الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 تاريخ الطبري - الطبري ج 5

تاريخ الطبري

الطبري ج 5


[ 1 ]

تاريخ الامم والملوك للامام أبى جعفر محمد بن جرير الطبري الجزء الخامس [ قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة ] [ بمطبعة " بريل " بمدينة ليدن في سنة 1879 م ] راجعه وصححه وضبطه نخبة من العلماء الاجلاء منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب 7120

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة سبعين ففى هذه السنة ثارت الروم واستجاشوا على من بالشأم من ذلك فصالح عبد الملك ملك الروم على أن يؤدى إليه في كل جمعة ألف دينار خوفا منه على المسلمين (وفيها) شخص فيما ذكر محمد بن عمر مصعب بن الزبير إلى مكة فقدمها بأموال عظيمة فقسمها في قومه وغيرهم وقدم بدواب كثيرة وظهر وأثقال فأرسل إلى عبد الله بن صفوان وجبير بن شيبة وعبد الله بن مطيع مالا كثيرا ونحر بدنا كثيرة (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان عماله على الامصار في هذه السنة عماله في السنة التى قبلها على المعاون والقضاء ثم دخلت سنة احدى وسبعين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمن ذلك مسير عبد الملك بن مروان فيها على العراق لحرب مصعب بن الزبير وكان عبد الملك فيما قيل لا يزال يقرب من مصعب حتى يبلغ بطنان حبيب ويخرج مصعب إلى باجميرا ثم تهجم الشتاء فيرجع كل واحد منهما إلى موضعه ثم يعودان فقال عدى بن زيد بن عدى بن الرقاع العاملي لعمري لقد أصحرت خيلنا * بأكناف دجلة للمصعب إذا ما منافق أهل العرا * ق عوتب ثمت لم يعتب دلفنا إليه بذى تدرإ * قليل التفقد للغيب يهزون كل طويل القنا * ة ملتئم النصل والثعلب كأن وعاهم إذا ما غدوا * ضجيج قطا بلد مخصب فقدمنا واضح وجهه * كريم الضرائب والمنصب

[ 3 ]

أعين بنا ونصرنا به * ومن ينصر الله لم يغلب * فحدثني عمر بن شبة قال حدثنى على بن محمد قال أقبل عبد الملك من الشأم يريد مصعبا وذلك قبل هذه السنة في سنة 70 ومعه خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فقال خالد لعبد الملك إن وجهتني إلى البصرة وأتبعتني خيلا يسيرة رجوت أن أغلب لك عليها فوجهه عبد الملك فقدمها مستخفيا في مواليه وخاصته حتى نزل على عمرو بن أصمع الباهلى قال عمر قال أبو الحسن قال مسلمة بن محارب أجار عمرو بن أصمع خالدا وأرسل إلى عباد بن الحصين وهو على شرطة ابن معمر وكان مصعب إذا شخص عن البصرة استخلف عليها عبيد الله بن عبيد الله بن معمر ورجا عمرو بن أصمع أن يبايعه عباد بن الحصين بأنى قد أجرت خالدا فأحببت أن تعلم ذلك لتكون لى ظهر افوافاه رسوله حين نزل عن فرسه فقال له عباد قل له والله لا أضع لبد فرسى حتى آتيك في الخيل فقال عمرو لخالد إنى لا أغرك هذا عباد يأتينا الساعة ولا والله ما أقدر على منعك ولكن عليك بمالك بن مسمع قال أبو زيد قال أبو الحسن ويقال إنه نزل على على بن أصمع فبلغ ذلك عبادا فأرسل إليه عباد إنى سائر إليك * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد عن مسلمة وعوانة أن خالدا خرج من عند ابن أصمع يركض عليه قميص قوهى رقيق قد حسر على فخذيه وأخرج رجليه من الركابين حتى أتى مالكا فقال انى قد اضطررت إليك فأجرنى قال نعم وخرج هو وابنه وأرسل إلى بكر بن وائل والازد فكانت أول راية أتته راية بنى يشكر وأقبل عباد في الخيل فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال فلما كان من الغد غدوا إلى جفرة نافع بن الحارث التى نسبت بعد إلى خالد ومع خالد رجال من بنى تميم قد أتوه منهم صعصعة بن معاوية وعبد العزيز بن بشر ومرة بن محكان في عدد منهم وكان أصحاب خالد جفرية ينسبون إلى الجفرة وأصحاب ابن معمر زبيرية فكان من الجفرية عبيد الله بن أبى بكرة وحمران والمغيرة بن المهلب ومن الزبيرية قيس بن الهيثم السلمى وكان يستأجر الرجال يقاتلون معه فتقاضاه رجل أجرة فقال غدا أعطيكها فقال غطفان بن أنيف أحد بنى كعب بن عمرو:

[ 4 ]

لبئس ما حكمت يا جلاجل * النقد دين والطعان عاجل وأنت بالباب * سمير آجل وكان قيس يعلم في عنق فرسه جلاجل وكان على خيل بنى حنظلة عمرو بن وبرة القحيفى وكان له عبيد يؤاجرهم بثلاثين ثلاثين كل يوم فيعطيهم عشرة عشرة فقيل له لبئس ما حكمت يا ابن وبره * تعطى ثلاثين وتعطى عشره ووجه المصعب زحر بن قيس الجعفي مددا لابن معمر في ألف ووجه عبد الملك عبيد الله بن زياد بن ظبيان مددا لخالد فكره أن يدخل البصرة وأرسل مطر بن التوأم فرجع إليه فأخبره بتفرق الناس فلحق بعبد الملك * قال أبو زيد قال أبو الحسن فحدثني شيخ من بنى عرين عن السكن بن قتادة قال اقتتلوا أربعة وعشرين يوما وأصيبت عين مالك فضجر من الحرب ومشت السفراء بينهم يوسف ابن عبد الله بن عثمان بن أبى العاص فصالحه على أن يخرج خالدا وهو آمن فأخرج خالدا من البصرة وخاف أن لا يجيز المصعب أمان عبيد الله فلحق مالك بثأج فقال الفرزدق يذكر مالكا ولحوق التميمية به وبخالد عجبت لاقوام تميم أبوهم * وهم في بنى سعد عظام المبارك وكانوا أعز الناس قبل مسيرهم * إلى الازد مصفرا لحاها ومالك فما ظنكم بابن الحوارى مصعب * إذا افتر عن أنيابه غير ضاحك ونحن نفينا مالكا عن بلاده * ونحن فقأنا عينه بالنيازك قال أبو زيد قال أبو الحسن حدثنى مسلمة أن المصعب لما انصرف عبد الملك إلى دمشق لم يكن له همة الا البصرة وطمع أن يدرك بها خالدا فوجده قد خرج وآمن ابن معمر الناس فأقام أكثرهم وخاف بعضهم مصعبا فشخص فغضب مصعب على ابن معمر وحلف أن لا يوليه وأرسل إلى الجفرية فسبهم وأنبهم قال أبو زيد فزعم المدائني وغيره من رواة أهل البصرة أنه أرسل إليهم فأتى بهم فأقبل على عبيد الله بن أبى بكرة فقال يا ابن مسروح إنما أنت ابن كلبة تعاورها الكلاب فجاءت بأحمر وأسود وأصفر من كل كلب بما يشبهه وإنما كان أبوك عبدا نزل إلى

[ 5 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصن الطائف ثم أقمتم البينة تدعون أن أبا سفيان زنى بأمكم أما والله لئن بقيت لالحقنكم بنسبكم ثم دعا بحمران فقال يا ابن اليهودية إنما أنت علج نبطى سبيت من عين التمر ثم قال للحكم بن المنذر بن الجارود يا ابن الخبيث أتدرى من أنت ومن الجارود إنما كان الجارود علجا بجزيرة ابن كاوان فارسيا فقطع إلى ساحل البحر فانتمى إلى عبد القيس ولا والله ما أعرف حيا أكثر اشتمالا على سوءة منهم ثم أنكح أخته المكعبر الفارسى فلم يصب شرفا قط أعظم منه فهؤلاء ولدها يا ابن قباذ ثم أتى بعبدالله بن فضالة الزهراني فقال ألست من أهل هجر ثم من أهل سماهيج أما والله لاردنك إلى نسبك ثم أتى بعلى بن أصمع فقال أعبد لبنى تميم مرة وعزى من باهلة ثم أتى بعبد العزيز بن بشر بن حناط فقال يا ابن ؟ ؟ المشتور ألم يسرق عمك عنزا في عهد عمر فأمر به فسير ليقطعه أما والله ما أعنت إلا من ينكح أختك وكانت أخته تحت مقاتل بن مسمع ثم أتى بأبى حاضر الاسدي فقال يا ابن الاصطخرية ما أنت والاشراف وإنما أنت من أهل قطر دعى في بنى أسد ليس لك فيهم قريب ولا نسيب ثم أتى بزياد بن عمرو فقال يا ابن الكرماني إنما أنت علج من أهل كرمان قطعت إلى فارس فصرت ملاحا مالك وللحرب لانت بجر القلس أحذق ثم أتى بعبدالله بن عثمان بن أبى العاص فقال أعلى تكثر وأنت علج من أهل هجر لحق أبوك بالطائف وهم يضمون من تأشب إليهم يتعززون به أما والله لاردنك إلى أصلك ثم أتى بشيخ بن النعمان فقال يا ابن الخبيث إنما أنت علج من أهل زندورد هربت أمك وقتل أبوك فتزوج أخته رجل من بنى يشكر فجاءت بغلامين فألحقاك بنسبهما ثم ضربهم مائة مائة وحلق رؤوسهم ولحاهم وهدم دورهم وصهرهم في الشمس ثلاثا وحملهم على طلاق نسائهم وجمر أولادهم في البعوث وطاف بهم في أقطار البصرة وأحلفهم أن لا ينكحوا الحرائر وبعث مصعب خداش بن يزيد الاسدي في طلب من هرب من أصحاب خالد فأدرك مرة بن محكان فأخذه فقال مرة بنى أسد إن تقتلوني تحاربوا * تميما إذا الحرب العوان اشمعلت

[ 6 ]

بنى أسد هل فيكم من هوادة * فتعفون إن كانت بى النعل زلت فلا تحسب الاعداء إذ غبت عنهم * وأوريت معنا أن حربى كلت تمشى خداش في الاسكة آمنا * وقد نهلت منى الرماح وعلت فقر به خداش فقتله وكان خداش على شرطة مصعب يومئذ وأمر مصعب سنان بن ذهل أحد بنى عمرو بن مرثد بدار مالك بن مسمع فهدمها وأخذ مصعب ما كان في دار مالك فكان فيما أخذ جارية ولدت له عمر بن مصعب قال وأقام مصعب بالبصرة حتى شخص إلى الكوفة ثم لم يزل بالكوفة حتى خرج لحرب عبد الملك ونزل عبد الملك مسكن وكتب عبد الملك إلى المروانية من أهل العراق فأجابه كلهم وشرط عليه ولاية أصبهان فأنعم بها لهم كلهم منهم حجار بن أبجر والغضبان بن القبعثرى وعتاب بن ورقاء وقطن بن عبد الله الحارثى ومحمد بن عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس وزحر بن قيس ومحمد بن عمير وعلى مقدمته محمد بن مروان وعلى ميمنته عبد الله بن يزيد بن معاوية وعلى ميسرته خالد بن يزيد وسار إليه مصعب وقد خذله أهل الكوفه قال عروة بن المغيرة بن شعبة فخرج يسير متكئا على معرفة دابته ثم تصفح الناس يمينا وشمالا فوقعت عينه على فقال يا عروة إلى فدنوت منه فقال أخبرني عن الحسين بن على كيف صنع بإبائه النزول على حكم ابن زياد وعزمه على الحرب فقال: إن الالى بالطف من آل هاشم * تأسوا فسنوا للكرام التأسيا قال فعلمت أنه لا يريم حتى يقتل وكان عبد الملك فيما ذكر محمد بن عمر عن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبى قرة عن اسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن رجاء بن حيوة قال لما قتل عمرو بن سعيد وضع السيف فقتل من خالفه فلما أجمع بالمسير إلى مصعب وقد صفت له الشأم وأهلها خطب الناس وأمرهم بالتهيؤ إلى مصعب فاختلف عليه رؤساء أهل الشأم من غير خلاف لما يريده ولكنهم أحبوا أن يقيم ويقدم الجيوش فإن ظفروا فذاك وإن لم يظفروا أمدهم بالجيوش خشية على الناس أن أصيب في لقائه مصعبا لم يكن وراءه ملك

[ 7 ]

فقالوا يا أمير المؤمنين لو أقمت مكانك وبعثت على هؤلاء الجيوش رجلا من أهل بيتك ثم سرحته إلى مصعب فقال عبد الملك إنه لا يقوم بهذا الامر إلا قرشي له رأى ولعلى أبعث من له شجاعة ولا رأى له وإنى أجد في نفسي أنى بصير بالحرب شجاع بالسيف إن ألجئت إلى ذلك ومصعب في بيت شجاعة أبوه أشجع قريش وهو شجاع ولا علم له بالحرب يحب الخفض ومعه من يخالفه ومعه من ينصح لى فسار عبد الملك حتى نزل مسكن وسار مصعب إلى باجميرا وكتب عبد الملك إلى شيعته من أهل العراق فأقبل إبراهيم بن الاشتر بكتاب عبد الملك مختوما لم يقرأه فدفعه إلى مصعب فقال ما فيه ؟ فقال ما قرأته فقرأه مصعب فإذا هو يدعوه إلى نفسه ويجعل له ولاية العراق فقال لمصعب إنه والله ما كان من أحد آيس منه منى ولقد كتب إلى أصحابك كلهم بمثل الذى كتب إلى فأطعني فيهم فاضرب أعناقهم قال إذا لا تناصحنا عشائرهم قال فأوقرهم حديدا وابعث بهم إلى أبيض كسرى فاحبسهم هنالك ووكل بهم من إن غلبت ضرب أعنقهم وإن غلبت مننت بهم على عشائرهم فقال يا أبا النعمان إنى لفى شغل عن ذلك يرحم الله أبا بحر إن كان ليحذرني غدر أهل العراق كأنه كان ينظر إلى ما نحن فيه * حدثنى عمر قال حدثنا محمد بن سلام عن عبد القاهر بن السرى قال هم أهل العراق بالغدر بمصعب فقال قيس بن الهيثم ويحكم لا تدخلوا أهل الشأم عليكم فوالله لئن تطعموا بعيشكم ليصفين عليكم منازلكم والله لقد رأيت سيد أهل الشأم على باب الخليفة يفرح إن أرسله في حاجة ولقد رأيتنا في الصوائف وأحدنا على ألف بعير وإن الرجل من وجوههم ليغزو على فرسه وزاده خلفه قال ولما تدانى العسكران بدير الجانليق من مسكن تقدم ابراهيم بن الاشتر فحمل على محمد بن مروان فأزاله عن موضعه فوجه عبد الملك ابن مروان عبد الله بن يزيد بن معاوية فقرب من محمد بن مروان والتقى القوم فقتل مسلم بن عمرو الباهلى وقتل يحيى بن مبشر أحد بنى ثعلبة بن يربوع وقتل إبراهيم بن الاشتر فهرب عتاب بن ورقاء وكان على الخيل مع مصعب فقال مصعب لقطن بن عبد الله الحارثى أبا عثمان قدم خيلك قال ما أرى ذلك قال ولم قال أكره

[ 8 ]

أن تقتل مذحج في غير شئ فقال لحجار بن أبجر أبا أسيد قدم رايتك قال إلى هذه العذرة قال ما تتأخر إليه والله أنتن وألام فقال لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد ابن قيس مثل ذلك فقال ما أرى أحدا فعل ذلك فأفعله فقال مصعب يا إبراهيم ولا ابراهيم لى اليوم * حدثنى أبو زيد قال حدثنى محمد بن سلام قال أخبر ابن خازم بمسير مصعب إلى عبد الملك فقال أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر قيل لا استعمله على فارس قال أفمعه المهلب بن أبى صفرة قيل لا استعمله على الموصل قال أفمعه عباد بن الحصين قيل لا استخلفه على البصرة فقال وأنا بخراسان خذيني فجرينى جعار وأبشرى * بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره فقال مصعب لابنه عيسى بن مصعب يا بنى اركب أنت ومن معك إلى عمك بمكة فأخبره ما صنع أهل العراق ودعني فإنى مقتول فقال ابنه والله لا أخبر قريشا عنك أبدا ولكن إن أردت ذلك فالحق بالبصرة فهم على الجماعة أو الحق بأمير المؤمنين قال مصعب والله لا تتحدث قريش أنى فررت بما صنعت ربيعة من خذلانها حتى أدخل الحرم منهزما ولكن أقاتل فإن قتلت فلعمري ما السيف بعار وما الفرار لى بعادة ولا خلق ولكن إن أردت أن ترجع فارجع فقاتل فرجع فقاتل حتى قتل * قال على بن محمد عن يحيى بن اسماعيل بن أبى المهاجر عن أبيه أن عبد الملك أرسل إلى مصعب مع أخيه محمد بن مروان أن ابن عمك يعطيك الامان فقال مصعب إن مثلى لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبا أو مغلوبا وقال الهيثم بن عدى حدثنا عبد الله بن عياش عن أبيه قال إنا لوقوف مع عبد الملك ابن مروان وهو يحارب مصعبا إذ دنا منه زياد بن عمرو فقال يا أمير المؤمنين إن اسماعيل بن طلحة كان لى جار صدق قلما أرادنى مصعب بسوء إلا دفعه عنى فإن رأيت أن تؤمنه على جرمه قال هو آمن فمضى زياد وكان ضخما على ضخم حتى صار بين الصفين فصاح أين أبو البخترى اسماعيل بن طلحة فخرج إليه فقال إنى أريد أن أذكر لك شيئا فدنا حتى اختلفت أعناق دوابهما وكان الناس ينتطقون بالحواشى المحشوة فوضع زياد يده في منطقة اسماعيل ثم اقتلعه عن سرجه وكان نحيفا فقال

[ 9 ]

أنشدك الله يا أبا المغيرة إن هذا ليس بالوفاء لمصعب فقال هذا أحب إلى من أن أراك غدا مقتولا ولما أبى مصعب قبول الامان نادى محمد بن مروان عيسى ابن مصعب وقال له يا ابن أخى لا تقتل نفسك لك الامان فقال له مصعب قد آمنك عمك فامض إليه قال لا تتحدث نساء قريش أنى أسلمتك للقتل قال فتقدم بين يدى أحتسبك فقاتل بين يديه حتى قتل وأثخن مصعب بالرمي ونظر إليه زائدة ابن قدامة فشد عليه فطعنه وقال يا لثارات المختار فصرعه ونزل إليه عبيد الله بن زياد ابن ظبيان فاحتز رأسه وقال إنه قتل أخى النابئ بن زياد فأتى به عبد الملك بن مروان فأثابه ألف دينار فأبى أن يأخذها وقال إنى لم أقتله على طاعتك إنما قتلته على وتر صنعه بى ولا آخذ في حمل رأس مالا فتركه عند عبد الملك وكان الوتر الذى ذكره عبيد الله بن زياد بن ظبيان أنه قتل عليه مصعبا أن مصعبا كان ولى في بعض ولايته شرطة مطرف بن سيدان الباهلى ثم أحد بنى جأوة * فحدثني عمر بن شبة قال حدثنى أبو الحسن المدائني ومخلد بن يحيى بن حاضر أن مطرفا أتى بالنابئ بن زياد بن ظبيان ورجل من بنى نمير قد قطعا الطريق فقتل النابئ وضرب النميري بالسياط فتركه فجمع له عبيد الله بن زياد بن ظبيان جمعا بعد أن عزله مصعب عن البصرة وولاه الاهواز فخرج يريده فالتقيا فتواقفا وبينهما نهر فعبر مطرف إليه النهر وعاجله ابن ظبيان فطعنه فقتله فبعث مصعب مكرم بن مطرف في طلب ابن ظبيان فسار حتى بلغ عسكر مكرم فنسب إليه ولم يلق ابن ظبيان ولحق ابن ظبيان بعبد الملك لما قتل أخوه فقال البعيث اليشكرى بعد قتل مصعب يذكر ذلك: ولما رأينا الامر نكسا صدوره * وهم الهوادى أن تكن تواليا صبرنا لامر الله حتى يقيمه * ولم نرض إلا من أمية واليا ونحن قتلنا مصعبا وابن مصعب * أخا أسد والنخعي اليمانيا ومرت عقاب الموت منا بمسلم * فأهوت له نابا فأصبح ثاويا سقينا ابن سيدان بكاس روية * كفتنا وخير الامر ما كان كافيا

[ 10 ]

* حدثنى أبو زيد قال حدثنى على بن محمد قال مر ابن ظبيان بابنة مطرف بالبصرة فقيل لها هذا قاتل أبيك فقالت في سبيل الله أبى فقال ابن ظبيان: فلا في سبيل الله لاقى حمامه * أبوك ولكن في سبيل الدراهم فلما قتل مصعب دعا عبد الملك بن مروان أهل العراق إلى البيعة فبايعوه وكان مصعب قتل على نهر يقال له الدجيل عند دير الجاثليق فلما قتل أمر به عبد الملك وبابنه عيسى فدفنا ذكر الواقدي عن عثمان بن محمد عن أبى بكر بن عمر عن عروة قال قال عبد الملك حين قتل مصعب واروه فقد والله كانت الحرمة بيننا وبينه قديمة ولكن هذا الملك عقيم قال أبو زيد وحدثني أبو نعيم قال حدثنى عبد الله بن الزبير أبو أبى أحمد عن عبد الله بن شريك العامري قال إنى لواقف إلى جنب مصعب بن الزبير فأخرجت له كتابا من قبائى فقلت له هذا كتاب عبد الملك فقال ما شئت قال ثم جاء رجل من أهل الشأم فدخل عسكره فأخرج جارية فصاحت واذلاه فنظر إليها مصعب ثم أعرض عنها قال وأتى عبد الملك برأس مصعب فنظر إليه فقال متى تغذو قريش مثلك وكانا يتحدثان إلى حبى وهما بالمدينة فقيل لها قتل مصعب فقالت تعس قاتله قيل قتله عبد الملك بن مروان قالت بأبى القاتل والمقتول * قال وحج عبد الملك بعد ذلك فدخلت عليه حبى فقالت أقتلت أخاك مصعبا فقال: من يذق الحرب يجد طعمها * مرا وتتركه بجعجاع وقال ابن قيس الرقيات: لقد أورث المصرين خزيا وذلة * قتيل بدير الجاثليق مقيم فما نصحت لله بكر بن وائل * ولا صبرت عند اللقاء تميم ولو كان بكريا تعطف حوله * كتائب يغلى حميها ويدوم ولكنه ضاع الذمام ولم يكن * بها مضرى يوم ذاك كريم جزى الله كوفيا هناك ملامة * وبصريهم إن المليم مليم وإن بنى العلات أخلوا ظهورنا * ونحن صريح بينهم وصميم

[ 11 ]

فإن نفن لا يبقوا أولئك بعدنا * لذى حرمة في المسلمين حريم (قال أبو جعفر) وقد قيل إن ما ذكرت من مقتل مصعب والحرب التى جرت بينه وبين عبد الملك كانت في سنة 72 وأن أمر خالد بن عبد الله بن خالد ابن أسيد ومصيره إلى البصرة من قبل عبد الملك كان في سنة 71 وقتل مصعب في جمادى الآخرة (وفى هذه السنة) دخل عبد الملك بن مروان الكوفة وفرق أعمال العراق والمصرين الكوفة والبصرة على عماله في قول الواقدي وأما أبو الحسن فانه ذكر أن ذلك في سنة 72 * وحدثني عمر قال حدثنى على بن محمد قال قتل مصعب يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الاولى أو الآخرة سنة 72 ولما أتى عبد الملك الكوفة فيما ذكر نزل النخيلة ثم دعا الناس إلى البيعة فجاءت قضاعة فرأى قلة فقال يا معشر قضاعة كيف سلمتم من مصر مع قلتكم فقال عبد الله بن يعلى النهدي نحن أعز منهم وأمنع قال بمن قال بمن معك منا يا أمير المؤمنين ثم جاءت مذحج وهمدان فقال ما أرى لاحد مع هؤلاء بالكوفة شيئا ثم جاءت جعفى فلما نظر إليهم عبد الملك قال يا معشر جعفى اشتملتم على ابن أختكم وواريتموه يعنى يحيى بن سعيد بن العاص قالوا نعم قال فهاتوه قالوا وهو آمن قال وتشترطون أيضا فقال رجل منهم إنا والله ما نشترط جهلا بحقك ولكنا نتسحب عليه تسحب الولد على والده فقال أما والله لنعم الحى أنتم إن كنتم لفرسانا في الجاهلية والاسلام هو آمن فجاؤا به وكان يكنى أبا أيوب فلما نظر إليه عبد الملك قال أبا قبيح بأى وجه تنظر إلى ربك وقد خلعتني قال بالوجه الذى خلقه فبايع ثم ولى فنظر عبد الملك في قفاه فقال لله دره أي ابن زوملة هو يعنى غريبة وقال على بن محمد حدثنى للقاسم بن معن وغيره أن معبد بن خالد الجدلي قال ثم تقدمنا إليه معشر عدوان قال فقدمنا رجلا وسيما جميلا وتأخرت وكان معبد دميما فقال عبد الملك من فقال الكاتب عدوان فقال عبد الملك: عذير الحى من عدوا * ن كانوا حية الارض

[ 12 ]

بغى بعضهم بعضا * فلم يرعوا على بعض ومنهم كانت السادا * ت والموفون بالقرض ثم أقبل على الجميل فقال إيه فقال لا أدرى فقلت من خلفه: ومنهم حكم يقضى * فلا ينقض ما يقضى ومنهم من يجيز الح‍ * ج بالسنة والفرض وهم مذ ولدوا شبوا * بسر النسب المحض قال فتركني عبد الملك ثم أقبل على الجميل فقال من هو قال لا أدرى فقلت من خلفه ذو الاصبع قال فأقبل على الجميل فقال ولم سمى ذا الاصبع فقال لا أدرى فقلت من خلفه لان حية عضت أصبعه فقطعتها فأقبل على الجميل فقال ما كان اسمه فقال لا أدرى فقلت من خلفه حرثان بن الحارث فأقبل على الجميل فقال من أيكم كان قال لا أدرى فقلت من خلفه من بنى ناج فقال أبعد بنى ناج وسعيك بينهم * فلا تتبعن عينيك ما كان هالكا إذا قلت معروفا لاصلح بينهم * يقول وهيب لا أصالح ذلكا فأضحى كظهر العيرجب سنامه * تطيف به الولدان أحدب باركا ثم أقبل على الجميل فقال كم عطاؤك قال سبعمائة فقال لى في كم أنت قلت في ثلثمائة فأقبل على الكاتبين فقال حطا من عطاء هذا أربعمائة وزيداها في عطاء هذا فرجعت وأنا في سبعمائة وهو في ثلثمائة ثم جاءت كندة فنظر إلى عبد الله بن إسحاق بن الاشعث فأوصى به بشرا أخاه وقال اجعله في صحابتك وأقبل داود بن قحذم في مائتين من بكر بن وائل عليهم الاقبية الداودية وبه سميت فجلس مع عبد الملك على سريره فأقبل عليه عبد الملك ثم نهض ونهضوا معه فأتبعهم عبد الملك بصره فقال هؤلاء الفساق والله لولا أن صاحبهم جاءني ما أعطاني أحد منهم طاعة ثم إنه ولى فيما قيل قطن بن عبد الله الحارثى الكوفة أربعين يوما ثم عزله وولى بشر بن مروان وصعد منبر الكوفة فخطب فقال إن عبد الله بن الزبير لو كان خليفة كما يزعم لخرج فآسى بنفسه ولم يغرز ذنبه

[ 13 ]

في الحرم ثم قال إنى قد استعملت عليكم بشر بن مروان وأمرته بالاحسان إلى أهل الطاعة والشدة على أهل المعصية فاسمعوا له وأطيعوا واستعمل محمد بن عمير على همذان ويزيد بن رويم على الرى وفرق العمال ولم يف لاحد شرط عليه ولاية اصبهان ثم قال على هؤلاء الفساق الذين أنغلوا الشأم وأفسدوا العراق فقيل قد أجارهم رؤساء عشائرهم فقال وهل يجير على أحد وكان عبد الله بن يزيد ابن أسد لجأ إلى على بن عبد الله بن عباس ولجأ إليه أيضا يحيى بن معيوف الهمداني ولجأ الهذيل بن زفر بن الحارث وعمرو بن زيد الحكمى إلى خالد بن يزيد بن معاوية فآمنهم عبد الملك فظهروا (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة تنازع الرياسة بالبصرة عبيد الله بن أبى بكرة وحمران بن أبان * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى على بن محمد قال لما قتل المصعب وثب حمران بن أبان وعبيد الله بن أبى بكرة فتنازعا في ولاية البصرة فقال ابن أبى بكرة أنا أعظم غناء منك أنا كنت أنفق على أصحاب خالد يوم الجفرة فقيل لحمران إنك لا تقوى على ابن أبى بكرة فاستعن بعبدالله بن الاهتم فإنه إن أعانك لم يقو عليك ابن أبى بكرة ففعل وغلب حمران على البصرة وابن الاهتم على شرطها وكان لحمران منزلة عند بنى أمية * حدثنى أبو زيد قال حدثنى أبو عاصم النبيل قال أخبرني رجل قال قدم شيخ أعرابي فرأى حمران فقال من هذا فقالوا حمران فقال لقد رأيت هذا وقد مال رداؤه عن عاتقه فابتدره مروان وسعيد بن العاص أيهما يسويه قال أبو زيد قال أبو عاصم فحدثت بذلك رجلا من ولد عبد الله بن عامر فقال حدثنى أبى أن حمران مد رجله فابتدر معاوية وعبد الله بن عامر أيهما يغمزها (وفى هذه السنة) بعث عبد الملك خالد بن عبد الله على البصرة واليا * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد قال مكث حمران على البصرة يسيرا وخرج ابن أبى بكرة حتى قدم على عبد الملك الكوفة بعد مقتل مصعب فولى عبد الملك خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد على البصرة وأعمالها فوجه خالد عبيد الله ابن أبى بكرة خليفته على البصرة فلما قدم على حمران قال أقد جئت لا جئت فكان ابن أبى بكرة على البصرة حتى قدم خالد (وفى هذه السنة) رجع عبد الملك فيما زعم الواقدي

[ 14 ]

إلى الشأم. قال وفيها نزع ابن الزبير جابر بن الاسود بن عوف عن المدينة واستعمل عليها طلحة بن عبد الله بن عوف قال وهو آخر وال لابن الزبير على المدينة حتى قدم عليها طارق بن عمرو مولى عثمان فهرب طلحة وأقام طارق بالمدينة حتى كتب إليه عبد الملك (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير في قول الواقدي وذكر أبو زيد عن أبى غسان محمد بن يحيى قال حدثنى مصعب بن عثمان قال لما انتهى إلى عبد الله بن الزبير قتل مصعب قام في الناس فقال الحمد لله الذى له الخلق والامر يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ألا وإنه لم يذلل الله من كان الحق معه وإن كان فردا ولم يعزز من كان وليه الشيطان وحزبه وإن كان معه الانام طرا ألا وإنه قد أتانا من العراق خبر حزننا وأفرحنا أتانا قتل مصعب رحمة الله عليه فأما الذى أفرحنا فعلمنا أن قتله له شهادة وأما الذى حزننا فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يرعوى من بعدها ذو الرأى إلى جميل الصبر وكريم العزاء ولئن أصبت بمصعب لقد أصبت بالزبير قبله وما أنا من عثمان بخلو مصيبة وما مصعب إلا عبد من عبيد الله وعون من أعواني ألا إن أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقل الثمن فإن يقتل فإنا والله ما نموت على مضاجعنا كما تموت بنو أبى العاص والله ما قتل منهم رجل في زعف في الجاهلية ولا الاسلام وما نموت إلا قعصا بالرماح وموتا تحت ظلال السيوف ألا إنما الدنيا عارية من الملك الاعلى الذى لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه فإن تقبل لا آخذها أخذ الاشر البطر وإن تدبر لا أبك عليها بكاء الخرق المهين أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم وذكر أن عبد الملك لما قتل مصعبا ودخل الكوفة أمر بطعام كثير فصنع وأمر به إلى الخورنق وأذن إذنا عاما فدخل الناس فأخذوا مجالسهم فدخل عمرو بن حريث المخزومى فقال إلى وعلى سريري فأجلسه معه ثم قال أي الطعام أكلت أحب اليك وأشهى عندك قال عناق حمراء قد أجيد تمليحها وأحكم نضجها قال ما صنعت شيئا فأين أنت من عمروس راضع قد أجيد سمطه وأحكم نضجه اختلجت اليك رجله فأتبعتها يده غذى بشريجين من لبن

[ 15 ]

وسمن ثم جاءت الموائد فأكلوا فقال عبد الملك بن مروان ما ألذ عيشنا لو أن شيئا يدوم ولكنا كما قال الاول: وكل جديد يا أميم إلى بلى * وكل امرئ يوما يصير إلى كان فلما فرغ من الطعام طاف عبد الملك في القصر يقول لعمرو بن حريث لمن هذا البيت ومن بنى هذا البيت وعمرو يخبره فقال عبد الملك وكل جديد يا أميم إلى بلى * وكل امرئ يوما يصير إلى كان ثم أتى مجلسه فاستلقى وقال: اعمل على مهل فانك ميت * واكدح لنفسك أيها الانسان فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى * وكأن ما هو كائن قد كان (وفى هذه السنة) افتتح عبد الملك في قول الواقدي قيسارية ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث الجليلة (قال أبو الجعفر) فمن ذلك ما كان من أمر الخوارج وأمر المهلب بن أبى صفرة وعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد (ذكر هشام بن محمد) عن أبى مخنف أن حصيرة بن عبد الله وأبا زهير العبسى حدثاه أن الازارقة والمهلب بعد ما اقتتلوا بسولاف ثمانية أشهر أشد القتال أتاهم أن مصعب بن الزبير قد قتل فبلغ ذلك الخوارج قبل أن يبلغ المهلب وأصحابه فناداهم الخوارج ألا تخبروننا ما قولكم في مصعب قالوا إمام هدى قالوا فهو وليكم في الدنيا والآخرة قالوا نعم قالوا وأنتم أولياؤه أحياء وأمواتا قالوا ونحن أولياؤه أحياء وأمواتا قالوا فما قولكم في عبد الملك بن مروان قالوا ذلك ابن اللعين نحن إلى الله منه برآء هو عندنا أحل دما منكم قالو افأنتم منه برآء في الدنيا والآخرة قالوا نعم كبراء تنامنكم قالوا وأنتم له أعداء أحياء وأمواتا قالوا نعم نحن له أعداء كعداوتنا لكم قالوا فان امامكم مصعبا قد قتله عبد الملك بن مروان ونراكم ستجعلون غدا عبد الملك إمامكم وأنتم الآن تتبرؤن منه وتلعنون أباه قالوا كذبتم يا أعداء الله فلما كان

[ 16 ]

من الغد تبين لهم قتل مصعب فبايع المهلب الناس لعبد الملك بن مروان فأتتهم الخوارج فقالوا ما تقولون في مصعب قالوا يا أعداء الله لا نخبركم ما قولنا فيه وكرهوا أن يكذبوا أنفسهم عندهم قالوا فقد أخبرتمونا أمس أنه وليكم في الدنيا والاخرة وأنكم أولياؤه أحياء وأمواتا فأخبرونا ما قولكم في عبد الملك قالوا ذاك إمامنا وخليفتنا ولم يجدوا إذ بايعوه بدا من أن يقولوا هذا القول قالت لهم الازارقة يا أعداء الله أنتم أمس تتبرؤن منه في الدنيا والآخرة وتزعمون أنكم له أعداء أحياء وأمواتا وهو اليوم إمامكم وخليفتكم وقد قتل إمامكم الذى كنتم تولونه فأيهما المحق وأيهما المهتدى وأيهما الضال قالوا لهم يا أعداء الله رضينا بذاك إذ كان ولى أمورنا ونرضى بهذا كما رضينا بذاك قالوا لا والله ولكنكم إخوان الشياطين وأولياء الظالمين وعبيد الدنيا وبعث عبد الملك بن مروان بشر بن مروان على الكوفة وخالد بن عبد الله ابن خالد بن أسيد على البصرة فلما قدم خالد أثبت المهلب على خراج الاهواز ومعونتها وبعث عامر بن مسمع على سابور ومقاتل بن مسمع على اردشير خره ومسمع بن مالك بن مسمع على فساودرا بجرد والمغيرة بن المهلب على اصطخر ثم إنه بعث إلى مقاتل فبعثه على جيش وألحقه بناحية عبد العزيز فخرج يطلب الازارقة فانحطوا عليه من قبل كرمان حتى أتوا درابجرد فسار نحوهم وبعث قطرى مع صالح بن مخراق تسعمائة فارس فأقبل يسير بهم حتى استقبل عبد العزيز وهو يسير بالناس ليلا يجرون على غير تعبية فهزم الناس ونزل مقاتل بن مسمع فقاتل حتى قتل وانهزم عبد العزيز بن عبد الله وأخذت امرأته ابنة المنذر بن الجارود فأقيمت فيمن يزيد فبلغت مائة ألف وكانت جميلة فغار رجل من قومها كان من رؤس الخوارج يقال له أبو الحديد الشنى فقال تنحوا هكذا ما أرى هذه المشركة إلا قد فتنتكم فضرب عنقها ثم زعموا أنه لحق بالبصرة فرآه آل منذر فقالوا والله ما ندرى أنحمدك أم نذمك فكان يقول ما فعلته إلا غيرة وحمية وجاء عبد العزيز حتى انتهى إلى رام هرمز وأتى المهلب فأخبر به فبعث إليه شيخا من أشياخ قومه كان أحد فرسانه فقال ائته فان كان منهزما فعزه وأخبره أنه لم يفعل شيئا لم يفعله الناس قبله

[ 17 ]

وأخبره أن الجنود تأتيه عاجلا ثم يعزه الله وينصره فأتاه ذلك الرجل فوجدوه نازلا في نحو من ثلاثين رجلا كئيبا حزينا فسلم عليه الازدي وأخبره أنه رسول المهلب وبلغه ما أمره به وعرض عليه أن يذكر له ما كانت له من حاجة ثم انصرف إلى المهلب فأخبره الخبر فقال له المهلب الحق الآن بخالد بالبصرة فأخبره الخبر فقال أنا آتيه أخبره أن أخاه هزم والله لا آتيه فقال المهلب لا والله لا يأتيه غيرك أنت الذى عاينته ورأيته وأنت كنت رسولي إليه قال هو إذا يهديك يا مهلب إن ذهب إليه العام ثم خرج قال المهلب أما أنت والله فانك لى آمن أما والله لو أنك مع غيرى ثم أرسلك على رجليك خرجت تشتد قال له وأقبل عليه كأنك إنما تمن علينا بحلمك فنحن والله نكافيك بل نزيد أما تعلم أنا نعرض أنفسنا للقتل دونك ونحميك من عدوك ولو كنا والله مع من يجهل علينا ويبعثنا في حاجاته على أرجلنا ثم احتاج إلى قتالنا ونصرتنا جعلناه بيننا وبين عدونا ووقينا به أنفسنا قال له المهلب صدقت صدقت ثم دعا فتى من الازد كان معه فسرحه إلى خالد يخبره خبر أخيه فأتاه الفتى الازدي وحوله الناس وعليه جبة خضراء ومطرف أخضر فسلم عليه فرد عليه فقال ما جاء بك قال أصلحك الله أرسلني اليك المهلب لاخبرك خبر ما عاينته قال وما عاينت قال رأيت عبد العزيز برام هرمز مهزوما قال كذبت قال لا والله ما كذبت وما قلت لك إلا الحق فان كنت كاذبا فاضرب عنقي وإن كنت صادقا فأعطني أصلحك الله جبتك ومطرفك قال ويحك ما أيسر ما سألت ولقد رضيت مع الخطر العظيم إن كنت كاذبا بالخطر الصغير إن كنت صادقا فحبسه وأمر بالاحسان إليه حتى تبينت له هزيمة القوم فكتب إلى عبد الملك أما بعد فإنى أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنى بعثت عبد العزيز بن عبد الله في طلب الخوارج وأنهم لقوه بفارس فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم عبد العزيز لما انهزم عنه الناس وقتل مقاتل بن مسمع وقدم الفل إلى الاهواز فأحببت أن أعلم أمير المؤمنين ذلك ليأتيني رأيه وأمره أنزل عنده إن شاء الله والسلام عليك ورحمة الله فكتب إليه أما بعد فقد قدم رسولك في كتابك تعلمني فيه بعثتك أخاك على قتال الخوارج وبهزيمة من هزم وقتل من قتل وسألت

[ 18 ]

رسولك عن مكان المهلب فحدثني أنه عامل لك على الاهواز فقبح الله رأيك حين تبعث أخاك أعرابيا من أهل مكة على القتال وتدع المهلب إلى جنبك يجبى الخراج وهو الميمون النقيبة الحسن السياسة البصير بالحرب المقاسى لها ابنها وابن أبنائها انظر أن ينهض بالناس حتى تستقبلهم بالاهواز ومن وراء الاهواز وقد بعثت إلى بشر أن يمدك بجيش من أهل الكوفة فإذا أنت لقيت عدوك فلا تعمل فيهم برأى حتى تحضره المهلب وتستشيره فيه إن شاء الله والسلام عليك ورحمة الله فشق عليه أن فيل رأيه في بعثة أخيه وترك المهلب وفى أنه لم يرض رأيه خالصا حتى قال أحضره المهلب واستشره فيه وكتب عبد الملك إلى بشر بن مروان أما بعد فانى قد كتبت إلى خالد بن عبد الله آمره بالنهوض إلى الخوارج فسرح إليه خمسة آلاف رجل وابعث عليهم رجلا من قبلك ترضاه فإذا قضوا غزواتهم تلك صرفتهم إلى الرى فقاتلوا عدوهم وكانوا في مسالحهم وجبوا فيأهم حتى تأتى أيام عقبهم فتعقبهم وتبعث آخرين مكانهم فقطع على أهل الكوفة خمسة آلاف وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث وقال إذا قضيت غزاتك هذه فانصرف إلى الرى وكتب له عليها عهدا وخرج خالد بأهل البصرة حتى قدم الاهواز وجاء عبد الرحمن بن محمد ببعث أهل الكوفة حتى وافاهم بالاهواز وجاءت الازارقة حتى دنوا من مدينة الاهواز ومن معسكر القوم وقال المهلب لخالد بن عبد الله إنى أرى ههنا سفنا كثيرة فضمها اليك فوالله ما أظن القوم إلا محرقيها فما لبث إلا ساعة حتى ارتفعت خيل من خيلهم إليها فحرقتها وبعث خالد بن عبد الله على ميمنته المهلب وعلى ميسرته داود بن قحذم من بنى قيس ابن ثعلبة ومر المهلب على عبد الرحمن بن محمد ولم يخندق فقال له يا ابن أخى ما يمنعك من الخندق فقال والله لهم أهون على من ضرطة الجمل قال فلا يهونوا عليك يا ابن أخى فانهم سباع العرب لا أبرح أو تضرب عليك خندقا ففعل وبلغ الخوارج قول عبد الرحمن بن محمد لهم أهون على من ضرطة الجمل فقال شاعرهم يا طالب الحق لا تستهو بالامل * فإن من دون ما تهوى مدى الاجل

[ 19 ]

واعمل لربك واسأله مثوبته * فان تقواه فاعلم أفضل العمل واغز المخانيث في الماذى معلمة * كيما تصبح غدوا ضرطة الجمل فأقاموا نحوا من عشرين ليلة ثم إن خالدا زحف إليهم بالناس فرأوا أمرا هالهم من عدد الناس وعدتهم فأخذوا يتحازون واجتزأ عليهم الناس فكرت عليهم الخيل وزحف إليهم فانصرفوا كأنهم على حامية وهم مولون لا يرون لهم طاقة بقتال جماعة الناس وأتبعهم خالد بن عبد الله داود بن قحذم في جيش من أهل البصرة وانصرف خالد إلى البصرة وانصرف عبد الرحمن بن محمد إلى الرى وأقام المهلب بالاهواز فكتب خالد بن عبد الله إلى عبد الملك أما بعد فإنى أخبر أمير المؤمنين أصلحه الله أنى خرجت إلى الازارقة الذين مرقوا من الدين وخرجوا من ولاية المسلمين فالتقينا بمدينة الاهواز فتناهضنا فاقتتلنا كأشد قتال كان في الناس ثم إن الله أنزل نصره على المؤمنين والمسلمين وضرب الله وجوه أعدائه فأتبعهم المسلمون يقتلونهم ولا يمنعون ولا يمتنعون وأفاء الله ما في عسكرهم على المسلمين ثم أتبعتهم داود بن قحذم والله إن شاء مهلكهم ومستأصلهم والسلام عليك فلما قدم هذا الكتاب على عبد الملك كتب عبد الملك إلى بشر بن مروان أما بعد فابعث من قبلك رجلا شجاعا بصيرا بالحرب في أربعة آلاف فارس فليسيروا إلى فارس في طلب المارقة فان خالدا كتب إلى يخبرني أنه قد بعث في طلبهم داود بن قحذم فمر صاحبك الذى تبعث أن لا يخالف داود بن قحذم إذا ما التقيا فان اختلاف القوم بينهم عون لعدوهم عليهم والسلام عليك فبعث بشر بن مروان عتاب بن ورقاء في أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة فخرجوا حتى التقوا هم وداود بن قحذم بأرض فارس ثم اتبعوا القوم يطلبونهم حتى نفقت خيول عامتهم وأصابهم الجهد والجوع ورجع عامة ذينك الجيشين مشاة إلى الاهواز فقال ابن قيس الرقيات من بنى مخزوم في هزيمة عبد العزيز وفراره عن امرأته. عبد العزيز فضحت جيشك كلهم * وتركتهم صرعى بكل سبيل من بين ذى عطش يجود بنفسه * وملحب بين الرجال قتيل

[ 20 ]

هلا صبرت مع الشهيد مقاتلا * إذ رحت منتكث القوى بأصيل وتركت جيشك لا أمير عليهم * فارجع بعار في الحياة طويل ونسيت عرسك إذ تقاد سبية * تبكى العيون برنة وعويل (وفى هذه السنة) كان خروج أبى فديك الخارجي وهو من بنى قيس بن ثعلبة فغلب على البحرين وقتل نجدة بن عامر الحنفي فاجتمع على خالد بن عبد الله نزول قطرى الاهواز وأمر أبى فديك فبعث أخاه أمية بن عبد الله على جند كثيف إلى أبى فديك فهزمه أبو فديك وأخذ جارية له فاتخذها لنفسه وسار أمية على فرس له حتى دخل البصرة في ثلاثة أيام فكتب خالد إلى عبد الملك بحاله وحال الازارقة (وفى هذه السنة) وجه عبد الملك الحجاج بن يوسف إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير وكان السبب في توجيهه الحجاج إليه دون غيره فيما ذكر أن عبد الملك لما أراد الرجوع إلى الشأم قام إليه الحجاج بن يوسف فقال يا أمير المؤمنين إنى رأيت في منامي أنى أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته فابعثني إليه وولنى قتاله فبعثه في جيش كثيف من أهل الشام فسار حتى قدم مكة وقد كتب إليهم عبد الملك بالامان إن دخلوا في طاعته فحدثني الحارث قال حدثنى محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا مصعب بن ثابت عن أبى الاسود عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال بعث عبد الملك بن مروان حين قتل مصعب بن الزبير الحجاج ابن يوسف إلى ابن الزبير بمكة فخرج في ألفين من جند أهل الشام في جمادى من سنة 72 فلم يعرض للمدينة وسلك طريق العراق فنزل بالطائف فكان يبعث البعوث إلى عرفة في الحل ويبعث ابن الزبير بعثا فيقتتلون هنالك فكل ذلك تهزم خيل ابن الزبير وترجع خيل الحجاج بالظفر ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في حصار ابن الزبير ودخول الحرم عليه ويخبره أن شوكته قد كلت وتفرق عنه عامة أصحابه ويسأله أن يمده برجال فجاءه كتاب عبد الملك وكتب عبد الملك إلى طارق بن عمرو يأمره أن يلحق بمن معه من الجند بالحجاج فسار في خمسة آلاف من أصحابه حتى لحق بالحجاج وكان قدوم الحجاج الطائف في

[ 21 ]

شعبان سنة 72 فلما دخل ذو القعدة رحل الحجاج من الطائف حتى نزل بئر ميمون وحصر ابن الزبير وحج الحجاج بالناس في هذه السنة وابن الزبير محصور وكان قدوم طارق مكة لهلال ذى الحجة ولم يطف بالبيت ولم يصل إليه وهو محرم وكان يلبس السلاح ولا يقرب النساء ولا الطيب إلى أن قتل عبد الله بن الزبير ونحر ابن الزبير بدنا بمكة يوم النحر ولم يحج ذلك العام ولا أصحابه لانهم لم يقفوا بعرفة * قال محمد بن عمر حدثنى سعيد بن مسلم بن بابك عن أبيه قال حججت في سنة 72 فقدمنا مكة فدخلناها من أعلاها فنجد أصحاب الحجاج وطارق فيما بين الحجون إلى بئر ميمون فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ثم حج بالناس الحجاج فرأيته واقفا بالهضبات من عرفة على فرس وعليه الدرع والمغفر ثم صدر فرأيته عدل إلى بئر ميمون ولم يطف بالبيت وأصحابه متسلحون ورأيت الطعام عندهم كثيرا ورأيت العير تأتى من الشأم تحمل الطعام الكعك والسويق والدقيق فرأيت أصحابه مخاصيب ولقد ابتعنا من بعضهم كعكا بدرهم فكفانا إلى أن بلغنا الجحفة وإنا لثلاثة نفر * قال محمد بن عمر حدثنى مصعب بن ثابت عن نافع مولى بنى أسد قال وكان عالما بفتنة ابن الزبير قال حصر ابن الزبير ليلة هلال ذى القعدة سنة 72 (وفى هذه السنة) كتب عبد الملك إلى عبد الله بن خازم السلمى يدعوه إلى بيعته ويطعمه خراسان سبع سنين فذكر على بن محمد أن المفضل بن محمد ويحيى بن طفيل وزهير بن هنيد حدثوه قال وفى خبر بعضهم زيادة على خبر بعض أن مصعب ابن الزبير قتل سنة 72 وعبد الله بن خازم بأبر شهر يقاتل بحير بن ورقاء الصريمى صريم بن الحارث فكتب عبد الملك بن مروان إلى ابن خازم مع سورة بن أشيم النميري إن لك خراسان سبع سنين على أن تبايع لى فقال ابن خازم لسورة لولا أن أضرب بين بنى سليم وبنى عامر لقتلتك ولكن كل هذه الصحيفة فأكلها قال وقال أبو بكر بن محمد بن واسع بل قدم بعهد عبد الله بن خازم سوادة بن عبيد الله النميري وقال بعضهم بعث عبد الملك إلى ابن خازم سنان بن مكمل الغنوى وكتب إليه أن خراسان طعمة لك فقال له ابن خازم إنما بعثك أبو الذبان لانك من غنى

[ 22 ]

وقد علم أنى لا أقتل رجلا من قيس ولكن كل كتابه قال وكتب عبد الملك إلى بكير بن وشاح أحد بنى عوف بن سعد وكان خليفة ابن خازم على مرو بعهده على خراسان ووعده ومناه فخلع بكير بن وشاح عبد الله بن الزبير ودعا إلى عبد الملك ابن مروان فأجابه أهل مرو وبلغ ابن خازم فخاف أن يأتيه بكير بأهل مرو فيجتمع عليه أهل مرو وأهل أبرشهر فترك بحيرا وأقبل إلى مرو يريد أن يأتي ابنه بالترمذ فأتبعه بحير فلحقه بقرية يقال لها بالفارسية شاهميغد بينها وبين مرو ثمانية فراسخ قال فقاتله ابن خازم فقال مولى لبنى ليث كنت قريبا من معترك القوم في منزل فلما طلعت الشمس تهايج العسكران فجعلت أسمع وقع السيوف فلما ارتفع النهار خفيت الاصوات فقلت هذا لارتفاع النهار فلما صليت الظهر أو قبل الظهر خرجت فتلقاني رجل من بنى تميم فقلت ما الخبر قال قتلت عدو الله ابن خازم وها هو ذا وإذا هو محمول على بغل وقد شدوا في مذاكيره حبلا وحجرا وعدلوه به على البغل قال وكان الذى قتله وكيع بن عميرة القريعى وهو ابن الدورقية اعتور عليه بحير بن ورقاء وعمار بن عبد العزيز الجشمى ووكيع فطعنوه فصرعوه فقعد وكيع على صدره فقتله فقال بعض الولاة لوكيع كيف قتلت ابن خازم قال غلبته بفضل القنا فلما صرع قعدت على صدره فحاول القيام فلم يقدر عليه وقلت يا لثأرات دويلة ودويلة أخ لوكيع لامه قتل قبل ذلك في غير تلك الايام قال وكيع فتنخم في وجهى وقال لعنك الله تقتل كبش مضر بأخيك علج لا يساوي كفا من نوى أو قال من تراب فما رأيت أحدا أكثر ريقا منه على تلك الحال عند الموت قال فذكر ابن هبيرة يوما هذا الحديث فقال هذه والله البسالة قال وبعث بحير ساعة قتل ابن خازم رجلا من بنى غدانة إلى عبد الملك بن مروان يخبره بقتل ابن خازم ولم يبعث بالرأس وأقبل بكير بن وشاح في أهل مرو فوافاهم حين قتل ابن خازم فأراد أخذ رأس ابن خازم فمنعه بحير فضربه بكير بعمود وأخذ الرأس وقيد بحيراو حبسه وبعث بكير بالرأس إلى عبد الملك وكتب إليه يخبره أنه هو الذى قتله فلما قدم بالرأس على عبد الملك دعا الغدانى رسول بحير وقال ماهذا

[ 23 ]

قال لا أدرى وما فارقت القوم حتى قتل فقال رجل من بنى سليم أليلتنا بنيسابور ردى * على الصبح ويحك أو أنيرى كواكبها زواحف لاغبات * كان سماءها بيدى مدير تلوم على الحوادث أم زيد * وهل لك في الحواث من نكير جهلن كرامتي وصددن عنى * إلى أجل من الدنيا قصير فلو شهد الفوارس من سليم * غداة يطاف بالاسد العقير لنازل حوله قوم كرام * فعز الوتر في طلب الوتور فقد بقيت كلاب نابحات * وما في الارض بعدك من زئير قولى الحج بالناس في هذه السنة الحجاج بن يوسف وكان العامل على المدينة طارق مولى عثمان من قبل عبد الملك وعلى الكوفة بشر بن مروان وعلى قضائها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعلى البصرة خالد بن عبد الله بن خالد ابن أسيد وعلى قضائها هشام بن هبيرة وعلى خراسان في قول بعضهم عبد الله ابن خازم السلمى وفى قول بعض بكير بن وشاح وزعم من قال كان على خراسان في سنة 72 عبد الله بن حازم أن عبد الله بن خازم إنما قتل بعد ما قتل عبدا لله بن الزبير وأن عبد الملك إنما كتب إلى عبد الله بن خازم يدعوه إلى الدخول في طاعته على أن يطعمه خراسان عشر سنين بعد ما قتل عبد الله بن الزبير وبعث برأسه إليه وأن عبد الله بن خازم حلف لما ورد عليه رأس عبد الله ابن الزبير أن لايعطيه طاعة أبدا وأنه دعا بطست فغسل رأس ابن الزبير وحنطه وكفنه وصلى عليه وبعث به إلى أهل عبد الله بن الزبير بالمدينة وأطعم الرسول الكتاب وقال لولا أنك رسول لضربت عنقك وقال بعضهم قطع يديه ورجليه وضرب عنقه. فصل نذكر فيه الكتاب من بدء أمر الاسلام (روى) هشام وغيره أن أول من كتب من العرب حرب بن أمية بن عبد شمس بالعربية وإن أول من كتب بالفارسية بيوراسب وكان في زمان إدريس

[ 24 ]

وكان أول من صنف طبقات الكتاب وبين منازلهم لهراسب بن كاو غان بن كيموس وحكى أن أبرويز قال لكاتبه إنما الكلام أربعة: أقسام سؤالك الشئ وسؤالك عن الشئ وأمرك بالشئ وخبرك عن الشئ فهذه دعائم المقالات إن التمس لها خامس لم يوجدو إن نقص منها رابع لم تتم فإذا طلبت فأسجح وإذا سألت فأوضح وإذا أمرت فاحتم وإذا أخبرت فحقق * وقال أبو موسى الاشعري أول من قال أما بعد داود وهى فصل الخطاب الذى ذكره الله عنه * وقال الهيثم بن عدى أول من قال أما بعد قس بن ساعدة الابادي (أسماء من كتب للنبى صلى الله عليه وسلم) على بن أبى طالب عليه السلام وعثمان بن عفان كانا يكتبان الوحى فإن غابا كتبه أبى بن كعب وزيد بن ثابت وكان خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية ابن أبى سفيان يكتبان بين يديه في حوائجه وكان عبد الله بن الارقم بن عبد يغوث والعلاء بن عقبة يكتبان بين القوم في حوائجهم وكان عبد الله بن الارقم ربما كتب إلى الملوك عن النبي صلى الله عليه وسلم (وكتب لابي بكر) عثمان وزيد بن ثابت وعبد الله بن الارقم وعبد لله بن خلف الخزاعى وحنظلة بن الربيع (وكتب لعمر ابن الخطاب) زيد بن ثابت وعبد الله بن الارقم وعبد الله بن خلف الخزاعى أبو طلحة الطلحات على ديوان البصرة وكتب له على ديوان الكوفة أبو جبيرة بن الضحاك الانصاري وقال عمر بن الخطاب لكتابه وعماله إن القوة على العمل أن لا تؤخروا عمل اليوم لغد فإنكم إذا فعلتم ذلك تذاءبت عليكم الاعمال فلا تدرون بأيها تبدؤن وأيها تأخذون وهو أول من دون الدواوين في العرب في الاسلام (وكان يكتب لعثمان) مروان بن الحكم وكان عبد الملك يكتب له على ديوان المدينة وأبو جبيرة الانصاري على ديوان الكوفة وكان أبو غطفان بن عوف بن سعد بن دينار من بنى دهمان من قيس عيلان يكتب له وكان يكتب له أهيب مولاه وعمران مولاه (وكان يكتب لعلى عليه السلام) سعيد بن نمران الهمداني ثم ولى قضاء الكوفة لابن الزبير وكان يكتب له عبد الله بن مسعود وروى أن عبد الله بن جبير كتب له وكان عبيد الله بن أبى رافع يكتب له واختلف في اسم أبى رافع فقيل اسمه إبراهيم

[ 25 ]

وقيل أسلم وقيل سنان وقيل عبد الرحمن * وكان يكتب لمعاوية على الرسائل عبيد الله ابن أوس الغساني وكان يكتب له على ديوان الخراج سرجون بن منصور الرومي وكتب له عبد الرحمن بن دراج وهو مولى معاوية وكتب على بعض دواوينه عبيد الله بن نصر بن الحجاج بن علاء السلمى * وكان يكتب لمعاوية بن يزيد الريان ابن مسلم ويكتب له على الديوان سرجون ويروى أنه كتب له أبو الزعيزعة * وكتب لعبد الملك بن مروان قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعى ويكنى أبا اسحاق وكتب على ديوان الرسائل أبو الزعيزعة مولاه * وكان يكتب للوليد القعقاع بن خالد أو خليد العبسى وكتب له على ديوان الخراج سليمان بن سعد الخشنى وعلى ديوان الخاتم شعيب العماني مولاه وعلى ديوان الرسائل جناح مولاه وعلى المستغلات نفيع ابن ذؤيب مولاه * وكان يكتب لسليمان سليمان بن نعيم الحميرى * وكان يكتب لمسلمة سميع مولاه وعلى ديوان الرسائل الليث بن أبى رقية مولى أم الحكم بنت أبى سفيان وعلى ديوان الخراج سليمان بن سعد الخشنى وعلى ديوان الخاتم نعيم بن سلامة مولى لاهل اليمن من فلسطين وقيل بل رجاء بن حيوة كان يتقلد الخاتم * وكان يكتب ليزيد بن المهلب المغيرة بن أبى فروة وكان يكتب لعمر بن عبد العزيز الليث بن أبى فروة مولى أم الحكم بنت أبى سفيان ورجاء بن حيوة وكتب له إسماعيل بن أبى حكيم مولى الزبير وعلى ديوان الخراج سليمان بن سعد الخشنى وقلد مكانه صالح بن جبير الغساني وقيل الغدائى وعدى بن الصباح بن المثنى ذكر الهيثم بن عدى أنه كان من جلة كتابه * وكتب ليزيد بن عبد الملك قبل الخلافة رجل يقال له يزيد بن عبد الله ثم استكتب أسامة بن يزيد السليحى * وكتب لهشام سعيد بن الوليد بن عمرو بن جبلة الكلبى الابرش ويكنى أبا مخاشع وكان نصر بن سيار يتقلد ديوان خراج خراسان لهشام وكان من كتابه بالرصافة شعيب بن دينار * وكان يكتب للوليد بن يزيد بكير بن الشماخ وعلى ديوان الرسائل سالم مولى سعيد بن عبد الملك ومن كتابه عبد الله ابن أبى عمرو ويقال عبد الاعلى بن أبى عمرو وكتب له على الحضرة عمرو بن عتبة وكتب ليزيد بن الوليد الناقص عبد الله بن نعيم وكان عمرو بن الحارث مولى

[ 26 ]

بنى جمح يتولى له ديوان الخاتم وكان يتقلد له ديوان الرسائل ثابت بن سليمان بن سعد الخشنى ويقال الربيع بن عرعرة الخشنى وكان يتقلد له الخراج والديوان الذى للخاتم الصغير النضر بن عمرو من أهل اليمن * وكتب لابراهيم بن الوليد ابن أبى جمعة وكان يتقلد له الديوان بفلسطين وبايع الناس إبراهيم أعنى ابن الوليد سوى أهل حمص فإنهم بايعوا مروان بن محمد الجعدى وكتب لمروان عبد الحميد ابن يحيى مولى العلاء بن وهب العامر ومصعب بن الربيع الخثعمي وزياد بن أبى الورد وعلى ديوان الرسائل عثمان بن قيس مولى خالد القسرى وكان من كتابه مخلد بن محمد بن الحارث ويكنى أبا هاشم ومن كتابه مصعب بن الربيع الخثعمي ويكنى أبا موسى وكان عبد الحميد بن يحيى من البلاغة في مكان مكين ومما اختير له من الشعر ترحل ما ليس بالقافل * وأعقب ما ليس بالزائل فلهفي على الخلف النازل * ولهفي على السلف الراحل أبكى على ذا وأبكى لذا * بكاء مولهة ثاكل تبكى من ابن لها قاطع * وتبكى على ابن لها واصل فليست تفتر عن عبرة * لها في الضمير ومن هامل تقضت غوايات سكر الصبى * ورد التقى عين الباطل وكتب لابي العباس خالد بن برمك ودفع أبو العباس ابنته ريطة إلى خالد ابن برمك حتى أرضعتها زوجته أم خالد بنت يزيد بلبان بنت لخالد تدعى أم يحيى وأرضعت أم سلمة زوجة أبى العباس أم يحيى بنت خالد بلبان ابنتها ريطة وقلد ديوان الرسائل صالح بن الهيثم مولى ريطة بنت أبى العباس * وكتب لابي جعفر المنصور عبد الملك بن حميد مولى حاتم بن النعمان الباهلى من أهل خراسان وكتب له هاشم بن سعيد الجعفي وعبد الاعلى بن أبى طلحة من بنى تميم بواسط وروى أن سليمان بن مخلد كان يكتب لابي جعفر ومما كان يتمثل به أبو جعفر المنصور وما إن شفا نفسا كأمر صريمة * إذا حاجة في النفس طال اعتراضها

[ 27 ]

وكتب له الربيع وكان عمارة بن حمزة من نبلاء الرجال وله لا تشكون دهرا صححت به * إن الغنى في صحة الجسم هبك الامام أكنت منتفعا * بغضارة الدنيا مع السقم وكان يتمثل بقول عبد بنى الحسحاس أمن أمية دمع العين مذروف * لو أن ذامنك قبل اليوم معروف لا تبك عينك إن الدهر ذو غير * فيه تفرق ذو إلف ومألوف وكتب للمهدى أبو عبد الله وأبان بن صدقة على ديوان رسائله ومحمد بن حميد الكاتب على ديوان جنده ويعقوب بن داود وكان اتخذه على وزارته وأمره وله عجبا لتصريف الامو * ر محبة وكراهيه والدهر يلعب بالرجا * ل له دوائر جاريه ولابنه عبد الله بن يعقوب وكان له محمد ويعقوب كلا هما شاعر مجيد ورع المشيب شراستي وغرامي * ومرى الجفون بمسبل سجام ولقد حرصت بأن أوارى شخصه * عن مقلتي فرمت غير مرام وصبغت ما صبغ الزمان فلم يدم * صبغي ودامت صبغة الايام * لا تبعدن شبيبة ذيالة * فارقتها في سالف الاعوام * ما كان ما استصحبت من أيامها * إلا كبعض طوارق الاحلام ولابيه طلق الدنيا ثلاثا * واتخذ زوجا سواها إنها زوجة سوء * لا تبالي من أتاها واستوزر بعده الفيض بن أبى صالح وكان جوادا وكتب للهادي موسى عبيد الله ابن زياد بن أبى ليلى ومحمد بن حميد وسأل المهدى يوما أبا عبيد الله عن أشعار العرب فصنفها له فقال أحكمها قول طرفة بن العبد أي قبر نحام بخيل بماله * كقبر غوى في البطالة مفسد ترى جثوتين من تراب عليهما * صفائح صم من صفيح مصمد

[ 28 ]

أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى * عقيلة مال الفاحش المتشدد أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة * وما تنقص الايام والدهر ينفد لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى * لكالطول المرخى وثنياه باليد وقوله وقد أرانا كلانا هم صاحبه * لو أن شيئا إذا ما فاتنا رجعا وكان شئ إلى شئ ففرقه * دهر يكر على تفريق ما جمعا وقول لبيد: ألا تسألان المرء ماذا يحاول * أنحب فيقضى أم ضلال وباطل ألا كل شئ ما خلا الله باطل * وكل نعيم لا محالة زائل أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم * بلى كل ذى رأى إلى الله واسل وكقول النابغة الجعدى: وقد طال عهدي بالشباب وأهله * ولاقيت روعات تشيب النواصيا فلم أجد الاخوان إلا صحابة * ولم أجد الاهلين إلا مثاويا ألم تعلمي أن قد رزئت محاربا * فمالك منه اليوم شئ ولاليا وكقول هدبة بن خشرم: ولست بمفراح إذا الدهر سرنى * ولا جازع من صرفه المتقلب ولا أتبغى الشر والشر تاركى * ولكن متى أحمل على الشر أركب وما يعرف الاقوام للدهر حقه * وما الدهر مما يكرهون بمعتب وللدهر في أهل الفتى وتلاده * نصيب كحز الجازر المتشعب وكقول زيادة بن زيد وتمثل به عبد الملك بن مروان تذكر عن شحط أميمة فارعوى * لها بعد إكثار وطول نحيب وإن امرءا قد جرب الدهر لم يخف * تقلب عصريه لغير لبيب هل الدهر والايام إلا كما ترى * رزيئة مال أو فراق حبيب وكل الذى يأتي فأنت نسيبه * ولست لشئ ذاهب بنسيب وليس بعيد ما يجئ كمقبل * ولا ما مضى من مفرح بقريب

[ 29 ]

وكقول ابن مقبل: لما رأت بدل الشباب بكت له * والشيب أرذل هذه الابدال والناس همهم الحياة ولا أدرى * طول الحياة يزيد غير خبال وإذا افترقت إلى الذخائر لم تجد * ذخرا يكون كصالح الاعمال ووزر له يحيى بن خالد ووزر للرشيد ابنه جعفر بن يحيى بن خالد فمن مليح كلامه الخط سمة الحكمة به تفصل شذورها وينظم منثورها قال ثمامة قلت لجعفر ابن يحيى ما البيان فقال أن يكون الاسم محيطا بمعناك مخبرا عن مغزاك مخرجا من الشركة غير مستعان عليه بالفكرة قال الاصمعي سمعت يحيى بن خالد يقول الدنيا دول والمال عارية ولنا بمن قبلنا أسوة وفينا لمن بعدنا عبرة ونأتى بتسمية باقى كتاب خلفاء بنى العباس إذا انتهينا إلى الدولة العباسية إن شاء الله تعالى ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ذكر الكائن الذى كان فيها من الامور الجليلة فمن ذلك مقتل عبد الله بن الزبير ذكر الخبر عن صفة ذلك * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى اسحاق بن يحيى عن عبيد الله بن القبطية قال كانت الحرب بين ابن الزبير والحجاج ببطن مكة ستة أشهر وسبع عشرة ليلة قال محمد بن عمر وحدثني مصعب بن ثابت عن نافع مولى بنى أسد وكان عالما بفتنة ابن الزبير قال حصر ابن الزبير ليلة هلال ذى القعدة سنة 72 وقتل لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى سنة 73 وكان حصر الحجاج لابن الزبير ثمانية أشهر وسبع عشرة ليلة * حدثنا الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى اسحاق بن يحيى عن يوسف بن ماهك قال رأيت المنجنيق يرمى به فرعدت السماء وبرقت وعلا صوت الرعد والبرق على الحجارة فاشتمل عليها فأعظم ذلك أهل الشأم فأمسكوا بأيديهم فرفع الحجاج بركة قبائه فغرزها

[ 30 ]

في منطقته ورفع حجر المنجنيق فوضعه فيه ثم قال ارموا ورمى معهم قال ثم أصبحوا فجاءت صاعقة تتبعها أخرى فقتلت من أصحابه اثنى عشر رجلا فانكسر أهل الشأم فقال الحجاج يا أهل الشأم لا تنكروا هذا فإنى ابن تهامة هذه صواعق تهامة هذا الفتح قد حضر فأبشروا إن القوم يصيبهم مثل ما أصابكم فصعقت من الغد فأصيب من أصحاب ابن الزبير عدة فقال الحجاج ألا ترون أنهم يصابون وأنتم على الطاعة وهم على خلاف الطاعة فلم تزل الحرب بين ابن الزبير والحجاج حتى كان قبيل مقتله وقد تفرق عنه أصحابه وخرح عامة أهل مكة إلى الحجاج في الامان * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى اسحاق بن عبيد الله عن المنذر بن جهم الاسدي قال رأيت ابن الزبير يوم قتل وقد تفرق عنه أصحابه وخذله من معه خذلانا شديدا وجعلوا يخرجون إلى الحجاج حتى خرج إليه نحو من عشرة آلاف وذكر أنه كان ممن فارقه وخرج إلى الحجاج ابناه حمزة وخبيب فأخذا منه لانفسهما أمانا فدخل على أمه أسماء كما ذكر محمد بن عمر عن أبى الزناد عن مخرمة بن سليمان الوالبى قال دخل ابن الزبير على أمه حين رأى من الناس ما رأى من خذلانهم فقال يا أمه خذلني الناس حتى ولدى وأهلي فلم يبق معى إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة والقوم يعطوننى ما أردت من الدنيا فما رأيك فقالت أنت والله يا بنى أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق واليه تدعو فامض له فقد قتل عليه أصحابك ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بنى أمية وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل الاحرار ولا أهل الدين وكم خلودك في الدنيا القتل أحسن فدنا ابن الزبير فقبل رأسها وقال هذا والله رأيى والذى قمت به داعيا إلى يومى هذا ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن يستحل حرمه ولكني أحببت أن أعلم رأيك فزدتيني بصيرة مع بصيرتي فانظري يا أمه فانى مقتول من يومى هذا فلا يشتد حزنك وسلمى لامر

[ 31 ]

الله فان ابنك لم يتعمد إتيان منكر ولا عملا بفاحشة ولم يجر في حكم الله ولم يغدر في أمان ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ولم يبلغني ظلم عن عما لى فرضيت به بل أنكرته ولم يكن شئ آثر عندي من رضى ربى اللهم إنى لا أقول هذا تزكية منى لنفسي أنت أعلم بى ولكن أقوله تعزية لامى لتسلو عنى فقالت أمه إنى لارجو من الله أن يكون عزائى فيك حسنا إن تقدمتني وإن تقدمتك ففى نفسي أخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك قال جزاك الله يا أمه خيرا فلا تدعى الدعاء لى قبل وبعد فقالت لا أدعه أبدا فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق ثم قالت اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة وبره بأبيه وبى اللهم قد سلمته لامرك فيه ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين قال مصعب بن ثابت فما مكثت بعده إلا عشرا ويقال خمسة أيام * قال محمد بن عمر حدثنى موسى بن يعقوب بن عبد الله عن عمه قال دخل ابن الزبير على أمه وعليه الدرع والمغفر فوقف فسلم ثم دنا فتناول يدها فقبلها فقالت هذا وداع فلا تبعد قال ابن الزبير جئت مودعا إنى لارى هذا آخر يوم من الدنيا يمر بى واعلمي يا أمه أنى إن قتلت فانما أنا لحم لا يضرنى ما صنع بى قالت صدقت يا بنى أتمم على بصيرتك ولا تمكن ابن أبى عقيل منك وادن منى أودعك فدنا منها فقبلها وعانقها وقالت حيث مست الدرع ما هذا صنيع من يريد ما تريد قال ما لبست هذا الدرع إلا لاشد منك قالت العجوز فانه لا يشد منى فنزعها ثم أدرج كميه وشد أسفل قميصه وجبة خز تحت القميص فأدخل أسفلها في المنطقة وأمه تقول البس ثيابك مشمرة ثم انصرف ابن الزبير وهو يقول إنى إذا أعرف يومى أصبر * إذ بعضهم يعرف ثم ينكر فسمعت العجوز قوله فقالت تصبر والله إن شاء الله أبوك أبو بكر والزبير وأمك صفية بنت عبد المطلب * حدثنى الحارث قال حدثنى ابن سعد قال أخبرني محمد بن عمر قال أخبرنا ثور بن يزيد عن شيخ من أهل حمص شهد وقعة ابن الزبير مع أهل الشأم قال رأيته يوم الثلاثاء وإنا لنطلع عليه أهل حمص خمسمائة خمسمائة

[ 32 ]

من باب لنا ندخله لا يدخله غيرنا فيخرج الينا وحده في أثرنا ونحن منهزمون منه فما أنسى أرجوزة له إنى إذا أعرف يومى أصبر * وإنما يعرف يوميه الحر إذ بعضهم يعرف ثم ينكر فأقول أنت والله الحر الشريف فلقد رأيته يقف في الابطح ما يدنو منه أحد حتى ظننا إنه لا يقتل * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد ابن عمر قال حدثنا مصعب بن ثابت عن نافع مولى بنى أسد قال رأيت الابواب قد شحنت من أهل الشأم يوم الثلاثاء وأسلم أصحاب ابن الزبير المحارس وكثرهم القوم فأقاموا على كل باب رجالا وقائدا وأهل بلد فكان لاهل حمص الباب الذى يواجه باب الكعبة ولاهل دمشق باب بنى شيبة ولاهل الاردن باب الصفا ولاهل فلسطين باب بنى جمح ولاهل قنسرين باب بنى سهم وكان الحجاج وطارق بن عمرو جميعا في ناحية الابطح إلى المروة فمرة يحمل ابن الزبير في هذه الناحية ومرة في هذه الناحية فلكأنه أسد في أجمة ما يقدم عليه الرجال فيعدو في أثر القوم وهم على الباب حتى يخرجهم وهو يرتجز إنى إذا أعرف يومى أصبر * وإنما يعرف يوميه الحر ثم يصيح يا أبا صفوان ويل أمه فتحالو كان له رجال لو كان قرنى واحدا كفيته قال ابن صفوان إى والله وألف * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال فحدثني ابن أبى الزناد وأبو بكر بن عبد الله بن مصعب عن ابن المنذر وحدثنا نافع مولى بنى أسد قالا لما كان يوم الثلاثاء صبيحة سبع عشرة من جمادى الاولى سنة 73 وقد أخذ الحجاج على ابن الزبير بالابواب بات ابن الزبير يصلى عامة الليل ثم احتبى بحمائل سيفه فأغفى ثم انتبه بالفجر فقال أذن يا سعد فأذن عند المقام وتوضأ ابن الزبير وركع ركعتي الفجر ثم تقدم وأقام المؤذن فصلى بأصحابه فقرأ ن والقلم حرفا حرفا ثم سلم فقام فحمد الله وأثنى عليه

[ 33 ]

ثم قال اكشفوا وجوهكم حتى أنظر وعليهم المغافر والعمائم فكشفوا وجوههم فقال يا آل الزبير لو طبتم لى نفسا عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب اصطلمنا في الله لم تصبنا زباء بتة أما بعد يا آل الزبير فلا يرعكم وقع السيوف فإنى لم أحضر موطنا قط إلا ارتثت فيه من القتل وما أجد من دواء جراحها أشد مما أجد من ألم وقعها صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم لا أعلم امرءا كسر سيفه واستبقى نفسه فان الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة أعزل غضوا أبصاركم عن البارقة وليشغل كل امرئ قرنه ولا يلهينكم السؤال عنى ولا تقولن أين عبد الله بن الزبير ألا من كان سائلا عنى فإنى في الرعيل الاول أبى لابن سلمى أنه غير خالد * ملاقي المنايا أي صرف تيمما فلست بمبتاع الحياة بسبة * ولا مرتق من خشية الموت سلما احملوا على بركة الله ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون فرمى بآجرة في وجهه فأرعش لها ودمى وجهه فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه ولحيته قال لسنا على الاعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا تقطر الدما وتغاووا عليه قالا وصاحت مولاة لنا مجنونة وأمير المؤمنيناه قالا وقد رأته حيث هوى فأشارت لهم إليه فقتل وإن عليه ثياب خز وجاء الخبر إلى الحجاج فسجد وسار حتى وقف عليه وطارق بن عمرو فقال طارق ما ولدت النساء أذكر من هذا فقال الحجاج تمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين قال نعم هو أعذر لنا ولولا هذا ما كان لنا عذر إنا محاصروه وهو في غير خندق ولا حصن ولا منعة منذ سبعة أشهر ينتصف منابل يفضل علينا في كل ما التقينا نحن وهو فبلغ كلامهما عبد الملك فصوب طارقا * حدثنا عمر قال حدثنا أبو الحسن عن رجاله قال كأنى أنظر إلى ابن الزبير وقد قتل غلاما أسود ضربه فعرقبه وهو يمر في حملته عليه ويقول صبرا يا ابن حام ففى مثل هذه المواطن تصبر الكرام * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى عبد الجبار بن عمارة عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال بعث الحجاج برأس ابن الزبير

[ 34 ]

ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة فنصبت بها ثم ذهب بها إلى عبد الملك بن مروان ثم دخل الحجاج مكة فبايع من بهامن قريش لعبد الملك بن مروان (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة ولى عبد الملك طارقا مولى عثمان المدينة فوليها خمسة أشهر (وفى هذه السنة) توفى بشر بن مروان في قول الواقدي وأما غيره فإنه قال كانت وفاته في سنة 74 (وفيها) أيضا وجه فيما ذكر عبد الملك بن مروان عمر بن عبيد الله بن معمر لقتال أبى فديك وأمره أن يندب معه من أحب من أهل المصرين فقدم الكوفة فندب أهلها فانتدب معه عشرة آلاف ثم قدم البصرة فندب أهلها فانتدب معه عشرة آلاف فأخرج لهم أرزاقهم وأعطياتهم فأعطوها ثم سار بهم عمر بن عبيد الله فجعل أهل الكوفة على الميمنة وعليهم محمد بن موسى بن طلحة وجعل أهل البصرة على الميسرة وعليهم ابن أخيه عمر بن موسى بن عبيد الله وجعل خيله في القلب حتى انتهوا إلى البحرين فصف عمر بن عبيد الله أصحابه وقدم الرجالة في أيديهم الرماح قد ألزموها الارض واستتروا بالبراذع فحمل أبو فديك وأصحابه حملة رجل واحد فكشفوا ميسرة عمر بن عبيد الله حتى ذهبوا في الارض إلا المغيرة بن المهلب ومعن بن المغيرة ومجاعة بن عبد الرحمن وفرسان الناس فإنهم مالوا إلى صف أهل الكوفة وهم ثابتون وارتث عمر بن موسى بن عبيد الله فهو في القتلى قد أثخن جراحه فلما رأى أهل البصرة أهل الكوفة لم ينهزموا تذمموا ورجعوا وقاتلوا وما عليهم أمير حتى مروا بعمر بن موسى بن عبيد الله جريحا فحملوه حتى أدخلوه عسكر الخوارج وفيه تبن كثير فأحرقوه ومالت عليهم الريح وحمل أهل الكوفة وأهل البصرة حتى استباحوا عسكرهم وقتلوا أبافديك وحصروهم في المشقر فنزلوا على الحكم فقتل عمر بن عبيد الله منهم فيما ذكر نحوا من ستة آلاف وأسر ثمانمائة وأصابوا جارية لامية بن عبد الله حبلى من أبى فديك وانصرفوا إلى البصرة (وفى هذه السنة) عرل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة وولاها أخاه بشر بن مروان فصارت ولايتها وولاية الكوفة إليه فشخص بشر لما ولى مع الكوفة البصرة إلى البصرة

[ 35 ]

واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث (وفيها) غزا محمد بن مروان الصائفة فهزم الروم وقيل إنه كان في هذه السنة وقعة عثمان بن الوليد بالروم في ناحية أرمينية وهو في أربعة آلاف والروم في ستين ألفا فهزمهم وأكثر القتل فيهم وأقام الحج في هذه السنة للناس الحجاج بن يوسف وهو على مكة واليمن واليمامة وعلى الكوفة والبصرة في قول الواقدي بشر بن مروان وفى قول غيره على الكوفة بشر بن مروان وعلى البصرة خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة وعلى خراسان بكير بن وشاح ثم دخلت سنة أربع وسبعين ذكر ما كان فيها من الاحداث الجليلة فمما كان فيها من ذلك عزل عبد الملك طارق بن عمرو عن المدينة واستعماله عليها الحجاج بن يوسف فقدمها فيما ذكر فأقام بها شهرا ثم خرج معتمرا (وفيها) كان فيما ذكر نقض الحجاج بن يوسف بنيان الكعبة الذى كان ابن الزبير بناه وكان إذ بناه أدخل في الكعبة الحجر وجعل لها بابين فأعادها الحجاج على بنائها الاول في هذه السنة ثم انصرف إلى المدينة في صفر فأقام بها ثلاثة أشهر يتعبث بأهل المدينة ويتعنتهم وبنى بها مسجدا في بنى سلمة فهو ينسب إليه واستخف فيها بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فختم في أعناقهم فذكر محمد بن عمران بن أبى ذيب حدثه عمن رأى جابر بن عبد الله مختوما في يده وعن ابن أبى ذيب عن إسحاق بن يزيد أنه رأى أنس بن مالك مختوما في عنقه يريد أن يذله بذلك قال ابن عمر وحدثني شرحبيل بن أبى عون عن أبيه قال رأيت الحجاج أرسل إلى سهل ابن سعد فدعاه فقال ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان قال قد فعلت قال كذبت ثم أمر به فختم في عنقه برصاص (وفيها) استقضى عبد الملك أبا إدريس الخولانى فيما ذكر الواقدي (وفى هذه السنة) شخص في قول بعضهم بشر بن مروان

[ 36 ]

من الكوفة إلى البصرة واليا عليها (وفى هذه السنة) ولى المهلب حرب الازارقة من قبل عبد الملك ذكر الخبر عن أمره وأمرهم فيها ولما صار بشر بالبصرة كتب عبد الملك إليه فيما ذكر هشام عن أبى مخنف عن يونس بن أبى اسحاق عن أبيه أما بعد فابعث المهلب في أهل مصره إلى الازارقة ولينتخب من أهل مصره وجوههم وفرسانهم وأولى الفضل والتجربة منهم فإنه أعرف بهم وخله ورأيه في الحرب فإنى أوثق شئ بتجربته ونصيحته للمسلمين وابعث من أهل الكوفة بعثا كثيفا وابعث عليهم رجلا معروفا شريفا حسيبا صليبا يعرف بالبأس والنجدة والتجربة للحرب ثم أنهض إليهم أهل المصرين فليتبعوهم أي وجه ما توجهوا حتى يبيدهم الله ويستأصلهم والسلام عليك فدعا بشر المهلب فأقرأه الكتاب وأمره أن ينتخب من شاء فبعث بجديع بن سعيد بن قبيصة ابن سراق الازدي وهو خال يزيد ابنه فأمره أن يأتي الديوان فينتخب الناس وشق على بشر أن أمرة المهلب جاءت من قبل عبد الملك فلا يستطيع أن يبعث غيره فأوغرت صدره عليه حتى كأنه كان له إليه ذنب ودعا بشر بن مروان عبد الرحمن ابن مخنف فبعثه على أهل الكوفة وأمره أن ينتخب فرسان الناس ووجوههم وأولى الفضل منهم والنجدة (قال أبو مخنف) فحدثني أشياخ الحى عن عبد الرحمن ابن مخنف قال دعاني بشر بن مروان فقال لى إنك قد عرفت منزلتك منى وأثرتك عندي وقد رأيت أن أوليك هذا الجيش للذى عرفت من جزئك وغنائك وشرفك وبأسك فكن عند أحسن ظنى بك انظر هذا الكذا كذا يقع في المهلب فاستبدل عليه بالامر ولا تقبلن له مشورة ولا رأيا وتنقصه وقصر به قال فترك أن يوصيني بالجند وقتال العدو والنظر لاهل الاسلام وأقبل يغرينى بابن عمى كأنى من السفهاء أو ممن يستصبى ويستجهل ما رأيت شيخا مثلى في مثل هيئتي ومنزلتي طمع منه في مثل ما طمع فيه هذا الغلام منى شب عمرو عن الطوق قال ولما رأى أنى لست بالنشيط إلى جوابه قال لى مالك قلت أصلحك الله وهل يسعنى إلا إنفاذ أمرك

[ 37 ]

في كل ما أحببت وكرهت قال امض راشدا قال فودعته وخرجت من عنده وخرج المهلب بأهل البصرة حتى نزل رام هرمز فلقى بها الخوارج فخندق عليه وأقبل عبد الرحمن بن مخنف بأهل الكوفة على ربع أهل المدينة معه بشر بن جرير وعلى ربع تميم وهمدان محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس وعلى ربع كندة وربيعة اسحاق بن محمد بن الاشعث وعلى ربع مذحج وأسد زحر بن قيس فأقبل عبد الرحمن حتى نزل من المهلب على ميل أو ميل ونصف حيث تراءى العسكران برام هرمز فلم يلبث الناس الا عشرا حتى أتاهم نعى بشر بن مروان وتوفى بالبصرة فارفض ناس كثير من أهل البصرة وأهل الكوفة واستخلف بشر خالد بن عبد الله بن أسيد وكان خليفته على الكوفة عمرو بن حريث وكان الذين انصرفوا من أهل الكوفة زحر بن قيس وإسحاق بن محمد بن الاشعث ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس فبعث عبد الرحمن بن مخنف ابنه جعفرا في آثارهم فرد إسحاق ومحمدا وفاته زحر ابن قيس فحبسهما يومين ثم أخذ عليهما أن لا يفارقاه فلم يلبثا إلا يوما حتى انصرفا فأخذا غير الطريق وطلبا فلم يلحقا وأقبلا حتى لحقا زحر بن قيس بالاهواز فاجتمع بها ناس كثير ممن يريد البصرة فبلغ ذلك خالد بن عبد الله فكتب إلى الناس كتابا وبعث رسولا يضرب وجوه الناس ويردهم فقدم بكتابه مولى له فقرأ الكتاب على الناس وقد جمعوا له بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن عبد الله إلى من بلغه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين سلام عليكم فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فإن الله كتب على عباده الجهاد وفرض طاعة ولاة الا مر فمن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ومن ترك الجهاد في الله كان الله عنه أغنى ومن عصى ولاة الامر والقوام بالحق أسخط الله عليه وكان قد استحق العقوبة في بشره وعرض نفسه لاستفاءة ماله وإلقاء عطائه والتسيير إلى أبعد الارض وشر البلدان أيها المسلمون اعلموا على من اجترأتم ومن عصيتم إنه عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين الذى ليست فيه غميزة ولا لاهل المعصية عنده رخصة سوطه على من عصى وعلى من خالف سيفه فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلا فإنى لم الكم نصيحة عباد الله أرجعوا

[ 38 ]

إلى مكتبكم وطاعة خليفتكم ولا ترجعوا عاصين مخالفين فيأتيكم ما تكرهون أقسم بالله لا أثقف عاصيا بعد كتابي هذا إلا قتلته إن شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وأخذ كلما قرأ عليهم سطرا أو سطرين قال له زحر أو جز فيقول له مولى خالد والله إنى لاسمع كلام رجل ما يريد أن يفهم ما يسمع أشهد لا يعيج بشئ مما في هذا الكتاب فقال له اقرأ أيها العبد الاحمر ما أمرت به ثم ارجع إلى أهلك فإنك لا تدرى ما في أنفسنا فلما فرغ من قراءته لم يلتفت الناس إلى ما في كتابه وأقبل زحر واسحاق بن محمد ومحمد بن عبد الرحمن حتى نزلوا قرية لآل الاشعث إلى جانب الكوفة وكتبوا إلى عمرو بن حريث أما بعد فإن الناس لما بلغهم وفاة الامير رحمة الله عليه تفرقوا فلم يبق معنا أحد فأقبلنا إلى الامير وإلى مصرنا وأحببنا أن لا ندخل الكوفة الا بإذن الامير وعلمه فكتب إليهم أما بعد فإنكم تركتم مكتبكم وقبلتم عاصين مخالفين فليس لكم عندنا إذن ولا أمان فلما أتاهم ذلك انتظروا حتى إذا كان الليل دخلوا إلى رحالهم فلم يزالوا مقيمين حتى قدم الحجاج بن يوسف (وفى هذه السنة) عزل عبد الملك بكير بن وشاح عن خراسان وولاها أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد ذكر الخبر عن سبب عزل بكير وولاية أمية وكانت ولاية بكير بن وشاح خراسان إلى حين قدم أمية عليها واليا سنتين في قول أبى الحسن وذلك أن ابن خازم قتل سنة 73 وقدم أمية سنة 74 وكان سبب عزل بكير عن خراسان أن بحيرا فيما ذكر على عن المفضل حبسه بكير بن وشاح لما كان منه فيما ذكرت في رأس ابن خازم حين قتله فلم يزل محبوسا عنده حتى استعمل عبد الملك أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد فلما بلغ ذلك بكرا أرسل إلى بحير ليصالحه فأبى عليه وقال ظن بكير أن خراسان تبقى له في الجماعة فمشت السفراء بينهم فأبى بحير فدخل عليه ضرار بن حصين الضبى فقال ألا أراك مائقا يرسل اليك ابن عمك يعتذر اليك وأنت أسيره والمشرفي في يده ولو قتلك ما حبقت فيك عنز ولا تقبل منه ما أنت بموفق اقبل الصلح وأخرج وأنت على أمرك فقبل مشورته وصالح بكيرا فأرسل إليه بكير بأربعين ألفا وأخذ على بحير أن لا يقاتله وكانت تميم قد

[ 39 ]

اختلفت بخراسان فصارت مقاعس والبطون يتعصبون له فخاف أهل خراسان أن تعود الحرب وتفسد البلاد ويقهرهم عدوهم من المشركين فكتبوا إلى عبد الملك ابن مروان إن خراسان لا تصلح بعد الفتنة إلا على رجل من قريش لا يحسدونه ولا يتعصبون عليه فقال عبد الملك خراسان ثغر المشرق وقد كان به من الشر ما كان وعليه هذا التميمي وقد تعصب الناس وخافوا أن يصيروا إلى ما كانوا عليه فهلك الثغر ومن فيه وقد سألوا ان أولى أمرهم رجلا من قريش فيسمعوا له ويطيعوا فقال أمية بن عبد الله يا أمير المؤمنين تداركهم برجل منك قال لولا انحيازك عن أبى فديك كنت ذلك الرجل قال يا أمير المؤمنين والله ما انحزت حتى لم أجد مقاتلا وخذلني الناس فرأيت أن انحيازي ؟ ؟ إلى فئة أفضل من تعريضي عصبة بقيت من المسلمين للهلكة وقد علم ذلك مرار بن عبد الرحمن بن أبى بكرة وكتب اليك خالد بن عبد الله بما بلغه من عذرى قال وكان خالد كتب إليه بعذره ويخبره أن الناس قد خذلوه فقال مرار صدق أمية يا أمير المؤمنين لقد صبر حتى لم يجد مقاتلا وخذله الناس فولاه خراسان وكان عبد الملك يحب أمية ويقول نتيجتى أي لدتى ققال الناس ما رأينا أحدا عوض من هزيمة ما عوض أمية فر من أبى فديك فاستعمل على خراسان فقال رجل من بكر بن وائل في محبس بكير بن وشاح أتتك العيس تنفخ في براها * تكشف عن مناكبها القطوع كأن مواقع الاكرار منها * حمام كنائس بقع وقوع بأبيض من أمية مضرحى * كأن جبينه سيف صنيع وبحير يومئذ بالسنج يسأل عن مسير أمية فلما بلغه أنه قد قارب أبرشهر ؟ ؟ قال لرجل من عجم أهل مرو يقال له رزين أو زرير دلنى على طريق قريب لالقى الامير قبل قدومه ولك كذا وكذا وأجزل لك العطية وكان عالما بالطريق فخرج به فسار من السنج إلى أرض سرخس في ليلة ثم مضى به إلى نيسابور فوافى أمية حين قدم أبر شهر فلقيه فأخبره عن خراسان وما يصلح أهلها وتحسن به طاعتهم ويخف على بكير أموالا أصابها وحذره غدره قال وسار معه حتى قدم مرو وكان أمية سيدا

[ 40 ]

كريما فلم يعرض لبكير ولا لعماله وعرض عليه أن يوليه شرطته فأبى بكير فولاها بحير بن ورقاء فلام بكيرا رجال من قومه فقالوا أبيت أن تلى فولى بحيرا وقد عرفت ما بينكما قال كنت أمس والى خراسان تحمل الحراب بين يدى فأصبر اليوم على الشرطة أحمل الحربة وقال أمية لبكير اختر ما شئت من عمل خراسان قال طخارستان قال هي لك قال فتجهز بكير وأنفق مالا كثيرا فقال بحير لامية إن أتى بكير طخارستان خلعك فلم يزل يحذره حتى حذر فأمره بالمقام عنده (وحج) بالناس في هذه السنة الحجاج بن يوسف وكان ولى قضاء المدينة عبد الله ابن قيس بن مخرمة قبل شخوصه إلى المدينة كذلك ذكر ذلك عن محمد بن عمرو كان على المدينة ومكة الحجاج بن يوسف وعلى الكوفة والبصرة بشر بن مروان وعلى خراسان أمية بن عبد الله خالد بن أسيد وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة وقد ذكر أن عبد الملك بن مروان اعتمر في هذه السنة ولا نعلم صحة ذلك. ثم دخلت سنة خمس وسبعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك غزوة محمد بن مروان الصائفة حين خرجت الروم من قبل مرعش (وفى هذه السنة) ولى عبد الملك يحيى بن الحكم بن أبى العاص المدينة (وفى هذه السنة) ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف العراق دون خراسان وسجستان (وفيها) قدم الحجاج الكوفة * فحدثني أبو زيد قال حدثنى محمد بن يحيى أبو غسان عن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال خرج الحجاج بن يوسف من المدينة حين أتاه كتاب عبد الملك بن مروان بولاية العراق بعد وفاة بشر بن مروان في اثنى عشر راكبا على النجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار فجاءة وقد كان بشر بعث المهلب إلى الحرورية فبدأ بالمسجد فدخله ثم صعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء فقال على بالناس فحسبوه وأصحابه خارجة فهموا به

[ 41 ]

حتى إذا اجتمع إليه الناس قام فكشف عن وجهه وقال أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني أما والله إنى لاحمل الشر محمله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله وإنى لارى رؤسا قد أينعت وحان قطافها وإنى لانظر إلى الدماء بين العمائم واللحى قد شمرت عن ساقها تشميرا هذا أوان الشد فاشتدى ريم * قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعى إبل ولا غنم * ولا بجزار على ظهر وضم قد لفها الليل بعصلبى * أورع خراج من الدوى مهاجر ليس بأعرابى ليس أوان يكره الخلاط * جاءت به والقلص الاعلاط تهوى هوى سابق الغطاط وإنى والله يا أهل العراق ما أغمز كتغماز التين ولا يقعقع لى بالشنان ولقد فررت عن ذكاء وجريت إلى الغاية القصوى إن أمير المؤمنين عبد الملك نثر كنانته ثم عجم عيدانها فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا فوجهني إليكم فإنكم طالما أوضعتم في الفتن وسننتم سنن الغى أما والله لالحونكم لحو العود ولا عصبنكم عصب السلمة ولاضربنكم ضرب غرائب الابل إنى والله لا أعد إلا وفيت ولا أخلق إلا فريت فإياى وهذه الجماعات وقيلا وقالا وما يقول فيم أنتم وذاك والله لتستقيمن على سبل الحق أو لادعن لكل رجل منكم شغلا في جسده من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه وأنهبت ماله ثم دخل منزله ولم يزد على ذلك قال ويقال إنه لما طال سكوته تناول محمد بن عمير حصى فأراد أن يحصبه بها وقال قاتله الله ما أعياه وأدمه والله إنى لا حسب خبره كروائه فلما تكلم الحجاج جعل الحصى ينتثر من يده ولا يعقل به وأن الحجاج قال في خطبته شاهت الوجوه إن الله ضرب مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون وأنتم أولئك وأشباه

[ 42 ]

أولئك فاستوثقوا واستقيموا فوالله لا ذيقنكم الهوان حتى تدروا ولا عصبنكم عصب السلمة حتى تنقادوا أقسم بالله لتقبلن على الانصاف ولتدعن الارجاف وكان وكان وأخبرني فلان عن فلان والهبر وما الهبر أو لاهبرنكم بالسيف هبرا يدع النساء أيامى والولدان يتامى وحتى تمشوا السمهى وتقلعوا عن هاوها إياى وهذه الزرافات لا يركبن الرجل منكم إلا وحده ألا إنه لو ساغ لاهل المعصية معصيتهم ماجبى في ولا قوتل عدو ولعطلت الثغور ولولا أنهم يغزون كرها ما غزوا طوعا وقد بلغني رفضكم المهلب وإقبالكم على مصركم عصاة مخالفين وإنى أقسم لكم بالله لا أجد أحدا بعد ثالثة إلا ضربت عنقه ثم دعا العرفاء فقال ألحقوا الناس بالمهلب وأتوني بالبراآت بموافاتهم ولا تغلقن أبواب الجسر ليلا ولا نهارا حتى تنقضي هذه المدة (تفسير الخطبة) قوله أنا ابن جلا فابن جلا الصبح لانه يجلو الظلمة والثنايا ما صغر من الجبال ونتا وأينع الثمر بلغ إدراكه وقوله فاشتدى زيم فهى اسم للحرب والحطم الذى يحطم كل شئ يمر به والوضم ما وقى به اللحم من الارض والعصلبي الشديد والدوية الارض الفضاء التى يسمع فيها دوى أخفاف الابل وإلا علاط الابل التى لا أرسان عليها أنشد أبو زيد الاصمعي وأعرورت العلط العرضى تركضه * أم الفوارس بالديداء والربعه والشنان جمع شنة القربة البالية اليابسة قال الشاعر كأنك من جمال بنى أقيش * يقعقع خلف رجليه بشن وقوله فعجم عيدانها أي غضها والعجم بفتح الفاء حب الزبيب قال الاعشى وملفوظها كلقيط العجم وقوله أمرها عودا أي أصلبها يقال حبل ممر إذا كان شديد الفتل وقوله لاعصبنكم عصب السلمة فالعصب القطع والسلمة شجرة من العضاه وقوله لا أخلق إلا فريت فالخلق التقدير قال الله تعالى (من نطفة مخلقة وغير مخلقة) أي مقدرة وغير مقدرة يعنى ما يتم وما يكون سقطا قال الكميت يصف قربة لم تجشم الخالقات فريتها * ولم يفض من نطاقها السرب

[ 43 ]

وإنما وصف حواصل الطير يقول ليست كهذه وصخرة خلقاء أي ملساء قال الشاعر وبهو هواء فوق مور كأنه * من الصخرة الخلقاء زحلوق ملعب ويقال فريت الاديم إذا أصلحته وأفريت بالالف إذا أنت أفسدته والسمهى الباطل قال أبو عمرو الشيباني وأصله ما تسميه العامة مخاط الشيطان وهو لعاب الشمس عند الظهيرة قال أبو النجم العجلى وذاب للشمس لعاب فنزل * وقام ميزان الزمان فاعتدل والزرافات: الجماعات. تم التفسير (قال أبو جعفر) قال عمر فحدثني محمد بن يحيى عن عبد الله بن أبى عبيدة قال فلما كان اليوم الثالث سمع تكبيرا في السوق فخرج حتى جلس على المنبر فقال يا أهل العراق وأهل الشقاق والنفاق ومساوئ الاخلاق إنى سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذى يراد الله به في الترغيب ولكنه التكبير الذى يراد به الترهيب وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف يا بنى اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الايامى ألا يربع رجل منكم على ظلعه ويحسن حقن دمه ويبصر موضع قدمه فأقسم بالله لاوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها وأدبا لما بعدها * قوله تحتها قصف فهو شدة الريح واللكعاء الورهاء وهى الحمقاء من الاماء والظلع الضعف والوهن من شدة السير وقوله تهوى هوى سابق الغطاط فالغطاط بضم الغين ضرب من الطير قال الاصمعي الغطاط بفتح الغين ضرب من الطير وأنشد لحسان بن ثابت يغشون حتى ما تهر كلابهم * لا يسألون عن الغطاط المقبل بفتح الغين قال والغطاط بضم الغين اختلاط الضوء بالظلمة من آخر الليل قال الراجز قام إلى أدماء في الغطاط * يمشى بمثل قائم الفسطاط (تم التفسير) قال فقام إليه عمير بن ضابئ التميمي ثم الحنظلي فقال أصلح الله الامير أنا في هذا البعث وأنا شيخ كبير عليل وهذا ابني وهو أشب منى قال ومن أنت قال عمير بن ضابئ التميمي قال أسمعت كلامنا بالامس قال نعم قال ألست الذى غزا أمير المؤمنين عثمان قال بلى قال وما حملك على ذلك قال كان

[ 44 ]

حبس أبى وكان شيخا كبيرا قال أو ليس يقول هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكى حلائله إنى لا حسب في قتلك صلاح المصرين قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه فقام إليه رجل فضرب عنقه وأنهب ماله ويقال ان عنبسة بن سعيد قال للحجاج أتعرف هذا قال لا قال هذا أحد قتلة أمير المؤمنين عثمان فقال الحجاج يا عدو الله أفلا إلى أمير المؤمنين بعثت بديلا ثم أمر بضرب عنقه وأمر مناديا فنادى ألا إن عمير ابن ضابئ أتى بعد ثالثة وقد كان سمع النداء فأمرنا بقتله ألا فإن ذمة الله بريئة ممن بات الليلة من جند المهلب فخرج الناس فازدحموا على الجسر وخرجت العرفاء إلى المهلب وهو برامهرمز فأخذوا كتبه بالموافاة فقال المهلب قدم العراق اليوم رجل ذكر اليوم قوتل العدو قال ابن أبى عبيدة في حديثه فعبر الجسر تلك الليلة أربعة آلاف من مذحج فقال المهلب قدم العراق رجل ذكر قال عمر عن أبى الحسن قال لما قرأ عليهم كتاب عبد الملك قال القارئ أما بعد سلام عليكم فانى أحمد اليكم الله فقال له اقطع يا عبيد العصا أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا يرد راد منكم السلام هذا أدب ابن نهية أما والله لاؤدبنكم غير هذا الادب ابدأ بالكتاب فلما بلغ إلى قوله أما بعد سلام عليكم لم يبق منهم أحد إلا قال وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله قال عمر حدثنى عبد الملك بن شيبان بن عبد الملك بن مسمع قال حدثنى عمر وبن سعيد قال لما قدم الحجاج الكوفه خطبهم فقال إنكم قد اخللتم بعسكر المهلب فلا يصبحن بعد ثالثة من جنده أحد فلما كان بعد ثالثة أبى رجل يستدمى فقال من بك قال عمير ابن ضابئ البرجمى أمرته بالخروج إلى معسكره فضربني وكذب عليه فأرسل الحجاج إلى عمير بن ضابئ فأتى به شيخا كبيرا فقال له ما خلفك عن معسكرك قال أنا شيخ كبير لا حراك بئ فأرسلت ابني بديلا فهو أجلد منى جلدا وأحدث منى سنا فسل عما أقول لك فإن كنت صادقا وإلا فعاقبني قال فقال عنبسة بن سعيد هذا الذى أتى عثمان قتيلا فلطم وجهه ووثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه فأمر به الحجاج فضربت عنقه قال عمر وبن سعيد فوالله إنى لا سير بين الكوفة والحيرة إذ سمعت رجزا مضريا فعدلت إليهم فقلت ما الخبر فقالوا قدم علينا رجل

[ 45 ]

من شر أحياء العرب من هذا الحى من ثمود أسقف الساقين ممسوح الجاعرتين أخفش العينين فقدم سيد الحى عمير بن ضابئ فضرب عنقه ولما قتل الحجاج عمير ابن ضابئ لقى ابراهيم بن عامر أحد بنى غاضرة من بنى أسد عبد الله بن الزبير في السوق فسأله عن الخبر فقال ابن الزبير أقول لابراهيم لما لقيته * أرى الامر أمسى منصبا متشعبا تجهز وأسرع والحق الجيش لا أرى * سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا تخير فاما أن تزور ابن ضابئ * عميرا وإما أن تزور المهلبا هما خطتا كره نجاؤك منهما * ركوبك حوليا من الثلج أشهبا فحال ولو كانت خراسان دونه * رآها مكان السوق أو هي أقربا فكأن ترى من مكره العود مسمن * تحمم حنو السرج حتى تحنبا وكان قدوم الحجاج الكوفة فيما قيل في شهر رمضان من هذه السنة فوجه الحكم بن أيوب الثقفى على البصرة أميرا وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله فلما بلغ خالدا الخبر خرج من البصرة قبل أن يدخلها الحكم فنزل الجلحاء وشيعه أهل البصرة فلم يبرح مصلاه حتى قسم فيهم ألف ألف (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الملك بن مروان حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر ووفد يحيى بن الحكم في هذه السنة على عبد الملك ابن مروان واستخلف على عمله بالمدينة أبان بن عثمان وأمر عبد الملك يحيى بن الحكم أن يقر على عمله على ما كان عليه بالمدينة وعلى الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف وعلى خراسان أمية بن عبد الله وعلى قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة زرارة بن أوفى (وفى هذه السنة) خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة واستخلف على الكوفة أبا يعفور عروة بن المغيرة بن شعبة فلم يزل عليها حتى رجع إليها بعد وقعة رستقباذ (وفى هذه السنة) ثار الناس بالحجاج بالبصرة ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به ذكر هشام عن أبى مخنف عن أبى زهير العبسى قال خرج الحجاج بن يوسف

[ 46 ]

من الكوفة بعد ما قدمها وقتل ابن ضابئ من فوره ذلك حتى قدم البصرة فقام فيها بخطبة مثل الذى قام بها في أهل الكوفة وتوعدهم مثل وعيده اياهم فأتى برجل من بنى يشكر فقيل هذا عاص فقال إن بى فتقا وقد رآه بشر فعذرني وهذا عطائي مردود في بيت المال فلم يقبل منه وقتله ففزع لذلك أهل البصرة فخرجوا حتى تداكوا على العارض بقنطرة رامهرمز فقال المهلب جاء الناس رجل ذكر وخرج الحجاج حتى نزل رستقباذ في أول شعبان سنة 75 فثار الناس بالحجاج عليهم عبد الله بن الجارود فقتل عبد الله بن الجارود وبعث بثمانية عشر رأسا فنصبت برامهرمز للناس فاشتدت ظهور المسلمين وساء ذلك الخوارج وقد كانوا رجوا أن يكون من الناس فرقة واختلاف فانصرف الحجاج إلى البصرة وكان سبب أمر عبد الله بن الجارود أن الحجاج لما ندب الناس إلى اللحاق بالمهلب بالبصرة فشحصوا سار الحجاج حتى نزل رستقباذ قريبا من دستوى في آخر شعبان ومعه وجوه أهل البصرة وكان بينه وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا فقام في الناس فقال ان الزيادة التى زادكم ابن الزبير في أعطياتكم زيادة فاسق منافق ولست أجيزها فقام إليه عبد الله بن الجارود العبدى فقال إنها ليست بزيادة فاسق منافق ولكنها زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أثبتها لنا فكذبه وتوعده فخرج ابن الجارود على الحجاج وتابعه وجوه الناس فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل ابن الجارود وجماعة من أصحابه وبعث برأسه ورؤس عشرة من أصحابه إلى المهلب وانصرف إلى البصرة وكتب إلى المهلب وإلى عبد الرحمن بن مخنف أما بعد إذا أتاكم كتابي هذا فناهضوا الخوارج والسلام (وفى هذه السنة) نفى المهلب وابن مخنف الازارقة عن رامهرمز ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهم في هذه السنة (ذكر هشام) عن أبى مخنف عن أبى زهير العبسى قال ناهض المهلب وابن مخنف الازارقة برامهرمز بكتاب الحجاج إليهما لعشر بقين من شعبان يوم الاثنين سنة 75 فأجلوهم عن رامهرمز من غير قتال شديد ولكنهم زحفوا إليهم حتى أزالوهم وخرج القوم كأنهم على حامية حتى نزلوا سابور بأرض منها يقال لها

[ 47 ]

