهلها مكان شوذب وخوفهم منه وما قد قتل منهم فدعا مسلمة سعيد بن عمرو الحرشى وكان فارسا فعقد له على عشرة آلاف ووجهه إليه وهو مقيم بموضعه فأتاه مالا طاقة له به فقال شوذب لاصحابه من كان يريد الله فقد جاءته الشهادة ومن كان إنما خرج للدنيا فقد ذهبت الدنيا وإنما البقاء في الدار الاخرة فكسروا أغماد السيوف وحملوا فكشفوا سعيدا وأصحابه مرارا حتى خاف الفضيحة فذمر أصحابه وقال لهم أمن هذه الشرذمة لا أبالكم تفرون يا أهل الشأم يوما كأيامكم قال فحملوا عليهم فطحنهم طحنا لم يبقوا منهم أحدا وقتلوا بسطاما وهو شوذب وفرسانه منهم الريان بن عبد الله اليشكرى وكان من المحثين فقال أخوه شمر بن عبد الله يرثيه ولقد فجعت بسادة وفوارس * للحرب سعر من بنى شيبان إعتاقهم ريب الزمان فغالهم * وتركت فردا غير ذى إخوان كمد تجلجل في فؤادى حسرة * كالنار من وجد على الريان وفوارس باعوا الاله نفوسهم * من يشكر عند الوغا فرسان وقال حسان بن جعدة يرثيهم

[ 328 ]

يا عين أذرى دموعا منك تسجاما * وابكى صحابة بسطام وبسطاما فلن ترى أبدا ما عشت مثلهم * أتقى وأكمل في الاحلام أحلاما بسيهم قد تأسوا عند شدتهم * ولم يريدوا عن الاعداء إحجاما حتى مضوا للذى كانوا له خرجوا * فأورثونا منارات وأعلاما إنى لا علم أن قد أنزلوا غرفا * من الجنان ونالوا ثم خداما أسقى الاله بلادا كان مصرعهم * فيها سحابا من الوسمى سجاما (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة لحق يزيد بن المهلب بالبصرة فغلب عليها وأخذ عامل يزيد بن عبد الملك عليها عدى بن أرطاة الفزارى فحبسه وخلع يزيد ابن عبد الملك ذكر الخبر عن سبب خلعه يزيد بن عبد الملك وما كان من أمره وأمر يزيد في هذه السنة قد مضى ذكرى خبر هرب يزيد بن المهلب من محبسه الذى كان عمر بن عبد العزيز حبسه فيه ونذكر الان ما كان من صنيعه بعد هربه في هذه السنة أعنى سنة 101 ولما مات عمر بن عبد العزيز بويع يزيد بن عبد الملك في اليوم الذى مات فيه عمروبلغه هرب يزيد بن المهلب فكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن يأمره أن يطلبه ويستقبله وكتب إلى عدى بن ارطاة يعلمه هربه ويأمره أن يتهيأ لاستقباله وأن يأخذ من كان بالبصرة من أهل بيته (فذكر هشام بن محمد) عن أبى مخنف أن عدى بن أرطاة أخذهم وحبسهم وفيهم المفضل وحبيب ومروان بنو المهلب وأقبل يزيد بن المهلب حتى مر بسعيد بن عبد الملك بن مروان فقال يزيد لاصحابه ألا نعرض لهذا فنأخذه فنذهب به معنا فقال أصحابه لابل امض بنا ودعه وأقبل يسير حتى ارتفع فوق القطقطانة وبعث عبد الحميد بن عبد الرحمن هشام بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة بن عبد العزيز بن أبى قيس بن عبدود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى القرشى في ناس من أهل الكوفة من الشرط ووجوه الناس وأهل القوة فقال له انطلق حتى تستقبله فانه اليوم يمر

[ 329 ]

بجانب العذيب فمشى هشام قليلا ثم رجع إلى عبد الحميد فقال آجيئك به أسيرا أم آتيك برأسه فقال أي ذلك ما شئت فكان يعجب لقوله ذلك من سمعه وجاء هشام حتى نزل العذيب ومر يزيد منهم غير بعيد فاتقوا الاقدام عليه ومضى يزيد نحو البصرة ففيه يقول الشاعر وسار ابن المهلب لم يعرج * وعرس ذو القطيفة من كنانه وياسر والتياسر كان حزما * ولم يقرب قصور القطقطانه ذو القطيفة هو محمد بن عمرو وأبو قطيفة بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط وهو أبو قطيفة وإنما سمى ذا القطيفة لانه كان كثير شعر اللحية والوجه والصدر ومحمد يقال له ذو الشامة فلما جاء يزيد بن المهلب انصرف هشام بن مساحق إلى عبد الحميد ومضى يزيد إلى البصرة وقد جمع عدى بن أرطاة إليه أهل البصرة وخندق عليها وبعث على خيل البصرة المغيرة بن عبد الله بن أبى عقيل الثقفى وكان عدى بن أرطاة رجلا من بنى فزارة وقال عبد الملك بن المهلب لعدى بن أرطاة خذابنى حميدا فاحبسه مكاني وأنا أضمن لك أن أرد يزيد عن البصرة حتى يأتي فارس ويطلب لنفسه الامان ولا يقربك فأبى عليه وجاء يزيد ومعه أصحابه الذين أقبل فيهم والبصرة محفوفة بالرجال وقد جمع محمد بن المهلب ولم يكن ممن حبس رجالا وفتية من أهل بيته وناسا من مواليه فخرج حتى استقبله فأقبل في كتيبة يهول من رآها وقد دعا عدى أهل البصرة فبعث على كل خمس من أخماسها رجلا فبعث على خمس الازد المغيرة بن زياد بن عمرو العتكى وبعث على خمس بنى تميم محرز بن حمران السعدى من بنى منقر وعلى خمس بكر بن وائل عمران بن عامر بن مسمع من بنى قيس بن ثعلبة فقال أبو منقر رجل من قيس ابن ثعلبة إن الراية لا تصلح إلا في بنى مالك بن مسمع فدعا عدى نوح بن شيبان بن مالك بن مسمع فعقد له على بكر بن وائل ودعا مالك بن المنذر بن الجارود فعقد له على عبد القيس ودعا عبد الاعلى بن عبد الله بن عامر القرشى فعقد له على أهل العالية والعالية قريش وكنانة والازد وبجيلة

[ 330 ]

وخثعم وقيس عيلان كلها ومزينة وأهل العالية بالكوفة يقال لهم ربع أهل المدينة وبالبصرة خمس أهل العالية وكانوا بالكوفة أخماسا فجعلهم زياد بن عبيد أرباعا قال هشام عن أبى مخنف وأقبل يزيد بن المهلب لا يمر بخيل من خيلهم ولا قبيلة من قبائلهم إلا تنحوا له عن السبيل حتى يمضى واستقبله المغيرة بن عبد الله الثقفى في الخيل فحمل عليه محمد بن المهلب في الخيل فأفرج له عن الطريق هو وأصحابه وأقبل يزيد حتى نزل داره واختلف الناس إليه وأخذ يبعث إلى عدى ابن أرطاة أن ادفع إلى إخوتى وأنا أصالحك على البصرة وأخليك وإياها حتى آخذ لنفسي ما أحب من يزيد بن عبد الملك فلم يقبل منه وخرج إلى يزيد بن عبد الملك حميد بن عبد الملك بن المهلب فبعث معه يزيد بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسرى وعمر بن يزيد الحكمى بأمان يزيد بن المهلب وأهل بيته وأخذ يزيد بن المهلب يعطى من أتاه من الناس فكان يقطع لهم قطع الذهب وقطع الفضة فمال الناس إليه ولحق به عمران بن عامر بن مسمع ساخطا على عدى بن أرطاة حين نزع منه رايته راية بكر بن وائل وأعطاها ابن عمه ومالت إلى يزيد ربيعة وبقية تميم وقيس وناس بعد ناس فيهم عبد الملك ومالك ابنا مسمع ومعه ناس من أهل الشأم وكان عدى لا يعطى إلا درهمين ويقول لا يحل لى أن أعطيكم من بيت المال درهما إلا بأمر يزيد بن عبد الملك ولكن تبلغوا بهذا حتى يأتي الامر في ذلك فقال الفرزدق في ذلك أظن رجال الدرهمين يسوقهم * إلى الموت آجال لهم ومصارع فأحزمهم من كان في قعر بيته * وأيقن أن الامر لا شك واقع وخرجت بنو عمر وبن تميم من أصحاب عدى فنزلوا المربد فبعث إليهم يزيد بن المهلب مولى له يقال له دارس فحمل عليهم فهزمهم فقال الفرزدق في ذلك تفرقت الحمراء إذ صاح دارس * ولم يصبروا تحت السيوف الصوارم جزى الله قيسا عن عدى ملامة * ألا صبروا حتى تكون ملاحم وخرج يزيد بن المهلب حين اجتمع له الناس حتى نزل جبانة بنى يشكر وهو

[ 331 ]

المنصف فيما بينه وبين القصر وجاءته بنو تميم وقيس وأهل الشأم فاقتتلوا هنيهة فحمل عليهم محمد بن المهلب فضرب مسور بن عباد الحبطى بالسيف فقطع أنف البيضة ثم أسرع السيف إلى أنفه وحمل على هريم بن أبى طلحة بن أبى نهشل ابن دارم فأخذ بمنطقته فحذفه عن فرسه فوقع فيما بينه وبين الفرس وقال هيهات هيهات عمك أثقل من ذلك وانهزموا وأقبل يزيد بن المهلب أثر القوم يتلوهم حتى دنا من القصر فقاتلوهم وخرج إليه عدى بنفسه فقتل من أصحاب الحارث ابن مصرف الاودى وكان من أشراف أهل الشأم وفرسان الحجاج وقتل موسى ابن الوجيه الحميرى ثم الكلاعى وقتل راشد المؤذن وانهزم أصحاب عدى وسمع إخوة يزيد وهم في محبس عدى الاصوات تدنو والنشاب تقع في القصر فقال لهم عبد الملك إنى أرى النشاب تقع في القصر وأرى الاصوات تدنو ولا أرى يزيد إلا قد ظهر وإنى لا آمن من مع عدى من مضر ومن أهل الشأم أن يأتونا فيقتلونا قبل أن يصل إلينا يزيد إلى الدار فأغلقوا الباب ثم القوا عليه ثيابا ففعلوا فلم يلبثوا إلا ساعة حتى جاءهم عبد الله بن دينار مولى ابن عامر وكان على حرس عدى فجاء يشتد إلى الباب هو وأصحابه وقد وضع بنو المهلب متاعا على الباب ثم اتكوا عليه فأخذ الاخرون يعالجون الباب فلم يستطيعوا الدخول وأعجلهم الناس فخلوا عنهم وجاء يزيد بن المهلب حتى نزل دار سالم بن زياد بن أبى سفيان إلى جانب القصر وأتى بالسلاليم فلم يلبث عثمان أن فتح القصر وأتى بعدى بن أرطاة فجئ به وهو يتبسم فقال له يزيد له تضحك فوالله إنه لينبغي أن يمنعك من الضحك خصلتان إحداهما الفرار من القتلة الكريمة حتى أعطيت بيدك إعطاء المرأة بيدها فهذه واحدة والاخرى إنى أتيت بك تتل كما يتل العبد الابق إلى أربابه وليس معك منى عهد ولا عقد فما يؤمنك أن أضرب عنقك فقال عدى أما أنت فقد قدرت على ولكني أعلم أن بقائي بقاؤك وأن هلاكى مطلوب به من جرته يده إنك قد رأيت جنود الله بالمغرب وعلمت بلاء الله عندهم في كل موطن من مواطن الغدر والنكث فتدارك فلتتك وزلتك بالتوبة واستقالة العثرة قبل أن يرمى إليك البحر بأمواجه

[ 332 ]

فإن طلبت الاستقالة حينئذ لم تقل وإن أردت الصلح وقد أشخصت القوم إليك وجدتهم لك مباعدين وما لم يشخص القوم إليك فلم يمنعوك شيئا طلبت فيه الامان على نفسك وأهلك ومالك فقال له يزيد أما قولك إن بقاءك بقائي فلا أبقاني الله حسوة طائر مذعور إن كنت لا يبقيني إلا بقاؤك وأما قولك إن هلاكك مطلوب به من جرته يده فوالله لو كان في يدى من أهل الشأم عشرة آلاف إنسان ليس فيهم رجل إلا أعظم منزلة منك فيهم ثم ضربت أعناقهم في صعيد واحد لكان فراقي إياهم وخلافي عليهم أهول عندهم وأعظم في صدورهم من قتل أولئك ثم لو شئت أن تهدر لى دماؤهم وأن أحكم في بيوت أموالهم وأن يجوزوا لى عظيما من سلطانهم على أن أضع الحرب فيما بينى وبينهم لفعلوا فلا يخفين عليك أن القوم ناسوك لو قد وقعت أخيارنا إليهم وأن أعمالهم وكيدهم لا يكون إلا لانفسهم لا يذكرونك ولا يحفلون بك وأما قولك تدارك أمرك واستقله وافعل وافعل فوالله ما استشرتك ولا أنت عندي بواد ولا نصيح فما كان ذلك منك إلا عجزا وفضلا انطلقوا به فلما ذهبوا به ساعة قال ردوه فلما رد قال أما إن حبسي إياك ليس إلا لحبسك بنى المهلب وتضييقك عليهم فيما كنا نسألك التسهيل فيه عليهم فلم تكن تألو ما عسرت وضيقت وخالفت فكأنه لهذا القول حين سمعه أمن على نفسه وأخذ عدى يحدث به كل من دخل عليه وكان رجل يقال له السميدع الكندى من بنى مالك بن ربيعة من ساكنى عمان يرى رأى الخوارج وكان خرج وأصحاب يزيد وأصحاب عدى مصطفون فاعتزل ومعه ناس من القراء فقال طائفة من أصحاب يزيد وطائفة من أصحاب عدى قد رضينا بحكم السميدع ثم إن يزيد بعث إلى السميدع فدعاه إلى نفسه فأجابه فاستعملوا يزيد على الابلة فأقبل على الطيب والتخلق والنعيم فلما ظهر يزيد بن المهلب هرب رؤوس أهل البصرة من قيس وتميم ومالك بن المنذر فلحقوا بعبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة ولحق بعضهم بالشأم فقال الفرزدق فداء لقوم من تميم تتابعوا * إلى الشأم لم يرضوا بحكم السميدع

[ 333 ]

أحكم حرورى من الدين مارق * أضل وأغوى من حمار مجدع فأجابه خليفة الا قطع وما وجهوها نحوه عن وفادة * ولا نهزة يرجى بها خير مطمع ولكنهم راحوا إليها وأدلجوا * بأقرع أستاه ترى يوم مقرع وهم من حذار القوم أن يلحقوا بهم * لهم نزلة في كل خمس وأربع وخرج الحوارى بن زياد بن عمرو العتكى يريد يزيد بن عبد الملك هاربا من يزيد بن المهلب فلقى خالد عبد الله القسرى وعمرو بن يزيد الحكمى ومعهما حميد ابن عبد الملك ابن المهلب قد أقبلوا من عند يزيد بن عبد الملك بأمان يزيد بن المهلب وكل شئ أراده فاستقبلهما فسألاه عن الخبر فخلا بهما حين رأى معهما حميد بن عبد الملك فقال أين تريدان فقالا يزيد بن المهلب قد جئناه بكل شئ أراده فقال ما تصنعان بيزيد شيئا ولا يصنعه بكما قد ظهر على عدوه عدى بن أرطاة وقتل القتلى وحبس عديا فارجعا أيها الرجلان ويمر رجل من باهلة يقال له مسلم بن عبد الملك فلم يقف عليهما فصايحاه وساءلاه فلم يقف عليهما فقال القسرى ألا ترده فتجلده مائة جلدة فقال له صاحبه غربه عنك وأملا ليصرف ومضى الحوارى ابن زياد إلى يزيد بن عبد الملك وأقبلا بحميد بن عبد الملك معهما فقال لهما حميد أنشدكما الله أن تخالفا أمر يزيد ما بعثتما به فإن يزيد قابل منكما وإن هذا وأهل بيته لم يزالوا لنا أعداء فأنشدكما الله أن تقبلا مقالته فلم يقبلا قوله وأقبلا به حتى دفعاه إلى عبد الرحمن بن سليمان الكلبى وقد كان يزيد بن عبد الملك بعثه إلى خراسان عاملا عليها فلما بلغه خلع يزيد بن عبد الملك كتب إليه إن جهاد من خالفك أحب إلى من عملي على خراسان فلا حاجة لى فيها فاجعلني ممن توجهني إلى يزيد بن المهلب وبعث بحميد بن عبد الملك إلى يزيد ووثب عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب على خالد بن يزيد بن المهلب وهو بالكوفة وعلى حمال بن زحر الجعفي وليسا ممن كان ينطق بشئ إلا أنهم عرفوا ما كان بينه وبين بنى المهلب فأوثقهما وسرحهما إلى يزيد بن عبد الملك فحبسهما جميعا فلم يفارقوا السجن حتى

[ 334 ]

هلكوا فيه وبعث يزيد بن عبد الملك رجالا من أهل الشأم إلى الكوفة يسكنونهم ويثنون عليهم بطاعتهم ويمنونهم الزيادات منهم القطامى بن الحصين وهو أبو الشرقي واسم الشرقي الوليد وقد قال القطامى حين بلغه ما كان من يزيد بن المهلب لعل عينى أن ترى يزيدا * يقود جيشا جحفلا شديدا تسمع للارض به وئيدا * لا برما هدا ولا حسودا ولا جبانا في الوغى عديدا * ترى ذوى التاج له سجودا مكفرين خاشعين قودا * وآخرين رحبوا وفودا لا ينقض العهد ولا المعهودا * من نفر كانوا هجانا صيدا ترى لهم في كل يوم عيدا * من الاعادي جزرا مقصودا ثم إن القطامى سار بعد ذلك إلى العقر حتى شهد قتال يزيد بن المهلب مع مسلمة بن عبد الملك فقال يزيد بن المهلب ما أبعد شعر القطامى من فعله ثم إن يزيد بن عبد الملك بعث العباس بن الوليد في أربعة آلاف فارس جريدة خيل حتى وافوا الحيرة يبادر إليها يزيد بن المهلب ثم أقبل بعد ذلك مسلمة ابن عبد الملك وجنود أهل الشأم وأخذ على الجزيرة وعلى شاطئ الفرات فاستوثق أهل البصرة ليزيد بن المهلب وبعث عماله على الاهواز وفارس وكرمان عليها الجراح بن عبد الله الحكمى حتى انصرف إلى عمر بن عبد العزيز وعبد الرحمن بن نعيم الازدي فكان على الصلاة واستخلف يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن القشيرى على الخراج وجاء مدرك بن المهلب حتى انتهى إلى رأس المفازة فدس عبد الرحمن بن نعيم إلى بنى تميم أن هذا مدرك بن المهلب يريد أن يلقى بينكم الحرب وأنتم في بلاد عافية وطاعة وعلى جماعة فخرجوا ليلا يستقبلونه وبلغ ذلك الازد فخرج منهم نحو من ألفى فارس حتى لحقوهم قبل أن ينتهوا إلى رأس المفازة فقالوا لهم ما جاء بكم وما أخرجكم إلى هذا المكان فاعتلوا عليهم بأشياء ولم يقروا لهم أنهم خرجوا ليتلفوا مدرك بن المهلب فكان لهم الاخرون بل قد علمنا أن تخرجوا لتلقى صاحبنا وها هو ذا قريب فما شئتم ثم انطلقت الازد حتى

[ 335 ]

تلقوا مدرك بن المهلب على رأس المفازة فقالوا له إنك أحب الناس إلينا وأعزهم علينا وقد خرج أخوك ونابذه فان يظهره الله فانما ذلك لنا ونحن أسرع الناس إليكم أهل البيت وأحقه بذلك وإن تكن الاخرى فوالله مالك في أن يغشينا ما يعرنا فيه من البلاء راحة فعزم له رأيه على الانصراف فقال ثابت قطنة وهو ثابت بن كعب من الازد من العتيك ألم تردوسرا منعت أخاها * وقد حشدت لتقتله تميم رأوا من دونه الزرق العوالي * وحيا ما يباح لهم حريم شنوأتها وعمران بن حزم * هناك المجدو الحسب الصميم فما حملوا ولكن نهنهتهم * رماح الازد والعز القديم رددنا مدركا بمرد صدق * وليس بوجهه منكم كلوم وخيل كالقداح مسومات * لدى أرض مغانيها الجميم عليها كل أصيد دوسرى * عزيز لا يفر ولا يريم بهم تستعتب السفهاء حتى * ترى السفهاء تردعها الحلوم (قال هشام) قال أبو مخنف فحدثني معاذ بن سعد أن يزيد لما استجمع له البصرة قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم أخبرهم أنه يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويحث على الجهاد ويزعم أن جهاد أهل الشأم أعظم ثوابا من جهاد الترك والديلم قال فدخلت أنا والحسن البصري وهو واضع يده على عاتقي وهو يقول انظر هل ترى وجه رجل تعرفه قلت لا والله ما أرى وجه رجل أعرفه قال فهؤلاء والله الاعتاء قال فمضينا حتى دنونا من المنبر قال فسمعته يذكر كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ثم رفع صوته فقال والله لقد رأيناك واليا وموليا عليك فما ينبغى لك ذلك قال فوثبنا عليه فأخذنا بيده وفمه وأجلسناه فوالله ما نشك أنه سمعه ولكنه لم يلتفت إليه ومضى في خطبته قال ثم إنا خرجنا إلى باب المسجد فإذا على باب المسجد النضر بن أنس بن مالك يقول يا عباد الله ما تنقمون من أن تجيبوا إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فوالله ما رأينا

[ 336 ]

ذلك ولا رأيتموه منذ ولدتم إلا هذه الايام من إمارة عمر بن عبد العزيز فقال الحسن سبحان الله وهذا النضر بن أنس قد شهد أيضا (قال هشام) قال أبو مخنف وحدثني المثنى بن عبد الله أن الحسن البصري مر على الناس وقد اصطفوا صفين وقد نصبوا الرايات والرماح وهم ينتظرون خروج يزيد وهم يقولون يدعونا يزيد إلى سنة العمرين فقال الحسن إنما كان يزيد بالامس يضرب أعناق هؤلاء الذين ترون ثم يسرح بها إلى بنى مروان يريد بهلاك هؤلاء رضاهم فلما غضب غضبة نصب قصبا ثم وضع عليها خرقا ثم قال إنى قد خالفتهم فخالفوهم قال هؤلاء نعم وقال إنى أدعوكم إلى سنة العمرين وإن من سنة العمرين أن يوضع قيد في رجله ثم يرد إلى محبس عمر الذى فيه حبسه فقال له ناس من أصحابه ممن سمع قوله والله لكأنك يا أبا سعيد راض عن أهل الشأم فقال أنا راض عن أهل الشأم قبحهم الله وبرحهم أليس هم الذين أحلوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلون أهله ثلاثة أيام وثلاث ليال قد أباحوهم لا نباطهم وأقباطهم يحملون الحرائر ذوات الدين لا يتناهون عن انتهاك حرمة ثم خرجوا إلى بيت الله الحرام فهدموا الكعبة وأوقدوا النيران بين أحجارها وأستارها عليهم لعنة الله وسوء الدار قال ثم إن يزيد خرج من البصرة واستعمل عليها مروان بن المهلب وخرج معه بالسلاح وبيت المال فأقبل حتى نزل واسط وقد استشار أصحابه حين توجه نحو واسط فقال هاتوا الرأى فإن أهل الشأم قد نهضوا اليكم فقال له حبيب وقد أشار إليه غير حبيب أيضا فقالوا نرى أن تخرج وتنزل بفارس فتأخذ بالشعاب وبالعقاب وتدنو من خراسان وتطاول القوم فان أهل الجبال ينفضون إليك وفى يدك القلاع والحصون فقال ليس هذا برأى ليس يوافقني هذا إنما تريدون أن تجعلونى طائرا على رأس جبل فقال له حبيب فان الرأى الذى كان ينبغى أن يكون في أول الامر قد فات قد أمرتك حيث ظهرت على البصرة أن توجه خيلا عليها أهل بيتك حتى ترد الكوفة فإنما هو عبد الحميد ابن عبد الرحمن مررت به في سبعين رجلا فعجز عنك فهو عن خيلك أعجز في العدة فنسبق إليها أهل الشأم وعظماء أهلها يرون رأيك وأن تلى عليهم أحب إلى جلهم من أن يلى عليهم أهل الشأم فلم تطعني وأنا أشير الان برأى

[ 337 ]

سرح مع أهل بيتك خيلا من خيلك عظيمة فتأتى الجزيرة وتبادر إليها حتى ينزلوا حصنا من حصونها وتسير في أثرهم فإذا أقبل أهل الشأم يريدونك لم يدعوا جندا من جنودك بالجزيرة ويقبلون إليك فيقيمون عليهم فكأنهم حابستهم عليك حتى تأتيهم فيأتيك من بالموصل من قومك وينفض إليك أهل العراق وأهل الثغور وتقاتلهم في أرض رفيعة السعر وقد جعلت العراق كله وراء ظهرك فقال إنى أكره أن أقطع جيشي وجندي فلما نزل واسط أقام بها أياما يسيرة (قال أبو جعفر) وحج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال محمد بن عمر وكان عبد الرحمن عامل يزيد بن عبد الملك على المدينة وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله ابن خالد بن أسيد وكان على الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن وعلى قضائها الشعبى وكانت البصرة قد غلب عليها يزيد بن المهلب وكان على خراسان عبد الرحمن بن نعيم ثم دخلت سنة اثنتين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان فيها من مسير العباس بن الوليد بن عبد الملك ومسلمة بن عبد الملك إلى يزيد بن المهلب بتوجيه يزيد بن عبد الملك إياهما لحربه (وفيها) قتل يزيد بن المهلب في صفر ذكر الخبر عن مقتل يزيد بن المهلب * ذكر هشام عن أبى مخنف أن معاذ بن سعيد حدثه أن يزيد بن المهلب استخلف على واسط حين أراد الشخوص عنها للقاء مسلمة بن عبد الملك والعباس ابنه معاوية وجعل عنده بيت المال والخزائن والاسراء وقدم بين يديه أخاه عبد الملك ثم سار حتى مر بفم النيل ثم سار حتى نزل العقر وأقبل مسلمة يسير على شاطئ الفرات حتى نزل الانبار ثم عقد عليها الجسر فعبر من قبل قرية يقال لها فارط ثم أقبل حتى نزل على يزيد بن المهلب * وقد قدم يزيد أخاه نحو الكوفة فاستقبله العباس بن الوليد

[ 338 ]

بسورا فاصطفوا ثم اقتتل القوم فشد عليهم أهل البصرة شدة كشفوهم فيها وقد كان معهم ناس من بنى تميم وقيس ممن انهزم من يزيد من البصرة فكانت لهم جماعة حسنة مع العباس فيهم هريم بن أبى طحمة المجاشعى فلما انكشف أهل الشأم تلك الانكشافة ناداهم هريم بن أبى طحمة يا أهل الشأم الله الله أن تسلمونا وقد اضطرهم أصحاب عبد الملك إلى نهر فأخذوا ينادونه لا بأس عليك إن لاهل الشأم جولة في أول القتال أتاك الغوث قال ثم إن أهل الشأم كروا عليهم فكشف أصحاب عبد الملك وهزموا وقتل المنتوف من بكر بن وائل مولى لهم فقال الفرزدق يحرض بكر بن وائل تبكى على المنتوف بكر بن وائل * وتنهى عن ابني مسمع من بكاهما غلامين شبافى الحروب وأدركا * كرام المساعى قبل وصل لحاهما ولو كان حيا مالك وابن مالك * إذا أوقدوا نارين يعلوا سناهما وابنا مسمع مالك وعبد الملك ابنا مسمع قتلهم معاوية بن يزيد بن المهلب * فأجابه الجعد بن درهم مولى. من همدان نبكى على المنتوف في نصر قومه * ولسنا نبكى الشائدين أباهما أراد فناء الحى بكر بن وائل * فعز تميم لو أصيب فناهما فلا لقيا روحا من الله ساعة * ولا رقأت عينا شجى بكاهما أفى الغش نبكى إن بكينا عليهما * وقد لقيا بالغش فينا رداهما وجاء عبد الملك بن المهلب حتى انتهى إلى أخيه بالعقر وأمر عبد الله بن حيان العبدى فعبر إلى جانب الصراة الاقصى وكان الجسر بينه وبينه ونزل هو وعسكره وجمع من جموع يزيد وخندق عليه وقطع مسلمة إليهم الماء وسعيد بن عمر والحرشى ويقال عبر إليهم الوضاح فكانوا بإزائهم وسقط إلى يزيد ناس من الكوفة كثير ومن الجبال وأقبل إليه ناس من الثغور فبعث على أرباع أهل الكوفة الذين خرجوا إليه وربع أهل المدينة عبد الله بن سفيان بن يزيد بن المغفل الازدي وبعث على ربع مذحج وأسد النعمان بن ابراهيم بن الاشتر النخعي وبعث على

[ 339 ]

ربع كندة وربيعة محمد بن اسحاق بن محمد بن الاشعث وبعث على ربع تميم وهمدان حنظلة بن عتاب بن ورقاء التميمي وجمعهم جميعا مع المفضل بن المهلب (قال هشام بن محمد) عن أبى مخنف حدثنى العلاء بن زهير قال والله إنا لجلوس عند يزيد ذات يوم إذ قال ترون أن في هذا العسكر ألف سيف يضرب به قال حنظلة بن عتاب إى والله وأربعة آلاف سيف قال إنهم والله ما ضربوا ألف سيف قط والله لقد أحصى ديواني مائة وعشرين ألفا والله لوددت أن مكانهم الساعة معى من بخراسان من قومي (قال هشام) قال أبو مخنف ثم إنه قام ذات يوم فحرضنا ورغبنا في القتال ثم قال لنا فيما يقوله إن هؤلاء القوم لن يردهم عن غيهم إلا الطعن في عيونهم والضرب بالمشرفية على هامهم ثم قال أنه قد ذكر لى أن هذه الجرادة الصفراء يعنى مسلمة بن عبد الملك وعاقر ناقة ثمود يعنى العباس ابن الوليد وكان العباس أزرق أحمر كانت أمه رومية والله لقد كان سليمان أراد أن ينفيه حتى كلمته فيه فأقره على نسبه فبلغني أنه ليس همهما إلا التماسى في الارض والله لو جاؤا أهل الارض جميعا وليس إلا أنا ما برحت العرصة حتى تكون لى أولهم قالوا نخاف أن تعنينا كما عنانا عبد الرحمن بن محمد قال إن عبد الرحمن فضح الذمار وفضح حسبه وهل كان يعدو أجله ثم نزل قال ودخل علينا عامر بن العميثل رجل من الازد قد جمع جموعا فأتاه فبايعه وكانت بيعة يزيد تبايعون على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى أن لا تطأ الجنود بلادنا ولا بيضتنا ولا يعاد علينا سيرة الفاسق الحجاج فمن بايعنا على ذلك قبلنا منه ومن أبى جاهدناه وجعلنا الله بيننا وبينه ثم يقول تبايعونا فإذا قالوا نعم بايعهم * وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن قد عسكر بالنخيلة وبعث إلى المياه فبثقها فيما بين الكوفة وبين يزيد بن المهلب لئلا يصل إلى الكوفة ووضع على الكوفة مناظر وارصادا لتحبس أهل الكوفة عن الخروج إلى يزيد وبعث عبد الحميد بعثا من الكوفة عليهم سيف بن هاني الهمداني حتى قدموا على مسلمة فألطفهم مسلمة وأثنى عليهم بطاعتهم ثم قال والله لقل ما جاءنا من أهل الكوفة فبلغ ذلك عبد الحميد فبعث بعثاهم أكثر من ذلك وبعث

[ 340 ]

عليهم سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف الازدي فلما قدم أثنى عليه وقال هذا رجل لاهل بيته طاعة وبلاء ضموا إليه من كان ههنا من أهل الكوفة وبعث مسلمة إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن فعزله وبعث محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة وهو ذو الشامة مكانه فدعا يزيد بن المهلب رؤس أصحابه فقال لهم قد رأيت أن أجمع اثنى عشر ألف رجل فأبعثهم مع محمد بن المهلب حتى يبيتوا مسلمة ويحملوا معهم البراذع والاكف والزبل لدفن خندقهم فيقاتلهم على خندقهم وعسكرهم بقية ليلتهم وأمده بالرجال حتى أصبح فإذا أصبحت نهضت إليهم أنا بالناس فنناجزهم فإنى أرجو عند ذلك أن ينصرنا الله عليهم قال السميدع إنا قد دعوناهم إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقد زعموا أنهم قابلوا هذا منا فليس لنا أن نمكر ولا نغدر ولا نريدهم بسوء حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا قال أبو رؤبة وكان رأس طائفة من المرجئة ومعه أصحاب له صدق هكذا ينبغى قال يزيد ويحكم أتصدقون بنى أمية إنهم يعملون بالكتاب والسنة وقد ضيعوا ذلك منذ كانوا إنهم لم يقولوا لكم إنا نقبل منكم وهم يريدون أن لا يعملوا بسلطانهم إلا ما تأمرونهم به وتدعونهم إليه لكنهم أرادوا أن يكفوكم عنهم حتى يعملوا في المكر فلا يسبقوكم إلى تلك أبدوهم بها إنى قد لقيت بنى مروان فو الله ما لقيت رجلا هو أمكر ولا أبعد غورا من هذه الجرادة الصفراء يعنى مسلمة قالوا لا نرى أن نفعل ذلك حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا وكان مروان بن المهلب وهو بالبصرة يحث الناس على حرب أهل الشأم ويسرح الناس إلى يزيد وكان الحسن البصري يثبط الناس عن يزيد بن المهلب (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الحميد البصري ان الحسن البصري كان يقول في تلك الايام أيها الناس الزموا رجالكم وكفوا أيديكم واتقوا الله مولاكم ولا يقتل بعضكم بعضا على دنيا زائلة وطمع فيها يسير ليس لاهلها بباق وليس الله عنهم فيما اكتسبوا براض إنه لم يكن فتنة إلا كان أكثر أهلها الخطباء والشعراء والسفهاء وأهل التيه والخيلاء وليس يسلم منها إلا المجهول الخفى

[ 341 ]

والمعروف التقى فمن كان منكم خفيا فليلزم الحق وليحبس نفسه عما يتنازع الناس فيه من الدنيا فكفاه والله بمعرفة الله إياه بالخير شرفا وكفى له به من الدنيا خلفا ومن كان منكم معروفا شريفا فترك ما يتنافس فيه نظراؤه من الدنيا ارادة الله بذلك فواها لهذا ما أسعده وأرشده وأعظم أجره وأهدى سبيله فهذا غدا يعنى يوم القيامة القرير عينا الكريم عند الله مآبا فلما بلغ ذلك مروان بن المهلب قام خطيبا كما يقوم فأمر الناس بالجد والاحتشاد ثم قال لهم لقد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائى ولم يسمه يثبط الناس والله لو أن جاره نزع من خص ؟ داره قصبة لظل يرعف أنفه أينكر علينا وعلى أهل مصرنا أن نطلب خيرنا وأن ننكر مظلمتنا أم والله ليكفن عن ذكرنا وعن جمعه الينا سقاط الابلة وعلوج فرات البصرة قوما ليسوا من أنفسنا ولا ممن جرت عليه النعمة من أحد منا أو لانحين عليه مبردا خشنا فلما بلغ ذلك الحسن قال والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه فقال ناس من أصحابه لو أرادك ثم شئت لمنعناك فقال لهم فقد خالفتكم إذا إلى ما نهيتكم عنه آمركم ألا يقتل بعضكم بعضا مع غيرى وأدعوكم إلى أن يقتل بعضكم بعضا دوني فبلغ ذلك مروان بن المهلب فاشتد عليهم وأخافهم وطلبهم حتى تفرقوا ولم يدع الحسن كلامه ذلك وكف عنه مروان بن المهلب وكانت إقامة يزيد بن المهلب منذ أجمع وهو ومسلمة ثمانية أيام حتى إذا كان يوم الجمعة لاربع عشرة خلت من صفر بعث مسلمة إلى الوضاح أن يخرج بالوضاحية والسفن حتى يحرق الجسر ففعل وخرج مسلمة فعبى جنود أهل الشأم ثم ازدلف بهم نحو يزيد بن المهلب وجعل على ميمنته جبلة ابن مخرمة الكندى وجعل على ميسرته الهذيل بن زفر بن الحارث العامري وجعل العباس على ميمنته سيف بن هانئ الهمداني وعلى ميسرته سويد بن القعقاع التميمي ومسلمة على الناس وخرج يزيد بن المهلب وقد جعل على ميمنته حبيب ابن المهلب وعلى ميسرته المفضل بن المهلب وكان مع المفضل أهل الكوفة وهو عليهم ومعه خيل لربيعة معها عدد حسن وكان مما يلى العباس بن الوليد (قال

[ 342 ]

أبو مخنف) فحدثني الغنوى قال هشام وأظن الغنوى العلاء بن المنهال أن رجلا من الشأم خرج فدعا إلى المبارزة فلم يخرج إليه أحد فبرز له محمد بن المهلب فحمل عليه فاتقاه الرجل بيده وعلى كفه كف من حديد فضربه محمد فقطع كف الحديد وأسرع السيف في كفه واعتنق فرسه وأقبل محمد يضربه ويقول المنجل أعود عليك قال فذكر لى أنه حيان النبطي قال فلما دنا الوضاح من الجسر ألهب فيه النار فسطع دخانه وقد اقتتل الناس ونشبت الحرب ولم يشتد القتال فلما رأى الناس الدخان وقيل لهم أجرق الجسر انهزموا فقالوا ليزيد قد انهزم الناس قال ومما انهزموا هل كان قتال ينهزم من مثله فقيل له قالوا أحرق الجسر فلم يثبت أحد قال قبحهم الله بق دخن عليه فطار فخرج وخرج معه أصحابه ومواليه وناس من قومه فقال اضربوا وجوه من ينهزم ففعلوا ذلك بهم حتى كثروا عليه فاستقبلهم منهم مثل الجبال فقال دعوهم فوالله إنى لارجو أن لا يجمعنى الله وإياهم في مكان واحد أبدا دعوهم يرحمهم الله غنم عدا في نواحيها الذئب وكان يزيد لا يحدث نفسه بالفرار وقد كان يزيد بن الحكم بن أبى العاص وأمه ابنة الزبرقان السعدى أتاه وهو بواسط قبل أن يصل إلى العقر فقال إن بنى مروان قد باد ملكهم * فإن كنت لم تشعر بذلك فاشعر قال يزيد ما شعرت قال فقال يزيد بن الحكم بن أبى العاص الثقفى: عش ملكا أو مت كريما وإن تمت * وسيفك مشهورا بكفك تعذر قال أما هذا فعسى ولما خرج يزيد إلى أصحابه واستقبلته الهزيمة فقال باسميدع أرأيى أم رأيك ألم أعلمك ما يريد القوم قال بلى والله والرأى كان رأيك وأناذا معك لا أزايلك فمرنى بأمرك قال أما لا فانزل فنزل في أصحابه وجاء يزيد بن المهلب جاء فقال إن حبيبا قد قتل (قال هشام) قال أبو مخنف فحدثني ثابت مولى زهير ابن سلمة الازدي قال أشهد أنى أسمعه حين قال له ذلك قال لا خير في العيش بعد حبيب قد كنت والله أبغض العيش بعد الهزيمة فوالله ما ازددت له الا بغضا امضوا قدما فعلمنا والله أن قد استقتل فأخذ من يكره القتال ينكص وأخذوا يتسللون

[ 343 ]

وبقيت معه جماعة حسنة وهو يزدلف فكلما مر بخيل كشفها أو جماعة من أهل الشأم عدلوا عنه وعن سنن أصحابه فجاء أبو رؤبة المرجئ فقال ذهب الناس وهو يشير بذلك إليه وأنا أسمعه فقال ؟ ؟ هل لك أن تنصرف إلى واسط فانها حصن فتنزلها ويأتيك مدد أهل البصرة ويأتيك أهل عمان والبحرين في السفن وتضرب خندقا فقال له قبح الله رأيك ألى تقول هذا الموت أيسر على من ذلك فقال له فانى أتخوف عليك لما ترى أما ترى ما حولك من جبال الحديد وهو يشير إليه فقال له أما أنا فما أباليها جبال حديد كانت أم جبال نار اذهب عنا إن كنت لا تريد قتالا معنا قال وتمثل قول حارثة بن بدر الغدانى (قال أبو جعفر) اخطأ هذا هو للاعشى أبالموت خشتنى عباد وإنما * رأيت منايا الناس يشقى ذليلها فما ميتة إن متها غير عاجز * بعار إذا ما غالت النفس غولها وكان يزيد بن المهلب على برذون له أشهب فأقبل نحو مسلمة لا يريد غيره حتى إذا دنا منه أدنى مسلمة فرسه ليركب فعطف عليه خيول أهل الشأم وعلى أصحابه فقتل يزيد بن المهلب وقتل معه السميدع وقتل معه محمد بن المهلب وكان رجل من كلب من بنى جابر بن زهير بن جناب الكلبى يقال له القحل بن عياش لما نظر إلى يزيد قال يا أهل الشأم هذا والله يزيد والله لاقتلنه أو ليقتلني وان دونه ناسا فمن يحمل معى يكفيني أصحابه حتى أصل إليه فقال له ناس من أصحابه نحن نحمل معك ففعلوا فحملوا بأجمعهم واضطربوا ساعة وسطع الغبار وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا وعن القحل بن عياش بآخر رمق فأومى إلى أصحابه يريهم مكان يزيد يقول لهم أنا قتلته ويومى إلى نفسه أنه هو قتلني ومر مسلمة على القحل بن عياش صريعا إلى جنب يزيد فقال أما إنى أظن هذا هو الذى قتلني وجاء برأس يزيد مولى لبنى مرة فقيل له أنت قتلته فقال لا فلما أتى به مسلمة لم يعرف ولم ينكر فقال له الحوارى بن زياد بن عمرو العتكى مر برأسه فليغسل ثم ليعمم ففعل ذلك به فعرفه فبعث برأسه إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد

[ 344 ]

ابن عقبة بن أبى معيط (قال أبو مخنف) فحدثني ثابت مولى زهير قال لقد قتل يزيد وهزم الناس وإن المفضل بن المهلب ليقاتل أهل الشأم ما يدرى بقتل يزيد ولا بهزيمة الناس وإنه لعلى برذون شديد قريب من الارض وإن معه لمجففة أمامه فكلما حمل عليها نكصت وانكشفت وانكشف فيحمل في ناس من أصحابه حتى يخالط القوم ثم يرجع حتى يكون من وراء أصحابه وكان لا يرى منا ملتفتا إلا أشار إليه بيده ألا يلتفت ليقبل القوم بوجوههم على عدوهم ولا يكون لهم هم غيرهم قال ثم اقتتلنا ساعة: فكأني أنظر إلى عامر بن العميثل الازدي وهو يضرب بسيفه ويقول: قد علمت أم الصبى المولود * أنى بنصل السيف غير رعديد قال واضطربنا والله ساعة فانكشفت خيل ربيعة والله ما رأيت عند أهل الكوفة من كبير صبر ولا قتال فاستقبل ربيعة بالسيف يناديهم أي معشر ربيعة الكرة الكرة والله ما كنتم بكشف ولا ليام ولا هذه لكم بعادة فلا يؤتين أهل العراق اليوم من قبلكم أي ربيعة فدتكم نفسي اصبروا ساعة من النهار قال فاجتمعوا حوله وثابوا إليه وجاءت كو يفتك قال فاجتمعنا ونحن نريد الكرة عليهم حتى أتى فقيل له ما تصنع ههنا وقد قتل يزيد وحبيب ومحمد وانهزم الناس منذ طويل وأخبر الناس بعضهم بعضا فتفرقوا ومضى المفضل فأخذ الطريق إلى واسط فما رأيت رجلا من العرب مثل منزلته كان أغشى للناس بنفسه ولا أضرب بسيفه ولا أحسن تعبئة لاصحابه منه (قال أبو مخنف) فقال لى ثابت مولى زهير مررت بالخندق فإذا عليه حائط عليه رجال معهم النبل وأنا مجفف وهم يقولون يا صاحب التجفاف أين تذهب قال فما كان شئ أثقل على من تجفافى قال فما هو إلا أن جزتهم فنزلت فألقيته لا خفف عن دابتي وجاء أهل الشأم إلى عسكر يزيد ابن المهلب فقاتلهم أبو رؤبة صاحب المرجئة ساعة من النهار حتى ذهب عظمهم وأسر أهل الشأم نحوا من ثلاثمائة رجل فسرحهم مسلمة إلى محمد بن عمرو بن الوليد فحبسهم وكان على شرطه العريان بن الهيثم وجاء كتاب من يزيد بن عبد الملك إلى

[ 345 ]

محمد بن عمرو أن اضرب رقاب الاسراء فقال للعريان بن الهيثم أخرجهم عشرين عشرين وثلاثين ثلاثين قال فقام نحو من ثلاثين رجلا من بنى تميم فقالوا نحن انهزمنا بالناس فاتقوا الله وابدؤا بنا أخرجونا قبل الناس فقال لهم العريان أخرجوا على اسم الله فأخرجهم إلى المصطبة وأرسل إلى محمد بن عمرو يخبره بإخراجهم ومقالتهم فبعث إليه أن اضرب أعناقهم (قال أبو مخنف) فحدثني نجيح أبو عبد الله مولى زهير قال والله إنى لانظر إليهم ليقولون إنا لله انهزمنا بالناس وهذا جزاؤنا فما هو إلا أن فرغ منهم حتى جاء رسول من عند مسلمة فيه عافية الاسراء والنهى عن قتلهم فقال حاجب بن ذبيان من بنى مازن بن مالك بن عمرو بن تميم لعمري لقد خاضت معيط دماءنا * بأسيافها حتى انتهى بهم الوحل وما حمل الاقوام أعظم من دم * حرام ولا ذحل إذا التمس الذحل حقنتم دماء المصلتين عليكم * وجر على فرسان شيعتك القتل وقى بهم العريان فرسان قومه * فيا عجبا أين الامانة والعدل وكان العريان يقول والله ما اعتمدتهم ولا أردتهم حتى قالوا ابد بنا أخرجنا فما تركت حين أخرجتهم أن أعلمت المأمور بقتلهم فما يقبل حجتهم وأمر بقتلهم والله على ذلك ما أحب أن قتل من قومي مكانهم رجل ولئن لامونى ما أنا بالذى أحفل لائمتهم ولا تكبر على وأقبل مسلمة حتى نزل الحيرة فأتى بنحو من خمسين أسيرا ولم يكونوا فيمن بعث إلى الكوفة كان أقبل بهم معه فلما رأى الناس أنه يريد أن يضرب رقابهم قام إليه الحصين بن حماد الكلبى فاستوهبه ثلاثة زياد بن عبد الرحمن القشيرى وعتبة بن مسلم واسماعيل مولى آل بنى عقيل بن مسعود فوهبهم له ثم استوهب بقيتهم أصحابه فوهبهم لهم فلما جاءت هزيمة يزيد إلى واسط أخرج معاوية بن يزيد بن المهلب اثنين وثلاثين أسيرا كانوا في يده فضرب أعناقهم منهم عدى بن أرطاة ومحمد بن عدى بن أرطاة ومالك وعبد الملك ابنا مسمع وعبد الله بن عزرة البصري وعبد الله بن وائل وابن أبى حاضر التميمي من بنى أسيد بن عمرو ابن تميم وقد قال له القوم ويحك إنا لا نراك تقتلنا إلا أن أباك قد قتل وان قتلنا

[ 346 ]

ليس بنافع لك في الدنيا وهو ضارك في الاخرة فقتل الاسارى كلهم غير ربيع بن زياد بن الربيع بن أنس بن الرقان تركه فقال له ناس نسيته فقال ما نسيته ولكن لم أكن لاقتله وهو شيخ من قومي له شرف ومعروف وبيت عظيم ولست أتهمه في ود ولا أخاف بغيه فقال ثابت قطنة في قتل عدى بن أرطاة ما سرنى قتل الفزارى وابنه * عدى ولا أحببت قتل ابن مسمع ولكنها كانت معاوى زلة * وضعت بها امرى على غير موضع ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه المال والخزائن وجاء المفضل بن المهلب واجتمع جميع آل المهلب بالبصرة وقد كانوا يتخوفون الذى كان من يزيد وقد أعدوا السفن البحرية وتجهزوا بكل الجهاز وقد كان يزيد بن المهلب بعث وداع بن حميد الازدي على قندابيل أميرا وقال له إنى سائر إلى هذا العدو ولو قد لقيتهم لم أبرح العرصة حتى تكون إلى أولهم فان ظفرت أكرمتك وان كانت الاخرى كنت بقندابيل حتى يقدم عليك أهل بيتى فيتحصنوا بها حتى يأخذوا لانفسهم أمانا أما إنى قد اخترتك لاهل بيتى من بين قومي فكن عند أحسن ظنى وأخذ عليه أيمانا غلاظا ليناصحن أهل بيته ان هم احتاجوا إليه ولجؤا إليه فلما اجتمع آل المهلب بالبصرة بعد الهزيمة حملوا عيالاتهم وأموالهم في السفن البحرية ثم لججوا في البحر حتى مروا بهرم بن القرار العبدى وكان يزيد استعمله على البحرين فقال لهم أشير عليكم ألا تفارقوا سفنكم فان ذلك بقاؤكم وإنى أتخوف عليكم إن خرجتم من هذه السفن أن يخطفكم الناس وأن يتقربوا بكم إلى بنى مروان فمضوا حتى إذا كانوا بحيال كرمان خرجوا من سفنهم وحملوا عيالاتهم وأموالهم على الدواب وكان معاوية بن يزيد بن المهلب حين قدم البصرة قدمها ومعه الخزائن وبيت المال فكأنه أراد أن يتأمر عليهم فاجتمع آل المهلب وقالوا للمفضل أنت أكبرنا وسيدنا وإنما أنت غلام حديث السن كبعض فتيان أهلك فلم يزل المفضل عليهم حتى خرجوا إلى كرمان وبكرمان فلول كثيرة فاجتمعوا إلى المفضل وبعث مسلمة ابن عبد الملك مدرك بن ضب الكلبى في طلب آل المهلب وفى أثر الفل فأدرك

[ 347 ]

مدرك المفضل بن المهلب وقد اجتمعت إليه الفلول بفارس فتبعهم فادركهم في عقبة فعطفوا عليه فقاتلوه واشتد قتالهم إياه فقتل مع المفضل بن المهلب النعمان بن ابراهيم ابن الاشتر النخعي ومحمد بن إسحاق بن محمد بن الاشعث وأخذ ابن صول ملك قهستان أسيرا وأخذ ت سرية المفضل العالية وجرح عثمان بن اسحاق ابن محمد بن الاشعث جراحة شديدة وهرب حتى انتهى إلى حلوان فدل عليه فقتل وحمل رأسه إلى مسلمة بالحيرة ورجع ناس من أصحاب يزيد بن المهلب فطلبوا الامان فأومنوا منهم مالك بن إبراهيم بن الاشتر والورد بن عبد الله بن حبيب السعدى من تميم وكان قد شهد مع عبد الرحمن بن محمد مواطنه وأيامه كلها فطلب له الامان محمد بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان إلى مسلمة بن عبد الملك عمه وابنة مسلمة تحته فأمنه فلما أتاه الورد وقفه مسلمة فشتمه قائما فقال صاحب خلاف وشقاق ونفاق ونفار في كل فتنة مرة مع حائك كندة ومرة مع ملاح الازد ما كنت بأهل أن تؤمن قال ثم انطلق وطلب الامان لمالك بن إبراهيم بن الاشتر الحسن بن عبد الرحمن بن شراحيل وشراحيل يلقب رستم الحضرمي فلما جاء ونظر إليه قال له الحسن بن عبد الرحمن الحضرمي هذا مالك ابن إبراهيم بن الاشتر قال له انطلق قال له الحسن أصلحك الله لم لم تشتمه كما شتمت صاحبه قال أجللتكم عن ذلك وكنتم أكرم على من أصحاب الاخر وأحسن طاعة قال فإنه أحب إلينا أن تشتمه فهو والله أشرف أبا وجدا وأسوأ أثرا من أهل الشأم من الورد بن عبد الله فكان الحسن يقول بعد أشهر ما تركه إلا حسدا من أن يعرف صاحبنا فأراد أن يرينا أنه قد حقره ومضى آل المهلب ومن سقط منهم من الفلول حتى انتهوا إلى قندابيل وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضب الكلبى فرده وسرح في أثرهم هلال بن أحوز التميمي من بنى مازن بن عمرو بن تميم فلحقهم بقندابيل فأراد آل المهلب دخول قندابيل فمنعهم وداع بن حميد وكاتبه هلال بن أحوز ولم يباين آل المهلب فيفارقهم فتبين لهم فراقه لما التقوا وصفوا كان وداع بن حميد على الميمنة وعبد الملك بن هلال على الميسرة وكلاهما أزدى فرفع لهم هلال راية الامان فمال إليهم وداع بن حميد وعبد الملك بن هلال وارفض

[ 348 ]

عنهم الناس فخلوهم فلما رأى ذلك مروان بن المهلب ذهب يريد أن ينصرف إلى النساء فقال له المفضل أين تريد قال أدخل إلى نسائنا فأقتلهن لئلا يصل اليهن هؤلاء الفساق فقال ويحك أتقتل أخواتك ونساء أهل بيتك أنا والله ما نخاف عليهن منهم قال فرده عن ذلك ثم مشوا بأسيافهم فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم إلا أبا عيينة بن المهلب وعثمان بن المفضل فانهما نجوا فلحقا بخاقان ورتبيل وبعث بنسائهم وأولادهم إلى مسلمة بالحيرة وبعث برؤوسهم إلى مسلمة فبعث بهم مسلمة إلى يزيد بن عبد الملك وبعث بهم يزيد بن عبد الملك إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك وهو على حلب فلما نصبوا خرج لينظر إليهم فقال لاصحابه هذا رأس عبد الملك هذا رأس المفضل والله لكأنه جالس معى يحدثنى (وقال مسلمة) لا بيعن ذريتهم وهم في دار الرزق فقال الجراح بن عبد الله فانا أشتريهم منك لابر يمينك فاشتراهم منه بمائة ألف قال هاتها قال إذا شئت فخذها فلم يأخذ منه شيأ وخلى سبيلهم إلا تسعة فتية منهم أحداث بعث بهم إلى يزيد بن عبد الملك فقدم بهم عليه فضرب رقابهم فقال ثابت قطنة حين بلغه قتل يزيد بن المهلب يرثيه ألا يا هند طال على ليلى * وعاد قصيره ليلا تماما كأنى حين حلقت الثريا * سقيت لعاب أسود أو سماما أمر على حلو العيش يوم * من الايام شيبني غلاما مصاب بنى أبيك وغبت عنهم * فلم أشهدهم ومضوا كراما فلا والله لا أنسى يزيدا * ولا القتلى التى قتلت حراما فعلى أن أبؤ بأخيك يوما * يزيدا أو أبوء به هشاما وعلى أن أقود الخيل شعثا * شوارب ضمراتقص الاكاما فأصبحهن حمير من قريب * وعكا أو أرع بهما جذاما ونسقى مذحجا والحى كلبا * من الذيفان أنفاسا قواما عشائرنا التى تبغى علينا * تجربنا زكا عاما بعاما ولولاهم وما جلبوا علينا * لاصبح وسطنا ملكا هماما

[ 349 ]

وقال أيضا يرثى يزيد بن المهلب أبى طول هذا الليل أن يتصرما * وهاج لك الهم الفؤاد المتيما أرقت ولم تأرق معى أم خالد * وقد أرقت عيناى حولا مجرما على هالك هد العشيرة فقده * دعته المنايا فاستجاب وسلما على ملك يا صاح بالعقر جبنت * كتائبه واستورد الموت معلما أصيب ولم أشهد ولو كنت شاهدا * تسليت إن لم يجمع الحى مأتما وفى غير الايام يا هند فاعلمي * لطالب وتر نظرة إن تلوما فعلى إن مالت بى الريح ميلة * على ابن أبى ذبان أن يتندما أمسلم أن يقدر عليك رماحنا * نذقك بها قئ الاساود مسلما وإن تلق للعباس في الدهر عثرة * نكافه باليوم الذى كان قدما قصاصا ولا نعدوالذى كان قد أتى * إلينا وإن كان ابن مروان أظلما ستعلم إن زلت بك النعل زلة * وأظهر أقوام حياء مجمجما من الظالم الجاني على أهل بيته * إذا أحصرت أسباب أمرو أبهما وإنا لعطافون بالحلم بعد ما * نرى الجهل من فرط اللئيم تكرما وإنا لحلالون بالثغر لا نرى * به ساكا إلا الخميس العرمرما نرى أن للجيران حاجا وحرمة * إذا الناس لم يرعوا لذى الجار محرما وإنا لنقرى الضيف من قمع الذرى * إذا كان رفد الرافدين تجشما وراحت بصراد ملث جليده * على الطلح إرماكا من الشهب صيما أبونا أبو الانصار عمرو بن عامر * وهم ولدوا عوفا وكعبا وأسلما وقد كان في غسان مجد يعده * وعادية كانت من المجد معظما فلما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب يزيد بن المهلب جمع له يزيد بن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة فلما ولاه يزيد ذلك ولى مسلمة الكوفة ذا الشامة محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط وقام بأمر البصرة بعد أن خرج منها آل المهلب فيما قيل شبيب بن الحارث التميمي فضبطها فلما ضمت

[ 350 ]

إلى مسلمة بعث عاملا عليها عبد الرحمن بن سليم الكلبى وعلى شرطتها وأحداتها عمر بن يزيد التميمي فأراد عبد الرحمن بن سليم أن يستعرض أهل البصرة وأفشى ذلك إلى عمر بن يزيد فقال له عمر أتريد أن تستعرض أهل البصرة ولم تمن حصنا بكويفة وتدخل تحتاج إليه فوالله لو رماك أهل البصرة وأصحابك بالحجارة لتخوفت أن يقتلونا ولكن أنظرنا عشرة أيام حتى نأخذ أهبة ذلك ووجه رسولا إلى مسلمة يخبره بما هم به عبد الرحمن فوجه مسلمة عبد الملك بن بشر بن مروان على البصرة وأقر عمربن يزيد على الشرطة والاحداث (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة وجه مسلمة بن عبد الملك سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبى العاص وهو الذى يقال له سعيد خذينة وإنما لقب بذلك فيما ذكر أنه كان رجلا لينا سهلا متنعما قدم خراسان على بختية معلقا سكينا في منطقته فدخل عليه ملك أبغر وسعيد متفضل في ثياب مصبغة حوله مرافق مصبغة فلما خرج من عنده قالوا له كيف رأيت الامير قال خذينية لمته سكينية فلقب خذينة وخذينة هي الدهقانة ربة البيت وانما استعمل مسلمة سعيد خذينة على خراسان لانه كان ختنه على ابنته كان سعيد متزوجا بابنة مسلمة ذكر الخبر عن أمر سعيد في ولاية خراسان في هذه السنة ولما ولى مسلمة سعيد خذينة خراسان قدم إليها قبل شخوصه سورة بن الحر من بنى دارم فقدمها قبل سعيد فيما ذكر بشهر فاستعمل شعبة بن ظهير النهشلي على سمرقند فخرج إليها في خمسة وعشرين رجلا من أهل بيته فأخذ على آمل فأتى بخارى فصحبه منها مائتا رجل فقدم السغد وقد كان أهلها كفروا في ولاية عبد الرحمن ابن نعيم الغامدى ووليها ثمانية عشر شهرا ثم عادوا إلى الصلح فخطب شعبة أهل السغدو وبخ سكانها من العرب وعيرهم بالجبن فقال ما أرى فيكم جريحا ولا أسمع فيكم أنة فاعتذروا إليه بأن جبنوا عاملهم علباء بن حبيب العبدى وكان على الحرب ثم قدم سعيد فأخذ عمال عبد الرحمن بن عبد الله القشيرى الذى ولوا أيام عمر بن عبد العزيز فحبسهم فكلمه فيهم عبد الرحمن بن عبد الله القشيرى فقال له سعيد قد

[ 351 ]

رفع عليهم أن عندهم أموالا من الخراج قال فأنا أضمنه فضمن عنهم سبعمائة ألف ثم لم يأخذه بها ثم إن سعيدا رفع إليه فيما ذكر على بن محمد أن جهم بن زحر الجعفي وعبد العزيز بن عمرو بن الحجاج الزبيدى والمنتجع بن عبد الرحمن الازدي والقعقاع الازدي ولو اليزيد بن المهلب وهم ثمانية وعندهم أموال قد اختانوها من في المسلمين فأرسل إليهم فحبسهم في قهنذر مرو فقيل له إن هؤلاء لا يؤدون الا أن تبسط عليهم فأرسل إلى جهم بن زحر فحمل على حمار من قهنذر مرو فمروا به على الفيض بن عمران فقام إليه فوجا أنفه فقال له جهم يا فاسق هلا فعلت هذا حين أتونى بك سكران قد شربت الخمر فضربتك حدا فغضب سعيد على جهم فضربه مائتي سوط فكبر أهل السوق حين ضرب جهم بن زحر وأمر سعيد بجهم والثمانية الذين كانوا في السجن فدفعوا إلى ورقاء بن نصر الباهلى فاستعفاه فاعفاه (وقال) عبد الحميد بن دثار أو عبد الملك بن دثار والزبير بن نشيط مولى باهلة وهو زوج أم سعيد خذينة ولنا محابسهم فولاهم فقتلوا في العذاب جهما وعبد العزيز ابن عمرو والمنتجع وعذبوا القعقاع وقوما حتى أشرفوا على الموت قال فلم يزالوا في السجن حتى غزتهم الترك وأهل السغد فأمر سعيد بإخراج من بقى منهم فكان سعيد يقول قبح الله الزبير فانه قتل جهما (وفى هذه السنة) غزا المسلمون السغد والترك فكان فيها الوقعة بينهم بقصر الباهلى (وفيها) عزل سعيد خذينة شعبة ابن ظهير عن سمرقند ذكر الخبر عن سبب عزل سعيد شعبة وسبب هذه الوقعة وكيف كانت ذكر على بن محمد عن الذين تقدم ذكرى خبره عنهم أن سعيد خذينة لما قدم خراسان دعا قوما من الدهاقين فاستشارهم فيمن يوجه إلى الكور فاشاروا إليه بقوم من العرب فولاهم فشكوا إليه فقال للناس يوما وقد دخلوا عليه إنى قدمت البلد وليس لى علم بأهله فاستشرت فأشاروا على بقوم فسألت عنهم فحمدوا فوليتهم فأحرج عليكم لما أخبرتموني عن عمالى فأثنى عليهم القوم خيرا فقال عبد الرحمن بن عبد الله القشيرى لو لم تحرج علينا لكففت فأما إذ حرجت علينا

[ 352 ]

فإنك شاورت المشركين فأشاروا عليك بمن لا يخالفهم وبأشباههم فهذا علمنا فيهم قال فاتكى سعيد ثم جلس فقال خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين قوموا قال وعزل سعيد شعبة بن ظهير عن السغد وولى حربها عثمان ابن عبد الله بن مطرف بن الشخير وعلى الخراج سليمان بن أبى السرى مولى بنى عوافة واستعمل على هراة معقل بن عروة القشيرى فسار إليها وضعف الناس سعيدا وسموه خذينة فطمع فيه الترك فجمع له خاقان الترك ووجههم إلى السغد فكان على الترك كورصول وأقبلوا حتى نزلوا قصر الباهلى * وقال بعضهم أراد عظيم من عظماء الدهاقين أن يتزوج امرأة من باهلة وكانت في ذلك القصر فارسل إليها يخطبها فأبت فاستجاش ورجا أن يسبوا من في القصر فيأخذ المرأة فأقبل كور صول حتى حصر أهل القصر وفيه مائة أهل بيت بذراربهم وعلى سمرقند عثمان بن عبد الله وخافوا أن يبطئ عنهم المدد فصالحوا الترك على أربعين ألفا وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة وندب عثمان بن عبد الله الناس فانتدب المسيب بن بشر الرياحي وانتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل فقال شعبة بن ظهير لو كان ههنا خيول خراسان ما وصلوا إلى غايتهم قال وكان فيمن انتدب من بنى تميم شعبة بن ظهير النهشلي وبلعاء بن مجاهد العنزي وعميرة بن ربيعة أحد بنى العجيف وهو عميرة الثريد وغالب بن المهاجر الطائى وهو أبو العباس الطوسى وأبو سعيد معاوية ابن الحجاج الطائى وثابت قطنة وأبو المهاجر بن دارة من غطفان وجليس الشيباني والحجاج بن عمرو الطائى وحسان بن معدان الطائى والاشعث أبو حطامة وعمرو ابن حسان الطيئان فقال المسيب بن بشر لما عسكروا إنكم تقدمون على حلبة الترك حلبة حاقان وغيرهم والعوض إن صبرتم الجنة والعقاب النار أن فررتم فمن أراد الغزو والصبر فليقدم فانصرف عنه ألف وثلاثمائة وسار في الباقين فلما سار فرسخا قال للناس مثل مقالته الاولى فاعتزل ألف ثم سار فرسخا آخر فقال لهم مثل ذلك فاعتزل ألف ثم سار وكان دليلهم الاشهب بن عبيد الحنظلي حتى إذا كان على فرسخين من القوم نزل فأتاهم ترك خاقان ملك قى فقال إنه لم يبق

[ 353 ]

ههنا دهقان إلا وقد بايع الترك غيرى وأنا في ثلاثمائة مقاتل فهم معك وعندي الخبر قد كانوا صالحوهم على أربعين ألفا فأعطوهم سبعة عشر رجلا ليكونوا رهنا في أيديهم حتى يأخذوا صلحهم فلما بلغهم مسيركم إليهم قتل الترك من كان في أيديهم من الرهائن قال وكان فيهم نهشل بن يزيد الباهلى فنجا لم يقتل والاشهب بن عبيد الله الحنظلي وميعادهم أن يقاتلوهم غدا أو يفتحوا القصر فبعث المسيب رجلين رجلا من العرب ورجلا من العجم من ليلته على خيولهم وقال لهم إذا قربتم فشدوا دوابكم بالشجر واعلموا علم القوم فأقبلا في ليلة مظلمة وقد أجرت الترك الماء في نواحى القصر فليس يصل إليه أحد ودنوا من القصر فصاح بهما الربية فقالا لا تصح وادع لنا عبد الملك بن دثار فدعاه فقالا له أرسلنا المسيب وقد أتاكم الغياث قال أين هو قال على فرسخين فهل عندكم امتناع ليلتك وغدا فقال قد أجمعنا على تسليم نسائنا وتقديمهم للموت أمامنا حتى نموت جميعا غدا فرجعا إلى المسيب فأخبراه فقال المسيب للذين معه إنى سائر إلى هذا العدو فمن أحب أن يذهب فليذهب فلم يفارقه أحد وبايعوه على الموت فسار وقد زاد الماء الذى أجروه حول المدينة تحصينا فلما كان بينه وبينهم نصف فرسخ نزل فأجمع على بياتهم فلما أمسى أمر الناس فشدوا على خيولهم وركب فحثهم على الصبر ورغبهم فيما يصير إليه أهل الاحتساب والصبر ومالهم في الدنيا من الشرف والغنيمة إن ظفروا وقال لهم اكعموا دوابكم وقودوهم فإذا دنوتم من القوم فاركبوها وشدوا شدة صادقة وكبروا وليكن شعاركم يا محمد ولا تتبعوا موليا وعليكم بالدواب فاعقروها فان الدواب إذا عقرت كانت أشد عليهم منكم والقليل الصابر خير من الكثير الفشل وليست بكم قلة فان سبعمائة سيف لا يضرب بها في عسكر إلا أوهنوه وإن كثر أهله قال وعباهم وجعل على الميمنة كثير الدبوسي وعلى الميسرة رجلا من ربيعة يقال له ثابت قطنة وساروا حتى إذا كانوا منهم على غلوتين كبروا وذلك في السحر وثار الترك وخالط المسلمون العسكر فعقروا الدواب وصابرهم الترك فجال المسلمون وانهزموا حتى صاروا إلى المسيب وتبعهم الترك وضربوا عجز دابة المسيب فترجل رجال

[ 354 ]

من المسلمين فيهم البخترى أبو عبد الله المرائى ومحمد بن قيس الغنوى ويقال محمد ابن قيس العنبري وزياد الاصبهاني ومعاوية بن الحجاج وثابت قطنة فقاتل البخترى فقطعت يمينه فأخذ السيف بشماله فقطعت فجعل يذب بيديه حتى استشهد واستشهد أيضا محمد بن قيس العنبري أو الغنوى وشبيب بن الحجاج الطائى قال ثم انهزم المشركون وضرب ثابت قطنة عظيما من عظمائهم فقتله ونادى منادى المسيب لا تتبعهم فانهم لا يدرون من الرعب اتبعتموهم أم لا واقصدوا القصر ولا تحملوا شيئا من المتاع إلا المال ولا تحملوا من يقدر على المشى وقال المسيب من حمل امرأة أو صبيا أو ضعيفا حسبة فأجره على الله ومن أبى فله أربعون درهما وإن كان في القصر أحد من أهل عهدكم فاحملوه قال فقصدوا جميعا القصر فحملوا من كان فيه وانتهى رجل من بنى فقيم إلى امرأة فقالت أغثنى أغاثك الله فوقف وقال دونك وعجز الفرس فوثبت فإذا هي على عجز الفرس فإذا هي أفرس من رجل فتناول الفقيمى بيد ابنها غلاما صغيرا فوضعه بين يديه وأتوا ترك خاقان فأنزلهم قصره وأتاهم بطعام وقال الحقوا بسمرقند لا ترجعوا في آثاركم فخرجوا نحو سمرقند فقال لهم هل بقى أحد قالوا هلال الحريري قال لا أسلمه فأتاه وبه بضع وثلاثون جراحة فاحتمله فبرأ ثم أصيب يوم الشعب مع الجنيد قال ورجع الترك من الغد فلم يروا في القصر أحدا ورأوا قتلاهم فقالوا لم يكن الذين جاءوا من الانس فقال ثابت قطنة فدت نفسي فوارس من تميم * غداة الروع في ضنك المقام فدت نفسي فوارسا اكتفوني * على الاعداء في رهج القتام بقصر الباهلى وقد رأوني * أحامي حيث ضن به المحامي بسيفي بعد حطم الرمح قدما * أذودهم بذى شطب حسام أكر عليهم اليحموم كرا * ككر الشرب آنية المدام أكر به لدى الغمرات حتى * تجلت لا يضيق بها مقامي فلولا الله ليس له شريك * وضربي قونس الملك الهمام إذا لسعت نساء بنى دثار * أمام الترك بادية الخدام

[ 355 ]

فمن مثل المسيب في تميم * أبى بشر كقادمة الحمام وقال جرير يذكر المسيب لولا حماية يربوع نساءكم * كانت لغيركم منهن أطهار حامى المسيب والخيلان في رهج * إذ مازن ثم لا يحمى لها جار إذ لا عقال يحامى عن ذماركم * ولا زرارة يحميها وزرار قال وعور تلك الليلة أبو سعيد معاوية بن الحجاج الطائى وشلت يده وقد كان ولى ولاية قبل سعيد فخرج عليه شئ مما كان بقى عليه فأخذ به فدفعه سعيد إلى شداد بن خليد الباهلى ليحاسبه ويستأديه فضيق عليه شداد فقال يا معشر قيس سرت إلى قصر الباهلى وأنا شديد البطش حديد البصر فعورت وشلت يدى وقاتلت مع من قاتل حتى استنقذناهم بعد أن أشرفوا على القتل والاسر والسبي وهذا صاحبكم ويصنع بى ما يصنع فكفوه عنى فخلاه قال وقال عبد الله بن محمد عن رجل شهد ليلة قصر الباهلى قال كنا في القصر فلما التقوا ظننا أن القيامة قد قامت لما سمعنا من هماهم القوم ووقع الحديد وصهيل الخيل (وفى هذه السنة) قطع سعيد خذينة نهر بلخ وغزا السغد وكانوا نقضوا العهد وأعانوا الترك على المسلمين ذكر الخبر عما كان من أمر سعيد والمسلمين في هذه الغزوة وكان سبب غزو سعيد هذه الغزوة فيما ذكر أن الترك عادوا إلى السغد فكلم الناس سعيدا وقالوا تركت الغزو فقد أغار الترك وكفر أهل السغد فقطع النهر وقصد للسغد فلقيه الترك وطائفة من أهل السغد فهزمهم المسلمون فقال سعيد لا تتبعوهم فإن السغد بستان أمير المؤمنين وقد هزمتموهم أفتريدون بوارهم وقد قاتلتم يا أهل العراق الخلفاء غير مرة فهل أباروكم وسار المسلمون فانتهوا إلى واد بينهم وبين المرج فقال عبد الرحمن بن صبح لا يقطعن هذا الوادي مجفف ولا راجل وليعبر من سواهم فعبروا ورأتهم الترك فأكمنوا كمينا وظهرت لهم خيل المسلمين فقاتلوهم فانحاز الترك فأتبعوهم حتى جازوا الكمين فخرجوا عليهم فانهزم المسلمون حتى انتهوا إلى الوادي فقال لهم عبد الرحمن بن صبح سابقوهم ولا تقطعوا فانكم إن قطعتم أبادوكم فصبروا لهم حتى انكشفوا عنهم فلم يتبعوهم فقال قوم قتل يومئذ شعبة بن ظهير

[ 356 ]

وأصحابه وقال قوم بل انكشفت الترك منهم يومئذ منهزمين ومعهم جمع من أهل السغد فلما كان الغد خرجت مسلحة للمسلمين والمسلحة يومئذ من بنى تميم فما شعروا إلا بالترك معهم خرجوا عليهم من غيضة وعلى خيل بنى تميم شعبة بن ظهير فقاتلهم شعبة فقتل أعجلوه عن الركوب وقتل رجل من العرب فأخرجت جاريته حناء وهى تقول حتى متى أعدلك مثل هذا الخضاب وأنت مختضب بالدم مع كلام كثير فأبكت أهل العسكر وقتل نحو من خمسين رجلا وانهزم أهل المسلحة وأتى الناس الصريح فقال عبد الرحمن بن المهلب العدوى كنت أنا أول من أتاهم لما أتانا الخبر وتحتي فرس جواد فإذا عبد الله بن زهير إلى جنب شجرة كأنه قنفد من النشاب وقد قتل وركب الخليل بن أوس العبشمى أحد بنى ظالم وهو شاب ونادى يا بنى تميم أنا الخليل إلى فانضمت إليه جماعة فحمل بهم على العدو فكفوهم وورعوهم عن الناس حتى جاء الامير والجماعة فانهزم العدو فصار الخليل على خيل بنى تميم يومئذ حتى ولى نصر بن سيار ثم صارت رياسة بنى تميم لاخيه الحكم بن أوس وذكر على بن محمد عن شيوخه أن سورة بن الحر قال لحيان انصرف يا حيان قال عقيرة الله أدعها وأنصرف قال يا نبطى قال أنبط الله وجهك قال وكان حيان النبطي يكنى في الحرب أبا الهياج وله يقول الشاعر إن أبا الهياج أريحى * للريح في أثوابه دوى قال وعبر سعيد النهر مرتين فلم يجاوز سمرقند نزل في الاولى بإزاء العدو فقال له حيان مولى مصقلة بن هبيرة الشيباني أيها الامير ناجز أهل السغد فقال لا هذه بلاد أمير المؤمنين فرأى دخانا ساطعا فسأل عنه فقيل له السغد قد كفروا ومعهم بعض الترك قال فناوشهم فانهزموا فألحوا في طلبهم فنادى منادى سعيد لا تطلبوهم إنما السغد بستان أمير المؤمنين وقد هزمتموهم أفتريدون بوارهم وأنتم يا أهل العراق قد قاتلتم أمير المؤمنين غير مرة فعفا عنكم ولم يستأصلكم ورجع فلما كان العام المقبل بعث رجالا من بنى تميم إلى ورغسر فقالوا ليتنا نلقى العدو فنطاردهم وكان سعيد إذا بعث سرية فأصابوا وغنموا وسبوا رد ذرارى السبى

[ 357 ]

وعاقب السرية فقال الهجرى وكان شاعرا سريت إلى الاعداء تلهو بلعبة * وأيرك مسلول وسيفك مغمد وأنت لمن عاديت عرس خفية * وأنت علينا كالحسام المهند فلله در السغد لما تحزبوا * ويا عجبا من كيدك المتردد قال فقال سورة بن الحر لسعيد وقد كان حفظ عليه وحقد عليه قوله أنبط الله وجهك إن هذا العبد أعدى الناس للعرب والعمال وهو أفسد خراسان على قتيبة بن مسلم وهو واثب بك مفسد عليك خراسان ثم يتحصن في بعض هذه القلاع فقال يا سورة لا تسمعن هذا أحدا ثم مكث أياما ثم دعا في مجلسه بلبن وقد أمر بذهب فسحق وألقى في إناء حيان فشربه وقد خلط بالذهب ثم ركب فركب الناس أربع فراسخ إلى باركث كأنه يطلب عدوا ثم رجع فعاش حيان أربعة أيام ومات في اليوم الرابع فثقل سعيد على الناس وضعفوه وكان رجل من بنى أسد يقال له إسماعيل منقطعا إلى مروان بن محمد فذكر إسماعيل عند خذينة ومودته لمروان فقال سعيد وما ذاك الملط فهجاه إسماعيل فقال زعمت خذينة أننى ملط * لخذينة المرآة والمشط ومجامر ومكاحل جعلت * ومعازف وبخدها نقط أفذاك أم زغف مضاعفة * ومهند من شأنه القط لمقرس ذكر أخى ثقة * لم يغذه التأنيث واللقط أغضبت أن بات ابن أمكم * بهم وأن أباكم سقط إنى رأيت نبالهم كسيت * ريش اللؤام ونبلكم مرط ورأيتهم جعلوا مكاسرهم * عند الندى وأنتم خلط (وفى هذه السنة) عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وخراسان وانصرف إلى الشام ذكر الخبر عن سبب عزله وكيف كان ذلك وكان سبب ذلك فيما ذكر على بن محمد أن مسلمة لما ولى ما ولى من أرض العراق وخراسان لم يرفع من الخراج شيئا وأن يزيد بن عاتكة أراد عزله فاستحيى منه وكتب

[ 358 ]

إليه أن استخلف على عملك وأقبل وقد قيل إن مسلمة شاور عبد العزيز بن حاتم ابن النعمان في الشخوص إلى ابن عاتكة ليزوره فقال له أمن شوق بك إليه إنك لطروب وإن عهدك به لقريب قال لا بد من ذلك قال إذا لا تخرج من عملك حتى تلقى الوالى عليه فشخص فلما بلغ دورين لقيه عمر بن هبيرة على خمس من دواب البريد فدخل عليه ابن هبيرة فقال إلى أين يا ابن هبيرة فقال وجهنى أمير المؤمنين في حيازة أموال بنى المهلب فلما خرج من عنده أرسل إلى عبد العزيز فجاءه فقال هذا ابن هبيرة قد لقينا كما ترى قال قد أنبأتك قال فإنه إنما وجهه لحيازة أموال بنى المهلب قال هذا أعجب من الاول يصرف عن الجزيرة ويوجه في حيازة أموال بنى المهلب قال فلم يلبث أن جاءه عزل ابن هبيرة عماله والغلظة عليهم فقال الفرزدق راحت بمسلمة الركاب مودعا * فارعي فزارة لاهناك المرتع عزل ابن بشر وابن عمرو قبله * وأخو هراة لمثلها يتوقع ولقد علمت أبن ؟ ؟ فزارة أمرت * أن سوف يطمع في الامارة أشجع من خلق ربك ما هم ولمثلهم * في مثل ما نالت فزارة يطمع يعنى بابن بشر عبد الملك بن بشر بن مروان وبابن عمر ومحمدا ذا الشامة ابن عمرو ابن الوليد وبأخى هراة سعيد خذينة بن عبد العزيز كان عاملا لمسلمة على خراسان (وفى هذه السنة) غزا عمر بن هبيرة الروم بأرمينية فهزمهم وأسر منهم بشرا كثيرا قيل سبعمائة أسير (وفيها) وجه فيما ذكر ميسرة رسله من العراق إلى خراسان وظهر أمر الدعوة بها فجاء رجل من بنى تميم يقال له عمرو بن بحير بن ورقاء السعدى إلى سعيد خذينة فقال له إن هاهنا قوما قد ظهر منهم كلام قبيح فبعث إليهم سعيد فأتى بهم فقال من أنتم قالوا أناس من التجار قال فما هذا الذى يحكى عنكم قالوا لا ندرى قال جئتم دعاة فقالوا إن لنا في أنفسنا وتجارتنا شغلا عن هذا فقال من يعرف هؤلاء فجاء أناس من أهل خراسان جلهم ربيعة واليمن فقالوا نحن نعرفهم وهم علينا إن أتاك منهم شئ تكرهه فخلى سبيلهم (وفيها) أعنى سنة 102 قتل يزيد بن أبى مسلم بافريقية وهو وال عليها ذكر الخبر عن سبب قتله وكان سبب ذلك أنه كان فيما ذكر عزم أن يسير بهم بسيرة الحجاج بن يوسف

[ 359 ]

في أهل الاسلام الذين سكنوا الامصار ممن كان أصله من السواد من أهل الذمة فأسلم بالعراق ممن ردهم إلى قراهم ورساتيقهم ووضع الجزية على رقابهم على نحو ما كانت تؤخذ منهم وهم على كفرهم فلما عزم على ذلك تآمروا في أمره فأجمع رأيهم فيما ذكر على قتله فقتلوه وولوا على أنفسهم الوالى الذى كان عليهم قبل يزيد بن أبى مسلم وهو محمد بن يزيد مولى الانصار وكان في جيش يزيد بن أبى مسلم وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك إنا لم نخلع أيدينا من الطاعة ولكن يزيد بن أبى مسلم سامنا مالا يرضى الله والمسلمون فقتلناه وأعدنا عاملك فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك إنى لم أرض ما صنع يزيد بن أبى مسلم وأقر محمد بن يزيد على أفريقية (وفى هذه السنة) استعمل عمر بن هبيرة بن معية بن سكين بن خديج بن مالك بن سعد بن عدى بن فزارة على العراق وخراسان (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الرحمن ابن الضحاك كذلك قال أبو معشر والواقدى وكان العامل على المدينة عبد الرحمن ابن الضحاك وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى الكوفة محمد بن عمرو ذو الشامة وعلى قضائها القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وعلى البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان وعلى خراسان سعيد خذينة وعلى مصر أسامة بن زيد ثم دخلت سنة ثلاث ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك عزل عمر بن هبيرة سعيد خذينة عن خراسان وكان سبب عزله عنها فيما ذكر على بن محمد عن أشياخه أن المجشر بن مزاحم السلمى وعبد الله ابن عمير الليثى قدما على عمر بن هبيرة فشكواه فعزله واستعمل سعيد بن عمرو ابن الاسود بن مالك بن كعب بن وقدان بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة وخذينة غاز بباب سمرقند فبلغ الناس عزله فقفل خذينة وخلف بسمرقند ألف فارس فقال نهار بن توسعة

[ 360 ]

فمن ذا مبلغ فتيان قومي * بأن النبل ريشت كل ريش بأن الله أبدل من سعيد * سعيدا لا المخنث من قريش قال ولم يعرض سعيد الحرشى لاحد من عمال خذينة فقرأ رجل عهده فلحن فيه فقال سعيد صه مهما سمعتم فهو من الكاتب والامير منه برئ فقال الشاعر يضعف الحرشى في هذا الكلام تبدلنا سعيدا من سعيد * لجد السوء والقدر المتاح (قال الطبري) وفى هذه السنة غزا العباس بن الوليد الروم ففتح مدينة يقال لها رسلة (وفيها) أغارت الترك على اللان (وفيها) ضمت مكة إلى عبد الرحمن بن الضحاك الفهرى فجمعت له مع المدينة (وفيها) ولى عبد الواحد بن عبد الله النضرى الطائف وعزل عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد عن مكة (وفيها) أمر عبد الرحمن بن الضحاك أن يجمع بين أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعثمان بن حيان المرى وكان من أمره وأمرهما ما قد مضى ذكره قبل (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى كذلك قال أبو معشر والواقدى وكان عامل يزيد بن عاتكة في هذه السنة على مكة والمدينة عبد الرحمن بن الضحاك وعلى الطائف عبد الواحد بن عبد الله النضرى وعلى العراق وخراسان عمر بن هبيرة وعلى خراسان سعيد بن عمرو الحرشى من قبل عمر بن هبيرة وعلى قضاء الكوفة القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وعلى قضاء البصرة عبد الملك ابن يعلى (وفيها) استعمل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشى على خراسان ذكر الخبر عن سبب استعماله الحرشى على خراسان ذكر على بن محمد عن أصحابه أن ابن هبيرة لما ولى العراق كتب إلى يزيد بن عبد الملك بأسماء من أبلى يوم العقر ولم يذكر الحرشى فقال يزيد بن عبد الملك لم لم يذكر الحرشى فكتب إلى ابن هبيرة ول الحرشى خراسان فولاه فقدم الحرشى على مقدمته المجشر بن مزاحم السلمى سنة 103 تم قدم الحرشى خراسان والناس بازاء العدو وقد كانوا نكبوا فخطبهم وحثهم على الجهاد فقال إنكم لا تقاتلون عدو

[ 361 ]

الاسلام بكثرة ولا بعدة ولكن بنصر الله وعز الاسلام فقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله وقال فلست لعامر إن لم ترونى * أمام الخيل أطعن بالعوالى فأضرب هامة الجبار منهم * بعصب ؟ ؟ الحد حودث بالصقال فما أنا في الحروب بمستكين * ولا أخشى مصاولة الرجال أبى لى والدى من كل ذم * وخالى في الحوادث خير خال إذا خطرت أمامى حى كعب * وزافت كالجبال بنو هلال (وفى هذه السنة) ارتحل أهل السغد عن بلادهم عند مقدم سعيد بن عمرو الحرشى فلحقوا بفرغانة فسألوا ملكها معونتهم على المسلمين ذكر الخبر عما كان منهم ومن صاحب فرغانة ذكر على بن محمد عن أصحابه أن السغد كانوا قد أعانوا الترك أيام خذينة فلما وليهم الحرشى خافوا على أنفسهم فأجمع عظماؤهم على الخروج عن بلادهم فقال لهم ملكهم لا تفعلوا أقيموا واحملوا إليه خراج ما مضى واضمنوا له خراج ما تستقبلون واضمنوا له عمارة أرضيكم والغزو معه أن أراد ذلك واعتذروا مما كان منكم وأعطوه رهائن يكونون في يديه قالوا نخاف أن لا يرضى ولا يقبل منا ولكنا نأتى خجندة فنستجير ملكها ونرسل إلى الامير فنسأله الصفح عما كان منا ونوثق له أن لا يرى أمرا يكرهه فقال أنا رجل منكم وما أشرت به عليكم كان خيرا لكم فأبوا فخرجوا إلى خجندة وخرج كارزنج وكشين وبياركث وثابت بأهل اشتيخن فأرسلوا إلى ملك فرغانة الطار يسألونه أن يمنعهم وينزلهم مدينة فهم أن يفعل فقالت له أمه لا تدخل هؤلاء الشياطين مدينتك ولكن فرغ لهم رستاقا يكونون فيه فأرسل إليهم سموا لى رستاقا أفرغه لكم وأجلونى أربعين يوما ويقال عشرين يوما وإن شئتم فرغت لكم شعب عصام بن عبد الله الباهلى وكان قتيبة خلفه فيهم فقبلوا شعب عصام فأرسلوا إليه فرغه لنا قال نعم وليس لكم على عقد ولا جوار حتى تدخلوه وان أتتكم العرب قبل أن

[ 362 ]

تدخلوه لم أمنعكم فرضوا ففرغ لهم الشعب وقد قيل إن ابن هبيرة بعث إليهم قبل ان يخرجوا من بلادهم يسألهم أن يقيموا ويستعمل عليهم من أحبوا فأبوا وخرجوا إلى خجندة وشعب عصام من رستاق أسفرة وأسفرة يومئذ ولى عهد ملك فرغانة بيلاذا وبيلاذا أبو أبو جور ملكها وقيل قال لهم كارزنج أخيركم ثلاث خصال إن تركتموها هلكتم إن سعيدا فارس العرب وقد وجه على مقدمته عبد الرحمن ابن عبد الله القشيرى في حماة أصحابه فبيتوه فاقتلوه فإن الحرشى إذا أتاه خبره لم يغزكم فأبوا عليه قال فاقطعوا نهر الشاش فسلوهم ماذا تريدون فان أجابوكم وإلا مضيتم إلى سوياب ؟ ؟ قالوا لا قال فأعطوهم قال فارتحل كارزنج وجلنج بأهل قى وأبار بن ما خنون وثابت بأهل اشتيخن وارتحل أهل بياركث وأهل سبسكث بألف رجل عليهم مناطق الذهب مع دهاقين بزماجن فارتحل الديواشنى بأهل بنجيكث إلى حصن أبغر ولحق كارزنج وأهل السغد بخجندة ثم دخلت سنة أربع ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث (ففى هذه السنة) كانت وقعة الحرشى بأهل السغد وقتله من قتل من دهاقينها ذكر الخبر عن أمره وأمرهم في هذه الوقعة ذكر على عن أصحابه أن الحرشى غزا في سنة 104 فقطع النهر وعرض الناس ثم سار فنزل قصر الريح على فرسخين من الدبوسية ولم يجتمع إليه جنده قال فأمر الناس بالرحيل فقال له هلال بن عليم الحنظلي يا هناه إنك وزيراخير منك أميرا الارض حرب شاغرة برجلها ولم يجتمع لك جندك وقد أمرت بالرحيل قال فكيف لى قال تأمر بالنزول ففعل وخرج النيلان ابن عم ملك فرغانة إلى الحرشى وهو نازل على مغون فقال له إن أهل السغد بخجندة وأخبره خبرهم وقال عاجلهم قبل أن يصيروا إلى الشعب فليس لهم علينا جوار حتى يمضى الاجل فوجه الحرشى مع النيلان عبد الرحمن القشيرى وزياد بن عبد الرحمن

[ 363 ]

القشيرى في جماعة ثم ندم على ما فعل فقال جاءني علج لا أدرى صدق أم كذب فغررت بجند من المسلمين وارتحل في أثرهم حتى نزل في أشر وسنة فصالحهم بشئ يسير فبينا هو يتعشى إذ قيل له هذا عطاء الدبوسي وكان فيمن وجهه مع القشيرى ففزع وسقطت اللقمة من يده ودعا بعطاء فدخل عليه فقال ويلك قاتلتم أحدا فقال لا قال الحمد لله وتعشى وأخبره بما قدم له عليه فسار جوادا مغذا حتى لحق القشيرى بعد ثالثة وسار فلما انتهى إلى خجندة قال للفضل بن بسام ما ترى قال أرى المعاجلة قال لا أرى ذلك إن جرح رجل فإلى أين يرجع أو قتل قتيل فإلى من يحمل ولكني أرى النزول والتأنى والاستعداد للحرب فنزل فرفع الابنية وأخذ في التأهب فلم يخرج أحد من العدو فجبن الناس الحرشى وقالوا كان هذا يذكر بأسه بالعراق ورأيه فلما صار بخراسان ماق قال فحمل رجل من العرب فضرب باب خجندة بعمود ففتح الباب وقد كانوا حفروا في ربضهم وراء الباب الخارج خندقا وغطوه بقصب وعلوه بالتراب مكيدة وأرادوا إذا التقوا إن انهزموا أن يكونوا قد عرفوا الطريق ويشكل على المسلمين فيسقطوا في الخندق قال فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا واخطأوهم الطريق فسقطوا في الخندق فأخرجوا هم من الخندق أربعين رجلا على الرجل درعان درعان وحصرهم الحرشى ونصب عليهم المجانيق فأرسلوا إلى ملك فرغانة غدرت بنا وسألوه أن ينصرهم فقال لهم لم أغدر ولا أنصركم فانظروا لانفسكم فقد أتوكم قبل انقضاء الاجل ولستم في جواري فلما أيسوا من نصره طلبوا الصلح وسألوا الامان وأن يردهم إلى السغد فاشترط عليهم أن يردوا من في أيديهم من نساء العرب وذراريهم وأن يؤدوا ما كسروا من الخراج ولا يغتالوا أحدا ولا يتخلف منهم بخجندة أحد فإن أحدثوا حدثا حلت دماؤهم قال وكان السفير فيما بينهم موسى ابن مشكان مولى آل بسام فخرج إليه كارزنج فقال له إن لى حاجة أحب أن تشفعني فيها قال وما هي قال أحب إن جنى منهم رجل جناية بعد الصلح أن لا تأخذني بما جنى فقال الحرشى ولى حاجة فاقضها قال وما هي قال لا تلحقني في شرطى ما أكره

[ 364 ]

