الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 تاريخ الطبري - الطبري ج 4

تاريخ الطبري

الطبري ج 4


[ 1 ]

تاريخ الامم والملوك للامام ابى جعفر محمد بن جرير الطبري الجزء الرابع [ قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة ] [ يمطبعة " بريل " بمدينة ليدن في سنة 1879 م ] راجعه وصححه وضبطه نخبة من العلماء الاجلاء منشورات مؤسسته الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب 7120

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الاحداث وموادعة الحرب بين على ومعاوية فكان في أول شهر منها وهو المحرم موادعة الحرب بين على ومعاوية قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى انقضائه طمعا في الصلح فذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف الازدي قال حدثنى سعد أبو المجاهد الطائى عن المحل بن خليفة الطائى قال لما توادع على ومعاوية يوم صفين اختلف فيما بينهما الرسل رجاء الصلح فبعث على عدى بن حاتم ويزيد بن قيس الارجى وشبث بن ربعى وزياد بن خصفة إلى معاوية فلما دخلوا حمد الله عدى بن حاتم ثم قال أما بعد فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عز وجل به كلمتنا وأمتنا ويحقن به الدماء ويأمن به السبل ويصلح به ذات البين إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة وأحسنها في الاسلام أثرا وقد استجمع له الناس وقد أرشدهم الله عز وجل بالذى رأوا فلم يبق أحد غيرك وغير من من معك فانته يا معاوية لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل فقال معاوية كأنك إنما جئت متهددا لم تأت مصلحا هيهات يا عدى كلا والله إنى لابن حرب ما يقعقع لى بالشنان أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان رضى الله عنه وإنك لمن قتلته وإنى لارجو أن تكون ممن يقتل الله عز وجل به هيهات يا عدى بن حاتم قد حلبت بالساعد الاشد ققال له شبث بن ربعى وزياد بن خصفة وتنازعا جوابا واحدا أتيناك فيما يصلحنا وإياك فأقبلت تضرب لنا الامثال دع مالا ينتفع به من القول والفعل وأجبنا فيما يعمنا وإياك نفعه وتكلم يزيد بن قيس فقال إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك ولنؤدي عنك ما سمعنا منك ونحن على ذلك لم تدع أن ننصح لك وأن نذكر ما ظننا أن لنا عليك به حجة وأنك راجع به إلى الالفة والجماعة إن صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله ولا أظنه يخفى

[ 3 ]

عليك إن أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعلى ولن يميلوا بينك وبينه فاتق الله يا معاوية ولا تخالف عليا فإنا والله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى ولا أزهد في الدنيا ولا أجمع لخصال الخير كلها منه فحمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة فأما الجماعة التى دعوتم إليها فمعنا هي وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها إن صاحبكم قتل خليفتنا وفرق جماعتنا وآوى ثأرنا وقتلتنا وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نرد ذلك عليه أرأيتم قتلة صاحبنا ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة فقال له شبث أيسرك يا معاوية أنك أمكنت من عمار تقتله فقال معاوية وما يمنعنى من ذلك والله لو أمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان رضى الله عنه ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان فقال له شبث وإله الارض وإله السماء أما عدلت معتدلا لا والذى لا إله إلا هو لا تصل إلى عمار حتى تندر الهام عن كواهل الاقوام وتضيق الارض الفضاء عليك برحبها فقال له معاوية إنه لو قد كان ذلك كانت الارض عليك أضيق وتفرق القوم عن معاوية فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصفة التيمى فخلا به فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد يا أخا ربيعة فإن عليا قطع أرحامنا وآوى قتلة صاحبنا وإنى أسألك النصر عليه بأسرتك وعشيرتك ثم لك عهد الله عز وجل وميثاقه أن أوليك إذا ظهرت أي المصرين أحببت قال أبو مخنف فحدثني سعد أبو المجاهد عن المحل بن خليفة قال سمعت زياد بن خصفة يحدث بهذا الحديث قال فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله عز وجل وأثنيت عليه ثم قلت أما بعد فإنى على بينة من ربى وبما أنعم على فلن أكون ظهيرا للمجرمين ثم قمت فقال معاوية لعمرو بن العاص وكان إلى جنبه جالسا يكلم رجل منا رجلا منهم فيجيب إلى خير مالهم عضبهم الله بشر ما قلوبهم إلا كقلب رجل واحد * قال أبو مخنف فحدثني سليمان بن راشد الازدي عن عبد الرحمن بن عبيد أبى الكنود أن معاوية بعث إلى على حبيب بن مسلمة الفهرى وشرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الاخنس فدخلوا عليه وأنا

[ 4 ]

عنده فحمد الله حبيب وأثنى عليه ثم قال أما بعد فان عثمان بن عفان رضى الله عنه كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله عز وجل وينيب إلى أمر الله تعالى فاستثقلتم حياته واستبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه رضى الله عنه فادفع إلينا قتلة عثمان إن زعمت أنك لم تقتله نقتلهم به ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم يولى الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم فقال له على بن أبى طالب وما أنت لا أم لك والعزل وهذا الامر اسكت فإنك لست هناك ولا بأهل له فقام وقال له والله لتريني بحيث تكره فقال على وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك لا أبقى الله عليك إن أبقيت على أحقره وسوءا اذهب فصوب وصعد ما بدالك وقال شرحبيل بن السمط إنى إن كلمتك فلعمري ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي قبل فهل عندك جواب غير الذى أجبته به فقال على نعم لك ولصاحبك جواب غير الذى أجبته به فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق فأنقذ به من الضلالة وانتاش به من الهلكة وجمع به من الفرقة ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه صلى الله عليه وسلم ثم استخلف الناس أبا بكر رضى الله عنه واستخلف أبو بكر عمر رضى الله عنه فأحسنا السيرة وعدلا في الامة وقد وجدنا عليهما أن توليا علينا ونحن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فغفرنا ذلك لهما وولى عثمان رضى الله عنه فعمل بأشياء عابها الناس عليه فساروا إليه فقتلوه ثم أتانى الناس وأنا معتزل أمورهم فقالوا لى بايع فأبيت عليهم فقالوا لى بايع فإن الامة لا ترضى إلا بك وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس فبايعتهم فلم يرعنى إلا شقاق رجلين قد بايعانى وخلاف معاوية الذى لم يجعل الله عز وجل له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الاسلام طليق بن طليق حزب من هذه الاحزاب لم يزل لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين عدوا هو وأبوه حتى دخلا في الاسلام كارهين فلا غرو الا خلافكم معه وانقيادكم له وتدعون آل نبيكم صلى الله عليه وسلم الذين لا ينبغى لكم شقاقهم ولا خلافهم ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحدا ألا إنى أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل

[ 5 ]

وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم واماتة الباطل واحياء معالم الدين أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم ولكل مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة فقال أتشهد ان عثمان رضى الله عنه قتل مظلوما فقال لهما لا أقول انه قتل مظلوما ولا انه قتل ظالما قالا فمن لم يزعم ان عثمان قتل مظلوما فنحن منه برآء ثم قاما فانصرف فقال على " انك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم إن تسمع الا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون " ثم أقبل على على أصحابه فقال لا يكن هؤلاء أولى بالجد في ضلالهم منكم بالجد في حقكم وطاعة ربكم * قال أبو مخنف حدثنى جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوين أن عائذ بن قيس الحزمرى واثب عدى بن حاتم في الراية بصفين وكانت حزمر أكثر من بنى عدى رهط حاتم فوثب عليهم عبد الله بن خليفة الطائى البولانى عند على فقال يا بنى حزمر على عدى تتوثبون وهل فيكم مثل عدى أو في آبائكم مثل أبى عدى أليس بحامي القربة ومانع الماء يوم روية أليس بابن ذى المرباع وابن جواد العرب أليس بابن المنهب ماله ومانع جاره أليس من لم يغدر ولم يفجر ولم يجهل ولم يبخل ولم يمنن ولم يجبن هاتوا في آبائكم مثل أبيه أو هاتوا فيكم مثله أو ليس أفضلكم في الاسلام أو ليس وافدكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس برأسكم يوم النخيلة ويوم القادسية ويوم المدائن ويوم جلولاء الوقيعة ويوم نهاوند ويوم تستر فمالكم وله والله ما من قومكم أحد يطلب مثل الذى تطلبون فقال له على بن أبى طالب حسبك يا ابن خليفة هلم أيها القوم إلى وعلى بجماعة طيئ فأتوه جميعا فقال على من كان رأسكم في هذه المواطن قالت له طيئ عدى فقال له ابن خليفة فسلهم يا أمير المؤمنين أليسوا راضين مسلمين لعدى الرئاسة ففعل فقالوا نعم فقال لهم عدى أحقكم بالراية فسلموها له فقال على وضجت بنو الحزمر إنى أراه رأسكم قبل اليوم ولا أرى قومه كلهم إلا مسلمين له غيركم فأتبع في ذلك الكثرة فأخذها عدى فلما كان أزمان حجر بن عدى طلب عبد الله بن خليفة ليبعث به مع حجر وكان من أصحابه فسير إلى الجبلين وكان عدى قدمناه أن يرده وأن يطلب فيه فطال

[ 6 ]

عليه ذلك فقال وتنسونني يوم الشريعة والقنا * بصفين في أكتافهم قد تكسرا جزى ربه عنى عدى بن حاتم * برفضى وخذلاني جزاء موفرا أتنسى بلائى سادرا يا ابن حاتم * عشية ما أغنت عديك حزمرا فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا * وكنت أنا الخصم الالد العذورا فولوا وما قاموا مقامي كأنما * رأوني ليثا بالاباءة محدرا نصرتك إذ خام القريب وأبعد ال‍ * بعيد وقد أفردت نصرا مؤزرا فكان جزائي أن أجرد بينكم * سجينا وأن أولى الهوان وأوسرا وكم عدة لى منك أنك راجعي * فلم تغن بالميعاد عنى حبترا تكتيب الكتائب وتعبية الناس للقتال قال ومكث الناس حتى إذا دنا انسلاخ المحرم أمر على مرثد بن الحارث الجشمى فنادى أهل الشأم عند غروب الشمس ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم إنى قد استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه واحتججت عليكم بكتاب الله عز وجل فدعوتكم إليه فلم تناهوا عن طغيان ولم تجيبوا إلى حق وإنى قد نبذت اليكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ففزع أهل الشأم إلى أمرائهم ورؤسائهم وخرج معاوية وعمرو ابن العاص في الناس يكتبان الكتائب ويعبيان الناس وأوقدوا النيران وبات على ليلته كلها يعبى الناس ويكتب الكتائب ويدور في الناس يحرضهم قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن جندب الازدي عن أبيه أن عليا كان يأمرنا في كل موطن لقينا فيه معه عدوا فيقول لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤكم فأنتم بحمد الله عز وجل على حجة وترككم إياهم حتى يبدؤكم حجة أخرى لكم فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا إلا بإذن ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فانهن ضعاف القوى والانفس قال أبو مخنف

[ 7 ]

وحدثني اسماعيل بن يزيد عن أبى صادق عن الحضرمي قال سمعت عليا يحرض الناس في ثلاثة مواطن يحرض الناس يوم صفين ويوم الجمل ويوم النهر يقول عباد الله اتقوا الله وغضوا الابصار واخفضوا الاصوات وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجاولة والمبارزة والمناضلة والمبالدة والمعانقة والمكادمة الملازمة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين اللهم ألهمهم الصبر وأنزل عليهم النصر وأعظم لهم الاجر فأصبح على من الغد فبعث على الميمنة والميسرة والرجالة والخيل * قال أبو مخنف فحدثني فضيل بن خديج الكندى أن عليا بعث على خيل أهل الكوفة الاشتر وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف وعلى رجالة أهل الكوفة عمار ابن ياسر وعلى رجالة أهل البصرة قيس بن سعد وهاشم بن عتبة ومعه رايته ومسعر ابن فدكى التميمي على قراء أهل البصرة وصار أهل الكوفة إلى عبد الله بن بديل وعمار بن ياسر * قال أبو مخنف وحدثني عبد الله بن يزيد بن جابر الازدي عن القاسم مولى يزيد بن معاوية أن معاوية بعث على ميمنته ابن ذى الكلاع الحميرى وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهرى وعلى مقدمته يوم أقبل من دمشق أبا الاعور السلمى وكان على خيل أهل دمشق وعمرو بن العاص على خيول أهل الشأم كلها ومسلم بن عقبة المرى على رجالة أهل دمشق والضحاك بن قيس على رجالة الناس كلها وبايع رجال من أهل الشأم على الموت فعقلوا أنفسهم بالعمائم فكان المعقلون خمسة صفوف وكانوا يخرجون ويصفون عشرة صفوف ويخرج أهل العراق أحد عشر صفا فخرجوا أول يوم من صفين فاقتتلوا وعلى من خرج يومئذ من أهل الكوفة الاشتر وعلى أهل الشأم حبيب بن مسلمة وذلك يوم الاربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا جل النهار ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عددها وعدتها وخرج إليه أبو الاعور فاقتتلوا يومهم ذلك يحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال ثم انصرفوا وقد كان القوم صبر بعضهم لبعض وخرج اليوم الثالث عمار بن ياسر وخرج إليه

[ 8 ]

عمرو بن العاص فاقتتل الناس كأشد القتال وأخذ عمار يقول يا أهل العراق أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين فلما رأى الله عز وجل يعز دينه ويظهر رسوله أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو فيما نرى راهب غير راغب ثم قبض الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم فوالله ان زال بعده معروفا بعداوة المسلم وهوادة المجرم فاثبتوا له وقاتلوه فإنه يطفئ نور الله ويظاهر أعداء الله عز وجل فكان مع عمار زياد بن النضر على الخيل فأمره أن يحمل في الخيل فحمل وقاتله الناس وصبروا له وشد عمار في الرجال فأزال عمرو بن العاص عن موقفه وبارز يومئذ زياد بن النضر أخا له لامه يقال له عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عقيل وكانت أمهما امرأة من بنى يزيد فلما التقيا تعارفا فتواقفا ثم انصرف كل واحد منهما عن صاحبه وتراجع الناس فلما كان من الغد خرج محمد بن على وعبيدالله بن عمر في جمعين عظيمين فاقتتلوا كأشد القتال ثم ان عبيدالله بن عمر أرسل إلى ابن الحنفية أن اخرج إلى فقال نعم ثم خرج يمشى فبصر به أمير المؤمنين فقال من هذان المتبارزان فقيل ابن الحنفية وعبيدالله بن عمر فحرك دابته ثم نادى محمدا فوقف له فقال أمسك دابتي فاسمكها ثم مشى الله على فقال أبرز لك هلم إلى فقال ليست لى في مبارزتك حاجة فقال بلى فقال لا فرجع ابن عمر فأخذ ابن الحنفية يقول لابيه يا أبت لم منعتني من مبارزته فوالله لو تركتني لرجوت أن أقتله فقال لو بارزته لرجوت أن تقتله وما كنت آمن أن يقتلك فقال يا أبت أو تبرز لهذا الفاسق والله لو أبوه سألك المبارزة لرغبت بك عنه فقال على يا بنى لا تقل في أبيه إلا خيرا ثم إن الناس تحاجزوا وتراجعوا قال فلما كان اليوم الخامس خرج عبد الله بن عباس والوليد بن عقبة فاقتتلوا قتالا شديدا ودنا ابن عباس من الوليد بن عقبة فأخذ الوليد يسب بنى عبد المطلب وأخذ يقول يا ابن عباس قطعتم أرحامكم وقتلتم إمامكم فكيف رأيتم الله صنع بكم لم تعطوا ما طلبتم ولم تدركوا ما أملتم والله إن شاء الله مهلككم وناصر عليكم فأرسل إليه ابن عباس أن ابرز لى فأبى وقاتل ابن عباس يومئذ قتالا شديدا

[ 9 ]

وغشى الناس بنفسه ثم خرج قيس بن سعد الانصاري وابن ذى الكلاع الحميرى فاقتلوا قتالا شديدا ثم انصرفا وذلك اليوم السادس ثم خرج الاشتر وعاد إليه حبيب بن مسلمة اليوم السابع فاقتتلا قتالا شديدا ثم انصرفا عند الظهر وكل غير غالب وذلك يوم الثلاثاء * قال أبو مخنف حدثنى مالك بن أعين الجهنى عن زيد ابن وهب أن عليا قال حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا فقام في الناس عشية الثلاثاء ليلة الاربعاء بعد العصر فقال الحمد لله الذى لا يبرم ما نقض وما أبرم لا ينقضه الناقضون لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه ولا تنازعت الامة في شئ من أمره ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الاقدار فلفت بيننا في هذا المكان فنحن من ربنا بمرأى ومسمع فلو شاء عجل النقمة وكان منه التغيير حتى يكذب الله الظالم ويعلم الحق أين مصيره ولكنه جعل الدنيا دار الاعمال وجعل الآخرة عنده هي دار القرار ليجزى الذين أساؤا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى ألا إنكم لاقو القوم غدا فأطيلوا الليلة القيام وأكثروا تلاوة القرآن وسلوا الله عز وجل النصر والصبر والقوهم بالجد والحزم وكونوا صادقين ثم انصرف ووثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها ومر بهم كعب بن جعيل التغلبي وهو يقول: أصبحت الامة في أمر عجب * والملك مجموع غدا لمن غلب فقلت قولا صادقا غير كذب * إن غدا تهلك أعلام العرب قال فلما كان من الليل خرج على فعبى الناس ليلته كلها حتى إذا أصبح زحف بالناس وخرج إليه معاوية في أهل الشام فأخذ على يقول من هذه القبيلة ومن هذه القبيلة فنسبت له قبائل أهل الشأم حتى إذا عرفهم ورأى مراكزهم قال للازد اكفوني الازد وقال لخثعم اكفوني خثعم وأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشأم إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشأم أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى تكون بالشأم ليس منهم بالعراق واحد مثل بجيلة لم يكن منهم بالشأم إلا عدد قليل فصرفهم إلى لخم ثم تناهض الناس يوم الاربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا نهارهم

[ 10 ]

كله ثم انصرفوا عند المساء وكل غير غالب حتى إذا كان غداة الخميس صلى على بغلس * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن جندب الازدي عن أبيه قال ما رأيت عليا غلس بالصلاة أشد من تغليسه يومئذ ثم خرج بالناس إلى أهل الشأم فزحف إليهم فكان يبدأهم فيسير إليهم فإذا رأوه قد زحف إليهم استقبلوه بوجوههم * قال أبو مخنف حدثنى مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهنى أن عليا خرج إليهم غداة الاربعاء فاستقبلهم فقال اللهم رب السقف المرفوع المحفوظ المكفوف الذى جعلته مغيضا لليل والنهار وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم وجعلت سكانه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة ورب هذه الارض التى جعلتها قرارا للانام والهوام والانعام وما لا يحصى مما لا يرى ومما يرى من خلقك العظيم ورب الفلك التى تجرى في البحر يما ينفع الناس ورب السحاب المسخر بين السماء والارض ورب البحر المسجور المحيط بالعالم ورب الجبال الرواسى التى جعلتها للارض أوتادا وللخلق متاعا إن أظهر تنا على عدونا فجنبنا البغى وسددنا للحق وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة واعصم بقية أصحابي من الفتنة قال وازدلف الناس يوم الاربعاء فاقتتلوا كأشد القتال يومهم حتى الليل لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا للصلاة وكثرت القتلى بينهم وتحاجزوا عند الليل وكل غير غالب فأصبحوا من الغد فصلى بهم على غداة الخميس فغلس بالصلاة أشد التغليس ثم بدأ أهل الشأم بالخروج فلما رأوه قد أقبل إليهم خرجوا إليه بوجوههم وعلى ميمنته عبد الله بن بديل وعلى ميسرته عبد الله ابن عباس وقراء أهل العراق مع ثلاثة نفر مع عمار بن ياسر ومع قيس بن سعد ومع عبد الله بن بديل والناس على راياتهم ومراكزهم وعلى في القلب في أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة وعظم من معه من أهل المدينة الانصار ومعه من خزاعة عدد حسن ومن كنانة وغيرهم من أهل المدينة ثم زحف إليهم بالناس ورفع معاوية قبة عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس وبايعه عظم الناس من أهل الشأم على الموت وبعث خيل أهل دمشق فاحتاطت بقبته وزحف عبد الله ابن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة فلم يزل يحوزه ويكشف خيله من الميسرة

[ 11 ]

حتى اضطرهم إلى قبة معاوية عند الظهر * قال أبو مخنف حدثنى مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهنى أن ابن بديل قام في أصحابه فقال ألا إن معاوية ادعى ما ليس أهله ونازع هذا الامر من ليس مثله وجادل بالباطل ليدحض به الحق وصال عليكم بالاعراب والاحزاب قد زين لهم الضلالة وزرع في قلوبهم حب الفتنة ولبس عليهم الامر وزادهم رجسا إلى رجسهم وأنتم على نور من ربكم وبرهان مبين فقاتلوا الطغاة الجفاة ولا تخشوهم فكيف تخشونهم وفى أيديكم كتاب الله عز وجل طاهرا مبرورا (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) وقد قاتلناهم مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة وهذه ثانية والله ما هم في هذه بأتقى ولا أزكى ولا أرشد قوموا إلى عدوكم بارك الله عليكم فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن أبى عمرة الانصاري عن أبيه ومولى له أن عليا حرض الناس يوم صفين فقال إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تشفى بكم على الخير الايمان بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيل الله تعالى ذكره وجعل ثوابه مغفرة الذنب ومساكن طيبة في جنات عدن ثم أخبركم أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الاضراس فانه أنبى للسيوف عن الهام والتووا في أطراف الرماح فانه أصون للاسنة وغضوا الابصار فانه أربط للجأش وأسكن للقلوب وأميتوا الاصوات فانه أطرد للفشل وأولى بالوقار راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدى شجعانكم فان المانع للذمار والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم ويكنفونها يضربون حفافيها خلفها وامامها ولا يضعونها أجزأ امرؤ وقذ قرنه رحكم الله وآسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيكسب بذلك لائمة ويأتى به دناءة وأنى لا يكون هذا هكذا وهذا يقاتل اثنين وهذا ممسك بيده يدخل قرنه على أخيه هاربا منه أو قائما ينظر إليه من يفعل هذا يمقته الله عز وجل فلا

[ 12 ]

تعرضوا لمقت الله سبحانه فإنما مردكم إلى الله قال الله عز من قائل لقوم (لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا) وايم الله لئن سلمتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة استعينوا بالصدق والصبر فان بعد الصبر ينزل الله النصر الجد في الحرب القتال قال أبو مخنف حدثنى أبو روق الهمداني أن يزيد بن قيس الارحبي حرض الناس فقال إن المسلم السليم من سلم دينه ورأيه وإن هؤلاء القوم والله إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيعناه وإحياء حق رأونا أمتناه وإن يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ليكونوا جبابرة فيها ملوكا فلو ظهروا عليكم لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا لزموكم بمثل سعيد والوليد وعبد الله بن عامر السفيه الضال يجيز أحدهم في مجلسه بمثل ديته ودية أبيه وجده يقول هذا لى ولا إثم على كأنما أعطى تراثه عن أبيه وأمه وإنما هو مال الله عز وجل أفاءه علينا بأسيافنا وأرماحنا فقاتلوا عباد الله القوم الظالمين الحاكمين بغير ما أنزل الله ولا يأخذكم في جهادهم لوم لائم فإنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم وهم من قد عرفتم وخبرتم وايم الله ما ازدادوا إلى يومهم هذا إلا شرا وقاتلهم عبد الله بن بديل في الميمنة قتالا شديدا حتى انتهى إلى قبة معاوية ثم إن الذين تبايعوا على الموت أقبلوا إلى معاوية فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل في الميمنة وبعث إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة فحمل بهم وبمن كان معه على ميمنة الناس فهزمهم وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة حتى لم يبق منهم الا ابن بديل في مائتين أو ثلثمائة من القراء قد أسند بعضهم ظهره إلى بعض وانجفل الناس فأمر على سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة فاستقبلهم جموع لاهل الشأم عظيمة فاحتملتهم حتى ألحقتهم بالميمنة وكان في الميمنة إلى موقف على في القلب أهل اليمن فلما كشفوا انتهت الهزيمة إلى على فانصرف يتمشى نحو الميسرة فانكشفت عنه مضر من الميسرة وثبتت ربيعة قال أبو مخنف حدثنى مالك بن أعين الجهنى عن زيد بن وهب الجهنى قال مر على معه بنوه نحو الميسرة وانى لارى النبل يمر بين عاتقه

[ 13 ]

ومنكبه وما من بنيه أحد إلا يقيه بنفسه فيتقدم فيحول بين أهل الشأم وبينه فيأخذه بيده إذا فعل ذلك فيلقيه بين يديه أو من ورائه فبصر به أحمر مولى أبى سفيان أو عثمان أو بعض بنى أمية فقال ورب الكعبة قتلني الله أن لم أقتلك أو تقتلني فأقبل نحوه فخرج إليه كيسان مولى على فاختلفا ضربتين فقتله مولى بنى أمية وينتهزه على فيقع بيده في جيب درعه فيجبذه ثم حمله على عاتقه فكأني أنظر إلى رجيلتيه تختلفان على عنق على ثم ضرب به الارض فكسر منكبه وعضديه وشدا ابنا على عليه حسين ومحمد فضرباه بأسيافهما فكأني أنظر إلى على قائما وإلى شبليه يضربان الرجل حتى إذا قتلاه وأقبلا إلى أبيهما والحسن قائما قال له يا بنى ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك قال كفياني يا أمير المؤمنين ثم إن أهل الشأم دنوا منه ووالله ما يزيده قربهم منه سرعة في مشيه فقال له الحسن ما ضرك لو سعيت حتى تنتهى إلى هؤلاء الذين قد صبروا لعدوك من أصحابك فقال يا بنى إن لابيك يوما لن يعدوه ولا يبطئ به عنه السعي ولا يعجل به إليه المشى إن أباك والله ما يبالى أوقع على الموت أو وقع الموت عليه قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج السكندى عن مولى للاشتر قال لما انهزمت ميمنة العراق وأقبل على نحو الميسرة مر به الاشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنة فقال له على مالك قال لبيك قال ائت هؤلاء القوم فقل لهم أين فراركم من الموت الذى لن تعجزوه إلى الحياة التى لن تبقى لكم فمضى فاستقبل الناس منهزمين فقال لهم هذه الكلمات التى قالها له على وقال إلى أيها الناس أنا مالك بن الحارث أنا مالك ابن الحارث ثم ظن أنه بالاشتر أعرف في الناس فقال أنا الاشتر إلى أيها الناس فأقبلت إليه طائفة وذهبت عنه طائفة فنادى أيها الناس عضضتم بهن آباءكم ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم أيها الناس أخلصوا إلى مذحجا فاقبلت إليه مذحج فقال عضضتم بصم الجندل ما أرضيتم ربكم ولا نصحتم له في عدوكم وكيف بذلك وأنتم أبناء الحروب وأصحاب الغارات وفتيان الصباح وفرسان الطراد وحتوف الاقران ومذحج الطعان الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولا تطل دماؤهم ولا يعرفون في موطن بخسف وأنتم حد أهل مصركم وأعد حى في قومكم وما تفعلوا في هذا

[ 14 ]

اليوم فانه مأثور بعد اليوم فاتقوا مأثور الاحاديث في غد واصدقوا عدوكم اللقاء فان الله مع الصادقين والذى نفس مالك بيده ما من هؤلاء وأشار بيده إلى أهل الشام رجل على مثال جناح بعوضة من محمد صلى الله عليه وسلم أنتم ما أحسنتم القراع اجلوا سواد وجهى يرجع في وجهى دمى عليكم بهذا السواد الاعظم فان الله عز وجل لوقد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع مؤخر السيل مقدمه قالوا خذ بنا حيث أحببت وصمد نحو عظمهم فيما يلى الميمنة فأخذ يزحف إليهم ويردهم ويستقبله شباب من همدان وكانوا ثمانمائة مقاتل يومئذ وقد انهزموا آخر الناس وكانوا قد صبروا في الميمنة حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل وقتل منهم أحد عشر رئيسا كلما قتل منهم رجل أخد الراية آخر فكان الاول كريب بن شريح ثم شرحبيل بن شريح ثم مرثد بن شريح ثم هبيرة بن شريح ثم يريم بن شريح ثم سمير بن شريح فقتل هؤلاء الاخوة الستة جميعا ثم أخذ الراية سفيان بن زيد ثم عبد بن زيد ثم كريب بن زيد فقتل هؤلاء الاخوة الثلاثة جميعا ثم أخذ الراية عمير بن بشير ثم الحارث بن بشير فقتلا ثم أخذ الراية وهب بن كريب أخو القلوص فأراد أن يستقبل فقال له رجل من قومه انصرف بهذه الراية رحمك الله فقد قتل أشراف قومك حولها فلا تقتل نفسك ولا من بقى من قومك فانصرفوا وهم يقولون ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت ثم نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتى نقتل أو نظفر فمروا بالاشتر وهم يقولون هذا القول فقال لهم الاشتر إلى أنا أحالفكم وأعاقدكم على أن لا نرجع أبدا حتى نظفر أو نهلك فأتوه فوقفوا معه ففى هذا القول قال كعب بن جعيل التغلبي وهمدان زرق تبتغى من تحالف وزحف الاشتر نحو الميمنة وثاب إليه ناس تراجعوا من أهل الصبر والحياء والوفاء فأخذ لا يصمد لكتيبة إلا كشفها ولا لجمع إلا حازه ورده فانه لكذلك إذ مر بزياد ابن النضر يحمل إلى العسكر فقال من هذا فقيل زياد بن النضر استلحم عبد الله ابن بديل وأصحابه في الميمنة فتقدم زياد فرفع لاهل الميمنة رايته فصبروا وقاتل حتى صرع ثم لم يمكثوا إلا كلا شئ حتى مر بيزيد بن قيس الارحبي محمولا نحو

[ 15 ]

العسكر فقال الاشتر من هذا فقالوا يزيد بن قيس لما صرع زياد بن النضر رفع لاهل الميمنة رايته فقاتل حتى صرع فقال الاشتر هذا والله الصبر الجميل والفعل الكريم ألا يستحى الرجل أن ينصرف لا يقتل ولا يقتل أو يشفى به على القتل قال أبو مخنف حدثنى أبو جناب الكلبى عن الحر بن الصياح النخعي أن الاشتر يومئذ كان يقاتل على فرس له في يده صفيحة يمانية إذا طأطأها خلت فيها ماء منصبا وإذا رفعها كاد يغشى البصر شعاعها وجعل يضرب بسيفه ويقول الغمرات ثم ينجلينا قال فبصر به الحارث بن جمهان الجعفي والاشتر متقنع في الحديد فلم يعرفه فدنا منه فقال له جزاك الله خيرا منذ اليوم عن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين فعرفه الاشتر فقال ابن جمهان مثلك يتخلف عن مثل موطنى هذا الذى أنا فيه فنظر إليه ابن جمهان فعرفه فكان من أعظم الرجال وأطوله وكان في لحيته حفها قليلا فقال جعلت فداك لا والله ما علمت بمكانك إلا الساعة ولا أفارقك حتى أموت قال ورآه منقذ وحمير ابنا قيس الناعطيان فقال منقذ لحمير ما في العرب مثل هذا إن كان من أرى من قتاله فقال له حمير وهل النية إلا ما تراه يصنع قال إنى أخاف أن يكون يحاول ملكا * قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج عن مولى للاشتر أنه لما اجتمع إليه عظم من كان انهزم عن اليمنة حرضهم ثم قال عضوا على النواجذ من الاضراس واستقبلوا القوم بهامكم وشدوا شدة قوم موتورين ثأرا بآبائهم وإخوانهم حناقا على عدوهم قد وطنوا على الموت أنفسهم كيلا يسبقوا بوتر ولا يلحقوا في الدنيا عارا وايم الله ما وتر قوم قط بشئ أشد عليهم من أن يوتروا دينهم وإن هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم ليميتوا السنة ويحيوا البدعة ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله عز وجل منها بحسن البصيرة فطيبوا عباد الله أنفسا بدمائكم دون دينكم فإن ثوابكم على الله والله عنده جنات النعيم وإن الفرار من الزحف فيه السلب للعز والغلبة على الفئ وذل المحيا والممات وعار الدنيا والآخرة وحمل عليهم حتى كشفهم فألحقهم بصفوف معاوية بين صلاة العصر والمغرب

[ 16 ]

وانتهى إلى عبد الله بن بديل وهو في عصبة من القراء بين المائتين والثلثمائة وقد لصقوا بالارض كأنهم جثا فكشف عنهم أهل الشأم فأبصروا إخوانهم قد دنوا منهم فقالوا ما فعل أمير المؤمنين قالوا حى صالح في الميسرة يقاتل الناس أمامه فقالوا الحمد لله قد كنا ظننا أن قد هلك وهلكتم وقال عبد الله بن بديل لاصحابه استقدموا بنا فأرسل الاشتر إليه أن لا تفعل اثبت مع الناس فقاتل فانه خير لهم وأبقى لك ولاصحابك فأبى فمضى كما هو نحو معاوية وحوله كأمثال الجبال وفى يده سيفان وقد خرج فهو أمام أصحابه فأخذ كلما دنا منه رجل ضربه فقتله حتى قتل سبعة ودنا من معاوية فنهض إليه الناس من كل جانب وأحيط به وبطائفة من أصحابه فقاتل حتى قتل وقتل ناس من أصحابه ورجعت طائفة قد خرجوا منهزمين فبعث الاشتر بن جمهان الجعفي فحمل على أهل الشأم الذين يتبعون من نجا من أصحاب ابن بديل حتى نفسوا عنهم وانتهوا إلى الاشتر فقال لهم ألم يكن رأيى لكم خير من رأيكم لانفسكم ألم آمركم أن تثبتوا مع الناس وكان معاوية قال لابن بديل وهو يضرب قدما أترونه كبش القوم فلما قتل أرسل إليه فقال انظروا من هو فنظر إليه ناس من أهل الشأم فقالوا لا نعرفه فأقبل إليه حتى وقف عليه فقال بلى هذا عبد الله بن بديل والله لو استطاعت نساء خزاعة أن تقاتلنا فضلا على رجالها لفعلت مدوه فمدوه فقال هذا والله كما قال الشاعر أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت يوما به الحرب شمرا والبيت لحاتم طيئ وأن الاشتر زحف إليهم فاستقبله معاوية بعك والاشعرين فقال الاشتر لمذحج أكفونا عكا ووقف في همدان وقال لكندة اكفونا الاشعرين فاقتتلوا قتالا شديدا وأخذ يخرج إلى قومه فيقول إنما هم عك فاحملوا عليهم فيجثون على الركب ويرتجزون يا ويل أم مذحج من عك * هاتيك أم مذحج تبكى فقاتلوهم حتى المساء ثم إنه قاتلهم في همدان وناس من طوائف الناس فحمل عليهم فأزالهم عن مواقفهم حتى ألحقهم بالصفوف الخمسة المعقلة بالعمائم حول

[ 17 ]

معاوية ثم شد عليهم شدة أخرى فصرع الصفوف الاربعة وكانوا معقلين بالعمائم حتى انتهوا إلى الخامس الذى حول معاوية ودعا معاوية بفرس فركب وكان يقول أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن الاطنابة من الانصار كان جاهليا والاطنابة امرأة من بلقين أبت لى عفتى وحياء نفسي * وإقدامى على البطل المشيح وإعطائي على المكروه مالى * وأخذى الحمد بالثمن الربيح وقولى كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدى أو تستريحي فمنعني هذا القول من الفرار * قال أبو مخنف حدثنى مالك بن أعين الجهنى عن زيد بن وهب أن عليا لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقفها ومصافها وكشفت من بإزائها من عدوها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم أقبل حتى انتهى إليهم فقال إنى قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم يحوزكم الطغاة الجفاة وأعراب أهل الشأم وأنتم لهاميم العرب والسنام الاعظم وعمار الليل بتلاوة القرآن وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولى يوم الزحف دبره وكنتم من الهالكين ولكن هون وجدى وشفى بعض أحاح نفس أنى رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم تحسونهم بالسيوف تركب أولاهم أخراهم كالابل المطردة فالآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة وثبتكم الله عز وجل باليقين ليعلم المنهزم أنه مسخط ربه وموبق نفسه إن في الفرار موجدة الله عز وجل عليه والذل اللازم والعار الباقي واعتصار الفئ من يده وفساد العيش عليه وأن الفار منه لا يزيد في عمره ولا يرضى ربه فموت المرء محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتأنيس لها والاقرار عليها * قال أبو مخنف حدثنا عبد السلام بن عبد الله ابن جابر الاحمسي أن راية بجيلة بصفين كانت في أحمس بن الغوث بن أنمار مع أبى شداد وهو قيس بن مكشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن جابر بن على ابن أسلم بن أحمس بن الغوث وقال له بجيلة خذ رايتا فقال غيرى خير لكم منى

[ 18 ]

قالوا ما نريد غيرك قال والله لئن أعطيتمونيها لا أنتهى بكم دون صاحب الترس المذهب قالوا اصنع ما شئت فأخذها ثم زحف حتى انتهى بهم إلى صاحب الترس المذهب وكان في جماعة عظيمة من أصحاب معاوية وذكروا أنه عبد الرحمن بن خالد ابن الوليد المخزومى فاقتتل الناس هنالك قتالا شديدا فشد بسيفه نحو صاحب الترس فتعرض له رومى مولى لمعاوية فيضرب قدم أبى شداد فيقطعها ويضربه أبو شداد فيقتله وأشرعت إليه الاسنة فقتل وأخذ الراية عبد الله بن قلع الاحمسي وهو يقول لا يبعد الله أبا شداد * حيث أجاب دعوة المنادى وشد بالسيف على الاعادي * نعم الفتى كان لدا الطراد وفى طعان الرجل والجلاد فقاتل حتى قتل فأخذ الراية أخوه عبد الرحمن بن قلع فقاتل حتى قتل ثم أخذها عفيف بن إياس فلم تزل في يده حتى تحاجز الناس وقتل حازم بن أبى حازم الاحمسي أخو قيس بن أبى حازم يومئذ وقتل نعيم بن صهيب بن العلية البجلى يومئذ فأتى ابن عمه وسميه نعيم بن الحارث ابن العلية معاوية وكان معه فقال إن هذا القتيل ابن عمى فهبه لى أدفنه فقال لا تدفنه فليسوا لذلك أهلا والله ما قدرنا على دفن ابن عفان رضى الله عنه إلا سرا قال والله لتأذنن في دفنه أو لالحقن بهم ولادعنك قال معاوية أترى أشياخ العرب قد أحالتهم أمورهم فأنت تسألني في دفن ابن عمك ادفنه إن شئت أودع فدفنه * قال أبو محنف حدثنى الحارث بن حصيرة الازدي عن أشياخ من النمر من الازد أن مخنف بن سليم لما ندبت الازد للازد حمد الله وأثنى عليه ثم قال إن من الخطإ الجليل والبلاء العظيم أنا صرفنا إلى قومنا وصرفوا الينا والله ما هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا وما هي إلا أجنحتنا نجدها بأسيافنا فإن نحن لم نؤاس جماعتنا ولم نناصح صاحبنا كفرنا وإن نحن فعلنا فعزنا أبحنا ونارنا أخمدنا فقال له جندب بن زهير والله لو كنا آباءهم وولدناهم أو كنا أبناءهم وولدونا ثم خرجوا من جماعتنا وطعنوا على إمامنا وإذا هم الحاكمون بالجور على أهل ملتنا وذمتنا ما افترقنا بعد أن اجتمعنا حتى يرجعوا عماهم عليه ويدخلوا فيما

[ 19 ]

ندعوهم إليه أو تكثر القتلى بيننا وبينهم فقال له مخنف وكان ابن خالته عز الله بك النية أما والله ما علمت صغيرا وكبيرا إلا مشؤوما والله ما ميلنا الرأى قط أيهما نأتى أو أيهما ندع في الجاهلية ولا بعد أن أسلمنا إلا اخترت أعسرهما وأنكدهما اللهم إن تعافى أحب الينا من أن تبتلى فأعط كل امرئ منا ما يسألك وقال أبو بريدة بن عوف اللهم احكم بيننا بما هو أرضى لك يا قوم إنكم تبصرون بما يصنع الناس وإن لنا الاسوة بما عليه الجماعة إن كنا على حق وإن يكونوا صادقين فان أسوة في الشر والله ما علمنا ضرر في المحيا والممات وتقدم جندب بن زهير فبارز رأس أزد الشأم فقتله الشامي وقتل من رهطه عجل وسعد ابنا عبد الله من بنى ثعلبة وقتل مع مخنف من رهطه عبد الله وخالد ابنا ثاجد وعمرو وعامر ابنا عويف وعبد الله ابن الحجاج وجندب بن زهير وأبو زينب بن عوف بن الحارث وخرج عبد الله ابن أبى الحصين الازدي في القراء الذين مع عمار بن ياسر فأصيب معه * قال أبو مخنف وحدثني الحارث بن حصيرة عن أشياخ النمر أن عقبة بن حديد النمري قال يوم صفين ألا إن مرعى الدنيا أصبح هشيما وأصبح شجرها خضيدا وجديدها سملا وحلوها مر المذاق ألا وإنى أنبئكم نبأ امرئ صادق إنى قد سئمت الدنيا وعزفت نفسي عنها وقد كنت أتمنى الشهادة وأتعرض لها في كل جيش وغارة فأبى الله عز وجل إلا أن يبلغني هذا اليوم ألا وإنى متعرض لها من ساعتي هذه قد طمعت ألا أحرمها فما تنتظرون عباد الله بجهاد من عادى الله خوفا من الموت القادم عليكم الذاهب بأنفسكم لا محالة أو من ضربة كف بالسيف تستبدلون الدنيا بالنظر في وجه الله عز وجل وموافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار القرار ما هذا بالرأى السديد ثم مضى فقال يا إخوتي قد بعت هذه الدار بالتى أمامها وهذا وجهى البها لا تبرح وجوهكم ولا يقطع الله عز وجل رجاءكم فتبعه إخوته عبيدالله وعوف ومالك وقالوا لا نطلب رزق الدنيا بعدك فقبح الله العيش بعدك اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك فاستقدموا فقاتلوا حتى قتلوا * قال أبو مخنف حدثنى ملة ابن زهير النهدي عن أبى مسلم بن عبد الله الضبابى قال شهد ت صفين مع الحى ومعنا

[ 20 ]

ثمر بن ذى الجوشن الضبابى فبارزه أدهم بن محرز الباهلى فضرب أدهم وجه شمر بالسيف وضربه شمر ضربة لم تضرره فرجع شمر إلى رحله فشرب شربة وكان قد ظمئ ثم أخذ الرمح فأقبل وهو يقول إنى زعيم لاخى باهله * بطعنة إن لم أصب عاجله أو ضربة تحت القنا والوغى * شبيهة بالقتل أو قاتله ثم حمل على أدهم فصرعه ثم قال هذه بتلك * قال أبو مخنف حدثنى عمرو بن عمرو بن عوف بن مالك الجشمى أن بشر بن عصمة المزني كان لحق بمعاوية فلما اقتتل الناس بصفين بصر بشر بن عصمة بمالك بن العقدية وهو مالك بن الجلاح الجشمى ولكن العقدية غلبت عليه فرآه بشر وهو يفرى في أهل الشأم فريا عجيبا وكان رجلا مسلما شجاعا فغاظ بشر ما رأى منه فحمل عليه فطعنه فصرعه ثم انصرف فندم لطعنته إياه جبارا فقال وإنى لارجو من مليكى تجاوزا * ومن صاحب الموسوم في الصدر هاجس دلفت له تحت الغبار بطعنة * على ساعة فيها الطعان تخالس فبلغت مقالته ابن العقدية فقال ألا أبلغا بشر بن عصمة أننى * شغلت وألهاني الذين أمارس فصادفت منى غرة وأصبتها * كذلك والابطال ماض وخالس ثم حمل عبد الله بن الطفيل البكائى على جمع لاهل الشأم فلما انصرف حمل عليه رجل من بنى تميم يقال له قيس بن قرة ممن لحق بمعاوية من أهل العراق فيضع الرمح بين كتفي عبد الله بن الطفيل ويعترضه يزيد بن معاوية ابن عم عبد الله بن الطفيل فيضع الرمح بين كنفى التميمي فقال والله لئن طعنته لاطعننك فقال عليك عهد الله وميثاقه لئن رفعت السنان عن ظهر صاحبك لترفعن سنانك عنى فقال له نعيم لك بذلك عهد الله فرفع السنان عن ابن الطفيل ورفع يزيد السنان عن التميمي فقال ممن أنت قال من بنى عامر فقال له جعلني الله فداكم أبتما إلفكم الفكم كراما وإنى لحادي عشر رجلا من أهل بيتى ورهطي قتلتموهم اليوم وأنا كنت آخرهم

[ 21 ]

فلما رجع الناس إلى الكوفة عتب على يزيد بن الطفيل في بعض ما يعتب فيه الرجل على ابن عمه فقال له ألم ترنى حاميت عنك مناصحا * بصفين إذ خلاك كل حميم ونهنهت عنك الحنظلي وقد أتى * على سابح ذى ميعة وهزيم قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج قال خرج رجل من أهل الشأم يدعو إلى المبارزة فخرج إليه عبد الرحمن بن محرز الكندى ثم الطحمى فتجاولا ساعة ثم إن عبد الرحمن حمل على الشأمى فطعنه في ثغرة نحره فصرعه ثم نزل إليه فسلبه درعه وسلاحه فإذا هو حبشي فقال إنا لله لمن اخطرت نفسي لعبد أسود وخرج رجل من عك يسأل المبارزة فخرج إليه قيس بن فهدان الكنانى ثم البدني فحمل عليه العكى فضربه واحتمله أصحابه فقال قيس بن فهدان لقد علمت عك بصفين أننا * إذا التقت الخيلان نطعنها شزرا ونحمل رايات الطعان بحقها * فنوردها بيضا ونصدرها حمرا قال أبو مخنف وحدثني فضيل بن خديج أن قيس بن فهدان كان يحرض أصحابه فيقول شدوا إذا شددتم جميعا وإذا انصرفتم فأقبلوا معا وغضوا الابصار وأقلوا اللفظ واعتوروا الاقران ولا يؤتين من قبلكم العرب قال وقتل نهيك بن عزير من بنى الحارث بن عدى وعمرو بن يزيد من بنى ذهل وسعيد بن عمرو وخرج قيس بن يزيد وهو ممن فر إلى معاوية من على فدعا إلى المبارزة فخرج إليه أخوه أبو العمرطة بن يزيد فتعارفا فتواقفا وانصرفا إلى الناس فأخبر كل واحد منهما أنه لقى أخاه * قال أبو مخنف حدثنى جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوين الطائى أن طيئا يوم صفين قاتلت قتالا شديدا فعبيت لهم جموع كثيرة فجاءهم حمزة ابن مالك الهمداني فقال ممن أنتم لله أنتم فقال عبد الله بن خليفة البولانى وكان شيعيا شاعرا خطيبا نحن طيئ السهل وطيئ الرمل وطيئ الجبل الممنوع ذى النخل نحن حماة الجبلين إلى ما بين العذيب والعين نحن طيئ الرماح وطيئ النطاح وفرسان الصباح فقال حمزة بن مالك بخ بخ إنك لحسن الثناء على قومك فقال

[ 22 ]

إن كنت لم تشعر بنجدة معشر * فأقدم علينا ويب غيرك تشعر ثم اقتتل الناس أشد القتال فأخذ يناديهم ويقول يا معشر طيئ فدى لكم طارفى وتالدى قاتلوا على الاحساب وأخذ يقول أنا الذى كنت إذا الداعي دعا * مصمما بالسيف ندبا أروعا فأنزل المستلئم المقنعا * وأقتل المبالط السميدعا وقال بشر بن العسوس الطائى ثم الملقطى يا طيئ السهول والاجبال ألا انهدوا بالبيض والعوالى ؟ * وبالكماة منكم الابطال فقارعوا أيمة الجهال * السالكين سبل الضلال ففقئت يومئذ عين أبى العسوس فقال في ذلك ألا ليت عينى هذه مثل هذه * فلم أمش في الآناس إلا بقائد ويا ليتني لم أبق بعد مطرف * وسعد وبعد المستنيرين خالد فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم * إذا الحرب أبدت عن خدام الخرائد ويا ليت رجلى ثم طنت بنصفها * ويا ليت كفى ثم طاحت بساعدي قال أبو مخنف حدثنى أبو الصلت التيمى قال حدثنى أشياخ محارب أنه كان منهم رجل يقال له خنثر بن عبيدة بن خالد وكان من أشجع الناس فلما اقتتل الناس يوم صفين جعل يرى أصحابه منهزمين فأخذ ينادى يا معشر قيس أطاعة الشيطان آثر عندكم من طاعة الرحمن الفرار فيه معصية الله سبحانه وسخطه والصبر فيه طاعة الله عز وجل ورضوانه فتختارون سخط الله تعالى على رضوانه ومعصيته على طاعته فانما الراحة بعد الموت لمن مات محاسبا لنفسه وقال لا وألت نفس امرئ ولى الدبر * أنا الذى لا ينثنى ولا يفر ولا يرى مع المعازيل الغدر فقاتل حتى ارتث ثم إنه خرج مع الخمسمائة الذين كانوا اعتزلوا مع فروة بن نوفل الاشجعى فنزلوا بالدسكرة والبندنيجين فقاتلت النخع يومئذ قتالا شديدا

[ 23 ]

فأصيب منهم يومئذ بكر بن هوذة وحيان بن هوذة وشعيب بن نعيم من بنى بكر النخع وربيعة بن مالك بن وهبيل وأبى بن قيس أخو علقمة بن قيس الفقيه وقطعت رجل علقمة يومئذ فكان يقول ما أحب أن رجلى أصح ما كانت وإنها لمما أرجو به حسن الثواب من ربى عز وجل وقال لقد كنت أحب أن أرى في نومى أخى أو بعض إخوانى فرأيت أخى في النوم فقلت يا أخى ماذا قدمتم عليه فقال لى إنا التقينا نحن والقوم فاحتججنا عند الله عز وجل فحججناهم فما سررت منذ عقلت سروري بتلك الرؤيا * قال أبو مخنف حدثنى سويد بن حية الاسدي عن الحضين ابن المنذر أن أناسا كانوا أتوا عليا قبل الوقعة فقالوا له إنا لا نرى خالد بن المعمر الا قد كاتب معاوية وقد خشينا أن يتابعه فبعث إليه على والى رجال من أشرافنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا معشر ربيعة فأنتم أنصارى ومجيبو دعوتي ومن أوثق حى في العرب في نفسي وقد بلغني أن معاوية قد كاتب صاحبكم خالد بن المعمر وقد أتيت به وجمعتكم لاشهدكم عليه ولتسمعوا أيضا ما أقوله ثم أقبل عليه فقال يا خالد بن المعمر ان كان ما بلغني حقا فإنى أشهد الله ومن حضرني من المسلمين انك آمن حتى تلحق بأرض العراق أو الحجاز أو أرض لا سلطان لمعاوية فيها وان كنت مكذوبا عليك فإن صدورنا تطمئن إليك فحلف بالله ما فعل وقال رجال منا كثير لو كنا نعلم أنه فعل أمثلناه فقال شقيق بن ثور السدوسى ما وفق خالد بن المعمر إن نصر معاوية وأهل الشأم على على وربيعة فقال زياد بن خصفة التيمى يا أمير المؤمنين استوثق من ابن المعمر بالايمان لا يغدرنك فاستوثق منه ثم انصرفنا فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من قبل الميمنة فجاءنا على حتى انتهى إلينا ومعه بنوه فنادى بصوت عال جهير كغير المكترث لما فيه الناس لمن هذه الرايات قلنا رايات ربيعة فقال بل هي رايات الله عز وجل عصم الله أهلها فصبرهم وثبت أقدامهم ثم قال لى يافتى ألا تدنى رايتك هذه ذراعا قلت نعم والله وعشر أذرع فقمت بها فأدنيتها حتى قال إن حسبك مكانك فثبت حيث أمرنى واجتمع أصحابي * قال أبو مخنف حدثنا أبو الصلت التيمى قال

[ 24 ]

سمعت أشياخ الحى من تيم الله بن ثعلبة يقولون إن راية ربيعة أهل كوفتها وبصرتها كانت مع خالد بن المعمر من أهل البصرة قال وسمعتهم يقولون إن خالد بن المعمر وسفيان بن ثور اصطلحا على أن وليا راية بكر بن وائل من أهل البصرة الحضين ابن المنذر الذهلى وتنافسا في الراية وقالا هذا فتى مناله حسب نجعلها له حتى نرى من رأينا ثم إن عليا ولى خالد بن المعمر بعد راية ربيعة كلها قال وضرب معاوية لحمير بسهمهم على ثلاث قبائل لم تكن لاهل العراق قبائل أكثر عددا منها يومئذ على ربيعة وهمدان ومذحج فوقع سهم حمير على ربيعة فقال ذو الكلاع قبحك الله من سهم كرهت الضراب فاقبل ذو الكلاع في حمير ومن تعلقها ومعهم عبيدالله ابن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من قراء أهل الشأم وعلى ميمنتهم ذو الكلاع فحملوا على ربيعة وهم ميسرة أهل العراق وفيهم ابن عباس وهو على الميسرة فحمل عليهم ذو الكلاع وعبيدالله بن عمر حملة شديدة بخيلهم ورجلهم فتضعضعت رايات ربيعة الا قليلا من الاخيار والابدال قال ثم إن أهل الشأم انصرفوا فلم يمكثوا الا قليلا حتى كروا وعبيدالله بن عمر يقول يا أهل الشأم إن هذا الحى من أهل العراق قتلة عثمان بن عفان رضى الله عنه وأنصار على بن أبى طالب وإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم في عثمان وهلك على بن أبى طالب وأهل العراق فشدوا على الناس شدة فثبتت لهم ربيعة وصبروا صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء والفشلة وثبت أهل الرايات وأهل الصبر منهم والحفاظ فلم يزولوا وقاتلوا قتالا شديدا لا فلما رأى خالد بن المعمر ناسا من قومه انصرفوا انصرف فلما رأى أصحاب الرايات قد ثبتوا ورأى قومه قد صبروا رجع وصاح بمن انهزم وأمرهم بالرجوع فقال من أراد من قومه أن يتهمه أراد الانصراف فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا وقال هو لما رأيت رجالا منا انهزموا رأيت أن أستقبلهم وأردهم اليكم واقبلت اليكم فيمن أطاعنى منهم فجاء بأمر مشبه * قال أبو مخنف حدثنى رجل من بكر بن وائل عن محرز بن عبد الرحمن العجلى أن خالدا قال يومئذ يا معشر ربيعة إن الله عز وجل قد أتى بكل رجل منكم من منبته ومسقط رأسه فجمعكم في هذا المكان جمعا لم يجمعكم مثله منذ نشركم في الارض فإن تمسكوا

[ 25 ]

بأيديكم وتنكلوا عن عدوكم وتزولوا عن مصافكم لا يرضى الله فعلكم ولا تقدموا من الناس صغيرا أو كبيرا الا يقول فضحت ربيعة الذمار وحاصت عن القتال وأتيت من قبلها العرب فإياكم ان تتشاءم بكم العرب والمسلمون اليوم وانكم ان تمضوا مقبلين مقدمين وتصيروا محتسبين فإن الاقدام لكم عادة والصبر منكم سجية واصبروا ونيتكم أن تؤجروا فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا وكرامة الآخرة ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا فقام رجل فقال ضاع والله أمر ربيعة حين جعلت إليك أمورها تأمرنا ألا نزول ولا نحول حتى تقتل أنفسنا وتسفك دماءنا ألا ترى الناس قد انصرف جلهم فقام إليه رجال من قومه فنهروه وتناولوه بألسنتهم فقال لهم خالد أخرجوا هذا من بينكم فإن هذا إن بقى فيكم ضركم وإن خرج منكم لم ينقصكم هذا الذى لا ينقص العدد ولا يملا البلد برحك الله من خطيب قوم كرام كيف جنبت السداد واشتد قتال ربيعة وحمير وعبيدالله بن عمر حتى كثرت بينهم القتلى فقتل سمير بن الريان بن الحارث العجلى وكان من أشد الناس بأسا * قال أبو مخنف حدثنى جعفر بن أبى القاسم العبدى عن يزيد بن علقمة عن زيد بن بدر العبدى أن زياد بن خصفة أتى عبد القيس يوم صفين وقد عبيت قبائل حمير مع ذى الكلاع وفيهم عبيدالله بن عمر بن الخطاب لبكر بن وائل فقوتلوا قتالا شديدا خافوا فيه الهلاك فقال زياد بن خصفة يا عبد القيس لا بكر بعد اليوم فركبنا الخيول ثم مضينا فواقفناهم فما لبثنا الا قليلا حتى أصيب ذو الكلاع وقتل عبيدالله بن عمر رضى الله عنه فقالت همدان قتله هانئ بن خطاب الارحبي وقالت حضر موت قتله مالك بن عمرو التنعى وقالت بكر بن وائل قتله محرز بن الصحصح من بنى عائش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة وأخذ سيفه ذا الوشاح فأخذ به معاوية بالكوفة بكر بن وائل فقالوا إنما قتله رجل منا من أهل البصرة يقال له محرز بن الصحصح فبعث إليه بالصرة فأخذ منه السيف وكان رأس النمر بن قاسط عبد الله ابن عمرو من بنى تميم * قال هشام بن محمد الذى قتل عبيدالله بن عمر رضى الله عنه محرز بن الصحصح وأخذ سيفه ذا الوشاح سيف عمرو في ذلك قول كعب

[ 26 ]

ابن جعيل التغلبي ألا إنما تبكى العيون لفارس * بصفين أجلت خيله وهو واقف يبدل من أسماء أسياف وائل * وكان فتى لو أخطأته المتالف تركن عبيدالله بالقاع مسندا * تمج دم الخرق العروق الذوارف وهى أكثر من هذا وقتل منهم يومئذ بشر بن مرة بن شرحبيل والحارث بن شرحبيل وكانت أسماء ابنة عطارد بن حاجب التميمي تحت عبيدالله بن عمر ثم خلف عليها الحسن بن على قال أبو مخنف حدثنى ابن أخى غياث بن لقيط البكري أن عليا حيث انتهى إلى ربيعة تبارت ربيعة بينها فقالوا إن أصيب على فيكم وقد لجأ إلى رايتكم افتضحتم وقال لهم شقيق بن ثور يا معشر ربيعة لا عذر لكم في العرب إن وصل إلى على فيكم وفيكم رجل حى وإن منعتموه فمجد الحياة اكتسبتموه فقاتلوا قتالا شديدا حين جاءهم على لم يكونوا قاتلوا مثله ففى ذلك قال على لمن راية سوداء يخفق ظلها * إذا قيل قدمها حضين تقدما يقدمها في الموت حتى يزيرها * حياض المنايا تقطر الموت والدما أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا * بأسيافنا حتى تولى وأحجما جزى الله قوما صابروا في لقائهم * لدا الموت قوما ما أعف وأكرما وأطيب أحبارا وأكرم شيمة * إذا كان أصوات الرجال تغمغما ربيعة أعنى أنهم أهل نجدة * وبأس إذا لاقوا جشيما عرمرما مقتل عمار بن ياسر قال أبو مخنف حدثنى عبد الملك بن أبى حر الحنفي أن عمار بن ياسر خرج إلى الناس فقال اللهم إنك تعلم أنى لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسى في هذا البحر لفعلته اللهم إنك تعلم أنى لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفى في صدري ثم أنحنى عليها حتى تخرج من ظهرى لفعلت وإنى لا أعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ولو أعلم أن عملا من الاعمال هو أرضى لك منه لفعلته * قال أبو مخنف حدثنى الصقعب بن زهير الازدي قال سمعت عمارا يقول والله إنى لارى

[ 27 ]

قوما ليضربنكم ضربا يرتاب منه المبطلون وايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل * حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال حدثنا محمد بن فضيل قال حدثنا مسلم الاعور عن حبة بن جوين العرنى قال انطلقت أنا وابو مسعود إلى حذيفة بالمدائن فدخلنا عليه فقال مرحبا بكما ما خلفتما من قبائل العرب أحدا أحب إلى منكما فأسندته إلى أبى مسعود فقلنا يا أبا عبد الله حدثنا فإنا نخاف الفتن فقال عليكما بالفتنة التى فيها ابن سمية انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق وان آخر رزقه ضياح من لبن قال حبة فشهدته يوم صفين وهو يقول ائتونى بآخر رزق لى من الدنيا فأتى بضياح من لبن في قدح أروح له حلقة حمراء فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة فقال اليوم ألقى الا حبه محمدا وحزبه والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا انا على الحق وأنهم على الباطل وجعل يقول الموت تحت الاسل والجنة تحت البارقة * حدثنى محمد عن خلف قال حدثنا منصور بن أبى نويرة عن أبى محنف وحدثت عن هشام بن الكلبى عن أبى مخنف قال حدثنى مالك بن أعين الجهنى عن زيد ابن وهب الجهنى أن عمار بن ياسر رحمه الله قال يومئذ أين من يبتغى رضوان الله عليه ولا يؤوب إلى مال ولا ولد فأتته عصابة من الناس فقال أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان ويزعمون انه قتل مظلوما والله ما طلبتهم بدمه ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمرؤها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم ولم يكن للقوم سابقة في الاسلام يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم فخدعوا أتباعهم أن قالوا إمامنا قتل مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون ولولا هي ما تبعهم من الناس رجلان اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت وإن تجعل لهم الامر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الاليم ثم مضى ومضت تلك العصابة التى أجابته حتى دنا من عمرو فقال يا عمرو بعت دينك بمصر تبا لك تبا طالما بغيت في الاسلام عوجا وقال لعبيد الله بن عمر بن الخطاب صرعك الله

[ 28 ]

بعت دينك من عدو الاسلام وابن عدوه قال لا ولكن أطلب بدم عثمان بن عفان رضى الله عنه قال له أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب بشئ من فعلك وجه الله عز وجل وأنك إن لم تقتل اليوم تمت غدا فانظر إذا أعطى الناس على قدر نياتهم ما نيتك * حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروقى قال أخبرنا عبيد بن الصباح عن عطاء بن مسلم عن الاعمش عن أبى عبد الرحمن السلمى قال سمعت عمار ابن ياسر بصفين وهو يقول لعمرو بن العاص لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الرابعة ما هي بأبر ولا أتقى * حدثنا أحمد ابن محمد قال حدثنا الوليد بن صالح قال حدثنا عطاء بن مسلم عن الاعمش قال قال أبو عبد الرحمن السلمى كنا مع على بصفين فكنا قد وكلنا بفرسه رجلين يحفظانه ويمنعانه من أن يحمل فكان إذا حانت منهما غفلة يحمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه وإنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه فألقاه إليهم وقال لولا أنه انثنى ما رجعت فقال الاعمش هذا والله ضرب غير مرتاب فقال أبو عبد الرحمن سمع القوم شيئا فأدوه وما كانوا بكذابين قال ورأيت عمارا لا يأخذ واديا من أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورايته جاء إلى المرقال هاشم بن عتبة وهو صاحب راية على فقال يا هاشم أعورا وجبنا لاخير في أعور لا يغشى البأس فإذا رجل بين الصفين قال هذا والله ليخلفن إمامه وليخذلن جنده وليصرن جهده اركب يا هاشم فركب ومضى هاشم يقول أعور يبغى أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا لابد أن يفل أو يفلا وعمار يقول تقدم يا هاشم الجنة تحت ظلال السيوف والموت في أطراف الاسل وقد فتحت أبواب السماء وتزينت الحور العين اليوم ألقى الا حبه محمدا وحزبه فلم يرجعا وقتلا قال يفيد لك عليهما من كان هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهما كانا علما فلما كان الليل قلت لادخلن إليهم حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا وكنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا الينا وتحدثنا إليهم

[ 29 ]

فركبت فرسى وقد هدأت الرجل ثم دخلت فإذا أنا بأربعة يتسايرون معاوية وأبو الاعور السلمى وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وهو خير الاربعة فأدخلت فرسى بينهم مخافة أن يفوتنى ما يقول أحد الشقين فقال عبد الله لابيه يا أبت قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال قال وما قال قال ألم تكن معنا ونحن نبنى المسجد والناس ينقلون حجرا حجرا ولبنة لبنة وعمار ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين فغشى عليه فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون حجرا حجرا ولبنة لبنة وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبة منك في الاجر وأنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية فدفع عمرو صدر فرسه ثم جذب معاوية إليه فقال يا معاوية أما تسمع ما يقول عبد الله قال وما يقول فأخبره الخبر فقال معاوية إنك شيخ أخرق ولا تزال تحدث بالحديث وأنت تدحض في بولك أو نحن قتلنا عمارا إنما قتل عمارا من جاء به فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون إنما قتل عمارا من جاء به فلا أدرى من كان أعجب هو أو هم (قال أبو جعفر) وقد ذكر أن عمارا لما قتل قال على لربيعة وهمدان أنتم درعى ورمحي فانتدب له نحو من اثنى عشر ألفا وتقدمهم على على بغلته فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد فلم يبق لاهل الشأم صف إلا انتقض وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية وعلى يقول أضربهم ولا أرى معاويه * الجاحظ العين العظيم الحاويه ثم نادى معاوية فقال على علام تقتل الناس بيننا هلم أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقامت له الامور فقال له عمرو أنصفك الرجل فقال معاوية ما أنصفت وإنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله قال له عمرو وما يجمل بك إلا مبارزته فقال معاوية طمعت فيها بعدى قال هشام عن أبى مخنف قال حدثنى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمرة عن سليمان الحضرمي قال قلت لابي عمرة ألا تراهم ما أحسن هيئتهم يعنى أهل الشأم ولا ترانا ما أقبح رعيننا فقال عليك نفسك فأصلحها ودع الناس فان فيهم ما فيهم

[ 30 ]

خبر هاشم بن عتبة المرقال وذكر ليلة الهرير قال أبو مخنف وحدثني أبو سلمة أن هاشم بن عتبة الزهري دعا الناس عند المساء ألا من كان يريد الله والدار الآخرة فإلى فأقبل إليه ناس كثير فشد في عصابة من أصحابه على أهل الشأم مرارا فليس من وجه يحمل عليه إلا صبر له وقاتل فيه قتالا شديدا فقال لاصحابه لا يهولنكم ما ترون من صبرهم فوالله ما ترون فيهم الا حمية العرب وصبرها تحت راياتها وعتد مراكزها وإنهم لعلى الضلال وانكم لعلى الحق يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا وامشوا بنا إلى عدونا على تؤدة رويدا ثم اثبتوا وتناصروا واذكروا الله ولا يسأل رجل أخاه ولا تكثروا الالتفات واصمدوا صمدهم وجاهدوهم محتسبين حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين ثم انه مضى في عصابة معه من القراء فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه عند المساء حتى رأوا بعض ما يسرون به قال فانهم لكذلك إذ خرج عليهم فتى شاب وهو يقول أنا ابن أرباب الملوك غسان * والدائن اليوم بدين عثمان إنى أتانى خبر فأشجان * أن عليا قتل ابن عفان ثم يشد فلا ينثنى حتى يضرب بسيفه ثم يشتم ويلعن ويكثر الكلام فقال له هاشم ابن عتبة يا عبد الله ان هذا الكلام بعده الخصام وإن هذا القتال بعده الحساب فاتق الله فانك راجع إلى الله فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به قال فانى أقاتلكم لان صاحبكم لا يصلى كما ذكر لى وأنتم لا تصلون أيضا وأقاتلكم أن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم أردتموه على قتله فقال له هاشم وما أنت وابن عفان إنما قتله أصحاب محمد وأبناء أصحابه وقراء الناس حين أحدث الاحداث وخالف حكم الكتاب وهم أهل الدين وأولى بالنظر في أمور الناس منك ومن أصحابك وما أظن أمر هذه الامة وأمر هذا الدين أهمل طرفة عين فقال له أجل والله لا أكذب فان الكذب يضر ولا ينفع قال فان أهل هذا الامر أعلم به فخله وأهل العلم به قال ما أظنك والله إلا نصحت لى قال وأما قولك إن صاحبنا لا يصلى فهو أول من صلى وأفقه خلق الله في دين الله وأولى بالرسول وأما كل من ترى معى فكلهم قارئ

[ 31 ]

لكتاب الله لينام الليل تهجدا فلا يغوينك عن دينك هؤلاء الاشقياء المغرورون فقال الفتى يا عبد الله إنى أظنك امرءا صالحا فتخبرني هل تجد لى من توبة فقال نعم يا عبد الله تب إلى الله يتب عليك فانه يقبل التوبة عن عباده ويهفو عن السيآت ويحب المتطهرين قال فجشر والله الفتى الناس راجعا فقال له رجل من أهل الشأم خدعك العراقى خدعك العراقى قال لا ولكن نصح لى وقاتل هاشم قتالا شديدا هو وأصحابه وكان هاشم يدعى المرقال لانه كان يرقل في الحرب فقاتل هو وأصحابه حتى أبروا على من يليهم وحتى رأوا الظفر وأقبلت إليهم عند المغرب كتيبة لتنوخ فشدوا على الناس فقاتلهم وهو يقول أعور يبغى أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا يتلهم بذى الكعوب تلا فزعموا انه قتل يومئذ تسعة أو عشرة ويحمل عليه الحارث بن المنذر التنوخى فطعنه فسقط وأرسل إليه على أن قدم لواءك فقال لرسوله انظر إلى بطني فإذا هو قد شق فقال الانصاري الحجاج بن غزية فإن تفخروا بابن البديل وهاشم * فنحن قتلنا ذا الكلاع وخوشبا ونحن تركنا بعد معترك اللقا * أخاكم عبيد الله لحما ملحبا ونحن أحطنا بالبعير وأهله * ونحن سقيناكم سماما مقشبا هشام عن أبى مخنف قال حدثنى مالك بن أعين الجهنى عن زيد بن وهب الجهنى أن عليا مر على جماعة من أهل الشأم فيها الوليد بن عقبة وهم يشتمونه فخبر بذلك فوقف فيمن يليهم من أصحابه فقال انهدوا إليهم عليكم السكينة والوقار وقار الاسلام وسيما الصالحين فوالله لاقرب قوم من الجهل قائدهم ومؤذنهم معاوية وابن النابغة وأبو الاعور السلمى وابن أبى معيط شارب الخمر المجلود حدا في الاسلام وهم أولى من يقومون فينقصوننى ويجذبونني وقبل اليوم ما قاتلوني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الاسلام وهم يدعونني إلى عبادة الاصنام الحمد لله قديما عاداني الفاسقون فعبدهم الله ألم يفتحوا إن هذا لهو الخطب الجليل أن فساقا كانوا غير مرضيين وعلى الاسلام وأهله متخوفين

[ 32 ]

خدعوا شطر هذه الامة وأشربوا قلوبهم حب الفتنة واستمالوا أهواءهم بالافك والبهتان قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله عز وجل اللهم فافضض خدمتهم وشتت كلمتهم وأبسلهم بخطاياهم فإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت * قال أبو مخنف حدثنى نمير بن وعلة عن الشعبى أن عليا مر بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم فحرض عليهم الناس وذكر أنهم غسان فقال إن هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منهم النسم وضرب يفلق منه الهام ويطيح العظام وتسقط منه المعاصم والاكف وحتى يصدع جباههم بعمد الحديد وتنتشر حواجبهم على الصدور والاذقان أين أهل الصبر وطلاب الاجر فثاب إليه عصابة من المسلمين فدعا ابنه محمدا فقال امش نحو أهل هذه الراية مشيا رويدا على هينتك حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فأمسك حتى يأتيك رأيى ففعل وأعد على مثلهم فلما دنا منهم فأشرع بالرماح في صدورهم أمر على الذين أعد فشدوا عليهم وأنهض محمدا بمن معه في وجوههم فزالوا عن مواقفهم وأصابوا منهم رجالا ثم اقتتل الناس بعد المغرب قتالا شديدا فما صلى أكثر الناس إلا إيماء * قال أبو مخنف حدثنى أبو بكر الكندى أن عبد الله بن كعب المرادى قتل يوم صفين فمر به الاسود بن قيس المرادى فقال يا أسود قال لبيك وعرفه بآخر رمق فقال عز والله على بمصرعك أما والله لو شهدتك لآسيتك ولدافعت عنك ولو عرفت الذى أشعرك لاحببت ألا يتزايل حتى أقتله أو ألحق بك ثم نزل إليه فقال أما والله إن كان جارك ليأمن بوائقك وإن كنت من الذاكرين الله كثيرا أوصني رحمك الله فقال أوصيك بتقوى الله عز وجل وأن تناصح أمير المؤمنين وتقاتل معه المحلين حتى تظهر أو تلحق بالله قال وأبلغه عنى السلام وقل له قاتل عن المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك فانه من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره كان العالي ثم لم يلبث أن مات فأقبل الاسود إلى على فأخبره فقال رحمه الله جاهد فينا عدونا في الحياة ونصح لنا في الوفاة * قال أبو مخنف حدثنى محمد بن إسحاق مولى بنى المطلب أن عبد الرحمن بن حنبل الجمحى هو الذى أشار على على بهذا الرأى يوم صفين

[ 33 ]

قال هشام حدثنى عوانة قال جعل ابن حنبل يقول يومئد إن تقتلوني فأنا ابن حنبل * أنا الذى قد قلت فيكم نعثل رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف قال أبو مخنف فاقتتل الناس تلك الليلة كلها حتى الصباح وهى ليلة الهرير حتى تقصفت الرماح ونفد النبل وصار الناس إلى السيوف وأخذ على يسير فيما بين الميمنة والميسرة ويأمر كل كتيبة من القراء أن تقدم على التى تليها فلم يزل يفعل ذلك بالناس ويقوم بهم حتى أصبح والمعركة كلها خلف ظهره والاشتر في ميمنة الناس وابن عباس في الميسرة وعلى في القلب والناس يقتتلون من كل جانب وذلك يوم الجمعة وأخذ الاشتر يزحف بالميمنة ويقاتل فيها وكان قد تولاها عشية الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى وأخذ يقول لاصحابه ازحفوا قيد هذا الرمح وهو يزحف بهم نحو أهل الشام فإذا فعلوا قال ازحفوا فاد هذا القوس فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر الناس الاقدام فلما رأى ذلك الاشتر قال أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم ثم دعا بفرسه وترك رايته مع حيان بن هوذة النخعي وخرج يسير في الكتائب ويقول من يشترى نفسه من الله عز وجل ويقاتل مع الاشتر حتى يظهر أو يلحق بالله فلا يزال رجل من الناس قد خرج إليه وحيان ابن هوذة * قال أبو مخنف عن أبى جناب الكلبى عن عمارة بن ربيعة الجرمى قال مر بى والله الاشتر فأقبلت معه واجتمع إليه ناس كثير فأقبل حتى رجع إلى المكان الذى كان به الميمنة فقام بأصحابه فقال شدوا شدة فدى لكم عمى وخالى ترضون بها الرب وتعزون بها الدين إذا شددت فشدوا ثم نزل فضرب وجه دابته ثم قال لصاحب رايته قدم بها ثم شد على القوم وشد معه أصحابه فضرب أهل الشام حتى انتهى بهم إلى عسكرهم ثم إنهم قاتلوه عند العسكر قتالا شديدا فقتل صاحب رايته وأخذ على لما رأى من الظفر من قبله يمده بالرجال * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله عن جويرية قال قال عمرو بن العاص يوم صفين لوردان تدرى ما مثلى ومثلك مثل الاشقر إن تقدم عقر وإن

[ 34 ]

تأخر نحر لئن تأخرت لاضربن عنقك ائتونى بقيد فوضعه في رجليه فقال أما والله يا أبا عبد الله لاوردنك حياض الموت ضع يدك على عاتقي ثم جعل يتقدم وينظر إليه أحيانا ويقول لاوردنك حياض الموت رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف فلما رأى عمرو بن العاص أن أمر أهل العراق قد اشتد وخاف في ذلك الهلاك قال لمعاوية هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة قال نعم قال نرفع المصاحف ثم نقول ما فيها حكم بيننا وبينكم فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول بلى ينبغى أن نقبل فتكون فرقة تقع بينهم وإن قالوا بلى نقبل ما فيها رفعنا هذا القتال عنا وهذه الحرب إلى أجل أو إلى حين فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام ومن لثعور أهل العراق بعد أهل العراق فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت قالوا نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب إليه ما روى من رفعهم المصاحف ودعائهم إلى الحكومة قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن جندب الازدي عن أبيه أن عليا قال عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم قتال عدوكم فإن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبى معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبى سرح والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم منكم قد صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال ويحكم إنهم ما رفعوها ثم لا يرفعونها ولا يعلمون بما فيها وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهنا ومكيدة فقالوا له ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله عز وجل فنأبى أن نقبله فقال لهم فإنى إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب فإنهم قد عصوا الله عز وجل فيما أمرهم ونسوا عهده ونبذوا كتابه فقال له مسعر بن فدكى التميمي وزيد بن حصين الطائى ثم السنبسى في عصابة معهما من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك يا على أجب إلى كتاب الله عز وجل إذ دعيت إليه والا ندفعك برمتك إلى القوم أو نفعل كما فعلنا بابن عفان إنه علينا أن

[ 35 ]

نعمل بما في كتاب الله عز وجل فقبلناه والله لتفلنها أو لنفعلنها بك قال قال فاحفظوا عنى نهيى اياكم واحفظوا مقالتكم لى أما أنا فان تطيعوني تقاتلوا وإن تعصوني فاصنعوا ما بدالكم قالوا له أما لا فابعث إلى الاشتر فليأتك * قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج الكندى عن رجل من النخع أنه رأى إبراهيم بن الاشتر دخل على مصعب بن الزبير قال كنت عند على حين أكرهه الناس على الحكومة وقالوا ابعث إلى الاشتر فليأتك قال فأرسل على إلى الاشتر يزيد بن هانئ السبيعى أن ائتنى فأتاه فبلغه فقال قل له ليس هذه الساعة التى ينبغى لك أن تزيلني فيها عن موقفي إنى قد رجوت أن يفتح لى فلا تعجلنى فرجع يزيد بن هانئ إلى على فأخبره فما هو إلا أن انتهى الينا فارتفع الرهج وعلت الاصوات من قبل الاشتر فقال له القوم والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل قال من أين ينبغى أن تروا ذلك رأيتموني ساررته أليس إنما كلمته على رؤسكم علانية وأنتم تسمعوني قالوا فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك قال له ويحك يا يزيد قل له أقبل إلى فان الفتنة قد وقعت فأبلغه ذلك فقال له الرفع المصاحف قال نعم قال أما والله لقد ظننت حين رفعت أنها ستوقع اختلافا وفرقة إنها مشورة ابن العاهرة ألا ترى ما صنع الله لنا أينبغي أن أدع هؤلاء وأنصرف عنهم وقال يزيد بن هانئ فقلت له أتحب أنك ظفرت ههنا وأن أمير المؤمنين بمكانه الذى هو به يفرج عنه أو يسلم قال لا والله سبحان الله قال فانهم قد قالوا لترسلن إلى الاشتر فليأتينك أو لنقتلنك كما قتلنا ابن عفان فأقبل حتى انتهى إليهم فقال يا أهل العراق يا أهل الذل والوهن حين علوتم القوم ظهرا وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها وقد والله تركوا ما أمر الله عز وجل به فيها وسنة من أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم فلا تجيبوهم أمهلوني عدو الفرس فانى قد طمعت في النصر قالوا إذا ندخل معك في خطيئتك قال فحدثوني عنكم وقد قتل أماثلكم وبقى أراذلكم متى كنتم محقين أحين كنتم تقاتلون وخياركم يقتلون فأنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال مبطلون أم الآن أنتم محقون فقتلا كم الذين لا تنكرون فضلهم فكانوا خيرا منكم في النار إذا قالوا دعنا

[ 36 ]

منك يا أشتر قاتلناهم في الله عز وجل وندع قتالهم لله سبحانه إنا لسنا مطيعيك ولا صاحبك فاجتنبنا فقال خدعتم والله فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أضحاب الجباه السود كنا نظن صلواتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله عز وجل فلا أرى فراركم الا إلى الدنيا من الموت ألا قبحا يا أشباه النيب الجلالة وما أنتم برائين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمين فسبوه فسبهم فضربوا وجه دابته بسياطهم وأقبل يضرب بسوطه وجوه دوابهم وصاح بهم على فكفوا وقال للناس قد قبلنا أن تجعل القرآن بيننا وبينهم حكما فجاء الاشعث بن قيس إلى على فقال له ما أرى الناس إلا قد رضوا وسرهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن فان شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد فنظرت ما يسأل قال ائته إن شئت فسله فأتاه فقال يا معاوية لاى شى رفعتم هذه المصاحف قال لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله عز وجل به في كتابه تبعثون منكم رجلا ترضون به ونبعث منا رجلا ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ثم نتبع ما اتفقا عليه فقال له الاشعث بن قيس هذا الحق فانصرف إلى على فأخبره بالذى قال معاوية فقال الناس فانا قد رضينا وقبلنا فقال أهل الشأم فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص فقال الاشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج بعد فإنا قد رضينا بأبى موسى الاشعري قال على فإنكم قد عصيتموني في أول الامر فلا تعصوني الآن إنى لا أرى أن أولى أبا موسى فقال الاشعث وزيد بن حصين الطائى ومسعر بن فدكى لا نرضى إلا به فانه ما كان يحذرنا وقعنا فيه قال على فانه ليس لى بثقة قد فارقني وخذل الناس عنى ثم هرب منى حتى آمنته بعد أشهر ولكن هذا ابن عباس نوليه ذلك قالوا ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس لا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء ليس إلى واحد منكم بأدنى منه إلى الآخر فقال على فانى أجعل الاشتر * قال أبو محنف حدثنى أبو جناب الكلبى أن الاشعث قال وهل سعر الارض غير الاشتر * قال أبو محنف عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه أن الاشعث قال وهل نحن إلا في حكم الاشتر قال على وما حكمه قال حكمه أن يضرب بعضنا بعضا بالسيوف حتى

[ 37 ]

يكون ما أردت وما أراد قال فقد أبيتم إلا أبا موسى قالوا نعم قال فاصنعوا ما أردتم فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال وهو يعرض فأتاه مولى له فقال إن الناس قد اصطلحوا فقال الحمد لله رب العالمين قال قد جعلوك حكما قال إنا لله وإنا إليه راجعون وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر وجاء الاشتر حتى أتى عليا فقال الزنى بعمرو بن العاص فوالله الذى لا إله الا هو لئن ملات عينى منه لاقتلنه وجاء الاحنف فقال يا أمير المؤمنين إنك قد رميت بحجر الارض وبمن حارب الله ورسوله أنف الاسلام وإنى قد عجمت هذا الرجل وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر وإنه لا يصح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم فان أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا فانه لن يعقد عقدة إلا حللتها ولن يحل عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكم منها فأبى الناس إلا أبا موسى والرضى بالكتاب فقال الاحنف فإن أبيتم إلا أبا موسى فأدفئوا ظهره بالرجال فكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه على أمير المؤمنين فقال عمرو اكتب اسمه واسم أبيه هو أميركم فأما أميرنا فلا وقال له الاحنف لا تمح اسم إمارة المؤمنين فإنى أتخوف إن محوتها ألا ترجع إليك أبدا لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضا فأبى ذلك على مليا من النهار ثم إن الاشعث ابن قيس قال امح هذا الاسم برحه الله فمحى وقال على الله أكبر سنة بسنة ومثل بمثل والله إنى لكاتب بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية إذ قالوا لست رسول الله ولا نشهد لك به ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فكتبه فقال عمرو بن العاص سبحان الله ومثل هذا أن نشبه بالكفار ونحن مؤمنون فقال على يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمسلمين عدوا وهل تشبه إلا أمك التى وضعت بك فقام فقال لا يجمع بينى وبينك مجلس أبدا بعد هذا اليوم فقال له على واني لارجو أن يطهر الله عز وجل مجلسي منك ومن أشباهك وكتب الكتاب * حدثنى على بن مسلم الطوسى قال حدثنا حبان قال حدثنا مبارك عن الحسن قال أخبرني الاحنف أن معاوية كتب إلى على أن امح هذا الاسم إن أردت أن

[ 38 ]

يكون صلح فاستشار وكانت له قبة يأذن لبنى هاشم فيها ويأذن لى معهم قال ما ترون فيما كتب به معاوية أن امح هذا الاسم قال مبارك يعنى أمير المؤمنين قال برحه الله فان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وادع أهل مكة كتب محمد رسول الله فأبوا ذلك حتى كتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله فقلت له أيها الرجل مالك ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنا والله ما حابيناك ببيعتنا وإنا لو علمنا أحدا من الناس أحق بهذا الامر منك لبايعناه ثم قاتلناك وإنى أقسم بالله لئن محوت هذا الاسم الذى بايعت عليه وقاتلنهم لا يعود إليك أبدا قال وكان والله كما قال قال قلما وزن رأيه برأى رجل إلا رجح عليه (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) وكتب الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه على بن أبى طالب ومعاوية ابن أبى سفيان قاضى على على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين وقاضي معاوية على أهل الشأم ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين أنا ننزل عند حكم الله عز وجل وكتابه ولا يجمع بيننا غيره وأن كتاب الله عز وجل بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيى ما أحيا ونميت ما أمات فما وجد الحكمان في كتاب الله عز وجل وهما أبو موسى الاشعري عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشى عملا به وما لم يجدا في كتاب الله عز وجل فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة وأخذ الحكمان من على ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والامة لهما أنصار على الذى يتقاضيان عليه وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله وميثاقه أنا على ما في هذه الصحيفة وأن قد وجبت قضيتهما على المؤمنين فان الامن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم وشاهدهم وغائبهم وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الامة ولا يرداها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا وأجل القضاء إلى رمضان وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما وإن توفى أحد الحكمين فان أمير الشيعة يختار مكانه ولا يألو من أهل المعدلة والقسط وإن مكان قضيتهما الذى يقضيان فيه مكان عدل بين أهل

[ 39 ]

الكوفة واهل الشأم وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا ويأخذ الحكمان من أراد من الشهود ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة وهم أنصار على من ترك ما في هذه الصحيفة وأراد فيه إلحادا وظلما اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة، شهد من أصحاب على الاشعث بن قيس الكندى وعبد الله بن عباس وسعيد بن قيس الهمداني وورقاء بن سمى البجلى وعبد الله بن محل العجلى وحجر بن عدى الكندى وعبد الله بن الطفيل العامري وعقبة بن زياد الحضرمي ويزيد بن حجية التيمى ومالك بن كعب الهمداني ومن أصحاب معاوية أبو الاعور السلمى عمرو بن سفيان وحبيب بن مسلمة الفهرى والمخارق بن الحارث الزبيدى وزمل بن عمرو العذري وحمزة بن مالك الهمداني وعبد الرحمن بن خالد المخزومى وسبيع بن يزيد الانصاري وعلقمة بن يزيد الانصاري وعتبة بن أبى سفيان ويزيد بن الحر العبسى * قال أبو مخنف حدثنى أبو جناب الكلبى عن عمارة ابن ربيعة الجرمى قال لما كتبت الصحيفة دعى لها الاشتر فقال لا صحبتني يمينى ولا نفعتنى بعدها شمالى إن خط لى في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادعة أو لست على بينة من ربى من ضلال عدوى أو لستم قد رأيتم الظفر لو لم تجمعوا على الجور فقال له الاشعث بن قيس إنك والله ما رأيت ظفرا ولا جورا هلم إلينا فانه لا رغبة بك عنا فقال بلى والله لرغبة بى عنك في الدنيا للدنيا والآخرة للآخرة ولقد سفك الله عز وجل بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي خير منهم ولا أحرم دما قال عمارة فنظرت إلى ذلك الرجل وكأنما قصع على أنفه الحمم يعنى الاشعث * قال أبو مخنف عن أبى جناب قال خرج الاشعث بذلك الكتاب يقرأه على الناس ويعرضه عليهم فيقرؤنه حتى مر به على طائفة من بنى تميم فيهم عروة بن أدية وهو أخو أبى بلال فقرأه عليهم ففال عروة بن أدية تحكمون في أمر الله عز وجل الرجال لا حكم الا لله ثم شد بسيفه فضرب به عجز دابته ضربة خفيفة واندفعت الدابة وصاح به أصحابه أن املك يدك فرجع فغضب للاشعث قومه وناس كثير من أهل اليمن فمشى الاحنف بن قيس السعدى ومعقل بن قيس الرياحي ومسعر بن فدكى وناس كثير من بنى تميم فتنصلوا

[ 40 ]

إليه واعتذروا فقبل وصفح * قال أبو مخنف حدثنى أبو زيد عبد الله الاودى أن رجلا من أو دكان يقال له عمرو بن أوس قاتل مع على يوم صفين فأسره معاوية في أسارى كثير فقال له عمرو بن العاص اقتلهم فقال له عمرو بن أوس إنك خالي فلا تقتلني وقامت إليه بنو أود فقالوا هب لنا أخانا فقال دعوه لعمري لئن كان صادقا فلنستغنين عن شفاعتكم ولئن كان كاذبا لتأتين شفاعتكم من ورائه فقال له من أين أنا خالك فوالله ما كان بيننا وبين أود مصاهرة قال فان أخبرتك فعرفته فهو أمانى عندك قال نعم قال لست تعلم أن أم حبيبة ابنة أبى سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال بلى قال فإنى ابنها وأنت أخوها فأنت خالي فقال معاوية لله أبوك ما كان في هؤلاء واحد يفطن لها غيره ثم قال للاوديين أيستغنى عن شفاعتكم خل سبيله * قال أبو مخنف حدثنى نمير بن وعلة الهمداني عن الشعبى أن أسارى كان أسرهم على يوم صفين كثير فخلى سبيلهم فأتوا معاوية وإن عمرا ليقول له وقد أسر أيضا أسارى كثيرة اقتلهم فما شعروا إلا بأسرائهم قد خلى سبيلهم فقال معاوية يا عمرو لو أطعناك في هؤلاء الاسرى وقعنا في قبيح من الامر ألا ترى قد خلى سبيل أسارانا وأمر بتخلية سبيل من في يديه من الاسارى * قال أبو مخنف حدثنى اسماعيل ابن يزيد عن حميد بن مسلم عن جندب بن عبد الله أن عليا قال للناس يوم صفين لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة وأسقطت منة وأوهنت وأورثت وهنا وذلة ولما كنتم الاعلين وخاف عدوكم الاجتياح واستحر بهم القتل ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف ودعوكم إلى ما فيها ليفتؤوكم عنهم ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم ويتربصون ريب المنون خديعة ومكيدة فأعطيتموهم ما سألوا وأبيتم الا أن تدهنوا وتجوزوا وايم الله ما أظنكم بعدها توافقون رشدا ولا تصيبون باب حزم (قال أبو جعفر) فكتب كتاب القضية بين على ومعاوية فيما قيل يوم الاربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة 37 من الهجرة على أن يوافي على موضع الحكمين بدومة الجندل في شهر رمضان ومعاوية مع كل واحد منهما أربعمائة من أصحابه وأتباعه * فحدثني عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان بن يونس

[ 41 ]

ابن يزيد عن الزهري قال قال صعصعة بن صوحان يوم صفين حين رأى الناس يتبارون ألا اسمعوا واعقوا تعلمن والله لئن ظهر على ليكونن مثل أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وإن ظهر معاوية لا يقر لقائل بقول حق قال الزهري فأصبح أهل الشأم قد نشروا مصاحفهم ودعوا إلى ما فيها فهاب أهل العراقين فعند ذلك حكموا الحكمين فاختار أهل العراق أبا موسى الاشعري واختار أهل الشأم عمرو بن العاص فتفرق أهل صفين حين حكم الحكمان فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن ويخفضا ما خفض القرآن وأن يختارا لامة محمد صلى الله عليه وسلم وأنهما يجتمعان بدومة الجندل فان لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح فلما انصرف على خالفت الحرورية وخرجت وكان ذلك أول ما ظهرت فأذنوه بالحرب وردوا عليه إن حكم بنى آدم في حكم الله عز وجل وقالوا لا حكم إلا لله سبحانه وقاتلوا فلما اجتمع الحكمان بأذرح وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس فأرسل الحكمان إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير في إقبالهم في رجال كثير ووافى معاوية بأهل الشأم وأبى على وأهل العراق أن يوافوا فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوى الرأى من قريش أترون أحدا من الناس برأى يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحكمان أم يتفرقان قالوا لا نرى أحدا يعلم ذلك قال فوالله إنى لاظن سأعلمه منهما حين أخلو بهما وأراجعهما فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال يا أبا عبد الله أخبرني عما أسألك عنه كيف ترانا معشر المعتزلة فانا قد شككنا في الامر الذى قد تبين لكم من هذا القتال ورأينا أن نستأنى ونتثبت حتى تجتمع الامة قال أراكم معشر المعتزلة خلف الابرار وأمام الفجار فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك حتى دخل على أبى موسى فقال له مثل ما قال لعمرو فقال أبو موسى أراكم أثبت الناس رأيا فيكم بقية المسلمين فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك فلقى الذين قال لهم ما قال من ذوى الرأى من قريش فقال لا يجتمع هذان على أمر واحد فلما اجتمع الحكمان وتكلما قال عمرو بن العاص يا أبا موسى رأيت أول ما نقضى به من الحق أن نقضى لاهل الوفاء بوفائهم وعلى أهل الغدر بغدرهم قال أبو موسى وما ذاك قال ألست تعلم أن معاوية

[ 42 ]

وأهل الشأم قد وفوا وقدموا للموعد الذى واعدناهم إياه قال بلى قال عمرو اكتبها فكتبها أبو موسى قال عمرو يا أبا موسى أأنت على أن نسمى رجلا يلى أمر هذه الامة فسم لى فإن أقدر على أن أتابعك فلك على أن أتابعك وإلا فلى عليك أن تتابعنى قال أبو موسى أسمى لك عبد الله بن عمر وكان ابن عمر فيمن اعتزل قال عمرو إنى اسمى لك معاوية بن أبى سفيان فلم يبرحا مجلسهما حتى استبا ثم خرجا إلى الناس فقال أبو موسى إنى وجدت مثل عمرو مثل الذين قال الله عز وجل (واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها) فلما سكت أبو موسى تكلم عمرو فقال أيها الناس إنى وجدت مثل أبى موسى كمثل الذى قال الله عز وجل (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) وكتب كل واحد منهما مثله الذى ضرب لصاحبه إلى الامصار قال ابن شهاب فقام معاوية عشية في الناس فأثنى على الله جل ثناؤه بما هو أهله ثم قال أما بعد فمن كان متكلما في الامر فليطلع لنا قرنه قال ابن عمر فأطلقت حبوتى فأردت أن أقول يتكلم فيه رجال قاتلوا أباك على الاسلام ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق الجماعة أو يسفك فيها دم أو أحمل فيها على غير رأى فكان ما وعد الله عز وجل في الجنان أحب إلى من ذلك فلما انصرف إلى المنزل جاءني حبيب بن مسلمة فقال ما منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل يتكلم قلت أردت ذلك ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق بين جميع أو يسفك فيها دم أو أحمل فيها على غير رأى فكان ما وعد الله عز وجل من الجنان أحب إلى من ذلك قال: قال حبيب فقد عصمت (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج الكندى قال قيل لعلى بعد ما كتبت الصحيفة إن الاشتر لا يقر بما في الصحيفة ولا يرى إلا قتال القوم قال على وأنا والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا فإذا أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت فإذا رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الاقرار إلا أن يعصى الله عز وجل ويتعدى كتابه فقاتلوا من ترك أمر الله عز وجل وأما الذى كرتم من تركه أمرى وما أنا عليه فليس من أولئك ولست أخافه على ذلك ياليت

[ 43 ]

فيكم مثله اثنين يا ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوى ما أرى إذا لخفت على مؤنتكم ورجوت أن يستقيم لى بعض أودكم وقد نهيتكم عما أتيتم فعصيتموني وكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن وهل أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد فقالت طائفة ممن معه ونحن ما فعلنا يا أمير المؤمنين إلا ما فعلت قال نعم فلم كانت إجابتكم إياهم إلى وضع الحرب عنا وأما القضية فقد استوثقنا لكم فيها وقد طمعت ألا تضلوا إن شاء الله رب العالمين فكان الكتاب في صفر والاجل رمضان إلى ثمانية أشهر إلى أن يلتقى الحكمان ثم إن الناس دفنوا قتلاهم وأمر على الاعور فناد في الناس بالرحيل * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال لما انصرفنا من صفين أخذنا غير طريقنا الذى أقبلنا فيه أخذنا على طريق البر على شاطئ الفرات حتى انتهينا إلى هيت ثم أخذنا على صندوداء فخرج الانصاريون بنو سعد بن حرام فاستقبلوا عليا فعرضوا عليه النزول فبات فيهم ثم غدا وأقبلنا معه حتى إذا جزنا النخيلة ورأينا بيوت الكوفة إذا نحن بشيخ جالس في ظل بيت على وجهه أثر المرض فأقبل إليه على ونحن معه حتى سلم عليه وسلمنا معه فرد ردا حسنا ظننا أن قد عرفه قال له على أرى وجهك منكفئا فمن مه أمن مرض قال نعم قال فلعلك كرهته قال ما أحب أنه بغيرى قال أليس احتسابا بالخير فيما أصابك منه قال بلى قال فأبشر برحمة ربك وغفران ذنبك من أنت يا عبد الله قال أنا صالح بن سليم قال ممن قال أما الاصل فمن سلامان طيئ وأما الجوار والدعوة ففى بنى سليم بن منصور فقال سبحان الله ما أحسن اسمك واسم أبيك واسم أدعيائك واسم من اعتزيت إليه هل شهدت معنا غزاتنا هذه قال لا والله ما شهدتها ولقد أردتها ولكن ما ترى من أثر لحب الحمى خذلني عنها فقال ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، خبرني ما تقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام قال فيهم المسرور فيما كان بينك وبينهم

[ 44 ]

وأولئك أغشاء الناس وفيهم المكبوت الآسف بما كان من ذلك وأولئك نصحاء الناس لك فذهب لينصرف فقال قد صدقت جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك فان المرض لا أجر فيه ولكنه لا يدع على العبد ذنبا إلا حطه وإنما أجر في القول باللسان والعمل باليد والرجل وإن الله جل ثناؤه ليدخل بصدق النية والسريرة الصالحة عالما جما من عباده الجنة قال ثم مضى على غير بعيد فلقيه عبد الله ابن وديعة الانصاري فدنا منه وسلم عليه وسايره فقال له ما سمعت الناس يقولون في أمرنا قال منهم المعجب به ومنهم الكاره له كما قال عز وجل ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك فقال له فما قول ذوى الرأى فيه قال أما قولهم فيه فيقولون إن عليا كان له جمع عظيم ففرقه وكان له حصن حصين فهدمه فحتى متى يبنى ما هدم وحتى متى يجمع ما فرق فلو أنه كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذا كان ذلك الحزم فقال على أنا هدمت أم هم هدموا أنا فرقت أم هم فرقوا أما قولهم إنه لو كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذا كان ذلك الحزم فوالله ما غبى عن رأيى ذلك وإن كنت لسخيا بنفسى عن الدنيا طيب النفس بالموت ولقد هممت بالاقدام على القوم فنظرت إلى هذين قد ابتدرانى يعنى الحسن والحسين ونطرت إلى هذين قد استقدمانى يعنى عبد الله بن جعفر ومحمد بن على فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسل محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الامة فكرهت ذلك وأشفقت على هذين أن يهلكا وقد علمت أن لولا مكاني لم يستقدما يعنى محمد بن على وعبد الله بن جعفر وايم الله لئن لقيتهم بعد يومى هذا لالقينهم وليسوا معى في عسكر ولا دار ثم مضى حتى إذا جزنا بنى عوف إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية فقال على ما هذه القبور فقال قدامة بن العجلان الازدي يا أمير المؤمنين إن خباب بن الارت توفى بعد مخرجك فأوصى بأن يدفن في الظهر وكان الناس إنما يدفنون في دورهم وأفنيتهم فدفن بالظهر رحمه الله ودفن الناس إلى جنبه فقال على رحم الله خبابا فقد أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا وابتلى في جسمه أحوالا وان الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ثم جاء

[ 45 ]