كازرون وسار المهلب وعبد الرحمن بن مخنف حتى نزلوا بهم في أول رمضان فخندق المهلب عليه فذكر أهل البصرة أن المهلب قال لعبد الرحمن بن مخنف إن رأيت إن تخندق عليك فافعل وإن أصحاب عبد الرحمن أبوا عليه وقالوا إنما خندقنا سيوفنا وإن الخوارج زحفوا إلى المهلب ليلا ليبيتوه فوجدوه قد أخذ حذره فمالوا نحو عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه لم يخندق فقاتلوه فانهزم عنه أصحابه فنزل فقاتل في أناس من أصحابه فقتل وقتلوا حوله فقال شاعرهم لمن العسكر المكلل بالصر * عى فهم بين ميت وقتيل فتراهم تسفى الرياح عليهم * حاصب الرمل بعد جر الذيول وأما أهل الكوفة فإنهم ذكروا أن كتاب الحجاج بن يوسف أتى المهلب وعبد الرحمن بن مخنف أن ناهضا الخوارج حين يأتيكما كتابي فناهضاهم يوم الاربعاء لعشر بقين من رمضان سنة 75 واقتتلوا قتالا شديدا لم يكن بينهم فيما مضى قتال كان أشد منه وذلك بعد الظهر فمالت الخوارج بحدها على المهلب بن أبى صفرة فاضطروه إلى عسكره فسرح إلى عبد الرحمن رجالا من صلحاء الناس فأتوه فقالوا إن المهلب يقول لك إنما عدونا واحد وقد ترى ما قد لقى المسلمون فأمد إخوانك يرحمك الله فأخذ يمده بالخيل بعد الخيل والرجال بعد الرجال فلما كان بعد العصر ورأت الخوارج ما يجئ من عسكر عبد الرحمن من الخيل والرجال إلى عسكر المهلب ظنوا أنه قد خف أصحابه فجعلوا خمس كتائب أو ستا تجاه عسكر المهلب وانصرفوا بجدهم وجمعهم إلى عبد الرحمن بن مخنف فلما رآهم قد صمدوا له نزل ونزل معه القراء عليهم أبو الاحوص صاحب عبد الله بن مسعود وخزيمة ابن نصر أبو نصر بن خزيمة العبسى الذى قتل مع زيد بن على وصلب معه بالكوفة ونزل معه من خاصة قومه أحد وسبعون رجلا وحملت عليهم الخوارج فقاتلتهم قتالا شديدا ثم إن الناس انكشفوا عنه فبقى في عصابة من أهل الصبر ثبتوا معه وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن بعثه إلى المهلب فنادى في الناس ليتبعوه إلى أبيه فلم يتبعه إلا ناس قليل فجاء حتى إذا دنا من أبيعه حالت الخوارج بينه وبين

[ 48 ]

أبيه فقاتل حتى ارتثته الخوارج وقاتل عبد الرحمن بن مخنف ومن معه على تل مشرف حتى ذهب نحو من ثلثى الليل ثم قتل في تلك العصابة فلما أصبحوا جاء المهلب حتى أتاه فدفنه وصلى عليه وكتب بمصابه إلى الحجاج فكتب بذلك الحجاج إلى عبد الملك بن مروان فنعى عبد الرحمن بمنى وذم أهل الكوفة وبعث الحجاج على عسكر عبد الرحمن بن مخنف عتاب بن ورقاء وأمره إذا ضمتهما الحرب أن يسمع للمهلب ويطيع فساءه ذلك فلم يجد بدا من طاعة الحجاج ولم يقدر على مراجعته فجاء حتى أقام في ذلك العسكر وقاتل الخوارج وأمره إلى المهلب وهو في ذلك يقضى أموره ولا يكاد يستشير المهلب في شئ فلما رأى ذلك المهلب اصطنع رجالا من أهل الكوفة فيهم بسطام من مصقلة بن هبيرة فأغراهم بعتاب (قال أبو مخنف) عن يوسف بن يزيد أن عتابا أتى المهلب يسأله أن يرزق أصحابه فأجلسه المهلب معه على مجلسه قال فسأله أن يرزق أصحابه سؤالا فيه غلظة وتجهم قال فقال له المهلب وإنك لههنا يا ابن اللخناء فبنو تميم يزعمون أنه رد عليه وأما يوسف بن يزيد وغيره فيزعمون أنه قال والله إنها لمعمة محولة ولوددت أن الله فرق بينى وبينك قال فجرى بينهما الكلام حتى ذهب المهلب ليرفع القضيب عليه فوثب عليه ابنه المغيرة فقبض على القضيب وقال أصلح الله الامير شيخ من أشياخ العرب وشريف من أشرافهم إن سمعت منه بعض ما تكرهه فاحتمله له فإنه لذلك منك أهل ففعل وقام عتاب فرجع من عنده واستقبله بسطام بن مصقلة يشتمه ويقع فيه * فلما رأى ذلك كتب إلى الحجاج يشكو إليه المهلب ويخبره أنه قد أغرى به سفهاء أهل المصر ويسأله أن يضمه إليه فوافق ذلك من الحجاج حاجة إليه فيما لقى أشراف الكوفة من شبيب فبعث إليه أن اقدم واترك أمر ذلك الجيش إلى المهلب فبعث المهلب عليه حبيب بن المهلب وقال حميد بن مسلم يرثى عبد الرحمن بن مخنف إن يقتلوك أبا حكيم غدوة * فلقد تشد وتقتل الا بطالا أو يثكلونا سيدا لمسود * سمح الخليقة ماجدا مفضالا

[ 49 ]

فلمثل قتلك هد قومك كلهم * من كان يحمل عنهم الاثقالا من كان يكشف غرمهم وقتالهم * يوما إذا كان القتال نزالا أقسمت ما نيلت مقاتل نفسه * حتى تدرع من دم سر بالا وتناجز الابطال تحت لوائه * بالمشرفية في الاكف نصالا يوما طويلا ثم آخر ليلهم * حين استبانوا في السماء هلالا وتكشفت عنه الصفوف وخيله * فهناك نالته الرماح فمالا وقال سراقة بن مرادس البارقى أعيني جودا بالدموع السواكب * وكونا كواهى شنة مع راكب على الازد لما أن اصيب سراتهم * فنوحا لعيش بعد ذلك خائب نرجى الخلود بعدهم وتعوقنا * عوائق موت أو قراع الكتائب وكنا بخير قبل قتل ابن مخنف * وكل امرئ يوما لبعض المذاهب أمار دموع الشيب من أهل مصره * وعجل في الشبان شيب الذوائب وقاتل حتى مات أكرم ميتة * وخر على خد كريم وحاجب وضارب عنه المارقين عصابة * من الازد تمشى بالسيوف القواضب فلا ولدت أنثى ولا آب غائب * إلى أهله إن كان ليس بآيب فيا عيني ابكى مخنفا وابن مخنف * وفرسان قوى قصرة وأقاربي وقال سراقة أيضا يرثى عبد الرحمن بن مخنف: ثوى سيد الازدين أزد شنوءة * وأزد عمان رهن رمس بكازر وضارب حتى مات أكرم ميتة * بأبيض صاف كالعقيقة باتر وصرع حول التل تحت لوائه * كرام المساعى من كرام المعاشر قضى نحبه يوم اللقاء ابن مخنف * وأدبر عنه كل ألوث داثر أمد فلم يمدد فراح مشمرا * إلى الله لم يذهب بأثواب غادر وأقام المهلب بسابور يقاتلهم نحوا من سنة (وفى هذه السنة) تحرك صالح بن

[ 50 ]

مسرح أحد بنى امرئ القيس وكان يرى رأى الصفرية وقيل إنه أول من خرج من الصفرية ذكر الخبر عن تحرك صالح للخروج وما كان منه في هذه السنة ذكر أن صالح بن مسرح أحد بنى امرئ القيس حج سنه 75 ومعه شبيب بن يزيد وسويد والبطين وأشباههم وحج في هذه السنة عبد الملك بن مروان فهم شبيب بالفتك به وبلغه ذرء من خبرهم فكتب إلى الحجاج بعد انصرافه يأمره بطلبهم وكان صالح يأتي الكوفة فيقيم بها الشهر ونحوه فيلقى أصحابه ليعدهم فنبت بصالح الكوفة لما طلبه الحجاج فتنكبها ثم دخلت سنة ست وسبعين ذكر الكائن من الاحداث فيها فمن ذلك خروج صالح بن مسرح ذكر الخبر عن خروج صالح بن مسرح وعن سبب خروجه وكان سبب خروجه فيما ذكر هشام عن أبى مخنف عن عبد الله بن علقمة عن قبيصة بن عبد الرحمن الخثعمي أن صالح بن مسرح التميمي كان رجلا ناسكا مخبتا مصفر الوجه صاحب عبادة وأنه كان بدارا وأرض الموصل والجزيرة له أصحاب يقرئهم القرآن ويفقههم ويقص عليهم فكان قبيصة بن عبد الرحمن حدث أصحابنا أن قصص صالح بن مسرح عنده وكان ممن يرى رأيهم فسألوه أن يبعث بالكتاب إليهم ففعل وكان قصصه الحمد لله الذى خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون اللهم إنا لا نعدل بك ولا نحفد إلا اليك ولا نعبد إلا إياك لك الخلق والامر ومنك النفع والضر واليك المصير ونشهد أن محمدا عبدك الذى اصطفيته ورسولك الذى اخترته وارتضيته لتبليغ رسالاتك ونصيحة عبادك ونشهد أنه قد بلغ الرسالة ونصح للامة ودعا إلى الحق وقام بالقسط ونصر الدين وجاهد المشركين حتى توفاه الله صلى الله عليه وسلم أوصيكم بتقوى

[ 51 ]

الله والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وكثرة ذكر الموت وفراق الفاسقين وحب المؤمنين فإن الزهادة في الدنيا ترغب العبد فيما عند الله وتفرغ بدنه لطاعة الله وإن كثرة ذكر الموت يخيف العبد من ربه حتى يجأره إليه ويستكين له وإن فراق الفاسقين حق على المؤمنين قال الله في كتابه (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) وإن حب المؤمنين للسبب الذى ينال به كرامة الله ورحمته وجنته جعلنا الله وإياكم من الصادقين الصابرين ألا إن من نعمة الله على المؤمنين أن بعث فيهم رسولا من أنفسهم فعلمهم الكتاب والحكمة وزكاهم وطهرهم ووفقهم في دينهم وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما حتى قبضه الله صلوات الله عليه ثم ولى الامر من بعده التقى الصديق على الرضا من المسلمين فاقتدى بهديه واستن بسنته حتى لحق بالله رحمه الله واستخلف عمر فولاه الله أمر هذه الرعية فعمل بكتاب الله وأحيا سنة رسول الله ولم يحنق في الحق على جرته ولم يخف في الله لومة لائم حتى لحق به رحمة الله عليه وولى المسلمين من بعده عثمان فاستأثر بالفئ وعطل الحدود وجار في الحكم واستذل المؤمن وعزز المجرم فسار إليه المسلمون فقتلوه فبرئ الله منه ورسوله وصالح المؤمنين وولى أمر الناس من بعده على بن أبى طالب فلم ينشب أن حكم في أمر الله الرجال وشك في أهل الضلال وركن وأدهن فنحن من على وأشياعه برآء فتيسروا رحمكم الله لجهاد هذه الاحزاب المتحزبة وأئمة الضلال الظلمة وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء واللحاق باخواننا المؤمنين الموقنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة وأنفقوا أموالهم التماس رضوان الله في العاقبة ولا تجزعوا من القتل في الله فإن القتل أيسر من الموت والموت نازل بكم غير ما ترجم الظنون فمفرق بينكم وبين أبائكم وأبنائكم وحلائلكم ودنياكم وإن اشتد لذلك كرهكم وجزعكم ألا فبيعوا الله أنفسكم طائعين وأموالكم تدخلوا الجنة آمنين وتعانقوا الحور العين جعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين الذين يهدون بالحق وبه يعدلون (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الله بن علقمة قال بينا أصحاب صالح يختلفون إليه إذ قال لهم

[ 52 ]

ذات يوم ما أدرى ما تنتظرون وحتى متى أنتم مقيمون هذا الجور قد فشا وهذا العدل قد عفا ولا تزداد هذه الولاة على الناس إلا غلوا وعتوا وتباعدا عن الحق وجرأة على الرب فاستعدوا وابعثوا إلى إخوانكم الذين يريدون من إنكار الباطل والدعاء إلى الحق مثل الذى تريدون فيأتوكم فنلتقى وننظر فيما نحن صانعون وفى أي وقت إن خرجنا نحن خارجون قال فتراسل أصحاب صالح وتلاقوا في ذلك فبيناهم في ذلك إذ قدم عليهم المحلل بن وائل اليشكرى بكتاب من شبيب إلى صالح بن مسرح أما بعد فقد علمت أنك كنت أردت الشخوص وقد كنت دعوتني إلى ذلك فاستجبت لك فإن كان ذلك اليوم من شأنك فأنت شيخ المسلمين ولن نعدل بك منا أحدا وإن أردت تأخير ذلك اليوم أعلمتني فإن الآجال غادية ورائحة ولا آمن أن تختر منى المنية ولما أجاهد الظالمين فياله غبنا ويا له فضلا متروكا جعلنا الله وإياك ممن يريد بعمله الله ورضوانه والنظر إلى وجهه ومرافقة الصالحين في دار السلام والسلام عليك قال فلما قدم على صالح المحلل بن وائل بذلك الكتاب من شبيب كتب إليه صالح أما بعد فقد كان كتابك وخبرك أبطأ عنى حتى أهمنى ذلك ثم إن أمراء من المسلمين نبأنى بنبإ مخرجك ومقدمك فنحمد الله على قضاء ربنا وقد قدم على رسولك بكتابك فكل ما فيه قد فهمته ونحن في جهاز واستعداد للخروج ولم يمنعنى من الخروج إلا انتظارك فأقبل الينا ثم اخرج بنا متى ما أحببت فإنك ممن لا يستغنى عن رأيه ولا تقضى دونه الامور والسلام عليك * فلما قدم على شبيب كتابه بعث إلى نفر من أصحابه فجمعهم إليه منهم أخوه مصاد بن يزيد بن نعيم والمحلل بن وائل اليشكرى والصقر بن حاتم من بنى تيم بن شيبان وإبراهيم بن حجر أبو الصقير من بنى محلم والفضل بن عامر من بنى ذهل بن شيبان ثم خرج حتى قدم على صالح بن مسرح بدارا فلما لقيه قال اخرج بنا رحمك الله فوالله ما تزداد السنة إلا دروسا ولا يزداد المجرمون إلا طغيانا فبث صالح رسله في أصحابه وواعدهم الخروج في هلال صفر ليلة الاربعاء سنة 76 فاجتمع بعضهم إلى بعض وتهيأوا وتيسروا للخروج في تلك الليلة واجتمعوا

[ 53 ]

جميعا عنده في تلك الليلة لميعاده (قال أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط الازدي قال والله إنى لمع شبيب بالمدائن إذ حدثنا عن مخرجهم قال لما هممنا بالخروج اجتمعنا إلى صالح بن مسرح ليلة خرج فكان رأيى استعراض الناس لما رأيت من المنكر والعدوان والفساد في الارض فقمت إليه فقلت يا أمير المؤمنين كيف ترى في السيرة في هؤلاء الظلمة أنقتلهم قبل الدعاء أم ندعوهم قبل القتال وسأخبرك برأيى فيهم قبل أن تخبرني فيهم برأيك أما أنا فأرى أن نقتل كل من لا يرى رأينا قريبا كان أو بعيدا فانا نخرج على قوم غاوين طاغين باغين قد تركوا أمر الله واستحوذ عليهم الشيطان فقال لا بل ندعوهم فلعمري لا يجيبك إلا من يرى رأيك وليقاتلنك من يزرى عليك والدعاء أقطع لحجتهم وأبلغ في الحجة عليهم قال فقلت له فكيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا به ما تقول في دمائهم وأموالهم فقال إن قتلنا وغنمنا فلنا وإن تجاوزنا وعفونا فموسع علينا ولنا قال فأحسن القول وأصاب رحمة الله عليه وعلينا (قال أبو مخنف) فحدثني رجل من بنى محلم أن صالح بن مسرح قال لاصحابه ليلة خرج اتقوا الله عباد الله ولا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس إلا أن يكونوا قوما يريدونكم وينصبون لكم فانكم إنما خرجتم غضبا لله حيث انتهكت محارمه وعصى في الارض فسفكت الدماء بغير حلها وأخذت الاموال بغير حقها فلا تعيبوا على قوم أعمالا ثم تعملوا بها فان كل ما أنتم عاملون أنتم عنه مسؤلون وإن عظمكم رجالة وهذه دواب لمحمد بن مروان في هذا الرستاق فابدؤا بها فشدوا عليها فاحملوا أرجلكم وتقووا بها على عدوكم فخرجوا فأخذوا تلك الليلة الدواب فحملوا رجالتهم عليها وصارت رجالتها فرسانا وأقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة وتحصن منهم أهل دارا وأهل نصيبين وأهل سنجار وخرج صالح ليلة خرج في مائة وعشرين وقيل في مائة وعشرة قال وبلغ مخرجهم محمد بن مروان وهو يومئذ أمير الجزيرة فاستخف بأمرهم وبعث إليهم عدى بن عدى بن عميرة من بنى الحارث بن معاوية بن ثور في خمسمائة فقال له أصلح الله الامير أتبعثني إلى رأس الخوارج منذ عشرين سنة قد خرج معه رجال من ربيعة قد سموا لى

[ 54 ]

كانوا يعازوننا الرجل منهم خير من مائة فارس في خمسمائة رجل قال له فإنى أزيدك خمسمائة أخرى فسر إليهم في ألف فسار من حران في ألف رجل فكان أول جيش سار إلى صالح وسار إليه عدى وكأنما يساق إلى الموت وكان عدى رجلا يتنسك فأقبل حتى إذا نزل دوغان نزل بالناس وسرح إلى صالح بن مسرح رجلا دسه إليه من بنى خالد من بنى الورثة يقال له زياد بن عبد الله فقال إن عديا بعثنى اليك يسألك أن تخرج من هذا البلد وتأتى بلدا آخر فتقاتل أهله فإن عديا للقائك كاره فقال له صالح ارجع إليه فقال له إن كنت ترى رأينا فأرنا من ذلك ما نعرف ثم نحن مدلجون عنك من هذا البلد إلى غيره وإن كنت على رأى الجبابرة وأئمة السوء رأينا رأينا فإن شئنا بدأنا بك وإن شئنا رحلنا إلى غيرك فانصرف إليه الرسول فأبلغه ما أرسل به فقال له ارجع إليه فقل له انى والله ما أنا على رأيك ولكني أكره قتالك وقتال غيرك فقاتل غيرى فقال صالح لاصحابه اركبوا فركبوا وحبس الرجل عنده حتى خرجوا ثم تركه ومضى بأصحابه حتى يأتي عدى بن عدى ابن عميرة في سوق ذوغان وهو قائم يصلى الضحى فلم يشعر إلا والخيل طالعة عليهم فلما بصروا بها تنادوا وجعل صالح شبيبا في كتيبة في ميمنة أصحابه وبعث سويد ابن سليم الهندي من بنى شيبان في كتيبة في ميسرة أصحابه ووقف هو في كتيبة في القلب فلما دنا منهم رآهم على غير تعبية وبعضهم يجول في بعض فأمر شبيبا فحمل عليهم ثم حمل سويد عليهم فكانت هزيمتهم ولم يقاتلوا وأتى عدى بن عدى بدابته وهو يصلى فركبها ومضى على وجهه وجاء صالح بن مسرح حتى نزل عسكره وحوى ما فيه وذهب فل عدى وأوائل أصحابه حتى دخلوا على محمد بن مروان فغضب ثم دعا خالد بن جزء السلمى فبعثه في ألف وخمسمائة ودعا الحارث بن جعونة من بنى ربيعة بن عامر بن صعصعة فبعثه في ألف وخمسمائة ودعاهما فقال اخرجا إلى هذه الخارجة القليلة الخبيثة وعجلا الخروج وأغذا السير فأيكما سبق فهو الامير على صاحبه فخرجا من عنده فأغذا السير وجعلا يسألان عن صالح بن مسرح فيقال لهما إنه توجه نحو آمد فأتبعاه حتى انتهيا إليه وقد نزل على أهل آمد فنزلا

[ 55 ]

ليلا فخندقا وانهيا إليه وهما متساندان كل واحد منهما في أصحابه على حدته فوجه صالح شبيبا إلى الحارث بن جعونة العامري في شطر أصحابه وتوجه هو نحو خالد ابن جزء السلمى (قال أبو مخنف) فحدثني المحلمى قال انتهوا إلينا في أول وقت العصر فصلى بنا صالح العصر ثم عبانا لهم فاقتتلنا كأشد قتال اقتتله قوم قط وجعلنا والله نرى الظفر يحمل الرجل منا على العشرة منهم فيهزمهم وعلى العشرين فكذلك وجعلت خيلهم لا تثبت لخيلنا * فلما رأى أميراهم ذلك ترجلا وأمرا جل من معهما فترجل فعند ذلك جعلنا لا نقدر منهم على الذى نريد إذا حملنا عليهم استقبلتنا رجالتهم بالرماح ونضحتنا رماتهم بالنبل وخيلهم تطاردنا في خلال ذلك فقاتلناهم إلى المساء حتى حال الليل بيننا وبينهم وقد أفشوا فينا الجراحة وأفشيناها فيهم ووالله ما أمسينا حتى كرهناهم وكرهونا وقد قتلوا منا نحوا من ثلاثين رجلا وقتلنا منهم أكثر من سبعين فوقفنا مقابلهم ما يقدمون علينا وما نقدم عليهم فلما أمسوا رجعوا إلى عسكرهم ورجعنا إلى عسكرنا فصلينا وتروحنا وأكلنا من الكسر ثم إن صالحا دعا شبيبا ورؤوس أصحابه فقال يا أخلائى ماذا ترون فقال شبيب أرى أنا قد لقينا هؤلاء القوم فقاتلناهم وقد اعتصموا بخندقهم فلا أرى أن نقيم عليهم فقال صالح وأنا أرى ذلك فخرجوا من تحت ليلتهم سائرين فمضوا حتى قطعوا أرض الجزيرة ثم دخلوا أرض الموصل فساروا فيها حتى قطعوها ومضوا حتى قطعوا الدسكرة * فلما بلغ ذلك الحجاج سرح إليهم الحارث بن عميرة بن ذى المشعار الهمداني في ثلاثة آلاف رجل من أهل الكوفة ألف من المقاتلة الاولى وألفين من الفرض الذى فرض لهم الحجاج فسار حتى إذا دنا من الدسكرة خرج صالح بن مسرح نحو جلولاء وخانقين وأتبعه الحارث بن عميرة حتى انتهى إلى قرية يقال لها المدبج من أرض الموصل على تخوم ما بينها وبين أرض جوخى وصالح يومئذ في تسعين رجلا فعبى الحارث بن عميرة يومئذ أصحابه وجعل على ميمنته أبا الرواع الشاكرى وعلى ميسرته الزبير بن الا روح التميمي ثم شد عليهم وذلك بعد العصر وقد جعل أصحابه ثلاثة كراديس فهو في كردوس وسبيب في كردوس في ميمنته وسويد

[ 56 ]

ابن سليم في كردوس في الميسرة في كل كردوس منهم ثلاثون رجلا * فلما شد عليهم الحارث بن عميرة في جماعة أصحابه انكشف سويد بن سليم وثبت صالح ابن مسرح فقتل وضارب شبيب حتى صرع عن فرسه فوقع في رجالة فشد عليهم فانكشفوا فجاء حتى انتهى إلى موقف صالح بن مسرح فأصابه قتيلا فنادى إلى يا معشر المسلمين فلا ذوابه فقال لاصحابه ليعجل كل واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه وليطاعن عدوه إذا أقدم عليه حتى ندخل هذا الحصن ونرى رأينا ففعلوا ذلك حتى دخلوا الحصن وهم سبعون رجلا بشبيب وأحاط بهم الحارث بن عميرة ممسيا وقال لاصحابه احرقوا الباب فإذا صار جمرا فدعوه فانهم لا يقدرون على أن يخرجوا منه حتى نصبحهم فنقتلهم ففعلوا ذلك بالباب ثم انصرفوا إلى عسكرهم فأشرف شبيب عليهم وطائفة من أصحابه فقال بعض أولئك الفرض يا بنى الزوانى ألم يخزكم الله فقالوا يا فساق نعم تقاتلوننا لقتالنا إياكم إذ عماكم الله عن الحق الذى نحن عليه فما عذركم عند الله في الفرى على أمهاتنا فقال لهم حلمؤهم إنما هذا من قول شباب فينا سفهاء والله ما يعجبنا قولهم ولا نستحله وقال شبيب لاصحابه يا هؤلاء ما تنتظرون فوالله لئن صبحكم هؤلاء غدوة إنه لهلاككم فقالوا له مرنا بأمرك فقال لهم إن الليل أخفى للويل بايعوني أو من شئتم منكم ثم اخرجوا بنا حتى نشد عليهم في عسكرهم فإنهم لذلك منكم آمنون وأنا أرجو أن ينصركم الله عليهم قالوا فابسط يدك فلنبايعك فبايعوه ثم جاءوا ليخرجوا وقد صار بابهم جمرا فأتوا باللبود فبلوها بالماء ثم ألقوها على الجمر ثم قطعوا عليها فلم يشعر الحارث بن عميرة ولا أهل العسكر إلا وشبيب وأصحابه يضربونهم بالسيوف في جوف عسكرهم فضارب الحارث حتى صرع واحتمله أصحابه وانهزموا وخلوا لهم العسكر وما فيه ومضوا حتى نزلوا المدائن فكان ذلك الجيش أول جيش هزمه شبيب وأصيب صالح بن مسرح يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الاول من سنته (وفى هذه السنة) دخل شبيب الكوفة ومعه زوجته غزالة

[ 57 ]

ذكر الخبر عن دخوله الكوفة وما كان من أمره وأمر الحجاج بها والسبب الذى دعا شبيبا إلى ذلك وكان السبب في ذلك فيما ذكر هشام عن أبى مخنف عن عبد الله بن علقمة عن قبيصة بن عبد الرحمن الخثعمي أن شبيبا لما قتل صالح بن مسرح بالمدبج وبايعه أصحاب صالح ارتفع إلى أرض الموصل فلقى سلامة بن سيار بن المضاء التيمى تيم شيبان فدعاه إلى الخروج معه وكان يعرفه قبل ذلك إذ كان في الديوان والمغازى فاشترط عليه سلامة أن ينتخب ثلاثين فارسا ثم لا يغيب عنه الا ثلاث ليال عددا ففعل فانتخب ثلاثين فارسا فانطلق بهم نحو عنزة وإنما أرادهم ليشفى نفسه منهم لقتلهم أخاه فضالة وذلك أن فضالة كان خرج قبل ذلك في ثمانية عشر نفسا حتى نزل ماء يقال له الشجرة من أرض الجال عليه أثلة عظيمة وعليه عنزة * فلما رأته عنزة قال بعضهم لبعض نقتلهم ثم نغدو بهم إلى الامير فنعطي ونحيى فأجمعوا على ذلك فقالت بنو نصر أخواله لعمز الله لا نساعدكم على قتل ولدنا فنهضت عنزة إليهم فقاتلوهم فقتلوهم وأتوا برؤوسهم عبد الملك بن مروان فلذلك أنزلهم بانقيا وفرض لهم ولم تكن لهم فرائض قبل ذلك إلا قليلة فقال سلامة بن سيار أخو فضالة يذكر قتل أخيه وخذلان أخواله إياه وما خلت أخوال الفتى يسلمونه * لوقع السلاح قبل ما فعلت نصر قال وكان خروج أخيه فضالة قبل خروج صالح بن مسرح وشبيب * فلما بايع سلامة شبيبا اشترط عليه هذا الشرط فخرج في ثلاثين فارسا حتى انتهى إلى عنزة فجعل يقتل المحلة منهم بعد المحلة حتى انتهى إلى فريق منهم فيهم خالته وقد أكبت على ابن لها وهو غلام حين احتلم فقالت وأخرجت ثديها إليه أنشدك برحم هذا يا سلامة فقال لا والله ما رأيت فضالة مذ أناخ بعمر الشجرة يعنى أخاه لتقومن عنه أو لاجمعن جافتك بالرمح فقامت عن ابنها عند ذلك فقتله (قال أبو مخنف) فحدثني المفضل بن بكر من بنى تيم بن شيبان أن شبيبا أقبل في أصحابه نحو راذان فلما سمعت به طائفة من بنى تيم بن شيبان خرجوا هرابا منه ومعهم ناس من غيرهم

[ 58 ]

قليل فأقبلوا حتى نزلوا دير خر زاد إلى جنب حولا يا وهم نحو من ثلاثة آلاف وشبيب في نحو من سبعين رجلا أو يزيدون قليلا فنزل بهم فهابوه وتحصنوا منه ثم إن شبيبا سرى في اثنى عشر فارسا من أصحابه إلى أمه وكانت في سفح ساتيد ما نازلة في مظلة من مظال الاعراب تقال لآتين بأمى فلاجعلنها في عسكري فلا تفارقني أبدا حتى أموت أو تموت وخرج رجلان من بنى تيم بن شيبان تخوفا على أنفسهما فنزلا من الدير فلحقا بجماعة من قومهما وهم نزول بالجال منهم على مسيرة ساعة من النهار وخرج شبيب في أولئك الرهط في أولهم وهم اثنا عشر يريد أمه بالسفح فإذا هو بجماعة من بنى تيم بن شيبان غارين في أموالهم مقيمين لا يرون أن شبيبا يمر بهم لمكانهم الذى هم به ولا يشعر بهم فحمل عليهم في فرسانه تلك فقتل منهم ثلاثين شيخا فيهم حوثرة بن أسد ووبرة بن عاصم اللذان كانا نزلا من الدير فلحقا بالجال ومضى شبيب إلى أمه فحملها من السفح فأقبل بها وأشرف رجل من أصحاب الدير من بكر بن وائل على أصحاب شبيب وقد استخلف شبيب أخاه على أصحابه مصاد ابن يزيد ويقال لذلك الرجل الذى أشرف عليهم سلام بن حيان فقال لهم يا قوم القرآن بيننا وبينكم ألم تسمعوا قول الله " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه " قالوا بلى قال لهم فكفوا عنا حتى نصبح ثم نخرج إليكم على أمان لنا منكم لكيلا تعرضوا لنا بشئ نكرهه حتى تعرضوا علينا أمركم هذا فإن نحن قبلناه حرمت عليكم أموالنا ودماؤنا وكنا لكم إخوانا وإن نحن لم نقبله رددتمونا إلى مأمننا ثم رأيتم رأيكم فيما بيننا وبينكم قالوا لهم فهذا لكم * فلما أصبحوا خرجوا إليهم فعرض عليهم أصحاب شبيب قولهم ووصفوا لهم أمرهم فقبلوا ذلك كله وخالطوهم ونزلوا إليهم فدخل بعضهم إلى بعض وجاء شبيب وقد اصطلحوا فأخبره أصحابه خبرهم فقال أصبتم ووفقتم وأحسنتم ثم إن شبيبا ارتحل فخرجت معه طائفة وأقامت طائفة جانحة وخرج يومئذ معه إبراهيم بن حجر المحلمى أبو الصيقير كان مع بنى تيم بن شيبان نازلا فيهم ومضى شبيب في أداني أرض الموصل وتخوم أرض جوخى ثم ارتفع نحو آذربيجان وأقبل سفيان بن أبى العالية

[ 59 ]

الخثعمي في خيل قد كان أمر أن يدخل بها طبرستان فأمر بالقفول فأقبل راجعا في نحو من ألف فارس فصالح صاحب طبرستان (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الله بن علقمة الخثعمي أن كتاب الحجاج أتاه أما بعد فسر حتى تنزل الدسكرة فيمن معك ثم أقم حتى يأتيك جيش الحارث بن عميرة الهمداني بن ذى المشعار وهو الذى قتل صالح بن مسرح وخيل المناظر ثم سر إلى شبيب حتى تناجزه * فلما أتاه الكتاب أقبل حتى نزل الدسكرة ونودى في جيش الحارث بن عميرة بالكوفة والمدائن ان برئت الذمة من رجل من جيش الحارث بن عميرة لم يواف سفيان بن أبى العالية بالدسكرة قال فخرجوا حتى أتوه وأتته خيل المناظر وكانوا خمسمائة عليهم سورة بن أبجر التميمي من بنى أبان بن دارم فوافره إلا نحوا من خمسين رجلا تخلفوا عنه وبعث إلا سفيان بن أبى العالية أن لا تبرح العسكر حتى آتيك فعجل سفيان فارتحل في طلب شبيب فلحقه بخانقين في سفح جبل فجعل على ميمنته خازم بن سفيان الخثعمي من بنى عمرو بن شهران وعلى ميسرته عدى بن عميرة الشيباني وأصحر لهم شبيب ثم ارتفع عنهم حتى كأنه يكره لقاءه وقد أكمن له أخاه مصادا معه خمسون في هزم من الارض فلما رأوه جمع أصحابه ثم مضى في سفح الجبل مشرقا فقالوا هرب عدو الله فاتبعوه فقال لهم عدى بن عميرة الشيباني أيها الناس لا تعجلوا عليهم حتى نضرب في الارض ونسير بها فإن يكونوا قد أكمنوا لنا كمينا قد حذرناه وإلا فإن طلبهم لن يفوتنا فلم يسمع منه الناس وأسرعوا في آثارهم * فلما رأى شبيب أنهم قد جازوا الكمين عطف عليهم * ولما رأى الكمين أن قد جاوزوهم خرجوا إليهم فحمل عليهم شبيب من أمامهم وصاح بهم الكمين من ورائهم فلم يقاتلهم أحد وكانت الهزيمة فثبت ابن أبى العالية في نحو من مائتي رجل فقاتلهم قتالا شديدا حسنا حتى ظن أنه انتصف من شبيب وأصحابه فقال سويد بن سليم لاصحابه أمنكم أحد يعرف أمير القوم ابن أبى العالية فوالله لئن عرفته لاجهدن نفسي في قتله فقال شبيب أنا من أعرف الناس به أما ترى صاحب الفرس الاغر الذى دونه المرامية فإنه ذلك فإن كنت تريده فأمهله قليلا ثم قال يا قعنب اخرج في عشرين فأتهم من

[ 60 ]

ورائهم فخرج قعنب في عشرين فارتفع عليهم * فلما رأره يريد أن يأتيهم من ورائهم جعلوا يتنقضون ويتسللون وحمل سويد بن سليم على سفيان بن أبى العالية فطاعنه فلم تصنع رمحاهما شيئا ثم اضطربا بسيفيهما ثم اعتنق كل منهما صاحبه فوقعا إلى الارض يعتر كان ثم تحاجزوا أو حمل عليهم شبيب فانكشفوا وأتى سفيان غلام له يقال له غزوان فنزل عن برذونه وقال اركب يا مولاى فركب سفيان وأحاط به أصحاب شبيب فقاتل دونه غزوان فقتل وكانت معه رايته وأقبل سفيان بن أبى العالية حتى انتهى إلى بابل مهروذ فنزل بها وكتب إلى الحجاج أما بعد فإنى أخبر الامير أصلحه الله أنى اتبعت هذه المارقة حتى لحقتهم بخانقين فقاتلهم فضرب الله وجوههم ونصرنا عليهم فبينا نحن كذلك إذ أتاهم قوم كانوا غيبا عنهم فحملوا على الناس فهزموهم فنزلت في رجال من أهل الدين والصبر فقاتلتهم حتى خررت بين القتلى فحملت مرتثا فأتى بى بابل مهروذفها أنا بها والجند الذين وجههم إلى الامير ووافوا الاسورة بن أبجر فإنه لم يأتنى ولم يشهد معى إذا ما نزلت بابل مهروذ أتانى يقول مالا أعرف ويعتذر بغير العذر والسلام * فلما قرأ الحجاج الكتاب قال من صنع كما صنع هذا وأبلى كما أبلى فقد أحسن ثم كتب إليه أما بعد فقد أحسنت البلاء وقضيت الذى عليك فإذا خف عنك الوجع فأقبل مأجورا إلى أهلك والسلام وكتب إلى سورة بن أبجر أما بعد فيا ابن أم سورة ما كنت خليقا أن تجترئ على ترك عهدي وخذلان جندي فإذا أتاك كتابي فابعث رجلا ممن معك صليبا إلى الخيل التى بالمدائن فلينتخب منهم خمسمائة رجل ثم ليقدم بهم عليك ثم سر بهم حتى تلقى هذه المارقة واحزم في أمرك وكد عودك فإن أفضل أمر الحرب حسن المكيدة والسلام * فلما أتى سورة كتاب الحجاج بعث عدى بن عميرة إلى المدائن وكان بها ألف فارس فانتخب منهم خمسمائة ثم دخل على عبد الله بن أبى عصيفير وهو أمير المدائن إمارته الاولى فسلم عليه فأجازه بألف درهم وحمله على فرس وكساه أثوابا ثم إنه خرج من عنده فأقبل بأصحابه حتى قدم بهم على سورة بن أبجر ببابل مهروذ فخرج في طلب شبيب وشبيب يجول في جوخى وسورة في طلبه

[ 61 ]

فجاء شبيب حتى انتهى إلى المدائن فتحصن منه أهل المدائن وتحرزوا ووهى أبنية المدائن الاولى فدخل المدائن فأصاب بها دواب جند كثيرة فقتل من ظهر له ولم يدخلوا البيوت فأتى فقيل له هذا سورة بن أبجر قد أقبل إليك فخرج في أصحابه حتى انتهى إلى النهروان فنزلوا به وتوضؤا وصلوا ثم أتوا مصارع إخوانهم الذين قتلهم على بن أبى طالب عليه السلام فاستغفروا لاخوانهم وتبرؤا من على وأصحابه وبكوا فأطالوا البكاء ثم خرجوا فقطعوا جسر النهروان فنزلوا من جانبه الشرقي وجاء سورة حتى نزل بقطراثا وجاءته عيونه فأخبرته بمنزل شبيب بالنهروان فدعا رؤس أصحابه فقال إنهم قلما يلقون مصحرين أو على ظهر إلا انتصفوا منكم وظهروا عليهم وقد حدثت أنهم لا يزيدون على مائة رجل إلا قليلا وقد رأيت أن أنتخبكم فأسير في ثلثمائة رجل منكم من أقويائكم وشجعانكم فأتيهم الآن إذ هم آمنون لبياتكم فوالله إنى لارجو أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم الذين صرعوا منهم بالنهروان من قبل فقالوا اصنع ما أحببت فاستعمل على عسكره حازم بن قدامة الخثعمي وانتخب من أصحابه ثلاثمائة رجل من أهل القوة والجلد والشجاعة ثم أقبل بهم نحو النهروان وبات شبيب وقد أذكى الحرس فلما دنا أصحاب سورة منهم نذروا بهم فاستووا على خيولهم وتعبوا تعبيتهم * فلما انتهى إليهم سورة وأصحابه أصابوهم قد حذروا واستعدوا فحمل عليهم سورة وأصحابه فثبتوا لهم وضاربوهم حتى صد عنهم سورة وأصحابه ثم صاح شبيب بأصحابه فحمل عليهم حتى تركوا له العرضة وحملوا عليهم معه وجعل شبيب يضرب ويقول من ينك العيرينك نياكا * جندلتان اصطكتا اصطكاكا فرجع سورة إلى عسكره وقد هزم الفرسان وأهل القوة فتحمل بهم حتى أقبل بهم نحو المدائن فدفع إليهم وقد تحمل وتعدى الطريق الذى فيه شبيب واتبعه شبيب وهو يرجو أن يلحقه فيصيب عسكره ويصيب بهزيمته أهل العسكر فأغذ السير في طلبهم فانتهوا إلى المدائن فدخلوها وجاء شبيب حتى انتهى إلى بيوت المدائن

[ 62 ]

فدفع إليهم وقد دخل الناس وخرج ابن أبى عيفير في أهل المدائن فرماهم الناس بالنبل ورموا من فوق البيوت بالحجارة فارتفع شبيب بأصحابه عن المدائن فمر على كلو إذا فأصاب بها دواب كثيرة للحجاج فأخذها ثم خرج يسير في أرض جوخى ثم مضى نحو تكريت فبينا ذلك الجند في المدائن إذ أرجف الناس بينهم فقالوا هذا شبيب قد دنا وهو يريد أن يبيت أهل المدائن الليلة فارتحل عامة الجند فلحقوا بالكوفة (قال أبو مخنف) وحدثني عبد الله بن علقمة الخثعمي قال والله لقد هربوا من المدائن وقالوا نبيت الليلة وإن شبيبا لبتكريت قال ولما قدم الفل على الحجاج سرح الجزل بن سعيد بن شرحبيل بن عمرو الكندى (قال أبو مخنف) حدثنا النضر بن صالح العبسى وفضيل بن خديج الكندى أن الحجاج لما أتاه الفل قال قبح الله سورة ضيع العسكر والجند وخرج يبيت الخوارج أما والله لاسو أنه وكان بعد قد حبسه ثم عوفي عنه (قال أبو مخنف) وحدثني فضيل بن خديج أن الحجاج دعا الجزل وهو عثمان بن سعيد فقال له تيسر للخروج إلى هذه المارقة فإذا لقيتهم فلا تعجل عجلة الخرق ولا تحجم إحجام الوانى الفرق هل فهمت لله أنت يا أخا بنى عمرو بن معاوية فقال نعم أصلح الله الامير قد فهمت قال له فاخرج فعسكر بدير عبد الرحمن حتى يخرج إليك الناس فقال أصلح الله الامير لا تبعثن معى أحدا من أهل هذا الجند المفلول المهزوم فإن الرعب قد دخل قلوبهم وقد خشيت أن لا ينفعك والمسلمين منهم أحد قال له فإن ذلك لك ولا أراك الا قد أحسنت الرأى ووفقت ثم دعا أصحاب الدواوين فقال اضربوا على الناس البعث فأخرجوا أربعة آلاف من الناس من كل ربع ألف رجل وأعجلوا ذلك فجمعت العرفاء وجلس أصحاب الدواوين وضربوا البعث فأخرجوا أربعة آلاف فأمرهم بالعسكر فعسكروا ثم نودى فيهم بالرحيل ثم ارتحلوا ونادى منادى الحجاج أن برئت الذمة من رجل أصبناه من هذا البعث متخلفا قال فمضى الجزل بن سعيد وقد قدم بين يديه عياض بن أبى لينة الكندى على مقدمته فخرج حتى أتى المدائن فأقام بها ثلاثا وبعث إليه ابن أبى عصيفير بفرس وبرذون

[ 63 ]

وبغلين وألفى درهم ووضع للناس من الجزر والعلف ما كفاهم ثلاثة أيام حتى ارتحلوا فأصاب الناس ما شاءوا من تلك الجزر والعلف الذى وضع لهم ابن أبى عصيفير ثم ان الجزل بن سعيد خرج بالناس في أثر شبيب فطلبه في أرض جوخى فجعل شبيب يريه الهيبة فيخرج من رستاق إلى رستاق ومن طسوج إلى طسوج ولا يقيم له ارادة أن يفرق الجزل أصحابه ويتعجل إليه فيلقاه في يسير من الناس على غير من تعبية فجعل الجزل لا يسير الا على تعبية ولا ينزل إلا خندق على نفسه خندقا فلما طال ذلك على شبيب أمر أصحابه ذات ليلة فسروا (قال أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط أن شبيبا دعانا ونحن بدير بيرما ستون ومائة رجل فجعل على كل أربعين من أصحابه رجلا وهو في أربعين وجعل أخاه مصادا في أربعين وبعث سويد بن سليم في أربعين وبعث المحلل بن وائل في أربعين وقد أتته عيونه فأخبرته ان الجزل بن سعيد قد نزل دير يزدجرد قال فدعانا عند ذلك فعبانا هذه التعبية وأمرنا فعلقنا على دوابنا وقال لنا تيسروا فإذا قضمت دوابكم فاركبوا وليسر كل امرئ منكم مع أميره الذى أمرناه عليه ولينظر كل امرئ منكم ما يأمره أميره فليتبعه ودعا أمراءنا فقال لهم إنى أريد أن أبيت هذا العسكر الليلة ثم قال لاخيه مصادآتهم فارتفع من فوقهم حتى تأتيهم من ورائهم من قبل حلوان وسأتيهم أنا من أمامى من قبل الكوفة وأتهم أنت يا سويد من قبل المشرق وأتهم أنت يا محلل من قبل المغرب وليلج كل امرئ منكم على الجانب الذى يحمل عليه ولا تقلعوا عنهم تحملون وتكرون عليهم وتصيحون بهم حتى يأتيكم أمرى فلم نزل على تلك التعبية وكنت أنا في الاربعين الذين كانوا معه حتى إذا قضمت دوابنا وذلك أول الليل أول ما هدأت العيون خرجنا حتى انتهينا إلى دير الخرارة فإذا للقوم مسلحة عليهم عياض بن أبى لينة فما هو إلا أن انتهينا إليهم فحمل عليهم مصادا خو شبيب في أربعين رجلا وكان امام شبيب وقد كان أراد أن يسبق شبيبا حتى يرتفع عليهم ويأتيهم من ورائهم كما أمره * فلما لقى هؤلاء قاتلهم فصبروا ساعة وقاتلوهم ثم انا دفعنا إليهم جميعا فحملنا عليهم فهزمناهم وأخذوا الطريق

[ 64 ]

الاعظم وليس بينهم وبين عسكرهم بدير يزدجرد إلا قريب من ميل فقال لنا شبيب اركبوا معاشر المسلمين أكتافهم حتى تدخلوا معهم عسكرهم إن استطعتم فأتبعناهم والله ملظين بهم ملحين عليهم ما نرفه عنهم وهم منهزمون مالهم همة إلا عسكرهم فانتهوا إلى عسكرهم ومنعهم أصحابهم أن يدخلوا عليهم ورشقونا بالنبل وكانت عيون لهم قد أتتهم فأخبرتهم بمكاننا وكان الجزل قد خندق عليه وتحرز ووضع هذه المسلحة الذين لقيناهم بدير الخرارة ووضع مسلحة أخرى مما يلى حلوان على الطريق فلما أن دفعنا إلى هذه المسلحة التى كانت بدير الخرارة فألحقناهم بعسكر جماعتهم رجعت المسالح الاخر حتى اجتمعت ومنعها أهل العسكر دخول العسكر وقالوا لهم قاتلوا ونضحوا عنكم بالنبل (قال أبو مخنف) وحدثني جرير ابن الحسين الكندى قال كان على المسلحتين الاخرتين عاصم بن حجر على التى تلى حلوان وواصل بن الحارث السكوني على الاخرى فلما أن اجتمعت المسالح جعل شبيب يحمل عليها حتى اضطرها إلى الخندق ورشقهم أهل العسكر بالنبل حتى ردوهم عنهم فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليهم قال لاصحابه سيروا ودعوهم فمضى على الطريق نحو حلوان حتى إذا كان قريبا من موضع قباب حسين بن زفر من بنى بدر بن فزارة وانما كانت قباب حسين بن زفر بعد ذلك قال لاصحابه انزلوا فأقضموا وأصلحوا نبلكم وتروحوا وصلوا ركعتين ثم اركبوا فنزلوا ففعلوا ذلك ثم إنه أقبل بهم راجعا إلى عسكر أهل الكوفة أيضا وقال سيروا على تعبيتكم التى عبأتكم عليها بدير بير ما أول الليل ثم أطيفوا بعسكرهم كما أمرتكم فأقبلوا قال فأقبلنا معه وقد أدخل أهل العسكر مسالحهم إليهم وقد أمنونا فما شعروا حتى سمعوا وقع حوافر خيولنا قريبا منهم فانتهينا إليهم قبيل الصبح فأحطنا بعسكرهم ثم صيحنا بهم من كل جانب فإذا هم يقاتلوننا من كل جانب ويرموننا بالنبل ثم ان شبيبا بعث إلى أخيه مصاد وهو يقاتلهم من نحو الكوفة أن أقبل الينا وخل لهم سبيل الطريق إلى الكوفة فأقبل إليه وترك ذلك الوجه وجعلنا نقاتلهم من تلك الوجوه الثلاثة حتى أصبحنا فأصبحنا ولم نستفل منهم شيئا

[ 65 ]

فسرنا وتركناهم فجعلوا بصيحون بنا أين يا كلاب النار أين أيتها العصابة المارقة أصبحوا نخرج اليكم فارتفعنا عنهم نحوا من ميل ونصف ثم نزلنا فصلينا الغداة ثم أخذنا الطريق على براز الروز ثم مضينا إلى جرجرايا وما يليها فأقبلوا في طلبنا (قال أبو مخنف) فحدثني مولى لنا يدعى غاضرة أو قيصر قال كنت مع الناس تاجرا وهم في طلب الحرورية وعلينا الجزل بن سعيد فجعل يتبعهم فلا يسير إلا على تعبية ولا ينزل إلا على خندق وكان شبيب يدعه ويضرب في أرض جوخى وغيرها يكسر الخراج وطال ذلك على الحجاج فكتب إليه كتابا فقرئ على الناس أما بعد فإنى بعثتك في فرسان أهل المصر ووجوه الناس وأمرتك باتباع هذه المارقة الضالة المضلة حتى تلقاها فلا تقلع عنها حتى تقتلها وتفنيها فوجدت التعريس في القرى والتخييم في الخنادق أهون عليك من المضى لما أمرتك به من مناهضتهم ومناجزتهم والسلام فقرئ الكتاب علينا ونحن بقطراثا ودير أبى مريم فشق ذلك على الجزل وأمر الناس بالسير فخرجوا في طلب الخوارج جادين وأرجفنا بأميرنا وقلنا يعزل (قال أبو مخنف) فحدثني اسماعيل بن نعيم الهمداني ثم البرسمى ان الحجاج بعث سعيد بن المجالد على ذلك الجيش وعهد إليه إن لقيت المارقة فازحف إليهم ولا تناظرهم ولا تطاولهم وواقفهم واستعن بالله عليهم ولا تصنع صنيع الجزل واطلبهم طلب السبع وحد عنهم حيدان الضبع وأقبل الجزل في طلب شبيب حتى انتهوا إلى النهروان فأدركوه فلزم عسكره وخندق عليه وجاء إليه سعيد بن المجالد حتى دخل عسكر أهل الكوفة أميرا فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيا أهل الكوفة إنكم قد عجزتم ووهنتم وأغضبتم عليكم أميركم أنتم في طلب هذه الاعاريب العجف منذ شهرين وهم قد خربوا بلادكم وكسروا خراجكم وأنتم حاذرون في جوف هذه الخنادق لا تزايلونها إلا ان يبلغكم أنهم قد ارتحلوا عنكم ونزلوا بلدا سوى بلدكم اخرجوا على اسم الله إليهم فخرج وأخرج الناس معه وجمع إليه خيول أهل العسكر فقال له الجزل ما تريد أن تصنع قال أريد أن أقدم على شبيب في هذه الخيل فقال له الجزل أقم أنت في جماعة الجيش فارسهم وراجلهم وأصحر له فوالله ليقدمن

[ 66 ]

عليك فلا تفرق أصحابك فان ذلك شر لهم وخير لك فقال له قف أنت في الصف فقال يا سعيد بن مجالد ليس لى فيما صنعت رأى أنا برئ من رأيك هذا سمع الله ومن حضر من المسلمين فقال هو رأيى إن أصبت فالله وفقني له وإن يكن غير صواب فأنتم منه برآء قال فوقف الجزل في صف أهل الكوفة وقد أخرجهم من الخندق وجعل على ميمنتهم عياض بن أبى لينة الكندى وعلى ميسرتهم عبد الرحمن ابن عوف أبا حميد الرواسى ووقف الجزل في جماعتهم واستقدم سعيد بن مجالد فخرج وأخرج الناس معه وقد أخذ شبيب إلى براز الروز فنزل قطيطيا وأمر دهقانها ان يشترى لهم ما يصلحهم ويتخد لهم غداء ففعل ودخل مدينة قطيطيا وأمر بالباب فأغلق فلم يفرغ من الغداء حتى أتاه سعيد بن مجالد في أهل ذلك العسكر فصعد الدهقان السور فنظر إلى الجند مقبلين قد دنوا من حصنه فنزل وقد تغير لونه فقال له شبيب ما لى أراك متغير اللون فقال له الدهقان قد جاءتك الجنود من كل ناحية قال لا بأس هل أدرك غداؤنا قال نعم قال فقربه وقد أغلق الباب وأتى بالغداء فتغدى وتوضأ وصلى ركعتين ثم دعا ببغل له فركبه ثم انهم اجتمعوا على باب المدينة فأمر بالباب ففتح ثم خرج على بغلة فحمل عليهم وقال لا حكم إلا للحكم الحكيم أنا أبو مدله اثبتوا ان شئتم وجعل سعيد يجمع قومه وخيله ثم يدلفها في أثره ويقول ما هؤلاء إنما هم أكلة رأس فلما رآهم شبيب قد تقطعوا وانتشرو الف خيله كلها ثم جمعها ثم قال استعرضوهم استعراضا وانظروا إلى أميرهم فوالله لاقتلنه أو يقتلنى وحمل عليهم مستعرضا لهم فهزمهم وثبت سعيد ابن المجالد ثم نادى أصحابه إلى إلى أنا ابن ذى مران وأخذ فلنسوته فوضعها على قربوس سرجه وحمل عليه شبيب فعممه بالسيف فخالط دماغه فخر ميتا وانهزم ذلك الجيش وقتلوا كل قتلة حتى انتهوا إلى الجزل ونزل الجزل ونادى أيها الناس إلى وناداهم عياض بن أبى لينة أيها الناس إن كان أميركم القادم قد هلك فأميركم الميمون النقيبة المبارك حى لم يمت فقاتل الجزل قتالا شديدا حتى حمل من بين القتلى فحمل إلى المدائن مرتثا وقدم فل أهل ذلك العسكر الكوفة وكان من أشد

[ 67 ]

الناس بلاء يومئذ خالد بن نهيك من بنى ذهل بن معاوية وعياض بن أبى لينة حتى استتقذاه وهو مرتث هذا حديث طائفة من الناس والحديث الآخر قتالهم فيما بين دير أبى مريم إلى براز الروز ثم ان الجزل كتب إلى الحجاج قال وأقبل شبيب حتى قطع دجلة عند الكرخ وبعث إلى سوق بغداذ فآمنهم وذلك اليوم يوم سوقهم وكان بلغه أنهم يخافونه فأحب أن يؤمنهم وكان أصحابه يريدون أن يشتروا من السوق دواب وثيابا وأشياء ليس لهم منها بد ثم أخذ بهم نحو الكوفة وساروا أول الليل حتى نزلوا عقر الملك الذى يلى قصر ابن هبيرة ثم أغذ السير من الغد فبات بين حمام عمر بن سعد وبين قبين فلما بلغ الحجاج مكانه بعث إلى سويد بن عبد الرحمن السعدى فبعثه في ألفى فارس نقاوة وقال له اخرج إلى شبيب فالقه واجعل ميمنة وميسرة ثم انزل إليه في الرجال فإن استطرد ذلك فدعه ولا تتبعه فخرج فعسكر بالسبخة فبلغه أن شبيبا قد أقبل فأقبل نحوه وكأنما يساقون إلى الموت وأمر الحجاج عثمان بن قطن فعسكر بالناس بالسبخة ونادى ألا برئت الذمة من رجل من هذا الجند بات الليلة بالكوفة لم يخرج إلى عثمان بن قطن بالسبخة وأمر سويد بن عبد الرحمن أن يسير في الالفين اللذين معه حتى يلقى شبيبا فعبر بأصحابه إلى زرارة وهو يعبئهم ويحرضهم إذ قيل له قد غشيك شبيب فنزل ونزل معه جل أصحابه وقدم رايته ومضى إلى أقصى زرارة فأخبر أن شبيبا قد أخبر بمكانك فتركك ووجد مخاضة فعبر الفرات وهو يريد الكوفة من غير الوجه الذى أنت به ثم قيل له أما تراهم فنادى في أصحابه فركبوا في آثارهم وإن شبيبا أتى دار الرزق فنزلها فقيل له إن أهل الكوفة بأجمعهم معسكرون بالسبخة فلما بلغهم مكان شبيب صاح بعضهم ببعض وجالوا وهموا أن يدخلوا الكوفة حتى قيل لهم إن سويد بن عبد الرحمن في آثارهم قد لحقهم وهو يقاتلهم في الخيل (قال هشام) وأخبرني عمر بن بشير قال لما نزل شبيب الدير أمر بغنم تهيأ له فصعد الدهقان ثم نزل وقد تغير لونه فقال مالك قال قد والله جاءك جمع كثير قال أبلغ الشواء بعد قال لا قال دعه قال ثم أشرف اشرافة أخرى فقال قد والله احاطوا

[ 68 ]

بالجوسق قال هات شواءك فجعل يأكل غير مكترث لهم فلما فرغ توضأ وصلى بأصحابه الاولى ثم تقلد سيفين بعد ما لبس درعه وأخذ عمود حديد ثم قال اسرجوا لى البغلة فقال أخوه مصادا في هذا اليوم تسرج بغلة قال نعم اسرجوها فركبها ثم قال يا فلان أنت على الميمنة وأنت يا فلان على الميسرة وقال لمصاد أنت في القلب وأمر الدهقان ففتح الباب في وجوههم قال فخرج إليهم وهو يحكم فجعل سعيد وأصحابه يرجعون القهقرى حتى صار بينهم وبين الدير نحو من ميل قال وجعل سعيد يقول يا معشر همدان أنا ابن ذى مروان إلى إلى ووجه سربا مع ابنه وقد أحس أنها تكون عليه فنظر شبيب إلى مصاد فقال أثكلنيك الله ان لم أثكله ولده قال ثم علاه بالعمود فسقط ميتا وانهزم أصحابه وما قتل بينهم يومئذ إلا قتيل واحد قال وانكشف أصحاب سعيد بن مجالد حتى أتوا الجزل فناداهم الجزل أيها الناس إلى إلى وناداهم عياض بن أبى لينة أيها الناس إن يكن أميركم هذا القادم قد هلك فهذا أميركم الميمون النقيبة أقبلوا إليه وقاتلوا معه فمنهم من أقبل إليه ومنهم من ركب رأسه منهزما وقاتل الجزل قتالا شديدا حتى صرع وقاتل عنه خالد بن نهيك وعياض بن أبى لينة حتى استنقذاه وهو مرتث وأقبل الناس منهزمين حتى دخلوا الكوفة فأتى بالجزل حتى أدخل المدائن وكتب إلى الحجاج بن يوسف * قال أبو مخنف حدثنى بذلك ثابت مولى زهير أما بعد فإنى أخبر الامير أصلحه الله إنى خرجت فيمن قبلى من الجند الذى وجهنى فيه إلى عدوه وقد كنت حفظت عهد الامير إلى فيهم ورأيه فكنت أخرج إليهم إذا رأيت الفرصة وأحبس الناس عنهم إذا خشيت الورطة فلم أزل كذلك ولقد أرادنى العدو بكل إرادة فلم يصب منى غرة حتى قدم على سعيد بن مجالد رحمة الله عليه ولقد أمرته بالتؤدة ونهيته عن العجلة وأمرته أن لا يقاتلهم إلا في جماعة الناس عامة فعصاني وتعجل إليهم في الخيل فأشهدت عليه أهل المصرين إنى برئ من رأيه الذى رأى وإنى لا أهوى ما صنع فمضى فأصيب تجاوز الله عنه ودفع الناس إلى فنزلت ودعوتهم إلى ورفعت لهم رايتى وقاتلت حتى صرعت فحملني أصحابي من بين القتلى فما أفقت إلا وأنا على

[ 69 ]

أيديهم على رأس ميل من المعركة فأنا اليوم بالمدائن في جراحة قد يموت الرجل من دونها ويعافى من مثلها فليسأل الامير أصلحه الله عن نصيحتي له ولجنده وعن مكايدتي عدوه وعن موقفي يوم البأس فإنه يستبين له عند ذلك انى قد صدقته ونصحت له والسلام فكتب إليه الحجاج أما بعد فقد أتانى كتابك وقرأته وفهمت كل ما ذكرت فيه وقد صدقتك في كل ما وصفت به نفسك من نصيحتك لاميرك وحيطتك على أهل مصرك وشدتك على عدوك وقد فهمت ما ذكرت من أمر سعيد وعجلته إلى عدوه فقد رضيت عجلته وتؤدتك فأما عجلته فانها أفضت به إلى الجنة وأما تؤدتك فانها لم تدع الفرصة إذا أمكنت وترك الفرصة إذا لم تمكن حزم وقد أصبت وأحسنت البلاء وأجرت وأنت عندي من أهل السمع والطاعة والنصيحة وقد أشخصت إليك حيان بن أبجر ليداويك ويعالج جراحتك وبعثت إليك بألفى درهم فأنفقها في حاجتك وما ينوبك والسلام فقدم عليه حيان بن أبجر الكنانى من بنى فراس وهم يعالجون الكى وغيره فكان يداويه وبعث إليه عبد الله ابن أبى عصيفير بألف درهم وكان يعوده ويتعاهده باللطف والهدية قال وأقبل شبيب نحو المدائن فعلم أنه لا سبيل له إلى أهلها مع المدينة فأقبل حتى انتهى إلى الكرخ فعبر دجلة إليه وبعث إلى أهل سوق بغداذ وهو بالكرخ أن اثبتوا في سوقكم فلا بأس عليكم وكان ذلك يوم سوقهم وقد كان بلغه أنهم يخافونه قال ويخرج سويد حتى جعل بيوت مزينة وبنى سليم في ظهره وظهور أصحابه وحمل عليهم شبيب حملة منكرة وذلك عند المساء فلم يقدر منهم على شئ فأخذ على بيوت الكوفة نحو الحيرة وأتبعه سويد لا يفارقه حتى قطع بيوت الكوفة كلها إلى الحيرة وأتبعه سويد حتى انتهى إلى الحيرة فيجده قد قطع قنطرة الحيرة ذاهبا فتركه وأقام حتى أصبح وبعث إليه الحجاج أن أتبعه فأتبعه ومضى شبيب حتى أغار في أسفل الفرات على من وجد من قومه وارتفع في البر من وراء خفان في أرض يقال لها الغلظة فيصيب رجالا من بنى الورثة فحمل عليهم فاضطرهم إلى جدد من الارض فجعلوا يرمونه وأصحابه بالحجارة من حجارة الارحاء كانت حولهم فلما نفدت

[ 70 ]

وصل إليهم فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا منهم حنظلة بن مالك ومالك بن حنظلة وحمران ابن مالك كلهم من بنى الورثة (قال أبو مخنف) حدثنى بذلك عطاء بن عرفجة بن زياد بن عبد الله الورثى ومضى شبيب حتى يأتي بنى أبيه على اللصف ماء لرهطه وعلى ذلك الماء الفزر بن الاسود وهو أحد بنى الصلت وهو الذى كان ينهى شبيبا عن رأيه وأن يفسد بنى عمه وقومه فكان شبيب يقول والله لئن ملكت سبعة أعنة لاغزون الفزر فلما غشيهم شبيب في الخيل سأل عن الفزر فاتقاه الفزر فخرج على فرس لا تجارى من وراء البيوت فذهب عليها في الارض وهرب منه الرجال ورجع وقد أخاف أهل البادية حتى أخذ على القطقطانة ثم على قصر مقاتل ثم أخذ على شاطئ الفرات حتى أخذ على الحصاصة ثم على الانباء ثم مضى حتى دخل دقوقاء ثم ارتفع إلى أداني آذربيجان فتركه الحجاج وخرج إلى البصرة واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة فما شعر الناس بشئ حتى جاء كتاب من ماذر واسب دهقان بابل مهروذ وعظيمها إلى عروة بن المغيرة بن شعبة أن تاجرا من تجار الانبار من أهل بلادي أتانى فذكر أن شبيبا يريد أن يدخل الكوفة في أول هذا الشهر المستقبل أحببت إعلامك ذلك لترى رأيك ثم لم ألبث إلا ساعة حتى جاءني جابيان من جباتى فحدثاني أنه قد نزل خانيجار فأخذ عروة كتابه فأدرجه وسرح به إلى الحجاج بالبصرة فلما قرأه الحجاج أقبل جوادا إلى الكوفة وأقبل شبيب يسير حتى انتهى إلى قرية يقال لها حربى على شاطئ دجلة فعبر منها فقال ما اسم هذه القرية فقالوا حربى فقال حرب يصلى بها عدوكم وحرب تدخلونه بيوتهم إنما يتطير من يقوف ويعيف ثم ضرب رايته وقال لاصحابه سيروا فأقبل حتى نزل عقر قوفا فقال له سويد بن سليم يا أمير المؤمنين لو تجولت بنا من هذه القرية المشؤمة الاسم قال وقد تطيرت أيضا والله لا أتحول عنها حتى أسير إلى عدوى منها إنما شؤمها إن شاء الله على عدوكم تحملون عليهم فيها فالعقر لهم ثم قال لاصحابه يا هؤلاء إن الحجاج ليس بالكوفة وليس دون الكوفة إن شاء الله شئ فسيروا بنا فخرج يبادر الحجاج إلى الكوفة وكتب عروة إلى الحجاج

[ 71 ]

أن شبيبا قد أقبل مسرعا يريد الكوفة فالعجل العجل فطوى الحجاج المنازل واستبقا إلى الكوفة ونزلها الحجاج صلاة الظهر ونزل شبيب السبخة صلاة المغرب فصلى المغرب والعشاء ثم أصاب هو وأصحابه من الطعام شيئا يسيرا ثم ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة فجاء شبيب حتى انتهى إلى السوق ثم شد حتى ضرب باب القصر بعموده قال أبو المنذر رأيت ضربة شبيب بباب القصر قد أثرت أثرا عظيما ثم أقبل حتى وقف عند المصطبة ثم قال وكأن حافرها بكل خميلة * كيل يكيل به شحيح معدم عبد دعى من ثمود أصله * لا بل يقال أبو أبيهم يقدم ثم اقتحموا المسجد الاعظم وكان كثيرا لا يفارقه قوم يصلون فيه فقتل عقيل ابن مصعب الوادعى وعدى بن عمرو الثقفى وأبا ليث بن أبى سليم مولى عنبسة ابن أبى سفيان وقتلوا أزهر بن عبد الله العامري ومروا بدار حوشب وهو على الشرط فوقفوا على بابه وقالوا إن الامير يدعو حوشبا فأخرج ميمون غلامه برذون حوشب ليركبه حوشب فكأنه أنكرهم فظنوا أنه قد اتهمهم فأراد أن يدخل فقالوا له كما أنت حتى يخرج صاحبك فسمع حوشب الكلام فأنكر القوم فخرج إليهم فلما رأى جماعتهم أنكرهم وذهب لينصرف فعجلوا نحوه ودخل وأغلق الباب وقتلوا غلامه ميمونة وأخذوا برذونه ومضوا حتى مروا بالجحاف بن نبيط الشيباني من رهط حوشب فقال له سويد انزل الينا فقال له ما تصنع بنزولي قال له سويد أقضيك ثمن البكرة التى كنت ابتعت منك بالبادية فقال له الجحاف بئس ساعة القضاء هذه الساعة وبئس قضاء الدين هذا المكان أما ذكرت أمانتك إلا والليل مظلم وأنت على ظهر فرسك قبح الله يا سويد دينا لا يصلح ولا يتم إلا بقتل ذوى القرابة وسفك دماء هذه الامة قال ثم مضوا فمروا بمسجد بنى ذهل فلقوا ذهل بن الحارث وكان يصلى في مسجد قومه فيطيل الصلاة فصادفوه منصرفا إلى منزله فشدوا عليه ليقتلوه فقال اللهم إنى أشكو اليك هؤلاه وظلمهم وجهلهم اللهم إنى عنهم ضعيف فانتصر لى منهم فضربوه حتى قتلوه ثم مضوا حتى خرجوا من

[ 72 ]

الكوفة متوجهين نحو المردمة (قال هشام) قال أبو بكر بن عياش واستقبله النضر بن قعقاع بن شور الذهلى وأمه ناجية بنت هانئ بن قبيصة بن هانئ الشيباني فأبطره حين نظر إليه قال يعنى بقوله أبطره أفزعه فقال السلام عليك أيها الامير ورحمة الله قال له سويد مبادرا أمير المؤمنين ويلك فقال أمير المؤمنين حتى خرجوا من الكوفة متوجهين نحو المردمة وأمر الحجاج المنادى فنادى يا خيل الله اركبي وابشرى وهو فوق باب القصر و ثم مصباح مع غلام له قائم فكان أول من جاء إليه من الناس عثمان بن قطن بن عبد الله بن الحصين ذى الغصة ومعه مواليه وناس من أهله فقال أنا عثمان بن قطن أعلموا الامير مكاني فليأمر بأمره فقال له ذلك الغلام قف مكانك حتى يأتيك أمر الامير وجاء الناس من كل جانب وبات عثمان فيمن اجتمع إليه من الناس حتى أصبح ثم إن الحجاج بعث بسر بن غالب الاسدي من بنى والبة في ألفى رجل وزائدة بن قدامة الثقفى في ألفى رجل وأبا الضريس مولى بنى تميم في ألف من الموالى وأعين صاحب حمام أعين مولى بسر بن مروان في ألف رجل وكان عبد الملك بن مروان قد بعث محمد بن موسى بن طلحة على سجستان وكتب له عليها عهده وكتب إلى الحجاج أما بعد فإذا قدم عليك محمد بن موسى فجهز معه ألفى رجل إلى سجستان وعجل سراحه وأمر عبد الملك محمد بن موسى بمكاتبة الحجاج فلما قدم محمد بن موسى جعل يتحبسر في الجهاز فقال له نصحاؤه تعجل أيها الامير إلى عملك فانك لا تدرى ما يكون من أمر الحجاج وما يبدو له فأقام على حاله وحدث من أمر شبيب ما حدث فقال الحجاج لمحمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله تلقى شبيبا وهذه الخارجة فتجاهدهم ثم تمضى إلى عملك وبعث الحجاج مع هؤلاء الامراء أيضا عبد الاعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز القرشى وزياد بن عمر والعتكي وخرج شبيب حيث خرج من الكوفة فأتى المردمة وبها رجل من حضر موت على العشور يقال له ناجية من مرثد الحضرمي فدخل الحمام ودخل عليه شبيب فاستخرجه فضرب عنقه واستقبل شبيب النضر بن القعقاع ابن شور وكان مع الحجاج حين أقبل من البصرة فلما طوى الحجاج المنازل خلفه

[ 73 ]

وراءه فلما رآه شبيب ومعه أصحابه عرفه فقال له شبيب يا نضر بن القعقاع لا حكم إلا لله وإنما أراد شبيب بمقالته له تلقينه فلم يفهم النضر فقال إنا لله وإنا إليه راجعون فقال أصحاب شبيب يا أمير المؤمنين كأنك إنما تريد بمقالتك أن تلقنه فشدوا على نضر فقتلوه قال واجتمعت تلك الامراء في أسفل الفرات فترك شبيب الوجه الذى فيه جماعة أولئك القواد وأخذ نحو القادسية ووجه الحجاج زحر بن قيس في جريدة خيل نقاوة ألف وثمانمائة فارس وقال له اتبع شبيبا حتى تواقعه حيثما أدركته إلا أن يكون منطلقا ذاهبا فاتركه ما لم يعطف عليك أو ينزل فيقيم لك فلا تبرح إن هو أقام حتى تواقعه فخرج زحر حتى انتهى إلى السيلحين وبلغ شبيبا مسيره إليه فأقبل نحوه فالتقيا فجعل زحر على ميمنته عبد الله بن كناز النهدي وكان شجاعا وعلى ميسرته عدى بن عدى بن عميرة الكندى ثم الشيباني وجمع شبيب خيله كلها كبكبة واحدة ثم اعترض بها الصف فوجف وجيفا واضطرب حتى انتهى إلى زحر بن قيس فنزل زحر بن قيس فقاتل زحر حتى صرع وانهزم أصحابه وظن القوم أنهم قد قتلوه فلما كان في السحر وأصابه البرد قام يتمشى حتى دخل قرية فبات بها وحمل منها إلى الكوفة بوجهه ورأسه بضعة عشر جراحة من بين ضربة وطعنة فمكث أياما ثم أتى الحجاج وعلى وجهه وجراحه القطن فأجلسه الحجاج معه على السرير وقال لمن حوله من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة يمشى بين الناس وهو شهيد فلينظر إلى هذا وقال أصحاب شبيب لشبيب وهم يظنون أنهم قد قتلوا زحرا قد هزمنا لهم جند أو قتلنا لهم أميرا من أمرائهم عظيما وانصرف بنا الآن وافرين فقال لهم ان قتلنا هذا الرجل وهزيمتنا هذا الجند قد أرعبت هذه الامراء والجنود التى بعثت في طلبكم فاقصدوا بنا قصدهم فوالله لئن نحن قتلناهم ما دون الحجاج من شئ وأخذ الكوفة إن شاء الله فقالوا نحن لرأيك سمع تبع ونحن طوع يديك قال فانقض بهم جوادا حتى يأتي نجران وهى نجران الكوفة ناحية عين التمر ثم سأل عن جماعة القوم فخبر باجتماعهم بروذبار في أسفل الفرات في بهقباذ الاسفل على رأس أربعة وعشرين فرسخا من الكوفة فبلغ الحجاج مسيره إليهم فبعث إليهم

[ 74 ]

عبد الرحمن بن الغرق مولى ابن أبى عقيل وكان على الحجاج كريما فقال له الحق بجماعتهم يعنى جماعة الامراء فاعلمهم بمسير المارقة إليهم وقل لهم إن جمعكم قتال فأمير الناس زائدة بن قدامة فأتاهم بن الغرق فأعلمهم ذلك وانصرف عنهم (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الرحمن بن جندب قال انتهى الينا شبيب وفينا سبعة أمراء على جماعتهم زائدة بن قدامة وقد عبى كل أمير أصحابه على حدة ففى ميمنتنا زياد بن عمر والعتكي وفى ميسرتنا بشر بن غالب الاسدي وكل أمير واقف في أصحابه فأقبل شبيب حتى وقف على تل فأشرف على الناس وهو على فرس له كميت أغر فنظر إلى تعبيتهم ثم رجع إلى أصحابه فأقبل في ثلاث كتائب يوجفون حتى إذا دنا من الناس مضت كتيبة فيها سويد بن سليم فتقف في ميمنتنا ومضت كتيبة فيها مصاد أخو شبيب فوقفت على ميسرتنا وجاء شبيب في كتيبة حتى وقف مقابل القلب قال وخرج زائدة بن قدامة يسير في الناس فيما بين ميمنتهم إلى ميسرتهم يحرض الناس ويقول يا عباد الله أنتم الكثيرون الطيبون وقد نزل بكم القليلون الخبيثون فاصبروا جعلت لكم الفداء لكرتين أو ثلاث تكرون عليهم ثم هو النصر ليس بينه حاجز ولا دونه شئ ألا ترون إليهم والله ما يكونون مائتي رجل إنما هم أكلة رأس إنما هم السراق المراق إنما جاؤكم ليهريقوا دماءكم ويأخذوا فيأكم فلا يكونوا على أخذه أقوى منكم على منعه وهم قليل وأنتم كثير وهم أهل فرقة وأنتم أهل جماعة غضوا الابصار واستقبلوهم بالاسنة ولا تحملوا عليهم حتى آمركم ثم انصرف إلى موقفه قال ويحمل سويد بن سليم على زياد بن عمر وفانكشف صفهم وثبت زياد في نحو من نصف أصحابه ثم ارتفع عنهم سويد قليلا ثم كر عليهم ثانية ثم اطعنوا ساعة (قال أبو مخنف) فحدثني فروه بن لقيط قال أنا والله فيهم يومئذ قال اطعنا ساعة وصبروا لنا حتى ظننت أنهم لن يزولوا وقاتل زياد بن عمر وقتالا شديدا وجعل ينادى يا حيلى ويشد بالسيف فيقاتل قتالا شديدا فلقد رأيت سويد بن سليم يومئذ وإنه لاشجع العرب وأشده قتالا وما يعرض له قال ثم إنا ارتفعنا عنهم آخرا فاذاهم يتقوضون فقال له أصحابه ألا ترهم يتقوضون احمل عليهم فقال لهم شبيب خلوهم حتى يخفوا فتركوهم قليلا

[ 75 ]

ثم حمل عليهم الثالثة فانهزموا فنظرت إلى زياد بن عمرو وإنه ليضرب بالسيف وما من سيف يضرب به إلا نباعنه وهو مجفف ولقد رأيته اعتوره أكثر من عشرين سيفا فماضره من ذلك شئ ثم إنه انهزم وقد جرح جراحة يسيرة وذلك عند المساء قال ثم شددنا على عبد الاعلى بن عبد الله بن عامر فهزمناه وما قاتلنا كثير قتال وقد ضارب ساعة وقد بلغني أنه كان جرح ثم لحق بزياد بن عمر وفمضيا منهزمين حتى انتهينا إلى محمد بن موسى بن طلحة عند المغرب فقاتلنا قتالا شديدا وصبر لنا (ذكر هشام) عن أبى مخنف قال حدثنى عبد الرحمن بن جندب وفروة بن لقيط ان أخا شبيب مصادا حمل على بشر بن غالب وهو في الميسرة فأبلى وكرم والله وصبر فنزل ونزل معه رجال من أهل الصبر نحو من خمسين فضاربوا بأسيا فهم حتى قتلوا عن آخرهم وكان فيهم عروة بن زهير بن ناجذ الازدي وأمه زرارة امرأة ولدت في الازد فيقال لهم بنو زرارة فلما قتلوه وانهزم أصحابه مالوا فشدوا على أبى الضريس مولى بنى تميم وهو يلى بشر بن غالب فهزموه حتى انتهى إلى موقف أعين ثم شدوا عليه وعلى أعين جميعا فهزموهما حتى انتهوا بهما إلى زائدة بن قدامة فلما انتهوا إليه نزل ونادى يا أهل الاسلام الارض الارض إلى إلى لا يكونوا على كفرهم أصبر منكم على إيمانكم فقاتلهم عامة الليل حتى كان السحر ثم إن شبيبا شد عليه في جماعة من أصحابه فقتله وأصحابه وتركهم ربضة حوله من أهل الحفاظ (قال أبو مخنف) وحدثني عبد الرحمن بن جندب قال سمعت زائدة بن قدامة ليلتئذ رافعا صوته يقول يا أيها الناس اصبروا وصابروا يا أيها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ثم والله ما برح يقاتلهم مقبلا غير مدبر حتى قتل (قال أبو مخنف) وحدثني فروة بن لقيط أن أبا الصقر الشيباني ذكر أنه قتل زائدة بن قدامة وقد حاجه في ذلك آخر يقال له الفضل بن عامر قال ولما قتل شبيب زائدة ابن قدامة دخل أبو الضريس وأعين جوسقا عظيما وقال شبيب لاصحابه ارفعوا السيف عن الناس وادعوهم إلى البيعة فدعوهم إلى البيعة عند الفجر * قال عبد الرحمن ابن جندب فكنت فيمن قدم إليه فبايعه وهو واقف على فرس وخيله واقفة

[ 76 ]

دونه فكل من جاء ليبايعه نزع سيفه عن عاتقه وأخذ سلاحه منه ثم يدنى من شبيب فيسلم عليه بإمرة المؤمنين ثم يخلى سبيله قال وإنا لكذلك إذ انفجر الفجر ومحمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله في أقصى العسكر معه عصابة من أصحابه قد صبروا فلما انفجر الفجر أمر مؤذنه فأذن فلما سمع شبيب الاذان قال ما هذا فقال هذا محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله لم يبرح فقال قد ظننت أن حمقه وخيلاءه سيحمله على هذا نحوا هؤلاء عنا وانزلوا بنا فلنصل قال فنزل فأذن هو ثم استقدم فصلى بأصحابه فقرأ ويل لكل همزة لمزة - و - أرأيت الذى يكذب بالدين ثم سلم ثم ركبوا فحمل عليهم فانكشفت طائفة من أصحابه وثبتت طائفة قال فروة فما أنسى قوله وقد غشيناه وهو يقاتل بسيفه وهو يقول الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين قال وضارب حتى قتل قال فسمعت أصحابي يقولون إن شبيبا هو الذى قتله ثم إنا نزلنا فأخذنا ما كان في العسكر من شئ وهرب الذين كانوا بايعوا شبيبا فلم يبق منهم أحد وقد ذكر من أمر محمد بن موسى بن طلحة غير أبى مخنف أمرا غير الذى ذكرته عنه والذى ذكر من ذلك أن عبد الملك بن مروان كان ولى محمد بن موسى بن طلحة سجستان فكتب إليه الحجاج إنك عامل كل بلد مررت به وهذا شبيب في طريقك فعدل إليه محمد فأرسل إليه شبيب إنك امرؤ مخدوع قد اتقى بك الحجاج وأنت جار لك حق فانطلق لما أمرت به ولك الله لا آذيتك فأبى إلا محاربته فواقفه شبيب وأعاد إليه الرسول فأبى إلا قتاله فدعا إلى البراز فبرز إليه البطين ثم قعنب ثم سويد فأبى إلا شبيبا فقالوا لشبيب قد رغب عنا اليك قال فما ظنكم هذه الاشراف فبرز إليه شبيب وقال إنى أنشدك الله في دمك فان لك جوارا فأبى إلا قتاله فحمل عليه شبيب فضربه بعصا حديد فيها اثنا عشر رطلا بالشأمى فهشم بها بيضة عليه ورأسه فسقط ثم كفنه ودفنه وابتاع ما غنموا من عسكره فبعث به إلى أهله واعتذر إلى أصحابه وقال هو جارى بالكوفة ولى أن أهب ما غنمت لاهل الردة * قال عمر بن شبة قال أبو عبيدة كان محمد بن موسى

[ 77 ]

مع عمر بن عبيد الله بن معمر بفارس وشهد معه قتال أبى فديك وكان على ميمنته وشهر بالنجدة وشدة البأس وزوجه عمر بن عبيد الله بن معمر ابنته أم عثمان وكانت أخته تحت عبد الملك بن مروان فولاه سجستان فمر بالكوفة وبها الحجاج ابن يوسف فقيل للحجاج إن صار هذا إلى سجستان مع نجدته وصهره لعبد الملك فلجأ إليه أحد ممن تطلب منعك منه قال فما الحيلة قيل تأتيه وتسلم عليه وتذكر نجدته وبأسه وأن شبيبا في طريقه وأنه قد أعياك وأنك ترجو أن يريح الله منه على يده فيكون له ذكر ذلك وشهرته ففعل فعدل إليه محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله فواقعه شبيب فقال له شبيب إنى قد علمت خداع الحجاج وإنما اغترك ووقى بك نفسه وكأني بأصحابك لو قد التقت حلقتا البطان قد أسلموك فصرعت مصرع أصحابك فأطعني وانطلق لشأنك فانى أنفس بك عن الموت فأبى محمد بن موسى فبارزه شبيب فقتله (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) قال عبد الرحمن لقد كان فيمن بايعه تلك الليلة أبو بردة بن أبى موسى الاشعري فلما بايعه قال له شبيب ألست أبا بردة قال بلى قال شبيب لاصحابه يا أخلائى أبو هذا أحد الحكمين فقالوا ألا نقتل هذا فقال إن هذا لا ذنب له فيما صنع أبوه قالوا أجل قال وأصبح شبيب فأتى مقبلا نحو القصر الذى فيه أبو الضريس وأعين فرموه بالنبل وتحصنا منه فأقام ذلك اليوم عليهم ثم شخص عنهم فقال له أصحابه ما دون الكوفة أحد يمنعنا فنظر فإذا أصحابه قد خرجوا فقال لهم ما عليكم أكثر مما قد فعلتم فخرج بهم على نفر ثم على الصراة ثم على بغداد ثم خرج إلى خانيجار فأقام بها قال ولما بلغ الحجاج أن شبيبا قد أخذ نحو نفر ظن أنه يريد المدائن وهى باب الكوفة ومن أخذ المدائن كان ما في يده من أرض الكوفة أكثر فهال ذلك الحجاج وبعث إلى عثمان بن قطن ودعاه وسرحه إلى المدائن وولاه منبرها والصلاة ومعونة جوخى كلها وخراج الاستان فخرج مسرعا حتى نزل المدائن وعزل الحجاج عبد الله بن أبى عصيفير وكان بها الجزل مقيما أشهرا يداوى جراحته وكان ابن أبى عصيفير يعوده ويكرمه فلما قدم عثمان بن قطن المدائن لم يعده ولم يكن يتعاهده ولا يلطفه بشئ فقال الجزل اللهم زد ابن عصيفير جودا وكرما وفضلا وزد عثمان

[ 78 ]

ابن قطن ضيقا وبخلا قال ثم إن الحجاج دعا عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث فقال له انتخب الناس واخرج في طلب هذا العدو فأمره بنخبة ستة آلاف فانتخب فرسان الناس ووجوههم وأخرج من قومه ستمائة من كندة وحضر موت واستحثه الحجاج بالعسكر فعسكر بدير عبد الرحمن فلما أراد الحجاج أشخاصهم كتب إليهم أما بعد فقد اعتدتم عادة الاذلاء ووليتم الدبر يوم الزحف وذلك دأب الكافرين وإنى قد صفحت عنكم مرة بعد مرة ومرة بعد مرة وإنى أقسم لكم بالله قسما صادقا لئن عدتم لذلك لاوقعن بكم إيقاعا أكون أشد عليكم من هذا العدو الذى تهربون منه في بطون الاودية والشعاب وتستترون منه بأثناء الانهار وألواذ الجبال فخاف من له معقول على نفسه ولم يجعل عليها سبيلا وقد أعذر من أنذر وقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادى والسلام عليكم قال ثم سرح ابن الاصم مؤذنه فأتى عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث عند طلوع الشمس فقال له ارتحل الساعة وناد في الناس أن برئت الذمة عن رجل من هذا البعث وجدناه متخلفا فخرج عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث في الناس حتى مر بالمدائن فنزل بها يوما وليلة وتشرى أصحابه حوائجهم ثم نادى في الناس بالرحيل فارتحلوا ثم أقبلوا حتى دخل على عثمان بن قطن ثم أتى الجزل فسأله عن جراحته وسأله ساعة وحدثه ثم إن الجزل قال له يا ابن عم إنك تسير إلى فرسان العرب وأبناء الحرب وأحلاس الخيل والله لكأنما خلقوا من ضلوعها ثم بنوا على ظهورها ثم هم أسد الاجم الفارس منهم أشد من مائة إن لم تبدأ به بدأ وإن هجهج أقدم فإنى قد قاتلتهم وبلوتهم فإذا أصحرت لهم انتصفوا منى وكان لهم الفضل على وإذا خندقت على وقاتلتهم في مضيق نلت منهم بعض ما أحب وكان لى عليهم الظفر فلا تلقهم وأنت تستطيع الا في تبقية أو في خندق ثم إنه ودعه فقال له الجزل هذه فرسى الفسيفساء خذها فإنها لا تجارى فأخذها ثم خرج بالناس نحو شبيب فلما دنا منه ارتفع عنه شبيب إلى دقوقاء وشهرزور فخرج عبد الرحمن في طلبه حتى إذا كان على التخوم أقام وقال إنما هو في أرض الموصل فليقاتلوا

[ 79 ]

عن بلادهم أو ليدعوه فكتب إليه الحجاج بن يوسف أما بعد فاطلب شبيبا واسلك في أثره أين سلك حتى تدركه فتقتله أو تنفيه فانما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده والسلام فخرج عبد الرحمن حين قرأ كتاب الحجاج في طلب شبيب فكان شبيب يدعه حتى إذا دنا منه بيته فيجده قد خندق على نفسه وحذر فيمضى ويدعه فيتبعه عبد الرحمن فإذا بلغه أنه قد تحمل وأنه يسير أقبل في الخيل فإذا انتهى إليه وجده قد صف الخيل والرجال وأدنى المرامية فلا يصيب له غرة ولاله علة فيمضى ويدعه قال ولما رأى شبيب أنه لا يصيب لعبد الرحمن غرة ولا يصل إليه جعل يخرج إذا دنا منه عبد الرحمن في خيله فينزل على مسيرة عشرين فرسخا ثم يقيم في أرض غليظة جدبة فيجئ عبد الرحمن فإذا دنا من شبيب ارتحل شبيب فسار خمسة عشر أو عشرين فرسخا فنزل منزلا غليظا خشنا ثم يقيم حتى يدنو عبد الرحمن (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الرحمن بن جندب أن شبيبا كان قد عذب ذلك العسكر وشق عليهم وأحفى دوابهم ولقوا منه كل بلاء فلم يزل عبد الرحمن يتبعه حتى مر به على خانقين ثم على جلولاء ثم على تامرا ثم أقبل حتى نزل البت قرية من قرى الموصل على تخوم الموصل ليس بينها وبين سواد الكوفة إلا نهر يسمى حولا يا قال وجاء عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث حتى نزل في نهر حولايا وفى زاذان الاعلى من أرض جوخى ونزل عواقيل من النهر ونزلها عبد الرحمن حيث نزلها وهى تعجبه يرى أنها مثل الخندق والحصن قال وأرسل شبيب إلى عبد الرحمن ان هذه الايام أيام عيد لنا ولكم فإن رأيتم أن توادعونا حتى تمضى هذه الايام فافعلوا فقال له عبد الرحمن نعم ولم يكن شئ أحب إلى عبد الرحمن من المطاولة والموادعة قال وكتب عثمان بن قطن إلى الحجاج أما بعد فإنى أخبر الامير أصلحه الله أن عبد الرحمن بن محمد قد حفر جوخى كلها خندقا واحدا وخلى شبيبا وكسر خراجها وهو يأكل أهلها والسلام فكتب إليه الحجاج أما بعد فقد فهمت ما ذكرت لى عن عبد الرحمن وقد لعمري فعل ما ذكرت فسر إلى الناس فأنت أميرهم وعاجل المارقة حتى تلقاهم فإن الله إن شاء الله ناصرك عليهم والسلام *

[ 80 ]

قال وبعث الحجاج إلى المدائن مطرف بن المغيرة بن شعبة وخرج عثمان حتى قدم على عبد الرحمن بن محمد ومن معه من أهل الكوفة وهم معسكرون على نهر حولايا قريبا من البت عشية الثلاثاء وذلك يوم التروية فنادى الناس وهو على بغلة أيها الناس اخرجوا إلى عدوكم فوثب إليه الناس فقالوا ننشدك الله هذا المساء قد غشينا والناس لم يوطنوا أنفسهم على القتال فبت الليلة ثم اخرج بالناس على تعبية فجعل يقول لانا جزنهم ولتكونن الفرصة لى أولهم فأتاهم عبد الرحمن فأخذ بعنان دابته وناشده الله لما نزل وقال له عقيل بن شداد السلولى إن الذى تريد من مناجزتهم الساعة أنت فاعله غدا وهو غدا خير لك وللناس إن هذه ساعة ريح وغبرة وقد أمسيت فانزل ثم أبكر بنا إليهم غدوة فنزل فسفت عليه الريح وشق عليه الغبار ودعا صاحب الخراج العلوج فبنوا له قبة فبات فيها ثم أصبح يوم الاربعاء فجاء أهل البت إلى شبيب وكان قد نزل ببيعتهم فقالوا له أصلحك الله أنت ترحم الضعفاء وأهل الجزية ويكلمك من تلى عليه ويشكون إليك ما نزل بهم فتنظر لهم وتكف عنهم وإن هؤلاء القوم جبابرة لا يكلمون ولا يقبلون العذر والله لئن بلغهم أنك مقيم في بيعتنا ليقتلنا إن قضى لك أن ترتحل عنا فإن رأيت فانزل جانب القرية ولا تجعل لهم علينا مقالا قال فإنى أفعل ذلك بكم ثم خرج فنزل جانب القرية قال فبات عثمان ليلته كلها يحرضهم فلما أصبح وذلك يوم الاربعاء خرج بالناس فاستقبلتهم ريح شديدة وغبرة فصاح الناس إليه فقالوا ننشدك الله أن تخرج بنا في هذا اليوم فإن الريح علينا فأقام بهم ذلك اليوم وأراد شبيب قتالهم وخرج أصحابه فلما رآهم لم يخرجوا إليه أقام فلما كان ليلة الخميس خرج عثمان فعبى الناس على أرباعهم فجعل كل ربع في جانب العسكر وقال لهم اخرجوا على هذه التعبية وسألهم من كان على ميمنتكم قالوا خالد بن نهيك بن قيس الكندى وكان على ميسرتنا عقيل بن شداد السلولى فدعاهما فقال لهما قفا مواقفكما التى كنتما بها فقد وليتكما المجنبتين فاثبتا ولا تفرا فوالله لا أزول حتى يزول نخل زاذان عن أصوله فقالا ونحن والله الذى لا إله إلا هو لا نفر حتى نظفر أو نقتل فقال لهما جزا كما الله خيرا ثم أقام حتى صلى بالناس الغداة

[ 81 ]

ثم خرج فجعل ربع أهل المدينة تميم وهمدان نحو نهر حولايا في الميسرة وجعل ربع كندة وربيعة ومذحج وأسد في الميمنة ونزل يمشى في الرجال وخرج شبيب وهو يومئذ في مائة وأحد وثمانين رجلا فقطع إليهم النهر فكان هو في ميمنة أصحابه وجعل على ميسرته سويد بن سليم وجعل في القلب مصاد بن يزيد أخاه وزحفوا وسما بعضهم لبعض (قال أبو مخنف) فحدثني النضر بن صالح العبسى أن عثمان كان يقول فيكثر لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا أين المحافظون على دينهم المحامون عن فيئهم فقال عقيل بن شداد بن حبشي السلولى لعلى أن أكون أحدهم قتل أولئك يوم روذبار ثم قال شبيب لاصحابه إنى حامل على ميسرتهم مما يلي النهر فإذا هزمتها فليحمل صاحب ميسرتي على ميمنتهم ولا يبرح صاحب القلب حتى يأتيه أمرى وحمل في ميمنة أصحابه مما يلي النهر على ميسرة عثمان بن قطن فانهزموا ونزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل وقتل يومئذ مالك بن عبد الله الهمداني ثم المرهبى عم عياش بن عبد الله بن عياش المنتوف وجعل يومئذ عقيل بن شداد يقول وهو يجالدهم لاضربن بالحسام الباتر * ضرب غلام من سلول صابر ودخل شبيب عسكرهم وحمل سويد بن سليم في ميسرة شبيب على ميمنة عثمان ابن قطن فهزمها وعليها خالد بن نهيك بن قيس الكندى فنزل خالد فقاتل قتالا شديدا وحمل عليه شبيب من ورائه وهو على ربع كندة وربيعة يومئذ وهو صاحب الميمنة فلم ينثن شبيب حتى علاه بالسيف فقتله ومضى عثمان بن قطن وقد نزلت معه العرفاء وأشراف الناس والفرسان نحو القلب وفيه أخو شبيب في نحو من ستين راجلا فلما دنا منهم عثمان بن قطن شد عليهم في الاشراف وأهل الصبر فضاربوهم حتى فرقوا بينهم وحمل شبيب بالخيل من ورائهم فما شعروا إلا والرماح في أكتافهم تكبهم لوجوههم وعطف عليهم سويد بن سليم أيضا في خيله ورجع مصاد وأصحابه وقد كان شبيب رجلهم فاضطربوا ساعة وقاتل عثمان بن قطن فأحسن القتال ثم إنهم شدوا عليهم فأحاطوا به وحمل عليه مصاد أخو شبيب

[ 82 ]

فضربه ضربة بالسيف استدار لها ثم قال وكان أمر الله مفعولا ثم إن الناس قتلوه وقتل يومئذ الابرد بن ربيعة الكندى وكان على تل فألقى سلاحه إلى غلامه وأعطاه فرسه وقاتل حتى قتل ووقع عبد الرحمن فرآه ابن أبى سبرة الجعفي وهو على بغلة فعرفه فنزل إليه فناوله الرمح وقال له اركب فقال عبد الرحمن بن محمد أينا الرديف قال ابن أبى سبرة سبحان الله أنت الامير تكون المقدم فركب وقال لابن أبى سبرة ناد في الناس الحقوا بدير أبى مريم فنادى ثم انطلقا ذاهبين ورأى واصل بن الحارث السكوني فرس عبد الرحمن الذى حمله عليه الجزل يجول في العسكر فأخذها بعض أصحاب شبيب فظن أنه قد هلك فطلبه في القتلى فلم يجده وسأل عنه فقيل له قد رأينا رجلا قد نزل عن دابته فحمله عليها فما أخلقه أن يكون إياه وقد أخذههنا آنفا فاتبعه واصل بن الحارث على برذونه ومع واصل غلامه على بغل فلما دنوا منهما قال محمد بن أبى سبرة لعبد الرحمن قدو الله لحق بنا فارسان فقال عبد الرحمن فهل غير اثنين فقال لا فقال عبد الرحمن فلا يعجز اثنان عن اثنين قال وجعل يحدت ابن أبى سبرة كأنه لا يكترث بهما حتى لحقهما الرجلان فقال له ابن أبى سبرة رحمك الله قد لحقنا الرجلان فقال له فانزل بنا فنزلا فانتضيا سيفيهما ثم مضيا اليهما * فلما رآهما واصل عرفهما فقال لهما إنكما قد تركتما النزول في موضعه فلا تنزلا الان ثم حسر العمامة عن وجهه فعرفاه فرحبا به وقال لابن الاشعث إنى لما رأيت فرسك يجول في العسكر ظننتك راجلا فأتيتك ببرذونى هذا لتركبه فترك لابن أبى سبرة بغلته وركب البرذون وانطلق عبد الرحمن بن الاشعث حتى نزل دير اليعار وأمر شبيب أصحابه فرفعوا عن الناس السيف ودعاهم إلى البيعة فأتاه من بقى من الرجالة فبايعوه وقال له أبو الصقر المحلمى قتلت من الكوفيين سبعة في جوف النهر كان آخرهم رجلا تعلق بثوبي وصاح ورهبنى حتى رهبته ثم إنى أقدمت عليه فقتلته وقتل من كندة مائة وعشرون يومئذ وألف من سائر الناس أو ستمائة وقتل عظم العرفاء يومئذ (قال أبو مخنف) حدثنى قدامة بن حازم بن سفيان الخثعمي أنه

[ 83 ]

قتل منهم يومئذ جماعة وبات عبد الرحمن بن محمد تلك الليلة بدير اليعار فأتاه فارسان فصعدا إليه فوق البيت وقام آخر قريبا منهما فخلا أحدهما بعبد الرحمن طويلا يناجيه ثم نزل هو وأصحابه وقد كان الناس يتحدثون أن ذلك كان شبيبا وأنه قد كان كاتبه ثم خرج عبد الرحمن آخر الليل فسار حتى أتى دير أبى مريم فإذا هو بأصحاب الخيل قد وضع لهم محمد بن عبد الرحمن بن أبى سبرة صبر الشعير والقت بعضه على بعض كأنه القصور ونحر لهم من الجزر ما شاؤا فأكلوا يومئذ وعلفوا دوابهم واجتمع الناس إلى عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث فقالوا له ان سمع شبيب بمكانك أتاك وكنت له غنيمة قد ذهب الناس وتفرقوا وقتل خيارهم فالحق أيها الرجل بالكوفة فخرج إلى الكوفة ورجع الناس أيضا وجاء فاختبى من الحجاج حتى أخذ الامان بعد ذلك (وفى هذه السنة) أمر عبد الملك بن مروان بنقش الدنانير والدراهم (ذكر الواقدي) ان سعد بن راشد حدثه عن صالح بن كيسان بذلك قال وحدثني ابن أبى الزناد عن أبيه أن عبد الملك ضرب الدراهم والدنانير عامئذ وهو أول من أحدث ضربها قال وحدثني خالد بن أبى ربيعة عن أبى هلال عن أبيه قال كانت مثاقيل الجاهلية التى ضرب عليها عبد الملك اثنين وعشرين قيراطا إلا حبة وكان العشرة وزن سبعة قال وحدثني عبد الرحمن ابن جرير الليثى عن هلال بن أسامة قال سألت سعيد بن المسيب في كم تجب الزكاة من الدنانير قال في كل عشرين مثقالا بالشأمى نصف مثقال قلت ما بال الشأمى من المصرى قال هو الذى تضرب عليه الدنانير وكان ذلك وزن الدنانير قبل أن تضرب الدنانير كانت اثنين وعشرين قيراطا إلا حبة قال سعيد قد عرفته قد أرسلت بدنانير إلى دمشق فضربت على ذلك (وفى هذه السنة) وفد يحيى ابن الحكم على عبد الملك بن مروان وولى أبان بن عثمان المدينة في رجب (وفيها) استقضى أبان بن نوفل بن مساحق بن عمرو بن خداش من بنى عامر بن لؤى (وفيها) ولد مروان بن محمد بن مروان (وأقام الحج) للناس في هذه السنة أبان بن عثمان وهو أمير على المدينة حدثنى بذلك احمد بن ثابت عمن

[ 84 ]

ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وكان على الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف وعلى خراسان أمية بن عبد الله بن خالد وعلى قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة زراة بن أوفى ثم دخلت سنة سبع وسبعين (ففى هذه السنة) قتل شبيب عتاب بن ورقاء الرياحي وزهرة بن حوية ذكر الخبر عن سبب مقتلهما وكان سبب ذلك فيما ذكر هشام عن أبى مخنف عن عبد الرحمن بن جندب وفروة من لقيط ان شبيبا لما هزم الجيش الذى كان الحجاج وجهه مع عبد الرحمن ابن محمد بن الاشعث إليه وقتل عثمان بن قطن وذلك في صيف وحر شديد اشتد الحر عليه وعلى أصحابه فأتى ماه بهر اذان فتصيف بها ثلاثة أشهر وأتاه ناس كثير ممن يطلب الدنيا فلحقوا به وناس ممن كان الحجاج يطلبهم بمال أو تباعات كان منهم رجل من الحى يقال له الحر بن عبد الله بن عوف وكان دهقانان من أهل نهر درقيط قد أسا آ إليه وضيقا عليه فشد عليهما فقتلهما ثم لحق بشبيب فكان معه بماه وشهد معه مواطنه حتى قتل فلما آمن الحجاج كل من كان خرج إلى شبيب من أصحاب المال والتباعات وذلك بعد يوم السبخة خرج إليه الحر فيمن خرج فجاء أهل الدهقا نين يستعدون عليه الحجاج فأتى به فدخل وقد أوصى ويئس من نفسه فقال له الحجاج يا عدو الله قتلت رجلين من أهل الخراج فقال له قد كان أصلحك الله ما هو أعظم من هذا فقال وما هو قال خروجي من الطاعة وفراق الجماعة ثم آمنت كل من خرج إليك فهذا أمانى وكتابك لى فقال له الحجاج أولى لك قد لعمري فعلت وخلى سبيله قال ولما انفسخ الحر عن شبيب خرج من ماه في نحو من ثمانمائة رجل فأقبل نحو المدائن وعليها مطرف بن المغيرة بن شعبة فجاء حتى نزل قناطر حذيفة بن اليمان فكتب ما ذرواسب عظيم بابل مهروز إلى الحجاج أما بعد فانى أخبر الامير أصلحه الله أن

[ 85 ]

شبيبا قد أقبل حتى نزل قناطر حذيفة ولا أدرى أين يريد * فلما قرأ الحجاج كتابه قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس والله لتقاتلن عن بلادكم وعن فيئكم أو لابعثن إلى قوم هم أطوع وأسمع وأصبر على اللاواء والغيظ منكم فيقاتلون عدوكم ويأكلون فيأكم فقام إليه الناس من كل جانب فقالوا نحن نقاتلهم ونعتب الامير فليندبنا الامير إليهم فإنا حيث سره وقام إليه زهرة بن حوية وهو شيخ كبير لا يستتم قائما حتى يؤخذ بيده فقال له أصلح الله الامير إنك إنما تبعث إليهم الناس متقطعين فاستنفر الناس إليهم كافة فلينفر إليهم كافة وابعث عليهم رجلا ثبتا شجاعا مجربا للحرب ممن يرى الفرار هضما وعارا والصبر مجدا وكرما فقال الحجاج فأنت ذاك فاخرج فقال أصلح الله الامير إنما يصلح للناس في هذا رجل يحمل الرمح والدرع ويهز السيف ويثبت على متن الفرس وأنا لا أطيق من هذا شيئا وقد ضعف بصرى وضعفت ولكن أخرجنى في الناس مع الامير فانى إنما أثبت على الراحلة فأكون مع الامير في عسكره وأشير عليه برأيى فقال له الحجاج جزاك الله عن الاسلام وأهله في أول الاسلام خيرا وجزاك الله عن الاسلام في آخر الاسلام خيرا فقد نصحت وصدقت أنا مخرج الناس كافة ألا فسيروا أيها الناس فانصرف الناس فجعلوا يسيرون وليس يدرون من أميرهم وكتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان أما بعد فإنى أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن شبيبا قد شارف المدائن وإنما يريد الكوفة وقد عجز أهل الكوفة عن قتاله في مواطن كثيرة في كلها يقتل أمراءهم ويفل جنودهم فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إلى أهل الشأم فيقاتلوا عدوهم ويأكلوا بلادهم فليفعل والسلام فلما أتى عبد الملك كتابه بعث إليه سفيان بن الابرد في أربعة آلاف وبعث إليه حبيب بن عبد الرحمن الحكمى من مذحج في ألفين فسرحهم حين أتاه الكتاب إلى الحجاج وجعل أهل الكوفة يتجهزون إلى شبيب ولا يدرون من أميرهم وهم يقولون يبعث فلانا أو فلانا وقد بعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء ليأتيه وهو على خيل الكوفة مع المهلب وقد كان ذلك الجيش من أهل الكوفة هم الذين كان بشر بن مروان بعث

[ 86 ]

عبد الرحمن بن مخنف عليهم إلى قطرى فلم يلبث عبد الرحمن بن مخنف إلا نحوا من شهرين حتى قدم الحجاج على العراق فلم يلبث عليهم عبد الرحمن بن مخنف بعد قدوم الحجاج إلا رجب وشعبان وقتل قطرى عبد الرحمن في آخر رمضان فبعث الحجاج عتاب بن ورقاء على ذلك الجيش من أهل الكوفة الذين أصيب فيهم عبد الرحمن ابن مخنف وأمر الحجاج عتابا بطاعة المهلب فكأن ذلك قد كبر على عتاب ورفع بينه وبين المهلب شرحتي كتب عتاب إلى الحجاج يستعفيه من ذلك الجيش ويضمه إليه فلما أن جاءه كتاب الحجاج بإتيانه سر بذلك قال ودعا الحجاج أشراف أهل الكوفة فيهم زهرة بن حوية السعدى من بنى الاعرج وقبيصة بن والق التغلبي فقال لهم من ترون أن أبعث على هذا الجيش فقالوا رأيك أيها الامير أفضل قال فإنى قد بعثت إلى عتاب بن ورقاء وهو قادم عليكم الليلة أو القابلة فيكون هو الذى يسير في الناس قال زهرة بن حوية أصلح الله الامير رميتهم بحجرهم لا والله لا يرجع اليك حتى يظفر أو يقتل وقال له قبيصة بن والق إنى مشير عليك برأيى فان يكن خطأ فبعد اجتهادى في النصيحة لامير المؤمنين وللامير ولعامة المسلمين وإن يك صوابا فالله سددني له إنا قد تحدثنا وتحدث الناس أن جيشا قد فصل اليك من قبل الشأم وأن أهل الكوفة قد هزموا وملوا واستخفوا بالصبر وهان عليهم عار الفرار فقلوبهم كأنها ليست فيهم كأنما هي في قوم آخرين فإن رأيت أن تبعث إلى جيشك الذى أمددت به من أهل الشأم فيأخذوا حذرهم ولا يبيتوا إلا وهم يرون أنهم مبيتون فعلت فإنك تحارب حولا قلبا ظعانا رحالا وقد جهزت إليه أهل الكوفة ولست واثقا بهم كل الثقة وإنما إخوانهم هؤلاء القوم الذين بعثوا اليك من الشأم أن شبيبا بينا هو في أرض إذ هو في أخرى ولا آمن أن يأتيهم وهم غارون فإن يهلكوا نهلك ويهلك العراق فقال لله أنت ما أحسن ما رأيت وما أحسن ما أشرت به على قال فبعث عبد الرحمن ابن الغرق مولى أبى عقيل إلى من أقبل إليه من أهل الشأم فأتاهم وقد نزلوا هيت بكتاب من الحجاج أما بعد فإذا حاذيتم هيت فدعوا طريق الفرات والانبار وخذوا

[ 87 ]

على عين التمر حتى تقدموا الكوفة إن شاء الله وخذوا حذركم وعجلوا السير والسلام فأقبل القوم سراعا قال وقدم عتاب بن ورقاء في الليلة التى قال الحجاج إنه قادم عليكم فيها فأمره الحجاج فخرج بالناس فعسكر بهم بحمام أعين وأقبل شبيب حتى انتهى إلى كلو إذا فقطع منها دجلة ثم أقبل حتى نزل مدينة بهر سير الدنيا فصار بينه وبين مطرف بن المغيرة بن شعبة جسر دجلة فلما نزل شبيب مدينة بهر سير قطع مطرف الجسر وبعث إلى شبيب أن ابعث إلى رجالا من وجوه أصحابك أدارسهم القرآن وأنظر فيما تدعو إليه فبعث إليه شبيب رجالا من وجوه أصحابه فيهم قعنب وسويد والمحلل فلما أرادوا أن ينزلوا في السفينة بعث إليهم شبيب ألا تدخلوا السفينة حتى يرجع إلى رسولي من عند مطرف فرجع الرسول وبعث إلى مطرف أن ابعث إلى من أصحابك بعدد أصحابي يكونوا رهنا في يدى حتى ترد على أصحابي فقال مطرف لرسوله القه وقل له كيف آمنك أنا على أصحابي إذا أنا بعثتهم الان اليك وأنت لا تأمننى على أصحابك فرجع الرسول إلى شبيب فأبلغه فأرسل إليه شبيب انك قد علمت أنا لا نستحل الغدر في ديننا وأنتم تفعلونه وتستحلونه فبعث إليه مطرف الربيع بن يزيد الاسدي وسليمان بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني ويزيد بن أبى زياد مولاه وصاحب حرسه فلما صاروا في يدى شبيب سرح إليه أصحابه فأتوا مطرفا فمكثوا أربعة أيام يتراسلون ثم لم يتفقوا على شئ فلما تبين لشبيب أن مطرفا غير تابعه ولا داخل معه تهيأ للمسير إلى عتاب بن ورقاء والى أهل الشأم (قال أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط ان شبيبا دعا رؤوس أصحابه فقال لهم انه لم يثبطني على رأى قد كنت رأيته الا هذا الثقفى منذ أربعة أيام قد كنت حدثت نفسي أن أخرج في جريدة خيل حتى ألقى هذا الجيش المقبل من الشأم رجاء أن أصادف غرتهم أو يحذروا فلا أبالى كنت ألقاهم منقطعين من المصر ليس عليهم أمير كالحجاج يستندون إليه ولا مصر كالكوفة يعتصمون به وقد جاءتني عيوني اليوم فخبروني أن أوائلهم قد دخلوا عين التمر فهم الان قد شارفوا الكوفة وجاءتني عيوني من نحو عتاب بن ورقاء فحدثوني

[ 88 ]