قال فأخرج الملوك والتجار من الجانب الشرقي وترك أهل خجندة الذين هم أهلها على حالهم فقال كارزنج للحرشى ما تصنع قال أخاف عليكم معرة الجند قال وعظماؤهم مع الحرشى في العسكر نزلوا على معارفهم من الجند ونزل كارزنج على أيوب بن أبى حسان فبلع الحرشى أنهم قتلوا امرأة من نسائكن في أيديهم فقال لهم بلغني أن ثابتا الاشتيخنى قتل امرأة ودفنها تحت حائط فجحدوا فأرسل الحرشى إلى قاضى خجندة فنظروا فإذا المرأة مقتولة قال فدعا الحرشى بثابت فأرسل كارزنج غلامه إلى باب السرادق ليأتيه بالخبر وسأل الحرشى ثابتا وغيره عن المرأة فجحد ثابت وتيقن الحرشى أنه قتلها فقتله فرجع غلام كارزنج إليه بقتل ثابت فجعل يقبض على لحيته ويقرضها بأسنانه وخاف كارزنج أن يستعرضهم الحرشى فقال لايوب بن أبى حسان إنى ضيفك وصديقك فلا يجمل بك أن يقتل صديقك في سراويل خلق قال فخذ سراويلي قال وهذا لا يجمل أقتل في سراويلاتكم فسرح غلامك إلى جلنج ابن أخى يجيئونى بسراويل جديدة وكان قد قال لابن أخيه إذا أرسلت إليك أطلب سراويل فاعلم أنه القتل فلما بعث بسراويل أخرج فرندة خضراء فقطعها عصائب وعصبها برؤوس شاكريته ثم خرج هو وشاكريته فاعترض الناس فقتل ناسا ومر بيحيى بن حضين فنفحه نفحة على رجله فلم يزل يخمع منها وتضعضع أهل العسكر ولقى الناس منه شرا حتى انتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود في طريق ضيق فقتله ثابت بسيف عثمان بن مسعود وكان في أيدى السغد أسراء من المسلمين فقتلوا منهم خمسين ومائة ويقال قتلوا منهم أربعين قال فأفلت منهم غلام فأخبر الحرشى ويقال بل أتاه رجل فأخبره فسألهم فجحدوا فأرسل إليهم من علم علمهم فوجد الخبر حقا فأمر بقتلهم وعزل التجار عنهم وكان التجار أربعمائة كان معهم مال عظيم قدموا به من الصين قال فامتنع أهل السغد ولم يكن لهم سلاح فقاتلوا بالخشب فقتلوا عن آخرهم فلما كان الغد دعا الحراثين ولم يعلموا ما صنع أصحابهم فكان يختم في عنق الرجل ويخرج من حائط إلى حائط فيقتل وكانوا ثلاثة آلاف ويقال سبعة آلاف فأرسل جرير بن هميان والحسن بن أبى العمرطة ويزيد بن

[ 365 ]

أبى زينب فأحصوا أموال التجار وكانوا اعتزلوا وقالوا لا نقاتل فاصطفى أموال السغد وذراريهم فأخذ منه ما أعجبه ثم دعا مسلم بديل العدوى عدى الرباب فقال قد وليتك المقسم قال بعد ما عمل فيه عمالك ليلة وله غيرى فولاه عبيد الله بن زهير ابن حيان العدوى فأخرج الخمس وقسم الاموال وكتب الحرشى إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة فكان هذا مما وجد فيه عليه عمر بن هبيرة فقال ثابت قطنة يذكر ما أصابوا من عظمائهم أقر العين مصرع كازنج * وكشين وما لاقى بيار وديواشنى وما لاقى جلنج * بحصن خجند إذ دمروا فباروا ويروى أقر العين مصرع كارزنج وكشكيش ويقال إن ديواشنى دهقان أهل سمرقند واسمه ديواشنج فأعربوه ديواشنى ويقال كان على أقباض خجندة علباء ابن أحمر اليشكرى فاشترى رجل منه جونة بدرهمين فوجد فيها سبائك ذهب فرجع وهو واضع يده على لحيته كأنه رمد فرد الجونة وأخذ الدرهمين فطلب فلم يوجد قال وسرح الحرشى سليمان بن أبى السرى مولى بنى عوافة إلى قلعة لا يطيف بها وادى السغد إلا من وجه واحد ومعه شوكر بن حميك وخوارزم شاه وعورم صاحب أخرون وشومان فوجه سليمان بن أبى السرى على مقدمته المسيب بن بشر الرياحي فتلقوه من القلعة على فرسخ في قرية يقال لها كوم فهزمهم المسيب حتى ردهم إلى القلعة فحصرهم سليمان ودهقانها يقال له ديواشنى قال فكتب إليه الحرشى فعرض عليه أن يمده فأرسل إليه ملتقانا ضيق فسر إلى كس فإنا في كفاية الله إن شاء الله فطلب الديواشنى أن ينزل على حكم الحرشى وأن يوجهه مع المسيب ابن بشر إلى الحرشى فوفى له سليمان ووجهه إلى سعيد الحرشى فألطفه وأكرمه مكيدة فطلب أهل القلعة الصلح بعد مسيره على أن لا يعرض لمائة أهل بيت منهم ونسائهم وأبنائهم ويسلمون القلعة فكتب سليمان إلى الحرشى أن يبعث الامناء في قبض ما في القلعة قال فبعث محمد بن عزيز الكندى وعلباء بن أحمر اليشكرى فباعوا ما في القلعة مزايدة فأخذ الخمس وقسم الباقي بينهم وخرج الحرشى إلى كس

[ 366 ]

فصالحوه على عشرة آلاف رأس ويقال صالح دهقان كس واسمه ويك على ستة آلاف رأس يوفيه في أربعين يوما على أن لا يأتيه فلما فرغ من كس خرج إلى ربنجن فقتل الديواشنى وصلبه على ناوس وكتب على أهل ربنجن كتابا بمائة إن فقد من موضعه وولى نصر بن سيار قبض صلح كس ثم عزل سورة بن الحر وولى نصر بن سيار واستعمل سليمان ابن أبى السرى على كس ونسف حربها وخراجها وبعث برأس الديواشنى إلى العراق ويده اليسرى إلى سليمان بن أبى السرى إلى طخارستان قال وكانت خزار منيعة فقال المجشر بن مزاحم لسعيد بن عمرو الحرشى ألا أدلك على من يفتحها لك بغير قتال قال بلى قال المسربل بن الخريت ابن راشد الناجى فوجهه إليها وكان المسربل صديقا لملكها واسم الملك سبقرى وكانوا يحبون المسربل فأخبر الملك ما صنع الحرشى بأهل خجندة وخوفه قال فما ترى قال أرى أن تنزل بأمان قال فما أصنع بمن لحق بى من عوام الناس قال نصيرهم معك في أمانك فصالحهم فآمنوه وبلاده قال ورجع الحرشى إلى مرو ومعه سبقرى فلما نزل أسنان وقدم مهاجر بن يزيد الحرشى وأمره أن يوافيه ببرذون بن كشانيشاه قتل سبقرى وصلبه ومعه أمانه ويقال كان هذا دهقان ابن ماجر قدم على ابن هبيرة فأخذ أمانا لاهل السغد فحبسه الحرشى في قهندزمر فلما قدم مرو دعا به وقتله وصلبه في الميدان فقال الراجز: إذا سعيد سار في الاخماس * في رهج يأخذ بالانفاس دارت على الترك أمر الكاس * وطارت الترك على الاجلاس ولو فرارا عطل القياس (وفى هذه السنة) عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى عن المدينة ومكة وذلك للنصف من شهر ربيع الاول وكان عامله على المدينة ثلاث سنين (وفيها) ولى يزيد بن عبد الملك المدينة عبد الواحد النضرى

[ 367 ]

ذكر الخبر عن سبب عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة وما كان ولاه من الاعمال وكان سبب ذلك فيما ذكر محمد بن عمر عن عبد الله بن محمد بن أبى يحيى قال خطب عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى فاطمة ابنة الحسين فقالت والله ما أريد النكاح ولقد قعدت على بنى هؤلاء وجعلت تحاجزه وتكره أن تنابذه لما تخاف منه قال وألح عليها وقال والله لئن لم تفعلي لاجلدن أكبر بنيك في الخمر يعنى عبد الله بن الحسن فبينا هو كذلك وكان على ديوان المدينة ابن هرمز رجل من أهل الشام فكتب إليه يزيد أن يرفع حسابه ويدفع الديوان فدخل على فاطمة بنت الحسين يودعها فقال هل من حاجة فقالت تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضحاك وما يتعرض منى قال وبعثت رسولا بكتاب إلى يزيد تخبره وتذكر قرابتها ورحمها وتذكر ما ينال ابن الضحاك منها وما يتوعدها به قال فقدم ابن هرمز والرسول معا قال فدخل ابن هرمز على يزيد فاستخبره عن المدينة وقال هل كان من مغربة خبر فلم يذكر ابن هرمز من شأن ابنة الحسين فقال الحاجب أصلح الله الامير بالباب رسول فاطمة بنت الحسين فقال ابن هرمز أصلح الله الامير إن فاطمة بنت الحسين يوم خرجت حملتني رسالة اليك فأخبره الخبر قال فنزل من أعلى فراشه وقال لا أم لك أم أسألك هل من مغربة خبر وهذا عندك لا تخبرنيه قال فاعتذر بالنسيان قال فأذن للرسول فأدخله فأخذ الكتاب فاقترأه قال وجعل يضرب بخيزران في يديه وهو يقول لقد اجترأ ابن الضحاك هل من رجل يسمعني صوته في العذاب وأنا على فراشي قيل له عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النضرى قال فدعا بقرطاس فكتب بيده إلى عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النضرى وهو بالطائف سلام عليك. أما بعد فإنى قد وليتك المدينة فإذا جاءك كتابي هذا فاهبط واعز عنها ابن الضحاك وأغرمه أربعين ألف دينار وعذبه حتى أسمع صوته وأنا على فراشي قال وأخذ البريد الكتاب وقدم به المدينة ولم يدخل على ابن الضحاك وقد أوجست نفس ابن الضحاك فأرسل إلى البريد فكشف له عن

[ 368 ]

طرف المفرش فإذا ألف دينار فقال هذه ألف ديتار لك ولك العهد والميثاق لئن أنت أخبرتني خبر وجهك هذا دفعتها اليك فأخبره فاستنظر البريد ثلاثا حتى يسير ففعل ثم خرج ابن الضحاك فأغذ السير حتى نزل على مسلمة بن عبد الملك فقال أنا في جوارك فغدا مسلمة على يزيد فرققه وذكر حاجة جاء لها فقال كل حاجة تكلمت فيها هي في يدك ما لم يكن ابن الضحاك فقال هو والله ابن الضحاك فقال والله لا أعفيه أبدا وقد فعل ما فعل قال فرده إلى المدينة إلى النضرى قال عبد الله بن محمد فرأيته في المدينة عليه جبة من صوف يسأل الناس وقد عذب ولقى شرا وقدم النضرى يوم السبت للنصف من شوال سنة 104 (قال) محمد بن عمر حدثنى إبراهيم بن عبد الله بن أبى فروة عن الزهري قال قلت لعبد الرحمن بن الضحاك إنك تقدم على قومك وهم ينكرون كل شئ خالف فعلهم فالزم ما أجمعوا عليه وشاور القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله فإنهما لا يألونك رشدا قال الزهري فلم يأخذ بشئ من ذلك وعادى الانصار طرا وضرب أبا بكر بن حزم ظلما وعدوانا في باطل فما بقى منهم شاعر إلا هجاه ولا صالح إلا عابه وأتاه بالقبيح فلما ولى هشام رأيته ذليلا وولى المدينة عبد الواحد ابن عبد الله بن بشر فأقام بالمدينة لم يقدم عليهم وال أحب عليهم منه وكان يذهب مذاهب الخير لا يقطع أمرا إلا استشار فيه القاسم وسالما (وفي هذه السنة) غزا الجراح بن عبد الله الحكمى وهو أمير على أرمينية وآذربيجان أرض الترك ففتح على يديه بلنجرم وهزم الترك وغرقهم وعامة ذراريهم في الماء وسبوا ما شاؤا وفتح الحصون التى تلى بلنجر وجلا عامة أهلها (وفيها) ولد فيما ذكر أبو العباس عبد الله بن محمد بن على في شهر ربيع الآخر (وفيها) دخل أبو محمد الصادق وعدة من أصحابه من خراسان إلى محمد بن على وقد ولد أبو العباس قبل ذلك بخمس عشرة ليلة فأخرجه إليهم في خرقة وقال لهم والله ليتمن هذا الامر حتى تدركوا تأركم من عدوكم (وفى هذه السنة) عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشى عن خراسان وولاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي

[ 369 ]

ذكر الخبر عن سبب عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمر الحرشى عن خراسان ذكر أن سبب ذلك كان من موجدة وجدها عمر على الحرشى في أمر الديواشنى وذلك أنه كان كتب إليه يأمره بتخليته وقتله وكان يستخف بأمر ابن هبيرة وكان البريد والرسول إذا ورد من العراق قال له كيف أبو المثنى ويقول لكاتبه اكتب إلى أبى المثنى ولا يقول الامير ويكثر أن يقول قال أبو المثنى وفعل أبو المثنى فبلغ ذلك ابن هبيرة فدعا جميل بن عمران فقال له بلغني أشياء عن الحرشى فاخرج إلى خراسان وأظهر أنك قدمت تنظر في الدواوين واعلم لى علمه فقدم جميل فقال له الحرشى كيف تركت أبا المثنى فجعل ينظر في الدواوين فقيل للحرشى ما قدم جميل لينظر في الدواوين وما قدم الا ليعلم علمك فسم بطيخة وبعث بها إلى جميل فأكلها فمرض وتساقط شعره ورجع إلى ابن هبيرة فعولج واستبل وصح فقال لابن هبيرة الامر أعظم مما بلغك ما يرى سعيد إلا أنك عامل من عماله فغضب عليه وعزله وعذبه ونفح في بطنه النمل وكان يقول حين عزله لو سألني عمر درهما يضعه في عينه ما أعطيته فلما عذب أدى فقال له رجل ألم تزعم أنك لا تعطيه درهما قال لا تعنفني إنه لما أصابني الحديد جزعت فقال أذينة بن كليب أو كليب بن أذينة تصبر أبا يحيى فقد كنت علمنا * * * صبورا ونهاضا بثقل المغارم وقال على بن محمد إنما عضب عليه ابن هبيرة أنه وجه معقل بن عروة إلى هراة إما عاملا وإما في غير ذلك من أموره فنزل قبل أن يمر على الحرشى وأتى هراة فلم ينفد له ما قدم فيه وكتب إلى الحرشى فكتب الحرشى إلى عامله أن احمل إلى معقلا فحمله فقال له الحرشى ما منعك من إتيانى قبل أن تأتى هراة قال أنا عامل لابن هبيرة ولانى كما ولاك فضربه مائتين وحلقه فعزله ابن هبيرة واستعمل على خراسان مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة فكتب إلى الحرشى يلخنه فقال له سعيد بل هو ابن اللخناء وكتب إلى مسلم أن احمل إلى الحرشى مع معقل بن عروة فدفعه إليه فأساء به وضيق عليه ثم أمره يوما فعذبه وقال اقتله بالعذاب فلما أمسى ابن هبيرة سمر فقال من سيد قيس قالوا الامير قال دعوا هذا سيد قيس الكوثر (5 24)

[ 370 ]

ابن زفرلو بوق بليل لوافاه عشرون ألفا لا يقولون لما دعوتنا ولا يسألونه وهذا الحمار الذى في الحبس قد أمرت بقتله فارسها وأما خير قيس لها فعسى أن أكونه إنه لم يعرض إلى أمر أرى أنى أقدر فيه على منفعة وخير إلا جررته إليهم فقال له أعرابي من بنى فزارة ما أنت كما تقول لو كنت كذلك ما أمرت بقتل فارسها فأرسل إلى معقل أن كف عما كنت أمرتك به قال على قال مسلم بن المغيرة لما هرب ابن هبيرة أرسل خالد في طلبه سعيد بن عمر والحرشى فلحقه بموضع من الفرات يقطعه إلى الجانب الآخر في سفينة وفي صدر السفينة غلام لابن هبيرة يقال له قبيض فعرفه الحرشى فقال له قبيض قال نعم قال أفى السفينة أبو المثنى قال نعم قال فخرج إليه ابن هبيرة فقال له الحرشى أبا المثنى ما ظنك بى قال ظنى بك أنك لا تدفع رجلا من قومك إلى رجل من قريش قال هو ذاك قال فالنجا قال على قال أبو اسحاق بن ربيعة لما حبس ابن هبيرة الحرشى دخل عليه معقل بن عروة القشيرى فقال أصلح الله الامير قيدت فارس قيس وفضحته وما أنا براض عنه غير أنى لم أحب أن تبلغ منه ما بلغت قال أنت بينى وبينه قدمت العراق فوليته البصرة ثم وليته خراسان فبعث إلى ببرذون حطم واستخف بأمرى وخان فعزلته وقلت له يا ابن نسعة فقال لى يا ابن بسرة فقال معقل وفعل ابن الفاعلة ودخل على الحرشى السجن فقال يا ابن نسعة أمك دخلت واشتريت بثمانين عنزا جربا كانت مع الرعاء ترادفها الرعاء مطية الصادر والوارد تجعلها ندا لبنت الحارث بن عمرو بن حرجة وافترى عليه فلما عزل ابن هبيرة وقدم خالد العراق استعدى الحراشى على معقل ابن عروة وأقام البينة أنه قذفه فقال للحرشى اجلده فحده وقال لو لا أن ابن هبيرة وهن في عضدي لنقبت عن قلبك فقال رجل من بنى كلاب لمعقل أسأت إلى ابن عمك وقذفته فأداله الله منك فصرت لا شهادة لك في المسلمين وكان معقل حين ضرب الحد قذف الحرشى أيضا فأمر خالد باعادة الحد فقال القاضى لا يحد قال وأم عمر بن هبيرة بسرة بنت حسان عدوية من عدى الرباب (وفي هذه السنة) ولى عمر بن هبيرة مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة بن عمرو بن خويلد الصعق خراسان

[ 371 ]

بعد ما عزل سعيد بن عمر والحرشى عنها ذكر الخبر عن سبب توليته إياها (ذكر على بن محمد) أن أبا الذيال وعلى بن مجاهد وغيرهما حدثوه قالوا لما قتل سعيد بن أسلم ضم الحجاج ابنه مسلم بن سعيد مع ولده فتأدب ونبل فلما قدم عدى بن أرطاة أراد أن يوليه فشاور كاتبه فقال وله ولاية خفيفة ثم ترفعه فولاه ولاية فقام بها وضبطها وأحسن فلما وقعت فتنة يزيد بن المهلب حمل تلك الاموال إلى الشأم فلما قدم عمر بن هبيرة أجمع على أن يوليه ولاية فدعاه ولم يكن شاب بعد فنظر فرأى شيبة في لحيته فكبر قال ثم سمر ليلة ومسلم في سمره فتخلف مسلم بعد السمار وفي يد ابن هبيرة سفر جلة فرمى بها وقال أيسرك أن أوليك خراسان قال نعم قال غدوة إن شاء الله قال فلما أصبح جلس ودخل الناس فعقد لمسلم على خراسان وكتب عهده وأمره بالسير وكتب إلى عمال الخراج أن يكاتبوا مسلم ابن سعيد ودعا بجبلة بن عبد الرحمن مولى باهلة فولاه كرمان فقال جبلة ما صنعت بى المولوية كان مسلم ينبغى يطمع أن ألى ولاية عظيمة فأوليه كورة فعقد له على خراسان وعقد لى على كرمان قال فسار مسلم فقدم خراسان في آخر سنة 104 أو 103 نصف النهار فوافق پاب دار الامارة مغلقا فأتى دار الدواب فوجد الباب مغلقا فدخل المسجد فوجد باب المقصورة مغلقا فصلى وخرج وصيف من باب المقصورة فقيل له الامير فمشى بين يديه حتى أدخله مجلس الوالى في دار الامارة وأعلم الحرشى وقيل له قدم مسلم بن سعيد بن أسلم فأرسل إليه أقدمت أميرا أو وزيرا أو زائرا فأرسل إليه مثلى لا يقدم خراسان زائرا ولا وزيرا فأتاه الحرشى فشتمه وأمر بحبسه فقيل له إن أخرجته نهارا قتل فأمر بحبسه عنده حتى أمسى ثم حبسه ليلا وقيده ثم أمر صاحب السجن أن يزيده قيدا فأتاه حزينا فقال مالك فقال أمرت أن أزيدك قيدا فقال لكاتبه اكتب إليه إن صاحب سجنك ذكر أنك أمرته أن يزيدنى قيدا فان كان أمرا ممن فوقك فسمعا وطاعة وإن كان رأيا رأيته فسيرك الحقحقة وتمثل

[ 372 ]

هم إن يثقفوني يقتلوني * * * ومن أثقف فليس إلى خلود ويروى: فإما تثقفوني فاقتلوني * * * فمن أثقف فليس إلى خلود هم الاعداء إن شهدوا وغابوا * * * أولو الاحقاد والاكباد سود أريغونى إراغتكم فإنى * * * وحذقة كالشجا تحت الوريد ويروى: أريدوني إرادتكم، قال وبعث مسلم على كوره رجلا من قبله على حربها قال وكان ابن هبيرة حريصا أخذ قهرمانا ليزيد بن المهلب له علم بخراسان وبأشرافهم فحبسه فلم يدع منهم شريفا إلا قرفه فبعث أبا عبيدة العنبري ورجلا يقال له خالد وكتب إلى الحرشى وأمره أن يدفع الذين سماهم إليه يستأديهم فلم يفعل فرد رسول ابن هبيرة فلما استعمل ابن هبيرة مسلم بن سعيد أمره بحباية تلك الاموال فلما قدم مسلم أراد أخذ الناس بتلك الاموال التى قرفت عليهم فقيل له إن فعلت هذا بهؤلاء لم يكن لك بخراسان قرار وإن لم تعمل في هذا حتى توضع عنهم فسدت عليك وعليهم خراسان لان هؤلاء الذين تريد أن تأخذهم بهذه الاموال أعيان البلد قرفوا بالباطل إنما كان على مهزم بن جابر ثلثمائة ألف فزادوا مائة ألف فصارت أربعمائة ألف وعامة من سموا لك ممن كثر عليه بمنزله فكتب مسلم بذلك إلى ابن هبيرة وأوفد وفدا فيهم مهزم بن جابر فقال له مهزم بن جابر أيها الامير إن الذى رفع إليك الظلم والباطل ما علينا من هذا كله لو صدق إلا القليل الذى لو أخذنا به أديناه فقال ابن هبيرة إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها فقال اقرأ ما بعدها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل فقال ابن هبيرة لا بد من هذا المال قال أما والله لئن أخذته لتأخذنه من قوم شديدة شوكتهم ونكايتهم في عدوك وليضرن ذلك بأهل خراسان في عدتهم وكراعهم وحلقتهم ونحن في ثغر نكابد فيه عدوا لا ينقضى حربهم إن أحدنا ليلبس الحديد حتى يخلص صدأه إلى جلده حتى إن الخادم التى تخدم ارجل لتصرف وجهها عن مولاها وعن الرجل الذى تخدمه لريح الحديد وأنتم في بلادكم متفضلون في الرقاق وفي المعصفرة والذين قرفوا بهذه المال وجوه أهل خراسان وأهل الولايات والكلف العظام

[ 373 ]

في المغازى وقبلنا قوم قدموا علينا من كل فج عميق فجاؤا على الحمرات فولوا الولايات فاقتطعوا الاموال فهى عندهم موقرة جمة فكتب ابن هبيرة إلى مسلم بن سعيد بما قال الوفد وكتب إليه أن استخرج هذه الاموال ممن ذكر الوفد أنها عندهم فلما أتى مسلما كتاب ابن هبيرة أخذ أهل العهد بتلك الاموال وأمر حاجب بن عمرو الحارثى أن يعذبهم ففعل وأخذ منهم ما قرف عليهم (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الواحد بن عبد الله النضرى كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق ابن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وكان العامل على مكة والمدينة والطائف في هذه السنة عبد الواحد بن عبد الله النضرى وعلى العراق والمشرق عمر بن هبيرة وعلى قضاء الكوفة حسين بن الحسن الكندى وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى ثم دخلت سنة خمس ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك غزوة الجراح بن عبد الله الحكمى اللان حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون من وراء بلنجر ففتح بعض ذلك وجلى عنه بعض أهله وأصاب غنائم كثيرة (وفيها) كانت غزوة سعيد بن عبد الملك أرض الروم فبعث سرية في نحو من ألف مقاتل فأصيبوا فيما ذكر جميعا (وفيها) غزا مسلم بن سعيد الترك فلم يفتح شيئا فقفل ثم غزا أفشينة مدينة من مدائن السغد بعد في هذه السنة فصالح ملكها وأهلها ذكر الخبر عن ذلك (ذكر على بن محمد) عن أصحابه أن مسلم بن سعيد مرزب بهرام سيس فجعله المرزبان وإن مسلما غزا في آخر الصيف من سنة 105 فلم يفتح شيئا وقفل فاتبعه الترك فلحقوه والناس يعبرون نهر بلخ وتميم على الساقة وعبيد الله بن زهير بن حيان على خيل تميم فحاموا عن الناس حتى عبروا ومات يزيد بن عبد الملك وقام هشام

[ 374 ]

وغزا مسلم أفشين فصالح ملكها على ستة آلاف رأس ودفع إليه القلعة فانصرف لتمام سنة 105 (وفي هذه السنة) مات الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مران لخمس ليال بقين من شعبان منها حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي (وقال الواقدي) كانت وفاته ببلقاء من أرض دمشق وهو يوم مات ابن ثمان وثلاثين سنة وقال بعضهم كان ابن أربعين سنة وقال بعضهم ابن ست وثلاثين سنة فكانت خلافته في قول أبى معشر وهشام بن محمد وعلى بن محمد أربع سنين وشهرا وفي قول الواقدي أربع سنين وكان يزيد بن عبد الملك يكنى أبا خالد كذلك قال أبو معشر وهشام بن محمد والواقدى وغيرهم وقال على بن محمد توفى يزيد بن عبد الملك وهو ابن خمس وثلاثين سنة أو أربع وثلاثين سنة في شعبان يوم الجمعة لخمس بقين منه سنة 105 قال ومات بأربد من أرض البلقاء وصلى عليه ابنه الوليد وهو ابن خمس عشرة سنة وهشام بن عبد الملك يومئذ بحمص حدثنى بذلك عمر بن شبة عن على (وقال هشام بن محمد) توفى يزيد بن عبد الملك وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة (قال على) قال أبو معاوية أو غيره من اليهود ليزيد بن عبد الملك إنك تملك أربعين سنة فقال رجل من اليهود كذب لعنه الله إنما رأى أنه يملك أربعين قصبة والقصبة شهر فجعل الشهر سنة ذكر بعض سيره وأموره * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا على قال كان يزيد بن عاتكة من فتيانهم فقال يوما وقد طرب وعنده حبابة وسلامة دعوني أطير فقالت حبابة إلى من تدع الامة فلما مات قالت سلامة القس لا تلمنا إن خشعنا * * * أو هممنا بالخشوع قد لعمري بت ليلى * * * كأخى الداء الوجيع ثم بات الهم منى * * * دون من لى من ضجيع للذى حل بنا اليو * * * م من الامر الفظيع كلما أبصرت ربعا * * * خاليا فاضت دموعي

[ 375 ]

قد خلا من سيد كا * * * ن لنا غير مضيع ثم نادت واأمير المؤمنيناه والشعر لبعض الانصار (قال على) حج يزيد ابن عبد الملك في خلافة سليمان بن عبد الملك فاشترى حبابة وكان اسمها العالية بأربعة آلاف دينار من عثمان بن سهل بن خنيف فقال سليمان هممت أن أحجر على يزيد فرد يزيد حبابة فاشتراها رجل من أهل مصر فقالت سعدة ليزيد يا أمير المؤمنين هل بقى من الدنيا شئ تتمناه بعد قال نعم حبابة فأرسلت سعدة رجلا فاشتراها بأربعة آلاف دينار فصنعتها حتى ذهب عنها كلال السفر فأتت بها يزيد فأجلستها من وراء الستر فقالت يا أمير المؤمنين أبقى شئ من الدنيا تتمناه قال ألم تسأليني عن هذا مرة فأعلمتك فرفعت الستر وقالت هذه حبابة وقامت وخلتها عنده فحظيت سعدة عند يزيد وأكرمها وحباها وسعدة امرأة يزيد وهى من آل عثمان بن عفان (قال على) عن يونس بن حبيب إن حبابة جارية يزيد ابن عبد الملك غنت يوما بين التراقي واللهاة حرارة * * * ما تطمئن وما تسوغ فتبرد فأهوى ليطير فقالت يا أمير المؤمنين إن لنا فيك حاجة فمرضت وثقلت فقال كيف أنت يا حبابة فلم تجبه فبكى وقال لئن تسل عنك النفس أو تذهل الهوى * * * فباليأس يسلو القلب لا بالتجلد وسمع جارية لها تتمثل كفى حزنا بالهائم الصب أن يرى * * * منازل من يهوى معطلة قفرا فكان يتمثل بهذا (قال عمر) قال على مكث يزيد بن عبد الملك بعد موت حبابة سبعة أيام لا يخرج إلى الناس أشار عليه بذلك مسلمة وخاف أن يظهر منه شئ يسفهه عند الناس خلافة هشام بن عبد الملك (وفي هذه السنة) استخلف هشام بن عبد الملك لليال بقين من شعبان منها

[ 376 ]

وهو يوم استخلف ابن أربع وثلاثين سنة وأشهر * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى على قال حدثنا أبو محمد القرشى وأبو محمد الزيادي والمنهال بن عبد الملك وسحيم ابن حفص العجيفى قالوا ولد هشام بن عبد الملك عام قتل مصعب بن الزبير سنة 72 وأمه عائشة بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم وكانت حمقاء أمرها أهلها أن لا تكلم عبد الملك حتى تلد وكانت تثنى الوسائد وترك الوسادة وتزجرها كأنها دابة وتشترى الكندر فتمضغه وتعمل منه تماثيل وتضع التماثيل على الوسائد وقد سمت كل تمثال باسم جارية وتنادى يا فلانة ويا فلانة فطلقها عبد الملك لحمقها وسار عبد الملك إلى مصعب فقتله فلما قتله بلغه مولد هشام فسماه منصورا يتفاءل بذلك وسمته أمه باسم أبيها هشام فلم ينكر ذلك عبد الملك وكان هشام يكنى أبا الوليد * وذكر محمد بن عمر عمن حدثه أن الخلافة أتت هشاما وهو بالزيتونة في منزله في دويرة له هناك (قال محمد بن عمر) وقد رأيتها صغيرة فجاءه البريد بالعصا والخاتم وسلم عليه بالخلافة فركب هشام من الرصافة حتى أتى دمشق (وفي هذه السنة) قدم بكير بن ماهان من السند وكان بها مع الجنيد بن عبد الرحمن ترجمانا له فلما عزل الجنيد بن عبد الرحمن قدم الكوفة ومعه أربع لبنات من فضة ولبنة من ذهب فلقى أبا عكرمة الصادق وميسرة ومحمد بن خنيس وسالما الاعين وأبا يحيى مولى بنى سلمة فذكروا له أمر دعوة بنى هاشم فقبل ذلك ورضيه وأنفق ما معه عليهم ودخل إلى محمد بن على ومات ميسرة فوجه محمد بن على بكير بن ماهان إلى العراق مكان ميسرة فأقامه مقامه (وحج) بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل والنضري على المدينة قال الواقدي حدثنى إبراهيم بن محمد بن شرحبيل عن أبيه قال كان إبراهيم بن هشام بن إسماعيل حج فأرسل إلى عطاء بن رباح متى أخطب بمكة قال بعد الظهر قبل التروية بيوم فخطب قبل الظهر وقال أمرنى رسولي بهذا عن عطاء فقال عطاء ما أمرته إلا بعد الظهر قال فاستحيى إبراهيم بن هشام يومئذ وعدوه منه جهلا (وفى هذه السنة) عزل هشام بن عبد الملك عمر بن هبيرة عن العراق وما كان إليه من عمل المشرق وولى ذلك كله خالد بن عبد الله القسرى في

[ 377 ]

شوال * ذكر محمد بن سلام الجمحى عن عبد القاهر بن السرى عن عمر بن يزيد بن عمير الاسيدى قال دخلت على هشام بن عبد الملك وعنده خالد بن عبد الله القسرى وهو يذكر طاعة أهل اليمن قال فصفقت تصفيقة بيدى دق الهواء منها فقلت تالله ما رأيت هكذا خطأ ولا مثله خطلا والله ما فتحت فتنة في الاسلام إلا بأهل اليمن هم قتلوا أمير المؤمنين عثمان وهم خلعوا أمير المؤمنين عبد الملك وإن سيوفنا لتقطر من دماء آل المهلب قال فلما قمت تبعني رجل من آل مروان كان حاضرا فقال يا أخا بنى تميم ورت بك زنادى قد سمعت مقالتك وأمير المؤمنين مول خالدا العراق وليست لك بدار * ذكر عبد الرزاق أن حماد بن سعيد الصنعانى قال أخبرني زياد بن عبيد الله قال أتيت الشأم فاقترضت فبينا أنا يوما على الباب باب هشام إذ خرج على رجل من عند هشام فقال لى ممن أنت يا فتى قلت يمان قال فمن أنت قلت زياد بن عبيد الله ابن عبد المدان قال فتبسم وقال قم إلى ناحية العسكر فقل لاصحابي ترتحلوا فان أمير المؤمنين قد رضى عنى وأمرني بالمسير ووكل بى من يخرجني قال قلت من أنت يرحمك الله قال خالد بن عبد الله القسرى قال ومرهم يا فتى أن يعطوك منديل ثيابي وبرذونى الاصفر فلما جزت قليلا نادانى فقال يا فتى وإن سمعت بى قد وليت إلى العراق يوما فألحق بى قال فذهبت إليهم فقلت إن الامير قد أرسلني إليكم بأن أمير المؤمنين قد رضى عنه وأمره بالمسير فجعل هذا يحتضنني وهذا يقبل رأسي فلما رأيت ذلك منهم قلت وقد أمرنى أن تعطوني منديل ثيابه وبرذونه الاصفر قالوا إى والله وكرامة قال فأعطوني منديل ثيابه وبرذونه الاصفر فما أمسى بالعسكر أحد أجود ثيابا منى ولا أجود مركبا منى فلم ألبث إلا يسيرا حتى قيل قد ولى خالد العراق فركبني من ذلك هم فقال لى عريف لنا مالى أراك مهموما قلت أجل قد ولى خالد كذا وكذا وقد أصبت ههنا رزيقا عشت به وأخشى أن أذهب إليه فيتغير على فيفوتني ههنا وههنا فلست أدرى كيف أصنع فقال لى هل لك في خصلة قلت وما هي قال توكلني بأرزاقك وتخرج فان أصبت ما تحب فلى أرزاقك

[ 378 ]

وإلا رجعت فدفعتها إليك فقلت نعم وخرجت فلما قدمت الكوفة لبست من صالح ثيابي وأذن للناس فتركتهم حتى أخذوا مجالسهم ثم دخلت فقمت بالباب فسلمت ودعوت وأثنيت فرفع رأسه فقال أحسنت بالرحب والسعة فما رجعت إلى منزلي حتى أصبت ستمائة دينار بين نقد وعرض ثم كنت أختلف إليه فقال لى يوما هل تكتب يا زياد فقلت أقرأ ولا أكتب أصلح الله الامير فضرب بيده على جبينه وقال إنا لله وإنا إليه راجعون سقط منك تسعة أعشار ما كنت أريده منك وبقى لك واحدة فيها غنى الدهر قال قلت أيها الامير هل في تلك الواحدة ثمن غلام قال وماذا حينئذ قلت تشترى غلاما كاتبا تبعث به إلى فيعلمني قال هيهات كبرت عن ذلك قال قلت كلا فاشترى غلاما كاتبا حاسبا بستين دينارا فبعث به إلى فأكببت على الكتاب وجعلت لا آتيه إلا ليلا فما مضت إلا خمس عشرة ليلة حتى كتبت ما شئت وقرأت ما شئت قال فانى عنده ليلة إذ قال ما أدرى هل أنجحت من ذلك الامر شيئا قلت نعم أكتب ما شئت وأقرأ ما شئت قال إنى أراك ظفرت منه بشئ يسير فأعجبك قلت كلا فرفع شادكونه فإذا طومار فقال اقرأ هذا الطومار فقرأت ما بين طرفيه فإذا هو من عامله على الرى فقال أخرج فقد وليتك عمله فخرجت حتى قدمت الرى فأخذت عامل الخراج فأرسل إلى أن هذا أعرابي مجنون فان الامير لم يول على الخراج عربيا قط وإنما هو عامل المعونة فقل له فليقرنى على عملي وله ثلثمائة ألف قال فنظرت في عهدي فإذا أنا على المعونة فقلت والله لا انكسرت ثم كتبت إلى خالد إنك بعثتني على الرى فظننت أنك جمعتها لى فأرسل إلى صاحب الخراج أن أقره على عمله ويعطيني ثلثمائة ألف درهم فكتب إلى أن اقبل ما أعطاك واعلم أنك مغبون فأقمت بها ما أقمت ثم كتبت أنى قد اشتقت اليك فارفعني اليك ففعل فلما قدمت عليه ولانى الشرطة * وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد بن عبد الله النضرى وعلى قضاء الكوفة حسين بن حسن الكندى وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس وقد قيل إن هشاما إنما استعمل خالد بن عبد الله القسرى على العراق وخراسان

[ 379 ]

في سنة 106 وأن عامله على العراق وخراسان في سنة 105 كان عمر بن هبيرة ثم دخلت سنة ست ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث (ففى هذه السنة) عزل هشام بن عبد الملك عن المدينة عبد الواحد بن عبد الله النضرى وعن مكة والطائف وولى ذلك كله خاله ابراهيم بن هشام بن اسماعيل المخزومى فقدم المدينة يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من جمادى الآخرة سنة 106 فكانت ولاية النضرى على المدينة سنة وثمانية أشهر (وفيها) غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة (وفيها) غزا الحجاج بن عبد الملك اللان فصالح أهلها وأدوا الجزية (وفيها) ولد عبد الصمد بن على في رجب (وفيها) مات الامام طاووس مولى بحير بن ريسام الحميرى بمكة وسالم بن عبد الله بن عمر فصلى عليهما هشام وكان موت طاووس بمكة وموت سالم بالمدينة * حدثنى الحارث قال حدثنا بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى عبد الحكيم بن عبد الله بن أبى فروة قال مات سالم بن عبد الله سنة 105 في عقب ذى الحجة فصلى عليه هشام بن عبد الملك بالبقيع فرأيت القاسم بن محمد بن أبى بكر جالسا عند القبر وقد أقبل هشام ما عليه إلا دراعة فوقف على القاسم فسلم عليه فقام إليه القاسم فسأله هشام كيف أنت يا أبا محمد كيف حالك قال بخير قال انى أحب والله أين يجعلكم بخيره ورأى في الناس كثرة فضرب عليهم بعث أربعة آلاف فسمى عام الاربعة آلاف (وفيها استقضى ابراهيم بن هشام محمد بن صفوان الجمحى ثم عزله واستقضى الصلت الكندى (وفي هذه السنة) كانت الوقعة التى كانت بين المضرية واليمانية وربيعة بالبروقان من أرض بلخ (ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة) وكان سبب ذلك فيما قيل أن مسلم بن سعيد غزا فقطع النهر وتباطأ الناس عنه وكان ممن تباطأ عنه البخترى بن درهم فلما أتى النهر رد نصر بن سيار وسليم بن سليمان بن عبد الله بن خازم وبلعاء بن مجاهد بن بلعاء العنبري وأبا حفص بن وائل الحنظلي

[ 380 ]

وعقبة بن شهاب المازنى وسالم بن ذؤابة إلى بلخ وعليهم جميعا نصر بن سيار وأمرهم أن يخرجوا الناس إليه فأحرق نصر باب البخترى وزياد بن ظريف الباهلى فمنعهم عمرو بن مسلم من ذخول بلخ وكان عليها وقطع مسلم بن سعيد النهر فنزل نصر البروقان فأتاه أهل صغانيان وأتاه مسلمة العقفانى من بنى تميم وحسان ابن خالد الاسدي كل واحد منهما في خمسمائة وأتاه سنان الاعرابي وزرعة ابن علقمة وسلمة بن أوس والحجاج بن هارون النميري في أهل بيته وتجمعت بكر والازد بالبروقان رأسهم البخترى وعسكر بالبروقان على نصف فرسخ منهم فأرسل نصر إلى أهل بلخ قد أخذتم أعطياتكم فالحقوا بأميركم فقد قطع النهر فخرجت مضر إلى نصر وخرجت ربيعة والازد إلى عمرو بن مسلم وقال قوم من ربيعة إن مسلم بن سعيد يريد أن يخلع فهو يكرهنا على الخروج فأرسلت تغلب إلى عمرو بن مسلم إنك منا وأنشدوه شعرا قاله رجل عزا باهلة إلى تغلب وكان بنو قتيبة من باهلة فقالوا إنا من تغلب فكرهت بكر أن يكونوا في تغلب فتكثر تغلب فقال رجل منهم زعمت قتيبة أنها من وائل * * * نسب بعيد يا قتيبة فاصعدي وذكر أن بنى معن من الازد يدعون باهلة وذكر عن شريك بن أبى قيلة المعنى أن عمرو بن مسلم كان يقف على مجالس بنى معن فيقول لئن لم نكن منكم ما نحن بعرب وقال عمرو بن مسلم حين عزاه التغلبي إلى بنى تغلب أما القرابة فلا أعرفها وأما المنع فإنى سأمنعكم فسفر الضحاك بن مزاحم ويزيد بن المفضل الحدانى وكلما نصرا وناشداه فانصرف فحمل أصحاب عمرو بن مسلم والبخترى على نصر ونادوا يال بكر وجالوا وكر نصر عليهم فكان أول قتيل رجل من باهلة ومع عمرو ابن مسلم البخترى وزياد بن طريف الباهلى فقتل من أصحاب عمرو بن مسلم في المعركة ثمانية عشر رجلا وقتل كردان أخو الفرافصة ومسعدة ورجل من بكر ابن وائل يقال له إسحاق سوى من قتل في السكك وانهزم عمرو بن مسلم إلى القصر وأرسل إلى نصر ابعث إلى بلعاء بن مجاهد فأتاه بلعاء فقال خذلى أمانا منه فآمنه

[ 381 ]

نصر وقال لولا أنى أشمت بك بكر بن وائل لقتلتك * وقيل أصابوا عمرو بن مسلم في طاحونة فأتوا به نصرا في عنقه حبل فآمنه نصر وقال له ولزياد بن طريف والبخترى ابن درهم الحقوا بأميركم * وقيل بل التقى نصر وعمرو بالبروقان فقتل من بكر بن وائل واليمن ثلاثون فقالت بكر علام نقاتل إخواننا وأميرنا وقد تقربنا إلى هذا الرجل فأنكر قرابتنا فاعتزلوا وقاتلت الازد ثم انهزموا ودخلوا حصنا فحصرهم نصر ثم أخذ عمرو بن مسلم والبخترى أحد بنى عباد وزياد بن طريف الباهلى فضربهم نصر مائة مائة وحلق رؤوسهم ولحاهم وألبسهم المسوح وقيل أخذ البخترى في غيضة كان دخلها فقال نصر في يوم البروقان أرى العين لجت في ابتدار وما الذى * يرد عليها بالدموع ابتدارها فما أنا بالوانى إذ الحرب شمرت * تحرق في شطر الخميسين نارها ولكننى أدعو لها خندف التى * تطلع بالعب ء الثقيل فقارها وما حفظت بكر هنالك حلفها * فصار عليها عار قيس وعارها فإن تك بكر بالعراق تنزرت * ففى أرض مرو علها وازورارها وقد جربت يوم البروقان وقعة * لخندف إذ حانت وآن بوارها أتتنى لقيس في بجيلة وقعة * وقد كان قبل اليوم طال انتظارها يعنى حين أخذ يوسف بن عمر خالدا وعياله * وذكر على بن محمد أن الوليد ابن مسلم قال قاتل عمرو بن مسلم نصر بن سيار فهزمه عمرو فقال لرجل من بنى تميم كان معه كيف ترى أستاه قومك يا أخا بنى تميم يعيره بهزيمتهم ثم كرت تميم فهزموا أصحاب عمرو فانجلى الرهج وبلعاء بن مجاهد في جمع من بنى تميم يشلهم فقال التميمي لعمرو هذه أستاه قومي قال وانهزم عمرو فقال بلعاء لاصحابه لا تقتلوا الاسرى ولكن جردوهم وجوبوا سراويلاتهم عن أدبارهم ففعلوا فقال بيان العنبري يذكر حربهم بالبروقان أتانى ورحلي بالمدينة وقعة * لال تميم أرجفت كل مرجف تظل عيون البرش بكر بن وائل * إذا ذكرت قتلى البروقان تذرف

[ 382 ]

هم أسلموا للموت عمرو بن مسلم * وولوا شلالا والاسنة ترعف وكانت من الفتيان في الحرب عادة * ولم يصبروا عند القنا المتقصف (وفى هذه السنة) غزا مسلم بن سعيد الترك فورد عليه عزله من خراسان من خالد بن عبد الله وقد قطع النهر لحربهم وولاية أسد بن عبد الله عليها ذكر الخبر عن غزوة مسلم بن سعيد هذه الغزوة * ذكر على بن محمد عن أشياخه أن مسلما غزافى هذه السنة فخطب الناس في ميدان يزيد وقال ما أخلف بعدى شيئا أهم عندي من قوم يتخلفون بعدى مخلفي الرقاب يتواثبون الجدران على نساء المجاهدين اللهم افعل بهم وافعل وقد أمرت نصرا ألا يجد متخلفا إلا قتله وما أرثى لهم من عذاب ينزله الله بهم يعنى عمرو بن مسلم وأصحابه فلما صار ببخارى أتاه كتاب من خالد بن عبد الله القسرى بولايته على العراق وكتب إليه أتمم غزاتك فسار إلى فرغانة فقال أبو الضحاك الرواحى أحد بنى رواحة من بنى عبس وعداده في الازد وكان ينظر في الحساب ليس على متخلف العام معصية فتخلف أربعة آلاف وسار مسلم بن سعيد فلما صار بفرغانة بلغه أن خاقان قد أقبل إليه وأتاه شميل أو شبيل بن عبد الرحمن المازنى فقال عاينت عسكر خاقان في موضع كذا وكذا فأرسل إلى عبد الله بن أبى عبد الله الكرماني مولى بنى سليم فأمره بالاستعداد للمسير فلما أصبح ارتحل بالعسكر فسار ثلاث مراحل في يوم ثم سار من غد حتى قطع وادى السبوح فأقبل إليهم خاقان وتوافت إليه الخيل فأنزل عبد الله بن أبى عبد الله قوما من العرفاء والموالي فأغار الترك على الذين أنزلهم عبد الله ذلك الموضع فقتلوهم وأصابوا دواب لمسلم وقتل المسيب بن بشر الرياحي وقتل البراء وكان من فرسان المهلب وقتل أخو غوزك وثار الناس في وجوههم فأخرجوهم من العسكر ودفع مسلم لواءه إلى عامر بن مالك الحمانى ورحل بالناس فساروا ثمانية أيام وهم مطيفون بهم فلما كانت الليلة التاسعة أراد النزول فشاور الناس فأشاروا عليه بالنزول وقالوا إذا أصبحنا وردنا الماء والماء منا غير بعيد وإنك إن نزلت المرج تفرق الناس في الثمار وانتهب عسكرك فقال لسورة بن الحر يا أبا العلاء ما ترى قال أرى ما رأى

[ 383 ]

الناس ونزلوا قال ولم يرفع بناء في العسكر وأحرق الناس ما ثقل من الانية والامتعة فحرقوا قيمة ألف ألف وأصبح الناس فساروا فوردوا الماء فإذا دون النهر أهل فرغانة والشاش فقال مسلم بن سعيد اعزم على كل رجل إلا اخترط سيفه ففعلوا فصارت الدنيا كلها سيوفا فتركوا الماء وعبروا فأقام يوما ثم قطع من غد وأتبعهم ابن الخاقان قال فأرسل حميد بن عبد الله وهو على الساقة إلى مسلم قف ساعة فإن خلفي مائتي رجل من الترك حتى أقاتلهم وهو مثقل جراحة فوقف الناس فعطف على الترك فأسر أهل السغد وقائدهم وقائد الترك في سبعة وانصرف البقية ومضى حميد ورمى بنشابة في ركبته فمات وعطش الناس وقد كان عبد الرحمن بن نعيم العامري حمل عشرين قربة على إبله فلما رأى جهد الناس أخرجها فشربوا جرعا واستسقى يوم العطش مسلم بن سعيد فأتوه بإناء فأخذه جابر أو حارثة بن كثير أخو سليمان بن كثير من فيه فقال مسلم دعوه فلما نازعنى شربتي إلا من حر دخله فأتوا خجندة وقد أصابتهم مجاعة وجهد فانتشر الناس فإذا فارسان يسألان عن عبد الرحمن بن نعيم فأتياه بعهده على خراسان من أسد ابن عبد الله فأقرأه عبد الرحمن مسلما فقال سمعا وطاعة قال وكان عبد الرحمن أول من اتخذ الخيام في مفازة آمل قال وكان أعظم الناس غنى يوم العطش إسحاق ابن محمد الغدانى فقال حاجب الفيل لثابت قطنة وهو ثابت بن كعب نقضى الامور وبكر غير شاهدها * بين المجاذيف والسكان مشغول ما يعرف الناس منه غير قطنته * وما سواها من الاباء مجهول وكان لعبد الرحمن بن نعيم من الولد نعيم وشديد وعبد السلام وإبراهيم والمقداد وكان أشدهم نعيم وشديد فلما عزل مسلم بن سعيد قال الخزرج التغلبي قاتلنا الترك فأحاطوا بالمسلمين حتى أيقنوا بالهلاك فنظرت إليهم وقد اصفرت وجوههم فحمل حوثرة بن يزيد بن الحر بن الحنيف بن نصر بن يزيد ابن جعونة على الترك في أربعة آلاف فقاتلهم ساعة ثم رجع وأقبل نصر بن سيار في ثلاثين فارسا فقاتلهم حتى أزالهم عن مواضعهم وحمل الناس عليهم فانهزم

[ 384 ]

الترك قال وحوثرة هذا هو ابن أخى رقبة بن الحرقال وكان عمر بن هبيرة قال لمسلم بن سعيد حين ولاه خراسان ليكن حاجبك من صالح مواليك فإنه لسانك والمعبر عنك وحث صاحب شرطتك على الامانة وعليك بعمال العذر قال وما عمال العذر قال مر أهل كل بلد أن يختاروا لانفسهم فإذا اختاروا رجلا فوله فان كان خيرا كان لك وإن كان شرا كان لهم دونك وكنت معذورا قال وكان مسلم بن سعيد كتب إلى ابن هبيرة أن يوجه إليه توبة بن أبى أسيد مولى بنى العنبر فكتب ابن هبيرة إلى عامله بالبصرة احمل إلى توبة بن أبى أسيد فحمله فقدم وكان رجلا جميلا جهيرا له سمت فلما دخل على ابن هبيرة قال ابن هبيرة مثل هذا فليول ووجه به إلى مسلم فقال له مسلم هذا خاتمي فاعمل برأيك فلم يزل معه حتى قدم أسد بن عبد الله فأراد توبة أن يشخص مع مسلم فقال له أسد أقم معى فأنا أحوج اليك من مسلم فأقام معه فأحسن إلى الناس وألان جانبه وأحسن إلى الجند وأعطاهم أرزاقهم فقال له أسد حلفهم بالطلاق ولا يتخلف أحد عن مغزاه ولا يدخل بديلا فأبى ذلك توبة فلم يحلفهم بالطلاق قال وكان الناس بعد توبة يحلفون الجند بتلك الايمان فلما قدم عاصم بن عبد الله أراد أن يحلف الناس بالطلاق فأبوا وقالوا نحلف بأيمان توبة قال فهم يعرفون ذلك يقولون أيمان توبة (وحج) بالناس في هذه السنة هشام بن عبد الملك حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره لا خلاف بينهم في ذلك قال الواقدي حدثنى ابن أبى الزناد عن أبيه قال كتب إلى هشام بن عبد الملك قبل أن يدخل المدينة أن اكتب لى سنن الحج فكتبتها له وتلقاه أبو الزناد قال أبو الزناد فإنى يومئذ في الموكب خلفه وقد لقيه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان وهشام يسير فنزل له فسلم عليه ثم سار إلى جنبه فصاح هشام أبو الزناد فتقدمت فسرت إلى جنبه الاخر فأسمع سعيدا يقول يا أمير المؤمنين إن الله لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين وينصر خليفته المظلوم ولم يزالوا يلعنون في هذه المواطن الصالحة أبا تراب فأمير المؤمنين

[ 385 ]

ينبغى له أن يلعنه في هذه المواطن الصالحة قال فشق على هشام وثقل عليه كلامه ثم قال ما قدمنا لشتم أحد ولا للعنه قدمنا حجاجا ثم قطع كلامه وأقبل على فقال يا عبد الله بن ذكوان فرغت مما كتبت إليك فقلت نعم فقال أبو الزناد وثقل على سعيد ما حضرته يتكلم به عند هشام فرأيته منكسرا كلما رأني (وفى هذه السنة) كلم إبراهيم بن محمد بن طلحة هشام بن عبد الملك وهشام واقف قد صلى في الحجر فقال له أسألك بالله وبحرمة هذا البيت والبلد الذى خرجت معظما لحقه إلا رددت على ظلامتي قال أي ظلامة قال دارى قال فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك قال ظلمنى والله قال فعن الوليد بن عبد الملك قال ظلمنى والله قال فعن سليمان قال ظلمنى قال فعن عمر بن عبد العزيز قال يرحمه الله ردها والله على قال فعن يزيد بن عبد الملك قال ظلمنى والله هو قبضها منى بعد قبضي لها وهى في يديك قال هشام أما والله لو كان فيك ضرب لضربتك فقال ابراهيم في والله ضرب بالسيف والسوط فانصرف هشام والابرش خلفه فقال أبا مجاشع كيف سمعت هذا اللسان قال ما أجود هذا اللسان قال هذه قريش وألسنتها ولا يزال في الناس بقايا ما رأيت مثل هذا (وفى هذه السنة) قدم خالد ابن عبد الله القسرى أميرا على العراق (وفيها) استعمل خالد أخاه أسد بن عبد الله أميرا على خراسان فقدمها ومسلم بن سعيد غاز بفرغانة فذكر عن أسد أنه لما أتى النهر ليقطع منعه الاشهب بن عبيد التميمي أحد بنى غالب وكان على السفن بآمل فقال له أسد اقطعني فقال لا سبيل إلى إقطاعك لانى نهيت عن ذلك قال لا طفوه وأطمعوه فأبى قال فإنى الامير ففعل فقال اسد اعرفوا هذا حتى نشركه في أمانتنا فقطع النهر فأتى السغد فنزل مرجها وعلى خراج سمرقند هانئ بن هانئ فخرج في الناس يتلقى أسدا فأتوه بالمرج وهو جالس على حجر فتفاءل الناس فقالوا أسد على حجر ما عند هذا خير فقال له هانئ أقدمت أميرا فنفعل بك ما نفعل بالامراء قال نعم قدمت أميرا ثم دعا بالغداء فتغدى بالمرج وقال من ينشط بالمسير وله أربعة عشر درهما ويقال قال ثلاثة عشر درهما وها هي في كمى وإنه ليكى ويقول إنما

[ 386 ]

أنا رجل مثلكم وركب فدخل سمرقند وبعث رجلين معهما عهد عبد الرحمن بن نعيم على الجند فقدم الرجلان على عبد الرحمن بن نعيم وهو في وادى افشين على الساقة وكانت الساقة على أهل سمرقند الموالى وأهل الكوفة فسألا عن عبد الرحمن فقالوا هو في الساقة فأتياه بعهد وكتاب بالقفل والاذن لهم فيه فقرأ الكتاب ثم أتى به مسلما وبعهده فقال مسلم سمعا وطاعة فقام عمرو بن هلال السدوسى ويقال التيمى فقنعه سوطين لما كان منه بالبروقان إلى بكر بن وائل وشتمه حسين بن عثمان بن بشر بن المحتفز فغضب عبد الرحمن بن نعيم فزجرهما ثم أغلظ لهما وأمر بهما فدفعا وقفل بالناس وشخص معه مسلم * فذكر على بن محمد عن أصحابه أنهم قدموا على أسد وهو بسمرقند فشخص أسد إلى مرو وعزل هانئا واستعمل على سمرقند الحسن بن أبى العمرطة الكندى من ولد آكل المرار قال فقدمت على الحسن امرأته الجنوب ابنة القعقاع بن الاعلم رأس الازد ويعقوب بن القعقاع قاضى خراسان فخرج يتلقاها وغزاهم الترك فقيل له هؤلاء الترك قد أتوك وكانوا سبعة آلاف فقال ما أتو نابل أتيناهم وغلبناهم على بلادهم واستعبدناهم وايم الله مع هذا لا دنينكم منهم ولا قرنن نواصى خيلكم بنواصي خيلهم قال ثم خرج فتباطأ حتى أغاروا وانصرفوا فقال الناس خرج إلى مرأته يتلقاها مسرعا وخرج إلى العدو متباطئا فبلغه فخطبهم فقال تقولون وتعيبون اللهم اقطع آثارهم وعجل أقدارهم وأنزل بهم الضراء وارفع عنهم السراء فشتمه الناس في أنفسهم وكان خليفته حين خرج إلى الترك ثابت قطنة فخطب الناس فحصر فقال من يطع الله ورسوله فقد ضل وأرتج عليه فلم ينطق بكلمة فلما نزل عن المنبر قال: إن لم أكن فيكم خطيبا فإننى * بسيفي إذا جد الوغى لخطيب فقيل له لو قلت هذا على المنبر لكنت خطيبا فقال حاجب الفيل اليشكرى يعيره حصره أبا العلاء لقد لاقيت معضلة * يوم العروبة من كرب وتخنيق تلوى اللسان إذا رمت الكلام به * كما هوى زلق من شاهق النيق لما رمتك عيون الناس ضاحية * أنشأت تجرض لما قمت بالريق

[ 387 ]

أما القران فلا تهدى لمحكمة * من القران ولا تهدى لتوفيق (وفى هذه السنة) ولد عبد الصمد بن على في رجب وكان العامل على المدينة ومكة والطائف في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومى وعلى العراق وخراسان خالد بن عبد الله القسرى وعامل خالد على صلاة البصرة عقبة بن عبد الاعلى وعلى شرطتها مالك بن المنذر بن الجارود وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله بن أنس وعلى خراسان أسد بن عبد الله ثم دخلت سنة سبع ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من خروج عباد الرعينى باليمن محكما فقتله يوسف بن عمر وقتل معه أصحابه كلهم وكانوا ثلاثمائة (وفيها) غزا للصائفة معاوية بن هشام وعلى جيش الشأم ميمون بن مهران فقطع النهر حتى عبر إلى قبرس وخرج معهم البعث الذى كان أمر به في حجته سنة 6 فقد موا في سنة 7 على الجعائل غزا منهم نصفهم وأقام النصف وغزا البر مسلمة بن عبد الملك (وفيها) وقع بالشأم طاعون شديد (وفيها) وجه بكير بن ماهان أبا عكرمة وأبا محمد الصادق ومحمد بن خنيس وعمار العبادي في عدة من شيعتهم معهم زياد خال الوليد الازرق دعاة إلى خراسان فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد الله فوشى بهم إليه فأتى بأبى عكرمة ومحمد بن خنيس وعامة أصحابه ونجا عمار فقطع أسد أيدى من ظفر به منهم وأرجلهم وصلبهم فأقبل عمار إلى بكير ابن ماهان فأخبره الخبر فكتب به إلى محمد بن على فأجابه الحمد لله الذى صدق مقالتكم ودعوتكم وقد بقيت منكم قتلى ستقتل (وفى هذه السنة) حمل مسلم بن سعيد إلى خالد بن عبد الله وكان أسد بن عبد الله له مكرما بخراسان لم يعرض له ولم يحبسه فقدم مسلم وابن هبيرة مجمع على الهرب فنهاه عن ذلك مسلم وقال له إن القوم فينا أحسن رأيا منكم فيهم (وفى هذه السنة) غزا أسد جبال نمرون ملك الغرشستان مما يلي جبال الطالقان فصالحه أنمرون وسلم على يديه فهم اليوم

[ 388 ]

يتولون اليمن (وفيها) غزا أسد الغور وهى جبال هراة ذكر الخبر عن غزوة أسد هذه الغزوة ذكر على بن محمد عن أشياخه أن أسدا غزا الغور فعمد أهلها إلى أثقالهم فصيروها في كهف ليس إليه طريق فأمر أسد باتخاذ توابيت ووضع فيها الرجال ودلاها بالسلاسل فاستخرجوا ما قدروا عليه فقال ثابت قطنة أرى أسدا تضمن مفظعات * تهيبها الملوك ذوو الحجاب سما بالخيل في أكناف مرو * وتوفزهن بين هلا وهاب إلى غورين حيث حوى أزب * وصك بالسيوف وبالحراب هدانا الله بالقتلى تراها * مصلبة بأفواه الشعاب ملاحم لم تدع لسراة كلب * مهاترة ولا لبنى كلاب فأوردها النهاب وآب منها * بأفضل ما يصاب من النهاب وكان إذا أناخ بدار قوم * أراها المخزيات من العذاب ألم يزر الجبال جبال ملع * ترى من دونها قطع السحاب بأرعن لم يدع لهم شريدا * وعاقبها الممض من العقاب وملع من جبال خوط فيها تعمل الحزم الملعية (وفى هذه السنة) نقل أسد من كان بالبروقان من الجند إلى بلخ فأقطع كل من كان له بالبروقان مسكن مسكنا بقدر مسكنه ومن لم يكن له مسكن أقطعه مسكنا وأراد أن ينزلهم على الاخماس فقيل له إنهم يتعصبون فخلط بينهم وكان قسم لعمارة مدينة بلخ الفعلة على كل كورة على قدر خراجها وولى بناء مدينة بلخ برمك أبا خالد بن برمك وكان البروقان منزل الامراء وبين البروقان وبين بلخ فرسخان وبين المدينة والنوبهار قدر غلوتين فقال أبو البريد في بنيان أسد مدينة بلخ شعفت فؤادك فالهوى لك شاعف * رئم على طفل بحومل عاطف ترعى البرير بجانبى متهدل * ريان لا يعشو إليه آلف بمحاضر من منحنى عطفت له * بقر ترجح زانهن روادف

[ 389 ]

إن المباركة التى أحصنتها * عصم الذليل بها وقر الخائف فأراك فيها ما رأى من صالح * فتحا وأبواب السماء رواعف فمضى لك الاسم الذى يرضى به * عنك البصير بما نويت اللاطف يا خير ملك ساس أمر رعية * إنى على صدق اليمين لحالف الله آمنها بصنعك بعد ما * كانت قلوب خوفهن رواجف (وحج) بالناس في هذه السنة ابراهيم بن هشام حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وهشام وغيرهما وكانت عمال الامصار في هذه السنة عمالها الذين ذكرناهم قبل في سنة 106 ثم دخلت سنة ثمان ومائة ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففيها) كانت غزوة مسلمة بن عبد الملك حتى بلغ قيسارية مدينة الروم مما بلى الجزيرة ففتحها الله على يديه (وفيها) أيضا غزا إبراهيم بن هشام ففتح أيضا حصنا من حصون الروم (وفيها) وجه بكيربن ماهان إلى خراسان عدة فهم عمار العبادي فوشى بهم رجل إلى أسد بن عبد الله فأخذ عمارا فقطع يديه ورجليه ونجا أصحابه فقدموا على بكير بن ماهان فأخبروه الخبر فكتب بذلك إلى محمد بن على فكتب إليه في جواب الكتاب الحمدلله الذى صدق دعوتكم ونجى شيعتكم (وفيها) كان الحريق بدابق فذكر محمد بن عمر أن عبد الله بن نافع حدثه عن أبيه قال احترق المرعى حتى احترق الدواب والرجال (وفيها) غزا أسد بن عبد الله الختل فذكر عن على بن محمد أن خاقان أتى أسدا وقد انصرف إلى القواديان وقطع النهر ولم يكن بينهم قتال في تلك الغزاة وذكر عن أبى عبيدة أنه قال بل هزموا أسدا وفضحوه فتغنى عليه الصبيان أزختلان آمذى * بروتباه آمذى قال وكان السبل محاربا له فاستجلب خاقان وكان أسد قد أظهر أنه يشتو بسرخ دره

[ 390 ]

فأمر أسد الناس فارتحلوا ووجه راياته وسار في ليلة مظلمة إلى سرخ دره فكبر فقطع الناس فقال أسد ما للناس قالوا هذه علامتهم إذا قفلوا فقال لعروة المنادى ناد إن الامير يريد غورين ومضى وأقبل خاقان حين انصرفوا إلى غورين النهر فلم يلتق هو ولاهم ورجع إلى بلخ فقال الشاعر في ذلك يمدح أسد بن عبد الله نديت لى من كل خمس ألفين * من كل لحاف عريض الدفين قال ومضى المسلمون إلى الغوريان فقاتلوهم يوما وصبروا لهم وبرز رجل من المشركين فوقف أمام أصحابه وركز رمحه وقد أعلم بعصابة خضراء وسلم بن أحوز واقف مع نصر بن سيار فقال سلم لنصر قد عرفت رأى أسد وأنا حامل على هذا العلج فلعلي أن أقتله فيرضى فقال شأنك فحمل عليه فما اختلج رمحه حتى غشيه سلم فطعنه فإذا هو بين يدى فرسه ففحص برجله فرجع سلم فوقف فقال لنصر أنا حامل حملة أخرى فحمل حتى إذا دنا منهم اعترضه رجل من العدو فاختلفا ضربتين فقتله سلم فرجع سلم جريحا فقال نصر لسلم قف لى حتى أحمل عليهم فحمل حتى خالط العدو فصرع رجلين ورجع جريحا فوقف فقال أترى ما صنعنا يرضيه لا أرضاه الله فقال لا والله فيما أظن وأتاهما رسول أسد فقال يقول لكما الامير قد رأيت موقفكما منذ اليوم وقلة غنائكما عن المسلمين لعنكما الله فقالا آمين إن عدنا لمثل هذا وتحاجزوا يومئذ ثم عادوا من الغد فلم يلبث المشركون أن انهزموا وحوى المسلمون عسكرهم وظهروا على البلاد فأسروا وسبوا وغنموا وقال بعضهم رجع أسد في سنة 108 مفلولا من الختل فقال أهل خراسان أزختلان آمذى بروتباه آمذى بيدل فراز آمذى قال وكان أصاب الجند في غزاة الختل جوع شديد فبعث أسد بكبشين مع غلام له وقال لا تبعهما بأقل من خمسمائة فلما مضى الغلام قال أسد لا يشتريهما إلا ابن الشخير وكان في المسلحة فدخل ابن الشخير حين أمسى فوجد الشاتين في السوق فاشتراهما بخسمائة فذبح إحداهما وبعث بالاخرى إلى بعض إخوانه

[ 391 ]

فلما رجع الغلام إلى أسد أخبره بالقصة فبعث إليه أسد بألف درهم قال وابن الشخير هو عثمان بن عبد الله بن الشخير أخو مطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشى (وحج) بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام وهو على المدينة ومكة والطائف حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال محمد بن عمر الواقدي (وكان) العمال في هذه السنة على الامصار في الصلاة والحروب والقضاء هم العمال الذين كانوا في السنة التى قبلها وقد ذكرناهم قبل ثم دخلت سنة تسع ومائة ذكر الاحداث التى كانت فيها فمما كان فيها من ذلك غزوة عبد الله بن عقبة بن نافع الفهرى على جيش في البحر وغزوة معاوية بن هشام أرض الروم ففتح حصنا بها يقال له طيبة وأصيب معه قوم من أهل انطاكية (وفيها) قتل عمر بن يزيد الاسيدى قتله مالك بن المنذر بن الجارود ذكر الخبر عن ذلك وكان سبب ذلك فيما ذكر أن خالد بن عبد الله شهد عمر بن يزيد أيام حرب يزيد بن المهلب فأعجب به يزيد بن عبد الملك وقال هذا رجل العراق فغاظ ذلك خالدا فأمر مالك بن المنذر وهو على شرطة البصرة أن يعظم عمر بن يزيد ولا يعصى له أمرا حتى يعرفه الناس ثم أقبل يعتل عليه حتى يقتله ففعل ذلك فذكر يوما عبد الاعلى بن عبد الله بن عامر فافترى عليه مالك فقال له عمر بن يزيد تفتري على مثل عبد الاعلى فأغلظ له مالك فضربه بالسياط حتى قتله وفيها غزا أسد بن عبد الله غورين وقال ثابت قطنة أرى أسدا في الحرب إذا نزلت به * وقارع أهل الحرب فاز وأوجبا تناول أرض السبل خاقان ردؤه * فحرق ما استعصى عليه وخربا أتتك وفود الترك ما بين كابل * وغورين إذ لم يهربوا منك مهربا فما يغمر الاعداء من ليث غابة * أبى ضاريات حرشوه فعقبا

[ 392 ]

أزب كأن الورس فوق ذراعه * كريه المحيا قد أسن وجربا ألم يك في الحصن المبارك عصمة * لجندك إذ هاب الجبان وأرهبا بنى لك عبد الله حصنا ورثته * قديما إذا عد القديم وأنجبا (وفى هذه السنة) عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله عن خراسان وصرف أخاه أسدا عنها ذكر الخبر عن عزل هشام خالدا وأخاه عن خراسان وكان سبب ذلك أن أسدا أخا خالد تعصب حتى أفسد الناس فقال أبو البريد فيما ذكر على بن محمد لبعض الازد أدخلني على ابن عمك عبد الرحمن بن صبح وأوصه بى وأخبره عنى فأدخله عليه وهو عامل لاسد على بلخ فقال أصلح الله الامير هذا أبوا البريد البكري أخونا وناصرنا وهو شاعر أهل المشرق وهو الذى يقول إن تنقض الازد حلفا كان أكده * في سالف الدهر عباد ومسعود ومالك وسويد أكداه معا * لما تجرد فيها أي تجريد حتى تنادوا أتاك الله ضاحية * وفى الجلود من الايقاع تقصيد قال فجذب أبو البريد يده وقال لعنك الله من شفيع كذب أصلحك الله ولكني الذى أقول الازد إخوتنا وهم حلفاؤنا * ما بيننا نكث ولا تبديل قال صدقت وضحك وأبو البريد من بنى علباء بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة قال وتعصب على نصر بن سيار ونفر معه من مضر فضربهم بالسياط وخطب في يوم جمعة فقال في خطبته قبح الله هذه الوجوه وجوه أهل الشقاق والنفاق والشغب والفساد اللهم فرق بينى وبينهم وأخرجنى إلى مهاجري ووطنى وقل من يروم ما قبلى أو يترمرم وأمير المؤمنين خالي وخالد بن عبد الله أخى ومعى اثنا عشر ألف سيف يمان ثم نزل عن منبره فلما صلى ودخل عليه الناس فأخذوا مجالسهم أخرج كتابا من تحت فراشه فقرأه على الناس فيه ذكر نصر بن سيار وعبد الرحمن بن نعيم العامري وسورة

[ 393 ]

ابن الحر الابانى أبان بن دارم والبخترى بن أبى درهم من بنى الحارث بن عباد فدعاهم فانبهم فأزم القوم فلم يتكلم منهم أحد فتكلم سورة فذكر حاله وطاعته ومناصحته وأنه ليس ينبغى له أن يقبل قول عدو مبطل وأن يجمع بينهم وبين من قرفهم بالباطل فلم يقبل قوله وأمر بهم فجردوا فضرب عبد الرحمن بن نعيم فإذا رجل عظيم البطن أرسح فلما ضرب التوى وجعل سراويله يزل عن موضعه فقام رجل من أهل بيته فأخذ رداء له هرويا وقام ما دا ثوبه بيده وهو ينظر إلى أسد يريد أن يأذن له فيؤزره فأومئ إليه أن افعل فدنا منه فأزره ويقال بل أزره أبو نميلة وقال له اتزر أبا زهير فإن الامير وال مؤدب ويقال بل ضربهم في نواحى مجلسه فلما فرغ قال أين تيس بنى حمان وهو يريد ضربه وقد كان ضربه قبل فقال هذا تيس بنى حمان وهو قريب العهد بعقوبة الامير وهو عامر بن مالك بن مسلمة ابن يزيد بن حجر بن خيسق بن حمان بن كعب بن سعد وقيل إنه حلقهم بعد الضرب ودفعهم إلى عبد ربه بن أبى صالح مولى بنى سليم وكان من الحرس وعيسى ابن أبى بريق ووجههم إلى خالد وكتب إليه انهم أرادوا الوثوب عليه فكان ابن أبى بريق كلما نبت شعر أحدهم حلقه وكان البخترى بن أبى درهم يقول لوددت انه ضربني وهذا شهرا يعنى نصر بن سيار لما كان بينهما بالبروقان فأرسل بنو تميم إلى نصر إن شئتم انتزعناكم من أيديهم فكفهم نصر فلما قدم بهم على خالد لام أسدا وعنفه وقال ألا بعثت برؤوسهم فقال عرفجة التميمي فكيف وأنصار الخليفة كلهم * عناة وأعداء الخليفة تطلق بكيت ولم أملك دموعي وحق لى * ونصر شهاب الحرب في الغل موثق وقال نصر بعثت بالعتاب في غير ذنب * في كتاب تلوم أم تميم إن أكن موثقا أسيرا لديهم * في هموم وكربة وسهوم رهن قسر فما وجدت بلاء * كإسار الكرام عند اللئيم أبلغ المدعين قسرا وقسر * أهل عود القناة ذات الوصوم

[ 394 ]

هل فطمتم عن الخيانة والغد * رأم أنتم كالحاكر المستديم (وقال الفرزدق) أخالد لولا الله لم تعط طاعة * ولولا بنو مروان لم توثقوا نصرا إذا للقيتم دون شد وثاقه * بنى الحرب لا كشف اللقاء ولا ضجرا وخطب أسد بن عبد الله على منبر بلخ فقال في خطبته يا أهل بلخ لقبتمونى الزاغ والله لازيغن قلوبكم فلما تعصب أسد وأفسد الناس بالعصبية كتب هشام إلى خالد بن عبد الله اعزل اخاك فعزله فاستأذن له في الحج فقفل أسد إلى العراق ومعه دهاقين خراسان في شهر رمضان سنة 109 واستخلف أسد على خراسان الحكم بن عوانة الكلبى فأقام الحكم صيفية فلم يغز وذكر على بن محمد أن أول من قدم خراسان من دعاة بنى العباس زياد أبو محمد مولى همدان في ولاية أسد بن عبد الله الاولى بعثه محمد بن على بن عبد الله بن العباس وقال له ادع الناس إلينا وانزل في اليمن والطف بمضر ونهاه عن رجل من أبر شهر يقال له غالب لانه كان مفرطا في حب بنى فاطمة ويقال أول من جاء أهل خراسان بكتاب محمد بن على حرب بن عثمان مولى بنى قيس بن ثعلبة من أهل بلخ قال فلما قدم زياد أبو محمد ودعا إلى بنى العباس وذكر سيرة بنى مروان وظلمهم وجعل يطعم الناس الطعام فقدم عليه غالب من أبرشهر فكانت بينهم منازعة غالب يفضل آل أبى طالب وزياد يفضل بنى العباس ففارقه غالب وأقام زياد بمرو شتوة وكان يختلف إليه من أهل مرو يحيى بن عقيل الخزاعى وإبراهيم بن الخطاب العدوى قال وكان ينزل برزن سويد الكاتب في دور آل الرقاد وكان على خراج مرو الحسن بن شيخ فبلغه أمره فأخبر به أسد بن عبد الله فدعا به وكان معه رجل يكنى أبا موسى فلما نظر إليه أسد قال له أعرفك قال نعم قال له أسد رأيتك في حانوت بدمشق قال نعم قال لزياد فما هذا الذى بلغني عنك قال رفع إليك الباطل إنما قدمت خراسان في تجارة وقد فرقت مالى على الناس فإذا صار إلى خرجت قال له أسد اخرج عن بلادي فانصرف فعاد إلى أمره فعاود الحسن أسدا وعظم عليه أمره فأرسل إليه فلما

[ 395 ]

نظر إليه قال ألم أنهك عن المقام بخراسان قال ليس عليك أيها الامير منى بأس فاحفظه وأمر بقتلهم فقال له أبو موسى فاقض ما أنت قاض فازداد غضبا وقال له أنزلتني منزلة فرعون فقال له ما أنزلتك ولكن الله أنزلك فقتلوا وكانوا عشرة من أهل بيت الكوفة فلم ينج منهم يومئذ إلا غلامان استصغرهما وأمر بالباقين فقتلوا بكشانشاه وقال قوم أمر أسد بزياد أن يخط وسطه فمد بين اثنين فضرب فنبا السيف عنه فكبر أهل السوق فقال أسد ما هذا فقيل له لم يحك السيف فيه فأعطى أبا يعقوب سيفا فخرج في سراويل والناس قد اجتمعوا عليه فضربه فنبا السيف فضربه ضربة أخرى فقطعه باثنتين وقال آخرون عرض عليهم البراءة فمن تبرأ منهم مما رفع عليه خلى سبيله فأبى البراءة ثمانية منهم وتبرأ اثنان فلما كان الغد أقبل أحدهما وأسد في مجلسه المشرف على السوق بالمدينة العتيقة فقال أليس هذا أسيرنا بالامس فأتاه فقال له أسألك أن تلحقني بأصحابى فأشرفوا به على السوق وهو يقول رضينا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا فدعا أسد بسيف بخار أخذاه فضرب عنقه بيده قبل الاضحى بأربعة أيام ثم قدم بعدهم رجل من أهل الكوفة يسمى كثيرا فنزل على أبى النجم فكان يأتيه الذين لقوا زيادا فيحدثهم ويدعوهم فكان على ذلك سنة أو سنتين وكان كثير أميا فقدم عليه خداش وهو في قرية تدعى مرعم فغلب كثيرا على أمره ويقال كان اسمه عمارة فسمى خداشا لانه خدش الدين وكان أسد استعمل عيسى بن شداد البرجمى إمرته الاولى في وجه وجهه على ثابت قطنة فغضب فهجا أسدا فقال: أرى كل قوم يعرفون أباهم * وأبو بحيلة ؟ ؟ بينهم يتذبذب إنى وجدت أبى أباك فلا تكن * إلبا على مع العدو تجلب أرمى بسهمى من رماك بسهمه * وعدو من عاديت غير مكذب أسد بن عبد الله جلل عفوه * أهل الذنوب فكيف من لم يذنب أجعلتني للبرجمى حقيبة * والبرجمى هو اللئيم المحقب عبد إذا استبق الكرام رأيته * يأتي سكينا حاملا في الموكب

[ 396 ]

إنى أعوذ بقبر كرز أن أرى * تبعا لعبد من تميم محقب (وفى هذه السنة) استعمل هشام بن عبد الملك على خراسان أشرس ابن عبد الله السلمى فذكر على بن محمد عن أبى الذيال العدوى ومحمد بن حمزة عن طرخان ومحمد بن الصلت الثقفى ان هشام بن عبد الملك عزل أسد بن عبد الله عن خراسان واستعمل أشرس بن عبد الله السلمى عليها وأمره ان يكاتب خالد ابن عبد الله القسرى وكان أشرس فاضلا خيرا وكانوا يسمونه الكامل لفضله عندهم فسار إلى خراسان فلما قدمها فرحوا بقدومه فاستعمل على شرطته عميرة أبا أمية اليشكرى ثم عزله وولى السمط واستقضى على مرو أبا المبارك الكندى فلم يكن له علم بالقضاء فاستشار مقاتل به حيان فأشار عليه مقاتل بمحمد بن زيد فاستقضاه فلم يزل قاضيا حتى عزل أشرس وكان أول من اتخذ الرابطة بخراسان واستعمل على الرابطة عبد الملك بن دثار الباهلى وتولى أشرس صغير الامور وكبيرها بنفسه قال وكان أشرس لما قدم خراسان كبر الناس فرحا به فقال رجل لقد سمع الرحمن تكبير أمة * غداة أتاها من سليم إمامها إمام هدى قوى لهم أمرهم به * وكانت عجافا ما تمخ عظامها وركب حين قدم حمارا فقال له حيان النبطي أيها الامير إن كنت تريد أن تكون والى خراسان فاركب الخيل وشد حزام فرسك والزم السوط خاصرته حتى تقدم النار وإلا فارجع قال ارجع إذن ولا أقتحم النار يا حيان ثم أقام وركب الخيل قال على وقال يحيى بن حضين رأيت في المنام قبل قدوم أشرس قائلا يقول أتاكم الوعر الصدر الضعيف الناهضة المشؤم الطائر فانتبهت فزعا ورأيت في الليلة الثانية أتاكم الوعر الصدر الضعيف الناهضة المشؤم الطائر الخائن قومه جغر ثم قال لقد ضاع جيش كان جغر أميرهم * فهل من تلاف قبل دوس القبائل فإن صرفت عنهم به فلعله * وإلا يكونوا من أحاديث قائل وكان أشرس يلقب جغرا بخراسان (وحج بالناس في هذه السنة) ابراهيم

[ 397 ]

ابن هشام كذلك حدثنى احمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وقال الواقدي خطب الناس ابراهيم بن هشام بمنى في هذه السنة الغد من يوم النحر بعد الظهر فقال سلونى فانا ابن الوحيد لا تسألون أحدا أعلم منى فقام إليه رجل من أهل العراق فسأله عن الاضحية أواجبة هي أم لا ؟ فما درى أي شئ يقول له فنزل وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف ابراهيم بن هشام وعلى البصرة والكوفة خالد بن عبد الله وعلى الصلاة بالبصرة أبان بن ضبارة اليزنى وعلى شرطتها بلال بن أبى بردة وعلى قضائها ثمامة ابن عبد الله الانصاري من قبل خالد بن عبد الله وعلى خراسان أشرس بن عبد الله ثم دخلت سنة عشر ومائة ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك غزوة مسلمة بن عبد الملك الترك سار إليهم نحو باب اللان حتى لقى خاقان في جموعه فاقتتلوا قريبا من شهر وأصابهم مطر شديد فهزم الله خاقان فانصرف فرجع مسلمة فسلك على مسجد ذى القرنين (وفيها) غزا فيما ذكر معاوية بن هشام أرض الروم ففتح صماله (وفيها) غزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهرى وكان على جيش البحر فيما ذكر الواقدي عبد الرحمن بن معاوية بن حديج (وفى هذه السنة) دعا الاشرس أهل الذمة من أهل سمرقند ومن وراء النهر إلى الاسلام على أن توضع عنهم الجزية فأجابوا إلى ذلك فلما أسلموا وضع عليهم الجزية وطالبهم بها فنصبوا له الحرب (ذكر الخبر عما كان من أمر أشرس وأمر أهل سمرقند ومن وليهم في ذلك) ذكر أن أشرس قال في عمله بخراسان أبغوني رجلا له ورع وفضل أوجهه إلى من وراء النهر فيدعوهم إلى الاسلام فاشاروا عليه بأبى الصيداء صالح بن طريف مولى بنى ضبة فقال لست بالماهر بالفارسية فضموا معه الربيع بن عمران التميمي فقال أبو الصيداء اخرج على شريطة أن من أسلم لم يؤخذ منه الجزية فانما خراج

[ 398 ]

خراسان على رؤوس الرجال قال أشرس نعم قال أبو الصيداء لاصحابه فإنى أخرج فان لم يف العمال أعنتموني عليهم قالوا نعم فشخص إلى سمرقند وعليها الحسن ابن أبى العمرطة الكندى على حربها وخراجها فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند ومن حولها إلى الاسلام على أن توضع عنهم الجزية فسارع الناس فكتب غوزك إلى أشرس ان الخراج قد انكسر فكتب أشرس إلى ابن أبى العمرطة ان في الخراج قوة للمسلمين وقد بلغني أن أهل السغد وأشباههم لم يسلموا رغبة وإنما دخلوا في الاسلام تعوذا من الجزية فانظر من اختتن وأقام الفرائض وحسن إسلامه وقرأ سورة من القرآن فارفع عنه خراجه ثم عزل أشرس ابن أبى العمرطة عن الخراج وصيره إلى هانئ بن هانئ وضم إليه الاشحيذ فقال ابن أبى العمرطة لابي الصيداء لست من الخراج الآن في شئ فدونك هانئا والاشحيذ فقام أبو الصيداء يمنعهم من أخذ الجزية ممن أسلم فكتب هانئ إن الناس قد أسلموا وبنوا المساجد فجاء دهاقين بخارى إلى أشرس فقالوا ممن تأخذ الخراج وقد صار الناس كلهم عربا فكتب أشرس إلى هانئ وإلى العمال خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه منه فأعادوا الجزية على من أسلم فامتنعوا واعتزل من أهل السغد سبعة آلاف فنزلوا على سبعة فراسخ من سمرقند وخرج إليهم أبو الصيداء وربيع بن عمران التميمي والقاسم الشيباني وأبو فاطمة الازدي وبشر بن جرموز الضبى وخالد بن عبد الله النحوي وبشر بن زنبور الازدي وعامر بن قشير أو بشيرا الخجندى وبيان العنبري وإسماعيل بن عقبة لينصروهم قال فعزل أشرس ابن أبى العمرطة عن الحرب واستعمل مكانه المجشر بن مزاحم السلمى وضم إليه عميرة بن سعد الشيباني قال فلما قدم المجشر كتب إلى أبى الصيداء يسأله أن يقدم عليه هو وأصحابه فقدم أبو الصيداء وثابت قطنة فحبسهما فقال أبو الصيداء غدرتم ورجعتم عما قلتم فقال له هانئ ليس بغدر ما كان فيه حقن الدماء وحمل أبا الصيداء إلى الاشرس وحبس ثابت قطنة عنده فلما حمل أبو الصيداء اجتمع أصحابه وولوا أمرهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا فقال لهم كفوا حتى أكتب إلى أشرس فيأتينا رأيه فنعمل بأمره فكتبوا إلى

[ 399 ]

أشرس فكتب أشرس ضعوا عليهم الخراج فرجع أصحاب أبى الصيداء فضعف أمرهم فتتبع الرؤساء منهم فأخذوا وحملوا إلى مرو وبقى ثابت محبوسا وأشرك أشرس مع هانئ بن هانئ سليمان بن أبى السرى مولى بنى عوانة في الخراج فألح هانئ والعمال في جباية الخراج واستخفوا بعظماء العجم وسلط المجشر عميرة بن سعد على الدهاقين فأقيموا وخرقت ثيابهم وألقيت مناطقهم في أعناقهم وأخذوا الجزية ممن أسلم من الضعفاء فكفرت السغد وبخاري واستجاشوا الترك فلم يزل ثابت قطنة في حبس المجشر حتى قدم نصر بن سيار واليا على المجشر فحمل ثابتا إلى أشرس مع إبراهيم بن عبد الله الليثى فحبسه وكان نصر بن سيار ألطفه وأحسن إليه فمدحه ثابت قطنة وهو محبوس عند أشرس فقال ما هاج شوقك من نؤى وأحجار * ومن رسوم عفاها صوب أمطار لم يبق منها ومن أعلام عرصتها * إلا شجيج وإلا موقد النار ومائل في ديار الحى بعدهم * مثل الربيئة في أهدامه العارى ديار ليلى قفار لا أنيس بها * دون الجحون وأين الحجن من دارى بدلت منها وقد شط المزار به * وادى المخافة لا يسرى بها السارى ؟ ؟ بين السماوة في حزم مشرقة * ومعنق دوننا أذية جارى نقارع الترك ما تنفك نائحة * منا ومنهم على ذى نجدة شار إن كان ظنى بنصر صادقا أبدا * فيما أدبر من نقضى وإمراري لا يصرف الجند حتى يستفئ بهم * نهبا عظيما ويحوى ملك جبار وتعبر الخيل في الاقياد آونة * تحوى النهاب إلى طلاب أوتار حتى يروها دوين السرح بارقة * فيها لواء كظل الاجدل الضارى لا يمنع الثغر إلا ذو محافظة * من الخضارم سياق بأوتار إنى وإن كنت من جذم الذى نضرت * منه الفروع وزندى الثاقب الوارى لذاكر منك أمرا قد سبقت به * من كان قبلك يا نصر بن سيار ناضلت عنى نضال الحر إذ قصرت * دوني العشيرة واستبطات انصاري

[ 400 ]

وصار كل صديق كنت آمله * ألبا على ورث الحبل من جارى وما تلبست بالامر الذى وقعوا * به على ولا دنست أطماري ولا عصيت إماما كان طاعته * حقا على ولا قارفت من عار قال على وخرج أشرس غازيا فنزل آمل فأقام ثلاثة أشهر وقدم قطن بن قتيبة ابن مسلم فعبر النهر في عشرة آلاف فأقبل أهل السغد وأهل بخارى معهم خاقان والترك فحصروا قطن بن قتيبة في خندقه وجعل خاقان ينتخب كل يوم فارسا فيعبر في قطعة من الترك النهر وقال قوم أقحموا دوابهم عريا فعبروا وأغاروا على سرح الناس فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود ابن عمرو فوجهه مع عبد الله بن بسطام في الخيل فاتبعوا الترك فقاتلوهم بآمل حتى استنقذوا ما بأيديهم ثم قطع الترك النهر إليهم راجعين ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن بن قتيبة ووجه أشرس رجلا يقال له مسعود أحد بنى حيان في سرية فلقيهم العدو فقاتلوهم فأصيب رجال من المسلمين وهزم مسعود حتى رجع إلى أشرس فقال بعض شعرائهم خابت سرية مسعود وما غنمت * إلا أفانين من شد وتقريب حلوا بأرض قفار لا أنيس بها * وهن بالسفح أمثال اليعاسيب وأقبل العدو فلما كانوا بالقرب لقيهم المسلمون فقاتلوهم فجالوا جولة فقتل في تلك الجولة رجال من المسلمين ثم كر المسلمون وصبروا لهم فانهزم المشركون ومضى أشرس بالناس حتى نزل بيكند فقطع العدو عنهم الماء فأقام أشرس والمسلمون في عسكرهم يومهم ذلك وليلتهم فأصبحوا وقد نفد ماؤهم فاحتفروا فلم ينبطوا وعطشوا فارتحلوا إلى المدينة التى قطعوا عنهم المياه منها وعلى مقدمة المسلمين قطن بن قتيبة فلقيهم العدو فقاتلوهم فجهدوا من العطش فمات منهم سبعمائة وعجز الناس عن القتال ولم يبق في صف الرباب إلا سبعة فكاد ضرار بن حصين يؤسر من الجهد الذى كان به فحض الحارث بن سريج الناس فقال أيها الناس القتل بالسيف أكرم في الدنيا وأعظم أجرا عند الله من الموت عطشا فتقدم الحارث

[ 401 ]

ابن سريج وقطن بن قتيبة وإسحاق بن محمد ابن أخى وكيع في فوارس من بنى تميم وقيس فقاتلوا حتى أزالوا الترك عن الماء فابتدره الناس فشربوا وارتووا قال فمر ثابت قطنة بعبد الملك بن دثار الباهلى فقال له يا عبد الملك هل لك في آثار الجهاد فقال أنظرني ريثما أغتسل وأتحنط فوقف له حتى خرج ومضيا فقال ثابت لاصحابه أنا أعلم بقتال هؤلاء منكم وحضهم فحملوا على العدو واشتد القتال فقتل ثابت في عدة من المسلمين منهم صخر بن مسلم بن النعمان العبدى وعبد الملك بن دثار الباهلى والوجيه الخراساني والعقار بن عقبة العودى فضم قطن بن قتيبة واسحاق بن محمد ابن حسان خيلا من بنى تميم وقيس تبايعوا على الموت فأقدموا على العدو فقاتلوهم فكشفوهم وركبهم المسلمون يقتلونهم حتى حجزهم الليل وتفرق العدو فأتى أشرس بخارى فحصر أهلها (قال على بن محمد) عن عبد الله بن المبارك حدثنى هشام بن عمارة بن القعقاع الضبى عن فضيل بن غزوان قال حدثنى وجيه البنانى ونحن نطوف بالبيت قال لقينا الترك فقتلوا منا قوما وصرعت وأنا أنظر إليهم يجلسون فيستقون حتى انتهوا إلى فقال رجل منهم دعوه فان له أثرا هو واطئه وأجلا هو بالغه فهذا أثر قد وطئته وأنا أرجو الشهادة فرجع إلى خراسان فاستشهد مع ثابت قال فقال الوازع بن مائق مربى الوجيه في بغلين يوم أشرس فقلت كيف أصبحت يا أبا أسماء قال أصبحت بين حائر وحائز اللهم لف بين الصفين فخلط القوم وهو متنكب قوسه وسيفه مشتمل في طيلسان واستشهد واستشهد الهيثم بن المنخل العبدى قال على عن عبد الله بن المبارك قال لما التقى أشرس والترك قال ثابت قطنة اللهم إنى كنت ضيف بن بسطام البارحة فاجعلني ضيفك الليلة والله لا ينظر إلى بنو أمية مشدودا في الحديد فحمل وحمل أصحابه فكذب أصحابه وثبت فرمى برذونه أشب وضربه فأقدم وضرب فارتث فقال وهو صريع اللهم إنى أصبحت ضيفا لابن بسطام وأمسيت ضيفك فاجعل قراى من ثوابك الجنة قال على ويقال إن أشرس قطع النهر ونزل بيكند فلم يجد بها ماء فلما أصبحوا ارتحلوا فلما دنوا من قصر بخارى أخذاه وكان منزله منهم على ميل تلقاهم ألف فارس فأحاطوا بالعسكر وسطع

[ 402 ]

رهج الغبار فلم يكن الرجل يقدر أن ينظر إلى صاحبه قال فانقطع منهم ستة آلاف فيهم قطن بن قتيبة وغوزك من الدهاقين فانتهوا إلى قصر من قصور بخارى وهم يرون أن أشرس قد هلك وأشرس في قصور بخارى فلم يلتقوا إلا بعد يومين ولحق غوزك في تلك الوقعة بالترك وكان قد دخل القصر مع قطن فأرسل إليه قطن رجلا فصاحوا برسول قطن ولحق بالترك قال ويقال إن غوزك وقع يومئذ وسط الخيل فلم يجد بدا من اللحاق بهم ويقال إن أشرس أرسل إلى غوزك يطلب منه طاسا فقال لرسول أشرس إنه لم يبق معى شئ أتدهن به غير هذا الطاس فاصفح عنه فأرسل إليه اشرب في قرعة وابعث إلى بالطاس ففارقه قال وكان على سمرقند نصر بن سيار وعلى خراجها عميرة بن سعد الشيباني وهم محصورون وكان عميرة ممن قدم مع أشرس وأقبل قريش بن أبى كهمس على فرس فقال لقطن قد نزل الامير والناس فلم يفقد أحد من الجند غيرك فمضى قطن والناس إلى العسكر وكان بينهم ميل قال ويقال إن أشرس نزل قريبا من مدينة بخارى على قدر فرسخ وذلك المنزل يقال له المسجد ثم تحول منه إلى مرج يقال له بوادرة فأتاهم سبابة أو شبابة مولى قيس بن عبد الله الباهلى وهم نزول بكمرجة وكانت كمرجة من أشرف أيام خراسان وأعظمها أيام أشرس في ولايته فقال لهم إن خاقان ما ربكم غدا فأرى لكم أن تظهروا عدتكم فيرى جدا واحتشادا فينقطع طمعه منكم فقال له رجل منهم استوثقوا من هذا فانه جاء ليفت في أعضادكم قالوا لا نفعل هذا مولانا وقد عرفناه بالنصيحة فلم يقبلوا منه وفعلوا ما أمرهم به المولى وصبحهم خاقان فلما حاذى بهم ارتفع إلى طريق بخارى كأنه يريدها فتحدر بجنوده من وراء تل بينهم وبينه فنزلوا وتأهبوا وهم لا يشعرون بهم فلما كان ذلك ما فاجأهم أن طلعوا على التل فإذا جبل حديد أهل فرغانة والطاربند وأفشينة ونسف وطوائف من أهل بخارى قال فأسقط في أيدى القوم فقال لهم كليب بن قنان الذهلى هم يريدون مزاحفتكم فسربوا دوابكم المجففة في طريق النهر كأنكم تريدون أن تسقوها فإذا جردتموها فخذوا طريق الباب وتسربوا الاول فالاول فلما رآهم الترك يتسربون شدوا عليهم

