الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 تاريخ الطبري - الطبري ج 3

تاريخ الطبري

الطبري ج 3


[ 1 ]

تاريخ الامم والملوك للامام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الجزء الثالث [ قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة ] [ بمطبعة " بريل " بمدينة ليدن في سنة 1879 م ] راجعه وصححه وضبطه نخبة من العلماء الاجلاء منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب 7120

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة أربعة عشرة ففي أول يوم من المحرم سنة أربعة عشرة فيما كتب إلى به السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم خرج عمر حتى نزل على ماء يدعى صرارا فعسكر به ولا يدري الناس ما يريد أيسير أم يقيم وكانوا إذا أرادوا أن يسألوه عن شئ رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف وكان عثمان يدعى في إمارة عمر رديفا قالوا والرديف بلسان العرب الذي بعد الرجل والعرب تقول ذلك للرجل الذي يرجونه بعد رئيسهم وكانوا إذا لم يقدر هذان على علم شئ مما يريدون ثلثوا بالعباس فقال عثمان لعمر ما بلغك ما الذي تريد فنادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس إليه فأخبرهم الخبر ثم نظر ما يقول الناس فقال العامة سر وسر بنا معك فدخل معهم في رأيهم وكره أن يدعهم حتى يخرجهم منه في رفق فقال استعدوا وأعدوا فإني سائر إلا أن يجئ رأى هو أمثل من ذلك ثم بعث إلى أهل الرأى فاجتمع إليه وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأعلام العرب فقال أحضروني الرأى فإني سائر فاجتمعوا جميعا وأجمع ملؤهم على أن يبعث رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقيم ويرميه بالجنود فإن كان الذي يشتهي من الفتح فهو الذي يريد ويريدون وإلا أعاد رجلا وندب جندا آخر وفي ذلك ما يغيظ العدو ويرعوى المسلمون ويجئ نصر الله بإنجاز موعود الله فنادى عمر الصلاة جامعة فاجتمع الناس إليه وأرسل إلى علي عليه السلام وقد استخلفه على المدينة فأتاه والى طلحة وقد بعثه على المقدمة فرجع إليه وعلى المجنبتين الزبير وعبد الرحمن بن عوف فقام في الناس فقال إن الله عزوجل قد جمع على الاسلام أهله فألف بين القلوب وجعلهم فيه إخوانا والمسلمون فيما بينهم كالجسد لا يخلو منه شئ من شئ أصاب غيره وكذلك يحق على المسلمين

[ 3 ]

أن يكونوا أمرهم شورى بينهم بين ذوى الرأى منهم فالناس تبع لمن قام بهذا الامر ما اجتمعوا عليه ورضوا به لزم الناس وكانوا فيه تبعا لهم ومن أقام بهذا الامر تبع لاولى رأيهم ما رأوا لهم ورضوا به لهم من مكيدة في حرب كانوا فيه تبعا لهم يا أيها الناس إني إنما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأى منكم عن الخروج فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلا وقد أحضرت هذا الامر من قدمت ومن خلفت وكان علي عليه السلام خليفته على المدينة وطلحة على مقدمته بالاعوص فأحضرهما ذلك (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن إسحاق عن صالح بن كيسان عن عمر بن عبد العزيز قال لما انتهى قتل أبي عبيد بن مسعود إلى عمر واجتماع أهل فارس على رجل من آل كسرى نادى في المهاجرين والانصار وخرج حتى أتى صرارا وقدم طلحة بن عبيد الله حتى يأتي الاعوص وسمى لميمنته عبدالرحمن بن عوف ولميسرته الزبير بن العوام واستخلف عليا رضى الله عنه على المدينة واستشار الناس فكلهم أشار عليه بالسير إلى فارس ولم يكن استشار في الذي كان حتى نزل بصرار ورجع طلحة فاستشار ذوى الرأى فكان طلحة ممن تابع الناس وكان عبدالرحمن ممن نهاه فقال عبدالرحمن فما فديت أحدا بأبي وأمي بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل يومئذ ولا بعده فقلت يا بأبي وأمي اجعل عجزها بي وأقم وابعث جندا فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك قبل وبعد فإنه إن يهزم جيشك ليس كهزيمتك وإنك إن تقتل أو تهزم في أنف الامر خشيت أن لا يكبر المسلمون وأن لا يشهدوا أن لا إله إلا الله أبدا وهو في ارتياد من رجل وأتى كتاب سعد على حفف مشورتهم وهو على بعض صدقات نجد فقال عمر فأشيروا علي برجل فقال عبدالرحمن وجدته قال من هو قال الاسد في براثنه سعد بن مالك ومالاه أولو الرأى (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن خليد بن زفر عن أبيه قال كتب المثنى إلى عمر باجتماع فارس على يزدجرد وببعوثهم وبحال أهل الذمة فكتب إليه عمر أن تنح إلى البر وادع من يليك وأقم منهم قريبا على حدود أرضك وأرضهم حتى يأتيك أمرى وعاجلتهم الاعاجم

[ 4 ]

فزاحفتهم الزحوف وثار بهم أهل الذمة فخرج المثنى بالناس حتى ينزل العراق ففرقهم فيه من أوله إلى آخره فأقاموا ما بين غضى إلى القطقطانة مسالحه وعادت مسالح كسرى وثغوره واستقر أمر فارس وهم في ذلك هائبون مشفقون والمسلمون متدفقون قد ضروا بهم كالاسد ينازع فريسته ثم يعاود الكر وأمراؤهم يكفكفونهم لكتاب عمر وإمداد المسلمين (كتب إلي السري) بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف بن عمر عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد قال قد كان أبو بكر استعمل سعدا على صدقات هوازن بنجد فأقره عمر وكتب إليه فيمن كتب إليه من العمال حين استنفر الناس أن ينتخب أهل الخيل والسلاح ممن له رأي ونجدة فرجع إليه كتاب سعد بمن جمع الله له من ذلك الضرب فوافق عمر وقد استشارهم في رجل فأشاروا عليه به عند ذكره (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة بإسنادهما قالا كان سعد بن أبي وقاص على صدقات هوازن فكتب إليه عمر فيمن كتب إليه بانتخاب ذوي الرأي والنجدة ممن كان له سلاح أو فرس فجاءه كتاب سعد إني قد انتخبت لك ألف فارس (مؤد) ؟ كلهم له نجدة ورأي وصاحب حيطة يحوط حريم قومه ويمنع ذمارهم إليهم انتهت أحسابهم ورأيهم فشأنك بهم ووافق كتابه مشورتهم فقالوا قد وجدته قال فمن قالوا الاسد عاديا قال من قالوا سعد فانتهى إلى قولهم فأرسل إليه فقدم عليه فأمره على حرب العراق وأوصاه فقال يا سعد سعد بنو وهيب لا يغرنك من الله إن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب رسول الله فإن الله عزوجل لا يمحو السيئ بالسيئ ولكنه يمحو السيئ بالحسن فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة فانظر الامر الذي رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليه منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمه فانه الامر هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين ولما أراد أن يسرحه دعاه فقال إني قد وليتك حرب العراق فاحفظ وصيتي فإنك تقدم على أمر شديد كريه لا يخلص منه إلا

[ 5 ]

الحق فعود نفسك ومن معك الخير واستفتح به وأعلم أن لكل عادة عتادا فعتاد الخير الصبر فالصبر الصبر على ما أصابك أو نابك يجتمع لك خشية الله واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين في طاعته واجتناب معصيته وإنما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة وعصاه من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء منها السر ومنها العلانية فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه في الحق سواء وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه وبمحبة الناس فلا تزهد في التحبب فان النبيين قد سألوا محبتهم وإن الله إذا أحب عبدا حببه وإذا أبغض عبدا بغضه فاعتبر منزلتك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس ممن يشرع معك في أمرك ثم سرحه فيمن اجتمع إليه بالمدينة من نفير المسلمين فخرج سعد بن أبي وقاص من المدينة قاصدا العراق في أربعة آلاف ثلاثة ممن قدم عليه من اليمن والسراة وعلى أهل السروات حميضة بن النعمان بن حميضة البارقي وهم بارق وألمع وغامد وسائر إخوتهم في سبعمائة من أهل السراة وأهل اليمن ألفان وثلاثمائة منهم النخع بن عمرو وجميعهم يومئذ أربعة آلاف مقاتلتهم وذراريهم ونساؤهم وأتاهم عمر في عسكرهم فأرادهم جميعا على العراق فأبوا إلا الشأم وأبى إلا العراق فسمح نصفهم فأمضاهم نحو العراق وأمضى النصف الآخر نحو الشأم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن حنش النخعي عن أبيه وغيره منهم أن عمر أتاهم في عسكرهم فقال إن الشرف فيكم يا معشر النخع لمتريع سيروا مع سعد فنزعوا إلى الشأم وأبى إلا العراق وأبوا الا الشأم فسرح نصفهم إلى الشام ونصفهم إلى العراق (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمستنير وحنش قالوا وكان فيهم من حضرموت والصدف ستمائة عليهم شداد بن ضمعج وكان فيهم ألف وثلثمائة من مذحج على ثلاثة رؤساء عمرو بن معديكرب على بني منبه وأبو سبرة بن ذؤيب على جعفى ومن في حلف جعفى من إخوة جزء وزبيدة وأنس الله ومن لفهم ويزيد بن الحارث الصدائي على صداء وجنب ومسلية في ثلثمائة هؤلاء شهدوا من مذحج فيمن خرج من المدينة مخرج سعد منها وخرج معه من

[ 6 ]

قيس عيلان ألف عليهم بشر بن عبدالله الهلالي (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبيدة عن إبراهيم قال خرج أهل القادسية من المدينة وكانوا أربعة آلاف ثلاثة آلاف منهم من أهل اليمن وألف من سائر الناس (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وسهل عن القاسم قالوا وشيعهم عمر من صرار إلى الاعوص ثم قام في الناس خطيبا فقال إن الله تعالى إنما ضرب لكم الامثال وصرف لكم القول ليحيى بها القلوب فان القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله من علم شيئا فلينتفع به وإن للعدل أمارات وتباشير فأما الامارات فالحياء والسخاء والهين واللين وأما التباشير فالرحمة وقد جعل الله لكل أمر بابا ويسر لكل باب مفتاحا فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد والاعتبار ذكر الموت بتذكر الاموات والاستعداد له بتقديم الاعمال والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق وتأدية الحق إلى كل أحد له حق ولا تصانع في ذلك أحدا واكتف بما يكفيك من الكفاف فان من لم يكفه الكفاف لم يغنه شئ إني بينكم وبين الله وليس بيني وبينه أحد وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه فأنهوا شكاتكم إلينا فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع وأمر سعد بالسير وقال إذا انتهيت إلى زرود فانزل بها وتفرقوا فيما حولها واندب من حولك منهم وانتخب أهل النجدة والرأي والقوة والعدة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن سوقة عن رجل قال مرت السكون مع أول كندة مع حصين بن نمير السكوني ومعاوية بن خديج في أربعمائة فاعترضهم فإذا فيهم فتية دلم سباط مع معاوية ابن خديج فأعرض عنهم ثم أعرض ثم أعرض حتى قيل له مالك ولهؤلاء قال إني عنهم لمتردد وما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم ثم أمضاهم فكان بعد يكثر أن يتذكرهم بالكراهية وتعجب الناس من رأي عمر وكان منهم رجل يقال له سودان ابن حمران قتل عثمان بن عفان رضى الله عنه وإذا منهم حليف لهم يقال له خالد ابن ملجم قتل علي بن أبي طالب رحمه الله وإذا منهم معاوية بن خديج فنهض في قوم منهم يتبع قتلة عثمان يقتلهم وإذا منهم قوم يقرون قتلة عثمان (كنب إلى

[ 7 ]

السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة عن ماهان وزياد باسناده قالوا وأمد عمر سعدا بعد خروجه بألفي يماني وألفي نجدي مؤد من غطفان وسائر قيس فقدم سعد زرود في أول الشتاء فنزلها وتفرقت الجنود فيما حولها من أمواه بني تميم وأسد وانتظر اجتماع الناس وأمر عمر وانتخب من بني تميم والرباب أربعة آلاف ثلاثة آلاف تميمي وألف ربي وانتخب من بني أسد ثلاثة آلاف وأمرهم أن ينزلوا على حد أرضهم بين الحزن والبسيطة فأقاموا هنالك بين سعد بن أبي وقاص وبين المثنى بن حارثة وكان المثنى في ثمانية آلاف من ربيعة ستة آلاف من بكر بن وائل وألفان من سائر ربيعة أربعة آلاف ممن كان انتخب بعد فصول خالد وأربعة آلاف كانوا معه ممن بقي يوم الجسر وكان معه من أهل اليمن ألفان من بجيلة وألفان من قضاعة وطيئ ممن انتخبوا إلى ما كان قبل ذلك على طيئ عدي بن حاتم وعلى قضاعة عمرو بن وبرة وعلى بجيلة جرير بن عبدالله فبينا الناس كذلك سعد يرجو أن يقدم عليه المثنى والمثنى يرجو أن يقدم عليه سعد مات المثنى من جراحته التي كان جرحها يوم الجسر انتقضت به فاستخلف المثنى على الناس بشير بن الخصاصية وسعد يومئذ بزرود ومع بشير يومئذ وجوه أهل العراق ومع سعد وفود أهل العراق الذين كانوا قدموا على عمر منهم فرات بن حيان العجلي وعتيبة فردهم مع سعد (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بإسناده وزياد عن ماهان قالا فمن أجل ذلك اختلف الناس في عدد أهل القادسية فمن قال أربعة آلاف فلمخرجهم مع سعد من المدينة ومن قال ثمانية آلاف فلاجتماعهم بزرود ومن قال تسعة آلاف فللحاق القيسيين ومن قال اثنا عشر ألفا فلدفوف بني أسد من فروع الحزن بثلاثة آلاف وأمر سعدا بالاقدام فأقدم ونهض إلى العراق وجموع الناس بشراف وقدم عليه مع قدومه شراف الاشعث بن قيس في ألف وسبعمائة من أهل اليمن فجميع من شهد القادسية بضعة وثلاثون ألفا وجميع من قسم عليه فئ القادسية نحو من ثلاثين ألفا (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبدالملك بن عمير عن زياد عن جرير قال كان أهل اليمن ينزعون إلى الشأم وكانت مضر تنزع إلى العراق فقال

[ 8 ]

عمر أرحامكم أرسخ من أرحامنا ما بال مضر لا تذكر أسلافها من أهل الشأم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن أبي سعد بن المرزبان عمن حدثه عن محمد بن حذيفة بن اليمان قال لم يكن أحد من العرب أجرأ على فارس من ربيعة فكان المسلمون يسمونهم ربيعة الاسد إلى ربيعة الفرس وكانت العرب في جاهليتها تسمى فارس الاسد والروم الاسد (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن طلحة عن ماهان قال قال عمر والله لاضربن ملوك العجم بملوك العرب فلم يدع رئيسا ولاذا رأي ولا ذا شرف ولا ذا سطة ولا خطيبا ولا شاعرا إلا رماهم به فرماهم بوجوه الناس وغررهم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبي قال كان عمر قد كتب إلى سعد مرتحله من زرود أن ابعث إلى فرج الهند رجلا ترضاه يكون بحياله ويكون ردءا لك من شئ إن أتاك من تلك التخوم فبعث المغيرة بن شعبة في خمسمائة فكان بحيال الابلة من أرض العرب فأتى غضيا ونزل على جرير وهو فيما هنالك يومئذ فلما نزل سعد بشراف كتب إلى عمر بمنزله وبمنازل الناس فيما بين غضى إلى الجبانة فكتب إليه عمر إذا جاءك كتابي هذا فعشر الناس وعرف عليهم وأمر على أجنادهم وعبهم ومر رؤساء المسلمين فليشهدوا وقدرهم وهم شهود ثم وجههم إلى أصحابهم وواعدهم القادسية واضمم إليك المغيرة بن شعبة في خيله واكتب إلي بالذي يستقر عليه أمرهم فبعث سعد إلى المغيرة فانضم إليه وإلى رؤساء القبائل فأتوه فقدر الناس وعباهم بشراف وأمر أمراء الاجناد وعرف العرفاء فعرف على كل عشرة رجلا كما كانت العرافات أزمان النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك كانت إلى أن فرض العطاء وأمر على الرايات رجالا من أهل السابقة وعشر الناس وأمر على الاعشار رجالا من الناس لهم وسائل في الاسلام وولى الحروب رجالا فولى على مقدماتها ومجنباتها وساقتها ومحرداتها وطلائعها ورجلها وركبانها فلم يفصل إلا على تعبية ولم يفصل منها إلا بكتاب عمر وإذنه فأما أمراء التعبية فاستعمل زهرة بن عبدالله ابن قتادة بن الحوية بن مرثد بن معاوية بن معن بن مالك بن أرثم بن جشم بن

[ 9 ]

الحارث الاعرج وكان ملك هجر قد سوده في الجاهلية ووفده على النبي صلى الله عليه وسلم فقدمه ففصل بالمقدمات بعد الاذن من شراف حتى انتهى إلى العذيب واستعمل على الميمنة عبدالله بن المعتم وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحد التسعة الذين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فتممهم طلحة بن عبيد الله عشرة فكانوا عرافة واستعمل على الميسرة شرحبيل بن السمط بن شرحبيل الكندي وكان غلاما شابا وكان قد قاتل أهل الردة ووفى الله فعرف ذلك له وكان قد غلب الاشعث على الشرف فيما بين المدينة إلى أن اختطت الكوفة وكان أبوه ممن تقدم إلى الشأم مع أبي عبيدة بن الجراح وجعل خليفته خالد بن عرفطة وجعل عاصم بن عمرو التميمي ثم العمري على الساقة وسواد بن مالك التميمي على الطلائع وسلمان بن ربيعة الباهلي على المجردة وعلى الرجل حمال بن مالك الاسدي وعلى الركبان عبدالله بن ذي السهمين الخثعمي فكان أمراء التعبية يلون الامير والذين يلون أمراء التعبية أمراء الاعشار والذين يلون أمراء الاعشار أصحاب الرايات والذين يلون أصحاب الرايات والقواد رءوس القبائل وقالوا جميعا لا يستعين أبو بكر في الردة ولا على الاعاجم بمرتد واستنفرهم عمر ولم يول منهم أحد (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن مجالد وعمرو بإسنادهما وسعيد بن المرزبان قالوا بعث عمر الاطبة وجعل على قضاء الناس عبدالرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النور وجعل إليه الاقباض وقسمة الفئ وجعل داعيتهم ورائدهم سلمان الفارسي (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عمر وعن أبي عثمان النهدي قال والترجمان هلال الهجري والكاتب زياد بن أبي سفيان فلما فرغ سعد من تعبيته وأعد لكل شئ من أمره جماعا ورأسا كتب بذلك إلى عمر وكان من أمر سعد فيما بين كتابه إلى عمر بالذي جمع عليه الناس وبين رجوع جوابه ورحله من شراف إلى القادسية قدوم المعنى بن حارثة وسلمى بنت خصفة التيمية تيم اللات إلى سعد بوصية المثنى وكان قد أوصى بها وأمرهم أن يعجلوها على سعد بزرود فلم يفرغوا لذلك وشغلهم عنه قابوس بن قابوس بن المنذر وذلك أن الآزاذ مرد بن

[ 10 ]

الازاذبه بعثه إلى القادسية وقال له ادع العرب فأنت على من أجابك وكن كما كان آباؤك فنزل القادسية وكاتب بكر بن وائل بمثل ما كان النعمان يكاتبهم به مقاربة ووعيدا فلما انتهى إلى المعنى خبره أسرى المعنى من ذي قار حتى بيته فأنامه ومن معه ثم رجع إلى ذي قار وخرج منها هو وسلمى إلى سعد بوصية المثنى بن حارثة ورأيه فقدموا عليه وهو بشراف يذكر فيها أن رأيه لسعد ألا يقاتل عدوه وعدوهم يعني المسلمين من أهل فارس إذا استجمع أمرهم وملؤهم في عقر دارهم وأن يقاتلهم على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب وأدنى مدرة من أرض العجم فإن يظهر الله المسلمين عليهم فلهم ما وراءهم وإن يكن الاخرى فاؤا إلى فئة ثم يكونوا أعلم بسبيلهم وأجرأ على أرضهم إلى أن يرد الله الكرة عليهم فلما انتهى إلى سعد رأي المثنى ووصيته ترحم عليه وأمر المعنى على عمله وأوصى بأهل بيته خيرا وخطب سلمى فتزوجها وبنى بها وكان في الاعشار كلها بضعة وسبعون بدريا وثلثمائة وبضعة عشر ممن كانت له صحبة فيما بين بيعة الرضوان إلى ما فوق ذلك وثلثمائة ممن شهد الفتح وسبعمائة من أبناء الصحابة في جميع أحياء العرب وقدم على سعد وهو بشراف كتاب عمر بمثل رأي المثنى وقد كتب إلى أبي عبيدة مع كتاب سعد ففصل كتاباهما إليهما فأمر أبا عبيدة في كتابه بصرف أهل العراق وهم ستة آلاف ومن اشتهى أن يلحق بهم وكان كتابه إلى سعد أما بعد فسر من شراف نحو فارس بمن معك من المسلمين وتوكل على الله واستعن به على أمرك كله واعلم فيما لديك أنك تقدم على أمة عددهم كثير وعدتهم فاضلة وبأسهم شديد وعلى بلد منيع وإن كان سهلا كؤود لبحوره وفيوضه ودآدئه إلا أن توافقوا غيضا من فيض وإذا لقيتم القوم أو أحدا منهم فابدءوهم الشد والضرب وإياكم والمناظرة لجموعهم ولا يخدعنكم فانهم خدعة مكرة أمرهم غير أمركم إلا أن تجادوهم وإذا انتهيت إلى القادسية والقادسية باب فارس في الجاهلية وهي أجمع تلك الابواب لمادتهم ولما يريدونه من تلك الآصل وهو منزل رغيب خصيب حصين دونه قناطر وأنهار ممتنعة فتكون مسالحك على أنقابها ويكون الناس بين الحجر والمدر على حافات الحجر وحافات

[ 11 ]

المدر والجراع بينهما ثم الزم مكانك فلا تبرحه فإنهم إذا أحسوك أنغضتهم ورموك بجمعهم الذي يأتي على خيلهم ورجلهم وحدهم وجدهم فإن أنتم صبرتم لعدوكم واحتسبتم لقتاله ونويتم الامانة رجوت أن تنصروا عليهم ثم لا يجتمع لكم مثلهم أبدا إلا أن يجتمعوا وليست معهم قلوبهم وإن تكن الاخرى كان الحجر في أدباركم فانصرفتم من أدنى مدرة من أرضهم إلى أدنى حجر من أرضكم ثم كنتم عليها أجرأ وبها أعلم وكانوا عنها أجبن وبها أجهل حتى يأتي الله بالفتح عليهم ويرد لكم الكرة. وكتب إليه أيضا باليوم الذي يرتحل فيه من شراف فإذا كان يوم كذا وكذا فارتحل بالناس حتى تنزل فيما بين عذيب الهجانات وعذيب القوادس وشرق بالناس وغرب بهم ثم قدم عليه جواب كتاب عمر أما بعد فتعاهد قلبك وحادث جندك بالموعظة والنية والحسبة ومن غفل فليحدثهما والصبر الصبر فإن المعونة تأتي من الله على قدر النية والاجر على قدر الحسبة والحذر الحذر على من أنت عليه وما أنت بسبيله واسألوا الله العافية وأكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله واكتب إلى أين بلغك جمعهم ومن رأسهم الذي يلي مصادمتكم فإنه قد منعني من بعض ما أردت الكتاب به قلة علمي بما هجمتم عليه والذي استقر عليه أمر عدوكم فصف لنا منازل المسلمين والبلد الذي بينكم وبين المدائن صفة كأني أنظر إليها واجعلني من أمركم على الجلية وخف الله وارجه ولا تدل بشئ واعلم أن الله قد وعدكم وتوكل لهذا الامر بما لا خلف له فاحذر أن تصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم فكتب إليه سعد بصفة البلدان القادسية بين الخندق والعتيق وإن ما عن يسار القادسية بحر أخضر في جوف لاح إلى الحيرة بين طريقين فأما أحدهما فعلى الظهر وأما الآخر فعلى شاطئ نهر يدعى الحضوض يطلع بمن سلكه على ما بين الخورنق والحيرة وأما عن يمين القادسية إلى الولجة فيض من فيوض مياههم وأن جميع من صالح المسلمين من أهل السواد قبلي ألب لاهل فارس قد خفوا لهم واستعدوا لنا وأن الذي أعدوا لمصادمتنا رستم في أمثال له منهم فهم يحاولون إنغاضنا وإقحامنا ونحن نحاول إنغاضهم وإبرازهم وأمر الله بعد ماض وقضاؤه مسلم إلى ما قدر لنا وعلينا فنسأل

[ 12 ]

الله خير القضاء وخير القدر في عافية فكتب إليه عمر قد جاءني كتابك وفهمته فأقم بمكانك حتى تنغض الله لك عدوك واعلم أن لها ما بعدها فإن منحك الله أدبارهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه خرابها إن شاء الله وجعل عمر يدعو لسعد خاصة ويدعون له معه وللمسلمين عامة فقدم زهرة سعد حتى عسكر بعذيب الهجانات ثم خرج في أثره حتى ينزل على زهرة بعذيب الهجانات وقدمه فنزل زهرة القادسية بين العتيق والخندق بحيال القنطرة وقديس يومئذ أسفل منها بميل (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن القعقاع بإسناده قال وكتب عمر إلى سعد إني قد ألقى في روعي أنكم إذا لقيتم العدو هزمتموهم فاطرحوا الشك وآثروا التقية عليه فإن لاعب أحد منكم أحدا من العجم بأمان أو قرفه بإشارة أو بلسان كان لا يدري الاعجمي ما كلمه به وكان عندهم أمانا فأجروا ذلك له مجرى الامان وإياكم والضحك والوفاء الوفاء فإن الخطاء الوفاء بقية وان الخطاء بالغدر الهلكة وفيها وهنكم وقوة عدوكم وذهاب ريحكم وإقبال ريحهم واعلموا أني أحذركم أن تكونوا شينا على المسلمين وسببا لتوهينهم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن مسلم العكلي والمقدام بن أبي المقدام عن أبيه عن كرب بن أبي كرب العكلي وكان في المقدمات أيام القادسية قال قدمنا سعد من شراف فنزلنا بعذيب الهجانات ثم ارتحل فلما نزل علينا بعذيب الهجانات وذلك في وجه الصبح خرج زهرة بن الحوية في المقدمات فلما رفع لنا العذيب وكان من مسالحهم استبنا على بروجه ناسا فما نشاء أن نرى على برج من بروجه رجلا أو بين شرفتين إلا رأيناه وكنا في سرعان الخيل فأمسكنا حتى تلاحق بنا كثف ونحن نرى أن فيها خيلا ثم أقدمنا على العذبب فلما دنونا منها خرج رجل يركض نحو القادسية فانتهينا إليه فدخلناه فإذا ليس فيه أحد وإذا ذلك الرجل هو الذي كان يتراءى لنا على البروج وهو بين الشرف مكيدة ثم انطلق بخبرنا فطلبناه فأعجزنا وسمع بذلك زهرة فاتبعنا فلحق بنا وخلفنا وأتبعه وقال إن أفلت الربئ وأتاهم الخبر فلحقه بالخندق فطعنه فجدله فيه وكان أهل القادسية يتعجبون من شجاعة

[ 13 ]

ذلك الرجل ومن علمه بالحرب لم ير عين قوم قط أثبت ولا أربط جأشا من ذلك الفارسي لولا بعد غايته لم يلحق به ولم يصبه زهرة ووجد المسلمون في العذيب رماحا ونشابا وأسفاطا من جلود وغيرها انتفع بها المسلمون ثم بث الغارات وسرحهم في جوف الليل وأمرهم بالغارة على الحيرة وأمر عليهم بكير بن عبدالله الليثي وكان فيها الشماخ الشاعر القيسي في ثلاثين معروفين بالنجدة والبأس فسروا حتى جازوا السيلحين وقطعوا جسرها يريدون الحيرة فسمعوا جلبة وأزفلة فأحجموا عن الاقدام وأقاموا كمينا حتى يتبينوا فما زالوا كذلك حتى جازوا بهم فإذا خيول تقدم تلك الغوغاء فتركوها فنفذت الطريق إلى الصنين وإذا هم لم يشعروا بهم وإنما ينتظرون ذلك العين لا يريدونهم ولا يأبهون لهم إنما همتهم االصنين وإذا أخت آزاذمرد بن آزاذبه مرزبان الحيرة تزف إلى صاحب الصنين وكان من أشراف العجم فسار معها من يبلغها مخافة ما هو دون الذي لقوا فلما انقطعت الخيل عن الزواف والمسلمون كمين في النخل وجازت بهم الاثقال حمل بكير على شيرزاذ بن آزاذبه وهو بينها وبين الخيل فقصم صلبه وطارت الخيل على وجوهها وأخذوا الاثقال وابنة آزاذبه في ثلاثين امرأة من الدهاقين ومائة من التوابع ومعهم ما لا يدرى قيمته ثم عاج واستاق ذلك فصبح سعدا بعذيب الهجانات بما أفاء الله على المسلمين فكبروا تكبيرة شديدة فقال سعد أقسم بالله لقد كبرتم تكبيرة قوم عرفت فيهم العز فقسم ذلك سعد على المسلمين فالخمس نفله وأعطى المجاهدين بقيته فوقع منهم موقعا ووضع سعد بالعذيب خيلا تحوط الحريم وانضم إليها حاطة كل حريم وأمر عليهم غالب بن عبدالله الليثي ونزل سعد القادسية فنزل بقديس ونزل زهرة بحيال قنطرة العتيق في موضع القادسية اليوم وبعث بخبر بكير وبنزوله قديسا فأقام بها شهرا ثم كتب إلى عمر لم يوجه القوم الينا أحدا ولم يسندوا حربا إلى أحد علمناه ومتى ما يبلغنا ذلك نكتب به واستنصر الله فأنا بمنحاة دنيا عريضة دونها بأس شديد قد تقدم الينا في الدعاء إليهم فقال (ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد) وبعث سعد في مقامه ذلك إلى أسفل الفرات عاصم بن عمرو فسار حتى أتى

[ 14 ]

ميسان فطلب غنما أو بقرا فلم يقدر عليها وتحصن منه من في الافدان ووغلوا في الآجام ووغل حتى أصاب رجلا على طف أجمة فسأله واستدله على البقر والغنم فحلف له وقال لا أعلم وإذا هو راعي ما في تلك الاجمة فصاح منها ثور كذب والله وها نحن أولاء فدخل فاستاق الثيران وأتى بها العسكر فقسم ذلك سعد على الناس فأخصبوا أياما وبلغ ذلك الحجاج في زمانه فأرسل إلى نفر ممن شهدها أحدهم نذير ابن عمرو والوليد بن عبد شمس وزاهر فسألهم فقالوا نعم نحن سمعنا ذلك ورأيناه واستقناها فقال كذبتم فقالوا كذلك إن كنت شهدتها وغبنا عنها فقال صدقتم فما كان الناس يقولون في ذلك قالوا آية تبشير يستدل بها على رضاء الله وفتح عدونا فقال والله ما يكون هذا إلا والجمع أبرار أتقياء قالوا والله ما ندري ما أجنت قلوبهم فأما ما رأينا فانا لم نر قوما قط أزهد في الدنيا منهم ولا أشد لها بغضا ما اعتد على رجل منهم في ذلك اليوم بواحدة من ثلاث لا بجبن ولا بغدر ولا بغلول وكان هذا اليوم يوم الاباقر وبث الغارات بين كسكر والانبار فحووا من الاطعمة ما كانوا يستكفون به زمانا وبعث سعد عيونا إلى أهل الحيرة والى صلوبا ليعلموا له خبر أهل فارس فرجعوا إليه بالخبر بأن الملك قد ولى رستم بن الفرخزاذ الارمني حربه وأمره بالعسكرة فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر لا يكربتك ما يأتيك عنهم ولا ما يأتونك به واستعن بالله وتوكل عليه وابعث إليه رجالا من أهل المنظرة والرأي والجلد يدعونه فإن الله جاعل دعاءهم توهينا لهم وفلجا عليهم واكتب الي في كل يوم ولما عسكر رستم بساباط كتبوا بذلك إلى عمر (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي ضمرة عن ابن سيرين واسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قالا لما بلغ سعدا فصول رستم إلى ساباط أقام في عسكره لاجتماع الناس * فأما اسماعيل فانه قال كتب إليه سعد أن رستم قد ضرب عسكره بساباط دون المدائن وزحف الينا * وأما أبو ضمرة فانه قال كتب إليه أن رستم قد عسكر بساباط وزحف الينا بالخيول والفيول وزهاء فارس وليس شئ أهم الي ولا أنا له أكثر ذكرا مني لما أحببت أن أكون عليه ونستعين بالله ونتوكل عليه وقد بعثت فلانا وفلانا وهم ما وصفت (كتب إلي السري)

[ 15 ]

عن شعيب عن سيف عن عمرو والمجالد باسنادهما وسعيد بن المرزبان أن سعد بن أبي وقاص حين جاءه أمر عمر فيهم جمع نفرا عليهم نجار ولهم آراء ونفرا لهم منظر وعليهم مهابة ولهم آراء فأما الذين عليهم نجار ولهم آراء ولهم اجتهاد فالنعمان بن مقرن وبسر بن أبي رهم وحملة بن جوية الكناني وحنظلة بن الربيع التميمي وفرات ابن حيان العجلي وعدي بن سهيل والمغيرة بن زرارة بن النباش بن حبيب وأما من لهم منظر لاجسامهم وعليهم مهابة ولهم آراء فعطارد بن حاجب والاشعث بن قيس والحارث بن حسان وعاصم بن عمرو وعمرو بن معديكرب والمغيرة بن شعبة والمعنى بن حارثة فبعثهم دعاة إلى الملك * حدثني محمد بن عبدالله بن صفوان الثقفي قال حدثنا أمية بن خالد قال حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبدالرحمن قال قال أبو وائل جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس قال لا أدري لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف أو نحو من ذلك والمشركون ثلاثون ألفا أو نحو ذلك فقالوا لنا لايدي لكم ولا قوة ولا سلاح ما جاء بكم ارجعوا قال قلنا لا نرجع وما نحن براجعين فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون دوك دوك ويشبهونها بالمغازل قال فلما أبينا عليهم أن نرجع قالوا ابعثوا الينا رجلا منكم عاقلا يبين لنا ما جاء بكم فقال المغيرة بن شعبة أنا فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا وصاحوا فقال إن هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم قال رستم صدقت ما جاء بكم قال انا كنا قوما في سوق ضلالة فبعث الله فينا نبيا فهدانا الله به ورزقنا على يديه فكان مما رزقنا حبة زعمت تنبت بهذا البلد فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا لا صبر لنا عن هذه أنزلونا هذه الارض حتى نأكل من هذه الحبة فقال رستم إذا نقتلكم فقال إن قتلتمونا دخلنا الجنة وإن قتلناكم دخلتم النار وأديتم الجزية قال فلما قال أديتم الجزية نخروا وصاحوا وقالوا لا صلح بيننا وبينكم فقال المغيرة تعبرون إلينا أو نعبر اليكم فقال رستم بل نعبر اليكم فاستأجر المسلمون حتى عبر منهم من عبر فحملوا عليهم فهزموهم قال حصين فحدثني رجل منا يقال له عبيد بن جحش السلمي قال لقد رأيتنا وإنا لنطأ على ظهور الرجال ما مسهم سلاح قتل بعضهم بعضا ولقد رأيتنا أصبنا جرابا من كافور فحسبناه ملحا لا نشك أنه ملح فطبخنا لحما فجعلنا نلقيه

[ 16 ]

في القدر فلا نجد له طعما فمر بنا عبادي معه قميص فقال يا معشر المعربين لا تفسدوا طعامكم فان ملح هذه الارض لا خير فيه هل لكم أن تأخذوا هذا القميص به فأخذناه منه واعطيناه منا رجلا يلبسه فجعلنا نطيف به ونعجب منها فلما عرفنا الثياب إذا ثمن ذلك القميص درهمان قال ولقد رأيتني أقرب إلى رجل عليه سواران من ذهب وسلاحه فجاء فما كلمته حتى ضربت عنقه قال فانهزموا حتى انتهوا إلى الصراة فطلبناهم فانهزموا حتى انتهوا إلى المدائن فكان المسلمون بكوثى وكان مسلحة المشركين بدير المسلاخ فأتاهم المسلمون فالتقوا فهزم المشركون حتى نزلوا بشاطئ دجلة فمنهم من عبر من كلواذى ومنهم من عبر من أسفل المدائن فحصروهم حتى ما يجدون طعاما يأكلونه إلا كلابهم وسنانيرهم فخرجوا ليلا فلحقوا بجلولاء فأتاهم المسلمون وعلى مقدمة سعد هاشم بن عتبة وموضع الوقعة التي ألحقهم منها فريد قال أبو وائل فبعث عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان على أهل الكوفة ومجاشع بن مسعود على أهل البصرة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد عن الشعبي وطلحة عن المغيرة قالوا فخرجوا من العسكر حتى قدموا المدائن احتجاجا ودعاة ليزدجرد فطووا رستم حتى انتهوا إلى باب يزدجرد فوقفوا على خيول عروات معهم جنائب وكلها صهال فاستأذنوا فحبسوا وبعث يزدجرد إلى وزرائه ووجوه أرضه يستشيرهم فيما يصنع بهم ويقوله لهم وسمع بهم الناس فحضروهم ينظرون إليهم وعليهم المقطعات والبرود وفي أيديهم سياط دقاق وفي أرجلهم النعال فلما اجتمع رأيهم أذن لهم فأدخلوا عليه (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن طلحة عن بنت كيسان الضبية عن بعض سبايا القادسية ممن حسن إسلامه وحضر هذا اليوم الذي قدم فيه وفود العرب قال وثاب إليهم الناس ينظرون إليهم فلم أر عشرة قط يعدلون في الهيئة بألف غيرهم وخيلهم تخبط ويوعد بعضها بعضا وجعل أهل فارس يسوءهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم فلما دخلوا على يزدجرد أمرهم بالجلوس وكان سيئ الادب فكان أول شئ دار بينه وبينهم أن أمر الترجمان بينه وبينهم فقال سلهم ما يسمون هذه الاردية فسأل

[ 17 ]

النعمان وكان على الوفد ما تسمى رداءك قال البرد فتطير وقال بردجهان وتغيرت ألوان فارس وشق ذلك عليهم ثم قال سلهم عن أحذيتهم فقال ما تسمون هذه الاحذية فقال النعال فعاد لمثلها فقال ناله ناله في أرضنا ثم سأله عن الذي في يده فقال سوط والسوط بالفارسية الحريق فقال احرقوا فارس أحرقهم الله وكان نظيره على أهل فارس وكانوا يجدون من كلامه (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبي بمثله وزاد ثم قال الملك سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا أمن أجل أنا أجممناكم وتشاغلنا عنكم اجترأتم علينا فقال لهم النعمان بن مقرن إن شئتم أجبت عنكم ومن شاء آثرته فقالوا بل تكلم وقالوا للملك كلام هذا الرجل كلامنا فتكلم النعمان فقال إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به ويعرفنا الشر وينهانا عنه ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب وبدأ بهم وفعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكره عليه فاغتبط وطائع أتاه فازداد فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الامم فندعوهم إلى الانصاف فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله فان أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء فان أبيتم فالمناجزة فان أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم وإن اتقيمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم قال فتكلم يزدجرد فقال إني لا أعلم في الارض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم فان كان عدد لحق فلا يغرنكم منا وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم فأسكت القوم فقال المغيرة بن زرارة بن النباش الاسيدي فقال أيها الملك إن هؤلاء

[ 18 ]

رؤوس العرب ووجوههم وهم أشراف يستحيون من الاشراف وانما يكرم الاشراف الاشراف ويعظم حقوق الاشراف الاشراف ويفخم الاشراف الاشراف وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك فجاوبني لاكون الذي أبلغك ويشهدون على ذلك إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات فنرى ذلك طعامنا وأما المنازل فانما هي ظهر الارض ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الابل وأشعار الغنم ديننا أن يقتل بعضنا بعضا ويغير بعضنا على بعض وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك فبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده فأرصه خير أرضنا وحسبه خير أحسابنا وبيته أعظم بيوتنا وقبيلته خير قبيلتنا وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد أول من ترب كان له وكان الخليفة من يعده فقال وقلنا وصدق وكذبنا وزاد ونقصنا فلم يقل شيئا إلا كان فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه فصار فيما بيننا وبين رب العالمين فما قال لنا فهو قول الله وما أمرنا فهو أمر الله فقال لنا إن ربكم يقول إني أنا الله وحدي لا شريك لي كنت إذ لم يكن شئ وكل شئ هالك إلا وجهي وأنا خلقت كل شئ وإلي يصير كل شئ وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لادلكم ؟ على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي ولاحلكم داري دار السلام فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق وقال من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم فمن قتل منكم أدخلته جنتي ومن بقى منكم أعقبته النصر على من ناوأه فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجى نفسك فقال أتستقبلني بمثل هذا فقال ما استقبلت إلا من كلمني ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به فقال لولا

[ 19 ]

أن الرسل لا تقتل لقتلتكم لا شئ لكم عندي فقال ائتوني بوقر من تراب فقال احملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل اليكم رستم حتى يدفيكم ويدفيه في خندق القادسية وينكل به وبكم من بعد ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور ثم قال من أشرفكم فسكت القوم فقال عاصم بن عمرو وافتات ليأخذ التراب أنا أشرفهم أنا سيد هؤلاء فحملنيه فقال أكذاك فقالوا نعم فحمله على عنقه فخرج به من الايوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها ثم انجذب في السير فأتوا به سعدا وسبقهم عاصم فمر بباب قديس فطواه فقالوا بشروا الامير بالظفر ظفرنا إن شاء الله ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر فقال أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم وجاء أصحابه وجعلوا يزدادون في كل يوم قوة ويزداد عدوهم في كل يوم وهنا واشتد ما صنع المسلمون وصنع الملك من قبول التراب على جلساء الملك وراح رستم من ساباط إلى الملك يسأله عما كان من أمره وأمرهم وكيف رآهم فقال الملك ما كنت أرى أن في العرب مثل رجال رأيتهم دخلوا علي وما أنتم بأعقل منهم ولا أحسن جوابا منهم وأخبره بكلام متكلمهم وقال لقد صدقني القوم لقد وعد القوم أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه على أني قد وجدت أفضلهم أحمقهم لما ذكروا الجزية أعطيته ترابا فحمله على رأسه فخرج به ولو شاء أتقى بغيره وأنا لا أعلم قال أيها الملك إنه لاعقلهم وتطير إلى ذلك وأبصرها دون أصحابه وخرج رستم من عنده كئيبا غضبان وكان منجما كاهنا فبعث في أثر الوفد وقال لثقته ان أدركهم الرسول تلافينا أرضنا وإن أعجزوه سلبكم الله أرضكم وأبناءكم فرجع الرسول من الحيرة بفواتهم فقال ذهب القوم بأرضكم غير ذي شك ما كان من شأن ابن الحجامة الملك ذهب القوم بمفاتيح أرضنا فكان ذلك مما زاد الله به فارس غيظا وأغار بعد ما خرج الوفد إلى يزدجرد إلى أن جاءوا إلى صيادين قد أصطادوا سمكا وسار سواد بن مالك التميمي إلى النجاف والفراض إلى جنبها فاستاق ثلثمائة دابة من بين بغل وحمار وثور فأوقروها سمكا واستاقوها

[ 20 ]

فصبحوا العسكر فقسم السمك بين الناس سعد وقسم الدواب ونفل الخمس إلا ما رد على المجاهدين منه وأسهم على السبي وهذا يوم الحيتان وقد كان الآزاذمرد ابن الآزاذبه خرج في الطلب فعطف عليه سواد وفوارس معه فقاتلهم على قنطرة السيلحين حتى عرفوا أن الغنيمة قد نجت ثم اتبعوها فأبلغوها المسلمين وكانوا انما يقرمون إلى اللحم فاما الحنطة والشعير والتمر والحبوب فكانوا قد اكتسبوا منها ما اكتفوا به لو أقاموا زمانا فكانت السرايا انما تسرى للحوم ويسمون أيامها بها ومن أيام اللحم بوم الاباقر ويوم الحيتان وبعث مالك بن ربيعة بن خالد التميمي تيم الرباب ثم الواثلي ومعه المساور بن النعمان التيمي ثم الربيعي في سرية أخرى فأغارا على الفيوم فأصابا إبلا لبني تغلب والنمر فشلاها ومن فيها فغدوا بها على سعد فنحرت الابل في الناس وأخصبوا وأغار على النهرين عمرو بن الحارث فوجدوا على باب ثوراء مواشي كثيرة فسلكوا أرض شيلى وهي اليوم نهر زياد حتى أتوا بها العسكر وقال عمر وليس بها يومئذ الا نهران وكان بين قدوم خالد العراق ونزول سعد القادسية سنتان وشئ وكان مقام سعد بها شهرين وشيئا حتى ظفر قال والاسناد الاول وكان من حديث فارس والعرب بعد البويب ان الانوشجان ابن الهربذ خرج من سواد البصرة يريد أهل غضى فاعترضه أربعة نفر على أفناء تميم وهم بإزائهم المستورد وهو على الرباب وعبد الله بن زيد يسانده الرباب بينهما وجزء بن معاوية وابن النابغة يسانده سعد بينهما والحسن بن نيار والاعور ابن بشامة يسانده على عمرو والحصين بن معبد والشبه على حنظلة فقتلوه دونهم وقدم سعد فانضموا إليه هم وأهل غضى وجميع تلك الفرق (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو بإسنادهم قالوا وعج أهل السواد إلى يزدجرد بن شهريار وأرسلوا إليه أن العرب قد نزلوا القادسية بأمر ليس يشبه الا الحرب وان فعل العرب مذ نزلوا القادسية لا يبقى عليه شئ وقد أحربوا ما بينهم وبين الفرات وليس فيما هنالك أنيس إلا في الحصون وقد ذهب الدواب وكل شئ لم يحتمله الحصون من الاطعمة ولم يبق إلا أن يستنزلونا

[ 21 ]

فإن أبطأ عنا الغياث أعطيناهم بأيدينا وكتب إليه بذلك الملوك الذين لهم الضياع بألطف وأعانوهم عليه وهيجوه على بعثه رستم ولما بدا ليزدجرد أن يرسل رستم أرسل إليه فدخل عليه فقال له إني أريد أن أوجهك في هذا الوجه وإنما يعد للامور على قدرها وأنت رجل أهل فارس اليوم وقد ترى ما جاء من أهل فارس من أمر لم يأتهم مثله منذ ولى آل أردشير فأراه أن قد قبل منه وأثنى عليه فقال له الملك قد أحب أن أنظر فيما لديك لاعرف ما عندك فصف لي العرب وفعلهم منذ نزلوا القادسية وصف لي العجم وما يلقون منهم فقال رستم صف ذئاب صادفت غرة من رعاء فأفسدت فقال ليس كذلك إني إنما سألتك رجاء أن تعرب صفتهم فأقويك لتعمل على قدر ذلك فلم تصب فافهم عني إنما مثلهم ومثل أهل فارس كمثل عقاب أوفى على جبل يأوي إليه الطير بالليل فتبيت في سفحه في أوكارها فلما أصبحت تجلت الطير فأبصرته يرقبها فإن شذ منها شئ اختطفه فلما أبصرته الطير لم تنهض من مخافته وجعلت كلما شذ منها طائر اختطفه فلو نهضت نهضة واحدة ردته وأشد شئ يكون في ذلك أن تنجوا كلها إلا واحدا وإن اختلفت لم تنهض فرقة إلا هلكت فهذا مثلهم ومثل الاعاجم فاعمل على قدر ذلك فقال له رستم أيها الملك دعني فإن العرب لا تزال تهاب العجم ما لم تضرهم بي ولعل الدولة أن تثبت بي فيكون الله قد كفى ونكون قد أصبنا المكيدة ورأي الحرب فإن الرأي فيها والمكيدة أنفع من بعض الظفر فأبى عليه وقال أي شئ بقى فقال رستم إن الاناة في الحرب خير من العجلة وللاناة اليوم موضع وقتال جيش بعد جيش أمثل من هزيمة بمرة وأشد على عدونا فلج وأبى فخرج حتى ضرب عسكره بساباط وجعلت تختلف إلى الملك الرسل ليرى موضعا لاعفائه وبعثة غيره ويجتمع إليه الناس وجاء العيون إلى سعد بذلك من قبل الحيرة وبنى صلوبا وكتب إلى عمر بذلك ولما كثرت الاستغاثة على يزدجرد من أهل السواد على يدي الآزاذمرد ابن الآزاذبه جشعث نفسه واتقى الحرب برستم وترك الرأي وكان ضيقا لجوجا فاستحث رستم فأعاد عليه رستم القول وقال أيها الملك لقد اضطرني تضييع الرأي إلى إعظام نفسي وتزكيتها ولو أجد من ذلك بدا لم أتكلم به فأنشدك الله في نفسك

[ 22 ]

وأهلك وملكك دعني أقم بعسكري وأسرح الجالنوس فإن تكن لنا فذلك وإلا فأنا على رجل وابعث غيره حتى إذا لم يجد بدا ولا حيلة صبرنا لهم وقد وهناهم وحسرناهم ونحن جامون فأبى الا أن يسير (كتاب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن النضر بن السري الضبي عن ابن الرفيل عن أبيه قال لما نزل رستم بساباط وجمع آلة الحرب وأداتها بعث على مقدمته الجالنوس في أربعين ألفا وقال ازحف زحفا ولا تنجذب الا بأمري واستعمل على ميمنته الهرمزان وعلى ميسرته مهران بن بهرام الرازي وعلى ساقته البيرزان وقال رستم ليشجع الملك ان فتح الله علينا القوم فهو وجهنا إلى ملكهم في دارهم حتى نشغلهم في أصلهم وبلادهم إلى أن يقبلوا المسألة أو يرضوا بما كانوا يرضون به فلما قدمت وفود سعد على الملك ورجعوا من عنده رأى رستم فيما يرى النائم رؤيا فكرهها وأحس بالشر وكره لها الخروج ولقاء القوم واختلف عليه رأيه واضطرب وسأل الملك أن يمضي الجالنوس ويقيم حتى ينظر ما يصنعون وقال إن غناء الجالنوس كغنائي وان كان اسمى أشد عليهم من اسمه فإن ظفر فهو الذي نريد وإن يكن الاخرى وجهت مثله ودفعنا هؤلاء القوم إلى يوم ما فإني لا أزال مرجوا في أهل فارس ما لم أهزم ينشطون ولا أزال مهيبا في صدور العرب ولا يزالون يهابون الاقدام ما لم أباشرهم فإن باشرتهم اجترؤا آخر دهرهم وانكسر أهل فارس آخر دهرهم فبعث مقدمته أربعين ألفا وخرج في ستين ألفا وساقته في عشرين ألفا (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم قالوا وخرج رستم في عشرين ومائة ألف كلهم متبوع وكانوا بأتباعهم أكثر من مائة ألف وخرج من المدائن في ستين ألف متبوع (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رستم زحف لسعد وهو بالقادسية في ستين ألف متبوع (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم قالوا لما أبى الملك إلا السير كتب رستم إلى أخيه والى رؤس أهل بلاده من رستم إلى البندوان مرزبان الباب وسهم أهل فارس الذي كان لكل

[ 23 ]

كون يكون فيفض الله به كل جند عظيم شديد ويفتح به كل حصن حصين ومن يليه فرموا حصونكم وأعدوا واستعدوا فكأنكم بالعرب قد وردوا بلادكم وقارعوكم عن أرضكم وأبناءكم وقد كان من رأيي مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود سعودهم نحوسا فأبى الملك (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن الصلت بن بهرام عن رجل أن يزدجرد لما أمر رستم بالخروج من ساباط كتب إلى أخيه بنحو من الكتاب الاول وزاد فيه فإن السمكة قد كدرت الماء وأن النعائم قد حسنت وحسنت الزهرة واعتدل الميزان وذهب بهرام ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا ويستولون على ما يلينا وان أشد ما رأيت أن الملك قال لتسيرن إليهم أو لاسيرن إليهم أنا بنفسي فأنا سائر إليهم (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن النضر بن السري عن ابن الرفيل عن أبيه قال كان الذي جرأ يزدجرد على ارسال رستم غلام جابان منجم كسرى وكان من أهل فرات بادقلى فأرسل إليه فقال ما ترى في مسير رستم وحرب العرب اليوم فخافه على الصدق فكذبه وكان رستم يعلم نحوا من علمه فثقل عليه مسيره لعلمه وخف على الملك لما غره منه وقال إني أحب أن تخبرني بشئ أراه أطمئن به إلى قولك فقال الغلام لزرنا الهندي أخبره فقال سلني فسأله فقال أيها الملك يقبل طائر فيقع على إيوانك فيقع منه شئ في فيه هاهنا وخط دارة فقال العبد صدق والطائر غراب والذي في فيه درهم وبلغ جابان أن الملك طلبه فأقبل حتى دخل عليه فسأله عما قال غلامه فحسب فقال صدق ولم يصب هو عقعق والذي في فيه درهم فيقع منها على هذا المكان وكذب زرنا ينزو الدرهم فيستقر هاهنا ودور دارة أخرى فما قاموا حتى وقع على الشرفات عقعق فسقط منها الدرهم في الخط الاول فنزا فاستقر في الخط الآخر ونافر الهندي جابان حيث خطأه فأتيا ببقرة نتوج فقال الهندي سخلتها غراء سوداء فقال جابان كذبت بل سوداء صبغاء فخرت البقرة فاستخرجت سخلتها فإذا هي ذنبها بين عينيها فقال جابان من هاهنا أتى زرنا وشجعاه على إخراج رستم فأمضاه وكتب جابان إلى جشنسماه أن أهل فارس قد زال أمرهم وأديل عدوهم عليهم

[ 24 ]

وذهب ملك المجوسية وأقبل ملك العرب وأديل دينهم فاعتقد منهم الذمة ولا تخلبنك الامور والعجل العجل قبل أن تؤخذ فلما وقع الكتاب إليه خرج حشنسماه إليهم حتى أتى المعنى وهو في خيل بالعتيق وأرسله إلى سعد فاعتقد منه على نفسه وأهل بيته ومن استجاب له ورده وكان صاحب أخبارهم وأهدى للمعنى فالوذق فقال لامرأته ما هذا فقالت أظن البائسة امرأته أراغت العصيدة فأخطأتها فقال المعنى بؤسا لها (كتاب الي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد وعمرو باسنادهم قالوا لما فصل رستم من ساباط لقيه جابان على القنطرة فشكا إليه وقال ألا ترى ما أرى فقال له رستم أما أنا فأقاد بخشاش وزمام ولا أجد بدا من الانقياد وأمر الجالنوس حتى قدم الحيرة فمضى واضطرب فسطاطه بالنجف وخرج رستم حتى ينزل بكوثي وكتب إلى الجالنوس والآزاذمرد أصيبا لي رجلا من العرب من جند سعد فركبا بأنفسهما طليعة فأصابا رجلا فبعثا به إليه وهو بكوثي فاستخبره ثم قتله (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن النضر بن السري عن ابن الرفيل عن أبيه قال لما فصل رستم وأمر الجالنوس بالتقدم إلى الحيرة أمره أن يصيب له رجلا من العرب فخرج هو والآزاذمرد سرية في مائة حتى انتهيا إلى القادسية فأصابا رجلا دون قنطرة القادسية فاختطفاه فنفر الناس فأعجزوهم إلا ما أصاب المسلمون في أخرياتهم فلما انتهيا إلى النجف سرحا به إلى رستم وهو بكوثي فقال له رستم ما جاء بكم وماذا تطلبون قال جئنا نطلب موغود الله قال وما هو قال أرضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أبيتم أن تسلموا قال رستم فإن قتلتم قبل ذلك قال في موعود الله ان من قتل منا قبل ذلك أدخله الجنة وأنجز لمن بقى منا ما قلت لك فنحن على يقين فقال رستم قد وضعنا إذا في أيديكم قال ويحك يا رستم إن أعمالكم وضعتكم فأسلمكم الله بها فلا يغرنك ما ترى حولك فإنك لست تجاول الانس إنما تجاول القضاء والقدر فاستشاط غضبا فأمر به فضربت عنقه وخرج رستم من كوثي حتى ينزل ببرس فغصب أصحابه الناس أموالهم ووقعوا على النساء وشربوا الخمور فضج العلوج إلى رستم وشكوا إليه ما يلقون في أموالهم وأبنائهم فقام فيهم فقال يا معشر

[ 25 ]

أهل فارس والله لقد صدق العربي والله ما أسلمنا الا أعمالنا والله للعرب في هؤلاء وهم لهم ولنا حرب أحسن سيرة منكم إن الله كان ينصركم على العدو ويمكن لكم في البلاد بحسن السيرة وكف الظلم والوفاء بالعهود والاحسان فأما إذا تحولتم عن ذلك إلى هذه الاعمال فلا أرى الله إلا مغيرا ما بكم وما أنا بآمن أن ينزع الله سلطانه منكم وبعث الرجال فلقطوا له بعض من يشكى فأتى بنفر فضرب أعناقهم ثم ركب ونادى في الناس بالرحيل فخرج ونزل بحيال دير الاعور ثم أنصب إلى الملطاط فعسكر مما يلي الفرات بحيال أهل النجف بحيال الخورنق إلى الغريين ودعا بأهل الحيرة فأوعدهم وهم بهم فقال له ابن بقيلة لا تجمع علينا اثنتين إن تعجز عن نصرتنا وتلومنا على الدفع عن أنفسنا وبلادنا فسكت (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبي والمقدام الحارثي عمن ذكره قالا دعا رستم أهل الحيرة وسرادقه إلى جانب الدير فقال يا أعداء الله فرحتم بدخول العرب علينا بلادنا وكنتم عيونا لهم علينا وقويتموهم بالاموال فاتقوه بابن بقيلة وقالوا له كن أنت الذي تكلمه فتقدم فقال أما أنت وقولك انا فرحنا بمجيئهم فماذا فعلوا وبأي ذلك من أمورهم نفرح أنهم ليزعمون أنا عبيد لهم وما هم على ديننا وإنهم ليشهدون علينا أنا من أهل النار وأما قولك انا كنا عيونا لهم فما الذي يحوجهم إلى أن نكون عيونا لهم وقد هرب أصحابكم منهم وخلوا لهم القرى فليس يمنعهم أحد من وجه أرادوه إن شاؤا أخذوا يمينا أو شمالا وأما قولك إنا قويناهم بالاموال فإنا صانعناهم بالاموال عن أنفسنا إذ لم تمنعونا مخافة أن نسبي وأن نحرب وتقتل مقاتلتنا وقد عجز منهم من لقيهم منكم فكنا نحن أعجز ولعمري لانتم أحب إلينا منهم وأحسن عندنا بلاء فامنعونا منهم نكن لكم أعوانا فإنما نحن بمنزلة علوج السواد عبيد من غلب فقال رستم صدقكم الرجل (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه قال رأي رستم بالدير أن ملكا جاء حتى دخل عسكر فارس فختم السلاح أجمع (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وأصحابه وشاركهم النضر بإسناده قالوا ولما اطمأن رستم أمر الجالنوس

[ 26 ]

أن يسير من النجف فسار في المقدمات فنزل فيما بين النجف والسيلحين وارتحل رستم فنزل النجف وكان بين خروج رستم من المدائن وعسكرته بساباط وزحفه منها إلى أن لقى سعدا أربعة أشهر لا يقدم ولا يقاتل رجاء أن يضجروا بمكانهم وأن يجهدوا فينصرفوا وكره قتالهم مخافة أن يلقى ما لقى من قبله وطاولهم لولا ما جعل الملك يستعجله وينهضه ويقدمه حتى اقتحمه فلما نزل رستم النجف عادت عليه الرؤيا فرأى ذلك الملك ومعه النبي صلى الله عليه وسلم وعمر فأخذ الملك سلاح أهل فارس فختمه ثم دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر فأصبح رستم فازداد حزنا فلما رأى الرفيل ذلك رغب في الاسلام فكانت داعيته إلى الاسلام وعرف عمر أن القوم سيطاولونهم فعهد إلى سعد وإلى المسلمين أن ينزلوا حدود أرضهم وأن يطاولوهم أبدا حتى ينغضوهم فنزلوا القادسية وقد وطنوا أنفسهم على الصبر والمطاولة وأبى الله إلا أن يتم نوره فأقاموا واطمأنوا فكانوا يغيرون على السواد فانتسفوا ما حولهم فحووه وأعدوا للمطاولة وعلى ذلك جاؤا أو يفتح الله عليهم وكان عمر يمدهم بالاسواق إلى ما يصيبون فلما رأى ذلك الملك ورستم وعرفوا حالهم وبلغهم عنهم فعلهم علم أن القوم غير منتهين وأنه إن أقام لم يتركوه فرأى أن يشخص رستم ورأى رستم أن ينزل بين العتيق والنجف ثم يطاولهم مع المنازلة ورأى أن ذلك أمثل ما هم فاعلون حتى يصيبوا من الاحجام حاجتهم أو تدور لهم سعود (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم قالوا وجعلت السرايا تطوف ورستم بالنجف والجالنوس بين النجف والسيلحين وذو الحاجب بين رستم والجالنوس والهرمزان ومهران على مجنبتيه والبيرزان على ساقته وزاذ ابن بهيش صاحب فرات سريا على الرجالة وكنارى على المجردة وكان جنده مائة وعشرين ألفا ستين ألف متبوع مع الرجل الشاكري ومن الستين ألفا خمسة عشر ألف شريف متبوع وقد تسلسلوا وتقارنوا لتدور عليهم رحى الحرب (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس عن موسى بن طريف قال قال الناس لسعد لقد ضاق بنا المكان فأقدم فزبر من كلمه بذلك وقال إذا

[ 27 ]

كفيتم الرأي فلا تكلفوا فإنا لن نقدم إلا على رأي ذوى الرأي فاسكتوا ما سكتنا عنكم وبعث طليحة وعمرا في غير خيل كالطليعة وخرج سواد وحميضة في مائة مائة فأغاروا على النهرين وقد كان سعد نهاهما أن يمعنا وبلغ رستم فأرسل إليهم خيلا وبلغ سعدا أن خيله قد وغلت فدعا عاصم بن عمرو وجابرا الاسدي فأرسلهما في آثارهم يقتصانها وسلكا طريقهما وقال لعاصم إن جمعكم قتال فأنت عليهم فلقيهم بين النهرين وإصطيميا وخيل أهل فارس محتوشتهم يريدون تخلص ما بين أيديهم وقد قال سواد لحميضة أختر إما أن تقيم لهم وأستاق الغنيمة أو أقيم لهم وتستاق الغنيمة قال أقم لهم ونهنهم عني وأنا أبلغ لك الغنيمة فأقام لهم سواد وانجذب حميضة فلقيه عاصم بن عمرو فظن حميضة أنها خيل للاعاجم أخرى فصد عنها منحرفا فلما تعارفوا ساقها ومضى عاصم إلى سواد وقد كان أهل فارس تنقذوا بعضها فلما رأت الاعاجم عاصما هربوا وتنقذ سواد ما كانوا ارتجعوا فأتوا سعدا بالفتح والغنائم والسلامة وقد خرج طليحة وعمرو فأما طليحة فأمره بعسكر رستم وأما عمرو فأمره بعسكر الجالنوس فخرج طليحة وحده وخرج عمرو في عدة فبعث قيس بن هبيرة في آثارهما فقال إن لقيت قتالا فأنت عليهم وأراد إذلال طليحة لمعصيته وأما عمرو فقد أطاعه فخرج حتى تلقى عمرا فسأله عن طليحة فقال لا علم لي به فلما انتهيا إلى النجف من قبل الجوف قال له قيس ما تريد قال أريد أن أغير على أدنى عسكرهم قال في هؤلاء قال نعم قال لا أدعك والله وذاك أتعرض المسلمين لما لا يطيقون قال وما أنت وذاك قال إني أمرت عليك ولو لم أكن أميرا لم أدعك وذاك وشهد له الاسود بن يزيد في نفر أن سعدا قد استعمله عليك وعلى طليحة إذا اجتمعتم فقال عمرو والله يا قيس إن زمانا تكون على فيه أميرا لزمان سوء لان أرجع عن دينكم هذا إلى ديني الذي كنت عليه وأقاتل عليه حتى أموت أحب إلي من أن تتأمر علي ثانية وقال لئن عاد صاحبك الذي بعثك لمثلها لنفارقنه قال ذاك اليك بعد مرتك هذه فرده فرجعا إلى سعد بالخبر وبأعلاج وأفراس وشكا كل واحد منهما صاحبه أما قيس فشكا عصيان عمرو وأما عمرو فشكا غلظة

[ 28 ]

قيس فقال سعد يا عمرو الخير والسلامة أحب إلي من مصاب مائة بقتل ألف أتعمد إلى حلبة فارس فتصادمهم بمائة ان كنت لاراك أعلم بالحرب مما أرى فقال ان الامر لكما قلت وخرج طليحة حتى دخل عسكرهم في ليلة مقمرة فتوسم فيه فهتك أطناب بيت رجل عليه واقتاد فرسه ثم خرج حتى مر بعسكر ذي الحاجب فهتك على رجل آخر بيته وحل فرسه ثم دخل على الجالنوس عسكره فهتك على آخر بيته وحل فرسه ثم خرج حتى أتى الخرارة وخرج الذي كان بالنجف والذي كان في عسكر ذي الحاجب فاتبعه الذي كان في عسكر الجالنوس فكان أولهم لحاقا به الجالنوسى ثم الحاجبي ثم النجفي فأصاب الاولين وأسر الآخر وأتى به سعدا فأخبره وأسلم فسماه سعد مسلما ولزم طليحة فكان معه في تلك المغازي كلها (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عمرو عن أبي عثمان النهدي قال كان عمر قد عهد إلى سعد حين بعثه إلى فارس ألا يمر بماء من المياه بذي قوة ونجدة ورئاسة إلا أشخصه فإن أبى انتخبه فأمره عمر فقدم القادسية في اثنى عشر ألفا من أهل الايام وأناس من الحمراء استجابوا للمسلمين فأعانوهم أسلم بعضهم قبل القتال وأسلم بعضهم غب القتال فأشركوا في الغنيمة وفرضت لهم فرائض أهل القادسية ألفين ألفين وسألوا عن أمنع قبائل العرب فعادوا تميما فلما دنا رستم ونزل النجف بعث سعد الطلائع وأمرهم أن يصيبوا رجلا ليسأله عن أهل فارس فخرجت الطلائع بعد اختلاف فلما أجمع ملا الناس أن الطليعة من الواحد إلى العشرة سمحوا فأخرج سعد طليحة في خمسة وعمرو بن معديكرب في خمسة وذلك صبيحة قدم رستم الجالنوس وذا الحاجب ولا يشعرون بفصولهم من النجف فلم يسيروا إلا فرسخا وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الطفوف قد ملؤها فقال بعضهم ارجعوا إلى أميركم فانه سرحكم وهو يرى أن القوم بالنجف فأخبروه الخبر وقال بعضهم ارجعوا لا ينذر بكم عدوكم فقال عمرو لاصحابه صدقتم وقال طليحة لاصحابه كذبتم ما بعثتم لتخبروا عن السرح وما بعثتم إلا للبر قالوا فما تريد قال أريد أن أخاطر القوم أو أهلك فقالوا أنت

[ 29 ]

رجل في نفسك غدر ولن تفلح بعد قتل عكاشة بن محصن فارجع بنا فأبى وأتى سعدا الخبر برحيلهم فبعث قيس بن هبيرة الاسدي وأمره على مائة وعليهم إن هو لقيهم فانتهى إليهم وقد افترقوا فلما رآه عمرو قال تجلدوا له وأروه أنهم يريدون الغارة فردهم ووجد طليحة قد فارقهم فرجع بهم فأتوا سعدا فأخبروه بقرب القوم ومضى طليحة وعارض المياه على الطفوف حتى دخل عسكر رستم وبات فيه يجوسه وينظر ويتوسم فلما أدبر الليل خرج وقد أتى أفضل من توسم في ناحية العسكر فإذا فرس له لم ير في خيل القوم مثله وفسطاط أبيض لم ير مثله فانتضى سيفه فقطع مقود الفرس ثم ضمه إلى مقود فرسه ثم حرك فرسه فخرج يعدو به ونذر به الناس والرجل فتنادوا وركبوا الصعبة والذلول وعجل بعضهم أن يسرج فخرجوا في طلبه فأصبح وقد لحقه فارس من الجند فلما غشيه ويوأ له الريح ليطعنه عدل طليحة فرسه فندر الفارسي بين يديه فكر عليه طليحة فقصم ظهره بالرمح ثم لحق به آخر ففعل به مثل ذلك ثم لحق به آخر وقد رأى مصرع صاحبيه وهما ابنا عمه فازداد حنقا فلما لحق بطليحة وبوأ له الرمح عدل طليحة فرسه فندر الفارسي أمامه وكر عليه طليحة ودعاه إلى الاسار فعرف الفارسي أنه قاتله فاستأسر وأمره طليحة أن يركض بين يديه ففعل ولحق الناس فرأوا فارسي الجند قد قتلا وقد أسر الثالث وقد شارف طليحة عسكرهم فأحجموا عنه ونكصوا وأقبل طليحة حتى غشى العسكر وهم على تعبية فأفزع الناس وجوزوه إلى سعد فلما انتهى إليه قال ويحك ما وراءك قال دخلت عساكرهم وجستها منذ الليلة وقد أخذت أفضلهم توسما وما أدري أصبت أم أخطأت وها هو ذا فاستخبره فأقيم الترجمان بين سعد وبين الفارسي فقال له الفارسي أتؤمنني على دمي إن صدقتك قال نعم الصدق في الحرب أحب إلينا من الكذب قال أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمن قبلي باشرت الحروب وغشيتها وسمعت بالابطال ولقيتها منذ أنا غلام إلى أن بلغت ما ترى ولم أر ولم أسمع بمثل هذا أن رجلا قطع عسكرين لا يجترئ عليهما الابطال إلا عسكر فيه سبعون ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة إلى ما هو دون فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فارس

[ 30 ]

الجند وهتك أطناب بيته فأنذره فأنذرنا بأنه به فطلبناه فأدركه الاول وهو فارس الناس يعدل ألف فارس فقتله فأدركه الثاني وهو نظيره فقتله ثم أدركته ولا أظن أنني خلفت بعدي من يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين وهما ابنا عمي فرأيت الموت فاستأسرت ثم أخبره عن أهل فارس بأن الجند عشرون ومائة ألف وأن الاتباع مثلهم خدام لهم وأسلم الرجل وسماه سعد مسلما وعاد إلى طليحة وقال لا والله لا تهزمون ما دمتم على ما أرى من الوفاء والصدق والاصلاح والمؤاساة لا حاجة لي في صحبة فارس فكان من أهل البلاء يومئذ (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس عن موسى بن طريف قال قال سعد لقيس بن هبيرة الاسدي اخرج يا عاقل فإنه ليس وراءك من الدنيا شئ تحنو عليه حتى تأتيني بعلم القوم فخرج وسرح عمرو بن معديكرب وطليحة فلما حاذى القنطرة لم يسر إلا يسيرا حتى لحق فانتهى إلى خيل عظيمة منهم بحيالها ترد عن عسكرهم فإذا رستم قد ارتحل من النجف فنزل منزل ذي الحاجب فارتحل الجالنوس فنزل ذو الحاجب منزله والجالنوس يريد طيزناباذ فنزل بها وقدم تلك الخيل وأن ما حمل سعدا على إرسال عمرو وطليحة معه لمقالة بلغته عن عمرو وكلمة قالها لقيس بن هبيرة قبل هذه المرة فقال قاتلوا عدوكم يا معشر المسلمين فأنشب القتال وطاردهم ساعة ثم إن قيسا حمل عليهم فكانت هزيمتهم فأصاب منهم اثنى عشر رجلا وثلاثة أسراء وأصاب أسلابا فأتوا بالغنيمة سعدا وأخبروه الخبر فقال هذه بشرى إن شاء الله إذا لقيتم جمعهم الاعظم وحدهم فلهم أمثالها ودعا عمرا وطليحة فقال كيف رأيتما قيسا فقال طليحة رأيناه أكمانا وقال عمر والامير أعلم بالرجال منا قال سعد إن الله تعالى أحيانا بالاسلام وأجيا به قلوبا كانت ميتة وأمات به قلوبا كانت حية وإنى أحذركما أن تؤثرا أمر الجاهلية على الاسلام فتموت قلوبكما وأنتما حيان الزما السمع والطاعة والاعتراف بالحقوق فما رأى الناس كأقوام أعزهم الله بالاسلام (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو وزياد وشاركهم المجالد وسعيد بن المرزبان قالوا فلما أصبح رستم من الغد من يوم نزل السيلحين قدم

[ 31 ]

الجالنوس وذا الحاجب فارتحل الجالنوس فنزل من دون القنطرة بحيال زهرة ونزل إلى صاحب المقدمة ونزل ذو الحاجب منزله بطيزناباذ ونزل رستم منزل ذى الحاجب بالخرارة ثم قدم ذا الحاجب فلما انتهى إلى العتيق تياسر حتى إذا كان بحيال قديس خندق خندقا وارتحل الجالنوس فنزل عليه وعلى مقدمته أعني سعدا زهرة بن الحوية وعلى مجنبتيه عبدالله بن المعتم وشرحبيل بن السمط الكندي وعلى مجردته عاصم بن عمرو وعلى المرامية فلان وعلى الرجل فلان وعلى الطلائع سواد بن مالك وعلى مقدمة رستم الجالنوس وعلى مجنبتيه الهرمزان ومهران وعلى مجردته ذو الحاجب وعلى الطلائع البيرزان وعلى الرجالة زاذبن بهيش فلما انتهى رستم إلى العتيق وقف عليه بحيال عسكر سعد ونزل الناس فما زالوا يتلاحقون وينزلهم فينزلون حتى أعتموا من كثرتهم فبات بها تلك الليلة والمسلمون ممسكون عنهم قال سعيد بن المرزبان فلما أصبحوا من ليلتهم بشاطئ العتيق غدا منجم رستم على رستم برؤيا أريها من الليل قال رأيت الدلو في السماء دلوا أفرغ ماؤه ورأيت السمكة سمكة في ضحضاح من الماء تضطرب ورأيت النعائم والزهرة تزدهر قال ويحك هل أخبرت بها أحدا قال لا قال فاكتمها (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي قال كان رستم منجما فكان يبكي مما يرى ويقدم عليه فلما كان بظهر الكوفة رأى أن عمر دخل عسكر فارس ومعه ملك فختم على سلاحهم ثم حزمه ودفعه إلى عمر (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم وكان قد شهد القادسية قال كان مع رستم ثمانية عشر فيلا ومع الجالنوس خمسة عشر فيلا (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن المجالد عن الشعبي قال كان مع رستم يوم القادسية ثلاثون فيلا (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن سعيد بن المرزبان عن رجل قال كان مع رستم ثلاثة وثلاثون فيلا منها فيل سابور الابيض وكانت الفيلة تألفه وكان أعظمها وأقدمها (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه قال كان معه

[ 32 ]

ثلاثة وثلاثون فيلا معه في القلب ثمانية عشر فيلا ومعه في المجنبتين خمسة عشر فيلا (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن المجالد وسعيد وطلحة وعمرو وزياد قالوا فلما أصبح رستم من ليلته التي باتها بالعتيق أصبح راكبا في خيله فنظر إلى المسلمين ثم صعد نحو القنطرة وقد حزر الناس فوقف بحيالهم دون القنطرة وأرسل إليهم رجلا إن رستم يقول لكم أرسلوا إلينا رجلا نكلمه ويكلمنا وانصرف فأرسل زهرة إلى سعد بذلك فأرسل إليه المغيرة بن شعبة فأخرجه زهرة إلى الجالنوس فأبلغه الجالنوس رستم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه قال لما نزل رستم على العتيق وبات به أصبح غاديا على التصفح والحزر فساير العتيق نحو خفان حتى أتى على منقطع عسكر المسلمين ثم صعد حتى انتهى إلى القنطرة فتأمل القوم حتى أتى على شئ يشرف منه عليهم فلما وقف على القنطرة راسل زهرة فخرج إليه حتى واقفه فأراده على أن يصالحهم ويجعل له جعلا على أن ينصرفوا عنه وجعل يقول فيما يقول أنتم جيراننا وقد كانت طائفة منكم في سلطاننا فكنا نحسن جوارهم ونكف الاذى عنهم ونوليهم المرافق الكثيرة ونحفظهم في أهل باديتهم فنرعيهم مراعينا ونميرهم من بلادنا ولا نمنعهم من التجارة في شئ من أرضنا وقد كان لهم في ذلك معاش يعرض لهم بالصلح وإنما يخبره بصنيعهم والصلح يريد ولا يصرح فقال له زهرة صدقت قد كان ما تذكر وليس أمرنا أمر أولئك ولا طلبتنا طلبتهم إنا لم نأتكم لطلب الدنيا إنما طلبتنا وهمتنا الآخرة كنا كما ذكرت يدين لكم من ورد عليكم منا ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم ثم بعث الله تبارك وتعالى إلينا رسولا فدعانا إلى ربه فأجبناه فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فانا منتقم بهم منهم وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذل ولا يعتصم به أحد إلا عز فقال له رستم وما هو قال أما عموده الذي لا يصلح منها شئ الا به فشهادة أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله والاقرار بما جاء به من عند الله تعالى قال ما أحسن هذا وأي شئ أيضا قال وإخراج العباد من عبادة

[ 33 ]

العباد إلى عبادة الله تعالى قال حسن وأي شئ أيضا قال والناس بنو آدم وحواء اخوة لاب وأم قال ما أحسن هذا ثم قال له رستم أرأيت لو أني رضيت بهذا الامر وأجبتكم إليه ومعي قومي كيف يكون أمركم أترجعون قال إي والله ثم لا نقرب بلادكم أبدا الا في تجارة أو حاجة قال صدقتني والله أما ان أهل فارس منذ ولى أزدشير لم يدعوا أحدا يخرج من عمله من السفلة كانوا يقولون إذا خرجوا من أعمالهم تعدوا طورهم وعادوا أشرافهم فقال له زهرة نحن خير الناس للناس فلا نستطيع أن نكون كما تقولون نطيع الله في السفلة ولا يضرنا من عصى الله فينا فانصرف عنه ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا فحموا من ذلك وأنفوا فقال أبعدكم الله وأسحقكم أخزى الله أخر عنا وأجبننا فلما انصرف رستم ملت إلى زهرة فكان اسلامي وكنت له عديدا وفرض لي فرائض أهل القادسية (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو وزياد بإسنادهم مثله قالوا وأرسل سعد إلى المغيرة بن شعبة وبسر بن أبي رهم وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن وربعي بن عامر وقرفة بن زاهر التيمي ثم الواثلي ومذعور بن عدي العجلي والمضارب ابن يزيد العجلي ومعبد بن مرة العجلي وكان من دهاة العرب فقال أني مرسلكم إلى هؤلاء القوم فما عندكم قالوا جميعا نتبع ما تأمرنا به وننتهي إليه فإذا جاء أمر لم يكن منك فيه شئ نظرنا أمثل ما ينبغي وأنفعه للناس فكلمناهم به فقال سعد هذا فعل الحزمة اذهبوا فتهيئوا فقال ربعي بن عامر ان الاعاجم لهم آراء وآداب ومتى نأتهم جميعا يروا انا قد احتفلنا بهم فلا تزدهم على رجل فمالؤه جميعا على ذلك فقال فسرحوني فسرحه فجرخ ربعي ليدخل على رستم عسكره فاحتبسه الذين على القنطرة وأرسل إلى رستم لمجيئه فاستشار عظماء أهل فارس فقال ما ترون أنباهي أم نتهاون فأجمع ملؤهم على التهاون فاظهروا الزبرج وبسطوا البسط والنمارق ولم يتركوا شيئا ووضع لرستم سرير الذهب وألبس زينته من الانماط والوسائد المنسوجة بالذهب وأقبل ربعي يسير على فرس له زباء قصيرة معه سيف له مشوف وغمده لفافة ثوب خلق ورمحه معلوب بقد معه حجفة من جلود البقر

[ 34 ]

على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف ومعه قوسه ونبله فلما غشى الملك وانتهى إليه والى أدنى البسط قيل له انزل فحملها على البساط فلما استوت عليه نزل عنها وربطها بوسادتين فشقهما ثم أدخل الحبل فيهما فلم يستطيعوا أن ينهوه وانما أروه التهاون وعرف ما أرادوا استخراجهم وعليه درع له كأنها اضاة ويلمقه عباءة بعيره قد جابها وتدرعها وشدها على وسطه بسلب وقد شد رأسه بمعجزته وكان أكثر العرب شعرة ومعجرته نسعة بعيره ولرأسه أربع ضفائر قد قمن قياما كأنهن قرون الوعلة فقالوا ضع سلاحك فقال انى لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم أنتم دعوتموني فإن أبيتم أن آتيكم إلا كما أريد والا رجعت فاخبروا رستم فقال ائذنوا له هل هو الا رجل واحد فاقبل يتوكأ على رمحه وزجه نصل يقارب الخطو وبزج النمارق والبسط فما ترك لهم نمرقة ولا بساطا الا أفسده وتركه منهتكا مخرقا فلما دنا من رستم تعلق به الحرس وجلس على الارض وركز رمحه بالبسط فقالوا ما حملك على هذا قال إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه فكلمه فقال ما جاء بكم قال الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الاديان إلى عدل الاسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضى إلى موعود الله قال وما موعود الله قال الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقى فقال رستم قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الامر حتى ننظر فيه وتنظروا قال نعم كما أحب اليكم أيوما أو يومين قال لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا وأراد مقاربته ومدافعته فقال إن مما سن لنا رسول الله صلى الله عليه سلم وعمل به أئمتنا أن لا نمكن الاعداء من آذاننا ولا نؤجلهم عند اللقاء أكثر من ثلاث فنحن مترددون عنكم ثلاثا فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الاجل اختر الاسلام وندعك وأرضك أو الجزاء فنقبل ونكف عنك وإن كنت عن نصرنا غنيا تركناك منه وإن كنت إليه محتاجا منعناك أو المنابذة في اليوم الرابع ولسنا نبدأك فيما بيننا وبين

[ 35 ]

اليوم الرابع إلا أن تبدأنا أنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى قال أسيدهم أنت قال لا ولكن المسلمين كالجسد بعضهم من بعض يجير أدناهم على أعلاهم فخلص رستم برؤوساء أهل فارس فقال ما ترون هل رأيتم كلاما قط أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل قالوا معاذ الله لك أن تميل إلى شئ من هذا وتدع دينك لهذا الكلب أما ترى إلى ثيابه فقال ويحكم لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة ان العرب تستخف باللباس والمأكل ويصونون الاحساب ليسوا مثلكم في اللباس ولا يرون فيه ما ترون وأقبلوا إليه يتناولون سلاحه ويزهدونه فيه فقال لهم هل لكم إلى أن تروني فأريكم فأخرج سيفه من خرقه كأنه شعلة نار فقال القوم اغمده فغمده ثم رمى ترسا ورموا جحفته فخرق ترسهم وسلمت جحفته فقال يا أهل فارس إنكم عظمتم الطعام واللباس والشراب وإنا صغرناهن ثم رجع إلى أن ينظروا إلى الاجل فلما كان من الغد بعثوا أن ابعث الينا ذلك الرجل فبعث إليهم سعد حذيفة بن محصن فأقبل في نحو من ذلك الزي حتى إذا كان على أدنى البساط قيل له انزل قال ذلك لو جئتكم في حاجتي فقولوا لملككم أله الحاجة أم لى فإن قال لي فقد كذب ورجعت وتركتكم فإن قال له لم آتكم الا على ما أحب فقال دعوه فجاء حتى وقف عليه ورستم على سريره فقال انزل قال لا أفعل فلما أبى سأله ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالامس قال إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء فهذه نوبتي قال ما جاء بكم قال إن الله عزوجل من علينا بدينه وأرانا آياته حتى عرفناه وكنا له منكرين ثم أمرنا بدعاء الناس إلى واحدة من ثلاث فأيها أجابوا إليها قبلناها الاسلام وننصرف عنكم أو الجزاء ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك أو المنابذة فقال أو الموادعة إلى يوم ما فقال نعم ثلاثا من أمس فلما لم نجد عنده إلا ذلك رده وأقبل على أصحابه فقال ويحكم ألا ترون إلى ما أرى جاءنا الاول بالامس فغلبنا على أرضنا وحقر ما نعظم وأقام فرسه على زبرجنا وربطه به فهو في يمن الطائر ذهب بأرضنا وما فيها إليهم مع فضل عقله وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا فهو في يمن الطائر يقوم على أرضنا دوننا حتى أغضبهم وأغضبوه فلما كان من

[ 36 ]

الغد أرسل ابعثوا الينا رجلا فبعثوا إليهم المغيرة بن شعبة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان النهدي قال لما جاء المغيرة إلى القنطرة فعبرها إلى أهل فارس حبسوه واستأذنوا رستم في إجازته ولم يغيروا شيئا من شارتهم تقوية لتهاونهم فأقبل المغيرة بن شعبة والقوم في زيهم عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب وبسطهم على غلوة لا يصل إلى صاحبهم حتى يمشي عليهم غلوة وأقبل المغيرة وله أربع ضفائر يمشي حتى جلس معه على سريره ووسادته فوثبوا عليه فترتروه وأنزلوه ومغثوه فقال كانت تبلغنا عنكم الاحلام ولا أرى قوما أسفه منكم إنا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون محاربا لصاحبه فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض وإن هذا الامر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه ولم آتكم ولكن دعوتموني اليوم علمت أن أمركم مضمحل وأنكم مغلوبون وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول فقالت السفلة صدق والله العربي وقالت الدهاقين والله لقد رمى بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه قاتل الله أولينا ما كان أحمقهم حين كانوا يصغرون أمر هذه الامة فمازحه رستم ليمحو ما صنع وقال له يا عربي إن الحاشية قد تصنع ما لا يوافق الملك فيتراخى عنها مخافة أن يكسرها عما ينبغي من ذلك فالامر على ما تحب من الوفاء وقبول الحق ما هذه المغازل التي معك قال ما ضر الجمرة ألا تكون طويلة ثم راماهم وقال ما بال سيفك رثا قال رث الكسوة حديد المضربة ثم عاطاه سيفه ثم قال له رستم تكلم أم أتكلم فقال المغيرة أنت الذي بعثت الينا فتكلم فأقام الترجمان بينهما وتكلم رستم فحمد قومه وعظم أمرهم وطوله وقال لم نزل متمكنين في البلاد ظاهرين على الاعداء أشرافا في الامم فليس لاحد من الملوك مثل عزنا وشرفنا وسلطاننا ننصر على الناس ولا ينصرون علينا إلا اليوم واليومين أو الشهر والشهرين للذنوب فإذا انتقم الله فرضى رد الينا عزنا وجمعنا لعدو ناشر يوم هو آت عليهم ثم إنه لم يكن في الناس أمة أصغر عندنا أمرا منكم كنتم أهل قشف ومعيشة سيئة لا نراكم شيئا ولا نعدكم وكنتم إذا قحطت أرضكم وأصابتكم السنة استغثتم بناحية أرضنا فنأمر لكم

[ 37 ]

بالشئ من التمر والشعير ثم نردكم وقد علمت أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلا ما أصابكم من الجهد في بلادكم فأنا آمر لاميركم بكسوة وبغل وألف درهم وآمر لكل رجل منكم بوقر تمر وبثوبين وتنصرفون عنا فإنى لست أشتهى أن أقتلكم ولا آسركم فتكلم المغيرة بن شعبة فحمد الله وأثنى عليه وقال إن الله خالق كل شئ ورازقه فمن صنع شيئا فانما هو يصنعه والذي له وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الظهور على الاعداء والتمكن في البلاد وعظم السلطان في الدنيا فنحن نعرفه ولسنا ننكره فالله صنعه بكم ووضعه فيكم وهوله دونكم وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال وضيق المعيشة واختلاف القلوب فنحن نعرفه ولسنا ننكره والله ابتلانا بذلك وصيرنا إليه والدنيا دول ولم يزل أهل شدائدها يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه ولم يزل أهل رخائها يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم ويصيروا إليها ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوى شكر كان شكركم يقصر عما أوتيتم وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبا من الله رحمة يرفه بها عنا ولكن الشأن غير ما تذهبون إليه أو كنتم تعرفوننا به إن الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولا ثم ذكر مثل كلام الاول حتى انتهى إلى قوله وإن احتجت إلينا أن نمنعك فكن لنا عبدا تؤدي الجزية عن يد وأنت صاغر وإلا السيف إن أبيت فنخر نخرة واستشاط غضبا ثم حلف بالشمس لا يرتفع لكم الصبح غدا حتى أقتلكم أجمعين فانصرف المغيرة وخلص رستم تألفا بأهل فارس وقال أين هؤلاء منكم ما بعد هذا ألم يأتكم الأولان فحسراكم واستحرجاكم ثم جاءكم هذا فلم يختلفوا وسلكوا طريقا واحدا ولزموا أمرا واحدا هؤلاء والله الرجال صادقين كانوا أم كاذبين والله لئن كان بلغ من إربهم وصونهم لسرهم أن لا يختلفوا فما قوم أبلغ فيما أرادوا منهم لئن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شئ فلجوا وتجلدوا وقال والله إني لاعلم أنكم تصغون إلى ما أقول لكم وإن هذا منكم رئاء فازدادوا لجاجة (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه قال فأرسل مع المغيرة رجلا وقال له إذا قطع القنطرة ووصل إلى أصحابه فناد إن الملك كان منجما قد حسب لك ونظر في أمرك فقال إنك غدا

[ 38 ]

تفقأ عينك ففعل الرسول فقال المغيرة بشرتني بخير وأجر ولولا أن أجاهد بعد اليوم أشباهكم من المشركين لتمنيت أن الاخرى ذهبت أيضا فرآهم يضحكون من مقالته ويتعجبون من بصيرته فرجع إلى الملك بذلك فقال أطيعوني يا أهل فارس وإني لارى لله فيكم نقمة لا تستطيعون ردها عن أنفسكم وكانت خيولهم تلتقي على القنطرة لا تلتقي الا عليها فلا يزالون يبدؤن المسلمين والمسلمون كافون عنهم الثلاثة الايام لا يبدءونهم فإذا كان ذلك منهم صدوهم وردعوهم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال كان ترجمان رستم من أهل الحيرة يدعى عبود (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي وسعيد بن المرزبان قالا دعا رستم بالمغيرة فجاء حتى جلس على سريره ودعا رستم ترجمانه وكان عربيا من أهل الحيرة يدعى عبود فقال له المغيرة ويحك يا عبود أنت رجل عربي فأبلغه عني إذا أنا تكلمت كما تبلغني عنه فقال له رستم مثل مقالته وقال له المغيرة مثل مقالته إلى احدى ثلاث خلال إلى الاسلام ولكم فيه ما لنا وعليكم فيه ما علينا ليس فيه تفاضل بيننا أو الجزية عن يد وأنتم صاغرون قال ما صاغرون قال أن يقوم الرجل منكم على رأس أحدنا بالجزية يحمده أن يقبلها منه إلى آخر الحديث والاسلام أحب الينا منهما (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عبيدة عن شقيق قال شهدت القادسية غلاما بعد ما احتملت فقدم سعد القادسية في اثنى عشر ألفا وبها أهل الايام فقدمت علينا مقدمات رستم ثم زحف الينا في ستين ألفا فلما أشرف رستم على العسكر قال يا معشر العرب ابعثوا الينا رجلا يكلمنا ونكلمه فبعث إليه المغيرة بن شعبة ونفرا فلما أتوا رستم جلس المغيرة على السرير فنخر أخو رستم فقال المغيرة لا تنخر فما زادني هذا شرفا ولا نقص أخاك فقال رستم يا مغيرة كنتم أهل شقاء حتى بلغ وان كان لكم أمر سوى ذلك فأخبرونا ثم أخذ رستم سهما من كنانته وقال لا تروا ان هذه المغازل تغنى عنكم شيئا فقال المغيرة مجيبا له فذكر النبي صلى الله عليه وسلم فكان مما رزقنا الله على يديه حبة تنبت في أرضكم هذه فلما أذقناها عيالنا قالوا لا صبر لنا عنها فجئنا

[ 39 ]

لنطعمهم أو نموت فقال رستم إذا تموتون أو تقتلون فقال المغيرة إذا يدخل من من قتل منا الجنة ويدخل من قتلنا منكم النار ويظفر من بقى منا بمن بقى منكم فنحن نخيرك بين ثلاث خلال إلى آخر الحديث فقال رستم لا صلح بيننا وبينكم (كتاب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا أرسل إليهم سعد بقية ذوى الرأي جميعا وحبس الثلاثة فخرجوا حتى أتوه ليعظموا عليه استقباحا فقالوا له ان أميرنا يقول لك ان الجوار يحفظ الولاة وانى أدعوك إلى ما هو خير لنا ولك العافية أن تقبل ما دعاك الله إليه ونرجع إلى أرضنا وترجع إلى أرضك وبعضنا من بعض إلا أن داركم لكم وأمركم فيكم وما أصبتم مما وراءكم كان زيادة لكم دوننا وكنا لكم عونا على أحد إن أرادكم أو قوى عليكم واتق الله يا رستم ولا يكونن هلاك قومك على يديك فإنه ليس بينك وبين أن تغبط به الا أن تدخل فيه وتطرد به الشيطان عنك فقال إني قد كلمت منكم نفرا ولو أنهم فهموا عنى رجوت أن تكونوا قد فهمتم وإن الامثال أوضح من كثير من الكلام وسأضرب لكم مثلكم تبصروا أنكم كنتم أهل جهد في المعيشة وقشف في الهيئة لا تمتنعون ولا تنتصفون فلم نسئ جواركم ولم ندع مواساتكم تقحمون المرة بعد المرة فنميركم ثم نردكم وتأتوننا أجراء وتجارا فنحسن اليكم فلما تطاعمتم بطعامنا وشربتم شرابنا وأظلكم ظلنا وصفتم لقومكم فدعوتموهم ثم أتيتمونا بهم وانما مثلكم في ذلك ومثلنا كمثل رجل كان له كرم فرأى فيه ثعلبا فقال وما ثعلب فانطلق الثعلب فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم فلما اجتمعن عليه سد عليهن صاحب الكرم الحجر الذي كن يدخلن منه فقتلهن وقد علمت أن الذي حملكم على هذا الحرص والطمع والجهد فارجعوا عنا عامكم هذا وامتاروا حاجتكم ولكم العود كلما احتجتم فانى لا أشتهى أن أقتلكم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عمارة بن القعقاع الضبي عن رجل من يربوع شهدها قال وقال وقد أصاب أناس كثير منكم من أرضنا ما أرادوا ثم كان مصيرهم القتل والهرب ومن سن هذا لكم خير منكم وأقوى وقد رأيتم

[ 40 ]

أنتم كلما أصابوا شيئا أصيب بعضهم ونجا بعضهم وخرج مما كان أصاب ومن أمثالكم فيما تصنعون مثل جرذان ألفت جرة فيها حب وفي الجرة ثقب فدخل الاول فأقام فيها وجعل الآخر ينقلن منها ويرجعن ويكلمنه في الرجوع فيأبى فانتهى سمن الذي في الجرة فاشتاق إلى أهله ليريهم حسن حاله فضاق عليه الجحر ولم يطق الخروج فشكا القلق إلى أصحابه وسألهم المخرج فقلن له ما أنت بخارج منها حتى تعود كما كنت قبل أن تدخل فكف وجوع نفسه وبقى في الخوف حتى إذا عاد كما كان قبل أن يدخلها أنى عليه صاحب الجرة فقتله فاخرجوا ولا يكونن هذا لكم مثلا (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه قال وقال لم يخلق الله خلقا أولع من ذباب ولا أضر ما خلاكم يا معشر العرب ترون الهلاك ويدليكم فيه الطمع وسأضرب لكم مثلكم إن الذباب إذا رأى العسل طار وقال من يوصلني إليه وله درهما حتى يدخله لا ينهنهه أحد إلا عصاه فإذا دخله غرق ونشب وقال من يخرجني وله أربعة دراهم وقال أيضا إنما مثلكم مثل ثعلب دخل جحرا وهو مهزول ضعيف إلى كرم فكان فيه يأكل ما شاء الله فرآه صاحب الكرم ورأى ما به فرحمه فلما طال مكثه في الكرم وسمن وصلحت حاله وذهب ما كان به من الهزال أشر فجعل يعبث بالكرم ويفسد أكثر مما يأكل فاشتد على صاحب الكرم فقال لا أصبر على هذا من أمر هذا فأخذ له خشبة واستعان عليه غلمانه فطلبوه وجعل يراوغهم في الكرم فلما رأى أنهم غير مقلعين عنه ذهب ليخرج من الجحر الذي دخل منه فنشب اتسع عليه وهو مهزول وضاق عليه وهو سمين فجاءه وهو على تلك الحال صاحب الكرم فلم يزل يضربه حتى قتله وقد جئتم وأنتم مهازيل وقد سمنتم شيئا من سمن فانظروا كيف تخرجون وقال أيضا إن رجلا وضع سلا وجعل طعامه فيه فأتى الجرذان فخرقوا سله فدخلوا فيه فأراد سده فقيل له لا تفعل إذا يخرقنه ولكن انقب بحياله ثم اجعل فيها قصبة مجوفة فإذا جاءت الجرذان دخلن من القصبة وخرجن منها فكلما طلع عليكم جرذ قتلتموه وقد سددت عليكم فاياكم أن تقتحموا القصبة فلا يخرج منها أحد

[ 41 ]

إلا قتل وما دعاكم إلى ما صنعتم ولا أرى عددا ولا عدة (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة باسنادهما وزياد معهما قالوا فتكلم القوم فقالوا أما ما ذكرتم من سوء حالنا فيما مضى وانتشار أمرنا فلما تبلغ كنهه يموت الميت منها إلى النار ويبقى الباقي منا في بؤس فبينا نحن في اسوإ ذلك بعث الله فينا رسولا من أنفسنا إلى الانس والجن رحمة رحم بها من أراد رحمته ونقمة ينتقم بها ممن رد كرامته فبدأ بنا قبيلة قبيلة فلم يكن أحد أشد عليه ولا أشد إنكارا لما جاء به ولا أجهد على قتله ورد الذي جاء به من قومه ثم الذين يلونهم حتى طابقناه على ذلك كلنا فنصبنا له جميعا وهو وحده فرد ليس معه إلا الله تعالى فأعطى الظفر علينا فدخل بعضنا طوعا وبعضنا كرها ثم عرفنا جميعا الحق والصدق لما أتانا به من الآيات المعجزة وكان مما أتانا به من عند ربنا جهاد الادنى فالادنى فسرنا بذلك فيما بيننا نرى أن الذي قال لنا ووعدنا لا يخرم عنه ولا ينقض حتى أجتمعت العرب على هذا وكانوا من اختلاف الرأي فيما لا يطيق الخلائق تأليفهم ثم أتيناكم بأمر ربنا نجاهد في سبيله وننفذ لامره وننتجز موعوده وندعوكم إلى الاسلام وحكمه فان أجبتمونا تركناكم ورجعنا وخلفنا فيكم كتاب الله وإن أبيتم لم يحل لنا إلا أن نعاطيكم القتال أو تفتدوا بالجزي فان فعلتم وإلا فان الله قد أورثنا أرضكم وأبناءكم وأموالكم فاقبلوا نصيحتنا فوالله لاسلامكم أحب إلينا من غنائمكم ولقتالكم بعد أحب إلينا من صلحكم وأما ما ذكرت من رثاثتنا وقلتنا فان أداتنا الطاعة وقتالنا الصبر وأما ما ضربتم لنا من الامثال فانكم ضربتم للرجال والامور الجسام وللجد والهزل ولكنا سنضرب مثلكم انما مثلكم مثل رجل غرس أرضا واختار لها الشجر والحب وأجرى إليها الانهار وزينها بالقصور وأقام فيها فلاحين يسكنون قصورها ويقومون على جناتها فخلا الفلاحون في القصور على ما لا يحب وفي الجنان بمثل ذلك فأطال نظرتهم فلما لم يستحيوا من تلقاء أنفسهم استعتبهم فكابروه فدعا إليها غيرهم وأخرجهم منها فان ذهبوا عنها تخطفهم الناس وإن أقاموا فيها صاروا خولا لهؤلاء يملكونهم ولا يملكون عليهم فيسومونهم

[ 42 ]

الخسف أبدا ووالله إن لو لم يكن ما نقول لك حقا ولم يكن إلا الدنيا لما كان لنا عما ضربنا به من لذيذ عيشكم ورأينا من زبرجكم من صبر ولقارعناكم حتى نغلبكم عليه فقال رستم أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم فقالوا بل اعبروا الينا فخرجوا من عنده عيشا وأرسل سعد إلى الناس أن يقفوا مواقفهم وأرسل إليهم شأنكم والعبور فأرادوا القنطرة فأرسل إليهم لا ولا كرامة أما شئ قد غلبناكم عليه فلن نرده عليكم تكلفوا معبرا غير القناطر فباتوا يسكرون العتيق حتى الصباح بأمتعتهم يوم أرماث (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد عن عبيد الله عن نافع وعن الحكم قالا لما أراد رستم العبور أمر بسكر العتيق بحيال قادس وهو يومئذ أسفل منها اليوم مما يلي عين الشمس فباتوا ليلتهم حتى الصباح بسكرون العتيق بالتراب والقصب والبراذع حتى جعلوه طريقا واستتم بعد ما ارتفع النهار من الغد (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم قالوا ورأى رستم من الليل أن ملكا نزل من السماء فأخذ قسى أصحابه فختم عليها ثم صعد بها إلى السماء فاستيقظ مهموما محزونا فدعا خاصته فقصها عليهم وقال إن الله ليعظنا لو أن فارس تركوني أتعظ أما ترون النصر قد رفع عنا وترون الريح مع عدونا وأنا لا نقوم لهم في فعل ولا منطق ثم هم يريدون مغالبة بالجبرية فعبروا بأثقالهم حتى نزلوا على ضفة العتيق (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن الاعمش قال لما كان يوم السكر لبس رستم درعين ومغفرا وأخذ سلاحه وأمر بفرسه فأسرج فأتى به فوثب فإذا هو عليه لم يمسه ولم يضع رجله في الركاب ثم قال غدا ندقهم دقا فقال له رجل إن شاء الله فقال وإن لم يشأ (كتب إلى السري) بن يحيى عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد باسنادهم قالوا قال رستم إنما ضغا الثعلب حين مات الاسد يذكرهم موت كسرى ثم قال لاصحابه قد خشيت أن تكون هذه سنة القرود ولما عبر أهل فارس أخذوا مصافهم وجلس رستم على سريره وضرب

[ 43 ]