أنه قد نزل بجماعة أهل الكوفة الصراة فما أقرب ما بيننا وبينهم فتيسروا بنا للمسير إلى عتاب بن ورقاء قال وخاف مطرف أن يبلغ خبره وما كان من أرساله إلى شبيب الحجاج فخرج نحو الجبال وقد كان أراد أن يقيم حتى ينظر ما يكون بين شبيب وعتاب فأرسل إليه شبيب أما إذ لم تبايعني فقد نبذت اليك على سواء فقال مطرف لاصحابه اخرجوا بنا وافرين فإن الحجاج سيقاتلنا فيقاتلنا وبنا قوة أمثل فخرج ونزل المدائن فعقد شبيب الجسر وبعث إلى المدائن أخاه مصادا وأقبل إليه عتاب حتى نزل بسوق حكمة وقد أخرج الحجاج جماعة أهل الكوفة مقاتلتهم ومن شط إلى الخروج من شبابهم وكانت مقاتلتهم أربعين ألفا سوى الشباب ووافى مع عتاب يومئذ أربعون ألفا من المقاتلة وعشرة آلاف من الشباب بسوق حكمة فكانوا خمسين ألفا ولم يدع الحجاج قرشيا ولا رجلا من بيوتات العرب الا أخرجه (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الرحمن بن جندب قال سمعت الحجاج وهو على المنبر حين وجه عتابا إلى شبيب في الناس وهو يقول يا أهل الكوفة اخرجوا مع عتاب بن ورقاء بأجمعكم لا أرخص لاحد من الناس في الاقامة إلا رجلا قد وليناه من أعمالنا ألا إن للصابر المجاهد الكرامة والاثرة ألا وان للناكل الهارب الهوان والجفوة والذى لا اله غيره لئن فعلتم في هذا الموطن كفعلكم في المواطن التى كانت لاولينكم كنفا خشنا ولاعر ككم يكلكل ثقيل ثم نزل وتوافى الناس مع عتاب بسوق حكمة (قال أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط قال عرضنا شبيب بالمدائن فكنا ألف رجل فقام فينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا معشر المسلمين إن الله قد كان ينصركم عليهم وأنتم مائة ومائتان وأكثر من ذلك قليلا وأنقص منه قليلا فأنتم اليوم مئون ومئون ألا إنى مصلى الظهر ثم سائر بكم فصلى الظهر ثم نودى في الناس يا خيل الله اركبي وأبشرى فخرج في أصحابه فأخذوا يتخلفون ويتأخرون فلما جاوزنا ساباط ونزلنا معه قص علينا وذكرنا بأيام الله وزهدنا في الدنيا ورغبنا في الاخرة ساعة طويلة ثم أمر مؤذنه فأذن ثم تقدم فصلى بنا العصر ثم أقبل حتى أشرف بنا على عتاب بن ورقاء وأصحابه

[ 89 ]

فلما أن رآهم من ساعته نزل وأمر مؤذنه فأذن ثم تقدم فصلى بنا المغرب وكان مؤذنه سلام بن سيار الشيباني وكانت عيون عتاب بن ورقاء قد جاءوه فأخبروه أنه قد أقبل إليه فخرج بالناس كلهم فعبأهم وكان قد خندق أول يوم نزل وكان يظهر كل يوم أنه يريد أن يسير إلى شبيب بالمدائن فبلغ ذلك شبيبا فقال أسير إليه أحب إلى من أن يسير إلى فأتاه فلما صف عتاب الناس بعث على ميمنته محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس وقال يا ابن أخى إنك شريف فاصبر وصابر فقال أما أنا فوالله لاقاتلن ما ثبت معى إنسان وقال لقبيصة بن والق وكان يومئذ على ثلث بنى تغلب اكفني الميسرة فقال أنا شيخ كبير كثير منى أن أثبت تحت رايتى قد انبت منى القيام ما أستطيع القيام إلا أن أقام ولكن هذا عبيد الله بن الحليس ونعيم بن عليم التغلبيان وكان كل واحد منهما على ثلث من أثلاث تغلب فقال ابعث أيهما أحببت فأيهما بعثت فلتبعثن ذا حزم وعزم وغناء فبعث نعيم بن عليم على ميسرته وبعث حنظلة بن الحارث اليربوعي وهو ابن عم عتاب شيخ أهل بيته على الرجالة وصفهم ثلاث صفوف صف فيهم الرجال معهم السيوف وصف وهم أصحاب الرماح وصف فيه المرامية ثم سار فيما بين الميمنة إلى الميسرة يمر بأهل راية راية فيحثهم على تقوى الله ويأمرهم بالصبر ويقص عليهم (قال أبو مخنف) فحدثني حصيرة بن عبد الله أن تميم بن الحارث الازدي قال وقف علينا فقص علينا قصصا كثيرا كان مما حفظت منه ثلاث كلمات قال يا أهل الاسلام إن أعظم الناس نصيبا في الجنة الشهداء وليس الله لاحد من خلقه بأحمد منه للصابرين ألا ترون أنه يقول اصبروا إن الله مع الصابرين فمن حمد الله فعله فما أعظم درجته وليس الله لاحد أمقت منه لاهل البغى ألا ترون أن عدوكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه لا يرون إلا أن ذلك لهم قربة عند الله فهم شرار أهل الارض وكلاب أهل النار أين القصاص قال ذلك فلم يجبه والله أحد منا فلما رأى ذلك قال أين من يروى شعر عنترة قال فلا والله مارد عليه إنسان كلمة فقال إنا لله كأنى بكم قد فررتم عن عتاب بن ورقاء وتركتموه تسفى في استه

[ 90 ]

الريح ثم أقبل حتى جلس في القلب معه زهرة بن حوية جالس وعبد الرحمن بن محمد ابن الاشعث وأبو بكر بن محمد بن أبى جهم العدوى وأقبل شبيب وهو في ستمائة وقد تخلف عنه من الناس أربعمائة فقال له لقد تخلف عنا من لا أحب أن يرى فينا فبعث سويد بن سليم في مائتين إلى الميسرة وبعث المحلل بن وائل في مائتين إلى القلب ومضى هو في مائتين إلى الميمنة بين المغرب والعشاء الاخرة حين أضاء القمر فناداهم لمن هذه الرايات قالوا رايات ربيعة فقال شبيب رايات طالما نصرت الحق وطالما نصرت الباطل لها في كل نصيب والله لا جاهدنكم محتسبا للخير في جهادكم أنتم ربيعة وأنا شبيب أنا أبو المدله لا حكم إلا للحكم اثبتوا إن شئتم ثم حمل عليهم وهو على مسناة أمام الخندق ففضهم فثبت أصحاب رايات قبيصة بن والق وعبيد بن الحليس ونعيم بن عليم فقتلوا وانهزمت الميسرة كلها وتنادى أناس من بنى تغلب قتل قبيصة بن والق فقال شبيب قتلتم قبيصة بن والق التغلبي يا معشر المسلمين قال الله (واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) هذا مثل ابن عمكم قبيصة بن والق أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ثم جاء يقاتلكم مع الكافرين ثم وقف عليه فقال ويحك لو ثبت على إسلامك الاول سعدت ثم حمل من الميسرة على عتاب بن ورقاء وحمل سويد بن سليم على الميمنة وعليها محمد بن عبد الرحمن فقاتل في الميمنة في رجال من بنى تميم وهمدان فأحسنوا القتال فما زالوا كذلك حتى أتوا فقيل لهم قتل عتاب بن ورقاء فانفضوا ولم يزل عتاب جالسا على طنفسة في القلب وزهرة ابن حوية معه إذ غشيهم شبيب فقال له عتاب يا زهرة بن حوية هذا يوم كثر فيه العدد وقل فيه الغناء والهفى على خمسمائة فارس من نحو رجال تميم معى من جميع الناس ألا صابر لعدوه ألا مؤاس بنفسه فانفضوا عنه وتركوه فقال له زهرة أحسنت يا عتاب فعلت فعل مثلك والله والله لو منحتهم كتفك ما كان بقاؤك إلا قليلا أبشر فإنى أرجو أن يكون الله قد أهدى إلينا الشهادة عند فناء أعمارنا فقال له جزاك الله خيرا ما جزى امرءا لمعروف وحاثا على تقوى دنا فلما منه شبيب

[ 91 ]

وثب في عصابة صبرت معه قليلة وقد ذهب الناس يمينا وشمالا فقال له عمار بن يزيد الكلبى من بنى المدينة أصلحك الله إن عبد الرحمن بن محمد قد هرب عنك فانصفق معه أناس كثير فقال له قد فر قبل اليوم وما رأيت ذلك الفتى يبالى ما صنع ثم قاتلهم ساعة وهو يقول ما رأيت كاليوم قط موطنا لم أبتل بمثله قط أقل مقاتلا ولا أكثر هاربا خاذلا فرآه رجل من بنى تغلب من أصحاب شبيب من بنى زيد ابن عمرو يقال له عامر بن عمرو بن عبد عمرو وكان قد أصاب دما في قومه فلحق بشبيب وكان من الفرسان فقال لشبيب والله إنى لاظن هذا المتكلم عتاب بن ورقاء فحمل عليه فطعنه فوقع فكان هو ولى قتله ووطئت الخيل زهرة بن حوية فأخذ يذب بسيفه وهو شيخ كبير لايستطيع أن يقوم فجاء الفضل بن عامر الشيباني فقتله فانتهى إليه شبيب فوجده صريعا فعرفه فقال من قتل هذا فقال الفضل أنا قتلته فقال شبيب هذا زهرة بن حوية أما والله لئن كنت قتلت على ضلالة لرب يوم من أيام المسلمين قد حسن فيه بلاؤك وعظم فيه غناؤك ولرب خيل للمشركين قد هزمتها وسرية لهم قد أغرتها وقرية من قراهم جم أهلها قد افتتحتها ثم كان في علم الله أن تقتل ناصرا للظالمين (قال أبو مخنف) فحدثني فروة ابن لقيط قال رأيناه والله توجع له فقال رجل من شبان بكر بن وائل والله إن أمير المؤمنين منذ الليلة ليتوجع لرجل من الكافرين قال إنك لست بأعرف بضلالتهم منى ولكني أعرف من قديم أمرهم مالا تعرف مالو ثبتوا عليه كانوا إخوانا وقتل في المعركة عمار بن يزيد بن شبيب الكلبى وقتل أبو خيثمة بن عبد الله يومئذ واستمكن شبيب من أهل العسكر والناس فقال ارفعوا عنهم السيف ودعا إلى البيعة فبايعه الناس من ساعتهم وهربوا من تحت ليلتهم وأخذ شبيب يبايعهم ويقول إلى ساعة يهربون وحوى شبيب على ما في العسكر وبعث إلى أخيه فأتاه من المدائن فلما وفاه بالعسكر أقبل إلى الكوفة وقد أقام بعسكره ببيت قرة يومين ثم توجه نحو وجه أهل الكوفة وقد دخل سفيان بن الابرد الكلبى وحبيب بن عبد الرحمن الحكمى من مذحج فيمن معهما من أهل الشأم الكوفة فشدوا للحجاج

[ 92 ]

ظهره فاستغنى بهما عن أهل الكوفة فقام على منبر الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا أهل الكوفة فلا أعز الله من أراد بكم العز ولانصر من أراد بكم النصر اخرجوا عنا ولا تشهدوا معنا قتال عدونا الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى ولا تقاتلوا معنا إلا من كان لنا عاملا ومن لم يكن شهد قتال عتاب بن ورقاء (قالوا أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط قال والله لخرجنا نتبع آثار الناس فانتهى إلى عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث ومحمد بن عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس الهمداني وهما يمشيان كأنى أنظر إلى رأس عبد الرحمن قد امتلا طينا فصددت عنهما وكرهت أن أذعرهما ولو أنى أوذن بهما أصحاب شبيب لقتلا مكانهما وقلت في نفسي لثن سقت إلى مثلكما من قومي القتل ما أنا برشيد الرأى وأقبل شبيب حتى نزل الصراة (قال أبو مخنف) فحدثني موسى بن سوار أن شبيبا خرج يريد الكوفة فانتهى إلى سورا فندب الناس فقال أيكم يأتيني برأس عامل سورا فانتدب له بطين وقعنب وسويد ورجلان من أصحابه فساروا مغذين حتى انتهوا إلى دار الخراج والعمال في سمرجة فدخلوا الدار وقد كادوا الناس بأن قالوا أجيبوا الامير فقالوا أي الامراء قالوا أمير خرج من قبل الحجاج يريد هذا الفاسق شبيبا فاغتر بذلك العامل منهم ثم إنهم شهروا السيوف وحكموا حين وصلوا إليه فضربوا عنقه وقبضوا على ما كان من مال ولحقوا بشبيب فلما انتهوا إليه قال ما الذى أتيتمونا به قالوا جئناك برأس الفاسق وما وجدنا من مال والمال على دابة في بدوره فقال شبيب أتيتمونا بفتنة للمسلمين هلم الحربة يا غلام فخرق بها البدور وأمر فنخس بالدابة والمال يتناثر من بدوره حتى وردت الصراة فقال إن كان بقى شئ فاقذفه في الماء ثم خرج إليه سفيان بن الابرد مع الحجاج وكان أتاه قبل خروجه معه فقال ابعثنى أستقبله قبل أن يأتيك فقال ما أحب أن نفترق حتى ألقاه في جماعتكم والكوفة في ظهورنا والحصن في أيدينا (وفى هذه السنة) دخل شبيب الكوفة دخلته الثانية

[ 93 ]

ذكر الخبر عن ذلك وما كان من حربه بها الحجاج (قال هشام) حدثنى أبو مخنف عن موسى بن سوار قال قدم سبرة بن عبد الرحمن ابن مخنف من الدسكرة الكوفة بعد ما قدم جيش الشأم الكوفة وكان مطرف ابن المغيرة كتب إلى الحجاج إن شبيبا قد أطل على فابعث إلى المدائن بعثا فبعث إليه سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف في مائتي فارس فلما خرج مطرف يريد الجبل خرج بأصحابه معه وقد أعلمهم ما يريدوكتم ذلك سبرة فلما انتهى إلى دسكرة الملك دعا سبرة فأعلمه ما يريد ودعاه إلى أمره فقال له نعم أنا معك فلما خرج من عنده بعث إلى أصحابه فجمعهم وأقبل بهم فيصادف عتاب بن ورقاء قد قتل وشبيبا قد مضى إلى الكوفة فأقبل حتى انتهى إلى قرية يقال لها بيطري وقد نزل شبيب حمام عمر فخرج سبرة حتى يعبر الفرات في معبر قرية شاهى ثم أخذ الظهر حتى قدم على الحجاج فوجد أهل الكوفة مسخوطا عليهم فدخل على سفيان بن الابرد فقص قصته عليه وأخبره بطاعته وفراقه مطرفا وأنه لم يشهد عتابا ولم يشهد هزيمة في موطن من مواطن أهل الكوفة ولم أزل للامير عاملا ومعى مائتا رجل لم يشهدوا معى هزيمة قط وهم على طاعتهم لم يدخلوا في فتنة فدخل سفيان إلى الحجاج فخبره بخبر ما قص عليه سبرة بن عبد الرحمن فقال صدق وبرقل له فليشهد معنا لقاء عدونا فخرج إليه فأعلمه ذلك وأقبل شبيب حتى نزل موضع حمام أعين ودعا الحجاج الحارث ابن معاوية بن أبى زرعة بن مسعود الثقفى فوجهه في ناس من الشرط لم يكونوا شهدوا يوم عتاب ورجالا كانوا عمالا في نحو من مائتي رجل من أهل الشأم فخرج في نحو من ألف فنزل زرارة وبلغ ذلك شبيبا فتعجل إليه في أصحابه فلما انتهى إليه حمل عليه فقتله وهزم أصحابه وجاءت المنهزمة فدخلوا الكوفة وجاء شبيب حتى قطع الجسر وعسكر دونه إلى الكوفة وأقام شبيب في عسكره ثلاثة أيام فلم يكن في أول يوم إلا قتل الحارث بن معاوية فلما كان في اليوم الثاني أخرج الحجاج مواليه وغلمانه عليهم السلاح فأخذوا بأفواه السكك مما يلى الكوفة وخرج أهل الكوفة فأخذوا بأفواه سككهم وخشوا إن لم يخرجوا موجدة الحجاج وعبد الملك

[ 94 ]

ابن مروان وجاء شبيب حتى ابتنى مسجدا في أقصى السبخة مما يلى موقف أصحاب القت عند الايوان وهو قائم حتى الساعة فلما كان اليوم الثالث أخرج الحجاج أبا الورد مولى له عليه تجفاف وأخرج مجففة كثيرة وغلمانا له وقالوا هذا الحجاج فحمل عليه شبيب فقتله وقال إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه ثم إن الحجاج أخرج له غلامه طهمان في مثل تلك العدة على مثل تلك الهيئة فحمل عليه شبيب فقتله وقال إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه ثم إن الحجاج خرج ارتفاع النهار من القصر فقال ائتونى ببغل أركبه ما بينى وبين السبخة فأتى ببغل محجل فقيل له إن الاعاجم أصلحك الله تطير أن تركب في مثل هذا اليوم مثل هذا البغل فقال ادنوه منى فان اليوم يوم أغر محجل فركبه ثم خرج في أهل الشأم حتى أخذ في سكة البريد ثم خرج في أعلى السبخة فلما نظر الحجاج إلى شبيب وأصحابه نزل وكان شبيب في ستمائة فارس فلما رأى الحجاج قد خرج إليه أقبل بأصحابه وجاء سبرة بن عبد الرحمن إلى الحجاج فقال أين يأمرنى الامير أن أقف فقال قف على أفواه السكك فان جاء وكم فكان فيكم قتال فقاتلوا فانطلق حتى وقف في جماعة الناس ودعا الحجاج بكرسى له فقعد عليه ثم نادى يا أهل الشأم أنتم أهل السمع والطاعة والصبر واليقين لا يغلبن باطل هؤلاء الارجاس حقكم غضوا الابصار واجثوا على الركب واستقبلوا القوم بأطراف الاسنة فجثوا على الركب وأشرعوا الرماح وكأنهم حرة سوداء وأقبل إليهم شبيب حتى إذا دنا منهم عبى أصحابه ثلاثة كراديس كتيبة معه وكتيبة مع سويد بن سليم وكتيبة مع المحلل بن وائل فقال لسويد احمل عليهم في خيلك فحمل عليهم فثبتوا له حتى إذا غشى أطراف الاسنة وثبوا في وجهه ووجوه أصحابه فطعنوا قدما حتى انصرف وصاح الحجاج يا أهل السمع والطاعة هكذا فافعلوا قدم كرسى يا غلام وأمر شبيب المحلل فحمل عليهم ففعلوا به مثل ما فعلوا بسويد فناداهم الحجاج يا أهل السمع والطاعة هكذا فافعلوا قدم كرسى يا غلام ثم إن شبيبا حمل عليهم في كتيبته فثبتوا له حتى إذا غشى أطراف الرماح وثبوا في وجهه فقاتلهم طويلا ثم إن أهل الشأم طعنوه قدما حتى ألحقوه بأصحابه

[ 95 ]

فلما رأى صبرهم نادى يا سويدا حمل في خيلك على أهل هذه السكة يعنى سكة لحام جرير لعلك تزيل أهلها عنها فتأتى الحجاج من ورائه ونحمل نحن عليه من أمامه فانفرد سويد بن سليم فحمل على أهل تلك السكة فرمى من فوق البيوت وأفواه السكك فانصرف وقد كان الحجاج جعل عروة بن المغيرة بن شعبة في نحو من ثلثمائة رجل من أهل الشأم ردءاله ولاصحابه لئلا يؤتوا من ورائه (قال أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط أن شبيبا قال لنا يومئذ يا أهل الاسلام إنما شرينا الله ومن شرى الله لم يكبر عليه ما أصابه من الاذى والالم في جنب الله الصبر الصبر شدة كشداتكم في مواطنكم الكريمة ثم جمع أصحابه فلما ظن الحجاج أنه حامل عليهم قال لاصحابه يا أهل السمع والطاعة اصبروا لهذه الشدة الواحدة ثم ورب السماء ما شئ دون الفتح فجثوا على الركب وحمل عليهم شبيب بجميع أصحابه فلما غشيهم نادى الحجاج بجماعة الناس فوثبوا في وجهه فما زالوا يطعنون ويضربون قدما ويدفعون شبيبا وأصحابه وهو يقاتلهم حتى بلغوا موضع بستان زائدة فلما بلغ ذلك المكان نادى شبيب أصحابه يا أولياء الله الارض الارض ثم نزل وأمر أصحابه فنزل نصفهم وترك نصفهم مع سويد بن سليم وجاء الحجاج حتى انتهى إلى مسجد شبيب ثم قال يا أهل الشأم يا أهل السمع والطاعة هذا أول الفتح والذى نفس الحجاج بيده وصعد المسجد معه نحو من عشرين رجلا معهم النبل فقال إن دنوا منا فارشقوهم فاقتتلوا عامة النهار من أشد قتال في الارض حتى أقر ؟ ؟ كل واحد من الفريقين لصاحبه ثم إن خالد بن عتاب قال للحجاج ائذن لى في قتالهم فإنى موتور وأنا ممن لا يتهم في نصيحة قال فانى قد أذنت لك قال فانى آتيهم من ورائهم حتى أغير على عسكرهم فقال له افعل ما بدالك قال فخرج معه بعصابة من أهل الكوفة حتى دخل عسكرهم من ورائهم فقتل مصادا أخا شبيب وقتل غزالة امرأته قتلها فروة بن الدفان الكلبى وحرق في عسكره وأتى ذلك الخبر الحجاج وشبيبا فأما الحجاج وأصحابه فكبروا تكبيرة واحدة وأما شبيب فوثب هو وكل راجل معه على خيولهم وقال الحجاج لاهل الشأم شدوا عليهم فإنه قد أتاهم ما أرعب قلوبهم فشدوا عليهم

[ 96 ]

فهزموهم وتخلف شبيب في حامية الناس (قال هشام) فحدثني أصغر الخارجي قال حدثنى من كان مع شبيب قال لما انهزم الناس فخرج من الجسر تبعه خيل الحجاج قال فجعل يخفق برأسه فقلت يا أمير المؤمنين التفت فانظر من خلفك قال فالتفت غير مكترث ثم أكب يخفق برأسه قال ودنوا منا فقلنا يا أمير المؤمنين قد دنوا منك قال فالتفت والله غير مكترث ثم جعل يخفق برأسه قال فبعث الحجاج إلى خيله أن دعوه في حرق الله وناره فتركوه ورجعوا (قال هشام) قال أبو مخنف حدثنى أبو عمرو العذري قال قطع شبيب الجسر حين عبر قال وقال لى فروة كنت معه حين انهزمنا فما حرك الجسر ولا اتبعونا حتى قطعنا الجسر ودخل الحجاج الكوفة ثم صعد المنبر فحمد الله ثم قال والله ما قوتل شبيب قبلها ولى والله هاربا وترك امرأته يكسر في استها القصب (وقد قيل) في قتال الحجاج شبيبا بالكوفة ما ذكره عمر بن شبة قال حدثنى عبد الله بن المغيرة بن عطية قال حدثنى أبى قال حدثنا مزاحم بن زفر بن جساس التيمى قال لما فض شبيب كتائب الحجاج أذن لنا فدخلنا عليه في مجلسه الذى يبيت فيه وهو على سرير وعليه لحاف فقال إنى دعوتكم لامر فيه أمان ونظر فأشيروا على إن هذا الرجل قد تبحبح بحبوحتكم ودخل حريمكم وقتل مقاتلتكم فأشيروا على فأطرقوا وفصل رجل من الصف بكرسيه فقال إن أذن لى الامير تكلمت فقال تكلم فقال إن الامير والله ما راقب الله ولا حفظ أمير المؤمنين ولا نصح الرعية ثم جلس بكرسيه في الصف قال وإذا هو قتيبة قال فغضب الحجاج وألقى اللحاف ودلى قدميه من السرير كأنى أنظر اليهما فقال من المتكلم قال فخرج قتيبة بكرسيه من الصف فأعاد الكلام قال فما الرأى قال الرأى أن تخرج إليه فتحاكمه قال فارتد لى معسكرا ثم اغد إلى قال فخرجنا نلعن عنبسة بن سعيد وكان كلم الحجاج في قتيبة فجعله من أصحابه فلما أصبحنا وقد أوصينا جميعا غدونا في السلاح فصلى الحجاج الصبح ثم دخل فجعل رسوله يخرج ساعة بعد ساعة فيقول أجاء بعد أجاء بعد ولا ندرى من يريد وقد أفعمت المقصورة بالناس فخرج الرسول فقال أجاء بعد وإذا قتيبة يمشى

[ 97 ]

في المسجد عليه قباء هروى أصفر وعمامة خز أحمر متقلدا سيفا عريضا قصير الحمائل كأنه في ابطه قد أدخل بركة قبائه في منطقته والدرع يصفق ساقيه ففتح له الباب فدخل ولم يحجب فلبث طويلا ثم خرج وأخرج معه لواء منشورا فصلى الحجاج ركعتين ثم قام فتكلم وأخرج اللواء من باب الفيل وخرج الحجاج يتبعه فإذا بالباب بغلة شقراء غراء محجلة فركبها وعارضه الوصفاء بالدواب فأبى غيرها وركب الناس وركب قتيبة فرسا أغر محجلا كميتا كأنه في سرجه رمانة من عظم السرج فأخذ في طريق دار السقاية حتى خرج إلى السبخة وبها عسكر شبيب وذلك يوم الاربعاء فتواقفوا ثم غدوا يوم الخميس للقتال ثم غادوهم يوم الجمعة فلما كان وقت الصلاة انهزمت الخوارج * قال أبو زيد حدثنى خلاد بن يزيد قال حدثنا الحجاج بن قتيبة قال جاء شبيب وقد بعث إليه الحجاج أميرا فقتله ثم آخر فقتله أحدهما عين صاحب حمام أعين قال فجاء حتى دخل الكوفة ومعه غزالة وقد كانت نذرت أن تصلى في مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران قال ففعلت قال واتخذ شبيب في عسكره أخصاصا فقام الحجاج فقال لا أراكم تناصحون في قتال هؤلاء القوم يا أهل العراق وأنا كاتب إلى أمير المؤمنين ليمدنى بأهل الشأم قال فقام قتيبة فقال إنك لم تنصح لله ولا لامير المؤمنين في قتالهم (قال عمر بن شبة) قال خلاد فحدثني محمد بن حفص بن موسى بن عبيد الله بن معمر بن عثمان التميمي أن الحجاج خنق قتيبة بعمامته خنقا شديدا (ثم رجع الحديث إلى حديث الحجاج وقتيبة) قال فقال وكيف ذاك قال تبعث الرجل الشريف وتبعث معه رعاعا من الناس فينهزمون عنه ويستحيا فيقاتل حتى يقتل قال فما الرأى قال أن تخرج بنفسك ويخرج معك نظراؤك فيؤاسونك بأنفسهم قال فلعنه من ثم وقال الحجاج والله لابرزن له غدا فلما كان الغد حضر الناس فقال قتيبة اذكر يمينك أصلح الله الامير فلعنوه أيضا وقال الحجاج اخرج فارتد لى معسكرا فذهب وتهيأ هو وأصحابه فخرجوا فأتى على موضع فيه بعض القذر موضع كناسة فقال ألقوا لى ههنا فقيل إن الموضع قذر فقال ما تدعونني إليه أقذر الارض تحته طيبة والسماء فوقه طيبة قال فنزل وصف

[ 98 ]

الناس وخالد بن عتاب بن ورقاء مسخوط عليه فليس في القوم وجاء شبيب وأصحابه لتقربوا دوابهم وخرجوا يمشون فقال لهم شبيب الهوا عن رميكم ودبوا تحت تراسكم حتى إذا كانت أسنتهم فوقها فأزلقوها صعدا ثم ادخلوا تحتها لتستقلوا فتقطعوا أقدامهم وهى الهزيمة بإذن الله فأقبلوا يدبون إليهم وجاء خالد بن عتاب في شاكريته فدار من وراء عسكرهم فأضرم أخصاصهم بالنار فلما رأوا ضوء النار وسمعوا معمعتها التفتوا فرأوها في بيوتهم فولوا إلى خيلهم وتبعهم الناس وكانت الهزيمة ورضى الحجاج عن خالد وعقد له على قتالهم قال لما قتل شبيب عتابا أراد دخول الكوفة ثانية فأقبل حتى شارفها فوجه إليه الحجاج سيف بن هانئ ورجلا معه ليأتياه بخبر شبيب فأتيا عسكره ففطن بهما فقتل الرجل وأفلت سيف وتبعه رجل من الخوارج فأوثب سيف فرسه ساقية ثم سأل الرجل الامان على أن يصدقه فآمنه فأخبره أن الحجاج بعثه وصاحبه ليأتياه بخبر شبيب قال فأخبره أنا نأتيه يوم الاثنين فأتى سيف الحجاج فأخبره فقال كذب وماق فلما كان يوم الاثنين توجهوا ؟ ؟ يريدون الكوفة فوجه إليهم الحجاج الحارث بن معاوية الثقفى فلقيه شبيب بزرارة فقتله وهزم أصحابه ودنا من الكوفة فبعث البطين في عشرة فوارس يرتاد له منزلا على شاطئ الفرات في دار الرزق فأقبل البطين وقد وجه الحجاج حواشب بن يزيد في جمع من أهل الكوفة فأخذوا بأفواه السكك فقاتلهم البطين فلم يقو عليهم فبعث إلى شبيب فأمده بفوارس فعقروا فرس حوشب وهزموه ونجا ومضى البطين إلى دار الرزق وعسكر على شاطئ الفرات وأقبل شبيب فنزل دون الحسر فلم يوجه إليه الحجاج أحدا فمضى فنزل السبخة بين الكوفة والفرات فأقام ثلاثا لا يوجه إليه الحجاج أحدا فأشير على الحجاج أن يخرج بنفسه فوجه قتيبة بن مسلم فهيأ له عسكرا ثم رجع فقال وجدت المأتى سهلا فسر على الطائر الميمون فنادى في أهل الكوفة فخرجوا وخرج معه الوجوه حتى نزلوا في ذلك العسكر وتواقفوا وعلى ميمنة شبيب البطين وعلى ميسرته قعنب مولى بنى أبى ربيعة بن ذهن وهو في زهاء مائتين وجعل الحجاج على ميمنته مطر بن ناجية الرياحي وعلى ميسرته خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي في زهاء

[ 99 ]

أربعة آلاف وقيل له لا تعرفه موضعك فتنكر وأخفى مكانه وشبه له أبا الورد مولاه فنظر إليه شبيب فحمل عليه فضربه بعمود وزنه خمسة عشر رطلا فقتله وشبه له أعين صاحب حمام أعين بالكوفة وهو مولى لبكر بن وائل فقتله فركب الحجاج بغلة غراء محجلة وقال إن الدين أغر محجل وقال لابي كعب قدم لواءك أنا ابن أبى عقيل وحمل شبيب على خالد بن عتاب وأصحابه فبلغ بهم الرحبة وحملوا على مطر ابن ناجية فكشفوه فنزل عند ذلك الحجاج وأمر أصحابه فنزلوا فجلس على عباءة ومعه عنبسة بن سعيد فانهم على ذلك إذ تناول مصقلة بن مهلهل الضبى لجام شبيب فقال ما تقول في صالح بن مسرح وبما تشهد عليه قال أعلى هذه الحال وفى هذه الحزة والحجاج ينظر قال فبرئ من صالح فقال مصقلة برئ الله منك وفارقوه إلا أربعين فارسا هم أشد أصحابه وانحاز الآخرون إلى دار الرزق وقال الحجاج قد اختلفوا وأرسل إلى خالد بن عتاب فأتاهم فقاتلهم فقتلت غزالة ومر برأسها إلى الحجاج فارس فعرفه شبيب فأمر علوان فشد على الفارس فقتله وجاء بالرأس فأمر به فغسل ودفنه وقال هي أقرب اليكم رحما يعنى غزالة ومضى القوم على حاميتهم ورجع خالد إلى الحجاج فأخبره بانصراف القوم فأمره أن يحمل على شبيب فحمل عليهم وأتبعه ثمانية منهم قعنب والبطين وعلوان وعيسى والمهذب وابن عويمر وسنان حتى بلغوا به الرحبة وأتى شبيب في موقفه بخوط بن عمير السدوسى فقال له شبيب يا خوط لا حكم إلا لله فقال لا حكم إلا لله فقال شبيب خوط من أصحابكم ولكنه كان يخاف فأطلقه وأتى بعمير بن القعقاع فقال له لا حكم إلا لله يا عمير فجعل لا يفقه عنه ويقول في سبيل الله شبابى فردد عليه شبيب لا حكم إلا لله ليتخلصه فلم يفقه فأمر بقتله وقتل مصاد أخو شبيب وجعل شبيب ينتظر النفر الذين تبعوا خالدا فأبطؤا ونعس شبيب فأيقظه حببب بن حدرة وجعل أصحاب الحجاج لا يقدمون عليه هيبة له وسار إلى دار الرزق فجمع رثة من قتل من أصحابه وأقبل الثمانية إلى موضع شبيب فلم يجدوه فظنوا أنهم قتلوه ورجع مطر وخالد إلى الحجاج فأمرهما فأتبعا الرهط الثمانية وأتبع الرهط شبيبا فمضوا جميعا حتى قطعوا جسر المدائن فدخلوا

[ 100 ]

ديرا هنالك وخالد يقفوهم فحصرهم في الدير فخرجوا عليه فهزموه نحوا من فرسخين حتى ألقوا أنفسهم في دجلة بخيلهم وألقى خالد نفسه بفرسه فمر به ولواؤه في يده فقال شبيب قاتله الله فارسا وفرسه، هذا أشد الناس وفرسه أقوى فرس في الارض فقيل له هذا خالد بن عتاب فقال معرق له في الشجاعة والله لو علمت لاقحمت خلفه ولو دخل النار (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) عن أبى عمر والعذري أن الحجاج دخل الكوفة حين انهزم شبيب ثم صعد المنبر فقال والله ما قوتل شبيب قط قبلها مثلها ولى والله هاربا وترك امرأته يكسر في استها القصب ثم دعا حبيب بن عبد الرحمن الحكمى فبعثه في أثره في ثلاثة آلاف من أهل الشأم فقال له الحجاج احذر بياته وحيثما لقيته فنازله فان الله قد فل حده وقصم نابه فخرج حبيب بن عبد الرحمن في أثر شبيب حتى نزل الانبار وبعث الحجاج إلى العمال أن دسوا إلى أصحاب شبيب أن من جاءنا منهم فهو آمن فكان كل من ليست له تلك البصيرة ممن قد هده القتال يجئ فيؤمن وقبل ذلك ما قد نادى فيهم الحجاج يوم هزموا إن من جاءنا منكم فهو آمن فتفرق عنه ناس كثير من أصحابه وبلغ شبيبا منزل حبيب بن عبد الرحمن الانبار فأقبل بأصحابه حتى إذا دنا من عسكرهم نزل فصلى بهم المغرب (قال أبو مخنف) فحدثني أبو يزيد السكسكى قال أنا والله في أهل الشأم ليلة جاءنا شبيب فبيتنا قال فلما أمسينا جمعنا حبيب بن عبد الرحمن فجعلنا أرباعا وقال لكل ربع منا ليجزئ كل ربع منكم جانبه فان قاتل هذا الربع فلا يغثهم هذا الربع الآخر فانه قد بلغني أن هذه الخوارج منا قريب فوطنوا أنفسكم على أنكم مبيتون ومقاتلون فما زلنا على تعبيتنا حتى جاءنا شبيب فبيتنا فشد على ربع منا عليهم عثمان بن سعيد العذري فضاربهم طويلا فما زالت قدم الانسان منهم ثم تركهم وأقبل على الربع الآخر وقد جعل عليهم سعد بن بجل العامري فقاتلهم فما زالت قدم إنسان منهم ثم تركهم وأقبل على الربع الآخر وعليهم النعمان بن سعد الحميرى فما قدر منهم على شئ ثم أقبل على الربع الآخر وعليهم ابن أقيصر الخثعمي فقاتلهم طويلا فلم يظفر بشئ ثم أطاف بنا يحمل علينا حتى ذهب ثلاثة أرباع الليل وألزبنا ؟ حتى قلنا لا يفارقنا

[ 101 ]

ثم نازلنا راجلا طويلا فسقطت والله بيننا وبينهم الايدى وفقئت الاعين وكثرت القتلى قتلنا منهم نحوا من ثلاثين وقتلوا منا نحو من مائة والله لو كانوا فيما نرى يزيدون على مائة رجل لاهلكونا وايم الله على ذلك ما فارقونا حتى مللناهم وملونا وكرهونا وكرهناهم ولقد رأيت الرجل منا يضرب بسيفه الرجل منهم فما يضره شيئا من الاعياء والضعف ولقد رأيت الرجل منا يقاتل جالسا ينفح بسيفه ما يستطيع أن يقوم من الاعياء فلما يئسوا منا ركب شبيب ثم قال لمن كان نزل من أصحابه اركبوا فلما استووا على متون خيولهم وجه منصرفا عنا (قال أبو مخنف) حدثنى فروة بن لقيط عن شبيب قال لما انصرفنا عنهم وبنا كآبة شديدة وجراحة ظاهرة قال لنا ما أشد هذا الذى بنا لو كنا إنما نطلب الدنيا وما أيسر هذا في ثواب الله فقال أصحابه صدقت يا أمير المؤمنين قال فما أنسى منه اقباله على سويد بن سليم ولا مقالته له قتلت منهم أمس رجلين أحدهما أشجع الناس والآخر أجبن الناس خرجت عشية أمس طليعة لكم فلقيت منهم ثلاثة نفر دخلوا قرية يشترون منها حوائجهم فاشترى أحدهم حاجته ثم خرج قبل أصحابه وخرجت معه فقال كأنك لم تشتر علفا فقلت إن لى رفقاء قد كفوني ذلك فقلت له أين ترى عدونا هذا نزل قال بلغني أنه قد نزل منا قريبا وايم الله لوددت أنى قد لقيت شبيبهم هذا قلت فتحب ذلك قال نعم قلت فخذ حذرك فأنا والله شبيب وانتضيت سيفى فخر والله ميتا فقلت له ارتفع ويحك وذهبت أنظر فإذا هو قد مات فانصرفت راجعا فأستقبل الآخر خارجا من القرية فقال أين تذهب هذه الساعة وإنما يرجع الناس إلى عسكرهم فلم أكلمه ومضيت يقرب بى فرسى وأتبعني حتى لحقني فقطعت عليه فقلت له مالك فقال أنت والله من عدونا فقلت أجل والله فقال والله لا تبرح حتى تقتلني أو أقتلك فحملت عليه وحمل على فاضطربنا بسيفينا ساعة فوالله ما فضلته في شدة نفس ولا إقدام إلا ان سيفى كان أقطع من سيفه فقتلته قال فمضينا حتى قطعنا دجلة ثم أخذنا في أرض جوخى حتى قطعنا دجلة مرة أخرى من عند واسط ثم أخذنا إلى الاهواز ثم إلى فارس ثم

[ 102 ]

ارتفعنا إلى كرمان (وفى هذه السنة) هلك شبيب في قول هشام بن محمد وفى قول غيره كان هلاكه سنة 78 ذكر سبب هلاكه (قال هشام) عن أبى مخنف قال حدثنى أبو يزيد السكسكى قال أقفلنا الحجا إليه يعنى إلى شبيب فقسم فينا مالا عظيما وأعطى كل جريح منا وكل ذى بلاء ثم أمر سفيان بن الابرد أن يسير إلى شبيب فتجهز سفيان فشق ذلك على حبيب ابن عبد الرحمن الحكمى وقال تبعث سفيان إلى رجل قد فللته وقتلت فرسان أصحابه فأمضى سفيان بعد شهرين وأقام شبيب بكرمان حتى إذا انجبر واستراش هو وأصحابه أقبل راجعا فيستقبله سفيان بجسر دجيل الاهواز وقد كان الحجاج كتب إلى الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبى عقيل وهو زوج ابنة الحجاج وعامله على البصرة أما بعد فابعث رجلا شجاعا شريفا من أهل البصرة في أربعة آلاف إلى شبيب ومره فليلحق بسفيان بن الابرد وليسمع له وليطع فبعث إليه زياد بن عمرو العتكى في أربعة آلاف فلم ينته إلى سفيان حتى التقى سفيان وشبيب ولما أن التقيا بجسر دجيل عبر شبيب إلى سفيان فوجد سفيان قد نزل في الرجال وبعث مهاصر بن صيفي العذري على الخيل وبعث على ميمنته بشر بن حسان الفهرى وبعث على ميسرته عمر بن هبيرة الفزارى فأقبل شبيب في ثلاثة كراديس من أصحابه هو في كتيبة وسويد في كتيبة وقعنب المحلمى في كتيبة وخلف المحلل بن وائل في عسكره قال فلما حمل سويد وهو في ميمنته على ميسرة سفيان وقعنب وهو في ميسرته على ميمنته حمل هو على سفيان فاضطربنا طويلا من النهار حتى انحازوا فرجعوا إلى المكان الذى كانوا فيه فكر علينا هو وأصحابه أكثر من ثلاثين كرة كل ذلك لا نزول من صفنا وقال لنا سفيان بن الابرد لا تتفرقوا ولكن لتزحف الرجال إليهم زحفا فوالله ما زلنا نطاعنهم ونضاربهم حتى اضطررناهم إلى الجسر فلما انتهى شبيب إلى الجسر نزل ونزل معه نحو من مائة رجل فقاتلناهم حتى المساء أشد قتال قاتله قوم قط فما هو إلا ان نزلوا

[ 103 ]

فأوقعوا لنا من الطعن والضرب شيئا ما رأينا مثله من قوم قط فلما رأى سفيان انه لا يقدر عليهم ولا يأمن مع ذلك ظفرهم دعا الرماة فقال ارشقوهم بالنبل وذلك عند المساء وكان التقاؤهم نصف النهار فرماهم أصحاب النبل بالنبل عند المساء وقد صفهم سفيان بن الابرد على حدة وبعث على المرامية رجلا فلما رشقوهم بالنبل ساعة شدوا عليهم فلما شدوا على رماتنا شددنا عليهم فشغلناهم عنهم فلما رموا بالنبل ساعة ركب شبيب وأصحابه ثم كروا على أصحاب النبل كرة صرع منهم أكثر من ثلاثين رجلا ثم عطف بخيله علينا فمشى عامدا نحونا فطاعناه حتى اختلط الظلام ثم انصرف عنا فقال سفيان لاصحابه أيها الناس دعوهم لا تتبعوهم حتى نصبحهم غدوة قال فكففنا عنهم وليس شئ أحب الينا من أن ينصرفوا عنا (قال أبو مخنف) فحدثني فروة بن لقيط قال فما هو إلا أن انتهينا إلى الجسر فقال اعبروا معاشر المسلمين فإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء الله فعبرنا أمامه وتخلف في أخرانا فأقبل على فرسه وكانت بين يديه فرس أنثى ماذيانة فنزا فرسه عليها وهو على الجسر فاضطربت الماذيانة ونزل حافر رجل فرس شبيب على حرف السفينة فسقط في الماء فلما سقط قال ليقضى الله أمرا كان مفعولا فارتمس في الماء ثم ارتفع فقال ذلك تقدير العزيز العليم (قال أبو مخنف) فحدثني أبو يزيد السكسكى بهذا الحديث وكان ممن يقاتله من أهل الشأم وحدثني فروة بن لقيط وكان ممن شهد مواطنه فأما رجل من رهطه من بنى مرة بن همام فإنه حدثنى أنه كان معه قوم يقاتلون من عشيرته ولم يكن لهم تلك البصيرة النافذة وكان قد قتل من عشائرهم رجالا كثيرا فكان ذلك قد أوجع قلوبهم وأوغر صدورهم وكان رجل يقال له مقاتل من بنى تيم بن شيبان من أصحاب شبيب فلما قتل شبيب رجالا من بنى تيم بن شيبان أغار هو على بنى مرة بن همام فأصاب منهم رجلا فقال له شبيب ما حملك على قتلهم بغير أمرى فقال له أصلحك الله قتلت كفار قومي وقتلت كفار قومك قال وأنت الوالى على حتى تقطع الامور دوني فقال أصلحك الله أليس من ديننا قتل من كان على غير رأينا منا كان أو من غيرنا قال بلى قال فانما فعلت ما كان ينبغى ولا والله يا أمير

[ 104 ]

المؤمنين ما أصبت من رهطك عشر ما أصبت من رهطي وما يحل لك يا أمير المؤمنين أن تجد من قتل الكافرين قال إنى لا أجد من ذلك وكان معه رجال كثير قد أصاب من عشائرهم فزعموا انه لما تخلف في أخريات أصحابه قال بعضهم لبعض هل لكم أن نقطع به الجسر فندرك ثأرنا الساعة فقطعوا الجسر فمالت السفن ففزع الفرس ونفر ووقع في الماء فغرق (قال أبو مخنف) فحدثني ذلك المرى بهذا الحديث وناس من رهط شبيب يذكرون هذا أيضا وأما حديث العامة فالحديث الاول (قال أبو مخنف) وحدثني أبو يزيد السكسكى قال إنا والله لنتهيأ للانصراف إذ جاء صاحب الجسر فقال أين أميركم قلنا هو هذا فجاءه فقال أصلحك الله إن رجلا منهم وقع في الماء فتنادوا بينهم غرق أمير المؤمنين ثم انهم انصرفوا راجعين وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد فكبر سفيان وكبرنا ثم أقبل حتى انتهى إلى الجسر وبعث مهاصر بن صيفي فعبر إلى عسكرهم فإذا ليس فيه منهم صافر ولا آثر فنزل فيه فإذا أكثر عسكر خلق الله خيرا وأصبحنا فطلبنا شبيبا حتى استخرجناه وعليه الدرع فسمعت الناس يزعمون انه شق بطنه فاخرج قلبه فكان مجتمعا صلبا كأنه صخرة وانه كان يضرب به الارض فيثب قامة انسان فقال سفيان احمدوا الله الذى أعانكم فأصبح عسكرهم في أيدينا (قال أبو زيد) عمر بن شبة حدثنى خلاد بن يزيد الارقط قال كان شبيب ينعى لامه فيقال قتل فلا تقبل قال فقيل لها انه غرق فقبلت وقالت إنى رأيت حين ولدته انه خرج منى شهاب نار فعلمت انه لا يطفئه إلا الماء (قال هشام) عن أبى مخنف حدثنى فروة بن لقيط الازدي ثم العامري أن يزيد بن نعيم أبا شبيب كان ممن دخل في جيش سلمان بن ربيعة إذ بعث به وبمن معه الوليد بن عقبة عن أمر عثمان اياه بذلك مدد الاهل الشأم أرض الروم فلما قفل المسلمون أقيم السبى للبيع فرأى يزيد بن نعيم أبو شبيب جارية حمراء لا شهلاء ولا زرقاء طويلة جميلة تأخذها العين فابتاعها ثم أقبل بها وذلك سنة 25 أول السنة فلما أدخلها الكوفة قال أسلمى فأبت عليه فضربها فلم تزدد إلا عصيانا فلما رأى ذلك أمر بها فأصلحت ثم

[ 105 ]

دعا بها فأدخلت عليه فلما تغشاها تلقت منه بحمل فولدت شبيبا وذلك سنة 25 في ذى الحجة في يوم النحر يوم السبت وأحبت مولاها حبا شديدا وكانت تحدثه وقالت ان شئت أجبتك إلى ما سألتنى من الاسلام فقال لها قد شئت فأسلمت وولدت شبيبا وهى مسلمة وقالت إنى رأيت فيما يرى النائم انه خرج من قبلى شهاب فثقب يسطع حتى بلغ السماء وبلغ الآفاق كلها فبينا هو كذلك إذ وقع في ماء كثير جار فخبا وقد ولدته في يومكم هذا الذى تهريقون فيه الدماء وإنى قد أولت رؤياي هذه أنى أرى ولدى هذا غلاما أراه سيكون صاحب دماء يهريقها وإنى أرى أمره سيعلو ويعظم سريعا قال فكان أبوه يختلف به وبأمه إلى البادية إلى أرض قومه على ماء يدعى اللصف (قال أبو مخنف) وحدثني موسى بن أبى سويد ابن رادى أن جند أهل الشام الذين جاؤا حملوا معهم الحجر فقالوا لا نفر من شبيب حتى يفر هذا الحجر فبلغ شبيبا أمرهم فأراد أن يكيدهم فدعا بأفراس أربعة فربط في أذنابها ترسه في ذنب كل فرس ترسين ثم ندب معه ثمانية نفر من أصحابه ومعه غلام له يقال له حيان وأمره أن يحمل معه إداوة من ماء ثم سار حتى يأتي ناحية من العسكر فأمر أصحابه أن يكونوا في نواحى العسكر وأن يجعلوا مع كل رجلين فرسا ثم يمسوها الحديد حتى تجد حره ويخلوها في العسكر وواعدهم تلعة قريبة من العسكر فقال من نجا منكم فان موعده هذه التلعة وكره أصحابه الاقدام على ما أمرهم به فنزل حيث رأى ذلك منهم حتى صنع بالخيل مثل الذى أمرهم ثم وغلت في العسكر ودخل يتلوها محكما فضرب الناس بعضهم بعضا فقام صاحبهم الذى كان عليهم وهو حبيب بن عبد الرحمن الحكمى فنادى أيها الناس إن هذه مكيدة فالزموا الارض حتى يتبين لكم الامر ففعلوا وبقى شبيب في عسكرهم فلزم الارض حيث رآهم قد سكنوا وقد أصابته ضربة عمود أوهنته فلما أن هدأ الناس ورجعوا إلى أبنيتهم خرج في غمارهم حتى أتى التلعة فإذا هو بحيان فقال أفرغ يا حيان على رأسي من الماء فلما مد رأسه ليصب عليه من الماء هم حيان أن يضرب عنقه فقال لنفسه لا أجد لى مكرمة ولا ذكرا

[ 106 ]

أرفع من قتلى هذا وهو أمانى عند الحجاج فاستقبلته الرعدة حيث هم بما هم به فلما أبطأ بحل الاداوة قال ما يبطئك بحلها فتناول السكين من موزجه فخرقها به ثم ناولها إياه فأفرغ عليه من الماء فقال حيان منعنى والله الجبن وما أخذني من الرعدة أن أضرب عنقه بعد ما هممت به ثم لحق شبيب بأصحابه في عسكره (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة خرج مطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج وخلع عبد الملك بن مروان ولحق بالجبال فقتل ذكر السبب الذى كان عند خروجه وخلعه عبد الملك بن مروان (قال هشام) عن أبى مخنف قال حدثنى يوسف بن يزيد بن بكر الازدي أن بنى المغيرة بن شعبة كانوا صلحاء نبلاء أشرافا بأبدانهم سوى شرف أبيهم ومنزلتهم في قومهم قال فلما قدم الحجاج فلقوه وشافههم علم أنهم رجال قومه وبنو أبيه فاستعمل عروة بن المغيرة على الكوفة ومطرف بن المغيرة على المدائن وحمزة بن المغيرة على همذان (قال أبو مخنف) فحدثني الحصين ابن عبد الله بن سعد بن نفيل الازدي قال قدم علينا مطرف بن المغيرة بن شعبة المدائن فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن الامير الحجاج أصلحه الله قد ولانى عليكم وأمرني بالحكم بالحق والعدل في السيرة فان عملت بما أمرنى به فأنا أسعد الناس وإن لم أفعل فنفسي أو بقت وحظ نفسي ضيعت ألا إنى جالس لكم العصرين فارفعوا ؟ ؟ إلى حوائجكم وأشيروا على بما يصلحكم ويصلح بلادكم فانى لن آلوكم خيرا ما استطعت ثم نزل وكان بالمدائن إذ ذاك رجال من أشراف أهل المصر وبيوتات الناس وبها مقاتلة لا تسعها عدة أن كان كرن بأرض جوخى أو بأرض الانبار فأقبل مطرف حين نزل حتى جلس للناس في الايوان وجاء حكيم بن الحارث الازدي يمشى نحوه وكان من وجوه الازد وأشرافهم وكان الحجاج قد استعمله بعد ذلك على بيت المال فقال له أصلحك الله إنى كنت منك نائيا حتى تكلمت وإنى أقبلت نحوك لاجيبك فوافق ذلك نزولك إنا قد فهمنا ما ذكرت لنا انه عهد إليك فأرشد الله العاهد والمعهود إليه وقد منيت من نفسك

[ 107 ]

العدل وسألت المعونة على الحق فأعانك الله على ما نويت إنك تشبه أباك في سيرته برضى الله والناس فقال له مطرف ههنا إلى فأوسع له فجلس إلى جنبه (قال أبو مخنف) فحدثني الحصين بن يزيد أنه كان من خير عامل قدم عليهم قط أقمعه للمريب وأشده إنكارا للظلم فقدم عليه بشر بن الاجدع الهمداني ثم الثوري وكان شاعرا فقال إنى كلفت بخود غير فاحشة * غراء وهنانة حسانة الجيد كأنها الشمس يوم الدجن إذ برزت * تمشى مع الانس الهيف الاماليد سل الهوى بعلنداة مذكرة * عنها إلى المجتدى ذى العرف والجود إلى الفتى الماجد الفياض نعرفه * في الناس ساعة يحلى كل مردود من الاكارم أنسابا إذا نسبوا * والحامل الثقل يوم المغرم الصيد إنى أعيذك بالرحمن بن نفر * حمر السبال كأسد الغابة السود فرسان شيبان لم نسمع بمثلهم * أبناء كل كريم النجل صنديد شدوا على ابن حصين في كتيبته * فغادروه صريعا ليلة العيد وابن المجالد أردته رماحهم * كأنما زل عن خوصاء صيخود وكل جمع بروذاباذ كان لهم * قد فض بالطعن بين النخل والبيد فقال له ويحك ما جئت إلا لترغبنا وقد كان شبيب أقبل من ساتيد ما فكتب مطرف إلى الحجاج أما بعد فانى أخبر الامير أكرمه الله أن شبيبا قد أقبل نحونا فان رأى الامير أن يمدنى برجال أضبط بهم المدائن فعل فان المدائن باب الكوفة وحصنها فبعث إليه الحجاج بن يوسف سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف في مائتين وعبد الله بن كناز في مائتين وجاء شبيب فأقبل حتى نزل قناطر حذيفة ثم جاء حتى انتهى إلى كلواذا فعبر منها دجلة ثم أقبل حتى نزل مدينة بهرسير ومطرف ابن المغيرة في المدينة العتيقة التى فيها منزل كسرى والقصر الابيض * فلما نزل شبيب بهرسير قطع مطرف الجسر فيما بينه وبين شبيب وبعث إلى شبيب أن ابعث إلى رجالا من صلحاء أصحابك أدارسهم القرآن وانظر ما تدعون إليه فبعث

[ 108 ]

إليه رجالا منهم سويد بن سليم وقعنب والمحلل بن وائل فلما فلما أدنى منهم المعبر وأرادوا أن ينزلوا فيه أرسل إليهم شبيب أن لا تدخلوا السفينة حتى يرجع إلى رسولي من عند مطرف وبعث إلى مطرف أن ابعث إلى بعدة من أصحابك حتى ترد على أصحابي فقال لرسوله القه فقل له فكيف آمنك على أصحابي إذا بعثتهم الآن إليك وأنت لا تأمني ؟ ؟ على أصحابك فأرسل إليه شبيب إنك قد علمت أنا لا نستحل في ديننا الغدر وأنتم تفعلونه وتهونونه فسرح إليه مطرف الربيع بن يزيد الاسدي وسليمان بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني ويزيد بن أبى زياد مولى المغيرة وكان على حرس مطرف فلما وقعوا في يديه بعث أصحابه إليه (قال أبو مخنف) حدثنى النضر بن صالح قال كنت عند مطرف بن المغيرة بن شعبة فما أدرى أقال إنى كنت في الجند الذين كانوا معه أو قال كنت بإزائه حيث دخلت عليه رسل شبيب وكان لى ولاخى ودا مكرما ولم يكن ليستر منا شيئا فدخلوا عليه وما عنده أحد من الناس غيرى وغير أخى حلام بن صالح وهم ستة ونحن ثلاثة وهم شاكون في السلاح ونحن ليس علينا إلا سيوفنا * فلما دنوا قال سويد السلام على من خاف مقام ربه وعرف الهدى وأهله فقال له مطرف أجل فسلم الله على أولئك ثم جلس القوم فقال لهم مطرف قصوا على أمركم وخبروني ما الذى تطلبون وإلى ما تدعون فحمد الله سويد بن سليم وأثنى عليه ثم قال أما بعد فان الذى ندعو إليه كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم وإن الذى نقمنا على قومنا الاستئثار بالفئ وتعطيل الحدود والتسلط بالجبرية فقال لهم مطرف ما دعوتم إلا إلى حق ولا نقمتم إلا جورا ظاهرا أنالكم على هذا متابع فتابعوني إلى ما أدعوكم إليه ليجتمع أمرى وأمركم وتكون يدى وأيديكم واحدة فقالوا هات إذكر ما تريد أن تذكر فان يكن ما تدعونا إليه حقا نجبك قال فانى أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظلمة العاصين على أحداثهم الذى أحدثوا وأن ندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه وأن يكون هذا الامر شورى بين المسلمين يؤمرون عليهم من يرضون لانفسهم على مثل الحال التى تركهم عليها عمر بن الخطاب فان العرب إذا علمت

[ 109 ]

إنما يراد بالشورى الرضى من قريش رضوا وكثر تبعكم منهم وأعوانكم على عدوكم وتم لكم هذا الامر الذى تريدون قال فوثبوا من عنده وقالوا هذا ما لا نجيبك إليه أبدا فلما مضوا فكادوا أن يخرجوا من صفة البيت التفت إليه سويد بن سليم فقال يا ابن المغيرة لو كان القوم عداة غدرا كنت قد أمكنتهم من نفسك ففزع لها مطرف وقال صدقت وإله موسى وعيسى قال ورجعوا إلى شبيب فأخبروه بمقالته فطمع فيه وقال لهم إن أصبحتم فليأته أحدكم * فلما أصبحوا بعث إليه سويدا وأمره بأمره فجاء سويد حتى انتهى إلى باب مطرف فكنت أنا المستأذن له فلما دخل وجلس أردت أن أنصرف فقال لى مطرف اجلس فليس دونك ستر فجلست وأنا يومئذ شاب أغيد فقال له سويد من هذا الذى ليس لك دونه ستر فقال له هذا الشريف الحسيب هذا ابن مالك بن زهير بن جذيمة فقال له بخ أكرمت فارتبط إن كان دينه على قدر حسبه فهو الكامل ثم أقبل على فقال إنا لقينا أمير المؤمنين بالذى ذكرت لنا فقال لنا القوة فقولوا له ألست تعلم أن اختيار المسلمين منهم خيرهم لهم فيما يرون رأى رشيد فقد مضت به السنة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا قال لكم نعم فقولوا له فانا قد اخترنا لانفسنا أرضانا فينا وأشدنا اضطلاعا لما حمل فما لم يغير ولم يبدل فهو ولى أمرنا وقال لنا قولوا له فيما ذكرت لنا من الشورى حين قلت إن العرب إذا علمت أنكم إنما تريدون بهذا الامر قريشا كان أكثر لتبعكم منهم فإن أهل الحق لا ينقصهم عند الله أن يقلوا ولا يزيد الظالمين خيرا أن يكثروا وإن تركنا حقنا الذى خرجنا له ودخولنا فيما دعوتنا إليه من الشورى خطيئة وعجز ورخصة إلى نصر الظالمين ووهن لانا لا نرى أن قريشا أحق بهذا الامر من غيرها من العرب فقال له فان زعم أنهم أحق بهذا الامر من غيرها من العرب فقولوا له ولم ذاك فان قال لقرابة محمد صلى الله عليه وسلم بهم فقل له فوالله ما كان ينبغى إذا لاسلافنا الصالحين من المهاجرين الاولين أن يتولوا على أسرة محمد ولا على ولد أبى لهب لو لم يبق غيرهم ولولا أنهم علموا أن خير الناس عند الله أتقاهم وأن

[ 110 ]

أولاهم بهذا الامر أتقاهم وأفضلهم فيهم وأشدهم اضطلاعا بحمل أمورهم ما تولوا أمور الناس ونحن أول من أنكر الظلم وغير الجور وقاتل الاحزاب فان اتبعنا فله ما لنا وعليه ما علينا وهو رجل من المسلمين وإلا يفعل فهو كبعض من نعادي ونقاتل من المشركين فقال له مطرف قد فهمت ما ذكرت ارجع يومك هذا حتى ننظر في أمرنا فرجع ودعا مطرف رجالا من أهل ثقاته وأهل نصائحه منهم سليمان بن حذيفة المزني والربيع بن يزيد الاسدي قال النضر بن صالح وكنت أنا ويزيد بن أبى زياد مولى المغيرة بن شعبة قائمين على رأسه بالسيف وكان على حرسه فقال لهم مطرف يا هؤلاء إنكم نصحائى وأهل مودتي ومن أثق بصلاحه وحسن رأيه والله ما زلت لاعمال هؤلاء الظلمة كارها أنكرها بقلبي وأغيرها ما استطعت بفعلى وأمري فلما عظمت خطيئتهم ومربى هؤلاء القوم يجاهدونهم لم أر أنه يسعنى إلا مناهضتهم وخلافهم إن وجدت أعوانا عليهم وإنى دعوت هؤلاء القوم فقلت لهم كيت وكيت وقالوا لى كيت وكيت فلست أرى القتال معهم ولو تابعوني على رأيى وعلى ما وصفت لهم لخلعت عبد الملك والحجاج ولسرت إليهم أجاهدهم فقال له المزني إنهم لن يتابعوك وإنك لن تتابعهم فأخف هذا الكلام ولا تظهره لاحد وقال له الاسدي مثل ذلك فجثا مولاه ابن أبى زياد على ركبتيه ثم قال والله لا يخفى مما كان بينك وبينهم على الحجاج كلمة واحدة وليزادن على كل كلمة عشرة أمثالها والله أن لو كنت في السحاب هاربا من الحجاج ليلتمسن أن يصل إليك حتى يهلكك أنت ومن معك فالنجاء النجاء من مكانك هذا فان أهل المدائن من هذا الجانب ومن ذاك الجانب وأهل عسكر شبيب يتحدثون بما كان بينك وبين شبيب ولا تمسى من يومك هذا حتى يبلغ الخبر الحجاج فاطلب دارا غير المدائن فقال له صاحباه ما نرى الرأى إلا كما ذكر لك قال لهما مطرف فما عندكما قالا الاجابة إلى ما دعوتنا إليه والمؤاساة لك بأنفسنا على الحجاج وغيره ثم نظر إلى فقال ما عندك فقلت قتال عدوك والصبر معك ما صبرت فقال لى ذاك الظن بك قال ومكث حتى إذا كان في اليوم الثالث أتاه

[ 111 ]

قعنب فقال له إن تابعتنا فأنت منا وإن أبيت فقد نابذناك فقال لا تعجلوا اليوم فانا ننظر قال وبعث إلى أصحابه أن ارحلوا الليلة من عند آخركم حتى توافوا الدسكرة معى لحدث حدث هنالك ثم ادلج وخرج أصحابه معه حتى مر بدير يزد جرد فنزله فلقيه قبيصة بن عبد الرحمن القحافى من خثعم فدعاه إلى صحبته فصحبه فكساه وحمله وأمر له بنفقة ثم سار حتى نزل الدسكرة * فلما أراد أن يرتحل منها لم يجد بدا من أن يعلم أصحابه ما يريد فجمع إليه رؤوس أصحابه فذكر الله بما هو أهله وصلى على رسوله ثم قال لهم أما بعد فان الله كتب الجهاد على خلقه وأمر بالعدل والاحسان وقال فيما انزل علينا تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب وإنى أشهد الله أنى قد خلعت عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف فمن أحب منكم صحبتي وكان على مثل رأيى فليتابعني فان له الاسوة وحسن الصحبة ومن أبى فليذهب حيث شاء فانى لست أحب أن يتبعني من ليست له نية في جهاد أهل الجور أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى قتال الظلمة فإذا جمع الله لنا أمرنا كان هذا الامر شورى بين المسلمين يرتضون لانفسهم من أحبوا قال فوثب إليه أصحابه فبايعوه ثم إنه دخل رحله وبعث إلى سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف وإلى عبد الله بن كناز النهدي فاستخلاهما ودعاهما إلى مثل ما دعا إليه عامة أصحابه فأعطياه الرضى فلما ارتحل انصرفا بمن معهما من أصحابه حتى أتيا الحجاج فوجداه قد نازل شبيبا فشهدا معه وقعة شبيب قال وخرج مطرف بأصحابه من الدسكرة موجها نحو حلوان وقد كان الحجاج بعث في تلك السنة سويد بن عبد الرحمن السعدى على حلوان وماه سبذان * فلما بلغه أن مطرف بن المغيرة فد أقبل نحو أرضه عرف أنه إن رفق في أمره أو داهن لا يقبل ذلك منه الحجاج فجمع له سويد أهل البلد والاكراد فأما الاكراد فأخذوا عليه ثنية حلوان وخرج إليه سويد وهو يحب أن يسلم من قتاله وأن يعافى من الحجاج فكان خروجه كالتعذير (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الله بن علقمة الخثعمي أن الحجاج بن جارية الخثعمي حين سمع بخروج مطرف من المدائن نحو الجبل أتبعه في نحو من ثلاثين رجلا من قومه وغيرهم قال وكنت

[ 112 ]

فيهم فلحقناه بحلوان فكنا ممن شهد معه قتال سويد بن عبد الرحمن (قال أبو مخنف) وحدثني بذلك أيضا النضر (قال أبو مخنف) وحدثني عبد الله بن علقمة قال ما هو إلا أن قدمنا على مطرف ين المغيرة فسر بمقدمنا عليه وأجلس الحجاج بن جارية معه على مجلسه (قال أبو مخنف) وحدثني النضر بن صالح وعبد الله بن علقمة أن سويدا لما خرج إليهم بمن معه وقف في الرجال ولم يخرج بهم من البيوت وقدم ابنه القعقاع في الخيل وما خيله يومئذ بكثير (قال أبو مخنف) قال النضر بن صالح أراهم كانوا مائتين وقال ابن علقمة أراهم كانوا ينقصون من الثلاثمائة قال فدعا مطرف الحجاج بن جارية فسرحه إليهم في نحو من عدتهم فأقبلوا نحو القعقاع وهم جادون في قتاله وهم فرسان متعالمون فلما رآهم سويد قد تيسروا نحو ابنه أرسل إليهم غلاما له يقال له رستم قتل معه بعد ذلك بدير الجماجم وفى يده راية بنى سعد فانطلق غلامه حتى انتهى إلى الحجاج بن جارية فأسر إليه إن كنتم تريدون الخروج من بلادنا هذه إلى غيرها فاخرجوا عنا فإنا لا نريد قتالكم وإن كنتم إيانا تريدون فلا بد لنا من منع ما في أيدينا * فلما جاءه بذلك قال له الحجاج بن جارية ائت أميرنا فاذكر له ما ذكرت لى فخرج حتى أتى مطرفا فذكر له مثل الذى ذكر للحجاج بن جارية فقال له مطرف ما أريدكم ولا بلادكم فقال له فالزم هذا الطريق حتى تخرج من بلادنا فانا لا نجد بدا من أن يرى الناس وتسمع بذلك أنا قد خرجنا اليك قال فبعث مطرف إلى الحجاج فأتاه ولزموا الطريق حتى مروا بالثنية فإذا الاكراد بها فنزل مطرف ونزل معه عامة أصحابه وصعد إليهم في الجانب الايمن الحجاج بن جارية وفى الجانب الايسر سليمان بن حذيفة فهزماهم وقتلاهم وسلم مطرف وأصحابه فمضوا حتى دنوا من همذان فتركها وأخذ ذات اليسار إلى ماه دينار وكان أخوه حمزة بن المغيرة على همذان فكره أن يدخلها فيتهم أخوه عند الحجاج فلما دخل مطرف أرض ماه دينار كتب إلى أخيه حمزة أما بعد فإن النفقة قد كثرت والمؤنة قد اشتدت فامدد أخاك بما قدرت عليه من مال وسلاح وبعث إليه يزيد بن أبى زياد مولى المغيرة بن شعبة فجاء حتى دخل على حمزة بكتاب

[ 113 ]

مطرف ليلا فلما رآه قال له ثكلتك أمك أنت قتلت مطرفا فقال له ما أنا قتلته جعلت فداك ولكن مطرفا قتل نفسه وقتلني وليته لا يقتلك فقال له ويحك من سول له هذا الامر فقال نفسه سولت هذا له ثم جلس إليه فقص عليه القصص وأخبره بالخبر ودفع كتاب مطرف إليه فقرأه ثم قال نعم وأنا باعث إليه بمال وسلاح ولكن أخبرني ترى ذلك يخفى لى قال ما أظن أن يخفى فقال له حمزة فو الله لئن أنا خذلته في أنفع النصرين له نصر العلانية لا أخذله في أيسر النصرين نصر السريرة قال فسرح إليه مع يزيد بن أبى زياد بمال وسلاح فأقبل به حتى أتى مطرفا ونحن نزول في رستاق من رساتيق ماه دينار يقال له سامان متاخم أرض أصبهان وهو رستان كانت الحمراء تنزله (قال أبو مخنف) فحدثني النضر بن صالح قال والله ما هو إلا أن مضى يزيد بن أبى زياد فسمعت أهل العسكر يتحدثون أن الامير بعث إلى أخيه يسأله النفقة والسلاح فأتيت مطرفا فحدثته بذلك فضرب بيده على جبهته ثم قال سبحان الله قال الاول ما يخفى قال ما لا يكون قال وما هو إلا أن قدم يزيد بن أبى زياد علينا فسار مطرف بأصحابه حتى نزل قم وقاشان وأصبهان (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الله بن علقمة أن مطرفا حين نزل قم وقاشان واطمأن دعا الحجاج بن جارية فقال له حدثنى عن هزيمة شبيب يوم السبخة أكانت وأنت شاهدها أم كنت خرجت قبل الوقعة قال لا بل شهدتها قال فحدثني حديثهم كيف كان فحدثه فقال إنى كنت أحب أن يظفر شبيب وإن كان ضالا فيقتل ضالا قال فظننت أنه تمنى ذلك لانه كان يرجو أن يتم له الذى يطلب لو هلك الحجاج قال ثم إن مطرفا بعث عماله (قال أبو مخنف) فحدثني النضر بن صالح أن مطرفا عمل عملا حازما لولا أن الاقدار غالبة قال كتب مع الربيع بن يزيد إلى سويد بن سرحان الثقفى والى بكير بن هارون البجلى أما بعد فإنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى جهاد من عند عن الحق واستأثر بالفئ وترك حكم الكتاب فإذا ظهر الحق ودمغ الباطل وكانت كلمة الله هي العليا جعلنا هذا الامر شورى بين الامة يرتضى المسلمون لانفسهم الرضى فمن قبل هذا منا كان أخانا

[ 114 ]

في ديننا وولينا في محيانا ومماتنا ومن رد ذلك علينا جاهدناه واستنصرنا الله عليه فكفى بنا عليه حجة وكفى بتركه الجهاد في سبيل الله غبنا وبمداهنة الظالمين في أمر الله وهنا إن الله كتب القتال على المسلمين وسماه كرها ولن ينال رضوان الله إلا بالصبر على أمر الله وجهاد أعداء الله فأجيبوا رحمكم الله إلى الحق وادعوا إليه من ترجون إجابته وعرفوه ما لا يعرفه وليقبل إلى كل من رأى رأينا وأجاب دعوتنا ورأى عدوه عدونا أرشدنا الله وإياكم وتاب علينا وعليكم إنه هو التواب الرحيم والسلام فلما قدم الكتاب على ذينك الرجلين دبافى رجال من أهل الرى ودعوا من تابعهما ثم خرجا في نحو من مائة من أهل الرى سرا لا يفطن بهم فجاءوا حتى وافوا مطرفا وكتب البراء بن قبيصة وهو عامل الحجاج على أصبهان أما بعد فان كان للامير أصلحه الله حاجة في أصبهان وغير أصبهان فليبعث إلى مطرف جيشا كثيفا يستأصله ومن معه فانه لا تزال عصابة قد انتفحت له من بلدة من البلدان حتى توافيه بمكانه الذى هو به فإنه قد استكثف وكثر تبعه والسلام فكتب إليه الحجاج أما بعد إذا أتاك رسولي فعسكر بمن معك فإذا مربك عدى بن وتاد فاخرج معه في أصحابك واسمع له وأطع والسلام فلما قرأ كتابه خرج فعسكر وجعل الحجاج ابن يوسف يسرح إلى البراء بن قبيصة الرجال على دواب البريد عشرين عشرين وخمسة عشر خمسة عشر وعشرة عشرة حتى سرح إليه نحوا من خمسمائة وكان في ألفين وكان الاسود بن سعد الهمداني أتى الرى في فتح الله على الحجاج يوم لقى شبيبا بالسبخة فمر بهمذان والجبال ودخل على حمزة فاعتذر إليه فقال الاسود فأبلغت الحجاج عن حمزة فقال قد بلغى ذاك وأراد عزله فخشى أن يمكر به وأن يمتنع منه فبعث إلى قيس بن سعد العجلى وهو يومئذ على شرطة حمزة بن المغيرة ولبنى عجل وربيعة عدد بهمذان فبعث إلى قيس بن سعد بعهده على همذان وكتب إليه أن أوثق حمزة بن المغيرة في الحديد واحبسه قبلك حتى يأتيك أمرى فلما أتاه عهده وأمره أقبل ومعه ناس من عشيرته كثير فلما دخل المسجد وافق الاقامة لصلاة العصر فصلى مع حمزة فلما انصرف حمزة انصرف معه قيس بن سعد العجلى صاحب

[ 115 ]

شرطه فأقرأه كتاب الحجاج إليه وأراه عهده فقال حمزة سمعا وطاعة فأوثقه وحبسه في السجن وتولى أمر همذان وبعث عماله عليها وجعل عماله كلهم من قومه وكتب إلى الحجاج أما بعد فإنى أخبر الامير أصلحه الله أنى قد شددت حمزة بن المغيرة في الحديد وحبسته في السجن وبعثت عمالى على الخراج ووضعت يدى في الجباية فان رأى الامير أبقاه الله أن يأذن لى في المسير إلى مطرف أذن لى حتى أجاهده في قومي ومن أطاعنى من أهل بلادي فإنى أرجو أن يكون الجهاد أعظم أجرا من جباية الخراج والسلام فلما قرأ الحجاج كتابه ضحك ثم قال هذا جانب آثر أما قد أمناه وقد كان مكان حمزة بهمذان أثقل ما خلق الله على الحجاج مخافة أن يمد أخاه بالسلاح والمال ولا يدرى لعله يبدو له فيعق فلم يزل يكيده حتى عزله فاطمأن وقصد قصد مطرف (قال أبو مخنف) فحدثني مطرف بن عامر بن واثلة أن الحجاج لما قرأ كتاب قيس بن سعد العجلى وسمع قوله إن أحب الامير سرت إليه حتى أجاهده في قومي قال ما أبغض إلى أن تكثر العرب في أرض الخراج قال فقال لى ابن الغرق ما هو الا أن سمعتها من الحجاج فعلمت أنه لو قد فرغ له قد عزله قال وحدثني النضر بن صالح أن الحجاج كتب إلى عدى بن وتاد الايادي وهو على الرى يأمره بالمسر إلى مطرف بن المغيرة وبالممر على البراء بن قبيصة فإذا اجتمعوا فهو أمير الناس (قال أبو مخنف) وحدثني أبى عن عبد الله بن زهير عن عبد الله بن سليم الازدي قال إنى لجالس مع عدى بن وتاد على مجلسه بالرى إذ أتاه كتاب الحجاج فقرأه ثم دفعه إلى فقرأته فإذا فيه أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فانهض بثلاثة أرباع من معك من أهل الرى ثم أقبل حتى تمر بالبراء بن قبيصة بجى ثم سيرا جميعا فإذا التقيتما فأنت أمير الناس حتى يقتل الله مطرفا فإذا كفى الله المؤمنين مؤنته فانصرف إلى عملك في كنف من الله وكلايته وستره فلما قرأته قال لى قم وتجهز قال وخرج فعسكر ودعا الكتاب فضربوا البعث على ثلاثة أرباع الناس فما مضت جمعة حتى سرنا فانتهينا إلى جى ويوافينا بها قبيصة القحافى في تسعمائة من أهل الشأم فيهم عمر بن هبيرة قال ولم نلبث بجى إلا يومين حتى نهض عدى بن وتاد بمن أطاعه

[ 116 ]

من الناس ومعه ثلاثة آلاف مقاتل من أهل الرى وألف مقاتل مع البراء بن قبيصة بعثهم إليه الحجاج من الكوفة وسبعمائة من أهل الشأم ونحو من ألف رجل من أهل أصبهان والاكراد فكان في قريب من ستة آلاف مقاتل ثم أقبل حتى دخل على مطرف بن المغيرة (قال أبو مخنف) فحدثني النصر بن صالح عن عبد الله بن علقمة أن مطرفا لما بلغه مسيرهم إليه خندق على أصحابه خندقا فلم يزالوا فيه حتى قدموا عليه (قال أبو مخنف) وحدثني يزيد مولى عبد الله بن زهير قال كنت مع مولاى إذ ذاك قال خرج عدى بن وتاد فعبى الناس فجعل على ميمنته عبد الله بن زهير ثم قال للبراء بن قبيصة قم في الميسرة فغضب البراء وقال تأمرني بالوقوف في الميسرة وأنا أمير مثلك تلك خيلى في الميسرة وقد بعثت عليها فارس مضر الطفيل بن عامر ابن وائلة قال فأنهى ذلك إلى عدى بن وتاد فقال لابن أقيصر الخثعمي انطلق فأنت على الخيل وانطلق إلى البراء بن قبيصة فقل له إنك قد أمرت بطاعتي ولست من الميمنة والميسرة والخيل والرجالة في شئ إنما عليك أن تؤمر فتطيع ولا تعرض لى في شئ أكرهه فأتنكر لك وقد كان له مكرما ثم إن عديا بعث على الميسرة عمر بن هبيرة وبعثه في مائة من أهل الشأم فجاء حتى وقف برايته فقال رجل من أصحابه للطفيل بن عامر خل رايتك وتنح عنا فإنما نحن أصحاب هذا الموقف فقال الطفيل إنى لا أخاصمكم إنما عقد لى هذه الراية البراء بن قبيصة وهو أميرنا وقد علمنا أن صاحبكم على جماعة الناس فان كان قد عقد لصاحبكم هذا فبارك الله له ما أسمعنا وأطوعنا فقال لهم عمر بن هبيرة مهلا كفوا عن أخيكم وابن عمكم رايتنا رايتك فان شئت آثرناك بها قال فما رأينا رجلين كانا أحلم منهما في موقفهما ذلك قال ونزل عدى بن وتاد ثم زحف نحو مطرف (قال أبو مخنف) فحدثني النضر ابن صالح وعبد الله بن علقمة أن مطرفا بعث على ميمنته الحجاج بن جارية وعلى ميسرته الربيع بن يزيد الاسدي وعلى الحامية سليمان بن صخر المزني ونزل هو يمشى في الرجال ورايته مع يزيد بن أبى زياد مولى أبيه المغيرة بن شعبة قال فلما زحف القوم بعضهم إلى بعض وتدانوا قال لبكير بن هارون البجلى أخرج

[ 117 ]

إليهم فادعهم إلى كتاب الله وسنة نبيه وبكتهم بأعمالهم الخبيثة فخرج إليهم بكير ابن هارون على فرس له أدهم أقرح ذنوب عليه الدرع والمغفر والساعدان في يده الرمح وقد شد درعه بعصابة حمراء من حواشى البرود فنادى بصوت له عال رفيع يا أهل قبلتنا وأهل ملتنا وأهل دعوتنا إنا نسألكم بالله الذى لا إله إلا هو الذى علمه بما تسرون مثل علمه بما تعلنون لما أنصفتمونا وصدقتمونا وكانت نصحتكم لله لالخلقه وكنتم شهداء الله على عباده بما يعلمه الله من عباده خبروني عن عبد الملك بن مروان وعن الحجاج بن يوسف ألستم تعلمونهما جبارين مستأثرين يتبعان الهوى فيأخذان بالظنة ويقتلان على الغضب قال فتنادوا من كل جانب يا عدو الله كذبت ليسا كذلك فقال لهم ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى ويلكم أو تعلمون الله ما لا يعلم إنى قد استشهدتكم وقد قال الله في الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه فخرج إليه صارم مولى عدى ابن وتاد وصاحب رايته فحمل على بكير بن هارون البجلى فاضطربا بسيفيهما فلم تعمل ضربة مولى عدى شيئا وضربه بكير باليف فقتله ثم استقدم فقال فارس لفارس فلم يخرج إليه أحد فجعل يقول صارم قد لاقيت سيفا صارما * وأسدا ذا لبدة ضبار ما قال ثم إن الحجاج بن جارية حمل وهو في الميمنة على عمر بن هبيرة وهو في الميسرة وفيها الطفيل بن عامر بن وائلة فالتقى هو والطفيل وكانا صديقين متواخيين فتعارفا وقد رفع كل واحد منهما السيف على صاحبه فكفا أيديهما فاقتتلوا طويلا ثم إن ميسرة عدى بن وتاد زالت غير بعيد وانصرف الحجاج بن جارية إلى موقفه ثم إن الربيع بن يزيد حمل على عبد الله بن زهير فاقتتلوا طويلا ثم إن جماعة الناس حملت على الاسدي فقتلته وانكشفت ميسرة مطرف بن المغيرة حتى انتهت إليه ثم إن عمر بن هبيرة حمل على الحجاج بن جارية وأصحابه فقاتله قتالا طويلا ثم إنه حذره حتى انتهى إلى مطرف وحمل ابن أقيصر الخثعمي في الخيل على سليمان ابن صخر المزني فقتله وانكشفت خيلهم حتى انتهى إلى مطرف فثم اقتتلت

[ 118 ]

الفرسان أشد قتال رآه الناس قط ثم إنه وصل إلى مطرف (قال أبو مخنف) فحدثني النضر بن صالح أنه جعل يناديهم يومئذ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون قال ولم يزل يقاتل حتى قتل واحتز رأسه عمر بن هبيرة وذكر أنه قتله وقد كان أسرع إليه غير واحد غير أن ابن هبيرة احتز رأسه وأوفده به عدى بن وتاد وحظي به وقاتل عمر بن هبيرة يومئذ وأبلى بلاء حسنا (قال أبو مخنف) وقد حدثنى حكيم بن أبى سفيان الازدي أنه قتل يزيد بن أبى زياد مولى المغيرة بن شعبة وكان صاحب راية مطرف قال ودخلوا عسكر مطرف وكان مطرف قد جعل على عسكره عبد الرحمن بن عبد الله ابن عفيف الازدي فقتل وكان صالحا ناسكا عفيفا (قال أبو مخنف) حدثنى زيد مولاهم أنه رأى رأسه مع ابن أقيصر الخثعمي فما ملكت نفسي أن قلت له أما والله لقد قتلته من المصلين العابدين الذاكرين الله كثيرا قال فأقبل نحوى وقال من أنت فقال له مولاى هذا غلامي ماله قال فأخبره بمقالتي فقال إنه ضعيف العقل قال ثم انصرفنا إلى الرى مع عدى بن وتاد قال وبعث رجالا من أهل البلاء إلى الحجاج فأكرمهم وأحسن إليهم قال ولما رجع إلى الرى جاءت بجيلة إلى عدى بن وتاد فطلبوا لبكير بن هارون الامان فآمنه وطلبت ثقيف لسويد ابن سرحان الثقفى الامان فآمنه وطلبت في كل رجل كان مع مطرف عشيرته فآمنهم وأحسن في ذلك وقد كان رجال من أصحاب مطرف أحيط بهم في عسكر مطرف فنادوا يا براء خذلنا الامان يا براء اشفع لنا فشفع لهم فتركوا وأسر عدى ناسا كثيرا فخلى عنهم (قال أبو مخنف) وحدثني النضر بن صالح أنه أقبل حتى قدم على سويد بن عبد الرحمن بحلوان فأكرمه وأحسن إليه ثم إنه انصرف بعد ذلك إلى الكوفة (قال أبو مخنف) وحدثني عبد الله بن علقمة أن الحجاج بن جارية الخثعمي أتى الرى وكان مكتبه بها فطلب إلى عدى فيه فقال هذا رجل مشهور قد شهر مع صاحبه وهذا كتاب الحجاج إلى فيه (قال أبو مخنف) فحدثني أبى عن

[ 119 ]

عبد الله بن زهير قال كنت فيمن كلمه في الحجاج بن جارية فأخرج إلينا كتاب الحجاج بن يوسف أما بعد فإن كان الله قتل الحجاج بن جارية فبعدا له فذاك ما أهوى وأحب وإن كان حيا فاطلبه قبلك حتى توثقه ثم سرح به إلى إن شاء الله والسلام قال فقال لنا قد كتب إلى فيه ولا بد من السمع والطاعة ولو لم يكتب إلى فيه آمنته لكم وكففت عنه فلم أطلبه وقمنا من عنده قال فلم يزل الحجاج بن جارية خائفا حتى عزل عدى بن وتاد وقدم خالد بن عتاب بن ورقاء فمشيت إليه فيه فكلمته فآمنه وقال حبيب بن خدرة مولى لبنى هلال بن عامر هل أتى فائد عن أيسارنا * إذ خشينا من عدو خرقا إذ أتانا الخوف من مأمننا * فطوينا في سواد أفقا وسلى هدية يوما هل رأت * بشرا أكرم منا خلقا وسليها أعلى العهد لنا * أو يصرون علينا حنقا ولكم من خلة من قبلها * قد صرمنا حبلها فانطلقا قد أصبنا العيش عيشا ناعما * وأصبنا العيش عيشا رنقا وأصبت الدهر دهرا أشتهى * طبقا منه وألوى طبقا وشهدت الخيل في ملمومة * ما ترى منهن إلا الحدقا يتساقون بأطراف القنا * من نجيع الموت كأسا دهقا فطراد الخيل قد يؤنقنى * ويرد اللهو عنى الانقا بمشيح البيض حتى يتركوا * لسيوف الهند فيها طرقا وكأني من غد وافقتها * مثل ما وافق شن طبقا (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة وقع الاختلاف بين الازارقة أصحاب قطرى بن الفجاءة فخالفه بعضهم واعتزله وبايع عبد رب الكبير وأقام بعضهم على بيعة قطرى ذكر الخبر عن ذلك وعن السبب الذى من أجله حدث الاختلاف بينهم حتى صار أمرهم إلى الهلاك * ذكر هشام عن أبى مخنف عن يوسف بن يزيد أن المهلب أقام بسابور

[ 120 ]

فقاتل قطريا وأصحابه من الازارقة بعد ما صرف الحجاج عتاب بن ورقاء عن عسكره نحوا من سنة ثم إنه زاحفهم يوم البستان فقاتلهم قتالا شديدا وكانت كرمان في أيدى الخوارج وفارس في يد المهلب فكان قد ضاق عليهم مكانهم الذى هم به لا يأتيهم من فارس مادة وبعد ديارهم عنهم فخرجوا حتى أتوا كرمان وتبعهم المهلب حتى نزل بجيرفت وجيرفت مدينة كرمان فقاتلهم بها أكثر من سنة قتالا شديدا وحازهم عن فارس كلها فلما صارت فارس كلها في يدى المهلب بعث الحجاج عليها عماله وأخذها من المهلب فبلغ ذلك عبد الملك فكتب إلى الحجاج أما بعد فدع بيد المهلب خراج جبال فارس فانه لا بد للجيش من قوة ولصاحب الجيش من معونة ودع له كورة فسا ودرابجرد وكورة اصطخر فتركها للمهلب فبعث المهلب عليها عماله فكانتا له قوة على عدوه وما يصلحه ففى ذلك يقوله شاعر الازد وهو يعاتب المهلب نقاتل عن قصور درابجرد * ونجبى للمغيرة والرقاد وكان الرقاد بن زياد بن همام رجل من العتيك كريما على المهلب وبعث الحجاج إلى المهلب البراء بن قبيصة وكتب إلى المهلب أما بعد فإنك والله لو شئت فيما أرى لقد اصطلمت هذه الخارجة المارقة ولكنك تحب طول بقائهم لتأكل الارض حولك وقد بعثت إليك البراء بن قبيصة لينهضك إليهم فانهض إليهم إذا قدم عليك بجميع المسلمين ثم جاهدهم أشد الجهاد وإياك والعلل والاباطيل والامور التى ليست لك عندي بسائغة ولا جائزة والسلام فأخرج المهلب بنيه كل ابن له في كتيبة وأخرج الناس على راياتهم ومصافهم وأخماسهم وجاء البراء بن قبيصة فوقفه على تل قريب منهم حيث يراهم فأخذت الكتائب تحمل على الكتائب والرجال على الرجال فيقتتلون أشد قتال رآه الناس من صلاة الغداة إلى انتصاف النهار ثم انصرفوا فجاء البراء بن قبيصة إلى المهلب فقال له لا والله ما رأيت كبنيك فرسانا قط ولا كفرسانك من العرب فرسانا قط ولا رأيت مثل قوم يقاتلونك قط أصبر ولا أبأس أنت والله المعذور فرجع بالناس المهلب حتى إذا كان عند

[ 121 ]

العصر خرج إليهم بالناس وبنيه في كتائبهم فقاتلوه كقتالهم في أول مرة (قال أبو مخنف) وحدثني أبو المغلس الكنانى عن عمه أبى طلحة قال خرجت كتيبة من كتائبهم لكتيبة من كتائبنا فاشتد بينهما القتال فأخذت كل واحدة منهما لا تصد عن الاخرى فاقتتلتا حتى حجز الليل بينهما فقالت إحداهما للاخرى ممن أنتم فقال هؤلاء نحن من بنى تميم وقال هؤلاء نحن من بنى تميم فانصرفوا عند المساء قال المهلب للبراء كيف رأيت قال رأيت قوما والله ما يعينك عليهم إلا الله فأحسن إلى البراء بن قبيصة وأجازه وحمله وكساه وأمر له بعشرة آلاف درهم ثم انصرف إلى الحجاج فأتاه بعذر المهلب وأخبره بما رأى وكتب المهلب إلى الحجاج أما بعد فقد أتانى كتاب الامير أصلحه الله واتهامه إياى في هذه الخارجة المارقة وأمرني الامير بالنهوض إليهم وإشهاد رسوله ذلك وقد فعلت فليسأله عما رأى فأما أنا فو الله لو كنت أقدر على استئصالهم أو إزالتهم عن مكانهم ثم أمسكت عن ذلك لقد غششت المسلمين وما وفيت لامير المؤمنين ولا نصحت للامير أصلحه الله فمعاذ الله أن يكون هذا من رأيى ولا مما أدين الله به والسلام ثم إن المهلب قاتلهم بها ثمانية عشر شهرا لا يستفل منهم شيئا ولا يرى في موطن ينقعون له ولمن معه من أهل العراق من الطعن والضرب ما يردعونهم به ويكفونهم عنهم ثم إن رجلا منهم كان عاملا لقطرى على ناحية من كرمان خرج في سرية لهم يدعى المقعطر من بنى ضبة فقتل رجلا قد كان ذا بأس من الخوارج ودخل منهم في ولاية فقتله المقعطر فوثبت الخوارج إلى قطرى فذكروا له ذلك وقالوا أمكنا من الضبى نقتله بصاحبنا فقال لهم ما أرى أن أفعل رجل تأول فأخطأ في التأويل ما أرى أن تقتلوه وهو من ذوى الفضل منكم والسابقة فيكم قالوا بلى قال لهم لا فوقع الاختلاف بينهم فولوا عبد رب الكبير وخلعوا قطريا وبايع قطريا منهم عصابة نحو من ربعهم أو خمسهم فقاتلهم نحوا من شهر غدوة وعشية فكتب بذلك المهلب إلى الحجاج أما بعد فإن الله قد ألقى بأس الخوارج بينهم فخلع عظمهم قطريا وبايعوا عبد رب الكبير وبقيت عصابة منهم مع قطرى فهم يقاتل ؟ ؟ بعضهم بعضا

[ 122 ]

غدوا وعشيا وقد رجوت أن يكون ذلك من أمرهم سبب هلاكهم إن شاء الله والسلام فكتب إليه أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه اختلاف الخوارج بينها فإذا أتاك كتابي هذا فناهضهم على حال اختلافهم وافتراقهم قبل أن يجتمعوا فتكون مؤنتهم عليك أشد والسلام فكتب إليه أما بعد فقد بلغني كتاب الامير وكل ما فيه قد فهمت ولست أرى أن أقاتلهم ما داموا يقتل بعضهم بعضا وينقص بعضهم عدد بعض فإن تموا على ذلك فهو الذى نريد وفيه هلاكهم وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلا وقد رقق بعضهم بعضا فأناهضهم على تفيئة ذلك وهم أهون ما كانوا وأضعفه شوكة إن شاء الله والسلام فكف عنه الحجاج وتركهم المهلب يقتتلون شهرا لا يحركهم ثم ان قطريا خرج بمن اتبعه نحو طبرستان وبايع عامتهم عبد رب الكبير فنهض إليهم المهلب فقاتلوه قتالا شديدا ثم إن الله قتلهم فلم ينج منهم إلا قليل وأخذ عسكرهم وما فيه وسبوا لانهم كانوا يسبون المسلمين وقال كعب الاشقري والاشقر بطن من الازد يذكر يوم رام هرمز وأيام سابور وأيام جيرفت يا حفص إنى عدانى عنكم السفر * وقد أرقت فآذى عينى السهر علقت يا كعب بعد الشيب غانية * والشيب فيه عن الاهواء مزدجر أممسك أنت عنها بالذى عهدت * أم حبلها إذ نأتك اليوم منبتر علقت خودا باعلى الطف منزلها * في غرفة دونها الابواب والحجر درما مناكبها ريا مآكمها * تكاد إذ نهضت للمشى تنبتر وقد تركت بشط الزابيين لها * دارا بها يسعد البادون والحضر واخترت دارا بها حى أسر بهم * ما زال فيهم لمن فيهم لمن نختارهم خير لما نبت بى بلادي سرت منتجعا * وطالب الخير مرتاد ومنتظر أبا سعيد فإنى جئت منتجعا * أرجو نوالك لما مسنى الضرر لولا المهلب ما زرنا بلادهم * مادامت الارض فيها الماء والشجر فما من الناس من حى علمتهم * إلا يرى فيهم من سيبكم أثر

[ 123 ]

أحييتهم بسجال من نداك كما * تحيا البلاد إذا ما مسها المطر إنى لا رجو إذا ما فاقة نزلت * فضلا من الله في كفيك يبتدر فاجبر أخا لك أوهى الفقر قوته * لعله بعد وهى العظم ينجبر جفا ذوو نسبي عنى وأخلفني * ظنى فلله درى كيف آتمر يا واهب القينة الحسناء سنتها * كالشمس هركولة في طرفها فتر وما تزال بدور منك رائحة * وآخرون لهم من سيبك الغرر نماك للمجد أملاك ورثتهم * شم العرانين في أخلاقهم يسر ثاروا بقتلى وأوتار تعددها * في حين لا حدث في الحرب يتئر واستسلم الناس إذ حل العدو بهم * فما لامرهم ورد ولا صدر وما تجاوز باب الجسر من أحد * وعضت الحرب أهل المصر فانجحروا وأدخل الخوف أجواف البيوت على * مثل النساء رجال ما بهم غير واشتدت الحرب والبلوى وحل بنا * أمر تشمر في أمثاله الازر نظل من دون خفض معصمين بهم * فشمر الشيخ لما أعظم الخطر كنا نهون قبل اليوم شأنهم * حتى تفاقم أمر كان يحتقر لما وهنا وقد حلوا بساحتنا * واستنفر الناس تارات فما نفروا نادى امرؤ لا خلاف في عشيرته * عنه وليس به في مثله قصر أفشى هنالك مما كان مذ عصروا * فيهم صنائع مما كان يدخر تلبسوا لقراع الحرب بزتها * فأصبحوا من وراء الجسر قد عبروا ساروا بألوية للمجد قد رفعت * وتحتهن ليوث في الوغا وقر حتى إذا خلفوا الاهواز واجتمعوا * برام هرمز وافاهم بها ؟ ؟ الخبر نعى بشر فجال القوم وانصدعوا * إلا بقايا إذا ما ذكروا ذكروا ثم استمر بنا راض ببيعته * ينوى الوفاء ولم نغدر كما غدروا حتى اجتمعنا بسابور الجنود وقد * شبت لنا ولهم نار لها شرر نلقى مساعير أبطالا كأنهم * جن نقارعهم ما مثلهم بشر

[ 124 ]

نسقى ونسقيهم سما على حنق * مستأنفى الليل حتى أسفر السحر قتلى هنالك لا عقل ولا قود * منا ومنهم دماء سفكها هدر حتى تنحوا لنا عنها تسوقهم * منا ليوث إذا ما أقدموا جسروا لم يغن عنهم غداة التل كيدهم * عند الطعان ولا المكر الذى مكروا باتت كتائبنا تردى مسومة * حول المهلب حتى نور القمر هناك ولوا حزانا بعد ما فرحوا * وحال دونهم الانهار والجدر عبوا جنودهم بالسفح إذ نزلوا * بكازرون فما عزوا ولا ظفروا وقد لقوا مصدقا ؟ ؟ منا بمنزلة * ظنوا بأن ينصروا فيها فما نصروا بدشت بارين يوم الشعب إذ لحقت * أسد بسفك دماء الناس قد زئروا لا قوا كتائب لا يخلون ثغرهم * فيهم على من يقاسى حربهم صعر المقدمين إذ ما خيلهم وردت * والعاطفين إذا ما ضيع الدبر وفى جبيرين إذ صفوا بزحفهم * ولوا خزايا وقد فلوا وقد قهرا والله ما نزلوا يوما بساحتنا * إلا أصابهم من حربنا ظفر تنفيهم بالقنا عن كل منزلة * تروح منا مساعير وتبتكر ولوا حذارا وقد هزوا أسنتنا * نحو الحروب فما نجاهم الحذر صلت الجبين طويل الباع ذو فرح * ضخم الدسيعة لا وان ولا غمر مجرب الحرب ميمون نقيبته * لا يستخف ولا من رأيه البطر وفى ثلاث سنين يستديم بنا * يقارع الحرب أطوارا ويأتمر يقول إن غدا مبد لناظره * وفى الليالى وفى الايام معتبر دعوا التتابع والاسراع وارتقبوا * إن المحارب يستأنى وينتظر حتى أتته أمور عندها فرج * وقد تبين ما يأتي وما يذر لما زواهم إلى كرمان وانصدعوا * وقد تقاربت الآجال والقدر سرنا إليهم بمثل الموج وازدلفوا * وقبل ذلك كانت بيننا مئر وزادنا حنقا قتلى نذكرها * لا تستفيق عيون كلما ذكروا

[ 125 ]

إذا ذكرنا جروزا والذين بها * قتلى مضى لهم حولان ما قبروا تأتى علينا حزازات النفوس فما * نبقى عليهم وما يبقون إن قدروا ولا يقيلوننا في الحرب عثرتنا * ولا نقيلهم يوما إذا عثروا لا عذر يقبل منا دون أنفسنا * ولا لهم عندنا عذر لو اعتذروا صفان بالقاع كالطودين بينهما * كالبرق يلمع حتى يشخص البصر على بصائر كل غير تاركها * كلا الفريقين تتلى فيهم السور يمشون في البيض والابدان إذ وردوا * مشى الزوامل تهدى صفهم زمر وشيخنا حوله منا ململمة * حى من الازد فيما نابهم صبر في موطن يقطع الابطال منظره * تشاط فيه نفوس حين تبتكر ما زال منا رجال ثم نضربهم * بالمشرفى ونار الحرب تستعر وباد كل سلاح يستعان به * في حومة الموت الا الصارم الذكر ندوسهم بعناجيج مجففة * وبيننا ثم من صم القنا كسر يغشين قتلى وعقرى ما بها رمق * كأنما فوقها الجادى يعتصر قتلى بقتلى قصاص يستقاد بها * تشفى صدور رجال طالما وتروا مجاورين بها خيلا معقرة * للطير فيها وفى أجسادهم جزر في معرك تحسب القتلى بساحته * أعجاز نخل زفته الريح ينقعر وفى مواطن قبل اليوم قد سلفت * قد كان للازد فيها الحمد والظفر في كل يوم تلاقى الازد مفظعة * يشيب في ساعة من هولها الشعر والازد قومي خيار القوم قد علموا * إذا قرومهم يوم الوغى خطروا فيهم معاقل من عز يلاذ بها * يوما إذا شمرت حرب لها درر حى بأسيافهم يبغون مجدهم * إن المكارم في المكروه تبتدر لولا المهلب للجيش الذى وردوا * أنهار كرمان بعد الله ما صدروا إنا اعتصمنا بحبل الله إذ جحدوا * بالمحكمات ولم نكفر كما كفروا جاروا عن القصد والاسلام واتبعوا * دينا يخالف ما جاءت به النذر

[ 126 ]

وقال الطفيل بن عامر بن وائلة وهو ذكر قتل عبد رب الكبير وأصحابه وذهاب قطرى في الارض واتباعهم إياه ومراوغته إياهم: لقد مس منا عبد رب وجنده * عقاب فأمسى سبيهم في المقاسم سمالهم بالجيش حتى أزاحهم * بكرمان عن مثوى من الارض ناعم وما قطرى الكفر إلا نعامة * طريد يدوى ليله غير نائم إذا فرمنا هاربا كان وجهه * طريقا سوى قصد الهدى والمعالم فليس بمنجيه الفرار وإن جرت * به الفلك في لج من البحر دائم (قال أبو جعفر) وفي هذه السنة كانت هلكة قطرى وعبيدة بن هلال وعبد رب الكبير ومن كان معهم من الازارقة ذكر سبب مهلكهم وكان سبب ذلك أن أمر الذين ذكرنا خبرهم من الازارقة لما تشتت بالاختلاف الذى حدث بينهم بكرمان فصار بعضهم مع عبد رب الكبير وبعضهم مع قطرى ووهى أمر قطرى توجه يريد طبرستان وبلغ أمره الحجاج فوجه فيما ذكر هشام عن أبى مخنف عن يونس بن يزيد سفيان بن الابرد ووجه معه جيشا من أهل الشأم عظيما في طلب قطرى فأقبل سفيان حتى أتى الرى ثم أتبعهم وكتب الحجاج إلى إسحاق بن محمد بن الاشعث وهو على جيش لاهل الكوفة بطبرستان أن اسمع وأطع لسفيان فأقبل إلى سفيان فسار معه في طلب قطرى حتى لحقوه في شعب من شعاب طبرستان فقاتلوه فتفرق عنه أصحابه ووقع عن دابته في أسفل الشعب فتدهدى حتى خر إلى أسفله فقال معاوية بن محصن الكندى رأيته حيث هوى ولم أعرفه ونظرت إلى خمس عشرة امرأة عربية هن في الجمال والبزازة وحسن الهيئة كما شاء ربك ما عدا عجوزا فيهن فحملت عليهن فصرفتهن إلى سفيان بن الابرد * فلما دنوت بهن منه انتحت لى بسيفها العجوز فتضرب به عنقي فقطعت المغفر وقطعت جلدة من حلقى وأختلج السيف فأضرب بها وجهها فأصاب قحف رأسها فوقعت ميتة وأقبلت بالفتيات حتى دفعتهن إلى سفيان

[ 127 ]

وإنه ليضحك من العجوز وقال ما أردت إلى قتل هذه أخزاها الله فقلت أو ما رأيت أصلحك الله ضربتها إياى والله إن كادت لتقتلني قال قد رأيت فوالله ما ألومك على فعلك أبعدها الله ويأتى قطريا حيث تدهدى من الشعب علج من أهل البلد فقال له قطرى اسقنى من الماء وقد كان اشتد عطشه فقال أعطني شيئا حتى أسقيك فقال ويحك والله ما معى إلا ما ترى من سلاحي أنا مؤتيكه إذا أتيتني بماء قال لا بل أعطنيه الآن قال لا ولكن ائتنى بماء قبل فانطلق العلج حتى أشرف على قطرى ثم حدر عليه حجرا عظيما من فوقه دهدأه عليه فأصاب إحدى وركيه فأوهنته وصاح بالناس فأقبلوا نحوه والعلج حينئذ لا يعرف قطريا غير أنه يظن أنه من أشرافهم لحسن هيئته وكمال سلاحه فدفع إليه نفر من أهل الكوفة فابتدروه فقتلوه منهم سورة بن أبجر التميمي وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف والصباح بن محمد بن الاشعث وبادام مولى بنى الاشعث وعمر بن أبى الصلت بن كناز مولى بنى نصر بن معاوية وهو من الدهاقين فكل هؤلاء ادعوا قتله فدفع إليهم أبو الجهم ابن كنانة الكلبى وكلهم يزعم أنه قاتله فقال لهم ادفعوه إلى حتى تصطلحوا فدفعوه إليه فأقبل به إلى اسحاق بن محمد وهو على أهل الكوفة ولم يأته جعفر لشئ كان بينه وبينه قبل ذلك وكان لا يكلمه وكان جعفر مع سفيان بن الابرد ولم يكن معه إسحاق كان جعفر على ربع أهل المدينة بالرى * فلما مر سفيان بأهل الرى انتخب فرسانهم بأمر الحجاج فسار بهم معه فلما أتى القوم بالرأس فاختصموا فيه إليه وهو في يدى أبى الجهم بن كنانة الكلبى قال له امض به أنت ودع هؤلاء المختلفين فخرج برأس قطرى حتى قدم به على الحجاج ثم أتى به عبد الملك بن مروان فألحق في ألفين وأعطى فطما يعنى أنه يفرض للصغار في الديوان وجاء جعفر إلى سفيان فقال له أصلحك الله إن قطريا كان أصاب والدى فلم يكن لى هم غيره فاجمع بينى وبين هؤلاء الذين ادعوا قتله فسلهم ألم أكن أمامهم حتى بدرتهم فضربته ضربة فصرعته ثم جاؤني بعد فأقبلوا يضربونه بأسيافهم فإن أقروا لى بهذا فقد صدقوا وإن أبوا فأنا أحلف بالله أنى صاحبه وإلا فليحلفوا بالله أنهم أصحابه الذين قتلوه وأنهم

[ 128 ]

لا يعرفون ما أقول ولا حق لى فيه قال جئت الآن وقد سرحنا بالرأس فانصرف عنه فقال لاصحابه أما والله إنك لا خلق القوم أن تكون صاحبه ثم إن سفيان بن الابرد أقبل منصرفا إلى عسكر عبيدة بن هلال وقد تحصن في قصر بقومس فحاصره فقاتله أياما ثم إن سفيان بن الابرد سار بنا إليهم حتى أحطنا بهم ثم أمر مناديه فنادى فيهم أيما رجل قتل صاحبه ثم خرج الينا فهو آمن فقال عبيدة بن هلال: لعمري لقد قام الاصم بخطبة * لذى الشك منها في الصدور غليل لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتى * وفارقت دينى إننى لجهول إلى الله أشكو ما ترى بجيادنا * تساوك هزلى مخهن قليل تعاورها القذاف من كل جانب * بقومس حتى صعبهن ذلول فإن يك أفناها الحصار فربما * تشحط فيما بينهن قتيل وقد كن مما إن يقدن على الوجى * لهن بأبواب القباب صهيل فحاصرهم حتى جهدوا وأكلوا دوابهم ثم انهم خرجوا إليه فقاتلوه فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحجاج ثم د خل إلى دنباوند وطبرستان فكان هنا لك حتى عزله الحجاج قبل الجماجم (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة قتل بكير بن وشاح السعدى أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد ذكر سبب قتله إياه وكان سبب ذلك فيما ذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد أن أمية بن عبد الله وهو عامل عبد الملك بن مروان على خراسان ولى بكيرا غزو ما وراء النهر وقد كان ولاه قبل ذلك طخارستان فتجهز للخروج إليها وأنفق نفقة كثيرة فوشى به إليه بحير بن ورقاء الصريمى على ما بينت قبل فأمره أمية بالمقام * فلما ولاه غزو ما وراء النهر تجهز وتكلف الخيل والسلاح وادان من رجال السغد وتجارهم فقال بحير لامية إن صار بينك وبينه النهر ولقى الملوك خلع الخليفة ودعا إلى نفسه فأرسل إليه أمية أقم لعلى أغزو فتكون معى فغضب بكير وقال كأنه يضارني وكان

[ 129 ]

عتاب اللقوة الغدانى استدان ليخرج مع بكير فلما أقام أخذه غرماؤه فحبس فأدى عنه بكير وخرج ثم أجمع أمية على الغزو قال فأمر بالجهاز ليغزو بخارى ثم يأتي موسى بن عبد الله بن خازم بالترمذ فاستعد الناس وتجهزوا واستخلف على خراسان ابنه زيادا وسار معه بكير فعسكر بكثماهن ؟ ؟ فأقام أياما ثم أمر بالرحيل فقال له بحير إنى لا آمن أن يتخلف الناس فقل لبكير فلتكن في الساقة ولتحشر الناس قال فأمره أمية فكان على الساقة حتى أتى النهر فقال له أمية اقطع يا بكير فقال عتاب اللقوة الغدانى أصلح الله الامير اعبر ثم يعبر الناس بعدك فعبر ثم عبر الناس فقال أمية لبكير قد خفت أن لا يضبط ابني عمله وهو غلام حدث فارجع إلى مرو فاكفنتها فقد وليتكها فزين ابني وقم بأمره فانتخب بكير فرسانا من فرسان خراسان قد كان عرفهم ووثق بهم وعبر ومضى أمية إلى بخارى على مقدمته أبو خالد ثابت مولى خزاعة فقال عتاب اللقوة لبكير لما عبر وقد مضى أمية إنا قتلنا أنفسنا وعشائرنا حتى ضبطنا خراسان ثم طلبنا أميرا من قريش يجمع أمرنا فجاءنا أمير يلعب بنا يحولنا من سجن إلى سجن قال فما ترى قال احرق هذه السفن وامض إلى مرو فاخلع أمية وتقيم بمرو تأكلها إلى يوم ما قال فقال الاحنف بن عبد الله العنبري الرأى ما رأى عتاب فقال بكير إنى أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معى فقال أتخاف في لرجال أنا آتيك من أهل مرو بما شئت إن هلك هؤلاء الذين معك قال يهلك المسلمون قال إنما يكفيك أن ينادى مناد من أسلم رفعنا عنه الخراج فيأتيك خمسون ألفا من المصلين أسمع لك من هؤلاء وأطوع قال فيهلك أمية ومن معه قال ولم يهلكون ولهم عدة وعدد ونجدة وسلاح ظاهر وأداة كاملة ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين فأحرق بكير السفن ورجع إلى مرو فأخذ ابن أمية فحبسه ودعا الناس إلى خلع أمية فأجابوه وبلغ أمية فصالح أهل بخارى على فدية قليلة ورجع فأمر باتخاذ السفن فاتخذت له وجمعت وقال لمن معه من وجوه تميم ألا تعجبون من بكير إنى قدمت خراسان فحذرته ورفع عليه وشكى منه وذكروا (9 - 5)

[ 130 ]

أموالا أصابها فأعرضت عن ذلك كله ثم لم أفتشه عن شئ ولا أحدا من عماله ثم عرضت عليه شرطى فابى فاعفيته ثم وليته فحذرته فأمرته بالمقام وما كان ذلك إلا نظرا له ثم رددته إلى مرو وليته الامر فكفر ذلك كله وكافأني بما ترون فقال له قوم أيها الامير لم يكن هذا من شأنه إنما أشار عليه بإحراق السفن عتاب اللقوة فقال وما عتاب وهل عتاب إلا دجاجة حاضنة فبلغ قوله عتابا فقال عتاب في ذلك إن الحواضن تلقاها مجففة * غلب الرقاب على المنسوبة النجب تركت أمرك من جبن ومن خور * وجئتنا حمقا يا ألام العرب لما رأيت جبال السغد معرضة * وليت موسى ونوحا عكوة الذنب وجئت ذيخا مغذا ما تكلمنا * وطرت من سعف البحرين كالخرب أوعد وعيدك إنى سوف تعرفني * تحت الخوافق دون العارض اللجب يخب بى مشرف عار نواهقه * يغشى الكتيبة بين العدو والخبب قال فلما تهيأت السفن عبر أمية وأقبل إلى مرو وترك موسى بن عبد الله وقال اللهم إنى أحسنت إلى بكير فكفر إحساني وصنع ما صنع اللهم اكفنيه فقال شماس ابن دثار وكان رجع من سجستان بعد قتل ابن خازم فغزامع أمية أيها الامير أكفيكه إن شاء الله فقدمه أمية في ثمانمائة فأقبل حتى نزل باسان وهى لبنى نصر وسار إليه بكير ومعه مدرك بن أنيف وأبوه مع شماس فقال أما كان في تميم أحد يحاربني غيرك ولامه فأرسل ؟ ؟ إليه شماس أنت ألوم وأسوء صنيعا منى لم تف لامية ولم تشكر له صنيعه بك قدم فأكرمك ولم يعرض لك ولا لاحد من عمالك قال فبيته بكير ففرق جمعه وقال لا تقتلوا منهم أحدا وخذوا سلاحهم فكانوا إذا أخذوا رجلا سلبوه وحلوا عنه فتفرقوا ونزل شماس في قرية لطيئ يقال لها بوينه وقدم أمية فنزل كشماهن ورجع إليه شماس بن دثار فقدم أمية ثابت بن قطبة مولى خزاعة فلقيه بكير فأسر ثابتا وفرق جمعه وخلى بكير سبيل ثابت ليد كانت له عنده قال فرجع إلى أمية فأقبل أمية في الناس فقاتله بكير وعلى شرطة بكير أبو رستم الحليل بن أوس العبشمى