[ 403 ]

في مضايق وكانوا هم أعلم بالطريق من الترك وسبقوهم إلى الباب فلحقوهم عنده فقتلوا رجلا كان يقال له المهلب كان حاميتهم وهو رجل من العرب فقاتلوهم فغلبوهم على الباب الخارج من الخندق فدخلوه فاقتتلوا وجاء رجل من العرب بحزمة قصب قد أشعلها فرمى بها في وجوههم فتنحوا وأخلوا عن قتلى وجرحى فلما أمسوا انصرف الترك وأحرق العرب القنطرة فأتاهم خسرو بن يزدجرد في ثلاثين رجلا فقال يا معشر العرب لم تقتلون أنفسكم وأنا الذى جئت بخاقان ليرد على مملكتي وأنا آخذ لكم الامان فشتموه فانصرف قال وجاءهم بازغرى في مائتين وكان داهية من وراء النهر وكان خاقان لا يخالفه ومعه رجلان من قرابة خاقان ومعه أفراس من رابطة أشرس فقال آمنونا حتى ندنوا منكم فأعرض عليكم ما أرسلني اليكم به خاقان فآمنوه فدنا من المدينة وأشرفوا عليه ومعه أسراء من العرب فقال بازغرى يا معشر العرب أحدروا إلى رجلا منكم أكلمه برسالة خاقان فأحدروا حبيبا مولى مهرة من أهل درقين فكلموه فلم يفهم فقال أحدروا إلى رجلا يعقل عنى فأحدروا يزيد بن سعيد الباهلى وكان يشدوا شدوا من التركية فقال هذه خيل الرابطة ووجوه العرب معه أسراء وقال إن خاقان أرسلني اليكم وهو يقول لكم إنى أجعل من كان عطاؤه منكم ستمائة ألفا ومن كان عطاؤه ثلاثمائة ستمائة وهو مجمع بعد هذا على الاحسان إليكم فقال له يزيد هذا أمر لا يلتئم كيف تكون العرب وهم ذئاب مع الترك وهم شاء لا يكون بيننا وبينكم صلح فغضب بازغرى فقال التركيان اللذان معه ألا نضرب عنقه قال لا نزل الينا بأمان وفهم ما قالا له يزيد فخاف فقال بلى يا بازغرى إلا أن تجعلونا نصفين فيكون نصف في أثقالنا ويسير النصف معه فإن ظفر خاقان فنحن معه وإن كان غير ذلك كنا كسائر مدائن أهل السغد فرضى بازغرى والتركيان بما قال فقال له أعرض على القوم ما تراضينا به وأقبل فأخذ بطرف الحبل فجذبوه حتى صار على سور المدينة فنادى يا أهل كمرجه اجتمعوا فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد الايمان فما ترون قالوا لا نجيب ولا نرضى قال يدعونكم إلى قتال المسلمين مع المشركين قالوا نموت جميعا قبل ذلك قال فأعلموهم قال فأشرفوا

[ 404 ]

عليهم وقالوا يا بازغرى أتبيع الاسرى في أيديكم فنفادى بهم فاما ما دعوتنا إليه فلا نجيبكم إليه قال لهم أفلا تشترون أنفسكم منا فما أنتم عندنا إلا بمنزلة من في أيدينا منكم وكان في أيديهم الحجاج بن حميد النضرى فقالوا له يا حجاج ألا تكلم قال على رقباء وأمر خاقان بقطع الشجرة فجعلوا يلقون الحطب الرطب ويلقى أهل كمرجه الحطب اليائس حتى سوى الخندق ليقطعوا إليهم فأشعلوا فيه النيران فهاجت ريح شديدة صنعا من الله عزوجل قال فاشتعلت النار في الحطب فاحترق ما عملوا في ستة أيام في ساعة من نهار ورميناهم فأوجعناهم وشغلناهم بالجراحات قال وأصابت بازغرى نشابة في سرته فاحتقن بوله فمات من ليلته فقطع اتراكه آذانهم وأصبحوا بشر منكسين رؤسهم يبكونه ودخل عليهم أمر عظيم فلما امتد النهار جاءوا بالاسرى وهم مائة فيهم أبو العوجاء العتكى وأصحابه فقتلوهم ورموا إليهم برأس الحجاج بن حميد النضرى وكان مع المسلمين مائتان من أولاد المشركين كانوا رهائن في أيديهم فقتلوهم واستماتوا واشتد القتال وقاموا على باب الخندق فسار على السور خمسة أعلام فقال كليب من لى بهؤلاء فقال ظهير بن مقاتل الطفاوى أنا لك بهم فذهب يسعى وقال لفتيان امشوا خلفي وهو جريح فقال فقتل يومئذ من الاعلام اثنان ونجا ثلاثة قال فقال ملك من الملوك لمحمد بن وشاح العجب انه لم يبق ملك فيما وراء النهر إلا قاتل بكمرجه غيرى وعز على ألا أقاتل مع أكفائي ولم ير مكاني فلم يزل أهل كمرجه بذلك حتى أقبلت جنود العرب فنزلت فرغانة فعير خاقان أهل السغد وفرغانة والشاش والدهاقين وقال لهم زعمتم أن في هذه خمسين حمارا وأنا نفتحها في خمسة أيام فصارت الخمسة الايام شهرين وشتمهم وأمرهم بالرحلة فقالوا ما ندع جهدا ولكن أحضرنا غدا فانظر فلما كان من الغد جاء خاقان فوقف فقام إليه ملك الطاربند فاستأذنه في القتال والدخول عليهم قال لا أرى أن تقاتل في هذا الموضع وكان خاقان يعظمه فقال اجعل لى جاريتين من جواري العرب وأنا أخرج عليهم فأذن له فقاتل فقتل منهم ثمانية وجاء حتى وقف على ثلمة وإلى جنب الثلمة بيت فيه خرق يفضى إلى الثلمة وفى البيت رجل من بنى تميم مريض

[ 405 ]

فرماه بكلوب فتعلق بدرعة ثم نادى النساء والصبيان فجذبوه فسقط لوجهه وركبته ورماه رجل بحجر فأصاب أصل أذنه فصرع وطعنه رجل فقتله وجاء شاب أمر دمن الترك فقتله وأخذ سلبه وسيفه فغلبناهم على جسده قال ويقال إن الذى انتدب لهذا فارس أهل الشاش فكانوا قد اتخذوا صناعا وألصقوها بحائط الخندق فنصبوا قبالة ما اتخذوا أبو ابا له فأقعدوا الرماة وراءها وفيهم غالب بن المهاجر الطائى عم أبى العباس الطوسى ورجلان أحدهما شيباني والآخر ناجى فجاء فاطلع في الخندق فرماه الناجى فلم يخطئ قصبة أنفه وعليه كاشخودة تبتية فلم تضره الرمية ورماه الشيباني وليس يرى منه غير عينيه فرماه غالب بن المهاجر فدخلت النشابة في صدره فنكس فلم يدخل خاقان شئ أشد منه قال فيقال إنه إنما قتل الحجاج وأصحابه يومئذ لما دخله من الجزع وأرسل إلى المسلمين انه ليس من رأينا أن نرتحل عن مدينة ننزلها دون افتتاحها أو ترحلهم عنها فقال له كليب بن قنان وليس من ديننا أن نعطى بأيدينا حتى نقتل فاصنعوا ما بدالكم فرأى الترك أن مقامهم عليهم ضرر فأعطوهم الامان على أن يرحل هو وهم عنها بأهاليهم وأموالهم إلى سمرقند أو الدبوسية فقال لهم اختاروا لانفسكم في خروجكم من هذه المدينة قال ورأى أهل كمرجه ما هم فيه من الحصار والشدة فقالوا نشاور أهل سمرقند فبعثوا غالب بن المهاجر الطائى فانحدر في موضع من الوادي فمضى إلى قصر يسمى فرزاونة والدهقان الذى بها صديق له فقال له إنى بعثت إلى سمرقند فاحملني فقال ما أجد دابة إلا بعض دواب خاقان فإن له في روضة خمسين دابة فخرجا جميعا إلى تلك الروضة فأخذ برذونا فركبه وكان إلفه برذون آخر فتبعه فأتى سمرقند من ليلته فأخبرهم بأمرهم فأشاروا عليه بالدبوسية وقالوا هي أقرب فرجع إلى أصحابه فأخذوا من الترك رهائن ألا يعرضوا لهم وسألوهم رجلا من الترك يتقوون به مع رجال منهم فقال لهم الترك اختاروا من شئتم فاختاروا كو رصول يكون معهم فكان معهم حتى وصلوا إلى حيث أرادوا ويقال إن خاقان لما أرى أنه لا يصل إليهم شتم أصحابه وأمرهم بالارتحال عنهم وكلمه المختار بن غوزك وملوك السغد وقالوا لا تفعل

[ 406 ]

أيها الملك ولكن أعطهم أمانا يخرجون عنها ويرون أنك إنما فعلت ذلك بهم من أجل غوزك انه مع العرب في طاعتها وان ابنه المختار طلب اليك في ذلك مخافة على أبيه فأجابهم إلى ذلك فسرح إليهم كورصول يكون معهم يمنعهم ممن أرادهم قال فصار الرهن من الترك في أيديهم وارتحل خاقان وأظهر أنه يريد سمرقند وكان الرهن الذى في أيديهم من ملوكهم فلما ارتحل خاقان قال كورصول للعرب ارتحلوا قالوا نكره أن ترتحل والترك لم يمضوا ولا نأمنهم أن يعرضوا لبعض النساء فتحمى العرب فتصير إلى مثل ما كنا فيه من الحرب قال فكف عنهم حتى مضى خاقان والترك فلما صلوا الظهر أمرهم كورصول بالرحلة وقال إنما الشدة والموت والخوف حتى تسيروا فرسخين ثم تصيروا إلى قرى متصلة فارتحلوا وفى يد الترك من الرهن من العرب نفر منهم شعيب البكري أو النصرى وسباع بن النعمان وسعيد ابن عطية وفى أيدى العرب من الترك خمسة قد أردفوا خلف كل رجل من الترك رجلا من العرب معه خنجر وليس على التركي غير قباء فساروا بهم ثم قال العجم لكورصول إن الدبوسية فيها عشرة آلاف مقاتل فلانا من أن يخرجوا علينا فقال لهم العرب إن قاتلوكم قاتلناهم معكم فساروا فلما صار بينهم وبين الدبوسية قدر فرسخ أو أقل نظر أهلها إلى فرسان وبيارقة وجمع فظنوا أن كمرجه قد فتحت وأن خاقان قصد لهم قالوا وقربنا معهم وقد تأهبوا للحرب فوجه كليب بن قنان رجلا من بنى ناجية يقال له الضحاك على برذون يركض وعلى الدبوسية عقيل بن وراد السغدى فأتاهم الضحاك وهم صفوف فرسان ورجالة فأخبرهم الخبر فأقبل أهل الدبوسية يركضون فحمل من كان يضعف عن المشى ومن كان مجروحا ثم إن كليبا أرسل إلى محمد بن كراز ومحمد بن درهم ليعلما سباع بن النعمان وسعيد بن عطية أنهم قد بلغوا مأمنهم ثم خلوا عن الرهن فجعلت العرب ترسل رجلا من الرهن الذين في أيديهم من الترك وترسل الترك رجلا من الرهن الذين في أيديهم من العرب حتى بقى سباع ابن النعمان في أيدى الترك ورجل من الترك في أيدى العرب وجعل كل فريق منهم يخاف على صاحبه الغدر فقال سباع خلوا رهينة الترك فخلوه وبقى سباع في أيديهم

[ 407 ]

فقال له كورصول لم فعلت هذا قال وثقت برأيك في وقلت ترفع نفسك عن الغدر في مثل هذا فوصله وسلحه وحمله على برذون ورده إلى أصحابه قال وكان حصار كمرجه ثمانية وخمسين يوما فيقال إنهم لم يسقوا إبلهم خمسة وثلاثين يوما قال وكان خاقان قسم في أصحابه الغنم فقال كلوا لحومها واملوا جلودها ترابا واكبسوا خندقكم ففعلوا فكبسوه فبعث الله عليهم سحابة فمطرت فاحتمل المطر ما ألقوا فألقاه في النهر الاعظم وكان مع أهل كمرجه قوم من الخوارج فيهم ابن شنج مولى بنى ناجية (وفى هذه السنة) ارتد أهل كردر فقاتلهم المسلمون وظفروا بهم وقد كان الترك أعانوا أهل كردر فوجه أشرس إلى من قرب من كردر من المسلمين ألف رجل رداءا لهم فصاروا إليهم وقد هزم المسلمون والترك فظفروا بأهل كردر وقال عرفجة الدارمي نحن كفينا أهل مرو وغيرهم * ونحن نفينا الترك عن أهل كردر فإن تجعلوا ما قد غنمنا لغيرنا * فقد يظلم المرء الكريم فيصبر (وفى هذه السنة) جعل خالد بن عبد الله الصلاة بالبصرة مع الشرطة والاحداث والقضاء إلى بلال بن أبى بردة فجمع ذلك كله له وعزل به ثمامة بن عبد الله بن أنس عن القضاء (وحج) بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن اسماعيل كذلك قال أبو معشر والواقدى وغيرهما حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هشام وعلى الكوفة والبصرة والعراق كلها خالد بن عبد الله وعلى خراسان أشرس بن عبد الله ثم دخلت سنة احدى عشرة ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفة اليسرى وغزوة سعيد ابن هشام الصائفة اليمنى حتى أتى قيسارية قال الواقدي عزا سنة 111 على جيش

[ 408 ]

البحر عبد الله بن أبى مريم وأمر هشام على عامة الناس من أهل الشأم ومصر الحكم بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف وفيها سارت الترك إلى آذربيجان فلقيهم الحارث بن عمرو فهزمهم وفيها ولى هشام الجراح بن عبد الله الحكمى على أرمينية وفيها عزل هشام أشرس بن عبد الله السلمى عن خراسان وولاها الجنيد ابن عبد الرحمن المزني ذكر السبب الذى من أجله عزل هشام أشرس عن خراسان واستعماله الجنيد ذكر على بن محمد عن أبى الذيال قال كان سبب عزل أشرس أن شداد بن خالد الباهلى شخص إلى هشام فشكاه فعزله فاستعمل الجنيد بن عبد الرحمن على خراسان سنة 111 قال وكان سبب استعماله إياه أنه أهدى لام حكيم بنت يحيى ابن الحكم امرأة هشام قلادة فيها جوهر فأعجبت هشاما فأهدى لهشام قلادة أخرى فاستعمله على خراسان وحمله على ثمانية من البريد فسأله أكثر من تلك الدواب فلم يفعل فقدم خراسان في خمسمائة وأشرس بن عبد الله يقاتل أهل بخارى والسغد فسأل عن رجل يسير معه إلى ما وراء النهر فدل على الخطاب ابن محرز السلمى خليفة أشرس فلما قدم آمل أشار عليه الخطاب أن يقيم ويكتب إلى من بزم ومن حوله فيقدموا عليه فأبى وقطع النهر وأرسل إلى أشرس أن أمدنى بخيل وخاف أن يقتطع قبل أن يصل إليه فوجه إليه أشرس عامر بن مالك الحمانى فلما كان في بعض الطريق عرض له الترك والسغد ليقطعوه قبل أن يصل إلى الجنيد فدخل عامر حائطا حصينا فقاتلهم على ثلمة الحائط ومعه ورد بن زياد بن أدهم بن كلثوم ابن أخى الاسود بن كلثوم فرماه رجل من العدو بنشابة فأصاب عرض منخره فأنفذ المنخرين فقال له عامر بن مالك يا أبا الزاهرية كأنك دجاجة مقرق وقتل عظيم من عظماء الترك عند الثلمة وخاقان على تل خلفه أجمة فخرج عاصم بن عمير السمرقندى وواصل بن عمرو القيسي في شاكرية فاستدار حتى صارا من ورا ذلك الماء فضموا خشبا وقصبا وما قدررا عليه حتى اتخذوا رصفا فعبروا عليه

[ 409 ]

فلم يشعر خاقان إلا بالتكبير وحمل واصل والشاكرية على العدو فقاتلوهم فقتل تحت واصل برذون وهزم خاقان وأصحابه وخرج عامر بن مالك من الحائط ومضى إلى الجنيد وهو في سبعة آلاف فتلقى الجنيد وأقبل معه وعلى مقدمة الجنيد عمارة بن خريم فلما انتهى إلى فرسخين من بيكند تلقته خيل الترك فقاتلهم فكاد الجنيد أن يهلك ومن معه ثم أظهره الله فسار حتى قدم العسكر وظفر الجنيد وقتل الترك وزحف إليه خاقان فالتقوا دون زرمان من بلاد سمرقند وقطن ابن قتيبة على ساقة الجنيد وواصل في أهل بخارى وكان ينزلها فأسم ملك الشاش وأسر الجنيد من الترك ابن أخى خاقان في هذه الغزاة فبعث به إلى الخليفة وكان الجنيد استخلف في غزاته هذه مجشر بن مزاحم على مرو وولى سورة بن الحر من بنى أبان بن دارم بلخ وأوفد لما أصاب في وجهه ذلك عمارة بن معاوية العدوى ومحمد بن الجراح العبدى وعبد ربه بن أبى صالح السلمى إلى هشام بن عبد الملك ثم انصرفوا فتواقفوا بالترمذ فأقاموا بها شهرين ثم أتى الجنيد مرو وقد ظفر فقال خاقان هذا غلام مترف هزمني العام وأنا مهلكة في قابل فاستعمل الجنيد عماله ولم يستعمل إلا مضريا استعمل قطن بن قتيبة على بخارى والوليد بن القعقاع العبسى على هراة وحبيب بن مرة العبسى على شرطه وعلى بلخ مسلم بن عبد الرحمن الباهلى وكان نصر بن سيار على بلخ والذى بينه وبين الباهليين متباعد لما كان بينهم بالبروقان فأرسل مسلم إلى نصر فصادفوه نائما فجاءوا به في قميص ليس عليه سراويل ملببا فجعل يضم عليه قميصيه فاستحيى مسلم وقال شيخ من مضر جئتم به على هذه الحال ثم عزل الجنيد مسلما عن بلخ وولاها يحيى بن ضبيعة واستعمل على خراج سمرقند شداد بن خالد الباهلى وكان مع الجنيد السمهرى بن قعنب (وحج) بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومى وكان إليه من العمل في هذه السنة ما كان إليه في السنة التى قبلها وقد ذكرت ذلك قبل وكان العامل على العراق خالد بن عبد الله وعلى خراسان الجنيد بن عبد الرحمن

[ 410 ]

ثم دخلت سنة اثنتى عشرة مائة ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفة فافتتح خرشنة وحرق فرندية من ناحية ملطية (وفيها) سار الترك من اللان فلقيهم الجراح بن عبد الله الحكمى فيمن معه من أهل الشأم وآذربيجان فلم يتتام إليه جيشه فاستشهد الجراح ومن كان معه بمرج أردبيل وافتتحت الترك أردبيل وقد كان استخلف أخاه الحجاج بن عبد الله على أرمينية (ذكر محمد بن عمر) أن الترك قتلت الجراح ابن عبد الله ببلنجر وأن هشاما لما بلغه خبره دعا سعيد بن عمرو الحرشى فقال له إنه بلغني أن الجراح قد انحاز عن المشركين قال كلا يا أمير المؤمنين الجراح أعرف بالله من أن ينحاز عن العدو ولكنه قتل قال فما الرأى قال تبعثني على أربعين دابة من دواب البريد ثم تبعث إلى كل يوم أربعين دابة عليها أربعون رجلا ثم اكتب إلى أمراء الاجناد يوافوني ففعل ذلك هشام فذكر أن سعيد بن عمرو أصاب للترك ثلاثة جموع وفودا إلى خاقان بمن أسروا من المسلمين وأهل الذمة فاستنقذ الحرشى ما أصابوا وأكثروا القتل فيهم وذكر على بن محمد أن الجنيد ابن عبد الرحمن قال في بعض ليالى حربه الترك بالشعب ليلة كليلة الجراح ويوما كيومه فقيل له أصلحك الله إن الجراح سير إليه فقتل أهل الحجى والحفاظ فجن عليه الليل فانسل الناس من تحت الليل إلى مدائن لهم بآذربيجان وأصبح الجراح في قلة فقتل (وفى هذه السنة) وجه هشام أخاه مسلمة بن عبد الملك في أثر الترك فسار في شتاء شديد البرد والمطر والثلوج فطلبهم فيما ذكر حتى جاز الباب في آثارهم وخلف الحارث بن عمر والطائي بالباب (وفى هذه السنة) كانت وقعة الجنيد مع الترك ورئيسهم خاقان بالشعب (وفيها) قتل سورة بن الحر وقد قيل إن هذه الوقعة كانت في سنة 113 ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كانت ذكر على بن محمد عن أشياخه أن الجنيد بن عبد الرحمن خرج غازيا في سنة 112

[ 411 ]

يريد طخارستان فنزل على نهر بلخ ووجه عمارة بن حريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفا وإبراهيم بن بسام الليثى في عشرة آلاف في وجه آخر وجاشت الترك فأتوا سمرقند وعليها سورة بن الحر أحد بنى أبان بن دارم فكتب سورة إلى الجنيد إن خاقان جاش بالترك فخرجت إليهم فما قدرت أن أمنع حائط سمرقند فالغوث فأمر الجنيد الناس بالعبور فقام إليه المجشر بن مزاحم السلمى وابن بسطام الازدي وابن صبح الخرقى فقالوا إن الترك ليسوا كغيرهم لا يلقونك صفا ولا زحفا وقد فرقت جندك فمسلم بن عبد الرحمن بالنيروذ والبخترى بهراة ولم يحضرك أهل الطالقان وعمارة بن حريم عائب وقال له المجشر إن صاحب خراسان لا يعبر النهر في أقل من خمسين ألفا فاكتب إلى عمارة فليأتك وأمهل ولا تعجل قال فكيف بسورة ومن معه من المسلمين لو لم أكن إلا في بنى مرة أو من طلع معى من أهل الشأم لعبرت وقال أليس أحق الناس أن يشهد الوغا * وأن يقتل الابطال ضخما على ضخم (وقال) ما علتى ما علتى ما علتى * إن لم أقاتلهم فجزوا لمتى قال وعبر فنزل كس وقد بعث الاشهب بن عبيد الحنظلي ليعلم علم القوم فرجع إليه وقال قد أتوك فتأهب للمسير وبلغ الترك فغوروا الآبار التى في طريق كس وما فيه من الركايا فقال الجنيد أي الطريقين إلى سمرقند أمثل قالوا طريق المحترقة قال المجشر بن مزاحم السلمى القتل بالسيف أمثل من القتل بالنار إن طريق المحترقة فيه الشجر والحشيش ولم يزرع منذ سنين فقد تراكم بعضه على بعض فان لقيت خاقان أحرق ذلك كله فقتلنا بالنار والدخان ولكن خذ طريق العقبة وهو وبيننا وبينهم سواء فأخذ الجنيد طريق العقبة فارتقى في الجبل فأخذ المجشر بعنان دابته وقال إنه كان يقال إن رجلا من قيس مترفا يهلك على يديه جند من جنود خراسان وقد خفنا أن تكونه قال أفرخ روعك فقال المجشر أما إذا كان بيننا مثلك فلا يفرخ فبات في أصل العقبة ثم ارتحل حين أصبح فصار الجنيد بين

[ 412 ]

مرتحل ومقيم فتلقى فارسا فقال ما اسمك فقال حرب قال ابن من قال ابن محربة قال من بنى من قال من بنى حنظلة قال سلط الله عليك الحرب والحرب والكلب ومضى بالناس حتى دخل الشعب وبينه وبين مدينة سمرقند أربع فراسخ فصبحه خاقان في جمع عظيم وزحف إليه أهل السغد والشاش وفرغانة وطائفة من الترك قال فحمل خاقان على المقدمة وعليها عثمان بن عبد بن الشخير فرجعوا إلى العسكر والترك تتبعهم وجاءوهم من كل وجه وقد كان الاخريد قال للجنيد رد الناس إلى العسكر فقد جاءك جمع كثير فطلع أوائل العدو والناس يتغدون فرآهم عبيد الله بن زهير بن حيان فكره أن يعلم الناس حتى يفرغوا من غداهم والتفت أبو الذيال فرآهم فقال العدو فركب الناس إلى الجنيد فصير تميما والازد في الميمنة وربيعة في الميسرة مما يلي الجبل وعلى مجففة خيل بنى تميم عبيد الله بن زهير بن حيان وعلى المجردة عمر أو عمرو بن جرفاس بن عبد الرحمن بن شقران المنقرى وعلى جماعة بنى تميم عامر بن مالك الحمانى وعلى الازد عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو المعنى وعلى خيلهم المجففة والمجردة فضيل بن هناد وعبد الله ابن حوذان أحدهما على المجففة والآخر على المجردة ويقال بل كان بشر بن حوذان أخو عبد الله بن حوذان الجهضمى فالتقوا وربيعة مما يلي الجبل في مكان ضيق فلم يقدم عليهم أحد وقصد العدو للميمنة وفيها تميم والازد في موضع واسع فيه مجال للخيل فترجل حيان بن عبيد الله بن زهير بين يدى أبيه ودفع برذونه إلى أخيه عبد الملك فقال له أبوه يا حيان انطلق إلى أخيك فانه حدث وأخاف عليه فأبى فقال يا بنى إنك إن قتلت على حالك هذه قتلت عاصيا فرجع إلى الموضع الذى خلف فيه أخاه والبرذون فإذا أخوه قد لحق بالعسكر وقد شد البرذون فقطع حيان مقوده وركبه فأتى العدو فإذا العدو قد أحاط بالموضع الذى خلف فيه أباه وأصحابه فامدهم الجنيد بنصر بن سيار في سبعة معه فيهم جميل ابن غزوان العدوى فدخل عبيد الله بن زهير معهم وشدوا على العدو فكشفوهم ثم كروا عليهم فقتلوا جميعا فلم يفلت منهم أحد ممن كان في ذلك الموضع وقتل

[ 413 ]

عبيد الله بن زهير وابن حوذان وابن جرفاس والفضيل بن هناد وجالت الميمنة والجنيد واقف في القلب فأقبل إلى الميمنة فوقف تحت راية الازد وقد كان جفاهم فقال له صاحب راية الازد ما جئتنا لتحبونا ولا لتكرمنا ولكنك قد علمت أنه لا يوصل اليك ومنا رجل حى فان ظفرنا كان لك وإن هلكنا لم تبك علينا ولعمري لئن ظفرنا وبقيت لا أكلمك كلمة أبدا وتقدم فقتل وأخذ الراية ابن مجاعة فقتل فتداول الراية ثمانية عشر رجلا منهم فقتلوا فقتل يومئذ ثمانون رجلا من الازد قال وصبر الناس يقاتلون حتى أعيوا فكانت السيوف لا تحيك ولا تقطع شيئا فقطع عبيد هم الخشب يقاتلون به حتى مل الفريقان فكانت المعانقة فتحاجزوا فقتل من الازد حمزة بن مجاعة العتكى ومحمد بن عبد الله بن حوذان الجهضمى وعبد الله بن بسطام المعنى وأخوه زنيم والحسن بن شيخ والفضيل الحارثى وهو صاحب الخيل ويزيد بن المفضل الحدانى وكان حج فأنفق في حجه ثمانين ومائة ألف فقال لامه وحشية ادعى الله أن يرزقنى الشهادة فدعت له وغشى عليه فاستشهد بعد مقدمه من الحج بثلاثة عشر يوما وقاتل معه عبدان له وقد كان أمرهما بالانصراف فقتلا فاستشهدا قال وكان يزيد بن المفضل حمل يوم الشعب على مائة بعير سويقا للمسلمين فجعل يسأل عن الناس ولا يسأل عن أحد إلا قيل له قد قتل فاستقدم وهو يقول لا إله إلا الله فقاتل حتى قتل وقاتل يومئذ محمد بن عبد الله بن حوذان وهو على فرس أشقر عليه تجفاف مذهب فحمل سبع مرات يقتل في كل حملة رجلا ثم رجع إلى موقفه فهابه من كان في ناحيته فناداه ترجمان للعدو يقول لك الملك لا تقبل وتحول إلينا فنرفض صنمنا الذى نعبده ونعبدك فقال محمد أنا أقاتلكم لتتركوا عبادة الاصنام وتعبدوا الله وحده فقاتل واستشهد وقتل جشم بن قرط الهلالي من بنى الحارث وقتل النضر بن راشد العبدى وكان دخل على امرأته والناس يقتتلون فقال لها كيف أنت إذا أتيت بأبى ضمرة في لبد مضرجا بالدماء فشقت جيبها ودعت بالويل فقال حسبك لو أعولت على كل أنثى لعصيتها شوقا إلى الحور

[ 414 ]

العين ورجع فقاتل حتى استشهد رحمه الله قال فبينا الناس كذلك إذ أقبل رهج فطلعت فرسان فنادى منادى الجنيد الارض الارض فترجل وترجل الناس ثم نادى منادى الجنيد ليخندق كل قائد على حياله فخندق الناس قال ونظر الجنيد إلى عبد الرحمن بن مكية يحمل على العدو فقال ما هذا الخرطوم السائل قيل له هذا ابن مكية قال السان البقرة لله دره أي رجل هو وتحاجزوا وأصيب من الازد مائة وتسعون وكانوا لقوا خاقان يوم الجمعة فأرسل الجنيد إلى عبد الله بن معمر بن سمير اليشكرى أن يقف في الناحية التى تلى كس ويحبس من مربه ويحوز الاثقال والرجالة وجاءت الموالى رجالة ليس فيهم غير فارس واحد والعدو يتبعونهم فثبت عبد الله بن معمر للعدو فاستشهد في رجال من بكر وأصبحوا يوم السبت فأقبل خاقان نصف النهار فلم ير موضعا للقتال فيه أيسر من موضع بكر بن وائل وعليهم زياد بن الحارث فقصد لهم فقالت بكر لزياد القوم قد كثرونا فخل عنا نحمل عليهم قبل أن يحملوا علينا فقال لهم قد ما رست سبعين سنة إنكم إن حملتم عليهم فصعدتم انهزمتم ولكن دعوهم حتى يقربوا فف علوا فلما قربوا منهم حملوا عليهم فأفرجوا لهم فسجد الجنيد وقال خاقان يومئذ إن العرب إذا أخرجوا استقتلوا فخلوهم حتى يخرجوا ولا تعرضوا لهم فإنكم لا تقومون لهم وخرج جوار للجنيد يولولن فانتدب رجال من أهل الشأم فقالوا الله الله يا أهل خراسان إلى أين وقال الجنيد ليلة كليلة الجراح ويوم كيومه (وفى هذه السنة) قتل سورة ابن الحر التميمي ذكر الخبر عن مقتله ذكر على عن شيوخه أن عبيد الله بن حبيب قال للجنيد اختر بين أن تهلك أنت أو سورة فقال هلاك سورة أهون على قال فاكتب إليه فليأتك في أهل سمرقند فإن الترك ان بلغهم أن سورة قد توجه إليك انصرفوا إليه فقاتلوه فكتب إلى سورة يأمره بالقدوم * وقيل كتب أغثنى فقال عبادة بن السليل المحاربي أبو الحكم بن عبادة لسورة أنظر أبرد بيت بسمرقند فنم فيه فإنك إن خرجت

[ 415 ]

لا تبالي أسخط عليك الامير أم رضى وقال له حليس بن غالب الشيباني إن الترك بينك وبين الجنيد فان خرجت كروا عليك فاختطفوك فكتب إلى الجنيد إنى لا أقدر على الخروج فكتب إليه الجنيد يا ابن اللخناء تخرج وإلا وجهت إليك شدادا بن خالد الباهلى وكان له عدوا فاقدم وضع فلانا بفرخشاذ في خمسمائة ناشب والزم الماء فلا تفارقه فأجمع على المسير فقال الوجف بن خالد العبدى إنك لمهلك نفسك والعرب بمسيرك ومهلك من معك قال لا يخرج حملي من التنور حتى أسير فقال له عبادة وحليس أما إذا أبيت إلا المسير فخذ على النهر فقال أبا لا أصل إليه على النهر في يومين وبيني وبينه من هذا الوجه ليلة فأصبحه فإذا سكنت الرجل سرت فأعبره فجاءت عيون الاتراك فأخبروهم وأمر سورة بالرحيل واستخلف على سمرقند موسى بن أسود أحد بنى ربيعة ين حنظلة وخرج في اثنى عشر ألفا فأصبح على رأس جبل وإنما دله على ذلك الطريق علج يسمى كارتقبد فتلقاه خاقان حين أصبح وقد سار ثلاثة فراسخ وبينه وبين الجنيد فرسخ فقال أبو الذيال قاتلهم في أرض حوارة فصبر وصبروا حتى اشتد الحر وقال بعضهم قال له غوزك يومك يوم حار فلا تقاتلهم حتى تحمى عليهم الشمس وعليهم السلاح تثقلهم فلم يقاتلهم خاقان وأخذ برأى غوزك وأشعل النار في الحشيش وواقفهم وحال بينهم وبين الماء فقال سورة لعبادة ما ترى يا أبا السليل قال أرى والله انه ليس من الترك أحد إلا وهو يريد الغنيمة فاعقر هذه الدواب وأحرق هذا المتاع وجرد السيف فإنهم يخلون لنا الطريق قال أبو الذيال فقال سورة لعبادة ما الرأى قال تركت الرأى قال فما ترى الآن قال ان تنزل فنشرع الرماح ونزحف زحفا فإنما هو فرسخ حتى نصل إلى العسكر قال لا أقوى على هذا ولا يقوى فلان وفلان وعدد رجالا ولكن أرى أن أجمع الخيل ومن أرى أنه يقاتل فأصكهم سلمت أم عطيت فجمع الناس وحملوا فانكشفت الترك وثار الغبار فلم يبصروا ومن وراء الترك اللهب فسقطوا فيه وسقط فيه العدو والمسلمون وسقط سورة فاندقت فخذه وتفرق الناس وانكشفت الغمة والناس

[ 416 ]

متفرقون فقطعتهم الترك فقتلوهم فلم ينج منهم غير ألفين ويقال ألف وكان ممن نجا عاصم بن عمير السمرقندى عرفه رجل من الترك فأجاره واستشهد حليس بن غالب الشيباني فقال رجل من العرب الحمد لله استشهد حليس ولقد رأيته يرمى البيت أيام الحجاج ويقول درى عقاب بلبن وأخشاب وامرأة قائمة فكلما رمى بحجر قالت المرأة يا رب بى ولا ببيتك ثم رزق الشهادة وانحاز المهلب بن زياد العجلى في سبعمائة ومعه قريش بن عبد الله العبدى إلى رستاق يسمى المرغاب فقاتلوا أهل قصر من قصورهم فأصيب المهلب بن زياد وولوا أمرهم الوجف بن خالد ثم أتاهم الاشكند صاحب نسف في خيل ومعه غوزك فقال غوزك يا وجف لكم الامان فقال قريش لا تثقوا بهم ولكن إذا جننا الليل خرجنا عليهم حتى نأتى سمرقند فإنا إن أصبحنا معهم قتلونا قال فعصوه وأقاموا فساقوهم إلى خاقان فقال لا أجيز أمان غوزك فقال غوزك للوجف أنا عبد لخاقان من شاكريته قالوا فلم غورتنا فقاتلهم الوجف وأصحابه فقتلوا غير سبعة عشر رجلا دخلوا الحائط وأمسوا فقطع المشركون شجرة فألقوها على ثلمة الحائط فجاء قريش بن عبد الله العبدى إلى الشجرة فرمى بها وخرج في ثلاثة فباتوا في ناووس فكمنوا فيه وجبن الآخرون فلم يخرجوا فقتلوا حين أصبحوا وقتل سورة فلما قتل خرج الجنيد من الشعب يريد سمرقند مبادرا فقال له خالد بن عبيد الله بن حبيب سرسر ومجشر ابن مزاحم السلمى يقول أذكرك الله أقم والجنيد يتقدم فلما رأى المجشر ذلك نزل فأخذ بلجام الجنيد فقال والله لا تسير ولتنزلن طائعا أو كارها ولا ندعك تهلكنا بقول هذا الهجرى انزل فنزل ونزل الناس فلم يتتام نزولهم حتى طلع الترك فقال المجشر لو لقونا ونحن نسير ألم يستأصلونا فلما أصبحوا تناهضوا فانكشفت طائفة وجال الناس فقال الجنيد أيها الناس إنها النار فتراجعوا وأمر الجنيد رجلا فنادى أي عبد قاتل فهو حر فقاتل العبيد قتالا شديدا عجب الناس منه جعل أحدهم يأخذ اللبد فيجوبه ويجعله في عنقه يتوقى به فسر الناس بما رأوا من صبرهم فكر العدو وصبر الناس حتى انهزم العدو فمضوا فقال موسى بن النعر الناس

[ 417 ]

أتفرحون بما رأيتم من العبيد والله إن لكم منهم ليوما أرونان ومضى الجنيد فأخذ العدو رجلا من عبد القيس فكتفوه وعلقوا في عنقه رأس بلعاء العنبري ابن مجاهد بن بلعاء فلقيه الناس فأخذ بنو تميم الرأس فدفنوه ومضى الجنيد إلى سمرقند فحمل عيال من كان مع سورة إلى مرو وأقام بالسغد أربعة أشهر وكان صاحب رأى خراسان في الحرب المجشر بن مزاحم السلمى وعبد الرحمن بن صبح الخرقى وعبيد الله بن حبيب الهجرى وكان المجشر ينزل الناس على راياتهم ويضع المسالح ليس لاحد مثل رأيه في ذلك وكان عبد الرحمن ابن صبح إذا نزل الامر العظيم في الحرب لم يكن لاحد مثل رأيه وكان عبيد الله ابن حبيب على تعبية القتال وكان رجال من الموالى مثل هؤلاء في الرأى والمشورة والعلم بالحرب فمنهم الفضل بن بسام مولى بنى ليث وعبد الله بن أبى عبد الله مولى بنى سليم والبخترى بن مجاهد مولى بنى شيبان قال فلما انصرف الترك إلى بلادهم بعث الجنيد سيف بن وصاف العجلى من سمرقند إلى هشام فجبن عن السير وخاف الطريق فاستعفاه فأعفاه وبعث نهار بن توسعة أحد بنى تميم اللات وزميل بن سويد المرى مرة غطفان وكتب إلى هشام ان سورة عصاني أمرته بلزوم الماء فلم يفعل فتفرق عنه أصحابه فأتتنى طائفة إلى كس وطائفة إلى نسف وطائفة إلى سمرقند وأصيب سوره في بقية أصحابه قال فدعا هشام نهار بن توسعة فسأله عن الخبر فأخبره بما شهد فقال نهار بن توسعة لعمرك ما حابيتنى إذ بعثتني * ولكنما عرضتني للمتالف دعوت لها قوما فهابوا ركوبها * وكنت امرءا ركابه للمحاوف فأيقنت إن لم يدفع الله أننى * طعام سباع أو لطير عوائف قرين عراك وهو أيسر هالك * عليك وقد زملته بصحائف فإنى وإن آثرت منه قرابة * لاعظم حظا في حباء الخلائف على عهد عثمان وفدنا وقبله * وكنا أولى مجد تليد وطارف قال وكان عراك معهم في الوفد وهو ابن عم الجنيد فكتب إلى الجنيد قد

[ 418 ]

وجهت إليك عشرين ألفا مددا عشرة آلاف من أهل البصرة عليهم عمرو بن مسلم ومن أهل الكوفة عشرة آلاف عليهم عبد الرحمن بن نعيم ومن السلاح ثلاثين ألف رمح ومثلها ترسة فافرض فلا غاية لك في الفريضة لخمسة عشر ألفا قال ويقال إن الجنيد أوفد الوفد إلى خالد بن عبد الله فأوفد خالد إلى هشام أن سورة بن الحر خرج يتصيد مع أصحاب له فهجم عليهم الترك فأصيبوا فقال هشام حين أتاه مصاب سورة إنا لله وإنا إليه راجعون مصاب سورة بن الحر بخراسان والجراح بالباب وأبلى نصر بن سيار يومئذ بلاء حسنا فانقطع سيفه وانقطع سيور ركابه فأخذ سيور ركابه فضرب بن رجل حتى أثخنه وسقط في اللهب مع سورة يومئذ عبد الكريم بن عبد الرحمن الحنفي وأحد عشر رجلا معه وكان ممن سلم من أصحاب سورة ألف رجل فقال عبد الله بن حاتم بن النعمان رأيت فساطيط مبنية بين السماء والارض فقلت لمن هذه فقالوا لعبدالله بن بسطام وأصحابه فقتلوا من غد فقال رجل مررت في ذلك الموضع بعد ذلك بحين فوجدت رائحة المسك ساطعة قال ولم يشكر الجنيد لنصر ما كان من بلائه فقال نصر إن تحسدوني على حسن البلاء لكم * يوما فمثل بلائى جرلى الحسدا يأبى الاله الذى أعلى بقدرته * كعبي عليكم وأعطى فوقكم عضدا وضربي الترك عنكم يوم فرقكم * بالسيف في الشعب حتى جاوز السندا قال وكان الجنيد يوم الشعب أخذ في الشعب وهو لا يرى أن أحدا يأتيه من الجبال وبعث ابن الشخير في مقدمته واتخذ ساقة ولم يتخذ مجنبتين وأقبل خاقان فهزم المقدمة وقتل من قتل منهم وجاءه خاقان من قبل ميسرته وجبغويه من قبل الميمنة فأصيب رجال من الازد وتميم وأصابوا له سرادقات وأبنية فأمر الجنيد حين أمسى رجلا من أهل بيته فقال له امش في الصفوف والدراجة وتسمع ما يقول الناس وكيف حالهم ففعل ثم رجع إليه فقال رأيتهم طيبة أنفسهم يتناشدون الاشعار ويقرءون القرآن فسره ذلك وحمد الله قال ويقال نهضت العبيد يوم الشعب من جانب العسكر وقد أقبلت الترك والسغد ينحدرون فاستقبلهم العبيد وشدوا عليهم بالعمد فقتلوا

[ 419 ]

منهم تسعة فأعطاهم الجنيد أسلابهم وقال ابن السجف في يوم الشعب ويعنى هشاما اذكر يتامى بأرض الترك ضائعة * هزلى كأنهم في الحائط الحجل وارحم وإلا فهبها أمة دمرت * لا أنفس بقيت فيها ولا ثقل لا تأملن بقاء الدهر بعدهم * والمرء ما عاش ممدود له الامل لاقوا كتائب من خاقان معلمة * عنهم يضيق فضاء السهل والجبل لما رأوهم قليلا لا صريخ لهم * مدوا بأيديهم لله وابتهلوا وبايعوا رب موسى بيعة صدقت * ما في قلوبهم شك ولا دغل قال فأقام الجنيد بسمرقند ذلك العام وانصرف خاقان إلى بخارى وعليها قطن بن قتيبة فخاف الناس الترك على قطن فشاورهم الجنيد فقال قوم الزم سمرقند واكتب إلى أمير المؤمنين يمدك بالجنود وقال قوم تسير فتأتى ربنجن ثم تسير منها إلى كس ثم تسير منها إلى نسف فتتصل منها إلى أرض زم وتقطع النهر وتنزل آمل فتأخذ عليه بالطريق فبعث إلى عبد الله بن أبى عبد الله فقال قد اختلف الناس على وأخبره بما قالوا فما الرأى فاشترط عليه ألا يخالفه فيما يشير به عليه من ارتحال أو نزول أو قتال قال نعم قال فإنى أطلب إليك خصالا قال وما هي قال تخندق حيثما نزلت ولا يفوتنك حمل الماء ولو كنت على شاطئ نهر وأن تطيعني في نزولك وارتحالك فأعطاه ما أراد قال أماما أشاروا به عليك في مقامك بسمرقند حتى يأتيك الغياث فالغياث يبطئ عنك وإن سرت فأخذت بالناس غير الطريق فتت في أعضادهم فانكسروا عن عدوهم فاجترأ عليك خاقان وهو اليوم قد استفتح بخارى فلم يفتحوا له فإن أخذت بهم غير الطريق تفرق الناس عنك مبادرين إلى منازلهم ويبلغ أهل بخارى فيستسلموا لعدوهم وإن أخذت الطريق الاعظم هابك العدو والرأى لك أن تعمد إلى عيالات من شهد الشعب من أصحاب سورة فتقسمهم على عشائرهم وتحملهم معك فإنى أرجو بذلك أن ينصركم الله على عدوك وتعطى كل رجل تخلف بسمرقند ألف درهم وفرسا قال فأخذ برأيه فخلف في سمرقند عثمان بن عبد الله ابن الشخير في ثمانمائة أربعمائة فارس وأربعمائة راجل وأعطاهم سلاحا فشتم

[ 420 ]

الناس عبد الله بن أبى عبد الله مولى بنى سليم وقالوا عرضنا لخاقان والترك ما أراد إلا هلاكنا فقال عبد الله بن حبيب لحرب بن صبح كم كانت لكم الساقة اليوم قال ألف وستمائة قال لقد عرضنا للهلاك قال فأمر الجنيد بحمل العيال قال وخرج والناس معه وعلى طلائعه الوليد بن القعقاع العبسى وزياد بن خيران الطائى فسرح الجنيد الاشهب بن عبيد الله الحنظلي ومعه عشرة من طلائع الجند وقال له كلما مضيت مرحلة فسرح إلى رجلا يعلمنى الخبر قال وسار الجنيد فلما صار بقصر الريح أخذ عطاء الدبوسي بلجام الجنيد وكبحه فقرع رأسه هارون الشاشى مولى بنى حازم بالرمح حتى كسره على رأسه فقال الجنيد لهارون خل عن الدبوسي وقال له مالك يا دبوسي فقال انظر أضعف شيخ في عسكرك فسلحه سلاحا تاما وقلده سيفا وجعبة وترسا وأعطه رمحا ثم سربنا على قدر مشيه فانا لا نقدر على السوق والقتال وسرعة السير ونحن رجالة ففعل ذلك الجنيد فلم يعرض للناس عارض حتى خرجوا من الاماكن المخوفة ودنا من الطواويس فجاءتنا الطلائع بإقبال خاقان فعرضوا له بكرمينية أول يوم من رمضان فلما ارتحل الجنيد من كرمينية قدم محمد بن الرندى في الاساورة آخر الليل فلما كان في طرف مفازة كرمينية رأى ضعف العدو فرجع إلى الجنيد فأخبره فنادى منادى الجنيد ألا يخرج المكتبون إلى عدوهم فخرج الناس ونشبت الحرب فنادى رجل أيها الناس صرتم حرورية فاستقتلتم وجاء عبد الله بن أبى عبد الله إلى الجنيد يضحك فقال له الجنيد ما هذا بيوم ضحك فقيل له إنه ضحك تعجبا فالحمد لله الذى لم يلقك هؤلاء إلا في جبال معطشة فهم على ظهر وأنت مخندق آخر النهار كالين وأنت معك الزاد فقاتلوا قليلا ثم رجعوا وكان عبد الله بن أبى عبد الله قال للجنيد وهم يقاتلون ارتحل فقال الجنيد وهل من حيلة قال نعم تمضى برايتك قدر ثلاث غلاء فان خاقان ود أنك أقمت فينطوى عليك إذا شاء فأمر بالرحيل وعبد الله بن أبى عبد الله على الساقة فأرسل إليه انزل قال أنزل على غير ماء فأرسل إليه إن لم تنزل ذهبت خراسان من يدك فنزل وأمر الناس أن يسقوا فذهبت الناس الرجالة

[ 421 ]

والناشبة وهم صفان فاستقوا وباتوا فلما أصبحوا ارتحلوا فقال عبد الله بن أبى عبد الله إنكم معشر العرب أربعة جوانب فليس يعيب بعضهم بعضا كل ربع لا يقدر أن يزول من مكانه مقدمة وهم القلب ومجنبتان وساقة فان جمع خاقان خيله ورجاله ثم صدم جانبا منكم وهم الساقة كان بواركم وبالحرى أن يفعل وأنا أتوقع ذلك في يومى فشدوا الساقة بخيل فوجه الجنيد خيل بنى تميم والمجففة وجاءت الترك فمالت على الساقة وقد دنا المسلمون من الطواويس فاقتتلوا فاشتد الامر بينهم فحمل سلم بن أحوز على رجل من عظماء الترك فقتله قال فتطير الترك وانصرفوا من الطواويس ومضى المسلمون فأتوا بخارى يوم المهرجان قال فتلقونا بدراهم بخارية فأعطاهم عشرة عشرة فقال عبد المؤمنين ابن خالد رأيت عبد الله بن أبى عبد الله بعد وفاته في المنام فقال حدث الناس عنى برأيى يوم الشعب قال وكان الجنيد يذكر خالد بن عبد الله ويقول ربذة من الربذ صنبور بن صنبور قل بن قل هيفة من الهيف وزعم أن الهيفة الضبع والعجرة الخنزيرة والقل الفرد قال وقدمت الجنود مع عمرو بن مسلم الباهلى في أهل البصرة وعبد الرحمن بن نعيم العامري في أهل الكوفة وهو بالصغانيان فسرح معهم الحوثرة بن يزيد العنبري فيمن انتدب معه من التجار وغيرهم وأمرهم أن يحملوا ذرارى أهل سمرقند ويدعوا فيها المقاتلة ففعلوا (قال أبو جعفر) وقد قيل إن وقعة الشعب بين الجنيد وخاقان كانت في سنة 113 وقال نصر بن سيار يذكر يوم الشعب وقتال العبيد إنى نشأت وحسادي ذوو عددا * يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا إن تحسدوني على مثل البلاء لكم * يوما فمثل بلائى جر لى الحسدا يأبى الاله الذى أعلى بقدرته * كعبي عليكم وأعطى فوقكم عددا أرمى العدو بأفراس مكلمة * حتى اتخذن على حسادهن يدا من ذا الذى منكم في الشعب إذ وردوا * لم يتخذ حومة الاثقال معتمدا فما حفظتم من الله الوصاة ولا * أنتم بصبر طلبتم حسن ما وعدا ولا نهاكم عن التوثاب في عتب * إلا العبيد بضرب يكسر العمدا

[ 422 ]

هلا شكرتم دفاعي عن جنيدكم * وقع القنا وشهاب الحرب قد وقدا (وقال ابن عرس العبدى) يمدح نصرا يوم الشعب ويذم الجنيد لان نصرا أبلى يومئذ يا نصر أنت فتى نزار كلها * فلك المآثر والفعال الا رفع فرجت عن كل القبائل كربة * بالشعب حين تخاضعوا وتضعضعوا يوم الجنيد إذا القنا متشاجر * والنحر دام والخوافق تلمع ما زلت ترميهم بنفس حرة * حتى تفرج جمعهم وتصدعوا فالناس كل بعدها عتقاؤكم * ولك المكارم والمعالى أجمع وقال الشرعبى الطائى تذكرت هندا في بلاد غريبة * فيالك شوقا هل لشملك مجمع تذكرتها والشاش بينى وبينها * وشعب عصام والمنايا تطلع بلاد بها خاقان جم زحوفه * ونيلان في سبعين ألفا مقنع إذا دب خاقان وسارت جنوده * أتتنا المنايا عند ذلك شرع هنالك هند مالنا النصف منهم * وما إن لنا يا هند في القوم مطمع ألا رب خود خدلة قد رأيتها * يسوق بها جهم من السغد أصمع أحامي عليها حين ولى خليلها * تنادى إليها المسلمين فتسمع تنادى بأعلى صوتها صف قومها * ألا رجل منكم يغار فيرجع ألا رجل منكم كريم يردنى * يرى الموت في بعض المواطن ينفع فما جاوبوها غير إن نصيفها * بكف الفتى بين البرازيق أشنع إلى الله أشكو نبوة في قلوبها * ورعبا ملا أجوافها يتوسع فمن مبلغ عنى ألوكا صحيفة * إلى خالد من قبل أن نتوزع بأن بقايانا وأن أميرنا * إذا ما عددناه الذليل الموقع هم أطمعوا خاقان فينا وجنده * ألا ليتنا كنا هشيما يزعزع وقال ابن عرس واسمه خالد بن المعارك من بنى غنم بن وديعة بن لكيز بن

[ 423 ]

أفصى وذكر على بن محمد عن شيخ من عبد القيس أن أمه كانت أمة فباعه أخوه تميم بن معارك من عمرو بن لقيط أحد بنى عامر بن الحارث فأعتقه عمر ولما حضرته الوفاة فقال يا أبا يعقوب كم لى عندك من المال قال ثمانون ألفا قال أنت حر وما في يديك لك قال فكان عمر ينزل مرو الروذو قد اقتتلت عبد القيس في ابن عرس فردوه إلى قومه فقال ابن عرس للجنيد أين حماة الحرب من معشر * كانوا جمال المنسر الحارد بادوا بآجال توافوا لها * والعائر الممهل كالبائد فالعين تجرى دمعها مسبلا * ما لدموع العين من زائد انظر ترى للميت من رجعة * أم هل ترى في الدهر من خالد كنا قديما يتقى بأسنا * وندرأ الصادر بالوارد حتى منينا بالذى شامنا * من بعد عز ناصر آئد كعاقر الناقة لا ينثنى * مبتدئا ذى حنق جاهد فتقت ما لم يلتئم صدعه * بالجحفل المحتشد الزائد تبكى لها إن كشفت ساقها * جدعا وعقرا لك من قائد تركتنا أجزاء معبوطة * يقسمها الجازر للناهد ترفت الاسياف مسلولة * تزيل بين العضد والساعد تساقط الهامات من وقعها * بين جناحى مبرق راعد إذا أنت كالطفلة في خدرها * لم تدر ما كيدة الكائد إنا أناس حربنا صعبة * تعصف بالقائم والقاعد أضحت سمرقند وأشياعها * أحدوثة الغايب والشاهد وكم ثوى في الشعب من حازم * جلد القوى ذى مرة ماجد يستنجد الخطب ويغشى الوغى * لا هايب غس ولا ناكد ليتك يوم الشعب في حفرة * مرموسة بالمدر الجامد تلعب بك الحرب وأبناؤها * لعب صقور بقطا وارد

[ 424 ]

طار لها قلبك من خيفة * ما قلبك الطائر بالعائد لا تحسبن الحرب يوم الضحى * كشربك المزاء بالبارد أبغضت من عينك تبريجها * وصورة في جسد فاسد جنيد ما عيصك منسوبه * نبعا ولا جدك بالصاعد خمسون ألفا قتلوا ضيعة * وأنت منهم دعوة الناشد لا تمرين الحرب من قابل * ما أنت في العدوة بالحامد قلدته طوقا على نحره * طوق الحمام للغرد الفارد قصيدة حبرها شاعر * تسعى بها البرد إلى خالد (وحج) بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومى كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وقد قيل إن الذى حج بالناس في هذه السنه سليمان بن هشام وكانت عمال الامصار في هذه السنة عمالها الذين كانوا في سنة 111 وقد ذكرناهم قبل ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك هلاك عبد الوهاب بن بخت وهو مع البطال عبد الله بأرض الروم فذكر محمد بن عمر عن عبد العزيز بن عمر أن عبد الوهاب بن بخت غزا مع البطال سنة 113 فانهزم الناس عن البطال وانكشفوا فجعل عبد الوهاب يكر فرسه وهو يقول ما رأيت فرسا أجبن منه وسفك الله دمى إن لم أسفك دمك ثم ألقى بيضته عن رأسه وصاح أنا عبد الوهاب بن بخت أمن الجنة تفرون ثم تقدم في نحور العدو فمر برجل وهو يقول واعطشاه فقال تقدم الرى أمامك فخالط القوم فقتل وقتل فرسه (ومن ذلك) ما كان من تفريق مسلمة بن عبد الملك الجيوش في بلاد خاقان ففتحت مدائن وحصون على يديه وقتل منهم وأسر وسبى وحرق خلق كثير من الترك أنفسهم بالنار ودان لمسلمة من كان وراء جبال

[ 425 ]

بلنجر وقتل ابن خاقان (ومن ذلك) غزوة معاوية بن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مرعش ثم رجع (وفى هذه السنة) صار من دعاة بنى العباس جماعة إلى خراسان فأخذ الجنيد بن عبد الرحمن رجلا منهم فقتله وقال من أصيب منهم فدمه هدر (وحج) بالناس في هذه السنة في قول أبى معشر سليمان بن هشام بن عبد الملك حدثنى بذلك احمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وقال بعضهم الذى حج بالناس في هذه السنة ابراهيم بن هشام المخزومى وكان عمال الامصار في هذه السنة هم الذين كانوا عمالها في سنة إحدى عشرة واثنتي عشرة وقد مضى ذكرنا لهم ثم دخلت سنة اربع عشرة ومائة ذكر الاخبار عن الاحداث التى كانت فيها فمن ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفة اليسرى وسليمان بن هشام على الصائفة اليمنى فذكر أن معاوية بن هشام أصاب ربض أقرن وأن عبد الله البطال التقى وقسطنطين في جمع فهزمهم وأسر قسطنطين وبلغ سليمان بن هشام قيسارية (وفى هذه السنة) عزل هشام بن عبد الملك ابراهيم بن هشام عن المدينة وأمر عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم قال الواقدي قدم خالد بن عبد الملك المدينة للنصف من شهر ربيع الاول وكانت امرأة ابراهيم بن هشام على المدينة ثمانى سنين وقال الواقدي في هذه السنة ولى محمد بن هشام المخزومى مكة وقال بعضهم بل ولى محمد بن هشام مكة سنة 113 فلما عزل ابراهيم أقر محمد بن هشام على مكة (وفى هذه السنة) وقع الطاعون فيما قيل بواسط (وفيها) قفل مسلمة بن عبد الملك عن الباب بعد ما هزم خاقان وبنى الباب فأحكم ما هنالك (وفى هذه السنة) ولى هشام مروان بن محمد أرمينية وآذربيجان واختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال أبو معشر فيما حدثنى احمد بن ثابت عمن حدثه عن اسحاق بن عيسى عنه حج بالناس سنة 114 خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم وهو على المدينة

[ 426 ]

وقال بعضهم حج بالناس في هذه السنة محمد بن هشام وهو أمير مكة فأقام خالد بن عبد الملك تلك السنة لم يشهد الحج قال الواقدي حدثنى بهذا الحديث عبد الله ابن جعفر عن صالح بن كيسان قال الواقدي وقال لى أبو معشر حج بالناس سنة 114 خالد بن عبد الملك ومحمد بن هشام على مكة قال الواقدي وهو الثبت عندنا وكان عمال الامصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا في السنة التى قبلها غير أن عامل المدينة في هذه السنة كان خالد بن عبد الملك وعامل مكة والطائف محمد ابن هشام وعامل أرمينية وآذربيجان مروان بن محمد ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة ذكر الاخبار عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام أرض الروم (وفيها) وقع الطاعون بالشام (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن اسماعيل وهو أمير مكة والطائف كذلك قال أبو معشر فيما حدثنى احمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عنه وكان عمال الامصار في هذه السنة عمالها في سنة 114 غير أنه اختلف في عامل خراسان في هذه السنة فقال المدائني كان عاملها الجنيد ابن عبد الرحمن وقال بعضهم كان عاملها عمارة بن حريم المرى وزعم الذى قال ذلك أن الجنيد مات في هذه السنة واستخلف عمارة بن حريم وأما المدائني فانه ذكر أن وفاة الجنيد كانت في سنة 116 (وفى هذه السنة) أصاب الناس بخراسان قحط شديد ومجاعة فكتب الجنيد إلى الكور إن مرو كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فاحملوا إليها الطعام قال على ابن محمد أعطى الجنيد في هذه السنة رجلا درهما فاشترى به رغيفا فقال لهم تشكون الجوع ورغيف بدرهم لقد رأيتنى بالهند وإن الحبة من الحبوب لتباع عددا بالدرهم وقال إن مرو كما قال الله عزوجل (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة)

[ 427 ]

ثم دخلت سنة ست عشرة ومائة ذكر ما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من غزوة معاوية بن هشام أرض الروم الصائفة (وفيها) كان طاعون شديد بالعراق والشأم وكان أشد ذلك فيما ذكر بواسط (وفيها) كانت وفاة الجنيد بن عبد الرحمن وولاية عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي خراسان ذكر الخبر عن أمرهما وذكر على بن محمد عن أشياخه أن الجنيد بن عبد الرحمن تزوج الفاضله بنت يزيد بن المهلب فغضب هشام على الجنيد وولى عاصم بن عبد الله خراسان وكان الجنيد سقى بطنه فقال هشام لعاصم إن أدركته وبه رمق فازهق نفسه فقدم عاصم وقد مات الجنيد قال وذكروا أن جبلة بن أبى رواد دخل على الجنيد عائدا فقال يا جبلة ما يقول الناس قال قلت يتوجعون للامير قال ليس عن هذا سألتك ما يقولون وأشار نحو الشأم بيده قال قلت يقدم على خراسان يزيد بن شجرة الرهاوى قال ذلك سيد أهل الشأم قال ومن قلت عصمة أو عصام وكنيت عن عاصم فقال إن قدم عاصم فعدو ؟ ؟ جاهد لا مرحبا به ولا أهلا قال فمات في مرضه ذلك في المحرم سنة 116 واستخلف عمارة بن حريم وقدم عاصم بن عبد الله فحبس عمارة بن حريم وعمال الجنيد وعذبهم وكانت وفاته بمرو فقال أبو الجويرية عيسى بن عصمة يرثيه هلك الجود والجنيد جميعا * فعلى الجود والجنيد السلام أصبحا ثاويين في أرض مرو * ما تغنت على الغصون الحمام كنتما نزهة الكرام فلما * مت مات الندى ومات الكرام ثم إن أبا الجويرية أتى خالد بن عبد الله القسرى وامتدحه فقال له خالد ألست القائل * هلك الجود والجنيد جميعا * مالك عندنا شئ * فخرج فقال تظل لامعة الآفاق تحملنا * إلى عمارة والقود السراهيد قصيدة امتدح بها عمارة بن حريم ابن عم الجنيد وعمارة هو جد أبى الهيذام

[ 428 ]

صاحب العصبية بالشأم قال وقدم عاصم بن عبد الله فحبس عمارة بن حريم وعمال الجنيد وعذبهم (وفى هذه السنة) خلع الحارث بن سريج وكانت الحرب بينه وبين عاصم بن عبد الله ذكر الخبر عن ذلك ذكر على عن أشياخه قال لما قدم عاصم خراسان واليا أقبل الحارث بن سريج من النخذ حتى وصل إلى الفارياب وقدم أمامه بشر بن جرموز قال فوجه عاصم الخطاب بن محرز السلمى ومنصور بن عمر بن أبى الخرفاء السلمى وهلال بن عليم التميمي والاشهب الحنظلي وجرير بن هميان السدوسى ومقاتل بن حيان النبطي مولى مصقلة إلى الحارث وكان خطاب ومقاتل بن حيان قالا لا تلقوه إلا بأمان فأبى عليهما القوم فلما انتهوا إليه بالفارياب قيدهم وحبسهم ووكل بهم رجلا يحفظهم قال فأوثقوه وخرجوا من السجن فركبوا دوابهم وساقوا دواب البريد فمروا بالطالقان فهم سهرب صاحب الطالقان بهم ثم أمسك وتركهم فلما قدموا مرو أمرهم عاصم فخطبوا وتناولوا الحارث وذكروا خبث سيرته وغدره ثم مضى الحارث إلى بلخ وعليها نصر فقاتلوه فهزم أهل بلخ ومضى نصر إلى مرو * وذكر بعضهم لما أقبل الحارث إلى بلخ وكان عليها التجيبى بن ضبيعة المرى ونصر بن سيار وولاهما الجنيد قال فانتهى إلى قنطرة عطاء وهى على نهر بلخ على فرسخين من المدينة فتلقى نصر بن سيار في عشرة آلاف والحارث بن سريج في أربعة آلاف فدعاهم الحارث إلى الكتاب والسنة والبيعة للرضى فقال قطن بن عبد الرحمن بن جزى الباهلى يا حارث أنت تدعو إلى كتاب الله والسنة والله لو أن جبريل عن يمينك وميكائيل عن يسارك ما أجبتك فقاتلهم فأصابته رمية في عينه فكان أول قتيل فانهزم أهل بلخ إلى المدينة وأتبعهم الحارث حتى دخلها وخرج نصر من باب آخر فأمر الحارث بالكف عنهم فقال رجل من أصحاب الحارث إنى لا مشى في بعض طرق بلخ إذ مررت بنساء يبكين وامرأة تقول يا أبتاه ليت شعرى من دهاك وأعرابى إلى جنبى يسير فقال من هذه الباكية فقيل له ابنة قطن بن عبد الرحمن بن جزى فقال

[ 429 ]

الاعرابي أنا وأبيك دهيتك فقلت أنت قتلته قال نعم قال ويقال قدم نصر والتجيبى على بلخ فحبسه نصر فلم يزل محبوسا حتى هزم الحارث نصرا وكان التجيبى ضرب الحارث أربعين سوطا في إمرة الجنيد فحوله الحارث إلى قلعة با ذكر بزم فجاء رجل من بنى حنيفة فادعى عليه أنه قتل أخاه أيام كان على هراة فدفعه الحارث إلى الحنفي فقال له التجيبى افتدى منك بمائة ألف فلم يقبل منه وقتله وقوم يقولون قتل التجيبى في ولاية نصر قبل أن يأتيه الحارث قال ولما غلب الحارث على بلخ استعمل عليها رجلا من ولد عبد الله ابن حازم وسار فلما كان بالجوزجان دعا وابصة بن زرارة العبدى ودعا دجاجة ووحشا العجليين وبشر بن جرموز وأبا فاطمة فقال ما ترون فقال أبو فاطمة مرو بيضة خراسان وفرسانهم كثير لو لم يلقوك إلا بعبيدهم لا نتصفوا منك فأقم فإن أتوك قاتلتهم وإن أقاموا قطعت المادة عنهم قال لا أرى ذلك ولكن أسير إليهم فأقبل الحارث إلى مرو وقد غلب على بلخ والجوزجان والفارياب والطلقان ومرو الروذ فقال أهل الدين من أهل مرو إن مضى إلى أبر شهر ولم يأتنا فرق جماعتنا وإن أتانا نكب قال وبلغ عاصما أن أهل مرو يكاتبون الحارث قال فأجمع على الخروج وقال يا أهل خراسان قد بايعتم الحارث بن شريح لا يقصد مدينة إلا خليتموها له إنى لا حق بأرض قومي أبرشهر وكاتب منها إلى أمير المؤمنين حتى يمدنى بعشرة آلاف من أهل الشأم فقال له المجشر بن مزاحم ان أعطوك بيعتهم بالطلاق والعتاق فأقم وإن أبوا فسر حتى تنزل أبرشهر وتكتب إلى أمير المؤمنين فيمدك بأهل الشأم فقال خالد بن هريم أحد بنى ثعلبة بن يربوع وأبو محارب هلال بن عليم والله لا نخليك والذهاب فيلزمنا دينك عند أمير المؤمنين ونحن معك حتى نموت إن بذلت الاموال قال افعل قال يزيد بن قران الرياحي إن لم أقاتل معك ما قاتلت فابنة الابرد ابن قرة الرياحي طالق ثلاثا وكانت عنده فقال عاصم أكلكم على هذا قالوا نعم وكان سلمة بن أبى عبد الله صاحب حرسه يحلفهم بالطلاق قال وأقبل الحارث ابن سريج إلى مرو في جمع كثير يقال في ستين ألفا ومعه فرسان الازد وتميم منهم محمد بن المثنى وحماد بن عامر بن مالك الحمانى وداود الاعسر وبشر بن أنيف

[ 430 ]

الرياحي وعطاء الدبوسي ومن الدهاقين الجوزجان وترسل دهقان لفارياب وسهرب ملك الطالقان وقرياقس دهقان مرو في أشباههم قال وخرج عاصم في أهل مرو وفى غيرهم فعسكر بجياسر عند البيعة وأعطى الجند دينارا دينارا فحف عنه الناس فأعطاهم ثلاثة دنانير ثلاثة دنانير وأعطى الجند وغيرهم فلما قرب بعضهم من بعض أمر بالقناطر فكسرت وجاء أصحاب الحارث فقالوا تحصروننا في البرية دعونا نقطع إليكم فنناظركم فيما خرجنا له فأبوا وذهب رجالتهم يصلحون القناطر فأتاهم رجالة أهل مرو فقاتلوهم فمال محمد بن المثنى الفراهيذى برايته إلى عاصم فأمالها في ألفين فأتى الازد ومال حماد بن عامر بن مالك الحمانى إلى عاصم وأتى بنى تميم قال سلمة الازدي كان الحارث بعث إلى عاصم رسلا منهم محمد بن مسلم العنبري يسألونه العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم قال وعلى الحارث بن سريج يومئذ السواد قال فلما مال محمد بن المثنى بدأ أصحاب الحارث بالحملة والتقى الناس فكان أول قتيل غياث بن كلثوم من أهل الجارود فانهزم أصحاب الحارث فغرق بشر كثير من أصحاب الحارث في أنهار مرو والنهر الاعظم ومضت الدهاقين إلى بلادهم فضرب يومئذ خالد بن علباء بن حبيب بن الجارود على وجهه وأرسل عاصم بن عبد الله المؤمن بن خالد الحنفي وعلباء بن أحمر اليشكرى ويحيى بن عقيل الخزاعى ومقاتل بن حيان النبطي إلى الحارث يسأله ما يريد فبعث الحارث محمد بن مسلم العنبري وحده فقال لهم إن الحارث وإخوانكم يقرئونكم السلام ويقولون لكم قد عطشنا وعطشت دوابنا فدعونا ننزل الليلة وتختلف الرسل فيما بيننا ونتناظر فان وافقناكم على الذى تريدون وإلا كنتم من وراء أمركم فأبوا عليه وقالوا مقالا غليظا فقال مقاتل بن حيان النبطي يا أهل خراسان إنا كنا بمنزلة بيت واحد وثغرنا واحد ويدنا على عدونا واحدة وقد أنكرنا ما صنع صاحبكم وجه إليه أميرنا بالفقهاء والقراء من أصحابه فوجه رجلا واحدا قال محمد إنما أتيتكم مبلغا نطلب كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيأتيكم الذى تطلبون من غد إن شاء الله تعالى وانصرف محمد بن مسلم إلى الحارث

[ 431 ]

فلما انتصف الليل سار الحارث فبلغ عاصما فلما أصبح سار إليه فالتقوا وعلى ميمنة الحارث رابض بن عبد الله بن زرارة التغلبي فاقتتلوا قتالا شديدا فحمل يحيى بن حضين وهو رأس بكر بن وائل وعلى بكر بن وائل زياد بن الحارث بن سريج فقتلوا قتلا ذريعا فقطع الحارث وادى مرو فضرب رواقا عند منازل الرهبان وكف عنه عاصم قال وكانت القتلى مائة وقتل سعيد بن سعد بن جزء الازدي وغرق خازم ابن موسى بن عبد الله بن خازم وكان مع الحارث بن سريج واجتمع إلى الحارث زهاء ثلاثة آلاف فقال القاسم بن مسلم لما هزم الحارث كف عنه عاصم ولو ألح عليه لاهلكه وأرسل إلى الحارث إنى راد عليك ما ضمنت لك ولاصحابك على أن ترتحل ففعل قال وكان خالد بن عبيد الله بن حبيب أتى الحارث ليلة هزم وكان أصحابه أجمعوا على مفارقة الحارث وقالوا ألم تزعم أنه لا يرد لك راية فأتاهم فسكنهم وكان عطاء الدبوسي من الفرسان فقال لغلامه يوم زرق أسرج لى برذونى لعلى الاعب هذه الحمارة فركب ودعا إلى البراز فبرز له رجل من أهل الطالقان فقال بلغته أي كيرخر (قال أبو جعفر) الطبري رحمه الله (وحج بالناس في هذه السنة) الوليد ابن يزيد بن عبد الملك وهو ولى العهد كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وكانت عمال الامصار في هذه السنة عمالها في التى قبلها إلا ما كان من خراسان فان عاملها في هذه السنة عاصم بن عبد الله الهلالي ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها غزوة معاوية بن هشام الصائفة اليسرى وغزوة سليمان بن هشام ابن عبد الملك الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة وفرق سراياه في أرض الروم (وفيها) بعث مروان بن محمد وهو على أرمينية بعثين فافتتح أحدهما حصونا ثلاثة من اللان ونزل الآخر على تومانشاه فنزل أهلها على الصلح (وفيها) عزل هشام بن عبد الملك

[ 432 ]

عاصم بن عبد الله عن خراسان وضمها إلى خالد بن عبد الله فولاها خالد أخاه أسد ابن عبد الله وقال المدائني كان عزل هشام عاصما عن خراسان وضم خراسان إلى خالد بن عبد الله في سنة 116 ذكر الخبر عن سبب عزل هشام عاصم وتوليته خالدا خراسان وكان سبب ذلك فيما ذكر على عن أشياخه أن عاصم بن عبد الله كتب إلى هشام بن عبد الملك أما بعد يا أمير المؤمنين فان الرائد لا يكذب أهله وقد كان من أمر أمير المؤمنين إلى ما يحق به على نصيحته وإن خراسان لا تصلح الا أن تضم إلى صاحب العراق فتكون موادها ومنافعها ومعونتها في الاحداث والنوائب من قريب لتباعد أمير المؤمنين عنها وتباطئ غياثه عنها فلما مضى كتابه خرج إلى أصحابه يحيى بن حضين والمجشر بن مزاحم وأصحابهم فأخبرهم فقال له المجشر بعد ما مضى الكتاب كأنك بأسد قد طلع عليك فقدم أسد بن عبد الله بعث به هشام بعد كتاب عاصم بشهر فبعث الكميت بن زيد الاسدي إلى أهل مرو بهذا الشعر ألا أبلغ جماعة أهل مرو * على ما كان من ناء وبعد رسالة ناصح يهدى سلاما * ويأمر في الذى ركبوا بحد وأبلغ حارثا عنا اعتذارا * إليه بأن من قبلى بجهد ولولا ذاك قد زارتك خيل * من المصرين بالفرسان تردى فلا تهنوا ولا ترضوا بخسف * ولا يغرركم أسد بعهد وكونوا كالبغايا إن خدعتم * وإن أقرتم ضيما لوغد وإلا فارفعوا الرايات سودا * على أهل الضلالة والتعدى فكيف وأنتم سبعون ألفا * رماكم خالد بشبيه قرد ومن ولى بذمته رزينا * وشيعته ولم يوفى بعهد ومن غشى قضاعة ثوب خزى * بقتل أبى سلامان بن سعد فمهلا يا قضاع فلا تكوني * توابع لا أصول لها بنجد وكنت إذا دعوت بنى نزار * أتاك الدهم من سبط وجعد

[ 433 ]

فجدع من قضاعة كل أنف * ولا فازت على يوم بمجد قال ورزين الذى ذكر كان خرج على خالد بن عبد الله بالكوفة فاعطاه الامان ثم لم يف به وقال فيه نصر بن سيار حين أقبل الحارث إلى مرو وسودر اتاته وكان الحارث يرى رأى المرجئة دع عنك دنيا وأهلا أنت تاركهم * ما خير دنيا وأهل لا يدومونا إلا بقية أيام إلى أجل * فاطلب من الله أهلا لا يموتونا وأكثر تقى الله في الاسرار مجتهدا * إن التقى خيره ما كان مكنونا واعلم بأنك بالاعمال مرتهن * فكن لذاك كثير الهم محزونا إنى أرى الغبن المردى بصاحبه * من كان في هذه الايام مغبونا تكون للمرء أطوارا فتمنحه * يوما عثارا فطورا تمنح اللينا بينا الفتى في نعيم العيش حوله * دهر فأمسى به عن ذاك مزبونا تحلو له مرة حتى يسر بها * حينا وتمقره طعما أحايينا هل غابر من بقايا الدهر تنظره * إلا كما قد مضى فيما تقضونا فامنح جهادك من لم يرج آخرة * وكن عدوا لقوم لا يصلونا واقتل مواليهم منا وناصرهم * حينا تكفرهم والعنهم حينا والعائبين علينا ديننا وهم * شر العباد إذا خابرتهم دينا والقائلين سبيل الله بغيتنا * لبعد ما نكبوا عما يقولونا فاقتلهم غضبا لله منتصرا * منهم به ودع المرتاب مفتونا إرجاؤكم لزكم والشرك في قرن * فأنتم أهل إشراك ومرجونا لا يبعد الله في الاجداث غيركم * إذ كان دينكم بالشرك مقرونا ألقى به الله رعبا في نحوركم * والله يقضى لنا الحسنى ويعلينا كيما نكون الموالى عند خائفة * عما تروم به الاسلام والدينا وهل تعيبون منا كاذبين به * غال ومهتضم حسبى الذى فينا يأبى الذى كان يبلى الله أولكم * على النفاق وما قد كان يبلينا

[ 434 ]

قال ثم عاد الحارث لمحاربة عاصم فلما بلغ عاصما ان أسد بن عبد الله قد أقبل وانه قد سير على مقدمته محمد بن مالك الهمداني وانه قد نزل الدندانقان صالح الحارث وكتب بينه وبينه كتابا على أن ينزل الحارث أي كور خراسان شاء وعلى أن يكتبا جميعا إلى هشام يسألانه كتاب الله وسنة نبيه فانه أبى اجتمعا جميعا عليه فختم على الكتاب بعض الرؤساء وأبى يحيى بن حضين أن يختم وقال هذا خلع لأمير المؤمنين فقال خلف بن خليفة ليحيى أبى هم قبلك إلا اجتماعا * ويأبى رقادك إلا امتناعا بغير سماع ولم تلقني * أحاول من ذات لهو سماعا حفظنا أمية في ملكها * ونخطر من دونها أن تراعا ندافع عنها وعن ملكها * إذا لم نجد بيديها امتناعا أبى شعب ما بيننا في القديم * وبين أمية إلا انصداعا ألم نختطف هامة ابن الزبير * وتنتزع الملك منه انتزاعا جعلنا الخلافة في أهلها * إذا اصطرع الناس فيها اصطراعا نصرنا أمية بالمشرفى * إذا انخلع الملك عنها انخلاعا ومنا الذى شد أهل العراق * ولو غاب يحيى عن الثغر ضاعا على ابن سريج نقضنا الامور * وقد كان أحكمها ما استطاعا حكيم مقالته حكمة * إذا شتت القوم كانت جماعا عشية زرق وقد أزمعوا * قمعنا من الناكثين الزماعا ولولا فتى وائل لم يكن * لينضح فيها رئيس كراعا فقل لامية ترعى لنا * أيادى لم نجزها واصطناعا أتلهين عن قتل ساداتنا * ونأبى لحقك إلا اتباعا أمن لم يبعك من المشترين * كآخر صادف سوقا فباعا أبى ابن حضين لما تصنع‍ * ين إلا اضطلاعا وإلا اتباعا ولو يأمن الحارث الوائلين * لراعك في بعض من كان راعا

[ 435 ]

وقد كان أصعر ذا نيرب * أشاع الضلالة فيما أشاعا كفينا أمية مختومة * أطاع بها عاصم من أطاعا فلولا مراكز راياتنا * من الجند خاس الجنود الضياعا وصلنا القديم لها بالحديث وتأبى أمية إلا انقطاعا ذخائر في غيرنا نفعها * وما إن عرفنا لهن انتفاعا ولو قدمتها وبان الحجا * ب لا رتعت بين حشاك ارتياعا فأين الوفاء لاهل الوفا * والشكر أحسن من أن يضاعا وأين ادخار بنى وائل * إذا الذخر في الناس كان ارتجاعا ألم تعلمي أن أسيافنا * تداوى العليل وتشفى الصداعا إذا ابن حضين غدا باللوا * ء وأسلم أهل القلاع القلاعا إذا ابن حضين غدا باللوا * ء أشار النسور به والضباعا إذا ابن حضين غدا باللوا * ء ذكى وكانت معد جداعا قال وكان عاصم بن سليمان بن عبد الله بن شراحيل اليشكرى من أهل الرأى فأشار على يحيى بنقض الصحيفة وقال له غمرات ثم ينجلين وهى المغمضات فغمض قال وكان عاصم بن عبد الله في قرية بأعلى مرو لكندة ونزل الحارث قرية لبنى العنبر فالتقوا بالخيل والرجال ومع عاصم رجل من بنى عبس في خمسمائة من أهل الشأم وإبراهيم بن عاصم العقيلى في مثل ذلك فنادى منادى عاصم من جاء برأس فله ثلثمائة درهم فجاء رجل من عماله برأس وهو عاض على أنفه ثم جاءه رجل من بنى ليث يقال له ليث بن عبد الله برأس ثم جاء آخر برأس فقيل لعاصم إن طمع الناس في هذا لم يدعوا ملاحا ولا علجا إلا أتوك برأسه فنادى مناديه لا يأتنا أحد برأس فمن أتانا به فليس له عندنا شئ وانهزم أصحاب الحارث فأسروا منهم أسارى وأسروا عبد الله بن عمرو المازنى رأس أهل مرو الروذ وكان الاسراء ثمانين أكثرهم من بنى تميم فقتلهم عاصم بن عبد الله على نهر الدندانقان وكانت اليمانية بعثت من الشأم رجلا يعدل بألف يكنى أبا داود أيام العصبية في

[ 436 ]

خمسمائة فكان لا يمر بقرية من قرى خراسان إلا قال كأنكم بى قد مررت راجعا حاملا رأس الحارث بن سريج فلما التقوا دعا إلى البراز فبرز له الحارث ابن سريج فضربه فوق منكبه الايسر فصرعه وحامى عليه أصحابه فحملوه فخولط فكان يقول يا أبر شهر الحارث بن سريجاه يا أصحاب المعموراه ورمى فرس الحارث ابن سريج في لبانه فنزع النشابة واستحضره وألح عليه بالضرب حتى نزقه وعرقه وشغله عن ألم الجراحة قال وحمل عليه رجل من أهل الشأم فلما ظن أن الرمح مخالطه مال عن فرسه واتبع الشأمى فقال له أسألك بحرمة الاسلام في دمى قال انزل عن فرسك فنزل وركبه الحارث فقال الشأمى خذ السرج فوالله إنه خير من الفرس فقال رجل من عبد القيس تولت قريش لذة العيش واتقت * بنا كل فج من خراسان أغبرا فليت قريشا أصبحوا ذات ليلة * يعومون في لج من البحر أخضرا قال وعظم أهل الشأم يحيى بن حضين لما صنع في أمر الكتاب الذى كتبه عاصم وكتبوا كتابا وبعثوا مع محمد بن مسلم العنبري ورجل من أهل الشأم فلقوا أسد بن عبد الله بالرى ويقال لقوه ببيهق فقال ارجعوا فانى أصلح هذا الامر فقال له محمد بن مسلم هدمت دارى فقال أبنيها لك وأرد عليكم كل مظلمة قال وكتب أسد إلى خالد ينتحل أنه هزم الحارث ويخبره بأمر يحيى قال فأجاز خالد يحيى بن حضين بعشرة آلاف دينار وكساه مائة حلة قال وكانت ولاية عاصم أقل من سنة قيل كانت سبعة أشهر وقدم أسد بن عبد الله وقد انصرف الحارث فحبس عاصما وسأله عما أنفق وحاسبه فأخذه بمائة ألف درهم وقال إنك لم تغز ولم تخرج من مرو ووافق عمارة بن حريم وعمال الجنيد محبوسين عنده فقال لهم أسير فيكم بسيرتنا أم بسيرة قومكم قالوا بل بسيرتك فخلى سبيلهم قال على عن شيوخه قالوا لما بلغ هشام بن عبد الملك أمر الحارث بن سريج كتب إلى خالد بن عبد الله ابعث أخاك يصلح ما أفسد فان كانت رجية فلتكن به قال فوجه أخاه أسدا إلى خراسان فقدم أسد وما يملك عاصم من خراسان إلا مرو وناحية أبر شهر والحارث بن سريج بمرو

[ 437 ]

الروذ وخالد بن عبيد الله الهجرى بآمل ويخاف إن قصد للحارث بمرو الروذ دخل خالد بن عبيد الله مرو من قبل آمل وإن قصد لخالد دخلها الحارث من قبل مرو الروذ فأجمع على أن يوجه عبد الرحمن بن نعيم الغامدى في أهل الشأم الكوفة وأهل في طلب الحارث إلى ناحية مرو الروذ وسار أسد بالناس إلى آمل واستعمل على بنى تميم الحوثرة بن يزيد العنبري فلقيهم خيل لاهل آمل عليهم زياد القرشى مولى حيان النبطي عند ركايا عثمان فهزمهم حتى انتهوا إلى باب المدينة ثم كروا على الناس فقتل غلام لاسد بن عبد الله يقال له جبلة وهو صاحب علمه وتحصنوا في ثلاث مدائن لهم قال فنزل عليهم أسد وحصرهم ونصب عليهم المجانيق وعليهم خالد بن عبيد الله الهجرى من أصحاب الحارث فطلبوا الامان فخرج إليهم رويد بن طارق القطعي مولى لهم فقال ما تطلبون قالوا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال فلكم ذلك قالوا على أن لا تأخذ أهل هذه المدن بجنايتنا فأعطاهم ذلك واستعمل عليهم يحيى بن نعيم الشيباني أحد بنى ثعلبة بن شيبان بن أخى مصقلة ابن هبيرة ثم أقبل أسد في طريق زم يريد مدينة بلخ فتلقاه مولى لمسلم بن عبد الرحمن فأخبره أن أهل بلخ قد بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم فقدم بلخ فاتخذ سفنا وسار منها إلى الترمذ فوجد الحارث محاصرا سنانا الاعرابي السلمى ومعه بنو الحجاج بن هارون النميري وبنو زرعة وآل عطية الاعور النضرى في أهل الترمذ والسبل مع الحارث فنزل أسد دون النهر ولم يطق القطوع إليهم ولا أن يمدهم وخرج أهل الترمذ من المدينة فقاتلوا الحارث قتالا شديدا وكان الحارث استطرد لهم ثم كر عليهم فانهزموا فقتل يزيد بن الهيثم بن المنخل وعاصم بن معول النجلى في خمسين ومائة من أهل الشأم وغيرهم وكان بشر بن جرموز وأبو فاطمة الايادي ومن كان مع الحارث من القرى يأتون أبواب الترمذي فيبكون ويشكون بنى مروان وجورهم ويسألونهم النزول إليهم على أن يمالئوهم على حرب بنى مروان فيأبون عليهم فقال السبل وهو مع الحارث يا حارث إن الترمذ قد بنيت بالطبول والمزامير ولا تفتح بالبكاء وإنما تفتح بالسيف فقال إن كان

[ 438 ]

بك قتال وتركه السبل وأتى بلاده قال وكان أسد حين مر بأرض زم تعرض للقاسم الشيباني وهو في حصن بزم يقال له باذكر ومضى حتى أتى الترمذ فنزل دون النهر ووضع سريره على شاطئ النهر وجعل الناس يعبرون فمن سفلت سفينته عن سفن المدينة قاتلهم الحارث في سفينة فالتقوا في سفينة فيها أصحاب أسد فيهم أصغر بن عيناء الحميرى وسفينة أصحاب الحارث فيها داود الاعسر فرمى أصغر فصك السفينة وقال أنا الغلام الاحمري فقال داود الاعسر لامر ما انتميت إليه لا أرض لك وألزق سفينته بسفينة أصغر فاقتتلوا وأقبل الاشكند وقد أراد الحارث الانصراف فقال له إنما جئتك ناصرا لك وكمن الاشكند وراء دير وأقبل الحارث بأصحابه وخرج إليه أهل الترمذ فاستطرد لهم فاتبعوه ونصر مع أسد جالس ينظر فأظهر الكراهية وعرف أن الحارث قد كادهم فظن أسد أنه إنما فعل ذلك شفقة على الحارث حين ولى فأراد أسد معاتبة نصر فإذا الاشكند قد خرج عليهم فحمل على أهل الترمذ فهربوا وقتل في المعركة يزيد بن الهيثم بن المنخل الجرموزى من الازد وعاصم بن معول وكان من فرسان أهل الشأم ثم ارتحل أسد إلى بلخ وخرج أهل الترمذ إلى الحارث فهزموه وقتلوا أبا فاطمة وعكرمة وقوما من أهل البصائر ثم سار أسد إلى سمرقند في طريق زم فلما قدم زم بعث إلى الهيثم الشيباني وهو في باذكر وهو من أصحاب الحارث فقال إنكم إنما أنكرتم على قومكم ما كان من سوء سيرتهم ولم يبلغ ذلك النساء ولا استحلال الفروج ولا غلبة المشركين على مثل سمرقند وأنا أريد سمرقند وعلى عهد الله وذمته أن لا يبدأك منى شر ولك المؤاساة واللطف والكرامة والامان ولمن معك وأنت إن غمصت ما دعوتك إليه فعلى عهد الله وذمة أمير المؤمنين وذمة الامير خالد إن أنت رميت بسهم أن لا أو منك بعده وإن جعلت لك ألف أمان لا أفى لك به فخرج إليه على ما أعطاه من الامان فآمنه وسار معه إلى سمرقند فأعطاهم عطاءين وحملهم على ما كان من دواب ساقها معه وحمل معه طعاما من بخارى وساق معه أشياء كثيرة من شاء الاكراد قسمها فيهم ثم ارتفع إلى ورغسر

[ 439 ]

وماء سمرقند منها فسكر الوادي وصرفه عن سمرقند وكان يحمل الحجارة بيديه حتى يطرحها في السكر ثم قفل من سمرقند حتى نزل بلخ وقد زعم بعضهم أن الذى ذكرت من أمر أسد وأمر أصحاب الحارث كان في سنة 18 (وحج) بالناس في هذه السنة خالد بن عبد الملك * وكان العامل فيها على المدينة وعلى مكة والطائف محمد بن هشام بن إسماعيل وعلى العراق والمشرق خالد بن عبد الله وعلى أرمينية وآذربيجان مروان بن محمد (وفيها) توفيت فاطمة بنت على وسكينة ابنة الحسين ابن على (وفى هذه السنة) أخذ أسد بن عبد الله جماعة من دعاة بنى العباس بخراسان فقتل بعضهم ومثل ببعضهم وحبس بعضهم وكان فيمن أخذ سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وموسى بن كعب ولاهز بن قريظ وخالد بن إبراهيم وطلحة ابن رزيق فأتى بهم فقال لهم يا فسقة ألم يقل الله تعالى (عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام) فذكر أن سليمان بن كثير قال أتكلم أم أسكت قال بل تكلم قال نحن والله كما قال الشاعر لو بغير الماء حلقى شرق * كنت كالغصان بالماء اعتصاري تدرى ما قصتنا صيدت والله العقارب بيدك أيها الامير إنا أناس من قومك وإن هذه المضرية إنما رفعوا إليك هذا لانا كنا أشد الناس على قتيبة بن مسلم وإنما طلبوا بثأرهم فتكلم ابن شريك بن الصامت الباهلى وقال إن هؤلاء القوم قد أخذوا مرة بعد مرة فقال مالك بن الهيثم أصلح الله الامير ينبغى لك أن تعتبر كلام هذا بغيره فقالوا كأنك يا أخا باهلة تطلبنا بثأر قتيبة نحن والله كنا أشد الناس عليه فبعث بهم أسد إلى الحبس ثم دعا عبد الرحمن بن نعيم فقال له ما ترى قال أرى أن تمن بهم على عشائرهم قال فالتميميان اللذان معهم قال تخلى سبيلهما قال إنا إذا من عبد الله بن يزيد نفى قال فكيف تصنع بالربعى قال أخلى والله سبيله ثم دعا بموسى بن كعب وأمر به فألجم بلجام حمار وأمر باللجام أن يجذب فجذب حتى تحطمت أسنانه ثم قال اكسروا وجهه فدق أنفه ووجأ لحيته فندر ضرس له ثم دعا بلاهز بن قريط فقال لاهز والله ما في هذا الحق أن تصنع بنا هذا وتترك

[ 440 ]

اليمانيين والربعيين فضربه ثلاثمائة سوط ثم قال اصلبوه فقال الحسن بن زيد الازدي هو لى جار وهو برى مما قذف به قال فالآخرون قال أعرفهم بالبراءة فخلى سبيلهم ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومائة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الاحداث فمن ذلك غزوة معاوية وسليمان ابني هشام بن عبد الملك أرض الروم (وفيها) وجه بكير بن ماهان عمار بن يزيد إلى خراسان واليا على شيعة بنى العباس فنزل فيما ذكر مرو وغير اسمه وتسمى بخداش ودعا إلى محمد بن على فسارع إليه الناس وقبلوا ما جاءهم به وسمعوا إليه وطاعوا ثم غير ما دعاهم إليه وتكذب وأظهر دين الخرمية ودعا إليه ورخص لبعضهم في نساء بعض وأخبرهم أن ذلك عن أمر محمد بن على فبلغ أسد بن عبد الله خبره فوضع عليه العيون حتى ظفر به فأتى به وقد تجهز لغزو بلخ فسأله عن حاله فأغلظ خداش له القول فأمر به فقطعت يده وقلع لسانه وسملت عينه * فذكر محمد بن على عن أشياخه قال لما قدم أسد آمل في مبدئه أتوه بخداش صاحب الهاشمية فأمر به قرعة الطبيب فقطع لسانه وسمل عينه فقال الحمدلله الذى انتقم لابي بكر وعمر منك ثم دفعه إلى يحيى بن نعيم الشيباني عامل آمل فلما قفل من سمرقند كتب إلى يحيى فقتله وصلبه بآمل وأتى أسد بحزور مولى المهاجر بن دارة الضبى فضرب عنقه بشاطئ النهر ثم نزل أسد منصرفه من سمرقند بلخ فسرح جديعا الكرماني إلى القلعة التى فيها ثقل الحارث وثقل أصحابه واسم القلعة التبوشكان من طخارستان العليا وفيها بنو برزى التغلبيون وهم أصهار الحارث فحصرهم الكرماني حتى فتحها فقتل مقاتلتهم وقتل بنى برزى وسبى عامة أهلها من العرب والموالي والذراري وباعهم فيمن يزيد في سوق بلخ فقال على بن يعلى وكان شهد ذلك نقم على الحارث أربعمائة وخمسون رجلا من أصحابه وكان رئيسهم جرير بن ميمون القاضى وفيهم