عليه طيارة وعبى في القلب ثمانية عشر فيلا عليها الصناديق والرجال وفي المجنبتين ثمانية وسبعة عليها الصناديق والرجال وأقام الجالنوس بينه وبين ميمنته والبيرزان بينه وبين ميسرته وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين وكان يزدجرد وضع رجلا على باب إيوانه إذ سرح رستم وأمره بلزومه وإخباره وآخر حيث يسمعه من الدار وآخر خارج الدار وكذلك على كل دعوة رجلا فلما نزل رستم قال الذي بساباط قد نزل فقاله الآخر حتى قاله الذي على باب الايوان وجعل بين كل مرحلتين على كل دعوة رجلا فكلما نزل وارتحل أو حدث أمر قاله فقاله الذي يليه حتى يقوله الذي يلي باب الايوان فنظم ما بين العتيق والمدائن رجالا وترك البرد وكان ذلك هو الشأن وأخذ المسلمون مصافهم وجعل زهرة وعاصم بين عبدالله وشرحبيل ووكل صاحب الطلائع بالطراد وخلط بين الناس في القلب والمجنبات ونادى مناديه ألا إن الحسد لا يحل الا على الجهاد في أمر الله يا أيها الناس فتحاسدوا وتغايروا على الجهاد وكان سعد يومئذ لا يستطيع أن يركب ولا يجلس به حبون فإنما هو على وجهه في صدره وسادة هو مكب عليها مشرف على الناس من القصر يرمى بالرقاع فيها أمره ونهيه إلى خالد بن عرفطة وهو أسفل منه وكان الصف إلى جنب القصر وكان خالد كالخليفة لسعد لو لم يكن سعد شاهدا مشرفا (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن القاسم بن الوليد الهمداني عن أبيه عن أبي نمران قال لما عبر رستم تحول زهرة والجالنوس فجعل سعد زهرة مكان ابن السمط وجعل رستم الجالنوس مكان الهرمزان وكان بسعد عرق النساء ودماميل وكان إنما هو مكب واستخلف خالد بن عرفطة على الناس فاختلف عليه الناس فقال احملوني وأشرفوا بي على الناس فارتقوا به فأكب مطلعا عليهم والصف في أصل حائط قديس يأمر خالدا فيأمر خالد الناس وكان ممن شغب عليه وجوه من وجوه الناس فهم بهم سعد وشتمهم وقال أم والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالا لغيركم فحبسهم ومنهم أبو محجن الثقفي وقيدهم في القصر وقال جرير أما إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن أسمع وأطيع لمن

[ 44 ]

ولاه الله الامر وإن كان عبدا حبشيا وقال سعد والله لا يعود أحد بعدها يحبس المسلمين عن عدوهم ويشاغلهم وهم يإزائهم إلا سنت به سنة يؤخذ بها من بعدي (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد باسنادهم قالوا أن سعدا حطب من يليه يومئذ وذلك يوم الاثنين في المحرم سنة أربعة عشر بعد ما تهدم على الذين اعترضوا على خالد بن عرفطة فحمد الله وأثنى عليه وقال إن الله هو الحق لا شريك له في الملك وليس لقوله خلف قال الله جل ثناؤه (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون) إن هذا ميراثكم وموعود ربكم وقد أباحها لكم منذ ثلاث حجج فأنتم تطعمون منها وتأكلون منها وتقتلون أهلها وتجبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الايام منكم وقد جاءكم منهم هذا الجمع وأنتم وجوه العرب وأعيانهم وخيار كل قبيلة وعز من وراءكم فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة ولا يقرب ذلك أحدا إلى أجله وإن تفشلوا وتهنوا وتضعفوا تذهب ريحكم وتوبقوا آخرتكم. وقام عاصم بن عمر وفي المجردة فقال إن هذه بلاد قد أحل الله لكم أهلها وأنتم تنالون منهم منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم وأنتم الاعلون والله معكم إن صبرتم وصدقتموهم الضرب والطعن فلكم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم وبلادهم وإن خرتم وفشلتم والله لكم من ذلك جار وحافظ لم يبق هذا الجمع منكم باقية مخافة أن تعودوا عليهم بعائدة هلاك الله الله اذكروا الايام وما منحكم الله فيها أولا ترون أن الارض وراءكم بسابس قفار ليس فيها خمر ولا وزر يعقل إليه ولا يمتنع به اجعلوا همكم الآخرة وكتب سعد إلى الرايات إنى قد استخلفت عليكم خالد بن عرفطة وليس يمنعني أن أكون مكانه إلا وجعي الذي يعودني وما بي من الجنون فإنى مكب على وجهي وشخصي لكم باد فاسمعوا له وأطيعوا فانه إنما يأمركم بأمري ويعمل برأيي فقرئ على الناس فزادهم خيرا وانتهوا إلى رأيه وقبلوا منه وتحاثوا على السمع والطاعة وأجمعوا على عذر سعد والرضا بما صنع (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن حلام عن مسعود قال وخطب

[ 45 ]

أمير كل قوم أصحابه وسير فيهم وتحاضوا على الطاعة والصبر وتواصوا ورجع كل أمير إلى موقفه بمن والاه من أصحابه عند المواقف ونادى منادى سعد بالظهر ونادى رستم پادشهان مرندر أكل عمر كبدي أحرق الله كبده علم هؤلاء حتى علموا (كتب إلى السري) عن شعيب قال حدثنا سيف عن النضر عن ابن الرفيل قال لما نزل رستم النجف بعث منها عينا إلى عسكر المسلمين فانغمس فيهم بالقادسية كبعض من ند منهم فرآهم يستاكون عند كل صلاة ثم يصلون فيقترفون إلى مواقفهم فرجع إليه فأخبره بخبرهم وسيرتهم حتى سأله ما طعامهم فقال مكثت فيهم ليلة لا والله ما رأيت أحد منهم يأكل شيئا إلا أن يمصوا عيدانا لهم حين يمسون وحين ينامون وقبيل أن يصبحوا فلما سار فنزل بين الحصن والعتيق وافقهم وقد أذن مؤذن سعد الغداة فرآهم يتحشحشون فنادى في أهل فارس أن يركبوا فقيل له ولم قال أما ترون إلى عدوكم قد نودي فيهم فتحشحشوا لكم قال عينه ذلك انما تحشحشهم هذا للصلاة فقال بالفارسية وهذا تفسيره بالعربية أتانى صوت عند الغداة وانما هو عمر الذي يكلم الكلاب فيعلمهم العقل فلما عبروا تواقفوا وأذن مؤذن سعد للصلاة فصلى سعد وقال رستم أكل عمر كبدي (كتب إلى السري) قال حدثنا شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد باسنادهم قالوا وأرسل سعد الذين انتهى إليهم رأى الناس والذين انتهت إليهم نجدتهم وأصناف الفضل منهم إلى الناس فكان منهم من ذوي الرأي النفر الذين أتوا رستم المغيرة وحذيفة وعاصم وأصحابهم ومن أهل النجدة طليحة وقيس الاسدي وغالب وعمرو بن معدبكرب وأمثالهم ومن الشعراء الشماخ والحطيئة وأوس بن مغراء وعبدة بن الطبيب ومن سائر الاصناف أمثالهم وقال قبل أن يرسلهم انطلقوا فقوموا في الناس بما يحق عليكم ويحق عليهم عند مواطن البأس فإنكم من العرب بالمكان الذي أنتم به وأنتم شعراء العرب وخطباؤهم وذووا رأيهم ونجدتهم وسادتهم فسيروا في الناس فذكروهم وحرضوهم على القتال فساروا فيهم فقال قيس ابن هبيرة الاسدي أيها الناس احمدوا الله على ما هداكم له وأبلاكم يزدكم واذكروا

[ 46 ]

آلاء الله وارغبوا إليه في عاداته فان الجنة أو الغنيمة أمامكم وإنه ليس وراء هذا القصر إلا العراء والارض القفر والظراب الخش والفلوات التى لا يقطعها الادلة وقال غالب أيها الناس احمدوا الله على ما أبلاكم وسلوه يزدكم وادعوه يحبكم يا معاشر معد ما علتكم اليوم وأنتم في حصونكم يعني الخيل ومعكم من لا يعصيكم يعني السيوف اذكروا حديث الناس في غد فانه بكم غدا يبدأ عنده وبمن بعدكم يثنى وقال ابن الهذيل الاسدي يا معاشر معد اجعلوا حصونكم السيوف وكونوا عليهم كأسود الاجم وتربدوا لهم تربد النمور وادرعوا العجاج وثقوا بالله وغضوا الابصار فإذا كلت السيوف فانها مأمورة فأرسلوا عليهم الجنادل فانها يؤذن لها فيما لا يؤذن للحديد فيه وقال بسر بن أبى رهم الجهني احمدوا الله وصدقوا قولكم بفعل فقد حمدتم الله على ما هداكم له ووحدتموه ولا إله غيره وكبرتموه وآمنتم بنبيه ورسله فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ولا يكونن شئ بأهون عليكم من الدنيا فانها تأتي من تهاون بها ولا تميلوا إليها فتهرب منكم لتميل بكم انصروا الله ينصركم وقال عاصم بن عمرو يا معاشر العرب انكم أعيان العرب وقد صمدتم الاعيان من العجم وانما تخاطرون بالجنة ويخاطرون بالدنيا فلا يكونن على دنياهم أحوط منكم على آخرتكم لا تحدثوا اليوم أمرا تكونون به شينا على العرب غدا وقال ربيع بن البلاد السعدي يا معاشر العرب قاتلوا للدين والدنيا وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين وإن عظم الشيطان عليكم الامر فاذكروا الاخبار عنكم بالمواسم ما دام للاخبار أهل وقال ربعي بن عامر إن الله قد هداكم للاسلام وجمعكم به وأراكم الزيادة وفي الصبر الراحة فعودوا أنفسكم الصبر تعتادوه ولا تعودوها الجزع فتعتادوه وقام كلهم بنحو من هذا الكلام وتواثق الناس وتعاهدوا واهتاجوا لكل ما كان ينبغي لهم وفعل أهل فارس فيما بينهم مثل ذلك وتعاهدوا وتواصوا واقترنوا بالسلاسل وكان المقترنون ثلاثين ألفا (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي أن أهل فارس كانوا عشرين ومائة ألف معهم ثلاثون فيلا مع كل

[ 47 ]

فيل أربعة آلاف (كتب إلى السري) بن يحيى عن شعيب عن سيف عن حلام عن مسعود بن خراش قال كان صف المشركين على شفير العتيق وكان صف المسلمين مع حائط قديس الخندق من ورائهم فكان المسلمون والمشركون بين الخندق والعتيق ومعهم ثلاثون ألف مسلسل وثلاثون فيلا تقاتل وفيلة عليها الملوك وقوف لا تقاتل وأمر سعد الناس أن يقرؤا على الناس سورة الجهاد وكانوا يتعلمونها (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد باسنادهم قالوا قال سعد الزموا مواقفكم لا تحركوا شيئا حتى تصلوا الظهر فإذا صليتم الظهر فانى مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا واعلموا أن التكبير لم يعطه أحد قبلكم واعلموا أنما أعطيتموه تأييدا لكم ثم إذا سمعتم الثانية فكبروا ولتستتم عدتكم ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا ولينشط فرسانكم الناس ليبرزوا وليطاردوا فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعا حتى تخالطوا عدوكم وقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن الريان عن مصعب بن سعد مثله (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن زكرياء عن أبي اسحاق قال أرسل سعد يوم القادسية في الناس إذا سمعتم التكبير فشدوا شسوع نعالكم فإذا كبرت الثانية فتهيؤا فإذا كبرت الثالثة فشدوا النواجذ على الاضراس واحملوا (كتب إلى السري) بن يحيى عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد باسنادهم قالوا لما صلى سعد الظهر أمر الغلام الذي كان ألزمه عمر اياه وكان من القراء ان يقرأ سورة الجهاد وكان المسلمون يتعلمونها كلهم فقرأ على الكتيبة الذين يلونه سورة الجهاد فقرئت في كل كتيبة فهشت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم قالوا لما فزع القراء كبر سعد فكبر الذين يلونه تكبيره وكبر بعض الناس بتكبير بعض فتحشحش الناس ثم ثنى فاستتم الناس ثم ثلث فبرز أهل النجدات فأنشبوا القتال وخرج من أهل فارس أمثالهم فاعتوروا الطعن والضرب وخرج غالب بن عبدالله الاسدي وهو يقول

[ 48 ]

قد علمت واردة المسائح * دات اللبان والبنان الواضح أنى سمام البطل المشايح * وفارج الامر المهم الفادح فخرج إليه هرمز وكان من ملوك الباب وكان متوجا فأسره غالب أسرا فجاء سعدا فأدخل وانصرف غالب إلى المطاردة وخرج عاصم بن عمرو وهو يقول قد علمت ييضاء صفراء اللبب * مثل اللجين إذ تغشاه الذهب أنى امرؤ لا من يعينه السبب * مثلى على مثلك يغريه العتب فطارد رجلا من أهل فارس فهرب منه واتبعه حتى إذا خالط صفهم التقى بفارس معه بغلة فترك الفارس البغل واعتصم بأصحابه فحموه واستاق عاصم البغل والرحل حتى أفضى به إلى الصف فإذا هو خباز الملك وإذا الذي معه لطف الملك الاخبصة والعسل المعقود فأتى به سعدا ورجع إلى موقفه فلما نظر فيه سعد قال انطلقوا به إلى أهل موقفه وقال إن الامير قد نفلكم هذا فكلوه فنفلهم إياه قالوا وبينا الناس ينتظرون التكبيرة الرابعة إذ قام صاحب رجالة بني نهد قيس بن حذيم ابن جرثومة فقال يا بني نهد انهدوا إنما سميتم نهدا لتفعلوا فبعث إليه خالد بن عرفطة والله لتكفن أو لاولين عملك غيرك فكف ولما تطاردت الخيل والفرسان خرج رجل من القوم ينادى مرد ومرد فانتدب له عمرو بن معديكرب وهو بحياله فبارزه فاعتنقه ثم جلد به الارض فذبحه ثم التفت إلى الناس فقال إن الفارسي إذا فقد قوسه فإنما هو تيس ثم تكتبت الكتائب من هؤلاء وهؤلاء (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال مر بنا عمرو بن معديكرب وهو يحضض الناس بين الصفين وهو يقول إن الرجل من هذه الاعاجم إذا ألقى مزراقه فإنما هو تيس فبينا هو كذلك يحرضنا إذ خرج إليه رجل من الاعاجم فوقف بين الصفين فرمى بنشابة فما أخطأت سية قوسه وهو متنكبها فالتفت إليه فحمل عليه فاعتنقه ثم أخذ بمنطقته فاحتمله فوضعه بين يديه فجاء به حتى إذا دنا منا كسر عنقه ثم وضع سيفه على حلقه فذبحه ثم ألقاه ثم قال هكذا فاصنعوا بهم فقلنا يا أبا ثور من يستطيع

[ 49 ]

أن يصنع كما تصنع وقال بعضهم غير إسماعيل وأخذ سوريه ومنطقته ويلمق ديباج عليه (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن الاعاجم وجهت إلى الوجه الذي فيه بجيلة ثلاثة عشر فيلا (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن إسماعيل بن أبي خالد قال كانت يعني وقعة القادسية في المحرم سنة أربعة عشر في أوله وكان قد خرج من الناس إليهم فقال له أهل فارس أحلنا فأحالهم على بجيلة فصرفوا إليهم ستة عشر فيلا (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا لما تكتبت الكتائب بعد الطراد حمل أصحاب الفيلة عليهم ففرقت بين الكتائب فابذعرت الخيل فكادت بجيلة أن تؤكل فرت عنها خيلها نفارا وعمن كان معهم في مواقفهم وبقيت الرجالة من أهل المواقف فأرسل سعد إلى بني أسد ذببوا عن بجيلة ومن لافها من الناس فخرج طليحة بن خويلد وحمال بن مالك وغالب ابن عبدالله والربيل بن عمرو في كتائبهم فباشروا الفيلة حتى عدلو لها ركبانها وإن على كل فيل عشرين رجلا (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد ابن قيس عن موسى بن طريف أن طليحة قام في قومه حين استصرخهم سعد فقال يا عشيرتاه إن المنوه باسمه الموثوق به وإن هذا لو علم أن أحدا أحق بإغاثة هؤلاء منكم استغاثهم ابتدؤهم الشدة وأقدموا عليهم إقدام الليوث الحربة فإنما سميتم أسدا لتفعلوا فعله شدوا ولا تصدوا وكروا ولا تفروا لله در ربيعة أي فرى يفرون وأي قرن يغنون هل يوصل إلى مواقفهم فأغنوا عن مواقفكم أعانكم الله شدوا عليهم باسم الله فقال المعرور بن سويد وشقيق فشدوا والله عليهم فما زالوا يطعنونهم ويضربونهم حتى حبسنا الفيلة عنهم فأخرت وخرج إلى طليحة عظيم منهم فبارزه فما لبثه طليحة أن قتله (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا وقام الاشعث بن قيس فقال يا معشر كندة لله در بني أسد أي فرى يفرون وأي هذ يهذون عن موقفهم منذ اليوم أغنى كل قوم ما يليهم وأنتم تنتظرون من يكفيكم البأس أشهد ما أحسنتم إسوة قومكم

[ 50 ]

العرب منذ اليوم وإنهم ليقتلون ويقاتلون وأنتم جثاة على الركب تنظرون فوثب إليه عدد منهم عشرة فقالوا عثر الله جدك انك لتؤبسنا جاهدا ونحن أحسن الناس موقفا فمن أين خذلنا قومنا العرب وأسأنا إسوتهم فها نحن معك فنهد ونهدوا فأزالوا الذين بإزائهم فلما رأى أهل فارس ما تلقى الفيلة من كتيبة أسد رموهم بحدهم وبدروا المسلمين الشدة عليهم ذو الحاجب والجالنوس والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد فاجتمعت حلبة فارس على أسد ومعهم تلك الفيلة وقد ثبتوا لهم وقد كبر سعد الرابعة فزحف إليهم المسلمون ورحى الحرب تدور على أسد وحملت الفيول على الميمنة والميسرة على الخيول فكانت الخيول تحجم عنها وتحيد وتلح فرسانهم على الرجل يشمسون بالخيل فأرسل سعد إلى عاصم ابن عمرو فقال يا معشر بني تميم ألستم أصحاب الابل والخيل أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة قالوا بلى والله ثم نادى في رجال من قومه رماة وآخرين لهم ثقافة فقال لهم يا معشر الرماة ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل وقال يا معشر أهل الثقافة استدبروا الفيلة فقطعوا وضنها وخرج يحميهم والرحى تدور على أسد وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد وأقبل أصحاب عاصم على الفيلة فأخذوا بأذنابها وذباذب توابيتها فقطعوا وضنها وارتفع عواؤهم فما بقى لهم يومئذ فيل إلا أعرى وقتل أصحابها وتقابل الناس ونفس عن أسد وردوا فارسا عنهم إلى مواقفهم فاقتتلوا ختى غربت الشمس ثم حتى ذهبت هدأة من الليل ثم رجع هؤلاء وهؤلاء وأصيب من أسد تلك العشية خمسمائة وكانوا ردءا للناس وكان عاصم عادية الناس وحاميتهم وهذا يومها الاول وهو يوم أرماث (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن الغصن عن القاسم عن رجل من بني كنانة قال جالت المجنبات ودارت على أسد يوم أرماث فقتل تلك العشية منهم خمسمائة رجل فقال عمرو بن شاس الاسدي جلبنا الخيل من أكناف نيق * إلى كسرى فوافقها رعالا تركن لهم على الاقسام شجوا * وبالحقوين أياما طوالا وداعية بفارس قد تركنا * تبكي كلما رأت الهلالا

[ 51 ]

قتلنا رستما وبنيه قسرا * تثير الخيل فوقهم الهيالا تركنا منهم حيث التقينا * قياما ما يريدون ارتحالا وفر البيرزان ولم يحامى * وكان على كتييته وبالا ونجى الهرمزان حذار نفس * وركض الخيل موصلة عجالا وقال أيضا لقد علمت بنو أسد بأنا * أولوا الاحلام إن ذكروا الحلوما وأنا النازلون بكل ثغر * ولو لم نلفه إلا هشيما ترى فينا الجياد مسومات * مع الابطال يعلكن الشكيما ترى فينا الجياد مجلحات * تنهنه عن فوارسها الخصوما بجمع مثل سلم مكفهر * تشبههم إذا اجتمعوا قروما بمثلهم تلاقى يوم هيج * إذا لاقيت بأسا أو خصوما نفينا فارسا عما أرادت * وكانت لا تحاول أن تريما يوم أغواث (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا وكان سعد قد تزوج سلمى بنت خصفة امرأة المثنى بن حارثة قبله بشراف فنزل بها القادسية فلما كان يوم أرماث وجال الناس وكان لا يطيق جلسة إلا مستوفزا أو على بطنه جعل سعد يتململ ويحول جزعا فوق القصر فلما رأت ما يصنع أهل فارس قالت وامثنياه ولا مثنى للخيل اليوم هي عند رجل قد أضجره ما يرى من أصحابه وفي نفسه فلطم وجهها وقال أين المثنى من هذه الكتيبة التي تدور عليها الرحى يعني أسدا وعاصما وخيله فقالت أغيرة وجبنا قال والله لا يعذرني اليوم أحد إذا أنت لم تعذريني وأنت ترين ما بي والناس أحق ألا يعذروني فتعلقها الناس فلما ظهر الناس لم يبق شاعرا إلا اعتد بها عليه وكان غير جبان ولا ملوم ولما أصبح القوم من الغد أصبحوا على تعبية وقد وكل سعد رجالا بنقل الشهداء إلى العذيب ونقل الرثيث فأما الرثيث فأسلموا إلى النساء يقمن عليهم إلى قضاء الله عزوجل عليهم وأما الشهداء فدفنوهم

[ 52 ]

هنالك على مشرق وهو واد بين العذيب وبين عين الشمس في عدوتيه جميعا الدنيا منهما إلى العذيب والقصوى منهما من العذيب والناس ينتظرون بالقتال حمل الرثيث والاموات فلما استقلت بهم الابل وتوجهت بهم نحو العذيب طلعت نواصي الخيل من الشأم وكان فتح دمشق قبل القادسية بشهر فلما قدم على أبي عبيدة كتاب عمر بصرف أهل العراق أصحاب خالد ولم يذكر خالدا ضن بخالد فحبسه وسرح الجيش وهم ستة آلاف خمسة آلاف من ربيعة ومضر وألف من افناء اليمن من أهل الحجاز وأمر عليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو فعجله أمامه وجعل على إحدى مجنبتيه قيس بن هبيرة بن عبد يغوث المرادي ولم يكن شهد الايام أتاهم وهم باليرموك حين صرف أهل العراق وصرف معهم وعلى المجنبة الاخرى الهزهاز بن عمرو العجلي وعلى الساقة أنس بن عباس فانجذب القعقاع وطوى وتعجل فقدم على الناس صبيحة يوم أغواث وقد عهد إلى أصحابه أن يتقطعوا أعشارا وهم ألف فكلما بلغ عشرة مدى البصر سرحوا في آثارهم عشرة فقدم القعقاع أصحابه في عشرة فأتى الناس فسلم عليهم وبشرهم بالجنود فقال يا أيها الناس إنى قد جئتكم في قوم والله ان لو كانوا بمكانكم ثم أحسوكم حسدوكم حظوتها وحاولوا أن يطيروا بها دونكم فاصنعوا كما أصنع فتقدم ثم نادى من يبارز فقالوا فيه بقول أبي بكر لا يهزم جيش فيهم مثل هذا وسكنوا إليه فخرج إليه ذو الحاجب فقال له القعقاع من أنت قال أنا بهمن جاذويه فنادى يا لثأرات أبي عبيد وسليط وأصحاب يوم الجسر فاجتلدا فقتله القعقاع وجعلت خيله ترد قطعا وما زالت ترد إلى الليل وتنشط الناس وكأن لم يكن بالامس مصيبة وكأنما استقبلوا قتالهم بقتل الحاجبي وللحاق القطع وانكسرت الاعاجم لذلك ونادى القعقاع أيضا من يبارز فخرج إليه رجلان أحدهما البيرزان والآخر البندوان فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان بن الحارث أخو بني تيم اللات فبارز القعقاع البيرزان فضربه فأذري رأسه وبارز ابن ظبيان البندوان فضربه فأذري رأسه وتوردهم فرسان المسلمين وجعل القعقاع يقول يا معاشر المسلمين باشروهم بالسيوف فانما يحصد

[ 53 ]

بها الناس فتواصى الناس وتشايعوا إليهم فاجتلدوا بها حتى المساء فلم ير أهل فارس في هذا اليوم شيئا مما يعجبهم وأكثر المسلمون فيهم القتل ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيل كانت توابيتها تكسرت بالامس فاستأنفوا علاجها حين أصبحوا فلم ترتفع حتى كان الغد (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي قال كانت امرأة من النخع لها بنون أربعة شهدوا القادسية فقالت لبنيها إنكم أسلمتم فلم تبدلوا وهاجرتم فلم تثربوا ولم تنب بكم البلاد ولم تقحمكم السنة ثم جئتم بأمكم عجوز كبيرة فوضعتموها بين يدي أهل فارس والله إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم ولا فضحت حالكم انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره فأقبلوا يشتدون فلما غابوا عنها رفعت يديها إلى السماء وهي تقول اللهم ادفع عن بني فرجعوا إليها وقد أحسنوا القتال ما كلم منهم رجل كلما فرأيتهم بعد ذلك يأخذون ألفين ألفين من العطاء ثم يأتون أمهم فيلقونه في حجرها فترده عليهم وتقسمه فيهم على ما يصلحهم ويرضيهم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا فأزر القعقاع يومئذ ثلاثة نفر من بني يربوع رياحيين وجعل القعقاع كلما طلعت قطعة كبر وكبر المسلمون ويحمل ويحملون اليربوعيون نعيم بن عمرو بن عتاب وعتاب بن نعيم بن عتاب ابن الحارث بن عمرو بن همام وعمرو بن شبيب بن زنباع بن الحارث بن ربيعة أحد بني زيد وقدم ذلك اليوم رسول لعمر بأربعة أسياف وأربعة أفراس يقسمها فيمن انتهى إليه البلاء إن كنت لقيت حربا فدعا حمال بن مالك والربيل بن عمرو ابن ربيعة والوالبيين وطليحة بن خويلد الفقعسي وكلهم من بني أسد وعاصم بن عمرو التميمي فأعطاهم الاسياف ودعا القعقاع بن عمرو واليربوعيين فحملهم على الافراس فأصاب ثلاثة من بني يربوع ثلاثة أرباعها وأصاب ثلاثة من بني أسد ثلاثة أرباع السيوف فقال في ذلك الربيل بن عمرو لقد علم الاقوام أنا أحقهم * إذا حصلوا بالمرهفات البواتر وما فتئت خيلي عشية أرمثوا * يذودون رهوا عن جموع العشائر

[ 54 ]

لدن غدوة حتى أتى الليل دونهم * وقد أفلحت أخرى الليالي الغوابر وقال القعقاع في شأن الخيل لم تعرف الخيل العراب سواءنا * عشية أغواث بجنب القوادس عشية رحنا بالرماح كأنها * على القوم ألوان الطيور الرسارس (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن القاسم بن سليم بن عبدالرحمن السعدي عن أبيه قال كان يكون أول القتال في كل أيامها المطادرة فلما قدم القعقاع قال يا أيها الناس اصنعوا كما أصنع فنادى من يبارز فبرز له ذو الحاجب فقتله ثم البيرزان فقتله ثم خرج الناس من كل ناحية وبدأ الحرب والطعان وحمل بنو عم القعقاع يومئذ عشرة عشرة من الرجالة على إبل قد ألبسوها فهي مجللة مبرقعة وأطافت بهم خيولهم يحموهم وأمرهم أن يحملوا على خيلهم بين الصفين يتشبهون بالفيلة ففعلوا بهم يوم أغواث كما فعلت فارس يوم أرماث فجعلت تلك الابل لا تصمد لقليل ولا لكثير إلا نفرت بهم خيلهم وركبتهم خيول المسلمين فلما رأى ذلك الناس استنوا بهم فلقى فارس من الابل يوم أغواث أعظم مما لقى المسلمون من الفيلة يوم أرماث وحمل رجل من بني تميم ممن كان بحمى العشرة يقال له سواد وجعل يتعرض للشهادة فقتل بعد ما حمل وأبطأت عليه الشهادة حتى تعرض لرستم يريده فأصيب دونه (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن الغصن عن العلاء ابن زياد والقاسم بن سليم عن أبيه قالا خرج رجل من أهل فارس ينادي من يبارز فبرز له علباء بن جحش العجلي فنفحه علباء فأسحره ونفحه الآخر فأمعاه وخرا فأما الفارسي فمات من ساعته وأما الآخر فانتثرت أمعاؤه فلم يستطع القيام فعالج إدخالها فلم يتأت له حتى مر به رجل من المسلمين فقال يا هذا أعني على بطني فأدخله له فأخذ بصفاقيه ثم زحف نحو صف فارس ما يلتفت إلى المسلمين فأدركه الموت على رأس ثلاثين ذراعا من مصرعه إلى صف فارس وقال أرجو بها من ربنا ثوابا * قد كنت ممن أحسن الضرابا (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن الغصن عن العلاء والقاسم

[ 55 ]

عن أبيه قالا وخرج رجل من أهل فارس فنادى من يبارز فبرز له الاعرف ابن الاعلم العقيلي فقتله ثم برز له آخر فقتله وأحاطت به فوارس منهم فصرعوه وندر سلاحه عنه فأخذوه فغبر في وجوههم بالتراب حتى رجع إلى أصحابه وقال في ذلك وإن يأخذوا بزى فإني مجرب * خروج من الغماء محتضر النصر وإنى لحام من وراء عشيرتي * ركوب لآثار الهوى محفل الامر (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن الغصن عن العلاء والقاسم عن أبيه قالا فحمل القعقاع يومئذ ثلاثين حملة كلما طلعت قطعة حمل حملة وأصاب فيها وجعل يرتجز ويقول أزعجهم عمدا بها إزعاجا * أطعن طعنا صائبا ثجاجا أرجو به من جنة أفواجا (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا قتل القعقاع يوم أغواث ثلاثين في ثلاثين حملة كلما حمل حملة قتل فيها فكان آخرهم بزرجمهر الهمذاني وقال في ذلك القعقاع حبوته جياشة (بالنفس) ؟ * هدارة مثل شعاع الشمس في يوم أغواث فليل الفرس * أنخس بالقوم أشد النخس حتى تفتض ؟ معشري ونفسي وبارز الاعور بن قطبة شهربراز سجستان فقتل كل واحد منهما صاحبه فقال أخوه في ذلك لم أر يوما كان أحلى وأمر * من يوم أغواث إذ افتر الثغر من غير ضحك كان أسوى وأبر (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد وشاركهم ابن محراق عن رجل من طيئ قالوا وقاتلت الفرسان يوم الكتائب فيما بين أن أصبحوا إلى انتصاف النهار فلما عدل النهار تزاحف الناس فاقتتلوا بها صتيتا حتى

[ 56 ]

انتصف الليل فكانت ليلة ارماث تدعى الهدأة وليلة أغواث تدعى السواد والنصف الاول يدعى السواد ثم لم يزل المسلمون يرون في يوم أغواث في القادسية الظفر وقتلوا فيه عامة أعلامهم وجالت فيه خيل القلب وثبت رجلهم فلولا أن خيلهم كرت أخذ رستم أخذا فلما ذهب السواد بات الناس على مثل ما بات عليه القوم ليلة ارماث ولم يزل المسلمون ينتمون لدن أمسوا حتى تفايؤا فلما أمسى سعد وسمع ذلك نام وقال لبعض من عنده إن تم الناس على الانتماء فلا توقظني فإنهم أقوياء على عدوهم وإن سكتوا ولم ينتم الآخرون فلا توقظني فإنهم على السواء فإن سمعتهم ينتمون فأيقظني فإن انتماءهم من السوء فقالوا ولما اشتد القتال بالسواد وكان أبو محجن قد حبس وقيد فهو في القصر فصعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله فزبره ورده فنزل فأتى سلمى بنت خصفة فقال يا سلمى يا بنت آل خصفة هل لك إلى خير قالت وما ذاك قال تخلين عني وتعيريني البلقاء فلله علي إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في قيدي فقالت وما أنا وذاك فرجع يرسف في قيوده ويقول كفى حزنا أن ترذى الخيل بالقنا * وأترك مشددا علي وثاقا إذا قمت عناني الحديد واغلقت * مصاريع دوني قد تصم المناديا وقد كنت ذا مال كثير وإخوة * فقد تركوني واحدا لا أخا ليا ولله عهد لا أخيس بعهده * لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا فقالت سلمى إني استخرت الله ورضيت بعهدك فأطلقته وقالت أما الفرس فلا أعيرها ورجعت إلى بيتها فاقتادها فأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق فركبها ثم دب عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة كبر ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين فقالوا بسرجها وقال سعيد والقاسم عريا ثم رجع من خلف المسلمين إلى الميسرة فكبر وحمل على ميمنة القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فندر أمام الناس فحمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا وتعجب الناس

[ 57 ]

منه وهم لا يعرفونه ولم يروه من النهار فقال بعضهم أوائل أصحاب هاشم أو هاشم نفسه وجعل سعد يقول وهو مشرف على الناس مكب من فوق القصر والله لولا محبس أبي محجن لقلت هذا أبو محجن وهذه البلقاء وقال بعض الناس إن كان الخضر يشهد الحروب فنظن صاحب البلقاء الخضر وقال بعضهم لولا أن الملائكة لا تباشر القتال لقلنا ملك يثبتنا ولا يذكره الناس ولا يأبهون له لانه بات في محبسه فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس وتراجع المسلمون وأقبل أبو محجن حتى دخل من حيث خرج ووضع عن نفسه وعن دابته وأعاد رجليه في قيديه وقال لقد علمت ثقيف غير فخر * بأنا نحن أكرمهم سيوفا وأكثرهم دروعا سابغات * وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا وأنا وفدهم في كل يوم * فإن عميو فسل بهم عريفا وليلة قادس لم يشعروا بي * ولم أشعر بمخرجي الزحوفا فإن احبس فذلكم بلائي * وإن أترك أذيقهم الحتوفا فقالت له سلمى يا أبا محجن في أي شئ حبسك هذا الرجل قال إما والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية وأنا أمرؤ شاعر يدب الشعر على لساني يبعثه على شفتي أحيانا فيساء لذلك ثنائي ولذلك حبسني قلت إذا مت فادفن إلى أصل كرمة * تروى عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني * أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها وتروى بخمر الحص لحدي فإنني * أسير لها من بعد ما قد أسوقها ولم تزل سلمى مغاضبة لسعد عشية ارماث وليلة الهدأة وليلة السواد حتى إذا أصبحت أتته وصالحته وأخبرته خبرها وخبر أبي محجن فدعا به فأطلقه وقال اذهب فما أنا مؤاخذك بشئ تقوله حتى تفعله قال لا جرم والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدا

[ 58 ]

يوم عماس (كتب إلي السري) ابن يحيى عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم وابن مخراق عن رجل من طيئ قالوا فاصبحوا من اليوم الثالث وهم على مواقفهم وأصبحت الاعاجم على مواقفهم وأصبح ما بين الناس كالرجلة الحمراء يعنى الحرة سيل في عرض ما بين الصفين وقد قتل من المسلمين ألفان من رثيث وميت ومن المشركين عشرة آلاف من رثيث وميت وقال سعد من شاء غسل الشهداء ومن شاء فليدفنهم بدمائهم وأقبل المسلمون على قتلاهم فاحرزوهم فجعلوهم من وراء ظهورهم وأقبل الذبن يجمعون القتلى يحملونهم إلى المقابر ويبلغون الرثيت إلى النساء وحاجب بن زيد على الشهداء وكان النساء والصبيان يحفرون القبور في اليومين يوم أغواث ويوم ارماث بعدوتي مشرق فدفن ألفان وخمسمائة من أهل القادسية وأهل الايام فمر حاجب وبعض أهل الشهادة وولاة الشهداء في أصل نخلة بين القادسية والعذيب وليس بينهما يومئذ نخلة غيرها فكان الرثيث إذا حملوا فانتهى بهم إليها وأحدهم يعقل سألهم أن يقفوا به تحتها يستروح إلى ظلها ورجل من الجرحى يدعى بجيرا يقول وهو مستظل بظلها ألا يا اسلمى يا نخلة بين قادس * وبين العذيب لا يجاورك النخل ورجل من بني ضبة أو من بني ثور يدعى غيلان يقول: ألا يا اسلمى يا نخلة بين جرعة * يجاورك الجمان دونك والرغل ورجل من بني تيم الله يقال له ربعي يقول: أيا نخلة الجرعاء يا جرعت العدى * سقتك الغوادي والغيوث الهواطل وقال الاعور بن قطبة: أيا نخلة الركبان لا زلت فانضري * ولا زال في أكناف جرعائك النخل وقال عوف بن مالك التميمي ويقال التيمي تيم الرباب: أيا نخلة دون العذيب بتلعة * سقيت الغوادي المدجنات من النخل

[ 59 ]

(كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا وبات القعقاع ليلته كلها يسرب أصحابه إلى المكان الذي فارقهم فيه من الامس ثم قال إذا طلعت لكم الشمس فأقبلوا مائة مائة كلما توارى عنكم مائة فليتبعها مائة فان جاء هاشم فذاك وإلا جددتم للناس رجاء وجدا ففعلوا ولا يشعر بذلك أحدا وأصبح الناس على مواقفهم قد أحرزوا قتلاهم وخلوا بينهم وبين حاجب بن زيد وقتلى المشركين بين الصفين قد أضيعوا وكانوا لا يعرضون لامواتهم وكان مكانهم مما صنع الله للمسلمين مكيدة فتحها ليشد بها أعضاد المسلمين فلما ذر قرن الشمس والقعقاع يلاحظ الخيل وطلعت نواصيها كبر وكبر الناس وقالوا جاء المدد وقد كان عاصم بن عمرو أمر أن يصنع مثلها فجاؤا من قبل خفان فتقدم الفرسان وتكتبت الكتائب فاختلفوا الضرب والطعن ومددهم متتابع فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم وقد طلعوا في سبعمائة فأخبروه برأي القعقاع وما صنع في يوميه فعبى أصحابه سبعين سبعين فلما جاء آخر أصحاب القعقاع خرج هاشم في سبعين معه فيهم قيس بن هبيرة بن عبد يغوث ولم يكن من أهل الايام إنما أتى من اليمن اليرموك فانتدب مع هاشم فأقبل هاشم حتى إذا خالط القلب كبر، كبر المسلمون وقد أخذوا مصافهم وقال هاشم أول القتال المطاردة ثم المراماة فأخذ قوسه فوضع سهما على كبدها ثم نزع فيها فرفعت فرسه رأسها فخل أذنها فضحك وقال واسوأتاه من رمية رجل كل من رأى ينتظره أين ترون سهمي كان بالغا فقيل العتيق فنزقها وقد نزع السهم ثم ضربها حتى بلغت العتيق ثم ضربها حتى بلغت العتيق ثم ضربها فاقبلت به تخرقهم حتى عاد إلى موقفه وما زالت مقانبه تطلع إلى الاولى وقد بات المشركون في علاج توابيتهم حتى أعادوها وأصبحوا على مواقفهم واقبلت الفيلة معها الرجالة يحمونها أن تقطع وضنها ومع الرجالة فرسان يحمونهم إذا أرادوا كتيبة دلفوا لها بفيل واتباعه لينفروا بهم خيلهم فلم يكن ذلك منهم كما كان بالامس لان الفيل إذا كان وحده ليس معه أحد كان أوحش وإذا أطافوا به كان آنس فكان القتال كذلك حتى عدل النهار وكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديدا

[ 60 ]

العرب والعجم فيه على السواء ولا يكون بينهم نقطة إلا تعاورها الرجال بالاصوات حتى تبلغ يزدجرد فيبعث إليهم أهل النجدات ممن بقى عنده فيقوون بهم وأصبحت عنده للذي لقى بالامس الامداد على البرد فلولا الذي صنع الله للمسلمين بالذي ألهم القعقاع في اليومين وأتاح لهم بهاشم كسر ذلك المسلمين (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي قال قدم هاشم بن عتبة من قبل الشأم معه قيس بن المكشوح المرادي في سبعمائة بعد فتح اليرموك ودمشق فتعجل في سبعين فيهم سعيد بن نمران الهمداني قال مجالد وكان قيس بن أبي حازم مع القعقاع في مقدمة هاشم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن جخدب ابن جرعب عن عصمة الوابلي وكان قد شهد القادسية قال قدم هاشم في أهل العراق من الشأم فتعجل في أناس ليس معه أحد من غيرهم إلا نفير منهم ابن المكشوح فلما دنا تعجل في ثلثمائة فوافق الناس وهم على مواقفهم فدخلوا مع الناس في صفوفهم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي قال كان اليوم الثالث يوم عماس ولم يكن في أيام القادسية مثله خرج الناس منه على السواء كلهم على ما أصابه كان صابرا وكلما بلغ منهم المسلمون بلغ الكافرون من المسلمين مثله وكلما بلغ الكافرون من المسلمين بلغ المسلمون من الكافرين مثله (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن الريان عن اسماعيل بن محمد بن سعد قال قدم هاشم بن عتبة القادسية يوم عماس فكان لا يقاتل إلا على فرسن أنثى لا يقاتل على ذكر فلما وقف في الناس رمى بسهم فأصاب أذن فرسه فقال واسوأتاه من هذه أين ترون سهمي كان بالغا ولم يصب أذن الفرس قالوا كذا وكذا فأجال فنزل وترك فرسه ثم خرج يضربهم حتى بلغ حيث قالوا (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا وكان في الميمنة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن الريان عن اسماعيل بن محمد كنا نرى أنه كان على الميمنة وما كان عامة جنن الناس ألا البراذع براذع الرحال قد أعرضوا فيها الجريد وعصب من لم يكن له وقاية رؤسهم بالانساع (كتب إلي السري) عن

[ 61 ]

شعيب عن سيف عن أبي كبران الحسن بن عقبة أن قيس بن المكشوح قال مقدمه من الشأم مع هاشم وقام فيمن يليه فقال لهم يا معشر العرب إن الله قد من عليكم بالاسلام وأكرمكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأصبحتم بنعمة الله إخوانا دعوتكم واحدة وأمركم واحد بعد إذ أنتم يعدو بعضكم على بعض عدو الاسد ويختطف بعضكم بعضا اختطاف الذئاب فانصروا الله ينصركم وتنجزوا من الله فتح فارس فإن إخوانكم من أهل الشأم قد أنجز الله لهم فتح الشأم وانتثال القصور الحمر والحصون الحمر (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن المقدام الحارثي عن الشعبي قال قال عمرو بن معديكرب اني حامل على الفيل ومن حوله لفيل بإزائهم فلا تدعوني أكثر من جزر جزور فإن تأخرتم عني فقد تم أبا ثور فأنى لكم مثل أبي ثور فإن أدركتموني وجدتموني وفي يدي السيف فحمل فما انثنى حتى ضرب فيهم وستره الغبار فقال أصحابه ما تنتظرون ما أنتم بخلقاء أن تدكوه وان فقدتموه فقد المسلمون فارسهم فحملوا حملة فأفرج المشركون عنه بعد ما صرعوه وطعنوه وان سيفه لفي يده يضاربهم وقد طعن فرسه فلما رأى أصحابه وانفرج عنه أهل فارس أخذ برجل فرس رجل من أهل فارس فحركه الفارسي فاضطرب الفرس فالتفت الفارسي إلى عمرو فهم به وأبصره المسلمون فغشوه فنزل عنه الفارسي وحاضر إلى أصحابه فقال عمرو أمكنوني من لجامه فأمكنوه من فركبه (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن المغيرة العبدي عن الاسود بن قيس عن أشياخ لهم شهدوا القادسية قالوا لما كان يوم عماس خرح رجل من العجم حتى إذا كان بين الصفين هدر وشقشيق ونادى من يبارز فخرج رجل منا يقال له شبر ابن علقمة وكان قصيرا قليلا دميما فقال يا معشر المسلمين قد أنصفكم الرجل فلم يجبه أحد ولم يخرج إليه أحد فقال أما والله لولا أن تزدروني لخرجت إليه فلما رأى أنه لا يمنع أخذ سيفه وحجفته وتقدم فلما رآه الفارسي هدر ثم نزل إليه فاحتمله فجلس على صدره ثم أخذ سيفه ليذبحه ومقود فرسه مشدود بمنطقته فلما استل السيف حاص الفرس حيصة فجذبه المقود فقلبه عنه فأقبل عليه وهو

[ 62 ]

يسحب فافترشه فجعل أصحابه يصيحون به فقال صيحوا ما بدا لكم فوالله لا أفارقه حتى أقتله وأسلبه فذبحه وسلبه ثم أتى به سعدا فقال إذا كان حين الظهر فأتني فوافاه بالسلب فحمد الله سعد وأثنى عليه ثم قال اني قد رأيت أن أنحله اياه وكل من سلب سلبا فهو له فباعه باثنى عشر ألفا (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا ولما رأى سعد الفيلة تفرق بين الكتائب وعادت لفعلها يوم ارماث أرسل إلى أولئك المسلمة ضخم ومسلم ورافع وعشنق وأصحابهم من الفرس الذين أسلموا فدخلوا عليه فسألهم عن الفيلة هل لها مقاتل فقالوا نعم المشافر والعيون لا ينتفع بها بعدها فأرسل إلى القعقاع وعاصم ابني عمرو أكفياني الابيض وكانت كلها آلفة له وكان بإزائهما وأرسل إلى حمال والربيل اكفياني الفيل الاجرب وكانت آلفة له كلها وكان بإزائها فأخذ القعقاع وعاصم رمحين أصمين لينين ودبا في خيل ورجل فقالا اكتنفوه لتحيروه وهما مع القوم ففعل حمال والربيل مثل ذلك فلما خالطوهما اكتنفوهما فنظر كل واحد منهما يمنة ويسرة وهما يريدان أن يتخبطا فحمل القعقاع وعاصم والفيل متشاغل بمن حوله فوضعا رمحيهما معا في عيني الفيل الابيض وقبع ونفض رأسه فطرح سائسه ودلى مشفره فنفحه القعقاع فرمى به ووقع لجنبه فقتلوا من كان عليه وحمل حمال وقال للربيل اختر إما أن تضرب المشفر وأطعن في عينه أو تطعن في عينه وأضرب مشفره فاختار الضرب فحمل عليه وهو متشاغل بملاحظة من اكتنفه لا يخاف سائسه إلا على بطانه فانفرد به أولئك فطعنه في عينه فأقعى ثم استوى ونفحه الربيل فأبان مشفره وبصر به سائسه فبقر أنفه وجبينه بفأسه (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي قال قال رجلان من بني أسد يقال لهما الربيل وحمال يا معشر المسلمين أي الموت أشد قالوا أن يشد على هذا الفيل فنزقا فرسيهما حتى إذا قاما على السنابك ضرباهما على الفيل الذي بإزائهما فطعن أحدهما في عين الفيل فوطئ الفيل من خلفه وضرب الآخر مشفره فضربه سائس الفيل ضربة شائنة بالطبرزين في وجهه فأفلت بها هو والربيل وحمل القعقاع

[ 63 ]

وأخوه على الفيل الذي بإزائهما ففقآ عينيه وقطعا مشفره فبقى متلددا بين الصفين كلما أتى صف المسلمين وخزوه وإذا أتى صف المشركين نخسوه (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبي قال كان في الفيلة فيلان يعلمان الفيلة فلما كان يوم القادسية حملوهما على القلب فأمر بهما سعد القعقاع وعاصما التميميين وحمالا والربيل الاسديين فذكر مثل الاول إلا أن فيه وعاش بعد وصاح الفيلان صياح الخنزير ثم ولى الاجرب الذي عور فوثب في العتيق فاتبعته الفيلة فخرجت صف الاعاجم فعبرت العتيق في أثره فأثت المدائن في توابيتها وهلك من فيها (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا فلما ذهبت الفيلة وخلص المسلمون بأهل فارس ومال الظل تزاحف المسلمون وحماهم فرسانهم الذين قاتلوا أول النهار فاجتلدوا بها حتى أمسوا على حرد بالسيوف وهم في ذلك على السواء لان المسلمين حين فعلوا بالفيول ما فعلوا تكتبت كتائب الابل المجففة فعرقبوا فيها وكفكفوا عنها وقال في ذلك القعقاع بن عمرو حضض قومي مضرحي بن يعمر * فلله قومي حين هزوا العواليا وما خام عنها يوم سارت جموعنا * لاهل قديس يمنعون المواليا فإن كنت قاتلت العدو فللته * فإني لالقى في الحروب الدواهيا فيولا أراها كالبيوت مغيرة * أسمل أعيانا لها ومآقيا كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا لما أمسى الناس من يومهم ذلك وطعنوا في الليل اشتد القتال وصبر الفريقان فخرجا على السواء إلا الغماغم من هؤلاء وهؤلاء فسميت ليلة الهرير لم يكن قتال بليل بعدها بالقادسية (قال أبو جعفر) كتب إلى السري عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد بن قيس عن عبدالرحمن بن جيش ان سعدا بعث ليلة الهرير طليحة وعمرا إلى مخاضة أسفل من العسكر ليقوما عليها خشية أن يأتيه القوم منها وقال لهما إن وجدتما القوم قد سبقوكما إليها فانزلا بحيالهم وإن لم تجداهم علموا بها فأقيما حتى يأتيكما أمري وكان عمر قد عهد إلى سعد ألا يولى رؤساء أهل الردة على مائة فلما انتهيا إلى المخاضة

[ 64 ]

فلم يريا فيها أحدا قال طليحة لو خضنا فأتينا الاعاجم من خلفهم فقال عمرو لا بل نعبر أسفل فقال طليحة إن الذي أقوله أنفع للناس فقال عمرو إنك تدعوني إلى ما لا أطيق فافترقا فأخذ طليحة نحو العسكر من وراء العتيق وحده وسفل عمرو باصحابهما جميعا فأغاروا وثارت بهم الاعاجم وخشى سعد منهما الذي كان فبعث قيس بن المكشوح في آثارهما في سبعين رجلا وكان من أولئك الرؤساء الذين نهى عنهم أن يوليهم المائة وقال إن لحقتهم فأنت عليهم فخرج نحوهم فلما كان عند المخاضة وجد القوم يكر دون عمرا وأصحابه فنهنه الناس عنه وأقبل قيس على عمرو يلومه فتلاحيا فقال أصحابه إنه قد أمر عليك فسكت وقال يتأمر علي رجل قد قاتلته في الجاهلية عمر رجل فرجع إلى العسكر وأقبل طليحة حتى إذا كان بحيال السكر كبر ثلاث تكبيرات ثم ذهب فطلبه القوم فلم يدروا أين سلك وسفل حتى خاض ثم أقبل إلى العسكر فأتى سعدا فأخبره فاشتد ذلك على المشركين وفرح المسلمون وما يدرون ما هو (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن قدامة الكاهلي عمن حدثه أن عشرة إخوة من بني كاهل بن أسد يقال لهم بنو حرب جعل أحدهم يرتجز ليلتئذ ويقول أنا ابن حرب ومعي مخراقي * أضربهم بصارم رقراق إذ كره الموت أبو إسحاق * وجاشت النفس على التراقي صبرا عفاق إنه الفراق وكان عفاق أحد العشرة فأصيب فخذ صاحب هذا الشعر يومئذ فأنشأ يقول صبرا عفاق إنها الاساورة * صبرا ولا تغررك رجل نادره فمات من ضربته يومئذ (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه عن حميد بن أبي شجار قال بعث سعد طليحة في حاجة فتركها وعبر العتيق فدار إلى عسكر القوم حتى إذا وقف على ردم النهر كبر ثلاث تكبيرات فراع أهل فارس وتعجب المسلمون فكف بعضهم عن بعض للنظر في ذلك فارسلت الاعاجم في ذلك وسأل المسلمون عن ذلك ثم إنهم عادوا وجددوا

[ 65 ]

تعبية وأخذوا في أمر لم يكونوا عليه في الايام الثلاثة والمسلمون على تعبيتهم وجعل طليحة بقول لا تعدموا امرء ضعضعكم وخرج مسعود بن مالك الاسدي وعاصم ابن عمرو التميمي وابن ذي البردين الهلالي وابن ذي السهمين وقيس بن هبيرة الاسدي وأشباههم فطاردوا القوم وانبعثوا للقتال فإذا القوم لمة لا يشدون ولا يريدون غير الزحف فقدموا صفا له أذنان وأتبعوا آخر مثله وآخر وآخر حتى تمت صفوفهم ثلاثة عشر صفا في القلب والمجنبتين كذلك فلما أقدم عليهم فرسان العسكر راموهم فلم يعطفهم ذلك عن ركوبهم ثم لحقت بالفرسان الكتائب فأصيب ليلتئذ خالد بن يعمر التميمي ثم العمري فحمل القعقاع على ناحيته التي رمى بها مزدلفا فقاموا على ساق فقال القعقاع سقى الله يا خوصاء قبر ابن يعمر * إذا ارتحل السفار لم يترحل سقى الله أرضا حلها قبر خالد * ذهاب غواد مدجنات تجلجل فأقسمت لا ينفك سيفي يحسهم * فإن زحل الاقوام لم أتزحل فزاحفهم والناس على راياتهم بغير إذن سعد فقال سعد اللهم اغفرها له وانصره قد أذنت له إذ لم يستأذني والمسلمون على مواقفهم إلا من تكتب أو طاردهم وهم ثلاثة صفوف فصف فيه الرجالة أصحاب الرماح والسيوف وصف فيه المرامية وصف فيه الخيول وهم أمام الرجالة وكذلك الميمنة وكذلك الميسرة وقال سعد ان الامر الذي صنع القعقاع فإذا كبرت ثلاثا فازحفوا فكبر تكبيرة فتهيؤا ورأى الناس كلهم مثل الذي رأى والرحى تدور على القعقاع ومن معه (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبيد الله بن عبدالاعلى عن عمرو بن مرة قال وقام قيس بن هبيرة المرادي فيمن يليه ولم يشهد شيئا من لياليها إلا تلك الليلة فقال إن عدوكم قد أبى إلا المزاحفة والرأي رأي أميركم وليس بأن تحمل الخيل ليس معها الرجالة فان القوم إذا زحفوا وطاردهم عدوهم على الخيل لا رجال معهم عقروا بهم ولم يطيقوا أن يقدموا عليهم فتيسروا للحملة فتيسروا وانتظروا التكبيرة وموافقة حمل الناس وان نشاب الاعاجم لتجوز صف المسلمين (كتب

[ 66 ]

إلي السري) عن شعيب عن سيف عن المستنير بن يزيد عمن حدثه قال وقال دريد بن كعب النخعي وكان معه لواء النخع إن المسلمين قد تهيؤا للمزاحفة فاسبقوا المسلمين الليلة إلى الله والجهاد فانه لا يسبق الليلة أحد إلا كان ثوابه على قدر سبقه نافسوهم في الشهادة وطيبوا بالموت نفسا فإنه أنجى من الموت إن كنتم تريدون الحياة وإلا فالآخرة ما أردتم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن الاجلح قال قال الاشعث بن قيس يا معشر العرب إنه لا ينبغي أن يكون هؤلاء القوم أجرأ على الموت ولا أسخى أنفسا عن الدنيا تنافسوا الازواج والاولاد ولا تجزعوا من القتل فانه أماني الكرام ومنايا الشهداء وترجل (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد قال قال حنظلة بن الربيع وأمراء الاعشار ترجلوا أيها الناس وافعلوا كما نفعل ولا تجزعوا مما لابد منه فالصبر أنجى من الفزع وفعل طليحة وغالب وحمال وأهل النجدات من جميع القبائل مثل ذلك (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو والنضر بن السري قالا ونزل ضرار ابن الخطاب القرشي وتتابع على التسرع إليهم الناس كلهم فيما بين تكبيرات سعد حين استبطؤه فلما كبر الثانية حمل عاصم بن عمرو وحتى انضم إلى القعقاع وحملت النخع وعصى الناس كلهم سعدا فلم ينتظروا الثالثة إلا الرؤساء فلما كبر الثالثة زحفوا فلحقوا بأصحابهم وخالطوا القوم فاستقبلوا الليل استقبالا بعد ما صلوا العشاء (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن الوليد بن عبدالله بن أبي طيبة عن أبيه قال حمل الناس ليلة الهرير عامة ولم ينتظروا بالحملة سعدا وكان أول من حمل القعقاع فقال اللهم اغفرها له وانصره وقال واتميماه سائر الليلة ثم قال أرى الامر ما فيه هذا فإذا كبرت ثلاثلا فاحملوا فكبر واحدة فلحقهم أسد فقيل قد حملت أسد فقال اللهم اغفرها لهم وانصرهم واأسداه سائر الليلة ثم قيل حملت النخع فقال اللهم اغفرها لهم وانصرهم وانخعاه سائر الليلة ثم قيل حملت بجيلة فقال اللهم اغفرها لهم وانصرهم وابجيلتاه ثم حملت الكنود فقيل حملت كندة فقال واكندتاه ثم زحف الرؤساء بمن انتظر التكبيرة فقامت حربهم على ساق حتى الصباح

[ 67 ]

فذلك ليلة الهرير (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن نويرة عن عمه أنس بن الحليس قال شهدت ليلة الهرير فكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلنهم حتى الصباح أفرغ عليهم الصبر إفراغا وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها ورأى العرب والعجم أمرا لم يروا مثله قط وانقطعت الاصوات والاخبار عن رستم وسعد وأقبل سعد على الدعاء حتى إذا كان وجه الصبح انتهى الناس فاستدل بذلك على أنهم الاعلون وأن الغلبة لهم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد عن الاعور بن بيان المنقري قال أول شئ سمعه سعد ليلتئذ مما يستدل به على الفتح في نصف الليل الباقي صوت القعقاع بن عمرو وهو يقول نحن قتلنا معشرا وزائدا * أربعة وخمسة وواحدا نحسب فوق اللبد الاساودا * حتى إذا ماتوا دعوت جاهدا الله ربي واحترزت عامدا (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الاعور ومحمد عن عمه والنضر عن ابن الرفيل قالوا اجتلدوا تلك الليلة من أولها حتى الصباح لا ينطقون كلامهم الهرير فسميت ليلة الهرير (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن الريان عن مصعب بن سعد قال بعث سعد في تلك الليلة بجادا وهو غلام إلى الصف إذ لم يجد رسولا فقال انظر ما ترى من حالهم فرجع فقال ما رأيت أي بني قال رأيتهم يلعبون فقال أو يجدون (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن جرير العبدي عن عابس الجعفي عن أبيه قال كانت بإزاء جعفي يوم عماس كتيبة من كتائب العجم عليهم السلاح التام فازدلفوا لهم فجالدوهم بالسيوف فرأوا أن السيوف لا تعمل في الحديد فارتدعوا فقال حميضة ما لكم قالوا لا يجوز فيهم السلاح قال كما أنتم حتى أريكم انظروا فحمل على رجل منهم فدق ظهره بالرمح ثم التفت إلى أصحابه فقال ما أراهم إلا يموتون دونكم فحملوا عليهم فأزالوهم إلى صفهم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي قال لا والله ما شهدها من كندة خاصة إلا سبعمائة وكان بإزائهم ترك

[ 68 ]

الطبري فقال الاشعث يا قوم ازحفوا لهم فزحف لهم في سبعمائة فأزالهم وقتل تركا فقال راجزهم نحن تركنا تركهم في المصطره * مختضبا من بهران الابهره (ليلة القادسية) (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا وأصبحوا ليلة القادسية وهي صبحة ليلة الهرير وهي تسمى ليلة القادسية من بين تلك الايام والناس حسرى لم يغمضوا ليلتهم كلها فسار القعقاع في الناس فقال إن الدبرة بعد ساعة لمن بدأ القوم فاصبروا ساعة واحملوا فإن النصر مع الصبر فآثروا الصبر على الجزع فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء وصمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه مع الصبح ولما رأت ذلك القبائل قام فيها رجال فقام قيس بن عبد يغوث والاشعث بن قيس وعمرو بن معديكرب وابن ذي السهمين الخثعمي وابن ذي البردين الهلالي فقالوا لا يكونن هؤلاء أجد في أمر الله منكم ولا يكونن هؤلاء لاهل فارس أجرأ على الموت منكم ولا أسخى أنفسا عن الدنيا تنافسوها فحملوا مما يليهم حتى خالطوا الذين بإزائهم وقام في ربيعة رجال فقالوا أنتم أعلم الناس بفارس وأجراهم عليهم فيما مضى فما يمنعكم اليوم أن تكونوا أجرأ مما كنتم بالجرءة فكان أول من زال حين قام قائم الظهيرة الهرمزان والبيرزان فتأخروا وثبتا حيث انتهيا وانفرج القلب حين قام قائم الظهيرة وركد عليهم النقع وهبت ريح عاصف فقلعت طيارة رستم عن سريره فهوت في العتيق وهي دبور ومال الغبار عليهم وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير فعثروا به وقد قام رستم عنه حين طارت الريح بالطيارة إلى بغال قد قدمت عليه بمال يومئذ فهي واقفة فاستظل في ظل بغل وحمله وضرب هلال بن علفة الحمل الذي رستم تحته فقطع حباله ووقع عليه أحد العدلين ولا يراه هلال ولا يشعر به فأزال من ظهره فقارا ويضربه ضربة فنفحت مسكا ومضى رستم نحو العتيق فرمى بنفسه فيه واقتحمه هلال عليه فتناوله وقد عام وهلال قائم

[ 69 ]

فأخذ برجله ثم خرج به إلى الجد فضرب جبينه بالسيف حتى قتله ثم جاء به حتى رمى به بين أرجل البغال وصعد السرير ثم نادى قتلت رستم ورب الكعبة إلي فاطافوا به وما يحسون السرير ولا يرونه وكبروا وتنادوا وانبث قلب المشركين عندها وانهزموا وقام الجالنوس على الردم ونادى أهل فارس إلى العبور وانسفر الغبار فاما المقترنون فانهم جشعوا فتهافتوا في العتيق فوخزهم المسلمون برماحهم فما أفلت منهم مخبروهم ثلاثون ألفا وأخذ ضرار بن الخطاب درفش كابيان فعوض منها ثلاثين ألفا وكانت قيمتها ألف ألف ومائتي ألف وقتلوا في المعركة عشرة آلاف سوى من قتلوا في الايام قبله (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عطية عن عمرو بن سلمة قال قتل هلال بن علفة رستم يوم القادسية (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن ابن مخراق عن أبي كعب الطائي عن أبيه قال أصيب من الناس قبل ليلة الهرير ألفان وخمسمائة وقتل ليلة الهرير ويوم القادسية ستة آلاف من المسلمين فدفنوا في الخندق بحيال مشرق (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا لما انكشف أهل فارس فلم يبق منهم بين الخندق والعتيق أحد وطبقت القتلى ما بين قديس والعتيق أمر سعد زهرة باتباعهم فنادى زهرة في المقدمات وأمر القعقاع بمن سفل وشرحبيل بمن علا وأمر خالد بن عرفطة بسلب القتلى وبدفن الشهداء فدفن الشهداء شهداء ليلة الهرير ويوم القادسية حول قديس ألفان وخمسمائة وراء العتيق بحيال مشرق ودفن شهداء ما كان قبل ليلة الهرير على مشرق وجمعت الاسلاب والاموال فجمع منها شئ لم يجمع قبله ولا بعده مثله وأرسل سعد إلى هلال فدعى له فقال أين صاحبك قال رميت به تحت أبغل قال اذهب فجئ به فذهب فجاء به فقال جرده إلا ما شئت فأخذ سلبه فلم يدع عليه شيئا ولما رجع القعقاع وشرحبيل قال لهذا أغد فيما طلب هذا وقال لهذا اغد فيما طلب هذا فعلا هذا وسفل هذا حتى بلغا مقدار الخرارة من القادسية وخرج زهرة بن الحوية في آثارهم وانتهى إلى الردم وقد بثقوه ليمنعوهم به من الطلب فقال زهرة يابكير أقدم فضرب فرسه وكان

[ 70 ]

يقاتل على الاناس فقال ثبى أطلال فتجمعت وقالت وثبا وسورة البقرة وأوثب زهرة وكان عن حصان وسائر الخيل فاقتحمته وتتابع على ذلك ثلثمائة فارس ونادى زهرة حيت كاعت الخيل خذوا أيها الناس على القنطرة وعارضونا فمضى ومضى الناس إلى القنطرة يتبعونه فلحق بالقوم والجالنوس في آخرهم يحميهم فشاوله زهرة فاختلفا ضربتين فقتله زهرة وأخذ سلبه وقتلوا ما بين الخرارة إلى السيلحين إلى النجف وأمسوا فرجعوا فباتوا بالقادسية (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن شبرمة عن شقيق قال اقتحمنا القادسية صدر النهار فتراجعنا وقد أتى الصلاة وقد أصيب المؤذن فتشاح الناس في الاذان حتى كادوا أن يجتلدوا بالسيوف فأقرع سعد بينهم فخرج سهم رجل فأذن (ثم رجع الحديث) وتراجع الطلب الذين طلبوا من علا على القادسية ومن سفل عنها وقد أتى الصلاة وقد قتل المؤذن فتشاحوا على الاذان فأقرع بينهم سعد وأقاموا بقية يومهم ذلك وليلتهم حتى رجع زهرة وأصبحوا وهم جميع لا ينتظرون أحدا من جندهم وكتب سعد بالفتح وبعدة من قتلوا ومن أصيب من المسلمين وسمى لعمر من يعرف مع سعد بن عميلة الفزاري (كب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه قال دعاني سعد فأرسلني أنظر له في القتلى وأسمى له رؤسهم فأتيته فأعلمته ولم أر رستم في مكانه فارسل إلى رجل من التيم يدعى هلالا فقال ألم تبلغني أن قتلت رستم قال بلى قال فما صنعت به قال ألقيته تحت قوائم الابغل قال فكيف قتلته فأخبره حتى قال ضربت جبينه وأنفه قال فجئنا به فاعطاه سلبه وكان قد تخفف حين وقع إلى الماء فباع الذي عليه بسبعين ألفا وكانت قيمة قلنسوته مائة ألف لو ظفر بها وجاء نفر من العباد حتى دخلوا على سعد فقالوا أيها الامير رأينا جسد رستم على باب قصرك وعليه رأس غيره وكان الضرب قد شوهه فضحك (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا وقال الديلم ورؤساء أهل المسالح الذين استجابوا للمسلمين وقاتلوا معهم على غير الاسلام اخواننا الذين دخلوا في هذا الامر من أول الشأن أصوب منا وخير ولا

[ 71 ]

والله لا يفلح أهل فارس بعد رستم الا من دخل في هذا الامر منهم فأسلموا وخرج صبيان العسكر في القتلى ومعهم الاداوى يسقون من به رمق من المسلمين ويقتلون من به رمق من المشركين وانحدروا من العذيب مع العشاء قال وخرج زهرة في طلب الجالنوس وخرج القعقاع وأخوه وشرحبيل في طلب من ارتفع وسفل فقتلوهم في كل قرية وأجمة وشاطئ نهر ورجعوا فوافوا صلاة الظهر وهنأ الناس أميرهم وأثنى على كل حي خيرا وذكره منهم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن سعيد بن المرزبان قال خرج زهرة حتى أدرك الجالنوس ملكا من ملوكهم بين الخرارة والسيلحين وعليه يارقان وقلبان وقرطان على برذون له قد خضد فحمل عليه فقتله قال والله إن زهرة يومئذ لعلى فرس له ما عنانها إلا من حبل مضفور كالمقود وكذلك حزامها شعر منسوج فجاء بسلبه إلى سعد فعرف الاسارى الذين عند سعد سلبه فقالوا هذا سلب الجالنوس فقال له سعد هل أعانك عليه أحد قال نعم قال من قال فنفله الله سلبه (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عبيدة عن ابراهيم قال كان سعد استكثر له سلبه فكتب فيه إلى عمر فكتب إليه عمر إني قد نفلت من قتل رجلا سلبه فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفا * وعن سيف عن البرمكان والمجالد عن الشعبي قال لحق به زهرة فرفع له الكرة فما يخطئها بنشابة فالتقيا فضربه زهرة فجد له ولزهرة يومئذ ذؤابة وقد سود في الجاهلية وحسن بلاؤه في الاسلام وسابقة وهو يومئذ شاب فتدرع زهرة ما كان على الجالنوس فبلغ بضعة وسبعين ألفا فلما رجع إلى سعد نزع سلبه وقال ألا انتظرت اذني وتكاتبا فكتب عمر إلى سعد تعمد إلى مثل زهرة وقد صلى بمثل ما صلى به وقد بقى عليك من حربك ما بقى تكسر قرنه وتفسد قلبه امض له سلبه وفضله على أصحابه عند العطاء بخمسمائة * وعن سيف عن عبيد عن عصمة قال كتب عمر إلى سعد أنا أعلم بزهرة منك وان زهرة لم يكن ليغيب من سلب سلبه شيئا فإن كان الذي سعى به إليك كاذبا فلقاه الله مثل زهرة في عضديه يارقان وإنى قد نفلت كل من قتل رجلا سلبه فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفا * وعن سيف عن عبيدة عن إبراهيم وعامر أن

[ 72 ]

أهل البلاء يوم القادسية فضلوا عند العطاء بخمسمائة خمسمائة في أعطياتهم خمسة وعشرين رجلا منهم زهرة وعصمة الضبي والكلج وأما أهل الايام فإنه فرض لهم على ثلاثة آلاف فضلوا على أهل القادسية * وعن سيف عن عبيدة عن يزيد الضخم قال فقيل لعمر لو ألحقت بهم أهل القادسية فقال لم أكن لالحق بهم من لم يدركهم وقيل له في أهل القادسية لو فضلت من بعدت داره على ما قاتلهم بفنائه قال وكيف أفضلهم عليهم على بعد دارهم وهم شجن العد وما سويت بينهم حتى استطبتهم فهلا فعل المهاجرين بالانصار إذ قاتلوا بفنائهم مثل هذا * وعن سيف عن المجالد عن الشعبي وسعيد بن المرزبان عن رجل من بني عبس قال لما زال رستم عن مكانه ركب بغلا فلما دنا منه هلال نزع له نشابة فأصاب قدمه فشكها في الركاب وقال بيايه فأقبل عليه هلال فنزل فدخل تحت البغل فلما لم يصل إليه قطع عليه المال ثم نزل إليه ففلق هامته * وعن سيف عن عبيدة عن شقيق قال حملنا على الاعاجم يوم القادسية حملة رجل واحد فهزمهم الله فلقد رأيتني أشرت إلى إسوار منهم فجاء إلى وعليه السلاح التام فضربت عنقه ثم أخذت ما كان عليه * وعن سيف عن سعيد بن المرزبان عن رجل من بني عبس قال أصاب أهل فارس يومئذ بعد ما انهزموا ما أصاب الناس قبلهم قتلوا حتى إن كان الرجل من المسلمين ليدعو الرجل منهم فيأتيه حتى يقوم بين يديه فيضرب عنقه وحتى إنه ليأخذ سلاحه فيقتله به وحتى إنه ليأمر الرجلين أحدهما بصاحبه وكذلك في العدة * وعن سيف عن يونس بن أبي اسحاق عن أبيه عمن شهدها قال أبصر سلمان ابن ربيعة الباهلي أناسا من الاعاجم تحت راية لهم قد حفروا لها وجلسوا تحتها وقالوا لا نبرح حتى نموت فحمل عليهم فقتل من كان تحتها وسلبهم وكان سلمان فارس الناس يوم القادسية وكان أحد الذين مالوا بعد الهزيمة على من ثبت والآخر عبدالرحمن بن ربيعة ذو النور ومال على آخرين قد تكتبوا ونصبوا للمسلمين فطحنهم بخيله * وعن سيف عن الغصن عن القاسم عن البهي أن الشعبي قال كان يقال لسلمان أبصر بالمفاصل من الجازر بمفاصل الجزوز فكان موضع المحبس

[ 73 ]

اليوم دار عبدالرحمن بن ربيعة والتي بينها وبين دار المختار دار سلمان وأن الاشعث ابن قيس استقطع فناء كان قدامها هو اليوم في دار المختار فأقطعه فقال له ما جرأك علي يا أشعث والله لئن حزتها لاضربنك بالجنثى يعني سيفه فانظر ما يبقى منك بعد فصدف عنها ولم يتعرض لها * وعن سيف عن المهلب ومحمد وطلحة وأصحابه قالوا وثبت بعد الهزيمة بضع وثلاثون كتيبة استقتلوا وامتحيوا من الفرار فأبادهم الله فصمد لهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين ولم يتبعوا فالة القوم فصمد سلمان بن ربيعة لكتيبة وعبد الرحمن بن ربيعة ذو النور لاخرى فصمد لكل كتيبة منها رأس من رؤساء المسلمين وكان قتال أهل هذه الكتائب من أهل فارس على وجهين فمنهم من كذب فهرب ومنهم من ثبت حتى قتل فكان ممن هرب من أمراء تلك الكتائب الهرمزان وكان بإزاء عطارد واهود وكان بإزاء حنظلة ابن الربيع وهو كاتب النبي صلى الله عليه وسلم وزاذ بن بهيش وكان بإزاء عاصم ابن عمرو وقارن وكان بإزاء القعقاع بن عمرو وكان ممن استقتل شهريار بن كنارا وكان بإزاء سلمان وابن الهربذ وكان بإزاء عبدالرحمن والفرخان الاهوازي وكان بإزاء بسر بن أبي رهم الجهني وخسرو شنوم الهمذاني وكان بحيال ابن الهذيل الكاهلي ثم إن سعدا اتبع بعد ذلك القعقاع وشرحبيل من صوب في هزيمته أو صعد عن العسكر واتبع زهرة بن الحوية الجالنوس ذكر حديث ابن إسحاق (قال أبو جعفر الطبري رحمه الله) رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال ومات المثنى بن حارثة وتزوج سعد بن أبي وقاص امرأته سلمى ابنة خصفة وذلك في سنة أربعة عشر وأقام تلك الحجة للناس عمر بن الخطاب ودخل أبو عبيدة ابن الجراح تلك السنة دمشق فشتا بها فلما أصافت الروم سار هرقل في الروم حتى نزل أنطاكية ومعه من المستعربة لخم وجذام وبقين وبلى وعاملة وتلك القبائل من قضاعة وغسان بشر كثير ومعه من أهل أرمينية مثل ذلك فلما نزلها أقام بها

[ 74 ]

وبعث الصقلار خصيا له فسار بمائة ألف مقاتل معه من أهل أرمينية اثنا عشر ألفا عليهم جرجة ومعه من المستعربة من غسان وتلك القبائل من قضاعة اثنا عشر ألفا عليهم جبلة بن الايهم الغساني وسائرهم من الروم وعلى جماعة الناس الصقلار خصى هرقل وسار إليهم المسلمون وهو أربعة وعشرون ألفا عليهم أبو عبيدة ابن الجراح فالتقوا باليرموك في رجب سنة خمسة عشر فاقتتل الناس قتالا شديدا حتى دخل عسكر المسلمين وقاتل نساء من نساء قريش بالسيوف حين دخل العسكر منهن أم حكيم بنت الحارث بن هشام حتى سابقن الرجال وقد كان انضم إلى المسلمين حين ساروا إلى الروم ناس من لخم وجذام فلما رأوا جد القتال فروا ونجوا إلى ما كان قربهم من القرى وخذلوا المسلمين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه قال قال قائل من المسلمين حين رأى من لخم وجذام ما رأى القوم لخم وجذام في الهرب * ونحن والروم بمرج نضطرب فإن يعودوا بعدها لا نصطحب * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن وهب بن كيسان عن عبدالله ابن الزبير قال كنت مع أبي الزبير عام اليرموك فلما تعبي المسلمون للقتال لبس الزبير لامته ثم جلس على فرسه ثم قال لموليين له احبسا عبدالله بن الزبير معكما في الرحل فإنه غلام صغير قال ثم توجه فدخل في الناس فلما اقتتل الناس والروم نظرت إلى ناس وقوف على تل لا يقاتلون مع الناس قال فأخذت فرسا للزبير كان خلفه في الرحل فركبته ثم ذهبت إلى أولئك الناس فوقفت معهم فقلت انظر ما يصنع الناس فإذا أبو سفيان بن حرب في مشيخة من قريش من مهاجرة الفتح وقوفا لا يقاتلون فلما رأوني وأوا غلاما حدثا فلم يتقوني قال فجعلوا والله إذا مال المسلمون وركبتهم الجرب للروم يقولون إيه إيه بلاصفر فإذا مالت الروم وركبهم المسلمون قالوا يا ويح بلاصفر فجعلت أعجب من قولهم فلما هزم الله الروم ورجع الزبير جعلت أحدثه خبرهم قال فجعل يضحك ويقول قاتلهم الله

[ 75 ]

أبوا إلا ضغنا وماذا لهم إن يظهر علينا الروم لنحن خير لهم منهم ثم إن الله تبارك وتعالى أنزل نصره فهزمت الروم وجموع هرقل التي جمع فأصيب من الروم أهل ارمينية والمستعربة سبعون ألفا وقتل الله الصقلار وباهان وقد كان هرقل قدمه مع الصقلار حين لحق به فلما هزمت الروم بعث أبو عبيدة عياض بن غنم في طلبهم فسلك الاعماق حتى بلغ ملطية فصالحه أهلها على الجزية ثم انصرف ولما سمع هرقل بذلك بعث إلى مقاتلتها ومن فيها فساقهم إليه وأمر بملطية فحرقت وقتل من المسلمين يوم اليرموك من قريش من بني أمية بن عبد شمس عمرو بن سعيد بن العاصى وأبان بن سعيد بن العاصى ومن بني مخزوم عبدالله بن سفيان بن عبد الاسد ومن بني سهم سعيد بن الحارث بن قيس قال وفي أخر سنة خمسة عشرة قتل الله رستم بالعراق وشهد أهل اليرموك حين فرغوا منه يوم القادسية مع سعد بن أبي وقاص وذلك أن سعدا حين حسر عنه الشتاء سار من شراف يريد القادسية فسمع به رستم فخرج إليه بنفسه فلما سمع بذلك سعد وقف وكتب إلى عمر يستمده فبعث إليه عمر المغيرة بن شعبة الثقفي في أربعمائة رجل مددا من المدينة وأمد بقيس ابن مكشوح المرادي في سبعمائة فقدموا عليه من اليرموك وكتب إلى أبي عبيدة أن أمد سعد بن أبي وقاص أمير العراق بألف رجل من عندك ففعل أبو عبيدة وأمر عليهم عياض بن غنم الفهري وأقام تلك الحجة للناس عمر بن الخطاب سنة خمسة عشرة وقد كان لكسرى مرابطة في قصر بني مقاتل عليها النعمان بن قبيصة وهو ابن حية الطائي ابن عم قبيصة بن إياس بن حية الطائي صاحب الحيرة فكان في منظرة له فلما سمع بسعد بن أبي وقاص سأل عنه عبدالله بن سنان بن جرير الاسدي ثم الصيداوي فقيل له رجل من قريش فقال أما إذ كان قرشيا فليس بشئ والله لاجاهدنه القتال إنما قريش عبيد من غلب والله ما يمنعون خفيرا ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير فغضب حين قال ذلك عبدالله بن سنان الاسدي فأمهله حتى إذا دخل عليه وهو نائم فوضع الرمح بين كتفيه فقتله ثم لحق بسعد فأسلم وقال في قتله النعمان بن قبيصة

[ 76 ]

لقد غادر الاقوام ليلة أدلجوا * بقصر العبادي ذا الفعال مجدلا دلفت له تحت العجاج بطعنة * فأصبح منها في النجيع مرملا أقول له والرمح في نغض كتفه * أبا عامر عنك اليمين تحللا سقيت بها النعمان كأسا روية * وعاطيته بالرمح سما مثملا تركت سباع الجو يعرفن حوله * وقد كان عنها لابن حية معزلا كفيت قريشا إذ تغيب جمعها * وهدمت للنعمان عزا مؤثلا ولما لحق سعد بن أبي وقاص المغيرة بن شعبة وقيس بن مكشوح فيمن معهما سار إلى رستم حين سمع به حتى نزل قادس قرية إلى جانب العذيب فنزل الناس بها ونزل سعد في قصر العذيب وأقبل رستم في جموع فارس ستين ألفا مما أحصى لنا في ديوانه سوى التباع والرقيق حتى نزل القادسية وبينه وبين الناس العتيق جسر القادسية وسعد في منزله وجع قد خرج به قرح شديد ومعه أبو محجن بن حبيب الثقفي محبوس في القصر حبسه في شرب الخمر فلما أن نزل بهم رستم إليهم أن ابعثوا إلي رجلا منكم جليدا أكلمه فبعثوا إليه المغيرة بن شعبة فجاءه وقد فرق رأسه أربع فرق فرقة بين يديه إلى قفاه وفرقة إلى أذنيه ثم عقص شعره ولبس بردا له ثم أقبل حتى انتهى إلى رستم ورستم من وراء الجسر العتيق مما يلي العراق والمسلمون من ناحيته الاخرى مما يلي الحجاز فيما بين القادسية والعذيب فكلمه رستم فقال إنكم معشر العرب كنتم أهل شقاء وجهد وكنتم تأتوننا من بين تاجر وأجير ووافد فأكلتم من طعامنا وشربتم من شرابنا واستظللتم من ظلالنا فذهبتم فدعوتم أصحابكم ثم أتيتمونا بهم وإنما مثلكم مثل رجل كان له حائط من عنب فرأى فيه ثعلبا واحدا فقال ما ثعلب واحد فانطلق الثعلب فدعا الثعالب إلى الحائط فلما اجتمعن فيه جاء الرجل فسد الجحر الذي دخلن منه ثم قتلهن جميعا وقد أعلم أن الذي حملكم على هذا معشر العرب الجهد الذي قد أصابكم فارجعوا عنا عامكم هذا فانكم قد شغلتمونا عن عمارة بلادنا وعن عدونا ونحن نوقر لكم ركائبكم قمحا وتمرا ونأمر لكم بكسوة فارجعوا عنا عافاكم الله فقال المغيرة

[ 77 ]

ابن شعبة لا تذكر لنا جهدا إلا وقد كنا في مثله أو أشد منه أفضلنا في أنفسنا عيشا الذي يقتل ابن عمه ويأخذ ماله فيأكله نأكل الميتة والدم والعظام فلم نزل كذلك حتى بعث الله فينا نبيا وأنزل عليه الكتاب فدعانا إلى الله والى ما بعثه به فصدقه منا مصدق وكذبه منا آخر فقاتل من صدقه من كذبه حتى دخلنا في دينه من بين موقن به وبين مقهور حين استبان لنا أنه صادق وأنه رسول من عند الله فأمرنا أن نقاتل من خالفنا وأخبرنا أن من قتل منا على دينه فله الجنة ومن عاش ملك وظهر على من خالفه فنحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله ورسوله وتدخل في ديننا فإن فعلت كانت لك بلادك لا يدخل عليك فيها إلا من أحببت وعليك الزكاة والخمس وإن أبيت ذلك فالجزية وإن أبيت ذلك قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك قال له رستم ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع منكم هذا معشر العرب لا أمسى غدا حتى أفرغ منكم وأقتلكم كلكم ثم أمر بالعتيق أن يسكر فبات ليلته يسكر بالزرع والتراب والقصب حتى أصبح وقد تركه طريقا مهيعا وتعبى له المسلمون فجعل سعد على جماعة الناس خالد بن عرفطة حليف بني أمية بن عبد شمس وجعل على ميمنة الناس جرير بن عبدالله البجلي وجعل على ميسرتهم قيس بن المكشوح المرادي ثم زحف إليهم رستم وزحف إليه المسلمون وما عامة جنهم فما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر غير براذع الرحال قد عرضوا فيها الجريد يترسون بها عن أنفسهم وما عامة ما وضعوه على رؤوسهم إلا أنساع الرحال يطوى الرجل نسع رحله على رأسه يتقى به والفرس فيما بينهم من الحديد واليلامق فاقتتلوا قتالا شديدا وسعد في القصر ينظر معه سلمى بنت خصفة وكانت قبله عند المثنى بن حارثة فجالت الخيل فرعبت سلمى حين رأت الخيل فقالت وامثنياه ولا مثنى لي اليوم فغار سعد فلطم وجهها فقالت أغيرة وجبنا فلما رأى أبو محجن ما تصنع الخيل حيت جالت وهو ينظر من قصر العذيب وكان مع سعد فيه قال كفى حزنا أن تردى الخيل بالقنا * وأترك مشدودا علي وثاقيا إذا قمت عناني الحديد وأغلقت * مصاريع دوني لا تجيب المناديا

[ 78 ]

وقد كنت ذا مال كثير وإخوة * فقد تركوني واحدا إلا أخا ليا فكلم زبراء أم ولد سعد وكان عندها محبوسا وسعد في رأس الحصن ينظر إلى الناس فقال يا زبراء أطلقيني ولك علي عهد الله وميثاقه لئن لم أقتل لارجعن إليك حتى تجعلي الحديد في رجلي فأطلقته وحملته على فرس لسعد بلقاء وخلت سبيله فجعل يشد على العدو وسعد ينظر فجعل سعد يعرف فرسه وينكرها فلما أن فرغوا من القتال وهزم الله جموع فاوس رجع أبو محجن إلى زبراء فأدخل رجله في قيده فلما نزل سعد من رأس الحصن رأى فرسه تعرق فعرف أنها قد ركبت فسأل عن ذلك زبراء فأخبرته خبر أبي محجن فخلى سبيله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال وقد كان عمرو بن معديكرب شهد القادسية مع المسلمين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الرحمن بن الاسود النخعي عن أبيه قال شهدت القادسية فلقد رأيت غلاما منا من النخع يسوق ستين أو ثمانين رجلا من أبناء الاحرار فقلت لقد أذل الله أبناء الاحرار * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن اسماعيل بن أبي خالد مولى بجيلة عن قيس ابن أبي حازم البجلي وكان ممن شهد القادسية مع المسلمين قال كان معنا يوم القادسية رجل من ثقيف فلحق بالفرس مرتدا فأخبرهم أن بأس الناس في الجانب الذي به بجيلة قال وكنا ربع الناس فوجهوا إلينا ستة عشر فيلا وإلى سائر الناس فيلين وجعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسك الحديد ويرشقوننا بالنشاب فكأنه المطر علينا وقرنوا خيلهم بعضها إلى بعض لئلا يفروا قال وكان عمرو بن معديكرب يمر بنا فيقول يا معشر المهاجرين كونوا أسودا فإنما الاسد من أغنى شأنه فإنما الفارسي تيس إذا ألقى نيزكه قال وكان إسوار منهم لا يكاد تسقط له نشابة فقلنا له يا أبا ثور اتق ذلك الفارسي فإنه لا تقع له نشابة فتوجه إليه ورماه الفارسي بنشابة فأصاب قوسه وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه واستلبه سوارين من ذهب ومنطقة من ذهب ويلمقا من ديباج وقتل الله رستم وأفاء على المسلمين عسكره وما فيه وإنما المسلمون ستة آلاف أو سبعة آلاف وكان الذي قتل رستم هلال

[ 79 ]

ابن علفة التيمي رآه فتوجه إليه فرماه رستم بنشابة فأصاب قدمه وهو يتبعه فشكها إلى ركاب سرجه رستم يقول بالفارسية ببايه أي كما أنت وحمل عليه هلال بن علفة فضربه فقتله ثم أحتز رأسه فعلقه وولت الفرس فأتبعهم المسلمون يقتلونهم فلما بلغت الفرس الخرارة نزلوا فشربوا من الخمر وطعموا من الطعام ثم خرجوا يتعجبون من رميهم وأنه لم يعمل في العرب وخرج جالنوس فرفعوا له كرة فهو يرميها ويشكها بالنشاب ولحق بهم فرسان من المسلمين وهم هنالك فشد على جالنوس زهرة بن حوية التميمي فقتله وانهزمت الفرس فلحقوا بدير قرة وما وراءه ونهض سعد بالمسلمين حتى نزل بدير قرة على من هنالك من الفرس وقد قدم عليهم وهم بدير قرة عياض بن غنم في مدده من أهل الشأم وهم ألف رجل فأسهم له سعد ولاصحابه مع المسلمين فيما أصابوا بالقادسية وسعد وجع من قرحته تلك وقال جرير بن عبدالله أنا جرير كنيتي أبو عمر * قد نصر الله وسعد في القصر وقال رجل من المسلمين أيضا نقاتل حتى أنزل الله نصره * وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهم أيم قال ولما بلغ ذلك من قولهما سعدا خرج إلى الناس فاعتذر إليهم وأراهم ما به من القرح في فخذيه وأليتيه فعذره الناس ولم يكن سعد لعمري يجبن فقال سعد يجيب جريرا فيما قال وما أرجو بجيلة غير أنى * أؤمل أجرهم يوم الحساب فقد لقيت خيولهم خيولا * وقد وقع الفوارس في ضراب وقد دلفت بعرصتهم فيول * كأن زهاءها إبل جراب ثم إن الفرس هربت من ديرقرة إلى المدائن يريدون نهاوند واحتملوا معهم الذهب والفضة والديباج والفرند والحرير والسلاح وثياب كسرى وبناته خلوا ما سوى ذلك وأتبعهم سعد الطلب من المسلمين فبعث خالد بن عرفطة حليف بني

[ 80 ]

أمية ووجه معه عياض بن غنم في أصحابه وجعل على مقدمة الناس هاشم بن عتبة ابن أبي وقاص وعلى ميمنتهم جرير بن عبدالله البجلي وعلى ميسرتهم زهرة بن حوية التميمي وتخلف سعد لما به من الوجع فلما أفرق سعد من وجعه ذلك اتبع الناس بمن بقى معه من المسلمين حتى أدركهم دون دجلة على بهرسير فلما وضعوا على دجلة العسكر والاثقال طلبوا المخاضة فلم يهتدوا لها حتى أتى سعدا علج من أهل المدائن فقال أدلكم على طريق تدركونهم قبل أن يمعتوا في السير فخرج بهم على مخاضة بقطربل فكان أول من خاض المخاضة هاشم بن عتبة في رجله فلما جاز اتبعته خيله ثم أجاز خالد بن عرفطة بخيلة ثم أجاز عياض بن غنم بخيله ثم تتابع الناس فخاضوا حتى أجازوا فزعموا أنه لم يهتد لتلك المخاضة بعد ثم ساروا حتى انتهوا إلى مظلم ساباط فأشفق الناس أن يكون به كمين للعدو فتردد الناس وجبنوا عنه فكان أول من دخله بجيشه هاشم بن عتبة فلما أجاز ألاح للناس بسيفه فعرف الناس أن ليس به شئ تخافونه فأجاز بهم خالد بن عرفطة ثم لحق سعد بالناس حتى انتهوا إلى جلولاء وبها جماعة من الفرس فكانت وقعة جلولاء بها فهزم الله الفرس وأصاب المسلمون بها من الفئ أفضل مما أصابوا بالقادسية وأصيب ابنة لكسرى يقال لها منجانة ويقال بل ابنة ابنه وقال شاعر من المسلمين يا رب مهر حسن مطهم * يحمل أثقال الغلام المسلم ينجو إلى الرحمن من جهنم * يوم جلولاء ويوم رستم ويوم زحف الكوفة المقدم * ويوم لاقى ضيقة مهزم وخر دين الكافرين للفم ثم كتب سعد إلى عمر بما فتح الله على المسلمين فكتب إليه عمر أن قف ولا تطلبوا غير ذلك فكتب إليه سعد أيضا إنما هي سربة أدركناها والارض بين أيدينا فكتب إليه عمر أن قف مكانك ولا تتبعهم واتخذ للمسلمين دار جهرة ومنزل جهاد ولا تجعل بيني وبين المسلمين بحرا فنزل سعد بالناس الانبار فاجتووها وأصابتهم بها الحمى فلم توافقهم فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك فكتب إلى

[ 81 ]

سعد أنه لا تصلح العرب الا حيث يصلح البعير والشاة في منابت العشب فانظر فلاة في جنب البحر فارتد للمسلمين بها منزلا قال فسار سعد حتى نزل كويفة عمر بن سعد فلم توافق الناس مع الذباب والحمى فبعث سعد رجلا من الانصار يقال له الحارث بن سلمة ويقال بل عثمان بن حنيف أخا بني عمرو بن عوف فارتاد لهم موضع الكوفة اليوم فنزلها سعد بالناس وخط مسجدها وخط فيها الخطط للناس وقد كان عمر بن الخطاب خرج في تلك السنة إلى الشأم فنزل الجابية وفتحت عليه إيلياء مدينة بيت المقدس وبعث فيها أبو عبيدة بن الجراح حنظلة بن الطفيل السلمي إلى حمص ففتحها الله على يديه واستعمل سعد بن أبي وقاص على المدائن رجلا من كندة يقال له شرحبيل بن السمط وهو الذي يقول فيه الشاعر ألا ليتني والمرء سعد بن مالك * وزبراء وابن السمط في لجة البحر ذكر أحوال أهل السواد (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عبدالملك بن عمير عن قبيصة ابن جابر قال قال رجل منا يوم القادسية مع الفتح نقاتل حتى أنزل الله نصره * وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهن أيم فبعث بها في الناس فبلغت سعدا فقال اللهم إن كان كاذبا أو قال الذي قال رياء وسمعة وكذبا فاقطع عني لسانه ويده وقال قبيصة فوالله إنه لواقف بين الصفين يومئذ إذ أقبلت نشابة لدعوة سعد حتى وقعت في لسانه فيبس شقه فما تكلم بكلمة حتى لحق بالله (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن المقدام بن شريح الحارثي عن أبيه قال قال جرير يومئذ أنا جرير كنيتي أبو عمرو * قد نصر الله وسعد في القصر فأشرف عليه سعد فقال وما أرجوا بجيلة غير أنى * أؤمل أجرها يوم الحساب

[ 82 ]

وقد لقيت خيولهم خيولا * وقد وقع الفوارس في الضراب فلولا جمع قعقاع بن عمرو * حمال للجوا في الكذاب هم متعوا جموعكم بطعن * وضرب مثل تشقيق الاهاب ولولا ذاك ألفيتم رعاعا * تشل جموعكم مثل الذباب (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن القاسم بن سليم بن عبدالرحمن السعدي عن عثمان بن رجاء السعدي قال كان سعد بن مالك أجرأ الناس وأشجعهم انه نزل قصرا غير حصين بين الصفين فاشرف منه على الناس ولو أعراه الصف فواق ناقة أخذ برمته فوالله ما أكرثه هول تلك الايام ولا أقلقه (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن سليمان بن بشير عن أم كثير امرأة همام بن الحارث النخعي قالت شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا فلما أتانا أن قد فرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا وأخذنا الهراوي ثم أتينا القتلى فما كان من المسلمين سقيناه ورفعناه وما كان من المشركين أجهزنا عليه وتبعنا الصبيان نوليهم ذلك ونصرفهم به (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عطية وهو ابن الحارث عمن أدرك ذلك قال لم يكن من قبائل العرب أحد أكثر امرأة يوم القادسية من بجيلة والنخع وكان في النخع سبعمائة امرأة فارغة وفي بجيلة ألف فصاهر هؤلاء ألف من أحياء العرب وهؤلاء سبعمائة وكانت النخع تسمى أصهار المهاجرين وبجيلة وإنما جرأهم على الانتقال بأثقالهم توطئة خالد والمثنى بعد خالد وأبي عبيدة بعد المثنى وأهل الايام فلاقوا بأسا بعد ذلك شديدا (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وطلحة قالوا وكان بكير بن عبدالله الليثي وعتبه بن فرقد السلمي وسماك بن خرشة الانصاري وليس بأبي دجانة قد خطبوا امرأة يوم القادسية وكان مع الناس نساؤهم وكانت مع النخع سبعمائة امرأة فارغة وكانوا يسمون أختان المهاجرين حتى كان قريبا فتزوجهن المهاجرون قبل الفتح وبعد الفتح حتى استوعبوهن فصار اليهن سبعمائة رجل من الافناء فلما فرغ الناس خطب هؤلاء النفر هذه المرأة وهي أروى ابنة عامر الهلالية هلال النخع وكانت أختها هنيدة تحت القعقاع بن عمرو التميمي

[ 83 ]

فقالت لاختها استشيري زوجك أيهم يراه لنا ففعلت وذلك بعد الوقعة وهم بالقادسية فقال القعقاع سأصفهم في الشعر فانظري لاختك وقال إن كنت حاولت الدراهم فانكحي * سماكا أخا الانصار أو ابن فرقد وإن كنت حاولت الطعان فيممي * بكيرا إذا ما الخيل جالت عن الردى وكلهم في ذروة المجد نازل * فشأنكم إن البيان عن الغد وقالوا وكانت العرب توقع وقعة العرب وأهل فارس في القادسية فيما بين العذيب إلى عدن أبين وفيما بين الابلة وأيلة يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها وكانت في كل بلد مصيخة إليها تنظر ما يكون من أمرها حتى إن كان الرجل ليريد الامر فيقول لا أنظر فيه حتى أنظر ما يكون من أمر القادسية فلما كانت وقعة القادسية سارت بها الجن فأتت بها ناسا من الانس فسبقت أخبار الانس إليهم قالوا فبدرت امرأة ليلا على جبل بصنعاء لا يدري من هي وهي تقول حييت عنا عكرم ابنة خالد * وما خير زاد بالقليل المصرد وحيتك عني الشمس عند طلوعها * وحياك عني كل ناج مفرد وحيتك عني عصبة نخعية * حسان الوجوه آمنوا بمحمد أقاموا لكسرى يضربون جنوده * بكل رقيق الشفرتين مهند إذا ثوب الداعي أناخوا بكلكل * من الموت تسود الغياطل مجرد وسمع أهل اليمامة مجتازا يغنى بهذه الابيات وجدنا الاكثرين بني تميم * غداة الروع أصبرهم رجالا هم ساروا بأرعن مكفهر * إلى لجب فزرتهم رعالا بحور للاكاسر من رجال * كاسد الغاب تحسبهم جبالا تركن لهم بقادس عز فخر * وبالخيفين أياما طوالا مقطعة أكفهم وسوق * بمردى حيث قابلت الرجالا قال وسمع بنحو ذلك في عامة بلاد العرب (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وطلحة قالوا وكتب سعد بالفتح وبعدة من قتلوا

[ 84 ]

وبعدة من أصيب من المسلمين وسمى لعمر من يعرف مع سعد بن عميلة الفزاري وشاركهم النضر بن السري عن ابن الرفيل بن ميسور وكان كتابه أما بعد فان الله نصرنا على أهل فارس ومنحهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم بعد قتال طويل وزلزال شديد وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراؤن مثل زهائها فلم ينفعهم الله بذلك بل سلبهموه ونقله عنهم إلى المسلمين واتبعهم المسلمون على الانهار وعلى طفوف الآجام وفي الفجاج وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ وفلان وفلان ورجال من المسلمين لا نعلمهم الله بهم عالم كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل دوى النحل وهم آساد الناس لا يشبههم الاسود ولم يفضل من مضى منهم من بقى إلا بفضل الشهادة إذ لم يكتب لهم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن مجالد بن سعيد قال لما أتى عمر بن الخطاب نزول رستم القادسية كان يستخبر الركبان عن أهل القادسية من حين يصبح إلى انتصاف النهار ثم يرجع إلى أهله ومنزله قال فلما لقى البشير سأله من أين فأخبره قال يا عبد الله حدثني قال هزم الله العدو وعمر يخب معه ويستخبره والآخر يسير على ناقته ولا يعرفه حتى دخل المدينة فإذا الناس يسلمون عليه بإمرة المؤمنين فقال الرجل فهلا أخبرتني رحمك الله إنك أمير المؤمنين وجعل عمر يقول لا عليك يا أخي (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وزياد قالوا وأقام المسلمون في انتظار بلوغ البشير وأمر عمر يقومون أقباضهم ويحزرون جندهم ويرمون أمورهم قالوا وتتابع أهل العراق من أصحاب الايام الذين شهدوا اليرموك ودمشق ورجعوا ممدين لاهل القادسية فتوافوا بالقادسية من الغد ومن بعد الغد وجاء أولهم يوم أغواث وآخرهم من بعد الغد من يوم الفتح وقدمت أمداد فيها مراد وهمدان ومن أفناء الناس فكتبوا فيهم إلى عمر يسألونه عما ينبغي أن يسار به فيهم وهذا الكتاب الثاني بعد الفتح مع نذير بن عمرو ولما أتى عمر الفتح قام في الناس فقرأ عليهم الفتح وقال إنى حريص على أن لا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في عيشنا حتى نستوي

[ 85 ]

في الكفاف ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم ولست معلمكم إلا بالعمل إنى والله ما أنا بملك فأستعبدكم وإنما أنا عبدالله عرض علي الامانة فإن أبيتها ورددتها عليكم واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا سعدت وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت ففرحت قليلا وحزنت طويلا وبقيت لا أقال ؟ ولا أرد فأستعتب قالوا وكتبوا إلى عمر مع أنس بن الحليس أن أقواما من أهل السواد ادعوا عهودا ولم يقم على عهد أهل الايام لنا ولم يف به أحد علمناه إلا أهل بانيقا وبسما وأهل أليس الآخرة وادعى أهل السواد أن فارس أكرهوهم وحشروهم فلم يخالفوا إلينا ولم يذهبوا في الارض وكتب مع أبي الهياج الاسدي يعني ابن مالك أن أهل السواد جلوا فجاءنا من أمسك بعهده ولم يجلب علينا فتممنا لهم ما كان بين المسلمين قبلنا وبينهم وزعموا أن أهل السواد قد لحقوا بالمدائن فأحدث إلينا فيمن تم وفيمن جلا وفيمن ادعى أنه استكره وحشر فهرب ولم يقاتل أو استسلم فأنا بأرض رغيبة في الارض خلاء من أهلها وعددنا قليل وقد كثر أهل صلحنا وإن أعمر لها وأوهن لعدونا تألفهم فقام عمر في الناس فقال إنه من يعمل بالهوى والمعصية يسقط حظه ولا يضر إلا نفسه ومن يتبع السنة وينته إلى الشرائع ويلزم السبيل النهج ابتغاء ما عند الله لاهل الطاعة أصاب أمره وظفر بحظه وذلك بأن الله عزوجل يقول (ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا) وقد ظفر أهل الايام والقوادس بما يليهم وجلا أهله وأتاهم من أقام على عهدهم فما رأيكم فيمن زعم أنه استكره وحشر وفيمن لم يدع ذلك ولم يقم وجلا وفيمن أقام ولم يدع شيئا ولم يجل وفيمن استسلم فأجمعوا على أن الوفاء لمن أقام وكف لم يزده غلبه الا خيرا وأن من ادعى فصدق أو وفى فبمنزلتهم وإن كذب نبذ إليهم وأعادوا صلحهم وأن يجعل أمر من جلا إليهم فإن شاؤا وادعوهم وكانوا لهم على ذمة وإن شاؤا تموا على منعهم من أرضهم ولم يعطوهم إلا القتال وأن يخيروا من أقام واستسلم الجزاء أو الجلاء وكذلك الفلاح وكتب جواب كتاب أنس ابن الحليس أما بعد فإن الله جل وعلا أنزل في كل شئ رخصة في

[ 86 ]