[ 131 ]

فأبلى يومئذ فنادوه يا صاحب شرطة عارمة وعارمة جارية بكير فأحجم فقال له بكير لا أبا لك لا يهدك نداء هؤلاء القوم فإن للعارمة فحلا يمنعها فقدم لواءك فقاتلوا حتى انحاز بكير فدخل الحائط فنزل السوق العتيقة ونزل أمية باسان فكانوا يلتقون في ميدان يزيد فانكشفوا يوما فحماهم بكير ثم التقوا يوما آخر في الميدان فضرب رجل من بنى تميم على رجله فجعل يسحبها وهريم يحميه ؟ ؟ فقال الرجل اللهم أيدنا فأمدنا بالملائكة فقال له هريم أيها الرجل قاتل عن نفسك فإن الملائكة في شغل عنك فتحامل ثم أعاد قوله اللهم أمدنا بالملائكة فقال هريم لتكفن عنى أو لا دعنك والملائكة وحماه حتى ألحقه بالناس قال ونادى رجل من بنى تميم يا أمية يا فاضح قريش فآلى أمية إن ظفر به أن يذبحه ؟ ؟ فظفر به فذبحه بين شرفتين من المدينة ثم التقوا يوما آخر فضرب بكير بن وشاح ثابت بن قطة على رأسه وانتمى أنا ابن وشاح فحمل حريث بن قطة أخو ثابت على بكير فانحاز بكير وانكشف أصحابه وأتبع حريث بكيرا حتى بلغ القنطرة فناداه أين يا بكير فكر عليه فضربه حريث على رأسه فقطع المغفر وعض السيف برأسه فصرع فاحتمله أصحابه فأدخلوه المدينة قال فكانوا على ذلك يقاتلونهم وكان أصحاب بكير يغدون متفضلين في ثياب مصبغة وملاحف وأزرصفر وحمر فيجلسون على نواحى المدينة يتحدثون وينادى مناد من رمى بسهم رمينا إليه برأس رجل من ولده وأهله فلا يرميهم أحد قال فأشفق بكير وخاف إن طال الحصار أن يخذله الناس فطلب الصلح وأحب ذلك أيضا أصحاب أمية لمكان عيالاتهم بالمدينة فقالوا لا مية صالحه وكان أمية يحب العافية فصالحه على أن يقضى عنه أربعمائة ألف ويصل أصحابه ويوليه أيضا أي كور خراسان شاء ولا يسمع قول بحير فيه وإن رابه منه ريب فهو آمن أربعين يوما حتى يخرج عن مرو فأخذ الامان لبكير من عبد الملك وكتب له كتابا على باب سنجان ودخل أمية المدينة قال وقوم يقولون لم يخرج بكير مع أمية غازيا ولكن أمية لما غزا استخلفه على مرو فخلعه فرجع أمية فقاتله ثم صالحه ودخل مرو ووفى أمية لبكير وعاد إلى ما كان عليه من الاكرام وحسن الاذن وأرسل

[ 132 ]

إلى عتاب اللقوة فقال أنت صاحب المشورة فقال نعم أصلح الله الامير قال ولم قال خف ما كان في يدى وكثر دينى وأعديت على غرمائي قال ويحك فضربت بين المسلمين وأحرقت السفن والمسلمون في بلاد العدو وما خفت الله قال قد كان ذلك فأستغفر الله قال كم دينك قال عشرون ألقا قال تكف عن غش المسلمين وأقضى دينك قال نعم جعلني الله فداك قال فضحك أمية وقال إن ظنى بك غير ما تقول وسأقضى عنك فأدى عنه عشرين ألفا وكان أمية سهلا لينا سخيا لم يعط أحد من عمال خراسان بها مثل عطاياه قال وكان مع ذلك ثقيلا عليهم كان فيه زهو شديد وكان يقول ما أكتفى بخراسان وسجستان لمطبخي وعزل أمية بحيرا عن شرطته وولاها عطاء بن أبى السائب وكتب إلى عبد الملك بما كان من أمر بكير وصفحه عنه فضرب عبد الملك بعثا إلى أمية بخراسان فتجاعل الناس فأعطى شقيق ابن سليل الاسدي جعالته رجلا من جرم وأخذ أمية الناس بالخراج واشتد عليهم فيه فجلس بكير يوما في المسجد وعنده ناس من بنى تميم فذكروا شدة أمية على الناس فذموه وقالوا سلط علينا الدهاقين في الجباية وبحير وضرار بن حصن وعبد العزيز بن جارية بن قدامة في المسجد فنقل بحير ذلك إلى أمية فكذبه فأدعي شهادة هؤلاء وادعى شهادة مزاحم بن أبى المجشر السلمى فدعا أمية مزاحما فسأله فقال إنما كان يمزح فأعرض عنه أمية ثم أتاه بحير فقال أصلح الله الامير إن بكيرا والله قد دعاني إلى خلعك وقال لولا مكانك لقتلت هذا القرشى وأكلت خراسان فقال أمية ما أصدق بهذا وقد فعل ما فعل فآمنته ووصلته قال فأتاه بضرار بن حصن وعبد العزيز بن جارية فشهد أن بكيرا قال لهما لو أطعتماني لقتلت هذا القرشى المخنث وقد دعانا إلى الفتك بك فقال أمية أنتم أعلم وما شهدتم وما أظن هذا به وإن تركه وقد شهدتم بما شهدتم عجز وقال لحاجبه عبيدة ولصاحب حرسه عطاء بن أبى السائب إذا دخل بكير وبدل وشمر دل ابنا أخيه فنهضت فخذوهم وجلس أمية للناس وجاء بكير وابنا أخيه فلما جلسوا قام أمية عن سريره فدخل وخرج الناس وخرج بكير فحبسوه وابن أخيه فدعا أمية ببكير فقال أنت القائل

[ 133 ]

كذا وكذا قال تثبت أصلحك الله ولا تسمعن قول ابن المحلوقة فحبسه وأخذ جاريته العارمة فحبسها وحبس الاحنف بن عبد الله العنبري وقال أنت ممن أشار على بكير بالخلع * فلما كان من الغد أخرج بكيرا فشهد عليه بحير وضرار وعبد العزير ابن جارية أنه دعاهم إلى خلعه والفتك به فقال أصلحك الله تثبت فإن هؤلاء أعدائي فقال أمية لزياد بن عقبة وهو رأس أهل العالية ولا بن ولان العدوى وهو يومئذ من رؤساء بنى تميم وليعقوب بن خالد الذهلى أتقتلونه فلم يجيبوه فقال لبحير أتقتله قال نعم فدفعه إليه فنهض يعقوب بن القعقاع الاعلم الازدي من مجلسه وكان صديقا لبكير فاحتضن أمية وقال أذكرك الله أيها الامير في بكير فقد أعطيته ما أعطيته من نفسك قال يا يعقوب ما يقتله إلا قومه شهدوا عليه فقال عطاء ابن أبى السائب الليثى وهو على حرس أمية خل عن الامير قال لا فضربه عطاء بقائم السيف فأصاب أنفه فأدماه فخرج ثم قال لبحير يا بحير إن الناس أعطوا بكيرا ذمتهم في صلحه وأنت منهم فلا تخفر ذمتك قال يا يعقوب ما أعطيته ذمة ثم أخذ بحير سيف بكير الموصول الذى كان أخذه من إسوار الترجمان ترجمان ابن خازم فقال له بكير يا بحير إنك تفرق أمر بنى سعد إن قتلتنى فدع هذا القرشى يلى منى ما يريد فقال بحير لا والله يا ابن الاصبهانية لا تصلح بنو سعد ما دمنا حيين قال فشأنك يا ابن المحلوقة فقتله وذلك يوم جمعة وقتل أمية ابني أخى بكير ووهب جارية بكير العارمة لبحير وكلم أمية في الاحنف بن عبد الله العنبري فدعا به من السجن فقال وأنت ممن أشار على بكير وشتمه وقال قد وهبتك لهؤلاء قال ثم وجه أمية رجلا من خزاعة إلى موسى بن عبد الله بن خازم فقتله عمرو بن خالد بن حصن الكلابي غيلة فتفرق جيشه فاستأمن طائفة منهم موسى فصاروا معه ورجع بعضهم إلى أمية (وفى هذه السنة) عبر النهر نهر بلخ أمية للغزو فحوصر حتى جهد هو وأصحابه ثم نجوا بعد ما أشرفوا على الهلاك فانصرف والذين معه من الجند إلى مرو وقال عبد الرحمن ابن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة يهجو أمية ألا أبلغ أمية أن سيجزى * ثواب الشر إن له ثوابا

[ 134 ]

ومن ينظر عتابك أو يرده * فلست بناظر منك العتابا محا المعروف منك خلال سوء * منحت صنيعها بابا فبابا ومن سماك إذ قسم الاسامي * أمية إذ ولدت فقد أصابا (قال أبو جعفر) وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان وهو أمير على المدينة وكان على الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف وعلى خراسان أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد * وحدثني أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال حج أبان بن عثمان وهو على المدينة بالناس حجتين سنة 76 وسنة 77 وقد قيل ان هلاك شبيب كان في سنة 78 وكذلك قيل في هلاك قطرى وعبيدة بن هلال وعبد رب الكبير وغزا في هذه السنة الصائفة الوليد ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ذكر الخبر عن الكائن في هذه السنة من الاحداث الجليلة فمن ذلك عزل عبد الملك بن مروان أمية بن عبد الله عن خراسان وضمه خراسان وسجستان إلى الحجاج بن يوسف فلما ضم ذلك إليه فرق فيه عماله ذكر الخبر عن العمال الذين ولاهم الحجاج خراسان وسجستان وذكر السبب في توليته من ولاه ذلك وشيئا منه (ذكر) أن الحجاج لما فرغ من شبيب ومطرف شخص من الكوفة إلى البصرة واستخلف على الكوفة المغيرة بن عبد الله بن أبى عقيل وقد قيل إنه استخلف عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي ثم عزله وجعل مكانه المغيرة ابن عبد الله فقدم عليه المهلب بها وقد فرغ من الازارقة فقال هشام حدثنى أبو مخنف عن أبى المخارق الراسبى أن المهلب بن أبى صفرة لما فرغ من الازارقة قدم على الحجاج وذلك سنة 78 فأجلسه ودعا بأصحاب البلاء من المهلب فأخذ الحجاج لا يذكر له المهلب رجلا من أصحابه ببلاء حسن إلا صدقه الحجاج بذلك فحملهم الحجاج وأحسن عطاياهم وزاد في أعطياتهم ثم قال هؤلاء أصحاب الفعال وأحق

[ 135 ]

بالاموال هؤلاء حماة الثغور وغيظ الاعداء (قال هشام) عن أبى مخنف قال يونس بن أبى إسحاق قد كان الحجاج ولى المهلب سجستان مع خراسان فقال له المهلب ألا أدلك على رجل هو أعلم بسجستان منى وقد كان ولى كابل وزابل وجباهم وقاتلهم وصالحهم قال له بلى فمن هو قال عبيد الله بن أبى بكرة ثم إنه بعث المهلب على خراسان وعبيد الله بن أبى بكرة على سجستان وكان العامل هنالك أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبى العيص بن أمية وكان عاملا لعبد الملك بن مروان لم يكن للحجاج شئ من أمره حين بعث على العراق حتى كانت تلك السنة فعزله عبد الملك وجمع سلطانه للحجاج فمضى المهلب إلى خراسان وعبيد الله بن أبى بكرة إلى سجستان فمكث عبيد الله بن أبى بكرة بقية سنته فهذه رواية أبى مخنف عن أبى المخارق وأما على بن محمد فإنه ذكر عن المفضل بن محمد أن خراسان وسجستان جمعتا للحجاج مع العراق في أول سنة 78 بعد ما قتل الخوارج فاستعمل عبيد الله بن أبى بكرة على خراسان والمهلب بن أبى صفرة على سجستان فكره المهلب سجستان فلقى عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العبشمى وكان على شرطة الحجاج فقال إن الامير ولانى سجستان وولى ابن أبى بكرة خراسان وأنا أعرف بخراسان منه قد عرفتها أيام الحكم بن عمرو الغفاري وابن أبى بكرة أقوى على سجستان منى فكلم الامير يحولني إلى خراسان وابن أبى بكرة إلى سجستان قال نعم وكلم زاذان فروخ يعيننى فكلمه فقال نعم فقال عبد الرحمن بن عبيد للحجاج وليت المهلب سجستان وابن أبى بكرة أقوى عليها منه فقال زاذان فروخ صدق قال إنا قد كتبنا عهده قال زاذان فروخ ما أهون تحويل عهده فحول ابن أبى بكرة إلى سجستان والمهلب إلى خراسان وأخذ المهلب بألف ألف من خراج الاهواز وكان ولاها إياه خالد بن عبد الله فقال المهلب لابنه المغيرة إن خالدا ولانى الاهواز وولاك اصطخر وقد أخذني الحجاج بألف ألف فنصف على ونصف عليك ولم يكن عند المهلب مال كان إذا عزل استقرض قال فكلم أبا ماوية مولى عبد الله بن عامر وكان أبو ماوية على بيت مال عبد الله بن عامر فأسلف المهلب ثلثمائة ألف فقالت خيرة القشيرية امرأة المهلب

[ 136 ]

هذا لا يفى بما عليك فباعت حليا لو متاعا فأكمل خمسمائة ألف وحمل المغيرة إلى أبيه خمسمائة ألف فحملها إلى الحجاج ووجه المهلب ابنه حبيبا على مقدمته فأتى الحجاج فودعه فأمر الحجاج له بعشرة آلاف وبغلة خضراء قال فسار حبيب على تلك البغلة حتى قدم خراسان هو وأصحابه على البريد فسار عشرين يوما فتلقاهم حين دخلوا حمل حطب فنفرت البغلة فتعجبوا منها ومن نفارها بعد ذلك التعب وشدة السير فلم يعرض لا مية ولا لعماله وأقام عشرة أشهر حتى قدم عليه المهلب سنة 79 (وحج) بالناس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان أمير المدينة في هذه السنة أبان ابن عثمان وأمير الكوفة والبصرة وخراسان وسجستان وكرمان الحجاج بن يوسف وخليفته بخراسان المهلب وبسجستان عبيد الله بن أبى بكرة وعلى قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة فيما قيل موسى بن أنس وأغزى عبد الملك في هذه السنة يحيى بن الحكم ثم دخلت سنة تسع وسبعين ذكر ما كان فيها من الاحداث الجليلة فمن ذلك ما أصاب أهل الشأم في هذه السنة من الطاعون حتى كادوا يفنون من شدته فلم يغز في تلك السنة أحد فيما قبل ؟ ؟ للطاعون الذى كان بها وكثرة الموت (وفيها) فيما قبل أصابت الروم أهل أنطاكية (وفيها) غزا عبيد الله بن أبى بكرة رتبيل ذكر الخبر عن غزوه إياه (قال هشام) حدثنى أبو مخنف عن أبى المخارق الراسبى قال لما ولى الحجاج المهلب خراسان وعبيد الله بن أبى بكرة سجستان مضى المهلب إلى خراسان وعبيد الله بن أبى بكرة إلى سجستان وذلك في سنة 78 فمكث عبيد الله بن أبى بكرة بقية سنته ثم إنه غزا رتبيل وقد كان مصالحا وقد كانت العرب قبل ذلك تأخذ منه خراجا وربما امتنع فلم يفعل فبعث الحجاج إلى عبيد الله بن أبى بكرة أن ناجزه بمن معك من المسلمين

[ 137 ]

فلا ترجع حتى تستبيح أرضه وتهدم قلاعه وتقتل مقاتلته وتسبى ذريته فخرج بمن معه من المسلمين من أهل الكوفة وأهل البصرة وكان على أهل الكوفة شريح بن هانئ الحارثى ثم الضبابى وكان من أصحاب على وكان عبيد الله على أهل البصرة وهو أمير الجماعة فمضى حتى وغل في بلاد رتبيل فأصاب من البقر والغنم والاموال ما شاء وهدم قلاعا وحصونا وغلب على أرض من أرضهم كثيرة وأصحاب رتبيل من الترك يخلون لهم عن أرض بعد أرض حتى أمعنوا في بلادهم ودنوا من مدينتهم وكانوا منها على ثمانية عشر فرسخا فأخذوا على المسلمين العقاب والشعاب وخلوهم والرساتيق فسقط في أيدى المسلمين وظنوا أن قد هلكوا فبعث ابن أبى بكرة إلى شريح بن هانئ إنى مصالح القوم على أن أعطيهم مالا ويخلوا بينى وبين الخروج فأرسل إليهم فصالحهم على سبعمائة الف درهم فلقيه شريح فقال إنك لا تصالح على شئ إلا حسبه السلطان عليكم في أعطياتكم قال لو منعنا العطاء ما حيينا كان أهون علينا من هلاكنا قال شريح والله لقد بلغت سنا وقد هلكت لذاتي ما تأتى على ساعة من ليل أو نهار فأظنها تمضى حتى أموت ولقد كنت أطلب الشهادة مند زمان ولئن فاتتني اليوم ما اخالنى مدركها حتى أموت وقال يا أهل الاسلام تعاونوا على عدوكم فقال له ابن أبى بكرة إنك شيخ قد خرفت فقال شريح إنما حسبك أن يقال بستان ابن أبى بكرة وحمام ابن أبى بكرة يا أهل الاسلام من أراد منكم الشهادة فالى فاتبعه ناس من المتطوعة غير كثير وفرسان الناس وأهل الحفاظ فقاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلا فجعل شريح يرتجز يومئذ ويقول: أصبحت ذا بث أقاسى الكبرا * قد عشت بين المشركين أعصرا ثمت أدركت النبي المنذرا * وبعده صديقه وعمرا ويوم مهران ويوم تسترا * والجمع في صفينهم والنهرا وبا جميرات مع المشقرا * هيهات ما أطول هذا عمرا فقاتل حتى قتل في ناس من أصحابه ونجا من نجا فخرجوا من بلاد رتبيل حتى خرجوا منها فاستقبلهم من خرجوا إليهم من المسلمين بالاطعمة فإذا أكل أحدهم

[ 138 ]

وشبع مات فلما رأى ذلك الناس حذروا يطعمونهم ثم جعلوا يطعمونهم السمن قليلا قليلا حتى استمرؤا وبلغ ذلك الحجاج فأخذه ما تقدم وما تأخر وبلغ ذلك منه كل مبلغ وكتب إلى عبد الملك أما بعد فان جند أمير المؤمنين الذين بسجستان أصيبوا فلم ينج منهم إلا القليل وقد اجترأ العدو بالذى أصابه على أهل الاسلام فدخلوا بلادهم وغلبوا على حصونهم وقصورهم وقد أردت أن أوجه إليهم جندا كثيفا من أهل المصرين فأحببت أن أستطلع رأى أمير المؤمنين في ذلك فإن رأى لى بعثة ذلك الجند أمضيته وإن لم ير ذلك فإن أمير المؤمنين أولى بجنده مع أنى أتخوف إن لم يأت رتبيل ومن معه من المشركين جند كثيف عاجلا أن يستولوا على ذلك الفرج كله (وفى هذه السنة) قدم المهلب خراسان أميرا وانصرف عنها أمية بن عبد الله وقيل استعفى شريح القاضى من القضاء في هذه السنة وأشار بأبى بردة بن أبى موسى الاشعري فأعفاه الحجاج وولى أبا بردة (وحج) بالناس في هذه السنة فيما حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر أبان ابن عثمان وكذلك قال الواقدي وغيره من أهل السير وكان أبان هذه السنة أميرا على المدينة من قبل عبد الملك بن مروان وعلى العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف وكان على خراسان المهلب من قبل الحجاج وقيل إن المهلب كان على حربها وابنه المغيرة على خراجها وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبى موسى وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس ثم دخلت سنة ثمانين ذكر الاحداث الجليلة التى كانت في هذه السنة (وفى هذه السنة) جاء فيما حدثت عن ابن سعد عن محمد بن عمر الواقدي سيل بمكة ذهب بالحجاج فغرقت بيوت مكة فسمى ذلك العام عام الجحاف لان ذلك السيل جحف كل شئ مر به قال محمد بن عمر حدثنى محمد بن رفاعة بن ثعلبة عن أبيه عن جده قال جاء السيل حتى ذهب بالحجاج ببطن مكة فسمى لذلك عام الجحاف

[ 139 ]

ولقد رأيت الابل عليها الحمولة والرجال والنساء يمر بهم ما لاحد فيهم حيلة وإنى لا نظر إلى الماء قد بلغ الركن وجاوزه (وفى هذه السنة) كان بالبصرة طاعون الجارف فيما زعم الواقدي (وفى هذه السنة) قطع المهلب نهر بلخ فنزل على كش فذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد وغيره أنه كان على مقدمة المهلب حين نزل على كش أبو الادهم زياد بن عمر والزماني في ثلاثة آلاف وهم خمسة آلاف إلا أن أبا الادهم كان يغنى غناء الفين في البأس والتدبير والنصيحة قال فأتى المهلب وهو نازل على كش ابن عم ملك الختل فدعاه إلى غزو الختل فوجه معه ابنه يزيد فنزل في عسكره ونزل ابن عم الملك وكان الملك يومئذ اسمه السبل في عسكره على ناحية فبيت السبل ابن عمه فكبر في عسكره فظن ابن عم السبل أن العرب قد غدروا به وأنهم خافوه على الغدر حين اعتزل عسكرهم فأسره السبل فأتى به قلعته فقتله قال فأطاف يزيد بن المهلب بقلعة السبل فصالحوه على فدية حملوها إليه ورجع إلى المهلب فأرسلت أم الذى قتله السبل إلى أم السبل كيف ترجين بقاء السبل بعد قتل ابن عمه وله سبعة أخوة قد وترهم وأتت أم واحد فأرسلت إليها أن الاسد تقل أولادها والخنازير كثير أولادها ووجه المهلب ابنه حبيبا إلى ربنجن فوافى صاحب بخارى في أربعين ألفا فدعا رجل من المشركين المبارزة فبرز له جبلة غلام حبيب فقتل المشرك وحمل على جمعهم فقتل منهم ثلاثة نفر ثم رجع ورجع العسكر ورجع العدو إلى بلادهم ونزلت جماعة من العدو قرية فسار إليهم حبيب في أربعة آلاف فقاتلهم فظفر بهم فأحرقها ورجع إلى أبيه فسميت المحترقة ويقال أن الذى أحرقها جبلة غلام حبيب قال فمكث المهلب سنتين مقيما بكش فقيل له لو تقدمت إلى السغد وما وراء ذلك قال ليت حظى من هذه الغزوة سلامة هذه الجند حتى يرجعوا إلى مرو سالمين قال وخرج رجل من العدو يوما فسأله البراز فبرز إليه هريم بن عدى أبو خالد بن هريم وعليه عمامة قد شدها فوق البيضة فانتهى إلى جدول فجاوله المشرك ساعة فقتله هريم وأخذ سلبه فلامه المهلب وقال لو أصبت ثم أمددت بألف فارس ما عدلوك عندي واتهم المهلب وهو بكش قوما

[ 140 ]

من مضر فحبسهم بها فلما قفل وصار صلح خلاهم فكتب إليه الحجاج إن كنت أصبت بحبسهم فقد أخطأت في تخليتهم وان كنت أصبت بتخليتهم فقد ظلمتهم إذ حبستهم فقال المهلب خفتهم فحبستهم فلما أمنت خليتهم وكان فيمن حبس عبد الملك بن أبى شيخ القشيرى ثم صالح المهلب أهل كش على فدية فأقام ليقبضها وأتاه كتاب ابن الاشعث بخلع الحجاج ويدعوه إلى مساعدته على خلعه فبعث بكتاب ابن الاشعث إلى الحجاج (وفى هذه السنة) وجه الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث إلى سجستان لحرب رتبيل صاحب الترك وقد اختلف أهل السير في سبب توجيهه اياه إليها وأين كان عبد الرحمن يوم ولاه الحجاج سجستان وحرب رتبيل فأما يونس ابن أبى اسحاق فيما حدث هشام عن أبى مخنف عنه فانه ذكر أن عبد الملك لما ورد عليه كتاب الحجاج بن يوسف بخبر الجيش الذى كان مع عبيد الله بن بكرة في بلاد رتبيل وما لقوا بها كتب إليه أما بعد فقد أتانى كتابك تذكر فيه مصاب المسلمين بسجستان وأولئك قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وعلى الله ثوابهم وأما ما أردت أن يأتيك فيه رأيى من توجيه الجنود وامضائها إلى ذلك الفرج الذى أصيب فيه المسلمون أوكفها فان رأيى في ذلك أن تمضى رأيك راشدا موفقا وكان الحجاج وليس بالعراق رجل أبغض إليه من عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث وكان يقول ما رأيته قط الا أردت قتله (قال أبو مخنف) فحدثني نمير ابن وعلة الهمداني ثم اليناعى عن الشعبى قال كنت عند الحجاج جالسا حين دخل عليه عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث فلما رآه الحجاج قال انظر إلى مشيته والله لهممت أن أضرب عنقه قال فلما خرج عبد الرحمن خرجت فسبقته وانتظرته على باب سعيد بن قيس السبيعى فلما انتهى إلى قلت ادخل بنا الباب انى أريد أن أحدثك حديثا هو عندك بأمانة الله أن تذكره ما عاش الحجاج فقال نعم فأخبرته بمقاتلة الحجاج له فقال وأنا كما زعم الحجاج إن لم أحاول أن أزيله عن سلطانه فأجهد الجهد إذ طال بى وبه بقاء ثم إن الحجاج أخذ في جهاز عشرين ألف رجل من أهل الكوفة وعشرين ألف رجل من أهل البصرة وجد في ذلك وشمر

[ 141 ]

وأعطى الناس أعطياتهم كملا وأخذهم بالخيول الروائع والسلاح الكامل وأخذ في عرض الناس ولا يرى رجلا تذكر منه شجاعة إلا أحسن معونته فمر عبيد الله ابن أبى محجن الثقفى على عباد بن الحصين الحبطى وهو مع الحجاج يريد عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفى وهو يعرض الناس فقال عباد ما رأيت فرسا أروع ولا أحسن من هذا وأن الفرس قوة وسلاح وأن هذه البغلة علنداة فزاده الحجاج خمسين وخمسمائة درهم ومر به عطية العنبري فقال له الحجاج يا عبد الرحمن أحسن إلى هذا فلما استتب له أمر ذينك الجندين بعث الحجاج عطارد بن عمر التميمي فعسكر بالاهواز ثم بعث عبيد الله بن حجر بن ذى الجشن العامري من بنى كلاب ثم بدا له فبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث وعزل عبيد الله بن حجر فأتى الحجاج عمه إسماعيل بن الاشعث فقال له لا تبعثه فانى أخاف خلافه والله ما جاز جسر الفرات قط فرأى لوال من الولاة عليه طاعة وسلطانا فقال الحجاج ليس هناك هولي أهيب وفى أرغب من أن يخالف أمرى أو يخرج من طاعتي فأمضاه على ذلك الجيش فخرج بهم حتى قدم سجستان سنة 80 فجمع أهلها حين قدمها (قال أبو مخنف) فحدثني أبو الزبير الا رحبى رجل من همدان كان معه أنه صعد منبرها فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أن الامير الحجاج ولانى ثغركم وأمرني بجهاد عدوكم الذى استباح بلادكم وأباد خياركم فاياكم أن يتخلف منكم رجل فيحل بنفسه العقوبة اخرجوا إلى معسكركم فعسكروا به مع الناس فعسكر الناس كلهم في معسكرهم ووضعت لهم الاسواق وأخذ الناس بالجهاز والهيئة بآلة الحرب فبلغ ذلك رتبيل فكتب إلى عبد الرحمن بن محمد يعتذر إليه من مصاب المسلمين ويخبره أنه كان لذلك كارها وأنهم ألجؤه إلى قتالهم ويسأله الصلح ويعرض عليه أن يقبل منه الخراج فلم يجبه ولم يقبل منه ولم ينشب عبد الرحمن أن سار في الجنود إليه حتى دخل أول بلاده وأخذ رتبيل بضم إليه جنده ويدع له الارض رستاقا رستاقا وحصنا حصنا وطفق ابن الاشعث كلما حوى بلدا بعث إليه عاملا وبعث معه أعوانا ووضع البرد فيما بين كل بلد وبلد وجعل الارصاد على العقاب

[ 142 ]

والشعاب ووضع المسالح بكل مكان مخوف حتى إذا حاز من أرضه أرضا عظيمة وملا يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة حبس الناس عن الوغول في أرض رتبيل وقال نكتفي بما أصبناه العام من بلادهم حتى نجبيها ونعرفها وتجترئ المسلمون على طرقها ثم نتعاطى في العام المقبل ما وراءها ثم لم نزل نتنقصهم في كل عام طائفة من أرضهم حتى نقاتلهم آخر ذلك على كنوزهم وذراريهم وفى أقصى بلادهم وممتنع حصونهم ثم لا نزايل بلادهم حتى يهلكهم الله ثم كتب إلى الحجاج بما فتح الله عليه من بلاد العدو وبما صنع الله للمسلمين وبهذا الرأى الذى رآه لهم وأما غير يونس ابن أبى إسحاق وغير من ذكرت الرواية عنه في أمر ابن الاشعث فإنه قال في سبب ولايته سجستان ومسيره إلى بلاد رتبيل غير الذى رويت عن أبى مخنف وزعم ان السبب في ذلك كان أن الحجاج وجه هميان بن عدى السدوسى إلى كرمان مسلحة لها ليمد عامل سجستان والسندان احتاجا إلى مدد فعصى هميان ومن معه فوجه الحجاج بن الاشعث في محاربته فهزمه وأقام بموضعه ومات عبيد الله بن أبى بكرة وكان عاملا على سجستان فكتب الحجاج عهد ابن الاشعث عليها وجهز إليها جيشا أنفق عليهم ألفى ألف سوى أعطياتهم كان يدعى جيش الطواويس وأمره بالاقدام على رتبيل (وحج) بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان كذلك حدثنى احمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال محمد بن عمر الواقدي وقال بعضهم الذى حج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الملك وكان على المدينة في هذه السنة أبان بن عثمان وعلى العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف وعلى خراسان المهلب بن أبى صفرة من قبل الحجاج وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبى موسى وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس وأغزى عبد الملك في هذه السنة ابنه الوليد

[ 143 ]

ثم دخلت سنة احدى وثمانين ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففى هذه السنة) كان فتح قاليقلا حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا على بن محمد قال أغزى عبد الملك سنة 81 ابنه عبيد الله بن عبد الملك ففتح قاليقلا (وفى هذه السنة) قتل بحير بن ورقاء الصريمى بخراسان ذكر الخبر عن مقتله وكان سبب قتله أن بحيرا كان هو الذى تولى قتل بكير بن وشاح بأمر أمية بن عبد الله اياه بذلك فقال عثمان بن رجاء بن جابر بن شداد أحد بنى عوف بن سعد من الابناء يحض رجلا من الابناء من آل بكير بالوتر لعمري لقد أغضيت عينا على القذى * وبت بطينا من رحيق مروق وخليت ثارا طل واخترت نومة * ومن شرب الصهباء بالوتر يسبق فلو كنت من عوف بن سعد ذؤابة * تركت بحيرا في دم مترقرق فقل لبحير نم ولا تخش ثائرا * بعوف فعوف أهل شاة حبلق دع الضأن يوما قد سبقتم بوتركم * وصرتم حديثا بين غرب ومشرق وهبوا فلو أمسى بكير كعهده * صحيحا لغاداهم بحاواء فيلق (وقال أيضا) فلو كان بكر بارزا في أداته * وذى العرش لم يقدم عليه بحير ففى الدهر إن أبقاني الدهر مطلب * وفى الله طلاب بذاك جدير وبلغ بحيرا أن الابناء يتوعدونه فقال توعدنى الابناء جهلا كأنما * يرون فنائى مقفرا من بنى كعب رفعت له كفى بحد مهند * حسام كلون الملح ذى رونق عضب فذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد أن سبعة عشر رجلا من بنى عوف ابن كعب بن سعد تعاقدوا على الطلب بدم بكير فخرج فتى منهم يقال له الشمردل

[ 144 ]

من البادية حتى قدم خراسان فنظر إلى بحير واقفا فشد عليه فطعنه فصرعه فظن انه قد قتله وقال الناس خارجي فراكضهم فعثر فرسه فندر عنه فقتل ثم خرج صعصعة بن حرب العوفى ثم أحد بنى جندب من البادية وقد باع غنيمات له واشترى حمارا ومضى إلى سجستان فجاور قرابة لبحير هناك ولا طفهم وقال أنا رجل من بنى حنيفة من أهل اليمامة فلم يزل يأتيهم ويجالسهم حتى أنسوا به فقال لهم إن لى بخراسان ميراثا قد غلبت عليه وبلغني أن بحيرا عظيم القدر بخراسان فاكتبوا لى إليه كتابا يعيننى على طلب حقى فكتبوا إليه فخرج فقدم مرو والمهلب غاز قال فلقى قوما من بنى عوف فأخبرهم أمره فقام إليه مولى لبكير صيقل فقبل رأسه فقال له صعصعة اتخذ لى خنجرا فعمل له خنجرا وأحماه وغمسه في لبن أتان مرارا ثم شخص من مرو فقطع النهر حتى أتى عسكر المهلب وهو بأخرون يومئذ فلقى بحيرا بالكتاب وقال انى رجل من بنى حنيفة كنت من أصحاب ابن أبى بكرة وقد ذهب مالى بسجستان ولى ميراث بمرو فقدمت لا بيعه وأرجع إلى اليمامة قال فأمر له بنفقة وأنزله معه وقال له استعن بى على ما أحببت قال أقيم عندك حتى يقفل الناس فأقام شهرا أو نحوا من شهر يحضر معه باب المهلب ومجلسه حتى عرف به قال وكان بحير يخاف الفتك به ولا يأمن أحدا فلما قدم صعصعة بكتاب أصحابه قال هو رجل من بكر بن وائل فأمنه فجاء يوما وبحير جالس في مجلس المهلب عليه قميص ورداء ونعلان فقعد خلفه ثم دنا منه فأكب عليه كأنه كان يكلمه فوجأه بخنجره في خاصرته فغيبه في جوفه فقال الناس خارجي فنادى يا لثأرات بكير أنا ثائر ببكير فأخذه أبو العجفاء ابن أبى الخرقاء وهو يومئذ على شرط المهلب فأتى به المهلب فقال له بؤسا لك ما أدركت بثأرك وقتلت نفسك وما على بحير بأس فقال لقد طعنته طعنة لو قسمت بين الناس لماتوا ولقد وجدت ريح بطنه في يدى فحبسه فدخل عليه السجن قوم من الابناء فقبلوا رأسه قال ومات بحير من غد عند ارتفاع النهار فقبل لصعصعة مات بحير فقال اصنعوا بى الآن ما شئتم وما بدا لكم أليس قد حلت نذور نساء بنى عوف وأدركت بثأرى لا أبالى ما لقيت أما والله لقد

[ 145 ]

أمكننى ما صنعت خاليا غير مرة فكرهت أن أقتله سرا فقال المهلب ما رأيت رجلا أسخى نفسا بالموت صبرا من هذا وأمر بقتله أبا سويقة ابن عم لبحير فقال له أنس بن طلق ويحك قتل بحير فلا تقتلوا هذا فأبى وقتله فشتمه أنس وقال آخرون بعث به المهلب إلى بحير قبل أن يموت فقال له أنس بن طلق العبشمى يا بحير إنك قتلت بكيرا فاستحى هذا فقال بحير ادنوه منى لا والله لا أموت وأنت حى فأدنوه منه فوضع رأسه بين رجليه وقال اصبر عفاق إنه شرباق فقال ابن طلق لبحير لعنك الله أكلمك فيه وتقتله بين يدى فطعنه بحير بسيفه حتى قتله ومات بحير فقال المهلب إنا لله وإنا إليه راجعون غزوة أصيب فيها بحير فغضب عوف بن كعب والابناء وقالوا علام قتل صاحبنا وإنما طلب بثأره فنازعتهم مقاعس والبطون حتى خاف الناس أن يعظم البأس فقال أهل الحجى احملوا دم صعصعة واجعلوا دم بحير بواء ببكير فودوا صعصعة فقال رجل من الابناء يمدح صعصعة لله در فتى تجاوز همه * دون العراق مفاوزا وبحورا ما زال يدأب نفسه ويكدها * حتى تناول في حرون بحيرا قال وخرج عبد ربه الكبير أبو وكيع وهو من رهط صعصعة إلى البادية فقال لرهط بكير قتل صعصعة بطلبه بدم صاحبكم فودوه فأخذ لصعصعة ديتين (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة خالف عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث الحجاج ومن معه من جند العراق وأقبلوا إليه لحربه في قول أبى مخنف وروايته لذلك عن أبى المخارق الراسبى وأما الواقدي فإنه زعم أن ذلك كان في سنة 82 ذكر الخبر عن السبب الذى دعا عبد الرحمن بن محمد إلى ما فعل من ذلك وما كان من صنيعه بعد خلافه الحجاج في هذه السنة قد ذكرنا فيما مضى قبل ما كان من عبد الرحمن بن محمد في بلاد رتبيل وكتابه إلى الحجاج بما كان منه هناك وبما عرض عليه من الرأى فيما يستقبل من أيامه في سنة 80 ونذكر الآن ما كان من أمره في سنة 81 في رواية أبى مخنف عن أبى المخارق

[ 146 ]

(ذكر هشام) عن أبى مخنف قال قال أبو المخارق الراسبى كتب الحجاج إلى عبد الرحمن ابن محمد جواب كتابه أما بعد فإن كتابك أتانى وفهمت ما ذكرت فيه وكتابك كتاب امرئ يحب الهدنة ويستريح إلى الموادعة قد صانع عدوا قليلا ذليلا قد أصابوا من المسلمين جندا كان بلاؤهم حسنا وغناؤهم في الاسلام عظيما لعمرك يا ابن أم عبد الرحمن إنك حيث تكف عن ذلك العدو بجندي وحدي لسخى النفس عمن أصيب من المسلمين إنى لم أعدد رأيك الذى زعمت أنك رأيته رأى مكيدة ولكني رأيت أنه لم يحملك عليه إلا ضعفك والتياث رأيك فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم والهدم لحصونهم وقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم ثم أردفه كتابا فيه أما بعد فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا وليقيموا فإنها دارهم حتى يفتحها الله عليهم ثم أردفه كتابا آخر فيه أما بعد فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم وإلا فان إسحاق بن محمد أخاك أمير الناس فخله وما وليته فقال حين قرأ كتابه أنا أحمل ثقل إسحاق فعرض له فقال لا تفعل فقال ورب هذا يعنى المصحف لئن ذكرته لاحد لاقتلنك فظن أنه يريد السيف فوضع يده على قائم السيف ثم دعا الناس إليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنى لكم ناصح ولصلاحكم محب ولكم في كل ما يحيط بكم نفعه ناظر وقد كان من رأيى فيما بينكم وبين عدوكم رأى استشرت فيه ذوى أحلامكم وأولى التجربة للحرب منكم فرضوه لكم رأيا ورأوه لكم في العاجل والآجل صالحا وقد كتبت إلى أميركم الحجاج فجاءني منه كتاب يعجزنى ويضعفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو وهى البلاد التى هلك إخوانكم فيها بالامس وإنما أنا رجل منكم أمضى إذا مضيتم وآبى إذا أبيتم فثار إليه الناس فقالوا لا بل نأبى على عدو الله ولا نسمع له ولا نطيع (قال أبو مخنف) فحدثني مطرف بن عامر بن واثلة الكنانى أن أباه كان أول متكلم يومئذ وكان شاعرا خطيبا فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه أما بعد فان الحجاج والله ما يرى بكم إلا ما رأى القائل الاول إذ قال لاخيه احمل عبدك على الفرس فإن هلك هلك وإن نجا فلك إن الحجاج والله ما يبالى أن يخاطر بكم فيقحمكم

[ 147 ]

بلادا كثيرة اللهوب والصوب فإن ظفرتم فغنمتم أكل البلاد وحاز المال وكان ذلك زيادة في سلطانه وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الاعداء البغضاء الذى لا يبالى عنتهم ولا يبقى عليهم اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا عبد الرحمن فإنى أشهدكم أنى أول خالع فنادى الناس من كل جانب فعلنا فعلنا قد خلعنا عدو الله وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعى التميمي ثانيا وكان على شرطته حين أقبل فقال عباد الله إنكم إن أطعتم الحجاج جعل هذه البلاد بلادكم ما بقيتم وجمركم تجمير فرعون الجنود فانه بلغني أنه أول من جمر البعوث ولن تعاينوا الاحبة فيما أرى أو يموت أكثركم بايعوا أميركم وانصرفوا إلى عدوكم فانفوه عن بلادكم فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه فقال تبايعوني على خلع الحجاج عدو الله وعلى النصرة لى وجهاده معى حتى ينفيه الله من أرض العراق فبايعه الناس ولم يذكر خلع عبد الملك إذ ذاك بشئ (قال أبو مخنف) حدثنى عمر بن ذر القاص أن أباه كان معه هنالك وأن ابن محمد كان ضربه وحبسه لانقطاعه كان إلى أخيه القاسم بن محمد فلما كان من أمره الذى كان من الخلاف دعاه فحمله وكساه وأعطاه فأقبل معه فيمن أقبل وكان قاصا خطيبا (قال أبو مخنف) حدثنى سيف بن بشر العجلى عن المنخل بن حابس العبدى أن ابن محمد لما أقبل من سجستان أمر على بست عياض بن هميان البكري من بنى سدوس بن شيبان ابن ذهل بن ثعلبة وعلى زرنج عبد الله بن عامر التميمي ثم الدارمي ثم بعث إلى رتبيل فصالحه على أن ابن الاشعث إن ظهر فلا خراج عليه أبدا ما بقى وإن هزم فأراده ألجأه عنده (قال أبو مخنف) حدثنى خشينة بن الوليد العبسى أن عبد الرحمن لما خرج من سجستان مقبلا إلى العراق سار بين يديه الاعشى على فرس وهو يقول شطت نوى من داره بالايوان * إيوان كسرى ذى القرى والريحان من عاشق أمسى بزابلستان * إن ثقيفا منهم الكذابان كذابها الماضي وكذاب ثان * أمكن ربى من ثقيف همدان

[ 148 ]

يوما إلى الليل يسلى ما كان * إنا سمونا للكفور الفتان حتى طغى في الكفر بعد الايمان * بالسيد الغطريف عبد الرحمن سار بجمع كالدبى من قحطان * ومن معد قد أتى ابن عدنان بجحفل جم شديد الارنان * فقل لحجاج ولى الشيطان يثبت لجمع مذحج وهمدان * فإنهم ساقوه كأس الذيفان وملحقوه بقرى ابن مروان قال وبعث على مقدمته عطية بن عمرو العنبري وبعث الحجاج إليه الخيل فجعل لا يلقى خيلا إلا هزمها فقال الحجاج من هذا فقيل له عطية فذلك قول الاعشى فإذا جعلت دروب فا * رس خلفهم دربا فدربا فابعث عطية في الخيو * ل يكبهن عليك كبا ثم إن عبد الرحمن أقبل يسير بالناس فسأل عن أبى إسحاق السبيعى وكان قد كتبه في أصحابه وكان يقول أنت خالي فقيل له ألا تأتيه فقد سأل عنك فكره أن يأتيه ثم أقبل حتى مر بكرمان فبعث عليهم خرشة بن عمر والتميمى ونزل أبو اسحاق بها فلم يدخل في فتنته حتى كانت الجماجم ولما دخل الناس فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض وقالوا إنا إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك فاجتمعوا إلى عبد الرحمن فكان أول الناس (قال أبو مخنف) فيما حدثنى أبو الصلت التيمى خلع عبد الملك بن مروان تيحان بن أبجر من بنى تيم الله بن ثعلبة فقام فقال أيها الناس إنى خلعت أبا ذبان كخلعي قميصي فخلعه الناس إلا قليلا منهم ووثبوا إلى ابن محمد فبايعوه وكانت بيعته تبايعون على كتاب الله وسنة نبيه وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحلين فإذا قالوا نعم بايع فلما بلغ الحجاج خلعه كتب إلى عبد الملك يخبره خبر عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث ويسأله أن يعجل بعثه الجنود إليه وبعث كتابه إلى عبد الملك يتمثل في آخره بهذه الابيات وهى للحارث بن وعلة سائل مجاور جرم هل جنيت لهم * حربا تفرق بين الجيرة الخلط وهل سموت بجرار له لجب * جم الصواهل بين الجم والفرط

[ 149 ]

وهل تركت نساء الحى ضاحية * في ساحة الدار يستوقدن بالغبط وجاء حتى نزل البصرة وقد كان بلغ المهلب شقاق عبد الرحمن وهو بسجستان فكتب إليه أما بعد فانك وضعت رجلك يا ابن محمد في غرز طويل الغى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الله الله فانظر لنفسك لا تهلكها ودماء المسلمين فلا تسفكها والجماعة فلا تفرقها والبيعة فلا تنكثها فان قلت أخاف الناس على نفسي فالله أحق أن تخافه عليها من الناس فلا تعرضها لله في سفك دم ولا استحلال محرم والسلام عليك وكتب المهلب إلى الحجاج أما بعد فإن أهل العراق قد أقبلوا اليك وهم مثل السيل المنحدر من عل ليس شئ يرده حتى ينتهى إلى قراره وان لاهل العراق شرة في أول مخرجهم وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم فليس شئ يردهم حتى يسقطوا إلى أهليهم ويشموا أولادهم ثم واقفهم عندها فإن الله ناصرك عليهم ان شاء الله فلما قرأ كتابه قال فعل الله به وفعل لا والله مالى نظر ولكن لابن عمه نصح ولما وقع كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله ثم نزل عن سريره وبعث إلى خالد بن يزيد بن معاوية ودعاه فأقرأه الكتاب ورأى ما به من الجزع فقال يا أمير المؤمنين ان كان هذا الحدث من قبل سجستان فلا تخفه وان كان من قبل خراسان تخوفته قال فخرج إلى الناس فقام فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ان أهل العراق طال عليهم عمرى فاستعجلوا قدري اللهم سلط عليهم سيوف أهل الشأم حتى يبلغوا رضاك فإذا بلغوا رضاك لم يجاوزا إلى سخطك ثم نزل وأقام الحجاج بالبصرة وتجهز ليلقى ابن محمد وترك رأى المهلب وفرسان أهل الشأم يسقطون إلى الحجاج في كل يوم مائة وخمسون وعشرة وأقل على البرد من قبل عبد الملك وهو في كل يوم تسقط إلى عبد الملك كتبه ورسله بخبر ابن محمد أي كورة نزل ومن أي كورة يرتحل وأى الناس إليه أسرع (قال أبو مخنف) حدثنى فضيل بن خديج ان مكتبه كان بكرمان وكان بها أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة وأهل البصرة فلما مر بهم ابن محمد بن الاشعث انجفلوا معه وعزم الحجاج رأيه على استقبال ابن الاشعث فسار بأهل الشأم حتى نزل تستر وقدم بين يديه مطهر بن حر العكى أو الجذامي وعبد الله بن رميثة

[ 150 ]

الطائى ومطهر على الفريقين فجاءوا حتى انتهوا إلى دجيل وقد قطع عبد الرحمن بن محمد خيلا له عليها عبد الله بن أبان الحارثى في ثلثمائة فارس وكانت مسلحة له وللجند فلما انتهى إليه مطهر بن حر أمر عبد الله بن رميثة الطائى فأقدم عليهم فهزمت خيل عبد الله حتى انتهت إليه وجرح أصحابه (قال أبو مخنف) فحدثني أبو الزبير الهمداني قال كنت في أصحاب ابن محمد إذ دعا الناس وجمعهم إليه ثم قال اعبروا إليه من هذا المكان فأقحم الناس خيولهم دجيل من ذلك المكان الذى أمرهم به فوالله ما كان بأسرع من أن عبر عظم خولنا فما تكاملت حتى حملنا على مهر بن حر والطائي فهزمناهما يوم الاضحى في سنة 81 وقتلناهم قتلا ذريعا وأصبنا عسكرهم وأتت الحجاج الهزيمة وهو يخطب فصعد إليه أبو كعب بن عبيد بن سرجس فأخبره بهزيمة الناس فقال أيها الناس ارتحلوا إلى البصرة إلى معسكر ومقاتل وطعام ومادة فإن هذا المكان الذى نحن به لا يحمل الجند ثم انصرف راجعا وتبعته خيول أهل العراق فكلما أدركوا منهم شاذا قتلوه وأصابوا ثقلا حووه ومضى الحجاج لا يلوى على شئ حتى نزل الزاوية وبعث إلى طعام التجار الكلاء فأخذه فحمله إليه وخلى البصرة لاهل العراق وكان عامله عليهم الحكم بن أيوب ابن الحكم بن أبى عقيل الثقفى وجاء أهل العراق حتى دخلوا البصرة وقد كان الحجاج حين صدم تلك الصدمة وأقبل راجعا دعا بكتاب المهلب فقرأه ثم قال لله أبوه أي صاحب حرب هو أشار علينا بالرأى ولكنا لم نقبل وقال غير أبى مخنف كان عامل البصرة يومئذ الحكم بن أيوب على الصلاة والصدقة وعبد الله بن عامر بن مسمع على الشرط فسار الحجاج في جيشه حتى نزل رستقباذ وهى من دستوى من كور الاهواز فعسكر بها وأقبل ابن الاشعث فنزل تستر وبينهما نهر فوجه الحجاج مطهر بن حر العكى في ألفى رجل فأوقعوا بمسلحة لابن الاشعث وسار ابن الاشعث مبادرا فواقعهم وهى عشية عرفة من سنة 81 فيقال إنهم قتلوا من أهل الشأم ألفا وخمسمائة وجاءه الباقون منهزمين ومعه يومئذ مائة وخمسون ألف ألف ففرقها في قواده وضمنهم إياها وأقبل منهزما إلى البصرة وخطب ابن الاشعث

[ 151 ]

أصحابه فقال أما الحجاج فليس بشئ ولكنا نريد غزو عبد الملك وبلغ أهل البصرة هزيمة الحجاج فأراد عبد الله بن عامر بن مسمع أن يقطع الجسر دونه فرشاه الحكم ابن أيوب مائة ألف فكف عنه ودخل الحجاج البصرة فأرسل إلى ابن عامر فانتزع المائة الالف منه (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف عن أبى الزبير الهمداني) فلما دخل عبد الرحمن بن محمد البصرة بايعه على حرب الحجاج وخلع عبد الملك جميع أهلها من قرائها وكهولها وكان رجل من الازد من الجهاضم يقال له عقبة ابن عبد الغافر له صحابة فنزا فبايع عبد الرحمن مستبصرا في قتال الحجاج وخندق الحجاج عليه وخندق عبد الرحمن على البصرة وكان دخول عبد الرحمن البصرة في آخر ذى الحجة من سنة 81 (وحج) بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الملك كذا حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وقال في هذه السنة ولى ابن أبى ذئب وكان العامل في هذه السنة على المدينة أبان بن عثمان وعلى العراق والمشرق الحجاج بن يوسف وعلى حرب خراسان المهلب وعلى خراجها المغيرة بن مهلب من قبل الحجاج وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبى موسى وعلى قضاء البصرة عبد الرحمن بن أذينة ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ذكر الخبر عن الكائن من الاحداث فيها فمن ذلك ما كان بين الحجاج وعبد الرحمن بن محمد بن الحروب بالزاوية (ذكر هشام) بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى أبو الزبير الهمداني قال كان دخول عبد الرحمن البصرة في آخر ذى الحجة واقتتلوا في المحرم من سنة 82 فتزاحفوا ذات يوم فاشتد قتالهم ثم إن أهل العراق هزموهم حتى انتهوا إلى الحجاج وحتى قاتلوهم على خنادقهم وانهزمت عامة قريش وثقيف حتى قال عبيد بن موهب مولى الحجاج وكاتبه فر البراء وابن عمه مصعب * وفرت قريش غير آل سعيد

[ 152 ]

ثم إنهم تزاحفوا في المحرم في آخره في اليوم الذى هزم فيه أهل العراق أهل الشام فنكصت ميمنتهم وميسرتهم واضطربت رماحهم وتقوض صفهم حتى دنوا منا فلما رأى الحجاج ذلك جثا على ركبتيه وانتضى نحوا من شبر من سيفه وقال لله در مصعب ما كان أكرمه حين نزل به ما نزل فعلمت أنه والله لا يريد أن يفر قال فغمزت أبى بعينى ليأذن لى فيه فأضربه بسيفي فغمزني غمزة شديدة فسكنت وحانت منى التفاتة فإذا سفيان بن الابرد الكلبى قد حمل عليهم فهزمهم من قبل الميمنة فقلت أبشر أيها الامير فإن الله قد هزم العدو فقال لى قم فانظر قال فقمت فنظرت فقلت قد هزمهم الله قال قم يا زياد فانظر قال فقام فنظر فقال الحق أصلحك الله يقينا قد هزموا فخر ساجدا فلما رجعت شتمنى أبى وقال أردت أن تهلكني وأهل بيتى وقتل في المعركة عبد الرحمن بن عوسجة أبو سفيان النهمى وقتل عقبة بن عبد الغافر الازدي ثم الجهضمى في أولئك القراء في ربضة واحدة وقتل عبد الله بن رزام الحارثى وقتل المنذر بن الجارود وقتل عبد الله ابن عامر بن مسمع وأتى الحجاج برأسه فقال ما كنت أرى هذا فارقني حتى جاءني الآن برأسه وبارز سعيد بن يحيى بن سعيد بن العاص رجلا يومئذ فقتله وزعموا أنه كان مولى للمفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان شجاعا يدعى نصيرا فلما رأى مشيته بين الصفين وكان يلومه على مشيته قال لا ألومه على هذه المشية أبدا وقتل الطفيل بن عامر بن واثلة وقد كان قال وهو بفارس يقبل مع عبد الرحمن بن كرمان إلى الحجاج ألا طرقتنا بالغريين بعد ما * كللنا على شحط المزار جنوب أتوك يقودون المنايا وإنما * هدتها بأولانا إليك ذنوب ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له * من الله في دار القرار نصيب ألا أبلغ الحجاج أن قد أظله * عذاب بأيدى المؤمنين مصيب متى نهبط المصرين يهرب محمد * وليس بمنجى ابن اللعين هروب قال منيتنا أمرا كان في علم الله إنك أولى به فعجل لك في الدنيا وهو معذبك

[ 153 ]

في الآخرة وانهزم الناس فأقبل عبد الرحمن نحو الكوفة وتبعه من كان معه من أهل الكوفة وتبعه أهل القوة من أصحاب الخيل من أهل البصرة ولما مضى عبد الرحمن نحو الكوفة وثب أهل البصرة إلى عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه فقاتل بهم خمس ليال الحجاج أشد قتال رآه الناس ثم انصرف فلحق بابن الاشعث وتبعه طائفة من أهل البصرة فلحقوا به وخرج الحريش بن هلال السعدى وهو من بنى أنف الناقة وكان جريحا إلى سفوان فمات من جراحته وقتل في المعركة زياد بن مقاتل بن مسمع من بنى قيس ابن ثعلبة فقامت حميدة ابنته تندبه وكان على خمس بكر بن وائل مع ابن الاشعث وعلى الرجال فقالت حامى زياد على رايتيه * وفر جدى بنى العنبر فجاء البلتع السعدى فسمعها وهى تندب أباها وتعيب التميمي فجاء وكان يبيع سمنا بالمربد فترك سمنه عند أصحابه وجاء حتى قام تحتها فقال علام تلومين من لم يلم * تطاول ليلك من معصر فإن كان أردى أباك السنان * فقد تلحق الخيل بالمدبر وقد تنطح الخيل تحت العجا * ج غير البرى ولا المعذر ونحن منعنا لواء الحري‍ * ش وطاح لواء بنى جحدر فقال عامر بن واثلة يرثى ابنه طفيلا خلى طفيل على الهم فانشعبا * وهد ذلك ركني هدة عجبا وابنى سمية لا أنساهما أبدا * فيمن نسيت وكل كان لى نصبا وأخط تنى المنايا لا تطالعني * حتى كبرت ولم يتركن لى نشبا وكنت بعد طفيل كالذى نضبت * عنه المياه وغاض الماء فانقضبا فلا بعير له في الارض يركبه * وإن سعى إثر من قد فاته لغبا وسار من أرض خاقان التى غلبت * أبناء فارس في أربائها غلبا ومن سجستان أسباب تزينها * لك المنية حينا كان مجتلبا

[ 154 ]

حتى وردت حياض الموت فانكشفت * عنك الكتائب لا تخفى لها عقبا وغادروك صريعا رهن معركة * ترى النسور على القتلى بها عصبا تعاهدوا ثم لم يوفوا بما عهدوا * وأسلموا للعدو السبى والسلبا يا سوءة القوم إذ تسبى نساؤهم * وهم كثير يرون الخزى والحربا (قال أبو مخنف) فحدثني هشام بن أيوب بن عبد الرحمن بن أبى عقيل الثقفى أن الحجاج أقام بقية المحرم وأول صفر ثم استعمل على البصرة أيوب بن الحكم ابن أبى عقيل ومضى ابن الاشعث إلى الكوفة وقد كان الحجاج خلف عبد الرحمن ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي حليف حرب بن أمية على الكوفة (قال أبو مخنف) كما حدثنى يونس بن أبى اسحاق أنه كان على أربعة آلاف من أهل الشأم (قال أبو مخنف) فحدثني سهم بن عبد الرحمن الجهنى أنهم كانوا ألفين وكان حنظلة بن الوراد من بنى رياح بن يربوع التميمي وابن عتاب بن ورقاء على المدائن وكان مطر بن ناجية من بنى يربوع على المعونة فلما بلغه ما كان من أمر ابن الاشعث أقبل حتى دنا من الكوفة فتحصن منه ابن الحضرمي في القصر ووثب أهل الكوفة مع مطر بن ناجية بابن الحضرمي ومن معه من أهل الشأم فحاصرهم فصالحوه على ان يخرجوا ويخلوه والقصر فصالحهم (قال أبو مخنف) فحدثني يونس بن أبى اسحاق أنه رآهم ينزلون من القصر على العجل وفتح باب القصر لمطر بن ناجية فازدحم الناس على باب القصر فزحم مطر على باب القصر فاخترط سيفه فضرب به جحفلة بغل من بغال أهل الشأم وهم يخرجون من القصر فألقى جحفلته ودخل القصر واجتمع الناس عليه فأعطاهم مائتي درهم قال يونس وأنا رأيتها تقسم بينهم وكان أبو السقر فيمن أعطيها وأقبل ابن الاشعث منهزما إلى الكوفة وتبعه الناس إليها (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة كانت وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الاشعث في قول بعضهم قال الواقدي كانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة وفى قول بعضهم كانت في سنة 83

[ 155 ]

ذكر الخبر عن ذلك وعن سبب مصير ابن الاشعث إلى دير الجماجم وذكر ما جرى بينه وبين الحجاج بها (ذكر هشام) عن أبى مخنف قال حدثنى أبو الزبير الهمداني ثم الارحبي قال كنت قد أصابتني جراحة وخرج أهل الكوفة يستقبلون ابن الاشعث حين أقبل فاستقبلوه بعد ما جاز قنطرة زبارا فلما دنا منها قال لى إن رأيت أن تعدل عن الطريق فلا يرى الناس جراحتك فإنى لا أحب أن يستقبلهم الجرحى فافعل فعدلت ودخل الناس فلما دخل الكوفة مال إليه أهل الكوفة كلهم وسبقت همدان إليه فحفت به عند دار عمرو بن حريث إلا أن طائفه من تميم ليسوا بالكثير قد أتوا مطر بن ناجية فأرادوا أن يقاتلوا دونه فلم يطيقوا قتال الناس فدعا عبد الرحمن بالسلاليم والعجل فوضعت ليصعد الناس القصر فصعد الناس القصر فأخذوه فأتى به عبد الرحمن بن محمد فقال له استبقني فانى أفضل فرسانك وأعظمهم عنك غنى فأمر به فحبس ثم دعا به بعد ذلك فعفا عنه وبايعه مطر ودخل الناس إليه فبايعوه وسقط إليه أهل البصرة وتقوضت إليه المسالح والثغور وجاءه فيمن جاءه من أهل البصرة عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وعرف بذلك وكان قد قاتل الحجاج بالبصرة بعد خروج ابن الاشعث ثلاثا فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فقال قاتل الله عبد الرحمن إنه قد فر وقاتل غلمان من غلمان قريش بعد ثلاثا وأقبل الحجاج من البصرة فسار في البر حتى مر بين القادسية والعذيب ومنعوه من نزول القادسية وبعث إليه عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من خيل المصرين فمنعوه من نزول القادسية ثم سايروه حتى ارتفعوه على وادى السباع ثم تسايروا حتى نزل الحجاج دير قرة ونزل عبد الرحمن بن العباس دير الجماجم ثم جاء ابن الاشعث فنزل بدير الجماجم والحجاج بدير قرة فكان الحجاج بعد ذلك يقول أما كان عبد الرحمن يزجر الطير حيث رأني نزلت دير قرة ونزل دير الجماجم واجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم والقراء

[ 156 ]

من أهل المصرين فاجتمعوا جميعا على حرب الحجاج وجمعهم عليه بغضهم والكراهية له وهم إذ ذاك مائة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء ومعهم مثلهم من مواليهم وجاءت الحجاج أيضا أمداده من قبل عبد الملك من قبل أن ينزل دير قرة وقد كان الحجاج أراد قبل أن ينزل دير قرة أن يرتفع إلى هيت وناحية الجزيرة إرادة أن يقترب من الشأم والجزيرة فيأتيه المدد من الشأم من قريب ويقترب من رفاغة سعر الجزيرة فلما مر بدير قرة قال بهذا المنزل بعد من أمير المؤمنين وإن الفلاليج وعين التمر إلى جنبنا فنزل فكان في عسكره مخندقا وابن محمد في عسكره مخندقا والناس يخرجون في كل يوم فيقتتلون فلا يزال أحدهما يدنى خندقه نحو صاحبه فإذا رآه الآخر خندق أيضا وأدنى خندقه من صاحبه واشتد القتال بينهم فلما بلغ ذلك رؤس قريش وأهل الشأم قبل عبد الملك ومواليه قالوا إن كان إنما يرضى أهل العراق أن تنزع عنهم الحجاج فإن نزع الحجاج أيسر من حرب أهل العراق فانزعه عنهم تخلص لك طاعتهم وتحقن به دماءنا ودماءهم فبعث ابنه عبد الله بن عبد الملك وبعث إلى أخيه محمد بن مروان بأرض الموصل يأمره بالقدوم عليه فاجتمعا جميعا عنده كلاهما في جنديهما فأمرهما أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجاج عنهم وأن يجرى عليهم أعطياتهم كما تجرى على أهل الشأم وأن ينزل ابن محمد أي بلد من عراق شاء يكون عليه واليا ما دام حيا وكان عبد الملك واليا فإن هم قبلوا ذلك عزل عنهم الحجاج وكان محمد بن مروان أمير العراق وإن أبوا أن يقبلوا فالحجاج أمير جماعة أهل الشأم وولى القتال ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته فلم يأت الحجاج أمر قط كان أشد عليه ولا أغيظ له ولا أوجع لقلبه منه مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم فكتب إلى عبد الملك يا أمير المؤمنين والله لئن أعطيت أهل العراق نزعى لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا اليك ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الاشتر على ابن عفان * فلما سألهم ما يريدون قالوا نزع سعيد بن العاص فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه إن الحديد بالحديد يفلح خار الله لك فيما ارتأيت والسلام عليك فأبى عبد الملك إلا عرض هذه

[ 157 ]

الخصال على أهل العراق إرادة العافية من الحرب فلما اجتمعا مع الحجاج خرج عبد الله بن عبد الملك فقال يا أهل العراق أنا عبد الله بن أمير المؤمنين وهو يعطيكم كذا وكذا فذكر هذه الخصال التى ذكرنا * وقال محمد بن مروان أنا رسول أمير المؤمنين اليكم وهو يعرض عليكم كذا وكذا فذكر هذه الخصال قالوا نرجع العشية فرجعوا فاجتمعوا عند ابن الاشعث فلم يبق قائد ولا رأس قوم ولا فارس إلا أتاه فحمد الله ابن الاشعث وأثنى عليه ثم قال أما بعد فقد أعطيتم أمرا انتهازكم اليوم إياه فرصة ولا آمن أن يكون على ذى الرأى غدا حسرة وإنكم اليوم على النصف وإن كانوا اعتدوا بالزاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزاء أقوياء والقوم لكم هائبون وأنتم لهم منتقصون فلا والله لا زلتم عليهم جراء ولا زلتم عندهم أعزاء إن أنتم قبلتم أبدا ما بقيتم فوثب الناس من كل جانب فقالوا إن الله قد أهلكهم فأصبحوا في الازل والضنك والمجاعة والقلة والذلة ونحن ذوو العدد الكثير والسعر الرفيع والمادة القريبة لا والله لا نقبل فأعادوا خلعه ثانية وكان عبد الله ابن ذواب السلمى وعمير بن تيحان أول من قام بخلعه في الجماجم وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من خلعهم إياه بفارس فرجع محمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك إلى الحجاج فقالا شأنك بعسكرك وجندك فاعمل برأيك فانا قد أمرنا أن نسمع لك ونطيع فقال قد قلت لكما إنه لا يراد بهذا الامر غيركما ثم قال إنما أقاتل لكما وإنما سلطاني سلطانكما فكانا إذا لقياه سلما عليه بالامرة وقد زعم أبو يزيد السكسكى أنه إنما كان أيضا يسلم عليهما بالامرة إذا لقيهما وخلياه والحرب تتولاها (قال أبو مخنف) فحدثني الكلبى محمد بن السائب أن الناس لما اجتمعوا بالجماجم سمعت عبد الرحمن ابن محمد وهو يقول ألا ان بنى مروان يعيرون بالزرقاء والله مالهم نسب أصح منه إلا أن بنى أبى العاص أعلاج من أهل صفورية فان يكن هذا الامر في قريش فعينى فقئت بيضة قريش وإن يك في العرب فأنا ابن الاشعث بن قيس ومد بها صوته يسمع الناس وبرزوا للقتال فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبى وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمى وعلى خيله سفيان بن الابرد الكلبى وعلى

[ 158 ]

رجاله عبد الرحمن بن حبيب الحكمى وجعل ابن الاشعث على ميمنته الحجاج ابن جارية الخثعمي وعلى ميسرته الابرد بن قرة التميمي وعلى خيله عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث الهاشمي وعلى رجاله محمد بن سعد بن أبى وقاص وعلى مجففته عبد الله رزام الحارثى وجعل على القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي وكان معه خمسة عشر رجلا من قريش وكان فيهم عامر الشعبى وسعيد بن جبير وأبو البخترى الطائى وعبد الرحمن بن أبى ليلى ثم إنهم أخذوا يتزاحفون في كل يوم ويقتتلون وأهل العراق تأتيهم موادهم من الكوفة ومن سوادها فيما شاؤا من خصبهم وإخوانهم من أهل البصرة وأهل الشأم في ضيق شديد قد غلقت عليهم الاسعار وقل عندهم الطعام وفقدوا اللحم وكانوا كأنهم في حصار وهم على ذلك يغادون أهل العراق ويراوحونهم فيقتتلون أشد القتال وكان الحجاج يدنى خندقه مرة وهؤلاء أخرى حتى كان اليوم الذى أصيب فيه جبلة بن زحر ثم إنه بعث إلى كميل بن زياد النخعي وكان رجلا ركينا وقورا عند الحرب له بأس وصوت في الناس وكانت كتيبته تدعى كتيبة القراء يحمل عليهم فلا يكادون يبرحون ويحملون فلا يكذبون فكانوا قد عرفوا بذلك فخرجوا ذات يوم كما كانوا يخرجون وخرج الناس فعبى الحجاج أصحابه ثم زحف في صفوفه وخرج ابن محمد في سبعة صفوف بعضها على أثر بعض وعبى الحجاج لكتيبة القراء التى مع جبلة بن زحر ثلاث كتائب وبعث عليها الجراح بن عبد الله الحكمى فأقبلوا نحوهم (قال أبو مخنف) حدثنى أبو يزيد السكسكى قال أنا والله في الخيل التى غبيت لجبلة بن زحر قال حملنا عليه وعلى أصحابه ثلاث حملات كل كتيبة تحمل حملة فلا والله ما استنقصنا منهم شيئا (وفى هذه السنة) توفى المغيرة بن المهلب بخراسان (ذكر على بن محمد) عن المفضل بن محمد قال كان المغيرة بن المهلب خليفة أبيه بمرو على عمله كله فمات في رجب سنة 82 فأتى الخبر يزيد وعلمه أهل العسكر فلم يخبروا المهلب وأحب يزيد أن يبلغه فأمر النساء فصرخن فقال المهلب ما هذا فقيل مات المغيرة فاسترجع وجزع حتى ظهر جزعه عليه فلامه بعض خاصته فدعا

[ 159 ]

يزيد فوجه إلى مرو فجعل يوصيه بما يعمل ودموعه تنحدر على لحيته وكتب الحجاج إلى المهلب يعزيه عن المغيرة وكان سيدا وكان المهلب يوم مات المغيرة مقيما بكش وراء النهر لحرب أهلها قال فسار يزيد في ستين فارسا ويقال سبعين فيهم مجاعة بن عبد الرحمن العتكى وعبد الله بن معمر بن سمير اليشكرى ودينار السجستاني والهيثم بن المنخل الجرموزى وغزوان الاسكاف صاحب زم وكان أسلم على يد المهلب وأبو محمد الزمى وعطية مولى لعتيك فلقيهم خمسمائة من الترك في مفازة نسف فقالوا ما أنتم قالوا تجار قالوا فأين الاثقال قالوا قدمناها قالوا فأعطونا شيئا فأبى يزيد فأعطاهم مجاعة ثوبا وكرابيس وقوسا فانصرفوا ثم غدروا وعادوا إليهم فقال يزيد أنا كنت أعلم بهم فقاتلوهم فاشتد القتال بينهم ويزيد على فرس قريب من الارض ومعه رجل من الخوارج كان يزيد أخذه فقال استبقني فمن عليه فقال له ما عندك فحمل عليهم حتى خالطهم وصار من ورائهم وقد قتل رجلا ثم كر فخالطهم حتى تقدمهم وقتل رجلا ثم رجع إلى يزيد وقتل يزيد عظيما من عظمائهم ورمى يزيد في ساقه واشتدت شوكتهم وهرب أبو محمد الزمى وصبر لهم يزيد حتى حاجزوهم وقالوا قد غدرنا ولكن لاننصرف حتى نموت جميعا أو تموتوا أو تعطونا شيئا فحلف يزيد لا يعطيهم شيئا فقال مجاعة أذكرك الله قد هلك المغيرة وقد رأيت ما دخل على المهلب من مصابه فأنشدك الله أن تصاب اليوم قال إن المغيرة لم يعد أجله ولست أعدو أجلى فرمى إليهم مجاعة بعمامة صفراء فأخذوها وانصرفوا وجاء أبو محمد الزمى بفوارس وطعام فقال له يزيد أسلمتنا يا أبا محمد فقال إنما ذهبت لا جيئكم بمدد وطعام فقال الراجز يزيد يا سيف أبى سعيد * قد علم الاقوام والجنود والجمع يوم المجمع المشهود * أنك يوم الترك صلب العود وقال الاشقري: والترك تعلم إذ لاقى جموعهم * أن قد لقوه شهابا يفرج الظلما بفتية كأسود الغاب لم يجدوا * غير التأسي وغير الصبر معتصما

[ 160 ]

نرى شرائج تغشى القوم من علق * وما أرى نبوة منهم ولا كزما وتحتهم قرح يركبن ما ركبوا * من الكريهة حتى يبتلعن دما في حازة الموت حتى جن ليلهم * كلا الفريقين ما ولى ولا انهزما (وفى هذه السنة) صالح المهلب أهل كش على فدية ورحل عنها يريد مرو ذكر الخبر عن سبب انصراف المهلب عن كش ذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد أن المهلب اتهم قوما من مضر فحبسهم وقفل من كش وخلفهم وخلف حريث بن قطبة مولى خزاعة وقال إذا استوفيت الفدية فرد عليهم الرهن وقطع النهر * فلما صار ببلخ أقام بها وكتب إلى حريث إن لست آمن إن رددت عليهم الرهن أن يغيروا عليك فإذا قبضت الفدية فلا تخلى الرهن حتى تقدم أرض بلخ فقال حريث لملك كش إن المهلب كتب إلى أن احبس الرهن حتى أقدم أرض بلخ فإن عجلت لى ما عليك سلمت إليك رهائنك وسرت فأخبرته أن كتابه ورد وقد استوفيت ما عليكم ورددت عليكم الرهن فعجل لهم صلحهم ورد عليهم من كان في أيديهم منهم وأقبل فعرض لهم الترك فقالوا افسد نفسك ومن معك فقد لقينا يزيد بن المهلب ففدى نفسه فقال حريث ولدتني إذا أم يزيد وقاتلهم فقتلهم وأسر منهم أسرى ففدوهم فمن عليهم وخلاهم ورد عليهم الفداء وبلغ المهلب قوله ولدتني أم يزيد إذا فقال يأنف العبد أن تلده رحمه وغضب * فلما قدم عليه بلخ قال له أين الرهن قال قبضت ما عليهم وخليتهم قال ألم أكتب اليك أن لا تخليهم قال أتانى كتابك وقد خليتهم وقد كفيت ما خفت قال كذبت ولكنك تقربت إليهم وإلى ملكهم فأطلعته على كتابي اليك وأمر بتجريده فجزع من التجريد حتى ظن المهلب أن به برصا فجرده وضربه ثلاثين سوطا فقال حريث وددت أنه ضربني ثلاثمائة سوط ولم يجردنى أنفا واستحياء من التجريد وحلف ليقتلن المهلب فركب المهلب يوما وركب حريث فأمر غلامين له وهو يسير خلف المهلب أن يضرباه فأبى أحدهما وتركه وانصرف ولم يجترئ الآخر لما صار وحده أن يقدم عليه فلما رجع قال لغلامه ما منعك

[ 161 ]

منه قال الاشفاق والله عليك ووالله ما جزعت على نفسي وعلمت أنا إن قتلناه أنك ستقتل ونقتل ولكن كان نظرى لك ولو كنت أعلم أنك تسلم من القتل لقتلته قال فترك حريث إتيان المهلب وأظهر أنه وجع وبلغ المهلب أنه تمارض وأنه يريد الفتك به فقال المهلب لثابت بن قطبة جئني بأخيك فإنما هو كبعض ولدى عندي وما كان ما كان منى إليه إلا نظرا له وأدبا ولربما ضربت بعض ولدى أؤدبه فأتى ثابت أخاه فناشده وسأله أن يركب إلى المهلب فأبى وخافه وقال والله لا أجيئه بعد ما صنع بى ما صنع ولا آمنه ولا يأمننى فلما رأى ذلك أخوه ثابت قال له أما إن كان هذا رأيك فاخرج بنا إلى موسى بن عبد الله بن خازم وخاف ثابت أن يفتك حريث بالمهلب فيقتلون جميعا فخرجا في ثلثمائة من شاكريتهما والمنقطعين اليهما من العرب (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة توفى المهلب بن أبى صفرة ذكر الخبر عن سبب موته ومكان وفاته قال على بن محمد حدثنى المفضل قال مضى المهلب منصرفه من كش يريد مرو فلما كان بزاغول من مرو الروذ أصابته الشوصة وقوم يقولون الشوكة فدعا حبيبا ومن حضره من ولده ودعا بسهام فحزمت وقال أترونكم كاسريها مجتمعة قالوا لا قال أفترونكم كاسريها متفرقة قالوا نعم قال فهكذا الجماعة فأوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم فإن صلة الرحم تنسئ في الاجل وتثرى المال وتكثر العدد وأنهاكم عن القطيعة فإن القطيعة تعقب النار وتورث الذلة والقلة فتحابوا وتواصلوا وأجمعوا أمركم ولا تختلفوا وتباروا تجتمع أموركم إن بنى الام يختلفون فكيف ببنى العلات وعليكم بالطاعة والجماعة وليكن فعالكم أفضل من قولكم فإنى أحب للرجل أن يكون لعمله فضل على لسانه واتقوا الجواب وزلة اللسان فان الرجل تزل قدمه فينتعش من زلته ويزل لسانه فيهلك اعرفوا لمن يغشاكم حقه فكفى بغدو الرجل ورواحه إليكم تذكرة له وآثروا الجود على البخل وأحبوا العرب واصطنعوا العرف فإن الرجل من العرب تعده العدة

[ 162 ]

فيموت دونك فكيف الصنيعة عند عليكم في الحرب بالاناة والمكيدة فإنها أنفع في الحرب من الشجاعة وإذا كان اللقاء نزل القضاء فإن أخذ رجل بالحزم فظهر على عدوه قيل أتى الامر من وجهه ثم ظفر فحمد وإن لم يظفر بعد الاناة قيل ما فرط ولا ضيع ولكن القضاء غالب وعليكم بقراءة القرآن وتعليم السنن وأدب الصالحين وإياكم والخفة وكثرة الكلام في مجالسكم وقد استخلفت عليكم يزيد وجعلت حبيبا على الجند حتى يقدم بهم على يزيد فلا تخالفوا يزيد فقال له المفضل لو لم تقدمه لقدمناه ومات المهلب وأوصى إلى حبيب فصلى عليه حبيب ثم سار إلى مرو وكتب يزيد إلى عبد الملك بوفاة المهلب واستخلافه إياه فاقره الحجاج ويقال إنه قال عند موته ووصيته لو كان الامر إلى لوليت سيد ولدى حبيبا قال وتوفى في ذى الحجة سنة 82 فقال نهار بن توسعة التميمي: ألا ذهب الغزو المقرب للغنى * ومات الندى والجود بعد المهلب أقاما بمرو الروذ رهني ضريحه * وقد غيبا عن كل شرق ومغرب إذا قيل أي الناس أولى بنعمة * على الناس قلناه ولم نتهيب أباح لنا سهل البلاد وحزنها * بخيل كإرسال القطا المتسرب يعرضها للطعن حتى كأنما * يجللها بالارجوان المخضب تطيف به قحطان قد عصبت به * وأحلافها من حى بكر وتغلب وحيا معد عوذ بلوائه * يفدونه بالنفس والام والاب (وفى هذه السنة) ولى الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب خراسان بعد موت المهلب (وفيها) عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة قال الواقدي عزله عنها لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة قال وفيها ولى عبد الملك هشام بن إسماعيل المخزومى المدينة وعزل هشام بن إسماعيل عن قضاء المدينة لما وليها نوفل بن مساحق العامري وكان يحيى بن الحكم هو الذى استقضاه على المدينة * فلما عزل يحيى ووليها أبان بن عثمان أفره على قضائها وكانت ولاية أبان المدينة سبع سنين وثلاثة أشهر وثلاث عشرة ليلة فلما عزل هشام بن إسماعيل نوفل بن مساحق عن

[ 163 ]

القضاء ولى مكانه عمرو بن خالد الزرقى (وحج) بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان على الكوفة والبصرة والمشرق الحجاج وعلى خراسان يزيد بن المهلب من قبل الحجاج ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ذكر الاحداث التى كانت فيها فما كان فيها من ذلك هزيمة عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث بدير الجماجم ذكر الخبر عن سبب انهزامه ذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى أبو الزبير الهمداني قال كنت في خيل جبلة بن زحل * فلما حمل عليه أهل الشأم مرة بعد مرة نادانا عبد الرحمن ابن أبى ليلى الفقيه فقال يا معشر القراء إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم إنى سمعت عليا رفع الله درجته في الصالحين وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصديقين يقول يوم لقينا أهل الشأم أيها المؤمنون إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ ومن أنكر بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه ومن أنكر بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذى أصاب سبيل الهدى ونور في قلبه باليقين فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه وقال أبو البخترى أيها الناس قاتلوهم على دينكم ودنياكم فو الله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم وليغلبن على دنياكم وقال الشعبى يا أهل الاسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم فو الله ما أعلم قوما على بسيط الارض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم الحكم فليكن بهم البدار وقال سعيد بن جبير قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين وعلى آثامهم قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة (قال أبو مخنف) قال أبو الزبير فتهيأنا

[ 164 ]

للحملة عليهم فقال لنا جبلة إذا حملتم عليهم فاحملوا حملة صادقة ولا تردوا وجوهكم عنهم حتى تواقعوا صفهم قال فحملنا عليهم حملة بجد منا في قتالهم وقوة منا عليهم فضربنا الكتائب الثلاث حتى اشفترت ثم مضينا حتى واقعنا صفهم فضربناهم حتى أزلناهم عنه ثم انصرفنا فمررنا بجبلة صريعا لا ندرى كيف قتل قال فهدنا ذلك وجبنا فوقفنا موقفنا الذى كنابه وإن قراءنا لمتوافرون ونحن نتناعى جبلة بن زحر بيننا كأنما فقد به كل واحد منا أباه أو أخاه بل هو في ذلك الموطن كان أشد علينا فقدا فقال لنا أبو البخترى الطائى لا يستبيتن فيكم قتل جبلة بن زحر فانما كان كرجل منكم أتته منيته ليومها فلم يكن ليتقدم يومه ولا ليتأخر عنه وكلكم ذائق ما ذاق ومدعو فمجيب قال فنظرت إلى وجوه القراء فإذا الكآبة على وجوههم بينة وإذا ألسنتهم منقطعة وإذا الفشل فيهم قد ظهر وإذا أهل الشأم قد سروا وجذلوا فنادوا يا أعداء الله قد هلكتم وقد قتل الله طاغوتكم (قال أبو مخنف) فحدثني أبو يزيد السكسكى أن جبلة حين حمل هو وأصحابه علينا انكشفنا وتبعونا وافترقت منا فرقة فكانت ناحية فنظرنا فإذا أصحابه يتبعون أصحابنا وقد وقف لاصحابه ليرجعوا إليه على رأس رهوة فقال بعضنا هذا والله جبلة بن زحرا حملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيل بالقتال عنه لعلكم تصيبونه قال فحملنا عليه فأشهد ما ولى ولكن حمل علينا بالسيف * فلما هبط من الرهوة شجرناه بالرماح فأذريناه عن فرسه فوقع قتيلا ورجع أصحابه فلما رأيناهم مقبلين تنحينا عنهم فلما رأوه قتيلا رأينا من استرجاعهم وجزعهم ما قرت به أعيننا قال فتبينا ذلك في قتالهم إيانا وخروجهم الينا (قال أبو مخنف) حدثنى سهم بن عبد الرحمن الجهنى قال لما أصيب جبلة هد الناس مقتله حتى قدم علينا بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني فشجع الناس مقدمه وقالوا هذا يقوم مقام جبلة فسمع هذا القول من بعضهم أبو البخترى فقال قبحتم إن قتل منكم رجل واحد ظننتم أن قد أحيط بكم فان قتل الان ابن مصقلة ألقيتم بأيديكم إلى التهلكة وقلتم لم يبق أحد يقاتل معه ما أخلقكم أن يخلف رجاؤنا فيكم وكان مقدم بسطام من الرى فالتقى هو وقتيبة

[ 165 ]

في الطريق فدعاه قتيبة إلى الحجاج وأهل الشأم ودعاه بسطام إلى عبد الرحمن وأهل العراق فكلا هما أبى على صاحبه وقال بسطام لان أموت مع أهل العراق أحب إلى من أن أعيش مع أهل الشأم وكان قد نزل ما سبذان فلما قدم قال لابن محمد أمرنى على خيل ربيعة ففعل فقال لهم يا معشر ربيعة إن في شر سفة عند الحرب فاحتملوها لى وكان شجاعا فخرج الناس ذات يوم ليقتتلوا فحمل في خيل ربيعة حتى دخل عسكرهم فأصابوا فيهم نحوا من ثلاثين امرأة من بين أمة وسرية فأقبل بهن حتى إذا دنا من عسكره ردهن فجئن دخلن عسكر الحجاج فقال أولى لهم منع القوم نساءهم أما لو لم يردوهن لسبيت نساؤهم غدا إذا ظهرت ثم اقتتلوا يوما آخر بعد ذلك فحمل عبد الله بن مليل الهمداني في خيل له حتى دخل عسكرهم فسبا ثمانى عشرة امرأة وكان معه طارق بن عبد الله الاسدي وكان راميا فخرج شيخ من أهل الشأم من فسطاطه فأخذ الاسدي يقول لبعض أصحابه استر مني هذا الشيخ لعلنى أرميه أو أحمل عليه فأطعنه فإذا الشيخ يقول رافعا صوته اللهم لمنا وإياهم بعافية فقال الاسدي ما أحب أن أقتل مثل هذا فتركه وأقبل ابن مليل بالنساء غير بعيد ثم خلى سبيلهن أيضا فقال الحجاج مثل مقالته الاولى (قال هشام) قال أبى أقبل الوليد بن نحيت الكلبى من بنى عامر في كتيبة إلى جبلة بن زحر فانحط عليه الوليد من رابية وكان جسيما وكان جبلة رجلا ربعة فالتقيا فضربه على رأسه فسقط وانهزم أصحابه وجئ برأسه (قال هشام) فحدثني بهذا الحديث أبو مخنف وعوانة الكلبى قال لما جئ برأس جبلة بن زحر إلى الحجاج حمله على رمحين ثم قال يا أهل الشأم أبشروا هذا أول الفتح لا والله ما كانت فتنة قط فخبت حتى يقتل فيها عظيم من عظماء أهل اليمن وهذا من عظمائهم ثم خرجوا ذات يوم فخرج رجل من أهل الشأم يدعو إلى المبارزة فخرج إليه الحجاج بن جارية فحمل عليه فطعنه فأذراه وحمل أصحابه فاستنقذوه فإذا هو رجل من خثعم يقال له أبو الدرداء فقال الحجاج بن جارية أما إنى لم أعرفه حتى وقع ولو عرفته ما بارزته ما أحب أن يصاب من قومي مثله وخرج عبد الرحمن بن عوف الرؤاسى أبو حميد فدعا إلى المبارزة فخرج إليه ابن عم

[ 166 ]

له من أهل الشأم فاضطر بابسيفيهما فقال كل واحد منهما أنا الغلام الكلابي فقال كل واحد منهما لصاحبه من أنت فلما تساء لا تحاجزا وخرج عبد الله بن رزام الحارثى إلى كتيبة الحجاج فقال أخرجوا إلى رجلا رجلا فأخرج إليه رجل فقتله ثم فعل ذلك ثلاثة أيام يقتل كل يوم رجلا حتى إذا كان اليوم الرابع أقبل فقالوا قد جاء لا جاء الله به فدعا إلى المبارزة فقال الحجاج للجراح اخرج إليه فخرج إليه فقال له عبد الله بن رزام وكان له صديقا ويحك يا جراح ما أخرجك إلى قال قد ابتليت بك قال فهل لك في خير قال ما هو قال أنهزم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وحمدك وأما أنا فإنى أحتمل مقالة الناس في انهزامي عنك حبا لسلامتك فإنى لا أحب أن أقتل من قومي مثلك قال فافعل فحمل عليه فأخذ يستطرد له وكان الحارثى قد قطعت لهاته وكان يعطش كثيرا وكان معه غلام له معه إداوة من ماء فكلما عطش سقاه الغلام فاطرد له الحارثى وحمل عليه الجراح حملة بجد لا يريد إلا قتله فصاح به غلامه إن الرجل جاد في قتلك فعطف عليه فضربه بالعمود على رأسه فصرعه فقال لغلامه انضح على وجهه من ماء الاداوة واسقه ففعل ذلك به فقال يا جراح بئس ما جزيتني أردت بك أردت بك العافية وأردت أن تزيرنى المنية فقال لم أرد ذلك فقال انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة (قال محمد بن عمر الواقدي) حدثنى ابن أبى سبرة عن صالح بن كيسان قال قال سعيد الحرشى أنا في صف القتال يومئذ إذ خرج رجل من أهل العراق يقال له قدامة بن الحريش التميمي فوقف بين الصفين فقال يا معشر جرا مقة أهل الشأم إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله فإن أبيتم فليخرج إلى رجل فخرج إليه رجل من أهل الشأم فقتله حتى قتل أربعة فلما رأى ذلك الحجاج أمر مناديا فنادى لا يخرج إلى هذا الكلب أحد قال فكف الناس قال سعيد الحرشى فدنوت من الحجاج فقلت أصلح الله الامير إنك رأيت أن لا يخرج إلى هذا الكلب أحد وإنما هلك من هلك من هؤلاء النفر بآجالهم ولهذا الرجل أجل وأرجو أن يكون قد حضر فأذن لاصحابي الذين قدموا معى فليخرج إليه رجل منهم فقال الحجاج إن هذا الكلب

[ 167 ]

لم يزل هذا له عادة وقد أرعب الناس وقد أذنت لاصحابك فمن أحب أن يقوم فليقم فرجع سعيد الحرشى إلى أصحابه فأعلمهم فلما نادى ذلك الرجل بالبراز برز إليه رجل من أصحاب الحرشى فقتله قدامة فشق ذلك على سعيد وثقل عليه لكلامه الحجاج ثم نادى قدامة من يبارز فدنا سعيد من الحجاج فقال أصلح الله الامير ائذن لى في الخروج إلى هذا الكلب فقال وعندك ذلك قال سعيد نعم أنا كما تحب فقال الحجاج أرنى سيفك فأعطاه إياه فقال الحجاج معى سيف أثقل من هذا فأمر له بالسيف فأعطاه إياه فقال الحجاج ونظر إلى سعيد فقال ما أجود درعك وأقوى فرسك ولا أدرى كيف تكون مع هذا الكلب قال سعيد أرجو أن يظفرني الله به قال الحجاج اخرج على بركة الله قال سعيد فخرجت إليه فلما دنوت منه قال قف يا عدو الله فوقفت فسرني ذلك منه فقال اختر إما أن تمكنني فأضربك ثلاثا وإما أن أمكنك فتضربني ثلاثا ثم تمكنني قلت أمكنى فوضع صدره على قربوسه ثم قال اضرب فجمعت يدى على سيفى ثم ضربت على المغفر متمكنا فلم يصنع شيئا فساءنى ذلك من سيفى ومن ضربتي ثم أجمع رأيى أن أضربه على أصل العاتق فأما أن أقطع وإما أن أو هن يده عن ضربته فضربته فلم أصنع شيئا فساءنى ذلك ومن غاب عنى ممن هو في ناحية العسكر حين بلغه ما فعلت والثالثه كذلك ثم اخترط سيفا ثم قال أمكنى فامكنته فضربني ضربه صرعني منها ثم نزل عن فرسه وجلس على صدري وانتزع من خفيه خنجرا أو سكينا فوضعها على حلقى يريد ذبحى فقلت له أنشدك الله فانك لست مصيبا من قتلى الشرف والذكر مثل ما أنت مصيب من تركي قال ومن أنت قلت سعيد الحرشى قال أولى يا عدو الله فانطلق فأعلم صاحبك ما لقيت قال سعيد فانطلقت أسعى حتى انتهيت إلى الحجاج فقال كيف رأيت فقلت الامير كان أعلم بالامر (رجع الحديث) إلى حديث أبى مخنف عن أبى يزيد قال وكان أبو البخترى الطائى وسعيد بن جبير يقولان ما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله كتابا مؤجلا إلى آخر الاية ثم يحملان حتى يواقعا الصف (قال أبو المخارق) قاتلناهم مائة يوم سواء أعدها عدا قال نزلنا دير الجماجم مع ابن محمد

[ 168 ]

غداة الثلاثاء لليلة مضت من شهر بيع الاول سنة 83 وهزمنا يوم الاربعاء لا ربع عشرة مضت من جمادى الاخرة عند امتداد الضحى ومتوع النهار وما كنا قط أجرأ عليهم ولاهم أهون علينا منهم في ذلك اليوم قال خرجنا إليهم وخرجوا إلينا يوم الاربعاء لاربع عشرة مضت من جمادى الاخرة فقاتلناهم عامة النهار أحسن قتال قاتلناهموه قط ونحن آمنون من الهزيمة عالون للقوم إذ خرج سفيان بن الابرد الكلبى في الخيل من قبل ميمنة أصحابه حتى دنا من الابرد بن قرة التميمي وهو على ميسرة عبد الرحمن بن محمد فو الله ما قاتله كبير قتال حتى انهزم فأنكرها الناس منه وكان شجاعا ولم يكن الفرار له بعادة فظن الناس أنه قد كان أو من وصولح على أن ينهزم بالناس فلما فعلها تقوضت الصفوف من نحوه وركب الناس وجوههم وأخذوا في كل وجه وصعد عبد الرحمن بن محمد المنبر فأخذ ينادى الناس عباد الله إلى أنا ابن محمد فأتاه عبد الله بن رزام الحارثى فوقف تحت منبره وجاء عبد الله بن ذؤاب السلمى في خيل له فوقف منه قريبا وثبت حتى دنا منه أهل الشأم فأخذت نبلهم تحوزه فقال يا ابن رزام احمل على هذه الرجال والخيل فحمل عليهم حتى أمعنوا ثم جاءت خيل لهم أخرى ورجالة فقال احمل عليهم يا ابن ذؤاب فحمل عليهم حتى أمعنوا وثبت لا يبرح منبره ودخل أهل الشأم العسكر فكبروا فصعد إليه عبد الله بن يزيد بن المغفل الازدي وكانت مليكة ابنة أخيه امرأة عبد الرحمن فقال انزل فانى أخاف عليك ان لم تنزل أن تؤسر ولعلك إن انصرفت أن تجمع لهم جمعا يهلكهم الله به بعد اليوم فنزل وخلى أهل العراق العسكر وانهزموا لا يلوون على شئ ومضى عبد الرحمن بن محمد مع ابن جعدة ابن هبيرة ومعه أناس من أهل بيته حتى إذا حاذوا قرية بنى جعدة بالفلوجة دعوا بمعبر فعبروا فيه فانتهى إليهم بسطام بن مصقلة فقال هل في السفينة عبد الرحمن ابن محمد فلم يكلموه وظن أنه فيهم فقال لا وألت نفس عليها تحاذر ضرم قيس على البلا * د حتى إذ اضطرمت أجذما ثم جاء حتى انتهى إلى بيته وعليه السلاح وهو على فرسه لم ينزل عنه فخرجت

[ 169 ]

إليه ابنته فالتزمها وخرج إليه أهله يبكون فأوصاهم بوصية وقال لا تبكوا أرأيتم ان لم أترككم كم عسيت أن أبقى معكم حتى أموت وإن أنامت فان الذى رزقكم الان حى لا يموت وسيرزقكم بعد وفاتي كما رزقكم في حياتي ثم ودع أهله وخرج من الكوفة (قال أبو مخنف) فحدثني الكلبى محمد بن السائب أنهم لما هزموا ارتفاع النهار حين امتد ومتع قال جئت أشتد ومعى الرمح والسيف والترس حتى بلغت أهلى من يومى ما ألقيت شيئا من سلاحي فقال الحجاج اتركوهم فليتبددوا ولا تتبعوهم ونادى المنادى من رجع فهو آمن ورجع محمد بن مروان إلى الموصل وعبد الله بن عبد الملك إلى الشأم بعد الوقعة وخليا الحجاج والعراق وجاء الحجاج حتى دخل الكوفة وأجلس مصقلة بن كرب بن رفبة العبدى إلى جنبه وكان خطيبا فقال اشتم كل امرئ بما فيه ممن كنا أحسنا إليه فاشتمه بقلة شكره ولؤم عهده ومن علمت منه عيبا فعبه بما فيه وصغر إليه نفسه وكان لا يبايعه أحد إلا قال له أتشهد انك قد كفرت فإذا قال نعم بايعه وإلا قتله فجاء إليه رجل من خثعم قد كان معتزلا للناس جميعا من وراء الفرات فسأله عز حاله فقال ما زلت معتزلا وراء هذه النطفة منتظرا أمر الناس حتى ظهرت فأتيتك لا بايعك مع الناس قال أمتربص أتشهد أنك كافر قال بئس الرجل أنا ان كنت عبدت الله ثمانين سنة ثم أشهد على نفسي بالكفر قال إذا أقتلك قال وان قتلتنى فو الله ما بقى من عمرى إلا ظم ء حمار وإنى لا ننظر الموت صباح مساء قال اضربوا عنقه فضربت عنقه فزعموا أنه لم يبق حوله قرشي ولا شأمى ولا أحد من الحزبين إلا رحمه ورثى له من القتل ودعا بكميل بن زياد النخعي فقال له أنت المقتص من عثمان أمير المؤمنين قد كنت أحب أن أجد عليك سبيلا فقال والله ما أدرى على أينا أنت أشد غضبا عليه حين أقاد من نفسه أم على حين عفوت عنه ثم قال أيها الرجل من ثقيف لا تصرف على أنيابك ولا تهدم على تهدم الكثيب ولا تكشر كشران الذئب والله ما بقى من عمرى إلا ظم ء الحمار فانه يشرب غدوة ويموت عشية ويشرب عشية ويموت غدوة اقض ما أنت قاض فان الموعد الله وبعد القتل

[ 170 ]

الحساب قال الحجاج فان الحجة عليك قال ذلك إن كان القضاء اليك قال بلى كنت فيمن قتل عثمان وخلعت أمير المؤمنين اقتلوه فقدم فقتل قتله أبو الجهم بن كنانة الكلبى من بنى عامر بن عوف ابن عم منصور بن جمهور وأتى بآخر من بعده فقال الحجاج انى أرى رجلا ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر فقال أخادعى عن نفسي أنا أكفر أهل الارض وأكفر من فرعون ذى الاوتاد فضحك الحجاج وخلى سبيله وأقام بالكوفة شهرا وعزل أهل الشأم عن بيوت أهل الكوفة (وفى هذه السنة) كانت الوقعة بمسكن بين الحجاج وابن الاشعث بعد ما انهزم من دير الجماجم ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وعن صفتها (قال هشام) حدثنى أبو مخنف عن أبى يزيد السكسكى قال خرج محمد بن سعد بن أبى وقاص بعد وقعة الجماجم حتى نزل المدائن واجتمع إليه ناس كثير وخرج عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشى حتى أتى البصرة وبها أيوب بن الحكم بن أبى عقيل ابن عم الحجاج فأخذها وخرج عبد الرحمن بن محمد حتى قدم البصرة وهو بها فاجتمع الناس إلى عبد الرحمن ونزل فأقبل عبيد الله حينئذ إلى ابن محمد بن الاشعث وقال له إنى لم أرد فراقك وانما أخذتها لك وخرج الحجاج فبدأ بالمدائن فأقام عليها خمسا حتى هيأ الرجال في المعابر فلما بلغ محمد بن سعد عبورهم إليهم خرجوا حتى لحقوا بابن الاشعث جميعا وأقبل نحوهم الحجاج فخرج الناس معه إلى مسكن على دجيل وأتاه أهل الكوفة والفلول من الاطراف وتلاوم الناس على الفرار وبايع أكثرهم بسطام بن مصقلة على الموت وخندق عبد الرحمن على أصحابه وبثق الماء من جانب فجعل القتال من وجه واحد وقدم عليه خالد بن جرير بن عبد الله القسرى من خراسان في ناس من بعث الكوفة فاقتتلوا خمس عشرة ليلة من شعبان أشد القتال حتى قتل زياد بن غنيم القينى وكان على مسالح الحجاج فهده ذلك وأصحابه هدا شديدا (قال أبو مخنف) حدثنى أبو جهضم الازدي قال بات الحجاج ليله كله يسير فينا يقول لنا إنكم أهل الطاعة وهم أهل المعصية وأنتم تسعون في رضوان الله وهم يسعون في

[ 171 ]

سخط الله وعادة الله عندكم فيهم حسنة ما صدقتموهم في موطن قط ولا صبرتم لهم الا أعقبكم الله النصر عليهم والظفر بهم فأصبحوا إليهم عادين جادين فانى لست أشك في النصر ان شاء الله قال فأصبحنا وقد عبأنا في السحر فباكرناهم فقاتلناهم أشد قتال قاتلناهموه قط وقد جاءنا عبد الملك بن المهلب محففا وقد كشفت خيل سفيان بن الابرد فقال له الحجاج ضم إليك يا عبد الملك هذا البشر لعلى أحمل عليهم ففعل وحمل الناس من كل جانب فانهزم أهل العراق أيضا وقتل أبو البخترى الطائى وعبد الرحمن بن أبى ليلى وقالا قبل أن يقتتلا إن الفرار كل ساعة بنا لقبيح فأصيبا قال ومشى بسطام بن مصقلة الشيباني في أربعة آلاف من أهل الحفاظ من أهل المصرين فكسروا جفون السيوف وقال لهم ابن مصقلة لو كنا إذا فررنا بأنفسنا من الموت نجونا منه فررنا ولكنا قد علمنا أنه نازل بنا عما قليل فأين المحيد عما لا بد منه يا قوم إنكم محقون فقاتلوا على الحق والله لو لم تكونوا على الحق لكان موت في عز خيرا من حياة في ذل فقاتل هو وأصحابه قتالا شديدا كشفوا فيه أهل الشأم مرارا حتى قال الحجاج على بالرماة لا يقاتلهم غيرهم فلما جاءتهم الرماة وأحاط بهم الناس من كل جانب قتلوا إلا قليلا وأخذ بكير ابن ربيعة بن أبى ثروان الضبى أسيرا فأتى به الحجاج فقتله (قال أبو مخنف) فحدثني أبو الجهضم قال جئت بأسير كان الحجاج يعرفه بالبأس فقال الحجاج يا أهل الشأم إنه من صنع الله لكم أن هذا غلام من الغلمان جاء بفارس أهل العراق أسيرا اضرب عنقه فقتله قال ومضى ابن الاشعث والفل من المنهزمين معه نحو سجستان فاتبعهم الحجاج عمارة بن تميم اللخمى ومعه ابنه محمد بن الحجاج وعمارة أمير على القوم فسار عمارة بن تميم إلى عبد الرحمن فأدركه بالسوس فقاتله ساعة من نهار ثم إنه انهزم هو وأصحابه فمضوا حتى أتوا سابور واجتمعت إلى عبد الرحمن بن محمد الاكراد مع من كان معه من الفلول فقاتلهم عمارة بن تميم قتالا شديدا على العقبة حتى جرح عمارة وكثير من أصحابه ثم انهزم عمارة وأصحابه وخلوا لهم عن العقبة ومضى عبد الرحمن حتى مر بكرمان (قال الواقدي) كانت

[ 172 ]

وقعة الزاوية بالبصرة في المحرم سنة 83 (قال أبو مخنف) حدثنى سيف بن بشر العجلى عن المنخل بن حابس العبدى قال لما دخل عبد الرحمن بن محمد كرمان تلقاه عمرو بن لقيط العبدى وكان عامله عليها فهيأ له نزلا فنزل فقال له شيخ من عبد القيس يقال له معقل والله لقد بلغنا عنك يا ابن الاشعث أن قد كنت جبانا فقال عبد الرحمن والله ما جبنت والله لقد دلفت الرجال بالرجال ولففت الخيل بالخيل ولقد قاتلت فارسا وقاتلت راحلا وما انهزمت ولا تركت العرصة للقوم في موطن حتى لا أجد مقاتلا ولا أرى معى مقاتلا ولكني زاولت ملكا مؤجلا ثم إنه مضى بمن معه حتى فوز في مفازة كرمان (قال أبو مخنف) فحدثني هشام ابن أيوب بن عبد الرحمن بن أبى عقيل الثقفى قال لما مضى ابن محمد في مفازة كرمان وأتبعه أهل الشأم دخل بعض أهل الشأم قصرا في المفازة فإذا فيه كتاب قد كتبه بعض أهل الكوفة من شعر أبى جلدة اليشكرى وهى قصيدة طويلة أيا لهفا ويا حزنا جميعا * ويا حر الفؤاد لما لقينا تركنا الدين والدنيا جميعا * وأسلمنا الحلائل والبنينا فما كنا أناسا أهل دين * فنصبر في البلاء إذا ابتلينا وما كنا أناسا أهل دنيا * فنمنعها ولو لم نرج دينا تركنا دورنا لطغام عك * وأنباط القرى والاشعرينا ثم إن ابن محمد مضى حتى خرج على زرنج مدينة سجستان وفيها رجل من بنى تميم قد كان عبد الرحمن استعمله عليها يقال له عبد الله بن عامر البعار من بنى مجاشع بن دارم فلما قدم عليه عبد الرحمن بن محمد منهزما أغلق باب المدينة دونه ومنعه دخولها فأقام عليها عبد الرحمن أيام رجاء افتتاحها ودخولها فلما رأى أنه لا يصل إليها خرج حتى أتى بست وقد كان استعمل عليها رجلا من بكر ابن وائل يقال له عياض بن هميان أبو هشام بن عياض السدوسى فاستقبله وقال له انزل فجاء حتى نزل به وانتظر حتى إذا غفل أصحاب عبد الرحمن وتفرقوا عنه وثب عليه فأوثقه وأراد أن يأمن بها عند الحجاج ويتخذ بها عنده مكانا وقد كان رتبيل

[ 173 ]

سمع بمقدم عبد الرحمن عليه فاستقبله في جنوده فجاء رتبيل حتى أحاط ببست ثم نزل وبعث إلى البكري والله لئن آذيته بما يقذى عينه أو ضررته ببعض المضرة أو رزأته حبلا من شعر لا أبرح العرصة حتى أستنزلك فأقتلك وجميع من معك ثم أسبى ذراريكم وأقسم بين الجند أموالكم فأرسل إليه البكري أن أعطنا أمانا على أنفسنا وأموالنا ونحن ندفعه إليك سالما وما كان له من مال موفرا فصالحهم على ذلك وآمنهم ففتحوا لابن الاشعث الباب وخلوا سبيله فأتى رتبيل فقال له إن هذا كان عاملي على هذه المدينة وكنت حيث وليته واثقابه مطمئنا إليه فغدر بي وركب منى ما قد رأيت فأذن لى في قتله قال قد آمنته وأكره أن أغدر به قال فأذن لى في دفعه ولهزه والتصغير به قال أما هذا فنعم ففعل به عبد الرحمن بن محمد ثم مضى حتى دخل مع رتبيل بلاده فأنزله رتبيل عنده وأكرمه وعظمه وكان معه ناس من الفل كثير ثم إن عظم الفلول وجماعة أصحاب عبد الرحمن ومن كان لا يرجو الامان من الرؤوس والقادة الذين نصبوا للحجاج في كل موطن مع ابن الاشعث ولم يقبلوا أمان الحجاج في أول مرة وجهدوا عليه الجهد كله أقبلوا في أثر ابن الاشعث وفى طلبه حتى سقطوا بسجستان فكان بها منهم وممن تبعهم من أهل سجستان وأهل البلد نحو من ستين ألفا ونزلوا على عبد الله بن عامر البعار فحصروه وكتبوا إلى عبد الرحمن يخبرونه بقدومهم وعددهم وجماعتهم وهو عند رتبيل وكان يصلى بهم عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فكتبوا إليه أن أقبل الينا لعلنا نسير إلى خراسان فان بها منا جندا عظيما فلعلهم يبايعوننا على قتال أهل الشأم وهى بلاد واسعة عريضة وبها الرجال والحصون فخرج إليهم عبد الرحمن ابن محمد بمن معه فحصروا عبد الله بن عامر البعار حتى استنزلوه فأمر به عبد الرحمن فضرب وعذب وحبس وأقبل نحوهم عمارة بن تمم في أهل الشأم فقال أصحاب عبد الرحمن بن محمد لعبد الرحمن اخرج بنا عن سجستان فلندعها له ونأتى خراسان فقال عبد الرحمن بن محمد على خراسان يزيد بن المهلب وهو شاب شجاع صارم وليس بتارك لكم سلطانه ولو دخلتموها

[ 174 ]

وجدتموه اليكم سريعا ولن يدع أهل الشأم اتباعكم فأكره أن يجتمع عليكم أهل خراسان وأهل الشأم وأخاف أن لا تنالوا ما تطلبون فقالوا إنما أهل خراسان منا ونحن نرجو أن لو قد دخلناها أن يكون من يتبعنا منهم أكثر ممن يقاتلنا وهى أرض طويلة عريضة ننتحى فيها حيث شئنا ونمكث حتى يهلك الله الحجاج أو عبد الملك أو نرى من رأينا فقال لهم عبد الرحمن سيروا على اسم الله فساروا حتى بلغوا هراة فلم يشعروا بشئ حتى خرج من عسكره عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة القرشى في ألقين ففارقه فأخذ طريقا سوى طريقهم فلما أصبح ابن محمد قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنى قد شهدتكم في هذه المواطن وليس فيها مشهد إلا أصبر لكم فيه نفسي حتى لا يبقى منكم فيه أحد فلما رأيت أنكم لا تقاتلون ولا تصبرون أتيت ملجأ ومأمنا فكنت فيه فجاءتني كتبكم بأن أقبل إلينا فإنا قد اجتمعنا وأمرنا واحد لعلنا نقاتل عدونا فأتيتكم فرأيت أن أمضى إلى خراسان وزعمتم أنكم مجتمعون لى وإنكم لن تفرقوا عنى ثم هذا عبيد الله بن عبد الرحمن قد صنع ما قدرأيتم فحسبي منكم يومى هذا فاصنعوا ما بدالكم أما أنا فمنصرف إلى صاحبي الذى أتيتكم من قبله فمن أحب منكم أن يتبعني فليتبعني ومكره ذلك فليذهب حيث أحب في عياذ من الله فتفرقت منهم طائفة ونزلت معه طائفة وبقى عظم العسكر فوثبوا إلى عبد الرحمن بن العباس لما انصرف عبد الرحمن فبايعوه ثم مضى ابن محمد إلى رتبيل ومضوا هم إلى خراسان حتى انتهوا إلى هراة فلقوا بها الرقاد الازدي من العتيك فقتلوه وسار إليهم يزيد ابن المهلب * وأما على بن محمد المدائني فإنه ذكر عن المفضل بن محمد أن ابن الاشعث لما انهزم من مسكن مضى إلى كابل وأن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة أتى هراة فذم ابن الاشعث وعابه بفراره وأتى عبد الرحمن بن عباس سجستان فانضم إليه فل ابن الاشعث فسار إلى خراسان في جمع يقال عشرين ألفا فنزل هراة ولقوا الرقاد بن عبيد العتكى فقتلوه وكان مع عبد الرحمن من عبد القيس عبد الرحمن بن المنذر بن الجارود فأرسل إليه يزيد بن المهلب قد كان لك في البلاد