[ 441 ]

بشر بن أنيف الحنظلي وداود الاعسر الخوارزمي فقال الحارث إن كنتم لا بد مفارقي وطلبتم الامان فاطلبوه وأنا شاهد فإنه أجدر أن يجيبوكم وإن ارتحلت قبل ذلك لم يعطوا الامان فقالوا ارتحل أنت وخلنا ثم بعثوا بشر بن أنيف ورجلا آخر فطلبوا الامان فأمنهما أسد ووصلهما فغدرا بأهل القلعة وأخبراه أن القوم ليس لهم طعام ولا ماء فسرح أسد الكرماني في ستة آلاف منهم سالم بن منصور البجلى على ألفين والازهر بن جرموز النميري في أصحابه وجند بلخ وهم ألفان وخمسمائة من أهل الشأم وعليهم صالح بن القعقاع الازدي فوجه الكرماني منصور بن سالم في أصحابه فقطع نهر ضرغام وبات ليله وأصبح فأقام حتى متع النهار ثم سار يومه قريبا من سبعة عشر فرسخا فأتعب خيله ثم انتهى إلى كشتم من أرض جيغويه فانتهى إلى حائط فيه زرع قد قصب فأرسل أهل العسكر دوابهم فيه وبينهم وبين القلعة أربع فراسخ ثم ارتحل فلما صار إلى الوادي جاءته الطلائع فأخبرته بمجئ القوم ورأسهم المهاجر بن ميمون فلما صاروا إلى الكرماني كابدهم فانصرفوا وسار حتى نزل جانبا من القلعة وكان أول ما نزل في زهاء خمسمائة في مسجد كان الحارث بناه فلما أصبح تتامت إليه الخيل وتلاحقت من أصحاب الازهر وأهل بلخ فلما اجتمعوا خطبهم الكرماني فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أهل بلخ لا أجد لكم مثلا غير الزانية من أتاها أمكنته من رجلها أتاكم الحارث في ألف رجل من العجم فأمكنتموه من مدينتكم فقتل أشرافكم وطرد أميركم ثم سرتم معه من مكانفيه إلى مرو فخذلتموه ثم انصرف إليكم منهزما فأمكنتموه من المدينة والذى نفسي بيده لا يبلغني عن رجل منكم كتب كتابا إليهم في سهم إلا قطعت يده ورجله وصلبته فأما من كان معى من أهل مرو فهم خاصتي ولست أخاف غدرهم ثم نهد إلى القلعة فأقام بها يوما وليلة من غير قتال فلما كان من الغد نادى مناد إنا قد نبذنا إليكم بالعهد فقاتلوهم وقد عطف القوم وجاعوا فسألوا أن ينزلوا على الحكم ويترك لهم نساؤهم وأولادهم فنزلوا على حكم أسد فأقام أياما وقدم المهلب ابن عبد العزيز العتكى بكتاب أسد أن احملوا إلى خمسين رجلا منهم فيهم المهاجر

[ 442 ]

ابن ميمون ونظراءه من وجوههم فحملوا إليهم فقتلهم وكتب إلى الكرماني أن يصير الذين بقوا عنده أثلاثا فثلث يصلبهم وثلث يقطع أيديهم وأرجلهم وثلث يقطع أيديهم ففعل ذلك الكرماني وأخرج أثقالهم فباعها فيمن يزيد وكان الذين قتلهم وصلبهم أربعمائة واتخذ أسد مدينة بلخ دارا في سنة 118 ونقل إليها الدواوين واتخذ المصانع ثم غزا طخارستان ثم أرض جيغويه ففتح وأصاب سبيا (وفى هذه السنة) عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة واستعمل عليها محمد بن هشام بن اسماعيل (ذكر الواقدي) أن أبا بكر بن عمرو بن حزم يوم عزل خالد عن المدينة جاءه كتاب بإمرته على المدينة فصعد المنبر وصلى بالناس ستة أيام ثم قدم محمد بن هشام من مكة عاملا على المدينة (وفى هذه السنة) مات على بن عبد الله بن العباس وكان يكنى أبا محمد وكانت وفاته بالحميمة من أرض الشأم وهو ابن ثمان أو سبع وسبعين سنة وقيل إنه ولد في الليلة التى ضرب فيها على ابن أبى طالب وذلك ليلة سبع عشرة من رمضان من سنة 40 فسماه أبوه عليا وقال سميته باسم أحب الخلق إلى وكناه أبا الحسن فلما قدم على عبد الملك بن مروان أكرمه وأجلسه على سريره وسأله عن كنيته فأخبره فقال لا يجتمع في عسكري هذا الاسم والكنية لاحد وسأله هل ولد له من ولد وكان قد ولد له يومئذ محمد ابن على فأخبره بذلك فكناه أبا محمد (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن هشام وهو أمير مكة والمدينة والطائف وقد قيل إنما كان عامل المدينة في هذه السنة خالد ابن عبد الملك وكان إلى محمد بن هشام فيها مكة والطائف والقول الاول قول الواقدي وكان على العراق خالد بن عبد الله وإليه المشرق كله وعامله على خراسان أخوه أسد بن عبد الله وعامله على البصرة وأحداثها وقضائها والصلاة بأهلها بلال ابن أبى بردة وعلى أرمينية وآذربيجان مروان بن محمد بن مروان

[ 443 ]

ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك غزوة الوليد بن القعقاع العبسى أرض الروم (وفيها) غزا أسد ابن عبد الله الختل فافتتح قلعة زغرزك وسار منها إلى خداش وملا يديه من السبى والشاء وكان الجيش قد هرب إلى الصين (وفيها) لقى أسد خاقان صاحب الترك فقتله وقتل بشرا كثيرا من أصحابه وسلم أسد والمسلمون وانصرفوا بغنائم كثيرة وسبى ذكر الخبر عن هذه الغزوة ذكر على بن محمد عن شيوخه أنهم قالوا كتب ابن السائجى إلى خاقان أبى مزاحم وإنما كنى أبا مزاحم لانه كان يزاحم العرب وهو بنواكث يعلمه دخول أسد الختل وتفرق جنوه فيها وأنه بحال مضيعة فلما أتاه كتابه أمر أصحابه بالجهاز وكان لخاقان مرج وجبل حمى لا يقربها أحد ولا يتصيد فيها يتركان للجهاد فضاء ما كان في المرج ثلاثة أيام وما في الجبل ثلاثة أيام فتجهزوا وارتعوا ودبغوا مسوك الصيد واتخذوا منها أوعية واتخذوا القسى والنشاب ودعا خاقان ببرذون مسرج ملجم وأمر بشاة فقطعت ثم علقت في المعاليق ثم أخذ شيئا من ملح فصيره في كيس وجعله في منطقته وأمر كل تركي أن يفعل مثل ذلك وقال هذا زادكم حتى تقوا العرب بالختل وأخذ طريق خشوراغ فلما أحس ابن السائجى أن خاقان قد أقبل بعث إلى أسد اخرج عن الختل فان خاقان قد أظلك فشتم رسوله ولم يصدقه فبعث صاحب الختل إنى لم أكذبك وأنا الذى أعلمته دخولك وتفرق جندك وأعلمته أنها فرصة له وسألته المدد غير أنك أمعرت البلاد وأصبت الغنائم فان لقيك على هذه الحال ظفر بك وعادتني العرب أبدا ما بقيت واستطال على خاقان واشتدت مؤونته وامتن على بقوله أخرجت العرب من بلادك ورددت عليك ملكك فعرف أسد أنه قد صدقه فأمر بالاثقال أن تقدم وولى عليها إبراهيم بن عاصم العقيلى الجزرى الذى كان ولى سجستان بعد وأخرج معه المشيخة

[ 444 ]

فيهم كثير بن أمية أبو سليمان بن كثير الخزاعى وفضيل بن حيان المهرى وسنان ابن داود القطعي وكان على أهل العالية سنان الا عربي السلمى وعلى الاقباض عثمان بن شباب الهمداني جد قاضى مرو فسارت الاثقال فكتب أسد إلى داود بن شعيب والاصبغ بن ذوالة الكلبى وقد كان وجههما في وجه أن خاقان قد أقبل فانضما إلى الاثقال إلى إبراهيم بن عاصم قال ووقع إلى داود والاصبغ رجل دبوسي فأشاع أن خاقان قد كسر المسلمين وقتل أسدا وقال الاصبغ إن كان أسد ومن معه أصيبوا فان فينا هشام ننحاز إليه فقال داود بن شعيب قبح الله الحياة بعد أهل خراسان فقال الاصبغ حبذا الحياة بعد أهل خراسان قتل الجراح ومن معه فما ضر المسلمين كثير ضر فان هلك أسد وأهل خراسان فلن يخذل الله دينه وان الله حى قيوم وأمير المؤمنين حى وجنود المسلمين كثير فقال داود أفلا ننظر ما فعل أسد فنخرج على علم فسارا حتى شارفا عسكر إبراهيم فإذا هما بالنيران فقال داود هذه نيران المسلمين أراها متقاربة ونيران الاتراك متفرقة فقال الاصبغ هم في مضيق ودنوا فسمعوا نهيق الحمير فقال داود أما علمت أن الترك ليس لهم حمير فقال الاصبغ أصابوها بالامس ولم يستطيعوا أكلها في يوم ولا اثنين فقال داود نسرح فارسين فيكبران فبعثا فارسين فلما دنوا من العسكر كبرا فأجابهما العسكر بالتكبير فأقبلوا إلى العسكر الذى فيه الاثقال ومع إبراهيم أهل الصغانيان وصغان خذاه فقام إبراهيم بن عاصم مبادرا قال وأقبل أسد من الختل نحو جبل الملح يريد أن يخوض نهر بلخ وقد قطع إبراهيم بن عاصم بالسبي وما أصاب فأشرف أسد على النهر وقد أتاه أن خاقان قد سار من سويات سبع عشرة ليلة فقام إليه أبو تمام بن زحر وعبد الرحمن بن خنفر الازديان فقالا أصلح الله الامير إن الله قد أحسن بلاءك في هذه الغزوة فغنمت وسلمت فاقطع هذه النطفة واجعلها وراء ظهرك فأمر بهما فوجئت رقابهما وأخرجا من العسكر وأقام يومه فلما كان من الغد ارتحل وفى النهر ثلاثة وعشرون موضعا يخوضه الناس وفى موضع مجتمع ماء يبلغ دفتى السرج فخاضه الناس وأمر أن يحمل كل رجل شاة وحمل هو بنفسه شاة فقال له عثمان

[ 445 ]

ابن عبد الله بن مطرف بن مشخيران الذى أنت فيه من حمل الشاة ليس بأخطر مما تخاف وقد فرقت الناس وشغلتهم وقد أظلك عدوك فدع هذا الشاء لعنة الله عليه وأمر الناس بالاستعداد فقال أسد والله لا يعبر رجل ليست معه شاة حتى تفنى هذه الغنم إلا قطعت يده فجعل الناس يحملون الشاء الفارس يحملها بين يديه والراجل على عنقه وخاض الناس ويقال لما حفرت سنابك الخيل النهر صار بعض المواضع سباحة فكان بعضهم يميل فيقع عن دابته فأمر أسد بالشاء أن تقذف وخاض الناس فما استكملوا العبور حتى طلعت عليهم الترك بالدهم فقتلوا من لم يقطع وجعل الناس يقتحمون النهر ويقال كانت المسلحة على الازد وتميم وقد خلف ضعفة الناس وركب أسد النهر وأمر بالابل أن يقطع بها إلى ما وراء النهر حتى تحمل عليها الاثقال وأقبل رهج من ناحية الختل فإذا خاقان فلما توافي معه صدر من جنده حمل على الازد وبنى تميم فانكشفوا وركض أسد حتى انصرف إلى معسكره وبعث إلى أصحاب الاثقال الذين كان سرح أمامه أن انزلوا وخندقوا مكانكم في بطن الوادي قال وأقبل خاقان فظن المسلمون أنه لا يقطع إليهم وبينهم وبينه النهر فلما نظر خاقان إلى النهر أمر الاشكند وهو يومئذ اصبهبذ نسا أن يسير في الصف حتى يبلغ أقصاه ويسأل الفرسان وأهل البصرة بالحرب والماء هل يطاق قطوع النهر والحمل على أسد فكلهم يقول لا يطاق حتى انتهى إلى الاشتيخن فقال بلى يطاق لانا خمسون ألف فارس فإذا نحن اقتحمنا دفعة واحدة رد بعضنا عن بعض الماء فذهب جريته قال فضربوا بكوسانهم فظن أسد ومن معه أنه منهم وعيد فأقحموا دوابهم فجعلت تنخر أشد النخير فلما رأى المسلمون اقتحام الترك ولوا إلى العسكر وعبرت الترك فسطع رهج عظيم لا يبصر الرجل دابته ولا يعرف بعضهم بعضا فدخل المسلمون عسكرهم وحووا ما كان خارجا وخرج الغلمان بالبراذع والعمد فضربوا وجوه الترك فأدبروا وبات أسد فلما أصبح وقد كان عبأ أصحابه من الليل تخوفا من غدر خاقان وغدوه عليه ولم ير شيئا دعا وجوه الناس فاستشارهم فقالوا له اقبل العافية قال ما هذه عافية بلى هي بلية لقينا خاقان

[ 446 ]

أمس فظفر بنا وأصاب من الجند والسلاح فما منعه منا اليوم إلا أنه قد وقع في يديه أسراء فأخبروه بموضع الاثقال أمامنا فترك لقاءنا طمعا فيها فارتحل فبعث أمامه الطلائع فرجع بعضهم فأخبره أنه عاين طوقات الترك وأعلاما من أعلام الاشكند في بشر قليل فسار والدواب مثقلة فقيل له انزل أيها الامير واقبل العافية قال وأين العافية فأقبلها إنما هي بلية وذهاب الانفس والاموال فلما أمسى أسد صار إلى منزل فاستشار الناس أينزلون أم يسيرون فقال الناس اقبل العافية وما عسى أن يكون ذهاب المال بعافيتنا وعافية أهل خراسان ونصر بن سيارة مطرق فقال أسد مالك يا بن سيار مطرق لا تكلم قال أصلح الله الامير خلتان كلتاهما لك إن تسر تغث من مع الاثقال وتخلصهم وإن أنت انتهيت إليهم وقد هلكوا فقد قطعت فحمة لا بد من قطوعها فقبل رأيه وسار يومه كله قال ودعا أسد سعيدا الصغير وكان فارسا مولى باهلة وكان عالما بأرض الختل فكتب كتابا إلى إبراهيم يأمره بالاستعداد فان خاقان قد توجه إلى ما قبلك وقال سربا لكتاب إلى إبراهيم حيث كان قبل الليل فان لم تفعل فأسد برى من الاسلام إن لم يقتلك وإن أنت لحقت بالحادث فعلى أسد مثل الذى حلف إن لم يبع امرأتك الدلال في سوق بلخ وجميع أهل بيتك قال سعيد فادفع إلى فرسك الكميت الذنوب قال لعمري لئن جدت بدمك وبخلت عليك بالفرس إنى للئيم فدفعه إليه فسار على دابة من جنائبه وغلامه على فرس له ومعه فرس أسد يجنبه فلما حاذى الترك وقد قصدوا الاثقال طلبته طلائعهم فتحول على فرس أسد فلم يلحقوه فأتى إبراهيم بالكتاب وتبعه بعض الطلائع يقال عشرون رجلا حتى رأوا عسكر إبراهيم فرجعوا إلى خاقان فأخبروه فغدا خاقان على الاثقال وقد خندق إبراهيم خندقا فأتاهم وهم قيام عليه فأمر أهل السغد بقتالهم فلما دنوا من مسلحة المسلمين ثاروا في وجوههم فهزموهم وقتلوا منهم رجلا فقال خاقان اركبوا وصعد خاقان تلا فجعل ينظر العورة ووجه القتال قال وهكذا قال يفعل ينفرد في رجلين أو ثلاثة فإذا رأى عورة أمر جنوده فحملت من ناحية العورة فلما صعد التل رأى خلف العسكر

[ 447 ]

جزيرة دونها مخاضة فدعا بعض قواد الترك فأمرهم أن يقطعوا فوق العسكر في مقطع وصفه حتى يصيروا إلى الجزيرة ثم ينحدروا في الجزيرة حتى يأتوا عسكر المسلمين من دبر وأمرهم أن يبدؤا بالاعاجم وأهل الصغانيان وأن يدعوا غيرهم فإنهم من العرب وقد عرفهم بأبنيتهم وأعلامهم وقال لهم إن أقام القوم في خندقهم فأقبلوا إليكم دخلنا نحن خندقهم وإن ثبتوا على خندقهم فادخلوا من دبره عليهم ففعلوا ودخلوا عليهم من ناحية الاعاجم فقتلوا صغان خذاه وعامة أصحابه واحتووا على أموالهم ودخلوا عسكر إبراهيم فأخذوا عامة ما فيه وترك المسلمين التعبية واجتمعوا في موضع وأحسوا بالهلاك فإذا رهج قد ارتفع وتربة سوداء فإذا أسد في جنده قد أتاهم فجعلت الترك ترتفع عنهم إلى الموضع الذى كان فيه خاقان وإبراهيم يتعجب من كفهم وقد ظفروا وقتلوا من قتلوا وأصابوا ما أصابوا وهو لا يطمع في أسد قال وكان أسد قد أغذ السير فأقبل حتى وقف على التل الذى كان عليه خاقان وتنحى خاقان إلى ناحية الجبل فخرج إليه من بقى ممن كان مع الاثقال وقد قتل منهم بشر كثير قتل يومئذ بركة بن خولى الراسبى وكثير أبو أمية ومشيخة من خزاعة وخرجت امرأة صغان خذاه إلى أسد فبكت زوجها فبكى أسد معها حتى علا صوته ومضى خاقان يقود الاسراء من الجند في الاوهاق ويسوق الابل موقرة والجوارى قال وكان مصعب بن عمر والخزاعي ونفر من أهل خراسان قد أجمعوا على مواقفهم فكفهم أسد وقال هؤلاء قوم قد طابت لهم الريح واستكلبوا فلا تعرضوا لهم وكان مع خاقان رجل من أصحاب الحارث ابن سريج فأمره فناى يا أسد أما كان لك فيما وراء النهر مغزى إنك لشديد الحرص قد كان لك عن الختل مندوحة وهى أرض آبائى وأجدادي فقال أسد كان ما رأيت ولعل الله أن ينتقم منك قال كور مغانون وكان من عظماء الترك لم أر يوما كان أحسن من يوم الاثقال قيل له وكيف ذلك قال أصبت أموالا عظيمة ولم أر عدوا أسمج من أسراء العرب يعدو أحدهم فلا يكاد يبرح مكانه وقال بعضهم سار خاقان إلى الاثقال فارتحل أسد فلما أشرف على الظهر ورأى المسلمين

[ 448 ]

الترك فامتنعوا وقد كانوا قاتلوا المسلمين فامتنعوا فأتوا الاعاجم الذين كانوا مع المسلمين فقاتلوهم فأسروا أولادهم فال فأردف كل رجل منهم وصيفا أو وصيفة ثم أقبلوا إلى عسكر أسد عند مغيب الشمس قال وسار أسد بالناس حتى نزل مع الثقل وصبحوا أسدا من الغد وذلك يوم الفطر فكادوا يمنعونهم من الصلاة ثم انصرفوا ومضى أسد إلى بلخ فعسكر في مرجها حتى أتى الشتاء ثم تفرق الناس في الدور ودخل المدينة ففى هذه الغزاة قيل له بالفارسية أزختلان آمديه * يرو تباه آمديه آبار باز آمديه * خشنك نزار آمديه قال وكان الحارث بن سريج بناحية طخارستان فانضم إلى خاقان فلما كان ليلة الاضحى قيل لاسد إن خاقان نزل جزه فأمر بالنيران فرفعت على المدينة فجاء الناس من الرساتيق إلى مدينة بلخ فأصبح أسد فصلى وخطب الناس وقال إن عدو الله الحارث بن سريج استجلب طاغيته ليطفئ نور الله ويبدل دينه والله مذله إن شاء الله وإن عدوكم الكلب أصاب من إخوانكم من أصاب وإن يرد الله نصركم لم يضركم قلتكم وكثرتهم فاستنصروا الله وقال إنه بلغني أن العبد أقرب ما يكون إلى الله إذا وضع جبهته لله وإنى نازل وواضع جبهتي فادعوا الله واسجدوا لربكم وأخلصوا له الدعاء ففعلوا ثم رفعوا رؤسهم وهم لا يشكون في الفتح ثم نزل عن المنبر وضحى وشاور الناس في المسير إلى خاقان فقال قوم أنت شاب ولست ممن تخوف من غارة على شاة ودابة تخاطر بخروجك قال والله لاخرجن فإما ظفر وإما شهادة ويقال أقبل خاقان وقد استمد من وراء النهر وأهل طخارستان وجيغويه الطخارى بملوكهم وشاكريتهم بثلاثين ألفا فنزلوا خلم وفيها مسلحة عليها أبو العوجاء بن سعيد العبدى فناوشهم فلم يظفروا منه بشئ فساروا على حاميتهم في طريق فيروز بخشين من طخارستان فكتب أبو العوجاء إلى أسد بمسيرهم قال فجمع الناس فأقرأهم كتاب أبى العوجاء وكتاب الفرافصة صاحب مسلحة جزة بعد مرور خاقان به فشاور أسد الناس فقال قوم تأخذ بأبواب مدينة بلخ وتكتب إلى خالد والخليفة تستمده

[ 449 ]

وقال آخرون تأخذ في طريق زم وتسبق خاقان إلى مرو وقال قوم بل تخرج إليهم وتستنصر الله عليهم فوافق قولهم رأى أسد وما كان عزم عليه من لقائهم ويقال إن خاقان حين فارق أسدا ارتفع حتى صار بأرض طخارستان عند جيغويه فلما كان وسط الشتاء أقبل فمر بجزة وصار إلى الجوزجان وبث الغارات وذلك أن الحارث بن سريج أخبره أنه لا نهوض بأسد وأنه لم يبق معه كبير جند فقال البخترى ابن مجاهد مولى بنى شيبان بل بث الخيول حتى تنزل الجوزجان فلما بث الخيل قال له البخترى كيف رأيت رأيى قال وكيف رأيت صنع الله عزوجل حين أخذ برأيك فأخذ أسد من جبلة بن أبى رواد عشرين ومائة ألف درهم وأمر للناس بعشرين عشرين ومعه من الجنود من أهل خراسان وأهل الشأم سبعة آلاف رجل واستخلف على بلخ الكرماني بن على وأمره أن لا يدع أحدا يخرج من مدينتها وإن ضرب الترك باب المدينة فقال له نصر بن سيار الليثى والقاسم بن بخيت المراغى من الازد وسليم بن سليمان السلمى وعمرو بن مسلم بن عمرو ومحمد بن عبد العزيز العتكى وعيسى الاعرج الحنظلي والبخترى بن أبى درهم البكري وسعيد الاحمر وسعيد الصغير مولى باهلة أصلح الله الامير ائذن لنا في الخروج ولا تهجن طاعتنا فأذن لهم ثم خرج فنزل بابا من أبواب بلخ وضربت له قبة فازتان وألصق إحداهما بالاخرى وصلى بالناس ركعتين طولهما ثم استقبل القبلة ونادى في الناس ادعوا الله وأطال في الدعاء ودعا بالنصر وأمن الناس على دعائه فقال نصرتم ورب الكعبة ثم انفتل من دعائه فقال نصرتم ورب الكعبة إن شاء الله ثلاث مرات ثم نادى مناديه برئت ذمة الله من رجل حمل امرأة ممن كان من الجند قالوا إن أسدا إنما خرج هاربا فخلف أم بكر أم ولده وولده فنظر فإذا جارية على بعير فقال سلوا لمن هذه الجارية فذهب بعض الاساورة فسأل ثم رجع فقال لزياد بن الحارث البكري وزياد جالس فقطب أسد وقال لا ينتهون حتى أسطو بالرجل منكم يكرم على فأضرب ظهره وبطنه فقال زياد إن كانت لى فهى حرة لا والله أيها الامير ما معى امرأة فان هذا عدو حاسد وسار أسد فلما كان عند قنطرة عطاء قال لمسعود بن عمر والكرماني

[ 450 ]

وهو يومئذ خليفة الكرماني على الازد ابغنى خمسين رجلا ودابة أخلفهم على هذه القنطرة فلا تدع أحدا ممن جازها أن يرجع إليها فقال مسعود ومن أين أقدر على خمسين رجلا فأمر به فصرع عن دابته وأمر بضرب عنقه فقام إليه قوم فكلموه فكف عنه فلما جاز القنطرة نزل منزلا فأقام فيه حتى أصبح وأراد المقام يومه فقال له العذافر بن زيد ليأتمر الامير على المقام يومه حتى يتلاحق الناس قال فأمر بالرحيل وقال لا حاجة لنا إلى المتخلفين ثم ارتحل وعلى مقدمته سالم بن منصور البجلى في ثلاثمائة فلقى ثلاثمائة من الترك طليعة لخاقان فأسر قائدهم وسبعة منهم معه وهرب بقيتهم فأتى به أسد قال فبكى التركي قال ما يبكبك قال لست أبكى لنفسي ولكني أبكى لهلاك خاقان قال كيف قال لانه قد فرق جنوده فيما بينه وبين مرو قال وسار أسد حتى نزل السدرة قرية ببلخ وعلى خيل أهل العالية ريحان بن زياد العامري العبدلى من بنى عبد الله بن كعب قال فعزله وصير على أهل العالية منصور ابن سالم ثم ارتحل من السدرة فنزل خريستان فسمع أسد صهيل فرس فقال لمن هذا فقيل للعقار بن ذعير فتطير من اسمه واسم أبيه فقال ردوه قال إنى مقتول غادى على الترك قال أسد قتلك الله ثم سال حتى إذا شارف العين الحارة استقبله بشر ابن رزين أو رزين بن بشر فقال بشارة ورزانة ما وراءك يا رزين قال إن لم تغثنا غلبنا على مدينتنا قال قل للمقدام بن عبد الرحمن يطاول برمحى فسار فنزل من مدينة الجوزجان بفرسخين ثم أصبحنا وقد تراءت الخيلان فقال خاقان للحارث من هذا فقال هذا محمد بن المثنى ورايته ويقال إن طلائع لخاقان انصرفت إليه فأخبرته أن رهجا ساطعا طلع من قبل بلخ فدعا خاقان الحارث فقال ألم تزعم أن أسدا ليس به نهوض وهذا رهج قد أقبل من ناحية بلخ قال الحارث هذا اللص الذى كنت قد أخبرتك أنه من أصحابي فبعث خاقان طلائع فقال انظروا هل ترون على الابل سرير أو كراسي فجاءته الطلائع فأخبروه أنهم عاينوها فقال خاقان اللصوص لا يحملون الاسرة والكراسي وهذا أسد قد أتاك فسار أسد غلوة فلقيه سالم بن جناح فقال أبشر أيها الامير قد حزرتهم ولا يبلغون أربعة آلاف وأرجو أن يكون عقيرة الله فقال المجشر بن مزاحم وهو يسايره

[ 451 ]

أنزل أيها الامير رجالك فضرب وجه دابته وقال لو أطعت يا مجشر ما كنا قدمنا ههنا وسار غير بعيد وقال يا أهل الصباح انزلوا فنزلوا وقربوا دوابهم وأخذوا النبل والقسى قال وخاقان في مرج قد بات فيه تلك الليلة قال وقال عمرو بن أبى موسى ارتحل أسد حين صلى الغداة فمر بالجوزجان وقد استباحها خاقان حتى بلغت خيله الشبورقان قال وقصور الجوزجان إذ ذاك ذليلة قال وأتاه المقدام بن عبد الرحمن ابن نعيم الغامدى في مقاتلته وأهل الجوزجان وكان عاملها فعرضوا عليه أنفسهم فقال أقيموا في مدينتكم وقال للجوزجان بن الجوزجان سر معى وكان على التعبية القاسم بن بخيت المراغى فجعل الازد وبنى تميم والجوزجان بن الجوزجان وشاكريته ميمنته وأضاف إليهم أهل فلسطين عليهم مصعب بن عمرو الخزاعى وأهل قنسرين عليهم صفراء بن أحمر وجعل ربيعة ميسرة عليهم يحيى بن حضين وضم إليهم أهل حمص عليهم جعفر بن حنظلة البهرانى وأهل الازد وعليهم سليمان بن عمرو المقرى من حمير وعلى المقدمة منصور بن مسلم البجلى وأضاف إليهم أهل دمشق عليهم حملة بن نعيم الكلبى وأضاف إليهم الحرس والشرطة وغلمان أسد قال وغبى خاقان الحارث بن سريج وأصحابه وملك السغد وصاحب الشاش وخرابغره أبا خاناخره جد كاوس وصاحب الختل وجيغويه والترك كلهم ميمنة فلما التقوا حمل الحارث ومن معه من أهل السغد والبابية وغيرهم على الميسرة وفيها ربيعة وجندان من أهل الشأم فهزمهم فلم يردهم شئ دون رواق أسد فشدت عليهم الميمنة وهم الازد وبنو تميم والجوزجان فما وصلوا إليهم حتى انهزم الحارث والاتراك وحمل الناس جميعا فقال أسد اللهم انهم عصوني فانصرهم وذهب الترك في الارض عباديد لا يلوون على أحد فتبعهم الناس مقدار ثلاثة فراسخ يقتلون من يقدرون عليه حتى انتهوا إلى أغنامهم فاستاقوا أكثر من خمس وخمسين ومائة ألف شاة ودواب كثيرة وأخذ خاقان طريقا غير الجادة في الجبل والحارث بن سريج يحميه ولحقهم أسد عند الظهر ويقال لما واقف أسد خاقان يوم خريستان كان بينهم نهر عميق فأمر أسد برواقه فرفع فقال رجل من بنى قيس بن ثعلبة يا أهل الشأم

[ 452 ]

أهكذا رأيكم إذ حضر الناس رفعتم الابنية فأمر به فحط وهاجت ريح الحرب التى تسمى الهفافة فهزمهم الله واستقبلوا القبلة يدعون الله ويكبرون وأقبل خاقان في قريب من أربعمائة فارس عليهم الحمرة وقال لرجل يقال له سورى إنما أنت ملك الجوزجان إن أسلمت العرب فمن رأيت من أهل الجوزجان وقد أتاه فاقتله وقال الجوزجان لعثمان بن عبد الله بن الشخير إنى لا علم ببلادي وطرقها فهل لك في أمر فيه هلاك خاقان ولك فيه ذكر ما بقيت قال ما هو قال تتبعني قال نعم فأخذ طريقا يسمى ورادك فأشرفوا على طوقات خاقان وهم آمنون فأمر خاقان بالكوسات فضربت ضربة الانصراف وقد شبت الحرب فلم يقدر الترك على الانصراف ثم ضربت الثانية فلم يقدروا ثم ضربت الثالثة فلم يقدروا لاشتغالهم فحمل ابن الشخير والجوزجان على الطوقات وولى خاقان مدبرا منهزما فحوى المسلمون عسكرهم وتركوا قدورهم تغلى ونساء من نساء العرب والمواليات ومن نساء الترك ووحل بخاقان برذونه فحماه الحارث بن سريج قال ولم يعلم الناس أنه خاقان ووجد عسكر الترك مشحونا من كل شئ من آنية الفضة وصناجات الترك وأراد الخصى أن يحمل امرأة خاقان فأعجلوه عن ذلك فطعنها بخنجر فوجدوها تتحرك فأخذوا خفها وهو من لبود مضرب قال فبعث أسد بجواري الترك إلى دهاقين خراسان واستنقذ من كان في أيديهم من المسلمين قال وأقام أسد خمسة أيام قال فكانت الخيول التى فرق تقبل فيصيبهم أسد فاغتنم الظفر وانصرف إلى بلخ يوم التاسع من خروجه فقال ابن السجف المجاشعى لو سرت في الارض تقيس الارضا * تقيس منها طولها والعرضا لم تلق خيرا مرة ونقضا * من الامير أسد وأمضا أفضى إلينا الخير حين أفضى * وجمع الشمل وكان رفضا ما فاته خاقان إلا ركضا * قد فض من جموعه ما فضا يا ابن سريج قد لقيت حمضا * حمضابه يشفى صداع المرضا قال وارتحل أسد فنزل جزة الجوزجان من غد وخاقان بها فارتحل هاربا منه

[ 453 ]

وندب أسد الناس فانتدب ناس كثير من أهل الشأم وأهل العراق فاستعمل عليهم جعفر بن حنظلة البهرانى فساروا ونزلوا مدينة تسمى ورد من أرض جزة فباتوا بها فأصابهم ريح ومطر ويقال أصابهم الثلج فرجعوا ومضى خاقان فنزل على جيغويه الطخارى وانصرف البهرانى إلى أسد ورجع أسد إلى بلخ فلقوا خيل الترك التى كانت بمرو الروذ منصرفة لتغير على بلخ فقتلوا من قدروا عليه منهم وكان الترك قد بلغوا بيعة مرو الروذ وأصاب أسد يومئذ أربعة آلاف درع فلما صار ببلخ أمر الناس بالصوم لافتتاح الله عليهم قال وكان أسد يوجه الكرماني في السرايا فكانوا لا يزالون يصيبون الرجل والرجلين والثلاثة وأكثر من الترك ومضى خاقان إلى طخارستان العليا فأقام عند جيغويه الخرلخى تعززا به وأمر بصنيعة الكوسات فلما جفت وصلح أصواتها ارتحل إلى بلاده فلما ورد شروسنة تلقاه خرابغره أبو خاناخره جد كاوس أبى أفشين باللعابين وأعدله هدايا ودواب له ولجنده وكان الذى بينهما متباعدا فلما رجع منهزما أحب أن يتخذ عنده يدا فأتاه بكل ما قدر عليه ثم أتى خاقان بلاده وأخذ في الاستعداد للحرب ومحاصرة سمرقند وحمل الحارث ابن سريج وأصحابه على خمسة آلاف برذون وفرق براذين في قواد الترك فلاعب خاقان يوما كورصول بالنرد على خطر تدرجة فقمر كورصول الترقشى فطلب منه التدرجة فقال أنثى فقال الآخر ذكر فتنازعا فكسر كورصول يدخاقان فحلف خاقان ليكسرن يد كورصول وبلغ كورصول فتنحى وجمع جمعا من أصحابه فبيت خاقان فقتله فأصبحت الترك فتفرقوا عنه وتركوه مجردا فأتاه زريق بن طفيل الكشانى وأهل بيت الحموكيين وهم من عظماء الترك فحمله ودفنه وصنع به ما يصنع بمثله إذا قتل فتفرقت الترك في الغارات بعضها على بعض وانحاز بعضهم إلى الشاش فعند ذلك طمع أهل السغد في الرجعة إليها قال فلم يسلم من خيل الترك التى تفرقت في الغارات إلازر بن الكسى فانه سلم حتى صار إلى طخارستان وكان أسد بعث من مدينة بلخ سيف بن وصاف العجلى على فرس فسار حتى نزل الشبورقان قال وفيها إبراهيم بن هشام مسلحة فحمله منها على البريد حتى قدم على خالد بن عبد الله

[ 454 ]

فاخبره ففظع به هشام فلم يصدقه وقال للربيع حاجبه ويحك إن هذا الشيخ قد أتانا بالطامة الكبرى إذا كان صادقا ولا أراه صادقا اذهب فعده ثم سله عما يقوله وأتنى بما يقول فانطلق إليه ففعل الذى أمره به فأخبره الذى أخبر به هشاما قال فدخل عليه أمر عظيم فدعا به بعد فقال من القاسم بن بخيت منكم قال ذلك صاحب العسكر قال فانه قد أقبل قال فان كان قد أقبل فقد فتح الله على أمير المؤمنين وكان أسد وجهه حين فتح الله عليه فأقبل القاسم بن بخيت فكبر على الباب ثم دخل يكبر وهشام يكبر لتكبيره حتى انتهى إليه فقال الفتح يا أمير المؤمنين وأخبره الخبر فنزل هشام عن سريره فسجد سجدة الشكر وهى واحدة عندهم قال فحسدت القيسية أسدا وخالدا وأشاروا على هشام أن يكتب إلى خالد بن عبد الله فيأمر أخاه أن يوجه مقاتل بن حيان فكتب إليه فدعا أسد مقاتل بن حيان على رؤوس الناس فقال سر إلى أمير المؤمنين فأخبره بالذى عاينت وقل الحق فإنك لا تقول غير الحق إن شاء الله وخذ من بيت المال حاجتك قالوا إذا لا يأخذ شيئا قال أعطه من المال كذا وكذا ومن الكسوة كذا وكذا وجهزه فسار فقدم على هشام بن عبد الملك وهو والابرش جالسان فسأله فقال غزونا الختل فأصبنا أمرا عظيما وانذر أسد بالترك فلم نحفل بهم حتى لحقوا واستنفذوا من غنائمنا واستباحوا بعض عسكرنا ثم دفعونا دفعة قريبا من خلم فانتهى الناس إلى مشاتيهم ثم جاءنا مسير خاقان إلى الجوزجان ونحن قريبو العهد بالعدو فسار بناحتى التقينا برستاق بيننا وبين أرض الجوزجان فقاتلناهم وقد حاذوا ذرارى من ذرارى المسلمين فحملوا على ميسرتنا فكشفوهم ثم حملت ميمنتنا عليهم فاعطانا الله عليهم الظفر وتبعناهم فراسخ حتى استبحنا عسكر خاقان فأجلى عنه وهشام متكئ فاستوى جالسا عند ذكره عسكر خاقان فقال ثلاثا أنتم استبحتم عسكر خاقان قال نعم قال ثم ما ذا قال دخلوا الختل فانصرفوا قال هشام إن أسدا لضعيف قال مهلا يا أمير المؤمنين ما أسد بضعيف وما أطاق فوق ما صنع فقال له هشام حاجتك قال إن يزيد بن المهلب أخذ من أبى حيان مائة ألف درهم بغير حق فقال له هشام لا أكلفك شاهدا احلف بالله انه كما قلت فحلف

[ 455 ]

فردها عليه من بيت مال خراسان وكتب إلى خالد أن يكتب إلى أسد فيها فكتب إليه فأعطاه أسد مائة ألف درهم فقسمها بين ورثة حيان على كتاب الله وفرائضه ويقال بل كتب إلى أسد أن يستخبر عن ذلك فان كان ما ذكر حقا أعطى مائة ألف درهم وكان الذى جاء بفتح خراسان إلى مرو عبد السلام بن الاشهب بن عتبة الحنظلي قال فأوفد أسد إلى خالد بن عبد الله وفدا في هزيمته يوم سان ومعهم طوقات خاقان ورؤوس من قتلوا منهم فاوفدهم خالد إلى هشام فاحلفهم أنهم صدقوا فحلفوا فوصلهم فقال أبو الهندي الاسدي لاسد يذكر وقعة سان أبا منذر رمت الامور فقستها * وساءلت عنها كالحريص المساوم فما كان ذو رأى من الناس قسته * برأيك إلا مثل رأى البهائم أبا منذر لولا مسيرك لم يكن * عراق ولا انقادت ملوك الاعاجم ولا حج بيت الله مذ حج راكب * ولا عمر البطحاء بعد المواسم فكم من قتيل بين سان وجزة * كثير الايادي من ملوك قماقم تركت بأرض الجوزجان تزوره * سباع وعقبان لحز الغلاصم وذى سوقة فيه من السيف خطة * به رمق حامت عليه الحوائم فمن هارب منا ومن دائن لنا * أسير يقاسى مبهمات الاداهم فدتك نفوس من تميم وعامر * ومن مضر الحمراء عند المآزم هم أطمعوا خاقان فينا فأصبحت * جلائبه ترجو احتواء المغانم قال وكان السبل أوصى عند موته ابن السائحى حين استخلفه بثلاث خصال فقال لا تستطل على أهل الختل استطالتي التى كانت عليهم فإنى ملك ولست بملك إنما أنت رجل منهم فلا يحتملون لك ما يحتملون للملوك ولا تدع أن تطلب الجيش حتى ترده إلى بلادكم فانه الملك بعدى والملوك هم النظام والناس ما لم يكن لهم نظام طغام ولا تحاربوا العرب واحتالوا لهم كل حيلة تدفعونهم بها على أنفسكم ما قدرتم فقال له ابن السائحى أما ما ذكرت من تركي الاستطالة على أهل الختل فانى قد عرفت ذلك وأما ما أوصيت من رد الجيش فقد صدق الملك وأما قولك لا تحاربوا العرب

[ 456 ]

فكيف تنهى عن حربهم وقد كنت أكثر الملوك لهم محاربة قال قد أحسنت إذ سألت عما لا تعلم إنى قد جربت قوتكم بقوتى فلم أجدكم تقعون منى موقعا فكنت إذا حاربتهم لم أفلت منهم إلا جريضا وإنكم إن حاربتموهم هلكتم في أول محاربتكم إياهم قال وكان الجيش قد هرب إلى الصين وابن السائحى الذى أخبر أسد بن عبد الله بمسير خاقان إليه فكره محاربة أسد (وفى هذه السنة) خرج المغيرة بن سعيد وبيان في نفر فأخذهم خالد فقتلهم ذكر الخبر عن مقتلهم أما المغيرة بن سعيد فإنه كان فيما ذكر ساحرا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن الاعمش قال سمعت المغيرة بن سعيد يقول لو أردت أن أحيى عادا أو ثمود أو قرونا بين ذلك كثيرا لاحييتهم قال الاعمش وكان المغيرة يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى مثل الجراد على القبور أو نحو هذا من الكلام وذكر أبو نعيم عن النضر بن محمد عن محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال قدم علينا رجل من أهل البصرة يطلب العلم فكان عندنا فأمرت جاريتي يوما أن تشترى لى سمكا بدرهمين ثم انطلقت أنا والبصرى إلى المغيرة بن سعيد فقال لى يا محمد اتحب أن أخبرك لم افترق حاجباك قلت لا قال أفتحب أن أخبرك لم سماك أهلك محمدا قلت لا قال أما إنك قد بعثت خادمك يشترى لك سمكا بدرهمين قال فنهضنا عنه قال أبو نعيم وكان المغيرة قد نظر في السحر فأخذه خالد القسرى فقتله وصلبه وذكر أبو زيد أن أبا بكر بن حفص الزهري قال أخبرني محمد بن عقيل عن سعيد بن مردابند مولى عمرو بن حريث قال رأيت خالدا حين أتى بالمغيرة وبيان في ستة رهط أو سبعة أمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع وأمر بأطنان قصب ونفط فأحضرا ثم أمر المغيرة أن يتناول طنا فكع عنه وتأنى وصبت السياط على رأسه فتناول طنا فاحتضنه فشد عليه ثم صب عليه وعلى الطن نفط ثم ألهبت فيهما النار فاحترقا ثم أمر الرهط ففعلوا ثم أمر بيانا آخرهم فقدم إلى الطن مبادرا فاحتضنه فقال خالد ويلكم في كل أمر تحمقون هلا رأيتم هذا المغيرة ثم أحرقه قال أبو زيد لما قتل

[ 457 ]

خالد المغيرة وبيانا أرسل إلى مالك بن أعين الجهنى فسأله فصدقه عن نفسه فأطلقه فلما خلا مالك بمن يثق به وكان فيهم أبو مسلم صاحب خراسان قال ضربت له بين الطريقين لاحيا * وطنت عليه الشمس فيمن يطينها وألقيته في شبهة حين سألني * كما اشتبها في الخط سين وشينها فقال أبو مسلم حين ظهر أمره لو وجدته لقتلته بإقراره على نفسه قال أحمد بن زهير عن على بن محمد قال خرج المغيرة بن سعيد في سبعة نفر وكانوا يدعون الوصفاء وكان خروجهم بظهر الكوفة فأخبر خالد القسرى بخروجهم وهو على المنبر فقال أطعموني ماء فنعى ذلك عليه ابن نوفل فقال أخالد لا جزاك الله خيرا * وأير في حرامك من أمير تمنى الفخر في قيس وقسر * كأنك من سراة بنى جرير وأمك علجة وأبوك وغد * وما الاذناب عدلا للصدور جرير من ذوى يمن أصيل * كريم الاصل ذى خطر كبير وأنت زعمت أنك من يزيد * وقد دوحقتم دحق العبور وكنت لدى المغيرة عبد سوء * تبول من المخافة للزئير وقلت لما أصابك أطعموني * شرابا ثم بلت على السرير لا علاج ثمانية وشيخ * كبير السن ليس بذى نصير (وفى هذه السنة) حكم بهلول بن بشر الملقب كثارة فقتل ذكر الخبر عن مخرجه ومقتله ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أن بهلولا كان يتأله وكان له قوت دانق وكان مشهورا بالبأس عند هشام بن عبد الملك فخرج يريد الحج فأمر غلامه أن يبتاع له خلا بدرهم فجاءه غلامه بخمر فأمر بردها وأخذ الدرهم فلم يجب إلى ذلك فجاء بهلول إلى عامل القرية وهى من السواد فكلمه فقال العامل الخمر خير منك ومن قومك فمضى بهلول في حجه حتى فرغ منه وعزم على الخروج على السلطان فلقى بمكة من كان على مثل رأيه فاتعدوا قرية من قرى الموصل فاجتمع بها أربعون

[ 458 ]

رجلا وأمروا عليهم البهلول وأجمعوا على أن لا يمروا بأحد إلا أخبروه أنهم أقبلوا من عند هشام على بعض الاعمال ووجههم إلى خالد لينفذهم في أعمالهم فجعلوا لا يمرون بعامل إلا أخبروه بذلك وأخذوا دواب من دواب البريد فلما انتهوا إلى القرية التى كان ابتاع فيها الغلام الخل فأعطى خمرا قال بهلول نبدأ بهذا العامل الذى قال ما قال فقال له أصحابه نحن نريد قتل خالد فإن بدأنا بهذا شهرنا وحذرنا خالد وغيره فننشدك الله أن لا تقتل هذا فيفلت منا خالد الذى يهدم المساجد ويبنى البيع والكنائس ويولى المجوس على المسلمين وينكح هل الذمة المسلمات لعلنا نقتله فيريح الله منه قال والله لا أدع ما يلزمنى لما بعده وأرجو أن أقتل هذا الذى قال لى ما قال وأدرك خالدا فأقتله وإن تركت هذا وأتيت خالدا شهر أمرنا فأفلت هذا وقد قال الله عزوجل (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) قالوا أنت ورأيك فأتاه فقتله فنذر بهم الناس وعلموا أنهم خوارج وابتدروا إلى الطريق هرابا وخرجت البرد إلى خالد فأخبروه أن خارجة قد خرجت وهم لا يدرون حينئذ من رئيسهم فخرج خالد من واسط حتى أتى الحيرة وهو حينئذ في الخلق وقد قدم في تلك الايام قائد من أهل الشأم من بنى القين في جيش قد وجهوا مددا لعامل خالد على الهند فنزلوا الحيرة فلذلك قصدها خالد فدعا رئيسهم فقال قائل هؤلاء المارقة فإن من قتل منهم رجلا أعطيته عطاء سوى ما قبض بالشأم وأعفيته من الخروج إلى أرض الهند وكان الخروج إلى أرض الهند شاقا عليهم فسارعوا إلى ذلك فقالوا نقتل هؤلاء النفر ونرجع إلى بلادنا فتوجه القينى إليهم في ستمائة وضم إليهم خالد مائتين من شرط الكوفة فالتقوا على الفرات فعبأ القينى أصحابه وعزل شرط الكوفة فقال لا تكونوا معنا وإنما يريد في نفسه أن يخلو هو وأصحابه بالقوم فيكون الظفر لهم دون غيرهم لما وعدهم خالد وخرج إليهم بهلول فسأل عن رئيسهم حتى عرف مكانه ثم تلبث له ومعه لواء أسود فحمل عليه فطعنه في فرج درعه فأنفذه فقال قتلتنى قتلك الله فقال بهلول إلى النار أبعدك الله وولى أهل الشأم مع شرط أهل الكوفة منهزمين

[ 459 ]

حتى بلغوا باب الكوفة وبهلول وأصحابه يقتلونهم فأما الشاميون فإنهم كانوا على خيل جياد ففاتوه وأما شرط الكوفة فإنه لحقهم فقالوا اتق الله فينا فإنا مكرهون مقهورون فجعل يقرع رؤوسهم بالرمح ويقول الحقوا النجاء النجاء ووجد البهلول مع القينى بدرة فأخذها وكان بالكوفة ستة نفر يرون رأى البهلول فخرجوا إليه يدون اللحاق به فقتلوا وخرج إليهم البهلول وحمل البدرة بين يديه فقال من قتل هؤلاء النفر حتى أعطيه هذه الدراهم فجعل هذا يقول أنا وهذا يقول أنا حتى عرفهم وهم يرون أنه من قبل خالد جاء ليعطيهم مالا لقتلهم من قتلوا فقال بهلول لاهل القرية أصدق هؤلاءهم قتلوا النفر قالوا نعم وخشى بهلول أنهم ادعو ذلك طعما في المال فقال لاهل القرية انصرفوا أنتم وأمر بأولئك فقتلوا وعاب عليه أصحابه فحاجهم فأقروا له بالحجة وبلغت هزيمة القوم خالدا وخبر من قتل من أهل صريفين فوجه قائدا من بنى شيبان أحد بنى حوشب بن يزيد بن رويم فلقيهم فيما بين الموصل والكوفة فشد عليهم البهلول فقال نشدتك بالرحم فانى جانح مستجير فكف عنه وانهزم أصحابه فأتوا خالدا وهو مقيم بالحيرة ينتظر فلم يرعه إلا الفل قد هجم عليه فارتحل البهلول من يومه يريد الموصل فخافه عامل الموصل فكتب إلى هشام إن خارجة خرجت فعاثت وأفسدت وإنه لا يأمن على ناحيته ويسأله جندا يقاتلهم به فكتب إليه هشام وجه إليهم كثارة بن بشر وكان هشام لا يعرف البهلول إلا بلقبه فكتب إليه العامل إن الخارج هو كثارة قال ثم قال البهلول لاصحابه إنا والله ما نصنع بابن النصرانية شيئا يعنى خالدا وما خرجت إلا لله فلم لا نطلب الرأس الذى يسلط خالدا وذوى خالد فتوجه يريد هشاما بالشام فخاف عمال هشام موجدته إن تركوه يجوز بلادهم حتى ينتهى إلى الشأم فجند له خالد جندا من أهل العراق وجند له عامل الجزيرة جندا من أهل الجزيرة ووجه إليه هشام جندا من أهل الشأم فاجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل وأقبل بهلول حتى انتهى إليهم ويقال التقوا بالكحيل دون الموصل فأقبل بهلول فنزل على باب الدير فقالوا له تزحزح عن باب الدير حتى نخرج اليك فتنحى وخرجوا فلما رأى

[ 460 ]

كثرتهم وهو في سبعين جعل من أصحابه ميمنة وميسرة ثم أقبل عليهم فقال أكلكم يرجو أن يقتلنا ثم يأتي بلده وأهله سالما قالوا إنا نرجو ذلك إن شاء الله فشد على رجل منهم فقتله فقال أما هذا فلا يأتي أهله أبدا فلم يزل ذلك ديدنه حتى قتل منهم ستة نفر فانهزموا فدخلوا الدير فحاصرهم وجاءتهم الامداد فكانوا عشرين ألفا فقال له أصحابه إلا نعقر داوبنا ثم نشد عليهم شدة واحدة فقال لا تفعلوا حتى نبلى الله عذرا ما استمسكنا على دوابنا فقاتلوهم يومهم ذلك كله إلى جنح العصر حتى أكثروا فيهم القتل والجراح ثم إن بهلولا وأصحابه عقروا دوابهم وترجلوا وأصلتوا لهم السيوف فأوجعوا فيهم فقتل عامة أصحاب بهلول وهو يقاتل ويذود عن أصحابه وحمل عليه رجل من جديلة قيس يكنى أبا الموت فطعنه فصرعه فوافاه من بقى من أصحابه فقالوا له ول أمرنا من بعدك من يقوم به فقال إن هلكت فأمير المؤمنين دعامة الشيباني فان هلك دعامة فأمير المؤمنين عمرو اليشكرى وكان أبو الموت إنما ختل البهلول ومات بهلول من ليلته فلما أصبحوا هرب دعامة وخلاهم فقال رجل من شعرائهم لبئس أمير المؤمنين دعامة * دعامة في الهيجاء شر الدعائم وقال الضحاك بن قيس يرثى بهلولا ويذكر أصحابه بدلت بعد أبى بشر وصحبته * قوما على مع الاحزاب أعوانا كأنهم لم يكونوا من صحابتنا * ولم يكونوا لنا بالامس خلانا يا عين أذرى دموعا منك تهتانا * وابكى لنا صحبة بانوا وإخوانا خلوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها * وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا قال أبو عبيدة لما قتل بهلول خرج عمرو اليشكرى فلم يلبث أن قتل ثم خرج العنزي صاحب الاشهب وبهذا كان يعرف على خالد في ستين فوجه إليه خالد السمط بن مسلم البجلى في أربعة آلاف فالتقوا بناحية الفرات فشد العنزي على السمط فضربه بين أصابعه فألقى سيفه وشلت يده وحمل عليهم فانهزمت الحرورية فتلقاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم قال أبو عبيدة

[ 461 ]

ثم خرج وزير السختيانى على خالد في نفر وكان مخرجه بالحيرة فجعل لا يمر بقرية إلا أحرقها ولا أحد إلا قتله وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال فوجه إليه خالد قائدا من أصحابه وشرطا من شرط الكوفة فقاتلوه وهو في نفر فقاتل حتى قتل عامة أصحابه وأثخن بالجراح فأخذ مرتثا فأتى به خالد فأقبل على خالد فوعظه وتلا عليه آيات من القرآن فأعجب خالدا ما سمع منه فأمسك عن قتله وحبسه عنده وكان لا يزال يبعث إليه في الليالى فيؤتى به فيحادثه ويسائله فبلغ ذلك هشاما وسعى به إليه وقيل أخذ حروريا قد قتل وحرق وأباح الاموال فاستبقاه فاتخذه سميرا فغضب هشام وكتب إلى خالد يشتمه ويقول لا تستبق فاسقا قتل وحرق وأباح الاموال فكان خالد يقول إنى أنفس به عن الموت لما كان يسمع من بيانه وفصاحته فكتب فيه إلى هشام يرفق من أمره ويقال بل لم يكتب ولكنه كان يؤخر أمره ويدفع عنه حتى كتب إليه هشام يؤنبه ويأمره بقتله واحراقه فلما جاءه أمر عزيمة لا يستطيع دفعه بعث إليه وإلى نفر من أصحابه كانوا أخذوا معه فأمر بهم فأدخلوا المسجد وأدخلت أطنان القصب فشدوا فيها ثم صب عليهم النفط ثم أخرجوا فنصبوا في الرحبة ورموا بالنيران فما منهم أحد إلا من اضطرب وأظهر جزعا إلا وزيرا فانه لم يتحرك ولم يزل يتلو القرآن حتى مات (وفى هذه السنة) غزا أسد بن عبد الله الختل وفيها قتل أسد بدرطاخان ملك الختل ذكر الخبر عن غزوة أسد الختل هذه الغزوة وسبب قتله بدر طرخان ذكر على بن محمد عن أشياخه الذين ذكرناهم قيل أنهم قالوا غزا أسد بن عبد الله الختل وهى غزوة بدر طرخان فوجه مصعب بن عمرو الخزاعى إليها فلم يزل مصعب يسير حتى نزل بقرب بدر طرخان فطلب الامان على أن يخرج إلى أسد فأجابه مصعب فخرج إلى أسد فطلب منه أشياء فامتنع ثم سأله بدر طرخان أن يقبل منه ألف ألف درهم فقال له أسد إنك رجل غريب من أهل الباميان اخرج من الختل كما دخلتها فقال له بدر طرخان دخلت أنت خراسان على عشرة من المحذفة ولو خرجت منها اليوم لم تستقل على خمسمائة بعير وغير ذلك إنى دخلت

[ 462 ]

الختل بشئ فاردده على حتى أخرج منها كما دخلتها قال وما ذاك قال دخلتها شابا فكسبت المال بالسيف ورزق الله أهلا وولدا فاردد على شبابى حتى أخرج منها هل ترى أن أخرج من أهلى وولدى فما بقائي بعد أهلى وولدى فغضب أسد قال وكان بدر طرخان يثق بالامان فقال له أسد اختم في عنقك فإنى أخاف عليك معرة الجند قال لست أريد ذلك وأنا أكتفى من قبلك برجل يبلغ بى مصعبا فأبى أسد إلا أن يختم في عنقه فختم في رقبته ودفعه إلى أبى الاسد مولاه فسار به أبو الاسد فانتهى إلى عسكر المصعب عند المساء وكان سلمة بن أبى عبد الله في الموالى مع مصعب فوافى أبو الاسد سلمة بن أبى عبد الله في الموالى مع مصعب فوافى أبو الاسد سلمة وهو يضع الدراجة في موضعها فقال سلمة لابي الاسد ما صنع الامير في أمر بدر طرخان فقص الذى عرض عليه بدر طرخان واباء أسد ذلك وسرحه معه إلى المصعب ليدخله الحصن فقال سلمة إن الامير لم يصب فيما صنع وسينظر في ذلك ويندم إنما كان ينبغى له أن يقبض ما عرض عليه أو يحبسه فلا يدخله حصنه فانا إنما دخلناه بقناطر اتخذناها ومضايق أصلحناها وكان يمنعه أن يغير علينا رجاء الصلح فأما إن يئس من الصلح فإنه لا يدع الجهد فدعه الليلة في قبتى ولا تنطلق به إلى مصعب فانه ساعة ينظر إليه يدخله حصنه قال فأقام أبو الاسد وبدر طرخان معه في قبة سلمة وأقبل أسد بالناس في طريق ضيق فتقطع الجند ومضى أسد حتى انتهى إلى نهر وقد عطش ولم يكن أحد من خدمه فاستسقى وكان السغدى بن عبد الرحمن أبو طعمة الجرمى معه شاكري له ومع الشاكرى قرن تبتى فأخذ السغدى القرن فجعل فيه سويقا وصب عليه ماء من النهر وحركه وسقى أسدا وقوما من رؤساء الجند فنزل أسد في ظل شجرة ودعا برجل من الحرس فوضع رأسه في فخذه وجاء المجشر بن مزاحم السلمى يقود فرسه حتى قعد تجاهه حيث ينظر أسدا فقال أسد كيف أنت يا أبا العدبس قال كنت أمس أحسن حالا منى اليوم قال وكيف ذاك قال كان بدر طرخان في أيدينا وعرض ما عرض فلا الامير قبل منه ما عرض عليه ولا هو شد يده عليه لكنه خلى سبيله وأمر بادخاله حصنه لما عنده زعم من الوفاء فندم

[ 463 ]

أسد عند ذلك ودعا بدليل من أهل الختل ورجل من أهل الشأم نافذ فاره الفرس فأتى بهما فقال للشامي ان أنت أدركت بدر طرخان قبل أن يدخل حصنه فلك ألف درهم فتوجها حتى انتهيا إلى عسكر مصعب فنادى الشأمى ما فعل العلج قيل عند سلمة وانصرف الدليل إلى أسد بالخبر وأقام الشامي مع بدر طرخان في قبة سلمة وبعث أسد إلى بدر طرخان فحوله إليه فشتمه فعرف بدر طرخان أنه قد نقض عهده فرفع حصاة فرمى بها إلى السماء وقال هذا عهد الله وأخذ أخرى فرمى بها إلى السماء وقال هذا عهد محمد صلى الله عليه وسلم وأخذ يصنع كذلك بعهد أمير المؤمنين وعهد المسلمين فأمر أسد بقطع يده وقال أسد من ههنا من أولياء أبى فديك رجل من الازد قتله بدر طرخان فقام رجل من الازد فقال أنا قال اضرب عنقه ففعل وغلب أسد على القلعة العظمى وبقيت قلعة فوقها صغيرة فيها ولده وأمواله فلم يوصل إليهم وفرق أسد الخيل في أودية الخيل قال وقدم أسد مرو وعليها أيوب بن أبى حسان التميمي فعزله واستعمل خالد بن شديد ابن عمه فلما شخص إلى بلخ بلغه أن عمارة بن خريم تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب فكتب إلى خالد بن شديد احمل عمارة على طلاق ابنة يزيد فان أبى فاضربه مائة سوط فبعث إليه فأتاه وعنده العذافر بن زيد التميمي فأمره بطلاقها ففعل بعد إباء منه وقال عذافر عمارة والله فتى قيس وسيدها وما بها عليه أبهة أي ليست بأشرف منه فتوفى خالد بن شديد واستخلف الاشعث بن جعفر البجلى (وفيها) شرى الصحارى بن شبيب وحكم بجبل ذكر خبره ذكر عن أبى عبيدة معمر بن المثنى أن الصحارى بن شبيب أتى خالدا يسأله الفريضة فقال وما يصنع ابن شبيب بالفريضة فودعه ابن شبيب ومضى وندم خالد وخاف أن يفتق عليه فتقا فأرسل إليه يدعوه فقال أنا كنت عنده آنفا فأبوا أن يدعوه فشد عليهم بسيفه فتركوه فركب وسار حتى جاوز واسطا ثم عقر فرسه وركب زورقا ليخفى مكانه ثم قصد إلى نفر من بنى تيم اللات بن

[ 464 ]

ثعلبة كانوا بجبل فأتاهم متقلدا سيفا فأخبرهم خبره وخبر خالد فقالوا له وما كنت ترجو بالفريضة كنت لان تخرج إلى ابن النصرانية فتضربه بسيفك أحرى فقال إنى والله ما أردت الفريضة وما أردت إلا التوصل إليه لئلا ينكرني ثم أقتل ابن النصرانية غيلة بقتله فلانا وكان خالد قبل ذلك قد قتل رجلا من قعدة الصفرية صيرا ثم دعاهم الصحارى إلى الوثوب معه فأجابه بعضهم وقال بعضهم ننتظر وأبى بعضهم وقالوا نحن في عافية فلما رأى ذلك قال لم أرد منه الفريضة إلا * طمعا في قتله أن أنالا فأريح الارض منه وممن * عاث فيها وعن الحق مالا كل جبار عنيد أراه * ترك الحق وسن الضلالا إننى شار بنفسى لربى * تارك قيلا لديهم وقالا بائع أهلى ومالى أرجو * في جنان الخلد أهلا ومالا قال فبايعه نحو من ثلاثين فشرى بجبل ثم سار حتى أتى المبارك فبلغ ذلك خالدا فقال قد كنت خفتها منه ثم وجه إليه خالد جندا فلقوه بناحية المناذر فقاتلهم قتال شديدا ثم انطووا عليه فقتلوه وقتلوا جميع أصحابه (قال أبو جعفر) وحج بالناس في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك وحج معه ابن شهاب الزهري في هذه السنة وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف محمد بن هشام وعلى العراق والمشرق خالد بن عبد الله القسرى وعامل خالد على خراسان أخوه أسد بن عبد الله وقد قيل إن أخا خالد أسدا هلك في هذه السنة واستخلف عليها جعفر بن حنظلة البهرانى وقيل إن أسدا أخا خالد بن عبد الله إنما هلك في سنة 120 وكان على أرمينية وآذربيجان مروان بن محمد ثم دخلت سنة عشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك غزوة سليمان بن هشام بن عبد الملك الصائفة وافتتاحه فيما ذكر

[ 465 ]

سندرة وغزوة إسحاق بن مسلم العيقلى وافتتاحه قلاع تومانشاه وتخريبه أرضه وغزوة مروان بن محمد أرض الترك (وفيها) كانت وفاة أسد بن عبد الله في قول المدائني ذكر الخبر عن سبب وفاته وكان سبب ذلك أنه كانت به فيما ذكر دبيلة في جوفه فحضر المهرجان وهو ببلخ فقدم عليه الامراء والدهاقين بالهدايا فكان ممن قدم عليه إبراهيم بن عبد الرحمن الحنفي عامله على هراة وخراسان ودهقان هراة فقدما بهدية قومت بألف ألف فكان فيما قدما به قصران قصر من فضة وقصر من ذهب وأباريق من ذهب وأباريق من فضة وصحاف من ذهب وفضة فأقبلا وأسد جالس على السرير وأشراف خراسان على الكراسي فوضعا القصرين ثم وضعا خلفهما الاباريق والصحاف والديباج المروى والقوهى والهروى وغير ذلك حتى امتلا السماط وكان فيما جاء به الدهقان أسدا كرة من ذهب ثم قام الدهقان خطيبا فقال أصلح الله الامير إنا معشر العجم أكلنا الدنيا أربعمائة سنة أكلناها بالحلم والعقل والوقار ليس فينا كتاب ناطق ولا نبى مرسل وكانت الرجال عندنا ثلاثة ميمون النقيبة أينما توجه فتح الله على يده والذى يليه رجل تمت مروته في بيته فإن كان كذلك رحب وحبى وعظيم وقود وقدم ورجل رحب صدره وبسط يده فرجى فإذا كان كذلك قود وقدم وإن الله جعل صفات هؤلاء الثلاثة الذين أكلنا بهم أربعمائة سنة فيك أيها الامير وما نعلم أحدا هو أتم كتخدانية منك إنك ضبطت أهل بيتك وحشمك ومواليك فليس منهم أحد يستطيع أن يتعدى على صغير ولا كبير ولا غنى ولا فقير فهذا تمام الكتخدانية ثم بنيت الايوانات في المفاوز فيجئ الجائى من المشرق والآخر من المغرب فلا يجدان عيبا إلا أن يقولا سبحان الله ما أحسن ما بنى ومن يمن نقيبتك أنك لقيت خاقان وهو في مائة ألف معه الحارث بن سريج فهزمته وفللته وقتلت أصحابه وأبحت عسكره وأما رحب صدرك وبسط يدك فإنا ما ندرى أي المالين أقر لعينك أمال قدم عليك أم مال خرج من عندك بل أنت

[ 466 ]

بما خرج أقر عينا فضحك أسد وقال أنت خير دهاقين خراسان وأحسنهم هدية وناوله تفاحة كانت في يده وسجد له دهقان هراة وأطرق أسد ينظر إلى تلك الهدايا فنظر عن يمينه فقال يا عذافر بن يزيد مر من يحمل هذا القصر الذهب ثم قال يا معن بن أحمر رأس قيس أو قال قنسرين مر بهذا القصر يحمل ثم قال يا فلان خذ إبريقا ويا فلان خذ إبريقا وأعطى الصحاف حتى بقيت صحفتان فقال قم يا ابن الصيداء فخذ صحيفة قال فأخذ واحدة فرزنها فوضعها ثم أخذ الاخرى فرزنها فقال له أسد مالك قال آخذ أرزنهما قال خذهما جميعا وأعطى العرفاء وأصحاب البلاء فقام أبو اليعفور وكان يسير أمام صاحب خراسان في المغازى فنادى هلم إلى الطريق فقال أسد ما أحسن ما ذكرت بنفسك خذ ديباجتين وقام ميمون العذاب فقال إلى إلى يساركم إلى الجادة فقال ما أحسن ما ذكرت نفسك خذ ديباجة قال فأعطى ما كان في السماط كله فقال نهر بن توسعة تفلون إن نادى لروع مثوب * وأنتم غداة المهرجان كثير ثم مرض أسد فأفاق إفاقة فخرج يوما فأتى بكمثرى أول ما جاء فأطعم الناس منه واحدة واحدة وأخذ كمثراء فرمى بها إلى دهقان هراة فانقطعت الدبيلة فهلك واستخلف جعفر البهرانى وهو جعفر بن حنظلة سنة 120 فعمل أربعة أشهر وجاء عهد نصر بن سيار في رجب سنة 121 فقال ابن عرس العبدى نعى أسد بن عبد الله ناع * فريع القلب للملك المطاع ببلخ وافق المقدار يسرى * وما لقضاء ربك من دفاع فجودي عين بالعبرات سحا * ألم يحزنك تفريق الجماع أتاه حمامه في جوف صبغ * وكم بالصبغ من بطل شجاع كتائب قد يجيبون المنادى * على جرد مسومة سراع سقيت الغيث انك كنت غيثا * مريعا عند مرتاد النجاع وقال سليمان بن قتيبة مولى بنى تميم بن مرة وكان صديقا لاسد سقى الله بلخا سهل بلخ وحزنها * ومروى خراسان السحاب المجمما

[ 467 ]

وما بى لتسقاه ولكن حفرة * بها غيبوا شلوا كريما وأعظما مراجم أقوام ومردى عظيمة * وطلاب أوتار عفرنا عثمثما لقد كان يعطى السيف في الروع حقه * ويروى السنان الزاغبى المقوما (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة وجهت شيعة بنى العباس بخراسان إلى محمد ابن على بن العباس سليمان بن كثير ليعلمه أمرهم وما هم عليه ذكر الخبر عن سبب توجيههم سليمان إلى محمد وكان السبب في ذلك موجدة كانت من محمد بن على على من كان بخراسان من شيعته من أجل طاعتهم كانت لخداش الذى ذكرنا خبره قبل وقبولهم منه ما روى عليه من الكذب فترك مكاتبتهم فلما أبطأ عليهم كتابه اجتمعوا فذكروا ذلك بينهم فأجمعوا على الرضا بسليمان بن كثير ليلقاه بأمرهم ويخبره عنهم ويرجع إليهم بما يرد عليه فقدم فيما ذكر سليمان بن كثير على محمد بن على وهو متنكر لمن بخراسان من شيعته فأخبره عنهم فعنفهم في اتباعهم خداشا وما كان دعا إليه وقال لعن الله خداشا ومن كان على دينه ثم صرف سليمان إلى خراسان وكتب إليهم معه كتابا فقدم عليهم ومعه الكتاب مختوما ففضوا خاتمه فلم يجدوا فيه شيئا إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغلظ ذلك عليهم وعلموا أن ما كان خداش أتاهم به لامره مخالف (وفى هذه السنة) وجه محمد بن على بكير بن ماهان إلى شيعته بخراسان بعد منصرف سليمان بن كثير من عنده إليهم وكتب معه إليهم كتابا يعلمهم أن خداشا حمل شيعته على غير منهاجه فقدم عليهم بكير بكتابه فلم يصدقوه واستخفوا به فانصرف بكير إلى محمد بن على فبعث معه بعصى مضببة بعضها بالحديد وبعضها بالشبه فقدم بها بكير وجمع النقباء والشيعة ودفع إلى كل رجل منهم عصا فعلموا أنهم مخالفون لسيرته فرجعوا وتابوا (وفى هذه السنة) عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله عن أعماله التى كان ولاه إياها كلها ذكر سبب عزل هشام خالدا قد قيل في ذلك أقوال نذكر ما حضرنا من ذلك ذكره فمما قيل في ذلك إن

[ 468 ]

فروخ أبا المثنى كان قد تقبل من ضياع هشام بن عبد الملك بموضع يقال له رستاق الرمان أو نهر الرمان وكان يدعى بذلك فروخ الرماني فثقل مكانه على خالد فقال خالد لحسان النبطي ويحك اخرج إلى أمير المؤمنين فزد على فروخ فخرج فزاد عليه ألف ألف درهم فبعث هشام رجلين من صلحاء أهل الشأم فحازى الضياع فصار حسان أثقل على خالد من فروخ فجعل يضر به فيقول له حسان لا تفسدني وأنا صنيعتك فأبى إلا الاضرار به فلما قدم عليه بثق البثوق على الضياع ثم خرج إلى هشام فقال إن خالدا بثق البثوق على ضياعك فوجه هشام رجلا فنظر إليها ثم رجعل إلى هشام فأخبره فقال حسان لخادم من خدم هشام إن تكلمت بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام فلك عندي ألف دينار قال فعجل لى الالف وأقول ما شئت قال فعجلها له وقال له بك صبيا من صبيان هشام فإذا بكى فقل له اسكت والله لكأنك ابن خالد القسرى الذى غلته ثلاثة عشر ألف ألف فسمعها هشام فأغضي عليها ثم دخل عليه حسان بعد ذلك فقال له هشام ادن منى فدنا منه فقال كم غلة خالد قال ثلاثة عشر ألف ألف قال فكيف لم تخبرني بهذا قال وهل سألتنى فوقرت في نفس هشام فأزمع على عزله وقيل كان خالد يقول لابنه يزيد ما أنت بدون مسلمة بن هشام فإنك لتفخر على الناس بثلاث لا يفخر بمثلها أحد سكرت دجلة ولم يتكلف ذلك أحد ولى سقاية بمكة ولى ولاية العراق وقيل إنما أغضب هشاما على خالد أن رجلا من قريش دخل على خالد فاستخف به وعضه بلسانه فكتب إلى هشام يشكوه فكتب هشام إلى خالد أما بعد فإن أمير المؤمنين وإن كان أطلق لك يدك ورأيك فيمن استرعاك أمره واستحفظك عليه للذى رجا من كفايتك ووثق به من حسن تدبيرك لم يفترشك عرة أهل بيته لتطأه بقدمك ولا تحد إليه بصرك فكيف بك وقد بسطت على غرتهم بالعراق لسانك بالتوبيخ تريد بذلك تصغير خطره واحتقار قدره زعمت بالنصفة منه حتى اخرجك ذلك إلى الاغلاظ في اللفظ عليه في مجلس العامة غير متحلحل له حين رأيته مقبلا من صدر مهادك الذى مهد له الله وفى قومك من يعلوك بحسبه ويغمرك بأوليته

[ 469 ]

فنلت مهادك بما رفع به آل عمرو من ضعتك خاصة مساوين بك فروع غرر القبائل وقرومها قبل أمير المؤمنين حتى حللت هضبة أصبحت تنحوبها عليهم مفتخرا هذا ان لم يدهده بك قلة شكرك متحطما وقيذا فهلا يا ابن مجرشة قومك أعظمت رجلهم عليك داخلا ووسعت مجلسه إذ رأيته اليك مقبلا وتجافيت له عن صدر فراشك مكرما ثم فاوضته مقبلا عليه ببشرك اكراما لأمير المؤمنين فإذا اطمأن به مجلسه نازعته بحيى السرار معظما لقرابته عارفا لحقه فهو سن البيتين ونابهم وابن شيخ آل أبى العاص وحرب وغرتهم وبالله يقسم أمير المؤمنين لك لولا ما تقدم من حرمتك وما يكره من شماتة عدوك بك لوضع منك ما رفع حتى يردك إلى حال تفقد بها أهل الحوائج بعراقك وتزاحم المواكب ببابك وما أقربنى من أن أجعلك تابعا لمن كان لك تبعا فانهض على أي حال ألقاك رسول أمير المؤمنين وكتابه من ليل أو نهار ماشيا على قدمك بمن معك من خولك حتى تقف على باب ابن عمرو صاغرا مستأذنا عليه متنصلا إليه أذن لك أو منعك فإن حركته عواطف رحمة احتملك وان احتملته أنفة وحمية من دخولك عليه فقف ببابه حولا غير متحلحل ولا زائل ثم أمرك بعد إليه عزل أو ولى انتصر أو عفا فلعنك الله من متكل عليه بالثقة ما أكثر هفواتك وأقذع لاهل السرف ألفاظك التى لا تزال تبلغ أمير المؤمنين من إقدامك بها على من هو أولى بما أنت فيه من ولاية مصرى العراق وأقدم وأقوم وقد كتب أمير المؤمنين إلى ابن عمه بما كتب به اليك من إنكاره عليك ليرى في العفو عنك والسخط عليك رأيه مفوضا ذلك إليه مبسوطة فيه يده محمودا عند أمير المؤمنين على أيهما آتى اليك موفقا إن شاء الله تعالى وكتابه إلى ابن عمرو أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك وفهم ما ذكرت من بسط خالد عليك لسانه في مجلس العامة محتقرا لقدرك مستصغرا لقرابتك من أمير المؤمنين وعواطف رحمه عليك وإمساكك عنه تعظيما لامير المؤمنين وسلطانه وتمسكا بوثائق عصم طاعته مع مؤلم ما تداخلك من قبائح ألفاظه وشرارة منطقه وإكثابه عليك عند إطراقك عنه مرويا فيما أطلق أمير المؤمنين من لسانه وأطال من عنانه

[ 470 ]

ورفع من ضعته ونوه من خموله وكذلك أنتم آل سعيد في مثلها عند هذر الذنابى وطائشة أحلامها صمت من غير إفحام بل بأحلام تحف بالجبال وزنا وقد حمد أمير المؤمنين تعظيمك إياه وتوقيرك سلطانه وشكره وقد جعل أمر خالد اليك في عزلك إياه أو إقراره فان عزلته أمضى عزلك إياه وإن أقررته فتلك منة لك عليه لا يشكرك أمير المؤمنين فيها وقد كتب إليه أمير المؤمنين بما يطرد عنه سنة الهاجع عند وصوله إليه يأمره بإتيانك راجلا على أية حال صادفه كتاب أمير المؤمنين وألفاه رسوله الموجه إليه من ليله أو نهاره حتى يقف ببابك أذنت له أو حجبته أقررته أو عزلته وتقدم أمير المؤمنين إلى رسوله في ضربه بين يديك على رأسه عشرين سوطا إلا أن تكره أن يناله ذلك بسببك لحرمة خدمته فأيهما رأيت امضاءه كان لامير المؤمنين في برك وعظم حرمتك وقرابتك وصلة رحمك موافقا وإليه حبيبا فيما ينوى من قضاء حق آل أبى العاص وسعيد فكاتب أمير المؤمنين فيما بدالك مبتدئا ومجيبا ومحادثا وطالبا ما عسى أن ينزل بك أهلك من أهل بيت أمير المؤمنين من حوائجهم التى تقعد بهم الحشمة عن تناولها من قبله لبعد دارهم عنه وقلة امكان الخروج لانزالها به غير محتشم من أمير المؤمنين ولا مستوحش من تكرارها عليه على قدر قرابتهم وأديانهم وأنسابهم مستمنحا ومسترفدا وطالبا مستزيدا تجد أمير المؤمنين اليك سريعا بالبر لما يحاول من صلة قرابتهم وقضاء حقوقهم وبالله يستعين أمير المؤمنين على ما ينوى واليه يرغب في العون على قضاء حق قرابته وعليه يتوكل وبه يثق والله وليه ومولاه والسلام وقيل إن خالدا كان كثيرا ما يذكر هشاما فيقول ابن الحمقاء وكانت أم هشام تستحمق وقد ذكرنا خبرها قبل وذكر أنه كتب إلى هشام كتابا غاظه فكتب إليه هشام يا ابن أم خالد قد بلغني أنك تقول ما ولاية العراق لى بشرف فيا ابن اللخناء كيف لا يكون إمرة العراق لك شرفا وأنت من بجيلة القليلة الذليلة أم والله إنى لاظن أن أول من يأتيك صغير من قريش يشد يديك إلى عنقك وذكر أن هشاما كتب إليه قد بلغني قولك أنا خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز ما أنا بأشرف الخمسة أم والله لاردنك إلى بغلتك وطيلسانك الفيروزي

[ 471 ]

وذكر أن هشاما بلغه أنه يقول لابنه كيف أنت إذا احتاج اليك بنو أمير المؤمنين فظهر الغضب في وجهه وقيل إن هشاما قدم عليه رجل من أهل الشأم فقال إنى سمعت خالدا ذكر أمير المؤمنين بما لا ينطلق به الشفتان قال قال الاحول قال لا بل قال أشد من ذلك قال فما هو قال لا أقوله أبدا فلم يزل يبلغه عنه ما يكره حتى تغير له وذكر أن دهقانا دخل على خالد فقال أيها الامير إن غلة ابنك قد زادت على عشرة آلاف ألف ولا آمن أن يبلغ هذا أمير المؤمنين فيستكثره وإن الناس يحبون جسدك وأنا أحب جسدك وروحك قال إن أسد بن عبد الله قد كلمني بمثل هذا فأنت أمرته قال نعم قال ويحك دع ابني فلربما طلب الدرهم فلم يقدر عليه ثم عزم هشام لما كثر عليه ما يتصل به عن خالد من الامور التى كان يكرهها على عزله فلما عزم على ذلك أخفى ما قد عزم له عليه من أمره ذكر الخبر عن عمل هشام في عزل خالد حين صح عزمه على عزله ذكر عمر أن عبيد بن جناد حدثه أنه سمع أباه وبعض الكتبة يذكر أن هشاما أخفى عزل خالد وكتب إلى يوسف بخطه وهو على اليمن أن يقبل في ثلاثين من أصحابه فخرج يوسف حتى صار إلى الكوفة فعس قريبا منها وقد ختن طارق خليفة خالد على الخراج ولده فأهدى له ألف عتيق وألف وصيف وألف وصيفة سوى الاموال والثياب وغير ذلك فمر العاس بيوسف وأصحابه ويوسف يصلى ورائحة الطيب تنفح من ثيابه فقال ما أنتم قالوا أسفار قال فأين تريدون قالوا بعض المواضع فأتوا طارقا وأصحابه فقالوا إنا رأينا قوما أنكرناهم والرأى أن نقتلهم فإن كانوا خوارج استرحنا منهم وإن كانوا يريدونكم عرفتم ذلك فاستعددتم على أمرهم فنهوهم عن قتلهم فطافوا فلما كان في السحر وقد انتقل يوسف وصار إلى دور ثقيف فمر بهم العاس فقال ما أنتم فقالوا أسفار قال فأين تريدون قالوا بعض المواضع فأتوا طارقا وأصحابه فقالوا قد صاروا إلى دور ثقيف والرأى أن نقتلهم فمنعوهم وأمر يوسف بعض الثقفيين فقال اجمع لى من بها من مضر ففعل فدخل المسجد مع الفجر فأمر المؤذن بالاقامة فقال حتى يأتي الامام فانتهره فأقام وتقدم يوسف

[ 472 ]

فقرأ إذا وقعت الواقعة وسأل سائل ثم أرسل إلى خالد وطارق وأصحابهما ؟ ؟ فأخذوا وإن القدور لتغلى قال عمر قال على بن محمد قال قال الربيع بن سابور مولى بنى الحريش وكان هشام جعل إليه الخاتم مع الحرس أتى هشاما كتاب خالد غاظه وقدم عليه في ذلك اليوم جندب مولى يوسف بن عمر بكتاب يوسف فقرأه ثم قال لسالم مولى عنبسة بن عبد الملك أجبه عن لسانك وكتب هو بخطه كتابا صغيرا ثم قال لى ائتنى بكتاب سالم وكان سالم على الديوان فأتيته به فأدرج فيه الكتاب الصغير ثم قال لى اختمه ففعلت ثم دعا برسول يوسف فقال إن صاحبك لمتعد طوره ويسأل فوق قدره ثم قال لى مزق ثيابه ثم أمر به فضرب أسواطا فقال اخرجه عنى وادفع إليه كتابه فدفعت إليه الكتاب وقلت له ويلك النجاء فارتاب بشير بن أبى ثلجة من أهل الاردن وكان خليفة سالم وقال هذه حيلة وقد ولى يوسف العراق فكتب إلى عامل لسالم على أجمة سالم يقال له عياض ان أهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني فإذا أتاك فالبسه واحمد الله وأعلم ذلك طارقا فبعث عياض إلى طارق بن أبى زياد بالكتاب وندم بشير على كتابه وكتب إلى عياض إن أهلك قد بدا لهم في إمساك الثوب فلا تتكل عليه فجاء عياض بالكتاب الآخر إلى طارق فقال طارق الخبر في الكتاب الاول ولكن صاحبك ندم وخاف أن يظهر الخبر فكتب بهذا وركب طارق من الكوفة إلى خالد وهو بواسط فسار يوما وليلة فصبحهم فرآه داود البربري وكان على حجابه خالد وحرسه وعلى ديوان الرسائل فأعلم خالدا فغضب وقال قدم بغير إذن فأذن له فلما رآه قال ما أقدمك قال أمر كنت أخطأت فيه قال وما هو قال وفاة أسد رحمه الله كتبت إلى الامير أعزيه عنه وإنما كان ينبغى لى أن آتيه ماشيا فرق خالد ودمعت عينه وقال ارجع إلى عملك قال أردت أن أذكر للامير أمرا أسره قال ما دون داود سر قال أمر من أمرى فغضب داود وخرج وأخبر طارق خالدا قال فما الرأى قال تركب إلى أمير المؤمنين فتعتذر إليه من شئ إن كان بلغه عنك قال فبئس الرجل أنا إذا إن ركبت إليه بغير إذنه قال فشئ آخر قال وما هو قال

[ 473 ]

تسير في عملك وأتقدمك إلى الشأم فأستأذنه لك فانك لا تبلغ أقصى عملك حتى يأتيك إذنه قال ولا هذا قال فأذهب فأضمن لامير المؤمنين جميع ما انكسر في هذه السنين وآتيك بعهدك مستقبلا قال وما يبلغ ذاك قال مائة ألف ألف قال ومن أين آخذ هذا والله ما أجد عشرة آلاف درهم قال أتحمل أنا وسعيد بن راشد أربعين ألف ألف درهم والزينبى وأبان بن الوليد عشرين ألف ألف وتفرق الباقي على العمال قال إنى إذا للئيم إن كنت سوغت قوما شيئا ثم أرجع فيه فقال طارق إنما نقيك ونقى أنفسنا بأموالنا ونستأنف الدنيا وتبقى النعمة عليك وعلينا خير من أن يجئ من يطالبنا بالاموال وهى عند تجار أهل الكوفة فيتقاعسون ويتربصون بنا فنقتل ويأكلون تلك الاموال فأبى خالد فودعه طارق وبكى وقال هذا آخر ما نلتقي في الدنيا ومضى ودخل داود فأخبره خالد بقول طارق فقال قد علم أنك لا تخرج بغير إذن فأراد أن يختلك ويأتى الشأم فيتقبل بالعراق هو وابن أخيه سعيد بن راشد فرجع طارق إلى الكوفة وخرج خالد إلى الحمة قال وقدم رسول يوسف عليه اليمن فقال له ما وراءك قال الشر أمير المؤمنين ساخط وقد ضربني ولم يكتب جواب كتابك وهذا كتاب سالم صاحب الديوان ففض الكتاب فقرأه فلما انتهى إلى آخره قرأ كتاب هشام بخطه أن سر إلى العراق فقد وليتك إياه وإياك أن يعلم بذاك أحد وخذ ابن النصرانية وعماله فأشفنى منهم فقال يوسف انظروا دليلا عالما بالطريق فأتى بعدة فاختار منهم رجلا وسار من يومه واستخلف على اليمن ابنه الصلت فشيعه فلما أراد أن ينصرف سأله أين تريد فضربه مائة سوط وقال يا ابن اللخناء أيخفى عليك إذا استقر بى منزل فسار فكان إذا أتى إلى طريقين سأل فإذا قيل هذا إلى العراق قال أعرق حتى أتى الكوفة قال عمر قال على عن بشر بن عيسى عن أبيه قال قال حسان النبطي هيأت لهشام طيبا فإنى لبين يديه وهو ينظر إلى ذلك الطيب إذ قال لى باحسان في كم يقدم القادم من العراق إلى اليمن قال قلت لا أدرى فقال أمرتك أمرا حازما فعصيتني * فأصبحت مسلوب الامارة نادما

[ 474 ]

قال فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء كتاب يوسف من العراق قد قدمها وذلك في جمادى الآخرة سنة 120 قال عمر قال على قال سالم زنبيل لما صرنا إلى النجف قال لى يوسف انطلق فأتني بطارق فلم أستطع أن آبى عليه وقلت في نفسي من لى بطارق في سلطانه ثم أتيت الكومة فقلت لغلمان طارق استأذنوا لى على طارق فضربوني فصحت له ويلك يا طارق أنا سالم رسول يوسف وقد قدم على العراق فخرج فصاح بالغلمان وقال أنا آتيه قال وروى أن يوسف قال لكيسان انطلق فأتني بطارق فإن كان قد أقبل فاحمله على اكاف وإن لم يكن أقبل فأت به سحبا قال فأتيت بالحيرة دار عبد المسيح وهو سيد أهل الحيرة فقلت له إن يوسف قد قدم على العراق وهو يأمرك أن تشد طارقا وتأتيه به فخرج هو وولده وغلمانه حتى أتوا منزل طارق وكان لطارق غلام شجاع معه غلمان شجعاء لهم سلاح وعدة فقال لطارق إن أذنت لى خرجت إلى هؤلاء فيمن معى فقتلتهم ثم طرت على وجهك فذهبت حيث شئت قال فأذن لكيسان فقال أخبرني عن الامير يريد المال قال نعم قال فأنا أعطيه ما سأل وأقبلوا إلى يوسف فتوافوا بالحيرة فلما عاينه ضربه ضربا مبرحا يقال خمسمائة سوط ودخل الكوفة وأرسل عطاء ابن مقدم خالد بالحمة قال عطاء فأتيت الحاجب فقلت استأذن لى على أبى الهيثم فدخل وهو متغير الوجه فقال له خالد مالك قال خير قال ما عندك خير قال عطاء ابن مقدم قال استأذن لى على أبى الهيثم فقال ائذن له فدخلت فقال ويل أمها سخطة قال فلم أستقر حتى دخل الحكم بن الصلت فقعد معه فقال له خالد ما كان ليلى على أحد هو أحب إلى منكم وخطب يوسف بالكوفة فقال إن أمير المؤمنين أمرنى بأخذ عمال ابن النصرانية وأن أشفيه منهم وسأفعل وأزيد والله يا أهل العراق ولا قتلن منافقيكم بالسيف وجناتكم بالعذاب وفساقكم ثم نزل ومضى إلى واسط وأتى بخالد وهو بواسط قال عمر قال حدثنى الحكم ابن النضر قال سمعت أبا عبيدة يقول لما حبس يوسف خالدا صالحه عنه أبان ابن الوليد وأصحابه على تسعة آلاف ألف درهم ثم ندم يوسف وقيل له لو لم تفعل

[ 475 ]

لاخذت منه مائة ألف ألف درهم قال ما كنت لا رجع وقد رهنت لساني بشئ وأخبر أصحاب خالد خالدا فقال قد أسأتم حين أعطيتموه عند أول وهلة تسعة آلاف ألف ما آمن أن يأخذها ثم يعود عليكم فارجعوا فجاءوا فقالوا إنا قد أخبرنا خالدا فلم يرض بما ضمنا وأخبرنا أن المال لا يمكنه فقال أنتم أعلم وصاحبكم فأما أنا فلا أرجع عليكم فان رجعتم لم أمنعكم قالوا فإنا قد رجعنا قال وقد فعلتم قالوا نعم قال فمنكم أتى النقض فوالله لا أرضى بتسعة آلاف ألف ولا مثلها ولا مثليها فأخذ أكثر من ذلك وقد قيل إنه أخذ مائة ألف ألف * وذكر الهيثم بن عدى عن ابن عياش أن هشاما أزمع على عزل خالد وكان سبب ذلك أنه اعتقد بالعراق أموالا وحفر أنهارا حتى بلغت غلته ألف ألف منها نهر خالد وكان يغل خمسة آلاف ألف وباجوى وبارمانا والمبارك والجامع وكورة سابور والصلح وكان كثيرا ما يقول اننى والله مظلوم ما تحت قدمى من شئ إلا وهو لى يعنى أن عمر جعل لبجيلة ربع السواد قال الهيثم بن عدى أخبرني الحسن بن عمارة عن العريان ابن الهيثم قال كنت كثيرا ما أقول لاصحابي إن أحسب هذا الرجل قد تخلى منه إن قريشا لا تحتمل هذا ونحوه وهم أهل حسد وهذا يظهر ما يظهر فقلت له يوما أيها الامير إن الناس قد رموك بأبصارهم وهى قريش وليس بينك وبينها إل وهم يجدون منك بدا وأنت لا تجد منهم بدا فأنشدك الله الا ما كتبت إلى هشام تخبره عن أموالك وتعرض عليه منها ما أحب فما أقدرك على أن تتخذ مثلها وهو لا يستفسدك وإن كان حريصا على ذلك فلعمري لان يذهب بعض ويبقى بعض خير من أن تذهب كلها وما كان يستحسن فيما بينك وبينه أن يأخذها كلها ولا آمن أن يأتيه باغ أو حاسد فيقبل منه فلان تعطيه طائعا خير من أن تعطيه كارها فقال ما أنت بمتهم ولا يكون ذلك أبدا قال فقلت أطعنى واجعلني رسولك فو الله لا يحل عقدة إلا شددتها ولا يشد عقدة إلا حللتها قال انا والله لا نعطى على الذل قال قلت هل كانت لك هذه الضياع إلا في سلطانه وهل تستطيع الامتناع منه إن أخذها قال لا قلت فبادره فانه يحفظها لك ويشكرك عليها ولو لم تكن

[ 476 ]