بعض الحالات إلا في أمرين العدل في السيرة والذكر فأما الذكر فلا رخصة فيه في حالة ولم يرض منه إلا بالكثير وأما العدل فلا رخصة فيه في قريب ولا بعيد ولا في شدة ولا رخاء والعدل وإن رؤى لينا فهو أقوى وأطفأ للجور وأقمع للباطل من الجور وإن رؤى شديدا فهو أنكش للكفر فمن تم على عهده من أهل السواد ولم يعن عليكم بشئ فلهم الذمة وعليهم الجزية وأما من ادعى أنه استكره ممن لم يخالفهم إليكم أو يذهب في الارض فلا تصدقوهم بما ادعوا من ذلك إلا أن تشاؤوا وإن لم تشاؤا فانبذ إليهم وأبلغوهم مأمنهم وأجابهم في كتاب أبي الهياج أما من أقام ولم يجل وليس له عهد فلهم ما لاهل العهد بمقامهم لكم وكفهم عنكم إجابة وكذلك الفلاحون إذا فعلوا ذلك وكل من ادعى ذلك فصدق فلهم الذمة وإن كذبوا نبذ إليهم وأما من أعان وجلا فذلك أمر جعله الله لكم فإن شئتم فادعوهم إلى أن يقيموا لكم في أرضهم ولهم الذمة وعليهم الجزية وإن كرهوا ذلك فاقسموا ما افاء الله عليكم منهم فلما قدمت كتب عمر على سعد بن مالك والمسلمين عرضوا على من يليهم ممن جلا وتنحى عن السواد أن يتراجعوا ولهم الذمة وعليهم الجزية فتراجعوا وصاروا ذمة كمن تم ولزم عهده إلا أن خراجهم أثقل فأنزلوا من ادعى الاستكراه وهرب منزلتهم وعقدوا لهم وأنزلوا من أقام منزلة ذي العهد وكذلك الفلاحين ولم يدخلوا في الصلح ما كان لآل كسرى ولا ما كان لمن خرج معهم ولم يجبهم إلى واحدة من اثنتين الاسلام أو الجزاء فصارت فيئا لمن أفاء الله عليه فهي والصوافي الاولى ملك لمن أفاء الله عليه وسائر السواد ذمة وأخذوهم بخراج كسرى وكان خراج كسرى على رؤس الرجال على ما في يد أيهم من الحصة والاموال وكان مما أفاء الله عليهم ما كان لآل كسرى ومن صوب معهم وعيال من قاتل معهم وماله وما كان لبيوت النيران والآجام ومستنقع المياه وما كان للسكك وما كان لآل كسرى فلم يتأت قسم ذلك الفئ الذي كان لآل كسرى ومن صوب معهم لانه كان متفرقا في كل السواد فكان يليه لاهل الفئ من وثقوا به وتراضوا عليه فهو الذي يتداعاه أهل الفئ لاعظم السواد وكانت الولاة عند

[ 87 ]

تنازعهم فيها تهاون بقسمة بينهم فذلك الذي شبه على الجهلة أمر السواد ولو أن الحلماء جامعوا السفهاء الذين سألوا الولاة قسمة لقسموه بينهم ولكن الحلماء أبوا فتابع الولاة الحلماء وترك قول السفهاء كذلك صنع على رحمه الله وكل من طلب إليه قسم ذلك فإنما تابع الحلماء وترك قول السفهاء وقالوا لئلا يضرب بعضهم وجوه بعض (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس عن عامر الشعبي قال قلت له السواد ما حاله قال أخذه عنوة وكذلك كل أرض إلا الحصون فجلا أهلها فدعوا إلى الصلح والذمة فأجابوا وتراجعوا فصاروا ذمة وعليهم الجزاء ولهم المنعة وذلك هو السنة كذلك صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدومة وبقى ما كان لآل كسرى ومن خرج معهم فيئا لمن أفاء الله عليه (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن طلحة وسفيان عن ماهان قالوا فتح الله السواد عنوة وكذلك كل أرض بينها وبين نهر بلخ إلا حصنا ودعوا إلا الصلح فصاروا ذمة وصارت لهم أرضوهم ولم يدخلوا في ذلك أموال آل كسرى ومن اتبعهم فصارت فيئا لمن أفاء الله عليه ولا يكون شئ من الفتوح فيئا حتى يقسم وهو قوله ما غنمتم من شئ مما اقتسمتم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن بن أبي الحسن قال عامة ما أخذ المسلمون عنوة فدعوهم إلى الرجوع والذمة وعرضوا عليهم الجزاء فقبلوه ومنعوهم * وعن سيف عن عمرو ابن محمد عن الشعبي قال قلت له إن أناسا يزعمون أن أهل السواد عبيد فقال فعلام يؤخذ الجزاء من العبيد أخذ السواد عنوة وكل أرض علمتها إلا حصنا في جبل أو نحوه فدعوا إلى الرجوع فرجعوا وقبل منهم الجزاء وصاروا ذمة وإنما يقسم من الغنائم ما تغنم فأما ما لم يغنم وأجاب أهله إلى الجزاء من قبل أن يتغنم فلهم جرت السنة بذلك (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن أبي ضمرة عن عبدالله بن المستورد عن محمد بن سيرين قال البلدان كلها أخذت عنوة إلا حصون قليلة عاهدوا قبل أن ينزلوا ثم دعوا يعني الذين أخذوا عنوة إلى الرجوع والجزاء فصاروا ذمة أهل السواد والجبل كله أمر لم يزل يصنع في أهل الفئ وإنما عمل عمر

[ 88 ]

والمسلمون في هذا الجزاء والذمة على آخر ما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وقد كان بعث خالد بن الوليد من تبوك إلى دومة الجندل فأخذها عنوة وأخذ ملكها أكيدر بن عبد الملك أسيرا فدعاه إلى الذمة والجزاء وقد أخذت بلاده عنوة وأخذ أسيرا وكذلك فعل بابني عريض وقد أخذا فادعيا أنهما أوداؤه فعقد لهما على الجزاء والذمة وكذلك كان أمر يحنة بن رؤبة صاحب أيلة وليس المعمول به من الاشياء كرواية الخاصة من روى غير ما عمل به أئمة العدول المسلمون فقد كذب وطعن عليهم * وعن سيف عن حجاج الصواف عن مسلم مولى حذيفة قال تزوج المهاجرون والانصار في أهل السواد يعني في أهل الكتاببن منهم ولو كانوا عبيدا لم يستحلوا ذلك ولم يحل لهم أن ينكحوا إماء أهل الكتاب لان الله تعالى يقول (ومن لم يستطع منكم طولا) الآية ولم يقل فتياتهم من أهل الكتابين * وعن سيف عن عبدالملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير قال بعث عمر بن الخطاب إلى حذيفة بعد ما ولاه المدائن وكثر المسلمات أنه بلغني أنك تزوجت امرأة من أهل المدائن من أهل الكتاب فطلقها فكتب إليه لا أفعل حتى تخبرني أحلال أم حرام وما أردت بذلك فكتب إليه لا بل حلال ولكن في نساء الاعاجم خلابة فان أقبلتم عليهن غلبنكم على نسائكم فقال الآن فطلقها (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن أشعث بن سوار عن أبي الزبير عن جابر قال شهدت القادسية مع سعد فتزوجنا نساء أهل الكتاب ونحن لا نجد كبير مسلمات فلما قفلنا فمنا من طلق ومنا من أمسك وعن سيف عن عبدالملك بن أبي سليمان عن سعيد ابن جبير قال أخذ السواد عنوة فدعوا إلى الرجوع والجزاء فأجابوا إليه فصاروا ذمة إلا ما كان لآل كسرى وأتباعهم فصار فيئا لاهله وهو الذي يتحجى أهل الكوفة إلى أن جهل ذلك فحسبوه السواد كله وأما سوادهم فذلك * وعن سيف عن المستنير بن يزيد عن ابراهيم بن يزيد النخعي قال أخذ السواد عنوة فدعوا إلى الرجوع فمن أجاب فعليه الجزية وله الذمة ومن أبى صار ماله فيئا فلا يحل بيع شئ من ذلك الفئ فيما بين الجبل إلى العذيب من أرض السواد ولا في الجبل *

[ 89 ]

وعن سيف عن محمد بن قيس عن الشعبي بمثله لا يحل بيع شئ من ذلك الفئ فيما بين الجبل والعذيب وعن سيف عن عمرو بن محمد عن عامر قال أقطع الزبير وخباب وابن مسعود وابن ياسر وابن هبار أزمان عثمان فان يكن عثمان أخطأ فالذين قبلوا منه الخطأ أخطأ وهم الذين أخذنا عنهم ديننا وأقطع عمر طلحة وجرير ابن عبدالله والربيل بن عمرو وأقطع أبا مفزر دار الفيل في عدد ممن أخذنا عنهم وإنما القطائع على وجه النفل من خمس ما أفاء الله * وكتب عمر إلى عثمان بن حنيف مع جرير أما بعد فأقطع جرير بن عبدالله قدر ما يقوته لا وكس ولا شطط فكتب عثمان إلى عمر ان جريرا قدم علي بكتاب منك تقطعه ما يقوته فكرهت أن أمضى ذلك حتى أراجعك فيه فكتب إليه عمر أن قد صدق جرير فأنفذ ذلك وقد أحسنت في مؤامرتي وأقطع أبا موسى وأقطع علي رحمه الله كردوس بن هانئ الكردوسية وأقطع سويد بن غفلة الجعفي * وعن سيف عن ثابت بن هريم عن سويد بن غفلة قال استقطعت عليا رحمه الله فقال اكتب هذا ما أقطع علي سويدا أرضا لدا ذويه ما بين كذا إلى كذا وما شاء الله * وعن سيف عن المستنير عن ابراهيم بن يزيد قال قال عمر إذا عاهدتم قوما فابرؤا إليهم من معرة الجيوش فكانوا يكتبون في الصلح لمن عاهدوا ونبرأ اليكم من معرة الجيوش (وقال الواقدي) كانت وقعة القادسية وافتتاحها سنة ستة عشر وكان بعض أهل الكوفة يقول كانت وقعة القادسية سنة خمسة عشر قال والثبت عندنا أنها كانت في سنة أربعة عشر وأما محمد بن اسحاق فانه قال كانت سنة خمسة عشر وقد مضى ذكرى الرواية عنه بذلك ذكر بناء البصرة (قال أبو جعفر) وفي سنة أربعة عشرة أمر عمر بن الخطاب رحمه الله فيما زعم الواقدي الناس بالقيام في المساجد في شهر رمضان بالمدينة وكتب إلى الامصار يأمر المسلمين بذلك (وفي) هذه السنة أعني سنة أربعة عشرة وجه عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة وأمر بنزولها بمن معه وقطع مادة أهل فارس عن

[ 90 ]

الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني وروايته وزعم سيف أن البصرة مصرت في ربيع سنة ستة عشر وأن عتبة بن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت والحصنين وجهه إليها سعد بأمر عمر (كتب إلى السري) عن شعيب عنه فحدثني عمر بن شبة قال حدثنا علي بن محمد عن أبي مخنف عن مجالد عن الشعبي قال قتل مهران سنة أربعة عشر في صفر فقال عمر لعتبة يعني ابن غزوان قد فتح الله عزوجل على إخوانكم الحيرة وما حولها وقتل عظيم من عظمائها ولست آمن أن يمدوهم إخوانهم من أهل فارس فإني أريد أوجهك إلى أرض الهند لتمنع أهل تلك الجيزة من امداد اخوانهم على اخوانكم وتقاتلهم لعل الله أن يفتح عليكم فسر على بركة الله واتق الله ما استطعت واحكم بالعدل وصل الصلاة لوقتها وأكثر ذكر الله فأقبل عتبة في ثلثمائة وبضعة عشر رجلا وضوى إليه قوم من الاعراب وأهل البوادي فقدم البصرة في خمسمائة يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا فنزلها في شهر ربيع الاول أو الآخر سنة أربعة عشر والبصرة يومئذ تدعى أرض الهند فيها حجارة بيض خشن فنزل الخريبة وليس بها الا سبع دساكر بالزابوقة والخريبة وموضع بني تميم والازد ثنتان بالخريبة وثنتان بالازد وثنتان في موضع بني تميم وواحدة بالزابوقة فكتب إلى عمر ووصف له منزله فكتب إليه عمر اجمع للناس موضعا واحدا ولا تفرقهم فأقام عتبة أشهرا لا يغزو ولا يلقى أحدا * وأما محمد بن بشار فانه حدثنا قال حدثنا صفوان بن عيسى الزهري قال حدثنا عمرو بن عيسى أبو نعامة العدوي قال سمعت خالد بن عمير وشويسا أبا الرقاد قالا بعث عمر ابن الخطاب عتبة بن غزوان فقال له انطلق أنت ومن معك حتى إذا كنتم في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم فأقيموا فأقبلوا حتى إذا كانوا بالمربد وجدوا هذا الكذان قالوا ما هذه البصرة فساروا حتى بلغوا حيال الجسر الصغير فإذا فيه حلفاء وقصب نابتة فقالوا ههنا أمرتم فنزلوا دون صاحب الفرات فأتوه فقالوا إن ههنا قوما معهم راية وهم يريدونك فاقبل في أربعة آلاف إسوار فقال ما هم الا

[ 91 ]

ما أرى اجعلوا في أعناقهم الحبال وأتوني بهم فجعل عتبة يرجل وقال إني شهدت الحرب مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا زالت الشمس قال احملوا فحملوا عليهم فقتلوهم أجمعين فلم يبق منهم أحد الا صاحب الفرات أخذوه أسيرا فقال عتبة ابن غزوان ابغوا لنا منزلا هو أنزه من هذا وكان يوم عكاك وومد فرفعوا له منبرا فقام يخطب فقال إن الدنيا قد تصرمت وولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء ألا وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار فانتقلوا بخير ما يحضرتكم وقد ذكر لي لو أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفا ولتملانه أوعجبتم ولقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما وليأتين عليه يوم وهو كظيظ ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق السمر حتى تقرحت أشداقنا والتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا وهو أمير مصر من الامصار وسيجربون الناس بعدنا وعن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا لما توجه عتبة بن غزوان المازني من بني مازن بن منصور من المدائن إلى فرج الهند نزل على الشاطئ بحيال جزيرة العرب فأقام قليلا ثم أرز ثم شكوا ذلك حتى أمره عمر بأن ينزل الحجر بعد ثلاثة أوطان إذا جتووا الطين فنزلوا في الرابعة البصرة والبصرة كل أرض حجارتها جص وأمر لهم بنهر يجري من دجلة فساقوا إليها نهرا للشفة وكان أيطال أهل البصرة البصرة اليوم وإيطان أهل الكوفة الكوفة اليوم في شهر واحد فأما أهل الكوفة فكان مقامهم قبل نزولها المدائن إلى أن وطنوها وأما أهل البصرة فكان مقامهم على شاطئ دجلة ثم أرزو مرات حتى استقروا وبدؤا فخنسوا فرسخا وجروا معهم نهرا ثم فرسخا ثم جروه ثم فرسخا ثم جروه ثم أتوا الحجر ثم جروه واختطت على نحو من خطط الكوفة وكان على إنزال البصرة أبو الجرباء عاصم ابن الدلف أحد بني غيلان بن مالك بن عمرو بن تميم وقد كان قطبة بن قتادة فيما حدثني عمر قال حدثنا المدائني عن النضر بن إسحاق السلمي عن قطبة بن قتادة السدوسي يغير بناحية الخريبة من البصرة كما كان المثنى بن حارثة الشيباني يغير بناحية الحيرة فكتب

[ 92 ]

إلى عمر يعلمه مكانه وأنه لو كان معه عدد يسير ظفر بمن قبله من العجم فنفاهم من بلادهم وكانت الاعاجم بتلك الناحية قد هابوه بعد وقعة خالد بنهر المرأة فكتب إليه عمر إنه أتاني كتابك أنك تغير على من قبلك من الاعاجم وقد أصبت ووفقت أقم مكانك واحذر على من معك من أصحابك حتى يأتيك أمري فوجه عمر شريح ابن عامر أحد بني سعد بن بكر إلى البصرة فقال له كن ردءا للمسلمين بهذه الجيزة فاقبل إلى البصرة فترك بها قطبة ومضى إلى الاهواز حتى انتهى إلى دارس وفيها مسلحة للاعاجم فقتلوه وبعث عمر عتبة بن غزوان * حدثنا عمر قال حدثني علي عن عيسى بن يزيد عن عبدالملك بن حذيفة ومحمد بن الحجاج عن عبدالملك بن عمير قال إن عمر قال لعتبة بن غزوان إذ وجهه إلى البصرة يا عتبة انى قد استعملتك على أرض الهند وهي حومة من حومة العدو وأرجو أن يكفيك الله ما حولها وأن يعينك عليها وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي أن يمدك بعرفجة بن هرثمة وهو ذو مجاهدة للعدو ومكايدته فإذا قدم عليك فاستشره وقربه وادع إلى الله فمن أجابك فاقبل منه ومن أبى فالجزية عن صغار وذلة والا فالسيف في غير هوادة واتق الله فيما وليت وأياك أن تنازعك نفسك إلى كبر يفسد عليك إخوتك وقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعززت به بعد الذلة وقويت به بعد الضعف حتى صرت أميرا مسلطا وملكا مطاعا تقول فيسمع منك وتأمر فيطاع أمرك فيالها نعمة إن لم ترفعك فوق قدرك وتبطرك على من دونك احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية ولهى أخوفهما عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك فتسقط سقطة تصبر بها إلى جهنم أعيذك بالله ونفسي من ذلك أن الناس أسرعوا إلى الله حين رفعت لهم الدنيا فأرادوها فأرد الله ولا ترد الدنيا واتق مصارع الظالمين * حدثني عمر بن شبة قال حدثنا علي قال حدثنا أبو إسماعيل الهمداني وأبو مخنف عن مجالد ابن سعيد عن الشعبي قال قدم عتبة بن غزوان البصرة في ثلثمائة فلما رأى منبت القصب وسمع نقيق الضفادع قال إن أمير المؤمنين أمرني أن أنزل أقصى البر من أرض العرب وأدنى أرض الريف من أرض العجم فهذا حيث واجب علينا فيه

[ 93 ]

طاعة إمامنا فنزل الخريبة وبالابلة خمسمائة من الاساورة يحمونها وكانت مرفأ السفن من الصين وما دونها فسار عتبة فنزل دون الاجانة فأقام نحوا من شهر ثم خرج إليه أهل الابلة فناهضهم عتبة وجعل قطبة بن قتادة السدوسي وقسامة بن زهير المازني في عشرة فوارس وقال لهما كونا في ظهرنا فتردان المنهزم وتمنعان من أرادنا من ورائنا ثم التقوا فما اقتتلوا مقدار جزر جزور وقسمها حتى منحهم الله أكتافهم وولوا منهزمين حتى دخلوا المدينة ورجع عتبة إلى عسكره فأقاموا أياما وألقى الله في قلوبهم الرعب فخرجوا عن المدينة وحملوا ما خف لهم وعبروا إلى الفرات وخلوا المدينة فدخلها المسلمون فأصابوا متاعا وسلاحا وسبيا وعينا فاقتسموا العين فأصاب كل رجل منهم درهمان وولى عتبة نافع بن الحارث اقباض الابلة فأخرج خمسه ثم قسم الباقي بين من أفاءه الله عليه وكتب بذلك مع نافع بن الحارث وعن بشير بن عبيد الله قال قتل نافع بن الحارث يوم الابلة تسعة وأبو بكرة ستة وعن داود بن أبي هند قال أصاب المسلمون بالابلة من الدراهم ستمائة درهم فأخذ كل رجل درهمين ففرض عمر لاصحاب الدرهمين ممن أخذهما من فتح الابلة في الفين من العطاء وكانوا ثلثمائة رجل وكان فتح الابلة في رجب أو في شعبان من هذه السنة وعن الشعبي قال شهد فتح الابلة مائتان وسبعون فيهم أبو بكرة ونافع بن الحارث وشبل بن معبد والمغيرة بن شعبة ومجاشع بن مسعود وأبو مريم البلوى وربيعة بن كلدة بن أبي الصلت الثقفي والحجاج وعن عباية بن عبد عمرو قال شهدت فتح الابلة مع عتبة فبعث نافع بن الحارث إلى عمر رحمه الله بالفتح وجمع لنا أهل دست ميسان فقال عتبة أرى أن نسير إليهم فسرنا فلقينا مرزبان دست ميسان فقاتلناه فانهزم أصحابه وأخذ أسيرا فأخذ قباؤه ومنطقته فبعث به عتبة مع أنس بن حجية اليشكري وعن أبي المليح الهذلي قال بعث عتبة أنس بن حجية إلى عمر بمنطقة مرزبان دست ميسان فقال له عمر كيف المسلمون قال انثالت عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة فرغب الناس في البصرة فأتوها وعن علي ابن زيد قال لما فرغ عتبة من الابلة جمع له مرزبان دست ميسان فسار إليه عتبة

[ 94 ]

من الابلة فقتله ثم سرح مجاشع بن مسعود إلى الفرات وبها مدينة ووفد عتبة إلى عمر وأمر المغيرة أن يصلي بالناس حتى يقدم مجاشع من الفرات فإذا قدم فهو الامير فظفر مجاشع بأهل الفرات ورجع إلى البصرة وجمع الفيلكان عظيم من عظماء أبزقباذ للمسلمين فخرج إليه المغيرة بن شعبة فلقيه بالمرغاب فظفر به فكتب إلى عمر بالفتح فقال عمر لعتبة من استعملت على البصرة قال مجاشع بن مسعود قال تستعمل رجلا من أهل الوبر على أهل المدر تدرى ما حدث قال لا فاخبره بما كان من أمر المغيرة وأمره أن يرجع إلى عمله فمات عتبة في الطريق واستعمل عمر المغيرة بن شعبة وعن عبدالرحمن بن جوشن قال شخص عتبة بعد ما قتل مرزبان دست ميسان ووجه مجاشعا إلى الفرات واستخلفه على عمله وأمر المغيرة بن شعبة بالصلاة حتى يرجع مجاشع من الفرات وجمع أهل ميسان فلقيهم المغيرة وظهر عليهم قبل قدوم مجاشع من الفرات وبعث بالفتح إلى عمر (الطبري) بإسناده عن قتادة قال جمع أهل ميسان للمسلمين فسار إليهم المغيرة وحلف المغيرة الاثقال فلقى العدو دون دجلة فقالت أردة بنت الحارث بن كلدة لو لحقنا بالمسلمين فكنا معهم فاعتقدت لواء من خمارها واتخذ النساء من خمرهن رايات وخرجن يردن المسلمين فانتهين إليهم والمشركون يقاتلونهم فلما رأى المشركون الرايات مقبلة ظنوا أن مددا أتى المسلمين فانكشفوا وأتبعهم المسلمون فقتلوا منهم عدة وعن حارثة بن مضرب قال فتحت الابلة عنوة فقسم بينهم عتبة ككة يعني خبزا أبيض * وعن محمد بن سيرين مثله (قال الطبري) وكان ممن سبى من ميسان يسار أبو الحسن البصري وأرطبان جد عبدالله بن عون بن أرطبان وعن المثنى بن موسى بن سلمة بن المحبق عن أبيه عن جده قال شهدت فتح الابلة فوقع لي في سهمي قدر نحاس فلما نظرت إذا هي ذهب فيها ثمانون ألف مثقال فكتب في ذلك إلى عمر فكتب أن يصبر يمين سلمة بالله لقد أخذها يوم أخذها وهي عنده نحاس فإن حلف سلمت إليه وإلا قسمت بين المسلمين قال فحلفت فسلمت لي قال المثنى فأصول أموالنا اليوم منها وعن عمرة ابنة قيس قالت لما خرج الناس لقتال أهل الابلة خرج زوجي

[ 95 ]

وابني معهم فأخذوا الدرهمين ومكوك زبيب مكوك زبيب وإنهم مضوا حتى إذا كانوا حيال الابلة قالوا للعدو نعبر إليكم أو تعبرون إلينا قال بل اعبروا الينا فأخذوا خشب العشر فأوثقوه وعبروا إليهم فقال المشركون لا تأخذوا أولهم حتى يعبر آخرهم فلما صاروا على الارض كبروا تكبيرة ثم كبروا الثانية فقامت دوابهم على أرجلها ثم كبروا الثالثة فجعلت الدابة تضرب بصاحبها الارض وجعلنا ننظر إلى رؤس تندر ما نرى من يضربها وفتح الله على أيديهم (المدائني) قال كانت عند عتبة صفية بنت الحارث بن كلدة وكانت أختها أردة بنت الحارث عند شبل بن معبد البجلي فلما ولى عتبة البصرة انحدر معه اصهاره أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد وانحدر معهم زياد فلما فتحوا الابلة لم يجدا قاسما يقسم بينهم فكان زياد قاسمهم وهو ابن أربع عشرة سنة له ذؤابة فأجروا عليه كل يوم دهمين * وقيل ان إمارة عتبة البصرة كانت سنة خمسة عشر وقيل ستة عشر والاول أصح فكانت إمارته عليها ستة أشهر واستعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة فبقى سنتين ثم رمى بما رمى واستعمل أبا موسى وقيل استعمل بعد عتبة أبا موسى وبعده المغيرة (وفيها) أعنى سنة أربعة عشر ضرب عمر ابنه عبيد الله وأصحابه في شراب شربوه أبا محجن وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب وكان على مكة عتاب بن أسيد في قول وعلى اليمين يعلى بن منية وعلى الكوفة سعد بن أبي وقاص وعلى الشام أبو عبيدة ابن الجراح وعلى البحرين عثمان بن أبي العاص وقيل العلاء بن الحضرمي وعلى عمان حذيفة بن محصن ثم دخلت سنة خمس عشرة قال ابن جرير قال بعضهم فيها مصر سعد بن أبي وقاص الكوفة دلهم عليها ابن بقيلة قال لسعد أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة فدلهم على موضع الكوفة اليوم

[ 96 ]

ذكر الوقعة بمرج الروم (وفي هذه السنة) كانت الوقعة بمرج الروم وكان من ذلك أن أبا عبيدة خرج بخالد بن الوليد من فحل إلى حمص وانصرف بمن أضيف إليهم من اليرموك فنزلوا جميعا على ذي الكلاع وقد بلغ الخبر هرقل فبعث توذر البطريق حتى نزل بمرج دمشق وغربها فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم وجمعهم هذا وقد هجم الشتاء عليهم والجراح فيهم فاشية فلما نزل على القوم بمرج الروم نازله يوم نزل عليه شنس الرومي في مثل خيل توذرا امدادا لتوذرا وردءا لاهل حمص فنزل في عسكر على حدة فلما كان من الليل أصبحت الارض من توذرا بلاقع وكان خالد بازائه وأبو عبيدة بازاء شنس وأتى خالدا الخبر أن توذرا قد رحل إلى دمشق فأجمع رأيه ورأى أبي عبيدة أن يتبعه خالد فأتبعه خالد من ليلته في جريدة وقد بلغ يزيد بن أبي سفيان الذي فعل فاستقبله فاقتتلوا ولحق بهم خالد وهم يقتتلون فأخذهم من خلفهم فقتلوا من بين أيديهم ومن خلفهم فأناموهم ولم يفلت منهم إلا الشريد فأصاب المسلمون ما شاؤا من ظهر وأداة وثياب وقسم ذلك يزيد بن أبي سفيان على أصحابه وأصحاب خالد ثم انصرف يزيد إلى دمشق وانصرف خالد إلى أبي عبيدة وقد قتل خالد توذرا وقال خالد نحن قتلنا توذرا وشوذرا * وقبله ما قد قتلنا حيدرا نحن أزرنا الغيضة الاكيدرا وقد ناهد أبو عبيدة بعد خروج خالد في أثر توذرا شنس فاقتتلوا بمرج الروم فقتلهم مقتلة عظيمة وقتل أبو عبيدة شنس وامتلا المرج من قتلاهم فأنتنت منهم الارض وهرب من هرب منهم فلم يفلتهم وركب أكساءهم إلى حمص ذكر فتح حمص (حكى الطبري) عن سيف في كتابه عن أبي عثمان قال ولما بلغ هرقل الخبر بمقتل أهل المرج أمر أمير حمص بالسير والمضي إلى حمص وقال إنه بلغني أن طعامهم

[ 97 ]

لحوم الابل وشرابهم ألبانها وهذا الشتاء فلا تقاتلوهم إلا في كل يوم بارد فإنه لا يبقى إلى الصيف منهم أحد هذا جل طعامه وشرابه وارتحل من عسكره ذلك فأتى الرهاء وأخذ عامله بحمص وأقبل أبو عبيدة حتى نزل على حمص وأقبل خالد بعده حتى ينزل عليها فكانوا يغادون المسلمين ويراوحونهم في كل يوم بارد ولقى المسلمون بها بردا شديدا والروم حصارا طويلا فأما المسلمون فصبروا ورابطوا وأفرغ الله عليهم الصبر وأعقبهم النصر حتى اضطرب الشتاء وإنما تمسك القوم بالمدينة رجاء أن يهلكهم الشتاء * وعن أبي الزهراء القشيري عن رجل من قومه قال كان أهل حمص يتواصون فيما بينهم ويقولون تمسكوا فإنهم حفاة فإذا أصابهم البرد تقطعت أقدامهم مع ما يأكلون ويشربون فكانت الروم تراجع وقد سقطت أقدام بعضهم في خفافهم وإن المسلمين في النعال ما أصيب أصبع أحد منهم حتى إذا انخنس الشتاء قام فيهم شيخ لهم يدعوهم إلى مصالحة المسلمين قالوا كيف والملك في سلطانه وعزه ليس بيننا وبينهم شئ فتركهم وقام فيهم آخر فقال ذهب الشتاء وانقطع الرجاء فما تنتظرون فقالوا البرسام فإنما يسكن في الشتاء ويظهر في الصيف فقال إن هؤلاء قوم يعانون ولان تأتوهم بعهد وميثاق خير من أن تؤخذوا عنوة أجيبوني محمودين قبل أن تجيبوني مذمومين فقالوا شيخ خرف ولا علم له بالحرب وعن أشياخ من غسان وبلقين قالوا أثاب الله المسلمين على صبرهم أيام حمص أن زلزل بأهل حمص وذلك أن المسلمين ناهدوهم فكبروا تكبيرة زلزلت معها الروم في المدينة وتصدعت الحيطان ففزعوا إلى رؤسائهم والى ذوي رأيهم ممن كان يدعوهم إلى المسالمة فلم يجيبوهم وأذلوهم بذلك ثم كبروا الثانية فتهافتت منها دور كثيرة وحيطان وفزعوا إلى رؤسائهم وذوى رأيهم فقالوا ألا ترون إلى عذاب الله فأجابوهم لا يطلب الصلح غيركم فأشرفوا فنادوا الصلح الصلح ولا يشعر المسلمون بما حدث فيهم فأجابوهم وقبلوا منهم على انصاف دورهم وعلى أن يترك المسلمون أموال الروم وبنيانهم لا ينزلونه عليهم فتركوه لهم فصالح بعضهم على صلح دمشق على دينار وطعام على كل جريب أبدا أيسروا أو أعسروا وصالح بعضهم على قدر طاقته إن

[ 98 ]

زاد ماله زيد عليه وإن نقص نقص وكذلك كان صلح دمشق والاردن بعضهم على شئ إن أيسروا وإن أعسروا وبعضهم على قدر طاقته وولوا معاملة ماجلا ملوكهم عنه وبعث أبو عبيدة السمط بن الاسود في بني معاوية والاشعث بن مئناس في السكون معه ابن عابس والمقداد في بلى وبلالا وخالدا في الجيش والصباح ابن شتير وذهيل بن عطية وذاشمستان فكانوا في قصبتها وأقام في عسكره وكتب إلى عمر بالفتح وبعث بالاخماس مع عبدالله بن مسعود وقد وفده وأخبره خبر هرقل وأنه عبر الماء إلى الجزيرة فهو بالرهاء ينغمس أحيانا ويطلع أحيانا فقدم ابن مسعود على عمر فرده ثم بعثه بعد ذلك إلى سعد بالكوفة ثم كتب إلى أبي عبيدة أن أقم في مدينتك وادع أهل القوة والجلد من عرب الشأم فانى غير تارك البعثة اليك بمن يكانفك إن شاء الله حديث قنسرين وعن أبي عثمان وجارية قالا وبعث أبو عبيدة بعد فتح حمص خالد بن الوليد إلى قنسرين فلما نزل بالحاضر زحف إليهم الروم وعليهم ميناس وهو رأس الروم وأعظمهم فيهم بعد هرقل فالتقوا بالحاضر فقتل ميناس ومن معه مقتلة لم يقتلوا مثلها فأما الروم فماتوا على دمه حتى لم يبق منهم أحد وأما أهل الحاضر فارسلوا إلى خالد انهم عرب وانهم إنما حشروا ولم يكن من رأيهم حربه فقبل منهم وتركهم ولما بلغ عمر ذلك قال أمر خالد نفسه يرحم الله أبا بكر هو كان أعلم بالرجال مني وقد كان عزله والمثنى مع قيامه وقال اني لم أعزلهما عن ريبة ولكن الناس عظموهما فخشيت أن يوكلوا اليهما فلما كان من أمره وأمر قنسرين ما كان رجع عن رأيه وسار خالد حتى نزل قنسرين فتحصنوا منه فقال إنسكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لانزلكم الله إلينا قال فنظروا في أمرهم وذكروا ما لقى أهل حمص فصالحوه على صلح حمص فأبى إلا على إخراب المدينة فأخر بها واتطأت حمص وقنسرين فعند ذلك خنس هرقل وإنما كان سبب خنوسه أن خالدا حين قتل ميناس ومات الروم على دمه وعقد لاهل الحاضر

[ 99 ]

وترك قنسرين طلع من قبل الكوفة عمر بن مالك من قبل قرقيسيا وعبد الله ابن المعتم من قبل الموصل والوليد بن عقبة من بلاد بني تغلب في تغلب وعرب الجزيرة وطووا مدائن الجزيرة عن نحو هرقل وأهل الجزيرة في حران والرقة ونصيبين وذواتها لم يغرضوا غرضهم حتى يرجعوا إليهم إلا أنهم خلفوا في الجزيرة الوليد لئلا يؤتوا من خلفهم فأدرب خالد وعياض مما يلي الشأم وأدرب عمر وعبد الله مما يلي الجزيرة ولم يكونوا أدربوا قبله ثم رجعوا فهي أول مدربة كانت في الاسلام سنة ستة عشر فرجع خالد إلى قنسرين فنزلها وأتته امرأته فلما عزله قال إن عمر ولاني الشأم حتى إذا صارت بثنية وعسلا عزلني (قال أبو جعفر الطبري) ثم خرج هرقل نحو القسطنطينية فاختلف في حين شخوصه إليها وتركه بلاد الشأم فقال ابن اسحاق كان ذلك سنة خمسة عشر وقال سيف كان سنة ستة عشر ذكر خبر ارتحال هرقل إلى القسطنطينية ذكر سيف عن أبي الزهراء القشيري عن رجل من بني قشير قالوا لما خرج هرقل من الرهاء واستتبع أهلها قالوا نحن ههنا خير منا معك وأبوا أن يتبعوه وتفرقوا عنه وعن المسلمين وكان أول من أنبح كلابها وانفر دجاجها زياد بن حنظلة وكان من الصحابة وكان مع عمر بن مالك مسانده وكان حليفا لبني عبد بن قصي وقبل ذلك ما قد خرج هرقل حتى شمشاط فلما نزل القوم الرهاء أدرب فنفذ نحو القسطينية ولحقه رجل من الروم كان أسيرا في أيدي المسلمين فافلت فقال أخبرني عن هؤلاء القوم فقال أحدثك كأنك تنظر إليهم فرسان بالنهار ورهبان بالليل ما يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام يقفون على من حاربهم حتى يأتوا عليه فقال لئن كنت صدقتني ليرثن ما تحت قدمي هاتين * وعن عبادة وخالد أن هرقل كان كلما حج بيت المقدس فخلف سورية وظعن في أرض الروم التفت فقال عليك السلام يا سورية تسليم مودع لم يقض منك وطره وهو عائد فلما توجه المسلمون نحو حمص عبر الماء فنزل الرهاء فلم يزل بها حتى طلع أهل

[ 100 ]

الكوفة وفتحت قنسرين وقتل ميناس فخنس عند ذلك إلى شمشاط حتى إذا فصل منها نحو الروم علا على شرف فالتفت ونظر نحو سورية وقال عليك السلام يا سورية سلاما لا اجتماع بعده ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا حتى يولد المولود المشؤم ويا ليته لا يولد ما أحلى فعله وأمر عاقبته على الروم * وعن أبي الزهراء وعمرو بن ميمون قالا لما فصل هرقل من شمشاط داخلا الروم التفت إلى سورية فقال قد كنت سلمت عليك تسليم المسافر فأما اليوم فعليك السلام يا سورية تسليم المفارق ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا حتى يولد المولود المشؤم وليته لم يولد ومضى حتى نزل القسطنطينية وأخذ أهل الحصون التي بين اسكندرية وطرسوس معه لئلا يسير المسلمون في عمارة ما بين أنطاكية وبلاد الروم وشعث الحصون فكان المسلمون لا يجدون بها أحدا وربما كمن عندها الروم فأصابوا غرة المتخلفين فاحتاط المسلمون لذلك ذكر فتح قيسارية وحصر غزة ذكر سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة عن خالد وعبادة قالا لما انصرف أبو عبيدة وخالد إلى حمص من فحل نزل عمرو وشرحبيل على بيسان فافتتحاها وصالحته الاردن واجتمع عسكر الروم بأجنادين وبيسان وغزة وكتبوا إلى عمر بتفرقهم فكتب إلى يزيد بأن يدفئ ظهورهم بالرجال وأن يسرح معاوية إلى قيسارية وكتب إلى عمرو يأمره بصدم الارطبون وإلى علقمة بصدم الفيقار وكان كتاب عمر إلى معاوية أما بعد فاني قد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر الله عليهم وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا نعم المولى ونعم النصير فانتهى الرجلان إلى ما أمرا به وسار معاوية في جنده حتى نزل على أهل قيسارية وعليهم ابني فهزمه وحصره في قيسارية ثم أنهم جعلوا يزاحفونه وجعلوا لا يزاحفونه من مرة إلا هزمهم وردهم إلى حصنهم ثم زاحفوه آخر ذلك وخرجوا من صياصيهم فاقتتلوا في حفيظة واستماتة فبلغت

[ 101 ]

قتلاهم في المعركة ثمانين ألفا وكملها في هزيمتهم مائة ألف وبعث بالفتح مع رجلين من بني الضبيب ثم خاف منهما الضعف فبعث عبدالله بن علقمة الفراسي وزهير ابن الحلاب الخثعمي وأمرهما أن يتبعاهما ويسبقاهما فلحقاهما فطوياهما وهما نائمان وابن علقمة يتمثل وهي هجيراه أرق عيني أخوا جذام * كيف أنام وهما أمامي إذ يرحلان والهجير طامي * أخو حشيم وأخو حرام وانطلق علقمة بن مجزز فحصر الفيقار بغزة وجعل يراسله فلم يشفه مما يريد أحد فأتاه كأنه رسول علقمة فأمر الفيقار رجلا أن يقعد له بالطريق فإذا مر قتله ففطن علقمة فقال إن معي نفرا شركائي في الرأي فأنطلق فأتيك بهم فبعث إلى ذلك الرجل لا تعرض له فخرج من عنده ولم يعد وفعل كما فعل عمر بالارطبون وانتهى يدير معاوية إلى عمر بالخبر فجمع الناس وأباتهم على الفرح ليلا فحمد الله وقال لتحمدوا الله على فتح قيسارية وجعل معاوية قبل الفتح وبعده يحبس الاسرى عنده ويقول ما صنع ميخائيل بأسرانا صنعنا بأسراهم مثله ففطمه عن العبث بأسرى المسلمين حتى افتتحها ذكر فتح بيسان ووقعة أجنادين ولما توجه علقمة إلى غزة وتوجه معاوية إلى قيسارية صمد عمرو بن العاصي إلى الارطبون ومر بإزائه وخرج معه شرحبيل بن حسنة على مقدمته واستخلف على عمل الاردن أبا الاعور وولى عمرو بن العاصى مجنبتيه عبدالله بن عمرو وجنادة ابن تميم المالكي مالك بن كنانة فخرج حتى ينزل على الروم بأجنادين والروم في حصونهم وخنادقهم وعليهم الارطبون وكان الارطبون أدهى الروم وأبعدها غورا وأنكاها فعلا وقد كان وضع بالرملة جندا عظيما وبإيلياء جندا عظيما وكتب عمرو إلى عمر بالخبر فلما جاءه كتاب عمرو قال قد رمينا أرطبون الروم وبأرطبون العرب فانظروا عم تتفرج وجعل عمر رحمه الله من لدن وجه أمراء الشأم يمد

[ 102 ]

كل أمير جند ويرميه بالامداد حتى إذا أتاه كتاب عمرو بتفريق الروم كتب إلى يزيد أن يبعث معاوية في خيله إلى قيسارية وكتب إلى معاوية بإمرته على قتال أهل قيسارية وليشغلهم عن عمرو وكان عمرو قد استعمل علقمة بن حكيم الفراسى ومسروق بن فلان العكي على قتال أهل إيلياء فصاروا بإزاء أهل إيلياء فشغلوهم عن عمرو وبعث أبا أيوب المالكي إلى الرملة وعليها التذارق وكان بإزائهما ولما تتابعت الامداد على عمرو بعث محمد بن عمرو مددا لعلقمة ومسروق وبعث عمارة ابن عمرو بن أمية الضمري مددا لابي أيوب وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الارطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل فوليه بنفسه فدخل عليه كأنه رسول فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حصونه حتى عرف ما أراد وقال أرطبون في نفسه والله إن هذا لعمرو أو إنه للذي يأخذ عمرو برأيه وما كنت لاصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله ثم دعا حرسيا فساره بقتله فقال اخرج فقم مكان كذا وكذا فإذا مر بك فاقتله وفطن له عمرو فقال قد سمعت مني وسمعت منك فأما ما قلته فقد وقع مني موقعا وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الحطاب مع هذا الولي لنكانفه ويشهدنا أموره فارجع فأتيك بهم الآن فإن رأوا في الذي عرضت مثل الذي أرى فقد رآه أهل العسكر والامير وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم وكنت على رأس أمرك فقال نعم ودعا رجلا فساره وقال اذهب إلى فلان فرده إلي فرجع إليه الرجل وقال لعمرو انطلق فجئ بأصحابك فخرج عمرو ورأى أن لا يعود لمثلها وعلم الرومي بأنه قد خدعه فقال خدعني الرجل هذا أدهى الخلق فبلغت عمر فقال غلبه عمرو لله عمرو وناهده عمرو وقد عرف مأخذه وعاقبته والتقوا ولم يجد من ذلك بدا فالتقوا بأجنادين فاقتتلوا قتالا شديدا كقتال اليرموك حتى كثرت القتلى بينهم ثم إن أرطبون انهزم في الناس فأوى إلى إيلياء ونزل عمرو أجنادين ولما أتى أرطبون إيلياء أفرج له المسلمون حتى دخلها ثم أزالهم إلى أجنادين فانضم علقمة ومسروق ومحمد بن عمرو وأبو أيوب إلى عمرو بأجنادين وكتب أرطبون إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري أنت في قومك مثلى في قومي والله لا تفتتح من فلسطين شيئا

[ 103 ]

بعد أجنادين فارجع ولا تغر فتلقى ما لقى الذين قبلك من الهزيمة فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية فأرسله إلى أرطبون وأمره أن يغرب ويتنكر وقال استمع ما يقول حتى تخبرني به إذا رجعت إن شاء الله وكتب إليه جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي وقد علمت أني صاحب فتح هذه البلاد وأستعدى عليك فلانا وفلانا وفلانا لوزرائه فأقرئهم كتابي ولينظروا فيما بيني وبينك فخرج الرسول على ما أمره به حتى أتى أرطبون فدفع إليه الكتاب بمشهد من النفر فاقترأه فضحكوا وتعجبوا وأقبلوا على أرطبون فقالوا من أين علمت أنه ليس بصاحبها قال صاحبها رجل اسمه عمر ثلاثة أحرف فرجع الرسول إلى عمرو فعرف أنه عمر وكتب إلى عمر يستمده ويقول إني أعالج حربا كؤدا صدوما وبلادا ادخرت لك فرأيك ولما كتب عمرو إلى عمرو بذلك عرف أن عمرا لم يقل إلا بعلم فنادى في الناس ثم خرج فيهم حتى نزل بالجابية وجميع ما خرج عمر إلى الشأم أربع مرات فأما الاولى فعلى فرس وأما الثانية فعلى بعير وأما الثالثة فقصر عنها ان الطاعون مستعر وأما الرابعة فدخلها على حمار فاستخلف عليها وخرج وقد كتب مخرجه أول مرة إلى أمراء الاجناد أن يوافوه بالجابية ليوم سماه لهم في المجردة وأن يستخلفوا على أعمالهم فلقوه حيث رفعت لهم الجابية فكان أول من لقيه يزيد ثم أبو عبيدة ثم خالد على الخيول عليهم الديباج والحرير فنزل وأخذ الحجارة فرماهم بها وقال سرع سرع مالفتم عن رأيكم إياي تستقبلون في هذا الزي وإنما شبعتم منذ سنتين سرع ماندت لكم البطنة وتالله لو فعلتموها على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم فقالوا يا أمير المؤمنين إنها يلامقة وإن علينا السلاح قال فنعم إذا وركب حتى دخل الجابية وعمرو وشرحبيل بأجنادين لم يتحركا من مكانهما ذكر فتح بيت المقدس وعن سالم بن عبدالله قال لما قدم عمر رحمه الله الجابية قال له رجل من يهود يا أمير المؤمنين لا ترجع إلى بلادك حتى يفتح الله عليك إيلياء فبينا عمر

[ 104 ]

ابن الخطاب بها إذ نظر إلى كردوس من خيل مقبل فلما دنوا منه سلوا السيوف فقال عمر هؤلاء قوم يستأمنون فأمنوهم فأقبلوا فإذا هم أهل إيليا فصالحوه على الجزية وفتحوها له فلما فتحت عليه دعا ذلك اليهودي فقيل له إن عنده لعلما قال فسأله عن الدجال وكان كثير المسألة عنه فقال له اليهودي وما مسألتك عنه يا أمير المؤمنين فأنتم والله معشر العرب تقتلونه دون باب لد ببضع عشرة ذراعا وعن سالم قال لما دخل عمر الشأم تلقاه رجل من يهود دمشق فقال السلام عليك يا فاروق أنت صاحب إيلياء لا والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء وكانوا قد أشجوا عمرا وأشجاهم ولم يقدر عليها ولا على الرملة فبينا عمر معسكرا بالجابية فزع الناس إلى السلاح فقال ما شأنكم فقالوا ألا ترى الخيل والسيوف فنظر فإذا كردوس يلمعون بالسيوف فقال عمر مستأمنة ولا تراعوا وأمنوهم فأمنوهم وإذا هم أهل إيلياء فأعطوه واكتتبوا منه على إيلياء وحيزها والرملة وحيزها فصارت فلسطين نصفين نصف مع أهل إيلياء ونصف مع أهل الرملة وهم عشر كور وفلسطين تعدل الشأم كله وشهد ذلك اليهودي الصلح فسأله عمر عن الدجال فقال هو من بني بنيامين وأنتم والله يا معشر العرب تقتلونه على بضع عشرة ذراعا من باب لد وعن خالد وعبادة قالا كان الذي صالح على فلسطين العوام من أهل إيلياء والرملة وذلك أن أرطبون والتذار ولحقا بمصر مقدم عمر الجابية وأصيبا بعد في بعض الصوائف وقيل كان سبب قدوم عمر إلى الشأم ان أبا عبيدة حضر بيت المقدس فطلب أهله منه أن يصالحهم على صلح أهل مدن الشأم وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب فكتب إليه بذلك فسار عن المدينة وعن عدي بن سهل قال لما استمد أهل الشأم عمر على أهل فلسطين استخلف عليا وخرج ممدا لهم فقال علي أين تخرج بنفسك انك تريد عدوا كلبا فقال إني أبادر بجهاد العدو موت العباس إنكم لو قد فقدتم العباس لانتقض بكم الشر كما تنتقض أول الحبل قال وانضم عمرو وشرحبيل إلى عمر بالجابية حين جرى الصلح فيما بينهم فشهد الكتاب وعن خالد وعبادة قال صالح عمر أهل إيلياء بالجابية وكتب لهم فيها

[ 105 ]

الصلح لكل كورة كتابا واحدا ما خلا أهل إيلياء بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الامان أعطاهم أمانا لانفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شئ من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن وعليهم أن يخرجوا منها الروم والصوت فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن أحب من أهل إلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلى بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم ومن كان بها من أهل الارض قبل مقتل فلان فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شئ حتى يحصد حصادهم وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاصى وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وكتب وحضر سنة خمسة عشر فأما سائر كتبهم فعلى كتاب لد بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبدالله أمير المؤمنين أهل لد ومن دخل معهم من أهل فلسطين أجمعين أعطاهم أمانا لانفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملتهم أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقض منها ولا من حيزها ولا مللها ولا من صلبهم ولا من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم وعلى أهل لد ومن دخل معهم من أهل فلسطين أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل مدائن الشأم وعليهم ان خرجوا مثل ذلك الشرط إلى آخره ثم سرح إليهم وفرق فلسطين على رجلين فجعل علقمة بن حكيم على نفسها وأنزله الرملة وعلقمة بن مجزز على نصفها وأنزله إيلياء فنزل كل واحد منهما في عمله في الجنود التي معه وعن سالم

[ 106 ]

قال استعمل علقمة بن مجزز على ايلياء وعلقمة بن حكيم على الرملة في الجنود التي كانت مع عمرو وضم عمرا وشرحبيل إليه بالجابية فلما انتهيا إلى الجابية وافقا عمر رحمه الله راكبا فقبلا ركبتيه وضم عمر كل واحد منهما محتضنهما وعن عبادة وخالد قالا ولما بعث عمر بأمان أهل ايلياء وسكنها الجند شخص إلى بيت المقدس من الجابية فرأى فرسه يتوجى فنزل عنه وأتى ببرذون فركبه فهزه فنزل فضرب وجهه برادئه ثم قال قبح الله من علمك هذا ثم دعا بفرسه بعد ما أجمه أياما يوقحه فركبه ثم سار حتى انتهى إلى بيت المقدس وعن أبي صفية شيخ من بني شيبان قال لما أتى عمر الشأم أتى ببرذون فركبه فلما سار جعل يتخلج به فنزل عنه وضرب وجهه وقال لا علم الله من علمك هذا من الخيلاء ولم يركب برذونا قبله ولا بعده وفتحت ايلياء وأرضها كلها على يديه ما خلا أجنادين على يدي عمرو وقيسارية على يدي معاوية وعن أبي عثمان وأبي حارثة قالا افتتحت ايلياء وأرضها على يدي عمر في ربيع الآخر سنة ستة عشر وعن أبي مريم مولى سلامة قال شهدت فتح ايلياء مع عمر رحمه الله فسار من الجابية فاصلا حتى يقدم ايلياء ثم مضى حتى يدخل المسجد ثم مضى حتى يدخل المسجد ثم مضى نحو محراب داود ونحن معه فدخله ثم قرأ سجدة داود فسجد وسجدنا معه وعن رجاء بن حيوة عمن شهد قال لما شخص عمر من الجابية إلى ايلياء فدنا من باب المسجد قال ارقبوا لي كعبا فلما انفرق به الباب قال لبيك اللهم لبيك بما هو أحب اليك ثم قصد المحراب محراب داود عليه السلام وذلك ليلا فصلى فيه ولم يلبث أن طلع الفجر فأمر المؤذن بالاقامة فتقدم فصلى بالناس وقرأ بهم " ص " وسجد فيها ثم قام وقرأ بهم في الثانية صدر بني اسرائيل ثم ركع ثم انصرف فقال علي بكعب فأتى به فقال أين ترى أن نجعل المصلى فقال إلى الصخرة فقال ضاهيت والله اليهودية يا كعب وقد رأيتك وخلعك نعليك فقال أحببت أن أباشره بقدمي فقال قد رأيتك بل نجعل قبلته صدره كما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلة مساجدنا صدورها اذهب اليك فإنا لم نؤمر بالصخرة ولكنا أمرنا بالكعبة فجعل قبلته صدره ثم قام من مصلاه إلى كناسة

[ 107 ]

قد كانت الروم قد دفنت بها بيت المقدس في زمان بني اسرائيل فلما صار إليهم أبرزوا بعضها وتركوا سائرها وقال يا أيها الناس اصنعوا كما أصنع وجثا في أصلها وحثا في فرج من فروج قبائه وسمع التكبير من خلفه وكان يكره سوء الرعة في كل شئ فقال ما هذا فقالوا كبر كعب وكبر الناس بتكبيره فقال علي به فأتى به فقال يا أمير المؤمنين إنه قد تنبأ على ما صنعت اليوم نبي منذ خمسمائة سنة فقال وكيف فقال إن الروم أغاروا على بني اسرائيل فأديلوا عليهم فدفنوه ثم أديلوا فلم يفرغوا له حتى أغارت عليهم فارس فبغوا على بني اسرائيل ثم أديلت الروم عليهم إلى أن وليت فبعث الله نبيا على الكناسة فقال أبشري أورى شلم عليك الفاروق ينقيك مما فيك وبعث إلى القسطنطينية نبي فقام على تلها فقال يا قسطنطينية ما فعل أهلك ببيتي أخربوه وشبهوك كعرش وتأولوا على فقد قضيت عليك أن أجعلك جلحاء يوما ما لا يأوى إليك أحدا ولا يستظل فيك علي أيدي بني القاذر وسبإ وودان فما أمسوا حتى ما بقي منه شئ وعن ربيعة الشامي بمثله وزاد أتاك الفاروق في جندي المطيع ويدركون لاهلك بثأرك في الروم وقال في قسطنطينية أدعك جلحاء بارزة للشمس لا يأوى اليك أحد ولا تظلينه وعن أنس بن مالك شهدت ايلياء مع عمر فبينا هو يطعم الناس يوما بها أتاه راهبها وهو لا يشعر أن الخمر محرمة فقال هل لك في شراب نجده في كتبنا حلالا إذا حرمت الخمر فدعاه به فقال من أي شئ هذا فأخبره أنه طبخه عصيرا حتى صار إلى ثلثه فغرف بإصبعه ثم حركه في الاناء فشطره فقال هذا طلاء فشبهه بالقطران وشرب منه وأمر أمراء الاجناد بالشأم به وكتب في الامصار إنى أتيت بشراب مما قد طبخ من العصير حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه كالطلاء فاطبخوه وارزقوه المسلمين وعن أبي عثمان وأبي حارثة قالا ولحق أرطبون بمطر مقدم عمر الجابية ولحق به من أحب ممن أبى الصلح ثم لحق عند صلح أهل مصر وغلبهم بالروم في البحر وبقى البحر وبقى بعد ذلك فكان يكون على صوائف الروم والتقى هو وصاحب صائفة المسلمين فيختلف هو ورجل من قيس يقال له ضريس فقطع يد القيسي وقتله

[ 108 ]

القيسي فقال فإن يكن أرطبون الروم أفسدها * فإن فيها بحمد الله منتفعا بنانتان وجرموز أقيم به * صدر القناة إذا ما آنسوا فزعا وإن يكن أرطبون الروم قطعها * فقد تركت بها أوصاله قطعا وقال زياد بن حنظلة تذكرت حرب الروم لما تطاولت * وإذ نحن في عام كثير نزائله وإذ نحن في أرض الحجاز وبيننا * مسيرة شهر بينهن بلابله وإذ أرطبون الروم يحمى بلاده * يحاوله قرم هناك يساجله فلما رأى الفاروق أزمان فتحها * سما بجنود الله كيما يصاوله فلما أحسوه وخافوا صواله * أتوه وقالوا أنت ممن نواصله وألقت إليه الشأم أفلاذ بطنها * وعيشا خصيبا ما تعد مآكله أباح لنا ما بين شرق ومغرب * مواريث أعقاب بنتها قرامله وكم مثقل لم يضطلع باحتماله * تحمل عبا حين شالت شوائله وقال أيضا سما عمر لما أتته رسائل * كأصيد يحمى صرمة الحي أغيدا وقد عضلت بالشأم أرض بأهلها * تريد من الاقوام من كان أنجدا فلما أتاه ما أتاه أجابهم * بجيش ترى منه الشبائك سجدا وأقبلت الشأم العريضة بالذي * أراد أبو حفص وأزكى وأزيدا فقسط فيما بينهم كل جزية * وكل رفاد كان أهنا وأحمدا ذكر فرض العطاء وعمل الديوان وفي هذه السنة فرض عمر للمسلمين الفروض ودون الدواوين وأعطى العطايا على السابقة وأعطى صفوان بن أمية والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو في أهل الفتح أقل ما أخذ من قبلهم فامتنعوا من أخذه وقالوا لا نعترف أن يكون أحد

[ 109 ]

أكرم منا فقال إنى إنما أعطيتكم على السابقة في الاسلام لا على الاحساب قالوا فنعم إذا وأخذوا وخرج الحارث وسهيل بأهليهما نحو الشأم فلم يزالا مجاهدين حتى أصيبا في بعض تلك الدروب وقيل ماتا في طاعون عمواس ولما أراد عمر وضع الديوان قال له علي وعبد الرحمن بن عوف ابدأ بنفسك قال لا بل أبدأ بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الاقرب فالاقرب ففرض للعباس وبدأ به ثم فرض لاهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف ثم فرض لمن بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر عن أهل الردة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف في ذلك من شهد الفتح وقاتل عن أبي بكر ومن ولى الايام قبل القادسية كل هؤلاء ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف ثم فرض لاهل القادسية وأهل الشأم ألفين ألفين وفرض لاهل البلاء البارع منهم ألفين وخمسمائة ألفين وخمسمائة فقيل له لو ألحقت أهل القادسية بأهل الايام فقال لم أكن لالحقهم بدرجة من لم يدركوا وقيل له قد سويت من بعدت داره بمن قربت داره وقاتلهم عن فنائه فقال من قربت داره أحق بالزيادة لانهم كانوا ردءا للحوق وشجى للعدو فهلا قال المهاحرون مثل قولكم حين سوينا بين السابقين منهم والانصار فقد كانت نصرة الانصار بفنائهم وهاجر إليهم المهاجرون من بعد وفرض لمن بعد القادسية واليرموك ألفا ألفا ثم فرض للروادف المثنى خمسمائة خمسمائة ثم للروادف الثليث بعدهم ثلثمائة ثلثمائة سوى كل طبقة في العطاء قويهم وضعيفهم عربهم وعجمهم وفرض للروادف الربيع على مائتين وخمسين وفرض لمن بعدهم وهم أهل هجر والعباد على مائتين وألحق بأهل بدر أربعة من غير أهلها الحسن والحسين وأبا ذر وسلمان وكان فرض للعباس خمسة وعشرين ألفا وقيل اثنى عشر ألفا وأعطى نساء النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف عشرة آلاف إلا من جرى عليها الملك فقال نسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضلنا عليهم في القسمة فسو بيننا ففعل وفضل عائشة بألفين لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها فلم تأخذ وجعل نساء أهل بدر في خمسمائة

[ 110 ]

خمسمائة ونساء من بعدهم إلى الحديبية على أربعمائة أربعمائة ونساء من بعد ذلك إلى الايام ثلثمائة ثلثمائة ونساء أهل القادسية مائتين مائتين ثم سوى بين النساء بعد ذلك وجعل الصبيان سواء على مائة مائة ثم جمع ستين مسكينا وأطعمهم الخبز فأحصوا ما أكلوا فوجدوه يخرج من جريبتين ففرض لكل إنسان منهم ولعياله جريبتين في الشهر وقال عمر قبل موته لقد ههمت أن أجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف ألفا يجعلها الرجل في أهله وألفا يزودها معه وألفا يتجهز بها وألفا يترفق بها فمات قبل أن يفعل (قال أبو جعفر الطبري) كتب إلى السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وزياد والمجالد وعمرو عن الشعبي واسماعيل عن الحسن وأبي ضمرة عن عبدالله بن المستورد عن محمد بن سيرين ويحيى بن سعيد عن سعيد ابن المسيب والمستنير بن يزيد عن إبراهيم وزهرة عن أبي سلمة قالوا فرض عمر العطاء حين فرض لاهل الفئ الذين أفاء الله عليهم وهم أهل المدائن فصاروا بعد إلى الكوفة انتقلوا عن المدائن إلى الكوفة والبصرة ودمشق وحمص والاردن وفلسطين ومصر وقال الفئ لاهل هؤلاء الامصار ولمن لحق بهم وأعانهم وأقام معهم ولم يفرض لغيرهم ألا فيهم سكنت المدائن والقرى وعليهم جرى الصلح وإليهم أدى الجزاء وبهم سدت الفروج ودوخ العدو ثم كتب في إعطاء أهل العطاء أعطياتهم إعطاءا واحدا سنة خمسة عشر وقال قائل يا أمير المؤمنين لو تركت في بيوت الاموال عدة لكون إن كان فقال كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها وهي فتنة لمن بعدي بل أعد لهم ما أمرنا الله ورسوله طاعة الله ورسوله فهما عدتنا التي بها أفضينا ألى ما ترون فإذا كان هذا المال ثمن دين أحدكم هلكتم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد قالوا لما فتح الله على المسلمين وقتل رستم وقدمت على عمر الفتوح من الشأم جمع المسلمين فقال ما يحل للوالي من هذا المال فقالوا جميعا أما لخاصته فقوته وقوت عياله لا وكس ولا شطط وكسوتهم وكسوته للشتاء والصيف ودابتان إلى جهاده وحوائجه وحملانه إلى حجه وعمرته والقسم بالسوية أن يعطى أهل البلاء على قدر

[ 111 ]

بلائهم ويرم أمور الناس بعد ويتعاهدهم عند الشدائد والنوازل حتى تكشف ويبدأ بأهل الفئ (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال جمع الناس عمر بالمدينة حين انتهى إليه فتح القادسية ودمشق فقال إني كنت امرءا تاجرا يغنى الله عيالي بتجارتي وقد شغلتموني بأمركم فماذا ترون أنه يحل لي من هذا المال فأكثر القوم وعلي عليه السلام ساكت فقال ما تقول يا علي فقال ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف ليس لك من هذا المال غيره فقال القوم القول قول ابن أبي طالب (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد عن عبيدالله عن نافع عن أسلم قال قام رجل إلى عمر بن الخطاب فقال ما يحل لك من هذا المال فقال ما أصلحني وأصلح عيالي بالمعروف وحلة الشتاء وحلة الصيف وراحلة عمر للحج والعمرة ودابة في حوائجه وجهاده (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضيل عن سالم بن عبدالله قال لما ولى عمر قعد على رزق أبي بكر الذي كانوا فرضوا له فكان بذلك فاشتدت حاجته فاجتمع نفر من المهاجرين منهم عثمان وعلي وطلحة والزبير فقال الزبير لو قلنا لعمر في زيادة نزيدها إياه في رزقه فقال علي وددنا قبل ذلك فانطلقوا بنا فقال عثمان إنه عمر فهلموا فلنستبرئ ما عنده من وراء نأتي حفصة فنسألها ونستكتمها فدخلوا عليها وأمروها أن تخبر بالخبر عن نفر ولا تسمى له أحدا إلا أن يقبل وخرجوا من عندها فلقيت عمر في ذلك فعرفت الغضب في وجهه وقال من هؤلاء قالت لا سبيل إلى علمهم حتى أعلم رأيك فقال لو علمت من هم لسؤت وجوههم أنت بيني وبينهم أنشدك بالله ما أفضل ما اقتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك من الملبس قالت ثوبين ممشقين كان يلبسهما للوفد ويخطب فيهما للجمع قال فأي الطعام ناله عندك أرفع قالت خبزنا خبزة شعير فصببنا عليها وهي حارة أسفل عكة لنا فجعلناها هشة دسمة فأكل منها وتطعم منها استطابة لها قال فأي مبسط كان يبسطه عندك كان أوطأ قالت كساء لنا ثخين كنا نربعه في الصيف فنجعله تحتنا فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه

[ 112 ]

وتدثرنا بنصفه قال يا حفصة فأبلغيهم عني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر فوضع الفضول مواضعها وتبلغ بالترجية وانى قدرت فوالله لاضعن الفضول مواضعها ولا تبلغن بالترجية وإنما مثلى ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقا فمضى الاول وقد تزود وزاد فبلغ ثم اتبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه ثم اتبعه الثالث فان لزم طريقهما ورضى بزادهما لحق بهما وكان معهما وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عطية عن أصحابه والضحاك عن ابن عباس قال لما افتتحت القادسية وصالح من صالح من أهل السواد وافتتحت دمشق وصالح أهل دمشق قال عمر للناس اجتمعوا فأحضروني علمكم فيما أفاء الله على أهل القادسية وأهل الشأم فاجتمع رأى عمر وعلي على أن يأخذوا من قبل القرآن فقالوا ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى يعني من الخمس فلله وللرسول إلى الله وإلى الرسول من الله الامر وعلى الرسول القسم ولذي القربى واليتامى والمساكين الآية ثم فسروا ذلك بالآية التي تليها للفقراء المهاجرين الآية فأخذوا الاربعة الاخماس على ما قسم عليه الخمس فيمن بدئ به وثنى وثلث وأربعة أخماس لمن أفاء الله عليه المغنم ثم استشهدوا على ذلك أيضا واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه فقسم الاخماس على ذلك واجتمع على ذلك عمر وعلي وعمل به المسلمون بعده فبدأ المهاجرين ثم بالانصار ثم التابعين الذين شهدوا معهم وأعانوهم ثم فرض الاعطية من الجزاء على من صالح أو دعى إلى الصلح من جزائه مردود عليهم بالمعروف وليس في الجزاء أخماس والحزاء لمن منع الذمة ووفى لهم ممن ولى ذلك منهم ولمن لحق بهم فاعانهم الا أن يؤاسوا بفضله من طيب أنفس منهم من لم ينل مثل الذي نالوا (قال الطبري) وفي هذه السنة أعني سنة خمسة عشر كانت وقعات في قول سيف بن عمرو في قول ابن اسحاق كان ذلك في سنة ستة عشر وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه قبل وكذلك ذلك في قول الواقدي نذكر الآن الاخبار التي وردت بما كان بين ما ذكرت من الحروب إلى انقضاء السنة التي ذكرت أنهم اختلفوا فيما كان فيها من ذلك

[ 113 ]

(كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وعمرو وسعيد قالوا عهد عمر إلى سعد حين أمره بالسير إلى المدائن أن يخلف النساء والعيال بالعتيق ويجعل معهم كثفا من الجند ففعل وعهد إليه أن يشركهم في كل مغنم ما داموا يخلفون المسلمين في عيالاتهم قالوا وكان مقام سعد بالقادسية بعد الفتح شهرين في مكاتبة عمر في العمل بما ينبغي فقدم زهرة نحو اللسان واللسان لسان البر الذي أدلعه في الريف وعليه الكوفة اليوم والحيرة قبل اليوم والنخيرجان معسكر به فارفض ولم يثبت حين سمع بمسيرهم إليه فلحق بأصحابه قالوا فكان مما يلعب به الصبيان في العسكر وتلقيه النساء عليهم وهم على شاطئ العتيق أمر كان النساء يلعبن به في زرود وذي قارى وتلك الامواه حين أمروا بالسير في جمادى إلى القادسية وكان كلا ما أبدن فيه كالاوابد من الشعر لانه ليس بين جمادى ورجب شئ العجب كل العحب * بين جمادى ورجب * أمر قضاه قد وجب يخبره من قد شجب * تحت غبار ولجب حبر يوم برس قال ثم إن سعدا ارتحل بعد الفراغ من أمر القادسية كله وبعد تقدم زهرة ابن الحوية في المقدمات إلى اللسان ثم أتبعه عبدالله بن المعتم ثم أتبع عبدالله شرحبيل بن السمط ثم أتبعهم هاشم بن عتبة وقد ولاه خلافته عمل خالد بن عرفطة وجعل خالدا على الساقة ثم أتبعهم وكل المسلمين فارس مؤد قد نقل الله إليهم ما كان في عسكر فارس من سلاح وكراع ومال لايام بقين من شوال فسار زهرة حتى ينزل الكوفة والكوفة كل حصباء وسهلة حمراء مختلطتين ثم نزل عليه عبدالله وشرحبيل وارتحل زهرة حين نزلا عليه نحو المدائن فلما انتهى إلى برس لقيه بها بصبهري في جمع فناوشوه فهزمهم فهرب بصبهري ومن معه إلى بابل وبها فالة القادسية وبقايا رؤسائهم النخيرجان ومهران الرازي والهرمزان وأشباههم فأقاموا

[ 114 ]

واستعملوا عليهم الفيرزان وقدم عليهم بصبهري وقد نجا بطعنة فمات منها (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن النضر بن السري عن ابن الرفيل عن أبيه قال طعن زهرة بصبهري في يوم برس فوقع في النهر فمات من طعنته بعد ما لحق ببابل ولما هزم بصبهري أقبل بسطام دهقان برس فاعتقد من زهرة وعقد له الجسور وأتاه بخبر الذين اجتمعوا ببابل يوم بابل قالوا ولما أتى بسطام زهرة بالخبر عن الذين اجتمعوا ببابل من فلال القادسية أقام وكتب إلى سعد بالخبر ولما نزل سعد على من بالكوفة مع هاشم بن عتبة وأتاه الخبر عن زهرة باجتماع الفرس ببابل على الفيرزان قدم عبدالله وأتبعه شرحبيل وهاشما ثم ارتحل بالناس فلما نزل عليهم برس قدم زهرة فأتبعه عبدالله وشرحبيل وهاشما وأتبعهم فنزلوا على الفيرزان ببابل وقد قالوا نقاتلهم دستا قبل أن نفترق فاقتتلوا ببابل فهزموهم في أسرع من لفت الرداء فانطلقوا على وجوههم ولم يكن لهم همة الا الافتراق فخرج الهرمزان متوجها نحو الاهواز فأخذها فأكلها ومهرجان قذق وخرج الفيرزان معه حتى طلع على نهاوند وبها كنوز كسرى فأخذها وأكل الماهين وصمد النخيرجان ومهران الرازي للمدائن حتى عبرا بهرسير إلى جانب دجلة الآخر ثم قطعا الجسر وأقام سعد ببابل أياما وبلغه أن النخيرجان قد خلف شهريار دهقانا من دهاقين الباب بكوثي في جمع فقدم زهرة ثم اتبعه الجنود فخرج زهرة حتى ينزل على شهريار بكوثي بعد قتل فيومان والفرخان فيما بين سورا والدير (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن النضر بن السري عن ابن الرفيل عن أبيه قال كان سعد قدم زهرة من القادسية فمضى متشعبا في حربه وجنده ثم لم يلق جمعا فهزمهم إلا قدم فأتبعهم لا يمرون بأحد إلا قتلوه ممن لحقوا به منهم وأقام لهم حتى إذا قدمه من بابل قدم زهرة بكير بن عبدالله الليثي وكثير بن شهاب السعدي أخا الغلاق حين عبر الصراة فيلحقون بأخريات القوم

[ 115 ]

وفيهم فيومان والفرخان هذا ميساني وهذا أهوازي فقتل بكير الفرخان وقتل كثير فيومان بسورا ثم مضى زهرة حتى جاوز سورا ثم نزل وأقبل هاشم حتى نزل عليه وجاء سعد حتى ينزل عليهم ثم قدم زهرة فسار تلقاء القوم وقد أقاموا له فيما بين الدير وكوثي وقد استخلف النخيرجان ومهران على جنودهما شهريار دهقان الباب ومضيا إلى المدائن وأقام شهريار فيما هنالك فلما التقوا بأكناف كوثي جيش شهريار وأوائل الخيل خرج فنادى ألا رجل ألا فارس منكم شديد عظيم يخرج إلي حتى أنكل به فقال زهرة لقد أردت أن أبارزك فاما إذ سمعت قولك فإنى لا أخرج إليك إلا عبدا فإن أقمت له قتلك إن شاء الله ببغيك وإن فررت منه فإنما فررت من عبد وكايده ثم أمر أبا نباتة نائل بن جعشم الاعرجي وكان من شجعان بني تميم فخرج إليه ومع كل واحد منهما الرمح وكلاهما وثيق الخلق الا ان الشهريار مثل الجمل فلما رأى نائلا ألقى الرمح ليعتنقه وألقى نائل رمحه ليعتنقه وانتضيا سيفيهما فاجتلدا ثم اعتنقا فخرا عن دابتيهما فوقع على نائل كأنه بيت فضغطه بفخذه وأخذ الخنجر وأراغ حل ازرار درعه فوقعت ابهامه في نائل فحطم عظمها ورأى منه فتورا فثاوره فجلد به الارض ثم قعد على صدره وأخذ خنجره فكشف درعه عن بطنه فطعن في بطنه وجنبه حتى مات فأخذ فرسه وسواريه وسلبه وانكشف أصحابه فذهبوا في البلاد وأقام زهرة بكوثي حتى قدم عليه سعد فأتى به سعدا فقال سعد عزمت عليك يانائل بن جعشم لما لبست سواريه وقباءه ودرعه ولتركبن برذونه وغنمه ذلك كله فانطلق فتدرع سلبه ثم أتاه في سلاحه على دابته فقال اخلع سواريك الا ان ترى حربا فتلبسهما فكان أول رجل من المسلمين سور بالعراق (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا فأقام سعد بكوثي أياما وأتى المكان الذي جلس فيه ابراهيم عليه السلام بكوثي فنزل جانب القوم الذين كانوا يبشرون ابراهيم وأتى البيت الذي كان فيه ابراهيم عليه السلام محبوسا فنظر إليه وصلى على رسول الله وعلى ابراهيم وعلى أنبياء الله صلوات الله عليهم وقرأ " وتلك الايام نداولها بين الناس "

[ 116 ]

حديث بهرسير في ذي الحجة سنة خمسة عشر في قول سيف (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو والنضر عن ابن الرفيل قالوا ثم إن سعدا قدم زهرة إلى بهرسير فمضى زهرة من كوثي في المقدمات حتى ينزل بهرسير وقد تلقاه شيرزاذ بساباط بالصلح وتأدية الجزاء فأمضاه إلى سعد فاقبل معه وتبعته المجنبات وخرج هاشم وخرج سعد في أثره وقد فل زهرة كتيبة كسرى بوران حول المظلم وانتهى هاشم إلى مظلم ساباط ووقف لسعد حتى لحق به فوافق ذلك رجوع المقرط أسد كان لكسرى قد ألفه وتخيره من أسود المظلم وكانت به كتائب كسرى التي تدعى بوران وكانوا يحلفون بالله كل يوم لا يزول ملك فارس ما عشنا فبادر المقرط الناس حين انتهى إليهم سعد فنزل إليه هاشم فقتله وسمى سيفه المنن فقبل سعد رأس هاشم وقبل هاشم قدم سعد فقدمه سعد إلى بهرسير فنزل إلى المظلم وقرأ " أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال " فلما ذهب من الليل هدأة ارتحل فنزل على الناس ببهرسير وجعل المسلمون كلما قدمت خيل على بهرسير وقفوا ثم كبروا فكذلك حتى نجز آخر من مع سعد فكان مقامه بالناس على بهرسير شهرين وعبروا في الثالث * وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب وكان عامله فيها على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف يعلى بن منية وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص وعلى عمان حذيفة بن محصن وعلى كور الشأم أبو عبيدة بن الجراح وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص وعلى قضائها أبو فروة وعلى البصرة وأرضها المغيرة بن شعبة ثم دخلت سنة ست عشرة (قال أبو جعفر) ففيها دخل المسلمون مدينة بهرسير وافتتحوا المدائن وهرب منها يزدجرد بن شهريار ذكر بقية خبر دخول المسلمين مدينة بهرسير (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وقالوا لما

[ 117 ]

نزل سعد على بهرسير بث الخيول فأغارت على ما بين دجلة إلى من له عهد من أهل الفرات فأصابوا مائة ألف فلاح فحسبوا فأصاب كل منهم فلاحا وذلك ان كلهم فارس ببهرسير فخندق لهم فقال له شيرزاذ دهقان ساباط انك لا تصنع بهؤلاء شيئا إنما هؤلاء علوج لاهل فارس لم يجروا اليك فدعهم الي حتى يفرق لكم الرأي فكتب عليه بأسمائهم ودفعهم إليه فقال شيرزاذ انصرفوا إلى قراكم وكتب سعد إلى عمر إنا وردنا بهرسير بعد الذي لقينا فيما بين القادسية وبهرسير فلم يأتنا أحد لقتال فبثثت الخيول فجمعت الفلاحين من القرى والآجام فر رأيك فأجابه إن من أتاكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين لم يعينوا عليكم فهو أمانهم ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به فلما جاء الكتاب خلى عنهم وراسله الدهاقين فدعاهم إلى الاسلام والرجوع أو الجزاء ولهم الذمة والمنعة فتراجعوا على الجزاء والمنعة ولم يدخل في ذلك ما كان لآل كسرى ومن دخل معهم فلم يبق في غربي دجلة إلى أرض العرب سوادي إلا أمن واغتبط بملك الاسلام واستقبلوا الخراج وأقاموا على بهرسير شهرين يرمونها بالمجانيق ويدبون إليهم بالدبابات ويقاتلونهم بكل عدة (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن المقدام بن شريح الحارثي عن أبيه قال نزل المسلمون على بهرسير وعليها خنادقها وحرسها وعدة الحرب فرموهم بالمجانيق والعرادات فاستصنع سعد شيرزاذ المجانيق فنصب على أهل بهرسير عشرين منجنيقا فشغلوهم بها (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن النضر بن السري عن ابن الرفيل عن أبيه قال فلما نزل سعد على بهرسير كانت العرب مطيفة بها والعجم متحصنة فيها وربما خرج الاعاجم يمشون على المسنيات المشرفة على دجلة في جماعتهم وعدتهم لقتال المسلمين فلا يقومون لهم فكان آخر ما خرجوا في في رجالة وناشبة وتجردوا للحرب وتبايعوا على الصبر فقاتلهم المسلمون فلم يثبتوا لهم فكذبوا وتولوا وكانت على زهرة بن الحوية درع مفصومة فقيل له لو أمرت بهذا الفصم فسرد فقال ولم قالوا نخاف عليك منه قال إنى لكريم على الله ان ترك سهم فارس الجند كله ثم أتاني من هذا الفصم حتى يثبت في

[ 118 ]

فكان أول رجل من المسلمين أصيب يومئذ بنشابة فثبتت فيه من ذلك الفصم فقال بعضهم انزعوها عنه فقال دعوني فان نفسي معي ما دامت في لعلى أن أصيب منهم بطعنة أو ضربة أو خطوة فمضى نحو العدو فضرب بسيفه شهربراز من أهل اصطخر فقتله وأحيط به فقتل وانكشفوا (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن سعيد بن ثابت عن عمرة ابنة عبدالرحمن بن أسعد عن عائشة أم المؤمنين قالت لما فتح الله عزوجل وقتل رستم وأصحابه بالقادسية وفضت جموعهم أتبعهم المسلمون حتى نزلوا المدائن وقد ارفضت جموع فارس ولحقوا بجبالهم وتفرقت جماعتهم وفرسانهم إلا أن الملك مقيم في مدينتهم معه من بقى من أهل فارس على أمره (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن سماك بن فلان الهجيمي عن أبيه ومحمد بن عبدالله عن أنس بن الحليس قال بينا نحن محاصرو بهرسير بعد زحفهم وهزيمتهم أشرف علينا رسول فقال إن الملك يقول لكم هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة وجبلنا ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم فبدر الناس أبو مفزر الاسود ابن قطبة وقد أنطقه الله بما لا يدري ما هو ولا نحن فرجع الرجل ورأيناهم يقطعون إلى المدائن فقلنا يا أبا مفزر ما قلت له فقال له والذي بعث محمدا بالحق ما أدرى ما هو إلا أن على سكينة وأنا أرجو أن أكون قد أنطقت بالذي هو خير وانتاب الناس يسألونه حتى سمع بذلك سعد فجاءنا فقال يا أبا مفزر ما قلت فوالله إنهم لهراب فحدثه بمثل حديثه إيانا فنادى في الناس ثم نهد بهم وإن مجانيقنا لتخطر عليهم فما ظهر على المدينة أحد ولا خرج إلينا إلا رجل نادى بالامان فآمناه فقال ان بقى فيها أحد فما يمنعكم فتسورها الرجال وافتتحناها فما وجدنا فيها شيئا ولا أحدا إلا أسارى أسرناهم خارجا منها فسألناهم وذلك الرجل لاي شئ هربوا فقالوا بعث الملك اليكم يعرض عليكم الصلح فأجبتموه بأنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدا حتى نأكل عسل افريذين بأترج كوثى فقال الملك واويله إلا أن الملائكة تكلم على ألسنتهم ترد علينا وتجيبنا عن العرب والله لئن لم يكن كذلك ما هذا إلا

[ 119 ]

شئ ألقى على في هذا الرجل لننتهي فأرزوا إلى المدينة القصوى (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا لما دخل سعد والمسلمون بهرسير أنزل سعد الناس فيها وتحول العسكر إليها وحاول العبور فوجدوهم قد ضموا السفن فيما بين البطائح وتكريت ولما دخل المسلمون بهرسير وذلك في جوف الليل لاح لهم الابيض فقال ضرار بن الخطاب الله أكبر أبيض كسرى هذا ما وعد الله ورسوله وتابعوا التكبير حتى أصبحوا * فقال محمد وطلحة وذلك ليلة نزلوا على بهرسير (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن الاعمش عن حبيب بن صهبان أبي مالك قال دفعنا إلى المدائن يعني بهرسير وهي المدينة الدنيا فحصرنا ملكهم وأصحابه حتى أكلوا الكلاب والسنانير قال ثم لم يدخلوا حتى ناداهم مناد والله ما فيها أحد فدخلوها وما فيها أحد حديث المدائن القصوى التي كان فيها منزل كسرى قال سيف وذلك في صفر سنة ستة عشر قالوا ولما نزل سعد بهرسير وهي المدينة الدنيا طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى فلم يقدر على شئ ووجدهم قد ضموا السفن فأقاموا ببهرسير أياما من صفر يريدونه على العبور فيمنعه الابقاء على المسلمين حتى أتاه اعلاج فدلوه على مخاضة تخاض إلى صلب الوادي فأبى وتردد عن ذلك وفجئهم المد فرأى رؤيا أن خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت وقد أقبلت من المد بأمر عظيم فعزم لتأويل رؤياه على العبور وفي سنة جود صيفها متتابع فجمع سعد الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليه معه وهم يخلصون اليكم إذا شاءوا فينا وشونكم في سفنهم وليس وراءكم شئ تخافون أن تؤتوا منه فقد كفاكموهم أهل الايام وعطلوا ثغورهم وأفنوا ذادتهم وقد رأيت من الرأى أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم فقالوا جميعا عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل فندب سعد الناس إلى العبور ويقول من يبدأ ويحمى

[ 120 ]

لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من الخروج فانتدب له عاصم ابن عمرو ذو البأس وانتدب بعده ستمائة من أهل النجدات فاستعمل عليهم عاصما فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة وقال من ينتدب معي لنمنع الفراض من عدوكم ولنحميكم حتى تعبروا فانتدب له ستون منهم أصم بنى ولاد وشرحبيل في أمثالهم فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكورة ليكون أساس لعوم الخيل ثم اقتحموا دجلة واقتحم بقية الستمائة على أثرهم فكان أول من فصل من الستين أصم التيم والكلج وأبو مفزر وشرحبيل وحجل العجلي ومالك بن كعب الهمداني وغلام من بني الحارث بن كعب فلما رآهم الاعاجم وما صنعوا أعدوا للخيل التي تقدمت سعدا مثلها فاقتحموا عليهم دجلة فأعاموها إليهم فلقوا عاصما في السرعان وقد دنا من الفراض فقال عاصم الرماح الرماح أشرعوها وتوخوا العيون فالتقوا فاطعنوا وتوخى المسلمون عيونهم فولوا نحو الجد والمسلمون يشمصون بهم خيلهم ما يملك رجالها منع ذلك منها شيئا فلحقوا بهم في الجد فقتلوا عامتهم ونجا من نجا منهم عورانا وتزلزلت بهم خيولهم حتى انتقضت عن الفراض وتلاحق الستمائة بأوائلهم الستين غير متعتعين ولما رأى سعد عاصما على الفراض قد منعها أذن للناس في الاقتحام وقال قولوا نستعين بالله ونتوكل عليه حسبنا الله ونعم الوكيل لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وتلاحق عظم الجند فركبوا اللجة وان دجلة لترمى بالزبد وانها لمسودة وإن الناس ليتحدثون في عومهم وقد اقتربوا ما يكترثون كما يتحدثون في مسيرهم على الارض ففجأوا أهل فارس بأمر لم يكن في حسابهم فأجهضوهم وأعجلوهم عن جمهور أموالهم ودخلها المسلمون في صفر سنة ستة عشر واستولوا على ذلك كله مما بقى في بيوت كسرى من الثلاثة آلاف ألف ألف ومما جمع شيرى ومن بعده وفي ذلك يقول أبو بجيدة نافع بن الاسود وأسلنا على المدائن خيلا * بحرها مثل برهن أريضا فانتثلنا خزائن المرء كسرى * يوم ولوا وحاص منا جريضا

[ 121 ]

(كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن الوليد بن عبدالله بن أبي طيبة عن أبيه قال لما أقام سعد على دجلة أتاه علج فقال ما يقيمك لا يأتي عليك ثالثة حتى يذهب يزدجرد بكل شئ في المدائن فذلك مما هيجه على القيام بالدعاء إلى العبور (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن رجل عن أبي عثمان النهدي في قيام سعد في الناس في دعائهم إلى العبور بمثله وقال طبقنا دجلة خيلا ورجلا ودواب حتى ما يرى الماء من الشاطئ أحد فخرجت بنا خيلنا إليهم تنفض أعرافها لها صهيل فلما رأى القوم ذلك انطلقوا لا يلوون على شئ فانتهينا إلى القصر الابيض وفيه قوم قد تحصنوا فأشرف بعضهم فكلمنا فدعوناهم وعرضنا عليهم فقلنا ثلاث تختارون منهن أيتهن شئتم قالوا وما هن قلنا الاسلام فان أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا وإن أبيتم فالجزية وإن أبيتم فمناجزتكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم فأجابنا مجيبهم لا حاجة لنا في الاولى ولا في الآخرة ولكن الوسطى (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عطية بمثله قال والسفير سلمان (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن النضر بن السري عن ابن الرفيل قال لما هزموهم في الماء وأخرجوهم إلى الفراض ثم كشفوهم عن الفراض أجلوهم عن الاموال إلا ما كانوا تقدموا فيه وكان في بيوت أموال كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ثلاث مرات فبعثوا مع رستم بنصف ذلك وأقروا نصفه في بيوت الاموال (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن بدر بن عثمان عن أبي بكر بن حفص بن عمر قال قال سعد يومئذ وهو واقف قبل أن يقحم الجمهور وهو ينظر إلى حماة الناس وهم يقاتلون على الفراض والله ان لو كانت الخرساء يعني الكتيبة التي كان فيها القعقاع بن عمرو وحمال بن مالك والربيل بن عمرو فقاتلوا قتال هؤلاء القوم هذه الخيل لكانت أجزأت وأغنت وكتيبة عاصم هي كتيبة الاهوال فشبه كتيبة الاهوال لما رأى منهم في الماء والفراض بكتيبة الخرساء قال ثم انهم تنادوا بعد هنات قد اعتوروها عليهم ولهم فخرجوا حتى لحقوا بهم فلما استووا على الفراض هم وجميع كتيبة الاهوال بأسرهم اقحم سعد الناس وكان الذي يساير سعدا في الماء سلمان الفارسي فعامت بهم

[ 122 ]

الخيل وسعد يقول حسبنا الله ونعم الوكيل والله لينصرن الله وليه وليظهرن الله دينه وليهزمن الله عدوه إن لم يكن في الجيش بغى أو ذنوب تغلب الحسنات فقال له سلمان الاسلام جديد ذللت لهم والله البحور كما ذلل لهم البر أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا فطبقوا الماء حتى ما يرى الماء من الشاطئ ولهم فيه أكثر حديثا منهم في البر لو كانوا فيه فخرجوا منه كما قال سلمان لم يفقدوا شيئا ولم يغرق منهم أحد (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عمر دثار عن أبي عثمان النهدي أنهم سلموا من عند آخرهم إلا رجلا من بارق يدعى غرقدة زال عن ظهر فرس له شقراء كأني أنظر إليها تنفض أعرافها عريا والغريق طاف فثنى القعقاع بن عمرو عنان فرسه إليه فأخذ بيده فجره حتى عبر فقال البارقي وكان من أشد الناس أعجز الاخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع وكان للقعقاع فيهم خؤولة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا فما ذهب لهم في الماء يومئذ إلا قدح كانت علاقته رثة فانقطعت فذهب به الماء فقال الرجل الذي كان يعاوم صاحب القدح معيرا له أصابه القدر فطاح فقال والله انى لعلى جديلة ما كان الله ليسلبني قد حي من بين أهل العسكر فلما عبروا إذا رجل ممن كان يحمى الفراض قد سفل حتى طلع عليه أوائل الناس وقد ضربته الرياح والامواج حتى وقع إلى الشاطئ فتناوله برمحه فجاء به إلى العسكر فعرفه فأخذه صاحبه وقال للذي كان يعاومه ألم أقل لك وصاحبه حليف لقريش من عنز يدعى مالك بن عامر والذي قال طاح يدعى عامر بن مالك (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن القاسم بن الوليد عن عمير الصائدي قال لما اقتحم سعد الناس في دجلة اقترنوا فكان سلمان قرين سعد إلى جانبه يسايره في الماء وقال سعد ذلك تقدير العزيز العليم والماء يطمو بهم وما يزال فرس يستوى قائما إذا أعيى ينشز له تلعة فيستريح عليها كأنه على الارض فلم يكن بالمدائن أمر أعجب من ذلك وذلك يوم الماء وكان يدعى يوم الجراثيم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد قالوا كان يوم ركوب دجلة يدعى يوم الجراثيم لا يعيي أحد

[ 123 ]

الا أنشزت له جرثومة يريح عليها (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال خضنا دجلة وهى تطفح فلما كنا في أكثرها ماء لم يزل فارس واقف ما يبلغ الماء حزامه (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن الاعمش عن حبيب بن صهبان أبي مالك قال لما دخل سعد المدينة الدنيا وقطع القوم الجسر وضموا السفن قال المسلمون ما تنتظرون بهذه النطقة فاقتحم رجل فخاض الناس فما غرق منهم إنسان ولا ذهب لهم متاع غير أن رجلا من المسلمين فقد قد حاله انقطعت علاقته فرأيته يطفح على الماء (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وطلحة قالوا وما زالت حماة أهل فارس يقاتلون على الفراض حتى أتاهم آت فقال علام تقتلون أنفسكم فوالله ما في المدائن أحد (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا لما رأى المشركون المسلمين وما يهمون به بعثوا من يمنعهم من العبور وتحملوا فخرجوا هرابا وقد أخرج يزدجرد قبل ذلك وبعد ما فتحت بهرسير عياله إلى حلوان فخرج يزدجرد بعد حتى ينزل حلوان فلحق بعياله وخلف مهران الرازي والنخيرجان وكان بيت المال بالنهروان وخرجوا معهم بما قدروا عليه من حر متاعهم وخفيفه وما قدروا عليه من بيت المال وبالنساء والذراري وتركوا الخزائن من الثياب والمتاع والآنية والفضول والالطاف والادهان ما لا يدري ما قيمته وخلفوا ما كانوا أعدوا للحصار من البقر والغنم والاطعمة والاشربة فكان أول من دخل المدائن كتيبة الاهوال ثم الخرساء فأخذوا في سككها لا يلقون فيها أحدا ولا يحسونه إلا من كان في القصر الابيض فأحاطوا بهم ودعوهم فاستجابوا لسعد على الجزاء والذمة وتراجع إليهم أهل المدائن على مثل عهدهم ليس في ذلك ما كان لآل كسرى ومن خرج معهم ونزل سعد القصر الابيض وسرح سعد زهرة في المقدمات في آثار القوم إلى النهروان فخرج حتى انتهى إلى النهروان وسرح مقدار ذلك في طلبهم من كل ناحية (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن الاعمش عن حبيب

[ 124 ]

ابن صهبان أبي مالك قال لما عبر المسلمون يوم المدائن دجلة فنظروا إليهم يعبرون جعلوا يقولون بالفارسية ديوان آمد وقال بعضهم لبعض والله ما تقاتلون الانس وما تقاتلون إلا الجن فانهزموا (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عطية بن الحارث وعطاء بن السائب عن أبي البختري قال كان رائد المسلمين سلمان الفارسي وكان المسلمون قد جعلوه داعية أهل فارس قال عطية وقد كانوا أمروه بدعاء أهل بهرسير وأمروه يوم القصر الابيض فدعاهم ثلاثا قال عطية وعطاء وكان دعاؤه إياهم أن يقول إنى منكم في الاصل وأنا أرق لكم ولكم في ثلاث أدعوكم إليها ما يصلحكم أن تسلموا فإخواننا لكم ما لنا وعليكم ما علينا وإلا فالجزية وإلا نابذناكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين قال عطية فلما كان اليوم الثالث في بهرسير أبوا أن يجيبوا إلى شئ فقاتلهم المسلمون حين أبوا ولما كان اليوم الثالث في المدائن قبل أهل القصر الابيض وخرجوا ونزل سعد القصر الابيض واتخذ الايوان مصلى وإن فيه لتماثيل جص فما حركها (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وشاركهم سماك الهجيمي قالوا وقد كان الملك سرب عياله حين أخذت بهرسير إلى حلوان فلما ركب المسلمون الماء خرجوا هرابا وخيلهم على الشاطئ يمنعون المسلمين وخيلهم من العبور فاقتتلوا هم والمسلمون قتالا شديدا حنى ناداهم مناد علام تقتلون أنفسكم فوالله ما في المدائن من أحد فانهزموا واقتحمتها الخيول عليهم وعبر سعد في بقية الجيش (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب قالوا أدرك أوائل المسلمين أخريات أهل فارس فأدرك رجل من المسلمين يدعى ثقيفا أحد بني عدى ابن شريف رجلا من أهل فارس معترضا على طريق من طرقها يحمى أدبار أصحابه فضرب فرسه على الاقدام عليه فأحجم ولم يقدم ثم ضربه للهرب فتقاعس حتى لحقه المسلم فضرب عنقه وسلبه (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عطية وعمرو ودثار أبي عمر قالوا كان فارس من فرسان العجم في المدائن يومئذ مما يلي جازر فقيل له قد دخلت العرب وهرب أهل فارس فلم يلتفت إلى قولهم

[ 125 ]

وكان واثقا بنفسه ومضى حتى دخل بيت أعلاج له وهم ينقلون ثيابا لهم قال مالكم قالوا أخرجتنا الزنابير وغلبتنا على بيوتنا فدعا بجلاهق وبطين فجعل يرميهن حتى ألزقهن بالحيطان فأفناهن وانتهى إليه الفزع فقام وأمر علجا فأسرج له فانقطع حزامه فشده على عجل وركب ثم خرج فوقف ومر به رجل فطعنه وهو يقول: خذها وأنا ابن المخارق فقتله ثم مضى ما يلتفت إليه (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن سعيد بن المرزبان بمثله وإذا هو ابن المخارق بن شهاب قالوا وأدرك رجل من المسلمين رجلا منهم معه عصابة يتلاومون ويقولون من أي شئ فررنا ثم قال قائل منهم لرجل منهم ارفع لي كرة فرماها لا يخطئ فلما رأي ذلك عاج وعاجوا معه وهو أمامهم فانتهى إلى ذلك الرجل فرماه من أقرب مما كان يرمى منه الكرة ما يصيبه حتى وقف عليه الرجل ففلق هامته وقال أنا ابن مشرط الحجارة وتفار عن الفارسي وأصحابه وقالوا جميعا محمد والمهلب وطلحة وعمرو وأبو عمر وسعيد قالوا ولما دخل سعد المدائن فرأى خلوتها وانتهى إلى ايوان كسرى أقبل يقرأ " كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين " وصلى فيه صلاة الفتح ولا تصلى جماعة فصلى ثماني ركعات لا يفصل بينهن واتخذه مسجدا وفيه تماثيل الجص رجال وخيل ولم يمتنع ولا المسلمون لذلك وتركوها على حالها قالوا وأتم سعد الصلاة يوم دخلها وذلك أنه أراد المقام بها وكانت أول جمعة بالعراق جمعت جماعة بالمدائن في صفر سنة ستة عشر ذكر ما جمع من فئ أهل المدائن (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وعقبة وعمرو وأبى عمر وسعيد قالوا نزل سعد ايوان كسرى وقدم زهرة وأمره أن يبلغ النهروان فبعث في كل وجه مقدار ذلك لنفي المشركين وجمع الفيوء ثم تحول إلى القصر بعد ثالثة ووكل بالاقباض عمرو بن عمرو بن مقرن وأمره بجمع ما في القصر والايوان

[ 126 ]

والدور وإحصاء ما يأتيه به الطلب وقد كان أهل المدائن تناهبوا عند الهزيمة غارة ثم طاروا في كل وجه فما أفلت أحد منهم بشئ لم يكن في عسكر مهران بالنهروان ولا بخيط ألح عليهم الطلب فتنقذوا ما في أيديهم ورجعوا بما أصابوا من الاقباض فضموه إلى ما قد جمع وكان أول شئ جمع يومئذ ما في القصر الابيض ومنازل كسرى وسائر دور المدائن (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن الاعمش عن حبيب بن صهبان قال دخلنا المدائن فأتينا على قباب تركية مملوءة سلالا مختمة بالرصاص فما حسبناها إلا طعاما فإذا هي آنية الذهب والفضة فقسمت بعد بين الناس وقال حبيب وقد رأيت الرجل يطوف ويقول من معه بيضاء بصفراء وأتينا على كافور كثير فما حسبناه إلا ملحا فجعلنا نعجن به حتى وجدنا مرارته في الخبز (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن النضر ابن السري عن ابن الرفيل عن أبيه الرفيل بن ميسور قال خرج زهرة في المقدمة يتبعهم حتى انتهى إلى جسر النهروان وهم عليه فازدحموا فوقع بغل في الماء فعجلوا وكلبوا عليه فقال زهرة إنى اقسم بالله لهذا البغل لشأنا ما كلب القوم عليه ولا صبروا للسيوف بهذا الموقف الضنك إلا لشئ بعد ما أرادوا تركه وإذا الذي عليه حلية كسرى ثيابه وخرزاته ووشاحه ودرعه التي كان فيها الجوهر وكان يجلس فيها للمباهاة وترجل زهرة يومئذ حتى إذا أزاحهم أمر أصحابه بالبغل فاحتملوه فأخرجوه فجاؤا بما عليه حتى رده إلى الاقباض ما يدرون ما عليه وارتجز يومئذ زهرة فدى لقومي اليوم أخوالي وأعمامي * هم كرهوا بالنهر خذلاني وإسلامي هم فلجوا بالبغل في الخصام * بكل قطاع شؤن الهام وصرعوا الفرس على الآكام * كأنهم نعم من الانعام (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن هبيرة بن الاشعث عن جده الكلج قال كنت فيمن خرج في الطلب فإذا أنا ببغالين قد ردا الخيل عنهما بالنشاب فما بقي معهما غير نشابتين فألظظت بهما فاجتمعا فقال أحدهما لصاحبه أرمه

[ 127 ]

وأحميك أو أرميه وتحميني فحمى كل واحد منهما صاحبه حتى رميا بها ثم إنى حملت عليهما فقتلتهما وجئت بالبغلين ما أدرى ما عليهما حتى أبلغتهما صاحب الاقباض وإذا هو يكتب ما يأتيه به الرجال وما كان في الخزائن والدور فقال على رسلك حتى ننظر ما معك فحططت عنهما فإذا سقطان على أحد البغلين فيهما تاج كسرى مفسخا وكان لا يحمله إلا اسطوانتان وفيهما الجوهر وإذا على الآخر سقطان فيهما ثياب كسرى التي كان يلبس من الديباج المنسوج بالذهب المنظوم بالجوهر وغير الديباج منسوجا منظوما (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب قالوا وخرج القعقاع بن عمرو يومئذ في الطلب فلحق بفارسي يحمى الناس فاقتتلا فقتله وإذا مع المقتول جنيبة عليها عيبتان وغلافان في أحدهما خمسة أسياف وفي الآخر ستة أسياف وإذا في العيبتين أدراع فإذا في الادراع درع كسرى ومغفرة وساقاه وساعداه ودرع هرقل ودرع خاقان ودرع داهر ودرع بهرام شوبين ودرع سياوخش ودرع النعمان وكانوا استلبوا ما لم يرثوا استلبوها أيام غزاتهم خاقان وهرقل وداهر وأما النعمان وبهرام فحين هربا وخالفا كسرى وأما أحد الغلافين ففيه سيف كسرى وهرمز وقباذ وفيروز وإذا السيوف الاخر سيف هرقل وخاقان وداهر وبهرام وسياوخش والنعمان فجاء به إلى سعد فقال اختر أحد هذه الاسياف فاختار سيف هرقل وأعطاه درع بهرام وأما سائرها فنفلها في الخرساء إلا سيف كسرى والنعمان ليبعثوا بهما إلى عمر لتسمع بذلك العرب لمعرفتهم بهما وحبسوهما في الاخماس وحلى كسرى وتاجه وثيابه ثم بعثوا بذلك إلى عمر ليراه المسلمون ولتسمع بذلك العرب وعلى هذا الوجه سلب خالد بن سعيد عمرو بن معديكرب سيفه الصمصامة في الردة والقوم يستحيون من ذلك (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبيدة بن معتب عن رجل من بني الحارث ابن طريف عن عصمة بن الحارث الضبي قال خرجت فيمن خرج يطلب فأخذت طريقا مسلوكا وإذا عليه حمار فلما رآني حثه فلحق بآخر قدامه فمالا وحثا حماريهما فانتهيا إلى جدول قد كسر جسره فثبتا حتى أتيتهما ثم تفرقا ورماني أحدهما فألظظت

[ 128 ]

به فقتلته وأفلت الآخر ورجعت إلى الحمارين فأتيت بهما صاحب الاقباض فنظر فيما على أحدهما فإذا سفطان في أحدهما فرس من ذهب مسرج بسرج من فضة على ثفره ولببه الياقوت والزمرد منظوم على الفضة ولجام كذلك وفارس من فضة مكلل بالجوهر وإذا في الآخر ناقة من فضة عليها شليل من ذهب وبطان من ذهب ولها شناق أو زمام من ذهب وكل ذلك منظوم بالياقوت وإذا عليها رجل من ذهب مكلل بالجوهر كان كسرى يضعهما إلى اسطوانتي التاج (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن هبيرة بن الاشعث عن أبي عبدة العنبري قال لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الاقباض أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب الاقباض فقال الذين معه ما رأينا مثل هذا قط ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه فقالوا هل أخذت منه شيئا فقال أما والله لولا الله ما أتيتكم به فعرفوا أن للرجل شأنا فقالوا من أنت فقال لا والله لا أخبركم لتحمدوني ولا غيركم ليقرظوني ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه فأتبعوه رجلا حتى أنتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا قال سعد والله إن الجيش لذو أمانة ولولا ما سبق لاهل بدر لقلت وأيم الله على فضل أهل بدر لقد تتبعت من أقوام منهم هنات وهنات فيما أحرزوا ما أحسبها ولا أسمعها من هؤلاء القوم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضيل عن جابر بن عبدالله قال والله الذي لا إله إلا هو ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية أنه يريد الدنيا مع الآخرة ولقد اتهمنا ثلاثة نفر فما رأينا كالذي هجمنا عليه من أمانتهم وزهدهم طليحة بن خويلد وعمرو بن معديكرب وقيس بن المكشوح (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس العجلي عن أبيه قال لما قدم بسيف كسرى على عمر ومنطقته وزبرجه قال إن أقواما أدوا هذا لذو أمانة فقال علي إنك عففت فعفت الرعية (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو والمجالد عن الشعبي قال قال عمر حين نظر إلى

[ 129 ]