حتى وقف عليهم فقال السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات أنتم لنا سلف فارط ونحن لكم تبع بكم عما قليل لاحقون اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوك عنا وعنهم وقال الحمد لله الذى جعل منها خلقكم وفيها معادكم منها يبعثكم وعليها يحشركم طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ورضى عن الله عز وجل ثم أقبل حتى حاذى سكة الثوريين ثم قال خشوا ادخلوا بين هذه الابيات * قال أبو مخنف حدثنى عبد الله بن عاصم الفائشى قال مر على بالثوريين فسمع البكاء فقال ما هذه الاصوات فقيل له هذا البكاء على قتلى صفين فقال أما إنى أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة ثم مر بالفائشيين فسمع الاصوات فقال مثل ذلك ثم مضى حتى مر بالشباميين فسمع رجة شديدة فوقف فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامى فقال على أيغلبكم نساؤكم ألا تنهونهن عن هذا الرنين فقال يا أمير المؤمنين لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك ولكن قتل من هذا الحى ثمانون ومائة قتيل فليس دار إلا وفيها بكاء فأما نحن معشر الرجال فانا لا نبكى ولكن نفرح لهم ألا نفرح لهم بالشهادة قال على رحم الله قتلاكم وموتاكم وأقبل يمشى معه وعلى راكب فقال له على ارجع ووقف ثم قال له ارجع فإن مشى مثلك مع مثلى فتنة للوالى ومذلة للمؤمن ثم مضى حتى مر بالناعطبين وكان جلهم عثمانية فسمع رجلا منهم يقال له عبد الرحمن بن يزيد من بنى عبيد من الناعطيين يقول والله ما صنع على شيئا ذهب ثم انصرف في غير شئ فلما نظروا إلى على أبلسوا فقال وجوه قوم ما رأوا الشأم العام ثم قال لاصحابه قوم فارقاهم آنفا خير من هؤلاء ثم أنشأ يقول أخوك الذى إن أجرضتك ملمة * من الدهر لم يبرح لبثك واجما وليس أخوك بالذى إن تشعبت * عليك الامور ظل يلحاك لائما ثم مضى فلم يزل يذكر الله عز وجل حتى دخل القصر * قال أبو مخنف حدثنا أبو جناب الكلبى عن عمارة بن ربيعة قال خرجوا مع على إلى صفين وهم متوادون أحباء فرجعوا متباغضين أعداء ما برحوا من عسكرهم بصفين حتى فشا فيهم التحكيم

[ 46 ]

ولقد أقبلوا يتدافعون الطريق كله ويتشاتمون ويضطربون بالسياط يقول الخوارج يا أعداء الله أدهنتم في أمر الله عز وجل وحكمتم وقال الآخرون فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا فلما دخل على الكوفة لم يدخلوا معه حتى أتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا ونادى مناديهم إن أمير القتال شبت بن ربعى التميمي وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكرى والامر شورى بعد الفتح والبعة ؟ لله عز وجل والامر بالمعروف والنهى عن المنكر بعثة على جعدة بن هبيرة إلى خراسان (وفى هذه السنة) بعث على جعدة بن هبيرة فيما قيل إلى خراسان ذكر الخبر عن ذلك ذكر على بن محمد قال أخبرنا عبد الله بن ميمون عن عمرو بن شجيرة عن جابر عن الشعبى قال بعث على بعد ما رجع من صفين جعدة بن هبيرة المخزومى إلى خراسان فانتهى إلى أبر شهر وقد كفروا وامتنعوا فقدم على على فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه وصالحه أهل مرو وأصاب جاريتين من أبناء الملوك نزلتا بأمان فبعث بهما إلى على فعرض عليهما الاسلام وأن يزوجهما قالتا زوجنا ابنيك فأبى فقال له بعض الدهاقين ادفعهما إلى فانه كرامة تكرمني بها فدفعهما إليه فكانتا عنده يفرش لهما الديباج ويطعمهما قى آنية الذهب ثم رجعتا إلى خراسان اعتزال الخوارج عليا وأصحابه ورجوعهم بعد ذلك (وفى هذه السنة) اعتزل الخوارج عليا وأصحابه وحكموا ثم كلمهم على فرجعوا ودخلوا الكوفة ذكر الخبر عن اعتزالهم عليا قال أبو مخنف في حديثه عن أبى جناب عن عمارة بن ربيعة قال ولما قدم على الكوفة وفارقته الخوارج وثبت إليه الشيعة فقالوا في أعناقنا بيعة ثانية نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت فقالت الخوارج استبقتم أنتم وأهل الشأم إلى الكفر

[ 47 ]

كفرسي رهان بايع أهل الشأم معاوية على ما أحبوا وكرهوا وبايعتم أنتم عليا على أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى فقال لهم زياد بن النضر والله ما بسط على يده فبايعناه قط إلا على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولكنكم لما خالفتموه جاءته شيعته فقالوا نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت ونحن كذلك وهو على الحق والهدى ومن خالفه ضال مضل وبعث على ابن عباس إليهم فقال لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك فخرج إليهم حتى أتاهم فأقبلوا يكلمونه فلم يصبر حتى راجعهم فقال ما نقمتم من الحكمين وقد قال الله عز وجل (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فقالت الخوارج قلنا أما ما جعل حكمه إلى الناس وأمر بالنظر فيه والاصلاح له فهو إليهم كما أمر به وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه حكم في الزانى مائة جلدة وفى السارق بقطع يده فليس للعباد أن ينظروا في هذا قال ابن عباس فإن الله عز وجل يقول (يحكم به ذوا عدل منكم) فقالوا له أو تجعل الحكم في الصيد والحدث يكون بين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين وقالت الخوارج قلنا له فهذه الآية بيننا وبينك، أعدل عندك ابن العاص وهو بالامس يقاتلنا ويسفك دماءنا فإن كان عدلا فلسنا بعدول ونحن أهل حربه وقد حكمتم في أمر الله الرجال وقد أمضى الله عز وجل حكمه في معاوية وحزبه أن يقتلوا أو يرجعوا وقبل ذلك ما دعوناهم إلى كتاب الله عز وجل فأبوه ثم كتبتم بينكم وبينه كتابا وجعلتم بينكم وبينه الموادعة والاستفاضة وقد قطع عز وجل الاستفاضة والموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة إلا من أقر بالجزية وبعث على زياد بن النضر إليهم فقال انظر بأى رؤسهم هم أشد إطاقة فنظر فأخبره أنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيد بن قيس فخرج على في الناس حتى دخل إليهم فأتى فسطاط يزيد بن قيس فدخله فتوضأ فيه وضلى ركعتين وأمره على أصبهان والرى ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس فقال انته عن كلامهم ألم أنهك رحمك الله ثم تكلم فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال اللهم إن هذا مقام من أفلح فيه كان أولى بالفلح يوم القيامة ومن نطق

[ 48 ]

فيه وأوعث فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ثم قال لهم من زعيمكم قالوا ابن الكواء قال على فما أخرجكم علينا قالوا حكومتكم يوم صفين قال أنشدكم بالله أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم نجيبهم إلى كتاب الله قلت لكم إنى أعلم بالقوم منكم إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إنى صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال امضوا على حقكم وصدقكم فانما رفع القوم هذه المصاحف خديعة ودهنا ومكيدة فرددتم على رأيى وقلتم لا بل نقبل منهم فقلت لكم اذكروا قولى لكم ومعصيتكم إياى فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن فان حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في القرآن وإن أبيا فنحن من حكمهما برآء قالوا له فخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء فقال إنا لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القرآن وهذا القرآن انما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق انما يتكلم به الرجال قالوا فخبرنا عن الاجل لم جعلته فيما بينك وبينهم قال ليعلم الجاهل ويتثبت العالم ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه الامة أدخلوا مصركم رحمكم الله فدخلوا من عند آخرهم * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن ابن جندب الازدي عن أبيه بمثل هذا وأما الخوارج فيقولون قلنا صدقت قد كنا كما ذكرت وفعلنا ما وصفت ولكن ذلك كان منا كفرا فقد تبنا إلى الله عز وجل منه فتب كما تبنا نبايعك وإلا فنحن مخالفون فبايعنا على وقال ادخلوا فلنمكث ستة أشهر حتى يجبى المال ويسمن الكراع ثم نخرج إلى عدونا ولسنا نأخذ بقولهم وقد كذبوا وقدم معن بن يزيد بن الاحنس السلمى في استبطاء إمضاء الحكومة وقال لعلى إن معاوية قد وفى فف أنت لا يلفتنك عن رأيك أعاريب بكر وتميم فأمر على بامضاء الحكومة وقد كانوا افترقوا من صفين على أن يقدم الحكمان في أربعمائة أربعمائة إلى دومة الجندل * وزعم الواقدي أن سعدا قد شهد مع من شهد الحكمين وأن ابنه عمر لم يدعه حتى أحضره أذرح فندم فأحرم من بيت المقدس بعمرة

[ 49 ]

اجتماع الحكمين بدومة الجندل (وفى هذه السنة) كان اجتماع الحكمين ذكره الخبر عن اجتماعهما * قال أبو مخنف حدثنى المجالد بن سعيد عن الشعبى عن زياد بن النضر الحارثى أن عليا بعث أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ الحارثى وبعث معهم عبد الله ابن عباس وهو يصلى بهم ويلى أمورهم وأبو موسى الاشعري معهم وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشأم حتى توافوا بدومة الجندل بأذرح قال فكان معاوية إذا كتب إلى عمرو جاء الرسول وذهب لا يدرى بما جاء به ولا بما رجع به ولا يسأله أهل الشأم عن شئ وإذا جاء رسول على جاؤا إلى ابن عباس فسألوه ما كتب به اليك أمير المؤمنين فان كتم ظنوا به الظنون فقالوا ما نراه كتب إلا بكذا وكذا فقال ابن عباس أما تعقلون أما ترون رسول معاوية يجئ لا يعلم بما جاء به ويرجع لا يعلم ما رجع به ولا يسمع لهم صياح ولا لغط وأنتم عندي كل يوم تظنون الظنون قال وشهد جماعتهم تلك عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومى وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري وأبو جهم بن حذيفة العدوى والمغيرة بن شعبة الثقفى وخرج عمر بن سعد حتى أتى أباه على ماء لبنى سليم بالبادية فقال يا أبت قد بلغك ما كان بين الناس بصفين وقد حكم الناس أبا موسى الاشعري وعمرو بن العاص وقد شهدهم نفر من قريش فاشهدهم فانك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد الشورى ولم تدخل في شئ كرهته هذه الامة فاحضر فانك أحق الناس بالخلافة فقال لا أفعل إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول انه يكون فتنة خير الناس فيها الخفى التقى والله لا أشهد شيئا من هذا الامر أبدا والتقى الحكمان فقال عمرو بن العاص يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان رضى الله عنه قتل مظلوما قال أشهد ألست تعلم ان معاوية وآل معاوية أولياؤه قال بلى قال فان الله عز وجل قال (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) فما يمنعك من معاوية ولى عثمان يا أبا موسى

[ 50 ]

وبيته في قريش كما قد علمت فإن تخوفت أن يقول الناس ولى معاوية وليست له سابقة فان لك بذلك حجة تقول إنى ولى عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه الحسن السياسة الحسن التدبير وهو أخو أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وقد صحبه فهو أحد الصحابة ثم عرض له بالسلطان فقال إن ولى أكرمك كرامة لم يكرمها خليفة فقال أبو موسى يا عمرو اتق الله عز وجل فأما ما ذكرت من شرف معاوية فان هذا ليس على الشرف يولاه أهله ولو كان على الشرف لكان هذا الامر لآل أبرهة بن الصباح إنما هو لاهل الدين والفضل مع أنى لو كنت معطيه أفضل قريش شرفا أعطيته على بن أبى طالب وأما قولك ان معاوية ولى دم عثمان رضى الله عنه فوله هذا الامر فانى لم أكن لاوليه معاوية وأدع المهاجرين الاولين وأما تعريضك لى بالسلطان فوالله لو خرج لى من سلطانه كله ما وليته وما كنت لارتشى في حكم الله عز وجل ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطاب رضى الله عنه * قال أبو مخنف حدثنى أبو جناب الكلبى أنه كان يقول قال أبو موسى أما والله لئن استطعت لاحيين اسم عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فقال له عمرو إن كنت تحب بيعة ابن عمر فما يمنعك من ابني وأنت تعرف فضله وصلاحه فقال إن ابنك رجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة * قال أبو مخنف حدثنى محمد بن اسحاق عن نافع مولى ابن عمر قال قال عمرو بن العاص إن هذا الامر لا يصلحه الا رجل له ضرس يأكل ويطعم وكانت في ابن عمر غفلة فقال له عبد الله بن الزبير افطن فانتبه فقال عبد الله بن عمر لا والله لا أرشو عليها شيئا أبدا وقال يا ابن العاص إن العرب أسندت إليك أمرها بعدما تقارعت بالسيوف وتناجزت بالرماح فلا تردنهم في فتنة * قال أبو مخنف حدثنى النضر ابن صالح العبسى قال كنت مع شريح بن هانئ في غزوة سجستان فحدثني أن عليا أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص قال قل له إذا أنت لقيته إن عليا يقول لك إن أفضل الناس عند الله عز وجل من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه وكرثه من الباطل وإن حن إليه وزاده يا عمرو والله إنك لتعلم أين موضع الحق فلم تجاهل

[ 51 ]

ان أوتيت طمعا يسيرا كنت به لله وأوليائه عدوا فكأن والله ما أوتيت قد زال عنك ويحك فلا تكن للخائنين خصيما ولا للظالمين ظهيرا أما إنى أعلم بيومك الذى أنت فيه نادم وهو يوم وفاتك تمنى أنك لم تظهر لمسلم عداوة ولم تأخذ على حكم رشوة قال فبلغته ذلك فتمعر وجهه ثم قال متى كنت أقبل مشورة على أو أنتهى إلى أمره أو أعتد برأيه فقلت له وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته فقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر رضى الله عنهما يستشيرانه ويعملان برأيه فقال إن مثلى لا يكلم مثلك فقلت له وبأى أبويك ترغب عنى أبأبيك الوشيظ أم بأمك النابغة قال فقام عن مكانه وقمت معه * قال أبو مخنف حدثنى أبو جناب الكلبى أن عمرا وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام يقول إنك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت أسن منى فتكلم وأتكلم فكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في كل شئ اغتزى بذلك كله أن يقدمه فيبدأ بخلع على قال فنظر في أمرهما وما اجتمعا عليه فأراده عمرو على معاوية فأبى وأراده على ابنه فأبى وأراد أبو موسى عمرا على عبد الله بن عمر فأبى عليه فقال له عمرو خبرني ما رأيك قال رأيى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الامر شورى بين المسلمين فيختار المسلمون لانفسهم من أحبوا فقال له عمرو فان الرأى ما رأيت فأقبلا إلى الناس وهم يجتمعون فقال يا أبا موسى أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع واتفق فتكلم أبو موسى فقال إن رأيى ورأى عمر وقد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله عز وجل به أمر هذه الامة فقال عمرو صدق وبر يا أبا موسى تقدم فتكلم فتقدم أبو موسى ليتكلم فقال له ابن عباس ويحك والله انى لاظنه قد خدعك إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم بذلك الامر قبلك ثم تكلم أنت بعده فان عمرا رجل غادر ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه فإذا قمت في الناس خالفك وكان أبو موسى مغفلا فقال له إنا قد اتفقنا فتقدم أبو موسى فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الامة فلم نر أصلح لامرها ولا ألم لشعثها من أمر قد جمع رأيى ورأى عمرو

[ 52 ]

عليه وهو أن نخلع عليا ومعاوية وتستقبل هذه الامة هذا الامر فيولوا منهم من أحبوا عليهم وإنى قد خلعت عليا ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الامر أهلا ثم تنحى وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه وقال إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولى عثمان بن عفان رضى الله عنه والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه فقال أبو موسى مالك لا وفقك الله غدرت وفجرت انما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث قال عمرو انما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط وحمل على شريح ابن لعمرو فضربه بالسوط وقام الناس فحجزوا بينهم وكان شريح بعد ذلك يقول ما ندمت على شئ ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ألا أكون ضربته بالسيف آتيا به الدهر ما أتى والتمس أهل الشأم أبا موسى فركب راحلته ولحق بمكة قال ابن عباس قبح الله رأى أبى موسى حذرته وأمرته بالرأى فما عقل فكان أبو موسى يقول حذرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكني اطمأننت إليه وظننت أنه لن يؤثر شيئا على نصيحة الامة ثم انصرف عمرو وأهل الشأم إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى على وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول اللهم العن معاوية وعمرا وأبا الاعور السلمى وحبيبا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن عليا وابن عباس والاشتر وحسنا وحسينا (وزعم الواقدي) ان اجتماع الحكمين كان في شعبان سنة 38 من الهجرة ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه على الحكم للحكومة وخبر يوم النهر قال أبو مخنف عن أبى المغفل عن عون بن أبى جحيفة أن عليا لما أراد أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه رجلان من الخوارج زرعة بن البرج الطائى وحرقوص ابن زهير السعدى فدخلا عليه فقالا له لا حكم الا لله فقال على لا حكم إلا لله فقال له حرقوص تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم

[ 53 ]

حتى نلقى ربنا فقال لهم على قد أردتكم على ذلك فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبينهم كتابا وشرطنا شروطا وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا وقد قال الله عز وجل (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون) فقال له حرقوص ذلك ذنب ينبغى أن تتوب منه فقال على ما هو ذنب ولكنه عجز من الرأى وضعف من الفعل وقد تقدمت إليكم فيما كان منه ونهيتكم عنه فقال له زرعة بن البرج أما والله يا على لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله عز وجل قاتلتك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه فقال له على بؤسا لك ما أشقاك كأنى بك قتيلا تسفى عليك الريح قال وددت أن قد كان ذلك فقال له على لو كنت محقا كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا إن الشيطان قد استهواكم فاتقوا الله عز وجل إنه لا خير لكم في دنيا تقاتلون عليها فخرجا من عنده يحكمان * قال أبو مخنف فحدثني عبد الملك بن أبى حرة الحنفي أن عليا خرج ذات يوم يخطب فانه لفى خطبته إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد فقال على الله أكبر كلمة حق يراد بها باطل إن سكتوا عممناهم وإن تكلموا حججناهم وإن خرجوا علينا قاتلناهم فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال الحمد لله غير مودع ربنا ولا مستغنى عنه اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا فان إعطاء الدنية في الدين ادهان في أمر الله عز وجل وذل راجع بأهله إلى سخط الله يا على أبالقتل تخوفنا أما والله إنى لارجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات ثم لتعلمن أينا أولى بها صليا ثم خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم فأصيبوا مع الخوارج بالنهر وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة * قال أبو مخنف حدثنى الاجلح بن عبد الله عن سلمة بن كهيل عن كثير بن بهز الحضرمي قال قام على في الناس يخطبهم ذات يوم فقال رجل من جانب المسجد لا حكم إلا لله فقام آخر فقال مثل ذلك ثم توالى عدة رجال يحكمون فقال على الله أكبر كلمة حق يلتمس بها باطل أما إن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه ولا نمنعكم الفئ ما دامت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا ثم رجع

[ 54 ]

إلى مكانه الذى كان فيه من خطبته * قال أبو مخنف وحدثنا عن القاسم بن الوليد أن حكيم بن عبد الرحمن بن سعيد البكائى كان يرى رأى الخوارج فأتى عليا ذات يوم وهو يخطب فقال " ولقد أوحى اليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فقال على " فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت إسماعيل ابن سميع الحنفي عن أبى رزين قال لما وقع التحكيم ورجع على من صفين رجعوا مباينين له فلما انتهوا إلى النهر أقاموا به فدخل على في الناس الكوفة ونزلوا بحروراء فبعث إليهم عبد الله بن عباس فرجع ولم يصنع شيئا فخرج إليهم على فكلمهم حتى وضع الرضا بينه وبينهم فدخلوا الكوفة فأتاه رجل فقال ان الناس قد تحدثوا أنك رجعت لهم عن كفرك فخطب الناس في صلاة الظهر فذكر أمرهم فعابه فوثبوا من نواحى المسجد يقولون لا حكم إلا لله واستقبله رجل منهم واضع أصبعه في أذنيه فقال " ولقد أوحى اليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فقال على " فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن ادريس قال سمعت ليث بن أبى سليم يذكر عن أصحابه قال جعل على يقلب بيديه يقول بيديه هكذا وهو على المنبر فقال حكم الله عز وجل ينتظر فيكم مرتين ان لكم عندنا ثلاثا لا نمنعكم صلاة في هذا المسجد ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفئ ما كانت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا * قال أبو مخنف عن عبد الملك بن أبى حرة أن عليا لما بعث أبا موسى لانفاد الحكومة لقيت الخوارج بعضها بعضا فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبى فحمد الله عبد الله ابن وهب وأثنى عليه ثم قال أما بعد فوالله ما ينبغى لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن أن يكون هذه الدنيا التى الرضا بها والركون بها والايثار اياها عناء وتبار آثر عندهم من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والقول بالحق وان من وضر فإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله عز وجل والخلود في جناته فاخرجوا بنا اخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور

[ 55 ]

الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة فقال له حرقوص بن زهير إن المتاع بهذه الدنيا قليل وإن الفراق لها وشيك فلا تدعونكم زينتها وبهحتها إلى المقام بها ولا تلفتنكم عن طلب الحق وانكار الظلم فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون فقال حمزة بن سنان الاسدي يا قوم ان الرأى ما رأيتم فولوا أمركم رجلا منكم فإنه لابد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها وترجعون إليها فعرضوها على زيد بن حصين الطائى فأبى وعرضوها على حرقوص بن زهير فأبى وعلى حمزة ابن سنان وشريح بن أوفى العبسى فأبيا وعرضوها على عبد الله بن وهب فقال هاتوها أما والله لا اخذها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقا من الموت فبايعوها لعشر خلون من شوال وكان يقال له ذو الثفنات ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسى فقال ابن وهب اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لانفاد حكم الله فإنكم أهل الحق قال شريح يخرج إلى المدائن فننزلها ونأخذ بأبوابها ونخرج منها سكانها ونبعث إلى اخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا فقال زيد بن حصين انكم ان خرجتم مجتمعين اتبعتم ولكن اخرجوا وحدانا مستخفين فأما المدائن فإن بها من يمنعكم ولكن سيروا حتى تنزلوا جسر النهروان وتكاتبوا اخوانكم من أهل البصرة قالوا هذا الرأى وكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه ويحثهم على اللحاق بهم وسير الكتاب إليهم فأجابوه أنهم على اللحاق به فلما عزموا على المسير تعبدوا ليلتهم وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة وساروا يوم السبت فخرج شريح بن أوفى العبسى وهو يتلو قول الله تعالى (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربى أن يهدين سواء السبيل) وخرج معهم طرفة بن عدى بن حاتم الطائى فاتبعه أبوه فلم يقدر عليه فانتهى إلى المدائن ثم رجع فلما بلغ ساباط لقيه عبد الله بن وهب في نحو عشرين فارسا فأراد عبد الله قتله فمنعه عمرو بن مالك النبهاني وبشر بن زيد البولانى وأرسل عدى إلى سعد بن مسعود عامل على على المدائن يحذره أمرهم فحذر وأخذ أبواب المدائن وخرج في الخيل واستخلف بها ابن أخيه المختار

[ 56 ]

ابن أبى عبيد وسار في طلبهم فأخبر عبد الله بن وهب خبره فرابأ طريقه وسار على بغداد ولحقهم سعد بن مسعود بالكرخ في خمسمائة فارس عند المساء فانصرف إليهم عبد الله في ثلاثين فارسا فاقتتلوا ساعة وامتنع القوم منهم وقال أصحاب سعد لسعد ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر خلهم فليذهبوا واكتب إلى أمير المؤمنين فان أمرك باتباعهم اتبعتهم وان كفاكهم غيرك كان في ذلك عافية لك فأبى عليهم فلما جن عليهم الليل خرج عبد الله بن وهب فعبر دجلة إلى أرض جوخى وسار إلى النهروان فوصل إلى أصحابه وقد أيسوا منه وقالوا إن كان هلك ولينا الامر زيد بن حصين أو حرقوص بن زهير وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم فردهم أهلوهم كرها منهم القعقاع بن قيس الطائى عم الطرماح بن حكيم وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكائى وبلغ عليا أن سالم بن ربيعة العبسى يريد الخروج فأحضره عنده ونهاه فانتهى ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليا أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت فشرط لهم فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه ربيعة بن أبى شداد الخثعمي وكان شهد معه الجمل وصفين ومعه راية خثعم فقال له بايع على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ربيعة على سنة أبى بكر وعمر قال له على ويلك لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونا على شئ من الحق فبايعه فنظر إليه على وقال أما والله لكأنى بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت وكأني بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة وأما خوارج البصرة فانهم اجتمعوا في خمسمائة رجل وجعلوا عليهم مسعر بن فدكى التميمي فعلم بهم ابن عباس فأتبعهم أبا الاسود الدؤلى فلحقهم بالجسر الاكبر فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل وأدلج مسعر بأصحابه وأقبل يعترض الناس وعلى مقدمته الاشرس بن عوف الشيباني وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنهر فلما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة ورد على ابن عباس إلى البصرة قام في الكوفة فخطبهم فقال الحمد لله وان

[ 57 ]

أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أما بعد فان المعصية تورث الحسرة وتعقب الندم وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفى هذه الحكومة أمرى ونحلتكم رأى لو كان لقصير أمر ولكن أبيتم إلا ما أردتم فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن أمرتهم أمرى بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموها حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما وأحييا ما أمات القرآن واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله فحكما بغير حجة بينة ولا سنة ماضية واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين استعدوا وتأهبوا للسير إلى الشأم وأصبحوا في معسكركم إن شاء الله يوم الاثنين ثم نزل وكتب إلى الخوارج بالنهر بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس أما بعد فان هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمهما قد خالفا كتاب الله واتبعا أهواءهما بغير هدى من الله فلم يعملا بالسنة ولم ينفذا للقرآن حكما فبرئ الله ورسوله منهما والمؤمنون فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا فانا سائرون إلى عدونا وعدوكم ونحن على الامر الاول الذى كنا عليه والسلام وكتبوا إليه أما بعد فانك لم تغضب لربك إنما غضبت لنفسك فان شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك وإلا فقد نابذناك على سواء ان الله لا يحب الخائنين فلما قرأ كتابهم أيس منهم فرأى أن يدعهم ويمضى بالناس إلى أهل الشأم حتى يلقاهم فيناجزهم * قال أبو مخنف عن المعلى بن كليب الهمداني عن جبر بن نوف أبى الوداك الهمداني ان عليا لما نزل بالنخيلة وأيس من الخوارج قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فانه من ترك الجهاد في الله وادهن في أمره كان على شفا هلكة الا أن يتداركه الله بنعمة فاتقوا الله وقاتلوا من حاد الله وحاول أن يطفئ نور الله قاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين المجرمين الذين ليسوا بقراء للقرآن ولا فقهاء في الدين ولا علماء في التأويل ولا لهذا الامر

[ 58 ]

بأهل في سابقة الاسلام والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل تيسروا وتهيؤا للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم فإذا قدموا فاجتمعتم شخصنا إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وكتب على إلى عبد الله بن عباس مع عتبة بن الاخنس بن قيس من بنى سعد ابن بكر أما بعد فانا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب فاشخص بالناس حتى يأتيك رسولي وأقم حتى يأتيك أمرى والسلام فلما قدم عليه الكتاب قرأه على الناس وأمرهم بالشخوص مع الاحنف بن قيس فشخص معه منهم ألف وخمسمائة رجل فاستقلهم عبد الله بن عباس فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا أهل البصرة فانه جاءني أمر أمير المؤمنين يأمرنى بإشخاصكم فأمرتكم بالنفير إليه مع الاحنف بن قيس ولم يشخص معه منكم الا ألف وخمسمائة وأنتم ستون ألفا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم ألا انفروا مع جارية بن قدامة السعدى ولا يجعلن رجل على نفسه سبيلا فإنى موقع بكل من وجدته متخلفا عن مكتبه عاصيا لامامه وقد أمرت أبا الاسود الدؤلى بحشركم فلا يلم رجل جعل السبيل على نفسه إلا نفسه فخرج جارية فعسكر وخرج أبو الأسود فحشر الناس فاجتمع إلى جارية ألف وسبعمائة ثم أقبل حتى وافاه على بالنحيلة فلم يزل بالنخيلة حتى وافاه هذان الجيشان من البصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل فجمع إليه رؤوس أهل الكوفة ورؤوس الاسباع ورؤوس القبائل ووجوه الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أهل الكوفة أنتم إخوانى وأنصاري وأعواني على الحق وصحابتي على جهاد عدوى المحلين بكم أضرب المدبر وأرجو تمام طاعة المقبل وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم إليكم فلم يأتنى منهم إلا ثلاثة آلاف ومائتا رجل فأعينوني بمناصحة جلية خلية من الغش إنكم.. مخرجنا إلى صفين بل استجمعوا بأجمعكم وإنى أسألكم أن يكتب لى رئيس كل قوم ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال وعبدان عشيرته ومواليهم ثم يرفع ذلك إلينا فقام سعيد بن قيس الهمداني فقال يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة وودا ونصيحة أنا أول الناس جاء بما سألت وبما

[ 59 ]

طلبت وقام معقل بن قيس الرياحي فقال له نحوا من ذلك وقام عدى بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدى وأشراف الناس والقبائل فقالوا مثل ذلك ثم إن الرؤس كتبوا من فيهم ثم رفعوهم إليه وأمروا أبناءهم وعبيدهم ومواليهم أن يخرجوا معهم وألا يتخلف منهم عنهم أحد فرفعوا إليه أربعين ألف مقاتل وسبعة عشر ألفا من الابناء ممن أدرك وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم وقالوا يا أمير المؤمنين أما من عندنا من المقاتلة وأبناء المقاتلة ممن قد بلغ الحلم وأطاق القتال فقد رفعنا إليك منهم ذوى القوة والجلد وأمرناهم بالشخوص معنا ومنهم ضعفاء وهم في ضياعنا وأشياء مما يصلحنا وكانت العرب سبعة وخمسين ألفا من أهل الكوفة ومن مواليهم ومماليكهم ثمانية آلاف وكان جميع أهل الكوفة خمسة وستين ألفا وثلاثة آلاف ومائتي رجل من أهل البصرة وكان جميع من معه ثمانية وستين ألفا ومائتي رجل. قال أبو مخنف عن أبى الصلت التيمى إن عليا كتب إلى سعد بن مسعود الثقفى وهو عامله على المدائن أما بعد فانى قد بعثت إليك زياد بن خصفة فأشخص معه من قبلك من مقاتلة أهل الكوفة وعجل ذلك إن شاء الله ولا قوة إلا بالله قال وبلغ عليا أن الناس يقولون لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم فإذا فرغنا منهم وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلين فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فانه قد بلغني قولكم لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التى خرجت عليه فبدأنا بهم فإذا فرغنا منهم وجهنا إلى المحلين وإن غير هذه الخارجة أهم إلينا منهم فدعوا ذكرهم وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكا ويتخذوا عباد الله خولا فتنادى الناس من كل جانب سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت قال فقام إليه صيفي بن فسيل الشيباني فقال يا أمير المؤمنين نحن حزبك وأنصارك نعادي من عاديت ونشايع من أناب إلى طاعتك فسر بنا إلى عدوك من كانوا وأينما كانوا فانك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد ولا ضعف نية أتباع وقام إليه محرز بن شهاب التميمي من بنى سعد فقال يا أمير المؤمنين شيعتك كقلب رجل واحد في الاجماع على نصرتك والجد في جهاد عدوك فأبشر بالنصر

[ 60 ]

وسر بنا إلى أي الفريقين أحببت فإنا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال * حدثنى يعقوب قال حدثنى إسماعيل قال أخبرنا أيوب عن حميد بن هلال عن رجل من عبد القيس كان من الخوارج ثم فارقهم قال دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ذعرا يجر رداءه فقالوا لم ترع فقال والله لقد ذعرتموني قالوا أأنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قالوا فهل سمعت من أبيك حديثا يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي قال فإن أدركتم ذلك فكن يا عبد الله المقتول قال أيوب ولا أعلمه إلا قال ولا تكن يا عبد الله القاتل قال نعم قال فقدموه على ضفة النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها * قال أبو مخنف عن عطاء عن عجلان عن حميد بن هلال أن الخارجة التى أقبلت من البصرة جاءت حتى دنت من إخوانها بالنهر فخرجت عصابة منهم فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار فعبروا إليه فدعوه فتهددوه وأفزعوه وقالوا له من أنت قال أنا عبد الله ابن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الارض وكان سقط عنه لما أفزعوه فقالوا له أفزعناك قال نعم قالوا له لا روع عليك فحدثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لعل الله ينفعنا به قال حدثنى أبى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فتنة تكون يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه يمسى فيها مؤمنا ويصبح فيها كافرا ويصبح فيها كافرا ويمسى فيها مؤمنا فقالوا لهذا الحديث سألناك فما تقول في أبى بكر وعمر فأثنى عليهما خيرا قالوا ما تقول في عثمان في أول خلافته وفى آخرها قال إنه كان محقا في أولها وفى آخرها قالوا فما تقول في على قبل التحكيم وبعده قال إنه أعلم بالله منكم وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة فقالوا إنك تتبع الهوى وتوالى الرجال على أسمائها لا على أفعالها والله لنقتلنك قتله ما قتلناها أحدا فأخذوه فكتفوه ثم

[ 61 ]

أقبلوا به وبامرأته وهى حبلى متم حتى نزلوا تحت نخل مواقر فسقطت منه رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه فقال أحدهم بغير حلها وبغير ثمن فلفظها وألقاها من فمه ثم أخذ سيفه فأخذ يمينه فمر به خنزير لاهل الذمة فضربه بسيفه فقالوا هذا فساد في الارض فأتى صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيره فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال لئن كنتم صادقين فيما أرى فما على سنكم بأس إنى لمسلم ما أحدثت في الاسلام حدثا ولقد آمنتموني قلم لاروع عليك فجاءوا به فأضجعوه فذبحوه وسال دمه في الماء وأقبلوا إلى المرأة فقالت إنى إنما أنا امرأة ألا تتقون الله فبقروا بطنها وقتلوا ثلاث نسوة من طيئ وقتلوا أم سنان الصيداوية فبلغ ذلك عليا ومن معه من المسلمين من قتلهم عبد الله ابن خباب واعتراضهم الناس فبعث إليهم الحارث بن مرة العبدى ليأتيهم فينظر فيما بلغه عنهم ويكتب به إليه على وجهه ولا يكتمه فخرج حتى انتهى إلى النهر ليسائلهم فخرج القوم إليه فقتلوه وأتى الخبر أمير المؤمنين والناس فقام إليه الناس فقالوا يا أمير المؤمنين علام تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشأم وقام إليه الاشعث بن قيس الكندى فكلمه بمثل ذلك كان الناس يرون أن الاشعث يرى رأيهم لانه كان يقول يوم صفين أنصفنا قوم يدعون إلى كتاب الله فلما أمر على بالمسير إليهم علم الناس أنه لم يكن يرى رأيهم فأجمع على ذلك فنادى بالرحيل وخرج فعبر الجسر فصلى ركعتين بالقنطرة ثم نزل دير عبد الرحمن ثم دير أبى موسى ثم أخذ على قرية شاهى ثم على دباها ثم على شاطئ الفرات فلقيه في مسيره ذلك منجم أشار عليه بسير وقت من النهار وقال له إن سرت في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضرا شديدا فخالفه وسار في الوقت الذى نهاه عن السير فيه فلما فرغ من النهر حمد الله وأثنى عليه ثم قال لو سرنا في الساعة التى أمرنا بها المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون سار في الساعة التى أمره بها المنجم فظفر * قال أبو مخنف حدثنى يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف قال لما أراد على المسير إلى أهل النهر من الانبار قدم قيس ابن سعد بن عبادة وأمره أن يأتي المدائن فينزلها حتى يأمره بأمره ثم جاء مقبلا

[ 62 ]

إليهم ووافاه قيس وسعد بن مسعود الثقفى بالنهر وبعث إلى أهل النهر ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل الشأم فلعل الله يقلب قلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم فبعثوا إليه فقالوا كلنا قتلتهم وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم * قال أبو مخنف فحدثني الحارث بن حصيرة عن عبد الرحمن بن أبى الكنود أن قيس بن سعد بن عبادة قال لهم عباد الله أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الامر الذى منه خرجتم وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم فإنكم ركبتم عظيما من الامر تشهدون علينا بالشرك والشرك ظلم عظيم وتسفكون دماء المسلمين وتعدونهم مشركين فقال عبد الله بن شجرة السلمى أن الحق قد أضاء لنا فلسنا نتابعكم أو تأتونا بمثل عمر فقال ما نعلمه فينا غير صاحبنا فهل تعلمونه فيكم وقال نشدتكم بالله في أنفسكم أن تهلكوها فإنى لارى الفتنة قد غلبت عليكم وخطبهم أبو أيوب خالد بن زيد الانصاري فقال عباد الله إنا وإياكم على الحال الاولى التى كنا عليها ليست بيننا وبينكم فرقة فعلام تقاتلوننا فقالوا إنا لو بايعناكم اليوم حكمتم غدا قال فإنى أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في قابل * قال أبو مخنف حدثنى مالك بن أعين عن زيد بن وهب أن عليا أتى أهل النهر فوقف عليهم فقال أيتها العصابة التى أخرجها عداوة المراء واللجاجة وصدها عن الحق الهوى وطمح بها النزق وأصبحت في اللبس والخطب العظيم إنى نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم الامة غدا صرعى بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا الغائط بغير بينة من ربكم ولا برهان بين ألم تعلموا أنى نهيتكم عن الحكومة وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن ومكيدة لكم ونبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وأنى أعرف بهم منكم عرفتهم أطفالا ورجالا فهم أهل المكر والغدر وأنكم إن فارقتم رأيى جانبتم الحزم فعصيتموني حتى إذا أقررت بأن حكمت فلما فعلت شرطت واستوثقت فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة فنبذنا أمرهما ونحن على أمرنا الاول فما الذى بكم ومن أين أتيتم قالوا إنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا وكنا بذلك كافرين وقد تبنا

[ 63 ]

فإن تبت كما تبنا فنحن منك ومعك وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء إن الله لا يحب الخائنين فقال على أصابكم حاصب ولا بقى منكم وابر أبعد إيمانى برسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ثم انصرف عنهم * قال أبو مخنف حدثنى أبو سلمة الزهري وكانت أمه بنت أنس بن مالك أن عليا قال لاهل النهر يا هؤلاء إن أنفسكم قد سولت لكم فراق هذه الحكومة التى أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره وأنبأتكم أن القوم سألوكموها مكيدة ودهنا فأبيتم على إباء المخالفين وعدلتم عنى عدول النكداء العاصين حتى صرفت رأيى إلى رأيكم وأنتم والله معاشر أخفاء الهام سفهاء الاحلام فلم آت لا أبا لكم حراما والله ما خبلتكم عن أموركم ولا أخفيت شيئا من هذا الامر عنكم ولا أوطأتكم عشوة ولا دنيت لكم الضراء وإن كان أمرنا لامر المسلمين ظاهرا فاجمع رأى ملئكم على أن اختاروا رجلين فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه فتاها وتركا الحق وهما يبصرانه وكان الجور هواهما وقد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل والصد للحق بسوء رأيهما وجور حكمهما والثقة في أبدينا لانفسنا حين خالفا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا والخروج من جماعتنا ان ختار الناس رجلين أن تضعوا اسيافكم على عواتقكم ثم تستعرضوا الناس تضربون رقابهم وتسفكون دماءهم ان هذا لهو الخسران المبين والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها فكيف بالنفس التى قتلها عند الله حرام فتنادوا لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيؤا للقاء الرب الرواح الرواح إلى الجنة فخرج على فعبأ الناس فجعل على ميمنته حجر بن عدى وعلى ميسرته شبث بن ربعى أو معقل بن قيس الرياحي وعلى الخيل أبا أيوب الانصاري وعلى الرجالة أبا قتادة الانصاري وعلى أهل المدينة وهم سبعمائة أو ثمانمائة رجل قيس ابن سعد بن عبادة قال وعبأت الخوارج فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائى وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسى وعلى خيلهم حمزة بن سنان الاسدي

[ 64 ]

وعلى الرجالة حرقوص بن زهير السعدى قال وبعث على الاسود بن يزيد المرادى في ألفى فارس حتى أتى حمزة بن سنان وهو في ثلثمائة فارس من خيلهم ورفع على راية أمان مع أبى أيوب فناداهم أبو أيوب من جاء هذه الراية منكم ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم فقال فروة بن نوفل الاشجعى والله ما أدرى على أي شئ نقاتل عليا لا أرى إلا أن أنصرف حتى تنفذ لى بصيرتي في قتاله أو اتباعه وانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنيجين والدسكرة وخرجت طائفة أخرى متفرقين فنزلت الكوفة وخرج إلى على منهم نحو من مائة وكانوا أربعة آلاف فكان الذين بقوا مع عبد الله ابن وهب منهم ألفين وثمانمائة وزحفوا إلى على وقدم على الخيل دون الرجال وصف الناس وراء الخيل صفين وصف المرامية أمام الصف الاول وقال لاصحابه كفوا عنهم حتى يبدأوكم فانهم لو قد شدوا عليكم وجلهم رجال لم ينتهوا اليكم إلا لاغبين وأنتم رادون حامون وأقبلت الخوارج فلما أن دنوا من الناس نادوا يزيد ابن قيس فكان يزيد پن قيس على اصبهان فقالوا يا يزيد بن قيس لا حكم إلا لله وإن كرهت إصبهان فناداهم عباس بن شريك وقبيصة بن ضبيعة العبسيان يا أعداء الله أليس فيكم شريح بن أوفى المسرف على نفسه هل أنتم إلا أشباهه قالوا وما حجتكم على رجل كانت فيه فتنة وفينا توبة ثم تنادوا الرواح الرواح إلى الجنة فشدوا على الناس والخيل أمام الرجال فلم تثبت خيل المسلمين لشدتهم وافترقت الخيل فرقتين فرقة نحو الميمنة وأخرى نحو الميسرة وأقبلوا نحو الرجال فاستقبلت المرامية وجوههم بالنبل وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف فوالله ما لبثوهم أن أناموهم ثم إن حمزة بن سنان صاحب خيلهم لما رأى الهلاك نادى أصحابه أن انزلوا فذهبوا لينزلوا فلم يتقاروا حتى حمل عليهم الاسود ابن قيس المرادى وجاءتهم الخيل من نحو على فأهمدوا في الساعة * قال أبو مخنف فحدثني عبد الملك بن مسلم بن سلام بن ثمامة الحنفي عن حكيم بن سعد قال ما هو إلا

[ 65 ]

أن لقينا أهل البصرة فما لبثناهم فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا قبل أن تشتد شوكتهم وتعظم نكايتهم * قال أبو مخنف فحدثني أبو جناب إن أيوب أتى عليا فقال يا أمير المؤمنين قتلت زيد بن حصين قال فما قلت له وما قال لك قال طعنته بالرمح في صدره حتى نجم من ظهره قال وقلت له أبشر يا عدو الله بالنار قال ستعلم أينا أولى بها صليا فسكت على عليها * قال أبو مخنف عن أبى جناب إن عليا قال له هو أولى لها صليا قال وجاء عائذ بن حملة التميمي فقال يا أمير المؤمنين قتلت كلابا قال أحسنت أنت محق قتلت مبطلا وجاء هانئ بن خطاب الارحبي وزياد بن خصفة يحتجان في قتل عبد الله بن وهب الراسبى فقال لهما كيف صنعتما فقالا يا أمير المؤمنين لما رأيناه عرفناه وابتدرناه فطعناه برمحينا فقال على لا تختلفا كلا كما قاتل وشد جيش بن ربيعة أبو المعتمر الكنانى على حرقوص بن زهير فقتله وشد عبد الله ابن زحر الخولانى على عبد الله بن شجرة السلمى فقتله ووقع شريح بن أوفى إلى جانب جدار فقاتل على ثلمة فيه طويلا من نهار وكان قتل ثلاثة من همدان فأخذ يرتجز ويقول قد علمت جارية عبسية * ناعمة في أهلها مكفيه أنى سأحمى ثلمتى العشيه فشد عليه قيس بن معاوية الدهنى فقطع رجله فجعل يقاتلهم ويقول القرم يحمى شوله معقولا ثم شد عليه قيس بن معاوية فقتله فقال الناس اقتتلت همدان يوما ورجل * اقتتلوا من غدوة حتى الاصل ففتح الله لهمدان الرجل وقال شريح أضربهم ولو أرى أبا حسن * ضربته بالسيف حتى يطمئن وقال: أضربهم ولو أرى عليا * ألبسته أبيض مشرفيا قال أبو مخنف حدثنى عبد الملك بن أبى حرة أن عليا خرج في طلب ذى الثدية

[ 66 ]

ومعه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو جبرة والريان بن صبرة بن هوذة فوجده الريان ابن صبرة بن هوذة في حفرة على شاطئ النهر في أربعين أو خمسين قتيلا قال فلما استخرج نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة له حلمة عليها شعرات سود فإذا مدت امتدت حتى تحاذى طول يده الاخرى ثم تترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة فلما استخرج قال على الله أكبر والله ما كذبت ولا كذبت أما والله لو لا أن تنكلوا عن العمل لاخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قاتلهم مستبصرا في قتالهم عارفا للحق الذى نحن عليه قال ثم مر وهم صرعى فقال بؤسا لكم لقد ضركم من غركم فقالوا يا أمير المؤمنين من غرهم قال الشيطان وانفس بالسوء أمارة غرتهم بالآماني وزينت لهم المعاصي ونبأتهم انهم ظاهرون قال وطلب من به رمق منهم فوجدناهم أربعمائة رجل فأمر بهم على فدفعوا إلى عشائرهم وقال احملوهم معكم فداووهم فإذا برؤا فوافوا بهم الكوفة وخذوا ما في عسكرهم من شئ قال وأما السلاح والدواب وما شهدوا به عليه الحرب فقسمه بين المسلمين وأما المتاع والعبيد والاماء فانه حين قدم رده على أهله وطلب عدى بن حاتم ابنه طرفة فوجده فدفنه ثم قال الحمد لله الذى ابتلاني بيومك على حاجتى اليك ودفن رجال من الناس قتلاهم فقال أمير المؤمنين حين بلغه ذلك ارتحلوا إذا أتقتلونهم ثم تدفنونهم فارتحل الناس * قال أبو مخنف عن مجاهد عن المحل بن خليفة أن رجلا منهم من بنى سيدوس يقال له العيرار بن الاخنس كان يرى رأى الخوارج إليهم فاستقبل وراء المدائن عدى بن حاتم ومعه الاسود بن قيس والاسود بن يزيد المراديان فقال له العيزار حين استقبله أسالم غانم أم ظالم آثم فقال عدى لا بل سالم غانم فقال له المراديان ما قلت هذا إلا لشر في نفسك وإنك لنعرفك يا عيزار برأى القوم فلا تفارقنا حتى نذهب بك إلى أمير المؤمنين فنخبره خبرك فلم يكن بأوشك أن جاء على فأخبراه خبره وقالا يا أمير المؤمنين إنه يرى رأى القوم قد عرفناه بذلك فقال ما يحل لنادمه ولكنا نحبسه فقال عدى ابن حاتم يا أمير المؤمنين ادفعه إلى وأنا أضمن أن لا يأتيك من قبله مكروه

[ 67 ]

فدفعه إليه * قال أبو مخنف حدثنى عمران بن حدير عن أبى مجلز عن عبد الرحمن ابن جندب بن عبد الله إنه لم يقتل من أصحاب على إلا سبعة * قال أبو مخنف عن نمير بن وعلة الساعي عن أبى درداء قال كان على لما فرغ من أهل النهروان حمد الله وأثنى عليه ثم قال ان الله قد أحسن بكم وأعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم قالوا يا أمير المؤمنين نفدت نبالنا وكلت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا وعاد أكثرها قصدا فارجع إلى مصرنا فلنستعد بأحسن عدتنا ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من هلك منا فانه أوفى لنا على عدونا وكان الذى تولى ذلك الكلام الاشعث بن قيس فأقبل حتى نزل النخيلة فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم ويوطنوا على الجهاد أنفسهم وأن يقلوا زيارة نسائهم وأبنائهم حتى يسيروا إلى عدوهم فأقاموا فيه أياما ثم تسللوا من معسكرهم فدخلوا الا رجالا من وجوه الناس قليلا وترك العسكر خاليا فلما رأى ذلك دخل الكوفة وانكسر عليه رأيه في المسير * قال أبو مخنف عمن ذكره عن زيد بن وهب أن عليا قال للناس وهو أول كلام قال لهم بعد النهر أيها الناس استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله ودرك الوسيلة عنده حيارى في الحق جفاة عن الكتاب نكب عن الدين يعمهون في الطغيان ويعكسون في غمرة الكلال فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا وكفى بالله نصيرا قال فلاهم نفروا ولا تيسروا فتركهم أياما حتى إذا أيس من أن يفللوا دعا رؤساءهم ووجوههم فسألهم عن رأيهم وما الذى ينظرهم فمنهم المع ل ومنهم المكره وأقلهم من نشط فقام فيهم خطيبا فقال عباد الله ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة وبالذل والهوان من العز أو كلما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كانكم من الموت في سكرة وكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون وكأن أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون لله أنتم ما أنتم إلا أسود الشرى في الدعة وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس ما أنتم لى بثقة سجيس الليالى ما أنتم يركب يصال بكم ولاذى عز يعتصم إليه لعمر الله لبئس حشاش الحرب أنتم انكم

[ 68 ]

تكادون ولا تكيدون ويتنقص أطرافكم ولا تتحاشون ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون ان أخا الحرب اليقظان ذو عقل وبات لذل من وادع وغلب المتجادلون والمغلوب مقهور ومسلوب ثم قال أما بعد فان لى عليكم حقا وان لكم على حقا فأما حقكم على فالنصيحة لكم ما صحبتكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيما لا تجهلوا وتأديبكم كى تعلموا وأما حقى عليكم فالوفاء بالبيعة والنصح لى في الغيب والمشهد والاجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم فان يرد الله بكم خيرا انتزعوا عما أكره وتراجعوا إلى ما أحب تنالوا ما تطلبون وتدركوا ما تأملون * وكان غير أبى مخنف يقول كانت الوقعة بين على وأهل النهر سنة 38 وهذا القول عليه أكثر أهل السير * ومما يصححه أيضا ما حدثنى به عمارة الاسدي قال حدثنا عبيدالله بن موسى قال أخبرنا نعيم قال حدثنى أبو مريم أن شبث بن ربعى وابن الكواء خرجا من الكوفة إلى حروراء فأمر على الناس أن يخرجوا بسلاحهم فخرجوا إلى المسجد حتى امتلا بهم فأرسل إليهم بئس ما صنعتم حين تدخلون المسجد بسلاحكم اذهبوا إلى جبانة مراد حتى يأتيكم أمرى قال أبو مريم فانطلقنا إلى جبانة مراد فكنا بها ساعة من نهار ثم بلغنا أن القوم قد رجعوا وهم زاحفون قال فقلت أنطلق أنا حتى أنظر إليهم فانطلقت حتى أتخلل صفوفهم حتى انتهيت إلى شبث بن ربعى وابن الكواء وهما واقفان متوركان على دابتيهما وعندهما رسل على وهم يناشدونهما الله لما رجعا بالناس ويقولون لهم نعيذكم بالله أن تعجلوا بفتنة العام خشية عام قابل فقام رجل إلى بعض رسل على فعقر دابته فنزل الرجل وهو يسترجع فحمل سرجه فانطلق به وهم يقولون ما طلبنا إلا منابذتهم وهم يناشدونهم الله فمكنا ساعة ثم انصرفوا إلى الكوفة كأنه يوم فطر أو أضحى قال وكان على يحدثنا قبل ذلك أن قوما يخرجون من الاسلام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية علامتهم رجل محدج اليد قال وسمعت ذلك منه مرارا كثيرة قال وسمعه نافع المخدج أيضا حتى رأيته يتكره طعامه من كثرة ما سمعه يقول وكان نافع معنا يصلى في المسجد بالنهار ويبيت فيه بالليل وقد كنت كسوته برنسا فلقيته

[ 69 ]

من الغد فسألته هل كان خرج مع الناس الذين خرجوا إلى حروراء فقال خرجت أريدهم حتى إذا بلغت إلى بنى سعد لقيني صبيان فنزعوا سلاحي وتلعبوا بى فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه خرج أهل النهر وسار على إليهم فلم أخرج معه وخرج أخى أبو عبد الله قال فأخبرني أبو عبد الله أن عليا سار إليهم حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان أرسل إليهم يناشدهم الله ويأمرهم أن يرجعوا فلم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسوله فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج فالتمسوه فقال بعضهم ما نجده حتى قال بعضهم لا ما هو فيهم ثم إنه جاء رجل فبشره وقال يا أمير المؤمنين قد وجدناه تحت قتيلين في ساقية فقال اقطعوا يده المخدجة وأتوني بها فلما أتى بها أخذها ثم رفعها وقال والله ما كذبت ولا كذبت (قال أبو جعفر) فقد أنبأ أبو مريم بقوله فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه خرج أهل النهر أن الحرب التى كانت بين على وأهل حروراء كانت في السنة التى بعد السنة التى كان فيها إنكار أهل حروراء على على التحكيم وكان ابتداء ذلك في سنة 37 على ما قد ثبت قبل وإذا كان كذلك وكان الامر على ما روينا من الخبر عن أبى مريم كان معلوما أن الوقعة كانت بينه وبينهم في سنة 38 وذكر على بن محمد عن عبد الله بن ميمون عن عمرو بن شجيرة عن جابر عن الشعبى قال بعث على بعد ما رجع من صفين جعدة بن هبيرة المخزومى وأم جعدة أم هانئ بنت أبى طالب إلى خراسان فانتهى إلى أبرشهر وقد كفروا وامتنعوا فقدم على على فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه وصالحه أهل مرو (وحج) بالناس في هذه السنة أعنى سنة 37 عبد الله بن عباس وكان عامل على على اليمن ومحاليفها وكان على مكة والطائف قثم بن العباس وعلى المدينة سهل بن حنيف الانصاري وقيل كان عليها تمام بن العباس وكان على البصرة عبد الله بن العباس وعلى قضائها أبو الاسود الدؤلى وعلى مصر محمد بن أبى بكر وعلى خراسان خليد بن قرة اليربوعي وقيل أن عليا لما شخص إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الانصاري * حدثنى إحمد بن ابراهيم الدورقى قال حدثنا عبد الله بن

[ 70 ]

ادريس قال سمعت ليثا ذكر عن عبد العزيز بن رفيع أنه لما خرج على إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الانصاري عقبة بن عمرو وأما الشام فكان بها معاوية بن أبى سفيان ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ذكر ما كان فيها من الاحداث فما كان فيها مقتل محمد بن أبى بكر بمصر وهو عامل عليها وقد ذكرنا سبب تولية على اياه مصر وعزل قيس بن سعد عنها ونذكر الآن سبب قتله وأين قتل وكيف كان أمره ونبدأ بذكر من تتمة حديث الزهري الذى قد ذكرنا أوله قبل وذلك ما حدثنا عبد الله عن يونس عن الزهري قال لما حدث قيس بن سعد بمجئ محمد ابن أبى بكر وأنه قادم عليه أميرا تلقاه وخلابه وناجاه فقال انك جئت من عند امرئ لا رأى له وليس عزلكم اياى بمانعي أن أنصح لكم وأنا من أمركم هذا على بصيرة وإنى في ذلك على الذى كنت أكايد به معاوية وعمرا وأهل الشام خربتا فكايدهم به فانك إن تكايدهم بغيره تهلك ووصف قيس بن سعد المكايدة التى كان يكايدهم بها واغتشه محمد بن أبى بكر وخالف كل شئ أمره به فلما قدم محمد بن أبى بكر وخرج قيس قبل المدينة بعث محمد أهل مصر إلى خربتا فاقتتلوا فهزم محمد بن أبى بكر فبلغ ذلك معاوية وعمرا فسارا بأهل الشام حتى افتتحا مصر وقتلا محمد بن أبى بكر ولم تزل في حيز معاوية حتى ظهر وقدم قيس بن سعد المدينة فأخافه مروان والاوسود بن أبى البخترى حتى إذا خاف أن يؤخذ أو يقتل ركب راحلته وظهر إلى على فكتب معاوية إلى مروان والاسود يتغيظ عليهما ويقول أمددتما عليا بقيس بن سعد ورأيه ومكايدته فوالله لو أنكما أمددتماه بمائة ألف مقاتل ما كان بأغيظ إلى من إخراجكما قيس ابن سعد إلى على فقدم قيس بن سعد على على فلما باثه الحديث وجاءهم قتل محمد بن أبى بكر عرف أن قيس بن سعد كان يوازى أمورا عظاما من المكايدة وأن من كان يشير عليه بعزل قيس بن سعد لم ينصح له * وأما ما قال في ابتداء أمر محمد

[ 71 ]

ابن أبى بكر في مصيره إلى مصر وولايته إياها أبو مخنف فقد تقدم ذكرنا له ونذكر الآن بقية خبره في روايته ما روى من ذلك عن يزيد بن ظبيان الهمداني قال ولما قتل أهل خربتا ابن مضاهم الكلبى الذى وجهه إليهم محمد بن أبى بكر خرج معاوية بن حديج الكندى ثم السكوني فدعا إلى الطلب بدم عثمان فأجابه ناس آخرون وفسدت مصر على محمد بن أبى بكر فبلغ عليا وثوب أهل مصر على محمد بن أبى بكر واعتمادهم إياه فقال ما لمصر الا أحد الرجلين صاحبنا الذى عزلناه عنها يعنى قيسا أو مالك بن الحارث يعنى الاشتر قال وكان على حين انصرف من صفين رد الاشتر على عمله بالجزيرة وقد كان قال لقيس بن سعد أقم معى على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة ثم اخراج إلى آذربيجان فان قيسا مقيم مع على على شرطته فلما انقضى أمر الحكومة كتب على إلى مالك بن الحارث الاشتر وهو يومئذ بنصيبين أما بعد فانك ممن استظهرته على إقامة الدين وأقمع به نخوة الاثيم وأشد به الثغر المخوف وكنت وليت محمد بن أبى بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج وهو غلام حدث ليس بذى تجربة للحرب ولا بمجرب للاشياء فاقدم على للننظر في ذلك فيما ينبغى واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك والسلام فأقبل مالك إلى على حتى دخل عليه فحدثه حديث أهل مصر وخبره خبر أهلها وقال ليس لها غيرك اخرج رحمك الله فانى إن لم أوصك اكتفيت برأيك واستعن بالله على ما أهمك فاخلط الشدة باللبن وارفق ما كان الرفق أبلغ واعتزم بالشدة حين لا يغنى عنك إلا الشدة قال فخرج الاشتر من عند على فأتى رحله فتهيأ للخروج إلى مصر وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية على الاشتر فعظم ذلك عليه وقد كان طمع في مصر فعلم أن الاشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد ابن أبى بكر فبعث معاوية إلى الجايستار رجل من أهل الخراج فقال له ان الاشتر قد ولى مصر فان أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت فاحتل له بما قدرت عليه فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به وخرج الاشتر من العراق إلى مصر فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار فقال هذا منزل وهذا طعام وعلف

[ 72 ]

وأنا رجل من أهل الخراج فنزل به الاشتر فأتاه الدهقان بعلف وطعام حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما فسقاه إياه فلما شربها مات وأقبل معاوية يقول لاهل الشأم ان عليا وجه الاشتر إلى مصرفا فادعوا الله أن يكفيكموه قال فكانوا كل يوم يدعون الله على الاشتر وأقبل الذى سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الاشتر فقام معاوية في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد فانه كانت لعلى ابن أبى طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعنى عمار بن ياسر وقطعت الاخرى اليوم يعنى الاشتر * قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج عن مولى للاشتر قال لما هلك الاشتر وجدنا في ثقله رسالة على إلى أهل مصر بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى أمة المسلمين الذين غضبوا لله حين عصى في الارض وضرب الجور بأرواقه على البر والفاجر فلا حق يستراح إليه ولا منكر يتناهى عنه سلام عليكم فإنى أحمد الله إليكم الذى لا إله إلا هو أما بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عبيدالله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الاعادي حذار الدوائر أشد على الكفار من حريق النار وهو مالك بن الحارث أخو مذحج فاسمعوا له وأطيعوا فإنه سيف من سيوف الله لا نابى الضريبة ولا كليل الحد فإن أمركم أن تقدموا فأقدموا وان أمركم أن تنفروا فانفرو افانه لا يقدم ولا يحجم الا بأمرى وقد آثرتكم به على نفسي لنصحه لكم وشدة شكيمته على عدوكم عصمكم الله بالهدى وثبتكم على اليقين والسلام. قال ولما بلغ محمد بن أبى بكر أن عليا قد بعث الاشتر شق عليه فكتب على إلى محمد بن أبى بكر عند مهلك الاشتر وذلك حين بلغه موجدة محمد ابن أبى بكر لقدوم الاشتر عليه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى محمد بن أبى بكر سلام عليك أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريحي الاشتر إلى عملك وإنى لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهاد ولا ازديادا منى لك في الجد ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر عليك في المؤنة وأعجب إليك ولاية منه إن الرجل الذى كنت وليته مصر كان لنا نصيحا وعلى عدونا شديدا وقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ونحن عنه راضون فرضى الله عنه وضاعف له

[ 73 ]

الثواب وأحسن له المآب اصبر لعدوك وشمر للحرب وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وأكثر ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفك ما أهمك ويعنك على ما ولاك أعاننا الله وإياك على ما لا ينال الا برحمته والسلام عليك فكتب إليه محمد بن أبى بكر جواب كتابه بسم الله الرحمن الرحيم لعبدالله على أمير المؤمنين من محمد بن أبى بكر سلام عليك فإنى أحمد الله إليك الذى لا إله غيره أما بعد فإنى قد انتهى إلى كتاب أمير المؤمنين ففهمته وعرفت ما فيه وليس أحد من الناس بأرضى منى برأى أمير المؤمنين ولا أجهد على عدوه ولا أرأف بوليه منى وقد خرجت فعسكرت وآمنت الناس إلا من نصب لنا حربا وأظهر لنا خلافا وأنا متبع أمر أمير المؤمنين وحافظه وملتجى إليه وقائم به والله المستعان على كل حال والسلام عليك * قال أبو مخنف حدثنى أبو جهضم الازدي رجل من أهل الشأ عن عبد الله بن حوالة الازدي أن أهل الشأم لما انصرفوا من صفين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان فلما انصرفا وتفرقا بايع أهل الشأم معاوية بالخلافة ولم يزدد الا قوة واختلف الناس بالعراق على على فما كان لمعاوية هم إلا مصر وكان لاهلها هائبا خائفا لقربهم منه وشدتهم على من كان على رأى عثمان وقد كان على ذلك علم أن بها قوما قد ساءهم قتل عثمان وخالفوا عليا وكان معاوية يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب على لعظم خراجها قال فدعا معاوية من كان معه من قريش عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أبى أرطاة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ومن غيرهم أبا الاعور عمرو بن سفيان السلمى وحمزة بن مالك الهمداني وشرحبيل ابن السمط الكندى فقال لهم أتدرون لم دعوتكم انى قد دعوتكم لامر مهم أحب أن يكون الله قد أعان عليه فقال القوم كلهم أو من قال منهم ان الله لم يطلع على الغيب أحدا وما يدرينا ما تريد فقال عمرو بن العاص أرى والله أمر هذه البلاد الكثير خراجها والكثير عددها وعدد أهلها أهمك أمرها فدعوتنا إذا لتسألنا عن رأينا في ذلك فان كنت لذلك دعوتنا وله جمعتنا فاعزم وأقدم ونعم الرأى رأيت ففى افتتاحها عزك وعز أصحابك وكبت عدوك وذل أهل الخلاف عليك

[ 74 ]

قال له معاوية مجيبا أهمك يا ابن العاص ما أهمك وذلك لان عمرو بن العاص كان صالح معاوية حين بايعه على قتال على بن أبى طالب على ان له مصر طعمة ما بقى فأقبل معاوية على أصحابه فقال إن هذا يعنى عمرا قد ظن ثم حقق ظنه قالوا له لكنا لا ندرى قال معاوية فان أبا عبد الله قد أصاب قال عمرو وأنا أبو عبد الله قال إن أفضل الظنون ما أشبه اليقين ثم ان معاوية حمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فقد رأيتم كيف صنع الله بكم في حربكم عدوكم جاؤكم وهم لا يرون الا انهم سيقيضون بيضتكم ويخربون بلادكم ما كانوا يرون ألا أنكم في أيديهم فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا مما أحبوا وحاكمناهم إلى الله فحكم لنا عليهم ثم جمع لنا كلمتنا وأصلح ذات بيننا وجعلهم أعداء متفرقين يشهد بعضهم على بعض بالكفر ويسفك بعضهم دم بعض والله انى لارجو ان يتم لنا هذا الامر وقد رأيت أن تحاول أهل مصر فكيف ترون ارتئاء نالها فقال عمرو قد أخبرتك عما سألتنى عنه وقد أشرت عليك بما سمعت فقال معاوية إن عمرا قد عزم وصرم ولم يفسر فكيف لى أن أصنع قال له عمرو فإنى أشير عليك كيف تصنع أرى أن تبعث جيشا كثيفا عليهم رجل حازم صارم تأمنه وتثق به فيأتى مصر حتى يدخلها فانه سيأتيه من كان من أهلها على رأينا فيظاهره على من بها من عدونا فإذا اجتمع بها جندك ومن بها من شيعتك على من بها من أهل حربك رجوت أن يعين الله بنصرك ويظهر فلجك قال له معاوية هل عندك شئ دون هذا يعمل به فيما بيننا وبينهم قال ما أعلمه قال بلى فإن غير هذا عندي أرى أن نكاتب من بها من شيعتنا ومن بها من أهل عدونا فأما شيعتنا فأمرهم بالثبات على أمرهم ثم أمنيهم قدومنا عليهم وأما من بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا ونمنيهم شكرنا ونخوفهم حربنا فان صلح لنا ما قبلهم بغير قتال فذاك ما أحببنا وإلا كان حربهم من وراء ذلك كله انك يا ابن العاص امرؤ بورك لك في العجلة وأنا امرؤ بورك لى في التؤدة قال فاعمل بما أراك الله فو الله ما أرى أمرك وأمرهم يصير إلا إلى الحرب العوان قال فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلد الانصاري والى معاوية بن خديج الكندى

[ 75 ]

وكانا قد خالفا عليا بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله قد ابتعثكما لامر عظيم أعظم به أجركما ورفع به ذكركما وزينكما به في المسلمين طلبكما بدم الخليفة المظلوم وغضبكما لله إذ ترك حكم الكتاب وجاهدتما أهل البغى والعدوان فأبشروا برضوان الله وعاجل نصر أولياء الله والمواساة لكما في الدنيا وسلطاننا حتى ينتهى في ذلك ما يرضيكما ونؤدى به حقكما إلى ما يصير أمركما إليه فاصبروا وصابروا عدوكما وادعوا المدبر إلى هداكما وحفظكما فإن الجيش قد أضل عليكما فانقشع كل ما تكرهان وكان كل ما تهويان والسلام عليكما وكتب هذا الكتاب وبعث به مع مولى له يقال له سبيع فخرج الرسول بكتابه حتى قدم عليهما مصر ومحمد بن أبى بكر أميرها وقد ناصب هؤلاء الحرب بها وهو غير متخون بها يوم الاقدام عليه فدفع كتابه إلى مسلمة بن مخلد وكتاب معاوية بن حديج فقال مسلمة امض بكتاب معاوية إليه حتى يقرأه ثم القنى به حتى أجيبه عنى وعنه فانطلق الرسول بكتاب معاوية بن خديج إليه فأقرأه إياه فلما قرأه قال إن مسلمة بن مخلد قد أمرنى أن أرد إليه الكتاب إذا قرأته لكى يجيب معاوية عنك وعنه قال قل له فليفعل ودفع إليه الكتاب فأتاه ثم كتب مسلمة عن نفسه وعن معاوية بن خديج أما بعد فإن هذا الامر الذى بذلنا له أنفسنا واتبعنا أمر الله فيه أمر نرجو به ثواب ربنا والنصر ممن خالفنا وتعجيل النقمة لمن سعى على امامنا وطأطأ الركض في جهادنا ونحن بهذا الحيز من الارض قد نفينا من كان به من أهل البغى وأنهضنا من كان به من أهل القسط والعدل وقد ذكرت المواساة في سلطانك ودنياك وبالله إن ذلك لامر ماله نهضنا ولا اياه أردنا فإن يجمع الله لنا ما نطلب ويؤتنا ما تمنينا فإن الدنيا والآخرة لله رب العالمين وقد يؤتيهما الله معا عالما من خلقه كما قال في كتابه ولا خلف لموعوده قال (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين) عجل علينا خيلك ورجلك فإن عدونا قد كان علينا حربا وكنا فيهم قليلا فقد أصبحوا لنا هائبين وأصبحنا لهم مقرنين فإن يأتنا الله بمدد من قبلك يفتح الله عليكم ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل والسلام عليك

[ 76 ]

قال فجاءه هذا الكتاب وهو يومئذ بفلسطين فدعا النفر الذين سماهم في الكتاب فقال ماذا ترون قالوا الرأي أن تبعث جندا من قبلك فإنك تفتتحها بإذن الله قال معاوية فتجهز يا أبا عبد الله إليها يعنى عمرو بن العاص قال فبعثه في ستة آلاف رجل وخرج معاوية وودعه وقال له عند وداعه اياه أوصيك يا عمرو بتقوى الله والرفق فإنه يمن وبالمهل والتؤدة فإن العجلة من الشيطان وبأن تقبل ممن أقبل وأن تعفو عمن أدبر فإن قبل فنها ونعمت وإن أبى فإن السطوة بعد المعذرة أبلغ في الحجة وأحسن في العاقبة وادع الناس إلى الصلح والجماعة فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك وكل الناس فأول حسنا قال فخرج عمرو يسير حتى نزل أداني أرض مصر فاجتمعت العثمانية إليه فأقام بهم وكتب إلى محمد بن أبى بكر أما بعد فتنح عنى بدمك يا ابن أبى بكر فإنى لا أحب أن يصيبك منى ظفر إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك وندموا على اتباعك فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان فاخرج منها فإنى لك من الناصحين والسلام وبعث إليه عمرو أيضا بكتاب معاوية إليه أما بعد فإن غب البغى والظلم عظيم الوبال وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا ومن التبعة الموبقة في الآخرة وإنا لا نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا ولا أسوأ له عيبا ولا أشد عليه خلافا منك سعيت عليه في الساعين وسفكت دمه في السافكين ثم أنت تظن أنى عنك نائم أو ناس لك حتى تأتى فتأمر على بلاد أنت فيها جارى وجل أهلها أنصارى يرون رأيى ويرقبون قولى ويستصرخوني عليك وقد بعثت إليك قوما حناقا عليك يستسقون دمك ويتقربون إلى الله بجهادك وقد أعطوا الله عهدا ليمثلن بك ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذرتك ولا أنذرتك ولاحببت أن يقتلوك بظلمك وقطيعتك وعدوك على عثمان يوم يطعن بمشاقصك بين خششائه وأوداجه ولكن أكره أن أمثل بقرشي ولن يسلمك الله من القصاص أبدا ؟ أينما كنت والسلام قال فطوى محمد كتابيهما وبعث بهما إلى على وكتب معهما أما بعد فإن ابن العاص قد نزل أداني أرض مصر واجتمع إليه أهل البلد جلهم

[ 77 ]

ممن كان يرى رأيهم وقد جاء في جيش لجب خراب وقد رأيت ممن قبلى بعض الفشل فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمدني بالرجال والاموال والسلام عليك فكتب إليه على أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر ان بن العاص قد نزل بأدانى أرض مصر في لجب من جيشه خراب وأن من كان بها على مثل رأيه قد خرج إليه وخروج من يرى رأيه إليه خير لك من إقامتهم عندك وذكرت أنك قد رأيت في بعض ممن قبلك فشلا فلا تفشل وإن فشلوا حصن قريتك واضممم اليك شيعتك واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والنجدة والبأس فإنى نادب إليك النابغي على الصعب والذلول فاصبر لعدوك وامض على بصيرتك وقاتلهم على نيتك وجاهدهم صابرا محتسبا وإن كانت فئتك أقل الفئتين فإن الله قد يعز القليل ويخذل الكثير وقد قرأت كتاب الفاجر بن الفاجر معاوية والفاجر بن الكافر م مرو والمتحابين في عمل المعصية والمتوافقين المرتفين في الحكومة المنكرين في الدنيا قد استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم فلا يهلك إرعادهما وإبراقهما وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله فإنك تجد مقالا ما شئت والسلام قال أبو مخنف فحدثني محمد بن يوسف بن ثابت الانصاري عن شيخ من أهل المدينة قال كتب محمد بن أبى بكر إلى معاوية بن أبى سفيان جواب كتابه أما بعد فقد أتانى كتابك تذكرني من أمر عثمان أمرا لا أعتذر اليك منه وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لى ناصح وتخوفني المثلة كأنك شفيق وأنا أرجو أن تكون لى الداثرة عليكم فأجتاحكم في الوقعة وإن تؤتوا النصر ويكن لكم الامر في الدنيا فكم لعمري من ظالم قد نصرتم وكم من مؤمن قد قتلتم ومثلتم به وإلى الله مصيركم ومصيرهم وإلى الله مرد الامور وهو أرحم الراحمين والله المستعان على ما تصفون والسلام وكتب محمد إلى عمرو بن العاص أما بعد فقد فهمت ما ذكرت في كتابك يا ابن العاص زعمت أنك تكره أن يصيبني منك ظفر وأشهد أنك من المبطلين وتزعم أنك لى نصيح وأقسم أنك عندي ظنين وتزعم أن أهل البلد قد رفضوا رأيى وأمري وندموا على اتباعى فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء فحسبنا الله رب العالمين

[ 78 ]

وتوكلنا على الله رب العرش العظيم والسلام * قال أقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر فقام محمد بن أبى بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال أما بعد معاشر المسلمين والمؤمنين فان القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة وينعشون الضلال ويشبون نار الفتنة ويتسلطون بالجبرية قد نصبوا لكم العداوة وساروا اليكم بالجنود عباد الله فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله انتدبوا إلى هؤلاء القوم رحمكم الله مع كنانة بن بشر قال فانتدب معه نحو من ألفى رجل وخرج محمد في ألفى رجل واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد فأقبل عمرو نحو كنانة فلما دنا من كنانة سرح الكتائب كتيبة بعد كتيبة فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يقربها بعمرو بن العاص ففعل ذلك مرارا فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية ابن خديج السكوني فأتاه في مثل الدهم فأحاط بكنانة وأصحابه واجتمع أهل الشأم عليهم من كل جانب فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه ونزل أصحابه وكنانة يقول وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين فضاربهم بسيفه حتى استشهد رحمه الله وأقبل عمرو بن العاص نحو محمد بن أبى بكر وقد تفرق عنه أصحابه لما بلغهم قتل كنانة حتى بقى وما معه أحد من أصحابه فلما رأى ذلك محمد خرج يمشى في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد حتى انتهى إلى علوج في قارعة الطريق فسألهم هل مر بكم أحد تنكرونه فقال أحدهم لا والله إلا أنى دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل فيها جالس فقال ابن خديج هو هو ورب الكعبة فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا فأقبلوا به نحو فسطاط مصر قال ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبى بكر إلى عمرو بن العاص وكان في جنده فقال أتقتل أخى صبرا ابعث إلى معاوية بن خديج فانهه فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبى بكر فقال معاوية

[ 79 ]

أكذاك قتلتم كنانة بن بشر وأخلى أنا عن محمد بن أبى بكر هيهات أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر فقال لهم محمد اسقوني من الماء قال له معاوية بن حديج لا سقاه الله إن سقاك قطرة أبدا إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلموه صانما محرما فتلقاه الله بالرحيق المختوم والله لاقتلنك يا ابن أبى بكر فيسقيك الله الحميم والغساق قال له محمد يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك اليك وإلى من ذكرت إنما ذلك إلى الله عز وجل يسقى أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وضرباؤك ومن تولاه أما والله لو كان سيفى في يدى ما بلغتم منى هذا قال له معاوية أتدرى ما أصنع بك أدخلك في جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار فقال له محمد إن فعلتم بى ذلك فطال ما فعل ذلك بأولياء الله وانى لاجو هذه النار التى تحرقني بها أن يجعلها الله على بردا وسلاما كما جعلها على خليله ابراهيم وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وأوليائه ان الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامك يعنى معاوية وهذا وأشار إلى عمرو بن العاص بنار تلظى عليكم كلما خبت زادها الله سعيرا قال له معاوية انى انما أقتلك بعثمان قال له محمد وما أنت وعثمان إن عثمان عمل بالجور ونبذ حكم القرآن وقد قال الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) فنقمنا ذلك عليه فقتلناه وحسنت أنت له ذلك ونظراؤك فقد برأنا الله ان شاء الله من ذنبه وأنت شريكه في إثمه وعظم ذنبه وجاعلك على مثاله قال فغضب معاوية فقدمه فقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو ثم قبضت عيال محمد إليها فكان القاسم بن محمد بن أبى بكر في عيالها (وأما الواقدي) فإنه ذكر لى أن سويد بن عبد العزيز حدثه عن ثابت بن عجلان عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمرو بن العاص خرج في أربعة آلاف فيهم معاوية ابن حديج وأبو الاعور السلمى فالتقوا بالمسناة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبى ولم يجد محمد بن أبى بكر مقاتلا فانهزم فاختبأ عند جبلة بن مسروق فدل عليه معاوية بن حديج فأحاط به فخرج محمد فقاتل حتى قتل

[ 80 ]

(قال الواقدي) وكانت المسناة في صفر سنة 38 وأذرح في شعبان منها في عام واحد (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية عند قتله محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر أما يعد فإنا لقينا محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر في جموع جمة من أهل مصر فدعوناهم إلى الهدى والسنة وحكم الكتاب فرفضوا الحق وتوركوا في الضلال فجاهدناهم واستنصرنا الله عليهم فضرب الله وجوههم وأدبارهم ومنحونا أكتافهم فقتل الله محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر وأماثل القوم والحمد لله رب العالمين والسلام عليك (وفيها) قتل محمد بن أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ذكر الخبر عن مقتله اختلف أهل السير في وقت مقتله فقال الواقدي قتل في سنة 36 قال وكان سبب قتله أن معاوية وعمرا سارا إليه وهو بمصر قد ضبطها فنزلا بعين شمس فعالجا الدخول فلم يقدرا عليه فخدعا محمد بن أبى حذيفة على أن يخرج في ألف رجل إلى العريش فخرج وخلف الحكم بن الصلت على مصر فلما خرج محمد بن أبى حذيفة إلى العريش تحصن وجاء عمرو فنصب المجانيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه فأخذوا فقتلوا قال وذاك قبل أن يبعث على إلى مصر قيس بن سعد * وأما هشام بن محمد الكلبى فإنه ذكر أن محمد بن أبى حذيفة إنما أخذ بعد أن قتل محمد بن أبى بكر ودخل عمرو بن العاص مصر وغلب عليها وزعم أن عمرا لما دخل هو وأصحابه مصر أصابوا محمد بن أبى حذيفة فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين فحبسه في سجن له فمكث فيه غير كثير ثم إنه هرب من السجن وكان ابن خال معاوية فأرى معاوية الناس أنه قد كره انفلاته فقال لاهل الشأم من يطلبه قال وقد كان معاوية يحب فيما يرون أن ينجو فقال رجل من خثعم يقال له عبد الله بن عمرو بن ظلام وكان رجلا شجاعا وكان عثمانيا أنا أطلبه فخرج في حاله حتى لحقه بأرض البلقاء بحوران وقد دخل في غار هناك فجاءت حمر تدخله وقد أصابها المطر فلما رأت الحمر الرجل في الغار فزعت فنفرت فقال حصادون كانوا قريبا من الغار والله إن لنفر هذه الحمر

[ 81 ]

من الغار لشأنا فذهبوا لينظروا فإذا هم به فخرجوا ويوافقهم عبد الله بن عمرو بن ظلام الخثعمي فسألهم عنه ووصفه لهم فقالوا له ها هوذا في الغار قال فجاء حتى استخرجه وكره أن يرجعه إلى معاوية فيخلى سبيله فضرب عنقه * قال هشام عن أبى مخنف قال وحدثني الحارث بن كعب بن فقيم عن جندب عن عبد الله بن فقيم عن الحارث بن كعب. يستصرخ من قبل محمد بن أبى بكر إلى على ومحمد يومئذ أميرهم فقام على في الناس وقد أمر فنودى الصلاة جامعة فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال أما بعد فان هذا صريخ محمد بن أبى بكر وإخوانكم من أهل مصر قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله وولى من عادى الله فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعا منكم على حقكم هذا فإنهم قد بدأوكم وإخوانكم بالغزو فاعجلوا إليهم بالمؤاساة والنصر عباد الله إن مصر أعظم من الفأم أكثر خيرا وخير أهلا فلا تغلبوا على مصر فان بقاء مصر في أيديكم عز لكم وكبت لعدوكم اخرجوا إلى الجرعة ببن الحيرة والكوفة فوافونى بها هناك غدا ان شاء الله قال فلما كان من الغد خرج يمشى فنزلها بكرة فأقام بها حتى انتصف النهار يومه ذلك فلم يوافه منهم رجل واحد فرجع فلما كان من العشى بعث إلى أشراف الناس فدخلوا عليه القصر وهو حزين كئيب فقال الحمد لله على ما قضى من أمرى وقدر من فعلى وابتلاني بكم أيتها الفرقة ممن لا يطيع إذا أمرت ولا يجيب إذا دعوت لا أبا لغيركم ما تنتظرون بصبركم والجهاد على حقكم الموت والذل لكم في هذه الدنيا على غير الحق فوالله لئن جاء الموت وليأتين ليفرقن بينى وبينكم وأنا لصحبتكم قال وبكم غير ضنين لله أنتم لا دين يجمعكم ولا حمية تحميكم إذا أنتم سمعتم بعدوكم يرد بلادكم ويشن الغارة عليكم أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة ويجيبونه في السنة المرتين والثلاث إلى أي وجه شاء وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهى وبقية الناس على المعونة وطائفة منكم على العطاء فتقومون عنى وتعصونني وتختلفون على فقام إليه مالك بن كعب

[ 82 ]

الهمداني ثم الارحبي فقال يا أمير المؤمنين اندب الناس فانه لا عطر بعد عروس لمثل هذا اليوم كنت أدخر نفسي والاجر لا يأتي إلا بالكرة اتقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته وقاتلوا عدوه أنا أسير إليها يا أمير المؤمنين قال فأمر على مناديه سعدا فنادى في الناس ألا انتدبوا إلى مصر مع مالك بن كعب ثم إنه خرج وخرج معه على فنظر فإذا جميع من خرج نحو ألفى رجل فقال سر فوالله ما إخالك تدرك القوم حتى ينقضى أمرهم قال فخرج بهم فسار خمسا ثم إن الحجاج ابن غزية الانصاري ثم النجارى قدم على على من مصر وقدم عبد الرحمن بن شبيب الفزارى فأما الفزارى فكان عينه بالشأم وإما الانصاري فكان مع محمد بن أبى بكر فحدثه الانصاري بما رأى وعاين وبهلاك محمد وحدثه الفزارى أنه لم يخرج من الشأم حتى قدمت البشراء من قبل عمرو بن العاص تترى يتبع بعضها بعضا بفتح مصر وقتل محمد بن أبى بكر وحتى أذن بقتله على المنبر وقال يا أمير المؤمنين قلما رأيت قوما قط أسر ولا سرورا قط أظهر من سرور رأيته بالشأم حين أتاهم هلاك محمد بن أبى بكر فقال على أما إن حزننا عليه على قدر سرور هم به لا بل يزيد أضعافا قال وسرح على عبد الرحمن بن شريح اليامى إلى مالك بن كعب فرده من الطريق قال وحزن على على محمد بن أبى بكر حتى رؤى ذلك في وجهه وتبين فيه وقام في الناس خطيبا فحمد الله واثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم وقال ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الاسلام عوجا ألا وان محمد بن أبى بكر قد استشهد رحمه الله فعند الله نحتسبه أما والله إن كان ما علمت لممن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر ويحب هدى المؤمن إنى والله ما الوم نفسي على التقصير وإنى لمقاساة الحرب نجد خبير وإنى لاقدم على الامر وأعرف وجه الحزم وأقوم فيكم بالرأى المصيب فأستصرخكم معلنا وأناديكم نداء المستغيث معربا فلا تسمعون لى قولا ولا تطيعون لى أمرا حتى تصير بي الامور إلى عواقب المساءة فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر ولا ينقض بكم الاوتار

[ 83 ]

دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة فتجرجرتم جرجرة الجمل الاشدق وتثاقلتم إلى الارض تثاقل من ليس له نية في جهاد العدو ولا اكتساب الاجر ثم خرج إلى منكم جنيد متذانب كثيرة يساقون إلى الموت وهم ينظرون فأف لكم ثم نزل وكتب إلى عبد الله بن عباس وهو بالبصرة بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس سلام عليك فانى أحمد الله اليك الذى لا إله إلا هو أما بعد فان مصر قد افتتحت ومحمد بن أبى بكر قد استشهد فعند الله نحتسبه وندخره وقد كنت قمت في الناس في بدئه وأمرتهم بغيائه قبل الوقعة ودعوتهم سرا وجهرا وعودا وبدأ فمنهم من أتى كارها ومنهم من اعتل كاذبا ومنهم القاعد حالا أسأل الله أن يجعل لى منهم فرجا ومخرجا وأن يريحني منهم عاجلا والله لولا طمعي عند لقاء عدوى في الشهادة لاحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا عزم الله لنا ولك على الرشد وعلى تقواه وهداه إنه على كل شئ قدير والسلام فكتب إليه ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله على بن أبى طالب أمير المؤمنين من عيد الله بن عباس سلام عثيك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر وهلاك محمد بن أبى بكر فالله المستعان على كل حال ورحم الله محمد بن أبى بكر وأجرك يا أمير المؤمنين وقد سألت الله أن يجعل لك من رعيتك التى اب ليت بها فرجا ومخرجا وأن يعزك بالملائكة عاجلا بالنصرة فان الله صانع لك ذلك ومعزك ومجيب دعوتك وكابت عدوك أخبرك يا أمير المؤمنين ان الناس ربما تثاقلوا ثم ينشطون فارفق بهم يا أمير المؤمنين وداجنهم ومنهم واستعن بالله عليهم كفاك الله ألمهم والسلام * قال أبو مخنف حدثنى فضيل ابن خديج عن مالك بن الحور أن عليا قال رحم الله محمدا كان غلاما حدثا أما والله لقد كنت على أن أولى المرقال هاشم بن عتبة مصر أما والله لو أنه وليها ما خلى لعمرو ابن العاص وأعوانه الفجرة العرصة ولما قتل إلا وسيفه في يده لا بلا دم كمحمد فرحم الله محمدا فقد اجتهد نفسه وقضى ما عليه (وفى هذه السنة) وجه معاوية بعد مقتل محمدين أبى بكر عبد الله بن عمرو بن الحضرمي إلى البصرة للدعاء إلى الاقرار

[ 84 ]

بحكم عمرو بن العاص فيه وفيها قتل أعين بن ضبيعة المجاشعى وكان على وجهه لاخراج ابن الحضرمي من البصرة ذكر الخبر عن أمر ابن الحضرمي وزياد وأعين وسبب قتل من قتل منهم * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى على بن محمد قال حدثنا أبو الذيال عن أبى نعامة قال لما قتل محمد بن أبى بكر بمصر خرج ابن عباس من البصرة إلى على بالكوفة واستخلف زيادا وقدم ابن الحضرمي من قبل معاوية فنزل في بنى تميم فأرسل زياد إلى حصين بن المنذر ومالك بن مسمع فقال أنتم يا معشر بكر بن وائل من أنصار أمير المؤمنين وثقاته وقد نزل ابن الحضرمي حيث ترون وأتاه من أتاه فامنعوني حتى يأتيني رأى أمير المؤمنين فقال حضين نعم وقال مالك وكان رأيه مائلا إلى بنى أمية وكان مروان لجأ إليه يوم الجمل هذا أمر لى فيه شركاء أستشير وأنظر فلما رأى زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف ربيعة فأرسل إلى نافع أن أشر على فأشار عليه نافع بصبرة بن شيمان الحدانى فأرسل إليه زياد فقال ألا تجيرني وبيت مال المسلمين فإنه فيأكم وأنا أمين أمير المؤمنين قال بلى إن حملته إلى ونزلت دارى قال فإنى حامله فحمله وخرج زياد حتى أتى الحدان ونزل في دار صبرة بن شيمان وحول بيت المال والمنبر فوضعه في مسجد الحدان وتحول مع زياد خمسون رجلا منهم أبو أبى حاضر وكان زياد يصلى الجمعة في من غجد الحدان ويطعم الطعام فقال زياد لجابر بن وهب الراسبى يا أبا محمد إنى لا أرى ابن الحضرمي يكف ولا أراه الا سيقاتلكم ولا أدرى ما عند أصحابك فأمرهم وانظر ما عندهم فلما قلى زياد جلس في المسجد واجتمع الناس إليه فقال جابر يا ملشر الازد تميم تزعم أنهم هم الناس وأنهم أصبر منكم عند البأس وقد بلغني أنهم يريدون أن يسيروا اليكم حتى يأخذوا جاركم ويخرجوه من المصر قسرا فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد أجرتموه وبيت مال المسلمين فقال صبرة بن شيمان وكان مفخما إن جاء الاحنف جئت وإن جاء الحتات جئت وان جاء شبان ففينا شبان فكان زياد يقول اننى استضحكت ونهضت وما كدت مكيدة قط كنت إلى الفضيحة بها أقرب منى للفضيحة يومئذ لما غلبنى من الضحك

[ 85 ]

قال ثم كتب زياد إلى على ان ابن الحضرمي أقبل من الشأم فنزل في دار بنى تميم ونعى عثمان ودعا إلى الحرب وبايعته تميم وجل أهل البصرة ولم يبق معى من أمتنع به فاستجرت لنفسي ولبيت المال صبرة بن شيمان وتحولت فنزلت معهم فشيعة عثمان يختلفون إلى ابن الحضرمي فوجه على أعين بن ضبيعة المجاشعى ليفرق قومه عن ابن الحضرمي فانظر ما يكون منه فان فرق جمع ابن الحضرمي فذلك ما تريد وان ترقت بهم الامور إلى التمادي في العصيان فانهض إليهم فجاهدهم فان رأيت ممن قبلك تثاقلا وخففت أن لا تبلغ ما تريد فدارهم وطاولهم ثم تسمع وأبصر فكأن جنود الله قد أظلتك تقتل الظالمين فقدم أعين فأتى زيادا فنزل عنده ثم أتى قومه وجمع رجالا ونهض إلى ابن الحضرمي فدعاهم فشتموه وناوشوه فانصرف عنهم ودخل عليه قوم فقتلوه فلما قتل أعين بن ضبيعة أراد زياد قتالهم فأرسلت بنو تميم إلى الازد انا لم نعرض لجاركم ولا لاحد من أصحابه فماذا تريدون إلى جارنا وحربنا فكرهت الازد القتال وقالوا ان عرضوا لجارنا منعناهم وان يكفوا عن جارنا كففنا عن جارهم فأمسكوا وكتب زياد إلى على ان أعين بن ضبيعة قدم فجمع من أطاعه من عشيرته ثم نهض بهم بجد وصدق نية إلى ابن الحضرمي فحثهم على الطاعة ودعاهم إلى الكف والرجوع عن شقاقهم ووافقتهم عامة قوم فهالهم ذلك وتصدع عنهم كثير ممن كان معهم يمنيهم نصرته وكانت بينهم مناوشة ثم انصرف إلى أهله فدخلوا عليه فاغتالوه فأصيب رحم الله أعين فأردت قتالهم عند ذلك فلم يخف معى من أقوى به م ليهم وتراسل الحيان فأمسك بعضهم عن بعض فلما قرأ على كتابه دعا جارية بن قدامة السعدى فوجهه في خمسين رجلا من بنى تميم وبعث معه شريك بن الاعور ويقال بعث جارية في خمسمائة رجل وكتب إلى زياد كتاب يصوب رأيه فيما صنع وأمره بملونة جارية بن قدامة والاشارة عليه فقدم جارية البصرة فأتى غ يادا فقال له احتفز واحذر أن يصيبك ما أصاب صاحبك ولا تثقن بأحد من القوم فسار جارية إلى قومه فقرأ عليهم كتاب على ووعدهم فأجابه أكثرهم فسار إلى ابن الحضرمي فحصره في دار سنبيل ثم أحرق عليه الدار وعلى من معه وكان معه سبعون رجلا ويقال أربعون وتفرق الناس ورجع زياد إلى دار الامارة وكتب إلى على مع ظبيان

[ 86 ]

ابن عمارة وكان ممن قدم مع جارية.. وأن جارية قدم علينا فسار إلى ابن الحضرمي فتلتله حتى اضطره إلى دار من دور بنى تميم في عدة رجال من أصحابه بعد الاعذار والانذار والدعاء إلى الطاعة فلم ينيبوا ولم يرجعوا فاضرم عليهم الدار فأحرقهم فيها وهدمت عليهم فبعدا لمن طغى وعصى فقال عمرو بن العرندس العودى رددنا زيادا إلى داره * وجار تميم دخانا ذهب لحى الله قوما شووا جارهم * وللشاء بالدرهمين الشصب ينادى الخناق وخمانها * وقد سمطوا رأسه باللهب ونحن أناس لنا عادة * نحامي عن الجار أن يغتصب حميناه إذ حل أبياتنا * ولا يمنع الجار إلا الحسب ولم يعرفوا حرمة للجوا * ر إذأ عظم الجار قوم نجب كفعلهم قبلنا بالزبير * عشية إذ بزه يستلب وقال جرير بن عطية بن الخطفى غدرتم بالزبير فما وفيم * وفاء الازد إذ منعوا زيادا فأصبح جارهم بنجاة عز * وجار مجاشع أمسى رمادا فلو عاقدت حبل أبى سعيد * لذاد القوم ما حمل النجادا وأدنى الخيل من رهج المنايا * وأغشاها الاسنة والصعادا ومما كان في هذه السنة أعنى سنة 38 إظهار الخريت بن راشد في بنى ناجية الخلاف على على وفراقه إياه كالذى ذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف عن الحارث الازدي عن عمه عبد الله ابن فقبم قال جاء الخريت بن راشد إلى على وكان مع الخريت ثلثمائة رجل من بنى ناجية مقيمين مع على بالكوفة قدموا معه من البصرة وكانوا قد خرجوا إليه يوم الجمل وشهدوا معه صفين والنهروان فجاء إلى على في ثلاثين راكبا من أصحابه يسير بينهم حتى قام بين يدى على فقال له والله يا على لا أطيع أمرك ولا أصلى خلفك وإنى غدا لمفارقك وذلك بعد تحكيم الحكمين فقال له على ثكلتك أمك

[ 87 ]

إذا تعصى ربك وتنكث عهدك ولا تضر إلا نفسك خبرني لم تفعل ذلك قال لانك حكمت في الكتاب وضعفت عن الحق إذ جد الجد وركنت إلى القوم الذى ظلموا أنفسهم فأنا عليك زار وعليهم ناقم ولكم جميعا مباين فقال له على هم أدارسك الكتاب وأناظرك في السنن وأفاتحك أمورا من الحق أنا أعلم بها منك فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر وتستبصر ما أنت عنه الآن جاهل قال فانى عائد إليك قال لا يستهوينك الشيطان ولا يستخفنك الجهل ووالله لئن استرشدتني واستنصحتني وقبلت منى لاهدينك سبيل الرشاد فخرج من عنده منصرفا إلى أهله فعجلت في أثره مسرعا وكان لى من بنى عمه صديق فأردت أن ألقى ابن عمه ذلك فأعلمه بشأنه ويأمره بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته ويخبره أن ذلك خير له في عاجل الدنيا وآجل الآخرة فخرجت حتى انتهيت إلى منزله وقد سبقني فقمت عند باب داره وفى داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على على قال فوالله ما جزم شيئا مما قال ومما رد عليه ثم قال لهم يا هؤلاء إنى قد رأيت أن أفارق هذا الرجل وقد فارقته على أن أرجع إليه من غد ولا أرانى إلا مفارقه من غد فقال له أكثر أصحابه لا تفعل حتى تأتيه فان أتاك بأمر تعرفه قبلت منه وإن كانت الاخرى فما أقدرك على فراقه فقال لهم فنعم ما رأيتم قال ثم إنى استأذنت عليه فأذنوا لى فدخلت فقلت أنشدك الله أن تفارق أمير المؤمنين وجماعة المسلمين وأن تجعل على نفسك سبيلا وأن تقتل من أرى من عشيرتك ان عليا لعلى الحق قال فأنا أغدو إليه فأسمع منه حجته وأنظر ما يعرض على به ويذكر فان رأيت حقا ورشدا قبلت وإن رأيت غيا وجورا تركت قال فخلوت بابن عمه ذلك قال وكان أحد نفره الادنين وهو مدرك بن الريان وكان من رجال العرب فقلت له إن لك على حقا لاخائك وودك ذلك على بعد حق المسلم على المسلم إن ابن عمك كان منه ما قد ذكر لك فأجدبه فاردد عليه رأيه وعظم عليه ما أتى فانى خائف ان فارق أمير المؤمنين أن يقتله نفسه وعشيرته فقال جزاك الله خيرا من أخ فقد نصحت وأشفقت ان أراد صاحي فراق أمير المؤمنين فارقته وخالفته وكنت أشد الناس عليه وأنا بعد فانى

[ 88 ]

خال به ومفير عليه بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته والاقامة معه وفى ذلك حظه ورشده فقمت من عنده وأردت الرجول إلى أمير المؤمنين لاعلمه بالذى كان ثم اطمأننت إلى قول صاحبي فرجعت إلى منزلي فبت به ثم أصبحت فلما ارتفلا الضحى أتيت أمير المؤمنين فجلست عنده ساعة وأنا أريد أن أحدثه بالذى كان من قوله لى على خلوة فأطلت الجلوس فلم يزدد الناس إلا كثرة قد نوت منه فجلست وراءه فأصغى إلى بأذنيه فخبرته بما سمعت من الخريت بن راشد وبما قلت له وبما رد على وبما كان من مقالتي لابن عمه وبما رد على فقال دعه فان عرف الحق وأقبل إليه عرفنا ذلك وقبلنا منه وإن أبى طلبناه فقلت يا أمير المؤمنين ولم لا تأخذه الآن وتستوثق منه وتحبسه فقال إنا لو فعلنا هذا بكل من نتهمه من الناس ملانا سجننا منهم ولا أراه يعنى الوثوب على الناس والحبس والعقوبة حتى يظهروا لنا الخلاف قال فسكت عنه وتنحيت فجلست مع القوم ثم مكث ما شاء الله ثم أنه قال ادن منى فدنوت منه فقال لى مسرا اذهب إلى منزل الرجل فاعلم لى ما فعل فانه كل يوم لم يكن يأتيني فيه إلا قبل هذه الساعة فأتيت منزله فإذا ليس في منزله منهم ديار فدعوت على أبواب دور أخرى كان فيها طائفة من أصحابه فإذا ليس فيها داع ولا مجيب فرجعت فقال لى حين رأني وطنوا فأمنوا أم جنبوا فظعنوا فقلت بل ظعنوا فأعلنوا فقال قد فعلوها بعدا لهم كما بعدت ثمود أما لو قد أشرعت لهم الاسنة وصببت على هامهم السيوف لقد ندموا أن الشيطان اليوم قد استهواهم وأضلهم وهو غدا متبرئ منهم ومخل عنهم فقام إليه زياد بن خصفة فقال يا أمير المؤمنين إنه لو لم يكن من مضرة هؤلاء إلا فراقهم إيانا لم يعظم فقدهم فنأسى عليهم فانهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا وقلما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليه من أهل طاعتك فأذن لى في اتباعهم حتى أردهم عليك إن شاء الله فقال له على وهل تدرى أين توجه القوم فقال لا ولكني أخرج فأسأل وأتبع الاثر فقال له اخرج رحمك الله حتى تنزل دير أبى موسى ثم لا تتوجه حتى يأتيك أمرى فإنهم إن كانوا خرجوا