له عندك يد إلا ما ابتدأك به كنت جديرا أن تحفظه قال لا والله لا يكون ذلك أبدا قال قلت فما كنت صانعا إذا عزلك وأخذ ضياعك فاصنعه فان اخوته وولده وأهل بيته قد سبقوا لك وأكثروا عليه فيك ولك صنائع تعود عليهم بما بدالك ثم استدرك استتمام ما كان منك إلى صنائعك من هشام قال قد أبصرت ما تقول وليس إلى ذلك سبل وكان العريان يقول كأنكم به قد عزل وأخذ ماله وتجنى عليه ثم لا ينتفع بشئ قال فكان كذلك قال الهيثم وحدثني ابن عياش أن بلال بن أبى بردة كتب إلى خالد وهو عامله على البصرة حين بلغه تعتب هشام عليه أنه حدث أمر لا أجد بدا من مشافهتك فيه فان رأيت أن تأذن لى فانما هي ليلة ويومها اليك ويوم عندك وليلة ويومها منصرفا فكتب إليه أن أقبل إذا شئت فركب هو وموليان له الجمازات فسار يوما وليلة ثم صلى المغرب بالكوفة وهى ثمانون فرسخا فأخبر خالد بمكانه فأتاه وقد تعصب فقال أبا عمرو أتعبت نفسك قال أجل قال متى عهدك بالبصرة قال أمس قال أحق ما تقول قال هو والله ما قلت قال فما أنصبك قال ما بلغني من تعتب أمير المؤمنين وقوله وما بغاك به ولده وأهل بيته فان رأيت أتعرض له وأعرض عليه بعض أموالنا ثم ندعوه منها إلى ما أحب وأنفسنا به طيبة ثم أعرض عليه مالك فما أخذ منه فعلينا العوض منه بعد قال ما أتهمك وحتى أنظر قال إنى أخاف أن تعاجل قال كلا قال إن قريشا من قد عرفت ولا سيما سرعتهم إليك قال يا بلال إنى والله ما أعطى شيئا قسرا أبدا قال أيها الامير أتكلم قال نعم قال إن هشاما أعذر منك يقول استعملتك وليس لك شئ فلم ترمن الحق عليك أن تعرض على بعض ما صار اليك وأخاف أن يزين له حسان النبطي مالا تستطيع إدراكه فاغتنم هذه الفترة قال أنا ناظر في ذلك فانصرف راشدا فانصرف بلال وهو يقول كأنكم بهذا الرجل قد بعث إليه رجل بعيد أتى به حمز بغيض النفس سخيف الدين قليل الحياء يأخذه بالاحن والترات فكان كما قال قال ابن عياش وكان بلال قد اتخذ دارا بالكوفة وانما استأذن خالدا لينظر إلى داره فما نزلها الا مقيدا ثم جعلت سجنا إلى اليوم قال ابن عياش كان خالد

[ 477 ]

يخطب فيقول إنكم زعمتم أنى أغلى أسعاركم فعلى من يغليها لعنة الله وكان هشام كتب إلى خالد لا تبيعن من الغلات شيئا حتى تباع غلات أمير المؤمنين حتى بلغت كيلجة درهما (قال الهيثم) عن ابن عياش كانت ولاية خالد في شوال سنة 105 ثم عزل في جمادى الاولى سنة 120 (وفى هذه السنة) قدم يوسف بن عمر العراق واليا عليها وقد ذكرت قبل سبب ولايته عليها (وفى هذه السنة) ولى خراسان يوسف بن عمر جديع بن على الكرماني وعزل جعفر بن حنظلة * وقيل إن يوسف لما قدم العراق أراد أن يولى خراسان سلم بن قتيبة فكتب بذلك إلى هشام ويستأذنه فيه فكتب إليه هشام إن سلم بن قتيبة رجل ليس له بخراسان عشيرة ولو كان له بها عشيرة لم يقتل بها أبوه وقيل إن يوسف كتب إلى الكرماني بولاية خراسان مع رجل من بنى سليم وهو بمرو فخرج إلى الناس يخطبهم فحمد الله وأثنى عليه وذكر أسدا وقدومه خراسان وما كانوا فيه من الجهد والفتنة وما صنع لهم على يديه ثم ذكر أخاه خالدا بالجميل وأثنى عليه وذكر قدوم يوسف العراق وحث الناس على الطاعة ولزوم الجماعة ثم قال غفر الله للميت يعنى أسدا وعافى الله المعزول وبارك للقادم ثم نزل (وفى هذه السنة) عزل الكرماني عن خراسان ووليها نصر بن سيار بن ليث بن رافع بن ؟ ؟ ربيعة بن جرى بن عوف بن عامر بن جندع بن ليث بن بكر ابن عبد مناة بن كنانة وأمه زينب بنت حسان من بنى تغلب ذكر الخبر عن سبب ولاية نصر بن سيار خراسان ذكر على بن محمد عن شيوخه أن وفاة أسد بن عبد الله لما انتهت إلى هشام ابن عبد الملك استشار أصحابه في رجل يصلح لخراسان فأشاروا عليه بأقوام وكتبوا له أسماءهم فكان ممن كتب له عثمان بن عبد الله بن الشخير ويحيى بن حضين ابن المنذر الرقاشى ونصر بن سيار الليثى وقطن بن قتيبة بن مسلم والمجشر بن مزاحم السلمى أحد بنى حرام فأما عثمان بن عبد الله بن الشخير فقيل له إنه صاحب شراب وقيل له المجشر شيخ هرم وقيل له ابن حضين رجل فيه تيه وعظمة وقيل له قطن بن قتيبة موتور فاختار نصر بن سيار فقيل له ليست له بها عشيرة فقال

[ 478 ]

هشام أنا عشيرته فولاه وبعث بعهده مع عبد الكريم بن سليط بن عقبة الهفانى هفان بن عدى بن حفية فأقبل عبد الكريم بعهده ومعه أبو المهند كاتبه مولى بنى حنيفة فلما قدم سرخس ولا يعلم به أحد وعلى سرخس حفص بن عمر بن عباد التيمى أخو تميم بن عمر فأخبره أبو المهند فوجه حفص رسولا فحمله إلى نصر ونفذ ابن سليط إلى مرو فأخبر أبو المهند الكرماني فوجه الكرماني نصر بن حبيب بن بحر بن ماسك بن عمر الكرماني إلى نصر بن سيار فسبق رسول حفص إلى نصر بن سيار فكان أول من سلم عليه بالامرة فقال له نصر لعلك شاعر مكار فدفع إليه الكتاب وكان جعفر بن حنظلة ولى عمرو بن مسلم مرو وعزل الكرماني وولى منصور بن عمرو أبرشهر وولى نصر بن سيار بخارى فقال جعفر بن حنظلة دعوت نصرا قبل أن يأتيه عهده بأيام فعرضت عليه أن أوليه بخارى فشاور البخترى بن مجاهد فقال له البخترى وهو مولى بنى شيبان لا تقبلها قال ولم قال لانك شيخ مضر بخراسان فكأنك بعهدك قد جاء على خراسان كلها فلما أتاه عهده بعث إلى البخترى لاصحابه قد ولى نصر بن سيار خراسان فلما أتاه سلم عليه بالامرة فقال له إنى علمت قال لما بعثت إلى وكنت قبل ذلك تأتيني علمت أنك قد وليت قال وقد قيل إن هشاما قال لعبد الكريم حين أتاه خبر أسد بن عبد الله بموته من ترى أن نولي خراسان فقد بلغني أن لك بها وبأهلها علما قال عبد الكريم قلت يا أمير المؤمنين أما رجل خراسان حزما ونجدة فالكرماني فأعرض بوجهه وقال ما اسمه قلت جديع بن على قال لا حاجة لى فيه وتطير وقال سم لى غيره قلت اللسن المجرب يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني أبو الميلاء قال ربيعة لا تسد بها الثغور قال عبد الكريم فقلت في نفسي كره ربيعة واليمن فأرميه بمضر فقلت عقيل بن معقل الليثى إن اغتفرت هنة قال ما هي قلت ليس بالعفيف قال لا حاجة لى به قلت منصور بن أبى الخرقاء السلمى إن اغتفرت نكرة فانه مشؤم قال غيره قلت المجشر بن مزاحم السلمى عاقل شجاع له رأى مع كذب فيه قال لا خير في الكذب قلت يحيى بن حضين قال ألم أخبرك أن ربيعة لا تسد بها الثغور قال فكان إذا

[ 479 ]

ذكرت له ربيعة واليمن أعرض قال عبد الكريم وأخرت نصرا وهو أرجل القوم وأحزمهم وأعلمهم بالسياسة فقلت نصر بن سيار الليثى قال هو لها قلت إن اغتفرت واحدة فإنه عفيف مجرب عاقل قال ما هي قلت عشيرته بها قليلة قال لا أبالك أتريد عشيرة أكثر منى أنا عشيرته وقال آخرون لما قدم يوسف بن عمر العراق قال أشيروا على برجل أوليه خراسان فأشاروا عليه بمسلمة بن سليمان بن عبد الله بن خازم وقديد بن منيع المنقرى ونصر بن سيار وعمرو بن مسلم ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم ومنصور بن أبى الخرقاء وسلم بن قتيبة ويونس بن عبد ربه وزياد بن عبد الرحمن القشيرى فكتب يوسف بأسمائهم إلى هشام وأطرى القيسية وجعل آخر من كتب اسمه نصر بن سيار الكنانى فقال هشام ما بال الكنانى آخرهم وكان في كتاب يوسف إليه يا أمير المؤمنين نصر بخراسان قليل العشيرة فكتب إليه هشام قد فهمت كتابك وإطراءك القيسية وذكرت نصرا وقلة عشيرته فكيف يقل من أنا عشيرته ولكنك تقيست على وأنا متخندف عليك ابعث بعهد نصر فلم يقل من عشيرته أمير المؤمنين بله ما إن تميما أكثر أهل خراسان فكتب إلى نصر أن يكاتب يوسف بن عمر وبعث يوسف سلما وافدا إلى هشام وأثنى عليه فلم يوله ثم أوفد شريك بن عبد ربه النميري وأثنى عليه ليوليه خراسان فأبى عليه هشام قال وأوفد نصر من خراسان الحكم بن يزيد بن عمير الاسدي إلى هشام وأثنى عليه نصر فضربه يوسف ومنعه من الخروج إلى خراسان فلما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة استعمل الحكم بن يزيد على كرمان وبعث بعهد نصر مع عبد الكريم الحنفي ومعه كاتبه أبو المهند مولى بنى حنيفة فلما أتى سرخس وقع الثلج فأقام ونزل على حفص بن عمر بن عباد التيمى فقال له قدمت بعهد نصر على خراسان قال وهو عامل يومئذ على سرخس فدعا حفص غلامه فحمله على فرس وأعطاه مالا وقال له طر واقتل الفرس فإن قام عليك فاشتر غيره حتى تأتى نصرا قال فخرج الغلام حتى قدم على نصر ببلخ فيجده في السوق فدفع إليه الكتاب فقال أتدرى ما في هذا الكتاب قال لا فأمسكه بيده وأتى منزله فقال الناس

[ 480 ]

أتى نصرا عهده على خراسان فأتاه قوم من خاصته فسألوه فقال ما جاءني شئ فمكث يومه فدخل عليه من الغد أبو حفص بن على أحد بنى حنظلة وهو صهره وكانت ابنته تحت نصر وكان أهوج كثير المال فقال له إن الناس قد خاضوا وأكثروا في ولايتك فهل جاءك شئ فقال ما جاءني شئ فقام ليخرج فقال مكانك وأقرأه الكتاب فقال ما كان حفص ليكتب إليك إلا بحق قال فبينا هو يكلمه إذ استأذن عليه عبد الكريم فدفع إليه عهده فوصله بعشرة آلاف درهم ثم استعمل نصر على بلخ مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم واستعمل وشاح ابن بكير بن وشاح على مرو الروذ والحارث بن عبد الله بن الحشرج على هراة وزياد ابن عبد الرحمن القشيرى على أبرشهر وأبا حفص بن على ختنه على خوارزم وقطن ابن قتيبة على السغد فقال رجل من أهل الشأم من اليمانية ما رأيت عصبية مثل هذه قال بلى التى كانت قبل هذه فلم يستعمل أربع سنين إلا مضريا وعمرت خراسان عمارة لم تعمر قبل ذلك مثلها ووضع الخراج وأحسن الولاية والجباية فقال سوار بن الاشعر أضحت خراسان بعد الخوف آمنة * من ظلم كل غشوم الحكم جبار لما أتى يوسفا أخبار ما لقيت * إختار نصرا لها نصر بن سيار وقال نصر بن سيار فيمن كره ولايته تعز عن الصبابة لا تلام * كذلك لا يلم بك احتمام أإن سخطت كبيرة بعد قرب * كلفت بها وباشرك السقام ترحى اليوم ما وعدت حديثا * وقد كذبت مواعدها الكرام ألم تر أن ما صنع الغوانى * عسير لا يريغ به الكلام أبت لى طاعتي وأبى بلائى * وفوزي حين يعترك الخصام وإنا لا نضييع لنا ملما * ولا حسبا إذا ضاع الذمام ولا نغضى على غدر وإنا * نقيم على الوفاء فلا نلام

[ 481 ]

خليفتنا الذى فازت يداه * بقدح الحمد والملك الهمام نسوسهم به ولنا عليهم * إذا قلنا مكارمه جسام أبو العاصى أبو ؟ ؟ وعبد شمس * وحرب والقماقمة الكرام ومروان أبو الخلفاء عال * عليه المجد فهو لهم نظام وبيت خليفة الرحمن فينا * وبيتاه المقدس والحرام ونحن الاكرمون إذا نسبنا * وعرنين البرية والسنام فأمسينا لنا من كل حى * خراطيم البرية والزمام لنا أيد نريش بها ونبرى * وأيد في بوادرها السمام وبأس في الكريهة حين نلقى * إذا كان النذير بها الحسام قال وأتى نصرا عهده في رجب من سنة 120 وقال له البخترى اقرأ عهدك واخطب الناس فخطب الناس فقال في خطبته استمسكوا أصحابنا بجدتكم فقد عرفنا خيركم وشركم (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن اسماعيل كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وقد قيل إن الذى حج بهم فيها سليمان بن هشام وقيل حج بهم يزيد بن هشام وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف محمد بن هشام وعلى العراق والمشرق كله يوسف بن عمر وعلى خراسان نصر بن سيار وقيل جعفر بن حنظلة وعلى البصرة كثير بن عبد الله السلمى من قبل يوسف بن عمر وعلى قضائها عامر بن عبيدة الباهلى وعلى أرمينية وآذربيجان مروان بن محمد وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك غزوة مسلمة بن هشام بن عبد الملك الروم فافتتح بها مطامير وغزوة مروان بن محمد بلاد صاحب سرير الذهب فافتتح قلاعه وخرب أرضه وأذعن له بالجزية في كل سنة ألف رأس يؤديه إليه وأخذ منه بذلك الرهن وملكه مروان

[ 482 ]

على أرضه (وفيها) ولد العباس بن محمد (وفيها) قتل زيد بن على بن حسين بن على بن أبى طالب في قول الواقدي في صفر وأما هشام بن محمد فإنه زعم أنه قتل في سنة 122 في صفر منها ذكر الخبر عن سبب مقتله وأموره وسبب مخرجه اختلف في سبب خروجه فأما الهيثم بن عدى فإنه قال فيما ذكر عنه عن عبد الله بن عياش قال قدم زيد بن على ومحمد بن عمر بن على بن أبى طالب وداود ابن على بن عبد الله بن عباس على خالد بن عبد الله وهو على العراق فأجازهم ورجعوا إلى المدينة فلما ولى يوسف بن عمر كتب إلى هشام بأسمائهم وبما أجازهم به وكتب يذكر أن خالدا ابتاع من زيد بن على أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار ثم رد الارض عليه فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسرحهم إليه ففعل فسألهم هشام فأقروا بالجائزة وأنكروا ما سوى ذلك فسأل زيدا عن الارض فأنكرها وحلفوا لهشام فصدقهم وأما هشام بن محمد الكلبى فإنه ذكر أن أبا مخنف حدثه أن أول أمر زيد بن على كان أن يزيد بن خالد القسرى ادعى مالا قبل زيد ابن على ومحمد بن عمر بن على بن أبى طالب وداود بن على بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب وإبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وأيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزومى فكتب فيهم يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك وزيد بن على يومئذ بالرصافة يخاصم بنى الحسن بن الحسن ابن على بن أبى طالب في صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحمد بن عمر بن على يومئذ مع زيد بن على فلما قدمت كتب يوسف بن عمر على هشام بن عبد الملك بعث إليهم فذكر لهم ما كتب به يوسف بن عمر إليه مما ادعى قبلهم يزيد بن خالد فأنكروا فقال لهم هشام فإنا باعثون بكم إليه يجمع بينكم وبينهم فقال له زيد بن على أنشدك الله والرحم أن تبعث بى إلى يوسف بن عمر قال وما الذى تخاف من يوسف بن عمر قال أخاف أن يعتدى على قال له هشام ليس ذلك له ودعا هشام كاتبه فكتب إلى يوسف بن عمر أما بعد فإذا قدم عليك فلان وفلان فاجمع بينهم وبين

[ 483 ]

يزيد بن خالد القسرى فان هم أقروا بما ادعى عليهم فسرح بهم إلى وإن هم أنكروا فسله بينة فإن هو لم يقم البينة فاستحلفهم بعد العصر بالله الذى لا إله إلا هو ما استودعهم يزيد بن خالد القسرى وديعة ولا له قبلهم شئ ثم خل سبيلهم فقالوا لهشام إنا نخاف أن يتعدى كتابك ويطول علينا قال كلا أنا باعث معكم رجلا من الحرس يأخذه بذلك حتى يعجل الفراغ فقالوا جزاك الله والرحم خيرا لقد حكمت بالعدل فسرح بهم إلى يوسف واحتبس أيوب بن سلمة لان أم هشام بن عبد الملك ابنة هشام بن اسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومى وهو في أخواله فلم يؤخذ بشئ من ذلك القرف فلما قدموا على يوسف فأدخلوا عليه فأجلس زيد ابن على قريبا منه وألطفه في المسألة ثم سألهم عن المال فانكروا جميعا وقالوا لم يستودعنا مالا ولا له قبلنا حق فاخرج يوسف يزيد بن خالد إليهم فجمع بينه وبينهم وقال له هذا زيد بن على وهذا محمد بن عمر بن على وهذا فلان وفلان الذين كنت ادعيت عليهم ما ادعيت فقال ما لى قبلهم قليل ولا كثير فقال يوسف أفبى تهزأ أم بأمير المؤمنين فعذبه يومئذ عذابا ظن أنه قد قتله ثم أخرجهم إلى المسجد بعد صلاة العصر فاستحلفهم فحلفوا له وأمر بالقوم فبسط عليهم ما عدا زيد بن على فانه كف عنه فلم يقتدر عند القوم على شئ فكتب إلى هشام يعلمه الحال فكتب إليه هشام أن استحلفهم وخل سبيلهم فخلى عنهم فخرجوا فلحقوا بالمدينة وأقام زيد بن على بالكوفة وذكر عبيد بن جناد عن عطاء بن مسلم الخفاف أن زيد بن على رأى في منامه أنه أضرم في العراق نارا ثم أطفأها ثم مات فهالته فقال لابنه يحيى يا بنى إنى رأيت رؤيا قد راعتني فقصها عليه وجاءه كتاب هشام بن عبد الملك يأمره بالقدوم عليه فقدم فقال له الحق بأميرك يوسف فقال له نشدتك بالله يا أمير المؤمنين فو الله ما آمن إن بعثتني إليه أن لا أجتمع أنا وأنت حيين على ظهر الارض بعدها فقال الحق بيوسف كما تؤمر فقدم عليه (وقد قيل) إن هشام بن عبد الملك انما استقدم زيدا من المدينة عن كتاب يوسف بن عمر وكان السبب في ذلك فيما زعم أبو عبيدة أن يوسف بن عمر عذب خالد بن عبد الله فادعى خالد

[ 484 ]

أنه استودع زيد بن على وداود بن على بن عبد الله بن عباس ورجلين من قريش أحدهما مخزومي والآخر جمحى مالا عظيما فكتب بذلك يوسف إلى هشام فكتب هشام إلى خاله ابراهيم بن هشام وهو عامله على المدينة يأمره بحملهم إليه فدعا ابراهيم بن هشام زيدا وداود فسألهما عما ذكر خالد فحلفا ما أودعهما خالد شيئا فقال انكما عندي لصادقان ولكن كتاب أمير المؤمنين قد جاء بما تريان فلا بد من انفاذه فحملهما إلى الشأم فحلفا بالايمان الغلاظ ما أودعهما خالد شيئا قط وقال داود كنت قدمت عليه العراق فأمر لى بمائة ألف درهم فقال هشام أنتما عندي أصدق من ابن النصرانية فاقدما على يوسف حتى يجمع بينكما وبينه فتكذباه في وجهه وقيل إن زيدا انما قدم على هشام مخاصما ابن عمه عبد الله بن حسن بن حسن بن على ذكر ذلك عن جويرية بن أسماء قال شهدت زيد بن على وجعفر بن حسن بن حسن يختصمان في ولاية وقوف على وكان زيد يخاصم عن بنى حسين وجعفر يخاصم عن بنى حسن فكان جعفر وزيد يتبالغان بين يدى الوالى إلى كل غاية ثم يقومان فلا يعيدان مما كان بينهما حرفا فلما مات جعفر قال عبد الله من يكفينا زيدا قال حسن ابن حسن بن حسن أنا أكفيكه قال كلا إنا نخاف لسانك ويدك ولكني أنا قال إذن لا تبلغ حاجتك وحجتك قال أما حجتى فسأبلغها فتنازعا إلى الوالى والوالى يومئذ عندهم فيما قيل ابراهيم بن هشام قال فقال عبد الله لزيد أتطمع أن تنالها وأنت لامة سندية قال قد كان اسماعيل لامة فنال أكثر منها فسكت عبد الله وتبالغا يومئذ كل غاية فلما كان الغد أحضرهم الوالى وأحضر قريشا والانصار فتنازعا فاعترض رجل من الانصار فدخل بينهما فقال له زيد وما أنت والدخول بيننا وأنت رجل من قحطان قال أنا والله خير منك نفسا وأبا وأما قال فسكت زيد وانبرى له رجل من قريش فقال كذبت لعمر الله لهو خير منك نفسا وأبا وأما وأولا وآخرا وفوق الارض وتحتها فقال الوالى وما أنت وهذا فأخذ القرشى كفا من الحصى فضرب به الارض وقال والله ما على هذا من صبر وفطن عبد الله وزيد لشماتة الوالى بهما فذهب عبد الله ليتكلم فطلب إليه زيد فسكت وقال زيد

[ 485 ]

للوالى أم والله لقد جمعتنا لامر ما كان أبو بكر ولا عمر ليجمعانا على مثله وإنى أشهد الله أن لا أنازعه إليك محقا ولا مبطلا ما كنت حيا ثم قال لعبد الله انهض يا ابن زعم فنهضا وتفرق الناس وقال بعضهم لم يزل زيد ينازع جعفر بن حسن ثم عبد الله بعده حتى ولى هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم المدينة فتنازعا فأغلظ عبد الله لزيد وقال يا ابن الهندكية فتضاحك زيد وقال قد فعلتها يا أبا محمد ثم ذكر أمه بشئ وذكر المدائني أن عبد الله لما قال ذلك لزيد قال زيد أجل والله لقد صبرت بعد وفاة سيدها فما تعتبت بابها إذ لم يصبر غيرها قال ثم ندم زيد واستحيى من عمته فلم يدخل عليها زمانا فأرسلت إليه يا ابن أخى إنى لاعلم أن أمك عندك كأم عبد الله عنده وقيل إن فاطمة أرسلت إلى زيد إن سب عبد الله أمك فاسبب أمه وانها قالت لعبد الله أقلت لام زيد كذاو كذا قال نعم قالت فبئس والله ما صنعت أم والله لنعم دخيلة القوم كانت فذكر أن خالد بن عبد الملك قال لهما أغدوا علينا غدا فلست لعبد الملك ان لم أفضل بينكما فباتت المدينة تغلى كالمرجل يقول قائل كذا وقائل كذا: قائل يقول قال زيد كذا وقائل يقول قال عبد الله كذا فلما كان الغد جلس خالد في المجلس في المسجد واجتمع الناس فمن شامت ومن مهموم فدعا بهما خالد وهو يحب أن يتشاتما فذهب عبد الله يتكلم فقال زيد لا تعجل يا أبا محمد أعتق زيد ما يملك ان خاصمك إلى خالد أبدا ثم أقبل على خالد فقال له يا خالد لقد جمعت ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم لامر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر قال خالد أما لهذا السفيه أحد فتكلم رجل من الانصار من آل عمرو بن حزم فقال يا ابن أبى تراب وابن حسين السفيه ما ترى لوال عليك حقا ولا طاعة فقال زيد اسكت أيها القحطاني فانا لا نجيب مثلك قال ولم ترغب منى فوالله إنى لخير منك وأبى خير من أبيك وأمى خير من أمك فتضاحك زيد وقال يا معشر قريش هذا الدين قد ذهب أفذهبت الاحساب فوالله إنه ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال كذبت

[ 486 ]

والله أيها القحطاني فوالله لهو خير منك نفسا وأبا وأما ومحتدا وتناوله بكلام كثير قال القحطاني دعنا منك يا ابن واقد فأخذ ابن واقد كفا من حصى فضرب بها الارض ثم قال له والله ما لنا على هذا صبر وقام وشخص زيد إلى هشام بن عبد الملك فجعل هشام لا يأذن له فيرفع إليه القصص فكلما رفع إليه قصة كتب هشام في أسفلها ارجع إلى أميرك فيقول زيد والله لا أرجع إلى خالد أبدا وما أسأل مالا إنما أنا رجل مخاصم ثم أذن له يوما بعد طول حبس فذكر عمر بن شبة عن أيوب بن عمر بن أبى عمر قال حدثنى محمد بن عبد العزيز الزهري قال لما قدم زيد بن على على هشام بن عبد الملك أعلمه حاجبه بمكانه فرقى هشام إلى علية له طويلة ثم أذن له وأمر خادما أن يتبعه وقال لا يرينك واسمع ما يقول قال فاتبعته الدرجة وكان بادنا فوقف في بعضها فقال والله لا يحب الدنيا أحد إلاذل فلما صار إلى هشام قضى حوائجه ثم مضى نحو الكوفة ونسى هشام أن يسأل الخادم حتى مضى لذلك أيام ثم سأله فأخبره فالتفت إلى الابرش فقال والله ليأتينك خلعه أول شئ فلم يأته أول من ذلك شئ وكان كما قال وذكر عن زيد أنه حلف لهشام على أمر فقال له لا أصدقك فقال يا أمير المؤمنين إن الله لم يرفع قدر أحد عن أن يرضى بالله ولم يضع قدر أحد عن أن لا يرضى بذلك منه فقال له هشام لقد بلغني يا زيد أنك تذكر الخلافة وتتمناها ولست هناك وانت ابن أمة فقال زيد إن لك يا أمير المؤمنين جوابا قال تكلم قال إنه ليس أحد أولى بالله ولا أرفع عنده منزلة من نبى ابتعثه وقد كان إسماعيل من خير الانبياء وولد خيرهم محمدا صلى الله عليه وسلم وكان اسماعيل ابن أمة وأخوه ابن صريحة مثلك فاختاره الله عليه وأخرج منه خير البشر وما على أحد من ذلك جده رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانت أمه فقال له هشام اخرج قال أخرج ثم لا تراني إلا حيث تكره فقال له سالم يا أبا الحسين لا يظهرن هذا منك (رجع الحديث) إلى حديث هشام بن محمد الكلبى عن أبى مخنف قال فجعلت الشيعة تختلف إلى زيد ابن على وتأمره بالخروج ويقولون إنا لنرجو أن تكون المنصور وأن يكون

[ 487 ]

هذا الزمان الذى يهلك فيه بنو أمية فأقام بالكوفة فجعل يوسف بن عمر يسأل عنه فيقال هو هاهنا فيبعث إليه أن اشخص فيقول نعم ويعتل له بالوجع فمكث ما شاء الله ثم سأل أيضا عنه فقيل له هو مقيم بالكوفة بعد لم يبرح فبعث إليه فاستحثه بالشخوص فاعتل عليه بأشياء يبتاعها وأخبره أنه في جهازه ورأى جد يوسف في أمر فتهيأ ثم شخص حتى أتى القادسية وقال بعض الناس أرسل معه رسولا حتى بلغه العذيب فلحقته الشيعة فقالوا له أين تذهب عنا ومعك مائة ألف رجل من أهل الكوفة يضربون دونك بأسيافهم غدا وليس قبلك من أهل الشأم إلا عدة قليلة لو أن قبيلة من قبائلنا نحو مذحج أو همدان أو تميم أو بكر نصبت لهم لكفتكهم بإذن الله تعالى فننشدك الله لما رجعت فلم يزالوا به حتى ردوه إلى الكوفة وأما غير أبى مخنف فإنه قال ما ذكر عبيد بن جناد عن عطاء بن مسلم أن زيد بن على لما قدم على يوسف قال له يوسف زعم خالد أنه قد أودعك مالا قال إنى يودعني مالا وهو يشتم آبائى على منبره فأرسل إلى خالد فأحضره في عباة فقال له هذا زيد زعمت أنك قد أودعته مالا وقد أنكر فنظر خالد في وجههما ثم قال أتريد أن تجمع مع إثمك في إثما في هذا وكيف أودعه مالا وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر قال فشتمه يوسف ثم رده وأما أبو عبيدة فذكر عنه أنه قال صدق هشام زيدا ومن كان يوسف قرفه بما قرفه به ووجههم إلى يوسف وقال إنهم قد حلفوا إلى وقبلت أيمانهم وأبرأتهم من المال وإنما وجهت بهم إليك لتجمع بينهم وبين خالد فيكذبوه قال ووصلهم هشام فلما قدموا على يوسف أنزلهم وأكرمهم وبعث إلى خالد فأتى به فقال قد حلف القوم وهذا كتاب أمير المؤمنين ببرأتهم فهل عندك بينة بما ادعيت فلم تكن له بينة فقال القوم لخالد ما دعاك إلى ما صنعت قال غلظ على العذاب فادعيت ما ادعيت وأملت أن يأتي الله بفرج قبل قدومكم فأطلقهم يوسف فمضى القرشيان الجمحى والمخزومي إلى المدينة وتخلف الهاشميان داود بن على وزيد بن على بالكوفة وذكر أن زيدا أقام بالكوفة أربعة أشهر أو خمسة ويوسف يأمره بالخروج ويكتب إلى عامله على الكوفة وهو

[ 488 ]

يومئذ بالحيرة يأمره بإزعاج زيد وزيد يذكر أنه ينازع بعض آل طلحة بن عبيد الله في مال بينه وبينهم بالمدينة فيكتب العامل بذلك إلى يوسف فيقره أياما ثم يبلغه أن الشيعة تختلف إليه فيكتب إليه أن أخرجه ولا تؤخره وإن ادعى أنه ينازع فليجر جريا وليوكل من يقوم مقامه فيما يطالب به وقد بايعه جماعة منهم سلمة بن كهيل ونصر بن خزيمة العبسى ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الانصاري وحجية ابن الاخلج الكندى وناس من وجوه أهل الكوفة فلما رأى ذلك داود بن على قال له يا ابن عم لا يغرنك هؤلاء من نفسك ففى أهل بيتك لك عبرة وفى خذلان هؤلاء إياهم فقال يا داود ان بنى أمية قد عتوا وقست قلوبهم فلم يزل به داود حتى عزم على الشخوص فشخصا حتى بلغا القادسية وذكر عن أبى عبيدة أنه قال اتبعوه إلى الثعلبية وقالوا له نحن أربعون ألفا إن رجعت إلى الكوفة لم يتخلف عنك أحد وأعطوه المواثيق والايمان المغلظة فجعل يقول إنى أخاف أن تخذلونى وتسلمونى كفعلكم بأبى وجدى فيحلفون له فيقول داود بن على يا ابن عم إن هؤلاء يغرونك من نفسك أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك جدك على بن أبى طالب حتى قتل والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه من عنقه وانتهبوا فسطاطه وجرحوه أو ليس قد أخرجوا جدك الحسين وحلفوا له بأوكد الايمان ثم خذلوه وأسلموه ثم لم يرضوا بذلك حتى قتلوه فلا تفعل ولا ترجع معهم فقالوا ان هذا لا يريد أن تظهر أنت ويزعم أنه وأهل بيته أحق بهذا الامر منكم فقال زيد لداود إن عليا كان يقاتله معاوية بدهائه ونكرائه بأهل الشأم وإن الحسين قاتله يزيد بن معاوية والامر عليهم مقبل فقال له داود إنى لخائف إن رجعت معهم أن لا يكون أحد أشد عليك منهم وأنت أعلم ومضى داود إلى المدينة ورجع زيد إلى الكوفة وقال عبيد بن جناد عن عطاء بن مسلم الخفاف قال كتب هشام إلى يوسف أن أشخص زيدا إلى بلده فانه لا يقيم ببلد غيره فيدعو أهله إلا أجابوه فأشخصه فلما كان بالثعلبية أو القادسية لحقه المشائيم يعنى أهل الكوفة فردوه وبايعوه فأتاه سلمة بن كهيل فاستأذن عليه فأذن له فذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقه

[ 489 ]

فأحسن ثم تكلم زيد فأحسن فقال له سلمة اجعل لى الامان فقال سبحان الله مثلك يسأل مثلى الامان وإنما أراد سلمة أن يسمع ذلك أصحابه ثم قال لك الامان فقال نشدتك بالله كم بايعك قال أربعون ألفا قال فكم بايع جدك قال ثمانون ألفا قال فكم حصل معه قال ثلثمائة قال نشدتك الله أنت خير أم جدك قال بل جدى قال أفقرنك الذى خرجت فيهم خير أم القرن الذى خرج فيهم جدك قال بل القرن الذى خرج فيهم جدى قال أفتطمع أن يفى لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدك قال قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم قال أفتأذن لى ان أخرج من البلد قال لم قال لا آمن أن يحدث في أمرك حدث فلا أملك نفسي قال قد أذنت لك فخرج إلى اليمامة وخرج زيد فقتل وصلب فكتب هشام إلى يوسف يلومه على تركه سلمة بن كهيل يخرج من الكوفة ويقول مقامه كان خيرا لك من كذا وكذا من الخيل تكون معك وذكر عمر عن أبى إسحاق شيخ من أهل أصبهان حدثه أن عبد الله بن حسن كتب إلى زيد بن على يا ابن عم إن أهل الكوفة نفخ العلانية خور السريرة هرج في الرخاء جزع في اللقاء تقدمهم ألسنتهم ولا تشايعهم قلوبهم لا يبيتون بعد في الاحداث ولا ينوؤون بدولة مرجوة ولقد تواترت إلى كتبهم بدعوتهم فصممت عن ندائهم وألبست قلبى غشاء عن ذكرهم يأسا منهم واطراحا لهم ومالهم مثل إلا ما قال على بن أبى طالب أن أهملتم خضتم وإن حوربتم خرتم وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم وذكر عن هشام ابن عبد الملك أنه كتب إلى يوسف بن عمر في أمر زيد بن على أما بعد فقد علمت بحال أهل الكوفة في حبهم أهل هذا البيت ووضعهم إياهم في غير مواضعهم لانهم افترضوا على أنفسهم طاعتهم ووظفوا عليهم شرائع دينهم ونحلوهم علم ما هو كائن حتى حملوهم من تفريق الجماعة على حال استخفوهم فيها إلى الخروج وقد قدم زيد بن على على أمير المؤمنين في خصومة عمر بن الوليد ففصل أمير المؤمنين بينهما ورأى رجلا جدلا لسنا خليقا لتمويه الكلام وصوغه واجترار الرجال بحلاوة لسانه وبكثرة مخارجه في حججه وما يدلى به عند لدد الخصام من السطوة

[ 490 ]

على الخصم بالقوة الحادة لنيل الفلج فعجل إشخاصه إلى الحجاز ولا تخله والمقام قبلك فانه إن أعاره القوم اسماعهم فحشاها من لين لفظه وحلاوة منطقه مع ما يدلى به من القرابة برسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وجدهم ميلا إليه غير متئدة قلوبهم ولا ساكنة أحلامهم ولا مصونة عندهم أديانهم وبعض التحامل عليه فيه أذى له وإخراجه وتركه مع السلامة للجميع والحقن للدماء والامن للفرقة أحب إلى من أمر فيه سفك دمائهم وانتشار كلمتهم وقطع نسلهم والجماعة حبل الله المتين ودين الله القويم وعروته الوثقى فادع اليك أشراف أهل المصر وأوعدهم العقوبة في الابشار واستصفاء الاموال فان من له عقد أو عهد منهم سيبطئ عنه ولا يخف معه إلا الرعاع وأهل السواد ومن تنهضه الحاجة استلذاذا للفتنة وأولئك ممن يستعبد إبليس وهو يستعبدهم فبادهم بالوعيدوا عضضهم بسوطك وجرد فيهم سيفك وأخف الاشراف قبل الاوساط والاوساط قبل السفلة واعلم أنك قائم على باب ألفة وداع إلى طاعة وحاض على جماعة ومشمر لدين الله فلا تستوحش لكثرتهم واجعل معقلك الذى تأوى إليه وصغوك الذى تخرج منه الثقة بربك والغضب لدينك والمحاماة عن الجماعة ومناصبة من أراد كسر هذا الباب الذى أمرهم الله بالدخول فيه والتشاح عليه فان أمير المؤمنين قد أعذر إليه وقضى من ذمامه فليس له منزى إلى ادعاء حق هو له ظلمة من نصيبه نفسه أو فئ أو صلة لذى قربى إلا الذى خاف أمير المؤمنين من حمل بادرة السفلة على الذى عسى أن يكونوا به أشقى وأضل ولهم أمر ولامير المؤمنين أعز وأسهل إلى حياطة الدين والذب عنه فانه لا يحب أن يرى في أمته حالا متفاوتا نكالا لهم مفنيا فهو يستديم النظرة ويتأتى للرشاد ويجتنبهم على المخاوف ويستجرهم إلى المراشد ويعدل بهم عن المهالك فعل الوالد الشفيق على ولده والراعي الحدب على رعيته واعلم أن من حجتك عليهم في استحقاق نصر الله لك عند معاندتهم توفيتك أطماعهم وأعطية ذريتهم ونهيك جندك أن ينزلوا حريمهم ودورهم فانتهز رضا الله فيما أنت سبيله فانه ليس ذنب أسرع تعجيل عقوبة من بغى وقد أوقعهم الشيطان ودلاهم فيه ودلهم عليه والعصمة

[ 491 ]

بتارك البغى أولى فأمير المؤمنين يستعين الله عليهم وعلى غيرهم من رعيته ويسأل إلهه ومولاه ووليه أن يصلح منهم ما كان فاسدا وأن يسرع بهم إلى النجاة والفوز إنه سميع قريب (رجع الحديث إلى حديث هشام) قال فرجع زيد إلى الكوفة فاستخفى قال فقال له محمد بن عمر بن على بن أبى طالب حيث أراد الرجوع إلى الكوفة أذكرك الله يا زيد لما لحقت بأهلك ولم تقبل قول أحد من هؤلاء الذين يدعونك إلى ما يدعونك إليه فانهم لا يفون لك فلم يقبل منه ذلك ورجع قال هشام قال أبو مخنف فأقبلت الشيعة لما رجع إلى الكوفة يختلفون إليه ويبايعون له حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل فأقام بالكوفة بضعة عشر شهرا إلا أنه قد كان منها بالبصرة نحو شهرين ثم أقبل إلى الكوفة فأقام بها وأرسل إلى أهل السواد وأهل الموصل رجالا يدعون إليه قال وتزوج حيث قدم الكوفة ابنة يعقوب بن عبد الله السلمى أحد بنى فرقد وتزوج ابنة عبد الله بن أبى العنبس الازدي قال وكان سبب تزوجه إياها أن أمها أم عمرو بنت الصلت كانت ترى رأى الشيعة فبلغها مكان زيد فأتته لتسلم عليه وكانت امرأة جسيمة جميلة لحيمة قد دخلت في السن إلا أن الكبر لا يستبين عليها فلما دخلت على زيد بن على فسلمت عليه ظن أنها شابة فكلمته فإذا أفصح الناس لسانا وأجمله منظرا فسألها عن نسبها فانتسبت له وأخبرته ممن هي فقال لها هل لك رحمك الله أن تتزوجيني قالت أنت والله رحمك الله رغبة لو كان من أمرى التزويج قال لها وما الذى يمنعك من ذلك قالت يمنعنى من ذلك أنى قد أسننت فقال لها كلا قد رضيت ما أبعدك من أن تكوني قد أسننت قالت رحمك الله أنا أعلم بنفسى منك وبما أتى على من الدهر ولو كنت متزوجة يوما من الدهر لما عدلت بك ولكن لى ابنة أبوها ابن عمى وهى أجمل منى وأنا أزوجكها إن أحببت قال رضيت أن تكون مثلك قالت له لكن خالقها ومصورها لم يرض أن يجعلها مثلى حتى جعلها أبيض وأوسم وأجسم وأحسن منى دلا وشكلا فضحك زيد وقال لها قد رزقت فصاحة ومنطقا حسنا فأين فصاحتها من فصاحتك قالت أما هذا فلا علم لى به لانى نشأت بالحجاز ونشأت ابنتى بالكوفة فلا أدرى لعل

[ 492 ]

ابنتى قد أخذت لغة أهلها فقال زيد ليس ذلك بأكره إلى ثم أوعدها موعدا فأتاها فتزوجها ثم بنى بها فولدت له جارية ثم إنها ماتت بعد وكان بها معجبا قال وكان زيد بن على ينزل بالكوفة منازل شتى في دار امرأته في الازد مرة ومرة في أصهاره السلميين ومرة عند نصر بن خزيمة في بنى عبس ومرة في بنى غبر ثم إنه تحول من بنى غبر إلى دار معاوية بن إسحق بن زيد بن حارثة الانصاري في أقصى جبانة سالم السلولى وفى بنى نهد وبنى تغلب عند مسجد بنى هلال بن عامر فأقام يبايع أصحابه وكانت بيعته التى يبايع عليها الناس إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين وقسم هذا الفئ بين أهله بالسواء ورد الظالمين وإقفال المجمر ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا وجهل حقنا أتبايعون على ذلك فإذا قالوا نعم وضع يده على يده ثم يقول عليك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله لتفين ببيعتى ولتقاتلن عدوى ولتنصحن لى في السر والعلانية فإذا قال نعم مسح يده على يده ثم قال اللهم اشهد فمكث بذلك بضعة عشر شهرا فلما دنا خروجه أمر أصحابه بالاستعداد والتهيؤ فجعل من يريد أن يفى ويخرج معه يستعدلو يتهيأ فشاع أمره في الناس (وفى هذه السنة) غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرتين ثم غزا الثالثة فقتل كورصول ذكر الخبر عن غزواته هذه ذكر على عن شيوخه أن نصر غزا من بلخ ما وراء النهر من ناحية باب الحديد ثم قفل إلى مرو فخطب الناس فقال ألا إن بهرامسيس كان مانح المجوس يمنحهم ويدفع عنهم ويحمل أثقالهم على المسلمين ألا إن اشبداد بن جريجور كان مانح النصارى ألا إن عقيبة اليهودي كان مانح اليهود يفعل ذلك ألا إنى مانح المسلمين أمنحهم وأدفع عنهم وأحمل أثقالهم على المشركين ألا إنه لا يقبل منى الا توفى الخراج على ما كتب ورفع وقد استعملت عليكم منصور بن عمر بن أبى الخرقاء وأمرته بالعدل عليكم فأيما رجل منكم من المسلمين كان يؤخذ منه جزية من رأسه أو ثقل عليه في خراجه وخفف مثل ذلك عن المشركين فليرفع ذلك إلى منصور

[ 493 ]

ابن عمر يحوله عن المسلم إلى المشرك قال فما كانت الجمعة الثانية حتى أتاه ثلاثون ألف مسلم كانوا يؤدون الجزية عن رؤسهم وثمانون ألف رجل من المشركين قد ألقيت عنهم جزيتهم فحول ذلك عليهم وألقاه عن المسلمين ثم صنف الخراج حتى وضعه مواضعه ثم وظف الوظيفة التى جرى عليها الصلح قال فكانت مرو يؤخذ منها مائة ألف سوى الخراج أيام بنى أمية ثم غزا الثانية إلى ورغسر وسمرقند ثم قفل ثم غزا الثانية إلى الشاش من مرو فحال بينه وبين قطوع النهر نهر الشاش كورصول في خمسة عشر ألفا استأجر كل رجل منهم في كل شهر بشقة حرير والشقة يومئذ بخمسة وعشرين درهما فكانت بينهم مراماة فمنع نصر من القطوع إلى الشاش وكان الحارث بن سريج يومئذ بأرض الترك فأقبل معهم فكان بازاء نصر فرمى نصرا وهو على سريره على شاطئ النهر بحسبان فوقع السهم في شدق وصيف لنصر يوضئه فتحول نصر عن سريره ورمى فرسا لرجل من أهل الشأم فنفق وعبر كورصول في أربعين رجلا فبيت أهل العسكر وساق شاء لاهل بخارى وكانوا في الساقة وأطاف بالعسكر في ليلة مظلمة ومع نصر أهل بخارى وسمرقند وكس وأشر وسنة وهم عشرون ألفا فنادى نصر في الاخماس ألا لا يخرجن أحد من بنائه واثبتوا على مواضعكم فخرج عاصم بن عمير وهو على جند أهل سمرقند حتى مرت خيل كورصول وقد كانت الترك صاحت صيحة فظن أهل العسكر أن الترك قد قطعوا كلهم فلما مرت خيل كورصول على ذلك حمل على آخرهم فأسر رجلا فإذا هو ملك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبة فجاؤا به إلى نصر فإذا هو شيخ يسحب درعه شبرا وعليه رانا ديباج فيهما حلق وقباء فرند مكفف بالديباج فقال له نصر من أنت قال كورصول فقال نصر الحمد لله الذى أمكن منك يا عدو الله قال فما ترجو من قتل شيخ وأنا أعطيك ألف بعير من ابل الترك وألف برذون تقوى بها جندك وخل سبيلى فقال نصر لمن حوله من أهل الشأم وأهل خراسان ما تقولون فقالوا خل سبيله فسأله عن سنه قال لا أدرى قال كم غزوت قال اثنتين وسبعين غزوة قال أشهدت يوم العطش قال نعم قال لو أعطيتني ما طلعت عليه

[ 494 ]

الشمس ما أفلت من يدى بعد ما ذكرت من مشاهدتك وقال لعاصم بن عمير السغدى قم إلى سلبه فخذه فلما أيقن بالقتل قال من أسرني قال نصر وهو يضحك يزيد بن قران الحنظلي وأشار إليه قال هذا لا يستطيع أن يغسل استه أو قال لا يستطيع أن يتم بوله فكيف يأسرنى فأخبرني من أسرني فإنى أهل ان أقتل سبع قتلات قيل له عاصم بن عمير قال لست أجد مس القتل إذ كان الذى أسرني فارسا من فرسان العرب فقتله وصلبه على شاطئ النهر قال وعاصم بن عمير هو الهزار مرد قتل بنهاوند أيام قحطبة قال فلما قتل كورصول تخدرت الترك وجاؤا بأبنيته فحرقوها وقطعوا آذانهم وجردوا وجوههم وطفقوا يبكون عليه فلما أمسى نصر وأراد الرحلة بعث إلى كورصول بقارورة نفط فصببها عليه وأشعل فيه النار لئلا يحملوا عظامه قال وكان ذلك أشد عليهم من قتله وارتفع نصر إلى فرغانة فسبى منها ثلاثين ألف رأس قال فقال عنبر بن برعمة الازدي كثب يوسف بن عمر إلى نصر سر إلى هذا الغاز ذنبه بالشاش يعنى الحارث بن سريج فان أظفرك الله به وبأهل الشاش فخرب بلادهم واسب ذراريهم وإياك ورطة المسلمين قال فدعا نصر الناس فقرأ عليهم الكتاب وقال ما ترون فقال يحيى بن حضين امض لامر أمير المؤمنين وأمر الامير فقال نصر يا يحيى تكلمت ليال عاصم بكلمة فبلغت الخليفة فحظيت بها وزيد في عطائك وفرض لاهل بيتك وبلغت الدرجة الرفيعة فقلت أقول مثلها سر يا يحيى فقد وليتك مقدمتي فأقبل الناس على يحيى يلومونه فقال نصر يومئذ وأى ورطة أشد من أن نكون في السفر وهم في القرار قال فسار إلى الشاش فأتاه الحارث بن سريج فنصب عرادتين تلقاء بنى تميم فقيل له هؤلاء بنو تميم فنقلهما فنصبهما على الازد ويقال على بكر بن وائل وأغار عليهم الاخرم وهو فارس الترك فقتله المسلمون وأسروا سبعة من أصحابه فأمر نصر بن سيار برأس الاخرم فرمى به في عسكرهم بمنجنيق فلما رأوه ضجوا ضجة عظيمة تم ارتحلوا منهزمين ورجع نصر وأراد أن يعبر فحيل بينه وبين ذلك فقال أبو نميلة صالح بن الابار كنا وأوبة نصر عند غيبته * كراقب النوء حتى جاده المطر

[ 495 ]

أودى بآخر منه عارض برد * مسترجف بمنايا القوم منهمر وأقبل نصر فنزل سمرقند في السنة التى لقى فيها الحارث بن سريج فأتاه بخارى خذاه منصرفا وكانت المسلحة عليهم ومعهم دهقانان من دهاقين بخارى وكانا أسلما على يدى نصر وقد أجمعا على الفتك بواصل بن عمرو القيسي عامل بخارى وببخار اخذاه يتظلمان من بخار اخذاه واسمه طوق سياده فقال بخار اخذاه لنصر أصلح الله الامير قد علمت أنهما قد أسلما على يديك فما بالهما معلقى الخناجر عليهما فقال لهما نصر ما بالكما معلقى الخناجر وقد اسلمتما قالا بيننا وبين بخار اخذاه عداوة فلانأ منه على أنفسنا فأمر نصر هارون بن السياوش مولى بنى سليم وكان يكون على الرابطة فاجتذبهما فقطعهما ونهض بخار اخذاه إلى نصر يساره في أمرهما فقالا نموت كريمين فشد أحدهما على واصل بن عمرو فطعنه في بطنه بسكين وضربه واصل بسيفه على رأسه فأطار قحف رأسه فقتله ومضى الآخر إلى بخار اخذاه وأقيمت الصلاة وبخار اخذاه جالس على كرسى فوثب نصر فدخل السرادق وأحضر بخار اخذاه فعثر عند باب السرادق فطعنه وشد عليه الجوزجان بن الجوزجان فضربه بجرز كان معه فقتله وحمل بخار اخذاه فأدخل سرادق نصر ودعا له نصر بوسادة فاتكأ عليها وأتاه قرعة الطبيب فجعل يعالجه وأوصى إلى نصر ومات من ساعته ودفن واصل في السرادق وصلى عليه نصر وأما طوق سياده فكشطوا عنه لحمه وحملوا عظامه إلى بخارى قال وسار نصر إلى الشاش فلما قدم أشر وسنة عرض دهقانها أباراخره مالا ثم نفد إلى الشاش واستعمل على فرغانة محمد بن خالد الازدي وجهه إليها في عشرة نفر ورد من فرغانة أخا جيش فيمن كان معه من دهاقين الختل وغيرهم وانصرف منها بتماثيل كثيرة فنصبها في أشر وسنة وقال بعضهم لما أتى نصر الشاش تلقاه قدر ملكها بالصلح والهدية والرهن واشترط عليه إخراج الحارث ابن سريج من بلده فأخرجه إلى فاراب واستعمل على الشاش نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص ثم سار حتى نزل قباء من أرض فرغانة وقد كانوا أحسوا بمجيئه فأحرقوا الحشيش وحبسوا الميرة ووجه نصر إلى ولى عهد صاحب فرغانة في

[ 496 ]

بقية سنة 121 فحاصروه في قلعة من قلاعها فغفل عنهم المسلمون فخرجوا على دوابهم فاستاقوها وأسروا ناسا من المسلمين فوجه إليهم نصر رجالا من بنى تميم ومعهم محمد ابن المثنى وكان فارسا فكايدهم المسلمون فأهملوا دوابهم وكمنوا لهم فخرجوا فاستاقوا بعضها وخرج عليهم المسلمون فهزموهم وقتلوا الدهقان وأسروا منهم أسراء وحمل ابن الدهقان المقتول على ابن المثنى فختله محمد بن المثنى فأسره وهو غلام أمر دفأتى به نصرا فضرب عنقه وكان نصر بعث سليمان بن صول إلى صاحب فرغانة بكتاب الصلح بينهما قال سليمان فقدمت عليه فقال لى من أنت قلت شاكري خليفة كاتب الامير قال فقال ادخلوه الخزائن ليرى ما أعددنا فقيل له قم قال قلت ليس بى مشى قال قدموا له دابة يركبها قال فدخلت خزائنه فقلت في نفسي يا سليمان شمت بك اسرائيل وبشر بن عبيد ليس هذا إلا لكراهة الصلح وسأنصرف بخفى حنين قال فرجعت إليه فقال كيف رأيت الطريق فيما بيننا وبينكم قلت سهلا كثير الماء والمرعى فكره ما قلت له فقال ما علمك فقلت قد غزوت غرشستان وغور والختل وطبرستان فكيف لا أعلم قال فكيف رأيت ما أعددنا قلت رأيت عدة حسنة ولكن أما علمت أن صاحب الحصار لا يسلم من خصال قال وما هن قلت لا يأمن أقرب الناس إليه وأحبهم إليه وأوثقهم في نفسه أن يثب به يطلب مرتبته ويتقرب بذلك أو يفنى ما قد جمع فيسلم برمته أو يصيبه داء فيموت فقطب وكره ما قلت له وقال نصرف إلى منزلك فانصرفت فأقمت يومين وأنا لا أشك في تركه الصلح فدعاني فحملت كتاب الصلح مع غلامي وقلت له إن أتاك رسولي يطلب الكتاب فانصرف إلى المنزل ولا تظهر الكتاب وقل لى إنى خلفت الكتاب في المنزل فدخلت عليه فسألني عن الكتاب فقلت خلفته في المنزل فقال ابعث من يجيئك به فقبل الصلح وأحسن جائزتي وسرح معى أمه وكانت صاحبة أمره قال فقدمت على نصر فلما نظر إلى قال ما مثلك إلا كما قال الاول * فأرسل حكيما ولا توصه * فأخبرته فقال وفقت وأذن لامه عليه وجعل يكلمها والترجمان يعبر عنها فدخل تميم بن نصر فقال للترجمان قل لها تعرفين

[ 497 ]

هذا فقالت لا فقال هذا تميم بن نصر فقالت والله ما أرى له حلاوة الصغير ولانبل الكبير قال أبو إسحاق بن ربيعة قالت لنصر كل ملك لا يكون عنده ستة أشياء فليس بملك وزير يباثه بنيات نفسه وما شجر في صدره من الكلام ويشاوره ويثق بنصيحته وطباخ إذا لم يشته الطعام اتخذ له ما يشتهى وزوجة إذا دخل عليها مغتما فنظر إلى وجهها زال غمه وحصن إذا فزع أو جهد فزع إليه فأنجاه تعنى البرذون وسيف إذا قارع الاقران لم يخش خيانته وذخيرة إذا حملها فأين وقع بها من الارض عاش بها ثم دخل تميم بن نصر في مرفلة وجماعة فقالت من هذا قالوا هذا فتى خراسان هذا تميم بن نصر قالت ماله نبل الكبار ولا حلاوة الصغار ثم دخل الحجاج بن قتيبة فقالت من هذا فقالوا الحجاج بن قتيبة قال فحيته وسألت عنه وقالت يا معشر العرب مالكم وفاء لا يصلح بعضكم لبعض قتيبة الذى وطن لكم ما أرى وهذا ابنه تقعده دونك فحقك أن تجلسه هذا المجلس وتجلس أنت مجلسه (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومى كذلك قال أبو معشر حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عنه وكذلك قال الواقدي وغيره وكان عامل هشام بن عبد الملك على المدينة ومكة والطائف في هذه السنة محمد بن هشام وعامله على العراق كله يوسف بن عمر وعامله على آذربيجان وأرمينية مروان بن محمد وعلى خراسان نصر بن سيار وعلى قضاء البصرة عامر بن عبيدة وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك مقتل زيد بن على ذكر الخبر عن ذلك ذكر هشام عن أبى مخنف أن زيد بن على لما أمر أصحابه بالتأهب للخروج والاستعداد أخذ من كان يريد الوفاء له بالبيعة فيما أمرهم به من ذلك فانطلق

[ 498 ]

سليمان بن سراقة البارقى إلى يوسف بن عمر فأخبره خبره وأعلمه أنه يختلف إلى رجل منهم يقال له عامر وإلى رجل من بنى تميم يقال له طعمة ابن أخت لبارق وهو نازل فيهم فبعث يوسف يطلب زيد بن على في منزلهما فلم يوجد عندهما وأخذ الرجلان فأتى بهما فلما كلمهما استيان له أمر زيد وأصحابه وتخوف زيد بن على أن يؤخذ فتعجل قبل الاجل الذى جعله بينه وبين أهل الكوفة قال وعلى أهل الكوفة يؤمئذ الحكم بن الصلت وعلى شرطه عمرو بن عبد الرحمن رجل من القارة وكانت ثقيف أخواله وكان فيهم ومعه عبيد الله بن العباس الكندى في أناس من أهل الشأم ويوسف بن عمر بالحيرة قال فلما رأى أصحاب زيد بن على الذين بايعوه أن يوسف بن عمر قد بلغه أمر زيد وأنه يدس إليه ويستبحث عن أمره اجتمعت إليه جماعة من رؤوسهم فقالوا رحمك الله ما قولك في أبى بكر وعمر قال زيد رحمهما الله وغفر لهما ما سمعت أحدا من أهل بيتى يتبرأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيرا قالوا فلم تطلب إذا بدم أهل هذا البيت إلا أن وثبا على سلطانكم فنزعاه من أيديكم فقال لهم زيد إن أشد ما أقول فيما ذكرتم إنا كنا أحق بسلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس أجمعين وإن القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا قد ولوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة قالوا فلم يظلمك هؤلاء إذا كان أولئك لم يظلموك فلم تدعو إلى قتال قوم ليسوا لك بظالمين فقال إن هؤلاء ليسوا كأولئك إن هؤلاء ظالمون لى ولكم ولانفسهم وإنما ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى السنن أن تحيا وإلى البدع أن تطفا فإن أنتم أجبتمونا سعدتم وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا سبق الامام وكانوا يزعمون أن أبا جعفر محمد بن على أخا زيد بن على هو الامام وكان قد هلك يومئذ وكان ابنه جعفر بن محمد حيا فقالوا جعفر إمامنا اليوم بعد أبيه وهو أحق بالامر بعد أبيه ولا نتبع زيد بن على فليس بإمام فسماهم زيد الرافضة فهم اليوم يزعمون أن الذى سماهم الرافضة المغيرة حيت فارقوه وكانت طائفة منهم قبل خروج زيد مروا

[ 499 ]

إلى جعفر بن محمد بن على فقالوا له إن زيد بن على فينا يبايع أفترى لنا أن نبايعه فقال لهم نعم بايعوه فهو والله أفضلنا وسيدنا وخيرنا فجاؤا فكتموا ما أمرهم به قال واستتب لزيد بن على خروجه فواعد أصحابه ليلة الاربعاء أول ليلة من صفر سنة 122 وبلغ يوسف بن عمر أن زيدا قد أزمع على الخروج فبعث إلى الحكم ابن الصلت فأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الاعظم يحصرهم فيه فبعث الحكم إلى العرفاء والشرط والمناكب والمقاتلة فأدخلهم المسجد ثم نادى مناديه ألا إن الامير يقول من أدركناه في رحله فقد برئت منه الذمة ادخلوا المسجد الاعظم فأتى الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بيوم وطلبوا زيدا في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الانصاري فخرج ليلا وذلك ليلة الاربعاء في ليلة شديدة البرد من دار معاوية بن إسحاق فرفعوا الهرادى فيها النيران ونادوا يا منصور أمت أمت يا منصور فكلما أكلت النار هرديا رفعوا آخر فما زالوا كذلك حتى طلع الفجر فلما أصبحوا بعث زيد بن على القاسم التنعى ثم الحضرمي ورجلا آخر من أصحابه يناديان بشعارهما فلما كانوا في صحراء عبد القيس لقيهم جعفر بن العباس الكندى فشدوا عليه وعلى أصحابه فقتل الرجل الذى كان مع القاسم التنعى وارتث القاسم فأتى به الحكم فكلمه فلم يرد عليه شيئا فأمر به فضربت عنقه على باب القصر فكان أول من قتل من أصحاب زيد بن على هو وصاحبه وأمر الحكم بن الصلت بدروب السوق فغلقت وغلقت أبواب المسجد على أهل الكوفة وعلى أرباع الكوفة يومئذ على ربع أهل المدينة إبراهيم بن عبد الله بن جرير البجلى وعلى مذحج وأسد عمرو بن أبى بذل العبدى وعلى كندة وربيعة المنذر بن محمد بن الاشعث بن قيس الكندى وعلى تميم وهمدان محمد بن مالك الهمداني ثم الخيوانى قال وبعث الحكم بن الصلت إلى يوسف بن عمر فأخبره الخبر فأمر يوسف مناديه فنادى في أهل الشأم من يأتي الكوفة فيقترب من هؤلاء القوم فيأتيني بخبرهم فقال جعفر بن العباس الكندى أنا فركب في خمسين فارسا ثم أقبل حتى انتهى إلى جبانة سالم السلولى فاستخبرهم ثم رجع إلى يوسف

[ 500 ]

ابن عمر فأخبره فلما أصبح خرج إلى تل قريب من الحيرة فنزل عليه ومعه قريش وأشراف الناس وعلى شرطته يومئذ العباس بن سعيد المزني فبعث الريان بن سلمة الاراشى في ألفين ومعه ثلثمائة من القيقانية رجالا معهم النشاب وأصبح زيد ابن على فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلا فقال زيد سبحان الله أين الناس فقيل له هم في المسجد الاعظم محصورون فقال لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر وسمع نصر بن خزيمة النداء فأقبل إليه فلقى عمرو بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصلت في خيله من جهينة عند دار الزبير بن أبى حكيمة في الطريق الذى يخرج إلى مسجد بنى عدى فقال نصر بن خزيمة يا منصور أمت فلم يرد عليه شيئا فشد عليه نصر وأصحابه فقتل عمرو بن عبد الرحمن وانهزم من كان معه وأقبل زيد بن على من جبانة سالم حتى انتهى إلى جبانة الصائديين وبها خمسمائة من أهل الشأم فحمل عليهم زيد بن على فيمن معه فهزمهم وكان تحت زيد بن على يومئذ برذون أدهم بهيم اشتراه رجل من بنى نهد بن كهمس بن مروان النجارى بخمسة وعشرين دينارا فلما قتل زيد بعد ذلك أخذه الحكم بن الصلت قال وانتهى زيد بن على إلى باب دار رجل من الازد يقال له أنس بن عمرو وكان فيمن بايعه فنودى وهو في الدار فجعل لا يجيب فناداه زيد يا أنس أخرج إلى رحمك الله فقد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا فلم يخرج إليه فقال زيد ما أخلفكم قد فعلتموها الله حسيبكم قال ثم إن زيدا مضى حتى انتهى إلى الكناسة فحمل على جماعة بها من أهل الشأم فهزمهم ثم خرج حتى ظهر إلى الجبانة ويوسف بن عمر على التل ينظر إليه هو وأصحابه وبين يديه حزام بن مرة المزني وزمزم بن سليم الثعلبي وهما على المجففة ومعه نحو من مائتي رجل والله لو أقبل على يوسف لقتله والريان بن سلمة يتبع أثر زيد بن على بالكوفة في أهل الشأم ثم إن زيدا أخذ ذات اليمين على مصلى خالد بن عبد الله حتى دخل الكوفة وكانت فرقة من أصحاب زيد بن على حيث وجه إلى الكناسة قد انشعبت نحو جبانة مخنف بن سليم ثم قال بعضهم لبعض ألا ننطلق نحو جبانة كندة قال فما زاد الرجل على أن تكلم بهذا

[ 501 ]

الكلام وطلع أهل الشأم فلما رأوهم دخلوا زقاقا فمضوا فيه وتخلف رجل منهم فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين ثم خرج إليهم فقاتلهم ساعة ثم إنهم صرعوه فجعلوا يضربونه بأسيافهم فنادى رجل منهم فارس مقنع بالحديد أن اكشفوا المغفر ثم اضربوا رأسه بعمود حديد ففعلوا وقتل وحمل أصحابه عليهم فكشفوهم عنه وقد قتل وانصرف أهل الشأم وقد اقتطعوا رجلا ونجا سائرهم فذهب ذلك الرجل حتى دخل دار عبد الله بن عوف فدخل أهل الشأم عليه فأسروه فذهب به إلى يوسف بن عمر فقتله قال وأقبل زيد بن على وقد رأى خذلان الناس إياه فقال يا نصر بن خزيمة أتخاف أن يكونوا قد جعلوها حسينية فقال له جعلني الله لك الفداء أما أنا فو الله لاضربن معك بسيفي هذا حتى أموت فكان قتاله يومئذ بالكوفة ثم إن نصر بن خزيمة قال لزيد بن على جعلني الله لك الفداء إن الناس في المسجد الاعظم محصورون فامض بنا نحوهم فخرج بهم زيد نحو المسجد فمر على دار خالد ابن عرفطة وبلغ عبيد الله بن العباس الكندى إقباله فخرج في أهل الشأم وأقبل زيد فالتقوا على باب عمر بن سعد بن أبى وقاص فكع صاحب لواء عبيد الله وكان لواؤه مع سلمان مولاه فلما أراد عبيد الله الحملة ورآه قد كع عنه قال احمل يا ابن الخبيثة فحمل عليهم فلم ينصرف حتى خضب لواؤه بالدم ثم إن عبيد الله برز فخرج إليه واصل الحناط فاضطربا بسيفيهما فقال للاحول خذها منى وأنا الغلام الحناط وقال الآخر قطع الله يدى ان كلت بقفيز أبدا ثم ضربه فلم يصنع شيئا وانهزم عبيد الله بن العباس وأصحابه حتى انتهوا إلى دار عمرو من حريث وجاء زيد وأصحابه حتى انتهوا إلى باب الفيل فجعل أصحاب زيد يدخلون راياتهم من فوق الابواب ويقولون يا أهل المسجد اخرجوا وجعل نصر بن خزيمة يناديهم ويقول يا أهل الكوفة اخرجوا من الذل إلى العز اخرجوا إلى الدين والدنيا فانكم لستم في دين ولا دنيا فأشرف عليهم أهل الشأم فجعلوا يرمونهم بالحجارة من فوق المسجد وكان يومئذ جمع كبير بالكوفة في نواحيها وقيل في جبانة سالم وانصرف الريان بن سلمة إلى الحيرة عند المساء وانصرف زيد بن على فيمن معه وخرج

[ 502 ]

إليه ناس من أهل الكوفة فنزل دار الرزق فأتاه الريان بن سلمة فقاتله عند دار الرزق قتالا شديدا فجرح من أهل الشأم وقتل منهم ناس كثير وتبعهم أصحاب زيد من الرزق حتى انتهوا إلى المسجد فرجع أهل الشأم مساء يوم الاربعاء اسوأ شئ ظنا فلما كان من الغد غداة يوم الخميس دعا يوسف بن عمر الريان بن سلمة فلم يوجد حاضرا تلك الساعة وقال بعضهم بل أتاه وليس عليه سلاحه فأفف به وقال له أف لك من صاحب خيل اجلس فدعا العباس بن سعيد المزني صاحب شرطته فبعثه في أهل الشأم فسار حتى انتهى إلى زيد بن على في دار الرزق وثم خشب للنجار كثير فالطريق متضايق وخرج زيد في أصحابه وعلى مجنبتيه نصر بن خزيمة العبسى ومعاوية بن اسحاق الانصاري فلما رآهم العباس ولم يكن معه رجال نادى يا أهل الشأم الارض الارض فنزل ناس كثير ممن معه فاقتتلوا قتالا شديدا في المعركة وقد كان رجل من أهل الشأم من بنى عبس يقال له نائل بن فروة قال ليوسف ابن عمر والله لئن أنا ملات عينى من نصر بن خزيمة لاقتلنه أو ليقتلني فقال له يوسف خذ هذا السيف فدفع إليه سيفا لا يمر بشئ إلا قطعه فلما التقى أصحاب العباس بن سعيدو أصحاب زيد واقتتلوا بصر نائل بن فروة بنصر بن خزيمة فأقبل نحوه فضرب نصرا فقطع فخذه وضربه نصر ضربة فقتله فلم يلبث نصر أن مات واقتتلوا قتالا شديدا ثم إن زيد بن على هزمهم وقتل من أهل الشأم نحوا من سبعين رجلا فانصرفوا وهم بشر حال وقد كان العباس بن سعيد نادى في أصحابه أن اركبوا فإن الخيل لا تطيق الرجال في المضيق فركبوا فلما كان العشى عبأهم يوسف بن عمر ثم سرحهم فأقبلوا حتى التقواهم وأصحاب زيد فحمل عليهم زيد في أصحابه فكشفهم ثم تبعهم حتى أخرجهم إلى السبخة ثم شد عليهم بالسبخة حتى أخرجهم إلى بنى سليم ثم تبعهم في خيله ورجاله حتى أخذوا على المسناة ثم إن زيدا أظهر لهم فيما بين بارق ورؤاس فقاتلهم هنالك قتالا شديدا وصاحب لوائه يومئذ رجل يقال له عبد الصمد بن أبى مالك بن مسروح من بنى سعد بن زيد حليف العباس بن عبد المطلب وكان مسروح السعدى تزوج صفية بنت العباس بن عبد المطلب فجعلت خيلهم لا تثبت لخيله ورجله فبعث العباس إلى يوسف بن عمر

[ 503 ]

يعلمه ذلك فقال له ابعث إلى الناشبة فبعث إليهم سليمان بن كيسان الكلبى في الفيقانية والبخارية وهم ناشبة فجعلوا يرمدن زيدا وأصحابه وكان زيد حريصا على أن يصرفهم حين انتهوا إلى السبخة فأبوا عليه فقاتل معاوية بن إسحاق الانصاري بين يدى زيد بن على قتالا شديدا فقتل بين يديه وثبت زيد بن على ومن معه حتى إذا جنح الليل رمى بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فتشبث في الدماغ فرجع ورجع أصحابه ولا يظن أهل الشأم أنهم رجعوا إلا للمساء والليل قال فحدثني سلمة ابن ثابت الليثى وكان مع زيد بن على وكان آخر من انصرف من الناس يومئذ هو وغلام لمعاوية بن إسحاق قال أقبلت أنا وصاحبى نقص أثر زيد بن على فنجده قد أنزل وأدخل بيت حران بن كريمة مولى لبعض العرب في سكة البريد في دور أرحب وشاكر قال سلمة بن ثابت فدخلت عليه فقلت له جعلني الله فداك أبا الحسين وانطلق أصحابه فجاؤا بطبيب يقال له شقير مولى لبنى رؤاس فانتزع النصل من جبهته وأنا أنظر إليه فو الله ما عدا أن انتزعه جعل يصيح ثم لم يلبث أن قضى فقال القوم أين ندفنه وأين نواريه فقال بعض أصحابه نلبسه درعه ونطرحه في الماء وقال بعضهم بل نحتز رأسه ونضعه بين القتلى فقال ابنه يحيى لا والله لا تأكل لحم أبى الكلاب وقال بعضهم لا بل نحمله إلى العباسية فندفنه قال سلمة فأشرت عليهم أن ننطلق به إلى الحفرة التى يؤخذ منها الطين فندفنه فيها فقبلوا رأيى وانطلقنا وحفرنا له بين حفرتين وفيه حينئذ ماء كثير حتى إذا نحن أمكنا له دفناه وأجرينا عليه الماء وكان معنا عبد له سندى قال ثم انصرفنا حتى نأتى جبانة السبيع ومعنا ابنه فلم نزل بها وتصدع الناس عنا وبقيت في رهط معه لا تكون عشرة فقلت له أين تريد هذا الصبح قد غشيك ومعه أبو الصبار العبدى قال فقال النهرين فقلت له إن كنت إنما تريد النهرين فظننت أنه يريد أن يتشطط الفرات ويقاتلهم فقلت له لا تبرح مكانك تقاتلهم حتى تقتل أو يقضى الله ما هو قاض فقال لى أنا أريد نهرى كربلاء فقلت له فالنجاء قبل الصبح فخرج من الكوفة وأنا معه وأبو الصبار ورهط معنا فلما خرجنا من الكوفة سمعنا أذان

[ 504 ]

المؤذنين فصلينا الغداة بالنخيلة ثم توجهنا سراعا قبل نينوى فقال لى إنى أريد سابقا مولى بشر بن عبد الملك بن بشر فأسرع السير وكنت إذا لقيت القوم أستطعمهم فأطعم الارغفة فأطعمها إياه فيأكل ونأكل معه فانتهينا إلى نينوى وقد أظلمنا فأتينا منزل سابق فدعوت على الباب فخرج الينا فقلت له أما أنا فأتي الفيوم فأكون به فإذا بدا لك أن ترسل إلى فأرسل قال ثم إنى مضيت وخلفته عند سابق فذلك آخر عهدي به قال ثم إن يوسف بن عمر بعث أهل الشأم يطلبون الجرحى في دور أهل الكوفة فكانوا يخرجون النساء إلى صحن الدار ويطوفون البيت يلتمسون الجرحى قال ثم دل غلام زيد بن على السندي يوم الجمعة على زيد فبعث الحكم بن الصلت العباس بن سعيد المزني وابن الحكم بن الصلت فانطلقا فاستخرجاه فكره العباس أن يغلب عليه ابن الحكم بن الصلت فتركه وسرح بشيرا إلى يوسف بن عمر غداة يوم الجمعة برأس زيد بن على مع الحجاج بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبى عقيل فقال أبو الجويرية مولى جهتنة قل للذين انتهكوا المحارم * ورفعوا الشمع بصحرا سالم كيف وجدتم وقعة الاكارم * يا يوسف بن الحكم بن القاسم قال ولما أتى يوسف بن عمر البشير أمر بزيد فصلب بالكناسة هو ونصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الانصاري وزياد النهدي وكان يوسف قد نادى من جاء برأس فله خمسمائة درهم فجاء محمد بن عباد برأس نصر بن خزيمة فأمر له يوسف بن عمر بألف درهم وجاء الاحول مولى الاشعريين برأس معاوية بن إسحاق فقال أنت قتلته فقال أصلح الله الامير ليس أنا قتلته ولكني رأيته فعرفته فقال اعطوه سبعمائة درهم ولم يمنعه أن يتم له ألفا إلا أنه زعم أنه لم يقتله وقد قيل إن يوسف بن عمر لم يعلم بأمر زيد ورجوعه من الطريق إلى الكوفة بعد ما شخص إلا بإعلام هشام بن عبد الملك إياه وذلك أن رجلا من بنى أمية كتب فيما ذكر إلى هشام يذكر له أمر زيد فكتب هشام إلى يوسف يشتمه ويجهله ويقول انك لغافل رزيد غاوز ذنبه بالكوفة يبايع له فالجج في طلبه فأعطه الامان فان لم يقبل

[ 505 ]

فقاتله فكتب يوسف إلى الحكم بن الصلت من آل أبى عقيل وهو خليفته على الكوفة بطلبه فطلبه فخفي عليه موضعه فدس يوسف مملوكا له خراسانيا ألكن وأعطاه خمسة آلاف درهم وأمره أن يلطف لبعض الشيعة فيخبره أنه قد قدم من خراسان حبا لاهل البيت وأن معه مالا يريد أن يقويهم به فلم يزل المملوك يلقى الشيعة ويخبرهم عن المال الذى معه حتى أدخلوه على زيد فخرج فدل يوسف على موضعه فوجه يوسف إليه الخيل فنادى أصحابه بشعارهم فلم يجتمع إليه منهم إلا ثلثمائة أو أقل فجعل يقول كان داود بن على أعلم بكم قد حذرني خذلانكم فلم أحذر وقيل إن الذى دل على موضع زيد الذى كان دفن فيه وكان دفن في نهر يعقوب فيما قيل كان أصحابه قد سكروا النهر ثم حفروا له في بطنه فدفنوه في ثيابه ثم أجروا عليه الماء عند قصار كان به فاستجعل جعلا على أن يدلهم على موضعه ثم دلهم فاستخرجوه فقطعوا رأسه وصلبوا جسده ثم أمروا بحراسته لئلا ينزل فمكث يحرس زمانا وقيل إنه كان فيمن يحرسه زهير بن معاوية أبو خيثمة وبعث برأسه إلى هشام فأمر به فنصب على باب مدينة دمشق ثم أرسل به إلى المدينة ومكث البدن مصلوبا حتى مات هشام ثم أمر به الوليد فأنزل وأحرق وقيل ان حكيم بن شريك كان هو الذى سعى بزيد إلى يوسف فأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فانه قال في أمر يحيى بن زيد لما قتل زيد عمد رجل من بنى أسد إلى يحيى بن زيد فقال له قد قتل أبوك وأهل خراسان لكم شيعة فالرأى أن تخرج إليها قال وكيف لى بذلك قال تتوارى حتى يكف عنك الطلب ثم تخرج فواراه عنده ليلة ثم خاف فأتى عبد الملك بن بشر بن مروان فقال له ان قرابة زيد بك قريبة وحقه عليك واجب قال له أجل ولقد كان العفو عنه أقرب إلى التقوى قال فقد قتل وهذا ابنه غلاما حدثا لا ذنب له وإن علم يوسف بن عمر بمكانه قتله فتجيره وتواريه عندك قال نعم وكرامة فأتاه به فواراه عنده فبلغ الخبر يوسف فأرسل إلى عبد الملك قد بلغني مكان هذا الغلام عندك وأعطى الله عهدا لئن لم تأتني به لاكتبن فيك إلى أمير المؤمنين فقال له عبد الملك أتاك الباطل والزور أنا أوارى من ينازعني

[ 506 ]

سلطاني ويدعى فيه أكثر من حقى ما كنت أخشاك على قبول مثل هذا على ولا الاستماع من صاحبه فقال صدق والله ابن بشر ما كان ليوارى مثل هذا ولا يستر عليه فكف عن طلبه فلما سكن الطلب خرج يحيى في نفر من الزيدية إلى خراسان وخطب يوسف بعد قتل زيد بالكوفة فقال يا أهل الكوفة ان يحيى ابن زيد ينتقل في حجال نسائكم كما كان يفعل أبوه والله لو بدا لى صفحته لعرقت خصييه كما عرقت خصيى أبيه * وذكر عن رجل من الانصار قال لما جئ برأس زيد فصلب بالمدينة في سنة 123 أقبل شاعر من شعراء الانصار فقام بحياله فقال ألا يا ناقض الميثا * ق أبشر بالذى ساكا نقضت العهد والميثا * ق قدما كان قدما كا لقد أخلف إبليس ال‍ * ذى قد كان مناكا قال فقيل له ويلك أتقول هذا لمثل زيد فقال ان الامير غضبان فأردت أن أرضيه فرد عليه بعض شعرائهم ألا يا شاعر السوء * لقد أصبحت أفاكا أتشتم ابن رسول الل‍ * ه وترضى من تولاكا ألا صبحك الله * بخزى ثم مساكا ويوم الحشر لا شك * بأن النار مثواكا وقيل كان خراش بن حوشب بن يزيد الشيباني على شرط يوسف بن عمر فهو الذى نبش زيدا وصلبه فقال السيد بت ليلى مسهدا * ساهر الطرف مقصدا ولقد قلت قولة * وأطلت التبلدا لعن الله حوشبا * وخراشا ومزبدا * ويزيدا فإنه * كان أعتى وأعندا ألف ألف وألف أل‍ * ف من اللعن سرمدا إنهم حاربوا الال‍ * ه وآذوا محمدا

[ 507 ]

شركوا في دم المط * هر زيد تعندا ثم عالوه فوق جذ * ع صريعا مجردا يا خراش بن حوشب * أنت أشقى الورى غدا (قال أبو مخنف) ولما قتل يوسف زيد بن على أقبل حتى دخل الكوفة فصعد المنبر فقال يا أهل المدرة الخبيثة انى والله ما تقرن بى الصعبة ولا يقعقع لى بالشنان ولا أخوف بالذئب هيهات حبيت بالساعد الاشد أبشروا يا أهل الكوفة بالصغار والهوان لا عطاء لكم عندنا ولا رزق ولقد هممت أن أخرب بلادكم ودوركم وأحرمكم أموالكم أم والله ما علوت منبرى إلا أسمعتكم ما تكرهون عليه فانكم أهل بغى وخلاف ما منكم الا من حارب الله ورسوله الا حكيم ابن شريك المحاربي ولقد سألت أمير المؤمنين أن يأذن لى فيكم ولو أذن لقتلت مقاتلتكم وسبيت ذراريكم (وفى هذه السنة) قتل كلثوم بن عياض القشيرى الذى كان هشام بن عبد الملك بعثه في خيول أهل الشأم إلى إفريقية حيث وقعت الفتنة بالبربر (وفيها) قتل عبد الله البطال في جماعة من المسلمين بأرض الروم (وفيها) ولد الفضل بن صالح ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن على (وفيها) وجه يوسف ابن عمر ابن شبرمة على سجستان فاستقضى ابن أبى ليلى (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن هشام المخزومى كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحق ابن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وكانت عمال الامصار في هذه السنة العمال في السنة التى قبلها وقد ذكرناهم قبل إلا أن قاضى الكوفة كان فيما ذكر في هذه السنة محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما جرى بين أهل السغد ونصر بن سيار من الصلح

[ 508 ]

ذكر الخبر عن ذلك وسببه ذكر على بن محمد عن شيوخه أن خاقان لما قتل في ولاية أسد تفرقت الترك في غارة بعضها على بعض فطمع أهل السغد في الرجعة إليها وانحاز قوم منهم إلى الشاش فلما ولى نصر بن سيار أرسل إليهم يدعوهم إلى الفيئة والمراجعة إلى بلادهم وأعطاهم كل ما أرادوا قال وكانوا سألوا شروطا أنكرها أمراء خراسان منها أن لا يعاقب من كان مسلما وارتد عن الاسلام ولا يعدى عليهم في دين لاحد من الناس ولا يؤخذون بقبالة عليهم في بيت المال ولا يؤخذ أسراء المسلمين من أيديهم إلا بقضية قاض وشهادة العدول فعاب الناس ذلك على نصر وكلموه فقال أم والله لو عاينتم شوكتهم في المسلمين ونكايتهم مثل الذى عاينت ما أنكرتم ذلك فأرسل رسولا إلى هشام في ذلك فلما قدم الرسول أبى أن ينفذ ذلك لنصر فقال الرسول جربت يا أمير المؤمنين حربنا وصلحنا فاختر لنفسك فغضب هشام فقال الابرش الكلبى يا أمير المؤمنين تألف القوم واحمل لهم فقد عرفت نكايتهم كانت في المسلمين فأنفذ هشام ما سأل (وفى هذه السنة) أوفد يوسف بن عمر الحكم بن الصلت إلى هشام بن عبد الملك يسأله ضم خران إليه وعزل نصر بن سيار ذكر الخبر عن سبب ذلك وما كان من الامر فيه ذكر على عن شيوخه قال لما طالت ولاية نصر بن سيار ودانت له خراسان كتب يوسف بن عمر إلى هشام حسدا له أن خراسان دبرة دبرة فإن رأى أمير المؤمنين أن يضمها إلى العراق فأسرح إليها الحكم بن الصلت فانه كان مع الجنيد وولى جسيم أعماله فأعمر بلاد أمير المؤمنين بالحكم وأنا باعث الحكم بن الصلت إلى أمير المؤمنين فانه أديب أريب ونصيحته لأمير المؤمنين مثل نصيحتنا ومودتنا أهل البيت فلما أتى هشاما كتابه بعث إلى دار الضيافة فوجه فيها مقاتل ابن على السعدى فأتوه به فقال أمن خراسان أنت قال نعم وأنا صاحب الترك قال وكان قدم على هشام بخمسين ومائة من الترك فقال أتعرف الحكم بن الصلت

[ 509 ]

قال نعم قال فما ولى بخراسان قال ولى قرية يقال لها الفارياب خراجها سبعون ألفا فأسره الحارث بن سريج قال ويحك وكيف أفلت منه قال عرك أذنه وقفده وخلى سبيله قال فقدم عليه الحكم بعد بخراج العراق فرأى له جمالا وبيانا فكتب إلى يوسف أن الحكم قدم وهو على ما وصفت وفيما قبلك له سعة وخل الكنانى وعمله (وفى هذه السنة) غزا نصر فرغانة غزوته الثانية فأوفد مغراء ابن أحمر إلى العراق فوقع فيه عند هشام ذكر الخبر عن ذلك وما كان من هشام ويوسف بن عمر فيه ذكر أن نصرا وجه مغراء بن أحمر إلى العراق وافدا منصرفه من غزوته الثانية فرغانة فقال له يوسف بن عمر يا ابن أحمر يغلبكم ابن الاقطع يا معشر قيس على سلطانكم فقال قد كان ذلك أصلح الله الامير قال فإذا قدمت على أمير المؤمنين فأبقر بطنه فقدموا على هشام فسألهم عن أمر خراسان فتكلم مغراء فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر يوسف بن عمر بخير فقال ويحك أخبرني عن خراسان قال ليس لك جند يا أمير المؤمنين أغد ولا أنجد منهم من سرادق في السماء وفراسية مثل الفيل وعدة وعدد من قوم ليس لهم قائد ويحك فما فعل الكنانى لا يعرف ولده من الكبر فرد عليه مقالته وبعث إلى دار الضيافة فأتى بشبيل بن عبد الرحمن المازنى فقال له هشام أخبرني عن نصر قال ليس بالشيخ يخشى خرفه ولا الشاب يخشى سفهه المجرب المجرب قد ولى عامة ثغور خراسان وحروبها قبل ولايته فكتب إلى يوسف بذلك فوضع يوسف الارصاد فلما انتهوا إلى المواصل تركوا طريق البريد وتكادوا حتى قدموا بيهق وقد كتب إلى نصر بقول شبيل وكان إبراهيم بن بسام في الوفد فمكر به يوسف ونعى له نصرا وأخبره أنه قد ولى الحكم بن الصلت بن أبى عقيل خراسان فقسم له ابراهيم خراسان كله حتى قدم عليه ابراهيم بن زياد رسول نصر فعرف أن يوسف قد مكربه وقال أهلكني يوسف وقيل ان نصرا أو فد مغراء وأوفد معه حملة بن نعيم الكلبى فلما قدموا على يوسف أطمع يوسف مغراء إن هو ينقص نصرا عند هشام أن يوليه السند فلما قدما عليه ذكر مغراء

[ 510 ]

بأس نصر ونجدته ورأيه وأطنب في ذلك ثم قال لو كان الله متعنا منه ببقية فاستوى هشام جالسا ثم قال ببقية ما ذا قال لا يعرف الرجل إلا بجرمه ولا يفهم عنه حتى يدنى منه وما يكاد يفهم صوته من الضعف لاجل كبره فقام حملة الكلبى فقال يا أمير المؤمنين كذب والله ما هو كما قال هو وهو فقال هشام ان نصر اليس كما وصف وهذا أمر يوسف بن عمر حسد النصر وقد كان يوسف كتب إلى هشام يذكر كبر نصر وضعفه ويذكر له سلم بن قتيبة فكتب إليه هشام أله عن ذكر الكنانى فلما قدم مغراء على يوسف قال له قد علمت بلاء نصر عندي وقد صنعت به ما قد علمت فليس لى في صحبته خير ولالى بخراسان مقام فأمرني بالمقام فكتب إلى نصر إنى قد حولت اسمه فأشخص إلى من قبلك من أهله وقيل إن يوسف لما أمر مغراء بعيب نصر قال كيف أعيبه مع بلائه وآثاره الجميلة عندي وعند قومي فلم يزل به فقال فيم أعيبه أعيب تجربته أم طاعته أو يمن نقيبته أو سياسته قال عبه بالكبر فلما دخل على هشام تكلم مغراء فذكر نصرا بأحسن ما يكون ثم قال في آخر كلامه لو لا فاستوى هشام جالسا فقال ما لولا قال لولا أن الدهر قد غلب عليه قال ما بلغ به ويحك الدهر قال ما يعرف الرجل إلا من قريب ولا يعرفه إلا بصوته وقد ضعف عن الغزو والركوب فشق ذلك على هشام فتكلم حملة بن نعيم فلما بلغ نصرا قول مغراء بعث هارون بن السياوش إلى الحكم بن نميلة وهو في السراجين يعرض الجند فأخذ برجله فسحبه عن طنفسة له وكسر لواءه على رأسه وضرب بطنفسته وجهه وقال كذاك يفعل الله بأصحاب الغدر * وذكر على بن محمد عن الحارث بن أفلح بن مالك بن أسماء بن خارجة لما ولى نصر خراسان أدنى مغراء بن أحمر بن مالك بن سارية النميري والحكم ابن نميلة بن مالك والحجاج بن هارون بن مالك وكان مغراء بن أحمر النميري رأس أهل قنسرين فآثر نصر مغراء وسنى منزلته وشفعه في حوائجه واستعمل ابن عمه الحكم بن نميلة على الجوزجان ثم عقد للحكم على أهل العالية وكان أبوه بالبصرة عليهم وكان بعده عكابة بن نميلة ثم أوفد نصر وفدا من أهل الشأم وأهل خراسان وصير عليهم مغراء وكان في الوفد حملة بن نعيم الكلبى فقال عثمان بن صدقة بن وثاب

[ 511 ]

لمسلم بن عبد الرحمن بن مسلم عامل طخارستان خيرنى مسلم مراكبه * فقلت حسبى من مسلم حكما هذا فتى عامر وسيدها * كفى بمن ساد عامرا كرما يعنى الحكم بن نميلة قال فتغير نصر لقيس وأوحشه ما صنع مغراء قال وكان أبو نميلة صالح الابار مولى بنى عبس خرج مع يحيى بن زيد بن على بن حسين فلم يزل معه حتى قتل بالجوزجان وكان نصر قد وجد عليه لذلك فأتى عبيد الله بن بسام صاحب نصر فقال: قد كنت في همة حيران مكتئبا * حتى كفانى عبيد الله تهمامى ناديته فسما للمجد مبتهجا * كغرة البدر جلى وجه أظلام فاسم برأى أبى ليث وصولته * إن كنت يوم حفاظ بامرئ سامى تظفر يداك بمن تمت مروته * واختصه ربه منه بإكرام ماضى العزائم ليثى مضاربه * على الكريهة يوم الروع مقدام لا هذر ساحة النادى ولا مذل * فيه ولا مسكت إسكات إفحام له من الحلم ثوباه ومجلسه * إذا المجالس شانت أهل أحلام قال فأدخله عبيد الله على نصر فقال أبو نميلة أصلحك الله إنى ضعيف فإن رأيت أن تأذن لراويتى فأذن له فأنشده، فاز قدح الكلبى فاعتقدت مغ‍ * راء في سعيه عروق لئيم فأبينى نمير ثم أبينى * العبد مغراء أم لصميم فلئن كان منكم ما يكون ال‍ * غدر والكفر من خصال الكريم ولئن كان أصله كان عبدا * ما عليكم من غدره من شتيم وليته ليث وأى ولاة * بأياد بيض وأمر عظيم أسمنته حتى إذا راح مغبو * طا بخير من شبيها المقسوم كاد ساداته بأهون من نه‍ * قة عير بقفرة مرقوم فضربنا لغيرنا مثل الكا * ب ذميما والذم للمذموم

[ 512 ]

وحمدنا ليثا ويأخذ بالفض‍ * ل ذوو الجود والندى والحلوم فاعلمن يا بنى القساورة الغل‍ * ب وأهل الصفا وأهل الحطيم أن في شكر صالحينا لما يد * حض قول المرهق الموصوم قد رأى الله ما أتيت ولن ين‍ * قص نبح الكلاب زهر النجوم فلما فرغ قال نصر صدقت وتكلمت القيسية واعتذروا قال وأهان نصر قيسا وباعدهم حين فعل مغراء ما فعل فقال في ذلك بعض الشعراء: لقد بغض الله الكرام إليكم * كما بغض الرحمن قيسا إلى نصر رأيت أبا ليث يهين سراتهم * ويدنى إليه كل ذى والث غمر (وحج) بالناس في هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك كذلك حدثنى أحمد ابن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي أيضا وكان عمال الامصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا في السنة التى قبلها وقد ذكرتهم قبل ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة ذكر الاخبار عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك مقدم جماعة من شيعة بنى العباس الكوفة يريدون مكة وشرى بكير بن ماهان في قول بعض أهل السير أبا مسلم صاحب دعوة بنى العباس من عيسى بن معقل العجلى ذكر الخبر عن سبب ذلك وقد اختلف في ذلك فأما على بن محمد فانه ذكر أن حمزة بن طلحة السلمى حدثه عن أبيه قال كان بكير بن ماهان كاتبا لبعض عمال السند فقدمها فاجتمعوا بالكوفة في دار فغمزبهم فأخذوا فحبس بكير وخلى من الباقين وفى الحبس يونس أبو عاصم وعيسى بن معقل العجلى ومعه أبو مسلم يخدمه فدعاهم بكير فأجابوه إلى رأيه فقال لعيسى بن معقل ما هذا الغلام قال مملوك قال تبيعه قال هو لك قال أحب أن تأخذ ثمنه قال هو لك بما شئت فأعطاه أربعمائة درهم ثم أخرجوا من السجن فبعث به إلى

[ 513 ]

ابراهيم فدفعه ابراهيم إلى موسى السراج فسمع منه وحفظ ثم صار إلى أن اختلف إلى خراسان وقال غيره توجه سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب من خراسان وهم يريدون مكة في سنة 124 فلما دخلوا الكوفة أتوا عاصم بن يونس العجلى وهو في الحبس قد اتهم بالدعاء إلى ولد العباس ومعه عيسى وادريس ابنا معقل حبسهما يوسف بن عمر فيمن حبس من عمال خالد ابن عبد الله ومعهما أبو مسلم يخدمهما فرأوا فيه العلامات فقالوا من هذا قالوا غلام معنا من السراجين وقد كان أبو مسلم يسمع عيسى وادريس يتكلمان في هذا الرأى فإذا سمعهما بكى فلما رأوا ذلك منه دعوه إلى ما هم عليه فأجاب وقبل (وفى هذه السنة) غزا سليمان بن هشام الصائفة فلقى أليون ملك الروم فسلم وغنم (وفيها) مات في قول الواقدي محمد بن على بن عبد الله بن عباس (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن اسماعيل كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وحج في هذه السنة عبد العزيز بن الحجاج ابن عبد الملك معه امرأته أم سلمة بنت هشام بن عبد الملك وذكر محمد بن عمر أن يزيد مولى أبى الزناد حدثه قال رأيت محمد بن هشام على بابها يرسل بالسلام وألطافه على بابها كثيرة ويعتذر فتأبى حتى كان يأيس من قبول هديته ثم أمرت بقبضها وكان عمال الامصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عمالها في سنة 122 وفى سنة 123 وقد ذكرناهم قبل ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك غزوة النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة ومن ذلك وفاة هشام ابن عبد الملك بن مروان فيها وكانت وفاته فيما ذكر أبو معشر لست ليال خلون من شهر ربيع الآخر كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عنه وكذلك قال الواقدي والمدائني وغيرهما غير أنهم قالوا كانت وفاته يوم الاربعاء