سلاح كسرى إن أقواما أدوا هذا لذو أمانة ذكر صفة قسم الفئ الذي أصيب بالمدائن بين أهله وكانوا فيما زعم سيف ستين ألفا (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو وسعيد والمهلب قالوا ولما بعث سعد بعد نزوله المدائن في طلب الاعاجم بلغ الطلب النهروان ثم تراجعوا ومضى المشركون نحو حلوان فقسم سعد الفئ بين الناس بعد ما خمسه فأصاب الفارس اثنا عشر ألفا وكلهم كان فارسا ليس فيهم راجل وكانت الجنائب في المدائن كثيرة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن المجالد عن الشعبي بمثله وقالوا جميعا ونفل من الاخماس ولم يجهدها في أهل البلاء وقالوا جميعا قسم سعد دور المدائن بين الناس وأوطنوها والذي ولى القبض عمرو ابن عمرو المزني والذي ولى القسم سلمان بن ربيعة وكان فتح المدائن في صفر سنة ست عشرة قالوا ولما دخل سعد المدائن أتم الصلاة وصام وأمر الناس بايوان كسرى فجعل مسجدا للاعياد ونصب فيه منبرا فكان يصلى فيه وفيه التماثيل ويجمع فيه فلما كان الفطر قيل ابرزوا فإن السنة في العيدين البراز فقال سعد صلوا فيه قال فصلى فيه وقال سواء في عقر القرية أو في بطنها (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبي قال لما نزل سعد المدائن وقسم المنازل بعث إلى العيالات فأنزلهم الدور وفيها المرافق فأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جلولاء وتكريت والموصل ثم تحولوا إلى الكوفة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد والمهلب وشاركهم عمرو وسعيد وجمع سعد الخمس وأدخل فيه كل شئ أراد أن يعجب منه عمر من ثياب كسرى وحليه وسيفه ونحو ذلك وما كان يعجب العرب أن يقع إليهم ونفل من الاخماس وفضل بعد القسم بين الناس وإخراج الخمس والقطف فلم يعتدل قسمته فقال للمسلمين هل لكم في أن تطيب أنفسنا عن أربعة أخماسه فنبعث به إلى عمر فيضعه حيث يرى فانا

[ 130 ]

لا نراه يتفق قسمته وهو بيننا قليل وهو يقع من أهل المدينة موقعا فقالوا نعم هاء الله إذا فبعث به على ذلك الوجه وكان القطف ستين ذراعا في ستين ذراعا بساطا واحدا مقدار جريب فيه طرق كالصور ونصوص كالانهار وخلال ذلك كالدير وفي حافاته كالارض المزروعة والارض المبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قضبان الذهب ونواره بالذهب والفضة وأشباه ذلك فلما قدم على عمر نفل من الخمس أناسا وقال إن الاخماس ينفل منها من شهد ومن غاب من أهل البلاء فيما بين الخمسين ولا أرى القوم جهدوا الخمس بالنفل ثم قسم الخمس في مواضعه ثم قال أشيروا علي في هذا القطف فأجمع ماؤهم على أن قالوا قد جعلوا ذلك لك فر رأيك إلا ما كان من علي فإنه قاله يا أمير المؤمنين الامر كما قالوا ولم يبق إلا التروية إنك إن تقبله على هذا اليوم لم تعدم في غد من يستحق به ما ليس له قال صدقتني ونصحتني فقطعه بينهم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبدالملك ابن عمير قال أصاب المسلمون يوم المدائن بهار كسرى ثقل عليهم أن يذهبوا به وكانوا يعدونه للشتاء إذا ذهبت الرياحين فكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه فكأنهم في رياض بساط ستين في ستين أرضه بذهب ووشيه بفصوص وثمره بجوهر وورقه بحرير وماء الذهب وكانت العرب تسميه القطف فلما قسم سعد فيأهم فضل عنهم ولم يتفق قسمته فجمع سعد المسلمين فقال إن الله قد ملا أيديكم وقد عسر قسم هذا البساط ولا يقوى على شرائه أحد فأرى أن تطيبوا به نفسا لامير المؤمنين يضعه حيث شاء ففعلوا فلما قدم على عمر المدينة رأى رؤيا فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه واستشارهم في البساط وأخبرهم خبره فمن بين مشير بقبضه وآخر مفوض إليه وآخر مرقق فقام على حين رأى عمر يأبى حين انتهى إليه فقال لم تجعل علمك جهلا ويقينك شكا إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت قال صدقتني فقطعه فقسمه بين الناس فأصاب عليا قطعة منه فباعها بعشرين ألفا وما هي بأجود تلك القطع (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا

[ 131 ]

وكان الذي ذهب بالاخماس أخماس المدائن بشير بن الخصاصية والذي ذهب بالفتح حليس بن فلان الاسدي والذي ولى القبض عمرو والقسم سلمان قالوا ولما قسم البساط بين الناس أكثر الناس في فضل أهل القادسية فقال عمر أولئك أعيان العرب وغررها اجتمع لهم مع الاخطار الذين هم أهل الايام وأهل القوادس قالوا ولما أتى بحلى كسرى وزيه في المباهاة وزيه في غير ذلك وكانت له عدة أزياء لكل حالة زي قال علي بمحلم وكان أجسم عربي يومئذ بأرض المدينة فألبس تاج كسرى على عمودين من خشب وصب عليه أوشحته وقلائده وثيابه وأجلس للناس فنظر إليه عمر ونظر إليه الناس فرأوا أمرا عظيما من أمر الدنيا وفتنتها ثم قام عن ذلك فألبس زيه الذي يليه فنظروا إلى مثل ذلك في غير نوع حتى أتى عليها كلها ثم ألبسه سلاحه وقلده سيفه فنظروا إليه في ذلك ثم وضعه ثم قال والله إن أقواما ما أدوا هذا لذوو أمانة ونفل سيف كسرى محلما وقال أحمق بامرئ من المسلمين غرته الدنيا هل يبلغن مغرور منها إلا دون هذا أو مثله وما خير امرئ مسلم سبقه كسرى فيما يضره ولا ينفعه أن كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتى عن آخرته فجمع لزوج امرأته أو زوج ابنته أو امرأة ابنه ولم يقدم لنفسه فقدم امرؤ لنفسه ووضع الفضول مواضعها تحصل لها وإلا حصلت للثلاثة بعده وأحمق بمن جمع لهم أو لعدو جارف (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد ابن كريب عن نافع بن جبير قال قال عمر مقدم الاخماس عليه حين نظر إلى سلاح كسرى وثيابه وحليه مع ذلك سيف النعمان بن المنذر فقال لجبير إن أقواما أدوا هذا لذو أمانة إلى من كنتم تنسبون النعمان فقال جبير كانت العرب تنسبه إلى الاشلاء أشلاء قنص وكان أحد بني عجم بن قنص فقال خذ سيفه فنفله إياه فجهل الناس عجم وقالوا لخم وقالوا جميعا وولى عمر سعد بن مالك صلاة ما غلب عليه وحربه فولى ذلك وولى الخراج النعمان وسويدا ابني عمرو بن مقرن سويدا على ما سقى الفرات والنعمان على ما سقت دجلة وعقدوا الجسور ثم ولى عملهما واستعفيا حذيفة بن أسيد وجابر بن عمرو المزني ثم ولى عملهما بعد حذيفة بن اليمان وعثمان

[ 132 ]

ابن حنيف * وقال وفي هذه السنة أعنى سنة ست عشرة كانت وقعة جلولاء كذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وكتب إلي السري يذكر أن شعبا حدثه عن سيف بذلك ذكر الخبر عن وقعة جلولاء الوقيعة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال لما أقمنا بالمدائن حين هبطناها واقتسمنا ما فيها وبعثنا إلى عمر بالاخماس وأوطناها أتانا الخبر بأن مهران قد عسكر بجلولاء وخندق عليه وأن أهل الموصل قد عسكروا بتكريت (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن الوليد بن عبدالله بن أبي طيبة البجلي عن أبيه بمثله وزاد فيه فكتب سعد بذلك إلى عمر فكتب إلى سعد أن سرح هاشم بن عتبة إلى جلولاء في اثنى عشر ألفا واجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو وعلى ميمنته سعر بن مالك وعلى ميسرته عمرو بن مالك بن عتبة واجعل على ساقته عمرو بن مرة الجهني (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وزياد قالوا وكتب عمر إلى سعد إن هزم الله الجندين جند مهران وجند الانطاق فقدم القعقاع حتى يكون بين السواد وبين الجبل على حد سوادكم * وشاركهم عمرو وسعيد قالوا وكان من حديث أهل جلولاء أن الاعاجم لما انتهوا بعد الهرب من المدائن إلى جلولاء وافترقت الطرق بأهل آذربيجان والباب وبأهل الجبال وفارس تذامروا وقالوا إن افترقتم لم تجتمعوا أبدا وهذا مكان يفرق بيننا فهلموا فلنجتمع للعرب به ولنقاتلهم فإن كانت لنا فهو الذي نريد وإن كانت الاخرى كنا قد قضينا الذي علينا وأبلينا عذرا فاحتفروا الخندق واجتمعوا فيه على مهران الرازي ونفد يزدجرد إلى حلوان فنزل بها ورماهم بالرجال وخلف فيهم الاموال فأقاموا في خندقهم وقد أحاطوا به الحسك من الخشب إلا طرقهم قال عمرو عن عامر الشعبي كان أبو بكر لا يستعين في حربه بأحد من أهل الردة حتى مات وكان عمر قد استعان بهم فكان لا يؤمر منهم أحدا إلا على النفر وما دون ذلك وكان لا يعدل أن يؤمر الصحابة إذا وجد من يجزي

[ 133 ]

عنه في حربه فإن لم يجد ففي التابعين بإحسان ولا يطمع من انبعث في الردة وكان رؤساء أهل الردة في تلك الحروب حشوة إلى أن ضرب الاسلام بجرانه * ثم اشترك عمرو ومحمد والمهلب وطلحة وسعيد فقالوا ففصل هاشم بن عتبة بالناس من المدائن في صفر سنة ست عشرة في اثنى عشر ألفا منهم وجوه المهاجرين والانصار وأعلام العرب ممن ارتد وممن لم يرتد فسار من المدائن إلى جلولاء أربعا حتى قدم عليهم وأحاط بهم فحاصرهم وطاولهم أهل فارس وجعلوا لا يخرجون عليهم إلا إذا أرادوا وزاحفهم المسلمون بجلولاء ثمانين زحفا كل ذلك يعطى الله المسلمين عليهم الظفر وغلبوا المشركين على حسك الخشب فاتخذوا حسك الحديد (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عقبة بن مكرم عن بطان ابن بشر قال لما نزل هاشم على مهران بجلولاء حصرهم في خندقهم فكانوا يزاحفون المسلمين في زهاء وأهاويل وجعل هاشم يقوم في الناس ويقول إن هذا المنزل منزل له ما بعده وجعل سعد يمده بالفرسان حتى إذا كان أخيرا احتفلوا للمسلمين فخرجوا عليهم فقام هاشم في الناس فقال أبلوا الله بلاء حسنا يتم لكم عليه الاجر والمغنم واعملوا لله فالتقوا فاقتتلوا وبعث الله عليهم ريحا أظلمت عليهم البلاد فلم يستطيعوا إلا المحاجزة فتهافت فرسانهم في الخندق فلم يجدوا بدا من أن يجعلوا فرضا مما يليهم تصعد منه خيلهم فأفسدوا حصنهم وبلغ ذلك المسلمين فنظروا إليه فقالوا أننهض إليهم ثانية فندخله عليهم أو نموت دونه فلما نهد المسلمون الثانية خرج القوم فرموا حول الخندق مما يلي المسلمين بحسك الحديد لكيلا يقدم عليهم الخيل وتركوا للمجال وجها فخرجوا على المسلمين منه فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله إلا ليلة الهرير إلا أنه كان أكمش وأعجل وانتهى القعقاع بن عمرو في الوجه الذي زاحف فيه إلى باب خندقهم فأخذ به وأمر مناديا فنادى يا معشر المسلمين هذا أميركم قد دخل خندق القوم وأخد به فأقبلوا إليه ولا يمنعنكم من بينكم وبينه من دخوله وانما أمر بذلك ليقوى المسلمين به فحمل المسلمون ولا يشكون إلا أن هاشما فيه فلم يقم لحملتهم شئ حتى انتهوا إلى باب الخندق فإذا هم بالقعقاع بن عمرو قد أخد به وأخذ المشركون

[ 134 ]

في هزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فعقرت دوابهم وعادوا رجالة وأتبعهم المسلمون فلم يفلت منهم إلا من لا يعد وقتل الله منهم يومئذ مائة ألف فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم فهي جلولاء الوقيعة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبيدالله بن محفز عن أبيه قال إني لفي أوائل الجمهور مدخلهم ساباط ومظلمها وإنى لفي أوائل الجمهور حين عبروا دجلة ودخلوا المدائن ولقد أصبت بها تمثالا لو قسم في بكر بن وائل لسد منهم مسدا عليه جوهر فأديته فما لبئنا بالمدائن إلا قليلا حتى بلغنا أن الاعاجم قد جمعت لنا بجلولاء جمعا عظيما وقدموا عيالاتهم إلى الجبال وحبسوا الاموال فبعث إليهم سعد عمرو بن مالك بن عتبة بن أهيب ابن عبد مناف بن زهرة وكان جند جلولاء اثنى عشر ألفا من المسلمين على مقدمتهم القعقاع بن عمرو وكان قد خرج فيهم وجوه الناس وفرسانهم فلما مروا ببابل مهروذ صالحه دهقانها على أن يفرش له جريب أرض دراهم ففعل وصالحه ثم مضى حتى قدم عليهم بجلولاء فوجدهم قد خندقوا وتحصنوا في خندقهم ومعهم بيت مالهم وتواثقوا وتعاهدوا بالنيران أن لا يفروا ونزل المسلمون قريبا منهم وجعلت الامداد تقدم على المشركين كل يوم من حلوان وجعل يمدهم بكل من أمده من أهل الجبال واستمد المسلمون سعدا فأمدهم بمائتي فارس ثم مائتين ثم مائتين ولما رأى أهل فارس أمداد المسلمين بادروا بقتال المسلمين وعلى خيل المسلمين يومئذ طليحة ابن فلان أحد بني عبد الدار وعلى خيل الاعاجم خرزاذ بن خر هرمز فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقاتلوا المسلمين مثله في موطن من المواطن حتى أنفذوا النبل وحتى أنفذوا النشاب وقصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف والطبرزينات فكانوا بذلك صدر نهارهم إلى الظهر ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة وجاءت أخرى فوقفت مكانها فأقبل القعقاع بن عمرو على الناس فقال أهالتكم هذه قالوا نعم نحن مكلون وهم مريحون والكال يخاف العجز إلا أن يعقب فقال إنا حاملون عليهم ومجادوهم وغير كافين ولا مقلعين حتى يحكم

[ 135 ]

الله بيننا فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى تخالطوهم ولا يكذبن أحد منكم فحمل فانفرحوا فما نهنه أحد عن باب الخندق وألبسهم الليل رواقه فأخذوا يمنة ويسرة وجاء في الامداد طليحة وقيس بن المكشوح وعمرو بن معديكرب وحجر بن عدى فوافقوهم قد تحاجزوا مع الليل ونادى منادى القعقاع بن عمرو وأين تحاجزون وأميركم في الخندق فتفار المشركون وحمل المسلمون فأدخل الخندق فأتي فسطاطا فيه مرافق وثياب وإذا فرش على انسان فأنبشه فإذا امرأة كالغزال في حسن الشمس فأخذتها وثيابها فأديت الثياب وطلبت في الجارية حتى صارت إلى فاتخذتها أم ولد (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن حماد بن فلان البرجمي عن أبيه أن خارجة بن الصلت أصاب يومئذ ناقة من ذهب أو فضة موشحة بالدر والياقوت مثل الجفرة إذا وضعت على الارض وإذا عليها رجل من ذهب موشح كذلك فجاء بها وبه حتى أداهما (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد والوليد بن عبدالله والمجالد وعقبة بن مكرم قالوا وأمر هاشم القعقاع بن عمرو بالطلب فطلبهم حتب بلغ خانقين ولما بلغت الهزيمة يزدجرد سار من حلوان نحو الجبال وقدم القعقاع حلوان وذلك أن عمر كان كتب إلى سعد إن هزم الله الجندين جند مهران وجند الانطاق فقدم القعقاع حتى يكون بين السواد والجبل على حد سوادكم فنزل القعقاع بحلوان في جند من الافناء ومن الحمراء فلم يزل بها إلى أن تحول الناس من المدائن إلى الكوفة فلما خرج سعد من المدائن إلى الكوفة الحق به القعقاع واستعمل على الثغر قباذ وكان من الحمراء وأصله من خراسان ونفل منها من شهدها وبعض من كان بالمدائن نائبا وقالوا واشتركوا في ذلك وكتبوا إلى عمر بفتح جلولاء وبنزول القعقاع حلوان واستأذنوه في اتباعهم فأبى وقال لوددت أن بين السواد وبين الجبل سدا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم حسبنا من الريف السواد إني آثرت سلامة المسلمين على الانفال قالوا ولما بعث هاشم القعقاع في آثار القوم أدرك مهران بخانقين فقتله وأدرك الفيرزان فنزل وتوقل في الظراب وخلى فرسه وأصاب القعقاع سبايا فبعث بهم

[ 136 ]

إلى هاشم من سباياهم واقتسموهم فيما اقتسموا من الفئ فاتخذن فولدن في المسلمين وذلك السبي ينسب إلى جلولاء فيقال سبى جلولاء ومن ذلك السبي أم الشعبي وقعت لرجل من بني عبس فولدت فمات عنها فخلف عليها شراحيل فولدت له عامرا ونشأ في بني عبس (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب قالوا واقتسم فئ جلولاء على كل فارس تسعة آلاف تسعة آلاف وتسعة من الدواب ورجع هاشم بالاخماس إلى سعد (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبي قال أفاء الله على المسلمين ما كان في عسكرهم بجلولاء وما كان عليهم وكل دابة كانت معهم الا اليسير لم يفلتوا بشئ من الاموال وولى قسم ذلك بين المسلمين سلمان بن ربيعة فكانت إليه يومئذ الاقباض والاقسام وكانت العرب تسميه لذلك سلمان الخيل وذلك أنه كان يقسم لها ويقصر بما دونها وكانت العتاق عنده ثلاث طبقات وبلغ سهم الفارس بجلولاء مثل سهمه بالمدائن (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن المجالد وعمرو عن الشعبي قال اقتسم الناس فئ جلولاء على ثلاثين ألف ألف وكان الخمس ستة آلاف ألف (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وسعيد قالوا ونفل سعد من أخماس جلولاء من أعظم البلاء ممن شهدها ومن أعظم البلاء ممن كان نائيا بالمدائن وبعث بالاخماس مع قضاعي ابن عمرو الدؤلي من الا ذهاب والاوراق والآنية والثياب وبعث بالسبي مع أبي مفزر الاسود فمضيا (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن زهرة ومحمد بن عمرو قالا بعث الاخماس مع قضاعي وأبي مفزر والحساب مع زياد بن أبي سفيان وكان الذي يكتب للناس ويدونهم فلما قدموا على عمر كلم زياد عمر فيما جاء له ووصف له فقال عمر هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلمتني به فقال والله ما على الارض شخص أهيب في صدري منك فكيف لا أقوى على هذا من غيرك فقام في الناس بما أصابوا وبما صنعوا وبما يستأذنون فيه من الانسياح في البلاد فقال عمر هذا الخطيب المصقع فقال

[ 137 ]

إن جندنا أطلقوا * بالفعال لساننا (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن زهرة ومحمد عن أبي سلمة قال لما قدم على عمر بالاخماس من جلولاء قال عمر والله لا يجنه سقف بيت حتى اقسمه فبات عبدالرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم يحرسانه في صحن المسجد فلما أصبح جاء في الناس فكشف عنه جلابيبه وهي الانطاع فلما نظر إلى ياقوته وزيرجده وجوهره بكى فقال له عبدالرحمن ما يبكيك يا أمير المؤمنين فوالله إن هذا لموطن شكر فقال عمر والله ما ذاك يبكيني وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم وأشكل على عمر في أخماس القادسية حتى خطر عليه ما أفاء الله يعني من الخمس فوضع ذلك في أهله فأجرى خمس جلولاء مجرى خمس القادسية عن ملا وتشاور وإجماع من المسلمين ونفل من ذلك بعض أهل المدينة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وسعيد وعمرو قالوا وجمع سعد من وراء المدائن وأمر بالاحصاء فوجدهم بضعة وثلاثين ومائة ألف ووجدهم بضعة وثلاثين ألف أهل بيت ووجد قسمتهم ثلاثة لكل رجل منهم بأهلهم فكتب في ذلك إلى عمر فكتب إليه عمر أن أقر الفلاحين على حالهم إلا من حارب أو هرب منك إلى عدوك فأدركته وأجر لهم ما أجريت للفلاحين قبلهم وإذا كتبت اليك في قوم فأجروا أمثالهم مجراهم فكتب إليه سعد فيمن لم يكن فلاحا فأجابه أما من سوى الفلاحين فذاك اليكم ما لم تغنموه يعني تقتسموه ومن ترك أرضه من أهل الحرب فخلاها فهي لكم فإن دعوتموهم وقبلتم منهم الجزاء ورددتموهم قبل قسمتها فذمة وإن لم تدعوهم ففئ لكم لمن أفاء الله ذلك عليه وكان أحظى بفئ الارض أهل جلولاء استأثروا بفئ ما وراء النهروان وشاركوا الناس فيما كان قبل ذلك فأقروا الفلاحين ودعوا من لج ووضعوا الخراج على الفلاحين وعلى من رجع وقبل الذمة واستصفوا ما كان لآل كسرى ومن لج معهم فيئا لمن أفاء الله عليه لا يجاز بيع شئ من ذلك فيما بين الجبل إلى الجبل من أرض العرب إلا من أهله الذين أفاء الله عليهم ولم يجيزوا بيع ذلك فيما بين الناس يعني

[ 138 ]

فيمن لم يفئه الله تعالى عليه ممن يعاملهم ممن لم يفئه الله عزوجل عليه فأقره المسلمون لم يقتسموه لان قسمته لم تتأت لهم فمن ذلك الآجام ومغيض المياه وما كان لبيوت النار ولسكك البرد وما كان لكسرى ومن جامعه وما كان لمن قتل والارحام فكان بعد من يرق يسأل الولاة قسم ذلك فيمنعهم من ذلك الجمهور فأبوا ذلك فانتهوا إلى رأيهم ولم يجيبوا وقالوا لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لفعلنا ولو كان طلب ذلك منهم على ملا لقسمها بينهم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن طلحة بن الاعلم عن ماهان قال لم يثبت أحد من أهل السواد على العهد فيما بينهم وبين أهل الايام إلا أهل قريات أخذوها عنوة كلهم نكث ما خلا أولئك القريات فلما دعوا إلى الرجوع صاروا ذمة وعليهم الجزاء ولهم المنعة إلا ما كان لآل كسرى ومن معهم فانه صافية فيما بين حلوان والعراق وكان عمر قد رضى بالسواد من الريف (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن طلحة عن ماهان قال كتبوا إلى عمر في الصوافي فكتب إليهم أن اعمدوا إلى الصوافي التي أصفاكموها الله فوزعوها على من أفاءها الله عليه أربعة أخماس للجند وخمس في مواضعه إلي وإن أحبوا أن ينزلوها فهو الذي لهم فلما جعل ذلك إليهم رأوا أن لا يفترقوا في بلاد العجم وأقروها حبيسا لهم يولونها من تراضوا عليه ثم يقتسمونها في كل عام ولا يولونها الا من أجمعوا عليه بالرضا وكانوا لا يجمعون إلا على الامراء كانوا بذلك في المدائن وفي الكوفة حين تحولوا إلى الكوفة (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن الوليد بن عبدالله بن أبي طيبة عن أبيه قال كتب عمر أن احتازوا فيأكم فانكم إن لم تفعلوا فتقادم الامر يلحج وقد قضيت الذي علي اللهم إنى أشهدك عليهم فاشهد (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن الوليد بن عبدالله عن أبيه قال فكان الفلاحون للطرق والجسور والاسواق والحرث والدلالة مع الجزاء عن أيديهم على قدر طاقتهم وكانت الدهاقين للجزية عن أيديهم والعمارة وعلى كلهم الارشاد وضيافة ابن السبيل من المهاجرين وكانت الضيافة لمن أفاءها الله خاصة ميراثا (كتب إلي السري) عن شعيب عن

[ 139 ]

سيف عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت بنحو منه وقالوا حميعا كان فتح جلولاء في ذي القعدة سنة ستة عشر في أوله بينها وبين المدائن تسعة أشهر وقالوا جميعا كان صلح عمر الذي صالح عليه أهل الذمة إنهم إن غشوا المسلمين لعدوهم برئت منهم الذمة وان سبوا مسلما أن ينهكوا عقوبة وان قاتلوا مسلما أن يقتلوا وعلى عمر منعتهم وبرئ عمر إلى كل ذي عهد من معرة الجيوش (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبدالله والمستنير عن ابراهيم بمثله (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن طلحة عن ماهان قال كان أشقى أهل فارس بجلولاء أهل الرى كانوا بها حماة أهل فارس ففنى أهل الري يوم جلولاء وقالوا جميعا ولما رجع أهل جلولاء إلى المدائن نزلوا قطائعهم وصار السواد ذمة لهم الا ما أصفاهم الله به من مال الاكاسرة ومن لج معهم وقالوا جميعا ولما بلغ أهل فارس قول عمر ورأيه في السواد وما خلفه قالوا ونحن نرضى بمثل الذي رضوا به لا يرضى أكراد كل بلدان ينالوا من ريفهم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن المستنير بن يزيد وحكيم بن عمير عن ابراهيم بن يزيد قال لا يحل اشتراء أرض فيما بين حلوان والقادسية والقادسية من الصوافي لانه لمن أفاءه الله عليه (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد عن الشعبي مثله (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس عن المغيرة بن شبل قال اشترى جرير من أرض السواد صافية على شاطئ الفرات فأتى عمر فأخبره فرد ذلك الشراء وكرهه ونهى عن شراء شئ لم يقتسمه أهله (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس قال قلت للشعبي أخذ السواد عنوة قال نعم وكل أرض إلا بعض القلاع والحصون فان بعضهم صالح وبعضهم غلب قلت فهل لاهل السواد ذمة اعتقدوها قبل الهرب قال لا ولكنهم لما دعوا ورضوا بالخراج وأخذ منهم صاروا ذمة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبد العزيز عن حبيب بن أبي ثابت قال ليس لاحد من أهل السواد عقد إلا بني صلوبا وأهل الحيرة وأهل

[ 140 ]

گلواذى وقرى من قرى الفرات ثم غدروا ثم دعوا إلى الذمة بعدما غدروا وقال هاشم بن عتبة في يوم جلولاء يوم جلولاء ويوم رستم * ويوم زحف الكوفة المقدم ويوم عرض النهر المحرم * من بين أيام خلون صرم شيبن أصداغي فهن هرم * مثل ثغام البلد المحرم وقال أبو بجيد في ذلك ويوم جلولاء الوقيعة أصبحت * كتائبنا تردى بأسد عوانس فضضت جموع الفرس ثم أنمتهم * فتبا لاجساد المجوس النجائس وأفلتهن الفيرزان بجرعة * ومهران أردت يوم حز القوانس أقاموا بدار للمنية موعد * وللترب تحثوها خجوج الروامس * (كتب إلى السري) * عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا وقد كان عمر رضى الله عنه كتب إلى سعد إن فتح الله عليكم جلولاء فسرح القعقاع بن عمرو في آثار القوم حتى ينزل بحلوان فيكون ردءا للمسلمين ويحرز الله لكم سوادكم فلما هزم الله عزوجل أهل جلولاء أقام هاشم بن عتبة بجلولاء وخرج القعقاع بن عمرو في آثار القوم إلى خانقين في جند من أفناء الناس ومن الحمراء فأدرك سبيا من سبيهم وقتل مقاتلة من أدرك وقتل مهران وأفلت الفيرزان فلما بلغ يزدجرد هزيمة أهل جلولاء ومصاب مهران خرج من حلوان سائرا نحو الرى وخلف بحلوان خيلا عليها خسروشنوم وأقبل القعقاع حتى إذا كان بقصر شيرين على رأس فرسخ من حلوان خرج إليه خسروشنوم وقدم الزينبي دهقان حلوان فلقيه القعقاع فاقتتلوا فقتل الزينبي واحتق فيه عميرة بن طارق وعبد الله فجعله وسلبه بينهما فعد عميرة ذلك حقرة وهرب خسروشنوم واستولى المسلمون على حلوان وأنزلها القعقاع الحمراء وولى عليهم قباذ ولم يزل القعقاع هنالك على الثغر والجزاء بعد ما دعاهم فتراجعوا وأقروا بالجزاء إلى أن تحول سعد من المدائن إلى الكوفة فلحق به واستخلف قباذ على الثغر وكان أصله

[ 141 ]

خراسانيا * وكان في هذه السنة أعنى سنة ستة عشر في رواية سيف فتح تكريت وذلك في جمادى منها ذكر الخبر عن فتحها (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وسعيد وشاركهم الوليد بن عبدالله بن أبي طيبة قالوا كتب سعد في اجتماع أهل الموصل إلى الانطاق وأقباله حتى نزل بتكريت وخندق فيه عليه ليحمى أرضه وفي اجتماع أهل جلولاء على مهران معه فكتب في جلولاء ما قد فرغنا منه وكتب في تكريت واجتماع أهل الموصل إلى الانطاق بها أن سرح إلى الانطاق عبدالله بن المعتم واستعمل على مقدمته ربعي بن الافكل العنزي وعلى ميمنته الحارث بن حسان الذهلي وعلى ميسرته فرات بن حيان العجلي وعلى ساقته هانئ بن قيس وعلى الخيل عرفجة بن هرثمة ففصل عبدالله بن المعتم في خمسة آلاف من المدائن فسار إلى تكريت أربعا حتى نزل على الانطاق ومعه الروم وإياد وتغلب والنمر ومعه الشهارجة وقد خندقوا بها فحصرهم أربعين يوما فتزاحفوا فيها أربعة وعشرين زحفا وكانوا أهون شوكة وأسرع أمرا من أهل جلولاء ووكل عبدالله بن المعتم بالعرب ليدعوهم إليه والى نصرته على الروم فهم لا يخفون عليه شيئا ولما رأت الروم أنهم لا يخرجون خرجة إلا كانت عليهم ويهزمون في كل ما زاحفوهم تركوا أمراءهم ونقلوا متاعهم إلى السفن وأقبلت العيون من تغلب وإياد والنمر إلى عبدالله بن المعتم بالخبر وسألوه للعرب السلم وأخبروه أنهم قد استجابوا له فأرسل إليهم إن كنتم صادقين بذلك فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقروا بما جاء به من عند الله ثم أعلمونا رأيكم فرجعوا إليهم بذلك فردوهم إليه بالاسلام فردهم إليهم وقال إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا قد نهدنا إلى الابواب التي تلينا لندخل عليهم منها فخذوا بالابواب التي تلى دجلة وكبروا واقتلوا من قدرتم عليه فانطلقوا حتى تواطئوهم على ذلك ونهد عبدالله والمسلمون لما يليهم

[ 142 ]

وكبروا وكبرت تغلب وإياد والنمر وقد أخذوا بالابواب فحسب القوم أن المسلمين قد أتوهم من خلفهم فدخلوا عليهم مما يلي دجلة فبادروا الابواب التي عليها المسلمون فأخذتهم السيوف سيوف المسلمين مستقبلتهم وسيوف الربعيين الذين أسلموا ليلتئذ من خلفهم فلم يفلت من أهل الخندق إلا من أسلم من تغلب واياد والنمر وقد كان عمر عهد إلى سعد إن هم هزموا أن يأمر عبدالله بن المعتم بتسريح ابن الافكل العنزي إلى الحصنين فسرح عبدالله بن المعتم ابن الافكل العنزي إلى الحصنين فاخذ بالطريق وقال أسبق الخبر وسر ما دون القيل وأحى الليل وسرح معه تغلب واياد والنمر فقدمهم وعليهم عتبة بن الوعل أحد بني سعد بن جشم وذو القرط وأبو وداعة بن أبي كرب وابن ذي السنينة قتيل الكلاب وابن الحجير الايادي وبشر بن أبي حوط متساندين فسبقوا الخبر إلى الحصنين ولما كانوا منها قريبا قدموا عتبة بن الوعل فادعى بالظفر والنفل والقفل ثم ذو القرط ثم ابن ذي السنينة ثم ابن الحجير ثم بشر ووقفوا بالابواب وقد أخذوا بها وأقبلت سرعان الخيل مع ربعي بن الافكل حتى اقتحمت عليهم الحصنين فكانت إياها فنادوا بالاجابة إلى الصلح فاقام من استجاب وهرب من لم يستجب إلى أن أتاهم عبدالله بن المعتم فلما نزل عليهم عبدالله دعا من لج وذهب ووفى لمن أقام فتراجع الهراب واغتبط المقيم وصارت لهم جميعا الذمة والمنعة واقتسموا في تكريت على كل سهم ألف درهم للفارس ثلاثة آلاف وللراجل ألف وبعثوا بالاخماس مع فرات بن حيان وبالفتح مع الحارث بن حسان وولى حرب الموصل ربعي بن الافكل والخراج عرفجة بن هرثمة (وفي هذه السنة) أعنى سنة ست عشرة كان فتح ماسبذان أيضا * (ذكر الخبر عن فتحها) * (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن طلحة ومحمد والمهلب وعمرو وسعيد قالوا ولما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى المدائن بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان قد جمع جمعا فخرج بهم إلى السهل فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمران

[ 143 ]

ابعث إليهم ضرار بن الخطاب في جند واجعل على مقدمته ابن الهذيل الاسدي وعلى مجنبتيه عبدالله بن وهب الراسبي حليف بجيلة والمضارب بن فلان العجلي فخرج ضرار بن الخطاب وهو أحد بني محارب بن فهر في الجند وقدم ابن الهذيل حتى انتهى إلى سهل ماسبذان فالتقوا بمكان يدعى بهندف فاقتتلوا بها فأسرع المسلمون في المشركين وأخذ ضرار آذين سلما فأسره فانهزم عنه جيشه فقدمه فضرب عنقه ثم خرج في الطلب حتى انتهى إلى السيروان فأخذ ماسبذان عنوة فتطاير أهلها في الجبال فدعاهم فاستجابوا له وأقام بها حتى تحول سعد من المدائن فارسل إليه فنزل الكوفة واستخلف ابن الهذيل على ماسبذان فكانت أحد فروج الكوفة وفيها كانت وقعة قرقيسياء في رجب ذكر الخبر عن الوقعة بها (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن طلحة ومحمد والمهلب وعمرو وسعيد قالوا ولما رجع هاشم بن عتبة عن جلولاء إلى المدائن وقد اجتمعت جموع أهل الجزيرة فأمدوا هرقل على أهل حمص وبعثوا جندا إلى أهل هيت وكتب بذلك سعد إلى عمر فكتب إليه عمر أن ابعث إليهم عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل ابن عبد مناف في جند وابعث على مقدمته الحارث بن يزيد العامري وعلى مجنبتيه ربعي بن عامر ومالك بن حبيب فخرج عمر بن مالك في جنده سائرا نحو هيت وقدم الحارث بن يزيد حتى نزل على من بهيت وقد خندقوا عليهم فلما رأى عمر بن مالك امتناع القوم بخندقهم واعتصامهم به استطال ذلك فترك الاخبية على حالها وخلف عليهم الحارث بن يزيد محاصرهم وخرج في نصف الناس يعارض الطريق حتى يجئ قرقيسياء في غرة فأخذها عنوة فأجابوا إلى الجزاء وكتب إلى الحارث بن يزيد أنهم استجابوا فخل عنهم فليخرجوا وإلا فخندق على خندقهم خندقا أبوابه مما يليك حتى أرى من رأيي فسمحوا بالاستجابة وانضم الجند إلى عمر والاعاجم إلى أهل بلادهم (وقال الواقدي) وفي هذه السنة غرب عمر أبا محجن الثقفي إلى باضع *

[ 144 ]

قال وفيها تزوج ابن عمر صفية بنت أبي عبيد * قال وفيها ماتت مارية أم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم ابراهيم وصلى عليها عمر وقبرها بالبقيع في المحرم * قال وفيها كتب التأريخ في شهر ربيع الاول * قال وحدثني ابن أبي سبرة عن عثمان ابن عبيدالله بن أبي رافع عن ابن المسيب قال أول من كتب التأريخ عمر لسنتين ونصف من خلافته فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة علي بن أبي طالب حدثني عبدالرحمن بن عبدالله بن عبد الحكم قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا الدراوردي عن عثمان بن عبيدالله بن أبي رافع قال سمعت سعيد بن المسيب يقول جمع عمر بن الخطاب الناس فسألهم من أي يوم نكتب فقال علي من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك أرض الشرك ففعله عمر * وحدثني عبدالرحمن قال حدثني يعقوب بن اسحاق بن أبي عتاب قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال كان التأريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله صلى اله عليه وسلم المدينة وفيها ولد عبدالله بن الزبير * وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب واستخلف على المدينة فيما زعم الواقدي زيد بن ثابت وكان عامل عمر في هذه السنة على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص وعلى اليمن يعلى بن أمية وعلى اليمامة والبحرين العلاء بن الحضرمي وعلى عمان حذيفة ابن محصن وعلى الشأم كلها أبو عبيدة بن الجراح وعلى الكوفة سعد بن أبي وقاص وعلى قضائها أبو قرة وعلى البصرة وأرضها المغيرة بن شعبة وعلى حرب الموصل ربعي بن الافكل وعلى الخراج بها عرفجة بن هرثمة في قول بعضهم وفي قول آخرين عتبة بن فرقد على الحرب والخراج وقيل ذلك كله كان إلى عبدالله بن المعتم وعلى الجزيرة عياض بن غنم الاشعري * (ثم دخلت سنة سبع عشرة) * (ففيها) اختطت الكوفة وتحول سعد بالناس من المدائن إليها في قول سيف بن عمر وروايته

[ 145 ]

ذكر سبب تحول من تحول من المسلمين من المدائن إلى الكوفة وسبب اختطاطهم الكوفة في رواية سيف (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا لما جاء فتح جلولاء وحلوان ونزول القعقاع بن عمرو بحلوان فيمن معه وجاء فتح تكريب والحصنين ونزول عبدالله بن المعتم وابن الافكل الحصنين فيمن معه وقدمت الوفود بذلك على عمر فلما رآهم عمر قال والله ما هيئتكم بالهيئة التي أبدأتم بها ولقد قدمت وفود القادسية والمدائن وإنهم لكما أبدأوا ولقد انتكيتم فما غيركم قالوا وخومة البلاد فنظر في حوائجهم وعجل سراحهم وكان في وفود عبدالله بن المعتم عتبة بن الوعل وذو القرط وابن ذي السنينة وابن الحجير وبشر فعاقدوا عمر على بني تغلب فعقد لهم على أن من أسلم منهم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم ومن أبي فعليه الجزاء وإنما الاجبار من العرب على من كان في جزيرة العرب فقالوا إذا يهربون وينقطعون فيصيرون عجما فأمر أجمل الصدقة فقال ليس إلا الجزاء فقالوا تجعل جزيتهم مثل صدقة المسلم فهو مجهودهم ففعل على أن لا ينصروا وليدا ممن أسلم آباؤهم فقالوا لك ذلك فهاجر هؤلاء التغلبيون ومن أطاعهم من النمريين والاياديين إلى سعد بالمدائن وخطوا معه بعد بالكوفة وأقام من أقام في بلاده على ما أخذوا لهم على عمر مسلمهم وذميهم * (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن ابن شبرمة عن الشعبي قال كتب حذيفة إلى عمر إن العرب قد أترفت بطونها وخفت أعضادها وتغيرت ألوانها وحذيفة يومئذ مع سعد * (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة أصحابهما قالوا كتب عمر إلى سعد أنبئني ما الذي غير ألوان العرب ولحومهم فكتب إليه إن العرب خددهم وكفى ألوانهم وخومة المدائن ودجلة فكتب إليه إن العرب لا يوافقها إلا ما وافق ابلها من البلدان فابعث سلمان رائدا وحذيفة وكانا رائدي الجيش فيرتادا منزلا بريا بحريا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر ولم يكن بقى

[ 146 ]

من أمر الجيش شئ إلا وقد أسنده إلى رجل فبعث سعد حذيفة وسلمان فخرج سلمان حتى يأتي الانبار فسار في غربي الفرات لا يرضى شيئا حتى أتى الكوفة وخرج حذيفة في شرقي الفرات لا يرضى شيئا حتى أتى الكوفة والكوفة على حصباء وكل رملة حمراء يقال لها سهلة وكل حصباء ورمل هكذا متخلطين فهو كوفة فأتيا عليها وفيها ديرات ثلاثة دير حرقة ودير أم عمرو ودير سلسلة وخصاص خلال ذلك فأعجبتهما البقعة فنزلا فصليا وقال كل واحد منهما اللهم رب السماء وما أظلت ورب الارض وما أقلت والريح وما ذرت والنجوم وما هوت والبحار وما جرت والشياطين وما أضلت والخصاص وما أجنت بارك لنا في هذه الكوفة واجعله منزل ثبات وكتب إلى سعد بالخبر * حدثني محمد ابن عبدالله بن صفوان قال حدثنا أمية بن خالد قال حدثنا أبو عوانة عن حصين ابن عبدالرحمن قال لما هزم الناس يوم جلولاء رجع سعد بالناس فلما قدم عمار خرج بالناس إلى المدائن فاجتووها قال عمار هل يصلح بها الابل قالوا لا إن بها البعوض قال قال عمر إن العرب لا تصلح بأرض لا يصلح بها الابل قال فخرج عمال بالناس حتى نزل الكوفة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن مخلد بن قيس عن أبيه عن اليسر عن ثور قال ولما اجتوى المسلمون المدائن بعد ما نزلناها وآذاهم الغبار والذباب وكتب إلى سعد في بعثه رودا يرتادون منزلا بريا بحريا فإن العرب لا يصلحها من البلدان إلا ما أصلح البعير والشاة سأل من قبله عن هذه الصفة فيما بينهم فأشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب باللسان وظهر الكوفة يقال له اللسان وهو فيما بين النهرين إلى العين عين بني الحذاء كانت العرب تقول ادلع البر لسانه في الريف فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط وما كان يلى الطين منه فهو النجاف فكتب إلى سعد يأمره به (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا ولما قدم سلمان وحذيفة على سعد وأخبراه عن الكوفة وقدم كتاب عمر بالذي ذكرا له كتب سعد إلى القعقاع بن عمرو أن خلف على الناس بجلولاء قباذ فيمن

[ 147 ]

تبعكم لى من كان معه من الحمراء ففعل وجاء حتى قدم على سعد في جنده وكتب سعد إلى عبدالله بن المعتم أن خلف على الموصل مسلم بن عبدالله الذي كان أسر أيام القادسية فيمن استجاب لكم من الاساورة ومن كان معكم منهم ففعل وجاء حتى قدم على سعد في جنده فارتحل سعد بالناس من المدائن حتى عسكر بالكوفة في المحرم سنة سبعة عشر وكان بين وقعة المدائن ونزول الكوفة سنة وشهران وكان بين قيام عمر واختطاط الكوفة ثلاث سنين وثمانية أشهر اختطت سنة أربع من إمارة غمر في المحرم سنة سبعة عشر من التأريخ واعطوا العطايا بالمدائن في المحرم من هذه السنة قبل أن يرتحلوا وفي بهرسير في المحرم سنة ستة عشر واستقر بأهل البصرة منزلهم اليوم بعد ثلاث نزلات قبلها كلها ارتحلوا عنها في المحرم سنة سبعة عشر واستقر باقي قرارهما اليوم في شهر واحد وقال الواقدي سمعت القاسم ابن معن يقول نزل الناس الكوفة في آخر سنة سبعة عشر قال وحدثني ابن أبي الرقاد عن أبيه قال نزلوها حين دخلت سنة ثمانية عشر في أول السنة (رجع الحديث إلى حديث سيف) قالوا وكتب عمر إلى سعد بن مالك وإلى عتبة بن غزوان أن يتربعا بالناس في كل حين ربيع في أطيب أرضهم وأمر لهم بمعاونهم في الربيع من كل سنة وباعطائهم في المحرم من كل سنة وبفيئهم عند طلوع الشعرى في كل سنة وذلك عند إدراك الغلات وأخذوا قبل نزول الكوفة عطاءين (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن مخلد بن قيس عن رجل من بني أسد يدعى المغرور قال لما نزل سعد الكوفة كتب إلى عمر إني قد نزلت بكوفة منزلا بين الحيرة والفرات بريا وبحريا ينبت الحلي والنصي وخيرت المسلمين بالمدائن فمن أعجبه المقام فيها تركته فيها كالمسلحة فبقى أقوام من الافناء وأكثرهم بنو عبس (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو وسعيد والمهلب قالوا ولما نزل أهل الكوفة الكوفة واستقرت بأهل البصرة الدار عرف القوم أنفسهم وثاب إليهم ما كانوا فقدوا ثم إن أهل الكوفة استأذنوا في بنيان القصب واستأذن فيه أهل البصرة فقال عمر العسكر أجد لحربكم وأذكى لكم وما أحب أن أخالفكم

[ 148 ]

وما القصب قالوا العكرش إذا روى قصب فصار قصبا قال فشأنكم فابتنى أهل المصرين بالقصب ثم إن الحريق وقع بالكوفة وبالبصرة وكان أشدهما حريقا الكوفة فاحترق ثمانون عريشا ولم يبق فيها قصبة في شوال فما زال الناس يذكرون ذلك فبعث سعد منهم نفرا إلى عمر يستأذنون في البناء باللبن فقدموا عليه بالخبر عن الحريق وما بلغ منهم وكانوا لا يدعون شيئا ولا يأتونه إلا وآمروه فيه فقال افعلوا ولا يزيدن أحدكم على ثلاثة أبيات ولا تطاولوا في البنيان والزموا السنة تلزمكم الدولة فرجع القوم إلى الكوفة بذلك وكتب عمر إلى عتبة وأهل البصرة بمثل ذلك وعلى تنزيل أهل الكوفة أبو الهياج بن مالك وعلى تنزيل أهل البصرة عاصم بن الدلف أبو الجرباء قال وعهد عمر إلى الوفد وتقدم إلى الناس أن لا يرفعوا بنيانا فوق القدر قالوا وما القدر قال ما لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم من القصد (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا لما أجمعوا على أن يضعوا بنيان الكوفة أرسل سعد إلى أبي الهياج فأخبره بكتاب عمر في الطرق أنه أمر بالمناهج أربعين ذراعا وما يليها ثلاثين ذراعا وما بين ذلك عشرين وبالازقة سبع أذرع ليس دون ذلك شئ وفي القطائع ستين ذراعا إلا الذي لبنى ضبة فاجتمع أهل الرأى للتقدير حتى إذا أقاموا على شئ قسم أبو الهياج عليه فأول شئ خط بالكوفة وبنى حين عزموا على البناء المسجد فوضع في موضع أصحاب الصابون والتمارين من السوق فاختطوه ثم قام رجل في وسطه رام شديد النزع فرمى عن يمينه فأمر من شاء أن يبني وراء موقع ذلك السهم ورمى من بين يديه ومن خلفه وأمر من شاء أن يبني وراء موقع السهمين فترك المسجد في مربعة علوه من كل جوانبه وبنى ظلة في مقدمه ليست لها مجنبات ولا مواخير والمربعة لاجتماع الناس لئلا يزدحموا وكذلك كانت المساجد ما خلا المسجد الحرام فكانوا لا يشبهون به المساجد تعظيما لحرمته وكان ظلته مائتي ذراع على أساطين رخام كانت للاكاسرة سماؤها كأسمية الكنائس الرومية وأعلموا على الصحن بخندق لئلا يقتحمه أحد ببنيان وبنوا لسعد دارا بحياله بينهما طريق منقب مائتي ذراع

[ 149 ]

وجعل فيها بيوت الاموال وهي قصر الكوفة اليوم بني ذلك له روربه من آجر بنيان الاكاسرة بالحيرة ونهج في الودعة من الصحن خمسة مناهج وفي قبلته أربعة مناهج وفي شرقيه ثلاثة مناهج وفي غربيه ثلاثة مناهج وعلمها فأنزل في ودعة الصحن سليمان وثقيفا مما يلي الصحن على طريقين وهمدان على طريق وبجيلة على طريق آخر وتيم اللات على آخرهم وتغلب وأنزل في قبلة الصحن بني أسد على طريق وبين بني أسد والنخع طريق وبين النخع وكندة طريق وبين كندة والازد طريق وأنزل في شرقي الصحن الانصار ومزينة على طريق وتميم ومحارب على طريق وأسد وعامر على طريق وأنزل في غربي الصحن بجالة وبجلة على طريق وجديلة وأخلاط على طريق جهينة وأخلاط على طريق فكان هؤلاء الذين يلون الصحن وسائر الناس بين ذلك ومن وراء ذلك واقتسمت على السهمان فهذه مناهجها العظمى وبنوا مناهج دونها تحاذى هذه ثم تلاقيها أخر تتبعها وهي دونها في الذرع المحال من ورائها وفيما بينها وجعل هذه الطرقات من وراء الصحن ونزل فيها الاعشار من أهل الايام والقوادس وحمى لاهل الثغور والموصل أماكن حتى يوافوا إليها فلما ردفتهم الروادف البدء والثناء وكثروا عليهم ضيق الناس المحال فمن كانت رادفته كثيرة شخص إليهم وترك محلته ومن كانت رادفته قليلة أنزلوهم منازل من شخص إلى رادفته لقلته إذا كانوا جيرانهم وإلا وسعوا على روادفهم وضيقوا على أنفسهم فكان الصحن على حاله زمان عمر كله لا تطمع فيه القبائل ليس فيه الا المسجد والقصر والاسواق في غير بنيان ولا اعلام وقال عمر الاسواق على سنة المساجد من سبق إلى مقعد فهو له حتى يقوم منه إلى بيته أو يفرغ من بيعه وقد كانوا أعدوا مناخا لكل رادف فكان كل من يجئ سواء فيه وذلك المناخ اليوم دور بني البكاء حتى يأتوا بالهياج فيقوم في أمرهم حتى يقطع لهم حيث أحبوا وقد بنى سعد في الذي خطوا للقصر قصرا بحيال محراب مسجد الكوفة اليوم فشيده وجعل فيه بيت المال وسكن ناحيته ثم إن بيت المال نقب عليه نقبا وأخذ من المال وكتب سعد بذلك إلى عمر ووصف له موضع الدار وبيوت

[ 150 ]

المال من الصحن مما يلي ودعة الدار فكتب إليه عمر أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جنب الدار واجعل الدار قبلته فإن للمسجد أهلا بالنهار وبالليل وفيهم حصن لما لهم فنقل المسجد وأراغ بنيانه فقال له دهقان من أهل همذان يقال له روزبه بن بزرجمهر أنا أبنيه لك وأبني لك قصرا فأصلهما ويكون بنيانا واحدا فخط قصر الكوفة على ما خط عليه ثم أنشأه من نقض آجر قصر كان للاكاسرة في ضواحي الحيرة على مساحته اليوم ولم يسمح به ووضع المسجد بحيال بيوت الاموال منه إلى منتهى القصر يمنة على القبلة ثم مد به عن يمين ذلك إلى منقطع رحبة علي بن أبي طالب عليه السلام والرحبة قبلته ثم مد به فكانت قبلة المسجد إلى الرحبة وميمنة القصر وكان بنيانه على أساطين من رخام كانت لكسرى بكنائس بغير مجنبات فلم يزل على ذلك حتى بني أزمان معاوية بن أبي سفيان بنيانه اليوم على يدي زياد ولما أراد زياد بنيانه دعا ببنائين من بنائي الجاهلية فوصف لهم موضع المسجد وقدره وما يشتهي من طوله في السماء وقال اشتهى من ذلك شيئا لا أقع على صفته فقال له بناء قد كان بناء لكسرى لا يجئ هذا إلا بأساطين من جبال أهواز تنقر ثم تثقب ثم تحشى بالرصاص وبسفافيد الحديد فترفعه ثلاثين ذراعا في السماء ثم تسقفه وتجعل له مجنبات ومواخير فيكون أثبت له فقال هذه الصفة التي كانت نفسي تنازعني إليها ولم تعبرها وغلق باب القصر وكانت الاسواق تكون في موضعه بين يديه فكانت غوغاؤهم تمنع سعدا الحديث فلما بنى ادعى الناس عليه ما لم يقل وقالوا قال سعد سكن عني الصويت وبلغ عمر ذلك وأن الناس يسمونه قصر سعد فدعا محمد بن مسلمة فسرحه إلى الكوفة وقال اعمد إلى القصر حتى تحرق بابه ثم ارجع عودك على بدئك فخرج حتى قدم الكوفة فاشترى حطبا ثم أتى به القصر فأحرق الباب وأتى سعد فأخبر الخبر فقال هذا رسول أرسل لهذا من الشأم وبعث لينظر من هو فإذا هو محمد بن مسلمة فأرسل إليه رسولا بأن ادخل فأبى فخرج إليه سعد فأراده على الدخول والنزول فأبى وعرض عليه نفقة فلم يأخذ ودفع كتاب عمر إلى سعد بلغني أنك بنيت قصرا اتخذته حصنا ويسمى قصر سعد وجعلت

[ 151 ]

بينك وبين الناس بابا فليس بقصرك ولكنه قصر الخبال انزل منه منزلا مما يلي بيوت الاموال واغلقه ولا تجعل على القصر بابا يمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك إذا خرجت فحلف له سعد ما قال الذي قالوا ورجع محمد بن مسلمة من فوره حتى إذا دنا من المدينة فنى زاده فتبلغ بلحاء من لحاء الشجر فقدم على عمر وقد سبق فأخبره خبره كله فقال فهلا قبلت من سعد فقال لو أردت ذلك كتبت لي به أو أذنت لي فيه فقال عمر إن أكمل الرجال رأيا من إذا لم يكن عنده عهد من صاحبه عمل بالحزم أو قال به ولم ينكل وأخبره بيمين سعد وقوله فصدق سعدا وقال هو أصدق ممن روى عليه ومن أبلغني (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عطاء أبي محمد مولى اسحاق بن طلحة قال كنت أجلس في المسجد الاعظم قبل أن يبنيه زياد وليست له مجنبات ولا مواخير فأرى منه دير هند وباب الجسر (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن ابن شبرمة عن الشعبي قال كان الرجل يجلس في المسجد فيرى منه باب الجسر (كتاب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمر بن عياش أخى أبي بكر بن عياش عن أبي كثير أن روزبه بن بزرجمر بن ساسان كان همذانيا وكان على فرج من فروج الروم فأدخل عليهم سلاحا فأخافه الاكاسرة فلحق بالروم فلم يأمن حتى قدم سعد ابن مالك فبنى له القصر والمسجد ثم كتب معه إلى عمر وأخبره بحاله فأسلم وفرض له عمر وأعطاه وصرفه إلى سعد مع أكريائه والاكرياء يومئذ هم العباد حتى إذا كان بالمكان الذي يقال له قبر العبادي مات فحفروا له ثم انتظروا به من يمر بهم ممن يشهدونه موته فمر قوم من الاعراب وقد حفروا له على الطريق فأوهموه ليبرؤا من دمه وأشهدوهم ذلك فقالوا قبر العبادي وقيل قبر العبادي لمكان الاكرياء قال أبو كثير فهو والله أبى قال فقلت أفلا تخبر الناس بحاله قال لا (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد وزياد قالوا ورجح الاعشار بعضهم بعضا رجحانا كثيرا فكتب سعد إلى عمر في تعديلهم فكتب إليه أن عدلهم فأرسل إلى قوم من نساب العرب وذوى رأيهم وعقلائهم

[ 152 ]

منهم سعيد بن نمران ومشعلة بن نعيم فعدلوهم عن الاسباع فجعلوهم أسباعا فصارت كنانة وحلفاؤها من الاحابيش وغيرهم وجديلة وهم بنو عمرو بن قيس عيلان سبعا وصارت قضاعة ومنهم يومئذ غسان بن شبام وبجيلة وخثعم وكندة وحضرموت والازد سبعا وصارت مذحج وحمير وهمدان وحلفاؤهم سبعا وصارت تميم وسائر الرباب وهوازن سبعا وصارت أسد وغطفان ومحارب والنمر وضبيعة وتغلب سبعا وصارت إياد وعك وعبد القيس وأهل هجر والحمراء سبعا فلم يزالوا بذلك زمان عمر وعثمان وعلي وعامة إمارة معاوية حتى ربعهم زياد * (إعادة تعريف الناس) * وعرفوهم على مائة ألف درهم فكانت كل عرافة من القادسية خاصة ثلاثة وأربعين رجلا وثلاثا وأربعين امرأة وخمسين من العيال لهم مائة ألف درهم وكل عرافة من أهل الايام عشرين رجلا على ثلاثة آلاف وعشرين امرأة وكل عيل على مائة ألف درهم وكل عرافة من الرادفة الاولى ستين رجلا وستين امرأة وأربعين من العيال ممن كان رجالهم ألحقوا على ألف وخمسمائة على مائة ألف درهم ثم على هذا من الحساب وقال عطية بن الحارث قد أدركت مائة عريف وعلى مثل ذلك كان أهل البصرة كان العطاء يدفع إلى أمراء الاسباع وأصحاب الرايات والرايات على أيادي العرب فيدفعونه إلى العرفاء والنقباء والامناء فيدفعونه إلى أهله في دورهم * (فتوح المدائن قبل الكوفة (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا فتوح المدائن السواد وحلوان وماسبذان وقرقيسياء فكانت الثغور ثغور الكوفة أربعة حلوان عليها القعقاع بن عمرو وماسبذان عليها ضرار بن الخطاب الفهري وقرقيسياء عليها عمر بن مالك أو عمرو بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف والموصل عليها عبدالله بن المعتم فكانوا بذلك والناس مقيمون بالمدائن بعد ما تحول سعد إلى تمصير الكوفة وانضمام هؤلاء النفر إلى الكوفة واستخلافهم

[ 153 ]

على الثغور من يمسك بها ويقوم عليها فكان خليفة القعقاع على حلوان قباذين عبدالله وخليفة عبدالله على الموصل مسلم بن عبدالله وخليفة ضرار رافع بن عبدالله وخليفة عمر عشنق بن عبدالله وكتب إليهم عمر أن يستعينوا بمن احتاجوا إليه من الاساورة ويرفعوا عنهم الجزاء ففعلوا فلما اختطت الكوفة وأذن للناس بالبناء نقل الناس أبوابهم من المدائن إلى الكوفة فعلقوها على ما بنوا وأوطنوا الكوفة وهذه ثغورهم وليس في أيديهم من الريف إلا ذلك (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن مجالد عن عامر قال كانت الكوفة وسوادها والفروج حلوان والموصل وماسبذان وقرقيسياء ثم وافقهم في الحديث عمرو ابن الريان عن موسى بن عيسى الهمداني بمثل حديثهم ونهاهم عما وراء ذلك ولم يأذن لهم في الانسياح وقالوا جميعا ولى سعد بن مالك على الكوفة بعد ما اختطت ثلاث سنين ونصفا سوى ما كان بالمدائن قبلها وعمالته ما بين الكوفة وحلوان والموصل وماسبذان وقرقيسياء إلى البصرة ومات عتبة بن غزوان وهو على البصرة فظع بعمله وسعد على الكوفة فولى عمر أبا سبرة مكان عتبة بن غزوان ثم عزل أبا سبرة عن البصرة واستعمل المغيرة ثم عزل المغيرة واستعمل أبا موسى الاشعري ذكر خبر حمص حين قصد من فيها من المسلمين صاحب الروم وفي هذه السنة قصدت الروم أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من جند المسلمين بحمص لحربهم فكان من أمرهم وأمر المسلمين ما ذكر أبو عبيدة وهو فيما كتب به إلى السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو وسعيد قالوا أول ما أذن عمر للجند بالكوفة بالانسياح أن الروم خرجوا وقد تكاتبوا هم وأهل الجزيرة يريدون أبا عبيدة والمسلمين بحمص فضم أبو عبيدة إليه مسالحه وعسكروا بفناء مدينة حمص وأقبل خالد من قنسرين حتى انضم إليهم فيمن انضم من أمراء المسالح فاستشارهم أبو عبيدة في المناجزة أو التحصن إلى مجئ الغياث فكان خالد يأمره أن يناجزهم وكان سائرهم يأمرونه بأن يتحصن ويكتب إلى عمر فأطاعهم وعصى

[ 154 ]

خالدا وكتب إلى عمر بخروجهم عليه وشغبهم أجناد أهل الشأم عنه رقد كان عمر اتخذ في كل مصر على قدره خيولا من فضول أموال المسلمين عدة لكون إن كان فكان بالكوفة من ذلك أربعة آلاف فرس فلما وقع الخبر لعمر كتب إلى سعد ابن مالك أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو وسرحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص فإن أبا عبيدة قد أحيط به وتقدم إليهم في الجد والحث وكتب أيضا إليه أن سرح سهيل بن عدي إلى الجزيرة في الجند وليأت الرقة فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص وإن أهل قرقيسياء لهم سلف وسرح عبدالله بن عتبان إلى نصيبين فإن أهل قرقيسياء لهم سلف ثم لينفضا حران والرهاء وسرح الوليد بن عتبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ وسرح عياضا فإن كان قتال فقد جعلت أمرهم جميعا إلى عياض بن غنم وكان عياض من أهل العراق الذين خرجوا مع خالد بن الوليد ممدين لاهل الشأم وممن انصرف أيام انصرف أهل العراق ممدين لاهل القادسية وكان يرافد أبا عبيدة فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومهم الذي أتاهم فيه الكتاب نحو حمص وجرج عياض بن غنم وأمراء الجزيرة فأخذوا طريق الجزيرة على الفراض وغير الفراض وتوجه كل أمير إلى الكورة التي أمر عليها فأتى سهيل الرقة وخرج عمر من المدينة مغيثا لابي عبيدة يريد حمص حتى نزل الجابية ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على أهل حمص واستثاروهم وهم معهم مقيمون عن حديث من بالجزيرة منهم بأن الجنود قد ضربت من الكوفة ولم يدروا الجزيرة يريدون أم حمص فتفرقوا إلى بلدانهم وإخوانهم وخلوا الروم ورأى أبو عبيدة أمرا لما انفضوا غير الاول فاستشار خالدا في الخروج فأمره بالخروج ففتح الله عليهم وقدم القعقاع بن عمرو في أهل الكوفة في ثلاث من يوم الوقعة وقدم عمر فنزل الجابية فكتبوا إلى عمر بالفتح وبقدوم المدد عليهم في ثلاث وبالحكم في ذلك فكتب إليهم أن أشركوهم وقال جزى الله أهل الكوفة خيرا يكفون حوزتهم ويمدون أهل الامصار (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن زكرياء بن سياه عن الشعبي قال استمد أبو عبيدة عمر وخرجت

[ 155 ]

عليه الروم وتابعهم النصارى فحصروه فخرج وكتب إلى أهل الكوفة فنفر إليهم في غداة أربعة آلاف على البغال يحببون الخيل فقدموا على أبي عبيدة في ثلاث بعد الوقعة فكتب فيهم إلى عمر وقد انتهى إلى الجابية فكتب إليه أن أشركهم فإنهم قد نفروا اليكم وتفرق لهم عدوكم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن طلحة عن ماهان قال كان لعمر أربعة آلاف فرس عدة لكون ان كان يشتيها في قبلة قصر الكوفة وميسرته ومن أجل ذلك يسمى ذلك المكان الآري إلى اليوم ويربعها فيما بين الفرات والابيات من الكوفة مما يلي العاقول فسمته الاعاجم آخر الشاهجان يعنون معلف الامراء وكان قيمه عليها سلمان بن ربيعة الباهلي في نفر من أهل الكوفة يصنع سوابقها ويجريها في كل عام وبالبصرة نحو منها وقيمه عليها جزء بن معاوية وفي كل مصر من الامصار الثمانية على قدرها فإن نابتهم نائبة ركب قوم وتقدموا إلى أن يستعد الناس (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن حلام عن شهر بن مالك بنحو منه فلما فرغوا رجعوا * وفي هذه السنة أعني سنة سبع عشرة افتتحت * (الجزيرة) * في رواية سيف وأما ابن اسحاق فإنه ذكر انها افتتحت في سنة تسع عشرة من الهجرة وذكر من سبب فتحها ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص ان الله قد فتح على المسلمين الشأم والعراق فابعث من عندك جندا إلى الجزيرة وأمر عليهم أحد الثلاثة خالد بن عرفطة أو هاشم بن عتبة أو عياض بن غنم فلما انتهى إلى سعد كتاب عمر قال ما أخر أمير المؤمنين عياض بن غنم آخر القوم الا أنه له فيه هوى أن أوليه وأنا موليه فبعثه وبعث معه جيشا وبعث أبا موسى الاشعري وابنه عمر بن سعد وهو غلام حدث السن ليس إليه من الامر شئ وعثمان بن أبي العاص بن بشر الثقفي وذلك في سنة تسع عشرة فخرج عياض إلى الجزيرة فنزل بجنده على الرهاء فصالحه أهلها على

[ 156 ]

الجزية وصالحت حران حين صالحت الرهاء فصالحه أهلها على الجزية ثم بعث أبا موسى الاشعري إلى نصيبين ووجه عمر بن سعد إلى رأس العين في خيل ردءا للمسلمين وسار بنفسه في بقية الناس إلى دارا فنزل عليها حتى افتتحها فافتتح أبو موسى نصيبين وذلك في سنة تسع عشرة ثم وجه عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة فكان عندها شئ من قتال أصيب فيه صفوان بن المعطل السلمى شهيدا ثم صالح أهلها عثمان بن أبي العاص على الجزية على كل أهل بيت دينار ثم كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل * وأما في رواية سيف فإن الخبر في ذلك فيما كتب به إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد قالوا خرج عياض بن غنم في أثر القعقاع وخرج القواد يعني حين كتب عمر إلى سعد بتوجيه القعقاع في أربعة آلاف من جنده مددا لابي عبيدة حين قصدته الروم وهو بحمص فسلكوا طريق الجزيرة على الفراض وغيرها فسلك سهيل بن عدى وجنده طريق الفراض حتى انتهى إلى الرقة وقد ارفض أهل الجزيرة عن حمص إلى كورهم حين سمعوا بمقبل أهل الكوفة فنزل عليهم فأقام محاصرهم حتى صالحوه وذلك أنهم قالوا فيما بينهم أنتم بين أهل العراق وأهل الشأم فما بقاؤكم على حرب هؤلاء وهؤلاء فبعثوا في ذلك إلى عياض وهو في منزل واسط من الجزيرة فرأى أن يقبل منهم فبايعوه وقبل منهم وكان الذي عقد لهم سهيل بن عدي عن أمر عياض لانه أمير القتال وأجروا ما أخذوا عنوة ثم أجابوا مجرى أهل الذمة وخرج عبدالله بن عبدالله بن عتبان فسلك على دجلة حتى انتهى إلى الموصل فعبر إلى بلد حتى أتى نصيبين فلقوه بالصلح وصنعوا كما صنع أهل الرقة وخافوا مثل الذي خافوا فكتبوا إلى عياض فرأى أن يقبل منهم فعقد لهم عبدالله ابن عبدالله وأجروا ما أخذوا عنوة ثم أجابوا مجرى أهل الذمة وخرج الوليد بن عقبة حتى قدم على بني تغلب وعرب الجزيرة فنهض معه مسلمهم وكافرهم إلا إياد ابن نزار فإنهم ارتحلوا بقليتهم فاقتحموا أرض الروم فكتب بذلك الوليد إلى عمر ابن الحطاب ولما أعطى أهل الرقة ونصيبين الطاعة ضم عياض سهيلا وعبد الله

[ 157 ]

إليه فسار بالناس إلى حران فأخذ ما دونها فلما انتهى إليهم اتقوه بالاجابة إلى الجزية فقبل منهم وأجرى من أجاب بعد غلبه مجرى أهل الذمة ثم إن عياضا سرح سهيلا وعبد الله إلى الرهاء فاتقوهما بالاجابة إلى الجزية وأجرى من دونهم مجراهم فكانت الجزيرة أسهل البلدان أمرا وأيسره فتحا فكانت تلك السهولة مهجنة عليهم وعلى من أقام فيهم من المسلمين وقال عياض بن غنم: من مبلغ الاقوام أن جموعنا * حوت الجزيرة يوم ذات زحام جمعوا الجزيرة والغياث فنفسوا * عمن بحمص غيابة القدام إن الاعزة والاكارم معشر * فضوا الجزيرة عن فراخ الهام غلبوا الملوك على الجزيرة فانتهوا * عن غزو من يأوى بلاد الشام ولما نزل عمر الجابية وفرغ أهل حمص أمد عياض بن غنم بحبيب بن مسلمة فقدم على عياض مددا وكتب أبو عبيدة إلى عمر بعد انصرافه من الجابية يسأله أن يضم إليه عياض بن غنم إذ ضم خالدا إلى المدينة فصرفه إليه وصرف سهيل ابن عدي وعبد الله بن عبدالله إلى الكوفة ليصرفهما إلى المشرق واستعمل حبيب ابن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها والوليد بن عقبة على عرب الجزيرة فأقاما بالجزيرة على أعمالهما * قالوا ولما قدم الكتاب من الوليد على عمر كتب عمر إلى ملوك الروم أنه بلغني أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك فوالله لتخرجنه أو لننبذن إلى النصارى ثم لنخرجنهم إليك فأخرجهم ملك الروم فخرجوا فتم منهم على الخروج أربعة آلاف مع أبي عدى بن زياد وخنس بقيتهم فتفرقوا فيما يلي الشأم والجزيرة من بلاد الروم فكل إيادي في أرض العرب من أولئك الاربعة الآلاف وأبي الوليد بن عقبة أن يقبل من بني تغلب إلا الاسلام فقالوا له أما من نقب على قومه في صلح سعد ومن كان قبله فأنتم وذاك وأما من لم ينقب عليه أحد ولم يجر ذلك لمن نقب فما سبيلك عليه فكتب فيهم إلى عمر فأجابه عمر انما ذلك لجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها الا الاسلام فدعهم على أن لا ينصروا وليدا وأقبل منهم إذا أسلموا فقبل منهم على أن ينصروا وليدا ولا يمنعوا

[ 158 ]

أحدا منهم من الاسلام فأعطى بعضهم ذلك فأخذوا به وأبى بعضهم الا الجزاء فرضى منهم بما رضى من العباد وتنوخ (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عطية عن أبي سيف التغلبي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاهد وفدهم على أن لا ينصروا وليدا فكان ذلك الشرط على الوفد وعلى من وفدهم ولم يكن على غيرهم فلما كان زمان عمر قال مسلموهم لا تنفروهم بالخراج فيذهبوا ولكن ضعفوا عليهم الصدقة التي تأخذونها من أموالهم فيكون جزاء فانهم يغضبون من ذكر الجزاء على أن لا ينصروا مولودا إذا أسلم آباؤهم فخرج وفدهم في ذلك إلى عمر فلما بعث الوليد إليه برؤس النصارى وبديانيهم قال لهم عمر أدوا الجزية فقالوا لعمر أبلغنا مأمننا والله لئن وضعت علينا الجزاء لندخلن أرض الروم والله لتفضحنا من بين العرب فقال لهم أنتم فضحتم أنفسكم وخالفتم أمتكم فيمن خالف وافتضح من عرب الضاحية وتالله لتؤدنه وأنتم صغرة قماة ولئن هربتم إلى الروم لاكتبن فيكم ثم لاسبينكم قالوا فخذ منا شيئا ولا تسمه جزاء فقال أما نحن فنسميه جزاء وسموه أنتم ما شئتم فقال له علي بن أبي طالب يا أمير المؤمنين ألم يضعف عليهم سعد بن مالك الصدقة قال بلى وأصغى إليه فرضى به منهم جزاء فرجعوا على ذلك وكان في بني تغلب عز وامتناع ولا يزالون ينازعون الوليد فهم بهم الوليد وقال في ذلك إذا ما عصبت الرأس مني بمشوذ * فغيك مني تغلب ابنة وائل وبلغت عنه عمر فخاف أن يخرجوه وأن يضعف صبره فيسطو عليهم فعزله وأمر عليهم فرات ابن حيان وهند بن عمرو الجملي وخرج الوليد واستودع إبلا له حريث بن النعمان أحد بنى كنانة بن تيم من بني تغلب وكانت مائة من الابل فاحتانها بعدما خرج الوليد وكان فتح الجزيرة في سنة سبع عشرة في ذي الحجة * وفي هذه السنة أعني سنة سبع عشرة خرج عمر من المدينة يريد الشأم حتى بلغ سرغ في قول ابن اسحاق حدثنا بذلك ابن حميد عن سلمة عنه وفي قول الواقدي ذكر الخبر عن خروجه إليها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال خرج عمر إلى الشأم

[ 159 ]

غازيا في سنة سبع عشرة حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الاجناد فأخبروه أن الارض سقيمة فرجع بالناس إلى المدينة وقد كان عمر كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن ابن شهاب الزهري عن عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد ابن الخطاب عن عبدالله بن الحارث بن نوفل عن عبدالله بن عباس خرج غازيا وخرج معه المهاجرين والانصار وأوعب الناس معه حتى إذا نزل بسرغ لقيه أمراء الاجناد أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة فأخبروه أن الارض سقيمة فقال عمر اجمع إلى المهاجرين الاولين قال فجمعتهم له فاستشارهم فاختلفوا عليه فمنهم القائل خرجت لوجه تريد فيه الله وما عنده ولا نرى أن يصدك عنه بلاء عرض لك ومنهم القائل أنه لبلاء وفناء ما نرى أن تقدم عليه فلما اختلفوا عليه قال قوموا عني ثم قال اجمع لي مهاجرة الانصار فجمعتهم له فاستشارهم فسلكوا طريق المهاجرين فكأنما سمعوا ما قالوا فقالوا مثله فلما اختلفوا عليه قال قوموا عني ثم قال اجمع لي مهاجرة الفتح من قريش فجمعتهم له فاستشارهم فلم يختلف عليه منهم اثنان وقالوا ارجع بالناس فانه بلاء وفناء قال فقال لي عمر يا ابن عباس اصرخ في الناس فقل إن أمير المؤمنين يقول لكم أني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه قال فأصبح عمر على ظهر وأصبح الناس عليه فلما اجتمعوا عليه قال أيها الناس انى راجع فارجعوا فقال له أبو عبيدة بن الجراح أفرارا من قدر الله قال نعم فرارا من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو أن رجلا هبط واديا له عدوتان إحداهما خصبة والاخرى جدبة أليس يرعى من رعى الجدبة بقدر الله ويرعى من رعى الخصبة بقدر الله ثم قال لو غيرك يقول هذا يا أبا عبيدة ثم خلا به بناحية دون الناس فبينا الناس على ذلك إذ أتى عبدالرحمن بن عوف وكان متخلفا عن الناس لم يشهدهم بالامس فقال ما شأن الناس فأخبر الخبر فقال عندي من هذا علم فقال عمر فأنت عندنا الامين المصدق فماذا عندك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم به فلا تخرجوا فرارا منه ولا يخرجنكم إلا ذلك فقال عمر فلله الحمد انصرفوا أيها الناس فانصرف بهم * حدثنا

[ 160 ]

ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن ابن شهاب الزهري عن عبدالله بن عامر بن ربيعة وسالم بن عبدالله بن عمر أنهما حدثاه أن عمر إنما رجع بالناس عن حديث عبدالرحمن بن عوف فلما رجع عمر رجع عمال الاجناد إلى أعمالهم * وأما سيف فانه روى في ذلك ما كتب به إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة وأبي عثمان والربيع قالوا وقع الطاعون بالشأم ومصر والعراق واستقر بالشأم ومات فيه الناس الذين هم في كل الامصار في المحرم وصفر وارتفع عن الناس وكتبوا بذلك إلى عمر ما خلا الشأم فخرج حتى إذا كان منها قريبا بلغه أنه أشد ما كان فقال وقال الصحابة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان بأرض وباء فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرجع حتى ارتفع عنها وكتبوا بذلك إليه وبما في أيديهم من المواريث فجمع الناس في جمادى الاولى سنة سبع عشرة فاستشارهم في البلدان فقال إنى قد بدا لي أن أطوف على المسلمين في بلدانهم لانظر في آثارهم فأشيروا علي وكعب الاحبار في القوم وفي تلك السنة من إمارة عمر أسلم فقال كعب بأيها تريد أن تبدأ يا أمير المؤمنين قال بالعراق قال فلا تفعل فان الشر عشرة أجزاء والخير عشرة أجزاء فجزء من الخير بالمشرق وتسعة بالمغرب وإن جزأ من الشر بالمغرب وتسعة بالمشرق وبها قرن الشيطان وكل داء عضال (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن سعيد عن الاصبغ عن علي قال قام إليه علي فقال يا أمير المؤمنين والله إن الكوفة للهجرة بعد الهجرة وإنها لقبة الاسلام وليأتين عليها يوم لا يبقى مؤمن إلا أتاها وحن إليها والله لينصرن بأهلها ما انتصر بالحجارة من قوم لوط (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن المطرح عن القاسم عن أبي أمامة قال وقال عثمان يا أمير المؤمنين إن المغرب أرض الشر وإن الشر قسم مائة جزء فجزء في الناس وسائر الاجزاء بها (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن يحيى التميمي عن أبي ماجد قال قال عمر الكوفة رمح الله وقبة الاسلام وجمجمة العرب يكفون ثغورهم ويمدون الامصار فقد ضاعت مواريث أهل عمواس فابدأ بها (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان

[ 161 ]

وأبى حارثة والربيع بن النعمان قالوا قال عمر ضاعت مواريث الناس بالشأم أبدأ بها فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي ثم أرجع فأنقلب في البلاد وأنبذ إليهم أمري فأتى عمر الشأم أربع مرات مرتين في سنة ست عشرة ومرتين في سنة سبع عشرة لم يدخلها في الاولى من الآخرتين (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن بكر بن وائل عن محمد بن مسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الحفظ عشرة أجزاء فتسعة في الترك وجزء في سائر الناس وقسم البخل عشرة أجزاء فتسعة في فارس وجزء في سائر الناس وقسم السخاء عشرة أجزاء فتسعة في السودان وجزء في سائر الناس وقسم الشبق عشرة أجزاء فتسعة في الهند وجزء في سائر الناس وقسم الحياء عشرة أجزاء فتسعة في النساء وجزء في سائر الناس وقسم الحسد عشرة أجزاء فتسعة في العرب وجزء في سائر الناس وقسم الكبر عشرة أجزاء فتسعة في الروم وجزء في سائر الناس واختلف في خبر طاعون عمواس وفي أي سنة كان فقال ابن اسحاق ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه قال ثم دخلت سنة ثماني عشرة ففيها كان طاعون عمواس فتفانى فيها الناس فتوفى أبو عبيدة بن الجراح وهو أمير الناس ومعاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعتبة بن سهيل وأشراف الناس * وحدثني أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا عن اسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال كان طاعون عمواس والجابية في سنة ثماني عشرة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن شعبة بن الحجاج عن المخارق بن عبدالله البجلي عن طارق بن شهاب البجلي قال أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدث عنده فلما جلسنا قال لا عليكم أن تخفوا فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم ولا عليكم أن تنزهوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها حتى يرفع هذا الوباء سأخبركم بما يكره مما يتقى من ذلك أن يظن من خرج أنه لو أقام مات ويظن من أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه فإذا لم يظن هذا

[ 162 ]

المرء المسلم فلا عليه أن يخرج وأن يتنزه عنه إني كنت مع أبي عبيدة بن الجراح بالشأم عام طاعون عمواس فلما اشتعل الوجع وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه أن سلام عليك أما بعد فإنه قد عرضت لي اليك حاجة أريد أن أشافهك فيها فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من يدك حتى تقبل إلي قال فعرف أبو عبيدة إنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء قال يغفر الله لامير المؤمنين ثم كتب إليه يا أمير المؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلي وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسى رغبة عنهم فلست أريد فراقهم حتى يقضى الله في وفيهم أمره وقضاه فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين ودعني في جندي فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقال الناس يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة قال لا وكأن قد قال ثم كتب إليه سلام عليك أما بعد فإنك أنزلت الناس أرضا عميقة فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة فلما أتاه كتابه دعاني فقال يا أبا موسى إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى فاخرج فارتد للناس منزلا حتى أتبعك بهم فرجعت إلى منزلي لارتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت فرجعت إليه فقلت له والله لقد كان في أهلي حدث فقال لعل صاحبتك أصيبت قلت نعم قال فأمر ببعيره فرحل له فلما وضع رجله في غرزه طعن فقال والله لقد أصبت ثم سار بالناس حتى نزل الجابية ورفع عن الناس الوباء * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن أبان بن صالح عن شهر ابن حوشب الاشعري عن رابة رجل من قومه وكان قد خلف على أمه بعد أبيه كان شهد طاعون عمواس قال لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة في الناس خطيبا فقال أيها الناس إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وموت الصالحين قبلكم وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم له منه حظه فطعن فمات واستخلف على الناس معاذ بن جبل قال فقام خطيبا بعده فقال أما أيها الناس إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم وإن معاذا يسأل الله أن يقسم لآل معاذ منه حظهم فطعن ابنه عبدالرحمن بن معاذ فمات ثم قام فدعا به لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقبل ظهر كفه ثم يقول ما أحب أن لي بما فيك

[ 163 ]

شيئا من الدنيا فلما مات استخلف الناس عمرو بن العاصى فقام خطيبا في الناس فقال أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار فتجبلوا منه في الجبال فقال أبو واثلة الهذلي كذبت والله لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت شر من حماري هذا قال والله ما أرد عليك ما تقول وايم الله لا نقيم عليه ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا ورفعه الله عنهم قال فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأى عمرو بن العاصى فوالله ما كرهه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن رجل عن أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي أنه كان يقول بلغني هذا من قول أبي عبيدة وقول معاذ بن جبل إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم فكنت أقول كيف دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لامته حتى حدثني بعض من لا أتهم عن رسول الله أنه سمعه منه وجاءه جبريل عليه السلام فقال إن فناء أمتك يكون بالطعن أو الطاعون فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم فناء الطاعون فعرفت أنها التي كان قال أبو عبيدة ومعاذ * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال ولما انتهى إلى عمر مصاب أبي عبيدة ويزيد بن أبي سفيان أمر معاوية بن أبي سفيان على جند دمشق وخراجها وأمر شرحبيل بن حسنة على جند الاردن وخراجها (وأما سيف) فانه زعم أن طاعون عمواس كان في سنة سبعة عشر (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بإسنادهم قالوا كان ذلك الطاعون يعنون طاعون عمواس موتانا لم ير مثله طمع له العدو في المسلمين وتخوفت له قلوب المسلمين كثر موته وطال مكثه مكث أشهرا حتى تكلم في ذلك الناس (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن سعيد عن أبي سعيد قال أصاب البصرة من ذلك موت ذريع فأمر رجل من بني تميم غلاما له أعجميا أن يحمل ابنا له صغيرا ليس له ولد غيره على حمار ثم يسوق به إلى سفوان حتى يلحقه فخرج في آخر الليل ثم اتبعه وقد أشرف على سفوان ودنا من ابنه وغلامه فرفع الغلام عقيرته يقول لن يعجزوا الله على حمار * ولا على ذى غرة مطار

[ 164 ]

قد يصبح الموت أمام الساري فشك حتى انتهى إليهم فإذاهم هم قال ويحك ما قلت قال ما أدرى قال ارجع فرجع بابنه وعلم أنه قد أسمع آية وأريها قال وعزم رجل على الخروج إلى أرض بها الطاعون فتردد بعد ما ظعن فإذا غلام له أعجمي يحدو به يا أيها المشعر هما لا تهم * إنك إن تكتب لك الحمى تحم (وفي هذه السنة) أعنى سنة سبع عشرة كان خروج عمر إلى الشأم الخرجة الاخيرة فلم بعد إليها يعد ذلك في قول سيف وأما ابن إسحاق فقد مضى ذكره ذكر الخبر عن سيف في ذلك والخبر عما ذكره عن عمر في خرجته تلك أنه أحدث في مصالح المسلمين (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع قالوا وخرج عمر وخلف عليا على المدينة وخرج معه بالصحابة وأغذوا السير واتخذ أيلة طريقا حتى إذا دنا منها تنحى عن الطريق واتبعه غلامه فنزل فبال ثم عاد فركب بعير غلامه وعلى رحله فرو مقلوب وأعطى غلامه مركبه فلما تلقاه أوائل الناس قالوا أين أمير المؤمنين قال أمامكم يعني نفسه وذهبوا هم إلى أمامهم فجاوزه حتى أنتهى هو إلى أيلة فنزلها وقيل للمتلقين قد دخل أمير المؤمنين أيلة ونزلها فرجعوا إليه (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن هشام ابن عروة عن أبيه قال لما قدم عمر بن الخطاب أيلة ومعه المهاجرون والانصار دفع قميصا له كرابيس قد انجاب مؤخره عن قعدته من طول السير إلى الاسقف وقال اغسل هذا وارقعه فانطلق الاسقف بالقميص ورقعه وخاط له آخر مثله فراح به إلى عمر فقال ما هذا قال الاسقف أما هذا فقميصك قد غسلته ورقعته وأما هذا فكسوة لك مني فنظر إليه عمر ومسحه ثم لبس قميصه ورد عليه ذلك القميص وقال هذا أنشفهما للعرق (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عطية وهلال عن رافع بن عمر قال سمعت العباس بالجابية يقول لعمر أربع

[ 165 ]

من عمل بهن استوجب العدل الامانة في المال والتسوية في القسم والوفاء بالعدة والخروج من العيوب نظف نفس وأهلك (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان والربيع وأبي حارثة بإسنادهم قالوا قسم عمر الارزاق وسمى الشواتي والصوائف وسد فروج الشأم ومسالحها وأخذ يدور بها وسمى ذلك في كل كورة واستعمل عبدالله بن قيس على السواحل من كل كورة وعزل شرحبيل واستعمل معاوية وأمر أبا عبيدة وخالدا تحته فقال له شرحبيل أعن سخطة عزلتني يا أمير المؤمنين قال لا إنك لكما أحب ولكن أريد رجلا أقوى من رجل قال نعم فاعذرني في الناس لا تدركني هجنة فقام في الناس فقال أيها الناس أنى والله ما عزلت شرحبيل عن سخطة ولكني أردت رجلا أقوى من رجل وأمر عمرو بن عبسه على الاهراء وسمى كل شئ ثم قام في الناس بالوداع (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي ضمرة وأبي عمرو عن المستورد عن عدى ابن سهيل قال لما فرغ عمر من فروجه وأموره قسم المواريث فورث بعض الورثة من بعض ثم أخرجها إلى الاحياء من ورثة كل امرئ منهم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهل بيته فلم يرجع منهم إلا أربعة فقال المهاجر بن خالد بن الوليد من يسكن الشأم يعرس به * والشأم إن لم يفننا كارب أفنى بنى ريطة فرسانهم * عشرون لم يقصص لهم شارب ومن بنى أعمامهم مثلهم * لمثل هذا أعجب العاجب طعنا وطاعونا مناياهم * ذلك ما خط لنا الكاتب قال وقفل عمر من الشأم إلى المدينة في ذي الحجة وخطب حين أراد القفول فحمد الله وأثنى عليه وقال ألا إني قد وليت عليكم وقضيت الذي علي في الذي ولاني الله من أمركم إن شاء الله قسطنا بينكم فيأكم ومنازلكم ومغازيكم وأبلغنا ما لديكم فجندنا لكم الجنود وهيأنا لكم الفروج وبوأناكم ووسعنا عليكم ما بلغ فيؤكم وما قاتلتم عليه من شأمكم وسمينا لكم أطماعكم وأمرنا لكم بأعطائكم وأرزاقكم معاونكم

[ 166 ]

فمن علم علم شئ ينبغي العمل به فبلغنا نعمل به إن شاء الله ولا قوة إلا بالله وحضرت الصلاة وقال الناس لو أمرت بلالا فأذن فأمره فأذن فما بقى أحد كان أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن له إلا بكى حتى بل لحيته وعمر أشدهم بكاء وبكى من لم يدركه ببكائهم ولذكره صلى الله عليه وسلم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان وأبى حارثة قالا فما زال خالد على قنسرين حتى غزا غزوته التي أصاب فيها وقسم فيها ما أصاب لنفسه (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي المجالد مثله قالوا وبلغ عمران خالدا الحمام فتدلك بعد النورة بثخين عصفر معجون بخمر فكتب إليه بلغني أنك تدلكت بخمر وإن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه كما حرم ظاهر الاثم وباطنه وقد حرم مس الخمر إلا أن تغسل كما حرم شربها فلا تمسوها أجسادكم فإنها نجس وإن فعلتم فلا تعودوا فكتب إليه خالد إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر فكتب إليه عمر اني أظن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه فانتهى إليه ذلك (وفي هذه السنة) أعنى سنة سبعة عشر أدرب خالد بن الوليد وعياض بن غنم في رواية سيف عن شيوخه * (ذكر ذلك) * (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والمهلب قالوا وأدرب سنة سبعة عشر خالد وعياض فسارا فأصابا أموالا عظيمة وكانا توجها من الجابية فرجع عمر إلى المدينة وعلى حمص أبو عبيدة وخالد تحت يديه على قنسرين وعلى دمشق يزيد بن أبي سفيان وعلى الاردن معاوية وعلى فلسطين علقمة بن مجزر وعلى الاهراء عمرو بن عبسة وعلى السواحل عبدالله بن قيس وعلى كل عمل عامل فقامت مسالح الشأم ومصر والعراق على ذلك إلى اليوم لم تجز أمة إلى أخرى عملها بعد إلا أن يقتحموا عليهم بعد كفر منهم فيقدموا مسالحهم بعد ذلك فاعتدل ذلك سنة سبعة عشر (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي المجالد وأبي عثمان والربيع وأبي حارثة قالوا ولما قفل خالد وبلغ الناس

[ 167 ]

ما أصابت تلك الطائفة انتجعه رجال فانتجع خالدا من أهل الآفاق فكان الاشعث بن قيس ممن انتجع خالدا بقنسرين فأجازه بعشرة آلاف وكان عمر لا يخفى عليه شئ في عمله كتب إليه من العراق بخروج من خرج ومن الشأم بجائزة من أجيز فيها فدعا البريد وكتب معه إلى أبي عبيدة أن يقيم خالدا أو يعقله بعمامته وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمه ؟ من أين اجازة الاشعث أمن ماله أم من إصابة أصابها فإن زعم أنها من إصابة أصابها فقد أقر بخيانة وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف واعزله على كل حال واضمم إليك عمله فكتب أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه ثم جمع الناس وجلس لهم على المنبر فقام البريد فقال يا خالد أمن مالك أجزت بعشرة آلاف أم من إصابة فلم يجبه حتى أكثر عليه وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا فقام بلال إليه فقال إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا ثم تناول قلنسوته فعقله بعمامته وقال ما تقول أمن مالك أم من اصابة قال لا بل من مالي فأطلقه وأعاد قلنسوته ثم عممه بيده ثم قال نسمع ونطيع لولاتنا ونفخم ونخدم موالينا قالوا وأقام خالد متحيرا لا يدري أمعزول أم غير معزول وجعل أبو عبيدة لا يخبره حتى إذا طال على عمر أن يقدم ظن الذي قد كان فكتب إليه بالاقبال فأتى خالد أبا عبيدة فقال رحمك الله ما أدت إلى ما صنعت كتمتني أمرا كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم فقال أبو عبيدة إني والله ما كنت لاروعك ما وجدت لذلك بدا وقد علمت أن ذلك يروعك قال فرجع خالد إلى قنسرين فخطب أهل عمله وودعهم وتحمل ثم أقبل إلى حمص فخطبهم وودعهم ثم خرج نحو المدينة حتى قدم على عمر فشكاه وقال لقد شكوتك إلى المسلمين وبالله إنك في أمري غير مجمل يا عمر فقال عمر من أين هذا الثرى قال من الانفال والسهمان ما زاد على الستين ألفا فلك فقوم عمر عروضه فخرجت إليه عشرون ألفا فأدخلها بيت المال ثم قال يا خالد والله إنك علي لكريم وإنك إلي لحبيب ولن تعاتبني بعد اليوم على شئ (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن المستورد عن أبيه عن عدي بن سهيل قال كتب عمر إلى الامصار إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة

[ 168 ]

ولكن الناس فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع وأن لا يكونوا بعرض فتنة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن مبشر عن سالم قال لما قدم خالد على عمر قال عمر متمثلا صنعت فلم يصنع كصنعك صانع * وما يصنع الاقوام فالله يصنع فأغرمه شيئا ثم عوضه وكتب فيه إلى الناس بهذا الكتاب ليعذره عندهم وليبصرهم (وفي هذه السنة) أعني سنة سبعة عشر اعتمر عمر وبني المسجد الحرام فيما زعم الواقدي ووسع فيه وأقام بمكة عشرين ليلة وهدم على أقوام أبوا أن يبيعوا ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها قال وكان ذلك الشهر الذي اعتمر فيه رجبا وخلف على المدينة زيد بن ثابت قال الواقدي وفي عمرته هذه أمر بتجديد أنصاب الحرم فأمر بذلك محرمة بن نوفل والازهر بن عبد عوف وحويطب بن عبدالعزى وسعيد بن يربوع قال وحدثني كثير بن عبدالله المزني عن أبيه عن جده قال قدمنا مع عمر مكة في عمرته سنة سبع عشرة فمر بالطريق فكلمه أهل المياه أن يبتنوا منازل بين مكة والمدينة ولم يكن قبل ذلك بناء فأذن لهم وشرط عليهم أن ابن السبيل أحق بالظل والماء * (قال وفيها) * تزوج عمر ابن الخطاب أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب وهي ابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها في ذي القعدة * (قال وفي هذه السنة) * ولى عمر أبا موسى البصرة وأمره أن يشخص إليه المغيرة في ربيع الاول فشهد عليه فيما حدثني معمر عن الزهري عن ابن المسيب أبو بكرة وشبل بن معبد البجلي ونافع بن كلدة وزياد قال وحدثني محمد بن يعقوب بن عتبة عن أبيه قال كان يختلف إلى أم جميل امرأة من بني هلال وكان لها زوج هلك قبل ذلك من ثقيف يقال له الحجاج بن عبيد فكان يدخل عليها فبلغ ذلك أهل البصرة فأعظموه فخرج المغيرة يوما من الايام حتى دخل عليها وقد وضعوا عليها الرصد فانطلق القوم الذين شهدوا جميعا فكشفوا الستر وقد واقعها فكتب أبو بكر إلى عمر فسمع صوته وبينه وبينه حجاب فقال أبو بكرة قال نعم قال لقد جئت لشر قال إنما جاء بي المغيرة ثم قص عليه القصة فبعث عمر أبا موسى الاشعري

[ 169 ]

عاملا وأمره أن يبعث إليه المغيرة فأهدى المغيرة لابي موسى عقيلة وقال إني رضيتها لك فبعث أبو موسى بالمغيرة إلى عمر قال الواقدي وحدثني عبدالرحمن بن محمد ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال حضرت عمر حيت قدم بالمغيرة وقد تزوج امرأة من بني مرة فقال له إنك لفارغ القلب طويل الشبق فسمعت عمر يسأل عن المرأة فقال يقال لها الرقطاء وزوجها من ثقيف وهو من بني هلال * (قال أبو جعفر) * وكان سبب ما كان بين أبي بكرة والشهادة عليه فيما كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو باسنادهم قالوا كان الذي حدث بين أبي بكرة والمغيرة ابن شعبة أن المغيرة كان يناغيه وكان أبو بكرة ينافره عند كل ما يكون منه وكانا بالبصرة وكانا متجاورين بينهما طريق وكانا في مشربتين متقابلتين لهما في داريهما في كل واحدة منهما كوة مقابلة الاخرى فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته فهبت ريح ففتحت باب الكوة فقام أبو بكرة ليصفقه فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح باب كوة مشربته وهو بين رجلى امرأة فقال للنفر قوموا فانظروا فقاموا فنظروا ثم قال اشهدوا قالوا ومن هذه قال أم جميل ابنة الافقم وكانت أم جميل إحدى بني عامر بن صعصعة وكانت غاشية للمغيرة وتغشى الامراء والاشراف وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها فقالوا انما رأينا أعجازا ولا ندرى ما الوجه ثم إنهم صمموا حين قامت فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة وقال لا تصل بنا فكتبوا إلى عمر بذلك وتكاتبوا فبعث عمر إلى أبي موسى فقال يا أبا موسى إني مستعملك أني أبعثك إلى أرض قد باض بها الشيطان وفرخ فالزم ما تعرف ولا تستبدل فيستبدل الله بك فقال يا أمير المؤمنين أعني بعدة من أصحاب رسول الله من المهاجرين والانصار فانى وجدتهم في هذه الامة وهذه الاعمال كالملح لا يصلح الطعام إلا به قال فاستعن بمن أحببت فاستعان بتسعة وعشرين رجلا منهم أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر ثم خرج أبو موسى فيهم حتى أناخ بالمربد وبلغ المغيرة أن أبا موسى قد أناخ بالمربد فقال والله ما جاء أبو موسى زائرا ولا

[ 170 ]

تاجرا ولكنه جاء أميرا فانهم لفي ذلك إذ جاء أبو موسى حتى دخل عليهم فدفع إليه أبو موسى كتابا من عمر وإنه لاوجز كتاب كتب به أحد من الناس أربع كلم عزل فيها وعاتب واستحث وأمر أما بعد فانه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرا فسلم ما في يدك والعجل وكتب إلى أهل البصرة أما بعد فاني قد بعثت أبا موسى أميرا عليكم ليأخذ لضعيفكم من قويكم وليقاتل بكم عدوكم وليدفع عن ذمتكم وليحصى لكم فيأكم ثم ليقسمه بينكم ولينقى لكم طرقكم وأهدى له المغيرة وليدة من مولدات الطائف تدعى عقيلة وقال إنى قد رضيتها لك وكانت فارهة وارتحل المغيرة وأبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد وشبل بن معبد البجلي حتى قدموا على عمر فجمع بينهم وبين المغيرة فقال المغيرة سل هؤلاء الاعبد كيف رأوني مستقبلهم أو مستدبرهم وكيف رأوا المرأة أو عرفوها فان كانوا مستقبلي فكيف ثم استتر أو مستدبري فبأي شئ استحلوا النظر إلي في منزلي على امرأتي والله ما أتيت إلا امرأتي وكانت شبهها فبدأ بأبي بكرة فشهد عليه انه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة قال كيف رأيتهما قال مستدبرهما قال فكيف استثبت رأسها قال تحاملت ثم دعا بشبل بن معبد فشهد بمثل ذلك فقال استدبرتهما أو استقبلتهما قال استقبلتهما وشهد نافع بمثل شهادة أبى بكرة ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم قال رأيته جالسا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان واستين مكشوفتين وسمعت حفزانا شديدا قال هل رأيت كالميل في المكحلة قال لا قال فهل تعرف المرأة قال لا ولكن أشبهها قال فتنح وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد وقرأ " فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون فقال المغيرة اشفني من الاعبد فقال اسكت أسكت الله نأمتك أما والله لو تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك (وفي هذه السنة) أعني سنة سبع عشرة فتحت سوق الاهواز ومناذر ونهرتيري في قول بعضهم وفي قول آخرين كان ذلك في سنة ست عشرة من الهجرة ذكر الخبر عن سبب فتح ذلك وعلى يدي من جرى (كتب إلي السري) يذكر أن شعيبا حدثه عن سيف بن عمر عن محمد وطلحة

[ 171 ]

والمهلب وعمرو قالوا كان الهرمزان أحد البيوتات السبعة في أهل فارس وكانت أمته مهرجان قذق وكور الاهواز فهؤلاء بيوتات دون سائر أهل فارس فلما انهزم يوم القادسية كان وجهه إلى أمته فملكهم وقاتل بهم من أرادهم فكان الهرمزان يغير على أهل ميسان ودست ميسان من وجهين من مناذر ونهرتيري فاستمد عتبة بن غزوان سعدا فأمده سعد بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود وأمرهما أن يأتيا أعلى ميسان ودستميسان حتى يكونا بينهم وبين نهرتيري ووجه عتبة بن غزوان سلمى بن القين وحرملة بن مريطة وكانا من المهاجرين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما من بني العدوية من بني حنظلة فنزلا على حدود أرض ميسان ودستميسان بينهم وبين مناذر ودعوا بني العم فخرج إليهم غالب الوائلي وكليب بن وائل الكليبي فتركا نعيما ونعيما ونكبا عنهما وأتيا سلمى وحرملة وقالا أنتما من العشيرة وليس لكما مترك فإذا كان يوم كذا وكذا فانهدا للهرمزان فان أحدنا يثور بمناذر والآخر بنهرتيري فنقتل المقاتلة ثم يكون وجهنا اليكم فليس دون الهرمزان شئ إن شاء الله ورجعا وقد استجابا واستجاب قومهما بنو العم بن مالك قال وكان من حديث العمى والعمى مرة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم أنه تنخت عليه وعلى العصية بن امرئ القيس افناء معد فعماه عن الرشد من لم ير نصره فارس على الاردوان فقال في ذلك كعب بن مالك أخوه ويقال صدى بن مالك لقد عم عنها مرة الخير فانصمى * وصم فلم يسمع دعاء العشائر ليتنخ عنا رغبة عن بلاده * ويطلب ملكا عاليا في الاساور فبهذا البيت سمى العم فقيل بنو العم عموه عن الصواب بنصره أهل فارس كقول الله تبارك وتعالى " عموا وصموا " وقال يربوع بن مالك لقد علمت عليا معد بأننا * غداة التباهي غر ذاك التبادر تنخنا على رغم العداة ولم ينح * بحي تميم والعديد الجماهر نفينا عن الفرس النبيط فلم يزل * لنا فيهم إحدى الهنات البهاتر

[ 172 ]

إذا العرب العلياء جاشت بحورها * فخرنا على كل البحور الزواخر وقال أيوب بن العصية بن امرئ القيس لنحن سبقنا بالتنوخ القبائلا * وعمدا تنخنا حيث جاؤا قنابلا وكنا ملوكا قد عززنا الاوائلا * وفي كل قرن قد ملكنا الحلائلا فلما كانت تلك الليلة ليلة الموعد من سلمى وحرملة وغالب وكليب والهرمزان يومئذ بين نهر تيري وبين دلث خرج سلمى وحرملة صبيحتها في تعبية وأنهضا نعيما ونعيما فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهر تيري وسلمى بن القين على أهل البصرة ونعيم بن مقرن على أهل الكوفة فاقتتلوا فبيناهم في ذلك أقبل المدد من قبل غالب وكليب وأتى الهرمزان الخبر بأن مناذر ونهر تيري قد أخذتا فكسر الله في ذرعه وذرع جنده وهزمه وإياهم فقتلوا منهم ما شاءوا وأصابوا منهم ما شاؤا واتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دجيل وأخذوا ما دونه وعسكروا بحيال سوق الاهواز وقد عبر الهرمزان جسر سوق الاهواز وأقام بها وصار دجيل بين الهرمزان وسلمى وحرملة ونعيم ونعيم وغالب وكليب (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن المغيرة العبدي عن رجل من عبدالقيس يدعى صحارا قال قدمت على هرم بن حيان فيما بين الدلوث ودجيل بجلال من تمر وكان لا يصبر عنه وكان جل زاده إذا تزود التمر فإذا فنى انتخب له مزاود من جلال وهم ينفرون فيحملها فيأكلها ويطعمها حيث ما كان من سهل أو جبل قالوا ولما دهم القوم الهرمزان ونزلوا بحياله من الاهواز رأى ما لا طاقة له به فطلب الصلح فكتبوا إلى عتبة بذلك يستأمرونه فيه وكاتبه الهرمزان فأجاب عتبة إلى ذلك على الاهواز كلها ومهرجان قذق ما خلا نهر تيري ومناذر وما غلبوا عليه من سوق الاهواز فانه لا يرد عليهم ما تنقذنا وجعل سلمى بن القين على مناذر مسلحة وأمرها إلى غالب وحرملة على نهر تيري وأمرها إلى كليب فكانا على مسالح البصرة وقد هاجرت طوائف بني العم فنزلوا منازلهم من البصرة وجعلوا يتتابعون على ذلك وقد كتب بذلك عتبة إلى عمر ووفد وفدا (منهم) سلمى وأمره أن يستخلف على عمله وحرملة وكانا من الصحابة وغالب وكليب