[ 89 ]

ظاهرين للناس في جماعة فإن عمالى ستكتب إلى بذلك وإن كانوا متفرقين مستخفين فذلك أخفى لهم وسأكتب إلى عمالى فيهم فكتب نسخة واحدة فأخرجها إلى العمال أما بعد فإن رجالا خرجوا هرابا ونظنهم وجهوا نحو بلاد البصرة فسل عنهم أهل بلادك واجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك واكتب إلى بما ينتهى اليك عنهم والسلام فخرج زياد بن خصفة حتى أتى داره وجمع أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا معشر بكر بن وائل فإن أمير المؤمنين ندبنى لامر من أمره مهم له وأمرني بالانكماش فيه وأنتم شيعته وأنصاره وأوثق حى من الاحياء في نفسه فانتدبوا معى الساعة واعجلوا قال فوالله ما كان إلا ساعة حتى اجتمع له منهم مائة وعشرون رجلا أو ثلاثون فقال اكتفينا لا نزيد أكثر من هذا فخرجوا جتى قطعوا الجسر ثم دير أبى موسى فنزله فأقام فيه بقية يومه ذلك ينتظر أمر أمير المؤمنين * قال أبو مخنف فحدثني أبو الصلت الاعور التيمى عن أبى سعيد العقيلى عن عبد الله بن وأل التيمى قال والله إنى لعند أمير المؤمنين إذ جاءه فيج كتاب بيديه من قبل قرظة بن كعب الانصاري بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإنى أخبر أمير المؤمنين أن خيلا مرت بنا من قبل الكوفة متوجهة نحو نفر وإن رجلا من دهاقين أسفل الفرات قد صلى يقال له زاذان فروخ أقبل من قبل أخواله بناحية نفر فعرضوا له فقالوا أمسلم أنت أم كافر فقال بل أنا مسلم قالوا فما قولك في على قال أقول فيه خيرا أقول إنه أمير المؤمنين وسيد البشر فقالوا له كفرت يا عدو الله ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه ووجدوا معه رجلا من أهل الذمة فقالوا ما أنت قال رجل من أهل الذمة قالوا أما هذا فلا سبيل عليه فأقبل إلينا ذلك الذمي فأخبرنا هذا الخبر وقد سألت عنهم فلم يخبرني أحد عنهم بشئ فليكتب إلى أمير المؤمنين برأيه فيهم أنته إليه والسلام فكتب إليه أما بعد فقد فهمت ما ذكرت من العصابة التى مرت بك فقتلت البر المسلم وأمن عندهم المخالف الكافر وإن أولئك قوم استهواهم الشيطان فضلوا وكانوا كالذين حسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا فأسمع بهم وأبصر يوم تخبر أعمالهم والزم عملك وأقبل على خراجك

[ 90 ]

فإنك كما ذكرت في طاعتك ونصيحتك والسلام * قال أبو مخنف وحدثني أبو الصلت الاعور التيمى عن أبى سعيد العقيلى عن عبد الله بن وأل قال كتب على عليه السلام معى كتابا إلى زياد بن خصفة وأنا يومئذ شاب حدث أما بعد فإنى كنت أمرتك أن تنزل دير أبى موسى حتى يأتيك أمرى وذلك لانى لم أكن علمت إلى أي وجه توجه القوم وقد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية يقال لها نفر فاتبع آثارهم وسل عنهم فإنهم قد قتلوا رجلا من أهل السواد مصليا فإذا أنت لحقتهم فارددهم إلى فإن أبوا فناجزهم واستعن بالله عليهم فإنهم قد فارقوا الحق وسفكوا الدم الحرام وأخافوا السبيل والسلام قال فأخذت الكتاب منه فمضيت به غير بعيد ثم رجعت به فقلت يا أمير المؤمنين ألا أمضى مع زياد بن خصفة إذا دفعت إليه كتابك إلى عدوك فقال يا ابن أخى افعل فوالله إنى أرجو أن تكون من أعواني على الحق وأنصاري على القوم الظالمين فقلت له أنا والله يا أمير المؤمنين كذلك ومن أولئك وأنا حيث تحب قال ابن وأل فوالله ما أحب أن لى بمقالة على تلك حمر النعم قال ثم مضيت إلى زياد بن خصفة بكتاب على وأنا على فرس لى رائع كريم وعلى السلاح فقال لى زياد يا بن أخى والله مالى عنك من غناء وإنى لاحب أن تكون معى في وجهى هذا فقلت له قد استأذنت في ذلك أمير المؤمنين فأذن لى فسر بذلك قال ثم خرجنا حتى أتينا نفر فسألنا عنهم فقيل لنا قد ارتفعوا نحو جرجرايا فاتبعناهم فقيل لنا قد أخذوا نحو المذار فلحقناهم وهم نزول بالمذار وقد أقاموا به يوما وليلة وقد استراحوا وأعلفوا وهم جامون فأتيناهم وقد تقطعنا ولغبنا وشقينا ونصبنا فلما رأونا وثبوا على خيولهم فاستووا عليها وجئنا حتى انتهينا إليهم فواقفناهم ونادانا صاحبهم الخريت بن راشد يا عميان القلوب والابصار أمع الله أنتم وكتابه وسنة نبيه أم مع الظالمين فقال له زياد بن خصفة بل نحن مع الله ومن الله وكتابه ورسوله آثر عنده ثوابا من الدنيا منذ خلقت إلى يوم تفنى أيها العمى الابصار الصم القلوب والاسماع فقال لنا أخبروني ما ترويدون فقال له زياد وكان مجربا رفيقا قد ترى ما بنا من اللغوب والسغوب والذى جئنا له

[ 91 ]

لا يصلحه الكلام علانية على رؤس أصحابي وأصحابك ولكن أنزل وتنزل ثم نخلو جميعا فنتذاكر أمرنا هذا جميعا وننظر فإن رأيت ما جئناك فيه حظا لنفسك قبلته وإن رأيت فيما أسمعه منك أمرا أرجو فيه العافية لنا ولك لم أردده عليك قال فانزل بنا قال فأقبل إلينا زياد فقال انزلوا بنا على هذا الماء قال فأقبلنا حتى إذا انتهينا إلى الماء نزلناه فما هو الا أن نزلنا فتفرقنا ثم تحلقنا من عشرة وتسعة وثمانية وسبعة يضعون طعمامهم بين أيديهم فيأكلون ثم يقومون إلى ذلك الماء فيشربون وقال لنا زياد علقوا على خيولكم فعلقنا عليها مخاليها ووقف زياد بيننا وبين القوم وانطلق القوم فتنحوا ناحية ثم نزلوا وأقبل إلينا زياد فلما رأى تفرقنا وتحلقنا قال سبحان الله أنتم أهل حرب والله لو ان هؤلاء جاؤكم الساعة على هذه الحال ما أرادوا من غيركم أفضل من حالكم التى أنتم عليها أعجلوا قوموا إلى خيلكم فأسرعتا فتحشحشنا فمنا من يتنفض ثم يتوضأ ومنا من يشرب ومنا من يسقى فرسه حتى إذا فرغنا من ذلك كله أتانا زياد وفى يده عرق ينهشه فنهش منه نهشتين أو ثلاثا وأتى بأداوة فيها ماء فشرب منه ثم ألقى العرق من يده ثم قال يا هؤلاء إنا قد لقينا القوم ووالله أن عدتكم كعدتهم ولقد حزرتكم وإياهم فما أظن أحد الفريقين يزيد على الآخر بخمسة نفروانى والله ما أرى أمرهم وأمركم الا يرجع إلى القتال فان كان إلى ذلك ما يصير بكم وبهم الامور فلا تكونوا أعجز الفريقين ثم قال لنا ليأخذ كل أمرئ منكم بعنان فرسه حتى أدنو منهم وأدعوا إلى صاحبهم فأكلمه فان بايعني على ما أريد والا فإذا دعوتكم فاستووا على متون الخيل ثم أقبلوا إلى معا غير متفرقين قال فاستقدم أمامنا وأنا معه فأسمع رجلا من القوم يقول جاءكم القوم وهم كالون معيون وأنتم جامعون مستريحون فتركتموهم حتى نزلوا وأكلوا وشربوا واستراحوا هذا والله سوء الرأي والله لا يرجع الامر بكم وبهم الا إلى القتال فسكتوا وانتهينا إليهم فدعا زياد بن خصفة صاحبهم فقال اعتزل بنا فلننظر في أمرنا هذا فوالله لقد أقبل إلى زياد في خمسة فقلت لزياد ادع ثلاثة من أصحابنا حتى نلقاهم في عدتهم فقال لى ادع من أحببت منهم فدعوت من أصحابنا ثلاثا فكنا خمسة وخمسة

[ 92 ]

فقال له زياد ما الذى نقمت على أمير المؤمنين وعلينا إذ فارقتنا فقال لم أرض صاحبكم إماما ولم أرض سيرتكم سيرة فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى من الناس فإذا اجتمع الناس على رجل لجميع الامة رضى كنت مع الناس فقال له غ ياد ويحك وهل يجتمع الناس على رجل منهم يدانى صاحبك الذى فارقته علما بالله وبسنن الله وكتابه مع قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم وسابقته في الاسلام فقال له ذلك ما أقول لك فقال له زياد ففيم قتلت ذلك الرجل المسلم قال ما أنا قتلته إنما قتلته طائفة من أصحابي قال فادفعهم الينا قال ما إلى ذلك سبيل قال كذلك أنت فاعل قال هو ما تسمع قال فدعونا أصحابنا ودعا أصحابه ثم أقبلنا فوالله ما رأينا قتالا مثله منذ خلقني ربى قال اطعنا والله بالرماح حتى لم يبق في أيدينا رمح ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنت وعقر عامة خيلنا وخيلهم وكثرت الجراح فيما بيننا وبينهم وقتل منا رجلان مولى زياد كانت معه رايته يدعى سويدا ورجلا من الابناء يدعى وافد بن بكر وصرعنا منهم خمسة وجاء الليل يحجز بيننا وبينهم وقد والله كرهونا وكرهناهم وقد جرح زياد وجرحت قال ثم إن القوم تنحوا وبتنا في جانب فمكثوا ساعة من الليل ثم إنهم ذهبوا وتبعناهم حتى أتينا البصرة وبلغنا أنهم أتوا الاهواز فنرلوا بجانب منها وتلاحق بهم أناس من أصحابهم نحو من مائتين كانوا معهم بالكوفة ولم يكن لهم من القوة ما ينهضم معهم حتى نهضوا فأتبعوهم فلحقوهم بأرض الاهواز فأقاموا معهم وكتب زياد بن خصفة إلى على أما بعد فإنا لقينا عدو الله الناجى بالمذار فدعوناهم إلى الهدى والحق وإلى كلمة السواء فلم ينزلوا على الحق وأخذتهم العزة بالاثم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فقصدوا لنا وصمدنا صمدهم فاقتتلنا قتالا شديدا ما بين قائم الظهيرة إلى دلوك الشمس فاستشهد منا رجلان صالحان وأصيب منهم خمسة نفر وخلوا لنا المعركة وقد فشت فينا وفيهم الجراح ثم إن القوم لما لبسهم الليل خرجوا من تحته متنكبين إلى أرض الاهواز فبلغنا أنهم نزلوا منها جانبا ونحن بالبصرة نداوى جراحنا وننتظر أمرك رحمك الله والسلام عليك فلما أتيته بكتابه قرأه على الناس فقام

[ 93 ]

إليه معقل بن قيس فقال أصلحك الله يا أمير المؤمنين إنما كان ينبغى إن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كل رجل منهم عشرة من المسلمين فإذا لحقوهم استأصلوهم وقطعوا دابرهم فأما أن يلقاهم أعدادهم فلعمري ليصبرن لهم هم قوم م رب والعدة تصبر للعدة وتنتصف منها فقال تجهز يا معقل بن قيس إليهم وندب معه ألفين من أهل الكوفة منهم يزيد بن المغفل الازدي وكتب إلى ابن عباس أما بعد فابعث رجلا من قبلك صليبا فجاعا معروفا بالصلاح في ألفى رجل فليتبع معقلا فإذا مر ببلاد البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقلا فإذا لقى معقلا فمعقل أمير الفريقين وليسمع من معقل وليطعه ولا يخالفه ومر زياد بن خصفة فليقبل فنعم المرء زياد ونعم القتيل قتيله * قال أبو مخنف وحدثني أبو الصلت الاعور عن أبى سعيد العقلي قال كتب على إلى زياد بن خصفة أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت من أمر الناجى وإخوانه الذين طبع الله على قلوبهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فهم يعمهون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ووصفت ما بلغ بك وبهم الامر فأما أنت وأصحابك فلله سعيكم وعلى الله تعالى جزاؤكم فأبشر بثواب الله خير من الدنيا التى يقتل الجهال أنفسهم عليها فإن ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون وأما عدوكم الذين لقيتموهم فحسبهم بخروجهم من الهدى إلى الضلال وارتكابهم فيه وردهم الحق ولجاجهم في الفتنة فذرهم وما يفترون ودعهم في طغيانهم يعمهون فتسمع وتبصر كأنك بهم عن قليل بين أسير وقتيل أقبل إلينا أنت وأصحابك مأجورين فقد أطعتم وسمعتم وأحسنتم البلاء والسلام ونزل الناجى جانبا من الاهواز واجتمع إليه علوج من أهلها كثير أردوا كسر الخراج ولصوص كثيرة وطائفة أخرى من العرب ترى رأيه * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا أبو الحسن عن على بن مجاهد قال قال الشعبى لما قتل على عليه السلام أهل النهروان خالفه قوم كثير وانتقضت عليه أطرافه وخالفه بنو ناجية وقدم ابن الحضرمي البصرة وانتقض أهل الاهواز وطمع أهل الخراج في كسره ثم

[ 94 ]

أخرجوا سهل بن حنيف من فارس وكان عامل على عليها فقال ابن عباس لعلى أكفيك فارس بزياد فأمره على أن يوجهه إليها فقدم ابن عباس البصرة ووجهه إلى فارس في جمع كثير فوطئ بهم أهل فارس فأدوا الخراج (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) وحدثني الحارث بن كعب عن عبد الله بن فقيم الازدي قال كنت أنا وأخى كعب في ذلك الجيش مع معقل بن قيس فلما أراد الخروج أقبل إلى على فودعه فقال يا معقل اتق الله ما استطعت فانها وصية الله للمؤمنين لا تبغ على أهل القبلة ولا تظلم أهل الذمة ولا تتكبر فإن الله لا يحب المتكبرين فقال الله المستعان فقال له على خير من غتعان قال فخرج وخرجنا معه حتى نزلنا الاهواز فأقمنا ننتظر أهل البصرة وقد أبطؤوا علينا فقام فينا معقل بن قيس فقال يا أيها الناس إنا قد انتظرنا أهل البصرة وقد أبطؤوا علينا وليس بحمد الله بنا قلة ولا وحشة إلى الناس فسيروا بنا إلى هذا العدو القليل الذليل فانى أرجو أن ينصركم الله وأن يهلكهم قال فقام إليه أخى كعب بن فقيم فقال أصبت أرشدك الله رأيك فوالله إنى لارجو أن ينصرنا الله عليهم وإن كانت الاخرى فان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا فقال سيروا على بركة الله قال فسرنا ووالله ما زال معقل لى مكرما وادا ما يعدل بى من الجند أحدا قال ولا يزال يقول وكيف قلت إن في الموت على الحق تعزية عن الدنيا صدقت والله وأحسنت ووفقت فوالله ما سرنا يوما حتى أدركنا فيج يشتد بصحيفة في يده من عند عبد الله بن عباس أما بعد فان أدركك رسولي بالمكان الذى كنت فيه مقيما أو أدركك وقد شخصت منه فلا تبرح المكان الذى ينتهى فيه اليك رسولي واثبت فيه حتى يقدم عليك بعثنا الذى وجهناه اليك فانى قد بعثت اليك خالد بن معدان الطائى وهو من أهل الاصلاح والدين والبأس والنجدة فاسمع منه واعرف ذلك له والسلام فقرأ معقل الكتاب على الناس وحمد الله وقد كان ذلك الوجه هالهم قال فأقمنا حتى قدم الطائى علينا وجاء حتى دخل على صاحبنا فسلم عليه بالامرة واجتمعا جميعا في عسكر واحد قال ثم إنا خرجنا فسرنا إليهم فأخذوا يرتفعون نحو جبال رامهرمز يريدون قلعة بها حصينة

[ 95 ]

وجاءنا أهل البلد فأخبرونا بذلك فخرجنا في آثارهم نتبعهم فلحقناهم وقد دنوا من الجبل فصففنا لهم ثم أقبلنا إليهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن المغفل وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبى من أهل البصرة وصف الخريت بن راشد الناجى من معه من العرب فكانوا ميمنة وجعل أهل البلد والعلوج ومن أراد كسر الخراج وأتباعهم من الاكراد ميسرة قال وسار فينا معقل بن قيس يحرضنا ويقول لنا م باد الله لا تعدلوا القوم بأبصاركم غضوا الابصار وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب وأبشروا في قتالهم بالاجر العظيم إنما تقال لون مارقة مرقت من الدين وعلوجا منلوا الخراج وأكرادا انظروني فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد فمر في الصف كله يقول لهم هذه المقالة حتى إذا مر بالناس كلهم أقبل حتى وقف وسط الصف في القلب ونظرنا إليه ما يصنع فحرك رايته تحريكتين فوالله ما صبروا لنا ساعة حتى ولوا وشدخنا منهم سبعين عربيا من بنى ناجية ومن بعض من اتبعهم من العرب وقتلنا نحوا من ثلثمائة من العلوج والاكراد قال كعب بن فقيم ونظرت فيمن قتل من العرب فإذا أنا بصديقي مدرك بن الريان قتيلا وخرج الخريت بن راشد وهو منهزم حتى لحق بأسياف البحر وبها جماعة من قومه كثير فما زال بهم يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف على ويبين لهم فراقه ويخبرهم أن الهدى في حربه حتى اتبعه منهم ناس كثير وأقام معقل بن قيس بأرض الاهواز وكتب إلى على معى بالفتح وكنت أنا الذى قدمت عليه فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله على أمير المؤمنين من معقل بن قيس سلام عليك فأنى أحمد اليك الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فانا لقينا المارقين وقد استظهروا علينا بالمشركين فقتلناهم قتل عاد وإرم مع أنا لم نعد فيهم سيرتك ولم نقتل من المارقين مدبرا ولا أسيرا ولم ندفف منهم على جريح وقد نصرك الله والسملين والحمد لله رب العالمين قال فقدمت عليه بهذا الكتاب فقرأه على أصحابه واستشارهم في الرأى فاجتمع رأى عامتهم على قول واحد فقالوا له نرى أن تكتب إلى معقل بن قيس فيتبع أثر الفاسق فلا يزال في طلبه حتى يقتله أو ينفيه فانا

[ 96 ]

لا نأمن أن يفسد عليك الناس قال فردني إليه وكتب معى أما بعد فالحمد لله على تأييد أوليائه وخذلان أعدائه جزاك الله والمسلمين خيرا فقد أحسنتم البلاء وقضيتم ما عليكم وسل عن أخى بنى ناجية فان بلغك أنه قد استقر ببلد من البلدان فسر إليه حتى تقتله أو تنفيه فانه لن يزال للمسلمين عدوا وللقاسطين وليا ما بقى والسلام عليك فسأل معقل عن مستقره والمكان الذى انتهى إليه فنبئ بمكانه بالاسياف وإنه قد رد قومه عن طاعة على وأفسد من قبله من عبد القيس ومن والاهم من سائر العرب وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين ومنعوها في ذلك العام أيضا فكان عليهم عقالان فسار إليهم ملقل بن قيس في ذلك الجيش من أهل الكوفة وأهل البصرة فأخذ على فارس حتى انتهى إلى أسياف البحر فلما غمع الخريت ابن راشد بمسيره إليه أقبل على من كان معه من أصحابه ممن يرى رأى الخوارج فأسر لهم إنى أرى رأيكم فان عليا لن ينبغى له أن يحكم الرجال في أمر الله وقال للآخرين منددا لهم إن عليا حكم حكما ورضى به فخلعه حكمه الذى ارتضاه لنفسه فقد ركيت أنا من قضائه وحكمه ما ارتضاه لنفسه وهذا كان الرأى الذى خرج عليه من الكوفة وقال سرا لمن يرى رأى عثمان أنا والله على رأيكم قد والله قتل عثمان مظلوما فأرضي كل صنف منهم وأراهم أنه معهم وقال لمن منع الصدقة شدوا أيديكم على صدقاتكم وصلوا بها أرحامكم وعودوا بها إن شئتم على فقرائكم وقد كان فيهم نصارى كثير قد أسلموا فلما اختلف الناس بينهم قالوا والله لديننا الذى خرجنا منه خير وأهدى من دين هؤلاء الذى هم عليه ما ينهاهم دينهم عن سفك الدماء وإخافة السبيل وأخذ الاموال فرجعوا إلى دينهم فلقى الخريت أولئك فقال لهم ويحكم أتدرون حكم على فيمن أسلم من النصارى ثم رجع إلى نصرانيته لا والله ما يسمع لهم قولا ولا يرى لهم عذرا ولا يقبل منهم توبة ولا يدعوهم إليها وإن حكمه فيهم لضرب العنق ساعة يستمكن منهم فما زال حتى جمعهم وخدعهم وجاء من كان من بنى ناجية ومن كان في تلك الناحية من غيرهم واجتمع إليهم ناس كثير * فحدثني على بن الحسن الازدي قال حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن عبد الملك

[ 97 ]

ابن سعيد بن حاب عن الحر عن عمار الدهنى قال حدثنى أبو الطفيل قال كنت في الجيش الذين بعثهم على بن أبى طالب إلى بنى ناجية فقال فانتهينا إليهم فوجدناهم على ثلاث فرق فقال أميرنا لفرقة منهم ما أنتم قالوا نحن قوم نصارى لم نر دينا أفضل من ديننا فثبتنا عليه فقال لهم اعتزلوا وقال للفرقة الاخرى ما أنتم قالوا نحن كنا نصارى فأسلمنا فثبتنا على إسلامنا فقال لهم اعتزلوا ثم قال للفرقة الاخرى الثالثة ما أنتم قالوا نحن قوم كنا نصارى فأسلمنا فلم نر دينا هو أفضل من ديننا الاول فقال لهم أسلموا فأبوا فقال لاصحابه إذا محت رأسي ثلاث مرات فشدوا عليهم فاقتلوا المقاتلة واسبوا الذرية فجئ بالذرية إلى على فجاء مصقلة بن هبيرة فاشتراهم بمائتي ألف فجاء بمائة ألف فلم يقبلها على فانطلق بالدراهم وعمد إليهم مصقلة فأم تقهم ولحق بمعاوية فقيل لعلى ألا تأخذ الذرية فقال لا فلم يعرض لهم (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) قال أبو مخنف وحدثني الحارث بن كعب قال لما رجع إلينا معقل بن قيس قرأ علينا كتابا من على بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى من يقرأ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين والنصارى والمرتدين سلام عليكم وعلى من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وكتابه والبعث بعد الموت وأوفى بعهد الله ولم يكن من الخائنين أما بعد فإنى أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بالحق وبما أمر الله في الكتاب فمن رجع إلى أهله منكم وكف يده واعتزل هذا الهالك الحارب الذى جاء يحارب الله ورسوله والمسلمين وسعى في الارض فسادا فله الامان على ماله ودمه ومن تابعه على حربنا والخروج من طاعتنا استعنا بالله عليه وجعلنا الله بيننا وبينه وكفى بالله نصيرا وأخرج معقل راية أمان فنصبها وقال من أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت وأصحابه الذين حاربونا وبدأونا أول مرة فتفرق عن الخريت جل من كان معه من غير قومه وعبأ معقل بن قيس أصحابه فجعل على ميمنته يزيد بن المغفل الازدي وعلى ميسرته المنجاب بن راشد الضبى ثم زحف بهم نحو الخريت وحضر معه قومه مسلموهم ونصاراهم ومانعة الصدقة منهم * قال أبو مخنف وحدثني الحارث بن كعب عن أبى الصديق الناجى أن الخريت يومئذ كان يقول لقومه

[ 98 ]

امنعوا حريمكم وقاتلوا عن نسائكم وأولادكم فوالله لئن ظهروا عليكم ليقتلنكم وليسبنكم فقال له رجل من قومه هذا والله ما جنته علينا يداك ولسانك فقال قاتلوا لله أنتم سبق السيف العذل إيها والله لقد أصابت قومي داهية * قال أبو مخنف وحدثني الحارث بن كعب عن عبد الله بن فقيم قال سار فينا معقل فحرض الناس فيما بين الميمنة والميسرة يقول أيها الناس المسلمون ما تزيدون أفضل مما سيق لكم في هذا الموقف من الاجر العظيم إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة وارتدوا عن الاسلام ونكثوا البيعة ظلما وعدوانا فأشهد لمن قتل منكم بالجنة ومن عاش فان الله مقر عينه بالفتح والغنيمة ففعل ذلك حتى مر بالناس كلهم ثم إنه جاء حتى وقف في القلب برايته ثم انه بعث إلى يزيد بن المغفل وهو في الميمنة أن احمل عليهم فحمل عليهم فثبتوا وقاتلوا قتالا شديدا ثم إنه انصرف حتى وقف موقفه الذى كان به في الميمنة ثم إنه بعث إلى منجاب بن راشد الضبى وهو في الميسرة ثم ان منجابا حمل عليهم فثبتوا وقاتلوا قتالا شديدا طويلا ثم إنه رجع حتى وقف في الميسرة ثم إن معقلا بعث إلى الميمنة والميسرة إذا حملت فاحملوا بأجمعكم فحرك رايته وهزها ثم إنه حمل وحمل أصحابه جميعا فقبروا ساعة لهم ثم إن النعمان بن صهبان الراسبى من جرم بصر بالخريت بن راشد فحمل عليه فطعنه فصرعه عن دابته ثم نزل وقد جرحه فأثخنه فاختلفا ضربتين فقتله النعمان بن صهبان وقتل معه في المعركة سبعون ومائة وذهبوا يمينا وشمالا وبعث معقل بن قيس الخيل إلى رحالهم فسبى من أدرك منهم فسبى رجالا كثيرا ونساء وصبيانا ثم نظر فيهم فأما من كان مسلما فخلاه وأخذ بيعته وترك له عياله وأما من كان ارتد فعرض علهيم الاسلام فرجعوا وخلى سبيلهم وسبيل عيالهم إلا شيخا منهم نصرانيا يقال له الرماحس بن منصور قال والله ما زللت منذ عقلت إلا في خروجي من دينى دين الصدق إلى دينكم دين السوء لا والله لا أدع دينى ولا أقرب دينكم ما حييت فقدمه فضرب عنقه وجمع معقل الناس فقال أدوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة فأخذ من المسلمين عقالين وعمد إلى النصارى وعيالهم فاحتملهم مقبلا بهم وأقبل المسلمون معهم يشيعونهم فأمر معقل بردهم فلما انصرفوا تصافحوا

[ 99 ]

فبكوا وبكى الرجال والنساء بعضهم إلى بعض قال فأشهد أنى رحمتهم رحمة ما رحمتها أحد قبلهم ولا بعدهم قال وكتب معقل بن قيس إلى على أما بعد فانى أخبر أمير المؤمنين عن جنده وعدوه إنا دفعنا إلى عدونا بالاسياف فوجدنا بها قبائل ذات عدة وحدة وجد وقد جمعت لنا وتحزبت علينا فدعوناهم إلى الطاعة والجماعة وإلى حكم الكتاب والسنة وقرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين ورفعنا لهم رأية أمان فمالت الينا منهم طائفة وبقيت طائفة أخرى منابذة فقبلنا من التى أقبلت وصمدنا صمدا للتى أدبرت فضرب الله وجوههم ونصرنا عليهم فأما من كان مسلما فإنا مننا عليه وأخذنا بيعه لامير المؤمنين وأخذنا منهم الصدقة التى كانت عليهم وأما من ارتد فانا عرضنا عليه الرجوع إلى الاسلام وإلا قتلناه فرجعوا غير رجل واحد فقتلناه وأما النصارى فإنا سبيناهم وقد أقبلنا بهم ليكونوا نكالا لمن بعدهم من أهل الذمة لكيلا يمنعوا الجزية ولكيلا يجترؤا على قتال أهل القبلة وهم أهل الصغار والذل رحمك الله يا أمير المؤمنين وأوجب لك جنات النعيم والسلام عليك. ثم أقبل بهم حتى مر بهم على مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو عامل على على أردشير خره وهم خمسمائة إنسان فبكى النساء والصبيان وصاح الرجال يا أبا الفضل يا حامى الرجال وفكاك العناة امنن علينا فاشترنا وأعتقنا فقال مصقلة أقسم بالله لاتصدقن عليهم إن الله يجزى المتصدقين فبلغها عنه معقل فقال والله لو أعلم أنه قاله توجعا لهم وإزراء عليكم لضربت عنقه ولو كان في ذلك تفانى تميم وبكر بن وائل ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذهلى إلى معقل بن قيس فقال له بعنى بنى ناجية فقال نعم أبيعكم بألف ألف ودفعهم إليه وقال له عجل بالمال إلى أمير المؤمنين فقال أنا باعث الآن بصدر ثم أبعث بصدر آخر كذلك حتى لا يبقى منه شئ إن شاء الله تعالى وأقبل معقل بن قيس إلى أمير المؤمنين وأخبره بما كان منه في ذلك فقال له أحسنت وأصبت وانتظر على مصقلة أن يبعث إليه بالمال وبلغ عليا أن مصقلة خلى سبيل الاسارى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشئ فقال ما أظن مصقلة إلا قد تحمل حمالة ألا أراكم سترونه عن قريب ملبدا ثم أنه كتب إليه أما بعد فان

[ 100 ]

من أعظم الخيانة خيانة الامة وأعظم الغش على أهل المصر غش الامام وعندك من حق المسلمين خمسمائة ألف فابعث بها إلى ساعة يأتيك رسولي والا فأقبل حين تنظر في كتابي فإنى قد تقدمت إلى رسولي اليك يدعك أن تقيم ساعة واحدة بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال والسلام عليك وكان الرسول أبو جرة الحنفي فقال له أبو جرة أن يبعث بالمال الساعة والا فاشخص إلى أمير المؤمنين فلما قرأ كتابه أقبل حتى نزل البصرة فمكث بها أياما ثم إن ابن عباس سأله المال وكان عمال البصرة يحملون من كور البصرة إلى ابن عباس ويكون ابن عباس هو الذى يبعث به إلى على فقال له نعم أنظرني أياما ثم أقبل حتى أتى عليا فأقره أياما ثم سأله المال فأدى إليه مائتي ألف ثم إنه عجز فلم يقدر عليه * قال أبو مخنف وحدثني ابو الصلت الاعور عن ذهل بن الحارث قال دعاني مصقلة إلى رحله فقدم عشاؤه فطعمنا منه ثم قال والله ان امير المؤمنين يسألنى هذا المال ولا اقدر عليه فقلت والله لو شئت ما مضت عليك جمعة حتى تجمع جميع المال فقال والله ما كنت لاحملها قومي ولا اطلب فيها إلى أحد ثم قال أما والله لو أن ابن هند هو طالبني بها أو ابن عفان لتركها لى ألم تر إلى ابن عفان حين أطعم الاشعث من خراج آذربيجان مائة ألف في كل سنة فقلت له إن هذا لا يرى هذا الرأى لا والله ما هو بباذل شيئا كنت أخذته فسكت ساعة وسكت عنه فلا والله ما مكث إلا ليلة واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية وبلغ ذلك عليا فقال ماله برحه الله فعل فعل السيد وفر فرار العبد وخان خيانة الفاجر أما والله لو أنه أقام فعجز ما زدنا على حبسه فإن وجدنا له شيئا أخذناه وإن لم نقدر على مال تركناه ثم سار إلى داره فنقضها وهدمها وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعيا ولعلى مناصحا فكتب إليه مصقلة من الشؤم مع رجل من النصارى من بنى تغلب يقال له حلوان أما بعد فإنى كلمت معاوية فيك فوعدك الامارة ومناك الكرامة فأقبل إلى ساعة يلقاك رسولي ان شاء الله والسلام فأخذه مالك ابن كعب الارحبي فسرح به إلى على فأخذ كتابه فقرأه فقطع يد النصراني فمات وكتب نعيم إلى أخيه مصقلة

[ 101 ]

لا ترمين هداك الله معترضا * بالظن منك فما بالى وحلوانا ذاك الحريص على ما نال من طمع * وهو البعيد فلا يحزنك إذ خانا ماذا أردت إلى إرساله سفها * ترجو سقاط امرئ لم يلف وسنانا عرضته لعلى إنه أسد * يمشى العرضنة من آساد خفانا قد كنت في منظر عن ذا ومستمع * تحمى العراق وتدعى خير شيبانا حتى تقحمت أمرا كنت تكرهه * للراكبين له سرا وإعلانا لو كنت أديت ما للقوم مصطبرا * للحق أحييت أحيانا وموتانا لكن لحقت بأهل الشأم ملتمسا * فضل ابن هند وذاك الرأى أشجانا فاليوم تقرع سن الغرم من ندم * ماذا تقول وقد كان الذى كانا أصبحت تبغضك الاحياء قاطبة * لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا فلما وقع الكتاب إليه علم أن رسوله قد هلك ولم يلبث التغلبيون الا قليلا حتى بلغهم هلاك صاحبهم حلوان فأتوا مصقلة فقالوا انك بعثت صاحبنا فأهلكته فإما أن تحييه واما أن تديه فقال أما أن أحييه فلا أستطيع ولكني سأديه فوداه قال أبو مخنف وحدثني عبد الرحمن بن جندب قال حدثنى أبى قال لما بلغ عليا مصاب بنى ناجية وقتل صاحبهم قال هوت أمه ما كان أنقض عقله وأجرأه على ربه فإن جائيا جاءني مرة فقال لى في أصحابك رجال قد خشيت أن يفارقوك فما ترى فيهم فقلت له إنى لا آخذ على التهمة ولا أعاقب م لى الظن ولا أقاتل الا من خالفني وناصبني وأظهر لى العداوة ولست مقاتله حتى أدعوه وأم ذر إليه فإن تاب ورجع الينا قبلنا منه وهو أخونا وان أبى الا الاعتزام على حربنا استعنا عليه الله وناجزناه فكف عنى ما شاء الله ثم جاءني مرة أخرى فقال لى قد خشيت أن يفسد عليك عبد الله ابن وهب الراسبى وزيد بن حصين إنى سمعتهما يذكرانك بأشياء لو سمعتها لم تفارقهما عليها حتى تقتلهما أ توبقهما فلا تفارقهما من حبسك أبدا فقلت إنى مستشيرك فيهما فماذا تأمرني به قال آمرك أن تدعو بهما فتضرب رقابهما فعلمت أنه لا ورع ولا عاقل فقلت والله ما أظنك ورعا ولا عاقلا نافعا والله لقد كان ينبغى لك لو أردت

[ 102 ]

قتلهم أن تقول اتق الله لم تستحل قتلهم ولم يقتلوا أحدا ولم ينابذوك ولم يخرجوا من طاعتك (وحج) بالناس في هذه السنة قثم بن العباس من قبل على عليه السلام حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان قثم يومئذ عامل على على مكة وكان على اليمن عبيدالله بن العباس وعلى البصرة عبد الله بن العباس واختلف في عامله على خراسان فقيل كان خليد بن قرة اليربوعي وقيل كان ابن أبزى وأما الشأم ومصر فانه كان بهما معاوية وعماله ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من الاحداث المذكورة تفريق ابن معاوية جيوشه في أطراف على فوجه النعمان بن بشير فيما ذكر على بن محمد عن عوانة في ألفى رجل إلى عين التمر وبها مالك بن كعب مسلحة لعلى في ألف رجل فأذن لهم فأتوا الكوفة وأتاه النعمان ولم يبق معه إلا مائة رجل فكتب مالك إلى على يخبره بأمر النعمان ومن معه فخطب على الناس وأمرهم بالخروج فتثاقلوا وواقع مالك النعمان والنعمان في ألفى رجل ومالك في مائة رجل وأمر مالك أصحابه أن يجعلوا جدر القرية في ظهورهم واقتتلوا وكتب إلى مخنف بن سليم يسأله أن يمده وهو قريب منه فقاتلهم مالك ابن كعب في العصابة التى معه كأشد القتال ووجه إليه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلا فانتهوا إلى مالك وأصحابه وقد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا فلما رآهم أهل الشأم وذلك عند المساء ظنوا أن لهم مددا وانهزموا وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر ومضوا على وجوههم * حدثنى عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزى قال حدثنا أبى قال حدثنى سليمان عن عبد الله قال حدثنى عبد الله بن أبى معاوية عن عمرو بن حسان عن شيخ من بنى فزارة قال بعث معاوية النعمان بن بشير في ألفين فأتوا عين التمر فأغاروا عليها وبها عامل لعلى يقال له ابن فلان الارحبي في ثلثمائة فكتب إلى على يستمده فأمر الناس أن ينهضوا إليه فتثاقلوا فصعد

[ 103 ]

المنبر فانتهيت إليه وقد سبقني بالتشهد وهو يقول يا أهل الكوفة كلما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشأم أظلكم انجحر كل امرئ منكم في بيته وأغلق بابه انجحار الضب في جحره والضبع في وجارها المغرور من غررتموه ولمن فاز بكم فاز بالسهم الاخيب لا أحرار عند النداء ولا إخوان ثقة عند النجاء إنا لله وإنا إليه راجعون ماذا منيت به منكم عمى لا تبصرون وبكم لا تنطقون وصم لا تستمعون إنا لله وإنا إليه راجعون (رجع الحديث إلى حديث عوانة) قال ووجه معاوية في هذه السنة سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل وأمره أن يأتي هيت فيقطعها وأن يغير عليها ثم يمضى حتى يأتي الانبار والمدائن فيوقع بأهلها فسار حتى أتى هيت فلم يجد بها أحدا ثم أتى الانبار وبها مسلحة لعلى تكون خمسمائة رجل وقد تفرقوا فلم يبق منهم إلا مائة رجل فقاتلهم فصبر لهم أصحاب على مع قلتهم ثم حملت عليهم الخيل والرجالة فقتلوا صاحب المسلحة وهو أشرس ابن حسان البكري في ثلاثين رجلا واحتملوا ما كان في الانبار من الاموال وأموال أهلها ورجعوا إلى معاوية وبلغ الخبر عليا فخرج حتى أتى النخيلة فقال له الناس نحن نكفيك قال ما تكفونني ولا أنفسكم وسرح سعيد بن قيس في أثر القوم فخرج في طلبهم حتى جاز هيت فلم يلحقهم فرجع (قال وفيها) وجه معاوية أيضا عبد الله بن مسعدة الفزارى في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادى وأن يقتل من امتنع من عطائه صدقة ماله ثم يأتي مكة والمدينة والحجاز يفعل ذلك واجتمع إليه بشر كثير من قومه فلما بلغ ذلك عليا وجه المسيب بن نجبة الفزارى فسار حتى لحق ابن مسعدة بتيماء فاق تلوا ذلك اليوم حتى زالت الشمس قتالا شديدا وحمل المسيب على ابن مسعدة قضربه ثلاث ضربات كل ذلك لا يلتمس قتله ويقول له النجاء النجاء فدخل ابن مسعدة وعامة من معه الحصن وهرب الباقون نحو الشأم وانتهب الاعراب إبل الصدقة التى كانت مع ابن مسعدة وحصره ومن كان معه المسيب ثلاثة أيام ثم ألقى الحطب على الباب وألقى النيران فيه حتى احترق فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا على

[ 104 ]

المسيب فقالوا يا مسيب قومك فرق لهم وكره هلاكهم فأمر بالنار فأطفئت وقال لاصحابه قد جاءتني عيون فأخبروني أن جندا قد أقبل اليكم من الشأم فانضموا في مكان واحد فخرج ابن مسعدة في أصحابه ليلا حتى لحقوا بالشأم فقال له عبد الرحمن بن شبيب سر بنا في طلبهم فأبى ذلك عليه فقال له غششت أمير المؤمنين وداهنت في أمرهم (وفيها) أيضا وجه معاوية الضحاك بن قيس وأمره أن يمر بأسفل واقصة وأن يغير على كل من مر به ممن هو في طاعة على من الاعراب ووجه معه ثلاثة آلاف رجل فسار فأخذ أموال الناس وقتل من لقى من الاعراب ومر بالثعلبية فأغار على مسالح على وأخذ أمتعتهم ومضى حتى انتهى إلى القطقطانة فأتى عمرو بن عميس بن مسعود وكان في خيل لعلى وأمامه أهله وهو يريد الحج فأغار على ممن كان معه وحبسه عن المسير فلما بلغ ذلك عليا سرح حجر بن عدى الكندى في أربعة آلاف وأعطاهم خمسين خمسين فلحق الضحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلا وقتل من أصحابه رجلان وحال بينهم الليل فهرب الضحاك وأصحابه ورجع حجر ومن معه (وفيها) سار معاوية بنفسه إلى دجلة حتى شارفها ثم نكص راجعا ذكر ذلك ابن سعد عن محمد بن عمر قال حدثنى ابن جريج عن ابن أبى مليكة قال لما كانت سنة 39 أشرف عليه معاوية * وحدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر مثله واختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال بعضهم حج بالناس فيها عبيدالله بن عباس من قبل على وقال بعضهم حج بهم عبد الله بن عباس فحدثني أبو زيد عمر بن شبة قال يقال إن عليا وجه ابن عباس ليشهد الموسم ويصلى بالناس في سنة 39 وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوى قال وزعم أبو الحسن أن ذلك باطل وأن ابن عباس لم يشهد الموسم في عمل حتى قتل على عليه السلام قال والذى نازعه يزيد بن شجرة قئم بن العباس حتى أنهما اصطلحا على شيبة بن عثمان فصلى بالناس سنة 39 وكالذى حكيت عن أبى زيد عن أبى الحسن قال أبو معشر في ذلك حدثنى بذلك أحمد بن ثابت الرازي عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عنه وقال الواقدي بعث على على

[ 105 ]

الموسم في سنة 39 عبيدالله بن عباس وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوى ليقيم للناس الحج فلما اجتمعا بمكة تنازعا وأبى كل واحد منهما أن يسلم لصاحبه فاصطلحا على شيبة بن عثمان بن أبى طلحة وكانت عمال على في هذه السنة على الامصار الذين ذكرنا أنهم كانوا عماله في سنة 38 غير ابن عباس كان شخص في هذه السنة عن عمله بالبصرة واستخلف زيادا الذى كان يقال له زياد بن أبيه على الخراج وأبا الاسود الدؤلى على القضاء (وفى هذه السنة) وجه ابن عباس زيادا عن أمر على إلى فارس وكرمان عند منصرفه من عند على من الكوفة إلى البصرة ذكر سبب توجيهه اياه إلى فارس * حدثنى عمر قال حدثنا على قال لما قتل ابن الحضرمي واختلف الناس على على طمع أهل فارس وأهل كرمان في كسر الخراج فغلب أهل كل ناحية على ما يليهم وأخرجوا عمالهم * حدثنى عمر قال حدثنا أبو القاسم عن سلمة بن عثمان عن على بن كثير أن عليا استشار الناس في رجل يوليه فارس حين امتنعوا من أداء الخراج فقال له جارية بن قدامة ألا أدلك يا أمير المؤمنين على رجل صليب الرأى عالم بالسياسة كاف لما ولى قال من هو قال زياد قال هو لها فولاه فارس وكرمان ووجهه في أربعة آلاف فدوخ تلك البلاد حتى استقاموا * حدثنى عمر قال حدثنا أبو الحسن عن على بن مجاهد قال قال الشعبى لما انتقض أهل الجبال وطمع أهل الخراج في كسره وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس وكان عاملا عليها لعلى قال ابن عباس لعلى أكفيك فارس فقدم ابن عباس البصرة ووجه زيادا إلى فارس في جمع كثير فوطئ بهم أهل فارس‍ فأدوا الخراج * حدثنى عمر قال حدثنى أبو الحسن عن أيوب بن موسى قال حدثنى شيخ من أهل اصطخر قال سمعت أبى يقول أدركت زيادا وهو أمير على فارس وهى تضرم نارا فلم يزل بالمداراة حتى عادوا إلى ما كانوا عليه من الطاعة والاستقامة لم يقف موقفا للحرب وكان أهل فارس يقولون ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنوشروان من سيرة

[ 106 ]

هذا العربي في اللين والمداراة والعلم بما يأتي قال ولما قدم زياد فارس بعث إلى رؤسائها فوعد من نصره ومناه وخوف قوما وتوعدهم وضرب بعضهم ببعض ودل بعضهم على عورة بعض وهربت طائفة وأقامت طائفة فقتل بعضهم بعضا وصفت له فارس فلم يلق فيها جمعا ولا حربا وفعل مثل ذلك بكرمان ثم رجع إلى فارس فسار في كورها ومناهم فسكن الناس إلى ذلك فاستقامت له البلاد وأتى اصطخر فنزلها وحصن قلعة بها ما بين بيضاء اصطخر واصطخر فكانت تسمى قلعة زياد فحمل إليها الاموال ثم تحصن فيها بعد ذلك منصور اليشكرى فهى اليوم تسمى قلعة منصور ثم دخلت سنة أربعين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك توجيه معاوية بسر بن أبى أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز فذكر عن زياد بن عبد الله البكائى عن عوانة قال أرسل معاوية بن أبى سفيان بعد تحكيم الحكمين بسربن أبى أرطاة وهو رجل من بنى عامر بن لؤى في جيش فساروا من الشأم حتى قدموا المدينة وعامل على على المدينة يومئذ أبو أيوب الانصاري ففر منهم أبو يوب فاتى بالكوفة ودخل بسر المدينة قال فصعد منبرها ولم يقاتله بها أحد فنادى على المنبر يا دينار ويانجار ويازريق شيخي شيخي عهدي به بالامس فأين هو يعنى عثمان ثم قال يا أهل المدينة والله لولا ما عهد إلى معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته ثم بايع أهل المدينة وأرسل إلى بنى سلمة فقال والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله فانطلق جابر إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها ماذا ترين إنى قد خشيت أن أقتل وهذه بيعة ضلالة قالت أرى أن تبايع فإنى قد أمرت ابني عمر بن أبى سلمة أن يبايع وأمرت ختنى عبد الله بن زمعة وكانت ابنتها زينب ابنة أبى سلمة عند

[ 107 ]

عبد الله بن زمعة فأتاه جابر فبايعه وهدم بسر دورا بالمدينة ثم مضى حتى أتى مكة فخافه أبو موسى أن يقتله فقال له بسر ما كنت لافعل بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فخلى عنه وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى اليمن أن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل الناس تقتل من أبى أن يقر بالحكومة ثم مضى أسر إلى اليمن وكان عليها عبيدالله بن عباس عاملا لعلى فلما بلغه مسيره فر إلى الكوفة حتى أتى عليا واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثى على اليمن فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه ولقى بسر ثقل عبيدالله بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما وقد قال بعض الناس إنه وجد ابني عبيدالله بن عباس عند رجل من بنى كنانة من أهل البادية فلما أراد قتلهما قال الكنانى علام تقتل هذين ولا ذنب لهما فإن كنت قاتلهما فاقتلني قال أفعل فبدأ بالكناني فقتله ثم قتلهما ثم رجع بسر إلى الشأم وقد قيل إن الكنانى قاتل عن الطفلين حتى قتل وكان اسم أحد الطفلين اللذين قتلهما بسر عبد الرحمن والآخر قثم وقتل بسر في مسيره ذلك جماعة كثيرة من شيعة على باليمن وبلغ عليا خبر بسر فوجه جارية بن قدامة في ألفين ووهب بن مسعود في ألفين فسار جارية حتى أتى نجران فحرق بها وأخذ ناسا من شيعة عثمان فقتلهم وهرب بسر وأصحابه منه واتبعهم حتى بلغ مكة فقال لهم جارية بايعونا فقالوا قد هلك أمير المؤمنين فلمن نبايع قال لمن بايع له أصحاب على فتثاقلوا ثم بايعوا ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلى بهم فهرب منه فقال جارية والله لو أخذت أباسنور لضربت عنقه ثم قال لاهل المدينة بايعوا الحسن بن على فبايعوه وأقام يومه ثم خرج منصرفا إلى الكوفة وعاد أبو هريرة فصلى بهم (وفى هذه السنة) فيما ذكر جرت بين على وبين معاوية المهادنة بعد مكاتبات جرت بينهما يطول بذكرها الكتاب على وضع الحرب بينهما ويكون لعلى العراق ولمعاوية الشأم فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو قال زياد بن عبد الله عن أبى إسحاق لما لم يعط أحد الفريقين صاحبه الطاعة كتب معاوية إلى على أما إذا شئت فلك العراق ولى الشأم وتكف السيف عن هذه الامة ولا تهريق دماء المسلمين

[ 108 ]

ففعل ذلك وتراضيا على ذلك فأقام معاوية بالشأم بجنوده يجبيها وما حولها وعلى بالعراق يجبيها ويقسمها بين جنوده (وفيها) خرج عبد الله بن العباس من البصرة ولحق مكة في قول عامة أهل السير وقد أنكر ذلك بعضهم وزعم أنه لم يزل بالبصرة عاملا عليها من قبل أمير المؤمنين على عليه السلام حتى قتل وبعد مقتل على حتى صالح الحسن معاوية ثم خرج حينئذ إلى مكة ذكر الخبر عن سبب شخوصه إلى مكة وتركه العراق * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى جماعة عن أبى مخنف عن سليمان بن راشد عن عبد الرحمن بن عبيد أبى الكنود قال مر عبد الله بن عباس على أبى الاسود الدؤلى فقال لو كنت من البهائم كنت جملا ولو كنت راعيا ما بلغت من المرعى ولا أحسنت مهنته في المشى قال فكتب أبو الاسود إلى على أما بعد فإن الله جل وعلا جعلك واليا مؤتمنا وراعيا مستوليا وقد بلوناك فوجدناك عظيم الامانة ناصحا للرعية توفر لهم فيأهم وتظلف نفسك عن دنياهم فلا تأكل أموالهم ولا ترتشى في أحكامهم وان ابن عمك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك فلم يسعنى كتمانك وذلك فانظر رحمك الله فيما هناك واكتب إلى برأيك فيما أحببت أنته اليك والسلام فكتب إليه على أما بعد فمثلك نصح الامام والامة وأدى الامانة ودل على الحق وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبب إلى فيه من أمره ولم أعلمه أنك كتبت فلا تدع إعلامى بما يكون بحضرتك مما النظر فيه للامة صلاح فإنك بذلك جدير وهو حق واجب عليك والسلام وكتبت إلى ابن عباس في ذلك فكتب إليه ابن عباس أما بعد فان الذى بلغك باطل وإنى لما تحت يدى ضابط قائم له وله حافظ فلا تصدق الظنون والسلام قال فكتب إليه على أما بعد فأعلمني ما أخذت من الجزية ومن أين أخذت وفيم وضعت قال فكتب إليه ابن عباس أما بعد فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أنى رزأته من مال أهل هذا البلد فابعث إلى عملك من أحببت فانى ظاعن عنه والسلام ثم دعا ابن عباس أخواله بنى هلال بن عامر فجاءه الضحاك ابن عبد الله وعبد الله بن رزين بن أبى عمر والهلاليان ثم اجتمعت معه قيس كلها

[ 109 ]

فحمل مالا قال أبو زيد قال أبو عبيدة كانت أرزاقا قد اجتمعت فحمل معه مقدار ما اجتمع له فبعث الاخماس كلها فلحقوه بالطف فتواقفوا يريدون أخذ المال فقال قيس والله لا يوصل إلى ذلك وفينا عين تطرف وقال صبرة بن شيمان الحدانى يا معشر الازد والله إن قيسا لاخواننا في الاسلام وجيراننا في الدار وأعواننا على العدو وإن الذى يصيبكم من هذا المال لو رد عليكم لقيل وهم غدا خير لكم من المال قالوا فما ترى قال انقرفوا عنهم ودعوهم فأطاعوه فانصرفوا فقال بكر وعبد القيس نعم الرأى رأى صبرة لقومه فاعتزلوا أيضا فقالت بنو تميم والله لا نفارقهم نقاتلهم عليه فقال الاحنف قد ترك قتالهم من هو أبعد منكم رحما فقالوا والله لنقاتلنهم فقال إذا لا أساعدكم م ليهم فاعتزلهم قال فرأسوا عليهم ابن المجاعة من بنى تميم فقاتلوهم وحمل الضحاك على ابن المجاعة فطعنه واعتنقه عبد الله ابن رزين فسقطا إلى الارض يعتركان وكثر الجراح فيهم ولم يكن بينهم قتيل فقالت الاخماس ما صنعنا شيئا اعتزلناهم وتركناهم يتحاربون فضربوا وجوه بعضهم عن بعض وقالوا لبنى تميم فنحن أسخى منكم أنفسا حين تركنا هذا المال لبنى عمكم وأنتم تقاتلونهم عليه إن القوم قد حملوا وحموا فخلوهم وإن أحببتم فانصرفوا ومضى ابن عباس ومعه نحو من عشرين رجلا حتى قدم مكة * وحدثني أبو زيد قال زعم أبو عبيدة ولم أسمعه منه أن ابن عباس لم يبرح من البصرة حتى قتل على عليه السلام فشخص إلى الحسن فشهد الصلح بينه وبين معاوية ثم رجع إلى البصرة وثقله بها فحمله ومالا من بيت المال قليلا وقال هي أرزاقي قال أبو زيد ذكرت ذلك لابي الحسن فأنكره وزعم أن عليا قتل وابن عباس بمكة وأن الذى شهد الصلح بين الحسن ومعاوية عبيدالله بن عباس (وفى هذه السنة) قتل على بن أبى طالب عليه السلام واختلف في وقت قتله فقال أبو معشر ما حدثنى به أحمد بن ثابت قال حدثت عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال قتل على في شهر رمضان يوم الجمعة لسبع عشرة خلت منه سنة 40 وكذلك قال الواقدي حدثنى بذلك الحارث عن ابن سعد عنه وأما أبو زيد فحدثني

[ 110 ]

عن على بن محمد أنه قال قتل على بن أبى طالب بالكوفة يوم الجمعة لاحدى عشرة قال ويقال لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان سنة 40 قال وقد قيل في شهر ربيع الآخر سنة 40 ذكر الخبر عن سبب قتله ومقتله * حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروقى قال حدثنا عبد الرحمن الحرانى أبو عبد الرحمن قال أخبرنا إسماعيل بن راشد قال من حديث ابن ملجم وأصحابه أن ابن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس وعابوا على ولاتهم ثم ذكروا أهل النهر فترحموا عليهم وقالوا ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد وثأرنا بهم إخواننا فقال ابن ملجم أنا أكفيكم على بن أبى طالب وكان من أهل مصر وقال البرك بن عبد الله أنا أكفيكم معاوية بن أبى سفيان وقال عمرو بن بكر أنا أكفيكم عمرو بن العاص فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذى توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه فأخذوا أسيافهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذى توجه إليه وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذى فيه صاحبه الذى يطلب فأما ابن ملجم المرادى فكان عداده في كندة فخرج فلقى أصحابه بالكوفة وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئا من أمره فإنه رأى ذات يوم أصحابا من تيم الرباب وكان على قتل منهم يوم النهر عشرة فذكروا قتلاهم ولقى من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها قطام ابنة الشجنة وقد قتل أياها وأخاها يوم النهر وكانت فائقة الجمال فلما رآها التبست بعقله ونسى حاجته التى جاء لها ثم خطبها فقالت لا أتزوجك حتى تشفى لى قال وما يشفيك قالت ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل على بن أبى طالب قال هو مهر لك فأما قتل على فلا أراك ذكرته لى وأنت تريديني قالت بلى التمس غرته فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي ويهنئك العيش معى وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا

[ 111 ]

وزينتها وزينة أهلها قال فوالله ما جاء بى إلى هذا المصر الا قتل على فلك ما سألت قالت إنى أطلب لك من يسند ظهرك ويساعدك على أمرك فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له وردان فكلمته فأجابها وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له هل لك في شرف الدنيا والآخرة قال وما ذاك قال قتل على بن أبى طالب قال ثكلتك أمك لقد جئت شيئا إدا كيف تقدر على على قال أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها قال ويحك لو كان غير على لكان أهون على قد عرفت بلاءه في الاسلام وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم وما أجدني أنشرح لقتله قال أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين قال بلى قال فنقتله بمن قتل من إخواننا فأجابه فجاؤا قطام وهى في المسجد الاعظم معتكفة فقالوا لها قد أجمع رأينا على قتل على قالت فإذا أردتم ذلك فأتوني ثم عاد إليها ابن ملجم في ليلة الجمعة التى قتل في صبيحتها على سنة 40 فقال هذه الليلة التى واعدت فيها صاحبي أن يقتل كل واحد منا صاحبه فدعت لهم بالحرير فعصبتهم به وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التى يخرج منها على فلما خرح ضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف وهرب وردان حتى دخل منزله فدخل عليه رجل من بنى أبيه وهو ينزع الحرير عن صدره فقال ما هذا الحرير والسيف فأخبره بما كان فجاء بسيفه فعلا به وردان حتى قتله وخرح شبيب نحو أبواب كندة في الغلس وصاح الناس فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر وفى يد شبيب السيف فأخذه وجثم عليه الحضرمي فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خشى على نفسه فتركه ونجا شبيب في غمار الناس فشدوا على ابن ملجم فأخذوه إلا أن رجلا من همدان يكنى أبا ادماء أخذ سيفه فضرب رجله فصرعه وتأخر على ورفع في ظهره جعدة ابن هبيرة بن أبى وهب فصلى بالناس الغداة ثم قال على على بالرجل فأدخل عليه ثم قال أي عدو الله ألم أحسن إليك قال بلى قال فما حملك على هذا قال شحذته

[ 112 ]

أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه فقال عليه السلام لا أراك إلا مقتولا به ولا أراك إلا من شر خلقه * وذكروا أن ابن ملجم قال قبل أن يضرب عليا وكان جالسا في بنى بكر بن وائل إذ مر عليه بجنازة أبجر بن جابر العجلى أبى حجار وكان نصرانيا والنصارى حوله وأناس مع حجار لمنزلته فيهم يمشون في جانب وفيهم شقيق بن ثور فقال ابن ملجم ما هؤلاء فأخبر الخبر فأنشأ يقول لئن كان حجار بن أبجر مسلما * لقد بوعدت منه جنازة أبجر وإن كان حجار بن أبجر كافرا * فما مثل هذا من كفور بمنكر أترضون هذا أن قيسا ومسلما * جميعا لدى نعش فيا قبح منظر فلولا الذى أنوى لفرقت جمعهم * بأبيض مصقول الدياس مشهر ولكننى أنوى بذاك وسيلة * إلى الله أو هذا فخذ ذاك أو ذر وذكر أن محمد بن الحنيفة قال كنت والله إنى لاصلى تلك الليلة التى ضرب فيها على في المسجد الاعظم في رجال كثير من أهل المصر يصلون قريبا من السدة ما هم إلا قيام وركوع وسجود وما يسأمون من أول الليل إلى آخره إذ خرج على لصلاة الغداة فجعل ينادى أيها الناس الصلاة الصلاة فما أدرى أخرج من السدة فتكلم بهذه الكلمات أم لا فنظرت إلى بريق وسمعت الحكم لله يا على لا لك ولا لاصحابك فرأيت سيفاثم رأيت ثانيا ثم سمعت عليا يقول لا يفوتنكم الرجل وشد الناس عليه من كل جانب قال فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل على على فدخلت فيمن دخل من الناس فسمعت عليا يقول النفس بالنفس إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني وإن بقيت رأيت فيه رأيى * وذكر أن الناس دخلوا على الحسن فزعين لما حدث من أمر على فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوف بين يديه إذ نادته أم كلثوم بنت على وهى تبكى أي عدو الله لا بأس على أبى والله مخزيك قال فعلى من تبكين والله لقد اشتريته بألف وسممته بألف ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقى منهم أحد * وذكر أن جندب بن عبد الله دخل على على فسأله فقال يا أمير المؤمنين ان فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن فقال ما آمركم ولا أنهاكم أنتم

[ 113 ]

أبصر فرد عليه مثلها فدعا حسنا وحسينا فقال أوصيكما بتقوى الله وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ولا تبكيا على شئ زوى عنكما وقولا الحق وارحما اليتيم وأغيثا الملهوف واصنعا للآخرة وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا واعملا بما في الكتاب ولا تأخذكما في الله لومة لائم ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال هل حفظت ما أوصيت به أخويك قال نعم قال فإنى أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك العظيم حقهما عليك فاتبع أمرهما ولا تقطع أمرا دونهما ثم قال أوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما وقد علمتما ان أباكما كان يحبه وقال للحسن أوصيك أي بنى بتقوى الله وإقام الصلاة لوقتها وإيتاه الزكاة عند محلها وحسن الوضوء فإنه لا صلاة إلا بطهور ولا تقبل صلاة من مانع زكاة وأوصيك بغفر الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عند الجهل والتفقه في الدين والتثبت في الامر والتعاهد للقرآن وحسن الجوار والامر بالمعروف والنهى عن المنكر واجتناب الفواحش فلما حضرته الوفاة أوصى فكانت وصيته (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا ما أوصى به على بن أبى طالب أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ثم إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدى وأهلي بتقوى الله وبكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فإنى سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام انظروا إلى ذوى أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب الله الله في الايتام فلا تعنوا أفواههم ولا يضيعن بحضرتكم والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم ما زال يوصى به حتى ظننا أنه سيورثه والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم والله الله في بيت ربكم فلا تخلوه ما بقيتم فإنه إن ترك لم يناظر والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب والله الله في ذمة نبيكم فلا يظلمن بين

[ 114 ]

أظهركم والله الله في أصحاب نبيكم فان رسول الله أوصى بهم والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم والله الله فيما ملكت أيمانكم الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فيولى الامر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم وعليكم بالتواصل والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض رضى الله عنه وذلك في شهر رمضان سنة 40 وغسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات ثم ولى الحسن ستة أشهر وقد كان على نهى الحسن عن المثلة وقال يا بنى عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون قتل أمير المؤمنين قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلن إلا قاتلي انظر يا حسن إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة ولا تمثل بالرجل فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إياكم والمثلة ولو أنها بالكلب العقور فلما قبض عليه السلام بعث الحسن إلى ابن ملجم فقال للحسن هل لك في خصلة إنى والله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به إنى كنت قد أعطيت الله عهدا عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما فإن شئت خليت بينى وبينه ولك الله على إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت أن آتيك حتى أضع يدى في يدك فقال له الحسن أما والله حتى تعاين النار فلاثم قدمه فقتله ثم أخذه الناس فأدرجوه في بوارى ثم أحرقوه بالنار * وأما البرك بن عبد الله فانه في تلك الليلة التى ضرب فيها على قعد لمعاوية فلما خرج ليصلى الغداة شد عليه بسيفه فوقع السيف في اليته فأخذ فقال إن عندي خبرا أسرك به فإن أخبرتك فنافعي ذلك عندك قال نعم قال إن أخالى قتل عليا في مثل هذه الليلة قال فلعله لم يقدر على ذلك قال بلى إن عليا يخرج ليس معه من يحرسه فأمر به معاوية فقتل وبعث معاوية إلى

[ 115 ]

الساعدي وكان طبيبا فلما نظر إليه قال اختر إحدى خصلتين إما أن أحمى حديدة فأضعها موضع السيف وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها فإن ضربتك مسمومة فقال معاوية أما النار فلا صبر لى عليها وأما انقطاع الولد فان في يزيد وعبد الله ما تقر به عينى فسقاه تلك الشربة فبرأ ولم يولد له بعدها وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات وحرس الليل وقيام الشرط على رأسه إذا سجد * وأما عمرو ابن بكر فجلس لعمرو بن العاص تلك الليلة فلم يخرج وكان اشتكى بطنه فأمر خارجة ابن حذافة وكان صاحب شرطته وكان من بنى عامر بن لؤى فخرج ليصلى فشد عليه وهو يرى أنه عمرو فضربه فقتله فأخذه الناس فانطلقوا به إلى عمرو يسلمون عليه بالامرة فقال من هذا قالوا عمرو قال فمن قتلت قالوا خارجة بن حذافة قال أما والله يا فاسق ما ظننته غيرك فقال عمرو أردتني وأراد الله خارجة فقدمه عمرو فقتله فبلغ ذلك معاوية فكتب إليه: وقتل وأسباب المنايا كثيرة * منية شيخ من لؤى بن غالب فيا عمرو مهلا إنما أنت عمه * وصاحبه دون الرجال الاقارب نجوت وقد بل المرادى سيفه * من ابن أبى شيخ الاباطح طالب ويضربنى بالسيف آخر مثله * فكانت علينا تلك ضربة لازب وأنت تناغى كل يوم وليلة * بمصرك بيضا كالظباء السوارب ولما انتهى إلى عائشة قتل على رضى الله عنه قالت: فألقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قر عينا بالاياب المسافر فمن قتله فقيل رجل من مراد فقالت: فإن يك نائيا فلقد نعاه * غلام ليس في فيه التراب فقالت زينب بنت أبى سلمة العلى تقولين هذا فقالت إنى أنسى فإذا نسيت فذكروني وكان الذى ذهب بنعيه سفيان بن عبد شمس بن أبى وقاص الزهري وقال ابن أبى مياس المرادى في قتل على: ونحن ضربنا يا لك الخير حيدرا * أبا حسن مأمومة فتفطرا

[ 116 ]

ونحن خلعنا ملكه من نظامه * بضربة سيف إذ علا وتجبرا ونحن كرام في الصباح أعزة * إذا الموت بالموت ارتدى وتأزرا وقال أيضا: ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة * كمهر قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وضرب على بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من على وإن غلا * ولا قتل إلا دون قتل ابن ملجم وقال أبو الاسود الدؤلى: ألا أبلغ معاوية بن حرب * فلا قرت عيون الشامتينا أفى شهر الصيام فجعتمونا * بخير الناس طرا أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا * ورحلها ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها * ومن قرأ المثانى والمبينا إذا استقبلت وجه أبى حسين * رأيت البدر راع الناظرينا لقد علمت قريش حيث كانت * بأنك خيرها حسبا ودينا (واختلف) في سنة يوم قتل فقال بعضهم قتل وهو ابن تسع وخمسين سنة وحدثت عن مصعب بن عبد الله قال كان الحسن بن على يقول قتل أبى وهو ابن ثمان وخمسين سنة وحدثنا عن بعضهم قال قتل وهو ابن خمس وستين سنة وحدثني أبو زيد قال حدثنى أبو الحسن قال حدثنى أيوب بن عمر بن أبى عمر عن جعفر بن محمد قال قتل على وهو ابن ثلاث وستين سنة قال وذلك أصح ما قيل فيه * حدثنى عمر قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحمانى قال حدثنا شريك عن أبى إسحاق قال قتل على عليه السلام وهو ابن ثلاث وستين سنة وقال هشام ولى على وهو ابن ثمان وخمسين سنة وأشهر وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ثم قتله ابن ملجم واسمه عبد الرحمن بن عمرو في رمضان لسع عشرة مضت منه وكانت ولايته أربع سنين وتسعة أشهر وقتل سنة 40 وهو ابن ثلاث وستين سنة * وحدثني الحارث قال حدثنى ابن سعد عن محمد بن عمر قال قتل على عليه السلام

[ 117 ]

وهو ابن ثلاث وستين سنة صبيحة ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة 40 ودفن عند مسجد الجماعة في قصر الامارة * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال ضرب على عليه السلام ليلة الجمعة فمكت يوم الجمعة وليلة السبت وتوفى ليلة الاحد لاحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة 40 وهو ابن ثلاث وستين سنة * وحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا على بن عمر وأبو بكر السبرى عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال سمعت محمد بن الحنفية يقول سنة الجحاف دخلت سنة 81 هذه ولى خمس وستون سنة قد جاوزت سن أبى قيل وكم كانت سنه يوم قتل قال قتل وهو ابن ثلاث وستين سنة وقال الحارث قال ابن سعد قال محمد بن عمر كذلك وهو الثبت عندنا ذكر الخبر عن قدر مدة خلافته * حدثنى أحمد بن ثابت قال حدثت عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال كانت خلافة على خمس سنين إلا ثلاثة أشهر * وحدثني الحارث قال حدثنى ابن سعد قال قال محمد بن عمر كانت خلافة على خمس سنين إلا ثلاثة أشهر * حدثنى أبو زيد قال قال أبو الحسن كانت ولاية على أربع سنين وتسعة أشهر ويوما أو غير يوم ذكر الخبر عن صفته * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا ابو بكر بن عبد الله بن ابى سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن ابى فروة قال سألت ابا جعفر محمد بن على قلت ما كانت صفة على عليه السلام قال رجل آدم شديد الادمة ثقيل العينين عظيمهما ذو بطن اصلع هو إلى القصر اقرب ذكر نسبه عليه السلام هو على بن أبى طالب واسم أبى طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأمه فاطمة بنة سد بن هاشم عبد مناف

[ 118 ]

ذكر الخبر عن أزواجه وأولاده فأول زوجة تزوجها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتزوج عليها حتى توفيت عنده وكان لها منه من الولد الحسن والحسين ويذكر أنه كان لها منه ابن آخر يسمى محسنا توفى صغيرا وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى ثم تزوج بعد أم البنين بنت حزام وهو أبو المجل بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب ابن عامر بن كلاب فولد لها منه العباس وجعفر وعبد الله وعثمان قتلوا مع الحسين عليه السلام بكربلاء ولا بقية لهم غير العباس وتزوج ليلى ابنة مسعود بن خالد ابن مالك بن ربعى بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك ابن زيد بن مناة تميم فولدت له عبيدالله وأبا بكر * فزعم هشام بن محمد أنهما قتلا مع الحسين بالطف وأما محمد بن عمر فانه زعم أن عبيدالله بن على قتله المختار ابن أبى عبيد بالمذار وزعم أنه لا بقية لعبيد الله ولا لابي بكر ابني على عليه السلام وتزوج أسماء ابنة عميس الخثعمية فولدت له فيما حدثت عن هشام بن محمد يحيى ومحمدا الاصغر وقال لا عقب لهما * وأما الواقدي فانه قال فيما حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا الواقدي أن أسماء ولدت لعلى يحيى وعونا ابني على ويقول بعضهم محمد الاصغر لام ولد وكذلك قال الواقدي في ذلك وقال قتل محمد الاصغر مع الحسين وله من الصهباء وهى أم حبيب بنت ربيعة بن بجير بن العبد بن علقمة ابن الحارث بن عتبة بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم ابن تغلب بن وائل وهى أم ولد من السبى الذين أصابهم خالد بن الوليد حين أغار على عين التمر على بنى تغلب بها عمر بن على ورقية ابنة على فعمر عمر بن على حتى بلغ خمسا وثمانين سنة فحاز نصف ميراث على عليه السلام ومات بينبع وتزوج أمامة بنت أبى العاصى بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فولدت له محمدا الاوسط وله محمد بن على الاكبر الذى يقال له محمد بن الحنيفة أمه خولة ابنة جعفر بن قيس بن مسلمة ابن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن على

[ 119 ]

ابن بكر بن وائل توفى بالطائف فصلى عليه ابن عباس وتزوج أم سعيد بنت عروة ابن مسعود بن معتب بن مالك الثقفى فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى وكان له بنات من أمهات شتى لم يسم لنا أسماء أمهاتهن منهن أم هانئ وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وحمانة ونفيسة بنات على عليه السلام أمهاتهن أمهات أولاد شتى وتزوج محياة ابنة امرئ القيس بن عدى بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم من كلب فولدت له جارية هلكت وهى صغيرة (قال الواقدي) كانت تخرج إلى المسجد وهى جارية فيقال لها من أخوالك فتقول وه وه تعنى كلبا فجميع ولد على لصلبه أربعة عشر ذكرا وسبعة عشر امرأة * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد عن الواقدي قال كان النسل من ولد على لخمسة الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية والعباس بن الكلابية وعمر بن التغلبية ذكر ولاته وكان واليه على البصرة في هذه السنة عبد الله بن العباس وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في ذلك واليه كانت الصدقات والجند والمعاون أيام ولايته كلها وكان يستخلف بها إذا شخص عنها على ما قد ثبت قبل وكان على قضائها من قبل على أبو الاسود الدؤلى وقد ذكرت ما كان من توليته زيادا عليها ثم إشخاصه إياه إلى فارس لحربها وخراجها فقتل وهو بفارس وعلى ما كان وجهه عليه وكان عامله على البحرين وما يليها واليمن ومحاليفها عبيدالله بن العباس حتى كان من أمره وأمر بسر بن أبى أرطاة ما قد مضى ذكره وكان عامله على الطائف ومكة وما اتصل بذلك قثم بن العباس وكان عامله على المدينة أبو أيوب الانصاري وقيل سهل بن حنيف حتى كان من أمره عند قدوم بسر ما قد ذكر قبل ذكر بعض سيره عليه السلام * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا وهب قال أخبرني ابن أبى ذئب عن عباس بن الفضل مولى بنى هاشم عن أبيه عن جده ابن أبى رافع انه كان خازنا لعلى

[ 120 ]

عليه السلام على بيت المال قال فدخل يوما وقد زينت ابنته فرأى عليها لؤلؤة من بيت المال قد كان عرفها فقال من أين لها هذه لله على أن أقطع يدها قال فلما رأيت جده في ذلك قلت أنا والله يا أمير المؤمنين زينت بها ابنة أخى ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها فسكت * حدثنى اسماعيل بن موسى الفزارى قال حدثنا عبد السلام بن حرب عن ناجية القرشى عن عمه يزيد بن عدى بن عثمان قال رأيت عليا عليه السلام خارجا من همدان فرأى فئتين يقتتلان ففرق بينهما ثم مضى فسع صوتا ياغوثا بالله فخرج يحضر نحوه حتى سمعت خفق نعله وهو يقول أتاك الغوث فإذا رجل يلازم رجلا فقال يا أمير المؤمنين بعت هذا ثوبا بتسعة دراهم وشرطت عليه أن لا يعطينى مغموزا ولا مقطوعا وكان شرطهم يومئذ فأتيته بهذه الدراهم ليبد لها لى فأبى فلزمته فلطمى فقال أبد له فقال بينتك على اللطمة فأتاه بالبينة فاقعده ثم قال دونك فاقتص فقال إنى قد عفوت يا أمير المؤمنين قال إنما أردت أن أحتاط في حقك ثم ضرب الرجل تسع درات وقال هذا حق السلطان * حدثنى محمد بن عمارة الاسدي قال حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الاصبهاني قال حدثنا المسعودي عن ناجية عن أبيه قال كنا قياما على باب القصر إذ خرج على علينا فلما رأيناه تنحينا عن وجهه هيبة له فلما جاز صرنا خلفه فبينا هو كذلك إذ نادى رجل يا غوثا بالله فإذا رجلان يقتتلان فلكز صدر هذا وصدر هذا ثم قال لهما تنحيا فقال أحمدهما يا أمير المؤمنين ان هذا اشترى منى شاة وقد شرطت عليه أن لا يعطينى مغموزا ولا محذفا فأعطاني درهما مغموزا فرددته عليه فلطمني فقال للآخر ما تقول قال صدق يا أمير المؤمنين قال فأعطه شرطه ثم قال للاطم اجلس وقال للملطوم اقتص قال أو أعفو يا أمير المؤمنين قال ذاك اليك قال فلما جاز الرجل قال على يا معشر المسلمين خذوه قال فأخذوه فحمل على ظهر رجل كما يحمل صبيان الكتاب ثم ضربه خمس عشرة درة ثم قال هذا نكال لما انتهكت من حرمته * حدثنى ابن سنان القزاز قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا سكين بن عبد العزيز قال أخبرنا حفص بن خالد قال حدثنى أبى خالد بن جابر قال سمعت الحسن يقول لما قتل على عليه السلام وقد قام خطيبا

[ 121 ]

فقال لقد قتلتم الليلة رجلا في ليلة فيها نزل القرآن وفيها رفع عيسى ابن مريم عليه السلام وفيها قتل يوشع بن نون فتى موسى عليهما السلام والله ما سبقه أحد كان قبله ولا يدركه أحد يكون بعده والله إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبعثه في السرية وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره والله ما ترك صفراء ولا بيضاء الا ثمانمائة أو سبعمائة أرصدها لخادمه ذكر بيعة الحسن بن على (وفى هذه السنة) أعنى سنة 40 بويع للحسن بن على عليه السلام بالخلافة وقيل إن أول من بايعه قيس بن سعد قال له ابسط يدك أبايعك على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه وقتال المحلين فقال له الحسن رضى الله عنه على كتاب الله وسنة نبيه فان ذلك يأتي من وراء كل شرط فبايعه وسكت وبايعه الناس * وحدثني عبد الله بن أحمد بن متويه المروذى قال حدثنا أبى قال حدثنا سليمان قال حدثنا عبد الله عن يونس عن الزهري قال جعل على عليه السلام قيس ابن سعد على مقدمته من أهل العراق إلى قبل آذربيجان وعلى أرضها وشرطة الخميس التى ابتدعتها العرب وكانوا أربعين ألفا بايعوا عليا عليه السلام على الموت ولم يزل قيس يدارئ ذلك البعث حتى قتل على عليه السلام واستخلف أهل العراق الحسن بن على عليه السلام على الخلافة وكان الحسن لا يرى القتال ولكنه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية ثم يدخل في الجماعة وعرف الحسن أن قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه فنزعه وأمر عبد الله بن عباس فلما علم عبد الله بن عباس بالذى يريد الحسن عليه السلام أن يأخذه لنفسه كتب إلى معاوية يسأله الامان ويشترط لنفسه على الاموال التى أصابها فشرط ذلك له معاوية * وحدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقى قال حدثنا عثمان بن عبد الحميد أو ابن عبد الرحمن المجازى الخزاعى أبو عبد الرحمن قال حدثنا إسماعيل بن راشد قال بايع الناس الحسن بن على عليه السلام بالخلافة ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن وبعث قيس بن سعد على مقدمته في اثنى عشر ألفا وأقبل معاوية في أهل

[ 122 ]

الشأم حتى نزل مسكن فبينا الحسن في المدائن إذ نادى مناد في العسكر ألا إن قيس بن سعد قد قتل فانفروا فنفروا ونهبوا سرادق الحسن عليه السلام حتى نازعوه بساطا كان تحته وخرج الحسن حتى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن وكان عم المختار بن أبى عبيد عاملا على المدائن وكان اسمه سعد بن مسعود فقال له المختار وهو غلام شاب هل لك في الغنى والشرف قال وما ذاك قال توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية فقال له سعد عليك لعنة الله أثب على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوثقه بئس الرجل أنت فلما رأى الحسن عليه السلام تفرق الامر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح وبعث معاوية إليه عبد الله بن عامر وعبد الرحمن ابن سمرة بن حبيب بن عبد شمس فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها ثم قام الحسن في أهل العراق فقال يا أهل العراق إنه سخى بنفسى عنكم ثلاث قتلكم أبى وطعنكم إياى وانتهابكم متاعى ودخل الناس في طاعة معاوية ودخل معاوية الكوفة فبايعه الناس قال زياد بن عبد الله عن عوانة وذكر نحو حديث المسروقى عن عثمان بن عبد الرحمن هذا وزاد فيه وكتب الحسن إلى معاوية في الصلح وطلب الامان وقال الحسن للحسين ولعبدالله بن جعفر إنى قد كتبت إلى معاوية في الصلح وطلب الامان فقال له الحسين نشدتك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة على فقال له الحسن اسكت فأنا أعلم بالامر منك فلما انتهى كتاب الحسن بن على عليه السلام إلى معاوية أرسل معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة فقدما المدائن وأعطيا الحسن ما أراد فكتب الحسن إلى قيس بن سعد وهو على مقدمته في اثنى عشر ألفا يأمره بالدخول في طاعة معاوية فقام قيس بن سعد في الناس فقال يا أيها الناس اختاروا الدخول في طاعة إمام ضلالة أو القتال مع غير إمام قالوا لا بل نختار أن ندخل في طاعة إمام ضلالة فبايعوا لمعاوية وانصرف عنهم قيس بن سعد وقد كان صالح الحسن معاوية على أن جعل له ما في بيت ماله وخراج دار ابجرد على أن لا يشتم على وهو يسمع

[ 123 ]

فأخذ ما في بيت ماله بالكوفة وكان فيه خمسة آلاف ألف (وحج بالناس) في هذه السنة المغيرة بن شعبة * حدثنى موسى بن عبد الرحمن قال حدثنا عثمان ابن عبد الرحمن الخزاعى أبو عبد الرحمن قال أخبرنا إسماعيل بن راشد قال لما حضر الموسم يعنى في العام الذى قتل فيه على عليه السلام كتب المغيرة بن شعبة كتابا افتعله على لسان معاوية فأقام للناس الحج سنة 40 ويقال إنه عرف يوم التروية ونحر يوم عرفة خوفا أن يفطن بمكانه وقد قيل إنه إنما فعل ذلك المغيرة لانه بلغه أن عتبة بن أبى سفيان مصبحه واليا على الموسم فعجل الحج من أجل ذلك (وفى هذه السنة) بويع لمعاوية بالخلافة بايلياء حدثنى بذلك موسى بن عبد الرحمن قال حدثنا عثمان بن عبد الرحمن قال أخبرنا اسماعيل بن راشد وكان قبل يدعى بالشأم أميرا وحدثت عن أبى مسهر عن سعيد بن عبد العزيز قال كان على عليه السلام يدعى بالعراق أمير المؤمنين وكان معاوية يدعى بالشأم الامير فلما قتل على عليه السلام دعى معاوية أمير المؤمنين ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك تسليم الحسن بن على عليه السلام الامر إلى معاوية ودخول معاوية الكوفة وبيعة أهل الكوفة معاوية بالخلافة ذكر الخبر بذلك * حدثنى عبد الله بن أحمد المروذى قال أخبرني أبى قال حدثنا سليمان قال حدثنى عبد الله عن يونس عن الزهري قال بايع أهل العراق الحسن بن على بالخلافة فطفق يشترط عليهم الحسن إنكم سامعون مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت فارتاب أهل العراق في أمرهم حين اشترط عليهم هذا الشرط وقالوا ما هذا لكم بصاحب وما يريد هذا القتال فلم يلبث الحسن عليه السلام بعدما بايعوه إلا قليلا حتى طعن طعنة أشوته فازداد لهم بغضا وازداد منهم ذعرا فكاتب

[ 124 ]

معاوية وأرسل إليه بشروط قال إن أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع وعليك أن تفى لى به ووقعت صحيفة الحسن في يد معاوية وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى الحسن بصحيفة بيضاء مختوم على أسفلها وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التى ختمت أسفلها ما شئت فهو لك فلما أتت الحسن اشترط أضعاف الشروط التى سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده وأمسك معاوية صحيفة الحسن عليه السلام التى كتب إليه يسأله ما فيها فلما التقى معاوية والحسن عليه السلام سأله الحسن أن يعطيه الشروط التى شرط في السجل الذى ختم معاوية في أسفله فأبى معاوية أن يعطيه ذلك فقال لك ما كنت كتبت إلى أولا تسألني أن أعطيكه فانى قد أعطيتك حين جاءني كتابك قال الحسن عليه السلام وأنا قد اشترطت حين جاءني كتابك وأعطيتني العهد على الوفاء بما فيه فاختلفا في ذلك فلم ينفذ للحسن عليه السلام من الشروط شيئا وكان عمرو بن العاص حين اجتمعوا بالكوفة قد كلم معاوية وأمره أن يأمر الحسن أن يقوم ويخطب الناس فكره ذلك معاوية وقال ما تريد إلى أن أخطب الناس فقال عمرو لكنى أريد أن يبدو عيه للناس فلم يزل عمرو بمعاوية حتى أطاعه فخرج معاوية فخطب الناس ثم أمر رجلا فنادى الحسن بن على عليه السلام فقال قم يا حسن فكلم الناس فتشهد في بديهة أمر لم يرو فيه ثم قال أما بعد يا أيها الناس فان الله قد هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وإن لهذا الامر مدة والدنيا دول وإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم " وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " فلما قالها قال معاوية اجلس فلم يزل ضرما على عمرو وقال هذا من رأيك ولحق الحسن عليه السلام بالمدينة * حدثنى عمر قال حدثنا على بن محمد قال سلم الحسن بن على عليه السلام إلى معاوية الكوفة ودخلها معاوية لخمس بقين من ربيع الاول ويقال من جمادى الاولى سنة 41 (وفى هذه السنة) جرى الصلح بين معاوية وقيس بن سعد بعد امتناع قيس من بيعته ذكر الخبر بذلك * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان بن الفضل

[ 125 ]

قال حدثنى عبد الله عن يونس عن الزهري قال لما كتب عبد الله بن عباس حين علم ما يريد الحسن من معاوية من طلب الامان لنفسه إلى معاوية يسأله الامان ويشترط لنفسه على الاموال التى قد أصاب فشرط ذلك له معاوية وبعث إليه معاوية بن عامر في خيل عظيمة فخرج إليهم عبد الله ليلا حتى لحق بهم ونزل وترك جنسده الذى هو عليه لا أمير لهم فيهم قيس بن سعد واشترط الحسن عليه السلام لنفسه ثم بايع معاوية وأمرت شرطة الخميس قيس بن سعد على أنفسهم وتعاهدوا هو وهم على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة على عليه السلام ولمن كان اتبعه على أموالهم ودمائهم وما أصابوا في الفتنة فخلص معاوية حين فرغ من عبد الله بن عباس والحسن عليه السلام إلى مكايدة رجل هو أهم الناس عنده مكايدة ومعه أربعون ألفا وقد نزل معاوية بهم وعمرو وأهل الشأم وأرسل معاوية إلى قيس بن سعد يذكره الله ويقول على طاعة من تقاتل وقد بايعني الذى أعطيته طاعتك فأبى قيس أن يلين له حتى أرسل إليه معاوية بسجل قد ختم عليه في أسفله فقال اكتب في هذا السجل ما شئت فهو لك قال عمرو لمعاوية لا تعطه هذا وقاتله فقال معاوية على رسلك فانا لا نخلص إلى قتل هؤلاء حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشأم فما خير العيش بعد ذلك وإنى والله لا أقاتله أبدا حتى لا أجد من قتاله بدا فلما بعث إليه معاوية بذلك السجل اشترط قيس فيه له ولشيعة على الامان على ما أصابوا من الدماء والاموال ولم يسأل معاوية في سجله ذلك مالا وأعطاه معاوية ما سأل فدخل قيس ومن معه في طاعته وكانوا يعدون دهاة الناس حين ثارت الفتنة خمسة رهط فقالوا ذوو رأى العرب ومكيدتهم معاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وقيس بن سعد ومن المهاجرين عبد الله بن بديل الخزاعى وكان قيس وابن بديل مع على عليه السلام وكان المغيرة بن شعبة وعمرو مع معاوية إلا أن المغيرة كان معتزلا بالطائف حتى حكم الحكمان فاجتمعوا بأذرح * وقيل إن الصلح تم بين الحسن عليه السلام ومعاوية في هذه السنة في شهر ربيع الآخر ودخل معاوية الكوفة في غرة جمادى الاولى من هذه السنة وقيل دخلها في شهر

[ 126 ]

ربيع الآخر وهذا قول الواقدي (وفى هذه السنة) دخل الحسن والحسين ابنا على عليه السلام منصرفين من الكوفة إلى المدينة ذكر الخبر بذلك ولما وقع الصلح بين الحسن عليه السلام وبين معاوية بمسكن قام فيها حدثت عن زياد البكائى عن عوانة خطيبا في الناس فقال يا أهل العراق إنه سخى بنفسى عنكم ثلاث قتلكم أبى وطعنكم إياى وانتهابكم متاعى قال ثم إن الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر خرجوا بحشمهم وأثقالهم حتى أتوا الكوفة فلما قدمها الحسن وبرأ من جراحته خرج إلى مسجد الكوفة فقال يا أهل الكوفة اتقوا الله في جيرانكم وضيفانكم وفى أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فجعل الناس يبكون ثم تحملوا إلى المدينة قال وحال أهل البصرة بينه وبين خراج درابجرد وقالوا فيؤنا فلما خرج إلى المدينة تلقاه ناس بالقادسة فقالوا يا مذل العرب (وفيها) خرجت الخوارج التى اعتزلت أيام على عليه السلام بشهرزور على معاوية ذكر خبرهم * حدثت عن زياد عن عوانة قال قدم معاوية قبل أن يبرح الحسن من الكوفة حتى نزل النخيلة فقالت الحرورية الخمسمائة التى كانت اعتزلت بشهرزور مع فروة بن نوفل الاشجعى قد جاء الآن ما لا شك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى دخلوا الكوفة فأرس إليهم معاوية خيلا من خيل أهل الشأم فكشفوا أهل الشأم فقال معاوية لاهل الكوفة لا أمان لكم والله عندي حتى تكفوا بوائقكم فخرج أهل الكوفة إلى الخوارج فقاتلوهم فقالت لهم الخوارج ويلكم ما تبغون منا أليس معاوية عدونا وعدوكم دعونا حتى نقاتله وإن أصبناه كنا قد كفيناكم عدوكم وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا قالوا لا والله حتى نقاتلكم فقالوا رحم الله إخواننا من أهل النهر هم كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة وأخذت أشجع صاحبهم فروة بن نوفل وكان سيد القوم واستعملوا عليهم عبد الله بن أبى الحر رجلا من

[ 127 ]

طيئ فقاتلوهم فقتلوا واستعمل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص على الكوفة فأتاه المغيرة بن شعبة وقال لمعاوية استعملت عبد الله بن عمرو على الكوفة وعمرا على مصر فتكون أنت بين لحيى الاسد فعزله عنها واستعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة وبلغ عمرا ما قال المغيرة لمعاوية فدخل عمرو على معاوية فقال استعملت المغيرة على الكوفة فقال نعم فقال أجعلته على الخراج فقال نعم قال تستعمل المغيرة على الخراج فيغتال المال فيذهب فلا تستطيع أن تأخذ منه شيئا استعمل على الخراج من يخافك ويهابك ويتقيك فعزل المغيرة عن الخراج واستعمله على الصلاة فلقى المغيرة عمرا فقال أنت المشير على أمير المؤمنين بما أشرت به في عبد الله قال نعم قال هذه بتلك ولم يكن عبد الله بن عمرو بن العاص مضى فيما بلغني إلى الكوفة ولا أتاها (وفى هذه السنة) غلب حمران بن أبان على البصرة فوجه إليه معاوية بسرا وأمره بقتل بنى زياد ذكر الخبر عما كان من أمره في ذلك * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى على بن محمد قال لما صالح الحسن بن على عليه السلام معاوية أول سنة 41 وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها وغلب عليها فأراد معاوية أن يبعث رجلا من بنى القين إليها فكلمه عبد الله بن عباس ألا يفعل ويبعث غيره فبعث بسر بن أبى أرطاة وزعم أنه أمره بقتل بنى زياد * فحدثني مسلمة بن محارب قال أخذ بعض بنى زياد فحبسه وزياد يومئذ بفارس كان على عليه السلام بعثه إليها إلى أكراد خرجوا بها فظفر بهم زياد وأقام بإصطخر قال فركب أبو بكرة إلى معاوية وهو بالكوفة فاستأجل بسرا فأجله أسبوعا ذاهبا وراجعا فسار سبعة أيام فقتل تحته دابتين فكلمه فكتب معاوية بالكف عنهم قال وحدثني بعض علمائنا أن أبا بكرة أقبل في اليوم السابع وقد طلعت الشمس وأخرج بسر بنى زياد ينتظر بهم غروب الشمس ليقتلهم إذا وجبت فاجتمع الناس لذلك وأعينهم طامحة ينتظرون أبا بكرة إذ رفع لهم على نجيب أو برذون يكده ويجهده فقام عليه فنزل عنه وألاح بثوبه وكبر وكبر الناس فأقبل يسعى

[ 128 ]

على رجليه حتى أدرك بسرا قبل أن يقتلهم فدفع إليه كتاب معاوية فأطلقهم * حدثنى عمر قال حدثنا على بن محمد قال خطب بسر على منبر البصرة فشتم عليا عليه السلام ثم قال نشدت الله رجلا علم أنى صادق إلا صدقنى أو كاذب إلا كذبني قال فقال أبو بكرة اللهم إنا لا نعلمك إلا كاذبا قال فأمر به فخنق قال فقام أبو لؤلؤة الضبى فرمى بنفسه عليه فمنعه فأقطعه أبو بكرة بعد ذلك مائة جريب قال وقيل لابي بكرة ما أردت إلى ما صنعت قال أيناشدنا بالله ثم لا نصدقه قال فأقام بسر بالبصرة ستة أشهر ثم شخص لا نعلمه ولى شرطته أحدا * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا على بن محمد قال أخبرني سليمان بن بلال عن الجارود بن أبى سبرة قال صالح الحسن عليه السلام معاوية وشخص إلى المدينة فبعث معاوية بسر بن أبى أرطاة إلى البصرة في رجب سنة 41 وزياد متحصن بفارس فكتب معاوية إلى زياد إن في يديك مالا من مال الله وقد وليت ولاية فأد ما عندك من المال فكتب إليه زياد إنه لم يبق عندي شئ من المال وقد صرفت ما كان عندي في وجهه واستودعت بعضه قوما لنازلة إن نزلت وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمة الله عليه فكتب إليه معاوية أن أقبل إلى ننظر فيما وليت وجرى على يديك فان استقام بنا أمر فهو ذاك وإلا رجعت إلى مأمنك فلم يأته زياد فأخذ بسر بنى زياد الاكابر منهم فحبسهم عبد الرحمن وعبيدالله وعبادا وكتب إلى زياد لتقدمن على أمير المؤمنين أو لاقتلن بنيك فكتب الله زياد لست بارحا من مكاني الذى أنا به حتى يحكم الله بينى وبين صاحبك فان قتلت من في يديك من ولدى فالمصير إلى الله سبحانه ومن ورائنا وورائكم الحساب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون فهم بقتلهم فأتاه أبو بكرة فقال أخذت ولدى وولد أخى غلمانا بلا ذنب وقد صالح الحسن معاوية على أمان أصحاب على حيث كانوا فليس على لك هؤلاء ولا على أبيهم سبيل قال إن على أخيك أموالا قد أخذها فامتنع من أدائها قال ما عليه شئ فاكفف عن بنى أخى حتى آتيك بكتاب من معاوية بتخليتهم فأجله أياما قال له إن أتيتني بكتاب معاوية بتخليتهم وإلا قتلتهم

[ 129 ]

أو يقبل زياد إلى أمير المؤمنين قال فأتى أبو بكرة معاوية فكلمه في زياد وبنيه وكتب معاوية إلى بسر بالكف عنه وتخلية سبيلهم فخلاهم * حدثنى أحمد بن على قال حدثنا على قال أخبرني شيخ من ثقيف عن بسر بن عبيدالله قال خرج أبو بكرة إلى معاوية بالكوفة فقال له معاوية يا أبا بكرة أزائرا جئت أم دعتك إلينا حاجة قال لا أقول باطلا ما أتيت إلا في حاجة قال تشفع يا أبا بكرة ونرى لك بذلك فضلا وأنت لذلك أهل فما هو قال تؤمن أخى زيادا وتكتب إلى بسر بتخلية ولده وبترك التعرض لهم فقال أما بنو زياد فكتب لك فيهم ما سألت وأما زياد ففى يده مال للمسلمين فإذا أداه فلا سبيل لنا عليه قال يا أمير المؤمنين إن يكن عنده شئ فليس يحبسه عنك إن شاء الله فكتب معاوية لابي بكرة إلى بسر ألا يتعرض لاحد من ولد زياد فقال معاوية لابي بكرة أتعهد إلينا عهدا يا أبا بكرة قال نعم أعهد إليك يا أمير المؤمنين أن تنظر لنفسك ورعيتك وتعمل صالحا فإنك قد تقلدت عظيما خلافة الله في خلفه فاتق الله فإن لك غاية لا تعدوها ومن ورائك طالب حثيث فأوشك أن تبلغ المدى فيلحق الطالب فتصير إلى من يسألك عما كنت فيه وهو أعلم به منك وإنما هي محاسبة وتوقيف فلا تؤثرن على رضا الله عز وجل شيئا * حدثنى أحمد قال حدثنا على عن سلمة بن عثمان قال كتب بسر إلى زياد لئن لم تقدم لاصلبن بنيك فكتب إليه إن تفعل فأهل ذاك أنت إنما بعث بك ابن آكلة الاكباد فركب أبو بكرة إلى معاوية فقال يا معاوية إن الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الاطفال قال وما ذاك يا أبا بكرة قال بسر يريد قتل أولاد زياد فكتب معاوية إلى بسر أن خل من بيدك من ولد زياد وكان معاوية قد كتب إلى زياد بعد قتل على عليه السلام يتوعده * فحدثني عمر بن شبة قال حدثنى على عن حبان بن موسى عن المجالد عن الشعبى قال كتب معاوية حين قتل على عليه السلام إلى زياد يتهدده فقام خطيبا فقال العجب من ابن آكلة الاكباد وكهف النفاق ورئيس الاحزاب كتب إلى يتهددني وبيني وبينه ابنا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى ابن عباس والحسن بن على في تسعين ألفا واضعى سيوفهم على

[ 130 ]

عواتقهم لا ينثنون لئن خلص إلى الامر ليجدني أحمز ضرابا بالسيف فلم يزل زياد بفارس واليا حتى صالح الحسن عليه السلام معاوية وقدم معاوية الكوفة فتحصن زياد في القلعة التى يقال لها قلعة زياد (وفى هذه السنة) ولى معاوية عبد الله بن عامر البصرة وحرب سجستان وخراسان ذكر الخبر عن سبب ولايته ذلك وبعض الكائن في أيام عمله لمعاوية بها * حدثنى أبو زيد قال حدثنا على قال أراد معاوية توجيه عتبة بن أبى سفيان على البصرة فكلمه ابن عامر وقال إن لى بها أموالا وودائع فان لم توجهني عليها ذهبت فولاه البصرة فقدمها في آخر سنة 41 واليه خراسان وسجستان فاراد زيد ابن جبلة على ولاية شرطته فأبى فولى حبيب بن شهاب الشامي شرطته وقد قيل قيس بن الهيثم السلمى واستقضى عميرة بن يثربى الضبى أخا عمرو بن يثربى الضبى * حدثنى أبو زيد قال حدثنا على بن محمد قال خرج في ولاية ابن عامر لمعاوية يزيد بن مالك الباهلى وهو الخطيم وإنما سمى الخطيم لضربة أصابته على وجهه فخرج هو وسهم بن غالب الهجيمى فأصبحوا عند الجسر فوجدوا عبادة بن قرص الليثى أحد بنى بجير وكانت له صحبة يصلى عند الجسر فأنكروه فقتلوه ثم سألوه الامان بعد ذلك فآمنهم ابن عامر وكتب إلى معاوية إنى قد جعلت لهم ذمتك فكتب إليه معاوية تلك ذمة لو أخفرتها لا سئلت عنها فلم يزالوا آمنين حتى عزل ابن عامر (وفى هذه السنة) ولد على بن عبد الله بن عباس وقيل ولد في سنة 40 قبل أن يقتل على عليه السلام وهذا قول الواقدي (وحج بالناس) في هذه السنة عتبة بن أبى سفيان في قول أبى معشر حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن اسحاق بن عيسى عنه وأما الواقدي فانه ذكر عنه أنه كان يقول حج بالناس في هذه السنة أعنى سنة 41 عنبسة بن أبى سفيان ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ذكر ما كان فيها من الاحداث ففيها غزا المسلمون اللان وغزوا أيضا الروم فهزموهم هزيمة منكرة فيما ذكروا

[ 131 ]