[ 514 ]

لست ليال خلون من شهر ربيع الآخر فكانت خلافته في قول جميعهم تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وأحد وعشرين يوما في قول المدائني وابن الكلبى وفى قول أبى معشر وثمانية أشهر ونصفا وفى قول الواقدي وسبعة أشهر وعشرة ليال واختلف في مبلغ سنه فقال هشام بن محمد الكلبى توفى وهو ابن خمس وخمسين سنة وقال بعضهم توفى وله اثنتان وخمسون سنة وقال محمد بن عمر كان هشام يوم توفى ابن أربع وخمسين سنة وكانت وفاته بالرصافة وبها قبره وكان يكنى أبا الوليد ذكر الخبر عن العلة التى كانت بها وفاته * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنى على بن محمد قال حدثنى شيبة بن عثمان قال حدثنى عمرو بن كليع قال حدثنى سالم أبو العلاء قال خرج علينا هشام بن عبد الملك يوما وهو كئيب يعرف ذلك فيه مسترخ عليه ثيابه وقد أرخى عنان دابته فسار ساعة ثم انتبه فجمع ثيابه وأخذ بعنان دابته وقال للربيع ادع الابرش فدعى فسار بينى وبين الابرش فقال له الابرش يا أمير المؤمنين لقد رأيت منك شيئا غمني قال وما هو قال رأيتك قد خرجت على حال غمني قال ويحك يا أبرش وكيف لا أغتم وقد زعم أهل العلم أنى ميت إلى ثلاثة وثلاثين يوما قال سالم فرجعت إلى منزلي فكتبت في قرطاس زعم أمير المؤمنين يوم كذا وكذا أنه يسافر إلى ثلاثة وثلاثين يوما فلما كان في الليلة التى استكمل فيها ثلاثة وثلاثين يوما إذا خادم يدق الباب يقول أجب أمير المؤمنين واحمل معك دواء الذبحة وقد كان أخذه مرة فتعالج فأفاق فخرجت ومعى الدواء فتغرغر به فازداد الوجع شدة ثم سكن فقال لى يا سالم قد سكن بعض ما كنت أجد فانصرف إلى أهلك وخلف الدواء عندي فانصرفت فما كان إلا ساعة حتى سمعت الصراخ عليه قالوا مات أمير المؤمنين فلما مات أغلق الخزان الابواب فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله فما وجدوه حتى استعاروا قمقما من بعض الجيران فقال بعض من حضر ذلك إن في هذا لمعتبرا لمن اعتبر وكانت وفاته بالذبحة فلما مات صلى عليه ابنه مسلمة بن هشام

[ 515 ]

ذكر بعض سير هشام * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنى على بن محمد عن وسنان الاعرجي قال حدثنى ابن أبى نحيلة عن عقال بن شبة قال دخلت على هشام وعليه قباء فنك أخضر فوجهني إلى خراسان وجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء ففطن فقال مالك قلت رأيت عليك قبل أن تلى الخلافة قباء فنك أخضر فجعلت أتأمل هذا أهو ذاك أم غيره فقال هو والله الذى لا إله إلا هو ذاك مالى قباء غيره وأما ما ترون من جمعى هذا المال وصونه فانه لكم قال وكان عقال مع هشام فأما شبة أبو عقال فكان مع عبد الملك بن مروان وكان عقال يقول دخلت على هشام فدخلت على رجل محشو عقلا * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنى على قال قال مروان بن شجاع مولى لمروان بن الحكم كنت مع محمد بن هشام بن عبد الملك فأرسل إلى يوما فدخلت عليه وقد غضب وهو يتلهف فقلت مالك فقال رجل نصراني شج غلامي وجعل يشتمه فقلت له على رسلك قال فما أصنع قلت ترفعه إلى القاضى قال وما غير هذا قلت لا قال خصى له أنا أكفيك فذهب فضربه وبلغ هشام فطلب الخصى فعاذ بمحمد فقال محمد بن هشام لم آمرك وقال الخصى بلى والله لقد أمرتنى فضرب هشام الخصى وشتم ابنه * وحدثني أحمد قال على لم يكن أحد يسير في أيام هشام في موكب إلا مسلمة بن عبد الملك قال ورأى هشام يوما سالما في موكب فزجره وقال لاعلمن متى سرت في موكب وكان يقدم الرجل الغريب فيسير معه فيقف سالم ويقول حاجتك ويمنعه أن يسير معه وكان سالم كأنه هو أمر هشاما قال ولم يكن أحد من بنى مروان يأخذ العطاء الا عليه الغزو فمنهم من يغزو ومنهم من يخرج بدلا قال وكان لهشام بن عبد الملك مولى يقال له يعقوب فكان يأخذ عطاء هشام مائتي دينار ودينارا يفضل بدينار فيأخذها يعقوب ويغزو وكانوا يصيرون أنفسهم في أعوان الديوان وفى بعض ما يجوز لهم المقام به ويوضع به الغزو عنهم وكان داود وعيسى ابنا على بن عبد الله ابن عباس وهما لام في أعوان الشرق بالعراق لخالد بن عبد الله فأقاما عنده فوصلهما ولولا ذلك لم يستطع أن يحبسهما فصيرهما في الاعوان فسمرا وكانا يسامرانه

[ 516 ]

ويحدثانه قال فولى هشام بعض مواليه ضيعة له فعمرها فجاءت بغلة عظيمة كبيرة ثم عمرها أيضا فأضعفت الغلة وبعث بها مع ابنه فقدم بها على هشام فأخبره خبر الضيعة فجزاه خيرا فرأى منه انبساطا فقال يا أمير المؤمنين إن لى حاجة قال وما هي قال زيادة عشرة دنانير في العطاء فقال ما يخيل إلى أحدكم أن عشرة دنانير في العطاء الا بقدر الجوز لا لعمري لا أفعل * حدثنى أحمد قال حدثنا على قال قال جعفر ابن سليمان قال لى عبد الله بن على جمعت دواوين بنى مروان فلم أر ديوانا أصح ولا أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام * حدثنا أحمد قال قال على قال غسان ابن عبد الحميد لم يكن أحد من بنى مروان أشد حصرا في أمر أصحابي ودواوينه ولا أشد مبالغة في الفحص عنهم من هشام * حدثنى أحمد قال حدثنا على قال قال حماد الابح قال هشام لغيلان ويحك يا غيلان قد أكثر الناس فيك فنازعنا بأمرك فان كان حقا اتبعناك وإن كان باطلا نزعت عنه قال نعم فدعا هشام ميمون بن مهران ليكلمه فقال له ميمون سل فان أقوى ما يكون إذا سألتم قال له أشاء الله أن يعصى فقال له ميمون أفعصى كارها فسكت فقال هشام أجبه فلم يجبه فقال له هشام لا أقالني الله إن أقلته وأمر بقطع يديه ورجليه * حدثنى أحمد قال حدثنا على عن رجل من غنى عن بشر مولى هشام قال أوتى هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط فقال اكسروا الطنبور على رأسه وضربه فبكى الشيخ قال بشر فقلت له وأنا أعزيه عليك بالبصر فقال أتراني أبكى للضرب إنما أبكى لاحتقاره للبربط إذ سماه طنبورا قال وأغلظ رجل لهشام فقال له هشام ليس لك أن تغلظ لامامك قال وتفقد هشام بعض ولده ولم يحضر الجمعة فقال له ما منعك من الصلاة قال نفقت دابتي قال أفعجزت عن المشى فتركت الجمعة فمنعه الدابة سنة قال وكتب سليمان بن هشام إلى أبيه إن بغلتي قد عجزت عنى فان رأى أمير المؤمنين أن يأمر لى بدابة فعل فكتب إليه قد فهم أمير المؤمنين كتابك وما ذكرت من ضعف دابتك وقد ظن أمير المؤمنين أن ذلك من قلة تعهدك لعلفها وأن علفها يضيع فتعهد دابتك في القيام عليها بنفسك ويرى أمير المؤمنين رأيه في حملانك قال وكتب إليه

[ 517 ]

بعض عماله إنى قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة رراقن فليكتب إلى أمير المؤمنين بوصولها فكتب إليه قد وصل إلى أمير المؤمنين الدراقن الذى بعثت به فأعجبه فزد أمير المؤمنين منه واستوثق من الوعاء قال وكتب إلى بعض عماله قد وصلت الكمأة التى بعثت بها إلى أمير المؤمنين وهى أربعون وقد تغير بعضها ولم تؤت في ذلك الا من حشوها فإذا بعثت إلى أمير المؤمنين منها شيئا فأجد حشوها في الظرف الذى تجعلها فيه بالرمل حتى لا تضطرب ولا يصيب بعضها بعضا * حدثنى أحمد قال حدثنى على قال حدثنا الحارث بن يزيد قال حدثنى مولى لهشام قال بعث معى مولى لهشام كان على بعض ضياعه بطيرين ظريفين فدخلت إليه وهو جالس على سرير في عرصة الدار فقال أرسلهما في الدار قال فأرسلتهما فنظر إليهما فقلت يا أمير المؤمنين جائزتي قال ويلك وما جائزة طيرين قلت ما كان قال خذ أحدهما فعدوت في الدار عليهما فقال مالك قلت أختار خيرهما قال أتختار أيضا خيرهما وتدع شرهما لى دعهما ونحن نعطيك أربعين درهما أو خمسين درهما قال وأقطع هشام أرضا يقال لها دورين فأرسل في قبضها فإذا هي خراب فقال لذويد كاتب كان بالشأم ويحك كيف الحيلة قال ما تجعل لى قال أربعمائة دينار فكتب دورين وقرأها ثم أمضاها في الدواوين فأخذ شيئا كثيرا فلما ولى هشام دخل عليه ذويد فقال له هشام دورين وقراها لا والله لا تلى لى ولاية أبدا وأخرجه من الشأم * حدثنى أحمد قال حدثنا على عن عمير بن يزيد عن أبى خالد قال حدثنى الوليد بن خليد قال رأني هشام بن عبد الملك وأنا على برذون طخارى فقال يا وليد بن خليد ما هذا البرذون قلت حملني عليه الجنيد فحسدني وقال والله لقد كثرت الطخارية لقدمات عبد الملك فما وجدنا في دوابه برذونا طخاريا غير واحد فتنافسه بنو عبد الملك أيهم يأخذه وما منهم أحد إلا يرى أنه إن لم يأخذه لم يرث من عبد الملك شيئا قال وقال بعض آل مروان لهشام أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان قال ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف قال وقال هشام يوما للابرش أوضعت أعنزك قال إى والله قال لكن أعنزى تأخر ولادها فاخرج بنا إلى أعنزك نصب من ألبانها قال

[ 518 ]

نعم أفأقدم قوما قال لا قال أفأقدم خباء حتى يضرب لنا قال نعم فبعث برجلين بخباء فضرب وغدا هشام والابرش وغدا الناس فقعد هشام والابرش كل واحد منهما على كرسى وقد إلى كل واحد منهما شاة فحلب هشام الشاة بيده النار وقال تعلم يا أبرش أنى لم أبس الحلب ثم أمر بملة فعجنت وأوقد بيده ثم فحصها وألق الملة وجعل يقلبها بالمحراث ويقول يا أبرش كيف ترى رفقي حتى نضجت ثم أخرجها وجعل يضربها بالمحراث ويقول جبينك جبينك والابرش يقول لبيك لبيك وهذا شئ تقوله الصبيان إذا خبزت لهم الملة ثم تغدى وتغدى الناس ورجع قال وقدم علباء ابن منظور الليثى على هشام فأنشده قالت علية واعتزمت لرحلة * زوراء بالاذنين ذات تسدر أين الرحيل وأهل بيتك كلهم * كل عليك كبيرهم كالاصغر فأصاغر أمثال سلكان القطا * لا في ثرى مال ولا في معشر إنى إلى ملك الشآم لراحل * وإليه يرحل كل عبد موقر فلاتر كنك إن حييت غنية * بندى الخليفة ذى الفعال الازهر إنا أناس ميت ديواننا * ومتى يصبه ندى الخليفة ينشر فقال له هشام هذا الذى كنت تحاول وقد أحسنت المسألة فأمر له بخمسمائة درهم وألحق له عيلا في العطاء قال وأتى هشاما محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال مالك عندي شئ ثم قال إياك أن يغرك أحد فيقول لم يعرفك أمير المؤمنين إنى قد عرفتك أنت محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فلا تقيمن وتنفق ما معك فليس لك عندي صلة فالحق بأهلك قال وقف هشام يوما قريبا من حائط له فيه زيتون ومعه عثمان بن حيان المرى وعثمان قائم يكاد رأسه يوازى رأس أمير المؤمنين وهو يكلمه إذ سمع نفض الزيتون فقال لرجل انطلق إليهم فقل لهم ألقطوه لقطا ولا تنفضوه نفضا فتتفقأ عيونه وتتكسر غصونه قال وحج هشام فأخذ الابرش مخنثين ومعهم البرابط فقال هشام احبسوهم وبيعوا متاعهم فما أدرى ما هو وصيروا ثمنه في بيت المال فإذا صلحوا فردوا عليهم الثمن

[ 519 ]

وكان هشام بن عبد الملك ينزل الرصافة وهى فيما ذكر من أرض قنسرين وكان سبب نزوله إياها فيما حدثنى أحمد بن زهير بن حرب عن على بن محمد قال كان الخلفاء وأبناء الخلفاء ينتبذون ويهربون من الطاعون فينزلون البرية خارجا عن الناس فلما أراد هشام أن ينزل الرصافة قيل له لا تخرج فان الخلفاء لا يطعنون لم ير خليفة طعن قال أتريدون أن تجربوا بى فنزل الرصافة وهى برية ابتنى بها قصرين والرصافة مدينة رومية بنتها الروم وكان هشام أحول * فحدثني أحمد عن على قال بعث خالد بن عبد الله إلى هشام بن عبد الملك بحاد فحدا بين يديه بأرجوزة أبى النجم والشمس في الافق كعين الاحول * صغواء قد همت ولما تفعل فغضب هشام وطرده * وحدثني أحمد بن زهير قال حدثنى على بن محمد قال حدثنا أبو عاصم الضبى قال مربى معاوية بن هشام وأنا أنظر إليه في رحبة أبى شريك وأبو شريك رجل من العجم كانت تنسب إليه وهى مزرعة وقد اختبز خبزة فوقف على فقلت الغداء فنزل وأخرجتها فوضعتها في لبن فأكل ثم جاء الناس فقلت من هذا قالوا معاوية بن هشام فأمر لى بصلة وركب وثار بين يديه ثعلب فركض خلفه فما تبعه غلوة حتى عثر به فرسه فسقط فاحتملوه ميتا فقال هشام تالله لقد أجمعت أن أرشحه للخلافة ويتبع ثعلبا قال وكانت عند معاوية بن هشام ابنة إسماعيل بن جرير وامرأة أخرى فأخرج هشام كل واحدة منهما من نصف الثمن بأربعين ألفا * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا على قال قال قحذم كاتب يوسف بعثنى يوسف بن عمر إلى هشام بياقوتة حمراء تخرج طرفاها من كفى ولؤلؤ حبه أعظم ما يكون من اللؤلؤ فدخلت عليه فدنوت منه فلم أروجهه من طول السرير وكثرة الفرش فتناول الحجر والحبة فقال اكتب معك بوزنهما قلت يا أمير المؤمنين هما أجل عن أن يكتب بوزنهما ومن أين يوجد مثلهما قال صدقت وكانت الياقوتة للرائقة جارية خالد بن عبد الله اشترتها بثلاثة وسبعين ألف دينار * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى قال

[ 520 ]

حدثنا حسين بن يزيد عن شهاب بن عبد ربه عن عمرو بن على قال مشيت مع محمد ابن على إلى داره عند الحمام فقلت له إنه قد طال ملك هشام وسلطانه وقد قرب من العشرين وقد زعم الناس أن سليمان سأل ربه ملكا لا ينبغى لاحد من بعده فزعم الناس أنها العشرون فقال ما أدرى ما أحاديث الناس ولكن أبى حدثنى عن أبيه عن على عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لن يعمر الله ملكا في أمة نبى مضى قبله ما بلغ بذلك النبي من العمر (وفى هذه السنة) ولى الخلافة بعد موت هشام بن عبد الملك الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وليها يوم السبت في شهر ربيع الآخر سنة 125 في قول هشام بن محمد الكلبى وأما محمد بن عمر فانه قال استخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الاربعاء لست خلون من شهر ربيع الآخر من سنة 125 وقال في ذلك على بن محمد مثل قول محمد بن عمر خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر الخبر عن بعض أسباب ولايته الخلافة قد مضى ذكرى سبب عقد أبيه يزيد بن عبد الملك بن مروان له الخلافة بعد أخيه هشام بن عبد الملك وكان الوليد بن يزيد يوم عقد له أبوه يزيد ذلك ابن إحدى عشرة سنة فلم يمت يزيد حتى بلغ ابنه الوليد خمس عشرة سنة فندم يزيد على استخلافه هشاما أخاه بعد وكان إذا نظر إلى ابنه الوليد قال الله بينى وبين من جعل هشاما بينى وبينك فتوفى يزيد بن عبد الملك وابنه الوليد ابن خمس عشرة سنة وولى هشام وهو للوليد مكرم معظم مقرب فلم يزل ذلك من أمرهما حتى ظهر من الوليد بن يزيد مجون وشرب الشراب حمله على ذلك فيما حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد عن جويرية بن أسماء وإسحاق بن أيوب وعامر بن الاسود وغيرهم: عبد الصمد بن عبد الاعلى الشيباني أخو عبد الله ابن عبد الاعلى وكان مؤدب الوليد واتخذ الوليد ندماء فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاه الحج سنة 119 فحمل معه كلابا في صناديق فسقط منها صندوق

[ 521 ]

فيما ذكر على بن محمد عمن سميت من شيوخه عن البعير وفيه كلب فأجالوا على الكرى السياط فأوجعوه ضربا وحمل معه قبة عملها على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة وحمل معه خمرا وأراد أن ينصب القبة على الكعبة ويجلس فيها فخوفه أصحابه وقالوا لا نأمن الناس عليك وعلينا معك فلم يحركها وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف بن وبلغ ذلك هشاما فطمع في خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام وأراده على أن يخلعها ويبايع لمسلمة فأبى فقال له اجعلها له من بعدك فأبى فتنكر له هشام وأضربه وعمل سرا في البيعة لابنه فأجابه قوم قال فكان ممن أجابه خالاه محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزومى وبنو القعقاع بن خليد العبسى وغيرهم من خاصته قال وتمادى الوليد في الشراب وطلب اللذات فأفرط فقال له هشام ويحك يا وليدى والله ما أدرى أعلى الاسلام أنت أم لا ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير متحاش ولا مستتر به فكتب إليه الوليد يا أيها السائل عن ديننا * نحن على دين أبى شاكر نشربها صرفا وممزوجة * بالسخن أحيانا وبالفاتر فغضب هشام على ابنه مسلمة وكان يكنى أبا شاكر وقال له يعيرنى بك الوليد وأنا أرشحك للخلافة فالزم الادب واحضر الجماعة وولاه الموسم سنة 119 فأظهر النسك والوقار واللين وقسم بمكة والمدينة أموالا فقال مولى لاهل المدينة يا أيها السائل عن ديننا * نحن على دين أبى شاكر الواهب الجرد بأرسانها * ليس بزنديق ولا كافر يعرض بالوليد وأم مسلمة بن هشام أم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبى العاص فقال الكميت إن الخلافة كائن أو تادها * بعد الوليد إلى ابن أم حكيم فقال خالد بن عبد الله القسرى أنا برئ من خليفة يكنى أبا شاكر فغضب مسلمة ابن هشام على خالد فلما مات أسد بن عبد الله أخو خالد بن عبد الله كتب أبو شاكر إلى خالد بن عبد الله بشعرهجا به نوفل خالدا وأخاه أسدا حين مات

[ 522 ]

أراح من خالد وأهلكه * رب أراح العباد من أسد أما أبوه فكان مؤتشبا * عبدا لئيما لا عبد قفد وبعث بالطومار مع رسول على البريد إلى خالد فظن أنه عزاه عن أخيه ففض الخاتم فلم ير في الطومار غير الهجاء فقال ما رأيت كاليوم تعزية وكان هشام يعيب الوليد ويتنقصه وكثر عبثه به وبأصحابه وتقصيره به فلما رأى ذلك الوليد خرج وخرج معه ناس من خاصته ومواليه فنزل بالازرق بين أرض بلقين وفزارة على ماء يقال له الاغدف وخلف كاتبه عياض بن مسلم مولى عبد الملك بن مروان بالرصافة فقال له اكتب إلى ما يحدث قبلكم وأخرج معه عبد الصمد بن عبد الاعلى فشربوا يوما فلما أخذ فيهم الشراب قال الوليد لعبد الصمد يا أبا وهب قل أبياتا فقال ألم تر للنجم إذ شيعا * يبادر في برجه المرجعا تحير عن قصد مجراته * أتى الغور والتمس المطلعا فقلت وأعجبني شأنه * وقد لاح إذ لاح لى مطمعا لعل الوليد دنا ملكه * فأمسى إليه قد استجمعا وكنا نؤمل في ملكه * كتأميل ذى الجدب أن يمرعا عقدنا له محكمات الامو * رطوعا فكان لها موضعا وروى الشعر فبلغ هشاما فقطع عن الوليد ما كان يجرى عليه وكتب إلى الوليد بلغني عنك أنك اتخذت عبد الصمد خدنا ومحدثا ونديما وقد حقق ذلك عندي ما بلغني عنك ولم أبرئك من سوء فأخرج عبد الصمد مذموما مدحورا فأخرجه وقال فيه لقد قذفوا أبا وهب بأمر * كبير بل يزيد على الكبير فأشهد أنهم كذبوا عليه * شهادة عالم بهم خبير وكتب الوليد إلى هشام يعلمه إخراج عبد الصمد واعتذر إليه مما بلغه من منادمته وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه وكان ابن سهيل من أهل اليمن

[ 523 ]

وقد ولى دمشق غير مرة وكان ابن سهيل من خاصة الوليد فضرب هشام ابن سهيل وسيره وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد وبلغه أنه يكتب بالاخبار إلى الوليد فضربه ضربا مبرحا وألبسه المسوح فبلغ الوليد فقال من يثق بالناس ومن يصطنع المعروف هذا الاحول المشؤم قدمه أبى على أهل بيته فصيره ولى عهده ثم يصنع بى ما ترون لا يعلم أن لى في أحد هوى إلا عبث به كتب إلى أن أخرج عبد الصمد فأخرجته وكتبت إليه أن يأذن لابن سهيل في الخروج إلى فضربه وسيره وقد علم رأى فيه وقد علم انقطاع عياض بن مسلم إلى وتحرمه بى ومكانه منى وأنه كاتبى فضربه وحبسه يضارني بذلك اللهم أجرني منه وقال أنا النذير لمسدى نعمة أبدا * إلى المقاريف ما لم يخبر الدخلا إن أنت أكرمتهم ألفيتهم بطرا * وإن أهنتهم ألفيتهم ذللا أتشمخون ومنا رأس نعمتكم * ستعلمون إذا كانت لنا دولا أنظر فإن كنت لم تقدر على مثل * له سوى الكلب فاضربه له مثلا بينا يسمنه للصيد صاحبه * حتى إذ ما نوى من بعد ما هزلا عدا عليه فلم تضرره عدوته * ولو أطاق له أكلا لقد أكلا وكتب إلى هشام لقد بلغني الذى أحدث أمير المؤمنين من قطع ما قطع عنى ومحو مامحا من أصحابي وحرمى وأهلي ولم أكن أخاف أن يبتلى الله أمير المؤمنين بذلك ولا أبالى به منه فال يكن ابن سهيل كان منه ما كان فيحسب العير أن يكون قدر الذئب ولم يبلغ من صنيعى في ابن سهيل واستصلاحه وكتابي إلى أمير المؤمنين فيه كنه ما بلغ أمير المؤمنين من قطيعتي فان يكن ذلك لشئ في نفس أمير المؤمنين على فقد سبب الله لى من العهد وكتب لى من العمر وقسم لى من الرزق مالا يقدر أحد دون الله على قطع شئ منه دون مدته ولا صرف شئ عن مواقعه فقدر الله يجرى بمقاديره فيما أحب الناس أو كرهوا ولا تأخير لعاجله ولا تعجيل لآجله فالناس بين ذلك يقترفون الآثام على نفوسهم من الله أو يستوجبون الاجور عليه وأمير المؤمنين أحق أمته بالبصر بذلك والحفظ له والله الموفق لأمير المؤمنين

[ 524 ]

لحسن القضاء له في الامور فقال هشام لابي الزبير يا نسطاس أترى الناس يرضون بالوليد إن حدث بى حدث قال بل يطيل الله عمرك يا أمير المؤمنين قال ويحك لا بد من الموت أفترى الناس يرضون بالوليد قال يا أمير المؤمنين إن له في أعناق الناس بيعة فقال هشام لئن رضى الناس بالوليد ما أظن الحديث الذى رواه الناس أن من قام بالخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار إلا باطلا وكتب هشام إلى الوليد قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قطع ما قطع عنك وغير ذلك وأمير المؤمنين يستغفر الله من إجرائه ما كان يجرى عليك وأمير المؤمنين أخوف على نفسه من اقتراف المآثم عليها في الذى كان يجرى عليك منه في الذى أحدث من قطع ما قطع ومحو مامحا من صحابتك لامرين أما أحدهما فإيثار أمير المؤمنين إياك بما كان يجرى عليك وهو يعلم وضعك له وإنفاقكه في غير سبيله وأما الآخر فإثبات صحابتك وإدرار أرزاقهم عليهم لا ينالهم ما ينال المسلمين في كل عام من مكروه عند قطع البعوث وهم معك تجول بهم في سفهك ولامير المؤمنين أحرى في نفسه للتقصير في القتر عليك منه للاعتداء عليك فيها مع أن الله قد نصر أمير المؤمنين في قطع ما قطع عنك من ذلك ما يرجو به تكفير ما يتخوف مما سلف فيه منه وأما ابن سهيل فلعمري لئن كان نزل منك بما نزل وكان أهلا أن تسرفيه أو تساء ما جعله الله كذلك وهل زاد ابن سهيل لله أبوك على أن كان مغنيا زفانا قد بلغ في السفه غايته وليس ابن سهيل مع ذلك بشر ممن تستصحبه في الامور التى يكرم أمير المؤمنين نفسه عن ذكرها مما كنت لعمر الله أهلا للتوبيخ به ولئن كان أمير المؤمنين على ظنك به في الحرص على فسادك إنك إذا بغير إل عن هوى أمير المؤمنين من ذلك وأما ما ذكرت مما سبب الله لك فان الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك واصطفاه له والله بالغ أمره لقد أصبح أمير المؤمنين وهو على اليقين من ربه أنه لا يملك لنفسه فيما أعطاه من كرامته ضرا ولا نفعا وإن الله ولى ذلك منه وأنه لا بد له من مزايلته والله أرأف بعباده وأرحم من أن يولى أمرهم غير الرضى له منهم وإن أمير المؤمنين من حسن ظنه بربه لعلى أحسن

[ 525 ]

الرجاء أن يوليه تسبيب ذلك لمن هو أهله في الرضا له به ولهم فان بلاء الله عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره أو يؤديه شكره إلا بعون منه ولئن كان قدر لامير المؤمنين تعجيل وفاة إن في الذى هو مفض إليه إن شاء الله من كرامة الله لخلفا من الدنيا ولعمري إن كتابك إلى أمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك وحمقك فاربع على نفسك من غلوائها وارقا على ظلعك فإن لله سطوات وعينا يصيب بذلك من يشاء ويأذن فيه لمن يشاء ممن شاء الله وأمير المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق لاحب الامور إليه وأرضاها له فكتب الوليد إلى هشام رأيتك تبنى جاهدا في قطيعتي * فلو كنت ذا إرب لهدمت ما تبنى تثير على الباقين مجنى ضغينة * فويل لهم إن مت من شرما تجن كأنى بهم والليت أفضل قولهم * ألا ليتنا والليت إذ ذاك ويغنى كفرت يدا من منعم لو شكرتها * جزاك بها الرحمن ذو الفضل لا المن قال فلم يزل الوليد مقيما في تلك البرية حتى مات هشام فلما كان صبيحة اليوم الذى جاءته فيه الخلافة أرسل إلى أبى الزبير المنذر بن أبى عمرو فأتاه فقال له يا أبا الزبير ما أتت على ليلة منذ عقلت عقلي أطول من هذه الليلة عرضت لى همومى وحدثت نفسي فيها بأمور من أمر هذا الرجل قد أولع بى يعنى هشاما فاركب بنا نتنفس فركبا فسار ميلين ووقف على كثيب وجعل يشكو هشاما إذ نظر إلى رهج فقال هؤلاء رسل هشام نسأل الله من خيرهم إذا بدا رجلان على البريد مقبلان أحدهما مولى لابي محمد السفياني والآخر جردبة فلما قربا أتيا الوليد فنزلا بعدوان حتى دنيا منه فسلما عليه بالخلافة فوجم وجعل جردبة يكرر عليه السلام بالخلافة فقال ويحك أمات هشام قال نعم قال فممن كتابك قال من مولاك سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل فقرأ الكتاب فانصرفا فدعا مولى أبى محمد السفياني فسأله عن كاتبه عياض بن مسلم فقال يا أمير المؤمنين لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام أمر الله فلما صار في حد لا ترجى الحياة لمثله أرسل عياض إلى الخزان أن احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلن أحد منه إلى شئ وأفاق هشام إفاقة فطلب شيئا فمنعوه فقال أرانا كنا خزانا للوليد ومات

[ 526 ]

من ساعته وخرج عياض من السجن فختم أبواب الخزائن وأمر بهشام فأنزل عن فرشه فما وجدوا له قمقما يسخن له فيه الماء حتى استعاروه ولا وجدوا كفنا من الخزائن فكفنه غالب مولى هشام فكتب الوليد إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان أن يأتي الرصافة فيحصى ما فيها من أموال هشام وولده ويأخذ عماله وحشمه إلا مسلمه بن هشام فانه كتب إليه أنه لا يعرض له ولا يدخل منزله فانه كان يكثر أن يكلم أباه في الرفق به ويكفه عنه فقدم العباس الرصافة فأحكم ما كتب به إليه الوليد وكتب إلى الوليد بأخذ بنى هشام وحشمه وإحصاء أموال هشام فقال الوليد ليت هشاما كان حيا يرى * محلبه الاوفر قد أترعا (ويروى) ليت هشاما عاش حتى يرى * مكياله الاوفر قد طبعا كلناه بالصاع الذى كاله * وما ظلمناه به إصبعا وما أتينا ذاك عن بدعة * أحله الفرقان لى أجمعا فاستعمل الوليد العمال وجاءته بيعته من الآفاق وكتب إليه العمال وجاءته الوفود وكتب إليه مروان بن محمد بارك الله لامير المؤمنين فيما أصاره إليه من ولاية عباده ووراثة بلاده وكان من تغشى غمرة سكرة الولاية ما حمل هشاما على ما حاول من تصغير ما عظم الله من حق أمير المؤمنين ورام من الامر المستصعب عليه الذى أجابه إليه المدخولون في آرائهم وأديانهم فوجدوا ما طمع فيه مستصعبا وزاحمته الاقدار بأشد مناكبها وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه حتى ازره بأكرم مناطق الخلافة فقام بما أراه الله له أهلا ونهض مستقلا بما حمل منها مثبتة ولايته في سابق الزبر بالاجل المسمى خصه الله بها على خلقه وهو يرى حالاتهم فقلده طوقها ورمى إليه بأزمة الخلافة وعصم الامور فالحمد لله الذى اختار أمير المؤمنين لخلافته ووثائق عرى دينه وذب له عما كاده فيه الظالمون فرفعه ووضعهم فمن أقام على تلك الخسيسة من الامور أوبق نفسه وأسخط ربه

[ 527 ]

ومن عدلته التوبة نازعا عن الباطل إلى حق وجد الله توابا رحيما أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنى عند ما انتهى إلى من قيامه بولاية خلافة الله نهضت إلى منبرى على سيفان مستعدا بهما لاهل الغش حتى أعلمت من قبلى ما امتن الله به عليهم من ولاية أمير المؤمنين فاستبشروا لذلك وقالوا لم تأتنا ولاية خليفة كانت آمالنا فيها أعظم ولا هي لنا أسر من ولاية أمير المؤمنين وقد بسطت يدى لبيعتك فجددتها ووكدتها بوثائق العهود وترداد المواثيق وتغليظ الايمان فكلهم حسنت إجابتهم وطاعتهم فأثبهم يا أمير المؤمنين بطاعتهم من مال الله الذى آتاك فإنك أجودهم جودا وأبسطهم يدا وقد انتظروك راجين فضلك قبلهم بالرحم الذى استرحموك وزدهم زيادة يفضل بها من كان قبلك حتى يظهر بذلك فضلك عليهم على رعيتك ولو لا ما أحاول من سد الثغر الذى أنا به لخفت أن يحملنى الشوق إلى أمير المؤمنين إن استخلف رجلا على غير أمره وأقدم لمعاينة أمير المؤمنين فإنها لا يعدو لها عندي عادل نعمة وإن عظمت فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لى في المسير إليه لا شافهه بأمور كرهت الكتاب بها فعل فلما ولى الوليد أجرى على زمنى أهل الشأم وعميانهم وكساهم وأمر لكل إنسان منهم بخادم وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوه وزادهم على ما كان يخرج لهم هشام وزاد الناس جميعا في العطاء عشرة عشرة ثم زاد أهل الشأم بعد زيادة العشرات عشرة عشرة لاهل الشأم خاصة وزاد من وفد إليه من أهل بيته في جوائزهم الضعف وكان وهو ولى عهد يطعم من وفد إليه من أهل الصائفة قافلا ويطعم من صدر عن الحج بمنزل يقال له زيزاء ثلاثة أيام ويعلف دوابهم ولم يقل في شئ يسأله لا فقيل له إن في قولك أنظر عدة ما يقيم عليها الطالب فقال لا أعود لساني شيئا لم أعتده وقال ضمنت لكم إن لم تعقنى عوائق * بأن سماء الضر عنكم ستقلع سيوشك إلحاق معا وزيادة * وأعطية منى عليكم تبرع محرمكم ديوانكم وعطاؤكم * به يكتب الكتاب شهرا وتطبع

[ 528 ]

(وفى هذه السنة) عقد الوليد بن يزيد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من بعده وجعلهما وليى عهده أحدهما بعد الآخر وجعل الحكم مقدما على عثمان وكتب بذلك إلى الامصار وكان ممن كتب إليه بذلك يوسف بن عمر وهو عامل الوليد يومئذ على العراق وكتب بذلك يوسف إلى نصر بن سيار وكانت نسخة الكتاب إليه بسم الله الرحمن الرحيم من يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار أما بعد فإنى بعثت اليك نسخة كتاب أمير المؤمنين الذى كتب به إلى من قبلى الذى ولى الحكم ابن أمير المؤمنين وعثمان ابن أمير المؤمنين من العهد بعده مع عقال ابن شبة التميمي وعبد الملك القينى وأمرتهما بالكلام في ذلك فإذا قدما عليك فاجمع لقراءة كتاب أمير المؤمنين الناس ومرهم فليحشدوا له وقم فيهم بالذى كتب أمير المؤمنين فإذا فرغت فقم بقراءة الكتاب وأذن لمن أراد أن يقوم بخطبة ثم بايع الناس لهما على اسم الله وبركته وخذ عليهم بالمواثيق على الذى نسخت لك في آخر كتابي هذا الذى نسخ لنا أمير المؤمنين في كتابه فافهمه وبايع عليه نسأل الله أن يبارك لامير المؤمنين ورعيته في الذى قضى لهم على لسان أمير المؤمنين وأن يصلح الحكم وعثمان ويبارك لنا فيهما والسلام عليك وكتب النصر يوم الخميس للنصف من شعبان سنة خمس وعشرين ومائة بسم الله الرحمن الرحيم تبايع لعبد الله الوليد أمير المؤمنين والحكم ابن أمير المؤمنين إن كان من بعده وعثمان ابن أمير المؤمنين إن كان بعد الحكم على السمع والطاعة وإن حدث بواحد منهما حدث فأمير المؤمنين أملك في ولده ورعيته يقدم من أحب ويؤخر من أحب عليك بذلك عهد الله وميثاقه فقال الشاعر في ذلك نؤمل عثمان بعد الولي‍ * د للعهد فينا ونرجو يزيدا كما كان إذ ذاك في ملكه * يزيد يرجى لذاك الوليدا على أنها شعست شعسة * فنحن نؤملها أن تعودا فإن هي عادت فأوصى القري‍ * ب عنها ليؤيس منها البعيدا قال أحمد قال على عن شيوخه الذين ذكرت فقدم عقال بن شبة وعبد الملك

[ 529 ]

ابن نعيم على نصر وقدما بالكتاب وهو أما بعد فإن الله تباركت أسماؤه وجل ثناؤه وتعالى ذكره اختار الاسلام دينا لنفسه وجعله خير خيرته من خلقه ثم اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس فبعثهم به وأمرهم به وكان بينهم وبين من مضى من الامم وخلا من القرون قرنا فقرنا يدعون إلى التى هي أحسن ويهدون إلى صراط مستقيم حتى انتهت كرامة الله في نبوته إلى محمد صلوات الله عليه على حين دروس من العلم وعمى من الناس وتشتيت من الهوى وتفرق من السبل وطموس من أعلام الحق فأبان الله به الهدى وكشف به العمى واستنقذ به من الضلالة والردى وأبهج به الدين وجعله رحمة للعالمين وختم به وحيه وجمع له ما أكرم به الانبياء قبله وقفى به على آثارهم مصدقا لما نزل معهم ومهيمنا عليه وداعيا إليه وآمرا به حتى كان من أجابه من أمته ودخل في الدين الذى أكرمهم الله به مصدقين لما سلف من أنبياء الله فيما يكذبهم فيه قومهم منتصحين لهم فيما ينهونه ذابين لحرمهم عما كانوا منتهكين معظمين منها لما كانوا مصغرين فليس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أحد كان يسمع لاحد من أنبياء الله فيما بعثه الله به مكذبا ولا عليه في ذلك طاعنا ولا له مؤذيا بتسفيه له أورد عليه إذ جحد لما أنزل الله عليه معه فلم يبق كافر إلا استحل بذلك دمه وقطع الاسباب التى كانت بينه وبينه وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتهم ثم استخلف خلفاءه على منهاج نبوته حين قبض نبيه صلى الله عليه وسلم وختم به وحيه لانفاذ حكمه وإقامة سنته وحدوده والاخذ بفرائضه وحقوقه تأييدا بهم للاسلام وتشييدا بهم لعراه وتقوية بهم لقوى حبله ودفعا بهم عن حريمه وعدلا بهم بين عباده وإصلاحا بهم لبلاده فإنه تبارك وتعالى يقول: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين) فتتابع خلفاء الله على ما أورثهم الله عليه من أمر أنبيائه واستخلفهم عليه منه لا يتعرض لحقهم أحد إلا صرعه الله ولا يفارق جماعتهم أحد إلا أهلكه الله ولا يستخف بولايتهم ويتهم قضاء الله فيهم أحد إلا أمكنهم الله منه وسلطهم عليه وجعله نكالا وموعظة لغيره وكذلك صنع الله ممن فارق

[ 530 ]

الطاعة التى أمر بلزومها والاخذ بهاو الاثرة لهاو التى قامت بها السموات والارض قال الله تبارك وتعالى (ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) وقال عز ذكره (وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون) فبا لخلافة أبقى الله من أبقى في الارض من عباده وإليها صيره وبطاعة من ولاه إياها سعد من ألهما ونصرها فان الله عزوجل علم أن لا قوام لشئ ولاصلاح له إلا بالطاعة التى يحفظ الله بها حقه ويمضى بها أمره وينكل بها عن معاصيه ويوقف عن محارمه ويذب عن حرماته فمن أخذ بحظه منها كان لله وليا ولامره مطيعا ولرشده مصيبا ولعاجل الخير وآجله مخصوصا ومن تركها ورغب عنها وحاد الله فيها أوضاع نصيبه وعصى ربه وخسر دنياه وآخرته وكان ممن غلبت عليه الشقوة واستحزذت عليه الامور الغاوية التى تورد أهلها أفظع المشارع وتقودهم إلى شر المصارع فيما يحل الله بهم في الدنيا من الذلة والنقمة ويصيرهم فيما عندهم من العذاب والحسرة والطاعة رأس هذا الامر وذروته وسنامه وزمامه وملاكه وعصمته وقوامه بعد كلمة الاخلاص التى ميز الله بها بين العباد وبالطاعة قال المفلحون من الله منازلهم واستوجبوا عليه ثوابهم وفي المعصية مما يحل بغيرهم من نقماته وتصيبهم عليه ويحق من سخطه وعذابه وينزل بالطاعة والاضاعة لها والخروج منها والادبار عنها والتبدل بها أهلك الله من ضل وعتا وعمى وغلا وفارق مناهج البر والتقوى فالزموا طاعة الله فيما عراكم ونالكم وألم بكم من الامور وناصحوها واستوثقوا عليها وسارعوا إليها وخالصوها وابتغوا القربة إلى الله بها فانكم قد رأيتم موأقع قضاء الله لاهلها في إعلائه إياهم وإفلاجه حجتهم ودفعه باطل من حادهم وناواهم وساماهم وأراد إطفاء نور الله الذى معهم وأخبرتم مع ذلك ما يصير إليه أهل المعصية من التوبيخ لهم والتقصير بهم حتى يؤول أمرهم إلى تبار وصغار وذلة وبوار وفي ذلك لمن كان له رأى وموعظة عبرة ينتفع بواضحها

[ 531 ]

ويتمسك بحظوتها ويعرف خيرة قضاء الله لاهلها ثم إن الله وله الحمد والمن والفضل هدى الامة لافضل الامور عافية لها في حقن دمائها والتئام ألفتها واجتماع كلمتها واعتدال عمودها وإصلاح دهمائها وذخر النعمة عليها في دنياها بعد خلافته التى جعلها لهم نظاما ولامرهم قواما وهو العهد الذى ألهم الله خلفاءه توكيده والنظر للمسلمين في جسيم أمرهم فيه ليكون لهم عند ما يحدث بخلفائهم ثقة في المفزع وملتجأ في الامر ولما للشعث وصلاحا لذات البين وتثبيتا لارجاء الاسلام وقطعا لنزغات الشيطان فيما يتطلع إليه أولياؤه ويوثبهم عليه من تلف هذا الدين وانصداع شعب أهله واختلافهم فيما جمعهم الله عليه منه فلا يريهم الله في ذلك إلا ما ساءهم وأكذب أمانيهم ويجدون الله قد أحكم بما قضى لاوليائه من ذلك عقد أمورهم ونفى عنهم من أراد فيها إدغالا أو بها إغلالا أو لما شدد الله منها توهينا أو فيما تولى الله منها اعتمادا فأكمل الله بها لخلفائه وحزبه البر الذين أودعهم طاعته أحسن الذى عودهم وسبب لهم من اعزازه واكرامه واعلائه وتمكينه فأمر هذا العهد من تمام الاسلام وكمال ما استوجب الله على أهله من المنن العظام ومما جعل الله فيه لمن أجراه على يديه وقضى به على لسانه ووفقه لمن ولاه هذا الامر عنده أفضل الذخر وعند المسلمين أحسن الاثر فيما يؤثر بهم من منفعته ويتسع لهم من أمنه ويستندون إليه من عزه ويدخلون فيه من وزره الذى يجعل الله لهم به منعة ويحرزهم به من كل مهلكة ويجمعهم به من كل فرقة ويقمع به أهل النفاق ويعصمهم به من كل اختلاف وشقاق فاحمدوا الله ربكم الرؤف بكم الصانع لكم في أموركم على الذى دلكم عليه من هذا العهد الذى جعله لكم سكنا ومعولا تطمئنون إليه وتستظلون في أفنانه ويستنهج لكم به مثنى أعناقكم وسمت وجوهكم وملتقى نواصيكم في أمر دينكم ودنياكم فإن لذلك خطرا عظيما من النعمة وان فيه من الله بلاء حسنا في سعة العافية يعرفه ذوو الالباب والنيات المريئون من أعمالهم في العواقب والعارفون منار مناهج الرشد فأنتم حقيقون بشكر الله فيما حفظ به دينكم وأمر جماعتكم من ذلك جديرون بمعرفة كنه واجب حقه فيه وحمده على الذى عزم لكم منه فلتكن

[ 532 ]

منزلة ذلك منكم وفضيلته في أنفسكم على قدر حسن بلاء الله عندكم فيه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله ثم إن أمير المؤمنين لم يكن منذ استخلفه الله بشئ من الامور أشد اهتماما وعناية منه بهذا العهد لعلمه بمنزلته من أمر المسلمين وما أراهم الله فيه من الامور التى يغبطون ويكرمهم فيما يقضى لهم ويختار له ولهم فيه جهده ويستقضي له ولهم فيه إلهه ووليه الذى بيده الحكم وعنده الغيب وهو على كل شئ قدير ويسأله أن يعينه من ذلك على الذى هو أرشد له خاصة وللمسلمين عامة فرأى أمير المؤمنين أن يعهد لكم عهدا بعد عهد تكونون فيه على مثل الذى كان عليه من كان قبلكم في مهلة من انفساح الامل وطمأنينة النفس وصلاح ذات البين وعلم موضع الامر الذى جعله الله لاهله عصمة ونجاة وصلاحا وحياة ولكل منافق وفاسق يحب تلف هذا الدين وفساد أهله وقما وخسارا وقدعا فولى أمير المؤمنين ذلك الحكم ابن أمير المؤمنين وعثمان ابن أمير المؤمنين من بعده وهما ممن يرجو أمير المؤمنين أن يكون الله خلقه لذلك وصاغه له وأكمل فيه أحسن مناقب من كان يوليه إياه في وفاء الرأى وصحة الدين وجزالة المروءة والمعرفة بصالح الامور ولم يألكم أمير المؤمنين ولا نفسه في ذلك اجتهادا وخيرا فبايعوا للحكم ابن أمير المؤمنين باسم الله وبركته ولاخيه من بعده على السمع والطاعة واحتسبوا في ذلك أحسن ما كان الله يريكم ويبليكم ويعودكم ويعرفكم في أشباهه فيما مضى من اليسر الواسع والخير العام والفضل العظيم الذى أصبحتم في رجائه وخفضه وأمنه ونعمته وسلامته وعصمته فهو الامر الذى استبطأتموه واستسرعتم إليه وحمدتم الله على إمضائه إياه وقضائه لكم وأحدثتم فيه شكراو رأيتموه لكم حظا تستبقونه وتجهدون أنفسكم في أداء حق الله عليكم فإنه قد سبق لكم في ذلك من نعم الله وكرامته وحسن قسمه ما أنتم حقيقون أن تكون رغبتكم فيه وحدبكم عليه على قدر الذى أبلاكم الله وصنع لكم منه وأمير المؤمنين مع ذلك إن حدث بواحد من ولي عهده حدث أولى بأن يجعل مكانه وبالمنزل الذى كان به من أحب أن يجعل من أمته أو ولده ويقدمه بين يدى الباقي منهما إن شاء أو أن يؤخره بعده فاعلموا ذلك وافهموه

[ 533 ]

نسأل الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أن يبارك لامير المؤمنين ولكم في الذى قضى به على لسانه من ذلك وقدر منه وأن يجعل عاقبته عافية وسرورا وغبطة فإن ذلك بيده ولا يملكه إلا هو ولا يرغب فيه إلا إليه والسلام عليكم ورحمة الله وكتب سمال يوم الثلاثاء لثمان بقين من رجب سنة خمس وعشرين ومائة (وفى هذه السنة) ولى الوليد نصر بن سيار خراسان كلها وأفرده بها (وفيها) وفد يوسف بن عمر على الوليد فاشترى نصرا وعماله منه فرد إليه الوليد ولاية خراسان (وفى هذه السنة) كتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار يأمره بالقدوم عليه ويحمل معه ما قدر عليه من الهدايا والاموال ذكر الخبر عما كان من أمر يوسف ونصر في ذلك ذكر على عن شيوخه أن يوسف كتب إلى نصر بذلك وأمره أن يقدم معه بعياله أجمعين فلما أتى نصرا كتابه قسم على أهل خراسان الهدايا وعلى عماله فلم يدع بخراسان جارية ولا عبدا ولا برذونا فارها إلا أعده واشترى ألف مملوك وأعطاهم السلاح وحملهم على الخيل قال وقال بعضهم كان قد أعد خمسمائة وصيفة وأمر بصنعة أباريق الذهب والفضة وتماثيل الظباء ورؤوس السباع والايايل وغير ذلك فلما فرغ من ذلك كله كتب إليه الوليد يستحثه فسرح الهدايا حتى بلغ أوائلها ببيهق فكتب إليه الوليد يأمره أن يبعث إليه ببرابط وطنابير فقال بعض شعرائهم أبشر يا أمين الل‍ * ه أبشر بتباشير * بإبل يحمل المال عليها كالانابير * بغال تحمل الخمر * حقائبها طنابير ودل البربريات * بصوت البم والزير * وقرع الدف أحيانا ونفخ بالمزامير * فهذا لك في الدنيا * وفي الجنة تحبير قال وقدم الازرق بن قرة المسمعى من الترمذ أيام هشام على نصر فقال لنصر إنى أريت الوليد بن يزيد في المنام وهو ولى عهد شبه الهارب من هشام ورأيته على سرير فشرب عسلا وسقاني بعضه فأعطاه نصر أربعة آلاف دينار

[ 534 ]

وكسوة وبعثه إلى الوليد وكتب إليه نصر فأتى الازرق الوليد فدفع إليه المال والكسوة فسر بذلك الوليد وألطف الازرق وجزى نصرا خيرا وانصرف الازرق فبلغه قبل أن يصل إلى نصر موت هشام ونصر لاعلم له بما صنع الازرق ثم قدم عليه فأخبره فلما ولى الوليد كتب إلى الازرق وإلى نصر وأمر رسوله أن يبتدئ بالازرق فيدفع إليه كتابه فأتاه ليلا فدفع إليه كتابه وكتاب نصر فلم يقرأ الازرق كتابه وأتى نصرا بالكتابين فكان في كتاب الوليد إلى نصر يأمره أن يتخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة وأن يجمع له كل صناجة بخراسان يقدر عليها وكل بازى وبرذون فاره ثم يسير بذلك كله بنفسه في وجوه أهل خراسان فقال رجل من باهلة كان قوم من المنجمين يخبرون نصرا بفتنة تكون فبعث نصر إلى صدقة بن وثاب وهو ببلخ وكان منجما وكان عنده وألح عليه يوسف بالقدوم فلم يزل يتباطأ فوجه يوسف رسولاو أمره بلزومه يستحثه بالقدوم أو ينادى في الناس أنه قد خلع فلما جاءه الرسول أجازه وأرضاه وتحول إلى قصره الذى هو دار الامارة اليوم فلم يأت لذلك إلا يسير حتى وقعت الفتنة فتحول نصر إلى قصره بما جان واستخلف عصمة بن عبد الله الاسدي على خراسان وولى المهلب بن إياس العدوى الخراج وولى موسى بن ورقاء الناجى الشاش وحسان من أهل صغانيان الاسدي سمرقند ومقاتل بن على السغدى آمل وأمرهم إذا بلغهم خروجه من مرو أن يستحلبوا الترك وأن يغيروا على ما وراء النهر لينصرف إليهم بعد خروجه يعتل بذلك فبينا هو يسير يوما إلى العراق طرقه ليلا مولى لبنى ليث فلما أصبح أذن للناس وبعث إلى رسل الوليد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال قد كان في مسيرى ما قد علمتم وبعثي بالهدايا ما رأيتم فطرقني فلان ليلا فأخبرني أن الوليد قد قتل وأن الفتنة قد وقعت بالشأم وقدم منصور بن جمهور العراق وقد هرب يوسف بن عمرو نحن في بلاد قد علمتم حالها وكثرة عدونا ثم دعا بالقادم فأحلفه أن ما جاء به لحق فحلف فقال سلم بن أحوزأ صلح الله الامير لو حلفت لكنت صادقا انه بعض مكايد قريش أرادوا تهجين طاعتك فسرو لا تهجنا قال يا سلم انت رجل

[ 535 ]

لك علم بالحروب ولك مع ذلك حسن طاعة لبنى أمية فاما مثل هذا من الامور فرأيك فيه رأى أمة هتماء ثم قال نصر لم أشهد بعد ابن خازم أمرا مفظا إلا كنت المفرع في الرأى فقال الناس قد علمنا ذلك فالرأى رأيك (وفى هذه السنة) وجه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفى واليا على المدينة ومكة والطائف ودفع إليه ابراهيم ومحمد بنى هشام بن اسماعيل المخزومى موثقين في عباءتين فقدم بهما المدينة يوم السبت لاثنتى عشرة بقيت من شعبان سنة 125 فأقامهما للناس بالمدينة ثم كتب الوليد إليه يأمر أن يبعث بهما إلى يوسف بن عمر وهو يومئذ عامله على العراق فلما قدما عليه عذبهما حتى قتلهما وقد كان رفع عليهما عند الوليد أنهما أخذا ما لا كثيرا (وفى هذه السنة) عزل يوسف بن محمد سعد ابن ابراهيم عن قضاء المدينة وولاها يحيى بن سعيد الانصاري (وفيها) غزى الوليد بن يزيد أخاه الغمر بن يزيد بن عبد الملك وأمر على جيش البحر الاسود بن بلال المحاربي وأمره أن يسير إلى قبرس فيخيرهم بين المسير إلى الشأم ان شاؤا وان شاؤا إلى الروم فاختارت طائفة منهم جوار المسلمين فنقلهم الاسود إلى الشأم واختار آخرون أرض الروم فانتقلوا إليها (وفيها) قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب مكة فلقوا في قول بعض أهل السير محمد بن على فأخبروه بقصة أبى مسلم وما رأوا منه فقال لهم أحر هو أم عبد قالوا أما عيسى فيزعم أنه عبدو أما هو فيزعم أنه حر قال فاشتروه وأعتقوه وأعطوا محمد بن على مائتي ألف درهم وكسوة بثلاثين ألف درهم فقال لهم ما أظنكم تلقوني بعد عامى هذا فان حدث بى حدث فصاحبكم ابراهيم بن محمد فانى أثق به وأوصيكم به خيرا فقد أوصيته بكم فصدروا من عنده وتوفى محمد بن على في مستهل ذى القعدة وهو ابن ثلاث وستين سنة وكان بين وفاته وبين وفاة أبيه على سبع سنين (وحج) بالناس في هذه السنة يوسف بن محمد بن يوسف الثقفى حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر (وفى هذه السنة) قتل يحيى بن زيد بن على بخراسان

[ 536 ]

ذكر الخبر عن مقتله قد مضى ذكرنا قبل أمر مصير يحيى بن زيد بن على إلى خراسان وسبب ذلك ونذكر الآن سبب مقتله إذ كان ذلك في هذه السنة * ذكر هشام بن محمد الكلبى عن أبى مخنف قال أقام يحيى بن زيد بن على عند الحريش بن عمر وبن داود ببلخ حتى هلك هشام بن عبد الملك وولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك فكتب يوسف ابن عمر إلى نصر بن سيار بمسير يحيى بن زيد وبمنزله الذى كان ينزل حتى أخبره أنه عند الحريش وقال له أبعث إليه وخذه أشد الاخذ فبعث نصر بن سيار إلى عقيل بن معقل العجلى يأمره أن يأخذ الحريش ولا يفارقه حتى تزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بن زيد بن على فبعث إليه عقيل فسأله عنه فقال لا علم لى به فجلده ستمائة سوط فقال له الحريش والله لو أنه كان تحت قدمى ما رفعتهما لك عنه فلما رأى ذلك قريش بن الحريش أتى عقيلا فقال لا تقتل أبى وأنا أدلك عليه فأرسل معه فدله عليه وهو في بيت في جوف بيت فأخذه ومعه يزيد بن عمر والفضل مولى عبد القيس كان أقبل معه من الكوفة فأتى به نصر بن سيار فحبسه وكتب إلى يوسف ابن عمر يخبره بذلك فكتب بذلك يوسف إلى الوليد بن يزيد فكتب الوليد إلى نصر بن سيار يأمره أن يؤمنه ويخلى سبيله وسبيل أصحابه فدعاه نصر بن سيار فأمره بتقوى الله وحذره الفتنة وأمره أن يلحق بالوليد بن يزيد وأمر له بألفى درهم وبغلين فخرج هو وأصحابه حتى انتهى إلى سرخس فأقام بها وعليها عبد الله بن قيس بن عباد فكتب إليه نصر بن سيار أن يشخصه عنها وكتب إلى الحسن بن زيد التميمي وكان رأس بنى تميم وكان على طوس أن انظر يحيى بن زيد فإذا مر بكم فلا تدعه يقيم بطوس حتى يخرج منها وأمر هما إذا هو مر بهما أن لا يفارقاه حتى يدفعاه إلى عمرو بن زرارة بأبر شهر فأشخصه عبد الله بن قيس من سرخس ومر بالحسن بن زيد فأمره أن يمضى ووكل به سرحان بن فروخ بن مجاهد بن بلعاء العنبري أبا الفضل وكان على مسلحة قال فدخلت عليه فذكر نصر بن سيار وما أعطاه فإذا هو كالمستقل له فذكر أمير المؤمنين الوليد بن يزيد فأثنى عليه

[ 537 ]

وذكر مجيئه بأصحابه معه وأنه لم يأت بهم إلا مخافة أن يسم أو يغم وعرض بيوسف وذكر أنه اياه يتخوف وقد كان أراد أن يقع فيه ثم كف فقلت له قل ما أحببت رحمك الله فليس عليك منى عين فقد أتى إليك ما يستحق أن تقول فيه ثم قال العجب من هذا الذى يقيم الاحراس أو امر الاحراس قال وهو حينئذ يتفصح والله لو شئت أن ابعث إليه فأتى به مربوطا قال فقلت له لا والله ما بك صنع هذا ولكن هذا شئ يصنع في هذا المكان ابدا لمكان بيت المال قال واعتذرت إليه من مسيرى معه وكنت أسير معه على رأس فرسخ فأقبلنا معه حتى وقعنا إلى عمرو بن زرارة فأمر له بألف درهم ثم أشخصه حتى انتهى إلى بيهق وخاف اغتيال يوسف إياه فأقبل من بيهق وهى أقصى أرض خراسان وأدناه من قومس فأقبل في سبعين رجلا إلى عمرو بن زرارة ومر به تجار فأخذ دوابهم وقال علينا أثمانها فكتب عمرو بن زرارة إلى نصر بن سيار فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس وإلى الحسن ابن زيد أن يمضيا إلى عمرو بن زرارة فهو عليهم ثم ينصبوا ليحيى بن زيد فيقاتلوه فجاؤا حتى انتهوا إلى عمرو بن زرارة فاجتمعوا فكانوا عشرة آلاف فأتاهم يحيى ابن زيد وليس هو إلا في سبعين رجلا فهزمهم وقتل عمرو بن زرارة وأصاب دواب كثيرة وجاء يحيى بن زيد حتى مر بهراة وعليها مغلس بن زياد العامري فلم يعرض واحد منهما لصاحبه فقطعها يحيى بن زيد وسرح نصر بن سيار سلم بن أحوز في طلب يحيى بن زيد فأتى هراة حين خرج منها يحيى بن زيد فاتبعه فلحقه بالجوزجان بقرية منها وعليها حماد بن عمرو السغدى قال ولحق بيحيى بن زيد رجل من بنى حنيفة يقال له أبو العجلان فقتل يومئذ معه ولحق به الحسحاس الازدي فقطع نصر بعد ذلك يده ورجله قال فبعث سلم بن أحوز سورة بن محمد بن عزيز الكندى على ميمنته وحماد بن عمرو السغدى على ميسرته فقاتله قتالا شديدا فذكروا أن رجلا من عنزة يقال له عيسى مولى عيسى بن سليمان العنزي رماه بنشابة فأصاب جبهته قال وقد كان محمد شهد ذلك اليوم فأمره سلم بتعبية الناس فتمارض عليه فعبى الناس سورة بن محمد بن عزيز الكندى فاقتتلوا فقتلوا من عند

[ 538 ]

آخرهم ومر سورة بيحيى بن زيد فأخذ رأسه وأخذ العنزي سلبه وقميصه وغلبه سورة على رأسه فلما قتل يحيى بن زيد وبلغ خبره الوليد بن يزيد كتب فيما ذكر هشام عن موسى بن حبيب أنه حدثه إلى يوسف بن عمر إذا أتاك كتابي هذا فانظر عجل العراق فأحرقه ثم انسفه في اليم نسفا قال فأمر يوسف خراش بن حوشب فأنزله من جذعه وأحرقه بالنار ثم رضه فجعله في قوصرة ثم جعله في سفينة ثم ذراه في الفرات وكانت عمال الامصار في هذه السنة عمالها في السنة التى قبلها وقد ذكرناهم قبل ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث الجليلة فمن ذلك ما كان من قتل يزيد بن الوليد الذى يقال له الناقص الوليد بن يزيد ذكر الخبر عن سبب قتله إياه وكيف قتل قد ذكرنا بعض أمر الوليد بن يزيد وخلاعته ومجانته وما ذكر عنه من تهاونه واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته لما ولى الخلافة وأفضت إليه لم يزد من الذى كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النييذ ومنادمة الفساق إلا تماديا وجدا تركت الاخبار الواردة عنه بذلك كراهة إطالة الكتاب بذكرها فثقل ذلك من أمره على رعيته وجنده فكرهوا أمره وكان من أعظم ما جنى على نفسه حتى أورثه ذلك هلاكه إفساده على نفسه بنى عميه ولد هشام وولد الوليد ابني عبد الملك بن مروان مع إفساده على نفسه اليمانية وهم عظم جند أهل الشأم ذكر بعض الخبر عن إفساده بنى عميه هشام والوليد حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا على عن المنهال بن عبد الملك قال كان الوليد صاحب لهو وصيد ولذات فلما ولى الامر جعل يكره المواضع التى فيها الناس حتى قتل ولم يزل ينتقل ويتصيد حتى ثقل على الناس وعلى جنده واشتد على بنى هشام ضرب سليمان بن هشام مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان

[ 539 ]

فحبسه بها فلم يزل بها محبوسا حتى قتل الوليد قال وأخذ جارية كانت لآل الوليد فكلمه عمر بن الوليد فيها فقال لا أردها فقال إذن تكثر الصواهل حول عسكرك قال وحبس الافقم يزيد بن هشام وأراد البيعة لابنيه الحكم وعثمان فشاور سعيد بن بيهس بن صهيب فقال لا تفعل فانهما غلامان لم يحتلما ولكن بايع لعتيق بن عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك فغضب وحبسه حتى مات في الحبس وأراد خالد بن عبد الله على البيعة لابنيه فأبى فقال له قوم من أهله أرادك أمير المؤمنين على البيعة لابنيه فأبيت فقال ويحكم كيف أبايع من لا أصلى خلفه ولا أقبل شهادته قالوا فالوليد تقبل شهادته مع مجونه وفسقه قال أمير الوليد أمر غائب عنى ولا أعلمه يقينا إنما هي أخبار الناس فغضب الوليد على خالد قال وقال عمرو بن سعيد الثقفى أو فدنى يوسف بن عمر إلى الوليد فلما قدمت قال لى كيف رأيت الفاسق يعنى بالفاسق الوليد ثم قال إياك أن يسمع هذا منك أحد فقلت حبيبة بنت عبد الرحمن بن جبير طالق إن سمعته أذنى ما دمت حيا فضحك قال فثقل الوليد على الناس ورماه بنو هشام وبنو الوليد بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه وقالوا قد اتخذ مائة جامعة وكتب على كل جامعة اسم رجل من بنى أمية ليقتله بها ورموه بالزندقة وكان أشدهم فيه قولا يزيد بن الوليد بن عبد الملك وكان الناس إلى قوله أميل لانه كان يظهر النسك ويتواضع ويقول ما يسعنا الرضا بالوليد حتى حمل الناس على الفتك به * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا على عن يزيد بن مضاد الكلبى عن عمرو بن شراحيل قال سيرنا هشام بن عبد الملك إلى دهلك فلم نزل بها حتى مات هشام واستخلف الوليد فكلم فينا فأبى وقال والله ما عمل هشام عملا أرجى له عندي أن تناله المغفرة به من قتله القدرية وتسييره إياهم وكان الوالى علينا الحجاج بن بشر بن فيروز الديلمى وكان يقول لا يعيش الوليد إلا ثمانية عشر شهرا حتى يقتل ويكون قتله سبب هلاك أهل بيته قال فأجمع على قتل الوليد جماعة من قضاعة واليمانية من أهل دمشق خاصة فأتى حريث وشبيب بن أبى مالك الغساني ومنصور بن جمهور ويعقوب بن

[ 540 ]

عبد الرحمن وحبال بن عمرو ابن عم منصور وحميد بن نصر اللخمى والاصبغ بن ذؤالة وطفيل بن حارثة والسرى بن زياد بن علاقة خالد بن عبد الله فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم فسألوه أن يكتم عليهم فقال لا أسمى أحدا منكم وأراد الوليد الحج فخاف خالد أن يفتكوا به في الطريق فأتاه فقال يا أمير المؤمنين أخر الحج العام فقال ولم فلم يخبره فأمر بحبسه وأن يستأدى ما عليه من أموال العراق وقال على عن الحكم بن النعمان قال أجمع الوليد على عزل يوسف واستعمال عبد الملك بن محمد ابن الحجاج فكتب إلى يوسف إنك كتبت إلى أمير المؤمنين تذكر تخريب ابن النصرانية البلاد وقد كنت على ما ذكرت من ذلك تحمل إلى هشام ما تحمل وقد ينبغى أن تكون قد عمرت البلاد حتى رددتها إلى ما كانت عليه فأشخص إلى أمير المؤمنين فصدق ظنه بك فيما تحمل إليه لعمارتك البلاد وليعرف أمير المؤمنين فضلك على غيرك لما جعل الله بينك وبين أمير المؤمنين من القرابة فانك خاله وأحق الناس بالتوفير عليه ولما قد علمت مما أمر به أمير المؤمنين لاهل الشأم وغيرهم من الزيادة في أعطياتهم وما وصل به أهل بيته لطول جفوة هشام إياهم حتى أضر ذلك ببيوت الاموال قال فخرج يوسف واستخلف ابن عمه يوسف بن محمد وحمل من الاموال والامتعة والآنية ما لم يحمل من العراق مثله فقدم وخالد بن عبد الله محبوس فلقيه حسان النبطي ليلا فأخبره أن الوليد عازم على تولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج وأنه لا بد ليوسف فيها من اصلاح أمر وزرائك فقال ليس عندي فضل درهم قال فعندي خمسمائة ألف درهم فان شئت فهى لك وإن شئت فارددها إذا تيسرت قال فأنت أعرف بالقوم ومنازلهم من الخليفة منى ففرقها على قدر علمك فيهم ففعل وقدم يوسف والقوم يعظمونه فقال له حسان لا تغد على الوليد ولكن رح إليه رواحا واكتب على لسان خليفتك كتابا اليك إنى كتبت اليك ولا أملك إلا القصر وادخل على الوليد والكتاب معك مختوما متحازنا فأقره الكتاب ومرأبان بن عبد الرحمن النميري يشترى خالدا منه بأربعين ألف ألف ففعل يوسف فقال له الوليد ارجع

[ 541 ]

إلى عملك فقال له أبان ادفع إلى خالدا وأدفع اليك أربعين ألف ألف درهم قال ومن يضمن عنك قال يوسف قال أتضمن عنه قال بل ادفعه إلى فأنا أستأديه خمسين ألف ألف فدفعه إليه فحمله في محمل بغير وطاء قال محمد بن محمد بن القاسم فرحمته فجمعت ألطافا كانت معنا من أخبصة يابسة وغيرها في منديل وأنا على ناقة فارهة فتغفلت يوسف فأسرعت ودنوت من خالد ورميت بالمنديل في محمله فقال لى هذا من متاع عمان يعنى أن أخى الفيض كان على عمان فبعث إلى بمال جسيم فقلت في نفسي هذا على هذه الحالة وهو لا يدع هذا ففطن يوسف بى فقال لى ما قلت لابن النصرانية فقلت عرضت عليه الحاجة قال أحسنت هو أسير فقال ولو فطن بما ألقيت إليه للقينى منه أذى وقدم الكوفة فقتله في العذاب فقال الوليد بن يزيد فيما زعم الهيثم بن عدى شعرا يوبخ به أهل اليمن في تركهم نصرة خالد ابن عبد الله وأما أحمد بن زهير فإنه حدثنى عن على بن محمد عن محمد بن سعيد العامري عامر كلب أن هذا الشعر قاله بعض شعراء اليمن على لسان الوليد يحرض عليه اليمانية ألم تهتج فتذكر الوصالا * وحبلا كان متصلا فزالا بلى فالدمع منك له سجام * كماء المزن ينسجل انسجالا فدع عنك اذكارك آل سعدى * فنحن الاكثرون حصى ومالا ونحن المالكون الناس قسرا * نسومهم المذلة والنكالا وطئنا الاشعرين بعز قيس * فيالك وطأة لن تستقالا وهذا خالد فينا أسيرا * ألا منعوه إن كانوا رجالا عظيمهم وسيدهم قديما * جعلنا المخزيات له ظلالا فلو كانت قبائل ذات عز * لما ذهبت صنائعه ضلالا ولا تركوه مسلوبا أسيرا * يسامر من سلاسلنا الثقالا ورواه المدائني يعالج من سلاسلنا وكندة والسكون فما استقالوا * ولا برحت خيولهم الرحالا

[ 542 ]

بها سمنا البرية كل خسف * وهدمنا السهولة والجبالا ولكن الوقائع ضعضعتهم * وجذتهم وردتهم شلالا فما زالوا لنا أبدا عبيدا * نسومهم المذلة والسفالا فأصبحت الغداة على تاج * لملك الناس ما يبغى انتقالا فقال عمران بن هلباء الكلبى يجيبه قفى صدر المطية يا حلالا * وجذى حبل من قطع الوصالا ألم يحزنك أن ذوى يمان * يرى من حاذ قيلهم حلالا جعلنا للقبائل من نزار * غداة المرج أياما طوالا بنا ملك المملك من قريش * وأودى جد من أودى فزالا متى تلق السكون وتلق كلبا * بعبس تخش من ملك زوالا كذاك المرء ما لم يلف عدلا * يكون عليه منطقه وبالا أعدوا آل حمير إذ دعيتم * سيوف الهند والاسل النهالا وكل مقلص نهد القصيرى * وذا فودين والقب الحبالا يذرن بكل معترك قتيلا * عليه الطير قد مذل السؤالا لئن عيرتمونا ما فعلنا * لقد قلتم وجدكم مقالا لاخوان الاشاعث قتلوهم * فما وطئوا ولا لا قوا نكالا وأبناء المهلب نحن صلنا * وقائعهم وما صلتم مصالا وقد كانت جذام على أخيهم * ولخم يقتلونهم شلالا هربنا أن نساعدكم عليهم * وقد أخطا مساعدكم وفالا فإن عدتم فإن لنا سيوفا * صوارم نستجد لها الصقالا سنبكى خالدا بمهندات * ولا تذهب صنائعه ضلالا ألم يك خالد غيث اليتامى * إذا حضروا وكنت لهم هزالا يكفن خالد موتى نزار * ويثرى حيهم نشبا ومالا لو أن الجائرين عليه كانوا * بساحة قومه كانوا نكالا ستلقى إن بقيت مسومات * عوابس لا يزايلن الحلالا

[ 543 ]

* فحدثني أحمد بن زهير عن على بن محمد قال فازداد الناس على الوليد حنقا لما روى هذا الشعر فقال ابن بيض وصلت سماء الضر بالضر بعد ما * زعمت سماء الضر عنا ستقلع فليت هشاما كان حيا يسوسنا * وكنا كما كنا نرجى ونطمع وكان هشام استعمل الوليد بن القعقاع على قنسرين وعبد الملك بن القعقاع على حمص فضرب الوليد بن القعقاع ابن هبيرة مائة سوط فلما قام الوليد هرب بنو القعقاع منه فعاذوا بقبر يزيد بن عبد الملك فبعث إليهم فدفعهم إلى يزيد بن عمر بن هبيرة وكان على قنسرين فعذبهم فمات في العذاب الوليد بن القعقاع وعبد الملك بن القعقاع ورجلان معهما من آل القعقاع واضطغن على الوليد آل الوليد وآل هشام وآل القعقاع واليمانية بما صنع بخالد بن عبد الله فأتت اليمانية يزيد بن الوليد فأرادوه على البيعة فشاور عمرو بن يزيد الحكمى فقال لا يبايعك الناس على هذا وشاور أخاك العباس ابن الوليد فانه سيد بنى مروان فان بايعك لم يخالفك أحد وإن أبى كان الناس له أطوع فان أبيت إلا المضى على رأيك فأظهر أن العباس قد بايعك وكانت الشأم تلك الايام وبية فخرجوا إلى البوادى وكان يزيد بن الوليد متبديا وكان العباس بالقسطل بينهما أميال يسيرة * فحدثني أحمد بن زهير قال حدثنى على قال أتى يزيد أخاه العباس فأخبره وشاوره وعاب الوليد فقال له العباس مهلا يا يزيد فان في نقض عهد الله فساد الدين والدنيا فرجع يزيد إلى منزله ودب في الناس فبايعوه سرا ودس الاحنف الكلبى ويزيد بن عنبسة السكسكى وقوما من ثقاته من وجوه الناس وأشرافهم فدعوا الناس سراثم عاود أخاه العباس ومعه قطن مولاهم فشاوره في ذلك وأخبره أن قوما يأتونه يريدونه على البيعة فزبره العباس وقال إن عدت لمثل هذا لاشدنك وثاقا ولا حملنك إلى أمير المؤمنين فخرج يزيد وقطن فأرسل العباس إلى قطن فقال ويحك يا قطن أترى يزيد جادا قال جعلت فداك ما أظن ذاك ولكنه قد دخله مما صنع الوليد ببنى هشام وبنى الوليد وما يسمع من الناس من الاستخفاف بالدين وتهاونه ما قد ضاق به ذرعا

[ 544 ]

قال أم والله إنى لا ظنه أشأم سخلة في بنى مروان ولولا ما أخاف من عجلة الوليد مع تحامله علينا لشددت يزيد وثاقا وحملته إليه فازجره عن أمره فانه يسمع اليك فقال يزيد لقطن ما قال لك العباس حين رآك فأخبره فقال له والله لا أكف وبلغ معاوية بن عمرو بن عتبة خوض الناس فأتى الوليد فقال يا أمير المؤمنين إنك تبسط لساني بالانس بك وأكفه بالهيبة لك وأنا أسمع ما لا تسمع وأخاف عليك ما أراك تأمن أفأتكلم ناصحا أو أسكت مطيعا قال كل مقبول منك ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه ولو علم بنو مروان أنهم إنما يوقدون على رضف يلقونه في أجوافهم ما فعلوا ونفوذ ونسمع منك وبلغ مروان بن محمد بأرمينية أن يريد يؤلب الناس ويدعو إلى خلع الوليد وكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهى الناس ويكفهم وكان سعيد يتأله أن الله جعل لكل أهل بيت أركانا يعتمدون عليها ويتقون بها المخاوف وأنت بحمد ربك ركن من أركان أهل بيتك وقد بلغني أن قوما من سفهاء أهل بيتك قد استنوا أمرا إن تمت لهم رويتهم فيه على ما أجمعوا عليه من نقض بيعتهم استفتحوا بابا لن يغلقه الله عنهم حتى يسفك دماء كثيرة منهم وأنا مشتغل بأعظم ثغور المسلمين فرجا ولو جمعتني وإياهم لرممت فساد أمرهم بيدى ولساني ولخفت الله في ترك ذلك لعلمي ما في عواقب الفرقة من فساد الدين والدنيا وإنه لن ينتقل سلطان قوم قط إلا في تشتيت كلمتهم وإن كلمتهم إذا تشوشت طمع فيهم عدوهم وأنت أقرب إليهم منى فاحتل لعلم ذلك بإظهار المتابعة لهم فإذا صرت إلى علم ذلك فتهددهم باظهار أسرارهم وخذهم بلسانك وخوفهم العواقب لعل الله أن يرد إليهم ما قد عزب عنهم من دينهم وعقولهم فان فيما سعوا فيه تغيير النعم وذهاب الدولة فعاجل الامر وحب الالفة مشدود والناس سكون والثغور محفوظة فان للجماعة دولة من الفرقة والسعة دافعا من الفقر وللعدد منتقصا ودول الليالى مختلفة على أهل الدنيا والتقلب مع الزيادة والنقصان وقد امتدت بنا أهل البيت متتابعات من النعم قد يعني بها جميع الامم وأعداء النعم وأهل الحسد لاهلها وبحسد ابليس

[ 545 ]

خرج آدم من الجنة وقد أمل القوم في الفتنة أملا لعل أنفسهم تهلك دون ما أملوا ولكل أهل بيت مشائيم يغير الله النعمة بهم فاعاذك الله من ذلك واجعلني من أمرهم على علم حفظ الله لك دينك وأخرجك مما أدخلك فيه وغلب لك نفسك على رشدك فأعظم سعيد ذلك وبعث بكتابه إلى العباس فدعا العباس يزيد فعذله وتهدده فحذره يزيد وقال يا أخى أخاف أن يكون بعض من حسدنا هذه النعمة من عدونا أراد أن يغرى بيننا وحلف له أنه لم يفعل فصدقه * حدثنى أحمد قال حدثنا على قال قال ابن بشر بن الوليد بن عبد الملك دخل أبى بشر بن الوليد على عمى العباس فكلمه في خلع الوليد وبيعة يزيد فكان العباس ينهاه وأبى يراده فكنت أفرح وأقول في نفسي أرى أبى يجترئ أن يكلم عمى ويرد عليه قوله وكنت أرى أن الصواب فيما يقول أبى وكان الصواب فيما يقول عمى فقال العباس يا بنى مروان إنى أظن الله قد أذن في هلاككم وتمثل قائلا إنى أعيذكم بالله من فتن * مثل الجبال تسامى ثم تندفع إن البرية قد ملت سياستكم * فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم * إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا لا تبقرن بأيديكم بطونكم * فثم لا حسرة تغنى ولا جزع قال فلما اجتمع ليزيد أمره وهو متبد أقبل إلى دمشق وبينه وبين دمشق أربع ليال متنكرا في سبعة نفر على حمير فنزلوا بجرود على مرحلة من دمشق فرمى يزيد بنفسه فنام وقال القوم لمولى لعباد بن زياد أما عندك طعام فنشتريه قال أما لبيع فلا ولكن عندي قراكم وما يسعكم فأتاهم بدجاج وفراخ وعسل وسمن وشواريز فطعموا ثم سار فدخل دمشق ليلا وقد بايع ليزيد أكثر أهل دمشق سرا وبايع أهل المزة غير معاوية بن مصاد الكلبى وهو سيد أهل المزة فمضى يزيد من ليلته إلى منزل معاوية بن مصاد ماشيا في نفير من أصحابه وبين دمشق وبين المزة ميل أو أكثر فأصابهم مطر شديد فأتوا منزل معاوية بن مصاد فضربوا بابه ففتح لهم فدخل فقال ليزيد الفراش أصلحك الله قال إن في رجلى طينا وأكره (35 - 5)

[ 546 ]

أن أفسد بساطك فقال الذى تريدنا عليه أفسد فكلمه يزيد فبايعه معاوية ويقال هشام بن مصاد ورجع يزيد إلى دمشق فأخذ طريق القناة وهو على حمار أسود فنزل دار ثابت بن سليمان بن سعد الخشنى وخرج الوليد بن روح وحلف لا يدخل دمشق الا في السلاح فلبس سلاحه وكفر عليه الثياب وأخذ طريق النيرب وهو على فرس أبلق حتى وافى يزيد وعلى دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف فخاف الوباء فخرج فنزل قطنا واستخلف ابنه على دمشق وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمى فأجمع يزيد على الظهور فقيل للعامل إن يزيد خارج فلم يصدق وأرسل يزيد إلى أصحابه بين المغرب والعشاء ليلة الجمعة سنة 126 فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذنوا العتمة فدخلوا المسجد فصلوا وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس من المسجد بالليل فلما صلى الناس صاح بهم الحرس وتباطأ أصحاب يزيد فجعلوا يخرجون من باب المقصورة ويدخلون من باب آخر حتى لم يبق في المسجد غير الحرس وأصحاب يزيد فأخذوا الحرس ومضى يزيد بن عنبسة إلى يزيد بن الوليد فأعلمه وأخذ بيده وقال قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله وهونه فقام وقال اللهم إن كان هذا لك رضى فأعنى عليه وسددني له وإن كان غير ذلك فاصرفه عنى بموت وأقبل في اثنى عشر رجلا فلما كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلا من أصحابهم فلما كانوا عند سوق القمح لقيهم زهاء مائتي رجل من أصحابهم فمضوا إلى المسجد فدخلوه فأخذوا باب المقصورة فضربوه وقالوا رسل الوليد ففتح لهم الباب خادم فأخذوه ودخلوا وأخذوا أبا العاج وهو سكران وأخذوا خزان بيت المال وصاحب البريد وأرسل إلى كل من كان يحذره فأخذ وأرسل يزيد من ليلته إلى محمد بن عبيدة مولى سعيد ابن العاص وهو على بعلبك فأخذه وأرسل من ليلته إلى عبد الملك بن محمد بن الحجاج ابن يوسف فأخذه ووجه إلى الثنية إلى أصحابه ليأتوه وقال للبوابين لا تفتحوا الباب غدوة إلا لمن أخبركم شعارنا فتركوا الابواب بالسلاسل وكان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة ولم تكن الخزان قبضوه فأصابوا سلاحا

[ 547 ]

كثيرا فلما أصبحوا جاء أهل المزة وابن عصام فما انتصف النهار حتى تبايع الناس ويزيد يتمثل إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا * إلى الموت إرقال الجمال المصاعب فجعل أصحاب يزيد يتعجبون ويقولون انظروا إلى هذا هو قبيل الصبح يسبح وهو الآن ينشد الشعر * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا على قال حدثنا عمرو بن مروان الكلبى قال حدثنى رزين بن ماجد قال غدونا مع عبد الرحمن بن مصادو نحن زهاء ألف وخمسمائة فلما انتهينا إلى باب الجابية ووجدناه مغلقا ووجدنا عليه رسولا للوليد فقال ما هذه الهيئة وهذه العدة أم والله لاعلمن أمير المؤمنين فقتله رجل من أهل المزة فدخلنا من باب الجابية ثم أخذنا في زقاق الكلبيين فضاق عنا فأخذ ناس منا سوق القمح ثم اجتمعنا على باب المسجد فدخلنا على يزيد فما فرع آخرنا من التسليم عليه حتى جاءت السكاسك في نحو ثلثمائة فدخلوا من باب الشرقي حتى أتوا المسجد فدخلوا من باب الدرج ثم أقبل يعقوب بن عمير بن هانئ العبسى في أهل دار يا فدخلوا من باب دمشق الصغير وأقبل عيسى بن شبيب التغلبي في أهل دومة وحرستا فدخلوا من باب توما وأقبل حميد بن حبيب اللخمى في أهل ديرا لمران والارزة وسطرا فدخلوا من باب الفراديس وأقبل النضر بن عمر الجرشى في أهل جرش وأهل الحديثة وديرزكا فدخلوا من باب الشرقي وأقبل ربعى بن هاشم الحارثى في الجماعة من بنى عذرة وسلامان فدخلوا من باب توما ودخلت جهينة ومن والاهم مع طلحة بن سعيد فقال بعض شعرائهم فجاءتهم أنصارهم حين أصبحوا * سكاسكها أهل البيوت الصنادد وكلب فجاؤوهم بخيل وعدة * من البيض والابدان ثم السواعد فأكرم بهم أحياء أنصار سنة * هم منعوا حرماتها كل جاحد وجاءتهم شعبان والازد شرعا * وعبس ولخم بين حام وذائد وغسان والحيان قيس وتغلب * وأحجم عنها كل وان وزاهد فما أصبحوا إلا وهم أهل ملكها * قد استوثقوا من كل عات وما رد

[ 548 ]

* حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد عن عمرو بن مروان الكلبى قال حدثنى فسيم بن يعقوب ورزين بن ماجد وغيرهما قالوا وجه يزيد بن الوليد عبد الرحمن ابن مصاد في مائتي فارس أو نحوهم إلى قطن ليأخذوا عبد الملك بن محمد بن الحجاج ابن يوسف وقد تحصن في قصره فأعطاه الامان فخرج إليه فدخلنا القصر فأصبنا فيه خرجين في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار قال فلما انتهينا إلى المزة قلت لعبد الرحمن بن مصادا صرف أحد هذين الخرجين إلى منزلك أوكليهما فإنك لا تصيب من يزيد مثلهما أبدا فقال لقد عجلت إذا بالخيانة لا والله لا يتحدث العرب انى أول من خان في هذا الامر فمضى به إلى يزيد بن الوليد وأرسل يزيد بن الوليد إلى عبد العزيز ابن الحجاج بن عبد الملك فأمره فوقف بباب الجابية وقال من كان له عطاء فليأت إلى عطائه ومن لم يكن له عطاء فله ألف درهم معونة وقال لبنى الوليد بن عبد الملك ومعه منهم ثلاثة عشر تفرقوا في الناس يرونكم وحضوهم وقال للوليد بن روح ابن الوليد انزل الراهب ففعل * وحدثني أحمد عن على عن عمرو بن مروان الكلبى قال حدثنى دكين بن الشماخ الكلبى وأبو علاقة بن صالح السلامانى أن يزيد بن الوليد نادى بأمره مناد من ينتدب إلى الفاسق وله ألف درهم فاجتمع إليه أقل من ألف رجل فأمر رجلا فنادى من ينتدب إلى الفاسق وله ألف وخمسمائة فانتدب إليه يومئذ ألف وخمسمائة فعقد لمنصور بن جمهور على طائفة وعقد ليعقوب ابن عبد الرحمن بن سليم الكلبى على طائفة أخرى وعقد لهرم بن عبد الله بن دحية على طائفة أخرى وعقد لحميد بن حبيب اللخمى على طائفة أخرى وعليهم جميعا عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فخرج عبد العزيز فعسكر بالحيرة * وحدثني أحمد بن زهير قال حدثنا على عن عمرو بن مروان الكلبى قال حدثنى يعقوب ابن ابراهيم بن الوليد ان مولى للوليد لما خرج يزيد بن الوليد خرج على فرس له فأتى الوليد من يومه فنفق فرسه حين بلغه فاخبر الوليد الخبر فضربه مائة سوط وحبسه ثم دعا ابا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية فأجازه ووجهه إلى دمشق فخرج أبو محمد فلما انتهى إلى ذنبة أقام فوجه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن

[ 549 ]

مصاد فسالمه أبو محمد وبايع ليزيد بن الوليد وأتى الوليد الخبر وهو بالاغدف والاغدف من عمان فقال بيهس بن زميل الكلابي ويقال قاله يزيد بن خالد ابن يزيد بن معاوية يا أمير المؤمنين سر حتى تنزل حمص فانها حصينة ووجه الجنود إلى يزيد فيقتل أو يؤسر فقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص ما ينبغى للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل ويعذر والله مؤيد أمير المؤمنين وناصره فقال يزيد بن خالد وماذا يخاف على حرمه وإنما أتاه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك وهو ابن عمهن فأخذ بقول ابن عنبسة فقال له الابرش سعيد بن الوليد الكلبى يا أمير المؤمنين تدمر حصينه وبها قومي يمنعونك فقال ما أرى أن نأتى تدمر وأهلها بنو عامر وهم الذين خرجوا على ولكن دلنى على منزل حصين فقال أرى أن تنزل القربة قال أكرهها قال فهذا الهزيم قال أكره اسمه قال فهذا البخراء قصر النعمان بن بشير قال ويحك ما أقبح أسماء مياهكم فأقبل في طريق السماوة وترك الريف وهو في مائتين فقال إذا لم يكن خير مع الشر لم تجد * نصيحا ولا ذا حاجة حين تفزع إذا ما هم هموا بإحدى هناتهم * حسرت لهم رأسي فلا أتقنع فمر بشبكة الضحاك بن قيس الفهرى وفيها من ولده وولد ولده أربعون رجلا فساروا معه وقالوا إنا عزل فلو أمرت لنا بسلاح فما أعطاهم سيفا ولا رمحا فقال له بيهس بن زميل أما إذ أبيت أن تمضى إلى حمص وتدمر فهذا الحصن البخراء فانه حصين وهو من بناء العجم فانزله قال إنى أخاف الطاعون قال الذى يراد بك أشد من الطاعون فنزل حصن البخراء قال فندب يزيد بن الوليد الناس إلى الوليد مع عبد العزيز ونادى مناديه من سار معه فله ألفان فانتدب ألفا رجل فأعطاهم ألفين ألفين وقال موعدكم بذنبة فوافى بذنبة ألف ومائتان وقال موعدكم مصنعة بنى عبد العزيز بن الوليد بالبرية فوافاه ثمانمائة فسار فتلقاهم ثقل الوليد فأخذوه ونزلوا قريبا من الوليد فأتاه رسول العباس بن الوليد إنى آتيك فقال الوليد أخرجوا سريرا فأخرجوا سريرا فجلس عليه وقال أعلى توثب الرجال

[ 550 ]

وأنا أثب على الاسد وانخصر الافاعى وهم ينتظرون العباس فقاتلهم عبد العزيز وعلى الميمنة عمرو بن حوى السكسكى وعلى المقدمة منصور بن جمهور وعلى الرجالة عمارة بن بن أبى كلثم الازدي ودعا عبد العزيز ببغل له أدهم فركبه وبعث إليهم زياد بن حصين الكلبى يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه فقتله قطرى مولى الوليد فانكشف أصحاب يزيد فترحل عبد العزيز فكر أصحابه وقد قتل من أصحابه عدة وحملت رؤسهم إلى الوليد وهو على باب حصن البخراء قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذى كان عقده بالجابية وقتل من أصحاب الوليد بن يزيد عثمان الخشبى قتله جناح بن نعيم الكلبى وكان من أولاد الخشبية الذين كانوا مع المختار وبلغ عبد العزيز مسير العباس بن الوليد فأرسل منصور بن جمهور في خيل وقال انكم تلقون العباس في الشعب ومعه بنوه فخذوهم فخرج منصور في الخيل فلما صاروا بالشعب إذا هم بالعباس في ثلاثين من بنيه فقالوا له أعدل إلى عبد العزيز فشتمهم ففال له منصور والله لئن تقدمت لانفذن حصينك يعنى درعك وقال نوح بن عمرو بن حوى السكسكى الذى لقى العباس بن الوليد يعقوب بن عبد الرحمن ابن سليم الكلبى فعدل به إلى عبد العزيز فأبى عليه فقال له يا ابن قسطنطين لئن أبيت لاضربن الذى فيه عيناك فنظر العباس إلى هرم بن عبد الله بن دحية فقال من هذا قال يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم قال أم والله ان كان لبغيضا إلى أبيه أن يقف ابنه هذا الموقف وعدل به إلى عسكر عبد العزير ولم يكن مع العباس أصحابه كان تقدمهم مع بنيه فقال إنا لله فأتوا به عبد العزيز فقال له بايع لاخيك يزيد بن الوليد فبايع ووقف ونصبوا راية وقالوا هذه راية العباس بن الوليد وقد بايع لامير المؤمنين يزيد بن الوليد فقال العباس انا لله خدعة من خدع الشيطان هلك بنو مروان فتفرق الناس عن الوليد فاتوا العباس وعبد العزيز وظاهر الوليد بين درعين وأتوه بفرسيه السندي والزائد فقاتلهم قتالا شديدا فناداهم رجل اقتلوا عدوا لله قتلة قوم لوط ارموه بالحجارة فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق الباب وأحاط عبد العزيز وأصحابه بالقصر فدنا الوليد من الباب فقال أما فيكم

[ 551 ]

رجل شريف له حسب وحياء أكلمه فقال له يزيد بن عنبسة السكسكى كلمني قال له من أنت قال أنا يزيد بن عنبسة قال يا أخا السكاسك ألم أزد في أعطياتكم ألم أرفع المؤن عنكم ألم أعط فقراءكم ألم أخدم زمنا كم فقال انا ما ننقم عليك في أنفسنا ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله قال حسبك يا أخا السكاسك فلعمري لقد أكثرت وأغرقت وان فيما أحل لى لسعة عما ذكرت ورجع إلى الدار فجلس وأخذ مصحفا وقال يوم كيوم عثمان ونشر المصحف يقرأ فعلوا الحائط فكان أول من علا الحائط يزيد بن عنبسة السكسكى فنزل إليه وسيف الوليد إلى جنبه فقال له يزيد نح سيفك فقال له الوليد لو أردت السيف لكانت لى ولك حالة غير هذه فأخذ بيد الوليد وهو يريد ان يحبسه ويؤامر فيه فنزل من الحائط عشرة منصور بن جمهور وحبال بن عمرو الكلبى وعبد الرحمن بن عجلان مولى يزيد ابن عبد الملك وحميد بن نصر اللخمى والسرى بن زياد بن أبى كبشة وعبد السلام اللخمى فضربه عبد السلام على رأسه وضربه السرى على وجهه وجروه بين خمسة ليخرجوه فصاحت امرأة كانت معه في الدار فكفوا عنه ولم يخرجوه واحتز أبو علاقة القضاعى رأسه فأخذ عقبا فخاط الضربة التى في وجهه وقدم بالرأس على يزيد روح بن مقبل وقال أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق الوليد وأسر من كان معه والعباس ويزيد يتغدى فسجد ومن كان معه وقام يزيد بن عنبسة السكسكى وأخذ بيد يزيد وقال قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله فاختلج يزيد يده من كفه وقال اللهم ان كان هذا لك رضا فسددني وقال ليزيد بن عنبسة هل كلمكم الوليد قال نعم كلمني من وراء الباب وقال أما فيكم ذوحسب فأكلمه فكلمته ووبخته فقال حسبك فقد لعمري أغرقت وأكثرت أم والله لا يرتق فتقكم ولا يلم شعثكم ولا تجتمع كلمتكم * حدثنى أحمد عن على عن عمرو بن مروان الكلبى قال قال نوح بن عمرو بن حوى السكسكى خرجنا إلى قتال الوليد في ليال ليس فيها قمر فان كنت لارى الحصى فأعرف أسوده من