[ 173 ]

ووفد وفود من البصرة يومئذ فأمرهم أن يرفعوا حوائجهم فكلهم قال أما العامة فأنت صاحبها ولم يبق إلا خواص أنفسنا فطلبوا لانفسهم إلا ما كان من الاحنف ابن قيس فانه قال يا أمير المؤمنين إنك لكما ذكروا ولقد يعزب عنك ما يحق علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامة وإنما ينظر الوالي فيما غاب عنه بأعين أهل الخبر ويسمع بآذانهم وإنا لم نزل ننزل منزلا بعد منزل حتى أرزنا إلى البر وإن اخواننا من أهل الكوفة نزلوا في مثل حدقة البعير الغاسقة من العيون والعذاب والجنان الخصاب فتأتيهم ثمارهم ولم تخضد وإنا معشر أهل البصرة نزلنا سبخة هشاشة زعقة نشاشة طرف لها في الفلاة وطرف لها في البحر الاجاج يجرى إليها ما جرى في مثل مرئ النعامة دارنا فعمة ووظيفتنا ضيقة وعددنا كثير وأشرافنا قليل وأهل البلاء فينا كثير ودرهمنا كبير وقفيزنا صغير وقد وسع الله علينا وزادنا في أرضنا فوسع علينا يا أمير المؤمنين وزدنا وظيفة توظف علينا ونعيش بها فنظر إلى منازلهم التي كانوا بها إلى أن صاروا إلى الحجر فنفلهموه وأقطعهموه وكان مما كان لآل كسرى فصار فيئا فيما بين دجلة والحجر فاقتسموه وكان سائر ما كان لآل كسرى في أرض البصرة على حال ما كان في أرض الكوفة ينزلونه من أحبوا ويقتسمونه بينهم لا يستأثرون به على بدء ولا ثنى بعدما يرفعون خمسه إلى الوالي فكانت قطائع أهل البصرة نصفين نصفها مقسوم ونصفها متروك للعسكر وللاجتماع وكان أصحاب الالفين ممن شهد القادسية ثم أتى البصرة مع عتبة خمسة آلاف وكانوا بالكوفة ثلاثين ألفا فألحق عمر أعدادهم من أهل البصرة من أهل البلاء في الالفين حتى ساواهم بهم ألحق جميع من شهد الاهواز ثم قال هذا الغلام سيد أهل البصرة وكتب إلى عتبة فيه بأن يسمع منه ويشرب برأيه ورد سلمى وحرملة وغالبا وكليبا إلى مناذر ونهر تيري فكانوا عدة فيه لكون إن كان ليميزوا خراجها (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا بينا الناس من أهل البصرة وذمتهم على ذلك وقع بين الهرمزان وبين غالب وكليب في حدود الارضين اختلاف وادعاء فحضر ذلك سلمى وحرملة لينظروا فيما بينهم فوجدا غالبا وكليبا

[ 174 ]

محقين والهرمزان مبطلا فحالا بينه وبينهما فكفر الهرمزان أيضا ومنع ما قبله واستعان بالاكراد فكثف جنده وكتب سلمى وحرملة وغالب وكليب بغى الهرمزان وظلمه وكفره إلى عتبة بن غزوان فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر يأمره بأمره وأمدهم عمر بحرقوص بن زهير السعدي وكانت له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره على القتال وعلى ما غلب عليه فنهد الهرمزان بمن معه وسلمى وحرملة وغالب وكليب حتى إذا انتهوا إلى جسر سوق الاهواز أرسلوا إلى الهرمزان إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر اليكم فقال اعبروا الينا فعبروا من فوق الجسر فاقتتلوا فوق الجشر مما يلي سوق الاهواز حتى هزم الهرمزان ووجه نحو رامهرمز فأخذ على قنطرة أربك بقرية الشغر حتى حل برامهرمز وافتتح حرقوص سوق الاهواز فأقام بها ونزل الجبل واتسقت له بلاد سوق الاهواز إلى تستر ووضع الجزية وكتب بالفتح والاخماس إلى عمر ووفد وفدا بذلك فحمد الله ودعا له بالثبات والزيادة وقال الاسود بن سريع في ذلك وكانت له صحبة لعمرك ما أضاع بنو أبينا * ولكن حافظوا فيمن يطيع أطاعوا ربهم وعصاه قوم * أضاعوا أمره فيمن يضيع مجوس لا ينهنهها كتاب * فلاقوا كبة فيها قبوع وولى الهرمزان على جواد * سريع الشد يثفنه الجميع وخلى سرة الاهواز كرها * غداة الجسر إذ نجم الربيع وقال حرقوص: غلبنا الهرمزان على بلاد * لها في كل ناحية ذخائر سواء برهم والبحر فيها * إذا صارت نواجبها بواكر لها بحر يعج بجانبيه * جعافر لا يزال لها زواخر وفيها فتحت تستر في قول سيف وروايته أعني سنة سبع عشرة وقال بعضهم فتحت سنة ست عشرة وبعضهم يقول في سنة تسع عشرة

[ 175 ]

ذكر الخبر عن فتحها (كتب إلي السري) * عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا لما انهزم الهرمزان يوم سوق الاهواز وافتتح حرقوص بن زهير سوق الاهواز أقام بها وبعث جزء بن معاوية في أثره بأمر عمر إلى سرق وقد كان عهد إليه فيه إن فتح الله عليهم أن يتبعه جزءا ويكون وجهه إلى سرق فخرج جزء في أثر الهرمزان والهرمزان متوجه إلى رامهرمز هاربا فما زال يقتلهم حتى انتهى إلى قرية الشغر وأعجزه بها الهرمزان فمال جزء إلى دورق من قرية الشغر وهي شاغرة برجلها ودورق مديعنة سرق فيها قوم لا يطيقون منعها فأخذها صافية وكتب إلى عمر بذلك وإلى عتبة وبدعائه من هرب إلى الجزاء والمنعة وإجابتهم إلى ذلك فكتب عمر إلى جزء بن معاوية وإلى حرقوص بن زهير بلزوم ما غلبا عليه وبالمقام حتى يأتيهما أمره وكتب إليه مع عتبة بذلك ففعلا واستأذن جزء في عمران بلاده عمر فأذن له فشق الانهار وعمر الموات ولما نزل الهرمزان رامهرمز وضاقت عليه الاهواز والمسلمون حلال فيها فيما يديه طلب الصلح وراسل حرقوصا وجزءا في ذلك فكتب فيه حرقوص إلى عمر فكتب إليه عمر وإلى عتبة يأمره أن يقبل منه على ما لم يفتحوا منها على رامهرمز وتستر والسوس وجندي سابور والبنيان ومهرجا نقذق فأجابهم إلى ذلك فأقام أمراء الاهواز على ما أسند إليهم وأقام الهرمزان على صلحه يجبى إليهم ويمنعونه وإن غاوره أكراد فارس أعانوه وذبوا عنه وكتب عمر إلى عتبة أن أوفد على وفدا من صلحاء جند البصرة عشرة فوفد إلى عمر عشرة فيهم الاحنف فلما قدم على عمر قال إنك عندي مصد وقدق رأيتك رجلا فأخبرني أن ظلمت الذمة المظلمة نفروا أم لغير ذلك فقال لا بل لغير مظلمة والناس على ما تحب قال فنعم إذا انصرفوا إلى رحالكم فانصرف الوفد إلى رحالهم فنظر في ثيابهم فوجد ثوبا قد خرج طرفه من عيبة فشمه ثم قال لمن هذا الثوب منكم قال الاحنف لي قال فبكم أخذته فذكر ثمنا يسيرا ثمانية أو نحوها ونقص مما

[ 176 ]

كان أخذه به وكان قد أخذه باثنى عشر قال فهلا بدون هذا ووضعت فضلته موضعا تغنى به مسلما حصوا وضعوا الفضول مواضعها تريحوا أنفسكم وأموالكم ولا تسرفوا فتخسروا أنفسكم وأموالكم إن نظر امرؤ لنفسه وقدم لها يخلف له وكتب عمر إلى عتبة أن أعزب الناس عن الظلم واتقوا واحذروا أن يدال عليكم لغدر يكون منكم أو بغى فإنكم إنما أدركتم بالله ما أدركم على عهد عاهدكم عليه وقد تقدم إليكم فيما أخذ عليكم فأوفوا بعهد الله وقوموا على أمره يكن لكم عونا وناصرا وبلغ عمران حرقوصا نزل جبل الاهواز والناس يختلفون إليه والجبل كؤود يشق على من رامه فكتب إليه بلغني أنك نزلت منزلا كؤدا لا تؤتى فيه الا على مشقة فأسهل ولا تشق على مسلم ولا معاهد وقم في أمرك على رجل تدرك الآخرة وتصف لك الدنيا ولا تدركنك فترة ولا عجلة فتكدر دنياك وتذهب آخرتك ثم إن حرقوصا تحرر يوم صفين وبقى على ذلك وشهد النهروان مع الحرورية (وفي هذه السنة) أعني سنة سبعة عشر غزا المسلمون أرض فارس من قبل البحرين فيما زعم سيف ورواه ذكر الخبر بذلك (كتب إلي السري) يقول حدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن محمد والمهلب وعمرو قالوا كان المسلمون بالبصرة وأرضها وأرضها يومئذ سوادها والاهواز على ما هم عليه إلى ذلك اليوم ما غلبوا عليه منها ففي أيديهم وما صولحوا عليه منها ففي أيدي أهله يؤدون الخراج ولا يدخل عليهم ولهم الذمة والمنعة وعميد الصلح الهرمزان وقد قال عمر حسبنا لاهل البصرة سوادهم والاهواز وددت أن بيننا وبين فارس جبلا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم كما قال لاهل الكوفة وددت أن بينهم وبين الجبل جبلا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم وكان العلاء ابن الحضرمي على البحرين أزمان أبي بكر فعزله عمر وجعل قدامة بن المطعون مكانه ثم عزل قدامة ورد العلاء وكان العلاء يبارى سعدا لصدع صدعه القضاء بينهما

[ 177 ]

فطار العلاء على سعد في الردة بالفضل فلما ظفر سعد بالقادسية وأزاح الاكاسرة عن الدار وأخذ حدود ما يلي السواد واستعلى وجاء بأعظم مما كان العلاء جاء به سر العلاء أن يصنع شيئا في الاعاجم فرجا أن يدال كما قد كان أديل ولم يقدر العلاء ولم ينظر فيما بين فضل الطاعة والمعصية بجد وكان أبو بكر قد استعمله وأذن له في قتال أهل الردة واستعمله عمر ونهاه عن البحر فلم يقدر في الطاعة والمعصية وعواقبهما فندب أهل البحرين إلى فارس فتسرعوا إلى ذلك وفرقهم أجنادا على أحدهما الجارود بن المعلى وعلى الآخر السوار بن همام وعلى الآخر خليد بن المنذر ابن ساوى وخليد على جماعة الناس فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر وكان عمر لا يأذن لاحد في ركوبه غازيا يكره التغرير بجنده استنانا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأبي بكر لم يغز فيه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس فخرجوا في إصطخر وبإزائهم أهل فارس وعلى أهل فارس الهربذا اجتمعوا عليه فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم فقام خليد في الناس فقال أما بعد فإن الله إذا قصى أمرا جرت به المقادير حتى تصيبه وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم وإنما جئتم لمحاربتهم والسفن والارض لمن غلب فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في موضع من الارض يدعى طاوس وجعل السوار يرتجز يومئذ ويذكر قومه ويقول: يا آل عبدالقيس للقراع * قد حفل الامداد بالجراع وكلهم في سنن المصاع * يحسن ضرب القوم بالقطاع حتى قتل وجعل الجارود يرتجز ويقول: لو كان شيئا أمما أكلته * أو كان ماء سادما جهرته لكن بحرا جاءنا أنكرته حتى قتل ويومئذ ولى عبدالله بن السوار والمنذرين الجارود حياتهما إلى أن ماتا وجعل خليد يومئذ يرتجز ويقول:

[ 178 ]

يال تميم أجمعوا النزول * وكاد جيش عمر يزول وكلكم يعلم ما أقول إنزلوا فنزلوا فاقتتل القوم فقتل أهل فارس مقتلة لم يقتلوا مثلها قبلها ثم خرجوا يريدون البصرة وقد غرقت سفنهم ثم لم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا ثم وجدوا شهرك قد أخذ على المسلمين بالطرق فعسكروا وامتنعوا في نشوبهم ولما بلغ عمر الذي صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر ألقى في روعه نحو من الذي كان فاشتد غضبه على العلاء وكتب إليه يعزله وتوعده وأمره بأثقل الاشياء عليه وأبغض الوجوه إليه بتأمير سعد عليه وقال الحق بسعد بن أبي وقاص فيمن قبلك فخرج بمن معه نحو سعد وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان أن العلاء بن الحضرمي حمل جندا من المسلمين فأقطعهم أهل فارس وعصاني وأظنه لم يرد الله بذلك فخشيت عليهم إن لا ينصروا أن يغلبوا وينشبوا فاندب إليهم الناس واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا فندب عتبة الناس وأخبرهم بكتاب عمر فانتدب عاصم ابن عمرو وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن ومجزأة بن ثور ونهار بن الحارث والترجمان بن فلان والحصين بن أبي الحر والاحنف بن قيس وسعد بن أبي العرجاء وعبد الرحمن بن سهل وصعصعة بن معاوية فخرجوا في اثنى عشر ألفا على البغال يجنبون الخيل وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم أحد بني مالك بن حسل بن عامر بن لؤي والمسالح على حالها بالاهواز والذمة وهم ردء للغازي والمقيم فسار أبو سبرة بالناس وساحل لا يلقاه أحد ولا يعرض له حتى التقى أبو سبرة وخليد بحيث أخذ عليهم بالطرق غب وقعة القوم بطاوس وإنما كان ولى قتالهم أهل اصطخر وحدهم والشذاذ من غيرهم وقد كان أهل اصطخر حيث أخذوا على المسلمين بالطرق وأنشبوهم استصرخوا عليهم أهل فارس كلهم فضربوا إليهم من كل وجه وكورة فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاوس وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم وإلى المشركين أمدادهم وعلى المشركين شهرك فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاءوا وهي الغزاة التي شرفت فيها نابتة البصرة وكانوا

[ 179 ]

أفضل نوابت الامصار فكانوا أفضل المصرين نابتة ثم انكفؤوا بما أصابوا وقد عهد إليهم عتبة وكتب إليهم بالحث وقلة العرجة فانضموا إليه بالبصرة فخرج أهلها إلى منازلهم منها وتفرق الذين تنقذوا من أهل هجر إلى قبائلهم والذين تنقذوا من عبدالقيس في موضع سوق البحرين ولما أحرز عتبة الاهواز وأوطأ فارس استأذن عمر في الحج فأذن له فلما قضى حجه استعفاه فأبى أن يعفيه وعزم عليه ليرجعن إلى عمله فدعا الله ثم انصرف فمات في بطن نخلة فدفن وبلغ عمر فمر به زائرا لقبره وقال أنا قتلتك لولا أنه أجل معلوم وكتاب مرقوم وأثنى عليه بفضله ولم يختط فيمن اختط من المهاجرين وإنما ورث ولده منزلهم من فاختة ابنة غزوان وكانت تحت عثمان بن عفان وكان خباب مولاه قد لزم سمته فلم يختط ومات عتبة ابن غزوان على رأس ثلاث سنين ونصف من مفارقة سعد بالمدائن وقد استخلف على الناس أبا سبرة بن أبي رهم وعماله على حالهم ومسالحه على نهر تيري ومناذر وسوق الاهواز وسرق والهرمزان برامهرمز مصالح عليها وعلى السوس والبنيان وجندي سابور ومهرجانذق وذلك بعد تنقذ الذين كان حمل العلاء في البحر إلى فارس ونزولهم البصرة وكان يقال لهم أهل طاوس نسبوا إلى الوقعة وأقر عمر أبا سبرة بن أبي رهم على البصرة بقية السنة ثم استعمل المغيرة بن شعبة في السنة الثانية بعد وفاة عتبة فعمل عليها بقية تلك السنة والسنة التي تليها لم ينتقض عليه أحد في عمله وكان مرزوقا السلامة ولم يحدث شيئا إلا ما كان بينه وبين أبي بكرة ثم استعمل عمر أبا موسى على البصرة ثم صرف إلى الكوفة ثم استعمل عمر بن سراقة ثم صرف عمر بن سراقة إلى الكوفة من البصرة وصرف أبو موسى إلى البصرة من الكوفة فعمل عليها ثانية (وفي هذه السنة) أعني سنة سبع عشرة كان فتح رامهرمز والسوس وتستر وفيها أسر الهرمزان في رواية سيف ذكر الخبر عن فتح ذلك من روايته (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا ولم يزل يزدجرد يثير أهل فارس أسفا على ما خرج منهم فكتب يزدجرد

[ 180 ]

إلى أهل فارس وهو يومئذ بمرو يذكرهم الاحقاد ويؤنبهم أن قد رضيتم يا أهل فارس أن قد غلبتكم العرب على السواد وما والاه والاهواز ثم لم يرضوا بذلك حتى توردوكم في بلادكم وعقر داركم فتحركوا وتكاتبوا أهل فارس وأهل الاهواز وتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا على النصرة وجاءت الاخبار حرقوص بن زهير وجاءت جزءا وسلمى وحرملة عن خبر غالب وكليب فكتب سلمى وحرملة إلى عمر وإلى المسلمين بالبصرة فسبق كتاب سلمى وحرملة فكتب عمر إلى سعد أن ابعث إلى الاهواز بعثا كثيفا مع النعمان بن مقرن وعجل وابعث سويد بن مقرن وعبد الله بن ذي السهمين وجرير بن عبدالله الحميري وجرير بن عبدالله البجلي فلينزلوا بازاء الهرمزان حتى يتبينوا أمره وكتب إلى أبي موسى أن ابعث إلى الاهواز جندا كثيفا وأمر عليهم سهل بن عدي أخا سهيل بن عدي وابعث معه البراء بن مالك وعاصم بن عمرو ومجزأة بن ثور وكعب بن سور وعرفجة بن هرثمة وحذيفة ابن محصن وعبد الرحمن بن سهل والحصين بن معبد وعلى أهل الكوفة وأهل البصرة جميعا أبو سبرة بن أبي رهم وكل من أتاه ممد له وخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة فأخذ وسط السواد حتى قطع دجلة بحيال ميسان ثم أخذ البر إلى الاهواز على البغال يجنبون الخيل وانتهى إلى نهر تيرى فجازها ثم جاز مناذر ثم جاز سوق الاهواز وخلف حرقوصا وسلمى وحرملة ثم سار نحو الهرمزان والهرمزان يومئذ برامهرمز ولما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشدة ورجا أن يقتطعه وقد طمع الهرمزان في نصر أهل فارس وقد أقبلوا نحوه ونزلت أوائل إمدادهم بتستر فالتقى النعمان والهرمزان بأربك فاقتتلوا قتالا شديدا ثم إن الله عزوجل هزم الهرمزان للنعمان وأخلى رامهرمز وتركها ولحق بتستر وسار النعمان من أربك حتى ينزل برامهرمز ثم صعد لايذج فصالحه عليها تيرويه فقبل منه وتركه ورجع إلى رامهرمز فأقام بها * قالوا ولما كتب عمر إلى سعد وأبى موسى وسار النعمان وسهل سبق النعمان في أهل الكوفة سهلا وأهل البصرة ونكب الهرمزان وجاء سهل في أهل البصرة حتى نزلوا بسوق الاهواز وهم يريدون

[ 181 ]

رامهرمز فأتتهم الوقعة وهم بسوق الاهواز وأتاهم الخبر أن الهرمزان قد لحق بتستر فمالوا من سوق الاهواز نحوه فكان وجههم منها إلى تستر ومال النعمان من رامهرمز إليها وخرج سلمى وحرملة وحرقوص وجزء فنزلوا جميعا على تستر والنعمان على أهل الكوفة وأهل البصرة متساندون وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس وأهل الجبال والاهواز في الخنادق وكتبوا بذلك إلى عمر واستمده أبو سبرة فأمدهم بأبى موسى فسار نحوهم وعلى أهل الكوفة النعمان وعلى أهل البصرة أبو موسى وعلى الفريقين جميعا أبو سبرة فحاصروهم أشهرا وأكثروا فيهم القتل وقتل البراء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مائة مبارز سوى من قتل في غير ذلك وقتل مجزأة بن ثور مثل ذلك وقتل كعب بن ثور مثل ذلك وقتل أبو تميمة مثل ذلك في عدة من أهل البصرة وفي الكوفيين مثل ذلك منهم حبيب بن قرة وربعي بن عامر وعامر بن عبد الاسود وكان من الرؤساء في ذلك ما ازدادوا به إلى ما كان منهم وزاحفهم المشركون في أيام تستر ثمانين زحفا في حصارهم يكون عليهم مرة ولهم أخرى حتى إذا كان في آخر زحف منها واشتد القتال قال المسلمون يابراء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا فقال اللهم اهزمهم لنا واستشهدني قال فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم وأرزوا إلى مدينتهم وأحاطوا بها فبيناهم على ذلك وقد ضاقت بهم المدينة وطالت حربهم خرج إلى النعمان رجل فاستأمنه على أن يدله على مدخل يؤتون منه ورمى في ناحية أبي موسى بسهم قد وثقت بكم وأمنتكم واستأمنتكم على أن دللتكم على ما تأتون منه المدينة ويكون منه فتحها فآمنوه في نشابة فرمى إليهم بآخر وقال انهدوا من قبل مخرج الماء فإنكم ستفتحونها فاستشار في ذلك وندب إليه فانتدب له عامر بن عبد قيس وكعب بن سور ومجزأة بن ثور وحسكة الحبطي وبشر كثير فنهدوا لذلك المكان ليلا وقد ندب النعمان أصحابه حين جاءه الرجل فانتدب له سويد بن المثعبة وورقاء بن الحارث وبشر بن ربيعة الخثعمي ونافع بن زيد الحميري وعبد الله بن بشر الهلالي فنهدوا في بشر كثير فالتقوا هم وأهل البصرة

[ 182 ]

على ذلك المخرج وقد انسرب سويد وعبد الله بن بشر فاتبعهم هؤلاء وهؤلاء حتى إذا اجتععوا فيها والناس على رجل من خارج كبروا فيها وكبر المسلمون من خارج وفتحت الابواب فاجتلدوا فيها فأنا مواكل مقاتل وأرز الهرمزان إلى القلعة وأطاف به الذين دخلوا من مخرج الماء فلما عاينوه وأقبلوا قبله قال لهم ما شئتم قد ترون ضيق ما أنا فيه وأنتم ومعي في جعبتي مائة نشابة ووالله ما تصلون إلي ما دام معي منها نشابة وما يقع لي سهم وما خير إسارى إذا أصبت منكم مائة بين قتيل أو جريح قالوا فتريد ماذا قال أن أضع يدي في أيديكم على حكم عمر يصنع بي ما شاء قالوا فلك ذلك فرمى بقوسه وأمكنهم من نفسه فشدوه وثاقا واقتسموا ما أفاء الله عليهم فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف والراجل ألفا ودعا صاحب الرمية بها فجاء هو والرجل الذي خرج بنفسه فقالا من لنا بالامان الذي طلبنا علينا وعلى من مال معنا قالوا ومن مال معكم من أغلق بابه عليه مدخلكم فأجازوا ذلك لهم وقتل من المسلمين ليلتئذ أناس كثير وممن قتل الهرمزان بنفسه مجزأة بن ثور والبراء ابن مالك قالوا وخرج أبو سبرة في أثر الفل من تستر وقد قصدوا للسوس إلى السوس وخرج معه بالنعمان وأبى موسى ومعهم الهرمزان حتى اشتملوا على السوس وأحاط المسلمون بها وكتبوا بذلك إلى عمر فكتب عمر إلى عمر بن سراقة بأن يسير نحو المدينة وكتب إلى أبي موسى فرده على البصرة وقد رد أبا موسى على البصرة ثلاث مرات بهذه ورد عمر عليها مرتين وكتب إلى زر بن عبدالله بن كليب الفقيمي أن يسير إلى جندي سابور فسار حتى نزل عليها وانصرف أبو موسى إلى البصرة بعد ما أقام إلى رجوع كتاب عمر وأمر عمر على جند البصرة المقترب الاسود بن ربيعة أحد بنى ربيعة بن مالك وكان الاسود وزر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين وكان الاسود قد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال جئت لاقترب إلى الله عزوجل بصحبتك فسماه المقترب وكان زر قد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فنى بطني وكثر إخوتنا فادع الله لنا فقال اللهم أوف لزر عميرته فتحول إليهم العدد وأوفد أبو سبرة وفدا

[ 183 ]

فيهم أنس بن مالك والاحنف بن قيس وأرسل الهرمزان معهم فقدموا مع أبي موسى البصرة ثم خرجوا نحو المدينة حتى إذا دخلوا هيؤا الهرمزان في هيئته فألبسوه كسوته من الديباج الذى فيه الذهب ووضعوا على رأسه تاجا يدعى الآذين مكللا بالياقوت وعليه حليته كيما يراه عمر والمسلمون في هيئته ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله فلم يجدوه فسألوا عنه فقيل جلس في المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة فانطلقوا يطلبونه في المسجد فلم يروه فلما انصرفوا مروا بغلمان من أهل المدينة يلعبون فقالوا لهم ما تلددكم تريدون أمير المؤمنين فإنه نائم في ميمنة المسجد متوسدا برنسه وكان عمر قد جلس لوفد أهل الكوفة في برنس فلما فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه وأخلوه نزع برنسه ثم توسده فنام فانطلقوا ومعهم النظارة حتى إذا رأوه جلسوا دونه وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره والدرة في يده معلقة فقال الهرمزان أين عمر فقالوا هوذا وجعل الوفد يشيرون إلى الناس أن اسكتوا عنه وأصغى الهرمزان إلى الوفد فقال أين حرسه وحجابه عنه قالوا ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب ولا ديوان قال فينبغي له أن يكون نبيا فقالوا بل يعمل عمل الانبياء وكثر الناس فاسيتقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسا ثم نظر إلى الهرمزان فقال الهرمزان قالوا نعم فتأمله وتأمل ما عليه وقال أعوذ بالله من النار وأستعين الله وقال الحمد لله الذي أذل بالاسلام هذا وأشياعه يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدى نبيكم ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة فقال الوفد هذا ملك الاهواز فكلمه فقال لا حتى لا يبقى عليه من حليته شئ فرمى عنه بكل شئ عليه إلا شيئا يستره وألبسوه ثوبا صفيقا فقال عمر هيه يا هرمزان كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله فقال يا عمر إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم فلما كان معكم غلبتمونا فقال عمر إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا ثم قال عمر ما عذرك وما حجتك في انتقاضك مرة بعد مرة فقال أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك قال لا تخف ذلك واستسقى ماء فأتى به في قدح غليظ فقال لو مت عطشا لم أستطع أن

[ 184 ]

أشرب في مثل هذا فأتى به في إناء يرضاه فجعلت يده ترجف وقال إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب الماء فقال عمر لا بأس عليك حتى تشربه فأكفأه فقال عمر أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش فقال لا حاجة لي في الماء إنما أردت أن أستأمن به فقال له عمر إني قاتلك قال قد آمنتني فقال كذبت فقال أنس صدق يا أمير المؤمنين قد آمنته قال ويحك يا أنس أنا أو من من قاتل مجزأة والبراء والله لتأتين بمخرج أو لاعاقبنك قال قلت له لا بأس عليك حتى تخبرني وقلت لا بأس عليك حتى تشربه وقال له من حوله مثل ذلك فأقبل على الهرمزان وقال خدعتني والله لا أنخدع إلا لمسلم فأسلم ففرض له على ألفين وأنزله المدينة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي سفيان طلحة بن عبدالرحمن عن ابن عيسى قال كان الترجمان يوم الهرمزان المغيرة بن شعبة إلى أن جاء المترجم وكان المغيرة يفقه شيئا من الفارسية فقال عمر للمغيرة قل له من أي أرض أنت فقال المغيرة از كذام أرضيه فقال مهرجاني فقال تكلم بحجتك قال كلام حي أو ميت قال بل كلام حي قال قد آمنتني قال خدعتني إن للمخدوع في الحرب حكمه لا والله لا أو منك حتى تسلم فأيقن أنه القتل أو الاسلام فأسلم ففرض له على ألفين وأنزله المدينة وقال للمغيرة ما أراك بها حاذقا ما أحسنها منكم أحد إلا خب وما خب إلا دق إياكم وإياها فإنها تنقض الاعراب وأقبل زيد فكلمه وأخبر عمر بقوله والهرمزان بقول عمر (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمر وعن الشعبي وسفيان عن الحسن قال قال عمر للوفد لعل المسلمين يفضون إلى أهل الذمة بأذى وبأمور لها ما ينتقضون بكم فقالوا ما نعلم إلا وفاء وحسن ملكة قال فكيف هذا فلم يجد عند أحد منهم شيئا يشفيه ويبصر به مما يقولون إلا ما كان من الاحنف فقال يا أمير المؤمنين أخبرك أنك نهيتنا عن الانسياح في البلاد وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا وإن ملك فارس حي بين أظهرهم وإنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم ولم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج أحدهما صاحبه وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئا بعد شئ إلا بانبعاثهم

[ 185 ]

وأن ملكهم هو الذي يبعثهم ولا يزال هذا دأبهم حتى يأذن لنا فالمسيح في بلادهم حتى نزيله عن فارس ونخرجه من مملكته وعز أمته فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس ويضربوا جأشا فقال صدقتني والله وشرحت لي الامر عن حقه ونظر في حوائجهم وسرحهم وقدم الكتاب على عمر باجتماع أهل نهاوند وانتهاء أهل مهرجانقذق وأهل كور الاهواز إلى رأي الهرمزان ومشيئته فذلك كان سبب إذن عمر لهم في الانسياح ذكر فتح السوس (اختلف) أهل السير في أمرها فأما المدائني فإنه فيما حدثني عنه أبو زيد قال لما انتهى فل جلولاء إلى يزدجرد وهو بحلوان دعا بخاصته والموبذ فقال إن القوم لا يلقون جمعا إلا فلوه فما ترون فقال الموبذ نرى أن تخرج فتنزل إصطخر فإنها بيت المملكة وتضم إليك خزائنك وتوجه الجنود فأخذ برأيه وسار إلى أصبهان ودعا سياه فوجهه في ثلاثمائة فيهم سبعون رجلا من عظمائهم وأمره أن ينتخب من كل بلدة يمر بها من أحب فمضى سياه وتبعه يزدجرد حتى نزلوا اصطخر وأبو موسى محاصر السوس فوجه سياه إلى السوس والهرمزان إلى تستر فنزل سياه الكلبانية وبلغ أهل السوس أمر جلولاء ونزول يزدجرد اصطخر منهزما فسألوا أبا موسى الاشعري الصلح فصالحهم وسار إلى رامهرمز وسياه بالكلبانية وقد عظم أمر المسلمين عنده فلم يزل مقيما ختى صار أبو موسى إلى تستر فتحول سياه فنزل بين رامهرمز وتستر حتى قدم عمار بن ياسر فدعا سياه الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من اصبهان فقال قد علمتم أنا كنا نتحدث أن هؤلاء القوم أهل الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة وتروث دوابهم في إيوانات اصطخر ومصانع الملوك ويشدون خيولهم بشجرها وقد غلبوا على ما رأيتم وليس يلقون جندا إلا فلوه ولا ينزلون بحصن إلا فتحوه فانظروا لانفسكم قالوا رأينا رأيك قال فليكفني كل رجل منكم حشمه والمنقطعين إليه فإني أرى أن ندخل في دينهم ووجهوا شيرويه في عشرة من الاساورة إلى أبي موسى يأخذ شروطا على أن يدخلوا في الاسلام

[ 186 ]

فقدم شيرويه على أبي موسى فقال إنا قد رغبنا في دينكم فنسلم على أن نقاتل معكم العجم ولا نقاتل معكم العرب وإن قاتلنا أحد من العرب منعتمونا منه وننزل حيث شئنا ونكون فيمن شئنا منكم وتلحقونا بأشراف العطاء ويعقد لنا الامير الذي هو فوقك بذلك فقال أبو موسى بل لكم ما لنا وعليكم ما علينا قالوا لا نرضى وكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فكتب إلى أبي موسى أعطهم ما سألوك فكتب أبو موسى لهم فأسلموا وشهدوا معه حصار تستر فلم يكن أبو موسى يرى منهم جدا ولا نكاية فقال لسياه يا أعور ما أنت وأصحابك كما كنا نرى قال لسنا مثلكم في هذا الدين ولا بصائرنا كبصائركم وليس لنا فيكم حرم نحامي عنهم ولم تلحقنا بإشراف العطاء ولنا سلاح وكراع وأنتم حسر فكتب أبو موسى إلى عمر في ذلك فكتب إليه عمر أن ألحقهم على قدر البلاء في أفضل العطاء وأكثر شئ أخذه أحد من العرب ففرض لمائة منهم في ألفين ألفين ولستة منهم في ألفين وخمسمائة لسياه وخسرو ولقبه مقلاص وشهريار وشهرويه وشيرويه وافروذين فقال الشاعر: لما رأى الفاروق حسن بلائهم * وكان بما يأتي من الامر أبصرا فسن لهم ألفين فرضا وقد رأى * ثلاثمائين فرص عك وحميرا قال فحاصروا حصنا بفارس فانسل سياه في آخر الليل في زي العجم حتى رمى بنفسه إلى جنب الحصن ونضح ثيابه بالدم وأصبح أهل الحصن فرأوا رجلا في زيهم صريعا فظنوا أنه رجل منهم أصيبوا به ففتحوا باب الحصن ليدخلوه فثار وقاتلهم حتى خلوا عن باب الحصن وهربوا ففتح الحصن وحده ودخله المسلمون وقوم يقولون فعل هذا الفعل سياه بتستر وحاصروا حصنا فمشى خسرو إلى الحصن فأشرف عليه رجل منهم يكلمه فرماه خسرو بنشابة فقتله * وأما سيف فانه قال في روايته ما كتب به إلى السري عن شعيب عنه عن محمد وطلحة وعمرو ودثار أبي عمر عن أبي عثمان قالوا لما نزل: أبو سبرة في الناس على السوس وأحاط المسلمون بها وعليهم شهريار أخو الهرمزان ناوشوهم مرات كل ذلك يصيب أهل السوس في المسلمين فأشرف عليهم يوما الرهبان والقسيسون فقالوا يا معشر العرب إن مما

[ 187 ]

عهد إلينا علماؤنا وأوائلنا أنه لا يفتح السوس إلا الدجال أو قوم فيهم الدجال فان كان الدجال فيكم فستفتحونها وإن لم يكن فيكم فلا تعنوا بحصارنا وجاء صرف أبي موسى إلى البصرة وعمل على أهل البصرة المقترب مكان أبي موسى بالسوس واجتمع الاعاجم بنهاوند والنعمان على أهل الكوفة محاصرا لاهل السوس مع أبي سبرة وزر محاصر أهل نهاوند من وجهه ذلك وضرب على أهل الكوفة البعث مع حذيفة وأمرهم بموافاته بنهاوند وأقبل النعمان على التهيؤ للسير إلى نهاوند ثم استقل في نفسه فناوشهم قبل مضيه فعاد الرهبان والقسيسون وأشرفوا على المسلمين وقالوا يا معشر العرب لا تعنوا فإنه لا يفتحها إلا الدجال أو قوم معهم الدجال وصاحوا بالمسلمين وغاظوهم وصاف بن صياد يومئذ مع النعمان في خيله وناهدهم المسلمون جميعا وقالوا نقاتلهم قبل أن نفترق ولما يخرج أبو موسى بعد وأتى صاف باب السوس غضبان فدقه برجله وقال انفتح بظار فتقطعت السلاسل وتكسرت الاغلاق وتفتحت الابواب ودخل المسلمون فألقى المشركون بأيديهم وتنادوا الصلح الصلح وأمسكوا بأيديهم فأجابوهم إلى ذلك بعد ما دخلوها عنوة واقتسموا ما أصابوا قبل الصلح ثم افترقوا فخرج النعمان في أهل الكوفة من الاهواز حتى نزل على ماه وسرح أبو سبرة المقترب حتى ينزل على جندي سابور مع زر فأقام النعمان بعد دخول ماه حتى وافاه أهل الكوفة ثم نهد بهم إلى أهل نهاوند فلما كان الفتح رجع صاف إلى المدينة فاقام بها ومات بالمدينة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عطية عمن أورد فتح السوس قال وقيل لابي سبرة هذا جسد دانيال في هذه المدينة قال ومالنا بذلك فأقره بأيديهم قال عطية باسناده إن دانيال كان لزم أسياف فارس بعد بختنصر فلما حضرته الوفاة ولم ير أحدا ممن هو بين ظهريهم على الاسلام أكرم كتاب الله عمن لم يجبه ولم يقبل منه فأودعه ربه فقال لابنه ائت ساحل البحر فاقذف بهذا الكتاب فيه فاخذه الغلام وضن به وغاب مقدار ما كان ذاهبا وجائيا وقال قد فعلت قال فما صنع البحر حين هوى فيه قال لم أره يصنع شيئا فغضب وقال والله ما فعلت الذي أمرتك به فخرج من

[ 188 ]

عنده ففعل مثل فعلته الاولى ثم أتاه فقال قد فعلت فقال كيف رأيت البحر حين هوى فيه قال ماج واصطفق فغضب أشد من غضبه الاول وقال والله ما فعلت الذي أمرتك به بعد فعزم ابنه على القائه في البحر الثالثة فانطلق إلى ساحل البحر وألقاه فيه فانكشف البحر عن الارض حتى بدت وانفجرت له الارض عن هواء من نور فهوى في ذلك النور ثم انطبقت عليه الارض واختلط الماء فلما رجع إليه الثالثة سأله فأخبره الخبر فقال الآن صدقت ومات دانيال بالسوس فكان هنالك يستسقى بجسده فلما افتتحها المسلمون أتوا به فأقروه في أيديهم حتى إذا ولى أبو سبرة عنهم إلى جندي سابور أقام أبو موسى بالسوس وكتب إلى عمر فيه فكتب إليه يأمره بتوريته فكفنه ودفنه المسلمون وكتب أبو موسى إلى عمر بأنه كان عليه خاتم وهو عندنا فكتب إليه أن تختمه وفي فصه نقش رجل بين أسدين (وفيها) أعني سنة سبعة عشر كانت مصالحة المسلمين أهل جندي سابور ذكر الخبر عن أمرهم وأمرها (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي عمرو وأبي سفيان والمهلب قالوا لما فرغ أبو سبرة من السوس خرج في جنده حتى نزل على جندي سابور وزر بن عبدالله بن كليب محاصرهم فأقاموا عليها يغادونهم ويراوحونهم القتال فما زالوا مقيمين عليها حتى رمى إليهم بالامان من عسكر المسلمين وكان فتحها وفتح نهاوند في مقدار شهرين فلم يفجأ المسلمين إلا وأبوابها تفتح ثم خرج السرح وخرجت الاسواق وانبث أهلها فأرسل المسلمون أن مالكم قالوا رميتم إلينا بالامان فقبلناه وأقررنا لكم بالجزاء على أن تمنعونا فقالوا ما فعلنا فقالوا ما كذبنا فسأل المسلمون فيما بينهم فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها هو الذي كتب لهم فقالوا إنما هو عبد فقالوا إنا لا نعرف حركم من عبدكم قد جاء أمان فنحن عليه قد قبلناه ولم نبدل فإن شئتم فاغدروا فأمسكوا عنهم وكتبوا بذلك إلى عمر فكتب إليهم إن الله عظم الوفاء فلا تكونون أوفياء حتى تفوا ما دمتم في شك أجيزوهم وفوا لهم فوفوا لهم وانصرفوا عنهم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد

[ 189 ]

وطلحة والمهلب وعمرو قالوا أذن عمر في الانسياح سنة سبعة عشر في بلاد فارس وانتهى في ذلك إلى رأي الاحنف بن قيس وعرف فضله وصدقه وفرق الامراء والجنود وأمر على أهل البصرة امراء وأمر على أهل الكوفة أمراء وأمر هؤلاء وهؤلاء بأمره وأذن لهم في الانسياح سنة سبع عشرة فساحوا في سنة ثمان عشرة وأمر أبا موسى أن يسير من البصرة إلى منقطع ذمة البصرة فيكون هنالك حتى يحدث إليه وبعث بألوية من ولى مع سهيل بن عدي حليف بني عبد الاشهل فقدم سهيل بالالوية ودفع لواء خراسان إلى الاحنف بن قيس ولواء أردشير خره وسابور إلى مجاشع بن مسعود السلمي ولواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي ولواء فساودرابجرد إلى سارية بن زنيم الكناني ولواء كرمان مع سهيل بن عدي ولواء سجستان إلى عاصم بن عمرو وكان عاصم من الصحابة ولواء مكران إلى الحكم ابن عمير التغلبي فخرجوا في سنة سبع عشرة فعسكروا ليخرجوا إلى هذه الكور فلم يستتب مسيرهم حتى دخلت سنة ثمان عشرة وأمدهم عمر بأهل الكوفة فأمد سهيل بن عدى بعبد الله بن عبدالله بن عتبان وأمد الاحنف بعلقمة بن النضر وبعبد الله بن أبي عقيل وبربعي بن عامر وبابن أم غزال وأمد عاصم بن عمرو بعبد الله ابن عمير الاشجعي وأمد الحكم بن عمير بشهاب بن المخارق المازني قال بعضهم كان فتح السوس ورامهرمز وتوجيه الهرمزان إلى عمر من تستر في سنة عشرين وحج بالناس في هذه السنة أعنى سنة سبع عشرة عمر بن الخطاب وكان عامله على مكة عتاب بن أسيد وعلى اليمن يعلى بن أمية وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص وعلى عمان حذيفة بن محصن وعلى الشام من قد ذكرت أسماءهم قبل وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص وعلى قضائها أبو قرة وعلى البصرة وأرضها أبو موسى الاشعري وقد ذكرت فيما مضى الوقت الذي عزل فيه عنها والوقت الذي رد فيه إليها أميرا وعلى القضاء فيما قيل أبو مريم الحنفي وقد ذكرت من كان على الجزيرة والموصل قبل

[ 190 ]

ثم دخلت سنة ثمان عشرة ذكر الاحداث التي كانت في سنة ثمان عشرة (قال أبو جعفر) وفي هذه السنة أعني سنة ثمان عشرة أصابت الناس مجاعة شديدة ولزبة وجدوب وقحوط وذلك هو العام الذي يسمى عام الرمادة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال دخلت سنة ثمان عشرة وفيها كان عام الرمادة وطاعون عمواس فتفاني فيها الناس * وحدثني أحمد بن ثابت الرازي قال حدثت عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال كانت الرمادة سنة ثمان عشرة قال وكان في ذلك العام طاعون عمواس (كتب إلى السري) يقول حدثنا شعيب عن سيف عن الربيع وأبى المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة قالوا وكتب أبو عبيدة إلى عمر إن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب منهم ضرار وأبو جندل فسألناهم فتأولوا وقالوا خيرنا فاخترنا قال فهل أننم منتهون ولم يعزم علينا فكتب إليه عمر فذلك بيننا وبينهم فهل أنتم منتهون يعني فانتهوا وجمع الناس فاجتمعوا على أن يضربوا فيها ثمانين جلدة ويضمنوا الفسق ومن تأول عليها بمثل هذا فإن أبى قتل فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعهم فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم وان زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين فبعث إليهم فسألهم على رؤس الناس فقالوا حرام فجلدهم ثمانين ثمانين وحد القوم وندموا على لجاجتهم وقال ليحدثن فيكم يا أهل الشام حادث فحدثت الرمادة (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن شبرمة عن الشعبي بمثله (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن عبيدالله بن عمر عن نافع قال لما قدم على عمر كتاب أبي عبيد في ضرار وأبي جندل كتب إلى أبي عبيدة في ذلك وأمره أن يدعو بهم على رؤس الناس فيسألهم أحرام الخمر أم حلال فإن قالوا حرام فاجلدهم ثمانين جلدة واستتبهم وان قالوا حلال فاضرب أعناقهم فدعا بهم فسألهم فقالوا بل حرام فجلدهم فاستحيوا فلزموا البيوت ووسوس أبو جندل فكتب أبو عبيدة إلى عمر إن أبا جندل قد وسوس إلا أن يأتيه الله على يديك بفرج فاكتب إليه

[ 191 ]

وذكره فكتب إليه عمر وذكره فكتب إليه من عمر إلى أبي جندل إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فتب وارفع رأسك وابرز ولا تقنط فإن الله عزوجل يقول (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) فلما قرأه عليه أبو عبيدة تطلق وأسفر عنه وكتب إلى الآخرين بمثل ذلك فبرزوا وكتب إلى الناس عليكم أنفسكم ومن استوجب التغيير فغيروا عليه ولا تعيروا أحدا فيفشو فيكم البلاء (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبدالله عن عطاء نحوا منه إلا أنه لم يذكر أئه كتب إلى الناس ألا يعيروهم وقال قالوا جاشت الروم دعونا نغزوهم فإن قضى الله لنا الشهادة فذلك وإلا عمدت للذي يريد فاستشهد ضرار ابن الازور في قوم وبقى الآخرون فحدوا وقال أبو الزهراء القشيري في ذلك ألم تر أن الدهر يعثر بالفتى * وليس على صرف المنون بقادر صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي * ولست عن الصهباء يوما بصابر رماها أمير المؤمنين بحتفها * فخلانها يبكون حول المعاصر (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن الربيع بن النعمان وأبي المجالد جراد بن عمرو وأبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني وأبي حارثة محرز العبشمي بإسنادهم ومحمد بن عبدالله عن كريب قالوا أصابت الناس في إمارة عمر رضي الله عنه سنة بالمدينة وما حولها فكانت تسفى إذا ريحت ترابا كالرماد فسمى ذلك العام عام الرمادة فآلى عمر أن لا يذوق سمنا ولا لبنا ولا لحما حتى يحيى الناس من أول الحيا فكان بذلك حتى أحيا الناس من أول الحيا فقدمت السوق عكة من سمن ووطب من لبن فاشتراهما غلام لعمر بأربعين ثم أتى عمر فقال يا أمير المؤمنين قد أبر الله يمينك وعظم أجرك قدم السوق وطب من لبن وعكة من سمن فابتعتها بأربعين فقال عمر اغليت بهما فتصدق بهما فإنى أكره أن آكل إسرفا وقال عمر كيف يغنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف السلمي عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك قال كانت

[ 192 ]

في آخر سنة سبع عشرة وأول سنة ثمان عشرة وكانت الرمادة جوعا أصاب الناس بالمدينة وما حولها فأهلكهم حتى جعلت الوحش تأوى إلى الانس وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قبحها وإنه لمقفر (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف عن عبدالرحمن بن كعب قال كان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل الامصار حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن عليه فقال أنا رسول الله إليك يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد عهدتك كيسا وما زلت على رجل فما شأنك فقال متى رأيت هذا قال البارحة فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة فصلى بهم ركعتين ثم قام فقال أيها الناس أنشدكم الله هل تعلمون مني أمرا غيره خير منه قالوا اللهم لا قال فإن بلال بن الحارث يزعم ذية وذية فقالوا صدق بلال فاستغث بالله وبالمسلمين فبعث إليهم وكان عمر عن ذلك محصورا فقال عمر الله أكبر بلغ البلاء مدته فانكشف ما أذن لقوم في الطلب إلا وقد رفع عنهم البلاء فكتب إلى أمراء الامصار أغيثوا أهل المدينة ومن حولها فإنه قد بلغ جهدهم وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه بالعباس ماشيا فخطب فأوجز ثم صلى ثم جثا لركبتيه وقال اللهم إياك نعبد وإياك نستعين اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا ثم انصرف فما بلغوا المنزل راجعين حتى خاضوا الغدران (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضيل عن جبير بن صخر عن عاصم بن عمر بن الخطاب قال قحط الناس زمان عمر عاما فهزل المال فقال أهل بيت من مزبنة من أهل البادية لصاحبهم قد بلغنا فاذبح لنا شاة قال ليس فيهن شئ فلم يزالوا به حتى ذبح لهم شاة فسلخ عن عظم أحمر فنادى يا محمداه فأرى فيما يرى النائم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فقال ابشر بالحيا أئت عمر فأقرأه مني السلام وقل له إن عهدي بك وأنت وفي العهد شديد العقد فالكيس الكيس يا عمر فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه استأذن لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى عمر فأخبره ففزع وقال رأيت به مسا قال لا قال فأدخله فدخل فأخبره الخبر فخرج فنادى في الناس وصعد المنبر وقال

[ 193 ]

أنشدكم بالذي هداكم للاسلام هل رأيتم مني شيئا تكرهونه قالوا اللهم لا قالوا ولم ذاك فأخبرهم ففطنوا ولم يفطن فقالوا إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا فنادى في الناس فقام فخطب فأوجز ثم صلى ركعتين فأوجز ثم قال اللهم عجزت عنا أنصارنا وعجز عنا حولنا وقوتنا وعجزت عنا أنفسنا ولا حول ولا قوة إلا بك اللهم فاسقنا وأحى العباد والبلاد (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن الربيع بن النعمان وجراد أبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة كلهم عن رجاء وزاد أبو عثمان وأبو حارثة عن عبادة وخالد عن عبدالرحمن بن غنم قالوا كتب عمر إلى أمراء الامصار يستغيثهم لاهل المدينة ومن حولها ويستمدهم فكان أول من قدم عليه أبو عبيدة بن الجراح في أربعة آلاف راحلة من طعام فولاه قسمتها فيمن حول المدينة فلما فرغ ورجع إليه أمر له بأربعة آلاف درهم فقال لا حاجة لي فيها يا أمير المؤمنين إنما أردت الله وما قبله فلا تدخل على الدنيا فقال خذها فلا بأس بذلك إذا لم تطلبه فأبى فقال خذها فإني قد وليت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا فقال لي مثل ما قلت لك فقلت له كما قلت لي فأعطاني فقبل أبو عبيدة وانصرف إلى عمله وتتابع الناس واستغنى أهل الحجاز وأحيوا مع أول الحيا وقالوا بإسنادهم وجاء كتاب عمرو بن العاصى جواب كتاب عمر في الاستغاثة أن البحر الشامي حفر لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حفيرا فصب في بحر المغرب فسده الروم والقبط فإن أحببت أن يقوم سعر الطعام بالمدينة كسعره بمصر حفرت له نهرا وبنيت له قناطر فكتب إليه عمر أن افعل وعجل ذلك فقال له أهل مصر خراجك زاج وأميرك راض وإن تم هذا انكسر الخراج فكتب إلى عمر بذلك وذكر أن فيه انكسار خراج مصر وخرابها فكتب إليه عمر اعمل فيه وعجل اخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها فعالجه عمرو وهو بالقلزم فكان سعر المدينة كسعر مصر ولم يزد ذلك مصر إلا رخاء ولم ير أهل المدينة بعد الرمادة مثلها حتى حبس عنهم البحر بعد مقتل عثمان رضى الله عنه (قال أبو جعفر) وزعم الواقدي أن الرقة والرهاء وحران فتحت في هذه السنة

[ 194 ]

على يدي عياض بن غنم وإن عين الوردة فتحت فيها على يدي عمير بن سعد وقد ذكرت قول من خالفه في ذلك فيما مضى وزعم أن عمر رضى الله عنه حول المقام في هذه السنة في ذي الحجة إلى موضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت قبل ذلك وقال مات في طاعون عمواس خمسة وعشرون ألفا (قال أبو جعفر) وقال بعضهم وفي هذه السنة استقضى عمر شريح بن الحرث الكندي على الكوفة وعلى البصرة كعب بن الاسور الازدي قال وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب رضى الله عنه وكانت ولاته في هذه السنة على الامصار الولاة الذين كانوا عليها في سنة سبعة عشر ثم دخلت سنة تسع عشرة ذكر الاحداث التي كانت في سنة تسع عشرة (قال أبو جعفر) قال أبو معشر فيما حدثني أحمد بن ثابت الرازي عمن حدثه عن اسحاق بن عيسى عنه أن فتح جلولاء كان في سنة تسع عشرة على يدي سعد وكذلك قال الواقدي وقال ابن اسحاق كان فتح الجزيرة والرهاء وحران ورأس العين ونصيبين في سنة تسع عشرة (قال أبو جعفر) وقد ذكرنا قول من خالفهم في ذلك قبل وقال أبو معشر كان فتح قيسارية في هذه السنة أعني سنة تسعة عشر وأميرها معاوية بن أبي سفيان حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي عمن حدثه عن اسحاق بن عيسى عنه وكالذي قال أبو معشر في ذلك قال الواقدي وأما ابن اسحاق فانه قال كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل وفتح مصر في سنة عشرين حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه * وأما سيف بن عمر فإنه قال كان فتحها في سنة ست عشرة قال وكذلك فتح مصر وقد مضى الخبر عن فتح قيسارية قبل وأنا ذاكر خبر مصر وفتحها بعد في قول من قال فتحت سنة عشرين وفي قول من خالف ذلك (قال أبو جعفر) وفي هذه السنة أعني سنة تسع عشرة سالت حرة ليلى نارا فيما زعم الواقدي فأراد عمر الخروج إليها بالرجال ثم أمرهم بالصدقة

[ 195 ]

فانطفأت (وزعم) أيضا الواقدي أن المدائن وجلولاء فتحتا في هذه السنة وقد مضى ذكر من خالفه في ذلك (وحج) بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب رضى الله عنه وكان عماله على الامصار وقضاته فيها الولاة والقضاة الذين كانوا عليها في سنة ثمان عشرة ثم دخلت سنة عشرين ذكر الخبر عما كان فيها من مغازي المسلمين وغير ذلك من أمورهم (قال أبو جعفر) ففي هذه السنة فتحت مصر في قول ابن اسحاق * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال فتحت مصر سنة عشرين وكذلك قال أبو معشر حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبي معشر أنه قال فتحت مصر سنة عشرين وأميرها عمرو بن العاصى وحدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال فتحت اسكندرية سنة خمسة وعشرين وقال الواقدي فيما حدثت عن ابن سعد عنه فتحت مصر والاسكندرية في سنة عشرين وأما سيف فإنه زعم فيما كتب به إلى السري عن شعيب عن سيف انها فتحت والاسكندرية في سنة ست عشرة ذكر الخبر عن فتحها وفتح الاسكندرية (قال أبو جعفر) قد ذكرنا اختلاف أهل السير في السنة التي كان فيها فتح مصر والاسكندرية ونذكر الآن سبب فتحهما وعلى يدي من كان على ما في ذلك من اختلاف بينهم أيضا فأما ابن اسحاق فانه قال في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه أن عمر رضى الله عنه حين فرغ من الشأم كلها كتب إلى عمرو بن العاصى أن يسير إلى مصر في جنده فخرج حتى فتح باب اليون في سنة عشرين قال وقد اختلف في فتح الاسكندرية فبعض الناس يزعم انها فتحت في سنة خمس وعشرين وعلى سنتين من خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه وعليها عمرو بن العاصى حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد

[ 196 ]

ابن اسحاق قال وحدثني القاسم بن قزمان رجل من أهل مصر عن زياد بن جزء الزبيدي أنه حدثه أنه كان في جند عمرو بن العاصى حين افتتح مصر والاسكندرية قال افتتحنا الاسكندرية في خلافة عمر بن الخطاب في سنة احدى وعشرين أو سنة اثنين وعشرين قال لما افتتحنا باب اليون تدنينا قرى الريف فيما بيننا وبين الاسكندرية قرية فقرية حتى انتهينا إلى بلهيب قرية من قرى الريف يقال لها قرية الريش وقد بلغت سبايانا المدينة ومكة واليمن قال فلما انتهينا إلى بلهيب أرسل صاحب الاسكندرية إلى عمرو بن العاصى انى قد كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلى منكم معشر العرب لفارس والروم فإن أحببت أن أعطيك الجزية على أن ترد علي ما أصبتم من سبايا أرضى فعلت قال فبعث إليه عمرو بن العاصى أن ورائي أميرا لا أستطيع أن أصنع أمرا دونه فإن شئت أن أمسك عنك وتمسك عني حتى أكتب إليه بالذي عرضت علي فإن هو قبل ذلك منك قبلت وإن أمرني بغير ذلك مضيت لامره قال فقال نعم قال فكتب عمرو بن العاصى إلى عمر بن الخطاب قال وكانوا لا يخفون علينا كتابا كتبوا به يذكر له الذي عرض عليه صاحب الاسكندرية قال وفي أيدينا بقايا من سبيهم ثم وفقنا ببلهيب وأقمنا ننتظر كتاب عمر جاءنا فقرأه علينا عمرو وفيه أما بعد فإنه جاءني كتابك تذكر أن صاحب الاسكندرية عرض أن يعطيك الجزية على أن ترد عليه ما أصيب من سبايا أرضه ولعمري لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحب إلي من فئ يقسم ثم كأنه لم يكن فاعرض على صاحب الاسكندرية أن يعطيك الجزية على أن تخيروا من في أيديكم من سبيهم بين الاسلام وبين دين قومه فمن اختار منهم الاسلام فهو من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ومن اختار دين قومه وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل دينه فأما من تفرق من سبيهم بأرض العرب بلغ مكة والمدينة واليمن فإنا لا نقدر على ردهم ولا نحب أن نصالحه على أمر لا نفى له به قال فبعث عمرو إلى صاحب الاسكندرية يعلمه الذي كتب به أمير المؤمنين قال فقال قد فعلت قال فجمعنا ما في أيدينا من السبايا واجتمعت

[ 197 ]

النصارى فجعلنا نأتي بالرجل ممن في أيدينا ثم نخيره بين الاسلام وبين النصرانية فإذا اختار الاسلام كبرنا تكبيرة هي أشد من تكبيرنا حين تفتح القرية قال ثم نحوزه إلينا وإذا اختار النصرانية نخرت النصارى ثم حازوه إليهم ووضعنا عليه الجزية وجزعنا من ذلك جزعا شديدا حتى كأنه رجل خرج منا إليهم قال فكان ذلك الدأب حتى فرغنا منهم وقد أتى فيمن أتينا به بأبي مريم عبدالله بن عبدالرحمن قال القاسم وقد أدركته وهو عريف بني زبيد قال فوقفناه فعرضنا عليه الاسلام والنصرانية وأبوه وأمه وإخوته في النصارى فاختار الاسلام فحزناه إلينا ووثب عليه أبوه وأمه وإخوته يجاذبوننا حتى شققوا عليه ثيابه ثم هو اليوم عريفنا كما ترى ثم فتحت لنا الاسكندرية فدخلناها وان هذه الكناسة التي ترى يا ابن أبي القاسم لكناسة بناحية الاسكندرية حولها أحجاركما كما ترى ما زادت ولا نقصت فمن زعم غير ذلك أن الاسكندرية وما حولها من القرى لم يكن لها جزية ولا لاهلها عهد فقد والله كذب قال القاسم وإنما هاج هذا الحديث أن ملوك بني أمية كانوا يكتبون إلى أمراء مصر أن مصر إنما دخلت عنوة وإنما هم عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا ونصنع ما شئنا (قال أبو جعفر) وأما سيف فإنه ذكر فيما كتب به إلي السري يذكر أن شعيبا حدثه عنه عن الربيع أبي سعيد وعن أبي عثمان وأبي حارثة قالوا أقام عمر بإيلياء بعد ما صالح أهلها ودخلها أياما فأمضى عمرو بن العاص إلى مصر وأمره عليها إن فتح الله عليه وبعث في أثره الزبير بن العوام مددا له وبعث أبا عبيدة إلى الرمادة وأمره إن فتح الله عليه أن يرجع إلى عمله (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف قال حدثنا أبو عثمان عن خالد وعبادة قالا خرج عمرو بن العاصى إلى مصر بعد ما رجع عمر إلى المدينة حتى انتهى إلى باب اليون واتبعه الزبير فاجتمعا فلقيهم هنالك أبو مريم جاثليق مصر ومعه الاسقف في أهل النيات بعثه المقوقس لمنع بلادهم فلما نزل بهم عمرو قاتلوه فأرسل إليهم لا تعجلونا لنعذر إليكم وترون رأيكم بعد فكفوا أصحابهم وأرسل إليهم عمرو إني بارز فليبرز إلى أبو مريم وأبو مريام فأجابوه إلى ذلك وأمن بعضهم

[ 198 ]

بعضا فقال لهما عمر وأنتما راهبا هذه البلدة فاسمعا إن الله عزوجل بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأمره به وأمرنا به محمد صلى الله عليه وسلم وأدى إلينا كل الذي أمر به ثم مضى صلوات الله عليه ورحمته وقد قضى الذي عليه وتركنا على الواضحة وكان مما أمرنا به الاعذار إلى الناس فنحن ندعوكم إلى الاسلام فمن أجابنا إليه فمثلنا ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم وأوصانا بكم حفظا لرحمنا فيكم وأن لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة ومما عهد إلينا أميرنا استوصوا بالقبطيين خيرا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانا بالقبطيين خيرا لان لهم رحما وذمة فقالوا قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الانبياء معروفة شريفة كانت ابنة ملكنا وكانت من أهل منف والملك فيهم فأديل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوا ملكهم واغتربوا فلذلك صارت إلى إبراهيم عليه السلام مرحبا به وأهلا آمنا حتى نرجع إليك فقال عمرو إن مثلي لا يخدع ولكني أؤجلكما ثلاثا لتنظروا ولتناظرا قومكما وإلا ناجزتكم قالا زدنا فزادهم يوما فقالا زدنا فزادهم يوما فرجعا إلى المقوقس فهم فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم فقال لاهل مصر أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم ولا نرجع إليهم وقد بقيت أربعة أيام فلا تصابون فيها بشئ إلا رجونا أن يكون له أمان فلم يفجأ عمرا والزبير إلا البيات من فرقب وعمرو على عدة فلقوه فقتل ومن معه ثم ركبوا أكساءهم وقصد عمرو والزبير لعين شمس وبها جمعهم وبعث إلى الفرما أبرهة ابن الصباح فنزل عليها وبعث عوف بن مالك إلى الاسكندرية فنزل عليها فقال كل واحد منهما لاهل مدينته إن تنزلوا فلكم الامان فقالوا نعم فراسلوهم وتربصوا بهم أهل عين شمس وسبى المسلمون من بين ذلك وقال عوف بن مالك ما أحسن مدينتكم يا أهل الاسكندرية فقالو إن الاسكندر قال إني أبني مدينة إلى الله فقيرة وعن الناس غنية أو لابنين مدينة إلى الله فقيرة وعن الناس غنية فبقيت بهحتها وقال أبرهة لاهل الفرما ما أخلق مدينتكم يا أهل الفرما قالوا إن الفرما قال إني أبني مدينة عن الله غنية وإلى الناس فقيرة فذهبت بهجتها وكان الاسكندر والفرما أخوين

[ 199 ]

(قال أبو جعفر) قال الكلبي كان الاسكندر والفرما أخوين ثم حدث بمثل ذلك فنسبتا إليهما فالفرما ينهدم فيها كل يوم شئ وخلقت مرآتها وبقيت جدة الاسكندرية (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة وأبي عثمان قالا لما نزل عمرو على القوم بعين شمس وكان الملك بين القبط والنوب ونزل معه الزبير عليها قال أهل مصر لملكهم ما تريد إلى قوم فلوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم صالح القوم واعتقد منهم ولا تعرض لهم ولا تعرضنا لهم وذلك في اليوم الرابع فابى وناهدوهم فقاتلوهم والتقى الزبير سورها فلما أحسوه فتحوا الباب لعمرو وخرجوا إليه مصالحين فقبل منهم ونزل الزبير عليهم عنوة حتى خرج على عمرو من الباب معهم فاعتقدوا بعد ما أشرفوا على الهلكة فأجروا ما أخذوا عنوة مجرى ما صالح عليه فصاروا ذمة وكان صلحهم: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عمرو بن العاصى أهل مصر من الامان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم لا يدخل عليهم شئ من ذلك ولا ينتقص ولا يساكنهم النوب وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف وعليهم ما جنى لصوتهم فان أبى أحد منهم أن نجيب ؟ رفع عنهم من الجزاء بقدرهم وذمتنا ممن أبى بريئة وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا عليهم ما عليهم أثلاثا في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا وكذا وكذا فرسا على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه وكتب وردان وحضر فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح واجتمعت الخيول فمصر عمرو الفسطاط ونزله المسلمون وظهر أبو مريم وأبو مريام فكلما عمرا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة فقال أولهم عهد وعقد ألم

[ 200 ]

نحالفكما ويغار علينا من يومكما وطردهما فرجعا وهما يقولان كل شئ أصبتموه إلى أن نرجع اليكم ففي ذمة منكم فقال لهما أتغيرون علينا وهم في ذمة قالا نعم وقسم عمرو ذلك السبي على الناس وتوزعوه ووقع في بلدان العرب وقدم البشير على عمر بعد بالاخماس وبعث الوفود فسألهم عمر فما زالوا يخبرونه حتى مروا بحديث الجاثليق وصاحبه فقال ألا أراهما يبصران وأنتم تجاهلون ولا تبصرون من قاتلكم فلا أمان له ومن لم يقاتلكم فأصابه منكم شئ من أهل القرى فله الامان في الايام الخمسة حتى تنصرم وبعث في الآفاق حتى ردد لك السبي الذي سبوا ممن لم يقاتل في الايام الخمسة إلا من قاتل بعد فترادوهم إلا ما كان من ذلك الصرب وحضرت القبط باب عمرو وبلغ عمرا أنهم يقولون ما أرث العرب وأهون عليهم أنفسهم ما رأينا مثلنا دان لهم فخاف أن يستشيرهم ذلك من أمرهم فامر بجزر فذبحت فطبخت بالماء والملح وأمر أمراء الاجناد أن يحضروا وأعلموا أصحابهم وجلس وأذن لاهل مصر وجئ باللحم والمرق فطافوا به على المسلمين فأكلوا أكلا عربيا انتشلوا وحسوا وهم في العباء ولا سلاح فافترق أهل مصر وقد ازداوا طمعا وجرأة وبعث في أمراء الجنود في الحضور باصحابهم من الغد وأمرهم أن يجيئوا في ثياب أهل مصر وأحذيتهم وأمرهم أن يأخذوا أصحابهم بذلك ففعلوا وأذن لاهل مصر فرأوا شيئا غير ما رأوا بالامس وقام عليهم القوام بألوان مصر فأكلوا أكل أهل مصر ونحوا نحوهم فافترقوا وقد ارتابوا وقالوا كدنا وبعث إليهم أن تسلحوا للعرض غدا وغدا على العرض وأذن لهم فعرضهم عليهم ثم قال إنى قد علمت أنكم رأيتم في أنفسكم أنكم في شئ حين رأيتم اقتصاد العرب وهون تزجيتهم فخشيت أن تهلكوا فأحببت أن أريكم حالهم وكيف كانت في أرضهم ثم حالهم في أرضكم ثم حالهم في الحرب فظفروا بكم وذلك عيشهم وقد كلبوا على بلادكم قبل أن ينالوا منها ما رأيتم في اليوم الثاني فأحببت أن يعلموا أن من رأيتم في اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثاني وراجع إلى عيش اليوم الاول فتفرقوا وهم يقولون لقد رمتكم العرب برجلهم وبلغ عمر فقال لجلسائه والله ان حربه للينة مالها سطوة ولا سورة كسورات

[ 201 ]

الحروب من غيره أن عمرا لعض ثم أمره عليها وقام بها (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن أبي سعيد الربيع بن النعمان عن عمرو بن شعيب قال لما التقى عمرو والمقوقس بعين شمس واقتتلت خيلاهما جعل المسلمون يحولون بعد البعد فدمرهم عمرو فقال رجل من أهل اليمن إنا لم نخلق من حجارة ولا حديد فقال اسكت فانما أنت كلب قال فأنت أمير الكلاب قال فلما جعل ذلك يتواصل نادى عمرو أين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضر من شهدها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين فتقدموا وفيهم يومئذ أبو بردة وأبو برزة وناهدهم الناس يتبعون الصحابة ففتح الله على المسلمين وظفروا أحسن الظفر وافتتحت مصر في ربيع الاول سنة ست عشرة وقام فيها ملك الاسلام على رجل وجعل يفيض على الامم والملوك فكان أهل مصر يتدفقون على الاجل وأهل مكران على راسل وداهر وأهل سجستان على الشاه وذويه وأهل خراسان والباب على خاقان وخاقان ومن دونهما من الامم فكفكفهم عمر إبقاء على أهل الاسلام ولو خلى سربهم لبلغوا كل منهل * حدثني علي بن سهل قال حدثنا الوليد بن مسلم قال أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب أن المسلمين لما فتحوا مصر غزوا نوبة مصر فقفل المسلمون بالجراحات وذهاب الحدق من جودة الرمي فسموا رماة الحدق فلما ولى عبدالله ابن سعد بن أبي سرح مصر ولاه إياها عثمان بن عفان رضى الله عنه صالحهم على هدية عدة رؤس منهم يؤدونهم إلى المسلمين في كل سنة ويهدى إليهم المسلمون في كل سنة طعاما مسمى وكسوة من نحو ذلك * قال علي قال الوليد قال ابن لهيعة وأمضى ذلك الصلح عثمان ومن بعده من الولاة والامراء وأقره عمر بن عبد العزيز نظرا منه للمسلمين وإبقاء عليهم قال سيف ولما كان ذو القعدة من سنة ست عشرة وضع عمر رضى الله عنه مسالح مصر على السواحل كلها وكان داعية ذلك أن هرقل أغزى مصر والشأم في البحر ونهد لاهل حمص بنفسه وذلك لثلاث سنين وستة أشهر من إمارة عمر رضى الله عنه (قال أبو جعفر) وفي هذه السنة أعني سنة عشرين غزا أرض الروم

[ 202 ]

أبو بحرية الكندي عبدالله بن قيس وهو أول من دخلها فيما قبل وقيل أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي فسلم وغنم * قال وقال الواقدي وفي هذه السنة عزل قدامة بن مظعون عن البحرين وحده في شرب الخمر وفيها استعمل عمر أبا هريرة على البحرين واليمامة قال وفيها تزوج عمر فاطمة بنت الوليد أم عبدالرحمن بن الحارث بن هشام * قال وفيها توفى بلال بن رباح رضى الله عنه ودفن في مقبرة دمشق (وفيها) عزل عمر سعدا عن الكوفة لشكايتهم إياه وقالوا لا يحسن يصلى (وفيها) قسم عمر خيبر بين المسلمين وأجلى اليهود منها وبعث أبا حبيبة إلى فدك فأقام لهم نصف فأعطاهم ومضى إلى وادى القرى فقسمها (وفيها) أجلى يهود نجران إلى الكوفة فيما زعم الواقدي (قال الواقدي) وفي هذه السنة أعني سنة عشرين دون عمر رضى الله عنه الدواوين (قال أبو جعفر) قد ذكرنا قول من خالفه (وفيها) بعث عمر رضى الله عنه علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة في البحر وذلك ان الحبشة كانت تطرفت فيما ذكر طرفا من أطراف الاسلام فأصيبوا فجعل عمر على نفسه ألا يحمل في البحر أحدا أبدا * وأما أبو معشر فإنه قال فيما حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عنه كانت غزوة الاساودة في البحر سنة إحدى وثلاثين (قال الواقدي) وفيها مات أسيد بن الحضير في شعبان (وفيها) ماتت زينب بنت جحش * وحج في هذه السنة عمر رضى الله عنه وكانت عماله في هذه السنة على الامصار عماله عليها في السنة التي قبلها إلا من ذكرت أنه عزله واستبدل به غيره وكذلك قضاته فيها كانوا القضاة الذين كانوا في السنة التي قبلها ثم دخلت سنة إحدى وعشرين (قال أبو جعفر) وفيها كانت وقعة نهاوند في قول بن إسحاق حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه وكذلك قال أبو معشر حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عنه وكذلك قال الواقدي وأما سيف بن عمر فإنه قال كانت وقعة نهاوند في سنة ثمانية عشر في سنة ست من إمارة عمر كتب

[ 203 ]

إلي بذلك السري عن شعيب عن سيف ذكر الخبر عن وقعة المسلمين والفرس بنهاوند وكان ابتداء ذلك فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان من حديث نهاوند أن النعمان بن مقرن كان عاملا على كسكر فكتب إلى عمر رضى الله عنه يخبره أن سعد بن أبي وقاص استعمله على جباية الخراج وقد أحببت الجهاد ورغبت فيه فكتب عمر إلى سعد أن النعمان كتب الي يذكر أنك استعملته على جباية الخراج وأنه قد كره ذلك ورغب في الجهاد فابعث به إلى أهم وجوهك إلى نهاوند قال وقد اجتمعت بنهاوند الاعاجم عليهم ذو الحاجب رجل من الاعاجم فكتب عمر إلى النعمان بن مقرن: بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن مقرن سلام عليك فإني أحمد اليك الله الذي لا اله الا هو أما بعد فإنه قد بلغني أن جموعا من الاعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين ولا توطئهم وعرا فتؤذيهم ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم ولا تدخلنهم غيضة فإن رجلا من المسلمين أحب الي من مائة ألف دينار والسلام عليك فسار النعمان إليه ومعه وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عمر ابن الخطاب وجرير بن عبدالله البجلي والمغيرة بن شعبة وعمرو بن معديكرب الزبيدي وطليحة بن خويلد الاسدي وقيس بن مكشوح المرادي فلما انتهى النعمان ابن مقرن في جنده إلى نهاوند طرحوا له حسك الحديد فبعث عيونا فساروا لا يعلمون بالحسك فزجر بعضهم فرسه وقد دخلت في يده حسكه فلم يبرح فنزل فنظر في يده فإذا في حافره حسكة فأقبل بها وأخبر النعمان الخبر فقال النعمان للناس ما ترون فقالوا انتقل من منزلك هذا حتى يروا أنك هارب منهم فيخرجوا في طلبك فانتقل النعمان من منزله ذلك وكنست الاعاجم الحسك ثم خرجوا في طلبه وعطف عليهم النعمان فضرب عسكره ثم عبى كتائبه وخطب الناس فقال إن أصبت فعليكم حذيفة بن اليمان وإن أصيب فعليكم جرير بن عبدالله

[ 204 ]

وإن أصيب جرير بن عبدالله فعليكم قيس بن مكشوح فوجد المغيرة بن شعبة في نفسه إذ لم يستخلفه فأتاه فقال له ما تريد أن تصنع فقال إذا أظهرت قاتلتهم لاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب ذلك فقال المغيرة لو كنت بمنزلتك باكرتهم القتال قال له النعمان ربما باكرت القتال ثم لم يسود الله وجهك وذلك يوم الجمعة فقال النعمان نصلي إن شاء الله ثم نلقى عدونا دبر الصلاة فلما تصافوا قال النعمان للناس إني مكبر ثلاثا فإذا كبرت الاولى فشد رجل شسعه وأصلح من شأنه فإذا كبرت الثانية فشد رجل إزاره وتهيأ لوجه حملته فإذا كبرت الثالثة فاحملوا عليهم فإني حامل وخرجت الاعاجم قد شدوا أنفسهم بالسلاسل لئلا يفروا وحمل عليهم المسلمون فقاتلوهم فرمى النعمان بنشابة فقتل رحمه الله فلفه أخوه سويد بن مقرن في ثوبه وكتم قتله حتى فتح الله عليهم ثم دفع الراية إلى حذيفة بن اليمان وقتل الله ذا الحاجب وافتتحت نهاوند فلم يكن للاعاجم بعد ذلك جماعة (قال أبو جعفر) وقد كان فيما ذكر لي بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه السائب بن الاقرع مولى ثقيف وكان رجلا كاتبا حاسبا فقال الحق بهذا الجيش فكن فيهم فإن فتح الله عليهم فاقسم على المسلمين فيأهم وخذ خمس الله وخمس رسوله وان هذا الجيش أصيب فاذهب في سواد الارض فبطن الارض خير من ظهرها * قال السائب فلما فتح الله على المسلمين نهاوند أصابوا غنائم عظاما فوالله إنى لاقسم بين الناس إذ جاءني علج من أهلها فقال أتومنني على نفسي وأهلي وأهل بيتي على أن أدلك على كنوز النخيرجان وهي كنوز آل كسرى تكون لك ولصاحبك لا يشركك فيها أحدا قال قلت نعم قال فابعث معي من أدله عليها فبعثت معه فأتى بسفطين عظيمين ليس فيهما إلا اللؤلؤ والزبرجد والياقوت فلما فرغت من قسمي بين الناس احتملتهما معي ثم قدمت على عمر بن الخطاب فقال ما وراءك يا سائب فقلت خيرا يا أمير المؤمنين فتح الله عليك بأعظم الفتح واستشهد النعمان بن مقرن رحمه الله فقال عمر إنا لله وإنا إليه راجعون قال ثم بكى فنشج حتى إني لانظر إلى فروع منكبيه من فوق كتده قال فلما رأيت ما لقى قلت والله يا أمير المؤمين ما أصيب بعده من رجل يعرف وجهه فقال

[ 205 ]

المستضعفون من المسلمين لكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم وما يصنعون بمعرفة عمر بن أم عمر ثم قام ليدخل فقلت أن معي مالا عظيما قد جئت به ثم أخبرته خبر السفطين قال أدخلهما بين المال حتى ننظر في شأنهما والحق بجندك قال فأدخلتهما بيت المال وخرجت سريعا إلى الكوفة قال وبات تلك الليلة التي خرجت فيها فلما أصبح بعث في أثرى رسولا فوالله ما أدركني حتى دخلت الكوفة فأنخت بعيري وأناخ بعيره على عرقوبي بعيري فقال الحق بأمير المؤمنين فقد بعثني في طلبك فلم أقدر عليك إلا الآن قال قلت ويلك ماذا ولماذا قال لا أدري والله قال فركبت معه حتى قدمت عليه فلما رآني قال مالي ولابن أم السائب بل ما لابن أم السائب ومالي قال قلت وما ذاك يا أمير المؤمنين قال ويحك والله ما هو إلا ان نمت في الليلة التي خرجت فيها فباتت ملائكة ربي تسحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان نارا يقولون لنكوينك بهما فأقول أني سأقسمهما بين المسلمين فخذهما عني لا أبالك والحق بهما فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم قال فخرجت بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفة وغشيني التجار فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف ثم خرج بهما إلى أرض الاعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف ما زال أكثر أهل الكوفة مالا بعد * حدثنا الربيع بن سليمان قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا المبارك بن فضالة عن زياد بن جبير قال حدثني أبي أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال للهرمزان حين آمنه لا بأس انصح لي قال نعم قال ان فارس اليوم رأس وجناحان قال وأين الرأس قال بنهاوند مع بندار فإن معه أساورة كسرى وأهل اصبهان قال وأين الجناحان فذكر مكانا نسيته قال فاقطع الجناحين يهن الرأس فقال عمر كذبت يا عدو الله بل أعمد إلى الرأس فأقطعه فإذا قطعه الله لم يعص عليه الجناحان قال فأراد أن يسير إليه بنفسه فقالوا نذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تسير بنفسك إلى حلبة العجم فإن أصبت لم يكن للمسلمين نظام ولكن ابعث الجنود فبعث أهل المدينة فيهم عبدالله بن عمر ين الخطاب وفيهم المهاجرون والانصار وكتب إلى أبي موسى الاشعري أن سر بأهل البصرة * وكتب إلى حذيفة بن اليمان أن سر بأهل الكوفة

[ 206 ]

حتى تجتمعوا جميعا بنهاوند وكتب إذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرن المزني فلما اجتمعوا ينهاوند أرسل بندار العلج إليهم أن أرسلوا الينا رجلا نكلمه فأرسلوا إليه المغيرة بن شعبة قال أبى كأني أنظر إليه رجلا طويل الشعر أعور فأرسلوه إليه فلما جاء سألناه فقال وجدته قد استشار أصحابه فقال بأي شئ نأذن لهذا العربي بشارتنا وبهجتنا وملكنا أو نتقشف له فيما قبلنا حتى يزهد فقالوا لا بل بأفضل ما يكون من الشارة والعدة فتهيؤا بها فلما أتيناهم كادت الحراب والنيازك يلتمع منها البصر فإذا هم على رأسه مثل الشياطين وإذا هو على سرير من ذهب على رأسه التاج قال فمضيت كما أنا ونكست قال فدفعت ونهنهت فقلت الرسل لا يفعل بهم هذا فقالوا إنما أنت كلب فقلت معاذ الله لانا أشرف في قومي من هذا في قومه فانتهروني فقالوا اجلس فأجلسوني قال وترجم له قوله إنكم معشر العرب أبعد الناس من كل خير وأطول الناس جوعا وأشقى الناس شقاء وأقذر الناس قذرا وأبعده دارا وما منعني أن آمر هؤلاء الاساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجسا لجيفكم فانكم أرجاس فان تذهبوا نخل عنكم وإن تابوا نركم مصارعكم قال فحمدت الله وأثنيت عليه فقلت والله ما أخطأت من صفتنا شيئا ولا من نعتنا إن كنا لابعد الناس دارا وأشد الناس جوعا وأشقى الناش شقاء وأبعد الناس من كل خير حتى بعث الله عزوجل الينا رسوله صلى الله عليه وسلم فوعدنا النصر في الدنيا والجنة في الآخرة فوالله ما زلنا نتعرف من ربنا منذ جاءنا رسوله الفتح والنصر حتى أتيناكم وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا حتى نغلبكم على ما في أيديكم أو نقتل بأرضكم فقال أما والله إن الاعور لقد صدقكم الذي في نفسه قال فقمت وقد والله أرعبت العلج جهدي قال فارسل الينا العلج إما أن تعبروا إلينا بنهاوند وإما أن نعبر إليكم فقال النعمان اعبروا قال أبي فلم أر والله مثل ذلك اليوم انهم يجيئون كأنهم جبال حديد قد تواثقوا أن لا يفروا من العرب وقد قرن بعضهم بعضا سبعة في قران وألقوا حسك الحديد خلفهم وقالوا من فر منا عقره حسك الحديد فقال المغيرة حين رأى كثرتهم لم أر كاليوم فشلا إن عدونا يتركون يتأهبون لا يعجلون أما والله لو أن الامر لي

[ 207 ]

لقد أعجلتهم وكان النعمان بن مقرن رجلا لينا فقال له فالله عزوجل يشهدك أمثالها فلا يحزنك ولا يعيبك موقفك إنه والله ما منعني من أن أناجزهم إلا شئ شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ان رسول الله كان إذا غزا فلم يقاتل أول النهار لم يعجل حتى تحضر الصلاة وتهب الارواح ويطيب القتال فما منعني إلا ذلك اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الاسلام وذل يذل به الكفار ثم اقبضني اليك بعد ذلك على الشهادة أمنوا يرحمكم الله فأمنا وبكينا ثم قال إني هاز لوائي فتيسروا للسلاح ثم هاز الثانية فكونوا متأهبين لقتال عدوكم فإذا هززت الثالثة فليحمل كل قوم من يليهم من عدوهم على بركة الله قال وجاءوا بحسك الحديد قال فجعل يلبث حتى إذا حضرت الصلاة وهبت الارواح كبر وكبرنا ثم قال أرجو أن يستجيب الله لي ويفتح علي ثم هز اللواء فتيسرنا للقتال ثم هزه الثانية فكنا بإزاء العدو ثم هزه الثالثة قال فكبر وكبر المسلمون وقالوا فتحا يعز الله به الاسلام وأهله ثم قال النعمان إن أصبت فعلى الناس حذيفة بن اليمان وإن أصيب حذيفة ففلان وإن أصيب فلان ففلان حتى عد سبعة آخرهم المغيرة ثم هز اللواء الثالثة فحمل كل إنسان على من يليه من العدو قال فوالله ما علمت من المسلمين أحدا يومئذ يريد أن يرجع إلى أهله حتى يقتل أو يظفر فحملنا حملة واحدة وثبتوا لنا فما كنا نسمع إلا وقع الحديد على الحديد حتى أصيب المسلمون بمصائب عظيمة فلما رأوا صبرنا وأنا لا نبرح العرصة انهزموا فجعل يقع الواحد فيقع عليه سبعة بعضهم على بعض في قياد فيقتلون جميعا وجعل يعقرهم حسك الحديد الذي وضعوا خلفهم فقال النعمان رضى الله عنه قدموا اللواء فجعلنا نقدم اللواء ونقتلهم ونهزمهم فلما رأى أن الله قد استجاب له ورأي الفتح جاءته نشابة فأصابت خاصرته فقتلته قال فجاء أخوه معقل فسجى عليه ثوبا وأخذ اللواء فقاتل ثم قال تقدموا نقتلهم ونهزمهم فلما اجتمع الناس قالوا أين أميرنا قال معقل هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة قال فبايع الناس حذيفة وعمر بالمدينة يستنصر له ويدعو له مثل الحبلى * قال وكتب إلى عمر بالفتح مع رجل

[ 208 ]

من المسلمين فلما أتاه قال له أبشر يا أمير المؤمنين بفتح أعز الله به الاسلام وأهله وأذل به الكفر وأهله قال فحمد الله عزوجل ثم قال النعمان بعثك قال احتسب النعمان يا أمير المؤمنين قال فبكى عمر واسترجع قال ومن ويحك قال فلان وفلان حتى عد له ناسا كثيرا ثم قال وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم فقال عمر وهو يبكي لا يضرهم ألا يعرفهم عمر ولكن الله يعرفهم (وأما سيف) فإنه قال فيما كتب إلي السري يذكر أن شعيبا حدثه عنه وعن محمد والمهلب وطلحة وعمر وسعيد أن الذي هاج أمر نهاوند أن أهل البصرة لما أشجوا الهرمزان وأعجلوا أهل فارس عن مصاب جند العلاء ووطئوا أهل فارس كاتبوا ملكهم وهو يومئذ بمرو فحركوه فكاتب الملك أهل الجبال من بين الباب والسند وخراسان وحلوان فتحركوا وتكاتبوا وركب بعضهم إلى بعض فأجمعوا أن يوافوا نهاوند ويبرموا فيها أمورهم فتوافى إلى نهاوند أوائلهم وبلغ سعدا الخبر عن قباذ صاحب حلوان فكتب إلى عمر بذلك فنزا بسعد أقوام وألبوا عليه فيما بين تراسل القوم واجتماعهم إلى نهاوند ولم يشغلهم ما دهم المسلمين من ذلك وكان ممن نهض الجراح بن سنان الاسدي في نفر فقال عمران الدليل على ما عندكم من الشر نهوضكم في هذا الامر وقد استعد لكم من استعد وأيم الله لا يمنعني ذلك من النظر فيما لديكم وإن نزلوا بكم فبعث عمر محمد بن مسلمة والناس في الاستعداد للاعاجم والاعاجم في الاجتماع وكان محمد بن مسلمة هو صاحب العمال الذي يقتص آثار من شكى زمان عمر فقدم محمد على سعد ليطوف به في أهل الكوفة والبعوث تضرب على أهل الامصار إلى نهاوند فطوف به على مساجد أهل الكوفة لا يتعرض للمسألة عنه في السر وليست المسألة في السر من شأنهم إذ ذاك وكان لا يقف على مسجد فيسألهم عن سعد إلا قالوا لا نعلم إلا خيرا ولا نشتهي به بدلا ولا نقول ولا نعين عليه إلا من مال الجراح بن سنان وأصحابه فإنهم كانوا يسكتون لا يقولون سوءا ولا يسوغ لهم ويتعمدون ترك الثناء حتى انتهوا إلى بني عبس فقال محمد أنشد بالله رجلا يعلم حقا إلا قال قال أسامة بن قتادة اللهم إن نشدتنا فإنه لا يقسم بالسوية ولا يعدل

[ 209 ]

في الرعية ولا يغزو في السرية فقال سعد اللهم إن كان قالها كاذبا ورئاء وسمعة فأعم بصره وأكثر عياله وعرضه لمضلات الفتن فعمى واجتمع عنده عشر بنات وكان يسمع بخبر المرأة فيأتيها حتى يجسها فإذا عثر عليه قال دعوة سعد الرجل المبارك ثم أقبل على الدعاء على النفر فقال اللهم إن كانوا خرجوا أشرا وبطرا وكذبا فاجهد بلاءهم فجهد بلاؤهم فقطع الجراح بالسيوف يوم ثاور الحسن بن علي ليغتاله بساباط وشدخ قبيصة بالحجارة وقتل أربد بالوحئ وبنعال السيوف وقال سعد إني لاول رجل أهرق دما من المشركين ولقد جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه وما جمعهما لاحد قبلي ولقد رأيتني خمس الاسلام وبنو أسد تزعم أني لا أحسن أصلي وأن الصيد يلهيني وخرج محمد به وبهم إلى عمر حتى قدموا عليه فأخبره الخبر فقال يا سعد ويحك كيف تصلي فقال أطيل الاوليين وأحذف الاخريين فقال هكذا الظن بك ثم قال لولا الاحتياط لكان سبيلهم بينا ثم قال من خليفتك يا سعد على الكوفة قال عبدالله بن عبدالله بن عتبان فأقره واستعمله فكان سبب نهاوند وبدء مشورتها وبعوثها في زمان سعد وأما الوقعة ففي زمان عبدالله * قالوا وكان من حديثهم أنهم نفروا لكتاب يزدجرد الملك فتوافوا إلى نهاوند فتوافى إليها من بين خراسان إلى حلوان ومن بين الباب إلى حلوان ومن سجستان إلى حلوان فاجتمعت حلبة فارس والفهلوج أهل الجبال من بين الباب إلى حلوان ثلاثون ألف مقاتل ومن بين خراسان إلى حلوان ستون ألف مقاتل ومن بين سجستان إلى فارس وحلوان ستون ألف مقاتل واجتمعوا على الفيرزان وإليه كانوا توافوا وشاركهم موسى عن حمزة بن المغيرة بن شعبة عن أبي طعمة الثقفي وكان قد أدرك ذلك قال ثم إنهم قالوا إن محمدا الذي جاء العرب بالدين لم يغرض غرضنا ثم ملكهم أبو بكر من بعده فلم يغرض غرض فارس إلا في غارة تعرض لهم فيها وإلا فيما يلي بلادهم من السواد ثم ملك عمر من بعده فطال ملكه وعرض حتى تناولكم وانتقصكم السواد والاهواز وأوطأها ثم لم يرض حتى أتى أهل فارس والمملكة في عقر دارهم وهو آتيكم إن لم تأتوه فقد أخرب بيت مملكتكم واقتحم بلاد ملككم

[ 210 ]

وليس بمنته حتى تخرجوا من في بلادكم من جنوده وتقطعوا هذين المصرين ثم تشغلوه في بلاده وقراره وتعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا بينهم على ذلك كتابا وتمالؤا عليه وبلغ الخبر سعدا وقد استخلف عبدالله بن عبدالله بن عتبان ولما شخص لقى عمر بالخبر مشافهة وقد كان كتب إلى عمر بذلك وقال إن أهل الكوفة يستأذنوك في الانسياح في أن يبادروهم الشدة وقد كان عمر منعهم من الانسياح في الجبل وكتب إليه أيضا عبدالله وغيره بأنه قد تجمع منهم خمسون ومائة ألف مقاتل فإن جاؤنا قبل أن نبادرهم الشدة ازدادوا جرأة وقوة وإن نحن عاجلناهم كان لنا ذلكم وكان الرسول بذلك قريب ابن ظفر العبدي ثم خرج سعد بعده فوافى مشورة عمر فلما قدم الرسول بالكتاب إلى عمر بالخبر فرآه قال ما اسمك قال قريب قال ابن من قال ابن ظفر فتفأل إلى ذلك وقال ظفر قريب إن شاء الله ولا قوة إلا بالله ونودي في الناس الصلاة جامعة فاجتمع الناس ووافاه سعد فتفأل إلى سعد بن مالك وقام على المنبر خطيبا فأخبر الناس الخبر واستشارهم وقال هذا يوم له ما بعده من الايام ألا وإني قد هممت بأمر وإني عارضه عليكم فاسمعوه ثم أخبروني وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ولا تكثروا ولا تطيلوا فتفشغ بكم الامور ويلتوى عليكم الرأى أفمن الرأي أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه حتى أنزل منزلا واسطا بين هذين المصرين فأستنفرهم ثم أكون لهم رداء حتى يفتح الله عليهم ويقضى ما أحب فإن فتح الله عليهم أن أضربهم عليهم في بلادهم وليتنازعوا ملكهم فقام عثمان بن عفان وطلحة بن عبدالله والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في رجال من أهل الرأي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلموا كلاما فقالوا لا نرى ذلك ولكن لا يغيبن عنهم رأيك وأثرك وقالوا بإزائهم وجوه العرب وفرسانهم وأعلامهم ومن قد فض جموعهم وقتل ملوكهم وباشر من حروبهم ما هو أعظم من هذه وإنما أستأذنوك ولم يستصرخوك فأذن لهم واندب إليهم وادع لهم وكان الذي ينتقد له الرأي إذا عرض عليه العباس رضى الله عنه (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن حمزة عن أبي حمزة عن أبي طعمة قال فقام علي بن أبي طالب عليه السلام فقال أصاب القوم يا أمير المؤمنين الرأي

[ 211 ]

وفهموا ما كتب به إليك وإن هذا الامر لم يكن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا قلة وإنما هو دينه الذي أظهر وجنده الذي أعز وأيده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ فنحن على موعود من الله والله منجز وعده وناصر جنده ومكانك منهم مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه فإن انحل تفرق ما فيه وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثير عزيز بالاسلام فأقم واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم ومن لم يحفل بمن هو أجمع وأحد وأجد من هؤلاء فليأتهم الثلثان وليقم الثلث واكتب إلى أهل البصرة أن يمدوهم ببعض من عندهم فسر عمر بحسن رأيهم وأعجبه ذلك منهم وقام سعد فقال يا أمير المؤمنين خفض عليك فإنهم إنما جمعوا لنقمة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي بكر الهذلي قال لما أخبرهم عمر الخبر واسثشارهم وقال أوجزوا في القول ولا تطيلوا فتفشغ بكم الامور واعلموا أن هذا يوم له ما بعده من الايام تكلموا فقام طلحة ابن عبيد الله وكان من خطباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتشهد ثم قال أما بعد يا أمير المؤمنين فقد أحكمتك الامور وعجمتك البلايا واحتنكتك التجارب وأنت وشأنك وأنت ورأيك لا ننبو في يديك ولا نكل عليك إليك هذا الامر فمرنا نطع وادعنا نجب واحمنا نركب ووفدنا نفد وقدنا ننقد فإنك ولي هذا الامر وقد بلوت وجربت واختبرت فلم ينكشف شئ من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار ثم جلس فعاد عمر فقال إن هذا يوم له ما بعده من الايام فتكلموا فقام عثمان ابن عفان فتشهد وقال أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشأم فيسيروا من شأمهم وتكتب إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم ثم تسير أنت بأهل هذين الحرمين إلى المصرين الكوفة والبصرة فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين فإنك إذا سرت بمن معك وعندك قل في نفسك ما قد تكاثر من عدد القوم وكنت أعز عزا وأكثر يا أمير المؤمنين إنك لا تستبقي من نفسك بعد العرب باقية ولا تمتنع من الدنيا بعزيز ولا تلوذ منها بحريز إن هذا اليوم له ما بعده من الايام فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه ثم جلس فعاد عمر فقال إن هذا يوم له ما بعده من الايام فتكلموا

[ 212 ]

فقام علي بن أبي طالب فقال أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك إن أشخصت أهل الشأم من شأمهم سارت الروم إلى ذراريهم وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم وإنك إن شخصت من هذه الارض انتقضت عليك الارض من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات أقرر هؤلاء في أمصارهم واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا فيها ثلاث فرق فلتقم فرقة لهم في حرمهم وذراريهم ولتقم فرقة في أهل عهدهم لئلا ينتقضوا عليهم ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددا لهم أن الاعاجم إن ينظروا إليك غدا قالوا هذا أمير العرب وأصل العرب فكان ذلك أشد لكلبهم وألبتهم على نفسك وأما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله هو أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما يكره وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ولكنا كنا نقاتل بالنصر فقال عمر أجل والله لئن شخصت من البلدة لتنتقضن على الارض من أطرافها وأكنافها ولئن نظرت إلى الاعاجم لا يفارقن العرصة وليمدنهم من لم يمدهم وليقولن هذا أصل العرب فإذا اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب فأشيروا على برجل أوله ذلك الثغر غدا قالوا أنت أفضل رأيا وأحسن مقدرة قال أشيروا علي به واجعلوه عراقيا قالوا يا أمير المؤمنين أنت أعلم بأهل العراق وجندك قد وفدوا عليك ورأيتهم وكلمتهم فقال أما والله لاولين أمرهم رجلا ليكونن لاول الاسنة إذا لقيها غدا فقيل من يا أمير المؤمنين فقال النعمان بن مقرن المزني فقالوا هو لها والنعمان يومئذ بالبصرة معه قواد من قواد أهل الكوفة أمدهم بهم عمر عند انتقاض الهرمزان فافتتحوا رامهرمز وإيذج وأعانوهم على تستر وجندي سابور والسوس فكتب إليه عمر مع زر بن كليب والمقترب الاسود بن ربيعة بالخبر وإني قد وليتك حربهم فسر من وجهك ذلك حتى تأتي ماه فإني قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها فإذا اجتمع لك جنودك فسر إلى الفيرزان ومن تجمع إليه من الاعاجم من أهل فارس وغيرهم واستنصروا الله وأكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله وروى عن أبي وائل

[ 213 ]

في سبب توجيه عمر النعمان بن مقرن إلى نهاوند ما حدثني به محمد بن عبيد الله بن صفوان الثقفي قال حدثنا أمية بن خالد قال حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن قال قال أبو وائل كان النعمان بن مقرن على كسكر فكتب إلى عمر مثلى ومثل كسكر كمثل رجل شاب إلى جنبه مومسة تلون له وتعطر فأنشدك الله لما عزلتني عن كسكر وبعثتني إلى جيش من جيوش المسلمين قال فكتب إليه عمر أن ائت الناس بنهاوند فأنت عليهم قال فالتقوا فكان أول قتيل وأخذ الراية أخوه سويد بن مقرن ففتح الله على المسلمين ولم يكن لهم يعني للفرس جماعة بعد يومئذ فكان أهل كل مصر يغزون عدوهم في بلادهم (رجع الحديث إلى حديث سيف) وكتب يعني عمر إلى عبدالله بن عبدالله مع ربعي بن عامر أن استنفر من أهل الكوفة مع النعمان كذا وكذا فإني قد كتبت إليه بالتوجه من الاهواز إلى ماه فليوافوه بها وليسر بها إلى نهاوند وقد أمرت عليهم حذيفة بن اليمان حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرن وقد كتبت إلى النعمان إن حدث بك حدث فعلى الناس حذيفة بن اليمان فإن حدث بحذيفة حدث فعلى الناس نعيم بن مقرن ورد قريب بن ظفر ورد معه السائب بن الاقرع أمينا وقال إن فتح الله عليكم فاقسم ما أفاء الله عليهم بينهم ولا تخدعني ولا ترفع إلي باطلا وإن نكب القوم فلا تراني ولا أراك فقدما إلى الكوفة بكتاب عمر بالاستحثاث وكان أسرع أهل الكوفة إلى ذلك الروادف ليبلوا في الدين وليدركوا حظا وخرج حذيفة بن اليمان بالناس ومعه نعيم حتى قدموا على النعمان بالطزر وجعلوا بمرج القلعة خيلا عليها النسير وقد كتب عمر إلى سلمى بن القين وحرملة بن مريطة وزر بن كليب والمقترب الاسود بن ربيعة وقواد فارس الذين كانوا بين فارس والاهواز أن اشغلوا فارس عن إخوانكم وحوطوا بذلك أمتكم وأرضكم وأقيموا على حدود ما بين فارس والاهواز حتى يأتيكم أمري وبعث مجاشع بن مسعود السلمي إلى الاهواز وقال له انصل منها على ماه فخرج حتى إذا كان بغضى شجر أمره النعمان أن يقيم مكانه فأقام بين غضى شجر ومرج القلعة ونضل سلمى وحرملة وزر والمقترب فكانوا في تخوم اصبهان وفارس فقطعوا بذلك عن

[ 214 ]

أهل نهاوند أمداد فارس ولما قدم أهل الكوفة على النعمان بالطزر جاءه كتاب عمر مع قريب ان معك حد العرب ورجالهم في الجاهلية فأدخلهم دون من هو دونهم في العلم بالحرب واستعن بهم واشرب برأيهم وسل طليحة وعمرا وعمرا ولا تولهم شيئا فبعث من الطزر طليحة وعمرا وعمرا طليعة ليأتوه بالخبر وتقدم إليهم أن لا يغلوا فخرج طليحة بن خويلد وعمرو بن أبي سلمى العنزي وعمرو بن معديكرب الزبيدي فلما ساروا يوما إلى الليل رجع عمرو بن أبي سلمى فقالوا ما رجعك قال كنت في أرض العجم وقتلت أرض جاهلها وقتل أرضا عالمها ومضى طليحة وعمرو حتى إذا كان من آخر الليل رجع عمرو فقالوا ما رجعك قال سرنا يوما وليلة لم نر شيئا وخفت أن يؤخذ علينا الطريق ونفذ طليحة ولم يحفل بهما فقال الناس ارتد الثانية ومضى طليحة حتى انتهى إلى نهاوند وبين الطزر ونهاوند بضعة وعشرون فرسخا فعلم علم القوم واطلع على الاخبار ثم رجع حتى إذا انتهى إلى الجمهور وكبر الناس فقال ما شأن الناس فأخبروه بالذي خافوا عليه فقال والله لو لم يكن دين إلا العربية ما كنت لاجزر العجم الطماطم هذه العرب العاربة فأتى النعمان فدخل عليه فأخبروه الخبر واعلمه أنه ليس بينه وبين نهاوند شئ يكرهه ولا أحد فنادى عند ذلك النعمان بالرحيل فأمرهم بالتعبية وبعث إلى مجاشع بن مسعود أن يسوق الناس وسار النعمان على تعبيته وعلى مقدمته نعيم بن مقرن وعلى مجنبتيه حذيفة بن اليمان وسويد بن مقرن وعلى المجردة القعقاع بن عمرو وعلى الساقة مجاشع وقد توافي إليه أمداد المدينة فهم المغيرة وعبد الله فانتهوا إلى الاسبيذهان والقوم وقوف دون واى خرد على تعبيتهم وأميرهم الفيرزان وعلى مجنبتيه الزردق وبهمن جاذويه الذي جعل مكان ذي الحاجب وقد توافي إليهم بنهاوند كل من غاب عن القادسية والايام من أهل الثغور وأمرائها وأعلام من أعلامهم ليسوا بدون من شهد الايام والقوادس وعلى خيولهم أنوشق فلما رآهم النعمان كبر وكبر الناس معه فتزلزت الاعاجم فأمر النعمان وهو واقف بحط الاثقال وبضرب الفسطاط فضرب وهو واقف فابتدره أشراف أهل الكوفة فبنوا له فسطاطا سابقوا أكفاءهم

[ 215 ]

فسبقوهم وهم أربع عشرة منهم حذيفة بن اليمان وعقبة بن عمرو والمغيرة بن شعبة وبشير بن الخصاصية وحنظلة الكاتب بن الربيع وابن الهوبر وربعي بن عامر وعامر بن مطر وجرير بن عبدالله الحميري والاقرع بن عبدالله الحميري وجرير ابن عبدالله البجلي والاشعث بن قيس الكندي وسعيد بن قيس الهمداني ووائل ابن حجر فلم ير بناء فسطاط بالعراق كهؤلاء وأنشب النعمان بعد ما حط الاثقال القتال فاقتتلوا يوم الاربعاء ويوم الخميس والحرب بينهم في ذاك سجال في سبع سنين من امارة عمر في سنة تسعة عشر وأنهم انجحروا في خنادقهم يوم الجمعة وحصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ما شاء الله والاعاجم بالخيار لا يخرجون إلا إذا أرادوا الخروج فاشتد ذلك على المسلمين وخافوا أن يطول أمرهم حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع تجمع أهل الرأى من المسلمين فتكلموا وقالوا نراهم علينا بالخيار وأتوا النعمان في ذلك فأخبروه فوافقوه وهو يروي في الذي رووا فيه فقال على رسلكم لا تبرحوا وبعث إلى من بقي من أهل النجدات والرأى في الحروب فتوافوا إليه فتكلم النعمان فقال قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون من الخنادق والمدائن وإنهم لا يخرجون إلا إذا شاءوا ولا يقدر المسلمون على إنقاضهم وانبعاثهم قبل مشيئتهم وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق بالذي هم فيه وعليه من الخيار عليهم في الخروج فما الرأى الذي به نحمشهم ونستخرجهم إلى المنابذة وترك التطويل فتكلم عمرو بن ثبى وكان أكبر الناس يومئذ سنا وكانوا إنما يتكلمون على الاسنان فقال التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم فدعهم ولا تحرجهم وطاولهم وقاتل من أتاك منهم فردوا عليه جميعا رأيه وقالوا إنا على يقين من إنجاز ربنا موعده لنا وتكلم عمرو بن معديكرب فقال ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم فردوا عليه جميعا رأيه وقالوا إنما تناطح بنا الجدران والجدران لهم أعوان علينا وتكلم طليحة فقال قد قالا ولم يصيبا ما أرادوا وأما أنا فأرى أن نبعث خيلا مؤدية فيحدقوا بهم ثم يرموهم لينشبوا القتال ويحمشوهم فإذا استحمشوا واختلطوا بهم وأرادوا الخروج أرزوا إلينا استطرادا فإنا لم نستطرد لهم في طول

[ 216 ]

ما قاتلناهم وإنا إذا فعلنا ذلك ورأوا ذلك منا طمعوا في هزيمتنا ولم يشكوا فيها فخرجوا فجادونا وجاددناهم حتى يقضى الله فيهم وفينا ما أحب فأمر النعمان القعقاع ابن عمرو وكان على المجردة ففعل وأنشب القتال بعد احتجاز من العجم فأنقضهم فلما خرجوا نكص ثم نكص ثم نكص واغتنمها الاعاجم ففعلوا كما ظن طليحة وقالوا هي هي فخرجوا فلم يبق أحد إلا من يقوم لهم على الابواب وجعلوا يركبونهم حتى أرز القعقاع إلى الناس وانقطع القوم عن حصنهم بعض الانقطاع والنعمان ابن مقرن والمسلمون على تعبيتهم في يوم جمعة في صدر النهار وقد عهد النعمان إلى الناس عهده وأمرهم أن يلزموا الارض ولا يقاتلوهم حتى يأذن لهم ففعلوا واستتروا بالحجف من الرمي وأقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراحات وشكا بعض الناس ذلك إلى بعض ثم قالوا للنعمان ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما لقى الناس فما تنتظر بهم ائذن للناس في قتالهم فقال لهم النعمان رويدا رويدا قالوا له ذلك مرارا فأجابهم بمثل ذلك مرارا رويدا رويدا فقال المغيرة لو أن هذا الامر إلى علمت ما أصنع فقال رويدا ترى أمرك وقد كنت تلى الامر فتحسن فلا يخذلنا الله ولا إياك ونحن نرجو في المكث مثل الذي ترجو في الحث وجعل النعمان ينتظر بالقتال إكمال ساعات كانت أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال أن يلقى فيها العدو وذلك عند الزوال وتفيؤ الافياء ومهب الرياح فلما كان قريبا من تلك الساعة تحشحش النعمان وسار في الناس على برذون أحوى قريب من الارض فجعل يقف على كل راية ويحمد الله ويثنى عليه ويقول قد علمتم ما أعزكم الله به من هذا الدين وما وعدكم من الظهور وقد أنجز لكم هوادى ما وعدكم وصدوره وإنما بقيت أعجازه وأكارعه والله منجز وعده ومتبع آخر ذلك أوله واذكروا ما مضى إذ كنتم أذلة وما استقبلتم من هذا الامر وأنتم أعزة فأنتم اليوم عباد الله حقا وأولياؤه وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من أهل الكوفة والذي لهم في ظفركم وعزكم والذي عليهم في هزيمتكم وذلكم وقد ترون من أنتم بإزائه من عدوكم وما أخطرتم وما أخطروا لكم فأما ما أخطروا لكم فهذه الرئة وما ترون من هذا السواد وأما

[ 217 ]

ما أخطرتم لهم فدينكم وبيضتكم ولا سواء ما أخطرتم وما أخطروا فلا يكونن على دنياهم أحمى منكم على دينكم وأتقى الله عبد صدق الله وأبلى نفسه فأحسن البلاء فإنكم بين خيرين منتظرين إحدى الحسنيين من بين شهيد حي مرزوق أو فتح قريب وظفر يسير فكفى كل رجل ما يليه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن نفسه وذلك من الملامة وقد يقاتل الكلب عن صاحبه فكل رجل منكم مسلط على ما يليه فإذا قضيت أمري فاستعدوا فإني مكبر ثلاثا فإذا كبرت التكبيرة الاولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ فإذا كبرت الثانية فليشد عليه سلاحه وليتأهب للنهوض فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا معا اللهم أعز دينك وانصر عبادك واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك فلما فرغ النعمان من التقدم إلى أهل المواقف وقضى إليهم أمره رجع إلى موقفه فكبر الاولى والثانية والثالثة والناس سامعون مطيعون مستعدون للمناهضة ينحى بعضهم بعضا عن سننهم وحمل النعمان وحمل الناس وراية النعمان تنقض نحوهم انقصاض العقاب والنعمان معلم ببياض القباء والقلنسوة فاقتتلوا بالسيوف قتالا شديدا لم يسمع السامعون بوقعة يوم قط كانت أشد منها فقتلوا فيها من أهل فارس فيما بين الزوال والاعتام ما طبق أرض المعركة دما يزلق الناس والدواب فيه وأصيب فرسان من فرسان المسلمين في الزلق في الدماء فزلق فرس النعمان في الدماء فصرعه وأصيب النعمان حين زلق به فرسه وصرع وتناول الراية نعيم بن مقرن قبل أن تقع وسجى النعمان بثوب وأتى حذيفة بالراية فدفعها إليه وكان اللواء مع حذيفة فجعل حذيفة نعيم بن مقرن مكانه وأتى المكان الذي كان فيه النعمان فأقام اللواء وقال له المغيرة اكتموا مصاب أميركم حتى ننظر ما يصنع الله فينا وفيهم لكيلا يهن الناس واقتتلوا حتى إذا أظلهم الليل انكشف المشركون وذهبوا والمسلمون ملظون بهم ملتبسون فعمى عليهم قصدهم فتركوه وأخذوا نحو اللهب الذي كانوا نزلوا دونه بإسبيذهان فوقعوا فيه وجعلوا لا يهوى منهم أحد الا قال وايه خرد فسمى بذلك وايه خرد إلى اليوم فمات فيه منهم مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة منهم أعدادهم ولم يفلت الا الشريد

[ 218 ]

ونجا الفيرزان بين الصرعى في المعركة فهرب نحو همذان في ذلك الشريد فاتبعه نعيم بن مقرن وقدم القعقاع قدامة فأدركه حين انتهى إلى ثنية همذان والثنية مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلا فحبسه الدواب على أجله فقتله على الثنية بعدما امتنع وقال المسلمون إن لله جنودا من عسل واستاقوا العسل وما خالطه من سائر الاحمال فأقبل بها وسميت الثنية بذلك ثنية العسل وإن الفيرزان لما غشيه القعقاع نزل فتوقل في الجبل إذ لم يجد مساغا وتوقل القعقاع في أثره حتى أخذه ومضى الفلال حتى انتهوا إلى مدينة همذان والخيل في آثارهم فدخلوها فنزل المسلمون عليهم وحووا ما حولها فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم وقبل منهم على أن يضمن لهم همذان ودستبى وأن لا يؤتى المسلمون منهم فأجابوهم إلى ذلك وآمنوهم وأمن الناس وأقبل كل من كان هرب ودخل المسلمون بعد هزيمة المشركين يوم نهاوند مدينة نهاوند واحتووا ما فيها وما حولها وجمعوا الاسلات والرثاث إلى صاحب الاقباض السائب ابن الاقرع فبيناهم كذلك على حالهم وفي عسسكرهم يتوقعون ما يأتيهم من إخوانهم بهمذان أقبل الهربذ صاحب بيت النار على أمان فأبلغ حذيفة ففال أتؤمنني على أن أخبرك بما أعلم قال نعم قال إن النخيرجان وضع عندي ذخيرة لكسرى فأنا أخرجها لك على أماني وأمان من شئت فأعطاه ذلك فأخرج له ذخيرة كسرى جوهرا كان أعده لنوائب الزمان فنظروا في ذلك فأجمع رأى المسلمين على رفعه إلى عمر فجعلوه له فأخرجوه حتى فرغوا فبعثوا به مع ما يرفع من الاخماس وقسم حذيفة ابن اليمان بين الناس غنائمهم فكان سهم الفارس يوم نهاوند ستة آلاف وسهم الراجل ألفين وقد نفل حذيفة من الاخماس من شاء من أهل البلاء يوم نهاوند ورفع ما بقى من الاخماس إلى السائب بن الاقرع فقبض السائب الاخماس فخرج بها إلى عمر وبذخيرة كسرى وأقام حذيفة بعد الكتاب بفتح نهاوند بنهاوند ينتظر جواب عمر وأمره وكان رسوله بالفتح طريف بن سهم أخو بني ربيعة بن مالك فلما بلغ الخبر أهل الماهين بأن همذان قد أخذت ونزلها نعيم بن مقرن والقعقاع ابن عمرو اقتدوا بخسرشنوم فراسلوا حذيفة فأجابهم إلى ما طلبوا فأجمعوا على

[ 219 ]

القبول وعزموا على إتيان حذيفة فخدعهم دينار وهو دون أولئك الملوك وكان ملكا إلا أن غيره منهم كان أرفع منه وكان أشرفهم قارن وقال لا تلقوهم في جمالكم ولكن تقهلوا لهم ففعلوا وخالفهم فأتاهم في الديباع والحلى وأعطاهم حاجتهم واحتمل للمسلمين ما أرادوا فعاقدوه عليهم ولم يجد الآخرون بدا من متابعته والدخول في أمره فقيل ماه دينار لذلك فذهب حذيفة بماه دينار وقد كان النعمان عاقد بهراذان على مثل ذلك فنسبت إلى بهراذان ووكل النسير بن ثور بقلعة قد كان لجأ إليها قوم فجاهدهم فافتتحها فنسبت إلى النسير وقسم حذيفة لمن خلفوا بمرج القلعة ولمن أقام بغضى شجر ولاهل المسالح جميعا في فئ نهاوند مثل الذي قسم لاهل المعركة لانهم كانوا ردء للمسلمين لئلا يؤتوا من وجه من الوجوه وتململ عمر تلك الليلة التي كان قدر للقائهم وجعل يخرج ويلتمس الخبر فبينا رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه فرجع إلى المدينة ليلا فمر به راكب في الليلة الثالثة من يوم نهاوند يريد المدينة فقال يا عبد الله من أين أقبلت قال من نهاوند قال ما الخبر قال الخبر خير فتح الله على النعمان واستشهدوا واقتسم المسلمون فئ نهاوند فأصاب الفارس ستة آلاف وطواه الراكب حتى انغمس في المدينة فدخل الرجل فبات فأصبح فتحدث بحديثه ونمى الخبر حتى بلغ عمر وهو فيما هو فيه فأرسل إليه فسأله فأخبره فقال صدق وصدقت هذا عثيم بريد الجن وقد رأى بريد الانس فقدم عليه طريف بالفتح بعد ذلك فقال الخبر فقال ما عندي أكثر من الفتح خرجت والمسلمون في الطلب وهم على رجل وكتمه إلا ما سره ثم خرج وخرج معه أصحابه فأمعن فرفع له راكب فقال قولوا فقال عثمان بن عفان السائب فقال السائب فلما دنا منه قال ما وراءك قال البشرى والفتح قال ما فعل النعمان قال زلق فرسه في دماء القوم فصرع فاستشهد فانطلق راجعا والسائب يسايره وسأل عن عدد من قتل من المسلمين فأخبره بعدد قليل وأن النعمان أول من استشهد يوم فتح الفتوح وكذلك كان يسميه أهل الكوفة والمسلمون فلما ذخل المسجد حطت الاحمال فوضعت في المسجد وأمر نفرا من أصحابه منهم عبدالرحمن بن عوف وعبد الله

[ 220 ]

ابن أرقم بالمبيت فيه ودخل منزله واتبعه السائب بن الاقرع بذينك الفسطين وأخبره خبرهما وخبر الناس فقال يا ابن مليكة والله ما دروا هذا ولا أنت معهم فالنجاء النجاء عودك على بدنك حتى تأتى حذيفة فيقسمهما على من أفاءهما الله عليه فأقبل راجعا بقبل حتى انتهى إلى حذيفة بماه فأقامهما فباعهما فأصاب أربعة آلاف ألف (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس الاسدي أن رجلا يقال له جعفر بن راشد قال لطليحة وهم مقيمون على نهاوند لقد أخذتنا خلة فهل بقى من أعاجيبك شئ تنفعنا به فقال كما أنتم حتى أنظر فأخذ كساء فتقنع به غير كثير ثم قال البيان البيان غنم الدهقان في بستان مكان أرونان فدخلوا البستان فوجدوا الغنم مسمنة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي معبد العبسي وعروة بن الوليد عمن حدثهم من قومهم قال بينما نحن محاصرو أهل نهاوند خرجوا علينا ذات يوم فقاتلونا فلم نلبثهم أن هزمهم الله فتبع سماك بن عبيد العبسي رجلا منهم معه نفر ثمانية على أفراس لهم فبارزهم فلم يبرز له أحد إلا قتله حتى أتى عليهم ثم حمل على الذي كانوا معه فأسره وأخذ سلاحه ودعا له رجلا اسمه عبد فوكله به فقال اذهبوا بي إلى أميركم حتى أصالحه على هذه الارض وأودى إليه الجزية وسلني أنت عن إسارك ما شئت وقد مننت علي إذ لم تقتلني وإنما أنا عبدك الآن وإن أدخلتني على الملك وأصلحت ما بيني وبينه وجدت لي شكرا وكنت لي أخا فخلى سبيله وآمنه وقال من أنت قال أنا دينار والبيت منهم يومئذ في آل قارن فأتى به حذيفة فحدثه دينار عن نجدة سماك وما قتل ونظره للمسلمين فصالحه على الخراج فنسبت إليه ماه وكان يواصل سماكا ويهدى له ويوافي الكوفة كلما كان عمله إلى عامل الكوفة فقدم الكوفة في إمارة معاوية فقام في الناس بالكوفة فقال يا معشر أهل الكوفة أنتم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان ثم تغيرتم وفشت فيكم خصال أربع بخل وخب وغدر وضيق ولم يكن فيكم واحدة منهن فرمقتكم فإذا ذلك في مولديكم فعلمت من أين أتيتم فإذا الخب من قبل النبط والبخل من قبل فارس والغدر من قبل خراسان والضيق من

[ 221 ]

قبل الاهواز (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد عن الشعبي قال لما قدم بسبي نهاوند إلى المدينة جعل أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى منهم صغيرا إلا مسح رأسه وبكى وقال أكل عمر كبدي وكان نهاونديا فأسرته الروم أيام فارس وأسره المسلمون بعد فنسب إلى حيث سبى (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد عن الشعبي وقال قتل في اللهب ممن هوى فيه ثمانون ألفا وفي المعركة ثلاثون ألفا مقترنين سوى من قتل في الطلب وكان المسلمون ثلاثين ألفا وافتتحت مدينة نهاوند في أول سنة تسع عشرة لسبع سنين من إمارة عمر لتمام سنة ثمان عشرة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وطلحة في كتاب النعمان بن مقرن وحذيفة لاهل هل الماهين بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى النعمان مقرن أهل ماه بهراذان أعطاهم الامان على أنفسهم وأموالهم وأرضيهم لا يغيرون على ملة ولا يحال بينهم وبين شرائعهم ولهم المنعة ما أدوا الجزية في كل سنة إلى من وليهم على كل حالم في ماله ونفسه على قدر طاقته وما أرشدوا ابن السبيل وأصلحوا الطرق وقروا جنود المسلمين ممن مر بهم فأوى إليهم يوما وليلة ووفوا ونصحوا فإن غشوا وبدلوا فذمتنا منهم بريئة شهد عبدالله بن ذي السهمين والقعقاع بن عمرو وجرير بن عبدالله وكتب في المحرم سنة تسع عشرة بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى حذيفة بن اليمان أهل ماه دينار أعطاهم الامان على أنفسهم وأموالهم وأرضيهم لا يغيرون عن ملة ولا يحال بينهم وبين شرائعهم ولهم المنعة ما أدوا الجزية في كل سنة إلى من وليهم من المسلمين على كل حالم في ماله ونفسه على قدر طاقته وما أرشدوا ابن السبيل وأصلحوا الطرق وقروا جنود المسلمين من مر بهم فأوى إليهم يوما وليلة ونصحوا فإن غشوا وبدلوا فذمتنا منهم بريئة شهد القعقاع بن عمرو ونعيم بن مقرن وسويد بن مقرن وكتب في المحرم قالوا والحق عمر من شهد نهاوند فأبلى من الروادف بلاء فاضلا في ألفين ألفين الحقهم بأهل القادسية (وفي هذه السنة) أمر عمر جيوش العراق يطلب جيوش فارس حيث كانت وأمر بعض من كان بالبصرة من جنود المسلمين وحواليها بالمسير إلى أرض فارس وكرمان واصبهان وبعض من كان منهم بناحية

[ 222 ]

الكوفة وماهاتها إلى أصبهان وآذربيجان والرى وكان بعضهم يقول إنما كان ذلك من فعل عمر في سنة ثمان عشرة وهو قول سيف بن عمر ذكر الخبر عما كان في هذه السنة أعني سنة احدى وعشرين من أمر الجندين اللذين ذكرت ان عمر أمرهما بما ذكر أنه أمرهما به (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا لما رأى عمر أن يزدجرد يبعث عليه في كل عام حربا وقيل له لا يزال هذا الدأب حتى يخرج من مملكته أذن الناس في الانسياح في أرض العجم حتى يغلبوا يزدجرد على ما كان في يدى كسرى فوجه الامراء من أهل البصرة بعد فتح نهاوند ووجه الامراء من أهل الكوفة بعد فتح نهاوند وكان بين عمل سعد بن أبي وقاص وبين عمل عمار بن ياسر أميران أحدهما عبدالله بن عبدالله بن عتبان وفي زمانه كانت وقعة نهاوند وزياد بن حنظلة حليف بني عبد بن قصي وفي زمانه أمر بالانسياح وعزل عبدالله بن عبدالله وبعث في وجه آخر من الوجوه وولى زياد ابن حنظلة وكان من المهاجرين فعمل قليلا وألح في الاستعفاء فأعفي وولى عمار بن ياسر بعد زياد فكان مكانه وأمد أهل البصرة بعبد الله بن عبدالله وأمد أهل الكوفة بأبي موسى وجعل عمر بن سراقة مكانه وقدمت الالوية من عند عمر إلى نفر بالكوفة زمان زياد بن حنظلة فقدم لواء منها على نعيم بن مقرن وقد كان أهل همذان كفروا بعد الصلح فأمره بالسير نحو همذان وقال فإن فتح الله على يديك فإلى ما وراء ذلك في وجهك ذلك إلى خراسان وبعث عتبة بن فرقد وبكير بن عبدالله وعقد لهما على آذربيجان وفرقها بينهما وأمر أحدهما أن يأخذ إليها من حلوان إلى ميمنتها وأمر الآخر أن يأخذ إليها من الموصل إلى ميسرتها فتيا من هذا عن صاحبه وتياسر هذا عن صاحبه وبعث إلى عبدالله بن عبدالله بلواء وأمره أن يسير إلى اصبهان وكان شجاعا بطلا من أشراف الصحابة ومن وجوه الانصار حليفا لبني الحبلى من بني أسد وأمده بأبي موسى من البصرة وأمر عمر بن سراقة على البصرة وكان من حديث عبدالله بن عبدالله أن عمر حين أتاه فتح نهاوند بدا له أن يأذن في الانسياح

[ 223 ]

تكتب إليه أن سر من الكوفة حتى تنزل المدائن فاندبهم ولا تنتخبهم واكتب إلي بذلك وعمر يريد توجيهه إلى اصبهان فانتدب له فيمن انتدب عبدالله بن ورقاء الرياحي وعبد الله بن الحارث بن ورقاء الاسدي والذين لا يعلمون يرون أن أحدهما عبدالله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي لذكر ورقاء وظنوا أنه نسب إلى جده وكان عبدالله بن بديل بن ورقاء يوم قتل بصفين ابن أربع وعشرين سنة وهي أيام عمر صبى ولما أتى عمر انبعاث عبدالله بعث زياد بن حنظلة لما أتاه انبعاث الجنود وانسياحهم أمر عمارا بعد وقرأ قول الله عزوجل (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) وقد كان زياد صرف في وسط من امارة سعد إلى قضاء الكوفة بعد إعفاء سلمان وعبد الرحمن ابني ربيعة ليقضى إلى أن يقدم عبدالله ابن مسعود من حمص وقد كان عمل لعمر على ما سقى الفرات ودجلة النعمان وسويد ابنا مقرن فاستعفيا وقالا أعفنا من عمل يتغول ويتزين لنا بزينة المومسة فأعفاهما وجعل مكانهما حذيفة بن أسيد الغفاري وجابر بن عمرو المزني ثم استعفيا فأعفاهما وجعل مكانهما حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف حذيفة على ما سقت دجلة وما وراءها وعثمان على ما سقى الفرات من السوادين جميعا وكتب إلى أهل الكوفة اني بعثت اليكم عمار بن ياسر أميرا وجعلت عبدالله بن مسعود معلما ووزيرا ووليت حذيفة بن اليمان ما سقت دجلة وما وراءها ووليت عثمان بن حنيف الفرات وما سقى (ذكر الخبر عن اصبهان) قالوا ولما قدم عمار إلى الكوفة أميرا وقدم كتاب عمر إلى عبدالله أن سر إلى اصبهان وزياد على الكوفة وعلى مقدمتك عبدالله بن ورقاء الرياحي وعلى مجنبتيك عبدالله بن ورقاء الاسدي وعصمة بن عبدالله وهو عصمة بن عبدالله بن عبيدة ابن سيف بن عبد بن الحارث فسار عبدالله في الناس حتى قدم على حذيفة ورجع حذيفة إلى عمله وخرج عبدالله من نهاوند فيمن كان معه ومن انصرف معه من جند النعمان نحو جند قد اجتمع له من أهل اصبهان عليهم الاستندار وكان على

[ 224 ]

مقدمته شهربراز جاذويه شيخ كبير في جمع عظيم فالتقى المسلمون ومقدمة المشركين برستاق من رساتيق اصبهان فاقتتلوا قتالا شديدا ودعا الشيخ إلى البراز فبرز له عبدالله بن ورقاء فقتله وانهزم أهل أصبهان وسمى المسلمون ذلك الرستاق رستاق الشيخ فهو اسمه إلى اليوم ودعا عبدالله بن عبدالله من يليه فسأل الاستندار الصلح فصالحهم فهذا أول رستاق أخذ من اصبهان ثم سار عبدالله من رستاق الشيخ نحو جي حتى انتهى إلى جي والملك باصبهان يومئذ الفاذوسفان ونزل بالناس على جي فحاصرهم فخرجوا إليه بعد ما شاء الله من زحف فلما التقوا قال الفاذوسفان لعبدالله لا تقتل أصحابي ولا أقتل أصحابك ولكن ابرز لي فان قتلتك رجع أصحابك وان قتلتني سالمك أصحابي وان كان أصحابي لا يقع لهم نشابة فبرز له عبدالله وقال إما أن تحمل علي وإما أن أحمل عليك فقال أحمل عليك فوقف له عبدالله وحمل عليه الفاذوسفان فطعنه فأصاب قربوس سرجه فكسره وقطع اللبب والحزام وزال اللبد والسرج وعبد الله على الفرس فوقع عبدالله قائما ثم استوى على الفرس عريا وقال له اثبت فحاجزه وقال ما أحب أن أقاتلك فانى قد رأيتك رجلا كاملا ولكن أرجع معك إلى عسكرك فأصالحك وأدفع المدينة اليك على ان من شاء أقام ودفع الجزية وأقام على ماله وعلى أن تجرى من أخذتم أرضه عنوة مجراهم ويتراجعون ومن أبى أن يدخل فيما دخلنا فيه ذهب حيث شاء ولكم أرضه قال لكم ذلك وقدم عليه أبو موسى الاشعري من ناحية الاهواز وقد صالح الفاذوسفان عبدالله فخرج القوم من جي ودخلوا في الذمة إلا ثلاثين رجلا من أهل أصبهان خالفوا قومهم وتجمعوا فلحقوا بكرمان في حاشيتهم لجمع كان بها ودخل عبدالله وأبو موسى جي وجي مدينة أصبهان وكتب بذلك إلى عمر واعتبط من أقام وندم من شخص فقدم كتاب عمر على عبدالله أن سر حتى تقدم على سهيل بن عدي فتجامعه على قتال من بكرمان وخلف في جي من بقى عن جي واستخلف على أصبهان السائب بن الاقرع (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن نفر من أصحاب الحسن منهم المبارك بن فضالة عن الحسن عن أسيد بن المتشمس بن

[ 225 ]

أخى الاحنف قال شهدت مع أبي موسى فتح أصبهان وانما شهدها مددا (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا كتاب صلح أصبهان: بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من عبدالله للفاذوسفان وأهل أصبهان وحواليها انكم آمنون ما أديتم الجزية وعليكم من الجزية بقدر طاقتكم في كل سنة تؤدونها إلى الذي يلي بلادكم عن كل حالم ودلالة المسلم واصلاح طريقه وقراه يوما وليلة وحملان الراجل إلى مرحلة لا تسلطوا على مسلم وللمسلمين نصحكم وأداء ما عليكم ولكم الامان ما فعلتم فإذا غيرتم شيئا أو غيره مغير منكم ولم تسلموه فلا أمان لكم ومن سب مسلما بلغ منه فان ضربه قتلناه وكتب وشهد عبدالله بن قيس وعبد الله بن ورقاء وعصمة بن عبدالله فلما قدم الكتاب من عمر على عبدالله وأمر فيه باللحاق بسهيل بن عدي بكرمان خرج في جريدة خيل واستخلف السائب ولحق بسهيل قبل أن يصل إلى كرمان وقد روى عن معقل بن يسار أن الذي كان أميرا على جيش المسلمين حين غزوا أصبهان النعمان بن مقرن ذكر الرواية بذلك * حدثنا يعقوب بن ابراهيم وعمرو بن علي قالا حدثنا عبدالرحمن بن مهدي قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن علقمة بن عبدالله المزني عن معقل بن يسار أن عمر بن الخطاب شاور الهرمزان فقال ما ترى أبدأ بفارس أم بآذربيجان أم باصبهان فقال ان فارس وآذربيجان الجناحان واصبهان الرأس فان قطعت أحد الجناحين قام الجناح الآخر فان قطعت الرأس وقع الجناحان فابدأ بالرأس فدخل عمر المسجد والنعمان بن مقرن يصلى فقعد إلى جنبه فلما قضى صلاته قال انى أريد أن أستعملك قال جابيا فلا ولكن غازيا قال فأنت غاز فوجهه إلى اصبهان وكتب إلى أهل الكوفة أن يمدوه فأتاها وبينه وبينهم النهر فأرسل إليهم المغيرة بن شعبة فأتاهم فقيل لملكهم وكان يقال له ذو الحاجبين أن رسول العرب على الباب فشاور أصحابه فقال ما ترون أقعد له في بهجة الملك فقالوا نعم فقعد على سريره ووضع التاج على رأسه وقعد أبناء الملوك نحو السماطين عليهم القرطة

[ 226 ]

وأسورة الذهب وثياب الديباج ثم أذن له فدخل ومعه رمحه وترسه فجعل يطعن برمحه بسطهم ليتطيروا وقد أخذ بضبعيه رجلان فقام بين يديه فكلمه ملكهم فقال إنكم يا معشر العرب أصابكم جوع شديد فخرجتم فان شئتم مرناكم ورجعتم إلى بلادكم فتكلم المغيرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إنا معاشر العرب كنا نأكل الجيف والميتة ويطؤنا الناس ولا نطأهم وإن الله عزوجل ابتعث منا نبيا أوسطنا حسبا وأصدقنا حديثا فذكر النبي صلى الله عليه وسلم بما هو أهله وإنه وعدنا أشياء فوجدناها كما قال وإنه وعدنا أنا سنظهر عليكم ونغلب على ما ههنا وإني أرى عليكم بزة وهيئة ما أرى من خلفي يذهبون حتى يصيبوها قال ثم قلت في نفسي لو جمعت جراميزى فوثبت وثبة فقعدت مع العلج على سريره لعله يتطير قال فوجدت غفلة فوثبت فإذا أنا معه على سريره قال فأخذوه يتوجأونه ويطأونه بأرجلهم قال قلت هكذا تفعلون بالرسل فانا لا نفعل هكذا ولا نفعل برسلكم هذا فقال الملك إن شئتم قطعتم إلينا وإن شئتم قطعنا إليكم قال فقلت بل نقطع إليكم قال فقطعنا إليهم فتسلسلوا كل عشرة في سلسلة وكل خمسة وكل ثلاثة قال فصاففناهم فرشقونا حتى أسرعوا فينا فقال المغيرة للنعمان يرحمك الله إنه قد أسرع في الناس فاحمل فقال والله إنك لذو مناقب لقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال فكان إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر قال ثم قال إنى هاز لوائي ثلاث مرات فأما الهزة الاولى فقضى رجل حاجته وتوضأ وأما الثانية فنظر رجل في سلاحه وفي شسعه فأصلحه وأما الثالثة فاحملوا ولا يلوين أحد على أحد وإن قتل النعمان فلا يلو عليه أحد فانى أدعو الله عزوجل بدعوة فعزمت على كل امرئ منكم لما أمن عليها اللهم اعط اليوم النعمان الشهادة في نصر المسلمين واقتح عليهم وهز لواءه أول مرة ثم هز الثانية ثم هز الثالثة ثم شل درعه ثم حمل فكان أول صريع فقال معقل فأتيت عليه فذكرت عزمته فجعلت عليه علما ثم ذهبت وكنا إذا قتلنا رجلا شغل عنا أصحابه ووقع ذو الحاجبين عن بغلته فانشق بطنه فهزمهم الله ثم جئت إلى النعمان ومعي إداوة فيها ماء فغسلت عن وجهه التراب

[ 227 ]

فقال من أنت قلت معقل بن يسار قال ما فعل الناس فقلت فتح الله عليهم قال الحمد لله اكتبوا بذلك إلى عمر وفاضت نفسه واجتمع الناس إلى الاشعث بن قيس وفيهم ابن عمر وابن الزبير وعمرو بن معديكرب وحذيفة فبعثوا إلى أم ولده فقالوا ما عهد إليك عهدا فقالت ههنا سفط فيه كتاب فأخذوه فكان فيه إن قتل النعمان ففلان وإن قتل فلان ففلان (وقال الواقدي) في هذه السنة يعني سنة 21 مات خالد بن الوليد بحمص وأوصى إلى عمر بن الخطاب (قال وفيها) غزا عبدالله وعبد الرحمن ابنا عمرو وأبو سروعة فقدموا مصر فشرب عبدالرحمن وأبو سروعة الخمر وكان من أمرهما ما كان (قال وفيها) سار عمرو بن العاصى إلى أنطابلس وهي برقة فافتتحها وصالح أهل برقة على ثلاثة عشر ألف دينار وأن يبيعوا من أبنائهم ما أحبوا في جزيتهم (قال وفيها) ولى عمر بن الخطاب عمار بن ياسر على الكوفة وابن مسعود على بيت المال وعثمان بن حنيف على مساحة الارض فشكا أهل الكوفة عمارا فاستعفي عمار عمر بن الخطاب فأصاب جبير بن مطعم خاليا فولاه الكوفة فقال لا تذكره لاحد فبلغ المغيرة بن شعبة أن عمر خلا بجبير بن مطعم فرجع إلى امرأته فقال اذهبي إلى امرأة جبير بن مطعم فاعرضي عليها طعام السفر فأتتها فعرضت عليها فاستعجمت عليها ثم قالت نعم فجيئيني به فلما استيقن المغيرة بذلك جاء إلى عمر فقال بارك الله لك فيمن وليت قال فمن وليت فأخبره أنه ولى جبير بن مطعم فقال عمر لا أدري ما أصنع وولى المغيرة بن شعبة الكوفة فلم يزل عليها حتى مات عمر (قال وفيها) بعث عمرو بن العاصى عقبة بن نافع الفهري فافتتح زويلة بصلح وما بين برقة وزويلة سلم للمسلمين * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان بالشأم في سنة 21 غزوة الامير معاوية بن أبي سفيان وعمير بن سعد الانصاري على دمشق والبثنية وحوران وحمص وقنسرين والجزيرة ومعاوية على البلقاء والاردن وفلسطين والسواحل وأنطاكية ومعرة مصرين وقلقية وعند ذلك صالح أبو هاشم ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس على قلقية وأنطاكية ومعرة مصرين (وقيل وفيها) ولد الحسن البصري وعامر الشعبي (قال الواقدي) وحج بالناس في هذه السنة

[ 228 ]

عمر بن الخطاب وخلف على المدينة وزيد بن ثابت وكان عامله على مكة والطائف واليمن واليمامة والبحرين والشأم ومصر والبصرة من كان عليها في سنة 20 وأما الكوفة فان عامله عليها كان عمار بن ياسر وكان إليه الاحداث وإلى عبدالله بن مسعود بيت المال وإلى عثمان بن حنيف الخراج وإلى شريح فيما قيل القضاء ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين (قال أبو جعفر) ففيها فتحت آذريبجان فيما حدثني أحمد بن ثابت الرازي عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال كانت آذربيجان سنة 22 وأميرها المغيرة بن شعبة وكذلك قال الواقدي وأما سيف بن عمر فانه قال فيما كتب إلي به السري على شعيب عنه قال كان فتح آذربيجان سنة ثمان عشرة من الهجرة بعد فتح همذان والرى وجرجان وبعد صلح اصبهبذ طبرستان المسلمين قال وكل ذلك كان في سنة ثمان عشرة قال فكان سبب فتح همذان فيما زعم أن محمدا والمهلب وطلحة وعمرا وسعيدا أخبروه أن النعمان لما صرف إلى الماهين لاجتماع الاعاجم إلى نهاوند وصرف إليه أهل الكوفة وافوه مع حذيفة ولما فصل أهل الكوفة من حلوان وأفضوا إلى ماه هجموا على قلعة في مرج فيها مسلحة فاستنزلوهم وكان أول الفتح وأنزلوا مكانهم خيلا يمسكون بالقلعة فسلموا معسكرهم بالمرج مرج القلعة ثم ساروا من مرج القلعة نحو نهاوند حتى إذا انتهوا إلى قلعة فيها قوم خلفوا عليها النسير بن ثور في عجل وحنيفة فنسبت إليه وافتتحها بعد فتح نهاوند ولم يشهد نهاوند عجلى ولا حنفي أقاموا مع النسير على القلعة فلما جمعوا فئ نهاوند والقلاع أشركوا فيها جميعا لان بعضهم قوى بعضا ثم وصفوا ما استقروا فيما بين مرج القلعة وبين نهاوند مما مروا به قبل ذلك فيما استقروا من المرج إليها بصفاتها وازدحمت الركاب في ثنية من ثنايا ماه فسميت بالركاب فقيل ثنية الركاب وأتوا على أخرى تدور طريقها بصخرة فسموها ملوية فدرست أسماؤها الاولى وسميت بصفاتها ومروا بالجبل الطويل المشرف على الجبال فقال قائل منهم كأنه سن سميرة

[ 229 ]

وسميرة امرأة من المهاجرات من بني معاوية ضبية لها سن مشرفة على أسنانها فسمى ذلك الجبل بسنها وقد كان حذيفة اتبع الفالة فالة نهاوند نعيم بن مقرن والقعقاع ابن عمرو فبلغا همذان فصالحهم خسروشنوم فرجعا عنهم ثم كفر بعد فلما قدم عهده في العهود من عند عمر ودع حذيفة وودعه حذيفة هذا يريد همذان وهذا يريد الكوفة راجعا واستخلف على الماهين عمرو بن بلال بن الحارث وكان كتاب عمر إلى نعيم بن مقرن أن سر حتى تأتي همذان وابعث على مقدمتك سويد ابن مقرن وعلى مجنبتيك ربعي بن عامر ومهلهل بن زيد هذا طائي وذاك تميمي فخرج نعيم بن مقرن في تعبيته حتى نزل ثنية العسل وإنما سميت ثنية العسل بالعسل الذي أصابوا فيها غب رقعة نهاوند حيث اتبعوا الفالة فانتهى الفيرزان إليها وهي غاصة بحوامل تحمل العسل وغير ذلك فحبست الفيرزان حتى نزل فتوقل في الجبل وعار فرسه فأدرك فأصيب ولما نزلوا كنكور سرقت دواب من دواب المسلمين فسمى قصر اللصوص ثم انحدر نعيم من الثنية حتى نزل على مدينة همذان وقد تحصنوا منهم فحصرهم فيها وأخذ ما بين ذلك وبين جرميذان واستولوا على بلاد همذان كلها فلما رأى ذلك أهل المدينة سألوا الصلح على أن يجريهم ومن استجاب مجرى واحدا ففعل وقبل منهم الجزاء على المنعة وفرق دستبي بين نفر من أهل الكوفة بين عصمة بن عبدالله الضبي ومهلهل بن زيد الطائي وسماك بن عبيد العبسي وسماك بن محرمة الاسدي وسماك بن خرشة الانصاري فكان هؤلاء أول من ولى مسالح دستبي وقاتل الديلم (وأما الواقدي) فانه قال كان فتح همذان والري في سنة ثلاث وعشرين قال ويقال افتتح الري قرظة بن كعب * وحدثني ربيعة ابن عثمان أن فتح همذان كان في جمادى الاولى على رأس ستة أشهر من مقتل عمر ابن الخطاب وكان أميرها المغيرة بن شعبة قال ويقال كان فتح الري قبل وفاة عمر بسنتين ويقال قتل عمر وجيوشه عليها (رجع الحديث إلى حديث سيف) قال فبينما نعيم في مدينة همذان في توطئتها في اثني عشر ألفا من الجند تكاتب الديلم وأهل الري وأهل آذربيجان ثم خرج موتا في الديلم حتى ينزل بواج روذ وأقبل

[ 230 ]

الزينبي أبو الفرخان في أهل الري حتى انضم إليه وأقبل اسفندياذ أخو رستم في أهل آذربيجان حتى انضم إليه وتحصن أمراء مسالح دستبي وبعثوا إلى نعيم بالخبر فاستخلف يزيد بن قيس وخرج إليهم في الناس حتى نزل عليهم بواج الروذ فاقتتلوا بها قتالا شديدا وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند ولم تكن دونها وقتل من القوم مقتلة عظيمة لا يحصون ولا تقصر ملحمتهم من الملاحم الكبار وقد كانوا كتبوا إلى عمر باجتماعهم ففزع منها واهتم بحربها وتوقع ما يأتيه عنهم فلم يفجأه إلا البريد بالبشارة فقال أبشير فقال بل عروة فلما ثنى عليه أبشير فطن فقال بشير فقال عمر رسول نعيم قال رسول نعيم قال الخبر قال البشرى بالفتح والنصر وأخبره الخبر فحمد الله وأمر بالكتاب فقرئ على الناس فحمدوا الله ثم قدم سماك بن محرمة وسماك بن عبيد وسماك بن خرشة في وفود من وفود أهل الكوفة بالاخماس على عمر فنسبهم فانتسب له سماك وسماك وسماك فقال بارك الله فيكم اللهم أسمك بهم الاسلام وأيدهم بالاسلام فكانت دستبي من همذان ومسالحها إلى همذان حتى رجع الرسول إلى نعيم بن مقرن بجواب عمر بن الخطاب أما بعد فاستخلف على همذان وأمد بكير بن عبدالله بسماك بن خرشة وسر حتى تقدم الري فتلقى جمعهم ثم أقم بها فإنها أوسط تلك البلاد واجمعها لما تريد فأقر نعيم يزيد بن قيس الهمداني على همذان وسار من واج الروذ بالناس إلى الري وقال نعيم في واج الروذ لما أتاني أن موتا ورهطه * بني باسل جروا جنود الاعاجم نهضت إليهم بالجنود مساميا * لامنع منهم ذمتي بالقواصم فجئنا إليهم بالحديد كأننا * جبال تراءى من فروع القلاسم فلما لقيناهم بها مستفيضة * وقد جعلوا يسمون فعل المساهم صدمناهم في واج روذ بجمعنا * غداة رميناهم بإحدى العظائم فما صبروا في حومة الموت ساعة * لحد الرماح والسيوف الصوارم كأنهم عند انبثاث جموعهم * جدار تشظى لبنه للهوادم

[ 231 ]

أصبنا بها موتا ومن لف جمعه * وفيها نهاب قسمه غير عاتم تبعناهم حتى أووا في شعابهم * نقتلهم قتل الكلاب الجواحم كأنهم في واج روذ وجوه * ضئين أصابتها فروج المخارم وسماك بن مخرمة هو صاحب مسجد سماك وأعاد فيهم نعيم كتاب صلح همذان وخلف عليها يزيد بن قيس الهمداني وسار بالجنود حتى لحق بالري وكان أول نسل الديلم من العرب وقاولهم فيه نعيم فتح الرى قالوا وخرج نعيم بن مقرن من واج روذ في الناس وقد أخربها إلى دستبي ففصل منها إلى الرى وقد جمعوا له وخرج الزينبي أبو الفرخان فلقيه الزينبي بمكان يقال له قها مسالما ومخالف لملك الرى وقد رأى من المسلمين ما رأى مع حسد سياوخش وأهل بيته فأقبل مع نعيم والملك يومئذ بالرى سياوخش بن مهران بن بهرام شوبين فاستمد أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان وقال قد علمتم أن هؤلاء قد أحلوا بالري أنه لا مقام لكم فاحتشدوا له فناهده سياوخش فالتقوا في سفح جبل الري إلى جنب مدينتها فاقتتلوا به وقد كان الزينبي قال لنعيم إن القوم كثير وأنت في قلة فابعث معي خيلا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به وناهدهم أنت فإنهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لك فبعث معه نعيم خيلا من الليل عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم وبيتهم نعيم بياتا فشغلهم عن مدينتهم فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم ثم إنهم انهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب وأفاء الله على المسلمين بالري نحوا من فئ المدائن وصالحه الزينبي على أهل الري ومرزبه عليهم نعيم فلم يزل شرف الرى في أهل الزينبي الاكبر ومنهم شهرام وفرخام وسقط آل بهرام وأخرب نعيم مدينتهم وهي التي يقال لها العتيقة يعني مدينة الرى وأمر الزينبي فبنى مدينة الري الحدثي وكتب نعيم إلى عمر بالذي فتح الله عليه مع المضارب العجلي ووفد بالاخماس مع عتيبة بن النهاس وأبي مفزر في وجوه من وجوه أهل الكوفة وأمد

[ 232 ]

بكير بن عبدالله بسماك بن خرشة الانصاري بعد ما فتح الرى فسار سماك إلى آذربيجان مددا لبكير وكتب نعيم لاهل الري كتابا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى نعيم بن مقرن الزينبي بن قوله أعطاه الامان على أهل الرى ومن كان معهم من غيرهم على الجزاء طاقة كل حالم في كل سنة وعلى أن ينصحوا ويدلوا ولا يغلوا ولا يسلوا وعلى أن يقروا المسلمين يوما وليلة وعلى أن يفخموا المسلم فمن سب مسلما أو استخف به نهك عقوبة ومن ضربه قتل ومن بدل منهم فلم يسلم برمته فقد غير جماعتكم وكتب وشهد وراسله المصمغان في الصلح على شئ يفتدى به منهم من غير أن يسأله النصر والمنعة فقبل منه وكتب بينه وبينه كتابا على غير نصر ولا معونة على أحد فجرى ذلك لهم بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من نعيم بن مقرن لمردانشاه مصمغان دنباوند وأهل دنباوند والخوار واللارز والشرانك آمن ومن دخل معك على الكف أن تكف أهل أرضك وتتقي من ولى الفرج بمائتي ألف درهم وزن سبعة في كل سنة لا يغار عليك ولا يدخل عليك إلا بإذن ما أقمت على ذلك حتى تغير ومن غير فلا عهد له ولا لمن لم يسلمه وكتب وشهد فتح قومس قالوا ولما كتب نعيم بفتح الرى مع المضارب العجلي ووفد بالاخماس كتب إليه عمر أن قدم سويد بن مقرن إلى قومس وابعث على مقدمته سماك بن محرمة وعلى مجنبتيه عتيبة بن النهاس وهند بن عمرو الجملي ففصل سويد بن مقرن في تعبيته من الرى نحو قومس فلم يقم له أحد فأخذها سلما وعسكر بها فلما شربوا من نهر لهم يقال له ملاذفشا فيهم القصر فقال لهم سويد غيروا ماءكم حتى تعودوا كأهله ففعلوا واستمرؤه وكاتبه الذين لجؤا إلى طبرستان منهم والذين أخذوا المفاوز فدعاهم إلى الصلح والجزاء وكتب لهم بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى سويد بن مقرن أهل قومس ومن حشوا من الامان على أنفسهم ومللهم وأموالهم على أن يؤدوا الجزية عن يد عن كل حالم بقدر طاقته وعلى أن ينصحوا ولا يغشوا وعلى أن يدلوا وعليهم نزل من نزل بهم من المسلمين يوما وليلة من اوسط طعامهم وأن

[ 233 ]

بدلوا واستخفوا بعهدهم فالذمة منهم بريئة وكتب وشهد فتح جرجان قالوا وعسكر سويد بن مقرن ببسطام وكاتب ملك جرجان رزبان صول ثم سار إليها وكاتبه رزبان صول وبادره بالصلح على أن يؤدي الجزاء ويكفيه حرب جرجان فأن غلب أعانه فقبل ذلك منه وتلقاه رزبان صول قبل دخول سويد جرجان فدخل معه وعسكر بها حتى جبى إليه الخراج وسمى فروجها فسدها بترك دهستان فرفع الجزاء عمن أقام يمنعها وأخذ الخراج من سائر أهلها وكتب بينهم وبينه كتابا بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من سويد بن مقرن لرزبان صول بن رزبان وأهل دهستان وسائر أهل جرجان إن لكم الذمة وعلينا المنعة على أن عليكم من الجزاء في كل سنة على قدر طاقتكم على كل حالم ومن استعنا به منكم فله جزاء في معونته عوضا من جزائه ولهم الامان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم ولا يغير شئ من ذلك هو إليهم ما أدوا وأرشدوا ابن السبيل ونصحوا وقروا المسلمين ولم يبد منهم سل ولا غل ومن أقام فيهم فله مثل ما لهم ومن خرج فهو آمن حتى يبلغ مأمنه وعلى أن من سب مسلما بلغ جهده ومن ضربه حل دمه شهد سواد ابن قطبة وهند بن عمرو وسماك بن مخرمة وعتيبة بن النهاس وكتب في سنة ثمان عشرة * وأما المدائني فإنه قال فيما حدثنا أبو زيد عنه فتحت جرجان في زمن عثمان سنة ثلاثين فتح طبرستان قالوا وأرسل الاصبهبذ سويدا في الصلح على أن يتوادعا ويجعل له شيئا على غير نصر ولا معونة على أحد فقبل ذلك منه وجرى ذلك لهم وكتب له كتابا بسم الله الرحن الرحيم هذا كتاب من سويد بن مقرن للفرخان اصبهبذ خراسان على طبرستان وجيل جيلان من أهل العدو إنك آمن بأمان الله عزوجل على أن تكف لصوتك وأهل حواشي أرضك ولا تؤوى لنا بغية وتتقى من ولى فرج أرضك بخمسمائة الف درهم من دراهم أرضك فإذا فعلت ذلك فليس لاحد منا أن يغير عليك ولا يتطرق

[ 234 ]

أرضك ولا يدخل عليك إلا بإذنك سبيلنا عليكم بالاذن آمنة وكذلك سبيلكم ولا تؤوون لنا بغية ولا تسلون لنا إلى عدو ولا تغلون فإن فعلتم فلا عهد بيننا وبينكم شهد سواد بن قطبة التميمي وهند بن عمرو المرادي وسماك بن مخرمة الاسدي وسماك بن عبيد العبسي وعتيبة بن النهاس البكري وكتب سنة ثمان عشرة فتح آذربيجان قال ولما افتتح نعيم همذان ثانية وسار إلى الرى من واج روذ كتب إليه عمر أن يبعث سماك بن خرشة الانصاري ممدا لبكير بن عبدالله بآذربيجان فأخر ذلك حتى افتتح الرى ثم سرحه من الري فسار سماك نحو بكير بآذربيجان وكان سماك ابن خراشة وعتبة بن فرقد من أغنياء العرب وقدما الكوفة بالغنى وقد كان بكير سار حين بعث إليها حتى إذا طلع بحيال جرميذان طلع عليهم إسفندياذ بن الفرخزاذ مهزوما من واج روذ فكان أول قتال لقيه بآذربيجان فاقتتلوا فهزم الله جنده وأخذ بكير اسفندياذ أسيرا فقال له اسفندياذ الصلح أحب إليك أم الحرب قال بل الصلح قال فأمسكني عندك فإن أهل آذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجئ لم يقيموا لك وجلوا إلى الجبال التي حولها من القبج والروم ومن كان على التحصن تحصن إلى يوم ما فأمسكه عنده فأقام وهو في يده وصارت البلاد إليه إلا ما كان من حصن وقدم عليه سماك بن خرشة ممدا واسفندياذ في إساره وقد افتتح ما يليه وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه وقال بكير لسماك مقدمه عليه ومازحه ما الذي أصنع بك وبعتبة بأغنيين لئن أطعت ما في نفسي لامضين قدما ولا خلفنكما فإن شئت أقمت معي وإن شئت أتيت عتبة فقد أذنت لك فإني لا أراني تارككما وطالبا وجها هو أكره من هذا فاستعفي عمر فكتب إليه بالاذن على أن يتقدم نحو الباب وأمره أن يستخلف على عمله فاستخلف عتبة على الذي افتتح منها ومضى قدما ودفع اسفندياذ إلى عتبة فضمه عتبة إليه وأمر عتبة سماك بن خرشة وليس بأبي دجانة على عمل بكير الذي كان افتتح وجمع عمر آذربيجان كلها لعتبة بن فرقد قالوا وقد كان بهرام بن الفرخزاذ أخذ بطريق عتبة بن فرقد وأقام له في عسكره

[ 235 ]

حتى قدم عليه عتبة فاقتتلوا فهزمه عتبة وهرب بهرام فلما بلغ الخبر بهزيمة بهرام ومهربه اسفندياذ وهو في الاسار عند بكير قال الآن تم الصلح وطفئت الحرب فصالحه وأجاب إلى ذلك كلهم وعادت آذربيجان سلما وكتب بذلك بكير وعتبة إلى عمر وبعثوا بما خمسوا مما أفاء الله عليهم ووفدوا الوفود بذلك وكان بكير قد سبق عتبة بفتح ما ولى وتم الصلح بعد ما هزم عتبة بهرام وكتب عتبة بينه وبين أهل آذربيجان كتابا حيث جمع له عمل بكير إلى عمله بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عتبة بن فرقد عامل عمر بن الحطاب أمير المؤمنين أهل آذربيجان سهلها وجبلها وحواشيها وشفارها وأهل مللها كلهم الامان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم ليس على صبي ولا امرأة ولا زمن ليس في يديه شئ من الدنيا ولا متعبد متخل ليس في يديه من الدنيا شئ لهم ذلك ولمن سكن معهم وعليهم قرى المسلم من جنود المسلمين يوما وليلة ودلالته ومن حشر منهم في سنة وضع عنه جزاء تلك السنة ومن أقام فله مثل ما لمن أقام من ذلك ومن خرج فله الامان حتى يلجأ إلى حرزه وكتب جندب وشهد بكير بن عبدالله الليثي وسماك بن خرشة الانصاري وكتب في سنة ثمان عشرة (قالوا وفيها) قدم عتبة على عمر بالخبيص الذي كان أهداه له وذلك أن عمر كان يأخذ عماله بموافاة الموسم في كل سنة يحجر عليهم بذلك الظلم ويحجزهم به عنه (وفي) هذه السنة كان فتح الباب في قول سيف وروايته قال وقالوا يعني الذين ذكرت إسماءهم قبل رد عمر أبو موسى إلى البصرة ورد سراقة بن عمرو وكان يدعى ذا النور إلى الباب وجعل على مقدمته عبدالرحمن بن ربيعة وكان أيضا يدعى ذا النور وجعل على إحدى المجنبتين حذيفة بن أسيد الغفاري وسمى للاخرى بكير بن عبدالله الليثي وكان بإزاء الباب قبل قدوم سراقة بن عمرو عليه وكتب إليه أن يلحق به وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة فقدم سراقة عبدالرحمن بن ربيعة وخرج في الاثر حتى

[ 236 ]

إذا خرج من آذربيجان نحو الباب قدم على بكير في أداني الباب فاستدف ببكير ودخل بلاد الباب على ما عباه عمر وأمده عمر بحبيب بن مسلمة صرفه إليه من الجزيرة وبعث زياد بن حنظلة مكانه على الجزيرة ولما أطل عبدالرحمن بن ربيعة على الملك بالباب والملك بها يومئذ شهريراز رجل من أهل فارس وكان على ذلك الفرج وكان أصله من أهل شهريراز الملك الذي أفسد بني إسرائيل وأعرى الشأم منهم فكاتبه شهريراز واستأمنه على أن يأتيه ففعل فأتاه فقال إني بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة لا ينسبون إلى أحساب وليس ينبغي لذي الحسب والعقل أن يعين أمثال هؤلاء ولا يستعين بهم على ذوى الاحساب والاصول وذو الحسب قريب ذي الحسب حيث كان ولست من القبج في شئ ولا من الارمن وإنكم قد غلبتم على بلادي وأمتي فأنا اليوم منكم ويدي مع أيديكم وصغوى معكم وبارك الله لنا ولكم وجزيتنا إليكم النصر لكم والقيام بما تحبون فلا تذلونا بالجزية فتوهنونا لعدوكم فقال عبدالرحمن فوقى رجل قد أظلك فسر إليه فجوزه فسار إلى سراقة فلقيه بمثل ذلك فقال سراقة قد قبلت ذلك فيمن كان معك على هذا ما دام عليه ولابد من الجزاء ممن يقيم ولا ينهض فقبل ذلك وصار سنة فيمن كان يحارب العدو من المشركين وفيمن لم يكن عنده الجزاء إلا أن يستنفروا فتوضع عنهم جزاء تلك السنة وكتب سراقة إلى عمر بن الخطاب بذلك فأجازه وحسنه وليس لتلك البلاد التي في ساحة تلك الجبال نبك لم يقم الارمن بها إلا على أوفاز وإنما هم سكان ممن حولها ومن الطراء استأصلت الغارات نبكها من أهل القرار وأرز أهل الجبال منهم إلى جبالهم وجلوا عن قرار أرضهم فكان لا يقيم بها إلا الجنود ومن أعانهم أو تجر إليهم واكتتبوا من سراقة بن عمرو كتابا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى سراقة بن عمرو عامل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شهريراز وسكان أرمينية والارمن من الامان أعطاهم أمانا لانفسهم وأموالهم وملتهم ألا يضاروا ولا ينتقصوا على أهل أرمينية والابواب الطراء منهم والتناء ومن حولهم فدخل معهم أن ينفروا لكل غارة وينفذوا لكل أمر ناب أو لم ينب رآه الوالي صلاحا

[ 237 ]

على أن توضع الجزاء عمن أجاب إلى ذلك إلا الحشر والحشر عوض من جزائهم ومن استغنى عنه منهم وقعد فعليه مثل ما على أهل آذربيجان من الجزاء والدلالة والنزل يوما كاملا فإن حشروا وضع ذلك عنهم وإن تركوا أخذوا به شهد عبدالرحمن ابن ربيعة وسلمان بن ربيعة وبكير بن عبدالله وكتب مرضى بن مقرن وشهد ووجه سراقة بعد ذلك بكير بن عبدالله وحبيب بن مسلمة وحذيفة بن أسيد وسلمان ابن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية فوجه بكير إلى موقان ووجه حبيبا إلى تفليس وحذيفة بن أسيد إلى من بجبال اللان وسلمان بن ربيعة إلى الوجه الآخر وكتب سراقة بالفتح وبالذي وجه فيه هؤلاء النفر إلى عمر بن الخطاب فأتى عمر أمر لم يكن يرى أنه يستتم له على ما خرج عليه في سريح بغير مؤونة وكان فرجا عظيما به جند عظيم إنما ينتظر أهل فارس صنيعهم ثم يصنعون الحرب أو يبعثونها فلما استوثقوا واستحلوا عدل الاسلام مات سراقة واستخلف عبدالرحمن بن ربيعة قد مضى أولئك القواد الذين بعثهم سراقة فلم يفتح أحد منهم ما وجه له إلا بكير فإنه فض موقان ثم تراجعوا على الجزية فكتب لهم بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى بكير بن عبدالله أهل موقان من جبال القبج الامان على أموالهم وأنفسهم وملتهم وشرائعهم على الجزاء دينار على كل حالم أو قيمته والنصح ودلالة المسلم ونزله يومه وليلته فلهم الامان ما أقروا ونصحوا وعلينا الوفاء والله المستعان فإن تركوا ذلك واستبان منهم غش فلا أمان لهم إلا أن يسلموا الغششة برمتهم وإلا فهم متمالئون شهد الشماخ بن ضرار والرسارس بن جنادب وحملة بن جوية وكتب سنة إحدى وعشرين قالوا ولما بلغ عمر موت سراقة واستخلافه عبدالرحمن بن ربيعة أقر عبدالرحمن على فرج الباب وأمره بغزو الترك فخرج عبدالرحمن بالناس حتى قطع الباب فقال له شهريراز ما تريد أن تصنع قال أريد بلنجر قال إنا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب قال لكنا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيهم في ديارهم وتالله إن معنا لاقواما لو يأذن لنا أميرنا في الامعان لبلغت بهم الردم قال وما هم قال أقوام صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلوا في هذا الامر بنية كانوا

[ 238 ]

أصحاب حياء وتكرم في الجاهلية فازداد حياؤهم وتكرمهم فلا يزال هذا الامر دائما لهم ولا يزال النصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم وحتى يلفتوا عن حالهم بمن غيرهم فغزا بلنجر غزاة في زمن عمر لم تئم فيها امرأة ولم ييتم فيها صبي وبلغ خيله في غزاتها البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجر ثم غزا فسلم ثم غزا غزوات في زمان عثمان وأصيب عبدالرحمن حين تبدل أهل الكوفة في إمارة عثمان لاستعماله من كان ارتد استصلاحا لهم فلم يصلحهم ذلك وزادهم فسادا أن سادهم من طلب الدنيا وعضلوا بعثمان حتى جعل يتمثل وكنت وعمرا كالمسمن كلبه * فخدشه أنيابه وأظافره (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن الغصن بن القاسم عن رجل عن سلمان بن ربيعة قال لما دخل عليهم عبدالرحمن بن بيعة حال الله بين الترك والخروج عليه وقالوا ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت فتحصنوا منه وهربوا فرجع بالغنم والظفر وذلك في إمارة عمر ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان ظفر كما كان يظفر حتى إذا تبدل أهل الكوفة لاستعمال عثمان من كان ارتد فغزاهم بعد ذلك تذامرت الترك وقال بعضهم لبعض إنهم لا يموتون قال انظروا وفعلوا فاختفوا لهم في الغياض فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله وهرب عنه أصحابه فخرجوا عليه عند ذلك فاقتتلوا فاشتد قتالهم ونادى مناد من الجو صبرا آل عبدالرحمن وموعدكم الجنة فقاتل عبدالرحمن حتى قتل وانكشف الناس وأخذ الراية سلمان بن ربيعة فقاتل بها ونادى المنادى من الجو صبرا آل سلمان بن ربيعة فقال سلمان أو ترى جزعا ثم خرج بالناس وخرج سلمان وأبو هريرة الدوسى على جيلان فقطعوها إلى جرجان واجترأ الترك بعدها ولم يمنعهم ذلك من اتخاذ جسد عبدالرحمن فهم يستسقون به حتى الآن وحدث عمرو ابن معديكرب عن مطر بن ثلج التميمي قال دخلت على عبدالرحمن بن ربيعة بالباب وشهريراز عنده فأقبل رجل عليه شحوبة حتى دخل على عبدالرحمن فجلس إلى شهربراز وعلى مطر قباء برود يمنية أرضه حمراء ووشيه أسود أو وشيه

[ 239 ]

أحمر وأرضه سوداء فتساءلا ثم ان شهريراز قال أيها الامير أتدري من أين جاء هذا الرجل هذا رجل بعثته مند سنين نحو السد لينظر ما حاله ومن دونه وزودته مالا عظيما وكتبت له إلى من يليني وأهديت له وسألته أن يكتب له إلى من وراءه زودته لكل ملك هدية ففعل ذلك بكل ملك بينه وبينه حتى انتهى إليه فانتهى إلى الملك الذي السد في ظهر أرضه فكتب له إلى عامله على ذلك البلد فأتاه فبعث معه بازياره ومعه عقابه فأعطاه حريرة قال فتشكر لي البازيار فلما انتهينا فإذا جبلان بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما وإذا دون السد خندق أشد سودا من الليل لبعده فنظرت إلى ذلك كله وتفرست فيه ثم ذهبت لانصرف فقال لي البازيار على رسلك أكافك إنه لا يلي ملك بعد ملك الا تقرب إلى الله بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمى به في هذا اللهب فشرح بضعة لحم معه فالقاها في ذلك الهواء وانقضت عليها العقاب وقال ان أدركتها قبل أن تقع فلا شئ وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شئ فخرجت علينا العقاب باللحم في مخالبها وإذا فيه ياقوتة فاعطانيها وها هي هذه فتناولها شهربراز حمراء فناولها عبدالرحمن فنظر إليها ثم ردها شهربراز وقال شهربراز لهذه خير من هذا البلد يعني الباب وايم الله لانتم إلى ملكة من آل كسرى ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني وايم الله لا يقوم لكم شئ ما وفيتم ووفى ملككم الاكبر فاقبل عبدالرحمن على الرسول وقال ما حال هذا الردم وما شبهه فقال هذا الثوب الذي على هذا الرجل فنظر إلى ثوبي فقال مطر بن ثلج لعبد الرحمن ابن ربيعة صدق والله الرجل لقد نفذ ورأى فقال أجل وصف صفة الحديد والصفر وقال آتوني زبر الحديد إلى آخر الآية وقال عبدالرحمن لشهربراز كم كانت هديتك قال قيمة مائة ألف في بلادي هذه وثلاثة آلاف ألف أو أكثر في تلك البلدان * وزعم الواقدي أن معاوية غزا الصائفة في هذه السنة ودخل بلاد الروم في عشرة آلاف من المسلمين * وقال بعضهم في هذه السنة كانت وفاة خالد بن الوليد (وفيها) ولد يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان (وحج) بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب وكان عامله على مكة عتاب بن أسيد وعلى اليمن يعلى بن أمية وعلى سائر أمصار

[ 240 ]

المسلمين الذين كانوا عماله في السنة التي قبلها وقد ذكرناهم قبل (وفي هذه السنة) عدل عمر فتوح أهل الكوفة والبصرة بينهم ذكر الخبر بذلك (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا أقام عمار بن ياسر عاملا على الكوفة سنة في إمارة عمر وبعض أخرى وكتب عمر بن سراقة وهو يومئذ على البصرة إلى عمر بن الخطاب يذكر له كثرة أهل البصرة وعجز خراجهم عنهم ويسأله أن يزيدهم أحد الماهين أو ماسبذان وبلغ ذلك أهل الكوفة فقالوا لعمار اكتب لنا إلى عمران رامهرمز وايذج لنا دونهم لم يعينونا عليهما بشئ ولم يلحقوا بنا حتى افتتحناهما فقال عمار مالي ولما ههنا فقال له عطارد فمن علام تدع فيأنا أيها العبد الاجدع فقال لقد سبيت أحب أذني إلى ولم يكتب في ذلك فأبغضوه ولما أبى أهل الكوفة إلا الخصومة فيهما لاهل البصرة شهد لهم أقوام على أبي موسى أنه قد كان آمن أهل رامهرمز وايذج وإن أهل الكوفة والنعمان راسلوهم وهم في أمان فأجاز لهم عمر ذلك وأجراها لاهل البصرة بشهادة والشهود وادعى أهل البصرة في إصبهان قريات افتتحها أبو موسى دون جي أيام أمدهم بهم عمر إلى عبدالله بن عبدالله بن عتبان فقال أهل الكوفة أتيتمونا مددا وقد افتتحنا البلاد فآسيناكم في المغانم والذمة ذمتنا والارض أرضنا فقال عمر صدقوا ثم إن أهل الايام وأهل القادسية من أهل البصرة أخذوا في أمر آخر حتى قالوا فليعطونا نصيبنا مما نحن شركاؤهم فيه من سوادهم وحواشيه فقال لهم عمر أترضون بماه وقال لاهل الكوفة أترضون أن نعطيهم من ذلك أحد الماهين فقالوا ما رأيت أنه ينبغي فاعمل به فأعطاهم ماه دينار بنصيبهم لمن كان شهد الايام والقادسية منهم إلى سواد البصرة ومهرجانقذق وكان ذلك لمن شهد الايام والقادسية من أهل البصرة ولما ولى معاوية بن أبي سفيان وكان معاوية هو الذي جند قنسرين من رافضة العراقين أيام على وإنما كانت قنسرين رستاقا من رساتيق حمص حتى مصرها معاوية وجندها بمن ترك الكوفة والبصرة في ذلك الزمان وأخذ لهم معاوية بنصيبهم من فتوح العراق

[ 241 ]

آذربيجان والموصل والباب فضمها فيما ضم وكان أهل الجزيرة والموصل يومئذ ناقلة رميتا بكل من ترك هجرته من أهل البلدين وكانت الباب وآذربيجان والجزيرة والموصل من فتوح أهل الكوفة فنقل ذلك إلى من انتقل منهم إلى الشأم أزمان علي وإلى من رميت به الجزيرة والموصل ممن كان ترك هجرته أيام علي وكفر أهل أرمينية زمان معاوية وقد أمر حبيب بن مسلمة على الباب وحبيب يومئذ بجرزان وكاتب أهل تفليس وتلك الجبال ثم ناجزهم حتى استجابوا واعتقدوا من حبيب وكتب بينه وبينهم كتابا بعد ما كاتبهم: بسم الله الرحمن الرحيم من حبيب بن مسلمة إلى أهل تفليس من جرزان أرض الهرمز سلم أنتم فإنى أحمد الله اليكم الذي لا إله إلا هو فإنه قد قدم علينا رسولكم تفلى فبلغ عنكم وأدى الذي بعثتم وذكر تفلى عنكم أنا لم نكن أمة فيما تحسبون وكذلك كنا حتى هدانا الله عزوجل بمحمد صلى الله عليه وسلم وأعزنا بالاسلام بعد قلة وذلة وجاهلية وذكر تفلى أنكم أحببتم سلمنا فما كرهت والذين آمنوا معي وقد بعثت اليكم عبدالرحمن بن جزء السلمي وهو من أعلمنا من أهل العلم بالله وأهل القرآن وبعثت معه بكتابي بأمانكم فإن رضيتم دفعه اليكم وإن كرهتم آذنكم بحرب على سواء إن الله لا يحب الخائنين: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من حبيب بن مسلمة لاهل تفليس من جرزان أرض الهرمز بالامان على أنفسكم وأموالكم وصوامعكم وبيعكم وصلواتكم على الاقرار بصغار الجزية على كل أهل بيت دينار واف ولنا نصحكم ونصركم على عدو الله وعدونا وقرى المجتاز ليلة من حلال طعام أهل الكتاب وحلال شرابهم وهداية الطريق في غير ما يضر فيه بأحد منكم فإن أسلمتم وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة فاخواننا في الدين وموالينا ومن تولى عن الله ورسله وكتبه وحزبه فقد آذناكم بحرب على سواء إن الله لا يحب الخائنين شهد عبدالرحمن بن خالد والحجاج وعياض وكتب رباح وأشهد الله وملائكته والذين آمنوا وكفى بالله شهيدا (وفي هذه السنة) عزل عمر ابن الخطاب عمارا عن الكوفة واستعمل أبا موسى في قول بعضهم وقد ذكرت ما قال الواقدي في ذلك قبل

[ 242 ]

(ذكر السبب في ذلك) قد تقدم ذكرى بعض سبب عزله ونذكر بقيته * ذكر السري فيما كتب به إلي عن شعيب عن سيف عمن تقدم ذكرى من شيوخه قال قالوا وكتب أهل الكوفة عطارد ذلك وأناس معه إلى عمر في عمار وقالوا إنه ليس بأمير ولا يحتمل ما هو فيه ونزا به أهل الكوفة فكتب عمر إلى عمار أن أقبل فخرج بوفد من أهل الكوفة ووفد رجالا ممن يرى أنهم معه فكانوا أشد علبه ممن تخلف فجزع فقيل له يا أبا اليقظان ما هذا الجزع فقال والله ما أحمد نفسي عليه ولقد ابتليت به وكان سعد ابن مسعود الثقفي عم المختار وجرير بن عبدالله معه فسعيا به وأخبرا عمر بأشياء يكرهها فعزله عمر ولم يوله (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن الوليد ابن جميع عن أبي الطفيل قال قيل لعمار أساءك العزل فقال والله ما سرني حين استعملت ولقد ساءني حين عزلت (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن إسماعيل ابن أبي خالد ومجالد عن الشعبي قال قال عمر لاهل الكوفة أي منزليكم أعجب اليكم يعني الكوفة أو المدائن وقال إني لاسألكم وإني لاعرف فضل أحدهما على الآخر في وجوهكم فقال جرير أما منزلنا هذا الادنى فإنه أدنى محلة من السواد من البر وأما الآخر فوعك البحر وغمه وبعوضه فقال عمار كذبت فقال عمر لعمار بل أنت أكذب منه وقال ما تعرفون من أميركم عمار فقال جرير هو والله غير كاف ولا مجز ولا عالم بالسياسة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن زكرياء ابن سياه عن هشام بن عبدالرحمن الثقفي أن سعد بن مسعود قال والله ما تدرى على ما استعملت فقال عمر على ما استعملتك يا عمار قال على الحيرة وأرضها فقال قد سمعنا بالحيرة تجارا تختلف إليها قال وعلى أي شئ قال على بابل وأرضها قال قد سمعت بذكرها في القرآن قال وعلى أي شئ قال على المدائن وما حولها قال أمدائن كسرى قال نعم قال وعلى أي شئ قال على مهرجان قذق وأرضها قالوا قد أخبرناك أنه لا يدري على ما بعثته فعزله عنهم ثم دعاه بعد ذلك فقال أساءك حين عزلتك فقال والله ما فرحت به حين بعثتني ولقد ساءني حين عزلتني فقال

[ 243 ]

لقد علمت ما أنت بصاحب عمل ولكني تأولت ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن خليد بن ذفرة النمري عن أبيه بمثله وزيادة فقال أو تحمد نفسك بمعرفة من تعالجه منذ قدمت وقال والله يا عمار لا ينتهي بك حدك حتى يلقيك في هنة وتالله لئن أدركك عمر لترقن ولئن رققت لتبتلين فسل الله الموت ثم أقبل على أهل الكوفة فقال من تريدون يا أهل الكوفة فقالوا أبا موسى فأمره عليهم بعد عمار فأقام عليهم سنة فباع غلامه العلف وسمعه الوليد بن عبد شمس يقول ما صحبت قوما قط إلا آثرتهم ووالله ما منعني أن أكذب شهود البصرة إلا صحبتهم ولئن صحبتكم لامنحنكم خيرا فقال الوليد ما ذهب بأرضنا غيرك ولا جرم لا تعمل علينا فخرج وخرج معه نفر فقالوا لا حاجة لنا في أبي موسى قال ولم قالوا غلام له يتجر في حشرنا فعزله عنهم وصرفه إلى البصرة وصرف عمر بن سراقة إلى الجزيرة وقال لاصحاب أبي موسى الذين شخصوا في عزله من أهل الكوفة أقوى مشدد أحب إليكم أم ضعيف مؤمن فلم يجد عندهم شيأ فتنحى فخلا في ناحية المسجد فنام فأتاه المغيرة بن شعبة فكلاه حتى استيقظ فقال ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين إلا من عظيم فهل نابك من نائب قال وأي نائب أعظم من مائة ألف لا يرضون عن أمير ولا يرضى عنهم أمير وقال في ذلك ما شاء الله واختطت الكوفة حين اختطت على مائة ألف مقاتل وأتاه أصحابه فقالوا يا أمير المؤمنين ما شأنك قال شأني أهل الكوفة قد عضلوا بي وأعاد عليهم عمر المشورة التي استشار فيها فأجابه المغيرة فقال أما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين وفضله له وأما القوى المشدد فقوته لك وللمسلمين وشداده عليه وله فبعثه عليهم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبدالله عن سعيد بن عمرو أن عمر قال قبل أن استعمل المغيرة ما تقولون في تولية رجل ضعيف مسلم أو رجل قوى مشدد فقال المغيرة أما الضعيف المسلم فان إسلامه لنفسه وضعفه عليك وأما القوى المشدد فان شداده لنفسه وقوته للمسلمين قال فانا باعثوك يا مغيرة فكان المغيرة عليها حتى

[ 244 ]

مات عمر رضى الله تعالى عنه وذلك نحو من سنتين وزيادة فلما ودعه المغيرة للذهاب إلى الكوفة قال له يا مغيرة ليأمنك الابرار وليخفك الفجار ثم أراد عمر أن يبعث سعدا على عمل المغيرة فقتل قبل أن يبعثه فأوصى به وكان من سنة عمر وسيرته أن يأخذ عماله بموافاة الحج في كل سنة للسياسة وليحجرهم بذلك عن الرعية وليكون لشكاة الرعية وقتا وغاية ينهونها فيه إليه (وفي هذه السنة) غزا الاحنف بن قيس في قول بعضهم خراسان وحارب يزدجرد وأما في رواية سيف فان خروج الاحنف إلى خراسان كان في سنة ثمان عشرة من الهجرة (ذكر مصير يزدجرد إلى خراسان وما كان السبب في ذلك) اختلف أهل السير في سبب ذلك وكيف كان الامر فيه فأما ما ذكره سيف عن أصحابه في ذلك فانه فيما كتب به إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمر وقالوا كان يزدجرد بن شهريار بن كسرى وهو يومئذ ملك فارس لما انهزم أهل جلولاء خرج يريد الرى وقد جعل له محمل واحد يطبق ظهر بعيره فكان إذا سار نام فيه ولم يعرس بالقوم فانتهوا به إلى مخاضة وهو نائم في محمله فأنبهوه ليعلم ولئلا يفزع إذا خاض البعير إن هو استيقظ فعنفهم وقال بئسما صنعتم والله لو تركتموني لعلمت ما مدة هذه الامة إني رأيت أني ومحمدا تناجينا عند الله فقال له أملكهم مائة سنة فقال زدني فقال عشرا ومائة سنة فقال زدني فقال عشرين ومائة سنة فقال زدني فقال لك وأنبهتموني فلو تركتموني لعلمت ما مدة هذه الامة فلما انتهى إلى الرى وعليها آبان جاذويه وثب عليه فأخذه فقال ياآبان جاذويه تغدر بي قال لا ولكن قد تركت ملكك وصار في يد غيرك فأحببت أن أكتتب على ما كان لي من شئ وما أردت من غير ذلك وأخذ خاتم يزدجرد ووصل الادم واكتتب الصكاك وسجل السجلات بكل ما أعجبه ثم ختم عليها ورد الخاتم ثم أتى بعد سعدا فرد عليه كل شئ في كتابه ولما صنع آبان جاذويه بيزدجرد ما صنع خرج يزدجرد من الرى إلى أصبهان وكره آبان جاذويه فارا منه ولم يأمنه ثم عزم على كرمان فأتاها والنار معه فأراد أن يضعها في كرمان ثم عزم على

[ 245 ]

خراسان فأتى مرو فنزلها وقد نقل النار فبنى لها بيتا واتخذ بستانا وبنى أزجا فرسخين من مرو إلى البستان فكان على رأس فرسخين من مرو واطمأن في نفسه وأمن أن يؤتي وكاتب من مرو من بقى من الاعاجم فيما لم يفتتحه المسلمون فدانوا له حتى أثار أهل فارس والهرمزان فنكثوا وثار أهل الجبال والفيرزان فنكثوا وصار ذلك داعية إلى إذن عمر للمسلمين في الانسياح فانساح أهل البصرة وأهل الكوفة حتى أثخنوا في الارض فخرج الاحنف إلى خراسان فأخذ على مهرجان قذق ثم خرج إلى أصبهان وأهل الكوفة محاصرو جي فدخل خراسان من الطبسين فافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان العبدي ثم سار نحو مرو الشاهجان وأرسل إلى نيسابور وليس دونها قتال مطرف بن عبدالله بن الشخير والحارث بن حسان إلى سرخس فلما دنا الاحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد نحو مرو الروذ حتى نزلها ونزل الاحنف مرو الشاهجان وكتب يزدجرد وهو بمرو الروذ إلى خاقان يستمده وكتب إلى ملك الصغد يستمده فخرج رسولاه نحو خاقان وملك الصغد وكتب إلى ملك الصين يستعينه وخرج الاحنف من مرو الشاهجان واستخلف عليها حارثة بن النعمان الباهلي بعد ما لحقت به أمداد أهل الكوفة على أربعة أمراء علقمة بن النضر النضري وربعي بن عامر التميمي وعبد الله ابن أبي عقيل الثقفي وابن أم غزال الهمداني وخرج سائرا نحو مرو الروذ حتى إذا بلغ ذلك يزدجرد خرج إلى بلخ ونزل الاحنف مرو الروذ وقدم أهل الكوفة فساروا إلى بلخ وأتبعهم الاحنف فالتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ فهزم الله يزدجرد وتوجه في أهل فارس إلى النهر فعبر ولحق الاحنف بأهل الكوفة وقد فتح الله عليهم فبلخ من فتوح أهل الكوفة وتتابع أهل خراسان ممن شذ أو تحصن على الصلح فيما بين نيسابور إلى طخارستان ممن كان في مملكة كسرى وعاد الاحنف إلى مرو الروذ فنزلها واستخلف على طخارستان ربعي بن عامر وهو الذي يقول فيه النجاشي ونسبه إلى أمه وكانت من أشراف العرب: ألا رب من يدعى فتى ليس بالفتى * ألا إن ربعي ابن كأس هو الفتى

[ 246 ]

طويل قعود القوم في قعر بيته * إذا شبعوا من ثفل جفنته سقى وكتب الاحنف إلى عمر بفتح خراسان فقال لوددت اني لم أكن بعثت إليها جندا ولوددت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار فقال علي ولم يا أمير المؤمنين قال لان أهلها سينقضون منها ثلاث مرات فيحتاجون في الثالثة فكان أن يكون ذلك بأهلها أحب إلي من أن يكون بالمسلمين (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عبدالرحمن الفزاري عن أبي الجنوب اليشكري عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال لما قدم على عمر فتح خراسان قال لوددت أن بيننا وبينها بحرا من نار فقال علي وما يشتد عليك من فتحها فان ذلك لموضع سرور قال أجل ولكني حتى أتى على آخر الحديث (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عيسى بن المغيرة وعن رجل من بكر بن وائل يدعى الوازع بن زيد بن خليدة قال لما بلغ عمر غلبة الاحنف على المروين وبلخ قال وهو الاحنف وهو سيد أهل المشرق المسمى بغير اسمه وكتب عمر إلى الاحنف أما بعد فلا تجوزن النهر واقتصر على ما دونه وقد عرفتم بأي شئ دخلتم على خراسان فداوموا على الذي دخلتم به خراسان يدم لكم النصر وإياكم أن تعبروا فتنفضوا ولما بلغ رسولا يزدجرد خاقان وغوزك لم يستتب لهما إنجاده حتى عبر إليهما النهر مهزوما وقد استتب فأنجده خاقان والملوك ترى على أنفسها إنجاد الملوك فأقبل في الترك وحشر أهل فرغانة والصغد ثم خرج بهم وخرج يزدجرد راجعا إلى خراسان حتى عبر إلى بلخ وعبر معه خاقان فأرز أهل الكوفة إلى مرو الروذ إلى الاحنف وخرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الاحنف بمروالروذ وكان الاحنف حين بلغه عبور خاقان والصغد نهر بلخ غازيا له خرج في عسكره ليلا يتسمع هل يسمع برأى ينتفع به فمر برجلين ينقيان علفا اما تبنا وإما شعيرا وأحدهما يقول لصاحبه لو أن الامير أسندنا إلى هذا الجبل فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقا وكان الجبل في ظهورنا من أن نؤتى من خلفنا وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله فرجع واجتزأ بها وكان في ليلة مظلمة فلما أصبح جمع الناس ثم قال إنكم قليل

[ 247 ]

وإن عدوكم كثير فلا يهولنكم فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ارتحلوا من مكانكم هذا فأسندوا إلى هذا الجيل فاجعلوه في ظهوركم واجعلوا النهر بينكم وبين عدوكم وقاتلوهم من وجه واحد ففعلوا وقد أعدوا ما يصلحهم وهو في عشرة آلاف من أهل البصرة وأهل الكوفة نحو منهم وأقبلت الترك ومن أجلبت حتى نزلوا بهم فكانوا يغادرونهم ويراوحونهم ويتنحون عنهم بالليل ما شاء الله وطلب الاحنف علم مكانهم بالليل فخرج ليلة بعد ما علم علمهم طليعة لاصحابه حتى كان قريبا من عسكر خاقان فوقف فلما كان في وجه الصبح خرج فارس من الترك بطوقه وضرب بطبله ثم وقف من العسكر موقفا يقفه مثله فحمل عليه الاحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الاحنف فقتله وهو يرتجز ويقول: إن على كل رئيس حقا * أن يخضب الصعدة أو تندقا إن لنا شيخا بها ملقى * سيف أبي حفص الذي تبقى ثم وقف موقف التركي وأخذ طوقه وخرج آخر من الترك ففعل فعل صاحبه الاول ثم وقف دونه فحمل عليه الاحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الاحنف فقتله وهو يرتجز إن الرئيس يرتبى ويطلع * ويمنع الخلاء إما أربعوا ثم وقف موقف التركي الثاني وأخذ طوقه ثم خرج ثالث من الترك ففعل فعل الرجلين ووقف دون الثاني منهما فحمل عليه الاحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الاحنف فقتله وهو يرتجز جرى الشموس ناجزا بناجز * محتفلا في جريه مشارز ثم انصرف الاحنف إلى عسكره ولم يعلم بذلك أحد منهم حتى دخله واستعد وكان من شيمة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم كهؤلاء كلهم يضرب بطبله ثم يخرجون بعد خروج الثالث فخرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث فأتوا على فرسانهم مقتلين فتشأم خاقان وتطير فقال قد طال مقامنا وقد أصيب

[ 248 ]

هؤلاء القوم بمكان لم يصب بمثله قط مالنا في قتال هؤلاء القوم من خير فانصرفوا بنا فكان وجوههم راجعين وارتفع النهار للمسلمين ولا يرون شيئا وأتاهم الخبر بانصراف خاقان إلى بلخ وقد كان يزدجرد بن شهريار بن كسرى ترك خاقان بمرو الروذ وخرج إلى مرو الشاهجان فتحصن منه حارثة بن النعمان ومن معه فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها وخاقان ببلخ مقيم له فقال المسلمون للاحنف ما ترى في اتباعهم فقال أقيموا بمكانكم ودعوهم ولما جمع يزدجرد ما كان في يديه مما وضع بمرو فأعجل عنه وأراد أن يستقل به منها إذ هو أمر عظيم من خزائن أهل فارس وأراد اللحاق بخاقان فقال له أهل فارس أي شئ تريذ أن تصنع فقال أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو بالصين فقالوا له مهلا فإن هذا رأى سوء إنك إنما تأتي قوما في مملكتهم وتدع أرضك وقومك ولكن ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم فإنهم أوفياء وأهل دين وهم يلون بلادنا وإن عدوا يلينا في بلادنا أحب إلينا مملكة من عدو يلينا في بلاده ولا دين لهم ولا ندرى ما وفاؤهم فأبى عليهم وأبو عليه فقالوا فدع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يليها ولا نخرجها من بلادنا إلى غيرها فأبى فقالوا فإنا لا ندعك فاعتزلوا وتركوه في حاشيته فاقتتلوا فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها ونكبوه ؟ وكتبوا ؟ إلى الاحنف بالخبر فاعترضهم المسلمون والمشركون بمرو يثفنونه فقاتلوه وأصابوه في آخر القوم وأعجلوه عن الاثقال ومضى موائلا حتى قطع النهر إلى فرغانة والترك فلم يزل مقيما زمان عمر رضى الله عنه كله يكاتبهم ويكاتبونه أو من شاء الله منهم فكفر أهل خراسان زمان عثمان وأقبل أهل فارس على الاحنف فصالحوه وعاقدوه ودفعوا إليه تلك الخزائن والاموال وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا في زمان الاكاسرة فكانوا كأنما هم في ملكهم إلا أن المسلمين أوفى لهم وأعدل عليهم فاغتبطوا وغبطوا وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهم الفارس يوم القادسية ولما خلع أهل خراسان زمان عثمان أقبل يزدجرد حتى نزل بمرو فلما اختلف هو ومن معه وأهل خراسان أوى إلى طاحونة فأتوا عليه يأكل من كرد حول

[ 249 ]

الرحى فقتلوه ثم رموا به في النهر ولما أصيب يزدجرد بمرو وهو يومئذ مختبئ في طاحونة يريد أن يطلب اللحاق بكرمان فاحتوى فيئه المسلمون والمشركون وبلغ ذلك الاحنف فسار من فوره ذلك في الناس إلى بلخ يريد خاقان ويتبع حاشية يزدجرد وأهله في المسلمين والمشركين من أهل فارس وخاقان والترك ببلخ فلما سمع بما ألقى يزدجرد وبخروج المسلمين مع الاحنف من مروالروذ نحوه ترك بلخ وعبر النهر وأقبل الاحنف حتى نزل بلخ ونزل أهل الكوفة في كورها الاربع ثم رجع إلى مرو الروذ فنزل بها وكتب بفتح خاقان ويزدجرد إلى عمر وبعث إليه بالاخماس ووفد إليه الوفود قالوا ولما عبر خاقان النهر وعبرت معه حاشية آل كسرى أو من أخذ نحو بلخ منهم مع يزدجرد لقوا رسول يزدجرد الذي كان بعث إلى ملك االصين وأهدى إليه معه ومعه جواب كتابه من ملك الصين فسألوه عما وراءه فقال لما قدمت عليه بالكتاب والهدايا كافأنا بما ترون وأراهم هديته وأجاب يزدجرد فكتب بهذا الكتاب بعد ما كان قال لي قد عرفت أن حقا على الملوك إنجاد الملوك على من غلبهم فصف لي صفة هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم فإني أراك تذكر قلة منهم وكثرة منكم ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل الذين تصف منكم فيما أسمع من كثرتكم إلا بخبر عندهم وشر فيكم فقلت سلني عما أحببت فقال أيوفون بالعهد قلت نعم قال وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم قلت يدعوننا إلى واحدة من ثلاث إما دينهم فإن أجبناهم أجرونا مجراهم أو الجزية والمنعة أو المنابذة قال فكيف طاعتهم أمراءهم قلت أطوع قوم لمرشدهم قال فما يحلون وما يحرمون فاختبرته فقال أيحرمون ما حلل لهم أو يحلون ما حرم عليهم قلت لا قال فإن هؤلاء القوم لا يهلكون أبدا حتى يحلوا حرامهم ويحرموا حلالهم ثم قال أخبرني عن لباسهم فاخبرته وعن مطاياهم فقلت الخيل العراب ووصفتها فقال نعمت الحصون هذه ووصفت له الابل وبروكها وانبعاثها بحملها فقال هذه صفة دواب طوال الاعناق وكتب له إلى يزدجرد أنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علي ولكن هؤلاء القوم الذين

[ 250 ]

وصف لي رسولك صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها ولو خلى لهم سربهم أزالوني ما داموا على ما وصف فسالمهم وارض منهم بالمساكنة ولا تهجهم ما لم يهيجوك وأقام يزدجرد وآل كسرى بفرغانة معهم عهد من خاقان ولما وقع الرسول بالفتح والوفد بالخبر ومعهم الغنائم بعمر بن الخطاب من قبل الاحنف جمع الناس وخطبهم وأمر بكتاب الفتح فقرئ عليهم فقال في خطبته إن الله تبارك وتعالى ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم وما بعثه به من الهدى ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة فقال " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " فالحمد لله الذي أنجز وعده ونصر جنده ألا إن الله قد أهلك ملك المجوسية وفرق شملهم فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون ألا وإن المصرين من مسالحها اليوم كأنتم والمصرين فيما مضى من البعد وقد وغلوا في البلاد والله بالغ أمره ومنجز وعده ومتبع آخر ذلك أوله فقوموا في أمره على رجل يوف لكم بعهده ويؤتكم وعده ولا تبدلوا ولا تغيروا فيستبدل الله بكم غيركم فإني لا أخاف على هذه الامة أن تؤتى إلا من قبلكم (قال أبو جعفر) ثم إن أداني أهل خراسان وأقاصيه اعترضوا زمان عثمان بن عفان لسنتين خلتا من إمارته وسنذكر بقية خبر انتقاضهم في موضعه إن شاء الله مع مقتل يزدجرد (وحج) بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب وكانت عماله على الامصار فيها عماله الذين كانوا عليها في سنة 21 غير الكوفة والبصرة فإن عامله على الكوفة وعلى الاحداث كان المغيرة بن شعبة وعلى البصرة أبا موسى الاشعري ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين فكان فيها فتح اصطخر في قول أبي معشر حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا محدث عن اسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال كانت اصطخر الاولى وهمذان سنة 23 وقال الواقدي مثل ذلك وقال سيف كان فتح اصطخر بعد توج الآخرة

[ 251 ]

ذكر الخبر عن فتح توج (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا خرج أهل البصرة الذين وجهوا إلى فارس أمراء على فارس ومعهم سارية ابن زنيم ومن بعث معهم إلى ما وراء ذلك وأهل فارس مجتمعون بتوج فلم يصمدوا لجمعهم بجموعهم ولكن قصد كل أمير كورة منهم قصد إمارته وكورته التي أمر بها وبلغ ذلك أهل فارس فافترقوا إلى بلدانهم كما افترق المسلمون ليمنعوها وكانت تلك هزيمتهم وتشتت أمورهم وتفريق جموعهم فتطير المشركون من ذلك وكأنما كانوا ينظرون إلى ما صاروا إليه فقصد مجاشع بن مسعود لسابور وأردشير خره فيمن معه من المسلمين فالتقوا بتوج وأهل فارس فاقتتلوا ما شاء الله ثم إن الله عزوجل هزم أهل توج للمسلمين وسلط عليهم المسلمين فقتلوهم كل قتلة وبلغوا منهم ما شاؤا وغنمهم ما في عسكرهم فحووه وهذه توج الآخرة ولم يكن لها بعدها شوكة والاولى التي تنقذ فيها جنود العلاء أيام طاوس الوقعة التي اقتتلوا فيها والوقعتان الاولى والآخرة كلتاهما متساجلتان ثم دعوا إلى الجزية والذمة فراجعوا وأقروا وخمس مجاشع الغنائم وبعث بها ووفد وفدا وقد كانت البشراء والوفود يجازون وتقضى لهم حوائجهم لسنة جرت بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن سوقة عن عاصم بن كليب عن أبيه قال خرجنا مع مجاشع بن مسعود غازين توج فحاصرناها وقاتلناهم ما شاء الله فلما افتتحناها وحوينا نهبها نهبا كثيرا وقتلنا قتلى عظيمة وكان على قميص قد تخرق فأخذت إبرة وسلكا وجعلت أخيط قميصي بها ثم إني نظرت إلى رجل في القتلى عليه قميص فنزعته فأتيت به الماء فجعلت أضربه بين حجرين حتى ذهب ما فيه فلبسته فلما جمعت الرثة قام مجاشع خطيبا فحمد الله وأثنى عليه فقال أيها الناس لا تغلوا فإنه من غل جاء بما غل يوم القيامة ردوا ولو لمخيط فلما سمعت ذلك نزعت القميص فألقيته في الاخماس فتح اصطخر قال وقصد عثمان بن أبي العاص لاصطخر فالتقى هو وأهل اصطخر بجور

[ 252 ]

فاقتتلوا ما شاء الله ثم إن الله عزوجل فتح لهم جور وفتح المسلمون اصطخر فقتلوا ما شاء الله وأصابوا ما شاءوا وفر من فر ثم إن عثمان دعا الناس إلى الجزاء والذمة فراسلوه وراسلهم فأجابه الهربز وكل من هرب أو تنحى فتراجعوا وباحوا بالجزاء وقد كان عثمان لما هزم القوم جمع إليه ما أفاء الله عليهم فخمسه وبعث بالخمس إلى عمر وقسم أربعة أخماس المغنم في الناس وعفت الجند عن النهاب وأدوا الامانة واستدقوا الدنيا فجمعهم عثمان ثم قام فيهم وقال إن هذا الامر لا يزال مقبلا ولا يزال أهله معافين مما يكرهون ما لم يغلوا فإذا غلوا رأوا ما ينكرون ولم يسد الكثير مسد القليل اليوم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي سفيان عن الحسن قال قال عثمان بن أبي العاص يوم اصطخر ان الله إذا أراد بقوم خيرا كفهم ووفر أمانتهم فاحفظوها فإن أول ما تفقدون من دينكم الامانة فإذا فقدتموها جدد لكم في كل يوم فقدان شئ من أموركم ثم إن شهرك خلع في آخر إمارة عمر وأول إمارة عثمان ونشط أهل فارس ودعاهم إلى النقض فوجه إليه عثمان بن أبي العاص ثانية وبعث معه جنود أمد بهم عليهم عبيد الله بن معمر وشبل بن معبد البجلي فالتقوا بفارس فقال شهرك لابنه وهو في المعركة وبينهم وبين قرية لهم تدعى شهرك ثلاثة فراسخ وكان بينهم وبين قراهم اثنا عشر فرسخا يا بني أين يكون غداؤنا ههنا أو بشهرك فقال يا أبت إن تركونا فلا يكون غداؤنا ههنا ولا بشهرك ولا يكونن إلا في المنزل ولكن والله ما أراهم يتركوننا فما فرغا من كلامهما حتى أنشب المسلمون القتال فاقتتلوا قتالا شديدا قتل فيه شرك وابنه وقتل الله عزوجل منهم مقتلة عظيمة وولى قتل شهرك الحكم بن العاص بن دهمان أخو عثمان * وأما أبو ممشر فإنه قال كانت فارس الاولى واصطخر الآخرة في سنة 28 قال وكانت فارس الآخرة وجور سنة 29 حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي قال حدثني مع من سمع إسحاق بن عيسى يذكر ذلك عن أبي معشر وحدثني عبدالله ابن أحمد بن شبويه المروزي قال حدثني أبي قال حدثنا سليمان بن صالح قال حدثني عبدالله قال أخبرنا عبيدالله بن سليمان قال كان عثمان بن أبي العاص أرسل إلى

[ 253 ]

البحرين فأرسل أخاه الحكم بن أبي العاص في ألفين إلى توج وكان كسرى قد فر عن المدائن ولحق بجور من فارس قال فحدثني زياد مولى الحكم بن أبي العاص عن الحكم بن أبي العاص قال قصد إلى شهرك قال عبيد وكان كسرى أرسله قال الحكم فصعد إلى في الجنود فهبطوا من عقبة عليهم الحديد فخشيت أن تعشو أبصار الناس فأمرت مناديا فنادى أن من كان عليه عمامة فليلفها على عينيه ومن لم يكن عليه عمامة فليغمض بصره وناديت أن حطوا عن دوابكم فلما رأى شهرك ذلك حط أيضا ثم ناديت أن اركبوا فصففنا لهم وركبوا فجعلت الجارود العبدي على الميمنة وأبا صفرة على الميسرة يعني أبا المهلب فحملوا على المسلمين فهزموهم حتى ما أسمع لهم صوتا فقال لي الجارود أيها الامير ذهب الجند فقلت إنك سترى أمرك فما لبثنا أن رجعت خيلهم ليس عليها فرسانها والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم فنثرت الرؤوس بين يدي ومعي بعض ملوكهم يقال له المكعبر فارق كسرى ولحق بي فأتيت برأس ضخم فقال المكعبر هذا رأس الازدهاق يعني شهرك فحوصروا في مدينة سابور فصالحهم وملكهم آذربيان فاستعان الحكم بآذربيان على قتال أهل اصطخر ومات عمر رضى الله عنه فبعث عثمان عببد الله بن معمر مكانه فبلغ عبيدالله أن آذربيان يريد أن يغدر بهم فقال له إني أحب أن تتخذ لاصحابي طعاما وتذبح لهم بقرة وتجعل عظامها في الجفنة التي تليني فإني أحب أن أتمشش العظام ففعل فجعل يأخذ العظم الذي لا يكسر الا بالفؤوس فكسره بيده فيتمخخه وكان من أشد الناس فقام الملك فأخذ برجله وقال هذا مقام العائذ فأعطاه عهدا فأصابت عبيدالله منجنيقة فأوصاهم فقال إنكم ستفتحون هذه المدينة إن شاء الله فاقتلوهم بي فيها ساعة ففعلوا فقتلوا منهم بشرا كثيرا وكان عثمان بن أبي العاص لحق الحكم وقد هزم شهرك فكتب إلى عمر إن بيني وبين الكوفة فرجة أخاف أن يأتيني العدو منها وكتب صاحب الكوفة بمثل ذلك أن بيني وبين كذا فرجة فاتفق عنده الكتابان فبعث أبا موسى في سبعمائة فأنزلهم البصرة

[ 254 ]

ذكر فتح فساودرابحرد (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا وقصد سارية بن زنيم فساودرابجرد حتى انتهى إلى عسكرهم فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله ثم انهم استمدوا فتجمعوا وتجمعت إليهم أكراد فارس فدهم المسلمين أمر عظيم وجمع كثير فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في ساعة من النهار فنادى من الغد الصلاة جامعة حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم وكان أريهم والمسلمون بصحراءان أقاموا فيها أحيط بهم وان أرزوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد ثم قام فقال يا أيها الناس إني رأيت هذين الجمعين وأخبر بحالهما ثم قال يا سارية الجبل الجبل ثم أقبل عليهم وقال إن لله جنودا ولعل بعضها أن يبلغهم ولما كانت تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الاسناد إلى الجبل ففعلوا وقاتلوا القوم من وجه واحد فهزمهم الله لهم وكتبوا بذلك إلى عمر واستيلائهم على البلد ودعاء أهله وتسكينهم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عمر دثار ابن أبي شبيب عن أبي عثمان وأبي عمرو بن العلاء عن رجل من بني مازن قالا كان عمر قد بعث سارية بن زنيم الدئلي إلى فساودرابجرد فحاصرهم ثم إنهم تداعوا فاصحروا له وكثروه فأتوه من كل جانب فقال عمر وهو يخطب في يوم جمعة يا سارية ابن زنيم الجبل الجبل ولما كان ذلك اليوم وإلى جنب المسلمين جبل ان لجؤا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد فلجؤا إلى الجبل ثم قاتلوهم فهزموهم فاصاب مغانمهم وأصاب في المغانم سفطا فيه جوهر فاستوهبه المسلمين لعمر فوهبوه له فبعث به مع رجل وبالفتح وكان الرسل والوفد يجازون وتقضى لهم حوائجهم فقال له سارية استقرض ما تبلغ به وما تخلفه لاهلك على جائزتك فقدم الرجل البصرة ففعل ثم خرج فقدم على عمر فوجده يطعم الناس ومعه عصاه التي يزجر بها بعيره فقصد له فأقبل عليه بها فقال اجلس فجلس حتى إذا أكل انصرف عمر وقام فاتبعه فظن عمر أنه رجل لم يشبع فقال حين انتهى إلى باب داره أدخل وقد أمر الخباز أن

[ 255 ]

يذهب بالخوان إلى مطبخ المسلمين فلما جلس في البيت أتى بغدائه خبز وزيت وملح جريش فوضع وقال ألا تخرجين يا هذه فتأكلين قالت انى لاسمع حس رجل فقال أجل فقالت لو أردت أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة فقال أو ما ترضين أن يقال أم كلثوم بنت علي وامرأة عمر فقالت ما أقل غناء ذلك عني ثم قال للرجل ادن فكل فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى فأكلا حتى إذا فرغ قال رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين فقال مرحبا وأهلا ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته ثم سأله عن المسلمين ثم سأله عن سارية بن زنيم فاخبره ثم أخبره بقصة الدرج فنظر إليه ثم صاح به ثم قال لا ولا كرامة حتى تقدم على ذلك الجند فتقسمه بينهم فطرده فقال يا أمير المؤمنين إني قد أنضيت إبلي واستقرضت في جائزتي فأعطني ما اتبلغ به فما زال عنه حتى أبدله بعيرا ببعيره من ابل الصدقة وأخذ بعيره فأدخله في ابل الصدقة ورجع الرسول مغضوبا عليه محروما حتى قدم البصرة فنفذ لامر عمر وقد كان سأله أهل المدينة عن سارية وعن الفتح وهل سمعوا شيئا يوم الوقعة فقال نعم سمعنا يا سارية الجبل وقد كدنا نهلك فلجأنا إليه ففتح الله علينا (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن المجالد عن الشعبي مثل حديث عمرو ذكر فتح كرمان (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا وقصد سهيل بن عدى إلى كرمان ولحقه عبدالله بن عبدالله بن عتبان وعلى مقدمة سهيل بن عدي النسير بن عمرو العجلي وقد حشد له أهل كرمان واستعانوا بالقفس فاقتتلوا في أدنى أرضهم ففضهم الله فاخذوا عليهم بالطريق وقتل النسير مرزبانها فدخل سهيل من قبل طريق القرى القوم إلى جيرفت وعبد الله بن عبدالله من مفازة شير فأصابوا ما شاؤا من بعيرا وشاء فقوموا الابل والغنم فتحاصوها بالاثمان لعظم البخت على العراب وكرهوا أن يزيدوا وكتبوا إلى عمر فكتب إليهم أن البعير العربي انما قوم بتعبير اللحم وذلك مثله فإذا رأيتم أن في

[ 256 ]

البخت فضلا فزيدوا فانما هي من قيمه وأما المدائني فانه ذكر علي بن مجاهد أخبره عن حنبل بن أبي حريدة وكان قاضى قهستان عن مرزبان قهستان قال فتح كرمان عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعي في خلافة عمر بن الخطاب ثم أتى الطبسين من كرمان ثم قدم على عمر فقال يا أمير المؤمنين اني افتتحت الطبسين فأقطعنيهما فاراد أن يفعل فقيل لعمر انهما رستاقان عظيمان فلم يقطعه اياهما وهما بابا خراسان ذكر فتح سجستان قالوا وقصد عاصم بن عمرو لسجستان ولحقه عبدالله بن عمير فاستقبلوهم فالتقوا هم وأهل سجستان في أدنى ارضهم فهزموهم ثم اتبعوهم حتى حصروهم بزرنج ومخروا ارض سجستان ما شاؤا ثم انهم طلبوا الصلح على زرنج وما احتازوا من الارضين فأعطوه وكانوا قد اشترطوا في صلحهم ان فدافدها حمى فكان المسلمون إذا خرجوا تناذروا خشية ان يصيبوا منها شيئا فيخفروا فتم أهل سجستان على الخراج والمسلمون على الاعطاء فكانت سجستان اعظم من خراسان وابعد فروجا يقاتلون القندهار والترك وأمما كثيرة وكانت فيما بين السند إلى نهر بلخ بحياله فلم تزل أعظم البلدين وأصعب الفرجين وأكثرهما عددا وجندا حتى زمان معاوية فهرب الشاه من أخيه واسم أخي الشاه يومئذ رتبيل إلى بلد فيها يدعى آمل ودانوا السلم بن زياد وهو يومئذ على سجستان ففرح بذلك وعقد لهم وأنزلهم بتلك البلاد وكتب إلى معاوية بذلك يرى انه قد فتح عليه فقال معاوية إن ابن أخي ليفرح بامر إنه ليحزنني وينبغي له أن يحزنه قالوا ولم يا أمير المؤمنين قال لان آمل بلدة بينها وبين زرنج صعوبة وتضايق وهؤلاء قوم نكر غدر فيضطرب الحبل غدا فأهون ما يجئ منهم أن يغلبوا على بلاد آمل بأسرها وتم لهم على عهد ابن زياد فلما وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه وغلب على آمل وخاف رتبيل الشاه فاعتصم منه بمكانه الذي هو به اليوم ولم يرضه ذلك حين تشاغل الناس عنه حتى طمع في زرنج فغزاها فحصرهم حتى أتتهم الامداد من البصرة

[ 257 ]

فصار رتبيل والذين جاؤا معه فنزلوا تلك البلاد شجا لم ينتزع إلى اليوم وقد كانت تلك البلاد مذللة إلى أن مات معاوية فتح مكران قالوا وقصد الحكم بن عمرو التغلبي لمكران حتى انتهى إليها ولحق به شهاب ابن المخارق بن شهاب فانضم إليه وأمده سهيل بن عدى وعبد الله بن عبدالله بن عتبان بأنفسهما فانتهوا إلى دوين النهر وقد انفض أهل مكران إليه حتى نزلوا على شاطئه فعسكروا وعبر إليهم راسل ملكهم ملك السند فازدلف بهم مستقبل المسلمين فالتقوا فاقتتلوا بمكان من مكران من النهر على أيام بعد ما كان قد انتهى إليه أوائلهم وعسكروا به ليلحق أخراهم فهزم الله راسل وسلبه وأباح المسلمين عسكره وقتلوا في المعركة مقتلة عظيمة وأتبعوهم يقتلونهم أياما حتى انتهوا إلى النهر ثم رجعوا فأقاموا بمكران وكتب الحكم إلى عمر بالفتح وبعث بالاخماس مع صحار العبدي واستأمره في الفيلة فقدم صحار على عمر بالخبر والمغانم فسأله عمر عن مكران وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجئ منه فقال يا أمير المؤمنين أرض سهلها جبل وماؤها وشل، وثمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها فقال أسجاع أنت أم مخبر قال لا بل مخبر قال لا والله لا يغزوها جيش لي ما أطعت وكتب إلى الحكم ابن عمرو وإلى سهيل أن لا يجوزن مكران أحد من جنودكما واقتصرا على ما دون النهر وأمره ببيع الفيلة بأرض الاسلام وقسم أثمانها على من أفاءها الله عليه وقال الحكم بن عمرو في ذلك لقد شبع الارامل غير فخر * فئ جاءهم من مكران أتاهم بعد مسغبة وجهد * وقد صفر الشتاء من الدخان فإنى لا يذم الجيش فعلى * ولا سيفي يذم ولا سناني غداة أدفع الاوباش دفعا * إلى السند العريضة والمداني ومهران لنا فيما أردنا * مطيع غير مسترخى العنان

[ 258 ]

فلولا ما نهى عنه أميري * قطعناه إلى البدد الزواني خبر بيروذ من الاهواز قالوا ولما فصلت الخيول إلى الكور اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الاكراد وغيرهم وكان عمر قد عهد إلى أبي موسى حين سارت الجنود إلى الكور أن يسير حتى ينتهي إلى ذمة البصرة كي لا يؤتى المسلمون من خلفهم وخشى أن يستلحم بعض جنوده أو ينقطع منهم طرف أو يخلفوا في أعقابهم فكان الذي حذر من اجتماع أهل بيروذ وقد أبطأ أبو موسى حتى تجمعوا فخرج أبو موسى حتى ينزل ببيروذ على الجمع الذي تجمعوا بها في رمضان فالتقوا بين نهر تيري ومناذر وقد توافي إليها أهل النجدات من اهل فارس والاكراد ليكيدوا المسلمين وليصيبوا منهم عورة ولم يشكوا في واحدة من اثنتين فقام المهاجر بن زياد وقد تحنط واستقتل فقال لابي موسى أقسم على كل صائم لما رجع فأفطر فرجع أخوه فيمن رجع لابرار القسم وإنما أراد بذلك توجيه أخيه عنه لئلا يمنعه من الاستقتال وتقدم فقاتل حتى قتل ووهن الله المشركين حيت تحصنوا في قلة وذلة واقبل أخوه الربيع فقال هيئ يا والع الدنيا واشتد جزعه عليه فرق أبو موسى للربيع للذي رآه دخله من مصاب أخيه فخلفه عليهم في جند وخرج أبو موسى حتى بلغ أصبهان فلقى بها جنود أهل الكوفة محاصري جي ثم انصرف إلى البصرة بعد ظفر الجنود وقد فتح الله على الربيع ابن زياد أهل بيروذ من نهر تيري وأخذ ما كان معهم من السبي فتنقى أبو موسى رجالا منهم ممن كان لهم فداء وقد كان الفداء أرد على المسلمين من أعيانهم وقيمتهم فيما بينهم ووفد الوفود والاخماس فقام رجل من عنزة فاستوفده فأبى فخرج فسعى به فاستجلبه عمر وجمع بينهما فوجد أبا موسى أعذر إلا في أمر خادمه فضعفه فرده إلى عمله وفجر الآخر وتقدم إليه في أن لا يعود لمثلها (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا لما رجع أبو موسى عن أصبهان بعد دخول الجنود الكور وقد هزم الربيع أهل بيروذ وجمع السبي والاموال فغدا على ستين غلاما من أبناء الدهاقين تنقاهم وعزلهم وبعث بالفتح

[ 259 ]

إلى عمر ووفد وفدا فجاءه رجل من عنزة فقال اكتبني في الوفد فقال قد كتبنا من هو أحق منك فانطلق مغاضبا مراغما وكتب أبو موسى إلى عمر أن رجلا من عنزة يقال له ضبة بن محصن كان من أمره وقص قصته فلما قدم الكتاب والوفد والفتح على عمر قدم العنزي فأتى عمر فسلم عليه فقال من أنت فأخبره فقال لا مرحبا ولا أهلا فقال أما المرحب فمن الله وأما الاهل فلا أهل فاختلف إليه ثلاثا يقول له هذا ويرد عليه هذا حتى إذا كان في اليوم الرابع دخل عليه فقال ماذا نقمت على أميرك قال تنقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه وله جارية تدعى عقيلة تغدى جفنة وتعشى جفنة وليس منا رجل يقدر على ذلك وله قفيزان وله خاتمان وفوض إلى زياد بن أبي سفيان وكان زياد يلي أمور البصرة وأجاز الحطيئة بألف فكتب عمر كل ما قال فبعث إلى أبي موسى فلما قدم حجبه أياما ثم دعا به ودعا ضبة بن محصن ودفع إليه الكتاب فقال اقرأ ما كتبت فقرأ أخذ ستين غلاما لنفسه فقال أبو موسى دللت عليهم وكان لهم فداء ففديتهم فأخدته فقسمته بين المسلمين فقال ضبة والله ما كذب ولا كذبت وقال له قفيزان فقال أبو موسى قفيز لاهلي أقوتهم وقفيز للمسلمين في أيديهم يأخذون به أرزاقهم فقال ضبة والله ما كذب ولا كذبت فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر وعلم أن ضبة قد صدقه قال وزياد يلي أمور الناس ولا يعرف هذا ما يلي قال وجدت له نبلا ورأيا فأسندت إليه عملي قال وأجاز الحطيئة بألف قال سددت فمه بمالي أن يشتمني فقال قد فعلت ما فعلت فرده عمر وقال إذا قدمت فأرسل إلى زيادا وعقيلة ففعل فقدمت عقيلة قبل زياد وقدم زياد فقام بالباب فخرج عمر وزياد بالباب قائم وعليه ثياب بياض كتان فقال ما هذه الثياب فأخبره فقال كم أثمانها فأخبره بشئ يسير وصدقه فقال له كم عطاؤك قال ألفان قال ما صنعت في أول عطاء خرج لك قال اشتريت والدتي فأعتقتها واشتريت في الثاني ربيبي عبيدا فأعتقته فقال وفقت وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن فوجده فقيها فرده وأمر أمراء البصرة أن يشربوا برأيه وحبس عقيلة بالمدينة وقال عمر ألا إن ضبة العنزي غضب على أبي موسى في الحق أن

[ 260 ]

أصابه وفارقه مراغما إن فاته أمر من أمر الدنيا فصدق عليه وكذب فأفسد كذبه صدقه فإياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى النار وكان الحطيئة قد لقيه فأجازه في غزاة بيروذ وكان أبو موسى قد ابتدأ حصارهم وغزاتهم حتى فلهم ثم جازهم ووكل بهم الربيع ثم رجع إليهم بعد الفتح فولى القسم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عمر عن الحسن عن أسيد بن المتشمس بن أخي الاحنف ابن قيس قال شهدت مع أبي موسى يوم أصبهان فتح القرى وعليها عبدالله بن ورقاء الرياحي وعبد الله بن ورقاء الاسدي ثم إن أبا موسى صرف إلى الكوفة واستعمل على البصرة عمر بن سراقة المخزومي بدوى ثم إن أبا موسى رد على البصرة فمات عمر وأبو موسى على البصرة على صلاتها وكان عملها مفترقا غير مجموع وكان عمر ربما بعث إليه فأمد به بعض الجنود فيكون مدد بعض الجيوش ذكر خبر سلمة بن قيس الاشجعي والاكراد * حدثني عبدالله بن كثير العبدي قال حدثنا جعفر بن عون قال أخبرنا أبو جناب قال حدثنا أبو المحجل الرديني عن مخلد البكري وعلقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة أن أمير المؤمنين كان إذا اجتمع إلبه جيش من أهل الايمان أمر عليهم رجلا من أهل العلم والفقه فاجتمع إليه جيش فبعث عليهم سلمة بن قيس الاشجعي فقال سر باسم الله قاتل في سبيل الله من كفر بالله فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال ادعوهم إلى الاسلام فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة وليس لهم في فئ المسلمين نصيب وإن اختاروا أن يكونوا معكم فلهم مثل الذي لكم وعليهم مثل الذي عليكم فإن أبوا فادعوهم إلى الخراج فإن أقروا بالخراج فقاتلوا عدوهم من ورائهم وفرغوهم لخراجهم ولا تكلفوهم فوق طاقتهم فإن أبوا فقاتلوهم فإن الله ناصركم عليهم فإن تحصنوا منكم في حصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله وحكم رسوله فلا تنزلوهم على حكم الله فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم وإن سألوكم أن ينزلوا على ذمة الله وذمة رسوله فلا تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله واعطوهم ذمم أنفسكم فإن قاتلوكم فلا تغلوا ولا تغدروا

[ 261 ]

ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا قال سلمة فسرنا حتى لقينا عدونا من المشركين فدعوناهم إلى ما أمر به أمير المؤمنين فأبوا أن يسلموا فدعوناهم إلى الخراج فأبوا أن يقروا فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية وجمعنا الرثة فرأى سلمة ابن قيس شيئا من حلية فقال إن هذا لا يبلغ فيكم شيئا فتطيب أنفسكم أن نبعث به إلى أمير المؤمنين فإن له بردا ومؤونة قالوا نعم قد طابت أنفسنا قال فجعل تلك الحلية في سفط ثم بعث برجل من قومه فقال اركب بها فإذا أتيت البصرة فاشتر على جوائز أمير المؤمنين راحلتين فأوقروهما زادا لك ولغلامك ثم سر إلى أمير المؤمنين قال ففعلت فأتيت أمير المؤمنين وهو يغدى الناس متكئا على عصا كما يصنع الراعي وهو يدور على القصاع يقول يا يرفأ زد هؤلاء لحما زد هؤلاء خبزا زد هؤلاء مرقة فلما دفعت إليه قال اجلس فجلست في أدنى الناس فإذا طعام فيه خشونة طعامي الذي معي أطيب منه فلما فرغ الناس قال يا يرفأ ارفع قصاعك ثم أدبر فاتبعته فدخل دارا ثم دخل حجرة فاستأذنت وسلمت فأذن لي فدخلت عليه فإذا هو جالس على مسح متكئ على وسادتين من أدم محشوتين ليفا فنبذ إلى بإحداهما فجلست عليها وإذا بهو في صفة فيها بيت عليه ستير فقال يا أم كلثوم غداءنا فأخرجت إليه خبزة بزيت في عرضها ملح لم يدق فقال يا أم كلثوم ألا تخرجين إلينا تأكلين معنا من هذا قالت إني أسمع عندك حس رجل قال نعم ولا أراه من أهل البلد قال فذلك حين عرفت أنه لم يعرفني قالت لو أردت أن أخرج إلى الرجال لكسوتني كما كسا ابن جعفر امرأته وكما كسا الزبير امرأته وكما كسا طلحة امرأته قال وما يكفيك أن يقال أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وامرأة أمير المؤمنين عمر فقال كل فلو كانت راضية لاطمعتك أطيب من هذا قال فأكلت قليلا وطعامي الذي معي أطيب منه وأكل فما رأيت أحد أحسن أكلا منه ما يتلبس طعامه بيده ولا فمه ثم قال اسقونا فجاؤا بعس من سلت فقال أعط الرجل قال فشربت قليلا سويقي الذي معي أطيب منه ثم أخذه فشربه حتى قرع القدح جبهته وقال الحمد لله الذي أطعمنا فاشبعنا وسقانا فأروانا قال قلت قد أكل أمير المؤمنين فشبع

[ 262 ]

وشرب فروى حاجتي يا أمير المؤمنين قال وما حاجتك قال قلت أنا رسول سلمة ابن قيس قال مرحبا بسلمة بن قيس ورسوله حدثني عن المهاجرين كيف هم قال قلت هم يا أمير المؤمنين كما تحب من السلامة والظفر على عدوهم قال كيف أسعارهم قال قلت أرخص أسعار قال كيف اللحم فيهم فانها شجرة العرب ولا تصلح العرب إلا بشجرتها قال قلت البقرة فيهم بكذا والشاة فيهم بكذا يا أمير المؤمنين سرنا حتى لقينا عدونا من المشركين فدعوناهم إلى ما أمرتنا به من الاسلام فأبوا فدعوناهم إلى الخراج فأبوا فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية وجمعنا الرثة فرأى سلمة في الرثة حلية فقال للناس إن هذا لا يبلغ فيكم شيئا فتطيب أنفسكم أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فقالوا نعم فاستخرجت سفطي فلما نظر إلى تلك الفصوص من بين أحمر وأصفر وأخضر وثب ثم جعل يده في خاصرته ثم قال لا أشبع الله إذا بطن عمر قال فظن النساء إني أريد أن أغتاله فجئن إلى الستر فقال كف ما جئت به يايرفأجأ عنقه قال فأنا أصلح سفطي وهو يجأ عنقي قلت يأمير المؤمنين أبدع بي فاحملني قال يا يرفأ أعطه راحلتين من الصدقة فإذا لقيت افقر إليها منك فادفعهما إليه قلت أفعل يا أمير المؤمنين فقال أما والله لئن تفرق المسلمون في مشاتيهم قبل أن يقسم هذا فيهم لافعلن بك وبصاحبك الفاقرة قال فارتحلت حتى أتيت سلمة فقلت ما بارك الله لي فيما اختصصتني به اقسم هذا في الناس قبل أن يصيبني وإياك فاقرة فقسمه فيهم والفص يباع بخمسة دراهم وستة دراهم وهو خير من عشرين ألفا * وأما السرى فانه ذكر فيما كتب به إلى يذكر عن شعيب عن سيف عن أبي جناب عن سليمان بن بريدة قال لقيت رسول سلمة بن قيس الاشجعي قال كان عمر ابن الخطاب إذا اجتمع إليه جيش من العرب ثم ذكر نحو حديث عبدالله بن كثير عن جعفر بن عون غير أنه قال في حديثه عن شعيب عن سيف وأعطوهم ذمم أنفسكم قال فلقينا عدونا من الاكراد فدعوناهم وقال أيضا وجمعنا الرثة فوجد فيها سلمة حقتين جوهرا فجعلها في سفط وقال أيضا أوما كفاك أن يقال أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب امرأة عمر بن الخطاب قالت إن ذلك عني لقليل الغناء قال

[ 263 ]

كل وقال أيضا فجاءوا بعس من سلت كلما حركوه فار فوقه مما فيه وإذا تركوه سكن ثم قال اشرب فشربت قليلا شرابي الذي معي أطيب منه فأخذ القدح فضرب به جبهته ثم قال إنك لضعيف الاكل ضعيف الشرب وقال أيضا قلت رسول سلمة قال مرحبا بسلمة وبرسوله وكأنما خرجت من صلبه حدثني عن المهاجرين وقال أيضا ثم قال لا أشبع الله إذا بطن عمر قال وظن النساء أني قد اغتلته فكشفن الستر وقال يايرفأجأ عنقه فوجأ عنقي وأنا أصيح وقال النجاء وأظنك ستبطئ وقال أما والله الذي لا إله غيره لئن تفرق الناس إلى مشاتيهم وساتر الحديث نحو حديث عبدالله بن كثير * وحدثنا الربيع بن سليمان قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا شهاب بن خراش الحوشبي قال حدثنا احجاج بن دينار عن منصور ابن المعتمر عن شقيق بن سلمة الاسدي قال حدثنا الذي جرى بين عمر بن الخطاب وسلمة بن قيس قال ندب عمر بن الخطاب الناس إلى سلمة بن قيس الاشجعي بالحيرة فقال انطلقوا باسم الله ثم ذكر نحو حديث عبدالله بن كثير عن جعفر (قال أبو جعفر) وحج عمر بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السنة وهي آخر حجة حجها بالناس حدثني بذلك الحارث قال حدثنا ابن سعد عن الواقدي (وفي هذه السنة) كانت وفاته ذكر الخبر عن مقتله * حدثني سلمة بن جنادة قال حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبدالرحمن بن عوف قال حدثنا أبي عن عبدالله بن جعفر عن أبيه عن المسور بن مخرمة وكانت أمه عاتكة بنت عوف قال خرج عمر بن الخطاب يوما يطوف في السوق فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة وكان نصرانيا فقال يا أمير المؤمنين اعدني على المغيرة بن شعبة فإن على خراجا كثيرا قال وكم خراجك قال درهمان في كل يوم قال وإيش صناعتك قال نجار نقاش حداد قال فما أرى خراجك بكثير على ما تصنع من الاعمال قد بلغني أنك تقول لو أردت أن أعمل رحى تطحن بالريح فعلت قال نعم قال فاعمل لي رحى قال

[ 264 ]

لئن سلمت لاعملن لك رحى يتحدث بها من بالمشرق والمغرب ثم انصرف عنه فقال عمر رضى اله تعالى عنه لقد توعدني العبد آنفا قال ثم انصرف عمر إلى منزله فلما كان من الغد جاءه كعب الاحبار فقال له يا أمير المؤمنين اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام قال وما يدريك قال أجده في كتاب الله عزوجل التوراة قال عمر آلله إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة قال اللهم لا ولكني أجد صفتك وحليتك وأنه قد فنى أجلك قال وعمر لا يحس وجعا وألما فلما كان من الغد جاءه كعب فقال يا أمير المؤمنين ذهب يوم وبقى يومان قال ثم جاءه من غد الغد فقال ذهب يومان وبقى يوم وليلة وهي لك إلى صبيحتها قال فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالا فإذا استوت جاء هو فكبر قال ودخل أبو لؤلؤة في الناس في يده خنجر له رأسان نصابه في وسطه فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته وقتل معه كليب بن أبي البكير الليثي وكان خلفه فلما وجد عمر حر السلاح سقط وقال أفي الناس عبدالرحمن بن عوف قالوا نعم يا أمير المؤمنين هو ذا قال تقدم فصل بالناس قال فصلى عبدالرحمن بن عوف وعمر طريح ثم احتمل فأدخل داره فدعا عبدالرحمن بن عوف فقال إني أريد أن أعهد إليك فقال يا أمير المؤمنين نعم إن أشرت على قبلت منك قال وما تريد قال أنشدك الله أتشير علي بذلك قال اللهم لا قال والله لا أدخل فيه أبدا قال فهب لي صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ادع لي عليا وعثمان والزبير وسعدا قال وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثا فان جاء والا فاقضوا أمركم أنشدك الله يا علي ان وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس أنشدك الله يا عثمان ان وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس أنشدك الله يا سعد ان وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس قوموا فتشاوروا ثم اقضوا أمركم وليصل بالناس صهيب ثم دعا أبا طلحة الانصاري فقال قم على بابهم فلا تدع أحدا يدخل إليهم وأوصى الخليفة من بعدي بالانصار الذين تبوؤا

[ 265 ]

الدار والايمان أن يحسن إلى محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم وأوصى الخليفة من بعدي بالعرب فانها مادة الاسلام أن يؤخذ من صدقاتهم حقها فتوضع في فقرائهم وأوصى الخليفة من بعدي بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم اللهم هل بلغت تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة يا عبد الله بن عمر أخرج فانظر من قتلني فقال يا أمير المؤمنين قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة قال الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل سجد لله سجدة واحدة يا عبد الله بن عمر اذهب إلى عائشة فسلها أن تأذن لي أن أدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر يا عبد الله بن عمر ان اختلف القوم فكن مع الاكثر وان كانوا ثلاثة وثلاثة فاتبع الحزب الذي فيه عبدالرحمن يا عبد الله ائذن للناس قال فجعل يدخل عليه المهاجرين والانصار فيسلمون عليه ويقول لهم اعن ملاء منكم كان هذا فيقولون معاذ الله قال ودخل في الناس كعب فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول فأوعدني كعب ثلاثا أعدها * ولا شك أن القول ما قال لي كعب وما بي حذار الموت إني لميت * ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب قال فقيل له يا أمير المؤمنين لو دعوت الطبيب قال فدعى طبيب من بني الحارث ابن كعب فسقاه نبيذا فخرج النبيد مشكلا قال فاسقوه لبنا قال فخرج اللبن أبيض فقيل له يا أمير المؤمنين اعهد قال قد فرغت قال ثم توفى ليلة الاربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة 23 قال فخرجوا به بكرة يوم الاربعاء فدفن في بيت عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر قال وتقدم صهيب فصلى عليه وتقدم قبل ذلك رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علي وعثمان قال فتقدم واحد من عند رأسه والآخر من عند رجليه فقال عبدالرحمن لا إله إلا الله ما أحرصكما على الامرة أما علمتما أن أمير المؤمنين قال ليصل بالناس صهيب فتقدم صهيب فصلى عليه قال ونزل في قبره الخمسة (قال أبو جعفر) وقد قيل إن وفاته كانت في غرة المحرم سنة 24

[ 266 ]

ذكر من قال ذلك * حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن اسماعيل بن محمد عن أبيه قال طعن عمر رضى الله تعالى عنه يوم الاربعاء لاربع ليال بقين من ذي الحجة سنة 23 ودفن يوم الاحد صباح هلال المحرم سنة 24 فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين ليلة من متوفى أبي بكر على رأس اثنتين وعشرين سنة وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما من الهجرة وبويع لعثمان بن عفان يوم الاثنين لثلاث مضين من المحرم قال فذكرت ذلك لعثمان الاخنسى فقال ما أراك إلا وهلت توفى عمر رضي الله تعالى عنه لاربع ليال بقين من ذي الحجة وبويع لعثمان بن عفان لليلة بقيت من ذي الحجة فاستقبل بخلافته المحرم سنة 24 * وحدثني أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا محدث عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال قتل عمر يوم الاربعاء لاربع ليال بقين من ذي الحجة تمام سنة 23 وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام ثم بويع عثمان بن عفان (قال أبو جعفر) وأما المدائني فإنه قال فيما حدثني عمر عنه عن شريك عن الاعمش أو عن جابر الجعفي عن عوف بن مالك الاشجعي وعامر بن أبي محمد عن أشياخ من قومه وعثمان بن عبدالرحمن عن ابني شهاب الزهري قالوا طعن عمر يوم الاربعاء لسبع بقين من ذي الحجة قال وقال غيرهم لست بقين من ذي الحجة * وأما سيف فانه قال فيما كتب إلي به السري يذكر ان شعيبا حدثه عنه عن خليد بن ذفرة ومجالد قال استخلف عثمان لثلاث مضين من المحرم سنة 24 فخرج فصلى بالناس العصر وزاد ووفد فاستن به (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبي قال اجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث مضين من المحرم وقد دخل وقت العصر وقد أذن مؤذن صهيب واجتمعوا بين الاذان والاقامة فخرج فصلى بالناس وزاد الناس مائة ووفد أهل الامصار وصنع فيهم وهو أول من صنع ذلك * وحدثت عن هشام بن محمد قال قتل عمر لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة 23 وكانت خلافته عشر سنين وستة

[ 267 ]

أشهر وأربعة أيام ذكر نسب عمر رضى الله عنه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق * وحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد عن محمد بن عمر وهشام بن محمد * وحدثني عمر قال حدثنا علي ابن محمد قالوا جميعا في نسب عمر هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزى بن رياح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي وكنيته أبو حفص وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم (قال أبو جعفر) وكان يقال له الفاروق وقد اختلف السلف فيمن سماه بذلك فقال بعضهم سماه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا أبو حزرة يعقوب بن مجاهد عن محمد بن ابراهيم عن أبي عمرو وذكوان قال قلت لعائشة من سمى عمر الفاروق قالت النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم أول من سماه بهذا الاسم أهل الكتاب ذكر من قال ذلك * حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان قال قال ابن شهاب بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر الفاروق وكان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم ولم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من ذلك شيئا ذكر صفته * حدثنا هناد بن السري قال حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال خرج عمر في يوم عيد أو في جنازة زينب آدم طوالا أصلع أعسر يسرا يمشي كأنه راكب * حدثنا هناد قال حدثنا شريك عن عاصم عن زر قال رأيت عمر يأتي العيد ماشيا حافيا أعسر أيسر متلببا بردا قطريا مشرفا على الناس

[ 268 ]

كأنه على دابة وهو يقول أيها الناس هاجروا ولا تهجروا * وحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا عمر بن عمران بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر عن عاصم بن عبدالله عن عبدالله بن عامر بن ربيعة قال رأيت عمر رجلا أبيض أمهق تعلوه حمرة طوالا أصلع * وحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا شعيب بن طلحة عن أبيه عن القاسم ابن محمد قال سمعت ابن عمر يصف عمر يقول رجل أبيض تعلوه حمرة طوال أشيب أصلع * وحدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا خالد بن أبي بكر قال كان عمر يصفر لحيته ويرجل رأسه بالحناء ذكر مولد ومبلغ عمره * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أسامة ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال سمعت عمر بن الخطاب يقول ولدت قبل الفجار الاعظم الآخر بأربع سنين (قال أبو جعفر) واختلف السلف في مبلغ سني عمر فقال بعضهم كان يوم قتل ابن خمس وخمسين سنة ذكر بعض من قال ذلك * حدثني زيد بن أخزم الطائي قال حدثنا أبو قتيبة عن جرير بن حازم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قتل عمر بن الخطاب وهو ابن خمس وخمسين سنة * وحدثني عبدالرحمن بن عبدالله بن عبد الحكم قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال توفى عمر وهو ابن خمس وخمسين سنة وحدثت عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب أن عمر توفى على رأس خمس وخمسين سنة وقال آخرون كان يوم توفى ابن ثلاث وخمسين سنة وأشهر ذكر من قال ذلك حدثت بذلك عن هشام بن محمد بن الكلبي وقال آخرون توفى وهو ابن ثلاث وستين سنة ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي عن داود عن عامر قال مات عمر

[ 269 ]

وهو ابن ثلاث وستين سنة وقال آخرون توفى وهو ابن إحدى وستين سنة ذكر من قال ذلك حدثت بذلك عن أبي سلمة التبوذكي عن أبي هلال عن قتادة وقال آخرون توفى وهو ابن ستين سنة ذكر من قال ذلك * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا هشام ابن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال توفى عمر وهو ابن ستين سنة قال محمد ابن عمر وهذا أثبت الاقاويل عندنا وذكر عن المدائني أنه قال توفى عمر وهو ابن سبع وخمسين سنة ذكر أسماء ولده ونسائه * حدثني أبو زيد عن علي بن محمد والحارث عن محمد بن سعد عن محمد بن عمر وحدثت عن هشام بن محمد اجتمعت معاني أقوالهم واختلفت الالفاظ بها قالوا تزوج عمر في الجاهلية زينب ابنة مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح فولدت له عبدالله وعبد الرحمن الاكبر وحفصة وقال علي بن محمد وتزوج مليكة ابنة جرول الخزاعي في الجاهلية فولدت له عبيدالله بن عمر ففارقها في الهدنة فخلف عليها بعد عمر أبو الجهم بن حذيفة وأما محمد بن عمر فانه زيد الاصغر وعبيدالله الذي قتل يوم صفين مع معاوية أمهما أم كلثوم بنت جرول بن مالك ابن المسيب بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة وكان الاسلام فرق بينها وبين عمر قال علي بن محمد وتزوج قريبة ابنه أبي أمية المخزومي في الجاهلية ففارقها أيضا في الهدنة فتزوجها بعده عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق قالوا وتزوج أم حكيم بنت الحارث بن هشام ابن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم في الاسلام فولدت له فاطمة فطلقها قال المدائني وقد قيل لم يطلقها وتزوج جميلة أخت عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح واسمه قيس بن عصمة بن مالك بن ضبيعة بن زيد بن الاوس من الانصار في الاسلام

[ 270 ]

فولدت له عاصما فطلقها وتزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصدقها فيما قيل أربعين ألفا فولدت له زيدا ورقية وتزوج لهية امرأة من اليمن فولدت له عبدالرحمن قال المدائني ولدت له عبدالرحمن الاصغر قال ويقال كانت أم ولد وقال الواقدي لهية هذه أم ولد وقال أيضا ولدت له لهية عبدالرحمن الاوسط وقال عبدالرحمن الاصغر أمه أم ولد وكانت عنده فكيهة وهي أم ولد وأقوالهم فولدت له زينب وقال الواقدي هي أصغر ولد عمر وتزوج عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل وكانت قبله عند عبدالله بن أبي بكر فلما مات عمر تزوجها الزبير بن العوام قال المدائني وخطب أم كلثوم بنت أبي بكر وهي صغيرة وأرسل فيها إلى عائشة فقالت الامر اليك فقالت أم كلثوم ولا حاجة لي فيه فقالت لها عائشة ترغبين عن أمير المؤمنين قالت نعم إنه خشن العيش شديد على النساء فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاصى فأخبرته فقال أكفيك فأتى عمر فقال يا أمير المؤمنين بلغني خبر أعيذك بالله منه قال وما هو قال خطبت أم كلثوم بنت أبي بكر قال نعم أفرغبت بي عنها أم رغبت بها عني قال لا واحدة ولكنها حدثة نشأت تحت كنف أم المؤمنين في لين ورفق وفيك غلظة ونحن نهابك وما نقدر أن نردك عن خلق من أخلاقك فكيف بها إن خالفتك في شئ فسطوت بها كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك قال فكيف بعائشة وقد كلمتها قال أنا لك بها وأدلك على خير منها أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب تعلق منها بنسب من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المدائني وخطب أم أبان بنت عتبة بن ربيعة فكرهته وقالت يغلق بابه ويمنع خيره ويدخل عابسا ويخرج عابسا ذكر وقت إسلامه (قال أبو جعفر) ذكر أنه أسلم بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى وعشرين امرأة ذكر من قال ذلك * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني محمد بن عبدالله عن أبيه قال ذكرت له حديث عمر فقال أخبرني عبدالله بن ثعلبة

[ 271 ]

ابن صعير قال أسلم عمر بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرين امرأة ذكر بعض سيره * حدثني أبو السائب قال حدثنا ابن فضيل عن ضرار عن حصين المري قال قال عمر انا مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقوده فأما أنا فورب الكعبة لاحملنهم على الطريق * وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا اسماعيل ابن ابراهيم عن يونس عن الحسن قال قال عمر إذا كنت في منزلة تسعني وتعجز عن الناس فوالله ما تلك لي بمنزلة حتى أكون أسوة للناس * حدثنا خلاد بن أسلم قال حدثنا النضر بن شميل قال أخبرنا قطن قال حدثنا أبو يزيد المديني قال حدثنا مولى لعثمان بن عفان قال كنت رديفا لعثمان بن عفان حتى أتى على حظيرة الصدقة في يوم شديد الحر شديد السموم فإذا رجل عليه إزار ورداء قد لف رأسه برداء يطرد الابل يدخلها الحظيرة حظيرة إبل الصدقة فقال عثمان من ترى هذا قال فانتهينا إليه فإذا هو عمر بن الخطاب فقال هذا والله القوي الامين * حدثني جعفر ابن محمد الكوفي وعباس بن أبي طالب قالا حدثنا أبوزكرياء يحيى بن مصعب الكلبي قال حدثنا عمر بن نافع عن أبي بكر العبسي قال دخلت حير الصدقة مع عمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب قال فجلس عثمان في الظل يكتب وقام على رأسه يمل عليه ما يقول عمر وعمر في الشمس قائم في يوم حار شديد الحر عليه بردان أسودان متزرا بواحد وقد لف على رأسه آخر يعد إبل الصدقة يكتب ألوانها وأسنانها فقال علي لعثمان وسمعته يقول نعت بنت شعيب في كتاب الله " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الامين ثم أشار علي بيده إلى عمر فقال هذا القوي الامين * حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا اسماعيل عن يونس عن الحسن قال قال عمر لئن عشت إن شاء الله لاسيرن في الرعية حولا فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني أما عمالهم فلا يرفعونها إلي وأما هم فلا يصلون إلي فأسير إلى الشأم فأقيم بها شهرين ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين ثم أسير إلى الكوفة

[ 272 ]

فأقيم بها شهرين ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين والله لنعم الحول هذا * حدثني محمد ابن عوف قال حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج قال حدثنا صفوان بن عمرو قال حدثني أبو المحارق زهير بن سالم أن كعب الاحبار قال نزلت على رجل يقال له مالك وكان جارا لعمر بن الخطاب فقلت له كيف بالدخول على أمير المؤمنين فقال ليس على باب ولا حجاب يصلى الصلاة ثم يقعد فيكلمه من شاء * حدثني يونس ابن عبدالاعلى قال حدثنا سفيان عن يحيى قال أخبرني سالم عن أسلم قال بعثني عمر بإبل من إبل الصدقة إلى الحمى فوضعت جهازي على ناقة منها فلما أردت أن أصدرها قال اعرضها علي فعرضتها عليه فرأى متاعي على ناقة منها حسناء فقال لا أم لك عمدت إلى ناقة تغنى أهل بيت من المسلمين فهلا ابن لبون بوالا أو ناقة شصوصا * حدثني عمر بن اسماعيل بن مجالد الهمداني قال حدثنا أبو معاوية عن أبي حيان عن أبي الزنباع عن أبي الدهقانة قال قيل لعمر بن الخطاب إن ههنا رجلا من أهل الانبار له بصر بالديوان لو اتخذته كاتبا فقال عمر لقد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين * حدثني يونس بن عبدالاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثنا عبدالرحمن بن زيد عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه خطب الناس فقال والذي بعث محمدا بالحق لو أن جملا هلك ضياعا بشط الفرات خشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب قال أبو زيد آل الخطاب يعني نفسه ما يعني غيرها * وحدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي عمران الجوني قال كتب عمر إلى أبي موسى إنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائجهم فأكرم من قبلك من وجوه الناس وبحسب المسلم الضعيف من العدل أن ينصف في الحكم وفي القسم * وحدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت مطرفا عن الشعبي قال أتى أعرابي عمر فقال إن ببعيري نقبا ودبرا فاحمني فقال له عمر ما ببعيرك نقب ولا دبر قال فولى وهو يقول أقسم بالله أبو حفص عمر * ما مسها من نقب ولا دبر فاغفر له اللهم إن كان فجر

[ 273 ]

فقال اللهم اغفر لي ثم دعا الاعرابي فحمله * وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل قال أخبرنا أيوب عن محمد قال نبئت أن رجلا كان بينه وبين عمر قرابة فسأله فزبره وأخرجه لكلم فيه فقيل يا أمير المؤمنين فلان سألك فزبرته وأخرجته فقال إنه سألني من مال الله فما معذرتي إن لقيته ملكا خائنا فولا سألني من مالي قال فأرسل إليه بعشرة آلاف وكان عمر رحمه الله إذا بعث عاملا له على عمل يقول ما حدثنا به محمد بن المثنى قال حدثنا عبدالرحمن بن مهدي قال حدثنا شعبة عن يحيى بن حصين سمع طارق بن شهاب يقول قال عمر في عماله اللهم إني لم أبعثهم ليأخذوا أموالهم ولا ليضربوا أبشارهم من ظلمه أميره فلا إمرة عليه دوني * وحدثنا ابن بشار قال حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه خطب الناس يوم الجمعة فقال اللهم إني أشهدك على أمراء الامصار أني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم وأن يقسموا فيهم فيأهم وأن يعدلوا فان أشكل عليهم شئ رفعوه إلي * وحدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر بن عياش قال سمعت أبا حصين قال كان عمر إذا استعمل العمال خرج معهم يشيعهم فيقول إني لم أستعملكم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أشعارهم ولا على أبشارهم إنما استعملتكم عليهم لتقيموا يهم الصلاة وتقضوا بينهم بالحق وتقسموا بينهم بالعدل وإني لم أسلطكم على أبشارهم ولا على أشعارهم ولا تجلدوا العرب فتذلوها ولا تجمروها فتفتنوها ولا تغفلوا عنها فتحرموها جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن محمد صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم وكان يقص من عماله وإذا شكى إليه عامل له جمع بينه وبين من شكاه فان صح عليه أمر يجب أخذه به أخذه به * وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال أخبرنا سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي فراس قال خطب عمر بن الخطاب فقال يا أيها الناس إني والله ما أرسل اليكم عمالا ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ولكني أرسلهم اليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم فمن فعل به شئ سوى ذلك فليرفعه إلي فوالذي نفس عمر بيده لاقصنه

[ 274 ]

منه فوثب عمرو بن العاص فقال يا أمير المؤمنين أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعية فأدب بعض رعيته إنك لتقصه منه قال إي والذي نفس عمر بيده إذا لاقصنه منه وكيف لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تجمروهم فتفتنوهم ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم * وكان عمر رضى الله عنه فيما ذكر عنه يعس بنفسه ويرتاد منازل المسلمين ويتفقد أحوالهم بيديه ذكر الخبر الوارد عنه بذلك * حدثنا ابن بشار قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا قرة بن خالد عن بكر بن عبدالله المزني قال جاء عمر بن الخطاب إلى باب عبدالرحمن بن عوف فضربه فجاءت المرأة ففتحته ثم قالت له لا تدخل حتى أدخل القيت وأجلس مجلسي فلم يدخل حتى جلست ثم قالت ادخل فدخل ثم قال هل من شئ فأتته بطعام فأكل وعبد الرحمن قائم يصلي فقال له تجوز أيها الرجل فسلم عبدالرحمن حينئذ ثم أقبل عليه فقال ما جاء بك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين قال رفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سراق المدينة فانطلق فلنحرسهم فانطلقا فأتيا السوق فقعدا على نشز من الارض يتحدثان فرفع لهما مصباح فقال عمر ألم أنه عن المصابيح بعد النوم فانطلقا فإذا هم قوم على شراب لهم فقال انطلق فقد عرفته فلما أصبح أرسل إليه فقال يا فلان كنت وأصحابك البارحة على شراب قال وما علمك يا أمير المؤمنين قال شئ شهدته فقال أو لم ينهك الله عن التجسس قال فتجاوز عنه قال بكر بن عبدالله المزني وإنما نهى عمر عن المصابيح لان الفأرة تأخذ الفتيلة فترمى بها في سقف البيت فيحترق وكان إذ ذاك سقف البيت من الجريد * وحدثني أحمد ابن حرب قال حدثنا مصعب بن عبدالله الزبيري قال حدثني أبي عن ربيعة بن عثمان عن زيد بن أسلم عن أبيه قال خرجت مع عمر بن الخطاب رحمه الله إلى حرة واقم حتى إذا كنا بصرار إذا نار تؤرث فقال يا أسلم إني أرى هؤلاء ركبا قصر بهم الليل والبرد انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم فإذا امرأة معها

[ 275 ]

صبيان لها وقدر منصوبة على النار وصبيانها يتضاغون فقال عمر السلام عليكم يا أصحاب الضوء وكره أن يقول يا أصحاب النار قالت وعليك السلام قال أأدنوا قالت ادن بخير أودع فدنا فقال ما بالكم قالت قصر بنا الليل والبرد قال فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون قالت الجوع قال وأي شئ في هذه القدر قالت ماء أسكتهم به حتى يناموا الله بيننا وبين عمر قال أي رحمك الله ما يدري عمر بكم قالت يتولى أمرنا ويغفل عنا فأقبل علي فقال انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلا فيه كبة شحم فقال احمله علي فقلت أنا أحمله عنك قال احمله على مرتين أو ثلاثا كل ذلك أقول أنا أحمله عنك فقال لي في آخر ذلك أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أم لك فحملته عليه فانطلق وانطلقت معه نهرول حتى انتهينا إليها فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيأ فجعل يقول لها ذرى علي وأنا أحرك لك وجعل ينفخ تحت القدر وكان ذا لحية عظيمة فجعلت أنظر إلى الدخان من خلل لحيته حتى أنضج وأدم القدر ثم أنزلها وقال ابغني شيأ فأتته بصحفة فأفرغها فيها ثم جعل يقول أطعميهم وأنا أسطح لك فلم يزل حتى شبعوا ثم خلى عندها فضل ذلك وقام وقمت معه فجعلت تقول جزاك الله خيرا أنت أولى بهذا الامر من أمير المؤمنين فيقول قولي خيرا إنك إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك أن شاء الله ثم تنحى ناحية عنها ثم استقبلها وربض مربض السبع فجعلت أقول له ان لك شأنا غير هذا وهو لا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ويضحكون ثم ناموا وهدؤا فقام وهو يحمد الله ثم أقبل علي فقال يا أسلم إن الجوع أسهرهم وأبكاهم فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت منهم وكان عمر إذا أراد أن يأمر المسلمين بشئ أو ينهاهم عن شئ مما فيه صلاحهم بدأ بأهله وتقدم إليهم بالوعظ لهم والوعيد على خلافهم أمره كالذي حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء قال حدثنا أبو بكر بن عياش قال حدثنا عبيد الله بن عمر بالمدينة عن سالم قال كان عمر إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شئ جمع أهله فقال اني نهيت الناس عن كذا وكذا وان الناس ينظرون اليكم نظر الطير يعني إلى اللحم وأقسم بالله لا أجد

[ 276 ]

أحدا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة (قال أبو جعفر) وكان رضى الله عنه شديدا على أهل الريب وفي حق الله صليبا حتى يستخرجه ولينا سهلا فيما يلزمه حتى يؤديه وبالضعيف رحيما رؤفا * حدثني عبيد الله بن سعيد الزهري قال حدثنا عمى قال حدثنا أبي عن الوليد بن كثير عن محمد بن عجلان أن زيد بن أسلم حدثه عن أبيه أن نفرا من المسلمين كلموا عبدالرحمن بن عوف فقالوا كلم عمر بن الخطاب فانه قد أحشانا حتى والله ما نستطيع أن نديم إليه أبصارنا قال فذكر ذلك عبدالرحمن ابن عوف لعمر فقال أوقد قالوا ذلك فوالله لقد لنت لهم حتى تخوفت الله في ذلك ولقد اشتددت عليهم حتى خشيت الله في ذلك وايم الله لانا أشد منهم فرقا منهم مني * وحدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر عن عاصم قال استعمل عمر رجلا على مصر فبينا عمر يوما مار في طريق من طرق المدينة إذ سمع رجلا وهو يقول الله يا عمر تستعمل من يخون وتقول ليس علي شئ وعاملك يفعل كذا قال فأرسل إليه فلما جاءه أعطاه عصا وجبة صوف وغنما فقال ارعها واسمه عياض بن غنم فان أباك كان راعيا قال ثم دعاه فذكر كلاما فقال ان أنا رددتك فرده إلى عمله وقال لي عليك أن لا تلبس رقيقا ولا تركب برذونا * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة عن عبدالله بن الوليد عن عاصم عن ابن خزيمة بن ثابت الانصاري قال كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له عهدا وأشهد عليه رهطا من المهاجرين والانصار واشترط عليه أن لا يركب برذونا ولا يأكل نقيا ولا يلبس رقيقا ولا يتخذ بابا دون حاجات الناس * وحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا مسلم بن ابراهيم عن سلام بن مسكين قال حدثنا عمان أن عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه قال فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر وربما خرج عطاؤه فقضاه وعن أبي عامر العقدي قال حدثنا عيسى بن حفص قال حدثني رجل من بني سلمة عن ابن البراء بن معرور أن عمر رضى الله عنه خرج يوما حتى أتى المنبر وقد كان اشتكى شكوى له فنعت له العسل وفي بيت المال عكة فقال إن أذنتم لي فيها أخذتها وإلا فهي علي حرام

[ 277 ]

تسمية عمر رضى الله عنه أمير المؤمنين (قال أبو جعفر) أول من دعى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ثم جرت بذلك السنة واستعمله الخلفاء إلى اليوم ذكر الخبر بذلك * حدثني أحمد بن عبد الصمد الانصاري قال حدثني أم عمرو بنت حسان الكوفية عن أبيها قال لما ولى عمر قيل يا خليفة خليفة رسول الله فقال عمر رضى الله عنه هذا أمر يطول كلما جاء خليفة قالوا يا خليفة خليفة خليفة رسول الله بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم فسمى أمير المؤمنين قال أحمد بن عبد الصمد سألتها كم أتى عليك من السنين قالت مائة وثلاث وثلاثون سنة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا أبو حمزة عن جابر قال قال رجل لعمر بن الخطاب يا خليفة الله قال خالف الله بك فقال جعلني الله فداءك قال إذا يهينك الله وضعه التأريخ (قال أبو جعفر) وكان أول من وضع التأريخ وكتبه فيما حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد عن محمد بن عمر في سنة 16 في شهر ربيع الاول منها وقد مضى ذكرى سبب كتابه ذلك وكيف كان الامر فيه وعمر رضى الله عنه أول من أرخ الكتب وختم بالطين وهو أول من جمع الناس على إمام يصلى بهم التراويح في شهر رمضان وكتب بذلك إلى البلدان وأمرهم به وذلك فيما حدثني به الحارث قال حدثنا ابن سعد عن محمد بن عمر في سنة 14 وجعل للناس قارءين قارئا يصلى بالرجال وقارئا يصلى بالنساء حمله الدرة وتدوينه الدواوين وهو أول من حمل الدرة وضرب بها وهو أول من دون للناس في الاسلام الدواوين وكتب الناس على قبائلهم وفرض لهم العطاء * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثني عائذ بن يحيى عن أبي الحويرث عن جبير بن الحويرث بن نقيد أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه

[ 278 ]

استشار المسلمين في تدوين الدواوين فقال له علي بن أبي طالب تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال فلا تمسك منه شيئا وقال عثمان بن عفان أرى مالا كثيرا يسع الناس وإن لم يحصوا حتى تعرف من أخد ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الامر فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة يا أمير المؤمنين قد جئت الشأم فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانا وجندوا جندا فدون ديوانا وجند جندا فأخذ بقوله فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من نساب قريش فقال اكتبوا الناس على منازلهم فكتبوا فبدؤا ببني هاشم ثم اتبعوهم أبا بكر وقومه ثم عمر وقومه على الخلافة فلما نظر فيه عمر قال لوددت والله أنه هكذا ولكن ابدؤا بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الاقرب فالاقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أسامة ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال رأيت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه حين عرض عليه الكتاب وبنو تيم على أثر بني هاشم وبنو عدي على أثر بني تيم فأسمعه يقول ضعوا عمر موضعه وابدؤا بالاقرب فالاقرب من رسول الله فجاءت بنو عدي إلى عمر فقالوا أنت خليفة رسول الله قال أو خليفة أبي بكر وأبو بكر خليفة رسول الله قالوا وذاك فلو جعلت نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم قال بخ بخ بني عدي أردتم الاكل على ظهري وأن أذهب حسناتي لكم لا والله حتى تأتيكم الدعوة وإن أطبق عليكم الدفتر ولو أن تكتبوا في آخر الناس إن لي صاحبين سلكا طريقا فإن خالفتهما خولف بي والله ما أدركنا الفضل في الدنيا ولا نرجو ما نرجو من الآخرة من ثواب الله على ما عملنا إلا بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو شرفنا وقومه أشرف العرب ثم الاقرب فالاقرب إن العرب شرفت برسول الله ولعل بعضها يلقاه إلى آباء كثيرة وما بيننا وبين أن نلقاه إلى نسبه ثم لا نفارقه إلى آدم إلا آباء يسيرة مع ذلك والله لئن جاءت الاعاجم بالاعمال وجئنا بغير عمل فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة فلا ينظر رجل إلى قرابة وليعمل لما عند الله فان من قصر به عمله لم يسرع به نسبه * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني

[ 279 ]

حزام بن هشام الكعبي عن أبيه قال رأيت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه يحمل ديوان خزاعة حتى ينزل قديدا فتأتيه بقديد فلا يغيب عنه امرأة بكر ولا ثيب فيعطيهن في أيديهن ثم يروح فينزل عسفان فيفعل مثل ذلك أيضا حتى توفى * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني عبدالله بن جعفر الزهري وعبد الملك بن سليمان عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن السائب ابن يزيد قال سمعت عمر بن الخطاب يقول والله الذي لا إله إلا هو ثلاثا ما من أحد إلا له في هذا المال حق أعطيه أو منعه وما أحدا أحق به من أحد إلا عبد مملوك وما أنا فيه إلا كأحدهم ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجل وبلاؤه في الاسلام والرجل وقدمه في الاسلام والرجل وغناؤه في الاسلام والرجل وحاجته والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه * قال إسماعيل بن محمد فذكرت ذلك لابي فعرف الحديث * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني محمد ابن عبدالله عن الزهري عن السائب بن يزيد قال رأيت خيلا عند عمر بن الخطاب موسومة في أفخاذها حبيس في سبيل الله * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني قيس بن الربيع عن عطاء بن السائب عن زاذان عن سلمان أن عمر قال له أملك أنا أم خليفة فقال له سلمان إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة فاستعبر عمر * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أسامة بن زيد قال حدثني نافع مولى آل الزبير قال سمعت أبا هريرة يقول يرحم الله ابن حنتمة لقد رأيته عام الرمادة وإنه ليحمل على ظهره جرابين وعكة زيت في يده وإنه ليعتقب هو وأسلم فلما رآني قال من أين يا أبا هريرة قلت قريبا فأخذت أعقبه فحملناه حتى انتهينا إلى صرار فإذا صرم نحو من عشرين بيتا من محارب فقال عمر ما أقدمكم قالوا الجهد وأخرجوا لنا جلد الميتة مشويا كانوا يأكلونه ورمة العظام مسحوقة كانوا يستفونها فرأيت عمر طرح رداءه ثم اتزر فما زال

[ 280 ]

يطبخ لهم حتى شبعوا فأرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبانة ثم كساهم وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرني موسى بن يعقوب عن عمه عن هشام بن خالد قال سمعت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه يقول لا يذرن إحداكن الدقيق حتى يسخن الماء ثم تذره قليلا قليلا وتسوطه بمسوطها فانه أريع له وأحرى أن لا يتفرد * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن مصعب القرقساني قال حدثنا أبو بكر بن عبدالله بن أبي مريم عن راشد ابن سعد أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أتى بمال فجعل يقسمه بين الناس فازدحموا عليه فأقبل سعد بن أبي وقاص يزاحم الناس حتى خلص إليه فعلاه عمر بالدرة وقال إنك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الارض فأحببت أن أعلمك أن سلطان الله لن يهابك * حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا عمر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبيه قال قالت الشفا ابنة عبدالله رأيت فتيانا يقصدون في المشي ويتكلمون رويدا فقالت ما هذا قالوا نساك فقالت كان والله عمر إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع هو والله الناسك حقا * حدثني عمر قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا عبدالله ابن عامر قال أعان عمر رجلا على حمل شئ فدعا له الرجل وقال نفعك بنوك يا أمير المؤمنين فقال بل أغناني الله عنهم * حدثني عمر قال حدثنا علي ابن محمد عن عمر بن مجاشع قال قال عمر بن الخطاب القوة في العمل أن لا تؤخر عمل اليوم لغد والامانة أن لا تخالف سريرة علانية واتقوا الله عزوجل فانما التقوى بالتوقي ومن يتق الله يقه * حدثني عمر قال حدثنا علي عن عوانة عن الشعبي وغير عوانة زاد أحدهما على الآخر أن عمر رضى الله تعالى عنه كان يطوف في الاسواق ويقرأ القرآن ويقضى بين الناس حيث أدركه الخصوم * حدثني عمر قال حدثنا علي عن محمد بن صالح أنه سمع موسى بن عقبة يحدث أن رهطا أتوا عمر فقالوا كثر العيال واشتدت المؤونة فزدنا في أعطياتنا قال فعلتموها جمعتم بين

[ 281 ]

الضرائر واتخذتم الخدم في مال الله عزوجل أما والله لوددت أني وإياكم في سفينتين في لجة البحر تذهب بنا شرقا وغربا فلن يعجز الناس أن يولوا رجلا منهم فإن استقام اتبعوه وإن جنف قتلوه فقال طلحة وما عليك لو قلت إن تعوج عزلوه فقال لا القتل أنكل لمن بعده احذروا فتى قريش وابن كريمها الذي لا ينام إلا على الرضى ويضحك عند الغضب وهو يتناول من فوقه ومن تحته * حدثني عمر قال حدثنا علي عن عبدالله بن داود الواسطي عن زيد بن أسلم قال قال عمر كنا نعد المقرض بخيلا إنما كانت المواساة * حدثني عمر قال حدثنا علي عن ابن دأب عن أبي معبد الاسلمي عن ابن عباس أن عمر قال لناس من قريش بلغني أنكم تتخذون مجالس لا يجلس اثنان معا حتى يقال من صحابة فلان من جلساء فلان حتى تحوميت المجالس وايم الله إن هذا لسريع في دينكم سريع في شرفكم سريع في ذات بينكم ولكأني بمن يأتي بعدكم يقول هذا رأى فلان قد قسموا الاسلام أقساما أفيضوا مجالسكم بينكم وتجالسوا معا فإنه أدوم لالفتكم وأهيب لكم في الناس اللهم ملوني ومللتهم وأحسست من نفسي وأحسوا مني ولا أدري بأينا يكون الكون وقد أعلم أن لهم قبيلا منهم فاقبضني إليك * حدثني عمر قال حدثنا علي قال حدثنا إبراهيم ابن محمد عن أبيه قال اتخذ عبدالله بن أبي ربيعة أفراسا بالمدينة فمنعه عمر بن الخطاب فكلموه في أن يأذن له قال لا آذن له إلا أن يجئ بعلفها من غير المدينة فارتبط أفراسا وكان يحمل إليها علفا من أرض له باليمن * حدثني عمر قال حدثنا علي قال حدثنا أبو إسماعيل الهمداني عن مجالد قال بلغني أن قوما ذكروا لعمر بن الخطاب رجلا فقالوا يأمير المؤمنين فاضل لا يعرف من الشر شيئا قال ذاك أوقع له فيه * (ذكر بعض خطبه رضى الله تعالى عنه) * * حدثني عمر قال حدثني علي عن أبي معشر عن ابن المنكدر وغيره وأبي معاذ الانصاري عن الزهري ويزيد بن عياض عن عبدالله بن أبي بكر وعلي بن مجاهد عن ابن إسحاق عن يزيد بن عياض عن عبدالله بن أبي إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير أن عمر رضى الله تعالى عنه خطب فحمد الله وأثنى عليه بما هو

[ 282 ]

أهله ثم ذكر الناس بالله عزوجل واليوم الآخر ثم قال يا أيها الناس إني قد وليت عليكم ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم وأقواكم عليكم وأشدكم استضلاعا بما ينوب من مهم أموركم ما توليت ذلك منكم ولكفى عمر مهما محزنا انتظار موافقة الحساب بأخذ حقوقكم كيف آخذها ووضعها أين أضعها وبالسير فيكم كيف أسير فربى المستعان فإن عمر أصبح لا يثق بقوة ولا حيلة إن لم يتداركه الله عزوجل برحمته وعونه وتأييده ثم خطب فقال إن الله عزوجل قد ولاني أمركم وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم وإني أسأل الله أن يعينني عليه وأن يحرسني عنده كما حرسني عند غيره وأن يلهمني العدل في قسمكم كالذي أمر به وإني امرؤ مسلم وعبد ضعيف إلا ما أعان الله عزوجل ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا إن شاء الله إنما العظمة لله عزوجل وليس للعباد منها شئ فلا يقولون أحد منكم إن عمر تغير منذ ولى أعقل الحق من نفسي وأتقدم وأبين لكم أمري فأيما رجل كانت له حاجة أو ظلم مظلمة أو عتب علينا في خلق فليؤذني فانما أنا رجل منكم فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم وحرماتكم وأعراضكم وأعطوا الحق من أنفسكم ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إلي فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة وأنا حبيب إلي صلاحكم عزيز علي عتبكم وأنتم أناس عامتكم حضر في بلاد الله وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع إلا ما جاء الله به إليه وإن الله عزوجل قد وعدكم كرامة كثيرة وأنا مسؤل عن أمانتي وما أنا فيه ومطلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله لا أكله إلى أحد ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالامناء وأهل النصح منكم للعامة ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله وخطب أيضا فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم أيها الناس إن بعض الطمع فقر وإن بعض اليأس غنى وإنكم تجمعون ما لا تأكلون وتأملون

[ 283 ]

ما لا تدركون وأنتم مؤجلون في دار غرور كنتم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤخذون بالوحي فمن أسر شيئا أخذ بسريرته ومن أعلن شيئا أخذ بعلانيته فأظهروا لنا أحسن أخلاقكم والله أعلم بالسرائر فانه من أظهر لنا شيئا وزعم أن سريرته حسنة لم نصدقه ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسنا واعلموا أن بعض الشح شعبة من النفاق فأنفقوا خيرا لانفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون أيها الناس أطيبوا مثواكم وأصلحوا أموركم واتقوا الله ربكم ولا تلبسوا نساءكم القباطي فانه إن لم يشف فانه يصف أيها الناس إني لوددت أن أنجو كفافا لا لي ولا علي واني لارجو إن عمرت فيكم يسيرا أو كثيرا أن أعمل بالحق فيكم إن شاء الله وألا يبقى أحد من المسلمين وإن كان في بيته إلا أتاه حقه ونصيبه من مال الله ولا يعمل إليه نفسه ولم ينصب إليه يوما وأصلحوا أموالكم التي رزقكم الله ولقليل في رفق خير من كثير في عنف والقتل حتف من الحتوف يصيب البر والفاجر والشهيد من احتسب نفسه وإذا أراد أحدكم بعيرا فليعمد إلى الطويل العظيم فليضربه بعصاه فان وجده حديد الفؤاد فليشتره * قالوا وخطب أيضا فقال إن الله سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر واتخذ عليكم الحج فيما آتاكم من كرامة الآخرة والدنيا عن غير مسألة منكم له ولا رغبة منكم فيه إليه فخلقكم تبارك وتعالى ولم تكونوا شيئا لنفسه وعبادته وكان قادرا أن يجعلكم لاهون خلقه عليه فجعل لكم عامة خلقه ولم يجعلكم لشئ غيره وسخر لكم ما في السموات وما في الارض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة وحملكم في البر والبحر ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ثم جعل لكم سمعا وبصرا ومن نعم الله عليكم نعم عم بها بني آدم ومنها نعم اختص بها أهل دينكم ثم صارت تلك النعم خواصها وعوامها في دولتكم وزمانكم وطبقتكم وليس من تلك النعم نعمة وصلت إلى امرئ خاصة إلا لو قسم ما وصل إليه منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها وفدحهم حقها إلا بعون الله مع الايمان بالله ورسوله فأنتم

[ 284 ]

مستخلفون في الارض قاهرون لاهلها قد نصر الله دينكم فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم إلا أمتان أمة مستعبدة للاسلام وأهله يجزون لكم يستصفون معائشهم وكدائحهم ورشح جباههم عليهم المؤونة ولكم المنفعة وأمة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة قد ملا الله قلوبهم رعبا فليس لهم معقل يلجؤون إليه ولا مهرب يتقون به قد دهمتهم جنود الله عزوجل ونزلت بساحتهم مع رفاغة العيش واستفاضة المال وتتابع البعوث وسد الثغور باذن الله مع العافية الجليلة العامة التي لم تكن هذه الامة علي أحسن منها مذ كان الاسلام والله المحمود مع الفتوح العظام في كل بلد فما عسى أن يبلغ مع هذا شكر الشاكرين وذكر الذاكرين واجتهاد المجتهدين مع هذه النعم التي لا يحصى عددها ولا يقدر قدرها ولا يستطاع أداء حقها إلا بعون الله ورحمته ولطفه فنسأل الله الذي لا إله إلا هو الذي أبلانا هذا أن يرزقنا العمل بطاعته والمسارعة إلى مرضاته واذكروا عباد الله بلاء الله عندكم واستتموا نعمة الله عليكم وفي مجالسكم مثنى وفرادي فان الله عزوجل قال لموسى أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم أيام الله وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شعبة من الحق تؤمنون بها وتستريحون إليها مع المعرفة بالله ودينه وترجون بها الخير فيما بعد الموت لكان ذلك ولكنكم كنتم أشد الناس معيشة وأثبته بالله جهالة فلو كان هذا الذي استشلاكم به لم يكن معه حظ في دنياكم غير أنه ثقة لكم في آخرتكم التي إليها المعاد والمنقلب وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه أحرياء أن تشحوا على نصيبكم منه وأن تظهروه على غيره قبله ما أنه قد جمع لكم فضيلة الدنيا وكرامة الآخرة ومن شاء أن يجمع له ذلك منكم فأذكركم الله الحائل بين قلوبكم إلا ما عرفتم حق الله فعملتم له وقسرتم أنفسكم على طاعته وجمعتم مع السرور بالنعم خوفا لها ولانتقالها ووجلا منها ومن تحويلها فانه لا شئ أسلب للنعمة من كفرانها وان الشكر أمن للغير ونماء للنعمة واستيجاب للزيادة هذا لله على من أمركم ونهيكم واجب

[ 285 ]

من ندب عمر ورثاه رضى الله عنه ذكر بعض ما رثى به * حدثني عمر قال حدثنا علي قال حدثنا أبو عبد الله البرجمي عن هشام بن عروة أن باكية بكت على عمر فقالت واحرى على عمر حر انتشر فملا البشر وقالت أخرى واحرى على عمر حر انتشر حتى شاع في البشر * حدثنا عمر قال حدثنا علي قال حدثنا ابن دأب وسعيد بن خالد عن صالح بن كيسان عن المغيرة بن شعبة قال لما مات عمر رضى الله عنه بكته ابنة أبي حثمة فقالت واعمراه أقام الاود وأبرأ العمد أمات الفتن وأحيا السنن خرج نقى الثوب بريئا من العيب قال وقال المغيرة ابن شعبة لما دفن عمر أتيت عليا وأنا أحب أن أسمع منه في عمر شيئا فخرج ينفض رأسه ولحيته وقد اغتسل وهو ملتحف بثوب لا يشك ان الامر يصير إليه فقال يرحم الله ابن الخطاب لقد صدقت ابنة أبي حثمة لقد ذهب بخيرها ونجا من شرها أما والله ما قالت ولكن قولت وقالت عاتكة ابنة زيد بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه فجعني فيروز لا در ره * بأبيض تال للكتاب منيب رؤف على الادنى غلبظ على العدا * أخى ثقة في النائبات مجيب متى ما يقل لا يكذب القول فعله * سريع إلى الخيرات غير قطوب وقالت ايضا عين جودى بعبرة ونحيب * لا تملى على الامام النجيب فجعتني المنون بالفارس المع‍ * - لم يوم الهياج والتلبيب عصمة الناس والمعين على الده‍ * ر وغيث المنتاب والمحروب قل لاهل السراء والبؤس موتوا * قد سقته المنون كأس شعوب وقالت امرأة تبكيه سيبكيك نساء الح‍ * ى يبكين شجيات

[ 286 ]

ويخمشن وجوها كال‍ * دنانير نقيات ويلبسن ثياب الحز * ن بعد القصبيات شئ من سيره مما لم يمض ذكره * حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا علي بن محمد عن ابن جعدبة عن إسماعيل بن أبي حكيم عن سعيد بن المسيب قال حج عمر فلما كان بضجنان قال لا إله إلا الله العظيم العلي المعطى ما شاء من شاء كنت أرعى إبل الخطاب بهذا الوادي في مدرعة صوف وكان فظا يتعبني إذا عملت ويضربني إذا قصرت وقد أمسيت وليس بيني وبين الله أحد ثم تمثل لا شئ فيما ترى تبقى بشاشته * يبقى الاله ويودي المال الولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه * والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجرى الرياح له * والانس والجن فيما بينها ترد أين الملوك التي كانت نوافلها * من كل أوب إليها راكب يفد حوضا هنالك مورودا بلا كذب * لابد من ورده يوما كما وردوا * حدثني عمر بن شبة قال حدثنا علي قال حدثنا أبو الوليد المكي قال بينما عمر جالس إذ أقبل رجل أعرج يقود ناقة تظلع حتى وقف عليه فقال: إنك مسترعى وإنا رعية * وإنك مدعو بسيماك يا عمر إذا يوم شر شره لشراره * فقد حملتك اليوم أحسابها مضر فقال لا حول ولا قوة إلا بالله وشكا الرجل ظلع ناقته فقبض عمر الناقة وحمله على جمل أحمر وزوده وانصرف ثم خرج عمر في عقب ذلك حاجا فبينا هو يسير إذ لحق راكبا يقول ما ساسنا مثلك يابن الخطاب * أبر بالاقصى ولا بالاصحاب بعد النبي صاحب الكتاب فنخسه عمر بمخصرة معه وقال فأين أبو بكر * حدثني عمر قال حدثنا علي ابن محمد عن محمد بن صالح عن عبدالملك بن نوفل بن مساحق قال استعمل عمر عتبة

[ 287 ]

ابن أبي سفيان على كنانة فقدم معه بمال فقال ما هذا يا عتبة قال مال خرجت به معي وتجرت فيه قال ومالك تخرج المال معك في هذا الوجه فصيره في بيت المال فلما قام عثمان قال لابي سفيان إن طلبت ما أخذ عمر من عتبة رددته عليه فقال أبو سفيان إنك إن خالفت صاحبك قبلك ساء رأى الناس فيك إياك أن ترد على من كان قبلك فيرد عليك من بعدك (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن الربيع بن النعمان وأبي المجالد جراد بن عمرو وأبي عثمان وأبي حارثة وأبي عمر مولى إبراهيم بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أبيه قالوا إن هند ابنة عتبة قامت إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف تتجر فيها وتضمنها فأقرضها فخرجت فيها إلى بلاد كلب فاشترت وباعت فبلغها أن أبا سفيان وعمر بن أبي سفيان قد أتيا معاوية فعدلت إليه من بلاد كلب فأتت معاوية وكان أبو سفيان قد طلقها قال ما أقدمك أي أمه قالت النظر إليك أي بني إنه عمر وإنما يعمل لله وقد أتاك أبوك فخشيت أن تخرج إليه من كل شئ وأهل ذلك هو فلا يعلم الناس من أين أعطيته فيؤنبونك ويؤنبك عمر فلا يستقيلها أبدا فبعث إلى أبيه وإلى أخيه بمائة دينار وكساهما وحملهما فتعظمها عمرو فقال أبو سفيان لا تعظمها فإن هذا إعطاء لم تغب عنه هند ومشورة قد حضرتها هند ورجعوا جميعا فقال أبو سفيان لهند أربحت فقالت الله أعلم معي تجارة إلى المدينة فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة فقال لها عمر لو كان مالي لتركته لك ولكنه مال المسلمين وهذه مشورة لم يغب عنها أبو سفيان فبعث إليه فحبسه حتى وفته وقال لابي سفيان بكم أجازك معاوية فقال بمائة دينار * وحدثني عمر قال حدثنا علي عن مسلمة بن محارب عن خالد الحذاء عن عبدالله بن صعصعة عن الاحنف قال أتى عبدالله بن عمير عمر وهو يفرض للناس واستشهد أبوه يوم حنين فقال يا أمير المؤمنين افرض لي فلم يلتفت إليه فنخسه فقال عمر حس وأقبل عليه فقال من أنت قال عبدالله بن عمير قال يا يرفأ أعطه ستمائة فأعطاه خمسمائة فلم يقبلها وقال أمر لي أمير المؤمنين بستمائة ورجع إلى عمر فأخبره فقال عمر يا يرفأ أعطه ستمائة

[ 288 ]

وحلة فأعطاه فلبس الحلة التي كساه عمر ورمى بما كان عليه فقال له عمر يا بني خذ ثيابك هذه فتكون لمهنة أهلك وهذه لزينتك * حدثني عمر قال حدثنا علي قال حدثنا أبو الوليد المكي عن رجل من ولد طلحة عن ابن عباس قال خرجت مع عمر في بعض أسفاره فإنا لنسير ليلة وقد دنوت منه إذ ضرب مقدم رحله بسوطه وقال كذبتم وبيت الله يقتل أحمد * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل ثم قال أستغفر الله ثم سار فلم يتكلم قليلا ثم قال: وما حملت من ناقة فوق رحلها * أبر وأوفى ذمة من محمد وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله * وأعطى لرأس السابق المتجرد ثم قال أستغفر الله يا ابن عباس ما منع عليا من الخروج معنا قلت لا أدري قال يا ابن عباس أبوك عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت ابن عمه فما منع قومكم منكم قلت لا أدري قال لكني أدري يكرهون ولا يتكلم لهم قلت لم ونحن لهم كالخير قال اللهم غفرا يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة فيكون بجحا بجحا لعلكم تقولون إن أبا بكر قفل ذلك لا والله ولكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره ولو جعلها لكم ما نفعكم مع قربكم أنشدني لشاعر الشعراء زهير قوله: إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية * من المجد من يسبق إليها يسود فأنشدته وطلع الفجر فقال اقرأ الواقعة فقرأتها ثم نزل فصلى وقرأ بالواقعة * حدثني ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس قال بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر فقال بعضهم فلان أشعر وقال بعضهم بل فلان أشعر قال فأقبلت فقال عمر قد جاءكم أعلم الناس بها فقال عمر من شاعر الشعراء يا ابن عباس قال فقلت زهير ابن أبي سلمى فقال عمر هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت فقلت امتدح قوما من بني عبدالله بن غطفان فقال: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم * قوم بأولهم أو محدهم قعدوا

[ 289 ]

قوم أبوهم سنان حين تنسبهم * طابوا وطاب من الاولاد ما ولدوا إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا * مززءون بها ليل إذا حشدوا محسدون على ما كان من نعم * لا ينزع الله منهم ما له حسدوا فقال عمر أحسن وما أعلم أحدا أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم لفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابتهم منه فقلت وفقت يا أمير المؤمنين ولم تزل موفقا فقال يا ابن عباس أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد فكرهت أن أجيبه فقلت إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني فقال عمر كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا فاختارت قريش لانفسها فأصابت ووفقت فقلت يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في كلام وتمط عني الغضب تكلمت فقال تكلم يا ابن عباس فقلت أما قولك يا أمير المؤمنين اختارت قريش لانفسها فأصابت ووفقت فلو أن قريشا اختارت لانفسها حيث اختار الله عز وجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود وأما قولك إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة فإن الله عزوجل وصف قوما بالكراهية فقال (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) فقال عمر هيهات والله يا ابن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرك عنها فتزيل منزلتك مني فقلت وما هي يا أمير المؤمنين فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه فقال عمر بلغني أنك تقول إنما صرفوها عنا حسدا وظلما فقلت أما قولك يا أمير المؤمنين ظلما فقد تبين للجاهل والحليم وأما قولك حسدا فإن إبليس حسد آدم فنحن ولده المحسودون فقال عمر هيهات أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا ما يحول وضغنا وغشا ما يزول فقلت مهلا يا أمير المؤمنين لا تصب قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش فإن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قلوب بني هاشم فقال عمر إليك عني يا ابن عباس فقلت افعل فلما ذهبت لاقوم استحيا مني فقال يا ابن عباس مكانك فوالله إني لراع لحقك محب لما سرك فقلت يا أمير المؤمنين إن لي عليك حقا

[ 290 ]

وعلى كل مسلم فمن حفظه فحظه أصاب ومن أضاعه فحظه أخطأ ثم قام فمضى * حدثني أحمد بن عمر قال حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال حدثنا عكرمة ابن عمار عن إياس بن سلمة عن أبيه قال مر عمر بن الخطاب رضى الله عنه في السوق ومعه الدرة فخفقني بها خفقة فأصاب طرف ثوبي فقال أمط عن الطريق فلما كان في العام المقبل لقيني فقال يا سلمة تريد الحج فقلت نعم فأخذ بيدي فانطلق بي إلى منزله فأعطاني ستمائة درهم وقال استعن بها على حجك واعلم أنها بالخفقة التي خفقتك قلت يا أمير المؤمنين ما ذكرتها قال وأنا ما نسيتها * حدثني عبدالحميد بن بيان قال أخبرنا محمد بن يزيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن سلمة بن كهيل قال قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه أيها الرعية إن لنا عليكم حقا النصيحة بالغيب والمعاونة على الخير إنه ليس من حلم أحب إلى الله ولا أعم نفعا من حلم إمام ورفقه أيها الرعية إنه ليس من جهل أبغض إلى الله ولا أعم شرا من جهل إمام وخرقه أيها الرعية إنه من يأخذ بالعافية لمن بين ظهرانيه يؤتي الله العافية من فوقه * حدثني محمد بن إسحاق قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا عيسى بن يزيد بن دأب عن عبدالرحمن بن أبي زيد عن عمران بن سواد قال صليت الصبح مع عمر فقرأ سبحان وسورة معها ثم انصرف وقمت معه فقال أحاجة قلت حاجة قال فالحق قال فلحقت فلما دخل أذن لي فإذا هو على سرير ليس فوقه شئ فقلت نصيحة فقال مرحبا بالناصح غدوا وعشيا قلت عابت أمتك منك أربعا قال فوضع رأس درته في ذقنه ووضع أسفلها على فخذه ثم قال هات قلت ذكروا أنك حرمت العمرة في أشهر الحج ولم يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر رضى الله عنه وهي حلال قال هي حلال لو أنهم اعتمروا في أشهر الحج رأوها مجزية من حجهم فكانت قائبة قوب عامها فقرع حجهم وهو بهاء من بهاء الله وقد أصبت قلت وذكروا أنك حرمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلها في زمان ضرورة ثم رجع الناس إلى السعة ثم لم

[ 291 ]

أعلم أحدا من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق وقد أصبت قال قلت واعتقت الامة إن وضعت ذا بطنها بغير عتاقة سيدها قال ألحقت حرمة بحرمة وما أردت إلا الخير وأستعفر الله قلت وتشكوا منك نهر الرعية وعنف السياق قال فشرع الدرة ثم مسحها حتى أتى على آخرها ثم قال أنا زميل محمد وكان زامله في غزوة قرقرة الكدر فوالله إني لارتع فأشبع وأسقى فأروى وأنهز اللفوت وأزجر العروض وأذب قدري وأسوق خطوى وأضم العنود وألحق القطوف وأكثر الزجر وأقل الضرب وأشهر العصا وأدفع باليد لولا ذلك لاعذرت قال فبلغ ذلك معاوية فقال كان والله عالما برعيتهم * حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن ابن عون عن محمد قال نبئت أن عثمان قال إن عمر كان يمنع أهله وأقرباءه ابتغاء وجه الله وإني أعطى أهلي وأقربائي ابتغاء وجه الله ولن يلقى مثل عمر ثلاثة * وحدثني علي ابن سهل قال حدثنا ضمرة بن ربيعة عن عبيدالله بن أبي سليمان عن أبيه قال قدمت المدينة فدخلت دارا من دورها فإذا عمر بن الخطاب رضى إلله عنه عليه إزار قطري يدهن إبل الصدقة بالقطران * حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبدالرحمن قال حدثنا سفيان عن حبيب عن أبي وائل قال قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لاخذت فضول أموال الاغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين * وحدثنا ابن بشار قال حدثنا عبدالرحمن بن مهدي قال حدثنا منصور بن أبي الاسود عن الاعمش عن إبراهيم عن الاسود بن يزيد قال كان الوفد إذا قدموا على عمر رضى الله عنه سألهم عن أميرهم فيقولون خيرا فيقول هل يعود مرضاكم فيقولون نعم فيقول هل يعود العبد فيقولون نعم فيقول كيف صنيعه بالضعيف هل يجلس على بابه فإن قالوا لخصلة منها لاعزله * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا الحكم بن بشر قال حدثنا عمرو قال كان عمر بن الخطاب يقول أربع من أمر الاسلام لست مضيعهن ولا تاركهن لشئ أبدا القوة في مال الله وجمعه إذا جمعناه وضعناه حيث أمر الله وقعدنا آل عمر ليس في أيدينا ولا عندنا

[ 292 ]

منه شئ والمهاجرون الذين تحت ظلال السيوف ألا يحبسوا ولا يجمروا وأن يوفر فئ الله عليهم وعلى عيالاتهم وأكون أنا للعيال حتى يقدموا والانصار الذين أعطوا الله عزوجل نصيبا وقاتلوا الناس كافة أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وأن يشاوروا في الامر والاعراب الذين هم أصل العرب ومادة الاسلام أن يؤخذ منهم صدقتهم على وجهها ولا يؤخذ منهم دينار ولا درهم وأن يرد على فقرائهم ومساكينهم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي جريج عن نافع عن عبدالله بن عمر قال قال عمر إني لاعلم أن الناس لا يعدلون بهذين الرجلين للذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون نجيا بينهما وبين جبريل يتبلغ عنه ويمل عليهما قصة الشورى * حدثني عمر بن شبة قال حدثنا علي بن محمد عن وكيع عن الاعمش عن إبراهيم ومحمد بن عبدالله الانصاري عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن شهر بن حوشب وأبي مخنف عن يوسف بن يزيد عن ابن عباس بن سهل ومبارك بن فضالة عن عبيدالله ابن عمر ويونس بن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الاودي أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له يا أمير المؤمنين لو استخلفت قال من أستخلف لو كان أبو عبيدة ابن الجراح حيا استخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول إنه أمين هذه الامة ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول إن سالما شديد الحب لله فقال له رجل أدلك عليه عبدالله بن عمر فقال قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا ويحك كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته لا أرب لنا في أموركم ما حمدتها فأرغب فيها لاحد من أهل بيتي إن كان خيرا فقد أصبنا منه وإن كان شرا فشرعنا إلى عمر بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ويسأل عن أمر أمة محمد أما لقد جهدت نفسي وحرمت أهلي وإن نجوت كفافا لا وزر ولا أجر إني لسعيد انظر فإن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني وإن أترك فقد ترك من هو خير مني ولن يضيع الله دينه فخرجوا ثم

[ 293 ]

راحوا فقالوا يا أمير المؤمنين لو عهدت عهدا فقال قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولى رجلا أمركم هو أحراكم أن يحملكم على الحق وأشار إلى علي ورهقتني غشية فرأيت رجلا دخل جنة قد غرسها فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته فعلمت أن الله غالب أمره ومتوف عمر فما أريد أتحملها حيا وميتا عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم من أهل الجنة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم ولست مدخله ولكن السنة علي وعثمان ابنا عبد مناف وعبد الرحمن وسعد خالا رسول الله صلى الله عليه وسلم والزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته وطلحة الخير ابن عبيد الله فليختاروا منهم رجلا فإذا ولوا واليا فأحسنوا مؤازرته وأعينوه إن أئتمن أحدا منكم فليؤد إليه أمانته وخرجوا فقال العباس لعلي لا تدخل معهم قال أكره الخلاف قال إذا ترى ما تكره فلما أصبح عمر دعا عليا وعثمان وسعدا وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام فقال إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الامر إلا فيكم وقد قبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو عنكم راض إني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم ولكني أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم فيختلف الناس فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذن منها فتشاوروا واختاروا رجلا منكم ثم قال لا تدخلوا حجرة عائشة ولكن كونوا قريبا ووضع رأسه وقد نزفه الدم فدخلوا فتناجوا تم ارتفعت أصواتهم فقال عبدالرحمن بن عمر سبحان الله إن أمير المؤمنين لم يمت بعد فأسمعه فانتبه فقال ألا أعرضوا عن هذا أجمعون فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيام وليصل بالناس صهيب ولا بأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم ويحضر عبدالله بن عمر مشيرا ولا شئ له من الامر وطلحة شريككم في الامر فإن قدم في الايام الثلاثة فأحضروه أمركم وإن مضت الايام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم ومن لي بطلحة فقال سعد بن أبي وقاص أنا لك به ولا يخالف إن شاء الله فقال عمر أرجو أن لا يخالف إن شاء الله وما أظن أن يلي إلا أحد هذين الرجلين علي أو عثمان فان ولي عثمان

[ 294 ]

فرجل فيه لين وإن ولي علي ففيه دعابة وأحر به أن يحملهم على طريق الحق وإن تولوا سعدا فأهلها هو وإلا فليستعن به الوالى فاني لم أعزله عن خيانة ولا ضعف ونعم ذو الرأي عبدالرحمن بن عوف مدد رشيد له من الله حافظ فاسمعوا منه وقال لابي طلحة الانصاري يا أبا طلحة إن الله عزوجل طالما أعز الاسلام بكم فاختر خمسين رجلا من الانصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم وقال للمقداد بن الاسود إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم وقال لصهيب صل بالناس ثلاثة أيام وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة إن قدم وأحضر عبدالله بن عمر ولا شئ له من الامر وقم على رؤسهم فان اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف وان اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤسهما فان رضى ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم فحكموا عبدالله بن عمر فأى الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم فان لم يرضوا بحكم عبدالله بن عمر فكوتوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف واقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع عليه الناس فخرجوا فقال علي لقوم كانوا معه من بني هاشم ان أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا وتلقاه العباس فقال عدلت عنا فقال وما علمك قال قرن بي عثمان وقال كونوا مع الاكثر فان رضى رجلان رجلا ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف فسعد لا يخالف ابن عمه عبدالرحمن وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيوليها عبدالرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبدالرحمن فلو كان الآخران معي لم ينفعاني بله إني لارجو إلا أحدهما فقال له العباس لم أرفعك في شئ إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره أشرت عليك عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسأله فيمن هذا الامر فأبيت وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الامر فأبيت وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم فأبيت احفظ عني واحدة كلما عرض عليك القوم فقل لا إلا أن يولوك واحذر هؤلاء الرهط فانهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الامر حتى يقوم لنا به غيرنا وايم الله لا يناله إلا بشر

[ 295 ]

لا ينفع معه خير فقال علي أما لئن بقى عثمان لاذكرنه ما أتى ولئن مات ليتداولنها بينهم ولئن فعلوا ليجدني حيث يكرهون ثم تمثل: حلفت برب الراقصات عشية * غدون خفافا فابتدرن المحصبا ليختلين رهط ابن يعمر مارئا * نجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا والتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه فقال أبو طلحة لم ترع أبا الحسن فلما مات عمر وأخرجت جنازته تصدى علي وعثمان أيهما يصلى عليه فقال عبدالرحمن كلاكما يحب الامرة لستما من هذا في شئ هذا إلى صهيب استخلفه عمر يصلي بالناس ثلاثا حتى يجتمع الناس على إمام فصلى عليه صهيب فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة ويقال في بيت المال ويقال في حجرة عائشة بإذنها وهم خمسة معهم ابن عمر وطلحة غائب وأمروا أبا طلحة أن يحجبهم وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب فحصبهما سعد وأقامهما وقال تريدان أن تقولا حضرنا وكنا في أهل الشورى فتنافس القوم في الامر وكثر بينهم الكلام فقال أبو طلحة أنا كنت لان تدفعوها أخوف مني لان تنافسوها لا والذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الايام الثلاثة التي أمرتم ثم أجلس في بيتي فأنظر ما تصنعون فقال عبدالرحمن أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم فلم يجبه أحد فقال فأنا أنخلع منها فقال عثمان أنا أول من رضى فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أمين في الارض أمين في السماء فقال القوم قد رضينا وعلي ساكت فقال ما تقول يا أبا الحسن قال أعطني موثقا لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى ولا تخص ذا رحم ولا تألوا الامة فقال أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي علي من بدل وغير وأن ترضوا من اخترت لكم علي ميثاق الله أن لا أخص ذا رحم لرحمه ولا آلو المسلمين فأخذ منهم ميثاقا وأعطاهم مثله فقال لعلي إنك تقول إني أحق من حضر بالامر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين ولم تبعد ولكن أرأيت لو صرف هذا الامر عنك فلم تحضر من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق بالامر قال عثمان وخلا بعثمان فقال تقول شيخ من بني عبد مناف وصهر رسول الله صلى الله عليه

[ 296 ]

وسلم وابن عمه لي سابقة وفضل لم تبعد فلم يصرف هذا الامر عني ولكن لو لم تحضر فأي هؤلاء الرهط تراه أحق به قال علي ثم خلا بالزبير فكلمه بمثل ما كلم به عليا وعثمان فقال عثمان ثم خلا بسعد فكلمه فقال عثمان فلقى علي سعدا فقال (اتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا) أسألك برحم ابني هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرحم عمي حمزة منك أن لا تكون مع عبدالرحمن لعثمان ظهيرا علي فاني أدلى بما لا يدلى به عثمان ودار عبدالرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وافى المدينة من أمراء الاجناد وأشراف الناس يشاورهم ولا يخلو برجل إلا أمره بعثمان حتى إذا كانت الليلة التي يستكمل في صبيحتها الاجل أتى منزل المسور بن مخرمة بعدا بهيرار من الليل فأيقظه فقال ألا أراك نائما ولم أذق في هذه الليلة كثير غمض انطلق فادع الزبير وسعدا فدعاهما فبدأ بالزبير في مؤخر المسجد في الصفة التي تلي دار مروان فقال له خل ابني عبد مناف وهذا الامر قال نصيبي لعلي وقال لسعد أنا وأنت كلالة فاجعل نصيبك لي فأختار قال إن اخترت نفسك فنعم وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي أيها الرجل بايع لنفسك وأرحنا وارفع رؤسنا قال يا أبا اسحاق إني قد خلعت نفسي منها على أن أختار ولو لم أفعل وجعل الخيار إلي لم أردها إني أريت كروضة خضراء كثيرة العشب فدخل فحل فلم أر فحلا قط أكرم منه فمر كأنه سهم لا يلتفت إلى شئ مما في الروضة حتى قطعها لم يعرج ودخل بعير يتلوه فاتبع أثره حتى خرج من الروضة ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه يلتفت يمينا وشمالا ويمضى قصد الاولين حتى خرج ثم دخل بعير رابع فرتع في الروضة ولا والله لا أكون الرابع ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحد فيرضى الناس عنه قال سعد فإني أخاف أن يكون الضعف قد أدركك فامض لرأيك فقد عرفت عهد عمر وانصرف الزبير وسعد وأرسل المسور بن مخرمة إلى علي فناجاه طويلا وهو لا يشك أنه صاحب الامر ثم نهض وأرسل المسور إلى عثمان فكان في نجيهما حتى فرق بينهما أذان الصبح فقال عمرو بن ميمون قال لي عبدالله بن عمر يا عمر ومن أخبرك أنه يعلم ما كلم

[ 297 ]

به عبدالرحمن بن عوف عليا وعثمان فقد قال بغير علم فوقع قضاء ربك على عثمان فلما صلوا الصبح جمع الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الانصار وإلى أمراء الاجناد فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله فقال أيها الناس إن الناس قد أحبوا أن يلحق أهل الامصار بأمصارهم وقد علموا من أميرهم فقال سعيد بن زيد إن نراك لها أهلا فقال أشيروا علي بغير هذا فقال عمار إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليا فقال المقداد بن الاسود صدق عمار إن بايعت عليا قلنا سمعنا وأطعنا قال ابن أبي سرح إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان فقال عبدالله بن أبي ربيعة صدق إن بايعت عثمان قلنا سمعنا وأطعنا فشتم عمار ابن أبي سرح وقال متى كنت تنصح المسلمين فتكلم بنو هاشم وبنو أمية فقال عمار أيها الناس إن الله عزوجل أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه فأنى تصرفون هذا الامر عن أهل بيت نبيكم فقال رجل من بني مخزوم لقد عدوت طورك يا ابن سمية وما أنت وتأمير قريش لانفسها فقال سعد بن أبي وقاص يا عبدالرحمن أفرغ قبل أن يفتتن الناس فقال عبدالرحمن إني قد نظرت وشاورت فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا ودعا عليا فقال عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده قال أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي قال نعم فبايعه فقال علي حبوته حبو دهر ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون والله ما وليت عثمان إلا ليرد الامر اليك والله كل يوم هو في شأن فقال عبدالرحمن يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا فإني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان فخرج علي وهو يقول سيبلغ الكتاب أجله فقال المقداد يا عبدالرحمن أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون فقال يا مقداد والله لقد اجتهدت للمسلمين قال إن كنت أردت بذلك الله فأثابك الله ثواب المحسنين فقال المقداد ما رأيت مثل ما أوتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم إني لاعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول أن أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل أما والله لو أجد عليه أعوانا فقال

[ 298 ]

عبدالرحمن يا مقداد اتق الله فإني خائف عليك الفتنة فقال رجل للمقداد رحمك الله من أهل هذا البيت ومن هذا الرجل قال أهل البيت بنو عبدالمطلب والرجل علي بن أبي طالب فقال علي إن الناس ينظرون إلى قريش وقريش تنظر إلى بيتها فتقول إن ولى عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان فقيل له بايع عثمان فقال أكل قريش راض به قال نعم فأتى عثمان فقال له عثمان أنت على رأس أمرك إن أبيت رددتها قال أتردها قال نعم قال أكل الناس بايعوك قال نعم قال قد رضيت لا أرغب عما قد أجمعوا عليه وبايعه وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن يا أبا محمد قد أصبت إذ بايعت عثمان وقال لعثمان لو بايع عبدالرحمن غيرك ما رضينا فقال عبدالرحمن كذبت يا أعور لو بايعت غيره لبايعته ولقلت هذه المقالة وقال الفرزدق صلى صهيب ثلاثا ثم أرسلها * على ابن عفان ملكا غير مقصور خلافة من أبي بكر لصاحبه * كانوا أخلاء مهدي ومأمور وكان المسور بن مخرمة يقول ما رأيت رجلا بذ قوما فيما دخلوا فيه بأشد مما بذهم عبدالرحمن بن عوف (قال أبو جعفر) وأما المسور بن مخرمة فإن الرواية عندنا عنه ما حدثني سالم بن جنادة أبو السائب قال حدثنا سليمان بن عبد العزيز ابن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبدالرحمن بن عوف قال حدثنا أبي عن عبدالله ابن جعفر عن أبيه عن المسور بن مخرمة وكانت أمه عاتكة ابنة عوف في الخبر الذي قد مضى ذكرى أوله في مقتل عمر بن الخطاب قال ونزل في قبره يعنى في قبر عمر الخمسة يعني أهل الشورى قال ثم خرجوا يريدون بيوتهم فناداهم عبدالرحمن إلى أين هلموا فتبعوه وخرج حتى دخل بيت فاطمة ابنة قيس الفهرية أخت الضحاك ابن قيس الفهري قال بعض أهل العلم بل كانت زوجته وكانت نجودا يريد ذات رأى قال فبدأ عبدالرحمن بالكلام فقال يا هؤلاء إن عندي رأيا وإن لكم نظرا فاسمعوا تعلموا وأجيبوا تفقهوا فإن حابيا خير من زاهق وإن جرعة من شروب

[ 299 ]

بارد أنفع من عذب موب أنتم أئمة يهتدى بكم وعلماء يصدر إليكم فلا تفلوا المدى بالاختلاف بينكم ولا تغمدوا السيوف عن أعدائكم فتوتروا ثأركم وتؤلتوا أعمالكم لكل أجل كتاب ولكل بيت إمام بأمره يقومون وبنهيه يرعوون قلدوا أمركم واحدا منكم تمشوا الهوينا وتلحقوا الطلب لولا فتنة عمياء وضلالة حيراء يقول أهلها ما يرون وتحلهم الحبو كرى ما عدت نياتكم معرفتكم ولا أعمالكم نياتكم احذوا نصيحة الهوى ولسان الفرقة فإن الحيلة في المنطق أبلغ من السيوف في الكلم علقوا أمركم رحب الذراع فيما حل مأمون الغيب فيما نزل رضا منكم وكلكم رضا ومقترعا منكم وكلكم منتهى لا تطيعوا مفسدا ينتصح ولا تخالفوا مرشدا ينتصر أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ثم تكلم عثمان بن عفان فقال الحمد لله الذي اتخذ محمدا نبيا وبعثه رسولا صدقه وعده ووهب له نصره على كل من بعد نسبا أو قرب رحما صلى الله عليه وسلم جعلنا الله له تابعين وبأمره مهتدين فهو لنا نور ونحن بأمره نقوم عند تفرق الاهواء ومجادلة الاعداء جعلنا الله بفضله أئمة وبطاعته أمراء لا يخرج أمرنا منا ولا يدخل علينا غيرنا إلا من سفه الحق ونكل عن القصد وأحر بها يا ابن عوف أن تترك وأجدر بها أن تكون إن خولف أمرك وترك دعاؤك فأنا أول مجيب لك وداع اليك وكفيل بما أقول زعيم وأستغفر الله لي ولكم ثم تكلم الزبير بن العوام بعده فقال أما بعد فإن داعي الله لا يجهل ومجيبه لا يخذل عند تفرق الاهواء ولي الاعناق ولن يقصر عما قلت إلا غوى ولن يترك ما دعوت إليه إلا شقى لولا حدود لله فرضت وفرائض لله حدت تراح على أهلها وتحيا لا تموت لكان الموت من الامارة نجاة والفرار من الولاية عصمة ولكن لله علينا إجابة الدعوة وإظهار السنة لئلا نموت ميتة عمية ولا نعمى عمى الجاهلية فأنا مجيبك إلى ما دعوت ومعينك على ما أمرت ولا حول ولا قوة إلا بالله وأستغفر الله لي ولكم ثم تكلم سعد بن أبي وقاص فقال الحمد لله بديئا كان وآخرا يعود أحمده لما نجاني من الضلالة وبصرني من الغواية فبهدى الله فاز من نجا وبرحمته أفلح من زكا وبمحمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم أنارت الطرق واستقامت

[ 300 ]

السبل وظهر كل حق ومات كل باطل إياكم أيها النفر وقول الزور وأمنية أهل الغرور فقد سلبت الاماني قوما قبلكم ورثوا ما ورثتم ونالوا ما نلتم فاتخذهم الله عدوا ولعنهم لعنا كبيرا قال الله عزوجل (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) إنى نكبت قرني فأخذت سهمي الفالج وأخذت لطلحة بن عبيدالله ما ارتضيت لنفسي فأنا به كفيل وبما أعطيت عنه زعيم والامر إليك يا ابن عوف بجهد النفس وقصد النصح وعلى الله قصد السبيل واليه الرجوع وأستغفر الله لي ولكم وأعوذ بالله من مخالفتكم ثم تكلم علي بن أبي طالب رضى الله تعالى عنه فقال الحمد لله الذي بعث محمدا منا نبيا وبعثه الينا رسولا فنحن بيت النبوة ومعدن الحكمة وأمان أهل الارض ونجاة لمن طلب لنا حق إن نعطه نأخذه وإن نمنعه نركب أعجاز الابل ولو طال السرى لو عهد الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا لانفذنا عهده ولو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم ولا حول ولا قوة إلا بالله اسمعوا كلامي وعوا منطقي عسى أن تروا هذا الامر من بعد هذا المجمع تنتضى فيه السيوف وتخان فيه العهود حتى تكونوا جماعة ويكون بعضكم أئمة لاهل الضلالة وشيعة لاهل الجهالة ثم أنشأ يقول: فإن تك جاسم هلكت فإني * بما فعلت بنو عبد بن ضخم مطيع في الهواجر كل عي * بصير بالنوى من كل نجم فقال عبدالرحمن أيكم يطيب نفسا أن يخرج نفسه من هذا الامر ويوليه غيره قال فأمسكوا عنه قال فإني أخرج نفسي وابن عمي فقلده القوم الامر وأحلفهم عند المنبر فحلفوا ليبايعن من بايع وإن بايع بإحدى يديه الاخرى فأقام ثلاثا في داره التي عند المسجد التي يقال لها اليوم رحبة القضاء وبذلك سميت رحبة القضاء فأقام ثلاثا يصلى بالناس صهيب قال وبعث عبدالرحمن إلى علي فقال له إن لم أبايعك فأشر علي فقال عثمان ثم بعث إلى عثمان فقال إن لم أبايعك فمن تشير علي قال علي ثم قال لهما

[ 301 ]

انصرفا فدعا الزبير فقال إن لم أبايعك فمن تشير علي قال عثمان ثم دعا سعدا فقال من تشير علي فأما أنا وأنت فلا نريدها فمن تشير علي قال عثمان فلما كانت الليلة الثالثة قال يا مسور قلت لبيك قال إنك لنائم والله ما اكتحلت بغماض منذ ثلاث اذهب فادع لي عليا وعثمان قال قلت يا خال بأيهما أبدا قال بأيهما شئت قال فخرجت فأتيت عليا وكان هواي فيه فقلت أجب خالي فقال بعثك معي إلى غيري قلت نعم، قال إلى من ؟ قلت إلى عثمان، قال فأينا أمرك أن تبدأ به قلت قد سألته فقال بأيهما شئت فبدأت بك وكان هواي فيك قال فخرج معي حتى أتينا المقاعد فجلس عليها علي ودخلت على عثمان فوجدته يوتر مع الفجر فقلت أجب خالي فقال بعثك معي إلى غيري قلت نعم إلى علي قال بأينا أمرك أن تبدأ قلت سألته فقال بأيهما شئت وهذا علي على المقاعد فخرج معي حتى دخلنا جميعا على خالي وهو في القبلة قائم يصلي فانصرف لما رآنا ثم التفت إلى علي وعثمان فقال إني قد سألت عنكما وعن غيركما فلم أجد الناس يعدلون بكما هل أنت يا علي مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر فقال اللهم لا ولكن جهدي من ذلك وطاقتي فالتفت إلى عثمان فقال هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر قال اللهم نعم فأشار بيده إلى كتفيه وقال إذا شئتما فنهضنا حتى دخلنا المسجد وصاح صائح الصلاة جامعة قال عثمان فتأخرت والله حياء لما رأيت من إسراعيه إلى علي فكنت في آخر المسجد قال وخرج عبدالرحمن بن عوف وعليه عمامته التي عممه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم متقلدا سيفه حتى ركب المنبر فوقف وقوفا طويلا ثم دعا بما لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال أيها الناس إني قد سألتكم سرا وجهرا عن إمامكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين أما علي وإما عثمان فقم إلى يا علي فقام إليه علي فوقف تحت المنبر فأخذ عبدالرحمن بيده فقال هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر قال اللهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي قال فأرسل يده ثم نادى قم إلي يا عثمان فأخذ بيده وهو في موقف علي الذي كان فيه فقال هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر قال اللهم نعم قال فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان ثم قال اللهم اسمع واشهد اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة

[ 302 ]

عثمان قال وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه عند المنبر فقعد عبدالرحمن مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر وأقعد عثمان على الدرجة الثانية فجعل الناس يبايعونه وتلكأ علي فقال عبدالرحمن ومن نكث فانما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما فرجع علي يشق الناس حتى بايع وهو يقول خدعة وأيما خدعة قال عبد العزيز وانما سبب قول علي خدعة أن عمرو ابن العاص كان قد لقى عليا في ليالي الشورى فقال إن عبدالرحمن رجل مجتهد وإنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك ولكن الجهد والطاقة فانه أرغب له فيك قال ثم لقى عثمان فقال إن عبدالرحمن رجل مجتهد وليس والله يبايعك إلا بالعزيمة فاقبل فلذلك قال علي خدعة قال ثم انصرف بعثمان إلى بيت فاطمة ابنة قيس فجلس والناس معه فقام المغيرة بن شعبة خطيبا فقال يا أبا محمد الحمد لله الذي وفقك والله ما كان لها غير عثمان وعلي جالس فقال عبدالرحمن يا ابن الدباغ ما أنت وذاك والله ما كنت أبايع أحدا إلا قلت فيه هذه المقالة قال ثم جلس عثمان في جانب المسجد ودعا عبيد الله بن عمر وكان محبوسا في دار سعد بن أبي وقاص وهو الذي نزع السيف من يده بعد قتله جفينة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة وكان يقول والله لاقتلن رجالا ممن شرك في دم أبي يعرض بالمهاجرين والانصار فقام إليه سعد فنزع السيف من يده وجذب شعره حتى أضجعه إلى الارض وحبسه في داره حتى أخرجه عثمان إليه فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والانصار أشيروا علي في هذا الذي فتق في الاسلام ما فتق فقال علي أرى أن تقتله فقال بعض المهاجرين قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم فقال عمرو بن العاص يا أمير المؤمنين إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطانا إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك قال عثمان أنا وليهم وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي قال وكان رجل من الانصار يقال له زياد بن لبيد البياضي إذا رأى عبيد الله بن عمر قال ألا يا عبيد الله مالك مهرب * ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر أصبت دما والله في غير حله * حراما وقتل الهرمزان له خطر

[ 303 ]

على غير شئ غير أن قال قائل * أتتهمون الهرمزان على عمر فقال سفيه والحوادث جمة * نعم أتهمه قد أشار وقد أمر وكان سلاح العبد في جوف بيته * يقلبها والامر بالامر يعتبر قال فشكا عبيد الله بن عمر إلى عثمان زياد بن لبيد وشعره فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه قال فأنشأ زياد يقول في عثمان: أبا عمرو عبيدالله رهن * فلا تشكك بقتل الهرمزان فإنك إن غفرت الجرم عنه * وأسباب الخطا فرسا رهان أتعفو إذ عفوت بغير حق * فما لك بالذي تحكى يدان فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه وشذ به (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عبدالرحمن بن أبي بكر قال غداة طعن عمر مررت على أبي لؤلؤة عشى أمس ومعه جفينة والهرمزان وهم نجى فلما رهقتهم ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه فانظروا بأي شئ قتل وقد تخلل أهل المسجد وخرج في طلبه رجل من بني تميم فرجع إليهم التميمي وقد كان ألظ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر حتى أخذه فقتله وجاء بالخنجر الذي وصف عبدالرحمن بن أبي بكر فسمع بذلك عبيد الله بن عمر فأمسك حتى مات عمر ثم اشتمل على السيف فأتى الهرمزان فقتله فلما عضه السيف قال لا إله إلا الله ثم مضى حتى أتى جفينة وكان نصرانيا من أهل الحيرة ظئرا لسعد بن مالك أقدمه إلى المدينة للصلح الذي بينه وبينهم وليعلم بالمدينة الكتابة فلما علاه بالسيف صلب بين عينيه وبلغ ذلك صهيبا فبعث إليه عمرو بن العاص فلم يزل به وعنه ويقول السيف بأبي وأمي حتى ناوله إياه وثاوره سعد فأخذ بشعره وجاؤا إلى صهيب عمال عمر رضى الله عنه على الامصار وكان عامل عمر بن الخطاب رضى الله عنه في السنة التي قتل فيها وهي سنة 23 على مكة نافع بن عبد الحارث الخزاعي وعلى الطائف سفيان بن عبدالله الثقفي وعلى صنعاء يعلى بن منية حليف بني نوفل بن عبد مناف وعلى الجند عبدالله بن

[ 304 ]

أبي ربيعة وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة وعلى البصرة أبو موسى الاشعري وعلى مصر عمرو بن العاص وعلى حمص عمير بن سعد وعلى دمشق معاوية بن ابن سفيان وعلى البحرين وما والاهما عثمان بن أبي العاص الثقفي (وفي هذه السنة) أعني سنة 23 توفى فيما زعم الواقدي قتادة بن النعمان الظفري وصلى عليه عمر ابن الخطاب وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمورية ومعه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت وأبو أيوب خالد بن زيد وأبو ذر وشداد بن أوس (وفيها) فتح معاوية عسقلان على صلح (وقيل) كان على قضاء الكوفة في السنة التي توفى فيها عمر بن الخطاب رضى الله عنه شريح وعلى البصرة كعب بن سور وأما مصعب بن عبدالله فانه ذكر أن مالك بن أنس روى عن ابن شهاب أن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما لم يكن لهما قاض ثم دخلت سنة أربع وعشرين ذكر ما كان فيها من الاحداث المشهورة (ففيها) بويع لعثمان بن عفان بالخلافة واختلف في الوقت الذي بويع له فيه فقال بعضهم ما حدثني به الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن عثمان بن محمد الاخنسى قال وأخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة عن يعقوب بن زيد عن أبيه قالا بويع عثمان بن عفان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة 23 فاستقبل بخلافته المحرم سنة 24 وقال آخرون ما حدثني به أحمد بن ثابت الرازي عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال بويع لعثمان عام الرعاف سنة 24 (قيل) إنما قيل لهذه السنة عام الرعاف لانه كثر الرعاف فيها في الناس وقال آخرون فيما كتب به إلي السري عن شعيب عن سيف عن خليد بن ذفرة ومجالد قالا استخلف عثمان لثلاث مضين من المحرم سنة 24 فخرج فصلى بالناس العصر وزاد ووفد فاستن به (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمر عن الشعبي قال

[ 305 ]

اجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث مضين من المحرم وقد دخل وقت العصر وقد أذن مؤذن صهيب واجتمعوا بين الاذان والاقامة فخرج فصلى بالناس وزاد الناس مائة ووفد أهل الامصار وهو أول من صنع ذلك (وقال آخرون) فيما ذكر ابن سعد عن الواقدي عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة قال بويع لعثمان لعشر مضين من المحرم بعد مقتل عمر بثلاث ليال خطبة عثمان رضى الله عنه وقتل عبيد الله بن عمر الهرمزان (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن بدر بن عثمان عن عمه قال لما بايع أهل الشورى عثمان خرج وهو أشدهم كآبة فأتى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم ألا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور اعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا فانه لا يغفل عنكم أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمروها ومتعوا بها طويلا ألم تلفظهم ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها واطلبو الآخرة فان الله قد ضرب لها مثلا والذي هو خير فقال عزوجل (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء - إلى قوله - أملا) وأقبل الناس يبايعونه (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي منصور قال سمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه قال كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض فمر فيروزبابي ومعه خنجر له رأسان فتناوله منه وقال ما تصنع بهذا في هذه البلاد فقال أبس به فرآه رجل فلما أصيب عمر قال رأيت هذا مع الهرمزان دفعه إلى فيروز فأقبل عبيدالله فقتله فلما ولى عثمان دعاني فأمكنني منه ثم قال يا بني هذا قاتل أبيك وأنت أولى به منا فاذهب فاقتله فخرجت به وما في الارض أحد إلا معي إلا أنهم يطلبون إلى فيه فقلت لهم ألى قتله قالوا نعم وسبوا عبيدالله فقلت أفلكم أن تمنعوه قالوا لا وسبوه فتركته لله ولهم فاحتملوني فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤس الرجال وأكفهم

[ 306 ]

ولاية سعد بن أبي وقاص الكوفة (وفي هذه السنة) عزل عثمان المغيرة بن شعبة عن الكوفة وولاها سعد بن أبي وقاص فيما كتب به إلى السري عن شعيب عن سيف عن المجالد عن الشعبي قال كان عمر قال أوصى الخليفة من بعدي أن يستعمل سعد بن أبي وقاص فاني لم أعزله عن سوء وقد خشيت أن يلحقه من ذلك وكان أول عامل بعث به عثمان سعد بن أبي وقاص على الكوفة وعزل المغيرة بن شعبة والمغيرة يومئذ بالمدينة فعمل عليها سعد سنة وبعض أخرى وأقر أبا موسى سنوات وأما الواقدي فانه ذكر أن أسامة بن زيد بن أسلم حدثه عن أبيه أن عمر أوصى أن يقر عماله سنة فلما ولى عثمان أقر المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة ثم عزله واستعمل سعد بن أبي وقاص ثم عزله واستعمل الوليد بن عقبة فان كان صحيحا ما رواه الواقدي من ذلك فولاية سعد الكوفة من قبل عثمان كانت سنة 25 كتب عثمان رضى الله عنه إلى عماله وولاته والعامة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة باسنادهما قالا لما ولى عثمان بعث عبدالله بن عامر إلى كابل وهي عمالة سجستان فبلغ كابل حتى استفرغها فكانت عمالة سجستان أعظم من خراسان حتى مات معاوية وامتنع أهل كابل قالوا وكان أول كتاب كتبه عثمان إلى عماله أما بعد فان الله أمر الائمة أن يكونوا رعاة ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة وإن صدر هذه الامة خلقوا رعاة لم يخلقوا جباة وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة ولا يكونوا رعاة فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والامانة والوفاء ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين وفيما عليهم فتعطوهم مالهم وتأخذوهم بما عليهم ثم تثنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم وتأخذوهم بالذي عليهم ثم العدو الذي تنتابون فاستفتحوا عليهم بالوفاء قالوا وكان أول كتاب كتبه إلى أمراء الاجناد في الفروج: أما بعد فانكم حماة المسلمين وذادتهم وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا بل كان عن ملا منا ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغير الله ما بكم ويستبدل بكم غيركم فانظروا كيف تكونون فانى أنظر فيما ألزمني الله النظر فيه والقيام عليه. قالوا وكان أول كتاب كتبه إلى عمال الخراج: أما بعد فان الله خلق الخلق بالحق

[ 307 ]

يقبل الا الحق خذوا الحق وأعطوا الحق به والامانة الامانة قوموا عليها ولا تكونوا أول من يسلبها فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم والوفاء الوفاء لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد فان الله خصم لمن ظلمهم قالوا وكان كتابه إلى العامة أما بعد فانكم إنما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء والاتباع فلا تلفتنكم الدنيا عن أمركم فان أمر هذه الامة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم تكامل النعم وبلوغ أولادكم من السبايا وقراءة الاعراب والاعاجم القرآن فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الكفر في العجمة فإذا استعجم عليهم أمر تكلفوا وابتدعوا (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عاصم بن سليمان عن عامر الشعبي قال أول خليفة زاد الناس في أعطياتهم مائة عثمان فجرت وكان عمر يجعل لكل نفس منفوسة من أهل الفئ في رمضان درهما في كل يوم وفرض لازواج رسول الله صلى الله عليه وسلم درهمين درهمين فقيل له لو صنعت لهم طعاما فجمعتهم عليه فقال أشبع الناس في بيوتهم فأقر عثمان الذي كان صنع عمر وزاد فوضع طعام رمضان فقال للمتعبد الذي يتخلف في المسجد وابن السبيل والمعترين بالناس في رمضان (وفي هذه السنة) أعني سنة أربع وعشرين غزا الوليد بن عقبة آذربيجان وأرمينية لمنع أهلها ما كانوا صالحوا عليه أهل الاسلام أيام عمر في رواية أبي مخنف وأما في رواية غيره فإن ذلك كان في سنة 26 ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمر المسلمين وأمرهم في هذه الغزوة ذكر هشام بن محمد أن أبا مخنف حدثه عن فروة بن لقيط الازدي ثم الغامدي أن مغازي أهل الكوفة كانت الري وآذربيجان وكان بالثغرين عشرة آلاف مقاتل من أهل الكوفة ستة آلاف بآذربيجان وأربعة آلاف بالري وكان بالكوفة إذ ذاك أربعون ألف مقاتل وكان يغزو هذين الثغرين منهم عشرة آلاف في كل سنة فكان الرجل يصيبه في كل أربع سنين غزوة فغزا الوليد بن عقبة في إمارته على الكوفة في سلطان عثمان آذربيجان وأرمينية فدعا سلمان بن ربيعة الباهلي فبعثه أمامه مقدمة له وخرج الوليد في جماعة الناس وهو يريد أن يمعن في أرض

[ 308 ]

أرمينية فمضى في الناس حتى دخل آذربيجان فبعث عبدالله بن شبيل بن عوف الاحمسي في أربعة آلاف فأغار على أهل موقان والببر والطيلسان فأصاب من أموالهم وغنم وتحرز القوم منه وسبى منهم سبيا يسيرا فأقبل إلى الوليد بن عقبة ثم إن الوليد صالح أهل آذربيجان على ثمانمائة ألف درهم وذلك هو الصلح الذي كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان سنة اثنين وعشرين بعد وقعة نهاوند بسنة ثم إنهم حبسوها عند وفاة عمر فلما ولى عثمان وولى الوليد بن عقبة الكوفة سار حتى وطئهم بالجيش فلما رأوا ذلك انقادوا له وطلبوا إليه أن يتم لهم على ذلك الصلح ففعل فقبض منهم المال وبث فيمن حولهم من أعداء المسلمين الغارات فلما رجع إليه عبدالله بن شبيل الاحمسي من غارته تلك وقد سلم وغنم بعث سلمان بن ربيعة الباهلي إلى أرمينية في اثنى عشر ألفا سنة أربع وعشرين فسار في أرض أرمينية فقتل وسبى وغنم ثم إنه انصرف وقد ملا يديه حتى أتى الوليد فانصرف الوليد وقد ظفر وأصاب حاجته إجلاب الروم على المسلمين واستمداد المسلمين من بالكوفة (وفي هذه السنة) في رواية أبي مخنف جاشت الروم حتى استمد من بالشأم من جيوش المسلمين من عثمان مددا ذكر الخبر عن ذلك قال هشام حدثني أبو مخنف قال حدثني فروة بن لقيط الازدي قال لما أصاب الوليد حاجته من أرمينية في الغزوة التي ذكرتها في سنة أربع وعشرين من تاريخه ودخل الموصل فنزل الحديثة أتاه كتاب من عثمان رضى الله عنه: أما بعد فإن معاوية بن أبي سفيان كتب إلي يخبرني أن الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع عظيمة وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة فإذا أتاك كتابي هذا فابعث رجلا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وإسلامه في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إليهم من المكان الذي يأتيك فيه رسولي والسلام فقام الوليد في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإن الله قد أبلى

[ 309 ]

المسلمين في هذا الوجه بلاء حسنا رد عليهم بلادهم التي كفرت وفتح بلادا لم تكن افتتحت وردهم سالمين غانمين مأجورين فالحمد لله رب العالمين وقد كتب إلي أمير المؤمنين يأمرني أن أندب منكم ما بين العشرة الآلاف إلى الثمانية الآلاف تمدون إخوانكم من أهل الشأم فانهم قد جاشت عليهم الروم وفي ذلك الاجر العظيم والفضل المبين فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة الباهلي قال فانتدب الناس فلم يمض ثالثة حتى خرج ثمانية آلاف رجل من أهل الكوفة فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشأم إلى أرض الروم وعلى جند أهل الشأم حبيب بن مسلمة بن خالد الفهري وعلى جند أهل الكوفة سلمان بن ربيعة فشنوا الغارات على أرض الروم فأصاب الناس ما شاؤا من سبي وملؤا أيديهم من المغنم وافتتحوا بها حصونا كثيرة وزعم الواقدي أن الذي أمد حبيب بن مسلمة بسلمان بن ربيعة كان سعيد بن العاص وقال كان سبب ذلك أن عثمان كتب إلى معاوية يأمره أن يغزى حبيب بن مسلمة في أهل الشأم أرمينية فوجهه إليها فبلغ حبيبا أن الموريان الرومي قد توجه نحوه في ثمانين ألفا من الروم والترك فكتب بذلك حبيب إلى معاوية فكتب معاوية به إلى عثمان فكتب عثمان إلى سعيد بن العاص يأمره بإمداد حبيب بن مسلمة فأمده بسلمان بن ربيعة في ستة آلاف وكان حبيب صاحب كيد فأجمع على أن يبيت الموريان فسمعته امرأته أم عبدالله بنت يزيد الكلبية يذكر ذلك فقالت له فأين موعدك قال سرادق الموريان أو الجنة ثم بيتهم فقتل من أشرف له وأتى السرادق فوجد امرأته قد سبقت وكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها سرادق ومات عنها حبيب فخلف عليها الضحاك بن قيس الفهرى فهي أم ولده (واختلف) فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال بعضهم حج بالناس في هذه السنة عبدالرحمن ابن عوف بأمر عثمان كذلك قال أبو معشر والواقدي وقال آخرون بل حج في هذه السنة عثمان بن عفان وأما الاختلاف في الفتوح التي نسبها بعض الناس إلى أنها كانت في عهد عمر وبعضهم إلى أنها كانت في إمارة عثمان فقد ذكرت قبل فيما مضى من كتابنا هذا ذكر اختلاف المختلفين في تاريخ كل فتح كان من ذلك

[ 310 ]

ثم دخلت سنة خمس وعشرين ذكر الاحداث المشهورة التي كانت فيها فقال أبو معشر فيما حدثني أحمد بن ثابت الرازي قال حدثني محدث عن إسحاق ابن عيسى عنه كانت اسكندرية سنة 25 وقال الواقدي وفي هذه السنة نقضت الاسكندرية عهدها فغزاهم عمرو بن العاص فقتلهم وقد ذكرنا خبرها قبل فيما مضى ومن خالف أبا معشر والواقدي في تأريخ ذلك (وفيها) كان أيضا في قول الواقدي توجيه عبدالله بن سعد بن أبي سرح الخيل إلى المغرب قال وكان عمرو ابن العاص قد بعث بعثا قبل ذلك إلى المغرب فأصابوا غنائم فكتب عبدالله يستأذنه في الغزو إلى إفريقية فأذن له قال وحج بالناس في هذه السنة عثمان واستخلف على المدينة قال وفيها فتح الحصون وأميرهم معاوية بن أبي سفيان قال وفيها ولد يزيد بن معاوية قال وفيها كانت سابور الاولى ثم دخلت سنة ست وعشرين ذكر ما كان فيها من الاحداث المشهورة فكان فيها في قول أبي معشر والواقدي فتح سابور وقد مضى ذكر الخبر عنها في قول من خالفهما في ذلك وقال الواقدي فيها أمر عثمان بتجديد أنصاب الحرم وقال فيها زاد عثمان في المسجد الحرام وسعه وابتاع من قوم وأبي آخرون فهدم عليهم ووضع الاثمان في بيت المال فصبحوا بعثمان فأمر بهم بالحبس وقال أتدرون ما جرأكم علي ما جرأكم علي ؟ إلا حلمي قد فعل هذا بكم عمر فلم تصيحوا به ثم كلمه فيهم عبدالله بن خالد بن أسيد فأخرجوا قال وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان (وفي هذه السنة) عزل عثمان سعدا عن الكوفة وولاها الوليد بن عقبة في قول الواقدي وأما في قول سيف فانه عزله عنها في سنة 25 وفيها ولى الوليد عليها وذلك أنه زعم أنه عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة حين مات عمر ووجه سعدا إليها عاملا فعمل له عليها سنة وأشهرا

[ 311 ]

ذكر سبب عزل عثمان عن الكوفة سعدا واستعماله عليها الوليد (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبي قال كان أول ما نزغ به بين أهل الكوفة وهو أول مصر نزغ الشيطان بينهم في الاسلام أن سعد ابن أبي وقاص استقرض من عبدالله بن مسعود من بيت المال مالا فأقرضه فلما تقاضاه لم يتيسر عليه فارتفع بينهما الكلام حتى استعان عبدالله بأناس من الناس على استخراح المال واستعان سعد بأناس من الناس على استنظاره فافترقوا وبعضهم يلوم بعضا يلوم هؤلاء سعدا ويلوم هؤلاء عبدالله (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال كنت جالسا عند سعد وعنده ابن أخيه هاشم بن عتبة فأتى ابن مسعود سعدا فقال له أد المال الذي قبلك فقال له سعد ما أراك إلا ستلقى شرا هل أنت إلا ابن مسعود عبد من هذيل فقال أجل والله إني لابن مسعود وإنك لابن حمينة فقال هاشم أجل والله إنكما لصاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليكما فطرح سعد عودا كان في يده وكان رجلا فيه حدة ورفع يديه وقال اللهم رب السموات والارض فقال عبدالله ويلك قل خيرا ولا تلعن فقال سعد عند ذلك أما والله لولا اتقاء الله لدعوت عليك دعوة لا تخطئك فولى عبدالله سريعا حتى خرج (وكتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن القاسم بن الوليد عن المسيب عن عبد خير عن عبدالله بن عكى قال لما وقع بين ابن مسعود وسعد الكلام في قرض أقرضه عبدالله إياه فلم يتيسر على سعد قضاؤه غضب عليهما عثمان وانتزعها من سعد وعزله وغضب على عبدالله وأقره واستعمل الوليد بن عقبة وكان عاملا لعمر على ربيعة بالجزيرة فقدم الكوفة فلم يتخذ لداره بابا حتى خرج من الكوفة (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا لما بلغ عثمان الذي كان بين عبدالله وسعد فيما كان غضب عليهما وهم بهما ثم ترك ذلك وعزل سعدا وأخذ ما عليه وأقر عبدالله وتقدم إليه وأمر مكان سعد الوليد بن عقبة وكان على عرب الجزيرة عاملا لعمر بن الخطاب فقدم الوليد في السنة الثانية من

[ 312 ]

إمارة عثمان وقد كان سعد عمل عليها سنة وبعض أخرى فقدم الكوفة وكان أحب الناس في الناس وأرفقهم بهم فكان بذلك خمس سنين وليس على داره باب ثم دخلت سنة سبع وعشرين ذكر الاحداث المشهورة التي كانت فيها فمما كان فيها من ذلك فتح افريقية على يد عبدالله بن سعد بن أبي سرح كذلك حدثني أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا محدث عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وهو قول الواقدي أيضا ذكر الخبر عن فتحها وعن سبب ولاية عبدالله بن سعد ابن أبي سرح مصر وعزل عثمان عمرو بن العاص عنها (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا مات عمر وعلى مصر عمرو بن العاص وعلى قضائها خارجة بن فلان فولى عثمان فأقرهما سنتين من إمارته ثم عزل عمرا واستعمل عبدالله بن سعد بن أبي سرح (وكتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة وأبي عثمان قالا لما ولى عثمان أقر عمرو بن العاص على عمله وكان لا يعزل أحدا إلا عن شكاة أو استعفاء من غير شكاة وكان عبدالله بن سعد من جند مصر فأمر عبدالله بن سعد على جنده ورماه بالرجال وسرحه إلى افريقية وسرح معه عبدالله بن نافع بن عبدالقيس وعبد الله بن نافع بن الحصين الفهريين وقال لعبد الله بن سعد إن فتح الله عزوجل عليك غدا افريقية فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة نفلا وأمر العبدين على الجند ورماهما بالرجال وسرحهما إلى الاندلس وأمرهما وعبد الله بن سعد بالاجتماع على الاجل ثم يقيم عبدالله ابن سعد في عمله ويسيران إلى عملهما فخرجوا حتى قطعوا مصر فلما وغلوا في أرض افريقية فأمعنوا انتهوا إلى الاجل ومعه الافناء فاقتتلوا فقتل الاجل قتله عبدالله ابن سعد وفتح افريقية سهلها وجبلها ثم اجتمعوا على الاسلام وحسنت طاعتهم وقسم عبدالله ما أفاء الله عليهم على الجند وأخذ خمس الخمس وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع ابن وثيمة النصرى وضرب فسطاطا في موضع القيروان ووفد وفدا

[ 313 ]

فشكوا عبدالله فيما أخذ فقال لهم أنا نفلنه وكذلك كان يصنع وقد أمرت له بذلك وذاك إليكم الآن فإن رضيتم فقد جاز وإن سخطتم فهو رد قالوا فإنا نسخطه قال فهو رد وكتب إلى عبدالله برد ذلك واستصلاحهم قالوا فاعزله عنا فإنا لا نريد أن يتأمر علينا وقد وقع ما وقع فكتب إليه أن استخلف على افريقية رجلا ممن ترضى ويرضون واقسم الخمس الذي كنت نفلتك في سبيل الله فإنهم قد سخطوا النفل ففعل ورجع عبدالله بن سعد إلى مصر وقد فتح افريقية وقتل الاجل فما زالوا من أسمع أهل البلدان وأطوعهم إلى زمان هشام بن عبدالملك أحسن أمة سلاما وطاعة حتى دب إليهم أهل العراق فلما دب إليهم دعاه أهل العراق واستثاروهم شقوا عصاهم وفرقوا بينهم إلى اليوم وكان من سبب تفريقهم أنهم ردوا على أهل الاهواء فقالوا إنا لا نخالف الائمه بما تجنى العمال ولا نحمل ذلك عليهم فقالوا لهم إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك فقالوا لهم لا تقبل ذلك حتى نبورهم فخرج ميسرة في بضعة عشر إنسانا حتى يقدم على هشام فطلبوا الاذن فصعب عليهم فأتوا الابرش فقالوا أبلغ أمير المؤمنين أن أميرنا يغزو بنا وبجنده فإذا أصاب نفلهم دوننا وقال هم أحق به فقلنا هو أخلص لجهادنا لانا لا نأخذ منه شيئا إن كان لنا فهم منه في حل وإن لم يكن لنا لم نرده وقالوا إذا حاصرنا مدينة قال تقدموا وأخر جنده فقلنا تقدموا فإنه ازدياد في الجهاد ومثلكم كفى إخوانه فوقيناهم بأنفسنا وكفيناهم ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا فجعلوا يبقرونها عن السخال يطلبون الفراء البيض لامير المؤمنين فيقتلون ألف شاة في جلد فقلنا ما أيسر هذا لامير المؤمنين فاحتملنا ذلك وخليناهم وذلك ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا فقلنا لم نجد هذا في كتاب ولا سنة ونحن مسلمون فأحببنا أن نعلم أعن رأى أمير المؤمنين ذلك أم لا قال نفعل فلما طال عليهم ونفدت نفقاتهم كتبوا أسماءهم في رقاع ورفعوها إلى الوزراء وقالوا هذه أسماؤنا وأنسابنا فإن سألكم أمير المؤمنين عنا فأخبروه ثم كان وجههم إلى افريقية فخرجوا على عامل هشام فقتلوه واستولوا على افريقية وبلغ هشاما الخبر وسأل عن النفر فرفعت إليه أسماؤهم فإذا هم الذين جاء الخبر أنهم صنعوا ما صنعوا (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا وأرسل عثمان عبدالله بن نافع بن الحصين وعبد الله بن نافع

[ 314 ]

ابن عبدالقيس من فورهما ذلك من افريقية إلى الاندلس فأتياها من قبل البحر وكتب عثمان إلى من انتدب من أهل الاندلس أما بعد فان القسطنطينية إنما تفتح من قبل الاندلس وإنكم إن افتتحتموها كنتم شركاء من يفتحها في الاجر والسلام وقال كعب الاحبار يعبر البحر إلى الاندلس أقوام يفتتحونها يعرفون بنورهم يوم القيامة (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا فخرجوا ومعهم البربر فأتوها من برها وبحرها ففتحها الله على المسلمين وإفرنجة وازدادوا في سلطان المسلمين مثل افريقية فلما عزل عثمان عبدالله بن سعد بن أبي سرح صرف إلى عمله عبدالله بن نافع بن عبد قيس وكان عليها ورجع عبدالله بن سعد إلى مصر ولم يزل أمر الاندلس كأمر افريقية حتى كان زمان هشام فمنع البربر أرضهم وبقى من في الاندلس على حاله (وأما الواقدي) فانه ذكر أن ابن أبي سبرة حدثه عن محمد بن أبي حرملة عن كريب قال لما نزع عثمان عمرو بن العاص عن مصر غضب عمرو غضبا شديدا وحقد على عثمان فوجه عبدالله بن سعد وأمره أن يمضى إلى افريقية وندب عثمان الناس إلى افريقية فخرج إليها عشرة آلاف من قريش والانصار والمهاجرين (قال الواقدي) وحدثني أسامة بن زيد الليثي عن ابن كعب قال لما وجه عثمان عبدالله بن سعد إلى افريقية كان الذي صالحهم عليه بطريق افريقية جرجير ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار فبعث ملك الروم رسولا وأمره أن يأخذ منهم ثلثمائة قنطار كما أخذ منهم عبدالله بن سعد فجمع رؤساء افريقية فقال إن الملك قد أمرني أن آخذ منكم ثلثمائة قنطار ذهب مثل ما أخذ منكم عبدالله بن سعد فقالوا ما عندنا مال نعطيه فأما ما كان بأيدينا فقد افتدينا به أنفسنا وأما الملك فانه سيدنا فليأخذ ما كان له عندنا من جائزة كما كنا نعطيه كل سنة فلما رأى ذلك أمر بحبسهم فبعثوا إلى قوم من أصحابهم فقدموا عليه فكسروا السجن فخرجوا وكان الذي صالحهم عليه عبدالله بن سعد ثلثمائة قنطار ذهبا فأمر به عثمان لآل الحكم قلت أو لمروان قال لا أدري * قال ابن عمرو حدثني أسامة بن زيد عن يزيد بن أبي حبيب قال نزع عثمان عمرو بن العاصى عن خراج مصر واستعمل عبدالله بن سعد على الخراج فتباغيا فكتب

[ 315 ]

عبدالله بن سعد إلى عثمان يقول إن عمرا كسر الخراج وكتب عمرو إن عبدالله كسر علي حيلة الحرب فكتب عثمان إلى عمرو انصرف وولى عبدالله بن سعد الخراج والجند فقدم عمرو مغضبا فدخل على عثمان وعليه جبة يمانية محشوة قطنا فقال له عثمان ما حشو جبتك قال عمرو قال عثمان قد علمت أن حشوها عمرو ولم أرد هذا إنما سألت أقطن هو أم غيره (قال الواقدي) وحدثني أسامة بن زيد عن يزيد بن أبي حبيب قال بعث عبدالله بن سعد إلى عثمان بمال من مصر قد حشد فيه فدخل عمرو على عثمان فقال عثمان يا عمرو هل تعلم أن تلك اللقاح درت بعدك فقال عمرو إن فصالها هلكت (وحج) بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان رضى الله عنه (وقال الواقدي) وفي هذه السنة كان فتح اصطخر الثاني على يد عثمان بن أبي العاص * قال وفيها غزا معاوية قنسرين ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث المشهورة فمما ذكر أنه كان فيها فتح قبرس على يد معاوية غزاها بأمر عثمان إياه وذلك في قول الواقدي فأما أبو معشر فإنه قال كانت قبرس سنة 33 حدثني بذلك أحمد ابن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عنه وقال بعضهم كانت قبرس سنة 27 غزاها فيما ذكر جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبو ذر وعبادة بن الصامت ومعه زوجته أم حرام والمقداد وأبو الدرداء وشداد بن أوس ذكر الخبر عن غزوة معاوية إياها (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن الربيع بن النعمان النصرى وأبي المجالد جراد بن عمرو عن رجاء بن حيوة وأبي حارثة وأبي عثمان عن رجاء وعبادة وخالد قالوا ألح معاوية في زمانه على عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه في غزو البحر وقرب الروم من حمص وقال إن قرية من قرى حمص ليسمع أهها نباح كلابهم وصياح دجاجهم حتى كاد ذلك يأخذ بقلب عمر فكتب عمر

[ 316 ]

إلى عمرو بن العاص صف لي البحر وراكبه فإن نفسي تنازعني إليه وقال عبادة وخالد لما أخبره ما للمسلمين في ذلك وما على المشركين فكتب إليه عمرو: إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير إن ركن خرق القلوب وإن تحرك أزاغ العقول يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة هم فيه كدود على عود إن مال غرق وإن نجا برق. فلما قرأه عمر كتب إلى معاوية: لا والذي بعث محمدا بالحق لا أحمل فيه مسلما أبدا (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن سعيد عن عبادة بن نسى عن جنادة بن أبي أمية الازدي قال كان معاوية كتب إلي عمر كتابا في غزو البحر يرغبه فيه ويقول يا أمير المؤمنين إن بالشأم قرية يسمع أهلها نباح كلاب الروم وصياح ديوكهم تلقاء ساحل من سواحل حمص فاتهمه عمر لانه المشير فكتب إلى عمرو أن صف لي البحر ثم اكتب إلي بخبره فكتب إليه يا أمير المؤمنين اني رأيت خلقا عظيما يركبه خلق صغير ليس الا السماء والماء وانما هم كدود على عود ان مال غرق وان نجا برق (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة عن عبادة عن جنادة بن أبي أمية والربيع وأبي المجالد قالوا كتب عمر إلى معاوية انا سمعنا أن بحر الشأم يشرف على أطول شئ على الارض يستأذن الله في كل يوم وليلة في أن يفيض على الارض فيغرقها فكيف أحمل الجنود في هذا الكافر المستصعب وتالله لمسلم أحب إلي مما حوت الروم فاياك أن تعرض لي وقد تقدمت اليك وقد علمت ما لقى العلاء مني ولم أتقدم إليه في مثل ذلك وقالوا ترك ملك الروم الغزو وكاتب عمر وقاربه وسأله عن كلمة يجتمع فيها العلم كله فكتب إليه أحب للناس ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لها تجتمع لك الحكمة كلها واعتبر الناس بما يليك تجتمع لك المعرفة كلها وكتب إليه ملك الروم وبعث إليه بقارورة أن املا لي هذه القارورة من كل شئ فملاها ماء وكتب إليه ان هذا كل شئ من الدنيا وكتب إليه ملك الروم ما بين الحق والباطل فكتب إليه أربع أصابع الحق فيما يرى عيانا والباطل كثيرا مما يستمع به فيما لم يعاين وكتب إليه ملك الروم يسأله عما بين السماء والارض وبين المشرق

[ 317 ]

والمغرب فكتب إليه مسيرة خمسمائة عام للمسافر لو كان طريقا مبسوطا قال وبعثت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب إلى ملكة الروم بطيب مشارب وأحفاش من حأفاش النساء ودسته إلى البريد فأبلغه لها وأخذ منه وجاءت امرأة هرقل وجمعت نساءها وقالت هذه هدية امرأة ملك العرب وبنت نبيهم وكاتبتها وكافتها وأهدت لها وفيما أهدت لها عقد فاخر فلما انتهى به البريد إليه أمره بامساكه ودعا الصلاة جامعة فاجتمعوا فصلى بهم ركعتين وقال إنه لا خير في أمر أبرم عن غير شورى من أموري قولوا في هدية أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم فأهدت لها امرأة ملك الروم فقال قائلون هو لها بالذي لها وليست امرأة الملك بذمة فتصانع به ولا تحت يدك فتتقيك وقال آخرون قد كنا نهدى الثياب لنستثيب ونبعث بها لتباع ولنصيب ثمنا فقال ولكن الرسول رسول المسلمين والبريد بريدهم والمسلمون عظموها في صدرها فأمر بردها إلى بيت المال ورد عليها بقدر نفقتها (كتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة عن خالد بن معدان قال أول من غزا في البحر معاوية بن أبي سفيان زمان عثمان بن عفان وقد كان استأذن عمر فيه فلم يأذن له فلما ولى عثمان لم يزل به معاوية حتى عزم عثمان على ذلك بآخرة وقال لا تنتخب الناس ولا تقرع بينهم خيرهم فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه ففعل واستعمل على البحر عبدالله بن قيس الحارثي حليف بني فزارة فغزا خمسين غزاة من بين شاتية وصائفة في البحر ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب وكان يدعو الله أن يرزقه العافية في جنده وأن لا يبتليه بمصاب أحدا منهم ففعل حتى إذا أراد الله ان يصيبه وحده خرج في قارب طليعة فانتهى إلى المرقى من أرض الروم وعليه سؤال يعترون بذلك المكان فتصدق عليهم فرجعت امرأة من السؤال إلى قريتها فقالت للرجال هل لكم في عبدالله بن قيس قالوا وأين هو قالت في المرقى قالوا إي عدوة الله ومن أين تعرفين عبدالله بن قيس فهو بختهم وقالت أنتم أعجز من أن يخفى عبدالله على أحد فثاروا إليه فهجموا عليه فقاتلوه وقاتلهم فأصيب وحده وأفلت الملاح حتى آتى أصحابه فجاؤا حتى أرقوا والخليفة

[ 318 ]

منهم سفيان بن عوف الازدي فخرج فقاتلهم فضجر وجعل يعبث بأصحابه ويشتمهم فقالت جارية عبدالله واعبد الله ما هكذا كان يقول حين يقاتل فقال سفيان وكيف كان يقول قالت الغمرات ثم ينجلينا فترك ما كان يقول ولزم الغمرات تم ينجلينا وأصيب في المسلمين يومئذ وذلك آخر زمان عبدالله بن قيس الحارثي وقيل لتلك المرأة بعد بأي شئ عرفتيه قالت بصدقته أعطى كما يعطي الملوك ولم يقبض قبض التجار (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة وأبي عثمان قالا قيل لتلك المرأة التي استثارت الروم على عبدالله بن قيس كيف عرفتيه قالت كان كالتاجر فلما سألته أعطاني كالملك فعرفت أنه عبدالله بن قيس وكتب إلى معاوية والعمال أما بعد فقوموا على ما فارقتم عليه عمر ولا تبدلوا ومهما أشكل عليكم فردوه إلينا نجمع عليه الامة ثم نرده عليكم وإياكم أن تغيروا فإني لست قابلا منكم إلا ما كان عمر يقبل وقد كانت تنتقض فيما بين صلح عمر وولاية عثمان تلك الناحية فيبعث إليها الرجل فيفتحها الله على يديه فيحسب له ذلك وأما الفتوح فلاول من وليها (قال أبو جعفر) ولما غزا معاوية قبرس صالح أهلها فيما حدثني علي بن سهل قال حدثنا الوليد بن مسلم قال أخبرني سليمان بن أبي كريمة والليث بن سعد وغيرهما من مشيخة ساحل دمشق أن صلح قبرس وقع على جزية سبعة آلاف دينار يؤدونها إلى المسلمين في كل سنة ريؤدون إلى الروم مثلها ليس للمسلمين أن يحولوا بينهم وبين ذلك على أن لا يغزوهم ولا يقاتلوا من وراءهم ممن أرادهم من خلفهم وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم إليهم وعلى أن يبطرق إمام المسلمين عليهم منهم (وقال الواقدي) غزا معاوية في سنة 28 قبرس وغزاها أهل مصر وعليهم عبدالله بن سعد بن أبي سرح حتى لقوا معاوية فكان على الناس * قال وحدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير قال لما سبيناهم نظرت إلى أبي الدرداء يبكي فقلت ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الاسلام وأهله وأذل فيه الكفر وأهله قال فضرب بيده على منكبي وقال ثكلتك أمك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره بينا هي أمة ظاهرة قاهرة للناس لهم الملك إذ تركوا

[ 319 ]

أمر الله فصاروا إلى ما ترى فسلط عليهم السباء وإذا سلط السباء على قوم فليس لله فيهم حاجة (قال الواقدي) وحدثني أبو سعيد أن معاوية بن أبي سفيان صالح أهل قبرس في ولاية عثمان وهو أول من غزا الروم وفي العهد الذي بينه وبينهم ألا يتزوجوا في عدونا من الروم إلا بإذننا (قال الواقدي) وفي هذه السنة غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم (وفيها) تزوج عثمان نائلة ابنة الفرافصة وكانت نصرانية فتحنئت قبل أن يدخل بها * فال وفيها بني عثمان داره بالمدينة الزوراء وفرغ منها * قال وفيها كان فتح فارس الاول وإصطخر الآخر وأميرها هشام بن عامر قال وحج بالناس عثمان في هذه السنة ثم دخلت سنة تسع وعشرين ذكر ما كان فيها من الاحداث المشهورة (ففيها) عزل عثمان أبا موسى الاشعري عن البصرة وكان عامله عليها ست سنين وولاها عبدالله بن عامر بن كريز وهو يومئذ ابن خمس وعشرين سنة فقدمها وقد قيل إن أبا موسى إنما عمل لعثمان على البصرة ثلاث سنين وذكر علي بن محمد أن محاربا أخبره عن عوف الاعرابي قال خرج غيلان بن خرشة الضبي إلى عثمان ابن عفان فقال أما لكم صغير فتستشبوه فتولوه البصرة حتى متى يلي هذا الشيخ البصرة يعني أبا موسى وكان وليها بعد موت عمر ست سنين * قال فعزله عثمان عنها وبعث عبدالله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس وأمه دجاجة ابنة أسماء السلمي وهو ابن خال عثمان بن عفان قال مسلمة فقدم البصرة وهو ابن خمس وعشرين سنة سنة 29 ذكر الخبر عن سبب عزل عثمان أبا موسى عن البصرة (كتب إلي السري) يذكر أن شعيبا حدثه عن سيف عن محمد وطلحة قالا لما ولى عثمان أقر أبا موسى على البصرة ثلاث سنين وعزله في الرابعة وأمر على خراسان عمير بن عثمان بن سعد وعلى سجستان عبدالله بن عمير الليثي وهو من

[ 320 ]

ثعلبة فأثخن فيها إلى كابل وأثخن عمير في خراسان حتى بلغ فرغانة فلم يدع دونها كورة إلا أصلحها وبعث إلى مكران عبيد الله بن معمر التيمي فأثخن فيها حتى بلغ النهر وبعث على كرمان عبد الرحمن بن غبيس وبعث إلى فارس والاهواز نفرا وضم سواد البصرة إلى الحصين بن أبي الحر ثم عزل عبدالله بن عمير واستعمل عبدالله بن عامر فأقره عليها سنة ثم عزله واستعمل عاصم بن عمرو وعزل عبدالرحمن بن غبيس وأعاد عدي بن سهيل بن عدي ولما كان في السنة الثالثة كفر أهل إيذج والاكراد فنادى أبو موسى في الناس وحضهم وندبهم وذكر من فضل الجهاد في الرجلة حتى حمل نفر على دوابهم وأجمعوا على أن يخرجوا رجالا وقال آخرون لا والله لا نعجل بشئ حتى ننظر ما صنيعه فان أشبه قوله فعله فعلنا كما فعل أصحابنا فلما كان يوم خرج أخرج ثقله من قصره على أربعين بغلا فتعلقوا بعنانه وقالوا احملنا على بعض هذه الفضول وارغب من الرجلة فيما رغبتنا فيه فقنع القوم حتى تركوا دابته ومضى فأتوا عثمان فاستعفوه منه وقالوا ما كل ما نعلم نحب أن نقوله فأبدلنا به فقال من تحبون فقال غيلان بن خرشة في كل أحد عوض من هذا العبد الذي قد أكل أرضنا وأحيا أمر الجاهلية فينا فلا ننفك من أشعري كان يعظم ملكه عن الاشعريين ويستصغر ملك البصرة وإذا أمرت علينا صغيرا كان فيه عوض منه أو مهترا كان فيه عوض منه ومن بين ذلك من جميع الناس خير منه فدعا عبدالله بن عامر وأمره على البصرة وصرف عبيد الله بن معمر إلى فارس واستعمل على عمله عمير بن عثمان بن سعد فاستعمل على خراسان في سنة أربع أمين بن أحمر اليشكرى واستعمل على سجستان في سنة أربع عمران بن الفصيل البرجمي وعلى كرمان عاصم بن عمرو فمات بها فجاشت فارس وانتقضت بعبيد الله بن معمر فاجتمعوا له باصطخر فالتقوا على باب اصطخر فقتل عبيد الله وهزم جنده وبلغ الخبر عبدالله بن عامر فاستنفر أهل البصرة وخرج معه الناس وعلى مقدمته عثمان بن أبي العاص فالتقوا هم وهم باصطخر وقتل منهم مقتلة عظيمة لم يزالوا منها في ذل وكتب بذلك إلى عثمان فكتب إليه بإمرة هرم ابن حسان اليشكرى وهرم بن حيان العبدي من عبدالقيس والخريت بن راشد من

[ 321 ]

بنى سامة والمنجاب بن راشد والترجمان الهجيمي على كور فاس وفرق خراسان بين نفر ستة الاحنف على المروين وحبيب بن قرة اليربوعي على بلخ وكانت مما افتتح أهل الكوفة وخالد بن عبدالله بن زهير على هراة وأمين بن أحمر اليشكري على طوس وقيس بن هبيرة السلمي على نيسابور وهو أول من خرج وعبد الله بن خازم وهو ابن عمه ثم إن عثمان جمعها له قبل موته فمات وقيس على خراسان واستعمل أمين ابن أحمر على سجستان ثم جعل عليها عبدالرحمن بن سمرة وهو من آل حبيب ابن عبد شمس فمات عثمان وهو عليها ومات وعمران على كرمان وعمير بن عثمان ابن سعد على فارس وابن كدير القشيري على مكران * وقال علي بن محمد أخبرنا علي بن مجاهد عن أشياخه قال قال غيلان بن خرشة لعثمان بن عفان أما منكم خسيس فترفعوه أما منكم فقير فتجيروه يا معشر قريش حتى متى يأكل هذا الشيخ الاشعري هذه البلاد فانتبه لها الشيخ فولاها عبدالله بن عامر * قال علي بن محمد أخبرنا أبو بكر الهذلي قال ولى عثمان بن عامر البصرة فقال الحسن قال أبو موسى يأتيكم غلام خراج ولاج كريم الجدات والخالات والعمات يجمع له الجندان قال قال الحسن فقدم ابن عامر فجمع له جند أبي موسى وجند عثمان بن أبي العاص الثقفي وكان عثمان بن أبي العاص فيمن عبر من عمان والبحرين (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا وفد قيس بن هبيرة عبدالله بن حازم إلى عبدالله بن عامر في زمان عثمان وكان عبدالله ابن خازم على عبدالله بن عامر كريما فقال له اكتب لي على خراسان عهدا إن خرج منها قيس بن هبيرة ففعل فرجع إلى خراسان فلما قتل عثمان وبلغ الناس الخبر وجاش العدو لذلك قال قيس ما ترى يا عبد الله قال أرى أن تخلفني ولا تخلف عن المضى حتى تنظر فيما تنظر ففعل واستخلفه فأخرج عبدالله عهد خلافته وثبت على خراسان إلى أن قام علي رضى الله تعالى عنه وكانت أم عبدالله عجلى فقال قيس أنا كنت أحق أن أكون ابن عجلي من عبدالله وغضب مما صنع به الآخر (وفي هذه السنة) افتتح عبدالله بن عامر فارس في قول الواقدي وفي قول أبي معشر حدثني بقول أبي معشر أحمد بن ثابت عمن حدثه عن اسحاق بن عيسى عنه وأما قول سيف فقد ذكرناه قبل (وفي هذه

[ 322 ]

السنة) أعني سنة 29 زاد عثمان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووسعه وابتدأ في بنائه في شهر ربيع الاول وكانت القصة تحمل إلى عثمان من بطن نخل وبناه بالحجارة المنقوشة وجعل عمده من حجارة فيها رصاص وسقفه ساجا وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه مائة وخمسين ذراعا وجعل أبوابه على ما كانت عليه على عهد عمر ستة أبواب (وحج) بالناس في هذه السنة عثمان فضرب بمنى فسطاطا فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى وأتم الصلاة بها وبعرفة فذكر الواقدي عن عمر بن صالح بن نافع عن صالح مولى التوأمة قال سمعت ابن عباس يقول إن أول ما تكلم الناس في عثمان ظاهرا أنه صلى بالناس بمنى في ولايته ركعتين حتى إذا كانت السنة السادسة أتمها فعاب ذلك غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم في ذلك من يريد أن يكثر عليه حتى جاءه علي فيمن جاءه فقال والله ما حدث أمر ولا قدم عهد ولقد عهدت نبيك صلى الله عليه وسلم يصلى ركعتين ثم أبا بكر ثم عمر وأنت صدرا من ولايتك فما أدرى ما يرجع إليه فقال رأى رأيته (قال الواقدي) وحدثني داود بن خالد عن عبدالملك بن عمرو بن أبي سفيان الثقفي عن عمه قال صلى عثمان بالناس بمنى أربعا فأتى آت عبدالرحمن بن عوف فقال هل لك في أخيك قد صلى بالناس أربعا فصلى عبدالرحمن بأصحابه ركعتين ثم خرج حتى دخل على عثمان فقال له ألم تصل في هذا المكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قال بلى قال أفلم تصل مع أبي بكر ركعتين قال بلى قال أفلم تصل مع عمر ركعتين قال بلى قال ألم تصل صدرا من خلافتك ركعتين قال بلى قال فاسمع مني يا أبا محمد إني أخبرت أن بعض من حج من أهل اليمن وجفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي إن الصلاة للمقيم ركعتان هذا إمامكم عثمان يصلى ركعتان وقد اتخذت بمكة أهلا فرأيت أن أصلي أربعا لخوف ما أخاف على الناس وأخرى قد اتخذت بها زوجة ولى بالطائف مال فربما اطلعته فأقمت فيه بعد الصدر فقال عبدالرحمن بن عوف ما من هذا شئ لك فيه عذر أما قولك اتخذت أهلا فزوجتك بالمدينة تخرج بها إذا شئت وتقدم بها إذا شئت انما تسكن بسكناك وأما قولك ولى مال بالطائف فإن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال وأنت

[ 323 ]

لست من أهل الطائف وأما قولك يرجع من حج من أهل اليمن وغيرهم فيقولون هذا إمامكم عثمان يصلى ركعتين وهو مقيم فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الاسلام فيهم قليل ثم أبو بكر مثل ذلك ثم عمر فضرب الاسلام بجرانه فصلى بهم عمر حتى مات ركعتين فقال عثمان هذا رأى رأيته قال فخرج عبدالرحمن فلقى ابن مسعود فقال أبا محمد غير ما يعلم قال لا قال فما أصنع قال اعمل أنت بما تعلم فقال ابن مسعود الخلاف شر قد بلغني أنه صلى أربعا فصليت بأصحابي أربعا فقال عبدالرحمن بن عوف قد بلغني أنه صلى أربعا فصليت بأصحابي ركعتين وأما الآن فسوف يكون الذي تقول يعني نصلى معه أربعا ثم دخلت سنة ثلاثين ذكر ما كان فيها من الاحداث المشهورة فمما كان فيها غزوة سعيد بن العاص طبرستان في قول أبي معشر حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عنه وفي قول الواقدي وقول علي ابن محمد المدائتي حدثني بذلك عمر بن شبة عنه وأما سيف بن عمر فانه ذكر أن اصبهبذها صالح سويد بن مقرن على أن لا يغزوها على مال بذله له قد مضى ذكرى الخبر عن ذلك قبل في أيام عمر رضى الله عنه وأما علي بن محمد المدائني فانه قال فيما حدثني به عنه عمر لم يغزها أحد حتى قام عثمان بن عفان رضى الله عنه فغزاها سعيد ابن العاص سنة 30 ذكر الخبر عنه عن غزو سعيد بن العاص طبرستان * حدثني عمر بن شبة قال حدثني علي بن محمد عن علي بن مجاهد عن حبش بن مالك قال غزا سعيد بن العاص من الكوفة سنة ثلاثين يريد خراسان ومعه حذيفة ابن اليمان وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير وخرج عبدالله بن عامر من البصرة يريد خراسان فسبق سعيدا ونزل

[ 324 ]

أبرشهر وبلغ نزوله أبرشهر سعيدا فنزل سعيد قومس وهي صلح صالحهم حذيفة بعد نهاوند فأتى جرجان فصالحوه على مائتي ألف ثم أتى طميسة وهي كلها من طبرستان متاخمة جرجان وهي مدينة على ساحل البحر وهي في تخوم جرجان فقاتله أهلها حتى صلى صلاة الحوف فقال لحذيفة كيف صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فصلى بها سعيد صلاة الخوف وهم يقتتلون وضرب يومئذ سعيد رجلا من المشركين على حبل عاتقه فخرج السيف من تحت مرفقه وحاصرهم فسألوا الامان فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا ففتحوا الحصن فقتلهم جميعا إلا رجلا واحدا وحوى ما كان في الحصن فأصاب رجل من بني نهد سفطا عليه قفل فظن فيه جوهرا وبلغ سعيدا فبعث إلى النهدي فأتاه بالسفط فكسروا قفله فوجدوا فيه سفطا ففتحوه فإذا فيه خرقة سوداء مدرجة فنشروها فوجدوا خرقة حمراء فنشروها فإذا خرقة صفراء وفيها أيران كميت وورد فقال شاعر يهجو بني نهد: آب الكرام بالسبايا غنيمة * وفاز بنو نهد بأيرين في سفط كميت وورد وافرين كلاهما * فظنوهما غنما فناهيك من غلط وفتح سعيد بن العاص نامية وليست بمدينة هي صحارى * وحدثني عمر بن شبة قال حدثنا علي بن محمد قال أخبرني علي بن مجاهد عن حنش بن مالك التغلبي قال غزا سعيد سنة ثلاثين فأتى جرجان وطبرستان معه عبدالله بن العباس وعبد الله ابن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص فحدثني علج كان يخدمهم قال كنت آتيهم بالسفرة فإذا أكلوا أمروني فنفضتها وعلقتها فإذا أمسوا أعطوني باقيه قال وهلك مع سعيد بن العاص محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي جد يوسف ابن عمر فقال يوسف لقحذم ياقحذم أتدري أين مات محمد بن الحكم قال نعم استشهد مع سعيد بن العاص بطبرستان قال لا مات بها وهو مع سعيد ثم قفل سعيد إلى الكوفة فمدحه كعب بن جعيل فقال فنعم الفتى إذ جال جيلان دونه * وإذ هبطوا من (دستب) ؟ ثم أبهرا

[ 325 ]

تعلم سعيد الخير أن مطيتي * إذا هبطت اشفقت من أن تعقرا كأنك يوم الشعب ليث خفية * تحرد من ليث العرين وأصحرا تسوس الذي ما ساس قبلك واحد * ثمانين ألفا دارعين وحسرا * وحدثني عمر قال حدثنا علي بن كليب بن خلف وغيره أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان ثم امتنعوا وكفروا فلم يأت جرجان بعد سعيد أحد ومنعوا ذلك الطريق فلم يكن أحد يسلك طريق خراسان من ناحية قومس إلا على وجل وخوف من أهل جرجان كان الطريق إلى خراسان من فارس إلى كرمان فأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولى خراسان * وحدثني عمر قال حدثنا علي عن كليب بن خلف العمى عن طفيل بن مرداس العمى وإدريس بن حنظلة العمى أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان وكانوا يجبون أحيانا مائة ألف ويقولون هذا صلحنا وأحيانا مائتي ألف وأحيانا ثلثمائة ألف وكانوا ربما أعطوا ذلك وربما منعوه ثم امتنعوا وكفروا فلم يعطوا خراجا حتى أتاهم يزيد بن المهلب فلم يعازه أحد حين قدمها فلما صالح صولا وفتح البحيرة ودهستان صالح أهل جرجان على صلح سعيد بن العاص (وفي هذه السنة) أعني سنة 30 عزل عثمان الوليد بن عقبة عن الكوفة وولاها سعيد بن العاص في قول سيف بن عمر ذكر السبب في عزل عثمان الوليد عن الكوفة وتوليته سعيدا عليها (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا لما بلغ عثمان الذي كان بين عبدالله وسعد غضب عليهما وهم بهما ثم ترك ذلك وعزل سعدا وأخذ ما عليه وأقر عبدالله وتقدم إليه وأمر مكان سعد الوليد بن عقبة وكان على عرب الجزيرة عاملا لعمر بن الخطاب فقدم الوليد في السنة الثانية من إمارة عثمان وقد كان سعد عمل عليها سنة وبعض أخرى فقدم الكوفة وكان أحب الناس في الناس وأرفقهم بهم فكان كذلك خمس سنين وليس على داره باب ثم إن شبابا من شباب أهل الكوفة نقبوا على ابن الحيسمان الخزاعي وكاثروه فنذر بهم فخرج عليهم بالسيف فلما رأى كثرتهم استصرخ فقالوا له اسكت فانما هي ضربة حتى نريحك من روعة

[ 326 ]

هذه الليلة وأبو شريح الخزاعي مشرف عليهم فصاح بهم وضربوه فقتلوه وأحاط الناس بهم فأخذوهم وفيهم زهير بن جندب الازدي ومورع بن أبي مورع الاسدي وشبيل بن أبي الازدي في عدة فشهد عليهم أبو شريح وابنه أنهم دخلوا عليه فمنع بعضهم بعضا من الناس فقتله بعضهم فكتب فيهم إلى عثمان فكتب إليه في قتلهم فقتلهم على باب القصر في الرحبة وقال في ذلك عمرو بن عاصم التميمي لا تأكلوا أبدا جيرانكم سرفا * أهل الذعارة في ملك ابن عفان إن ابن عفان الذي جربتم * فطم اللصوص بمحكم الفرقان ما زال يعمل بالكتاب مهيمنا * في كل عنق منهم وبنان (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن سعيد عن أبي سعيد قال كان أبو شريح الخزاعي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحول من المدينة إلى الكوفة ليدنو من الغزو فبينا هو ليلة على السطح إذ استغاث جاره فأشرف فإذا هو بشباب من أهل الكوفة قد بيتوا جاره وجعلوا يقولون له لا تصح فانما هي ضربة حتى نريحك فقتلوه فارتحل إلى عثمان ورجع إلى المدينة ونقل أهله ولهذا الحديث حيت كثر أحدثت القسامة وأخذ بقول ولى المقتولي ليفطم الناس عن القتل عن ملا من الناس يومئذ (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن كريب عن نافع بن جبير قال قال عثمان القسامة على المدعي عليه وعلى أوليائه يحلف منهم خمسون رجلا إذا لم تكن بينة فان نقصت قسامتهم أو إن نكل رجل واحد ردت قسامتهم ووليها المدعون وأحلفوا فان حلف منهم خمسون استحقوا (وكتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن الغصن بن القاسم عن عون بن عبدالله قال كان مما أحدث عثمان بالكوفة إلى ما كان من الخبر أنه بلغه أن أبا سمال الاسدي في نفر من أهل الكوفة ينادى مناد لهم إذا قدم الميار من كان هاهنا من كلب أو بني فلان ليس لقومهم بها منزل فمنزله على أبي فلان فاتخذ موضع دار عقيل دار الضيفان ودار ابن هبار وكان منزل عبدالله بن مسعود في هذيل في موضع الرمادة فنزل موضع داره وترك داره دار الضيافة وكان الاضياف ينزلون داره

[ 327 ]

في هذيل إذا ضاق عليهم ما حول المسجد (وكتب إلي السري) عن شعب عن سيف عن المغيرة بن مقسم عمن أدرك من علماء أهل الكوفة أن أبا سمال كان ينادى مناديه في السوق والكناسة من كان هاهنا من بني فلان وفلان لمن ليست له بها خطة فمنزله على أبي سمال فاتخذ عثمان للاضياف منازل (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن مولى لآل طلحة عن موسى بن طلحة مثله (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا كان عمر بن الخطاب قد استعمل الوليد بن عقبة على عرب الجزيرة فنزل في بني تغلب وكان أبو زبيد في الجاهلية والاسلام في بني تغلب حتى أسلم وكانت بنو تغلب أخواله فاضطهده أخواله دينا له فأخذ له الوليد بحقه فشكرها له أبو زبيد وانقطع إليه وغشيه بالمدينة فلما ولى الوليد الكوفة أتاه مسلما معظما على مثل ما كان يأتيه بالجزيرة والمدينة فنزل دار الضيفان وآخر قدمة قدمها أبو زبيد على الوليد وقد كان ينتجعه ويرجع وكان نصرانيا قبل ذلك فلم يزل الوليد به وعنه حتى أسلم في آخر إمارة الوليد وحسن إسلامه فاستدخله الوليد وكان عربيا شاعرا حين قام على الاسلام فأتى آت أبا زينب وأبا مورع وجندبا وهم يحقدون له مذ قتل أبناءهم ويضعون له العيون فقال لهم هل لكم في الوليد يشارب أبا زبيد فثاروا في ذلك فقال أبو زينب وأبو مورع وجندب لاناس من وجوه أهل الكوفة هذا أميركم وأبو زبيد خيرته وهما عاكفان على الخمر فقاموا معهم ومنزل الوليد في الرحبة مع عمارة بن عقبة وليس عليه باب فاقتحموا عليه من المسجد وبابه إلى المسجد فلم يفجأ الوليد إلا بهم فنحى شيئا فادخله تحت السرير فادخل بعضهم يده فاخرجه لا يؤامره فإذا طبق عليه تفاريق عنب وإنما نحاه استحياء أن يروا طبقه ليس عليه إلا تفاريق عنب فقاموا فخرجوا على الناس فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون وسمع الناس بذلك فأقبل الناس عليهم يسبونهم ويلعنونهم ويقولون أقوام غضب الله لعمله وبعضهم أرغمه الكتاب فدعاهم ذلك إلى التحسس والبحث فستر عليهم الوليد ذلك وطواه عن عثمان ولم يدخل بين الناس في ذلك بشئ وكره أن يفسد بينهم فسكت عن ذلك وصبر (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن الفيض بن محمد قال رأيت الشعبي جلس

[ 328 ]

إلى محمد بن عمرو بن الوليد يعني ابن عقبة وهو خليفة محمد بن عبدالملك فذكر محمد غزو مسلمة فقال كيف لو أدركتم الوليد غزوه وإمارته إن كان ليغزو فينتهي إلى كذا وكذا ما قصر ولا انتقض عليه أحد حتى عزل عن عمله وعلى الباب يومئذ عبدالرحمن بن ربيعة الباهلي وإن كان مما زاد عثمان بن عفان الناس على يده أن رد على كل مملوك بالكوفة من فضول الاموال ثلاثة في كل شهر يتسعون بها من غير أن ينقص مواليهم من أرزاقهم (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن الغصن بن القاسم عن عمرو بن عبدالله قال جاء جندب ورهط معه إلى ابن مسعود فقالوا الوليد يعتكف على الخمر وأذاعوا ذلك حتى طرح على ألسن الناس فقال ابن مسعود من استتر عنا بشئ لم نتتبع عورته ولم نهتك ستره فارسل إلى ابن مسعود فاتاه فعاتبه في ذلك وقال أيرضى من مثلك بأن يجيب قوما موتورين بما أجبت علي أي شئ أستتر به انما يقال هذا للمريب فتلاحيا وافترقا على تغاضب لم يكن بينهما أكثر من ذلك (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا وأتى الوليد بساحر فأرسل إلى ابن مسعود يسأله عن حده فقال وما يدريك إنه ساحر قال زعم هؤلاء النفر لنفر جاؤا به أنه ساحر قال وما يدريكم أنه ساحر قالوا يزعم ذاك قال أساحر أنت قال نعم قال وتدرى ما السحر قال نعم وثار إلى حمار فجعل يركبه من قبل ذنبه ويريهم أنه يخرج من فمه واسته فقال ابن مسعود فاقتله فانطلق الوليد فنادوا في المسجد أن رجلا يلعب بالسحر عند الوليد فأقبلوا وأقبل جندب واغتنهما يقول أين هو أين هو حتى أريه فضربه فاجتمع عبدالله والوليد على حبسه جتى كتب إلى عثمان فأجابهم عثمان أن استحلفوه بالله ما علم برأيكم فيه وإنه لصادق بقوله فيما ظن من تعطيل حده وعزروه وخلوا سبيله وتقدم إلى الناس في أن لا يعملوا بالظنون وأن لا يقيموا الحدود دون السلطان فانا نقيد المخطئ ونؤدب المصيب ففعل ذلك به وترك لانه أصاب حدا وغضب لجندب أصحابه فخرجوا إلى المدينة فيهم أبو خشة الغفاري وجثامة بن الصعب بن جثامة ومعهم جندب فاستعفوه من الوليد فقال لهم عثمان تعملون

[ 329 ]

بالظنون وتخطئون في الاسلام وتخرجون بغير إذن ارجعوا فردهم فلما رجعوا إلى الكوفة لم يبق موتور في نفسه إلا أتاهم فاجتمعوا على رأي فأصدروه ثم تغفلوا الوليد وكان ليس عليه حجاب فدخل عليه أبو زينب الازدي وأبو مورع الاسدي فسلا خاتمه ثم خرجا إلى عثمان فشهدا عليه ومعهما نفر ممن يعرف من أعوانهم فبعث إليه عثمان فلما قدم أمر به سعيد بن العاص فقال يا أمير المؤمنين أنشدك الله فوالله إنهما لخصمان موتوران فقال لا يضرك ذلك إنما نعمل بما ينتهي إلينا فمن ظلم فالله ولى انتقامه ومن ظلم فالله ولي جزائه (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي غسان سكن بن عبدالرحمن بن حبيش قال اجتمع نفر من أهل الكوفة فعملوا في عزل الوليد فانتدب أبو زينب بن عوف وأبو مورد بن فلان الاسدي للشهادة عليه فغشوا الوليد وأكبوا عليه فبيناهم معه يوما في البيت وله امرأتان في المخدع بينهما وبين القوم ستر إحداهما بنت ذي الخمار والاخرى بنت أبي عقيل فنام الوليد وتفرق القوم عنه وثبت أبو زينب وأبو مورع فتناول أحدهما خاتمه ثم خرجا فاستيقظ الوليد وامرأتاه عند رأسه فلم ير خاتمه فسألهما عنه فلم يجد عندهما منه علما قال فأى القوم تخلف عنهم قالتا رجلان لا نعرفهما ما غشياك إلا مذ قريب قال حلياهما فقالتا على أحدهما خميصة وعلى الآخر مطرف وصاحب المطرف أبعدهما منك فقال الطوال قالتا نعم وصاحب الخميصة أقربهما إليك فقال طلقصير قالتا نعم وقد رأينا يده على يدك قال ذاك أبو زينب والآخر أبو مورع وقد أرادا داهية فليت شعرى ماذا يريدان فطلبهما فلم يقدر عليهما وكان وجههما إلى المدينة فقدما على عثمان ومعهما نفر ممن يعرف عثمان ممن قد عزل الوليد عن الاعمال فقالوا له فقال من يشهد قالوا أبو زينب وأبو مورع وكاع الآخران فقال كيف رأيتما قالا كنا من غاشيته فدخلنا عليه وهو يقئ الخمر فقال ما يقئ الخمر إلا شاربها فبعث إليه فلما دخل على عثمان رآهما فقال متمثلا ما إن خشيت على أمر خلوت به * فلم أخفك على أمثالها حار فحلف له الوليد وأخبره خبرهم فقال نقيم الحدود ويبوء شاهد الزور بالنار فاصبر

[ 330 ]

يا أخي فأمر سعيد بن العاص فجلده فأورث ذلك عدواة بين ولديهما حتى اليوم وكانت على الوليد خميصة يوم أمر به أن يجلد فنزعها عنه علي بن أبي طالب عليه السلام (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبيد الطنافسى عن أبي عبيدة الايادي قال خرج أبو زينب وأبو مورع حتى دخلا على الوليد بيته وعنده امرأتان بنت ذي الخمار وبنت أبي عقيل وهو نائم قالت إحداهما فأكب عليه أحدهما فأخذ خاتمه فسألهما حين استيقظ فقالتا ما أخذناه قال من بقى آخر القوم قالتا رجلان رجل قصير عليه خميصة ورجل طويل عليه مطرف ورأينا صاحب الخميصة أكب عليك قال ذاك أبو زينب فخرج يطلبهما فإذا هو وجههما عن ملا من أصحاب لهما ولا يدري الوليد ما أرادا من ذلك فقدما على عثمان فأخبراه الخبر على رؤوس الناس فارسل إلى الوليد فقدم فإذا هو بهما ودعا بهما عثمان فقال بم تشهدان أتشهدان أنكما رأيتماه يشرب الخمر فقالا لا وخافا قال فكيف قالا اعتصرناها من لحيته وهو يقئ الخمر فأمر سعيد بن العاص فجلده فأورث ذلك عداوة بين أهليهما (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عطية عن أبي العريف ويزيد الفقعسي قالا كان الناس في الوليد فرقتين العامة معه والخاصة عليه فما زال عليهم من ذلك خشوع حتى كانت صفين فولى معاوية فجعلوا يقولون عيب عثمان بالباطل فقال لهم علي عليه السلام إنكم وما تعيرون به عثمان كالطاعن نفسه ليقتل ردفه ما ذنب عثمان في رجل قد ضربه بقوله وعزله عن عمله وما ذنب عثمان فيما صنع عن أمرنا (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد ابن كريب عن نافع بن جبير قال قال عثمان رضى الله عنه إذا جلد الرجل الحد ثم ظهرت توبته جازت شهادته (وكتب الي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي كبران عن مولاة لهم وأثنى عليها خيرا قالت كان الوليد أدخل على الناس خيرا حتى جعل يقسم للولائد والعبيد ولقد تفجع عليه الاحرار والمماليك كان يسمع الولائد وعليهن الحداد يقلن يا ويلتا قد عزل الوليد * وجاءنا مجوعا سعيد

[ 331 ]

ينقص في الصاع ولا يزيد * فجوع الاماء والعبيد (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن الغصن بن القاسم قال كان الناس يقولون حين عزل الوليد وأمر سعيد لا يبعد الملك إذ ولت شمائله * ولا الرئاسة لما راس كتاب (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة بإسنادهما قالا قدم سعيد بن العاص في سنة سبع من إمارة عثمان وكان سعيد بن العاص بقية العاص بن أمية وكان أهله كثيرا تتابعوا فلما فتح الله الشأم قدمها فأقام مع معاوية وكان يتيما نشأ في حجر عثمان فتذكر عمر قريشا وسأل عنه فيما يتفقد من أمور الناس فقيل يا أمير المؤمنين هو بدمشق عهد العاهد به وهو مأموم بالموت فأرسل إلى معاوية أن ابعث إلى سعيد بن العاص في منقل فبعث به إليه وهو دنف فما بلغ المدينة حتى أفاق فقال يا ابن أخي قد بلغني عنك بلاء وصلاح فازدد يزدك الله خيرا وقال هل لك من زوجة قال لا قال يا أبا عمر وما منعك من هذا الغلام أن تكون زوجته قال قد عرضت عليه فأبى فخرج يسير في البر فانتهى إلى ماء فلقى عليه أربع نسوة فقمن له فقال مالكن ومن أنتن فقلن بنات سفيان بن عويف ومعهن أمهن فقالت أمهن هلك رجالنا وإذا هلك الرجال ضاع النساء فضعهن في أكفائهن فزوج سعيدا إحداهن وعبد الرحمن بن عوف الاخرى والوليد ابن عقبة الثالثة وأتاه بنات مسعود بن نعيم النهشلي فقلن قد هلك رجالنا وبقى الصبيان فضعنا في أكفائنا فزوج سعيدا إحداهن وجبير بن مطعم إحداهن فشارك سعيد هؤلاء وهؤلاء وقد كان عمومته ذوى بلاء في الاسلام وسابقة حسنة وقدمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يمت عمر حتى كان سعيد من رجال الناس فقدم سعيد الكوفة في خلافة عثمان أميرا وخرج معه من مكة أو المدينة الاشتر وأبو خشة الغفاري وجندب بن عبدالله وأبو معصب بن جثامة وكانوا فيمن شخص مع الوليد يعيبونه فرجعوا مع هذا فصعد سعيد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره ولكني لم أجد بدا إذ أمرت أن أتمر

[ 332 ]

الا أن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها ووالله لاضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني واني لرائد نفسي اليوم ونزل وسأل عن أهل الكوفة فأقيم على حال أهلها فكتب إلى عثمان بالذي انتهى إليه ان أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة والقدمة والغالب على تلك البلاد روادف ردفت وأعراب لحقت حتى ما ينظر إلى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها ولا نابتتها فكتب إليه عثمان أما بعد ففضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد وليكن من نزلها بسببهم تبعا لهم إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به وقام به هؤلاء واحفظ لكل منزلته واعطهم جميعا بقسطهم من الحق فان المعرفة بالناس بها يصاب العدل فأرسل سعيد إلى وجوه الناس من أهل الايام والقادسية فقال أنتم وجوه من وراءكم والوجه ينبئ الجسد فأبلغونا حاجة ذي الحاجة وخلة ذي الخلة وأدخل معهم من يحتمل من اللواحق والروادف وخلص بالقراء والمتسمتين في سمره فكأنما كانت الكوفة يبسا شملته نار فانقطع إلى ذلك الضرب ضربهم وفشت القالة والاذاعة فكتب سعيد إلى عثمان بذلك فنادى منادى عثمان الصلاة جامعة فاجتمعوا فأخبرهم بالذي كتب به إلى سعيد وبالذي كتب به إليه فيهم وبالذي جاءه من القالة والاذاعة فقالوا أصبت فلا تسعفهم في ذلك ولا تطمعهم فيما ليسوا له بأهل فإنه إذا نهض في الامور من ليس لها بأهل لم يحتملها وأفسدها فقال عثمان يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا فقد دبت اليكم الفتن ونزل فأوى إلى منزله وتمثل مثله ومثل هذا الضرب الذين شرعوا في الخلاف أبني عبيد قد أتى أشياعكم * عنكم مقالتكم وشعر الشاعر فإذا أتتكم هذه فتلبسوا * إن الرماح بصيرة بالحاسر (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن هشام بن عروة قال كان عثمان أروى الناس للبيت والبيتين والثلاثة إلى الخمسة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن سعيد بن عبدالله الجمحي عن عبيدالله بن عمر قال سمعته وهو يقول لابي إن عثمان جمع أهل المدينة فقال يا أهل المدينة إن الناس يتمخضون بالفتنة وإنى والله لاتخلصن لكم

[ 333 ]

الذي لكم حتى أنقله اليكم ان رأيتم ذلك فهل ترونه حتى يأتي من شهد مع أهل العراق الفتوح فيه فيقيم معه في بلاده فقام أولئك وقالوا كيف تنقل لنا ما أفاء الله علينا من الارضين يا امير المؤمنين فقال نبيعها ممن شاء بما كان له بالحجاز ففرحوا وفتح الله عليهم به أمرا لم يكن في حسابهم فافترقوا وقد فرجها الله عنهم به وكان طلحة بن عبيدالله قد استجمع له عامة سهمان خيبر إلى ما كان له سوى ذلك فاشترى طلحة منه من نصيب من شهد القادسية والمدائن من أهل المدينة ممن أقام ولم يهاجر إلى العراق النشاستج بما كان له بخيبر وغيرها من تلك الاموال واشترى من ببئر أريس شيئا كان لعثمان بالعراق واشترى منه مروان بن الحكم بمال كان له أعطاه إياه عثمان نهر مروان وهو يومئذ اجمة واشترى منه رجال من القبائل بالعراق بأموال كانت لهم في جزيرة العرب من أهل المدينة ومكة والطائف واليمن وحضرموت فكان مما اشترى منه الاشعث بمال كان له في حضرموت ما كان له بطيزناباذ وكتب عثمان إلى أهل الآفاق في ذلك وبعدة جريان الفئ والفئ الذي يتداعاه أهل الامصار فهو ما كان للملوك نحو كسرى وقيصر ومن تابعهم من أهل بلادهم فأجلى عنه فأتاهما شئ عرفوه وأخذ بقدر عدة من شهدها من أهل المدينة وبقدر نصيبهم وضم ذلك إليهم فباعوه بما يليهم من الاموال بالحجاز ومكة واليمن وحضرموت يرد على أهلها الذين شهدوا الفتوح من بين أهل المدينة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة مثل ذلك إلا أنهما قالا اشترى هذا الضرب رجال من كل قبيلة ممن كان به هنالك شئ فأراد أن يستبدل به فيما يليه فأخذوا وجاز لهم عن تراض منهم ومن الناس وإقرار بالحقوق إلا أن الذين لا سابقة لهم ولا قدمة لا يبلغون مبلغ أهل السابقة والقدمة في المجالس والرئاسة والحظوة ثم كانوا يعيبون التفضيل ويجعلونه جفوة وهم في ذلك يختفون به ولا يكادون يظهرونه لانه لا حجة لهم والناس عليهم فكان إذا لحق بهم لاحق من ناشئ أو أعرابي أو محرر استحلى كلامهم فكانوا في زيادة وكان الناس في نقصان حتى غلب الشر (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا صرف حذيفة عن غزو الري إلى غزو الباب مددا

[ 334 ]

لعبد الرحمن بن ربيعة وخرج معه سعيد بن العاص فبلغ معه آذربيجان وكذلك كانوا يصنعون يجعلون للناس ردءا فأقام حتى قفل حذيفة ثم رجعا (وفي هذه السنة) أعني سنة 30 سقط خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من يد عثمان في بئر أريس وهي على ميلين من المدينة وكانت من أقل الآبار ماء فما أدرك حتى الساعة قعرها ذكر الخبر عن سبب سقوط الخاتم من يد عثمان في بئر أريس * حدثني محمد بن موسى الحرشى قال حدثنا أبو خلف عبدالله بن عيسى الخزاز قال وكان شريك يونس بن عبيد قال حدثنا داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إلى الاعاجم كتبا يدعوهم إلى الله عزوجل فقال له رجل يارسول الله إنهم لا يقبلون كتابا إلا مختوما فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعمل له خاتم من حديد فجعله في أصبعه فأتاه جبريل فقال له انبذه من أصبعك فنبذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصبعه وأمر بخاتم آخر يعمل له فعمل له خاتم من نحاس فجعله في أصبعه فقال له جبريل عليه السلام انبذه من أصبعك فنبذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصبعه وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخاتم من ورق فصنع له خاتم من ورق فجعله في أصبعه فأقره جبريل وأمر أن ينقش عليه محمد رسول الله فجعل يتختم به ويكتب إلى من أراد أن يكتب إليه من الاعاجم وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر فكتب كتابا إلى كسرى بن هرمز فبعثه مع عمر بن الخطاب فأتى به عمر كسرى فقرئ الكتاب فلم يلتفت إلى كتابه فقال عمر يارسول الله جعلني الله فداءك أنت على سرير مرمول بالليف وكسرى بن هرمز على سرير من ذهب وعليه الديباج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال جعلني الله فداءك قد رضيت وكتب كتابا آخر فبعث به مع دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل ملك الروم يدعوه إلى الاسلام فقرأه وضمه إليه ووضعه عنده فكان الخاتم في أصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتختم به حتى قبضه الله عزوجل ثم استخلف أبو بكر فتختم به حتى قبضه الله عزوجل ثم ولى عمر بن الخطاب بعد فجعل يتختم

[ 335 ]

به حتى قبضه الله ثم ولى من بعده عثمان بن عفان فتختم به ست سنين فحفر بئرا بالمدينة شربا للمسلمين فقعد على رأس البئر فجعل يعبث بالخاتم ويديره بأصبعه فانسل الخاتم من أصبعه فوقع في البئر فطلبوه في البئر ونزحوا ما فيها من الماء فلم يقدروا عليه فجعل فيه مالا عظيما لمن جاء به واغتم لذلك غما شديدا فلما يئس من الخاتم أمر فصنع له خاتم آخر مثله حلقه من فضة على مثاله وشبهه ونقش عليه محمد رسول الله فجعله في أصبعه حتى هلك فلما قتل ذهب الخاتم من يده فلم يدر من أخذه أخبار أبي ذر رحمه الله تعالى (وفي هذه السنة) أعني سنة 30 كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية وإشخاص معاوية إياه من الشأم إلى المدينة وقد ذكر في سبب إشخاصه إياه منها إليها أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها فأما العاذرون معاوية في ذلك فإنهم ذكروا في ذلك قصة كتب إلي بها إلى السري يذكر أن شعيبا حدثه عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسى قال لما ورد ابن السوداء الشأم لقى أبا ذر فقال يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول المال مال الله ألا إن كان كل شئ لله كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين ويمحو اسم المسلمين فأتاه أبو ذر فقال ما يدعوك إلى أن تسمى مال المسلمين مال الله قال يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد الله والمال ماله والخلق خلقه والامر أمره قال فلا تقله قال فإني لا أقول إنه ليس لله ولكن سأقول مال المسلمين قال وأتى ابن السوداء أبا الدرداء فقال له من أنت أظنك والله يهوديا فأتى عبادة بن الصامت فتعلق به فأتى به معاوية فقال هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر وقام أبو ذر بالشام وجعل يقول يا معشر الاغنياء واسوا الفقراء بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكان من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الاغنياء وحتى شكا الاغنياء ما يلقون من الناس فكتب معاوية إلى عثمان إن أبا ذر قد أعضل بي وقد كان من أمره كيت وكيت فكتب إليه عثمان إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها فلم يبق إلا أن تثب فلا تنكأ القرح وجهز أبا ذر إلي وابعث معه دليلا وزوده وارفق به

[ 336 ]

وكفكف الناس ونفسك ما استطعت فإنما تمسك ما استمسكت فبعث بأبي ذر ومعه دليل فلما قدم المدينة ورأى المجالس في طصل سلع قال بشر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار ودخل على عثمان فقال يا أبا ذر ما لاهل الشام يشكون ذربك فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال مال الله ولا ينبغي للاغنياء أن يقتنوا مالا فقال يا أبا ذر على أن أقضى ما على وآخذ ما على الرعية ولا أجبرهم على الزهد وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد قال فتأذن لي في الخروج فإن المدينة ليست لي بدار فقال أو تستبدل بها إلا شرا منها قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعا قال فانفذ لما أمرك به قال فخرج حتى نزل الربذة فخط بها مسجدا وأقطعه عثمان صرمة من الابل وأعطاه مملوكين وأرسل إليه أن تعاهد المدينة حتى لا ترتد أعرابيا ففعل (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن عوف عن عكرمة عن ابن عباس قال كان أبو ذر يختلف من الربذة إلى المدينة مخافة الاعرابية وكان يحب الوحدة والخلوة فدخل على عثمان وعنده كعب الاحبار فقال لعثمان لا ترضوا من الناس بكف الاذى حتى يبذلوا المعروف وقد ينبغي للمؤدي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والاخوان ويصل القرابات فقال كعب من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه فرفع أبو ذر محجنه فضربه فشجه فاستوهبه عثمان فوهبه له وقال يا أبا ذر اتق الله واكفف يدك ولسانك وقد كان قال له يا ابن اليهودية ما أنت وما ههنا والله لتسمعن مني أو لادخل عليك (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن الاشعث بن سوار عن محمد بن سيرين قال خرج أبو ذر إلى الربذة من قبل نفسه لما رأى عثمان لا ينزع له وأخرج معاوية أهله من بعده فخرجوا إليه ومعهم جراب يثقل يد الرجل فقال انظروا إلى هذا الذي يزهد في الدنيا ما عنده فقالت امرأته أما والله ما فيه دينار ولا درهم ولكنها فلوس كان إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوسا لحوائجنا ولما نزل أبو ذر الربذة أقيمت الصلاة وعليها رجل يلي الصدقة فقال تقدم يا أبا ذر فقال لا تقدم أنت فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي اسمع وأطع وإن كان عليك عبد مجدع فأنت عبد ولست بأجدع وكان

[ 337 ]

من رقيق الصدقة وكان أسود يقال له مجاشع (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضيل عن جابر قال أجرى عثمان على أبي ذر كل يوم عظما وعلى رافع ابن خديج مثله وكانا قد تنحيا عن المدينة لشئ سمعاه لم يفسر لهما وأبصرا وقد أوطئا (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن سوقة عن عاصم بن كليب عن سلمة بن نباتة قال خرجنا معتمرين فأتينا الربذة فطلبنا أبا ذر في منزله فلم نجده وقالوا ذهب إلى الماء فتنحينا ونزلنا قريبا من منزله فمر ومعه عظم جزور يحمله معه غلام فسلم ثم مضى حتى أتى منزله فلم يمكث إلا قليلا حتى جاء فجلس إلينا وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي أسمع وأطع وان كان عليك حبشي مجدع فنزلت هذا الماء وعليه رقيق من رقيق مال الله وعليهم حبشي وليس بأجدع وهو ما علمت وأثنى عليه ولهم في كل يوم جزور ولي منها عظم آكله أنا وعيالي * قلت مالك من المال قال صرمة من الغنم وقطيع من الابل في أحدهما غلامي وفي الآخر أمتي وغلامي حر إلى رأس السنة قال قلت إن أصحابك قبلنا أكثر الناس مالا قال أما إنهم ليس لهم في مال الله حق إلا ولى مثله * وأما الآخرون فإنهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة وأمورا شنيعة كرهت ذكرها (وفي هذه السنة) هرب يزدجرد ابن شهريار في قول بعضهم من فارس إلى خراسان ذكر من قال ذلك وما قال فيه ذكر علي بن محمد أن مسلمة أخبره عن داود قال قدم ابن عامر البصرة ثم خرج إلى فارس فافتتحها وهرب يزدجرد من جور وهي أردشيرخره في سنة 30 فوجه ابن عامر في أثره مجاشع بن مسعود السلمي فاتبعه إلى كرمان فنزل مجاشع السيرجان بالعسكر وهرب يزدجرد إلى خراسان قال وعبد القيس تقول وجه ابن عامر هرم بن حيان العبدي وبكر بن وائل تقول وجه ابن حسان اليشكري قال وأصحه عندنا مجاشع قال علي وأخبرنا سلمة بن عثمان وكان فاضلا عن شيخ من أهل كرمان والفضل الكرماني عن أبيه قال اتبع مجاشع يزدجرد فخرج من السيرجان فلما كان عند القصر في بيمند وهو الذي يقال له قصر مجاشع أصابهم

[ 338 ]

الثلج والدمق فوقع الثلج واشتد البرد وصار الثلج قامة رمح فهلك الجند وسلم مجاشع ورجل كانت معه جارية فشق بطن بعير فأدخلها فيه وهرب فلما كان من الغد جاء فوجدها حية فحملها فسمى ذلك القصر قصر مجاشع لان جيشه هلكوا فيه وهو على خمسة فراسخ أو ستة من السيرجان قال على أخبرنا أبو المقدام عن بعض مشيخته قال خرج مجاشع على وفد أهل البصرة من تستر وفيهم الاحنف وأخذ في غداة واحدة على لجام واحد خمسين ألفا سبق على الصفراء ابنة الغراء ابنة الغبراء فأخذها منه عمر حين قاسم عماله الاموال قال علي فقلت للنضر بن اسحاق إن أبا المقدام ذكر هذا الحديث فقال صدق سمعته من عدة من الحي وغيرهم وفرسه الصفراء ابنة الغراء ابنة الغبراء وهو مجاشع بن مسعود بن ثعلبة بن عائذ ابن وهب بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم ويكنى أبا سليمان قال وفي هذه السنة زاد عثمان النداء الثالث على الزوراء وصلى بمنى أربعا (وحج) بالناس في هذه السنة عثمان رضى الله عنه ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ذكر ما كان فيها من الاحداث المشهورة فما كان فيها من ذلك غزوة المسلمين الروم التي يقال لها غزوة الصوارى في قول الواقدي فأما أبو معشر فانه قال فيما حدثني أحمد بن ثابت الرازي عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عنه كانت غزوة الصوارى سنة 34 وقال كانت في سنة 31 الاساودة في البحر ووقائع كسرى وقال الواقدي غزوة الصواري والاساودة كلتاهما كانتا في سنة 31 ذكر الخبر عن هاتين الغزوتين ذكر الواقدي أن محمد بن صالح حدثه عن عاصم بن عمير بن قتادة أن أهل الشأم خرجوا عليهم معاوية بن أبي سفيان وكانت الشأم قد جمع جمعها لمعاوية

[ 339 ]

ابن أبي سفيان ذكر السبب في جمعها له (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن عبدالملك والربيع وأبي مجالد وأبي عثمان وأبي حارثة قالوا لما حضر أبو عبيدة استخلف على عمله عياض بن غنم وهو خاله وابن عمه وقد كان ولى بالجزيرة عملا فعزله عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فلحق بأبي عبيدة بالشأم وكان معه وكان جوادا مشهورا بالجود لا يليق شيئا ولا يمنع أحدا فكلم عمر في ذلك فقيل له عزلت خالدا وعتبت عليه العطاء وعياض أجود العرب وأعطاهم لا يمنع شيئا يسأله فقال عمر حتى سيمه عياض في ماله حتى يخلص إلى مالنا وإني مع ذلك لم أكن مغيرا أمرا قضاه أبو عبيدة ومات عياض بن غنم بعد أبي عبيدة فأمر عمر على عمله سعيد بن حذيم الجمحي ومات سعيد بعد فأمر عمر مكانه عمير بن سعد الانصاري ومات عمر ومعاوية على دمشق والاردن وعمير بن سعد على حمص وقنسرين وإنما مصر قنسرين معاوية بن أبي سفيان لمن لحق به من أهل العراقين ومات يزيد بن أبي سفيان فجعل عمر مكانه معاوية ونعاه لابي سفيان فقال من جعلت على عمله يا أمير المؤمنين فقال معاوية فقال وصلتك رحم فاجتمعت لمعاوية الاردن ودمشق ومات عمر ومعاوية على دمشق والاردن وعمير بن سعد على حمص وقنسرين وعلقمة بن مجزز على فلسطين وعمرو بن العاص على مصر (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن مبشر عن سالم قال كان أول عامل استعمله عثمان بن عفان سعد بن أبي وقاص عن وصية عمر ثم إن عمير بن سعد طعن فأضنى منها فاستعفي عثمان واستأذنه في الرجوع إلى أهله فأذن له وضم حمص وقنسرين إلى معاوية (وكتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة وأبي عثمان عن خالد بن معدان قال لما ولى عثمان أقر عمال عمر على الشأم فلما مات عبدالرحمن بن علقمة الكناني وكان على فلسطين ضم عمله إلى معاوية ومرض عمير بن سعد في إمارة عثمان مرضا طال به فاستعفاه واستأذنه فأذن له وضم عمله إلى معاوية فاجتمع الشأم على معاوية

[ 340 ]

لسنتين من إمارة عثمان وكان عمرو بن العاص على مصر زمان عمر مجتمعة له فأقره عثمان صدرا من إمارته رجع الحديث إلى حديث الواقدي عن خبر الغزوتين اللتين ذكرتهما إن أهل الشام خرجوا عليهم معاوية بن أبي سفيان وعلى أهل البحر عبدالله ابن سعد بن أبي سرح وقال وخرج عامئذ قسطنطين بن هرقل لما أصاب المسلمون منه بإفريقية فخرجوا في جمع لم يجتمع للروم مثله قط منذ كان الاسلام فخرجوا في خمسمائة مركب فالتقوا هم وعبد الله بن سعد فأمن بعضهم بعضا حتى قرنوا بين سفن المسلمين وأهل الشرك بين صواريها * قال ابن عمر حدثني عيسى بن علقمة عن عبدالله بن أبي سفيان عن أبيه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال كنت معهم فالتقينا في البحر فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلها قط وكانت الريح علينا فأرسينا ساعة وأرسوا قريبا منا وسكنت الريح عنا فقلنا الامن بيننا وبينكم قالوا ذلك لكم ولنا منكم ثم قلنا إن أحببتم فالساحل حتى يموت الاعجل منا ومنكم وإن شئتم فالبحر قال فنخروا نخرة واحدة وقالوا الماء فدنونا منهم فربطنا السفن بعضها إلى بعض حتى كنا يضرب بعضنا بعضا على سفننا وسفنهم فقاتلنا أشد القتال ووثبت الرجال عليالرجال يضطربون بالسيوف على السفن ويتواجؤن بالخناجر حتى رجعت الدماء إلى الساحل تضربها الامواج وطرحت الامواج جثث الرجال ركاما * قال ابن عمر فحدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عمن حضر ذلك اليوم قال رأيت الساحل حيث تضرب الريح الموج وإن عليه لمثل الظرب العظيم من جثث الرجال وإن الدم الغالب على الماء ولقد قتل يومئذ من المسلمين بشر كثير وقتل من الكفار ما لا يحصى وصبروه يومئذ صبرا لم يصبروا في موطن قط ثم أنزل الله نصره على أهل الاسلام وانهزم القسطنطين مدبرا فما انكشف إلا لما أصابه من القتل والجراح ولقد أصابه يومئذ جراحات مكث منها حينا جريحا قال ابن عمر حدثني سالم مولى أم محمد عن خالد بن أبي عمران عن حنش بن عبدالله الصنعاني قال كان أول ما سمع من محمد بن أبي حذيفة حين ركب الناس بحر سنة 31 لما

[ 341 ]

صلى عبدالله بن سعد بن أبي سرح بالناس العصر كبر محمد بن أبي حذيفة تكبيرا ورفع صوته حتى فرغ الامام عبدالله بن سعد بن أبي سرح فلما انصرف سأل ما هذا فقيل له هذا محمد بن أبي حذيفة يكبر فدعاه عبدالله بن سعد فقال له ما هذه البدعة والحدث فقال له ما هذه بدعة ولا حدث وما بالتكبير بأس قال لا تعودن قال فأسكت محمد بن أبي حذيفة فلما صلى المغرب عبدالله بن سعد كبر محمد بن أبي حذيفة تكبيرا أرفع من الاول فأرسل إليه إنك غلام أحمق أما والله لولا أني لا أدري ما يوافق أمير المؤمنين لقاربت بين خطوك فقال محمد بن أبي حذيفة والله مالك إلى ذلك سبيل ولو هممت به ما قدرت عليه قال فكف خير لك والله لا تركب معنا قال فأركب مع المسلمين قال اركب حيث شئت قال فركب في مركب وحده ما معه إلا القبط حتى بلغوا ذات الصوارى فلقوا جموع الروم في خمسمائة مركب أو ستمائة فيها القسطنطين بن هرقل فقال أشيروا علي قالوا ننظر الليلة فباتوا يضربون بالنواقيس وبات المسلمون يصلون ويدعون الله ثم أصبحوا وقد أجمع القسطنطين أن يقاتل فقربوا سفنهم وقرب المسلمون فربطوا بعضها إلى بعض وصف عبدالله بن سعد المسلمين على نواحى السفن وجعل يأمرهم بقراءة القرآن ويأمرهم بالصبر ووثبت الروم في سفن المسلمين على صفوفهم حتى نقضوها فكانوا يقاتلون على غير صفوف قال فاقتتلوا قتالا شديدا ثم إن الله نصر المؤمنين فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم ينج من الروم إلا الشريد قال وأقام عبدالله بذات الصوارى أياما بعد هزيمة القوم ثم أقبل راجعا وجعل محمد بن أبي حذيفة يقول للرجل أما والله لقد تركنا خلفنا الجهاد حقا فيقول الرجل وأي جهاد فيقول عثمان بن عفان فعل كذا وكذا وفعل كذا وكذا حتى أفسد الناس فقدموا بلدهم وقد أفسدهم وأظهروا من القول ما لم يكونوا ينطقون به قال محمد بن عمر فحدثني معمر بن راشد عن الزهري قال خرج محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر عام خرج عبدالله بن سعد فأظهرا عيب عثمان وما غير وما خالف به أبا بكر وعمر وأن دم عثمان حلال ويقولان استعمل عبدالله بن سعد رجلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح دمه ونزل

[ 342 ]

القرآن بكفره وأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما وأدخلهم ونزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعمل سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر فبلغ ذلك عبدالله بن سعد فقال لا تركبا معنا فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين ولقوا العدو وكانا أنكل المسلمين قتالا فقيل لهما في ذلك فقالا كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكمه عبدالله بن سعد استعمله عثمان وعثمان فعل وفعل فأفسدا أهل تلك الغزاة وعابا عثمان أشد العيب فأرسل عبدالله بن سعد إليهما ينهاهما أشد النهي وقال والله لولا أني لا أدري ما يوافق أمير المؤمنين لعاقبتكما وحبستكما (قال الواقدي) وفي هذه السنة توفى أبو سفيان بن حرب وهو ابن ثمان وثمانين سنة (وفي هذه السنة) أعني سنة 31 فتحت في قول الواقدي أرمينية على يدي حبيب بن مسلمة الفهرى (وفي هذه السنة) قتل يزدجرد ملك فارس ذكر الخبر عن سبب مقتله اختلف في سبب مقتله وكيف كان ذلك فقال علي بن محمد أخبرنا غياث بن إبراهيم عن ابن إسحاق قال هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو فسأل مرزبانها مالا فمنعه فخافوا على أنفسهم فأرسلوا إلى الترك يستنصرونهم عليه فأتوه فبيتوه فقتلوا أصحابه وهرب يزدجرد حتى أتى منزل رجل ينقر الارحاء على شط المرغاب فأوى إليه ليلا فلما نام قتله قال علي وأخبرنا الهذلي قال أتى يزدجرد مرو هاربا من كرمان فسأل مرزبانها وأهلها مالا فمنعوه وخافوه فبيتوه ولم يستجيشوا عليه الترك فقتلوا أصحابه وخرج هاربا على رجليه معه منطقته وسيفه وتاجه حتى انتهى إلى منزل نقار على شط المرغاب فلما غفل يزدجرد قتله النقار وأخذ متاعه وألقى جسده في المرغاب وأصبح أهل مرو فاتبعوا أثره حتى خفى عليهم عند منزل النقار فأخذوه فأقر لهم بقتله وأخرج متاعه فقتلوا النقار وأهل بيته وأخذوا متاعه ومتاع يزدجرد وأخرجوه من المرغاب فجعلوه في تابوت من خشب قال فزعم بعضهم أنهم حملوه إلى اصطخر فدفن بها في أول سنة 31 وسميت مرو خذاده شمن وقد كان يزدجرد وطئ امرأة بها فولدت له غلاما ذاهب الشق وذلك بعد ما قتل يزدجرد

[ 343 ]

فسمى المخدج فولد له أولاد بخراسان فوجد قتيبة حين افتتح الصغد أو غيرها جاريتين فقيل له إنهما من ولد المخدج فبعث بهما أو باحداهما إلى الحجاج بن يوسف فبعث بها إلى الوليد بن عبدالملك فولدت للوليد يزيد بن الوليد الناقص قال علي وأخبرنا روح ابن عبدالله عن خرداذبه الرازي أن يزدجرد أتى خراسان ومعه خرزاذمهر أخو رستم فقال لماهويه مرزبان مرواني قد سلمت إليك الملك ثم انصرف إلى العراق وأقام يزدجرد بمرو وهم بعزل ماهويه فكتب ماهويه إلى الترك يخبرهم بانهزام يزدجرد وبقدومه عليه وعاهدهم على موازرتهم عليه وخلى لهم الطريق قال وأقبل الترك إلى مرو وخرج إليهم يزدجرد فيمن معه من أصحابه فقاتلهم ومعه ماهويه في أساورة مرو فأثخن يزدجرد في الترك فخشى ماهويه أن ينهزم الترك فتحول إليهم في أساورة مرو فانهزم جند يزدجرد وقتلوا وعقر فرس يزدجرد عند المساء فمضى ماشيا هاربا حتى انتهى إلى بيت فيه رحى على شط المرغاب فمكث فيه ليلتين فطلبه ماهويه فلم يقدر عليه فلما أصبح اليوم الثاني دخل صاحب الرحى بيته فلما رأى هيئة يزدجرد قال ما أنت إنسى أو جني قال إنسى فهل عندك طعام قال نعم فأتاه به فقال إني مزمزم فأتني بما أزمزم به فذهب الطحان إلى إسوار من الاساورة فطلب منه ما يزمزم به قال وما تصنع به قال عندي رجل لم أر مثله قط وقد طلب هذا مني فأدخله على ماهويه فقال هذا يزدجرد اذهبوا فجيؤوني برأسه فقال له الموبذ ليس ذلك لك قد علمت أن الدين والملك مقترنان لا يستقيم أحدهما إلا بالآخر ومتى فعلت انتهكت الحرمة التي لا بعدها وتكلم الناس وأعظموا ذلك فشتمهم ماهويه وقال للاساورة من تكلم فاقتلوه وأمر عدة فذهبوا مع الطحان وأمرهم أن يقتلوا يزدجرد فانطلقوا فلما رأوه كرهوا قتله وتدافعوا ذلك وقالوا للطحان ادخل فاقتله فدخل عليه وهو نائم ومعه حجر فشدخ به رأسه ثم احتز رأسه فدفعه إليهم وألقى جسده في المرغاب فخرج قوم من أهل مرو فقتلوا الطحان وهدموا رحاه وخرج أسقف مرو فأخرج جسد يزدجرد من المرغاب فجعله في تابوت وحمله إلى اصطخر فوضعه في ناووس (وقال آخرون) في ذلك ما ذكر هشام بن محمد أنه ذكر له أن يزدجرد هرب بعد وقعة

[ 344 ]

نهاوند وكانت آخر وقعاتهم حتى سقط إلى أرض أصبهان وبها رجل يقال له مطيار من دهاقينها وهو المنتدب كان لقتال العرب حين نكلت الاعاجم عنها فدعاهم إلى نفسه فقال ان وليت أموركم وسرت بكم إليهم ما تجعلون لي فقالوا نقر لك بفضلك فسار بهم فأصاب من العرب شيأ يسيرا فحظى به عندهم ونال به أفضل الدرجات فيهم فلما رأى يزدجرد أمر أصبهان ونزلها أتاه طيار ذات يوم زائرا فحجبه بوابه وقال له قف حتى أستأذن لك عليه فوثب عليه فشجه أنفة وحمية لحجبه اياه ودخل البواب على يزدجرد مدمى فلما نظر إليه أفظعه ذلك وركب من ساعته مرتحلا عن أصبهان وأشير عليه أن يأتي أقصى مملكته فيكون بها لاشتغال العرب عنه بما هم فيه إلى يوم فسار متوجها إلى ناحية الري فلما قدمها خرج إليه صاحب طبرستان وعرض عليه بلاده وأخبره بحصانتها وقال له إن أنت لم تجبني يومك هذا ثم أتيتني بعد ذلك لم أقبلك ولم آوك فأبى عليه يزدجرد وكتب له بالاصبهبذية وكان له فيما خلا عليه درجة أوضع منها وقال بعضهم أن يزدجرد مضى من فوره ذلك إلى سجستان ثم سار منها إلى مرو في ألف رجل من الاساورة وقال بعضهم أن يزدجرد وقع إلى أرض فارس فأقام بها أربع سنين ثم أتى أرض كرمان فأقام بها سنتين أو ثلاث سنين فطلب إليه دهقان كرمان أن يقيم عنده فلم يفعل وطلب من الدهقان أن يعطيه رهينة فلم يعطه دهقان كرمان شيئا فلم يعطه ما طلب فأخذ برجله فسحبه وطرده عن بلاده فوقع منها إلى سجستان فأقام بها نحوا من خمس سنين ثم أجمع أن ينزل خراسان فيجمع الجموع فيها ويسير بهم إلى من غلبه على مملكته فسار بمن معه إلى مرو ومعه الرهن من أولاد الدهاقين ومعه من رؤسائهم فرخزاذ فلما قدم مرو استغاث منهم بالملوك وكتب إليهم يستمدهم وإلى صاحب الصين وملك فرغانة وملك كابل وملك الخزر والدهقان يومئذ بمرو ماهويه بن مافناه بن فيد أبو براز ووكيل ماهويه ابنه براز مدينة مرو وكانت إليه وأراد يزدجرد دخول المدينة لينظر إليها وإلى قهندزها وكان ماهويه قد تقدم إلى ابنه أن لا يفتحها له إن رام دخولها تخوفا لمكره وغدره فركب يزدجرد في اليوم الذي أراد دخولها فأطاف بالمدينة فلما انتهى إلى باب

[ 345 ]

من أبوابها وأراد دخولها منه صاح أبو براز ببراز أن افتح وهو في ذلك يشد منطقته ويومئ إليه أن لا يفعل وفطن لذلك رجل من أصحاب يزدجرد فأعلمه ذلك واستأذنه في ضرب عنق ماهويه وقال إن فعلت صفت لك الامور بهذه الناحية فأبى عليه وقال بعضهم بل كان يزدجرد ولى مرو فرخزاذ وأمر براز أن يدفع القهندز والمدينة إليه فأبى أهل المدينة ذلك لان ماهويه أبا براز تقدم إليهم بذلك وقال لهم ليس هذا لكم بملك فقد جاءكم مفلولا مجروحا ومرو لا تحتمل ما يحتمل غيرها من الكور فإذا جئتكم غدا فلا تفتحوا الباب فلما أتاهم فعلوا ذلك وانصرف فرخزاذ فجثا بين يدي يزدجرد وقال استصعبت عليك مرو وهذه العرب قد أتتك قال فما الرأى قال الرأى أن نل