وقتلوا جماعة من بطارقتهم (وقيل) في هذه السنة ولد الحجاج بن يوسف وولى معاوية في هذه مروان بن الحكم المدينة فاستقضى مروان عبد الله بن الحارث بن نوفل وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام وكان على الكوفة من قبله المغيرة بن شعبة وعلى القضاء شريح وعلى البصرة عبد الله بن عامر وعلى قضائها عمرو بن يثربى وعلى خراسان قيس بن الهيثم من قبل عبد الله بن عامر وذكر على بن محمد عن محمد بن الفضل العبسى عن أبيه قال بعث عبد الله بن عامر قيس بن الهيثم على خراسان حين ولاه معاوية البصرة وخراسان فأقام قيس بخراسان سنتين (وقد قيل) في أمر ولاية قيس ما ذكره حمزة بن صالح السلمى عن زياد بن صالح قال بعث معاوية حين استقامت له الامور قيس بن الهيثم إلى خراسان ثم ضمها إلى ابن عامر فترك قيسا عليها (وفى هذه السنة) تحركت الخوارج الذين انحازوا عمن قتل منهم بالنهروان ومن كان ارتث من جرحاهم بالنهروان فبرؤا وعفا عنهم على بن أبى طالب رضى الله عنه ذكر الخبر عما كان منهم في هذه السنة ذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى النضر بن صالح بن حبيب عن جرير بن مالك بن زهير بن جذيمة العبسى عن أبى بن عمار العبسى أن حيان بن ظبيان السلمى كان يرى رأى الخوارج وكان ممن ارتث يوم النهروان فعفا عنه على عليه السلام في الاربعمائة الذين كان عفا عنهم من المرتثين يوم النهر فكان في أهله وعشيرته فلبث شهرا أو نحوه ثم إنه خرج إلى الرى في رجال كانوا يرون ذلك الرأى فلم يزالوا مقيمين بالرى حتى بلغهم قتل على كرم الله وجهه فدعا أصحابه أولئك وكانوا بضعة عشر رجلا أحدهم سالم بن ربيعة العبسى فأتوه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الاخوان من المسلمين إنه قد بلغني أن أخاكم ابن ملجم أخا مراد قعد لقتل على بن أبى طالب عند أغباش الصبح مقابل السدة التى في المسجد مسجد الجماعة فلم يبرح راكدا ينتظر خروجه حتى خرج عليه حين أقام المقيم الصلاة صلاة الصبح فشد عليه فضرب رأسه بالسيف فلم يبق إلا ليلتين حتى مات فقال سالم بن ربيعة العبسى

[ 132 ]

لا يقطع الله يمينا علت قذاله بالسيف قال فأخذ القوم يحمدون الله على قتله عليه السلام ورضى الله عنه ولا رضى عنهم ولا رحمهم قال النضر بن صالح فسألت بعد ذلك سالم بن ربيعة في إمارة مصعب بن الزبير عن قوله ذلك في على عليه السلام فأقر لى به وقال كنت أرى رأيهم حينا ولكن قد تركته قال فكان في أنفسنا انه قد تركه قال فكان إذ ذكروا له ذلك يرمضه قال ثم ان حيان بن ظبيان قال لاصحابه إنه والله ما يبقى على الدهر باق وما يلبث الليالى والايام والسنون والشهور على ابن آدم حتى يذيقه الموت فيفارق الاخوان الصالحين ويدع الدنيا التى لا يبكى عليها إلا العجزة ولم تزل ضارة لمن كانت له هما وشجنا فانصرفوا بنا رحمكم الله إلى مصرنا فلنأت إخواننا فلندعهم إلى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وإلى جهاد الاحزاب فانه لا عذر لنا في القعود وولاتنا ظلمة وسنة الهدى متروكة وثأرنا الذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون فإن يظفرنا الله بهم نعمد بعد إلى التى هي أهدى وأرضى وأقوم ويشفى الله بذلك صدور قوم مؤمنين وإن نقتل فإن في مفارقة الظالمين راحة لنا ولنا بأسلافنا أسوة فقالوا له كلنا قائل ما ذكرت وحامد رأيك الذى رأيت فرد بنا المصر فإنا معك راضون بهداك وأمرك فخرج وخرجوا معه مقبلين إلى الكوفة فذلك حين يقول خليلي مابى من عزاء ولا صبر * ولا إربة بعد المصابين بالنهر سوى نهضات في كتائب جمة * إلى الله ما تدعو وفى الله ما تفرى إذا جاوزت قسطانة الرى بغلتي * فلست بسار نحوها آخر الدهر ولكننى سار وإن قل ناصرى * قريبا فلا أخزيكما مع من يسرى قال وأقبل حتى نزل الكوفة فلم يزل بها حتى قدم معاوية وبعث المغيرة بن شعبة واليا على الكوفة فأحب العافية وأحسن في الناس السيرة ولم يفتش أهل الاهواء عن أهوائهم وكان يؤتى فيقال له إن فلانا يرى رأى الشيعة وإن فلانا يرى رأى الخوارج وكان يقول قضى الله ألا تزالون مختلفين وسيحكم الله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون فأمنه الناس وكانت الخوارج يلقى بعضهم بعضا ويتذاكرون

[ 133 ]

مكان إخوانهم بالنهروان ويرون أن في الاقامة الغبن والوكف وأن في الجهاد أهل القبلة الفضل والاجر * قال أبو مخنف فحدثني النضر بن صالح عن أبى بن عمارة أن الخوارح في أيام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى ثلاثة نفر منهم المستورد ابن علفة فخرج في ثلاثة رجل مقبلا نحو جرجرايا على شاطئ دجلة * قال أبو مخنف وحدثني جعفر بن حذيفة الطائى من آل عامر بن جوين عن المحل بن خليفة أن الخوارج في أيام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى ثلاثة نفر منهم المستورد بن علفة التيمى من تيم الرباب وإلى حيان بن ظبيان السلمى وإلى معاذ بن جوين بن حصين الطائى السنبسى وهو ابن عم زيد بن حصين وكان زيد ممن قتله على عليه السلام يوم النهروان وكان معاذ بن جوين هذا في الاربعمائة الذين ارتثوا من قتلى الخوارج فعفا عنهم على عليه السلام فاجتمعوا في منزل حيان ابن ظبيان السلمى فتشاوروا فيمن يولون عليهم قال فقال لهم المستود يا أيها المسلمون والمؤمنون أراكم الله ما تحبون وعزل عنكم ما تكرهون ولوا عليكم من أحببتم فوالذي يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور ما أبالى من كان الوالى على منكم وما شرف الدنيا نريد وما إلى البقاء فيها من سبيل وما نريد إلا الخلود في دار الخلود فقال حيان بن ظبيان أما أنا فلا حاجة لى فيها وأنا بك وبكل امرئ من إخوانى راض فانظروا من شئتم منكم فسموه فأنا أول من يبايعه فقال لهم معاذ بن جوين بن حصين إذا قلتما أنتما هذا وأنتما سيد المسلمين وذوا أنسابهم في صلاحكما ودينكما وقدركما فمن يرأس المسلمين وليس كلكم يصلح لهذا الامر وإنما ينبغى أن يلى على المسلمين إذا كانوا سواء في الفضل أبصرهم بالحرب وأفقههم في الدين وأشدهم اضطلاعا بما حمل وأنتما بحمد الله ممن يرضى لهذا الامر فليتوله أحدكما قالا فتوله أنت فقد رضيناك فأنت والحمد لله الكامل في دينك ورأيك فقال لهما أنتما أسن منى فليتوله أحدكما فقال حينئذ جماعة من حضرهما من الخوارج قد رضينا بكم أيها الثلاثة فولوا أيكم أحببتم فليس في الثلاثة رجل الا قال لصاحبه تولها أنت فإنى بك راض وإنى فيها غير ذى رغبة

[ 134 ]

فلما كثر ذلك بينهم قال حيان بن ظبيان فإن معاذ بن جوين قال إنى لا ألى عليكما وأنتما أسن منى وأنا أقول لك مثل ما قال لى ولك لا ألى عليك وأنت أسن منى ابسط يدك أبايعك فبسط يده فبايعه ثم بايعه معاذ بن جوين ثم بايعه القوم جميعا وذلك في جمادى الآخرة فاتعد القوم أن يتجهزوا ويتيسروا ويستعدوا ثم يخرجوا في غرة الهلال هلال شعبان سنة 43 فكانوا في جهازهم وعدتهم (وقيل) في هذه السنة سار بسر بن أبى ارطاة العامري إلى المدينة ومكة واليمن وقتل من قتله في مسيره ذلك من المسلمين * وذلك قول الواقدي وقد ذكرت من خالفه في وقت مسيره هذا السير * وزعم الواقدي أن داود بن حيان حدثه عن عطاء بن أبى مروان قال أقام بسر بن أبى ارطاة بالمدينة شهرا يستعرض الناس ليس أحد ممن يقال هذا أعان على عثمان إلا قتله * وقال عطاء بن أبى مروان أخبرني حنظلة بن على الاسلمي قال وجد قوما من بنى كعب وغلمانهم على بئر لهم فألقاهم في البئر (وفى هذه السنة) قدم زياد فيما حدثنى عمر قال حدثنا أبو الحسن عن سليمان بن أبى أرقم قدم على معاوية من فارس فصالحه على مال يحمله إليه وكان سبب قدومه بعد امتناعه بقلعة من قلاع فارس ما حدثنى عمر قال حدثنا أبو الحسن عن مسلمة ابن محارب قال كان عبد الرحمن بن أبى بكرة يلى ما كان لزياد بالبصرة فبلغ معاوية ان لزياد أموالا عند عبد الرحمن وخاف زياد على أشياء كانت في يد عبد الرحمن لزياد فكتب إليه يأمره بإحرازها وبعث معاوية إلى المغيرة بن شعبة لينظر في أموال زياد فقدم المغيرة فأخذ عبد الرحمن فقال لئن كان أساء إلى أبوك لقد أحسن زياد وكتب إلى معاوية إنى لم أصب في يد عبد الرحمن شيئا يحل لى أخذه فكتب معاوية إلى المغيرة أن عذبه قال وقال بعض المشيخة انه عذب عبد الرحمن ابن أبى بكرة إذ كتب إليه معاوية وأراد أن يعذر ويبلغ معاوية ذلك فقال احتفظ بما أمرك به عمك فألقى على وجهه حريرة ونضحها بالماء فكانت تلتزق بوجهه فغشى عليه ففعل ذلك ثلاث مرات ثم خلاه وكتب إلى معاوية إنى عذبته فلم أصب عنده شيئا فحفظ لزياد يده عنده * حدثنى عمر قال حدثنا أبو الحسن عن

[ 135 ]

عبد الملك بن عبد الله الثقفى عن أشياخ من ثقيف قالوا دخل المغيرة ابن شعبة على معاوية فقال معاوية حين نظر إليه إنما موضع سر المرء إن * باح بالسر أخوه المنتصح فإذا بحت بسر فإلى * ناصح يستره أولا تبح فقال يا أمير المؤمنين إن تستودعنى تستودع ناصحا شفيقا ورعا وثيقا فما ذاك يا أمير المؤمنين قال ذكرت زيادا واعتصامه بأرض فارس وامتناعه بها فلم أنم ليلتى فأراد المغيرة أن يطأطئ من زياد فقال ما زياد هناك يا أمير المؤمنين فقال معاوية بئس الوطأ العجز داهية العرب معه الاموال متحصن بقلاع فارس يدبر ويربص الحيل ما يؤمننى أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت فإذا هو قد أعاد على الحرب خدعة فقال المغيرة أتأذن لى يا أمير المؤمنين في إتيانه قال نعم فأته وتلطف له فأتى المغيرة زيادا فقال زياد حين بلغه قدوم المغيرة ما قدم إلا لامر ثم أذن له فدخل عليه وهو في بهو له مستقبل الشمس فقال زياد أفلح رائد فقال اليك ينتهى الخبر أبا المغيرة إن معاوية استخفه الوجل حتى بعثنى اليك ولم يكن يعلم أحدا يمد يده إلى هذا الامر غير الحسن وقد بايع معاوية فخذ لنفسك قبل التوطين فيستغنى عنك معاوية قال أشر على وارم الغرض الاقصى ودع عنك الفضول فإن المستشار مؤتمن فقال المغيرة في محض الرأى بشاعة ولا خير في المذيق أرى أن تصل حبلك بحبله وتشخص إليه قال أرى ويقضى الله * حدثنى عمر قال حدثنا على عن مسلمة بن محارب قال أقام زياد في القلعة أكثر من سنة فكتب إليه معاوية علام تهلك نفسك فأقبل إلى فأعلمني علم ما صار إليك ما اجتبيت من الاموال وما خرج من يديك وما بقى عندك وأنت آمن فان أحببت المقام عندنا أقمت وإن أحببت أن ترجع إلى مأمنك رجعت فخرج زياد من فارس وبلغ المغيرة بن شعبة أن زيادا قد أجمع على إتيان معاوية فشخص المغيرة إلى معاوية قبل شخوص زياد من فارس وأخذ زياد من إصطخر إلى أرجان فأتى ماه بهراذان ثم أخذ طريق حلوان حتى قدم المدائن فخرج عبد الرحمن إلى معاوية يخبره بقدوم زياد ثم

[ 136 ]

قدم زياد الشأم وقدم المغيرة بعد شهر فقال له معاوية يا مغيرة زياد أبعد منك بمسيرة شهر وخرجت قبله وسبقك فقال يا أمير المؤمنين ان الاريب إذا كلم الاريب أفحمه قال خذ حذرك واطو عنى سرك فقال ان زيادا قدم يرجو الزيادة وقدمت أتخوف النقصان فكان سيرنا على حسب ذلك قال فسأل معاوية زيادا عما صار إليه من أموال فارس فأخبره بما حمل منها إلى على رضى الله عنه وما أنفق منها في الوجوه التى يحتاج فيها إلى النقة فصدقه معاوية على ما أنفق وما بقى عنده وقبضه منه وقال قد كنت أمين حلفائنا * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حدثنا أبو مخنف وأبو عبد الرحمن الاصبهاني وسلمة بن عثمان وشيخ من بنى تميم وغيرهم ممن يوثق بهم قال كتب معاوية إلى زياد وهو بفارس يسأله القدوم عليه فخرج زياد من فارس مع المنجاب بن راشد الضبى وحارثة بن بدر الغدانى وسرح عبد الله بن خازم في جماعة إلى فارس فقال لعلك تلقى زيادا في طريقك فتأخذه نسار ابن خازم إلى فارس فقال بعضهم لقيه بسوق الاهواز وقال بعضهم لقيه بأرجان فأخذ ابن خازم بعنان زياد فقال انزل يا زياد فصاح به المنجاب بن راشد تنح يا ابن سوداء وإلا علقت يدك بالعنان قال ويقال انتهى إليهم ابن خازم وزياد جالس فأغلظ له ابن خازم فشتم المنجاب ابن خازم فقال له زياد ما تريد يا ابن خازم قال أريد أن تجئ إلى البصرة قال فإنى آتيها فانصرف ابن خازم استحياء من زياد * وقال بعضهم التقى زياد وابن خازم بأرجان فكانت بينهم منازعة فقال زياد لابن خازم قد أتانى أمان معاوية فأنا أريده وهذا كتابه إلى قال فإن كنت تريد أمير المؤمنين فلا سبيل عليك فمضى ابن خازم إلى سابور ومضى زياد إلى ماه بهراذان وقدم على معاوية فسأله عن أموال فارس فقال دفعتها يا أمير المؤمنين في أرزاق وأعطيات وحمالات وبقيت بقية أودعتها قوما فمكث بذلك يردده وكتب زياد كتبا إلى قوم منهم شعبة بن القلعم قد علمتم مالى عندكم من الامانة فتدبروا كتاب الله عز وجل (إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال) الآية فاحتفظوا بما قبلكم وسمى في الكتب بالمبلغ الذى أقر به لمعاوية ودس الكتب مع رسوله وأمره

[ 137 ]

أن يعرض لبعض من يبلغ ذلك معاوية فعرض رسوله حتى انتشر ذلك وأخذ فأتى به معاوية فقال معاوية لزياد لئن لم تكن مكرت بى ان هذه الكتب من حاجتى فقرأها فإذا هي بمثل ما أقر به فقال معاوية أخاف أن تكون قد مكرت بى فصالحني على ما شئت فصالحه على شئ مما ذكره أنه عنده فحمله وقال زياد يا أمير المؤمنين قد كان لى مال قبل الولاية فوددت أن ذلك المال بقى وذهب ما أخذت من الولاية ثم سأل زياد معاوية أن يأذن له في نزول الكوفة فأذن له فشخص إلى الكوفة فكان المغيرة يكرمه ويعظمه فكتب معاوية إلى المغيرة خذ زيادا وسليمان بن صرد وحجر بن عدى وشبث بن ربعى وابن الكواء وعمرو بن الحمق بالصلاة في الجماعة فكانوا يحضرون معه في الصلاة * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا على عن سليمان ابن أرقم قال بلغني أن زيادا قدم الكوفة فحضرت الصلاة فقال له المغيرة تقدم فصل فقال لا أفعل أنت أحق منى بالصلاة في سلطانك قال ودخل عليه زياد وعند المغيرة أم أيوب بنت عمارة بن عقبة بن أبى معيط فأجلسها بين يديه وقال لا تسترى من أبى المغيرة فلما مات المغيرة تزوجها زياد وهى حدثة فكان زياد يأمر بفيل كان عنده فيوقف فتنظر إليه أم أيوب فسمى باب الفيل (وحج) بالناس في هذه السنة عنبسة بن أبى سفيان كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك غزوة بسر بن أبى أرطاة الروم ومشتاه بأرضهم حتى بلغ القسطنطينية فيما زعم الواقدي وقد أنكر ذاك قوم من أهل الاخبار فقالوا لم يكن لبسر بأرض الروم مشتى قط (وفيها) مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر وقبل كان عمل عليها لعمر بن الخطاب رضى الله عنه أربع سنين ولعثمان أربع سنين إلا شهرين ولمعاوية سنتين إلا شهرا (وفيها) ولى معاوية عبد الله بن عمرو

[ 138 ]

ابن العاص مصر بعد موت أبيه فوليها فيما زعم له الواقدي نحوا من سنتين (وفيها) مات محمد بن مسلمة في صفر بالمدينة وصلى عليه مروان بن الحكم (وفيها) قتل المستورد بن علفة الخارجي فيما زعم هشام بن محمد وقد زعم بعضهم أنه قتل في سنة 42 ذكر الخبر عن مقتله قد ذكرنا ما كان من اجتماع بقايا الخوارج الذين كانوا ارتثوا يوم النهر ومن كان منهم انحاز إلى الرى وغيرهم إلى النفر الثلاثة الذين سميت قبل الذين أحدهم المستورد بن علفة وذكرنا بيعتهم المستورد واجتماعهم على الخروج في غرة هلال شعبان من سنة 43 * فذكر هشام عن أبى مخنف أن جعفر بن حذيفة الطائى حدثه عن المحل بن خليفة أن قبيصة بن الدمون أتى المغيرة بن شعبة وكان على شرطته فقال ان شمر بن جعونة الكلابي جاءني فخبرني أن الخوارج قد اجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان السلمى وقد اتعدوا أن يخرجوا اليك في غرة شعبان فقال المغيرة ابن شعبة لقبيصة بن الدمون وهو حليف لثقيف وزعموا أن أصله كان من حضرموت من الصدف سر بالشرطة حتى تحيط بدار حيان بن ظبيان فأتني به وهم لا يرون إلا أنه أمير تلك الخوارج فسار قبيصة في الشرطة وفى كثير من الناس فلم يشعر حيان بن ظبيان إلا والرجال معه في داره نصف النهار وإذا معه معاذ بن جوين ونحو من عشرين رجلا من أصحابهما وثارت امرأته أم ولد له فأخذت سيوفا كانت لهم فألقتها تحت الفراش وفزع بعض القوم إلى سيوفهم فلم يجدوها فاستسلموا فانطلق بهم إلى المغيرة بن شعبة فقال لهم المغيرة ما حملكم على ما أردتم من شق عصا المسلمين فقالوا ما أردنا من ذلك شيئا قال بلى قد بلغني ذلك عنكم ثم قد صدق ذلك عندي جماعتكم قالوا له أما اجتماعنا في هذا المنزل فان حيان بن ظبيان أقرأنا القرآن فنحن نجتمع عنده في منزله فنقرأ القرآن عليه فقال اذهبوا بهم إلى السجن فلم يزالوا فيه نحوا من سنة وسمع اخوانهم فحذروا وخرج صاحبهم المستورد بن علفة فنزل دارا بالحيرة إلى جنب قصر العدسيين من كلب فبعث إلى اخوانه وكانوا يختلفون إليه

[ 139 ]

ويتجهزون فلما كثر اختلاف أصحابه إليه قال لهم صاحبهم المستورد بن علفة التيمى تحولوا بنا عن هذا المكان فانى لا آمن أن يطلع عليكم فانهم في ذلك يقول بعضهم لبعض نأتى مكان كذا وكذا ويقول بعضهم نأتى مكان كذا وكذا إذ أشرف عليهم حجار بن أبجر من دار كان هو فيها وطائفة من أهله فاذاهم بفارسين قد أقبلا حتى دخلا تلك الدار التى فيها القوم ثم لم يكن بأسرع من أن جاء آخران فدخلا ثم لم يكن إلا قليل حتى جاء آخر فدخل ثم آخر فدخل وكان ذلك يعنيه وكان خروجهم قد اقترب فقال حجار لصاحبة الدار التى كان فيها نازلا وهى ترضع صبيا لها ويحك ما هذه الخيل التى أراها تدخل هذه الدار قالت والله ما أدرى ما هم إلا أن الرجال يختلفون إلى هذه الدار رجالا وفرسانا لا ينقطعون ولقد أنكرنا ذلك منذ أيام ولا ندرى من هم فركب حجار فرسه وخرج معه غلام له فأقبل حتى انتهى إلى باب دارهم فإذا عليه رجل منهم فكلما أتى انسان منهم إلى الباب دخل إلى صاحبه فأعلمه فأذن له فان جاءه رجل من معروفيهم دخل ولم يستأذن فلما انتهى إليه حجار لم يعرفه الرجل فقال من أنت رحمك الله وما تريد قال أردت لقاء صاحبي قال له وما اسمك قال له حجار بن أبجر قال فكما أنت حتى أوذنهم بك ثم أخرج اليك فقال له حجار ادخل راشدا فدخل الرجل واتبعه حجار مسرعا فانتهى إلى باب صفة عظيمة هم فيها وقد دخل إليهم الرجل فقال هذا رجل يستأذن عليك أنكرته فقلت له من أنت فقال أنا حجار ابن أبجر فسمعهم يتفزعون ويقولون حجار بن أبجر والله ما جاء حجار بن أبجر بخير فلما سمع القول منهم أراد أن ينصرف ويكتفى بذلك من الاسترابة بأمرهم ثم أبت نفسه أن ينصرف حتى يعاينهم فتقدم حتى قام بين سجفى باب الصفة وقال السلام عليكم فنظر فإذا هو بجماعة كثيرة وإذا سلاح ظاهر ودروع فقال حجار اللهم اجمعهم على خير من أنتم عافاكم الله فعرفه على بن أبى شمر بن الحصين من تيم الرباب وكان أحد الثمانية الذين انهزموا من الخوارج يوم النهر وكان من فرسان العرب ونساكهم وخيارهم فقال له يا حجار بن أبجر إن كنت إنما جاء بك التماس الخبر فقد وجدته فان كنت إنما جاء بك أمر غير ذلك فادخل وأخبرنا ما أتى بك فقال لا حاجة لى في الدخول فانصرف فقال

[ 140 ]

بعضهم لبعض أدركوا هذا فاحبسوه فإنه مؤذن بكم فخرجت منهم جماعة في أثره وذلك عند تطفيل الشمس للاياب فانتهوا إليه وقد ركب فرسه فقالوا له أخبرنا خبرك وما جاء بك قال لم آت لشئ يروعكم ولا يهولكم فقالوا له انتظر حتى ندنو منك ونكلمك أو تدنو منا أخبرنا فنعلمك أمرنا ونذكر حاجتنا فقال لهم ما أنا بدان منكم ولا أريد أن يدنو منى منكم أحد فقال له على بن أبى شمر بن الحصين أفمؤمننا أنت من الاذن بنا هذه الليلة وأنت محسن فان لنا قرابة وحقا قال نعم أنتم آمنون من قبلى هذه الليلة وليالي الدهر كلها ثم انطلق حتى دخل الكوفة وأدخل أهله معه وقال الآخرون بعضهم لبعض إنا لا نأمن أن يؤذن بنا هذا فاخرجوا بنا من هذا الموضع ساعتنا هذه قال فصلوا المغرب ثم خرجوا من الحيرة متفرقين فقال لهم صاحبهم الحقوا بى في دار سليم بن محدوج العبدى من بنى سلمة فخرج من الحيرة فمضى حتى أتى عبد القيس فأتى بنى سلمة فبعث إلى سليم بن محدوج وكان له صهرا فأتاه فأدخله وأصحابا له خمسة أو ستة ورجع حجار بن أبجر إلى رحله فأخذوا ينتظرون منه أن يبلغهم منه ذكر لهم عند السلطان أو الناس فما ذكر هم عند أحد منهم ولا بلغهم عنه في ذلك شئ يكرهونه فبلغ الخبر المغيرة بن شعبة أن الخوارج خارجة عليه في أيامه تلك وأنهم قد اجتمعوا على رجل منهم فقام المغيرة بن شعبة في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فقد علمتم أيها الناس أنى لم أزل أحب لجماعتكم العافية وأكف عنكم الازدي وإنى والله لقد خشيت أن يكون ذلك أدب سوء لسفهائكم فأما الحلماء الاتقياء فلا وايم الله لقد خشيت أن لا أجد بدا من أن يعصب الحليم التقى بذنب السفيه الجاهل فكفوا أيها الناس سفهاءكم قبل أن يشمل البلاء عوامكم وقد ذكر لى أن رجالا منكم يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق والخلاف وآيم الله لا يخرجون في حى من أحياء العرب في هذا المصر إلا أبدتهم وجعلتهم نكالا لمن بعدهم فنظر قوم لانفسهم قبل الندم فقد قمت هذا المقام إرادة الحجة والاعذار فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال أيها الامير هل سمى لك أحد من هؤلاء القوم فان كانوا سموا لك فأعلمنا من هم فان كانوا منا كفيناكهم وإن كانوا

[ 141 ]

من غيرنا أمرت أهل الطاعة من أهل مصرنا فأتتك كل قبيلة بسفهائها فقال ما سمى لى أحد منهم ولكن قد قيل لى إن جماعة يريدون أن يخرجوا بالمصر فقال له معقل أصلحك الله فانى أسير في قومي وأكفيك ما هم فيه فليكفك كل امرئ من الرؤساء قومه فنزل المغيرة بن شعبة وبعث إلى رؤساء الناس فدعاهم ثم قال لهم إنه قد كان من الامر ما قد علمتم وقد قلت ما قد سمعتم فليكفنى كل امرئ من الرؤساء قومه والا فوالذي لا إله غيره لاتحولن عما كنتم تعرفون إلى ما تنكرون وعما تحبون إلى ما تكرهون فلا يلم لائم الا نفسه وقد أعذر من أنذر فخرجت الرؤساء إلى عشائرهم فنا شدوهم الله والاسلام إلا دلوهم على من يرون أنه يريد أن يهيج فتنة أو يفارق جماعة وجاء صعصعة بن صوحان فقام في عبد القيس * قال هشام قال أبو مخنف فحدثني الاسود بن قيس العبدى عن مرة بن النعمان قال قام فينا صعصعة بن صوحان وقد والله جاءه من الخبر بمنزل التميمي وأصحابه في دار سليم بن محدوج ولكنه كره على فراقه إياهم وبغضه لرأيهم أن يؤخذوا في عشيرته وكره مساءة أهل بيت من قومه فقال قولا حسنا ونحن يومئذ كثير أشرافنا حسن عددنا قال فقام فينا بعد ما صلى العصر فقال يا معشر عباد الله أن الله وله الحمد كثيرا لما قسم الفضل بين المسلمين خصكم منه بأحسن القسم فأجبتم إلى دين الله الذى اختاره الله لنفسه وارتضاه لملائكته ورسله ثم أقمتم عليه حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم ثم اختلف الناس بعده فثبتت طائفة وارتدت طائفة وأدهنت طائفة وتربصت طائفة فلزمتم دين الله إيمانا به وبرسوله وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين وأهلك الله الظالمين فلم يزل الله يزيدكم بذلك خيرا في كل شئ وعلى كل حال حتى اختلفت الامة بينها فقالت طائفة نريد طلحة والزبير وعائشة وقالت طائفة نريد أهل المغرب وقالت طائفة نريد عبد الله بن وهب الراسبى راسب الازد وقلتم أنتم لا نريد الا أهل البيت الذين ابتدأنا الله من قبلهم بالكرامة تسديدا من الله لكم وتوفيقا فلم تزالوا على الحق لازمين له آخذين به حتى أهلك الله بكم وبمن كان على مثل هداكم ورأيكم الناكثين يوم الجمل والمارقين يوم النهر وسكت عن

[ 142 ]

ذكر أهل الشأم لان السلطان كان حينئذ سلطانهم ولا قوم أعدى لله ولكم ولاهل بيت نبيكم ولجماعة المسلمين من هذه المارقة الخاطئة الذين فارقوا إمامنا واستحلوا دماءنا وشهدوا علينا بالكفر فاياكم أن تؤووهم في دوركم أو تكتموا عليهم فانه ليس ينبغى لحى من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم وقد والله ذكر لى أن بعضهم في جانب من الحى وأنا باحث عن ذلك وسائل فإن كان حكى لى ذلك حقا تقربت إلى الله تعالى بدمائهم فإن دماءهم حلال ثم قال يا معشر عبد القيس إن ولاتنا هؤلاء هم أعرف شئ بكم وبرأيكم فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلا فانهم أسرع شئ اليكم وإلى أمثالكم ثم تنحى فجلس فكل قومه قال لعنهم الله وقال برئ الله منهم فلا نؤويهم ولئن علمنا بمكانهم لنطلعنك عليهم غير سليم بن محدوج فإنه لم يقل شيئا فرجع إلى قومه كئيبا واجما يكره أن يخرج أصحابه من منزله فيلوموه وقد كانت بينهم مصاهرة وكان لهم ثقة ويكره أن يطلبوا في داره فيهلكوا ويهلك وجاء فدخل رحله وأقبل أصحاب المستورد يأتونه فليس منهم رجل إلا يخبره بما قام به المغيرة بن شعبة في الناس وبما جاءهم رؤساؤهم وقاموا فيهم وقالوا له اخرج بنا فوالله ما نأمن أن نؤخذ في عشائرنا قال فقال لهم أما ترون رأس عبد القيس قام فيهم كما قامت رؤساء العشائر في عشائرهم قالوا بلى والله نرى قال فإن صاحب منزلي لم يذكر لى شيئا قالوا نرى والله أنه استحيا منك فدعاه فأتاه فقال يا ابن محدوج انه قد بلغني أن رؤساء العشائر قاموا إليهم وتقدموا إليهم في وفى أصحابي فهل قام فيكم أحد يذكر لكم شيئا من ذلك قال فقال نعم قد قام فينا صعصعة بن صوحان فتقدم الينا في أن لا نؤوى أحدا من طلبتهم وقالوا أقاويل كثيرة كرهت أن أذكرها لكم فتحسبوا أنه ثقل على شئ من أمركم فقال له المستورد قد أكرمت المثوى وأحسنت الفعل ونحن إن شاء الله مرتحلون عنك ثم قال أما والله لو أرادوك في رحلى ما وصلوا اليك ولا إلى أحد من أصحابك حتى أموت دونكم قال أعاذك الله من ذلك وبلغ الذين في محبس المغيرة ما أجمع عليه أهل المصر من الرأى في نفى من كان بينهم من

[ 143 ]

الخوارج وأخذهم فقال معاذ بن جوين بن حصين في ذلك ألا أيها الشارون قد حان لامرئ * شرى نفسه لله أن يترحلا أقمتم بدار الخاطئين جهالة * وكل امرئ منكم يصاد ليقتلا فشدوا على القوم العداة فإنها * أقامتكم للذبح رأيا مضللا ألا فاقصدوا يا قوم للغاية التى * إذا ذكرت كانت أبر وأعدلا فياليتني فيكم على ظهر سابح * شديد القصيرى دارعا غير أعزلا ويا ليتني فيكم أعادي عدوكم * فيسقيني كأس المنية أولا يعز على أن تخافوا وتطردوا * ولما أجرد في المحلين منصلا ولما يفرق جمعهم كل ماجد * إذا قلت قد ولى وأدبر أقبلا مشيحا بنصل السيف في حمس الوغى * يرى الصبر في بعض المواطن أمثلا وعز على أن تضاموا وتنقصوا * وأصبح ذا بث أسيرا مكبلا ولو أننى فيكم وقد قصدوا لكم * أثرت إذا بين الفريقين قسطلا فيارب جمع قد فللت وغارة * شهدت وقرن قد تركت مجدلا فبعث المستورد إلى أصحابه فقال لهم اخرجوا من هذه القبيلة لا يصب امرءا مسلما في سببنا بغير علم معرة وكان فيهم بعض من يرى رأيهم فاتعدو سورا فخرجوا إليها متقطعين من أربعة وخمسة وعشرة فتتاموا بها ثلثمائة رجل ثم ساروا إلى الصراة فباتوا بها ليلة ثم إن المغيرة بن شعبة أخبر خبرهم فدعا رؤساء الناس فقال إن هؤلاء الاشقياء قد أخرجهم الحين وسوء الرأي فمن ترون أبعث إليهم قال فقام إليه عدى بن حاتم فقال كلنا لهم عدو ولرأيهم مسفه وبطاعتك مستمسك فأينا شئت سار إليهم فقام معقل بن قيس فقال إنك لا تبعث إليهم أحدا ممن ترى حولك من أشراف المصر إلا وجدته سامعا مطيعا ولهم مفارقا ولهلاكهم محبا ولا أرى أصلحك الله أن تبعث إليهم أحدا من الناس أعدى لهم ولا أشد عليهم منى فابعثني إليهم فإنى أكفيكهم بإذن الله فقال اخرج على اسم الله فجهز معه ثلاثة آلاف رجل وقال المغيرة لقبيصة بن الدمون الصق لى بشيعة على فأخرجهم مع

[ 144 ]

معقل بن قيس فإنه كان من رؤس أصحابه فإذا بعثت بشيعته الذين كانوا يعرفون فاجتمعوا جميعا استأنس بعضهم ببعض وتناصحوا وهم أشد استحلالا لدماء هذه المارقة واجرأ عليهم من غيرهم وقد قاتلوا قبل هذه المرة * قال أبو مخنف فحدثني الاسود بن قيس عن مرة بن منقذ بن النعمان قال كنت أنا فيمن ندب معه يومئذ قال لقد كان صعصعة بن صوحان قام بعد معقل بن قيس وقال ابعثنى إليهم أيها الامير فأنا والله لدمائهم مستحل وبحملها مستقل فقال اجلس فإنما أنت خطيب فكان أحفظه ذلك وإنما قال ذلك لانه بلغه أنه يعيب عثمان بن عفان رضى الله عنه ويكثر ذكر على ويفضله وقد كان دعاه فقال إياك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان عند أحد من الناس وإياك أن يبلغني عنك أنك تظهر شيئا من فضل على علانية فإنك لست بذاكر من فضل على شيئا أجهله بل أنا أعلم بذلك ولكن هذا السلطان قد ظهر وقد أخذنا بإظهار عيبه للناس فنحن ندع كثيرا مما أمرنا به ونذكر الشئ الذى لا نجد منه بدا ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقية فإن كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك وبين أصحابك وفى منازلكم سرا وأما علانية في المسجد فان هذا لا يحتمله الخليفة لنا ولا يعذرنا فيه فكان يقول له نعم أفعل ثم يبلغه أنه قد عاد إلى ما نهاه عنه فلما قام إليه وقال له ابعثنى إليهم وجد المغيرة قد حقد عليه خلافه إياه فقال اجلس فإنما أنت خطيب فأحفظه فقال له أوما أنا إلا خطيب فقط أجل والله إنى للخطيب الصليب الرئيس أما والله لو شهدتني تحت راية عبد القيس يوم الجمل حيث اختلفت القنا فشؤن تفرى وهامة تختلى لعلمت أنى أنا الليث الهزبر فقال حسبك الآن لعمري لقد أوتيت لسانا فصيحا ولم يلبث قبيصة بن الدمون أن أخرج الجيش مع معقل وهم ثلاثة آلاف نقاوة الشيعة وفرسانهم * قال أبو مخنف فحدثني أبو النضر بن صالح عن سالم بن ربيعة قال إنى جالس عند المغيرة بن شعبة حين أتاه معقل بن قيس يسلم عليه ويودعه فقال له المغيرة يا معقل بن قيس إنى قد بعثت معك فرسان أهل المصر أمرت بهم فانتخبوا انتخابا فسر إلى هذه العصابة المارقة الذين فارقوا جماعتنا وشهدوا علينا بالكفر فادعهم إلى التوبة وإلى الدخول

[ 145 ]

في الجماعة فان فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم وإن هم لم يفعلوا فناجزهم واستعن بالله عليهم فقال معقل بن قيس سندعوهم ونعذر وايم الله ما أرى أن يقبلوا ولئن لم يقبلوا الحق لا نقبل منهم الباطل هل بلغك أصلحك الله أين منزل القوم قال نعم كتب إلى سماك بن عبيد العبسى وكان عاملا له على المدائن يخبرني أنهم ارتحلوا من الصراة فأقبلوا حتى نزلوا بهر سير وأنهم أرادوا أن يعبروا إلى المدينة العتيقة التى بها منازل كسرى وأبيض المدائن فمنعهم سماك أن يجوزوا فنزلوا بمدينة بهر سير مقيمين فاخرج إليهم وانكمش في آثارهم حتى تلحقهم ولا تدعهم والاقامة في بلد ينتهى إليهم فيه أكثر من الساعة التى تدعوهم فيها فان قبلوا والا فناهضهم فانهم لن يقيموا ببلد يومين إلا أفسدوا كل من خالطهم فخرج من يومه فبات بسورا فأمر المغيرة مولاه ورادا فخرج إلى الناس في مسجد الجماعة فقال أيها الناس إن معقل ابن قيس قد سار إلى هذه المارقة وقد بات الليلة بسورا فلا يتخلفن عنه أحد من أصحابه ألا وإن الامير يخرج على كل رجل من المسلمين منهم ويعزم عليهم ألا يبيتوا بالكوفة ألا وأيما رجل من هذا البعث وجدناه بعد يومنا بالكوفة فقد أحل بنفسه * قال أبو مخنف وحدثني عبد الرحمن بن حبيب عن عبد الله بن عقبة الغنوى قال كنت فيمن خرج مع المستورد بن علفة وكنت أحدث رجل فيهم قال فخرجنا حتى أتينا الصراة فأقمنا بها حتى تتامت جماعتنا ثم خرجنا حتى انتهينا إلى بهر سير فدخلناها ونذر بنا سماك بن عبيد العبسى وكان في المدينة العتيقة فلما ذهبنا لنعبر الجسر إليهم قاتلنا عليه ثم قطعه علينا فأقمنا ببهر سير قال فدعانا المستورد بن علفة فقال أتكتب يا ابن أخى قلت نعم فدعا لى برق ودواة وقال اكتب من عبد الله المستورد أمير المؤمنين إلى سماك بن عبيد أما بعد فقد نقمنا على قومنا الجور في الاحكام وتعطيل الحدود والاستئثار بالفئ وإنا ندعوك إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وولاية أبى بكر وعمر رضوان الله عليهما والبراءة من عثمان وعلى لاحداثهما في الدين وتركهما حكم الكتاب فان تقبل فقد أدركت رشدك وإلا تقبل فقد أبلغنا في الاعذار اليك وقد آذناك بحرب فنبذنا اليك على

[ 146 ]

سواء إن الله لا يحب الخائنين قال فقال المستورد انطلق إلى سماك بهذا الكتاب فادفعه إليه واحفظ ما يقول لك والقنى قال وكنت فتى حدثا حين أدركت لم أجرب الامور ولا علم لى بكثير منها فقلت أصلحك الله لو أمرتنى أن أستعرض دجلة فألقى نفسي فيها ما عصيتك ولكن تأمن على سماكا أن يتعلق بى فيحبسني عنك فإذا أنا قد فاتني ما أترجاه من الجهاد فتبسم وقال يا ابن أخى إنما أنت رسول والرسول لا يعرض له ولو خشيت ذلك عليك لم أبعثك وما أنت على نفسك بأشفق منى عليك قال فخرجت حتى عبرت إليهم في معبر فأتيت سماك بن عبيد وإذا الناس حوله كثير قال فلما أقبلت نحو هم أبدوني أبصارهم فلما دنوت منهم ابتدرنى نحو من عشرة وظننت والله أن القوم يريدون أخذى وأن الامر عندهم ليس كما ذكر لى صاحبي فانتضيت سيفى وقلت كلا والذى نفسي بيده لا تصلون إلى حتى أعذر إلى الله فيكم قالوا لى يا عبد الله من أنت قلت أنا رسول أمير المؤمنين المستورد بن علفة قالوا فلم انتضيت سيفك قلت لا بتداركم إلى فخفت أن توثقوني وتغدروا بى قالوا فأنت آمن وانما أتيناك لنقوم إلى جنبك ونمسك بقائم سيفك وننظر ما جئت له وما تسأل قال لهم ألست آمنا حتى تردوني إلى أصحابي قالوا بلى فشمت سيفى ثم أتيت حتى قمت على رأس سماك بن عبيد وأصحابه قد انتشبوا بى فمنهم ممسك بقائم سيفى ومنهم ممسك بعضدي فدفعت إليه كتاب صاحبي فلما قرأه رفع رأسه إلى فقال ما كان المستورد عندي خليقا لما كنت أرى من إخباته وتواضعه أن يخرج على المسلمين بسيفه يعرض على المستورد البراءة من على وعثمان ويدعوني إلى ولايته فبئس والله الشيخ أنا إذا قال ثم نظر إلى فقال يا بنى اذهب إلى صاحبك فقل له اتق الله وارجع عن رأيك وادخل في جماعة المسلمين فإن أردت ان أكتب لك في طلب الامان إلى المغيرة فعلت فإنك ستجده سريعا إلى الاصلاح محبا للعافية قال قلت له وإن لى فيهم يومئذ بصيرة هيهات إنما طلبنا بهذا الامر الذى أخافنا فيكم في عاجل الدنيا الامن عند الله يوم القيامة فقال لى بؤسا لك كيف أرحمك ثم قال لاصحابه إنهم خلوا بهذا * ثم

[ 147 ]

جعلوا يقرؤن عليه القرآن ويتخضعون ويتباكون فظن بهذا أنهم على شئ من الحق إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا والله ما رأيت قوما كانوا أظهر ضلالة ولا أبين شؤما من هؤلاء الذين ترون قلت يا هذا اننى ثم آتك لاشاتمك ولا أسمع حديثك وحديث أصحابك حدثنى أنت تجيبني إلى ما في هذا الكتاب أم لا تفعل فأرجع إلى صاحبي فنظر إلى ثم قال لاصحابه ألا تعجبون إلى هذا الصبى والله انى لارانى أكبر من أبيه وهو يقول لى أتجيبني إلى ما في هذا الكتاب انطلق يا بنى إلى صاحبك انما تندم لو قد اكتنفتكم الخيل وأشرعت في صدوركم الرماح هناك تمنى لو كنت في بيت أمك قال فانصرفت من عنده فعبرت إلى أصحابي فلما دنوت من صاحبي قال ما رد عليك قلت ما رد خيرا قلت له كذا وقال لى كذا فقصصت عليه القصة قال فقال المستورد " إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم " قال فلبثنا بمكاننا ذاك يومين أو ثلاثة أيام ثم استبان لنا مسير معقل بن قيس الينا قال فحمعنا المستورد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فان هذا الخرف معقل بن قيس قد وجه اليكم وهو من السبائية المفترين الكاذبين وهو لله ولكم عدو فأشيروا على برأيكم قال فقال له بعضنا والله ما خرجنا نريد إلا الله وجهاد من عادى الله وقد جاؤنا فأين نذهب عنهم بل نقيم حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين وقالت طائفة أخرى بل نعتزل ونتنحى ندعو الناس ونحتج عليهم بالدعاء فقال يا معشر المسلمين إنى والله ما خرجت ألتمس الدنيا ولا ذكرها ولا فخرها ولا البقاء وما أحب أنها لى بحذافيرها وأضعاف ما يتنافس فيه منها بقبال نعلي وما خرجت إلى التماس الشهادة وأن يهدينى الله إلى الكرامة بهوان بعض أهل الضلالة وإنى قد نظرت فيما استشرتكم فيه فرأيت أن لا أقيم لهم حتى يقدموا على وهم حامون متوافرون ولكن رأيت أن أسير حتى أمعن فإنهم إذا بلغهم ذلك خرجوا في طلبنا فتقطعوا وتبددوا فعلى تلك الحال ينبغى لنا قتالهم فاخرجوا بنا على اسم الله عز وجل * قال فخرجنا فمضينا على شاطئ دجلة حتى انتهينا إلى

[ 148 ]

جرجرايا فعبرنا دجلة فمصينا كما نحن في أرض جوخى حتى بلغنا المذار فأقمنا فيها وبلغ عبد الله بن عامر مكاننا الذى كنا فيه فسأل عن المغيرة بن شعبة كيف صنع في الجيش الذى بعث إلى الخوارج وكم عدتهم فأخبر بعدتهم وقيل له إن المغيرة نظر إلى رجل شريف رئيس قد كان قاتل الخوارج مع على عليه السلام وكان من أصحابه فبعثه وبعث معه شيعة على لعداوتهم لهم فقال أصاب الرأى فبعث إلى شريك بن الاعور الحارثى وكان يرى رأي على عليه السلام فقال له اخرج إلى هذه المارقة فانتخب ثلاثة آلاف رجل من الناس ثم اتبعهم حتى تخرجهم من أرض البصرة أو تقتلهم وقال له بينه وبينه اخرج إلى أعداء الله بمن يستحل قتالهم من أهل البصرة فظن شريك به إنما يعنى شيعة على عليه السلام ولكنه يكره أن يسميهم فانتخب الناس وألح على فرسان ربيعة الذين كان رأيهم في الشيعة وكان تجيبه العظماء منهم ثم إنه خرج فيهم مقبلا إلى المستورد بن علفة بالمذار * قال أبو مخنف وحدثني حصيرة بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عبد الله بن الحارث قال كنت في الذين خرجوا مع معقل بن قيس فأقبلت معه فوالله ما فارقته ساعة من نهار منذ خرجت فكان أول منزل نزلناه سورا * قال فمكثنا به يوما حتى اجتمع إليه جل أصحابه ثم خرجنا مسرعين مبادرين لعدونا أن يفوتنا فبعثنا طليعة فارتحلنا فنزلنا كوثى فأقمنا بها يوما حتى لحق بنا من تخلف ثم أدلج بنا من كوثى وقد مضى من الليل هزيع فأقبلنا حتى دنونا من المدائن فاستقبلنا الناس فأخبرونا أنهم قد ارتحلوا فشق علينا والله ذلك وأيقنا بالعناء وطول الطلب * قال وجاء معقل بن قيس حتى نزل باب مدينة بهر سير ولم يدخلها فخرج إليه سماك بن عبيد فسلم عليه وأمر غلمانه ومواليه فأتوه بالجزر والشعير والقت فجاءوه من ذلك بكل ما كفاه وكفى الجند الذين كانوا معه ثم إن معقل بن قيس بعد أن أقام بالمدائن ثلاثا جمع أصحابه فقال إن هؤلاء المارقة الضلال إنما خرجوا فذهبوا على وجوههم إرادة أن تتعجلوا في آثارهم فتتقطعوا وتتبددوا ولا تلحقوا بهم إلا وقد تعبتم ونصبتم وأنه ليس شئ يدخل عليكم من ذلك إلا وقد يدخل عليهم مثله فخرج بنا من المدائن فقدم

[ 149 ]

بين يديه أبو الرواغ الشاكرى في ثلثمائة فارس فاتبع آثارهم فخرج معقل في أثره فأخذ أبو الرواغ يسأل عنهم ويركب الوجه الذى أخذوا فيه حتى عبروا جرجرايا في آثارهم ثم سلك الوجه الذى أخذوا فيه فاتبعهم فلم يزل ذلك دأبه حتى لحقهم بالمذار مقيمين فلما دنا منهم استشار أصحابه في لقائهم وقتالهم قبل قدوم معقل عليه فقال له بعضهم اقدم بنا عليهم فلنقاتلهم وقال بعضهم والله ما نرى أن تعجل إلى قتالهم حتى يأتينا أميرنا ونلقاهم بجماعتنا * قال أبو مخنف فحدثني تليد بن زيد بن راشد الفائشى أن أباه كان معه يومئذ قال فقال لنا أبو الرواغ إن معقل بن قيس حين سرحني أمامه أمرنى أن أتبع آثارهم فإذا لحقتهم لم أعجل إلى قتالهم حتى يأتيني * قال فقال له جميع أصحابه فالرأى الآن بين تنح بنا فلنكن قريبا منهم حتى يقدم علينا صاحبنا فتنحينا وذلك عند المساء قال فبتنا ليلتنا كلها متحارسين حتى أصبحنا فارتفع الضحى وخرجوا علينا قال فخرجنا إليهم وعدتهم ثلثمائة فلما اقتربوا شدوا علينا فلا والله ما ثبت لهم منا إنسان قال فانهزمنا ساعة ثم إن أبا الرواغ صاح بنا وقال يا فرسان السوء قبحكم الله سائر اليوم الكرة الكرة قال فحمل وحملنا معه حتى إذا دنونا من القوم كر بنا فانصرفنا وكروا علينا وكشفونا طويلا ونحن على خيل معلمة جياد ولم يصب منا أحد وقد كانت جراحات يسيرة فقال لنا أبو الرواغ ثكلتكم أمهاتكم انصرفوا بنا فلنكر قريبا منهم لا نزايلهم حتى يقدم علينا أميرنا فما أقبح بنا أن نرجع إلى الجيش وقد انهزمنا من عدونا ولم نصبر لهم حتى يشتد القتال وتكر القتلى قال فقال رجل منا يجيبه إن الله لا يستحى من الحق قد والله هزمونا قال أبو الرواغ لا أكثر الله فينا ضربك إنا ما لم ندع المعركة فلم نهزم وإنا متى عطفنا عليهم وكنا قريبا منهم فنحن على حال حسنة حتى يقدم علينا الجيش ولم ترجع عن وجهنا إنه والله لو كان يقال انهزم أبو حمران حمير بن بحير الهمداني ما باليت إنما يقال انهزم أبو الرواغ فقفوا قريبا فإن أتوكم فجعزتم عن قتالهم فانحازوا فإن حملوا عليكم فعجزتم عن قتالهم فتأخروا وانحازوا إلى حامية فإذا رجعوا عنكم فاعطفوا عليهم وكونوا قريبا منهم فإن الجيش آتيكم إلى ساعة

[ 150 ]

قال فأخذت الخوارج كلما حملت عليهم انحازوا وهم كانوا حامية وإذا أخذوا في الكرة عليهم فتفرق جماعتهم قرب أبو الرواغ وأصحابه على خيلهم في آثارهم فلما رأوا أنهم لا يفارقونهم وقد طاردوهم هكذا من ارتفاع الضحى إلى الاولى فلما حضرت صلاة الظهر نزل المستورد للصلاة واعتزل أبو الرواغ وأصحابه على رأس ميل منهم أو ميلين ونزل أصحابه فصلوا الظهر وأقاموا رجلين ربيئة وأقاموا مكانهم حتى صلوا العصر ثم إن فتى جاءهم بكتاب معقل بن قيس إلى أبى الرواغ وكان أهل القرى وعابرو السبيل يمرون عليهم ويرونهم يقتتلون فمن مضى منهم على الطريق نحو الوجه الذى يأتي من قبله معقل استقبل معقلا فأخبره بالتقاء أصحابه والخوارج فيقول كيف رأيتموهم يصنعون فيقولون رأينا الحرورية تطرد أصحابك فيقول أما رأيتم أصحابي يعطفون عليهم ويقاتلوهم فيقولون بلى يعطفون عليهم وينهزمون فقال إن كان ظنى بأبى الرواغ صادقا لا يقدم عليكم منهزما أبدا ثم وقف عليهم فدعا محرز بن شهاب بن بجير بن سفيان بن خالد بن منقر التميمي فقال له تخلف في ضعفة الناس ثم سر بهم على مهل حتى تقدم بهم على ثم نادى في أهل القوة ليتعجل كل ذى قوة معى اعجلوا إلى إخوانكم فإنهم قد لاقوا عدوهم وإنى لارجو أن يهلكهم الله قبل أن تصلوا إليهم * قال فاستجمع من أهل القوة والشجاعة وأهل الخيل الجياد نحو من سبعمائة وسار فأسرع فلما دنا من أبى الرواغ قال أبو الرواغ هذه غبرة الخيل تقدموا بنا إلى عدونا حتى يقدم علينا الجند ونحن منهم قريب فلا يرون أننا تنحينا عنهم ولا هبناهم قال فاستقدم أبو الرواغ حتى وقف مقابل المستورد وأصحابه وغشيهم معقل في أصحابه فلما دنا منهم غربت الشمس فنزل فصلى بأصحابه ونزل أبو الرواغ فصلى بأصحابه في جانب آخر وصلى الخوارج أيضا ثم إن معقل بن قيس أقبل بأصحابه حتى إذا دنا من أبى الرواغ دعاه فأتاه فقال له أحسنت أبا الرواغ هكذا الظن بك الصبر والمحافظة فقال أصلحك الله إن لهم شدات منكرات فلا تكن أنت تليها بنفسك ولكن قدم بين يديك من يقاتلهم وكن أنت من وراء الناس ردءا لهم فقال نعم ما رأيت فوالله ما كان إلا ريثما قالها

[ 151 ]

حتى شدوا عليه وعلى أصحابه فلما غشوه انجفل عنه عامة اصحابه وثبت ونزل وقال الارض الارض يا أهل الاسلام ونزل معه أبو الرواغ الشاكرى وناس كثير من الفرسان وأهل الحفاظ نحو من مائتي رجل فلما غشيهم المستورد وأصحابه استقبلوهم بالرماح والسيوف وانجفلت خيل معقل عنه ساعة ثم ناداهم مسكين ابن عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عدس وكان يومئذ من أشجع الناس وأشدهم بأسا فقال يا أهل الاسلام أين الفرار وقد نزل أميركم ألا تستحيون إن الفرار مخزاة وعار ولؤم ثم كر راجعا ورجعت معه خيل عظيمة فشدوا عليهم ومعقل ابن قيس يضاربهم تحت رايته مع ناس نزلوا معه من أهل الصبر فضربوهم حتى اضطروهم إلى البيوت ثم لم يلبثوا إلا قليلا حتى جاءهم محرز بن شهاب فيمن تخلف من الناس فلما أتوهم أنزلهم ثم صف لهم وجعل ميمنة وميسرة فجعل أبا الرواغ على ميمنته ومحرز بن بجير بن سفيان على ميسرته ومسكين بن عامر على الخيل ثم قال لهم ألا تبرحوا مصافكم حتى تصبحوا فإذا أصبحتم ثرنا إليهم فناجزناهم فوقف الناس مواقفهم على مصافهم * قال أبو مخنف وحدثني عبد الرحمن ابن جندب عن عبد الله ابن عقبة الغنوى قال لما انتهى إلينا معقل بن قيس قال لنا المستورد لا تدعو معقلا حتى يعبى لكم الخيل والرجل شدوا عليهم شدة صادقة لعل الله يصرعه فيها قال فشددنا عليهم شدة صادقة فانكشفوا فانفضوا ثم انجفلوا ووثب معقل عن فرسه حين رأى إدبار أصحابه عنه فرفع رايته ونزل معه ناس من أصحابه فقاتلوا طويلا فصبروا لنا ثم إنهم تداعوا علينا فعطفوا علينا من كل جانب فانحزنا حتى جعلنا البيوت في ظهورنا وقد قاتلناهم طويلا وكانت بيننا جراحة وقتل يسير. قال أبو مخنف حدثنى حصيرة ابن عبد الله عن أبيه أن عمير بن أبى أشاءة الازدي قتل يومئذ وكان فيمن نزل مع معقل بن قيس وكان رئيسا. قال وكنت أنا فيمن نزل معه فوالله ما أنسى قول عمير بن أبى أشاءة ونحن نقتتل وهو يضاربهم بسيفه قدما قد علمت أنى إذا ما أقشعوا * عنى والتاث اللئام الوضع أحوس عند الروع ندب أروع

[ 152 ]

وقاتل قتالا شديدا ما رأيت أحدا قاتل مثله فجرح رجالا كثيرا وقتل وما أدرى انه قتل ما عدا واحدا وقد علمت انه اعتنقه فخر على صدره فذبحه فما حز رأسه حتى حمل عليه رجل منهم فطعنه بالرمح في ثغرة نحره فخر عن صدره وانجدل ميتا وشددنا عليهم وحزناهم إلى القرية ثم انصرفنا إلى معركتنا فأتيته وأنا أرجو أين يكون به رمق فإذا هو قد فاظ فرجعت إلى أصحابي فوقفت فيهم. قال ابو مخنف وحدثني عبد الرحمن بن جندب عن عبد الله بن عقبة الغنوى قال انا لمتواقفون أول الليل إذ أتانا رجل كنا بعثناه أول الليل وكان بعض من يمر الطريق قد أخبرنا أن جيشا قد أقبل الينا من البصرة فلم نكترث وقلنا لرجل من أهل الارض وجعلنا له جعلا اذهب فاعلم هل أتانا من قبل البصرة جيش فجاء ونحن مواقفو أهل الكوفة وقال لنا نعم قد جاءكم شريك بن الاعور وقد استقبلت طائفة على رأس فرسخ عند الاولى ولا أرى القوم إلا نازلين بكم الليلة أو مصبحيكم غدوة قال فأسقط في أيدينا وقال المستورد لاصحابه ماذا ترون قلنا نرى ما رأيت قال فانى لا أرى أن أقيم لهؤلاء جميعا ولكن نرجع إلى الوجه الذى جئنا منه فان أهل البصرة لا يتبعونا إلى أرض الكوفة ولا يتبعنا حينئذ الا أهل مصرنا فقلنا له ولم ذاك فقال قتال أهل مصر واحد أهون علينا من قتال أهل المصرين قالوا سر بنا حيث أحببت قال فانزلوا عن ظهور دوابكم فأريحوا ساعة واقضموها ثم انظروا ما آمركم به قال فنزلنا عنها فأقضمناها قال وبيننا وبينهم حينئذ ساعة قد ارتفعوا عن القرية مخافة أن نبيتهم قال فلما أرحناها وأقضمناها أمرنا فاستوينا على متونها ثم قال ادخلوا القرية ثم اخرجوا من ورائها وانطلقوا معكم بعلج يأخذ بكم من ورائها ثم يعود بكم حتى يردكم إلى الطريق الذى منه أقبلتم ودعوا هؤلاء مكانهم فانهم لم يشعروا بكم عامة الليل أو حتى تصبحوا قال فدخلنا القرية وأخذنا علجا ثم خرجنا به أمامنا فقلنا خذ بنا من وراء هذا الصف حتى نعود إلى الطريق الذى منه أقبلنا ففعل ذلك فجاء بنا حتى أقامنا على الطريق الذى منه أقبلنا فلزمناه راجعين ثم أقبلنا حتى نزلنا جرجرايا * قال ابو مخنف حدثنى

[ 153 ]

حصيرة بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن الحارث قال إنى أول من فطن لذهابهم قال فقلت أصلحك الله لقد رابنى أمر هذا العدو منذ ساعة طويلة إنهم كانوا مواقفين نرى سوادهم ثم لقد خفى على ذلك السواد منذ ساعة وإنى لخائف أن يكونوا زالوا من مكانهم ليكيدوا الناس فقال وما تخاف أن يكون من كيدهم قلت أخاف أن يبيتوا الناس قال والله ما آمن ذلك قال فقلت له فاستعد لذلك قال كما أنت حتى أنظر يا عتاب انطلق فيمن أحببت حتى تدنو من القرية فتنظر هل ترى منهم أحدا أو تسمع لهم ذكرا وسل أهل القرية عنهم * فخرج في خمس الغزاة يركض حتى نظر القرية فأخذ لا يرى أحدا يكلمه وصاح بأهل القرية فخرج إليه منهم ناس فسألهم عنهم فقالوا خرجوا فلا ندرى كيف ذهبوا فرجع إليه عتاب فأخبره الخبر فقال معقل لا آمن البيات فأين مضر فجاءت مضر فقال قفوا ههنا * وقال أين ربيعة فجعل ربيعة في وجه وتميما في وجه وهمدان في وجه وبقية أهل اليمن في وجه آخر وكان كل ربع من هؤلاء في وجه وظهره مما يلى ظهر الربع الآخر وجال فيهم معقل حتى لم يدع ربعا الا وقف عليه وقال أيها الناس لو أتوكم فبدوا بغيركم فقاتلوهم فلا تبرحوا أنتم مكانكم أبدا حتى يأتيكم أمرى * وليغن كل رجل منكم الوجه الذى هو فيه حتى نصبح فنرى رأينا فمكثوا متحارسين يخافون بياتهم حتى أصبحوا فلما أصبحوا نزلوا فصلوا وأتوا فأخبروا أن القوم قد رجعوا في الطريق الذى أقبلوا منه عودهم على بدئهم وجاء شريك بن الاعور في جيش من أهل البصرة حتى نزلوا بمعقل ابن قيس فلقيه فتساءلا ساعة ثم إن معقلا قال لشريك أنا متبع آثارهم حتى ألحقهم لعل الله أن يهلكهم فإنى لا آمن إن قصرت في طلبهم أن يكثروا فقام شريك فجمع رجالا من وجوه أصحابه فيهم خالد بن معدان الطائى وبيهس بن صهيب الجرمى فقال لهم يا هؤلاء هل لكم في خير هل لكم في أن تسيروا مع إخواننا من أهل الكوفة في طلب هذا العدو الذى هو عدو لنا ولهم حتى يستأصلهم الله ثم نرجع فقال خالد بن معدان وبيهس الجرمى لا والله لا نفعل إنما أقبلنا نحوهم لننفيهم عن أرضنا ونمنعهم من دخولها فإن كفانا الله مؤنتهم فإنا منصرفون إلى مصرنا وفى أهل

[ 154 ]

الكوفة ما يمنعون به بلادهم من هؤلاء الاكلب فقال لهم ويحكم أطيعوني فيهم فانهم قوم سوء لكم في قتالهم أجر وحظوة عند السلطان فقال له بيهس الجرمى نحن والله إذا كما قال أخو بنى كنانة كمرضعة أولاد أخرى وضيعت بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا أما بلغك ان الاكراد قد كفروا بجبال فارس قال قد بلغني قال فتأمرنا أن ننطلق معك نحمى بلاد أهل الكوفة ونقاتل عدوهم ونترك بلادنا فقال له وما الاكراد إنما يكفيهم طائفة منكم فقال له وهذا العدو الذى تندبنا إليه إنما يكفيه طائفة من أهل الكوفة إنهم لعمري لو اضطروا إلى نصرتتا لكان علينا نصرتهم ولكنهم لم يحتاجوا إلينا بعد وفى بلادنا فتق مثل الفتق الذى في بلادهم فليغنوا ما قبلهم وعلينا أن نغنى ما قبلنا ولعمري لو أنا أطعناك في اتباعهم فاتبعتهم كنت قد اجترأت على أميرك وفعلت ما كان ينبغى لك أن تطلع فيه راية ما كان ليحتملها لك فلما رأى ذلك قال لاصحابه سيروا فارتحلوا وجاء حتى لقى معقلا وكانا متحابين على رأى الشيعة متوادين عليه فقال أما والله لقد جهدت بمن معى أن يتبعوني حتى أسير معكم إلى عدوكم فغلبوني فقال له معقل جزاك الله من أخ خيرا إنا لم نحتج إلى ذلك أما والله إنى أرجو أن لو قد جهدوا لا يفلت منهم مخبر * قال أبو مخنف حدثنى الصقعب بن زهير عن أبى أمامة عبيدالله بن جنادة عن شريك بن الاعور قال حدثنا بهذا الحديث شريك بن الاعور قال فلما قال والله إنى لارجو أن لو جهدوا لا يفلت منهم مخبر كرهتها والله له وأشفقت عليه وحسبت أن يكون شبه كلام البغى قال وايم الله ما كان من أهل البغى * قال أبو مخنف حدثنى حصيرة ابن عبد الله عن أبيه عبد الله بن الحارث الازدي قال لما أتانا ان المستورد بن علفة وأصحابه قد رجعوا عن طريقهم سررنا بذلك وقلنا نتبعهم ونستقبلهم بالمدائن وإن دنوا من الكوفة كان أهلك لهم ودعا معقل بن قيس أبا الرواغ فقال له اتبعه في أصحابك الذين كانوا معك حتى تحبسه على حتى ألحقك فقال له زدنى منهم فإنه أقوى لى عليهم إن هم ارادوا مناجزتي قبل قدومك فإنا كنا قد لقينا منهم برحا فزاده ثلثمائة فاتبعهم في ستمائة واقبلوا سراعا حتى نزلوا جرجرايا واقبل أبو الرواغ

[ 155 ]

في أثرهم مسرعا حتى لحقهم بجرجريا وقد نزلوا فنزل بهم عند طلوع الشمس فلما نظروا أذا هم بأبى الرواغ في المقدمة فقال بعضهم لبعض إن قتالكم هؤلاء أهون من قتال من يأتي بعدهم * قال فخرجوا إلينا فأخذوا يخرجون لنا العشرة فرسان منهم والعشرين فارسا فنخرج لهم مثلهم فتطارد الخيلان ساعة ينتصف بعضنا من بعض فلما رأوا ذلك اجتمعوا فشدوا علينا شدة واحدة صدقوا فيها الحملة * قال فصرفونا حتى تركنا لهم العرصة ثم ان ابا الرواغ نادى فيهم فقال يا فرسان السوء يا حماة ؟ ؟ بئس ما قاتلتم القوم إلى إلى * فعالج نحوا من مائة فارس فعطف عليهم وهو يقول: إن الفتى كل الفتى من لم يهل * إذا الجبان حاد عن وقع الاسل قد علمت أنى إذا الباس نزل * أروع يوم الهيج مقدام بطل ثم عطف عليهم فقاتلهم طويلا ثم عطف أصحابه من كل جانب فصدقوهم القتال حتى ردوهم إلى مكانهم الذى كانوا فيه فلما رأى ذلك المستورد أصحابه ظنوا أن معقلا إن جاءهم على تفيئة ذلك لم يكن دون قتله لهم شئ فمضى هو وأصحابه حتى قطعوا دجلة ووقعوا في أرض بهر سير وقطع أبو الرواغ في آثارهم فاتبعهم وجاء معقل بن قيس فاتبع أثر أبى الرواغ فقطع في إثره دجلة ومضى المستورد نحو المدينة العتيقة وبلغ ذلك سماك بن عبيد فخرج حتى عبر إليها ثم خرج بأصحابه وبأهل المدائن فصف على بابها وأجلس رجالا رماة على السور فبلغهم ذلك فانصرفوا حتى نزلوا ساباط وأقبل أبو الرواغ في طلب القوم حتى مر بسماك بن عبيد بالمدائن فحبره بوجههم الذى أخذوا فيه فاتبعهم حتى نزل بهم ساباط * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن حبيب عن عبد الله بن عقبة الغنوى قال لما نزل بنا أبو الرواغ دعا المستورد أصحابه فقال إن هؤلاء الذين نزلوا بكم مع أبى الرواغ هم حر أصحاب معقل لا والله ما قدم إليكم إلا حماته وفرسانه والله لو أنى أعلم إذا بادرت أصحابه هؤلاء إليه أدركته قبل أن يقارفوه بساعة لبادرتهم إليه فليخرج منكم خارج فيسأل عن معقل أين هو وأين بلغ قال فخرجت أنا فاستقبلت علوجا أقبلوا من

[ 156 ]

المدائن فقلت لهم ما بلغكم عن معقل بن قيس قالوا جاء فيج لسماك بن عبيد من قبله كان سرحه ليستقبل معقلا فينظر أين انتهى وأين يريد أن ينزل فجاءه فقال تركته نزل ديلمايا وهى قرية من قرى إستان بهر سير إلى جانب دجلة كانت لقدامة بن العجلان الازدي فقلت له كم بيننا وبينهم من هذا المكان قالوا ثلاثة فراسخ أو نحو ذلك قال فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر فقال لاصحابه اركبوا فركبوا فأقبل حتى انتهى بهم إلى جسر ساباط وهو جسر نهر الملك وهو من جانبه الذى يلى الكوفة وأبو الرواغ وأصحابه مما يلى المدائن قال فجئنا حتى وقفنا على الجسر قال ثم قال لنا لتنزل طائفة منكم قال فنزل منا نحو من خمسين رجلا فقال اقطعوا هذا الجسر فنزلنا فقطعناه قال فلما رأونا وقوفا على الخيل ظنوا أنا نريد أن نعبر إليهم قال فصفوا لنا وتعبوا واشتغلوا بذلك عنا في قطعنا الجسر ثم إنا أخذنا من أهل ساباط دليلا فقلنا له احضر بين أيدينا حتى ننتهي إلى ديلمايا فخرج بين أيدينا يسعى وخرجنا تلمع بنا خيلنا فكان الخبب والوجيف فما كان إلا ساعة حتى أطلنا على معقل وأصحابه وهم يتحملون فما هو إلا أن بصر بنا وقد تفرق أصحابه عنه ومقدمته ليست عنده وأصحابه قد استقدم طائفة منهم وطائفة تزحل وهم غارون لا يشعرون فلما رآنا نصب رايته ونزل ونادى يا عباد الله الارض الارض فنزل معه نحو من مائتي رجل قال فأخذنا نحمل عليهم فيستقبلونا بأطراف الرماح جثاة على الركب فلا نقدر عليهم فقال لنا المستورد دعوا هؤلاء إذ نزلوا وشدوا على خيلهم حتى تحولوا بينها وبينهم فإنكم إن أصبتم خيلهم فإنهم لكم عن ساعة جزر قال فشددنا على خيلهم فخلنا بينهم وبينها وقطعنا أعنتها وقد كانوا قرنوها فذهبت في كل جانب قال ثم ملنا على الناس المتزحلين والمتقدمين فحملنا عليهم حتى فرقنا بينهم ثم أقبلنا إلى معقل ابن قيس وأصحابه جثاة على الركب على حالهم التى كانوا عليها فحملنا عليهم فلم يتحلحلوا ثم حملنا عليهم أخرى ففعلوا مثلها فقال لنا المستورد نازلوهم لينزل إليهم نصفكم فنزل نصفنا وبقى نصفنا معه على الخيل وكنت في أصحاب الخيل قال فلما نزل إليهم رجالتنا قاتلتهم وأخذنا نحمل عليهم بالخيل وطمعنا والله فيهم قال فوالله إنا

[ 157 ]

لنقاتلهم ونحن نرى أن قد علوناهم إذ طلعت علينا مقدمة أصحاب أبى الرواغ وهم حر أصحابه وفرسانهم فلما دنوا منا حملوا علينا فعند ذلك نزلنا بأجمعنا فقاتلناهم حتى أصيب صاحبنا وصاحبهم قال فما علمته نجا منهم يومئذ أحد غيرى قال وإنى أحدثهم رجلا فيما أرى * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن حبيب عن عبد الله بن عقبة الغنوى قال وحدثنا بهذا الحديث مرتين من الزمن مرة في إمارة مصعب بن الزبير بباجميرا ومرة ونحن مع عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث بدير الجماجم قال فقتل والله يومئذ يدير الجماجم بوم الهزيمة وإنه لمقبل عليهم يضاربهم بسيفه وأنا أراه قال فقلت له بدير الجماجم إنك قد حدثتني بهذا الحديث بباجميرا مع مصعب بن الزبير فلم أسألك كيف نجوت من بين أصحابك قال أحدثك والله إن صاحبنا لما أصيب قتل أصحابه إلا خمسة نفر أو ستة قال فسددنا على جماعة من أصحابه نحو من عشرين رجلا فانكشفوا * قال وانتهيت إلى فرس واقف عليه سرجه ولجامه وما أدرى ما قصة صاحبه أقتل أم نزل عنه صاحبه يقاتل وتركه قال فأقبلت حتى أخذت بلجامه وأضع رجلى في الركاب وأستوى عليه قال وشدوالله أصحابه على فانتهوا إلى وغمزت في جنب الفرس فإذا هو والله أجود ما سخر وركض منهم ناس في أثرى فلم يعلقوا بى فأقبلت أركض الفرس وذلك عند المساء فلما علمت أنى قد فتهم وأمنت أخذت أسير عليه خببا وتقريبا ثم إنى سرت عليه بذلك سيره ولقيت علجا فقلت له اسع بين يدى حتى تخرجني الطريق الاعظم طريق الكوفة ففعل فوالله ما كانت إلا ساعة حتى انتهيت إلى كوثى فجئت حتى انتهيت إلى مكان من النهر واسع عريض فأقحمت الفرس فيه فعبرته ثم أقبلت عليه حتى آتى دير كعب فنزلت فعلقت فرسى وأرحته وهومت تهويمة ثم إنى هببت سريعا فحلت في ظهر الفرس ثم سرت في قطع من الليل فاتخذت بقية الليل جملا فصليت الغداة بالمزاحمية على رأس فرسخين من قبين ثم أقبلت حتى أدخل الكوفة حين منع الضحى فأتي من ساعتي شريك بن نملة المحاربي فأخبرته خبرى وخبر أصحابه وسألته أن يلقى المغيرة بن شعبة فيأخذ لى منه أمانا فقال

[ 158 ]

لى قد أصبت الامان إن شاء الله وقد جئت ببشارة والله لقد بت الليلة وإن أمر الناس ليهمني قال فخرج شريك بن نملة المحاربي حتى أتى المغيرة مسرعا فاستأذن عليه فأذن له فقال إن عندي بشرى ولى حاجة فاقض حاجتى أبشرك ببشارتى فقال له قضيت حاجتك فهات بشراك قال تؤمن عبد الله بن عقبة الغنوى فإنه كان مع القوم قال قد آمنته والله لوددت أنك أتيتني بهم كلهم فآمنتهم قال فأبشر فإن القوم كلهم قد قتلوا كان صاحبي مع القوم ولم ينج منهم فيما حدثنى غيره قال قما فعل معقل بن قيس قال أصلحك الله ليس له بأصحابنا علم قال فما فرغ من منطقه حتى قدم عليه أبو الرواغ ومسكين بن عامر بن أنيف مبشرين بالفتح فاخبروا أن معقل بن قيس والمستورد ابن علفة مشى كل واحد منهما إلى صاحبه بيد المستورد الرمح وبيد معقل السيف فالتقيا فأشرع المستورد الرمح في صدر معقل حتى خرج السنان من ظهره فضربه معقل بالسيف على رأسه حتى خالط السيف أم الدماغ فخرا ميتين * قال أبو مخنف حصيرة بن عبد الله عن أبيه قال لما رأينا المستورد بن علفة وقد نزلنا به ساباط أقبل إلى الجسر فقطعه كنا نظن أنه يريد أن يعبر الينا قال فارتفعنا عن مظلم ساباط إلى الصحراء التى بين المدائن وساباط فتعبأنا وتهيأنا فطال الينا أن نراهم يخرجون الينا قال فقال أبو الرواغ ان لهؤلاء لشأنا ألا رجل يعلم لنا علم هؤلاء فقلت أنا ووهيب بن أبى أشاءة الازدي نحن نعلم لك علم ذلك ونأتيك بخبرهم فقربنا على فرسينا إلى الجسر فوجدناه مقطوعا فظننا القوم لم يقطعوه إلا هيبة لنا ورعبا منا فرجعنا نركض سراعا حتى انتهينا إلى صاحبنا فأخبرناه بما رأينا فقال ما ظنكم قال فقلنا لم يقطعوا الجسر إلا لهيبتنا ولما أدخل الله في قلوبهم من الرعب منا قال لعمري ما خرج القوم وهم يريدون الفرار ولكن القوم قد كادوكم أتسمعون والله ما أراهم إلا قالوا إن معقلا لم يبعث اليكم أبا الرواغ إلا في حر أصحابه فإن استطعتم فاتركوا هؤلاء بمكانهم هذا وجدوا السير نحو معقل وأصحابه فانكم تجدونهم غارين آمنين إن تأتوهم فقطعوا الجسر لكيما يشغلونكم به عن لحاقكم أياهم حتى يأتوا أميركم على غرة النجاء النجاء في الطلب قال فوقع في أنفسنا إن الذى قال لنا كما قال قال

[ 159 ]

فصحنا بأهل القرية قال فجاؤنا سراعا فقلنا لهم عجلوا عقد الجسر واستحثثناهم فما لبثوا أن فرغوا منه ثم عبرنا عليه فاتبعناهم سراعا ما نلوى على شئ فلزمنا آثارهم فوالله ما زلنا نسأل عنه فيقال هم الآن أمامكم لحقتموهم ما أقربكم منهم فوالله ما زلنا في طلبهم حرصا على لحاقهم حتى كان أول من استقبلنا من الناس فلهم وهم منهزمون لا يلوى أحد على أحد فاستقبلهم أبو الرواغ ثم صاح بالناس إلى إلى فأقبل الناس إليه فلاذوا به فقال ويلكم ما وراءكم فقالوا لا ندرى لم يرعنا إلا والقوم معنا في عسكرنا ونحن متفرقون فشدوا علينا ففرقوا بينا قال فما فعل الامير فقائل يقول نزل وهو يقاتل وقائل يقول ما نراه إلا قتل فقال لهم أيها الناس ارجعوا معى فإن ندرك أميرنا حيا نقاتل معه وإن نجده قد هلك قاتلناهم فنحن فرسان أهل المصر المنتخبون لهذا العدو فلا يفسد فيكم رأى أميركم بالمصر ولا رأى أهل المصر وايم الله لا ينبغى لكم إن عاينتموه وقد قتلوا معقلا أن تفارقوهم حتى تثئروهم أو تبار واسيروا على بركة الله فساروا وسرنا فأخذ لا يستقبل أحدا من الناس إلا صاح به ورده ونادى وجوه أصحابه وقال اضربوا وجوه الناس وردوهم قال فأقبلنا نرد الناس حتى انتهينا إلى العسكر فإذا نحن براية معقل من قيس منصوبة فإذا معه مائتا رجل أو أكثر فرسان الناس ووجوههم ليس فيهم إلا راجل وإذا هم يقتتلون أشد قتال سمع الناس به فلما طلعنا عليهم إذا نحن بالخوارج قد كادوا يعلون أصحابنا وإذا أصحابنا على ذلك صابرون يجالدونهم فلما رأونا كروا ثم شدوا على الخوارج فارتفعت الخوارج عنهم غير بعيد وانتهينا إليهم فنظر أبو الرواغ إلى معقل فإذا هو مستقدم يذمر أصحابه ويحرضهم فقال له أحى أنت فداك عمى وخالى قال نعم فشد القوم فنادى أبو الرواغ أصحابه ألا ترون أميركم حيا شدوا على القوم قال فحمل وحملنا على القوم بأجمعنا قال فصدمنا خيلهم صدمة منكرة وشد عليهم معقل وأصحابه فنزل المستورد وصاح بأصحابه يا معشر الشراة الارض الارض فانها والله الحنة والذى لا إليه غيره لمن قتل صادق النية في جهاد هؤلاء الظلمة وجلاحهم فتنازلوا من عند آخرهم فنزلنا من عند آخرنا ثم مضينا إليه مصلتين بالسيوف فاضطربنا بها طويلا من النهار كأشد

[ 160 ]

قتال اقتتله الناس قط غير أن المستورد نادى معقلا فقال يا معقل ابرز لى فخرج إليه معقل * فقلنا له ننشدك أن تخرج إلى هذا الكلب الذى قد آيسه الله من نفسه قال لا والله لا يدعوني رجل إلى مبارزة أبدا فأكون أنا الناكل فمشى إليه بالسيف وخرج الآخر إليه بالرمح فناديناه أن القه برمح مثل رمحه فأبى وأقبل عليه المستورد فطعنه حتى خرج سنان الرمح من ظهره وضربه معقل بالسيف حتى خالط سيفه أم الدماغ فوقع ميتا وقتل معقل وقال لنا حين برز إليه ان هلكت فأميركم عمرو بن محرز بن شهاب السعدى ثم المنقرى قال فلما هلك معقل أخذ الراية عمرو بن محرز وقال عمرو إن قتلت فعليكم أبو الرواغ فإن قتل أبو الرواغ فأميركم مسكين بن عامر بن أنيف وإنه يومئذ لفتى حدث ثم شد برايته وأمر الناس أن يشدوا عليهم فما لبثوهم أن قتلوهم ومما كان في السنة تولية عبد الله بن عامر عبد الله بن خازم بن ظبيان خراسان وانصراف قيس بن الهيثم عنه وكان السبب في ذلك فيما ذكر أبو مخنف عن مقاتل بن حيان أن ابن عامر استبطأ قيس بن الهيثم بالخراج فأراد أن يعزله فقال له ابن خازم ولنى خراسان فأكفيكها وأكفيك قيس بن الهيثم فكتب له عهده أو هم بذلك فبلغ قيسا أن ابن عامر وجد عليه لاستخفافه به وإمساكه عن الهدية وأنه قد ولى ابن خازم فخاف ابن خازم أن يشاغبه ويحاسبه فترك خراسان وأقبل فازداد عليه ابن عامر غضبا وقال ضيعت الثغر فضربه وحبسه وبعث رجلا من بنى يشكر على خراسان * قال أبو مخنف بعث ابن عامر أسلم بن زرعة الكلابي حين عزل قيس بن الهيثم قال على بن محمد أخبرنا أبو عبد الرحمن الثقفى عن أشياخه أن ابن عامر استعمل قيس بن الهيثم على خراسان أيام معاوية فقال له ابن خازم إنك وجهت إلى خراسان رجلا ضعيفا وإنى أخاف إن لقى حربا أن ينهزم بالناس فتهلك خراسان وتفتضح أخوالك قال ابن عامر فما الرأى قال تكتب لى عهدا إن هو انصرف عن عدوك قمت مقامه فكتب له فجاشت جماعة من طخارسنان فشاور قيس بن الهيثم فاشار عليه ابن خازم أن ينصرف حتى يجتمع إليه أطرافه فانصرف فلما سار من مكانه مرحلة أو مرحلتين أخرج ابن خازم عهده وقام بأمر الناس ولقى العدو فهزمهم وبلغ الخبر المصريين

[ 161 ]

والشأم فغضب القيسية وقالوا خدع قيسا وابن عامر فأكثروا في ذلك شكوا إلى معاوية فبعث إليه فقدم فاعتذر مما قيل فيه فقال له معاوية قم فاعتذر إلى الناس غدا فرجع ابن خازم إلى أصحابه فقال إنى قد أمرت بالخطبة ولست بصاحب كلام فاجلسوا حول المنبر فإذا تكلمت فصدقوني فقام من الغد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إنما يتكلف الخطبة إمام لا يجد منها بدا أو أحمق يهمر من رأسه لا يبان ما خرج منه ولست بواحد منهما وقد علم من عرفني أنى بصير بالفرص وثاب عليها وقاف عند المهالك أنفذ بالسرية وأقسم بالسوية أنشدكم بالله من كان يعرف ذلك منى لما صدقنى قال أصحابه حول المنبر صدقت فقال يا أمير المؤمنين إنك ممن نشدت فقل بما تعلم قال صدقت * قال على أخبرنا شيخ من بنى تميم يقال له معمر عن بعض أهل العلم أن قيس بن الهيثم قدم على بن عامر من خراسان مراغما لابن خازم قال فضربه ابن عامر مائة وحلقه وحبسه قال فطلبت إليه أمه فأخرجه (وحج) بالناس في هذه السنة فيما قيل مروان بن الحكم وكان على المدينة وكان على مكة خالد بن العاص بن هشام وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة وعلى قضائها شريح وعلى البصرة وفارس وسجستان وخراسان عبد الله بن عامر وعلى قضائها عمير بن يثربى ثم دخلت سنة أربع وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك دخول المسلمين مع عبد الرحمن بن الوليد بلاد الروم ومشتاهم بها وغزو بسر بن أبى أرطاة البحر (وفى هذه السنة) عزل معاوية عبد الله أبن عامر عن البصرة ذكر الخبر عن سبب عزله كان سبب ذلك أن ابن عامر كان رجلا لينا كريما لا يأخذ على أيدى السفهاء ففسدت البصرة بسبب ذلك أيام عمله بها لمعاوية * حدثنى عمرو بن شبة قال أخبرنا يزيد الباهلى قال شكا ابن عامر إلى زياد فساد الناس وظهور الخبث فقال

[ 162 ]

جرد فيهم السيف فقال إنى أكره أن أصلحهم بفساد نفسي * حدثنى عمر قال قال أبو الحسن كان ابن عامر لينا سهلا سهل الولاية لا يعاقب في سلطانه ولا يقطع لصا فقيل له في ذلك فقال أنا أتألف الناس فكيف أنظر إلى رجل قد قطعت أباه وأخاه * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حدثنا مسلمة بن محارب قال وفد ابن الكواء * واسم ابن الكواء عبد الله بن أوفى إلى معاوية فسأله عن الناس فقال ابن الكواء أما أهل البصرة فقد غلب عليها سفهاؤها وعاملها ضعيف فبلغ ابن عامر قول ابن الكواء فاستعمل طفيل بن عوف اليشكرى على خراسان وكان الذين بينه وبين ابن الكواء متباعدا فقال ابن الكواء إن ابن دجاجة لقليل العلم في أظن أن ولاية طفيل خراسان تسؤونى لوددت أنه لم يبق في الارض يشكرى إلا عاداني وأنه ولاهم فعزل معاوية ابن عامر وبعث الحارث بن عبد الله الازدي قال وقال القحذمى قال ابن عامر أي الناس أشد عداوة لابن الكواء قالوا عبد الله ابن أبى شيخ فولاه خراسان فقال ابن الكواء ما قال * وذكر عن عمر عن أبى الحسن عن شيخ من سقيف وأبى عبد الرحمن الاصبهاني أن ابن عامر أوفد إلى معاوية وفدا فوافقوا عنده وفد أهل الكوفة وفيهم ابن الكواء اليشكرى فسألهم معاوية عن العراق وعن أهل البصرة خاصة فقال له ابن الكواء يا أمير المؤمنين إن أهل البصرة أكلهم سفهاؤهم وضعف عنهم سلطانهم وعجز ابن عامر وضعفه فقال له معاوية تكلم عن أهل البصرة وهم حضور فلما انصرف الوفد إلى البصرة بلغوا ابن عامر ذلك فغضب فقال أي أهل العراق أشد عداوة لابن الكواء فقيل له عبد الله بن أبى شيخ اليشكرى فولاه خراسان وبلغ ابن الكواء ذلك فقال ما قال * حدثنى عمر قال حدثنا على قال لما ضعف ابن عامر عن عمله وانتشر الامر بالبصرة عليه كتب إليه معاوية يستزيره قال عمر فحدثني أبو الحسن أن ذلك كان في سنة 44 وأنه استخلف على البصرة قيس بن الهيثم فقدم على معاوية فرده على عمله فلما ودعه قال له معاوية إنى سائلك ثلاثا فقل هن لك قال هن لك وأنا ابن أم حكيم قال ترد على عملي ولا تغضب قال قد فعلت قال وتهب لى مالك بعرفة قال قد فعلت

[ 163 ]

قال وتهب لى دورك بمكة قال قد فعلت قال وصلتك رحم قال فقال ابن عامر يا أمير المؤمنين إنى سائلك ثلاثا فقل هن لك قال هن لك وأنا ابن هند قال ترد على مالى بعرفة قال قد فعلت قال ولا تحاسب لى عاملا ولا تتبع لى أثرا قال قد فعلت قال وتنكحني ابنتك هندا قال قد فعلت * قال ويقال إن معاوية قال له اختر بين أن أتتبع أثرك وأحاسبك بما صار إليك وأردك إلى عملك وبين أن أسوغك ما أصبت وتعتزل فاختار أن يسوعه ذلك ويعتزل (وفى هذه السنة) استلحق معاوية نسب زياد بن سمية بأبيه أبى سفيان فيما قيل * حدثنى عمر بن شبة قال زعموا أن رجلا من عبد القيس كان مع زياد لما وفد على معاوية فقال لزياد إن لابن عامر عندي يدا فان أذنت لى أتيته قال على أن تحدثني ما يجرى بينك وبينه قال نعم فأذن له فأتاه فقال له ابن عامر هيه هيه وابن سمية يقبح آثارى ويعرض بعمالى لقد هممت أن آتى بقسامة من قريش يحلفون أن أبا سفيان لم ير سمية قال فلما رجع سأله زياد فأبى أن يخبره فلم يدعه حتى أخبره فأخبر ذلك زياد معاوية فقال معاوية لحاجبه إذا جاء ابن عامر فاضرب وجه دابته عن أقصى الابواب ففعل ذلك به فأتى ابن عامر يزيد فشكا إليه ذلك فقال له هل ذكرت زيادا قال نعم فركب معه يزيد حتى أدخله فلما نظر إليه معاوية قام فدخل فقال يزيد لابن عامر اجلس فكم عسى أن تقعد في البيت عن مجلسه فلما أطالا خرج معاوية وفى يده قضيب يضرب به الابواب ويتمثل لنا سياق ولكم سياق * قد علمت ذلكم الرفاق ثم قعد فقال يا ابن عامر أنت القائل في زياد ما قلت أما والله لقد علمت العرب أنى كنت أعزها في الجاهلية وإن الاسلام لم يزدنى إلا عزا وإنى لم أتكثر بزياد من قلة ولم أتعزز به من ذلة ولكن عرفت حقا له فوضعته موضعه فقال يا أمير المؤمنين نرجع إلى ما يحب ذياد قال إذا نرجع إلى ما تحب فخرج ابن عامر إلى زياد فترصناه * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال حدثنا عمرو بن هاشم عن عمر بن بشير الهمداني عن أبى اسحاق أن زيادا لما قدم الكوفة قال قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم قالوا ادعنا إلى ما شئت قال تلحقون نسبي بمعاوية قالوا أما

[ 164 ]

بشهادة الزور فلا فأتى البصرة فشهد له رجل (وحج) بالناس في هذه السنة معاوية (وفيها) عمل مروان المقصورة وعملها أيضا فيما ذكر معاوية بالشأم وكانت العمال في الامصار فيها العمال الذين ذكرنا قبل أنهم كانوا العمال في سنة 43 ثم دخلت سنة خمس وأربعين ذكر الاحداث المذكورة التى كانت فيها فمن ذلك استعمال معاوية الحارث بن عبد الله الازدي فيها على البصرة * فحدثني عمر قال حدثنى على بن محمد قال عزل معاوية ابن عامر وولى الحارث بن عبد الله الازدي البصرة في أول سنة 45 فأقام بالبصرة أربعة أشهر ثم عزله قال وقد قيل هو الحارث بن عمرو وابن عبد وابن عمرو وكان من أهل الشأم وكان معاوية عزل ابن عامر ليولى زيادا فولى الحارث كالفرس المحلل فولى الحارث شرطته عبد الله بن عمرو ابن غيلان الثقفى ثم عزله معاوية وولاها زيادا ذكر الخبر عن ولاية زياد البصرة * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حدثنا بعض أهل العلم أن زيادا لما قدم الكوفة ظن المغيرة أنه قدم واليا على الكوفة فاقام زياد في دار سلمان بن ربيعة الباهلى فأرسل إليه المغيرة وائل بن حجر الجضرمى أبا هنيدة وقال له اعلم لى علمه فأتاه فلم يقدر منه على شئ فخرج من عنده يريد المغيرة وكان زاجرا فرأى غرابا ينعق فرجع إلى زياد فقال يا أبا المغيرة هذا الغراب يرحلك عن الكوفة ثم رجع إلى المغيرة وقدم رسول معاوية على زياد من يومه أن سر إلى البصرة وأما عبد الله بن أحمد المروزى فحدثني قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله عن اسحاق يعنى ابن يحيى عن معبد بن خالد الجدلي قال قدم علينا زياد الذى يقال له ابن أبى سفيان من عند معاوية فنزل دار سلمان بن ربيعة الباهلى ينتظر أمر معاوية قال فبلغ المغيرة بن شعبة وهو أمير على الكوفة أن زيادا ينتظر أن تجئ إمارته على الكوفة فدعا قطن بن عبد الله الحارثى فقال هل فيك من خير

[ 165 ]

تكفيني الكوفة حتى آتيك من عند أمير المؤمنين قال ما أنا بصاحب ذا فدعا عيينة بن النهاس العجلى فعرض عليه فقبل فخرج المغيرة إلى معاوية فلما قدم عليه سأله أن يعزله وأن يقطع له منازل بقرقيسيا بين ظهرى قيس فلما سمع بذلك معاوية خاف بائقته وقال والله لترجعن إلى عملك يا أبا عبد الله فأبى عليه فلم يزده ذلك إلا تهمة فرده إلى عمله فطرقنا ليلا وإنى لفوق القصر أحرسه فلما قرع الباب أنكرناه فلما خاف أن ندلى عليه حجرا تسمى لنا فنزلت إليه فرحبت له وسلمت فتمثل بمثلى فافزعى يا أم عمرو * إذا ما هاجني السفر النعور اذهب إلى ابن سمية فرحله حتى لا يصبح إلا من وراء الجسر فخرجنا فأتينا زيادا فأخرجناه حتى طرحنا من وراء الجسر قبل أن يصبح * فحدثني عمر قال حدثنا على قال حدثنا مسلمة والهذلى وغيرهما أن معاوية استعمل زيادا على البصرة وخراسان وسجستان ثم جمع له الهند والبحرين وعمان وقدم البصرة في آخر شهر الربيع الآخر أو غرة جمادى الاولى سنة 45 والفسق بالبصرة ظاهر فاش فخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها وقيل بل حمد الله فقال الحمد لله على إفضاله وإحسانه ونسأله المزيد من نعمه اللهم كما رزقتنا نعما فألهمنا شكرا على نعمتك علينا أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والفجر الموقد لاهله النار الباقي عليهم سعيرها ما يأتي سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الامور العظام ينبت فيها الصغير ولا يتحاشى منها الكبير كأن لم تسمعوا بآى الله ولم تقرؤا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لاهل طاعته والعذاب الاليم لاهل معصيته في الزمن السرمد الذى لا يزول أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الاسلام الحدث الذى لم تسبقوا به من ترككم هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار قربتم القرابة وباعدتم الدين تعتذرون بغير العذر وتغطون على المختلس كل امرئ منكم يذب عن

[ 166 ]

سفيهه صنيع من لا يخاف عقابا ولا يرجو معادا ما أنتم بالحلماء ولقد اتبعتم السفهاء ولم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الاسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب حرم على الطعام والشراب حتى أسويها بالارض هدما وإحراقا إنى رأيت آخر هذا الامر لا يصلح إلا بما صلح أوله لين في غير ضعف وشدة في غير جبرية وعنف وإنى أقسم بالله لآخذن الولى بالولي والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والصحيح منكم بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد أو تستقيم لى قناتكم إن كذبة المنبر تبقى مشهورة فإذا تعلقتم على بكذبة فقد حلت لكم معصيتى من بيت منكم فأنا ضامن لما ذهب له إياى ودلج الليل فإنى لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه وقد أجلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إلى وإياى ودعوى الجاهلية فانى لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه وقد أحدثتم أحداثا لم تكن وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة فمن غرق قوما غرقته ومن حرق على قوم حرقناه ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه ومن نبش قبرا دفنته حيا فكفوا عنى أيديكم وألسنتكم أكفف يدى وأذاى لا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه وقد كانت بينى وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذنى وتحت قدمى فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته انى لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضى لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدى لى صفحته فإذا فعل لم أناظره فاستأنفوا أموركم وأعينوا على أنفسكم فرب مبتئس بقدومنا سيسر ومسرور بقدومنا سيبتئس أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذى أعطانا ونذود عنكم بفئ الله الذى خولنا فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ولكم علينا العدل فيما ولينا فاستوجبوا عدلنا وفيأنا بمناصحتكم واعلموا أنى مهما قصرت عنه فإنى لا أقصر عن ثلاث لست محتججا عن طالب حاجة منكم ولو أتانى طارقا بليل ولا حابسا رزقا ولا عطاء عن إبانه ولا مجمرا لكم بعثا فادعوا الله بالصلاح لائمتكم فانهم ساستكم المؤدبون لكم وكهفكم الذى إليه تأوون

[ 167 ]

ومتى تصلحوا يصلحوا ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم ويطول له حزنكم ولا تدركوا حاجتكم مع أنه لو استجيب لكم كان شرا لكم أسأل الله أن يعين كلا على كل وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الامر فأنفذوه على إذلاله وايم الله إن لى فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاى قال فقام عبد الله بن الاهتم فقال أشهد أيها الامير أنك قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب فقال كذبت ذاك نبى الله داود عليه السلام قال الاحنف قد قلت فأحسنت أيها الامير والثناء بعد البلاء والحمد بعد العطاء وإنا لن نثنى حتى نبتلى فقال زياد صدقت فقام أبو بلال مرداس بن أدية يهمس وهو يقول أنبأ الله بغير ما قلت قال الله عز وجل (وإبراهيم الذى وفى ألا تزر وازرة وزر اخرى وأن ليس للانسان إلا ما سعى) فأوعدنا الله خيرا مما واعدت يا زياد فقال زياد إنا لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلا حتى نخوض إليها الدماء * حدثنى عمر قال حدثنا خلاد بن يزيد قال سمعت من يخبر عن الشعبى قال ما سمعت متكلما قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا أن يسئ إلا زيادا فانه كان كلما أكثر كان أجود كلاما * حدثنى عمر قال حدثنا على عن مسلمة قال استعمل زياد على شرطته عبد الله بن حصن فأمهل الناس حتى بلغ الخبر الكوفة وعاد إليه وصول الخبر إلى الكوفة وكان يؤخر العشاء حتى يكون آخر من يصلى ثم يصلى يأمر رجلا فيقرأ سورة البقرة ومثلها يرتل القرآن فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنسانا يبلغ الخريبة ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج فيخرج ولا يرى إنسانا إلا قتله قال فأخذ ليلة أعرابيا فأتى به زيادا فقال هل سمعت النداء قال لا والله قدمت بحلوبة لى وغشيني الليل فاضطررتها إلى موضع فأقمت لا صبح ولا علم لى بما كان من الامير قال أظنك والله صادقا ولكن في قتلك صلاح هذه الامة ثم أمر به فضربت عنقه وكان زياد أول من شد أمر السلطان وأكد الملك لمعاوية وألزم الناس الطاعة وتقدم في العقوبة وجرد السيف وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة وخافه الناس في سلطانه خوفا شديدا حتى أمن الناس بعضهم بعضا حتى كان الشئ يسقط من الرجل

[ 168 ]

أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه وتبيت المرأة فلا تغلق عليها بابها وساس الناس سياسة لم ير مثلها وهابه الناس هيبة لم يهابوها أحدا قبله وأدر العطاء وبنى مدينة الرزق قال وسمع زياد جرسا من دار عمير فقال ما هذا فقيل محترس قال فليكف عن هذا أنا ضامن لما ذهب له ما أصاب من إصطخر قال وجعل زياد الشرط أربعة آلاف عليهم عبد الله بن حصن أحد بنى عبيد بن ثعلبة صاحب مقبرة ابن حصن والجعد بن قيس التميمي صاحب طاق الجعد وكانا جميعا على شرطه فبينا زياد يوما يسير وهما بين يديه يسيران بحربتين تنازعا بين يديه فقال زياد يا جعد ألق الحربة فألقاها وثبت ابن حصن على شرطه حتى مات زياد وقيل إنه ولى الجعد أمر الفساق وكان يتتبعهم وقيل لزياد إن السبل مخوفة فقال لا أعاني شيئا سوى المصر حتى أغلب على المصر وأصلحه فان غلبنى المصر فغيره أشد غلبة فلما ضبط المصر تكلف ما سوى ذلك فأحكمه وكان يقول لوضاع حيل بينى وبين خراسان علمت من أخذه وكتب خمسمائة من مشيخة أهل البصرة في صحابته فرزقهم ما بين الثلثمائة إلى الخمسمائة فقال فيه حارثة بن بدر الغدانى ألا من مبلغ عنى زيادا * فنعم أخو الخليفة والامير فأنت إمام معدلة وقصد * وحزم حين يحضرك الامور أخوك خليفة الله ابن حرب * وأنت وزيره نعم الوزير تصيب على الهوى منه ويأتى * محبك ما يجن لنا الضمير بأمر الله منصور معان * إذا جار الرعية لا تجور يدر على يديك لما أرادوا * من الدنيا لهم حلب غزير وتقسم بالسواء فلا غنى * لضيم يشتكيك ولا فقير وكنت حيا وجئت على زمان * خبيث ظاهر فيه شرور تقاسمت الرجال به هواها * فما تخفى ضغائنها الصدور وخاف الحاضرون وكل باد * يقيم على المخافة أو يسير فلما قام سيف الله فيهم * زياد قام أبلج مستنير

[ 169 ]

قوى لا من الحدثان غر * ولا جزع ولا فان كبير * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا على بن محمد قال استعان زياد بعدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمران بن الحصين الخزاعى ولاه قضاء البصرة والحكم بن عمرو الغفاري ولاه خراسان وسمرة بن جندب وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة فاستعفاه عمران فأعفاه واستقضى عبد الله بن فضالة الليثى ثم أخاه عاصم بن فضالة ثم زرارة بن أوفى الجرشى وكانت أخته لبابة عند زياد وقيل إن زيادا أول من سير بين يديه بالحراب ومشى بين يديه بالعمد واتخذ الحرس رابطة خمسمائة واستعمل عليهم شيبان صاحب مقبرة شيبان من بنى سعد فكانوا لا يبرحون المسجد * حدثنى عمر قال حدثنا على قال جعل زياد خراسان أرباعا واستعمل على مرو أمير بن أحمر اليشكرى وعلى أبر شهر خليد بن عبد الله الحنفي وعلى مرو الروذ والفارياب والطالقان قيس بن الهيثم وعلى هراة وباذعيس وقادس وبوشنج نافع بن خالد الطاحى * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حدثنا مسلمة بن محارب وابن أبى عمرو شيخ من الازد أن زيادا عتب على نافع بن خالد الطاحى حبسه وكتب عليه كتابا بمائة ألف وقال بعضهم ثمانى مائة ألف وكان سبب موجدته عليه أنه بعث بخوان بازهر قوائمه منه فأخذ نافع قائمة جعل مكانه قائمة من ذهب وبعث بالخوان إلى زياد مع غلام له يقال له زيد كان قيمه على أمره كله فسعى زيد بنافع وقال لزياد إنه قد خانك وأخذ قائمة من قوائم الخوان وجعل مكانه قائمة من ذهب قال فمشى رجال من وجوه الازد إلى زياد فيهم سيف بن وهب المعولى وكان شريفا وله يقول الشاعر اعمد بسيف للسماحة والندى * واعمد بصبرة للفعال الاعظم قال فدخلوا على زياد وهو يستاك فتمثل زياد حين رآهم اذكر بنا موقف أفراسنا * بالحنو إذ أنت إلينا فقير قال وأما الازد فيقولون بل تمثل سيف بن وهب أبو طلحة المعولى بهذا البيت حين دخل على زياد فقال نعم قال وإنما ذكره أيام أجاره صبرة فدعا زياد بالكتاب

[ 170 ]

فمحاه بسواكه وأخرجه نافعا * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا على عن مسلمة أن زيادا عزل نافع بن خالد الطاحى وخليد بن عبد الله الحنفي وأمير بن أحمر اليشكرى فاستعمل الحكم بن عمرو بن مجدع بن جذيم بن الحارث بن نعيلة بن مليك * ونعيلة أخو غفار بن مليك ولكنهم قليل فصاروا إلى غفار * قال مسلمة أمر زياد حاجبه فقال ادع إلى الحكم وهو يريد الحكم ابن أبى العاص الثقفى * فخرج الحاجب فرأى الحكم بن عمرو الغفاري فأدخله فقال زياد رجل له شرف وله صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فعقد له على خراسان ثم قال له ما أردتك ولكن الله عز وجل أرادك * حدثنى عمر قال حدثنا على قال أخبرنا أبو عبد الرحمن الثقفى ومحمد بن الفضيل عن أبيه أن زيادا لما ولى العراق استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان وجعل معه رجالا على كور وأمرهم بطاعته فكانوا على جباية الخراج وهم أسلم بن زرعة وخليد بن عبد الله الحنفي ونافع بن خالد الطاحى وربيعة بن عسل اليربوعي وأمير بن أحمر اليشكرى وحاتم بن النعمان الباهلى فمات الحكم بن عمرو وكان قد غزا طخارستان فغنم غنائم كثيرة واستخلف أنس بن أبى أناس ابن زنيم وكان كتب إلى زياد أنى قد رضيته لله وللمسلمين ولك فقال زياد اللهم إنى لا أرضاه لدينولا للمسلمين ولا لى وكتب زياد إلى خليد بن عبد الله الحنفي بولاية خراسان ثم بعث الربيع بن زياد الحارثى إلى خراسان في خمسين ألفا من البصرة خمسة وعشرين ألفا ومن الكوفة خمسة وعشرين ألفا على أهل البصرة الربيع وعلى أهل الكوفة عبد الله بن أبى عقيل وعلى الجماعة الربيع بن زياد (وقيل) حج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وهو على المدينة وكانت الولاة والعمال على الامصار في هذه السنة من تقدم ذكره قبل المغيرة بن شعبة على الكوفة وشريح على القضاء بها وزياد على البصرة والعمال من قد سميت قبل (وفى هذه السنة) كان مشتى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بأرض الروم

[ 171 ]

ثم دخلت سنة ست وأربعين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك مشتى مالك بن عبيدالله بأرض الروم وقيل بل كان ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وقيل بل كان مالك بن هبيرة السكوني (وفيها) انصرف عبد الرحمن بن خالد بن الوليد من بلاد الروم إلى حمص فدس ابن أثال النصراني إليه شربة مسمومة فيما قيل فشربها فقتلته ذكر الخبر عن سبب هلاكه وكان السبب في ذلك ما حدثنى عمر قال حدثنا على عن مسلمة بن محارب أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشأم ومال إليه أهلها لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه حتى خافه معاوية وخشى على نفسه منه لميل الناس إليه فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه جباية خراج حمص فلما قدم عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفا من بلاد الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها فمات بحمص فوفى له معاوية بما ضمن له وولاه خراج حمص ووضع عنه خراجه قال وقدم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المدينة فجلس يوما إلى عروة بن الزبير فسلم عليه فقال له عروة من أنت قال أنا خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فقال له عروة ما فعل ابن أثال فقام خالد من عنده وشخص متوجها إلى حمص ثم رصد بها ابن أثال فرآه يوما راكبا فاعترض له خالد بن عبد الرحمن فضربه بالسيف فقتله فرفع إلى معاوية فحبسه أياما وأغرمه ديته ولم يقده منه ورجع خالد إلى المدينة فلما رجع إليها أتى عروة فسلم عليه فقال له عروة ما فعل ابن أثال فقال قد كفيتك ابن أثال ولكن ما فعل ابن جرموز فسكت عروة وقال خالد بن عبد الرحمن حين ضرب ابن أثال

[ 172 ]

أنا ابن سيف الله فاعرفوني * لم يبق إلا حسبى وديني * وصارم صال به يمينى (وفيها) خرج الخطيم وسهم بن غالب الهجيمى فحكما وكان من أمرهما ما حدثنى به عمر قال حدثنا على قال لما ولى زياد خافه سهم بن غالب الهجيمى والخطيم وهو يزيد ين مالك الباهلى فاما سهم فخرج إلى الاهواز فأحدث وحكم ثم رجع فاختفى وطلب الامان فلم يؤمنه زياد وطلبه حتى أخذه وقتله وصلبه على بابه وأما الخطيم فان زيادا سيره إلى البحرين ثم أذن له فقدم فقال له الزم مصرك وقال لمسلم بن عمرو اضمنه فأبى وقال إن بات عن بيته أعلمتك ثم أتاه مسلم فقال لم يبت الخطيم الليلة في بيته فأمر به فقتل وألقى في باهلة (وحج) بالناس في هذه السنة عتبة بن أبى سفيان وكان العمال والولاة فيها العمال والولاة في السنة التى قبلها ثم دخلت سنة سبع وأربعين ذكر الاحداث التى كانت فيها ففيها كانت مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم ومشتي بن عبد الرحمن القينى بأنطاكية (وفيها) عزل عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر ووليها معاوية بن حديج وسار فيما ذكر الواقدي في المغرب وكان عثمانيا قال ومر به عبد الرحمن بن أبى بكر وقد جاء من الاسكندرية فقال له يا معاوية قد لعمري أخذت من معاوية جزاءك قتلت محمد بن أبى بكر لان تلى مصر فقد وليتها قال ما قتلت محمد بن أبى بكر إلا بما صنع بعثمان فقال عبد الرحمن فلو كنت إنما تطلب بدم عثمان لم تشرك معاوية فيما صنع حيث صنع عمرو بن العاص بالاشعرى ما صنع فوثبت أول الناس فبايعته (وقال) بعض أهل السير وفى هذه السنة وجه زياد الحكم بن عمرو الغفاري إلى خراسان أميرا فغزا جبال الغور وفراونده فقهرهم بالسيف عنوة ففتحها وأصاب فيها مغانم كثيرة وسبايا وسأذكر من خالف هذا القول بعد إن شاء الله تعالى وذكر قائل هذا القول ان الحكم بن عمرو قفل من غزوته هذه فمات بمرو واختلفوا فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال الواقدي أقام الحج في هذه السنة عتبة

[ 173 ]

ابن أبى سفيان وقال غيره بل الذى حج في هذه السنة عنبسة بن أبى سفيان وكانت الولاة والعمال على الامصار الذين ذكرت أنهم كانوا العمال والولاة في السنة التى قبلها ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ذكر الاحداث التى كانت فيها وكان فيها مشتى أبى عبد الرحمن القينى أنطاكية وصائفة عبد الله بن قيس الفزارى وغزوة مالك بن هبيرة السكوني البحر وغزوة عقبة بن عامر الهجنى بأهل مصر البحر وبأهل المدينة وعلى أهل المدينة المنذر بن الزهير وعلى جميعهم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وقال بعضهم فيها وجه زياد غالب بن فضالة الليثى على خراسان وكانت له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم في قول عامة أهل السير وهو يتوقع العزل لموجدة كانت من معاوية عليه وارتجاعه منه فدك وقد كان وهبها له وكانت ولاة الامصار وعمالها في هذه السنة الذين كانوا في السنة التى قبلها ثم دخلت سنة تسع وأربعين ذكر ما كان فيها من الاحداث فكان فيها مشتى مالك بن هبيرة السكوني بأرض الروم وفيها كانت غزوة فضالة بن عبيد جربة وشتا بجربة وفتحت على يديه وأصاب فيها سببا كثيرا وفيها كانت صائفة عبد الله ابن كرز البجلى (وفيها) كانت غزوة يزيد بن شجرة الرهاوى في البحر فشتا بأهل الشأم (وفيها) كانت عزوة عقبة بن نافع البحر فشتا بأهل مصر (وفيها) كانت غزوة يزيد ابن معاوية الروم حتى بلغ قسطنطينية ومعه ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الانصاري (وفيها) عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة في شهر ربيع الاول وأمر فيها سعيد بن العاص على المدينة في شهر ربيع الآخر وقيل في شهر ربيع الاول وكانت ولاية مروان كلها بالمدينة لمعاوية ثمان سنين وشهرين وكان على قضاء المدينة لمروان فيما زعم الواقدي حين عزل عبد الله بن الحارث بن

[ 174 ]

نوفل فلما ولى سعيد بن العاص عزله عن القضاء واستقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (وقيل) في هذه السنة وقع الطاعون بالكوفة فهرب المغيرة بن شعبة من الطاعون فلما ارتفع الطاعون قيل له لو رجعت إلى الكوفة فقدمها فطعن فمات وقد قيل مات المغيرة سنة 50 وضم معاوية الكوفة إلى زياد فكان أول من جمع له الكوفة والبصرة (وحج) بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص وكانت الولاة والعمال في هذه السنة الذين كانوا في السنة التى قبلها إلا عامل الكوفة فإن في تاريخ هلاك المغيرة اختلافا فقال بعض أهل السير كان هلاكه في سنة 49 وقال بعضهم في سنة 50 ثم دخلت سنة خمسين ذكر ما كان فيها من الاحداث ففيها كانت غزوة بسر بن أبى أرطاة وسفيان بن عوف الازدي أرض الروم وقيل كانت فيها غزوة فضالة بن عبيد الانصاري البحر (وفيها) في قول الواقدي والمدائني كانت وفاة المغيرة بن شعبة * قال محمد بن عمر حدثنى محمد بن موسى الثقفى عن أبيه قال كان المغيرة بن شعبة رجلا طوالا مصاب العين أصيب باليرموك توفى في شعبان سنة 50 وهو ابن سبعين سنة وأما عوانة فانه قال فيما حدثت عن هشام بن عبيد هلك المغيرة سنة 51 وقال بعضهم بل هلك سنة 49 * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى على بن محمد قال كان زياد على البصرة وأعمالها إلى سنة 50 فمات المغيرة بن شعبة بالكوفة وهو أميرها فكتب معاوية إلى زياد بعهده على الكوفة والبصرة فكان أول من جمع له الكوفة والبصرة فاستخلف على البصرة سمرة بن جندب وشخص إلى الكوفة فكان زياد يقيم ستة أشهر بالكوفة وستة أشهر بالبصرة * حدثنى عمر قال حدثنى على عن مسلمة بن محارب قال لما مات المغيرة جمعت العراق لزياد فأتى الكوفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ان هذا الامر أتانى وأنا بالبصرة فأردت أن أشخص اليكم في ألفين من شرطة البصرة ثم ذكرت أنكم أهل حق وان حقكم طال ما دفع الباطل فأتيتكم في أهل بيتى

[ 175 ]

فالحمد لله الذى رفع منى ما وضع الناس وحفظ منى ما ضيعوا حتى فرغ من الخطبة فحصب على المنبر فجلس حتى أمسكوا ثم دعا قوما من خاصته وأمرهم فاخذوا أبواب المسجد ثم قال ليأخذ كل رجل منكم جليسه ولا يقولن لا أدرى من جليسى ثم أمر بكرسى فوضع له على باب المسجد فدعاهم أربعة أربعة يحلفون بالله ما منا من حصبك فمن حلف خلاه ومن لم يحلف حبسه وعزله حتى صار إلى ثلاثين ويقال بل كانوا ثمانين فقطع أيديهم على المكان قال الشعبى فوالله ما تعلقنا عليه بكذبة وما وعدنا خيرا ولا شرا إلا أنفذه * حدثنى عمر قال حدثنا على عن سلمة بن عثمان قال بلغني عن الشعبى أنه قال أول رجل قتله زياد بالكوفة أوفى بن حصن بلغه عنه شئ فطلبه فهرب فعرض الناس زياد فمر به فقال من هذا قالوا أوفى بن حصن الطائى فقال زياد أتتك بحائن رجلاه فقال أوفى إن زيادا أبا المغيرة لا * تعجل والناسس فيهم عجله خفتك والله فاعلمن حلفى * خوف الحفافيث صولة الاصله فجئت إذ ضاقت البلاد فلم * يكن عليها لخائف. وأله قال ما رأيك في عثمان قال ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتيه ولم أنكره ولى محصول رأى قال فما تقول في معاوية قال جواد حليم قال فما تقول في قال بلغني أنك قلت بالبصرة والله لآخذن البرى بالسقيم والمقبل بالمدبر قال قد قلت ذاك قال خطبتها عشواء قال زياد ليس النفاخ بشر الزمرة فقتله فقال عبد الله ابن همام السلولى: خيب الله سعى أوفى بن حصن * حين أضحى فروجة الرقاء قاده الحين والشقاء إلى لي‍ * ث عرين وحية صماء قال ولما قدم زياد الكوفة أتاه عمارة بن عقبة بن أبى معيط فقال ان عمرو ابن الحمق يجتمع إليه من شيعة أبى تراب فقال له عمرو بن حريث ما يدعوك إلى رفع ما لا تيقنه ولا تدرى ما عاقبته فقال زياد كلاكما لم يصب أنت حيث تكلمني في هذا علانية وعمرو حين يردك عن كلامك قوما إلى عمرو بن الحمق فقولا له ما هذه الزرافات

[ 176 ]

التى تجتمع عندك من أرادك أو أردت كلامه ففى المسجد قال ويقال ان الذى رفع على عمرو بن الحمق وقال له قد أنغل المصرين يزيد بن رويم فقال عمرو بن الحريث ما كان قط أقبل على ما ينفعه منه اليوم فقال زياد ليزيد بن رويم فقال أما أنت فقد أشطت بدمه وأما عمرو فقد حقن دمه ولو علمت أن مخ ساقه قد سال من بغضى ماهجته حتى يخرج على واتخذ زياد المقصورة حين حصبه أهل الكوفة وولى زياد حين شخص من البصرة إلى الكوفة سمرة بن جندب * فحدثني عمر قال حدثنى إسحاق بن إدريس قال حدثنى محمد بن سليم قال سألت أنس بن سيرين هل كان سمرة قتل أحدا قال وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له هل تخاف أن تكون قد قتلت أحدا بريئا قال لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت أو كما قال * حدثنى عمر قال حدثنى موسى بن إسماعيل قال حدثنا نوح بن قيس عن أشعث الحدانى عن ابى سوار العدوى قال قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلا قد جمع القرآن * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد عن جعفر الصدفى عن عوف قال أقبل سمرة من المدينة فلما كان عند دور بنى أسد خرج رجل من بعض أزقتهم ففجأ أوائل الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة قال ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحط في دمه فقال ما هذا قيل أصابته أوائل خيل الامير قال إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا * حدثنى عمر قال حدثنى زهير بن حرب قال حدثنا وهب ابن جرير قال حدثنا غسان بن مضر عن سعيد بن زيد قال خرج قريب وزحاف وزياد بالكوفة وسمرة بالبصرة فخرجنا ليلا فنزلنا بنى يشكر وهم سبعون رجلا وذلك في رمضان فأتوا بنى ضبيعة وهم سبعون رجلا فمروا بشيخ منهم يقال له حكاك فقال حين رآهم مرحبا بأبى الشعثاء فرآه ابن حصن فقتلوه وتفرقوا في مساجد الازد وأتت فرقة منهم رحبة بنى على وفرقة مسجد المعادل فخرج عليهم سيف ابن وهب في أصحاب له فقتل من أتاه وخرج على قريب وزحاف شباب من بنى

[ 177 ]

على وشباب من بنى راسب فرموهم بالنبل قال قريب هل في القوم عبد الله بن أوس الطاحى وكان يناضله قيل نعم قال فهلم إلى البراز فقتله عبد الله وجاء برأسه وأقبل زياد من الكوفة فجعل يؤنبه ثم قال يا معشر طاحية لولا أنكم أصبتم في القوم لنفيتكم إلى السجن قال وكان قريب من إياد وزحاف من طيئ وكانا ابني خالة وكانا أول من خرج بعد أهل النهر قال غسان سمعت سعيدا يقول إن أبا بلال قال قريب لا قربه الله وايم الله لان أقع من السماء أحب إلى من أن أصنع ما صنع يعنى الاستعراض * حدثنى عمر قال حدثنا زهير قال حدئنى وهب قال حدثنى أبى أن زيادا اشتد في أمر الحرورية بعد قريب وزحاف فقتلهم وأمر سمرة بذلك وكان يستخلفه على البصرة إذا خرج إلى الكوفة فقتل سمرة منهم بشرا كثيرا * حدثنى عمر قال حدثنا أبو عبيدة قال قال زياد يومئذ على المنبر يا أهل البصرة والله لتكفني هؤلاء أو لابد أن بكم والله لئن أفلت منهم رجل لا تأخذون العام من عطائكم درهما قال فثار الناس بهم فقتلوهم قال محمد بن عمر وفى هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمل إلى الشأم فحرك فكسفت الشمس حتى رئيت النجوم بادية يومئذ فأعظم الناس ذلك فقال لم أرد حمله إنما خفت أن يكون قد أرض فنظرت إليه ثم كساه يومئذ * وذكر محمد بن عمر أنه حدثه بذلك خالد بن القاسم عن شعيب بن عمرو الاموى * قال محمد بن عمر حدثنى يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه قال قال معاوية إنى رأيت أن منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصاه لا يتركان بالمدينة وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه فلما قدم طلب العصا وهى عند سعد القرظ فجاءه أبو هريرة وجابر بن عبد الله فقالا يا أمير المؤمنين نذكرك الله عز وجل أن تفعل هذا فإن هذا لا يصلح تخرج منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع وضعه وتخرج عصاه إلى الشأم فانقل المسجد فأقصر وزاد فيه ست درجات فهو اليوم ثمانى درجات فاعتذر إلى الناس مما صنع * قال محمد بن عمرو حدثنى سويد بن عبد العزيز عن إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن أبان بن صالح عن قبيصة بن ذؤيب قال كان عبد الملك قدهم بالمنبر

[ 178 ]

فقال له قبيصة بن ذؤيب أذكرك الله عز وجل أن تفعل هذا وأن تحوله إن أمير المؤمنين معاوية حركه فكسفت الشمس وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على منبرى آثما فليتبوأ مقعده من النار فتخرجه من المدينة وهو مقطع الحقوق بينهم بالمدينة فأقصر عبد الملك عن ذلك وكف عن أن يذكره فلما كان الوليد وحج هم بذلك وقال خبرانى عنه وما أرانى الا سأفعل فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد العزيز فقال كلم صاحبك يتق الله عز وجل ولا يتعرض لله سبحانه ولسخطه فكلمه عمر بن عبد العزير فأقصر وكف عن ذكره فلما حج سليمان بن عبد الملك أخبره عمر ابن عبد العزيز بما كان الوليد هم به وإرسال سعيد بن المسيب إليه فقال سليمان ما كنت أحب أن يذكر هذا عن أمير المؤمنين عبد الملك ولا عن الوليد هذا مكابرة وما لنا ولهذا أخذنا الدنيا فهى في أيدينا ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الاسلام يوفد إليها فنحمله إلى ما قبلنا هذا ما لا يصلح (وفيها) عزل معاوية بن خديج عن مصر وولى مسلمة بن مخلد مصر وإفريقية وكان معاوية بن أبى سفيان قد بعث قبل أن يولى مسلمة مصر وإفريقية عقبة بن نافع الفهرى إلى إفريقية فافتتحها واختط قيروانها وكان موضعه غيضة فيما زعم محمد بن عمر لا يرام من السباع والحيات وغير ذلك من الدواب فدعا الله عز وجل عليها فلم يبق منها شئ إلا خرج هاربا حتى إن السباع كانت تحمل أولادها قال محمد بن عمر حدثنى موسى بن على عن أبيه قال نادى عقبة بن نافع إنا نازلون فاظعنوا عزين فخرجن من حجرتهن هوارب قال وحدثني المفضل بن فضالة عن زيد بن أبى حبيب عن رجل من جند مصر قال قدمنا مع عقبة بن نافع وهو أول الناس اختطها وقطعها للناس مساكن ودورا وبنى مسجدها فأقمنا معه حتى عزل وهو خير وال وخير أمير ثم عزل معاوية في هذه السنة أعنى سنة 50 معاوية بن خديج مصر وعقبة ابن نافع عن أفريقية وولى مسلمة بن مخلد مصر والمغرب كله فهو أول من جمع له المغرب كله ومصر وبرقة وافريقية وطرابلس فولى مسلمة بن مخلد مولى له يقال له أبو المهاجر أفريقية وعزل عقبة بن نافع وكشفه عن أشياء فلم يزل واليا على

[ 179 ]

مصر والمغرب وأبو المهاجر على افريقية من قبله حتى هلك معاوية بن أبى سفيان (وفى هذه السنة) مات أبو موسى الاشعري وقد قيل كانت وفاة أبى موسى سنة 52 (واختلف) فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال بعضهم حج بهم معاوية وقال بعضهم بل حج بهم ابنه يزيد وكان الوالى في هذه السنة على المدينة سعيد بن العاص وعلى البصرة والكوفة والمشرق وسجستان وفاس والسند والهند زياد (وفى هذه السنة) طلب زياد الفرزدق واستعدت عليه بنو نهشل وفقيم فهرب منه إلى سعيد بن العاص وهو يومئذ والى المدينة من قبل معاوية مستجيرا به فأجاره ذكر الخبر عن ذلك * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا أبو عبيذة وأبو الحسن المدائني وغيرهما أن الفرزدق لما هجا بنى نهشل وبنى فقيم ليزد أبو زيد في إسناد خبره على ما ذكرت وأما محمد بن على فإنه حدثنى عن محمد بن سعد عن أبى عبيدة قال حدثنى أعين بن لبطة بن الفرزدق قال حدثنى أبى عن أبيه قال لما هاجيت الاشهب بن رميلة والبعيث فسقطا استعدت على بنو نهشل وبنو فقيم زياد بن أبى سفيان وزعم غيره أن يزيد بن مسعود بن خالد بن مالك بن ربعى بن سلمى بن جندل بن نهشل استعدى أيضا عليه فقال أعين فلم يرفه زياد حتى قيل له الغلام الاعرابي الذى أنهب ورقه وألقى ثيابه فعرفه قال أبو عبيدة أخبرني أعين بن لبطة قال أخبرني أبى عن أبيه قال بعثنى أبى غالب في عير له وجلب أبيه وأمتار له وأشترى لاهله كسى فقدمت البصرة فبعت الجلب فأخذت ثمنه فجعلته في ثوبي أزاوله إذ عرض لى رجل أراه كأنه شيطان فقال لشد ما تشتوثق منها فقلت وما يمنعنى قال أما لو كان مكانك رجل أعرفه ما صبر عليها فقلت ومن هو قال غالب بن صعصعة قال فدعوت أهل المربد فقلت دونكموها ونثرتها عليهم فقال لى قائل ألق رداءك يا ابن غالب فألقيته وقال آخر ألق قميصك فألقيته وقال آخر ألق عمامتك فألقيته حتى بقيت في إزار فقالوا ألق إزارك فقلت لن ألقيه وأمشى مجردا إنى لست بمجنون فبلغ الخبر زيادا فأرسل

[ 180 ]

خيلا إلى المربد ليأتوه بى فجاء رجل من بنى الهجيم على فرس قال أتيت فالنجاء وأردفني خلفه وركض حتى تغيب وجاءت الخيل وقد سبقت فأخذ زياد عمين لى ذهيلا والزحاف ابني صعصعة وكانا في الديوان على ألفين ألفين وكانا معه فحبسهما فأرسلت إليها إن شئتما أتيتكما فبعثا إلى لا تقربنا إنه زياد وما عسى أن يصنع بنا ولم نذنب ذنبا فمكثا أياما ثم كلم زياد فيهما فقالوا شيخان سامعان مطيعان ليس لهما ذنب مما صنع غلام أعرابي من أهل البادية فخلى عنهما فقالا لى أخبرنا بجميع ما أمرك أبوك من ميرة أو كسوة فخبرتهما به أجمع فاشترياه وانطلقت حتى لحقت بغالب وحملت ذلك معى أجمع فأتيته وقد بلغه خبرى فسألني كيف صنعت فأخبرته بما كان قال وإنك لتحسن مثل هذا ومسح رأسي ولم يكن يومئذ يقول الشعر وإنما قال الشعر بعد ذلك فكانت في نفس زياد عليه ثم وفد الاحنف بن قيس وجارية بن قدامة من بنى ربيعة بن كعب بن سعد والجون بن قتادة العبشمى والحتات ابن يزيد أبو منازل أحد بنى حوى بن سفيان بن مجاشع إلى معاوية بن أبى سفيان فأعطى كل رحل منهم مائة ألف وأعطى الحتات سبعين ألفا فلما كانوا في الطريق سأل بعضهم بعضا فأخبروه بجوائزهم فكان الحتات أخذ سبعين ألفا فرجع إلى معاوية فقال ما ردك يا أبا منازل قال فضحتني في بنى تميم أما حسبى بصحيح أو لست ذا سن أو لست مطاعا في عشيرتي فقال معاوية بلى قال فما بالك خسست بى دون القوم فقال إنى اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك ورأيك في عثمان ابن عفان وكان عثمانيا فقال وأنا فاشتر منى دينى فأمر له بتمام جائزة القوم وطعن في جائزته فحبسها معاوية فقال الفرزدق في ذلك أبوك وعمى يا معاوى أورثا * تراثا فيحتاز التراث أقاربه فما بال ميراث الحتات أخذته * وميراث حرب جامد لك ذائبه فلولا كأن الامر في جاهلية * علمت من المرء القليل حلائبه ولو كان في دين سوى ذا شنئتم * لنا حقنا أو غص بالماء شاربه ولو كان إذ كنا وفى الكف بسطة * لصمم عضب فيك ماض مضاربه

[ 181 ]

وأنشد محمد بن على وفى الكف مبسط وقد رمت شيئا يا معاوى دونه * خياطف علود صعاب مراتبه وما كنت أعطى النصف من غير قدرة * سواك ولو مالت على كتائبه ألست أعز الناس قوما وأسرة * وأمنعهم جارا إذا ضيم جانبه وما ولدت بعد النبي وآله * كمثلي حصان في الرجال يقاربه أبى غالب والمرء ناجية الذى * إلى صعصع ينمى فمن ذا يناسبه وبيتي إلى جنب الثريا فناؤه * ومن دونه البدر المضئ كواكبه أنا ابن الجبال الصم في عدد الحصى * وعرق الثرى عرقي فمن ذا يحاسبه أنا ابن الذى أحيى الوئيد وضامن * على الدهر إذ عزت لدهر مكاسبه وكم من أب لى يا معاوى لم يزل * أغز يبارى الريح ما ازور جانبه تمته فروع المالكين ولم يكن * أبوك الذى من عبد شمس يقاربه تراه كنصل السيف يهتز للندى * كريما يلاقى المجد ماطر شاربه طويل نجاد السيف مذ كان لم يكن * قصى وعبد الشمس ممن يخاطبه فرد ثلاثين ألفا على أهله وكانت أيضا قد أغضبت زيادا عليه قال فلما استعدت عليه نهشل وفقيم ازداد عليه غضبا فطلبه فهرب فأتى عيسى بن خصيلة بن معتب بن نصر بن خالد البهزى ثم أحد بنى سليم والحجاج بن علاط بن خالد السلمى قال ابن سعد قال أبو عبيدة فحدثني أبو موسى الفضل بن موسى بن خصيلة قال لما طرد زياد الفرزدق جاء إلى عمى عيسى بن خصيلة ليلا فقال يا أبا خصيلة إن هذا الرجل قد أخافني وإن صديقى وجميع من كنت أرجو قد لفظوني وإنى قد أتيتك لتغيبني عندك قال مرحبا بك فكان عنده ثلاث ليال ثم قال إنه قد بد إلى أن ألحق بالشام فقال ما أحببت: إن أقمت معى ففى الرحب والسعة، وإن شخصت فهذه ناقة أرحبية أمتعك بها قال فركب بعد ليل وبعث عيسى معه حتى جاوز البيوت فأصبح وقد جاوز مسيرة ثلاث ليال فقال الفرزق في ذلك حبانى بها البهزى حملان من أبى * من الناس والجانى تخاف جرائمه

[ 182 ]

ومن كان يا عيسى يؤنب ضيفه * فضيفك محبور هنى مطاعمه وقال تعلم أنها أرحبية * وأن لها الليل الذى أنت جاشمه فأصبحت والملقى ورائي وحنبل * وما صدرت حتى علا النجم عاتمه تزاور عن أهل الحفير كأنها * ظليم تبارى جنح ليل نعائمه رأت بين عينيها دوية وانجلى * لها الصبح عن صعل أسيل مخاطمه كأن شراعا فيه مجرى زمامها * بدجلة إلا خطمه وملاغمه إذا أنت جاوزت الغريين فاسلمي * وأعرض من فلج ورائي مخارمه وقال أيضا تداركني أسباب عيسى من الردى * ومن يك مولاه فليس بواحد وهى قصيدة طويلة قال وبلغ زيادا أنه قد شخص فأرسل على بن زهدم أحد بنى نولة بن فقيم في طلبه قال أعين فطلبه في بيت نصرانية يقال لها ابنة مرار من بنى قيس بن ثعلبة تنزل قصيمة كاظمة قال فسألته من كسر فلم بيتها يقدر عليه فقال في ذلك الفرزدق أتيت ابنة المرار أهبلت تبتغى * وما يبتغى تحت السوية أمثالى ولكن بغائى لو أردت لقاءنا * فضاء الصحارى لا ابتغاء بأدغال وقيل إنها ربيعة بنت المرار بن سلامة العجلى أم أبى النجم الراجز قال أبو عبيدة قال مسمع بن عبد الملك فأتى الروحاء فنزل في بكر بن وائل فأمن فقال يمدحهم وقد مثلث أين المسير فلم تجد * لفورتها كالحى بكر بن وائل أعف وأوفى ذمة يعقدونها * إذا وازنت شم الذرى بالكواهل وهى قصيدة طويلة ومدحهم بقصائد أخر غيرها قال فكان الفرزدق إذا نزل زياد البصرة نزل الكوفة وإذا نزل زياد الكوفة نزل الفرزدق البصرة وكان زياد ينزل البصرة ستة أشهر والكوفة ستة أشهر فبلغ زيادا ما صنع الفرزدق فكتب إلى عامله على الكوفة عبد الرحمن بن عبيد إنما الفرزدق فحل الوحوش رعى القفار فإذا ورد عليه الناس ذعر ففارقهم إلى أرض أخرى فرتع فاطلبه

[ 183 ]

حتى تظفر به قال الفرزدق فطلبت أشد طلب حتى جعل من كان يؤوينى يخرجني من عنده فضاقت على الارض فبينا أنا ملفف رأسي في كسائي على ظهر الطريق إذ مر بى الذى جاء في طلبى فلما كان الليل أتيت بعض أخوالى من بنى ضبة وعندهم عرس ولم أكن طعمت قبل ذلك طعاما فقلت آتيهم فأصيب من الطعام قال فبينا أنا قاعد إذ نظرت إلى هادى فرس وصدر رمح قد جاوز باب الدار داخلا إلينا فقاموا إلى حائط قصب فرفعوه فخرجت منه وألقوا الحائط فعاد مكانه ثم قالوا ما رأيناه وبحثوا ساعة ثم خرجوا فلما أصبحنا جاؤني فقالوا اخرج إلى الحجاز عن جوار زياد لا يظفر بك فلو ظفر بك البارحة أهلكتنا وجمعوا ثمن راحلتين وكلموا لى مقاعسا أحد بنى تيم الله بن ثعلبة وكان دليلا يسافر للتجار قال فخرجنا إلى بانقيا حتى انتهينا إلى بعض القصور التى تنزل فلم يفتح لنا الباب فألقينا رحالنا إلى جنب الحائط والليلة مقمرة فقلت يا مقاعس أرأيت إن بعث زياد بعد ما نصبح إلى العتيق رجالا أيقدرون علينا قال نعم يرصدوننا ولم يكونوا جاوزوا العتيق وهو خندق كان للعجم قال فقلت ما تقول العرب قال يقولون أمهله يوما وليلة ثم خذه فارتحل فقال إنى أخاف السباع فقلت السباع أهون من زياد فارتحلنا لا نرى شيئا إلا خلفناه ولزمنا شخص لا يفارقنا فقلت يا مقاعس أترى هذا الشخص لم نمرر بشئ إلا جاوزناه غيره فإنه يسايرنا منذ الليلة قال هذا السبع قال فكأنه فهم كلامنا فتقدم حتى ربض على متن الطريق فلما رأينا ذلك نزلنا فشددنا أيدى ناقتينا بثنايين وأخذت قوسى وقال مقاعس يا ثعلب أتدرى ممن فررنا إليك من زياد فأحصب بذنبه حتى غشينا غباره وغشى ناقتينا قال فقلت أرميه فقال لا تهجه فإنه إذا أصبح ذهب قال فجعل يرعد ويبرق ويزئر ومقاعس يتوعده حتى انشق الصبح فلما رآه ولى وأنشأ الفرزدق يقول ما كنت أحسبنى جبانا بعد ما * لا قيت ليلة جانب الانهار ليثا كأن على يديه رحالة * شثن البراثن مؤجد الاظفار لما سمعت له زمازم أجهشت * نفسي إلى وقلت أين فرارى

[ 184 ]

وربطت جروتها وقلت لها اصبري * وشددت في ضيق المقام إزارى فلانت أهون من زياد جانبا * إذهب إليك محرم الاسفار قال ابن سعد قال أبو عبيدة فحدثني أعين بن لبطة قال حدثنى أبى عن شبث بن ربعى الرياحي قال فأنشدت زيادا هذه الابيات فكأنه رق له وقال لو أتانى لآمنته وأعطيته فبلغ ذلك الفرزدق فقال تذكر هذا القلب من شوقه ذكرا * تذكر شوقا ليس ناسيه عصرا تذكر ظمياء التى ليس ناسيا * وإن كان أدنى عهدها حججا عشرا وما مغزل بالغور غور تهامة * ترعى أراكا في منابته نضرا من الادم حواء المدامع ترعوى * إلى رشأ طفل تخال به فترا أصابت بوادي الولولان حبالة * فما استمسكت حتى حسبن بها نفرا بأحسن من ظمياء يوم تعرضت * ولا مزنة راحت غمامتها قصرا وكم دونها من عاطف في صريمة * وأعداء قوم ينذرون دمى نذرا إذا أوعدوني عند ظمياء ساءها * وعيدي وقالت لا تقولوا له هجرا دعاني زياد ؟ للعطاء ولم أكن * لآتيه ما ساق ذو حسب وفرا وعند زياد لو يريد عطاءهم * رجال كثير قد يرى بهم فقرا قعود لدى الابواب طلاب حاجة * غوان من الحاجات أو حاجة بكرا فلما خشيت أن يكون عطاؤه * أداهم سودا أو محدرجة سمرا نميت إلى حرف أضر بنيها * سرى الليل واستعراضها البلد القفرا تنفس في بهو من الجوف واسع * إذا مد حيزوما شراسيفها الضفرا تراها إذا صام النهار كأنما تسامى فنيقا أو تخالسه خطرا تخوض إذا صاح الصدى بعد هجعة * من الليل ملتجا غياطله حضرا فإن أعرضت زوراء أو شمرت بها * فلاة ترى منها مخارمها غبرا تعادين عن صهب الحصى وكأنما * طحن به من كل رضراضة جمرا وكم من عدو كاشح قد تجاوزت * مخافته حتى تكون لها جسرا

[ 185 ]

يؤم بها الموماة من لا يرى له * إلى ابن أبى سفيان جاها ولا عذرا ولا تعجلانى صاحبي فربما * سبقت بورد الماء غادية كدرا وحضنين من ظلماء ليل سريته * بأغيد قد كان النعاس له سكرا رماه الكرى في الرأس حتى كأنه * أميم جلاميد تركن به وقرا من السير والادلاج تحسب أنما * سقاه الكرى في كل منزلة خمرا جررنا وفديناه حتى كأنما * يرى بهوادى الصبح قنبلة شقرا قال فمضينا وقدمنا المدينة وسعيد بن العاص بن أمية عليها فكان في جنازة فتبعته فوجدته قاعدا والميت يدفن حتى قمت بين يديه فقلت هذا مقام العائذ من رجل لم يصب دما ولا مالا فقال قد أجرت إن لم تكن أصبت دما ولا مالا وقال من أنت قلت أنا همام بن غالب بن صعصعة وقد أثنيت على الامير فإن رأى أن يأذن لى فأسمعه فليفعل قال هات فأنشدته وكوم تنعم الاضياف عينا * وتصبح في مباركها ثقالا حتى أتيت إلى آخرها قال فقال مروان قعودا ينظرون إلى سعيد قلت والله إنك لقائم يا أبا عبد الملك قال وقال كعب بن جعيل هذه والله الرؤيا التى رأيت البارحة قال سعيد وما رأيت قال رأيت كأنى أمشى في سكة من سكك المدينة فإذا أنا بابن قترة في حجر فكأنه أراد أن يتناولني فاتقيته قال فقام الحطيئة فشق ما بين رجلين حتى تجاوز إلى فقال قل ما شئت فقد أدركت من مضى ولا يدركك من بقى وقال لسعيد هذا والله الشعر لا يعلل به منذ اليوم قال فلم نزل بالمدينة مرة وبمكة مرة وقال الفرزدق في ذلك ألا من مبلغ عنى زيادا * مغلغلة يخب بها البريد بأنى قد فررت إلى سعيد * ولا يسطاع ما يحمى سعيد فررت إليه من ليث هزبر * تعادى عن فريسته الاسود فإن شئت انتسبت إلى النصارى * وإن شئت انتسبت إلى اليهود

[ 186 ]

ويروى * وناسبني وناسبت اليهود وإن شئت انتسبت إلى فقيم * وناسبني وناسبت القرود وأبغضهم إلى بنو فقيم * ولكن سوف آتى ما تريد وقال أيضا أتانى وعيد من زياد فلم أنم * وسيل اللوى دوني فهضب التهائم فبت كأنى مشعر خيبرية * سرت في عظامي أوسمام الاراقم زياد بن حرب لن أظنك تاركى * وذا الضغن قد حشمته غير ظالم قال وأنشدنيه عمرو * وبالضغن قد حشمتنى غير ظالم وقد كافحت منى العراق قصيدة * رجوم مع الماضي رسوم المخارم خفيفة أفواه الرواة ثقيلة * على قرنها نزالة بالمواسم وهى طويلة فلم نزل بين مكة والمدينة حتى هلك زياد (وفى هذه السنة) كانت وفاة الحكم بن عمرو الغفاري بمرو منصرفه من غزوة أهل جبل الاشل ذكر الخبر عن غزوة الحكم بن عمرو جبل الاشل وسبب هلاكه * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى حاتم بن قبيصة قال حدثنا غالب بن سليمان عن عبد الرحمن بن صبح قال كنت مع الحكم بن عمرو بخراسان فكتب زياد إلى عمرو أن أهل جبل الاشل سلاحهم اللبود وآنيتهم الذهب فغزاهم حتى توسطوا فأخذوا بالشعاب والطرق فأحدقوا به فعى بالامر فولى المهلب الحرب فلم يزل المهلب يحتال حتى أخذ عظيما من عظمائهم فقال له اختر بين أن أقتلك وبين أن تخرجنا من هذا المضيق فقال له أوقد النار حيال الطريق من هذه الطرق ومر بالائقال فلتوجه نحوه حتى إذا ظن القوم أنكم قد دخلتم الطريق لتسلكوه فانهم يستجمعون لكم ويعرون ما سواه من الطرق فبادرهم إلى غيره فإنهم لا يدركونك حتى تخرج منه ففعلوا ذلك فنجا وغنموا غنيمة عظيمة * حدثنى عمر قال حدثنا على بن محمد قال لما قفل الحكم بن عمرو من غزوة جبل الاشل ولى المهلب ساقته فسلكوا في شعاب ضيقة فعارضه الترك فأخذوا عليهم بالطرق فوجدوا في بعض تلك

[ 187 ]

الشعاب رجلا يتغنى من وراء حائط ببيتين تعز بصبر لا وجدك لا ترى * سنام الحمى أخرى الليالى الغوابر كأن فؤادى من تذكري الحمى * وأهل الحمى يهفو به ريش طائر فأتى به الحكم فسأله عن أمره فقال غايرت ابن عم لى فخرجت ترفعني أرض وتخفضني أخرى حتى هبطت هذه البلاد فحمله الحكم إلى زياد بالعراق قال وتخلص الحكم من وجهه حتى أتى هراة ثم رجع إلى مرو * حدثنا عمر قال حدثنى حاتم بن قبيصة قال حدثنا غالب بن سليمان عن عبد الرحمن بن صبح قال كتب إليه زياد والله لئن بقيت لك لاقطعن منك طابقا سحتا وذلك ان زيادا كتب إليه لما ورد بالخبر عليه بما غنم أن أمير المؤمنين كتب إلى أن أصطفى له صفراء وبيضاء والروائع فلا تحركن شيئا حتى تخرج ذلك فكتب إليه الحكم أما بعد فان كتابك ورد تذكر أن أمير المؤمنين كتب إلى أن أصطفى له كل صفراء وبيضاء والروائع ولا تحركن شيئا فان كتاب الله عز وجل قبل كتاب أمير المؤمنين وإنه والله لو كانت السموات والارض رتقا على عبد اتقى الله عز وجل جعل الله سبحانه وتعالى له مخرجا وقال للناس اغدوا على غنائمكم فغدا الناس وقد عزل الخمس فقسم بينهم تلك الغنائم قال فقال الحكم اللهم إن كان لى عندك خير فاقبضني فمات بخراسان بمرو قال عمر قال على بن محمد لما حضرت الحكم الوفاة بمرو استخلف أنس بن أبى أناس وذلك في سنة 50 ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم وغزوة بسر بن أبى أرطاة الصائفة ومقتل حجر بن عدى وأصحابه ذكر سبب مقتله قال هشام بن محمد عن أبى مخنف عن المجالد بن سعيد والصقعب بن زهير وفضيل ابن خديج والحسين بن عقبة المرادى قال كل قد حدثنى بعض هذا الحديث فاجتمع

[ 188 ]

حديثهم فيما سقت من حديث حجر بن عدى الكندى وأصحابه أن معاوية بن أبى سفيان لما ولى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة 41 دعاه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وقد قال المتلمس لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلما وقد يجزى عنك الحكيم بغير التعلم وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة فأنا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضينى ويسعد سلطاني ويصلح به رعيتي ولست تاركا إيصاءك بخصلة لا تتحم عن شتم على وذمه والترحم على عثمان والاستغفار له والعيب على أصحاب على والاقصاء لهم وترك الاستماع منهم وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والادناء لهم والاستماع منهم فقال المغيرة قد جربت وجربت وعملت قبلك لغيرك فلم يذمم بى دفع ولا رفع ولا وضع فستبلو فتحمد أو تذم ثم قال بل نحمد ان شاء الله قال أبو مخنف قال الصقعب بن زهير سمعت الشعبى يقول ما ولينا وال بعده مثله وان كان لاحقا بصالح من كان قبله من العمال وأقام المغيرة على الكوفة عاملا لمعاوية سبع سنين وأشهرا وهو من أحسن شئ سيرة وأشده حبا للعافية غير أنه لا يدع ذم على والوقوع فيه والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لاصحابه فكان حجر بن عدى إذا سمع ذلك قال بل إياكم فذمم الله ولعن ثم قام فقال إن الله عز وجل يقول (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لاحق بالفضل وأن من تزكون وتطرون أولى بالذم فيقول له المغيرة يا حجر لقد رمى بسهمك إذ كنت أنا الوالى عليك يا حجر ويحك اتق السلطان اتق غضبه وسطوته فان غضبة السلطان أحيانا مما يهلك أمثالك كثيرا ثم يكف عنه ويصفح فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في على وعثمان كما كان يقول وكانت مقالته اللهم ارحم عثمان بن عفان وتجاوز عنه واجزه بأحسن عمله فإنه عمل بكتابك واتبع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم جمع كلمتنا وحقن دماءنا وقتل مظلوما اللهم فارحم أنصاره وأولياءه ومحبيه والطالبين بدمه ويدعو على قتلته فقام حجر بن عدى فنعر نعرة بالمغيرة سمعها

[ 189 ]

كل من كان في المسجد وخارجا منه وقال إنك لا تدرى بمن تولع من هرمك أيها الانسان مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنك قد حبستها عنا وليس ذلك لك ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين وتقريظ المجرمين قال فقام معه أكثر من ثلثى الناس يقولون صدق والله حجر وبرمرلنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنا لا ننتفع بقولك هذا ولا يجدى علينا شيئا وأكثروا في مثل هذا القول ونحوه فنزل المغيرة فدخل واستأذن عليه قومه فأذن لهم فقالوا علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة ويجترئ عليك في سلطانك هذه الجرأة إنك تجمع على نفسك بهذا خصلتين أما اولهما فتهوين سلطانك وأما الاخرى فإن ذلك إن بلغ معاوية كان أسخط له عليه وكان أشدهم له قولا في أمر حجر والتعظيم عليه عبد الله أبى عقيل الثقفى فقال لهم المغيرة إنى قد قتلته إنه سيأتي أمير بعدى فيحسبه مثلى فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بى فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة إنه قد اقترب أجلى وضعف عملي ولا أحب أن أبتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم فيسعدوا بذلك وأشقى ويعز في الدنيا معاوية ويذل يوم القيامة المغيرة ولكني قابل من محسنهم وعاف عن مسيئهم وحامد حليمهم وواعظ سفيههم حتى يفرق بينى وبينهم الموت وسيذكروننى لو قد جربوا العمال بعدى قال أبو مخنف سمعت عثمان بن عقبة الكندى يقول سمعت شيخا للحى يذكر هذا الحديث يقول قد والله جربناهم فوجدناه خيرهم أحمدهم للبرى وأغفرهم للمسئ وأقبلهم للعذر قال هشام قال عوانة فولى المغيرة الكوفة سنة 41 في جمادى وهلك سنة 51 فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبى سفيان فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنا قد جربنا وجربنا وسسنا وساسنا السائسون فوجدنا هذا الامر لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله بالطاعة اللينة المشبه سرها بعلانيتها وغيب أهلها بشاهدهم وقلوبهم بألسنتهم ووجدنا الناس لا يصلحهم إلا لين في غير ضعف وشدة في غير عنف وإنى والله لا أقوم فيكم بأمر إلا أمضيته على إذلاله وليس من كذبة الشاهد عليها من الله

[ 190 ]

والناس أكبر من كذبة إمام على المنبر ثم ذكر عثمان وأصحابه فقرظهم وذكر قتلته ولعنهم فقام حجر ففعل مثل الذى كان يفعل بالمغيرة وقد كان زياد قد رجع إلى البصرة وولى الكوفة عمرو بن الحريث ورجع إلى البصرة فبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة على ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه وأنهم حصبوا عمرو بن الحريث فشخص إلى الكوفة حتى دخلها فأتى القصر فدخله ثم خرج فصعد المنبر وعليه قباء سندس ومطرف خز أخضر قد فرق شعره وحجر جالس في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فان غب البغى والغى وخيم إن هؤلاء جموا فأشروا وأمنوني فاجترؤا على وايم الله لئن لم تستقيموا لاداوينكم بدوائكم وقال ما أنا بشئ إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر وأدعه نكالا لمن بعده ويل أمك يا حجر سقط العشاء بك على سرحان ثم قال أبلغ نصيحة أن راعى إبلها سقط العشاء به على سرحان وأما غير عوانة فانه قال في سبب أمر حجر ما حدثنى على بن حسن قال حدثنا مسلم الجرمى قال حدثنا مخلد بن الحسن عن هشام عن محمد بن سيرين قال خطب زياد يوما في الجمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة فقال له حجر بن عدى الصلاة فمضى في خطبته ثم قال الصلاة فمضى في خطبته فلما خشى حجر فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من الحصا وثار إلى الصلاة وثار الناس معه فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثر عليه فكتب إليه معاوية أن شده في الحديد ثم احمله إلى فلما أن جاء كتاب معاوية أراد قوم حجر أن يمنعوه فقال لا ولكن سمع وطاعة فشد في الحديد ثم حمل إلى معاوية فلما دخل عليه قال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال له معاوية أمير المؤمنين أما والله لا أقيلك ولا أستقيلك أخرجوه فاضربوا عنقه فأخرج من عنده فقال حجر للذين يلون أمره دعوني حتى أصلى ركعتين فقالوا صله فصلى ركعتين خفف فيهما ثم قال لولا أن تظنوا بى غير الذى أنا عليه لاحببت أن تكونا أطول مما كانتا ولئن لم يكن فيما مضى من الصلاة خير فما في هاتين خير ثم قال لمن حضره من أهله لا تطلقوا عنى حديدا ولا تغسلوا

[ 191 ]

عنى دما فإنى ألاقى معاوية غدا على الجادة ثم قدم فضربت عنقه قال مخلد قال هشام كان محمد إذا سئل عن الشهيد يغسل حدثهم حديث حجر قال محمد فلقيت عائشة أم المؤمنين معاوية قال مخلد أظنه بمكة فقالت يا معاوية أين كان حلمك عن حجر فقال لها يا أم المؤمنين لم يحضرني رشيد قال ابن سيرين فبلغنا أنه لما حضرته الوفاة جعل يغرغر بالصوت ويقول يومى منك يا حجر يوم طويل قال هشام عن أبى مخنف قال حدثنى اسماعيل بن نعيم النمري عن حسين بن عبد الله الهمداني قال كنت في شرط زياد فقال زياد لينطلق بعضكم إلى حجر فليدعه قال فقال لى أمير الشرطة وهو شداد بن الهيثم الهلالي اذهب إليه فادعه قال فأتيته فقلت أجب الامير فقال أصحابه لا يأتيه ولا كرامة قال فرجعت إليه فأخبرته فأمر صاحب الشرطة أن يبعث معى رجالا قال فبعث نفرا قال فأتيناه فقلنا أجب الامير قال فسبونا وشتمونا فرجعنا إليه فأخبرناه الخبر قال فوثب زياد بأشراف أهل الكوفة فقال يا أهل الكوفة أتشجون بيد وتأسون بأخرى أبدانكم معى وأهواؤكم مع حجر هذا الهجهاجة الاحمق المذبوب أنتم معى وإخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع حجر هذا والله من دحسكم وغشكم والله لتظهرن لى برأتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم فوثبوا إلى زياد فقالوا معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما ههنا رأى إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين وكل ما ظننا أن فيه رضاك وما يستبين به طاعتنا وخلافنا لحجر فمرنا به قال فليقم كل امرئ منكم إلى هذه الجماعة حول حجر فليدع كل رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كل من استطعتم أن تقيموه ففعلوا ذلك فأقاموا جل من كان مع حجر بن عدى فلما رأى زياد أن جل من كان مع حجر أقيم عنه قال لشداد بن الهيثم الهلالي ويقال هيثم بن شداد أمير شرطته انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به وإلا فمر من معك فلينتزعوا عمد السوق ثم يشدوا بها عليهم حتى يأتوني به ويضربوا من حال دونه فأتاه الهلالي فقال أجب الامير قال فقال أصحاب حجر لا ولا نعمة عين لا نجيبه فقال لاصحابه شدوا على عمد السوق فاشتدوا إليها فأقبلوا بها قد انتزعوها فقال عمير بن

[ 192 ]

يزيد الكندى من بنى هند وهو أبو العمر طة إنه ليس معك رجل معه سيف غيرى وما يغنى عنك قال فما ترى قال قم من هذا المكان فالحق بأهلك يمنعك قومك فقام زياد ينظر إليهم وهو على المنبر فغشوا بالعمد فضرب رجل من الحمراء يقال له بكر بن عبيد رأس عمرو بن الحمق بعمود فوقع وأتاه أبو سفيان بن عويمر والعجلان بن ربيعة وهما رجلان من الازد فحملاه فأتيا به دار رجل من الازد يقال له عبيدالله بن مالك فخبأه بها فلم يزل بها متواريا حتى خرج منها قال أبو مخنف فحدثني يوسف بن يزيد عن عبد الله ابن عوف بن الاحمر قال لما انصرفنا من غزوة باجميرا قبل مقتل مصعب بعام فإذا أنا بأحمرى يسايرنى ووالله ما رأيته من ذلك اليوم الذى ضرب فيه عمرو ابن الحمق وما كنت أرى لو رأيته أن أعرفه فلما رأيته ظننت أنه هو هو وذاك حين نظرنا إلى أبيات الكوفة فكرهت أن أسأله أنت الضارب عمرو بن الحمق فيكابرني فقلت له ما رأيتك من اليوم الذى ضربت فيه رأس عمرو بن الحمق بالعمود في المسجد إلى يومى هذا ولقد عرفتك الآن حين رأيتك فقال لى لا تعدم بصرك ما أثبت نظرك كان ذلك أمر الشيطان أما إنه قد بلغني أنه كان أمرءا صالحا ولقد ندمت على تلك الضربة فأستغفر الله فقلت له ألا ترى والله لا أفترق أنا وأنت حتى أضربك على رأسك مثل الضربة التى ضربتها عمرو بن الحمق أو أموت أو تموت فناشدني الله وسألني الله فأبيت عليه ودعوت غلاما لى يدعى رشيدا من سبى أصبهان معه قناة له صلبة فأخذتها منه ثم أحمل عليه بها فنزل عن دابته وألحقه حين استوت قدماه بالارض فأصفع بها هامته فخر لوجهه ومضيت وتركته فبرأ بعد فلقيته مرتين من الدهر كل ذلك يقول الله بينى وبينك وأقول الله عز وجل بينك وبين عمرو بن الحمق (ثم رجع) إلى أول الحديث قال فلما ضرب عمرا تلك الضربة وحمله ذانك الرجلان انحاز أصحاب حجر إلى أبواب كندة ويضرب رجل من جذام كان في الشرطة رجلا يقال له عبد الله بن خليفة الطائى بعمود فضربه ضربة فصرعه فقال وهو يرتجز قد علمت يوم الهياج خلتى * أنى إذا ما فئتى تولت

[ 193 ]

وكثرت عداتها أو قلت * أتى قتال غداة بلت وضربت يد عائذ بن حملة التميمي وكسرت نابه فقال إن تكسروا نابى وعظم ساعدى * فإن في سورة المناجد وبعض شغب البطل المبالد وينتزع عمودا من بعض الشرط فقاتل به وحمى حجرا وأصحابه حتى خرجوا من تلقاء أبواب كندة وبغلة حجر موقوفة فأتى بها أبو العمرطة إليه ثم قال اركب لا أب لغيرك فوالله ما أراك إلا قد قتلت نفسك وقتلتنا معك فوضع حجر رجله في الركاب فلم يستطع أن ينهض فحمله أبو العمرطة على بغلته ووثب أبو العمرطة على فرسه فما هو إلا أن استوى عليه حتى انتهى إليه يزيد بن طريف المسلى وكان يغمز فضرب أبا العمرطة بالعمود على فخذه ويخترط أبو العمرطة سيفه فضرب به رأس يزيد بن طريف فخر لوجهه ثم إنه برأ بعد فله يقول عبد الله بن همام السلولى ألوم ابن لؤم ما عدا بك حاسرا * إلى بطل ذى جرأة وشكيم معاود ضرب الدارعين بسيفه * على الهام عند الروع غير لئيم إلى فارس الغارين يوم تلاقيا * بصفين قرم خير نجل قروم حسبت ابن برصاء الحتار قتاله * قتالك زيدا يوم دار حكيم وكان ذلك السيف أول سيف ضرب به في الكوفة في الاختلاف بين الناس ومضى حجر وأبو العمرطة حتى انتهيا إلى دار حجر واجتمع إلى حجر ناس كثير من أصحابه وخرج قيس بن قهدان الكندى على حمار له يسير في مجالس كندة يقول يا قوم حجر دافعوا وصاولوا * وعن أخيكم ساعة فقاتلوا لا يلفيا منكم لحجر خاذل * أليس فيكم رامح ونابل وفارس مستلئم وراجل * وضارب بالسيف لا يزايل فلم يأته من كندة كثير أحد وقال زياد وهو على المنبر ليقم همدان وتميم وهوازن وأبناء أعصر ومذحج وأسد وغطفان فليأتوا جبانة كندة فليمضوا من ثم إلى حجر فليأتوني به ثم إنه كره أن يسير طائفة من مضر مع طائفة من أهل اليمن فيقع

[ 194 ]

بينهم شغب واختلاف وتفسد ما بينهم الحمية فقال لتقم تميم وهوازن وأبناء أعصر وأسد وغطفان ولتمض مذحج وهمدان إلى جبانة كندة ثم لينهضوا إلى حجر فليأتوني به وليسر سائر أهل اليمن حتى ينزلوا جبانة الصائديين فليمضوا إلى صاحبهم فليأتوني به فخرجت الازد وبجيلة وخثعم والانصار وخزاعة وقضاعة فنزلوا جبانة الصائديين ولم تخرح حضرموت مع أهل اليمن لمكانهم من كندة وذلك أن دعوة حضرموت مع كندة فكرهوا الخروج في طلب حجر قال أبو مخنف حدثنى يحيى ابن سعيد بن مخنف عن محمد بن مخنف قال إنى لمع أهل اليمن في جبانة الصائديين إذ اجتمع رؤوس أهل اليمن يتشاورون في أمر حجر فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف أنا مشير عليكم برأى إن قبلتموه رجوت أن تسلموا من اللائمة والاثم أرى لكم أن تلبثوا قليلا فإن سرعان شباب همدان ومذحج يكفونكم ما تكرهون أن تلوا من مساة قومكم في صاحبكم قال فأجمع رأيهم على ذلك قال فوالله ما كان إلا كلا ولا حتى أتينا فقيل لنا إن مذحج وهمدان قد دخلوا فأخذوا كل من وجدوا من بنى جبلة قال فمر أهل اليمن في نواحى دور كندة معذرين فبلغ ذلك زيادا فأثنى على مذحج وهمدان وذم سائر أهل اليمن وإن حجرا لما انتهى إلى داره فنظر إلى قلة من معه من قومه وبلغه أن مذحج وهمدان نزلوا جبانة كندة وسائر أهل اليمن جبانة الصائديين قال لاصحابه انصرفوا فوالله ما لكم طاقة بمن قد اجتمع عليكم من قومكم وما أحب أن أعرضكم للهلاك فذهبوا لينصرفوا فلحقتهم أوائل خيل مذحج وهمدان فعطف عليهم عمير بن يزيد وقيس بن يزيد وعبيدة بن عمرو البدى وعبد الرحمن بن محرز الطمحى وقيس بن شمر فتقاتلوا معهم فقاتلوا عنه ساعة فحرحوا وأسر قيس بن يزيد وأفلت سائر القوم فقال لهم حجر لا أبا لكم تفرقوا لا تقاتلوا فإنى آخذ في بعض السكك ثم أخذ طريقا نحو بنى حرب فسار حتى انتهى إلى دار رجل منهم يقال له سليم بن يزيد فدخل داره وجاء القوم في طلبه حتى انتهوا إلى تلك الدار فأخذ سليم بن يزيد سيفه ثم ذهب ليخرج إليهم فبكت بناته فقال له حجر ما تريد قال أريد والله أسألهم أن ينصرفوا عنك فإن فعلوا وإلا ضاربتهم

[ 195 ]

بسيفي هذا ما ثبت قائمه في يدى دونك فقال حجر لا أبا لغيرك بئس ما دخلت به إذا على بناتك قال إنى والله ما أمونهن ولا رزقهن إلا على الحى الذى لا يموت ولا أشترى العار بشئ أبدا ولا تخرج من دارى أسيرا أبدا وأنا حى أملك قائم سيفى فإن قتلت دونك فاصنع ما بدا لك قال حجر أما في دارك هذه حائط أقتحمه أو خوخة أخرج منها عسى أن يسلمني الله عز وجل منهم ويسلمك فإذا القوم لم يقدروا على عندك لم يضروك قال بل هذه خوخة تخرجك إلى دور بنى العنبر وإلى غيرهم من قومك فخرج حتى مر ببنى ذهل فقالوا له مر القوم آنفا في طلبك يقفون أثرك فقال منهم أهرب قال فخرج ومعه فتية منهم يتقصون به الطريق ويسلكون به الازقة حتى أفضى إلى النخع فقال لهم عند ذلك انصرفوا رحمكم الله فانصرفوا عنه وأقبل إلى دار عبد الله بن الحارث أخى الاشتر فدخلها فإنه لكذلك قد ألقى له الفرش عبد الله وبسط له البسط وتلقاه ببسط الوجه وحسن البشر إذ أتى فقيل له إن الشرط تسأل عنك في النخع وذلك إن أمة سوداء يقال لها أدماء لقيتهم فقالت من تطلبون قالوا نطلب حجرا قالت ها هو ذا قد رأيته في النخع فانصرفوا نحو النخع فخرج من عند عبد الله متنكرا وركب معه عبد الله بن الحارث ليلا حتى أتى دار ربيعة بن ناجد الازدي في الازد فنزلها يوما وليلة فلما أعجزهم أن يقدروا عليه دعا زياد بمحمد بن الاشعث فقال له يا أبا ميثاء أما والله لتأتينى بحجر أولا لا أدع لك نخلة إلا قطعتها ولا دارا إلا هدمتها ثم لا تسلم منى حتى أقطعك إربا إربا قال أمهلنى حتى أطلبه قال قد أمهلتك ثلاثا فان جئت به وإلا عد نفسك مع الهلكى وأخرج محمد نحو السجن منتقع اللون يتل تلا عنيفا فقال حجر بن يزيد الكندى لزياد ضمنيه وخل سبيله يطلب صاحبه فانه مخلى سربه أخرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسا فقال أتضمنه قال نعم قال أما والله لئن حاص عنك لازيرنك شعوب وان كنت الآن على كريما قال انه لا يفعل فخلى سبيله ثم ان حجر بن يزيد كلمه في قيس بن يزيد وقد أتى به أسيرا فقال لهم ما على قيس بأس قد عرفنا رأيه في عثمان وبلاءه يوم صفين مع أمير المؤمنين ثم أرسل إليه

[ 196 ]

فأتى به فقال له انى قد علمت انك لم تقاتل مع حجر أنك ترى رأيه ولكن قاتلت معه حمية قد غفرتها لك لما أعلم من حسن رأيك وحسن بلائك ولكن لن أدعك حتى تأتيني بأخيك عمير قال أجيئك به ان شاء الله قال فهات من يضمنه لى معك قال هذا حجر بن يزيد يضمنه لك معى قال حجر بن يزيد نعم أضمنه لك على ان تؤمنه على ماله ودمه قال ذلك لك فانطلقا فأتيا به وهو جريح فأمر به فأوقر حديدا ثم أخذته الرجال ترفعه حتى إذا بلغ سورها ألقوه فوقع على الارض ثم رفعوه وألقوه ففعلوا به ذلك مرارا فقام إليه حجر بن يزيد فقال ألم تؤمنه على ماله ودمه أصلحك الله قال بلى قد آمنته على ماله ودمه ولست أهريق له دما ولا آخذ له مالا قال أصلحك الله يشفى به على الموت ودنا منه وقام من كان عنده من أهل اليمن فدنوا منه وكلموه فقال أتضمنونه لى بنفسه فمتى ما أحدث حدثا أتيتموني به قالوا نعم قال وتضمنون لى أرش ضربة المسلى قالوا ونضمنها فخلى سبيله ومكث حجر بن عدى في منزل ربيعة بن ناجد الازدي يوما وليلة ثم بعث حجر إلى محمد بن الاشعث غلاما له يدعى رشيدا من أهل إصبهان أنه قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبار العنيد فلا يهولنك شئ من أمره فانى خارج اليك أجمع نفرا من قومك ثم ادخل عليه فاسأله أن يؤمننى حتى يبعث بى إلى معاوية فيرى في رأيه فخرج ابن الاشعث إلى حجر بن يزيد وإلى جرير بن عبد الله وإلى عبد الله بن الحارث أخى الاشتر فأتاهم فدخلوا إلى زياد فكلموه وطلبوا إليه أن يؤمنه حتى يبعث به إلى معاوية فيرى فيه رأيه ففعل فبعثوا إليه رسوله ذلك يعلمونه ان قد أخذنا الذى تسأل وأمروه أن يأتي فأقبل حتى دخل على زياد فقال زياد مرحبا بك أبا عبد الرحمن حرب في أيام الحرب وحرب وقد سالم الناس * على أهلها تجنى براقش * قال ما خالعت طاعة ولا فارقت جماعة وإنى لعلى بيعتى فقال هيهات هيهات يا حجر تشج بيد وتأسوا بأخرى وتريد إذ أمكن الله منك أن نرضى كلا والله قال ألم تؤمنى حتى آتى معاوية فيرى في رأيه قال بلى قد فعلنا انطلقوا به إلى السجن فلما قفى به من عنده قال زياد أما والله لولا أمانة ما برح أو يلفظ مهجة نفسه (قال هشام بن عروة) حدثنى عوانة

[ 197 ]

قال قال زياد والله لاحرصن على قطع خيط رقبته قال هشام بن محمد عن أبى مخنف وحدثني المجالد بن سعيد عن الشعبى وزكرياء بن أبى زائدة عن أبى اسحاق أن حجرا لما قفى به من عند زياد نادى بأعلى صوته اللهم إن على بيعتى لا أقيلها ولا أستقيلها سماع الله والناس وكان عليه برنس في غداة باردة فحبس عشر ليال وزياد ليس له عمل إلا طلب رؤساء أصحاب حجر فخرج عمرو بن الحمقى ورفاعة بن شداد حتى نزلا المدائن ثم ارتحلا حتى أتيا أرض الموصل فأتيا جبلا فكمنا فيه وبلغ عامل ذلك الرستاق أن رجلين قد كمنا في جانب الجبل فاستنكر شأنهما وهو رجل من همدان يقال له عبد الله بن أبى بلتعة فسار إليها في الخيل نحو الجبل ومعه أهل البلد فلما انتهى اليهما خرجا فأما عمرو بن الحمق فكان مريضا وكان بطنه قد سقى فلم يكن عنده امتناع وأما رفاعة بن شداد وكان شابا قويا فوثب على فرس له جواد فقال له أقاتل عنك قال وما ينفعني أن تقاتل انج بنفسك إن استطعت فحمل عليهم فأفرجوا له فخرج تنفر به فرسه وخرجت الخيل في طلبه وكان راميا فأخذ لا يلحقه فارس إلا رماه فجرحه أو عقره فانصرفوا عنه وأخذ عمرو بن الحمق فسألوه من أنت فقال من إن تركتموه كان أسلم لكم وإن قتلتموه كان أضر لكم فسألوه فأبى أن يخبرهم فبعث به ابن أبى بلتعة إلى عامل الموصل وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفى فلما رأى عمرو بن الحمق عرفه وكتب إلى معاوية بخبره فكتب إليه معاوية انه زعم أنه طعن عثمان بن عفان تسع طعنات بمشاقص كانت معه وإنا لا نريد أن نعتدي عليه فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان فأخرج فطعن تسع طعنات فمات في الاولى منهن أو الثانية (قال أبو مخنف) وحدثني المجالد عن الشعبى وزكرياء بن أبى زائدة عن ابن اسحاق قال وجه زياد في طلب أصحاب حجر فأخذوا يهربون منه ويأخذ من قدر عليه منهم فبعث إلى قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسى صاحب الشرطة وهو شداد بن الهيثم فدعا قبيصة في قومه وأخذ سيفه فأتاه ربعى بن حراش بن جحش العبسى ورجال من قومه ليسوا بالكثير فأراد أن يقاتل فقال صاحب الشرطة أنت آمن على دمك ومالك فلم تقتل نفسك فقال له أصحابه قد أو منت فعلام تقتل

[ 198 ]

نفسك وتقتلنا معك قال ويحكم إن هذا الدعى ابن العاهرة والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدا أو يقتلنى قالوا كلا فوضع يده في أيديهم فأقبلوا به إلى زياد فلما دخلوا عليه قال زياد وحى عسى تعزونى على الدين أما والله لاجعلن لك شاغلا عن تلقيح الفتن والتوثب على الامراء قال إنى لم تك إلا على الامان قال انطلقوا به إلى السجن وجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له إن امرءا منا من بنى همام يقال له صيفي بن فسيل من رؤس أصحاب حجر وهو أشد الناس عليك فبعث إليه زياد فأتى به فقال له زياد يا عدو الله ما تقول في أبى تراب قال ما أعرف أبا تراب قال ما أعرفك به قال ما أعرفه قال أما تعرف على بن أبى طالب قال بلى قال فذاك أبو تراب قال كلا ذاك أبو الحسن والحسين عليه السلام فقال له صاحب الشرطة يقول لك الامير هو أبو تراب وتقول أنت لا قال وإن كذب الامير أتريد أن أكذب وأشهد له على باطل كما شهد قال له زياد وهذا أيضا مع ذنبك على بالعصا فأتى بها فقال ما قولك قال أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين قال اضربوا عانقه بالعصا حتى يلصق بالارض فضرب حتى لزم الارض ثم قال اقلعوا عنه إيه ما قولك في على قال والله لو شرحتنى بالمواسى والمدى ما قلت إلا ما سمعت منى قال لتلعننه أو لاضربن عنقك قال إذا تضربها والله قبل ذلك فان أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله وشقيت أنت قال ادفعوا في رقبته ثم قال أوقروه حديدا وألقوه في السجن ثم بعث إلى عبد الله بن خليفة الطائى وكان شهد مع حجر وقاتلهم قتالا شديدا فبعث إليه زياد بكير بن حمران الاحمري وكان تبيع العمال فبعثه في أناس من أصحابه فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عدى بن حاتم فأخرجوه فلما أرادوا أن يذهبوا به وكان عزيز النفس امتنع منهم فحاربهم وقاتلهم فشجره ورموه بالحجارة حتى سقط فنادت ميثاء أخته يا معشر طيئ أتسلمون ابن خليفة لسانكم وسنانكم فلما سمع الاحمري نداءها خشى أن تجتمع طيئ فيهلك فهرب وخرج نسوة من طيئ فأدخلنه دارا وينطلق الاحمري حتى أن زيادا فقال إن طيئا اجتمعت إلى فلم أطقهم أفأتيتك فبعث زياد إلى عدى وكان في

[ 199 ]

المسجد فحبسه وقال جئني به وقد أخبر عدى بخبر عبد الله فقال عدى كيف آتيك برجل قد قتله القوم قال جئني حتى أرى أن قد قتلوه فاعتل له وقال لا أدرى أين هو ولا ما فعل فحبسه فلم يبق رجل من أهل المصر من أهل اليمن وربيعة ومصر إلا فزع لعدى فأتوا زيادا فكلموه فيه وأخرج عبد الله فتغيب في بحتر فأرسل إلى عدى إن شئت أن أخرج حتى أضع يدى في يدك فعلت فبعث إليه عدى والله لو كانت تحت قدمى ما رفعتهما عنك فدعا زياد عديا فقال له إنى أخلى سبيلك على أن تجعل لى لتنفيه من الكوفة والتسير به إلى الجبلين قال نعم فرجع وأرسل إلى عبد الله بن خليفة اخرج فلو قد سكن غضبه لكلمته فيك حتى ترجع إن شاء الله فخرج إلى الجبلين وأتى زياد بكريم بن عفيف الخثعمي فقال ما اسمك قال أنا كريم ابن عفيف قال ويحك أو ويلك ما أحسن اسمك واسم أبيك وأسوأ عملك ورأيك قال أما والله إن عهدك برأيى لمنذ قريب * ثم بعث زياد إلى أصحاب حجر حتى جمع اثنى عشر رجلا في السجن ثم إنه دعا رءوس الارباع فقال اشهدوا على حجر بما رأيتم منه وكان رؤس الارباع يومئذ عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة على ربع ربيعة وكندة وأبو بردة بن أبى موسى على مذحج وأسد فشهد هؤلاء الاربعة ان حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلى حرب أمير المؤمنين * وزغم أن هذا الامر لا يصلح إلا في آل أبى طالب ووئب بالمصر وأخرج عامل أمير المؤمنين وأظهر عذر أبى تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه وأن هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه وعلى مثل رأيه وأمره ثم أمر بهم ليخرجوا فأتاه قيس بن الوليد فقال إنه قد بلغني أن هؤلاء إذا خرج بهم عرض لهم فبعث زياد إلى الكناسة فابتاع إبلا صعابا فشد عليها المحامل ثم حملهم عليها في الرحبة أول النهار حتى إذا كان العشاء قال زياد من شاء فليعرض فلم يتحرك من الناس أحد ونظر زياد في شهادة الشهود فقال ما أظن هذه الشهادة قاطعة وإنى لاحب أن تكون الشهود أكثر من أربعة *

[ 200 ]

قال أبو مخنف فحدثني الحارث بن حصيرة عن أبى الكنود وهو عبد الرحمن ابن عبيد وأبو مخنف عن عبد الرحمن بن جندب وسليمان بن أبى راشد عن أبى الكنود بأسماء هؤلاء الشهود (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبى موسى لله رب العالمين شهد أن حجر بن عدى خلع الطاعة وفارق الجماعة ولعن الخليفة ودعا إلى الحرب والفتنة وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع أمير المؤمنين معاوية وكفر بالله عز وجل كفرة صلعاء فقال زياد على مثل هذه الشهادة فاشهدوا أما والله لاجهدن على قطع خيط عنق الخائن الاحمق فشهد رؤوس الارباع على مثل شهادته وكانوا أربعة ثم إن زيادا دعا الناس فقال اشهدوا على مثل شهادة رؤوس الارباع فقرأ عليهم الكتاب فقام أول الناس عناق بن شرحبيل بن أبى دهم التيمى تيم الله بن ثعلبة فقال بينوا اسمى فقال زياد ابدؤا بأسامى قريش ثم اكتبوا اسم عناق في الشهود ومن نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالنصيحة والاستقامة فشهد إسحاق بن طلحة بن عبيدالله وموسى بن طلحة وإسماعيل بن طلحة بن عبيدالله والمنذر بن الزبير وعمارة ابن عقبة بن أبى معيط وعبد الرحمن بن هناد وعمر بن سعد بن أبى وقاص وعامر بن مسعود بن أمية بن خلف ومحرز بن جارية بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس وعبيدالله بن مسلم بن شعبة الحضرمي وعناق بن شرحبيل بن أبى دهم ووائل ابن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب بن حصين الحارثى وقطن بن عبد الله بن حصين والسرى بن وقاص الحارثى وكتب شهادته وهو غائب في عمله والسائب والاقرع الثقفى وشبيب بن ربعى وعبد الله بن أبى عقيل الثققى ومصقلة بن هبيرة الشيباني والقعقاع بن شور الذهلى وشداد بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلى وكان يدعى ابن بزيعة فقال ما لهذا أب ينسب إليه ألقوا هذا من الشهود فقيل له انه أخو الحصين وهو ابن المنذر قال فانسبوه إلى أبيه فنسب إلى أبيه فبلغت شدادا فقال ويلى على ابن الزانية أو ليست أمه أعرف من أبيه والله ما ينسب إلا إلى أمه سمية وحجار بن أبجر العجلى فغضبت ربيعة على هؤلاء الشهود الذين شهدوا من

[ 201 ]

ربيعة وقالوا لهم شهدتم على أوليائنا وخلفائنا فقالوا ما نحن إلا من الناس وقد شهد عليهم ناس من قومهم كثير وعمرو بن الحجاج الزبيدى ولبيد بن عطارد التميمي ومحمد بن عمير بن عطارد التميمي وسويد بن عبد الرحمن التميمي من بنى سعد وأسماء بن خارجة الفزارى كان يعتذر من أمره وشمر بن ذى الجوشن العامري وشداد ومروان ابنا الهيثم الهلاليان ومحصن بن ثعلبة من عائذة قريش والهيثم بن الاسود النخعي وكان يعتذر إليهم وعبد الرحمن بن قيس الاسدي والحارث وشداد ابنا الازمع الهمدانيان ثم الوادعيان وكريب بن سلمة بن يزيد الجعفي وعبد الرحمن بن أبى سبرة الجعفي وزحر بن قيس الجعفي وقدامة بن العجلان الازدي وعزرة بن عزرة الاحمسي ودعا المختار بن أبى عبيد وعروة ابن المغيرة بن شعبة ليشهدوا عليه فراغا وعمر بن قيس ذى اللحية وهانئ بن أبى حية الوادعيان فشهد عليه سبعون رجلا فقال زياد ألقوهم إلا من قد عرف بحسب وصلاح في دينه فألقوا حتى صيروا إلى هذه العدة وألقيت شهادة عبد الله ابن الحجاج التغلبي وكتبت شهادة هؤلاء الشهود في صحيفة ثم دفعها إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب الحارثى وبعثهما عليهم وأمرهما أن يخرجا بهم وكتب في الشهود شريح بن الحارث القاضى وشريح بن هانئ الحارثى فأما شريح فقال سألني عنه فأخبرته أنه كان صواما قواما وأما شريح بن هانئ الحارثى فكان يقول ما شهدت ولقد بلغني أن قد كتبت شهادتى فأكذبته ولمته وجاء وائل ابن حجر وكثير بن شهاب فأخرج القوم عشية وسار معهم صاحب الشرطة حتى أخرجهم من الكوفة فلما انتهوا إلى جبانة عرزم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسى إلى داره وهى في جبانة عرزم فإذا بناته مشرفات فقال لوائل وكثير ائذنا لى فأوصى أهلى فأذنا له فلما دنا منهن وهن يبكين سكت عنهن ساعة ثم قال اسكتن فسكتن فقال اتقين الله عز وجل واصبرن فانى أرجو من ربى في وجهى هذا احدى الحسنيين إما الشهادة وهى السعادة وإما الانصراف اليكن في عافية وإن الذى كان يرزقكن ويكفينى مؤنتكن هو الله تعالى وهو حى لا يموت أرجو أن لا يضيعكن

[ 202 ]

وأن يحفظني فيكن ثم انصرف فمر بقومه فجعل القوم يدعون الله له بالعافية فقال إنه لمما يعدل عندي خطر ما أنا فيه هلاك قومي يقول حيث لا ينصرونني وكان رجا أن يخلصوه. قال أبو مخنف فحدثني النضر بن صالح العبسى عن عبيدالله بن الحر الجعفي قال والله إنى لواقف عند باب السرى بن أبى وقاص حين مروا بحجر وأصحابه قال فقلت ألا عشرة رهط أستنقذ بهم هؤلاء إلا خمسة قال فجعل يتلهف قال فلم يجبنى أحد من الناس قال فمضوا بهم حتى انتهوا بهم إلى الغريين فلحقهم شريح بن هانئ معه كتاب فقال لكثير بلغ كتابي هذا إلى أمير المؤمنين قال ما فيه قال لا تسألني فيه حاجتى فأبى كثير وقال ما أحب أن آتى أمير المؤمنين بكتاب لا أدرى ما فيه وعسى أن لا يوافقه فأتى به وائل به حجر فقبله منه ثم مضوا بهم حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء وبينها وبين دمشق اثنا عشر ميلا تسمية الذين بعث بهم إلى معاوية حجر بن عدى بن جبلة الكندى والارقم بن عبد الله الكندى من بنى الارقم وشريك بن شداد الحضرمي وصيفى بن فسيل وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسى وكريم بن عفيف الخثعمي من بنى عامر بن شهران ثم من قحافة وعاصم بن عوف البجلى وورقاء بن سمى البجلى وكدام بن حيان وعبد الرحمن بن حسان العنزيان من بنى هميم ومحرز بن شهاب التميمي من بنى منقر وعبد الله بن حوية السعدى من بنى تميم فمضوا بهم حتى نزلوا مرج عذراء فحبسوا بها ثم إن زيادا أتبعهم برجلين آخرين مع عامر بن الاسود العجلى بعتبة بن الاخنس من بنى سعد بن بكر بن هوازن وسعد بن نمران الهمداني ثم الناعطى فتموا أربعة عشر رجلا فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما وفض كتابهما فقرأه على أهل الشام فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من زياد بن أبى سفيان أما بعد فان الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء فكاد له عدوه وكفاه مؤنة من بغى عليه ان طواغيت من هذه الترابية السبائية رأسهم حجر بن عدى خالفوا أمير المؤمنين وفارقوا جماعة المسلمين ونصبوا لنا الحرب فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم

[ 203 ]

وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوى السن والدين منهم ؟ فشهدوا عليهم بما رأوا وعملوا وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا فلما قرأ الكتاب وشهادة الشهود عليهم قال ماذا ترون في هؤلاء النفر الذين شهد عليهم قومهم بما تستمعون فقال له يزيد بن أسد البجلى أرى أن تفرقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواغيتها ودفع وائل بن حجر كتاب شريح بن هانئ إلى معاوية فقرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من شريح بن هانئ أما بعد فإنه بلغني أن زيادا كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدى وأن شهادتى على حجر أنه ممن يقيم الصلاة وبؤتى الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حرام الدم والمال فإن شئت فاقتله وإن شئت فدعه فقرأ كتابه على وائل بن حجر وكثير فقال ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم فحبس القوم بمرج عذراء وكتب معاوية إلى زياد أما بعد فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه وشهادة من قبلك عليهم فنظرت في ذلك فأحيانا أرى قتلهم أفضل من تركهم وأحيانا أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم والسلام فكتب إليه زياد مع يزيد بن حجية بن ربيعة التيمى أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت رأيك في حجر وأصحابه فعجبت لاشتباه الامر عليك فيهم وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هو أعلم بهم فإن كانت لك حاجة في هذا المصر فلا تردن حجرا وأصحابه إلى فأقبل يزيد بن حجية حتى مر بهم بعذراء فقال يا هؤلاء أما والله ما أرى برأتكم ولقد جئت بكتاب فيه الذبح فمرونى بما أجبتم مما ترون أنه لكم نافع أعمل به لكم وأنطق به فقال حجر أبلغ معاوية أنا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها وأنه إنما شهد علينا الاعداء والاظناء فقدم يزيد بالكتاب إلى معاوية فقرأه وبلغه يزيد مقالة حجر فقال معاوية زياد أصدق عندنا من حجر فقال عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفى ويقال عثمان بن عمير الثقفى جذاذها جذاذها فقال له معاوية لا تعن أبرا فخرج أهل الشأم ولا يدرون ما قال معاوية وعبد الرحمن فأتوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابن أم الحكم فقال النعمان

[ 204 ]

قتل القوم وأقبل عامر بن الاسود العجلى وهو بعذراء يريد معاوية ليعلمه علم الرجلين اللذين بعث بهما زياد فلما ولى ليمضى قام إليه حجر بن عدى يرسف في القيود فقال يا عامر اسمع منى أبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام وأخبره أنا قد أومنا وصالحناه فليتق الله ولينظر في أمرنا فقال له نحوا من هذا الكلام فأعاد عليه حجر مرارا فكان الآخر عرض فقال قد فهمت لك أكثرت فقال له حجر إنى ما سمعت بعيب وعلى أنه يلوم إنك والله تحبى وتعطى وإن حجرا يقدم ويقتل فلا ألومك أن تستثقل كلامي اذهب عنك فكأنه استحيى فقال لا والله ما ذلك بى ولابلغن ولاجهدن وكأنه يزعم أنه قد فعل وأن الآخر أبى فدخل عامر على معاوية فأخبره بأمر الرجلين قال وقام يزيد بن أسد البجلى فقال يا أمير المؤمنين هب لى ابني عمى وقد كان جرير بن عبد الله كتب فيهما أن امرأين من قومي من أهل الجماعة والرأى الحسن سعى بهما ساع ظنين إلى زياد فبعث بهما في النفر الكوفيين الذين وجه بهم زياد إلى أمير المؤمنين وهما ممن لا يحدث حدثا في الاسلام ولا بغيا على الخليفة فلينفعهما ذلك عند أمير المؤمنين فلما سألهما يزيد ذكر معاوية كتاب جرير فقال قد كتب إلى ابن عمك فيهما جرير محسنا عليهما الثناء وهو أهل أن يصدق قوله ويقبل نصيحته وقد سألتنى ابني عمك فهما لك وطلب وائل بن حجر في الارقم فتركه له وطلب أبو الاعور السلمى في عتبة بن الاخنس فوهبه له وطلب حمرة بن مالك الهمداني في سعد بن نمران الهمداني فوهبه له وكلمه حبيب ابن مسلمة في ابن حوية فخلى سبيله وقام ملك بن هبيرة السكوني فقال لمعاوية عمك يا أمير المؤمنين دع لى ابن عمى حجرا فقال إن ابن حجرا رأس القوم وأخاف إن خليت سبيله أن يفسد على مصرى فيضطرنا غدا إلى أن نشخصك وأصحابك إليه بالعراق فقال له والله ما أنصفتني يا معاوية قاتلت معك ابن عمك فتلقاني منهم يوم كيوم صفين حتى ظفرت كفك وعلا كعبك ولم تخف الدوائر ثم سألتك ابن عمى فسطوت وبسطت من القول بما لا أنتفع به وتخوفت فيما زعمت عاقبة الدوائر ثم انصرف فجلس في بيته فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعى من

[ 205 ]

بنى سلامان بن سعد والحصين بن عبد الله الكلابي وأبا شريف البدى فأتوهم عند المساء فقال الخثعمي حين رأى الاعور مقبلا يقتل نصفنا وينجو نصفنا فقال سعد ابن نمران اللهم اجعلني ممن ينجو وأنت عنى راض فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي اللهم اجعلني من ؟ تكرم بهوانهم وأنت عنى راض فطالما عرضت نفسي للقتل فأبى الله إلا ما أراد فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية فقال لهم رسول معاوية إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من على واللعن له فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم وإن أمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم غير أنه قد عفى عن ذلك فابرؤا من هذا الرجل نخل سبيلكم قالوا اللهم إنا لسنا فاعلي ذلك فأمر بقبورهم فحفرت وأدنيت أكفانهم وقاموا الليل كله يصلون فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية يا هؤلاء لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان قالوا هو أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق فقال أصحاب معاوية أمير المؤمنين كان أعلم بكم ثم قاموا إليهم فقالوا تبرؤن من هذا الرجل قالوا بل نتولاه ونتبرأ ممن تبرأ منه فأخذ كل رجل منهم رجلا ليقتله ووقع قبيصة بن ضبيعة في يدى أبى شريف البدى فقال له قبيصة إن الشر بين قومي وبين قومك أمن فليقتلني سواك فقال له برتك رحم فأخذ الحضرمي فقتله وقتل القضاعى قبيصة بن ضبيعة قال ثم إن حجرا قال لهم دعوني أتوضأ قالوا له توضأ فلما أن توضأ قال لهم دعوني أصل ركعتين فأيمن الله ما توضأت قط إلا صليت ركعتين قالوا ليصل فصلى ثم انصرف فقال والله ما صليت صلاة قط أقصر منها ولولا أن تروا أن ما بى جزع من الموت لاحببت أن أستكثر منها ثم قال اللهم إنا نستعديك على أمتنا فإن أهل الكوفة شهدوا علينا وإن أهل الشأم يقتلوننا أما والله لئن قتلتموني بها إنى لاول فارس من المسلمين هلك في واديها وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها فمشى إليه الاعور هدبة بن فياض بالسيف فأرعدت خصائله فقال كلا زعمت أنك لا تجزع من الموت فأنا أدعك فأبرأ من صاحبك فقال مالى لا أجزع

[ 206 ]

وأنا أرى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا وإنى والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب فقتله وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتى قتلوا ستة فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن عفيف الخثعمي ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته فبعثوا إلى معاوية يخبرونه بمقالتهما فبعث إليهم أن ائتونى بهما فلما دخلا عليه قال الخثعمي الله الله يا معاوية فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ثم مسئول عما أردت بقتلنا وفيم سفكت دماءنا فقال معاوية ما تقول في على قال أقول فيه قولك قال أتبرأ من دين على الذى كان يدين الله به فسكت وكره معاوية أن يجيبه وقال شمر بن عبد الله من بنى قحافة فقال يا أمير المؤمنين هب لى ابن عمى قال هو لك غير أنى حابسه شهرا فكان يرسل إليه بين كل يومين فيكلمه وقال له إنى لانفس بك على العراق أن يكون فيهم مثلك ثم إن شمرا عاوده فيه الكلام فقاك نمرك على هبة ابن عمك فدعاه فخلى سبيله على أن لا يدخل إلى الكوفة ما كان له سلطان فقال تخير أي بلاد العرب أحب إليك أن أسيرك إليها فاختار الموصل فكان يقول لو قد مات معاوية قدمت المصر فمات قبل معاوية بشهر ثم أقبل على عبد الرحمن العنزي فقال ابه يا أخا ربيعة ما قولك في على قال دعني ولا تسألني فإنه خير لك قال والله لا أدعك حتى تخبرني عنه قال أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيرا ومن الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس قال فما قولك في عثمان قال هو أول من فتح باب الظلم وأرتج أبواب الحق قال قتلت نفسك قال بل إياك قتلت ولا ربيعة بالوادي يقول حين كلم شمر الخثعمي في كريم بن عفيف الخثعمي ولم يكن له أحد من قومه يكلمه فيه فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه أما بعد فإن هذا العنزي شر من بعثت فعاقبه عقوبته التى هو أهلها واقتله شر قتلة فلما قدم به على زياد بعث بن زياد إلى قس الناطف فدفن به حيا قال ولما حمل العنزي والخثعمى إلى معاوية قال العنزي لحجر يا حجر لا يبعدنك الله فنعم أخو إلاسلام كنت وقال الخثعمي لا تبعد ولا تفقد فقد كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ثم ذهب

[ 207 ]

بهما وأتبعهما بصره وقال كفى بالموت قطاعا لحبل القرائن فذهب بعتبة بن الاخنس وسعد بن نمران بعد حجر بأيام فخلى سبيلهما تسمية من قتل من أصحاب حجر رحمه الله حجر بن عدى وشريك بن شداد الحضرمي وصيفى بن فسيل الشيباني وقبيصة ابن ضبيعة العبسى ومحرز بن شهاب السعدى ثم المنقرى وكدام بن حيان العنزي وعبد الرحمن بن حسان العنزي فبعث به إلى زياد فدفن حيا بقس الناطف فهم سبعة قتلوا وكفنوا وصلى عليهم قال فزعموا أن الحسن لما بلغه قتل حجر وأصحابه قال صلوا عليهم وكفنوهم وادفنوهم واستقبلوا بهم القبلة قالوا نعم قال حجوهم ورب الكعبة (تسمية من نجا منهم) كريم بن عفيف الخثعمي وعبد الله بن حوية التميمي وعاصم بن عوف البجلى وورقاء بن سمى البجلى والارقم بن عبد الله الكندى وعتبة بن الاخنس من بنى سعد بن بكر وسعد بن نمران الهمداني فهم سبعة * وقال مالك بن هبيرة السكوني حين أبى معاوية أن يهب له حجرا وقد اجتمع إليه قومه من كندة والسكون وناس من اليمن كثير فقال والله لنحن أغنى عن معاوية من معاوية عنا وإنا لنجد في قومه منه بدلا ولا يجد منا في الناس حلفا سيروا إلى هذا الرجل فلنخله من أيديهم فأقبلوا يسيرون ولم يشكوا أنهم بعذراء لم يقتلوا فاستقبلتهم قتلتهم وقد خرجوا منها فلما رأوه في الناس ظنوا أنما جاء بهم ليخلص حجرا من أيديهم فقال لهم ما وراءكم قال تاب القوم وجئنا لنخبر معاوية فسكت عنهم ومضى نحو عذراء فاستقبله بعض من جاء منها فأخبره أن القوم قد قتلوا فقال على بالقوم وتبعتهم الخيل وسبقوهم حتى دخلوا على معاوية فأخبروه خبر ما أتى له مالك بن هبيرة ومن معه من الناس فقال لهم معاوية اسكنوا فانما هي حرارة يجدها في نفسه وكأنها قد طفئت ورجع مالك حتى نزل في منزله ولم يأت معاوية فأرسل إليه معاوية فأبى أن يأتيه فلما كان الليل بعث إليه بمائة ألف درهم وقال له إن أمير المؤمنين لم يمنعه أن

[ 208 ]

يشفعك في ابن عمك إلا شفقة عليك وعلى أصحابك أن يعيدوا لكم حربا أخرى وإن حجر بن عدى لو قد بقى خشيت أن يكلفك وأصحابك الشخوص إليه وأن يكون ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر فقبلها وطابت نفسه وأقبل إليه من غده في جموع قومه حتى دخل عليه ورضى عنه * قال أبو مخنف وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق أن عائشة رضى الله عنها بعثت عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام إلى معاوية في حجر وأصحابه فقدم عليه وقد قتلهم فقال له عبد الرحمن أين غاب عنك حلم أبى سفيان قال غاب عنى حين غاب عنى مثلك من حلماء قومي وحملنى ابن سمية فاحتملت * قال أبو مخنف قال عبد الملك بن نوفل كانت عائشة تقول لولا أنا لم نغير شيئا إلا آلت بنا الامور إلى أشد مما كنا فيه لغيرنا قتل حجر أما والله أن كان ما علمت لمسلما حجاجا معتمرا * قال أبو مخنف وحدثني عبد الملك ابن نوفل عن أبى سعيد المقبرى أن معاوية حين حج مر على عائشة رضوان الله عليها فاستأذن عليها فأذنت له فلما قعد قالت له يا معاوية أأمنت أن أخبأ لك من يقتلك قال بيت الامن دخلت قالت يا معاوية أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه قال لست أنا قتلتهم إنما قتلهم من شهد عليهم * قال أبو مخنف حدثنى زكرياء بن أبى زائدة عن أبى إسحاق قال أدركت الناس وهم يقولون إن أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن على وقتل حجر بن عدى ودعوة زياد * قال أبو مخنف وزعموا أن معاوية قال عند موته يوم لى من ابن الادبر طويل ثلاث مرات يعنى حجرا * قال أبو مخنف عن الصقعب بن زهير عن الحسن قال أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة انتزاؤه على هذه الامة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير وادعاؤه زيادا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر وقتله حجرا ويلا له من حجر وأصحاب حجر مرتين * وقالت هند ابنة زيد بن مخرمة الانصارية وكانت تشيع ترثى حجرا

[ 209 ]

ترفع أيها القمر المنير * تبصر هل ترى حجرا يسير يسير إلى معاوية بن حرب * ليقتله كما زعم الامير تخبرت الجبابر بعد حجر * وطاب لها الخورنق والسدير وأصبحت البلاد لها محولا * كأن لم يحيها مزن مطير ألا يا حجر حجر بنى عدى * تلقتك السلامة والسرور أخاف عليك ما أردى عديا * وشيخا في دمشق له زئير يرى قتل الخيار عليه حقا * له من شر أمته وزير ألا ياليت حجرا مات موتا * ولم ينحر كما نحر البعير فإن يهلك فكل زعيم قوم * من الدنيا إلى هلك يصير وقالت الكندية ترثى حجرا ويقال بل قائلها هذه الانصارية دموع عينى ديمة تقطر * تبكى على حجر وما تقتر لو كانت القوس على أسره * ما حمل السيف له الاعور وقال الشاعر يحرض بنى هند من بنى شيبان على قيس بن عباد حين سعى بصيفي بن فسيل دعى ابن فسيل يا آل مرة دعوة * ولاقى ذباب السيف كفا ومعصما فحرض بنى هند إذا ما لقيتهم * وقل لغياث وابنه يتكلما لتبك بنى هند قتيلة مثل ما * بكت عرس صيفي وتبعث مأتما غياث بن عمران بن مرة بن الحارث بن دب بن مرة بن ذهل بن شيبان وكان شريفا وقتيلة أخت قيس بن عباد فعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الاشعث في مواطنه فقال حوشب للحجاج بن يوسف إن منا امرءا صاحب فتن ووثوب على السلطان لم تكن فتنة في العراق قط إلا وثب فيها وهو ترابى يلعن عثمان وقد خرج مع ابن الاشعث فشهد معه في مواطنه كلها يحرض الناس حتى إذا أهلكهم الله جاء فجلس في بيته فبعث إليه الحجاج فضرب عتقه فقال بنو أبيه لآل حوشب إنما سعيتم بنا سعيا فقالوا لهم وأنتم إنما سعيتم بصاحبنا سعيا فقال أبو مخنف وقد كان عبد الله بن خليفة الطائى شهد مع حجر بن عدى فطلبه زياد فتوارى فبعث

[ 210 ]

إليه الشرط وهم أهل الحمراء يومئذ فأخذوه فخرجت أخته النوار فقالت يا معشر طيئ أتسلمون سنانكم ولسانكم عبد الله بن خليفة فشد الطائيون على الشرط فضربوهم وانتزعوا منهم عبد الله بن خليفة فرجعوا إلى زياد فأخبروه فوثب على عدى بن حاتم وهو في المسجد فقال ائتنى بعبد الله بن خليفة قال وماله فأخبره قال فهذا شئ كان في الحى لا علم لى به قال والله لتأتينى به قال لا والله لا آتيك به أبدا أجيئك بابن عمى تقتله والله لو كان تحت قدمى ما رفعتهما عنه قال فأمر به إلى السجن قال فلم يبق بالكوفة يمانى ولا ربعى إلا أتاه وكلمه وقالوا تفعل هذا بعدى بن حاتم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فانى أخرجه على شرط قالوا ما هو قال يخرج ابن عمه عنى فلا يدخل الكوفة ما دام لى بها سلطان فأتى عدى فأخبر بذلك فقال نعم فبعث عدى إلى عبد الله بن خليفة فقال يا ابن أخى إن هذا قد لج في أمرك وقد أبى إلا اخراجك عن مصرك مادام له سلطان فالحق بالجبلين فخرج فجعل عبد الله بن خليفة يكتب إلى عدى وجعل عدى يمنيه فكتب إليه تذكرت ليلى والشبيبة أعصرا * وذكر الصبى برح على من تذكرا وولى الشباب فافتقدت غضونه * فيالك من وجد به حين أدبرا فدع عنك تذكار الشباب وفقده * وآساره إذ بان منك فأقصرا وبك على الخلان لما تخرموا * ولم يجدوا عن منهل الموت مصدرا دعتهم مناياهم ومن حان يومه * من الناس فاعلم أنه لن يؤخرا أولئك كانوا شيعة لى وموئلا * إذا اليوم ألفى ذا احتدام مذكرا وما كانت أهوى بعدهم متعللا * بشئ من الدنيا ولا أن أعمرا أقول ولا والله أنسى ادكارهم * سجيس الليالى أو أموت فأقبرا على أهل عذراء السلام مضاعفا * من الله وليسق الغمام الكنهورا ولاقى بها حجر من الله رحمة * فقد كان أرضى الله حجر وأعذرا ولا زال تهطال ملث وديمة * على قبر حجر أو ينادى فيحشرا فيا حجر من للخيل تدمى نحورها * وللملك المغزى إذا ما تغشمرا

[ 211 ]

ومن صادع بالحق بعدك ناطق * بتقوى ومن إن قيل بالجور غيرا فنعم أخو الاسلام كنت وإنني * لاطمع أن تؤتى الخلود وتحبرا وقد كنت تعطى السيف في الحرب حقه * وتعرف معروفا وتنكر منكرا فيا أخوينا من هميم عصمتما * ويسرتما للصالحات فأبشرا ويا أخوى الخندفيين أبشرا * فقد كنتما حييتما أن تبشرا ويا إخوتا من حضرموت وغالب * وشيبان لقيتم حسابا ميسرا سعدتم فلم اسمع بأصوب منكم * حجاجا لدى الموت الجليل وأصبرا سأبكيكم ما لاح نجم وغرد ال‍ * حمام ببطن الواديين وقرقرا فقلت ولم أظلم أغوث بن طيئ * متى كنت أخشى بينكم أن أسيرا هبلتم ألا قاتلتم عن أخيكم * وقد ذب حتى مال ثم تجورا ففرجتم عنى فغودرت مسلما * كأنى غريب في إياد وأعصرا فمن لكم مثلى لدى كل غارة * ومن لكم مثلى إذا البأس أصحرا ومن لكم مثلى إذا الحرب قلصت * وأوضع فيها المستميت وشمرا فها أناذا دارى بأجبال طئ * طريدا ولو شاء الاله لغيرا نفاني عدوى ظالما عن مهاجري * رضيت بما شاء الاله وقدرا وأسلمنى قومي لغير جناية * كأن لم يكونوا لى قبيلا ومعشرا فإن ألف في دار بأجبال طئ * وكان معانا من عصير ومحضرا فما كنت أخشى أن أرى متغربا * لحا الله من لاحى عليه وكثرا لحا الله قتل الحضرميين وائلا * ولاقى الفناء من السنان الموفرا ولاقى الردى القوم الذين تحزبوا * علينا وقالوا قول زور ومنكرا فلا يدعنى قوم لغوث بن طئ * لان دهرهم أشقى بهم وتغيرا فلم أغزهم في المعلمين ولم أثر * عليهم عجاجا بالكويفة أكدرا فبلغ خليلي إن رحلت مشرقا * جديلة والحيين معنا وبحترا ونبهان والافناء من جذم طئ * ألم أك فيكم ذا الغناء العشتررا

[ 212 ]

ألم تذكروا يوم العذيب أليتى * أمامكم ألا أرى الدهر مدبرا وكرى على مهران والجمع حاسر * وقتلى الهمام المستميت المسورا ويوم جلولاء الوقيعة لم ألم * ويوم نهاوند الفتوح وتسترا وتنسونني يوم الشريعة والقنا * بصفين في أكتافهم قد تكسرا جزى ربه عنى عدى بن حاتم * برفضى وخذلاني جزاء موفرا أتنسى بلائى سادرا يا ابن حاتم * عشية ما أغنت عديك حذمرا فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا * وكنت أنا الخصم الالد العذورا فولوا وما قاموا مقامي كأنما * رأوني ليثا بالاباءة مخدرا نصرتكم إذخام القريب وأبعط ال‍ * بعيد وقد أفردت نصرا مؤزرا فكان جزائي أن اجرد بينكم * سجينا وأن أولى الهوان وأوسرا وكم عدة لى منك أنك راجعي * فلم تغن بالميعاد عنى حبترا فأصبحت أرعى النيب طورا وتارة * أهرهر ان راعى الشويهات هرهرا كأنى لم أركب جوادا لغارة * ولم أترك القرن الكمى مقطرا ولم أعترض بالسيف خيلا مغيرة * إذا النكس مشى القهقرى ثم جرجرا ولم أستحث الركض في إثر عصبة * ميممة عليا سجاس وأبهرا ولم أذعر الايلام منى بغارة * كورد القطا ثم انحدرت مظفرا ولم أر في خيل تطاعن بالقنا * بقزوين أو شروين أو أغز كندرا فذلك دهر زال عنى حميده * وأصبح لى معروفه قد تنكرا فلا يبعدن قومي وإن كنت غائبا * وكنت المضاع فيهم والمكفرا ولا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم * وإن كنت عنهم نائى الدار محصرا فمات بالجبلين قبل موت زياد وقال عبيدة الكندى ثم البدى وهو يعير محمد ابن الاشعث بخذلانه حجرا أسلمت عمك لم تقاتل دونه * فرقا ولولا أنت كان منيعا وقتلت وافد آل بيت محمد * وسلبت أسيافا له ودروعا

[ 213 ]

لو كنت من أسد عرفت كرامتي * ورأيت لى بيت الحباب شفيعا (وفى هذه السنة) وجه زياد الربيع بن زياد الحارثى أميرا على خراسان بعد موت الحكم بن عمرو الغفاري وكان الحكم قد استخلف على عمله بعد موته أنس بن أبى أياس وأنس هو الذى صلى على الحكم حين مات فدفن في دار خالد بن عبد الله أخى خليد بن عبد الله الحنفي وكتب بذلك الحكم إلى زياد فعزل زياد أنسا وولى مكانه خليد بن عبد الله الحنفي * فحدثني عمر قال حدثنى على بن محمد قال لما عزل زياد أنسا وولى مكانه خليد بن عبد الله الحنفي قال أنس ألا من مبلغ عنى زيادا * مغلغلة يخب بها البريد أتعزلني وتطعمها خليدا * لقد لاقت حنيفة ما تريد عليكم باليمامة فاحرثوها * فأولكم وآخركم عبيد فولى خليدا شهرا ثم عزله وولى خراسان ربيع بن زياد الحارثى في أول سنة 51 فنقل الناس عيالاتهم إلى خراسان ووطنوا بها ثم عزل الربيع * فحدثني عمر قال حدثنى على عن مسلمة بن محارب وعبد الرحمن بن أبان القرشى قالا قدم الربيع خراسان ففتح بلخ صلحا وكانوا قد أغلقوها بعد ما صالحهم الاحنف بن قيس وفتح قهستان عنوة وكانت بناحيتها أتراك فقتلهم وهزمهم وكان ممن بقى منهم نيزك طرخان فقتله قتيبة بن مسلم في ولايته * حدثنى عمر قال حدثنا على قال غزا الربيع فقطع النهر ومعه غلامه فروخ وجاريته شريفة فغنم وسلم فأعتق فروخا وكان قد قطع النهر قبله الحكم بن عمرو في ولايته ولم يفتح * فحدثني عمر عن على بن محمد قال كان أول المسلمين شرب من النهر مولى للحكم اغترف بترسه فشرب ثم ناول الحكم فشرب وتوضأ وصلى من وراء النهر ركعتين وكان أول الناس فعل ذلك ثم قفل (وحج) بالناس في هذه السنة يزيد بن معاوية حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وكان العامل في هذه السنة على المدينة سعيد بن العاص وعلى الكوفة والبصرة والمشرق كله زياد وعلى قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة عميرة بن يثربى

[ 214 ]

ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين فزعم الواقدي أن فيها كانت غزوة سفيان بن عوف الازدي ومشتاه بأرض الروم وأنه توفى بها واستخلف عبد الله بن مسعدة الفزارى وقال غيره بل الذى شتا بأرض الروم في هذه السنة بالناس بسر بن أبى أرطاة ومعه سفيان بن عوف الازدي وغزا الصائفة في هذه السنة محمد بن عبد الله الثقفى (وحج) بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص في قول أبى معشر والواقدى وغيرهما وكانت عمال الامصار في هذه السنة هم العمال عليها كانوا في سنة 51 ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك مشتى عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفى بأرض الروم (وفيها) فتحت رودس جزيرة في البحر ففتحها جنادة بن أبى أمية الازدي فنزلها المسلمون فيما ذكر محمد بن عمر وزرعوا واتخذوا بها أموالا ومواشي يرعونها حولها فإذا أمسوا أدخلوها الحصن ولهم ناطور يحذرهم ما في البحر ممن يريدهم بكيد فكانوا على حذر منهم وكانوا أشد شئ على الروم فيعتر ضونهم في البحر فيقطعون سفنهم وكان معاوية يدر لهم الارزاق والعطاء وكان العدو قد خافهم فلما مات معاوية أقفلهم يزيد بن معاوية (وفيها) كانت وفاة زياد بن سمية * حدثنى عمر قال حدثنا زهير قال حدثنا وهيب قال حدثنى أبى عن محمد بن إسحاق عن محمد ابن الزبير عن فيل مولى زياد قال ملك زياد العراق خمس سنين ثم مات سنة 53 * حدثنى عمر قال حدثنا على بن محمد قال لما نزل زياد على العراق بقى إلى سنة 53 ثم مات بالكوفة في شهر رمضان وخليفته على البصرة سمرة بن جندب ذكر سبب مهلك زياد بن سمية * حدثنى عبد الله بن أحمد المروزى قال حدثنا أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله بن المبارك قال أخبرني عبد الله بن شوذب عن كثير بن زياد أن زيادا كتب

[ 215 ]

إلى معاوية إنى ضبطت العراق بشمالي ويمينى فارغة فضم إليه معاوية العروض وهى اليمامة وما يليها فدعا عليه ابن عمر فطعن ومات فقال ابن عمر حين بلغه الخبر اذهب إليك ابن سمية فلا الدنيا بقيت لك ولا الآخرة أدركت * حدثنى عمر قال حدثنى على قال كتب زياد إلى معاوية قد ضبطت لك العراق بشمالي ويمينى فارغة فاشغلها بالحجاز وبعث في ذلك الهيثم بن الاسود النخعي وكتب له عهده مع الهيثم فلما بلغ ذلك أهل الحجاز أتى نفر منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب فذكروا ذلك له فقال أدعو الله عليه يكفيكموه فاستقبل القبلة واستقبلوها فدعوا ودعا فخرجت طاعونة على أصبعه فأرسل إلى شريح وكان قاضيه فقال حدث بى ما ترى وقد أمرت بقطعها فأشر على فقال له شريح إنى أخشى أن يكون الجراح على يدك والالم على قلبك وأن يكون الاجل قد دنا فتلقى الله عز وجل أجذم وقد قطعت يدك كراهية للقائه أو أن يكون في الاجل تأخير وقد قطعت يدك فتعيش أجذم وتعير ولدك فتركها وخرج شريح فسألوه فأخبرهم بما أشار به فلاموه وقالوا هلا أشرت عليه بقطعها فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المستشار مؤتمن * حدثنى عبد الله بن أحمد المروزى قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال قال عبد الله سمعت بعض من يحدث أنه أرسل إلى شريح يستشيره في قطع يده فقال لا تفعل إنك إن عشت صرت أجذم وإن هلكت إياك جانيا على نفسك قال أنام والطاعون في لحاف فعزم أن يفعل فلما نظر إلى النار والمكاوى جزع وترك ذلك * حدثنى عمر قال حدثنا عبد الملك بن قريب الاصمعي قال حدثنى ابن أبى زياد قال لما حضرت زيادا الوفاة قال له ابنه يا أبت قد هيأت لك ستين ثوبا أكفنك فيها قال يا بنى قد دنا من أبيك لباس خير من لباسه هذا أو سلب سريع فمات فدفن بالثوية إلى جانب الكوفة وقد توجه يزيد إلى الحجاز واليا عليها فقال مسكين بن عامر بن شريح بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم رأيت زيادة الاسلام ولت * جهارا حين ودعنا زياد وقال الفرزدق لمسكين ولم يكن هجا زيادا حتى مات

[ 216 ]

أمسكين أبكى الله عينك إنما * جرى في ضلال دمعها فتحدرا بكيت امرءا من آل ميسان كافرا * ككسرى على عدانه أو كقيصرا أقول له لما أتانى نعيه * به لا بظبى بالصريمة أعفرا فأجابه مسكين فقال ألا أيها المرء الذى لست ناطقا * ولا قاعدا في القوم إلا انبرى ليا فجئني بعم مثل عمى أو أب * كمثل أبى أو خال صدق كخاليا كعمرو بن عمر أو زرارة والدا * أو البشر من كل فرعت الروابيا وما زال بى مثل القناة وسابح * وخطارة غب السرى من عياليا فهذا الايام الحفاظ وهذه * لرحلي وهذا عدة لارتحاليا وقال الفرزدق أبلغ زيادا إذا لاقيت مصرعه * أن الحمامة قد طارت من الحرم طارت فما زال ينميها قوادمها * حتى استغاثت إلى الانهار والاجم * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى عن سليمان قال حدثنى عبد الله بن جرير بن حازم عن جرير بن يزيد قال رأيت زيادا فيه حمرة في عينه اليمنى انكسار أبيض اللحية مخروطها عليه قميص مرقوع وهو على بغلة عليها لجامها قد أرسنها (وفى هذه السنة) كانت وفاة الربيع بن زياد الحارثى وهو عامل زياد على خراسان ذكر الخبر عن سبب وفاته * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد قال ولى الربيع بن زياد خراسان سنتين وأشهرا ومات في العام الذى مات فيه واستخلف ابنه عبد الله بن الربيع فولى شهرين ثم مات عبد الله قال فقدم عهده من قبل زياد على خراسان وهو يدفن واستخلف عبد الله بن الربيع على خراسان خليد بن عبد الله الحنفي قال على وأخبرني محمد بن الفضل عن أبيه قال بلغني أن الربيع بن زياد ذكر يوما بخراسان حجر بن عدى فقال لا تزال العرب تقتل صبرا بعده ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم

[ 217 ]

صبرا ولكنها أقرت فذلت فمكث بعد هذا الكلام جمعة ثم خرج في ثياب بياض في يوم جمعة فقال أيها الناس إنى قد مللت الحياة وإنى داع بدعوة فأمنوا ثم رفع يده بعد الصلاة وقال اللهم إن كان لى عندك خير فاقبضني اليك عاجلا وأمن الناس فخرج فما توارت ثيابه حتى سقط فحمل إلى بيته واستخلف ابنه عبد الله ومات من يومه ثم مات ابنه فاستخلف خليد بن عبد الله الحنفي فأقره زياد فمات زياد وخليد على خراسان وهلك زياد وقد استخلف على عمله على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى البصرة سمرة بن جندب الفزارى * فحدثني عمر بن شبة قال حدثنى على قال مات زياد وعلى البصرة سمرة بن جندب خليفة له وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد فأقر سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرا قال عمر وبلغني عن جعفر ابن سليمان الضبعى قال أقر معاوية سمرة بعد زياد ستة أشهر ثم عزله فقال سمرة لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا * حدثنى عمر قال حدثنى موسى بن إسماعيل قال حدثنى سليمان بن مسلم العجلى قال سمعت أبى يقول مررت لمسجد فجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله ثم دخل فجعل يصلى في المسجد فجاء رجل فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد وبدنه ناحية فمر أبو بكرة فقال يقول الله سبحانه " قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى " قال أبى فشهدت ذاك فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شر ميتة قال وشهدته وأتى بناس كثير وأناس بين يديه فيقول المرجل ما دينك فيقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وإنى برى من الحرورية فيقدم فيضرب عنقه حتى مر بضعة وعشرون (وحج) بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص في قول أبى معشر والواقدى وغيرهما وكان العامل فيها على المدينة سعيد بن العاص وعلى الكوفة بعد موت زياد عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى البصرة بعد موت زياد سمرة بن جندب وعلى خراسان خليد بن عبد الله الحنفي

[ 218 ]

ثم دخلت سنة أربع وخمسين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث ففيها كان مشتى محمد بن مالك أرض الروم وصائفة معن بن يزيد السلمى (وفيها) فيما زعم الواقدي فتح جنادة بن أبى أمية جزيرة في البحر قريبة من قسطنطينية يقال لها أرواد وذكر محمد بن عمر أن المسلمين أقاموا بها دهرا فيما يقال سبع سنين وكان فيها مجاهد بن جبر قال وقال تبيع ابن امرأة كعب ترون هذه الدرجة إذا انقلعت جاءت قفلتنا قال فهاجت ريح شديدة فقلعت الدرجة وجاء نعى معاوية وكتاب يزيد بالقفل فقفلنا فلم تعمر بعد ذلك وخربت وأمن الروم (وفيها) عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة واستعمل عليها مروان بن الحكم ذكر سبب عزل معاوية سعيدا أو استعمال مروان * حدثنى عمر قال حدثنا على بن محمد عن جويرة بن أسماء عن أشياخه أن معاوية كان يغرى بين مروان وسعيد بن العاص فكتب إلى سعد بن العاص وهو على المدينة اهدم دار مروان فلم يهدمها فأعاد عليه الكتاب بهدمها فلم يفعل فعزله وولى مروان * وأما محمد بن عمر فانه ذكر أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص يأمره بقبض أموال مروان كلها فيجعلها صافية ويقبض فدك منه وكان وهبها له فراجعه سعيد ابن العاص في ذلك وقال قرابته قريبة فكتب إليه ثانية آمره باصطفاء أموال مروان فأبى وأخذ سعيد بن العاص الكتابين فوضعهما عند حارية فلما عزل سعيد عن المدينة فوليها مروان كتب معاوية إلى مروان بن الحكم يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص بالحجاز وأرسل إليه بالكتاب مع ابنه عبد الملك فخبره أنه لو كان شيئا غير كتاب أمير المؤمنين لتجافيت فدعا سعيد بن العاص بالكتابين اللذين كتب بهما معاوية إليه في أموال مروان يأمره فيهما بقبض أمواله فذهب بهما إلى مروان فقال هو كان أوصل لنا مناله وكف عن قبض أموال سعيد وكتب سعيد بن العاص إلى معاوية العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا أن يضغن بعضنا على بعض

[ 219 ]

فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الاخبثين وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء وتوارث الاولاد ذلك فوالله لو لم نكن بنى أب واحد إلا لما جمعنا الله عليه من نصر الخليفة المظلوم وباجتماع كلمتنا لكان حقا علينا أن نرعى ذلك والذى أدركنا به خير فكتب إليه يتنصل من ذلك وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده (عاد الحديث إلى حديث عمر) عن على بن محمد قال فلما ولى مروان كتب إليه اهدم دار سعيد فأرسل الفعلة وركب ليهدمها فقال له سعيد يا أبا عبد الملك أتهدم دارى قال نعم كتب إلى أمير المؤمنين ولو كتب في هدم دارى لفعلت قال ما كنت لافعل قال بلى والله لو كتب إليك لهدمتها قال كلا أبا عبد الملك وقال لغلامه انطلق فجئني بكتاب معاوية فجاء بكتاب معاوية إلى سعيد بن العاص في هدم دار مروان بن الحكم قال مروان كتب إليك يا أبا عثمان في هدم دارى فلم تهدم ولم تعلمني قال ما كنت لاهدم دارك ولا أمن عليك وإنما أراد معاوية أن يحرض بيننا فقال مروان فداك أبى وأمى أنت والله أكثر منا ريشا وعقبا ورجع مروان ولم يهدم دار سعيد * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حدثنا أبو محمد بن ذكوان القرشى قال قدم سعيد بن العاص على معاوية فقال له يا أبا عثمان كيف تركت أبا عبد الملك قال تركته ضابطا لعملك منفذا لامرك قال إنه كصاحب الخبزة كفى نضجها فأكلها قال كلا والله يا أمير المؤمنين إنه لمع قوم لا يحمل بهم السوط ولا يحل لهم السيف يتهادون كوقع النبل سهم لك وسهم عليك قال ما باعد بينك وبينه قال خافني على شرفه وخفته على شرفي قال فما ذا له عندك قال أسره غائبا وأسره شاهدا قال تركتنا يا أبا عثمان في هذه الهنات قال نعم يا أمير المؤمنين فتحملت الثقل وكفيت الحزم وكنت قريبا لو دعوت أجبت ولو ذهبت رفعت (وفى هذه السنة) كان عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة واستعمل عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان * فحدثني عمر قال حدثنى على بن محمد قال عزل معاوية سمرة وولى عبد الله بن عمرو ابن غيلان فأقره ستة أشهر فولى عبد الله بن عمرو شرطته عبد الله بن حصن (وفى هذه السنة) ولى معاوية عبيدالله بن زياد خراسان

[ 220 ]

ذكر سبب ولاية ذلك * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد قال حدثنا سلمة بن محارب ومحمد بن أبان القرشى قالا لما مات زياد وفد عبيدالله إلى معاوية فقال له من استخلف أخى على عمله بالكوفة قال عبد الله بن خالد بن أسيد قال فمن استعمل على البصرة قال سمرة بن جندب الفزارى فقال له معاوية لو استعملك أبوك استعملتك فقال له عبيدالله أنشدك الله ان يقولها إلى أحد بعدك لو ولاك أبوك وعمك لوليتك قال وكان معاوية إذا أراد أن يولى رجلا من بنى حرب ولاه الطائف فإن رأى منه خيرا وما يعجبه ولاه مكة معها فإن أحسن الولاية وقام بما ولى قياما حسنا جمع له معهما المدينة فكان إذا ولى الطائف رجلا قيل هو في أبى جاد فإذا ولاه مكة قيل هو في القرآن فإذا ولاه المدينة قيل هو قد حذق قال فلما قال عبيدالله ما قال ولاه خراسان ثم قال له حين ولاه إنى قد عهدت إليك مثل عهدي إلى عمالى ثم أوصيك وصية القرابة لخاصتك عندي: لا تبيعن كثيرا بقليل وخذ لنفسك من نفسك واكتف فيما بينك وبين عدوك بالوفاء تخف عليك المؤونة وعلينا منك وافتح بابك للناس تكن في العلم منهم أنت وهم سواء وإذا عزمت على أمر فأخرجه إلى الناس ولا يكن لاحد فيه مطمع ولا يرجعن عليك وأنت تستطيع وإذا لقيت عدوك فغلبوك على ظهر الارض فلا يغلبوك على بطنها وإن احتاج أصحابك إلى أن تؤاسيهم بنفسك فأسهم * حدثنى عمر قال حدثنى على قال أخبرنا على بن مجاهد عن ابن اسحاق قال استعمل معاوية عبيدالله بن زياد وقال * استمسك الفسفاس إن لم يقطع * وقال له اتق الله ولا تؤثرن على تقوى الله شيئا فإن في تقواه عوضا وق عرضك من أن تدنسه وإذا أعطيت عهدا فف به ولا تبيعن كثيرا بقليل ولا تخرجن منك أمرا حتى تبرمه فإذا خرج فلا يردن عليك وإذا لقيت عدوك فكن أكثر من معك وقاسمهم على كتاب الله ولا تطعمن أحدا في غير حقه ولا تؤيسن أحدا من حق له ثم ودعه * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حدثنا مسلمة قال سار عبيدالله إلى خراسان في آخر سنة 53 وهو ابن 25 سنة من

[ 221 ]

الشأم وقدم إلى خراسان أسلم بن زرعة الكلابي فخرج فخرج معه من الشأم الجعد ابن قيس النمري يرجز بين يديه بمرثية زياد يقول فيها * وحدثني عمر مرة أخرى في كتابه الذى سماه كتاب أخبار أهل البصرة فقال حدثنى أبو الحسن المدائني قال لما عقد معاوية لعبيد الله بن زياد على خراسان خرج وعليه عمامة وكان وضيئا والجعد بن قيس ينشده مرثية زياد أبق على عاذلي من اللوم * فيما أزيلت نعمتي قبل اليوم قد ذهب الكريم والظل الدوم * والنعم المؤثل الدثر الحوم والماشيات مشية بعد النوم * ليت الجياد كلها مع القوم سقين سم ساعة قبل اليوم * لاربع مضين من شهر الصوم ومنها يوم الثلاثاء الذى كان مضى * يوم قضى فيه المليك ما قضى وفاة بر ماجد جلد القوى * حر به نوال جعد والتظى كان زياد جبلا صعب الذرى * شهما إذا شئتم نقيصات أبى لا يبعد الله زيادا إذ ثوى وبكى عبيدالله يومئذ حتى سقطت عمامته عن رأسه قال وقدم عبيدالله خراسان ثم قطع النهر إلى جبال بخارى على الابل فكان هو أول من قطع إليهم جبال بخارى في جند ففتح راميثن ونصف بيكند وهما من بخارى فمن ثم أصاب البخارية قال على أخبرنا الحسن بن رشيد عن عمه قال لقى عبيدالله بن زياد الترك ببخارى ومع ملكهم امرأته قبج خاتون فلما هزمهم الله أعجلوها عن لبس خفيها فلبست إحداهما وبقى الآخر فأصابه المسلمون فقوم الجورب مائتي ألف درهم * قال وحدثني محمد بن حفص عن عبيدالله بن زياد بن معمر عن عبادة بن حصن قال ما رأيت أحدا أشد بأسا من عبيدالله بن زياد لقينا زحف من الترك بخراسان فرأيته يقاتل فيحمل عليهم فيطعن فيهم ويغيب عنا ثم يرفع رايته تقطر دما قال على وأخبرنا مسلمة أن البخارية الذين قدم بهم عبيدالله بن زياد البصرة ألفان كلهم

[ 222 ]

جيد الرمى بالنشاب قال مسلمة كان زحف الترك ببخارى أيام عبيدالله بن زياد من زحوف خراسان التى تعد قال وأخبرنا الهذلى قال كانت زحوف خراسان خمسة أربعة لقيها الاحنف بن قيس الذى لقيه بين قوهستان وأبر شهر والزحوف الثلاثة التى لقيها بالمرغاب والزحف الخامس زحف قارن فضه عبد الله بن خازم قال على قال مسلمة أقام عبيدالله بن زياد بخراسان سنتين (وحج) بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن حدثه عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وكان في هذه السنة مروان بن الحكم وعلى الكوفة عبد الله خالد بن أسيد وقال بعضهم كان عليها الضحاك بن قيس وعلى البصرة عبد الله بن عمرو بن غيلان ثم دخلت سنة خمس وخمسين ذكر الخبر عن الكائن فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك مشتى سفيان بن عوف الازدي بأرض الروم في قول الواقدي وقال بعضهم بل الذى كان شتا بأرض الروم في هذه السنة عمرو ابن محرز وقال بعضهم بل الذى شتا بها عبد الله بن قيس الفزارى وقال بعضهم بل ذلك مالك بن عبد الله (وفيها) عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان عن البصرة وولاها عبيدالله بن زياد ذكر الخبر عن سبب عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان وتوليته عبيدالله البصرة * حدثنى عمر قال حدثنا الوليد بن هشام وعلى بن محمد قال واختلفا في بعض الحديث قالا خطب عبد الله بن عمرو بن غيلان على منبر البصرة فحصبه رجل من بنى ضبة قال عمر قال أبو الحسن يدعى جبير بن الضحاك أحد بنى ضرار فأمر به فقطعت يده فقال: السمع والطاعة والتسليم * خير وأعفى لبنى تميم

[ 223 ]

فأتته بنو ضبة فقالوا إن صاحبنا جنى ما جنى على نفسه وقد بلغ الامير في عقوبته ونحن لا نأمن أن يبلغ خبره أمير المؤمنين فيأتى من قبله عقوبة تخص أو تعم فان رأى الامير أن يكتب لنا كتابا يخرج به أحدنا إلى أمير المؤمنين يخبره أنه قطعه على شبهة وأمر لم يضح فكتب لهم بعد ذلك إلى معاوية فأمسكوا الكتاب حتى بلغ رأس السنة وقال أبو الحسن لم يزد على ستة أشهر فوجه إلى معاوية ووافاه الضبيون فقالوا يا أمير المؤمنين إنه قطع صاحبنا ظلما وهذا كتابه إليك وقرأ الكتاب فقال أما القود من عمالى فلا يصح ولا سبيل إليه ولكن إن شئتم وديت صاحبكم قالوا فده فوداه من بيت المال وعزل عبد الله وقال لهم اختاروا من تحبون أن أولى بلدكم قالوا يتخير لنا أمير المؤمنين وقد علم رأى أهل البصرة في ابن عامر فقال هل لكم في ابن عامر فهو من قد عرفتم في شرفه وعفافه وطهارته قالوا أمير المؤمنين أعلم فجعل يردد ذلك عليهم ليسبرهم ثم قال قد وليت عليكم ابن أخى عبيدالله بن زياد قال عمر حدثنى على بن محمد قال عزل معاوية عبد الله بن عمرو وولى عبيدالله بن زياد البصرة في سنة 55 وولى عبيدالله أسلم بن زرعة خراسان فلم يغز ولم يفتح بها شيئا وولى شرطه عبد الله بن حصن والقضاء زرارة بن أوفى ثم عزله وولى القضاة ابن أذينة العبدى (وفى هذه السنة) عزل معاوية عبد الله ابن خالد بن أسيد عن الكوفة وولاها الضحاك بن قيس الفهرى (وحج) بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق ابن عيسى عن أبى معشر ثم دخلت سنة ست وخمسين ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففيها) كان مشتى جنادة بن أبى أمية بأرض الروم وقيل عبد الرحمن بن مسعود وقيل غزا فيها في البحر يزيد بن شجرة الرهاوى وفى البر عياض بن الحارث (وحج) بالناس فيما حدثنى أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن

[ 224 ]

أبى معشر الوليد بن عتبة بن أبى سفيان (وفيها) اعتمر معاوية في رجب (وفيها) دعا معاوية الناس إلى بيعة ابنه يزيد من بعده وجعله ولى العهد ذكر السبب في ذلك * حدثنى الحارث قال حدثنا على بن محمد قال حدثنا أبو إسماعيل الهمداني وعلى بن مجاهد قالا قال الشعبى قدم المغيرة على معاوية واستعفاه وشكا إليه الضعف فأعفاه وأراد أن يولى سعيد بن العاص وبلغ كاتب المغيرة ذلك فأتى سعيد بن العاص فأخبره وعنده رجل من أهل الكوفة يقال له ربيعة أو الربيع من خزاعة فأتى المغيرة فقال يا مغيرة ما أرى أمير المؤمنين إلا قد قلاك رأيت ابن خنيس كاتبك عند سعيد بن العاص يخبره أن أمير المؤمنين يوليه الكوفة قال المغيرة أفلا يقول كما قال أم غاب ربك فاعترتك خصاصة * ولعل ربك أن يعود مؤيدا رويدا ادخل على يزيد فدخل عليه فعرض له بالبيعة فأدى ذلك يزيد إلى أبيه فرد معاوية المغيرة إلى الكوفة فأمره أن يعمل في بيعة يزيد فشخص المغيرة إلى الكوفة فأتاه كاتبه ابن خنيس فقال والله ما غششتك ولا خنتك ولا كرهت ولايتك ولكن سعيدا كانت له عندي يد وبلاء فشكرت ذلك له فرضى عنه وأعاده إلى كتابته وعمل المغيرة في بيعة يزيد وأوفد في ذلك وافدا إلى معاوية * حدثنى الحارث قال حدثنا على عن مسلمة قال لما أراد معاوية أن يبايع ليزيد كتب إلى زياد يستشيره فبعث زياد إلى عبيد بن كعب النميري فقال إن لكل مستشير ثقة ولكل سر مستودع وإن الناس قد أبدعت بهم خصلتان إذاعة السر وإخراج النصيحة إلى غير أهلها وليس موضع السر إلا أحد رجلين رجل آخرة يرجو ثوابا ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه وقد عجمتهما منك فأحمدت الذى قبلك وقد دعوتك لامر اتهمت عليه بطون الصحف إن أمير المؤمنين كتب إلى يزعم أنه قد عزم على بيعة يزيد وهو يتخوف نفرة الناس ويرجو مطابقتهم ويستشيرني وعلاقة أمر الاسلام وضمانه عظيم ويزيد صاحب

[ 225 ]

رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد فالق أمير المؤمنين مؤديا عنى فأخبره عن فعلات يزيد فقال له رويدك بالامر فأقمن أن يتم لك ما تريد ولا تعجل فإن دركا في تأخير خير من تعجيل عاقبته الفوت فقال عبيد له أفلا غير هذا قال ما هو قال لا تفسد على معاوية رأيه ولا تمقت إليه ابنه وألقى أنا يزيد سرا من معاوية فأخبره عنك أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في بيعته وإنك تخوف خلاف الناس لهنات ينقمونها عليه وإنك ترى له ترك ما ينقم عليه فيستحكم لامير المؤمنين الحجة على الناس ويسهل لك ما تريد فتكون قد نصحت يزيد وأرضيت أمير المؤمنين فسلمت مما تخاف من علاقة أمر الامة فقال زياد لقد رميت الامر بحجره اشخص على بركة الله فإن أصبت فما لا ينكر وإن يكن خطأ فغير مستغش وأبعد بك إن شاء الله من الخطإ قال تقول بما ترى ويقضى الله بغيب ما يعلم فقدم على يزيد فذاكره ذلك وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤدة وألا يعجل فقبل ذلك معاوية وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع ثم قدم عبيد على زياد فأقطعه قطيعة * حدثنى الحارث قال حدثنا على قال لما مات زياد دعا معاوية بكتاب فقرأه على الناس باستخلاف يزيد إن حدث به حدث الموت فيزيد ولى عهد فاستوثق له الناس على البيعة ليزيد غير خمسة نفر * فحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا ابن عون قال حدثنى رجل بنخلة قال بايع الناس ليزيد بن معاوية غير الحسين بن على وابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبى بكر وابن عباس فلما قدم معاوية أرسل إلى الحسين بن على فقال يا ابن أخى قد استوثق الناس لهذا الامر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يا ابن أخى فما إر بك إلى الخلاف قال أنا أقودهم قال نعم أنت تقودهم قال فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلا منهم وإلا لم تكن عجلت على بأمر قال وتفعل قال نعم قال فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحدا قال فالتوى عليه ثم أعطاه ذلك فخرج وقد أقعد له ابن الزبير رجلا بالطريق قال يقول لك أخوك ابن الزبير ما كان فلم يزل به حتى استخرج منه شيئا ثم أرسل بعده إلى ابن الزبير فقال له قد استوثق الناس لهذا

[ 226 ]

الامر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يا ابن اخى فما إربك إلى الخلاف قال أنا أقودهم قال نعم أنت تقودهم قال فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلا منهم وإلا لم تكن عجلت على بأمر قال وتفعل قال نعم قال فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحدا قال يا أمير المؤمنين نحن في حرم الله عز وجل وعهد الله سبحانه ثقيل فأبى عليه وخرج ثم أرسل بعده إلى ابن عمر فكلمه بكلام هو ألين من كلام صاحبه فقال إنى أرهب أن أدع أمة محمد بعدى كالضأن لا راعى لها وقد استوثق الناس لهذا الامر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم فما إربك إلى الخلاف قال هل لك في أمر يذهب الذم ويحقن الدم وتدرك به حاجتك قال وددت قال تبرز سريرك ثم أجئ فأبايعك على أنى أدخل بعدك فيما يجتمع عليه الامة فوالله لو أن الامة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الامة قال وتفعل قال نعم ثم خرج فأتى منزله فأطبق بابه وجعل الناس يجيئون فلا يأذن لهم فأرسل إلى عبد الرحمن بن أبى بكر فقال يا ابن أبى بكر بأية يد أو رجل تقدم على معصيتى قال أرجو أن يكون ذلك خيرا لى فقال والله لقد هممت أن أقتلك قال لو فعلت لاتبعك الله به لعنة في الدنيا وأدخلك به في الآخرة النار قال ولم يذكر ابن عباس * وكان العامل على المدينة في هذه السنة مروان بن الحكم وعلى الكوفة الضحاك ابن قيس وعلى البصرة عبيدالله بن زياد وعلى خراسان سعيد بن عثمان * وكان سبب ولايته خراسان ما حدثنى عمر قال حدثنى على قال أخبرني محمد بن حفص قال سأل سعيد بن عثمان معاوية أن يستعمله على خراسان فقال إن بها عبيدالله بن زياد فقال أما لقد اصطنعك أبى ورفاك حتى بلغت باصطناعه المدى الذى لا يجارى إليه ولا يسامى فما شكرت بلاءه ولا جازيته بآلائه وقدمت على هذا يعنى يزيد بن معاوية وبايعت له ووالله لانا خير منه أبا وأما ونفسا قال فقال معاوية أما بلاء أبيك فقد يحق على الجزاء به وقد كان من شكرى لذلك أنى طلبت بدمه حتى تكشفت الامور ولست بلائم لنفسي في التشمير وأما فضل أبيك على أبيه فأبوك والله خير منى وأقرب برسول الله صلى الله عليه وسلم وأما فضل أمك على أمه فما ينكر: امرأة

[ 227 ]

من قريش خير من أمرأة من كلب وأما فضلك عليه فوالله ما أحب أن الغوطة دحست ليزيد رجالا مثلك فقال له يزيد يا أمير المؤمنين ابن عمك وأنت أحق من نظر في أمره وقد عتب عليك لى فأعتبه قال فولاه حرب خراسان وولى اسحاق بن طلحة خراجها وكان اسحاق ابن خالة معاوية أمه أم أبان ابنة عتبة بن ربيعة فلما صار بالرى مات اسحق بن طلحة فولى سعيد خراج خراسان وحربها * حدثنى عمر قال حدثنى على قال أخبرنا مسلمة قال خرج سعيد إلى خراسان وخرج معه أوس بن ثعلبة التيمى صاحب قصر أوس وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعى والمهلب بن أبى صفرة وربيعة بن عسل أحد بنى عمرو بن يربوع قال وكان قوم من الاعراب يقطعون الطريق على الحاج ببطن فلج فقيل لسعيد إن ههنا قوما يقطعون الطريق على الحاج ويخيفون السبيل فلو أخرجتهم معك قال فأخرج قوما من بنى تميم منهم مالك بن الريب المازنى في فتيان كانوا معه وفيهم يقول الراجز الله أنجاك من القصيم * ومن أبى حردبة الاثيم ومن غويث فاتح العكوم * ومالك وسيفه المسموم قال على قال مسلمة قدم سعيد بن عثمان فقطع النهر إلى سمرقند فخرج إليه أهل الصغد فتواقفوا يوما إلى الليل ثم انصرفوا من غير قتال فقال مالك بن الريب يذم سعيدا ما زلت يوم الصغد ترعد واقفا * من الجبن حتى خفت أن تتنصرا وما كان في عثمان شئ علمته * سوى نسله في رهطه حين أدبرا ولولا بنو حرب لظلت دماؤكم * بطون العظايا من كسير وأعورا قال فلما كان الغد خرج إليهم سعيد بن عثمان وناهضه الصغد فقاتلهم فهزمهم وحصرهم في مدينتهم فصالحوه وأعطوه رهنا منهم خمسين غلاما يكونون في يده من أبناء عظمائهم وعبر فأقام بالترمذ ولم يف لهم وجاء بالغلمان الرهن معه إلى المدينة قال وقدم سعيد ابن عثمان خراسان وأسلم بن زرعة الكلابي بها من قبل عبيدالله بن زياد فلم يزل أسلم بن زرعة بها مقيما حتى كتب إليه عبيدالله بن زياد بعهده على خراسان الثانية فلما قدم كتاب عبيدالله على أسلم طرق سعيد بن عثمان ليلا فأسقطت جارية له غلاما

[ 228 ]

فكان سعيد يقول لاقتلن به رجلا من بنى حرب وقدم على معاوية فشكا أسلم إليه وغضبت القيسية قال فدخل همام بن قبيصة النمري فنظر إليه معاوية محمر العينين فقال يا همام إن عينيك لمحمرتان قال همام كانتا يوم صفين أشد حمرة فغم معاوية ذلك فلما رأى ذلك سعيد كف عن أسلم فأقام أسلم بن زرعة على خراسان واليا لعبيد الله بن زياد سنتين ثم دخلت سنة سبع وخمسين وكان فيها مشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم وفيها صرف مروان عن المدينة في ذى القعدة في قول الواقدي وقال غيره كان مروان إليه المدينة في هذه السنة وقال الواقدي استعمل معاوية على المدينة حين صرف عنها مروان: الوليد بن عتبة ابن أبى سفيان وكالذى قال الواقدي قال أبو معشر حدثنى بذلك أحمد بن ثابت الرازي عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عنه وكان العامل على الكوفة في هذه السنة الضحاك بن قيس وعلى البصرة عبيدالله بن زياد وعلى خراسان سعيد بن عثمان بن عفان ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث ففيها نزع معاوية مروان عن المدينة في ذى القعدة في قول أبى معشر وأمر الوليد ابن عتبة بن أبى سفيان عليها حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عنه (وفيها) غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم (وفيها) قتل يزيد ابن شجرة في البحر في السفن في قول الواقدي قال ويقال عمرو بن يزيد الجهنى وكان الذى شتا بأرض الروم وقد قيل إن الذى غزا في البحر في هذه السنة جنادة ابن أبى أمية (وحج) بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وفى هذه السنة ولى معاوية الكوفة عبد الرحمن بن عبد الله بن

[ 229 ]

عثمان بن ربيعة الثقفى وهو ابن أم الحكم أخت معاوية بن أبى سفيان وعزل عنها الضحاك بن قيس ففى عمله في هذه السنة خرجت الطائفة الذين كان المغيرة بن شعبة حبسهم في السجن من الخوارج الذين كانوا بايعوا المستورد بن علفة فظفر بهم فاستودعهم السجن فلما مات المغيرة خرجوا من السجن فذكر هشام بن محمد أن أبا مخنف حدثه عن عبد الرحمن بن جندب عن عبد الله بن عقبة الغنوى أن حيان ابن ظبيان السلمى جمع إليه أصحابه ثم إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال لهم أما بعد فان الله عز وجل كتب علينا الجهاد فمنا من قضى نحبه ومنا من ينتظر وأولئك الابرار الفائزون بفضلهم ومن يكن منا من ينتظر فهو من سلفنا القاضين نحبهم السابقين بإحسان فمن كان منكم يريد الله وثوابه فليسلك سبيل أصحابه وإخوانه يؤته الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله مع المحسنين قال معاذ بن جوين الطائى يا أهل الاسلام إنا والله لو علمنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجور كان لنا به عند الله عذر لكان تركه أيسر علينا وأخف من ركوبه ولكنا قد علمنا واستيقنا أنه لا عذر لنا وقد جعل لنا القلوب والاسماع حتى ننكر الظلم ونغير الجور ونجاهد الظالمين ثم قال ابسط يدك نبايعك فبايعه وبايعه القوم فضربوا على يد حيان بن ظبيان فبايعوه وذلك في إمارة عبد الرحمن ابن عبد الله بن عثمان الثقفى وهو ابن أم الحكم وكان على شرطته زائدة بن قدامة الثقفى ثم إن القوم اجتمعوا بعد ذلك بأيام إلى منزل معاذ بن جوين بن حصين الطائى فقال لهم حيان بن ظبيان عباد الله أشيروا برأيكم أين تأمروني أن أخرج ققال له معاذ إنى أرى أن تسير بنا إلى حلوان حتى ننزلها فانها كورة بين السهل والجبل وبين المصر والثغر يعنى بالثغر الرى فمن كان يرى رأينا من أهل المصر والثغر والجبال والسواد لحق بنا فقال له حيان عدوك معاجلك قبل اجتماع الناس إليك لعمري لا يتركونكم حتى يجتمعوا إليكم ولكن قد رأيت أن أخرج معكم في جانب الكوفة والسبخة أو زرارة والحيرة ثم نقاتلهم حتى نلحق بربنا فإنى والله لقد علمت أنكم لا تقدرون وأنتم دون المائة رجل أن تهزموا عدوكم ولا أن تشتد

[ 230 ]

نكايتكم فيهم ولكن متى علم الله أنكم قد أجهدتم أنفسكم في جهاد عدوه وعدوكم كان لكم به العذر وخرجتم من الاثم قالوا رأينا رأيك فقال لهم عتريس بن عرقوب أبو سليمان الشيباني ولكن لا أرى رأى جماعتكم فانظروا في رأى لكم إنى لا إخا لكم تجهلون معرفتي بالحرب وتجربتي بالامور فقالوا له أجل أنت كما ذكرت فما رأيك قال ما أرى أن تخرجوا على الناس بالمصر إنكم قليل في كثير والله ما تزيدون على أن تحرزوهم أنفسكم وتقروا أعينهم بقتلكم وليس هكذا تكون المكايدة إذ آثرتم أن تخرجوا على قومكم فكيدوا عدوكم ما يضرهم قالوا فما الرأى قال تسيرون إلى الكورة التى أشار بنزولها معاذ بن جوين بن حصين يعنى حلوان أو تسيرون بنا إلى عين التمر فنقيم بها فإذا سمع بنا إخواننا أتونا من كل جانب وأوب فقال له حيان بن ظبيان إنك والله لو سرت بنا أنت وجميع أصحابك ؟ ؟ أحد هذين الوجهين ما اطمأننتم به حتى يلحق بكم خيول أهل المصر فأنى تشفون أنفسكم فوالله ما عدتكم بالكثيرة التى ينبغى أن تطمعوا معها بالنصر في الدنيا على الظالمين المعتدين فاخرجوا بجانب من مصركم هذا فقاتلوا عن أمر الله من خالف طاعة الله ولا تربصوا ولا تنتظروا فإنكم إنما تبادرون بذلك إلى الجنة وتخرجون أنفسكم بذلك من الفتنة قالوا أما إذا كان لا بد لنا فإنا لن نخالفك فاخرج حيث أحببت فمكث حتى إذا كان آخر سنة من سنى ابن أم الحكم في أول السنة وهو أول يوم من شهر ربيع الآخر فاجتمع أصحاب حيان بن ظبيان إليه فقال لهم يا قوم إن الله قد جمعكم لخير وعلى خير والله الذى لا إله غيره ما سررت بشئ قط في الدنيا بعد ما أسلمت سروري لمخرجي هذا على الظلمة الاثمة فوالله ما أحب أن الدنيا بحذافيرها لى وأن الله حرمني في مخرجى هذا الشهادة وانى قد رأيت أن نخرج حتى ننزل جانب دار جرير فإذا خرج اليكم الاحزاب ناجزتموهم فقال عتريس بن عرقوب البكري أما إن نقاتلهم في جوف المصر فانه يقاتلنا الرجال وتصعد النساء والصبيان والاماء فيرموننا بالحجارة فقال لهم رجل منهم انزلوا بنا إذا من وراء المصر الجسر وهو موضع زرارة وإنما بنيت زرارة

[ 231 ]

بعد ذلك إلا أبياتا يسيرة كانت منها قبل ذلك فقال لهم معاذ بن جوين بن حصين الطائى لا بل سيروا بنا فلننزل بانقيا فما أسرع ما يأتيكم عدوكم فإذا كان ذلك استقبلنا القوم بوجوهنا وجعلنا البيوت في ظهورنا فقاتلناهم من وجه واحد فخرجوا فبعث إليهم جيش فقتلوا جميعا ثم إن عبد الرحمن بن أم الحكم طرده أهل الكوفة * فحدثت عن هشام بن محمد قال استعمل معاوية ابن أم الحكم على الكوفة فأساء السيرة فيهم فطردوه فلحق بمعاوية وهو خاله فقال له أوليك خيرا منها مصر قال فولاه فتوجه إليها وبلغ معاوية بن حديج السكوني الخبر فخرج فاستقبله على مرحلتين من مصر فقال ارجع إلى خالك فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة قال فرجع إلى معاوية وأقبل معاوية بن حديج وافدا قال وكان إذا جاء قلست له الطريق يعنى ضربت له قباب الريحان قال فدخل على معاوية وعنده أم الحكم فقالت من هذا يا أمير المؤمنين قال بخ هذا معاوية بن حديج قالت لا مرحبا به تسمع بالمعيدى خير من أن تراه فقال على رسلك يا أم الحكم أما والله لقد تزوجت فما أكرمت وولدت فما أنجبت أردت أن يلى ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل الكوفة ما كان الله ليريه ذلك ولو فعل ذلك لضربناه ضربا يطأطئ منه وإن كره ذلك الجالس فالتفت إليها معاوية فقال كفى (وفى هذه السنة) اشتد عبيدالله بن زياد على الخوارج فقتل منهم صبرا جماعة كثيرة وفى الحرب جماعة أخرى وممن قتل منهم صبرا عروة بن أدية أخو أبى بلال مرداس بن أدية ذكر سبب قتله إياهم * حدثنى عمر قال حدثنى زهير بن حرب قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنى أبى قال حدثنى عيسى بن عاصم الاسدي أن ابن زياد خرج في رهان له فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس وفيهم عروة بن أدية أخو أبى بلال فأقبل على ابن زياد فقال خمس كن في الامم قبلنا فقد صرن فينا " أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين " وخصلتين

[ 232 ]

أخريين لم يحفظهما جرير فلما قال ذلك ظن ابن زياد أنه لم يجترئ على ذلك إلا ومعه جماعة من أصحابه فقام وركب وترك رهانه فقيل لعروة ما صنعت تعلمن والله ليقتلنك قال فتوارى فطلبه ابن زياد فأتى الكوفة فأخذ بها فقدم به على ابن زياد فأمر به فقطعت يداه ورجلاه ثم دعا به فقال كيف ترى قال أرى أنك أفسدت دنياى وأفسدت آخرتك فقتله وأرسل إلى ابنته فقتلها وأما مرداس بن أدية فانه خرج بالاهواز وقد كان ابن زياد قبل ذلك حبسه فيما حدثنى عمر قال حدثنى خلاد بن يزيد الباهلى قال حبس ابن زياد فيمن حبس مرداس بن أدية فكان السجان يرى عبادته واجتهاده وكان يأذن له في الليل فينصرف فإذا طلع الفجر أتاه حتى يدخل السجن وكان صديق لمرداس يسامر ابن زياد فذكر ابن زياد الخوارج ليلة فعزم على قتلهم إذا أصبح فانطلق صديق مرداس إلى منزل مرداس فأخبرهم وقال أرسلوا إلى أبى بلال في السجن فليعهد فانه مقتول فسمع ذلك مرداس وبلغ الخبر صاحب السجن فبات بليلة سوء إشفاقا من أن يعلم الخبر مرداس فلا يرجع فلما كان الوقت الذى كان يرجع فيه إذا به قد طلع فقال له السجان هل بلغك ما عزم عليه الامير قال نعم قال ثم غدوت قال نعم ولم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقب بسببي وأصبح عبيدالله فجعل يقتل الخوارج ثم دعا بمرداس فلما حضر وثب السجان وكان ظئرا لعبيدالله فأخذ بقدمه ثم قال هب لى هذا وقص عليه قصته فوهبه له وأطلقه * حدثنى عمر قال حدثنا زهير بن حرب قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبى قال حدثنى يونس بن عبيد قال خرج مرداس أبو بلال وهو من بنى ربيعة بن حنظلة في أربعين رجلا إلى الاهواز فبعث إليهم ابن زياد جيشا عليهم ابن حصن التميمي فقتلوا في أصحابه وهزموه فقال رجل من بنى تيم الله بن ثعلبة أألفا مؤمن منكم زعمتم * ويقتلهم بآسك أربعونا كذبتم ليس ذاك كما زعمتم * ولكن الخوارج مؤمنونا هي الفئة القليلة قد علمتم * على الفئة الكثيرة ينصرونا

[ 233 ]

قال عمر: البيت الاخير ليس في الحديث أنشدنيه خلاد بن يزيد الباهلى (وقيل) مات في هذه السنة عميرة بن يثربى قاضى البصرة واستقضى مكانه عليها هشام بن هبيرة (وكان) على الكوفة في هذه السنة عبد الرحمن بن أم الحكم وقال بعضهم كان عليها الضحاك بن قيس الفهرى وعلى البصرة عبيدالله بن زياد وعلى قضاء الكوفة شريح (وحج) بالناس الوليد بن عتبة في هذه السنة كذلك قال أبو معشر والواقدى ثم دخلت سنة تسع وخمسين ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففيها) كان مشتى عمرو بن مرة الجهنى أرض الروم في البر قال الواقدي لم يكن عامئذ غزو في البحر وقال غيره بل غزا في البحر جنادة بن أبى أمية (وفيها) عزل عبد الرحمن بن أم الحكم عن الكوفة واستعمل عليها النعمان بن بشير الانصاري قد ذكرنا قبل سبب عزل ابن أم الحكم عن الكوفة (وفى هذه السنة) ولى معاوية عبد الرحمن بن زياد بن سمية خراسان ذكر سبب استعمال معاوية إياه على خراسان * حدثنى الحارث بن محمد قال حدثنا على بن محمد قال حدثنا أبو عمرو قال سمعت أشياخنا يقولون قدم عبد الرحمن بن زياد وافدا على معاوية فقال يا أمير المؤمنين أما لنا حق قال بلى قال فماذا توليني قال بالكوفة النعمان رشيد وهو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعبيدالله بن زياد على البصرة وخراسان وعباد بن زياد على سجستان ولست أرى عملا يشبهك إلا أن أشركك في عمل أخيك عبيدالله قال أشركني فإن عمله واسع يحتمل الشركة فولاه خراسان قال على وذكر أبو حفص الازدي قال حدثنى عمر قال قدم علينا قيس بن الهيثم السلمى وقد وجهه عبد الرحمن بن زياد فأخذ أسلم بن زرعة فحبسه ثم قدم عبد الرحمن فأغرم أسلم ابن زرعة ثلثمائة ألف درهم قال وذكر مصعب بن حيان عن أخيه مقاتل بن حيان قال قدم عبد الرحمن بن زياد خراسان فقدم رجل سخى حريص ضعيف لم

[ 234 ]

يغز غزوة واحدة وقد أقام بخراسان سنتين قال على قال عوانة قدم عبد الرحمن ابن زياد على يزيد بن معاوية من خراسان بعد قتل الحسين عليه السلام واستخلف على خراسان قيس بن الهيثم قال وحدثني مسلم بن محارب وأبو حفص قالا قال يزيد لعبد الرحمن بن زياد كم قدمت به معك من المال من خراسان قال عشرين ألف ألف درهم قال إن شئت حاسبناك وقبضناها منك ورددناك على عملك وإن شئت سوغناك وعزلناك وتعطى عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم قال بل تسوغنى ما قلت ويستعمل عليها غيرى وبعث عبد الرحمن بن زياد إلى عبد الله بن جعفر بألف بألف درهم وقال خمسمائة ألف من قبل أمير المؤمنين وخمسمائة ألف من قبلى (وفى هذه السنة) وفد عبيدالله بن زياد على معاوية في أشراف أهل البصرة فعزله عن البصرة ثم رده عليها وجدد له الولاية ذكر لك * حدثنى عمر قال حدثنى على قال وفد عبيدالله بن زياد في أهل العراق إلى معاوية فقال له ائذن لوفدك على منازلهم وشرفهم فأذن لهم ودخل الاحنف في آخرهم وكان سيئ المنزلة من عبيدالله فلما نظر إليه معاوية رحب به وأجلسه معه على سريره ثم تكلم القوم فأحسنوا الثناء على عبيدالله والاحنف ساكت فقال ما لك يا أبا بحر لا تتكلم قال إن تكلمت خالفت القوم فقال انهضوا فقد عزلته عنكم واطلبوا واليا ترضونه فلم يبق في القوم أحد إلا أتى رجلا من بنى أمية أو من أشراف أهل الشأم كلهم يطلب وقعد الاحنف في منزله فلم يأت أحدا فلبثوا أياما ثم بعث إليهم معاوية فجمعهم فلما دخلوا عليه قال من اخترتم فاختلفت كلمتهم وسمى كل فريق منهم رجلا والاحنف ساكت فقال له معاوية مالك يا أبا بحر لا تتكلم قال إن وليت علينا أحدا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدا وإن وليت من غيرهم فانظر في ذلك قال معاوية فإنى قد أعدته عليكم ثم أوصاه بالاحنف وقبح رأيه في مباعدته فلما هاجت الفتنة لم يف لعبيد الله غير الاحنف (وفى هذه السنة) كان ما كان من أمر يزيد بن مفرغ الحميرى وعباد ابن زياد وهجاء يزيد بنى زياد

[ 235 ]

ذكر سبب ذلك * حدثت عن أبى عبيدة معمر بن المثنى أن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميرى كان مع عباد بن زياد بسجستان فاشتغل عنه بحرب الترك فاستبطأه فأصاب الجند مع عباد ضيق في إعلاف دوابهم فقال ابن مفرغ ألا ليت اللحى عادت حشيشا * فنعلفها خيول المسلمينا وكان عباد بن زياد عظيم اللحية فأنهى شعره إلى عباد وقيل ما أراد غيرك فطلبه عباد فهرب منه وهجاه بقصائد كثيرة فكان مما هجاه به قوله إذا أودى معاوية بن حرب * فبشر شعب قعبك بانصداع فأشهد أن أمك لم تباشر * أبا سفيان واضعة القناع ولكن كان أمرا فيه لبس * على وجل شديد وارتياع وقوله ألا أبلغ معاوية بن حرب * مغلغلة من الرجل اليماني أتغضب أن يقال أبوك عف * وترضى أن يقال أبوك زانى فأشهد أن رحمك من زياد * كرحم الفيل من ولد الاتان * فحدثني أبو زيد قال لما هجا ابن المفرغ عبادا فارقه مقبلا إلى البصرة وعبيد الله يومئذ وافد على معاوية فكتب عباد إلى عبيد الله ببعض ما هجاه به فلما قرأ عبيدالله الشعر دخل على معاوية فأنشده إياه واستأذنه في قتل ابن مفرغ فأبى عليه أن يقتله وقال أدبه ولا تبلغ به القتل وقدم ابن مفرغ البصرة فاستجار بالاحنف ابن قيس فقال إنا لا نجير على ابن سمية فإن شئت كفيتك شعراء بنى تميم قال ذاك ما لا أبالى ان أكفاه فأتى خالد بن عبد الله فوعده وأتى أمية فوعده ثم أتى عمر ابن عبيدالله بن معمر فوعده ثم أتى المنذر بن الجارود فأجاره وأدخله داره وكانت بحرية بنت المنذر عند عبيدالله فلما قدم عبيدالله البصرة أخبر بمكان ابن مفرغ عند المنذر وأتى المنذر عبيدالله مسلما فأرسل عبيدالله الشرط إلى دار المنذر فأخذوا ابن مفرغ فلم يشعر المنذر وهو عند عبيدالله إلا بابن مفرغ قد أقيم على

[ 236 ]

رأسه فقام إلى عبيدالله وقال أيها الامير إنى قد أجرته قال والله يا منذر ليمدحنك وأباك ويهجونى أنا وأبى ثم تجيره على فأمر به فسقى دواء ثم حمل على حمار عليه إكاف فجعل يطاف به وهو يسلح في ثيابه فيمر به في الاسواق فمر به فارسي فرآه فسأل عنه فقال أين چيست ففهمها ابن مفرغ فقال ابست ونبيذاست وعصارات زبيب است وسميه رو سبيست ثم هجا المنذر ابن الجارود تركت قريشا أن أجاور فيهم * وجاورت عبد القيس أهل المشقر أناس أجارونا فكان جوارهم * أعاصير من فسو العراق المبذر فأصبح جارى من جذيمة نائما * ولا يمنع الجيران غير المشمر وقال لعبيد الله يغسل الماء ما صنعت وقولى * راسخ منك في العظام البوالى ثم حمله عبيدالله إلى عباد بسجستان فكلمت اليمانية فيه بالشأم معاوية فأرسل رسولا إلى عباد فحمل ابن مفرغ من عنده حتى قدم على معاوية فقال في طريقه عدس ما لعباد عليك إمارة * نجوت وهذا تحملين طليق لعمري لقد نجاك من هوة الردى * إمام وحبل للانام وثيق سأشكر ما أوليت من حسن نعمة * ومثلى بشكر المنعمين حقيق فلما دخل على معاوية بكى وقال ركب منى ما لم يركب من مسلم على غير حدث ولا جريرة قال أو لست القائل: ألا أبلغ معاوية بن حرب * مغلغلة من الرجل اليماني القصيدة قال لا والذى عظم حق أمير المؤمنين ما قلت هذا قال أفلم تقل فأشهد أن أمك لم تباشر * أبا سفيان واضعة القناع في أشعار كثيرة هجوت بها ابن زياد اذهب فقد عفونا لك عن جرمك أما لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شئ فانطلق وفى أي أرض شئت فانزل فنزل الموصل ثم إنه ارتاح إلى البصرة فقدمها ودخل على عبيدالله فآمنه وأما أبو عبيدة فإنه قال في نزول ابن مفرغ الموصل عن الذى أخبرني به أبو زيد قال ذكر أن معاوية لما

[ 237 ]

قال له ألست القائل ألا أبلغ معاوية بن حرب * مغلغلة من الرجل اليماني الابيات حلف ابن مفرغ أنه لم يقله وأنه إنما قاله عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان واتخذني ذريعة إلى هجاء زياد وكان عتب عليه قبل ذلك فغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم وحرمه عطاءه حتى أضر به فكلم فيه فقال لا أرضى عنه حتى يرضى عبيدالله فقدم العراق على عبيدالله فقال عبد الرحمن له لانت زيادة في آل حرب * أحب إلى من إحدى بنانى أراك أخا وعما وابن عم * ولا أدرى بغيب ما تراني فقال أراك والله شاعر سوء فرضى عنه فقال معاوية لابن مفرغ ألست القائل فأشهد أن أمك لم تباشر * أبا سفيان واضعة القناع الابيات لا تعودن إلى مثلها عفونا عنك فأقبل حتى نزل الموصل فتزوج امرأة فلما كان في ليلة بنائها خرج حين أصبح إلى الصيد فلقى دهانا أو عطارا على حمار له فقال له ابن مفرغ من أين أقبلت قال من الاهواز قال وما فعل ماء مسرفان قال على حاله قال فخرج ابن مفرغ فتوجه قبل البصرة ولم يعلم أهله بمسيره ومضى حتى قدم على عبيدالله بن زياد بالبصرة فدخل عليه فآمنه ومكث عنده حتى استأذنه في الخروج إلى كرمان فأذن له في ذلك وكتب إلى عامله هنالك بالوصاة والاكرام له فخرج إليها وكان عامل عبيدالله يومئذ على كرمان شريك بن الاعور الحارثى (وحج) بالناس في هذه السنة عثمان بن محمد بن أبى سفيان حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وكان الوالى على المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان وعلى الكوفة النعمان بن بشير وعلى قضائها شريح وعلى البصرة عبيدالله بن زياد وعلى قضائها هشام بن هبيرة وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد وعلى سجستان عباد بن زياد وعلى كرمان شريك ابن الاعور من قبل عبيدالله بن زياد

[ 238 ]

ثم دخلت سنة ستين ذكر ما كان فيها من الاحداث ففى هذه السنة كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية ودخول جنادة بن أبى أمية رودس وهدمه مدينتها في قول الواقدي (وفيها) كان أخذ معاوية على الوفد الذين وفدوا إليه مع عبيدالله بن زياد البيعة لابنه يزيد وعهد إلى ابنه يزيد حين مرض فيها ما عهد إليه في النفر الذين امتنعوا من البيعة ليزيد حين دعاهم إلى البيعة وكان عهده الذى عهد ما ذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى عبد الملك ابن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة أن معاوية لما مرض مرضته التى هلك فيها دعا يزيد ابنه فقال يا بنى إنى قد كفيتك الرحلة والترحال ووطأت لك الاشياء وذللت لك الاعداء وأخضعت لك أعناق العرب وجمعت لك من جمع واحد وإنى لا أتخوف أن ينازعك هذا الامر الذى استتب لك إلا أربعة نفر من قريش الحسين بن على وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبى بكر فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذته العبادة وإذا لم يبق أحد غيره بايعك وأما الحسين بن على فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنك فإن له رحما ماسة وحقا عظيما وأما ابن أبى بكر فرجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثلهم ليس له همة إلا في النساء واللهو وأما الذى يجثم لك جثوم الاسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإذا أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إربا إربا قال هشام قال عوانة قد سمعنا في حديث آخر أن معاوية لما حضره الموت وذلك في سنة 60 وكان يزيد غائبا فدعا بالضحاك بن قيس الفهرى وكان صاحب شرطته ومسلم بن عقبة المرى فأوصى إليهما فقال بلغا يزيد وصيتى أنظر أهل الحجاز فإنهم أصلك فأكرم من قدم عليك منهم وتعاهد من غاب وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل فإن عزل عامل أحب إلى من أن تشهر عليك مائة ألف سيف وانظر

[ 239 ]

أهل الشأم فليكونوا بطانتك وعيبتك فإن نابك شئ من عدوك فانتصر بهم فإذا أصبتهم فاردد أهل الشأم إلى بلادهم فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم وإنى لست أخاف من قريش إلا ثلاثة حسين بن على وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير فأما ابن عمر فرجل قد وقذه الدين فليس ملتمسا شيئا قبلك وأما الحسين بن على فإنه رجل خفيف وأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه وإن له رحما ماسة وحقا عظيما وقرابة من محمد صلى الله عليه وسلم ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه فإن قدرت عليه فاصفح عنه فإنى لو أنى صاحبه عفوت عنه وأما ابن الزبير فإنه خب ضب فإذا شخص لك فالبد له إلا أن يلتمس منك صلحا فإن فعل فاقبل واحقن دماء قومك ما استطعت (وفى هذه السنة) هلك معاوية بن أبى سفيان بدمشق فاختلف في وقت وفاته بعد إجماع جميعهم على أن هلاكه كان في سنة 60 من الهجرة وفى رجب منها فقال هشام بن محمد مات معاوية لهلال رجب من سنة 60 وقال الواقدي مات معاوية للنصف من رجب وقال على بن محمد مات معاوية بدمشق سنة 60 يوم الخميس لثمان بقين من رجب حدثنى بذلك الحارث عنه ذكر الخبر عن مدة ملكه * حدثنى أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنى من سمع إسحاق بن عيسى يذكر عن أبى معشر قال بويع لمعاوية بأذرح بايعه الحسن بن على في جمادى الاولى سنة 41 وتوفى معاوية في رجب سنة 60 وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر * وحدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى يحيى بن سعيد بن دينار السعدى عن أبيه قالوا توفى معاوية ليلة الخميس للنصف من رجب سنة 60 وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يوما * وحدثني عمر قال حدثنا على قال بايع أهل الشأم معاوية بالخلافة في سنة 37 في ذى القعدة حين تفرق الحكمان وكانوا قبل بايعوه على الطلب بدم عثمان ثم صالحه الحسن بن على وسلم له الامر

[ 240 ]

سنة 41 لخمس بقين من شهر ربيع الاول فبايع الناس جميعا معاوية فقيل عام الجماعة ومات بدمشق سنة 60 يوم الخميس لثمان بقين من رجب وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يوما قال ويقال كان بين موت على عليه السلام وموت معاوية تسع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاث ليال وقال هشام بن محمد بويع لمعاوية بالخلافة في جمادى الاولى سنة 41 فولى تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر إلا أياما ثم مات لهلال رجب من سنة 60 * واختلفوا في مدة عمره وكم عاش فقال بعضهم مات يوم مات وهو ابن خمس وسبعين سنة ذكر من قال ذلك * حدثنى عمر قال حدثنا محمد بن يحيى قال أخبرني هشام بن الوليد قال قال ابن شهاب الزهري سألني الوليد عن أعمار الخلفاء فأخبرته أن معاوية مات وهو ابن خمس وسبعين سنة فقال بخ بخ إن هذا لعمر وقال آخرون مات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة ذكر من قال ذلك * حدثنى عمر قال حدثنى أحمد بن زهير قال قال على بن محمد مات معاوية وهو ابن ثلاث وسبعين قال ويقال ابن ثمانين سنة وقال آخرون توفى وهو ابن ثمان وسبعين سنة ذكر من قال ذلك * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه قال توفى معاوية وهو ابن ثمان وسبعين سنة وقال آخرون توفى وهو ابن خمس وثمانين سنة حدثت بذلك عن هشام بن محمد أنه كان يقوله عن أبيه ذكر العلة التى كانت فيها وفاته * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا أبو عبيدة عن أبى يعقوب الثقفى عن عبد الملك بن عمير قال لما ثقل معاوية وحدث الناس أنه الموت قال

[ 241 ]

لاهله احشوا عينى اثمدا وأوسعوا رأسي دهنا ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن ثم مهد له فجلس وقال أسندوني ثم قال ائذنوا للناس فليسلموا قياما ولا يجلس أحد فجعل الرجل يدخل فيسلم قائما فيراه مكتحلا مدهنا فيقول يقول الناس هو لمآبه وهو أصح الناس فلما خرجوا من عنده قال معاوية * وتجلدى للشامتين أريهم * أنى لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع قال وكان به النفاثات فمات من يومه ذلك * حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد عن اسحاق بن أيوب عن عبد الملك بن ميناس الكلبى قال قال معاوية لابنتيه في مرضه الذى مات فيه وهما تقلبانه تقلبان حولا قلبا جمع المال من شب إلى إلى دب إن لم يدخل النار ثم تمثل: لقد سعيت لكم من سعى ذى نصب * وقد كفيتكم التطواف والرحلا ويقال من جمع ذى حسب * حدثنى أحمد بن زهير عن على عن سليمان بن أيوب عن الاوزاعي وعلى بن مجاهد عن عبد الاعلى بن ميمون عن أبيه أن معاوية قال في مرضه الذى مات فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسانى قميصا فرفعته وقلم أظفاره يوما فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة فإذا مت فالبسوني ذلك القميص وقطعوا تلك القلامة واسحقوها وذروها في عينى وفى في فعسى الله أن يرحمنى ببركتها ثم قال متمثلا بشعر الاشهب بن رميلة النهشلي يمدح به القباع: إذا مت مات الجود وانقطع الندى * من الناس إلا من قليل مصرد وردت أكف السائلين وأمسكوا * من الدين والدنيا بخلف مجدد فقالت إحدى بناته أو غيرها كلا يا أمير المؤمنين بل يدفع الله عنك فقال متمثلا: وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع ثم أغمى عليه ثم أفاق فقال لمن حضره من أهله اتقوا الله عز وجل فان الله سبحانه يقى من اتقاه ولا واقى لمن لا يتقى الله ثم قضى * حدثنا أحمد عن على عن محمد بن

[ 242 ]

الحكم عمن حدثه إن معاوية لما حضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال كان أراد أن يطيب له الباقي لان عمر قاسم عماله ذكر الخبر عمن صلى على معاوية حين مات * حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد قال صلى على معاوية الضحاك بن قيس الفهرى وكان يزيد غائبا حين مات معاوية * وحدثت عن هشام بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن محرمة قال لما مات معاوية خرج الضحاك بن قيس حتى صعد المنبر وأكفان معاوية على يديه تلوح فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن معاوية كان عود العرب وحد العرب قطع الله عز وجل به الفتنة وملكه على العباد وفتح به البلاد ألا إنه قد مات فهذه أكفانه فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الاولى وبعث البريد إلى يزيد بوجع معاوية فقال يزيد في ذلك: جاء البريد بقرطاس يخب به * فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ماذا في كتابكم * قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا فمادت الارض أو كادت تميد بنا * كأن أغبر من أركانها انقطعا من لا تزل نفسه توفى على شرف * توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا لما انتهينا وباب الدار منصفق * وصوت رملة ريع القلب فانصدعا * حدثنى عمر قال حدثنا على عن إسحاق بن خليد عن خليد بن عجلان مولى عباد قال مات معاوية ويزيد بحوارين وكانوا كتبوا إليه حين مرض فأقبل وقد دفن فأتى قبره فصلى عليه ودعا له ثم أتى منزله فقال جاء البريد بقرطاس الابيات ذكر الخبر عن نسبه وكنيته أما نسبه فإنه ابن أبى سفيان واسم أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصى وكنيته أبو عبد الرحمن

[ 243 ]

ذكر نسائه وولده من نسائه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن ولجة بن قنافة بن عدى بن زهير بن حارثة ابن جناب الكلبى ولدت له يزيد بن معاوية قال على ولدت ميسون لمعاوية مع يزيد أمة رب المشارق فماتت صغيرة ولم يذكرها هشام في أولاد معاوية ومنهن فاختة ابنة قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف ولدت له عبد الرحمن وعبد الله بنى معاوية وكان عبد الله محمقا ضعيفا وكان يكنى أبا الخير * حدثنى أحمد على على بن محمد قال مر عبد الله بن معاوية يوما بطحان قد شد بلغه في الرحى للطحن وجعل في عنقه جلاجل فقال له لم جعلت في عنق بغلك هذه الجلاجل فقال الطحان جعلتها في عنقه لاعلم أن قد قام فلم تدر الرحى فقال له أرأيت إن هو قام وحرك رأسه كيف تعلم أنه لا يدير الرحى فقال له الطحان إن بغلى هذا أصلح الله الامير ليس له عقل مثل عقل الامير وأما عبد الرحمن فإنه مات صغيرا ومنهن نائلة بنت عمارة الكلبية تزوجها فحدثني أحمد عن على قال لما تزوج معاوية نائلة قال لميسون انطلقي فانظري إلى ابنة عمك فنظرت إليها فقال كيف رأيتها فقالت جميلة كاملة ولكن رأيت تحت سرتها خالا ليوضعن رأس زوجها في حجرها فطلقها معاوية فتزوجها حبيب بن مسلمة الفهرى ثم خلف عليها بعد حبيب النعمان ابن بشير الانصاري فقتل ووضع رأسه في حجرها ومنهن كتوة بنت قرظة أخت فاختة فغزا قبرس وهى معه فماتت هنالك ذكر بعض ما حضرنا من ذكر أخباره وسيره * حدثنى أحمد بن زهير عن على قال لما بويع لمعاوية بالخلافة صير على شرطته قيس بن حمزة الهمداني ثم عزله واستعمل زميل بن عمرو العذري ويقال السكسكى وكان كاتبه وصاحب أمره سرجون بن منصور الرومي وعلى حرسه رجل من الموالى يقال له المختار وقيل رجل يقال له ملك ويكنى أبا المخارق مولى لحمير وكان أول من اتخذ الحرس وكان على حجابه سعد مولاه وعلى القضاء فضالة ابن عبيد الانصاري فمات فاستقضى أبا إدريس عائذ الله بن عبد الله الخولانى إلى

[ 244 ]

ههنا حديث أحمد عن على وقال غير على وكان على ديوان الخاتم عبد الله بن محصن الحميرى وكان أول من اتخذ ديوان الخاتم قال وكان سبب ذلك أن معاوية أمر لعمرو بن الزبير في معونته وقضاء دينه بمائة ألف درهم وكتب بذلك إلى زياد بن سمية وهو على العراق ففض عمرو الكتاب وصير المائة مائتين فلما رفع زياد حسابه أنكرها معاوية فأخذ عمرا بردها وحبسه فأداها عنه أخوه عبد الله ابن الزبير فأحدث معاوية عند ذلك ديوان الخاتم وحزم الكتب ولم تكن تحزم * حدثنى عبد الله بن أحمد بن شيويه قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله بن المبارك عن ابن أبى ذئب عن سعيد المقبرى قال قال عمر بن الخطاب تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال قرأت على عبد الله عن فليح قال أخبرت أن عمرو بن العاص وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر ققال لهم عمرو انظروا إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلموا عليه بالخلافة فإنه أعظم لكم في عينه وصغروه ما استطعتم فلما قدموا عليه قال معاوية لحجابه إنى كأنى أعرف ابن النابغة وقد صغر أمرى عند القوم فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها فلا يبلغني رجل منهم إلا وقد همته نفسه بالتلف فكان أول من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له ابن الخياط فدخل وقد تعتع فقال السلام عليك يا رسول الله فتتابع القوم على ذلك فلما خرجوا قال لهم عمرو لعنكم الله نهيتكم أن تسلموا عليه بالامارة فسلمتم عليه بالنبوة قال ولبس معاوية يوما عمامته الحرقانية واكتحل وكان من أجمل الناس إذا فعل ذلك شك عبد الله فيه سمعه أو لم يسمعه * حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد قال حدثنا أبو محمد الاموى قال خرج عمر بن الخطاب إلى الشأم فرأى معاوية في موكب يتلقاه وراح إليه في موكب فقال له عمر يا معاوية تروح في موكب وتغدو في مثله وبلغني أنك تصبح في منزلك وذوو الحاجات ببابك قال يا أمير المؤمنين إن العدو بها قريب منا ولهم عيون وجواسيس فأردت يا أمير المؤمنين أن يروا للاسلام عزا فقال له عمر إن هذا لكيد رجل لبيب أو خدعة رجل أريب فقال معاوية يا أمير المؤمنين مرنى بما شئت أصر إليه قال

[ 245 ]

ويحك ما ناظرتك في أمر أعيب عليك فيه إلا تركتني ما أدرى آمرك أم أنهاك * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله عن معمر عن جعفر بن برقان أن المغيرة كتب إلى معاوية أما بعد فإنى قد كبرت سنى ودق عظمي وشنفت لى قريش فإن رأيت أن تعزلني فاعزلني فكتب إليه معاوية جاءني كتابك تذكر فيه أنه كبرت سنك فلعمري ما أكل عمرك غيرك وتذكر أن قريشا شنفت لك ولعمري ما أصبت خيرا إلا منهم وتسألني أن أعزلك فقد فعلت فان تك صادقا فقد شفعتك وإن تك مخادعا فقد خدعتك * حدثنى أحمد عن على ابن محمد عن على بن مجاهد قال قال معاوية إذا لم يكن الاموى مصلحا لماله حليما لم يشبه من هو منه وإذا لم يكن الهاشمي سخيا جوادا لم يشبه من هو منه ولا يقدمك من الهاشمي اللسان والسخاء والشجاعة * حدثنى أحمد عن على عن عوانة وخلاد بن عبيدة قال تغدى معاوية يوما وعنده عبيدالله بن أبى بكرة ومعه ابنه بشير ويقال غير بشير فأكثر من الاكل فلحظه معاوية وفطن عبيدالله بن أبى بكرة فأراد أن يغمز ابنه فلم يمكنه ولم يرفع رأسه حتى فرغ فلما خرج لامه على ما صنع ثم عاد إليه وليس معه ابنه فقال معاوية ما فعل ابنك التلقامة قال اشتكى فقال قد علمت أن أكله سيورثه داء * حدثنى أحمد عن على عن جويرية بن أسماء قال قدم أبو موسى على معاوية فدخل عليه في برنس أسود فقال السلام عليك يا أمين الله قال وعليك السلام فلما خرج قال معاوية قدم الشيخ لاوليه ولا والله لا أوليه * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى أبو صالح سليمان بن صالح قال حدثنى عبد الله بن المبارك عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبى بردة قال دخلت على معاوية حيث أصابته قرحته فقال هلم يا ابن أخى نحوى فانظر فنظرت فإذا هي قد سبرت فقلت ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين فدخل يزيد فقال معاوية إن وليت من أمر الناس شيئا فاستوص بهذا فان أباه كان لى خليلا أو نحو ذلك من القول غير أنى رأيت في القتال ما لم يره * حدثنى أحمد عن على عن شهاب بن عبيدالله عن يزيد بن سويد قال أذن معاوية للاحنف وكان يبدأ بإذنه ثم دخل محمد بن الاشعث فجلس بين معاوية

[ 246 ]

والاحنف فقال معاوية إنا لم نأذن له قبلك فتكون دونه وقد فعلت فعال من أحس من نفسه ذلا إنا كما نملك أموركم نملك اذنكم فأريدوا منا ما نريد منكم فانه أبقى لكم * حدثنى أحمد عن على عن سحيم بن حفص قال خطب ربيعة بن عسل اليربوعي إلى معاوية فقال معاوية اسقوه سويقا وقال له معاوية يا ربيعة كيف الناس عندكم قال مختلفون على كذا وكذا فرقة قال فمن أيهم أنت قال ما أنا على شئ من أمرهم فقال معاوية أراهم أكثر مان قلت قال يا أمير المؤمنين أعنى في بناء دارى باثنى عشر ألف جذع قال معاوية أين دارك قال بالبصرة وهى أكثر من فرسخين في فرسخين قال فدارك في البصرة أو البصرة في دارك فدخل رجل من ولده على ابن هبيرة فقال أصلح الله الامير أنا ابن سيد قومه خطب أبى إلى معاوية فقال ابن هبيرة لسلم بن قتيبة ما يقول هذا قال هذا ابن أحمق قرمه قال ابن هبيرة هل زوج أباك معاوية قال لا قال فلا أرى أباك صنع شيئا * حدثنى أحمد عن على عن أبى محمد بن ذكوان القرشى قال تنازع عتبة وعنبسة ابنا أبى سفيان وأم عتبة هند وأم عنبسة ابنة أبى أزيهر الدوسى فأغلظ معاوية لعنبسة وقال عنبسة وأنت أيضا يا أمير المؤمنين فقال يا عنبسة ان عتبة بن هند فقال عنبسة: كنا بخير صالحا ذات بيننا * قديما فأمست فرقت بيننا هند فإن تك هند لم تلدني فإننى * لبيضاء ينميها غطارفة مجد أبوها أبو الاضياف في كل شتوة * ومأوى ضعاف لا تنوء من الجهد جفناته ما تزال مقيمة * لمن خاف من غورى تهامة أو نجد فقال معاوية لا أعيدها عليك أبدا * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله عن حرملة بن عمران قال أتى معاوية في ليلة أن قيصر قصد له في الناس وإن ناتل بن قيس الجذامي غلب فلسطين وأخذ بيت مالها وأن المصريين الذين كان سجنهم هربوا وإن على بن أبى طالب قصد له في الناس فقال لمؤذنه أذن هذه الساعة وذلك نصف الليل فجاءه عمرو ابن العاص فقال لم أرسلت إلى قال أنا ما أرسلت إليك قال ما أذن المؤذن

[ 247 ]

هذه الساعة إلا من أجلى قال رميت بالقسى الاربع قال عمرو أما هؤلاء الذين خرجوا من سجنك فإنهم إن خرجوا من سجنك فهم في سجن الله عز وجل وهم قوم شراة لا رحلة بهم فاجعل لمن أتاك برجل منهم أو برأسه ديته فإنك ستؤتى بهم وانظر قيصر فوادعه وأعطه مالا وحللا من حلل مصر فإنه سيرضى منك بذاك وانظر ناتل بن قيس فلعمري ما أغضبه الدين ولا أراد إلا ما أصاب فاكتب إليه وهب له ذلك وهنئه إياه فان كانت لك قدرة عليه وإن لم تكن لك فلا تأس عليه واجعل حدك وحديدك لهذا الذى عنده دم ابن عمك قال وكان القوم كلهم خرجوا من سجنه غير أبرهة بن الصباح فقال معاوية ما منعك من أن تخرج مع أصحابك قال ما منعنى منه بغض لعلى ولا حب لك ولكني لم أقدر عليه فخلى سبيله * حدثنى عبد الله قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله بن مسعدة عن جرير بن حازم قال سمعت محمد بن الزبير يحدث قال حدثنى عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزارى من بنى آل بدر قال انتقل معاوية من بعض كور الشأم إلى بعض عمله فنزل منزلا بالشأم فبسط له على ظهر اجار مشرف على الطريق فأذن لى فقعدت معه فمرت القطرات والرحائل والجوارى والخيول فقال يا ابن مسعدة رحم الله أبا بكر لم يرد الدنيا ولم ترده الدنيا وأما عمر أو قال ابن حنتمة فأرادته الدنيا ولم يردها وأما عثمان فأصاب من الدنيا وأصابت منه وأما نحن فتمرغنا فيها ثم كأنه ندم فقال والله إنه لملك آتانا الله إياه * حدثنى أحمد عن على بن محمد عن على بن عبيدالله قال كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يسأله لابنه عبد الله بن عمرو ما كان أعطاء أباه من مصر فقال معاوية أراد أبو عبد الله أن يكتب فهذر أشهدكم أنى إن بقيت بعده فقد خلعت عهده قال وقال عمرو بن العاص ما رأيت معاوية متكئا قط واضعا إحدى رجليه على الاخرى كاسرا عينه يقول لرجل تكلم إلا رحمته قال أحمد قال على بن محمد قال عمرو بن العاص: لمعاوية يا أمير المؤمنين ألست أنصح الناس لك قال بذلك نلت ما نلت قال أحمد قال على عن جويرية بن أسماء أن بسر بن أبى أرطاة نال من

[ 248 ]

على عند معاوية وزيد بن عمر بن الخطاب جالس فعلاه بعصا فشجه فقال معاوية لزيد عمدت إلى شيخ من قريش سيد أهل الشأم فضربته وأقبل على بسر فقال تشتم عليا وهو جده وابن الفاروق على رءوس الناس أو كنت ترى أنه يصبر على ذلك ثم أرضاهما جميعا قال وقال معاوية إنى لارفع نفسي من أن يكون ذنب أعظم من عفوى وجهل أكثر من حلمي أو عورة لا أواريها بستري أو إساءة أكثر من إحساني قال وقال معاوية زين الشريف العفاف قال وقال معاوية ما من شئ أحب إلى من عين خرارة في أرض خوارة فقال عمرو بن العاص ما من شئ أحب إلى من أن أبيت عروسا بعقيلة من عقائل العرب فقال وردان مولى عمرو بن العاص ما من شئ أحب إلى من الافضال على الاخوان فقال معاوية أنا أحق بهذا منك قال ما تحب فافعل * حدثنى أحمد عن على عن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال كان عامل معاوية على المدينة إذا أراد أن يبرد بريدا إلى معاوية أمر مناديه فنادى من له حاجة يكتب إلى أمير المؤمنين فكتب زر بن حبيش أو أيمن بن خريم كتابا لطيفا ورمى به في الكتب وفيه إذا الرجال ولدت أولادها * واضطربت من كبر أعضادها وجعلت أسقامها تعتادها * فهى زروع قد دنا حصادها فلما وردت الكتب عليه فقرأ هذا الكتاب قال نعى إلى نفسي قال وقال معاوية ما من شئ ألذ عندي من غيظ أتجرعه قال وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم بن أبى العاص يا ابن أخى إنك قد لهجت بالشعر فإياك والتشبيب بالنساء فتعر الشريفة والهجاء فتعر كريما وتستثير لئيما والمدح فإنه طعمة الوقاح ولكن أفخر بمفاخر قومك وقل من الامثال ما تزيد به نفسك وتؤدب به غيرك * حدثنى أحمد عن على قال قال أبو الحسن بن حماد نظر معاوية إلى الثمافى عباءة فازدراه فقال يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك وإنما يكلمك من فيها * حدثنى أحمد عن على عن سليمان قال قال معاوية رجلان إن ماتا لم يموتا ورجل إن مات مات أنا إن مت خلفنى ابني وسعيد إن مات خلفه عمرو وعبد الله بن عامر إن مات

[ 249 ]

مات فبلغ مروان فقال أما ذكر ابني عبد الملك قالوا لا قال ما أحب أن لى بابنى ابنيهما * حدثنى أحمد عن على قال حدثنا عبد الله بن صالح قال قال رجل لمعاوية أي الناس أحب إليك قال أشدهم لى تحبيبا إلى الناس قال وقال معاوية العقل والحلم أفضل ما أعطى العبد فإذا ذكر ذكر وإذا أعطى شكر وإذا ابتلى صبر وإذا غضب كظم وإذا قدر غفر وإذا أساء استغفر وإذا وعد أنجز * حدثنى أحمد عن على بن عبد الله وهشام بن سعيد عن عبد الملك بن عمير قال أغلظ رجل لمعاوية فأكثر فقيل له أتحلم عن هذا فقال إنى لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا * حدثنى أحمد عن على عن محمد بن عامر قال لام معاوية عبد الله بن جعفر على الغناء فدخل يوما على معاوية ومعه بديح ومعاوية واضع رجلا على رجل فقال عبد الله لبديح إيها يا بديح فتغنى فحرك معاوية رجله فقال عبد الله مه يا أمير المؤمنين فقال معاوية إن الكريم طروب قال وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية ومعه سائب خاثر وكان مولى لبنى ليث وكان فاجرا فقال له ارفع حوائجك ففعل ورفع فيها حاجة سائب خاثر فقال معاوية من هذا فخبره فقال أدخله فلما قام على باب المجلس غنى: إن الديار رسومها قفر * لعبت بها الارواح والقطر وخلالها من بعد ساكنها * حجج خلون ثمان أو عشر والزعفران على ترائبها * شرقا به اللبات والنحر فقال أحسنت وقضى حوائجه * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله عن معمر عن همام بن منبه قال سمعت ابن عباس يقول ما رأيت أحدا أحلق للملك من معاوية إن كان ليرد الناس منه على أرجاء واد رحب ولم يكن كالضيق الحصص الحصر يعنى ابن الزبير * حدثنى عبد الله قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله عن سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبى عن قبيصة بن جابر الاسدي قال ألا أخبركم من صحبت صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلا أفقه فقها ولا أحسن مدارسة

[ 250 ]

منه ثم صحبت طلحة بن عبيدالله فما رأيت رجلا أعطى للجزيل من غير مسألة منه ثم صحبت معاوية فما رأيت رجلا أحب رفيقا ولا أشبه سريرة بعلانية منه ولو أن المغيرة جعل في مدينة لا يخرج من أبوابها كلها إلا بالغدر لخرج منها خلافة يزيد بن معاوية (وفى هذه السنة) بويع ليزيد بن معاوية بالخلافة بعد وفاة أبيه للنصف من رجب في قول بعضهم وفى قول بعض لثمان بقين منه على ما ذكرنا قبل من وفاة والده معاوية فأقر عبيدالله بن زياد على البصرة والنعمان بن بشير على الكوفة وقال هشام بن محمد عن أبى مخنف ولى يزيد في هلال رجب سنة 60 وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان وأمير الكوفة النعمان بن بشير الانصاري وأمير البصرة عبيدالله بن زياد وأمير مكة عمرو بن سعيد بن العاص ولم يكن ليزيد همة حين ولى إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية الاجابة إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى بيعته وإنه ولى عهده بعده والفراغ من أمرهم فكتب إلى الوليد بسم الله الرحمن الرحيم من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة أما بعد فان معاوية كان عبدا من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخوله ومكن له فعاش بقدر ومات بأجل فرحمه الله فقد عاش محمودا ومات برا تقيا والسلام وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة أما بعد فخذ حسينا وعبد الله ابن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام فلما أتاه نعى معاوية فظع به وكبر عليه فبعث إلى مروان بن الحكم فدعاه إليه وكان الوليد يوم قدم المدينة قدمها مروان متكارها فلما رأى ذلك الوليد منه شتمه عند جلسائه فبلغ ذلك مروان فجلس عنه وصرمه فلم يزل كذلك حتى جاء نعى معاوية إلى الوليد فلما عظم على الوليد هلاك معاوية وما أمر به من أخذ هؤلاء الرهط بالبيعة فزع عند ذلك إلى مروان ودعاه فلما قرأ عليه كتاب يزيد استرجع وترحم عليه واستشاره الوليد في الامر وقال كيف ترى أن نصنع قال فإنى أرى أن تبعث الساعة إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم وإن أبوا قدمتهم فضربت أعناقهم

[ 251 ]

قبل أن يعلموا بموت معاوية فإنهم إن علموا بموت معاوية وثب كل امرئ منهم في جانب وأظهر الخلاف والمنابذة ودعا إلى نفسه لا أدرى أما ابن عمر فإنى لا أراه يرى القتال ولا يحب أنه يولى على الناس إلا أن يدفع إليه هذا الامر عفوا فأرسل عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو إذ ذاك غلام حدث إليهما يدعوهما فوجدهما في المسجد وهما جالسان فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس ولا يأتيانه في مثلها فقال أجيبا الامير يدعوكما فقال له انصرف الآن نأتيه ثم أقبل أحدهما على الآخر فقال عبد الله بن الزبير للحسين ظن فيما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التى لم يكن يجلس فيها فقال حسين قد ظننت أرى طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر فقال وأنا ما أظن غيره قال فما تريد أن تصنع قال أجمع فتياني الساعة ثم أمشى إليه فإذا بلغت الباب احتبستهم عليه ثم دخلت عليه قال فإنى أخافه عليه إذا دخلت قال لا آتيه الا وأنا على إلامتناع قادر فقام فجمع إليه مواليه وأهل بيته ثم أقبل يمشى حتى انتهى إلى باب الوليد وقال لاصحابه إنى داخل فان دعوتكم أو سمعتم صوته قد علا فاقتحموا على بأجمعكم والا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم فدخل فسلم عليه بالامرة ومروان جالس عنده فقال حسين كأنه لا يظن ما يظن من موت معاوية الصلة خير من القطيعة أصلح الله ذات بينكما فلم يجيباه في هذا بشئ وجاء حتى جلس فأقرأه الوليد الكتاب ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة فقال حسين إنا لله وإنا إليه راجعون ورحم الله معاوية وعظم لك الاجر أماما سألتنى من البيعة فإن مثلى لا يعطى بيعته سرا ولا أراك تجتزئ بها منى سرا دون أن نظهرها على رؤس الناس علانية قال أجل قال فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرا واحدا فقال له الوليد وكان يحب العافية فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس فقال له مروان والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه فوثب عند ذلك الحسين فقال يا ابن الزرقاء أنت تقتلني أم هو كذبت والله وأثمت

[ 252 ]

ثم خرج فمر بأصحابه فخرجوا معه حتى أتى منزله فقال مروان للوليد عصيتني لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه أبدا قال الوليد وبخ غيرك يا مروان إنك اخترت لى التى فيها هلاك دينى والله ما أحب أن لى ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأنى قتلت حسينا سبحان الله أقتل حسينا إن قال لا أبايع والله إنى لا أظن امرءا يحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة فقال له مروان فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت يقول هذا له وهو غير الحامد له على رأيه وأما ابن الزبير فقال الآن آتيكم ثم أتى داره فكمن فيها فبعث الوليد إليه فوجده مجتمعا في أصحابه متحرزا فألح عليه بكثرة الرسل والرجال في إثر الرجال فأما حسين فقال كف حتى تنظر وننظر وترى ونرى وأما ابن الزبير فقال لا تعجلوني فانى آتيكم أمهلوني فألحوا عليهما عشيتهما تلك كلها وأول ليلهما وكانوا على حسين أشد إبقاء وبعث الوليد إلى ابن الزبير موالى له فشتموه وصاحوا به يا ابن الكاهلية والله لتأتين الامير أو ليقتلنك فلبث بذلك نهاره كله وأول ليلة يقول الآن أجئ فإذا استحثوه قال والله لقد استربت بكثرة الارسال وتتابع هذه الرجال فلا تعجلوني حتى أبعث إلى الامير من يأتيني برأيه وأمره فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير فقال رحمك الله كف عن عبد الله فانك قد أفزعته وذعرته بكثرة رسلك وهو آتيك غدا إن شاء الله فمر رسلك فلينصرفوا عنا فبعث إليهم فانصرفوا وخرج ابن الزبير من نحت الليل فأخذ طريق الفرع هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث وتجنب الطريق الاعظم مخافة الطلب وتوجه نحو مكة فلما أصبح بعث إليه الوليد فوجده قد خرج فقال مروان والله إن أخطأ مكة فسرح في أثره الرجال فبعث راكبا من موالى بنى أمية في ثمانين راكبا فطلبوه فلم يقدروا عليه فرجعوا فتشاغلوا عن حسين بطلب عبد الله يومهم ذلك حتى أمسوا ثم بعث الرجال إلى حسين عند المساء فقال أصبحوا ثم ترون ونرى فكفوا عنه تلك الليلة ولم يلحوا عليه فخرج حسين من تحت ليلته وهى ليلة الاحد ليومين بقيا من رجب سنة 60 وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة خرج ليلة السبت فأخذ طريق الفرع فبينا عبد الله

[ 253 ]

ابن الزبير يساير أخاه جعفر إذا تمثل جعفر يقول صبرة الحنظلي وكل بنى أم سيسمون ليلة * ولم يبق من أعقابهم غير واحد فقال عبد الله سبحان الله ما أدرت إلى ما أسمع يا أخى قال والله يا أخى ما أردت به شيئا مما تكره فقال فذاك والله أكره إلى أن يكون جاء على لسانك من غير تعمد قال وكأنه تطير منه وأما الحسين فإنه خرج ببنيه وإخوته وبنى أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية فانه قال له يا أخى أنت أحب الناس إلى وأعزهم على ولست أدخر النصيحة لاحد من الخلق أحق بها منك تنح بتبعتك عن يزيد ابن معاوية وعن الامصار ما استطعت ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فان بايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك إنى أخاف أن تدخل مصرا من هذه الامصار وتأتى جماعة من الناس فيختلفون بينهم فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون فتكون لاول الاسنة فإذا خير هذه الامة كلها نفسا وأبا وأما أضيعها دما وأذلها أهلا قال له الحسين فانى ذاهب يا أخى قال فانزل مكة فان اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس وتعرف عند ذلك الرأى فانك أصوب ما يكون رأيا وأحزمه عملا حتى تستقبل الامور استقبالا ولا تكون الامور عليك أبدا أشكل منها حين تستدبرها استدبارا قال يا أخى قد نصحت فأشفقت فأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا * قال أبو مخنف وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن أبى سعد المقبرى قال نظرت إلى الحسين داخلا مسجد المدينة وإنه ليمشى وهو معتمد على رجلين يعتمد على هذا مرة وعلى هذا مرة وهو يتمثل بقول ابن مفرغ لا ذعرت السوام في فلق الصب‍ * ح مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم أعطى من المهابة ضيما * والمنايا يرصدننى أن أحيدا قال فقلت في نفسي والله ما تمثل بهذين البيتين إلا لشئ يريد قال فما مكث إلا يومين حتى بلغني أنه سار إلى مكة ثم إن الوليد بعث إلى عبد الله بن عمر فقال

[ 254 ]

بايع ليزيد فقال إذا بايع الناس بايعت فقال رجل ما يمنعك أن تبايع إنما تريد أن يختلفوا الناس بينهم فيقتتلوا ويتفانوا فإذا جهدهم ذلك قالوا عليكم بعبدالله بن عمر لم يبق غيره بايعوه قال عبد الله ما أحب أن يقتتلوا ولا يختلفوا ولا يتفانوا ولكن إذا بايع الناس ولم يبق غيرى بايعت قال فتركوه وكانوا لا يتخوفونه قال ومضى ابن الزبير حتى أتى مكة وعليها عمرو بن سعيد فلما دخل مكة قال إنما أن عائذ ولم يكن يصلى بصلاتهم ولا يفيض بافاضتهم كان يقف هو وأصحابه ناحية ثم يفيض بهم وحده ويصلى بهم وحده قال فلما سار الحسين نحو مكة قال فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين فلما دخل مكة قال فلما توجه تلقاء مدين قال عسى ربى أبى يهدينى سواء السبيل (وفى هذه السنة) عزل يزيد الوليد ابن عتبة عن المدينة عزله في شهر رمضان فأقر عليها عمرو بن سعيد الاشدق (وفيها) قدم عمرو بن سعيد بن العاص المدينة في رمضان فزعم الواقدي أن ابن عمر لم يكن بالمدينة حين ورد نعى معاوية وبيعة يزيد على الوليد وأن ابن الزبير والحسين لما دعيا إلى البيعة ليزيد أبيا وخرجا من ليلتهما إلى مكة فلقيهما ابن عباس وابن عمر جاءيين من مكة فسألاهما ما وراءكما قالا موت معاوية والبيعة ليزيد فقال لهما ابن عمر اتقيا الله ولا تفرقا جماعة المسلمين وأما ابن عمر فقدم فأقام أياما فانتظر حتى جاءت البيعة من البلدان فتقدم إلى الوليد بن عتبة فبايعه وبايعه ابن عباس (وفى هذه السنة) وجه عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير إلى أخيه عبد الله ابن الزبير لحربه ذكر الخبر عن ذلك ذكر محمد بن عمر أن عمرو بن سعيد بن العاص الاشدق قدم المدينة في رمضان سنة 60 فدخل عليه أهل المدينة فدخلوا على رجل عظيم الكبر مفوه قال محمد ابن عمر حدثنا هشام بن سعد عن شيبة بن نصاح قال كانت الرسل تجرى بين يزيد ابن معاوية وابن الزبير في البيعة فحلف يزيد أن لا يقبل منه حتى يؤتى به في جامعة وكان الحارث بن خالد المخزومى على الصلاة فمنعه ابن الزبير فلما منعه كتب يزيد

[ 255 ]

إلى عمرو بن سعيد أن ابعث جيشا إلى ابن الزبير وكان عمرو بن سعيد لما قدم المدينة ولى شرطته عمرو بن الزبير لما كان يعلم ما بينه وبين عبد الله بن الزبير من البغضاء فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضربا شديدا قال محمد بن عمر حدثنى شرحبيل بن أبى عون عن أبيه قال نظر إلى كل من كان يهوى هوى ابن الزبير فضربه وكان ممن ضرب المنذر بن الزبير وابنه محمد بن المنذر وعبد الرحمن ابن الاسود بن عبد يغوث وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام وخبيب بن عبد الله بن الزبير ومحمد بن عمار بن ياسر فضربهم الاربعين إلى الخمسين إلى الستين وفر منه عبد الرحمن بن عثمان وعبد الرحمن بن عمرو بن سهل في أناس إلى مكة فقال عمرو بن سعيد لعمرو بن الزبير من رجل نوجه إلى أخيك قال لا توجه إليه رجلا أبدا أنكأ له منى فاخرج لاهل الديوان عشرات وخرج من موالى أهل المدينة ناس كثير وتوجه معه أنيس بن عمرو الاسلمي في سبعمائة فوجهه في مقدمته فعسكر بالجرف فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال لا تغز مكة واتق الله ولا تحل حرمة البيت وخلوا ابن الزبير فقد كبر هذا له بضع وستون سنة وهو رجل لجوج والله لئن لم تقتلوه ليموتن فقال عمرو بن الزبير والله لنقاتلنه ولنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم فقال مروان والله إن ذلك ليسوءني فسار أنيس بن عمرو الاسلمي حتى نزل بذى طوى وسار عمرو بن الزبير حتى نزل بالابطح فأرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه بريمين الخليفة واجعل في عنقك جامعة من فضة لا ترى ولا يضرب الناس بعضهم بعضا واتق الله فإنك في بلد حرام قال ابن الزبير موعدك المسجد فأرسل ابن الزبير عبد الله بن صفوان الجمحى إلى أنيس ابن عمرو من قبل ذى طوى وكان قد ضوى إلى عبد الله بن صفوان قوم ممن نزل حول مكة فقاتلوا أنيس بن عمرو فهزم أنيس بن عمرو وأقبح هزيمة وتعوق عن عمرو جماعة أصحابه فدخل دار علقمة فأتاه عبيدة بن الزبير فأجاره ثم جاء إلى عبد الله بن الزبير فقال إنى قد أجرته فقال أتجير من حقوق الناس هذا ما لا يصلح قال محمد بن عمر فحدثت هذا الحديث محمد بن عبيد بن عمير فقال أخبرني عمرو

[ 256 ]

ابن دينار قال كتب يزيد بن معاوية إلى عمرو بن سعيد أن استعمل عمرو ابن الزبير على جيش وابعثه إلى ابن الزبير وابعث معه أنيس بن عمرو قال فسار عمرو بن الزبير حتى نزل في داره عند الصفا ونزل أنيس بن عمرو بذى طوى فكان عمرو بن الزبير يصلى بالناس ويصلى خلفه عبد الله بن الزبير فإذا انصرف شبك أصابعه في أصابعه ولم يبق أحد من قريش إلا أتى عمرو بن الزبير وقعد عبد الله ابن صفوان فقال مالى لا أرى عبد الله بن صفوان أما والله لئن سرت إليه ليعلمن أن بنى جمح ومن ضوى إليه من غيرهم قليل فبلغ عبد الله بن صفوان كلمته هذه فحركته فقال لعبدالله بن الزبير إنى أراك كأنك تريد البقيا على أخيك فقال عبد الله أنا أبقى عليه يا أبا صفوان والله لو قدرت على عون الذر عليه لاستعنت بها عليه فقال ابن صفوان فأنا أكفيك أنيس بن عمرو فاكفني أخاك قال ابن الزبير نعم فسار عبد الله بن صفوان إلى أنيس بن عمرو وهو بذى طوى فلاقاه في جمع كثير من أهل مكة وغيرهم من الاعوان فهزم أنيس بن عمرو ومن معه وقتلوا مدبرهم وأجازوا على جريحهم وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمرو وتفرق عنه أصحابه حتى تخلص إلى عمرو بن الزبير فقال عبيدة بن الزبير لعمرو تعال أنا أجيرك فجاء عبد الله بن الزبير فقال قد أجرت عمرا فأجره لى فأبى عبد الله أن يجيره وضربه بكل من كان ضرب بالمدينة وحبسه بسجن عارم قال الواقدي قد اختلفوا علينا في حديث عمرو بن الزبير وكتبت إلى كل ذلك * حدثنى خالد بن إلياس عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى الجهم قال لما قدم عمرو بن سعيد المدينة واليا قدم في ذى القعدة سنة 60 فولى عمرو بن الزبير شرطته وقال قد أقسم أمير المؤمنين أن لا يقبل بيعة ابن الزبير إلا أن يؤتى به في جامعة فليبر يمين أمير المؤمنين فإنى أجعل جامعة خفيفة من ورق أو ذهب ويلبس عليها برنسا ولا ترى إلا أن يسمع صوتها وقال خذها فليست للعزيز بخطة * وفيها مقال لامرئ متذلل أعامر إن القوم ساموك خطة * ومالك في الجيران عدل معذل

[ 257 ]

قال محمد وحدثني رياح بن مسلم عن أبيه قال بعث إلى عبد الله بن الزبير عمرو ابن سعيد فقال له أبو شريح لا تغز مكة فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما أذن الله لى في القتال بمكة ساعة من نهار ثم عادت كحرمتها فأبى عمرو أن يسمع قوله وقال نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ فبعث عمرو جيشا مع عمرو ومعه أنيس بن عمرو الاسلمي وزيد غلام محمد بن عبد الله بن الحارث بن هشام وكانوا نحو ألفين فقاتلهم أهل مكة فقتل أنيس بن عمرو والمهاجر مولى القلمس في ناس كثير وهزم جيش عمرو فجاء عبيدة بن الزبير فقال لاخيه عمرو أنت في ذمتي وأنا لك جار فانطلق به إلى عبد الله فدخل على ابن الزبير فقال ما هذا الدم الذى في وجهك يا خبيث فقال عمرو لسنا على الاعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا يقطر الدما فحبسه وأخفر عبيدة وقال أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحل لحرمات الله ثم أقاد عمرا من كل من ضربه إلا المنذر وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا وماتا تحت السياط قال وإنما سمى سجن عارم لعبد كان يقال له زيد عارم فسمى السجن به وحبس ابن الزبير أخاه عمرا فيه قال الواقدي حدثنا عبد الله بن أبى يحيى عن أبيه قال كان مع أنيس بن عمرو ألفان (وفى هذه السنة) وجه أهل الكوفة الرسل إلى الحسين عليه السلام وهو بمكة يدعونه إلى القدوم عليهم فوجه إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبى طالب رضى الله عنه ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين عليه السلام للمصير إلى ما قبلهم وأمر مسلم بن عقيل رضى الله عنه * حدثنى زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا أحمد بن جناب المصيصى ويكنى أبا الوليد قال حدثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القسرى قال حدثنا عمار الدهنى قال قلت لابي جعفر حدثنى بمقتل الحسين حتى كأنى حضرته قال مات معاوية والوليد بن عتبة بن أبى سفيان على المدينة فأرسل إلى الحسين ابن على ليأخذ بيعته فقال له أخرني وارفق فأخره فخرج إلى مكة فأتاه أهل

[ 258 ]

الكوفة ورسلهم إنا قد حبسنا أنفسنا عليك ولسنا نحضر الجمعة مع الوالى فاقدم علينا وكان النعمان بن بشير الانصاري على الكوفة قال فبعث الحسين إلى مسلم بن عقيل بن أبى طالب ابن عمه فقال له سر إلى الكوفة فانظر ما كتبوا به إلى فإن كان حقا خرجنا إليهم فخرج مسلم حتى أتى المدينة فأخذ منها دليلين فمرا به في البرية فأصابهم عطش فمات أحد الدليلين وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه فكتب إليه الحسين أن امض إلى الكوفة فخرج حتى قدمها ونزل على رجل من أهلها يقال له ابن عوسجة قال فلما تحدث أهل الكوقة بمقدمه دبوا إليه فبايعوه فبايعه منهم اثنا عشر ألفا قال فقام رجل ممن يهوى يزيد بن معاوية إلى النعمان بن بشير فقال له إنك ضعيف أو متضعف قد فسد البلاد فقال له النعمان أن أكون ضعيفا وأنا في طاعة الله أحب إلى من أن أكون قويا في معصية الله وما كنت لاهتك سترا ستره الله فكتب بقول النعمان إلى يزيد فدعا مولى له يقال له سرجون وكان يستشيره فأخبره الخبر فقال له أكنت قابلا من معاوية لو كان حيا قال نعم قال فاقبل منى فإنه ليس للكوفة إلا عبيدالله بن زياد فولها إياه وكان يزيد عليه ساخطا وكان هم بعزله عن البصرة فكتب إليه برضائه وإنه قد ولاه الكوفة مع البصرة وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده قال فأقبل عبيدالله في وجوه أهل البصرة حتى قدم الكوفة متلثما ولا يمر على مجلس من مجالسهم فيسلم إلا قالوا عليك السلام يا ابن بنت رسول الله وهم يظنون أنه الحسين بن على عليه السلام حتى نزل القصر فدعا مولى له فأعطاه ثلاثة آلاف وقال له اذهب حتى تسأل عن الرجل الذى يبايع له أهل الكوفة فأعلمه أنك رجل من أهل حمص جئت لهذا الامر وهذا مال تدفعه إليه ليتقوى فلم يزل يتلطف ويرفق به حتى دل على شيخ من أهل الكوفة يلى البيعة فلقيه فأخبره فقال له الشيخ لقد سرنى لقاؤك إياى وقد ساءنى فأما ما سرنى من ذلك فما هداك الله له وأما ما ساءنى فإن أمرنا لم يستحكم بعد فأدخله إليه فأخذ منه المال وبايعه ورجع إلى عبيدالله فأخبره فتحول مسلم حين قدم عبيدالله بن زياد من الدار التى كان فيها إلى منزل هانئ بن عروة المرادى وكتب

[ 259 ]

مسلم بن عقيل إلى الحسين بن على عليه السلام يخبره ببيعته اثنى عشر ألفا من أهل الكوفة ويأمره بالقدوم وقال عبيدالله لوجوه أهل الكوفة مالى أرى هانئ بن عروة لم يأتنى فيمن أتانى قال فخرج إليه محمد بن الاشعث في ناس من قومه وهو على باب داره فقالوا إن الامير قد ذكرك واستبطأك فانطلق إليه فلم يزالوا به حتى ركب وسار حتى دخل على عبيدالله وعنده شريح القاضى فلما نظر إليه قال لشريح أتتك بحائن رجلاه فلما سلم عليه قال يا هانئ أين مسلم قال ما أدرى فأمر عبيدالله مولاه صاحب الدراهم فخرج إليه فلما رآه قطع به فقال أصلح الله الامير والله ما دعوته إلى منزلي ولكنه جاء فطرح نفسه على قال ائتنى به قال والله لو كان تحت قدمى ما رفعتهما عنه قال ادنوه إلى فادنى فضربه على حاجبه فشجه قال وأهوى هانئ إلى سيف شرطى ليسله فدفع عن ذلك وقال قد أحل الله دمك فأمر به فحبس في جانب القصر وقال غير أبى جعفر الذى جاء بهانئ بن عروة إلى عبيدالله بن زياد عمرو بن الحجاج الزبيدى ذكر من قال ذلك * حدثنا عمرو بن على قال حدثنا أبو قتيبة قال حدثنا يونس بن أبى اسحاق عن العيزار بن حريث قال حدثنا عمارة بن عقبة بن أبى معيط فجلس في مجلس ابن زياد فحدث قال طردت اليوم حمرا فأصبت منها حمارا فعقرته فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدى إن حمارا تعقره أنت لحمار حائن فقال ألا أخبرك بأحين من هذا كله رجل جئ بأبيه كافرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به أن يضرب عنقه فقال يا محمد فمن للصبية قال النار فأنت من الصبية وأنت في النار قال فضحك ابن زياد رجع الحديث إلى حديث عمار الدهنى عن أبى جعفر قال فبينا هو كذلك إذ خرج الخير إلى مذحج فإذا على باب القصر جلبة سمعها عبيدالله فقال ما هذا فقالوا مذحج فقال لشريح اخرج إليهم فأعلمهم أنى إنما حبسته لاسائله وبعث عينا عليه من مواليه يسمع ما يقول فمر بهانئ بن عروة فقال له هانئ اتق الله يا شريح فانه قاتلي فخرج شريح حتى قام على باب القصر فقال لا بأس عليه إنما حبسه الامير ليسائله فقال صدق ليس على صاحبكم بأس فتفرقوا فأتى مسلما الخبر فنادى

[ 260 ]

بشعاره فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة فقدم مقدمته وعبى ميمنته وميسرته وسار في القلب إلى عبيدالله وبعث عبيدالله إلى وجوه أهل الكوفة فجمعهم عنده في القصر فلما سار إليه مسلم فانتهى إلى باب القصر أشرفوا على عشائرهم فجعلوا يكلمونهم ويردونهم فجعل أصحاب مسلم يتسللون حتى أمسى في خمسمائة فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضا فلما رأى مسلم أنه قد بقى وحده يتردد في الطرق حتى أتى بابا فنزل عليه فخرجت إليه امرأة فقال لها اسقيني فسقته ثم دخلت فمكثت ما شاء الله ثم خرجت فإذا هو على الباب قالت يا عبد الله إن مجلسك مجلس ريبة فقم قال إنى أنا مسلم بن عقيل فهل عندك مأوى قالت نعم ادخل وكان ابنها مولى لمحمد ابن الاشعث فلما علم به الغلام انطلق إلى محمد فأخبره فانطلق محمد إلى عبيدالله فأخبره فبعث عبيدالله عمرو بن حريث المخزومى وكان صاحب شرطه إليه ومعه عبد الرحمن ابن محمد بن الاشعث فلم يعلم مسلم حتى أحيط بالدار فلما رأى ذلك مسلم خرج إليهم بسيفه فقاتلهم فأعطاه عبد الرحمن الامان فأمكن من يده فجاء به إلى عبيدالله فأمر به فأصعد إلى أعلى القصر فضربت عنقه وألقى جثته إلى الناس وأمر بهانئ فسحب إلى الكناسة فصلب هنالك وقال شاعرهم في ذلك فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وابن عقيل أصابهما أمر الامام فأصبحا * أحاديث من يسعى بكل سبيل أيركب أسماء الهماليج آمنا * وقد طلبته مذحج بذحول وأما أبو مخنف فإنه ذكر من قصة مسلم بن عقيل وشخوصه إلى الكوفة ومقتله قصة هي أشبع وأتم من خبر عمار الدهنى عن أبى جعفر الذى ذكرناه ما حدثت عن هشام بن محمد عنه قال حدثنى عبد الرحمن بن جندب قال حدثنى عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرئ القيس الكلبية امرأة حسين وكانت مع سكينة ابنة حسين وهو مولى لابيها وهى إذ ذاك صغيرة قال خرجنا فلزمنا الطريق الاعظم فقال للحسين أهل بيته لو تنكبت الطريق الاعظم كما فعل ابن الزبير لا يلحقك الطلب قال لا والله لا أفارقه حتى يقضى الله ما هو أحب إليه قال فاستقبلنا

[ 261 ]

عبد الله بن مطيع فقال للحسين جعلت فداك أين تريد قال أما الآن فإنى أريد مكة وأما بعدها فإنى أستخير الله قال خار الله لك وجعلنا فداك فإذا أنت أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها بلدة مشؤمة بها قتل أبوك وخذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتى على نفسه الزم الحرم فإنك سيد العرب لا يعدل بك والله أهل الحجاز أحدا ويتداعى إليك الناس من كل جانب لا تفارق الحرم فذاك عمى وخالى فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك فأقبل حتى نزل مكة فأقبل أهلها يختلفون إليه ويأتونه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق وابن الزبير بها قد لزم الكعبة فهو قائم يصلى عندها عامة النهار ويطوف ويأتى حسينا فيمن يأتيه فيأتيه اليومين المتواليين ويأتيه بين كل يومين مرة ولا يزال يشير عليه بالرأى وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير قد عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه أبدا ما دام حسين بالبلد وأن حسينا أعظم في أعينهم وأنفسهم منه وأطوع في الناس منه فلما بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية أرجف أهل العراق بيزيد وقالوا قد امتنع حسين وابن الزبير ولحقا بمكة فكتب أهل الكوفة إلى حسين وعليهم النعمان ابن بشير * قال أبو مخنف فحدثني الحجاج بن على عن محمد بن بشر الهمداني قال اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فذكرنا هلاك معاوية فحمدنا الله عليه فقال لنا سليمان بن صرد إن معاوية قد هلك وإن حسينا قد تقبض على القوم ببيعته وقد خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعة أبيه فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه قالوا لا بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه قال فاكتبوا إليه فكتبوا إليه (بسم الله الرحمن الرحيم) لحسين بن على من سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة ابن شداد وحبيب بن مظاهر وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة سلام عليك فإنا نحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فالحمد لله الذى قصم عدوك الجبار العنيد الذى انتزى على هذه الامة فابتزها أمرها وغصبها فيأها وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها

[ 262 ]

وأغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والنعمان بن بشير في قصر الامارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد ولو قد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشأم إن شاء الله والسلام ورحمة الله عليك قال ثم سرحنا بالكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال وأمرناهما بالنجاء فخرج الرجلان مسرعين حتى قدما على حسين لعشر مضين من شهر رمضان بمكة ثم لبثنا يومين ثم سرحنا إليه قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الارحبي وعمارة بن عبيد السلولى فحملوا معهم نحوا من ثلاثة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والاربعة قال ثم لبثنا يومين آخرين ثم سرحنا إليه هانئ بن هانئ السبيعى وسعيد بن عبد الله الحنفي وكتبنا معهما (بسم الله الرحمن الرحيم) لحسين بن على من شيعته من المؤمنين والمسلمين أما بعد فحيهلا فإن الناس ينتظرونك ولا رأى لهم في غيرك فالعجل العجل والسلام عليك وكتب شبث بن ربعى وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعزرة ابن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدى ومحمد بن عمير التميمي أما بعد فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار وطمت الجمام فإذا شئت فاقدم على جند لك مجند والسلام عليك وتلاقت الرسل كلها عنده فقرأ الكتب وسأل الرسل عن أمر الناس ثم كتب مع هانئ بن هانئ السبيعى وسعيد بن عبد الله الحنفي وكان آخر الرسل (بسم الله الرحمن الرحيم) من حسين بن على إلى الملا من المؤمنين والمسلمين أما بعد فان هانئا وسعيدا قدما على بكتبكم وكانا آخر من قدم على من رسلكم وقد فهمت كل الذى اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق وقد بعثت إليكم أخى وابن عمى وثقتى من أهل بيتى وأمرته أن يكتب إلى بحالكم وأمركم ورأيكم فان كتب إلى أنه قد أجمع رأى ملئكم وذوى الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت على به رسلكم وقرأت في كتبكم أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله فلعمري ما الامام إلا العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله والسلام قال أبو مخنف وذكر أبو المخارق

[ 263 ]

الراسبى قال اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ابنة سعد أو منقذ أياما وكانت تشيع وكان منزلها لهم مألفا يتحدثون فيه وقد بلغ ابن زياد إقبال الحسين فكتب إلى عامله بالبصرة ان يضع المناظر ويأخذ بالطريق قال فأجمع يزيد بن نبيط الخروج وهو من عبد القيس إلى الحسين وكان له بنون عشرة فقال أيكم يخرج معى فانتدب معه ابنان له عبد الله وعبيدالله فقال لاصحابه في بيت تلك المرأة انى قد أزمعت على الخروج وأنا خارج فقالوا له انا نخاف عليك أصحاب ابن زياد فقال إنى والله لو قد استوت أخفافهما بالجدد لهان على طلب من طلبني قال ثم خرج فقوى في الطريق حتى انتهى إلى حسين عليه السلام فدخل في رحله بالابطح وبلغ الحسين مجيئه فجعل يطلبه وجاء الرجل إلى رحل الحسين فقيل له قد خرج إلى منزلك فأقبل في أثره ولما لم يجده الحسين جلس في رحله ينتظره وجاء البصري فوجده في رحله جالسا فقال بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا قال فسلم عليه وجلس إليه فخبره الذى جاء له فدعا له بخير ثم أقبل معه حتى أتى فقاتل معه فقتل معه هو وابناه ثم دعا مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبيد السلولى وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الارحبي فأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف فإن رأى الناس مجتمعين مستوثقين عجل إليه بذلك فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وودع من أحب من أهله ثم استأجر دليلين من قيس فأقبلا به فضلا الطريق وجارا وأصابهم عطش شديد وقال الدليلان هذا الطريق حتى ينتهى إلى الماء وقد كادوا أن يموتوا عطشا فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى حسين وذلك بالمضيق من بطن الخبيت أما بعد فإنى أقبلت من المدينة معى دليلان لى فجارا عن الطريق وضلا واشتد علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت وقد تطيرت من وجهى هذا فان رأيت أعفيتني منه وبعثت غيرى والسلام فكتب إليه حسين أما بعد فقد خشيت ألا

[ 264 ]

يكون حملك على الكتاب إلى في الاستعفاء من الوجه الذى وجهتك له إلا الجبن فامض لوجهك الذى وجهتك له والسلام عليك فقال مسلم لمن قرأ الكتاب هذا ما لست أتخوفه على نفسي فأقبل كما هو حتى مر بماء لطئ فنزل بهم ثم ارتحل منه فإذا رجل يرمى الصيد فنطر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه فقال مسلم يقتل عدونا إن شاء الله ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة فنزل دار المختار بن أبى عبيد وهى التى تدعى اليوم دار مسلم بن المسيب وأقبلت الشيعة تختلف إليه فلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب حسين فأخذوا يبكون فقام عابس بن أبى شبيب الشاكرى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنى لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم وما أغرك منهم ؟ والله أحدثك عما أنا موطن نفسي عليه والله لاجيبنكم إذا دعوتم ولاقاتلن معكم عدوكم ولاضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله لا أريد بذلك إلا ما عند الله فقام فقام حبيب بن مظاهر الفقعسى فقال رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك ثم قال وأنا والله الذى لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه ثم قال الحنفي مثل ذلك فقال الحجاج بن على فقلت لمحمد بن بشر فهل كان منك أنت قول فقال إن كنت لاحب أن يعز الله أصحابي بالظفر وما كنت لاحب أن أقتل وكرهت أن أكذب واختلفت الشيعة إليه حتى علم مكانه فبلغ ذلك النعمان بن بشير قال أبو مخنف حدثنى نمر بن وعلة عن أبى الوداك قال خرج الينا النعمان بن بشير فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فاتقوا الله عباد الله ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة فان فيهما يهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الاموال وكان حليما ناسكا يحب العافية قال إنى لم أقاتل من لم يقاتلني ولا أثب على من لا يثب على ولا أشاتمكم ولا أتحرش بكم ولا آخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لى ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم فوالله الذى لا إله غيره لاضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدى ولو لم يكن لى منكم ناصر أما إنى أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل قال فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بنى أمية فقال إنه

[ 265 ]

لا يصلح ما ترى إلى الغشم إن هذا الذى أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأى المستضعفين فقال أن أكون من السمتضعفين في طاعة الله أحب إلى من أن أكون من الاعزين في معصية الله ثم نزل وخرج عبد الله بن مسلم وكتب إلى يزيد بن معاوية أما بعد فان مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن على فان كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك فان النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف فكان أول من كتب إليه ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه ثم كتب إليه عمر بن سعد بن أبى وقاص بمثل ذلك قال هشام قال عوانة فلما اجتمعت الكتب عند يزيد ليس بين كتبهم إلا يومان دعا يزيد بن معاوية سرجون مولى معاوية فقال ما رأيك فان حسينا قد توجه نحو الكوفة ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيئ وأقرأه كتبهم فما ترى من أستعمل على الكوفة وكان يزيد عاتبا على عبيدالله بن زياد فقال سرجون أرأيت معاوية لو نشر لك أكنت آخذا برأيه قال نعم فأخرج عهد عبيد الله على الكوفة فقال هذا رأى معاوية ومات وقد أمر بهذا الكتاب فأخذ برأيه وضم المصرين إلى عبيدالله وبعث إليه بعهده على الكوفة ثم دعا مسلم بن عمرو الباهلى وكان عنده فبعثه إلى عبيد الله بعهده إلى البصرة وكتب إليه معه أما بعد فإنه كتب إلى شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتى أهل الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام فأقبل مسلم ابن عمرو حتى قدم على عبيد الله بالبصرة فأمر عبيدالله بالجهاز والتهيئ والمسير إلى الكوفة من الغد وقد كان حسين كتب إلى أهل البصرة كتابا قال هشام قال أبو مخنف حدثنى الصقعب بن زهير عن أبى عثمان النهدي قال كتب حسين مع مولى لهم يقال له سليمان وكتب بنسخة إلى رؤس الاخماس بالبصرة وإلى الاشراف فكتب إلى مالك بن مسمع البكري وإلى الاحنف بن قيس وإلى المنذر بن الجارود وإلى مسعود بن عمرو وإلى قيس بن الهيثم وإلى عمرو بن عبيدالله بن

[ 266 ]

معمر فجاءت منه نسخة واحدة إلى جميع أشرافها أما بعد فان الله اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم على خلقه وأكرمه بنبوته واختاره لرسالته ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعبادة وبلغ ما أرسل به صلى الله عليه وسلم وكنا أهله وأولياءه وأوصباءه وورثته وأحق الناس بمقامه في الناس فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه وقد أحسنوا وأصلحوا وتحروا الحق فرحمهم الله وغفر لنا ولهم وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فان السنة قد أميتت وإن البدعة قد أحييت وأن تسمعوا قولى وتطيعوا أمرى أهدكم سبيل الرشاد والسلام عليكم ورحمة الله فكل من قرأ ذلك الكتاب من أشراف الناس كتمه غير المنذر بن الجارود فانه خشى بزعمه أن يكون دسيسا من قبل عبيدالله فجاءه بالرسول من العشية التى يريد صبيحتها أن يسبق إلى الكوفة وأقرأه كتابه فقدم الرسول فضرب عنقه وصعد عبيدالله منبر البصرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فوالله ما تقرن بى الصعبة ولا يقعقع لى بالشنان وإنى لنكل لمن عاداني وسم لمن حاربنى أنصف القارة من راماها يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين ولانى الكوفة وأنا غاد إليها الغداة وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبى سفيان وإياكم والخلاف والارجاف فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لاقتلنه وعريفه ووليه ولآخذن الادنى بالاقصى حتى تستمعوا لى ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم ثم خرج من البصرة واستخلف أخاه عثمان بن زياد وأقبل إلى الكوفة ومعه مسلم بن عمرو الباهلى وشريك بن الاعور الحارثى وحشمه وأهل بيته حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو متلثم والناس قد بلغهم إقبال حسين إليهم فهم ينتظرون قدومه فظنوا حين قدم عبيدالله أنه الحسين فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه وقالوا مرحبا بك يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم فرأى من تباشيرهم بالحسين عليه السلام

[ 267 ]

ما ساءه فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا تأخروا هذا الامير عبيدالله بن زياد فأخذ حين أقبل على الظهر وانما معه بضعة عشر رجلا فلما دخل القصر وعلم الناس أنه عبيدالله بن زياد دخلهم من ذلك كآبة وحزن شديد وغاظ عبيدالله ما سمع منهم وقال ألا أرى هؤلاء كما أرى * قال هشام قال أبو مخنف فحدثني المعلى بن كليب عن أبى وداك قال لما نزل القصر نودى الصلاة جامعة قال فاجتمع الناس فخرج الينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن أمير المؤمنين أصلحه الله ولانى مصركم وثغركم وأمرني بانصاف مظلومكم واعطاء محرومكم وبالاحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشدة على مريبكم وعاصيكم وأنا متبع فيكم أمره ومنفذ فيكم عهده فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البر وسوطي وسيفي على من ترك أمرى وخالف عهدي فليبق امرؤ على نفسه الصدق ينبى عنك لا الوعيد ثم نزل فأخذ العرفاء والناس أخذا شديدا فقال اكتبوا إلى الغرباء ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق فمن كتبهم لنا فبرئ ومن لم يكتب لنا أحدا فيضمن لنا ما في عرافته ألا يخالفنا منهم مخالف ولا يبغى علينا منهم باغ فمن لم يفعل برئت منه الذمة وحلال لنا ماله وسفك دمه وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه الينا صلب على باب داره وألغيت تلك العرافة من العطاء وسير إلى موضع بعمان الزارة * وأما عيسى بن يزيد الكنانى فانه قال فيما ذكر عمر بن شبة عن هارون بن مسلم عن على بن صالح عنه قال لما جاء كتاب يزيد إلى عبيدالله بن زياد انتخب من أهل البصرة خمسمائة فيهم عبد الله بن الحارث بن نوفل وشريك بن الاعور وكان شيعة لعلى فكان أول من سقط بالناس شريك فيقال إنه تساقط غمرة ومعه ناس ثم سقط عبد الله بن الحارث وسقط معه ناس ورجوا أن يلوى عليهم عبيدالله ويسبقه الحسين إلى الكوفة فجعل لا يلتفت إلى من سقط ويمضى حتى ورد القادسية وسقط مهران مولاه فقال أيا مهران على هذه الحال ان أمسكت عنك حتى تنظر إلى القصر فلك مائة ألف قال لا والله ما أستطيع فنزل عبيد الله فأخرج ثيابا مقطعة من مقطعات

[ 268 ]

اليمن ثم اعتجر بمعجرة يمانية فركب بغلته ثم انحدر راجلا وحده فجعل يمر بالمحارس فكلما نظروا إليه لم يشكوا أنه الحسين فيقولون مرحبا بك يا ابن رسول الله وجعل لا يكلمهم وخرج إليه الناس من دورهم وبيوتهم وسمع بهم النعمان بن بشير فغلق عليه وعلى خاصته وانتهى إليه عبيدالله وهو لا يشك انه الحسين ومعه الخلق يضجون فكلمه النعمان فقال أنشدك الله إلا تنحيت عنى ما أنا بمسلم إليك أمانتى وما في قتلك من أرب فجعل لا يكلمه ثم إنه دنا وتدلى الآخر بين شرفتين فجعل يكلمه فقال افتح لافتحت فقد طال ليلك فسمعها إنسان خلفه فتكفى إلى القوم فقال أي قوم ابن مرجانة والذى لا إله غيره فقالوا ويحك إنما هو الحسين ففتح له النعمان فدخل وضربوا الباب في وجوه الناس فانفضوا وأصبح فجلس على المنبر فقال أيها الناس إنى لاعلم أنه قد سار معى وأظهر الطاعة لى من هو عدو للحسين حين ظن أن الحسين قد دخل البلد وغلب عليه والله ما عرفت منكم أحدا ثم نزل وأخبر أن مسلم بن عقيل قدم قبله بليلة وأنه بناحية الكوفة فدعا مولى لبنى تميم فأعطاه مالا وقال انتحل هذا الامر وأعنهم بالمال واقصد لهانئ ومسلم وانزل عليه فجاء هانئا فأخبره أنه شيعة وأن معه مالا وقدم شريك بن الاعور شاكيا فقال لهانئ مر مسلما يكون عندي فإن عبيدالله يعودني وقال شريك لمسلم أرأيتك إن أمكنتك من عبيدالله أضاربه أنت بالسيف قال نعم والله وجاء عبيدالله شريكا يعوده في منزل هانئ وقد قال شريك لمسلم إذا سمعتني أقول اسقوني ماء فاخرج عليه فاضربه وجلس عبيدالله على فراش شريك وقام على رأسه مهران فقال اسقوتى ماء فخرجت جارية بقدح فرأت مسلما فزالت فقال شريك اسقوني ماء ثم قال الثالثة ويلكم تحموني الماء أسقونيه ولو كانت فيه نفسي ففطن مهران فغمز عبيدالله فوثب فقال شريك أيها الامير إنى أريد أن أوصى إليك قال أعود إليك فجعل مهران يطرد به وقال أراد والله قتلك قال وكيف مع إكرامي شريكا وفى بيت هانئ ويد أبى عنده يد فرجع فأرسل إلى أسماء بن خارجة ومحمد بن الاشعث فقال ائتيانى بهانئ فقالا له إنه لا يأتي إلا بالامان قال وماله وللامان وهل أحدث

[ 269 ]

حدثا انطلقا فإن لم يأت إلا بأمان فآمناه تأتياه فدعواه فقال إنه إن أخذني قتلني فلم يزالا به حتى جاءا به وعبيدالله يخطب يوم الجمعة فجلس في المسجد وقد رجل هاني غدير تيه فلما صلى عبيدالله قال يا هانئ فتبعه ودخل فسلم فقال عبيدالله يا هانئ أما تعلم أن أبى قدم هذا البلد فلم يترك أحدا من هذه الشيعة إلا قتله غير أبيك وغير حجر وكان من حجر ما قد علمت ثم لم يزل يحسن صحبتك ثم كتب إلى أمير الكوفة ان حاجتى قبلك هانئ قال نعم قال فكان جزائي أن خبأت في بيتك رجلا ليقتلني قال ما فعلت فأخرج التميمي الذى كان عينا عليهم فلما رآه هانئ علم أن قد أخبره الخبر فقال أيها الامير قد كان الذى بلغك ولن أضيع يدك عنى فأنت آمن وأهلك فسر حيث شئت فكبا عبيدالله عندها ومهران قائم على رأسه في يده معكزة فقال واذلاه هذا العبد الحائك يؤمنك في سلطانك فقال خذه فطرح المعكزة وأخذ بضفيرتي هانئ ثم أقنع بوجهه ثم أخذ عبيدالله المعكزة فضرب به وجه هانئ وندر الزج فارتز في الجدار ثم ضرب وجهه حتى كسر أنفه وجبينه وسمع الناس الهيعة وبلغ الخبر مذحج فأقبلوا فأطافوا بالدار وأمر عبيدالله بهانئ فألقى في بيت وصيح المذحجيون وأمر عبيدالله مهران أن يدخل عليه شريحا فخرج فأدخله عليه ودخلت الشرط معه فقال يا شريح قد ترى ما يصنع بى قال أراك حيا قال وحى أنا مع ما ترى أخبر قومي أنهم إن انصرفوا قتلني فخرج إلى عبيدالله فقال قد رأيته حيا ورأيت أثرا سيئا قال وتنكر أن يعاقب الوالى رعيته اخرج إلى هؤلاء فأخبرهم فخرج وأمر عبيدالله الرجل فحرج معه فقال لهم شريح ما هذه الرعة السيئة الرجل حى وقد عاتبه سلطانه بضرب لم يبلغ نفسه فانصرفوا ولا تحلوا بأنفسكم ولا بصاحبكم فانصرفوا وذكر هشام عن أبى مخنف عن المعلى بن كليب عن أبى الوداك قال نزل شريك بن الاعور على هانئ ابن عروة المرادى وكان شريك شيعيا وقد شهد صفين مع عمار وسمع مسلم بن عقيل بمجئ عبيدالله ومقالته التى قالها وما أخذ به العرفاء والناس فخرج من دار المختار وقد علم به حتى انتهى إلى دار هانئ بن عروة المرادى فدخل بابه وأرسل

[ 270 ]

إليه أن اخرج فخرج إليه هانئ فكره هانئ مكانه حين رآه فقال له مسلم أتيتك لتجيرني وتضيفنى فقال رحمك الله لقد كلفتني شططا ولولا دخولك دارى وثقتك لاحببت ولسألتك أن تخرج عنى غير أنه يأخذني من ذلك ذمام وليس مردود مثلى على مثلك عن جهل أدخل فآواه وأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ ابن عروة ودعا ابن زياد مولى يقال له معقل فقال له خذ ثلاثة آلاف درهم ثم اطلب مسلم بن عقيل واطلب لنا أصحابه ثم أعطهم هذه الثلاثة آلاف فقال لهم استعينوا بها على حرب عدوكم وأعلمهم أنك منهم فانك لو قد أعطيتها إياهم اطمأنوا إليك ووثقوا بك ولم يكتموك شيئا من أخبارهم ثم اغد عليهم ورح ففعل ذلك فجاء حتى أتى إلى مسلم بن عوسجة الاسدي من بنى سعد بن ثعلبة في المسجد الاعظم وهو يصلى وسمع الناس يقولون إن هذا يبايع للحسين فجاء فجلس حتى فرغ من صلاته ثم قال يا عبد الله إنى امرؤ من أهل الشأم مولى لذى الكلاع أنعم الله على بحب أهل هذا البيت وحب من أحبهم فهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحدا يدلني عليه ولا يعرف مكانه فانى لجالس آنفا في المسجد إذ سمعت نفرا من المسلمين يقولون هذا رجل له علم بأهل هذا البيت وإنى أتيتك لتقبض هذا المال وتدخلني على صاحبك فأبايعه وإن شئت أخذت بيعتى له قبل لقائه فقال احمد الله على لقائك إياى فقد سرنى ذلك لتنال ما تحب ولينصر الله بك أهل بيت نبيه ولقد ساءنى معرفتك إياى بهذا الامر من قبل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته فأخذ بيعته قبل أن يبرح وأخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحن وليكتمن فأعطاه من ذلك ما رضى به ثم قال له اختلف إلى أياما في منزلي فأنا طالب لك الاذن على صاحبك فأخذ يختلف مع الناس فطلب له الاذن فمرض هانئ بن عروة فجاء عبيدالله عائدا له فقال له عمارة بن عبيد السلولى انما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية فقد أمكنك الله منه فاقتله قال هانئ ما أحب أن يقتل في دارى فخرج فما مكث إلا جمعة حتى مرضى شريك بن الاعور وكان كريما على

[ 271 ]

ابن زياد وعلى غيره من الامراء وكان شديد التشيع فأرسل إليه عبيدالله إنى رائح اليك العشية فقال لمسلم ان هذا الفاجر عائدي العشية فإذا جلس فاخرج إليه فاقتله ثم اقعد في القصر ليس أحد يحول بينك وبينه فان برئت من وجعى هذا أيامى هذه سرت إلى البصرة وكفيتك أمرها فلما كان من العشى أقبل عبيدالله لعيادة شريك فقام مسلم بن عقيل ليدخل وقال له شريك لا يفوتنك إذا جلس فقام هانئ بن عروة إليه فقال انى لا أحب أن يقتل في دارى كأنه استقبح ذلك فجاء عبيدالله بن زياد فدخل فجلس فسأل شريكا عن وجعه وقال ما الذى تجد ومتى أشكيت فلما طال سؤاله إياه ورأى أن الآخر لا يخرج خشى أن يفوته فأخذ يقول ما تنظرون بسلمى أن تحيوها أسقنيها وإن كانت فيها نفسي فقال ذلك مرتين أو ثلاثا فقال عبيدالله ولا يفطن ما شأنه أترونه يهجر فقال له هانئ نعم أصلحك الله ما زال هذا ديدنه قبيل عماية الصبح حتى ساعته هذه ثم إنه قام فانصرف فخرج مسلم فقال له شريك ما منعك من قتله فقال خصلتان أما إحداهما فكراهة هانئ ان يقتل في داره وأما الاخرى فحديث حدثه الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الايمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن فقال هانئ أما والله لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا ولكن كرهت أن يقتل في دارى ولبث شريك بن الاعور بعد ذلك ثلاثا ثم مات فخرج ابن زياد فصلى عليه وبلغ عبيدالله بعد ما قتل مسلما وهانئا أن ذلك الذى كنت سمعت من شريك في مرضه إنما كان يحرض مسلما ويأمره بالخروج إليك ليقتلك فقال عبيدالله والله لا أصلى على جنازة رجل من أهل العراق أبدا ووالله لولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكا ثم أن معقلا مولى ابن زياد الذى دسه بالمال إلى ابن عقيل وأصحابه اختلف إلى مسلم بن عوسجة أياما ليدخله على ابن عقيل فأقبل به حتى أدخله عليه بعد موت شريك بن الاعور فأخبره خبره كله فأخذ ابن عقيل بيعته وأمر أبا ثمامة الصائدى فقبض ماله الذى جاء به وهو الذى كان يقبض أموالهم وما يعين به بعضهم بعضا يشترى لهم السلاح وكان به بصيرا وكان من فرسان العرب ووجوه الشيعة وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم فهو

[ 272 ]

أول داخل وآخر خارج يسمع أخبارهم ويعلم أسرارهم ثم ينطلق بها حتى يقرها في أذن ابن زياد قال وكان هانئ يغدو ويروح إلى عبيدالله فلما نزل به مسلم انقطع من الاختلاف وتمارض فجعل لا يخرج فقال ابن زياد لجلسائه مالى لا أرى هانئا فقالوا هو شاك فقال لو علمت بمرضه لعدته (قال أبو مخنف) فحدثني المجالد بن سعيد قال دعا عبيدالله محمد بن الاشعث وأسماء بن خارجة (قال أبو مخنف) حدثنى الحسن ابن عقبة المرادى أنه بعث معهما عمرو بن الحجاج الزبيدى (قال أبو مخنف) وحدثني نمر بن وعلة عن أبى الوداك قال كانت روعة أخت عمرو بن الحجاج تحت هانئ بن عروة وهى أم يحيى بن هانئ فقال لهم ما يمنع هانئ بن عروة من اتياننا قالوا ما ندرى أصلحك الله وإنه ليتشكى قال قد بلغني أنه قد برأ وهو يجلس على باب داره فالقوه فمروه ألا يدع ما عليه في ذلك من الحق فانى لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب فأتوه حتى وقفوا عليه عشية وهو جالس على بابه فقالوا ما يمنعك من لقاء الامير فانه قد ذكرك وقد قال لو أعلم انه شاك لعدته فقال لهم الشكوى يمنعنى فقالوا له يبلغه أنك تجلس كل عشية على باب دارك وقد استبطأك والابطاء والجفاء لا يحتمله السلطان أقسمنا عليك لما ركبت معنا فدعا بثيابه فلبسها ثم دعا ببغلة فركبها حتى إذا دنا من القصر كأن نفسه أحست ببعض الذى كان فقال لحسان بن أسماء بن خارجة يا ابن أخى انى والله لهذا الرجل لخائف فما ترى قال أي عم والله ما أتخوف عليك شيئا ولم تجعل على نفسك سبيلا وأنت برئ وزعموا أن أسماء لم يعلم في أي شئ بعث إليه عبيدالله فأما محمد فقد علم به فدخل القوم على ابن زياد ودخل معهم فلما طلع قال عبيدالله أتتك بحائن رجلاه وقد عرس عبيدالله إذ ذاك بأم نافع ابنة عمارة بن عقبة فلما دنا من ابن زياد وعنده شريح القاضى التفت نحوه فقال أريد حباءه ويريد قتلى * عذيرك من خليلك من مراد وقد كان له أول ما قدم مكرما ملطفا فقال له هانئ وما ذاك أيها الامير قال إيه يا هانئ بن عروة ما هذه الامور التى تربص في دورك لامير المؤمنين وعامة

[ 273 ]

المسلمين جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك وظننت أن ذلك يخفى على لك قال ما فعلت وما مسلم عندي قال بلى قد فعلت قال ما فعلت قال بلى فلما كثر ذلك بينهما وأبى هانئ إلا مجاحدته ومناكرته دعا ابن زياد معقلا ذلك العين فجاء حتى وقف بين يديه فقال أتعرف هذا قال نعم وعلم هانئ عند ذلك أنه كان عينا عليهم وأنه قد أتاه بأخبارهم فسقط في خلده ساعة ثم إن نفسه راجعته فقال له اسمع منى وصدق مقالتي فوالله لا أكذبك والله الذى لا إله غيره ما دعوته إلى منزلي ولا علمت بشئ من أمره حتى رأيته جالسا على بابى فسألني النزول على فاستحييت من رده ودخلني من ذلك ذمام فأدخلته دارى وضفته وآويته وقد كان من أمره الذى بلغك فان شئت أعطيت الآن موثقا مغلظا وما تطمئن إليه ألا أبغيك سوءا وإن شئت أعطيتك رهينة تكون في يدك حتى آتيك وأنطلق إليه فأمره أن يخرج من دارى إلى حيث شاء من الارض فأرخج من ذمامه وجواره فقال لا والله لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به فقال لا والله لا أجيئك به أبدا أنا أجيئك بضيفي تقتله قال والله لتأتينى به قال والله لا آتيك به فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلى وليس بالكوفة شأمى ولا بصرى غيره فقال أصلح الله الامير خلنى وإياه حتى أكلمه لما رأى لجاجته وتأبيه على ابن زياد أن يدفع إليه مسلما فقال لهانئ قم إلى ههنا حتى أكلمك فقام فخلا به ناحية من ابن زياد وهما منه على ذلك قريب حيث يراهما إذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان وإذا خفضا خفى عليه ما يقولان فقال له مسلم يا هانئ إنى أنشدك الله أن تقتل نفسك وتدخل البلاء على قومك وعشيرتك فوالله إنى لانفس بك عن القتل وهو يرى أن عشيرته ستحرك في شأنه أن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا قاتليه ولا ضائريه فادفعه إليه فإنه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة إنما تدفعه إلى السلطان قال بلى والله أن على في ذلك للخزى والعار أنا أدفع جارى وضيفي وأنا حى صحيح أسمع وأرى شديد الساعد كثير الاعوان والله لو لم أكن إلا واحدا ليس لى ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه فأخذ

[ 274 ]

يناشده وهو يقول والله لا أدفعه إليه أبدا فسمع ابن زياد ذلك فقال ادنوه منى فأدنوه منه فقال والله لتأتينى به أو لاضربن عنقك قال إذا تكثر البارقة حول دارك فقال والهفا عليك أبالبارقة تخوفنى وهو يظن أن عشيرته سيمنعونه فقال ابن زياد ادنوه منى فأدنى فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب وضرب هانئ بيده إلى قائم سيف شرطى من تلك الرجال وجابذه الرجل ومنع فقال عبيدالله أحرورى سائر اليوم أحللت بنفسك قد حل لنا قتلك خذوه فألقوه في بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه بابه واجعلوا عليه حرسا ففعل ذلك به فقام إليه أسماء ابن خارجة فقال أرسل غدر سائر اليوم أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى إذا جئناك به وأدخلناه عليك هشمت وجهه وسيلت دمه على لحيته وزعمت أنك تقتله فقال له عبيدالله وإنك لههنا فأمر به فلهز وتعتع به ثم ترك فحبس وأما محمد بن الاشعث فقال قد رضينا بما رأى الامير لنا كان أم علينا إنما الامير مؤدب وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمع عظيم ثم نادى أنا عمرو بن الحجاج هذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة وقد بلغهم أن صاحبهم يقتل فأعظموا ذلك فقيل لعبيد الله هذه مذحج بالباب فقال لشريح القاضى ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج فأعلمهم أنه حى لم يقتل وأنك قد رأيته فدخل إليه شريح فنظر إليه * قال أبو مخنف فحدثني الصقعب بن زهير عن عبد الرحمن بن شريح قال سمعته يحدث إسماعيل بن طلحة قال دخلت على هانئ فلما رأني قال يا الله يا للمسلمين أهلكت عشيرتي فأين أهل الدين وأين أهل المصر تفاقدوا يخلونى وعدوهم وابن عدوهم والدماء تسيل على لحيته إذ سمع الرجة على باب القصر وخرجت واتبعني فقال يا شريح إنى لا أظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين ان دخل على عشرة نفر انفذونى قال فخرجت إليهم ومعى حميد بن بكر الاحمري أرسله معى ابن زياد وكان من شرطه ممن يقوم على رأسه وايم الله لولا مكانه معى لكنت أبلغت أصحابه ما أمرنى

[ 275 ]

به فلما خرجت إليهم قلت إن الامير لما بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم أمرنى بالدخول إليه فأتيته فنظرت إليه فأمرني أن ألقاكم وأن أعلمكم أنه حى وأن الذى بلغكم من قتله كان باطلا فقال عمرو وأصحابه فأما إذ لم يقتل والحمد لله ثم انصرفوا (قال أبو مخنف) حدثنى الحجاج بن على عن محمد بن بشير الهمداني قال لما ضرب عبيدالله هانئا وحبسه خشى أن يثب الناس به فخرج فصعد المنبر ومعه أشراف الناس وشرطه وحشمه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم ولا تختلفوا ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا وتجفوا وتحرموا إن أخاك من صدقك وقد أعذر من أنذر قال ثم ذهب لينزل فما نزل عن المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدون ويقولون قد جاء ابن عقيل قد جاء ابن عقيل فدخل عبيدالله القصر مسرعا وأغلق أبوابه (قال أبو مخنف) حدثنى يوسف بن يزيد عن عبد الله بن حازم قال أنا والله رسول ابن عقيل إلى القصر لانظر إلى ما صار أمر هانئ قال فلما ضرب وحبس ركبت فرسى وكنت أول أهل الدار دخل على مسلم بن عقيل بالخبر وإذا نسوة لمراد مجتمعات ينادين يا عثرتاه يا ثكلاه فدخلت على مسلم بن عقيل بالخبر فأمرني أن أنادى في أصحابه وقد ملا منهم الدور حوله وقد بايعه ثمانية عشر ألفا وفى الدور أربعة آلاف رجل فقال لى ناد يا منصور أمت فناديت يا منصور أمت وتنادى أهل الكوفة فاجتمعوا إليه فعقد مسلم لعبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندى على ربع كندة وربيعة وقال سر أمامى في الخيل ثم عقد لمسلم بن عوسجة الاسدي على ربع مذحج وأسد وقال انزل في الرجال فأنت عليهم وعقد لابن ثمامة الصائد على ربع تميم وهمدان وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة ثم أقبل نحو القصر فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرز في القصر وغلق الابواب (قال أبو مخنف) وحدثني يونس بن أبى اسحاق عن عباس الجدلي قال خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف فلما بلغنا القصر إلا ونحن ثلثمائة قال وأقبل مسلم يسير في الناس من مراد حتى أحاط بالقصر ثم ان الناس تداعوا الينا واجتمعوا فوالله ما لبثنا إلا قليلا

[ 276 ]

حتى امتلا المسجد من الناس والسوق وما زالوا يثوبون حتى المساء فضاق بعبيد الله ذرعه وكان كبر أمره أن يتمسك بباب القصر وليس معه إلا ثلاثون رجلا من الشرط وعشرون رجلا من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذى يلى دار الروميين وجعل من بالقصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم فيتقون أن يرموهم بالحجارة وأن يشتموهم وهم لا يفترون على عبيدالله وعلى أبيه ودعا عبيدالله كثير بن شهاب ابن الحصين الحارثى فأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيسير بالكوفة ويخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم الحرب ويحذرهم عقوبة السلطان وأمر محمد بن الاشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلى وشبث بن ربعى التميمي وحجار ابن أبجر العجلى وشمر بن ذى الجوشن العامري وحبس سائر وجوه الناس عنده استيحاشا إليهم لقلة عدد من معه من الناس وخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن ابن عقيل (قال أبو مخنف) فحدثني ابن جناب الكلبى أن كثيرا ألفى رجلا من كلب يقال له عبد الاعلى بن يزيد قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في بنى فتيان فأخذه حتى أدخله على ابن زياد فأخبره خبره فقال لابن زياد إنما أردتك قال وكنت وعدتني ذلك من نفسك فأمر به فحبس وخرج محمد بن الاشعث حتى وقف عند دور بنى عمارة وجاءه عمارة بن صلخب الازدي وهو يريد ابن عقيل عليه سلاحه فأخذه فبعث به إلى ابن زياد فحبسه فبعث ابن عقيل إلى محمد بن الاشعث من المسجد عبد الرحمن بن شريح الشبامى فلما رأى محمد بن الاشعث كثرة من أتاه أخذ يتنحى ويتأخر وأرسل القعقاع بن شور الذهلى إلى محمد الاشعث قد حلت على ابن عقيل من العرار فتأخر عن موقفه فأقبل حتى دخل على ابن زياد من قبل دار الروميين فلما اجتمع عند عبيدالله كثير بن شهاب ومحمد والقعقاع فيمن أطاعهم من قومهم فقال له كثير وكانوا مناصحين لابن زياد أصلح الله الامير معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك فاخرج بنا

[ 277 ]

إليهم فأبى عبيدالله وعقد لشبث بن ربعى لواء فأخرجه وأقام الناس مع ابن عقيل يكبرون ويثوبون حتى المساء وأمرهم شديد فبعث عبيدالله إلى الاشراف فجمعهم إليه ثم قال أشرفوا على الناس فمنوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة وخوفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة وأعلموهم فصول الجنود من الشأم إليهم (قال أبو مخنف) حدثنى سليمان بن أبى راشد عن عبد الله بن حازم الكبرى من الازد من بنى كبير قال أشرف علينا الاشراف فتكلم كثير بن شهاب أول الناس حتى كادت الشمس أن تجب فقال أيها الناس الحقوا بأهاليكم ولا تعجلوا الشر ولا تعرضوا أنفسكم للقتل فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت وقد أعطى الله الامير عهدا لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء ويفرق مقاتلتكم في مغازى أهل الشأم على غير طمع وأن يأخذ البرئ بالسقيم والشاهد بالغائب حتى لا يبقى له فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت أيديها وتكلم الاشراف بنحو من كلام هذا فلما سمع مقالتهم الناس أخذوا يتفرقون وأخذوا ينصرفون (قال أبو مخنف) فحدثني المجالد بن سعيد أن المرأة كانت تأتى ابنها أو أخاها فتقول انصرف الناس يكفونك ويجئ الرجل إلى ابنه أو أخيه فيقول غدا يأتيك أهل الشأم فما تصنع بالحرب والشر انصرف فيذهب به فما زالوا يتفرقون ويتصدعون حتى أمسى ابن عقيل وما معه ثلاثون نفسا في المسجد حتى صليت المغرب فما صلى مع ابن عقيل إلا ثلاثون نفسا فلما رأى أنه قد أمسى وليس معه إلا أولئك النفر خرج متوجها نحو أبواب كندة فلما يلغ الابواب ومعه منهم عشرة ثم خرج من الباب وإذا ليس معه انسان والتفت فإذا هو لا يحس أحدا يدله على الطريق ولا يدله على منزل ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدو فمضى على وجهه يتلدد في أزقة الكوفة لا يدرى أين يذهب حتى خرج إلى دور بنى جبلة من كندة فمشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقال لها طوعة أم ولد كانت للاشعث بن قيس فأعتقها فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا وكان بلال قد خرج مع الناس وأمه قائمة تنتظره فسلم عليها ابن عقيل فردت عليه فقال لها يا أمة

[ 278 ]

الله اسقيني ماء فدخلت فسقته فجلس وأدخلت الاناء ثم خرجت فقالت يا عبد الله ألم تشرب قال بلى قالت فاذهب إلى أهلك فسكت ثم عادت فقالت مثل ذلك فسكت ثم قالت له فئ لله سبحان الله يا عبد الله فمر إلى أهلك عافاك الله فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابى ولا أحله لك فقام فقال يا أمة الله مالى في هذا المصر منزل ولا عشيرة فهل لك إلى أجر ومعروف ولعلى مكافئك به بعد اليوم فقالت يا عبد الله وما ذاك قال أنا مسلم بن عقيل كذبني هؤلاء القوم وغرونى قالت أنت مسلم قال نعم قالت ادخل فأدخلته بيتا في دارها غير البيت الذى تكون فيه وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعش ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت والخروج منه فقال والله إنه ليريبنى كثرة دخولك هذا البيت منذ الليلة وخروجك منه إن لك لشأنا قالت يا بنى اله عن هذا قال لها والله لتخبرنى قالت أقبل على شأنك ولا تسألني عن شئ فألح عليها فقالت يا بنى لا تحدثن أحدا من الناس بما أخبرك به وأخذت عليه الايمان فحلف لها فأخبرته فاضطجع وسكت وزعموا أنه قد كان شريدا من الناس وقال بعضهم كان يشرب مع أصحاب له ولما طال على ابن زياد وأخذ لا يسمع لاصحاب ابن عقيل صوتا كما كان يسمعه قبل ذلك قال لاصحابه أشرفوا فانظر واهل ترون منهم أحدا فأشرفوا فلم يروا أحدا قال فانظروا لعلهم تحت الظلال قد كمنوا لكم ففرعوا بحابح المسجد وجعلوا يخفضون شعل النار في أيديهم ثم ينظرون هل في الظلال أحد وكانت أحيانا تضئ لهم وأحيانا لا تضئ لهم كما يريدون فدولوا القناديل وأنصاف الطنان تشد بالحبال ثم تجعل فيها النيران ثم تدلى حتى تنتهى إلى الارض ففعلوا ذلك في أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حتى فعلوا ذلك بالظلة التى فيها المنبر فلما لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد ففتح باب السدة التى في المسجد ثم خرج فصعد المنبر وخرج أصحابه معه فأمرهم فجلسوا حوله قبيل العتمة وأمر عمرو بن نافع فنادى ألا برئت الذمة من رجل من الشرطة والعرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد فلم يكن له إلا ساعة حتى امتلا المسجد من الناس ثم أمر مناديه فأقام الصلاة فقال الحصين بن تميم إن شئت صليت بالناس أو يصلى بهم غيرك

[ 279 ]

ودخلت أنت فصليت في القصر فإنى لا آمن أن يغتالك بعض أعدائك فقال مر حرسي فليقوموا ورائي كما كانوا يقفون ودر فيهم فانى لست بداخل إذا فصلى بالناس ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فان ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت ذمة الله من رجل وجدناه في داره ومن جاء به فله ديته اتقوا الله عباد الله والزموا طاعتكم وبيعتكم ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا يا حصين ابن تميم ثكلتك أمك إن صاح باب سكة من سكك الكوفة أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به وقد سلطتك على دور أهل الكوفة فابعث مراصدة على أفواه السكك وأصبح غدا واستبر الدور وجس خلالها حتى تأتيني بهذا الرجل وكان الحصين على شرطه وهو من بنى تميم ثم نزل ابن زياد فدخل وقد عقد لعمرو بن حريث راية وأمره على الناس فلما أصبح جلس مجلسه وأذن للناس فدخلوا عليه وأقبل محمد بن الاشعث فقال مرحبا بمن لا يستغش ولا يتهم ثم أقعده إلى جنبه وأصبح ابن تلك العجوز وهو بلال بن أسيد الذى آوت أمه ابن عقيل فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد ابن الاشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عند أمه قال فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد فساره فقال له ابن زياد ما قال لك قال أخبرني أن ابن عقيل في دار من دونا فنخس بالقضيب في جنبه ثم قال قم فاتني به الساعة (قال أبو مخنف) فحدثني قدامة بن سعيد بن زائدة بن قدامة الثقفى أن ابن الاشعث حين قام ليأتيه بابن عقيل بعث إلى عمرو بن حريث وهو في المسجد خليفته على الناس أن أبعث مع ابن الاشعث ستين أو سبعين رجلا كلهم من قيس وإنما كره ان يبعث معه قومه لانه قد علم أن كل قوم يكر هون أن يصادف فيهم مثل ابن عقيل فبعث معه عمرو بن عبيدالله بن عباس السلمى في ستين أو سبعين من قيس حتى أتوا الدار التى فيها ابن عقيل فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال عرف أنه قد أتى فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ثم عادوا إليه فشد عليهم كذلك فاختلف هو وبكيز بن حمران الاحمري ضربتين فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا وأشرع السيف في السلفي ونصلت لها ثنيتاه فضربه مسلم

[ 280 ]

ضربة في رأسه منكرة وثنى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق ظهر البيت فأخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطنان القصب ثم يقلبونها عليه من فوق البيت فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتا بسيفه في السكة فقاتلهم فأقبل عليه محمد بن الاشعث فقال يافتى لك الامان لا تقتل نفسك فأقبل يقاتلهم وهو يقول أقسمت لا أقتل إلا حرا * وإن رأيت الموت شيئا نكرا كل امرئ يوما ملاق شرا * ويخلط البارد سخنا مرا رد شعاع الشمس فاستقرا * أخاف أن أكذب أو أغرا فقال له محمد بن الاشعث إنك لا تكذب ولا تخذع ولا تغر إن القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك وقد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال وانبهر فأسند ظهره إلى جنب تلك الدار فدنا محمد بن الاشعث فقال لك الامان فقال آمن أنا قال نعم وقال القوم أنت آمن غير عمرو بن عبيدالله بن العباس السلمى فانه قال لا ناقة لى في هذا ولا جمل وتنحى * وقال ابن عقيل أما لو لم تؤمنونى ما وضعت يدى في أيديكم وأتى ببلغة فحمل عليها واجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه من عنقه فكأنه عند ذلك آيس من نفسه فدمعت عيناه ثم قال هذا أول الغدر قال محمد بن الاشعث أرجو ألا لا يكون عليك بأس قال ما هو إلا الرجاء أين أمانكم إنا لله وإنا إليه راجعون وبكى فقال له عمرو بن عبيدالله بن عباس إن من يطلب مثل الذى تطلب إذا نزل به مثل الذى نزل بك لم يبك قال إنى والله ما لنفسي أبكى ولا لها من القتل أرثى وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا ولكن أبكى لاهلي المقبلين إلى أبكى لحسين وآل حسين ثم أقبل على محمد بن الاشعث فقال يا عبد الله إنى أراك والله ستعجز عن أمانى فهل عندك خير تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لساني يبلغ حسينا فإنى لا أراه إلا قد خرج اليكم اليوم مقبلا أو هو خرج غدا هو وأهل بيته وإن ما ترى من جزعى لذلك فيقول إن ابن عقيل بعثنى اليك وهو في أيدى القوم أسير لا يرى أن تمشى حتى تقتل وهو يقول ارجع بأهل بيتك ولا يغرك أهل الكوفة

[ 281 ]

فانهم أصحاب أبيك الذى كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل إن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لمكذوب رأى فقال ابن الاشعث والله لافعلن ولاعلمن ابن زياد أنى قد أمنتك (قال أبو مخنف) فحدثني جعفر بن حذيفة الطائى وقد عرف سعيد بن شيبان الحديث قال دعا محمد بن الاشعث إياس بن العثل الطائى من بنى مالك بن عمرو بن ثمامة وكان شاعرا وكان لمحمد زوارا فقال له الق حسينا فأبلغه هذا الكتاب وكتب فيه الذى أمره ابن عقيل وقال له هذا زادك وجهازك ومتعة لعيالك فقال من أين لى براحلة فان راحلتي قد أنضيتها قال هذه راحلة فاركبها برحلها ثم خرج فاستقبله بزبالة لاربع ليال فأخبره الخبر وبلغه الرسالة فقال له حسين كل ماحم نازل وعند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا وقد كان مسلم ابن عقيل حيث تحول إلى دار هانئ بن عروة وبايعه ثمانية عشر ألفا قدم كتابا إلى حسين مع عابس بن أبى شيبب الشاكرى * أما بعد فان الرائد لا يكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا فعجل الاقبال حين يأتيك كتابي فان الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأى ولا هوى والسلام وأقبل محمد بن الاشعث بابن عقيل إلى باب القصر فاستأذن فأذن له فأخبر عبيدالله خبر ابن عقيل وضرب بكير إياه فقال بعدا له فأخبره محمد بن الاشعث بما كان منه وما كان من أمانه إياه فقال عبيدالله ما أنت والامان كأنا أرسلناك تؤمنه إنما أرسلناك تأتينا به فسكت وانتهى ابن عقيل إلى باب القصر وهو عطشان وعلى باب القصر ناس جلوس ينتظرون الاذن منهم عمارة بن عقبة بن أبى معيط وعمرو بن حريث ومسلم بن عمرو وكثير بن شهاب (قال أبو مخنف) فحدثني قدامة بن سعد أن مسلم بن عقيل حين انتهى إلى باب القصر فإذا قلة باردة موضوعة على الباب فقال ابن عقيل اسقوني من هذا الماء فقال له مسلم بن عمرو أتراها ما أبردها لا والله لا تذوق منها قطرة أبدا حتى تذوق الحميم في نار جهنم قال له ابن عقيل ويحك من أنت قال أنا ابن من عرف الحق إذا أنكرته ونصح لامامه إذ غششته وسمع وأطاع إذ عصيته وخالفت أنا مسلم بن عمرو الباهلى فقال ابن عقيل لامك الثكل

[ 282 ]

ما أجفاك وما أفظك وأقسى قلبك وأغلظك أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم منى ثم جلس متساندا إلى حائط (قال أبو مخنف) فحدثني قدامة بن سعد أن عمرو بن حريث بعث غلاما له يدعى سليمان فجاءه بماء في قلة فسقاه (قال أبو مخنف) وحدثني سعيد بن مدرك بن عمارة أن عمارة بن عقبة بعث غلاما له يدعى قيسا فجاءه بقلة عليها منديل ومعه قدح فصب فيه ماء ثم سقاه فأخذ كلما شرب امتلا القدح دما فلما ملا القدح المرة الثالثة ذهب ليشرب فسقطت ثنيتاه فيه فقال الحمد لله لو كان لى من الرزق المقسوم شربته وأدخل مسلم على ابن زياد فلم يسلم عليه بالامرة فقال له الحرسى ألا تسلم على الامير فقال له ان كان يريد قتلى فما سلامى عليه وإن كان لا يريد قتلى فلعمري ليكثرن سلامى عليه فقال له ابن زياد لعمري لتقتلن قال كذلك قال نعم قال فدعني أوص إلى بعض قومي فنظر إلى جلساء عبيدالله وفيهم عمر بن سعد فقال يا عمر إن بينى وبينك قرابة ولى اليك حاجة وقد يجب لى عليك نجح حاجتى وهو سر فأبى أن يمكنه من ذكرها فقال له عبيدالله لا تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمك فقام معه فجلس حيث ينظر إليه ابن زياد فقال له إن على بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم فاقضها عنى وانظر جثتي فاستوهبها من ابن زياد فوارها وابعث إلى حسين من يرده فإنى قد كتبت إليه أعلمه أن الناس معه ولا أراه إلا مقبلا فقال عمر لابن زياد أتدرى ما قال لى إنه ذكر كذا وكذا قال له ابن زياد إنه لا يخونك الامين ولكن قد يؤتمن الخائن أما مالك فهو لك ولسنا نمنعك أن تصنع فيه ما أحببت وأما حسين فانه إن لم يردنا لم نرده وإن أرادنا لم نكف عنه وأما جثته فانا لن نشفعك فيها إنه ليس بأهل منا لذلك قد جاهدنا وخالفنا وجهد على هلاكنا وزعموا أنه قال أما جثته فانا لا نبالي إذا قتلناه ما صنع بها ثم إن ابن زياد قال إيه يا ابن عقيل أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرق كلمتهم وتحمل بعضهم على بعض قال كلا لست أتيت ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل

[ 283 ]

وندعو إلى حكم الكتاب قال وما أنت وذاك يا فاسق أو لم نكن نعمل بذاك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر قال أنا أشرب الخمر والله إن الله ليعلم إنك غير صادق وإنك قلت بغير علم وإنى لست كما ذكرت وإن أحق بشرب الخمر منى وأولى بها من يلغ في دماء المسلمين ولغا فيقتل النفس التى حرم الله قتلها ويقتل النفس بغير النفس ويسفك الدم الحرام ويقتل على الغضب والعداوة وسوء الظن وهو يلهو ويلعب كأن لم يصنع شيئا فقال له ابن زياد يا فاسق إن نفسك تمنيك ما حال الله دونه ولم يرك أهله قال فمن أهله يا ابن زياد قال أمير المؤمنين يزيد فقال الحمد لله على كل حال رضينا بالله حكما بيننا وبينكم قال كأنك تظن أن لكم في الامر شيئا قال والله ما هو بالظن ولكنه اليقين قال قتلني الله إن لم أقتلك قتله لم يقتلها أحد في الاسلام قال أما إنك أحق من أحدث في الاسلام ما لم يكن فيه أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ولا أحد من الناس أحق بها منك وأقبل ابن سمية يشتمه ويشتم حسينا وعليا وعقيلا وأخذ مسلم لا يكلمه وزعم أهل العلم أن عبيدالله أمر له بماء فسقى بخزفة ثم قال له إنه لم يمنعنا أن نسقيك فيها إلا كراهة أن تحرم بالشرب فيها ثم نقتلك ولذلك سقيناك في هذا ثم قال اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ثم اتبعوا جسده رأسه فقال يا ابن الاشعث أما والله لولا أنك آمنتني ما استسلمت قم بسيفك دوني فقد أخفرت ذمتك ثم قال يا ابن زياد أما والله لو كانت بينى وبينك قرابة ما قتلتنى ثم قال ابن زياد أين هذا الذى ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف وعاتقه فدعى فقال اصعد فكن أنت الذى تضرب عنقه فصعد به وهو يكبر ويستغفر ويصلى على ملائكة الله ورسله وهو يقول اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وأذلونا واشرف به على موضع الجزارين اليوم فضربت عنقه وأتبع جسده رأسه (قال أبو مخنف) حدثنى الصقعب بن زهير عن عوف بن أبى جحيفة قال نزل الاحمري بكير بن حمران الذى قتل مسلما فقال له ابن زياد قتلته قال نعم قال فما كان يقول وأنتم تصعدون به قال كان يكبر ويسبح ويستغفر فلما أدنيته لاقتله قال اللهم احكم

[ 284 ]

بيننا وبين قوم كذبونا وغرونا وخذلونا وقتلونا فقلت له ادن منى الحمد لله الذى اقادني منك فضربته ضربة لم تغن شيئا فقال أما ترى في خدش تخدشنيه وفاء من دمك أيها العبد فقال ابن زياد وفخرا عند الموت قال ثم ضربته الثانية فقتلته * قال وقام محمد بن الاشعث إلى عبيدالله بن زياد فكلمه في هانئ بن عروة وقال إنك قد عرفت منزلة هانئ بن عروة في المصر وبيته في العشيرة وقد علم قومه أنى وصاحبى سقناه إليك فأنشدك الله لما وهبته لى فإنى أكره عداوة قومه هم أعز أهل المصر وعدد أهل اليمن * قال فوعده أن يفعل فلما كان من أمر مسلم ابن عقيل ما كان بدا له فيه وأبى أن يفى له بما قال قال فأمر بهانئ بن عروة حين قتل مسلم بن عقيل فقال أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه قال فأخرج بهانئ حتى انتهى إلى مكان من السوق كان يباع فيه الغنم وهو مكتوف فجعل يقول وامذحجاه ولا مذحج لى اليوم وامذحجاه وأين منى مذحج فلما رأى ان أحدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ثم قال أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يجاحش به رجل عن نفسه * قال ووثبوا إليه فشدوه وثاقا ثم قيل له امدد عنقك فقال ما أنابها مجد سخى وما أنا بمعينكم على نفسي * قال فضربه مولى لعبيد الله بن زياد تركي يقال له رشيد بالسيف فلم يصنع سيفه شيئا فقال هانئ إلى الله المعاد اللهم إلى رحمتك ورضوانك ثم ضربه أخرى فقتله * قال فبصر به عبد الرحن بن الحصين المرادى بخازر وهو مع عبيدالله بن زياد فقال الناس هذا قاتل هانئ بن عروة فقال ابن الحصين قتلني الله إن لم أقتله أو أقتل دونه فحمل عليه بالرمح فطعنه فقتله ثم إن عبيدالله بن زياد لما قتل مسلم ابن عقيل وهانئ بن عروة دعا بعبد الاعلى الكلبى الذى كان أخذه كثير بن شهاب في بنى فتيان فأتى به فقال له أخبرني بأمرك فقال أصلحك الله خرجت لانظر ما يصنع الناس فأخذني كثير بن شهاب فقال له فعليك وعليك من الايمان المغلظة إن كان أخرجك إلا ما زعمت فأبى أن يحلف فقال عبيدالله انطلقوا بهذا إلى جبانة السبع فاضربوا عنقه بها قال فانطلق به فضربت عنقه قال وأخرج عمارة

[ 285 ]

ابن صلخب الازدي وكان ممن يريد أن يأتي مسلم بن عقيل بالنصرة لينصره فأتى به أيضا عبيدالله فقال له ممن أنت قال من الازد قال انطلقوا به إلى قومه فضربت عنقه فيهم فقال عبد الله بن الزبير الاسدي في قتلة مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة المرادى ويقال قاله الفرزدق إن كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وابن عقيل إلى بطل قد هشم السيف وجهه * وآخر يهوى من طمار قتيل أصابهما أمر الامير فأصبحا * أحاديث من يسرى بكل سبيل ترى جسدا قد غير الموت لونه * ونضح دم قد سال كل مسيل فتى هو أحيى من فتاة حيية * وأقطع من ذى شفرتين صقيل أيركب أسماء الهماليج آمنا * وقد طلبته مذحج يذحول تطيف حواليه مراد وكلهم * على رقبة من سائل ومسول فان أنتم لم تثأروا بأخيكم * فكونوا بغايا أرضيت بقليل (قال أبو مخنف) عن أبى جناب يحيى بن أبى حية الكلبى قال ثم إن عبيدالله ابن زياد لما قتل مسلما وهانئا بعث برؤوسهما مع هانئ بن أبى حية الوادعى والزبير ابن الا روح التميمي إلى يزيد بن معاوية وأمر كاتبه عمرو بن نافع أن يكتب إلى يزيد بن معاوية بما كان من مسلم وهانئ فكتب إليه كتابا أطال فيه وكان أول من أطال في الكتب فلما نظر فيه عبيدالله بن زياد كرهه وقال ما هذا التطويل وهذه الفضول اكتب أما بعد فالحمد لله الذى أخذ لامير المؤمنين بحقه وكفاه مؤنة عدوه أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادى وإنى جعلت عليهما العيون ودسست إليهما الرجال وكدتهما حتى استخرجتهما وأمكن الله منهما فقدمتهما فضرب أعناقهما وقد بعثت إليك برؤوسهما مع هانئ بن أبى حية الهمداني والزبير بن الا روح التميمي وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة فليسألهما أمير المؤمنين عما أحب من أمر فإن عندهما علما وصدقا وفهما وورعا والسلام فكتب إليه يزيد أما بعد فإنك لم تعد أن كنت كما أحب عملت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش

[ 286 ]

فقد أغنيت وكفيت وصدقت ظنى بك ورأيى فيك وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت فاستوص بهما خيرا وإنه قد بلغني أن الحسين بن على قد توجه نحو العراق فضع المناظر والمسالح واحترس على الظن وخذ على التهمة غير ألا تقتل إلا من قاتلك واكتب إلى في كل ما يحدث من الخبر والسلام عليك ورحمة الله (قال أبو مخنف) حدثنى الصقعب بن زهير عن عون بن أبى جحيفة قال كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذى الحجة سنة 60 ويقال يوم الاربعاء لسبع مضين سنة 60 من يوم عرفة بعد مخرج الحسين من مكة مقبلا إلى الكوفة بيوم قال وكان مخرج الحسين من المدينة إلى مكة يوم الاحد لليلتين بقيتا من رجب سنة 60 ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان فأقام بمكة شعبان وشهر رمضان وشوال وذا القعدة ثم خرج منها لثمان مضين من ذى الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية في اليوم الذى خرج فيه مسلم بن عقيل وذكر هارون بن مسلم عن على بن صالح عن عيسى بن يزيد أن المختار بن أبى عبيد وعبد الله بن الحارث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم خرج المختار براية خضراء وخرج عبد الله براية حمراء وعليه ثياب حمر وجاء المختار برايته فركزها على باب عمرو بن حريث وقال إنما خرجت لامنع عمرا وأن الاشعث والقعقاع بن شور وشبث بن ربعى قاتلوا مسلما وأصحابه عشية سار مسلم إلى قصر ابن زياد قتالا شديدا وأن شبثا جعل يقول انتظروا بهم الليل يتفرقوا فقال له القعقاع إنك قد سددت على الناس وجه مصيرهم فافرج لهم ينسربوا وأن عبيدالله أمر أن يطلب المختار وعبد الله بن الحارث وجعل فيهما جعلا فأتى بهما فحبسا (وفى هذه السنة) كان خروج الحسين عليه السلام من مكة متوجها إلى الكوفة ذكر الخبر عن مسيره إليها وما كان من أمره في مسيره ذلك قال هشام عن أبى مخنف حدثنى الصقعب بن زهير عن عمر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام المخزومى قال لما قدمت كتب أهل العراق إلى الحسين

[ 287 ]

وتهيأ للمسير إلى العراق أتيته فدخلت عليه وهو بمكة فحمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت أما بعد فإنى أتيتك يا ابن عم لحاجة أريد ذكرها لك نصيحة فإن كنت ترى أنك تستنصحنى وإلا كففت عما أريد أن أقول فقال قل فوالله ما أظنك بسيئ الرأى ولا هوى القبيح من الامر والفعل قال قلت له إنه قد بلغني أنك تريد المسير إلى العراق وإنى مشفق عليك من مسيرك إنك تأتى بلدا فيه عماله وأمراؤه ومعهم بيوت الاموال وإنما الناس عبيد لهذا الدرهم والدينار ولا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه فقال الحسين جزاك الله خيرا يا ابن عم فقد والله علمت أنك مشيت بنصح وتكلمت بعقل ومهما يقض من أمر يكن أخذت برأيك أو تركته فأنت عندي أحمد مشير وأنصح ناصح قال فانصرفت من عنده فدخلت على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام فسألني هل لقيت حسينا فقلت له نعم قال فما قال لك وما قلت له قال فقلت له قلت كذا وكذا وقال كذا وكذا فقال نصحته ورب المروة الشهباء أما ورب البنية إن الرأى لما رأيته قبله أو تركه ثم قال: رب مستنصح يغش ويردى * وظنين بالغيب يلفى نصيحا (قال أبو مخنف) وحدثني الحارث بن كعب الوالبى عن عتبة بن سمعان أن حسينا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال يا ابن عم إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق فبين لى ما أنت صانع قال إنى قد أجمعت المسير في أحد يومى هذين إن شاء الله تعالى فقال له ابن عباس فإنى أعيذك بالله من ذلك أخبرني رحمك الله أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبى بلادهم فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك وأن يستنفروا اليك فيكونوا أشد الناس عليك فقال له حسين وإنى أستخير الله وأنظر ما يكون قال فخرج ابن عباس من عنده وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعة ثم قال ما أدرى ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا

[ 288 ]

عنهم ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الامر دونهم خبرني ما تريد أن تصنع فقال الحسين والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة ولقد كتب إلى شيعتي بها وأشراف أهلها وأستخير الله فقال له ابن الزبير أما لو كان لى بها مثل شيعتك ما عدلت بها قال ثم إنه خشى أن يتهمه فقال أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الامر ههنا ما خولف عليك إن شاء الله ثم قام فخرج من عنده فقال الحسين ها إن هذا ليس شئ يؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق وقد علم أنه ليس له من الامر معى شئ وإن الناس لم يعدلوه بى فود أنى خرجت منها لتخلو له قال فلما كان من العشى أو من الغد أتى الحسين عبد الله بن العباس فقال يا ابن عم إنى أتصبر ولا أصبر إنى أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنهم أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوهم ثم أقدم عليهم فإن أبيت األان تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصونا وشعبا وهى أرض عريضة طويلة ولابيك بها شيعة وأنت عن الناس في عزلة فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاتك فإنى أرجو أن يأتيك عند ذلك الذى تحب في عافية فقال له الحسين يا ابن عم إنى والله لاعلم أنك ناصح مشفق ولكني قد أزمعت وأجمعت على المسير فقال له ابن عباس فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك فوالله إنى لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه ثم قال ابن عباس لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز والخروج منها وهو يوم لا ينظر إليه أحد معك والله الذى لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع على وعليك الناس أطعتني لفعلت ذلك قال ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بعبد الله بن الزبير فقال قرت عينك يا ابن الزبير ثم قال يا لك من قنبرة بمعمر خلالك الجو فبيضي واصفرى * ونقرى ما شئت أن تنقري هذا حسين يخرج إلى العراق وعليك بالحجاز (قال أبو مخنف) قال أبو جناب يحيى بن أبى حية عن عدى بن حرملة الاسدي عن عبد الله بن سليم والمذرى بن

[ 289 ]

المشمعل الاسديين قالا خرجنا حاجين من الكوفة حتى قدمنا مكة فدخلنا يوم التروية فإذا نحن بالحسين وعبد الله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحجر والباب قالا فتقر بنا منهما فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الامر فآزرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك فقال له الحسين إن أبى حدثنى أن بها كبشا يستحل حرمتها فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش فقال له ابن الزبير فأقم إن شئت وتولينى أنا الامر فتطاع ولا تعصى فقال وما أريد هذا أيضا قالا ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين متوجهين إلى منى عند الظهر قالا فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة وقص من شعره وحل من عمرته ثم توجه نحو الكوفة وتوجهنا نحو الناس إلى منى (قال أبو مخنف) عن أبى سعيد عقيصى عن بعض أصحابه قال سمعت الحسين بن على وهو بمكة وهو واقف مع عبد الله بن الزبير فقال له ابن الزبير إلى يا ابن فاطمة فأصغى إليه فساره قال ثم التفت إلينا الحسين فقال أتدرون ما يقول ابن الزبير فقلنا لا ندرى جعلنا الله فداك فقال قال أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس ثم قال الحسين والله لان أقتل خارجا منها بشبر أحب إلى من أن أقتل داخلا منها بشبر وايم الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم ووالله ليعتدن على كما اعتدت اليهود في السبت (قال أبو مخنف) حدثنى الحارث بن كعب الوالبى عن عقبة بن سمعان قال لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد فقالوا له انصرف أين تذهب فأبى عليهم ومضى وتدافع الفريقان فاضطربوا بالسياط ثم إن الحسين وأصحابه امتنعوا منهم امتناعا قويا ومضى الحسين عليه السلام على وجهه فنادوه يا حسين ألا تتقى الله تخرج من الجماعة وتفرق بين هذه الامة فتأول حسين قول الله عز وجل (لى عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون) قال ثم إن الحسين أقبل حتى مر بالتنعيم فلقى بها عيرا قد أقبل بها من اليمن بعث بها بحير بن ريسان الحميرى إلى يزيد بن معاوية وكان عامله على

[ 290 ]

اليمن وعلى العير الورس والحلل ينطلق بها إلى يزيد فأخذها الحسين فانطلق بهم قال لاصحاب الابل لا أكرهكم من أحب أن يمضى معنا إلى العراق أو فينا كراءه وأحسنا صحبته ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الارض قال فمن فارقه منهم حوسب فأوفى حقه ومن مضى منهم معه أعطاه كراءه وكساه (قال أبو مخنف) عن أبى جناب عن عدى بن حرملة عن عبد الله بن سليم والمذرى قالا أقبلنا حتى انتهينا إلى الصفاح فلقينا الفرزدق بن غالب الشاعر فواقف حسينا فقال له أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب فقال له الحسين بين لنا نبأ الناس خلفك فقال له الفرزدق من الخبير سألت قلوب الناس معك وسيوفهم مع بنى أمية والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء فقال له الحسين صدقت لله الامر والله يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق نيته والتقوى سريرته ثم حرك الحسين راحلته فقال السلام عليك ثم افترقا (قال هشام) عن عوانة بن الحكم عن لبطة بن الفرزدق ابن غالب عن أبيه قال حججت بأمى فأنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج وذلك في سنة 60 إذ لقيت الحسين بن على خارجا من مكة معه أسيافه وتراسه فقلت لمن هذا القطار فقيل للحسين بن على فأتيته فقلت بأبى وأمى يا ابن رسول الله ما أعجلك عن الحج فقال لو لم أعجل لاخذت قال ثم سألني ممن أنت فقلت له امرؤ من العراق قال فوالله ما فتشني عن أكثر من ذلك واكتفى بها منى فقال أخبرني عن الناس خلفك قال فقلت له القلوب معك والسيوف مع بنى أمية والقضاء بيد الله قال فقال لى صدقت قال فسألته عن أشياء فأخبرني بها من نذور ومناك قال وإذا هو ثقيل اللسان من برسام أصابه بالعراق قال ثم مضيت فإذا بفسطاط مضروب في الحرم وهيئته حسنة فأتيته فإذا هو لعبدالله بن عمرو بن العاص فسألني فأخبرته بلقاء الحسين بن على فقال لى ويلك فهلا اتبعته فوالله ليملكن ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه قال فهممت والله أن ألحق به ووقع في قلبى مقالته ثم ذكرت الانبياء وقتلهم فصدني لك

[ 291 ]

عن اللحاق بهم فقدمت على أهلى بعسفان قال فوالله إنى لعندهم إذ أقبلت عير قد امتارت من الكوفة فلما سمعت بهم خرجت في آثارهم حتى إذا أسمعتهم الصوت وعجلت عن إتيانهم صرخت بهم ألا ما فعل الحسين بن على قال فردوا على ألا قد قتل قال فانصرفت وأنا ألعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال وكان أهل ذلك الزمان يقولون ذلك الامر وينتظرونه في كل يوم وليلة قال وكان عبد الله بن عمرو يقول لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصغير حتى يظهر هذا الامر قال فقلت له فما يمنعك أن تبيع الوهط قال فقال لى لعنة الله على فلان يعنى معاوية وعليك قال فقلت لا بل عليك لعنة الله قال فزادني من اللعن ولم يكن عنده من حشمه أحد فألقى منهم شرا قال فخرجت وهو لا يعرفني والوهط حائط لعبدالله بن عمرو بالطائف قال وكان معاوية قد ساوم به عبد الله بن عمرو وأعطاه به مالا كثيرا فأبى أن يبيعه بشئ قال وأقبل الحسين مغذا لا يلوى على شئ حتى نزل ذات عرق (قال أبو مخنف) حدثنى الحارث بن كعب الوالبى عن على بن الحسين بن على بن أبى طالب قال لما خرجنا من مكة كتب عبد الله بن جعفر بن أبى طالب إلى الحسين ابن على مع ابنيه عون ومحمد أما بعد فانى أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي فإنى مشفق عليك من الوجه الذى توجه له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك إن هلكت اليوم طفئ نور الارض فإنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين فلا تعجل بالسير فإنى في أثر الكتاب والسلام قال وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلمه وقال اكتب إلى الحسين كتابا تجعل له فيه الامان وتمنيه فيه البر والصلة وتوثق له في كتابك وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع فقال عمرو بن سعيد اكتب ما شئت وأتنى به حتى أختمه فكتب عبد الله ابن جعفر الكتاب ثم أتى به عمرو بن سعيد فقال له اختمه وابعث به مع أخيك يحيى بن سعيد فانه أحرى أن تطمئن نفسه إليه ويعلم أنه الجد منك ففعل وكان عمرو بن سعيد عامل يزيد بن معاوية على مكة قال فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر ثم انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب فقالا أقرأناه الكتاب وجهدنا به وكان مما

[ 292 ]

اعتذر به إلينا أن قال إنى رأيت رؤيا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرت فيها بأمر أنا ماض له على كان أولى فقالا له فما تلك الرؤيا قال ما حدثت أحدا بها وما أنا محدث بها حتى ألقى ربى قال وكان كتاب عمرو بن سعيد إلى الحسين بن على بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن على أما بعد فانى أسأل الله أن يصرفك عما يوبقك وأن يهديك لما يرشدك بلغني أنك قد توجهت إلى العراق وإنى أعيذك بالله من الشقاق فإنى أخاف عليك فيه الهلاك وقد بعثت اليك عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد فأقبل إلى معهما فإن لك عندي الامان والصلة والبر وحسن الجوار لك الله على بذلك شهيد وكفيل ومراع ووكيل والسلام عليك قال وكتب إليه الحسين أما بعد فانه لم يشاقق الله ورسوله من دعا إلى الله عز وجل وعمل صالحا وقال إننى من المسلمين وقد دعوت إلى الامان والبر والصلة فخير الامان أمان الله ولن يؤمن الله يوم القيامة من لم يخفه في الدنيا فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانة يوم القيامة فان كتت نويت بالكتاب صلتي وبرى فجزيت خيرا في الدنيا والآخرة والسلام رجع الحديث إلى حديث عمار الدهنى عن أبى جعفر * حدثنى زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا أحمد بن جناب المصيصى قال حدثنا خالد بن يزيد بن عبد الله القسرى قال حدثنا عمار الدهنى قال قلت لابي جعفر حدثنى مقتل الحسين حتى كأنى حضرته قال فأقبل حسين بن على بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له أين تريد قال أريد هذا المصر قال له ارجع فإنى لم أدع لك خلفي خيرا أرجوه فهم أن يرجع وكان معه إخوة مسلم بن عقيل فقالوا والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل فقال لا خير في الحياة بعدكم فسار فلقيته أوائل خيل عبيدالله فلما رأى ذلك عدل إلى كربلاء فأسند ظهره إلى قصباء وخلا كيلا يقاتل إلا من وجه واحد فنزل وضرب أبنيته وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل وكان عمر بن سعد بن أبى وقاص قد ولاه عبيدالله بن زياد الرى

[ 293 ]

وعهد إليه عهده فقال اكفني هذا الرجل قال اعفنى فأبى أن يعفيه قال فأنظرنى الليلة فأخره فنظر في أمره فلما أصبح غدا عليه راضيا بما أمر به فتوجه إليه عمر بن سعد فلما أتاه قال له الحسين اختر واحدة من ثلاث إما ان تدعوني فانصرف من حيث جئت وإما أن تدعوني فأذهب إلى زيد وإما أن تدعوني فألحق بالثغور فقبل ذلك عمر فكتب إليه عبيد الله لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدى فقال له الحسين لا والله لا يكون ذلك أبدا فقاتله فقتل أصحاب الحسين كلهم وفيهم بضعة عشر شابا من أهل بيته وجاء سهم فأصاب ابنا له معه في حجره فجعل يمسح الدم عنه ويقول اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا ثم أمر بحبرة فشققها ثم لبسها وخرج بسيفه فقاتل حتى قتل صلوات الله عليه قتله رجل من مذحج وحز رأسه وانطلق به إلى عبيد الله وقال أوقر ركابي فضة وذهبا * فقد قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا وأوفده إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس فوضع رأسه بين يديه وعنده أبو برزة الاسلمي فجعل ينكت بالقضيب على فيه ويقول يفلقن هاما من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما فقال له أبو برزة ارفع قضيبك فوالله لربما رأيت فارسول الله صلى الله عليه وسلم على فيه يلثمه وسرح عمر بن سعد بحرمه وعياله إلى عبيد الله ولم يكن بقى من أهل بيت الحسين بن على عليه السلام إلا غلام كان مريضا مع النساء فأمر به عبيدالله ليقتل فطرحت زينب نفسها عليه وقالت والله لا يقتل حتى تقتلوني فرق لها فتركه وكف عنه قال فجهزهم وحملهم إلى يزيد فلما قدموا عليه جمع من كان بحضرته من أهل الشأم ثم أدخلوهم فهنؤه بالفتح قال رجل منهم أزرق أحمر ونظر إلى وصيفة من بناتهم فقال يا أمير المؤمنين هب لى هذه فقالت زينب لا والله ولا كرامة لك ولا له إلا أن يخرح من دين الله قال فأعادها الازرق فقال له يزيد كف عن هذا ثم أدخلهم على عياله فجهزهم وحملهم إلى المدينة فلما دخلوها خرجت امرأة من بنى عبد المطلب ناشرة شعرها واضعة كمها على رأسها تلقاهم وهى تبكى وتقول

[ 294 ]

ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدى * منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوى رحمى * حدثنى الحسين بن نصر قال حدثنا أبو ربيعة قال حدثنا أبو عوانة عن حصين ابن عبد الرحمن قال بلغنا أن الحسين عله ا لسلام * وحدثنا محمد بن عمار الرازي قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا عباد بن العوام قال حدثنا حصين أن الحسين ابن على عليه السلام كتب إليه أهل الكوفة انه معك مائة ألف فبعث إليهم مسلم ابن عقيل فقدم الكوفة فنزل دار هانئ بن عروة فاجتمع إليه الناس فأخبر ابن زياد بذلك زاد الحسين بن نصر في حديثه فأرسل إلى هانئ فأتاه فقال ألم أوقرك ألم أكرمك ألم أفعل بك قال بلى قال فما جزاء ذلك قال جزاؤه أن أمنعك قال تمنعني قال فأخذ قضيبا مكانه فضربه به وأمر فكتف ثم ضرب عنقه فبلغ ذلك مسلم ابن عقيل فخرج ومعه ناس كثير فبلغ ابن زياد ذلك فأمر بباب القصر فأغلق وأمر مناديا فنادى يا خيل الله اركبي فلا أحد يحيبه فظن أنه في ملا من الناس قال حصين فحدثني هلال بن يساف قال لقيتهم تلك الليلة في الطريق عند مسجد الانصار فلم يكونوا يمرون في طريق يمينا ولا شمالا إلا ان ذهبت منهم طائفة الثلاثون والاربعون ونحو ذلك قال فلما بلغ السوق وهى ليلة مظلمة ودخلوا المسجد قيل لابن زياد والله ما نرى كثير أحد ولا نسمع أصوات كثير أحد فأمر بسقف المسجد فقلع ثم أمر بحرادى فيها النيران فجعلوا ينظرون فإذا قريب خمسين رجلا قال فنزل فصعد المنبر وقال للناس تميزوا أرباعا أرباعا فانطلق كل قوم إلى رأس ربعهم فنهض إليهم قوم يقاتلونهم فجرح مسلم جراحة ثقيلة وقتل ناس من أصحابه وانهزموا فخرج مسلم فدخل دارا من دور كندة فجاء رجل إلى محمد بن الاشعث وهو جالس إلى ابن زياد فساره فقال له إن مسلما في دار فلان فقال ابن زياد ما قال لك قال قال إن مسلما في دار فلان قال ابن زياد لرجلين انطلقا فأتيانى به فدخلا عليه وهو عند امرأة قد أوقدت له النار فهو يغسل عنه الدماء فقالا له انطلق الامير يدعوك فقال

[ 295 ]

اعقدا لى عقدا فقالا ما نملك ذاك فانطلق معهما حتى أتاه فأمر به فكتف ثم قال هيه هيه يا ابن خلية قال الحسين في حديثه يا ابن كذا جئت لتنزع سلطاني ثم أمر به فضربت عنقه قال حصين فحدثني هلال بن يساف أن ابن زياد أمر بأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشأم إلى طريق البصرة فلا يدعون أحدا يلج ولا أحدا يخرج فأقبل الحسين ولا يشعر بشئ حتى لقى الاعراب فسألهم فقالوا لا والله ما ندرى غير أنا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج قال فانطلق يسير نحو طريق الشأم نحو يزيد فلقيته الخيول بكربلاء فنزل يناشدهم الله والاسلام قال وكان بعث إليه عمر بن سعد وشمر بن ذى الجوشن وحصين بن نمير فناشدهم الحسين الله والاسلام أن يسيروه إلى أمير المؤمنين فيضع يده في يد فقالوا لا إلا على حكم ابن زياد وكان فيمن بعث إليه الحر بن يزيد الحنظلي ثم النهشلي على خيل فلما سمع ما يقول الحسين قال لهم ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم والله لو سألكم هذا الترك والديلم ما حل لكم أن تردوه فأبوا إلا على حكم ابن زياد فصرف الحر وجه فرسه وانطلق إلى الحسين وأصحابه فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم فلما دنا منهم قلب ترسه وسلم عليهم ثم كر على أصحاب ابن زياد فقاتلهم فقتل منهم رجلين ثم قتل رحمة الله عليه وذكر أن زهير ابن القين البجلى لقى الحسين وكان حاجا فأقبل معه وخرج إليه ابن أبى بحرية المرادى ورجلان آخران وعمرو بن الحجاج ومعن السلمى قال الحصين وقد رأيتهما قال الحصين وحدثني سعد بن عبيدة قال إن أشياخا من أهل الكوفة لوقوف على التل يبكون ويقولون اللهم أنزل نصرك قال قلت يا أعداء الله ألا تنزلون فتنصرونه قال فأقبل الحسين يكلم من بعث إليه ابن زياد قال وإنى لانظر إليه وعليه جبة من برود فلما كلمهم انصرف فرماه رجل من بنى تميم يقال له عمر الطهوى بسهم فإنى لانظر إلى السهم بين كتفيه متعلقا في جبته فلما أبوا عليه رجع إلى مصافه وإنى لانظر إليهم وانهم لقريب من مائة رجل فهم لصلب على بن أبى طالب عليه السلام خمسة ومن بنى هاشم ستة عشر ورجل من بنى سليم حليف لهم ورجل من بنى كنانة حليف لهم وابن عمر بن زياد قال وحدثني سعد بن عبيدة قال إنا لمستنقعون في

[ 296 ]

الماء مع عمر بن سعد إذ أتاه رجل فساره وقال له قد بعث إليك ابن زياد جويرية ابن بدر التميمي وأمره إن لم تقاتل القوم أن يضرب عنقك قال فوثب إلى فرسه فركبه ثم دعا سلاحه فلبسه وانه على فرسه فنهض بالناس إليهم فقاتلوهم فجئ برأس الحسين إلى ابن زياد فوضع بين يديه فجعل يقول بقضيبه ويقول ان أبا عبد الله قد كان شمط قال وجئ بنسائه وبناته وأهله وكان أحسن شئ صنعه ان أمر لهم بمنزل في مكان معتزل وأجرى عليهم رزقا وأمر لهم بنفقة وكسوة قال فانطلق غلامان منهم لعبد الله بن جعفر أو ابن ابن جعفر فأتيا رجلا من طيئ فلجأ إليه فضرب أعناقهما وجاء برؤوسهما حتى وضعهما بين يدى ابن زياد قال فهم بضرب عنقه وأمر بداره فهدمت قال وحدثني مولى لمعاوية بن أبى سفيان قال لما أتى يزيد برأس الحسين فوضع بين يديه قال رأيته يبكى وقال لو كان بينه وبينه رحم ما فعل هذا قال حصين فلما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع قال وحدثني العلاء بن أبى عاثة قال حدثنى رأس الجالوت عن أبيه قال ما مررت بكربلاء إلا وأنا أركض دابتي حتى أخلف المكان قال قلت لم قال كنا نتحدث أن ولد نبى مقتول في ذلك المكان قال وكنت أخاف أن أكون أنا فلما قتل الحسين قلنا هذا الذى نتحدث قال وكنت بعد ذلك إذا مررت بذلك المكان أسير ولا أركض * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنى على بن محمد عن جعفر بن سليمان الضبعى قال قال الحسين والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفى فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم الامة فقدم للعراق فقتل بنينوى يوم عاشوراء سنة 61 قال الحارث قال ابن سعد أخبرنا محمد بن عمر قال قتل الحسين بن على عليه السلام في صفر سنة 61 وهو يومئذ ابن خمس وخمسين حدثنى بذلك أفلح بن سعيد عن ابن كعب القرظى قال الحارث حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر عن أبى معشر قال قتل الحسين لعشر خلون من المحرم قال الواقدي هذا أثبت قال الحارث قال ابن سعد أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا عطاء بن مسلم عمن أخبره عن عاصم بن

[ 297 ]

أبى النجود عن زر بن حبيش قال أول رأس رفع على خشبة رأس الحسين رضى الله عن الحسين وصلى الله على روحه (قال أبو مخنف) عن هشام بن الوليد عمن شهد ذلك قال أقبل الحسين بن على بأهله من مكة ومحمد بن الحنفية بالمدينة قال فبلغه خبره وهو يتوضأ في طست قال فبكى حتى سمعت وكف دموعه في الطست (قال أبو مخنف) حدثنى يونس بن أبى إسحاق السبيعى قال ولما بلغ عبيدالله إقبال الحسين بن مكة إلى الكوفة بعث الحصين بن نمير صاحب شرطه حتى نزل القادسية ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان وما بين القادسية إلى القطقطانة وإلى لعلع وقال الناس هذا الحسين يريد العراق (قال أبو مخنف) وحدثني محمد ابن قيس أن الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن الرمة بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة وكتب معه إليهم بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين ابن على إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين سلام عليكم فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقنا فسألت الله أن يحسن لنا الصنع وأن يثيبكم على ذلك أعظم الاجر وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذى الحجة يوم التروية فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمركم وجدوا فإنى قادم عليكم في أيامى هذه إن شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وكان مسلم ابن عقيل قد كان كتب إلى الحسين قبل أن يقتل لسبع وعشرين ليلة أما بعد فان الرائد لا يكذب أهله إن جمع أهل الكوفة معك فأقبل حين تقرأ كتابي والسلام عليك قال فأقبل الحسين بالصبيان والنساء معه لا يلوى على شئ وأقبل قيس بن مسهر الصيداوي إلى الكوفة بكتاب الحسين حتى إذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين ابن نمير فبعث به إلى عبيدالله بن زياد فقال له عبيدالله اصعد إلى القصر فسب الكذاب ابن الكذاب فصعد ثم قال أيها الناس إن هذا الحسين بن على خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله وأنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه ثم لعن عبيدالله بن زياد وأباه واستغفر لعلى بن أبى طالب قال فأمر به عبيدالله

[ 298 ]

ابن زياد أن يرمى به من فوق القصر فرمى به فتقطع فمات ثم أقبل الحسين سيرا إلى الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه العرب فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوى وهو نازل ههنا فلما رأى الحسين قام إليه فقال بأبى أنت وأمى يا ابن رسول الله ما أقدمك واحتمله فأنزله فقال له الحسين كان من موت معاوية ما قد بلغك فكتب إلى أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم فقال له عبد الله بن مطيع أذكرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الاسلام أن تنتهك أنشدك الله في حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدك الله في حرمة العرب فوالله لئن طلبت ما في أيدى بنى أمية ليقتلنك ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحدا أبدا والله إنها لحرمة الاسلام تنتهك وحرمة قريش وحرمة العرب فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض لبنى أمية قال فأبى إلا أن يمضى قال فأقبل الحسين حتى إذا كان بالماء فوق زرود (قال أبو مخنف) فحدثني السدى عن رجل من بنى فزارة قال لما كان زمن الحجاج بن يوسف كنا في دار الحارث بن أبى ربيعة التى في التمارين التى أقطعت بعد زهير بن القين من بنى عمرو ابن يشكر من بجيلة وكان أهل الشأم لا يدخلونها فكنا محتبين فيها قال فقلت للفزارى حدثنى عنكم حين أقبلتم مع الحسين بن على قال كنا مع زهير بن القين البجلى حين أقبلنا من مكة نساير الحسين فلم يكن شئ أبغض إلينا من أن نسايره في منزل فإذا سار الحسين تخلف زهير بن القين وإذا نزل الحسين تقدم زهير حتى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بدا من أن ننازله فيه فنزل الحسين في جانب ونزلنا في جانب فبينا نحن جلوس نتغدى من طعام لنا إذا أقبل رسول الحسين حتى سلم ثم دخل فقال يا زهير بن القين إن أبا عبد الله الحسين بن على بعثنى اليك لتأتيه قال فطرح كل انسان ما في يده حتى كأننا على رؤوسنا الطير (قال أبو مخنف) فحدثتني دلهم بنت عمرو امرأة زهير بن القين قالت فقلت له أيبعث اليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه سبحان الله لو أتيته فسمعت من كلامه ثم انصرفت قالت فأتاه زهير بن القين فما لبث أن جاء مستبشرا قد أسفر وجهه قالت فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فقدم وحمل إلى الحسين ثم قال لامرأته أنت طالق الحقى بأهلك فانى لا أحب أن

[ 299 ]

يصيبك من سببي إلا خير ثم قال لاصحابه من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد إنى سأحدثكم حديثا غزونا بلنجر ففتح الله علينا وأصبنا غنائم فقال لنا سلمان الباهلى أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من المغانم فقلنا نعم فقال لنا إذا أدركتم شباب آل محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معهم بما أصبتم من الغنائم فأما أنا فإنى أستودعكم الله قال ثم والله ما زال في أول القوم حتى قتل (قال أبو مخنف) حدثنى أبو جناب الكلبى عن عدى بن حرملة الاسدي عن عبد الله بن سليم والمذرى بن المشمل الاسديين قالا لما قضينا حجنا لم يكن لنا همة اللحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزرود فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين قالا فوقف الحسين كأنه يريده ثم تركه ومضى ومضينا نحوه فقال أحدنا لصاحبه اذهب بنا إلى هذا فلنسأله فإن كان عنده خبر الكوفة علمناه فمضينا حتى انتهينا إليه فقلنا السلام عليك قال وعليكم السلام ورحمة الله ثم قلنا فمن الرجل قال أسدى فقلنا فنحن أسديان فمن أنت قال أنا بكير بن المثعبة فانتسبنا له ثم قلنا أخبرنا عن الناس وراءك قال نعم لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة فرأيتهما يجران بأرجلهما في السوق قالا فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين فسايرناه حتى نزل الثعلبية ممسياه فجئناه حين نزل فسلمنا عليه فرد علينا فقلنا له يرحمك الله إن عندنا خبرا فإن شئت حدثنا علانية وإن شئت سرا قال فنظر إلى أصحابه وقال ما دون هؤلاء سر فقلنا له أرأيت الراكب الذى استقبلك عشاء أمس قال نعم وقد أردت مسألته فقلنا قد استبرأنا لك خبره وكفيناك مسألته وهو ابن امرئ من أسد منا ذو رأى وصدق وفضل وعقل إنه حدثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم ابن عقيل وهانئ بن عروة وحتى رآهما يجران في السوق بأرجلهما فقال إنا لله وإنا إليه راجعون رحمة الله عليهما فردد ذلك مرارا فقلنا ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف أن تكون عليك قال فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبى طالب (قال

[ 300 ]

أبو مخنف) حدثنى عمر بن خالد عن زيد بن على بن حسين وعن داود بن على ابن عبد الله بن عباس أن بنى عقيل قالوا لا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا (قال أبو مخنف) عن أبى جناب الكلبى عن عدى بن حرملة عن عبد الله بن سليم والمذرى بن المشعل الاسديين قالا فنظر الينا الحسين فقال لا خير في العيش بعد هؤلاء قالا فعلمنا أنه قد عزم له رأيه على المسير قالا فقلنا خار الله لك قالا فقال رحمكما الله قالا فقال له بعض أصحابه إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ولو قدمت الكوفة لكان الناس اليك أسرع قال الاسديان ثم انتظر حتى إذا كان السحر قال لفتيانه وغلمانه أكثروا من الماء فاستقوا وأكثروا ثم ارتحلوا وساروا حتى انتهوا إلى زبالة (قال أبو مخنف) حدثنى أبو على الانصاري عن بكر بن مصعب المزني قال كان الحسين لا يمر بأهل ماء إلا اتبعوه حتى انتهى إلى زبالة سقط إليه مقتل أخيه من الرضاعة مقتل عبد الله بن بقطر وكان سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يدرى أنه قد أصيب فتلقاه خيل الحصين بن نمير بالقادسية فسرح به إلى عبيدالله بن زياد فقال اصعد فوق القصر فالعن الكذاب ابن الكذاب ثم انزل حتى أرى فيك رأيى قال فصعد فلما أشرف على الناس قال أيها الناس إنى رسول الحسين ابن فاطمة بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة ابن سمية الدعى فأمر به عبيدالله فألقى من فوق القصر إلى الارض فكسرت عظامه وبقى به رمق فأتاه رجل يقال له عبد الملك ابن عمير اللخمى فذبحه فلما عيب ذلك عليه قال إنما أردت أن أريحه قال هشام حدثنا أبو بكر بن عياش عمن أخبره قال والله ما هو عبد الملك بن عمير الذى قام إليه فذبحه ولكنه قام إليه رجل جعد طوال يشبه عبد الملك بن عمير قال فأتى ذلك الخبر حصينا وهو بزبالة فأخرج للناس كتابا فقرأ عليهم بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فانه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن بقطر وقد خذلتنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام قال فتفرق الناس عنه تفرقا فأخذوا يمينا وشمالا حتى بقى في أصحابه الذين جاءوا

[ 301 ]

معه من المدينة وإنما فعل ذلك لانه ظن أنما اتبعه الاعراب لانهم ظنوا أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهله فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون علام يقدمون وقد علم أنهم إذا بين لهم لم يصحبه إلا من يريد مواساته والموت معه قال فلما كان من السحر أمر فتيانه فاستقوا الماء وأكثروا ثم سار حتى مر بطن العقبة فنزل بها (قال أبو مخنف) فحدثني لوذان أحد بنى عكرمة أن أحد عمومته سأل الحسين عليه السلام أين تريد فحدثه فقال له إنى أنشدك الله لما انصرفت فوالله لا تقدم إلا على الاسنة وحد السيوف فإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطؤا لك الاشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأيا فأما على هذه الحال التى تذكرها فإنى لا أرى لك أن تفعل قال فقال له يا عبد الله إنه ليس يخفى على الرأى ما رأيت ولكن الله لا يغلب على أمره ثم ارتحل منها * ونزع يزيد بن معاوية في هذه السنة الوليد بن عتبة عن مكة وولاها عمرو بن سعيد بن العاص وذلك في شهر رمضان منها فحج بالناس عمرو بن سعيد في هذه السنة حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان عامله على مكة والمدينة في هذه السنة بعد ما عزل الوليد بن عتبة عمرو بن سعيد وعلى الكوفة والبصرة وأعمالها عبيدالله بن زياد وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. ثم دخلت سنة إحدى وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك مقتل الحسين رضوان الله عليه قتل فيها في المحرم لعشر خلون منه كذلك حدثنى أحمد بن ثابت قال حدثنى محدث عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وهشام بن الكلبى وقد ذكرنا ابتداء أمر الحسين في مسيره نحو العراق وما كان منه في سنة 60 ونذكر الآن ما كان من أمره في سنة 61 وكيف كان مقتله * حدثت عن هشام عن أبى مخنف قال حدثنى أبو جناب عن

[ 302 ]

عدى بن حرملة عن عبد الله بن سليم والمذرى بن المشمعل الاسديين قالا أقبل الحسين عليه السلام حتى نزل شراف فلما كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا ثم ساروا منها فرسموا صدر يومهم حتى انتصف النهار ثم إن رجلا قال الله أكبر فقال الحسين الله أكبر ما كبرت قال رأيت النخل فقال له الاسديان إن هذا المكان ما رأينا به نخلة قط قالا فقال لنا الحسين فما تريانه رأى قلنا نراه رأى هوادى الخيل فقال وأنا والله أرى ذلك فقال الحسين أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد فقلنا له بلى هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد قال فأخذ إليه ذات اليسار قال وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادى الخيل فتبيناها وعدلنا فلما رأونا وقد عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأن أسنتهم اليعاسيب وكأن راياتهم أجنحة الطير قال فاستبقنا إلى ذى حسم فسبقناهم إليه فنزل الحسين فأمر بأبنيته فضربت وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي اليربوعي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حر الظهيرة والحسين وأصحابه معتمون متقلد وأسيافهم فقال الحسين لفتيانه اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفا فقام فتيانه فرشفوا الخيل ترشيفا فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتى أرووهم وأقبلوا يملؤن القصاع والاتوار والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فإذا عب فيه ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه وسقوا آخر حتى سقوا الخيل كلها * قال هشام حدثنى لقيط عن على بن الطعان المحاربي كنت مع الحر بن يزيد فجئت في آخر من جاء من أصحابه فلما رأى الحسين ما بى وبفرسى من العطش قال أنخ الراوية والراوية عندي السقاء ثم قال ابن أخى أنخ الجمل فأنخته فقال اشرب فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء فقال الحسين اخنث السقاء أي اعطفه قال فجعلت لا أدرى كيف أفعل قال فقام الحسين فخنثه فشربت وسقيت فرسى قال وكان مجئ الحر بن يزيد ومسيره إلى الحسين من القادسية وذلك أن عبيدالله بن زياد لما بلغه إقبال الحسين بعث الحصين بن نمير التميمي وكان على شرطه فأمره أن ينزل

[ 303 ]

القادسية وأن يضع المسالح فينظم ما بين القطقطانة إلى خفان وقدم الحر بن يزيد بين يديه في هذه الالف من القادسية فيستقبل حسينا قال فلم يزل موافقا حسينا حتى حضرت الصلاة صلاة الظهر فأمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي أن يؤذن فأذن فلما حضرت الاقامة خرج الحسين في إزار ورداء ونعلين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنها معذرة إلى الله عز وجل وإليكم إنى لم آتكم حتى أتتنى كتبكم وقدمت على رسلكم أن اقدم علينا فإنه ليس لنا إمام لعل الله يجمعنا بك على الهدى فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذى أقبلت منه اليكم قال فسكتوا عنه وقالوا للمؤذن أقم فأقام الصلاة فقال الحسين عليه السلام للحر أتريد أن تصلى بأصحابك قال لا بل تصلى أنت ونصلي بصلاتك قال فصلى بهم الحسين ثم إنه دخل واجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر إلى مكانه الذى كان به فدخل خيمة قد ضربت له فاجتمع إليه جماعة من أصحابه وعاد أصحابه إلى صفهم الذى كانوا فيه فأعادوه ثم أخذ كل رجل منهم بعنان دابته وجلس في ظلها فلما كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيؤا للرحيل ثم إنه خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر وأقام فاستقدم الحسين فصلى بالقوم ثم سلم وانصرف إلى القوم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا وتعرفوا الحق لاهله يكن أرضى لله ونحن أهل البيت أولى بولايته هذا الامر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان وإن أنتم كرهتمونا وجعلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتنى كتبكم وقدمت به على رسلكم انصرفت عنكم فقال له الحر بن يزيد إنا والله ما ندرى ما هذه الكتب التى تذكر فقال الحسين يا عقبة بن سمعان أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إلى فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنشرها بين أيديهم فقال الحر فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أمرنا إذا نحن لقيناك ألا نفارقك حتى نقدمك على عبيدالله ابن زياد فقال له الحسين الموت أدنى إليك من ذلك ثم قال لاصحابه قوموا فاركبوا

[ 304 ]

فركبوا وانتظروا حتى ركبت نساؤهم فقال لاصحابه انصرفوا بنا فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف فقال الحسين للحر ثكلتك أمك ما تريد قال أما والله لو غيرك من العرب يقولها لى وهو على مثل الحال التى أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائنا من كان ولكن والله مالى إلى ذكر أمك من سبيل الا بأحسن ما يقدر عليه فقال له الحسين فما تريد قال الحر أريد والله أن أنطلق بك إلى عبيدالله بن زياد قال له الحسين إذن والله لا أتبعك فقال له الحر إذن والله لا أدعك فترادا القول ثلاث مرات ولما كثر الكلام بينهما قال له الحر إنى لم أومر بقتالك وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة فإذا أبيت فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة لتكون بينى وبينك نصفا حتى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه أو إلى عبيدالله بن زياد إن شئت فلعل الله إلى ذاك أن يأتي بأمر يرزقنى فيه العافية من أن أبتلى بشئ من أمرك قال فخذ ههنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية وبينه وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلا ثم إن الحسين سار في أصحابه والحر يسايره (قال أبو مخنف) عن عقبة بن أبى العيزار إن الحسين خطب أصحابه وأصحاب الحر بالبيصة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله إن يدخله مدخله ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفئ وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غير وقد أتتنى كتبكم وقدمت على رسلكم ببيعتكم انكم لا تسلموني ولا تخذلونى فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم فأنا الحسين بن على وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم فلكم في أسوة وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتى من أعناقكم فلعمري ما هي لكم بنكر لقد فعلتموها بأبى وأخى وابن

[ 305 ]

عمى مسلم والمغرور من اغتر بكم فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغنى الله عنك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (وقال عقبة) بن أبى العيزاز قام حسين عليه السلام بذى حسم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إنه قد نزل من الامر ما قد ترون وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها واستمرت جدا فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فانى لا أرى الموت إلا شهادة ولا الحياة مع الظالمين إلا برما قال فقام زهير بن القين البجلى فقال لاصحابه تكلمون أم أتكلم قالوا لا بل تكلم فحمد الله فأثنى عليه ثم قال قد سمعنا هداك الله يا ابن رسول الله مقالتك والله لو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلدين إلا أن فراقها في نصرك ومواساتك لآثرنا الخروج معك على الاقامة فيها قال فدعا له الحسين ثم قال له خيرا وأقبل الحر يسايره وهو يقول له يا حسين إنى أذكرك الله في نفسك فانى أشهد لئن قاتلت لتقتلن ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى فقال له الحسين أفبالموت تخوفنى وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ما أدرى ما أقول لك ولكن أقول كما قال أخو الاوس لابن عمه ولقيه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أين تذهب فانك مقتول فقال سأمضى وما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبورا يغش ويرغما قال فلما سمع ذلك منه الحر تنحى عنه وكان يسير بأصحابه في ناحية وحسين في ناحية أخرى حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات وكان بها هجائن النعمان ترعى هنالك فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل ومعهم دليلهم الطرماح بن عدى على فرسه وهو يقول يا ناقتي لا تذعري من زجري * وشمرى قبل طلوع الفجر بخير ركبان وخير سفر * حتى تحلى بكريم النجر الماجد الحر رحيب الصدر * أتى به الله لخير أمر

[ 306 ]

ثمت أبقاه بقاء الدهر قال فلما انتهوا إلى الحسين أنشدوه هذه الابيات فقال أما والله انى لارجو أن يكون خيرا ما أراد الله بنا قتلنا أم ظفرنا قال وأقبل إليهم الحر بن يزيد فقال إن هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك وأنا حابسهم أو رادهم فقال له الحسين لامنعنهم مما أمنع منه نفسي إنما هؤلاء أنصارى وأعواني وقد كنت أعطيتني ألا تعرض لى بشئ حتى يأتيك كتاب من ابن زياد فقال أجل لكن لم يأتوا معك قال هم أصحابي وهم بمنزلة من جاء معى فان تممت على ما كان بينى وبينك وإلا ناجزتك قال فكف عنهم الحر قال ثم قال لهم الحسين أخبروني خبر الناس وراءكم فقال له مجمع بن عبد الله العائذى وهو أحد النفر الاربعة الذين جاءوه أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم يستمال ودهم ويستخلص به نصيحتهم فهم ألب واحد عليك وأما سائر الناس بعد فان أفئدتهم تهوى إليك وسيوفهم غدا مشهورة عليك قال أخبرني فهل لكم برسولى إليكم قالوا من هو قال قيس بن مسهر الصيداوي فقالوا نعم أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى ابن زياد فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك فصلى عليك وعلى أبيك ولعن ابن زياد وأباه ودعا إلى نصرتك وأخبرهم بقدومك فأمر به ابن زياد فألقى من طمار القصر فترقرقت عينا حسين عليه السلام ولم يملك دمعه ثم قال منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. اللهم اجعل لنا ولهم الجنة نزلا واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك (قال أبو مخنف) حدثنى جميل بن مرثد من بنى معن عن الطرماح بن عدى أنه دنا من الحسين فقال له والله إنى لانظر فما أرى معك أحدا ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناى في صعيد واحد جمعا أكثر منه فسألت عنهم فقيل اجتمعوا ليعرضوا ثم يسرحون إلى الحسين فأنشدك الله ان قدرت على ألا تقدم عليهم شبرا إلا فعلت فان أردت أن تنزل بلدا يمنعك

[ 307 ]

الله به حتى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتى أنزلك مناع جبلنا الذى يدعى أجأ امتنعنا والله به من ملوك غسان وحمير ومن النعمان بن المنذر ومن الاسود والاحمر والله إن دخل علينا ذل قط فأسير معك حتى أنزلك القرية ثم نبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسلمى من طيئ فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طيئ رجالا وركبانا ثم أقم فينا مابدا لك فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائى يضربون بين يديك بأسيافهم والله لا يوصل إليك أبدا ومنهم عين تطرف فقال له جزاك الله وقومك خيرا إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف ولا ندرى علام تنصرف بنا وبهم الامور في عاقبه (قال أبو مخنف) فحدثني جميل بن مرثد قال حدثنى الطرماح ابن عدى قال فودعته وقلت له دفع الله عنك شر الجن والانس إنى قد امترت لاهلي من الكوفة ميرة ومعى نفقة لهم فأتيهم فأضع ذلك فيهم ثم أقبل اليك إن شاء الله فان ألحقك فوالله لاكونن من أنصارك قال فان كنت فاعلا فعجل رحمك الله قال فعلمت أنه مستوحش إلى الرجال حتى يسألنى التعجيل قال فلما بلغت أهلى وضعت عندهم ما يصلحهم وأوصيت فأخذ أهلى يقولون إنك لتصنع مرتك هذه شيئا ما كنت تصنعه قبل اليوم فأخبرتهم بما أريد وأقبلت في طريق بنى ثعل حتى إذا دنوت من عذيب الهجانات استقبلني سماعة بن بدر فنعاه إلى فرجعت قال ومضى الحسين عليه السلام حتى انتهى إلى قصر بنى مقاتل فنزل به فإذا هو بفسطاط مضروب (قال أبو مخنف) حدثنى المجالد بن سعيد عن عامر الشعبى أن الحسين ابن على رضى الله عنه قال لمن هذا الفسطاط فقيل لعبيد الله بن الحر الجعفي قال ادعوه لى وبعث إليه فلما أتاه الرسول قال هذا الحسين بن على يدعوك فقال عبيدالله بن الحر إنا لله وإنا إليه راجعون والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها والله ما أريد أن أراه ولا يرانى فأتاه الرسول فأخبره فأخذ الحسين نعليه فانتعل ثم قام فجاءه حتى دخل عليه فسلم وجلس ثم دعاه إلى الخروج معه فأعاد إليه ابن الحر تلك المقالة فقال فإلا تنصرنا فاتق الله أن

[ 308 ]

تكون ممن يقاتلنا فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك قال أما هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله ثم قام الحسين عليه السلام من عنده حتى دخل رحله (قال أبو مخنف) حدثنى عبد الرحمن بن جندب عن عقبة بن سمعان قال لما كان في آخر الليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء ثم أمرنا بالرحيل ففعلنا قال فلما ارتحلنا من قصر بنى مقاتل وسرنا سباعة خفق الحسين برأسه خفقة ثم انتبه وهو يقول إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين قال ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا قال فأقبل إليه ابنه على بن الحسين على فرس له فقال إنا لله وانا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين يا أبت جعلت فداك مم حمدت الله واسترجعت قال يا بنى إنى خفقت برأسي خفقة فعن لى فارس على فرس فقال القوم يسيرون والمنايا تسرى إليهم فعلمت أنها أنفسنا نعيت الينا قال له يا أبت لا أراك الله سوءا ألسنا على الحق قال بلى والذى إليه مرجع العباد قال يا أبت إذا لا نبالي نموت محقين فقال له جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده قال فلما أصبح نزل فصلى الغداة ثم عجل الركوب فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم فيأتيه الحر بن يزيد فيردهم فيرده فجعل إذا ردهم إلى الكوفة ردا شديدا امتنعوا عليه فارتفعوا فلم يزالوا يتسايرون حتى انتهوا إلى نينوى المكان الذى نزل به الحسين قال فإذا راكب على نجيب له وعليه السلاح متنكب قوسا مقبل من الكوفة فوقفوا جميعا ينتظرونه فلما انتهى إليهم سلم على الحر بن يزيد وأصحابه ولم يسلم على الحسين عليه السلام وأصحابه فدفع إلى الحر كتابا من عبيدالله بن زياد فإذا فيه * أما بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمرى والسلام قال فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر هذا كتاب الامير عبيدالله ابن زياد يأمرنى فيه أن أجعجع بكم في المكان الذى يأتيني فيه كتابه وهذا رسوله وقد أمره أن لا يفارقنى حتى أنفذ رأيه وأمره فنظر إلى رسول عبيدالله يزيد بن زياد بن المهاصر أبو الشعثاء الكندى ثم النهدي فعن له فقال أمالك بن النسير

[ 309 ]

البدى قال نعم وكان أحد كنده فقال له يزيد بن زياد ثكلتك أمك ماذا جئت فيه قال وما جئت فيه أطعت إمامى ووفيت ببيعتى فقال له أبو الشعثاء عصيت ربك وأطعت إمامك في هلاك نفسك كسبت العار والنار قال الله عز وجل (وجعلنا منهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) فهو إمامك قال وأخذ الحر بن يزيد القوم بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية فقالوا دعنا ننزل في هذه القرية يعنون نينوى أو هذه القرية يعنون الغاضرية أو هذه الاخرى يعنون شفية فقال لا والله ما أستطيع ذلك هذا رجل قد بعث إلى عينا فقال له زهير بن القين يا ابن رسول الله إن قتال هؤلاء أهون من قتال من يأتينا من بعدهم فلعمري ليأتينا من بعد ترى ما لا قبل لنا به فقال له الحسين ما كنت لابدأهم بالقتال فقال له زهير بن القين سر بنا إلى هذه القرية حتى تنزلها فانها حصينة وهى على شاطئ الفرات فإن منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجئ من بعدهم فقال له الحسين وأية قرية هي قال هي العقر فقال الحسين اللهم انى أعوذ بك من العقر ثم نزل وذلك يوم الخميس وهو اليوم الثاني من المحرم سنة 61 فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبى وقاص من الكوفة في أربعة آلاف قال وكان سبب خروج ابن سعد إلى الحسين عليه السلام أن عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دستبى وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها فكتب إليه ابن زياد عهده على الرى وأمره بالخروج فخرج معسكرا بالناس بحمام أعين فلما كان من أمر الحسين ما كان وأقبل إلى الكوفة دعا ابن زياد عمر بن سعد فقال سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك فقال له عمر بن سعد إن رأيت رحمك الله أن تعفيني فافعل فقال له عبيدالله نعم على أن ترد لنا عهدنا قال فلما قال له ذلك قال عمر بن سعد أمهلنى اليوم حتى أنظر قال فانصرف عمر يستشير نصحاءه فلم يكن يستشير أحدا إلا نهاه قال وجاء حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن أخته فقال أنشدك الله يا خال أن تسير إلى الحسين فتأثم بربك وتقطع رحمك فوالله لان تخرج من

[ 310 ]

دنياك ومالك وسلطان الارض كلها لو كان لك خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين فقال له عمر بن سعد فانى أفعل إن شاء الله قال هشام حدثنى عوانة بن الحكم عن عمار بن عبد الله بن يسار الجهنى عن أبيه قال دخلت على عمر بن سعد وقد أمر بالمسير إلى الحسين فقال لى إن الامير أمرنى بالمسير إلى الحسين فأبيت ذلك عليه فقلت له أصاب الله بك أرشدك الله أحل فلا تفعل ولا تسر إليه قال فخرجت من عنده فأتاني آت وقال هذا عمر بن سعد يندب الناس إلى الحسين قال فأتيته فإذا هو جالس فلما رأني أعرض بوجهه فعرفت أنه قد عزم على المسير إليه فخرجت من عنده قال فأقبل عمر بن سعد إلى ابن زياد فقال أصلحك الله إنك وليتني هذا العمل وكتبت لى العهد وسمع به الناس فان رأيت أن تنفذ لى ذلك فافعل وابعث إلى الحسين في هذا الجيش من أشراف الكوفة من لست بأغنى ولا أجزأ عنك في الحرب منه فسمى له أناسا فقال له ابن زياد لا تعلمني بأشراف أهل الكوفة ولست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث إن سرت بجندنا وإلا فابعث الينا بعهدنا فلما رآه قد لج قال فإنى سائر قال فأقبل في أربعة آلاف حتى نزل بالحسين من الغد من يوم نزل الحسين نينوى قال فبعث عمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام عزرة بن قيس الاحمسي فقال ائته فسله ما الذى جاء به وماذا يريد وكان عزرة ممن كتب إلى الحسين فاستحيا منه أن يأتيه قال فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه فكلهم أبى وكرهه قال وقام إليه كثير به عبد الله الشعبى وكان فارسا شجاعا ليس يرد وجهه شئ فقال أنا أذهب إليه والله لئن شئت لافتكن به فقال له عمر بن سعد ما أريد أن يفتك به ولكن ائته فسله ما الذى جاء به قال فأقبل إليه فلما رآه أبو ثمامة الصائدى قال للحسين أصلحك الله أبا عبد الله قد جاءك شر أهل الارض وأجرأه على دم وأفتكه فقام إليه فقال ضع سيفك قال لا والله ولا كرامة إنما أنا رسول فإن سمعتم منى أبلغتكم ما أرسلت به اليكم وإن أبيتم انصرفت عنكم فقال له فانى آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك قال لا والله لا تمسه فقال له أخبرني ما جئت به وأنا أبلغه عنك ولا أدعك تدنو منه فانك فاجر قال فاستبا ثم انصرف إلى عمر

[ 311 ]

ابن سعد فأخيره الخبر قال فدعا عمر قرة بن قيس الحنظلي فقال له ويحك يا قرة الق حسينا فسله ما جاء به وماذا يريد قال فأتاه قرة بن قيس فلما رآه الحسين مقبلا قال أتعرفون هذا فقال حبيب بن مظاهر نعم هذا رجل من حنظلة تميمي وهو ابن أختنا ولقد كنت أعرفه بحسن الرأى وما كنت أراه يشهد هذا المشهد قال فجاء حتى سلم على الحسين وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه له فقال الحسين كتب إلى أهل مصركم هذا إن أقدم فأما أذ كرهوني فأنا أنصرف عنهم قال ثم قال له حبيب ابن مظاهر ويحك يا قرة بن قيس أنى ترجع إلى القوم الظالمين انصر هذا الرجل الذى بآبائه أيدك الله بالكرامة وإيانا معك فقال له قرة أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيى قال فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر فقال له عمر بن سعد إنى لارجو أن يعافينى الله من حربه وقتاله (قال هشام) عن أبى مخنف قال حدثنى النضر بن صالح بن حبيب بن زهير العبسى عن حسان بن فائد ابن بكر العبسى قال أشهد أن كتاب عمر بن سعد جاء إلى عبيدالله بن زياد وأنا عنده فإذا فيه (بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد فانى حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا يطلب ويسأل فقال كتب إلى أهل هذه البلاد وأتتنى رسلهم فسألوني القدوم ففعلت فأما إذ كرهوني فبدا لهم غير ما أتتنى به رسلهم فأنا منصرف عنهم فلما قرئ الكتاب على ابن زياد قال الآن إذ علقت مخالبنا به. يرجو النجاة ولات حين مناص قال وكتب إلى عمر بن سعد (بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه فإذا فعل ذلك رأينا رأينا والسلام قال فلما أتى عمر بن سعد الكتاب قال قد حسبت ألا يقبل ابن زياد العافية (قال أبو مخنف) حدثنى سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم الازدي قال جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد أما بعد فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقى الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان ؟ ؟ عفان قال فبعث عمر بن سعد

[ 312 ]

عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء أن يسقوا منه قطرة وذلك قبل قتل الحسين بثلاث قال ونازله عبد الله ابن أبى حصين الازدي وعداده في بجيلة فقال يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا فقال حسين اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا قال حميد بن مسلم والله لعدته بعد ذلك في مرضه فوالله الذى لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى بغر ثم يقئ ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غصته يعنى نفسه قال ولما اشتد على الحسين وأصحابه العطش دعا العباس بن على بن أبى طالب أخاه فبعثه في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا وبعث معهم بعشرين قربة فجاءوا حتى دنوا من الماء ليلا واستقدم إمامهم باللواء نافع بن هلال الجملى فقال عمرو بن الحجاج الزبيدى من الرجل فجئ ما جاء بك قال جئنا نشرب من هذا الماء الذى حلاتمونا عنه قال فاشرب هنيئا قال لا والله لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان ومن ترى من أصحابه فطلعوا عليه فقال لا سبيل إلى سقى هؤلاء إنما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء فلما دنا منه أصحابه قال لرجاله املؤا قربكم فشد الرجالة فملؤا قربهم وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه فحمل عليهم العباس ابن على ونافع بن هلال فكفوهم ثم انصرفوا إلى رحالهم فقالوا امضوا ووقفوا دونهم فعطف عليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه واطردوا قليلا ثم إن رجلا من صداء طعن من أصحاب عمرو بن الحجاج طعنه نافع بن هلال فظن أنها ليست بشئ ثم إنها انتقضت بعد ذلك فمات منها وجاء أصحاب حسين بالقرب فأدخلوها عليه (قال أبو مخنف) حدثنى أبو جنا ب عن هانئ بن ثبيت الحضرمي وكان قد شهد قتل الحسين قال بعث الحسين عليه السلام إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب الانصاري أن ألقنى الليل بين عسكري وعسكرك قال فخرج عمر بن سعد في نحو من عشرين فارسا وأقبل حسين في مثل ذلك فلما التقوا أمر حسين أصحابه أن يتنحوا عنه وأمر عمر بن سعد أصحابه بمثل ذلك قال فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمع أصواتهما ولا كلامهما فتكلما فأطالا حتى ذهب من الليل هزيع ثم انصرف

[ 313 ]

كل واحد منهما إلى عسكره بأصحابه وتحدث الناس فيما بينهما ظنا يظنونه أن حسينا قال لعمر بن سعد اخرج معى إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين قال عمر إذن تهدم دارى قال أنا أبنيها لك قال إذن تؤخذ ضياعي قال إذن أعطيك خيرا منها من مالى بالحجاز قال فتكره ذلك عمر قال فتحدث الناس بذلك وشاع فيهم من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك شيئا ولا علموه (قال أبو مخنف) وأما ما حدثنا به المجالد بن سعيد والصقعب ابن زهير الازدي وغيرهما من المحدثين فهو ما عليه جماعة المحدثين قالوا إنه قال اختاروا منى خصالا ثلاثا إما أن أرجع إلى المكان الذى أقبلت منه وإما أن أضع يدى في يد يزيد ابن معاوية فيرى فيما بينى وبينه رأيه وإما أن تسيروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لى ما لهم وعلى ما عليهم (قال أبو مخنف) فأما عبد الرحمن ابن جندب فحدثني عن عقبة ابن سمعان قال صحبت حسينا فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال دعوني فلا ذهب في هذه الارض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس (قال أبو مخنف) حدثنى المجالد بن سعيد الهمداني والصقعب بن زهير أنهما كانا التقيا مرارا ثلاثا أو أربعا حسين وعمر بن سعد قال فكتب عمر بن سعد إلى عبيدالله بن زياد أما بعد فان الله قد أطفأ النائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الامة هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذى منه أتى أو أن نسيره إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئنا فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه وفى هذا لكم رضى وللامة صلاح قال فلما قرأ عبيدالله الكتاب قال هذا كتاب رجل ناصح لاميره مشفق على قومه نعم قد قبلت قال فقام إليه شمر بن ذى الجوشن فقال أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك إلى جنبك والله لئن رحل من بلدك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعز

[ 314 ]

ولتكونن أولى بالضعف والعجز فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه فإن عاقبت فأنت ولى العقوبة وإن غفرت كان ذلك لك والله لقد بلغني أن حسينا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل فقال له ابن زياد نعم ما رأيت الرأى رأيك (قال أبو مخنف) فحدثني سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال ثم إن عبيدالله بن زياد دعا شمر بن ذى الجوشن فقال له اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي فإن فعلوا فليبعث بهم إلى سلما وإن هم أبوا فليقاتلهم فإن فعل فاسمع له وأطع وإن هو أبى فقاتلهم فأنت أمير الناس وثب عليه فاضرب عنقه وابعث إلى برأسه (قال أبو مخنف) حدثنى أبو جناب الكلبى قال ثم كتب عبيدالله بن زياد إلى عمر بن سعد أما بعد فإنى لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء ولا لتقعد له عندي شافعا، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلى سلما وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون فان قتل حسين فأوط الخيل صدره وظهره فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم وليس دهري في هذا أن يضر بعد الموت شيئا ولكن على قول لو قد قتلته فعلت هذا به إن أنت مضيت لامرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وخل بين شمر بن ذى الجوشن وبين العسكر فانا قد أمرناه بأمرنا والسلام (قال أبو مخنف) عن الحارث بن حصيرة عن عبد الله بن شريك العامري قال لما قبض شمر بن ذى الجوش الكتاب قام هو وعبد الله بن أبى المحل وكانت عمته أم البنين ابنة حزام عند على بن أبى طالب عليه السلام فولدت له العباس وعبد الله وجعفرا وعثمان فقال عبد الله بن أبى المحل بن حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب أصلح الله الامير إن بنى اختنا مع الحسين فان رأيت أن تكتب لهم أمانا فعلت قال نعم ونعمة عين فأمر كاتبه فكتب له أمانا فبعث به عبد الله بن أبى المحل مع مولى له يقال له كزمان فلما قدم عليهم دعاهم فقال هذا أمان بعث به خالكم فقال له الفتية أقرئ خالنا السلام وقل له أن لا حاجة لنا في أمانكم أمان الله خير

[ 315 ]

من أمان ابن سمية قال فأقبل شمر بن ذى الجوشن بكتاب عبيدالله بن زياد إلى عمر بن سعد فلما قدم به عليه فقرأه قال له عمر مالك ويلك لا قرب الله دارك وقبح الله ما قدمت به على والله إنى لاظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه أفسدت علينا أمرا كنا رجونا أن يصلح لا يستسلم والله حسين إن نفسا أبية لبين جنبيه فقال له شمر أخبرني ما أنت صانع أتمضى لامر أميرك وتقتل عدوه وإلا فخل بينى وبين الجند والعسكر قال لا ولا كرامة لك وأنا أتولى ذلك قال فدونك وكن أنت على الرجال قال فنهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم قال وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين فقال أين بنو أختنا فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو على فقالوا له مالك وما تريد قال أنتم يا بنى أختى آمنون قال له الفتية لعنك الله ولعن أمانك لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له قال ثم إن عمر بن سعد نادى يا خيل الله اركبي وأبشرى فركب في الناس ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر وحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها فقالت يا أخى أما تسمع الاصوات قد اقتربت قال فرفع الحسين رأسه فقال إنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لى إنك تروح إلينا قال فلطمت أخته وجهها وقالت يا ويلتا فقال ليس لك الويل يا أخيتى اسكني رحمك الرحمن وقال العباس بن على يا أخى أتاك القوم قال فنهض ثم قال يا عباس اركب بنفسى أنت يا أخى حتى تلقاهم فتقول لهم ما لكم وما بدا لكم وتسألهم عما جاء بهم فأتاهم العباس فاستقبلهم في نحو من عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فقال لهم العباس ما بدا لكم وما تريدون قالوا جاء أمر الامير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم قال فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبى عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم قال فوقفوا ثم قالوا القه فأعلمه ذلك ثم القنا بما يقول قال فانصرف العباس راجعا يركض إلى الحسين يخبره بالخبر وقف أصحابه يخاطبون القوم فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين كلم القوم إن شئت وإن شئت كلمتهم فقال له زهير أنت بدأت بهذا فكن أنت

[ 316 ]

تكلمهم فقال له حبيب بن مظاهر أما والله لبئس القوم عند الله غدا قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيه عليه السلام وعترته وأهل بيته صلى الله عليه وسلم وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالاسحار والذاكرين الله كثيرا فقال له عزرة بن قيس إنك لتزكى نفسك ما استطعت فقال له زهير يا عزرة إن الله قد زكاها وهداها فاتق الله يا عزرة فإنى لك من الناصحين أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية قال يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنما كنت عثمانيا قال أفلست تستدل بموقفي هذا أنى منهم أما والله ما كتبت إليه كتابا قط ولا أرسلت إليه رسولا قط ولا وعدته نصرتي قط ولكن الطريق جمعى بينى وبينه فلما رأيته ذكرت به رسول اله صلى الله عليه وسلم ومكانه منه وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم فرأيت أن أنصره وأن أكون في حزبه وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظا لما ضيعتم من حق الله وحق رسوله عليه السلام قال وأقبل العباس بن على يركض حتى انتهى إليهم فقال يا هؤلاء إن أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشية حتى ينظر في هذا الامر فإن هذا أمر لم يحر بينكم وبينه فيه منطق فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله فإما رضيناه فأتينا بالامر الذى تسألونه وتسومونه أو كرهنا فرددناه وإنما أراد بذلك أن يردهم عنه تلك العشية حتى يأمر بأمره ويوصى أهله فلما أتاهم العباس بن على بذلك قال عمر بن سعد ما ترى يا شمر قال ما ترى أنت أنت الامير والرأى رأيك قال قد أردت ألا أكون ثم أقبل على الناس فقال ماذا ترون فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدى سبحان الله والله لو كانوا من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة لكان ينبغى لك أن تجيبهم إليها وقال قيس بن الاشعث أجبهم إلى ما سألوك فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة فقال والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرجتهم العشية قال وكان العباس بن على حين أتى حسينا بما عرض عليه عمر بن سعد قال ارجع إليهم فان استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عند العشية لعنا نصلى لربنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أنى قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة

[ 317 ]

الدعاء والاستغفار (قال أبو مخنف) حدثنى الحارث بن حصيرة عن عبد الله بن شريك العامري عن على بن الحسين قال أتانا رسول من قبل عمر بن سعد فقام مثل حيث يسمع الصوت فقال إنا قد أجلناكم إلى غد فان استسلمتم سرحنا بكم إلى أميرنا عبيدالله بن زياد وإن أبيتم فلسنا تاركيكم (قال أبو مخنف) وحدثني عبد الله بن عاصم الفائشى عن الضحاك بن عبد الله المشرقي بطن من همدان أن الحسين بن على عليه السلام جمع أصحابه (قال أبو مخنف) وحدثني أيضا الحارث ابن حصيرة عن عبد الله بن شريك العامري عن على بن الحسين قالا جمع الحسين أصحابه بعد ما رجع عمر بن سعد وذلك عند قرب المساء قال على بن الحسين فدنوت منه لاسمع وأنا مريض فسمعت أبى وهو يقول لاصحابه: أثنى على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء اللهم إنى أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة ولم تجعلنا من المشركين أما بعد فإنى لا أعلم أصحابا أولى ولا خيرا من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتى فجزاكم الله عنى جميعا خيرا ألا وإنى أظن يومنا من هؤلاء الاعداء غدا ألا وإنى قد رأيت لكم فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم منى ذمام هذا ليل قد غشيكم فاتخذوه جملا (قال أبو مخنف) حدثنا عبد الله بن عاصم الفائشى بطن من همدان عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال قدمت ومالك بن النضر الارحبي على الحسين فسلمنا عليه ثم جلسنا إليه فرد علينا ورحب بنا وسألنا عما جئنا له فقلنا جئنا لنسلم عليك وندعو الله لك بالعافية ونحدث بك عهدا ونخبرك خبر الناس وإنا نحدثك أنهم قد جمعوا على حربك فر رأيك فقال الحسين عليه السلام حسبى الله ونعم الوكيل قال فتذممنا وسلمنا عليه ودعونا الله له قال فما يمنعكما من نصرتي فقال مالك بن النضر على دين ولى عيال فقلت له إن على دينا وإن لى لعيالا ولكنك إن جعلتني في حل من الانصراف إذا لم أجد مقاتلا قاتلت عنك ما كان لك نافعا وعنك دافعا قال قال فأنت في حل فأقمت معه فلما كان الليل قال هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل

[ 318 ]

من أهل بيتى ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله فإن القوم إنما يطلبوني ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيرى فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله ابن جعفر لم نفعل لنبقى بعدك لا أرانا الله ذلك أبدا بدأهم بهذا القول العباس ابن على ثم إنهم تكلموا بهذا ونحوه فقال الحسين عليه السلام يا بنى عقيل حسبكم من القتل بمسلم اذهبوا قد أذنت لكم قالوا فما يقول الناس يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبنى عمومتنا خير الاعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم فضرب معهم بسيف ولا ندرى ما صنعوا لا والله لا نفعل ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك (قال أبو مخنف) حدثنى عبد الله بن عاصم عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال فقام إليه مسلم بن عوسجة الاسدي فقال أنحن نخلى عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك أما والله حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدى ولا أفارقك ولو لم يكن معى سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك قال وقال سعد بن عبد الله الحنفي والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك والله لو علمت أنى أقتل ثم أحيا ثم أحرق حيا ثم أذر يفعل ذلك بى سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامى دونك فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التى لا انقضاء لها أبدا قال وقال زهير بن القين والله لوددت أنى قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتله وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك قال وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا في وجه واحد فقالوا والله لا نفارقك ولكن أنفسنا لك الفداء نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا فإذا نحن قتلنا كنا وفينا وقضينا ما علينا (قال أبو مخنف) حدثنى الحارث بن كعب وأبو الضحاك عن على بن الحسين ابن على قال إنى جالس في تلك العشية التى قتل أبى صبيحتها وعمتي زينب عندي تمرضني إذ اعتزل أبى بأصحابه في خباء له وعنده حوى مولى أبى ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبى يقول:

[ 319 ]

يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالاشراق والاصيل من صاحب أو طالب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الامر إلى الجليل * وكل حى سالك السبيل قال فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها فعرفت ما أراد فخنقتنى عبرتي فرددت دمعى ولزمت السكون فعلمت أن البلاء قد نزل فأما عمتى فإنها سمعت ما سمعت وهى امرأة وفى النساء الرقة والجزع فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت واثكلاه ليت الموت أعدمنى الحياة اليوم ماتت فاطمة أمي وعلى أبى وحسن أخى يا خليفة الماضي وثمال الباقي قال فنظر إليها الحسين عليه السلام فقال يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان قالت بأبى أنت وأمى يا أبا عبد الله استقتلت نفسي فداك فرد غصته وترقوقت عيناه وقال لو ترك القطا ليلا لنام قالت يا ويلتى أفتغصب نفسك اغتصابا فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي ولطمت وجهها وأهوت إلى جيبها وشقته وخرت مغشيا عليها فقام إليها الحسين فصب على وجهها الماء وقال لها يا أخية اتقى الله وتعزى بعزاء الله واعلمي أن أهل الارض يموتون وأن أهل السماء لا يبقون وأن كل شئ هالك إلا وجه الله الذى خلق الارض بقدرته ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده أبى خير منى وأمى خير منى وأخى خير منى ولى ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة قال فعزاها بهذا ونحوه وقال لها يا أخية إنى أقسم عليك فأبرى قسمي لا تشقى على جيبا ولا تخمشى على وجها ولا تدعى على بالويل والثبور إذا أنا هلكت قال ثم جاء بها حتى أجلسها عندي وخرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الاطناب بعضها في بعض وأن يكونوا هم بين البيوت إلا الوجه الذى يأتيهم منه عدوهم (قال أبو مخنف) عن عبد الله بن عاصم عن الضحاك ابن عبد الله المشرقي قال فلما أمسى حسين وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون قال فتمر بنا خيل لهم تحرسنا وإن حسينا ليقرأ ألا ليحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين

[ 320 ]

ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، فسمعها رجل من تلك الخيل التى كانت تحرسنا فقال نحن ورب الكعبة الطيبون ميزنا منكم قال فعرفته فقلت لبرير بن حضير تدرى من هذا قال لا قلت هذا أبو حرب السبيعى عبد الله بن شهر وكان مضحاكا بطالا وكان شريفا شجاعا فاتكأ وكان سعيد ابن قيس ربما حبسه في جناية فقال له برير بن حضير يا فاسق أنت يجعلك الله في الطيبين فقال له من أنت قال أنا برير بن حضير قال إنا لله عز على هلكت والله هلكت والله يا برير قال يا أبا حرب هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام فوالله إنا لنحن الطيبون ولكنكم لانتم الخبيثون قال وأنا على ذلك من الشاهدين قلت ويحك أفلا ينفعك معرفتك قال جعلت فداك فمن ينادم يزيد بن عذرة العنزي من عنز بن وائل قال ها هو ذا معى قال قبح الله رأيك على كل حال أنت سفيه قال ثم انصرف عنا وكان الذى يحرسنا بالليل في الخيل عزرة بن قيس الاحمسي وكان على الخيل قال فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم السبت وقد بلغنا أيضا أنه كان يوم الجمعة وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء خرج فيمن معه من الناس قال وعبأ الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه وأعطى رايته العباس ابن على أخاه وجعلوا البيوت في ظهورهم وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت تحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم قال وكان الحسين عليه السلام أتى بقصب وحطب إلى مكان من ورائهم منخفض كأنه ساقية فحفروه في ساعة من الليل فجعلوه كالخندق ثم ألقوا فيه ذلك الحطب والقصب وقالوا إذا عدوا علينا فقاتلونا ألقينا فيه النار كيلا نؤتى من ورائنا وقاتلونا القوم من وجه واحد ففعلوا وكان لهم نافعا (قال أبو مخنف) حدثنى فضيل بن خديج الكندى عن محمد ابن بشر عن عمرو الحضرمي قال لما خرج عمر بن سعد بالناس كان على ربع أهل المدينة يومئذ عبد الله بن زهير بن سليم الازدي وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن ابن أبى سبرة الحنفي وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الاشعث بن قيس وعلى

[ 321 ]

ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي فشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلا الحر ابن يزيد فإنه عدل إلى الحسين وقتل معه وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدى وعلى ميسرته شمر بن ذى الجوشن بن شرحبيل بن الاعور بن عمر بن معاوية وهو الضباب بن كلاب وعلى الخيل عزرة بن قيس الاحمسي وعلى الرجال شبث بن ربعى اليربوعي وأعطى الراية ذويدا مولاه (قال أبو مخنف) حدثنى عمرو بن مرة الجملى عن أبى صالح الحنفي عن غلام لعبد الرحمن بن عبد ربه الانصاري قال كنت مع مولاى فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين أمر الحسين بفسطاط فضرب ثم أمر بمسك فميث في جفنة عظيمة أو صحفة قال ثم دخل الحسين ذلك الفسطاط فتطلى بالنورة قال ومولاى عبد الرحمن بن عبد ربه وبرير ابن حضير الهمداني على باب الفسطاط تحتك مناكبهما فازدحما أيهما يطل على أثره فجعل برير يهازل عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن دعنا فوالله ما هذه بساعة باطل فقال له برير والله لقد علم قومي أنى ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا ولكن والله إنى لمستبشر بما نحن لاقون والله إن بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم ولوددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم قال فلما فرغ الحسين دخلنا فاطلينا قال ثم إن الحسين ركب دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامه قال فاقتتل أصحابه بين يديه قتالا شديدا فلما رأيت القوم قد صرعوا أفلت وتركتهم (قال أبو مخنف) عن بعض أصحابه عن أبى خالد الكاهلى قال لما صبحت الخيل الحسين رفع الحسين يديه فقال اللهم أنت ثقتى في كل كرب ورجائي في كل شدة وأنت لى في كل أمر نزل بى ثقة وعدة كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك رغبة منى إليك عمن سواك ففرجته وكشفته فأنت ولى كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الله بن عاصم قال حدثنى الضحاك المشرقي قال لما أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذى كنا ألهبنا فيه النار من ورائنا لئلا يأتونا من خلفنا إذ أقبل إلينا منهم رجل يركض على فرس

[ 322 ]

كامل الاداة فلم يكلمنا حتى مر على أبياتنا فنظر إلى أبياتنا فإذا هو لا يرى إلا حطبا تلتهب النار فيه فرجع راجعا فنادى بأعلى صوته يا حسين استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة فقال الحسين من هذا كأنه شمر بن ذى الجوشن فقالوا نعم أصلحك الله هو هو فقال يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صليا فقال له مسلم بن عوسجة يا ابن رسول الله جعلت فداك ألا أرميه بسهم فانه قد أمكننى وليس يسقط سهم فالفاسق من أعظم الجبارين فقال له الحسين لا ترمه فإنى أكره أن أبدأهم وكان مع الحسين فرس له يدعى لاحقا حمل عليه ابنه على بن الحسين قال فلما دنا منه القوم عاد براحلته فركبها ثم نادى بأعلى صوته بصوت عال دعاء يسمع جل الناس أيها الناس اسمعوا قولى ولا تعجلوني حتى أعظكم بما لحق لكم على وحتى أعتذر اليكم من مقدمى عليكم فإن قبلتم عذرى وصدقتم قولى وأعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم على سبيل وإن لم تقبلوا منى العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلى ولا تنظرون إن وليى الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين قال فلما سمع أخواته كلامه هذا صحن وبكين وبكى بناته فارتفعت أصواتهن فأرسل اليهن أخاه العباس بن على وعليا ابنه وقال لهما أسكتاهن فلعمري ليكثرن بكاؤهن قال فلما ذهبا ليسكتاهن قال لا يبعد ابن عباس قال فظننا أنه إنما قالها حين سمع بكاؤهن لانه قد كان نهاه أن يخرج بهن فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله وصلى على محمد صلى الله عليه وعلى ملائكته وأنبيائه فذكر من ذلك ما الله أعلم وما لا يحصى ذكره قال فوالله ما سمعت متكلما قط قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه ثم قال أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يحل لكم قتلى وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وسلم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبى أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمى أولم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لى ولاخى

[ 323 ]

هذان سيدا شباب أهل الجنة فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ويضر به من اختلقه وإن كذبتموني فان فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابر بن عبد الله الانصاري أو أبا سعيد الخدرى أو سهل بن سعد الساعدي أو زيد بن أرقم أو أنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لى ولاخى أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمى فقال له شمر بن ذى الجوشن هو يعبد الله على حرف إن كان يدرى ما تقول فقال له حبيب بن مظاهر والله إنى لاراك تعبد الله على سبعين حرفا وأنا أشهد أنك صادق ما تدرى ما يقول قد طبع الله على قلبك ثم قال لهم الحسين فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أثرا ما أنى ابن بنت نبيكم فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبى غيرى منكم ولا من غيركم أنا ابن بنت نبيكم خاصة أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص من جراحة قال فأخذوا لا يكلمونه قال فنادى يا شبث بن ربعى ويا حجار بن أبجر ويا قيس ابن الاشعث ويا يزيد بن الحارث ألم تكتبوا إلى أن قد أينعت الثمار واخضر الجناب وطمت الجمام وإنما تقدم على جندك لك مجند فأقبل قالوا له لم نفعل فقال سبحان الله بلى والله لقد فعلتم ثم قال أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمنى من الارض فال فقال له قيس بن الاشعث أولا تنزل على حكم بنى عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحب ولن يصل إليك منهم مكروه فقال له الحسين أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل لا والله لا أعطيهم بيدى إعطاء الذليل ولا أقر اقرار العبيد عباد الله إنى عذت بربي وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب قال ثم إنه أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها وأقبلوا يزحفون نحوه (قال أبو مخنف) فحدثني على بن حنظلة بن أسعد الشامي عن رجل من قومه شهد مقتل الحسين حين قتل يقال له كثير بن عبد الله الشعبى قال لما زحفنا قبل الحسين خرج إلينا زهير بن القين على فرس له ذنوب شاك في السلاح فقال يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب

[ 324 ]

الله نذار إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم ونحن حتى الآن إخوة وعلى دين واحد وملة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف وأنتم للنصيحة منا أهل فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا أمة وأنتم أمة إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لينظر ما نحن وأنتم عاملون إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيدالله بن زياد فإنكم لا تدركون منهما إلا بسوء عمر سلطانهما كله ليسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثلان بكم ويرقعانكم على جذوع النخل ويقتلان أماثلكم وقراءكم أمثال حجر بن عدى وأصحابه وهانئ بن عروة وأشباهه قال فسبوه وأثنوا على عبيدالله بن زياد ودعوا له وقالوا والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى الامير عبيدالله سلما فقال لهم عباد الله إن ولد فاطمة رضوان الله عليها أحق بالود والنصر من ابن سمية فإن لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم فحلوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية فلعمري ان يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين قال فرماه شمر بن ذى الجوشن بسهم وقال اسكت أسكت الله نأمتك أبرمتنا بكثرة كلامك فقال له زهير يا ابن البوال على عقبيه ما إياك أخاطب إنما أنت بهيمة والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين فأبشر بالخزى يوم القيامة والعذاب الاليم فقال له شمر إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة قال أفبألموت تخوفنى فوالله للموت معه أحب إلى من الخلد معكم قال ثم أقبل على الناس رافعا صوته فقال عباد الله لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الخافى وأشباهه فوالله لا تنال شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم قوما هراقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم قال فناداه رجل فقال له إن أبا عبد الله يقول لك أقبل فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والابلاغ (قال أبو مخنف) عن أبى جناب الكلبى عن عدى بن حرملة قال ثم إن الحر بن يزيد لما زحف عمر بن سعد قال له أصلحك الله مقاتل أنت هذا الرجل قال إى والله قتالا أيسره أن تسقط الرؤس وتطيح الايدى قال أفما لكم في واحدة من الخصال

[ 325 ]

التى عرض عليكم رضى قال عمر بن سعد أما والله لو كان الامر إلى لفعلت ولكن أميرك قد أبى ذلك قال فأقبل حتى وقف من الناس موقفا ومعه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس فقال يا قرة هل سقيت فرسك اليوم قال لا قال إنما تريد أن تسقيه قال فظننت والله أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال وكره أن أراه حين يصنع ذلك فيخاف أن أرفعه عليه فقلت له لم أسقه وأنا منطلق فساقيه قال فاعتزلت ذلك المكان الذى كان فيه قال فوالله لو أنه أطلعني على الذى يريد لخرجت معه إلى الحسين قال فأخذ يدنو من حسين قليلا قليلا فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس ما تريد يا ابن تزيد أتريد أن تحمل فسكت وأخذه مثل العرواء فقال له يا ابن يزيد والله إن أمرك لمريب والله ما رأيت منك في موقف قط مثل شئ أراه الآن ولو قيل لى من أشجع أهل الكوفة رجلا ما عدوتك فما هذا الذى أرى منك قال إنى والله أخير نفسي بين الجنة والنار ووالله لا أختار على الجنة شيئا ولو قطعت وحرقت ثم ضرب فرسه فلحق بحسين عليه السلام فقال له جعلني الله فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الدى حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان والله الذى لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدا ولا يبلغون منك هذه المنزلة فقلت في نفسي لا أبالى أن أضيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أنى خرجت من طاعتهم وأما هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التى يعرض عليهم ووالله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك وإنى قد جئتك تائبا مما كان منى إلى ربى ومواسيا لك بنفسى حتى أموت بين يديك أفترى ذلك لى توبة قال نعم يتوب الله عليك ويغفر لك ما اسمك قال أنا الحر بن يزيد قال أنت الحر كما سمتك أمك أنت الحر إن شاء الله في الدنيا والآخرة انزل قال أنا لك فارسا خير منى راجلا أقاتلهم على فرس ساعة وإلى النزول ما يصير آخر أمرى قال الحسين فاصنع يرحمك الله ما بدا لك فاستقدم أمام أصحابه ثم قال أيها القوم ألا تقبلون من حسين خصلة من هذه الخصال التى عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله قالوا هذا الامير عمر بن سعد فكلمه فكلمه بمثل ما كلمه به قبل وبمثل

[ 326 ]

ما كلم به أصحابه قال عمر قد حرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلا فعلت فقال يا أهل الكوفة لامكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته وأصبح في أيدكم كالاسير لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع ضرا وخلاتموه ونساءه واصيبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجارى الذى يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه وهاهم قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمدا في ذريته لا أسقاكم الله يوم الظمإ ان لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه فحملت عليه رجالة لهم ترميه بالنبل فأقبل حتى وقف أمام الحسين (قال أبو محنف) عن الصقعب بن زهير وسليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال وزحف عمر بن سعد نحوهم ثم نادى يا زويد أدن رايتك قال فأدناها ثم وضع سهمه في كبد قوسه ثم رمى فقال اشهدوا أنى أول من رمى (قال أبو مخنف) حدثنى أبو جناب قال كان منا رجل يدعى عبد الله بن عمير من بنى عليم كان قد نزل الكوفة واتخذ عند بئر الجعد من همدان دارا وكانت معه امرأة له من النمر بن قاسط يقال لها أم وهب بنت عبد فرأى القوم بالنخيلة يعرضون ليسرحوا إلى الحسين قال فسأل عنهم فقيل له يسرحون إلى حسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والله لو قد كنت على جهاد أهل الشرك حريصا وإنى لارجو ألا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيهم أيسر ثوابا عند الله من ثوابه إياى في جهاد المشركين فدخل إلى امرأته فأخبرها بما سمع وأعلمها بما يريد فقالت أصبت أصاب الله بك أرشد أمورك افعل وأخرجنى معك قال فخرج بها ليلا حتى أتى حسينا فأقام معه فلما دنا منه عمر بن سعد ورمى بسهم ارتمى الناس فلما ارتموا خرج يسار مولى زياد بن أبى سفيان وسالم مولى عبيد الله بن زياد فقالا من يبارز ليخرج الينا بعضكم قال فوثب حبيب بن مظاهر وبرير بن حضير فقال لهما حسين اجلسا فقام عبد الله بن عمير الكلبى فقال أبا عبد الله رحمك الله ائذن لى فلاخرج اليهما فرأى حسين رجلا آدم طويلا شديد الساعدين

[ 327 ]

بعيد ما بين المنكبين فقال حسين إنى لاحسبه للاقران قتالا اخرج إن شئت قال فخرج اليهما فقالا له من أنت فانتسب لهما فقالا لا نعرفك ليخرج الينا زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر أو برير بن خضير ويسار مستنتل أمام سالم فقال له الكلبى يا ابن الزانية وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ويخرج اليك أحد من الناس إلا وهو خير منك ثم شد عليه فضربه بسيفه حتى برد فإنه لمشتغل به يضربه بسيفه إذ شد عليه سالم فصاح به قد رهقك العبد قال فلم يأبه له حتى غشيه فبدره الصربة فاتقاه الكلبى بيده اليسرى فأطار أصابع كفه اليسرى ثم مال عليه الكلبى فضربه حتى قتله وأقبل الكلبى مرتجزا وهو يقول وقد قتلهما جميعا إن تنكروني فأنا ابن كلب * حسبى ببيتى في عليم حسبى إنى امرؤ ذو مرة وعصب * ولست بالخوار عند النكب إنى زعيم لك أم وهب * بالطعن فيهم مقدما والضرب ضرب غلام مؤمن بالرب فأخذت أم وهب امرأته عمودا ثم أقبلت نحو زوجها تقول له فداك أبى وأمى قاتل دون الطيبين ذرية محمد فأقبل إليها يردها نحو النساء فأخذت تجاذب ثوبه ثم قالت إنى لن أدعك دون أن أموت معك فناداها حسين فقال جزيتم من أهل بيت خيرا إرجعى رحمك الله إلى النساء فاجلسي معهن فانه ليس على النساء قتال فانصرفت اليهن قال وحمل عمرو بن الحجاج وهو على ميمنة الناس في الميمنة فلما أن دنا من حسين جثوا له على الركب وأشرعوا الرماح نحوهم فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع فرشقوهم بالنبل فصرعوا منهم رجالا وجرحوا منهم آخرين (قال أبو مخنف) فحدثني حسين أبو جعفر قال ثم إن رجلا من بنى تميم يقال له عبد الله بن حوزة جاء حتى وقف امام الحسين فقال يا حسين يا حسين فقال حسين ما تشاء قال أبشر بالنار قال كلا إنى أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع من هذا قال له أصحابه هذا ابن حوزة قال رب نحزه إلى النار قال فاضطرب به فرسه في جدول فوقع فيه وتعلقت رجله بالركاب ووقع رأسه في الارض ونفر الفرس فأخذه يمر به

[ 328 ]

فيضرب برأسه كل حجر وكل شجرة حتى مات (قال أبو مخنف) وأما سويد بن حية فزعم لى أن عبد الله بن حوزة حين وقع فرسه بقيت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى فطارت وعدا به فرسه يضرب رأسه كل حجر وأصل شجرة حتى مات (قال أبو مخنف) عن عطاء بن السائب عن عبد الجبار بن وائل الحضرمي عن أخيه مسروق بن وائل قال كنت في أوائل الخيل ممن سار إلى الحسين فقلت أكون في أوائلها لعلى أصيب رأس الحسين فأصيب به منزلة عند عبيد الله بن زياد قال فلما انتهينا إلى حسين تقدم رجل من القوم يقال له ابن حوزة فقال أفيكم حسين قال فسكت حسين فقالها ثانية فأسكت حتى إذا كانت الثالثة قال قولوا له نعم هذا حسين فما حاجتك قال يا حسين أبشر بالنار قال كذبت بل أقدم على رب غفور وشفيع مطاع فمن أنت قال ابن حوزة قال فرفع الحسين يديه حتى رأينا بياض إبطيه من فوق الثياب ثم قال اللهم حزه إلى النار قال فغضب ابن حوزة فذهب ليقحم إليه الفرس وبينه وبينه نهر قال فعلقت قدمه بالركاب وجالت به الفرس فسقط عنها قال فانقطعت قدمه وساقه وفخذه وبقى جانبه الآخر متعلقا بالركاب قال فرجع مسروق وترك الخيل من ورائه قال فسألته فقال لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئا لا أقاتلهم أبدا قال ونشب القتال (قال أبو مخنف) وحدثني يوسف بن يزيد عن عفيف بن زهير بن أبى الاخنس وكان قد شهد مقتل الحسين قال وخرج يزيد بن معقل من بنى عميرة بن ربيعة وهو حليف لبنى سليمة من عبد القيس فقال يا برير بن حضير كيف ترى الله صنع بك قال صنع الله والله بى خيرا وصنع الله بك شرا قال كذبت وقبل اليوم ما كنت كذابا هل تذكر وانا أماشيك في بنى لوذان وأنت تقول ان عثمان بن عفان كان على نفسه مسرفا وان معاوية بن أبى سفيان ضال مضل وان امام الهدى والحق على بن أبى طالب فقال له برير اشهد أن هذا رأيى وقولى فقال له يزيد بن معقل فانى أشهد أنك من الضالين فقال له برير بن حضير هل لك فلا بأهلك ولندع الله أن يلعن الكاذب وأن يقتل المبطل ثم اخرج فلابارزك قال فخرجا فرفعا أيديهما إلى الله يدعوانه

[ 329 ]

أن يلعن الكاذب وأن يقتل المحق المبطل ثم برز كل واحد منهما لصاحبه فاختلفا ضربتين فضرب يزيد بن معقل برير بن حضير ضربة خفيفة لم تضره شيئا وضربه برير بن حضير ضربة قدت المغفر وبلغت الدماغ فخر كأنما هوى من حالق وإن سيف ابن حضير لثابت في رأسه فكأني أنظر إليه ينضنضه من رأسه وحمل عليه رضى بن منقذ العبدى فاعتنق بريرا فاعتركا ساعة ثم ان بريرا قعد على صدره فقال رضى أين أهل المصاع والدفاع قال فذهب كعب بن جابر بن عمرو الازدي ليحمل عليه فقلت إن هذا برير بن حضير القارئ الذى كان يقرئنا القرآن في المسجد فحمل عليه بالرمح حتى وضعه في ظهره فلما وجد مس الرمح برك عليه فعض بوجهه وقطع طرف أنفه فطعنه كعب بن جابر حتى ألقاه عنه وقد غيب السنان في ظهره ثم أقبل عليه يضربه بسيفه حتى قتله قال عفيف كأنى أنظر إلى العبدى الصريع قام ينفض التراب عن قبائه ويقول أنعمت على يا أخا الازد نعمة لن أنساها أبدا قال فقلت رأيت هذا قال نعم رأى عينى وسمع أذنى فلما رجع كعب بن جابر قالت له امرأته أو أخته النوار بنت جابر أعنت على ابن فاطمة وقتلت سيد القراء لقد أتيت عظيما من الامر والله لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا وقال كعب بن جابر: سلى تخبرى عنى وأنت ذميمة * غداة حسين والرماح شوارع ألم آت أقصى ما كرهت ولم يخل * على غداة الروع ما أنا صانع معى يزنى لم تخنه كعوبه * وأبيض مخشوب الغرارين قاطع فجردته في عصبة ليس دينهم * بدينى وإنى بابن حرب لقانع ولم تر عينى مثلهم في زمانهم * ولا قبلهم في الناس إذ أنا يافع أشد قراعا بالسيوف لدى الوغا * ألا كل من يحمى الذمار مقارع وقد صبروا للطعن والضرب حسرا * وقد نازلوا لو أن ذلك نافع فأبلغ عبيدالله إما لقيته * بأنى مطيع للخليفة سامع قتلت بريرا ثم حملت نعمة * أبا منقذ لما دعا من يماصع

[ 330 ]

(قال أبو مخنف) حدثنى عبد الرحمن بن جندب قال سمعته في إمارة مصعب ابن الزبير وهو يقول يا رب إنا قد وفينا فلا تجعلنا يا رب كمن قد غدر فقال له أبى صدق ولقد وفى وكرم وكسبت لنفسك سوءا قال كلا إنى لم أكسب لنفسي شرا ولكني كسبت لها خيرا قال وزعموا أن رضى بن منقد العبدى رد بعد على كعب بن جابر جواب قوله فقال: لو شاء ربى ما شهدت قتالهم * ولا جعل النعماء عندي ابن جابر لقد كان ذاك اليوم عارا وسبة * يعيره الابناء بعد المعاشر فياليت أنى كنت من قبل قتله * ويوم حسين كنت في رمس قابر قال وخرج عمرو بن فرظة الانصاري يقاتل دون حسين وهو يقول: قد علمت كتيبة الانصار * أنى سأحمى حوزة الذمار ضرب غلام غير نكس شارى * دون حسين مهجتي ودارى (قال أبو مخنف) عن ثابت بن هبيرة فقتل عمرو بن فرظة بن كعب وكان مع الحسين وكان على أخوه مع عمر بن سعد فنادى على بن قريظة يا حسين يا كذاب ابن الكذاب أضللت أخى وغررته حتى قتلته قال إن الله لم يضل أخاك ولكنه هدى أخاك وأضلك قال قتلني الله إن لم أقتلك أو أموت دونك فحمل عليه فاعترضه نافع بن هلال المرادى فطعنه فصرعه فحمله أصحابه فاستنقذوه فدووي بعد فبرأ (قال أبو مخنف) حدثنى النضر بن صالح أبو زهير العبسى أن الحر بن يزيد لما لحق بحسين قال رجل من بنى تميم من بنى شقرة وهم بنو الحارث ابن تميم يقال له يزيد بن سفيان أما والله لو أنى رأيت الحر بن يزيد حين خرج لاتبعته السنان قال فبينا الناس يتجاولون ويقتتلون والحر بن يزيد يحمل على القوم مقدما ويتمثل قول عنترة: ما زلت أرميهم بثغرة نحره * ولبانه حتى تسربل بالدم قال وإن فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبه وإن دماءه لتسيل فقال الحصين بن تميم وكان على شرطة عبيدالله فبعثه إلى الحسين وكان مع عمر بن سعد فولاه عمر مع

[ 331 ]

الشرطة المجففة ليزيد بن سفيان هذا الحر بن يزيد الذى كنت تتمنى قال نعم فخرج إليه فقال له هل لك يا حر بن يزيد في المبارزة قال نعم قد شئت فبرز له قال فأنا سمعت الحصين ابن تميم يقول والله لبرز له فكأنما كانت نفسه في يده فما لبثه الحر حين خرج إليه أن قتله (قال هشام) بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى يحيى بن هانئ بن عروة أن نافع ابن هلال كان يقاتل يومئذ وهو يقول * أنا الجملى أنا على دين على * قال فخرج إليه رجل يقال له مزاحم ابن حريث فقال أنا على دين عثمان فقال له أنت على دين شيطان ثم حمل عليه فقتله فصاح عمرو بن الحجاج بالناس يا حمقى أتدرون من تقاتلون فرسان المصر قوما مستميتين لا يبرزن لهم منكم أحد فإنهم قليل وقل ما يبقون والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم فقال عمر بن سعد صدقت الرأى ما رأيت وأرسل إلى الناس يعزم عليهم ألا يبارز رجل منكم رجلا منهم (قال أبو مخنف) حدثنى الحسين بن عقبة المرادى قال الزبيدى إنه سمع عمرو بن الحجاج حين دنا من أصحاب الحسين يقول يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الامام فقال له الحسين يا عمرو بن الحجاج أعلى تحرض الناس أنحن مرقنا وأنتم ثبتم عليه أما والله لتعلمن لو قد قبضت أرواحكم ومتم على أعمالكم أينا مرق من الدين ومن هو أولى بصلى النار قال ثم إن عمرو بن الحجاج حمل على الحسين في ميمنة عمر بن سعد من نحو الفرات فاضربوا ساعة فصرع مسلم بن عوسجة الاسدي أول أصحاب الحسين ثم انصرف عمرو بن الحجاج وأصحابه وارتفعت الغبرة فإذا هم به صريع فمشى إليه الحسين فإذا به رمق فقال رحمك ربك يا مسلم ابن عوسجة منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ودنا منه حبيب ابن مظاهر فقال عز على مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة فقال له مسلم قولا ضعيفا بشرك الله بخير فقال له حبيب لولا أنى أعلم أنى في أثرك لاحق بك من ساعتي هذه لاحببت أن توصيني بكل ما أهمك حتى أحفظك في كل ذلك بما أنت أهل له في القرابة والدين قال بل أنا أوصيك بهذا رحمك الله وأهوى بيده إلى الحسين أن

[ 332 ]

تموت دونه قال أفعل ورب الكعبة قال فما كان بأسرع من أن مات في أيديهم وصاحت جارية له فقالت يا ابن عوسجتاه يا سيداه فتنادى أصحاب عمرو بن الحجاج قتلنا مسلم ابن عوسجة الاسدي فقال شبث لبعض من حوله من أصحابه ثكلتكم أمهاتكم إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم وتذللون أنفسكم لغيركم تفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة أما والذى أسلمت له لرب موقف له قد رأيته في المسلمين كريم لقد رأيته يوم سلق آذربيجان قتل سنة من المشركين قبل تتام خيول المسلمين أفيقتل منكم مثله وتفرحون قال وكان الذى قتل مسلم بن عوسجة مسلم بن عبد الله الضبابى وعبد الرحمن ابن أبى خشكارة البجلى قال وحمل شمر بن ذى الجوشن في المسيرة على أهل الميسرة فثبتوا له فطاعنوه وأصحابه وحمل على حسين وأصحابه من كل جانب فقتل الكلبى وقد قتل رجلين بعد الرجلين الاولين وقاتل قتالا شديدا فحمل عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي وبكير بن حى التيمى من تيم الله بن ثعلبة فقتلاه وكان القتيل الثاني من أصحاب الحسين وقاتلهم أصحاب الحسين قتالا شديدا وأخذت خيلهم تحمل وإنما هم اثنان وثلاثون فارسا وأخذت لا تحمل على جانب من خيل أهل الكوفة إلا كشفته فلما رأى ذلك عزرة بن قيس وهو على خيل أهل الكوفة أن خيله تنكشف من كل جانب بعث إلى عمر بن سعد عبد الرحمن بن حصن فقال أما ترى ما تلقى خيلى مذ اليوم من هذه العدة اليسيرة ابعث إليهم الرجال والرماة فقال لشبث بن ربعى ألا تقدم إليهم فقال سبحان الله أتعمد إلى شيخ مصر وأهل مصر عامة تبعثه في الرماة لم تجد من تندب لهذا ويجزى عنك غيرى قال وما زالوا يرون من شبث الكراهة لقتاله قال وقال أبو زهير العبسى فأنا سمعته في إمارة مصعب يقول لا يعطى الله أهل هذا المصر خيرا أبدا ولا يسددهم لرشد ألا تعجبون أنا قاتلنا مع على بن أبى طالب ومع ابنه من بعده آل أبى سفيان خمس سنين ثم عدونا على ابنه وهو خير أهل الارض نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية ضلال يالك من ضلال قال ودعا عمر بن الحصين بن تميم فبعث معه المجففة وخمسمائة من المرامية فأقبلوا حتى إذا دنوا من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل فلم يلبثوا

[ 333 ]

أن عقروا خيولهم وصاروا رجالة كلهم (قال أبو مخنف) حدثنى نمير بن وعلة أن أيوب بن مشرح الخيوانى كان يقول أنا والله عقرت بالحر بن يزيد فرسه حشأته سهما فما لبث أن أرعد الفرس واضطرب وكبا فوثب عنه الحر كأنه ليث والسيف في يده وهو يقول إن تعقروا بى فأنا ابن الحر * أشجع من ذى لبد هزبر قال فما رأيت أحدا قط يفرى فريه قال فقال له أشياخ من الحى أنت قتلته قال لا والله ما أنا قتلته ولكن قتله غيرى وما أحب إنى قتلته فقال له أبو الوداك ولم قال أنه كان زعموا من الصالحين فوالله لئن كان ذلك إثما لان ألقى الله بإثم الجراحة والموقف أحب إلى من أن ألقاه بإثم قتل أحد منهم فقال له أبو الوداك ما اراك إلا ستلقى الله بإثم قتلهم أجمعين أرأيت لو أنك رميت ذا فعقرت ذا ورميت آخر ووقفت موقفا وكررت عليهم وحرضت أصحابك وكثرت أصحابك وحمل عليك فكرهت أن تفر وفعل آخر من اصحابك كفعلك وآخر وآخر كان هذا وأصحابه يقتلون أنتم شركاء كلكم في دمائهم فقال له يا أبا الوداك إنك لتقنطنا من رحمة الله إن كنت ولى حسابنا يوم القيامة فلا غفر الله لك إن غفرت لنا قال هو ما اقول لك قال وقاتلوهم حتى انتصف النهار راشد قتال خلقه الله وأخذوا لا يقدرون على أن يأتوهم إلا من وجه واحد لاجتماع أبنيتهم وتقارب بعضها من بعض قال فلما رأى ذلك عمر بن سعد أرسل رجال يقوضونها عن أيمانهم وعن شمائلهم ليحيطوا بهم قال فأخذ الثلاثة والاربعة من اصحاب الحسين يتخللون البيوت فيشدون على الرجل وهو يقوض وينتهب فيقتلونه ويرمونه من قريب ويعقرونه فأمر بها عمر بن سعد عند ذلك فقال احرقوها بالنار ولا تدخلوا بيتا ولا تقوضوه فجاءوا بالنار فأخذوا يحرقون فقال حسين دعوهم فليحرقوها فإنهم لو قد حرقوها لم يستطيعوا أن يجوزوا اليكم منها وكان ذلك كذلك وأخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد قال وخرجت امرأة الكلبى تمشى إلى زوجها حتى جلست عند رأسه تمسح عنه التراب وتقول هنيئا لك الجنة فقال شمر بن ذى الجوشن

[ 334 ]

لغلام يسمى رستم اضرب رأسها بالعمود فضرب رأسها فشدخه فماتت مكانها قال وحمل شمر بن ذى الجوشن حتى طعن فسطاط الحسين برمحه ونادى على بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله قال فصاح النساء وخرجن من الفسطاط قال وصاح به الحسين يا ابن ذى الجوشن أنت تدعو بالنار لتحرق بيتى على أهلى حرقك الله بالنار (قال أبو مخنف) حدثنى سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال قلت لشمر ابن ذى الجوشن سبحان الله إن هذا لا يصلح لك أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين تعذب بعذاب الله وتقتل الولدان والنساء والله إن في قتلك الرجال لما ترضى به أميرك قال فقال من أنت قال قلت لا أخبرك من أنا قال وخشيت والله أن لو عرفني أن يضرنى عند السلطان قال فجاءه رجل كان أطوع له منى شبث بن ربعى فقال ما رأيت مقالا أسوأ من قولك ولا موقفا أقبح من موقفك أمرعبا للنساء صرت قال فأشهد أنه استحيا فذهب لينصرف وحمل عليه زهير بن القين في رجال من أصحابه عشرة فشد على شمر بن ذى الجوشن وأصحابه فكشفهم عن البيوت حتى ارتفعوا عنها فصرعوا أبا عزة الضبابى فقتلوه فكان من أصحاب شمر وتعطف الناس عليهم فكثروهم فلا يزال الرجل من أصحاب الحسين قد قتل فإذا قتل منهم الرجل والرجلان تبين فيهم وأولئك كثير لا يتبين فيهم ما يقتل منهم قال فلما رأى ذلك أبو ثمامة عمرو ابن عبد الله الصائدى قال للحسين يا أبا عبد الله نفسي لك الفداء إنى أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك إن شاء الله وأحب ان ألقى ربى وقد صليت هذه الصلاة التى قد دنا وقتها قال فرفع الحسين رأسه ثم قال ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين نعم هذا أول وقتها ثم قال سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلى فقال لهم الحصين بن تميم إنها لا تقبل فقال له حبيب بن مظاهر لا تقبل زعمت الصلاة من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل وتقبل منك يا حمار قال فحمل عليهم حصين بن تميم وخرج إليه حبيب بن مظاهر فضرب وجه فرسه بالسيف فشب ووقع عنه وحمله أصحابه فاستنقذوه وأخذ حبيب يقول أقسم لو كنا لكم أعدادا * أو شطركم وليتم أكتادا

[ 335 ]

يا شر قوم حسبا وآدا قال وجعل يقول يومئذ أنا حبيب وأبى مظاهر * فارس هيجاء وحرب تسعر أنتم أعد عدة وأكثر * ونحن أوفى منكم وأصبر ونحن أعلى حجة وأظهر * حقا وأتقى منكم وأعذر وقاتل قتالا شديدا فحمل عليه رجل من بنى تميم فضربه بالسيف على رأسه فقتله وكان يقال له بديل بن صريم من بنى عقفان وحمل عليه آخر من بنى تميم فطعنه فوقع فذهب ليقوم فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف فوقع ونزل إليه التميمي فاحتز رأسه فقال له الحصين إنى لشريكك في قتله فقال الآخر والله ما قتله غيرى فقال الحصين أعطنيه اعلقه في عنق فرسى كيما يرى الناس ويعلموا أنى شركت في قتله ثم خذه أنت بعد فامض به إلى عبيدالله بن زياد فلا حاجة لى فيما تعطاه على قتلك إياه قال فأبى عليه فأصلح قومه فيما بينهما على هذا فدفع إليه رأس حبيب بن مظاهر فجال به في العسكر قد علقه في عنق فرسه ثم دفعه بعد ذلك إليه فلما رجعوا إلى الكوفة أخذ الآخر رأس حبيب فعلقه في لبان فرسه ثم أقبل به إلى ابن زياد في القصر فبصر به ابنه القاسم بن حبيب وهو يومئذ قد راهق فأقبل مع الفارس لا يفارقه كلما دخل القصر دخل معه وإذا خرج خرج معه فارتاب به فقال مالك يا بنى تتبعني قال لا شئ قال بلى يا بنى أخبرني قال له ان هذا الرأس الذى معك رأس أبى أفتعطينيه حتى أدفنه قال يا بنى لا يرضى الامير أن يدفن وأنا أريد أن يثيبني الامير على قتله ثوابا حسنا قال له الغلام لكن الله لا يثيبك على ذلك إلا أسوأ الثواب أما والله لقد قتلته خيرا منك وبكا فمكث الغلام حتى إذا أدرك لم يكن له همة إلا اتباع أثر قاتل أبيه ليجد منه غرة فيقتله بأبيه فلما كان زمان مصعب بن الزبير وغزا مصعب باجمير ادخل عسكر مصعب فإذا قاتل أبيه في فسطاطه فأقبل يختلف في طلبه والتماس غرته فدخل عليه وهو قائل نصف النهار فضربه بسيفه حتى برد (قال أبو مخنف) حدثنى محمد بن قيس قال لما قتل حبيب

[ 336 ]

ابن مظاهر هد ذلك حسينا وقال عند ذلك أحتسب نفسي وحماة أصحابي قال فأخذ الحرير تجز ويقول آليت لا أقتل حتى أقتلا * ولن أصاب اليوم إلا مقبلا أضربهم بالسيف ضربا مقصلا * لا ناكلا عنهم ولا مهللا وأخذ يقول أيضا أضرب في أعراضهم بالسيف * عن خير من حل منى والخيف فقاتل هو وزهير بن القين قتالا شديدا فكان إذا شد أحدهما فان استلحم شد الآخر حتى يخلصه ففعلا ذلك ساعة ثم إن رجالة شدت على الحر بن يزيد فقتل وقتل ابو ثمامة الصائدى ابن عم له كان عدوا له ثم صلوا الظهر صلى بهم الحسين صلاة الخوف تم اقتتلوا بعد الظهر فاشتد قتالهم ووصل إلى الحسين فاستقدم الحنفي إمامه فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يمينا وشمالا قائما بين يديه فما زال يرمى حتى سقط وقاتل زهير بن القين قتالا شديدا وأخذ يقول أنا زهير وأنا ابن القين * أذودهم بالسيف عن حسين قال وأخذ يضرب على منكب حسين ويقول أقدم هديت هاديا مهديا * فاليوم تلقى جدك النبيا وحسنا والمرتضى عليا * وذا الجناحين الفتى الكميا وأسد الله الشهيد الحيا قال فشد عليه كثير بن عبد الله الشعبى ومهاجر بن أوس فقتلاه قال وكان نافع بن هلال الجملى قد كتب اسمه على أفواق نبله فجعل يرمى بها مسمومة وهو يقول أنا الجملى أنا على دين على فقتل اثنى عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى من جرح قال فضرب حتى كسرت عضداه وأخذ أسيرا قال فأخذه شمر بن ذى الجوشن ومعه أصحاب له يسوقون نافعا حتى أوتى به عمر بن سعد فقال له عمر بن سعد ويحك يا نافع ما حملك على ما صنعت بنفسك قال إن ربى يعلم ما أردت قال والدماء تسيل على لحيته

[ 337 ]

وهو يقول والله لقد قتلت منكم اثنى عشر سوى من جرحت وما ألوم نفسي على الجهد ولو بقيت لى عضد وساعد ما أسرتموني فقال له شمر اقتله أصلحك الله قال أنت جئت به فإن شئت فاقتله قال فانتضى شمر سيفه فقال له نافع أما والله ان لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا فالحمد لله الذى جعل منايانا على يدى شرار خلقه فقتله قال ثم أقبل شمر يحمل عليهم وهو يقول خلوا عداة الله خلوا عن شمر * يضربهم بسيفه ولا يفر وهو لكم صاب وسم ومقر قال فلما رأى أصحاب الحسين أنهم قد كثروا وأنهم لا يقدرون على أن يمنعوا حسينا ولا أنفسهم تنافسوا في أن يقتلوا بين يديه فجاءه عبد الله وعبد الرحمن ابنا عزرة الغفاريان فقالا يا أبا عبد الله عليك السلام حازنا العدو إليك فأحببنا أن نقتل بين يديك نمنعك وندفع عنك قال مرحبا بكما ادنوا منى فدنوا منه فجعلا يقاتلان قريبا منه وأحدهما يقول قد علمت حقا بنو غفار * وخندف بعد بنى نزار لنضربن معشر الفجار * بكل عضب صارم بتار يا قوم ذودوا عن بنى الاحرار * بالمشرفى والقنا الخطار قال وجاء الفتيان الجابريان سيف بن الحارث بن سريع ومالك بن عبد بن سريع وهما ابنا عم وأخوان لام فأتيا حسينا فدنوا منه وهما يبكيان فقال أي ابني أخى ما يبكيكما فوالله إنى لارجو أن تكونا عن ساعة قريرى عين قالا جعلنا الله فداك لا والله ما على أنفسنا نبكى ولكنا نبكى عليك نراك قد أحيط بك ولا نقدر على أن نمنعك فقال جزاكما الله يا ابني أخى بوجدكما من ذلك ومواساتكما إياى بأنفسكما أحسن جزاء المتقين قال وجاء حنظلة بن أسعد الشبامى فقام بين يدى حسين فأخذ ينادى يا قوم إنى أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إنى أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له

[ 338 ]

من هاد، يا قوم لا تقتلوا حسينا فيستحكم الله بعذاب وقذ خاب من افترى فقال له حسين يا ابن أسعد رحمك الله إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق ونهضوا اليك ليستبيحوك وأصحابك فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين قال صدقت جعلت فداك أنت أفقه منى وأحق بذلك أفلا نروح إلى الآخرة ونلحق بإخواننا فقال رح إلى خير من الدنيا وما فيها وإلى ملك لا يبلى فقال السلام عليك أبا عبد الله صلى الله عليك وعلى أهل بيتك وعرف بيننا وبينك في جنته فقال آمين آمين فاستقدم فقاتل حتى قتل قال ثم استقدم الفتيان الجابريان يلتفتان إلى حسين ويقولان السلام عليك يا ابن رسول الله فقال وعليكما السلام ورحمة الله فقاتلا حتى قتلا قال وجاء عابس بن أبى شبيب الشاكرى ومعه شوذب مولى شاكر فقال يا شوذب ما في نفسك أن تصنع قال ما أصنع أقاتل معك دون ابن بنت رسول الل صلى الله عليه وسلم حتى أقتل قال ذلك الظن بك إمالا فتقدم بين يدى أبى عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك من اصحابه وحتى احتسبك انا فإنه لو كان معى الساعة أحد أنا أولى به منى بك لسرني أن يتقدم بين يدى حتى أحتسبه فإن هذا يوم ينبغى لنا أن نطلب الاجر فيه بكل ما قدرنا عليه فإنه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب قال فتقدم فسلم على الحسين ثم مضى فقاتل حتى قتل قال ثم قال عابس بن أبى شبيب يا أبا عبد الله أما والله ما أمسى على ظهر الارض قريب ولا بعيد أعز على ولا أحب إلى منك ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشئ أعز على من نفسي ودمى لفعلته السلام عليك يا أبا عبد الله أشهد الله أنى على هديك وهدى أبيك ثم مشى بالسيف مصلتا نحوهم وبه ضربة على جبينه (قال أبو مخنف) حدثنى نمير بن وعلة عن رجل من بنى عبد من همدان يقال له ربيع بن تميم شهد ذلك اليوم قال لما رأيته مقبلا عرفته وقد شاهدته في المغازى وكان أشجع الناس فقلت أيها الناس هذا الاسد الاسود هذا ابن أبى شبيب لا يخرجن إليه أحد منكم فأخذ ينادى ألا رجل لرجل فقال عمر بن سعد ارضخوه بالحجارة قال فرمى بالحجارة من كل جانب

[ 339 ]

فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ثم شد على الناس فوالله لرأيته يكرد أكثر من مائتين من الناس ثم إنهم تعطفوا عليه من كل جانب فقتل قال فرأيت رأسه في أيدى رجال ذوى عدة هذا يقول أنا قتلته وهذا يقول أنا قتلته فأتوا عمر بن سعد فقال لا تختصموا هذا لم يقتله سنان واحد ففرق بينهم بهذا القول (قال أبو مخنف) حدثنى عبد الله بن عاصم عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال لما رأيت أصحاب الحسين قد أصيبوا وقد خلص إليه وإلى أهل بيته ولم يبق معه غير سويد بن عمرو بن أبى المطاع الخثعمي وبشير بن عمرو الحضرمي قلت له يا ابن رسول الله قد علمت ما كان بينى وبينك قلت لك أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا فإذا لم أر مقاتلا فأنا في حل من الانصراف فقلت لى نعم قال فقال صدقت وكيف لك بالنجاء إن قدرت على ذلك فأنت في حل قال فأقبلت إلى فرسى وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر أقبلت بها حتى أدخلتها فسطاطا لاصحابنا بين البيوت وأقبلت أقاتل معهم راجلا فقتلت يومئذ بين يدى الحسين رجلين وقطعت يد آخر وقال لى الحسين يومئذ مرارا لا تشلل لا يقطع الله يدك جزاك الله خيرا عن أهل بيت نبيك صلى الله عليه وسلم فلما أذن لى استخرجت الفرس من الفسطاط ثم استويت على متنها ثم ضربتها حتى إذا قامت على السنابك رميت بها عرض القوم فأفرجوا لى وأتبعني منهم خمسة عشر رجلا حتى انتهيت إلى شفية قرية قريبة من شاطئ الفرات فلما لحقوني عطفت عليهم فعرفني كثير بن عبد الله الشعبى وأيوب بن مشرح الخيوانى وقيس بن عبد الله الصائدى فقالوا هذا الضحاك بن عبد الله المشرقي هذا ابن عمنا ننشدكم الله لما كففتم عنه فقال ثلاثة نفر من بنى تميم كانوا معهم بلى والله لنجيبن إخواننا وأهل دعوتنا إلى ما أحبوا من الكف عن صاحبهم قال فلما تابع التميميون أصحابي كف الآخرون قال فنجاني الله (قال أبو مخنف) حدثنى فضيل بن خديج الكندى أن يزيد بن زياد وهو أبو الشعثاء الكندى من بنى بهدلة جثى على ركبتيه بين يدى الحسين فرمى بمائة سهم ما سقط منها خمسة أسهم وكان راميا فكان كلما رمى قال أنا ابن بهدله فرسان

[ 340 ]

العرجله ويقول حسين اللهم سدد رميته واجعل ثوابه الجنة فلما رمى بها قام فقال ما سقط منها إلا خمسة أسهم ولقد تبين لى أنى قد قتلت خمسة نفر وكان في أول من قتل وكان رجزه يومئذ أنا يزيد وأبى مهاصر * أشجع من ليث بغيل خادر يا رب إنى للحسين ناصر * ولا بن سعد تارك وهاجر وكان يزيد بن زياد بن المهاصر ممن خرج مع عمر بن سعد إلى الحسين فلما ردوا الشروط على الحسين مال إليه فقاتل معه حتى قتل فأما الصيداوي عمرو بن خالد وجابر بن الحارث السلمانى وسعد مولى عمر بن خالد ومجمع بن عبد الله العائذى فانهم قاتلوا في أول القتال فشدوا مقدمين بأسيافهم على الناس فلما وغلوا عطف عليهم الناس فأخذوا يحوزونهم وقطعوهم من أصحابهم غير بعيد فحمل عليهم لعباس بن على فاستنقذهم فجاؤا قد جر حوا فلما دنا منهم عدوهم شدوا بأسيافهم فقاتلوا في أول الامر حتى قتلوا في مكان واحد (قال أبو مخنف) حدثنى زهير بن عبد الرحمن ابن زهير الخثعمي قال كان آخر من بقى مع الحسين من أصحابه سويد بن عمرو بن أبى المطاع الخثعمي قال وكان أولى قتيل من بنى أبى طالب يومئذ على الاكبر ابن الحسين بن على وأمه ليلى ابنة أبى مرة بن عروة بن مسعود الثقفى وذلك أنه أخذ يشد على الناس وهو يقول أنا على بن حسين بن على * نحن ورب البيت أولى بالنبي تالله لا يحكم فينا ابن الدعى قال ففعل ذلك مرارا فبصر به مرة بن منقذ بن النعمان العبدى ثم الليثى فقال على أثام العرب إن مر بى يفعل مثل ما كان يفعل إن لم أثكله أباه فمر يشد على الناس بسيفه فاعترضه مرة بن منقذ فطعنه فصرع واحتوله الناس فقطعوه بأسيافهم (قال أبو مخنف) حدثنى سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم الازدي قال سماع أذنى يومئذ من الحسين يقول قتل الله قوما قتلوك يا بنى ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفاء قال وكأني أنظر إلى

[ 341 ]

امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادى يا أخياه ويا ابن أخاه قال فسألت عليها فقيل هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت حتى أكبت عليه فجاءها الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط وأقبل الحسين إلى ابنه وأقبل فتيانه إليه فقال احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدى الفسطاط الذى كانوا يقاتلون أمامه قال ثم إن عمرو بن صبيح الصدائى رمى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه على جبهته فأخذ لا يستطيع أن يحرك كفيه ثم انتحى له بسهم آخر ففلق قلبه فاعتورهم الناس من كل جانب فحمل عبد الله بن قطبة الطائى ثم النبهاني على عون عبد الله بن جعفر بن أبى طالب فقتله وحمل عامر بن نهشل التيمى على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب فقتله قال وشد عثمان بن خالد بن أسير الجهنى وبشر بن سوط الهمداني ثم القابضى على عبد الرحمن بن عقيل بن أبى طالب فقتلاه ورمى عبد الله بن عزرة الخثعمي جعفر ابن عقيل بن أبى طالب قتله (قال أبو مخنف ف) حدثنى سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال خرج الينا غلام كأن وجهه شقة قمر في يده السيف عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنها اليسرى فقال لى عمرو بن سعد بن نفيل الازدي والله لاشدن عليه فقلت له سبحان الله وما تريد إلى ذلك يكفيك قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم قال فقال والله لاشدن عليه فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف فوقع الغلام لوجهه فقال يا عماه قال فجلى الحسين كما يجلى الصقر ثم شد شدة ليث أغضب فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بالساعد فأطنها من لدن المرفق فصاح ثم تنحى عنه وحملت خيل لاهل الكوفة ليستنقذوا عمرا من حسين فاستقبلت عمرا بصدورها فحركت حوافرها وجالت الخيل بفرسانها عليه فتوطأته حتى مات وانجلت الغبرة فإذا أنا بالحسين قائم على رأس الغلام والغلام يفحص برجليه وحسين يقول بعد القوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك ثم قال عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك ثم لا ينفعك صوت والله كثر واتره وقل

[ 342 ]

ناصره ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلى الغلام يخطان في الارض وقد وضع حسين صدره على صدره قال فقلت في نفسي ما يصنع به فجاء به حتى ألقاه مع ابنه على ابن الحسين وقتلى قد قتلت حوله من أهله بيته فسألت عن الغلام فقيل هو القاسم ابن الحسن بن على بن أبى طالب قال ومكث الحسين طويلا من النهار كلما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه وكره أن يتولى قتله وعظيم إثمه عليه قال وإن رجلا من كندة يقال له مالك بن النسير من بنى بداء أتاه فضربه على رأسه بالسيف وعليه برنس له فقطع البرنس وأصاب السيف رأسه فأدمى رأسه فامتلا البرنس دما فقال له الحسين لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين قال فألقى ذلك البرنس ثم دعا بقلنسوة فلبسها واعتم وقد أعيا وبلد وجاء الكندى حتى أخذ البرنس وكان من خز فلما قدم به بعد ذلك على امرأته أم عبد الله ابنة الحر أخت حسين بن الحر البدى أقبل يغسل البرنس من الدم فقالت له امرأته أسلب ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تدخل بيتى أخرجه عنى فذكر أصحابه أنه لم يزل فقيرا بشر حتى مات قال ولما قعد الحسين أتى بصبى له فأجلسه في حجره زعموا أنه عبد الله بن الحسين (قال أبو مخنف) قال عقبة بن بشير الاسدي قال لى أبو جعفر محمد بن على بن الحسين إن لنا فيكم يا بنى أسد دما قال قلت فما ذنبي أنا في ذلك رحمك الله يا أبا جعفر وما ذلك قال أتى الحسين بصبى له فهو في حجره إذ رماه أحدكم يا بنى أسد بسهم فذبحه فتلقى الحسين دمه فلما ملا كفيه صبه في الارض ثم قال رب إن تك حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين قال ورمى عبد الله بن عقبة الغنوى أبا بكر بن الحسين ابن على بسهم فقتله فلذلك يقول الشاعر وهو ابن أبى عقب وعند غنى قطرة من دمائنا * وفى أسد أخرى تعد وتذكر قال وزعموا أن العباس بن على قال لاخوته من أمه عبد الله وجعفر وعثمان يا بنى أمي تقدموا حتى أرثكم فإنه لا ولد لكم ففعلوا فقتلوا وشد هانئ بن ثبيت الحضرمي على عبد الله بن على بن أبى طالب فقتله ثم شد على جعفر بن على فقتله

[ 343 ]

وجاء برأسه ورمى خولى بن يزيد الاصبحي عثمان بن على بن أبى طالب بسهم ثم شد عليه رجل من بنى أبان بن دارم فقتله وجاء برأسه ورمى رجل من بنى أبان بن دارم محمد بن على بن أبى طالب فقتله وجاء برأسه * قال هشام حدثنى أبو الهذيل رجل من السكون عن هانئ بن ثبيت الحضرمي قال رأيته جالسا في مجلس الحضرميين في زمان خالد بن عبد الله وهو شيخ كبير قال فسمعته وهو يقول كنت ممن شهد قتل الحسين قال فوالله إنى لواقف عاشر عشرة ليس منا رجل إلا على فرس وقد جالت الخيل وتصعصعت إذ خرج غلام من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الابنية عليه إزار وقميص وهو مذعور يتلفت يمينا وشمالا فكأني أنظر إلى درتين في أذنيه تذبذبان كلما التفت إذ أقبل رجل يركض حتى إذا دنا منه مال عن فرسه ثم اقتصد الغلام فقطعه بالسيف قال هشام قال السكوني هانئ بن ثبيت هو صاحب الغلام فلما عتب عليه كنى عن نفسه قال هشام حدثنى عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال عطش الحسين حتى اشتد عليه العطش فدنا ليشرب من الماء فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع في فمه فجعل يتلقى الدم من فمه ويرمى به إلى السماء ثم حمد الله وأثنى عليه ثم جمع يديه فقال اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تذر على الارض منهم أحدا * قال هشام عن أبيه محمد بن السائب عن القاسم بن الاصبغ بن نباتة قال حدثنى من شهد الحسين في عسكره أن حسينا حين غلب على عسكره ركب المسناة يريد الفرات قال فقال رجل من بنى أبان بن دارم ويلكم حولوا بينه وبين الماء لا تتام إليه شيعته قال وضرب فرسه وأتبعه الناس حتى حالوا بينه وبين الفرات فقال الحسين اللهم أظمه قال وينتزع الابانى بسهم فأثبته في حنك الحسين قال فانتزع الحسين السهم ثم بسط كفيه فامتلاتا دما ثم قال الحسين الل