[ 175 ]

متسع ومن هو أكل منى حدا وأهون شوكة فارتحل إلى بلد ليس لى فيه سلطان فانى أكره قتالك وإن أحببت أن أمدك بمال لسفرك أعنتك به فأرسل إليه ما نزلنا هذه البلاد لمحاربة ولا لمقام ولكنا أردنا أن نريح ثم نشخص إن شاء الله وليست بنا حاجة إلى ما عرضت فانصرف رسول يزيد إليه وأقبل الهاشمي على الجباية وبلغ يزيد فقال من أراد يريح ثم يجتاز لم يجب الخراج فقدم المفضل في أربعة آلاف ويقال في ستة آلاف ثم أتبعه في أربعة آلاف ووزن يزيد نفسه بسلاحه فكان أربعمائة رطل فقال ما أرانى إلا قد ثقلت عن الحرب أي فرس يحملنى ثم دعا بفرسه الكامل فركبه واستخلف على مر وخاله جديع بن يزيد وصير طريقه على مرر الروذ فأتى قبر أبيه فأقام عنده ثلاثة أيام وأعطى من معه مائة درهم مائة درهم ثم أتى هراة فأرسل إلى الهاشمي قد أرحت وأسمنت وجبيت فلك ما جبيت وإن أردت زيادة زدناك فاخرج فو الله ما أحب أن أقاتلك قال فأبى إلا القتال ومعه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة ودس الهاشمي إلى جند يزيد يمنيهم ويدعوهم إلى نفسه فأخبر بعضهم يزيد فقال جل الامر عن العتاب أتغدى بهذا قبل أن يتعشى بى فسار إليه حتى تدانى العسكران وتأهبوا للقتال وألقى ليزيد كرسى فقعد عليه وولى الحرب أخاه المفضل فأقبل رجل من أصحاب الهاشمي يقال له خليد عينين من عبد القيس على ظهر فرسه فرفع صوته فقال دعت يا يزيد بن المهلب دعوة * لها جزع ثم استهلت عيونها ولم يسمع الداعي النداء أجابها * بصم القنا والبيض تلقى جفونها وقد فرأشراف العراق وغادروا * بها بقرا للحين جما قرونها وأراد أن يحض يزيد فسكت يزيد طويلا حتى ظن الناس أن الشعر قد حركه ثم قال لرجل ناد وأسمعهم جشموهم ذلك فقال خليد لبئس المنادى والمنوه باسمه * تناديه أبكار العراق وعونها يزيد إذا يدعى ليوم حفيظة * ولا يمنع السوآت إلا حصونها فإنى أراه عن قليل بنفسه * يدان كما قد كان قبل يدينها

[ 176 ]

فلا حرة تبكيه لكن نوائح تبكى عليه البقع منها وجونها فقال يزيد للمفضل قدم خيلك فتقدم بها وتهايجوا فلم يكن بينهم كبير قتال حتى تفرق الناس عن عبد الرحمن وصبر وصبرت معه طائفة من أهل الحفاظ وصبر معه العبديون وحمل سعد بن نجد القردوسى على حليس الشيباني وهو إمام عبد الرحمن فطعنه حليس فأذراه عن فرسه وحماه أصحابه وكثرهم الناس فانكشفوا فأمر يزيد بالكف عن اتباعهم وأخذوا ما كان في عسكرهم وأسروا منهم أسرى فولى يزيد عطاء بن أبى السائب العسكر وأمره بضم ما كان فيه فأصابوا ثلاث عشرة امرأة فأتوا بهن يزيد فدفعهن إلى مرة بن عطاء بن أبى السائب فحملهن إلى الطبسين ثم حملهن إلى العراق وقال يزيد لسعد بن نجد من طعنك قال حليس الشيباني وأنا والله راجلا أشد منه وهو فارس قال فبلغ حليسا فقال كذب والله لانا أشد منه فارسا وراجلا وهرب عبد الرحمن بن منذر بن بشر بن حارثة فصار إلى موسى بن عبد الله بن خازم قال فكان في الاسرى محمد بن سعد بن أبى وقاص وعمرو بن موسى بن عبيد الله بن معمر وعياش بن الاسود بن عوف الزهري والهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة وفيروز حصين وأبو العلج مولى عبيد الله بن معمر ورجل من آل أبى عقيل وسوار بن مروان وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خلف وعبد الله بن فضالة الزهراني ولحق الهاشمي بالسند وأتى ابن سمرة مرو ثم انصرف يزيد إلى مرو وبعث بالاسرى إلى الحجاج مع سبرة بن نخف بن أبى صفرة وخلى عن ابن طلحة وعبد الله بن فضاله وسعى قوم بعبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة فأخذه يزيد فحبسه (وأما هشام) فانه ذكر أنه حدثه القاسم بن محمد الحضرمي عن حفص بن عمر بن قبيصة عن رجل من بنى حنيفة يقال له جابر بن عمارة أن يزيد بن المهلب حبس عنده عبد الرحمن بن طلحة وآمنه وكان الطلحى قد آلى على يمين أن لا يرى يزيد بن المهلب في موقف إلا أتاه حتى يقبل يده شكرا لما أبلاه قال وقال محمد بن سعد بن أبى وقاص ليزيد أسألك بدعوة أبى لابيك فخلى سبيله ولقول محمد بن سعد ليزيد أسألك بدعوة أبى لابيك

[ 177 ]

حديث فيه بعض الطول (قال هشام) حدثنى أبو مخنف قال حدثنى هشام بن أيوب ابن عبد الرحمن بن أبى عقيل الثقفى قال بعث يزيد بن المهلب ببقية الاسرى إلى الحجاج بن يوسف بعمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر فقال أنت صاحب شرطة عبد الرحمن فقال أصلح الله الامير كانت فتنة شملت البر والفاجر فدخلنا فيها فقد أمكنك الله منا فإن عفوت فبحلمك وفضلك وإن عاقبت عاقبت ظلمة مذنبين فقال الحجاج أما قولك إنها شملت البر والفاجر فكذبت ولكنها شملت الفجار وعوفى منها الابرار وأما اعترافك بذنبك فعسى أن ينفعك فعزل ورجا الناس له العافية حتى قدم بالهلقام بن نعيم فقال له الحجاج أخبرني عنك ما رجوت من اتباع عبد الرحمن بن محمد أرجوت أن يكون خليفة قال نعم رجوت ذلك وطمعت أن ينزلني منزلتك من عبد الملك قال فغضب الحجاج وقال اضربوا عنقه فقتل قال ونظر إلى عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر وقد نحى عنه فقال اضربوا عنقه وقتل بقيتهم وقد كان آمن عمرو بن أبى قرة الكندى ثم الحجرى وهو شريف وله بيت قديم فقال يا عمرو كنت تقضى إلى وتحدثني أنك ترغب عن ابن الاشعث وعن الاشعث قبله ثم تبعث عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث والله ما بك عن اتباعهم رغبة ولا نعمة عين لك ولا كرامة قال وكان الحجاج حين هزم الناس بالجماجم نادى مناديه من لحق بقتيبة بن مسلم بالرى فهو أمانه فلحق ناس كثير بقتيبة وكان فيمن لحق به عامر الشعبى فذكر الحجاج الشعبى يوما فقال أين هو وما فعل فقال له يزيد بن أبى مسلم بلغني أيها الامير أنه لحق بقتيبة بن مسلم بالرى قال فابعث إليه فلنؤت به فكتب الحجاج إلى قتيبة أما بعد فابعث إلى بالشعبي حين تنظر في كتابي هذا والسلام عليك فسرح إليه (قال أبو مخنف) فحدثني السرى بن اسماعيل عن الشعبى قال كنت لابن أبى مسلم صديقا فلما قدم بى على الحجاج لقيت ابن أبى مسلم فقلت أشر على قال ما أدرى ما أشير به عليك غير أن أعتذر ما استطعت من عذر وأشار بمثل ذلك على نصحائى وإخوانى فلما دخلت عليه رأيت والله غير ما رأوا لى فسلمت عليه بالامرة ثم قلت أيها الامير إن الناس قد أمروني أن

[ 178 ]

أعتذر إليك بغير ما يعلم الله أنه الحق وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا حقا قد والله سودنا عليك وحرضنا وجهدنا عليك كل الجهد فما آلونا فما كنا بالاقوياء الفجرة ولا الاتقياء البررة ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا فإن سطوت فبذنوبنا وما جرت إليه أيدينا وإن عفوت عنا فبحلمك وبعد الحجة لك علينا فقال له الحجاج أنت والله أحب إلى قولا ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول ما فعلت ولا شهدت قد أمنت عندنا يا شعبي فانصرف قال فانصرفت فلما مشيت قليلا قال هلم يا شعبى قال فوجل لذلك قلبى ثم ذكرت قوله قد أمنت يا شعبى فاطمأنت نفسي قال كيف وجدت الناس يا شعبي بعدنا قال وكان لى مكر ما فقلت أصلح الله الامير اكتحلت والله بعدك السهر واستوعرت الجناب واستحلست الخوف وفقدت صالح الاخوان ولم أجد من الامير خلفا قال انصرف يا شعبي فانصرفت (قال أبو مخنف) قال خالد بن قطن الحارثى أتى الحجاج بالاعشى أعشى همدان فقال إيه يا عدو الله أنشدني قولك بين الاشج وبين قيس أنفذ بيتك قال بل أنشدك ما قلت لك قال بل أنشدني هذه فأنشده أبى الله إلا أن يتمم نوره * ويطفى نور الفاسقين فيحمدا ويظهر أهل الحق في كل موطن * ويعدل وقع السيف من كان أصيدا وينزل ذلا بالعراق وأهله * لما نقضوا العهد الوثيق المؤكدا وما أحدثوا من بدعة وعظيمة * من القول لم تصعد إلى الله مصعدا وما نكثوا من بيثة بعد بيعة * إذا ضمنوها اليوم خاسوا بها غدا وجبنا حشاه ربهم في قلوبهم * فما يقربون الناس إلا تهددا فلا صدق في قول ولا صبر عندهم * ولكن فخرا فيهم وتزيدا فكيف رأيت الله فرق جمعهم * ومزقهم عرض البلاد وشردا فقتلاهم قتلى ضلال وفتنة * وحيهم أمسى ذليلا مطردا ولما زحفنا لابن يوسف غدوة * وأبرق منا العارضان وأرعدا قطعنا إليه الخندقين وإنما * قطعنا وأفضينا إلى الموت مرصدا

[ 179 ]

فكافحنا الحجاج دون صفوفنا * كفاحا ولم يضرب لذلك موعدا بصف كأن البرق في حجراته * إذا ما تجلى بيضه وتوقدا دلفنا إليه في صفوف كأنها * جبال شرورى لو تعان فتنهدا فما لبث الحجاج أن سل سيفه * علينا فولى جمعنا وتبددا وما زاحف الحجاج إلا رأيته * معانا ملقى للفتوح معودا وإن ابن عباس لفى مرجحنة * نشبهها قطعا من الليل أسودا فما شرعوا رمحا ولا جردوا له * ألا ربما لاقى الجبان فجردا وكرت علينا خيل سفيان كرة * بفرسانها والسمهري مقصدا وسفيان يهديها كأن لواءه * من الطعن سند بات بالصبغ مجسدا كهول ومرد من قضاعة حوله * مساعير أبطال إذا النكس عردا إذا قال شدوا شدة حملوا معا * فأنهل خرصان الرماح وأوردا جنود أمير المؤمنين وخيله * وسلطانه أمسى عزيزا مؤيدا فيهنى أمير المؤمنين ظهوره * على أمة كانوا بغاة وحسدا نزوا يشتكون البغى من أمرائهم * وكانوا هم أبغى البغاة وأعندا وجدنا بنى مروان خير أئمة * وأفضل هذى الناس حلما وسوددا وخير قريش في قريش أرومة * وأكرمهم إلا النبي محمدا إذا ما تدبرنا عواقب أمره * وجدنا أمير المؤمنين مسددا سيغلب قوم غالبوا الله جهرة * وإن كايدوه كان أقوى وأكيدا كذاك يضل الله من كان قلبه * مريضا ومن والى النفاق وألحدا فقد تركوا الاهلين والمال خلفهم * وبيضا عليهن الجلابيب خردا ينادينهم مستعبرات إليهم * ويذرين دمعا في الخدود وأثمدا فإلا تناولهن منك برحمة * يكن سبايا والبعولة أعبدا أنكثا وعصيانا وغدرا وذلة * أهان الاله من أهان وأبعدا لقد شأم المصرين فرخ محمد * بحق وما لاقى من الطير أسعدا

[ 180 ]

كما شأم الله النجير وأهله * بجد له قد كان أشقى وأنكدا فقال أهل الشأم أحسن أصلح الله الامير فقال الحجاج لا لم يحسن إنكم لا تدرون ما أراد بها ثم قال يا عدو الله إنا لسنا نحمدك على هذا القول إنما قلت تأسف أن لا يكون ظهر وظفر وتحريضا لاصحابك علينا وليس عن هذا سألناك أنفذ لنا قولك * بين الاشج وبين قيس باذخ * فأنفذها فلما قال * بخ بخ لوالده وللمولود * قال الحجاج لا والله لا تبخبخ بعدها لاحد أبدا فقدمه فضرب عنقه (وقد ذكر) من أمر هؤلاء الاسرى الذين أسرهم يزيد بن المهلب ووجههم إلى الحجاج ومن فلول ابن الاشعث الذين انهزموا يوم مسكن أمر غير ما ذكره أبو مخنف عن أصحابه والذى ذكر عنهم من ذلك أنه لما انهزم ابن الاشعث مضى هؤلاء مع سائر الفل إلى الرى وقد غلب عليها عمر بن أبى الصلت بن كناز مولى بنى نصر بن معاوية وكان من أفرس الناس فانضموا إليه فأقبل قتيبة بن مسلم إلى الرى من قبل الحجاج وقد ولاه عليها فقال النفر الذين ذكرت أن يزيد بن المهلب وجههم إلى الحجاج مقيدين وسائر فل ابن الاشعث الذين صاروا إلى الرى لعمر بن أبى الصلت نوليك أمرنا وتحارب بنا قتيبة فشاور عمر أباه أبا الصلت فقال له أبوه والله يا بنى ما كنت أبالى إذا سار هؤلاء تحت لوائك أن تقتل من غد فعقد لواءه وسار فهزم وهزم أصحابه وانكشفوا إلى سجستان واجتمعت بها الفلول وكتبوا إلى عبد الرحمن بن محمد وهو عند رتبيل ثم كان من أمرهم وأمر يزيد بن المهلب ما قد ذكرت * وذكر أبو عبيدة أن يزيد لما أراد أن يوجه الاسرى إلى الحجاج قال له أخوه حبيب بأى وجه تنظر إلى اليمانية وقد بعثت ابن طلحة فقال يزيد هو الحجاج ولا يتعرض له وقال وطن نفسك على العزل ولا ترسل فإن له عندنا بلاء قال وما بلاؤه قال لزم المهلب في مسجد الجماعة بمائتي ألف فأداها طلحة عنه فأطلقه وأرسل بالباقين فقال الفرزدق وجد ابن طلحة يوم لاقى قومه * قحطان يوم هراة خير المعشر وقيل إن الحجاج لما أتى بهؤلاء الاسرى من عند يزيد بن المهلب قال لحاجبه

[ 181 ]

إذا دعوتك بسيدهم فأتني بفيروز فأبرز سريره وهو حينئذ بواسط القصب قبل أن تبنى مدينة واسط ثم قال لحاجبه جئني بسيدهم فقال لفيروز قم فقال له الحجاج أبا عثمان ما أخرجك مع هؤلاء فوالله ما لحمك من لحومهم ولا دمك من دمائهم قال فتنة عمت الناس فكنا فيها قال اكتب لى أموالك قال ثم ماذا قال اكتبها أول قال ثم أنا آمن على دمى قال اكتبها ثم أنظر قال اكتب يا غلام ألف ألف ألفى ألف فذكر مالا كثيرا فقال الحجاج أين هذه الاموال قال عندي قال فأدها قال وأنا آمن على دمى قال والله لتؤدينها ثم لاقتلنك قال والله لا تجمع مالى ودمى فقال الحجاج للحاجب نحه فنحاه ثم قال ائتنى بمحمد بن سعد بن أبى وقاص فدعاه فقال له الحجاج أيها ياطل الشيطان أعظم الناس تيها وكبرا تأبى بيعة يزيد ابن معاوية وتشبه بحسين وابن عمر ثم صرت مؤذنا لابن كناز عبد بنى نصر يعنى عمر بن أبى الصلت وجعل يضرب بعود في يده رأسه حتى أدماه فقال له محمد أيها الرجل ملكت فأسجح فكف يده فقال إن رأيت أن تكتب إلى أمير المؤمنين فإن جاءك عفو كنت شريكا في ذلك محمودا وإن جاءك غير ذلك كنت قد أعذرت فأطرق مليا ثم قال اضرب عنقه فضربت عنقه ثم دعا بعمر بن موسى فقال يا عبد المرأة أتقوم بالعمود على رأس ابن الحائك وتشرب معه الشراب في حمام فارس وتقول المقالة التى قلت أين الفرزدق قم فأنشده ما قلت فيه فأنشده وخضبت أيرك للزناء ولم تكن * يوم الهياج لتخضب الابطالا فقال أما والله لقد رفعته عن عقائل نسائك ثم أمر بضرب عنقه ثم دعا ابن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة فإذا غلام حدث فقال أصلح الله الامير مالى ذنب إنما كنت غلاما صغيرا مع أبى وأمى لا أمر لى ولا نهى وكنت معهما حيث كانا فقال وكانت أمك مع بيك في هذه الفتن كلها قال نعم قال على أبيك لعنة الله ثم دعا بالهلقام ابن نعيم فقال اجعل ابن الاشعث طلب ما طلب ما الذى أملت أنت معه قال أملت أن يملك فيوليني العراق كما ولاك عبد الملك قال قم يا حوشب فاضرب عنقه فقام إليه فقال له الهلقام يا ابن لطيفة أتنكأ القرح فضرب عنقه ثم أتى بعبدالله بن

[ 182 ]

عامر فلما قام بين يديه قال لا رأت عيناك يا حجاج الجنة إن أقلت ابن المهلب بما صنع قال وما صنع قال لانه كاس في إطلاق أسرته * وقاد نحوك في أغلالها مضرا وقى بقومك ورد الموت أسرته * وكان قومك أدنى عنده خطرا فأطرق الحجاج مليا ووقرت في قلبه وقال وما أنت وذاك اضرب عنقه فضربت عنقه ولم تزل في نفس الحجاج حتى عزل يزيد عن خراسان وحبسه ثم أمر بفيروز فعذب فكان فيما عذب به أن كان يشد عليه القصب الفارسى المشقوق ثم يجر عليه حتى يخرق جسده ثم ينضح عليه الخل والملح فلما أحس بالموت قال لصاحب العذاب إن الناس لا يشكون أنى قد قتلت ولى ودائع أموال عند الناس لا تؤدى اليكم أبدا فأظهروني للناس ليعلموا أنى حى فيؤدوا المال فأعلم الحجاج فقال أظهروه فأخرج إلى باب المدينة فصاح في الناس من عرفني فقد عرفني ومن أنكرني فأنا فيروز حصين إن لى عند أقوام مالا فمن كان لى عنده شئ فهو له وهو منه في حل فلا يؤدين منه أحد درهما ليبلغ الشاهد الغائب فأمر به الحجاج فقتل وكان ذلك مما روى الوليد بن هشام بن قحذم عن أبى بكر الهذلى * وذكر ضمره بن ربيعة عن أبى شوذب أن عمال الحجاج كتبوا إليه إن الخراج قد انكسر وإن أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالامصار فكتب إلى البصرة وغيرها أن من كان له أصل في قرية فليخرج إليها فخرج الناس فعسكروا فجعلوا يبكون وينادون يا محمداه يا محمداه وجعلوا لا يدرون أين يذهبون فجعل قراء أهل البصرة يخرجون إليهم متقنعين فيبكون لما يسمعون منهم ويرون قال فقدم ابن الاشعث على تفيئة ذلك واستبصر قراء أهل البصرة في قتال الحجاج مع عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث * وذكر عن ضمرة بن ربيعة عن الشيباني قال قتل الحجاج يوم الزاوية أحد عشر ألفا ما استحيا منهم إلا واحدا كان ابنه في كتاب الحجاج فقال له أتحب أن نعفو لك عن أبيك قال نعم فتركه لابنه وإنما خدعهم بالامان أمر مناديا فنادى عند الهزيمة ألا لا أمان لفلان ولا فلان

[ 183 ]

فسمى رجالا من أولئك الاشراف ولم يقل الناس آمنون فقالت العامة قد آمن الناس كلهم إلا هؤلاء النفر فأقبلوا إلى حجرته فلما اجتمعوا أمرهم بوضع أسلحتهم ثم قال لآمرن بكم اليوم رجلا ليس بينكم وبينه قرابة فأمر بهم عمارة بن تميم اللخمى فقر بهم فقتلهم * وروى عن النضر بن شميل عن هشام بن حسان أنه قال بلغ ما قتل الحجاج صبرا مائة وعشرين أو مائة وثلاثين ألفا * وقد ذكر في هزيمة ابن الاشعث بمسكن قول غير الذى ذكره أبو مخنف والذى ذكر من ذلك أن ابن الاشعث والحجاج اجتمعا بمسكن من أرض ابن قباذ فكان عسكر ابن الاشعث على نهر يدعى خداش مؤخر النهر نهر تيرى ونزل الحجاج على نهر أفريذ والعسكران جميعا بين دجلة والسيب والكرخ فاقتتلوا شهرا وقيل دون ذلك ولم يكن الحجاج يعرف إليهم طريقا إلا الطريق الذى يلتقون فيه فأتى بشيخ كان راعيا يدعى زورقا فدله على طريق من وراء الكرخ طوله ستة فراسخ في أجمة وضحضاح من الماء فانتخب أربعة آلاف من جلة أهل الشأم وقال لقائدهم ليكن هذا العلج أمامك وهذه أربعة آلاف درهم معك فإن أقامك على عسكرهم فادفع المال إليه وإن كان كذبا فاضرب عنقه فإن رأيتهم فاحمل عليهم فيمن معك وليكن شعاركم يا حجاج يا حجاج فانطلق القائد صلاة العصر والتقى عسكر الحجاج وعسكر ابن الاشعث حين فصل القائد بمن معه وذلك مع صلاة العصر فاقتتلوا إلى الليل فانكشف الحجاج حتى عبر السيب وكان قد عقده ودخل ابن الاشعث عسكره فانتهب ما فيه فقيل له لو أتبعته فقال قد تعبنا وتصبنا فرجع إلى عسكره فألقى أصحابه السلاح وباتوا آمنين في أنفسهم لهم الظفر وهجم القوم عليهم نصف الليل يصيحون بشعارهم فجعل الرجل من أصحاب ابن الاشعث لا يدرى أين يتوجه دجيل عن يساره ودجلة أمامه ولها جرف منكر فكان من غرق أكثر ممن قتل وسمع الحجاج الصوت فعبر السيب إلى عسكره ثم وجه خيله إلى القوم فالتقى العسكران على عسكر ابن الاشعث وانحاز في ثلثمائة فمضى على شاطئ دجلة حتى أتى دجيلا فعبره في السفن وعقروا دوابهم وانحدروا

[ 184 ]

في السفن إلى البصرة ودخل الحجاج عسكره فانتهب ما فيه وجعل يقتل من وجد حتى قتل أربعة آلاف فيقال إن فيمن قتل عبد الله بن شداد بن الهاد وقتل فيهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة وعمرو بن ضبيعة الرقاشى وبشر بن المنذر بن الجارود والحكم بن مخرمة العبديين وبكير بن ربيعة بن ثروان الضبى فأتى الحجاج برؤوسهم على ترس فجعل ينظر إلى رأس بسطام ويتمثل: إذا مررت بوادي حية ذكر * فاذهب ودعني أقاسى حية الوادي ثم نظر إلى رأس بكير فقال ما ألقى هذا الشقى مع هؤلاء خذ بأذنه يا غلام فألقه عنهم ثم قال ضع هذا الترس بين يدى مسمع بن مالك بن مسمع فوضع بين يديه فبكى فقال له الحجاج ما أبكاك أحزنا عليهم قال بل جزعا لهم من النار (وفى هذه السنة) بنى الحجاج واسطا وكان سبب بنائه ذلك فيما ذكر أن الحجاج ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان فعسكروا بحمام عمر وكان فتى من أهل الكوفة من بنى أسد حديث عهد بعرس بابنة عم له انصرف من العسكر إلى ابنة عمه ليلا فطرق الباب طارق ودقه دقا شديدا فإذا سكران من أهل الشأم فقالت للرجل ابنة عمه لقد لقينا من هذا الشأمى شرا يفعل بنا كل ليلة ما ترى يريد المكروه وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه وعرضوا ذلك فقال ائدنوا له ففعلوا فأغلق الباب وقد كانت المرأة نجدت منزلها وطيبته فقال الشامي قد آن لكم فاستقنأه الاسدي فأندر رأسه فلما أذن بالفجر خرج الرجل إلى العسكر وقال لامرأته إذا صليت الفجر فابعثي إلى الشاميين أن أخرجوا صاحبكم فسيأتون بك الحجاج فاصدقيه الخبر على وجهه ففعلت ورفع القتيل إلى الحجاج وأدخلت المرأة عليه وعنده عنبسة بن سعيد على سريره فقال لها ما خطبك فأخبرته فقال صدقتني ثم قال لولاة الشامي ادفنوا صاحبكم فإنه قتيل الله إلى النار لا قود له ولا عقل ثم نادى مناديه لا ينزلن أحد على أحد واخرجوا فعسكروا وبعث روادا يرتادون له منزلا وأمعن حتى نزل أطراف كسكر فبينا هو في موضع واسط إذا راهب قد أقبل على حمار له وعبر دجلة * فلما كان في موضع واسط تفاجت الاتان فبالت

[ 185 ]

فنزل الراهب فاحتفر ذلك البول ثم احتمله فرمى به في دجلة وذلك بعين الحجاج فقال على به فأتى به فقال ما حملك على ما صنعت قال نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الارض أحد يوحده فاختط الحجاج مدينة واسط وبنى المسجد في ذلك الموضع (وفى هذه السنة) عزل عبد الملك فيما قال الواقدي عن المدينة أبان بن عثمان واستعمل عليها هشام بن اسماعيل المخزومى * وحج بالناس في هذه السنة هشام بن اسماعيل حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان العمال في هذه السنة على الامصار سوى المدينة هم العمال الذين عليها في السنة التى قبلها وأما المدينة فقد ذكرنا من كان عليها فيها ثم دخلت سنة أربع وثمانين ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففيها) كانت غزوة عبد الله بن عبد الملك بن مروان الروم ففتح فيها المصيصة كذلك ذكر الواقدي (وفيها) قتل الحجاج أيوب بن القرية وكان ممن كان مع ابن الاشعث وكان سبب قتله إياه فيما ذكر أنه كان يدخل حوشب بن يزيد بعد انصرافه من دير الجماجم وحوشب على الكوفة عامل للحجاج فيقول حوشب انظروا إلى هذا الواقف معى وغدا أو بعد غد يأتي كتاب من الامير لا أستطيع إلا نفاذه فبينا هو ذات يوم واقف إذ أتاه كتاب من الحجاج أما بعد فإنك صرت كهفا لمنافقي أهل العراق ومأوى فإذا نظرت في كتابي هذا فابعث إلى بابن القرية مشدودة يده إلى عنقه مع ثقة من قبلك فلما قرأ حوشب الكتاب رمى به إليه فقرأه فقال سمعا وطاعة فبعث به إلى الحجاج موثقا فلما دخل على الحجاج قال له يا ابن القرية ما أعددت لهذا الموقف قال أصلح الله الامير ثلاثة حروف * كأنهن ركب وقوف * دنيا وآخرة ومعروف * قال اخرج مما قلت قال أفعل أما الدنيا فمال حاضر يأكل منه البر والفاجر وأما الآخرة فميزان عادل ومشهد ليس فيه باطل

[ 186 ]

وأما المعروف فإن كان على اعترفت وان كان لى اغترفت قال أمالى فاعترف بالسيف إذا وقع بك قال أصلح الله الامير أقلنى عثرتي واسقني ريقي فانه ليس جواد إلاله كبوة ولا شجاع إلاله هبوة قال الحجاج كلا والله لا رينك جهنم قال فأرحني فإنى أجد حرها قال قدمه يا حرسي فاضرب عنقه فلما نظر إليه الحجاج يتشحط في دمه قال لو كنا تركنا ابن القرية حتى نسمع من كلامه ثم أمر به فأخرج فرمى به قال هشام قال عوانة حين منع الحجاج من الكلام ابن القرية قال له ابن القرية أما والله لو كنت أنا وأنت على السواء لسكنا جميعا أولا لفيت منيعا (وفى هذه السنة) فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس ذكر سبب فتحه إياها * ذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد قال كان نيزك ينزل بقلعة باذغيس فتحين يزيد غزوه ووضع عليه العيون فبلغه خروجه فخالفه يزيد إليها وبلغ نيزك فرجع فصالحه على أن يدفع إليه ما في القلعة من الخزائن ويرتحل عنها بعياله فقال كعب بن معدان الاشقري وباذغيس التى من حل ذروتها * عز الملوك فان شا جار أو ظلما منيعة لم يكدها قبله ملك * إلا إذا وجهت جيشاله وجما تخال نيرانها من بعد منظرها * بعض النجوم إذا ما ليلها عتما لما أطاف بها ضاقت صدورهم * حتى أقروا له بالحكم فاحتكما فذل ساكنها من بعد عزته * يعطى الجزى عارفا بالذل مهتضما وبعد ذلك أياما نعددها * وقبلها ما كشفت الكرب والظلما أعطاك ذاك ولى الرزق يقسمه * بين الخلائق والمحروم من حرما يداك إحداهما تسقى العدو بها * سما وأخرى نداها لم يزل ديما فهل كسيب يزيد أو كنائله * إلا الفرات وإلا النيل حين طما ليسا بأجود منه حين مدهما * إذ يعلوان حداب الارض والا كما وقال ثنائي على حى العتيك بأنها * كرام مقاريها كرام نصابها

[ 187 ]

إذا عقدوا للجار حل بنجوة * عزيز مراقيها منيع هضابها نفى نيزكا عن باذغيس ونيزك * بمنزلة أعيى الملوك اغتصابها محلقة دون السماء كأنها * غمامة صيف زل عنها سحابها ولا يبلغ الاروى شماريخها العلى * ولا الطير إلا نسرها وعقابها وما خوفت بالذئب ولدان أهلها * ولا نبحت إلا النجوم كلابها تمنيت أن ألقى العتيك ذوى النهى * مسلطة تحمى بملك ركابها كما يتمنى صاحب الحرث أعطشت * مزارعه غيثا غزيرا ربابها فأسقى بعد اليأس حتى تحيرت * جداولها ريا وعب عبابها لقد جمع الله النوى وتشعبت * شعوب من الآفاق شتى مآبها قال وكان نيزك يعظم القلعة إذا رآها سجد لها وكتب يزيد بن المهلب إلى الحجاج بالفتح وكانت كتب يزيد إلى الحجاج يكتبها يحيى بن يعمر العدواني وكان حليفا لهذيل فكتب إنا لقينا العدو فمنحنا الله أكتافهم فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة ولحقت طائفة برؤوس الجبال وعراعر الاودية وأهضام الغيطان وأثناء الانهار فقال الحجاج من يكتب ليزيد فقيل يحيى بن يعمر فكتب إلى يزيد فحمله على البريد فقدم عليه أفصح الناس فقال له أين ولدت قال بالاهواز قال فهذه الفصاحة قال حفظت كلام أبى وكان فصيحا قال من هناك فأخبرني هل يلحن عنبسة بن سعيد قال نعم كثيرا قال ففلان قال نعم قال فاخبرني عنى ألحن قال نعم تلحن لحنا خفيا تزيد حرفا وتنقص حرفا وتجعل أن في موضع إن وإن في موضع أن قال قد أجلتك ثلاثا فإن أجدك بعد ثلاث بأرض العراق قتلتك فرجع إلى خراسان (وحج) بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومى كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكانت عمال الامصار في هذه السنة عمالها الذين سميت قبل في سنة 83

[ 188 ]

ثم دخلت سنة خمس وثمانين ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففيها) كان هلاك عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث ذكر السبب الذى به هلك وكيف كان (ذكر هشام بن محمد) عن أبى مخنف قال لما انصرف ابن الاشعث من هراة راجعا إلى رتبيل كان معه رجل من أود يقال له علقمة بن عمرو فقال له ما أريد أن أدخل معك فقال له عبد الرحمن لم قال لانى أتخوف عليك وعلى من معك والله لكأنى بكتاب الحجاج قد جاء فوقع إلى رتبيل يرغبه ويرهبه فإذا هو قد بعث بك سلما أو قتلكم ولكن ههنا خمسمائة قد تبايعنا على أن ندخل مدينة فنتحصن فيها ونقاتل حتى نعطى أمانا أو نموت كراما فقال له عبد الرحمن أما لو دخلت معى لآسيتك وأكرمتك فأبى عليه علقمة ودخل عبد الرحمن بن محمد إلى رتبيل وخرج هؤلاء الخمسمائة فبعثوا عليهم مودودا النضرى وأقاموا حتى قدم عليهم عمارة بن تميم اللخمى فحاصرهم فقاتلوه وامتنعوا منه حتى آمنهم فخرجوا إليه فوفى لهم قال وتتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل في عبد الرحمن بن محمد أن ابعث به إلى والا فو الذى لا إله إلا هو لاوطئن أرضك ألف ألف مقاتل وكان عند رتبيل رجل من بنى تميم ثم من بنى يربوع يقال له عبيد بن أبى سبيع فقال لرتبيل أنا آخذ لك من الحجاج عهدا ليكفن الخراج عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه عبد الرحمن بن محمد قال رتبيل لعبيد فان فعلت فان لك عندي ما سألت فكتب إلى الحجاج يخبره أن رتبيل لا يعصيه وأنه لن يدع رتبيل حتى يبعث إليه بعبد الرحمن بن محمد فأعطاه الحجاج على ذلك مالا وأخذ من رتبيل عليه مالا وبعث رتبيل برأس عبد الرحمن بن محمد إلى الحجاج وترك له الصلح الذى كان يأخذه منه سبع سنين وكان الحجاج يقول بعث إلى رتبيل بعدو الله فألقى نفسه من فوق إجار فمات (قال أبو مخنف) وحدثني سليمان بن أبى راشد أنه سمع مليكة ابنة يزيد تقول والله لمات عبد الرحمن وإن رأسه لعلى فخذي كان السل قد أصابه * فلما

[ 189 ]

مات وأرادوا دفنه بعث إليه رتبيل فحز رأسه فبعث به إلى الحجاج وأخذ ثمانية عشر رجلا من آل الاشعث فحبسهم عنده وترك جميع من كان معه من أصحابه وكتب إلى الحجاج بأخذه الثمانية عشر رجلا من أهل بيت عبد الرحمن فكتب إليه أن اضرب رقابهم وابعث إلى برؤوسهم وكره أن يؤتى بهم إليه أحياء فيطلب فيهم إلى عبد الملك فيترك منهم أحدا وقد قيل في أمر ابن أبى سبيع وابن الاشعث غير ما ذكرت عن أبى مخنف وذلك ما ذكر عن أبى عبيدة معمر بن المثنى أنه كان يقول زعم أن عمارة بن تميم خرج من كرمان فأتى سجستان وعليها رجل من بنى العنبر يدعى مردودا فحصره ثم آمنه ثم استولى على سجستان وأرسل رتبيل وكتب إليه الحجاج أما بعد فإنى قد بعثت اليك عمارة بن تميم في ثلاثين ألفا من أهل الشأم لم يخالفوا طاعة ولم يخلعوا خليفة ولم يتبعوا إمام ضلالة يجرى على كل رجل منهم في كل شهر مائة درهم يستطعمون الحرب استطعاما يطلبون ابن الاشعث فأبى رتبيل أن يسلمه وكان مع ابن الاشعث عبيد بن أبى سبيع التميمي قد خص به وكان رسوله إلى رتبيل فخص برتبيل أيضا وخف عليه فقال القاسم بن محمد بن الاشعث لاخيه عبد الرحمن إنى لا آمن غدر التميمي فاقتله فهم به وبلغ ابن أبى سبيع فخافه فوشى به إلى رتبيل وخوفه الحجاج ودعاه إلى الغدر بابن الاشعث فأجابه فخرج سرا إلى عمارة بن تميم فاستعجل في ابن الاشعث فجعل له ألف ألف فأقام عنده وكتب بذلك عمارة إلى الحجاج فكتب إليه أن أعط عبيدا ورتبيل ما سألاك فاشترط رتبيل أن لا تغزى بلاده عشر سنين وأن يؤدى بعد العشر سنين في كل سنة تسعمائة ألف فأعطى وعبيدا ما سألا وأرسل رتبيل إلى ابن الاشعث فأحضره وثلاثين من أهل بيته وقد أعدلهم الجوامع والقيود فألقى في عنقه جامعة وفى عنق القاسم جامعة وأرسل بهم جميعا إلى أدنى مسالح عمارة منه وقال لجماعة من كان مع ابن الاشعث من الناس تفرقوا إلى حيث شئتم ولما قرب ابن الاشعث من عمارة ألقى نفسه من فوق قصر فمات فاحتز رأسه فأتى به وبالاسرى عمارة فضرب أعناقهم وأرسل برأس ابن الاشعث وبرؤوس أهله وبامرأته إلى الحجاج فقال في ذلك بعض الشعراء

[ 190 ]

هيهات موضع جثة من رأسها * رأس بمصر وجثة بالرحج وكان الحجاج أرسل به إلى عبد الملك فأرسل به عبد الملك إلى عبد العزيز وهو يومئذ على مصر * وذكر عمر بن شبة أن ابن عائشة حدثه قال أخبرني سعد ابن عبيد الله قال لما أتى عبد الملك برأس ابن الاشعث أرسل به مع خصى إلى امرأة منهم كانت تحت رجل من قريش فلما وضع بين يديها قالت مرحبا بزائر لا يتكلم ملك من الملوك طلب ما هو أهله فأبت المقادير فذهب الخصى يأخذ الرأس فاجتذبته من يده قالت لا والله حتى أبلغ حاجتى ثم دعت بخطمى فغسلته وغلفته ثم قالت شأنك به الآن فأخذه ثم أخبر عبد الملك فلما دخل عليه زوجها قال إن استطعت أن تصيب منها سخلة * وذكر أن ابن الاشعث نظر إلى رجل من أصحابه وهو هارب إلى بلاد رتبيل فتمثل يطرده الخوف فهو تائه * كذاك من يكره حر الجلاد منخرق الخفين يشكو الوجا * تنكبه أطراف مرو حداد قد كان في الموت له راحة * والموت حتم في رقاب العباد فالتفت إليه فقال يا لحية هلا ثبت في موطن من المواطن فنموت بين يديك فكان خيرا لك مما صرت إليه (قال هشام) قال أبو مخنف خرج الحجاج في أيامه تلك يسير ومعه حميد الارقط وهو يقول: ما زال يبنى خندقا ويهدمه * عن عسكر يقوده فيسلمه حتى يصير في يديك مقسمه * هيهات من مصفه منهزمه إن أخا الكظاظ من لا يسأمه فقال الحجاج هذا أصدق من قول الفاسق أعشى همدان نبئت أن بنى يو * سف خر من زلق فتبا قد تبين له من زلق وتب ودحض فانكب وخاف وخاب وشك وارتاب ورفع صوته فما بقى أحد إلا فزع لغضبه وسكت الاريقط فقال له الحجاج عد فيما كنت فيه مالك يا أرقط قال إنى جعلت فداك أيها الامير وسلطان الله عزيز ما هو إلا

[ 191 ]

أن رأيتك غضبت فأرعدت خصائلى واحزالت مفاصلي وأظلم بصرى ودارت بى الارض قال له الحجاج أجل إن سلطان الله عزيز عد فيما كنت فيه ففعل وقال الحجاج وهو ذات يوم يسير ومعه زياد بن جرير بن عبد الله البجلى وهو أعور فقال الحجاج للاريقط كيف قلت لابن سمرة قال قلت: يا أعور العين فديت العورا * كنت حسبت الخندق المخفورا يرد عنك القدر المقدورا * ودائرات السوء أن تدورا وقد قيل إن مهلك عبد الرحمن بن محمد كان في سنة 84 (وفى هذه السنة) عزل الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب عن خراسان وولاها المفضل بن المهلب أخا يزيد ذكر السبب الذى من أجله عزله الحجاج عن خراسان واستعمل المفضل ذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد أن الحجاج وفد إلى عبد الملك فمر في منصرفه بدير فنزله فقيل له إن في هذا الدير شيخا من أهل الكتب عالما فدعا به فقال يا شيخ هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه ونحن قال نعم نجد ما مضى من أمركم وما أنتم فيه وما هو كائن قال أفمسمى أم موصوفا قال كل ذلك موصوف بغير اسم واسم بغير صفة قال فما تجدون صفة أمير المؤمنين قال نجده في زماننا الذى نحن فيه ملك أقرع من يقم لسبيله يصرع قال ثم من قال اسم رجل يقال له الوليد قال ثم ماذا قال رجل اسمه اسم نبى يفتح به على الناس قال أفتعرفني قال قد أجبرت بك قال أفتعلم ما إلى قال نعم قال فمن يليه بعدى قال رجل يقال له يزيد قال في حياتي أم بعد موتى قال لا أدرى قال أفتعرف صفته قال يغدر غدرة لا أعرف غير هذا قال فوقع في نفسه يزيد بن المهلب وارتحل فسار سبعا وهو وجل من قول الشيخ وقدم فكتب إلى عبد الملك يستعفيه من العراق فكتب إليه يا ابن أم الحجاج قد علمت الذى تغزو وإنك تريد أن تعلم رأيى فيك ولعمري إنى لارى مكان نافع بن علقمة فاله عن هذا حتى يأتي الله بما هو آت فقال الفرزدق يذكر مسيره لو أن طيرا كلفت مثل سيره * إلى واسط من إيلياء لملت

[ 192 ]

سرى بالمهارى من فلسطين بعد ما * دنا الليل من شمس النهار فولت فما عاد ذاك اليوم حتى أناخها * بميسان قد ملت سراها وكلت كأن قطاميا على الرحل طاويا * إذا غمرة الظلماء عنه تجلت قال فبينا الحجاج يوما خال إذ دعا عبيد بن موهب فدخل وهو ينكث في الارض فرفع رأسه فقال ويحك يا عبيد إن أهل الكتب يذكرون أن ما تحت يدى يليه رجل يقال له يزيد وقد تذكرت يزيد بن أبى كبشة ويزيد بن حصين بن نمير ويزيد بن دينار فليسوا هناك وما هو إن كان إلا يزيد بن المهلب فقال عبيد لقد شرفتهم وأعظمت ولايتهم وإن لهم لعددا وجلدا وطاعة وحظا فأخلق به فأجمع على عزل يزيد فلم يجد له شيئا حتى قدم الخيار بن بن سبرة بن ذؤيب بن عرفجة بن محمد بن سفيان بن مجاشع وكان من فرسان المهلب وكان مع يزيد فقال له الحجاج أخبرني عن يزيد قال حسن الطاعة لين السيرة قال كذبت أصدقني عنه قال الله أجل وأعظم قد أسرج ولم يلجم قال صدقت واستعمل الخيار على عمان بعد ذلك قال ثم كتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل المهلب بالزبيرية فكتب إليه عبد الملك إنى لا أرى نقصا بآل المهلب طاعتهم لآل الزبير بل أراه وفاء منهم لهم وإن وفاءهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لى فكتب إليه الحجاج يخوفه غدرهم لما أخبره به الشيخ فكتب إليه عبد الملك قد أكثرت في يزيد وآل المهلب فسم لى رجلا يصلح لخراسان فسمى له مجاعة بن سعر السعدى فكتب إليه عبد الملك إن رأيك الذى دعاك إلى استفساد آل المهلب هو الذى دعاك إلى مجاعة بن سعر فانظر لى رجلا صار ما ماضيا لامرك فسمى قتيبة بن مسلم فكتب إليه وله وبلغ يزيد أن الحجاج عزله فقال لاهل بيته من ترون الحجاج يولى خراسان قالوا رجلا من ثقيف قال كلا ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعهده فإذا قدمت عليه عزله وولى رجلا من قيس وأخلق بقتيبة قال فلما أذن عبد الملك للحجاج في عزل يزيد كره أن يكتب إليه بعزله فكتب إليه أن استخلف المفضل وأقبل فاستشار يزيد حضين بن المنذر فقال له أقم واعتل فان أمير المؤمنين حسن الرأى فيك وإنما أتيت من الحجاج فإن أقمت ولم تعجل

[ 193 ]

رجوت أن يكتب إليه أن يقر يزيد قال انا أهل بيت بورك لنا في الطاعة وأنا أكره المعصية والخلاف فأخذ في الجهاز وأبطأ ذلك على الحجاج فكتب إلى المفضل إنى قد وليتك خراسان فجعل المفضل يستحث يزيد فقال له يزيد إن الحجاج لا يقرك بعدى وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه قال بل حدثنى قال يزيد يا ابن بهلة أنا أحسدك ستعلم وخرج يزيد في ربيع الآخر سنة 85 فعزل الحجاج المفضل فقال الشاعر للمفضل وعبد الملك وهو أخوه لامه يا ابني بهلة إنما أخزاكما * ربى غداة غدا الهمام الازهر أحفرتم لاخيكم فوقعتم * في قعر مظلمة أخوها المعور جودوا بتوبة مخلصين فإنما * يابى ويأنف أن يتوب الاخسر وقال حضين ليزيد أمرتك أمرا حازما فعصيتني * فأصبحت مسلوب الامارة نادما فما أنا بالباكى عليك صبابة * وما أنا بالداعى لترجع سالما فلما قدم قتيبة خراسان قال لحضين كيف قلت ليزيد قال قلت أمرتك أمرا حازما فعصيتني * فنفسك أولى اللوم إن كنت لائما فإن يبلغ الحجاج أن قد عصيته * فإنك تلقى أمره متفاقما قال فماذا أمرته به فعصاك قال أمرته أن لا يدع صفراء ولا بيضاء إلا حملها إلى الامير فقال رجل لعياض بن حضين أما أبوك فوجده قتيبة حين فره قارحا بقوله أمرته أن لا يدع صفراء ولا بيضاء إلا حملها إلى الامير * قال على وحدثنا كليب بن خلف قال كتب الحجاج إلى يزيد أن اغز خوارزم فكتب إليه أيها الامير انها قليلة السلب شديدة الكلب فكتب إليه الحجاج استخلف واقدم فكتب إليه إنى أريد أن أغزو خوارزم فكتب إليه لا تغزها فانها كما وصفت فغزا ولم يطعه فصالحه أهل خوارزم وأصاب سبيا مما صالحوه وقفل في الشتاء فاشتد عليهم البرد فأخذ الناس ثياب الاسرى فلبسوها فمات ذلك السبى من البرد قال ونزل يزيد بالاستانة وأصاب أهل مرو الروذ طاعون ذلك العام فكتب إليه الحجاج أن

[ 194 ]

اقدم فقدم فلم يمر ببلد إلا فرشوا له الرياحين وكان يزيد ولى سنة 82 وعزل سنة 85 وخرج من خراسان في ربيع الآخر سنة 85 وولى قتيبة (وأما هشام بن محمد) فإنه ذكر عن أبى مخنف في عزل الحجاج يزيد عن خراسان سببا غير الذى ذكره على بن محمد والذى ذكر من ذلك عن أبى مخنف أن أبا المخارق الراسبى وغيره حدثوه أن الحجاج لم يكن له حين فرغ من عبد الرحمن بن محمد هم إلا يزيد بن المهلب وأهل بيته وقد كان الحجاج أذل أهل العراق كلهم إلا يزيد وأهل بيته ومن معهم من أهل المصرين بخراسان ولم يكن يتخوف بعد عبد الرحمن بن محمد بالعراق غير يزيد ابن المهلب فأخذ الحجاج في مؤاربة يزيد ليستخرجه من خراسان فكان يبعث إليه ليأتيه فيعتل عليه بالعدو وحرب خراسان فمكث بذلك حتى كان آخر سلطان عبد الملك ثم إن الحجاج كتب إلى عبد الملك يشير عليه بعزل يزيد بن المهلب ويخبره بطاعة آل المهلب لابن الزبير وأنه لا وفاء لهم فكتب إليه عبد الملك إنى لا أرى تقصيرا بولد المهلب طاعتهم لآل الزبير ولا وفاءهم لهم فان طاعتهم ووفاءهم لهم هو دعاهم إلى طاعتي والوفاء لى ثم ذكر بقية الخبر نحو الذى ذكره على بن محمد (وفى هذه السنة) غزا المفضل باذغيس ففتحها ذكر الخبر عن ذلك ذكر على بن محمد عن المفضل بن محمد قال عزل الحجاج يزيد وكتب إلى المفضل بولايته على خراسان سنة 85 فوليها تسعة أشهر فغزا باذغيس ففتحها وأصاب مغنما فقسمه بين الناس فأصاب كل رجل منهم ثمانمائة درهم ثم غزا اخرون وشومان فظفر وغنم وقسم ما أصاب بين الناس ولم يكن للمفضل بيت مال كان يعطى الناس كلما جاءه شئ وإن غنم شيئا قسمه بينهم فقال كعب الاشقري يمدح المفضل: ترى ذا الغنى والفقر من كل معشر * عصائب شتى ينتوون المفضلا فمن زائر يرجو فواضل سيبه * وآخر يقضى حاجة قد ترحلا إذا ما انتوينا غير أرضك لم نجد * بها منتوى خيرا ولا متعللا

[ 195 ]

إذا ما عددنا الاكرمين ذوى النهى * وقد قدموا من صالح كنت أولا لعمري لقد صال المفضل صولة * أباحت بشومان المناهل والكلا ويوم ابن عباس تناولت مثلها * فكانت لنا بين الفريقين فيصلا صفت لك أخلاق المهلب كلها * وسربلت من مسعاته ما تسربلا أبوك الذى لم يسع ساع كسعيه * فأورث مجدا لم يكن متنحلا (وفى هذه السنة) قتل موسى بن عبد الله بن خازم السلمى بالترمذ ذكر سبب قتله ومصيره إلى الترمذ حتى قتل بها ذكر أن سبب مصيره إلى الترمذ كان أن أباه عبد الله بن خازم لما قتل من قتل من بنى تميم بفرتنا وقد مضى ذكرى خبر قتله إياهم تفرق عنه عظم من كان بقى معه منهم فخرج إلى نيسابور وخاف بنى تميم على ثقله بمرو فقال لابنه موسى حول ثقلى عن مرو وأقطع نهر بلخ حتى تلجأ إلى بعض الملوك أو إلى حصن تقيم فيه فشخص موسى من مرو في عشرين ومائتي فارس فأتى آمل وقد ضوى إليه قوم من الصعاليك فصار في أربعمائة وانضم إليه رجال من بنى سليم منهم زرعة بن علقمة فأتى زم فقاتلوه فظفر بهم وأصاب مالا وقطع النهر فأتى بخارى فسأل صاحبها أن يلجأ إليه فأبى وخافه وقال رجل فاتك وأصحابه مثله أصحاب حرب وشر فلا آمنه وبعث إليه بصلة عين ودواب وكسوة ونزل على عظيم من عظماء أهل بخارى في نوقان فقال له إنه لا خير لك في المقام في هذه البلاد وقد هابك القوم وهم لا يأمنونك فأقام عند دهقان نوقان أشهرا ثم خرج يلتمس ملكا يلجأ إليه أو حصنا فلم يأت بلدا إلا كرهوا مقامه فيهم وسألوه أن يخرج عنهم * قال على بن محمد فأتى سمرقند فأقام بها وأكرمه طرخون ملكها وأذن له في المقام فأقام ما شاء الله ولاهل الصغد مائدة يوضع عليها لحم ودك وخبز وابريق شراب وذلك في كل عام يوما يجعل ذلك لفارس الصغد فلا يقربه أحد غيره هو طعامه في ذلك اليوم فإن أكل منه أحد غيره بارزه فأيهما قتل صاحبه فالمائدة له فقال رجل من أصحاب موسى ما هذه المائدة فأخبر

[ 196 ]

عنها فسكت فقال صاحب موسى لآكلن ما على هذه المائدة ولا بارزن فارس الصغد فإن قتلته كنت فارسهم فجلس فأكل ما عليها وقيل لصاحب المائدة فجاء مغضبا فقال يا عربي بارزنى قال نعم وهل أريد إلا المبارزة فبارزه فقتله صاحب موسى فقال ملك الصغد أنزلتكم وأكرمتكم فقتلتم فارس الصغد لو لا أنى أعطيتك وأصحابك الامان لقتلتكم اخرجوا عن بلدي ووصله فخرج موسى فأتى كس فكتب صاحب كس إلى طرخون يستنصره فأتاه فخرج إليه موسى في سبعمائة فقاتلهم حتى أمسوا وتحاجزوا وبأصحاب موسى جراح كثير فلما أصبحوا أمرهم موسى فحلقوا رؤوسهم كما يصنع الخوارج وقطعوا صفنات أخبيتهم كما يصنع العجم إذا استماتوا وقال موسى لزرعة بن علقمة انطلق إلى طرخون فاحتل له فأتاه فقال له طرخون لم صنع أصحابك ما صنعوا قال استقتلوا فما حاجتك إلى أن تقتل أيها الملك موسى وتقتل فإنك لا تصل إليه حتى يقتل مثل عدتهم منكم ولو قتلته وإياهم جميعا ما نلت حظا لان له قدرا في العرب فلا يلى أحد خراسان إلا طالبك بدمه فإن سلمت من واحد لم تسلم من آخر قال ليس إلى ترك كس في يده سبيل قال فكف عنه حتى يرتحل فكف وأتى موسى الترمذ وبها حصن يشرف على النهر إلى جانب منه فنزل موسى على بعض دهاقين الترمذ خارجا من الحصن والدهقان مجانب لترمذ شاه فقال لموسى إن صاحب الترمذ متكرم شديد الحياء فإن ألطفته وأهديت إليه أدخلك حصنه فإنه ضعيف قال كلا ولكني أسأله أن يدخلنى حصنه فسأله فأبى فما كره موسى وأهدى له وألطفه حتى لطف الذى بينهما وخرج فتصيد معه وكثر الطاف موسى له فصنع صاحب الترمذ طعاما وأرسل إليه إنى أحب أكرمك فتغد عندي وائتنى في مائة من أصحابك فانتخب موسى من أصحابه مائة فدخلوا على خيولهم فلما صارت في المدينة تصاهلت فتطير أهل الترمذ وقالوا لهم انزلوا فنزلوا فأدخلوا بيتا خمسين في خمسين وغدوهم فلما فرغوا من الغداء اضطجع موسى فقالوا له اخرج قال لا أصيب منزلا مثل هذا فلست بخارج منه حتى يكون بيتى أو قبري وقاتلوهم في المدينة فقتل من أهل الترمذ عدة وهرب الآخرون فدخلوا منازلهم وغلب موسى على المدينة وقال لترمذ شاه

[ 197 ]

اخرج فإنى لست أعرض لك ولا لاحد من أصحابك فخرج الملك وأهل المدينة فأتوا الترك يستنصرونهم فقالوا دخل إليكم مائة رجل فأخرجوكم عن بلادكم وقد قاتلناهم بكس فنحن لا نقاتل هؤلاء فأقام ابن خازم بالترمذ ودخل إليه أصحابه وكانوا سبعمائة فأقام فلما قتل أبوه انضم إليه من أصحاب أبيه أربعمائة فارس فقوى فكان يخرج فيغير على من حوله قال فأرسل الترك قوما إلى أصحاب موسى ليعلموا علمه فلما قدموا قال موسى لاصحابه لا بد من مكيدة لهؤلاء قال وذلك في أشد الحر فأمر بنار فأججت وأمر أصحابه فلبسوا ثياب الشتاء ولبسوا فوقها لبودا ومدوا أيديهم إلى النار كأنهم يصطلون وأذن موسى للترك فدخلوا ففزعوا مما رأوا وقالوا لم صنعتم هذا قالوا نجد البرد في هذا الوقت ونجد الحر في الشتاء فرجعوا وقالوا جن لا نقاتلهم قال وأراد صاحب الترك أن يغزو موسى فوجه إليه رسلا وبعث بسم ونشاب في مسك وإنما أراد بالسم أن حربهم شديدة والنشاب الحرب والمسك السلم فاختر الحرب أو السلم فأحرق السلم وكسر النشاب ونثر المسك فقال القوم لم يريدوا الصلح وأخبر أن حربهم مثل النار وأنه يكسرنا فلم يغزهم قال فولى بكير بن وشاح خراسان فلم يعرض له ولم يوجه إليه أحدا ثم قدم أمية فسار بنفسه يريده فخالفه بكير وخلع فرجع إلى مرو فلما صالح أمية بكيرا أقام عامه ذلك فلما كان في قابل وجه إلى موسى رجلا من خزاعة في جمع كثير فعاد أهل الترمذ إلى الترك فاستنصروهم فأبوا فقالوا لهم قد غزاهم قوم منهم وحصروهم فان أعناهم عليهم ظفرنا بهم فسارت الترك مع أهل الترمذ في جمع كثير فأطاف بموسى الترك والخزاعي فكان يقاتل الخزاعى أول النهار والترك آخر النهار فقاتلهم شهرين أو ثلاثة فقال موسى لعمرو بن خالد بن حصين الكلابي وكان فارسا قد طال أمرنا وأمر هؤلاء وقد أجمعت أن أبيت عسكر الخزاعى فانهم للبيات آمنون فما ترى قال البيات نعما هو وليكن ذلك بالعجم فإن العرب أشد حذرا وأسرع فزعا وأجرأ على الليل من العجم فبيتهم فإنى أرجوا أن ينصرنا الله عليهم ثم ننفرد لقتال الخزاعى فنحن في

[ 198 ]

حصن وهم بالعراء وليسوا بأولى بالصبر ولا أعلم بالحرب منا قال فأجمع موسى على بيات الترك فلما ذهب من الليل ثلثه خرج في أربعمائة وقال لعمرو بن خالد اخرجوا بعدنا وكونوا منا قريبا فإذا سمعتم تكبيرنا فكبروا وأخذ على شاطئ النهر حتى ارتفع فوق العسكر ثم أخذ من ناحية كفتان فلما قرب من عسكرهم جعل أصحابه أرباعا ثم قال أطيفوا بعسكرهم فإذا سمعتم تكبيرنا فكبروا وأقبل وقدم عمرا بين يديه ومشوا خلفه فلما رأته أصحاب الارصاد قالوا من أنتم قالوا عابرى سبيل قال فلما جازوا الرصد تفرقوا وأطافوا بالعسكر وكبروا فلم يشعر الترك إلا بوقع السيوف فثاروا يقتل بعضهم بعضا وولوا وأصيب من المسلمين ستة عشر رجلا وحووا عسكرهم وأصابوا سلاحا ومالا وأصبح الخزاعى وأصحابه قد كسرهم ذلك وخافوا مثلها من البيات فتحذروا فقال لموسى عمرو بن خالد إنك لا تظفر إلا بمكيدة ولهم أمداد وهم يكثرون فدعني آتهم لعلى أصيب من صاحبهم فرصة إنى إن خلوت به قتلته فتناولنى بضرب قال تتعجل الضرب وتتعرض للقتل قال أما التعرض للقتل فأنا كل يوم متعرض له وأما الضرب فما أيسره في جنب ما أريد فتناوله بضرب ضربه خمسين سوطا فخرج من عسكر موسى فاتى عسكر الخزاعى مستأمنا وقال أنا رجل من أهل اليمن كنت مع عبد الله بن خازم فلما قتل أتيت ابنه فلم أزل معه وكنت أول من أتاه فلما قدمت اتهمني وتعصب على وتنكر لى وقال لى قد تعصبت لعدونا فأنت عين له فضربني ولم آمن القتل وقلت ليس بعد الضرب إلا القتل فهربت منه فآمنه الخزاعى وأقام معه قال فدخل يوما وهو خال ولم ير عنده سلاحا فقال كأنه ينصح له أصلحك الله إن مثلك في مثل حالك لا ينبغى أن يكون في حال من أحواله بغير سلاح فقال إن معى سلاحا فرفع صدر فراشه فإذا سيف منتضى فتناوله عمرو فضربه فقتله وخرج فركب فرسه ونذروا به بعد ما أمعن فطلبوه ففاتهم فأتى موسى وتفرق ذلك الجيش فقطع بعضهم النهر وأتى بعضهم موسى مستأمنا فآمنه فلم يوجه إليه أمية أحدا قال وعزل أمية وقدم المهلب أميرا فلم يعرض لابن خازم وقال لبنيه إياكم وموسى

[ 199 ]

فانكم لا تزالون ولاة هذا الثغر ما أقام هذا الثط بمكانه فان قتل كان أول طالع عليكم أميرا على خراسان رجل من قيس فمات المهلب ولم يوجه إليه أحدا ثم تولى يزيد بن المهلب فلم يعرض له وكان المهلب ضرب حريث بن قطبة الخزاعى فخرج هو وأخوه ثابت إلى موسى فلما ولى يزيد بن المهلب أخذ أموالهما وحرمهما وقتل أخاهما لا مهما الحارث بن منقذ وقتل صهرا لهما كانت عنده أم حفص ابنة ثابت فبلغهما ما صنع يزيد قال فخرج ثابت إلى طرخون فشكا إليه ما صنع به وكان ثابت محببا في العجم بعيد الصوت يعظمونه ويتقون به فكان الرجل منهم إذا أعطى عهدا يريد الوفاء به حلف بحياة ثابت فلا يغدر فغضب له طرخون وجمع له نيزك والسبل وأهل بخارى والصغانيا فقدموا مع ثابت إلى موسى بن عبد الله وقد سقط إلى موسى فل عبد الرحمن بن العباس من هراة وفل ابن الاشعث من العراق ومن ناحية كابل وقوم من بنى تميم ممن كان يقاتل ابن خازم في الفتنة من أهل خراسان فاجتمع إلى موسى ثمانية آلاف من تميم وقيس وربيعة واليمن فقال له ثابت وحريث سر حتى تقطع النهر فتخرج يزيد بن المهلب عن خراسان ونوليك فإن طرخون ونيزك والسبل وأهل بخارى معك فهم أن يفعل فقال له أصحابه إن ثابتا وأخاه خائفان ليزيد وإن أخرجت يزيد عن خراسان وأمنا توليا الامر وغلباك على خراسان فأقم مكانك فقبل رأيهم وأقام بالترمذ وقال لثابت إن أخرجنا يزيد قدم عامل لعبد الملك ولكنا نخرج عمال يزيد من وراء النهر مما يلينا وتكون هذه الناحية لنا نأكلها فرضى ثابت بذلك وأخرج من كان من عمال يزيد من وراء النهر وحملت إليهم الاموال وقوى أمرهم وأمر موسى وانصرف طرخون ونيزك وأهل بخارى والسبل إلى بلادهم وتدبير الامر لحريث وثابت والامير موسى ليس له غير الاسم فقال لموسى أصحابه لسنا نرى من الامر في يديك شيئا أكثر من اسم الامارة فأما التدبير فلحريث وثابت فاقتلهما وتول الامر فأبى وقال ما كنت لا غدر بهما وقد قويا أمرى فحسدوهما وألحوا على موسى في أمرهما حتى أفسدوا قلبه وخوفوه غدرهما وهم بمتابعتهم على الوثوب بثابت

[ 200 ]

وحريث واضطرب أمرهم فإنهم لفى ذلك إذ خرجت عليهم الهياطلة والتبت والترك فأقبلوا في سبعين ألفا لا يعدون الحاسر ولا صاحب بيضة جماء ولا يعدون إلا صاحب بيضة ذات قونس قال فخرج ابن خازم إلى ربض المدينة في ثلثمائة راجل وثلاثين مجففا وألقى له كرسى فقعد عليه قال فأمر طرخون أن يثلم حائط الربض فقال موسى دعوهم فهدموا ودخل أوائلهم فقال دعوهم يكثرون وجعل يقلب طبرزينا بيده فلما كثروا قال الآن امنعوهم فركب وحمل عليهم فقاتلهم حتى أخرجهم عن الثلمة ثم رجع فجلس على الكرسي ودمر الملك أصحابه ليعودوا فأبوا فقال لفرسانه هذا الشيطان من سره أن ينظر إلى رستم فلينظر إلى صاحب الكرسي فمن أبى فليقدم عليه ثم تحولت الاعاجم إلى رستاق كفتان قال فأغاروا على سرح موسى فاغتم ولم يطعم وجعل يعبث بلحيته فسار ليلا على نهر في حافتيه نبات لم يكن فيه ماء وهو يفضى إلى خندقهم في سبعمائة فأصبحوا عند عسكرهم وخرج السرح فأغار عليه فاستاقه واتبعه قوم منهم فعطف عليه سوار مولى لموسى فطعن رجلا منهم فصرعه فرجعوا عنهم وسلم موسى بالسرح قال وغاداهم العجم القتال فوقف ملكهم على تل في عشرة آلاف في أكمل عدة فقال موسى إن أزلتم هؤلاء فليس الباقون بشئ فقصد لهم حريث بن قطبة فقاتلهم صدر النهار وألح عليهم حتى أزالوهم عن التل ورمى يومئذ حريث بنشابة في جهته فتحاجزوا فبيتهم موسى وحمل أخوه خازم بن عبد الله بن خازم حتى وصل إلى شمعة ملكهم فوجأ رجلا منهم بقبيعة سيفه فطعن فرسه فاحتمله فألقاه في نهر بلخ فغرق وعليه درعان فقتل العجم قتلا ذريعا ونجا منهم من نجا بشر ومات حريث بن قطبة بعد يومين فدفن في قبته قال وارتحل موسى وحملوا الرؤس إلى الترمذ فبنوا من تلك الرؤس جوسقين وجعلوا الرؤس يقابل بعضها بعضا وبلغ الحجاج خبر الوقعة فقال الحمد لله الذى نصر المنافقين على الكافرين فقال أصحاب موسى قد كفينا أمر حريث فأرحنا من ثابت فأبى وقال لا وبلغ ثابتا بعض ما يخوضون فيه فدس محمد بن عبد الله بن مرثد الخزاعى عم نصر بن عبد الحميد

[ 201 ]

عامل أبى مسلم على الرى وكان في خدمة موسى عبد الله وقال له إياك أن تتكلم بالعربية وان سألوك من أين أنت فقل من سبى الباميان فكان يخدم موسى وينقل إلى ثابت خبرهم فقال له تحفظ ما يقولون وحذر ثابت فكان لا ينام حتى يرجع الغلام وأمر قوما من شاكريته يحرسونه ويبيتون عنده في داره ومعهم قوم من العرب وألح القوم على موسى فأضجروه فقال لهم ليلة قد أكثرتم على وفيها تريدون هلاككم وقد أبرمتمونى فعلى أي وجه تفتكون به وأنا لا أغدر به فقال نوح بن عبد الله أخو موسى خلنا وإياه فإذا غدا إليك عدوة عدلنا به إلى بعض الدور فضربنا عنقه فيها قبل أن يصل إليك قال أما والله إنه لهلاككم وأنتم أعلم والغلام يسمع فأتى ثابتا فأخبره فخرج من ليلته في عشرين فارسا فمضى وأصبحوا وقد ذهب فلم يدروا من أين أوتوا وفقدوا الغلام فعلموا أنه كان عينا له عليهم ولحق ثابت بحشورا فنزل المدينة وخرج إليه قوم كثير من العرب والعجم فقال موسى لاصحابه قد فتحتم على أنفسكم بابا فسدوه وسار إليه موسى فخرج إليه ثابت في جمع كثير فقاتلهم فأمر موسى بإحراق السور وقاتلهم حتى ألجؤا ثابتا وأصحابه إلى المدينة وقاتلوهم عن المدينة فأقبل رقبة بن الحر العنبري حتى اقتحم النار فانتهى إلى باب المدينة ورجل من أصحاب ثابت واقف يحمى أصحابه فقتله ثم رجع فخاض النار وهى تلتهب وقد أخذت بجوانب نمط عليه فرمى به عنه ووقف وتحصن ثابت في المدينة وأقام موسى في الربض وكان ثابت حين شخص إلى حشورا أرسل إلى طرخون فأقبل طرخون معينا له وبلغ موسى مجئ طرخون فرجع إلى الترمذ وأعانه أهل كس ونسف وبخاري فصار ثابت في ثمانين ألفا فحصروا موسى وقطعوا عنه المادة حتى جهدوا قال وكان أصحاب ثابت يعبرون نهرا إلى موسى بالنهار ثم يرجعون بالليل إلى عسكرهم فخرج يوما رقبة وكان صديقا لثابت وقد كان ينهى أصحاب موسى عما صنعوا فنادى ثابتا فبرز له وعلى رقبة قباء خز فقال له كيف حالك يا رقبة فقال ما تسأل عن رجل عليه جبة خز في حمارة القيظ وشكا إليه حالهم فقال أنتم صنعتم هذ بأنفسكم فقال أما والله ما دخلت في أمرهم

[ 202 ]

ولقد كرهت ما أرادوا فقال ثابت أين تكون حتى يأتيك ما قدر لك قال أنا عند المحل الطفاوى رجل من قيس من يعصر وكان المحل شيخا صاحب شراب فنزل رقبة عنده قال فبعث ثابت إلى رقبة بخمسمائة درهم مع على بن المهاجر الخزاعى وقال إن لنا تجارا قد خرجوا من بلخ فإذا بلغك أنهم قد قدموا فأرسل إلى تأتك حاجتك فأتى على باب المحل فدخل فإذا رقبة والمحل جالسان بينهما جفنة فيها شراب وخوان عليه دجاج وأرغفة ورقبة شعث الرأس متوشح بملحفة حمراء فدفع إليه الكيس وأبلغه الرسالة وما كلمه وتناول الكيس وقال له بيده اخرج ولم يكلمه قال وكان رقبة جسيما كبيرا غائر العينين ناتئ الوجنتين مفلج بين كل سنين له موضع سن كأن وجهه ترس قال فلم أضاق أصحاب موسى واشتد عليهم الحصار قال يزيد بن هزيل إنما مقام هؤلاء مع ثابت والقتل أحسن من الموت جوعا والله لافتكن بثابت أو لاموتن فخرج إلى ثابت فاستأمنه فقال له ظهير أنا أعرف بهذا منك إن هذا لم يأتك رغبة فيك ولا جزعا لك ولقد جاءك بغدرة فاحذره وخلنى وإياه فقال ما كنت لا قدم على رجل أتانى لا أدرى أكذلك هو أم لا قال فدعني أرتهن منه رهنا فأرسل ثابت إلى يزيد فقال أما أنا فلم أكن أظن رجلا يغدر بعد ما يسأل الامان وابن عمك أعلم بك منى فانظر ما يعاملك عليه فقال يزيد لظهير أبيت يا أبا سعيد إلا حسدا قال أما يكفيك ما ترى من الذل تشردت عن العراق وعن أهلى وصرت بخراسان فيما ترى أفما تعطفك الرحم فقال له ظهير أما والله لو تركت ورأيى فيك لما كان هذا ولكن أرهنا ابنيك قدامة والضحاك فدفعهما إليهم فكانا في يدى سهير قال وأقام يزيد يلتمس غرة ثابت لا يقدر منه على ما يريد حتى مات ابن لزياد القصير الخزاعى أتى أباه نعيه من مرو فخرج ثابت متفضلا إلى زياد ليعزيه ومعه ظهير ورهط من أصحابه وفيهم يزيد ابن هزيل وقد غابت الشمس فلما صار على نهر الصغانيان تأخر يزيد بن هزيل ورجلان معه وقد تقدم ظهير وأصحابه فدنا يزيد من ثابت فضربه فعض السيف برأسه فوصل إلى الدماغ قال ورمى يزيد وصاحباه بأنفسهم في نهر الصغانيان

[ 203 ]

فرموهم فنجا يزيد سباحة وقتل صاحباه وحمل ثابت إلى منزله فلما أصبح طرخون أرسل إلى ظهير ائتنى بابنى يزيد فأتاه بهما فقدم ظهير الضحاك بن يزيد فقتله ورمى به وبرأسه في النهر وقدم قدامة ليقتله فالتفت فوقع السيف في صدره ولم يبن فألقاه في النهر حيا فغرق فقال طرخون أبو هما قتلهما وغدره فقال يزيد ابن هزيل لاقتلن بابنى كل خزاعي بالمدينة فقال له عبد الله بن بديل بن عبد الله ابن بديل بن ورقاء وكان ممن أتى موسى من فل بن الاشعث لو رمت ذاك من خزاعة لصعب عليك وعاش ثابت سبعة أيام ثم مات وكان يزيد بن هزيل سخيا شجاعا شاعرا ولى أيام بن زياد جزيرة ابن كاوان فقال قد كنت أدعو الله في السر مخلصا * ليمكننى من جزية ورجال فأترك فيها ذكر طلحة خاملا * ويحمد فيها نائلي وفعالى قال فقام بأمر العجم بعد موت ثابت طرخون وقام ظهير بأمر أصحاب ثابت فقاما قياما ضعيفا وانتشر أمرهم فأجمع موسى على بياتهم فجاء رجل فأخبر طرخون فضحك وقال موسى يعجز أن يدخل متوضأه فكيف يبيتنا لقد طار قلبك لا يحرسن الليلة أحد العسكر فلما ذهب من الليل ثلثه خرج موسى في ثمانمائة قد عباهم من النهار وصيرهم أرباعا قال فصير على ربع رقبة ابن الحر وعلى ربع أخاه نوح بن عبد الله ابن خازم وعلى ربع يزيد ابن هزيل وصار هو في ربع وقال لهم إذا دخلتم عسكرهم فتفرقوا ولا يمرن أحد منكم بشئ الا ضربه فدخلوا عسكرهم من أربع نواح لا يمرون بدابة ولا رجل ولا خباء ولا جولق إلا ضربوه وسمع الوجبة نيزك فلبس سلاحه ووقف في ليلة مظلمة وقال لعلى بن المهاجر الخزاعى انطلق إلى طرخون فأعلمه موقفي وقل له ما ترى أعمل به فأتى طرخون فإذا هو في فازة قاعد على كرسى وشاكريته قد أوقدوا النيران بين يديه فأبلغه رسالة نيزك فقال اجلس وهو طامح ببصره نحو العسكر والصوت إذ أقبل محمية السلمى وهو يقول حم لا ينصرون فتفرق في الشاكرية ودخل محمية الفازة وقام إليه طرخون فبدره فضربه فلم يغن شيئا قال وطعنه طرخون بذباب السيف في صدره فصرعه

[ 204 ]

ورجع إلى الكرسي فجلس عليه وخرج محمية يعدو قال ورجعت الشاكرية فقال لهم طرخون فررتم من رجل أرأيتم لو كان نارا هل كانت تحرق منكم أكثر من واحد فما فرغ من كلامه حتى دخل جواريه الفازة وخرج الشاكرية هرابا فقال للجواري اجلسن وقال لعلى بن المهاجر قم قال فخرجا فإذا نوح بن عبد الله ابن خازم في السرادق فتجاولا ساعة واختلفا ضربتين فلم يصنعا شيئا وولى نوح وأتبعه طرخون فطعن فرس نوح في خاصرته فشب فسقط نوح والفرس في نهر الصغابيان ورجع طرخون وسيفه يقطر دما حتى دخل السرادق وعلى ابن المهاجر معه ثم دخلا الفازة وقال طرخون للجواري ارجعن فرجعن إلى السرادق وأرسل طرخون إلى موسى كف أصحابك فانا نرتحل إذا أصبحنا فرجع موسى إلى عسكره فلما أصبحوا ارتحل طرخون والعجم جميعا فأتى كل قوم بلادهم قال وكان أهل خراسان يقولون ما رأينا مثل موسى بن عبد الله بن خازم ولا سمعنا به قاتل مع أبيه سنتين ثم خرج يسير في بلاد خراسان حتى أتى ملكا فغلبه على مدينته وأخرجه منها ثم سارت إليه الجنود من العرب والترك فكان يقاتل العرب أول النهار والعجم آخر النهار وأقام في حصنه خمس عشرة سنة وصار ما وراء النهر لموسى لا يعازه فيه أحد قال وكان بقومس رجل يقال له عبد الله يجتمع إليه فتيان يتنادمون عنده في مؤونته ونفقته فلزمه دين فأتى موسى بن عبد الله فأعطاه أربعة آلاف فأتى بها أصحابه فقال الشاعر يعاتب رجلا يقال له موسى فما أنت موسى إذ يناجى إلهه * ولا واهب القينات موسى بن خازم قال فلما عزل يزيدو ولى المفضل خراسان أراد أن يحظى عند الحجاج بقتال موسى بن عبد الله فأخرج عثمان بن مسعود وكان يزيد حبسه فقال إنى أريد أن أوجهك إلى موسى بن عبد الله فقال والله لقد وترنى وإنى لثائر بابن عمتى ثابت وبالخزاعي وما يد أبيك وأخيك عندي وعند أهل بيتى بالحسنة لقد حبستموني وشردتم بنى عمى واصطفيتم أموالهم فقال له المفضل دع هذا عنك وسر فأدرك بثأرك فوجهه في ثلاثة آلاف وقال له مر مناديا فليناد من لحق بنا فله ديوان فنادى

[ 205 ]

بذلك في السوق فسارع إليه الناس وكتب المفضل إلى مدرك وهو ببلخ أن يسير معه فخرج فلما كان ببلخ خرج ليلة يطوف في العسكر فسمع رجلا يقول قتلته والله فرجع إلى أصحابه فقال قتلت موسى ورب الكعبة قال فأصبح فسار من بلخ وخرج مدرك معه متثاقلا فقطع النهر فنزل جزيرة بالترمذ يقال لها اليوم جزيرة عثمان لنزول عثمان بها في خمسة عشر ألفا وكتب إلى السبل وإلى طرخون فقدموا عليه فحصروا موسى فضيقوا عليه وعلى أصحابه فخرج موسى ليلا فأتى كفتان فامتار منها ثم رجع فمكث شهرين في ضيق وقد خندق عثمان وحذر البيات فلم يقدر موسى منه على غرة فقال لاصحابه حتى متى اخرجوا بنا فاجعلوا يومكم إما ظفرتم وإما قتلتم وقال لهم اقصدوا اللصغد والترك فخرج وخلف النضر بن سليمان بن عبد الله ابن خازم في المدينة وقال له ان قتلت فلا تدفعن المدينة إلى عثمان وادفعها إلى مدرك بن المهلب وخرج فصير ثلث أصحابه بإزاء عثمان وقال لا تهايجوه إلا أن يقاتلكم وقصد لطرخون وأصحابه فصدقوهم فانهزم طرخون والترك وأخذوا عسكرهم فجعلوا ينقلونه ونظر معاوية بن خالد بن أبى برزة إلى عثمان وهو على برذون لخالد بن أبى برزة الاسلمي فقال أنزل أيها الامير فقال خالد لا تنزل فان معاوية مشؤم وكرت الصغد والترك راجعة فحالوا بين موسى وبين الحصن فقاتلهم فعقر به فسقط فقال لمولى له احملني فقال الموت كريه ولكن ارتدف فان نجونا نجونا جميعا وإن هلكنا هلكنا جميعا قال فارتدف فنظر إليه عثمان حين وثب فقال وثبة موسى ورب الكعبة وعليه مغفر له موشى بخز أحمر في أعلاه ياقوتة اسمانجونية فخرج من الخندق فكشفوا أصحاب موسى فقصد لموسى وعثرت دابة موسى فسقط هو ومولاه فابتدروه فانطووا عليه فقتلوه ونادى منادى عثمان لا تقتلوا أحدا من لقيتموه فخذوه أسيرا قال فتفرق أصحاب موسى وأسر منهم قوم فعرضوا على عثمان فكان إذا أتى بأسير من العرب قال دماؤنا لكم حلال ودماؤكم علينا حرام ويأمر بقتله وإذا أتى بأسير من الموالى شتمه وقال هذه العرب تقاتلني فهلا غضبت لى فيأمر به فيشدخ وكان فظا غليظا فلم يسلم عليه يومئذ أسير إلا عبد الله بن بديل بن عبد الله

[ 206 ]

ابن بديل بن ورقاء فانه كان مولاه فلما نظر إليه أعرض عنه وأشار بيده أن خلوا عنه ورقبة بن الحر لما أتى به نظر إليه وقال ما كان من هذا الينا كبير ذنب وكان صديقا لثابت وكان مع قوم فوفى لهم والعجب كيف أسرتموه قالوا طعن فرسه فسقط عنه في وهدة فأسر فأطلقه وحمله وقال لخالد بن أبى برزة ليكن عندك قال وكان الذى أجهز على موسى بن عبد الله واصل بن طيسلة العنبري ونظر يومئذ عثمان إلى زرعة بن علقمة السلمى والحجاج بن مروان وسنان الاعرابي ناحية ناحية فقال لكم الامان فظن الناس انه لم يؤمنهم حتى كاتبوه قال وبقيت المدينة في يدى النضر بن سليمان بن عبد الله بن خازم فقال لا أدفعها إلى عثمان ولكني أدفعها إلى مدرك فدفعها إليه وآمنه فدفعها مدرك إلى عثمان وكتب المفضل بالفتح إلى الحجاج فقال الحجاج العجب من ابن بهلة آمره بقتل ابن سمرة فيكتب إلى إنه قتل موسى بن عبد الله بن خازم قال وقتل موسى سنة 85 فذكر البحترى أن مغراء بن المغيرة بن أبى صفرة قتل موسى فقال وقد عركت بالترمذ الخيل خازما * ونوحا وموسى عركة بالكلاكل قال فضرب رجل الجند ساق موسى فلما ولى قتيبة أخبر عنه فقال ما دعاك إلى ما صنعت بقتى العرب بعد موته قال كان قتل أخى فأمر به قتيبة فقتل بين يديه (وفى هذه السنة) أراد عبد الملك بن مروان خلع أخيه عبد العزيز بن مروان ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهما فيه * ذكر الواقدي ان عبد الملك هم بذلك فنهاه عنه قبيصة بن ذؤيب وقال لا تفعل هذا فإنك باعث على نفسك صوت نعار ولعل الموت يأتيه فتستريح منه فكف عبد الملك عن ذلك ونفسه تنازعه إلى أن يخلعه ودخل عليه روح بن زنباع الجذامي وكان أجل الناس عند عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين لو خلعته ما انتطح فيه عنزان فقال ترى ذلك يا أبا زرعة قال إى والله وأنا أول من يجيبك إلى ذلك فقال نصيح ان شاء الله قال فبينا هو على ذلك وقد نام عبد الملك وروح بن زنباع إذ دخل عليها قبيصة بن ذؤيب طروقا وكان عبد الملك قد تقدم إلى حجابه

[ 207 ]

فقال لا يحجب عنى قبيصة أي ساعة جاء من ليل أو نهار إذا كنت خاليا أو عندي رجل واحد وان كنت عند النساء أدخل المجلس وأعلمت بمكانه فدخل وكان الخاتم إليه وكانت السكة إليه تأتيه الاخبار قبل عبد الملك ويقرأ الكتاب قبله ويأتى بالكتاب إلى عبد الملك منشورا فيقرأه إعظاما لقبيصة فدخل عليه فسلم عليه وقال آجرك الله يا أمير المؤمنين في أخيك عبد العزيز قال وهل توفى قال نعم فاسترجع عبد الملك ثم أقبل على روح فقال كفانا الله أبا زرعة ما كنا نريد وما أجمعنا عليه وكان ذلك مخالفا لك يا أبا اسحاق فقال قبيصة ما هو فأخبره بما كان فقال قبيصة يا أمير المؤمنين إن الرأى كله في الاناة والعجلة فيها ما فيها فقال عبد الملك ربما كان في العجلة خير كثير رأيت أمر عمرو بن سعيد ألم تكن العجلة فيه خيرا من التأني (وفى هذه السنة) توفى عبد العزيز بن مروان بمصر في جمادى الاولى فضم عبد الملك عمله إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك وولاه مصر وأما المدائني فانه قال في ذلك ما حدثنا به أبو زيد عنه أن الحجاج كتب إلى عبد الملك يزين له بيعة الوليد وأوفد وفدا في ذلك عليهم عمران بن عصام العنزي فقام عمران خطيبا فتكلم وتكلم الوفد وحثوا عبد الملك وسألوه ذلك فقال عمران بن عصام أمير المؤمنين إليك نهدى * على النأى التحية والسلاما أجبني في بنيك يكن جوابي * لهم عادية ولنا قواما فلو أن الوليد أطاع فيه * جعلت له الخلافة والذماما شبيهك حول قبته قريش * به يستمطر الناس الغماما ومثلك في التقى لم يصب يوما * لدن خلع القلائد والتماما فإن تؤثر أخاك بها فإنا * وجدك لا نطق لها اتهاما ولكنا نحاذر من بنيه * بنى العلات مأثرة سماما ونخشى أن جعلت الملك فيهم * سحابا أن تعود لهم جهاما فلا يك ما حلبت غدا لقوم * وبعد غد بنوك هم العياما فأقسم لو تخطأني عصام * بذلك ما عذرت به عصاما

[ 208 ]

ولو أنى حبوت أخا بفضل * أريد به المقالة والمقاما لعقب في بنى على بنيه * كذلك أو لرمت له مراما فمن يك في أقاربه صدوع * فصدع الملك أبطأه التئاما فقال عبد الملك يا عمران انه عبد العزيز قال احتل له يا أمير المؤمنين قال على أراد عبد الملك بيعة الوليد قبل أمر ابن الاشعث لان الحجاج بعث في ذلك عمران بن عصام فلما أبى عبد العزيز أعرض عبد الملك عما أراد حتى مات عبد العزيز ولما أراد أن يخلع أخاه عبد العزيز ويبايع لابنه الوليد كتب إلى أخيه إن رأيت أأتصير هذا الامر لابن أخيك فأبى فكتب إليه فاجعلها له من بعدك فانه أعز الخلق على أمير المؤمنين فكتب إليه عبد العزيز إنى أرى في أبى بكر بن عبد العزيز ما ترى في الوليد فقال عبد الملك اللهم ان عبد العزيز قطعني فاقطعه فكتب إليه عبد الملك احمل خراج مصر فكتب إليه عبد العزيز يا أمير المؤمنين انى واياك قد بلغنا سنا لم يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلا وإنى لا أدرى ولا تدرى أينا يأتيه الموت أولا فان رأيت أن لا تغثث على بقية عمرى فافعل فرق له عبد الملك وقال لعمري لا أغثث عليه بقية عمره وقال لا بنيه إن يرد الله أن يعطيكموها لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك وقال لا بنيه الوليد وسليمان هل قارفتما حراما قط قالا لا والله قال الله أكبر نلتماها ورب الكعبة قال فلما أبى عبد العزيز أن يجيب عبد الملك إلى ما أراد قال عبد الملك اللهم قد قطعني فاقطعه فلما مات عبد العزيز قال أهل الشأم رد على أمير المؤمنين أمره فدعا عليه فاستجيب له قال وكتب الحجاج إلى عبد الملك يشير عليه أن يستكتب محمد بن يزيد الانصاري وكتب إليه إن أردت رجلا مأمونا فاضلا عاقلا وديعا مسلما كتوما تتخذه لنفسك وتضع عنده سرك وما لا تحب أن يظهر فاتخذ محمد بن يزيد فكتب إليه عبد الملك احمله إلى فحمله فاتخذه عبد الملك كاتبا قال محمد فلم يكن يأتيه كتاب إلا دفعه إلى ولا يستر شيئا إلا أخبرني به وكتمه الناس ولا يكتب إلى عامل من عماله إلا أعلمنيه فإنى لجالس يوما نصف النهار إذا أنا ببريد قد قدم من مصر فقال الاذن على أمير المؤمنين

[ 209 ]

قلت ليست هذه ساعة إذن فأعلمني ما قد قدمت له قال لا قلت فإن كان معك كتاب فادفعه إلى قال لا قال فأبلغ بعض من حضرني أمير المؤمنين فخرج فقال ما هذا قلت رسول قدم من مصر قال فخذ الكتاب قلت زعم أنه ليس معه كتاب قال فسله عما قدم له قلت قد سألته فلم يخبرني قال أدخله فأدخلته فقال آجرك الله يا أمير المؤمنين في عبد العزيز فاسترجع وبكى ووجم ساعة ثم قال يرحم الله عبد العزيز مضى والله عبد العزيز لشأنه وتركنا وما نحن فيه ثم بكى النساء وأهل الدار ثم دعاني من غد فقال إن عبد العزيز رحمه الله قد مضى لسبيله ولا بد الناس من علم وقائم يقوم بالامر من بعدى فمن ترى قلت يا أمير المؤمنين سيد الناس وأرضاهم وأفضلهم الوليد بن عبد الملك قال صدقت وفقك الله فمن ترى أن يكون بعده قلت يا أمير المؤمنين أين تعد لها عن سليمان فتى العرب قال وفقت أما إنا لو تركنا الوليد وإياها لجعلها لبنيه اكتب عهدا للوليد وسليمان بن بعده فكتبت بيعة الوليد ثم سليمان من بعده فغضب على الوليد فلم يولنى شيأ حين أشرت بسليمان من بعده قال على عن ابن جعدبة كتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل المخزومى أن يدعو الناس لبيعة الوليد وسليمان فبايعوا غير سعيد بن المسيب فإنه أبى وقال لا أبايع وعبد الملك حى فضربه هشام ضربا مبرحا وألبسه المسوح وسرحه إلى ذباب ثنية بالمدينة كانوا يقتلون عندها ويصلبون فظن أنهم يريدون قتله فما انتهوا به إلى ذلك الموضع ردوه فقال لو ظننت أنهم لا يصلبوني ما لبست سراويل مسوح ولكن قلت يصلبونني فيسترنى وبلغ عبد الملك الخبر فقال قبح الله هشاما وإنما كان ينبغى أن يدعوه إلى البيعة فان أبى يضرب عنقه أو يكف عنه (وفى هذه السنة) بايع عبد الملك لا بنيه الوليد ثم من بعده لسليمان وجعلهما وليى عهد المسلمين وكتب ببيعته لهما إلى البلدان فبايع الناس وامتنع من ذلك سعيد بن المسيب فضربه هشام بن إسماعيل وهو عامل عبد الملك على المدينة وطاف به وحبسه فكتب عبد الملك إلى هشام يلومه على ما فعل من ذلك وكان ضربه ستين سوطا وطاف به في تبان شعر حتى بلغ به رأس الثنية وأما الحارث فإنه قال حدثنى ابن سعد عن محمد

[ 210 ]

ابن عمر الواقدي قال حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا قالوا استعمل عبد الله بن الزبير جابر بن الاسود بن عوف الزهري على المدينة فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير فقال سعيد بن المسيب لا حتى يجتمع الناس فضربه ستين سوطا فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إلى جابر يلومه وقال ما لنا ولسعيد دعه * وحدثني الحارث عن ابن سعد أن محمد بن عمر أخبره قال حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا أن عبد العزيز بن مروان توفى بمصر في جمادى سنة 84 فعقد عبد الملك لا بنيه الوليد وسليمان العهد وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان وعامله يومئذ هشام بن إسماعيل المخزومى فدعا الناس إلى البيعة فبايع الناس ودعا سعيد بن المسيب أن يبايع لهما فأبى وقال لا حتى أنظر فضربه هشام بن إسماعيل ستين سوطا وطاف به في تبان شعر حتى بلغ به رأس الثنية فلما كروا به قال أين تكرون بى قالوا إلى السجن قال والله لولا أنى ظننت أنه الصلب لما لبست هذا التبان أبدا فرده إلى السجن وحبسه وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه وما كان من أمره فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع ويقول سعيد والله كان أحوج أن تصل رحمه من أن تضربه وإنا لنعلم ما عنده من شقاق ولا خلاف (وحج) بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومى كذلك حدثنا أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وكان العامل على المشرق في هذه السنة مع العراق الحجاج ابن يوسف ثم دخلت سنة ست وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك هلاك عبد الملك بن مروان وكان مهلكه في النصف من شوال منها * حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال توفى عبد الملك بن مروان يوم الخميس للنصف من شوال سنة 86 فكانت خلافته ثلاث عشرة سنة وخمسة أشهر * وأما الحارث فإنه حدثنى عن ابن سعد

[ 211 ]

عن محمد بن عمر قال حدثنى شرحبيل بن أبى عون عن أبيه قال أجمع الناس على عبد الملك بن مروان سنة 73 قال ابن عمر وحدثني أبو معشر نجيح قال مات عبد الملك بن مروان بدمشق يوم الخميس للنصف من شوال سنة 86 فكانت ولايته منذ يوم بويع إلى يوم توفى إحدى وعشرين سنة وشهرا ونصفا كان تسع سنين منها يقاتل فيها عبد الله بن الزبير ويسلم عليه بالخلافة بالشأم ثم بالعراق بعد مقتل مصعب وبقى بعد مقتل عبد الله بن الزبير واجتماع الناس عليه ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر إلا سبع ليال * وأما على بن محمد المدائني فانه فيما حدثنا أبو زيد عنه قال مات عبد الملك سنة 86 بدمشق وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة عشر يوما ذكر الخبر عن مبلغ سنه يوم توفى اختلف أهل السير في ذلك فقال أبو معشر فيه ما حدثنى الحارث عن ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى أبو معشر نجيح قال مات عبد الملك بن مروان وله ستون سنة (قال الواقدي) وقد روى لنا أنه مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة قال والاول أثبت وهو على مولده قال وولد سنة 26 في خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه وشهد يوم الدار مع أبيه وهو ابن عشر سنين وقال المدائني على بن محمد فيما ذكر أبو زيد عنه مات عبد الملك وهو ابن ثلاث وستين سنة ذكر نسبه وكنيته أما نسبه فانه عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف وأما كنيته فأبو الوليد وأما عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبى العاص ابن أمية وله يقول ابن قيس الرقيات أنت ابن عائشة التى * فضلت أروم نسائها لم تلتفت للداتها * ومضت على غلوائها ذكر أولاده وأزواجه منهم الوليد وسليمان ومروان الاكبر درج وعائشة أمهم ولادة بنت العباس

[ 212 ]

ابن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث ابن قطيعة بن عبس بن بغيض ويزيد ومروان ومعاوية درج وأم كلثوم وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبى سفيان وهشام وأمه أم هشام بنت هشام ابن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومى وقال المدائني اسمها عائشة بنت هشام وأبو بكر واسمه بكار أمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله والحكم درج أمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان وفاطمة بنت عبد الملك أمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة وعبد الله ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير والحجاج لامهات أولاد * قال المدائني وكان له من النساء سوى من ذكرنا شقراء بنت سلمة بن حليس الطائى وابنة لعلى بن أبى طالب عليه السلام وأم أبيها بنت عبد الله بن جعفر * وذكر المدائني عن عوانة وغيره أن سلمة بن زيد بن وهب بن نباتة الفهمى دخل على عبد الملك فقال له أي الزمان أدركت أفضل وأى الملوك أكمل قال أما الملوك فلم أر إلا ذاما وحامدا وأما الزمان فيرفع اقواما ويضع اقواما وكلهم يذم زمانه لانه يبلى جديدهم ويهرم صغيرهم وكل ما فيه منقطع غير الامل قال فأخبرني عن فهم قال هم كما قال من قال درج الليل والنهار على فه‍ * م بن عمرو فأصبحوا كالرميم وخلت دارهم فأضحت يبابا * بعد عز وثروة ونعيم وكذلك الزمان يذهب بالنا * س وتبقى ديارهم كالرسوم قال فمن يقول منكم رأيت الناس مذ خلقوا وكانوا * يحبون الغنى من الرجال وإن كان الغنى قليل خير * بخيلا بالقليل من النوال فما أدرى علام وفيم هذا * وماذا يرتجون من البخال أللدنيا فليس هناك دنيا * ولا يرجى لحادتة الليالى قال أنا * قال على قال أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط

[ 213 ]

لعبد الملك بن مروان نبئت أن ابن القلمس عابنى * ومن ذا من الناس الصحيح المسلم فأبصر سبل الرشد سيد قومه * وقد يبصر الرشد الرئيس المعمم فمن أنتم ها خبرونا من انتم * وقد جعلت أشياء تبدوو تكتم فقال عبد الملك ما كنت أرى أن مثلنا يقال له من أنتم أما والله لولا ما تعلم لقلت قولا ألحقكم بأصلكم الخبيث ولضربتك حتى تموت وقال عبد الله بن الحجاج الثعلبي لعبد الملك يا ابن أبى العاص ويا خير فتى * أنت سداد الدين إن دين وهى أنت الذى لا يجعل الامر سدى * حيب قريش عنكم حوب الرحى إن أبا العاصى وفى ذاك اعتصى * أوصى بنيه فوعوا عنه الوصي إن يسعروا الحرب ويأبوا ما أبى * الطاعنين في النحور والكلى شزرا ووصلا للسيوف بالخطى * إلى القتال فحووا ما قد حوى قال أعشى بنى شيبان عرفت قريش كلها * لبنى أبى العاص الاماره لابرها وأحقها * عند المشورة بالاشارة المانعين لما ولوا * والنافعين ذوى الضراره وهم أحقهم بها * عند الحلاوة والمرارة وقال عبد الملك ما أعلم مكان أحد أقوى على هذا الامر منى وإن ابن الزبير لطويل الصلاة كثير الصيام ولكن لبخله لا يصلح أن يكون سائسا خلافة الوليد بن عبد الملك (وفى هذه السنة) بويع للوليد بن عبد الملك بالخلافة فذكر أنه لما دفن أباه وانصرف عن قبره دخل المسجد فصعد المنبر واجتمع إليه الناس فخطب فقال إنا لله وإنا إليه راجعون والله المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين والحمد لله على ما أنعم به علينا من الخلافة قوموا فبايعوا فكان أول من قام لبيعته

[ 214 ]

عبد الله بن همام السلولى فإنه قام وهو يقول الله أعطاك التى لا فوقها * وقد أراد الملحدون عوقها عنك ويأبى الله إلا سوقها * إليك حتى قلدوك طوقها فبايعه ثم تتابع الناس على البيعة * وأما الواقدي فإنه ذكر أن الوليد لما رجع من دفن أبيه ودفن خارج باب الجابية ولم يدخل منزله حتى صعد على منبر دمشق فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أيها الناس إنه لا مقدم لما أخر الله ولا مؤخر لما قدم الله وقد كان من قضاء الله وسابق علمه وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت وقد صار إلى منازل الابرار ولى هذه الامة الذى يحق عليه لله من الشدة على المريب واللين لاهل الحق والفضل وإقامة ما أقام الله من منار الاسلام وأعلامه من حج هذا البيت وغزو هذه الثغور وشن هذه الغارة على أعداء الله فلم يكن عاجزا ولا مفرطا أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فإن الشيطان مع الفرد أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذى فيه عيناه ومن سكت مات بدائه ثم نزل فنظر إلى ما كان من دواب الخلافة فحازه وكان جبارا عنيدا (وفى هذه السنة) قدم قتيبة بن مسلم خراسان واليا عليها من قبل الحجاج فذكر على بن محمد أن كليب بن خلف أخبره عن طفيل بن مرداس العمى والحسن بن رشيد عن سليمان بن كثير العمى قال أخبرني عمى قال رأيت قتيبة بن مسلم حين قدم خراسان في سنة 86 فقدم والمفضل يعرض الجند وهو يريد أن يغزو آخرون وشومان فخطب الناس قتيبة وحثهم على الجهاد وقال إن الله أحلكم هذا المحل ليعز دينه ويذب بكم عن الحرمات ويزيد بكم المال استفاضة والعدو وقما وعد نبيه صلى الله عليه وسلم النصر بحديث صادق وكتاب ناطق فقال (هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) ووعد المجاهدين في سبيله أحسن الثواب وأعظم الذخر عنده فقال (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظما ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله إلى قوله أحسن ما كانوا يعملون) ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنه حى مرزوق فقال (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله

[ 215 ]

أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) فتنجزوا موعود ربكم ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمضى ألم وإياى والهوينا ذكر ما كان من أمر قتيبة بخراسان في هذه السنة ثم عرض قتيبة الجند في السلاح والكراع وسار واستخلف بمرو على حربها إياس بن عبد الله بن عمرو وعلى الخراج عثمان بن السعدى فلما كان بالطالقان تلقاه دهاقين بلخ وبعض عظمائهم فساروا معه فلما قطع النهر تلقاه بيش الاعور ملك الصغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب فدعاه إلى بلاده فأتاه وأتى ملك كفتان بهدايا وأموال ودعاه إلى بلاده فمضى مع بيش إلى الصغانيان فسلم إليه بلاده وكان ملك أخرون وشومان قد أساء جوار بيش وغزاه وضيق عليه فسار قتيبة إلى أخرون وشومان وهما من طخارستان فجاءه غيسلشتان فصالحه على فدية أداها إليه فقبلها قتيبة ورضى ثم انصرف إلى مرو واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم وتقدم جنده فسبقهم إلى مرو وفتح صالح بعد رجوع قتيبة باسار التحصن وكان معه نصر بن سيار فأبلى يومئذ فوهب له قرية تدعى تنجانة ثم قدم صالح على قتيبة فاستعمله على الترمذ وقال وأما الباهليون فيقولون قدم قتيبة خراسان سنة 85 فعرض الجند فكان جميع ما أحصوا من الدروع في جند خراسان ثلاثمائة وخمسين درعا فغزا أخرون وشومان ثم قفل فركب السفن فانحدر إلى آمل وخلف الجند فأخذوا طريق بلخ إلى مرو وبلغ الحجاج فكتب إليه يلومه ويعجز رأيه في تخليفه الجند وكتب إليه إذا غزوت فكن في مقدم الناس وإذا قفلت فكن في أخرياتهم وساقتهم * وقد قيل إن قتيبة أقام قبل أن يقطع النهر في هذه السنة على بلخ لان بعضها كان منتقضا عليه وقد ناصب المسلمين فحارب أهلها فكان ممن سبى امرأة برمك أبى خالد بن برمك وكان برمك على النو بهار فصارت لعبد الله بن مسلم الذى يقال له الفقير أخى قتيبة بن مسلم فوقع عليها وكان به شئ من الجذام ثم إن أهل بلخ صالحوا من غد اليوم الذى حاربهم قتيبة فأمر قتيبة يرد السبى فقالت امرأة برمك لعبدالله بن مسلم يا نازى إنى قد علقت منك وحضرت

[ 216 ]

عبد الله بن مسلم الوفاة فأوصى أن يلحق به ما في بطنها وردت إلى برمك * فذكر أن ولد عبد الله بن مسلم جاءوا أيام المهدى حين قدم الرى إلى خالد فادعوه فقال لهم مسلم بن قتيبة إنه لا بد لكم إن استلحقتموه ففعل من أن تزوجوه فتركوه وأعرضوا عن دعواهم وكان برمك طبيبا فداوى بعد ذلك مسلمة من علة كانت به (وفى هذه السنة) غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم (وفيها) حبس الحجاج ابن يوسف يزيد بن المهلب وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان وعبد الملك بن المهلب عن شرطته (وحج) بالناس في هذه السنة هشام بن اسماعيل المخزومى كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وكان الامير على العراق كله والمشرق كله الحجاج بن يوسف وعلى الصلاة بالكوفة المغيرة بن عبد الله بن أبى عقيل وعلى الحرب بها من قبل الحجاج زياد بن جرير بن عبد الله وعلى البصرة أيوب بن الحكم وعلى خراسان قتيبة بن مسلم ثم دخلت سنة سبع وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث (ففى هذه السنة) عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن اسماعيل عن المدينة وورد عزله عنها فيما ذكر ليلة الاحد لسبع ليال خلون من شهر ربيع الاول سنة 87 وكانت إمرته عليها أربع سنين غير شهر أو نحوه (وفى هذه السنة) ولى الوليد عمر بن عبد العزيز المدينة قال الواقدي قدمها واليا في شهر ربيع الاول وهو ابن خمس وعشرين سنة وولد سنة 62 قال وقدم على ثلاثين بعيرا فنزل دار مروان قال فحدثني عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال لما قدم عمر بن عبد العزيز المدينة ونزل دار مروان دخل عليه الناس فسلموا فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا بكر ابن سليمان بن أبى خيثمة وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عامر بن ربيعة وخارجة بن يزيد فدخلوا

[ 217 ]

عليه فجلسوا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال إنى إنما دعوتكم لامر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانا على الحق ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأى من حضر منكم فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لى ظلامة فأحرج الله على من بلغه ذلك إلا بلغني فخرجوا يجزونه خيرا وافترقوا قال وكتب الوليد إلى عمر يأمره أن هشام يقف بن إسماعيل للناس وكان فيه سيئ الرأى قال الواقدي فحدثني داود بن جبير قال أخبرتني أم ولد سعيد بن المسيب أن سعيدا دعا ابنه ومواليه فقال إن هذا الرجل يوقف للناس أو قد وقف لا يتعرض له أحد ولا يؤذه بكلمة فانا سنترك ذلك لله وللرحم فان كان ما علمت لسيئ النظر لنفسه فأما كلامه فلا أكلمه أبدا * قال وحدثني محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر عن أبيه قال كان هشام بن إسماعيل يسئ جوارنا ويؤذينا ولقى منه على بن الحسين أذى شديدا فلما عزل أمر به الوليد أن يوقف للناس فقال ما أخاف إلا من على بن الحسين فمر به على وقد وقف عند دار مروان وكان على قد تقدم إلى خاصته أن لا يعرض له أحد منهم بكلمة فلما مر ناداه هشام بن إسماعيل الله أعلم حيث يجعل رسالته (وفى هذه السنة) قدم نيزك على قتيبة وصالح قتيبة أهل باذغيس على أن لا يدخلها قتبية ذكر الخبر عن ذلك ذكر على بن محمد أن أبا الحسن الخشمى أخبره عن أشياخ من أهل خراسان وجبلة بن فروخ عن محمد بن المثنى أن نيزك طرخان كان في يديه أسراء من المسلمين وكتب إليه قتيبة حين صالح ملك شومان فيمن في يديه من أسرى المسلمين أن يطلقهم ويهدده في كتابه فخافه نيزك فأطلق الاسرى وبعث بهم إلى قتيبة فوجه إليه قتيبة سليمان الناصح مولى عبيد الله بن أبى بكرة يدعوه إلى الصلح وإلى أن يؤمنه وكتب إليه كتابا يحلف فيه بالله لئن لم يقدم عليه ليغزونه ثم ليطلبنه حيث كان لا يقلع عنه حتى يظفر به أو يموت قبل ذلك فقدم سليم على نيزك بكتاب قتيبة وكان يستنصحه فقال له يا سليم ما أظن عند صاحبك خيرا كتب إلى كتابا لا يكتب إلى مثلى قال

[ 218 ]

له سليم يا أبا الهياج إن هذا رجل شديد في سلطانه سهل إذا سوهل صعب إذا عوسر فلا يمنعك منه غلظة كتابه إليك فما أحسن حالك عنده وعند جميع مضر فقدم نيزك مع سليم على قتيبة فصالحه أهل باذغيس في سنة 87 على أن لا يدخل باذغيس (وفى هذه السنة) غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم ومعه يزيد بن جبير فلقى الروم في عدد كثير بسوسنة من ناحية المصيصة قال الواقدي فيها لاقى مسلمة ميمونا الجرجاني ومع مسلمة نحو من ألف مقاتل من أهل انطاكية عند طوانة فقتل منهم بشرا كثيرا وفتح الله على يديه حصونا وقيل إن الذى غزا الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك ففتح الله على يديه حصن بولق وحصن الاخرم وحصن بولس وقمقم وقتل من المستعربة نحوا من ألف مقاتل وسبى ذراريهم ونساءهم (وفى هذه السنة) غزا قتيبة بيكند ذكر الخبر عن غزوته هذه ذكر على بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس عن أبيه عن حصين بن مجاهد الرازي وهارون بن عيسى عن يونس بن أبى إسحاق وغيرهم أن قتيبة لما صالح نيزك أقام إلى وقت الغزو ثم غزا في تلك السنة سنة 87 بيكند فسار من مرو وأتى مرو روذ ثم أتى آمل ثم مضى إلى زم فقطع النهر وسار إلى بيكند وهى أدنى مدائن بخارى إلى النهر يقال لها مدينة التجار على رأس المفازة من بخارى فلما نزل بعقوتهم استنصروا الصغد واستمدوا من حولهم فأتوهم في جمع كثير وأخذوا بالطريق فلم ينفذ لقتيبة رسول ولم يصل إليه رسول ولم يجر له خبر شهرين وأبطأ خبره على الحجاج فأشفق الحجاج على الجند فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد وكتب بذلك إلى الامصار وهم يقتتلون في كل يوم قال وكان لقتيبة عين يقال له تنذر من العجم فأعطاه أهل بخارى الاعلى ما لا على أن يفثأ عنهم قتيبة فأتاه فقال أخلني فنهض الناس واحتبس قتيبة ضرار بن حصين الضبى فقال تنذر هذا عامل يقدم عليك وقد عزل الحجاج فلو انصرفت بالناس إلى مرو فدعا قتيبة سياه مولاه فقال اضرب عنق تنذر فقتله ثم قال لضرار لم يبق أحد يعلم هذا الخبر غيرى

[ 219 ]

وغيرك وإنى أعطى الله عهد ان ظهر هذا الحديث من أحد حتى تنقضي حربنا هذه لالحقنك به فأملك لسانك فان انتشار هذا الحديث يفت في أعضاد الناس ثم أذن للناس قال فدخلوا فراعهم قتل تنذر فوجموا وأطرقوا فقال قتيبة ما يروعكم من قتل عبد أحانه الله قالوا إنا كنا نظنه ناصحا للمسلمين قال بل كان غاشا فأحانه الله بذنبه فقد مضى لسبيله فاغدوا على قتال عدوكم والقوهم بغير ما كنتم تلقونهم به فغدا الناس متأهبين وأخذوا مصافهم ومشى قتيبة فحض أهل الرايات فكانت بين الناس مشاولة ثم تزاحفوا والتقوا وأخذت السيوف مأخذها وأنزل الله على المسلمين الصبر فقاتلوهم حتى زالت الشمس ثم منح الله المسلمين أكتافهم فانهزموا يريدون المدينة وأتبعهم المسلمون فشغلوهم عن الدخول فتفرقوا وركبهم المسلمون قتلا وأسرا كيف شاؤا واعتصم من دخل المدينة بالمدينة وهم قليل فوضع قتيبة الفعلة في أصلها ليهدمها فسألوه الصلح فصالحهم واستعمل عليهم رجلا من بنى قتيبة وارتحل عنهم يريد الرجوع فلما سار مرحلة أو ثنتين وكان منهم على خمس فراسخ نقضوا وكفروا فقتلوا العامل وأصحابه وجدعوا آنفهم وآذانهم وبلغ قتيبة فرجع إليهم وقد تحصنوا فقاتلهم شهرا ثم وضع الفعلة في أصل المدينة فعلقوها بالخشب وهو يريد إذا فرغ من تعليقها أن يحرق الخشب فتنهدم فسقط الحائط وهم يعلقونه فقتل أربعين من الفعلة فطلبوا الصلح فأبى وقاتلهم فظفر بهم عنوة فقتل من كان فيها من المقاتلة وكان فيمن أخذوا في المدينة رجل أعور كان هو الذى استجاش الترك على المسلمين فقال لقتيبة أنا أفدى نفسي فقال له سليم الناصح ما تبذل قال خمسة آلاف حريرة صينية قيمتها ألف ألف فقال قتيبة ما ترون قالوا نرى أن فداه زيادة في غنائم المسلمين وما عسى أن يبلغ من كيد هذا قال لا والله لا تروع بك مسلمة أبدا وأمر به فقتل * قال على قال أبو الذيال عن المهلب بن إياس عن أبيه والحسن بن رشيد عن طفيل بن مرداس أن قتيبة لما فتح بيكند أصابوا فيها من آنية الذهب والفضة ما لا يحصى فولى الغنائم والقسم عبد الله بن وألان العدوى أحد بنى ملكان وكان قتيبة

[ 220 ]

يسميه الامين ابن الامين وإياس بن بيهس الباهلى فأذابا الآنية والاصنام فرفعاه إلى قتيبة ورفعا إليه خبث ما أذابا فوهبه لهما فأعطيا به أربعين ألفا فأعلماه فرجع فيه وأمرهما أن يذيباه فأذاباه فخرج منه خمسون ومائة ألف مثقال أو خمسون ألف مثقال وأصابوا في بيكند شيئا كثيرا وصار في أيدى المسلمين من بيكند شئ لم يصيبوا مثله بخراسان ورجع قتيبة إلى مرو وقوى المسلمون فاشتروا السلاح والخيل وجلبت إليهم الدواب وتنافسوا في حسن الهيئة والعدة وغالوا بالسلاح حتى بلغ الرمح سبعين وقال الكميت: ويوم بيكند لا تحصى عجائبه * وما بخاراء مما أخطأ العدد وكان في الخزائن سلاح وآلة من آلة الحرب كثيرة فكتب قتيبة إلى الحجاج يستأذنه في دفع ذلك السلاح إلى الجند فأذن له فأخرجوا ما كان في الخزائن من عدة الحرب وآلة السفر فقسمه في الناس فاستعدوا فلما كان أيام الربيع ندب الناس وقال إنى أغزيكم قبل أن تحتاجوا إلى حمل الزاد وأنتقلكم قبل أن تحتاجوا إلى الادفاء فسار في عدة حسنة من الدواب والسلاح فأتى آمل ثم عبر من زم إلى بخارى فأتى نو مشكث وهى من بخارى فصالحوه قال على حدثنا أبو الذيال عن أشياخ من بنى عدى أن مسلما الباهلى قال لو ألان إن عندي مالا أحب أن أستودعكه قال أتريد أن يكون مكتوما أولا تكره أن يعلمه الناس قال أحب أن تكتمه قال ابعث به مع رجل تثق به إلى موضع كذا وكذا ومره إذا رأى رجلا في ذلك الموضع أن يضع ما معه وينصرف قال نعم فجعل مسلم المال في خرج ثم حمله على بغل وقال لمولى له انطلق بهذا البغل إلى موضع كذا وكذا فإذا رأيت رجلا جالسا فخل عن البغل وانصرف فانطلق الرجل بالبغل وقد كان وألان أتى الموضع لميعاده فأبطأ عليه رسول مسلم ومضى الوقت الذى وعده فظن أنه قد بدا له فانصرف وجاء رجل من بنى تغلب فجلس في ذلك الموضع وجاء مولى مسلم فرأى الرجل جالسا فخلى عن البغل ورجع فقام التغلبي إلى البغل فلما رأى المال ولم ير مع البغل أحدا قاد البغل إلى منزله فأخذ البغل وأخذ المال فظن مسلم أن

[ 221 ]

المال قد صار إلى وألان فلم يسأل عنه حتى احتاج إليه فلقيه فقال مالى فقال ما قبضت شيئا ولا لك عندي مال قال فكان مسلم يشكوه ويتنقصه قال فأتى يوما مجلس بنى ضبيعة فشكاه والتغلبى جالس فقام إليه فخلا به وسأله عن المال فأخبره فانطلق به إلى منزله وأخرج الخرج فقال أتعرفه قال نعم قال والخاتم قال نعم قال اقبض مالك وأخبره الخبر فكان مسلم يأتي الناس والقبائل التى كان يشكو إليهم وألان فيعذره ويخبرهم الخبر وفى وألان يقول الشاعر: لست كو ألان الذى ساد بالتقى * ولست كعمران ولا كالمهلب وعمران بن الفضيل البرجمى (وحج) بالناس في هذه السنة فيما حدثنى أحمد ابن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة وكان على قضاء المدينة في هذه السنة أبو بكر بن عمرو بن حزم من قبل عمر بن عبد العزيز وكان على العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف وخليفته على البصرة في هذه السنة فيما قيل الجراح بن عبد الله الحكمى وعلى قضائها عبد الله بن أذينة وعامله على الحرب بالكوفة زياد بن جرير بن عبد الله وعلى قضائها أبو بكر بن أبى موسى الاشعري وعلى خراسان قتيبة بن مسلم ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من فتح الله على المسلمين حصنا من حصون الروم يدعى طوانة في جمادى الآخرة وشتوا بها وكان على الجيش مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بن عبد الملك * فذكر محمد بن عمر الواقدي أن ثور بن يزيد حدثه عن أصحابه قال كان فتح طوانة على يدى مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد وهزم المسلمون العدو يومئذ هزيمة صاروا إلى كنيستهم ثم رجعوا فانهزم الناس حتى ظنوا ألا يجتبروها أبدا وبقى العباس معه نفير منهم ابن محيريز الجمحى فقال العباس لابن محيريز أين أهل القرآن الذين يريدون

[ 222 ]

الجنة فقال ابن محيريز نادهم يأتوك فنادى العباس يا أهل القرآن فأقبلوا جميعا فهزم الله العدو حتى دخلوا طوانة وكان الوليد بن عبد الملك ضرب عبد الملك ضرب البعث على أهل المدينة في هذه السنة * فذكر محمد بن عمر عن أبيه أن مخرمة بن سليما الوالبى قال ضرب عليهم بعثت ألفين وإنهم تجاعلوا فخرج ألف وخمسمائة وتخلف خمسمائة فغزوا الصائفة مع مسلمة والعباس وهما على الجيش وإنهم شتوا بطوانة وافتتحوها (وفيها) ولد الوليد بن يزيد بن عبد الملك (وفيها) أمر الوليد بن عبد الملك بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدم بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإدخالها في المسجد فذكر محمد ابن عمر أن محمد بن جعفر بن وردان البناء قال رأيت الرسول الذى بعثه الوليد بن عبد الملك قدم في شهر ربيع الاول سنة 88 قدم معتجرا فقال الناس ما قدم به الرسول فدخل على عمر بن عبد العزيز بكتاب الوليد بأمره بإدخال حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد رسول الله وأن يشترى ما في مؤخره ونواحيه حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع ويقول له قدم القبلة إن قدرت وأنت تقدر لمكن أخوالك فإنهم لا يخالفونك فمن أبى منهم فمر أهل المصر فليقوموا له قيمة عدل ثم اهدم عليهم وادفع إليهم الاثمان فان لك في ذلك سلف صدق عمر وعثمان فأقرأهم كتاب الوليد وهم عنده فأجاب القوم إلى الثمن فأعطاهم إياه وأخذ في هدم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناء المسجد فلم يمكث إلا يسيرا حتى قدم الفعلة بعث بهم الوليد (قال محمد بن عمر) وحدثني موسى ابن يعقوب عن عمه قال رأيت عمر بن عبد العزيز يهدم المسجد ومعه وجوه الناس القاسم وسالم وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وعبيد الله بن عبد الله ابن عتبة وخارجة بن زيد وعبد الله بن عبد الله بن عمر يرونه أعلاما في المسجد ويقدرونه فاسسوا أساسه (قال محمد بن عمر) وحدثني يحيى بن النعمان الغفاري عن صالح بن كيسان قال لما جاء كتاب الوليد من دمشق سار خمس عشرة بهدم المسجد تجرد عمر بن عبد العزيز قال صالح فاستعملني على هدمه وبنائه فهدمناه

[ 223 ]

بعمال المدينة فبدأنا بهم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى قدم علينا الفعلة الذين بعث بهم الوليد (قال محمد) وحدثني موسى بن أبى بكر عن صالح ابن كيسان قال ابتدأنا بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر من سنة 88 وبعث الوليد إلى صاحب الروم يعلمه أنه أمر بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يعينه فيه فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهب وبعث إليه بمائة عامل وبعث إليه من الفسيفساء بأربعين حملا وأمر أن يتتبع الفسيفساء في المدائن التى خربت فبعث بها إلى الوليد فبعث بذلك الوليد إلى عمر بن عبد العزيز (وفى هذه السنة) ابتدأ عمر بن عبد العزيز في بناء المسجد (وفيها) غزا أيضا مسلمة الروم ففتح على يديه حصون ثلاثة حصن قسطنطين وغزالة وحصن الاخرم وقتل من المستعربة نحو من ألف مع سبى الذرية وأخذ الاموال (وفى هذه السنة) غزا قتيبة نومشكث وراميثنه ذكر الخبر عما كان من خبر غزوته هذه * ذكر على بن محمد أن المفضل بن محمد أخبره عن أبيه ومصعب بن حيان عن مولى لهم أدرك ذلك أن قتيبة غزا نو مشكث في سنة 88 واستخلف على مرو بشار ابن مسلم فتلقاه أهلها فصالحهم ثم صار إلى راميثنه فصالحه أهلها فانصرف عنهم وزحف إليه الترك معهم السغد وأهل فرغانة فاعترضوا المسلمين في طريقهم فلحقوا عبد الرحمن بن مسلم الباهلى وهو على الساقة بينه وبين قتيبة وأوائل العسكر ميل فلما قربوا منه أرسل رسولا إلى قتيبة بخبره وغشيه الترك فقاتلوه وأتى الرسول قتيبة فرجع بالناس فانتهى إلى عبد الرحمن وهو يقاتلهم وقد كاد الترك يستعلونهم فلما رأى الناس قتيبة طابت أنفسهم فصبروا وقاتلوهم إلى الظهر وأبلى يومئذ نيزك وهو مع قتيبة فهزم الله الترك وفض جمعهم ورجع قتيبة يريد مرو وقطع النهر من الترمذ يريد بلخ ثم أتى مرو وقال الباهليون لقى الترك المسلمين عليهم كوربغانون التركي ابن أخت ملك الصين في مائتي ألف فأظهر الله المسلمين عليهم (وفى هذه السنة) كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز في تسهيل الثنايا وحفر

[ 224 ]

الآبار في البلدان (قال محمد بن عمر) حدثنى ابن أبى سبرة قال حدثنى صالح ابن كيسان قال كتب الوليد إلى عمر في تسهيل الثنايا وحفر الآبار بالمدينة وخرجت كتبه إلى البلدان بذلك وكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله بذلك قال وحبس المجذمين عن أن يخرجوا على الناس وأجرى عليهم أرزاقا وكانت تجرى عليهم وقال ابن أبى سبرة عن صالح بن كيسان قال كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز أن يعمل الفوارة التى عند دار يزيد بن عبد الملك اليوم فعملها عمر وأجرى ماءها فلما حج الوليد وقف عليها فنظر إلى بيت الماء والفوارة فأعجبته وأمر لها بقوام يقومون عليها وأن يسقى أهل المسجد منها ففعل ذلك (وحج) بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز في رواية محمد بن عمر * ذكر أن محمد بن عبد الله بن جبير مولى لبنى العباس حدثه عن صالح بن كيسان قال خرج عمر بن عبد العزيز تلك السنة يعنى سنة 88 بعدة من قريش أرسل إليهم بصلات وظهر للحمولة وأحرموا معه من ذى الحليفة وساق معه بدنا فلما كان بالتنعيم لقيهم نفر من قريش منهم ابن أبى مليكة وغيره فاخبروه أن مكة قليلة الماء وانهم يخافون على الحاج العطش وذلك ان المطر قل فقال عمر فالمطلب ههنا بين تعالوا ندع الله قال فرأيتهم دعوا ودعا معهم فألحوا في الدعاء قال صالح فلا والله ان وصلنا إلى البيت ذلك اليوم إلا مع المطر حتى كان مع الليل وسكبت السماء وجاء سيل الوادي فجاء أمر خافه أهل مكة ومطرت عرفة ومنى وجمع فما كانت إلا عبرا قال ونبتت مكة تلك السنة للخصب. وأما أبو معشر فانه قال حج بالناس سنة 88 عمر بن الوليد بن عبد الملك حدثنى بذلك احمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عنه وكانت العمال على الامصار في هذه السنة العمال الذين ذكرنا انهم كانوا عمالها في سنة 87 ثم دخلت سنة تسع وثمانين ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها من ذلك افتتاح المسلمين في هذه السنة حصن سورية وعلى الجيش مسلمة بن

[ 225 ]

عبد الملك زعم الواقدي أن مسلمة غزا في هذه السنة أرض الروم ومعه العباس ابن الوليد ودخلاها جميعا ثم تفرقا فافتتح مسلمة حصن سورية وافتتح العباس اذرولية ووافق من الروم جمعا فهزمهم وأما غير الواقدي فانه قال قصد مسلمة عمورية فوافق بها للروم جمعا كثيرا فهزمهم الله وافتتح هرقلة وقمودية وغزا العباس الصائفة من ناحية البدندون (وفى هذه السنة) غزا قتيبة بخارى ففتح راميثنه * ذكر على بن محمد عن الباهليين أنهم قالوا ذلك وأن قتيبة رجع بعد ما فتحها في طريق بلخ فلما كان بالفارياب أتاه كتاب الحجاج أن رد وردان خذاه فرجع قتيبة سنة 89 فأتى زم فقطع النهر فلقيه السغد وأهل كس ونسف في طريق المفازة فقاتلوه فظفر بهم ومضى إلى بخارى فنزل خرقانة السفلى عن يمين وردان فلقوه بجمع كثير فقاتلوهم يومين وليلتين ثم أعطاه الله الظفر عليهم فقال نهارين توسعة وباتت لهم منا بخرقان ليلة * وليلتنا كانت بخرقان أطولا قال على أخبرنا أبو الذيال عن المهلب بن إياس وأبو العلاء عن إدريس ابن حنظلة أن قتيبة غزا وردان خذاه ملك بخارى سنة 89 فلم يطقه ولم يظفر من البلد بشئ فرجع إلى مرو وكتب إلى الحجاج بذلك فكتب إليه الحجاج أن صورها لى فبعث إليه بصورتها فكتب إليه الحجاج أن ارجع إلى مراغتك فتب إلى الله مما كان منك وأتها من مكان كذا وكذا وقيل كتب إليه الحجاج أن كس بكس وانسف نسفا ورد وردان وإياك والتحويط ودعني من بنيات الطريق (وفى هذه السنة) ولى خالد بن عبد الله القسرى مكة فيما زعم الواقدي وذكر أن عمر بن صالح حدثه عن نافع مولى بنى مخزوم قال سمعت قال بن عبد الله يقول على منبر مكة وهو يخطب أيها الناس أيهما أعظم أخليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم والله لو لم تعلموا فضل الخليفة ألا إن ابراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه ملحا أجاجا واستسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا بئرا حفرها الوليد بن عبد الملك بالثنيتين ثنية طوى وثنية الحجون فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم قال ثم غارت البئر فذهبت فلا يدرى أين هي اليوم

[ 226 ]

(وفيها) غزا مسلمه بن عبد الملك الترك حتى بلغ الباب من ناحية آذربيجان ففتح حصونا ومدائن هنالك (وحج) بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان العمال في هذه على الامصار العمال في السنة التى قبلها وقد ذكرناهم قبل ثم دخلت سنة تسعين ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها (ففى هذه السنة) غزا مسلمة أرض الروم فيما ذكر محمد بن عمر من ناحية سورية ففتح الحصون الخمسة التى بسورية (وغزا) فيها العباس بن الوليد قال بعضهم حتى بلغ الارزن وقال بعضهم حتى بلغ سورية وقال محمد بن عمر قول من قال حتى بلغ سورية أصح (وفيها) قتل محمد بن القاسم الثقفى داهر بن صصة ملك السند وهو على جيش من قبل الحجاج بن يوسف (وفيها) استعمل الوليد قرة بن شريك على مصر موضع عبد الله بن عبد الملك (وفيها) أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر فذهبوا به إلى ملكهم فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك (وفيها) فتح قتيبة بخارى وهزم جموع العدو بها ذكر الخبر عن ذلك ذكر على بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس وأبو العلاء عن إدريس ابن حنظلة أن كتاب الحجاج لما ورد على قتيبة يأمره بالتوبة مما كان من انصرافه عن وردان خذاه ملك بخارى قبل الظفر به والمصير إليه ويعرفه الموضع الذى ينبغى له أن يأتي بلده منه خرج قتيبة إلى بخارى في سنة 90 غازيا فأرسل وردان خذاه إلى السغد والترك ومن حولهم يستنصرونهم فأتوهم وقد سبق إليها قتيبة فحصرهم فلما جاءتهم أمدادهم خرجوا إليهم ليقاتلوهم فقالت الازد اجعلونا على حدة وخلوا بيننا وبين قتالهم فقال قتيبة تقدموا فتقدموا يقاتلونهم وقتيبة جالس عليه رداء أصفر فوق سلاحه فصبروا جميعا مليا ثم جال المسلمون وركبهم المشركون

[ 227 ]

فحطموهم حتى دخلوا في عسكر قتيبة وجازوه حتى ضرب النساء وجوه الخيل وبكين فكروا راجعين وانطوت مجنبتا المسلمين على الترك فقاتلوهم حتى ردوهم إلى مواقفهم فوقف الترك على نشز فقال قتيبة من يزيلهم لنا عن هذا الموضع فلم يقدم عليهم أحد والاحياء كلها وقوف فمشى قتيبة إلى بنى تميم فقال يا بنى تميم إنكم أنتم بمنزلة الحطمية فيوم كأيامكم أبى لكم الفداء قال فأخذ وكيع اللواء بيده وقال يا بنى تميم أتسلمونني اليوم قالوا لا يا أبا مطرف وهريم بن أبى طحمة المجاشعى على خيل بنى تميم ووكيع رأسهم والناس وقوف فأحجموا جميعا فقال وكيع ياهريم قدم ودفع إليه الراية وقال قدم خيلك فتقدم هريم ودب وكيع في الرجال فانتهى هريم إلى نهر بينه وبين العدو فوقف فقال له وكيع اقحم يا هريم قال فنظر هريم إلى وكيع نظر الجمل الصؤول وقال أنا أقحم خيلى هذا النهر فان انكشفت كان هلاكها والله إنك لاحمق قال يا ابن اللخناء ألا أراك ترد أمرى وحذفه بعمود كان معه فضرب هريم فرسه فأقحمه وقال ما بعد هذا أشد من هذا وعبر هريم في الخيل وانتهى وكيع إلى النهر فدعا بخشب فقنطر النهر وقال لاصحابه من وطن منكم نفسه على الموت فليعبر ومن لا فليثبت مكانه فما عبر معه إلا ثمانمائة راجل فدب فيهم حتى إذا أعيوا أقعدهم فأراحوا حتى دنا من العدو فجعل الخيل مجنبتين وقال لهريم مطاعن القوم فاشغلهم عنا بالخيل وقال للناس شدوا فحملوا فما انثنوا حتى خالطوهم وحمل هريم خيله عليهم فطاعنوهم بالرماح فما كفوا عنهم حتى حدروهم عن موقفهم ونادى قتيبة أما ترون العدو منهزمين فما عبر أحد ذلك النهر حتى ولى العدو منهزمين فأتبعهم الناس ونادى قتيبة من جاء برأس فله مائة قال فزعم موسى بن المتوكل القريعى قال جاء يومئذ أحد عشر رجلا من بنى قريع كل رجل رجل يجئ برأس فيقال له من أنت فيقول قريعى قال فجاء رجل من الازد برأس فألقاه فقالوا له من أنت قال قريعى قال وجهم بن زحر قاعد فقال كذب والله أصلحك الله انه لابن عمى فقال له قتيبة ويحك ما دعاك إلى هذا قال رأيت كل من جاء قال قريعى فظننت أنه ينبغى لكل من جاء برأس أن يقول قريعى

[ 228 ]

قال فضحك قتيبة قال وجرح يومئذ خافان ؟ ؟ وابنه ورجع قتيبة إلى مرو وكتب إلى الحجاج انى بعثت عبد الرحمن بن مسلم ففتح الله على يديه قال وقد شهد الفتح مولى للحجاج فقدم فأخبره الخبر فغضب الحجاج على قتيبة فاغتم لذلك فقال له الناس ابعث وفدا من بنى تميم وأعطهم وأرضهم يخبروا الامير أن الامر على ما كتبت فبعث رجالا فيهم عرام بن شتير الضبى فلما قدموا على الحجاج صاح بهم وعابهم ودعا بالحجام بيده مقراض فقال لاقطعن ألسنتكم أو لتصدقنني قالوا الامير قتيبة وبعث عليهم عبد الرحمن فالفتح للامير والرأس الذى يكون على الناس وكلمه بهذا عرام بن شتير فسكن الحجاج (وفى هذه السنة) جدد قتيبة الصلح بينه وبين طرخون ملك السغد ذكر الخبر عن ذلك * قال على ذكر أبو السرى عن الجهم الباهلى قال لما أوقع قتيبة بأهل بخارى ففض جمعهم هابه أهل السغد فرجع طرخون ملك السغد ومعه فارسان حتى وقف قريبا من عسكر قتيبة وبينهما نهر بخارى فسأل أن يبعث إليه رجلا يكلمه فأمر قتيبة رجلا فدنا منه وأما الباهليون فيقولون نادى طرخون حيان النبطي فأتاه فسألهم الصلح على فدية يؤديها إليهم فأجابه قتيبة إلى ما طلب وصالحه وأخذ منه رهنا حتى يبعث إليه بما صالحه عليه وانصرف طرخون إلى بلاده ورجع قتيبة ومعه نيزك (وفى هذه السنة) غدر نيزك فنقض الصلح الذى كان بينه وبين المسلمين وامتنع بقلعته وعاد حربا فغزاه قتيبة ذكر الخبر عن سبب غدره وسبب الظفر به * قال على ذكر أبو الذيال عن المهلب بن إياس والمفضل الضبى عن أبيه وعلى ابن مجاهد وكليب بن خلف العمى كل قد ذكر شيئا فألفته وذكر الباهليون شيئا فألحقته في خبر هؤلاء وألفته أن قتيبة فصل من بخارى ومعه نيزك وقد ذعره ما قد رأى من الفتوح وخاف قتيبة فقال لاصحابه وخاصته متهم أنا مع هذا ولست آمنه وذلك أن العربي بمنزلة الكلب إذا ضربته نبح وإذا أطعمته بصبص واتبعك

[ 229 ]

وإذا غزوته ثم أعطيته شيئا رضى ونسى ما صنعت به وقد قاتله طرخون مرارا فلما أعطاه فدية قبلها ورضى وهو شديد السطوة فاجر فلو استأذنت ورجعت كان الرأى قالوا استأذنه فلما كان قتيبة بآمل استأذنه في الرجوع إلى تخارستان فأذن له فلما فراق عسكره متوجها إلى بلخ قال لاصحابه أغذوا السير فساروا سيرا شديدا حتى أتوا النوبهار فنزل يصلى فيه وتبرك به وقال لاصحابه إنى لا أشك أن قتيبة قد ندم حين فارقنا عسكره على اذنه لى وسيقدم الساعة رسوله على المغيرة بن عبد الله يأمره بحبسي فأقيموا ربئة تنظر فإذا رأيتم الرسول قد جاوز المدينة وخرج من الباب فانه لا يبلغ البروقان حتى نبلغ تخارستان فيبعث المغيرة رجلا فلا يدركنا حتى ندخل شعب خلم ؟ ؟ ففعلوا قال وأقبل رسول من قبل قتيبة إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك فلما مر الرسول إلى المغيرة وهو بالبروقان ومدينة بلخ يومئذ خراب ركب نيزك وأصحابه فمضوا وقدم الرسول على المغيرة فركب بنفسه في طلبه فوجده قد دخل شعب خلم فانصرف المغيرة وأظهر نيزك الخلع وكتب إلى أصبهبذ بلخ وإلى باذام ملك مروروذ وإلى سهرك ملك الطالقان وإلى ترسل ملك الفارياب وإلى الجوزجانى ملك الجوزجان يدعوهم إلى خلع قتيبة فأجابوه وواعدهم الربيع أن يجتمعوا ويغزوا قتيبة وكتب إلى كابل شاه يستظهر به وبعث إليه بثقله وماله وسأله أن يأذن له إن اضطر إليه أن يأتيه ويؤمنه في بلاده فأجابه إلى ذلك وضم ثقله قال وكان جيغويه ملك تخارستان ضعيفا واسمه الشذ فأخذه نيزك فقيده بقيد من ذهب مخافة أن يشغب عليه وجيغويه ملك تخارستان ونيزك من عبيده فلما استوثق منه وضع عليه الرقباء وأخرج عامل قتيبة من بلاد جغوبه وكان العامل محمد بن سليم الناصح وبلغ قتيبة خلعه قبل الشتاء وقد تفرق الجند فلم يبق مع قتيبة الا أهل مرو فبعث عبد الرحمن أخاه إلى بلخ في اثنى عشر ألفا إلى البروقان وقال أقم بها ولا تحدث شيئا فإذا حسر الشتاء فعسكر وسر نحو تخارستان واعلم انى قريب منك فسار عبد الرحمن فنزل البروقان وأمهل قتيبة حتى إذا كان في آخر الشتاء كتب إلى أبر شهر وبيورد وسرخس

[ 230 ]

وأهل هراة ليقدموا عليه فقدموا قبل أوانهم الذى كانوا يقدمون عليه فيه (وفى هذه السنة) أوقع قتيبة بأهل الطالقان بخراسان فيما قال بعض أهل الاخبار فقتل من أهلها مقتلة عظيمة وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ في نظام واحد ذكر الخبر عن سبب ذلك وكان السبب في ذلك فيما ذكر أن نيزك طرخان لما غدر وخلع قتيبة وعزم على حربه طابقه على حربه ملك الطالقان وواعده المصير إليه من استجاب للنهوض معه من الملوك لحرب قتيبة فلما هرب نيزك من قتيبة ودخل شعب خلم الذى يأخذ إلى طخارستان علم أنه لا طاقة له بقتيبة فهرب وسار قتيبة إلى الطالقان فأوقع بأهلها ففعل ما ذكرت فيما قبل وقد خولف قائل هذا القول فيما قال من ذلك وأنا ذاكره في أحداث سنة 91 (وحج) بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال محمد بن عمر وكان عمر بن عبد العزيز في هذه السنة عامل الوليد بن عبد الملك على مكة والمدينة والطائف وعلى العراق والمشرق الحجاج بن يوسف وعامل الحجاج على البصرة الجراح بن عبد الله وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة وعلى الكوفة زياد ابن جرير بن عبد الله وعلى قضائها أبو بكر بن أبى موسى وعلى خراسان قتيبة بن مسلم وعلى مصر قرة بن قرة بن شريك (وفى هذه السنة) هرب يزيد بن المهلب وإخوته الذين كانوا معه في السجن مع آخرين غيرهم فلحقوا بسليمان بن عبد الملك مستجيرين به من الحجاج بن يوسف والوليد بن عبد الملك ذكر الخبر عن سبب تخلصهم من سجن الحجاج ومسيرهم إلى سليمان (قال هشام) حدثنى أبو مخنف عن أبى المخارق الراسبى قال خرج الحجاج إلى رستقباذ للبعث لان الا كراد كانوا قد غلبوا على عامة أرض فارس فخرج بيزيد وباخوته المفضل وعبد الملك حتى قدم بهم رستقباذ فجعلهم في عسكره وجعل عليهم كهيئة الخندق وجعلهم في فسطاطا قريبا من حجرته وجعل عليهم حرسا من أهل الشأم وأغرمهم ستة آلاف ألف وأخذ يعذبهم وكان يزيد يصبر صبرا

[ 231 ]

حسنا وكان الحجاج يغيظه ذلك فقيل له إنه رمى بنشابة فثبت نصلها في ساقه فهو لا يمسها شئ إلا صاح فان حركت أدنى شئ سمعت صوته فأمر أن يعذب ويدهق ساقه فلما فعل ذلك به صاح وأخته هند بنت المهلب عند الحجاج فلما سمعت صباح يزيد صاحت وناحت فطلقها ثم إنه كف عنهم وأقبل يستأديهم فأخذوا يؤدون وهم يعملون في التخلص من مكانهم فبعثوا إلى مروان بن المهلب وهو بالبصرة يأمرونه أن يضمر لهم الخيل ويرى الناس أنه إنما يريد بيعها ويعرضها على البيع ويغلى بها لئلا تشترى فتكون لنا عدة إن نحن قدرنا على أن ننجو مما ههنا ففعل ذلك مروان وحبيب بالبصرة يعذب أيضا وأمر يزيد بالحرس فصنع لهم طعام كثير فأكلوا وأمر بشراب فسقوا فكانوا متشاغلين به ولبس يزيد ثياب طباخه ووضع على لحيته لحية بيضاء وخرج فرآه بعض الحرس فقال كأن هذه مشية يزيد فجاء حتى استعرض وجهه ليلا فرأى بياض اللحية فانصرف عنه فقال هذا شيخ وخرج المفضل على أثره ولم يفطن له فجاؤا إلى سفنهم وقد هيأوها في البطائح وبينهم وبين البصرة ثمانية عشر فرسخا فلما انتهوا إلى السفن أبطأ عليهم عبد الملك وشغل عنهم فقال يزيد للمفضل اركب بنا فانه لاحق فقال المفضل وعبد الملك أخوه لامه وهى بهلة هندية لا والله لا أبرح حتى يجئ ولو رجعت إلى السجن فأقام يزيد حتى جاءهم عبد الملك وركبوا عند ذلك السفن فساروا ليلتهم حتى أصبحوا ولما أصبح الحرس علموا بذهابهم فرفع ذلك إلى الحجاج وقال الفرزدق في خروجهم لم أر كالرهط الذين تتابعوا * على الجذع والحراس غير نيام مضوا وهم مستيقنون بأنهم * إلى قدر آجالهم وحمام وإن منهم إلا يسكن جأشه * بعضب صقيل صارم وحسام فلما التقوا لم يلتقوا بمنقه * كبير ولا رخص العظام غلام بمثل أبيهم حين تمت لداتهم * بخمسين تترى جرأة وتمام ففزع له الحجاج وذهب وهمه أنهم ذهبوا قبل خراسان وبعث البريد إلى قتيبة

[ 232 ]

ابن مسلم يحذره قدومهم ويأمره أن يستعد لهم وبعث إلى أمراء الثغور والكور أن يرصدوهم ويستعدوا لهم وكتب إلى الوليد بن عبد الملك يخبره بهربهم وأنه لا يراهم أرادوا إلا خراسان ولم يزل الحجاج يظن بيزيد ما صنع كان يقول إنى لا ظنه يحدث نفسه بمثل الذى صنع ابا الاشعث ولما دنا يزيد من البطائح من موقوع استقبلته الخيل قد هيئت له ولاخوته فخرجوا عليها ومعهم دليل لهم من كلب يقال له عبد الجبار بن يزيد بن الربعة فأخذ بهم على السماوة وأتى الحجاج بعد يومين فقيل له إنما أخذ الرجل طريق الشأم وهذه الخيل حسرى في الطريق وقد أتى من رآهم موجهين في البر فبعث إلى الوليد يعلمه ذلك ومضى يزيد حتى قدم فلسطين فنزل على وهيب بن عبد الرحمن الازدي وكان كريما على سليمان وأنزل بعض ثقله وأهله على سفيان بن سليمان الازدي وجاء وهيب بن عبد الرحمن حتى دخل على سليمان فقال هذا يزيد بن المهلب وإخوته في منزلي وقد أتوك هرابا من الحجاج متعوذين بك قال فأتني بهم فهم آمنون لا يوصل إليهم أبدا وأنا حى فجاء بهم حتى أدخلهم عليه فكانوا في مكان آمن وقال الكلبى دليلهم في مسيرهم ألا جعل الله الاخلاء كلهم * فداء على ما كان لابن المهلب لنعم الفتى يا معشر الازد أسعفت * ركابكم بالوهب شرقي منقب عدلن يمينا عنهم رمل عالج * وذات يمين القوم أعلام غرب فإلا تصبح بعد خمس ركابنا * سليمان من أهل اللوى تتأوب تقر قرار الشمس مما وراءنا * وتذهب في داج من الليل غيهب بقوم هم كانوا الملوك هديتهم * بظلماء لم يبصر بها ضوء كوكب ولا قمر إلا ضئيلا كأنه * سوار حناه صائغ السور مذهب (قال هشام) فأخبرني الحسن بن أبان العليمى قال بينا عبد الجبار بن يزيد ابن الربعة يسرى بهم فسقطت عمامة يزيد فقدها فقال يا عبد الجبار ارجع فاطلبها لنا قال إن مثلى لا يؤمر بهذا فأعاد فأبى فتناوله بالسوط فانتسب له فاستحيا منه فذلك قوله ألا جعل الله الاخلاء كلهم * فداء على ما كان لابن المهلب

[ 233 ]

وكتب الحجاج أن آل المهلب خانوا مال الله وهربوا منى ولحقوا بسليمان وكان آل المهلب قدموا على سليمان وقد أمر الناس أن يحصلوا ليسرحوا إلى خراسان لا يرون إلا أن يزيد توجه إلى خراسان ليفتن من بها فلما بلغ الوليد مكانه عند سليمان هون عليه بعض ما كان في نفسه وطار غضبا للمال الذى ذهب به وكتب سليمان إلى الوليد أن يزيد بن المهلب عندي وقد آمنته وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف كان الحجاج أغرمهم ستة آلاف ألف فأدوا ثلاثة آلاف ألف وبقى ثلاثة آلاف ألف فهى على فكتب إليه لا والله لا أو منه حتى تبعث به إلى فكتب إليه لئن أنا بعثت به إليك لا جيئن معه فأنشدك الله ألا تفضحني ولا أن تخفرنى فكتب إليه والله لئن جئتني لا أو منه فقال يزيد ابعثنى إليه فوا لله ما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحربا ولا أن يتشاءم بى لكما الناس ابعث إليه بى وأرسل معى ابنك واكتب إليه بألطف ما قدرت عليه فأرسل ابنه أيوب معه وكان الوليد أمره أن يبعث به إليه في وثاق فبعث به إليه وقال لابنه إذا أردت أن تدخل عليه فادخل أنت ويزيد في سلسلة ثم ادخلا جميعا على الوليد ففعل ذلك به حين انتهيا إلى الوليد فدخلا عليه فلما رأى الوليد ابن أخيه في سلسلة قال والله لقد بلغنا من سليمان ثم إن الغلام دفع كتاب أبيه إلى عمه وقال يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبى وأنت أحق من منعها ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك وقرأ الكتاب لعبدالله الوليد أمير المؤمنين من سليمان بن عبد الملك أما بعد يا أمير المؤمنين فو الله إن كنت لا ظن لو استجار بى عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته أنك لا تذل جارى ولا تخفر جواري بل لم أجر إلا سامعا مطيعا حسن البلاء والاثر في الاسلام هو وأبوه وأهل بيته وقد بعثت به إليك فان كنت إنما تغزو قطيعتي والاخفار لذمتي والابلاغ في مساءتى فقد قدرت إن أنت فعلت وأنا أعيذك بالله من احتراد قطيعتي وانتهاك حرمتي وترك برى وصلتي فو الله يا أمير المؤمنين ما تدرى ما بقائي وبقاؤك ولا متى يفرق الموت بينى وبينك فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله سروره أن لا يأتي علينا

[ 234 ]

أجل الوفاة الا وهو لى واصل ولحقي مؤد وعن مساءتى نازع فليفعل والله يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشئ من أمر الدنيا بعد تقوى الله فيها بأسر منى برضاك وسرورك وان رضاك مما ألتمس به رضوان الله فإن كنت يا أمير المؤمنين تريد يوما من الدهر مسرتي وصلتي وكرامتي وإعظام حقى فتجاوز لى عن يزيد وكل ما طلبته به فهو على فلما قرأ كتابه قال لقد شفقنا على سليمان ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه وتكلم يزيد فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله ثم قال يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء فمن ينس ذلك فلسنا ناسيه ومن يكفر فلسنا كافريه وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب ما إن المنة علينا فيها عظيمة فقال له أجلس فجلس فآمنه وكف عنه ورجع إلى سليمان وسعى إخوته في المال الذى عليه وكتب إلى الحجاج إنى لم أصل إلى يزيد وأهل بيته مع سليمان فاكفف عنهم واله عن الكتاب إلى فيهم فلما رأى ذلك الحجاج كف عنهم وكان أبو عيينة ابن المهلب عند الحجاج عليه ألف ألف درهم فتركها له وكف عن حبيب بن المهلب ورجع يزيد إلى سليمان بن عبد الملك فأقام عنده يعلمه الهيئة ويصنع له طيب الاطعمة ويهدى له الهدايا العظام وكان من أحسن الناس عنده منزلة وكان لا تأتى يزيد ابن المهلب هدية إلا بعث بها إلى سليمان ولا تأتى سليمان هدية ولا فائدة إلا بعث بنصفها إلى يزيد بن المهلب وكان لا تعجبه جارية إلا بعث بها إلى يزيد إلا خطيئة الجارية فبلغ ذلك الوليد بن عبد الملك فدعا الحارث بن مالك بن ربيعة الاشعري فقال انطلق إلى سليمان فقل له يا خالفة أهل بيته ان أمير المؤمنين قد بلغه أنه لا تأتيك هدية ولا فائدة إلا بعثت إلى يزيد بنصفها وانك تأتى الجارية من جواريك فلا ينقضى طهرها حتى تبعث بها إلى يزيد وقبح ذلك عليه وعيره به أتراك مبلغا ما أمرتك به قال طاعتك طاعة وانما إنا رسول قال فأته فقل له ذلك وأقم عنده فإنى باعث إليه بهدية فادفعها إليه وخذ منه البراءة بما تدفع إليه ثم أقبل فمضى حتى قدم عليه وبين يديه المصحف وهو يقرأ فدخل عليه فسلم فلم يرد عليه السلام حتى فرغ من قراءته ثم رفع رأسه إليه فكلمه بكل

[ 235 ]

شئ أمره به الوليد فتعمر وجهه ثم قال أما والله لئن قدرت عليك يوما من الدهر لاقطعن منك طابقا فقال له إنما كانت على الطاعة ثم خرج من عنده فلما أتى بذلك الذى بعث به الوليد إلى سليمان دخل عليه الحارث بن ربيعة الاشعري وقال له اعطني البراءة بهذا الذى دفعت إليك فقال كيف قلت لى قال لا أعيده عليك أبدا إنما كان على فيه الطاعة فسكن وعلم أن قد صدقه الرجل ثم خرج وخرجوا معه فقال خذوا نصف هذه الاعدال وهذه الاسقاط وابعثوا بها إلى يزيد قال فعلم الرجل أنه لا يطيع في يزيد أحدا ومكث يزيد بن المهلب عند سليمان تسعة أشهر وتوفى الحجاج سنة 95 في رمضان لتسع بقين منه في يوم الجمعة ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففيها) غزا فيما ذكر محمد بن عمر وغيره الصائفة عبد العزيز بن الوليد وكان على الجيش مسلمة بن عبد الملك (وفيها) غزا أيضا مسلمة الترك حتى بلغ الباب من ناحية آذربيجان ففتح على يديه مدائن وحصون (وفيها) غزا موسى بن نصير الاندلسي ففتح على يديه أيضا مدائن وحصون (وفى هذه السنة) قتل قتيبة بن مسلم نيزك طرخان (رجع الحديث) إلى حديث على بن محمد وقصة نيزك وظفر قتيبة به حتى قتله ولما قدم من كان قتيبة كتب إليه يأمره بالقدوم عليه من أهل أبر شهر وبيورد وسرخس وهراة على قتيبة سار بالناس إلى مروروذ واستخلف على الحرب حماد بن مسلم وعلى الخراج عبد الله بن الاهتم وبلغ مرزبان مروروذ إقباله إلى بلاده فهرب إلى بلاد الفرس وقدم قتيبة مروروذ فأخذ ابنين له فقتلهما وصلبهما ثم سار إلى الطالقان فقام صاحبها ولم يحاربه فكف عنه وفيها لصوص فقتلهم قتيبة وصلبهم واستعمل الطالقان وعمرو بن مسلم ومضى إلى الفارياب فخرج إليه ملك الفارياب مذعنا مقرا بطاعته فرضى عنه ولم يقتل بها أحدا واستعمل عليها رجلا من باهلة وبلغ صاحب الجوزجان خبرهم فترك أرضه وخرج إلى

[ 236 ]

الجبال هاربا وسار قتيبة إلى الجوز جان فلقيه أهلها سامعين مطيعين فقبل منهم فلم يقتل فيها أحدا واستعمل عليها عامر بن مالك الحمانى ثم أتى بلخ فلقيه الا سبهبذ في أهل بلخ فدخلها فلم يقم بها إلا يوما واحدا ثم مضى يتبع عبد الرحمن حتى أتى شعب خلم وقد مضى نيزك فعسكر ببغلان وخلف مقاتلة على فم الشعب ومضايقه يمنعونه ووضع مقاتلة في قلعة حصينة من وراء الشعب فأقام قتيبة أياما يقاتلهم على مضيق الشعب لا يقدر منهم على شئ ولا يقدر على دخوله وهو مضيق الوادي يجرى وسطه ولا يعرف طريقا يفضى به إلى نيزك إلا الشعب أو مفازة لا تحتمل العساكر فبقى متلددا يلتمس الحيل قال فهو في ذلك إذ قدم عليه الرؤب خان ملك الرؤب وسمنجان فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة التى وراء هذا الشعب فآمنه قتيبة وأعطاه ما سأله وبعث معه رجالا ليلا فانتهى بهم إلى القلعة التى من وراء شعب خلم فطرقوهم وهم آمنون فقتلوهم وهرب من بقى منهم ومن كان في الشعب فدخل قتيبة والناس الشعب فأتى القلعة ثم مضى إلى سمنجان ونيزك ببغلان بعين تدعى فنج جاه وبين سمنجان وبغلان مفازة ليست بالشديدة قال فأقام قتيبة بسمنجان أياما ثم سار نيزك وقدم أخاه عبد الرحمن وبلغ نيزك فارتحل من منزله حتى قطع وادى فرغانة ووجه ثقله وأمواله إلى كابل شاه ومضى حتى نزل الكرز وعبد الرحمن بن مسلم يتبعه فنزل عبد الرحمن وأخذ بمضايق الكرز ونزل قتيبة اسكيمشت بينه وبين عبد الرحمن فرسخان فتحرز نيزك في الكرز وليس إليه مسلك إلا من وجه واحد وذلك الوجه صعب لا تطيقه الدواب فحصره قتيبة شهرين حتى قل ما في يدنيزك من الطعام وأصابهم الجدرى وجدر جيغويه وخاف قتيبة الشتاء فدعا سليما الناصح فقال انطلق إلى نيزك واحتل لان تأتيني به بغير أمان فإن أعياك وأبى فآمنه واعلم أنى إن عاينتك وليس هو معك صلبتك فاعمل لنفسك قال فاكتب إلى عبد الرحمن لا يخالفني قال نعم فكتب له إلى عبد الرحمن فقدم عليه فقال له ابعث رجالا فليكونوا على فم الشعب فإذا خرجت أنا ونيزك فليعطفوا من ورائنا فيحولوا بيننا وبين الشعب فال فبعث عبد الرحمن خيلا فكانوا حيث

[ 237 ]

أمرهم سليم ومضى سليم وقد حمل معه من الاطعمة التى تبقى أياما والاخبصة أوقارا حتى أتى نيزك فقال له نيزك خذلتني يا سليم قال ما خذلتك ولكنك عصيتني وأسأت بنفسك خلعت وغدرت قال فما الرأى قال الرأى أن تأتيه فقد أمحكته وليس ببارح موضعه هذا قد اعتزم على أن يشتو بمكانه هلك أو سلم قال آتيه على غير أمان قال ما أظنه يؤمنك لما في قلبه عليك فإنك قد ملاته غيظا ولكني أرى أن لا يعلم بك حتى تضع يدك في يده فإنى أرجو إن فعلت ذاك أن يستحيى ويعفو عنك قال أترى ذلك قال نعم قال إن نفسي لتأبى هذا وهو إن رأني قتلني فقال له سليم ما أتيتك إلا لاشير عليك بهذا ولو فعلت لرجوت أن تسلم وأن تعود حالك عنده إلى ما كانت فأما إذا أبيت فإنى منصرف قال فنغديك إذا قال إنى لاظنكم في شغل عن تهيئة الطعام ومعنا طعام كثير قال ودعا سليم بالغداء فجاءوا بطعام كثير لا عهد لهم بمثله منذ حصروا فانتهبه الاتراك فغم ذلك نيزك وقال سليم يا أبا الهياج أنا لك من الناصحين أرى أصحابك قد جهدوا وإن طال بهم الحصار وأقمت على حالك لم آمنهم أن يستأمنوا بك فانطلق وأت قتيبة قال ما كنت لا منه على نفسي ولا آتيه على غير أمان فإن ظنى به أنه قاتلي وإن آمنني ولكن الامان أعذر لى وأرجى قال فقد آمنك أفتتهمني قال لا قال فانطلق معى قال له أصحابه اقبل قول سليم فلم يكن ليقول إلا حقا فدعا بدورا به وخرج مع سليم فلما انتهى إلى الدرجة التى يهبط منها إلى قرار الارض قال يا سليم من كان لا يعلم متى يموت فإنى أعلم متى أموت أموت إذا عاينت قتيبة قال كلا أيقتلك مع الامان فركب ومضى معه جيغويه وقد برأ من الجدرى وصول وعثمان ابنا أخى نيزك وصول طرخان خليفة جيغويه وخنس وطرخان صاحب شرطه قال فلما خرج من الشعب عطفت الخيل التى خلفها سليم ؟ ؟ فوهة الشعب فحالوا بين الاتراك وبين الخروج فقال نيزك لسليم هذا أول الشر قال لا تفعل تخلف هؤلاء عنك خير لك وأقبل سليم ونيزك ومن خرج معه حتى دخلوا على عبد الرحمن بن مسلم فأرسل رسولا إلى قتيبة يعلمه فأرسل قتيبة عمرو بن أبى مهزم إلى عبد الرحمن أن اقدم بهم على فقدم بهم عبد الرحمن

[ 238 ]

عليه فحبس أصحاب نيزك ودفع نيزك إلى ابن بسام الليثى وكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك فجعل ابن بسام نيزك في قبته وحفر حول القبة خندقا ووضع عليه حرسا ووجه قتيبة معاوية بن عامر بن علقمة العليمى فاستخرج ما كان في الكرز من متاع ومن كان فيه وقدم به على قتيبة فحبسهم ينتظر كتاب الحجاج فيما كتب إليه فأتاه كتاب الحجاج بعد أربعين يوما يأمره بقتل نيزك قال فدعا به فقال هل لك عندي عقد أو عند عبد الرحمن أو عند سليم قال لى عند سليم قال كذبت وقام فدخل ورد نيزك إلى حبسه فمكث ثلاثة أيام لا يظهر للناس قال فقال المهلب بن إياس العدوى وتكلم الناس في أمر نيزك فقال بعضهم ما يحل له أن يقتله وقال بعضهم ما يحل له تركه وكثرت الاقاويل فيه قال وخرج قتيبة اليوم الرابع فجلس وأذن للناس فقال ما ترون في قتل نيزك فاختلفوا فقال قائل اقتله وقال قائل أعطيته عهدا فلا تقتله وقال قائل ما نأمنه على المسلمين ودخل ضرار بن حصين الضبى فقال ما تقول يا ضرار قال أقول إنى سمعتك تقول أعطيت الله عهدا إن أمكنك منه أن تقتله فان لم تفعل لا ينصرنك الله عليه أبدا فأطرق قتيبة طويلا ثم قال والله لو لم يبق من أجلى إلا ثلاث كلمات لقلت اقتلوه اقتلوه اقتلوه وأرسل إلى نيزك فأمر بقتله وأصحابه فقتل مع سبعمائة وأما الباهليون فيقولون لم يؤمنه ولم يؤمنه سليم فلما أراد قتله دعا به ودعا بسيف حنفى فانتضاه وطول كميه ثم ضرب عنقه بيده وأمر عبد الرحمن فضرب عنق صول وأمر صالحا فقتل عثمان ويقال شقران ابن أخى نيزك وقال لبكر بن حبيب السهمى من باهلة هل بك قوة قال نعم وأريد وكانت في بكر أعرابية فقال دونك هؤلاء الدهاقين قال وكان إذا أتى برجل ضرب عنقه وقال أوردوا ولا تصدروا فكان من قتل يومئذ اثنا عشر ألفا في قول الباهليين وصلب نيزك وابنى أخيه في أصل عين تدعى وخش خاشان في اسكيمشت فقال المغيرة بن حبناء يذكر ذلك في كلمة له طويلة: لعمري لنعمت غزوة الجند غزوة * قضت نحبها من نيزك وتعلت قال على أخبرنا مصعب بن حيان عن أبيه قال بعث قتيبة برأس نيزك مع محفن

[ 239 ]

ابن جزء الكلابي وسوار بن زهدم الجرمى فقال الحجاج إن كان قتيبة لحقيقا أن يبعث برأس نيزك مع ولد مسلم فقال سوار: أقول لمحفن وجرى سنيح * وآخر بارح من عن يمينى وقد جعلت بوائق من أمور * ترفع حوله وتكف دوني نشدتك هل يسرك أن سرجى * وسرجك فوق ابغل باذيين قال فقال محفن نعم وبالصين قال على أخبرنا حمزة بن إبراهيم وعلى بن مجاهد عن حنبل بن أبى حريدة عن مرزبان قهستان وغيرهما أن قتيبة دعا يوما بنيزك وهو محبوس فقال ما رأيك في السبل والشذ أتراهما يأتيان إن أرسلت اليهما قال لا قال فأرسل اليهما قتيبة فقد ما عليه ودعا نيزك وجيغويه فدخلا فإذا السبل والشذ بين يديه على كرسيين فجلسا بإزائهما فقال الشذ لقتيبة إن جيغويه وإن كان لى عدوا فهو أسن منى وهو الملك وأنا كعبده فأذن لى أدن منه فأذن له فدنا منه فقبل يده وسجد له قال ثم استأذنه في السبل فأذن له فدنا منه فقبل يده فقال نيزك لقتيبة اثذن لى أدن من الشذ فانى عبده فأذن له فدنا منه فقبل يده ثم أذن قتيبة للسبل والشذ فانصرفا إلى بلادهما وضم إلى الشذ الحجاج القينى وكان من وجوه أهل خراسان وقتل قتيبة نيزك فأخذ الزبير مولى عابس الباهلى خفا لنيزك فيه جوهر وكان أكثر من في بلاده مالا وعقارا من ذلك الجوهر الذى أصابه في خفه فسوغه إياه قتيبة فلم يزل موسرا حتى هلك بكابل في ولاية أبى داود قال وأطلق قتيبة جيغويه ومن عليه وبعث به إلى الوليد فلم يزل بالشأم حتى مات الوليد ورجع قتيبة إلى مرو واستعمل أخاه عبد الرحمن على بلخ فكان الناس يقولون غدر قتيبة بنيزك فقال ثابت قطنة: لا تحسبن الغدر حزما فربما * ترفت به الاقدام يوما فزلت وقال وكان الحجاج يقول بعثت قتيبة فتى غرا فما زدته ذراعا إلا زادني باعا قال على أخبرنا حمزة بن إبراهيم عن أشياخ من أهل خراسان وعلى بن مجاهد عن حنبل بن أبى حريدة عن مرزبان قهستان وغيرهما أن قتيبة بن مسلم لما رجع

[ 240 ]

إلى مرو وقتل نيزك طلب ملك الجوزجان وكان قد هرب عن بلاده فأرسل يطلب الامان فآمنه على أن يأتيه فيصالحه فطلب رهنا يكونون في يديه ويعطى رهائن فأعطى قتيبة حبيب بن عبد الله بن عمرو بن حصين الباهلى وأعطى ملك الجوزجان رهائن من أهل بيته فخلف ملك الجوزجان حبيبا بالجوزجان في بعض حصونه وقدم على قتيبة فصالحه ثم رجع فمات بالطالقان فقال أهل الجوزجان سموه فقتلوا حبيبا وقتل قتيبة الرهن الذين كانوا عنده فقال نهار بن توسعة لقتيبة أراك الله في الاتراك حكما * كحكم في قريظة والنضير قضاء من قتيبة غير جور * به يشفى الغليل من الصدور فإن ير نيزك خزيا وذلا * فكم في الحرب حمق من أمير وقال المغيرة بن حبناء يمدح قتيبة وبذكر قتل نيزك وصول وابن أخى نيرك عثمان أو شقران لمن الديار عفت بسفح سنام * إلا بقية أيصر وثمام عصف الرياح ذيولها فمحونها * وجرين فوق عراصها بتمام دار لجارية كأن رضابها * مسك يشاب مزاجه بمدام ابلغ أبا حفص قتيبة مدحتي * واقرا عليه تحيتي وسلامي يا سيف أبلغها فإن ثناءها * حسن وإنك شاهد لمقامي يسمو فتتضع الرجال إذا سما * لقتيبة الحامى حمى الاسلام لاغر منتجب لكل عظيمة * نحر يباح به العدو لهام يمضى إذا هاب الجبان وأحمشت * حرب تسعر نارها بضرام تروى القناة مع اللواء أمامه * تحت اللوامع والنحور دوام والهام تفريه السيوف كأنه * بالقاع حين تراه قيض نعام وترى الجياد مع الجياد ضوامرا * بفنائه لحوادث الايام وبهن أنزل نيزكا من شاهق * والكرز حيث يروم كل مرام وأخاه شقرانا سقيت بكأسه * وسقيت كأسهما أخا باذام

[ 241 ]

وتركت صولا حين صال مجدلا * يركبنه بدوابر وحوام (وفى هذه السنة) أعنى سنة 91 غزا قتيبة شومان وكس ونسف غزوته الثانية وصالح طرخان ذكر الخبر عن ذلك قال على أخبرنا بشر بن عيسى عن أبى صفوان وأبو السرى وجبلة بن فروخ عن سليمان بن مجالد والحسن بن رشيد عن طفيل بن مرداس العمى وأبو السرى المروزى عن عمه وبشر بن عيسى وعلى بن مجاهد عن حنبل بن أبى حريدة عن مرزبان قهستان وعياش بن عبد الله الغنوى عن أشياخ من أهل خراسان قال وحدثني ظئرى كل قد ذكر شيئا فألفته وأدخلت من حديث بعضهم في حديث بعض أن فيلسنشب باذق وقال بعضهم غيسلشتان ملك شومان طرد عامل قتيبة ومنع الفدية التى صالح عليها قتيبة فبعث إليه قتيبة عياشا الغنوى ومعه رجل من نساك أهل خراسان يدعوان ملك شومان إلى أن يؤدى الفدية على ما صالح عليه قتيبة فقد ما البلد فخرجوا إليهما فرمو هما فانصرف الرجل وأقام عياش الغنوى فقال أما ههنا مسلم فخرج إليه رجل من المدينة فقال أنا مسلم فما تريد قال تعينني على جهادهم قال نعم فقال له عياش كن خلفي لتمنع لى ظهرى فقام خلفه وكان اسم الرجل المهلب فقاتلهم عياش فحمل عليهم فتفرقوا عنه وحمل المهلب على عياش من خلفه فقتله فوجدوا به ستين جراحة فغمهم قتله وقالوا قتلنا رجلا شجاعا وبلغ قتيبة فسار إليهم بنفسه وأخذ طريق بلخ فلما أتاها قدم أخاه عبد الرحمن واستعمل على بلخ عمرو بن مسلم وكان ملك شومان صديقا لصالح بن مسلم فأرسل إليه صالح رجلا يأمره بالطاعة ويضمن له رضى قتيبة إن رجع إلى الصلح فأبى وقال لرسول صالح ما تخوفنى به من قتيبة وأنا أمنع الملوك حصنا أرمى أعلاه وأنا أشده الناس قوسا وأشده رميا فلا تبلغ نشابتى نصف حصنى فما أخاف من قتيبة فمضى قتيبة من بلخ فعبر النهر ثم أتى شومان وقد تحصن ملكها فوضع عليه المجانيق ورمى حصنه فهشمه فلما خاف أن يظهر عليه ورأى ما نزل به جمع ما كان له من مال وجوهر فرمى به في عين في وسط القلعة لا يدرك

[ 242 ]

قعرها قال ثم فتح القلعة وخرج إليهم فقاتلهم فقتل وأخذ قتيبة القلعة عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية ثم رجع إلى باب الحديد فأجاز منه إلى كس ونسف وكتب إليه الحجاج أن كس بكس وانسف نسف وإياك والتحويط ففتح كس ونسف وامتنع عليه فرياب فحرقها فسميت المحترقة وسرح قتيبة من كس ونسف أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى السغد إلى طرخون فسار حتى نزل بمرج قريبا منهم وذلك في وقت العصر فانتبذ الناس وشربوا حتى عبثوا وعاثوا وأفسدوا فأمر عبد الرحمن أبا مرضية مولى لهم أن يمنع الناس من شرب العصير فكان يضربهم ويكسر آنيتهم ويصب نبيذهم فسال في الوادي فسمى مرج النبيذ فقال بعض شعرائهم أما النبيذ فلست أشربه * أخشى أبا مرضية الكلب متعسفا يسعى بسكته * يتوثب الحيطان للشرب فقبض عبد الرحمن من طرخون شيئا كان قد صالحه عليه قتيبة ودفع إليه رهنا كانوا معه وانصرف عبد الرحمن إلى قتيبة وهو ببخارى فرجعوا إلى مرو فقالت السغد لطرخون إنك قد رضيت بالذل واستطبت الجزية وأنت شيخ كبير فلا حاجة لنا بك قال فولوا من أحببتم قال فولوا غوزك وحبسوا طرخون فقال طرخون ليس بعد سلب الملك إلا القتل فيكون ذلك بيدى أحب إلى من أن يليه منى غيرى فاتكأ على سيفه حتى خرج من ظهره قال وإنما صنعوا بطرخون هذا حين خرج قتيبة إلى سجستان وولوا غوزك وأما الباهليون فيقولون حصر قتيبة ملك شومان ووضع على قلعته المجانيق ووضع منجنيقا كان يسميها الفحجاء فرمى بأول حجر فأصاب الحائط ورمى بآخر فوقع في المدينة ثم تتابعت الحجارة في المدينة فوقع حجر منها في مجلس الملك فأصاب رجلا فقتله ففتح القلعة عنوة ثم رجع إلى كس ونصف ثم مضى إلى بخارى فنزل قرية فيها بيت نار وبيت آلهة وكان فيها طواويس فسموه منزل الطواويس ثم سار إلى طرخون بالسغد ليقبض منه ما كان صالحه عليه فلما أشرف على وادى السغد فرأى حسنه تمثل

[ 243 ]

وادخصيب عشيب ظل يمنعه * من الانيس حذار اليوم ذى الرهج وردته بعناجيج مسومة * يردين بالشعث سفاكين للمهج قال فقبض من طرخون صلحه ثم رجع إلى بخارى فملك بخارى خذاه غلاما حدثا وقتل من خاف أن يضاده ثم أخذ على آمل ثم أتى مرو قال وذكر الباهليون عن بشار بن عمرو عن رجل من باهلة قال لم يفرغ الناس من ضرب أبنيتهم حتى افتتحت القلعة (وفى هذه السنة) ولى الوليد بن عبد الملك مكة خالد بن عبد الله القسرى فلم يزل واليا عليها إلى أن مات الوليد * فذكر محمد بن عمر الواقدي أن اسماعيل بن ابراهيم بن عقبة حدثه عن نافع مولى بنى مخزوم قال سمعت خالد بن عبد الله يقول يا أيها الناس إنكم بأعظم بلاد الله حرمة وهى التى اختار الله من البلدان فوضع بها بيته ثم كتب على عباده حجه من استطاع إليه سبيلا أيها الناس فعليكم بالطاعة ولزوم الجماعة واياكم والشبهات فانى والله ما أوتى بأحد يطعن على امامه إلا صلبته في الحرم ان الله جعل الخلافة منه بالموضع الذى جعلها فسلموا وأطيعوا ولا تقولوا كيت وكيت إنه لا رأى فيما كتب به الخليفة أو رآه إلا إمضاؤه واعلموا أنه بلغني أن قوما من أهل الخلاف يقدمون عليكم ويقيمون في بلادكم فإياكم أن تنزلوا أحدا ممن تعلمون أنه زائغ عن الجماعة فإنى لا أجد أحدا منهم في منزل أحد منكم إلا هدمت منزله فانظروا من تنزلون في منازلكم وعليكم بالجماعة والطاعة فان الفرقة هي البلاء العظيم * قال محمد بن عمرو حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن موسى بن عقبة عن أبى حبيبة قال اعتمرت فنزلت دور بنى أسد في منازل الزبير فلم أشعر إلا به يدعوني فدخلت عليه فقال ممن أنت قلت من أهل المدينة قال ما أنزلك في منازل المخالف للطاعة قلت إنما مقامي إن أقمت يوما أو بعضه ثم رجع إلى منزلي وليس عندي خلاف أنا ممن يعظم أمر الخلافة وأزعم أن من جحدها فقد هلك قال فلا عليك ما أقمت إنما يكره أن يقيم من كان زاريا على الخليفة قلت معاذ الله وسمعته يوما يقول والله لو أعلم أن هذه الوحش التى تأمن في الحرم لو نطقت لم تقر بالطاعة لا خرجتها من الحرم إنه لا يسكن

[ 244 ]

حرم الله وأمنه مخالف للجماعة زار عليهم قلت وفق الله الامير (وحج) بالناس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال حج الوليد بن عبد الملك سنة 91 وكذلك قال محمد بن عمر حدثنى موسى ابن أبى بكر قال حدثنا صالح بن كيسان قال لما حضر قدوم الوليد أمر عمر بن عبد العزيز عشرين رجلا من قريش يخرجون معه فيتلقون الوليد بن عبد الملك منهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الحارث بن هشام وأخوه محمد بن عبد الرحمن وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فخرجوا حتى بلغوا السويداء وهم مع عمر ابن عبد العزيز وفى الناس يومئذ دواب وخيل فلقوا الوليد وهو على ظهر فقال لهم الحاجب انزلوا لامير المؤمنين فنزلوا ثم أمرهم فركبوا فدعا بعمر بن عبد العزيز فسايره حتى نزل بذى خشب ثم أحضروا فدعاهم رجلا رجلا فسلموا عليه ودعا بالغداء فتغدوا عنده وراح من ذى خشب فلما دخل المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بنائه فأخرج الناس منه فما ترك فيه أحد وبقى سعيد بن المسيب ما يجترئ أحد من الحرس أن يخرجه وما عليه إلا ريطتان ما تساويان إلا خمسة دراهم في مصلاه فقيل له لو قمت قال والله لا أقوم حتى يأتي الوقت الذى كنت أقوم فيه قيل فلو سلمت على أمير المؤمنين قال والله لاأقوم إليه قال عمر بن عبد العزيز فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد رجاء أن لا يرى سعيدا حتى يقوم فحانت من الوليد نظرة إلى القبلة فقال من ذلك الجالس أهو الشيخ سعيد بن المسيب فجعل عمر يقول نعم يا أمير المؤمنين ومن حاله ومن حاله ولو علم بمكانك لقام فسلم عليك وهو ضعيف البصر قال الوليد قد علمت حاله ونحن نأتيه فنسلم عليه فدار في المسجد حتى وقف على القبر ثم أقبل حتى وقف على سعيد فقال كيف أنت أيها الشيخ فو الله ما تحرك سعيد ولا قام فقال بخير والحمد لله فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله قال الوليد خير والحمد لله فانصرف وهو يقول لعمر هذا بقية الناس فقلت أجل يا أمير المؤمنين قال وقسم الوليد بالمدينة رقيقا كثيرا عجما بين الناس وآنية من ذهب وفضة وأموالا وخطب بالمدينة في الجمعة فصلى بهم (قال محمد بن عمر) وحدثني إسحاق بن يحيى قال رأيت الوليد يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة عام

[ 245 ]

حج قد صف له جنده صفين من المنبر إلى جدار مؤخر المسجد في أيديهم الجرزة وعمد الحديد على العواتق فرأيته طلع في دراعة وقلنسوة ما عليه رداء فصعد المنبر فلما صعد سلم ثم جلس فأذن المؤذنون ثم سكتوا فخطب الخطبة الاولى وهو جالس ثم قام فخطب الثانية قائما قال إسحاق فلقيت رجاء بن حيوة وهو معه فقلت هكذا يصنعون قال نعم وهكذا صنع معاوية فهلم جرا قلت أفلا تكلمه قال أخبرني قبيصة ابن ذؤيب أنه كلم عبد الملك بن مروان فأبى أن يفعل وقال هكذا خطب عثمان فقلت والله ما خطب هكذا ما خطب عثمان إلا قائما قال رجاء روى لهم هذا فأخذوا به قال إسحاق لم نر منهم أحدا أشد تجبرا منه (قال محمد بن عمر) وقدم بطيب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجمره وبكسوة الكعبة فنشرت وعلقت على حبال في المسجد من ديباج حسن لم ير مثله قط فنشرها يوما وطوى ورفع قال وأقام الحجاج الوليد بن عبد الملك * وكانت عمال الامصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عمالها في سنة 90 غير مكة فان عاملها كان في هذه السنة خالد ابن عبد الله القسرى في قول الواقدي وقال غيره كانت ولاية مكة في هذه السنة أيضا إلى عمر بن عبد العزيز. ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ذكر الاحداث التى كانت فيها فمن ذلك غزوة مسلمة بن عبد الملك وعمر بن الوليد أرض الروم ففتح على يدى مسلمة حصون ثلاثة وجلا أهل سوسنه إلى جوف أرض الروم (وفيها) غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير الاندلس في اثنى عشر ألفا فلقى ملك الاندلس زعم الواقدي أنه يقال له ادر ينوق وكان رجلا من أهل أصبهان قال وهم ملوك عجم الاندلس فزحف له طارق بجميع من معه فزحف الادرينوق في سرير الملك وعلى الادرينوق تاجه وقفازه وجميع الحلية التى كان يلبسها الملوك فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل الله الادرينوق وفتح الاندلس سنة 92 (وفيها) غزا فيما زعم بعض أهل

[ 246 ]

السير قتيبة سجستان يريد رتيبل الاعظم والزابل فلما نزل سجستان تلقته رسل رتبيل بالصلح فقبل ذلك وانصرف واستعمل عليهم عبد ربه بن عبد الله بن عمير الليثى (وحج) بالناس في هذه السنة عمربن عبد العزيز وهو على المدينة كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وكان عمال الامصار في هذه السنة عمالها في السنة التى قبلها ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ذكر الاحداث التى كانت فيها فمما كان فيها من ذلك غزوة العباس بن الوليد أرض الروم ففتح الله على يديه سمسطية (وفيها) كانت أيضا غزوة مروان بن الوليد الروم فبلغ خنجرة (وفيها) كانت غزوة مسلمة بن عبد الملك أرض الروم فافتتح ماسة وحصن الحديد وغزالة وبرجمة من ناحية ملطية (وفيها) قتل قتيبة ملك خام جرد وصالح مالك خوارزم صلحا مجددا ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الامر فيه ذكر على بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس والحسن بن رشيد عن طفيل بن مرداس العمى وعلى بن مجاهد عن حنبل بن أبى حريدة عن مرزبان قهستان وكليب بن خلف والباهليين وغيرهم وقد ذكر بعضهم ما لم يذكر بعض فألفته أن ملك خوارزم كان ضعيفا فغلبه أخوه خر زاذ على أمره وخرزاذ أصغر منه فكان إذا بلغه أن عند أحد ممن هو منقطع إلى الملك جارية أو دابة أو متاعا فاخرا أرسل فأخذه أو بلغه أن لاحد منهم بنتا أو أختا أو امرأة جميلة أرسل إليه فغصبه وأخذ ما شاء وحبس ما شاء لا يمتنع عليه أحد ولا يمنعه الملك فإذا قيل له قال لا أقوى عليه وقد ملاه مع هذا غيظا فلما طال ذلك منه عليه كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه يريد أن يسلمها إليه وبعث إليه بمفاتيح مدائن خوارزم ثلاثة مفاتيح من ذهب واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكل من كان يضاده

[ 247 ]

يحكم فيه ما يرى وبعث في ذلك رسلا ولم يطلع أحدا من مرازبته ولا دهاقينه على ماكتب به إلى قتيبة فقدمت رسله على قتيبة في آخر الشتاء ووقت الغزو وقد تهيأ للغزو فأظهر قتيبة أنه يريد السغد ورجع رسل خوارزم شاه إليه بما يحب من قبل قتيبة وسار واستخلف على مرو ثابتا الاعور مولى مسلم قال فجمع ملوكه وأحباره ودهاقينه فقال إن قتيبة يريد السغد وليس بغازيكم فهلم نتنعم في ربيعنا هذا فأقبلوا على الشرب والتنعم وأمنوا عند أنفسهم الغزو قال فلم يشعروا حتى نزل قتيبة في هزار سب دون النهر فقال خوارزم شاه لاصحابه ما ترون قالوا نرى أن نقاتله قال لكنى لا أرى ذلك قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشد شوكة ولكني أرى أن نصرفه بشئ نؤديه إليه فنصرفه عامنا هذا ونرى رأينا قالوا ورأينا رأيك فأقبل خوارزم شاه فنزل في مدينة الفيل من وراء النهر قال ومدائن خوازم شاه ثلاث مدائن يطيف بها فارقين واحد فمدينة الفيل أحصنهن فنزلها خوارزم شاه وقتيبة في هزار سب دون النهر لم يعبره بينه وبين خوارزم شاه نهر بلخ فصالحه على عشرة آلاف رأس وعين ومتاع وعلى أن يعينه على ملك خام جرد وأن يفى له بما كتب إليه فقبل ذلك منه قتيبة ووفى له وبعث قتيبة أخاه إلى ملك خام جرد وكان يعادى خوارزم شاه فقاتله فقتله عبد الرحمن وغلب على أرضه وقدم منهم على قتيبة بأربعة آلاف أسير فقتلهم وأمر قتيبة لما جاءه بهم أخاه عبد الرحمن بسريره فأخرج وبرز للناس قال وأمر بقتل الاسرى فقتل بين يديه ألف وعن يمينه ألف وعن يساره ألف وخلف ظهره ألف قال قال المهلب بن إياس أخذت يومئذ سيوف الاشراف فضرب بها الاعناق فكان فيها ما لا يقطع ولا يجرح فأخذوا سيفى فلم يضرب به شئ إلا أبانه فحسدني بعض آل قتيبة فغمز الذى يضرب أن اصفح به فصفح به قليلا فوقع في ضرس المقتول فثلمه (قال أبو الذيال) والسيف عندي قال ودفع قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفه فقتلهم واصطفى أموالهم فبعث بها إلى قتيبة ودخل قتيبة مدينة فيل فقبل من خوارزم شاه ما صالحه عليه ثم رجع إلى هزار سب وقال كعب الاشقري رمتك فيل بما فيها وما ظلمت * ورامها قبلك الفجفاجة الصلف

[ 248 ]

لا يجزى الثغر خوار القناة ولا * هش المكاسر والقلب الذى يجف هل تذكرون ليالى الترك تقتلهم * ما دون كازه والفجفاج ملتحف لم يركبوا الخيل إلا بعد ما كبروا * فهم ثقال على أكتافها عنف أنتم شباس ومرداذان محتقر * وبسخراء قبور حشوها القلف إنى رأيت أبا حفص تفضله * أيامه ومساعي الناس تختلف قيس صريح وبعض الناس يجمعهم * قرى وريف فمنسوب ومقترف لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا * سبعين ألفا وعز السغد مؤتنف وفى سمرقند أخرى أنت قاسمها * لئن تأخر عن حوبائك التلف ما قدم الناس من خير سبقت به * ولا يفوتك مما خلفوا شرف قال أنشدني على بن مجاهد رمتك * رمتك فيل بما دون كازه * قال وكذلك قال الحسن بن رشيد الجوزجانى وأما غيرهما فقال * رمتك فيل بما فيها * وقالوا فيل مدينة سمرقند قال وأثبتها عندي قول على بن مجاهد قال وقال الباهليون أصاب قتيبة من خوارزم مائة ألف رأس قال وكان خاصة قتيبة كلموه سنة 93 وقالوا الناس كالون قدموا من سجستان فأجمهم عامهم هذا فأبى قال فلما صالح أهل خوارزم سار إلى السغد فقال الاشقري لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا * سبعين ألفا وعز السغد مؤتنف (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة غزا قتيبة بن مسلم منصرفه من خوارزم سمرقند فافتتحها ذكر الخبر عن ذلك قد تقدم ذكر الاسناد عن القوم الذين ذكر على بن محمد أنه أخذ عنهم حين صالح قتيبة صاحب خوارزم ثم ذكر مد رجا في ذلك أن قتيبة لما قبض صلح خوارزم قام إليه المجسر ابن مزاحم السلمى فقال إن لى حاجة فأخلني فأحلاه فقال ان أردت السغد يوما من الدهر فالان فانهم آمنون من أن تأتيهم من عامك هذا وانما بينك وبينهم عشرة أيام قال أشار بهذا عليك أحد قال لا قال فأعلمته أحدا قال لا قال والله لئن تكلم

[ 249 ]

به أحد لاضربن عنقك فأقام يومه ذلك فلما أصبح من الغد دعا عبد الرحمن فقال سر في الفرسان والمرامية وقدم الاثقال إلى مرو فوجهت الاثقال إلى مرو ومضى عبد الرحمن يتبع الاثقال يريد مرو يومه كله فلما أمسى كتب إليه إذا أصبحت فوجه الاثقال إلى مرو وسر في الفرسان والمرامية نحو السغدوا كتم الاخبار فانى بالاثر قال فلما أتى عبد الرحمن الخبر أمر أصحاب الاثقال أن يمضوا إلى مرو وسار حيث أمره وخطب قتيبة الناس فقال ان الله قد فتح لكم هذه البلدة في وقت الغزو فيه ممكن وهذه السغد شاغرة برجلها قد نقضوا العهد الذى كان ببننا ومنعونا ما كنا صالحنا عليه طرخون وصنعوا به ما بلغكم وقال الله من نكث فانما ينكث على نفسه فسيروا على بركة الله فإنى أرجو أن يكون خوارزم والسغد كالنضير وقريظة وقال الله وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها، قال فأتى السغد وقد سبقه إليها عبد الرحمن بن مسلم في عشرين ألفا وقدم عليه قتيبة في أهل خوارزم وبخاري بعد ثلاثة أو أربعة من نزول عبد الرحمن بهم فقال انا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين فحصرهم شهرا فقاتلوهم في حصارهم مرارا من وجه واحد وكتب أهل السغد وخافوا طول الحصار إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة أن العرب إن ظفروا بنا عادوا عليكم بمثل ما أتونا به فانظروا لانفسكم فأجمعوا على أن يأتوهم وأرسلوا إليهم أرسلوا من يشغلهم حتى نبيت عسكرهم قال وانتخبوا فرسانا من أبناء المرازبة والاساورة والاشداء الابطال فوجهوهم وأمروهم أن يبيتوا عسكرهم وجاءت عيون المسلمين فأخبروهم فانتخب قتيبة ثلثمائة أو ستمائة من أهل النجدة واستعمل عليهم صالح بن مسلم فصيرهم في الطريق الذى يخاف أن يؤتى منه وبعث صالح عيونا يأتونه بخبر القوم ونزل على فرسخين من عسكر القوم فرجت إليه عيونه فأخبروه أنه يصلون إليه من ليلتهم ففرق صالح خيله ثلاث فرق فجعل كمينا في موضعين وأقام على قارعة الطريق وطرقهم المشركون ليلا ولا يعلمون بمكان صالح وهم آمنون في أنفسهم من أن يلقاهم أحد دون العسكر فلم يعلموا بصالح حتى غشوه قال فشدوا عليهم حتى إذا اختلفت الرماح

[ 250 ]

بينهم خرج الكمينان فاقتتلوا قال وقال رجل من البراجم حضرتهم فما رأيت قط قوما كانوا أشد قتالا من أبناء أولئك الملوك ولا أصبر فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا نفر يسير وحوينا سلاحهم واحتززنا رؤوسهم وأسرنا منهم أسرى فسألناهم عمن قتلنا فقالوا ما قتلتم إلا ابن ملك أو عظيما من العظماء أو بطلا من الابطال ولقد قتلتم رجالا إن كان الرجل ليعدل بمائة رجل فكتبنا على آذانهم ثم دخلنا العسكر حين أصبحنا وما منا رجل إلا معلق رأسا معروفا باسمه وسلبنا من جيد السلاح وكريم المتاع ومناطق الذهب ودواب فرهة فنفلنا قتيبة ذلك كله وكسر ذلك أهل السغد ووضع قتيبة عليهم المجانيق فرماهم بها وهو في ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم وناصحه من معه من أهل بخارى وأهل خوارزم فقاتلوا قتالا شديدا وبذلوا أنفسهم فأرسل إليه غوزك إنما تقاتلني بإخوتى وأهل بيتى من العجم فأخرج إلى العرب فغضب قتيبة ودعا الجدلي فقال اعرض الناس وميز أهل البأس فجمعهم ثم جلس قتيبة يعرضهم بنفسه ودعا العرفاء فجعل يدعو برجل رجل فيقول ما عندك فيقول العريف شجاع ويقول ما هذا فيقول مختصر ويقول ما هذا فيقول جبان فسمى قتيبة الجبناء الانتان وأخذ خيلهم وجيد سلاحهم فاعطاه الشجعاء والمختصرين وترك لهم رث السلاح ثم زحف بهم فقاتلهم بهم فرسانا ورجالا ورمى المدينة بالمجانيق فثلم فيها ثلمة فسدوها بغرائر الدخن وجاء رجل حتى قام على الثلمة فشتم قتيبة وكان مع قتيبة قوم رماة فقال لهم قتيبة اختاروا منكم رجلين فاختاروا فقال أيكما يرمى هذا الرجل فان أصابه فله عشرة آلاف وإن أخطأه قطعت يده فتلكأ أحدهما وتقدم الاخر فرماه فلم يخطئ عينه فامر له بعشرة آلاف قال وأخبرنا الباهليون عن يحيى بن خالد عن أبيه خالد بن باب مولى مسلم بن عمرو قال كنت في رماة قتيبة فلما افتتحنا المدينة صعدت السور فاتيت مقام ذلك الرجل الذى كان فيه فوجدته ميتا على الحائط ما أخطأت النشابة عينه حتى خرجت من قفاه ثم أصبحوا من غد فرموا المدينة فثلموا فيها وقال قتيبة ألحوا عليها حتى تعبروا على الثلمة فقاتلوهم حتى صاروا على ثلمة المدينة

[ 251 ]

ورماهم السغد بالنشاب فوضعوا أترستهم فكان الرجل يضع ترسه على عينه ثم يحمل حتى صاروا على الثلمة فقالوا له انصرف عنا اليوم حتى نصالحك غدا فاما باهلة فيقولون قال قتيبة لانصالحهم إلا ورجالنا على الثلمة ومجانيقنا تخطر على رؤسهم ومدينتهم قال وأما غيرهم فيقولون قال قتيبة جزع العبيد فانصرفوا على ظفركم فانصرفوا فصالحهم من الغد على ألفى ألف ومائتي ألف في كل عام على أن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس ليس فيهم صبى ولاشيخ ولا عيب على أن يخلوا المدينة لقتيبة فلا يكون لهم فيها مقاتل فيبنى له فيه مسجد فيدخل ويصلى ويوضع له فيها منبر فيخطب ويتغدى ويخرج قال فلما تم الصلح بعث قتيبة عشرة من كل خمس برجلين فقبضوا ما صالحوهم عليه فقال قتيبة الان ذلوا حين صار إخوانهم وأولادهم في أيديكم ثم أخلوا المدينة وبنوا مسجدا ووضعوا منبرا ودخلها في أربعة آلاف انتخبهم فلما دخلها أتى المسجد فصلى وخطب ثم تغدى وأرسل إلى أهل السغد من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذ فإنى لست خارجا منها وإنما صنعت هذا لكم ولست آخذ منكم أكثر مما صالحتكم عليه غير أن الجند يقيمون فيها قال أما الباهليون فيقولون صالحهم قتيبة على مائة ألف رأس وبيوت النيران وحلية الاصنام فقبض ما صالحهم عليه وأتى بالاصنام فسلبت ثم وضعت بين يديه فكانت كالقصر العظيم حين جمعت فأمر بتحريقها فقالت الاعاجم إن فيها أصناما من حرقها هلك فقال قتيبة أنا أحرقها بيدى فجاء عوزك فجثا بين يديه وقال أيها الامير إن شكرك على واجب لا تعرض لهذه الاصنام فدعا قتيبة بالنار وأخذ شعلة بيده وخرج فكبر ثم أشعلها وأشعل الناس فاضطرمت فوجدوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال قال وأخبرنا مخلد بن حمزة بن بيض عن أبيه قال حدثنى من شهد قتيبة وفتح سمرقند أو بعض كور خراسان فاستخرجوا منها قدورا عظاما من نحاس فقال قتيبة لحضين يا أبا ساسان أترى رقاش كان لها مثل هذه القدور قال لا لكن كان لعيلان قدر مثل هذه القدور فضحك قتيبة وقال أدركت بثأرك قال وقال

[ 252 ]

محمد بن أبى عيينة لمسلم بن قتيبة بين يدى سليمان بن على إن العجم ليعيرون قتيبة الغدر انه غدر بخوارزم وسمرقند قال فأخبرنا شيخ من بنى سدوس عن حمزة ابن بيض قال أصاب قتيبة بخراسان بالسغد جارية من ولد يزد جرد فقال أترون ابن هذه يكون هجينا فقالوا نعم يكون هجينا من قبل أبيه فبعث بها إلى الحجاج فبعث بها الحجاج إلى الوليد فولدت له يزيد بن الوليد * قال وأخبرنا بعض الباهليين عن نهشل بن يزيد عن عمه وكان قد أدرك ذلك كله قال لما رأى غوزك إلحاح قتيبة عليهم كتب إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة وخاقان إنا نحن دونكم فيما بينكم وبين العرب فان وصل الينا كنتم أضعف وأذل فمهما كان عندكم من قوة فابذلوها فنظروا في أمرهم فقالوا إنما نؤتى من سفلتنا وأنهم لا يجدون كوجدنا ونحن معشر الملوك المعنيون بهذا الامر فانتخبوا أبناء الملوك وأهل النجدة من فتيان ملوكهم فليخرجوا حتى يأتوا عسكر قتيبة فليبيت فانه مشغول بحصار السغد ففعلوا وولوا عليهم ابنا لخاقان وساروا وقد أجمعوا أن يبيتوا العسكر وبلغ قتيبة فانتخب أهل النجدة والبأس ووجوه الناس فكان شعبة بن ظهير وزهير بن حيان فيمن انتخب فكانوا أربعمائة فقال لهم إن عدوكم قدرأ وابلاء الله عندكم وتأييده إياكم في مزاحفتكم ومكاثر تكم كل ذلك يفلجكم الله عليهم فأجمعوا على أن يحتالوا غرتكم وبياتكم واختاروا دهاقينهم وملوكهم وأنتم دهاقين العرب وفرسانهم وقد فضلكم الله بدينه فأبلوا الله بلاء حسنا تستوجبون به الثواب مع الذب عن أحسابكم قال ووضع قتيبة عيونا على العدو حتى إذا قربوا منه قدر ما يصلون إلى عسكره من الليل أدخل الذين انتخبهم فكلمهم وحضهم واستعمل عليهم صالح بن مسلم فخرجوا من العسكر عند المغرب فساروا فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم الذين وصفوا لهم ففرق صالح خيله وأكمن كمينا عن يمينه وكمينا عن يساره حتى إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه جاء العدو باجتماع وإسراع وصمت وصالح واقف في خيله فلما رأوه شدوا عليه حتى إذا اختلفت الرماح شد الكمينان عن يمين وعن شمال فلم نسمع الا الاعتزاء فلم نرقو ما كانوا أشد منهم قال وقال رجل من البراجم حدثنى زهير

[ 253 ]

أو شعبة قال إنا لنختلف عليهم بالطعن والضرب إذ تبينت تحت الليل قتيبة وقد ضربت ضربة أعجبتني وأنا أنظر إلى قتيبة فقلت كيف ترى بأبى أنت وأمى قال اسكت دق الله فاك قال فقتلناهم فلم يفلت منهم الا الشريد وأقمنا نحوى الاسلاب ونحتز الرؤس حتى أصبحنا ثم أقبلنا إلى العسكر فلم أر جماعة قط جاؤا بمثل ما جئنا به ما منا رجل إلا معلق رأسا معروفا باسمه وأسير في وثاقه قال وجئنا قتيبة بالرؤس فقال جزاكم الله عن الدين والاعراض خيرا وأكرمني قتيبة من غير أن يكون باح لى بشئ وقرن بى في الصلة والاكرام حيان العدوى وحليس الشيباني فظننت أنه رأى منهما مثل الذى رأى منى وكسر ذلك أهل السغد فطلبوا الصلح وعرضوا الفدية فأبى وقال أنا ثائر بدم طرخون كان مولاى وكان من أهل ذمتي قالوا حدث عمرو بن مسلم عن أبيه قال أطال قتيبة المقام وثلمت الثلمة في سمرقند قال فنادى مناد فصيح بالعربية يشتم قتيبة قال فقال عمرو بن أبى زهدم ونحن حول قتيبة فحين سمعنا الشتم خرجنا مسرعين فمكثنا طويلا وهو ملح بالشتم فجئت إلى رواق قتيبة فاطلعت فإذا قتيبة محتب بشملة يقول كالمناجي لنفسه حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان أما والله لئن أصبحت لا حاولن من أهلك أقصى غاية فانصرفت إلى أصحابي فقلت كم من نفس أبية ستموت غدا منا ومنهم فأخبرتهم الخبر قال وأما باهلة فيقولون سار قتيبة فجعل النهر يمين حتى ورد بخارى فاستنهضهم معه وسار حتى إذا كان بمدينة أربنجن وهى التى تجلب منها اللبود الاربنجنية لقيهم غوزك صاحب السغد في جمع عظيم من الترك وأهل الشاش وفرغانة فكانت بينهم وقائع من غير مزاحفة كل ذلك يظهر المسلمون ويتحاجزون حتى قربوا من مدينة سمرقند فتزاحفوا يومئذ فحمل الغد على المسلمين حملة حطموهم حتى جازوا عسكرهم ثم كر المسلمون عليهم حتى ردوهم إلى عسكرهم وقتل الله من المشركين عددا كثيرا ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم قال وأخبرنا الباهليون عن حاتم بن أبى صغيرة قال رأيت خيلا يومئذ تطاعن خيل المسلمين وقد أمر يومئذ قتيبة بسريره فأبرز وقعد عليه وطاعنوهم حتى جازوا قتيبة وإنه لمحتب بسيفه ما حل حبوته وانطوت

[ 254 ]

مجنبتا المسلمين على الذين هزموا القلب فهزموهم حتى ردوهم إلى عسكرهم وقتل من المشركين عدد كثير ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم وصنع غوزك طعاما ودعا قتيبة فأتاه في عدد من أصحابه فلما تغدى استوهب منه سمرقند فقال للملك انتقل عنها فانتقل عنها وتلاقتيبة " وأنه أهلك عادا الاولى وثمود فما أبقى " قال وأخبرنا أبو الذيال عن عمر بن عبد الله التميمي قال حدثنى الذى سرحه قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند قال قدمت على الحجاج فوجهني إلى الشأم فقدمتها فدخلت مسجدها فجلست قبل طلوع الشمس وإلى جنبى رجل ضرير فسألته عن شئ من أمر الشأم فقال إنك لغريب قلت أجل قال من أي بلد أنت قلت من خراسان قال ما أقدمك فأخبرته فقال والذى بعث محمدا بالحق ما افتتحتموها إلا غدرا وإنكم يا أهل خراسان الذين تسلبون بنى أمية ملكهم وتنقضون دمشق حجرا حجرا قال وأخبرنا العلاء بن جرير قال بلغني أن قتيبة لما فتح سمرقند وقف على جبلها فنظر إلى الناس متفرقين في مروج السغد فتمثل قول طرفة: وأرتع أقوام ولولا محلنا * بمخشية ردوا الجمال فقوضوا قال وأخبرنا خالد بن الاصفح قال قال الكميت: كانت سمرقند أحقابا يمانية * فاليوم تنسبها قيسية مضر قال وقال أبو الحسن الجشمى فدعا قتيبة نهار بن توسعة حين صالح أهل السغد فقال يا نهار أين قولك: ألا ذهب الغزو المقرب للغنى * ومات الندى والجود بعد المهلب أقاما بمرو الروذ رهن ضريحه * وقد غيبا عن كل شرق ومغرب أفغزو هذا يا نهار قال لا هذا أحسن وأنا الذى أقول: وما كان مذكنا ولا كان قبلنا * ولا هو فيما بعد نا كابن مسلم أعم لاهل الترك قتلا بسيفه * وأكثر فينا مقسما بعد مقسم قال ثم ارتحل قتيبة راجعا إلى مرو واستخلف على سمرقند عبد الله بن مسلم وخلف عنده جندا كثيفا وآلة من آلة الحرب كثيرة وقال لاتد عن مشركا يدخل

[ 255 ]

بابا من أبواب سمرقند إلا مختوم اليد وان جفت الطينة قبل أن يخرج فاقتله وإن وجدت معه حديدة سكينا فما سواه فاقتله وإن أغلقت الباب ليلا فوجدت فيها أحدا منهم فاقتله فقال كعب الاشقري ويقال رجل من جعفى: كل يوم يحوى قتيبة نهبا * ويزيد الاموال مالا جديدا باهلي قد ألبس التاج حتى * شاب منه مفارق كن سودا دوخ السغد بالكتائب حتى * ترك السغد بالعراء قعودا فوليد يبكى لفقد أبيه * وأب موجع يبكى الوليدا كلما حل بلدة أو أتاها * تركت خيله بها أخدودا قال وقال قتيبة هذا العداء لاعداء عيرين لانه فتح خوارزم وسمرقند في عام واحد وذلك أن الفارس إذا صرع في طلق واحد عيرين قيل عادى بين عيرين ثم انصرف عن سمرقند فأقام بمرو وكان عامله على خوارزم إياس بن عبد الله بن عمرو على حربها وكان ضعيفا وكان على خراجها عبيد الله بن أبى عبيد الله مولى بنى مسلم قال فاستضعف أهل خوارزم إياسا وجمعوا له فكتب عبيد الله إلى قتيبة فبعث قتيبة عبد الله بن مسلم في الشتاء عاملا وقال اضرب إياس بن عبد الله وحيان النبطي مائة مائة واحلقهما وضم اليك عبيد الله بن أبى عبيد الله مولى بنى مسلم واسمع منه فإن له وفاء فمضى حتى إذا كان من خوارزم على سكة فدس إلى إياس فأنذره فتنحى وقدم فأخذ حيان فضربه مائة وحلقه قال ثم وجه قتيبة بعد عبد الله المغيرة ابن عبد الله في الجنود إلى خوارزم فبلغهم ذلك فلما قدم المغيرة اعتزل أبناء الذين قتلهم خوارزم شاه وقالوا لا نعينك فهرب إلى بلاد الترك وقدم المغيرة فسبى وقتل وصالحه الباقون فأخذ الجزية وقدم على قتيبة فاستعمله على نيسابور (وفى هذه السنة) عزل موسى بن نصير طارق بن زياد عن الاندلس ووجهه إلى مدينة طليطلة ذكر الخبر عن ذلك ذكر محمد بن عمر أن موسى بن نصير غضب على طارق في سنة 93 فشخص إليه في رجب منها ومعه حبيب بن عقبة بن نافع الفهرى واستخلف حين شخص

[ 256 ]

على افريقية ابنه عبد الله بن موسى بن نصير وعبر موسى إلى طارق في عشرة آلاف فتلقاه فترضاه فرضى عنه وقبل منه عذره ووجهه منها إلى مدينة طليطلة وهى من عظام مدائن الاندلس وهى من قرطبة على عشرين يوما فأصاب فيها مائدة سليمان ابن داود فيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به (قال) وفيها أجدب أهل افريقية جدبا شديدا فخرج موسى بن نصير فاستسقى ودعا يومئذ حتى انتصف النهار وخطب الناس فلما أراد أن ينزل قيل له ألا تدعو لامير المؤمنين قال ليس هذا يوم ذاك فسقوا سقيا كفاهم حينا (وفيها) عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة ذكر سبب عزل الوليد إياه عنها وكان سبب ذلك فيما ذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج أهل عمله بالعراق واعتدائه عليهم وظلمه لهم بغير حق ولا جناية وأن ذلك بلغ الحجاج فاضطغنه على عمرو كتب إلى الوليد أن من قبلى من مراق أهل العراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق ولجأوا إلى المدينة ومكة وإن ذلك وهن فكتب الوليد إلى الحجاج أن أشر على برجلين فكتب إليه يشير عليه بعثمان ابن حيان وخالد بن عبد الله فولى خالدا مكة وعثمان المدينة وعزل عمر بن عبد العزيز قال محمد بن عمر خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة فأقام بالسويداء وهو يقول لمزاحم أتخاف أن تكون ممن نفته طيبة (وفيها) ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير بأمر الوليد إياه وصب على رأسه قربة من ماء بارد (ذكر) محمد بن عمر أن أبا المليح حدثه عمن حضر عمر بن عبد العزيز حين جلد خبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطا وصب على رأسه قربة من ماء في يوم شات ووقفه على باب المسجد فمكث يومه ثم مات (وحج بالناس في هذه السنة) عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكانت عمال عمال الامصار في هذه السنة عمالها في السنة التى قبلها إلا ما كان من المدينة فإن العامل عليها كان عثمان بن حيان المرى وليها فيما قيل في شعبان سنة 93 وأما الواقدي

[ 257 ]

فإنه قال قدم عثمان المدينة لليلتين بقيتا من شوال سنة 94 وقال بعضهم شخص عمر ابن عبد العزيز عن المدينة معزولا في شعبان من سنة 93 وغزا فيها واستخلف عليها حين شخص عنها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الانصاري وقدم عثمان ابن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال ثم دخلت سنة أربع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من غزوة العباس بن الوليد أرض الروم فقيل إنه فتح فيها انطاكية (وفيها) غزا فيما قيل عبد العزيز بن الوليد أرض الروم حتى بلغ غزالة وبلغ الوليد بن هشام المعيطى أرض برج الحمام ويزيد بن أبى كبشة أرض سورية (وفيها) كانت الرجفة بالشأم (وفيها) افتتح القاسم بن محمد الثقفى أرض الهند (وفيها) غزا قتيبة شاش وفرغانة حتى بلغ خجندة وكاشان مدينتي فرغانة ذكر الخبر عن غزوة قتيبة هذه ذكر على بن محمد أن أبا الفوارس التميمي أخبره عن ماهان ويونس بن أبى إسحاق أن قتيبة غزا سنة 94 فلما قطع النهر فرض على أهل بخارى وكس ونسف وخوارزم عشرين ألف مقاتل قال فساروا معه إلى السغد فوجهوا إلى الشاش وتوجه هو إلى فرغانة وسار حتى أتى خجندة فجمع له أهلها فلقوه فاقتتلوا مررارا كل ذلك يكون الظفر للمسلمين ففرغ الناس يوما فركبوا خيولهم فأوفى رجل على نشر فقال تالله ما رأيت كاليوم غرة لو كان هيج اليوم ونحن على ما أرى من الانتشار لكانت الفضيحة فقال له رجل إلى جنبه كلا نحن كما قال عوف بن الخرع نؤم البلاد لحب اللقا * ولا نتقى طائرا حيث طارا سنيحا ولا جاريا بارحا * على كل حال نلاقى اليسارا وقال سحبان وائل يذكر قتالهم بخجندة فسل الفوارس في خجن‍ * دة تحت مرهفة العوالي

[ 258 ]

هل كنت أجمعهم إذا * هزموا وأقدم في قتالي أم كنت أضرب هامة ال‍ * عاتى وأصبر للعوالى هذا وأنت قريع قي‍ * س كلها ضخم النوال وفضلت قيسا في الندى * وأبوك في الحجج الخوالى ولقد تبين عدل حك‍ * مك فيهم في كل مال تمت مروأتكم ونا * غى عزكم غلب الجبال قال ثم أتى قتيبة كاشان مدينة فرغانة وأتاه الجنود الذين وجههم إلى الشاش وقد فتحوها وحرقوا أكثرها وانصرف قتيبة إلى مرو وكتب الحجاج إلى محمد ابن القاسم الثقفى أن وجه من قبلك من أهل العراق إلى قتيبة ووجه إليهم جهم ابن زحر بن قيس فإنه في أهل العراق خير منه في أهل الشأم وكان محمد وادا لجهم ابن زحر فبعث سليمان بن صعصعة وجهم بن زحر فلما ودعه جهم بكى وقال يا جهم إنه للفراق قال لا بد منه قال وقدم على قتيبة سنة 95 (وفى هذه السنة) قدم عثمان بن حيان المرى المدينة واليا عليها من قبل الوليد بن عبد الملك ذكر الخبر عن ولايته قد ذكرنا قبل سبب عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن المدينة ومكة وتأميره على المدينة عثمان بن حيان فزعم محمد بن عمر أن عثمان قدم المدينة أميرا عليها لليلتين بقيتا من شوال سنة 94 فنزل بها دار مروان وهو يقول محلة والله مظعان المغرور من غر بك فاستقضى أبا بكر بن حزم قال محمد بن عمر حدثنى محمد بن عبد الله بن أبى حرة عن عمه قال رأيت عثمان بن حيان أخذ رياح بن عبيد الله ومنقذ العراقى فحبسهم وعاقبهم ثم بعث بهم في جوامع إلى الحجاج بن يوسف ولم يترك بالمدينة أحدا من أهل العراق تاجرا ولا غير تاجر وأمر بهم أن يخرجوا من كل بلد فرأيتهم في الجوامع واتبع أهل الاهواء وأخذ هيصما فقطعه ومنحورا وكانا من الخوارج قال وسمعته يخطب على المنبر يقول بعد حمد الله أيها الناس إنا وجدناكم أهل غش لامير المؤمنين في قديم الدهر وحديثه وقد ضوى إليكم من يزيدكم خبالا

[ 259 ]

أهل العراق هم أهل الشقاق والنفاق هم والله عش النفاق وبيضته التى تفلقت عنه والله ما جربت عراقيا قط إلا وجدت أفضلهم عند نفسه الذى يقول في آل أبى طالب ما يقول وما هم لهم بشيعة وإنهم لا عداء لهم ولغيرهم ولكن لما يريد الله من سفك دمائهم فإنى والله لا أوتى بأحد آوى أحدا منهم أو أكراه منزلا ولا أنزله إلا هدمت منزله وأنزلت به ما هو أهله ثم إن البلدان لما مصرها عمر بن الخطاب وهو مجتهد على ما يصلح رعيته جعل يمر عليه من يريد الجهاد فيستشيره الشأم أحب إليك أم العراق فيقول الشأم أحب إلى إنى رأيت العراق داء عضالا وبها فرخ الشيطان والله لقد أعضلوا بى وإنى لارانى سأفرقهم في البلدان ثم أقول لو فرقتهم لافسدوا من دخلوا عليه بجدل وحجاج وكيف ولم وسرعة وجيف في الفتنة فإذا خبروا عند السيوف لم يخبر منهم طائل لم يصلحوا على عثمان فلقى منهم الامرين وكانوا أول الناس فتق هذا الفتق العظيم ونقضوا عرى الاسلام عروة عروة وأنغلوا البلدان والله إنى لاتقرب إلى الله بكل ما أفعل بهم لما أعرف من رأيهم ومذاهبهم ثم وليهم أمير المؤمنين معاوية فدامجهم فلم يصلحوا عليه ووليهم رجل الناس جلدا فبسط عليهم السيف وأخافهم فاستقاموا له أحبوا أو كرهوا وذلك أنه خبرهم وعرفهم أيها الناس إنا والله ما رأينا شعارا قط مثل الامن ولا رأينا حلسا قط شرا من الخوف فالزموا الطاعة فإن عندي يا أهل المدينة خبرة من الخلاف والله ما أنتم بأصحاب قتال فكونوا من أحلاس بيوتكم وعضوا على النواجذ فإنى قد بعثت في مجالسكم من يسمع فيبلغني عنكم انكم في فضول كلام غيره ألزم لكم فدعوا عيب الولاة فإن الامر إنما ينقض شيئا شيئا حتى تكون الفتنة وإن الفتنة من البلاء والفتن تذهب بالدين وبالمال والولد قال يقول القاسم بن محمد صدق في كلامه هذا الاخير إن الفتنة لهكذا * قال محمد بن عمر وحدثني خالد بن القاسم عن سعيد بن عمرو الانصاري قال رأيت منادى عثمان بن حيان ينادى عندنا يا بنى أمية بن زيد برئت ذمة الله ممن آوى عراقيا وكان عندنا رجل من أهل البصرة له فضل يقال له أبو سوادة من العباد فقال والله ما أحب أن أدخل عليكم

[ 260 ]

مكروها بلغوني مأمنى قلت لا خير لك في الخروج إن الله يدفع عنا وعنك قال فأدخلته بيتى وبلغ عثمان بن حيان فبعث أحراسا فأخرجته إلى بيت أخى فما قدروا على شئ وكان الذى سعى بى عدوا فقلت للامير أصلح الله الامير يؤتى بالباطل فلا تعاقب عليه قال فضرب الذى سعى بى عشرين سوطا وأخرجنا العراقى فكان يصلى معنا ما يغيب يوما واحدا وحدب عليه أهل دارنا فقالوا نموت دونك فما برح حتى عزل الخبيث * قال محمد بن عمر وحدثنا عبد الحكم بن عبد الله بن أبى فروة قال إنما بعث الوليد عثمان بن حيان إلى المدينة لاخراج من بها من العراقيين وتفريق أهل الاهواء ومن ظهر عليهم أو علا بأمرهم فلم يبعثه واليا فكان لا يصعد المنبر ولا يخطب عليه فلما فعل في أهل العراق ما فعل وفى منحور وغيره أثبته على المدينة فكان يصعد على المنبر (وفى هذه السنة) قتل الحجاج سعيد بن جبير ذكر الخبر عن مقتله وكان سبب قتل الحجاج إياه خروجه عليه مع من خرج عليه مع عبد الرحمن ابن محمد بن الاشعث وكان الحجاج جعله على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن إلى رتبيل لقتاله فلما خلع عبد الرحمن الحجاج كان سعيد فيمن خلعه معه فلما هزم عبد الرحمن وهرب إلى بلاد رتبيل هرب سعيد * فحدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر بن عياش قال كتب الحجاج إلى فلان وكان على أصبهان وكان سعيد قال الطبري أظنن لما هرب من الحجاج ذهب إلى أصبهان فكتب إليه أن سعيدا عندك فخذه فجاء الامر إلى رجل تحرج فأرسل إلى سعيد تحول عنى فتنحى عنه فأتى آذربيجان فلم يزل بآذربيجان فطال عليه السنون واعتمر فخرج إلى مكة فأقام بها فكان أناس من ضربه يستخفون فلا يخبرون بأسمائهم قال فقال أبو حصين وهو بحدثنا هذا فبلغنا أن فلانا قد أمر على مكة فقلت له يا سعيد إن هذا الرجل لا يؤمن وهو رجل سوء وأنا أتقيه عليك فأظعن وأشخص فقال يا أبا حصين قد والله فررت حتى استحييت من الله سيجيئني ما كتب الله لى قلت أظنك والله

[ 261 ]

سعيدا كما سمتك أمك قال فقدم ذلك الرجل إلى مكة فأرسل فأخذ فلان له وكلمه فجعل يدبره وذكر أبو عاصم عن عمر بن قيس قال كتب الحجاج إلى الوليد إن أهل النفاق والشقاق قد لجؤا إلى مكة فإن رأى أمير المؤمنين ان يأذن لى فيهم فكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله القسرى فأخذ عطاء وسعيد بن جبير ومجاهد وطلق بن حبيب وعمرو بن دينار فأما عمرو بن دينار وعطاء فأرسلا لانهما مكيان وأما الآخرون فبعث بهم إلى الحجاج فمات طلق في الطريق وحبس مجاهد حتى مات الحجاج وقتل سعيد بن جبير * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر قال حدثنا الاشجعى قال لما أقبل الحرسيان بسعيد بن جبير نزل منزلا قريبا من الربذة فانطلق أحد الحرسيين في حاجته وبقى الآخر فاستيقظ الذى عنده وقد رأى رؤيا فقال يا سعيد إنى أبرأ إلى الله من دمك إنى رأيت في منامي فقيل ويلك تبرأ من دم سعيد بن جبير اذهب حيث شئت لا أطلبك أبدا فقال سعيد أرجو العافية وأرجو وأبى حتى جاء ذاك فنزلا من الغد فأرى مثلها فقيل أبرأ من دم سعيد فقال يا سعيد اذهب حيث شئت إنى أبرأ إلى الله من دمك حتى جاء به فلما جاء به إلى داره التى كان فيها سعيد وهى دارهم هذه * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر قال حدثنا يزيد بن أبى زياد مولى بنى هاشم قال دخلت عليه في دار سعيد هذه جئ به مقيدا فدخل عليه قراء أهل الكوفة قلت يا أبا عبد الله فحدثكم قال إى والله ويضحك وهو يحدثنا وبنية له في حجره فنظرت نظرة فأبصرت القيد فبكت فسمعته يقول أي بنية لا تطيري إياك وشق والله عليه فاتبعناه نشيعه فانتهينا به إلى الجسر فقال الحرسيان لا نعبر به أبدا حتى يعطينا كفيلا نخاف أن يغرق نفسه قال قلنا سعيد يغرق نفسه فما عبروا حتى كفلنا به * قال وهب بن جرير حدثنا أبى قال سمعت الفضل بن سويد قال بعثنى الحجاج في حاجة فجئ بسعيد بن جبير فرجعت فقلت لانظرن ما يصنع فقمت على رأس الحجاج فقال له الحجاج يا سعيد ألم أشركك في أمانتى ألم أستعملك ألم أفعل حتى ظننت أنه يخلى سبيله قال بلى قال فما حملك على خروجك على قال عزم على قال فطار غضبا وقال هيه رأيت

[ 262 ]

لعزمة عدو الرحمن عليك حقا ولم تر لله ولا لأمير المؤمنين ولا لى عليك حقا اضربا عنقه فضربت عنقه فندر رأسه عليه كمة بيضاء لاطية صغيرة * وحدثت عن أبى غسان مالك بن إسماعيل قال سمعت خلف بن خليفة يذكر عن رجل قال لما قتل سعيد بن جبير فندر رأسه هلل ثلاثا مرة يفصح بها وفي الثنتين يقول مثل ذلك فلا يفصح بها * وذكر أبو بكرة الباهلى قال سمعت أنس بن أبى شيخ يقول لما أتى الحجاج بسعيد بن جبير قال لعن الله ابن النصرانية قال يعنى خالد القسرى وهو الذى أرسل به من مكة أما كنت أعرف مكانه بلى والله والبيت الذى هو فيه بمكة ثم أقبل عليه فقال يا سعيد ما أخرجك على فقال أصلح الله الامير إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب مرة قال فطابت نفس الحجاج وتطلق وجهه ورجا أن يتخلص من أمره قال فعاوده في شئ فقال له إنما كانت له بيعة في عنقي قال فغضب وانتفخ حتى سقط أحد طرفي ردائه عن منكبه فقال يا سعيد ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير ثم أخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لامير المؤمنين عبد الملك قال بلى قال ثم قدمت الكوفة واليا على العراق فجددت لامير المؤمنين البيعة فأخذت بيعتك له ثانية قال بلى قال فتنكث بيعتين لامير المؤمنين وتفى بواحدة للحائك ابن الحائك اضربا عنقه قال فإياه عنى جرير بقوله يا رب ناكث بيعتين تركته * وخضاب لحيته دم الاوداج وذكر عتاب بن بشر عن سالم الافطس قال أتى الحجاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب وقد وضع إحدى رجليه في الغرز أو الركاب فقال والله لا أركب حتى تبوء مقعدك من النار اضربوا عنقه فضربت فالتبس عقله مكانه فجعل يقول قيودنا قيودنا فظنوا أنه قال القيود التى على سعيد بن جبير فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود * قال محمد بن حاتم حدثنا عبد الملك بن عبد الله عن هلال بن جناب قال جئ بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال اكتبت إلى مصعب ابن الزبير قال بل كتب إلى مصعب قال والله لاقتلنك قال إنى إذا لسعيد كما سمتنى أمي قال فقتله فلم يلبث بعده إلا نحوا من أربعين يوما فكان إذا نام يراه في منامه

[ 263 ]

يأخذ بمجامع ثوبه فيقول يا عدو الله فيم قتلتنى فيقول مالى ولسعيد بن جبير مالى ولسعيد بن جبير (قال أبو جعفر) وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء مات فيها عامة فقهاء أهل المدينة مات في أولها على بن الحسين عليه السلام ثم عروة بن الزبير ثم سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (واستقصى) الوليد في هذه السنة بالشأم سليمان بن حبيب واختلف فيمن أقام الحج للناس في هذه السنة فقال أبو معشر فيما حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عنه قال حج بالناس مسلمة بن عبد الملك سنة 94 وقال الواقدي حج بالناس سنة 94 عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك قال ويقال مسلمة بن عبد الملك وكان العامل فيها على مكة خالد بن عبد الله القسرى وعلى المدينة عثمان بن حيان المرى وعلى الكوفة زياد بن جرير وعلى قضائها أبو بكر بن أبى موسى وعلى البصرة الجراح بن عبد الله وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة وعلى خراسان قتيبة بن مسلم وعلى مصر قرة بن شريك وكان العراق والمشرق كله إلى الحجاج ثم دخلت سنة خمس وتسعين ذكر الاحداث التى كانت فيها (ففيها) كانت غزوة العباس بن الوليد بن عبد الملك أرض الرم ففتح الله على يديه ثلاثة حصون فيما قيل وهى طولس والمرزبانين وهر قلة (وفيها) فتح آخر الهند إلا الكيرج والمندل (وفيها) بنيت واسط القصب في شهر رمضان (وفيها) انصرف موسى بن نصير إلى إفريقية من الاندلس وضحى بقصر الماء فيما قيل على ميل من القيروان (وفيها) غزا قتيبة بن مسلم الشاش ذكر الخبر عن غزوته هذه (رجع الحديث) إلى حديث على بن محمد قال وبعث الحجاج جيشا من العراق فقدموا على قتيبة سنة 95 فغزا فلما كان بالشاش أو بكشماهن أتاه موت الحجاج في شوال فغمه ذلك وقفل راجعا إلى مرو وتمثل

[ 264 ]