[ 552 ]

أبيضه قال وكان على ميسرة الوليد بن يزيد الوليد بن خالد بن أخى الابرش الكلبى في بنى عامر وكانت بنو عامر ميمنة عبد العزيز فلم يقاتل ميسرة الوليد ميمنة عبد العزيز وما لوا جميعا إلى عبد العزيز بن الحجاج قال وقال نوح بن عمرو رأيت خدم الوليد ابن يزيد وحشمه يوم قتل يأخذون بأيدى الرجال فيدخلونهم عليه * حدثنى أحمد عن على عن عمرو بن مروان الكلبى قال حدثنى المثنى بن معاوية قال أقبل الوليد فنزل اللؤللؤة وأمر ابنه الحكم والمؤمل بن العباس أن يفرضا لمن أتاهما ستين دينارا في العطاء فأقبلت أنا وابن عمى سليمان بن محمد بن عبد الله إلى عسكر الوليد فقربنى المؤمل وأدناني وقال أدخلك على أمير المؤمنين وأكلمه حتى يفرض لك في مائة دينار قال المثنى فخرج الوليد من اللؤلؤة فنزل المليكة فأتاه رسول عمرو ابن قيس من حمص يخبره أن عمرا قد وجه إليه خمسمائة فارس عليهم عبد الرحمن ابن أبى الجنوب البهرانى فدعا الوليد الضحاك بن أيمن من بنى عوف بن كلب فأمره أن يأتي ابن أبى الجنوب وهو بالغوير فيستعجله ثم يأتي الوليد بالمليكة فلما أصبح أمر الناس بالرحيل وخرج على برذون كميت عليه قباء خزو عمامة خز محتزما ريطة رقيقة قد طواها وعلى كتفيه ريطة صفراء فوق السيف فلقيه بنو سليم بن كيسان في ستة عشر فارسا ثم سار قليلا فتلقاه بنو النعمان بن بشير في فوارس ثم أتاه الوليد ابن أخى الابرش في بنى عامر من كلب فحمله الوليد وكساه وسار الوليد على الطريق ثم عدل في تلعة يقال لها المشبهة فلقيه ابن أبى الجنوب في أهل حمص ثم أتى البخراء فضج أهل العسكر وقالوا ليس معنا علف لدوابنا فأمر رجلا فنادى إن أمير المؤمنين قد اشترى زروع القرية فقالوا ما نصنع بالقصيل تضعف عليه دوابنا وانما أرادوا الدراهم قال المثنى أتيت الوليد فدخلت من مؤخر الفسطاط فدعا بالغداء فلما وضع بين يديه أتاه رسول أم كلثوم بنت عبد الله بن يزيد بن عبد الملك يقال له عمرو بن مرة فأخبره أن عبد العزيز بن الحجاج قد نزل اللؤلؤة فلم يلتفت إليه وأناه خالد بن عثمان الخراش وكان على شرطه برجل من بنى حارثة بن جناب فقال له إن كنت بدمشق مع عبد العزيز وقد أتيتك بالخبر وهذه ألف وخمسمائة

[ 553 ]

قد أخذتها وحل هميانا من وسطه وأراه وقد نزل اللؤلؤة وهو غاد منها اليك فلم يجبه والتفت إلى رجل إلى جنبه وكلمه بكلام لم أسمعه فسألت بعض من كان بينى وبينه عما قال فقال سأله عن النهر الذى حفره بالاردن كم بقى منه وأقبل عبد العزيز من اللؤلؤة فأتى الملكية فحازها ووجه منصور بن جمهور فأخذ شرقي القرى وهو تل مشرف في أرض ملساء على طريق نهيا إلى البخراء وكان العباس بن الوليد تهيأ في نحو من خمسين ومائة من مواليه وولده فبعث العباس رجلا من بنى ناجية يقال له حبيش إلى الوليد يخيره بين أن يأتيه فيكون معه أو يسير إلى يزيد بن الوليد قاتهم ؟ ؟ الوليد العباس فأرسل إليه يأمره أن يأتيه فيكون معه فلقى منصور ابن جمهور الرسول فسأله عن الامر فأخبره فقال له منصور قل له والله لئن رحلت من موضعك قبل طلوع الفجر لاقتلنك ومن معك فإذا أصبح فليأخذ حيث أحب فأقام العباس يتهيأ فلما كان في السحر سمعنا تكبير أصحاب عبد العزيز قد أقبلوا إلى البخراء فخرج خالد بن عثمان المخراش فعبأ الناس فلم يكن بينهم قتال حتى طلعت الشمس وكان مع أصحاب يزيد بن الوليد كتاب معلق في رمح فيه إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأن يصير الامر شورى فاقتتلوا فقتل عثمان الخشبى وقتل من أصحاب الوليد زهاء ستين رجلا وأقبل منصور بن جمهور على طريق نهيا فأتى عسكر الوليد من خلفهم فأقبل إلى الوليد وهو في فسطاطه ليس بينه وبين منصور أحد فلما رأيته خرجت أنا وعاصم بن هبيرة المعافرى خليفة المخراش فانكشف أصحاب عبد العزيز ونكص أصحاب منصور وصرع سمى بن المغيرة وقتل وعدل منصور إلى عبد العزيز وكان الابرش على فرس له يدعى الاديم عليه قلنسوة ذات أذنين قد شدها تحت لحيته فجعل يصيح بابن أخيه يا ابن اللخناء قدم ؟ ؟ رايتك فقال له لا أجد متقدما إنها بنو عامر وأقبل العباس بن الوليد فمنعه أصحاب عبد العزيز وشد مولى لسليمان بن عبد الله بن دحية يقال له التركي على الحارث ابن العباس بن الوليد فطعنه طعنة أرداه عن فرسه فعدل العباس إلى عبد العزيز فأسقط في أيدى أصحاب الوليد وانكسروا فبعث الوليد بن يزيد الوليد بن خالد

[ 554 ]

إلى عبد العزيز بن الحجاج بأن يعطيه خمسين ألف دينار ويجعل له ولاية حمص ما بقى ويؤمنه على كل حدث على أن ينصرف ويكف فأبى ولم يجبه فقال له الوليد ارجع إليه فعاوده أيضا فأتاه الوليد فلم يجبه إلى شئ فانصرف الوليد حتى إذا كان غير بعيد عطف دابته فدنا من عبد العزيز فقال له أتجعل لى خمسة آلاف دينار وللابرش مثلها وأن أكون كأخص رجل من قومي منزلة وآتيك فأدخل معك فيما دخلت فيه فقال له عبد العزيز على أن تحمل الساعة على أصحاب الوليد ففعل وكان على ميمنة الوليد معاوية بن أبى سفيان بن يزيد بن خالد فقال لعبد العزيز أتجعل لى عشرين ألف دينار وولاية الاردن والشركة في الامر على أن أصير معكم قال على أن تحمل على أصحاب الوليد من ساعتك ففعل فانهزم أصحاب الوليد وقال الوليد فدخل البخراء واقبل عبد العزيز فوقف على الباب وعليه سلسلة فجعل الرجل بعد الرجل يدخل من تحت السلسلة واتى عبد العزيز عبد السلام بن بكير بن شماخ اللخمى فقال له إنه يقول أخرج على حكمك قال فليخرج فلما ولى قيل له ما تصنع بخروجه دعه يكفيكه الناس فدعا عبد السلام فقال لا حاجة لى فيما عرض على فنظرت إلى شاب طويل على فرس فدنا من حائط القصر فعلاه ثم صار إلى داخل القصر قال فدخلت القصر فإذا الوليد قائم في قميص قصب وسراويل وشى ومعه سيف في غمد والناس يشتمونه فأقبل إليه بشر بن شيبان مولى كنانة بن عمير وهو الذى دخل من الحائط فمضى الوليد يريد الباب أظنه أراد أن يأتي عبد العزيز وعبد السلام عن يمينه ورسول عمرو بن قيس عن يساره فضربه على رأسه وتعاوره الناس بأسيافهم فقتل فطرح عبد السلام نفسه عليه يحتز رأسه وكان يزيد بن الوليد قد جعل في رأس الوليد مائة ألف وأقبل أبو الاسد مولى خالد بن عبد الله القسرى فسلخ من جلد الوليد قدر الكف فأتى بها يزيد بن خالد بن عبد الله وكان محبوسا في عسكر الوليد فانتهب الناس عسكر الوليد وخزائنه وأتانى يزيد العليمى أبو البطريق بن يزيد وكانت ابنته عند الحكم ابن الوليد فقال امنع لى متاع ابنتى فما وصل أحد إلى شئ زعم أنه له قال أحمد قال

[ 555 ]

على قال عمرو بن مروان الكلبى لما قتل الوليد قطعت كفه اليسرى فبعث بها إلى يزيد بن الوليد فسبقت الرأس قدم بها ليلة الجمعة وأتى برأسه من الغد فنصبه للناس بعد الصلاة وكان أهل دمشق قد أرجفوا بعبد العزيز فلما أتاهم رأس الوليد سكتوا وكفوا قال وأمر يزيد بنصب الرأس فقال له يزيد بن فروة مولى بنى مروان إنما تنصب رؤس الخوارج وهذا ابن عمك وخليفة ولا آمن إن نصبته أن ترق له قلوب الناس ويغضب له أهل بيته فقال والله لا نصبنه فنصبه على رمح ثم قال له انطلق به فطف به في مدينة دمشق وأدخله دار أيبه ففعل فصاح الناس وأهل الدار ثم رده إلى يزيد فقال انطلق به إلى منزلك فمكث عنده قريبا من شهر ثم قال له ادفعه إلى أخيه سليمان وكان سليمان أخو الوليد ممن سعى على أخيه فغسل ابن فورة الرأس ووضعه في سفط وأتى به سليمان فنطر إليه سليمان فقال بعدا له أشهد أنه كان شروبا للخمر ما جنا فاسقا ولقد أرادنى على نفسي الفاسق فخرج ابن فورة من الدار فتلقته مولاة للوليد فقال له ويحك ما أشد ما شتمه زعم أنه أراده على نفسه فقالت كذب والله الخبيث ما فعل ولئن كان أراده على نفسه لقد فعل وما كان ليقدر على الامتناع منه * وحدثني أحمد عن على عن عمرو بن مروان الكلبى قال حدثنى يزيد بن مصاد عن عبد الرحمن بن مصاد قال بعثنى يزيد بن الوليد إلى أبى محمد السفياني وكان الوليد وجهه حين بلغه خبر يزيد واليا على دمشق وأتى ذنبة وبلغ يزيد خبره فوجهتي إليه فأتيته فسالم وبايع ليزيد قال فلم نرم حتى رفع لنا شخص مقبل من ناحية البرية فبعث إليه فأتيت به فإذا هو الغزيل أبو كامل المغنى على بغلة للوليد تدعى مريم فأخبرنا أن الوليد قد قتل فانصرفت إلى يزيد فوجدت الخبر قد أتاه قبل أن آتيه * حدثنى أحمد عن على عن عمرو بن مروان الكلبى قال حدثنى دكين بن شماخ الكلبى ثم العامري قال رأيت بشر بن هلباء العامري يوم قتل الوليد ضرب باب البخراء بالسيف وهو يقول: سنبكى خالدا بمهندات * ولا تذهب صنائعه ضلالا * وحدثني أحمد عن على عن أبى عاصم الزيادي قال ادعى قتل الوليد عشرة وقال إنى رأيت جلدة رأس الوليد في يدوجه الفلس فقال أنا قتلته وأخذت هذه

[ 556 ]

الجلدة وجاء رجل فاحتز رأسه وبقيت هذه الجلدة في يدى واسم وجه الفلس عبد الرحمن قال وقال الحكم بن النعمان مولى الوليد بن عبد الملك قدم برأس الوليد على يزيد منصور بن جمهور في عشرة فيهم روح بن مقبل فقال روح يا أمير المؤمنين أبشر بقتل الفاسق وأسر العباس وكان فيمن قدم بالرأس عبد الرحمن وجه الفلس وبشر مولى كنانة من كلب فأعطى يزيد كل رجل منهم عشرة آلاف قال وقال الوليد يوم قتل وهو يقاتلهم من جاء برأس فله خمسمائة فجاء قوم بأرؤس فقال الوليد اكتبوا أسماءهم فقال رجل من مواليه ممن جاء برأس يا أمير المؤمنين ليس هذا بيوم يعمل فيه بنسيئه قال وكان مع الوليد مالك بن أبى السمح المغنى وعمرو الوادي فلما تفرق عن الوليد أصحابه وحضر قال مالك لعمرو اذهب بنا فقال عمرو ليس هذا من الوفاء ونحن لا يعرض لنا لانا لسنا ممن يقاتل فقال مالك ويلك والله لئن ظفروا بنا لا يقتل أحد قبلى وقبلك فيوضع رأسه بين رأسينا ويقال للناس انظروا من كان معه في هذه الحال فلا يعيبونه بشئ أشد من هذا فهربا وقتل الوليد بن يزيد يوم الخميس لليلتين بقيتا من من جمادى الآخرة سنة 126 كذلك قال أبو معشر حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عنه وكذلك قال هشام ابن محمد ومحمد بن عمر الواقدي وعلى بن محمد المدائني واختلفوا في قدر المدة التى كان فيها خليفة فقال أبو معشر كانت خلافته سنة وثلاثة أشهر كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عنه وقال هشام بن محمد كانت خلافته سنة وشهرين واثنين وعشرين يوما واختلفوا أيضا في مبلغ سنه يوم قتل فقال هشام بن محمد الكلبى قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة وقال محمد بن عمر قتل وهو ابن ست وثلاثين سنة وقال بعضهم قتل وهو ابن اثنين وأربعين سنة وقال آخرون وهو ابن إحدى وأربعين سنة وقال آخرون ابن خمس وأربعين سنة وقال بعضهم وهو ابن ست وأربعين سنة وكان يكنى أبا العباس وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفى وكان شديد البطش طويل أصابع الرجلين كان يوتد له سكة حديد فيها خيط ويشد الخيط في رجله ثم يثب على الدابة فينتزع السكة ويركب ما يمس

[ 557 ]

الدابة بيده وكان شاعرا شروبا للخمر * حدثنى أحمد قال حدثنا على عن ابن أبى الزناد قال قال أبى كنت عند هشام وعنده الزهري فذكر الوليد فتنقصاه وعاباه عيبا شديدا ولم أعرض في شئ مما كانا فيه فاستأذن الوليد فأذن له وأنا أعرف الغضب في وجهه فجلس قليلا ثم قام فلما مات هشام كتب في فحملت إليه فرحب بى وقال كيف حالك يا ابن ذكوان وألطف المسألة بى ثم قال أتذكر يوم الاحوال وعنده الفاسق الزهري وهما يعيباننى قلت أذكر ذلك فلم أعرض في شئ مما كانا فيه قال صدقت أرأيت الغلام الذى كان قائما على رأس هشام قلت نعم قال فإنه نمى إلى ما قالا وايم الله لو بقى الفاسق يعنى الزهري لقتلته قلت قد عرفت الغضب في وجهك حين دخلت ثم قال يا ابن ذكوان ذهب الاحوال بعمرى فقلت بل يطيل الله لك عمرك يا أمير المؤمنين ويمتع الامة ببقائك فدعا بالعشاء فتعشينا وجاءت المغرب فصلينا وتحدثنا حتى جاءت العشاء الآخرة فصلينا وجلس وقال اسقنى فجاؤا بإناء مغطى وجاء ثلاث جوار فصفقن بين يديه بينى وبينه ثم شرب وذهبن فتحدثنا واستسقى فصنعن مثل ما صنعن أولا قال فما زال على ذلك يتحدث ويستسقى ويصنعن مثل ذلك حتى طلع الفجر فأحصيت له سبعين قدحا (وفى هذه السنة) قتل خالد بن عبد الله القسرى ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك قد تقدم ذكرنا الخبر عن عزل هشام إياه عن عمله وولايته العراق وخراسان واستعماله على العراق يوسف بن عمر وكان فيما ذكر عمل لهشام على ذلك خمس عشرة سنة غير أشهر وذلك أنه فيما قيل ولى العراق لهشام سنة 105 وعزل عنها في جمادى الاولى سنة 120 ولما عزله هشام وقدم عليه يوسف واسطا أخذه وحبسه بها ثم شخص يوسف بن عمر إلى الحيرة فلم يزل محبوسا بالحيرة تمام ثمانية عشر شهرا مع أخيه إسماعيل بن عبد الله وابنه يزيد بن خالد وابن أخيه المنذر ابن أسد بن عبد الله واستأذن يوسف هشاما في إطلاق يده عليه وتعذيبه فلم يأذن له حتى أكثر عليه واعتل عليه بانكسار الخراج وذهاب الاموال فأذن له

[ 558 ]

مرة واحدة وبعث حرسيا يشهد ذلك وحلف لئن أتى على خالد أجله وهو في يده ليقتلنه فدعا به يوسف فجلس على دكان بالحيرة وحضر الناس وبسط عليه فلم يكلمه واحدة حتى شتمه يوسف فقال يا ابن الكاهن يعنى شق بن صعب الكاهن فقال له خالد إنك لاحمق تعيرني بشرفي ولكنك يا ابن السباء إنما كان أبوك سباء خمر يعنى يبيع الخمر ثم رده إلى حبسه ثم كتب إليه هشام يأمره بتخلية سبيله في شوال سنة 121 فنزل خالد في قصر إسماعيل بن عبد الله بدوران خلف جسر الكوفة وخرج يزيد بن خالد وحده فأخذ على بلاد طئ حتى ورد دمشق وخرج خالد ومعه إسماعيل والوليد قد جهزهم عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص وبعث بالاثقال إلى قصر بنى مقاتل وكان يوسف قد بعث خيلا فأخذت الزاد والاثقال والابل وموالى لخالد كانوا فيها فضرب وباع ما أخذ لهم ورد بعض الموالى إلى الرق فقدم خالد قصر بنى مقاتل وقد أخذ كل شئ لهم فسار إلى هيت ثم تحملوا إلى القرية وهى بإزاء باب الرصافة فأقام بها بقية شوال وذى القعدة وذى الحجة والمحرم وصفر لا يأذن لهم هشام في القدوم عليه والابرش يكاتب خالدا وخرج زيد بن على فقتل قال الهيثم بن عدى فيما ذكر عنه وكتب يوسف إلى هشام إن أهل هذا البيت من بنى هاشم قد كانوا هلكوا جوعا حتى كانت همة أحدهم قوت عياله فلما ولى خالد العراق أعطاهم الاموال فقووابها حتى تاقت أنفسهم إلى طلب الخلافة وما خرج زيد إلا عن رأى خالد والدليل على ذلك نزول خالد بالقرية على مدرجة العراق يستنشئ أخبارها فسكت هشام حتى فرغ من قراءة الكتاب ثم قال للحكم بن حزن القينى وكان على الوفد وقد أمره يوسف بتصديق ما كتب به ففعل فقال له هشام كذبت وكذب من أرسلك ومهما اتهمنا خالدا فلسنا نتهمه في طاعة وأمر به فوجئت عنقه وبلغ الخبر خالدا فسار حتى نزل دمشق فأقام حتى حضرت الصائفة فخرج فيها ومعه يزيد وهشام ابنا خالد بن عبد الله وعلى دمشق يومئذ كلثوم بن عياض القسرى وكان متحاملا على خالد فلما أدربوا ظهر في دور دمشق حريق كل ليلة يلقيه رجل من أهل العراق يقال له أبو العمرس

[ 559 ]

وأصحاب له فإذا وقع الحريق أغاروا يسرقون وكان إسماعيل بن عبد الله والمنذر ابن أسد بن عبد الله وسعيد ومحمد ابنا خالد بالساحل لحدث كان من الروم فكتب كلثوم إلى هشام يذكر الحريق ويخبره أنه لم يكن قط وأنه عمل موالى خالد يريدون الوثوب على بيت المال فكتب إليه هشام يأمره أن يحبس آل خالد الصغير منهم والكبير ومواليهم والنساء فأخذ إسماعيل والمنذر ومحمد وسعيد من الساحل فقدم بهم في الجوامع ومن كان معهم من مواليهم وحبس أم جرير بنت خالد والرائقة وجميع النساء والصبيان ثم ظهر على أبى العمرس فأخذ ومن كان معه فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل خراج دمشق إلى هشام يخبره بأخذ أبى العمرس ومن كان معه سماهم رجلا رجلا ونسبهم إلى قبائلهم وأمصارهم ولم يذكر فيهم أحد من موالى خالد فكتب هشام إلى كلثوم يشتمه ويعنفه ويأمره بتخلية سبيل جميع من حبس منهم فأرسلهم جميعا واحتبس الموالى رجاء أن يكلمه فيهم خالد إذا قدم من الصائفة فلما أقبل الناس وخرجوا عن الدرب بلغ خالدا حبس أهله ولم يبلغه تخليتهم فدخل يزيد بن خالد في غمار الناس حتى أتى حمص وأقبل خالد حتى نزل منزله من دمشق فلما أصبح أتاه الناس فبعث إلى ابنتيه زينب وعاتكة فقال إنى قد كبرت وأحببت أن تليا خدمتي فسرتا بذلك ودخل عليه إسماعيل أخوه ويزيد وسعيد ابناه وأمر بالاذن فقامت ابنتاه لتتنحيا فقال ومالهما يتنحيان وهشام في كل يوم يسوقهن إلى الحبس فدخل الناس فقام إسماعيل وابناه دون ابنتيه يسترونهما فقال خالد خرجت غازيا في سبيل الله سامعا مطيعا فخلفت في عقبى وأخذ حرمى وحرم أهل بيتى فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بأهل الشرك فما منع عصابة منكم أن تقوم فتقول علام حبس حرم هذا السامع المطيع أخفتم أن تقتلوا جميعا أخافكم الله ثم قال مالى ولهشام ليكفن عنى هشام أو لا دعون إلى عراقى الهوى شأمى الدار حجازى الاصلى يعنى محمد بن على بن عبد الله بن عباس وقد أذنت لكم أن تبلغوا هشاما فلما بلغه ما قال قال خرف أبو الهيثم وذكر أبو زيد أن أحمد بن معاوية حدثه عن أبى الخطاب قال قال خالد أم والله لئن ساء صاحب الرصافة يعنى

[ 560 ]

هشاما لننصبن لنا الشأمى الحجازى العراقى ولو نخر نخرة تداعت من أقطارها فبلغت هشاما فكتب إليه إنك هذاءة هذرة أببجيلة القليلة الذليلة تتهددنى قال فو الله ما نصره أحد بيد ولا بلسان إلا رجل من عبس فانه قال ألا إن بحر الجود أصبح ساجيا * أسير ثقيف موثقا في السلاسل فإن تسجنوا القسرى لا تسجنوا اسمه * ولا تسجنوا معروفه في القبائل فأقام خالد ويزيد وجماعة أهل بيته بدمشق ويوسف ملح على هشام يسأله أن يوجه إليه يزيد وكتب هشام إلى كلثوم بن عياض يأمره بأخذ يزيد والبعثة به إلى يوسف فوجه كلثوم إلى يزيد خيلا وهو في منزله فشد عليهم يزيد فافرجوا له ثم مضى على فرسه وجاءت الخيل إلى كلثوم فأخبره فأرسل إلى خالد الغد من يوم تنحى يزيد خيلا فدعا خالد بثيابه فلبسها وتصارخ النساء فقال رجل منهم لو أمرت هؤلاء النسوة فسكتن فقال ولم أم والله لولا الطاعة لعلم عبد بنى قسر أنه لا ينال هذه منى فأعلموه مقالتي فإن كان عربيا كما يزعم فليطلب جده منى ثم مضى معهم فحبس في حبس دمشق وسار اسماعيل من يومه حتى قدم الرصافة على هشام فدخل على أبى الزبير حاجبه فأخبره بحبس خالد فدخل أبو الزبير على هشام فأعلمه فكتب إلى كلثوم يعنفه ويقول خليت عمن أمرتك بحبسه وحبست من لم آمرك بحبسه ويأمره بتخلية سبيل خالد فخلاه وكان هشام إذا أراد أمرا أمر الابرش فكتب به إلى خالد فكتب الابرش إنه بلغ أمير المؤمنين أن عبد الرحمن بن ثويب الضنى ضنة سعد إخوة عذرة بن سعد قام اليك فقال يا خالد إنى لاحبك لعشر خصال إن الله كريم وأنت كريم والله جواد وأنت جواد والله رحيم وأنت رحيم والله حليم وأنت حليم حتى عد عشرا وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن تحقق عنده ذلك ليستحلن دمك فاكتب إلى بالامر على وجهه لا خبر به أمير المؤمنين فكتب إليه خالد ان ذلك المجلس كان أكثر أهلا من أن يجوز لاحد من أهل البغى والفجور أن يحرف ما كان فيه إلى غيره فأم إلى عبد الرحمن ابن ثويب فقال يا خالد انى لاحبك لعشر خصال ان الله كريم يحب كل كريم

[ 561 ]

والله يحبك وأنا أحبك لحب الله اياك حتى عدد عشر خصال ولكن أعظم من ذلك قيام ابن شقى الحميرى إلى أمير المؤمنين وقوله يا أمير المؤمنين خليفتك في أهلك أكرم عليك أم رسولك فقال أمير المؤمنين بل خليفتي في اهلي فقال ابن شقى فأنت خليفة الله ومحمد رسوله صلى الله عليه وسلم ولعمري لضلالة رجل من بجيلة ان ضل أهون على العامة والخاصة من ضلال أمير المؤمنين فأقرأ الابرش هشاما كتابه فقال خرف أبو الهيثم فأقام خالد بدمشق خلافة هشام حتى هلك فلما هلك هشام وقام الوليد قدم عليه أشراف الاجناد فيهم خالد فلم يأذن لاحد منهم واشتكى خالد فاستأذن فأذن له فرجع إلى دمشق فأقام أشهرا ثم كتب إليه الوليد إن أمير المؤمنين قد علم حال الخمسين الالف ألف ألم تعلم فاقدم على أمير المؤمنين مع رسوله فقد أمره أن لا يعجلك عن جهاز فبعث خالد إلى عدة من ثقاته منهم عمارة بن أبى كلثوم الازدي فأقرأهم الكتاب وقال أشيروا على فقالوا إن الوليد ليس بمأمون عليك فالرأى أن تدخل دمشق وتأخذ بيوت الاموال وتدعو إلى من أحببت فأكثر الناس قومك ولن يختلف عليك رجلا قال أو ما ذا قالوا تأخذ بيوت الاموال وتقيم حتى تتوثق لنفسك قال أو ما ذا قالوا أو تتوارى قال أما قولكم تدعو إلى من أحببت فإنى أكره أن تكون الفرقة والاختلاف على يدى وأما قولكم تتوثق لنفسك فأنتم لا تأمنون على الوليد ولا ذنب لى فكيف ترجون وفاءه لى وقد أخذت بيوت الاموال وأما التوارى فوالله ما قنعت رأسي خوفا من أحد قط فالآن وقد بلغت من السن ما بلغت لا ولكن أمضى وأستعين الله فخرج حتى قدم على الوليد فلم يدع به ولم يكلمه وهو في بيته معه مواليه وخدمه حتى قدم برأس يحيى بن زيد من خراسان فجمع الناس في رواق وجلس الوليد وجاء الحاجب فوقف فقال له خالد ان حالى ما ترى لا أقدر على المشى وإنما أحمل في كرسى فقال الحاجب لا يدخل عليه أحد يحمل ثم أذن لثلاثة نفر ثم قال قم يا خالد فقال حالى ما ذكرت لك ثم أذن لرجل أو رجلين فقال قم يا خالد فقال إن حالى ما ذكرت لك حتى أذن لعشرة ثم قال قم يا خالد وأذن

[ 562 ]

للناس كلهم وأمر بخالد فحمل على كرسيه فدخل به والوليد جالس على سريره والموائد موضوعة والناس بين يديه سماطان وشبة بن عقال أو عقال بن شبة يخطب ورأس يحيى بن زيد منصوب فميل بخالد إلى أحد السماطين فلما فرغ الخطيب قام الوليد وصرف الناس وحمل خالد إلى أهله فلما نزع ثيابه جاءه رسول الوليد فرده فلما صار إلى باب السرادق وقف فخرج إليه رسول الوليد فقال يقول لك أمير المؤمنين أين يزيد بن خالد فقال كان أصابه من هشام ظفر ثم طلبه فهرب منه وكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه الله فلما لم يظهر ظنناه ببلاد قومه من الشراة وما أوشكه فرجع إليه الرسول فقال لا ولكنك خلفته طلبا للفتنة فقال خالد للرسول قد علم أمير المؤمنين أنا أهل بيت طاعة أنا وأبى وجدى قال خالد وقد كنت أعلم بسرعة رجعة الرسول أن الوليد قريب حيث يسمع كلامي فرجع الرسول فقال يقول لك أمير المؤمنين لتأتين به أو لارهقن نفسك فرفع خالد صوته وقال قل له هذا أردت وعليه درت والله لو كان تحت قدمى ما رفعتهما لك عنه فاصنع ما بدالك فأمر الوليد غيلان صاحب حرسه بالبسط عليه وقال له أسمعني صوته فذهب به غيلان إلى رحله فعذبه بالسلاسل فلم يتكلم فرجع غيلان إلى الوليد فقال والله ما أعذب إنسانا والله ما يتكلم ولا يتأوه فقال اكفف عنه واحبسه عندك فحبسه حتى قدم يوسف بن عمر بمال من العراق ثم أداروا الامر بينهم وجلس الوليد للناس ويوسف عنده فكلم أبان بن عبد الرحمن النميري في خالد فقال يوسف أنا أشتريه بخمسين ألف ألف فأرسل الوليد إلى خالد إن يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف فان كنت تضمنها وإلا دفعتك إليه فقال خالد ما عهدت العرب تباع والله لو سألتنى أن أضمن هذا ورفع عودا من الارض ما ضمنته فر رأيك فدفعه إلى يوسف فنزع ثيابه ودرعه عباءة ولحفه بأخرى وحمله في محمل بغير وطاء وزميله أبو قحافة المرى ابن أخى الوليد بن تليد وكان عامل هشام على الموصل فانطلق به حتى نزل المحدثة على مرحلة من عسكر الوليد ثم دعا به فذكر أمه فقال وما ذكر الامهات لعنك الله والله لا أكلمك كلمة أبدا فبسط

[ 563 ]

عليه وعذبه عذابا شديدا لا يكلمه كلمة ثم ارتحل به حتى إذا كان ببعض الطريق بعث إليه زيد بن تميم القينى بشربة سويق حب رمان مع مولى له يقال له سالم النفاط فبلغ يوسف فضرب زيدا خمسمائة سوط وضرب سالما ألف سوط ثم قدم يوسف الحيرة فدعا به وبإبراهيم ومحمد ابني هشام فبسط على خالد فلم يكلمه وصبر ابراهيم بن هشام وخرع محمد بن هشام فمكث خالد يوما في العذاب ثم وضع على صدره المضرسة فقتله من الليل ودفن بناحية الحيرة في عباءته التى كان فيها وذلك في المحرم سنة 126 في قول الهيثم بن عدى فأقبل عامر بن سهلة الاشعري فعقر فرسه على قبره فضربه يوسف سبعمائة سوط (قال أبو زيد) حدثنى أبو نعيم قال حدثنى رجل قال شهدت خالدا حين أتى به يوسف فدعا بعود فوضع على قدميه ثم قامت عليه الرجال حتى كسرت قدماه فو الله ما تكلم ولا عبس ثم على ساقيه حتى كسرتا ثم على فخذيه ثم على حقويه ثم على صدره حتى مات فو الله ما تكلم ولا عبس فقال خلف بن خليفة لما قتل الوليد بن يزيد لقد سكنت كلب وأسباق مذحج * صدى كان يزقو ليله غير راقد تركن أمير المؤمنين بخالد * مكبا على خيشومه غير ساجد فإن تقطعوا منا مناط قلادة * قطعنا به منكم مناط قلائد وإن تشغلونا عن ندانا فإننا * شغلنا الوليد عن غناء الولائد وإن سافر القسرى سفرة هالك * فإن أبا العباس ليس بشاهد وقال حسان بن جعدة الجعفري يكذب خلف بن خليفة في قوله هذا إن امرءا يدعى قتل الوليد سوى * أعمامه لمل ء النفس بالكذب ما كان إلا امرءا خانت منيته * سارت إليه بنو مروان بالعرب وقال أبو محجن مولى خالد سائل وليدا وسائل أهل عسكره * غداة صبحه شؤبوبنا البرد هل جاء من مضر نفس فتمنعه * والخيل تحت عجاج الموت تطرد من يهجنا جاهلا بالشعر ننقضه * بالبيض إنا بها نهجو ونفتئد

[ 564 ]

وقال نصر بن سعيد الانصاري أبلغ يزيد بنى كرز مغلغلة * أنى شفيت بغيب غير موتور قطعت أوصال قنور على حنق * بصارم من سيوف الهند ماثور أمست حلائل قنور مجدعة * لمصرع العبد قنور بن قنور ظلت كلاب دمشق وهى تنهشه * كأن أعضاءه أعضاء خنزير غاذرن منه بقايا عند مصرعه * أنقاض شلو على الاطناب مجرور حكمت سيفك إذ لم ترض حكمهم * والسيف يحكم حكما غير تعذير لا ترض من خالدإن كنت متئرا * إلا بكل عظيم الملك مشهور أسعرت ملك نزار ثم رعتهم * بالخيل تركض بالشم المغاوير ما كان في آل قنور ولا ولدوا * عدلا لبدر سماء ساطع النور (وفى هذه السنة) بويع ليزيد بن الوليد بن عبد الملك الذى يقال له يزيد الناقص وإنما قيل يزيد الناقص لنقصه الناس الزيادة التى زادهموها الوليد بن يزيد في أعطياتهم وذلك عشرة عشرة فلما قتل الوليد نقصهم تلك الزيادة ورد أعطياتهم إلى ما كانت عليه أيام هشام بن عبد الملك وقيل أول من سماه بهذا الاسم مروان بن محمد * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا على بن محمد قال شتم مروان بن محمد يزيد ابن الوليد فقال الناقص بن الوليد فسماه الناقص فسماه الناس الناقص لذلك (وفى هذه السنة) اضطرب حبل بنى مروان وهاجت الفتنة ذكر الخبر عما حدث فيها من الفتن فكان من ذلك وثوب سليمان بن هشام بن عبد الملك بعد ما قتل الوليد ابن يزيد بعمان * فحدثني أحمد بن زهير عن على محمد قال لما قتل الوليد خرج سليمان بن هشام من السجن وكان محبوسا بعمان فأخذ ما كان بعمان من الاموال وأقبل إلى دمشق وجعل يلعن الوليد ويعيبه بالكفر (وفيها) كان وثوب أهل حمص بأسباب العباس بن الوليد وهدمهم داره وإظهارهم الطلب بدم الوليد بن يزيد

[ 565 ]

ذكر الخبر عن ذلك * حدثنى أحمد عن على قال كان مروان بن عبد الله بن عبد الملك عاملا للوليد على حمص وكان من سادة بنى مروان نبلا وكرما وعقلا وجمالا فلما قتل الوليد بلغ أهل حمص قتله فأغلقوا أبوابها وأقاموا النوائح والبواكى على الوليد وسألوا عن قتله فقال بعض من حضرهم ما زلنا منتصفين من القوم قاهرين لهم حتى جاء العباس ابن الوليد فمال إلى عبد العزيز بن الحجاج فوثب أهل حمص فهدموا دار العباس وانتهبوها وسلبوا حرمه وأخذوا بنيه فحبسوهم وطلبوه فخرج إلى يزيد بن الوليد وكاتبوا الاجناد ودعوهم إلى الطلب بدم الوليد فأجابوهم وكتب أهل حمص بينهم كتابا لا يدخلوا في طاعة يزيد وإن كان وليا عهد الوليد حيين قاموا بالبيعة لهما والا جعلوها لخير من يعلمون على أن يعطيهم العطاء من المحرم إلى المحرم ويعطيهم للذرية وأمروا عليهم معاوية بن يزيد بن حصين وكتب إلى مروان بن عبد الله ابن عبد الملك وهو بحمص في دار الامارة فلما قرأه قال هذا كتاب حضره من الله حاضر وتابعهم على ما أرادوا فلما بلغ يزيد بن الوليد خبرهم وجه إليهم رسلا فيهم يعقوب بن هانئ وكتب إليهم أنه ليس يدعو إلى نفسه ولكنه يدعوهم إلى الشورى فقال عمرو بن قيس السكوني رضينا بولي عهدنا يعنى ابن الوليد بن يزيد فأخذ يعقوب بن عمير بلحيته فقال أيها العشمة إنك قد فيلت وذهب عقلك إن الذى تعنى لو كان يتيما في حجرك لم يحل لك أن تدفع إليه ماله فكيف أمر الامة فوثب أهل حمص على رسل يزيد بن الوليد فطردوهم وكان أمر حمص لمعاوية بن يزيد ابن حصين وليس إلى مروان بن عبد الله من أمرهم شئ وكان معهم السمط بن ثابت وكان الذى بينه وبين معاوية بن يزيد متباعدا وكان معهم أبو محمد السفياني فقال لهم لو قد أتيت دمشق وأنظر إلى أهلها لم تخالفني فوجه يزيد بن الوليد مسرور بن الوليد والوليد بن روح في جمع كبير فنزلوا حوارين أكثرهم بنو عامر من كلب ثم قدم على يزيد سليمان بن هشام فأكرمه يزيد وتزوج أخته أم هشام بنت هشام بن عبد الملك ورد عليه ما كان الوليد أخذه من أموالهم ووجهه إلى

[ 566 ]

مسرور بن الوليد والوليد بن روح وأمرهما بالسمع والطاعة له وأقبل أهل حمص فنزلوا قرية لخالد بن يزيد بن معاوية * حدثنى أحمد قال حدثنا على عن عمرو بن مروان الكلبى قال حدثنى عمرو بن محمد ويحيى بن عبد الرحمن البهرانى قالاقام مروان ابن عبد الله فقال يا هؤلاء إنكم خرجتم لجهاد عدوكم والطلب بدم خليفتكم وخرجتم مخرجا أرجو أن يعظم الله به أجركم ويحسن عليه ثوابكم وقد نجم لكم منهم قرن وشال إليكم منهم عنق إن أنتم قطعتموه اتبعه ما بعده وكنتم عليه أحرى وكانوا عليكم أهون ولست أرى المضى إلى دمشق وتخليف هذا الجيش خلفكم فقال السمط هذا والله العدو القريب الدار يريد أن ينقض جماعتكم وهو ممايل للقدرية قال فوثب الناس على مروان بن عبد الله فقتلوه وقتلوا ابنه ورفعوا رؤوسهم للناس وانما أراد السمط بهذا الكلام خلاف معاوية بن يزيد فلما قتل مروان بن عبد الله ولوا عليهم أبا محمد السفياني وأرسلوا إلى سليمان بن هشام إنا آتوك فأقم بمكانك فاقام قال فتركوا عسكر سليمان ذات اليسار ومضوا إلى دمشق وبلغ سليمان مضيهم فخرج مغذا فلقيهم بالسليمانية مزرعة كانت لسليمان بن عبد الملك خلف عذراء من دمشق على أربعة عشر ميلا قال على قال عمرو بن مروان بن بشار والوليد بن على قالا لما بلغ يزيد أمر أهل حمص دعا عبد العزيز بن الحجاج فوجهه في ثلاثة آلاف وأمره أن يثبت على ثنية العقاب ودعا هشام بن مصادف وجهه في ألف وخمسمائة وأمره أن يثبت على عقبة السلامة وأمرهم أن يمد بعضهم بعضا قال عمرو بن مروان فحدثني يزيد بن مصاد قال كنت في عسكر سليمان فلحقنا أهل حمص وقد نزلوا السليمانية فجعلوا الزيتون على أيمانهم والجبل على شمائلهم والجباب خلفهم وليس عليهم مأتى إلا من وجه واحد وقد نزلوا أول الليل فأراحوا دوابهم وخرجنا نسرى ليلتنا كلها حتى دفعنا إليهم فلما منع النهار واشتد الحر ودوابنا قد كلت وثقل علينا الحديد دنوت من مسرور بن الوليد فقلت له وسليمان يسمع كلامي أنشدك الله يا أبا سعيد أن يقدم الامير جنده إلى القتال في هذه الحال فأقبل سليمان فقال يا غلام اصبر نفسك فو الله لا أنزل حتى يقضى الله بينى وبينهم ما هو

[ 567 ]

قاض فتقدم وعلى ميمنته الطفيل بن حارثة الكلبى وعلى ميسرته الطفيل بن زرارة الحبشى فحملوا علينا حملة فانهزمت الميمنة والميسرة أكثر من غلوتين وسليمان في القلب لم يزل من مكانه ثم حمل عليهم أصحاب سليمان حتى ردوهم إلى موضعهم فلم يزالوا يحملون علينا ونحمل عليهم مرارا فقتل منهم زهاء مائتي رجل فيهم حرب ابن عبد الله بن يزيد بن معاوية وأصيب من أصحاب سليمان نحو من خمسين رجلا وخرج أبو الهلباء البهرانى وكان فارس أهل حمص فدعا إلى المبارزة فخرج إليه حية ابن سلامة الكلبى فطعنه طعنة أذراه عن فرسه وشد عليه أبو جعدة مولى لقريش من أهل دمشق فقتله وخرج ثبيت بن يزيد البهرانى فدعا إلى المبارزة فخرج إليه إيراك السغدى من أبناء ملوك السغد كان منقطعا إلى سليمان بن هشام وكان ثبيت قصير أو كان ايراك جسيما فلما رآه ثبيت قد أقبل نحوه استطر دفوقف ايراك ورماه بسهم فأثبت عضلة ساقه إلى لبده قال فبيناهم كذلك إذ أقبل عبد العزيز من ثنية العقاب فشد عليهم حتى دخل عسكرهم وقتل ونفذ إلينا (قال) على قال عمرو بن مروان فحدثني سليمان بن زياد الغساني قال كنت مع عبد العزيز بن الحجاج فلما عاين عسكر أهل حمص قال لاصحابه موعدكم التل الذى في وسط عسكرهم والله لا يتخلف منكم أحد الاضربت عنقه ثم قال لصاحب لوائه تقدم ثم حمل وحملنا معه فما عرض لنا أحد إلا قتل حتى صرنا على التل فصدع عسكرهم فكانت هزيمتهم ونادى يزيد بن خالد بن عبد الله القسرى الله الله في قومك فكف الناس وكره ما صنع سليمان وعبد العزيز وكاد يقع الشر بين الذكوانية وسليمان وبين بنى عامر من كلب فكفوا عنهم على أن يبايعوا ليزيد ابن الوليد وبعث سليمان بن هشام إلى أبى محمد السفياني ويزيد خالد بن يزيد بن معاوية فأخذا فمر بهما على الطفيل بن حارثة فصاحا به يا خالاه ننشدك الله والرحم فمضى معهما إلى سليمان فحبسهما فخاف بنو عامر أن يقتلهما فجاءت جماعة منهم فكانت معهما في الفسطاط ثم وجههما إلى يزيد بن الوليد فحبسهما في الخضراء مع ابني الوليد وحبس أيضا يزيد بن عثمان بن محمد بن أبى سفيان خال عثمان بن الوليد معهم ثم دخل سليمان وعبد العزيز إلى دمشق ونزلا بعذراء واجتمع أمر أهل دمشق وبايعوا

[ 568 ]

يزيد بن الوليد وخرجوا إلى دمشق وحمص وأعطاهم يزيد العطاء وأجاز الاشراف منهم معاوية بن يزيد بن الحصين والسمط بن ثابت وعمرو بن قيس وابن حوى والصقر بن صفوان واستعمل معاوية بن يزيد بن حصين من أهل حمص وأقام الباقون بدمشق ثم ساروا إلى أهل الاردن وفلسطين وقد قتل من أهل حمص يومئذ ثلثمائة رجل (وفى هذه السنة) وثب أهل فلسطين والاردن على عاملهم فقتلوه ذكر الخبر عن أمرهم وأمر يزيد بن الوليد معهم * حدثنى أحمد عن على بن محمد عن عمرو بن مروان الكلبى قال حدثنى رجاء ابن روح بن سلامة بن روح بن زنباع قال كان سعيد بن عبد الملك عاملا للوليد على فلسطين وكان حسن السيرة وكان يزيد بن سليمان سيد ولد أبيه وكان ولد سليمان بن عبد الملك ينزلون فلسطين فكان أهل فلسطين يحبونهم لجوارهم فلما أتى قتل الوليد ورأس أهل فلسطين يومئذ سعيد بن روح بن زنباع كتب إلى يزيد بن سليمان أن الخليفة قد قتل فاقدم علينا نولك أمرنا فجمع له سعيد قومه وكتب إلى سعيد بن عبد الملك وهو يومئذ نازل بالسبع ارتحل عنا فان الامر قد اضطرب وقد ولينا أمرنا رجلا قد رضينا أمره فخرج إلى يزيد بن الوليد فدعا يزيد ابن سليمان أهل فلسطين إلى قتال يزيد بن الوليد وبلغ أهل الاردن أمرهم فولوا عليهم محمد بن عبد الملك وأمر أهل فلسطين إلى سعيد بن روح وضبعان بن روح وبلغ يزيد أمرهم فوجه إليهم سليمان بن هشام في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني قال على قال عمرو بن مروان حدثنى محمد بن راشد الخزاعى أن أهل دمشق كانوا أربعة وثمانين ألفا وسار إليهم سليمان بن هشام قال محمد بن راشد وكان سليمان ابن هشام يرسلنى إلى ضبعان وسعيد ابني روح وإلى الحكم وراشد ابني جرومن بلقين فأعدهم وأمنيهم على الدخول في طاعة يزيد بن الوليد فأجابوا قال وحدثني عثمان بن داود الخولانى قال وجهنى يزيد بن الوليد ومعى حذيفة بن سعيد إلى محمد بن عبد الملك ويزيد بن سليمان يدعوهما إلى طاعته ويعدهما ويمنيهما فبدأنا

[ 569 ]

بأهل الاردن ومحمد بن عبد الملك فاجتمع إليه جماعة منهم فكلمته فقال بعضهم أصلح الله الامير أقبل هذا الفتى أقيمت الصلاة فخلوت به فقلت إنى رسول يزيد اليك والله ما تركت ورائي راية تعقد إلاعلى رأس رجل من قومك ولا درهم يخرج من بيت المال إلا في يد رجل منهم وهو يحمل لك كذا وكذا قال أنت بذاك قلت نعم ثم خرجت فأتيت ضبعان بن روح فقلت له مثل ذلك وقلت له إنه يوليك فلسطين ما بقى فأجابني فانصرفت فما أصبحت حتى رحل أهل فلسطين * حدثنى أحمد عن على عن عمرو بن مروان الكلبى قال سمعت محمد بن سعيد بن حسان الاردني قال كنت عينا ليزيد بن الوليد بالاردن فلما اجتمع له ما يريد ولانى خراج الاردن فلما خالفوا يزيد بن الوليد أتيت سليمان بن هشام فسألته أن يوجه معى خيلا فأشن الغارة على طبرية فأبى سليمان أن يوجه معى أحدا فخرجت إلى يزيد بن الوليد فأخبرته الخبر فكتب إلى سليمان كتابا بخطه يأمره أن يوجه معى ما أردت فأتيت به سليمان فوجه معى مسلم بن ذكوان في خمسة آلاف فخرجت بهم ليلا حتى أنزلتهم البطيحة فتفرقوا في القرى وسرت أنا في طائفة منهم نحو طبرية وكتبوا إلى عسكرهم فقال أهل طبرية على ما نقيم والجنود تجوس منازلنا وتحكم في أهالينا ومضوا إلى حجرة يزيد بن سليمان ومحمد بن عبد الملك فانتهبوهما وأخذوا دوابهما وسلاحهما ولحقوا بقراهم ومنازلهم فلما تفرق أهل فلسطين والاردن خرج سليمان حتى أتى الصنبرة وأتاه أهل الاردن فبايعوا ليزيد بن الوليد فلما كان يوم الجمعة وجه سليمان إلى طبرية وركب مركبا في البحيرة فجعل يسايرهم حتى أتى طبرية فصلى بهم الجمعة وبايع من حضر ثم انصرف إلى عسكره * حدثنى أحمد قال حدثنا على عن عمرو بن مروان الكلبى قال حدثنى عثمان بن داود قال لما نزل سليمان الصنبرة أرسلني إلى يزيد بن الوليد وقال لى أعلمه أنك قد علمت جفاء أهل فلسطين وقد كفى الله مؤنهم وقد أزمعت على أن أولى ابن سراقة فلسطين والاسود بن بلال المحاربي الاردن فأتيت يزيد فقلت له ما أمرنى به سليمان فقال أخبرني كيف قلت لضبعان بن روح فأخبرته قال فما صنع قلت ارتحل بأهل

[ 570 ]

فلسطين وارتحل ابن جرو بأهل الاردن قبل أن يصبحنا قال فليس بأحق بالوفاء منا ارجع فأمره أن لا ينصرف حتى ينزل الرملة فبايع أهلها وقد استعملت إبراهيم ابن الوليد على الاردن وضبعان بن روح على فلسطين ومسرور بن الوليد على قنسرين وابن الحصين على حمص ثم خطب يزيد بن الوليد بعد قتل الوليد فقال بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أيها الناس إنى والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك وما بى اطراء نفسي إنى لظلوم لنفسي إن لم يرحمنى ربى ولكني خرجت غضبا لله ورسوله ودينه داعيا إلى الله وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لما هدمت معالم الهدى وأطفئ نور أهل التقوى وظهر الجبار العنيد المستحل لكل حرمة والراكب لكل بدعة مع أنه والله ما كان يصدق بالكتاب ولا يؤمن بيوم الحساب وانه لابن عمى في الحسب وكفيى في النسب فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره وسألته أن لا يكلنى إلى نفسي ودعوت إلى ذلك من أجابنى من أهل ولايتى وسعيت فيه حتى أراح الله منه العباد والبلاد بحول الله وقوته لا بحولى وقوتى أيها الناس إن لكم على ان لا أضع حجرا على حجر ولا لبنة على لبنة ولا أكرى نهرا ولا أكثر ما لا ولا أعطيه زوجة ولا ولدا ولا أنقل ما لا من بلدة إلى بلدة حتى أسد ثغر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يغنيهم فان فضل فضلة نقلته إلى البلد الذى يليه ممن هو أحوج إليه ولا أجمركم في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهليكم ولا أغلق بابى دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم ولا أحمل على اهل جزيتكم ما يجليهم عن بلادهم ويقطع نسلهم وإن لكم أعطياتكم عندي في كل سنة وأرزاقكم في كل شهر حتى تستدر المعيشة بين المسلمين فيكون أقصاهم كأدناهم فان وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة وإن انا لم أف فلكم ان تخلعوني إلا أن تستتيبونى فان تبت قبلتم منى فان علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم فأردتم ان تبايعوه فانا أول من يبايعه ويدخل في طاعته أيها الناس ان لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولا وفاء له بنقض عهد انما الطاعة طاعة الله فأطيعوه بطاعة الله ما اطاع

[ 571 ]

فإذا عصى الله ودعا إلى المعصية فهو أهل ان يعصى ويقتل اقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم ثم دعا الناس إلى تجديد البيعة له فكان اول من بايعه الافقم يزيد بن هشام وبايعه قيس بن هانئ العبسى فقال يا أمير المؤمنين اتق الله ودم على ما أنت عليه فما قام مقامك احد من اهل بيتك وان قالوا عمر بن عبد العزيز فأنت اخذتها بحبل صالح وان عمر اخذها بحبل سوء فبلغ مروان بن محمد قوله فقال ما له قاتله الله ذمنا جميعا وذم عمر فلما ولى مروان بعث رجلا فقال إذا دخلت مسجد دمشق فانظر قيس بن هانئ فانه طال ما صلى فيه فاقتله فانطلق الرجل فدخل مسجد دمشق فرأى قيسا يصلى فقتله (وفي هذه السنة) عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق وولاها منصور بن جمهور ذكر الخبر عن عزل يوسف بن عمر وولاية منصور بن جمهور ولما استوثق ليزيد بن الوليد على الطاعة أهل الشأم ندب فيما قيل لولاية العراق عبد العزيز بن هارون بن عبد الله بن دحية بن خليفة الكلبى فقال له عبد العزيز لو كان معى جند لقبلت فتركه وولاها منصور بن جمهور * واما أبو مخنف فإنه قال فيما ذكر هشام بن محمد عنه قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الاربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة 126 وبايع الناس يزيد بن الوليد بن عبد الملك بدمشق وسار منصور بن جمهور من البخراء في اليوم الذى قتل فيه الوليد بن يزيد إلى العراق وهو سابع سبعة فبلغ خبره يوسف بن عمر فهرب وقدم منصور بن جمهور الحيرة في ايام خلون من رجب فأخذ بيوت الاموال فأخرج العطاء لاهل العطاء والارزاق واستعمل حريث بن أبى الجهم على واسط وكان عليها محمد بن نباتة فطرقه ليلا فحبسه واوثقه واستعمل جرير بن يزيد بن يزيد بن جرير على البصرة واقام منصور وولى العمال وبايع ليزيد بن الوليد بالعراق وفي كورها وقام بقية رجب وشعبان ورمضان وانصرف لايام بقين منه وأما غير أبى مخنف فانه قال كان منصور بن جمهور اعرابيا جافيا غيلانيا ولم يكن من اهل الدين وانما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية وحمية لقتل خالد فشهد

[ 572 ]

لذلك قتل الوليد فقال يزيد له ولما ولاه العراق قد وليتك العراق فسر إليه واتق الله واعلم أنى إنما قتلت الوليد لفسقه ولما أظهر من الجور فلا ينبغى لك أن تركب مثل ما قتلناه عليه فدخل على يزيد بن الوليد يزيد بن حجرة الغساني وكان دينا فاضلا ذا قدر في أهل الشأم قد قاتل الوليد ديانة فقال يا أمير المؤمنين أوليت منصورا العراق قال نعم لبلائه وحسن معونته قال يا أمير المؤمنين انه ليس هناك في اعرابيته وجفائه في الدين قال فإذا لم أول منصورا في حسن معاونته فمن أولى قال تولى رجلا من أهل الدين والصلاح والوقوف عند الشبهات والعلم بالاحكام والحدود ومالى لا أرى أحدا من قيس يغشاك ولا يقف ببابك قال لو لا انه ليس من شأني سفك الدماء لعاجلت قيسا فو الله ما عزت إلا ذل الاسلام ولما بلغ يوسف بن عمر قتل الوليد جعل يعمد إلى من بحضرته من اليمانية فيلقيهم في السجون ثم جعل يخلو بالرجل بعد الرجل من المضرية فيقول له ما عندك ان اضطرب حبل أو انفتق فتق فيقول أنا رجل من أهل الشأم أبايع من بايعوا وأفعل ما فعلوا فلم ير عندهم ما يحب فأطلق من في السجون من اليمانية وأرسل إلى الحجاج بن عبد الله البصري ومنصور ابن نصير وكانا على خبر ما بينه وبين أهل الشأم فأمرهما بالكتاب إليه بالخبر وجعل على طريق الشأم أرصادا وأقام بالحيرة وجلا وأقبل منصور حتى إذا كان بالجمع كتب إلى سليمان بن سليم بن كيسان كتابا أما بعد فان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وان الوليد بن يزيد بدل نعمة الله كفرا فسفك الدماء فسفك الله دمه وعجله إلى النار وولى خلافته من هو خير منه وأحسن هديا يزيد بن الوليد وقد بايعه الناس وولى على العراق الحارث بن العباس بن الوليد ووجهني العباس لآخذ يوسف وعماله وقد نزل الابيض ورائي على مرحلتين فخذ يوسف وعماله لا يفوتنك منهم أحد فاحبسهم قبلك وإياك أن تخالف فيحل بك وبأهل بيتك ما لا قبل لك به فاختر لنفسك أودع وقيل إنه لما كان بعين التمر كتب إلى من بالحيرة من قواد أهل الشأم يخبرهم بقتل الوليد ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله وبعث بالكتب

[ 573 ]

كلها إلى سليمان بن سليم بن كيسان وأمره أن يفرقها على القواد فأمسكها سليمان ودخل على يوسف فأقرأه كتاب منصور إليه فبعل به قال حريث بن ابى الجهم كان مكثي بواسط فما شعرت إلا بكتاب منصور بن جمهور وقد جاءني أن آخذ عمال يوسف فكنت أتولى أمره بواسط فجمعت موالى وأصحابي فركبنا نحوا من ثلاثين رجلا في السلاح فأتينا المدينة فقال البوابون من أنت قلت حريث بن أبى الجهم قالوا نقسم بالله ما جاء بحريث إلا أمر مهم ففتحوا الباب فدخلنا فأخذنا العامل فاستسلم فأصبحنا فأخذنا البيعة من الناس ليزيد بن الوليد قال وذكر عمر ابن شجرة أن عمرو بن محمد بن القاسم كان على السند فأخذ محمد بن غزان أو عزان الكلبى فضربه وبعث به إلى يوسف فضربه وألزمه ما لا عظيما يؤدى منه في كل جمعة نجما وإن لم يفعل ضرب خمسة وعشرين سوطا فجفت يده وبعض أصابعه فلما ولى منصور بن جمهور العراق ولاه السند وسجستان فأتى سجستان فبايع ليزيد ثم سار إلى السند فأخذ عمرو بن محمد فأوثقه وأمر به حرسا يحرسونه وقام إلى الصلاة فتناول عمرو سيفا مع الحرس فاتكأ عليه مسلولا حتى خالط جوفه وتصايح الناس فخرج ابن غزان فقال ما دعاك إلى ما صنعت قال خفت العذاب قال ما كنت أبلغ منك ما بلغته من نفسك فلبث ثلاثا ثم مات وبايع ابن غزان ليزيد فقال يوسف بن عمر لسليمان بن سليم بن كيسان الكلبى حين أقرأه كتاب منصور بن جمهور ما الرأى قال ليس لك إمام تقاتل معه ولا يقاتل أهل الشأم الحارث بن العباس معك ولا آمن عليك منصور بن جمهور إن قدم عليك وما الرأى إلا أن تلحق بشأمك قال هو رأيى فكيف الحيلة قال تظهر الطاعة ليزيد وتدعو له في خطتك فإذا قرب منصور وجهت معك من أثق به فلما نزل منصور بحيث يصبح الناس البلد خرج يوسف إلى منزل سليمان بن سليم فأقام به ثلاثا ثم وجه معه من أخذ به طريق السماوة حتى صار إلى البلقاء (وقد قيل) إن سليمان قال تستخفي وتدع منصورا والعمل قال فعند من قال عندي وأضعك في ثقة ثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص فأخبره بالامر وسأله أن يؤوى يوسف وقال

[ 574 ]

أنت امرو من قريش وأخوالك بكر بن وائل فآواه قال عمرو فلم أر رجلا كان مثل عتوه رعب رعبه أتيته بجارية نفيسة وقلت تدفئه وتطيب بنفسه فو الله ما قربها ولا نظر إليها ثم أرسل إلى يوما فأتيته فقال قد أحسنت وأجملت وقد بقيت لى حاجة قلت هاتها قال تخرجني من الكوفة إلى الشأم قلت نعم وصبحنا منصور بن جمهور فذكر الوليد فعابه وذكر يزيد بن الوليد فقرضه وذكر يوسف وجوره وقامت الخطباء فشعثوا من الوليد ويوسف فأتيته فأقصصت قصتهم فجعلت لا أذكر رجلا ممن ذكره بسوء إلا قال لله على أن أضربه مائة سوط مائتي سوط ثلثمائة سوط فجعلت أتعجب من طمعه في الولاية بعد وتهدده الناس فتركه سليمان ابن سليم ثم أرسله إلى الشأم فاختفى بها ثم تحول إلى البلقاء ذكر على بن محمد أن يوسف بن عمر وجه رجلا من بنى كلاب في خمسمائة وقال لهم إن مربكم يزيد بن الوليد فلا تدعنه يجوز فأتاهم منصور بن جمهور في ثلاثين فلم يهايجوه فانتزع سلاحهم منهم وأدخلهم الكوفة قال ولم يخرج مع يوسف من الكوفة إلا سفيان بن سلامة ابن سليم بن كيسان وغسان بن قعاس العذري ومعه من ولده لصلبه ستون بين ذكر وأنثى ودخل منصور الكوفة لايام خلون من رجب فأخذ بيوت الاموال وأخرج العطاء والارزاق وأطلق من في سجون يوسف من العمال وأهل الخراج قال فلما بلغ يوسف البلقاء حينئذ بلغ خبره إلى يزيد بن الوليد * فحدثني أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم بن يزيد بن هريم قال حدثنا أبو هاشم مخلد بن محمد ابن صالح مولى عثمان بن عفان قال سمعت محمد بن سعيد الكلبى وكان من قواد يزيد ابن الوليد يقول إن يزيد وجهه في طلب يوسف بن عمر حيث بلغه أنه في أهله بالبلقاء قال فخرجت في خمسين فارسا أو أكثر حتى أحطت بداره بالبلقاء فلم نزل نفتش فلم نر شيئا وكان يوسف قد لبس لبسة النساء وجلس مع نسائه وبناته ففتشهن فظفر به مع النساء فجاء به في وثاق فحبسه في السجن مع الغلامين ابني الوليد فكان في الحبس ولاية يزيد كلها وشهرين وعشرة أيام من ولاية إبراهيم فلما قدم مروان الشأم وقرب من دمشق ولى قتلهم يزيد بن خالد فأرسل يزيد مولى خالد يكنى

[ 575 ]

أبا الأسد في عدة من أصحابه فدخل السجن لشدخ الغلامين بالعمد وأخرج يوسف ابن عمر فضرب عنقه وقيل إن يزيد بن الوليد لما بلغه مصير يوسف إلى البلقاء وجه إليه خمسين فارسا فعرض له رجل من بنى نمير فقال يا ابن عم أنت والله مقتول فأطعني وامتنع وائذن لى حتى أنتزعك من أيادى هؤلاء قال لا قال فدعني أقتلك أنا ولا يقتلك هذه اليمانية فتغيظنا بقتلك قال مالى في واحدة مما عرضت على خيار قال فأنت أعلم ومضوا به إلى يزيد فقال ما أقدمك قال قدم منصور بن جمهور واليا فتركته والعمل قال لا ولكنك كرهت أن تلى لى فأمر بحبسه وقيل إن يزيد دعا مسلم بن ذكوان ومحمد بن سعيد بن مطرف الكلبى فقال لهما إنه بلغني أن الفاسق يوسف بن عمر قد صار إلى البلقاء فانطلقا فأتيانى به فطلباه فلم يجداه فرهبا ابنا له فقال أنا أدلكما عليه فقال إنه انطلق إلى مزرعة له على ثلاثين ميلا فأخذا معهما خمسين رجلا من جند البلقاء فوجدوا أثره وكان جالسا فلما أحس بهم هرب وترك نعليه ففتشا فوجداه بين نسوة قد ألقين عليه قطيفة خز وجلسن على حواشيها حاسرات فجروا برجله فجعل يطلب إلى محمد بن سعيد أن يرضى عنه كلبا ويدفع عشرة آلاف دينار ودية كلثوم بن عمير وهانئ بن بشر فأقبلا إلى يزيد فلقيه عامل لسليمان على نوبة من نوائب الحرس فأخذ بلحيته فهزها ونتف بعضها وكان من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة فأدخلاه على يزيد فقبض على لحية نفسه وإنها حينئذ لتجوز سرته وجعل يقول نتف والله يا أمير المؤمنين لحيتى فما بقى فيها شعرة فأمر به يزيد فحبس في الخضراء فدخل عليه محمد بن راشد فقال له أما تخاف أن يطلع عليك بعض من قد وترت فيلقى عليك حجرا فقال لا والله ما فطنت إلى هذا فنشدتك الله إلا كلمت أمير المؤمنين في تحويلي إلى مجلس غير هذا وإن كان أضيق منه قال فأخبرت يزيد فقال ما غاب عنك من حمقه أكثر وما حبسته إلا لاوجهه إلى العراق فيقام للناس ويؤخذ المظالم من ماله ودمه ولما قتل يزيد بن الوليد الوليد بن يزيد ووجه منصور بن جمهور إلى العراق كتب يزيد بن الوليد إلى أهل العراق كتابا فيه مساوى الوليد فكان مما كتب به فيما حدثنى أحمد بن زهير

[ 576 ]

عن على بن محمد ان الله اختار الاسلام دينا وارتضاه وطهره وافترض فيه حقوقا أمر بها ونهى عن أمور حرمها ابتلاء لعباده في طاعتهم ومعصيتهم فأكمل فيه كل منقبة خير وجسيم فضل ثم تولاه فكان له حافظا ولاهله المقيمين حدوده وليا يحوطهم ويعرفهم بفضل الاسلام فلم يكرم الله بالخلافة أحدا يأخذ بأمر الله وينتهى إليه فيناوئه أحد بميثاق أو بحلول صرف ما حباه الله به أو ينكث ناكث إلا كان كيده إلا وهن ومكره إلا بور حتى يتم الله ما أعطاه ويدخر له أجره ومثوبته ويجعل عدوه الاضل سبيلا الاخسر عملا فتناسخت خلفاء الله ولاة دينه قاضين فيه بحكمه متبعين فيه لكتابه فكانت لهم بذلك من ولايته ونصرته ما تمت به النعم عليهم قد رضى الله بهم لها حتى توفى هشام ثم أفضى الامر إلى عدو الله الوليد المنتهك للمحارم التى لا يأتي مثلها مسلم ولا يقدم عليها كافر تكرما عن غشيان مثلها فلما استفاض ذلك منه واستعلن واشتد فيه البلاء وسفك فيه الدماء وأخذت الاموال بغير حقها مع أمور فاحشة لم يكن الله ليخلى العاملين بها إلا قليلا سرت إليه مع انتظار مراجعته واعذار إلى الله وإلى المسلمين منكرا لعمله وما اجترأ عليه من معاصي الله متوخيا من الله اتمام الذى نويت من اعتدال عمود الدين والاخذ في أهله بما هو رضى حتى أتيت جندا وقد وغرت صدورهم على عدو الله لما رأوا من عمله فإن عدو الله لم يكن يرى من شرائع الاسلام شيئا إلا أراد تبديله والعمل فيه بغير ما أنزل الله وكان ذلك منه شائعا شاملا عريان لم يجعل الله فيه سترا ولا لاحد فيه شكا فذكرت لهم الذى نقمت وخفت من فساد الدين والدنيا وحضضتهم على تلافى دينهم والمحاماة عنه وهم في ذلك مستريبون قد خافوا أن يكونوا قد أبقوا لانفسهم بما قاموا عليه إلى أن دعوتهم إلى تغييره فاسرعوا الاجابة فابتعث الله منهم بعثا يخبرهم من أولى الدين والرضى وبعثت عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك حتى لقى عدو الله إلى جانب قرية يقال لها البخراء فدعوه إلى أن يكون الامر شورى ينظر المسلمون لانفسهم من يقلدونه ممن اتفقوا عليه فلم يجب عدو الله إلى ذلك وأبى إلا تتابعا في ضلالته فبدرهم الحملة جهالة بالله فوجد الله عزيزا

[ 577 ]

حكيما وأخذه أليما شديدا فقتله الله على سوء عمله وعصبته ممن صاحبوه من بطانته الخبيثة لا يبلغون عشرة ودخل من كان معه سواهم في الحق الذى دعوا إليه فأطفأ الله جمرته وأراح العباد منه فبعدا له ولمن كان على طريقته أحببت أن أعلمكم ذلك وأعجل به اليكم لتحمدوا الله وتشكروه فإنكم قد أصبحتم اليوم على أمثل حالكم إذ ولا تكم خياركم والعدل مبسوط لك لا يسار فيكم بخلافه فأكثروا على ذلك حمد ربكم وتابعوا منصور بن جمهور فقد ارتضيته لكم على أن عليكم عهد الله وميثاقه وأعظم ما عهد وعقد على أحد من خلقه لتسمعن وتطيعن لى ولمن استخلفته من بعدى ممن اتفقت عليه الامة ولكم على مثل ذلك لاعملن فيكم بأمر الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم واتبع سبيل من سلف من خياركم نسأل الله ربنا وولينا أحسن توفيقه وخير قضائه (وفي هذه السنة) امتنع نصر بن سيار بخراسان من تسليمو عمله لعامل منصور بن جمهور وقد كان يزيد بن الوليد ولاها منصورا مع العراق (قال أبو جعفر) قد ذكرت قبل من خبر نصر وما كان من كتاب يوسف ابن عمر إليه بالمصير إليه مع هدايا الوليد بن يزيد وشخوص نصر من خراسان متوجها إلى العراق وتباطئه في سفره حتى قدم عليه الخبر بقتل الوليد فذكر على ابن محمد أن الباهلى أخبره قال قدم على نصر بشر بن نافع مولى سالم الليثى وكان على سكك العراق قال أقبل منصور بن جمهور أميرا على العراق وهرب يوسف ابن عمر فوجه منصور أخاه منظور بن جمهور على الرى فأقبلت مع منظور إلى الرى وقلت أقدم على نصر فأخبره فلما صرت بنيسابور حبسني حميد مولى نصر وقال لن تجاوزني أو تخبرني فأخبرته وأخذت عليه عهد الله وميثاقه ألا يخبر أحدا حتى أقدم على نصر فأخبره ففعل فأقبلنا جميعا حتى قدمنا على نصر وهو بقصره بما جان فاستأذنا فقال خصى له هو نائم فألححنا عليه فانطلق فأعلمه فخرج نصر حتى قبض على يدى وأدخلني فلم يكلمني حتى صرت في البيت فساءلني فأخبرته فقال لحميد مولاه انطلق به فأته بجائزة ثم أتانى يونس بن عبد ربه وعبيد الله بن ؟ سام فأخبرتهما وأتانى سلم بن أحوز فأخبرته قال وكان الوليد بن يوسف عند نصر فأفره

[ 578 ]

حين بلغه الخبر فأرسل إلى فلما أخبرتهم كذبوني فقلت استوثق من هؤلاء فلما مضت ثلاث على ذلك جعل على ثمانين رجلا حرسا فأبطأ الخبر على ما كنت قدرت فلما كانت الليلة التاسعة وكانت ليلة نوروز جاءهم الخبر على ما وصفت فصرف إلى عامة تلك الهدايا وأمر لى ببرذون بسرجه ولجامه وأعطاني سرجا صينيا وقال لى أقم حتى أعطيك تمام مائة ألف قال فلما تيقن نصر قتل الوليد رد تلك الهدايا وأعتق الرقيق وقسم روقة الجوارى في ولده وخاصته وقسم تلك الآنية في عوام الناس ووجه العمال وأمرهم بحسن السيرة قال وأرجفت الازد في خراسان أن منظور بن جمهور قادم خراسان فخطب نصر فقال في خطبته إن جاءنا أمير ظنين قطعنا يديه ورجليه ثم باح به بعد فكان يقول عبد الله المخذول المبتور قال وولى نصر ربيعة واليمن وولى يعقوب بن يحيى بن حضين على أعلى طخارستان ومسعدة ابن عبد الله اليشكرى على خوارزم وهو الذى يقول فيه خلف أقول لاصحابي معا دون كردر * * * لمسعدة البكري غيث الارامل ثم أتبعه بأبان بن الحكم الزهراني واستعمل المغيرة بن شعية الجهضمى على قهستان وأمرهم بحسن السيرة فدعا الناس إلى البيعة فبايعوا فقال في ذلك أقول لنصر وبايعته * * * على جل بكر وأحلافها يدى لك رهن ببكر العرا * * * ق سيدها وابن وصافها أخذت الوثيقة للمسلمي‍ * * * ن لاهل البلاد وآلافها إذا لا تجيب إلى ما تري‍ * * * د أتتك الرقال بأخفافها دعوت الجنود إلى بيعة * * * فأنصفتها كل إنصافها وطدت خراسان للمسلمي‍ * * * ن إن الارض همت بأرجافها وإن جمعت ألفة المسلمي‍ * * * ن صرفت الضراب لالافها أجار وسلم أهل البلا * * * د والنازلين بأطرافها فصرت على الجند بالمشرقي‍ * * * ن لقوحا لهم در أحلافها فنحن على ذك حتى تبي‍ * * * ن مناهج سبل لعرافها

[ 579 ]

وحتى تبوح قريش بما * * * تجن ضمائر أجوافها فأقسمت للمعبرات الرتا * * * ع للغزو أوفى لاصوافها إلى ما تؤدى قريش البطا * * * ح أحلافها بعد أشرافها فإن كان من عز بز ؟ ؟ الضعي‍ * * * ف ضربنا الخيول بأعرافها وجدنا العلائف أنى يكو * * * ن يحمى أوارى أعلافها إذا ما تشارك فيه كبت * * * خواصرها بعد إخطافها فنحن على عهدنا نستدي‍ * * * م قريشا ونرضى بأحلافها سنرضى بظلك كنا لها * * * وظلك من ظل أكنافها لعل قريشا إذا ناضلت * * * تقرطس... في أهدافها وتلبس أغشية بالعرا * * * ق رمت دلو شرق بحطافها وللاسد منا وإن الاسو * * * د لها لبد فوق أكتافها فإن جاذرت تلفا في النفا * * * ر فالدهر أدنى لاتلافها فقد ثبتت بك أقدامنا * * * إذا انهار منهار أجرافها وجدناك برا رؤفا بنا * * * كرأفة أم وإلطافها ولم تك بيعتنا خلسة * * * لاسرع نسفة خطافها نكاح التى أسرعت بالحلي‍ * * * ل قبل تخضت أطرافها فكشفها البعل قبل الصدا * * * ق فاستقبلته بمعتافها قال وكان نصر ولى عبد الملك بن عبد الله السلمى خوارزم فكان يخطبهم ويقول في خطبته ما أنا بالاعرابي الجلف ولا الفزارى المستنبط ولقد كرمتني الامور وكرمتها أم والله لاضعن السيف موضعه والسوط موضعه والسجن مدخله ولتجدنى غشمشما أغشى الشجر ولتستقيمن لى على الطريقة رقص البكارة في السنن الاعظم أو لاصكنكم صك القطامى القارب يصكهن جانبا فجانبا قال فقدم رجل من بلقين خراسان وجهه منصور بن جمهور فأخذه مولى لنصر يقال له حميد كان على سكك بنيسابور فضربه وكسر أنفه ؟ ؟ فشكاه إلى نصر فأمر له نصر

[ 580 ]

بعشرين ألفا وكساه وقال إن الذى كسر أنفك مولى لى وليس بكف ء فأقصك منه فلا تقل إلا خيرا قال عصمة بن عبد الله الاسدي يا أخا بلقين أخبر من تأتى أنا قد أعددنا قيسا لربيعة وتميما للازد وبقيت كنانة ليس لها من يكافئها فقال نصر كلما أصلحت أمرا أفسدتموه قال أبو زيد عمر بن شبة حدثنى أحمد بن معاوية عن أبى الخطاب قال قدم قدامة بن مصعب العبدى ورجل من كندة على نصر ابن سيار من قبل منصور بن جمهور فقال أمات أمير المؤمنين قالا نعم قال وولى منصور بن جمهور وهرب يوسف بن عمر عن سرير العراق قالا نعم قال إنا بجمهوركم من الكافرين ثم حبسهما ووسع عليهما ووجه رجلا حتى أتى فرأى منصورا يخطب بالكوفة فأخرجهما وقال لقدامة أوليكم رجل من كلب قال نعم إنما نحن بين قيس واليمن قال فكيف لا يولاها رجل منكم قال لانا كما قال الشاعر إذا ما خشينا من أمير ظلامة * * * دعونا أبا غسان يوما فعسكرا فضحك نصر وضمه إليه قال ولما قدم منصور بن جمهور العراق ولى عبيد الله ابن العباس الكوفة أو وجده واليا عليها فأقره وولى شرطته ثمامة بن حوشب ثم عزله وولى الحجاج بن أرطاة النخعي (وفى هذه السنة) كتب مروان بن محمد إلى الغمر بن يزيد أخى الوليد بن يزيد يأمره بدم أخيه الوليد ذكر نسخة ذلك الكتاب الذى كتب إليه * حدثنى أحمد عن على قال كتب مروان إلى الغمر بن يزيد بعد قتل الوليد أما بعد فان هذه الخلافة من الله على مناهج نبوة رسله وإقامة شرائع دينه أكرمهم الله بما قلدهم يعزهم ويعز من يعزهم والحين على من ناوأهم فابتغى غير سبيلهم فلم يزالوا أهل رعاية لما استودعهم الله منها يقوم بحقها ناهض بعد ناهض بأنصار لها من المسلمين وكان أهل الشأم أحسن خلقه فيه طاعة وأذبه عن حرمه وأوفاه بعهده وأشده نكاية في مارق مخالف ناكث ناكب عن الحق فاستدرت نعمة الله عليهم قد عمر بهم الاسلام وكبت بهم الشرك وأهله وقد نكثوا أمر الله وحاولوا نكث العهود وقام بذلك من

[ 581 ]

أشعل ضرامها وإن كانت القلوب عنه نافرة والمطلوبون بدم الخليفة ولاية من بنى أمية فإن دمه غير ضائع وإن سكنت بهم الفتنة والتأمت الامور فأمر أراده الله لا مرد له قد كتبت بحالك فيما أبرموا وما ترى فانى مطرق إلى أن أرى غيرا فأسطو بانتقام وأنتقم لدين الله المتبول وفرائضه المتروكة مجانة ومعى قوم أسكن الله طاعتي قلوبهم أهل إقدام إلى ما قدمت بهم عليه ولهم نظر إذ صدورهم مترعة ممتلئة لو يجدون منزعا وللنقمة دولة تأتى من الله ووقت موكل ولم أشبه محمدا ولا مروان غير أن رأيت غيرا إن لم أشمر للقدرية إزارى وأضربهم بسيفي جارحا وطاعنا يرمى قضاء الله في ذلك حيث أخذ أو يرمى في عقوبة الله حيث بلغ منهم فيها رضاه وما إطراقى إلا لما أنتظر مما يأتيني عنك فلا تهن عن ثأرك بأخيك فان الله جارك وكافيك وكفى بالله طالبا ونصيرا * حدثنى أحمد عن على عن عمرو بن مروان الكلبى عن مسلم بن ذكوان قال كلم يزيد بن الوليد العباس ابن الوليد في طفيل بن حارثة الكلبى وقال إنه حمل حمالة فان رأيت أن تكتب إلى مروان بن محمد في الوصاة به وأن يأذن له أن يسأل عشيرته فيها وكان مروان يمنع الناس أن يسألوا شيئا من ذلك عند العطاء فأجابه وحمله على البريد وكان كتاب العباس ينفذ في الآفاق بكل ما يكتب به فكتب يزيد إلى مروان أنه اشترى من أبى عبيدة بن الوليد ضيعة بثمانية عشر ألف دينار وقد احتاج إلى أربعة آلاف دينار قال مسلم بن ذكوان فدعاني يزيد وقال انطلق مع طفيل بهذه الكتب وكلمه في هذا الامر قال فخرجنا ولم يعلم العباس بخروجي فلما قدمنا خلاط لقينا عمرو ابن حارثة الكلبى فسألنا عن حالنا فأخبرناه فقال كذبتم إن لكما ولمروان لقصة قلنا وما ذاك قال أخلانى حين أردت الخروج وقال لى جماعة أهل المزة يكونون ألفا قلت وأكثر قال وكم بينها وبين دمشق قلت يسمعهم المنادى قال كم ترى عدة بنى عامر يعنى بنى عامر من كلب قلت عشرون ألف رجل فحرك أصبعه ولوى وجهه قال مسلم فلما سمعت ذلك طمعت في مروان وكتبت إليه على لسان يزيد أما بعد فانني وجهت إليك ابن ذكوان مولاى بما سيذكره لك وينهيه إليك

[ 582 ]

فألق إليه ما أحببت فانه من خيار أهلى وثقات موالى وهو شعب حصين ووعاء أمين إن شاء الله فقدمنا على مروان فدفع طفيل كتاب العباس إلى الحاجب وأخبره أن معه كتاب يزيد بن الوليد فقرأه فخرج الحاجب وقال أما معك كتاب غير هذا ولا أوصاك بشئ قلت لا ولكني معى مسلم بن ذكوان فدخل فأخبره فخرج الحاجب فقال مر مولاه بالرواح قال مسلم فانصرفت فلما حضرت المغرب أتيت المقصورة فلما صلى مروان انصرفت لاعيد الصلاة ولم أكن أعتد بصلاته فلما استويت قائما جاءني خصى فلما نظر إلى انصرف وأوجزت الصلاة فلحقته فأدخلني على مروان وهو في بيت من بيوت النساء فسلمت وجلست فقال من أنت فقلت مسلم بن ذكوان مولى يزيد قال مولى عتاقة أو مولى تباعة قلت مولى عتاقة قال ذاك أفضل وفي كل ذلك فضل فاذكر ما بدالك قلت إن رأى الامير أن يجعل لى الامان على ما قلته أو افقه في ذلك أو أخالفه فأعطاني ما أردت فحمدت الله وصليت على نبيه ووصفت ما أكرم الله به مروان من الخلافة ورضا العامة بهم وكيف نقض الوليد العرى وأفسد قلوب الناس وذمته العامة وذكرت حاله كلها فلما فرغت تكلم فو الله ما حمد الله ولا تشهد وقال قد سمعت ما قلت قد أحسنت وأصبت ولنعم الرأى رأى يزيد فأشهد الله أنى قد بايعته أبذل في هذا الامر نفسي ومالى لا أريد بذلك إلا ما عند الله والله ما أصبحت أستزيد الوليد لقد وصل وفوض وأشرك في ملكه ولكني أشهد أنه لا يؤمن بيوم الحساب وسألني عن أمر يزيد فكبرت الامر وعظمته فقال اكتم أمرك وقد قضيت حاجة صاحبك وكفيته أمر حمالته وأمرت له بألف درهم فأقمت أياما ثم دعاني ذات يوم نصف النهار ثم قال الحق بصاحبك وقل له سددك الله امض على أمر الله فانك بعين الله وكتب جواب كتابي وقال لى إن قدرت أن تطوى أو تطير فطر فانه يخرج بالجزيرة إلى ست ليال أو سبع خارجة وقد خفت أن يطول أمرهم فلا تقدر أن تجوز قلت وما علم الامير بذلك فضحك وقال ليس من أهل هوى إلا وقد أعطيتهم الرضا حتى أخبروني بذات أنفسهم فقلت في نفسي أنا واحد

[ 583 ]

من أولئك ثم قلت لئن فعلت ذلك أصلحك الله إنه قيل لخالد بن يزيد بن معاوية إنى أصبت هذا العلم قال وافقت الرجال على أهوائهم ودخلت معهم في آرائهم حتى بذلوا لى ما عندهم وأفضوا لى بذات أنفسهم فودعته وخرجت فلما كنت بآمد لقيت البرد تتبع بعضها بعضا بقتل الوليد وإذا عبد الملك بن مروان قد وثب على عامل الوليد بالجزيرة فأخرجه منها ووضع الارصاد على الطريق فتركت البرد واستأجرت دابة ودليلا فقدمت على يزيد بن الوليد (وفى هذه السنة) عزل يزيد بن الوليد منصور بن جمهور عن العراق وولاها عبد الله ابن عمر بن عبد العزيز بن مروان ذكر الخبر عن ذلك ذكر عن يزيد بن الوليد أنه قال لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز إن أهل العراق يميلون إلى أبيك فسر إليهم فقد وليتكها * فذكر عن أبى عبيدة قال كان عبد الله بن عمر متألها متألما فقدم حين شخص إلى العراق بين يديه رسلا وكتبا إلى قوام الشأم الذى بالعراق وخاف أن لا يسلم له منصور بن جمهور العمل فانقاد له كلهم وسلم له منصور بن جمهور وانصرف إلى الشأم ففرق عبد الله بن عمر عماله في الاعمال وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم فنازعه قواد أهل الشأم وقالوا تقسم على هؤلاء فيئنا وهم عدونا فقال عبد الله لاهل العراق إنى قد أردت أن أرد فيئكم عليكم وعلمت أنكم أحق به فنازعني هؤلاء فأنكروا على فخرج أهل الكوفة إلى الجبانة وتجمعوا فأرسل إليهم قواد أهل الشأم يعتذرون وينكرون ويحلفون أنهم لم يقولوا شيئا مما بلغهم وثار غوغاء الناس من الفريقين فتناوشوا وأصيب منهم رهط لم يعرفوا وعبد الله بن عمر بالحيرة وعبيد الله بن العباس الكندى بالكوفة قد كان منصور بن جمهور استخلفه عليها وأراد أهل الكوفة إخراجه من القصر فأرسل إلى عمر بن الغضبان بن القبعثرى فأتاه فنحى الناس عنه وسكنهم وزجرهم حتى تجاوزوا وأمن بعضهم بعضا وبلغ ذلك عبد الله بن عمر فأرسل إلى ابن الغضبان فكساه وحمله وأحسن

[ 584 ]

جائزته وولاه شرطه وخراج السواد والمحاسبات وأمره أن يفرض لقومه ففرض في ستين وفى سبعين (وفى هذه السنة) وقع الاختلاف في خراسان بين اليمانية والنزارية وأظهر الكرماني فيها الخلاف لنصر بن سيار واجتمع مع كل واحد منهما جماعة لنصرته ذكر الخبر عما كان بينهما من ذلك وعن السبب الذى أحدث ذلك ذكر على بن محمد عن شيوخه أن عبد الله بن عمر لما قدم العراق واليا عليها من قبل يزيد بن الوليد كتب إلى نصر بعهده على خراسان قال ويقال بل أتاه كتابه بعد خروج الكرماني من حبس نصر فقال المنجمون لنصر إن خراسان سيكون بها فتنة فامر نصر برفع حاصل بيت المال وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورقا وذهبا من الآنية التى كان اتخذها للوليد بن يزيد وكان أول من تكلم رجل من كندة أفوه طوال فقال العطاء العطاء فلما كانت الجمعة الثانية أمر نصر رجالا من الحرس فلبسوا السلاح وفرقهم في المسجد مخافة أن يتكلم متكلم فقام الكندى فقال العطاء العطاء فقام رجل مولى للازد وكان يلقب أبا الشياطين فتكلم وقام حماد الصائغ وأبو السليل البكري فقالا العطاء العطاء فقال نصر إياى والمعصية عليكم بالطاعة والجماعة فاتقوا الله واسمعوا ما توعظون به فصعد سلم بن أحوز إلى نصر وهو على المنبر فكلمه فقال ما يغنى عنا كلامك هذا شيئا ووثب أهل السوق إلى أسواقهم فغضب نصر وقال ما لكم عندي عطاء بعد يومكم هذا ثم قال كأنى بالرجل منكم قد قام إلى أخيه وابن عمه فلطم وجهه في جمل يهدى له وثوب يكساه ويقول مولاى وظئرى وكأني بهم قد نبغ من تحت أرجلهم شر لا يطاق وكأني بكم مطرحين في الاسواق كالجزر المنحورة إنه لم تطل ولاية رجل إلا ملوها وأنتم يا أهل خراسان مسلحة في نحور العدو فإياكم أن يختلف فيكم سيفان قال على قال عبد الله بن المبارك قال نصر في خطبته إنى لمكفر ومع ذاك لمظلم وعسى أن يكون ذلك خيرا لى إنكم ترشون أمرا تريدون فيه الفتنة ولا أبقى الله عليكم والله لقد نشرتكم وطويتكم وطويتكم ونشرتكم فما عندي منكم

[ 585 ]

عشرة وإنى وإياكم كما قال من كان قبلكم استمسكوا أصحابنا نحدو بكم * فقد عرفنا خيركم وشركم فاتقوا الله فوالله لئن اختلف فيكم سيفان ليتمنين الرجل منكم أنه يخلع من ماله وولده ولم يكن رآه يا أهل خراسان إنكم غمطتم الجماعة وركنتم إلى الفرقة أسلطان المجهول تريدون وتنتظرون ان فيه لهلاككم معشر العرب وتمثل بقول النابغة الذبيانى: فإن يغلب شقاؤكم عليكم * فإنى في صلاحكم سعيت قال الحارث بن عبد الله بن الحشرج بن المغيرة بن الورد الجعدى: أبيت أرعى النجوم مرتفقا * إذا استقلت تجرى أوائلها من فتنة أصبحت مجللة * قد عم أهل الصلاة شاملها من بخراسان والعراق ومن * بالشأم كل شجاه شاغلها فالناس منها في لون مظلمة * دهماء ملتجة غياطلها يمسى السفيه الذى يعنف بال‍ * جهل سواء فيها وعاقلها والناس في كربة يكاد لها * تنبذ أولادها حواملها يغدون منها في كل مبهمة * عمياء تمنى لهم غوائلها لا ينظر الناس في عواقبها * إلا التى لا يبين قائلها كرغوة البكر أو كصيحة حب‍ * لى طرقت حولها قوابلها فجاء فينا أزرى بوجهته * فيها خطوب حمر زلازلها قال فلما أتى نصرا عهده من قبل عبد الله بن عمر قال الكرماني لاصحابه الناس في فتنة فانظروا في أموركم رجلا وإنما سمى الكرماني لانه ولد بكرمان واسمه جديع بن على بن شبيب بن برارى بن صنيم المعنى فقالوا أنت لنا فقالت المضرية لنصر الكرماني يفسد عليك فأرسل إليه فاقتله قال لا ولكن لى أولاد ذكور وإناث فأزوج بنى من بناته وبنيه من بناتى قالوا لا قال فأبعث إليه بمائة ألف درهم فإنه بخيل ولا يعطى أصحابه شيئا ويعلمون بها فيتفرقون عنه قالوا لا هذه قوة

[ 586 ]

له قال فدعوه على حاله يتقينا ونتقيه قالوا فأرسل إليه فاحبسه قال وبلغ نصرا أن الكرماني يقول كانت غايتي في طاعة بنى مروان أن تقلدني السيوف فأطلب بثأرى بنى المهلب مع ما لقينا من نصر وجفائه وطول حرمانه ومكافأته إيانا بما كان من صنيع أسد إليه فقال له عصمة بن عبد الله الاسدي إنها بدء فتنة فتجن عليه فاحشة وأظهر أنه مخالف واضرب عنقه وعنق سباع بن النعمان الازدي والفرافصة ابن ظهير البكري فانه لم يزل متعصبا على الله بتفضله على مضر وبتفضله على ربيعة كان بخراسان وقال جميل بن النعمان إنك قد شرفته وإن كرهت قتله فادفعه إلى أقتله وقيل إنما غضب عليه في مكاتبته بكر بن فراس البهرانى عامل جرجان يعلمه حال منصور بن جمهور وحيث بعث عهد الكرماني مع أبى الزعفران مولى أسد بن عبد الله فطلبه نصر فلم يقدر عليه والذى كتب إلى الكرماني بقتل الوليد وقدوم منصور بن جمهور على العراق صالح الاثرم الحرار وقيل إن قوما أتوا نصرا فقالوا الكرماني يدعو إلى الفتنة وقال أصرم بن قبيصة لنصر لو أن جديعا لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصر وتهود وكان نصر والكرماني متصافيين وقد كان الكرماني أحسن إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله فلما ولى نصر خراسان عزل الكرماني عن الرئاسة وصيرها لحرب بن عامر بن أيثم الواشجى فيما زجرت فأعاد الكرماني عليها فلم يلبث إلا يسيرا حتى عزله وصيرها لجميل بن النعمان قال فتباعد ما بين نصر والكرماني فحبس الكرماني في القهندز وكان على القهندز مقاتل بن على المرئى ويقال المرى قال ولما أراد نصر حبس الكرماني أمر عبيد الله بن بسام صاحب حرسه فأتاه به فقال له نصر يا كرماني ألم يأتنى كتاب يوسف بن عمر يأمرنى بقتلك فراجعته وقلت له شيخ خراسان وفارسها وحقنت دمك قال بلى قال ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم وقسمته في أعطيات الناس قال بلى قال ألم أرتس عليا ابنك على كره من قومك قال بلى قال فبدلت ذلك إجماعا على الفتنة قال الكرماني لم يقل الامير شيئا إلا وقد كان أكثر منه فأنا لذلك شاكر فإن كان الامير حقن دمى فقد كان

[ 587 ]

منى أيام أسد بن عبد الله ما قد علم فليستأن الامير وليثبت فلست أحب الفتنة فقال عصمة بن عبد الله الاسدي كذبت وأنت تريد الشغب وما لا تناله قال سلم ابن أحوز اضرب عنقه أيها الامير فقال المقدام وقدامة ابنا عبد الرحمن بن نعيم الغامدى لجلساء فرعون خير منكم إذ قالوا أرجه وأخاه والله لا يقتلن الكرماني بقول ابن أحوز فأمر نصر سلما فحبس الكرماني لثلاث بقين من شهر رمضان سنة 126 فكلمت الازد فقال نصراني حلفت أن أحبسه ولا ينداه منى سوء فان خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه قال فاختاروا يزيد النحوي فكان معه في القهندز وصير حرسه بنى ناجية أصحاب وجهم عثمان ابني مسعود قال وبعث الازد إلى نصر المغيرة بن شعبة الجهضمى وخالد بن شعيب بن أبى صالح الحدانى فكلماه فيه قال فلبث في الحبس تسعة وعشرين يوما فقال على بن وائل أحد بنى ربيعة بن حنظلة دخلت على نصر والكرماني جالس ناحية وهو يقول ما ذنبي إن كان أبو الزعفران جاء فو الله ما واريته ولا أعلم مكانه وقد كانت الازد يوم حبس الكرماني أرادت أن تنزعه من رسله فناشدهم الله الكرماني ألا يفعلوا ومضى مع رسل سلم بن أحوز وهو يضحك فلما حبس تكلم عبد الملك ابن حرملة اليحمدى والمغيرة بن شعبة وعبد الجبار بن شعيب بن عباد وجماعة من الازد فنزلوا نوش وقالوا لا نرضى أن يحبس الكرماني بغير جناية ولا حدث فقال لهم شيوخ من التحمد لا تفعلوا وانظروا ما يكون من أميركم فقالوا لا نرضى ليكفن عنا نصر أو لنبدأن بكم وأتاهم عبد العزيز بن عباد بن جابر بن همام بن حنظلة اليحمدى في مائة ومحمد بن المثنى وداود بن شعيب فباتوا بنوش مع عبد الملك بن حرملة ومن كان معه فلما أصبحوا أتوا حوزان وأحرقوا منزل عزة أم ولد نصر وأقاموا ثلاثة أيام وقالوا لا نرضى فعند ذلك صيروا عليه الامناء فجعلوا معه يزيد النحوي وغيره فجاء رجل من أهل نسف فقال لجعفر غلام الكرماني ما تجعلون لى إن أخرجته قالوا لك ما سألت فأتى مجرى الماء من القهندز فوسعه وأتى ولد الكرماني وقال لهم اكتبوا إلى أبيكم يستعد الليلة للخروج فكتبوا