لعمري لنعم المرء من آل جعفر * بحوران أمسئ اعلقته الحبائل فإن تحى لا أملل حياتي وإن تمت * فما في حياة بعد موتك طائل قال فرجع بالناس ففرقهم فخلف في بخارى قوما ووجه قوما إلى كس ونسف ثم أتى مرو فأقام بها وأتاه كتاب الوليد قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجدك في جهاد أعداء المسلمين وأمير المؤمنين رافعك وصانع بك كالذى يجب لك فالمم مغازيك وانتظر ثواب ربك ولا تغيب عن أمير المؤمنين كتبك حتى كأنى أنظر إلى بلادك والثغر الذى أنت به (وفيها) مات الحجاج بن يوسف في شوال وهو يومئذ ابن أربع وخمسين سنة وقيل ابن ثلاث وخمسين سنة وقيل كانت وفاته في هذه السنة لخمس ليال بقين من شهر رمضان (وفيها) استخلف الحجاج لما حضرته الوفاة على الصلاة ابنه عبد الله بن الحجاج وكانت إمرة الحجاج على العراق فيما قال الواقدي عشرين سنة (وفى هذه السنة) افتتح العباس بن الوليد قنسرين (وفيها) قتل الوضاحى بأرض الروم ونحو من ألف رجل معه (وفيها) ذكر ولد المنصور عبد الله بن محمد بن على (وفيها) ولى الوليد بن عبد الملك يزيد ابن أبى كبشة على الحرب والصلاة بالمصرين الكوفة والبصرة وولى خراجهما يزيد بن أبى مسلم وقيل إن الحجاج كان استخلف حين حضرته الوفاة على حرب البلدين والصلاة بأهلهما يزيد بن أبى كبشة وعلى خراجهما يزيد بن أبى مسلم فأقرهما الوليد بعد موت الحجاج على ما كان الحجاج استخلفهما عليه وكذلك فعل بعمال الحجاج كلهم أقرهم بعده على أعمالهم التى كانوا عليها في حياته (وحج) بالناس في هذه السنة بشر بن الوليد بن عبد الملك حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وكان عمال الامصار في هذه السنة هم العمال الذى كانوا في السنة التى قبلها إلا ما كان من الكوفة والبصرة فانهما ضمتا إلى من ذكرت بعد موت الحجاج

[ 265 ]

ثم دخلت سنة ست وتسعين ذكر الاحداث التى كانت فيها (ففيها) كانت فيما قال الواقدي غزوة بشر بن الوليد الشاتية فقفل وقد مات الوليد (وفيها) كانت وفاة الوليد بن عبد الملك يوم السبت في النصف من جمادى الآخرة سنة 96 في قول جميع أهل السير واختلف في قدر مدة خلافته فقال الزهري في ذلك ما حدثت عن ابن وهب عن يونس عنه ملك الوليد عشر سنين إلا شهرا وقال أبو معشر فيه ما حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عنه كانت خلافة الوليد تسع سنين وسبعة أشهر (وقال هشام) ابن محمد كانت ولاية الوليد ثمان سنين وستة أشهر وقال الواقدي كانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر وليلتين واختلف أيضا في مبلغ عمره فقال محمد بن عمر توفى بدمشق وهو ابن ست وأربعين سنة وأشهر وقال هشام بن محمد توفى وهو ابن خمس وأربعين سنة وقال على بن محمد توفى وهو ابن اثنتين وأربعين سنة وأشهر وقال على كانت وفاة الوليد بدير مران ودفن خارج باب الصغير ويقال في مقابر الفراديس ويقال إنه توفى وهو ابن سبع وأربعين سنة وقيل صلى عليه عمر بن عبد العزيز وكان له فيما قال على تسعة عشرا بنا عبد العزيز ومحمد والعباس وإبراهيم وتمام وخالد وعبد الرحمن ومبشر ومسرور وأبو عبيدة وصدقة ومنصور ومروان وعنبسة وعمر وروح وبشر ويزيد ويحيى وأم عبد العزيز ومحمد وأم البنين بنت عبد العزيز بن مروان وأم أبى عبيدة فزارية وسائرهم لامهات شتى ذكر الخبر عن بعض سيره * حدثنى عمر قال حدثنى على قال كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشأم أفضل خلائفهم بنى المساجد مسجد دمشق ومسجد المدينة ووضع المنار وأعطى الناس وأعطى المجذمين وقال لا تسألوا الناس وأعطى كل مقعد خادما وكل ضرير قائدا وفتح في ولايته فتوح عظام فتح موسى بن نصير الاندلس

[ 266 ]

وفتح قتيبة كاشغر وفتح محمد بن القاسم الهند قال وكان الوليد يمر بالبقال فيقف عليه فيأخذ حزمة البقل فيقول بكم هذه فيقول بفلس فيقول زد فيها قال وأتاه رجل من بنى مخزوم يسأله في دينه فقال نعم إن كنت مستحقا لذلك قال يا أمير المؤمنين وكيف لا أكون مستحقا لذلك مع قرابتي قال أقرأت القرآن قال لا قال ادن منى فدنا منه فنزع عمامته بقضيب كان في يده وقرعه قرعات بالقضيب وقال لرجل ضم هذا إليك فلا يفارقك حتى يقرأ القرآن فقام إليه عثمان بن يزيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فقال يا أمير المؤمنين إن على دينا فقال أقرأت القرآن قال نعم فاستقرأه عشر آيات من الانفال وعشر آيات من براءة فقرأ فقال نعم نقضى عنكم ونصل أرحامكم على هذا قال ومرض الوليد فرهقته غشية فمكث عامة يومه عندهم ميتا فبكى عليه وخرجت البرد بموته فقدم رسول على الحجاج فاسترجع ثم أمر بحبل فشد في يديه ثم أوثق إلى اسطوانة وقال اللهم لا تسلط على من لا رحمة له فقد طال ما سألتك أن تجعل منيتى قبل منيته وجعل يدعو فانه لكذلك إذ قدم عليه بريد بإفاقته قال على ولما أفاق الوليد قال ما أحد أسر بعافية أمير المؤمنين من الحجاج فقال عمر بن عبد العزيز ما أعظم نعمة الله علينا بعافيتك وكأني بكتاب الحجاج قد أتاك يذكر فيه أنه لما بلغه برؤك خر الله ساجدا وأعتق كل مملوك له وبعث بقوارير من أنبج الهند فما لبث إلا أياما حتى جاء الكتاب بما قال قام ثم لم يمت الحجاج حتى ثقل على الوليد فقال خادم للوليد إنى لاوضئ الوليد يوما للغداء فمد يده فجعلت أصب عليه الماء وهو ساه والماء يسيل ولا أستطيع أن أتكلم ثم نضح الماء في وجهى وقال أناعس أنت ورفع رأسه إلى وقال ما تدرى ما جاء الليلة قلت لا قال ويحك مات الحجاج فاسترجعت قال اسكت ما يسر مولاك أن في يده تفاحة يشمها قال على وكان الوليد صاحب بناء واتخاذ المصانع والضياع وكان الناس يلتقون في زمانه فانما يسأل بعضهم بعضا عن البناء والمصانع فولى سليمان فكان صاحب نكاح وطعام فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن التزويج والجوارى * فلما ولى عمر بن

[ 267 ]

عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل ما وردك الليلة وكم تحفظ من القرآن ومتى تختم ومتى ختمت وما تصوم من الشهر ورثى جرير الوليد فقال يا عين جودى بدمع هاجه الذكر * فما لدمعك بعد اليوم مدخر إن الخليفة قد وارت شمائله * غبراء ملحدة في جولها زور أضحى بنوه وقد جلت مصيبتهم * مثل النجوم هوى من بينها القمر كانوا جميعا فلم يدفع منيته * عبد العزيز ولا روح ولا عمر * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حج الوليد بن عبد الملك وحج محمد بن يوسف من اليمن وحمل هدايا للوليد فقالت أم البنين للوليد يا أمير المؤمنين اجعل لى هدية محمد بن يوسف فأمر بصرفها إليها فجاءت رسل أم البنين إلى محمد فيها فأبى وقال حتى ينظر إليها أمير المؤمنين فيرى رأيه وكانت هدايا كثيرة فقالت يا أمير المؤمنين إنك أمرت بهدايا محمد أن تصرف إلى ولا حاجة لى بها قال ولم قالت بلغني أنه غصبها الناس وكلفهم عملها وظلمهم وحمل محمد المتاع إلى الوليد فقال بلغني أنك أصبتها غصبا قال معاذ الله فأمر فاستحلف بين الركن والمقام خمسين يمينا بالله ما غصب شيئا منها ولا ظلم أحدا ولا أصابها إلا من طيب فحلف فقبلها الوليد ودفعها إلى أم البنين فمات محمد بن يوسف باليمن أصابه داء تقطع منه (وفى هذه السنة) كان الوليد أراد الشخوص إلى أخيه سليمان لخلعه وأراد البيعة لابنه من بعده وذلك قبل مرضته التى مات فيها * حدثنى عمر قال حدثنا على قال كان الوليد وسليمان وليى عهد عبد الملك فلما أفضى الامر إلى الوليد أراد أن يبايع لابنه عبد العزيز ويخلع سليمان فأبى سليمان فأراده على أن يجعله له من بعده فأبى فعرض عليه أموالا كثيرة فأبى فكتب إلى عماله أن يبايعوا لعبد العزيز ودعا الناس إلى ذلك فلم يجبه أحد إلا الحجاج وقتيبة وخواص من الناس فقال عباد بن زياد إن الناس لا يجيبونك إلى هذا ولو أجابوك لم آمنهم على الغدر بابنك فاكتب إلى سليمان فليقدم عليك فان لك عليه طاعة فأرده على البيعة لعبد العزيز من بعده فانه لا يقدر على الامتناع وهو عندك فان أبى كان الناس عليه فكتب

[ 268 ]

الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم فأبطأ فاعتزم الوليد على المسير إليه وعلى أن يخلعه فأمر الناس بالتأهب وأمر بحجره فأخرجت فمرض ومات قبل أن يسير وهو يريد ذلك قال عمر قال على وأخبرنا أبو عاصم الزيادي من الهلواث الكلبى قال كنا بالهند مع محمد بن القاسم فقتل الله داهرا وجاءنا كتاب من الحجاج أن اخلعوا سليمان فلما ولى سليمان جاءنا كتاب سليمان أن ازرعوا واحرثوا فلا شأم لكم فلم نزل بتلك البلاد حتى قام عمر بن عبد العزيز فأقفلنا قال عمر قال على أراد الوليد أن يبنى مسجد دمشق وكانت فيه كنيسة فقال الوليد لاصحابه أقسمت عليكم لما أتانى كل رجل منكم بلبنة فجعل كل رجل يأتيه بلبنة ورجل من أهل العراق يأتيه بلبنتين فقال له ممن أنت قال من أهل العراق قال يا أهل العراق تفرطون في كل شئ حتى في الطاعة وهدموا الكنيسة وبناها مسجدا فلما ولى عمر بن عبد العزيز شكوا ذلك إليه فقيل إن كل ما كان خارجا من المدينة افتتح عنوة فقال لهم عمر نرد عليكم كنيستكم ونهدم كنيسة توما فإنها فتحت عنوة ونبنيها مسجدا فلما قال لهم ذلك قالوا بل ندع لكم هذا الذى هدمه الوليد ودعوا لنا كنيسة توما ففعل عمر ذلك (وفى هذه السنة) افتتح قتيبة بن مسلم كاشغر وغزا الصين ذكر الخبر عن ذلك (رجع الحديث) إلى حديث على بن محمد بالاسناد الذى ذكرت قبل قال ثم غزا قتيبة في سنة 96 وحمل مع الناس عيالهم وهو يريد أن يحرز عياله في سمرقند خوفا من سليمان فلما عبر النهر استعمل رجلا من مواليه يقال له الخوارزمي على مقطع النهر وقال لا يجوزن أحد إلا بجواز ومضى إلى فرغانة وأرسل إلى شعب عصام من يسهل له الطريق إلى كاشغر وهى أدنى مدائن الصين فأتاه موت الوليد وهو بفرغانة قال فأخبرنا أبو الذيال عن المهلب بن إياس قال قال إياس بن زهير لما عبر قتيبة النهر أتيته فقلت له إنك خرجت ولم أعلم رأيك في العيال فنأخذ أهبة ذلك وبنى الاكابر معى ولى عيال قد خلفتهم وأم عجوز وليس عندهم من يقوم بأمرهم فإن رأيت أن تكتب لى كتابا مع بعض بنى أوجهه فيقدم على بأهلى فكتب

[ 269 ]

فأعطاني الكتاب فانتهيت إلى النهر وصاحب النهر من الجانب الآخر فألويت بيدى فجاء قوم في سفينة فقالوا من أنت وأين جوازك فأخبرتهم فقعد معى قوم ورد قوم السفينة إلى العامل فاخبروه قال ثم رجعوا إلى فحملوني فانتهيت إليهم وهم يأكلون وأنا جائع فرميت بنفسى فسألني عن الامر وأنا آكل لا أجيبه فقال هذا أعرابي قد مات من الجوع ثم ركبت فمضيت فأتيت مرو فحملت أمي ورجعت أريد العسكر وجاءنا موت الوليد فانصرفت إلى مرو قال وأخبرنا أبو مخنف عن أبيه قال بعث قتيبة كثيرا بن فلان إلى كاشغر فسبى منها سبيا فختم أعناقهم مما أفاء الله على قتيبة ثم رجع قتيبة وجاءهم موت الوليد قال وأخبرنا يحيى بن زكرياء الهمداني عن أشياخ من أهل خراسان والحكم بن عثمان قال حدثنى شيخ من أهل خراسان قال وغل قتيبة حتى قرب من الصين قال فكتب إليه ملك الصين أن ابعث الينا رجلا من أشراف من معكم يخبرنا عنكم ونسائله عن دينكم فانتخب قتيبة من عسكره اثنى عشر رجلا وقال بعضهم عشرة من أفناء القبائل لهم جمال وأجسام وألسن وشعور وبأس بعد ما سأل عنهم فوجدهم من صالح من هم منه فكلمهم قتيبة وفاطنهم فرأى عقولا وجمالا فأمر لهم بعدة حسنة من السلاح والمتاع الجيد من الخزوز والوشى واللين من البياض والرقيق والنعال والعطر وحملهم على خيول مطهمة تقاد معهم ودواب يركبونها قال وكان هبيرة بن المشمرج الكلابي مفوها بسيط اللسان فقال يا هبيرة كيف أنت صانع قال أصلح الله الامير قد كفيت الادب وقل ما شئت أقله وآخذ به قال سيروا على بركة الله وبالله التوفيق لا تضعوا العمائم عنكم حتى تقدموا البلاد فإذا دخلتم عليه فأعلموه أنى قد حلفت أن لا أنصرف حتى أطأ بلادهم وأختم ملوكهم وأجبى خراجهم قال فساروا وعليهم هبيرة بن المشمرج فلما قدموا أرسل إليهم ملك الصين يدعوهم فدخلوا الحمام ثم خرجوا فلبسوا ثيابا بياضا تحتها الغلائل ثم مسوا الغالية وتدخنوا ولبسوا النعال والاردية ودخلوا عليه وعنده عظماء أهل مملكته فجلسوا فلم يكلمهم الملك ولا أحد من جلسائه فنهضوا فقال الملك لمن حضره كيف رأيتم

[ 270 ]

هؤلاء قالوا رأينا قوما ما هم إلا نساء ما بقى منا أحد حين رآهم ووجد رائحتهم إلا انتشر ما عنده قال فلما كان الغد أرسل إليهم فلبسوا الوشى وعمائم الخز والمطارف وغدوا عليه فلما دخلوا عليه قيل لهم ارجعوا فقال لاصحابه كيف رأيتم هذه الهيئة قالوا هذه الهيئة أشبه بهيئة الرجال من تلك الاولى وهم أولئك فلما كان اليوم الثالث أرسل إليهم فشدوا عليهم سلاحهم ولبسوا البيض والمغافر وتقلدوا السيوف وأخذوا الرماح وتنكبوا القسى وركبوا خيولهم وغدوا فنظر إليهم صاحب الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة فلما دنوا ركزوا رماحهم ثم أقبلوا نحوهم مشمرين فقيل لهم قبل أن يدخلوا ارجعوا لما دخل قلوبهم من خوفهم قال فانصرفوا فركبوا خيولهم واختلجوا رماحهم ثم دفعوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها فقال الملك لاصحابه كيف ترونهم قالوا ما رأينا مثل هؤلاء قط فلما أمسى أرسل إليهم الملك أن ابعثوا إلى زعيمكم وأفضلكم رجلا فبعثوا إليه هبيرة فقال له حين دخل عليه قد رأيتم عظيم ملكى وإنه ليس أحد يمنعكم منى وأنتم في بلادي وإنما أنتم بمنزلة البيضة في كفى وأنا سائلك عن أمر فان لم تصدقني قتلتكم قال سل قال لم صنعتم ما صنعتم من الزى في اليوم الاول والثانى والثالث قال أما زينا الاول فلباسنا في أهالينا وريحنا عندهم وأما يومنا الثاني فإذا أتينا أمراءنا وأما اليوم الثالث فزينا لعدونا فإذا هاجنا هيج وفزع كنا هكذا قال ما أحسن ما دبرتم دهركم فانصرفوا إلى صاحبكم فقولوا له ينصرف فانى قد عرفت حرصه وقلة أصحابه وإلا بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه قال له كيف يكون قليل الاصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون وكيف يكون حريصا من خلف الدنيا قادرا عليها وغزاك وأما تخويفك إيانا بالقتل فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل فلسنا نكرهه ولا نخافه قال فما الذى يرضى صاحبك قال إنه قد حلف أن لا ينصرف حتى يطأ أرضكم ويختم ملوككم ويعطى الجزية قال فإنا نخرجه من يمينه نبعث إليه بتراب من تراب أرضنا فيطأه ونبعث ببعض أبنائنا فيختمهم ونبعث إليه بجزية يرضاها قال فدعا بصحاف من ذهب فيها تراب وبعث بحرير

[ 271 ]

وذهب وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم ثم أجازهم فأحسن جوائزهم فساروا فقدموا بما بعث به فقبل قتيبة الجزية وختم الغلمة وردهم ووطئ التراب فقال سوادة ابن عبد الله السلولى لا عيب في الوفد الذين بعثتهم * للصين إن سلكوا طريق المنهج كسروا الجفون على القذى خوف الردى * حاشى الكريم هبيرة بن مشمرج لم يرض غير الختم في أعناقهم * ورهائن دفعت بجمل سمرج أدى رسالتك التى استرعيته * وأتاك من حنث اليمين بمخرج قال فأوفد قتيبة هبيرة إلى الوليد فمات بقرية من فارس فرثاه سوادة فقال لله قبر هبيرة بن مشمرج * ما ذا تضمن من ندى وجمال وبديهة يعيا بها أبناؤها * عند احتفال مشاهد الاقوال كان الربيع إذا السنون تتابعت * والليث عند تكعكع الابطال فسقت بقرية حيث أمسى قبره * غر يرحن بمسبل هطال بكت الجياد الصافنات لفقده * وبكاه كل مثقف عسال وبكته شعث لم يجدن مؤاسيا * في العام ذى السنوات والامحال قال وقال الباهليون كان قتيبة إذا رجع من غزاته كل سنة اشترى اثنى عشر فرسا من جياد الخيل واثنى عشر هجينا لا يجاوز بالفرس أربعة آلاف فيقام عليها إلى وقت الغزو فإذا تأهب للغزو وعسكر قيدت وأضمرت فلا يقطع نهرا بخيل حتى تخف لحومها فيحمل عليها من يحمله في الطلائع وكان يبعث في الطلائع الفرسان من الاشراف ويبعث معهم رجالا من العجم ممن يستنصح على تلك الهجن وكان إذا بعث بطليعة أمر بلوح فنقش ثم يشقه شقتين فأعطاه شقة واحتبس شقة لئلا يمثل مثلها ويأمره أن يدفنها في موضع يصفه له من مخاضة معروفة أو تحت شجرة معلومة أو خربة ثم يبعث بعده من يستبريها ليعلم أصادق طليعته أم لا وقال ثابت قطنة العتكى يذكر من قتل من ملوك الترك أقر العين مقتل كازرنك * وكشبيز وما لاقى يباد

[ 272 ]

وقال الكميت يذكر غزوة السغد وخوارزم وبعد في غزوة كانت مباركة * تردى زراعة أقوام وتحتصد نالت غمامتها فيلا بوابلها * والسغد حين دنا شؤبوبها البرد إذ لا يزال له نهب ينفله * من المقاسم لا وحش ولا نكد تلك الفتوح التى تدلى بحجتها * على الخليفة أنا معشر حشد لم تثن وجهك عن قوم غزوتهم * حتى يقال لهم بعدا وقد بعدوا لم ترض من حصنهم إن كان ممتنعا * حتى يكبر فيه الواحد الصمد خلافة سليمان بن عبد الملك (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة بويع سليمان بن عبد الملك بالخلافة وذلك في اليوم الذى توفى فيه الوليد بن عبد الملك وهو بالرملة (وفيها) عزل سليمان ابن عبد الملك عثمان بن حيان عن المدينة ذكر محمد بن عمر أنه نزعه عن المدينة لسبع بقين من شهر رمضان سنة 96 قال وكان عمله على المدينة ثلاث سنين وقيل كانت إمرته عليها سنتين غير سبعة ليال قال الواقدي وكان أبو بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم قد استأذن عثمان أن ينام في غدو لا يجلس للناس ليقوم ليلة إحدى وعشرين فأذن له وكان أيوب بن سلمة المخزومى عنده وكان الذى بين أيوب ابن سلمة وبين أبى بكر بن عمرو بن حزم سيئا فقال أيوب لعثمان ألم تر إلى ما يقول هذا إنما هذا منه رثاء فقال عثمان قد رأيت ذلك ولست لابي إن أرسلت إليه غدوة ولم أجده جالسا لاجلدنه مائة ولاحلقن رأسه ولحيته قال أيوب فجاءني أمر أحبه فعجلت من السحر فإذا شمعة في الدار فقلت عجل المرى فإذا رسول سليمان قد قدم على أبى بكر بتأميره وعزل عثمان وحده قال أيوب فدخلت دار الامارة فإذا ابن حيان جالس وإذا بأبى بكر على كرسى يقول للحداد اضرب في رجل هذا الحديد ونظر إلى عثمان فقال آبوا على أدبارهم كشفا * والامر يحدث بعده الامر

[ 273 ]

(وفى هذه السنة) عزل سليمان يزيد بن أبى مسلم عن العراق وأمر عليه يزيد ابن المهلب وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج وأمره أن يقتل آل أبى عقيل ويبسط عليهم العذاب * فحدثني عمر بن شبة قال حدثنى على بن محمد قال قدم صالح العراق على الخراج ويزيد على الحرب فبعث يزيد زياد بن المهلب على عمان وقال له كاتب صالحا وإذا كتبت إليه فابدأ باسمه وأخذ صالح آل أبى عقيل فكان يعذبهم وكان يلى عذابهم عبد الملك بن المهلب (وفى هذه السنة) قتل قتيبة ابن مسلم بخراسان ذكر الخبر عن سبب مقتله وكان سبب ذلك أن الوليد بن عبد الملك أراد أن يجعل ابنه عبد العزيز بن الوليد ولى عهده ودس في ذلك إلى القواد والشعراء فقال جرير في ذلك إذا قيل أي الناس خير خليفة * أشارت إلى عبد العزيز الاصابع رأوه أحق الناس كلهم بها * وما ظلموا فبايعوه وسارعوا وقال أيضا جرير يحض الوليد على بيعة عبد العزيز إلى عبد العزيز سمت عيون الر * عية إذا تحيرت الرعاء إليه دعت دواعيه إذا ما * عماد الملك خرت والسماء وقال أولو الحكومة من قريش * علينا البيع إن بلغ الغلاء رأوا عبد العزيز ولى عهد * وما ظلموا بذاك ولا أساؤا فماذا تنظرون بها وفيكم * جسور بالعظائم واعتلاء فزحلفها بأزملها إليه * أمير المؤمنين إذا تشاء فإن الناس قد مدوا إليه * أكفهم وقد برح الخفاء ولو قد بايعوك ولى عهد * لقام الوزن واعتدل البناء فبايعه على خلع سليمان الحجاج بن يوسف وقتيبة ثم هلك الوليد وقام سليمان ابن عبد الملك فخافه قتيبة قال على بن محمد أخبرنا بشر بن عيسى والحسن بن رشيد وكليب بن خلف عن طفيل بن مرداس وجبلة بن فروخ عن محمد بن عزيز

[ 274 ]

الكندى وجبلة بن أبى داود ومسلمة بن محارب عن السكن بن قتادة أن قتيبة لما أتاه موت الوليد بن عبد الملك وقيام سليمان أشفق من سليمان لانه كان يسعى في بيعة عبد العزيز بن الوليد مع الحجاج وخاف أن يولى سليمان يزيد بن المهلب خراسان قال فكتب إليه كتابا يهنئه بالخلافة ويعزيه على الوليد ويعلمه بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد وأنه له على مثل ما كان لهما عليه من الطاعة والنصيحة إن لم يعزله عن خراسان وكتب إليه كتابا آخر يعلمه فيه فتوحه ونكايته وعظم قدره عند ملوك العجم وهيبته في صدورهم وعظم صوته فيهم ويذم المهلب وآل المهلب ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنه وكتب كتابا ثالثا فيه خلعه وبعث بالكتب الثلاثة مع رجل من باهلة وقال له ادفع إليه هذا الكتاب فان كان يزيد بن المهلب حاضرا فقرأه ثم ألقاه إليه فادفع إليه هذا الكتاب فإن قرأه وألقاه إلى يزيد فادفع إليه هذا الكتاب فإن قرأ الاول ولم يدفعه إلى يزيد فاحتبس الكتابين الآخرين قال فقدم رسول قتيبة فدخل على سليمان وعنده يزيد بن المهلب فدفع إليه الكتاب فقرأه ثم ألقاه إلى يزيد فدفع إليه كتابا آخر فقرأه ثم رمى به إلى يزيد فأعطاه الكتاب الثالث فقرأه فتمعر لونه ثم دعا بطين فختمه ثم أمسكه بيده وأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فانه قال فيما حدثت عنه كان في الكتاب الاول وقيعة في يزيد بن المهلب وذكر غدره وكفره وقلة شكره وكان في الثاني ثناء على يزيد وفى الثالث لئن لم تقرنى على ما كنت عليه وتؤمنني لاخلعنك خلع النعل ولاملانها عليك خيلا ورجالا وقال أيضا لما قرأ سليمان الكتاب الثالث وضعه بين مثالين من المثل التى تحته ولم يحر في ذلك مرجوعا (رجع الحديث) إلى حديث على بن محمد قال ثم أمر يعنى سليمان برسول قتيبة أن ينزل فحول إلى دار الضيافة فلما أمسى دعا به سليمان فأعطاه صرة فيها دنانير فقال هذه جائزتك وهذا عهد صاحبك على خراسان فسر وهذا رسولي معك بعهده قال فخرج الباهلى وبعث معه سليمان رجلا من عبد القيس ثم أحد بنى ليث يقال له صعصعة أو مصعب فلما كان بحلوان تلقاهم الناس بخلع قتيبة فرجع العبدى ودفع العهد إلى رسول قتيبة

[ 275 ]

وقد خلع واضطرب الامر فدفع إليه عهده فاستشار إخوته فقالوا لا يثق بك سليمان بعد هذا (قال على) وحدثني بعض العنبريين عن أشياخ منهم أن توبة بن أبى أسيد العنبري قال قدم صالح العراق فوجهني إلى قتيبة ليطلعني طلع ما في يده فصحبني رجل من بنى أسد فسألني عما خرجت فيه فكاتمته أمرى فإنا لنسير إذ سنح لنا سانح فنظر إلى رفيقي فقال أراك في أمر جسيم وأنت تكتمني فمضيت فلما كنت بحلوان تلقاني الناس بقتل قتيبة * قال على وذكر أبو الذيال وكليب بن خلف وأبو على الجوزجانى عن طفيل بن مرداس وأبو الحسن الجشمى ومصعب بن حبان عن أخيه مقاتل ابن حبان وأبو مخنف وغيرهم أن قتيبة لما هم بالخلع استشار إخوته فقال له عبد الرحمن اقطع بعثا فوجه فيه كل من تخافه ووجه قوما إلى مرو وسر حتى تنزل سمرقند ثم قل لمم معك من أحب المقام فله المواساة ومن أراد الانصراف فغير مستكره ولا متبوع بسوء فلا يقيم معك الا مناصح وقال له عبد الله أخلعه مكانك وادع الناس إلى خلعه فليس يختلف عليك رجلان فأخذ برأى عبد الله فخلع سليمان ودعا الناس إلى خلعه فقال للناس إنى قد جمعتكم من عين التمر وفيض البحر فضممت الاخ إلى أخيه والولد إلى أبيه وقسمت بينكم فيأكم وأجريت عليكم أعطياتكم غير مكدرة مالا مؤخرة وقد جربتم الولاة قبلى أتاكم أمية فكتب إلى أمير المؤمنين ان خراج خراسان لا يقيم بمطبخى ثم جاءكم أبو سعيد فدوم بكم ثلاث سنين لا تدرون أفى طاعة أنتم أم في معصية لم يجب فيئا ولم ينكأ عدوا ثم جاءكم بنوه بعده يزيد فحل تبارى إليه النساء وانما خليفتكم يزيد بن ثروان هبنقة القيسي قال فلم يجبه أحد فغضب فقال لا أعز الله من نصرتم والله لو اجتمعتم على عنز ما كسرتم قرنه يا أهل السافلة ولا أقول أهل العالية يا أوباش الصدقة جمعتكم كما تجمع إبل الصدقة من كل أوب يا معشر بكر بن وائل يا أهل النفخ والكذب والبخل بأى يوميكم تفخرون بيوم حربكم أو بيوم سلمكم فو الله لانا أعز منكم يا أصحاب مسيلمة يا بنى ذميم ولا أقول تميم يا أهل الخور والقصف والغدر كنتم تسمون الغدر في الجاهلية كيسان يا أصحاب سجاح يا معشر عبد القيس القساة

[ 276 ]

تبدلتم بأبر النخل أعنة الخيل يا معشر الازدت بدلتم بقلوس السفن أعنة الخيل الحصن إن هذا لبدعة في الاسلام والاعراب وما الاعراب لعنة الله على الاعراب يا كناسة المصرين جمعتكم من منابت الشيح والقيصوم ومنابت الفلفل تركبون البقر والحمر في جزيرة ابن كاوان حتى إذا جمعتكم كما تجمع قرع الخريف قلتم كيت وكيت أما والله إنى لابن أبيه وأخو أخيه أما والله لا عصبنكم عصب السلمة إن حول الصلبان الزمزمة يا أهل خراسان هل تدرون من وليكم وليكم يزيد بن ثروان كأنى بأمير مزجاء وحكم قد جاءكم فغلبكم على فيئكم وأطلالكم إن ههنا نارا ارموها أرم معكم ارموا غرضكم الاقصى قد استخلف عليكم أبو نافع ذو الودعات إن الشأم أب مبرور وإن العراق أب مكفور حتى متى يتبطح أهل الشأم بأفنيتكم وظلال دياركم يا أهل خراسان انسبوني تجدونى عراقى الام عراقى الاب عراقى المولد عراقى الهوى والرأى والدين وقد أصبحتم اليوم فيما ترون من الامن والعافية قد فتح الله لكم البلاد وآمن سلبكم فالظعينة تخرج من مرو إلى بلخ بغير جواز فاحمدوا الله على النعمة وسلوه الشكر والمزيد قال ثم نزل فدخل منزله فأتاه أهل بيته فقالوا ما رأينا كاليوم قط والله ما اقتصرت على أهل العالية وهم شعارك ودثارك حتى تناولت بكرا وهم أنصارك ثم لم ترض بذلك حتى تناولت تميما وهم إخوتك ثم لم ترض بذلك حتى تناولت الازد وهم يدك ؟ ؟ فقال لما تكلمت فلم يجبنى أحد غضبت فلم أدر ما قلت إن أهل العالية كإبل الصدقة قد جمعت من كل أوب وأما بكر فإنها أمة لا تمنع يد لا مس وأما تميم فجعل أجرب وأما عبد القيس فما يضرب العير بذنبه وأما الازد فأعلاج شرار من خلق الله لو ملكت أمرهم لوسمتهم قال فغضب الناس وكرهوا خلع سليمان وغضبت القبائل من شتم قتيبة فأجمعوا على خلافه وخلعه وكان أول من تكلم في ذلك الازد فأتوا حضين بن المنذر فقالوا إن هذا قد دعا إلى ما دعا إليه من خلع الخليفة وفيه فساد الدين والدنيا ثم لم يرض بذلك حتى قصر بنا وشتمنا فما ترى يا أبا حفص وكان يكتنى في الحرب بأبى ساسان ويقال كنيته أبو محمد فقال لهم حضين مضر بخراسان تعدل هذه الثلاثة

[ 277 ]

الاخماس وتميم أكثر الخمسين وهم فرسان خراسان ولا يرضون أن يصير الامر في غير مضر فان أخرجتموهم من الامر أعانوا قتيبة قالوا إنه قد وتر بنى تميم بقتل ابن الاهتم قال لا تنظروا إلى هذا فانهم يتعصبون للمضرية فانصرفوا رادين لرأى حضين فأرادوا أن يولوا عبد الله بن حوذان الجهضمى فأبى وتدافعوها فرجعوا إلى حضين فقالوا قد تدافعنا الرياسة فنحن نوليك أمرنا وربيعة لا تخالفك قال لا ناقة لى في هذا ولا جمل قالوا ما ترى قال إن جعلتم هذه الرياسة في تميم تم أمركم قالوا فمن ترى من تميم قال ما أرى أحدا غير وكيع فقال حيان مولى بنى شيبان ان أحدا لا يتقلد هذا الامر فيصلى بحره ويبذل دمه ويتعرض للقتل فان قدم أمير أخذه بما جنى وكان المهنأ لغيره إلا هذا الاعرابي وكيع فإنه مقدام لا يبالى ما ركب ولا ينظر في عاقبة ولا عشيرة كثيرة تطيعه وهو موتور يطلب قتيبة برياسته التى صرفها عنه وصيرها لضرار بن حصين بن زيد الفوارس بن حصين بن ضرار الضبى فمشى الناس بعضهم إلى بعض سرا وقيل لقتيبة ليس يفسد أمر الناس إلا حيان فأراد أن يغتاله وكان حيان يلاطف حشم الولاة فلا يخفون عنه شيئا قال فدعا قتيبة رجلا فأمره بقتل حيان وسمعه بعض الخدم فأتى حيان فأخبره فأرسل إليه يدعوه فحذر وتمارض وأتى الناس وكيع فسألوه أن يقوم بأمرهم فقال نعم وتمثل قول الاشهب بن رميلة سأجني ما جنيت وأن ركني * لمعتمد إلى نضد ركين قال وبخراسان يومئذ من المقاتلة من أهل البصرة من أهل العالية تسعة آلاف وبكر سبعة آلاف رئيسهم الحضين بن المنذر وتميم عشرة آلاف عليهم ضرار ابن حصين الضبى وعبد القيس أربعة آلاف عليهم عبد الله بن علوان عوذى والازد عشرة آلاف رأسهم عبد الله بن حوذان ومن أهل الكوفة سبعة آلاف عليهم جهم بن زحر أو عبيد الله بن على والموالي سبعة آلاف عليهم حيان وحيان يقال إنه من الديلم ويقال إنه من خراسان وإنما قيل له نبطى للكنته فأرسل حيان إلى وكيع أرأيت إن كففت عنك وأعنتك تجعل لى جانب نهر بلخ خراجه ما دمت حيا وما دمت واليا قال نعم فقال للعجم هؤلاء يقاتلون على غير دين فدعوهم

[ 278 ]

يقتل بعضهم بعضا قالوا نعم فبايعوا وكيعا سرا فاتى ضرار بن حصين قتيبة فقال ان الناس يختلفون إلى وكيع وهم يبايعونه وكان وكيع يأتي منزل عبد الله بن مسلم الفقير فيشرب عنده فقال عبد الله هذا يحسد وكيعا وهذا الامر باطل هذا وكيع في بيتى يشرب ويسكر ويسلخ في ثيابه وهذا يزعم أنهم يبايعونه قال وجاء وكيع إلى قتيبة فقال احذر ضرارا فإنى لا آمنه عليك فأنزل قتيبة ذلك منهما على التحاسد وتمارض وكيع ثم إن قتيبة دس ضرار بن سنان الضبى إلى وكيع فبايعه سرا فتبين لقتيبة أن الناس يبايعونه فقال لضرار قد كنت صدقتني قال إنى لم أخبرك إلا بعلم فأنزلت ذلك منى على الحسد وقد قضيت الذى كان على قال صدقت وأرسل قتيبة إلى وكيع يدعوه فوجده رسول قتيبة قد طلى على رجله مغرة وعلى ساقه خرزا وودعا وعنده رجلان من زهران يرقيان رجله فقال له أجب الامير قال قد ترى ما برجلي فرجع الرسول إلى قتيبة فأعاده إليه قال يقول لك ائتنى محمولا على سرير قال لا أستطيع قال قتيبة لشريك بن الصامت الباهلى أحد بنى وائل وكان على شرطته ورجل من غنى انطلقا إلى وكيع فأتيانى به فإنى أبى فاضربا عنقه ووجه معهما خيلا ويقال كان على شرطه بخراسان ورقاء بن نصر الباهلى * قال على قال أبو الديال قال ثمامة بن ناجذ العدوى أرسل قتيبة إلى وكيع من يأتيه به فقلت أنا آتيك به أصلحك الله فقال ائتنى به فأتيت وكيعا وقد سبق إليه الخبر أن الخيل تأتيه فلما رأني قال يا ثمامة ناد في الناس فناديت فكان أول من أتاه هريم بن أبى طحمة في ثمانية قال وقال الحسن بن رشيد الجوزجانى أرسل قتيبة إلى وكيع فقال هريم أنا آتيك به قال فانطلق قال هريم فركبت برذونى مخافة أن يردنى فأتيت وكيعا وقد خرج قال وقال كليب بن خلف أرسل قتيبة إلى وكيع شعبة بن ظهير أحد بنى صخر بن نهشل فأتاه فقال يا ابن ظهير لبث قليلا تلحق الكتائب ثم دعا بسكين فقطع خرزا كان على رجليه ثم لبس سلاحه وتمثل شدوا على سرتى لا تنقلف * يوم لهمدان ويوم للصدف وخرج وحده ونظر إليه نسوة فقلن أبو مطرف وحده فجاء هريم بن أبى طحمة

[ 279 ]

في ثمانية فيهم عميرة بن البريد بن ربيعة العجيفى قال حمزة بن ابراهيم وغيره أن وكيعا خرج فتلقاه رجل فقال ممن أنت قال من بنى أسد قال ما اسمك قال ضرغامة قال ابن من قال ابن ليث قال دونك هذه الراية قال المفضل بن محمد الضبى ودفع وكيع رايته إلى عقبة بن شهاب المازنى قال ثم رجع إلى حديثهم قالوا فخرج وكيع وأمر غلمانه فقال اذهبوا بثقلي إلى بنى العم فقالوا لا نعرف موضعهم قال انظروا رمحين مجموعين أحدهما فوق الآخر فوقهما مخلاة فهم بنو العم قال وكان في العسكر ومنهم خمسمائة قال فنادى وكيع في الناس فأقبلوا أرسالا من كل وجه فأقبل في الناس يقول قرم إذا حمل مكروهة * شد الشراسيف لها والحزيم وقال قوم تمثل وكيع حين خرج أنحن بلقمان بن عاد فجنسه * أريني سلاحي لن يطيروا بأعزل واجتمع إلى قتيبة أهل بيته وخواص من أصحابه وثقاته فيهم اياس ابن بيهس بن عمرو بن عم قتيبة دنيا وعبد الله بن وألان العدوى وناس من رهطة بنى وائل وأتاه حيان بن اياس العدوى في عشرة فيهم عبد العزيز بن الحارث قال وأتاه ميسرة الجدلي وكان شجاعا فقال ان شئت أتيتك برأس وكيع فقال قف مكانك وأمر قتيبة رجلا فقال ناد في الناس أين بنو عامر فنادى أين بنو عامر فقال محفن بن جزء الكلابي وقد كان جفاهم حيث وضعتهم قال ناد أذكركم الله والرحم فنادى محفن أنت قطعتها قال ناد لكم العتبى فناداه محفن أو غيره لا أقالنا الله إذا فقال قتيبة - يا نفس صبرا على ما كان من ألم * إذا لم أجد لفضول القوم أقرانا ودعا بعمامة كانت أمه بعثت بها إليه فاعتم بها كان يعتم بها في الشدائد ودعا ببرذون له مدرب كان يتطير إليه في الزحوف فقرب إليه ليركبه فجعل يقمص حتى أعياه فلما رأى ذلك عاد إلى سريره فقعد عليه وقال دعوه فإن هذا أمر يراد وجاء حيان النبطي في العجم فوقف وقتيبة واجد عليه فوقف معه عبد الله بن مسلم فقال

[ 280 ]

عبد الله لحيان احمل على هذين الطرفين قال لم يأن لذلك فغضب عبد الله وقال ناولنى قوسى قال حيان ليس هذا يوم قوس فأرسل وكيع إلى حيان أين ما وعدتني فقال حيان لابنه إذ رأيتنى قد حولت قلنسوتي ومضيت نحو عسكر وكيع فمل بمن معك من العجم إلى فوقف ابن حيان مع العجم فلما حول حيان قلنسوته مالت الاعجام إلى عسكر وكيع فكبر أصحابه وبعث قتيبة أخاه صالحا إلى الناس فرماه رجل من بنى ضبة يقال له سليمان الزنجيرج وهو الخرنوب ويقال بل رماه رجل من بلعم فأصاب هامته فحمل إلى قتيبة ورأسه مائل فوضع في مصلاه فتحول قتيبة فجلس عنده ساعة ثم تحول إلى سريره قال وقال أبو السرى الازدي رمى صالحا رجل من بنى ضبة فأثقله وطعنه زياد بن عبد الرحمن الازدي من بنى شريك ابن مالك * قال وقال أبو مخنف حمل رجل من غنى على الناس فرأى رجلا مجففا فشبهه بجهم بن زحر بن قيس فطعنه وقال إن غنيا أهل عز ومصدق * إذا حاربوا والناس مفتتنونا فإذا الذى طعن علج وتهايج الناس وأقبل عبد الرحمن بن مسلم نحوهم فرماه أهل السوق والغوغاء فقتلوه وأحرق الناس موضعا كانت فيه إبل لقتيبة ودوابه ودنوا منه فقاتل عنه رجل من باهلة من بنى وائل فقال له قتيبة انج بنفسك فقال له بئس ما جزيتك إذا وقد أطعمتني الجردق والبستني النرمق قال فدعا قتيبة بدابة فأتى ببرذون فلم يقر ليركبه فقال إن له لشأنا فلم يركبه وجلس وجاء الناس حتى بلغوا الفسطاط فخرج إياس بن بيهس وعبد الله بن وألان حين بلغ الناس الفسطاط وتركا قتيبة وخرج عبد العزيز بن الحارث يطلب ابنه عمرا أو عمر فلقيه الطائى فحذره ووجد ابنه فأردفه قال وفطن قتيبة للهيثم بن المنخل وكان ممن يعين عليه فقال أعلمه الرماية كل يوم * فلما اشتد ساعده رماني قال وقتل معه إخوته عبد الرحمن وعبد الله وصالح وحصين وعبد الكريم بنو مسلم وقتل ابنه كثير بن قتيبة وناس من أهل بيته ونجا أخوه ضرار استنقذه

[ 281 ]

أخواله وأمه غراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة وقال قوم قتل عبد الكريم بن مسلم بقزوين وقال أبو عبيدة قال أبو مالك قتلوا قتيبة سنة 96 وقتل من بنى مسلم أحد عشر رجلا فصلبهم وكيع سبعة منهم لصلب مسلم وأربعة من بنى أبنائهم قتيبة وعبد الرحمن وعبد الله الفقير وعبيد الله وصالح وبشار ومحمد بنو مسلم وكثير بن قتيبة ومغلس بن عبد الرحمن ولم ينج من صلب مسلم غير عمرو وكان عامل الجوزجان وضرار وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع ابن معبد بن زرارة فجاء أخواله فدفعوه حتى نجوه ففى ذلك يقول الفرزدق عشية ماود ابن غراء أنه * له من سوانا إذ دعا أبوان وضرب إياس بن عمرو ابن أخى مسلم بن عمرو على ترقوته فعاش قال ولما غشى القوم الفسطاط قطعوا أطنابه قال زهير فقال جهم بن زحر لسعد انزل فحز رأسه وقد أثخن جراحا فقال أخاف أن تجول الخيل قال تخاف وأنا إلى جنبك فنزل سعد فشق صوقعة الفسطاط فاحتز رأسه فقال حضين بن المنذر وأن ابن سعد وابن زحر تعاورا * بسيفيهما رأس الهمام المتوج عشية جئنا بابن زحر وجئتم * بادغم مرقوم الذراعين ديزج أصم غدانى كأن جبينه * لطاخة نقس في أديم ممجمج قال فلما قتل مسلمة يزيد بن المهلب استعمل على خراسان سعيد خذينة بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبى العاص فحبس عمال يزيد وحبس فيهم جهم بن زحر الجعفي وعلى عذابه رجل من باهلة فقيل له هذا قاتل قتيبة فقتله في العذاب فلامه سعيد فقال أمرتنى أن أستخرج منه المال فعذبته فأتى على أجله قال وسقطت على قتيبة يوم قتل جارية له خوارزمية فلما قتل خرجت فأخذها بعد ذلك يزيد بن المهلب فهى أم خليدة قال على قال حمزة بن إبراهيم وأبو اليقظان لما قتل قتيبة صعد عمارة بن جنية الرياحي المنبر فتكلم فأكثر فقال له وكيع دعنا من قذرك وهذرك ثم تكلم وكيع فقال مثلى ومثل قتيبة كما قال الاول من ينك العير ينك نياكا

[ 282 ]

أراد قتيبة أن يقتلنى وأنا قتال قد جربوني ثم جربوني * من غلوتين ومن المئين حتى إذا شبت وشيبونى * خلوا عناني وتنكبوني أنا أبو مطرف قال وأخبرنا أبو معاوية عن طلحة بن إياس قال قال وكيع يوم قتل قتيبة أنا ابن خندف تنمينى قبائلها * للصالحات وعمى قيس عيلانا ثم أخذ بلحيته ثم قال شيخ إذا حمل مكروهة * شد الشراسيف لها والحزيم والله لاقتلن ثم لاقتلن ولاصلبن ثم لاصلبن إنى والغ دما أن مرزبانكم هذا ابن الزانية قد أغلى عليكم أسعاركم والله ليصيرن القفيز في السوق غدا بأربعة أو لاصلبنه صلوا على نبيكم ثم نزل قال على وأخبرنا المفضل بن محمد وشيخ من بنى تميم ومسلمة بن محارب قالوا طلب وكيع رأس قتيبة وخاتمه فقيل له إن الازد أخذته فخرج وكيع وهو يقول ده درين سعد القين في أي يومى من الموت أفر * أيوم لم يقدر أم يوم قدر لا خير في أحزم جياد القرع * في أي يوم لم أرع ولم أرع والله الذى لا إله غيره لا أبرح حتى أوتى بالرأس أو يذهب برأسي مع رأس قتيبة وجاء بخشب فقال إن هذه الخيل لا بد لها من فرسان يتهدد بالصلب فقال له حضين يا أبا مطرف تؤتى به فاسكن وأتى حضين الازد فقال أحمقي أنتم بايعناه وأعطيناه المقادة وعرض نفسه ثم تأخذون الرأس أخرجوه لعنه الله من رأس فجاءوا بالرأس فقالوا يا أبا مطرف إن هذا هو احتزه فاشكمه قال نعم فأعطاه ثلاثة آلاف وبعث بالرأس مع سليط بن عبد الكريم الحنفي ورجال من القبائل وعليهم سليط ولم يبعث من بنى تميم أحدا * قال قال أبو الذيال كان فيمن ذهب بالرأس أنيف بن حسان أحد بنى عدى (قال أبو مخنف) وفى وكيع لحيان النبطي بما كان أعطاه * قال قال خريم بن أبى يحيى عن أشياخ من قيس قالوا قال سليمان

[ 283 ]

للهذيل بن زفر حين وضع رأس قتيبة ورؤوس أهل بيته بين يديه هل ساءك هذا يا هذيل قال لو ساءنى ساء قوما كثيرا فكلمه خريم بن عمرو والقعقاع بن خليد فقال ائذن في دفن رؤوسهم قال نعم وما أردت هذا كله قال على قال أبو عبد الله السلمى عن يزيد بن سويد قال قال رجل عن عجم أهل خراسان يا معشر العرب قتلتم قتيبة والله لو كان قتيبة منا فمات فينا جعلناه في تابوت فكنا نستفتح به إذا غزونا وما صنع أحد قط بخراسان ما صنع قتيبة إلا أنه قد غدر وذلك أن الحجاج كتب إليه أن احتلهم واقتلهم في الله قال وقال الحسن بن رشيد قال الاصبهبذ لرجل يا معشر العرب قتلتم قتيبة ويزيد وهما سيدا العرب قال فأيهما كان أعظم عندكم وأهيب قال لو كان قتيبة بالمغرب بأقصى جحر به في الارض مكبلا بالحديد ويزيد معنا في بلادنا وال علينا لكان قتيبة أهيب في صدورنا وأعظم من يزيد قال على قال المفضل بن محمد الضبى جاء رجل إلى قتيبة يوم قتل وهو جالس فقال اليوم يقتل ملك العرب وكان قتيبة عندهم ملك العرب فقال له اجلس قال وقال كليب بن خلف حدثنى رجل ممن كان مع وكيع حين قتل قتيبة قال أمر وكيع رجلا فنادى لا يسلبن قتيل فمر ابن عبيد الهجرى على أبى الحجر الباهلى فسلبه فبلغ وكيعا فضرب عنقه قال أبو عبيدة قال عبد الله بن عمر من تيم اللات ركب وكيع ذات يوم فأتوه بسكران فأمر به فقتل فقيل له ليس عليه القتل إنما عليه الحد قال لا أعاقب بالسياط ولكني أعاقب بالسيف فقال نهار بن توسعة وكنا نبكى من الباهلى * فهذا العدانى شر وشر (وقال أيضا) ولما رأينا الباهلى ابن مسلم * تجبر عممناه عضبا مهندا وقال الفرزدق يذكر وقعة وكيع ومنا الذى سل السيوف وشامها * عشية باب القصر من فرغان عشية لم تمنع بنيها قبيلة * بعز عراقى ولا بيمان عشية ماود ابن غراء أنه * له من سوانا إذ دعا أبوان

[ 284 ]

عشية لم تستر هوازن عامر * ولا غطفان عورة ابن دخان عشية ود الناس أنهم لنا * عبيد إذ الجمعان يضطربان رأوا جبلا يعلو الجبال إذا التقت * رؤس كبيريهن ينتطحان رجال على الاسلام إذ ما تجالدوا * على الدين حتى شاع كل مكان وحتى دعا في سور كل مدينة * مناد ينادى فوقها بأذان فيجزى وكيع بالجماعة إذ دعا * إليها بسيف صارم وبنان جزاء بأعمال الرجال كما جرى * ببدر وباليرموك فئ جنان وقال الفرزدق في ذلك أيضا أتانى ورحلي بالمدينة وقعة * لآل تميم أقعدت كل قائم وقال على أخبرنا خريم بن أبى يحيى عن بعض عمومته قال أخبرني شيوخ من غسان قالوا إنا لبثنية العقاب إذ نحن برجل يشبه الفيوج معه عصا وجراب قلنا من أين أقبلت قال من خراسان قلنا فهل كان بها من خير قال نعم قتل قتيبة بن مسلم أمس فتعجبنا لقوله فلما رأى انكارنا ذلك قال أين تروننى الليلة من افريقية ومضى واتبعناه على خيولنا فإذا شئ يسبق الطرف وقال الطرماح لولا فوارس مذحج ابنة مذحج * والازد زعزع واستبيح العسكر وتقطعت بهم البلاد ولم يؤب * منهم إلى أهل العراق مخبر واستضلعت عقد الجماعة وازدرى * أمر الخليفة واستحل المنكر قوم هم قتلوا قتيبة عنوة * والخيل جانحة عليها العثير بالمرج مرج الصين حيث تبينت * مضر العراق من الاعز الاكبر إذ حالفت جزعا ربيعة كلها * وتفرقت مضر ومن يتمضر وتقدمت أزد العراق ومذحج * للموت يجمعها أبوها الاكبر قحطان تضرب رأس كل مدجج * تحمى بصائرهن إذ لا تبصر والازد تعلم أن تحت لوائها * ملكا قراسية وموت أحمر فبعزنا نصر النبي محمد * وبنا تثبت في دمشق المنبر

[ 285 ]

وقال عبد الرحمن بن جمانة الباهلى كأن أبا حفص قتيبة لم يسر * بجيش إلى جيش ولم يعل منبرا ولم تخفق الرايات والقوم حوله * وقوف ولم يشهد له الناس عسكرا دعته المنايا فاستجاب لربه * وراح إلى الجنات عفا مطهرا فما رزئ الاسلام بعد محمد * بمثل أبى حفص فبكيه عبهرا يعنى أم ولد له وقال الاصم بن الحجاج يرثى قتيبة ألم يأن للاحياء أن يعرفوا لنا * بلى نحن أولى الناس بالمجد والفخر نقود تميما والموالي ومذحجا * وأزد وعبد القيس والحى من بكر نقتل من شئنا بعزة ملكنا * ونجبر من شئنا على الخسف والقسر سليمان كم من عسكر قد حوت لكم * أسنتنا والمقربات بنا تجرى وكم من حصون قد أبحنا منيعة * ومن بلد سهل ومن جبل وعر ومن بلدة لم يغزها الناس قبلنا * غزونا نقود الخيل شهرا إلى شهر مرن على الغزو الجرور ووقرت * على النفر حتى ما تهال من النفر وحتى لو ان النار شبت وأكرهت * على النار خاضت في الوغى لهب الجمر تلاعب أطراف الاسنة والقنا * بلباتها والموت في لجج خضر بهن أبحنا أهل كل مدينة * من الشرك حتى جاوزت مطلع الفجر ولو لم تعجلنا المنايا لجاوزت * بناردم ذى القرنين ذا الصخر والقطر ولكن آجالا قضين ومدة * تناهى إليها الطيبون بنو عمرو (وفى هذه السنة) عزل سليمان بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسرى عن مكة وولاها طلحة بن داود الحضرمي (وفيها) غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم الصائفة ففتح حصنا يقال له حصن عوف (وفى هذه السنة) توفى قرة بن شريك العبسى وهو أمير مصر في صفر في قول بعض أهل السير وقال بعضهم كان هلاك قرة في حياة الوليد في سنة 95 في الشهر الذى هلك فيه الحجاج (وحج) بالناس في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الانصاري كذلك حدثنى أحمد

[ 286 ]

ابن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وكان الامير على المدينة في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلب وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن وعلى البصرة سفيان بن عبد الله الكندى من قبل يزيد بن المهلب وعلى قضاء البصرة عبد الرحمن بن أذينة وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبى موسى وعلى حرب خراسان وكيع بن أبى سود ثم دخلت سنة سبع وتسعين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الاحداث فمن ذلك ما كان من تجهيز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينية واستعماله ابنه داود بن سليمان على الصائفة فافتتح حصن المرأة (وفيها) غزا فيما ذكر الواقدي مسلمة بن عبد الملك أرض الروم ففتح الحصن الذى كان فتحه الوضاح صاحب الوضاحية (وفيها) غزا عمرو بن هبيرة الفزارى في البحر أرض الروم فشتابها (وفيها) قتل عبد العزيز بن موسى بن نصير بالاندلس وقدم برأسه على سليمان حبيب بن أبى عبيد الفهرى (وفيها) ولى سليمان بن عبد الملك يزيد بن المهلب خراسان ذكر الخبر عن سبب ولايته خراسان وكان السبب في ذلك أن سليمان بن عبد الملك لما أفضت الخلافة إليه ولى يزيد بن المهلب حرب العراق والصلاة وخراجها (فذكر هشام) بن محمد عن أبى مخنف أن يزيد نظر لما ولاه سليمان ما ولاه من أمر العراق في أمر نفسه فقال إن العراق قد أحربها الحجاج وأنا اليوم رجاء أهل العراق ومتى قدمتها وأخذت الناس الناس بالخراج وعذبتهم عليه صرت مثل الحجاج أدخل على الناس الحرب وأعيد عليهم تلك السجون التى قد عافاهم الله منها ومتى لم آت سليمان بمثل ما جاء به الحجاج لم يقبل منى فأتى يزيد سليمان فقال أدلك على

[ 287 ]

رجل بصير بالخراج توليه إياه فتكون أنت تأخذه به صالح بن عبد الرحمن مولى بنى تميم فقال له قد قبلنا رأيك فأقبل يزيد إلى العراق * وحدثني عمر بن شبة قال قال على كان صالح قدم العراق قبل قدوم يزيد فنزل واسطا قال على فقال عباد ابن أيوب لما قدم يزيد خرج الناس يتلقونه فقيل لصالح هذا يزيد وقد خرج الناس يتلقونه فلم يخرج حتى قرب يزيد من المدينة فخرج صالح عليه دراعة ودبوسية صفراء صغيرة بين يديه أربعمائة من أهل الشأم فلقى يزيد فسايره فلما دخل المدينة قال له صالح قد فرغت لك هذا الدار فأشار له إلى دار فنزل يزيد ومضى صالح إلى منزله قال وضيق صالح على يزيد فلم يملكه شيئا واتخذ يزيد ألف خوان يطعم الناس عليها فأخذها صالح فقال له يزيد اكتب ثمنها على واشترى متاعا كثيرا وصك صكاكا إلى صالح لباعتها منه فلم ينفذه فرجعوا إلى يزيد فغضب وقال هذا عملي بنفسى فلم يلبث أن جاء صالح فأوسع له يزيد فجلس وقال ليزيد ما هذه الصحكاك الخراج لا يقوم لها قد أنفذت لك منذ أيام صكا بمائة ألف وعجلت لك أرزاقك وسألت مالا للجند فأعطيتك فهذا لا يقوم له شئ ولا يرضى أمير المؤمنين به وتؤخذ به فقال له يزيد يا أبا الوليد أجز هذه الصكاك هذه المرة وضاحكه قال فإنى أجيزها فلا تكثرن على قال لا * قال على بن محمد حدثنا مسلمة بن محارب وأبو العلاء التيمى والطفيل بن مرداس العمى وأبو حفص الازدي عمن حدثه عن جهم بن زحر بن قيس والحسن بن رشيد عن سليمان بن كثير وأبو الحسن الخراساني عن الكرماني وعامر بن حفص وأبو مخنف عن عثمان بن عمرو بن محصن الازدي وزهير بن هنيد وغيرهم وفى خبر بعضهم ما ليس في خبر بعض فألفت ذلك أن سليمان بن عبد الملك ولى يزيد بن المهلب العراق ولم يوله خراسان فقال سليمان بن عبد الملك لعبد الملك بن المهلب وهو بالشأم ويزيد بالعراق كيف أنت يا عبد الملك إن وليتك خراسان قال يجدنى أمير المؤمنين حيث يحب ثم أعرض سليمان عن ذلك قال وكتب عبد الملك بن المهلب إلى جرير ابن يزيد الجهضمى وإلى رجال من خاصته إن أمير المؤمنين عرض على ولاية خراسان فبلغ الخبر يزيد بن المهلب وقد ضجر بالعراق وقد ضيق عليه صالح

[ 288 ]

ابن عبد الرحمن فليس يصل معه إلى شئ فدعا عبد الله بن الاهتم فقال إنى أريدك لامر قد أهمنى فأحب أن تكفينيه قال مرنى بما أحببت قال أنا فيما ترى من الضيق وقد أضجرني ذلك وخراسان شاغرة برجلها وقد بلغني أن أمير المؤمنين ذكرها لعبد الملك بن المهلب فهل من حيلة قال نعم سرحني إلى أمير المؤمنين فإنى أرجو أن آتيك بعهدك عليها قال فاكتم ما أخبرتك به وكتب إلى سليمان كتابين أحدهما يذكر له فيه أمر العراق وأثنى فيه على ابن الاهتم وذكر له علمه بها ووجه ابن الاهتم وحمله على البريد وأعطاه ثلاثين ألفا فسار سبعا فقدم بكتاب يزيد على سليمان فدخل عليه وهو يتغدى فجلس ناحية فأتى بدجاجتين فأكلهما قال فدخل ابن الاهتم فقال له سليمان لك مجلس غير هذا تعود إليه ثم دعا به بعد ثالثة فقال له سليمان إن يزيد بن المهلب كتب إلى يذكر علمك بالعراق وبخراسان ويثنى عليك فكيف علمك بها قال أنا أعلم الناس بها: بها ولدت وبها نشأت فلى بها وبأصلها خبر وعلم قال ما أحوج أمير المؤمنين إلى مثلك يشاوره في أمرها فأشر على برجل أوليه خراسان قال أمير المؤمنين أعلم بمن يريد يولى فإن ذكر منهم أحدا أخبرته برأيى فيه هل يصلح لها أم لا قال فسمى سليمان رجلا من قريش قال يا أمير المؤمنين ليس من رجال خراسان قال فعبد الملك بن المهلب قال لا حتى عدد رجالا فكان في آخر من ذكر وكيع بن أسود سود فقال يا أمير المؤمنين وكيع رجل شجاع صارم بئيس مقدام وليس بصاحبها مع هذا إنه لم يقد ثلثمائة قط فرأى لا حد عليه طاعة قال صدقت ويحك فمن لها قال رجل أعلمه لم تسمه قال فمن هو قال لا أبوح باسمه إلا أن يضمن لى أمير المؤمنين ستر ذلك وأن يجيرني منه إن علم قال نعم سمه من هو قال يزيد بن المهلب قال ذاك بالعراق والمقام بها أحب إليه من المقام بخراسان قال قد علمت يا أمير المؤمنين ولكن تكرهه على ذلك فيستخلف على العراق رجلا ويسير قال أصبت الرأى فكتب عهد يزيد على خراسان وكتب إليه كتابا إن ابن الاهتم كما ذكرت في عقله ودينه وفضله ورأيه ودفع الكتاب وعهد يزيد إلى

[ 289 ]

ابن الاهتم فسار سبعا فقدم على يزيد فقال له ما وراءك قال فأعطاه الكتاب فقال ويحك أعندك خير فأعطاه العهد فأمر يزيد بالجهاز للمسير من ساعته ودعا ابنه مخلدا فقدمه إلى خراسان قال فسار من يومه ثم سار يزيد واستخلف على واسط الجراح بن عبد الله الحكمى واستعمل على البصرة عبد الله بن هلال الكلابي وصير مروان بن المهلب على أمواله وأموره بالبصرة وكان أوثق إخوته عنده ولمروان يقول أبو البهاء الايادي رأيت أبا قبيصة كل يوم * على العلات أكرمهم طباعا إذا ما هم أبوا أن يستطيعوا * جسيم الامر يحمل ما استطاعا وإن ضاقت صدورهم بأمر * فضلتهم بذاك ندى وباعا وأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فإنه قال في ذلك حدثنى أبو مالك أن وكيع ابن أبى سود بعث بطاعته وبرأس قتيبة إلى سليمان فوقع ذلك من سليمان كل موقع فجعل يزيد بن المهلب لعبدالله بن الاهتم مائة ألف على أن ينقر وكيعا عنده فقال أصلح الله أمير المؤمنين والله ما أحد أوجب شكرا ولا أعظم عندي يدا من وكيع لقد أدرك بثأرى وشفاني من عدوى ولكن أمير المؤمنين أعظم وأوجب على حقا وإن النصيحة تلزمني لامير المؤمنين إن وكيعا لم يجتمع له مائة عنان قط إلا حدث نفسه بغدوة خامل في الجماعة نابه في الفتنة فقال ما هو إذا ممن نستعين به وكانت قيس تزعم أن قتيبة لم يخلع فاستعمل سليمان يزيد بن المهلب على حرب العراق وأمره إن أقامت قيس البينة أن قتيبة لم يخلع فينزع يدامن طاعة أن يقيد وكيعا به فغدر يزيد فلم يعط عبد الله بن الاهتم ما كان ضمن له ووجه ابنه مخلد ابن يزيد إلى وكيع (رجع الحديث إلى حديث على) قال على أخبرنا أبو مخنف عن عثمان بن عمرو بن محصن وأبو الحسن الخراساني عن الكرماني قال وجه يزيد ابنه مخلدا إلى خراسان فقدم مخلد عمرو بن عبد الله بن سنان العتكى ثم الصنابحى حين دنا من مرو فلما قدمها أرسل إلى وكيع أن القنى فأبى فأرسل إليه عمرو يا أعرابي أحمق جلفا جافيا انطلق إلى أميرك فتلقه وخرج وجوه من أهل

[ 290 ]

مرو يتلقون مخلدا وتثاقل وكيع عن الخروج فأخرجه عمرو الازدي فلما بلغوا مخلدا نزل الناس كلهم غير وكيع ومحمد بن حمران السعدى وعباد بن لقيط أحد بنى قيس بن ثعلبة فأنزلوهم فلما قدم مرو حبس وكيعا فعذبه وأخذ أصحابه فعذبهم قبل قدوم أبيه قال على عن كليب بن خلف قال حدثنا إدريس بن حنظلة قال لما قدم مخلد خراسان حبسني فجاءني ابن الاهتم فقال لى أتريد أن تنجو قلت نعم قال أخرج الكتب التى كتبها القعقاع بن خليد العبسى وخريم بن عمرو المرى إلى قتيبة في خلع سليمان فقلت له يا ابن الاهتم إياى تخدع عن دينى قال فدعا بطومار وقال إنك أحمق فكتب كتبا عن لسان القعقاع ورجال من قيس إلى قتيبة أن الوليد ابن عبد الملك قد مات وسليمان باعث هذا المزونى على خراسان فاخلعه فقلت يا ابن الاهتم تهلك والله نفسك والله لئن دخلت عليه لاعلمنه أنك كتبتها (وفى هذه السنة) شخص يزيد بن المهلب إلى خراسان أميرا عليها فذكر على بن محمد عن أبى السرى الازدي عن عمه قال ولى وكيع خراسان بعد قتل قتيبة تسعة أشهر أو عشرة وقدم يزيد بن المهلب سنة 97 قال على فذكر المفضل بن محمد عن أبيه قال أدنى يزيد أهل الشأم وقوما من أهل خراسان فقال نهار بن توسعة وما كنا نؤمل من أمير * كما كنا نؤمل من يزيد فأخطأ ظننا فيه وقدما * زهدنا في معاشرة الزهيد إذا لم يعطنا نصفا أمير * مشينا نحوه مثل الاسود فمهلا يا يزيد أنب إلينا * ودعنا من معاشرة العبيد نجئ فلا نرى إلا صدودا * على أنا نسلم من بعيد ونرجع خائبين بلا نوال * فما بال التجهم والصدود قال على أخبرنا زياد بن الربيع عن غالب القطان قال رأيت عمر بن عبد العزيز واقفا بعرفات في خلافه سليمان وقد حج سليمان عامئذ وهو يقول لعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد العجب لامير المؤمنين استعمل رجلا على أفضل ثغر للمسلمين فقد بلغني عمن يقدم من التجار من ذلك الوجه أنه يعطى الجارية من

[ 291 ]

جواريه مثل سهم ألف رجل أما والله ما الله أراد بولايته فعرفت أنه يعنى يزيد والجهنية فقلت يشكر بلاءهم أيام الازارقة قال ووصل يزيد عبد الملك بن سلام السلولى فقال ما زال سيبك يا يزيد بحوبتى * حتى ارتويت وجودكم لا ينكر أنت الربيع إذا تكون خصاصة * عاش السقيم به وعاش المقتر عمت سحابته جميع بلادكم * فرووا وأغدقهم سحاب ممطر فسقاك ربك حيث كنت مخيلة * ريا سحائبها تروح وتبكر (وفى هذه السنة) حج بالناس سليمان بن عبد الملك حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر (وفيها) عزل سليمان طلحة ابن داود الحضرمي عن مكة قال الواقدي حدثنى إبراهيم بن نافع عن ابن أبى مليكة ؟ ؟ قال لما صدر سليمان بن عبد الملك من الحج عزل طلحة بن داود الحضرمي عن مكة وكان عمله عليها ستة أشهر وولى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد ابن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكانت عمال الامصار في هذه السنة عمالها في السنة التى قبلها إلا خراسان فان عاملها على الحرب والخراج والصلاة يزيد بن المهلب وكان خليفته على الكوفة فيما قيل حرملة بن عمير اللخمى أشهرا ثم عزله وولاها بشير بن حسان النهدي ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من توجيه سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة بن عبد الملك إلى القسطنطينية وأمره أن يقيم عليها حتى يفتحها أو يأتيه أمره فشتا بها وصاف فذكر محمد بن عمر أن ثور بن يزيد حدثه عن سليمان بن موسى قال لما دنا مسلمة من قسطنطينية أمر كل فارس أن يحمل على عجز فرسه مدين من طعام حتى يأتي به القسطنطينية فأمر بالطعام فألقى في ناحية مثل الجبال ثم قال للمسلمين لا تأكلوا منه شيئا أغيروا

[ 292 ]

في أرضهم وازرعوا وعمل بيوتا من خشب فشتافيها وزرع الناس ومكث ذلك الطعام في الصحراء لا يكنه شئ والناس يأكلون مما أصابوا من الغارات ثم أكلوا من الزرع فأقام مسلمة بالقسطنطينية قاهرا لاهلها معه وجوه أهل الشأم خالد ابن معدان وعبد الله بن أبى زكرياء الخزاعى ومجاهد بن جبر حتى أتاه موت سليمان فقال القائل تحمل مديها ومدى مسلمه * حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد قال لما ولى سليمان غزا الروم فنزل دابق وقدم مسلمة فهابه الروم فشخص إليون من أرمينية فقال لمسلمة ابعث إلى رجلا يكلمني فبعث ابن هبيرة فقال له ابن هبيرة ما تعدون الاحمق فيكم قال الذى يملا بطنه من كل شئ يجده فقال له ابن هبيرة إنا أصحاب دين ومن ديننا طاعة أمرائنا قال صدقت كنا وأنتم نقاتل على الدين ونغضب له فأما اليوم فإنا نقاتل على الغلبة والملك نعطيك عن كل رأس دينارا فرجع ابن هبيرة إلى الروم من غد وقال أبى أن يرضى أتيته وقد تغدى وملابطنه ونام فانتبه وقد غلب عليه البلغم فلم يدر ما قلت وقالت البطارقة لا ليون إن صرفت عنا مسلمة ملكناك فوثقوا له فأتى مسلمة فقال قد علم القوم أنك لا تصدقهم القتال وأنك تطاولهم ما دام الطعام عندك ولو أحرقت الطعام أعطوا بأيديهم فأحرقه فقوى العدو وضاق المسلمون حتى كادوا يهلكون فكانوا على ذلك حتى مات سليمان قال وكان سليمان بن عبد الملك لما نزل دابق أعطى الله عهدا أن لا ينصرف حتى يدخل الجيش الذى وجهه إلى الروم القسطنطينية قال وهلك ملك الروم فأتاه اليون فأخبره وضمن له أن يدفع إليه أرض الروم فوجه معه مسلمة حتى نزل بها وجمع كل طعام حولها وحصر أهلها وأتاهم اليون فملكوه فكتب إلى مسلمة يخبره بالذى كان ويسأله أن يدخل من الطعام ما يعيش به القوم ويصدقونه بأن أمره وأمر مسلمة واحد وأنهم في أمان من السباء والخروج من بلادهم وأن يأذن لهم ليلة في حمل الطعام وقد هيأ اليون السفن والرجال فأذن له فما بقى في تلك الحظائر الا ما لا يذكر حمل في ليلة وأصبح

[ 293 ]

اليون محاربا وقد خدعه خديعة لو كان أمرأة لعيب بها فلقى الجند ما لم يلق جيش حتى إن كان الرجل ليخاف أن يخرج من العسكر وحده وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق وكل شئ غير التراب وسليمان مقيم بدابق ونزل الشتاء فلم يقدر يمدهم حتى هلك سليمان (وفى هذه السنة) بايع سليمان بن عبد الملك لابنه أيوب بن سليمان وجعله ولى عهده فحدثني عمر بن شبة عن على بن محمد قال كان عبد الملك أخذ على الوليد وسليمان أن يبايعا لابن عاتكة ولمروان بن عبد الملك من بعده قال فحدثني طارق بن المبارك قال مات مروان بن عبد الملك في خلافة سليمان منصرفه من مكة فبايع سليمان حين مات مروان لايوب وأمسك عن يزيد وتربص به ورجا أن يهلك فهلك أيوب وهو ولى عهده (وفى هذه السنة) فتحت مدينة الصقالبة قال محمد بن عمر أغارت برجان في سنة 98 على مسلمة بن عبد الملك وهو في قلة من الناس فأمده سليمان بن عبد الملك بمسعدة أو عمرو بن قيس في جمع فمكرت بهم الصقالبة ثم هزمهم الله بعد أن قتلوا شراحيل بن عبدة (وفى هذه السنة) فيما زعم الواقدي غزا الوليد بن هشام وعمرو بن قيس فأصيب ناس من أهل إنطاكية وأصاب الوليد ناسا من ضواحي الروم وأسر منهم بشرا كثيرا (وفى هذه السنة) غزا يزيد بن المهلب جرجان وطبرستان فذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف أن يزيد ابن المهلب لما قدم خراسان أقام ثلاثة أشهر أو أربعة ثم أقبل إلى دهستان وجرجان وبعث ابنه مخلدا على خراسان وجاء حتى نزل بدهستان وكان أهلها طائفة من الترك فأقام عليها وحاصر أهلها معه أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشأم ووجوه أهل خراسان والرى وهو في مائة ألف مقاتل سوى الموالى والمماليك والمتطوعين فكانوا يخرجون فيقاتلون الناس فلا يلبثهم الناس أن يهزموهم فيدخلون حصنهم ثم يخرجون أحيانا فيقاتلون فيشتد قتالهم وكان جهم وجمال ابنا زحر من يزيد بمكان وكان يكرمهما وكان محمد بن عبد الرحمن بن أبى سبرة الجعفي له لسان وبأس غير أنه كان يفسد نفسه بالشراب وكان لا يكسر غشيان يزيد وأهل بيته وكأنه أيضا حجزه عن ذلك ما رأى من حسن أثرهم على ابني زحر جهم وجمال وكان إذا نادى

[ 294 ]

المنادى يا خيل الله اركيى وأبشرى كان أول فارس من أهل العسكر يبدر إلى موقف البأس عند الروع محمد بن عبد الرحمن بن أبى سبرة فنودى ذات يوم في الناس فبدر الناس ابن أبى سبرة فإنه لواقف على تل إذ مر به عثمان بن المفضل فقال له يا ابن أبى سبرة ما قدرت على أن أسبقك إلى الموقف قط فقال وما يغنى ذلك عنى وأنتم ترشحون غلمان مذحج وتجهلون حق ذوى الاسنان والتجارب والبلاء فقال أما إنك لو تريد ما قبلنا لم نعدل عنك ما أنت له أهل قال وخرج الناس فاقتتلوا قتالا شديدا فحمل محمد بن أبى سبرة على تركي قد صد الناس عنه فاختلفا ضربتين فثبت سيف التركي في بيضة ابن أبى سبرة وضربه ابن أبى سبرة فقتله ثم أقبل وسيفه في يده يقطر دما وسيف التركي في بيضته فنظر الناس إلى أحسن منظر رأوه من فارس ونظر يزيد إلى ائتلاق السيفين والبيضة والسلاح فقال من هذا فقالوا ابن أبى سبرة فقال لله أبوه أي رجل هو لولا إسرافه على نفسه وخرج يزيد بعد ذلك يوما وهو يرتاد مكانا يدخل منه على القوم فلم يشعر بشئ حتى هجم عليه جماعة من الترك وكان معه وجوه الناس وفرسانهم وكان في نحو من أربعمائة والعدو في نحو من أربعة آلاف فقاتلهم ساعة ثم قالوا ليزيد أيها الامير انصرف ونحن نقاتل عنك فأبى أن يفعل وغشى القتال يومئذ بنفسه وكان كأحدهم وقاتل ابن أبى سبرة وابنا زحر والحجاج ابن جارية الخثعمي وجل أصحابه فأحسنوا القتال حتى إذا أرادوا الانصراف جعل الحجاج ابن جارية على الساقة فكان يقاتل من ورائه حتى انتهى إلى الماء وقد كانوا عطشوا فشربوا وانصرف عنهم العدو ولم يظفروا منهم بشئ فقال سفيان بن صفوان الخثعمي لولا ابن جارية الاغر جبينه * لسقيت كأسا مرة المتجرع وحماك في فرسانه وخيوله * حتى وردت الماء غير متعتع ثم إنه ألح عليها وأنزل الجنود من كل جانب حولها وقطع عنهم المواد فلما جهدوا وعجزوا عن قتال المسلمين واشتد عليهم الحصار والبلاء بعث صول دهقان دهستان إلى يزيد إنى أصالحك على أن تؤمنني على نفسي وأهل بيتى ومالى وأدفع

[ 295 ]

إليك المدينة وما فيها وأهلها فصالحه وقبل منه ووفى له ودخل المدينة فأخذ ما كان فيها من الاموال والكنوز ومن السبى شيئا لا يحصى وقتل أربعة عشر ألف تركي صبرا وكتب بذلك إلى سليمان بن عبد الملك ثم خرج حتى أتى جرجان وقد كانوا يصالحون أهل الكوفة على مائة ألف ومائتي ألف أحيانا وثلثمائة ألف وصالحوهم عليها فلما أتاهم يزيد استقبلوه بالصلح وهابوه وزادوه واستخلف عليهم رجلا من الازد يقال له أسد بن عبد الله ودخل يزيد إلى الا صبهبذ في طبرستان فكان معه الفعلة يقطعون الشجر ويصلحون الطرق حتى انتهوا إليه فنزل به فحصره وغلب على أرضه وأخذ الا صبهبذ يعرض على يزيد الصلح ويزيده على ما كان يؤخذ منه فيأبى رجاء افتتاحها فبعث ذات يوم أخاه أبا عيينة في أهل المصرين فأصعد في الجبل إليهم وقد بعث الا صبهبذ إلى الديلم فاستجاش بهم فاقتتلوا فحازهم المسلمون ساعة وكشفوهم وخرج رأس الديلم يسأل المبارزة فخرج إليه ابن أبى سبرة فقتله فكانت هزيمتهم حتى انتهى المسلمون إلى فم الشعب فذهبوا ليصعدوا فيه وأشرف عليهم العدو يرشقونهم بالنشاب ويرمونهم بالحجارة فانهزم الناس من فم الشعب من غير كبير قتال ولا قوة من عدوهم على اتباعهم وطلبهم وأقبلوا يركب بعضهم بعضا حتى أخذوا يتساقطون في اللهوب ويتدهدأ الرجل من رأس الجبل حتى نزلوا إلى عسكر يزيد لا يعبئون بالشر شيئا وأقام يزبد بمكانه على حاله وأقبل الا صبهبذ بكاتب أهل جرجان ويسألهم أن يثبوا بأصحاب يزيد وأن يقطعوا عليه مادته والطرق فيما بينه وبين العرب ويعدهم أن يكافئهم على ذلك فوثبوا بمن كان يزيد خلف من المسلمين فقتلوا منهم من قدروا عليه واجتمع بقيتهم فتحصنوا في جانب فلم يزالوا فيه حتى خرج إليهم يزيد وأقام يزيد على الاصبهبذ في أرضه حتى صالحه على سبعمائة ألف درهم وأربعمائة ألف نقدا ومائتي ألف وأربعمائة حمار موقرة زعفران وأربعمائة رجل على رأس كل رجل برنس على البرنس طيلسان ولجام من فضة وسرقة من حرير وقد كانوا صالحوا قبل ذلك على مائتي ألف درهم ثم خرج منها يزيد وأصحابه كأنهم فل ولولا

[ 296 ]

ما صنع أهل جرجان لم يخرج من طبرستان حتى يفتحها وأما غير أبى مخنف فإنه قال في أمر يزيد وأمر أهل جرجان ما حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد عن كليب بن خلف وغيره أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان ثم امتنعوا وكفروا فلم يأت جرجان بعد سعيد أحد ومنعوا ذلك الطريق فلم يكن يسلك طريق خراسان من ناحيته أحد إلا على وجل وخوف من أهل جرجان كأن الطريق إلى خراسان من فارس إلى كرمان فأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولى خراسان ثم غزا مصقلة خراسان أيام معاوية في عشرة آلاف فأصيب وجنده بالرويان وهى متاخمة طبرستان فهلكوا في واد من أوديتها أخذ العدو عليهم بمضايقه فقتلوا جميعا فهو يسمى وادى مصقلة قال وكان يضرب به المثل حتى يرجع مثقلة من طبرستان قال على عن كليب بن خلف العمى عن طفيل بن مرداس العمى وإدريس بن حنظلة أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان فكانوا يجيؤن أحيانا مائة ألف ويقولون هذا صلحنا وأحيانا مائتي ألف وأحيانا ثلاثمائة ألف وكانوا ربما أعطوا ذلك وربما منعوه ثم امتنعوا وكفروا فلم يعطوا خراجا حتى أتاهم يزيد بن المهلب فلم يعازه أحد حين قدمها فلما صالح صول وفتح البحيرة ودهستان صالح أهل جرجان على صلح سعيد بن العاص * حدثنى أحمد عن على عن كليب بن خلف العمى عن طفيل ابن مرداس وبشر بن عيسى عن صفوان قال على وحدثني أبو حفص الازدي عن سليمان بن كثير وغيرهم أن صول التركي كان ينزل دهستان والبحيرة جزيرة في البحر بينها وبين دهستان خمسة فراسخ وهما من جرجان مما يلي خوارزم فكان صول يغير على فيروز بن قول مرزبان جرجان وبينهم خمسة وعشرون فرسخا فيصيب من أطرافهم ثم يرجع إلى البحيرة ودهستان فوقع بين فيروز وبين ابن عم له يقال له المرزبان منازعة فاعتزله المرزبان فنزل البياسان فخاف فيروز أن يغير عليه الترك فخرج إلى يزيد بن المهلب بخراسان وأخذ صول جرجان فلما قدم على يزيد بن المهلب قال له ما أقدمك قال خفت صولا فهربت منه قال له يزيد هل من حيلة لقتاله قال نعم شئ واحد إن ظفرت به قتلته أو أعطى بيده قال ما هو قال إن خرج من جرجان حتى ينزل البحيرة ثم أتيته ثم فحاصرته بها ظفرت به فاكتب

[ 297 ]

إلى الاصبهبذ كتابا تسأله فيه أن يحتال لصول حتى يقيم بجرجان واجعل له على ذلك جعلا ومنه فإنه يبعث بكتابك إلى صول يتقرب به إليه لانه يعظمه فيتحول عن جرجان فينزل البحيرة فكتب يزيد بن المهلب إلى صاحب طبرستان إنى أريد أن أغزو صولا وهو بجرجان فخفت إن بلغه أنى أريد ذلك أن يتحول إلى البحيرة فينزلها فإن تحول إليها لم أقدر عليه وهو يسمع منك ويستنصحك فإن حبسته العام بجرجان فلم يأت البحيرة حملت إليك خمسين ألف مثقال فاحتل له حيلة تحبسه بجرجان فإنه إن أقام بها ظفرت به فلما رأى الاصبهبذ الكتاب أراد أن يتقرب إلى صول فبعث بالكتاب إليه فلما أتاه الكتاب أمر الناس بالرحيل إلى البحيرة وحمل الاطعمة ليتحصن فيها وبلغ يزيد أنه قد سار من جرجان إلى البحيرة فاعتزم على السير إلى الجرجان فخرج في ثلاثين ألفا ومعه فيروز بن قول واستخلف على خراسان مخلد بن يزيد واستخلف على سمرقند وكس ونسف وبخاري ابنه معاوية بن يزيد وعلى طخارستان حاتم بن قبيصة بن المهلب وأقبل حتى أتى جرجان ولم تكن يومئذ مدينة إنما هي جبال محيطة بها وأبواب ومخارم يقوم الرجل على باب منها فلا يقدم عليه أحد فدخلها يزيد لم يعازه أحد وأصاب أموالا وهرب المرزبان وخرج يزيد بالناس إلى البحيرة فأناخ على صول وتمثل حين نزل بهم فخر السيف وارتعشت يداه * وكان بنفسه وقيت نفوس قال فحاصرهم فكان يخرج إليه صول في الايام فيقاتله ثم يرجع إلى حصنه ومع يزيد أهل الكوفة وأهل البصرة ثم ذكر من قصة جهم بن زحر وأخيه ومحمد نحوا مما ذكره هشام غير أنه قال في ضربة التركي ابن أبى سبرة فنشب سيف التركي في درقة ابن أبى سبرة قال على بن محمد عن على بن مجاهد عن عنبسة قال قاتل محمد بن أبى سبرة الترك بجرجان فأحاطوا به واعتوروه بأسيافهم فانقطع في يده ثلاثة أسياف (ثم رجع إلى حديثهم) قال فمكثوا بذلك يعنى الترك محصورين يخرجون فيقاتلون ثم يرجعون إلى حصنهم ستة أشهر حتى شربوا ماء الاحساء فأصابهم داء يسمى السؤاد فوقع فيهم الموت وأرسل صول في ذلك يطلب الصلح

[ 298 ]

فقال يزيد بن المهلب لا إلا أن ينزل على حكمي فأبى فأرسل إليه أنى أصالحك على نفسي ومالى وثلاثمائة من أهل بيتى وخاصتي على أن تؤمنني فتنزل البحيرة فأجابه إلى ذاك يزيد فخرج بماله وثلاثمائة ممن أحب وصار مع يزيد فقتل يزيد من الاتراك أربعة عشر ألفا صبرا ومن على الاخرين فلم يقتل منهم أحدا وقال الجند ليزيد أعطنا أرزاقنا فدعا إدريس بن حنظلة العمى فقال يا ابن حنظلة أحص لنا ما في البحيرة حتى نعطى الجند فدخلها إدريس فلم يقدر على إحصاء ما فيها فقال ليزيد فيها ما لا أستطيع إحصاءه وهو في ظروف فنحصى الجواليق ونعلم ما فيها ونقول للجند ادخلوا فخذوا فمن أخذ شيئا عرفنا ما أخذ من الحنطة والشعير والارز والسمسم والعسل قال نعم ما رأيت فأحصوا الجواليق عددا وعلموا كل جولق ما فيه وقالوا للجند خذوا فكان الرجل يخرج وقد أخذ ثيابا أو طعاما أو ما حمل من شئ فيكتب على كل رجل ما أخذ فأخذوا شيئا كثيرا قال على قال أبو بكر الهذلى كان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب فرفعوا عليه أنه أخذ خريطة فسأله يزيد عنها فأتاه بها فدعا يزيد الذى رفع عليه فشتمه وقال لشهر هي لك قال لا حاجة لى فيها فقال القطامى الكلبى ويقال سنان بن مكمل النميري لقد باع شهر دينه بخريطة * فمن يأمن القراء بعدك يا شهر أخذت به شيئا طفيفا وبعته * من ابن جونبوذان هذا هو الغدر وقال مرة النخعي لشهر يا ابن المهلب ما أردت إلى امرئ * لولاك كان كصالح القراء قال على قال أبو محمد الثقفى أصاب يزيد بن المهلب تاجا بجرجان فيه جوهر فقال أترون أحدا يزهد في هذا التاج قالوا لا فدعا محمد بن واسع الازدي فقال خذ هذا التاج فهو لك قال لا حاجة لى فيه قال عزمت عليك فأخذه وخرج فأمر يزيد رجلا ينظر ما يصنع به فلقى سائلا فدفعه إليه فأخذ الرجل السائل فأتى به يزيد وأخبره الخبر فأخذ يزيد التاج وعوض السائل مالا كثيرا قال على وكان سليمان ابن عبد الملك كلما افتتح قتيبة فتحا قال ليزيد بن المهلب أما ترى ما يصنع الله على

[ 299 ]

يدى قتيبة فيقول ابن المهلب ما فعلت جرجان التى حالت بين الناس والطريق الاعظم وأفسدت قومس وأبرشهر ويقول هذه الفتوح ليست بشئ الشأن في جرجان فلما ولى يزيد بن المهلب لم يكن له همة غير جرجان قال ويقال كان يزيد بن المهلب في عشرين ومائة ألف معه من أهل الشأم ستون ألفا قال على في حديثه عمن ذكر خبر جرجان عنهم وزاد فيه على بن مجاهد عن خالد بن صبيح أن يزيد بن المهلب لما صالح صول طمع في طبرستان أن يفتحها فاعتزم على أن يسير إليها فاستعمل عبد الله بن المعمر اليشكرى على البياسان ودهستان وخلف معه أربعة آلاف ثم أقبل إلى أداني جرجان مما يلي طبرستان واستعمل على اندرستان أسد بن عمرو أو ابن عبد الله بن الربعة وهى مما يلي طبرستان وخلفه في أربعة آلاف ودخل يزيد بلاد الاصبهبذ فأرسل إليه يسأله الصلح وأن يخرج من طبرستان فأبى يزيد ورجا أن يفتحها فوجه أخاه أبا عيينة من وجه وخالد بن يزيد ابنه من وجه وأبا الجهم الكلبى من وجه وقال إذا اجتمعتم فأبو عيينة على الناس فسار أبو عيينة في أهل المصرين ومعه هريم بن أبى طحمة وقال يزيد لابي عيينة شاور هريما فإنه ناصح وأقام يزيد معسكرا قال واستجاش الاصبهبذ بأهل جيلان وأهل الديلم فأتوه فالتقوا في سند جبل فانهزم المشركون وأتبعهم المسلمون حتى انتهوا إلى فم الشعب فدخله المسلمون فصعد المشركون في الجبل واتبعهم المسلمون فرماهم العدو بالنشاب والحجارة فانهزم أبو عيينة والمسلمون فركب بعضهم بعضا يتساقطون من الجبل فلم يثبتوا حتى انتهوا إلى عسكر يزيد وكف العدو عن اتباعهم وخافهم الاصبهبذ فكتب إلى المرزبان ابن عم فيروز بن قول وهو بأقصى جرجان مما يلى البياسان إنا قد قتلنا يزيد وأصحابه فاقتل من في البياسان من العرب فخرج إلى أهل البياسان والمسلمون غارون في منازلهم قد أجمعوا على قتلهم فقتلوا جميعا في ليلة فأصبح عبد الله بن المعمر مقتولا وأربعة آلاف من المسلمين لم ينج منهم أحد وقتل من بنى العم خمسون رجلا قتل الحسين بن عبد الرحمن واسماعيل بن ابراهيم بن شماس وكتب إلى الاصبهبذ يأخذ بالمضايق والطرق وبلغ يزيد قتل عبد الله بن المعمر وأصحابه فأعظموا ذلك وهالهم ففزع يزيد إلى

[ 300 ]

حيان النبطي وقال لا يمنعك ما كان منى إليك من نصيحة المسلمين قد جاءنا عن جرجان ما جاءنا وقد أخذ هذا بالطرق فاعمل في الصلح قال نعم فأتى حيان الاصبهبذ فقال أنا رجل منكم وان كان الدين قد فرق بينى وبينكم فإنى لك ناصح وأنت أحب إلى من يزيد وقد بعث يستمد وأمداده منه قريبة وانما أصابوا منه طرفا ولست آمن أن يأتيك ما لا تقوم له فأرح نفسك منه وصالحه فإنك إن صالحته صير حده على أهل جرجان بغدرهم وقتلهم من قتلوا فصالحه على سبعمائة ألف وقال على بن مجاهد على خمسمائة ألف وأربعمائة وقر زعفران أو قيمته من العين وأربعمائة رجل على كل رجل برنس وطيلسان ومع كل رجل جام فضة وسرقة خز وكسوة ثم رجع إلى يزيد بن المهلب فقال ابعث من يحمل صلحهم الذى صالحتهم عليه قال من عندهم أو من عندنا قال من عندهم وكان يزيد قد طابت نفسه على أن يعطيهم ما سألوا ويرجع إلى جرجان فأرسل يزيد من يحمل ما صالحهم عليه حيان وانصرف إلى جرجان وكان يزيد قد غرم حيانا مائتي ألف فخاف أن لا يناصحه والسبب الذى له أغرم حيانا فيه ما حدثنى على بن مجاهد عن خالد بن صبيح قال كنت مؤدبا لولد حيان فدعاني فقال لى اكتب كتابا إلى مخلد بن يزيد ومخلد يومئذ ببلخ ويزيد بمرو فتناولت القرطاس فقال اكتب من حيان مولى مصقلة إلى مخلد بن يزيد فغمزني مقتل بن حيان أن لا تكتب وأقبل على أبيه فقال يا أبت تكتب إلى مخلد وتبدأ بنفسك قال نعم يا بنى فان لم يرض لقى ما لقى قتيبة ثم قال لى اكتب فكتبت فبعث مخلد بكتابه إلى أبيه فأغرم يزيد حيانا مائتي ألف درهم (وفى هذه السنة) فتح يزيد جرجان الفتح الآخر بعد غدرهم بجنده ونقضهم العهد قال على عن الرهط الذين ذكر أنهم حدثوه بخبر جرجان وطبرستان ثم إن يزيد لما صالح أهل طبرستان قصد لجرجان فأعطى الله عهدا لئن ظفر بهم أن لا يقلع عنهم ولا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل منه فلما بلغ المرزبان أنه قد صالح الاصبهبذ وتوجه إلى جرجان جمع أصحابه وأتى وجاه فتحصن فيها وصاحبها لا يحتاج إلى عدة من

[ 301 ]

طعام ولا شراب وأقبل يزيد حتى نزل عليها وهم متحصنون فيها وحولها غياض فليس يعرف لها إلا طريق واحد فأقام بذلك سبعة أشهر لا يقدر منهم على شئ ولا يعرف لهم مأتى إلا من وجه واحد فكانوا يخرجون في الايام فيقاتلونه ويرجعون إلى حصنهم فبيناهم على ذلك إذ خرج رجل من عجم خراسان كان مع يزيد يتصيد ومعه شاكرية له (وقال هشام بن محمد) عن أبى مخنف فخرج رجل من عسكره من طيئ يتصيد فأبصر وعلا يرقى في الجبل فاتبعه وقال لمن معه قفوا مكانكم ووقل في الجبل يقتص الاثر فما شعر بشئ حتى هجم على عسكرهم فرجع يريد أصحابه فخاف أن لا يهتدى فجعل يخرق قباءه ويعقد على الشجر علامات حتى وصل إلى أصحابه ثم رجع إلى العسكر ويقال إن الذى كان يتصيد الهياج بن عبد الرحمن الازدي من أهل طوس وكان منهوما بالصيد فلما رجع إلى العسكر أتى عامر بن أينم الواشجى صاحب شرطة يزيد فمنعوه من الدخول فصاح إن عندي نصيحة (وقال هشام) عن أبى مخنف جاء حتى رفع ذلك إلى ابني زحر بن قيس فانطلق به ابنا زحر حتى أدخلاه على يزيد فأعلمه الخبر فضمن له بضمان الجهنية أم ولد كانت ليزيد على شئ قد سماه وقال على بن محمد في حديثه عن أصحابه فدعا به يزيد فقال ما عندك قال أتريد أن تدخل وجاه بغير قتال قال نعم قال جعالتي قال احتكم قال أربعة آلاف قال لك دية قال عجلوا لى أربعة آلاف ثم أنتم بعد من وراء الاحسان فأمر له بأربعة آلاف وندب الناس فانتدب ألف وأربعمائة فقال الطريق لا يحمل هذه الجماعة لالتفاف الغياض فاختار منهم ثلثمائة فوجههم واستعمل عليهم جهم بن زحر وقال بعضهم استعمل عليهم ابنه خالد بن يزيد وقال له ان غلبت على الحياة فلا تغلبن على الموت واياك أن أراك عندي منهزما وضم إليه جهم بن زحر وقال يزيد للرجل الذى ندب الناس معه متى تصل إليهم قال غدا عند العصر فيما بين الصلاتين قال امضوا على بركة الله فانى سأجهد على مناهضتهم غدا عند صلاة الظهر فساروا فلما قارب انتصاف النهار من غد أمر يزيد الناس أن يشعلوا النار في حطب كان جمعه في حصاره إياهم فصيره

[ 302 ]

آكاما فأضرموه نارا فلم تزل الشمس حتى صار حول عسكره أمثال الجبال من النيران ونظر العدو إلى النار فهالهم ما رأوا من كثرتها فخرجوا إليهم وأمر يزيد الناس حين زالت الشمس فصلوا فجمعوا بين الصلاتين ثم زحفوا إليهم فاقتتلوا وسار الآخرون بقية يومهم والغد فهجموا على عسكر الترك قبيل العصر وهم آمنون من ذلك الوجه ويزيد يقاتل من هذا الوجه فما شعروا إلا بالتكبير من ورائهم فانقطعوا جميعا إلى حصنهم وركبهم المسلمون فأعطوا بأيديهم ونزلوا على حكم يزيد فسبى ذراريهم وقتل مقاتلتهم وصلبهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره وقادمنهم اثنى عشر ألفا إلى الاندرهز وادى جرجان وقال من طلبهم بثأر فليقتل فكان الرجل من المسلمين يقتل الاربعة والخمسة في الوادي وأجرى الماء في الوادي على الدم وعليه أرحاء ليطحن بدمائهم ولتبر يمينه فطحن واختبز وأكل وبنى مدينة جرجان وقال بعضهم قتل يزيد من أهل جرجان أربعين ألفا ولم تكن قبل ذلك مدينة ورجع إلى خراسان واستعمل على جرجان جهم بن زحر الجعفي (وأما هشام) بن محمد فإنه ذكر عن أبى مخنف أنه قال دعا يزيد جهم بن زحر فبعث معه أربعمائة رجل حتى أخذوا في المكان الذى دلوا عليه وقد أمرهم يزيد فقال إذا وصلتم إلى المدينة فانتظروا حتى إذا كان في السحر فكبروا ثم انطلقوا نحو باب المدينة فإنكم تجدونى وقد نهضت بجميع الناس إلى بابها فلما دخل ابن زحر المدينة أمهل حتى إذا كانت الساعة التى أمره يزيد أن ينهض فيها مشى بأصحابه فأخذ لا يستقبل من أحراسهم أحدا إلا قتله وكبر ففزع أهل المدينة فزعا لم يدخلهم مثله قط فيما مضى فلم يرعهم إلا والمسلمون معهم في مدينتهم يكبرون فدهشوا فألقى الله في قلوبهم الرعب وأقبلوا لا يدرون أين يتوجهون غير أن عصابة منهم ليسوا بالكثير قد أقبلوا نحو جهم بن زحر فقاتلوا ساعة فدقت يد جهم وصبر لهم هو أصحابه فلم يلبثوهم أن قتلوهم إلا قليلا وسمع يزيد بن المهلب التكبير فوثب في الناس إلى الباب فوجدوهم قد شغلهم جهم بن زحر عن الباب فلم يجد عليه من يمنعه ولا من يدفع عنه كبير دفع ففتح الباب ودخلها الباب ودخلها من ساعته فأخرج من كان فيها

[ 303 ]

من المقاتلة فنصب لهم الجذوع فرسخين عن يمين الطريق ويساره فصلبهم أربعة فراسخ وسبى أهلها وأصاب ما كان فيها قال على في حديثه عن شيوخه الذين قد ذكرت أسماءهم قبل وكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك أما بعد فان الله قد فتح لامير المؤمنين فتحا عظيما وصنع للمسلمين أحسن الصنع فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه أظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان وقد أعيى ذلك سابور ذا الاكتاف وكسرى بن قباذ وكسرى بن هرمز وأعيى الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومن بعدهما من خلفاء الله حتى فتح الله ذلك لامير المؤمنين كرامة من الله له وزيادة في نعمه عليه وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كان ذى حق حقه من الفئ والغنيمة ستة آلاف ألف وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله فقال له كاتبه المغيرة بن أبى قرة مولى بنى سدوس لا تكتب بتسمية مال فإنك من ذلك بين أمرين إما استكثره فأمرك بحمله وإما سخت نفسه لك به فسوغكه فتكلفت الهدية فلا يأتيه من قبلك شئ إلا استقله فكأني بك قد استغرقت ما سميت ولم يقع منه موقعا ويبقى المال الذى سميت مخلدا عندهم عليك في دواوينهم فإن ولى وال بعده أخذك به وإن ولى من يتحامل عليك لم يرض منك بأضعافه فلا تمض كتابك ولكن اكتب بالفتح وسله القدوم فتشافهه بما أحببت مشافهة وتقصر فانك إن تقصر عما أحببت أحرى من أن تكثر فأبى يزيد وأمضى الكتاب وقال بعضهم كان في الكتاب أربعة آلاف ألف (قال أبو جعفر) وفي هذه السنة توفى أيوب بن سليمان بن عبد الملك فحدثت عن على بن محمد قال حدثنا على بن مجاهد عن شيخ من أهل الرى أدرك يزيد قال أتى يزيد بن المهلب الرى حين فرغ من جرجان فبلغه وفاة أيوب بن سليمان وهو يسير في باغ أبى صالح على باب الرى فارتجز راجز بين يديه فقال إن يك أيوب مضى لشأنه * * * فإن داود لفى مكانه يقيم ما قد رال من سلطانه (وفى هذه السنة) فتحت مدينة الصقالبة (وفيها) غزا داود بن سليمان بن

[ 304 ]

عبد الملك أرض الروم ففتح حصن المرأة مما يلى ملطية (وحج) بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وهو يومئذ أمير على مكة حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان عمال الامصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عليها سنة سبع وقد ذكرناهم قبل غير أن عامل يزيد بن المهلب على البصرة في هذه السنة كان فيما قيل سفيان بن عبد الله الكندى ثم دخلت سنة تسع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك وفاة سليمان بن عبد الملك توفى فيما حدثت عن هشام عن أبى مخنف بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر فكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام وقد قيل توفى لعشر ليال مضين من صفر وقيل كانت خلافته سنتين وسبعة أشهر وقيل سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام وقد حدث الحسن بن حماد عن طلحة أبى محمد عن أشياخه أنهم قالوا استخلف سليمان بن عبد الملك بعد الوليد ثلاث سنين وصلى عليه عمر بن عبد العزيز * وحدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال توفى سليمان بن عبد الملك يوم الجمعة لعشرخلون من صفر سنة 99 فكانت خلافته ثلاث سنين إلا أربعة أشهر ذكر الخبر عن بعض سيره حدثت عن على بن محمد قال كان الناس يقولون سليمان مفتاح الخير ذهب عنهم الحجاج فولى سليمان فأطلق الاسارى وخلى أهل السجون وأحسن إلى الناس واسثخلف عمر بن عبد العزيز فقال ابن بيض حاز الخلافة والداك كلاهما * من بين سخطة ساخط أو طائع أبواك ثم أخوك أصبح ثالثا * وعلى جبينك نور ملك الرابع وقال على قال المفضل بن المهلب دخلت على سليمان بدابق يوم جمعة فدعا

[ 305 ]

بثياب فلبسها فلم تعجبه فدعا بغيرها بثياب خضر سوسية بعث بها يزيد بن المهلب فلبسها واعتم وقال يا ابن المهلب أعجبتك قلت نعم فحسر عن ذراعيه ثم قال أنا الملك الفتى فصلى الجمعة ثم لم يجمع بعدها وكتب وصيته ودعا ابن أبى نعيم صاحب الخاتم فختمه قال على قال بعض أهل العلم إن سليمان لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء ونظر في المرآة فقال أنا الملك الفتى فما عاش بعد ذلك إلا أسبوعا (قال على) وحدثنا سحيم بن حفص قال نظرت إلى سليمان جارية له يوما فقال ما تنظرين فقالت أنت خير المتاع لو كنت تبقى * * * غير أن لا بقاء للانسان ليس فيما علمته فيك عيب * * * كان في الناس غير أنك فان فنفض عمامته (قال على) كان قاضى سليمان سليمان بن حبيب المحاربي وكان ابن أبى عيينة يقص عنده * وحدثت عن أبى عبيدة عن رؤبة بن العجاج قال حج سليمان بن عبد الملك وحج الشعراء معه وحججت معهم فلما كان بالمدينة راجعا تلقوه بنحو من أربعمائة أسير من الروم فقعد سليمان وأقربهم منه مجلسا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب صلوات الله عليهم فقدم بطريقهم فقال يا عبد الله اضرب عنقه فقام فما أعطاه أحد سيفا حتى دفع إليه حرسي سيفه فضربه فأبان الرأس وأطن الساعد وبعض الغل فقال سليمان أما والله ما من جودة السيف جادت الضربة ولكن لحسبه وجعل يدفع البقية إلى الوجوه وإلى الناس يقتلونهم حتى دفع إلى جرير رجلا منهم فدست إليه بنو عبس سيفا في قراب أبيض فضربه فأبان رأسه ودفع إلى الفرزدق أسيرا فلم يجد سيفا فدسوا له سيفا ددانا متينا لا يقطع فضرب به الاسير ضربات فلم يصنع شيئا فضحك سليمان والقوم وشمت بالفرزدق بنو عبس أخوال سليمان فألقى السيف وأنشأ يقول ويعتذر إلى سليمان ويأتسى بنبو سيف ورقاء عن رأس خالد إن يك سيف خان أو قدر أتى * * * بتأخير نفس حتفها غير شاهد فسيف بنى عبس وقد ضربوا به * * * نبا بيدى ورقاء عن رأس خالد

[ 306 ]

كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها * * * وتقطع أحيانا مناط القلائد وورقاء هو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسى ضرب خالد بن جعفر بن كلاب وخالد مكب على أبيه زهير قد ضربه بالسيف وصرعه فأقبل ورقاء بن زهير فضرب خالدا فلم يصنع شيئا فقال ورقاء بن زهير رأيت زهيرا تحت كلكل خالد * * * فأقبلت أسعى كالعجول أبادر فشلت يمينى يوم أضرب خالدا * * * ويحصنه منى الحديد المظاهر وقال الفرزدق في مقامه ذلك أيعجب الناس إن أضحكت خيرهم * * * خليفة الله يستسقى به المطر فما نبا السيف عن جبن ولا دهش * * * عند الامام ولكن أخر القدر ولو ضربت على عمر مقلده * * * لخر جثمانه ما فوقه شعر وما يعجل نفسا قبل ميتتها * * * جمع اليدين ولا الصمصامة الذكر وقال جرير في ذلك بسيف أبى رغوان سيف مجاشع * * * ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم ضربت به عند الامام فأرعشت * * * يداك وقالوا محدث غير صارم * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله ابن محمد بن عيينة قال أخبرني أبو بكر بن عبد العزيز بن الضحاك بن قيس قال شهد سليمان بن عبد الملك جنازة بدابق فدفنت في حقل فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة فيقول ما أحسن هذه التربة ما أطيبها فما أتى عليه جمعة أو كما قال حتى دفن إلى جنب ذلك القبر خلافة عمر بن عبد العزيز (وفي هذه السنة) استخلف عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم ذكر الخبر عن سبب استخلاف سليمان إياه * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنى الهيثم

[ 307 ]

ابن واقد قال استخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يوم الجمعة لعشر مضين من صفر سنة 99 قال محمد بن عمر حدثنى داود بن خالد بن دينار عن سهيل بن أبى سهيل قال سمعت رجاء بن حيوة يقول لما كان يوم الجمعة لبس سليمان بن عبد الملك ثيابا خضرا من خز ونظر في المرآة فقال أنا والله الملك الشاب فخرج إلى الصلاة فصلى بالناس الجمعة فلم يرجع حتس وعك فلما ثقل عهده في كتاب كتبه لبعض بنيه وهو غلام ولم يبلغ فقلت ما تصنع يا أمير المؤمنين إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على المسلمين الرجل الصالح فقال سليمان أنا أستخير الله وأنظر فيه ولم أعزم عليه قال فمكث يوما أو يومين ثم خرقه فدعاني فقال ما ترى في داود بن سليمان فقلت هو غائب عنك بقسطنطينية وأنت لا تدرى أحى هو أم ميت فقال لى فمن ترى قلت رأيك يا أمير المؤمنين وأنا أريد أنظر من يذكر قال كيف ترى في عمر بن عبد العزيز فقلت أعلمه والله خيرا فاضلا مسلما فقال هو والله على ذلك ثم قال والله لئن وليته ولم أول أحدا سواه لتكونن فتنة ولا يتركونه أبدا يلى عليهم إلا أن يجعل أحدهم بعده ويزيد بن عبد الملك غائب على الموسم قال فيزيد بن عبد الملك أجعله بعده فان ذلك مما يسكنهم ويرضون به قلت رأيك قال فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز إنى قد وليتك الخلافة من بعدى ومن بعدك يزيد بن عبد الملك فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم وختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن حامد العبسى صاحب شرطه فقال مر أهل بيتى فليجتمعوا فأرسل كعب إليهم أن يجتمعوا فاجتمعوا ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم اذهب بكتابي هذا إليهم فاخبرهم أن هذا كتابي وأمرهم فليبايعوا من وليت فيه ففعل رجاء فلما قال رجاء ذلك لهم قالوا ندخل فنسلم على أمير المؤمنين قال نعم فدخلوا فقال لهم سليمان في هذا الكتاب وهو يشير لهم إليه وهم ينظرون إليه في يد رجاء بن حيوة عهدي فاسمعوا وأطيعوا وبايعوا لمن سميت في هذا الكتاب فبايعوه رجلا رجلا ثم خرج بالكتاب مختوما في يد رجاء بن حيوة قال رجاء فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال أخشى

[ 308 ]

أن يكون هذا أسند إلى شيئا من هذا الامر فأنشدك الله وحرمتي ومودتي إلا أعلمتني إن كان ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن تأتى حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة قال رجاء لا والله ما أنا بمخبرك حرفا قال فذهب عمر غضبان قال رجاء وليقينى هشام بن عبد الملك فقال يا رجاء إن لى بك حرمة ومودة قديمة وعندي شكر فأعلمني هذا الامر فإن كان إلى علمت وان كان إلى غيرى تكلمت فليس مثلى قصر به فأعلمني فلك الله على أن لا أذكر من ذلك شيئا أبدا قال رجاء فأبيت فقلت والله لا أخبرك حرفا وأحدا مما أسر إلى قال فانصرف هشام وهو قد يئس ويضرب بإحدى يديه على الاخرى وهو يقول فإلى من إذا نحيت عنى اتخرج من بنى عبد الملك قال رجاء ودخلت على سليمان فإذا هو يموت فجعلت إذا أخذته السكرة من سكرات الموت حرفته إلى القبلة فجعل يقول حين يفيق لم يأن لذلك بعد يا رجاء ففعلت ذلك مرتين فلما كانت الثلاثة قال من الآن يا رجاء ان كنت تريد شيئا أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فحرفته ومات فلما غمضته سجيته بقطيفة خضراء وأغلقت الباب وأرسلت إلى زوجته تقول كيف أصبح فقلت نائم وقد تغطى فنظر الرسول إليه مغطى بالقطيفة فرجع فأخبرها فقبلت ذلك وظنت أنه نائم قال رجاء وأجلست على الباب من أثق به وأوصيته أن لا يبرح حتى آتيه ولا يدخل على الخليفه أحد قال فخرجت فأرسلت إلى كعب ابن حامد العبسى فجمع أهل بيت أمير المؤمنين فاجتمعوا في مسجد دابق فقلت بايعوا فقالوا قد بايعنا مرة ونبايع أخرى قلت هذا عهد أمير المؤمنين فبايعوا على ما أمر به ومن سمى في هذا الكتاب المختوم فبايعوا الثانية رجلا رجلا قال رجاء فلما بايعوا بعد موت سليمان رأيت أنى قد أحكمت الامر قلت قوموا إلى صاحبكم فقد مات قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون وقرأت الكتاب عليهم فلما انتهيت إلى ذكر عمر ابن عبد العزيز نادى هشام بن عبد الملك لا تبايعه أبدا قلت أضرب والله عنقك قم فبايع فقام يجر رجليه قال رجال وأخذت بضبعى عمر بن عبد العزيز فأجلسته لما وقع فيه وهشام يسترجع على المنبر وهو يسترجع لما أخطأه فلما انتهى هشام إلى عمر قال عمر إنا لله

[ 309 ]

وإنا إليه راجعون حين صارت إلى لكراهته والآخر يقول إنا لله وإنا إليه راجعون حيث نحيت عنى قال وغسل سليمان وكفن وصلى عليه عمر بن عبد العزيز قال رجاء فلما فرغ من دفنه أتى بمراكب الخلافة البراذين والخيل والبغال ولكل دابة سائس فقال ما هذا قالوا مركب الخلافة قال دابتي أوفق لى وركب دابته قال فصرفت تلك الدواب ثم أقبل سائرا فقيل منزل الخلافة فقال فيه عيال أبى أيوب وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا فأقام في منزله حتى فرغوه بعد قال رجاء فلما كان المساء من ذلك اليوم قال يا رجاء ادع لى كاتبا فدعوته وقد رأيت منه كل ما سرنى صنع في المراكب ما صنع وفي منزل سليمان فقلت كيف يصنع الآن في الكتاب أيصنع نسخا أم ماذا فلما جلس الكاتب أملى عليه كتابا واحدا من فيه إلى يد الكاتب بغير نسخة فأملى أحسن إملاء وأبلغه وأوجزه ثم أمر بذلك الكتاب أن ينسخ إلى كل بلد وبلغ عبد العزيز بن الوليد وكان غائبا عن موت سليمان بن عبد الملك ولم يعلم ببيعة الناس عمر بن عبد العزيز وعهد سليمان إلى عمر فعقد لواء ودعا إلى نفسه فبلغته بيعة الناس عمر بعهد سليمان فأقبل حتى دخل على عمر بن عبد العزيز فقال له عمر قد بلغني أنك كنت بايعت من قبلك وأردت دخول دمشق فقال قد كان ذلك وذلك أنه بلغني أن الخليفة سليمان لم يكن عقد لاحد فخفت على الاموال أن تنتهب فقال عمر لو بايعت وقمت بالامر ما نازعتك ذلك ولقعدت في بيتى فقال عبد العزيز ما أحب أنه ولى هذا الامر غيرك وبايع عمر بن عبد العزيز قال فكان يرجى لسليمان بتوليته عمر بن عبد العزيز وترك ولده (وفي هذه السنة) وجه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة وهو بأرض الروم وأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين ووجه إليه خيلا عتاقا وطعاما كثيرا وحث الناس على معونهم وكان الذى وجه إليه من الخيل العتاق فيما قيل خمسمائة فرس (وفي هذه السنة) أغارت الترك على آذربيجان فقتلوا من المسلمين جماعة ونالوا منهم فوجه إليهم عمر بن عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلى فقتل أولئك الترك فلم يفلت منهم الا اليسير فقدم منهم على عمر بخناصرة بخمسين أسيرا (وفيها)

[ 310 ]

عزل عمر يزيد بن المهلب عن العراق ووجه على البصرة وأرضها عدى بن أرطاة الفزارى وبعث على الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الاعرج القرشى من بنى عدى بن كعب وضم إليه أبا الزناد فكان أبو الزناد كاتب عبد الحميد بن عبد الرحمن وبعث عدى في أثر يزيد بن المهلب موسى بن الوجيه الحميرى (وحج) بالناس في هذه السنة أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم وكان عامل عمر على المدينة وكان عامل عمر على مكة في هذه السنة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن وعلى البصرة وأرضها عدى بن ارطاة وعلى خراسان الجراح بن عبد الله وعلى قضاء البصرة إياس بن معاوية بن قرة المزني وقد ولى فيما ذكر قبله الحسن بن أبى الحسن فشكى فاستقصى إياس بن معاوية وكان على قضاء الكوفة في هذه السنة فيما قيل عامر الشعبى (وكان الواقدي) يقول كان الشعبى على قضاء الكوفة أيام عمر بن عبد العزيز من قبل عبد الحميد بن عبد الرحمن والحسن بن أبى الحسن البصري على قضاء البصرة من قبل عدى بن أرطاة ثم ان الحسن استعفى من القضاء عديا فأعفاه وولى إياسا ثم دخلت سنة مائة ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها فمن ذلك خروج الخارجة التى خرجت على عمر بن عبد العزيز بالعراق ذكر الخبر عن أمرهم ذكر محمد بن عمر أن ابن أبى الزناد حدثه قال خرجت حرورية بالعراق فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عامل العراق يأمره أن يدعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فلما أعذر في دعائهم بعث إليهم عبد الحميد جيشا فهزمتهم الحرورية فبلغ عمر فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشأم جهزهم من الرقة وكتب إلى عبد الحميد قد بلغني ما فعل جيشك جيش السوء وقد بعثت مسلمة بن عبد الملك فخل بينه وبينهم

[ 311 ]

فلقيهم مسلمة في أهل الشأم فلم ينشب أن أظهره الله عليهم (وذكر أبو عبيدة) معمر بن المثنى أن الذى خرج على عبد الحميد بن عبد الرحمن بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز شوذب واسمه بسطام من بنى يشكر فكان مخرجه بجوخى في ثمانين فارسا أكثرهم من ربيعة فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد ألا تحركهم إلا أن يسفكوا دما أو يفسدوا في الارض فان فعلوا فحل بينهم وبين ذلك وانظر رجلا صليبا حازما فوجهه إليهم ووجه معه جندا وأوصه بما أمرتك به فعقد عبد الحميد لمحمد بن جرير بن عبد الله البجلى في ألفين من أهل الكوفة وأمره بما أمره به عمر وكتب عمر إلى بسطام يدعوه ويسأله عن مخرجه فقدم كتاب عمر عليه وقد قدم عليه محمد بن جرير فقام بإزائه لا يحركه ولا يهيجه فكان في كتاب عمر إليه انه بلغني أنك خرجت غضبا لله ولنبيه ولست بأولى بذلك منى فهلم ؟ ؟ أناظرك فان كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس وإن كان في يدك نظرنا في أمرنا قلم يحرك بسطام شيئا وكتب إلى عمر قدم أنصفت وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرانك قال أبو عبيدة أحد الرجلين اللذين بعثهما شوذب إلى عمر ممزوج مولى بنى شيبان والآخر من صليبة بنى يشكر قال فيقال أرسل نفرا فيهم هذان فأرسل إليهم عمر أن اختاروا رجلين فاختاروهما فدخلا عليه فناظراه فقالا له أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك قال صيره غيرى قال أفرأيت لو وليت مالا لغيرك ثم وكلته إلى غير مأمون عليه أتراك كنت أديت الامانة إلى من ائتمتك قال فقال أنظراني ثلاثا فخرجا من عنده وخاف بنو مروان أن يخرج ما عندهم وفي أيديهم من الاموال وأن يخلع يزيد فدسوا إليه من سقاه سما فلم يلبث بعد خروجهما من عنده إلا ثلاثا حتى مات (وفي هذه السنة) أغزى عمر بن عبد العزيز الوليد بن هشام المعيطى وعمرو بن قيس الكندى من أهل حمص الصائفة (وفيها) شخص عمر بن هبيرة الفزارى إلى الجزيرة عاملا لعمر عليها (وفى هذه السنة) حمل يزيد بن المهلب من العراق إلى عمر ابن عبد العزيز

[ 312 ]

ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف وصل إليه حتى استوثق منه اختلف أهل السير في ذلك فأما هشام بن محمد فانه ذكر عن أبى مخنف أن عمر ابن عبد العزيز لما جاء يزيد بن المهلب فنزل واسطا ثم ركب السفن يريد البصرة بعث عدى بن ارطاة إلى البصرة أميرا فبعث عدى موسى بن الوجيه الحميرى فلحقه في نهر معقل عند الجسر جسر البصرة فأوثقه ثم بعث به إلى عمر بن عبد العزيز فقدم به عليه موسى بن الوجيه فدعا به عمر بن عبد العزيز وقد كان عمر يبغض يزيد وأهل بيته ويقول هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم وكان يزيد بن المهلب يبغض عمر ويقول إنى لا ظنه مرائيا فلما ولى عمر عرف يزيد أن عمر كان من الرياء بعيدا ولما دعا عمر يزيد سأله عن الاموال التى كتب بها إلى سليمان ابن عبد الملك فقال كنت من سليمان بالمكان الذى قد رأيت وإنما كتبت إلى سليمان لا سمع الناس به وقد علمت أن سليمان لم يكن ليأخذني بشئ سمعت ولا بأمر أكرهه فقال له ما أجد في أمرك إلا حبسك فاتق الله وأد ما قبلك فإنها حقوق المسلمين ولا يسعنى تركها فرده إلى محبسه وبعث إلى الجراح بن عبد الله الحكمى فسرحه إلى خراسان وأقبل مخلد بن يزيد من خراسان يعطى الناس ولا يمر بكورة الا أعطاهم فيها أموالا عظاما ثم خرج حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فدخل عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ان الله يا أمير المؤمنين صنع لهذه الامة بولايتك عليها وقد ابتلينا بك فلا نكن أشقى الناس بولايتك علام تحبس هذا الشيخ أنا أتحمل ما عليه فصالحني على ما اياه تسأل فقال عمر لا الا أن تحمل جميع ما نسأله اياه فقال يا أمير المؤمنين إن كانت لك بينة فخذ بها وإن لم تكن بينة فصدق مقالة يزيد وإلا فاستحلفه فان لم يفعل فصالحه فقال له عمر ما أجد إلا أخذه بجميع المال فلما خرج مخلد قال هذا خير عندي من أبيه فلم يلبث مخلد إلا قليلا حتى مات فلما أبى يزيد أن يؤدى إلى عمر شيئا ألبسه جبة من صوف وحمله على جمل ثم قال سيروا به إلى دهلك فلما أخرج فمر به على الناس أخذ يقول مالى عشيرة مالى يذهب بى إلى دهلك إنما يذهب إلى دهلك بالفاسق المريب الخارب

[ 313 ]

سبحان الله أما لى عشيرة فدخل على عمر سلامة بن نعيم الخولانى فقال يا أمير المؤمنين اردد يزيد إلى محبسه فإنى أخاف إن أمضيته أن ينتزعه قومه فإنى قد رأيت قومه غضبوا له فرده إلى محبسه فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر * وأما غير أبى مخنف فانه قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن ارطاة يأمره بتوجيه يزيد بن المهلب ودفعه إلى من بعين التمر من الجند فوجهه عدى ابن ارطاة مع وكيع بن حسان بن أبى سود التميمي مغلولا مقيدا في سفينة فلما انتهى به إلى نهر أبان عرض لوكيع ناس من الازد لينتزعوه منه فوثب وكيع فانتضى سيفه وقطع قلس السفينة وأخذ سيف يزيد بن المهلب وحلف بطلاق امرأته ليضربن عنقه إن لم يتفرقوا فناداهم يزيد بن المهلب فأعلمهم يمين وكيع فتفرقوا ومضى به حتى سلمه إلى الجند الذين بعين التمر ورجع وكيع إلى عدى ابن ارطاة ومضى الجند الذين بعين التمر بيزيد بن المهلب إلى عمر بن عبد العزيز فحبسه في السجن (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة عزل عمر بن عبد العزيز الجراح بن عبد الله عن خراسان وولاها عبد الرحمن بن نعيم القشيرى فكانت ولاية الجراح بخراسان سنة وخمسة أشهر قدمها سنة 99 وخرج منها لايام بقيت من شهر رمضان سنة 100 ذكر سبب عزل عمر اياه وكان سبب ذلك فيما ذكر على بن محمد عن كليب بن خلف عن إدريس بن حنظلة والمفضل عن جده وعلى بن مجاهد عن خالد بن عبد العزيز أن يزيد بن المهلب ولى جهم بن زحر جرجان حين شخص عنها فلما كان من أمر يزيد ما كان وجه عامل العراق من العراق واليا على جرجان فقدم الوالى عليها من العراق فأخذه جهم فقيده وقيد رهطا قدموا معه ثم خرج في خمسين من اليمن يريد الجراح بخراسان فأطلق أهل جرجان عاملهم فقال الجراح لجهم لولا أنك ابن عمى لم أسوغك هذا فقال له جهم ولولا أنك ابن عمى لم آتك وكان جهم سلف الجراح من قبل ابنتى حصين بن الحارث وابن عمه لان الحكم وجعفى ابنا سعد فقال له الجراح خالفت إمامك وخرجت

[ 314 ]

عاصيا فاغز لعلك أن تظفر فيصلح أمرك عند خليفتك فوجهه إلى الختل فخرج فلما قرب منهم سار متنكرا في ثلاثة وخلف في عسكره ابن عمه القاسم بن حبيب وهو ختنه على ابنته أم الاسود حتى دخل على صاحب الختل فقال له أخلني فأخلاه فاعتزى فنزل صاحب الختل عن سريره وأعطاه حاجته ويقولون الختل موالى النعمان وأصاب مغنما فكتب الجراح إلى عمرو أوفد وفدا رجلين من العرب ورجلا من الموالى من بنى ضبة ويكنى أبا الصيداء واسمه صالح ابن طريق كان فاضلا في دينه وقال بعضهم المولى سعيد أخو خالد أو يزيد النحوي فتكلم العربيان والاخر جالس فقال له عمر أما أنت من الوفد قال بلى قال فما يمنعك من الكلام قال يا أمير المؤمنين عشرون ألفا من الموالى يغزون بلا عطاء ولا رزق ومثلهم قد أسلموا من أهل الذمة يؤخذون بالخراج وأميرنا عصبي جاف يقوم على منبرنا فيقول أتيتكم حفيا وأنا اليوم عصبي والله لرجل من قومي أحب إلى من مائة من غيرهم وبلغ من جفائه أن كم درعه ببلغ نصف درعه وهو بعد سيف من سيوف الحجاج قد عمل بالظلم والعدوان فقال عمر إذن مثلك فليوفد وكتب عمر إلى الجراح انظر من صلى قبلك إلى القبلة فضع عنه الجزية فسارع الناس إلى الاسلام فقيل للجراح ان الناس قد سارعوا إلى الاسلام وإنما ذلك نفورا من الجزية فامتحنهم بالختان فكتب الجراح بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر إن الله بعث محمدا صلى الله عليه داعيا ولم يبعثه خاتنا وقال عمر ابغونى رجلا صدوقا أسأله عن خراسان فقيل له قد وجدته عليك بأبى مجلز فكتب إلى الجراح أن أقبل واحمل أبا مجلز وخلف على حرب خراسان عبد الرحمن بن نعيم الغامدى وعلى جزيتها عبيد الله أو عبد الله ابن حبيب فخطب الجراح فقال يا أهل خراسان جئتكم في ثيابي هذه التى على وعلى فرسى لم أصب من مالكم إلا حلية سيفى ولم يكن عنده إلا فرس قد شاب وجهه وبغلة قد شاب وجهها فخرج في شهر رمضان واستخلف عبد الرحمن بن نعيم فلما قدم قال له عمر متى خرجت قال في شهر رمضان قال قد صدق من

[ 315 ]

وصفك بالجفاء هلا أقمت حتى تفطر ثم تخرج وكان الجراح يقول أنا والله عصبي عقبى يريد من العصبية وكان الجراح لما قدم خراسان كتب إلى عمر إنى قدمت خراسان فوجدت قوما قد أبطرتهم الفتنة فهم ينزون فيها نزوا أحب الامور إليهم أن تعود ليمنعوا حق الله عليهم فليس يكفهم إلا السيف والسوط وكرهت الاقدام على ذلك إلا بإذنك فكتب إليه عمر يا ابن أم الجراح أنت أحرص على الفتنة منهم لا تضربن مؤمنا ولا معاهدا سوطا إلا في حق واحذر القصاص فإنك صائر إلى من يعلم خائنة الا عين وما تخفى الصدور وتقرأ كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ولما أراد الجراح الشخص من خراسان إلى عمر بن عبد العزيز أخذ عشرين ألفا وقال بعضهم عشرة آلاف من بيت المال وقال هي على سلفا حتى أؤديها إلى الخليفة فقدم على عمر فقال له عمر متى خرجت قال لايام بقين من شهر رمضان وعلى دين فاقضه قال لو قمت حتى تفطر ثم خرجت قضيت عنك فأدى عنه قومه في أعطياتهم ذكر الخبر عن سبب تولية عمر بن عبد العزيز عبد الرحمن بن نعيم وعبد الرحمن بن عبد الله القشيرى خراسان وكان سبب ذلك فيما ذكر لى أن الجراح بن عبد الله لما شكى واستقدمه عمر ابن عبد العزيز فقدم عليه عزله عن خراسان لما قد ذكرت قبل ثم إن عمر لما أراد استعمال عامل على خراسان قال فيما ذكر على بن محمد عن خارجة بن مصعب الضبعى وعبد الله بن المبارك وغيرهما ابغونى رجلا صدوقا أسأله عن خراسان فقيل له أبو مجلز لا حق بن حميد فكتب إليه فقدم عليه وكان رجلا لا تأخذه العين فدخل أبو مجلز على عمر في جفة الناس فلم يثبته عمر وخرج مع الناس فسأل عنه فقيل دخل مع الناس ثم خرج فدعا به عمر فقال يا أبا مجلز لم أعرفك قال فهلا أنكرتني إذ لم تعرفني قال أخبرني عن عبد الرحمن بن عبد الله قال يكافئ الاكفاء ويعادي الاعداء وهو أمير يفعل ما يشاء ويقدم إن وجد من يساعده قال عبد الرحمن ابن نعيم قال ضعيف لين يحب العافية وتأتى له قال الذى يحب العافية وتأتى له

[ 316 ]

أحب إلى فولاه الصلاة والحرب وولى عبد الرحمن القشيرى ثم أحد بنى الاعور ابن قشير الخراج وكتب إلى أهل خراسان إنى استعملت عبد الرحمن على حربكم وعبد الرحمن بن عبد الله على خراجكم عن غير معرفة منى بهما ولا اختيار إلا ما أخبرت عنهما فإن كانا على ما تحبون فاحمدوا الله وإن كانا على غير ذلك فاستعينوا بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال على وحدثنا أبو السرى الازدي عن إبراهيم الصائغ أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم أما بعد فكن عبدا ناصحا لله في عباده ولا يأخذك في الله لومة لائم فإن الله أولى بك من الناس وحقه عليك أعظم فلا تولين شيئا من أمر المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم والتوفير عليهم وأداء الامانة فيما استرعى وإياك أن يكون ميلك ميلا إلى غير الحق فإن الله لا يخفى عليه خافية ولا تذهبن عن الله مذهبا فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه قال على عن محمد الباهلى وأبى نهيك بن زياد وغيرهما إن عمر بن عبد العزيز بعث بعهد عبد الرحمن بن نعيم على حرب خراسان وسجستان مع عبد الله بن صخر القرشى فلم يزل عبد الرحمن بن نعيم على خراسان حتى مات عمر بن عبد العزيز وبعد ذلك حتى قتل يزيد بن المهلب ووجه مسلمة سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف وليها في شهر رمضان من سنة 100 وعزل سنة 102 بعد ما قتل يزيد بن المهلب قال على كانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستة عشر شهرا أول الدعوة (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة أعنى سنة 100 وجه محمد بن على بن عبد الله ابن عباس من أرض الشراة ميسرة إلى العراق ووجه محمد بن خنيس وأبا عكرمة السراج وهو أبو محمد الصادق وحيان العطار خال ابراهيم بن سلمة إلى خراسان وعليها يومئذ الجراح بن عبد الله الحكمى من قبل عمر بن عبد العزيز وأمرهم بالدعاء إليه والى أهل بيته فلقوا من لقوا ثم انصرفوا بكتب من استجاب لهم إلى محمد بن على فدفعوها إلى ميسرة فبعث بها ميسرة إلى محمد بن على واختار أبو محمد

[ 317 ]

الصادق لمحمد بن على اثنى عشر رجلا نقباء منهم سليمان بن كثير الخزاعى ولاهز ابن قريظ التميمي وقحطبة بن شبيب الطائى وموسى بن كعب التميمي وخالد بن ابراهيم أبو داود من بنى عمرو بن شيبان بن ذهل والقاسم بن مجاشع التميمي وعمران بن اسماعيل أبو النجم مولى لال أبى معيط ومالك بن الهيثم الخزاعى وطلحة بن زريق الخزاعى وعمرو بن أعين أبو حمزة مولى لخزاعة وشبل بن طهمان أبو على الهروي مولى لبنى حنيفة وعيسى بن أعين مولى خزاعة واختار سبعين رجلا فكتب إليهم محمد بن على كتابا ليكون لهم مثالا وسيرة يسيرون بها (وحج) بالناس في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وكان عمال الامصار في هذه السنة العمال في السنة التى قبلها وقد ذكرناهم قبل ما خلا عامل خراسان فان عاملها كان في آخرها عبد الرحمن بن نعيم على الصلاة والحرب وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج ثم دخلت سنة إحدى ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز ذكر الخبر عن سبب هربه منه وكيف كان هربه منه ذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف أن عمر بن عبد العزيز لماكلم في يزيد ابن المهلب حين أراد نفيه إلى دهلك وقيل له إنا نخشى أن ينتزعه قومه رده إلى محبسه فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر فأخذ يعمل بعد في الهرب من محبسه مخافة يزيد بن عبد الملك لانه كان قد عذب أصهاره آل أبى عقيل كانت أم الحجاج بنت محمد بن يوسف أخى الحجاج بن يوسف عند يزيد بن عبد الملك فولدت له الوليد بن يزيد المقتول فكان يزيد بن عبد الملك قد عاهد الله لئن أمكنه الله من يزيد بن المهلب ليقطعن منه طابقا فكان يخشى ذلك فبعث يزيد بن المهلب

[ 318 ]

إلى مواليه فأعدوا له إبلا وكان مرض عمر في دير سمعان فلما اشتد مرض عمر أمر بإبله فأتى بها فلما تبين له أنه قد ثقل نزل من محبسه فخرج حتى مضى إلى المكان الذى واعدهم فيه فلم يجدهم جاءوا فجزع أصحابه وضجروا فقال لاصحابه أتروني أرجع إلى السجن لا والله لا أرجع إليه أبدا ثم إن الابل جاءت فاحتمل فخرج ومعه عاتكة امرأته ابنة الفرات بن معاوية العامرية من بنى البكافى شق المحمل فمضى فلما جاز كتب إلى عمر ابن عبد العزيز إنى والله لو علمت أنك تبقى ما خرجت من محبسي ولكني لم آمن يزيد بن عبد الملك فقال عمر اللهم إن كان يزيد يريد بهذه الامة شرافا كفهم شره واردد كيده في نحره ومضى يزيد بن المهلب حتى مر بحدث الزقاق وفيه الهذيل ابن زفر معه قيس فأتبعوا يزيد بن المهلب حيث مربهم فأصابوا طرفا من ثقله وغلمة من وصفائه فأرسل الهذيل بن زفرفى آثارهم فردهم فقال ما تطلبون أخبروني أتطلبون يزيد بن المهلب أو أحدا من قومه بتبل فقالوا لا قال فما تريدون إنما هو رجل كان في أسار فخاف على نفسه فهرب وزعم الواقدي أن يزيد بن المهلب إنما هرب من سجن عمر بعد موت عمر (وفى هذه السنة) توفى عمر بن عبد العزيز فحدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال توفى عمر ابن عبد العزيز لخمس ليال بقين من رجب سنة 101 وكذلك قال محمد بن عمر حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى عمرو بن عثمان قال مات عمر بن عبد العزيز لعشر ليال بقين من رجب سنة 101 (وقال هشام) عن أبى مخنف مات عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لخمس بقين من رجب بدير سمعان في سنة 101 وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر ومات بدير سمعان * حدثنى الحارث قال حدثنا أحمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى عمى الهيثم بن واقد قال ولدت سنة 97 واستخلف عمر ابن عبد العزيز بدابق يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة 99 فأصابني من قسمه ثلاثة دنانير وتوفى بخناصرة يوم الاربعاء لخمس ليال بقين من رجب سنة 101 وكان شكوه عشرين يوما وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام ومات

[ 319 ]

وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر ودفن بدير سمعان وقد قال بعضهم كان له يوم توفى تسع وثلاثون سنة وخمسة أشهر * وقال بعضهم كان له أربعون سنة (وقال هشام) توفى عمر وهو ابن أربعين سنة وأشهر وكان يكنى أبا حفص وله يقول عويف القوافى وقد حضره في جنازة شهدها معه أجبني أبا حفص لقيت محمدا * على حوضه مستبشرا من وراكا فأنت امرؤ كلتا يديك مفيدة * شمالك خير من يمين سواكا وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وكان يقال له أشج بنى أمية وذلك أن دابة من دواب أبيه كانت شجته فقيل له أشج بنى أمية * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا سليمان بن حرب قال حدثنا المبارك بن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال كنت أسمع ابن عمر كثيرا يقول ليت شعرى من هذا الذى من ولد عمر في وجهه علامة يملا الارض عدلا * وحدثت عن منصور ابن أبى مزاحم قال حدثنا مروان بن شجاع عن سالم الافطس أن عمر بن عبد العزيز رمحته دابة وهو غلام بدمشق فأتيت به أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر ابن الخطاب فضمته إليها وجعلت تمسح الدم عن وجهه ودخل أبوه عليها على تلك الحال فأقبلت عليه تعذله وتلومه وتقول ضيعت ابني ولم تضم إليه خادما ولا حاضنا يحفظه من مثل هذا فقال لها اسكتي يا أم عاصم فطوباك إذ كان أشج بنى أمية ذكر بعض سيره ذكر على بن محمد أن كليب بن خلف حدثهم عن إدريس بن حنظلة والمفضل عن جده وعلى بن مجاهد عن خالد أن عمر بن عبد العزيز كتب حين ولى الخلافة إلى يزيد بن المهلب أما بعد فان سليمان كان عبدا من عبيد الله أنعم الله عليه ثم قبضه واستخلفني ويزيد بن عبد الملك من بعدى إن كان وإن الذى ولانى الله من ذلك وقدر لى ليس على بهين ولو كانت رغبتي في اتخاذ أزواج واعتقاد أموال كان في الذى أعطاني من ذلك ما قد بلغ بى أفضل ما بلغ بأحد من خلقه وأنا أخاف فيما ابتليت به حسابا شديدا ومسألة غليظة إلا ما عافى الله ورحم وقد بايع من قبلنا

[ 320 ]

فبايع من قبلك فلما قدم الكتاب على يزيد بن المهلب ألقاه إلى أبى عيينة فلما قرأه قال لست من عماله قال ولم قال ليس هذا كلام من مضى من أهل بيته وليس يريد أن يسلك مسلكهم فدعا الناس إلى البيعة فبايعوا قال ثم كتب عمر إلى يزيد استخلف على خراسان وأقبل فاستخلف ابنه مخلدا قال على وحدثنا على بن مجاهد عن عبد الاعلى بن منصور عن ميمون بن مهران قال كتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم أن العمل والعلم قريبان فكن عالما بالله عاملا له فان أقواما علموا ولم يعملوا فكان علمهم عليهم وبالا قال وأخبرنا مصعب بن حيان عن مقاتل بن حيان قال كتب عمر إلى عبد الرحمن أما بعد فاعمل عمل رجل يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين قال على أخبرنا كليب بن خلف عن طفيل بن مرداس قال كتب عمر إلى سليمان ابن أبى السرى أن اعمل خانات في بلادك فمن مربك من المسلمين فاقروهم يوما وليلة وتعهدوا دوابهم فمن كانت به علة فاقروه يومين وليلتين فان كان منقطعا به فقووه بما يصل به إلى بلده فلما أتاه كتاب عمر قال أهل سمرقند لسليمان إن قتيبة غدر بنا وظلمنا وأخذ بلادنا وقد أظهر الله العدل والانصاف فائذن لنا فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين يشكون ظلامتنا فان كان لنا حق أعطيناه فان بنا إلى ذلك حاجة فأذن لهم فوجهوا منهم قوما فقدموا على عمر فكتب لهم عمر إلى سليمان ابن أبى السرى إن أهل سمرقند قد شكوا إلى ظلما أصابهم وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضى فلينظر في أمرهم فان قضى لهم فاخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة قال فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضى الناجى فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء فيكون صلحا جديدا أو ظفرا عنوة فقال أهل السغدبل نرضى بما كان ولا نجدد حربا وتراضوا بذلك فقال أهل الرأى قدخالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم وأمنوا وأمناهم فإن حكم لنا عدنا إلى الحرب ولا ندرى لمن يكون الظفر وإن لم يكن لنا كنا قد اجتلبنا عداوة في المنازعة فتركوا الامر على ما كان ورضوا ولم ينازعوا قال وكتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم يأمره بإقفال من

[ 321 ]

وراء النهر من المسلمين بذراريهم قال فأبوا وقالوا لا يسعنا مرو فكتب إلى عمر بذلك فكتب إليه عمر اللهم إنى قد قضيت الذى على فلا تغز بالمسلمين فحسبهم الذى قد فتح الله عليهم قال وكتب إلى عقبة بن زرعة الطائى وكان قد ولاه الخراج بعد القشيرى إن للسلطان أركانا لا يثبت إلا بها فالوالى ركن والقاضى ركن وصاحب بيت المال ركن والركن الرابع أنا وليس من ثغور المسلمين ثغر أهم إلى ولا أعظم عندي من ثغر خراسان فاستوعب الخراج وأحرزه في غير ظلم فإن يك كفافا لاعطياتهم فسبيل ذلك وإلا فاكتب إلى حتى أحمل إليك الاموال فتوفرلهم أعطياتهم قال فقدم عقبة فوجد خراجهم يفضل عن أعطياتهم فكتب إلى عمر فأعلمه فكتب إليه عمر أن اقسم الفضل في أهل الحاجة * وحدثني عبد الله بن أحمد بن شبوية قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال سمعت عبد الله يقول عن محمد بن طلحة عن داود بن سليمان الجعفي قال كتب عمر بن عبد العزيز من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الحميد سلام عليك أما بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله وسنة خبيثة استنها عليهم عمال السوء وإن قوام الدين العدل والاحسان فلا يكونن شئ أهم إليك من نفسك فإنه لا قليل من الاثم ولا تحمل خرابا على عامر ولا عامرا على خراب انظر الخراب فخذ منه ما أطاق وأصلحه حتى يعمر ولا يؤخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لاهل الارض ولا تأخذن في الخراج إلا وزن سبعة ليس لها آيين ولا أجور الضرابين ولا هدية النيروز والمهرجان ولا ثمن الصحف ولا أجور الفيوج ولا أجور البيوت ولا دراهم النكاح ولا خراج على من أسلم من أهل الارض فاتبع في ذلك أمرى فإنى قدوليتك من ذلك ما ولانى الله ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه وانظر من أراد من الذرية أن يحج فعجل له مائة يحج بها والسلام * حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه قال حدثنى أبى قال حدثنا سليمان قال حدثنى عبد الله عن شهاب بن شريعة المجاشعى قال ألحق عمر بن عبد العزيز ذرارى الرجال الذين في العطايا أقرع بينهم فمن أصابته القرعة جعله في المائة ومن

[ 322 ]

لم تصبه القرعة جعله في الاربعين وقسم في فقراء أهل البصرة كل إنسان ثلاثة دراهم فأعطى الزمنى خمسين خمسين قال وأراه رزق الفطم * حدثنى عبد الله قال حدثنا أبى قال حدثنا الفضيل عن عبد الله قال بلغني أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل الشأم سلام عليكم ورحمة الله أما بعد فإنه من أكثر ذكر الموت قل كلامه ومن علم أن الموت حق رضى اليسير والسلام قال على بن محمد وقال أبو مجلز لعمر إنك وضعتنا بمنقطع التراب فاحمل إلينا الاموال قال يا أبا مجلز قلبت الامر قال يا أمير المؤمنين أهولنا أم لك قال بل هو لكم إذا قصر خراجكم عن أعطياتكم قال فلا أنت تحمله إلينا ولا نحمله إليك وقد وضعت بعضه على بعض قال أحمله إليكم ان شاء الله ومرض من ليلته فمات من مرضه وكانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستة عشر شهرا (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة توفى عمارة بن أكيمة الليثى ويكنى أبا الوليد وهو ابن تسع وسبعين زيادة في سيرة عمر بن عبد العزيز ليست من كتاب أبى جعفر إلى أول خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان روى عبد الله بن بكر بن حبيب السهمى قال حدثنا رجل في مسجد الجنابذان عمر بن عبد العزيز خطب الناس بخناصرة فقال أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم وقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التى وسعت كل شئ وحرم الجنة التى عرضها السموات والارض ألا واعلموا أنما الامان غدا لمن حذر الله وخافه وباع نافدا بباق وقليلا بكثير وخوفا بأمان ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفها بعدكم الباقون كذلك حتى تردد إلى خير الوارثين وفى كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه وانقضى أجله فتغيبونه في صدع من الارض ثم تدعونه غير موسد ولاممها ؟ قد فارق الاحبة وخلع الاسباب فسكن التراب وواجه الحساب فهو مرتهن بعمله فقير إلى ما قدم غنى عما ترك فاتقوا الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقعه وأيم الله إنى لاقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند

[ 323 ]

أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي فأستغفر الله وأتوب إليه وما منكم من أحد تبلغنا عنه حاجة إلا أحببت أن أسد من حاجته ما قدرت عليه وما منكم أحد يسعه ما عندنا إلا وددت أنه ساواني ولحمتي حتى يكون عيشنا وعيشه سواء وأيم الله أن لو أردت غير هذا من الغضارة والعيش لكان اللسان منى به ذلو لا عالما بأسبابه ولكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة يدل فيها على طاعته وينهى عن معصيته ثم رفع طرف ردائه فبكى حتى شهق وأبكى الناس حوله ثم نزل فكانت إياها لم يخطب بعدها حتى مات رحمه الله (روى خلف بن تميم) قال حدثنا عبد الله بن محمد بن سعد قال بلغني أن عمر بن عبد العزيز مات ابن له فكتب عامل له يعزيه عن ابنه فقال لكاتبه أجبه عنى قال فأخذ الكاتب يبرى القلم قال فقال للكاتب أدق القلم فإنه أبقى للقرطاس وأوجز للحروف واكتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن هذا الامر أمر قد كنا وطنا أنفسنا عليه فلما نزل لم نذكره والسلام روى منصور ابن مزاحم قال حدثنا شعيب يعنى ابن صفوان عن ابن عبد الحميد قال قال عمر بن عبد العزيز من وصل أخاه بنصيحة له في دينه ونظر له في صلاح دنياه فقد أحسن صلته وأدى واجب حقه فاتقوا الله فانها نصيحة لكم في دينكم فاقبلوها وموعظة منجية في العواقب فالزموها الرزق مقسوم فلن يغدر المؤمن ما قسم له فأجملوا في الطلب فان في القنوع سعة وبلغة وكفافا إن أجل الدنيا في أعناقكم وجهنم أمامكم وما ترون ذاهب وما مضى فكأن لم يكن وكل أموات عن قريب وقد رأيتم حالات الميت وهو يسوق وبعد فراغه وقد ذاق الموت والقوم حوله يقولون قد فرغ رحمه الله وعاينتم تعجيل إخراجه وقسمة تراثه ووجهه مفقود وذكره منسى وبابه مهجور وكأن لم يخالط إخوان الحفاظ ولم يعمر الديار فاتقوا هول يوم لا تحقر فيه مثقال ذرة في الموازين * روى سهل بن محمود قال حدثنا حرملة ابن عبد العزيز قال حدثنى أبى عن ابن لعمر بن عبد العزيز قال أمرنا عمر أن نشترى موضع قبره فاشتريناه من الراهب قال فقال بعض الشعراء أقول لما نعى الناعون لى عمرا * لا يبعدن قوام العدل والدين

[ 324 ]

قدغا در القوم باللحد الذى لحدوا * بدير سمعان قسطاس الموازين روى عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان قال قال عمر بن عبد العزيز من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ومن لم يعد كلامه من عمله كثرت ذنوبه والرضا قليل ومعول المؤمن الصبر وما أنعم الله على عبد نعمة ثم انتزعها منه فأعاضه مما انتزع منه الصبر إلا كان ما أعاضه خيرا مما انتزع منه ثم قرأ هذه الاية " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " وقدم كتابه على عبد الرحمن ابن نعيم لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار صولحتم عليه ولا تحدثن كنيسة ولا بيت نار ولا تجر الشاة إلى مذبحها ولا تحدوا الشفرة على رأس الذبيحة ولا تجمعوا بين الصلاتين إلا من عذر روى عفان بن مسلم عن عثمان بن عبد الحميد قال حدثنا أبى قال بلغنا أن فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز قالت اشتد علزه ليلة فسهر وسهرنا معه فلما أصبحنا أمرت وصيفا له يقال له مرثد فقلت له يا مرثد كن عند أمير المؤمنين فإن كانت له حاجة كنت قريبا منه ثم انطلقنا فضربنا برؤوسنا لطول سهرنا فلما انتفخ النهار استيقظت فتوجهت إليه فوجدت مرثدا خارجا من البيت نائما فأيقظته فقلت يا مرثد ما أخرجك قال هو أخرجنى قال يا مرثد اخرج عنى فوالله إنى لارى شيئا ما هو بالانس ولا جان فخرجت فسمعته يتلو هذه الاية " تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " قال فدخلت عليه فوجدته قد وجه نفسه وأغمض عينيه وإنه لميت رحمه الله خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان (وفيها) ولى يزيد بن عبد الملك بن مروان وكنيته أبو خالد وهو ابن تسع وعشرين سنة في قول هشام بن محمد ولما ولى الخلافة نزع عن المدينة أبا بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم وولاها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى فقدمها فيما زعم الواقدي يوم الاربعاء لليال بقين من شهر رمضان فاستقضى عبد الرحمن

[ 325 ]

سلمة بن عبد الله بن عبد الاسد المخزومى وذكر محمد بن عمر أن عبد الجبار ابن عمارة حدثه عن أبى بكر بن حزم أنه قال لما قدم عبد الرحمن بن الضحاك المدينة وعزلني دخلت عليه فسلمت فلم يقبل على فقلت هذا شئ لا تملكه قريش الانصار فرجعت إلى منزلي وخفته وكان شابا مقداما فإذا هو يبلغني عنه أنه يقول ما يمنع ابن حزم أن يأتيني إلا الكبر وإنى لعالم بخيانته فجاءني ما كنت أحذر وما أستيقن من كلامه فقلت للذى جاءني بهذا قل له ما الخيانة لى بعادة وما أحب أهلها والامير يحدث نفسه بالخلود في سلطانه كم نزل هذه الدار من أمير وخليفة قبل الامير فخرجوا منها وبقيت آثارهم أحاديث إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا فاتق الله ولا تسمع قول ظالم أو حاسد على نعمة فلم يزل الامر يترقى بينهما حتى خاصم إليه رجل من بنى فهر وآخر من بنى النجار وكان أبو بكر قضى للنجارى على الفهرى في أرض كانت بينهما نصفين فدفع أبو بكر الارض إلى النجارى فأرسل الفهرى إلى النجارى وإلى أبى بكر بن حزم فأحضرهما ابن الضحاك فتظلم الفهرى من أبى بكر بن حزم وقال أخرج مالى من يدى فدفعه إلى هذا النجارى فقال أبو بكر اللهم غفرا أما رأيتنى سألت أياما في أمرك وأمر صاحبك فاجتمع لى على إخراجها من يدك وأرسلتك إلى من أفتانى بذلك سعيد بن المسيب وأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فسألتهما فقال الفهرى بلى وليس يلزمنى قولهما فانكسر ابن الضحاك فقال قوموا فقاموا فقال للفهرى تقر له أنك سألت من أفتاه بهذا ثم تقول ردها على أنت أرعن اذهب فلا حق لك فكان أبو بكر يتقيه ويخافه حتى كلم ابن حيان يزيد أن يقيده من أبى بكر فإنه ضربه حدين فقال يزيد لا أفعل رجل اصطنعه أهل بيتى ولكني أوليك المدينة قال لا أريد ذلك لو ضربته بسلطاني لم يكن لى قودا فكتب يزيد إلى عبد الرحمن بن الضحاك كتابا أما بعد فانظر فيما ضرب ابن حزم ابن حيان فإن كان ضربه في أمر بين فلا تلتفت إليه وإن كان ضربه في أمر يختلف فيه فلا تلتفت إليه فإن كان ضربه في أمر غير ذلك فأقده منه فقدم بالكتاب على

[ 326 ]

عبد الرحمن بن الضحاك فقال عبد الرحمن ما جئت بشئ أترى ابن حزم ضربك في أمر لا يختلف فيه فقال عثمان لعبد الرحمن إن أردت أن تحسن أحسنت قال الان أصبت المطلب فأرسل عبد الرحمن إلى ابن حزم فضربه حدين في مقام واحد ولم يسأله عن شئ فرجع أبو المعز حيان وهو يقول أنا أبو المعز ابن الحيان والله ما قربت النساء من يوم صنع بى ابن أبى حزم ما صنع حتى يومى هذا واليوم أقرب النساء (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة قتل شوذب الخارجي ذكر الخبر عن مقتله قد ذكرنا قبل الخبر عما كان من مراسلة شوذب عمر بن عبد العزيز لمناظرته في خلافه عليه فلما مات عمر أحب فيما ذكر معمر بن المثنى عبد الحميد بن عبد الرحمن أن يحظى عند يزيد بن عبد الملك فكتب إلى محمد بن جرير يأمره بمحاربة شوذب وأصحابه ولم يرجع رسولا شوذب ولم يعلم بموت عمر فلما رأوا محمد بن جرير يستعد للحرب أرسل إليه شوذب ما أعجلك قبل انقضاء المدة فيما بيننا وبينكم اليسر قدتوا عدنا إلى أن يرجع رسولا شوذب فأرسل إليهم محمد إنه لا يسعنا ترككم على هذه الحالة قال غير أبى عبيدة فقالت الخوارج ما فعل هؤلاء هذا إلا وقد مات الرجل الصالح قال معمر بن المثنى فبرزلهم شوذب فاقتتلوا فأصيب من الخوارج نفر وأكثروا في أهل القبلة القتل وولوا منهزمين والخوارج في أعقابهم تقتل حتى بلغوا أخصاص الكوفة ولجأوا إلى عبد الحميد وجرح محمد بن جرير في استه ورجع شوذب إلى موضع فأقام ينتظر صاحبيه فجاآه فأخبراه بما صادرا عليه عمروان قد مات فأقر يزيد عبد الحميد على الكوفة ووجه من قبله تميم بن الحباب في ألفين فراسلهم وأخبرهم أن يزيد لا يفارقهم على ما فارقهم عليه عمر فلعنوه ولعنوا يزيد فحاربهم فقتلوه وهزموا اصحابه فلجأ بعضهم إلى الكوفة ورجع الاخرون إلى يزيد فوجه إليهم نجدة بن الحكم الازدي في جمع فقتلوه وهزموا أصحابه فوجه إليهم الشحاج ابن وداع في ألفين فراسلهم وراسلوه فقتلوه وقتل منهم نفرا فيهم هدبة اليشكرى ابن عم بسطام وكان عابدا وفيهم أبو شبيل مقاتل بن شيبان وكان فاضلا عندهم

[ 327 ]

فقال أبو ثعلبة أيوب بن خولى يرثيهم تركنا تميما في الغبار ملحبا * تبكى عليه عرسه وقرائبه وقد أسلمت قيس تميما ومالكا * كما أسلم الشحاج أمس أقاربه وأقبل من حران يحمل راية * يغالب أمر الله والله غالبه فيأهدب للهيجا ويا هدب للندى * ويا هدب للخصم الالد يحاربه ويا هدب من كم من ملحم قد أجبته * وقد أسلمته للرماح جوالبه وكان أبو شيبان خير مقاتل * يرجى ويخشى بأسه من يحاربه ففاز ولاقى الله بالخير كله * وخذمه بالسيف في الله ضاربه تزود من دنياه درعا ومغفرا وعضبا حساما لم تخنه مضاربه وأجرد محبوك السراة كأنه * إذا انقض وافى الريش حجن مخالبه فلما دخل مسلمة الكوفة شكا إليه أهلها مكان شوذب وخوفهم منه وما قد قتل منهم فدعا مسلمة سعيد بن عمرو الحرشى وكان فارسا فعقد له على عشرة آلاف ووجهه إليه وهو مقيم بموضعه فأتاه مالا طاقة له به فقال شوذب لاصحابه من كان يريد الله فقد جاءته الشهادة ومن كان إنما خرج للدنيا فقد ذهبت الدنيا وإنما البقاء في الدار الاخرة فكسروا أغماد السيوف وحملوا فكشفوا سعيدا وأصحابه مرارا حتى خاف الفضيحة فذمر أصحابه وقال لهم أمن هذه الشرذمة لا أبالكم تفرون يا أهل الشأم يوما كأيامكم قال فحملوا عليهم فطحنهم طحنا لم يبقوا منهم أحدا وقتلوا بسطاما وهو شوذب وفرسانه منهم الريان بن عبد الله اليشكرى وكان من المحثين فقال أخوه شمر بن عبد الله يرثيه ولقد فجعت بسادة وفوارس * للحرب سعر من بنى شيبان إعتاقهم ريب الزمان فغالهم * وتركت فردا غير ذى إخوان كمد تجلجل في فؤادى حسرة * كالنار من وجد على الريان وفوارس باعوا الاله نفوسهم * من يشكر عند الوغا فرسان وقال حسان بن جعدة يرثيهم

[ 328 ]

يا عين أذرى دموعا منك تسجاما * وابكى صحابة بسطام وبسطاما فلن ترى أبدا ما عشت مثلهم * أتقى وأكمل في الاحلام أحلاما بسيهم قد تأسوا عند شدتهم * ولم يريدوا عن الاعداء إحجاما حتى مضوا للذى كانوا له خرجوا * فأورثونا منارات وأعلاما إنى لا علم أن قد أنزلوا غرفا * من الجنان ونالوا ثم خداما أسقى الاله بلادا كان مصرعهم * فيها سحابا من الوسمى سجاما (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة لحق يزيد بن المهلب بالبصرة فغلب عليها وأخذ عامل يزيد بن عبد الملك عليها عدى بن أرطاة الفزارى فحبسه وخلع يزيد ابن عبد الملك ذكر الخبر عن سبب خلعه يزيد بن عبد الملك وما كان من أمره وأمر يزيد في هذه السنة قد مضى ذكرى خبر هرب يزيد بن المهلب من محبسه الذى كان عمر بن عبد العزيز حبسه فيه ونذكر الان ما كان من صنيعه بعد هربه في هذه السنة أعنى سنة 101 ولما مات عمر بن عبد العزيز بويع يزيد بن عبد الملك في اليوم الذى مات فيه عمروبلغه هرب يزيد بن المهلب فكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن يأمره أن يطلبه ويستقبله وكتب إلى عدى بن ارطاة يعلمه هربه ويأمره أن يتهيأ لاستقباله وأن يأخذ من كان بالبصرة من أهل بيته (فذكر هشام بن محمد) عن أبى مخنف أن عدى بن أرطاة أخذهم وحبسهم وفيهم المفضل وحبيب ومروان بنو المهلب وأقبل يزيد بن المهلب حتى مر بسعيد بن عبد الملك بن مروان فقال يزيد لاصحابه ألا نعرض لهذا فنأخذه فنذهب به معنا فقال أصحابه لابل امض بنا ودعه وأقبل يسير حتى ارتفع فوق القطقطانة وبعث عبد الحميد بن عبد الرحمن هشام بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة بن عبد العزيز بن أبى قيس بن عبدود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى القرشى في ناس من أهل الكوفة من الشرط ووجوه الناس وأهل القوة فقال له انطلق حتى تستقبله فانه اليوم يمر

[ 329 ]

بجانب العذيب فمشى هشام قليلا ثم رجع إلى عبد الحميد فقال آجيئك به أسيرا أم آتيك برأسه فقال أي ذلك ما شئت فكان يعجب لقوله ذلك من سمعه وجاء هشام حتى نزل العذيب ومر يزيد منهم غير بعيد فاتقوا الاقدام عليه ومضى يزيد نحو البصرة ففيه يقول الشاعر وسار ابن المهلب لم يعرج * وعرس ذو القطيفة من كنانه وياسر والتياسر كان حزما * ولم يقرب قصور القطقطانه ذو القطيفة هو محمد بن عمرو وأبو قطيفة بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط وهو أبو قطيفة وإنما سمى ذا القطيفة لانه كان كثير شعر اللحية والوجه والصدر ومحمد يقال له ذو الشامة فلما جاء يزيد بن المهلب انصرف هشام بن مساحق إلى عبد الحميد ومضى يزيد إلى البصرة وقد جمع عدى بن أرطاة إليه أهل البصرة وخندق عليها وبعث على خيل البصرة المغيرة بن عبد الله بن أبى عقيل الثقفى وكان عدى بن أرطاة رجلا من بنى فزارة وقال عبد الملك بن المهلب لعدى بن أرطاة خذابنى حميدا فاحبسه مكاني وأنا أضمن لك أن أرد يزيد عن البصرة حتى يأتي فارس ويطلب لنفسه الامان ولا يقربك فأبى عليه وجاء يزيد ومعه أصحابه الذين أقبل فيهم والبصرة محفوفة بالرجال وقد جمع محمد بن المهلب ولم يكن ممن حبس رجالا وفتية من أهل بيته وناسا من مواليه فخرج حتى استقبله فأقبل في كتيبة يهول من رآها وقد دعا عدى أهل البصرة فبعث على كل خمس من أخماسها رجلا فبعث على خمس الازد المغيرة بن زياد بن عمرو العتكى وبعث على خمس بنى تميم محرز بن حمران السعدى من بنى منقر وعلى خمس بكر بن وائل عمران بن عامر بن مسمع من بنى قيس بن ثعلبة فقال أبو منقر رجل من قيس ابن ثعلبة إن الراية لا تصلح إلا في بنى مالك بن مسمع فدعا عدى نوح بن شيبان بن مالك بن مسمع فعقد له على بكر بن وائل ودعا مالك بن المنذر بن الجارود فعقد له على عبد القيس ودعا عبد الاعلى بن عبد الله بن عامر القرشى فعقد له على أهل العالية والعالية قريش وكنانة والازد وبجيلة

[ 330 ]

وخثعم وقيس عيلان كلها ومزينة وأهل العالية بالكوفة يقال لهم ربع أهل المدينة وبالبصرة خمس أهل العالية وكانوا بالكوفة أخماسا فجعلهم زياد بن عبيد أرباعا قال هشام عن أبى مخنف وأقبل يزيد بن المهلب لا يمر بخيل من خيلهم ولا قبيلة من قبائلهم إلا تنحوا له عن السبيل حتى يمضى واستقبله المغيرة بن عبد الله الثقفى في الخيل فحمل عليه محمد بن المهلب في الخيل فأفرج له عن الطريق هو وأصحابه وأقبل يزيد حتى نزل داره واختلف الناس إليه وأخذ يبعث إلى عدى ابن أرطاة أن ادفع إلى إخوتى وأنا أصالحك على البصرة وأخليك وإياها حتى آخذ لنفسي ما أحب من يزيد بن عبد الملك فلم يقبل منه وخرج إلى يزيد بن عبد الملك حميد بن عبد الملك بن المهلب فبعث معه يزيد بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسرى وعمر بن يزيد الحكمى بأمان يزيد بن المهلب وأهل بيته وأخذ يزيد بن المهلب يعطى من أتاه من الناس فكان يقطع لهم قطع الذهب وقطع الفضة فمال الناس إليه ولحق به عمران بن عامر بن مسمع ساخطا على عدى بن أرطاة حين نزع منه رايته راية بكر بن وائل وأعطاها ابن عمه ومالت إلى يزيد ربيعة وبقية تميم وقيس وناس بعد ناس فيهم عبد الملك ومالك ابنا مسمع ومعه ناس من أهل الشأم وكان عدى لا يعطى إلا درهمين ويقول لا يحل لى أن أعطيكم من بيت المال درهما إلا بأمر يزيد بن عبد الملك ولكن تبلغوا بهذا حتى يأتي الامر في ذلك فقال الفرزدق في ذلك أظن رجال الدرهمين يسوقهم * إلى الموت آجال لهم ومصارع فأحزمهم من كان في قعر بيته * وأيقن أن الامر لا شك واقع وخرجت بنو عمر وبن تميم من أصحاب عدى فنزلوا المربد فبعث إليهم يزيد بن المهلب مولى له يقال له دارس فحمل عليهم فهزمهم فقال الفرزدق في ذلك تفرقت الحمراء إذ صاح دارس * ولم يصبروا تحت السيوف الصوارم جزى الله قيسا عن عدى ملامة * ألا صبروا حتى تكون ملاحم وخرج يزيد بن المهلب حين اجتمع له الناس حتى نزل جبانة بنى يشكر وهو

[ 331 ]

المنصف فيما بينه وبين القصر وجاءته بنو تميم وقيس وأهل الشأم فاقتتلوا هنيهة فحمل عليهم محمد بن المهلب فضرب مسور بن عباد الحبطى بالسيف فقطع أنف البيضة ثم أسرع السيف إلى أنفه وحمل على هريم بن أبى طلحة بن أبى نهشل ابن دارم فأخذ بمنطقته فحذفه عن فرسه فوقع فيما بينه وبين الفرس وقال هيهات هيهات عمك أثقل من ذلك وانهزموا وأقبل يزيد بن المهلب أثر القوم يتلوهم حتى دنا من القصر فقاتلوهم وخرج إليه عدى بنفسه فقتل من أصحاب الحارث ابن مصرف الاودى وكان من أشراف أهل الشأم وفرسان الحجاج وقتل موسى ابن الوجيه الحميرى ثم الكلاعى وقتل راشد المؤذن وانهزم أصحاب عدى وسمع إخوة يزيد وهم في محبس عدى الاصوات تدنو والنشاب تقع في القصر فقال لهم عبد الملك إنى أرى النشاب تقع في القصر وأرى الاصوات تدنو ولا أرى يزيد إلا قد ظهر وإنى لا آمن من مع عدى من مضر ومن أهل الشأم أن يأتونا فيقتلونا قبل أن يصل إلينا يزيد إلى الدار فأغلقوا الباب ثم القوا عليه ثيابا ففعلوا فلم يلبثوا إلا ساعة حتى جاءهم عبد الله بن دينار مولى ابن عامر وكان على حرس عدى فجاء يشتد إلى الباب هو وأصحابه وقد وضع بنو المهلب متاعا على الباب ثم اتكوا عليه فأخذ الاخرون يعالجون الباب فلم يستطيعوا الدخول وأعجلهم الناس فخلوا عنهم وجاء يزيد بن المهلب حتى نزل دار سالم بن زياد بن أبى سفيان إلى جانب القصر وأتى بالسلاليم فلم يلبث عثمان أن فتح القصر وأتى بعدى بن أرطاة فجئ به وهو يتبسم فقال له يزيد له تضحك فوالله إنه لينبغي أن يمنعك من الضحك خصلتان إحداهما الفرار من القتلة الكريمة حتى أعطيت بيدك إعطاء المرأة بيدها فهذه واحدة والاخرى إنى أتيت بك تتل كما يتل العبد الابق إلى أربابه وليس معك منى عهد ولا عقد فما يؤمنك أن أضرب عنقك فقال عدى أما أنت فقد قدرت على ولكني أعلم أن بقائي بقاؤك وأن هلاكى مطلوب به من جرته يده إنك قد رأيت جنود الله بالمغرب وعلمت بلاء الله عندهم في كل موطن من مواطن الغدر والنكث فتدارك فلتتك وزلتك بالتوبة واستقالة العثرة قبل أن يرمى إليك البحر بأمواجه

[ 332 ]

فإن طلبت الاستقالة حينئذ لم تقل وإن أردت الصلح وقد أشخصت القوم إليك وجدتهم لك مباعدين وما لم يشخص القوم إليك فلم يمنعوك شيئا طلبت فيه الامان على نفسك وأهلك ومالك فقال له يزيد أما قولك إن بقاءك بقائي فلا أبقاني الله حسوة طائر مذعور إن كنت لا يبقيني إلا بقاؤك وأما قولك إن هلاكك مطلوب به من جرته يده فوالله لو كان في يدى من أهل الشأم عشرة آلاف إنسان ليس فيهم رجل إلا أعظم منزلة منك فيهم ثم ضربت أعناقهم في صعيد واحد لكان فراقي إياهم وخلافي عليهم أهول عندهم وأعظم في صدورهم من قتل أولئك ثم لو شئت أن تهدر لى دماؤهم وأن أحكم في بيوت أموالهم وأن يجوزوا لى عظيما من سلطانهم على أن أضع الحرب فيما بينى وبينهم لفعلوا فلا يخفين عليك أن القوم ناسوك لو قد وقعت أخيارنا إليهم وأن أعمالهم وكيدهم لا يكون إلا لانفسهم لا يذكرونك ولا يحفلون بك وأما قولك تدارك أمرك واستقله وافعل وافعل فوالله ما استشرتك ولا أنت عندي بواد ولا نصيح فما كان ذلك منك إلا عجزا وفضلا انطلقوا به فلما ذهبوا به ساعة قال ردوه فلما رد قال أما إن حبسي إياك ليس إلا لحبسك بنى المهلب وتضييقك عليهم فيما كنا نسألك التسهيل فيه عليهم فلم تكن تألو ما عسرت وضيقت وخالفت فكأنه لهذا القول حين سمعه أمن على نفسه وأخذ عدى يحدث به كل من دخل عليه وكان رجل يقال له السميدع الكندى من بنى مالك بن ربيعة من ساكنى عمان يرى رأى الخوارج وكان خرج وأصحاب يزيد وأصحاب عدى مصطفون فاعتزل ومعه ناس من القراء فقال طائفة من أصحاب يزيد وطائفة من أصحاب عدى قد رضينا بحكم السميدع ثم إن يزيد بعث إلى السميدع فدعاه إلى نفسه فأجابه فاستعملوا يزيد على الابلة فأقبل على الطيب والتخلق والنعيم فلما ظهر يزيد بن المهلب هرب رؤوس أهل البصرة من قيس وتميم ومالك بن المنذر فلحقوا بعبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة ولحق بعضهم بالشأم فقال الفرزدق فداء لقوم من تميم تتابعوا * إلى الشأم لم يرضوا بحكم السميدع

[ 333 ]

أحكم حرورى من الدين مارق * أضل وأغوى من حمار مجدع فأجابه خليفة الا قطع وما وجهوها نحوه عن وفادة * ولا نهزة يرجى بها خير مطمع ولكنهم راحوا إليها وأدلجوا * بأقرع أستاه ترى يوم مقرع وهم من حذار القوم أن يلحقوا بهم * لهم نزلة في كل خمس وأربع وخرج الحوارى بن زياد بن عمرو العتكى يريد يزيد بن عبد الملك هاربا من يزيد بن المهلب فلقى خالد عبد الله القسرى وعمرو بن يزيد الحكمى ومعهما حميد ابن عبد الملك ابن المهلب قد أقبلوا من عند يزيد بن عبد الملك بأمان يزيد بن المهلب وكل شئ أراده فاستقبلهما فسألاه عن الخبر فخلا بهما حين رأى معهما حميد بن عبد الملك فقال أين تريدان فقالا يزيد بن المهلب قد جئناه بكل شئ أراده فقال ما تصنعان بيزيد شيئا ولا يصنعه بكما قد ظهر على عدوه عدى بن أرطاة وقتل القتلى وحبس عديا فارجعا أيها الرجلان ويمر رجل من باهلة يقال له مسلم بن عبد الملك فلم يقف عليهما فصايحاه وساءلاه فلم يقف عليهما فقال القسرى ألا ترده فتجلده مائة جلدة فقال له صاحبه غربه عنك وأملا ليصرف ومضى الحوارى ابن زياد إلى يزيد بن عبد الملك وأقبلا بحميد بن عبد الملك معهما فقال لهما حميد أنشدكما الله أن تخالفا أمر يزيد ما بعثتما به فإن يزيد قابل منكما وإن هذا وأهل بيته لم يزالوا لنا أعداء فأنشدكما الله أن تقبلا مقالته فلم يقبلا قوله وأقبلا به حتى دفعاه إلى عبد الرحمن بن سليمان الكلبى وقد كان يزيد بن عبد الملك بعثه إلى خراسان عاملا عليها فلما بلغه خلع يزيد بن عبد الملك كتب إليه إن جهاد من خالفك أحب إلى من عملي على خراسان فلا حاجة لى فيها فاجعلني ممن توجهني إلى يزيد بن المهلب وبعث بحميد بن عبد الملك إلى يزيد ووثب عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب على خالد بن يزيد بن المهلب وهو بالكوفة وعلى حمال بن زحر الجعفي وليسا ممن كان ينطق بشئ إلا أنهم عرفوا ما كان بينه وبين بنى المهلب فأوثقهما وسرحهما إلى يزيد بن عبد الملك فحبسهما جميعا فلم يفارقوا السجن حتى

[ 334 ]

هلكوا فيه وبعث يزيد بن عبد الملك رجالا من أهل الشأم إلى الكوفة يسكنونهم ويثنون عليهم بطاعتهم ويمنونهم الزيادات منهم القطامى بن الحصين وهو أبو الشرقي واسم الشرقي الوليد وقد قال القطامى حين بلغه ما كان من يزيد بن المهلب لعل عينى أن ترى يزيدا * يقود جيشا جحفلا شديدا تسمع للارض به وئيدا * لا برما هدا ولا حسودا ولا جبانا في الوغى عديدا * ترى ذوى التاج له سجودا مكفرين خاشعين قودا * وآخرين رحبوا وفودا لا ينقض العهد ولا المعهودا * من نفر كانوا هجانا صيدا ترى لهم في كل يوم عيدا * من الاعادي جزرا مقصودا ثم إن القطامى سار بعد ذلك إلى العقر حتى شهد قتال يزيد بن المهلب مع مسلمة بن عبد الملك فقال يزيد بن المهلب ما أبعد شعر القطامى من فعله ثم إن يزيد بن عبد الملك بعث العباس بن الوليد في أربعة آلاف فارس جريدة خيل حتى وافوا الحيرة يبادر إليها يزيد بن المهلب ثم أقبل بعد ذلك مسلمة ابن عبد الملك وجنود أهل الشأم وأخذ على الجزيرة وعلى شاطئ الفرات فاستوثق أهل البصرة ليزيد بن المهلب وبعث عماله على الاهواز وفارس وكرمان عليها الجراح بن عبد الله الحكمى حتى انصرف إلى عمر بن عبد العزيز وعبد الرحمن بن نعيم الازدي فكان على الصلاة واستخلف يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن القشيرى على الخراج وجاء مدرك بن المهلب حتى انتهى إلى رأس المفازة فدس عبد الرحمن بن نعيم إلى بنى تميم أن هذا مدرك بن المهلب يريد أن يلقى بينكم الحرب وأنتم في بلاد عافية وطاعة وعلى جماعة فخرجوا ليلا يستقبلونه وبلغ ذلك الازد فخرج منهم نحو من ألفى فارس حتى لحقوهم قبل أن ينتهوا إلى رأس المفازة فقالوا لهم ما جاء بكم وما أخرجكم إلى هذا المكان فاعتلوا عليهم بأشياء ولم يقروا لهم أنهم خرجوا ليتلفوا مدرك بن المهلب فكان لهم الاخرون بل قد علمنا أن تخرجوا لتلقى صاحبنا وها هو ذا قريب فما شئتم ثم انطلقت الازد حتى

[ 335 ]

تلقوا مدرك بن المهلب على رأس المفازة فقالوا له إنك أحب الناس إلينا وأعزهم علينا وقد خرج أخوك ونابذه فان يظهره الله فانما ذلك لنا ونحن أسرع الناس إليكم أهل البيت وأحقه بذلك وإن تكن الاخرى فوالله مالك في أن يغشينا ما يعرنا فيه من البلاء راحة فعزم له رأيه على الانصراف فقال ثابت قطنة وهو ثابت بن كعب من الازد من العتيك ألم تردوسرا منعت أخاها * وقد حشدت لتقتله تميم رأوا من دونه الزرق العوالي * وحيا ما يباح لهم حريم شنوأتها وعمران بن حزم * هناك المجدو الحسب الصميم فما حملوا ولكن نهنهتهم * رماح الازد والعز القديم رددنا مدركا بمرد صدق * وليس بوجهه منكم كلوم وخيل كالقداح مسومات * لدى أرض مغانيها الجميم عليها كل أصيد دوسرى * عزيز لا يفر ولا يريم بهم تستعتب السفهاء حتى * ترى السفهاء تردعها الحلوم (قال هشام) قال أبو مخنف فحدثني معاذ بن سعد أن يزيد لما استجمع له البصرة قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم أخبرهم أنه يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويحث على الجهاد ويزعم أن جهاد أهل الشأم أعظم ثوابا من جهاد الترك والديلم قال فدخلت أنا والحسن البصري وهو واضع يده على عاتقي وهو يقول انظر هل ترى وجه رجل تعرفه قلت لا والله ما أرى وجه رجل أعرفه قال فهؤلاء والله الاعتاء قال فمضينا حتى دنونا من المنبر قال فسمعته يذكر كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ثم رفع صوته فقال والله لقد رأيناك واليا وموليا عليك فما ينبغى لك ذلك قال فوثبنا عليه فأخذنا بيده وفمه وأجلسناه فوالله ما نشك أنه سمعه ولكنه لم يلتفت إليه ومضى في خطبته قال ثم إنا خرجنا إلى باب المسجد فإذا على باب المسجد النضر بن أنس بن مالك يقول يا عباد الله ما تنقمون من أن تجيبوا إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فوالله ما رأينا

[ 336 ]

ذلك ولا رأيتموه منذ ولدتم إلا هذه الايام من إمارة عمر بن عبد العزيز فقال الحسن سبحان الله وهذا النضر بن أنس قد شهد أيضا (قال هشام) قال أبو مخنف وحدثني المثنى بن عبد الله أن الحسن البصري مر على الناس وقد اصطفوا صفين وقد نصبوا الرايات والرماح وهم ينتظرون خروج يزيد وهم يقولون يدعونا يزيد إلى سنة العمرين فقال الحسن إنما كان يزيد بالامس يضرب أعناق هؤلاء الذين ترون ثم يسرح بها إلى بنى مروان يريد بهلاك هؤلاء رضاهم فلما غضب غضبة نصب قصبا ثم وضع عليها خرقا ثم قال إنى قد خالفتهم فخالفوهم قال هؤلاء نعم وقال إنى أدعوكم إلى سنة العمرين وإن من سنة العمرين أن يوضع قيد في رجله ثم يرد إلى محبس عمر الذى فيه حبسه فقال له ناس من أصحابه ممن سمع قوله والله لكأنك يا أبا سعيد راض عن أهل الشأم فقال أنا راض عن أهل الشأم قبحهم الله وبرحهم أليس هم الذين أحلوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلون أهله ثلاثة أيام وثلاث ليال قد أباحوهم لا نباطهم وأقباطهم يحملون الحرائر ذوات الدين لا يتناهون عن انتهاك حرمة ثم خرجوا إلى بيت الله الحرام فهدموا الكعبة وأوقدوا النيران بين أحجارها وأستارها عليهم لعنة الله وسوء الدار قال ثم إن يزيد خرج من البصرة واستعمل عليها مروان بن المهلب وخرج معه بالسلاح وبيت المال فأقبل حتى نزل واسط وقد استشار أصحابه حين توجه نحو واسط فقال هاتوا الرأى فإن أهل الشأم قد نهضوا اليكم فقال له حبيب وقد أشار إليه غير حبيب أيضا فقالوا نرى أن تخرج وتنزل بفارس فتأخذ بالشعاب وبالعقاب وتدنو من خراسان وتطاول القوم فان أهل الجبال ينفضون إليك وفى يدك القلاع والحصون فقال ليس هذا برأى ليس يوافقني هذا إنما تريدون أن تجعلونى طائرا على رأس جبل فقال له حبيب فان الرأى الذى كان ينبغى أن يكون في أول الامر قد فات قد أمرتك حيث ظهرت على البصرة أن توجه خيلا عليها أهل بيتك حتى ترد الكوفة فإنما هو عبد الحميد ابن عبد الرحمن مررت به في سبعين رجلا فعجز عنك فهو عن خيلك أعجز في العدة فنسبق إليها أهل الشأم وعظماء أهلها يرون رأيك وأن تلى عليهم أحب إلى جلهم من أن يلى عليهم أهل الشأم فلم تطعني وأنا أشير الان برأى

[ 337 ]

سرح مع أهل بيتك خيلا من خيلك عظيمة فتأتى الجزيرة وتبادر إليها حتى ينزلوا حصنا من حصونها وتسير في أثرهم فإذا أقبل أهل الشأم يريدونك لم يدعوا جندا من جنودك بالجزيرة ويقبلون إليك فيقيمون عليهم فكأنهم حابستهم عليك حتى تأتيهم فيأتيك من بالموصل من قومك وينفض إليك أهل العراق وأهل الثغور وتقاتلهم في أرض رفيعة السعر وقد جعلت العراق كله وراء ظهرك فقال إنى أكره أن أقطع جيشي وجندي فلما نزل واسط أقام بها أياما يسيرة (قال أبو جعفر) وحج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال محمد بن عمر وكان عبد الرحمن عامل يزيد بن عبد الملك على المدينة وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله ابن خالد بن أسيد وكان على الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن وعلى قضائها الشعبى وكانت البصرة قد غلب عليها يزيد بن المهلب وكان على خراسان عبد الرحمن بن نعيم ثم دخلت سنة اثنتين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان فيها من مسير العباس بن الوليد بن عبد الملك ومسلمة بن عبد الملك إلى يزيد بن المهلب بتوجيه يزيد بن عبد الملك إياهما لحربه (وفيها) قتل يزيد بن المهلب في صفر ذكر الخبر عن مقتل يزيد بن المهلب * ذكر هشام عن أبى مخنف أن معاذ بن سعيد حدثه أن يزيد بن المهلب استخلف على واسط حين أراد الشخوص عنها للقاء مسلمة بن عبد الملك والعباس ابنه معاوية وجعل عنده بيت المال والخزائن والاسراء وقدم بين يديه أخاه عبد الملك ثم سار حتى مر بفم النيل ثم سار حتى نزل العقر وأقبل مسلمة يسير على شاطئ الفرات حتى نزل الانبار ثم عقد عليها الجسر فعبر من قبل قرية يقال لها فارط ثم أقبل حتى نزل على يزيد بن المهلب * وقد قدم يزيد أخاه نحو الكوفة فاستقبله العباس بن الوليد

[ 338 ]

بسورا فاصطفوا ثم اقتتل القوم فشد عليهم أهل البصرة شدة كشفوهم فيها وقد كان معهم ناس من بنى تميم وقيس ممن انهزم من يزيد من البصرة فكانت لهم جماعة حسنة مع العباس فيهم هريم بن أبى طحمة المجاشعى فلما انكشف أهل الشأم تلك الانكشافة ناداهم هريم بن أبى طحمة يا أهل الشأم الله الله أن تسلمونا وقد اضطرهم أصحاب عبد الملك إلى نهر فأخذوا ينادونه لا بأس عليك إن لاهل الشأم جولة في أول القتال أتاك الغوث قال ثم إن أهل الشأم كروا عليهم فكشف أصحاب عبد الملك وهزموا وقتل المنتوف من بكر بن وائل مولى لهم فقال الفرزدق يحرض بكر بن وائل تبكى على المنتوف بكر بن وائل * وتنهى عن ابني مسمع من بكاهما غلامين شبافى الحروب وأدركا * كرام المساعى قبل وصل لحاهما ولو كان حيا مالك وابن مالك * إذا أوقدوا نارين يعلوا سناهما وابنا مسمع مالك وعبد الملك ابنا مسمع قتلهم معاوية بن يزيد بن المهلب * فأجابه الجعد بن درهم مولى. من همدان نبكى على المنتوف في نصر قومه * ولسنا نبكى الشائدين أباهما أراد فناء الحى بكر بن وائل * فعز تميم لو أصيب فناهما فلا لقيا روحا من الله ساعة * ولا رقأت عينا شجى بكاهما أفى الغش نبكى إن بكينا عليهما * وقد لقيا بالغش فينا رداهما وجاء عبد الملك بن المهلب حتى انتهى إلى أخيه بالعقر وأمر عبد الله بن حيان العبدى فعبر إلى جانب الصراة الاقصى وكان الجسر بينه وبينه ونزل هو وعسكره وجمع من جموع يزيد وخندق عليه وقطع مسلمة إليهم الماء وسعيد بن عمر والحرشى ويقال عبر إليهم الوضاح فكانوا بإزائهم وسقط إلى يزيد ناس من الكوفة كثير ومن الجبال وأقبل إليه ناس من الثغور فبعث على أرباع أهل الكوفة الذين خرجوا إليه وربع أهل المدينة عبد الله بن سفيان بن يزيد بن المغفل الازدي وبعث على ربع مذحج وأسد النعمان بن ابراهيم بن الاشتر النخعي وبعث على

[ 339 ]

ربع كندة وربيعة محمد بن اسحاق بن محمد بن الاشعث وبعث على ربع تميم وهمدان حنظلة بن عتاب بن ورقاء التميمي وجمعهم جميعا مع المفضل بن المهلب (قال هشام بن محمد) عن أبى مخنف حدثنى العلاء بن زهير قال والله إنا لجلوس عند يزيد ذات يوم إذ قال ترون أن في هذا العسكر ألف سيف يضرب به قال حنظلة بن عتاب إى والله وأربعة آلاف سيف قال إنهم والله ما ضربوا ألف سيف قط والله لقد أحصى ديواني مائة وعشرين ألفا والله لوددت أن مكانهم الساعة معى من بخراسان من قومي (قال هشام) قال أبو مخنف ثم إنه قام ذات يوم فحرضنا ورغبنا في القتال ثم قال لنا فيما يقوله إن هؤلاء القوم لن يردهم عن غيهم إلا الطعن في عيونهم والضرب بالمشرفية على هامهم ثم قال أنه قد ذكر لى أن هذه الجرادة الصفراء يعنى مسلمة بن عبد الملك وعاقر ناقة ثمود يعنى العباس ابن الوليد وكان العباس أزرق أحمر كانت أمه رومية والله لقد كان سليمان أراد أن ينفيه حتى كلمته فيه فأقره على نسبه فبلغني أنه ليس همهما إلا التماسى في الارض والله لو جاؤا أهل الارض جميعا وليس إلا أنا ما برحت العرصة حتى تكون لى أولهم قالوا نخاف أن تعنينا كما عنانا عبد الرحمن بن محمد قال إن عبد الرحمن فضح الذمار وفضح حسبه وهل كان يعدو أجله ثم نزل قال ودخل علينا عامر بن العميثل رجل من الازد قد جمع جموعا فأتاه فبايعه وكانت بيعة يزيد تبايعون على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى أن لا تطأ الجنود بلادنا ولا بيضتنا ولا يعاد علينا سيرة الفاسق الحجاج فمن بايعنا على ذلك قبلنا منه ومن أبى جاهدناه وجعلنا الله بيننا وبينه ثم يقول تبايعونا فإذا قالوا نعم بايعهم * وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن قد عسكر بالنخيلة وبعث إلى المياه فبثقها فيما بين الكوفة وبين يزيد بن المهلب لئلا يصل إلى الكوفة ووضع على الكوفة مناظر وارصادا لتحبس أهل الكوفة عن الخروج إلى يزيد وبعث عبد الحميد بعثا من الكوفة عليهم سيف بن هاني الهمداني حتى قدموا على مسلمة فألطفهم مسلمة وأثنى عليهم بطاعتهم ثم قال والله لقل ما جاءنا من أهل الكوفة فبلغ ذلك عبد الحميد فبعث بعثاهم أكثر من ذلك وبعث

[ 340 ]

عليهم سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف الازدي فلما قدم أثنى عليه وقال هذا رجل لاهل بيته طاعة وبلاء ضموا إليه من كان ههنا من أهل الكوفة وبعث مسلمة إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن فعزله وبعث محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة وهو ذو الشامة مكانه فدعا يزيد بن المهلب رؤس أصحابه فقال لهم قد رأيت أن أجمع اثنى عشر ألف رجل فأبعثهم مع محمد بن المهلب حتى يبيتوا مسلمة ويحملوا معهم البراذع والاكف والزبل لدفن خندقهم فيقاتلهم على خندقهم وعسكرهم بقية ليلتهم وأمده بالرجال حتى أصبح فإذا أصبحت نهضت إليهم أنا بالناس فنناجزهم فإنى أرجو عند ذلك أن ينصرنا الله عليهم قال السميدع إنا قد دعوناهم إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقد زعموا أنهم قابلوا هذا منا فليس لنا أن نمكر ولا نغدر ولا نريدهم بسوء حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا قال أبو رؤبة وكان رأس طائفة من المرجئة ومعه أصحاب له صدق هكذا ينبغى قال يزيد ويحكم أتصدقون بنى أمية إنهم يعملون بالكتاب والسنة وقد ضيعوا ذلك منذ كانوا إنهم لم يقولوا لكم إنا نقبل منكم وهم يريدون أن لا يعملوا بسلطانهم إلا ما تأمرونهم به وتدعونهم إليه لكنهم أرادوا أن يكفوكم عنهم حتى يعملوا في المكر فلا يسبقوكم إلى تلك أبدوهم بها إنى قد لقيت بنى مروان فو الله ما لقيت رجلا هو أمكر ولا أبعد غورا من هذه الجرادة الصفراء يعنى مسلمة قالوا لا نرى أن نفعل ذلك حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا وكان مروان بن المهلب وهو بالبصرة يحث الناس على حرب أهل الشأم ويسرح الناس إلى يزيد وكان الحسن البصري يثبط الناس عن يزيد بن المهلب (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الحميد البصري ان الحسن البصري كان يقول في تلك الايام أيها الناس الزموا رجالكم وكفوا أيديكم واتقوا الله مولاكم ولا يقتل بعضكم بعضا على دنيا زائلة وطمع فيها يسير ليس لاهلها بباق وليس الله عنهم فيما اكتسبوا براض إنه لم يكن فتنة إلا كان أكثر أهلها الخطباء والشعراء والسفهاء وأهل التيه والخيلاء وليس يسلم منها إلا المجهول الخفى

[ 341 ]

والمعروف التقى فمن كان منكم خفيا فليلزم الحق وليحبس نفسه عما يتنازع الناس فيه من الدنيا فكفاه والله بمعرفة الله إياه بالخير شرفا وكفى له به من الدنيا خلفا ومن كان منكم معروفا شريفا فترك ما يتنافس فيه نظراؤه من الدنيا ارادة الله بذلك فواها لهذا ما أسعده وأرشده وأعظم أجره وأهدى سبيله فهذا غدا يعنى يوم القيامة القرير عينا الكريم عند الله مآبا فلما بلغ ذلك مروان بن المهلب قام خطيبا كما يقوم فأمر الناس بالجد والاحتشاد ثم قال لهم لقد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائى ولم يسمه يثبط الناس والله لو أن جاره نزع من خص ؟ داره قصبة لظل يرعف أنفه أينكر علينا وعلى أهل مصرنا أن نطلب خيرنا وأن ننكر مظلمتنا أم والله ليكفن عن ذكرنا وعن جمعه الينا سقاط الابلة وعلوج فرات البصرة قوما ليسوا من أنفسنا ولا ممن جرت عليه النعمة من أحد منا أو لانحين عليه مبردا خشنا فلما بلغ ذلك الحسن قال والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه فقال ناس من أصحابه لو أرادك ثم شئت لمنعناك فقال لهم فقد خالفتكم إذا إلى ما نهيتكم عنه آمركم ألا يقتل بعضكم بعضا مع غيرى وأدعوكم إلى أن يقتل بعضكم بعضا دوني فبلغ ذلك مروان بن المهلب فاشتد عليهم وأخافهم وطلبهم حتى تفرقوا ولم يدع الحسن كلامه ذلك وكف عنه مروان بن المهلب وكانت إقامة يزيد بن المهلب منذ أجمع وهو ومسلمة ثمانية أيام حتى إذا كان يوم الجمعة لاربع عشرة خلت من صفر بعث مسلمة إلى الوضاح أن يخرج بالوضاحية والسفن حتى يحرق الجسر ففعل وخرج مسلمة فعبى جنود أهل الشأم ثم ازدلف بهم نحو يزيد بن المهلب وجعل على ميمنته جبلة ابن مخرمة الكندى وجعل على ميسرته الهذيل بن زفر بن الحارث العامري وجعل العباس على ميمنته سيف بن هانئ الهمداني وعلى ميسرته سويد بن القعقاع التميمي ومسلمة على الناس وخرج يزيد بن المهلب وقد جعل على ميمنته حبيب ابن المهلب وعلى ميسرته المفضل بن المهلب وكان مع المفضل أهل الكوفة وهو عليهم ومعه خيل لربيعة معها عدد حسن وكان مما يلى العباس بن الوليد (قال

[ 342 ]

أبو مخنف) فحدثني الغنوى قال هشام وأظن الغنوى العلاء بن المنهال أن رجلا من الشأم خرج فدعا إلى المبارزة فلم يخرج إليه أحد فبرز له محمد بن المهلب فحمل عليه فاتقاه الرجل بيده وعلى كفه كف من حديد فضربه محمد فقطع كف الحديد وأسرع السيف في كفه واعتنق فرسه وأقبل محمد يضربه ويقول المنجل أعود عليك قال فذكر لى أنه حيان النبطي قال فلما دنا الوضاح من الجسر ألهب فيه النار فسطع دخانه وقد اقتتل الناس ونشبت الحرب ولم يشتد القتال فلما رأى الناس الدخان وقيل لهم أجرق الجسر انهزموا فقالوا ليزيد قد انهزم الناس قال ومما انهزموا هل كان قتال ينهزم من مثله فقيل له قالوا أحرق الجسر فلم يثبت أحد قال قبحهم الله بق دخن عليه فطار فخرج وخرج معه أصحابه ومواليه وناس من قومه فقال اضربوا وجوه من ينهزم ففعلوا ذلك بهم حتى كثروا عليه فاستقبلهم منهم مثل الجبال فقال دعوهم فوالله إنى لارجو أن لا يجمعنى الله وإياهم في مكان واحد أبدا دعوهم يرحمهم الله غنم عدا في نواحيها الذئب وكان يزيد لا يحدث نفسه بالفرار وقد كان يزيد بن الحكم بن أبى العاص وأمه ابنة الزبرقان السعدى أتاه وهو بواسط قبل أن يصل إلى العقر فقال إن بنى مروان قد باد ملكهم * فإن كنت لم تشعر بذلك فاشعر قال يزيد ما شعرت قال فقال يزيد بن الحكم بن أبى العاص الثقفى: عش ملكا أو مت كريما وإن تمت * وسيفك مشهورا بكفك تعذر قال أما هذا فعسى ولما خرج يزيد إلى أصحابه واستقبلته الهزيمة فقال باسميدع أرأيى أم رأيك ألم أعلمك ما يريد القوم قال بلى والله والرأى كان رأيك وأناذا معك لا أزايلك فمرنى بأمرك قال أما لا فانزل فنزل في أصحابه وجاء يزيد بن المهلب جاء فقال إن حبيبا قد قتل (قال هشام) قال أبو مخنف فحدثني ثابت مولى زهير ابن سلمة الازدي قال أشهد أنى أسمعه حين قال له ذلك قال لا خير في العيش بعد حبيب قد كنت والله أبغض العيش بعد الهزيمة فوالله ما ازددت له الا بغضا امضوا قدما فعلمنا والله أن قد استقتل فأخذ من يكره القتال ينكص وأخذوا يتسللون

[ 343 ]

وبقيت معه جماعة حسنة وهو يزدلف فكلما مر بخيل كشفها أو جماعة من أهل الشأم عدلوا عنه وعن سنن أصحابه فجاء أبو رؤبة المرجئ فقال ذهب الناس وهو يشير بذلك إليه وأنا أسمعه فقال ؟ ؟ هل لك أن تنصرف إلى واسط فانها حصن فتنزلها ويأتيك مدد أهل البصرة ويأتيك أهل عمان والبحرين في السفن وتضرب خندقا فقال له قبح الله رأيك ألى تقول هذا الموت أيسر على من ذلك فقال له فانى أتخوف عليك لما ترى أما ترى ما حولك من جبال الحديد وهو يشير إليه فقال له أما أنا فما أباليها جبال حديد كانت أم جبال نار اذهب عنا إن كنت لا تريد قتالا معنا قال وتمثل قول حارثة بن بدر الغدانى (قال أبو جعفر) اخطأ هذا هو للاعشى أبالموت خشتنى عباد وإنما * رأيت منايا الناس يشقى ذليلها فما ميتة إن متها غير عاجز * بعار إذا ما غالت النفس غولها وكان يزيد بن المهلب على برذون له أشهب فأقبل نحو مسلمة لا يريد غيره حتى إذا دنا منه أدنى مسلمة فرسه ليركب فعطف عليه خيول أهل الشأم وعلى أصحابه فقتل يزيد بن المهلب وقتل معه السميدع وقتل معه محمد بن المهلب وكان رجل من كلب من بنى جابر بن زهير بن جناب الكلبى يقال له القحل بن عياش لما نظر إلى يزيد قال يا أهل الشأم هذا والله يزيد والله لاقتلنه أو ليقتلني وان دونه ناسا فمن يحمل معى يكفيني أصحابه حتى أصل إليه فقال له ناس من أصحابه نحن نحمل معك ففعلوا فحملوا بأجمعهم واضطربوا ساعة وسطع الغبار وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا وعن القحل بن عياش بآخر رمق فأومى إلى أصحابه يريهم مكان يزيد يقول لهم أنا قتلته ويومى إلى نفسه أنه هو قتلني ومر مسلمة على القحل بن عياش صريعا إلى جنب يزيد فقال أما إنى أظن هذا هو الذى قتلني وجاء برأس يزيد مولى لبنى مرة فقيل له أنت قتلته فقال لا فلما أتى به مسلمة لم يعرف ولم ينكر فقال له الحوارى بن زياد بن عمرو العتكى مر برأسه فليغسل ثم ليعمم ففعل ذلك به فعرفه فبعث برأسه إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد

[ 344 ]

ابن عقبة بن أبى معيط (قال أبو مخنف) فحدثني ثابت مولى زهير قال لقد قتل يزيد وهزم الناس وإن المفضل بن المهلب ليقاتل أهل الشأم ما يدرى بقتل يزيد ولا بهزيمة الناس وإنه لعلى برذون شديد قريب من الارض وإن معه لمجففة أمامه فكلما حمل عليها نكصت وانكشفت وانكشف فيحمل في ناس من أصحابه حتى يخالط القوم ثم يرجع حتى يكون من وراء أصحابه وكان لا يرى منا ملتفتا إلا أشار إليه بيده ألا يلتفت ليقبل القوم بوجوههم على عدوهم ولا يكون لهم هم غيرهم قال ثم اقتتلنا ساعة: فكأني أنظر إلى عامر بن العميثل الازدي وهو يضرب بسيفه ويقول: قد علمت أم الصبى المولود * أنى بنصل السيف غير رعديد قال واضطربنا والله ساعة فانكشفت خيل ربيعة والله ما رأيت عند أهل الكوفة من كبير صبر ولا قتال فاستقبل ربيعة بالسيف يناديهم أي معشر ربيعة الكرة الكرة والله ما كنتم بكشف ولا ليام ولا هذه لكم بعادة فلا يؤتين أهل العراق اليوم من قبلكم أي ربيعة فدتكم نفسي اصبروا ساعة من النهار قال فاجتمعوا حوله وثابوا إليه وجاءت كو يفتك قال فاجتمعنا ونحن نريد الكرة عليهم حتى أتى فقيل له ما تصنع ههنا وقد قتل يزيد وحبيب ومحمد وانهزم الناس منذ طويل وأخبر الناس بعضهم بعضا فتفرقوا ومضى المفضل فأخذ الطريق إلى واسط فما رأيت رجلا من العرب مثل منزلته كان أغشى للناس بنفسه ولا أضرب بسيفه ولا أحسن تعبئة لاصحابه منه (قال أبو مخنف) فقال لى ثابت مولى زهير مررت بالخندق فإذا عليه حائط عليه رجال معهم النبل وأنا مجفف وهم يقولون يا صاحب التجفاف أين تذهب قال فما كان شئ أثقل على من تجفافى قال فما هو إلا أن جزتهم فنزلت فألقيته لا خفف عن دابتي وجاء أهل الشأم إلى عسكر يزيد ابن المهلب فقاتلهم أبو رؤبة صاحب المرجئة ساعة من النهار حتى ذهب عظمهم وأسر أهل الشأم نحوا من ثلاثمائة رجل فسرحهم مسلمة إلى محمد بن عمرو بن الوليد فحبسهم وكان على شرطه العريان بن الهيثم وجاء كتاب من يزيد بن عبد الملك إلى

[ 345 ]

محمد بن عمرو أن اضرب رقاب الاسراء فقال للعريان بن الهيثم أخرجهم عشرين عشرين وثلاثين ثلاثين قال فقام نحو من ثلاثين رجلا من بنى تميم فقالوا نحن انهزمنا بالناس فاتقوا الله وابدؤا بنا أخرجونا قبل الناس فقال لهم العريان أخرجوا على اسم الله فأخرجهم إلى المصطبة وأرسل إلى محمد بن عمرو يخبره بإخراجهم ومقالتهم فبعث إليه أن اضرب أعناقهم (قال أبو مخنف) فحدثني نجيح أبو عبد الله مولى زهير قال والله إنى لانظر إليهم ليقولون إنا لله انهزمنا بالناس وهذا جزاؤنا فما هو إلا أن فرغ منهم حتى جاء رسول من عند مسلمة فيه عافية الاسراء والنهى عن قتلهم فقال حاجب بن ذبيان من بنى مازن بن مالك بن عمرو بن تميم لعمري لقد خاضت معيط دماءنا * بأسيافها حتى انتهى بهم الوحل وما حمل الاقوام أعظم من دم * حرام ولا ذحل إذا التمس الذحل حقنتم دماء المصلتين عليكم * وجر على فرسان شيعتك القتل وقى بهم العريان فرسان قومه * فيا عجبا أين الامانة والعدل وكان العريان يقول والله ما اعتمدتهم ولا أردتهم حتى قالوا ابد بنا أخرجنا فما تركت حين أخرجتهم أن أعلمت المأمور بقتلهم فما يقبل حجتهم وأمر بقتلهم والله على ذلك ما أحب أن قتل من قومي مكانهم رجل ولئن لامونى ما أنا بالذى أحفل لائمتهم ولا تكبر على وأقبل مسلمة حتى نزل الحيرة فأتى بنحو من خمسين أسيرا ولم يكونوا فيمن بعث إلى الكوفة كان أقبل بهم معه فلما رأى الناس أنه يريد أن يضرب رقابهم قام إليه الحصين بن حماد الكلبى فاستوهبه ثلاثة زياد بن عبد الرحمن القشيرى وعتبة بن مسلم واسماعيل مولى آل بنى عقيل بن مسعود فوهبهم له ثم استوهب بقيتهم أصحابه فوهبهم لهم فلما جاءت هزيمة يزيد إلى واسط أخرج معاوية بن يزيد بن المهلب اثنين وثلاثين أسيرا كانوا في يده فضرب أعناقهم منهم عدى بن أرطاة ومحمد بن عدى بن أرطاة ومالك وعبد الملك ابنا مسمع وعبد الله بن عزرة البصري وعبد الله بن وائل وابن أبى حاضر التميمي من بنى أسيد بن عمرو ابن تميم وقد قال له القوم ويحك إنا لا نراك تقتلنا إلا أن أباك قد قتل وان قتلنا

[ 346 ]

ليس بنافع لك في الدنيا وهو ضارك في الاخرة فقتل الاسارى كلهم غير ربيع بن زياد بن الربيع بن أنس بن الرقان تركه فقال له ناس نسيته فقال ما نسيته ولكن لم أكن لاقتله وهو شيخ من قومي له شرف ومعروف وبيت عظيم ولست أتهمه في ود ولا أخاف بغيه فقال ثابت قطنة في قتل عدى بن أرطاة ما سرنى قتل الفزارى وابنه * عدى ولا أحببت قتل ابن مسمع ولكنها كانت معاوى زلة * وضعت بها امرى على غير موضع ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه المال والخزائن وجاء المفضل بن المهلب واجتمع جميع آل المهلب بالبصرة وقد كانوا يتخوفون الذى كان من يزيد وقد أعدوا السفن البحرية وتجهزوا بكل الجهاز وقد كان يزيد بن المهلب بعث وداع بن حميد الازدي على قندابيل أميرا وقال له إنى سائر إلى هذا العدو ولو قد لقيتهم لم أبرح العرصة حتى تكون إلى أولهم فان ظفرت أكرمتك وان كانت الاخرى كنت بقندابيل حتى يقدم عليك أهل بيتى فيتحصنوا بها حتى يأخذوا لانفسهم أمانا أما إنى قد اخترتك لاهل بيتى من بين قومي فكن عند أحسن ظنى وأخذ عليه أيمانا غلاظا ليناصحن أهل بيته ان هم احتاجوا إليه ولجؤا إليه فلما اجتمع آل المهلب بالبصرة بعد الهزيمة حملوا عيالاتهم وأموالهم في السفن البحرية ثم لججوا في البحر حتى مروا بهرم بن القرار العبدى وكان يزيد استعمله على البحرين فقال لهم أشير عليكم ألا تفارقوا سفنكم فان ذلك بقاؤكم وإنى أتخوف عليكم إن خرجتم من هذه السفن أن يخطفكم الناس وأن يتقربوا بكم إلى بنى مروان فمضوا حتى إذا كانوا بحيال كرمان خرجوا من سفنهم وحملوا عيالاتهم وأموالهم على الدواب وكان معاوية بن يزيد بن المهلب حين قدم البصرة قدمها ومعه الخزائن وبيت المال فكأنه أراد أن يتأمر عليهم فاجتمع آل المهلب وقالوا للمفضل أنت أكبرنا وسيدنا وإنما أنت غلام حديث السن كبعض فتيان أهلك فلم يزل المفضل عليهم حتى خرجوا إلى كرمان وبكرمان فلول كثيرة فاجتمعوا إلى المفضل وبعث مسلمة ابن عبد الملك مدرك بن ضب الكلبى في طلب آل المهلب وفى أثر الفل فأدرك

[ 347 ]

مدرك المفضل بن المهلب وقد اجتمعت إليه الفلول بفارس فتبعهم فادركهم في عقبة فعطفوا عليه فقاتلوه واشتد قتالهم إياه فقتل مع المفضل بن المهلب النعمان بن ابراهيم ابن الاشتر النخعي ومحمد بن إسحاق بن محمد بن الاشعث وأخذ ابن صول ملك قهستان أسيرا وأخذ ت سرية المفضل العالية وجرح عثمان بن اسحاق ابن محمد بن الاشعث جراحة شديدة وهرب حتى انتهى إلى حلوان فدل عليه فقتل وحمل رأسه إلى مسلمة بالحيرة ورجع ناس من أصحاب يزيد بن المهلب فطلبوا الامان فأومنوا منهم مالك بن إبراهيم بن الاشتر والورد بن عبد الله بن حبيب السعدى من تميم وكان قد شهد مع عبد الرحمن بن محمد مواطنه وأيامه كلها فطلب له الامان محمد بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان إلى مسلمة بن عبد الملك عمه وابنة مسلمة تحته فأمنه فلما أتاه الورد وقفه مسلمة فشتمه قائما فقال صاحب خلاف وشقاق ونفاق ونفار في كل فتنة مرة مع حائك كندة ومرة مع ملاح الازد ما كنت بأهل أن تؤمن قال ثم انطلق وطلب الامان لمالك بن إبراهيم بن الاشتر الحسن بن عبد الرحمن بن شراحيل وشراحيل يلقب رستم الحضرمي فلما جاء ونظر إليه قال له الحسن بن عبد الرحمن الحضرمي هذا مالك ابن إبراهيم بن الاشتر قال له انطلق قال له الحسن أصلحك الله لم لم تشتمه كما شتمت صاحبه قال أجللتكم عن ذلك وكنتم أكرم على من أصحاب الاخر وأحسن طاعة قال فإنه أحب إلينا أن تشتمه فهو والله أشرف أبا وجدا وأسوأ أثرا من أهل الشأم من الورد بن عبد الله فكان الحسن يقول بعد أشهر ما تركه إلا حسدا من أن يعرف صاحبنا فأراد أن يرينا أنه قد حقره ومضى آل المهلب ومن سقط منهم من الفلول حتى انتهوا إلى قندابيل وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضب الكلبى فرده وسرح في أثرهم هلال بن أحوز التميمي من بنى مازن بن عمرو بن تميم فلحقهم بقندابيل فأراد آل المهلب دخول قندابيل فمنعهم وداع بن حميد وكاتبه هلال بن أحوز ولم يباين آل المهلب فيفارقهم فتبين لهم فراقه لما التقوا وصفوا كان وداع بن حميد على الميمنة وعبد الملك بن هلال على الميسرة وكلاهما أزدى فرفع لهم هلال راية الامان فمال إليهم وداع بن حميد وعبد الملك بن هلال وارفض

[ 348 ]

عنهم الناس فخلوهم فلما رأى ذلك مروان بن المهلب ذهب يريد أن ينصرف إلى النساء فقال له المفضل أين تريد قال أدخل إلى نسائنا فأقتلهن لئلا يصل اليهن هؤلاء الفساق فقال ويحك أتقتل أخواتك ونساء أهل بيتك أنا والله ما نخاف عليهن منهم قال فرده عن ذلك ثم مشوا بأسيافهم فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم إلا أبا عيينة بن المهلب وعثمان بن المفضل فانهما نجوا فلحقا بخاقان ورتبيل وبعث بنسائهم وأولادهم إلى مسلمة بالحيرة وبعث برؤوسهم إلى مسلمة فبعث بهم مسلمة إلى يزيد بن عبد الملك وبعث بهم يزيد بن عبد الملك إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك وهو على حلب فلما نصبوا خرج لينظر إليهم فقال لاصحابه هذا رأس عبد الملك هذا رأس المفضل والله لكأنه جالس معى يحدثنى (وقال مسلمة) لا بيعن ذريتهم وهم في دار الرزق فقال الجراح بن عبد الله فانا أشتريهم منك لابر يمينك فاشتراهم منه بمائة ألف قال هاتها قال إذا شئت فخذها فلم يأخذ منه شيأ وخلى سبيلهم إلا تسعة فتية منهم أحداث بعث بهم إلى يزيد بن عبد الملك فقدم بهم عليه فضرب رقابهم فقال ثابت قطنة حين بلغه قتل يزيد بن المهلب يرثيه ألا يا هند طال على ليلى * وعاد قصيره ليلا تماما كأنى حين حلقت الثريا * سقيت لعاب أسود أو سماما أمر على حلو العيش يوم * من الايام شيبني غلاما مصاب بنى أبيك وغبت عنهم * فلم أشهدهم ومضوا كراما فلا والله لا أنسى يزيدا * ولا القتلى التى قتلت حراما فعلى أن أبؤ بأخيك يوما * يزيدا أو أبوء به هشاما وعلى أن أقود الخيل شعثا * شوارب ضمراتقص الاكاما فأصبحهن حمير من قريب * وعكا أو أرع بهما جذاما ونسقى مذحجا والحى كلبا * من الذيفان أنفاسا قواما عشائرنا التى تبغى علينا * تجربنا زكا عاما بعاما ولولاهم وما جلبوا علينا * لاصبح وسطنا ملكا هماما

[ 349 ]

وقال أيضا يرثى يزيد بن المهلب أبى طول هذا الليل أن يتصرما * وهاج لك الهم الفؤاد المتيما أرقت ولم تأرق معى أم خالد * وقد أرقت عيناى حولا مجرما على هالك هد العشيرة فقده * دعته المنايا فاستجاب وسلما على ملك يا صاح بالعقر جبنت * كتائبه واستورد الموت معلما أصيب ولم أشهد ولو كنت شاهدا * تسليت إن لم يجمع الحى مأتما وفى غير الايام يا هند فاعلمي * لطالب وتر نظرة إن تلوما فعلى إن مالت بى الريح ميلة * على ابن أبى ذبان أن يتندما أمسلم أن يقدر عليك رماحنا * نذقك بها قئ الاساود مسلما وإن تلق للعباس في الدهر عثرة * نكافه باليوم الذى كان قدما قصاصا ولا نعدوالذى كان قد أتى * إلينا وإن كان ابن مروان أظلما ستعلم إن زلت بك النعل زلة * وأظهر أقوام حياء مجمجما من الظالم الجاني على أهل بيته * إذا أحصرت أسباب أمرو أبهما وإنا لعطافون بالحلم بعد ما * نرى الجهل من فرط اللئيم تكرما وإنا لحلالون بالثغر لا نرى * به ساكا إلا الخميس العرمرما نرى أن للجيران حاجا وحرمة * إذا الناس لم يرعوا لذى الجار محرما وإنا لنقرى الضيف من قمع الذرى * إذا كان رفد الرافدين تجشما وراحت بصراد ملث جليده * على الطلح إرماكا من الشهب صيما أبونا أبو الانصار عمرو بن عامر * وهم ولدوا عوفا وكعبا وأسلما وقد كان في غسان مجد يعده * وعادية كانت من المجد معظما فلما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب يزيد بن المهلب جمع له يزيد بن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة فلما ولاه يزيد ذلك ولى مسلمة الكوفة ذا الشامة محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط وقام بأمر البصرة بعد أن خرج منها آل المهلب فيما قيل شبيب بن الحارث التميمي فضبطها فلما ضمت

[ 350 ]

إلى مسلمة بعث عاملا عليها عبد الرحمن بن سليم الكلبى وعلى شرطتها وأحداتها عمر بن يزيد التميمي فأراد عبد الرحمن بن سليم أن يستعرض أهل البصرة وأفشى ذلك إلى عمر بن يزيد فقال له عمر أتريد أن تستعرض أهل البصرة ولم تمن حصنا بكويفة وتدخل تحتاج إليه فوالله لو رماك أهل البصرة وأصحابك بالحجارة لتخوفت أن يقتلونا ولكن أنظرنا عشرة أيام حتى نأخذ أهبة ذلك ووجه رسولا إلى مسلمة يخبره بما هم به عبد الرحمن فوجه مسلمة عبد الملك بن بشر بن مروان على البصرة وأقر عمربن يزيد على الشرطة والاحداث (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة وجه مسلمة بن عبد الملك سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبى العاص وهو الذى يقال له سعيد خذينة وإنما لقب بذلك فيما ذكر أنه كان رجلا لينا سهلا متنعما قدم خراسان على بختية معلقا سكينا في منطقته فدخل عليه ملك أبغر وسعيد متفضل في ثياب مصبغة حوله مرافق مصبغة فلما خرج من عنده قالوا له كيف رأيت الامير قال خذينية لمته سكينية فلقب خذينة وخذينة هي الدهقانة ربة البيت وانما استعمل مسلمة سعيد خذينة على خراسان لانه كان ختنه على ابنته كان سعيد متزوجا بابنة مسلمة ذكر الخبر عن أمر سعيد في ولاية خراسان في هذه السنة ولما ولى مسلمة سعيد خذينة خراسان قدم إليها قبل شخوصه سورة بن الحر من بنى دارم فقدمها قبل سعيد فيما ذكر بشهر فاستعمل شعبة بن ظهير النهشلي على سمرقند فخرج إليها في خمسة وعشرين رجلا من أهل بيته فأخذ على آمل فأتى بخارى فصحبه منها مائتا رجل فقدم السغد وقد كان أهلها كفروا في ولاية عبد الرحمن ابن نعيم الغامدى ووليها ثمانية عشر شهرا ثم عادوا إلى الصلح فخطب شعبة أهل السغدو وبخ سكانها من العرب وعيرهم بالجبن فقال ما أرى فيكم جريحا ولا أسمع فيكم أنة فاعتذروا إليه بأن جبنوا عاملهم علباء بن حبيب العبدى وكان على الحرب ثم قدم سعيد فأخذ عمال عبد الرحمن بن عبد الله القشيرى الذى ولوا أيام عمر بن عبد العزيز فحبسهم فكلمه فيهم عبد الرحمن بن عبد الله القشيرى فقال له سعيد قد

[ 351 ]

رفع عليهم أن عندهم أموالا من الخراج قال فأنا أضمنه فضمن عنهم سبعمائة ألف ثم لم يأخذه بها ثم إن سعيدا رفع إليه فيما ذكر على بن محمد أن جهم بن زحر الجعفي وعبد العزيز بن عمرو بن الحجاج الزبيدى والمنتجع بن عبد الرحمن الازدي والقعقاع الازدي ولو اليزيد بن المهلب وهم ثمانية وعندهم أموال قد اختانوها من في المسلمين فأرسل إليهم فحبسهم في قهنذر مرو فقيل له إن هؤلاء لا يؤدون الا أن تبسط عليهم فأرسل إلى جهم بن زحر فحمل على حمار من قهنذر مرو فمروا به على الفيض بن عمران فقام إليه فوجا أنفه فقال له جهم يا فاسق هلا فعلت هذا حين أتونى بك سكران قد شربت الخمر فضربتك حدا فغضب سعيد على جهم فضربه مائتي سوط فكبر أهل السوق حين ضرب جهم بن زحر وأمر سعيد بجهم والثمانية الذين كانوا في السجن فدفعوا إلى ورقاء بن نصر الباهلى فاستعفاه فاعفاه (وقال) عبد الحميد بن دثار أو عبد الملك بن دثار والزبير بن نشيط مولى باهلة وهو زوج أم سعيد خذينة ولنا محابسهم فولاهم فقتلوا في العذاب جهما وعبد العزيز ابن عمرو والمنتجع وعذبوا القعقاع وقوما حتى أشرفوا على الموت قال فلم يزالوا في السجن حتى غزتهم الترك وأهل السغد فأمر سعيد بإخراج من بقى منهم فكان سعيد يقول قبح الله الزبير فانه قتل جهما (وفى هذه السنة) غزا المسلمون السغد والترك فكان فيها الوقعة بينهم بقصر الباهلى (وفيها) عزل سعيد خذينة شعبة ابن ظهير عن سمرقند ذكر الخبر عن سبب عزل سعيد شعبة وسبب هذه الوقعة وكيف كانت ذكر على بن محمد عن الذين تقدم ذكرى خبره عنهم أن سعيد خذينة لما قدم خراسان دعا قوما من الدهاقين فاستشارهم فيمن يوجه إلى الكور فاشاروا إليه بقوم من العرب فولاهم فشكوا إليه فقال للناس يوما وقد دخلوا عليه إنى قدمت البلد وليس لى علم بأهله فاستشرت فأشاروا على بقوم فسألت عنهم فحمدوا فوليتهم فأحرج عليكم لما أخبرتموني عن عمالى فأثنى عليهم القوم خيرا فقال عبد الرحمن بن عبد الله القشيرى لو لم تحرج علينا لكففت فأما إذ حرجت علينا

[ 352 ]

فإنك شاورت المشركين فأشاروا عليك بمن لا يخالفهم وبأشباههم فهذا علمنا فيهم قال فاتكى سعيد ثم جلس فقال خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين قوموا قال وعزل سعيد شعبة بن ظهير عن السغد وولى حربها عثمان ابن عبد الله بن مطرف بن الشخير وعلى الخراج سليمان بن أبى السرى مولى بنى عوافة واستعمل على هراة معقل بن عروة القشيرى فسار إليها وضعف الناس سعيدا وسموه خذينة فطمع فيه الترك فجمع له خاقان الترك ووجههم إلى السغد فكان على الترك كورصول وأقبلوا حتى نزلوا قصر الباهلى * وقال بعضهم أراد عظيم من عظماء الدهاقين أن يتزوج امرأة من باهلة وكانت في ذلك القصر فارسل إليها يخطبها فأبت فاستجاش ورجا أن يسبوا من في القصر فيأخذ المرأة فأقبل كور صول حتى حصر أهل القصر وفيه مائة أهل بيت بذراربهم وعلى سمرقند عثمان بن عبد الله وخافوا أن يبطئ عنهم المدد فصالحوا الترك على أربعين ألفا وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة وندب عثمان بن عبد الله الناس فانتدب المسيب بن بشر الرياحي وانتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل فقال شعبة بن ظهير لو كان ههنا خيول خراسان ما وصلوا إلى غايتهم قال وكان فيمن انتدب من بنى تميم شعبة بن ظهير النهشلي وبلعاء بن مجاهد العنزي وعميرة بن ربيعة أحد بنى العجيف وهو عميرة الثريد وغالب بن المهاجر الطائى وهو أبو العباس الطوسى وأبو سعيد معاوية ابن الحجاج الطائى وثابت قطنة وأبو المهاجر بن دارة من غطفان وجليس الشيباني والحجاج بن عمرو الطائى وحسان بن معدان الطائى والاشعث أبو حطامة وعمرو ابن حسان الطيئان فقال المسيب بن بشر لما عسكروا إنكم تقدمون على حلبة الترك حلبة حاقان وغيرهم والعوض إن صبرتم الجنة والعقاب النار أن فررتم فمن أراد الغزو والصبر فليقدم فانصرف عنه ألف وثلاثمائة وسار في الباقين فلما سار فرسخا قال للناس مثل مقالته الاولى فاعتزل ألف ثم سار فرسخا آخر فقال لهم مثل ذلك فاعتزل ألف ثم سار وكان دليلهم الاشهب بن عبيد الحنظلي حتى إذا كان على فرسخين من القوم نزل فأتاهم ترك خاقان ملك قى فقال إنه لم يبق

[ 353 ]

ههنا دهقان إلا وقد بايع الترك غيرى وأنا في ثلاثمائة مقاتل فهم معك وعندي الخبر قد كانوا صالحوهم على أربعين ألفا فأعطوهم سبعة عشر رجلا ليكونوا رهنا في أيديهم حتى يأخذوا صلحهم فلما بلغهم مسيركم إليهم قتل الترك من كان في أيديهم من الرهائن قال وكان فيهم نهشل بن يزيد الباهلى فنجا لم يقتل والاشهب بن عبيد الله الحنظلي وميعادهم أن يقاتلوهم غدا أو يفتحوا القصر فبعث المسيب رجلين رجلا من العرب ورجلا من العجم من ليلته على خيولهم وقال لهم إذا قربتم فشدوا دوابكم بالشجر واعلموا علم القوم فأقبلا في ليلة مظلمة وقد أجرت الترك الماء في نواحى القصر فليس يصل إليه أحد ودنوا من القصر فصاح بهما الربية فقالا لا تصح وادع لنا عبد الملك بن دثار فدعاه فقالا له أرسلنا المسيب وقد أتاكم الغياث قا