[ 588 ]

إليه وأدخلوا الكتاب في الطعام فدعا الكرماني يزيد النحوي وحصين بن حكيم فتعشيا معه وخرجا ودخل الكرماني السرب فأخذوا بعضده فانطوت على بطنه حية فلم تضره فقال بعض الازد كانت الحية أزدية فلم تضره قال فانتهى إلى موضع ضيق فسحبوه فسحج منكبه وجنبه فلما خرج ركب بغلته دوامة ويقال بل ركب فرسه البشير والقيد في رجله فأتوا به قرية تسمى غلطان وفيها عبد الملك بن حرملة فأطلق عنه قال على وقال أبو الوليد زهير بن هنيد العدوى كان مع الكرماني غلامه بسام فرأى خرقا على القهندز فلم يزل يوسعه حتى أمكنه الخروج منه قال فأرسل الكرماني إلى محمد بن المثنى وعبد الملك بن حرملة إنى خارج الليلة فاجتمعوا وخرج فأتاهم فرقد مولاه فأخبرهم فلقوه في قرية حرب بن عامر وعليه ملحفة مقلدا سيفا ومعه عبد الجبار بن شعيب وابنا الكرماني على وعثمان وجعفر غلامه فأمر عمرو بن بكر أن يأتي غلطان وأندغ واشترج معنا وأمرهم أن يوافوه على باب الريان بن سنان اليحمدى بنوش في المرج وكان مصلاهم في العيد فأتاهم فأخبرهم فخرج القوم من قراهم في السلاح فصلى بهم الغداة وهم زهاء ألف فما ترجلت الشمس حتى صاروا ثلاثة آلاف وأتاهم أهل السقادم فسار على مرج نيران حتى أتى حوزان فقال خلف بن خليفة أصحروا للمرج أجلى للعمى * فلقد أصحر أصحاب السرب إن مرج الازد مرج واسع * تستوى الاقدام فيه والركب وقيل إن الازد بايعت لعبد الملك بن حرملة على كتاب الله عز وجل ليلة خرج الكرماني فلما اجتمعوا في مرج نوش أقيمت الصلاة فاختلف عبد الملك والكرماني ساعة ثم قدمه عبد الملك وصير الامر له فصلى الكرماني ولما هرب الكرماني أصبح نصر معسكرا بباب مرو الروذ بناحية ابردانه فأقام يوما أو يومين وقيل لما هرب الكرماني استخلف نصر عصمة بن عبد الله الاسدي وخرج إلى القناطر الخمس بباب مرو الروذ وخطب الناس فنال من الكرماني فقال ولد بكرمان وكان كرمانيا ثم سقط إلى هراة فكان هرويا والساقط بين الفراشين لا أصل

[ 589 ]

ثابت ولا فرع نابت ثم ذكر الازد فقال إن يستوثقوا فأذل قوم وإن يأبوا فهم كما قال الاخطل: ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت * فدل عليها صوتها حية البحر ثم ندم على ما فرط منه فقال اذكروا الله فإن ذكر الله شفاء ذكر الله خير لاشر فيه يذهب الذنب وذكر الله براءة من النفاق ثم اجتمع إلى نصر بشر كثير فوجه سلم بن أحوز إلى الكرماني في المجففة في بشر كثير فسفر الناس بين نصر والكرماني وسألوا نصرا أن يؤمنه ولا يحبسه وضمن عنه قومه ألا يخالفه فوضع يده في يد نصر فأمره بلزوم بيته ثم بلغه عن نصر شئ فخرج إلى قرية له وخرج نصر فعسكر بالقناطر فأتاه القاسم بن نجيب فكلمه فيه فآمنه وقال له ان شئت خرج لك عن خراسان وان شئت أقام في داره وكان رأى نصر إخراجه فقال له سلم إن أخرجته نوهت باسمه وذكره وقال الناس أخرجه إنه هابه فقال نصر إن الذى أتخوفه منه إذا خرج أيسر مما أتخوفه منه وهو مقيم والرجل إذا نفى عن بلده صغر أمره فأبوا عليه فكف عنه وأعطى من كان معه عشرة عشرة وأتى الكرماني نصرا فدخل سرادقه فآمنه ولحق عبد العزيز بن عبد ربه بالحارث ابن سريج وأتى نصرا عزل منصور بن جمهور وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في شوال سنة 126 فخطب الناس وذكر ابن جمهور وقال قد علمت أنه لم يكن من عمال العراق وقد عزله الله واستعمل الطيب بن الطيب فغضب الكرماني لابن جمهور فعاد في جمع الرجال واتخاذ السلاح وكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمائة وأكثر وأقل فيصلى خارجا من المقصورة ثم يدخل على نصر فيسلم ولا يجلس ثم ترك إتيان نصر وأظهر الخلاف فأرسل إليه نصر مع سلم بن أحوز إنى والله ما أردت بك في حبسك سوءا ولكن خفت أن تفسد أمر الناس فأتني فقال الكرماني لولا أنك في منزلي لقتلتك ولولا ما أعرف من حمقك أحسنت أدبك فارجع إلى ابن الا قطع فأبلغه ما شئت من خير وشر فرجع إلى نصر فأخبره فقال عدإليه فقال لا والله وما بى هيبة له ولكني أكره أن يسمعني فيك ما أكره فبعث إليه عصمة بن عبد الله الاسدي فقال يا أباعلى إنى أخاف عليك عاقبة ما أبتدأت به

[ 590 ]

في دينك ودنياك ونحن نعرض عليك خصالا فانطلق إلى أميرك يعرضها عليك وما نريد بذلك إلا الانذار إليك فقال الكرماني إنى أعلم أن نصرا لم يقل هذالك ولكنك أردت أن تبلغه فتحظى والله لا أكلمك كلمة بعد انقضاء كلامي حتى ترجع إلى منزلك فيرسل من أحب غيرك فرجع عصمة وقال ما رأيت علجا أعدى لطوره من الكرماني وما أعجب منه ولكن أعجب من يحيى بن حضين لعنهم الله هم أشد تعظيما له من أصحابه قال سلم بن أحوز إنى أخاف فساد هذا الثغر والناس فأرسل إليه قديدا وقال نصر لقديد بن منيع انطلق إليه فأتاه فقال له يا أباعلى لقد لججت وأخاف أن يتفاقم الامر فنهلك جميعا وتشمت بناهذه الاعاجم قال يا قديد إنى لا أتهمك وقد جاء ما لا أثق بنصر معه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البكري أخوك ولا تثق به قال أما إذ وقع هذا في نفسك فأعطه رهنا قال من قال أعطه عليا وعثمان قال فمن يعطينى ولاخير فيه قال يا أبا على أنشدك الله أن يكون خراب هذه البلدة على يديك ورجع إلى نصر فقال لعقيل بن معقل الليثى ما أخوفني أن يقع بهذا الثغر بلاء فكلم ابن عمك فقال عقيل لنصر أيها الامير أنشدك الله أن تشأم عشيرتك إن مروان بالشأم تقاتله الخوارج والناس والازد في فتنة أخفاء سفهاء وهم جيرانك قال فما أصنع، إن علمت أمرا يصلح الناس فدونك فقد عزم أنه لا يثق بى قال فأتى عقيل الكرماني فقال أبا على قد سننت سنة تطلب بعدك من الامراء انى أرى أمرا أخاف أن يذهب فيه العقول قال الكرماني إن نصرا يريد أن آتيه ولا آمنه ونريد أن يعتزل ونعتزل ونختار رجلا من بكر ابن وائل نرضاه جميعا فيلى أمرنا جميعا حتى يأتي أمر من الخليفة وهو يأبى هذا قال يا أبا على إنى أخاف أن يهلك أهل هذا الثغر فأت أميرك وقل ما شئت تجاب إليه ولا تطمع سفهاء قومك فيما دخلوا فيه فقال الكرماني إنى لا أتهمك في نصيحة ولا عقل ولكني لا أثق بنصر فليحمل من مال خراسان ما شاء ويشخص قال فهل لك في أمر يجمع الامر بينكما تتزوج إليه ويتزوج إليك قال لا آمنه على حال قال ما بعد هذا خير وانى خائف أن تهلك غدا بمضيعة قال لا حول ولا قوة

[ 591 ]

إلا بالله فقال له عقيل أعود إليك قال لا ولكن أبلغه عنى وقل له لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد فتركب منا مالا بقية بعده فان شئت خرجت عنك لا من هيبة لك ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة وأسفك الدماء فيها فتهيأ ليخرج إلى جرجان (وفى هذه السنة) آمن يزيد بن الوليد الحارث بن سريج وكتب له بذلك فكتب إلى عبد الله بن عمر يأمره برد ما كان أخذ منه من ماله وولده ذكر الخبر عن سبب ذلك ذكر أن الفتنة لما وقعت بخراسان بين نصر والكرماني خاف نصر قدوم الحارث بن سريج عليه بأصحابه والترك فيكون أمره أشد عليه من الكرماني وغيره وطمع أن يناصحه فأرسل إليه مقاتل بن حيان النبطي وثعلبة بن صفوان البنانى وأنس بن بجالة ؟ ؟ الاعرجي وهدبة الشعراوي وربيعة القرشى ليردوه عن بلاد الترك فذكر على بن محمد عن شيوخه أن خالد بن زياد البدى من أهل الترمذ وخالد بن عمرو مولى بنى عامر خرجا إلى يزيد بن الوليد يطلبان الامان للحارث ابن سريج فقد ما الكوفة فلقيا سعيد خدينة فقال لخالد بن زياد أتدرى لم سموني خدينة قال لا قال أرادوني على قتل أهل اليمن فأبيت وسألا أبا حنيفة أن يكتب لهما إلى الاجلح وكان من خاصة يزيد بن الوليد فكتب لهما إليه فأدخلهما عليه فقال له خالد بن زياد يا أمير المؤمنين قتلت ابن عمك لاقامة كتاب الله وعمالك يغشمون ويظلمون قال لا أجد أعوانا غيرهم وإنى لابغضهم قال يا أمير المؤمنين ول أهل البيوتات وضم إلى كل عامل رجالا من أهل الخبر والفقه يأخذونهم بما في عهدك قال أفعل وسألاه أمانا للحارث بن سريج فكتب له أما بعد فإنا غضبنا لله إذ عطلت حدوده وبلغ بعباده كل مبلغ وسفكت الدماء بغير حلها وأخذت الاموال بغير حقها فأردنا أن نعمل في هذه الامة بكتاب الله عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولا قوة إلا بالله فقد أوضحنا لك عن ذات أنفسنا فأقبل آمنا أنت ومن معك فإنكم إخواننا وأعواننا وقد كتبت إلى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز برد ما كان اصطفى من أموالكم وذراريكم فقد ما الكوفة

[ 592 ]

فدخلا على ابن عمر فقال خالد بن زياد أصلح الله الامير ألا تأمر عمالك بسيرة أبيك قال أو ليس سيرة عمر ظاهرة معروفة قال فما ينفع الناس منها ولا يعمل بها ثم قدما مرو فدفعا كتاب يزيد إلى نصر فرد ماكان أخذ لهم مما قدر عليه ثم نفذا إلى الحارث فلقيا مقاتل بن حيان وأصحابه الذين وجههم نصر إلى الحارث وكان ابن عمر كتب إلى نصر إنك آمنت الحارث بغير إذنى ولا إذن الخليفة فأسقط في يديه فبعث يزيد بن الاحمر وأمره أن يفتك بالحارث إذا صار معه في السفينة فلما لقيا مقاتلا بآمل قطع إليه مقاتل بنفسه فكف عنه يزيد قال فأقبل الحارث يريد مرو وكان مقامه بأرض الشرك اثنتى عشرة سنة وقدم معه القاسم الشيباني ومضرس بن عمران قاضيه وعبد الله بن سنان فقدم سمرقند وعليها منصور ابن عمر فلم يتلقه وقال الحسن بلائه وكتب إلى نصر يستأذنه في الحارث أن يثب به فأيهما قتل صاحبه فالى الجنة أو إلى النار وكتب إليه لئن قدم الحارث على الامير وقد ضر ببنى أمية في سلطانهم وهو والغ في دم بعد دم قد طوى كشحا عن الدنيا بعد أن كان في سلطانهم أقراهم لضيف وأشدهم بأسا وأنفذهم غارة في الترك ليفرقن عليك بنى تميم وكان سردرحداه محبوسا عند منصور ابن عمر لانه قتل بياسان فاستعدى ابنه جنده منصورا فحبسه فكلم الحارث منصورا فيه فخلى سبيله فلزم الحارث ووفى له (وفى هذه السنة) فيما زعم بعضهم وجه ابراهيم بن محمد الامام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى خراسان وبعث معه بالسيرة والوصية فقدم مرو وجمع النقباء ومن بهامن الدعاة فنعى لهم الامام محمد بن على ودعاهم إلى ابراهيم ودفع إليهم كتاب ابراهيم فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة فقدم بها بكير على إبراهيم بن محمد (وفى هذه السنة) أخذ يزيد بن الوليد لاخيه ابراهيم بن الوليد على الناس البيعة وجعله ولى عهده ولعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بعد ابراهيم بن الوليد وكان السبب في ذلك فيما حدثنى إحمد بن زهير عن على بن محمد أن يزيد بن الوليد مرض في ذى الحجة سنة 126 فقيل له بايع لاخيك ابراهيم ولعبد العزيز

[ 593 ]

ابن الحجاج من بعده قال فلم تزل القدرية يحثونه على البيعة ويقولون له إنه لا يحل لك أن تهمل أمر الامة فبايع لاخيك حتى بايع لابراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده (وفى هذه السنة) عزل يزيد بن الوليد يوسف بن محمد بن يوسف عن المدينة وولاها عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال محمد بن عمر يقال ان يزيد بن الوليد لم يوله ولكنه افتعل كتابا بولايته المدينة فعزله يزيد عنها وولاها عبد العزيز بن عمر فقدمها لليلتين بقيتا من ذى القعدة (وفى هذه السنة) أظهر مروان بن محمد الخلاف على يزيد بن الوليد وانصرف من أرمينية إلى الجزيرة مظهرا انه طالب بدم الوليد بن يزيد فلما صار بحران بايع يزيد ذكر الخبر عما كان منه في ذلك وعن السبب الذى حمله على الخلاف ثم البيعة * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الوهاب بن ابراهيم بن خالد بن يزيد ابن هريم قال حدثنا أبو هاشم مخلد بن محمد بن صالح مولى عثمان بن عفان وسألته عما شهد مما حدثنا به فقال لم أزل في عسكر مروان بن محمد قال كان عبد الملك ابن مروان بن محمد بن مروان حين انصرف عن غزاته الصائفة مع الغمر بن يزيد بحران فأتاه قتل الوليد وهو بها وعلى الجزيرة عبدة بن رباح الغساني عاملا للوليد عليها فشخص منها حيث بلغه قتل الوليد إلى الشأم ووثب عبد الملك ابن مروان بن محمد على حران ومدائن الجزيرة فضبطها وولاها سليمان بن عبد الله بن علاثة وكتب إلى أبيه بارمينية يعلمه بذلك ويشير عليه بتعجيل السير والقدوم فتهيأ مروان للمسير وأظهر أنه يطلب بدم الوليد وكره أن يدع الثغر معطلا حتى يحكم أمره فوجه إلى أهل الباب إسحاق بن مسلم العقيلى وهو رأس قيس وثابت بن نعيم الجذامي من أهل فلسطين وهو رأس اليمن وكان سبب صحبة ثابت إياه أن مروان كان يخلصه من حبس هشام بالرصافة وكان مروان يقدم على هشام المرة في السنتين فيرفع إليه أمر الثغر وحاله ومصلحة من به من جنوده وما ينبغى أن يعمل به في عدوه وكان سبب حبس هشام ثابتا ما قد ذكرنا قبل

[ 594 ]

من أمره مع حنظلة بن صفوان وإفساده عليه الجند الذين كان هشام وجههم معه لحرب البربر وأهل إفريقية إذ قتلوا عامل هشام عليهم كلثوم بن عياض القشيرى فشكا ذلك من أمره حنظلة إلى هشام في كتاب كتبه إليه فأمر هشام لحنظلة بتوجيهه إليه في الحديد فوجهه حنظلة إليه فحبسه هشام فلم يزل في حبسه حتى قدم مروان ابن محمد على هشام في بعض وفاداته وقد ذكرنا بعض أمر كلثوم بن عياض وأمر إفريقية معه في موضعه فيما مضى من كتابنا هذا فلما قدم مروان على هشام أتاه رؤوس أهل اليمانية ممن كان مع هشام فطلبوا إليه فيه وكان ممن كلمه فيه كعب بن حامد العبسى صاحب شرط هشام وعبد الرحمن بن الضخم وسليمان بن حبيب قاضيه فاستوهبه مروان منه فوهبه له فشخص إلى أرمينية فولاه وحباه فلما وجه مروان ثابتا مع إسحاق إلى أهل الباب كتب إليهم معهما كتابا يعلمهم فيه حال ثغرهم ومالهم من الاجر في لزوم أمرهم ومراكزهم وما في ثبوتهم فيه من دفع مكروه العدو عن ذرارى المسلمين قال وحمل إليهم معهما أعطياتهم وولى عليهم رجلا من أهل فلسطين يقال له حميد بن عبد الله اللخمى وكان رضيا فيهم وكان وليهم قبل ذلك فحمدوا ولايته فقاما فيهم بأمره وأبلغاهم رسالته وقرآ عليهم كتابه فأجابوا إلى الثبوت في ثغرهم ولزوم مراكزهم ثم بلغه أن ثابتا قد كان يدس إلى قوادهم بالانصراف من ثغرهم واللحاق بأجنادهم فلما انصرفا إليه تهيأ للمسير وعرض جنده ودس ثابتا بن نعيم إلى من معه من أهل الشأم بالانخزال عن مروان والانضمام إليه ليسير بهم إلى أجنادهم ويتولى أمرهم فانخزلوا عن عسكرهم مع من فر ليلا وعسكروا على حدة وبلغ مروان أمرهم فبات ليلته ومن معه في السلاح يتحارسون حتى أصبح ثم خرج إليهم بمن معه ومن مع ثابت يضعفون على من مع مروان فصافوهم ليقاتلوهم فأمر مروان منادين فنادوا بين الصفين من الميمنة والميسرة والقلب فنادوهم يا أهل الشأم ما دعاكم إلى الانغزال وما الذى نقمتم على فيه من سيرى ألم ألكم ما تحبون وأحسن السيرة فيكم والولاية عليكم ما الذى دعاكم إلى سفك دمائكم فأجابوه بأنا كنا نطيعك بطاعة خيلفتنا وقد قتل خليفتنا

[ 595 ]

وبايع أهل الشأم يزيد بن الوليد فرضينا بولاية ثابت ورأسناه ليسير بنا على ألويتنا حتى نرد إلى أجنادنا فأمر مناديه فنادى أن قد كذبتم وليس تريدون الذى قلتم وانما أردتم أن تركبوا رؤوسكم فتغصبوا من مررتم به من أهل الذمة أموالهم وأطعمتهم وأعلافهم وما بينى وبينكم الا السيف حتى تنقادوا إلى فأسير بكم حتى أوردكم الفرات ثم أخلى عن كل قائد وجنده فتلحقون بأجنادكم فلما رأوا الجد منه انقادوا إليه وما لوا له وأمكنوه من ثابت بن نعيم وأولاده وهم أربعة رجال رفاعة ونعيم وبكر وعمران قال فأمر بهم فأنزلوا عن خيولهم وسلبوا سلاحهم ووضع في أرجلهم السلاسل ووكل بهم عدة من حرسه يحتفظون بهم وشخص بجماعة من الجند من أهل الشأم والجزيرة وضمهم إلى عسكره وضبطهم في مسيره فلم يقدر أحد منهم على أن يشد ولا يظلم أحدا من أهل القرى ولا يرزأه شيئا إلا بثمن حتى ورد حران ثم أمرهم باللحاق بأجنادهم وحبس ثابتا معه ودعا أهل الجزيرة إلى الفرض ففرض لنيف وعشرين ألفا من أهل الجلد منهم وتهيأ للمسير إلى يزيد وكاتبه يزيد على أن يبايعه ويوليه ما كان عبد الملك بن مروان ولى أباه محمد ابن مروان من الجزيرة وأرمينية والموصل وآذربيجان فبايع له مروان ووجه إليه محمد بن عبد الله بن علاثة ونفرا من وجوه الجزيرة (وفى هذه السنة) مات يزيد بن الوليد وكانت وفاته سلخ ذى الحجة من سنة 126 قال أبو معشر ما حدثنى به أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عنه توفى يزيد بن الوليد في ذى الحجة بعد الاضحى سنة 126 وكانت خلافته في قول جميع من ذكرنا ستة أشهر وقيل كانت خلافته خمسة أشهر وليلتين وقال هشام بن محمد ولى ستة أشهر وأياما وقال على بن محمد كانت ولايته خمسة أشهر واثنى عشر يوما وقال على بن محمد مات يزيد بن الوليد لعشر بقين من ذى الحجة سنة 126 وهو ابن ست وأربعين سنة وكانت ولايته فيما زعم ستة أشهر وليلتين وتوفى بدمشق واختلف في مبلغ سنه يوم توفى فقال هشام توفى وهو ابن ثلاثين سنة وقال بعضهم توفى وهو ابن سبع وثلاثين سنة وكان يكنى أبا خالد وأمه أم ولد اسمها شاه آفريد بنت فيروز بن يزدجرد بن

[ 596 ]

شهريار بن كسرى وهو القائل أنا ابن كسرى وأبى مروان * وقيصر جدى وجدى خاقان وقيل إنه كان قدريا وكان فيما حدثنى أحمد عن على بن محمد في صفته أسمر طويلا صغير الرأس بوجهه خال وكان جميلا من رجل في فمه بعض السعة وليس بالمفرط وقيل له يزيد الناقص لنقصه الناس العشرات التى كان الوليد زادها الناس في قول الواقدي وأما على بن محمد فانه قال سبه مروان بن محمد فقال الناقص ابن الوليد فسماه الناس الناقص (وحج) بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ابن مروان في قول الواقدي وقال بعضهم حج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد الله ابن عبد الملك بعثه يزيد بن الوليد وخرج معه عبد العزيز وهو على المدينة ومكة والطائف وكان عامله على العراق في هذه السنة عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وعلى قضاء الكوفة ابن أبى ليلى وعلى أحداث البصرة المسور بن عمر بن عباد وعلى قضائها عامر بن عبيدة وعلى خراسان نصر بن سيار الكنانى خلافة أبى اسحاق ابراهيم بن الوليد ثم كان إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان غير أنه لم يتم له أمر * فحدثني أحمد بن زهير عن على بن محمد قال لم يتم لابراهيم أمره وكان يسلم عليه جمعة بالخلافة وجمعة بالامرة وجمعة لا يسلمون عليه لا بالخلافة ولا بالامرة فكان على ذلك أمره حتى قدم مروان بن محمد فخلعه وقتل عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك وقال هشام بن محمد استخلف يزيد بن الوليد أبا اسحاق إبراهيم بن الوليد فمكث أربعة أشهر ثم خلع في شهر ربيع الآخر من سنة 126 ثم لم يزل حيا حتى أصيب في سنة 133 أمه أم ولد * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم قال حدثنا أبو هاشم مخلد بن محمد قال كانت ولاية إبراهيم بن الوليد سبعين ليلة

[ 597 ]

ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائة ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك مسير مروان بن محمد إلى الشأم والحرب التى جرت بينه وبين سليمان بن هشام بعين الجر ذكر ذلك والسبب الذى كانت عنه هذه الوقعة (قال أبو جعفر) وكان السبب ما ذكرت بعضه من أمر مسير مروان بعد مقتل الوليد بن يزيد إلى الجزيرة من أرمينية وغلبته عليها مظهرا أنه تائر بالوليد منكر قتله ثم إظهاره البيعة ليزيد بن الوليد بعد ما ولاه عمل أبيه محمد بن مروان وإظهاره ما أظهر من ذلك وتوجيهه وهو بحران محمد بن عبد الله بن علاثة وجماعة من وجوه أهل الجزيرة * فحدثني أحمد قال حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم قال حدثنا أبو هاشم مخلد بن محمد قال لما أتى مروان موت يزيد أرسل إلى ابن علاثة وأصحابه فردهم من منبج وشخص إلى إبراهيم بن الوليد فسار مروان في جند الجزيرة وخلف ابنه عبد الملك في أربعين ألف من الرابطة بالرقة فلما انتهى إلى قنسرين وبها أخ ليزيد بن الوليد يقال له بشر كان ولاه قنسرين فخرج إليه فصافه فنادى الناس ودعاهم مروان إلى مبايعته فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة في القيسية وأسلموا بشرا وأخا له يقال له مسرور بن الوليد وكان أخا بشر لامه وأبيه فأخذه مروان وأخاه مسرور بن الوليد فحبسهما وسار فيمن معه من أهل الجزيرة وأهل قنسرين متوجها إلى أهل حمص وكان أهل حمص امتنعوا حين مات يزيد بن الوليد أن يبايعوا إبراهيم وعبد العزيز بن الحجاج فوجه إليه إبراهيم عبد العزيز بن الحجاج وجند أهل دمشق فحاصرهم في مدينتهم وأغذ مروان السير فلما دنا من مدينة حمص رحل عبد العزيز عنهم وخرجوا إلى مروان فبايعوه وساروا بأجمعهم معه ووجه إبراهيم بن الوليد الجنود مع سليمان بن هشام فسار بهم حتى نزل عين الجر وأتاه مروان وسليمان في عشرين ومائة ألف فارس مروان في نحو من ثمانين

[ 598 ]

ألفا فالتقيا فدعاهم مروان إلى الكف عن قتاله والتخلية عن ابني الوليد الحكم وعثمان وهما في سجن دمشق محبوسان وضمن عنهما ألا يؤاخذاهم بقتلهم أباهما وأن لا يطلبا أحدا ممن ولى قتله فأبوا عليه وجدوا في قتاله فاقتتلوا ما بين ارتفاع النهار إلى العصر واستحر القتل بينهم وكثر في الفريقين وكان مروان مجربا مكايدا فدعا ثلاثة نفر من قواده أحدهم أخ لاسحاق بن مسلم يقال له عيسى فأمرهم بالمسير خلس صفه في خيله وهم ثلاثة آلاف ووجه معهم فعلة بالفؤوس وقد ملا الصفان من أصحابه وأصحاب سليمان بن هشام ما بين الجبلين المحيطين بالمرج وبين العسكرين نهر جرار وأمرهم إذا انتهوا إلى الجبل أن يقطعوا الشجر فيعقدوا جسورا وليجيزوا إلى عسكر سليمان ويغيروا فيه قال فلم تشعر خيول سليمان وهم مشغولون بالقتال إلا بالخيل والبارقة والتكبير في عسكرهم من خلفهم فلما رأوا ذلك انكسروا وكانت هزيمتهم ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحردهم عليهم فقتلوا منهم نحوا من سبعة عشر ألفا وكف أهل الجزيرة وأهل قنسرين عن قتلهم فلم يقتلوا منهم أحدا وأتوا مروان من أسرائهم بمثل عدة القتلى وأكثر واستبيح عسكرهم فأخذ مروان عليهم البيعة للغلامين الحكم وعثمان وخلى عنهم بعد أن قواهم بدينار دينار وألحقهم بأهاليهم ولم يقتل منهم إلا رجلين يقال لاحدهما يزيد بن العقار وللآخر الوليد بن مصاد الكلبيان وكانا فيمن سار إلى الوليد وولى قتله وكان يزيد بن خالد ابن عبد الله القسرى معهم فسار حتى هرب فيمن هرب مع سليمان بن هشام إلى دمشق وكان أحدهما يعنى الكلبيين على حرس يزيد والآخر على شرطه فإنه ضربهما في موقفه ذلك بالسياط ثم أمر بهما فحبسا فهلكا في حبسه قال ومضى سليمان ومن معه من الفل حتى صبحوا دمشق واجتمع إليه وإلى إبراهيم وعبد العزيز ابن الحجاج رؤوس من معهم وهم يزيد بن خالد القسرى وأبو علاقة السكسكى والاصبغ بن ذؤالة الكلبى ونظراؤهم فقال بعضهم لبعض إن بقى الغلامان ابنا الوليد حتى يقدم مروان ويخرجهما من الحبس ويصير الامر إليهما لم يستبقيا أحدا من قتلة أبيهما والرأى أن نقتلهما فولوا ذلك يزيد بن خالد ومعهما في الحبس

[ 599 ]

أبو محمد السفياني ويوسف بن عمر فأرسل يزيد مولى لخالد يقال له أبا الاسد في عدة من أصحابه فدخل السجن فشدخ الغلامين بالعمد وأخرج يوسف بن عمر ليقتلوه وضربت عنقه وأرادوا قتل أبى محمد السفياني فدخل بيتا من بيوت السجن فأغلقه وألقى خلفه الفرش والوسائد واعتمد على الباب فلم يقدروا على فتحه فدعوا بنار ليحرقوه فلم يؤتوا بها حتى قيل قد دخلت خيل مروان المدينة وهرب إبراهيم بن الوليد وتغيب وأنهب سليمان ما كان في بيت المال وقسمه فيمن معه من الجنود وخرج من المدينة (وفى هذه السنة) دعا إلى نفسه عبد الله بن معاوية ابن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب بالكوفة وحارب بها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ابن مروان فهزمه عبد الله بن عمر فلحق بالجبال فغلب عليها ذكر الخبر عن سبب خروج عبد الله ودعائه الناس إلى نفسه وكان إظهار عبد الله بن معاوية الخلاف على عبد الله بن عمر ونصبه الحرب له فيما ذكر هشام عن أبى مخنف في المحرم سنة 127 وكان سبب خروجه عليه فيما حدثنى أحمد عن على بن محمد عن عاصم بن حفص التميمي وغيره من أهل العلم أن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قدم الكوفة زائرا لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز يلتمس صلته لا يريد خروجا فتزوج ابنة حاتم بن الشرقي بن عبد المؤمن ابن شبث بن ربعى فلما وقعت العصبية قال له أهل الكوفة ادع إلى نفسك فبنو هاشم أولى بالامر من بنى مروان فدعا سرا بالكوفة وابن عمر بالحيرة وبايعه ابن ضمرة الخزاعى فدس إليه ابن عمر فأرضاه فأرسل إليه إذا نحن التقينا بالناس انهزمت بهم وبلغ ابن معاوية فلما التقى الناس قال ابن معاوية إن ابن ضمرة قد غدر ووعد ابن عمر أن ينهزم الناس فلا يهولنكم انهزامه فإنه عن غدر يفعل فلما التقوا انهزم ابن ضمرة وانهزم الناس فلم يبق معه أحد فقال تفرقت الظباء على خداش * فما يدرى خداش ما يصيد فرجع ابن معاوية إلى الكوفة وكانوا التقوا ما بين الحيرة والكوفة ثم خرج إلى المدائن فبايعوه وأتاه قوم من أهل الكوفة فخرج فغلب على حلوان والجبال

[ 600 ]

قال ويقال قدم عبد الله بن معاوية الكوفة وجمع جمعا فلم يعلم عبد الله بن عمر حتى خرج في الجبانة مجمعا على الحرب فالتقوا وخالد بن قطن الحارثى على أهل اليمن فشد عليه الاصبغ بن ذؤالة الكلبى في أهل الشأم فانهزم خالد وأهل الكوفة وأمسكت نزار عن نزار ورجعوا وأقبل خمسون رجلا من الزيدية إلى دار ابن محرز القرشى يريدون القتال فقتلوا لم يقتل من أهل الكوفة غيرهم قال وخرج ابن معاوية من الكوفة مع عبد الله بن عباس التميمي إلى المدائن ثم خرج منها فغلب على الماهين وهمذان وقومس واصبهان والرى وخرج إليه عبيد أهل الكوفة وقال لا تركبن الصنيع الذى * تلوم أخاك على مثله ولا يعجبنك قول امرئ * يخالف ما قال في فعله وأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فانه زعم أن سبب ذلك أن عبد الله والحسن ويزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قدموا على عبد الله بن عمر فنزلوا في النخع في دار مولى لهم يقال له الوليد بن سعيد فأكرمهم ابن عمر وأجازهم وأجرى عليهم كل يوم ثلثمائة درهم فكانوا كذلك حتى هلك يزيد بن الوليد وبايع الناس أخاه ابراهيم بن الوليد ومن بعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فقدمت بيعتهما على عبد الله بن عمر بالكوفة فبايع الناس لهما وزادهم في العطاء مائة مائة وكتب بيعتهما إلى الآفاق فجاءته البيعة فبينا هو كذلك إذ أتاه الخبر بأن مروان بن محمد قد سار في أهل الجزيرة إلى إبراهيم بن الوليد وأنه امتنع من البيعة له فاحتبس عبد الله بن عمر عبد الله بن معاوية عنده وزاده فيما كان يجرى عليه وأعده لمروان بن محمد إن هو ظفر بابراهيم بن الوليد ليبايع له ويقاتل به مروان فماج الناس في أمرهم وقرب مروان من الشأم وخرج إليه ابراهيم فقاتله فهزمه مروان وظفر به وخرج هاربا وثبت عبد العزيز بن الحجاج يقاتل حتى قتل وأقبل اسماعيل بن عبد الله أخو خالد بن عبد الله القسرى هاربا حتى أتى الكوفة وكان في عسكر ابراهيم فافتعل كتابا على لسان ابراهيم بولاية الكوفة فأرسل إلى اليمانية فأخبرهم سرا أن ابراهيم بن الوليد ولاه العراق فقبلوا ذلك منه

[ 601 ]

وبلغ الخبر عبد الله بن عمر فباكره صلاة الغداة فقاتله من ساعته ومعه عمر بن الغضبان فلما رأى اسماعيل ذلك ولا عهد معه وصاحبه الذى افتعل العهد على لسانه هارب منهزم خاف أن يظهر أمره فيفتضح ويقتل فقال لاصحابه إنى كاره لسفك الدماء ولم أحس أن يبلغ الامر ما بلغ فكفوا أيديكم فتفرق القوم عنه فقال لاهل بيته ان ابراهيم قد هرب ودخل مروان دمشق فحكى ذلك عن اهل بيته فانتشر الخبر واشرأبت الفتنة ووقعت العصبية بين الناس وكان سبب ذلك أن عبد الله بن عمر كان أعطى مضر وربيعة عطايا عظاما ولم يعط جعفر بن نافع بن القعقاع بن شور الذهلى وعثمان بن الخيبرى أخا بنى تيم اللات بن ثعلبة شيئا ولم يسوهما بنظرائهما فدخلا عليه فكلماه كلاما غليظا فغضب ابن عمر وأمر بهما فقام إليهما عبد الملك الطائى وكان على شرطه يقوم على رأسه فدفعهما فدفعاه وخرجا مغضبين وكان ثمامة بن حوشب بن رويم الشيباني حاضرا فخرج مغاضبا لصاحبيه فخرجوا جميعا إلى الكوفة وكان هذا وابن عمر بالحيرة فلما دخلوا الكوفة نادوا يا آل ربيعة فثارت إليهم ربيعة فاجتمعوا وتنمروا وبلغ الخبر ابن عمر فأرسل إليهم أخاه عاصما فأتاهم وهم بدير هند قد اجتمعوا وحشدوا فألقى نفسه بينهم وقال هذه يدى لكم فاحكموا فاستحيوا وعظموا عاصما وتشكروا له وأقبل على صاحبيهم فسكتا وكفا فلما أمسى ابن عمر أرسل من تحت ليلته إلى عمر بن الغضبان بمائة ألف فقسمها في قومه بنى همام بن مرة بن ذهل بن شيبان وأرسل إلى ثمامة بن حوشب بن رويم بمائة ألف فقسمها في قومه وأرسل إلى جعفر بن نافع بن القعقاع بعشرة آلاف وإلى عثمان بن الخيبرى بعشرة آلاف (قال أبو جعفر) فلما رأت الشيعة ضعفه اغتمزوا فيه واجترؤا عليه وطمعوا فيه ودعوا إلى عبد الله بن معاوية بن جعفر وكان الذى ولى ذلك هلال بن أبى الورد مولى بنى عجل فثاروا في غوغاء الناس حتى أتوا المسجد فاجتمعوا فيه وهلال القائم بالامر فبايعه الناس من الشيعة لعبد الله بن معاوية ثم مضوا من فورهم إلى عبد الله فأخرجوه من دار الوليد بن سعيد حتى أدخلوه القصر وحالوا بين عاصم

[ 602 ]

ابن عمر وبين القصر فلحق بأخيه عبد الله بالحيرة وجاء ابن معاوية الكوفيون فبايعوه فيهم عمر بن الغضبان بن القبعثرى ومنصور بن جمهور واسماعيل بن عبد الله القسرى ومن كان من أهل الشأم بالكوفة له أهل وأصل فأقام بالكوفة أياما يبايعه الناس وأتته البيعة من المدائن وفم النيل واجتمع إليه الناس فخرج يريد عبد الله بن عمر بالحيرة وبرز له عبد الله بن عمر فيمن كان معه من أهل الشأم فخرج رجل من أهل الشأم يسأله البراز فبرز له القاسم بن عبد الغفار فقال له الشأمى لقد دعوت حين دعوت وما أظن أن يخرج إلى رجل من بكر بن وائل والله ما أريد قتالك ولكن أحببت أن ألقى إليك ما انتهى إلينا أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن لا منصور ولا اسماعيل ولا غيرهما إلا قد كاتب عبد الله بن عمر وجاءته كتب مضر وما أرى لكم أيها الحى من ربيعة كتابا ولا رسولا وليسوا مواقعيكم يومكم حتى تصبحوا فيواقعوكم فان استطعتم أن لا تكون بكم الحزة فافعلوا فانى رجل من قيس وسنكون غدا بإزائكم فان أردتم الكتاب إلى صاحبنا أبلغته وان أردتم الوفاء لمن خرجتم معه فقد أبلغتكم حال الناس فدعا القاسم رجالا من قومه فأعلمهم ما قال له الرجل وإن ميمنة ابن عمر ربيعة ومضر ستقف بإزاء ميسرته وفيها ربيعة فقال عبد الله بن معاوية إن هذه علامة ستظهر لنا إن أصبحنا فان أحب عمر بن الغضبان فليلقنى الليلة وإن منعه شغل ما هو فيه فهو غدر وقل له إنى لا ظن القيسي قد كذب فأتى الرسول عمر بذلك فرده إليه بكتاب يعلمه أن رسول هذا بمنزلتي عندي ويأمره أن يتوثق من منصور وإسماعيل وإنما أراد أن يعلمهما بذلك قال فأبى ابن معاوية أن يفعل فاصبح الناس غادين على القتال وقد جعل اليمن في الميمنة ومضر وربيعة في الميسرة ونادى مناد من أتى برأس فله كذا وكذا أو بأسير فله كذا وكذا والمال عند عمر بن الغضبان والتقى الناس واقتتلوا وحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر فانكشفوا ومضى إسماعيل ومنصور من فورهما إلى الحيرة وزحمت غوغاء الناس أهل اليمن من أهل الكوفة فقتلوا فيهم أكثر من ثلاثين رجلا وقتل الهاشمي العباس

[ 603 ]

ابن عبد الله زوج ابنة الملاة * ذكر عمر أن محمد بن يحيى حدثه عن أبيه عن عاتكة بنت الملاة تزوجت أزواجا منهم العباس بن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل قتل مع عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في العصبية بالعراق وقتل مبكر ابن الحوارى بن زياد في غيرهم ثم انكشفوا وفيهم عبد الله بن معاوية حتى دخل نصر الكوفة وبقيت الميسرة من مضر وربيعة ومن بإزائهم من أهل الشأم وحمل أهل القلب من أهل الشأم على الزيدية فانكشفوا حتى دخلوا الكوفة وبقيت الميسرة وهم نحو من خمسمائة رجل وأقبل عامر بن ضبارة ونباتة بن حنظلة بن قبيصة وعتبة بن عبد الرحمن الثعلبي والنضر بن سعيد بن عمرو الحرشى حتى وقفوا على ربيعة فقالوا لعمر بن الغضبان أما نحن يا معشر ربيعة فما كنا نأمن عليكم ما صنع الناس بأهل اليمن ونتخوف عليكم مثلها فانصرفوا فقال عمر ما كنت ببارح أبدا حتى أموت فقالوا إن هذا ليس بمغن عنك ولاعن أصحابك شيئا فأخذوا بعنان دابته فأدخلوه الكوفة قال عمر حدثنى على بن محمد عن سليمان بن عبد الله النوفلي قال حدثنى أبى قال حدثنا خراش بن المغيرة بن عطية مولى لبنى ليث عن أبيه قال كنت كاتب عبد الله بن عمر فوالله إنى لعنده يوما وهو بالحيرة إذ أتاه آت فقال هذا عبد الله بن معاوية قد أقبل في الخلق فأطرق مليا وجاءه رئيس خبازيه فقام بين يديه كأنه يؤذنه بادراك طعامه فأومأ إليه عبد الله أن هاته فجاء بالطعام وفد شخصت قلوبنا ونحن نتوقع أن يهجم علينا ابن معاوية ونحن معه قال فجعلت أتفقده هل أراه تغير في شئ من أمره من مطعم أو مشرب أو منظر أو أمر أو نهى فلا والله ما أنكرت من هيئته قليلا ولا كثيرا وكان طعامه إذا أتى به وضع بين كل اثنين منا صحفة قال فوضعت بينى وبين فلان صحفة وبين فلان وفلان صحفة أخرى حتى عد من كان على خوانه فلما فرغ من غدائه ووضوئه أمر بالمال فأخرج حتى أخرجت آنية من ذهب وفضة وكسى ففرق أكثر ذلك في قواده ثم دعا مولى له أو مملوكا كان يتبرك به ويتفاءل باسمه إما يدعى ميمونا أو فتحا أو اسما من الاسماء المتبرك بها فقال له خذ لواءك وامض إلى تل كذا وكذا

[ 604 ]

فاركزه وادع أصحابك وأقم حتى آتيك ففعل وخرج عبد الله وخرجنا معه حتى صار إلى التل فإذا الارض بيضاء من أصحاب ابن معاوية فأمر عبد الله مناديا فنادى من جاء برأس فله خمسمائة فو الله ما كان بأسرع من أن أتى برأس فوضع بين يديه فأمر له بخمسمائة فدفعت إلى الذى جاء به فلما رأى أصحابه وفاءه لصاحب الرأس نادوا بالقوم فوالله ما كان إلا هنيهة حتى نظرت إلى نحو من خمسمائة رأس قد ألقيت بين يديه وانكشف ابن معاوية ومن معه منهزمين فكان أول من دخل الكوفة من أصحابه منهزما أبو البلاد مولى بنى عبس وابنه سليمان بين يديه وكان أبو البلاد متشيعا فجعل أهل الكوفة ينادونهم كل يوم كأنهم يعيرونهم بانهزامه فجعل يصيح بابنه سليمان امض ودع النواضح ينفقن قال ومر عبد الله بن معاوية فطوى الكوفة ولم يعرج بها حتى أتى الجبل وأما أبو عبيدة فإنه ذكر أن عبد الله بن معاوية وإخوته دخلوا القصر فلما أمسوا قالوا لعمر بن الغضبان وأصحابه يا معشر ربيعة قدرأيتم ما صنع الناس بنا وقد أعلقنا دماءنا بكم في أعناقكم فإن كنتم مقاتلين معنا قاتلنا معكم وإن كنتم ترون الناس خاذلينا وإياكم فخذوا لنا ولكم أمانا فما أخذتم لانفسكم فقد رضينا لانفسنا فقال لهم عمر بن الغضبان ما نحن بتاركيكم من إحدى خلتين إما ان نقاتل معكم وإما أن نأخذ لكم أمانا كما نأخذ لانفسنا فطيبوا نفسا فأقاموا في القصر والزيدية على أفواه السكك يغدون عليهم أهل الشأم ويروحون يقاتلونهم أياما ثم إن ربيعة أخذت لانفسها وللزيدية ولعبد الله بن معاوية أمانا لا يمنعونهم ويذهبوا حيث شاءوا وأرسل عبد الله بن عمر إلى عمر بن الغضبان يأمره بنزول القصر وإخراج عبد الله بن معاوية فأرسل إليه ابن الغضبان فرحله ومن معه من شيعته ومن تبعه من أهل المدائن وأهل السواد وأهل الكوفة فسار بهم رسل عمر حتى أخرجوهم من الجسر فنزل عمر من القصر (وفى هذه السنة) وافى الحارث بن سريج مرو خارجا إليها من بلاد الترك بالامان الذى كتب له يزيد بن الوليد فصار إلى نصر بن سيار ثم خالفه وأظهر الخلاف له وبايعه على ذلك جمع كبير

[ 605 ]

ذكر الخبر عن أمره وأمر نصر بعد قدومه عليه ذكر على بن محمد عن شيوخه أن الحارث سار إلى مرو مخرجه من بلاد الترك فقدمها يوما الاحد لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة 127 فتلقاه سلم بن أحوز والناس بكشماهن فقال محمد بن الفضيل بن عطية العبسى الحمد لله الذى أقر أعيننا بقدومك وردك إلى فئة الاسلام وإلى الجماعة قال يا بنى أما علمت أن الكثير إذا كانوا على معصية الله كانوا قليلا وأن القليل إذ كانوا على طاعة الله كانوا كثيرا وما قرت عينى منذ خرجت إلى يومى هذا وما قرة عينى إلا أن يطاع الله فلما دخل مرو قال اللهم إنى لم أنوقط في شئ مما بينى وبينهم إلا الوفاء فإن أرادوا الغدر فانصرني عليهم وتلقاه نصر فأنزله قصر بخار اخذاه وأجرى عليه نزلا خمسين درهما في كل يوم وكان يقتصر على لون واحد وأطلق نصر من كان عنده من أهله أطلق محمد بن الحارث والالوف بنت الحارث وأم بكر فلما أتاه ابنه محمد قال اللهم اجعله بارا تقيا قال وقدم الوضاح بن حبيب بن بديل على نصر بن سيار من عند عبد الله ابن عمر وقد أصابه برد شديد فكساه أثوابا وأمر له بقرى وجاريتين ثم أتى الحارث ابن سريج وعنده جماعة من أصحابه قيام على رأسه فقال له إنا بالعراق نشهر عظم عمودك وثقله وإنى أحب أن أراه فقال ما هو إلا كبعض ما ترى مع هؤلاء وأشار إلى أصحابه ولكني إذا ضربت به ضربني قال وكان في عموده بالشأمى ثمانية عشر رطلا قال ودخل الحارث بن سريج على نصر وعليه الجوشن الذى اصابه من خاقان وكان خيره بين مائة ألف دينار دنبا كانية وبين الجوشن فاختار الجوشن فنظرت إليه المرزبانة بنت قديد امرأة نصر بن سيار فأرسلت إليه بحرز لها سمور مع جارية لها فقالت أقرئى ابن عمى السلام وقولى له اليوم بارد فاستدفئ بهذا الجرز السمور فالحمد لله الذى أقدمك صالحا فقال للجارية اقرئي بنت عمى السلام وقولى لها أعارية أم هدية فقالت بل هدية فباعه بأربعة آلاف دينار وقسمها في أصحابه وبعث إليه نصربفرش كثيرة وفرس فباع ذلك كله وقسمه في أصحابه بالسوية وكان يجلس على برذعة وتثنى له وسادة غليظة وعرض نصر على الحارث أن يوليه ويعطيه

[ 606 ]

مائة ألف دينار فلم يقبل فأرسل إلى نصر إنى لست من هذه الدنيا ولا من هذه اللذات ولا من تزويج عقائل العرب في شئ وإنما أسأل كتاب الله عزوجل والعمل بالسنة واستعمال أهل الخير والفضل فإن فعلت ساعدتك على عدوك وأرسل الحارث إلى الكرماني إن أعطاني نصر العمل بكتاب الله وما سألته من استعمال أهل الخير والفضل عضدته وقمت بأمر الله وإن لم يفعل استعنت بالله عليه وأعنتك إن ضمنت لى ما أريد من القيام بالعدل والسنة وكان كلما دخل عليه بنو تميم دعاهم إلى نفسه فبايعه محمد بن حمران ومحمد بن حرب بن جرفاس المنقريان والخليل بن غزوان العدوى وعبد الله بن مجاعة وهبيرة بن شراحيل السعديان وعبد العزيز بن عبد ربه الليثى وبشر بن جرموز الضبى ونهار بن عبد الله بن الحتات المجاشعى وعبد الله النباتي وقال الحارث لنصر خرجت من هذه المدينة منذ ثلاث عشرة سنة إنكارا للجور وأنت تريدني عليه فانضم إلى الحارث ثلاثة آلاف (وفى هذه السنة) بويع بدمشق لمروان بن محمد بالخلافة ذكر الخبر عن سبب البيعة له * حدثنى أحمد قال حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم قال حدثنا أبو هاشم مخلد ابن محمد مولى عثمان بن عفان قال لما قيل قد دخلت خيل مروان دمشق هرب إبراهيم بن الوليد وتغيب فأنهب سليمان ما كان في بيت المال وقسمه فيمن معه من الجند وخرج من المدينة وثار من فيها من موالى الوليد بن يزيد إلى دار عبد العزيز بن الحجاج فقتلوه ونبشوا قبر يزيد بن الوليد وصلبوه على باب الجابية ودخل مروان دمشق فنزل عالية وأتى بالغلامين مقتولين وبيوسف بن عمر فأمر بهم فدفنوا وأتى بأبى محمد السفياني محمولا في كبوله فسلم عليه بالخلافة ومروان يومئذ يسلم عليه بالامرة فقال له مه فقال إنهما جعلاها لك بعدهما وأنشده شعرا قاله الحكم في السجن قال وكانا قد بلغا وولد لاحدهما وهو الحكم والآخر قد احتلم قبل ذلك بسنتين قال فقال الحكم ألا من مبلغ مروان عنى * وعمى الغمر طال بذا حنينا

[ 607 ]

بأنى قد ظلمت وصار قومي * على قتل الوليد متابعينا أيذهب كلبهم بدمى ومالى * فلا غثا أصبت ولا سمينا ومروان بأرض بنى نزار * كليث الغاب مفترس عرينا ألم يحزنك قتل فتى قريش * وشقهم عصى المسلمينا ألا فاقر السلام على قريش * وقيس بالجزيرة أجمعينا وساد الناقص القدري فينا * وألقى الحرب بين بنى أبينا فلو شهد الفوارس من سليم * وكعب لم أكن لهم رهينا ولو شهدت ليوث بنى تميم * لما بعنا تراث بنى أبينا أتنكث بيعتى من أجل أمي * فقد بايعتم قبلى هجينا فليت خؤلتى من غير كلب * وكانت في ولادة آخرينا فإن أهلك أنا وولى عهدي * فمروان أمير المؤمنينا ثم قال ابسط يدك أبايعك وسمعه من مع مروان من أهل الشأم فكان أول من نهض معاوية بن يزيد بن الحصين بن نمير ورؤس أهل حمص فبايعوه فأمرهم أن يختاروا لولاية أجنادهم فاختار أهل دمشق زامل بن عمرو الجبرانى وأهل حمص عبد الله بن شجرة الكندى وأهل الاردن الوليد بن معاوية بن مروان وأهل فلسطين ثابت بن نعيم الجذامي الذى كان استخرجه من سجن هشام وغدر به بأرمينية فأخذ عليهم العهود المؤكدة والايمان المغلظة على بيعته وانصرف إلى منزله من حران (قال أبو جعفر) فلما استوت لمروان بن محمد الشأم وانصرف إلى منزله بحران طلب الامان منه إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام فآمنهم فقدم عليه سليمان وكان سليمان بن هشام يومئذ بتدمربمن معه من إخوته وأهل بيته ومواليه الذكوانية فبايعوا مروان بن محمد (وفى هذه السنة) انتقض على مروان أهل حمص وسائر أهل الشأم فحاربهم ذكر الخبر عن أمرهم وأمره وعن سبب ذلك * حدثنى أحمد قال حدثنى عبد الوهاب بن ابراهيم قال حدثنا أبو هاشم مخلد

[ 608 ]

ابن محمد بن صالح قال لما انصرف مروان إلى منزله من حران بعد فراغه من أهل الشأم لم يلبث إلا ثلاثة أشهر حتى خالفه أهل الشأم وانتقضوا عليه وكان الذى دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم وراسلهم وكاتبهم وبلغ مروان خبرهم فسار إليهم بنفسه وأرسل أهل حمص إلى من بتدمر من كلب فشخص إليهم الاصبغ بن ذؤالة الكلبى ومعه بنون له ثلاثة رجال حمزة وذؤالة وفرافصة ومعاوية السكسكى وكان فارس أهل الشأم وعصمة بن المقشعر وهشام بن مصاد وطفيل بن حارثة ونحو من ألف من فرسانهم فدخلوا مدينة حمص ليلة الفطر من سنة 127 قال ومروان بحماة ليس بينه وبين مدينة حمص إلا ثلاثون ميلا فأتاه خبرهم صبيحة الفطر فجد في السير ومعه يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع وسليمان بن هشام وقد كانا راسلاه وطلبا إليه الامان فصارا معه في عسكره يكرمهما ويدنيهما ويجلسان معه على غدئه وعشائه ويسيران معه في موكبه فانتهى إلى مدينة حمص بعد الفطر بيومين والكلبية فيها قد ؟ ؟ ردموا أبوابها من داخل وهو على عدة معه روابطه فأحدقت خيله بالمدينة ووقف حذاء باب من أبوابها وأشرف على جماعة من الحائط فناداهم مناديه ما دعاكم إلى النكث قالوا فإنا على طاعتك لم ننكث فقال لهم فإن كنتم على ما تذكرون فافتحوا ففتحوا الباب فاقتحم عمرو بن الوضاح في الوضاحية نحو من ثلاثة آلاف فقاتلوهم في داخل المدينة فلما كثرتهم خيل مروان انتهوا إلى باب من أبواب المدينة يقال له باب تدمر فخرجوا منه والروابط عليه فقاتلوهم فقتل عامتهم وأفلت الاصبغ بن ذؤالة والسكسكى وأسرابنا الاصبغ ذؤالة وفرافصة في نيف وثلاثين رجلا منهم فأتى مروان بهم فقتلهم وهو واقف وأمر بجمع قتلاهم وهم خمسمائة أو ستمائة فصلبوا حول المدينة وهدم من حائط مدينتها نحوا من غلوة وثار أهل الغوطة إلى مدينة دمشق فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو وولوا عليهم يزيد بن خالد القسرى وثبت مع زامل المدينة وأهلها وقائد في نحو أربعمائة يقال له أبو هبار القرشى فوجه إليهم مروان بن حمص أبا الورد بن الكوثر بن زفر ابن الحارث واسمه مجزاة وعمرو بن الوضاح في عشرة آلاف فلما دنوا من المدينة

[ 609 ]

حملوا عليهم وخرج أبو هبار وخيله من المدينة فهزموهم واستباحوا عسكرهم وحرقوا المزة من قرى اليمانية ولجا يزيد بن خالد وأبو علاقة إلى رجل من لخم من أهل المزة فدل عليهما زامل فأرسل اليهما فقتلا قبل أن يوصل بهما إليه فبعث برأسيهما إلى مروان بحمص وخرج ثابت بن نعيم من أهل فلسطين حتى أتى مدينة طبرية فحاصر أهلها وعليها الوليد بن معاوية بن مروان ابن أخى عبد الملك بن مروان فقاتلوه أياما فكتب مروان إلى أبى الورد أن يشخص إليهم فيمدهم قال فرحل من دمشق بعد أيام فلما بلغهم دنوه خرجوا من المدينة على ثابت ومن معه فاستباحوا عسكرهم فانصرف إلى فلسطين منهزما فجمع قومه وجنده ومضى إليه أبو الورد فهزمه ثانية وتفرق من معه وأسر ثلاثة رجال من ولده وهم نعيم وبكر وعمران فبعث بهم إلى مروان فقدم بهم عليه وهو بدير أبوب جرحى فأمر بمداواة جراحاتهم وتغيب ثابت بن نعيم فولى الرماحس بن عبد العزيز الكنانى فلسطين وأفلت مع ثابت من ولده رفاعة بن ثابت وكان أخبثهم فلحق بمنصور بن جمهور فأكرمه وولاه وخلفه مع أخ له يقال له منظور بن جمهور فوثب عليه فقتله فبلغ منصورا وهو متوجه إلى الملتان وكان أخوه بالمنصورة فرجع إليه فأخذه فبنى له اسطوانة من آجر مجوفة وأدخله فيها ثم سمره إليها وبنى عليه قال وكتب مروان إلى الرماحس في طلب ثابت والتلطف له فدل عليه رجل من قومه فأخذ ومعه نفر فأتى به مروان موثقا بعد شهرين فأمر به وببنيه الذين كانوا في يديه فقطعت أيديهم وأرجلهم ثم حملوا إلى دمشق فرأيتهم مقطعين فأقيموا على باب مسجدها لانه كان يبلغه أنهم يرجفون بثابت ويقولون إنه أتى مصر فغلب عليها وقتل عامل مروان بها وأقبل مروان من دير أيوب حتى بايع لابنيه عبيد الله وعبد الله وزوجهما ابنتى هشام ابن عبد الملك أم هشام وعائشة وجمع لذلك أهل بيته جميعا منهم من ولد عبد الملك محمد وسعيد وبكاء وولد الوليد وسليمان ويزيد وهشام وغيرهم من قريش ورؤوس العرب وقطع على أهل الشأم بعثا و قواهم وولى على كل جند منهم قائدا منهم وأمرهم باللحاق بيزيد بن عمر بن هبيرة وكان قبل مسيره إلى الشأم وجهه في عشرين ألفا من أهل قنسرين والجزيرة وأمره أن ينزل دورين إلى أن يقدم وصيره (39 - 5)

[ 610 ]

مقدمة له وانصرف من دير أيوب إلى دمشق وقد استقامت له الشأم كلها ما خلا تدمر وأمر بثابت بن نعيم وبنيه والنفر الذين قطعهم فقتلوا وصلبوا على أبواب دمشق قال فرأيتهم حين قتلوا وصلبوا قال واستبقى رجلا منهم يقال له عمرو بن الحارث الكلبى وكان فيما زعموا عنده علم من أموال كان ثابت وضعها عند قوم ومضى بمن معه فنزل القسطل من أرض حمص مما يلى تدمر بينهما مسيرة ثلاثة أيام وبلغه أنهم قدعوروا ما بينه وبينها من الآبار وطموها بالصخر فهيأ المزاد والقرب والاعلاف والابل فحمل ذلك له ولمن معه فكلمه الابرش بن الوليد وسليمان ابن هشام وغيرهما وسألوه أن يعذر إليهم ويحتج عليهم فأجابهم إلى ذلك فوجه الابرش إليهم أخاه عمرو بن الوليد وكتب إليهم يحذرهم ويعلمهم أنه يتخوف أن يكون هلاكه وهلاك قومه فطردوه ولم يجيبوه فسأله الابرش أن يأذن له في التوجيه إليهم ويؤجله أياما ففعل فأتاهم فكلمهم وخوفهم وأعلمهم أنهم حمقى وأنه لا طاقة لهم به وبمن معه فأجابه عامتهم وهرب من لم يثق به منهم إلى برية كلب وناديتهم وهم السكسكى وعصمة بن المقشعر وطفيل بن حارثة ومعاوية بن أبى سفيان بن يزيد بن معاوية وكان صهر الابرش على ابنته وكتب الابرش إلى مروان يعلمه ذلك فكتب إليه مروان أن اهدم حائط مدينتهم وانصرف إلى بمن بايعك منهم فانصرف إليه ومعه رؤوسهم الاصبغ ابن ذؤالة وابنه حمزة وجماعة من رؤوسهم وانصرف مروان بهم على طريق البرية على سورية ودير اللثق حتى قدم الرصافة ومعه سليمان بن هشام وعمه سعيد بن عبد الملك وإخوته جميعا وإبراهيم المخلوع وجماعة من ولد الوليد وسليمان ويزيد فاقاموا بها يوما ثم شخص إلى الرقة فاستأذنه سليمان وسأله أن يأذن له أن يقيم أياما ليقوى من معه من مواليه ويجم ظهره ثم يتبعه فأذن له ومضى مروان فنزل عند واسط على شاطئ الفرات في عسكر كان ينزله فأقام به ثلاثة أيام ثم مضى إلى قرقيسيا وابن هبيرة بها ليقدمه إلى العراق لمحاربة الضحاك بن قيس الشيباني الحروري فأقبل نحو من عشرة آلاف ممن كان مروان قطع عليه البعث بدير أيوب لغزو العراق مع قوادهم حتى حلوا بالرصافة فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته (وفى هذه السنة) دخل الضحاك بن قيس الشيباني الكوفة

[ 611 ]

ذكر الاخبار عن خروج الضحاك محكما ودخوله الكوفة ومن أين كان إقباله إليها اختلف في ذلك من أمره فاما أحمد فانه حدثنى عن عبد الوهاب بن إبراهيم قال حدثنى أبو هاشم مخلد بن محمد قال كان سبب خروج الضحاك أن الوليد حين قتل خرج بالجزيرة حرورى يقال له سعيد بن بهدل الشيباني في مائتين من أهل الجزيرة فيهم الضحاك فاغتنم قتل الوليد واشتغال مروان بالشأم فخرج بأرض كفرتوثا وخرج بسطام البيهسى وهو مفارق لرأيه في مثل عدتهم من ربيعة فسار كل واحد منهما إلى صاحبه فلما تقارب العسكران وجه سعيد بن بهدل الخيبرى وهو أحد قواده وهو الذى هزم مروان في نحو من مائة وخمسين فارسا ليبيته فانتهى إلى عسكره وهم غارون وقد أمر كل واحد منهم أن يكون معه ثوب أبيض يجلل به رأسه ليعرف بعضهم بعضا فبكروا في عسكرهم فأصابوهم في غرة فقال الخيبرى إن يك بسطام فإنى الخيبرى * أضرب بالسيف وأحمى عسكري فقتلوا بسطاما وجميع من معه الا أربعة عشر فلحقوا بمروان فكانوا معه فأثبتهم في روابطه وولى عليهم رجلا منهم يقال له مقاتل ويكنى أبا النعثل ثم مضى سعيد بن بهدل نحو العراق لما بلغه من تشتيت الامر بها واختلاف أهل الشأم وقتال بعضهم بعضا مع عبد الله بن عمرو النضر بن سعيد الحرشى وكانت اليمانية من أهل الشأم مع عبد الله بن عمر بالحيرة والمضرية مع ابن الحرشى بالكوفة فهم يقتتلون فيما بينهم غدوة وعشية قال فمات سعيد بن بهدل في وجهه ذلك من طاعون أصابه واستخلف الضحاك بن قيس من بعده وكانت له امرأة تسمى حوماء فقال الخيبرى في ذلك سقى الله يا حوماء قبر ابن بهدل * إذا رحل السارون لم يترحل قال واجتمع مع الضحاك نحو من ألف وتوجه إلى الكوفة ومر بأرض الموصل فاتبعه منها ومن أهل الجزيرة نحو من ثلاثة آلاف وبالكوفة يومئذ النضر بن سعيد الحرشى ومعه المضرية وبالحيرة عبد الله بن عمر في اليمانية فهم متعصبون يقتتلون فيما بين الكوفة والحيرة فلما دنا إليه الضحاك فيمن معه من

[ 612 ]

الكوفة اصطلح ابن عمرو الحرشى فصار أمرهم واحدا ويدا على قتال الضحاك وخندقا على الكوفة ومعهما يومئذ من أهل الشأم نحو من ثلاثين ألفا لهم قوة وعدة ومعهم قائد من أهل قنسرين يقال له عباد بن الغزيل في ألف فارس قد كان مروان أمد به ابن الحرشى فبرزوا لهم فقاتلوهم فقتل يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيز وجعفر بن عباس الكندى وهزموهم أقبح هزيمة ولحق عبد الله ابن عمر في جماعتهم بواسط وتوجه ابن الحرشى وهو النضر وجماعة المضرية وإسماعيل ابن عبد الله القسرى إلى مروان فاستولى الضحاك والجزرية على الكوفة وأرضها وجبوا السواد ثم استخلف الضحاك رجلا من أصحابه يقال له ملحان على الكوفة في مائتي فارس ومضى في عظم أصحابه إلى عبد الله بن عمر بواسط فحاصره بها وكان معه قائد من قواد أهل قنسرين يقال له عطية التغلبي وكان من الاشداء فلما تخوف محاصرة الضحاك خرج في سبعين أو ثمانين من قومه متوجها إلى مروان فخرج على القادسية فبلغ ملحانا ممره فخرج في أصحابه مبادرا يريده فلقيه على قنطرة السيلحين وملحان قد تسرع في نحو من ثلاثين فارسا فقاتله فقتله عطية وناسا من أصحابه وانهزم بقيتهم حتى دخلوا الكوفة ومضى عطية حتى لحق فيمن معه مروان * وأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فإنه قال حدثنى أبو سعيد قال لما مات سعيد بن بهدل المرى وبايعت الشراة للضحاك أقام بشهرزور وثابت إليه الصفرية من كل وجه حتى صار في أربعة آلاف فلم يجتمع مثلهم لخارجي قط قبله قال وهلك يزيد بن الوليد وعامله على العراق عبد الله بن عمر فانحط مروان من أرمينية حتى نزل الجزيرة وولى العراق النضر بن سعيد وكان من قواد ابن عمر فشخص إلى الكوفة ونزل ابن عمر الحيرة فاجتمعت المضرية إلى النضر واليمانية إلى ابن عمر فحاربه أربعة أشهر ثم أمد مروان النضر بابن الغزيل فأقبل الضحاك نحو الكوفة وذلك في سنة 127 فأرسل ابن عمر إلى النضر هذا لا يريد غيرى وغيرك فهلم نجتمع عليه فتعاقدا عليه وأقبل ابن عمر فنزل تل الفتح وأقبل الضحاك ليعبر الفرات فأرسل إليه ابن عمر حمزة بن الاصبغ بن ذؤالة الكلبى ليمنعه من العبور فقال عبيد الله بن العباس الكندى دعه يعبر الينا فهو

[ 613 ]

أهون علينا من طلبه فأرسل ابن عمر إلى حمزة يكفه عن ذلك فنزل ابن عمر الكوفة وكان يصلى في مسجد الامير باصحابه والنصر بن سعيد في ناحية الكوفة يصلى باصحابه لا يجامع ابن عمر ولا يصلى معه غير أنهما قد تكافأ واجتمعا على قتال الضحاك وأقبل الضحاك حين رجع حمزة حتى عبر الفرات ونزل النخيلة يوم الاربعاء في رجب سنة 127 فخف إليهم أهل الشأم من أصحاب ابن عمر والنضر قبل أن ينزلوا فأصابوا منهم أربعة عشر فارسا وثلاث عشرة امرأة ثم نزل الضحاك وضرب عسكره وعبى أصحابه وأراح ثم تغادوا يوم الخميس فاقتتلوا قتالا شديدا فكشفوا ابن عمرو أصحابه وقتلوا أخاه عاصما قتله البرذون بن مرزوق الشيباني فدفنه بنو الاشعث بن قيس في دارهم وقتلوا جعفر بن العباس الكندى أخا عبيد الله وكان جعفر على شرطة عبد الله بن عمرو كان الذى قتل جعفرا عبد الملك بن علقمة بن عبد القيس وكان جعفر حين رهقه عبد الملك نادى ابن عم له يقال له شاشلة فكر عليه شاشلة وضربه رجل من الصفرية ففلق وجهه قال أبو سعيد فرأيته بعد ذلك كأن له وجهين وأكب عبد الملك على جعفر فذبحه ذبحا فقالت أم البرذون الصفرية نحن قتلنا عاصما وجعفرا * والفارس الضبى حين أصحرا ونحن جئنا الخندق المقعرا فانهزم أصحاب ابن عمر وأقبل الخوارج فوقفوا على خندقنا إلى الليل ثم انصرفوا ثم تغادينا يوم الجمعة فوالله ما تتاممنا حتى هزمونا فدخلنا خنادقنا وأصبحنا يوم السبت فإذا الناس يتسللون ويهربون إلى واسط ورأوا قوما لم يروا مثلهم قط أشدا بأسا كأنهم الاسد عند أشبالها فذهب ابن عمر ينظر أصحابه فإذا عامتهم قد هربوا تحت الليل ولحق عظمهم بواسط فكان ممن لحق بواسط النضر بن سعيد وإسماعيل بن عبد الله ومنصور بن جمهور والاصبغ بن ذؤالة وابناه حمزة وذؤالة والوليد بن حسان الغساني وجميع الوجوه وبقى ابن عمر فيمن بقى من أصحابه مقيما لم يبرح ويقال إن عبد الله لما ولى العراق ولى الكوفة عبيد الله بن العباس الكندى وعلى شرطه عمر بن الغضبان بن القبعثرى فلم يزالا على ذلك حتى مات يزيد بن الوليد وقام إبراهيم بن الوليد فأقر ابن عمر على العراق فولى ابن عمر أخاه عاصما

[ 614 ]

على الكوفة وأقر ابن الغضبان على شرطه فلم يزالوا على ذلك حتى خرج عبد الله ابن معاوية فاتهم عمر بن الغضبان فلما انقضى أمر عبد الله بن معاوية ولى عبد الله بن عمر عمر بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الكوفة وعلى شرط الحكم بن عتيبة الاسدي من أهل الشأم ثم عزل عمر بن عبد الحميد عن الكوفة وولى عمر بن الغضبان وعلى شرطه الحكم بن عتيبة الاسدي ثم عزل عمر بن الغضبان عن شرطه وولى الوليد بن حسان الغساني ثم ولى إسماعيل بن عبد الله القسرى وعلى شرطه أبان بن الوليد ثم عزل إسماعيل وولى عبد الصمد ابن أبان بن النعمان بن بشير الانصاري ثم عزل فولى عاصم بن عمر فقدم عليه الضحاك بن قيس الشيباني ويقال إنما قدم الضحاك وإسماعيل بن عبد الله القسرى في القصر وعبد الله بن عمر بالحيرة وابن الحرشى بدير هند فغلب الضحاك على الكوفة وولى ملحان بن معروف الشيباني عليها وعلى شرطه الصفر من بنى حنظلة حرورى فخرج ابن الحرشى يريد الشأم فعارضه ملحان فقتله ابن الحرشى فولى الضحاك على الكوفة حسان فولى ابنه الحارث على شرطه وقال عبد الله بن عمر يرثى أخاه عاصما لما قتله الخوارج رمى غرضي ريب الزمان فلم يدع * غداة رمى للقوس في الكف منزعا رمى غرضي الاقصى فأقصد عاصما * أخا كان لى حرزا وماوى ومفزعا فإن تك أحزان وفائض عبرة * أذابت عبيطا من دم الجوف منقعا تجرعتها في عاصم واحتسيتها * فأعظم منها ما احتسى وتجرعا فليت المنايا كن خلفن عاصما * فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا وذكر أن عبد الله بن عمر يقول بلغني أن عين بن عين بن عين بن عين يقتل ميم بن ميم بن ميم بن ميم وكان يأمل أن يقتله فقتله عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب فذكر أن أصحاب ابن عمر لما انهزموا فلحقوا بواسط قال لابن عمر أصحابه علام تقيم وقد هرب الناس قال أتلوم وأنظر فأقام يوما أو يومين لا يرى إلا هاربا قد امتلات قلوبهم رعبا من الخوارج فأمر عند ذلك بالرحيل إلى واسط وجمع خالد بن الغزيل أصحابه فلحق بمروان وهو مقيم

[ 615 ]

بالجزيرة ونظر عبد الله بن العباس الكندى إلى ما لقى الناس فلم يأمن على نفسه فجنح إل الضحاك فبايعه وكان معه في عسكره فقال أبو عطاء السندي يعيره باتباعه الضحاك وقد قتل أخاه قل لعبيد الله لو كان جعفر * هو الحى لم يجنح وأنت قتيل ولم يتبع المراق والثار فيهم * وفى كفه عضب الذباب صقيل إلى معشر أردوا أخاك وأكفروا * أباك فماذا بعد ذاك تقول فلما بلغ عبيد الله بن العباس هذا البيت من قول أبى عطاء قال أقول أعضك الله ببظر أمك: فلا وصلتك الرحم من ذى قرابة * وطالب وتر والذليل ذليل تركت أخا شيبان يسلب بزه * ونجاك خوار العنان مطول قال فنزل ابن عمر منزل الحجاج بن يوسف بواسط فيما قيل في اليمانية ونزل النضر وأخوه سليمان ابنا سعيد وحنظلة بن نباتة وابناه محمد ونباتة في المضرية ذات اليمين إذا صعدت من البصرة وخلوا الكوفة والحيرة للضحاك والشراة وصارت في أيديهم وعادت الحرب بين عبد الله بن عمرو النضر بن سعيد الحرشى إلى ماكان عليه قبل قدوم الضحاك يطلب النضر أن يسلم إليه عبد الله بن عمرو لاية العراق بكتاب مروان ويأيى عبد الله بن عمر واليمانية مع ابن عمر والنزارية مع النضر وذلك أن جند أهل اليمن كانوا مع يزيد الناقص تعصبا على الوليد حيث أسلم خالد بن عبد الله القسرى إلى يوسف بن عمر حتى قتله وكانت القيسية مع مروان لانه طلب بدم الوليد وأخوال الوليد من قيس ثم من ثقيف أمه زينب بنت محمد بن يوسف ابنة أخى الحجاج فعادت الحرب بين ابن عمر والنضر ودخل الضحاك الكوفة فأقام بهاو استعمل عليها ملحان الشيباني في شعبان سنة 127 فأقبل منقضا في الشراة إلى واسط متبعا لابن عمر والنضر فنزل باب المضمار فلما رأى ذلك ابن عمر والنضر نكلا عن الحرب فيما بينهما وصارت كلمتهما عليه واحدة كما كانت بالكوفة فجعل النضر وقواده يعبرون الجسر فيقاتلون الضحاك وأصحابه مع ابن عمر ثم يعودون إلى مواضعهم ولا يقيمون مع ابن عمر فلم يزالوا على ذلك شعبان وشهر رمضان

[ 616 ]

وشوال فاقتتلوا يوما من تلك الايام فاشتد قتالهم فشد منصور بن جمهور على قائد من قواد الضحاك كان عظيم القدر في الشراة يقال له عكرمة بن شيبان فضربه على باب القورج فقطعه باثنين فقتله وبعث الضحاك قائدا من قواده يدعى شوالا من بنى شيبان إلى باب الزاب فقال اضرمه عليهم نارا فقد طال الحصار علينا فانطلق شوال ومعه الخيبرى أحد بنى شيبان في خيلهم فلقيهم عبد الملك بن علقمة فقال لهم أين تريدون فقال له شوال نريد باب الزاب أمرنى أمير المؤمنين بكذا وكذا فقال أنا معك فرجع معه وهو حاسر لا درع عليه وكان من قواد الضحاك أيضا وكان أشد الناس فانتهوا إلى الباب فأضرموه فأخرج لهم عبد الله بن عمر منصور ابن جمهور في ستمائة فارس من كلب فقاتلوهم أشد القتال وجعل عبد الملك بن علقمة يشد عليهم وهو حاسر فقتل منهم عدة فنظر إليه منصور بن جمهور فغاظه صنيعه فشد عليه فضربه على حبل عاتقه فقطعه حتى بلغ حرقفته فخر ميتا وأقبلت امرأة من الخوارج شادة حتى أخذت بلجام منصور بن جمهور فقالت يا فاسق أجب أمير المؤمنين فضرب يدها ويقال ضرب عنان دابته فقطعه في يدها ونجا فدخل المدينة الخيبرى يريد منصورا فاعترض عليه ابن عم له من كلب فضربه الخيبرى فقتله وكان يزعم أنه من أبناء ملوك فارس فقال يرثى عبد الملك بن علقمة وقائلة ودمع العين تجرى * على روح بن علقمة السلام أأدركك الحمام وأنت سار * وكل فتى لمصرعه حمام فلا رعش البدين ولاهدان * ولا وكل اللقاء ولاكهام وما قتل على شار بعار * ولكن يقتلون وهم كرام طغام الناس ليس لهم سبيل * شجاني يا ابن علقمة الطغام ثم إن منصورا قال لابن عمر ما رأيت في الناس مثل هؤلاء قط يعنى الشراة فلم تحاربهم وتشغلهم عن مروان أعطهم الرضا واجعلهم بينك وبين مروان فإنك إن أعطيتهم الرضا خلوا عنا ومضوا إلى مروان فكان حدهم وبأسهم عليه وأقمت أنت مستريحا بموضعك هذا فإن ظفروا بها كان ما أردت وكنت عندهم آمنا وإن ظفر بهم وأردت خلافه وقتاله قاتلته جاما مستريحا مع أن أمره وأمرهم

[ 617 ]

سيطول ويوسعونه شرا فقال ابن عمر لا تعجل حتى نتلوم وننظر فقال أي شئ ننتظر فما تستطيع أن تطلع معهم ولا تستقر وإن خرجنا لم نقم لهم فما انتظارنا بهم ومروان في راحة وقد كفيناه حدهم وشغلناهم عنه أما أنا فخارج لاحق بهم فخرج فوقف حيال صفهم وناداهم إنى جانح أريد أن أسلم وأسمع كلام الله قال وهى محنتهم فلحق بهم فبايعهم وقال قد أسلمت فدعوا له بغداء فتغدى ثم قال لهم من الفارس الذى أخذ بعناني يوم الزاب يعنى يوم ابن علقمة فنادوا يا أم العنبر فخرجت إليهم فإذا أجمل الناس فقالت له أنت منصور قال نعم قالت قبح الله سيفك أين ما تذكر منه فوالله ما صنع شيئا ولا ترك تعنى ألا يكون قتلها حين أخذت بعنانه فدخلت الجنة وكان منصور لا يعلم يومئذ أنها امرأة فقال يا أمير المؤمنين زوجنيها قال إن لها زوجا وكانت تحت عبيدة بن سوار التغلبي قال ثم إن عبد الله بن عمر خرج إليهم في آخر شوال فبايعه (وفى هذه السنة) أعنى سنة 127 خلع سليمان ابن هشام بن عبد الملك بن مروان مروان بن محمد ونصب الحرب ذكر ما جرى بينهما * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنى عبد الوهاب بن ابراهيم قال حدثنى أبو هاشم مخلد بن محمد بن صالح قال لما شخص مروان من الرصافة إلى الرقة لتوجيه ابن هبيرة إلى العراق لمحاربة الضحاك بن قيس الشيباني استأذنه سليمان بن هشام في مقام أيام لاجمام ظهره وإصلاح أمره فأذن له ومضى مروان فأقبل نحو من عشرة آلاف ممن كان مروان قطع عليه البعث بدير أيوب لغزو العراق مع قوادهم حتى جاءوا الرصافة فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته وقالوا أنت أرضى منه عند أهل الشأم وأولى بالخلافة فاستزله الشيطان فأجابهم وخرج إليهم بإخوته وولده ومواليه فعسكر وسار بجميعهم إلى قنسرين فكاتب أهل الشأم فانقضوا إليه من كل وجه وجند وأقبل مروان بعد أن شارف قرقيسيا منصرفا إليه وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالثبوت في عسكره من دورين حتى نزل معسكره بواسط واجتمع من كان بالهنى من موالى سليمان وولد هشام فدخلوا حصن الكامل بذراريهم فتحصنوا فيه وأغلقوا الابواب دونه فأرسل إليهم ماذا صنعتم خلعتم

[ 618 ]

طاعتي ونقضتم بيعتى بعد ما أعطيتموني من العهود والمواثيق فردوا على رسله إنا مع سليمان على من خالفه فرد إليهم إنى أحذركم وأنذركم أن تعرضوا لاحد ممن تبعني من جندي أو يناله منكم أذى فتحلوا بأنفسكم ولا أمان لكم عندي فأرسلوا إليه انا سنكف ومضى مروان فجعلوا يخرجون من حصنهم فيغيرون على من اتبعه من أخريات الناس وشذان الجند فيسلبونهم خيولهم وسلاحهم وبلغه ذلك فتحرق عليهم غيظا واجتمع إلى سليمان نحو من سبعين ألفا من أهل الشأم والذكوانية وغيرهم وعسكر في قرية لبنى زفر يقال لها خساف من قنسرين من أرضها فلما دنا منه مروان قدم السكسكى في نحو سبعة آلاف ووجه مروان عيسى بن مسلم في نحو من عدتهم فالتقوا فيما بين العسكرين فاقتتلوا قتالا شديدا والتقى السكسكى وعيسى وكل واحد منها فارس بطل فاطعنا حتى تقصفت رماحهما ثم صارا إلى السيوف فضرب السكسكى مقدم فرس صاحبه فسقط لجامه في صدره وجال به فرسه فاعترضه السكسكى فضربه بالعمود فصرعه ثم نزل إليه فأسره وبارز فارسا من فرسان انطاكية يقال له سلساق قائد الصقالبة فأسره وانهزمت مقدمته وبلغه الخبر وهو في مسيره فمضى وطوى على تعبية ولم ينزل حتى انتهى إلى سليمان وقد تعبي له وتهيأ لقتاله فلم يناظره حتى واقعه فانهزم سليمان ومن معه واتبعتهم خيوله تقتلهم وتأسرهم وانتهوا إلى عسكرهم فاستباحوه ووقف مروان موقفا وأمر ابنيه فوقفا موقفين ووقف كوثر صاحب شرطته في موضع ثم أمرهم ألا يأتوا بأسير إلا قتلوه إلا عبدا مملوكا فأحصى من قتلاهم يومئذ نيف على ثلاثين ألفا قال وقتل ابراهيم بن سليمان أكبر ولده وأتى بخال لهشام بن عبد الملك يقال له خالد بن هشام المخزومى وكان بادنا كثير اللحم فأدنى إليه وهو يلهث فقال له يا فاسق أما كان لك في خمر المدينة وقيانها ما يكفك عن الخروج مع الخراء تقاتلني قال يا أمير المؤمنين أكرهني فأنشدك الله والرحم قال وتكذب أيضا كيف أكرهك وقد خرجت بالقيان والزقاق والبرابط معك في عسكره فقتله قال وادعى كثير من الاسراء من الجند أنهم رقيق فكف عن قتلهم وأمر ببيعهم فيمن يريد مع ما بيع أصيب في عسكرهم قال ومضى سليمان مفلولا حتى انتهى

[ 619 ]

إلى حمص فانضم إليه من أفلت ممن كان معه فعسكر بها وبنى ما كان مروان أمر بهدمه من حيطانها ووجه مروان يوم هزمه قوادا وروابط في جريدة خيل وتقدم إليهم أن يسبقوا كل خبر حتى يأتوا الكامل فيحدقوا بها إلى أن يأتيهم حنقا عليهم فأتوهم فنزلوا عليهم وأقبل مروان نحوهم حتى نزل معسكره من واسط فأرسل إليهم أن انزلوا على حكمي فقالوا لا حتى تؤمننا بأجمعنا فدلف إليهم ونصف عليهم المجانيق فلما تتابعت الحجارة عليهم نزلوا على حكمه فمثل بهم واحتملهم أهل الرقة فآووهم وداووا جراحاتهم وهلك بعضهم وبقى أكثرهم وكانت عدتهم جميعا نحوا من ثلاثمائة ثم شخص إلى سليمان ومن تجمع معه بحمص فلما دنا منهم اجتمعوا فقال بعضهم لبعض حتى متى ننهزم من مروان هلموا فلنتبايع على الموت ولا نفترق بعد معاينته حتى نموت جميعا فمضى على ذلك من فرسانهم من قدوطن نفسه على الموت نحو من تسعمائة وولى سليمان على شطرهم معاوية السكسكى وعلى الشطر الباقي ثبيتا البهرانى فتوجهوا إليه مجتمعين على أن يبيتوه إن أصابوا منه غرة وبلغه خبرهم وما كان منهم فتحرز وزحف إليهم في الخنادق على احتراس وتعبية فراموا تبييته فلم يقدروا فتهيؤا له وكمنوا في زيتون ظهر على طريقه في قرية تسمى تل منس من جبل السماق فخرجوا عليه وهو يسير على تعبية فوضعوا السلاح فيمن معه وانتبذ لهم ونادى خيوله فثابت إليه من المقدمة والمجنبتين والساقد فقاتلوهم من لدن ارتفاع النهار إلى بعد العصر والتقى السكسكى وفارس من فرسان بنى سليم فاضطر با فصرعه السلمى عن فرسه ونزل إليه وأعانه رجل من بنى تميم فأتياه به أسيرا وهو واقف فقال الحمدلله الذى أمكن منك فطالما بلغت منا فقال استبقني فإنى فارس العرب قال كذبت الذى جاء بك أفرس منك فأمر به فأوثق وقتل ممن صبر معه نحو من ستة آلاف قال وأفلت ثبيت ومن انهزم معه فلما أتوا سليمان خلف أخاه سعيد بن هشام في مدينة حمص وعرف أنه لا طاقة له به ومضى هو إلى تدمر فأقام بها ونزل مروان على حمص فحاصرهم بها عشرة أشهر ونصب عليها نيفا وثمانين منجنيقا فطرح عليهم حجارتها بالليل والنهار وهم في ذلك يخرجون إليه كل يوم فيقاتلونه وربما بيتوا نواحى

[ 620 ]

عسكره وأغاروا على الموضع الذى يطمعون في اصابة العورة والفرصة منه فلما تتابع عليهم البلاء ولزمهم الذل سألوه أن يؤمنهم على أن يمكنوه من سعيد ابن هشام وابنيه عثمان ومروان ومن رجل كان يسمى السكسكى كان يغير على عسكرهم ومن حبشي كان يشتمه ويفترى عليه فأجابهم إلى ذلك وقبله وكانت قصة الحبشى انه كان يشرف على الحائط ويربط في ذكره ذكر حمار ثم يقول يا بنى سليم يا أولاد كذا وكذا هذا لواؤكم وكان يشتم مروان فلما ظفر به دفعه إلى بنى سليم فقطعوا مذاكيره وأنفه ومثلوا به وأمر بقتل المتسمى السكسكى والاستيثاق من سعيد وابنيه وأقبل متوجها إلى الضحاك * وأما غير أبى هاشم مخلد بن محمد فانه ذكر من أمر سليمان بن هشام بعد انهزامه من وقعة خساف غير ما ذكره مخلد والذى ذكره من ذلك ان سليمان بن هشام بن عبد الملك حين هزمه مروان يوم خساف أقبل هاربا حتى صار إلى عبد الله بن عمر فخرج مع عبد الله بن عمر إلى الضحاك فبايعه وأخبر عن مروان بفسق وجور وحضض عليه وقال أنا سائر معكم في موالى ومن اتبعنى فسار مع الضحاك حين سار إلى مروان فقال شبيل بن عزرة الضبعى في بيعتهم الضحاك ألم تر أن الله أظهر دينه * فصلت قريش خلف بكر بن وائل فصارت كلمة ابن عمرو أصحابه واحدة على النضر بن سعيد فعلم أنه لا طاقة له بهم فارتحل من ساعته يريد مروان بالشأم وذكر أبو عبيدة أن بيهسا أخبره لما دخل ذوالقعدة سنة 127 استقام لمروان الشأم ونفى عنها من كان يخالفه فدعا يزيد بن عمر بن هبيرة فوجهه عاملا على العراق وضم إليه أجناد الجزيرة فأقبل يحتى نزل نهر سعيد بن عبد الملك وأرسل ابن عمر إلى الضحاك يعلمه ذلك قال فجعل الضحاك لتاميسان وقال انها تكفيكم حتى ننظر عما تنجلي واستعمل ابن عمر عليها مولاه الحكم بن النعمان (فأما أبو مخنف) فانه قال فيما ذكر عنه هشام إن عبد الله بن عمر صالح الضحاك على أن بيد الضحاك ما كان غلب عليه من الكوفة وسوادها وبيد ابن عمر ما كان بيده من كسكر وميسان ودستميسان وكور دجلة والاهواز وفارس فارتحل الضحاك حتى لقى مروان بكفر توثا من

[ 621 ]

أرض الجزيرة قال أبو عبيدة تهيأ الضحاك ليسير إلى مروان ومضى النضر يريد الشأم فنزل القادسية وبلغ ذلك ملحان الشيباني عامل الضحاك على الكوفة فخرج إليه فقاتله وهو في قلة من الشراة فقاتله فصبر حتى قتله النضر وقال ابن جدرة يرثيه وعبد الملك بن علقمة كائن كملحان من شار أخى ثقة * وابن علقمة المستشهد الشارى من صادق كنت أصفيه مخالصتى * فباع دارى بأعلى صفقة الدار إخوان صدق أرجيهم وأخذلهم * أشكو إلى الله خذلاني وإخفارى وبلغ الضحاك قتل ملحان فاستعمل على الكوفة المثنى بن عمران من بنى عائذة ثم سار الضحاك في ذى القعدة فأخذ الموصل وانحط ابن هبيرة من نهر سعيد حتى نزل غزة من عين التمر وبلغ ذلك المثنى بن عمران العائذى عامل الضحاك على الكوفة فسار إليه فيمن معه من الشراة ومعه منصور بن جمهور وكان صار إليه حين بايع الضحاك خلا فاعلي مروان فالتقوا بغزة فاقتتلوا قتالا شديدا أياما متوالية فقتل المثنى وعزير وعمرو وكانوا من رؤساء أصحاب الضحاك وهرب منصور وانهزمت الخوارج فقال مسلم حاجب يزيد أرت للمثنى يوم غزة حتفه * وأدرت عزيرابين تلك الجنادل وعمرا أزارته المنية بعد ما * أطافت بمنصور كفات الحبائل وقال غيلان بن حريث في مدحه ابن هبيرة نصرت يوم العين إذ لقيتا * كنصر داؤود على جالوتا فلما قتل منهم من قتل في يوم العين وهرب منصور بن جمهور أقبل لا يلوى حتى دخل الكوفة فجمع بها جمعا من اليمانية والصفرية ومن كان تفرق منهم يوم قتل ملحان ومن تخلف منهم عن الضحاك فجمعهم منصور جميعا ثم سار بهم حتى نزل الروحاء وأقبل ابن هبيرة في أجناده حتى لقيهم فقاتلهم أياما ثم هزمهم وقتل البرذون بن مرزوق الشيباني وهرب منصور ففى ذلك يقول غيلان بن حريث ويوم روحاء العذيب دفعوا * على ابن مرزوق سمام مزعف قال وأقبل ابن هبيرة حتى نزل الكوفة ونفى عنها الخوارج وبلغ الضحاك

[ 622 ]

ما لقى أصحابه فدعا عبيدة بن سوار التغلبي فوجهه إليهم وانحط ابن هبيرة يريد واسطا وعبد الله بن عمر بها وولى على الكوفة عبد الرحمن بن بشير العجلى وأقبل عبيدة ابن سوار مغذا في فرسان أصحابه حتى نزل الصراة ولحق به منصور بن جمهور وبلغ ذلك ابن هبيرة فسار إليهم فالتقوا بالصراة في سنة 127 (وفى هذه السنة) توجه سليمان بن كثير ولاهز بن قريظة وقحطبة بن شبيب فيما ذكر إلى مكة فلقوا إبراهيم بن محمد الامام بهاو أعلموه أن معهم عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكا ومتاعا كثيرا فأمرهم بدفع ذلك إلى ابن عروة مولى محمد بن على وكانوا قدموا معهم بأبى مسلم ذلك العام فقال ابن كثير لابراهيم بن محمد إن هذا مولاك (وفيها) كتب بكير بن ماهان إلى ابراهيم بن محمد يخبره أنه في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا وأنه قد استخلف حفص بن سليمان وهو رضى للامر وكتب إبراهيم إلى أبى سلمة يأمره بالقيام بأمر أصحابه وكتب إلى أهل قال وأقبل ابن هبيرة حتى نزل الكوفة ونفى عنها الخوارج وبلغ الضحاك

[ 622 ]

ما لقى أصحابه فدعا عبيدة بن سوار التغلبي فوجهه إليهم وانحط ابن هبيرة يريد واسطا وعبد الله بن عمر بها وولى على الكوفة عبد الرحمن بن بشير العجلى وأقبل عبيدة ابن سوار مغذا في فرسان أصحابه حتى نزل الصراة ولحق به منصور بن جمهور وبلغ ذلك ابن هبيرة فسار إليهم فالتقوا بالصراة في سنة 127 (وفى هذه السنة) توجه سليمان بن كثير ولاهز بن قريظة وقحطبة بن شبيب فيما ذكر إلى مكة فلقوا إبراهيم بن محمد الامام بهاو أعلموه أن معهم عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكا ومتاعا كثيرا فأمرهم بدفع ذلك إلى ابن عروة مولى محمد بن على وكانوا قدموا معهم بأبى مسلم ذلك العام فقال ابن كثير لابراهيم بن محمد إن هذا مولاك (وفيها) كتب بكير بن ماهان إلى ابراهيم بن محمد يخبره أنه في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا وأنه قد استخلف حفص بن سليمان وهو رضى للامر وكتب إبراهيم إلى أبى سلمة يأمره بالقيام بأمر أصحابه وكتب إلى أهل خراسان يخبرهم أنه قد أسند أمرهم إليه ومضى أبو سلمة إلى خراسان فصدقوه وقبلوا أمره ودفعوا إليه ما اجتمع قبلهم من نفقات الشيعة وخمس أموالهم (وحج) بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مروان على المدينة ومكة والطائف حدثنى بذلك أحمد بن ثابت الرازي عمن ذكره عن إسحاق ابن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وكان العامل على العراق النضر بن الحرشى وكان من أمره وأمر عبد الله بن عمر والضحاك الحروري ما قد ذكرت قبل وكان بخراسان نصر بن سيار وبها من ينازعه فيها كالكرماني والحارث بن سريج (تم الجزء الخامس، ويليه الجزء السادس) (وأوله " سنة ثمان وعشرين ومائة ")

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية