تاريخ الامم والملوك للامام أبى جعفر محمد بن جرير الطبري الجزء الثاني [ قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة ] بمطبعة " بريل " بمدينة ليدن في سنة 1879 م ] راجعه وصححه وضبطه نخبه من العلماء الاجلاء منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب 7120
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد وهو ابن عبد الله بن عبد المطلب وكان عبد الله أبو رسول الله أصغر ولد أبيه وكان عبد الله والزبير وعبد مناف وهو أبو طالب بنو عبد المطلب لام واحدة وأمهم جميعا فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن ابن اسحاق * وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه أنه قال عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله وأبو طالب واسمه عبد مناف والزبير وعبد الكعبة وعاتكة وبرة وأميمة ولد عبد المطلب إخوة أم جميعهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم بن يقظة * وكان عبد المطلب فيما حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب
قال أخبرنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أنه أخبره أن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته ففعلت ذلك الامر فقدمت المدينة لتستفتى عن نذرها فجاءت عبد الله بن عمر فقال لها عبد الله بن عمر لا أعلم الله أمر في النذر الا الوفاء به فقالت المرأة أفأنحر ابني قال ابن عمر قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم فلم يزدها عبد الله بن عمر على ذلك فجاءت عبد الله بن عباس فاستفتته فقال أمر الله بوفاء النذر ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم وقد كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافي له عشرة رهط أن ينحر أحدهم فلما توافي له عشرة أقرع بينهم أيهم ينحر فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب وكان أحب الناس إلى عبد المطلب فقال عبد المطلب اللهم هو أو مائة من الابل ثم أقرع بينه وبين الابل فطارت القرعة على المائة من الابل
[ 3 ]
فقال ابن عباس للمرأة فأرى أن تنحري مائة من الابل مكان ابنك فبلغ الحديث مروان وهو أمير المدينة فقال ما أرى ابن عمر ولا ابن عباس أصاب الفتيا إنه لا نذر في معصية الله استغفري الله وتوبى إلى الله وتصدقي واعملى ما استطعت من الخير فاما أن تنحري ابنك فقد نهاك الله عن ذلك فسر الناس بذلك وأعجبهم قول مروان ورأوا أن قد أصاب الفتيا فلم يزالوا يفتون بألا نذر في معصية الله وأما ابن اسحاق فإنه قص من أمر نذر عبد المطلب هذا قصة هي أشبع مما في هذا الخبر الذى ذكرناه عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب وذلك ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق قال كان عبد المطلب بن هاشم فيما يذكرون والله أعلم قد نذر حين لقى من قريش في حفر زمزم ما لقى لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه لينحرن أحدهم لله عند الكعبة فلما توافي له بنو عشرة وعرف انهم سيمنعونه جمعهم ثم أخبرهم بنذره الذى نذر ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك فأطاعوه وقالوا كيف نصنع قال يأخذ كل رجل منكم قدحا ثم ليكتب
فيه اسمه ثم ائتونى به ففعلوا ثم أتوه فدخل على هبل في جوف الكعبة وكانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة وكانت على بئر في جوف الكعبة وكانت تلك البئر هي التى يجمع فيها ما يهدى للكعبة وكان عند هبل سبعة أقدح كل قدح منها فيه كتاب قدح فيه العقل إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة وقدح فيه نعم للامر إذا أرادوه يضرب به فإن خرج قدح نعم عملوا به وقدح فيه لا فإذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الامر وقدح فيه منكم وقدح فيه ملصق وقدح فيه من غيركم وقدح فيه المياه إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح فحيثما خرج عملوا به وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما أو ينكحوا منكحا أو يدفنوا ميتا أو شكوا في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور فأعطوها صاحب القداح الذى يضربها ثم قربوا صاحبهم الذى يريدون به ما يريدون ثم قالوا يا إلهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا فأخرج الحق فيه
[ 4 ]
ثم يقولون لصاحب القداح اضرب فيضرب فإن خرج عليه منكم كان وسيطا وان خرج عليه من غيركم كان حليفا وإن خرج عليه ملصق كان على منزلته منهم لا نسب له ولا حلف وان خرج في شئ سوى هذا مما يعملون به نعم عملوا به وان خرج لا أخروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح فقال عبد المطلب لصاحب القداح اضرب على بنى هؤلاء بقداحهم هذه وأخبره بنذره الذى نذر فاعطى كل رجل منهم قدحه الذى فيه اسمه وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر بنى أبيه وكان فيما يزعمون أحب ولد عبد المطلب إليه وكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا اخطأه فقد أشوى وهو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها
قام عبد المطلب عند هبل في جوف الكعبة يدعو الله ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبد الله فاخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة ثم أقبل إلى إساف ونائلة وهما وثنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحها ليذبحه فقامت إليه قريش من أنديتها فقالوا ماذا تريد يا عبد المطلب قال أذبحه فقالت له قريش وبنوه والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه فما بقاء الناس على هذا فقال له المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان عبد الله ابن أخت القوم والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه فإن كان فداؤه باموالنا فديناه وقالت له قريش وبنوه لا تفعل وانطلق به إلى الحجاز فإن به عرافة لها تابع فسلها ثم أنت على رأس أمرك ان أمرتك ان تذبحه ذبحته وان أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوها فيما يزعمون بخيبر فركبوا إليها حتى جاؤوها فسألوها وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه وما أراد به ونذره فيه فقالت لهم ارجعوا عنى اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله فرجعوا عنها فلما خرجوا من عندها قام عبد المطلب يدعوا الله ثم غدوا عليها فقالت نعم قد جاءني الخبر كم الدية فيكم قالوا عشر من الابل وكانت كذلك قالت فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الابل ثم اضربوا
[ 5 ]
عليها وعليه بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا في الابل حتى يرضى ربكم وان خرجت على الابل فانحروها فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم فخرجوا حتى قدموا مكة فلما أجمعوا لذلك من الامر قام عبد المطلب يدعو الله ثم قربوا عبد الله وعشرا من الابل * وعبد المطلب في جوف الكعبة عند هبل يدعو فخرج القدح على عبد الله فزادوا عشرا فكانت الابل عشرين وقام عبد المطلب في مكانه ذلك يدعو الله ثم ضربوا فخرج السهم على عبد الله فزادوا عشرا من
الابل فكانت ثلاثين ثم لم يزالوا يضربون بالقداح ويخرج القدح على عبد الله فكلما خرج عليه زادوا من الابل عشرا حتى ضربوا عشر مرات وبلغت الابل مائة وعبد المطلب قائم يدعو ثم ضربوا فخرج القدح على الابل فقالت قريش ومن حضر قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب فزعموا ان عبد المطلب قال لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات فضربوا على الابل وعلى عبد الله وقام عبد المطلب يدعو فخرج القدح على الابل ثم عادوا الثانية وعبد المطلب قائم يدعو ثم عادوا الثالثة فضربوا فخرج القدح على الابل فنحرت ثم تركت لا يصد عنها انسان ولا سبع ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد ابنه عبد الله فمر فيما يزعمون على امرأة من بنى أسد يقال لها أم قتال بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى وهى أخت ورقة بن نوفل بن أسد وهى عند الكعبة فقالت له حين نظرت إلى وجهه أين تذهب يا عبد الله قال مع أبى قالت لك عندي مثل الابل التى نحرت عنك وقع على الآن قال ان معى أبى ولا أستطيع خلافه ولا فراقه فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة ووهب يومئذ سيد بنى زهرة سنا وشرفا فزوجه آمنة بنت وهب وهى يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا وهى لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى وبرة لام حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصى وأم حبيب بنت أسد لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب بن لؤى فزعموا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه فوقع عليها فحملت بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم خرج من عندها حتى
[ 6 ]
أتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت فقال لها مالك لا تعرضين على اليوم ما كنت عرضت علي بالامس فقالت له فارقك النور الذى كان معك بالامس فليس لى بك اليوم حاجة وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر
واتبع الكتب حتى أدرك فكان فيما طلب من ذلك انه كائن لهذه الامة نبى من بنى اسماعيل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن أبيه اسحاق بن يسار أنه حدث ان عبد الله انما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة وقد عمل في طين له وبه آثار من الطين فدعاها إلى نفسه فأبطأت عليه لما رأت به من آثار الطين فخرج عنها فتوضأ وغسل عنه ما كان به من ذلك وعمد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها فحملت بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم مر بأمرأته تلك فقال هل لك فقالت لا مررت بى وبين عينيك غرة فدعوتني فأبيت ودخلت على آمنة فذهبت بها فزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس قالت فدعوته رجاء أن يكون بى فأبى على ودخل على آمنة بنت وهب فأصابها فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنى على بن حرب الموصلي قال حدثنا محمد بن عمارة القرشى قال حدثنا الزنجي بن خالد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال لها خرج عبد المطلب بعبد الله ليزوجه مر به على كاهنة من خثعم يقال له فاطمة بنت مر متهودة من أهل تبالة قد قرأت الكتب فرأت في وجهه نورا فقالت له يا فتى هل لك أن تقع على الآن وأعطيك مائة من الابل فقال: أما الحرام فالممات دونه * والحل لا حل فأستبينه فكيف بالامر الذى تبغينه ثم قال أنا مع أبى ولا أقدر أن أفارقه فمضى به فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فأقام عندها ثلاثا ثم انصرف فمر بالخثعمية فدعته نفسه إلى ما دعته إليه فقال لها هل لك فيما كنت أردت فقالت يا فتى إنى والله ما أنا بصاحبة ريبة ولكني رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في وأبى الله إلا أن يجعله
[ 7 ]
حيث أراد فما صنعت بعدى قال زوجنى أبى آمنة بنت وهب فأقمت عندها ثلاثا فأنشأت فاطمة بنت مر تقول: إنى رأيت محيلة لمعت * فتلالات بحناتم القطر فلمأتها نورا يضئ له * ما حوله كإضاءة البدر فرجوتها فخرا أبوء به * ما كل قادح زنده يورى لله ما زهرية سلبت * ثوبيك ما استلبت وما تدرى وقالت أيضا: بنى هاشم قد غادرت من أخيكم * أمينة إذ للباه يعتركان كما غادر المصباح عند خموده * فتائل قد ميهت له بدهان وما كل ما يحوى الفتى من تلاده * لعزم ولا ما فاته لتوان فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه * سيكفيكه جدان يعتلجان سيكفيكه إما يد مقفعلة * وإما يد مبسوطة ببنان ولما حوت منه امينة ما حوت * حوت منه فخرا ما لذلك ثان * حدثنى الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا معمر وغيره عن الزهري أن عبد الله بن عبد المطلب كان أجمل رجال قريش فذكر لآمنة بنت وهب جماله وهيئته وقيل لها هل لك أن تزوجيه فتزوجته آمنة بنت وهب فدخل بها وعلقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه أبوه إلى المدينة في ميرة يحمل لهم تمرا فمات بالمدينة فبعث عبد المطلب ابنه الحارث في طلبه حين أبطأ فوجده قد مات * قال الواقدي هذا غلط والمجتمع عليه عندنا في نكاح عبد الله بن عبد المطلب ما حدثنا به عبد الله بن جعفر الزهري عن أم بكر بنت المسور أن عبد المطلب جاء بابنه عبد الله فخطب على نفسه وعلى ابنه فتزوجا في مجلس واحد فتزوج عبد المطلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة وتزوج
عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة * قال الحارث
[ 8 ]
قال ابن سعد قال الواقدي والثبت عندنا ليس بين أصحابنا فيه اختلاف أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشأم في عير لقريش فنزل بالمدينة وهو مريض فأقام بها حتى توفى ودفن في دار النابغة وقيل التابعة في الدار الصغرى إذا دخلت الدار عن يسارك ليس بين أصحابنا في هذا اختلاف ابن عبد المطلب وعبد المطلب اسمه شيبة سمى بذلك لانه فيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبيه كان في رأسه شيبة وقيل له عبد المطلب وذلك أن أباه هاشما كان شخص في تجارة له إلى الشأم فسلك طريق المدينة إليها فلما قدم المدينة نزل فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق وفيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبيه وفيما حدثنى الحارث عن محمد بن سعد عن محمد بن عمر ودخل حديث بعضهم في بعض وبعضهم يزيد على بعض على عمرو بن زيد بن لبيد الخزرجي فرأى ابنته سلمى بنت عمرو * وأما ابن حميد فقال في حديثه عن سلمة عن ابن اسحاق سلمى بنت زيد بن عمرو بن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدى بن النجار فأعجبته فخطبها إلى أبيها عمرو فأنكحه إياها وشرط عليه ألا تلد ولدا إلا في أهلها ثم مضى هاشم لوجهته قبل أن يبنى بها ثم انصرف راجعا من الشأم فبنى بها في أهلها بيثرب فحملت منه ثم ارتحل إلى مكة وحملها معه فلما أثقلت ردها إلى أهلها ومضى إلى الشأم فمات بها بغزة فولدت له سلمى عبد المطلب فمكث بيثرب سبع سنين أو ثمانى سنين ثم إن رجلا من بنى الحارث بن عبد مناة مر بيثرب فإذا غلمان ينتضلون فجعل شيبة إذا خسق قال أنا ابن هاشم أنا ابن سيد البطحاء فقال له الحارثى من أنت قال أنا شيبة بن هاشم ابن عبد مناف فلما أتى الحارثى مكة قال للمطلب وهو جالس في الحجر يا أبا الحارث
تعلم أنى وجدت غلمانا ينتضلون بيثرب وفيهم غلام إذا خسق قال أنا ابن هاشم أنا ابن سيد البطحاء فقال المطلب والله لا ارجع إلى أهلى حتى آتى به فقال له الحارثى هذه ناقتي بالفناء فاركبها فجلس المطلب عليها فورد يثرب عشاء حتى أتى بنى عدى بن النجار فإذا غلمان يضربون كرة بين ظهرى مجلس فعرف ابن أخيه
[ 9 ]
فقال للقوم أهذا ابن هاشم قالوا نعم هذا ابن أخيك فإن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به أمه فإنها ان علمت لم تدعه وحلنا بينك وبينه فدعاه فقال يا ابن أخى أنا عمك وقد أردت الذهاب بك إلى قومك وأناخ راحلته فما كذب أن جلس على عجز الناقة فانطلق به ولم تعلم به أمه حتى كان الليل فقامت تدعو بحربها على ابنها فأخبرت أن عمه ذهب به وقدم به المطلب ضحوة والناس في مجالسهم فجعلوا يقولون من هذا وراءك فيقول عبد لى حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم فقالت من هذا قال عبد لى ثم خرج المطلب حتى أتى الحزورة فاشترى حلة فألبسها شيبة ثم خرج به حين كان العشى إلى مجلس بنى عبد مناف فجعل بعد ذلك يطوف في سكك مكة في تلك الحلة فيقال هذا عبد المطلب لقوله وهذا عبدى حين سأله قومه فقال المطلب عرفت شيبة والنجار قد جعلت * أبناؤها حوله بالنبل تنتضل وقد حدثنى هذا الحديث على بن حرب الموصلي قال حدثنى أبو معن عيسى من ولد كعب بن مالك عن محمد بن أبى بكر الانصاري عن مشايخ الانصار قالوا تزوج هاشم بن عبد مناف امرأة من بنى عدى بن النجار ذات شرف تشرط على من خطبها المقام بدار قومها فتزوجت بهاشم فولدت له شيبة الحمد فربى في أخواله مكرما فبينا هو يناضل فتيان الانصار إذا أصاب خصلة فقال أنا ابن هاشم وسمعه رجل مجتاز فلما قدم مكة قال لعمه المطلب بن عبد مناف قد مررت بدار بنى قيلة
فرأيت فتى من صفته ومن صفته يناضل فتيانهم فاعتزى إلى إخيك وما ينبغى ترك مثله في الغربة فرحل المطلب على ورد المدينة فأراده على الرحلة فقال ذاك إلى الوالدة فلم يزل بها حتى أذنت له وأقبل به قد أردفه فإذا لقيه اللاقى وقال من هذا يا مطلب قال عبد لى فسمى عبد المطلب فلما قدم مكة وقفه على ملك أبيه وسلمه إليه فعرض له نوفل بن عبد مناف في ركح له فاغتصبه إياه فمشى عبد المطلب إلى رجالات قومه فسألهم النصرة على عمه فقالوا لسنا بداخلين بينك وبين عمك فلما رأى ذلك كتب إلى أخواله يصف لهم حال نوفل وكتب في كتابه
[ 10 ]
أبلغ بنى النجار إن جئتهم * أنى منهم وابنهم والخميس رأيتهم قوما إذا جئتهم * هووا لقائي وأحبوا حسيس فإن عمى نوفلا قد أبى * إلا التى يغضى عليها الخسيس قال فخرج أبو أسعد بن عدس النجارى في ثمانين راكبا حتى أتى الابطح وبلغ عبد المطلب فخرج يتلقاه فقال المنزل يا خال فقال اما حتى ألقى نوفلا فلا قال تركته جالسا في الحجر في مشايخ قريش فأقبل حتى وقف على رأسه ثم استل سيفه ثم قال ورب هذه البنية لتردن على ابن أختنا ركحه أو لاملان منك السيف قال فإنى ورب هذه البنية أرد ركحه فاشهد عليه من حضر ثم قال المنزل يا ابن أختى فأقام عنده ثلاثا وأعتمر وأنشأ عبد المطلب يقول تأبى مازن وبنو عدى * ودينار بن تيم اللات ضيمي وسادة مالك حتى تناهى * ونكب بعد نوفل عن حريمي بهم رد الاله على ركحى * وكانوا في التنسب دون قومي وقال في ذلك سمرة بن عمير أبو عمرو الكنانى لعمري لاخوال لشيبة قصرة * من اعمامه دنيا أبر وأوصل
أجابوا على بعد دعاء ابن أختهم * ولم يثنهم إذ جاوز الحق نوفل جزى الله خيرا عصبة خزرجية * تواصوا على بر وذو البر أفضل قال فلما رأى ذلك نوفل حالف بنى عبد شمس كلها على بنى هاشم قال محمد بن أبى بكر فحدثت بهذا الحديث موسى بن عيسى فقال يا ابن أبى بكر هذا شئ ترويه الانصار تقربا إلينا إذ صير الله الدولة فينا عبد المطلب كان أعز في قومه من أن يحتاج إلى أن تركب بنو النجار من المدينة إليه قلت أصلح الله الامير قد احتاج إلى نصرهم من كان خيرا من عبد المطلب قال وكان متكئا فجلس مغضبا وقال من خير من عبد المطلب قلت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال صدقت وعاد إلى مكانه وقال لبنيه اكتبوا هذا الحديث من أبى بكر * وقد حدثت هذا الحديث في أمر عبد المطلب وعمه نوفل بن عبد مناف عن هشام
[ 11 ]
ابن محمد عن أبيه قال حدثنا زياد بن علاقة التغلبي وكان قد أدرك الجاهلية قال كان سبب بدء الحلف الذى كان بين بنى هاشم وخزاعة الذى افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه مكة وقال لتنصب هذه السحابة بنصر بنى كعب أن نوفل بن عبد مناف وكان آخر من بقى من بنى عبد مناف ظلم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له وهى الساحات وكانت أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو النجارية من الخزرج قال فتنصف عبد الملك عمه فلم ينصفه فكتب إلى أخواله يا طول ليلى لاحزاني وأشغالي * هل من رسول إلى النجار أخوالى ينبى عديا ودينارا ومازنها * ومالكا عصمة الجيران عن حالى قد كنت فيكم ولا أخشى ظلامة ذى * ظلم عزيزا منيعا ناعم البال حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني * عن ذاك مطلب عمى بترحال وكنت ما كان حيا ناعما جذلا * أمشى العرضنة سحابا لاذيالي
فغاب مطلب في قعر مظلمة * وقام نوفل كى يعدو على مالى أأن رأى رجلا غابت عمومته * وغاب أخواله عنه بلا وال أنحى عليه ولم يحفظ له رحما * ما أمنع المرء بين العم والخال فاستنفروا امنعوا ضيم ابن أختكم * لا تخذلوه وما أنتم بخذال ما مثلكم في بنى قحطان قاطبة * حى لجار وإنعام وإفضال أنتم ليان لمن لانت عريكته * سلم لكم وسمام الابلخ الغالى قال فقدم عليه منهم ثمانون راكبا فأناخوا بفناء الكعبة فلما رآهم نوفل بن عبد مناف قال لهم أنعموا صباحا فقالوا له لا نعم صباحك أيها الرجل انصف ابن أختنا من ظلامته قال أفعل بالحب لكم والكرامة فرد عليه الاركاح وأنصفه قال فانصرفوا عنه إلى بلادهم قال فدعا ذلك عبد المطلب إلى الحلف فدعا عبد المطلب بسر بن عمرو وورقاء بن فلان ورجالا من رجالات خزاعة فدخلوا الكعبة
[ 12 ]
وكتبوا كتابا * وكان إلى عبد المطلب بعد مهلك عمه المطلب بن عبد مناف ما كان إلى من قبله من بنى عبد مناف من أمر السقاية والرفادة وشرف في قومه وعظم فيهم خطره فلم يكن يعدل به منهم أحد وهو الذى كشف عن زمزم بئر اسماعيل ابن ابراهيم واستخرج ما كان فيها مدفونا وذلك غزالان من ذهب كانت جرهم دفنتهما فيما ذكر حين أخرجت من مكة وأسياف قلعية وأدراع فجعل الاسياف بابا للكعبة وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب فكان أول ذهب حليته فيما قيل الكعبة وكانت كنية عبد المطلب أبا الحارث كنى بذلك لان الاكبر من ولده الذكور كان اسمه الحارث وهو شيبة ابن هاشم واسم هاشم عمرو وإنما قيل له هاشم لانه أول من هشم الثريد لقومه بمكة
وأطعمه وله يقول مطرود بن كعب الخزاعى وقال ابن الكلبى انما قاله ابن الزبعرى عمرو الذى هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف ذكر أن قومه من قريش كانت أصابتهم لزبة وقحط فرحل إلى فلسطين فاشترى منها الدقيق فقدم به مكة فأمر به فخبز له ونحر جزورا ثم اتخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز * وذكر أن هاشما هو أول من سن الرحلتين لقريش رحلة الشتاء والصيف * وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه قال كان هاشم وعبد شمس وهو أكبر ولد عبد مناف والمطلب وكان أصغرهم أمهم عاتكة بنت مرة السلمية ونوفل وأمه واقدة بنت عبد مناف فسادوا بعد أبيهم جميعا وكان يقال لهم المجبرون قال ولهم يقال يا أيها الرجل المحول رحله * ألا نزلت بآل عبد مناف فكانوا أول من أخذ لقريش العصم فانتشروا من الحرم أخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الشام الروم وغسان وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي الاكبر فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة وأخذ لهم نوفل حبلا من الاكاسرة فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس وأخذ لهم المطلب
[ 13 ]
حبلا من ملوك حمير فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن فجبر الله بهم قريشا فسموا المجبرين * وقيل إن عبد شمس وهاشما توأمان وإن أحدهما ولد قبل صاحبه وأصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت عنها فسال من ذلك دم فتطير من ذلك فقيل تكون بينهما دماء وولى هاشم بعد أبيه عبد مناف السقاية والرفادة * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال حدثنى معروف بن الخربوذ المكى قال حدثنى رجل من آل عدى بن الخيار بن عدى بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه قال وقال وهب بن عبد قصى في ذلك يعنى في إطعام هاشم قومه الثريد
تحمل هاشم ما ضاق عنه * وأعيا أن يقوم به ابن بيض أتاهم بالغرائر متأقات * من ارض الشأم بالبر النفيض فأوسع أهل مكة من هشيم * وشاب الخبز باللحم الغريض فظل القوم بين مكللات * من الشيزى وحائرها يفيض قال فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان ذا ما فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه فشمت به ناس من قريش فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة فكره هاشم ذلك لسنه وقدره ولم تدعه قريش واحفظوه قال فانى أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ببطن مكة والجلاء عن مكة عشر سنين فرضى بذلك أمية وجعلا بينهما الكاهن الخزاعى فنفر هاشما عليه فأخذ هاشم الابل فنحرها وأطعمها من حضره وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد ابن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال أخبرني رجل من بنى كنانة يقال له ابن أبى صالح ورجل من أهل الرقة مولى لبنى أسد وكان عالما قالا تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب ابن أمية إلى النجاشي الحبشى فأبى أن ينفر بينهما فجعل بينهما نفيل ابن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب فقال لحرب يا أبي عمرو أتنافر رجلا هو أطول منك قامة وأعظم منك هامة وأوسم منك وسامة وأقل منك لامة وأكثر منك ولدا وأجزل منك صفدا وأطول
[ 14 ]
منك مذودا فنفره عليه فقال حرب إن من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما * فكان أول من مات من ولد عبد مناف ابنه هاشم مات بغزة من أرض الشأم ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق ثم مات المطلب بردمان من أرض اليمن وكانت الرفادة والسقاية بعد هاشم
إلى أخيه المطلب ابن عبد مناف واسمه المغيرة وكان يقال له القمر من جماله وحسنه وكان قصى يقول فيما زعموا ولد لى أربعة فسميت اثنين بصنمى وواحدا بدارى وواحدا بنفسى وهم عبد مناف وعبد العزى ابنا قصى وعبد العزى والد أسد وعبد الدار بن قصى وعبد قصى ابن قصى درج ولده وبرة بنت قصى أمهم جميعا حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة * وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه قال وكان يقال لعبد مناف القمر واسمه المغيرة وكانت أمه حتى دفعته إلى مناف وكان أعظم أصنام مكة تدينا بذلك فغلب عليه عبد مناف وهو كما قيل له كانت قريش بيضة فتفلقت * فالمخ خالصة لعبد مناف ابن قصى وقصى اسمه زيد وإنما قيل له قصى لان أباه كلاب بن مرة كان تزوج أم قصى فاطمة بنت سعد بن سيل واسم سيل خير بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر ابن عمرو بن جعثمة بن يشكر من أزد شنوءة حلفاء في بنى الديل فولدت لكلاب زهرة وزيدا فهلك كلاب وزيد صغير وقد شب زهرة وكبر فقدم ربيعة بن حرام ابى ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد بن زيد أحد قضاعة فتزوج فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه فاطمة أم زهرة وقصى وزهرة رجل قد بلغ وقصى فطيم أو قريب من ذلك فاحتملها إلى بلاده من أرض بنى عذرة من أشراف الشأم فاحتملت معها قصيا
[ 15 ]
لصغره وتخلف زهرة في قومه فولدت فاطمة بنت سعد بن سيل لربيعة بن حرام
رزاح بن ربيعة فكان أخاه لامه وكان لربيعة بن حرام ثلاثة نفر من امرأة أخرى وهم حن بن ربيعة ومحمود بن ربيعة وجلهمة بن ربيعة وشب زيد في حجر ربيعة فسمى زيد قصيا لبعد داره عن دار قومه ولم يبرح زهرة مكة فبينا قصى بن كلاب بأرض قضاعة لا ينتمى فيما يزعمون إلا إلى ربيعة بن حزام إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شئ وقد بلغ قصى وكان رجلا شابا فأنبه القضاعى بالغربة وقال له ألا تلحق بقومك ونسبك فانك لست منا فرجع قصى إلى أمه وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعى فسألها عما قال له ذلك الرجل فقالت له أنت والله يا بنى أكرم منه نفسا ووالدا أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة القرشى وقومك بمكة عند البيت الحرام وفيما حوله فأجمع قصى الخروج إلى قومه واللحوق بهم وكره الغربة بأرض قضاعة فقالت له أمه يا بنى لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام فتخرج في حاج العرب فإنى أخشى عليك أن يصيبك بعض البأس فأقام قصى حتى إذا دخل الشهر الحرام خرج حاج قضاعة فخرج فيهم حتى قدم مكة فلما فرغ من الحج أقام بها وكان رجلا جليدا نسيبا فخطب إلى حليل بن حبشية الخزاعى ابنته حبى بنت حليل فعرف حليل النسب ورغب فيه فزوجه وحليل يومئذ فيما يزعمون يلى الكعبة وأمر مكة (فأما ابن اسحاق) فانه قال في خبره فأقام قصى معه يعنى مع حليل وولدت له ولده عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبد ابني قصى فلما انتشر ولده وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل بن حبشية فرأى قصى أنه أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وبنى بكر وأن قريشا فرعة اسماعيل بن ابراهيم وصريح ولده فكلم رجالا من قريش وبنى كنانة ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبنى بكر من مكة فلما قبلوا منه ما دعاهم إليه وبايعوه عليه كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة ابن حرام وهو ببلاد قومه يدعوه إلى نصرته والقيام معه فقام رزاح بن ربيعة
في قضاعة فدعاهم إلى نصر أخيه والخروج معه إليه فأجابوه إلى ما دعاهم من ذلك
[ 16 ]
وقال هشام في خبره قدم قصى على أخيه زهرة وقومه فلم يلبث أن ساد وكانت خزاعة بمكة أكثر من بنى النضر فاستنجد قصى أخاه رزاحا وله ثلاثة أخوة من أبيه من امرأة أخرى فأقبل بهم وبمن أجابه من احياء قضاعة ومع قصى قومه بنو النضر فنفوا خزاعة فتزوج قصى حبى بنت حليل بن أحبشية من خزاعة فولدت له أولاده الاربعة وكان حليل آخر من ولى البيت فلما ثقل جعل ولاية البيت إلى ابنته حبى فقالت قد علمت أنى لا أقدر على فتح الباب واغلاقه قال فانى أجعل الفتح والاغلاق إلى رجل يقوم لك به فجعله إلى أبى غبشان وهو سليم بن عمرو بن بوى بن ملكان بن أفصى فاشترى قصى ولاية البيت منه بزق خمر وبعود فلما رأت ذلك خزاعة كثروا على قصى فاستنصر أخاه فقاتل خزاعة فبلغنا والله أعلم أن خزاعة أخذتها العدسة حتى كادت تفنيهم فلما رأت ذلك جلت عن مكة فمنهم من وهب مسكنه ومنهم من باع ومنهم من أسكن فولى قصى البيت وأمر مكة والحكم بها وجمع قبائل قريش فأنزلهم أبطح مكة وكان بعضهم في الشعاب ورؤوس جبال مكة فقسم منازلهم بينهم فسمى مجمعا وله يقول مطرود وقيل ان قائله حذافة بن غانم أبوكم قصى كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر وملكه قومه عليهم (وأما ابن اسحاق) فانه ذكر أن رزاحا أجاب قصيا إلى ما دعاه إليه من نصرته وخرج إلى مكة مع إخوته الثلاثة ومن تبعه لذلك من قضاعة في حاج العرب وهم مجمعون لنصر قصى والقيام معه قال وخزاعة تزعم أن حليل ابن حبشية أوصى بذلك قصيا وأمره به حين انتشر له من ابنته من الاولاد ما انتشر وقال أنت أولى بالكعبة والقيام عليها وبأمر مكة من خزاعة فعند ذلك طلب
قصى ما طلب فلما اجتمع الناس بمكة وخرجوا إلى الموقف وفرغوا من الحج ونزلوا منى وقصى مجمع لما أجمع له ومن تبعه من قومه من قريش وبنى كنانة ومن معه من قضاعة ولم يبق الا أن ينفروا للصدر وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفة وتجيزهم إذا نفروا من منى إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار ورجل من صوفة
[ 17 ]
يرمى للناس لا يرمون حتى يرمى فكان ذوو الحاجات المعجلون يأتونه فيقولون له قم فارم حتى نرمى معك فيقول لا والله حتى تميل الشمس فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجيل يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك ويقولون ويلك قم فارم فيأبى عليهم حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق هذا الحديث عن يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه عباد فإذا فرغوا من رمى الجمار وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بناحيتي العقبة فحبسوا الناس وقالوا أجيزى صوفة فلم يحز أحد من الناس حتى أنفذوا فإذا نفرت صوفة ومضت خلى سبيل الناس فانطلقوا بعدهم فلما كان ذلك العام فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل قد عرفت ذلك لها العرب وهو دين في أنفسهم في عهد جرهم وخزاعة وولايتهم أتاهم قصى بن كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة فقالوا نحن أولى بهذا منكم فناكروه فناكرهم فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدا ثم انهزمت صوفة وغلبهم قصى على ما كان بأيديهم من ذلك وحال بينهم وبينه قال وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصى بن كلاب وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم وثبت معه أخوه رزاح بن ربيعة بمن معه من قومه من قضاعة وخرجت لهم خزاعة وبنو بكر وتهيئوا لحربهم والتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى من الفريقين
جميعا وفشت فيهم الجراحة ثم إنهم تداعوا إلى الصلح وإلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب فيما اختلفوا فيه ليقضى بينهم فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن ليث ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وأن كل دم أصابه قصى من خزاعة وبنى بكر موضوع يشدخه تحت قدميه وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وبنى كنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة وأن يخلى بين قصى بن كلاب وبين الكعبة ومكة فسمى يعمر بن عوف يومئذ الشداخ لما شدخ من الدماء ووضع منها فولى قصى البيت وأمر مكة
[ 18 ]
جميع قومه من منازلهم إلى مكة وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه فكان قصى أول ولد كعب بن لؤى أصاب ملكا أطاع له به قومه فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف مكة كله وقطع مكة أرباعا بين قومه فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التى أصبحوا عليها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال ويزعم الناس أن قريشا هابت قطع شجر الحرم في منازلهم فقطعها قصى بيده وأعانوه فسمته العرب مجمعا لما جمع من أمرها وتيمنت بامره فما تنكح امرأة ولا رجل من قريش الا في دار قصى ابن كلاب وما يتشاورون في أمر ينزل بهم إلا في داره ولا يعقدون لواء الحرب قوم من غيرهم الا في داره يعقدها لهم بعض ولده وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش الا في داره يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه ثم ينطلق بها إلى أهلها فكان أمره في قومه من قريش في حياته وبعد موته كالدين المتسع لا يعمل بغيره تمينا بامره ومعرفة بفضله وشرفه واتخذ قصى لنفسه دار الندوة وجعل بابها إلى مسجد الكعبة ففيها كانت قريش تقضى أمورها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عبد الملك بن راشد عن أبيه قال سمعت
السائب بن خباب صاحب المقصورة يحدث أنه سمع رجلا يحدث عمر بن الخطاب وهو خليفة حديث قصى بن كلاب هذا وما جمع من أمر قومه واخراجه خزاعة وبنى بكر من مكة وولايته البيت وأمر مكة فلم يردد ذلك عليه ولم ينكره قال فاقام قصى بمكة على شرفه ومنزلته في قومه لا ينازع في شئ من أمر مكة إلا أنه قد أقر للعرب في شأن حجهم ما كانوا عليه وذلك لانه كان يراه دينا في نفسه لا ينبغى له تغييره وكانت صوفة على ما كانت عليه حتى انقرضت صوفة فصار ذلك من أمرهم إلى آل صفوان بن الحارث بن شجنة وراثة وكانت عدوان على ما كانت عليه وكانت النسأة من بنى مالك بن كنانة على ما كانوا عليه ومرة بن عوف على ما كانوا عليه فلم يزالوا على ذلك حتى قام الاسلام فهدم الله به ذلك كله وابتنى قصى دارا بمكة وهى دار الندوة وفيها كانت قريش تقضى أمورها فلما كبر قصى
[ 19 ]
ورق وكان عبد الدار بكره هو كان أكبر ولده وكان فيما يزعمون ضعيفا وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه وذهب كل مذهب وعبد العزى بن قصى وعبد ابن قصى فقال قصى لعبد الدار فيما يزعمون أما والله لالحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها ولا يعقد لقريش لواء لحربهم الا أنت بيدك ولا يشرب رجل بمكة ماء إلا من سقايتك ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما الا من طعامك ولا تقطع قريش أمورها إلا في دارك فاعطاه داره دار الندوة التى لا تقضى قريش أمرا الا فيها وأعطاه الحجابة واللواء والندوة والسقاية والرفادة وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصى بن كلاب فيصنع به طعاما للحاج يأكله من لم يكن له سعة ولا زاد ممن يحضر الموسم وذلك أن قصيا فرضه على قريش فقال لهم حين أمرهم به يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرام وأن الحاج ضيف الله وزوار
بيته وهم أحق الضيف بالكرامة فاجعلوا لهم شرابا وطعاما أيام هذا الحج حتى يصدروا عنكم ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم فيدفعونه إليه فيصنعه طعاما للناس أيام منى فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهلية حتى قام الاسلام ثم جرى في الاسلام إلى يومك هذا فهو الطعام الذى يصنعه السلطان كل عام بمنى حتى ينقضى الحج * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى من أمر قصى ابن كلاب وما قال لعبد الدار فيما دفع إليه ابن اسحاق بن يسار عن أبيه عن الحسن ابن محمد بن على بن أبي طالب قال سمعته يقول ذلك لرجل من بنى عبد الدار يقال له نبيه بن وهب بن عامر بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قال الحسن بن محمد فجعل إليه قصى ما كان بيده من أمر قومه كله وكان قصى لا يخالف ولا يرد شئ صنعه ثم إن قصيا هلك فأقام أمره في قومه من بعده بنوه ابن كلاب وأم كلاب فيما ذكر هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة له اخوان من أبيه من غير أمه وهما تيم ويقظة أمهما فيما قال
[ 20 ]
هشام بن الكلبى أسماء بنت عدى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن بارق وأما ابن اسحاق فإنه قال أمهما هند بنت حارثة البارقية قال ويقال بل يقظة لهند بنت سرير أم كلاب ابن مرة وأم مرة وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة وأخواه لابيه وأمه عدى وهصيص وقيل إن أم هؤلاء الثلاثة مخشية وقيل إن أم مرة وهصيص مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر وأم عدى رقاش بنت ركبة بن نائلة بن كعب بن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان
ابن كعب وأم كعب ماوية فيما قال ابن اسحاق وابن الكلبى ماوية بنت كعب بن القين ابن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة وله اخوان من أبيه وأمه أحدهما يقال له عامر والآخر سامة وهم بنو ناجية ولهم من أبيهم أخ قد انتمى ولده إلى غطفان ولحقوا بهم كان يقال له عوف أمه الباردة بنت عوف بن غنم بن عبد الله بن غطفان ذكر أن الباردة لما مات لؤى بن غالب خرجت بابنها عوف إلى قومها فتزوجها سعد بن ذبيان بن بغيض فتبنى عوفا وفيه يقول فيما ذكر فزارة بن ذبيان عرج على ابن لؤى جملك * تركك القوم ولا منزل لك ولكعب اخوان آخران أيضا من أبيه من غير أمه أحدهما خزيمة وهو عائذة قريش وعائذة أمه وهى عائذة بنت الخمس بن قحافة من خثعم والآخر سعد ويقال له بنانة وبنانة أمهم فاهل البادية منهم اليوم فيما قيل في بنى أسعد بن همام في بنى شيبان بن ثعلبة وأهل الحاضرة ينتمون إلى قريش ابن لؤى وأم لؤى فيما قال هشام عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة وهى أول العواتك اللاتى ولدن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش وله أخوان من
[ 21 ]
أبيه وأمه يقال لاحدهما تيم وهو الذى كان يقال له تيم الادرم والدرم نقصان في الذقن قيل إنه كان ناقص اللحى وقيس قيل لم يبق من قيس أخى لؤى أحد وأن آخر من كان بقى منهم رجل هلك في زمان خالد بن عبد الله القسرى فبقى ميراثه لا يدرى من يستحقه وقد قيل إن أم لؤى واخوته سلمى بنت عمرو بن ربيعة وهو لحى ابن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء من خزاعة
ابن غالب وأم غالب ليلى بنت الحارثة بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة واخوته من أبيه وأمه الحارث ومحارب وأسد وعوف وجون وذئب وكانت محارب والحارث من قريش الظواهر فدخلت الحارث الابطح ابن فهر وفهر فيما حدثت عن هشام بن محمد أنه قال هو جماع قريش قال وأمه جندلة بنت عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمى وقال ابن اسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق أمه جندلة بنت الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمى وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يقول فيما ذكر عنه أمه سلمى بنت أد بن طابخة بن الياس بن مضر وقيل إن أمه جميلة بنت عدوان من بارق من الازد وكان فهر في زمانه رئيس الناس بمكة فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق في حربهم حسان بن عبد كلال بن مثوب ذى حرث الحميرى وكان حسان فيما قيل أقبل من اليمن مع حمير وقبائل من اليمن عظيمة يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن ليجعل حج الناس عنده ببلاده فأقبل حتى نزل بنخلة فأغار على سرح الناس ومنع الطريق وهاب أن يدخل مكة فلما رأت ذلك قريش وقبائل كنانة وخزيمة وأسد وجذام ومن كان معهم من افناء مضر خرجوا إليه ورئيس الناس يومئذ فهر بن مالك فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمت حمير وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير أسره الحارث بن فهر وقتل في المعركة فيمن قتل من الناس ابن ابنه قيس بن غالب بن فهر وكان حسان عندهم بمكة أسيرا ثلاث سنين حتى افتدى منهم نفسه
[ 22 ]
فخرج به فمات بين مكة واليمن ابن مالك
وأمه عكرشة بنت عدوان وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان في قول هشام * وأما ابن اسحاق فإنه قال أمه عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان وقيل إن عكرشة لقب عاتكة بنت عدوان واسمها عاتكة وقيل إن أمه هند بنت فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان وكان لمالك اخوان يقال لاحدهما يخلد فدخلت يخلد في بنى عمرو بن الحارث بن مالك بن كنانة فخرجوا من جماع قريش والاخر منهما يقال له الصلت لم يبق من ذريته أحد وقيل سميت قريش قريشا بقريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة وبه سميت قريش قريشا لان عير بنى النضر كانت إذا قدمت قالت العرب قد جاءت عير قريش قالوا وكان قريش هذا دليل بنى النضر في أسفارهم وصاحب ميرتهم وكان له ابن يسمى بدرا احتفر بدرا قالوا فبه سميت البئر التى تدعى بدرا بدرا * وقال ابن الكلبى إنما قريش جماع نسب ليس بأب ولا أم ولا حاضن ولا حاضنة وقال آخرون إنما سمى بنو النضر بن كنانة قريشا لان النضر بن كنانة خرج يوما على نادى قومه فقال بعضهم لبعض انظروا إلى النضر كأنه جمل قريش وقيل إنما سميت قريش قريشا بدابة تكون في البحر تأكل دواب البحر تدعى القرش فشبه بنو النضر بن كنانة بها لانها أعظم دواب البحر قوة وقيل إن النضر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس فيسدها بماله والقرش فيما زعموا التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدونها بما يبلغهم واستشهدوا لقولهم إن التقريش هو التفتيش بقول الشاعر أيها الناطق المقرش عنا * عند عمرو فهل لهن انتهاء وقيل ان النضر بن كنانة كان اسمه قريشا وقيل بل لم تزل بنو النضر بن كنانة يدعون بنى النضر حتى جمعهم قصى بن كلاب فقيل لهم قريش من أجل أن التجمع هو التقرش فقالت العرب تقرش بنو النضر أي قد تجمعوا وقيل إنما
[ 23 ]
قيل قريش من أجل أنها تقرشت عن الغارات * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير متى سميت قريش قريشا قال حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها فذلك التجمع التقرش فقال عبد الملك ما سمعت هذا ولكن سمعت ان قصيا كان يقال له القرشى ولم تسم قريش قبله * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال لما نزل قصى الحرم وغلب عليه فعل أفعالا جميلة فقيل له القرشى فهو أول من سمى به * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد ابن عمر قال حدثنى أبو بكر بن أبى سبرة عن أبى بكر بن عبيد الله بن أبى جهم قال النضر بن كنانة كان يسمى القرشى * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال: قال محمد بن عمرو قصى أحدث وقود النار بالمزدلفة حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة فلم تزل تلك النار تلك الليلة في الجاهلية * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال فأخبرني كثير بن عبد الله المزني عن نافع عن ابن عمر قال كانت تلك النار توقد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان قال محمد بن عمر وهى توقد إلى اليوم ابن النضر واسم النضر قيس وأمه برة بنت مر بن أد بن طابخة وإخوته لابيه وأمه نضير ومالك وملكان وعامر والحارث وعمرو وسعد وعوف وغنم ومخرمة
وجرول وغزوان وحدال وأخوهم من أبيهم عبد مناة وأمه فكيهة وقيل فكهة وهى الذفراء بنت هنى بن بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة وأخو عبد مناة لامه على بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدى بن عمرو بن مازن الغساني
[ 24 ]
وكان عبد مناة بن كنانة تزوج هند بنت بكر بن وائل فولدت له ولده ثم خلف عليها أخوه لامه على بن مسعود فولدت له فحضن على بنى أخيه فنسبوا إليه فقيل لبنى عبد مناة بنو على وإياهم عنى الشاعر بقوله لله در بنى على * أيم منهم وناكح وكعب بن زهير بقوله صدموا عليا يوم بدر صدمة * دانت على بعدها لنزار ثم وثب مالك بن كنانة على على بن مسعود فقتله فوداه أسد بن خزيمة ابن كنانة وأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان وقد قيل إن أمه هند بنت عمرو بن قيس واخوته من أبيه أسد وأسدة يقال إنه أبو جذام والهون وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة وهى أم النضر بن كنانة خلف عليها بعد أبيه ابن خزيمة وأمه سلمى بنت أسلم بن الحاف بن قضاعة وأخوه لابيه وأمه هذيل وأخوهما لامه ما تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وقد قيل إن أم خزيمة وهذيل سلمى بنت أسد بن ربيعة ابن مدركة واسمه عمرو وأمه خندف وهى ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وأمها ضرية بنت ربيعة بن نزار قيل بها سمى حمى ضرية وإخوة مدركة
لابيه وأمه عامر وهو طابخة وعمير وهو قمعة ويقال إنه أبو خزاعة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحق أنه قال أم بنى الياس خندف وهى امرأة من أهل اليمن فغلبت على نسب بنيها فقيل بنو خندف قال وكان اسم مدركة عامرا واسم طابخة عمرا قال وزعموا انهما كانا في إبل لهما يرعيانها فاقتنصا صيدا فقعدا عليه يطبخانه وعدت عادية على إبلهما فقال عامر لعمرو أتدرك الابل أو تطبخ هذا الصيد فقال عمرو بل أطبخ الصيد فلحق عامر الابل فجاء بها فلما راحا على
[ 25 ]
أبيهما فحدثاه شأنهما قال لعامر أنت مدركة وقال لعمرو أنت طابخة * وحدثت عن هشام بن محمد قالوا خرج إلياس في نجعة له فنفرت إبله من أرنب فخرج إليها عمرو فادركها فسمى مدركة وأخذها عامر فطبخها فسمى طابخة وانقمع عمير في الخباء فلم يخرج فسمى قمعة وخرجت أمهم تمشى فقال لها الياس اين تخندفين فسميت خندف والخندفة ضرب من المشى قال وقال قصى بن كلاب * أمهتى خندف وإلياس أبى * قال وقال الياس لعمرو ابنه * إنك قد أدركت ما طلبتا * ولعامر * وأنت قد أنضجت ما طبختا، ولعمير * وأنت قد أسأت وانقمعتا * ابن إلياس وأمه الرباب بنت حيدة بن معد وأخوه لابيه وأمه الياس وهو عيلان وسمى عيلان فيما ذكر لانه كان يعاتب على جوده فيقال له لتغلبن عليك العيلة يا عيلان فلزمه هذا الاسم وقيل بل سمى عيلان بفرس كانت له تدعى عيلان وقيل سمى بذلك لانه ولد في جبل يسمى عيلان وقيل سمى بذلك لانه حضنه عبد لمضر يدعى عيلان ابن مضر
وأمه سودة بنت عك وأخوه لابيه وأمه إياد ولهما اخوان من أبيهما من غير أمهما وهما ربيعة وإنمار أمهما جدالة بنت وعلان بن جوشم بن جلهمة بن عمرو من جرهم وذكر بعضهم أن نزار بن معد لما حضرته الوفاة أوصى بنيه وقسم ماله بينهم فقال يا بنى هذه القبة وهى قبة من أدم حمراء وما أشبهها من مالى لمضر فسمى مضر الحمراء وهذا الخباء الاسود وما أشبهه من مالى لربيعة فخلف خيلا دهما فسمى الفرس وهذه الخادم وما أشبهها من مالى لاياد وكانت شمطاء فأخذ البلق والنقد من غنمه وهذه البدرة والمجلس لانمار يجلس فيه فيأخذ إنمار ما أصابه فإن أشكل عليكم في ذلك شئ واختلفتم في القسمة فعليكم بالافعى الجرهمى فاختلفوا في القسمة فتوجهوا إلى الافعى فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ
[ 26 ]
رأى مضر كلا قد رعى فقال إن البعير الذى رعى هذا الكلا لاعور وقال ربيعة هو أزور وقال أياد هو أبتر وقال إنما هو شرود فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل توضع به راحلته فسألهم عن البعير فقال مضر هو أعور قال نعم قال ربيعة هو أزور قال نعم قال إياد هو أبتر قال نعم قال إنما هو شرود قال نعم قال هذه صفة بعيرى دلوني عليه فحلفوا له ما رأوه فلزمهم وقال كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيرى بصفته فساروا جميعا حتى قدموا نجران فنزلوا بالافعى الجرهمى فنادى صاحب البعير هؤلاء أصحاب بعيرى وصفوا لى صفته ثم قالوا لم نره فقال الجرهمى كيف وصفتموه ولم تروه فقال مضر رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور وقال ربيعة رأيت إحدى يده ثابتة الاثر والاخرى فاسدة الاثر فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره وقال إياد عرفت انه أبتر باجتماع بعره ولو كان ذبالا لمصع به وقال إنمار انما عرفت انه شرود لانه يرعى المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان آخر أرق منه نبتا وأخبث فقال الجرهمى ليسوا
بأصحاب بعيرك فاطلبه ثم سألهم من هم فأخبروه فرحب بهم فقال أتحتاجون إلى وأنتم كما أرى فدعا لهم بطعام فأكلوا وأكل وشربوا وشرب فقال مضر لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر وقال ربيعة لم أر كاليوم لحما اطيب لولا أنه ربى بلبن كلب وقال إياد لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه لغير أبيه الذى يدعى له وقال إنما لم أر كاليوم قط كلاما أنفع في حاجتنا وسمع الجرهمى الكلام فتعجب لقولهم وأتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل بها فوطئها فحملت به وسأل القهرمان عن الخمر فقال من حبلة غرستها على قبر أبيك وسأل الراعى عن اللحم فقال شاة أرضعتها لبن كلبة ولم يكن ولد في الغنم شاة غيرها فقيل لمضر من أين عرفت الخمر ونباتها على قبر قال لانه أصابني عليها عطش شديد وقيل لربيعة بم عرفت فذكر كلاما فأتاهم الجرهمى فقال صفوا لى صفتكم فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم فقضى بالقبة الحمراء والدنانير والابل وهى حمر لمضر وقضى بالخباء الاسود
[ 27 ]
وبالخيل الدهم لربيعة وقضى بالخادم وكانت شمطاء وبالخيل البلق لاياد وقضى بالارض والدراهم لانمار ابن نزار وقيل إن نزار كان يكنى أبا إياد وقيل بل كان يكنى أبا ربيعة أمه معانة بنت جوشم بن جلهمة بن عمرو وإخوته لابيه وأمه قنص وقناصة وسنام وحيدان وحيدة وحيادة وجنيد وجنادة والقحم وعبيد الرماح والعرف وعوف وشك وقضاعة وبه كان معد يكنى وعدة درجوا ابن معد وأم معد فيما زعم هشام مهدد بنت اللهم ويقال اللهم بن جلحب بن جديس
وقيل ابن طسم وقيل ابن الطوسم من ولد يقشان بن إبراهيم خليل الرحمن * حدثنا الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال حدثنى محمد بن عبد الرحمن العجلاني وإخوته من أبيه وأمه الديث وقيل إن الديث هو عك وقيل إن عكا هو ابن الديث بن عدنان وعدن بن عدنان فزعم بعض أهل الانساب أنه صاحب عدن. إليه تنسب وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا وأبين وأبى بن عدنان وزعم بعضهم أنه صاحب أبين وأنها إليه تنسب وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا وأد بن عدنان درج والضحاك والعى وأم جميعهم أم معد وقال بعض النسابة كان عك انطلق إلى سموان من أرض اليمن وترك أخاه معدا وذلك أن أهل حضور لما قتلوا شعيب بن ذى مهدم الحضوري بعث الله عليهم بختنصر عذابا فخرج أرميا وبرخيا فحملا معدا فلما سكنت الحرب رداه إلى مكة فوجد معد إخوته وعمومته من بنى عدنان قد لحقوا بطوائف اليمن وتزوجوا فيهم وتعطفت عليهم اليمن بولادة جرهم إياهم واستشهدوا في ذلك قول الشاعر تركنا الديث إخوتنا وعكا * إلى سمران فانطلقوا سراعا وكانوا من بنى عدنان حتى * أضاعوا الامر بينهم فضاعا
[ 28 ]
ابن عدنان ولعدنان أخوان لابيه يدعى أحدهما نبتا والآخر منهما عمرا فنسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا يختلف النسابون فيه إلى معد بن عدنان وأنه على ما بينت من نسبه * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثنى ابن لهيعة عن أبى الاسود وغيره عن نسبة رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن
الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد ثم يختلفون فيما بعد ذلك * وقال الزبير بن بكار حدثنى يحيى بن المقداد الزمعى عن عمه موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة عن عمته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول معد بن عدنان بن أدد بن زند بن يرى ابن إعراق الثرى قالت أم سلمة فزند هو الهميسع ويرى هو نبت وإعراق الثرى هو اسماعيل بن إبراهيم * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام ابن محمد قال حدثنى محمد بن عبد الرحمن العجلاني عن موسى بن يعقوب الزمعى عن عمته عن جدتها ابنة المقداد بن الاسود البهرانى قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم معد بن عدنان بن أدد بن يرى بن اعراق الثرى وقال ابن اسحاق فيما حدثنا ابن حميد عن سلمة بن الفضل عنه عدنان فيما يزعم بعض النساب ابن أدد ابن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن اسماعيل بن إبراهيم وبعض يقول بل عدنان بن أدد بن أيتحب بن أيوب بن قيذر بن اسماعيل بن إبراهيم * قال وقد انتمى قصى بن كلاب إلى قيذر في شعره قال ويقول بعض النساب بل عدنان بن ميدع ابن منيع بن أدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن قيذر بن اسماعيل بن إبراهيم قال وذلك أنه علم قديم أخذ من أهل الكتاب الاول * وأما الكلبى محمد بن السائب فإنه فيما حدثنى الحارث عن محمد بن سعد عن هشام قال أخبرني مخبر عن أبى ولم أسمعه منه أنه كان ينسب معد بن عدنان بن أدد
[ 29 ]
ابن الهميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال بن أبى بن العوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن تاحش بن ماخى بن عيفى بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر بن يثربى بن يحزن بن يلحن بن أرعوى ابن عيفى بن ديشان بن عيصر بن اقناد بن إيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن
شمى بن مزى بن عوص بن عرام بن قيذر بن اسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال وكان رجل من أهل تدمر يكنى أبا يعقوب من مسلمة بنى إسرائيل قد قرأ من كتبهم وعلم علما فذكر أن بروخ ناريا كاتب أرميا أثبت نسب معد بن عدنان عنده ووضعه في كتبه وأنه معروف عند أحبار أهل الكتاب مثبت في أسفارهم وهو مقارب لهذه الاسماء ولعل خلاف ما بينهم من قبل اللغة لان هذه الاسماء ترجمت من العبرانية * قال الحارث محمد بن سعد وأنشدني هشام عن أبيه شعر قصى فلست لحاضن إن لم تأثل * بها أولاد قيذر والنبيت قال أراد نبت بن اسماعيل * وقال الزبير بن بكار حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى عن زكرياء بن عيسى عن ابن شهاب قال معد بن عدنان بن أد بن الهميسع ابن أسحب بن نبت بن قيذار بن اسماعيل وقال بعضهم هو معد بن عدنان بن أدد ابن أمين بن شاجب بن ثعلبة بن عتر بن يربح بن محلم بن العوام بن المحتمل ابن رائمة ابن العيقان بن علة بن الشحدود بن الظريب بن عبقر بن إبراهيم بن اسماعيل بن يزن بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور بن عتود بن دعدع بن محمود بن الزائد بن ندوان بن أتامة بن دوس بن حصن بن النزال بن القمير بن المجشر بن معد مر بن صيفي بن نبت بن قيذار بن اسماعيل بن ابراهيم خليل الرحمن * وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن يقدر بن يقدم بن هميسع بن نبت ابن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أد بن الهميسع ابن نبت بن سلمان وهو سلامان بن حمد بن نبت بن قيدر بن إسماعيل بن إبراهيم * وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أدد بن المقوم بن ناحور بن مشرح بن يشجب بن
[ 30 ]
ملك بن أيمن بن النبيت بن قيذر بن اسماعيل بن ابراهيم * وقال آخرون هو معد
ابن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن أسحب بن سعد بن بريح بن نضير بن حميل بن منحم بن لافث بن الصابوح بن كنانة بن العوام بن نبت بن قيدر بن اسماعيل * وأخبرني بعض النساب أنه وجد طائفة من علماء العرب قد حفظت لمعد أربعين أبا بالعربية إلى اسماعيل واحتجت لقولهم ذلك بأشعار العرب وأنه قابل بما قالوا من ذلك ما يقول أهل الكتاب فوجد العدد متفقا واللفظ مختلفا وأملى ذلك على فكتبته عنه فقال هو معد بن عدنان بن أدد بن هميسع وهميسع هو سلمان وهو أمين بن هميتع وهو هميدع وهو الشاجب بن سلامان وهو منجر نبيت سمى بذلك فيما زعم لانه كان منجر العرب لان الناس عاشوا في زمانه واستشهد لقوله ذلك بقول قعنب بن عتاب الرياحي تناشدني طى وطى بعيدة * وتذكرني بالوذ أزمان نبيت قال نبيت بن عوص وهو ثعلبة قال وإليه تنسب الثعلبية بن بورا وهو بوز وهو عتر العتائر وأول من سن العتيرة للعرب ابن شوحا وهو سعد رجب وهو أول من سن الرجبية للعرب وهو بن يعمانا وهو قموال وهو بريح الناصب وكان في عصر سليمان بن داود النبي صلى الله عليه وسلم ابن كسدانا وهو محلم ذو العين ابن حرانا وهو العوام بن بلداسا وهو المحتمل بن بلدلانا وهو يدلاف وهو رائمة ابن طهبا وهو طاهب وهو العيقان بن جهمى وهو جاحم وهو علة ابن محشى وهو تاحش وهو الشحدود ابن معجالى وهو ماخى وهو الظريب خاطم النار بن عقارا وهو عافى وهو عبقر أبو الجن قال وإليه تنسب جنة عبقر بن عاقارى وهو عاقر وهو ابراهيم جامع الشمل * قال وإنما سمى جامع الشمل لانه أمن في ملكه كل خائف ورد كل طريد واستصلح الناس ابن بيداعى وهو الدعا وهو اسماعيل ذو المطابخ سمى بذلك لانه حين ملك أقام بكل بلدة من بلدان العرب دار ضيافة ابن ابداعى وهو عبيد وهو يزن الطعان وهو أول
من قاتل بالرماح فنسبت إليه ابن همادى وهو حمدان وهو اسماعيل ذو الاعوج
[ 31 ]
وكان فرسا له وإليه تنسب الاعوجية من الخيل ابن بشمانى وهو بشمين وهو المطعم في المحل ابن بثرانى وهو بثرم وهو الطمح ابن بحراني وهو بحرن وهو القسور بن بلحانى وهو يلحن وهو العنود بن رعوانى وهو رعوى وهو الدعدع بن عاقارى وهو عاقر بن داسان وهو الزائد بن عاصار وهو عاصر وهو النيدوان ذو الاندية وفى ملكه تفرق بنى القاذور وهو القادور وخرج الملك من ولد النبيت بن القادور إلى بنى جاوان بن القادور ثم رجع إليهم ثانية ابن قنادى وهو قنار وهو ايامة بن ثامار وهو بهامى وهو دوس العتق وهو دوس أجمل الخلق زعم في زمانه فلذلك تقول العرب أعتق من دوس لامرين أما أحدهما فلحسنه وعتقه والآخر لقدمه وفى ملكه أهلكت جرهم بن فالج وقطورا وذلك أنهم بغوا في الحرم فقتلهم دوس واتبع الذر آثار من بقى منهم فولج في أسماعهم فأفناهم ابن مقصر وهو مقاصرى وهو حصن ويقال له ناحث وهو النزال بن زارح وهو قمير بن سمى وهو سما وهو المجشر وكان فيما زعم أعدل ملك ولى وأحسنه سياسة وفيه يقول أمية بن أبى الصلت لهرقل ملك الروم كن كالمجشر إذ قالت رعيته * كان المجشر أوفانا بما حملا ابن مزرا ويقال مرهر بن صنفا وهو السمر وهو الصفى وهو أجود ملك رؤى على وجه الارض وله يقول أمية بن أبى الصلت إن الصفى بن النبيت مملكا * أعلى وأجود من هرقل وقيصرا ابن جعثم وهو عرام وهو النبيت وهو قيذر قال وتأويل قيذر صاحب ملك كان أول من ملك من ولد اسماعيل بن اسماعيل صادق الوعد ابن ابراهيم خليل الرحمن بن تارح وهو آزر بن ناحور بن ساروع بن بالغ وتفسير
بالغ القاسم بالسريانية لانه الذى قسم الارضين بين ولد آدم وبالغ فهو فالج بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي صلى الله عليه وسلم بن برد وهو بارد الذى عملت الاصنام في زمانه ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث وهو هبة الله بن آدم عليه السلام وكان
[ 32 ]
وصى أبيه بعد مقتل هابيل فقال هبة الله من هابيل فاشتق اسمه من اسمه وقد مضى من ذكرنا الاخبار عن اسماعيل بن ابراهيم وآبائه وأمهاته فيما بينه وبين آدم ومما كان من الاخبار والاحداث في كل زمان من ذلك بعض ما انتهى إلينا بوجيز من القول مختصر في كتابنا هذا فكرهنا إعادته * وحدثت عن هشام بن محمد قال كانت العرب تقول انما خدش الخدوش منذ ولد أبونا أنوش وانما حرم الحنث منذ ولد أبو ناشت وهو بالسريانية شيث ونعود الآن إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنسابه فتوفى عبد المطلب بعد الفيل بثماني سنين كذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى يكر وكان عبد المطلب يوصى برسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب وذلك أن أبا طالب وعبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانا لام فكان أبو طالب هو الذى يلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده وكان يكون معه ثم إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشام تاجرا فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير صب به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون فرق له أبو طالب فقال والله لاخرجن به معى ولا يفارقنى ولا أفارقه أبدا وكما قال فخرج به معه فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له وكان ذا علم من أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة مذ قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر فلما نزلوا
ذلك العام ببحيرا صنع لهم طعاما كثيرا ودلك انه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صومعته عليه غمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعا فلما رأى بحيرا رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته فلما فرغ القوم من الطعام وتفرقوا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
[ 33 ]
أشياء في حاله في يقظته وفى نومه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فيجدها بحيرا موافقة لما عنده من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه ثم قال بحيرا لعمه أبى طالب ما هذا الغلام منك قال ابني فقال له بحيرا ما هو بابنك وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال فإنه ابن أخى قال فما فعل أبوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت ارجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا فانه كائن له شأن عظيم فاسرع به إلى بلده فخرج به عمه سريعا حتى أقدمه مكة * وقال هشام بن محمد خرج أبو طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بصرى من أرض الشأم وهو ابن تسع سنين * حدثنى العباس بن محمد قال حدثنا أبو نوح قال حدثنا يونس بن أبى اسحاق عن أبى بكر بن أبى موسى عن أبى موسى قال خرج أبو طالب إلى الشأم وخرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت قال فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم حتى جاء فاخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين
هذا يبعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ قريش ما علمك قال انكم حين أشرفتم من العقبة لم تبق شجرة ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدون إلا لنبى وانى أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به كان هو في رعية الابل قال ارسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة فقال انظروا إليه عليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فئ الشجرة فلما جلس مال فئ الشجرة عليه فقال انظروا إلى فئ الشجرة مال عليه قال فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم فان الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه فالتفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال ما جاء بكم قالوا جئنا إن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليها ناس وإنا أخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا قال لهم هل خلفتم خلفكم أحدا هو خير منكم
[ 34 ]
قالوا لا إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا قال أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده قالوا لا فتابعوه وأقاموا معه قال فأتاهم فقال أنشدكم الله أيكم وليه قالوا أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبو بكر رضى الله تعالى عنه بلالا وزوده الراهب من الكعك والزيت * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن الحسن بن محمد بن على بن أبى طالب عن أبيه محمد بن على عن جده على بن أبى طالب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما هممت بشئ مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله بينى وبين ما أريد من ذلك ثم ما هممت بسوء حتى أكرمنى الله عز وجل برسالته فانى قد قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معى بأعلى مكة لو أبصرت لى غنمي حتى أدخل مكة فاسمر بها كما يسمر الشباب فقال افعل فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت
عزفا بالدفوف والمزامير فقلت ما هذا قالوا فلان بن فلان تزوج بفلانة بنت فلان فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذنى فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس قال فجئت صاحبي فقال ما فعلت قلت ما صنعت شيئا ثم أخبرته الخبر قال ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك فقال افعل فخرجت فسمعت حين جئت مكة مثل ما سمعت حين دخلت مكة تلك الليلة فجلست أنظر فضرب الله على أذنى فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فاخبرته الخبر ثم ما هممت بعدها بسوء حتى أكرمنى الله عز وجل برسالته ذكر تزيج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة رضى الله عنها قال هشام بن محمد نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة وخديجة يومئذ ابنة أربعين سنة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشئ تجعله لهم منه وكانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه
[ 35 ]
وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشأم تاجرا وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج في مالها ذلك وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدما الشأم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان فاطلع الراهب رأسه إلى ميسرة فقال من هذا الرجل الذى نزل تحت هذه الشجرة فقال له ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبى ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته التى خرج بها
واشترى ما أراد أن يشترى ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة فكان ميسرة فيما يزعمون إذا كانت الهاجرة واشتد الحريري ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعفت أو قريبا من ذلك وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة مع ما أراد الله بها من كرامته فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له فيما يزعمون يا ابن عم إنى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليها فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لاعمامه فخرج معه حمزة ابن عبد المطلب عمه حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها فولدت له ولده كلهم إلا ابراهيم: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والقاسم وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم والطاهر والطيب فأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا في الجاهلية وأما بناته فكلهن أدركن الاسلام فأسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا معمر وغيره عن ابن شهاب الزهري وقد قال ذلك غيره من أهل البلدان خديجة إنما كانت استأجرت
[ 36 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلا آخر من قريش إلى سوق حباشة بتهامة وكان الذى زوجها إياه خويلد وكان الذى مشت في ذلك مولاة مولدة من مولدات مكة قال الحارث قال محمد بن سعد قال الواقدي فكل هذا غلط قال الواقدي ويقولون أيضا إن خديجة أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تدعوه إلى نفسها تعنى التزويج وكانت امرأة ذات شرف وكان كل قريش حريصا على نكاحها
قد بذلوا الاموال لو طمعوا بذلك فدعت أباها فسقته خمرا حتى ثمل ونحرت بقرة وخلقته بخلوق وألبسته حلة حبرة ثم أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومته فدخلوا عليه فزوجه فلما صحا قال ما هذا العقير وما هذا العبير وما هذا الحبير قالت زوجتني محمد بن عبد الله قال ما فعلت إنى أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش فلم أفعل قال الواقدي وهذا غلط والثبت عندنا المحفوظ من حديث محمد ابن عبد الله بن مسلم عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم ومن حديث ابن أبى الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ومن حديث ابن ابى حبيبة عن داود ابن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أباها مات قبل الفجار (قال أبو جعفر) وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذى يعرف بها اليوم فيقال منزل خديجة فاشتراه معاوية فيما ذكر فجعله مسجدا يصلى فيه الناس وبناه على الذى هو عليه اليوم لم يغير وأما الحجر الذى على باب البيت عن يسار من يدخل البيت فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس تحته ويستتر به من الرمى إذا جاءه من دار أبى لهب ودار عدى بن حمراء الثقفى خلف دار ابن علقمة والحجر ذراع وشبر في ذراع ذكر باقى الاخبار عن الكائن من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينبأ وما كان بين مولده ووقت نبوته من الاحداث في بلده (قال أبو جعفر) قد ذكرنا قبل سبب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة واختلاف المختلفين في ذلك ووقت نكاحه صلى الله عليه وسلم اياه وبعد السنة
[ 37 ]
التى نكحها فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم هدمت قريش الكعبة بعشر سنين ثم بنتها وذلك في قول ابن اسحاق في سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله صلى عليه وسلم وكان سبب هدمهم اياها فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن
اسحاق أن الكعبة كانت رضمة فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفرا من قريش وغيرهم سرقوا كنز الكعبة وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة وكان أمر غزالي الكعبة فيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبيه أن الكعبة كانت رفعت حين غرق قوم نوح فأمر الله ابراهيم خليله عليه السلام وابنه اسماعيل أن يعيدا بناء الكعبة على أسها الاول فأعادا بناءها كما أنزل في القرآن " وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " فلم يكن له ولاة منذ زمن نوح عليه السلام وهو مرفوع ثم أمر الله عز وجل ابراهيم أن ينزل ابنه اسماعيل البيت لما أراد الله من كرامة من أكرمه بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فكان ابراهيم خليل الرحمن وابنه اسماعيل يليان البيت بعد عهد نوح ومكة يومئذ بلاقع ومن حول مكة يومئذ جرهم والعماليق فنكح اسماعيل عليه السلام امرأة من جرهم فقال في ذلك عمرو بن الحارث بن مضاض وصاهرنا من أكرم الناس والدا * فأبناؤه منا ونحن الاصاهر فولى البيت بعد إبراهيم إسماعيل وبعد إسماعيل نبت وأمه الجرهمية ثم مات نبت ولم يكثر ولد إسماعيل فغلبت جرهم على ولاية البيت فقال عمرو بن الحارث بن مضاض وكنا ولاة البيت من بعد نابت * نطوف بذاك البيت والخير ظاهر فكان أول من ولى من جرهم البيت مضاض ثم وليته بعده بنوه كابرا عن كابر حتى بغت جرهم بمكة واستحلوا حرمتها وأكلوا مال الكعبة الذى يهدى لها وظلموا من دخل مكة ثم لم يتناهوا حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانا يزنى فيه يدخل الكعبة فزنى فزعموا أن أسافا بغى بنائلة في جوف الكعبة فمسخا حجرين وكانت مكة في الجاهلية لا ظلم ولا بغى فيها ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه فكانت تسمى الناسة وتسمى بكة كانت تبك أعناق البغايا إذا بغوا فيها والجبابرة قال ولما
[ 38 ]
لم تتناه جرهم عن بغيها وتفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن فانخزع بنو حارثة ابن عمرو فأوطنوا تهامة سميت خزاعة وهم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة وأسلم ومالك وملكان بنو أفصى بن حارثة فبعث الله على جرهم الرعاف والنمل فأفناهم فاجتمعت خزاعة ليجلوا من بقى ورئيسهم عمرو بن ربيعة بن حارثة وأمه فهيرة بنت عامر بن الحارث بن مضاض فاقتتلوا فلما أحس عامر بن الحارث بالهزيمة خرج بغزالي الكعبة وحجر الركن يلتمس التوبة وهو يقول: لاهم إن جرهما عبادك * الناس طرف وهم تلادك بهم قديما عمرت بلادك فلم تقبل توبته فالقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم ثم دفنها وخرج من بقى من جرهم إلى أرض من أرض جهينة فجاءهم سيل أتى فذهب بهم فذلك قول أمية بن أبى الصلت وجرهم دمنوا تهماة في ال * دهر فسالت بجمعهم إضم وولى البيت عمرو بن ربيعة وقال بنو قصى بل وليه عمرو بن الحارث الغبشانى وهو يقول ونحن ولينا البيت من بعد جرهم * لنعمره من كل باغ وملحد وقال: واد حرام طيره ووحشه * نحن ولاته فلا نغشه وقال عامر بن الحارث كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالى والجدود العواثر وقال: يا أيها الناس سيروا إن قصركم * أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا كنا أناسا كما كنتم فغيرنا * دهرا فانتم كما كنا تكونونا حثوا المطى وأرخوا من أزمتها * قبل الممات وقضوا ما تقضونا
يقول اعملوا لآخرتكم وافرغوا من حوائجكم في الدنيا فوليت خزاعة البيت غير أنه كان في قبائل مضر ثلاث خلال الاجازة بالحج للناس من عرفة وكان
[ 39 ]
ذلك إلى الغوث بن مر وهو صوفة فكانت إذا كانت الاجازة قالت العرب أجيزى صوفة والثانية الافاضة من جمع غداة النحر إلى منى فكان ذلك إلى بنى زيد بن عدوان فكان آخر من ولى ذلك منهم أبو سيارة عميلة بن الاعزل بن خالد بن سعد بن الحارث بن وابش بن زيد والثالثة النسئ للشهور الحرم فكان ذلك إلى القلمس وهو حذيفة بن فقيم بن عدى من بنى مالك بن كنانة ثم بنيه حتى صار ذلك إلى آخرهم أبى ثمامة وهو جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن حذيفة وقام عليه الاسلام وقد عادت الحرم إلى أصلها فأحكمها الله وأبطل النسئ فلما كثرت معد تفرقت فذلك قول مهلهل غنيت دارنا تهامة في الده * ر وفيها بنو معد حلولا وأما قريش فلم يفارقوا مكة فلما حفر عبد المطلب زمزم وجد الغزالين غزالي الكعبة اللذين كانت جرهم دفنتهما فيه فاستخرجهما وكان من أمره وأمرهما ما قد ذكرت في موضع ذلك فيما مضى من هذا الكتاب قبل (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال وكان الذى وجد عنده الكنز دويك مولى لبنى مليح ابن عمرو من خزاعة فقطعت قريش يده من بينهم وكان ممن اتهم في ذلك الحارث ابن عامر بن نوفل وأبو إهاب بن عزيز بن قيس بن سويد التميمي وكان أخا الحارث ابن عامر بن نوفل بن عبد مناف لامه وأبو لهب بن عبد المطلب وهم الذين تزعم قريش انهم وضعوا كنز الكعبة حين أخذوه عند دويك مولى بنى مليح فلما اتهمتهم قريش دلوا على دويك فقطع ويقال هم وضعوه عنده وذكروا أن قريشا حين استيقنوا بأن ذلك كان عند الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف
خرجوا به إلى كاهنة من كهان العرب فسجعت عليه من كهانتها بأن لا يدخل مكة عشر سنين بما استحل من حرمة الكعبة فزعموا انهم أخرجوه من مكة فكان فيما حولها عشر سنين وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها وكان بمكة رجل قبطى نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها وكانت حية تخرج من بئر الكعبة
[ 40 ]
التى يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم فتشرف على جدار الكعبة فكانوا يهابونها وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزالت وكشت وفتحت فاها فبينا هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله عليها طائرا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش إنا لنرجو أن يكون الله عز وجل قد رضى ما أردنا عندنا عامل رفيق وعندنا خشب وقد كفانا الله الحية وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم عامئذ ابن خمس وثلاثين سنة فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا ولا تدخلوا فيها مهر بغى ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس قال والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى نجيح المكى أنه حدث عن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم يطوف بالبيت فسأل عنه فقيل له هذا ابن لجعدة بن هبيرة فقال عند ذلك عبد الله بن صفوان جد هذا يعنى أبا وهب الذى أخذ من الكعبة حجرا حين اجتمعت قريش لهدمها فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال عند ذلك يا معشر قريش
لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا لا تدخلوا فيها مهر بغى ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد وأبو وهب خال أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شريفا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق قال ثم إن قريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبنى عبد مناف وزهرة وكان ما بين الركن الاسود والركن اليماني لبنى مخزوم وتيم وقبائل من قريش ضموا إليهم وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وبنى سهم وكان شق الحجر وهو الحطيم لبنى عبد الدار بن قصى ولبنى أسد بن عبد العزى بن قصى وبنى عدى بن كعب ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدأكم في هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها
[ 41 ]
وهو يقول اللهم لم ترع اللهم لا نريد إلا الخير ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس به تلك الليلة وقالوا ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شئ فقد رضى الله ما صنعنا هدمنا فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله فهدم والناس معه حتى انتهى الهدم إلى الاساس فأفضوا إلى حجارة خضر كأنها أسنة آخذ بعضها ببعض * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد ابن إسحاق عن بعض من يروى الحديث أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما فلما تحرك الحجر انتقضت مكة بأسرها فانتهوا عند ذلك إلى الاساس قال ثم إن القبائل جمعت الحجارة لبنائها جعلت كل قبيلة تجمع على حدتها ثم بنوا حتى إذا بلغ البنيان موضع الركن اختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الاخرى حتى تحاوزوا وتحالفوا وتواعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدى بن كعب على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في الجفنة فسموا لعقة الدم بذلك فمكثت قريش أربع ليال أو خمس ليال على ذلك ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا
فزعم بعض الرواة أن أبا أمية بن المغيرة كان عامئذ أسن قريش كلها قال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم فيه فكان أول من دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا هذا الامين قد رضينا به هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال هلم لى ثوبا فأتى به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه بيده ثم بنى عليه وكانت قريش تسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحى الامين (قال أبو جعفر) وكان بناء قريش الكعبة بعد الفجار بخمس عشرة سنة وكان بين عام الفيل وعام الفجار عشرون سنة * واختلف السلف في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نبى كم كانت فقال بعضهم نبى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما بنت قريش الكعبة بخمس سنين وبعد ما تمت له من مولده أربعون سنة
[ 42 ]
ذكر من قال ذلك * حدثنى محمد بن خلف العسقلاني قال حدثنا آدم قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا أبو جمرة الضبعى عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة * حدثنا عمرو بن على وابن المثنى قالا حدثنا يحيى بن محمد بن قيس قال سمعت ربيعة بن أبى عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين * حدثنا العباس بن الوليد قال أخبرني أبى قال حدثنا الاوزاعي قال حدثنى ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال حدثنى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين * حدثنى ابن عبد الرحيم البرقى قال حدثنا عمرو بن أبى سلمة عن الاوزاعي قال حدثنى ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال حدثنى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين
* حدثنى أبو شرحبيل الحمصى قال حدثنى أبو اليمان قال حدثنا أسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا الحجاج بن المنهال قال حدثنا حماد قال حدثنا عمرو بن دينار عن عروة بن الزبير قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا الحجاج عن حماد قال أخبرنا عمرو عن يحيى بن جعدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة إنه كان يعرض على القرآن كل عام مرة وإنه قد عرض على العام مرتين وإنه قد خيل إلى أن أجلى قد حضر وإن أول أهلى لحاقا بي أنت وانه لم يبعث نبى إلا بعث الذى بعده بنصف من عمره وبعث عيسى لاربعين وبعثت لعشرين * حدثنى عبيد بن محمد الوراق قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا هشام قال حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة ومحمد بن ميمون الزعفراني عن هشام ابن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه وهو ابن أربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة * وقال آخرون
[ 43 ]
بل نبي حين نبي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ذكر من قال ذلك * حدثنا أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا أحمد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحى وهو ابن ثلاث وأربعين سنة * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا يحيى بن سعيد
قال سمعت سعيدا يعنى ابن المسيب يقول أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحى وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ذكر اليوم الذى نبي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشهر الذى نبي فيه وما جاء في ذلك قال أبو جعفر صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدثنا به ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن غيلان بن جرير أنه سمع عبد الله ابن معبد الزمانى عن أبى قتادة الانصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال ذلك يوم ولدت فيه ويوم بعثت فيه أو أنزل على فيه * حدثنا أحمد بن منصور قال حدثنا الحسن بن موسى الاشيب قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا غيلان بن جرير المعولى قال حدثنا عبد الله بن معبد الزمانى عن أبى قتادة عن عمر رحمه الله أنه قال للنبى صلى الله عليه وسلم يا نبى الله صوم يوم الاثنين قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم أنزلت على فيه النبود * حدثنا ابراهيم ابن سعيد قال حدثنا موسى بن داود عن ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن حنش الصنعانى عن ابن عباس قال ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين (قال أبو جعفر) وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم واختلفوا في أي الاثانين كان ذلك فقال بعضهم نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه
[ 44 ]
وسلم لثماني عشرة خلت من رمضان. ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن الحسن ابن دينار عن أيوب عن أبى قلابة عبد الله بن زيد الجرمى أنه كان يقول فيما بلغه وانتهى إليه من العلم أنزل الفرقان على رسول الله صلى الله عليه وسلم لثماني عشرة
ليلة خلت من رمضان * وقال آخرون بل أنزل لاربع وعشرين ليلة خلت منه ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى من لا يتهم عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة بن دعامة السدوسى عن أبى الجلد قال نزل الفرقان لاربع وعشرين ليلة خلت من رمضان * وقال آخرون بل نزل لسبع عشرة خلت من شهر رمضان واستشهدوا لتحقيق ذلك بقول الله عز وجل (وما أنزلنا على عبد نا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) وذلك ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر وأن التقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر كان صبيحة سبع عشرة من رمضان * قال أبو جعفر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أن يظهر له جبريل عليه السلام برسالة الله عز وجل إليه فيما ذكر عنه يرى ويعاين آثارا وأسبابا من يريد الله أكرامه واختصاصه بفضله فكان من ذلك ما قد ذكرت فيما مضى من خبره عن الملكين اللذين أتياه فشقا بطنه واستخرجا ما فيه من الغل والدنس وهو عند أمه من الرضاعة حليمة ومن ذلك أنه كان إذا مر في طريق لا يمر فيما ذكر عنه بشجر ولا حجر فيه إلا سلم عليه * حدثنى الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا على بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن منصور بن عبد الرحمن عن أمه عن برة بنت أبى تجراة قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا ويفضى إلى الشعاب وبطون الاودية فلا يمر بحجر ولا شجرة إلا
[ 45 ]
قالت السلام عليك يا رسول الله فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا (قال أبو جعفر) وكانت الامم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل أمة منها
قومها بذلك وقد حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى على بن عيسى الحكمى عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال سمعت زيد ابن عمرو بن نفيل يقول أنا أنتظر نبيا من ولد اسماعيل ثم من بنى عبد المطلب ولا أرانى أدركه وأنا أو من به وأصدقه وأشهد أنه نبى فان طالت بك مدة فرأيته فأقرئه منى السلام وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك قلت هلم قال هو رجل ليس بالقصير ولا بالطويل ولا بكثير الشعر ولا بقليله وليست تفارق عينيه حمرة وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه أحمد وهذا البلد مولده ومبعثه ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره فاياك أن تخدع عنه فانى طفت البلاد كلها لطلب دين ابراهيم فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك وينعتونه مثل ما نعته لك ويقولون لم يبق نبى غيره قال عامر فلما أسلمت أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحم عليه وقال قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن من لا يتهم عن عبد الله بن كعب مولى عثمان أنه حدث أن عمر بن الخطاب بينا هو جالس في الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من العرب داخل المسجد يريد عمر يعنى ابن الخطاب فلما نظر إليه عمر قال إن الرجل لعلى شركه ما فارقه * أو لقد كان كاهنا في الجاهلية فسلم عليه الرجل ثم جلس فقال له عمر هل أسلمت فقال نعم فقال هل كنت كاهنا في الجاهلية فقال الرجل سبحان الله لقد استقبلتني بأمر ما أراك قلته لاحد من رعيتك منذ وليت فقال عمر اللهم غفرا قد كنا في الجاهلية على شر من ذلك نعبد الاصنام ونعتنق الاوثان حتى أكرمنا الله بالاسلام فقال نعم والله يا أمير المؤمنين لقد كنت كاهنا في الجاهلية قال فأخبرنا ما أعجب ما جاءك به صاحبك قال جاءني قبل الاسلام بشهر أو سنة
[ 46 ]
فقال لى ألم تر إلى الجن وابلاسها وإياسها من دينها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها قال فقال عمر عند ذلك يحدث الناس والله إنى لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلا فنحن ننظر قسمه ليقسم لنا منه إذ سمعت من حوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه وذلك قبل الاسلام بشهر أو سنة يقول يا آل ذريح أمر نجيح رجل يصيح يقول لا إله إلا الله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا على بن مجاهد عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن كعب مولى عثمان ابن عفان مثله * حدثنا الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى محمد بن عبد الله عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعلم عن أبيه قال كنا حلوسا عند صنم ببوانة قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهر نحرنا جزورا فإذا صائح يصيح من جوف واحدة اسمعوا إلى العجب ذهب استراق الوحى ونرمى بالشهب لنبى بمكة اسمه أحمد مهاجره إلى يثرب قال فأمسكنا وعجبنا وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنى إحمد بن سنان القطان الواسطي قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس أن رجلا من بنى عامر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرنى الخاتم الذى بين كتفيك فإن بك بك طب داويتك فإنى أطب العرب قال أتحب أن أريك آية قال نعم ادع ذاك العذق قال فنظر إلى عذق في نخلة فدعاه فجعل ينقر حتى قام بين يديه قال قل له فليرجع فرجع فقال العامري يا بنى عامر ما رأيت كاليوم أسحر (قال أبو جعفر) والاخبار عن الدلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم أكثر من من أن تحصى ولذلك كتاب يفرد إن شاء الله ونرجع الآن إلى ذكر الخبر عما كان من أمر نبى الله صلى الله عليه وسلم عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه بإكرامه بإرسال جبريل عليه السلام إليه بوحيه
(قال أبو جعفر) قد ذكرنا قبل بعض الاخبار الواردة عن أول وقت إتيان مجئ جبريل نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بالوحى من الله وكم كان سن النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير إليه وظهوره له
[ 47 ]
بتنزيل ربه * فدحثنى أحمد بن عثمان المعروف بأبى الجوزاء قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبى قال سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت كان أول ما ابتدئ به رسول صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقة كانت تجئ مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان بغار بحراء يتحنث فيه الليالى ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق فأتاه فقال يا محمد أنت رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجثوت لركبتي وأنا قائم ثم زحفت ترجف بوادرى ثم دخلت على خديجة فقلت زملوني زملوني حتى ذهب عنى الروع ثم أتانى فقال يا محمد أنت رسول الله قال فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل فتبدى لى حين هممت بذلك فقال يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله ثم قال اقرأ قلت ما اقرأ قال فأخذني فغتنى ثلاث مرات حتى بلغ منى الجهد ثم قال اقرأ باسم ربك الذى خلق فقرأت فأتيت خديجة فقلت لقد أشفقت على نفسي فأخبرتها خبرى فقالت أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا ووالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدى الامانة وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ثم انطلقت بى إلى ورقة بن نوفل بن أسد قالت اسمع من ابن أخيك فسألني فأخبرته خبرى فقال هذا الناموس الذى أنزل على موسى بن عمران ليتنى فيها جذع ليتنى أكون حيا حين يخرجك قومك قلت أمخرجى هم ؟ قال نعم إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودي ولئن أدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم كان أول ما نزل على من القرآن بعد اقرأ ن والقلم
وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لاجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون ويا أيها المدثر قم فأنذر والضحى والليل إذا سجى * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثنى عروة أن عائشة أخبرته ثم ذكر نحوه غير أنه لم يقل ثم كان من أول ما أنزل على من القرآن إلى آخره * حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا سليمان الشيباني قال حدثنا عبد الله بن
[ 48 ]
شداد قال أتى جبريل محمدآ صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد اقرأ فقال ما أقرأ قال فغمه ثم قال يا محمد اقرأ قال ما أقرأ قال فغمه ثم قال يا محمد اقرأ قال وما أقرأ قال اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الانسان من علق حتى بلغ علم الانسان ما لم يعلم قال فجاء إلى خديجة فقال يا خديجة ما أرانى إلا قد عرض لى قالت كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك ما أتيت فاحشة قط قال فأتت خديجة ورقة بن نوفل فأخبرته الخبر فقال لئن كنت صادقة إن زوجك لنبى وليلقين من أمته شدة ولئن أدركته لاومنن به قال ثم أبطأ عليه جبريل فقالت له خديجة ما أرى ربك إلا قد قلاك قال فأنزل الله عز وجل والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثى حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاء جبريل عليه السلام فقال عبيد وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهرا وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر وقال أبو طالب * وراق ليرقى في حراء ونازل * فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك
الشهر من كل سنة يطعم من جاء من المساكين فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله عز وجل فيه ما أراد من كرامته من السنة التى بعثه فيها وذلك في شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره معه أهله حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ فقلت ما أقرأ فغتنى حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ وما أقول ذلك
[ 49 ]
إلا افتداء منه أن يعود إلى بمثل ما صنع بي قال اقرأ باسم ربك الذى خلق إلى قوله علم الانسان ما لم يعلم قال فقرأته قال ثم انتهى ثم انصرف عنى وهببت من نومى وكأنما كتب في قلبى كتابا قال ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلى من شاعر أو مجنون كنت لا أطيق أن أنظر إليهما قال قلت إن الابعد يعنى نفسه لشاعر أو مجنون لا تحدث بها عني قريش أبدا لاعمدن إلى حالق من الجبل فلاطرحن نفسي منه فلاقلنها فلاستريحن قال فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد انت رسول الله وأنا جبريل قال فوقفت أنظر إليه وشغلني ذلك عما أردت فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهى عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامى ولا أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبى حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف
في مكاني ثم انصرف عنى وانصرفت راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا فقالت يا أبا القاسم أين كنت فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلى قال قلت لها أن الابعد لشاعر أو مجنون فقالت أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم ما كان الله ليصنع ذلك بك ما أعلم منك من صدق حديثك وعظم أمانتك وحسن خلقك وصلة رحمك وما ذاك يا ابن عم لعلك رأيت شيئا قال فقلت لها نعم ثم حدثتها بالذى رأيت فقالت أبشر يا ابن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إنى لارجو أن تكون نبى هذه الامة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد وهو ابن عمها وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والانجيل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وآله أنه رأى وسمع فقال ورقة قدوس قدوس والذى نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الاكبر يعنى بالناموس جبريل عليه السلام الذى كان يأتي موسى وإنه لنبى هذه الامة فقولي له فليثبت
[ 50 ]
فرجعت خديجة إلى رسول االله صلى الله عليه وآله فأخبرته بقول ورقة فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة ابن نوفل وهو يطوف بالبيت فقال يا ابن أخى أخبرني بما رأيت أو سمعت فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له ورقة والذى نفسي بيده إنك لنبى هذه الامة ولقد جاءك الناموس الاكبر الذى جاء إلى موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه ولئن أنا أدركت ذلك لانصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى رأسه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتا وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم
* فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحق عن إسماعيل بن أبى حكيم مولى آل الزبير أنه حدث عن خديجة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يثبته فيما أكرمه الله به من نبوته يا ابن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذى يأتيك إذا جاءك قال نعم قالت فإذا جاءك فأخبرني به فجاءه جبريل عليه السلام كما كان يأتيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة يا خديجة هذا جبريل قد جاءني فقالت نعم فقم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجلس عليها قالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاقعد على فخذي اليمنى فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها فقالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول فجلس في حجرها قالت هل تراه قال نعم فتحسرت فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في حجرها ثم قالت هل تراه قال لا فقالت يا ابن عم اثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هو بشيطان * فحدثنا ابن حميد حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق قال وحدثت بهذا الحديث عبد الله بن الحسن فقال قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أنى قد سمعتها تقول أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها فذهب عند ذلك جبريل
[ 51 ]
فقالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن هذا لملك وما هو بشيطان * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عثمان بن عمر بن فارس قال حدثنا على بن المبارك عن يحيى يعنى بن أبى كثير قال سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل أول فقال يا أيها المدثر فقلت يقولون اقرأ باسم ربك فقال أبو سلمة سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل أول فقال يا أيها المدثر فقلت اقرأ باسم ربك الذى خلق فقال لا أخبرك إلا ما حدثنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت
فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت عن يمينى وعن شمالى وخلفي وقدامي فلم أر شيئا فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والارض فخشيت منه قال ابن المثنى هكذا قال عثمان بن عمرو إنما هو فجئثت منه فلقيت خديجة فقلت دثروني فدثروني وصبوا على ماء وانزل على يا أيها المدثر قم فأنذر * حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن على بن المبارك عن يحيى بن أبى كثير قال سألت أبا سلمة عن أول ما نزل من القرآن قال نزلت يا أيها المدثر أول قال قلت إنهم يقولون اقرأ باسم ربك الذى خلق فقال سألت جابر بن عبد الله فقال لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فسمعت صوتا فنظرت عن يمينى فلم أر شيئا وعن شمالى فلم أر شيئا ونظرت أمامى فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا على الماء قال فدثروني وصبوا على ماء باردا فنزلت يا أيها المدثر * وحدثت عن هشام بن محمد قال أتى جبريل رسول الله صلى الله وسلم أول ما أتاه ليلة السبت وليلة الاحد ثم ظهر له برسالة الله عز وجل يوم الاثنين فعلمه الوضوء وعلمه الصلاة وعلمه اقرأ باسم ربك الذى خلق وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين يوم أوحى إليه أربعون سنة * حدثنى أحمد بن محمد بن حبيب الطوسى قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال أخبرنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشى قال أخبرني عمر بن عروة بن الزبير قال سمعت عروة بن الزبير يحدث عن أبى ذر الغفاري
[ 52 ]
قال قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبى أول ما علمت حتى علمت ذلك واستيقنت قال يا أبا ذر أتانى ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة فوقع أحدهما في الارض والاخر بين السماء والارض فقال أحدهما لصاحبه أهو هو قال هو هو قال
فزنه برجل فوزنت برجل فرجحته ثم قال زنه بعشرة فوزننى بعشرة فرجحتهم ثم قال زنه بمائة فوزننى بمائة فرجحتهم ثم قال زنه بألف فوزننى بألف فرجحتهم فجعلوا ينتثرون علي من كفة الميزان قال فقال احدهما للآخر لو وزنته بأمته رجحها ثم قال أحدهما لصاحبه شق بطنه فشق بطني ثم قال أحدهما أخرج قلبه أو قال شق قلبه فشق قلبى فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحها ثم قال أحدهما للآخر أغسل بطنه غسل الاناء واغسل قلبه غسل الاناء أو اغسل قلبه غسل الملاءة ثم دعا بالسكينة كأنها وجه هرة بيضاء فأدخلت قلبى ثم قال أحدهما لصاحبه خط بطنه فخاطا بطني وجعلا الخاتم بين كتفي فما هو إلا أن وليا عنى فكأنما أعاين الامر معاينة * حدثنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري قال فتر الوحى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة فحزن حزنا شديدا جعل يغدو إلى رؤوس شواهق الجبال ليتردى منها فكلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فيقول إنك نبى الله فيسكن لذلك جأشه وترجع إليه نفسه فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن ذلك قال فبينما أنا أمشى يوما إذ رأيت الملك الذى كان يأتيني بحراء على كرسى بين السماء والارض فجئثت منه رعبا فرجعت إلى خديجة فقلت زملوني فزملناه أي دثرناه فأنزل الله عز وجل (يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر ثيابك فطهر) قال الزهري فكان أول شئ أنزل عليه اقرأ باسم ربك الذى خلق حتى بلغ ما لم يعلم * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الانصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحى بينا أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذى جاءني بحراء جالس على كرسى بين السماء والارض قال رسول الله
[ 53 ]
صلى الله عليه وسلم فجئثت منه فرقا وجئت فقلت زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله عز وجل (يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر - إلى قوله - والرجز فاهجر) قال ثم تتابع الوحى (قال أبو جعفر) فلما أمر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقوم بإنذار قومه عقاب الله على ما كانوا عليه مقيمين من كفرهم بربهم وعبادتهم الآلهة والاصنام دون الذى خلقهم ورزقهم وأن يحدث بنعمة ربه عليه بقوله (وأما بنعمة ربك فحدث) وذلك فيما زعم ابن إسحاق النبوة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وأما بنعمة ربك فحدث أي ما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة فحدث اذكرها وادع إليها قال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله فكان أول من صدقه وآمن به واتبعه من خلق الله فيما ذكر زوجته خديجة رحمها الله * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال الواقدي أصحابنا مجمعون على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد رحمها الله * قال أبو جعفر ثم كان اول شئ فرض الله عز وجل من شرائع الاسلام عليه بعد الاقرار بالتوحيد والبراءة من الاوثان والاصنام وخلع الانداد الصلاة فيما ذكر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق قال وحدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ليريه كيف الطهور للصلاة ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل عليه السلام توضأ ثم قام جبريل عليه السلام فصلى به وصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصلاته ثم انصرف جبريل عليه السلام فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خديجة
فتوضأ لها يريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل عليه السلام فتوضأت كما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 54 ]
كما صلى به جبريل عليه السلام فصلت بصلاته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا هارون بن المغيرة وحكام بن سلم عن عنبسة عن أبى هاشم الواسطي عن ميمون ابن سياه عن أنس بن مالك قال لما كان حين نبئ النبي صلى الله عليه وسلم وكان ينام حول الكعبة وكانت قريش تنام حولها فأتاه ملكان جبريل وميكائيل فقالا بأيهم أمرنا فقالا أمرنا بسيدهم ثم ذهبا ثم جاءا من القبلة وهم ثلاثة فألفوه وهو نائم فقلبوه لظهره وشقوا بطنه ثم جاءوا بماء من ماء زمزم فغسلوا ما كان في بطنه من شك أو شرك أو جاهلية أو ضلابة (1) ثم جاءوا بطست من ذهب ملئ إيمانا وحكمة فملئ بطنه وجوفه إيمانا وحكمة ثم عرج به إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقالوا من هذا فقال جبريل فقالوا من معك فقال محمد قالوا وقد بعث قال نعم قالوا مرحبا فدعوا له في دعائهم فلما دخل فإذا هو برجل جسيم وسيم فقال من هذا يا جبريل فقال هذا أبوك آدم ثم أتوا به إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل له مثل ذلك وقالوا في السموات كلها كما قال وقيل له في السماء الدنيا فلما دخل إذا برجلين فقال من هؤلاء يا جبريل فقال يحيى وعيسى ابنا الخالة ثم أتى به السماء الثالثة فلما دخل إذا هو برجل فقال من هذا يا جبريل قال هذا أخوك يوسف فضل بالحسن على الناس كما فضل القمر ليلة البدر على الكواكب ثم أتى به السماء الرابعة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبريل فقال هذا إدريس ثم قرأ (ورفعناه مكانا عليا) ثم أتى به السماء الخامسة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبريل قال هذا هارون ثم أتى به السماء السادسة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبريل فقال هذا موسى ثم أتى به السماء السابعة فإذا هو برجل
فقال من هذا يا جبريل قال هذا أبوك ابراهيم ثم انطلق إلى الجنة فإذا هو بنهر أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل بجنبتيه قباب الدر فقال ما هذا يا جبريل فقال هذا الكوثر الذى أعطاك ربك وهذه مساكنك قال وأخذ جبريل بيده من تربته فإذا هو مسك أذفر ثم خرج إلى سدرة المنتهى وهى سدرة نبق أعظمها
(1) قوله ما كان في بطنه الخ: مثل هذا ليس في الصحيح وهو كما ترى لا يليق برسول الله صلى الله عليه وسلم [ * ]
[ 55 ]
أمثال الجرار وأصغرها أمثال البيض فدنا ربك عز وجل (فكان قاب قوسين أو أدنى) فجعل يتغشى السدرة من دنو ربها تبارك وتعالى أمثال الدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ ألوان (فأوحى إلى عبده) وفهمه وعلمه وفرض عليه خمسين صلاة فمر على موسى فقال ما فرض على أمتك فقال خمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف لامتك فإن أمتك أضعف الامم قوة وأقلها عمرا وذكر ما لقى من بنى اسرئيل فرجع فوضع عنه عشرا ثم مر على موسى فقال ارجع إلى ربك فسله التخفيف كذلك حتى جعلها خمسا قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف فقال لست براجع غير عاصيك وقذف في قلبه أن لا يرجع فقال الله عز وجل لا يبدل كلامي ولا يرد قضائي وفرضي وخفف عن أمتى الصلاة لعشر قال أنس وما وجدت ويحا قط ولا ريح عروس قط أطيب ريحا من جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألزقت جلدى بجلده وشمته * قال أبو جعفر ثم اختلف السلف فيمن اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن به وصدقه على ما جاء به من عند الله من الحق بعد زوجته خديجة بنت خويلد وصلى معه فقال بعضهم كان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معه وصدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبي طالب عليه السلام ذكر بعض من قال ذلك ممن حضرنا ذكره
* حدثنا ابن حميد قال حدثنا ابراهيم بن المختار عن شعبة عن أبى بلج عن عمرو ابن ميمون عن ابن عباس قال أول من صلى علي * حدثنا زكريا بن يحيى الضرير قال حدثنا عبد الحميد بن بحر قال أخبرنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى حمزة عن زيد بن أرقم قال أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب قال فذكرته للنخعى فأنكره وقال أبو بكر أول من أسلم * حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى حمزة
[ 56 ]
مولى الانصار عن زيد بن أرقم قال أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب عليه السلام * حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبيد بن سعيد عن شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا حمزة رجلا من الانصار يقول سمعت زيد بن أرقم يقول أول رجل صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي عليه السلام * حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا العلاء عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله قال سمعت عليا يقول أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الاكبر لا يقولها بعدى إلا كاذب مفتر صليت مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين * حدثنى محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا سعيد بن خثيم عن أسد بن عبد ة البجلى عن يحيى بن عفيف عن عفيف قال جئت في الجاهلية إلى مكة فنزلت على العباس بن عبد المطلب قال فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه قال فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه فقلت يا عباس أمر عظيم فقال أمر
عظيم أتدرى من هذا فقلت لا قال هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن أخى أتدرى من هذا معه قلت لا قال هذا علي بن أبى طالب بن عبد المطلب ابن أخى أتدرى من هذه المرأة التى خلفهما قلت لا قال هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخى وهذا حدثنى إن ربك رب السماء أمرهم بهذا الذى تراهم عليه وأيم الله ما أعلم على ظهر الارض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة * حدثنا أبو كريب قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا محمد بن اسحاق قال حدثنى يحيى بن أبى الأشعث الكندى من أهل الكوفة قال حدثنى اسماعيل بن اياس بن عفيف عن أبيه عن جده قال كنت امرءا تاجرا فقدمت أيام الحج فأتيت العباس فبينا نحن عنده إذ خرج رجل يصلى فقام تجاه الكعبة ثم خرجت امرأة فقامت معه تصلى وخرج غلام فقام يصلى معه فقلت يا عباس ما هذا الدين إن هذا الدين ما أدرى ما هو
[ 57 ]
قال هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله به وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبى طالب آمن به قال عفيف فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون ثالثا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد قال سلمة حدثنى محمد بن اسحاق عن يحيى ابن أبى الأشعث قال أبو جعفر وهو في موضع آخر من كتابي عن يحيى بن الاشعث عن اسماعيل بن اياس بن عفيف الكندى وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس الكندى لامه وكان ابن عمه عن أبيه عن جده عفيف قال كان العباس بن عبد المطلب لي صديقا وكان يختلف إلى اليمن يشترى العطر فيبيعه أيام الموسم فبينا أنا عند العباس بن عبد المطلب بمنى فاتاه رجل مجتمع فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم قام يصلى فخرجت امرأة فتوضأت وقامت تصلى ثم خرج غلام قد راهق فتوضأ ثم قام إلى جنبه يصلى فقلت ويحك يا عباس ما هذا قال هذا ابن أخى محمد بن عبد الله بن عبد
المطلب يزعم أن الله بعثه رسولا وهذا ابن أخى علي بن أبى طالب قد تابعه على دينه وهذه امرأته خديجة ابنة خويلد قد تابعته على دينه قال عفيف بعد ما أسلم ورسخ الاسلام في قلبه يا ليتنى كنت رابعا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا عيسى بن سوادة ابن الجعد قال حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبى عبد الرحمن وأبو حازم المدنى والكلبي قالوا علي أول من أسلم قال الكلبى أسلم وهو ابن تسع سنين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال كان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معه وصدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبى طالب وهو يومئذ ابن عشر سنين وكان مما أنعم الله به على علي بن أبى طالب عليه السلام أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الاسلام * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال فحدثني عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد بن جبر أبى الحجاج قال كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب وما صنع الله له وأراده به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه وكان من أيسر بنى هاشم يا عباس ان
[ 58 ]
أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ من بنيه رجلا فنكفهما عنه قال العباس نعم انطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب أذا تركتما لى عقيلا فاصنعاما شئتما فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فضمه إليه وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه فلم يزل علي بن ابى طالب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبيا فاتبعه علي فآمن به وصدقه ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال فحدثني محمد بن اسحاق قال وذكر بعض
أهل العلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبى طالب مستخفيا من عمه أبى طالب وجميع أعمامه وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن أخى ما هذا الدين الذى أراك تدين به قال أي عم هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا ابراهيم أو كما قال بعثنى الله به رسولا إلى العباد وأنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابنى إليه وأعانني عليه أو كما قال فقال أبو طالب يا ابن أخى إنى لا أستطيع إن أفارق دينى ودين آبائى وما كانوا عليه ولكن والله لا يخلص إليك بشئ تكرهه ما حييت * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد ابن اسحاق قال وزعموا انه قال لعلي بن أبى طالب أي بنى ما هذا الدين الذى أنت عليه قال يا أبه آمنت بالله وبرسوله وصدقته بما جاء به وصليت معه لله فزعموا أنه قال له أما انه لا يدعوك إلا إلى خير فالزمه * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا ابراهيم بن نافع عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال أسلم علي وهو ابن عشر سنين * قال الحارث قال ابن سعد قال الواقدي واجتمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعدما تنبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة فأقام
[ 59 ]
بمكة ثنتى عشرة سنة وقال آخرون أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضى الله عنه ذكر من قال ذلك * حدثنا سهل بن موسى الرازي قال حدثنا عبد الرحمن بن مغراء عن مجالد عن الشعبى قال قلت لابن عباس من أول الناس إسلاما فقال أما سمعت قول حسان بن ثابت
إذا تذكرت شجوا من أخى ثقة * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها * بعد النبي وأوفاها بما حملا الثاني التالى المحمود مشهده * وأول الناس منهم صدق الرسلا * وحدثني سعيد بن عنبسة الرازي قال حدثنا الهيثم بن عدى عن مجالد عن الشعبى عن ابن عباس نحوه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا الهيثم بن عدى عن مجالد عن الشعبى عن ابن عباس نحوه * حدثنا بحر بن نصر الخولانى قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني معاوية بن صالح قال حدثنى أبو يحيى وضمرة بن حبيب وأبو طلحة عن أبى أمامة الباهلي قال حدثنى عمرو بن عبسة قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بعكاظ قلت يا رسول الله من تبعك على هذا الامر قال اتبعنى عليه رجلان حر وعبد أبو بكر وبلال قال فاسلمت عند ذلك قال فلقد رأيتنى إذ ذاك ربع الاسلام * حدثنى ابن عبد الرحيم البرقى قال حدثنا عمرو بن أبى سلمة قال حدثنا صدقة عن نصر بن علقمة عن أخيه عن ابن عائذ عن جبير بن نفير قال كان أبو ذر وابن عبسة كلاهما يقول لقد رأيتنى ربع الاسلام ولم يسلم قبلى إلا النبي وأبو بكر وبلال كلاهما لا يدرى متى أسلم الآخر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن ابراهيم قال أول من أسلم أبو بكر * حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال قال ابراهيم النخعي أبو بكر أول من أسلم * وقال آخرون أسلم قبل أبى بكر جماعة
[ 60 ]
ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا كنانة بن جبلة عن ابراهيم بن طهمان عن الحجاج ابن الحجاج عن قتادة عن سالم بن أبى الجعد عن محمد بن سعد قال قلت لابي
أكان أبو بكر أو لكم اسلاما فقال لا ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين ولكن كان أفضلنا اسلاما * وقال آخرون كان أول من آمن واتبع النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال زيد بن حارثة مولاه ذكر من قال ذلك * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال قال الواقدي حدثنى ابن أبى ذؤيب قال سألت الزهري من أول من أسلم قال من النساء خديجة ومن الرجال زيد بن حارثة * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد ابن عمر قال حدثنا مصعب بن ثابت عن أبى الاسود عن سليمان بن يسار قال أول من أسلم زيد بن حارثة * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد يعنى ابن عمر قال حدثنا ربيعة بن عثمان عن عمران بن أبى أنس مثله * وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا ابن لهيعة عن أبى الاسود عن عروة قال أول من أسلم زيد بن حارثة * وأما ابن اسحاق فإنه قال في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أول ذكر أسلم وصلى بعد علي ابن أبى طالب ثم أسلم أبو بكر بن أبى قحافة الصديق فلما أسلم أظهر اسلامه ودعا إلى الله عز وجل وإلى رسوله قال وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه محببا سهلا وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير أو شر وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الامر لعلمه وتجارته وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الاسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه فأسلم على يديه فيما بلغني عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم
[ 61 ]
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فاسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية نفر الذين سبقوا إلى الاسلام فصلوا وصدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا بما جاء به من عند الله ثم تتابع الناس في الدخول في الاسلام الرجال منهم والنساء حتى فشا ذكر الاسلام بمكة وتحدث به الناس * وقال الواقدي في ذلك ما حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد عنه اجتمع أصحابنا على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد ثم اختلف عندنا في ثلاثة نفر في أبى بكر وعلى وزيد بن حارثة أيهم أسلم أول قال وقال الواقدي أسلم معهم خالد بن سعد بن العاص خامسا وأسلم أبو ذر قالوا رابعا أو خامسا وأسلم عمرو بن عبسة السلمى فيقال رابعا أو خامسا قال فانما اختلف عندنا في هؤلاء النفر أيهم أسلم أول وفى ذلك روايات كثيرة قال فيختلف في الثلاثة المتقدمين وفي هؤلاء الذين كتبنا بعدهم * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى مصعب بن ثابت قال حدثنا أبو الاسود محمد ابن عبد الرحمن بن نوفل قال كان اسلام الزبير بعد أبى بكر كان رابعا أو خامسا * وأما ابن اسحاق فإنه ذكر ان خالد بن سعيد بن العاص وامرأته همينة بنت خلف ابن أسعد بن عامر بن بياضة من خزاعة أسلما بعد جماعة كثيرة غير الذين ذكرتهم باسمائهم انهم كانوا من السابقين إلى الاسلام ثم ان الله عز وجل أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما جاءه منه وأن يبادى الناس بأمره ويدعو إليه فقال له اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين وكان قبل ذلك في السنين الثلاث من مبعثه إلى أن أمر باظهار الدعاء إلى الله مستسرا مخفيا أمره صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه (وأنذر عشيرتك الاقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إنى برئ مما تعملون) قال وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب فاستخفوا
من قومهم فبينا سعد بن أبى وقاص في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فناكروهم
[ 62 ]
وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم فاقتتلوا فضرب سعد بن أبى وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه فكان أول دم أهريق في الاسلام * فحدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم الصفا فقال يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا مالك قال أرأيت إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقونني قالوا بلى قال فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك ألهذا دعوتنا أو جمعتنا فأنزل الله عز وجل (تبت يدا أبى لهب وتب) إلى آخر السورة * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة عن الاعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الاقربين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفاف هتف يا صباحاه فقالوا من هذا الذى يهتف قالوا محمد فقال يا بنى فلان يا بنى عبد المطلب يا عبد مناف فاجتمعوا إليه فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقى قالوا ما جربنا عليك كذبا قال فانى نذير لكم بين يدى عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا ثم قام فنزلت هذه السورة تبت يدا أبى لهب وتب إلى آخر السورة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب عن عبد الله ابن عباس عن علي بن أبى طالب قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنذر عشيرتك الاقربين دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال لى يا علي إن الله أمرنى أن أنذر عشيرتي الاقربين فضقت بذلك ذرعا وعرفت أنى متى أباديهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره فصمت عليه حتى جاءني جبريل فقال يا محمد إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رحل شاة واملا لنا عسا من لبن ثم اجمع لي بنى عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به ففعلت ما أمرنى به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون
[ 63 ]
رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذى صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حذية من اللحم فشقها باسنانه ثم ألقاها في نواحى الصفحة ثم قال خذوا بسم الله فأكل القوم حتى مالهم بشئ حاجة وما أرى الا موضع أيديهم وايم الله الذى نفس علي بيده وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم ثم قال اسق القوم فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا منه جميعا وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال لقد ما سحركم صاحبكم فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الغد يا علي إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم إلى * قال ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم ففعل كما فعل بالامس فأكلوا حتى ما لهم بشئ حاجة ثم قال أسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا بنى عبد المطلب إنى والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به إنى قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرنى الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني على هذا الامر على أن يكون أخى ووصيي
وخليفتي فيكم قال فأحجم القوم عنها جميعا وقلت وإنى لاحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا أنا يا نبى الله أكون وزيرك عليه فاخذ برقبتى ثم قال إن هذا أخى ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا قال فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع * حدثنى زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا أبو عوانة عن عثمان ابن المغيرة عن أبى صادق عن ربيعة بن ناجد أن رجلا قال لعلى عليه السلام يا أمير المؤمنين بم ورثت ابن عمك دون عمك فقال على هاؤم ثلاث مرات حتى اشرأب الناس ونشروا آذانهم ثم قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو دعا
[ 64 ]
رسول الله بنى عبد المطلب منهم رهطه كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق قال فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا وبقى الطعام كما هو كأنه لم يمس قال ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقى الشراب كأنه لم يمس ولم يشربوا قال ثم قال يا بنى عبد المطلب إنى بعثت إليكم بخاصة وإلى الناس بعامة وقد رأيتم من هذا الامر ما قد رأيتم فأيكم يبايعني على أن يكون أخى وصاحبى ووارثى فلم يقم إليه أحد فقمت إليه وكنت أصغر القوم قال فقال اجلس قال ثم قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لى اجلس حتى كان في الثالثة فضرب بيده على يدى قال فبذلك ورثت ابن عمى دون عمى * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة حدثنا محمد بن اسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن بن أبى الحسن قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأنذر عشيرتك الاقربين) قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالابطح ثم قال يا بنى عبد المطلب يا بنى عبد مناف يا بنى قصى قال ثم فخذ قريش قبيلة قبيلة حتى مر على آخرهم إنى أدعوكم إلى الله وأنذركم عذابه * حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا جارية بن أبى عمران عن عبد الرحمن
ابن القاسم عن أبيه قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه من عند الله وأن يبادى الناس بأمره وان يدعوهم إلى الله فكان يدعو من أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيا إلى أن أمر بالظهور للدعاء * قال ابن اسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه فصدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله وبادى قومه بالاسلام فلما فعل ذلك لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه بعض الرد فيما بلغني حتى ذكر آلهتهم وعابها فلما فعل ذلك ناكروه وأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالاسلام وهم قليل مستخفون وحدب عليه أبو طالب عمه ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرا لامره لا يرده عنه شئ فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شئ أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف
[ 65 ]
قريش إلى أبى طالب عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البخترى بن هشام والاسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابنا الحجاج أو من مشى إليه منهم فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فاما أن تكفه عنا وإما أن تخلى بيننا وبينه فانك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه قال ثم سرى الامر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه ثم إنهم مشوا إلى أبى طالب مرة أخرى فقالوا يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك
من ابن اخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا ثم انصرفوا عنه فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم له ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه * حدثنى محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدى أن ناسا من قريش اجتمعوا فيهم أبو جهل بن هشام والعاص ابن وائل والاسود بن المطلب والاسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى أبى طالب فنكلمه فيه فلينصفنا منه فيأمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذى يعبد فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شئ فتعيرنا العرب يقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه قال فبعثوا رجلا منهم يدعى المطلب فاستأذن لهم على أبى طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم يستأذنون عليك قال أدخلهم فلما دخلوا عليه قالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فانصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه قال فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 66 ]
قال يا ابن أخى هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم وقد سألوك النصف أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك قال أي عم أو لا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها قال وإلى ما تدعوهم قال ادعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم قال فقال أبو جهل من بين القوم ما هي وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها قال تقول لا إله إلا الله قال فنفروا وقالوا سلنا غير هذه فقال لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدى ما سألتكم غيرها قال فغضبوا وقاموا من عنده غضابى وقالوا والله لنشتمنك وإلهك الذى يأمرك بهذا (وانطلق الملا
منهم أن أمشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا الشئ يراد - إلى قوله - إلا اختلاق) وأقبل على عمه فقال له عمه يا ابن أخى ما شططت عليهم فأقبل على عمه فدعاه فقال قل كلمة أشهد لك بها يوم القيامة تقول لا إله إلا الله فقال لولا أن تعيبكم بها العرب يقولون جزع من الموت لاعطيتكها ولكن على ملة الاشياخ قال فنزلت هذه الآية (إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء) * حدثنا أبو كريب وابن وكيع قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا الاعمش قال حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقال إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول فلو بعثت إليه فنهيته فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبى طالب قدر مجلس رجل قال فخشى أبو جهل إن جلس إلى جنب أبى طالب أن يكون أرق له عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب أي ابن أخى ما بال قومك يشكونك يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول قال وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عم إنى أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدى إليهم بها العجم الجزية ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كلمة واحدة نعم وأبيك عشرا قالوا فما هي فقال أبو طالب وأى كلمة هي يا ابن أخى قال لا إله الا الله قال
[ 67 ]
فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب) قال نزلت من هذا الموضع - إلى قوله - (لما يذوقوا عذاب) لفظ الحديث لابي كريب (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال فحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة
ابن الاخنس أنه حدث أن قريشا حين قالت لابي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا ابن أخى إن قومك قد جاؤني فقالوا لي كذا وكذا فأبق على وعلى نفسك ولا تحملني من الامر ما لا أطيق فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قد بدا لعمه فيه بداء وانه خاذله ومسلمه وانه قد ضعف عن نصرته والقيام معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عماه لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى على أن أترك هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يا ابن أخى فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اذهب يا ابن أخى فقل ما أحببت فو الله لا أسلمك لشئ أبدا قال ثم ان قريشا لما عرفت ان أبا طالب أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم واسلامه واجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد ابن المغيرة فقالوا له فيما بلغني يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأشعره وأجمله فخذه فلك عقله ونصرته واتخذه ولدا فهو لك وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذى قد خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما رجل كرجل فقال والله لبئس ما تسوموننى أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله ما لا يكون أبدا فقال المطعم ابن عدى بن نوفل بن عبد مناف والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا فقال أبو طالب للمطعم والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك أو كما قال أبو طالب قال فحقب الامر عند ذلك وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى
[ 68 ]
بعضهم بعضا قال ثم ان قريشا تذمروا على من في القبائل منهم من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اسلموا معه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله رسوله منهم بعمه أبى طالب وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا تصنع ما تصنع في بنى هاشم وبنى المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوا إلى ما دعاهم إليه من الدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الا ما كان من أبى لهب فلما رأى أبو طالب من يومه ما سره من جدهم معه وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ومكانه ليشد لهم رأيهم * حدثنا على بن نصر بن على الجهضمى وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال على بن نصر حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وقال عبد الوارث حدثنى أبى قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب إلى عبد الملك بنى مروان * أما بعد فإنه يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قومه لما بعثه الله من الهدى والنور الذى أنزل عليه لم يبعدوا منه أول ما دعاهم وكادوا يسمعون له حتى ذكر طواغيتهم وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال أنكروا ذلك عليه واشتدوا عليه وكرهوا ما قال وأغروا به من أطاعهم فانصفق عنه عامة الناس فتركوه إلا من حفظه الله منهم وهم قليل فكث بذلك ما قدر الله أن يمكث ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الاسلام فافتنن من افتتتن وعصم الله منهم من شاء فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي لا يظلم أحد بأرضه وكان يثنى عليه من ذلك صلاح وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها يجدون فيها رفاغا من الرزق وأمنا ومتجرا حسنا فأمرهم بها
رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة وخاف عليهم
[ 69 ]
الفتن ومكث هو فلم يبرح فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم ثم إنه فشا الاسلام فيها ودخل فيها رجال من أشرافهم (قال أبو جعفر) فاختلف في عدد من خرج إلى ارض الحبشة وهاجر إليها هذه الهجرة وهى الهجرة الاولى فقال بعضهم كانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة ذكر من قال ذلك * حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا يونس بن محمد الظفرى عن أبيه عن رجل من قومه قال وأخبرنا عبيد الله بن العباس الهذلى عن الحارث بن الفضيل قالا خرج الذين هاجروا الهجرة الاولى متسللين سرا وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي ووفق الله للمسلمين ساعة جاءوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا قالوا وقدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جار أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى يونس بن محمد عن أبيه قال وحدثني عبد الحميد عن محمد بن يحيى بن حبان قالا تسمية القوم الرجال والنساء عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو حذيفة بن عتبة ابن ربيعة معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو والزبير بن العوام بن خويلد ابن أسد ومصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة وأبو سلمة بن عبد الاسد بن هلال
ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم معه امرأته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وعثمان بن مظعون الجمحى وعامر بن ربيعة العنزي من عنز بن وائل ليس من عنزة حليف بنى عدى بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة وأبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى العامري وحاطب بن عمرو بن
[ 70 ]
عبد شمس وسهيل بن بيضاء من بنى الحارث بن فهر وعبد الله بن مسعود حليف بنى زهرة (قال أبو جعفر) وقال آخرون كان الذين لحقوا بأرض الحبشة وهاجروا إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها اثنين وثمانين رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم وهو يشك فيه ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله وعمه أبى طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم أحد عنده وهى أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله عز وجل بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الاسلام فكان أول من خرج من المسلمين من بنى أمية ابن عبد شمس ابن عبد مناف عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية ومعه امرأته رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بنى عبد شمس أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ابن عبد مناف ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو أحد بنى عامر بن لؤى ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى بن الزبير بن العوام فعد النفر الذين ذكرهم الواقدي غير أنه قال من بنى عامر بن لؤى بن غالب بن فهر أبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى
ابن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى يقال بل أبو حاطب بن عمر بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى قال ويقال هو أول من قدمها فجعلهم ابن إسحاق عشرة وقال كان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني قال ثم خرج جعفر بن أبى طالب وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها منهم من خرج بأهله معه ومنهم من خرج بنفسه لا أهل معه ثم عد بعد ذلك تمام اثنين وثمانين رجلا بالعشرة الذين ذكرت بأسمائهم ومن كان منهم معه أهله وولده ومن ولد له بأرض الحبشة ومن كان منهم لا أهل له (قال أبو جعفر)
[ 71 ]
ولما خرج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مهاجرا إليها ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بمكة يدعو إلى الله سرا وجهرا قد منعه الله بعمه أبى طالب وبمن استجاب لنصرته من عشيرته ورأت قريش أنهم لا سبيل لهم إليه رموه بالسحر والكهانة والجنون وأنه شاعر وجعلوا يصدون عنه من خافوا منه أن يسمع قوله فيتبعه فكان أشد ما بلغوا منه حينئذ فيما ذكر ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قلت له ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهر من عداوته قال قد حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا لقد صبرنا منه على أمر عظيم أو كما قال فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشى حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت فلما مر غمزوه ببعض القول
قال فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فوقف فقال أتسمعون يا معشر قريش أما والذى نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح قال فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع وحتى ان أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفأه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول انصرف يا أبا القاسم راشدا فوالله ما كنت جهولا قال فانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وآله فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون له أنت الذى تقول كذا وكذا لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله
[ 72 ]
نعم أنا الذى أقول ذلك قال فلقد رأيت رجلا منهم آخذا بجمع ردائه قال وقام أبو بكر الصديق دونه يقول وهو يبكى ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ثم انصرفوا عنه فان ذلك أشد ما رأيت قريشا بلغت منه قط * حدثنا يونس بن عبد الاعلى قال حدثنا بشر بن بكر قال حدثنا الاوزاعي قال حدثنا يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال قلت لعبد الله بن عمرو حدثنى بأشد شئ رأيت المشركين صنعوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال أقبل عقبة بن أبى معيط ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكعبة فلوى ثوبه في عنقه وخنقه خنقا شديدا فقام أبو بكر من خلفه فوضع يده على منكبه فدفعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال أبو بكر يا قوم (أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله - إلى قوله - إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب) قال ابن إسحاق وحدثني رجل من
أسلم كان واعية أن أبا جهل بن هشام مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وآله ومولاة لعبد الله جدعان التيمى في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى نادى قريش عند الكعبة فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم وكان أعز قريش وأشدها شكيمة فلما مر بالمولاة وقد قام رسول الله صلى الله عليه وآله ورجع إلى بيته فقالت يا أبا عمارة لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد آنفا قبل أن تأتى من أبى الحكم بن هشام وجده ههنا جالسا فسبه وآذاه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد قال فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله من كرامته فخرج سريعا لا يقف على أحد كما كان يصنع يريد الطواف بالكعبة معدا لابي جهل إذا لقيه أن يقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه
[ 73 ]
بها ضربة فشجه بها شجة منكرة وقال أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول فرد ذلك على إن استطعت وقامت رجال بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإنى والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا وتم حمزة على إسلامه فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما كانوا ينالون منه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق قال حدثنى يحيى ابن عروة بن الزبير عن أبيه قال كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله
صلى الله عليه وسلم بمكة عبد الله بن مسعود قال اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا والله ما سمعت قريش بهذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعهموه فقال عبد الله بن مسعود أنا قالوا إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه فقال دعوني فإن الله سيمنعنى قال فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام ثم قال (بسم الله الرحمن الرحيم - رافعا بها صوته - الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان) قال ثم استقبلها يقرأ فيها قال وتأملوا وجعلوا يقولون ما يقول ابن أم عبد ثم قالوا إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه فقالوا هذا الذى خشينا عليك قال ما كان أعداء الله أهون على منهم اليوم لئن شئتم لاغادينهم غدا بمثلها قالوا لا حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون (قال أبو جعفر) ولما استقر بالذين هاجروا إلى أرض الحبشة القرار بأرض النجاشي واطمأنوا تآمرت قريش فيما بينها في الكيد بمن ضوى إليها من المسلمين فوجهوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة بن المغيرة المخزومى إلى النجاشي مع هدايا كثيرة أهدوها إليه وإلى بطارقته وأمروهما أن يسألا النجاشي تسليم من قبله وبأرضه من المسلمين إليهم فشخص عمرو وعبد الله إليه في ذلك فنفذا لما أرسلهما إليه قومهما فلم يصلا إلى ما أمل قومهما من النجاشي فرجعا مقبوحين
[ 74 ]
وأسلم عمر بن الخطاب رحمه الله فلما أسلم وكان رجلا جلدا جليدا منيعا وكان قد أسلم قبل ذلك حمزة بن عبد المطلب ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في انفسهم قوة وجعل الاسلام يفشو في القبائل وحمى النجاشي من ضوى إلى بلده منهم اجتمعت قريش فائتمرت بينها أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على
ألا ينكحوا إلى بنى هاشم وبنى المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم فكتبوا بذلك صحيفة وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا بذلك الامر على أنفسهم فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه في شعبه وخرج من بنى هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش وظاهرهم عليه فأقاموا على ذلك من أمرهم سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل إلى أحد منهم شئ إلا سرا مستخفيا به ممن أراد صلتهم من قريش وذكر أن أبا جهل لقى حكيم ابن حزام بن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد وهى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه في الشعب فتعلق به وقال أتذهب بالطعام إلى بنى هاشم والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة فجاء أبو البخترى ابن هشام بن الحارث بن أسد فقال مالك وله قال يحمل الطعام إلى بنى هاشم فقال له أبو البخترى طعام لعمته عنده بعثت إليه أفتمنعه أن يأتيها بطعامها خل سبيل الرجل فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه فأخذ أبو البخترى لحى بعير فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيشمتوا بهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ذلك يدعو قومه سرا وجهرا آناء الليل وآناء النهار والوحى عليه من الله متتابع بأمره ونهيه ووعيد من ناصبه العداوة والحجج لرسول الله صلى الله عليه وسلم على من خالفه فذكر أن أشراف قومه اجتمعوا له يوما فيما حدثنى محمد بن موسى الحرشى قال حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى قال حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس أن قريشا وعدوا رسول الله صلى الله
[ 75 ]
عليه وسلم أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء
ويطؤا عقبه فقالوا هذا لك عندنا يا محمد وكف عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فانا نعرض عليك خصلة واحدة فهى لك ولنا فيها صلاح قال ما هي قالوا تعبد آلهتنا سنة اللات والعزى ونعبد إلهك سنة قال حتى أنظر ما يأتي من عند ربى فجاء الوحى من اللوح المحفوظ قل (يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) السورة وأنزل الله عز وجل (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون - إلى قوله - بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) * حدثنى يعقوب بن ابراهيم قال حدثنا ابن علية عن محمد بن اسحاق قال حدثنى سعيد بن مينا مولى إبى البخترى قال لقى الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والاسود بن المطلب وأمية ابن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ونشركك في أمرنا كله فإن كان الذى جئت به خيرا مما في أيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذى بأيدينا خيرا مما في يدك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه فأنزل الله عز وجل قل يا أيها الكافرون حتى انقضت السورة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على صلاح قومه محبا مقاربتهم بما وجد إليه السبيل قد ذكر أنه تمنى السبيل إلى مقاربتهم فكان من أمره في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن يزيد بن زياد المدنى عن محمد بن كعب القرظى قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى قومه عنه وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه وكان يسره مع حبه قومه وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم حتى حدث بذلك نفسه وتمناه وأحبه فأنزل الله عز وجل (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى - فلما انتهى إلى قوله - أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى) ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه ويتمنى
أن يأتي به قومه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتضي فلما سمعت قريش فرحوا وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم فأصاخوا له والمؤمنون مصدقون نبيهم
[ 76 ]
فياجاءهم به عن ربهم ولا يتهمونه على خطإ ولا وهم ولا زلل فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها فسجد المسلمون بسجود نبيهم تصديقا لما جاء به واتباعا لامره وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة فانه كان شيخا كبيرا فلم يستطع السجود فاخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ثم تفرق الناس من المسجد وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم يقولون قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر قد زعم فيما يتلو إنها الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتضي وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل أسلمت قريش فنهض منهم رجال وتخلف آخرون وآتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد ماذا صنعت لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عز وجل وقلت ما لم يقل لك فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا فأنزل الله عز وجل وكان به رحيما يعزيه ويخفض عليه الامر ويخبره أنه لم يك قبله نبى ولا رسول تمنى كما تمنى ولا أحب كما أحب الا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آبائه أي فانما أنت كبعض الانبياء والرسل فانزل الله عز وجل (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) فاذهب الله عز وجل عن نبيه الحزن وآمنه من الذى كان يخاف ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم إنها الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتضي بقول الله عز وجل ذكر اللات والعزى ومناة
الثلاثة الاخرى (ألكم الذكر وله الانثى تلك إذا قسمة ضيزى) أي عوجاء (إن هي إلا أسماء سميتموها إنتم وآباؤكم - إلى قوله - لمن يشاء ويرضى) أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده فلما جاء من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه قالت قريش ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتكم
[ 77 ]
عند الله فغير ذلك وجاء بغيره وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وأقبل أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا من أرض الحبشة لما بلغهم من اسلام أهل مكة حين سجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذى كانوا تحدثوا به من اسلام أهل مكة كان باطلا فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيا فكان من قدم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدرا من بنى عبد شمس بن عبد مناف بن قصى عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بنت سهيل وجماعة أخر معهم عددهم ثلاثة وثلاثون رجلا * حدثنى القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثنى حجاج عن أبى معشر عن محمد بن كعب القرظى ومحمد بن قيس قالا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناد من أندية قريش كثير أهله فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شئ فينفروا عنه فأنزل الله عز وجل والنجم إذا هوى مل ضل صاحبكم وما غوى فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى ألقى الشيطان عليه كلمتين تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى فتكلم بها ثم مضى فقرأ السورة كلها فسجد في
آخر السورة وسجد القوم معه جميعا ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود فرضوا بما تكلم به وقالوا قد عرفنا أن الله يحيى ويميت وهو الذى يخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فإذا جعلت لها نصيبا فنحن معك قالا فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال ما جئتك بهاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل فأوحى الله إليه وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفتري علينا غيره - إلى قوله
[ 78 ]
ثم لا تجد لك علينا نصيرا) فما زال مغموما مهموما حتى نزلت (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى - إلى قوله - والله عليم حكيم) قال فسمع من كان بأرض الحبشة من المهاجرين أن أهل مكة قد اسلموا كلهم فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا هم أحب إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان ثم قام فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق في نقض الصحيفة التى كانت قريش كتبت بينها على بنى هاشم وبنى المطلب نفر من قريش وكان أحسنهم بلاء فيه هشام ابن عمرو بن الحارث العامري من عامر بن لؤى وكان ابن أخى نضلة بن هاشم بن عبد مناف لامه وأنه مشى إلى زهير بن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت لا يبايعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم أما إنى أحلف بالله لو كان أخوال أبى الحكم ابن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا قال ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد والله لو كان معى رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها قال قد وجدت رجلا قال من هو قال أنا قال له زهير ابغنا
ثالثا فذهب إلى المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف فقال له يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سريعا قال ويحك فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت ثانيا قال من هو قال أنا قال أبغنا ثالثا قال قد فعلت قال من هو قال زهير بن أبى أمية قال ابغنا رابعا فذهب إلى أبى البخترى ابن هشام فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدى فقال وهل من أحد يعين على هذا قال نعم قال من هو قال زهير بن أبى أمية والمطعم بن عدى وأنا معك قال ابغنا خامسا فذهب إلى زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم فقال له وهل على هذا الامر الذى تدعوني إليه من أحد قال نعم ثم سمى له القوم فاتعدوا له خطم الحجون التى بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك وأجمعوا
[ 79 ]
أمرهم وتعاهدوا على القيام في الصحيفة التى ينقضوها وقال زهير أنا أبدأكم فأكون أولكم يتكلم فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير بن أبى أمية عليه حلة له فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال يا أهل مكة أنأكل الطعام ونشرب الشراب ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبايعون ولا يبتاع منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة قال أبو جهل وكان في ناحية المسجد كذبت والله لا تشق قال زمعة بن الاسود أنت والله أكذب ما رضينا كتابها حين كتبت قال أبو البخترى صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به قال المطعم بن عدى صدقتما وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها قال هشام بن عمرو نحوا من ذلك قال أبو جهل هذا أمر قضى بليل وتشوور فيه بغير هذا المكان وأبو طالب جالس في ناحية المسجد وقام المطعم ابن عدى إلى الصحيفة ليشقها فوجد الارضة قد أكلتها إلا ما كان من باسمك اللهم
وهى فاتحة ما كانت تكتب قريش تفتتح بها كتابها إذا كتبت قال وكان كاتب صحيفة قريش فيما بلغني التى كتبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطه من بنى هاشم وبنى المطلب منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى فشلت يده وأقام بقيتهم بأرض الحبشة حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمرى فحملهم في سفينتين فقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعد الحديبية وكان جميع من قدم في السفينتين ستة عشر رجلا ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيما مع قريش بمكة يدعوهم إلى الله سرا وجهرا صابرا على أذاهم وتكذيبهم إياه واستهزائهم به حتى إن كان بعضهم فيما ذكر يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلى ويطرحها في برمته إذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فيما بلغني حجرا يستتر به منهم إذا صلى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن إسحاق قال حدثنى عمر ابن عبد الله بن عروة بن الزبير عن عروة بن الزبير قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج بذلك إذا رمى به في داره على العود فيقف على بابه ثم يقول يا بنى
[ 80 ]
عبد مناف أي جوار هذا ثم يلقيه بالطريق ثم إن أبا طالب وخديجة هلكا في عام واحد وذلك فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين فعظمت المصيبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاكهما وذلك أن قريشا وصلوا من أذاه بعد موت أبى طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته منه حتى نثر بعضهم على رأسه التراب * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال حدثنى هشام بن عروة عن أبيه قال لما نثر ذلك السفيه التراب على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهى تبكى ورسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول لها يا بنية لا تبكى فإن الله مانع أباك قال ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ولما هلك أبو طالب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة من قومه وذكر أنه خرج إليهم وحده فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا ابن إسحاق قال حدثنى يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة عبد ياليل بن عمرو بن عمير ومسعود ابن عمرو بن عمير وحبيب بن عمرو بن عمير وعندهم امرأة من قريش من بنى جمح فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاء لهم من نصرته على الاسلام والقيام معه على من خالفه من قومه فقال أحدهم هو يمرط بباب الكعبة إن كان الله أرسلك وقال الاخر ما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك كلمة أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لانت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى أن أكلمك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف وقد قال لهم فيما ذكر لى إن فعلتم ما فعلتم فاكتموا على وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس
[ 81 ]
وألجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقى من سفهاء ثقيف وقد لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لى تلك المرأة من بنى جمح فقال لها ماذا لقينا من أحمائك فلما اطمان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما ذكر لى اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتى وهوانى
على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمرى إن لم يكن بك على غضب فلا أبالى ولكن عافيتك هي أوسع لى أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بى غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك فلما رأى ابنا ربيعة عتبة وشيبة ما لقى تحركت له رحمهما فدعوا له غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس فقالا له خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده قال بسم الله ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس وما دينك قال أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى قال له وما يدريك ما يونس بن متى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أخى كان نبيا وأنا نبى فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه ورجليه قال يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه أما غلامك فقد أفسده عليك فلما جاءهما عداس قالا له ويلك يا عداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه قال يا سيدى ما في الارض خير من هذا الرجل لقد خبرني بأمر لا يعلمه إلا نبى فقالا ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من
[ 82 ]
خير ثقيف حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلى فمر به نفر من الجن الذين ذكر الله عز وجل * قال محمد بن اسحاق وهم فيما ذكر لى سبعة نفر من جن أهل
نصيبين اليمن فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا فقص الله عز وجل خبرهم عليه (وإذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن - إلى قوله - ويجركم من عذاب أليم) وقال (قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن) إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة قال محمد وتسمية النفر من الجن الذين استمعوا الوحى فيما بلغني حسا ومسا وشاصر وناصر واينا الاردواينين والاحقم قال ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الطائف مريدا مكة به بعض أهل مكة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أنت مبلغ عنى رسالة أرسلك بها قال نعم قال فأتاه الاخنس بن شريق فقل له يقول لك محمد هل أنت مجيرى حتى أبلغ رسالة ربى قال فأتاه فقال له ذلك فقال الاخنس إن الحليف لا يجير على الصريح قال فأتى النبي صلى الله على وسلم فأخبره قال تعود قال نعم قال ائت سهيل بن عمرو فقل له أن محمدا يقول لك هل أنت مجيرى حتى أبلغ رسالات ربى فأتاه فقال له ذلك قال فقال إن بنى عامر بن لؤى لا تجير على بنى كعب قال فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره قال تعود قال نعم قال ائت المطعم ابن عدى فقل له إن محمدا يقول لك هل أنت مجيرى حتى أبلغ رسالات ربى قال نعم فليدخل قال فرجع الرجل إليه فأخبره وأصبح المطعم بن عدى قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه فدخلوا المسجد فلما رآه أبو جهل قال أمجير أم متابع قال بل مجير قال فقال قد أجرنا من أجرت فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وأقام بها فدخل يوما المسجد الحرام والمشركون عند الكعبة فلما رآه أبو جهل قال هذا نبيكم يا بنى عبد مناف قال عتبة بن ربيعة وما تنكر أن يكون منا نبى أو ملك فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أو سمعه فأتاهم فقال أما أنت يا عتبة بن ربيعة
[ 83 ]
فوالله ما حميت لله ولا لرسوله ولكن حميت لانفك وأما أنت يا أبا جهل بن هشام فوالله لا يأتي عليك غير كبير من الدهر حتى تضحك قليلا وتبكى كثيرا وأما أنتم يا معشر الملا من قريش فوالله لا يأتي عليكم غير كبير من الدهر حتى تدخلوا فيما تنكرون وأنتم كارهون وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في الموسم إذا كانت على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبى مرسل ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى حسين بن عبد الله بن عبيد الله ابن عباس قال سمعت ربيعة بن عباد يحدث أبى قال إنى لغلام شاب مع أبى بمنى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول يا بنى فلان إنى رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الانداد وأن تؤمنوا بى وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثنى به قال وخلفه رجل أحول وضئ له غديرتان عليه حلة عدنية فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه قال الرجل يا بنى فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن من بنى مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا له قال فقلت لابي يا أبت من هذا الرجل الذى يتبعه يرد عليه ما يقول قال هذا عمه عبد العزى أبو لهب بن عبد المطلب * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال وحدثني محمد بن اسحاق قال حدثنا محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن
حصين أنه أتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول لهم يا بنى عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال
[ 84 ]
محمد بن اسحاق حدثنى بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بنى حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه أتى بنى عامر ابن صعصعة فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فقال رجل منهم يقال له بيحرة ابن فراس والله لو أنى أخذت هذا الفتى من قريش لاكلت به العرب ثم قال له أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الامر من بعدك قال الامر إلى الله يصنعه حيث يشاء قال فقال له أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الامر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كانت أدركته السن حتى لا يقدر على أن يوافي معهم الموسم فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسهم فقالوا جاءنا فتى من قريش ثم أحد بنى عبد المطلب يزعم أنه نبى ويدعو إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به معنا إلى بلادنا قال فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال يا بنى عامر هل لها من تلاف هل لذناباها من مطلب والذى نفس فلان بيده ما تقولها اسماعيلي قط وانها لحق فأين كان رأيكم عنه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمر كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الاسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة لا يسمع بقادم يقدم من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله
وعرض عليه ما عنده * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق قال حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة الظفرى عن أشياخ من قومه قالوا قدم سويد بن صامت أخو بنى عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا قال وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره ونسبه وشرفه وهو الذى يقول ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى * مقالته بالغيب ساءك ما يفرى مقالته كالشحم ما كان شاهدا * وبالغيب مأثور على ثغره النحر
[ 85 ]
يسرك باديه وتحت أديمه * نميمة غش تبترى عقب الظهر تبين لك العينان ما هو كاتم * ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر فرشني بخير طال ما قد بريتنى * وخير الموالى من يريش ولا يبرى مع أشعار له كثيرة يقولها قال فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به فدعاه إلى الله وإلى الاسلام قال فقال له سويد فلعل الذى معك مثل الذى معى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الذى معك قال مجلة لقمان يعنى حكمة لقمان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرضها على فعرضها عليه فقال إن هذا لكلام حسن، معى أفضل من هذا، قرآن أنزله الله على هدى ونور قال فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الاسلام فلم يبعد منه وقال إن هذا لقول حسن ثم انصرف عنه وقدم المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج فإن كان قومه ليقولون قد قتل وهو مسلم وكان قتله قبل بعاث * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال حدثنى الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ أخو بنى عبد الاشهل عن محمود بن لبيد أخى بنى عبد الاشهل قال لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتنة من بنى عبد الاشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش
على قومهم من الخزرج سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم هل لكم إلى خير مما جئتم له قالوا وما ذاك قال أنا رسول الله بعثنى إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وأنزل على الكتاب ثم ذكر لهم الاسلام وتلا عليهم القرآن فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا أي قوم هذا والله خير مما جئتم له قال فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا قال فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وانصرفوا إلى المدينة فكانت وقعة بعاث بين الاوس والخزرج قال ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك قال محمود بن لبيد فأخبرني من حضره من قومي عند موته
[ 86 ]
إنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات فكانوا يشكون أن قد مات مسلما لقد كان استشعر الاسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع * قال فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه وإنجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذى لقى فيه النفر من الانصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم فبينا هو عند العقبة إذ لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا * قال ابن حميد قال سلمة قال محمد بن اسحاق فحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم من أنتم قالوا نفر من الخزرج قال أمن موالى يهود قالوا نعم قال أفلا تجلسون حتى أكلمكم قالوا بلى قال فجلسوا معه فدعاه ألى الله عز وجل وعرض عليهم الاسلام وتلا عليهم القرآن قال وكان مما صنع الله لهم به في الاسلام أن يهودا كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وكانوا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا
إذا كان بينهم شئ قالوا لهم إن نبيا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض تعلمن والله إنه للنبى الذى توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام وقالوا له إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى الله أن يجمعهم بك وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا وهم فيما ذكر لي ستة نفر من الخزرج منهم من بنى النجار وهم تيم الله ثم من بنى مالك بن النجار بن ثعلبة ابن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر أسعد ابن زرارة بن عدس ابن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار وهو أبو أمامة وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار وهو ابن عفراء ومن بنى زريق
[ 87 ]
ابن عامر بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة ابن عمرو بن عامر رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق ومن بنى سلمة ابن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة ابن ثعلبة بن عمرو بن عامر ثم من بنى سواد قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو ابن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة ومن بنى حرام بن كعب بن غنم ابن كعب بن سلمة عقبة بن عامر بن نابى بن زيد بن حرام ومن بنى عبيد ابن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد قال فلما قدموا المدينة على قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الاسلام حتى فشا فيهم فلم تبق دار من دور الانصار إلا
وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الانصار اثنى عشر رجلا فلقوه بالعقبة الاولى فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض عليهم الحرب منهم من بنى النجار أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار وهو أبو أمامة وعوف ومعاذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار وهما ابنا عفراء ومن بنى زريق بن عامر بن مالك بن العجلان ابن عمرو بن عامر بن زريق وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن محلد بن عامر بن زريق ومن بنى عوف بن الخزرج ثم من بنى غنم بن عوف وهم القوافل عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن غنم بن عوف بن الخزرج وأبو عبد الرحمن وهو يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة من بنى غضينة من بلى حليف لهم ومن بنى سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج عباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف ومن بنى سلمة ثم من بنى حرام عقبة بن عامر بن نابى بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة ومن بنى سواد قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو ابن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة وشهدها من الاوس ابن حارثة بن ثعلبة بن عمرو
[ 88 ]
ابن عامر ثم من بنى عبد الاشهل أبو الهيثم بن التيهان اسمه مالك حليف لهم ومن بنى عمرو بن عوف عويم بن ساعدة بن صعلجة حليف لهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى يزيد بن أبى حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزنى عن أبى عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحى عن عبادة بن الصامت قال كنت فيمن حضر العقبة الاولى وكنا اثنى عشر رجلا فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على أن لا نشرك
بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فان وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم شيئا من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق أن ابن شهاب ذكر عن عائذ الله بن عبد الله أبى ادريس الخولانى عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال فلما انصرف عنه القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الاسلام ويفقههم في الدين فكان يسمى مصعب بالمدينة المقرئ وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس أبى أمامة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب وعبد الله ابن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ان أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بنى عبد الاشهل ودار بنى ظفر وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس ابن خالة أسعد بن زرارة فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر على بئر يقال لها بئر مرق فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بنى عبد الاشهل وكلاهما مشرك على دين قومه فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لاسيد بن حضير لا أبا لك انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أن يأتيا دارنا فإنه
[ 89 ]
لولا أن أسعد بن زرارة منى حيث قد علمت كفيتك ذلك هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل اليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه قال مصعب أن يجلس أكلمه
قال فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما الينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة فقال له مصعب أو تجلس فتسمع فان رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره قال أنصفت ثم ركز حربته وجلس اليهما فكلمه مصعب بالاسلام وقرأ عليه القرآن فقالا فيما يذكر عنهما والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في اشراقه وتسهله ثم قال ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين قالا له تغتسل فتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى ركعتين قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله اليكما الآن سعد بن معاذ ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم فلما وقف على النادى قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت * وقد حدثت أن بنى حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك انهم عرفوا انه ابن خالتك ليخفروك قال فقام سعد مغضبا مبادرا تخوفا للذى ذكر له من بنى حارثة فأخذ الحربة من يده ثم قال والله ما أراك أغنيت شيئا ثم خرج اليهما فلما رآهما سعد مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما متشتما ثم قال لاسد بن زرارة يا أبا أمامة لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رمت هذا منى تغشانا في دارنا بما نكره وقد قال أسعد لمصعب أي مصعب جاءك والله سيد من وراءه من قومه أن يتبعك لم يخالف عليك منهم اثنان فقال له مصعب أو تقعد فتسمع فان رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره قال سعد أنصفت ثم ركز الحربة فجلس فعرض
[ 90 ]
عليه الاسلام وقرأ عليه القرآن قالا فعرفنا والله في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم به في اشراقه وتسهله ثم قال لهما كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين قالا تغتسل فتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى ركعتين قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادى قومه ومعه أسيد بن حضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا نحلف بالله لقد رجع سعد اليكم بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم فلما وقف عليهم قال يا بنى عبد الاشهل كيف تعلمون أمرى فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال فان كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال فوالله ما أمسى في دار عبد الاشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة ورجع أسعد مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فاقام عنده يدعو الناس إلى الاسلام حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بنى أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف وتلك أوس الله وهم من أوس بن حارثة وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الاسلت وهو صيفي وكان شاعرا لهم وقائدا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الاسلام فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق قال ثم إن مصعب ابن عمير رجع إلى مكة وخرج من خرج من الانصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته والنصر لنبيه صلى الله عليه وسلم وإعزاز الاسلام وأهله واذلال الشرك وأهله * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال حدثنى معبد بن كعب بن مالك بن أبى كعب بن القين أخو بنى سلمة أن أخاه عبد الله بن كعب وكان من أعلم الانصار حدثه أن أباه كعب بن مالك حدثه وكان كعب ممن شهد العقبة وبايع
رسول الله صلى الله عليه وسلم بها قال خرجنا في حجاج قومنا وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا فلما وجهنا السفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء لنا
[ 91 ]
والله يا هؤلاء إنى قد رأيت رأيا والله ما أدرى أتوا فنقونى عليه أم لا قال فقلنا وما ذاك قال قد رأيت أن لا أدع هذه البنية منى بظهر يعنى الكعبة وأن أصلى إليها قال فقلنا والله ما بلغنا عن نبينا أنه يصلى إلا إلى الشأم وما نريد أن نخالفه قال فقال إنى لمصل إليها فقلنا له لكنا لا نفعل قال فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشأم وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة قال وقد عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الاقامة على ذلك فلما قدمنا مكة قال لى يا ابن أخى انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا فانى والله لقد وقع في نفسي منه شئ لما رأيت من خلافكم إياى فيه قال فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك فلقينا جلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله الله صلى الله عليه وسلم فقال هل تعرفانه قلنا لا قال فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه قلنا نعم قال وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا قال وإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس بن عبد المطلب قال فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع العباس فسلمنا ثم جلسنا إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل قال نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاعر قال نعم قال فقال له البراء بن معرور يا نبى الله إنى خرجت في سفري هذا وقد هداني الله للاسلام فرأيت أن لا أجعل هذه البنية منى بظهر فصليت إليها وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شئ فماذا ترى يا رسول الله قال قد كنت على قبلة
لو صبرت عليها فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معنا إلى الشأم قال وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس ذلك كما قالوا نحن أعلم به منهم قال ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق قال فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التى واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر
[ 92 ]
أخبرناه وكنا نكتم من معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر أنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وانا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه إلى الاسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيانا العقبة قال فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين تسلل القطا حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا ومعهم امرأتان من نسائهم نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بنى مازن بن النجار وأسماء بنت عمرو بن عدى إحدى نساء بنى سلمة وهى أم منيع فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له فلما جلس كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال يا معشر الخزرج وكانت العرب إنما يسمون هذا الحى من الانصار الخزرج خزرجها وأوسها إن محمدا منا حيث قد عنم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا وهو في عز من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا الانقطاع لكم واللحوق بكم فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون انكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم
فمن الآن فدعوه فانه في عز ومنعة من قومه وبلده قال فقلنا له قد سمعنا (فقلت) فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك وربك ما احببت قال فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم قال فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال والذى بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر قال فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وآله أبو الهيثم بن التيهان حليف بنى عبد الاشهل فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا وإنا قاطعوها يعنى اليهود فهل عسيت
[ 93 ]
إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم أنتم منى وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله أخرجوا إلي منكم اثنى عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم فأخرجوا اثنى عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق فحدثى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال للنقباء أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي قالوا نعم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وآله قال العباس ابن عبادة بن نضلة الانصاري ثم أخو بنى سالم بن عوف يا معشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل قالوا نعم قال إنكم تبايعونه على حرب الاحمر والاسود من الناس فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتل
أسلمتموه فمن الآن فهو والله خزى الدنيا والآخرة إن فعلتم وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الاموال وقتل الاشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والاخرة قالوا فإنا نأخذه على مصيبة الاموال وقتل الاشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا قال الجنة قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه وأما عاصم بن عمرو بن قتادة فقال والله ما قال العباس ذلك إلا ليشد العقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أعناقهم وأما عبد الله بن أبى بكر فقال والله ما قال العباس ذلك إلا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبى ابن سلول فيكون أقوى لامر القوم والله أعلم أي ذلك كان فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يديه وبنو عبد الاشهل يقولون بل أبو الهيثم بن التيهان * قال ابن حميد قال سلمة قال محمد وأما معبد ابن كعب بن مالك فحدثني قال أبو جعفر وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد قال
[ 94 ]
حدثنى أبى قال حدثنا محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب قال فحدثني في حديثه عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك قال كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور ثم تتابع القوم فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقول عدو الله هذا أزب العقبة هذا ابن أزيب اسمع عدو الله أما والله لافرغن لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفضوا إلى رحالكم فقال له العباس بن عبادة بن نضلة والذى بعثك بالحق لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا
جلة قريش حتى جاؤنا في منازلنا فقالوا يا معشر الخزرج إنا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حى من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم قال فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شئ وما علمناه قال وصدقوا لم يعلموا قال وبعضنا ينظر إلى بعض وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام ابن المغيرة المخزومى وعليه نعلان جديدان قال فقلت كلمة كأنى أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلى فقال والله لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر مه أحفظت والله الفتى فاردد عليه نعليه قال قلت والله لا أردهما فأل والله صالح والله لئن صدق الفأل لاسلبنه فهذا حديث كعب بن مالك عن العقبة وما حضر منها (قال أبو جعفر) وقال غير بن إسحاق كان من قدم على النبي صلى الله عليه وآله للبيعة من الانصار في ذى الحجة وأقام رسول الله صلى الله عليه وآله بعدهم بمكة بقية ذى الحجة من تلك السنة والمحرم وصفر وخرج مهاجرا إلى المدينة في شهر
[ 95 ]
ربيع الاول وقدمها يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت منه * وحدثني علي بن نصر بن علي وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال علي بن نصر حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وقال عبد الوارث حدثنى أبى قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة أنه قال لما رجع من أرض الحبشة من رجع منها ممن كان هاجر إليها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جعل أهل الاسلام يزدادون ويكثرون وأنه أسلم من الانصار بالمدينة ناس كثير وفشا بالمدينة الاسلام فطفق أهل المدينة يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم
بمكة فلما رأت ذلك قريش تذامرت على أن يفتنوهم ويشتدوا عليهم فاخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم فأصابهم جهد شديد وكانت الفتنة الاخرة وكانت فتنتين فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة حين أمرهم بها وأذن في الخروج إليها وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة ثم إنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة سبعون نقيبا رؤوس الذين أسلموا فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة وأعطوه عهودهم على أنا منك وأنت منا وعلى أنه جاء من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا فاشتدت عليهم قريش عند ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالخروج إلى المدينة وهى الفتنة الاخرة التى أخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وخرج وهى التى أنزل الله عز وجل فيها (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال وحدثني عبد الله بن أبى بكر ابن محمد بن عمر بن حزم أنهم أتوا عبد الله بن أبي ابن سلول يعنى قريشا فقالوا مثل ما ذكر كعب بن مالك من القول لهم فقال لهم ان هذا الامر جسيم ما كان قومي ليتفوتوا علي بمثل هذا وما علمته كان فانصرفوا عنه وتفرق الناس من منى فتبطن القوم الخبر فوجدوه قد كان وخرجوا في طلب القوم فأدركوا سعد بن عبادة بالحاجر والمنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج فكلاهما كان نقيبا فأما المنذر فأعجز القوم وأما سعد فأخذوه وربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ثم
[ 96 ]
أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجبذونه بجمته وكان ذا شعر كثير فقال سعد فوالله إنى لفي أيديهم إذ طلع على نفر من قريش فيهم رجل أبيض وضئ شعشاع حلو من الرجال قال قلت إن يكن عند أحد من القوم خبر فعند هذا فلما دنا منى رفع يديه فلطمني لطمة شديدة قال قلت في نفسي والله ما عندهم بعد
هذا خير قال فوالله إنى لفى أيديهم يسحبونني إذ أوى الي رجل منهم ممن معهم فقال ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد قال قلت بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف تجارة وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي والحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف قال ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما قال ففعلت وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالابطح وإنه ليهتف بكما ويذكر أن بينه وبينكما جوارا قالا ومن هو قال سعد بن عبادة قالا صدق والله إن كان ليجير تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده قال فجاآ فخلصا سعد من أيديهم وانطلق وكان الذى لكم سعدا سهل بن عمرو أخو بنى عامر بن لؤى (قال أبو جعفر) فلما قدموا المدينة أظهروا الاسلام بها وفى قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من أهل الشرك منهم عمرو بن الجموح ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة وكان ابنه معاذ بن عمرو قد شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتيان منهم وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بايع من الاوس والخزرج في العقبة الآخرة وهى بيعة الحرب حين أذن الله عز وجل في القتال بشروط غير الشروط في العقبة الاولى * وأما الاولى فانها كانت على بيعة النساء على ما ذكرت الخبربة عن عبادة بن الصامت قبل وكانت بيعة العقبة الثانية على حرب الاحمر والاسود على ما قد ذكرت قبل عن عروة بن الزبير * وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه الوليد عن عبادة ابن الصامت وكان أحد النقباء قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة
[ 97 ]
الحرب وكان عبادة من الاثنى عشر الذين بايعوا في العقبة الاولى (قال أبو جعفر)
فلما أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال ونزل قوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وبايعه الانصار على ما وصفت من بيعتهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ممن هو معه بمكة من المسلمين بالهجرة والخروج إلى المدينة واللحوق باخوانهم من الانصار وقال إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه بالخروج من مكة والهجرة إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش ثم من بنى مخزوم أبو سلمة ابن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة وكان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من أرض الحبشة فلما آذته قريش وبلغه اسلام من أسلم من الانصار خرج إلى المدينة مهاجرا ثم كان أول من قدم المدينة من المهاجرين بعد أبى سلمة عامر بن ربيعة حليف بنى عدى بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة ابن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب ثم عبد الله ابن جحش بن رئاب وأبو أحمد بن جحش وكان رجلا ضرير البصر وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين الا أخذ فحبس أو فتن الا علي بن أبى طالب وأبو بكر بن أبى قحافة وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا فطمع أبو بكر أن يكونه فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد
نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم
[ 98 ]
وعرفوا أنه قد أجمع أن يلحق بهم لحربهم فاجتمعوا له في دار الندوة وهى دار قصى بن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمرا الا فيها يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد بن جبر أبى الحجاج عن ابن عباس قال وحدثني الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس والحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة ويشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم غدوا في اليوم الذى اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى الزحمة فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بت له فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذى اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأى ونصح قالوا أجل فادخل فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلهم من كل قبيلة من بنى عبد شمس شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب ومن بنى نوفل بن عبد مناف طعيمة بن عدى وجبير بن مطعم والحارث بن عامر بن نوفل ومن بنى عبد الدار بن قصى النضر بن الحارث بن كلدة ومن بنى أسد بن عبد العزى أبو البخترى بن هشام وزمعة بن الاسود وحكيم بن حزام ومن بنى مخزوم أبو جهل بن هشام ومن بنى سهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج ومن بنى جمح أمية بن خلف ومن كان منهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش فقال بعضهم لبعض إن هذا الرجل قد كان أمره ما قد كان وما قد رأيتم وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا قالوا فتشاورا ثم قال قائل منهم احبسوه في الحديد
وأغلقوه عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه منهم ما أصابهم قال فقال الشيخ النجدي لا والله ما هذا لكم برأى والله لو حبستموه كما تقولون لخرج أمره من وراء الباب الذى أغلقتموه دونه إلى أصحابه فلا وشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه
[ 99 ]
من أيديكم ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم هذا ما هذا لكم برأى فانظروا في غيره ثم تشاوروا فقال قائل منهم نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلدنا فإذا خرج عنا فو الله ما نبالي اين ذهب ولا حيث وقع غاب عنا أذاه وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت قال الشيخ النجدي والله ما هذا لكم برأى ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به من الله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ثم يسير به إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد أديروا فيه رأيا غير هذا قال فقال أبو جهل بن هشام والله إن لى فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد قالوا وما هو يا أبا الحكم قال أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدون إليه ثم يضربونه بها ضربه رجل واحد فيقتلونه فنستريح فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل كلها فلم يقدروا بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا ورضوا منا بالعقل فعقلناه لهم قال يقول الشيخ النجدي القول ما قال الرجل هذا الرأى لا أرى لكم غيره فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه قال فلما كان العتمة من الليل اجتمعوا على بابه فترصدوه متى ينام فيثبون عليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال نم على فراشي واتشح ببردى الحضرمي الاخضر
فنم فيه فإنه لا يخلص إليك شئ تكرهه منهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام (قال أبو جعفر) زاد بعضهم في هذه القصة في هذا الموضع وقال له إن أتاك ابن أبى قحافة فأخبره أنى توجهت إلى ثور فمره فليلحق بى وأرسل إلى بطعام واستأجر لى دليلا يدلني على طريق المدينة واشتر لى راحلة ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعمى الله أبصار الذين كانوا يرصدونه عنه وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال
[ 100 ]
اجتمعوا له وفيهم أبو جهل بن هشام فقال وهم على بابه إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم بعد موتكم فجعل لكم جنان كجنان الاردن وإن لم تفعلوا كان لكم منه ذبح ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها قال وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب ثم قال نعم أنا أقول ذلك أنت أحدهم وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم - إلى قوله - وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات فلم يبق منهم رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال ما تنتظرون ههنا قالوا محمد قال خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته أفما ترون ما بكم قال فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون والله إن هذا لمحمد نائم عليه برده فلم يبرحوا كذلك
حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش فقالوا والله لقد صدقنا الذى حدثنا فكان مما نزل من القرآن في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) وقول الله عز وجل (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين) وقد زعم بعضهم أن أبا بكر أتى عليا فسأله عن نبى الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه لحق بالغار من ثور وقال إن كان لك فيه حاجة فالحقه فخرج أبو بكر مسرعا فلحق نبى الله صلى الله عليه وسلم في الطريق فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم جرس أبى بكر في ظلمة الليل فحسبه من المشركين فأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشى فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجر فكثر دمها وأسرع السعي فخاف أبو بكر أن يشق على رسول
[ 101 ]
الله صلى الله عليه وسلم فرفع صوته وتكلم فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام حتى أتاه فانطلقا ورجل رسول الله صلى الله عليه وسلم تستن دما حتى انتهى إلى الغار مع الصبح فدخلاه وأصبح الرهط الذين كانوا يرصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا الدار وقام علي عليه السلام عن فراشه فلما دنوا منه عرفوه فقالوا له أين صاحبك قال لا أدرى أو رقيبا كنت عليه أمرتموه بالخروج فخرج فانتهروه وضربوه وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعة ثم تركوه ونجى الله رسوله من مكرهم وأنزل عليه في ذلك (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) (قال أبو جعفر) وأذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم عند ذلك بالهجرة فحدثنا على بن نصر الجهضمى قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنا أبى قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة قال
لما خرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقبل أن يخرج يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل هذه الآية التى أمروا فيها بالقتال استأذنه أبو بكر ولم يكن أمره بالخروج مع من خرج من أصحابه حبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له انظرني فإنى لا أدرى لعلى يؤذن لى بالخروج وكان أبو بكر قد اشترى راحلتين يعدهما للخروج مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فلما استنظره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بالذى يرجو من ربه أن يأذن له بالخروج حبسهما وعلفهما انتظار صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمنهما فلما حبس عليه خروج النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر أتطمع أن يؤذن لك قال نعم فانتظره فمكث بذلك فأخبرتني عائشة أنهم بينا هم ظهرا في بيتهم وليس عند أبى بكر إلا ابنتاه عائشة وأسماء إذا هم برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قام قائم الظهيرة وكان لا يخطئه يوما أن يأتي بيت أبى بكر أول النهار وآخره فلما رأى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم جاء ظهرا قال له ما جاء بك يا نبى الله إلا أمر حدث فلما دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم البيت قال
[ 102 ]
لابي بكر أخرج من عندك قال ليس علينا عين إنما هما ابنتاى قال إن الله قد أذن لى بالخروج إلى المدينة فقال أبو بكر يا رسول الله الصحابة الصحابة قال الصحابة قال أبو بكر خذ إحدى الراحلتين وهما الراحلتان اللتان كان يعلفهما أبو بكر يعدهما للخروج إذا أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إحدى الراحلتين فقال خذها يا رسول الله فارتحلها فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذتها بالثمن وكان عامر بن فهيرة مولدا من مولدي الازد كان للطفيل بن عبد الله بن سخبرة وهو أبو الحارث ابن الطفيل وكان أخا عائشة بنت أبى بكر وعبد الرحمن بن أبى بكر لامهما فأسلم عامر بن فهيرة وهو مملوك لهم فاشتراه أبو بكر فأعتقه وكان حسن الاسلام فلما خرج
النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر كان لابي بكر منيحة من غنم تروح على أهله فأرسل أبو بكر عامرا في الغنم إلى ثور فكان عامر بن فهيرة يروح بتلك الغنم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغار في ثور وهو الغار الذى سماه الله في القرآن فأرسل بظهرهما رجلا من بنى عبد بن عدى حليفا لقريش من بنى سهم ثم آل العاص ابن وائل وذلك العدوى يومئذ مشرك ولكنهما استأجراه وهو هاد بالطريق وفى الليالى التى مكثا بالغار كان يأتيهما عبد الله بن أبى بكر حين يمسى بكل خبر بمكة ثم يصبح بمكة ويريح عامر الغنم كل ليلة فيحلبان ثم يسرح بكرة فيصبح في رعيان الناس ولا يفطن له حتى إذا هدأت عنهما الاصوات وأتاهما أن قد سكت عنهما جاءهما صاحبهما ببعيريهما فانطلقا وانطلقا معهما بعامر بن فهيرة يخدمهما ويعينهما يردفه أبو بكر ويعقبه على رحله ليس معهما أحد إلا عامر بن فهيرة وأخو بنى عدى يهديهما الطريق فأجاز بهما في أسفل مكة ثم مضى بهما حتى حاذى بهما الساحل أسفل من عسفان ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد ما جاوز قديدا ثم سلك الخرار ثم أجاز على ثنية المرة ثم أخذ على طريق يقال لها المدلجة بين طريق عمق وطريق الروحاء ثم يوفق لطريق العرج وسلك ماء يقال له الغابر عن يمين ركوبة حتى يطلع على بطن رئم ثم جاء حتى قدم المدينة على بنى عمرو بن عوف قبل القائلة فحدثت أنه لم يبق فيهم إلا يومين وتزعم بنو عمرو بن عوف أن قد أقام فيهم أفضل من ذلك فاقتاد راحلته فاتبعته حتى دخل في دور بنى النجار فأراهم
[ 103 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم مربدا كان بين ظهرى دورهم * وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي قال حدثنى عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخطئه أحد طرفي النهار أن يأتي بيت أبى بكر
إما بكرة وإما عشية حتى إذا كان اليوم الذى أذن الله فيه لرسوله بالهجرة وبالخروج من مكة من بين ظهرانى قومه أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها قالت فلما رآه أبو بكر قال ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا لامر حدث قالت فلما دخل تأخر أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عند أبى بكر إلا أنا وأختى أسماء بنت أبى بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عنى من عندك قال يا نبى الله إنما هما ابنتاى وما ذاك فداك أبى وأمى قال إن الله عز وجل قد أذن بالخروج والهجرة فقال أبو بكر الصحبة يا رسول الله قال الصحبة قالت فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكى من الفرح ثم قال يا نبى الله إن هاتين راحلتاى كنت أعددتهما لهذا فاستأجرا عبد الله بن أرقد رجلا من بنى الديل بن بكر وكانت أمه امرأة من بنى سهم بن عمرو وكان مشركا يدلهما على الطريق ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما ولم يعلم فيما بلغني بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا علي بن أبى طالب وأبو بكر الصديق وآل أبى بكر فاما علي بن أبى طالب فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني أخبره بخروجه وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده للناس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بمكة أحد عنده شئ يخشى عليه إلا وضعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يعرف من صدقه وأمانته فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج أتى أبا بكر بن أبى قحافة فخرجا من خوخة لابي بكر في ظهر بيته ثم عمدا إلى غار بثور جبل بأسفل مكة فدخلاه وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبى بكر أن
[ 104 ]
يسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك
اليوم من الخبر وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى بالغار وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما فاقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم فكان عبد الله بن أبى بكر يكون في قريش ومعهم ويستمع بما يأتمرون به وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر وكان عامر بن فهيرة مولى أبى بكر يرعى في رعيان أهل مكة فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبى بكر فاحتلبا وذبحا فإذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفى عليه حتى إذا مضت الثلاث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذى استأجرا ببعيريهما وأتتهما أسماء بنت أبى بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام فحلت نطاقها فجعلته لها عصاما ثم علقتها به فكان يقال لاسماء بنت أبى بكر ذات النطاقين لذلك فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب له أفضلهما ثم قال له اركب فداك أبى وأمى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى لا اركب بعيرا ليس لى قال فهو لك يا رسول الله بأبى أنت وأمى قال لا ولكن ما الثمن الذى ابتعتها به قال كذا وكذا قال قد أخذتها بذلك قال هي لك يا رسول الله فركبا فانطلقا وأردف أبو بكر عامر ابن فهيرة مولاه خلفه يخدمهما بالطريق * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال وحدثت عن أسماء بنت أبى بكر قالت لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبى بكر فخرجت إليهم فقالوا أين أبو ك يا ابنة أبى بكر قلت لا أدرى والله أين أبى قالت فرفع أبو جهل يده وكان فاحشا خبيثا فلطم
خدى لطمة طرح منها قرطي قالت ثم انصرفوا ومكثنا ثلاث ليال لا ندرى أين
[ 105 ]
توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يغنى بأبيات من الشعر غناء العرب والناس يتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلا مكة وهو يقول جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين قالا خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى واغتدوا به * فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بنى كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد قالت فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة وكانوا أربعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعامر ابن فهيرة وعبد الله بن أرقد دليلهما (قال أبو جعفر) حدثنى أحمد بن المقدام العجلى قال حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى قال حدثنا عبد الحميد بن أبى عبس ابن محمد بن أبى عبس بن جبر عن أبيه قال سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبى قبيس فإن يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف المخالف فلما أصبحوا قال أبو سفيان من السعدان ؟ سعد بكر سعد تميم سعد هذيم، فلما كان في الليلة الثانية سمعوه يقول أيا سعد سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعى الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف فإن ثواب الله للطالب الهدى * جنان من الفردوس ذات رفارف فلما أصبحوا قال أبو سفيان هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة (قال أبو جعفر) وقدم دليلهما بهما قباء على بنى عمرو بن عوف لثنتى عشرة ليلة
خلت من شهر ربيع الاول يوم الاثنين حين اشتد الضحى وكادت الشمس أن تعتدل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة قال حدثنى رجال قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لما سمعنا
[ 106 ]
بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلا دخلنا بيوتنا وذلك في أيام حارة حتى إذا كان في اليوم الذى قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسنا كما كنا نجلس حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود وقد رأى ما كنا نصنع وإنا كنا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ بأعلى صوته يا بنى قيلة هذا جدكم قد جاء قال فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنة وأكثرنا من لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قال وركبه الناس وما نعرفه من أبى بكر حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله فيما يذكرون على كلثوم بن هدم أخى عمرو ابن عوف ثم أحد بنى عبيد ويقال بل نزل على سعد بن خيثمة * ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن هدم إنما كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج من منزل كلثوم بن هدم جلس للناس في بيت خيثمة وذلك أنه كان عزبا لا أهل له وكان منازل العزاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المهاجرين عنده فمن هنالك يقال نزل على سعد بن خيثمة وكان
يقال لبيت سعد بن خيثمة بيت العزاب فالله أعلم أي ذلك كان كلا قد سمعنا ونزل أبو بكر بن أبى قحافة على خبيب بن أساف أخى بنى الحارث بن الخزرج بالسنح ويقول قائل كان منزله على خارجة بن زيد بن أبى زهير أخي بنى الحارث بن الخزرج * وأقام علي بن أبى طالب رضى الله عنه بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده إلى الناس حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل معه على كلثوم بن هدم فكان علي يقول وإنما كانت إقامته بقباء على امرأة لا زوج لها مسلمة ليلة أو ليلتين
[ 107 ]
وكان يقول كنت نزلت بقباء على امرأة لا زوج لها مسلمة فرأيت إنسانا يأتيها في جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه قال فاستربت لشأنه فقلت لها يا أمة الله من هذا الرجل الذى يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا ما أدرى ما هو وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك قالت هذا سهل ابن حنيف بن واهب قد عرف أنى امرأة لا أحد لى فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها وقال احتطبي بهذا فكان علي بن أبى طالب يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق قال حدثنى هذا الحديث علي بن هند بن سعد بن سهل بن حنيف عن علي بن أبى طالب رضى الله عنه * فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم أخرجه الله عز وجل من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك والله أعلم * ويقول بعضهم إن مقامه بقباء كان بضعة عشر يوما (قال أبو جعفر) واختلف السلف من أهل العلم في مدة مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد ما استنبئ
فقال بعضهم كانت مدة مقامه بها إلى أن هاجر إلى المدينة عشر سنين ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا يحيى بن محمد بن قيس المدنى يقال له أبو زكير قال سمعت ربيعة بن أبى عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين فأقام بمكة عشرا * حدثنى الحسين ابن نصر الآملي قال حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال أخبرتني عائشة وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا يحيى بن سعيد قال سمعت سعيد بن المسيب يقول أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين فأقام بمكة
[ 108 ]
عشرا * حدثنى أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا أحمد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة فمكث بمكة عشرا * حدثنى محمد بن إسماعيل قال حدثنا عمرو ابن عثمان الحمصى قال حدثنا أبى قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار قال هاجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على رأس عشر من مخرجه (قال أبو جعفر) وقال آخرون بل أقام بعدما استنبئ بمكة ثلاث عشرة سنة ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا حجاج بن المنهال قال حدثنا حماد يعنى ابن سلمة عن أبى جمرة عن ابن عباس قال أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه * حدثنى محمد بن خلف قال حدثنا آدم قال حدثنا حماد
ابن سلمة قال حدثنا أبو جمرة الضبعى عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة * حدثنى محمد بن معمر قال حدثنا روح قال حدثنا زكرياء بن إسحاق قال حدثنا عمرو بن دينار عن ابن عباس قال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة * حدثنى عبيد ابن محمد الوراق قال حدثنا روح قال حدثنا هشام قال حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة (قال أبو جعفر) وقد وافق قول من قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة قول ابن قيس صرمة بن أبى أنس أخى بنى عدى بن النجار في قصيدته التى يقول فيها وهو يصف كرامة الله إياهم بما أكرمهم به من الاسلام ونزول نبى الله صلى الله عليه وسلم عليهم ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا ويعرض في أهل المواسم نفسه * فلم يرمن يؤوى ولم ير داعيا
[ 109 ]
فلما أتانا أظهر الله دينه * فأصبح مسرورا بطيبة راضيا وألفى صديقا واطمأنت به النوى * وكان له عونا من الله باديا يقص لنا ما قال نوح لقومه * وما قال موسى إذ أجاب المناديا وأصبح لا يخشى من الناس واحدا * قريبا ولا يخشى من الناس نائيا بذلنا له الاموال من جل مالنا * وأنفسنا عند الوغى والتآسيا ونعلم أن الله لا شئ غيره * ونعلم أن الله أفضل هاديا فأخبر أبو القيس في قصيدته هذه أن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه قريش كان بعد ما استنبئ وصدع بالوحى من الله بضع عشرة حجة * وقال
بعضهم كان مقامه بمكة خمس عشرة سنة ذكر من قال ذلك * حدثنى بذلك الحارث عن ابن سعد عن محمد بن عمر عن ابراهيم بن اسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس واستشهد بهذا البيت من قول أبى قيس صرمة بن أبى أنس غير أنه أنشد ذلك ثوى في قريش خمس عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا (قال أبو جعفر) وقد روى عن الشعبى أن اسرافيل قرن برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه ثلاث سنين * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر الواقدي قال حدثنا الثوري عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى * قال وحدثنا املاء من لفظه منصور عن الاشعث عن الشعبى قال قرن اسرافيل بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه ثم كان بعد ذلك جبريل عليه السلام قال الواقدي فذكرت ذلك لمحمد بن صالح بن دينار فقال والله يا ابن أخى لقد سمعت عبد الله بن أبى بكر بن حزم وعاصم ابن عمر بن قتادة يحدثان في المسجد ورجل عراقى يقول لهما هذا فأنكراه جميعا وقالا ما سمعنا ولا علمنا إلا أن جبريل هو الذى قرن به وكان يأتيه بالوحى من
[ 110 ]
يوم نبئ إلى أن توفى صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبى عدى عن داود عن عامر قال أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته اسرافيل ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشئ ولم ينزل القرآن على لسانه فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام فنزل القرآن على لسانه عشر سنين بمكة وعشر سنين بالمدينة (قال أبو جعفر) فلعل الذين قالوا كان مقامه بمكة بعد الوحى عشرا عدوا مقامه بها من حين أتاه جبريل بالوحى من
الله عز وجل وأظهر الدعاء إلى توحيد الله وعد الذين قالوا كان مقامه ثلاث عشرة سنة من أول الوقت الذى استنبئ فيه وكان اسرافيل المقرون به وهى السنون الثلاث التى لم يكن أمر فيها بأظهار الدعوة وقد روى عن قتادة غير القولين اللذين ذكرت وذلك ما حدثت عن روح بن عبادة قال سعيد عن قتادة قال نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانى سنين بمكة وعشرا بعدما هاجر وكان الحسن يقول عشرا بمكة وعشرا بالمدينة ذكر الوقت الذى عمل فيه التأريخ (قال أبو جعفر) ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أمرا بالتأريخ فيما قيل * حدثنى زكرياء بن يحيى بن أبى زائدة قال حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن أبى سلمة عن ابن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وقدمها في شهر ربيع الاول أمر بالتأريخ (قال أبو جعفر) فذكر أنهم كانوا يؤرخون بالشهر والشهرين من مقدمه إلى أن تمت السنة وقد قيل إن أول من أمر بالتأريخ في الاسلام عمر بن الخطاب رحمه الله ذكر الاخبار الواردة بذلك * حدثنى محمد بن اسماعيل قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا حبان بن علي العنزي عن مجالد عن الشعبى قال كتب أبو موسى الاشعري إلى عمر أنه تأتينا منك كتب ليس لها تأريخ قال فجمع عمر الناس للمشورة فقال بعضهم أرخ لمبعث رسول الله
[ 111 ]
صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر لا بل نؤرخ لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فان مهاجره فرق بين الحق والباطل * حدثنى محمد بن اسماعيل قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا خالد بن حيان أبو يزيد الخراز عن فرات بن سلمان عن ميمون بن مهران قال رفع إلى
عمر صك محله في شعبان فقال عمر أي شعبان الذى هو آت أو الذى نحن فيه قال ثم قال لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعوا للناس شيئا يعرفونه فقال بعضهم اكتبوا على تأريخ الروم فقيل انهم يكتبون من عهد ذى القرنين فهذا يطول وقال بعضهم اكتبوا على تأريخ الفرس فقيل إن الفرس كلما قام ملك طرح من كان قبله فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فوجدوه عشر سنين فكتب التأريخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثت عن أمية بن خالد وأبى داود الطيالسي عن قرة بن خالد السدوسى عن محمد بن سيرين قال قام رجل إلى عمر بن الخطاب فقال أرخوا فقال عمر ما أرخوا قال شئ تفعله الاعاجم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا فقال عمر بن الخطاب حسن فأرخوا فقالوا من أي السنين نبدأ قالوا من مبعثه وقالوا من وفاته ثم أجمعوا على الهجرة ثم قالوا فأى الشهور نبدأ فقالوا رمضان ثم قالوا المحرم فهو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فأجمعوا على المحرم * حدثنى محمد بن اسماعيل قال حدثنى سعيد ابن أبى مريم وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا أبى قالا جميعا حدثنا عبد العزيز بن أبى حازم قال حدثنى أبو حازم عن سهل بن سعد قال ما أصاب الناس العدد ما عدوا من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته ولا عدوا إلا من مقدمه المدينة * حدثنى محمد بن اسماعيل قال حدثنا سعيد ابن أبى مريم قال حدثنا يعقوب بن إسحاق قال حدثنى محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عباس قال كان التأريخ في السنة التى قدم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وفيها ولد عبد الله بن الزبير * حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله
[ 112 ]
ابن عبد الحكم قال حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبى عباد قال حدثنا محمد بن مسلم
الطائفي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال كان التأريخ في السنة التى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فذكر مثله * حدثنى محمد بن اسماعيل قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا نوح بن قيس الطاحى عن عثمان بن محصن أن ابن عباس كان يقول في (والفجر وليال عشر) قال الفجر هو المحرم فجر السنة * حدثنى محمد بن اسماعيل قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا يونس بن أبى إسحاق عن أبى إسحاق عن الاسود بن يزيد عن عبيد بن عمير قال إن المحرم شهر الله عز وجل وهو رأس السنة فيه يكسى البيت ويؤرخ التأريخ ويضرب فيه الورق وفيه يوم كان تاب فيه قوم فتاب الله عز وجل عليهم * حدثنى أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا أحمد قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا زكرياء بن إسحاق عن عمرو بن دينار أن أول من أرخ الكتب يعلى بن أمية وهو باليمن وأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في شهر ربيع الاول وأن الناس أرخوا لاول السنة وإنما أرخ الناس لمقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقال على بن مجاهد عن محمد بن اسحاق عن الزهري وعن محمد بن صالح عن الشعبى قالا أرخ بنو اسماعيل من نار إبراهيم عليه السلام إلى بنيان البيت حين بناه إبراهيم واسماعيل ثم أرخ بنو اسماعيل من بنيان البيت حتى تفرقت فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا بمخرجهم ومن بقى في تهامة من بنى اسماعيل يؤرخون من خروج سعد ونهد وجهينة بنى زيد من تهامة حتى مات كعب بن لؤى فأرخوا من موت كعب بن لؤى إلى الفيل فكان التاريخ من الفيل حتى أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة وذلك سنة سبع عشرة أو ثمانى عشرة * حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا الدراوردى عن عثمان بن عبيد الله بن أبى رافع قال سمعت سعيد بن المسيب يقول جمع عمر بن الخطاب الناس فسألهم فقال من أي يوم نكتب فقال علي عليه السلام من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك أرض الشرك ففعله عمر رضى الله
عنه (قال أبو جعفر) وهذا الذى رواه على بن مجاهد عمن رواه عنه في تأريخ
[ 113 ]
بنى اسماعيل غير بعيد من الحق وذلك أنهم لم يكونوا يؤرخون على أمر معروف يعمل به عامتهم وإنما كان المؤرخ منهم يؤرخ بزمان قحمة كانت في ناحية من نواحى بلادهم ولزبة أصابتهم أو بالعامل كان يكون عليهم أو الامر الحادث فيهم ينتشر خبره عندهم يدل على ذلك اختلاف شعرائهم في تأريخاتهم ولو كان لهم تأريخ على أمر معروف وأصل معمول عليه لم يختلف ذلك منهم ومن ذلك قول الربيع بن ضبع الفزارى هانذا آمل الخلود وقد * أدرك عقلي ومولدى حجرا أبا امرئ القيس هل سمعت به * هيهات هيهات طال ذا عمرا فأرخ عمر بحجر بن عمره وأبى امرئ القيس وقال نابغة بن جعدة فمن يك سائلا عنى فانى * من الشبان أزمان الخنان فجعل النابغة تأريخ ما أرخ بزمان علة كانت فيهم عامة وقال آخر وما هي إلا في إزار وعلقة * مغار بن همام على حبى خثعما فكل واحد من هؤلاء الذين ذكرت تأريخهم في هذه الابيات أرخ على قرب زمان بعضهم من بعض وقرب وقت ما أرخ به من وقت الاخر بغير المعنى الذى أرخ الاخر ولو كان لهم تأريخ معروف كما للمسلمين اليوم ولسائر الامم غيرها كانوا إن شاء الله لا يتعدونه ولكن الامر في ذلك كان عندهم إن شاء الله على ما ذكرت فأما قريش من بين العرب فإن آخر ما حصلت من تأريخها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة على التأريخ بعام الفيل وذلك عام ولد رسول الله صلى الله وكان بين عام الفيل والفجار عشرون سنة وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة سنة وبين بناء الكعبة ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم
خمس سنين (قال أبو جعفر) وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة وقرن بنبوته كما قال الشعبى ثلاث سنين إسرافيل وذلك قبل أن يؤمر بالدعاء وإظهاره على ما قد قدمنا الرواية والاخبار به ثم قرن بنبوته جبريل عليه السلام بعد السنين الثلاث وأمره بإظهار الدعوة إلى الله فأظهرها ودعا إلى الله مقيما بمكة
[ 114 ]
عشر سنين ثم هاجر إلى المدينة شهر ربيع الاول من سنة أربع عشرة من حين استنبئ وكان خروجه من مكة إليها يوم الاثنين وقدومه المدينة يوم الاثنين لمضى اثنتى عشرة ليلة من شهر ربيع الاول * حدثنى ابراهيم بن سعيد الجوهرى قال حدثنا موسى بن داود عن ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن حنش الصنعانى عن ابن عباس قال ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين ورفع الحجر يوم الاثنين وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وقبض يوم الاثنين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول (قال أبو جعفر) فإذا كان الامر في تأريخ المسلمين كالذى وصفت فإنه وإن كان من الهجرة فإن ابتداءهم إياه قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بشهرين وأيام هي اثنا عشر وذلك أن أول السنة المحرم وكان قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بعد مضى ما ذكرت من السنة ولم يؤرخ التأريخ من وقت قدومه بل من أول تلك السنة ذكر ما كان من الامور المذكورة في أول سنة من الهجرة (قال أبو جعفر) قد مضى ذكرنا وقت مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وموضعه الذى نزل فيه حين قدمها وعلى من كان نزوله وقدر مكثه في
الموضع الذى نزله وخبر ارتحاله عنه ونذكر الآن ما لم نذكر قبل مما كان من الامور المذكورة في بقية سنة قدومه وهى السنة الاولى من الهجرة فمن ذلك تجميعه صلى الله عليه وسلم بأصحابه الجمعة في اليوم الذى ارتحل فيه من قباء وذلك أن ارتحاله عنها كان يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته الصلاة صلاة الجمعة في بنى سالم ابن عوف ببطن واد لهم قد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجدا فيما بلغني وكانت هذه الجمعة أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاسلام فخطب في
[ 115 ]
هذه الجمعة وهى أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول جمعة جمعها بالمدينة * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثنى سعيد بن عبد الرحمن الجمحى أنه بلغه عن خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول جمعة صلاها بالمدينة في بنى سالم بن عوف (الحمد لله) أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الاجل من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا، وأوصيكم بتقوى الله فانه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرا وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذى بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوى بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم وما كان
من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد والذى صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فانه يقول عز وجل (ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد) فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية، فانه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله يوقى مقته ويوقى عقوبته ويوقى سخطه وإن تقوى الله يبيض الوجوه ويرضى الرب ويرفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق
[ 116 ]
جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيى عن بينة ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم فانه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضى على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب ناقته وأرخى لها الزمام فجعلت لا تمر بدار من دور الانصار إلا دعاه أهلها إلى النزول عندهم وقالوا له هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة والمنعة فيقول لهم صلى الله عليه وسلم خلوا زمامها فانها مأمورة حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم فبركت على باب مسجده وهو يومنذ مربد لغلامين يتيمين من بنى النجار في حجر معاذ بن عفراء يقال لاحدهما سهل وللآخر سهيل ابنا عمرو بن عباد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار فلما بركت لم ينزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ثم التفتت خلفها ثم رجعت إلى مبركها أول مرة فبركت
فيه ووضعت جرانها ونزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته فدعته الانصار إلى النزول عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم المرء مع رحله فنزل مع أبى أيوب خالد بن زيد بن كليب في بنى غنم بن النجار (قال أبو جعفر) وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المربد لمن هو فأخبره معاذ بن عفراء وقال هو ليتيمين لى سأرضيهما فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى مسجدا ونزل على أبى أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى موضع مسجده ثم بناه والصحيح عندنا في ذلك ما حدثنا مجاهد بن موسى يزيد بن هارون قال أخبرنا حماد ابن سلمة عن أبى التياح عن أنس بن مالك قال كان موضع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لبنى النجار وكان فيه نخل وحرث وقبور من قبور الجاهلية فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثامنونى به فقالوا لا نبتغى به ثمنا إلا ما عند الله
[ 117 ]
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطع وبالحرث فافسد وبالقبور فنبشت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يصلى في مرابض الغنم وحيث أدركته الصلاة (قال أبو جعفر) وتولى بناء مسجده صلى الله عليه وسلم هو بنفسه وأصحابه من المهاجرين والانصار (وفى هذه السنة) بنى مسجد قباء وكان أول من توفى بعد مقدمه المدينة من المسلمين فيما ذكر صاحب منزله كلثوم بن الهدم لم يلبث بعد مقدمه إلا يسيرا حتى مات ثم توفى بعده أسعد بن زرارة في سنة مقدمه وكان أبو أمامة وكانت وفاته قبل أن يفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بناء مسجده بالذبحة والشهقة * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال حدثنا محمد بن اسحاق حدثنى عبد الله بن أبى بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب يقولون لو كان محمد
نبيا لم يمت صاحبه ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا * وقد حدثنا محمد ابن عبد الاعلى قال حدثنا يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة * قال ابن حميد قال سلمة عن ابن اسحاق قال حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة الانصاري أنه لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة اجتمعت بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم * وكان أبو أمامة نقيبهم فقالوا يا رسول الله إن هذا الرجل قد كان منا حيث قد علمت فاجعل منا رجلا مكانه يقيم من أمرنا ما كان يقيمه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم أخوالى وأنا منكم وأنا نقيبكم قال وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخص بها بعضهم دون بعض فكان من فضل بنى النجار الذى تعد على قومهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نقيبهم (وفى هذه السنة) مات أبو احيحة بماله بالطائف ومات الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمى فيها بمكة * وفيها بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة بعد مقدمه المدينة بثمانية أشهر في ذى القعدة في قول بعضهم وفى قول بعض بعد مقدمه المدينة بسبعة أشهر في شوال وكان تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة خديجة وهي
[ 118 ]
ابنة ست سنين وقد قيل تزوجها وهى ابنة سبع * حدثنا عبد الحميد بن بيان السكرى قال أخبرنا محمد بن يزيد عن اسماعيل يعنى ابن أبي خالد عن عبد الرحمن بن أبى الضحاك عن رجل من قريش عن عبد الرحمن بن محمد أن عبد الله بن صفوان وآخر معه أتيا عائشة فقالت عائشة يا فلان أسمعت حديث حفصة قال لها نعم يا أم المؤمنين قال لها عبد الله بن صفوان وما ذاك قالت خلال في تسع لم تكن في أحد من النساء إلا ما آتى الله مريم بنت عمران والله ما أقول هذا فخرا على أحد من صواحبي قال لها وما هو قالت نزل الملك بصورتي وتزوجني رسول الله صلى الله
عليه وسلم لسبع سنين وأهديت إليه لتسع سنين وتزوجني بكرا لم يشركه في أحد من الناس وكان يأتيه الوحى وأنا وهو في لحاف واحد وكنت من أحب الناس إليه ونزل في آية من القرآن كادت الامة أن تهلك ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه غيرى وقبض في بيتى لم يله أحد غير الملك وأنا (قال أبو جعفر) وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قيل في شوال وبنى بها حين بنى بها في شوال ذكر الرواية بذلك * حدثنا ابن بشار قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا سفيان عن اسماعيل بن أمية عن عبد الله بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى بى في شوال وكانت عائشة تستحب أن يبنى بنسائها في شوال * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن سفيان عن اسماعيل بن أمية عن عبد الله بن عروة عن عروة عن عائشة قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى بى في شوال فأى نساء رسول الله كانت أحظى عنده مني وكانت عائشة تستحب أن يدخل بنسائها في شوال (قال أبو جعفر) وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى بها في شوال يوم الاربعاء في منزل أبى بكر بالسنح (وفى هذه السنة) بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى بناته وزوجته سودة بنت زمعة زيد بن حارثة وأبا رافع فحملاهن من مكة إلى المدينة ولما رجع فيما ذكر
[ 119 ]
عبد الله بن أريقط إلى مكة أخبر عبد الله بن أبى بكر بمكان أبيه أبى بكر فخرج عبد الله بعيال أبيه إليه وصحبهم طلحة بن عبيد الله معهم أم رمان وهى أم عائشة وعبد الله بن أبى بكر حتى قدموا المدينة (وفى هذه السنة) زيد في صلاة الحضر فيما قيل ركعتان وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين وذلك بعد مقدم رسول
الله صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر في ربيع الآخر لمضى اثنتى عشرة ليلة منه زعم لواقدي أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه * وفيها في قول بعضهم ولد عبد الله ابن الزبير وفى قول الواقدي ولد في السنة الثانية من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في شوال * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال محمد بن عمر الواقدي ولد ابن الزبير بعد الهجرة بعشرين شهرا بالمدينة (قال أبو جعفر) وكان أول مولود ولد من المهاجرين في دار الهجرة فكبر فيما ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد وذلك أن المسلمين كانوا قد تحدثوا أن اليهود يذكرون أنهم قد سحروهم فلا يولد لهم فكان تكبيرهم ذلك سرورا منهم بتكذيب الله اليهود فيما قالوا من ذلك وقيل إن أسماء بنت أبى بكر هاجرت إلى المدينة وهى حامل به وقيل أيضا إن النعمان بن بشير ولد في هذه السنة وإنه أول مولود ولد للانصار بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم وأنكر ذلك الواقدي أيضا * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا الواقدي قال حدثنا محمد بن يحيى ابن سهل بن أبى حثمة عن أبيه عن جده قال كان أول مولود من الانصار النعمان ابن بشير ولد بعد الهجرة بأربعة عشر شهرا فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانى سنين أو أكثر قليلا قال وولد النعمان قبل بدر بثلاثة أشهر أو أربعة * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا مصعب بن ثابت عن أبى الاسود قال ذكر النعمان بن بشير عند ابن الزبير فقال هو أسن منى بستة أشهر قال أبو الاسود ولد ابن الزبير على رأس عشرين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وولد النعمان على رأس أربعة عشر شهرا في ربيع الآخر (قال أبو جعفر) وقيل إن المختار بن أبى عبيد الثقفى وزياد
[ 120 ]
ابن سمية فيها ولدا * قال وزعم الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد في هذه السنة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره لحمزة بن
عبد المطلب لواء أبيض في ثلاثين رجلا من المهاجرين ليعترض لعيرات قريش وأن حمزة لقى أبا جهل في ثلاثمائة رجل فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنى فافترقوا ولم يكن بينهم قتال وكان الذى يحمل لواء حمزة أبو مرثد وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد أيضا في هذه السنة على رأس ثمانية أشهر من مهاجره في شوال لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف لواء أبيض وأمره بالمسير إلى بطن رابغ وأن لواءه كان مع مسطح بن أثاثة فبلغ ثنية المرة وهى بناحية الجحفة في ستين من المهاجرين ليس فيهم انصاري وإنهم التقوا هم والمشركون على ماء يقال له أحياء فكان بينهم الرمى دون المسايفة * قال وقد اختلفوا في أمير السرية فقال بعضهم كان أبو سفيان بن حرب وقال بعضهم كان مكرز بن حفص قال الواقدي ورأيت الثبت على أبى سفيان بن حرب وكان في مائتين من المشركين * قال وفيها عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد ابن أبى وقاص إلى الخرار لواء أبيض يحمله المقداد بن عمرو في ذى القعدة وقال حدثنى أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه قال خرجت في عشرين رجلا على أقدامنا أو قال واحد وعشرين رجلا فكنا نكمن النهار ونسير الليل حتى صبحنا الخرار صبح خامسة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أن لا أجاوز الخرار وكانت العير قد سبقتني قبل ذلك بيوم وكانوا ستين وكان من مع سعد كلهم من المهاجرين (قال أبو جعفر) وقال ابن اسحاق في أمر كل هذه السرايا التى ذكرت عن الواقدي قوله فيها غير ما قاله الواقدي وأن ذلك كله كان في السنة الثانية من وقت التاريخ * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثنى محمد بن اسحاق قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في شهر ربيع الاول لاثنتى عشرة ليلة مضت منه فأقام بها ما بقى من شهر ربيع الاول وشهر ربيع الآخر وجماديين ورجب وشعبان
[ 121 ]
ورمضان وشوال وذا القعدة وذا الحجة وولى تلك الحجة المشركون والمحرم وخرج في صفر غازيا على رأس اثنى عشر شهرا من مقدمه المدينة لثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول حتى بلغ ودان يريد قريشا وبنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهى غزوة الابواء فوادعته فيها بنو ضمرة وكان الذى وادعه منهم عليهم سيدهم كان في زمانه ذلك مخشى بن عمر ورجل منهم قال ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا فأقام بها بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الاول وبعث في مقامه ذلك عبيدة بن الحارث بن المطلب في ثمانين أو ستين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الانصار أحد حتى بلغ أحياء ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة فلقى بها جمعا عظيما من قريش فلم يكن بينهم قتال إلا أن سعد ابن أبى وقاص قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمى به في الاسلام ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد ابن عمرو البهرانى حليف بنى زهرة وعتبة بن غزوان بن جابر حليف بنى نوفل ابن عبد مناف وكانا مسلمين ولكنهما خرجا يتوصلان بالكفار إلى المسلمين وكان على ذلك الجمع عكرمة بن أبى جهل قال محمد فكانت راية عبيدة فيما بلغني أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاسلام لاحد من المسلمين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال وبعض العلماء يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعثه حين أقبل من غزوة الابواء قبل أن يصل إلى المدينة قال وبعث حمزة بن عبد المطلب في مقامه ذلك إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين وهى من أرض جهينة ليس فيهم من الانصار أحد فلقى أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنى وكان موادعا للفريقين جميعا
فانصرف القوم بعضهم عن بعض ولم يكن بينهم قتال قال وبعض القوم يقول كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحد من المسلمين وذلك أن بعثه وبعث عبيدة بن الحارث كانا معا فشبه ذلك على الناس
[ 122 ]
قال والذى سمعنا من أهل العلم عندنا أن راية عبيدة بن الحارث كانت أول راية عقدت في الاسلام قال ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الآخر يريد قريشا حتى إذا بلغ بواط من ناحية رضوى رجع ولم يلق كيدا فلبث بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الاولى ثم غزا يريد قريشا فسلك على نقب بنى دينار بن النجار ثم على فيفاء الخبار فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها ذات الساق فصلى عندها فثم مسجده وضع له عندها طعام فأكل منه وأكل الناس منه فموضع أثا في البرمة معلوم هنالك فاستقى له من ماء به يقال له المشيرب ثم ارتحل فترك الخلائق بيسار وسلك شعبة يقال لها شعبة عبد الله وذلك اسمها اليوم ثم صب ليسار حتى هبط يليل فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة واستقى له من بئر بالضبوعة ثم سلك الفرش فرش ملل حتى لقى الطريق بصحيرات اليمام ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع فأقام بها بقية جمادى الاولى وليالي من جمادى الآخرة ووداع فيها بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا وفى تلك الغزوة قال لعلي بن أبى طالب عليه السلام ما قال قال فلم يقم رسول الله صلى عليه وسلم حين قدم من غزوة العشيرة بالمدينة إلا ليالى قلائل لا تبلغ العشر حتى أغار كرز بن جابر الفهرى على سرح المدينة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى بلغ واديا يقال له هفوان من ناحية بدر وفاته كرز فلم يدركه وهى غزوة بدر الاولى ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى المدينة فأقام بها بقية جمادى الآخرة ورجبا وشعبان وقد كان بعث فيما بين ذلك من غزوة سعد بن أبى وقاص في ثمانية رهط * وزعم الواقدي أن في هذه السنة أعنى السنة الاولى من الهجرة جاء أبو قيس بن الاسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام فقال ما أحسن ما تدعو إليه أنظر في أمرى ثم أعود إليك فلقيه عبد الله بن أبي فقال له كرهت والله حرب الخزرج فقال أبو قيس لا أسلم سنة فمات في ذى القعدة
[ 123 ]
ثم كانت السنة الثانية من الهجره فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول جميع أهل السير فيها في ربيع الاول بنفسه غزوة الابواء ويقال ودان وبينهما ستة أميال هي بحذائها واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة حين خرج إليها سعد بن عبادة بن دليم وكان صاحب لوائه في هذه الغزوة حمزة بن عبد المطلب وكان لواؤه فيما ذكر أبيض وقال الواقدي كان مقامه بها خمس عشرة ليلة ثم قدم المدينة قال الواقدي ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتين من أصحابه حتى بلغ بواط في شهر ربيع الاول يعترض لعيرات قريش وفيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير ثم رجع ولم يلق كيدا وكان يحمل لواءه سعد بن أبى وقاص واستخلف على المدينة سعد بن معاذ في غزوته هذه قال ثم غزا في ربيع الاول في طلب كرز بن جابر الفهرى في المهاجرين وكان قد أغار على سرح المدينة وكان يرعى بالجماء فاستاقه فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ بدرا فلم يلحقه وكان يحمل لواءه علي بن أبى طالب عليه السلام واستخلف على المدينة زيد بن حارثة قال وفيها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعترض لعيرات قريش حين أبدأت إلى الشأم في المهاجرين وهى غزوة ذات العشيرة حتى بلغ ينبع واستخلف
على المدينة أبا سلمة بن عبد الاسد وكان يحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب * فحدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقى قال حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد ابن يزيد بن خثيم عن محمد بن كعب القرظى قال حدثنا أبوك يزيد بن خثيم عن عمار بن ياسر قال كنت أنا وعلي رفيقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة العشيرة فنزلنا منزلا فرأينا رجالا من بنى مدلج يعملون في نخل لهم فقلت لو انطلقنا فنظرنا إليهم كيف يعملون فانطلقنا فنظرنا إليهم ساعة ثم غشينا النعاس فعمدنا إلى صور من النخل فنمنا تحته في دقعاء من التراب فما أيقظنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا وقد تتربنا في ذلك التراب فحرك عليا برجله فقال
[ 124 ]
ثم يا أبا تراب الا أخبرك بأشقى الناس أحمر ثمود عاقر الناقة والذى يضربك على هذا يعنى قرنه فيخضب هذه منها وأخذ بلحيته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى يزيد بن محمد بن خثيم المحاربي عن محمد بن كعب القرظى عن محمد بن خثيم وهو أبو يزيد عن عمار بن ياسر قال كنت أنا وعلى رفيقين فذكر نحوه * وقد قيل في ذلك غير هذا القول وذلك ما حدثنى به محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا عبد العزيز بن أبى حازم عن أبيه قال قيل لسهل بن سعد إن بعض أمراء المدينة يريد أن يبعث اليك تسب عليا عند المنبر قال أقول ماذا قال تقول أبا تراب قال والله ما سماه بذلك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلت وكيف ذاك يا أبا العباس قال دخل علي على فاطمة ثم خرج من عندها فاضطجع في فئ المسجد * قال ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة فقال لها اين ابن عمك فقالت هو ذاك مضطجع في المسجد قال فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره وخلص التراب إلى ظهره فجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول اجلس أبا تراب فوالله
ما سماه به إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووالله ما كان له اسم أحب إليه منه (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة في صفر لليال بقين منه تزوج علي بن أبى طالب عليه السلام فاطمة رضى الله عنها حدثت بذلك عن محمد بن عمر قال حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن اسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن أبى جعفر (قال أبو جعفر الطبري) ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب كرز بن جابر الفهرى إلى المدينة وذلك في جمادى الآخرة بعثت في رجب عبد الله ابن جحش معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الانصار أحد فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى الزهري ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير بذلك وأما الواقدي فإنه زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش سرية في اثنى عشر رجلا من المهاجرين (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) عن الزهري ويزيد بن رومان عن عروة
[ 125 ]
قال وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم له كتابا يعنى لعبد الله بن جحش وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضى له أمره به ولا يستكره أحدا من أصحابه فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب ونظر فيه فإذا فيه إذا نظرت في كتابي هذا فسر حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من اخبارهم فلما نظر عبد الله في الكتاب قال سمع وطاعة ثم قال لاصحابه قد أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضى إلى النخلة فأرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر وقد نهانى أن أستكره أحدا منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع فأما أنا فماض لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى معه أصحابه فلم يتخلف عنه منهم أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع أضل
سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها منهم عمرو بن الحضرمي وعثمان بن عبد الله ابن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم فأشرف لهم عكاشة ابن محصن وقد كان حلق رأسه فلما رأوه أمنوا وقالوا عمار لا بأس عليكم منهم وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام فتردد القوم وهابوا الاقدام عليهم ثم تشجعوا عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والاسير حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قال وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله ابن جحش قال لاصحابه إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنتم الخمس وذلك
[ 126 ]
قبل أن يفرض الله من الغنائم الخمس فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الغنيمة وقسم سائرها بين أصحابه فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فوقف العير والاسير وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدى القوم وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم المسلمون فيما صنعوا وقال لهم صنعتم ما لم تؤمروا به وقاتلتم في الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الاموال وأسروا فيه الرجال فقال من يرد
ذلك عليهم من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان وقالت يهود تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي قتله واقد ابن عبد الله عمرو عمرت الحرب والحضرمى حضرت الحرب وواقد بن عبد الله وقدت الحرب فجعل الله عز وجل ذلك عليهم لا لهم فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) الآية فلما نزل القرآن بهذا من الامر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والاسيرين وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفد يكموهما حتى يقدم صاحبانا يعنى سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان فإنا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم فقدم سعد وعتبة ففاداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا (قال أبو جعفر) وخالف في بعض هذه القصة محمد بن إسحاق والواقدى جميعا السدى * حدثنى موسى ابن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الاسدي وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة عتبة بن ربيعة وسعد بن أبى وقاص وعتبة بن
[ 127 ]
غزوان السلمى حليف لبنى نوفل وسهيل بن بيضاء وعامر بن فهيرة وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب وكتب مع ابن جحش كتابا وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه أن سر حتى تنزل بطن نخل فقال لاصحابه من كان يريد الموت فليمض وليوص فإنى موص
وماض لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار وتخلف عنه سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان أضلا راحلة لهما فأتيا بحران يطلبانها وسار ابن جحش إلى بطن نخلة فإذا هو بالحكم بن كيسان وعبد الله بن المغيرة والمغيرة بن عثمان وعمرو بن الحضرمي فاقتتلوا فأسروا الحكم بن كيسان وعبد الله بن المغيرة وانفلت المغيرة وقتل عمرو ابن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلما رجعوا إلى المدينة بالاسيرين وما أصابوا من الاموال أراد أهل مكة أن يفادوا الاسيرين فقال النبي صلى الله عليه وسلم حتى ننظر ما فعل صاحبانا فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالاسيرين ففجر عليه المشركون وقالوا محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب فقال المسلمون إنما قتلناه في جمادى وقيل في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رجب فأنزل الله عز وجل يعير أهل مكة يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير الآية (قال أبو جعفر) وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان انتدب لهذا المسير أبا عبيدة بن الجراح ثم بدا له فيه فندب له عبد الله بن جحش ذكر الخبر بذلك * حدثنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا المعتمر بن سليما عن ابيه أنه حدثه رجل عن أبى السوار يحدثه عن جندب بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بعث رهطا فبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح فلما أخذ لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رجلا مكانه يقال له عبد الله بن جحش وكتب له كتابا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ كذا وكذا ولا تكرهن أحدا من
[ 128 ]
أصحابك على السير معك فلما قرأ الكتاب استرجع ثم قال سمعا وطاعة لامر الله
ورسوله فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب فرجع رجلا ومضى بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا ذلك اليوم من رجب أو من جمادى فقال المشركون للمسلمين فعلتم كذا وكذا في الشهر الحرام فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فحدثوه الحديث فأنزل الله عز وجل (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه إلى قوله والفتنة أكبر من القتل) الفتنة هي الشرك * وقال بعض الذى أظنه قال كانوا في السرية والله ما قتله إلا واحد فقال إن يكن خيرا فقد وليت وان يكن ذنبا فقد علمت ذكر بقية ما كان في السنة الثانسة من سنى الهجرة ومن ذلك ما كان من صرف الله عز وجل قبلة المسلمين من الشأم إلى الكعبة وذلك في السنة الثانية من مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في شعبان واختلف السلف من العلماء في الوقت الذى صرفت فيه من هذه السنة فقال بعضهم وهم الجمهور الاعظم صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذكر من قال ذلك * حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان الناس يصلون قبل بيت المقدس فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجره وكان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر وكان يصلى قبل بيت المقدس فنسختها للكعبة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يصلى قبل الكعبة فانزل الله عز وجل (قد نرى تقلب وجهك في السماء) الآية * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة * وحدثت
عن ابن سعد عن الواقدي مثل ذلك وقال صرفت القبلة في الظهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان (قال أبو جعفر) وقال آخرون إنما صرفت القبلة إلى الكعبة لستة عشر
[ 129 ]
شهرا مضت من سنى الهجرة ذكر من قال ذلك * حدثنا المثنى بن إبراهيم الآملي قال حدثنا الحجاج قال حدثنا همام بن يحيى قال سمعت قتادة قال كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة وبعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال سمعت ابن زيد يقول استقبل النبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس ستة عشر شهرا فبلغه أن يهود تقول والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ورفع وجهه إلى السماء فقال الله عز وجل (قد نرى تقلب وجهك في السماء، الآية (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة فرض فيما ذكر صوم شهر رمضان وقيل إنه فرض في شعبان منها وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة رأى يهود تصوم يوم عاشوراء فسألهم فأخبروه أنه اليوم الذى غرق الله فيه آل فرعون ونجى موسى ومن معه منهم فقال نحن أحق بموسى منهم فصام وأمر الناس بصومه فلما فرض صوم شهر رمضان لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء ولم ينههم عنه (وفيها) أمر الناس باخراج زكاة الفطر وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس قبل الفطر بيوم أو يومين وأمرهم بذلك (وفيها) خرج إلى المصلى فصلى بهم صلاة العيد وكان ذلك أول خرجة خرجها بالناس إلى المصلى لصلاة العيد (وفيها) ذكر حملت العنزة له إلى المصلى فصلى إليها وكانت للزبير بن العوام كان النجاشي وهبها له فكانت تحمل بين يديه في الاعياد وهى
اليوم فيما بلغني عند المؤذنين بالمدينة (وفيها) كانت وقعة بدر الكبرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والكفار من قريش وذلك في شهر رمضان منها ثم اختلفوا في اليوم الذى فيه كانت الحرب بينه وبينهم فقال بعض كانت وقعة بدر يوم تسعة عشر من شهر رمضان ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا هارون بن المغيرة عن عنبسة عن أبى اسحاق عن
[ 130 ]
عبد الرحمن بن الاسود عن أبيه عن ابن مسعود قال التمسوا ليلة القدر في تسع عشرة ليلة من رمضان فانها ليلة بدر * حدثنا محمد بن عمارة الاسدي قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا اسرائيل عن أبى اسحاق عن حجير الثعلبي عن الاسود عن عبد الله قال التمسوا ليلة القدر في تسع عشرة من رمضان فان صبيحتها كانت صبيحة بدر * حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبيد بن محمد المحاربي قال حدثنا ابن أبى الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن زيد أنه كان لا يحيى ليلة من شهر رمضان كما يحيى ليلة تسع عشرة وثلاث وعشرين ويصبح وجهه مصفرا من أثر السهر فقيل له فقال إن الله عز وجل فرق في صبيحتها بين الحق والباطل (وقال) آخرون كانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة قال سمعت أبا اسحاق تحدث عن حجير عن الاسود وعلقمة أن عبد الله بن مسعود قال التمسوها في سبع عشرة وتلا هذه الاية (يوم التقى الجمعان) يوم بدر ثم قال أو تسع عشرة وإحدى وعشرين * حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا الثوري عن الزبير بن عدى عن إبراهيم عن الاسود عن عبد الله قال
كانت بدر صبيحة تسع عشرة من رمضان * حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا الثوري عن أبى إسحاق عن الاسود عن عبد الله مثله * قال الحارث قال ابن سعد قال الواقدي فذكرت ذلك لمحمد بن صالح فقال هذا أعجب الاشياء ما ظننت أن أحدا من أهل الدنيا شك في هذا إنها صبيحة تسع عشرة من رمضان يوم الجمعة قال محمد بن صالح وسمعت عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان يقولان ذلك قال لى محمد بن صالح يا ابن أخى وما تحتاج إلى تسمية الرجال في هذا هذا أبين من ذلك ما يجهل هذا النساء في بيوتهن قال الواقدي فذكرته لعبد الرحمن بن أبى الزناد فقال أخبرني أبى عن خارجة بن زيد عن زيد ابن ثابت أنه كان يحيى ليلة سبع عشرة من شهر رمضان وإن كان ليصبح وعلى
[ 131 ]
وجهه اثر السهر ويقول فرق الله في صبيحتها بين الحق والباطل وأعز في صبحها الاسلام وأنزل فيها القرآن وأذل فيها الكفر وكانت وقعة بدر يوم الجمعة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنى يحيى بن يعقوب أبو طالب عن أبى عون محمد بن عبيد الله الثقفى عن أبى عبد الرحمن السلمى عبد الله بن حبيب قال قال الحسن بن علي بن أبى طالب كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة من رمضان وكان الذى هاج وقعة بدر وسائر الحروب التى كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش فيما قال عروة بن الزبير ما كان من قتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي ذكر وقعة بدر الكبرى * حدثنا علي بن نصر بن علي وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال علي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وقال عبد الوارث حدثنى أبى قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان
أما بعد فانك كتبت إلى في أبى سفيان ومخرجه تسألني كيف كان شأنه: كان من شأنه أن أبا سفيان بن حرب أقبل من الشأم في قريب من سبعين راكبا من قبائل قريش كلها كانوا تجارا بالشأم فأقبلوا جميعا معهم أموالهم وتجارتهم فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد كانت الحرب بينهم قبل ذلك فقتلت قتلى وقتل ابن الحضرمي في ناس بنخلة وأسرت أسارى من قريش فيهم بعض بنى المغيرة وفيهم ابن كيسان مولاهم أصابهم عبد الله بن جحش وواقد حليف بنى عدى بن كعب في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم مع عبد الله بن جحش وكانت تلك الوقعة هاجت الحرب بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش وأول ما أصاب به بعضهم بعضا من الحرب وذلك قبل مخرج أبى سفيان وأصحابه إلى الشأم ثم إن أبا سفيان أقبل بعد ذلك ومن معه من ركبان قريش مقبلين من الشأم فسلكوا طريق الساحل فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه وحدثهم بما معهم من الاموال وبقلة عددهم فخرجوا
[ 132 ]
لا يريدون الا أبا سفيان والركب معه لا يرونها الا غنيمة لهم لا يظنون أن يكون كبير قتال إذا لقوهم وهى التى أنزل الله عز وجل فيها (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) فلما سمع أبو سفيان أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معترضون له بعث إلى قريش أن محمدا وأصحابه معترضون لكم فأجيروا تجارتكم فلما أتى قريشا الخبر وفى عير أبى سفيان من بطون كعب بن لؤى كلها نفر لها أهل مكة وهى نفرة بنى كعب بن لؤى ليس فيها من بنى عامر أحد إلا ما كان من بنى مالك بن حسل ولم يسمع بنفرة قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم بدرا وكان طريق ركبان قريش من أخذ منهم طريق الساحل إلى الشأم فخفض أبو سفيان عن بدر ولزم
طريق الساحل وخاف الرصد على بدر وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى عرس قريبا من بدر وبعث النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام في عصابة من أصحابه إلى ماء بدر وليسوا يحسبون أن قريشا خرجت لهم فبينا النبي صلى الله عليه وسلم قائم يصلى إذ ورد بعض روايا قريش ماء بدر وفيمن ورد من الروايا غلام لبنى الحجاج أسود فأخذه النفر الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الزبير إلى الماء وأفلت بعض أصحاب العبد نحو قريش فأقبلوا به حتى أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في معرسه فسألوه عن أبى سفيان وأصحابه لا يحسبون الا أنه معهم فطفق العبد يحدثهم عن قريش ومن خرج منها وعن رؤسهم ويصدقهم الخبر وهم أكره شئ إليهم الخبر الذى يخبرهم وإنما يطلبون حينئذ بالركب أبا سفيان وأصحابه والنبى صلى الله عليه وسلم يصلى يركع ويسجد يرى ويسمع ما يصنع بالعبد فطفقوا إذا ذكر لهم أنها قريش جاءتهم ضربوه وكذبوه وقالوا إنما تكتمنا أبا سفيان وأصحابه فجعل العبد إذا أذلقوه بالضرب وسألوه عن أبى سفيان وأصحابه وليس له بهم علم إنما هو من روايا قريش قال نعم هذا أبو سفيان والركب حينئذ أسفل منهم قال الله عز وجل (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم - حتى بلغ - أمرا كان مفعولا) فطفقوا إذا قال لهم العبد
[ 133 ]
هذه قريش قد أتتكم ضربوه وإذا قال لهم هذا أبو سفيان تركوه فلما رأى صنيعهم النبي صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاته وقد سمع الذى أخبرهم فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذى نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدق وتتركونه إذا كذب قالوا فانه يحدثنا أن قريشا قد جاءت قال فانه قد صدق قد خرجت قريش تجير ركابها فدعا الغلام فسأله فأخبره بقريش وقال لا علم لي بأبى سفيان فسأله كم القوم فقال لا أدرى والله هم كثير عددهم فزعموا أن النبي صلى الله
وسلم قال من أطعمهم أول من أمس فسمى رجلا أطعمهم فقال كم جزائر نحر لهم قال تسع جزائر قال فمن أطعمهم أمس فسمى رجلا فقال كم نحر لهم قال عشر جزائر فزعموا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال القوم ما بين التسعمائة إلى الالف فكان نفرة قريش يومئذ خمسين وتسعمائة فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم فنزل الماء وملا الحياض وصف عليها أصحابه حتى قدم عليه القوم فلما ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا قال هذه مصارعهم فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قد سبقهم إليه ونزل عليه فلما طلعوا عليه زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه قريش قد جاءت بجلبتها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم إنى أسألك ما وعدتني فلما أقبلوا استقبلهم فحثا في وجوههم التراب فهزمهم الله وكانوا قبل أن يلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم قد جاءهم راكب من أبى سفيان والركب الذين معه أن ارجعوا والركب الذين يأمرون قريشا بالرجعة بالجحفة فقالوا والله لا نرجع حتى ننزل بدرا فنقيم به ثلاث ليال ويرانا من غشينا من أهل الحجاز فإنه لن يرانا أحد من العرب وما جمعنا فيقاتلنا وهم الذين قال الله عز وجل (الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس) فالتقوا هم والنبى صلى الله عليه وسلم ففتح الله على رسوله وأخزى أئمة الكفر وشفى صدور المسلمين منهم * حدثنى هارون بن إسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنا إسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن حارثة عن علي عليه السلام قال لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها وأصابنا بها وعك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخبر عن بدر فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا
[ 134 ]
سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وبدر بئر فسبقنا المشركين إليها فوجدنا فيها رجلين منهم رجل من قريش ومولى لعقبة بن أبى معيط فأما القرشى فانفلت وأما مولى عقبة فأخذناه فجعلنا نقول كم القوم فيقول هم والله كثير شديد بأسهم
فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له كم القوم فقال هم والله كثير شديد بأسهم فجهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره كم هم فأبى ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله كم ينحرون من الجزر فقال عشرا كل يوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم ألف ثم إنه أصابنا من الليل طش من المطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض فلما أن طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرض على القتال ثم قال إن جمع قريش عند هذه الضلعة من الجبل فلما أن دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل من القوم على جمل أحمر يسير في القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا علي ناد لى حمزة وكان أقربهم إلى المشركين من صاحب الجمل الاحمر وماذا يقول لهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يكن في القوم من يأمر بالخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الاحمر فجاء حمزة فقال هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم إنى أرى قوما مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة بن ربيعة ولقد علمتم أنى لست بأجبنكم قال فسمع أبو جهل فقال أنت تقول هذا والله لو غيرك يقول هذا لعضضته لقد ملئت رئتك وجوفك رعبا فقال عتبة إياى تعير يا مصفر استه ستعلم اليوم أينا أجبن قال فبرز عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة ابن ربيعة وابنه الوليد حمية فقالوا من يبارز فخرج فتية من الانصار ستة فقال عتبة لا نريد هؤلاء ولكن يبارزنا من بنى عمنا من بنى عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا علي قم يا حمزة قم يا عبيدة بن الحارث قم فقتل الله عتبة بن
[ 135 ]
ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وجرح عبيدة بن الحارث فقتلنا منهم سبعين وأسرنا منهم سبعين قال فجاء رجل من الانصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرا فقال يا رسول الله والله ما هذا أسرني ولكن أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم فقال الانصاري أنا أسرته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد آزرك الله بملك كريم قال علي فأسر من بنى عبد المطلب العباس وعقيل ونوفل بن الحارث * حدثنى جعفر بن محمد البزورى قال حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبى أسحاق عن حارثة عن علي قال لما أن كان يوم بدر وحضر الناس اتقينا برسول الله فكان من أشد الناس بأسا وما كان منا أحد أقرب إلى العدو منه * حدثنا عمرو بن علي قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة عن أبى إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي قال سمعته يقول ما كان فينا فارس يوم بدر غير مقداد بن الاسود ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائما إلى شجرة يصلى ويدعو حتى الصبح * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد ابن إسحق قال إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمع بأبى سفيان ابن حرب مقبلا من الشأم في عير لقريش عظيمة فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم وفيها ثلاثون راكبا من قريش أو أربعين منهم مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة وعمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحق قال فحدثني محمد بن مسلم الزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ويزيد ابن رومان عن عروة وغيرهم من علمائنا عن عبد الله بن عباس كل قد حدثنى بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى سفيان مقبلا من الشأم ندب المسلمين إليهم
وقال هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه
[ 136 ]
وسلم يلقى حربا وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الاخبار ويسأل من لقى من الركبان تخوفا على أموال الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال ابن إسحاق وحدثني من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة قال وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخى والله لقد رأيت الليلة رؤيا لقد أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم على ما أحدثك قال لها وما رأيت قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالابطح ثم صرخ بأعلى صوته أن انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينا هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بأعلى صوته بمثلها أن انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقى بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلت منها فلقة قال العباس والله إن هذه لرؤيا رأيت فاكتميها ولا تذكريها لاحد ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبة بن ربيعة وكان له صديقا فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لابيه عتبة ففشا الحديث
حتى تحدثت به قريش قال العباس فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة فلما رأني أبو جهل قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل الينا قال فلما فرغت أقبلت إليه حتى جلست معهم فقال لى أبو جهل يا بنى عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية قال قلت وما ذاك قال الرؤيا التى رأت عاتكة قال قلت وما رأت قال يا بنى عبد المطلب أما رضيتم
[ 137 ]
أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فان يكن ما قالت حقا فسيكون وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب قال العباس فوالله ما كان منى إليه كبير إلا أنى جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا قال ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ثم لم يكن عندك غيرة لشئ مما سمعت قال قلت قد والله فعلت ما كان منى إليه من كبير وايم الله لا تعرضن له فإن عاد لاكفينكموه قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أن قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه قال فدخلت المسجد فرأيته فوالله إنى لامشى نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر إذ خرج نحو باب المسجد يشتد قال قلت في نفسي ماله لعنه الله أكل هذا فرقا من أن أشاتمه قال وإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث قال فشغلني عنه
وشغله عنى ما جاء من الامر فتجهز الناس سراعا وقالوا أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب تخلف فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكان لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها فاستأجره بها على أن يجزى عنه بعثه فخرج عنه وتخلف أبو لهب * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق حدثنى عبد الله بن أبى نجيح أن أمية بن خلف كان قد أجمع العقود وكان شيخا جليلا ثقيلا فأتاه عقبة بن أبى معيط وهو جالس في المسجد بين ظهرى
[ 138 ]
قومه بمجمرة يحملها فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال يا أبا على استجمر فانما أنت من النساء قال قبحك الله وقبح ما جئت به قال ثم تجهز فخرج مع الناس فلما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير ذكروا ما بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب فقالوا إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذى بينها وبين بنى بكر فكاد ذلك أن يثنيهم فتبدى لهم ابليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجى وكان من أشراف كنانة فقال أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشئ تكرهونه فخرجوا سراعا (قال أبو جعفر) وخرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما بلغني عن غير ابن اسحاق لثلاث ليال خلون من شهر رمضان في ثلثمائة وبضعة عشر رجلا من أصحابه فاختلف في مبلغ الزيادة على العشرة فقال بعضهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا ذكر من قال ذلك
* حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر بن عياش قال حدثنا أبو اسحاق عن البراء قال كنا نتحدث أن أصحاب بدر يوم بدر كعدة أصحاب طالوت ثلثمائة رجل وثلاثة عشر رجلا الذين جاوزوا النهر فسكت * حدثنى محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا أبو مالك الجنى عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال كان المهاجرون يوم بدر سبعة وسبعين رجلا وكان الانصار مائتين وستة وثلاثين رجلا وكان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب عليه السلام وصاحب راية الانصار سعد بن عبادة * وقال آخرون كانوا ثلثمائة رجل وأربعة عشر من شهد منهم ومن ضرب بسهمه وأجره حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق وقال بعضهم كانوا ثلثمائة وثمانية عشر وقال آخرون كانوا ثلثمائة وسبعة * وأما عامة السلف فإنهم قالوا كانوا ثلثمائة رجل وبضعة عشر رجلا
[ 139 ]
ذكر من قال ذلك حدثنا هارون بن اسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام وحدثني أحمد بن اسحاق الاهوازي قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قالا حدثنا اسرائيل قال حدثنا أبو اسحاق عن البراء قال كنا نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجز معه إلا مؤمن ثلثمائة وبضعة عشر * حدثنا ابن بشار قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا سفيان عن أبى اسحاق عن البراء قال كنا نتحدث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلا على عدة أصحاب طالوت من جاز معه النهر وما جاز معه إلا مؤمن * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن سفيان عن أبى اسحاق عن البراء بنحوه * حدثنا اسماعيل بن اسرائيل الرملي قال حدثنا عبد الله بن محمد بن المغيرة عن مسعر عن أبى اسحاق عن البراء
قال عدة أهل بدر عدة أصحاب طالوت * حدثنى أحمد بن اسحاق قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا مسعر عن أبى اسحاق عن البراء مثله * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه يوم بدر أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقى جالوت وكان أصحاب نبى الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلا * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى قال خلص طالوت في ثلثمائة وبضعة عشر رجلا عدة أصحاب بدر * حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة قال كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلا رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق قال وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه وجعل على الساقة قيس ابن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار في ليال مضت من شهر رمضان فسار حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهنى حليف بنى ساعدة وعدى بن أبى الزغباء الجهنى حليف بنى النجار إلى بدر يتحسسان له الاخبار
[ 140 ]
عن أبى سفيان بن حرب وعيره ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قدمهما فلما استقبل الصفراء وهى قرية بين جبلين سأل عن جبليهما ما أسماؤهما فقالوا لاحدهما هذا مسلح وقالوا للآخر هذا مخرئ وسأل عن أهلهما فقالوا بنو النار وبنو حراق بطنان من بنى غفار فكرههما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرور بينهما وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهاليهما فتركهما والصفراء بيسار وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس وأخبرهم
عن قريش فقام أبو بكر رضى الله عنه فقال فأحسن ثم قام عمر بن الخطاب فقال فأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول كما قالت بنو اسرائيل لموسى (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد يعنى مدينة الحبشة لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير * حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا اسماعيل بن ابراهيم أبو يحيى قال حدثنا المخارق عن طارق عن عبد الله بن مسعود قال لقد شهدت من المقداد مشهدا لان أكون أنا صاحبه أحب إلى مما في الارض من شئ كان رجلا فارسا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب احمارت وجنتاه فأتاه المقداد على تلك الحال فقال أبشر يا رسول الله فو الله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) ولكن والذى بعثك بالحق لنكونن من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك أو يفتح الله لك (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشيروا على أيها الناس وإنما يريد الانصار وذلك أنهم كانوا عدد الناس وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان رسول الله صلى
[ 141 ]
الله عليه وسلم يتخوف الا تكون الانصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ والله لكأنك تريدنا يا رسول الله قال أجل قال فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك
على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال سيروا على بركة الله وأبشروا فان الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران فسلك على ثنايا يقال لها الاصافر ثم انحط منها على بلد يقال لها الدبة وترك الحنان بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من أصحابه * كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخبرتنا أخبرناك فقال وذاك بذاك قال نعم قال الشيخ فانه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فان كان صدقنى الذى أخبرني فهو اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا فان كان الذى حدثنى صدقنى فهم اليوم بمكان وكذا وكذا للمكان الذى به قريش فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن من ماء ثم انصرف عنه قال يقول الشيخ ما من ماء أمن ماء العراق ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فلما أمسى بعث علي بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون
[ 142 ]
له الخبر عليه كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق كما حدثنى
يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بنى الحجاج وعريض أبو يسار غلام بنى العاص بن سعيد فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائم يصلى فسألوهما فقالا نحن سقاة قريش بعثونا لنسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لابي سفيان فضربوهما فلما أذ لقوهما قالا نحن لابي سفيان فتركوهما وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتين ثم سلم فقال إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله إنهما لقريش أخبرانى أين قريش قالا هم وراء هذا الكثيب الذى ترى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما كم القوم قالا كثير قال ما عدتهم قالا لا ندرى قال كم ينحرون كل يوم قالا يوما تسعا ويوما عشرا قال رسول الله صلى الله عليه وآله القوم ما بين التسعمائة والالف ثم قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فيهم من أشراف قريش قال عتبة بن ربيعة وشيبة ابن ربيعة وأبو البخترى بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويد والحارث ابن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدى بن نوفل والنضر بن الحارث بن كلدة وزمعة بن الاسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ود فأقبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الناس فقال هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها قالوا وقد كان بسبس ابن عمرو وعدى بن أبى الزغباء مضيا حتى نزلا بدرا فأناخا إلى تل قريب من الماء ثم أخذا شنا يستقيان فيه ومجدى بن عمرو الجهنى على الماء فسمع عدى وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما تتلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها إنما تأتى العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذى لك قال مجدي صدقت ثم خلص بينهما وسمع ذلك عدى وبسبس فجلسا على بعيريهما ثم
انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بما سمعا وأقبل أبو سفيان
[ 143 ]
قد تقدم العير حذرا حتى ورد الماء فقال لمجدي بن عمرو هل أحسست أحدا قال ما رأيت أحدا أنكره إلا أنى رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه نوى فقال هذا والله علائف يثرب فرجع إلى أصحابه سريعا فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدرا يسارا ثم انطلق حتى أسرع وأقبلت قريش فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا فقال انى رأيت فيما يرى النائم وإنى لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة ابن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف وفلان وفلان فعدد رجالا ممن قتل يومئذ من أشراف قريش ورأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقى خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه قال فبلغت أبا جهل فقال وهذا أيضا نبى آخر من بنى عبد المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا فقال أبو جهل بن هشام والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدر موسما من مواسم العرب تجتمع لهم بها سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثا وننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقى الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا فامضوا فقال الاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى وكان حليفا لبنى زهرة وهم بالجحفة يا بنى زهرة قد نجى الله لكم أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وإنما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بى جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة بكم في أن تخرجوا في غير ضيعة لا ما
يقول هذا يعنى أبا جهل فرجعوا فلم يشهدها زهرى واحد وكان فيهم مطاعا ولم يكن بقى من قريش بطن إلا نفر منهم ناس إلا بنى عدى بن كعب لم يخرج منهم رجل واحد فرجعت بنو زهرة مع الاخنس بن شريق فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد ومضى القوم قال وقد كان بين طالب بن أبى طالب وكان
[ 144 ]
في القوم وبين بعض قريش محاورة فقالوا والله لقد عرفنا يا بنى هاشم إن خرجتم معنا ان هواكم مع محمد فرجع طالب إلى مكة فيمن رجع (قال أبو جعفر) وأما ابن الكلبى فإنه قال فيما حدثت عنه شخص طالب بن أبى طالب إلى بدر مع المشركين أخرج كرها فلم يوجد في الاسرى ولا في القتلى ولم يرجع إلى أهله وكان شاعرا وهو الذى يقول يا رب إما يغزون طالب * في مقنب من هذه المقانب فليكن المسلوب غير السالب * وليكن المغلوب غير الغالب (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل وبطن الوادي وهو يليل بين بدر وبين العقنقل الكثيب الذى خلفه قريش والقلب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة وبعث الله السماء وكان الوادي دهسا فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد لهم الارض ولم يمنعهم المسير وأصاب قريشا منها ما لم يقدر على أن يرتحلوا معه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال فحدثني محمد بن اسحاق قال حدثت عن رجال من بنى سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخره أم هو الرأى والحرب والمكيدة قال بل هو الرأى
والحرب والمكيدة فقال يا رسول الله فإن هذا ليس لك بمنزل فانهض بالناس حتى تأتى أدنى ماء من القوم فتنزله ثم تغور ما سواه من القلب ثم تبنى عليه حوضا فتملاه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أشرت بالرأى فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم حتى نزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق فحدثني عبد الله بن أبى بكر أن سعد
[ 145 ]
ابن معاذ قال يا رسول الله نبنى لك عريشا من جريد فتكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك مما أحببنا وإن كانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبى الله ما نحن بأشد حبا لك منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحوك ويجاهدون معك فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه خيرا ودعا له بخير ثم بنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش فكان فيه وقد ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذى منه جاؤا إلى الوادي قال اللهم هذه قريش قد اقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذى وعدتني اللهم فأحنهم الغداة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى عتبة ابن ربيعة في القوم على جمل له أحمر إن يكن عند أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمر إن يطيعوه يرشدوا وقد كان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري أو أبو ه إيماء بن رحضة بعث إلى قريش حين مروا به ابنا له بجزائر أهداها لهم وقال إن أحببتم أن أمدكم بسلاح ورجال فعلنا فأرسلوا إليه مع ابنه ان وصلتك
الرحم فقد قضيت الذى عليك فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم ولئن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فما لاحد بالله من طاقة فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم حكيم بن حزام على فرس له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فما شرب منهم رجل إلا قتل يومئذ إلا ما كان من حكيم بن حزام فانه لم يقتل نجا على فرس له يقال له الوجيه وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه فكان إذا اجتهد يمينه قال لا والذى نجاني يوم بدر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق وحدثني اسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الانصار قالوا لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحى فقالوا احرز لنا أصحاب محمد قال فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه
[ 146 ]
ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أم مدد * قال فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا فرجع إليهم فقال ما رأيت شيئا ولكني قد رأيت يا معشر قريش الولايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم والله ما أرى يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة فقال يا أبا الوليد إنك كبير قريش الليلة وسيدها والمطاع فيها هل لك أن لا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر قال وما ذاك يا حكيم قال ترجع بالناس وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي قال قد فعلت أنت على بذلك إنما هو حليفي فعلى عقله وما أصيب من ماله فأت ابن الحنظلية فانى لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره يعنى أبا جهل بن هشام * حدثنا الزبير بن كار قال حدثنا عمامة بن عمرو السهمى قال حدثنى مسور بن عبد الملك اليربوعي عن
أبيه عن سعيد بن المسيب قال بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل حاجبه فقال هذا أبو خالد حكيم بن حزام قال إئذن له فلما دخل حكيم بن حزام قال مرحبا بك يا أبا خالد ادن فحال له مروان عن صدر المجلس حتى كان بينه وبين الوسادة ثم استقبله مروان فقال حدثنا حديث بدر قال خرجنا حتى إذا نزلنا الجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التى قال الله عز وجل فجئت عتبة بن ربيعة فقلت يا أبا الوليد هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت قال أفعل ماذا قلت إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي وهو حليفك فتحمل ديته فترجع بالناس فقال أنت وذاك وأنا أتحمل بديته واذهب إلى ابن الحنظلية يعنى أبا جهل فقل له هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه وإذا ابن الحضرمي واقف على رأسه وهو يقول قد فسخت عقدى من عبد شمس وعقدي إلى بنى مخزوم فقلت له يقول لك عتبة بن ربيعة هل لك أن ترجع اليوم عن ابن عمك بمن معك قال أما وجد رسولا غيرك قلت لا ولم أكن
[ 147 ]
لاكون رسولا لغيره قال حكيم فخرجت مبادرا إلى عتبة لئلا يفوتنى من الخير شئ وعتبة متكئ على ايماء بن رحضة الغفاري وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر فطلع أبو جهل الشر في وجهه فقال لعتبة انتفخ سحرك فقال له عتبة ستعلم فسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه فقال ايماء بن رحضة بئس الفأل هذا فعند ذلك قامت الحرب (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا فقال يا معشر قريش انكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا والله لئن أصبتموه لا يزال رجل منكم ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب فإن أصابوه فذاك الذى
أردتم وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون قال حكيم فانطلقت أؤم أبا جهل فوجدته قد نثل درعا له من جرابها فهو يهيؤها فقلت يا أبا الحكم إن عتبة قد أرسلني إليك بكذا وكذا للذى قال فقال انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وأصحابه وما بعتبة قال ولكنه قد رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه ثم بعث إلى عامر ابن الحضرمي فقال له هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك فقال عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ واعمراه واعمراه فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوثقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأى الذى دعاهم إليه عتبة بن ربيعة فلما بلغ عتبة بن ربيعة قول أبى جهل انتفخ سحره قال سيعلم المصفر أسته من انتفخ سحره أنا أم هو ثم التمس بيضة يدخلها رأسه فلما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له وقد خرج الاسود بن عبد الاسد المخزومى وكان رجلا شرسا سيئ الخلق فقال أعاهد الله لاشربن من حوضهم ولاهدمنه أو لاموتن دونه فلما خرج خرج له حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد زعم أن يبر يمينه واتبعه حمزة
[ 148 ]
فضربه حتى قتله في الحوض ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الانصار ثلاثة نفر منهم عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء ورجل آخر يقال له عبد الله بن رواحة فقال من أنتم قالوا رهط من الانصار فقالوا ما لنا بكم من حاجة ثم نادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم قم يا حمزة بن عبد المطلب قم يا عبيدة بن الحارث قم يا علي ابن أبى طالب فلما قاموا ودنوا منهم قالوا من أنتم قال عبيدة عبيدة وقال حمزة حمزة وقال علي علي قالوا نعم أكفاء كرام فبارز عبيدة بن الحارث وكان أسن القوم عتبة بن ربيعة وبارز حمزة شيبة بن ربيعة وبارز علي الوليد بن عتبة فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه فقتلاه واحتملا صاحبهما عبيدة فجاءا به إلى أصحابه وقد قطعت رجله فمخها يسيل فلما أتوا بعبيدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألست شهيدا يا رسول الله قال بلى فقال عبيدة لو كان أبو طالب حيا لعلم أنى أحق بما قال منه حيث يقول ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني عاصم ابن عمر بن قتادة أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الانصار حين انتسبوا أكفاء كرام إنما نريد قومنا ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم وقال إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش معه أبو بكر (قال أبو جعفر) وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق كما حدثنى أبو جعفر محمد ابن علي بن الحسين وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني حبان بن واسع بن حبان بن واسع عن أشياخ من قومه أن رسول الله صلى الله
[ 149 ]
عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفى يده قدح يعدل به القوم فمر بسواد ابن غزية حليف بنى عدى بن النجار وهو مستنتل من الصف فطعن رسول الله
صلى الله عليه وسلم في بطنه بالقدح وقال استويا يا سواد بن غزية فقال يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق فأقدنى * قال فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه ثم قال استقد * قال فاعتنقه وقبل بطنه فقال ما حملك على هذا يا سواد فقال يا رسول الله حضر ما ترى فلم آمن القتل فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيرا ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ورجع إلى العريش ودخله ومعه فيه أبو بكر ليس معه فيه غيره ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة اليوم يعنى المسلمين لا تعبد بعد اليوم وأبو بكر يقول يا نبى الله بعض مناشدتك ربك فإن الله عز وجل منجز لك ما وعدك * فحدثني محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن عكرمة بن عمار قال حدثنى سماك الحنفي قال سمعت ابن عباس يقول حدثنى عمر ابن الخطاب قال لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المشركين وعدتهم ونظر إلى أصحابه نيفا على ثلثمائة استقبل القبلة فجعل يدعو يقول اللهم انجز لى ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الاسلام لا تعبد في الارض فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه فأخذ أبو بكر فوضع رداءه عليه ثم التزمه من ورائه ثم قال كفاك يا نبى الله بأبى أنت وأمى مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله تبارك وتعالى (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا الثقفى يعنى عبد الوهاب عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال وهو في قبته يوم بدر اللهم إنى أسألك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم قال فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك يا نبى الله فقد ألححت على ربك وهو في الدرع فخرج وهو يقول (سيهزم
[ 150 ]
الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) (رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق) قال وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع قال وقد رمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل فكان أول قتيل من المسلمين ثم رمى حارثة بن سراقة أحد بنى عدى بن النجار وهو يشرب من الحوض فقتل ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم ونفل كل امرئ منهم ما أصاب وقال والذى نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة فقال عمير بن الحمام أخو بنى سلمة وفى يده تمرات يأكلهن بخ بخ فما بينى وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل وهو يقول ركضا إلى الله بغير زاد * إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد * وكل زاد عرضة النفاد غير التقى والبر والرشاد * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن عوف بن الحارث وهو ابن عفراء قال يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده قال غمسه يده في العدو حاسرا فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق وحدثني محمد بن مسلم الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري حليف بنى زهرة قال لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قال أبو جهل اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة فكان هو المستفتح
على نفسه ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال شاهت الوجوه ثم نفحهم بها وقال لاصحابه شدوا فكانت الهزيمة فقتل الله من قتل من صناديد قريش وأسر من أسر منهم فلما وضع القوم
[ 151 ]
أيديهم يأسرون ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحا السيف في نفر من الانصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم يخافون عليه كرة العدو ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لى في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكأنك يا سعد تكره ما يصنع الناس قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بالمشركين فكان الاثخان في القتل أعجب إلى من استبقاء الرجال * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه يومئذ إنى عرفت أن رجالا من بنى هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقى منكم أحدا من بنى هاشم فلا يقتله ومن لقى أبا البخترى ابن الحارث بن أسد فلا يقتله ومن لقى العباس بن عبد المطلب عم رسول الله فلا يقتله فانه إنما أخرج مستكرها * قال فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس والله لئن لقيته لاحملنه السيف فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول لعمر بن الخطاب يا أبا حفص أما تسمع إلى قول أبى حذيفة يقول أضرب وجه عم رسول الله بالسيف فقال عمر يا رسول الله دعني فلاضربن عنقه بالسيف فوالله لقد نافق فقال عمر والله إنه لاول يوم كنى بى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى حفص * قال فكان أبو حذيفة يقول ما أنا
بآمن من تلك الكلمة التى قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عنى الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا قال وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبى البخترى لانه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شئ يكرهه وكان ممن قام في نقض الصحيفة التى كتبت قريش على بنى هاشم وبنى المطلب فلقيه المجذر بن ذياد البلوى حليف الانصار من بنى عدى فقال المجذر بن ذياد لابي البخترى إن
[ 152 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتلك ومع أبى البخترى زميل له خرج معه من مكة وهو جنادة بن مليحة بنت زهير بن الحارث بن أسد وجنادة رجل من بنى ليث واسم أبى البخترى العاص بن هشام بن الحارث بن أسد قال وزميلي فقال المجذر لا والله ما نحن بتاركي زميلك ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك قال لا والله إذا لاموتن أنا وهو جميعا لا تحدث عنى نساء قريش من أهل مكة أنى تركت زميلي حرصا على الحياة فقال أبو البخترى حين نازله المجذر وأبى إلا القتال وهو يرتجز لن يسلم ابن حرة أكيله * حتى يموت أو يرى سبيله فاقتتلا فقتله المجذر بن ذياد * قال ثم أتى المجذر بن ذياد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والذى بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فأتيك به فأبى إلا القتال فقاتلته فقتلته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد ابن إسحاق حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه * قال وحدثني أيضا عبد الله بن أبى بكر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال كان أمية بن خلف لى صديقا بمكة وكان اسمى عبد عمرو فسميت حين أسلمت عبد الرحمن ونحن بمكة قال فكان يلقانى ونحن بمكة فيقول يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه
أبوك فاقول نعم فيقول فانى لا أعرف الرحمن فاجعل بينى وبينك شيئا أدعوك به أما أنت فلا تجيبني باسمك الاول وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف قال فكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه فقلت اجعل بينى وبينك يا أبا علي ما شئت قال فأنت عبد الاله فقلت نعم فكنت إذا مررت به قال يا عبد الاله فأجيبه فأتحدث معه حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه علي بن أمية آخذا بيده ومعى أدراع قد استلبتها فأنا أحملها فلما رأني قال يا عبد عمرو فلم أجبه فقال يا عبد الاله قلت نعم قال هل لك في فأنا خير لك من هذه الادراع التى معك قال قلت نعم هلم إذا قال فطرحت الادراع من يدى وأخذت بيده ويد ابنه علي وهو يقول ما رأيت كاليوم قط أما لكم حاجة في
[ 153 ]
اللبن قال ثم خرجت أمشي بهما * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى عبد الواحد بن أبى عون عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال قال لى أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما يا عبد الاله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره قال قلت ذاك حمزة بن عبد المطلب قال ذاك الذى فعل بنا الافاعيل قال عبد الرحمن فو الله إنى لاقودهما إذ رآه بلال معى وكان هو الذى يعذب بلالا بمكة على أن يترك الاسلام فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول لا تزال هكذا حتى تفارق دين محمد فيقول بلال أحد أحد فقال بلال حين رآه رأس الكفر أمية ابن خلف لا نجوت إن نجوت قال قلت أي بلال أسيرى قال لا نجوت إن نجوا قال قلت تسمع يا ابن السوداء قال لا نجوت إن نجوا ثم صرخ باعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال فأحاطوا بنا ثم
جعلونا في مثل المسكة وأنا أذب عنه قال فضرب رجل ابنه فوقع قال وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط قال قلت انج بنفسك ولا نجاء فو الله ما أغنى عنك شيئا قال فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما * قال فكان عبد الرحمن يقول رحم الله بلالا ذهبت أدراعى وفجعني بأسيرى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني عبد الله بن أبى بكر أنه حدث عن ابن عباس أن ابن عباس قال حدثنى رجل من بنى غفار قال أقبلت أنا وابن عم لى حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب قال فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول اقدم حيزوم قال فأما ابن عمى فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني أبى إسحاق ابن يسار عن رجال من بنى مازن بن النجار عن أبى داود المازنى وكان شهد
[ 154 ]
بدرا قال إنى لاتبع رجلا من المشركين يوم بدر لاضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفى فعرفت أن قد قتله غيرى * حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصرى قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا محمد بن يحيى الاسكندرانى عن العلاء بن كثير عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبى أمامة ابن سهل بن حنيف قال قال لى أبى يا بنى لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق قال وحدثني الحسن بن عمارة عن الحكم ابن عتيبة عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن عباس قال كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء قد أرسلوها في ظهورهم ويوم حنين عمائم حمرا ولم
تقاتل الملائكة في يوم من الايام سوى يوم بدر وكانوا يكونون فيما سواه من الايام عددا ومددا لا يضربون * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد وحدثني ثور بن زيد مولى بنى الديل عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال وحدثني عبد الله بن أبى بكر قالا كان معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بنى سلمة يقول لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه أمر بأبى جهل أن يلتمس في القتلى وقال اللهم لا يعجزنك قال فكان أول من لقى أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح قال سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة وهم يقولون أبو الحكم لا يخلص إليه فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه فلما أمكننى حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا النواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها قال وضربنى ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدى فتعلقت بجلده من جنبى وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومى وإنى لاسحبها خلفي فلما آذتنى جعلت عليها رجلى ثم تمطيت بها حتى طرحتها قال ثم عاش معاذ بعد ذلك حتى كان في زمن عثمان بن عفان قال ثم مر بأبى جهل وهو عقير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق وقاتل معوذ حتى قتل فمر عبد الله بن مسعود بأبى جهل حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 155 ]
أن يلتمس في القتلى وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني انظروا إن خفى عليكم في القتلى إلى أثر جرح بركبته فإنى ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش في احداهما جحشا لم يزل أثره فيه بعد فقال عبد الله بن مسعود فوجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلى على عنقه قال وقد كان ضبث بى مرة بمكة فأذاني ولكزنى ثم قلت هل أخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا أخزاني
أعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدبرة قال قلت لله ولرسوله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق وزعم رجال من بنى مخزوم أن ابن مسعود كان يقول قال لى أبو جهل لقد ارتقيت يا رويعى الغنم مرتقى صعبا ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبى جهل قال فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم آلله الذى لا إله غيره وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وآله قال قلت نعم والله الذى لا إله غيره ثم ألقيت رأسه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فحمد الله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه حتى ملاها فذهبوا ليحركوه فتزايل فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة فلما ألقاهم في القليب وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فقال يا أهل القليب هل وجدتهم ما وعدكم ربكم حقا فإنى وجدت ما وعدني ربى حقا فقال له أصحابه يا رسول الله أتكلم قوما موتى قال لقد علموا أن ما وعدتهم حق قالت عائشة والناس يقولون لقد سمعوا ما قلت لهم وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد علموا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال وحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
[ 156 ]
يقول من جوف الليل يا أهل القليب يا عتبة بن ربيعة يا شيب بن ربيعة يا أمية بن خلف يا أبا جهل بن هشام فعدد من كان معهم في القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ف نى قد وجدت ما وعدني ربى حقا قال المسلمون يا رسول الله أتنادى قوما قد جيفوا
فقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قال هذه المقالة قال يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس ثم قال هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا للمقالة التى قال قال ولما أمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني في وجه أبى حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير فقال يا أبو حذيفة لعلك دخلك من شأن أبيك شئ أو كما قال صلى الله عليه وسلم فقال لا والله يا نبى الله ما شككت في أبى ولا في مصرعه ولكني كنت أعرف من أبى رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الاسلام فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذى كنت أرجو له حرننى ذلك قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم له بخير وقال له خيرا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه هو لنا قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل كل امرئ ما أصاب فقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونهم لولا نحن ما أصبتموه لنحن شغلنا القوم عنكم حتى أصبتم ما أصبتم فقال الذين يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يخالف إليه العدو والله ما أنتم بأحق به منا لقد رأينا أن نقتل العدو إذ ولانا الله ومنحنا أكتافهم ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ولكن خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو فقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال وحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى الاشدق عن مكحول عن
[ 157 ]
أبى أمامة الباهلى قال سألت عبادة بن الصامت عن الانفال فقال فينا معشر أصحاب بدر ونزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسوله فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء يقول على السواء فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين * قال ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الفتح عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة قال أسامة بن زيد فأتانا الخبر حين سوينا على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التى كانت عند عثمان بن عفان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفنى عليها مع عثمان قال ثم قدم زيد بن حارثة فجئته وهو واقف بالمصلى قد غشيه الناس وهو يقول قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وزمعة بن الاسود وأبو البخترى بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج قال قلت يا أبه أحق هذا قال نعم والله يا بنى ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا المدينة فاحتمل معه النفل الذى أصيب من المشركين وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو ابن مازن بن النجار ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية يقال له سير إلى سرحة به فقسم هنالك النفل الذى أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء واستقى له من ماء به يقال له الارواق ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال سلمة بن سلامة بن وقش كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق كما حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وما الذى تهنئون به فوالله ان لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعلقة فنحرناها فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال
يا ابن أخى أولئك الملا قال ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسارى من المشركين وكانوا أربعة وأربعين أسيرا وكان من القتلى مثل ذلك وفى الاسارى
[ 158 ]
عقبة بن أبى معيط والنضر بن الحارث بن كلدة حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله علي بن أبى طالب رضى الله عنه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق كما حدثنى بعض أهل العلم من أهل مكة قال ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبى معيط فقال حين أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل فمن للصبية يا محمد قال النار قال فقتله عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح الانصاري ثم أحد بنى عمرو بن عوف * قال كما حدثنى أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عرق الظبية حين قتل عقبة لقيه أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضى بحميت مملوء حيسا وكان قد تخلف عن بدر ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حجام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أبو هند امرؤ من الانصار فأنكحوه وانكحوا إليه ففعلوا ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الاسارى بيوم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن سعد بن زرارة قال قدم بالاسارى حين قدم بهم وسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء قال وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب قال تقول سودة والله إنى لعندهم إذا أتينا فقيل هؤلاء الاسارى قد أتى بهم قالت فرحت إلى بيتى ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل قالت
فوالله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت يا أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كراما فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت يا سودة أعلى الله وعلى رسوله قالت قلت يا رسول والذى بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بحبل أن قلت ما قلت * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال حدثنى نبيه بن وهب أخو بنى
[ 159 ]
عبد الدار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالاسارى فرقهم في أصحابه وقال استوصوا بالاسارى خيرا قال وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لابيه وأمه في الاسارى قال فقال أبو عزيز مر أبى أخى مصعب بن عمير ورجل من الانصار يأسرنى فقال شد يديك به فان أمه ذات متاع لعلها أن تفتديه منك قال وكنت في رهط من الانصار حين أقبلوا بى من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا ما تقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحني بها قال فأستحي فأردها على أحدهم فيردها على ما يمسها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله بن إياس بن ضبيعة بن مازن بن كعب بن عمرو الخزاعى (قال أبو جعفر) وقال الواقدي الحيسمان بن حابس الخزاعى قالوا ما وراءك قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية ابن خلف وزمعة بن الاسود وأبو البخترى بن هشام ونبيه ومنبه ابنا الحجاج قال فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر والله ان يعقل هذا فسلوه عنى قالوا ما فعل صفوان بن أمية قال هو ذاك جالسا في الحجر وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا * حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق حدثنى حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة مولى ابن عباس
قال قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الاسلام قد دخلنا أهل البيت وأسلمت أم الفضل وأسلمت وكان العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم وكان يكتم اسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكذلك صنعوا لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كتبه الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا قال وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل القداح أنحتها في حجرة زمزم فوالله إنى لجالس فيها أنحت القداح وعندي أم الفضل جالسة وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل
[ 160 ]
الفاسق أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهرى فبينا هو جالس إذ قال الناس هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم قال فقال أبو لهب هلم إلى يا ابن أخى فعندك الخبر قال فجلس إليه والناس قيام عليه فقال يا ابن أخى أخبرني كيف كان أمر الناس قال لا شئ والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسرون كيف شاؤا وايم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض ما تليق شيئا ولا يقوم لها شئ قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدى ثم قلت تلك الملائكة قال فرفع أبو لهب يده فضرب وجهى ضربة شديدة قال فثاورته فاحتملني فضرب بى الارض ثم برك على يضربني وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة ومنكرة وقالت تستضعفه ان غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله عز وجل بالعدسة فقتلته فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا ما يدفنانه حتى أنتن في بيته وكانت قريش تتقى العدسة وعدوتها كما يتقى الناس الطاعون حتى قال لهما رجل من قريش ويحكما ألا تستحيان أن أباكما قد أنتن
في بيته لا تغيبانه فقالا إنا نخشى هذه القرحة قال فانطلقا فأنا معكما فما غسلوه إلا قدفا بالماء عليه من بعيد ما يمسونه ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكة إلى جدار وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة ابن الفضل قال قال محمد بن إسحاق وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن عبد الله بن عباس قال لما أمسى القوم من يوم بدر والاسارى محبوسون في الوثاق بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ساهرا أول ليلة فقال له أصحابه يا رسول الله مالك لا تنام فقال سمعت تضور العباس في وثاقه قال فقاموا إلى العباس فأطلقوه فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال فحدثني الحسن ابن عمارة عن الحكم بن عتيبة بن مقسم عن ابن عباس قال كان الذى أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بنى سلمة وكان أبو اليسر رجلا مجموعا وكان العباس رجلا جسيما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي اليسر كيف أسرت العباس يا أبا اليسر
[ 161 ]
فقال يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده هيئته كذا وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أعانك عليه ملك كريم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق قال وحدثني يحيى بن عباد عن أبيه عباد قال ناحت قريش على قتلاهم ثم قالوا لا تفعلوا فيبلغ ذلك محمدا وأصحابه فيشمت بكم ولا تبعثوا في فداء أسراكم حتى تستأنوا بهم ولا يتأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء قال وكان الاسود بن عبد يغوث قد أصيب له ثلاثة من ولده زمعة بن الاسود وعقيل بن الاسود والحارث بن الاسود وكان يحب أن يبكى على بنيه فبينا هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل فقال لغلام له وقد ذهب بصره أنظر هل أحل النحب هل بكت قريش على قتلاها لعلى أبكى على أبى حكيمة يعنى زمعة فان جوفى قد احترق قال فلما رجع إليه الغلام قال إنما هي امرأة
تبكى على بعير لها أضلته قال فذلك حين يقول أتبكى أن يضل لها بعير * ويمنعها من النوم السهود فلا تبكى على بكر ولكن * على بدر تقاصرت الجدود على بدر سراة بنى هصيص * ومخزوم ورهط أبى الوليد وبكى إن بكيت على عقيل * وبكى حارثا أسد الاسود وبكيهم ولا تسمى جميعا * فما لابي حكيمة من نديد ألا قد ساد بعدهم رجال * ولولا يوم بدر لم يسودوا قال وكان في الاسارى أبو ودعة بن ضبيرة السهمى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن له ابنا تاجرا كيسا ذا مال وكأنكم به قد جاءكم في فداء أبيه قال فلما قالت قريش لا تعجلوا في فداء أسرائكم لا يتأرب عليكم محمد وأصحابه قال المطلب بن أبى وداعة وهو الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى صدقتم لا تعجلوا بفداء أسرائكم ثم انسل من الليل فقدم المدينة فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم ثم انطلق به ثم بعثت قريش في فداء الاسارى فقدم مكرز بن حفص بن الاخيف في فداء سهيل بن عمرو وكان الذى أسره مالك بن الدخشم أخو بنى سالم
[ 162 ]
ابن عوف وكان سهيل بن عمرو أعلم من شفته السفلى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق فحدثني محمد بن عمرو بن عطاء بن عباس بن علقمة أخو بنى عامر بن لؤى أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله انترع ثنيتى سهيل بن عمرو السفليين يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أمثل به فيمثل الله بى وإن كنت نبيا قال وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا الحديث إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضاهم قالوا هات الذى
لنا قال اجعلوا رجلى مكان رجله وخلو سبيله حتى بعث إليكم بفدائه قال فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا مكانه عندهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب حين انتهى به إلى المدينة يا عباس افد نفسك وابنى أخيك عقيل بن أبى طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بنى الحارث بن فهر فإنك ذو مال فقال يا رسول الله إنى كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني فقال الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقا فالله يجزيك به فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فأفد نفسك وكان رسول الله صلى الله الله عليه وسلم قد أخذ منه عشرين أوقية من ذهب فقال العباس يا رسول الله احسبها لى في فدائي قال لا ذاك شئ أعطاناه الله عز وجل منك قال فانه ليس لى مال قال فأين المال الذى وضعته بمكة حيث خرجت عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد ثم قلت لها إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا وكذا ولعبد الله كذا وكذا ولقثم كذا وكذا ولعبيد الله كذا وكذا قال والذى بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيرى وغيرها وانى لاعلم أنك رسول الله ففدى العباس نفسه وابنى أخيه وحليفه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد قال وحدثني عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال كان عمرو بن أبى سفيان ابن حرب وكان لابنه عقبة بن أبى معيط أسيرا في يدى رسول الله صلى الله
[ 163 ]
عليه وسلم من أسارى بدر فقيل لابي سفيان افد عمرا قال أيجمع على دمى ومالى قتلوا حنظلة وأفدى عمرا دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم قال فبينا هو كذلك محبوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بنى عمرو بن عوف ثم أحد بنى معاوية معتمرا ومعه مرية له وكان شيخا
كبيرا مسلما في غنم له بالنقيع فخرج من هنالك معتمرا ولا يخشى الذى صنع به لم يظن أنه يحبس بمكة إنما جاء معتمرا وقد عهد قريشا لا تعترض لاحد حاجا أو معتمرا الا بخير فعدا عليه أبو سفيان بن حرب فحبسه بمكة بابنه عمرو بن أبى سفيان ثم قال أبو سفيان أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه * تفاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا فإن بنى عمرو لئام أذلة * لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا قال فمشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبى سفيان فيفكوا شيخهم ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثوا به إلى أبى سفيان فخلى سبيل سعد * قال وكان في الاسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنته زينب وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة وكان لهالة بنت خويلد خديجة خالته فسألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالفها وذلك قبل أن ينزل عليه فزوجه فكانت تعده بمنزلة ولدها فلما أكرم الله عز وجل رسوله بنبوته آمنت به خديجة وبناته فصدقته وشهدن أن ما جاء به هو الحق ودن بدينه وثبت أبو العاص على شركه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوج عتبة ابن أبى لهب إحدى ابنتيه رقية أو أم كلثوم فلما بادى قريشا بأمر الله عز وجل وباعدوه قالوا إنكم قد فرغتم محمدا من همه فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن فمشوا إلى أبى العاص بن الربيع فقالوا له فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة شئت
[ 164 ]
من قريش قال لا ها الله إذا لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لى بامرأتي امرأة من قريش وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثنى عليه في صهره خيرا فيما بلغني
* قال ثم مشوا إلى الفاسق بن الفاسق عتبة بن أبى لهب فقالوا له طلق ابنة محمد ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت فقال إن زوجتموني ابنة أبان بن سعيد ابن العاص أو ابنة سعيد بن العاص فارقتها فزوجوه ابنة سعيد بن العاص وفارقها ولم يكن عدو الله دخل بها فأخرجها الله من يده كرامة لها وهوانا له فخلف عليها عثمان بن عفان بعده وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوبا على أمره وكان الاسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلمت وبين أبى العاص بن الربيع إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر على أن يفرق بينهما فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم أبو العاص بن الربيع فأصيب في الاسارى يوم بدر وكان بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبى العاص بن الربيع بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص حين بنى عليها * قالت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذى لها فافعلوا فقالوا نعم يا رسول الله فأطلقوه وردوا عليها الذى لها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أو وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلى سبيل زينب إليه أو كان فيما شرط عليه في اطلاقه ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم ما هو إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخلى سبيله بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الانصار مكانه فقال كونا ببطن يأجج حتى
[ 165 ]
تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها فخرجا مكانهما وذلك بعد بدر بشهر أو شيعه فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت تجهز * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال حدثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال حدثت عن زينب أنها قالت بينا أنا أتجهز بمكة للحوق بأبى لقيتني هند بنت عتبة فقالت أي ابنة محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك قالت فقلت ما أردت ذلك قالت أي ابنة عمى لا تفعلي إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تبلغين به إلى أبيك فإن عندي حاجتك فلا تضطنئ منى فانه لا يدخل بين النساء ما يدخل بين الرجال * قالت ووالله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل قالت ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك وتجهزت فلما فرغت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهازها قدم لها حموها كنانة ابن الربيع أخو زوجها بعيرا فركبته وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها وهى في هودج لها وتحدث بذلك رجال قريش فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذى طوى فكان أول من سبق إليها هبار بن الاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى ونافع بن عبد القيس الفهرى فروعها هبار بالرمح وهى في هودجها وكانت المرأة حاملا فيما يزعمون فلما رجعت طرحت ذا بطنها وبرك حموها ونثر كنانته ثم قال والله لا يدنو منى رجل إلا وضعت فيه سهما فتكركر الناس عنه وأتاه أبو سفيان في جلة قريش فقال أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك فكف فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال إنك لم تصب خرجت بالمرأة على رؤس الرجال علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذا خرج بابنته علانية من بين أظهرنا أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا ونكبتنا التى كانت وأن ذلك منا ضعف ووهن لعمري مالنا حاجة في حبسها عن
أبيها ومالنا في ذلك من ثؤرة ولكن أرجع المرأة فإذا هدأ الصوت وتحدث الناس أنا قد رددناها فسلها سرا فألحقها بأبيها ففعل حتى إذا هدأ الصوت خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه فقدما بها على رسول الله صلى الله
[ 166 ]
عليه وسلم قال فأقام أبو العاص بمكة وأقامت زينب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قد فرق بينهما الاسلام حتى إذا كان قبيل الفتح خرج تاجرا إلى الشام وكان رجلا مأمونا بمال له وأموال رجال من قريش أبضعوها معه فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيه سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابوا ما معه وأعجزهم هربا فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستجار بها فأجارته في طلب ماله فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال كما حدثنى يزيد بن رومان فكبر وكبر الناس معه صرخت زينب من صفة النساء أيها الناس إنى قد أجرت أبا العاص بن الربيع فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم من الصلاة أقبل على الناس فقال أيها الناس هل سمعتم ما سمعت قالوا نعم قال أما والذى نفس محمد بيده ما علمت بشئ كان حتى سمعت منه ما سمعتم أنه يجير على المسلمين أدناهم ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على ابنته فقال أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق قال وحدثني عبد الله بن أبى بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبى العاص فقال لهم إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم وقد أصبتم له مالا فان تحسنوا تردوا عليه الذى له فإنا نحب ذلك وإن أبيتم فهو فئ الله الذى أفاءه عليكم فأنتم أحق به
قالوا يا رسول الله بل نرده عليه * قال فردوا عليه ماله حتى إن الرجل ليأتي بالحبل ويأتى الرجل بالشنة والادواة حتى إن أحدهم ليأتي بالشظاظ حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذى مال من قريش ماله ممن كان أبضع معه ثم قال يا معشر قريش هل بقى لاحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا لا فجزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما قال فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله والله ما منعنى من الاسلام عنده إلا
[ 167 ]
تخوف أن تظنوا أنى إنما أردت أكل أموالكم فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال فحدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس قال رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بالنكاح الاول ولم يحدث شيئا بعد ست سنين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال قال محمد بن إسحق حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال جلس عمير بن وهب الجمحى مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش بيسير في الحجر وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش وكان ممن يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويلقون منه عناء وهم بمكة وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر فذكر أصحاب القليب ومصابهم فقال صفوان والله إن في العيش خير بعدهم فقال عمير صدقت والله أما والله لو لا دين على ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدى لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لى قبلهم علة ابني أسير في أيديهم فاغتنمها صفوان بن أمية فقال على دينك أنا أقضيه عنك وعيالك مع عيالي اسوتهم ما بقوا لا يسعنى شئ ويعجز عنهم قال عمير فاكتم على شأني وشأنك قال افعل * قال ثم إن عميرا أمر
بسيفه فشحذ له وسم ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين في المسجد يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله عز وجل به وما أراهم في عدوهم إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ بعيره على باب المسجد متوشحا السيف فقال هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر وهو الذى حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبى الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه قال فأدخله على * قال فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها وقال لرجال ممن كان معه من الانصار ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا هذا الخبيث عليه فإنه غير مأمون ثم دخل
[ 168 ]
به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه قال أرسله يا عمر ادن يا عمير فدنا ثم قال أنعموا صباحا وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة قال أما والله يا محمد إن كنت لحديث عهد بها قال ما جاء بك يا عمير قال جئت لهذا الاسير الذى في أيديكم فأحسنوا فيه قال فما بال السيف في عنقك قال قبحها الله من سيوف وهل أغنت شيئا قال اصدقني بالذى جئت له قال ما جئت إلا لذلك فقال بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت لولا دين على وعيالي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له والله عز وجل حائل بينى وبينك فقال عمير أشهد أنك رسول الله قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحى وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فو الله إنى لاعلم ما أتاك به إلا الله
فالحمد لله الذى هداني للاسلام وساقني هذا المساق ثم تشهد شهادة الحق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه وعلموه القرآن وأطلقوا له أسيره * قال ففعلوا ثم قال يا رسول الله إنى كنت جاهدا في إطفاء نور الله شديد الاذى لمن كان على دين الله وإنى أحب أن تأذن لى فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الاسلام لعل الله أن يهديهم وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذى أصحابك في دينهم قال فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه فحلف ألا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الاسلام ويؤذى من خالفه أذى شديدا فأسلم على يديه أناس كثير فلما انقضى أمر بدر أنزل الله عز وجل فيه من القرآن الانفال بأسرها
[ 169 ]
* حدثنا أحمد بن منصور قال حدثنا عاصم بن على قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثنا أبو زميل قال حدثنى عبد الله بن عباس قال حدثنى عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر التقوا فهزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلا وأسر سبعون رجلا فلما كان يومئذ شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر فقال أبو بكر يا نبى الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان فإنى أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما اخذنا منهم قوة وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترى يا ابن الخطاب * قال قلت لا والله ما ارى الذى رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنني من فلان فأضرب عنقه وتمكن حمزة من أخ له فيضرب عنقه وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للكفار هؤلاء صناديدهم وقادتهم وأئمتهم * قال فهوى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت أنا فأخذ منهم الفداء فلما كان الغد قال عمر غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاعد وأبو بكر وإذا هما يبكيان قال قلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فان وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذى عرض على أصحابك من الفداء لقد عرض على عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة وأنزل الله عز وجل (ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض - إلى قوله - فيما أخذتم عذاب عظيم) ثم أحل لهم من الغنائم فلما كان من العام القابل في أحد عوقبوا بما صنعوا قتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعون وأسر سبعون وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه وفر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وصعدوا الجبل فأنزل الله عز وجل هذه الآية (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا - إلى قوله - إن الله على كل شئ قدير) ونزلت هذه الآية الاخرى (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم - إلى قوله -
[ 170 ]
من بعد الغم آمنة) * حدثنى سلم بن جنادة قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الاعمش عن عمرو بن مرة عن أبى عبيدة عن عبد الله قال لما كان يوم بدر وجئ بالاسرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقولون في هؤلاء الاسرى فقال أبو بكر يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأنهم لعل الله أن يتوب عليهم وقال عمر يا رسول الله كذبوك وأخرجوك قدمهم فضرب أعناقهم وقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا قال فقال له العباس قطعتك رحمك قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم ثم دخل فقال ناس يأخذ بقول أبى بكر وقال
ناس يأخذ بقول عمر وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة ثم خرج عليهم رسول الله فقال إن الله عز وجل ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال من تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال إن تعذبهم فانهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ومثلك يا عمر مثل نوح قال رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا ومثلك كمثل موسى قال ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق قال عبد الله ابن مسعود إلا سهيل بن بيضاء فانى سمعته يذكر الاسلام فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتنى في يوم أخوف أن تقع على الحجارة من السماء منى من ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سهيل بن بيضاء * قال فأنزل الله عز وجل (ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض) إلى آخر الآيات الثلاث * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق لما نزلت يعنى هذه الآية (ما كان لنبى أن يكون له أسرى) قال رسول الله
[ 171 ]
صلى الله عليه وسلم لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ لقوله يا نبى الله كان الاثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال (قال أبو جعفر) وكان جميع من شهد بدرا من المهاجرين ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره ثلاثة وثمانين رجلا في قول ابن اسحاق * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه وجميع من شهد من الاوس معه ومن ضرب له بسهمه واحد وستون رجلا وجميع من شهد معه من الخزرج مائة وسبعون رجلا في
قول ابن اسحاق وجميع من استشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الانصار وكان المشركون فيما زعم الواقدي تسعمائة وخمسين مقاتلا وكانت خيلهم مائة فرس ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ جماعة استصغرهم فيما زعم الواقدي فمنهم فيما زعم عبد الله بن عمر ورافع ابن خديج والبراء بن عازب وزيد بن ثابت وأسيد بن ظهير وعمير بن أبى وقاص ثم أجاز عميرا بعد أن رده فقتل يومئذ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث قبل أن يخرج من المدينة طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل إلى طريق الشأم يتحسسان الاخبار عن العير ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر فاستقبلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتربان وهو منحدر من بدر يريد المدينة * قال الواقدي كان خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة في ثلثمائة رجل وخمسة وكان المهاجرون أربعة وسبعين رجلا وسائرهم من الانصار وضرب لثمانية بأجورهم وسهمانهم ثلاثة من المهاجرين أحدهم عثمان بن عفان كان تخلف على ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد كان بعثهما يتحسسان الخبر عن العير وخمسة من الانصار أبو لبابة بشير بن عبد المنذر خلفه على المدينة وعاصم بن عدى بن العجلان خلفه على العالية والحارث بن حاطب رده من الروحاء إلى بنى عمرو ابن عوف لشئ بلغه عنهم والحارث بن الصمة كسر بالروحاء وهو من بنى
[ 172 ]
مالك بن النجار وخوات بن جبير كسر من بنى عمرو بن عوف قال وكانت الابل سبعين بعيرا والخيل فرسين فرس للمقداد بن عمرو وفرس لمرثد بن أبى مرثد (قال أبو جعفر) وروى عن ابن سعد عن محمد بن عمر عن محمد بن هلال عن أبيه عن أبى هريرة قال ورؤى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثر المشركين
يوم بدر مصلتا السيف يتلو هذه الآية (سيهزم الجمع ويولون الدبر) * قال وفى غزوة بدر انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار وكان لمنبه بن الحجاج * قال وفيها غنم جمل أبى جهل وكان مهريا يغزو عليه ويضرب في لقاحه (قال أبو جعفر) ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة منصرفه من بدر وكان قد وادع حين قدم المدينة يهودها على أن لا يعينوا عليه أحدا وأنه إن دهمه بها عدو نصروه فلما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل ببدر من مشركي قريش أظهروا له الحسد والبغى وقالوا لم يلق محمد من يحسن القتال ولو لقينا لاقى عندنا قتالا لا يشبهه قتال أحد وأظهروا نقض العهد غزوة بنى قينقاع * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال كان من أمر بنى قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمعهم بسوق بنى قينقاع ثم قال يا معشر اليهود احذروا من الله عز وجل مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتم أنى نبى مرسل تجدون ذلك في كتابكم وفى عهد الله إليكم قالوا يا محمد إنك ترى أنا كقومك لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة إنا والله لئن حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن بنى قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحاربوا فيما بين بدر وأحد * فحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر عن محمد ابن عبد الله عن الزهري أن غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى القينقاع
[ 173 ]
كانت في شوال من السنة الثانية من الهجرة قال الزهري عن عروة نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليهما وسلم بهذه الآية (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على
سواء) فلما فرغ جبريل عليه السلام من هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى أخاف من بنى قينقاع قال عروة فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية قال الواقدي وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يطلع منهم أحد ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتفوا وهو يريد قتلهم فكلمه فيهم عبد الله بن أبي (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة) قال فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه فقام إليه عبد الله ابن أبى ابن سلول حين أمكنه الله منهم فقال يا محمد أحسن في موالى وكانوا حلفاء الخزرج فأبطأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أحسن في موالى فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم * قال فأدخل يده في جيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا في وجهه ظلالا يعنى تلونا ثم قال ويحك أرسلني قال لا والله لا أرسلك حتى تحسن إلى موالى أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع قد منعوني من الاسود والاحمر تحصدهم في غداة واحدة وإنى والله لا آمن وأخشى الدوائر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم لك (قال أبو جعفر) وقال محمد بن عمر في حديثه عن محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة فقال النبي صلى الله عليه وسلم خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم فأرسلوهم ثم أمر بإجلائهم وغنم الله عز وجل رسوله والمسلمين ما كان لهم من مال ولم تكن لهم أرضون إنما كانوا صاغة فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم سلاحا كثيرا وآلة صياغتهم وكان الذى ولى إخراجهم من المدينة بذراريهم عبادة بن الصامت فمضى بهم حتى بلغ بهم ذباب وهو يقول الشرف إلابعد الاقصى فالاقصى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر (قال أبو جعفر) وفيها كان أول خمس خمسه رسول الله
[ 174 ]
صلى الله عليه وسلم في الاسلام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفيه والخمس وسهمه وفض أربعة أخماس على أصحابه فكان أول خمس قبضه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بنى قينقاع لواء أبيض مع حمزة بن عبد المطلب ولم تكن يومئذ رايات ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وحضرت الاضحى فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى وأهل اليسر من أصحابه يوم العاشر من ذى الحجة وخرج بالناس إلى المصلى فصلى بهم فذلك أول صلاة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس بالمدينة بالمصلى في عيد وذبح فيه بالمصلى بيده شاتين وقيل ذبح شاة قال الواقدي حدثنى محمد بن الفضل من ولد رافع بن خديج عن أبى مبشر قال سمعت جابر بن عبد الله يقول لما رجعنا من بنى قينقاع ضحينا في ذى الحجة صبيحة عشر وكان أول أضحى رآه المسلمون وذبحنا في بنى سلمة فعدت في بنى سلمة سبع عشرة أضحية (قال أبو جعفر) وأما ابن إسحاق فلم يوقت لغزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى غزاها بنى قينقاع وقتا غير أنه قال كان ذلك بين غزوة السويق وخروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة يريد غزو قريش حتى بلغ بنى سليم وبحران معدنا بالحجاز من ناحية الفرع وأما بعضهم فإنه قال كان بين غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا الاولى وغزوة بنى قينقاع ثلاث غزوات وسرية أسراها وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما غزاه لتسع ليال خلون من صفر من سنة ثلاث من الهجرة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا بعدما انصرف من بدر وكان رجوعه إلى المدينة يوم الاربعاء لثماني ليال بقين من رمضان وأنه أقام بها بقية رمضان ثم غزا قرقرة الكدر حين بلغه اجتماع بنى سليم وغطفان فخرج من المدينة يوم الجمعة بعدما ارتفعت الشمس غرة شوال من السنة الثانية من الهجرة إليها * وأما ابن حميد فحدثنا عن سلمة عن ابن إسحاق
أنه قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر إلى المدينة وكان فراغه من بدر في عقب شهر رمضان أو في أول شوال لم يقم بالمدينة إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بنى سليم حتى بلغ ماء من مياههم يقال له الكدر فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى
[ 175 ]
المدينة ولم يلق كيدا فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وفدى في اقامته تلك جل الاسارى من قرش وأما الواقدي فزعم أن غزوة النبي صلى الله عليه وسلم الكدر كانت في المحرم من سنة ثلاث من الهجرة وأن لواءه كان يحمله فيها على بن أبى طالب وأنه استخلف فيها ابن أم مكتوم المعيصى على المدينة * وقال بعضهم لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة الكدر إلى المدينة وقد ساق النعم والرعاء ولم يلق كيدا وكان قدومه منها فيما زعم لعشر خلون من شوال بعث غالب بن عبد الله الليثى يوم الاحد لعشر ليال مضين من شوال إلى بنى سليم وغطفان في سرية فقتلوا فيهم وأخذوا النعم وانصرفوا إلى المدينة بالغنيمة يوم السبت لاربع عشرة ليلة بقيت من شوال واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة إلى ذى الحجة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا يوم الاحد لسبع ليال بقين من ذى الحجة غزوة السويق غزوة السويق (قال أبو جعفر) وأما ابن اسحاق فانه قال في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الكدر إلى المدينة أقام بها بقية شوال سنة اثنتين من الهجرة وذا القعدة ثم غزا أبو سفيان ابن حرب غزوة السويق في ذى الحجة قال وولى تلك الحجة المشركون من تلك السنة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان ومن لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك وكان من
أعلم الانصار قال وكان أبو سفيان بن حرب حين رجع إلى مكة ورجع فل قريش إلى مكة من بدر نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدور قناة إلى جبل يقال له تيت من المدينة على بريد أو نحوه ثم خرج من الليل حتى أتى بنى النضير تحت الليل فأتى حيى بن أخطب فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه فانصرف إلى سلام بن مشكم وكان سيد النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم فاستأذن عليه
[ 176 ]
فأذن له فقراه وسقاه وبطن له خبر الناس ثم خرج في عقب ليلته حتى جاء أصحابه فبعث رجالا من قريش إلى المدينة فأتوا ناحية منها يقال لها العريض فحرقوا في أصوار من نخل لها ووجدوا رجلا من الانصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين ونذر بهم الناس فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر ثم انصرف راجعا وقد فاته أبو سفيان وأصحابه وقد رأوا من مزاود القوم ما قد طرحوه في الحرث يتخففون منه للنجاء فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتطمع ان تكون لنا غزوة قال نعم وقد كان أبو سفيان قال وهو يتجهز خارجا من مكة إلى المدينة أبياتا من شعر يحرض قريشا كروا على يثرب وجمعهم * فإن ما جمعوا لكم نفل إن يك يوم القليب كان لهم * فإن ما بعده لكم دول آليت لا أقرب النساء ولا * يمس رأسي وجلدي الغسل حتى تبيروا قبائل الاوس وال * خزرج إن الفؤاد مشتعل فأجابه كعب بن مالك: تلهف أم المسبحين على * جيش ابن حرب بالحرة الفشل
إذ يطرحون الرجال من شيم ال * طير ترقى لقنة الجبل جاؤا بجمع لو قيس مبركه * ما كان إلا كمفحص الدول عار من النصر والثراء ومن * أبطال أهل البطحاء والاسل وأما الواقدي فزعم أن غزوة السويق كانت في ذى القعدة من سنة اثنتين من الهجرة وقال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتي رجل من أصحابه من المهاجرين والانصار ثم ذكر من قصة أبى سفيان نحوا مما ذكره ابن اسحاق غير أنه قال فمر يعنى أبا سفيان بالعريض برجل معه أجير له يقال له معبد بن عمرو فقتلهما وحرق أبياتا هناك وتبنا ورأى أن يمينه قد حلت وجاء الصريخ إلى النبي صلى
[ 177 ]
الله عليه وسلم فاستنفر الناس فخرجوا في أثره فاعجزهم قال وكان أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب الدقيق ويتخففون وكان ذلك عامة زادهم فلذلك سميت غزوة السويق * وقال الواقدي واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر (قال أبو جعفر) ومات في هذه السنة أعنى سنة اثنتين من الهجرة في ذى الحجة عثمان بن مظعون فدفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع وجعل عند رأسه حجرا علامة لقبره وقيل إن الحسن بن علي بن أبى طالب عليه السلام ولد في هذه السنة (قال أبو جعفر) وأما الواقدي فإنه زعم أن ابن أبى سبرة حدثه عن اسحاق بن عبد الله عن أبى جعفر أن علي بن أبى طالب عليه السلام بنى بفاطمة عليها السلام في ذى الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا (قال أبو جعفر) فان كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الاول باطل (وقيل) إن في هذه السنة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاقل فكان معلقا بسيفه ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة
* فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذى الحجة والمحرم أو قريبا منه ثم غزا نجدا يريد غطفان وهى غزوة ذى أمر فأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا فلبث بها شهر ربيع الاول كله الا قليلا منه ثم غزا يريد قريشا وبنى سليم حتى بلغ بحران معدنا بالحجاز من ناحية الفرع فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الاولى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا خبر كعب بن الاشرف (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة سرى النبي صلى الله عليه وسلم سرية إلى كعب بن الاشرف فزعم الواقدي أن النبي وجه من وجه إليه في شهر ربيع الاول
[ 178 ]
من هذه السنة * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال كان من حديث ابن الاشرف أنه لما أصيب أصحاب بدر وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عز وجل عليه قتل من قتل من المشركين كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله ابن المغيث بن أبى بردة بن أسير الظفرى وعبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم وعاصم بن عمر بن قتادة وصالح بن أبى أمامة بن سهل * قال كل قد حدثنى بعض حديثه قال قال كعب بن الاشرف وكان رجلا من طيئ ثم أحد بنى نبهان وكانت أمه من بنى النضير فقال حين بلغه الخبر ويلكم أحق هذا أترون أن محمدا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان يعنى زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة وهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء
القوم لبطن الارض خير لنا من ظهرها فلما تيقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة فنزل على المطلب بن أبى وداعة بن ضبيرة السهمى وعنده عاتكة بنت أسيد ابن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس فأنزلته وأكرمته وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الاشعار ويبكى على أصحاب القليب الذين أصيبوا ببدر من قريش ثم رجع كعب بن الاشرف إلى المدينة فشبب بأم الفضل بنت الحارث فقال أراحل أنت أم تحلل بمنقبة * وتارك أنت أم الفضل بالحرم صفراء رادعة لو تعصر انعصرت * من ذى القوارير والحناء والكتم يرتج ما بين كعبيها ومرفقها * إذا تأتت قياما ثم لم تقم أشاه أم حكيم إذ تواصلنا * والحبل منها متين غير منجذم إحدى بنى عامر جن الفؤاد بها * ولو تشاء شفت كعبا من السقم فرع النساء وفرع القوم والدها * أهل المحلة والايفاء بالذمم لم أر شمسا بليل قبلها طلعت * حتى تجلت لنا في ليلة الظلم
[ 179 ]
ثم شبب بنساء من نساء المسلمين حتى آذاهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن المغيث بن أبى بردة من لى من ابن الاشرف * قال فقال محمد بن مسلمة أخو بنى عبد الاشهل أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله قال فافعل إن قدرت على ذلك فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق نفسه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له لم تركت الطعام والشراب قال يا رسول الله قلت قولا ألا أدرى في به أم لا قال إنما عليك الجهد قال يا رسول الله إنه لابد لنا من أن نقول قال قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك قال فاجتمع في قتله
محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة أحد بنى عبد الاشهل وكان أخا كعب من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش أحد بنى عبد الاشهل والحارث بن أوس بن معاذ أحد بنى عبد الاشهل وأبو عبس بن جبر وأخو بنى حارثة ثم قدموا إلى ابن الاشرف قبل أن يأتوه سلكان بن سلامة أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة وتناشدا شعرا وكان أبو نائلة يقول الشعر ثم قال ويحك يا ابن الاشرف إنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم علي قال افعل قال كان قدوم هذا الرجل بلاء عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الانفس وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا فقال كعب أنا ابن الاشرف أما والله لقد كنت أخبرتك يا ابن سلامة إن الامر سيصير إلى ما كنت أقول فقال سلكان إنى قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك قال ترهنوني أبناءكم فقال لقد أردت أن تفضحنا إن معى أصحابا لى على مثل رأيى وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه لك وفاء وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاؤا بها فقال إن في الحلقة لوفاء قال فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره وأمرهم أن يأخذوا السلاح فينطلقوا فيجتمعوا إليه فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق
[ 180 ]
قال فحدثني ثور بن زيد الديلى عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته في ليلة مقمرة فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفته فأخذت امرأته بناحيتها وقالت إنك امرؤ محارب
وان صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة قال إنه أبو نائلة لو وجدني نائما لما أيقظني قالت والله إنى لاعرف في صوته الشر قال يقول لها كعب لو دعى الفتى لطعنة أجاب فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه ثم قالوا له هل لك يا ابن الاشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه قال إن شئتم فخرجوا يتماشون فمشوا ساعة ثم أن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال ما رأيت كالليلة طيب عطر قط ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى أطمأن ثم مشى ساعة فعاد لمثلها فأخذ بفودى رأسه ثم قال اضربوا عدو الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفى حين رأيت أسيافنا لا تغنى شيئا فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن الا أوقدت عليه نار قال فوضعته في ثندؤته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ بجرح في رأسه أو رجله أصابه بعض أسيافنا قال فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية بن زيد ثم على بنى قريظة ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزفه الدم فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا قال فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلى فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله وتفل على جرح صاحبنا ورجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله فليس بها يهودى الا وهو يخاف على نفسه قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه فوثب محيصة ابن مسعود على ابن سنينة رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان
[ 181 ]
حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول أي عدو الله قتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله قال محيصة
فقلت له والله لو أمرنى بقتلك من أمرنى بقتله لضربت عنقك قال فو الله إن كان لاول إسلام حويصة وقال لو أمرك محمد بقتلى لقتلتني قال نعم والله لو أمرنى بقتلك لضربت عنقك قال والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب فأسلم حويصة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى هذا الحديث مولى لبنى حارثة عن ابنة محيصة عن أبيها (قال أبو جعفر) وزعم الواقدي أنهم جاؤا برأس ابن الاشرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم الواقدي أن في ربيع الاول من هذه السنة تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخلت عليه في جمادى الآخرة وإن في ربيع الاول من هذه السنة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة أنمار يقال لها ذو أمر وقد ذكرنا قول ابن اسحاق في ذلك قبل، قال الواقدي وفيها ولد السائب بن يزيد بن أخت النمر غزوة القردة قال الواقدي وفى جمادى الآخرة من هذه السنة كانت غزوة القردة وكان أميرها فيما ذكر زيد بن حارثة قال وهى أول سرية خرج فيها زيد بن حارثة أميرا (قال أبو جعفر) وكان من أمرها ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال سرية زيد بن حارثة التى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها حين أصاب عير قريش فيها أبو سفيان بن حرب على القردة ماء من مياه نجد قال وكان من حديثها أن قريشا قد كانت خافت طريقها التى كانت تسلك إلى الشأم حين كان من وقعة بدر ما كان فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان ابن حرب ومعه فضة كثيرة وهى عظم تجارتهم واستأجروا رجلا من بكر بن وائل يقال له فرات بن حيان يدلهم على ذلك الطريق وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة فلقيهم على ذلك الماء فأصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال أبو جعفر) وأما
[ 182 ]
الواقدي فزعم أن سبب هذه الغزوة كان أن قريشا قالت قد عور علينا محمد متجرنا وهو على طريقنا وقال أبو سفيان وصفوان بن أمية إن أقمنا بمكة أكلنا رؤس أموالنا قال زمعة بن الاسود فأنا أدلكم على رجل يسلك بكم النجدية لو سلكها مغمض العينين لاهتدى قال صفوان من هو فحاجتنا إلى الماء قليل إنما نحن شاتون قال فرات بن حيان فدعواه فاستأجراه فخرج بهم في الشتاء فسلك بهم على ذات عرق ثم خرج بهم على غمرة وانتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبر العير وفيها مال كثير وآنية فضة حملها صفوان بن أمية فخرج زيد بن حارثة فاعترضها فظفر بالعير وأفلت أعيان القوم فكان الخمس عشرين ألفا فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم الاربعة الاخماس على السرية وأتى بفرات بن حيان العجلى أسيرا فقيل إن أسلمت لم يقتلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم فأرسله مقتل أبى رافع اليهودي (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة كان مقتل أبى رافع اليهودي فيما قيل وكان سبب قتله إنه كان فيما ذكر عنه يظاهر كعب بن الاشرف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجه إليه فيما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة عبد الله بن عتيك فحدثنا هارون بن اسحاق الهمداني قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنى اسرائيل قال حدثنا أبو اسحاق عن البراء قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى رافع اليهودي وكان بأرض الحجاز رجالا من الانصار وأمر عليهم عبد الله بن عقبة أو عبد الله بن عتيك وكان أبو رافع يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغى عليه وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم قال لهم عبد الله
ابن عقبة أو عبد الله بن عتيك اجلسوا مكانكم فانى أنطلق وأتلطف للبواب لعلى أدخل قال فأقبل حتى إذا دنا من الباب تقنع بثوبه كأنه يقضى حاجة وقد دخل الناس فهتف به البواب يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فانى أريد أن
[ 183 ]
أغلق الباب قال فدخلت فكمنت تحت آرى حمار فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الاقاليد على ود قال فقمت إلى الاقاليد فأخذتها ففتحت الباب وكان أبو رافع يسمر عنده في علالى فلما ذهب عنه أهل سمره فصعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقته على من داحل قلت إن القوم نذروا بى لم يخلصوا إلى حتى أقتله قال فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدرى أين هو من البيت قلت أبا رافع قال من هذا قال فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنى شيأ وصاح فخرجت من البيت ومكثت غير بعيد ثم دخلت إليه فقلت ما هذا الصوت يا أبا رافع قال لامك الويل إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف قال فأضربه فأثخنه ولم أقتله قال ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه حتى أخرجته من ظهره فعرفت أنى قد قتلته فجعلت أفتح الابواب بابا فبابا حتى انتهيت إلى درجة فوضعت رجلى وأنا أرى انى انتهيت إلى الارض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقى قال فعصبتها بعمامتي ثم إنى انطلقت حتى جلست عند الباب فقلت والله لا أبرح الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا قال فلما صاح الديك قام الناعي عليه على السور فقال أنعى أبا رافع رباح أهل الحجاز قال فانطلقت إلى أصحابي فقلت النجاء قد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال ابسط رجلك فبسطتها فمسحها فكأنما لم أشتكها قط (قال أبو جعفر) وأما الواقدي فإنه زعم أن هذه السرية التى وجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى رافع سلام بن أبى الحقيق إنما وجهها إليه في ذى الحجة من سنة أربع من الهجرة وأن الذين توجهوا إليه فقتلوه كانوا أبا قتادة وعبد الله بن عتيك
ومسعود بن سنان والاسود بن خزاعي وعبد الله بن أنيس * وأما ابن إسحاق فإنه قص من قصة هذه السرية ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه كان سلام ابن أبى الحقيق وهو أبو رافع ممن كان حزب الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الاوس قبل أحد قتلت كعب بن الاشرف في عداوته رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه عليه فاستأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبى الحقيق وهو بخيبر فأذن لهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد
[ 184 ]
ابن اسحاق عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال كان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيين من الانصار الاوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين لا تصنع الاوس شيئا فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غناء إلا قالت الخزرج والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاسلام فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها قال وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الاوس مثل ذلك فلما أصابت الاوس كعب بن الاشرف في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الخزرج لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا قال فتذاكروا من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الاشرف فذكروا ابن أبى الحقيق وهو بخيبر فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله فأذن لهم فخرج إليه من الخزرج ثم من بنى سلمة ثمانية نفر عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة الحارث ابن ربعى وخزاعي بن الاسود حليف لهم من أسلم فخرجوا وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة فخرجوا حتى قدموا خيبر فأتوا دار ابن أبى الحقيق ليلا فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه من خلفهم على أهله وكان في علية له إليها عجلة رومية فأسندوا فيها حتى قاموا على
بابه فاستأذنوا فخرجت إليهم امرأته فقالت من أنتم فقالوا نفر من العرب نلتمس الميرة قالت ذاك صاحبكم فادخلوا عليه فلما دخلنا أغلقنا عليها وعلينا وعليه باب الحجرة وتخوفنا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه قال فصاحت امرأته ونوهت بنا وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا والله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة قال ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها السيف ثم يذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكف يده ولولا ذاك فرغنا منه بليل فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول قطني قطني قال ثم خرجنا وكان عبد الله بن عتيك سيئ البصر فوقع من الدرجة فوثئت رجله وثئا شديدا واحتملناه حتى نأتى به منهرا من عيونهم فندخل فيه
[ 185 ]
قال وأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبوننا حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يقضى بينهم قال فقلنا كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات فقال رجل منا أنا أذهب فانظر لكم فانطلق حتى دخل في الناس قال فوجدته ورجال يهود عنده وامرأته في يدها المصباح تنظر في وجهه ثم قالت تحدثهم وتقول أما والله لقد عرفت صوت ابن عتيك ثم أكذبت فقلت أنى ابن عتيك بهذه البلاد ثم أقبلت عليه لتنظر في وجهه ثم قالت فاض وإله يهود قال يقول صاحبنا فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسي منها ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه بقتل عدو الله واختلفنا عنده في قتله وكلنا يدعيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتوا أسيافكم فجئناه بها فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس هذا قتله أرى فيه أثر العظام فقال حسان بن ثابت وهو يذكر قتل كعب بن الاشرف وسلام بن أبى الحقيق لله در عصابة لاقيتهم * يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الاشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكم * بطرا كأسد في عرين مغرف حتى أتوكم في محل بلادكم * فسقوكم حتفا ببيض وذف مستبصرين لنصر دين نبيهم * مستضعفين لكل أمر مجحف * وحدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقى وعباس بن عبد العظيم العنبري قالا حدثنا جعفر بن عون قال حدثنا ابراهيم بن اسماعيل قال حدثنى إبراهيم بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن أباه حدثه عن أمه ابنة عبد الله بن أنيس أنها حدثته عن عبد الله بن أنيس أن الرهط الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن أبى الحقيق ليقتلوه عبد الله بن عتيك وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة وحليف لهم ورجل من الانصار وأنهم قدموا خيبر ليلا * قال فعمدنا إلى أبوابهم نغلقها من خارج ونأخذ المفاتيح حتى أغلقنا عليهم أبوابهم ثم أخذنا المفاتيح فألقيناها في فقير ثم جئنا إلى المشربة التى فيها ابن أبى الحقيق فظهرت عليها أنا وعبد الله بن عتيك وقعد أصحابنا في الحائط فاستأذن عبد الله بن عتيك فقالت امرأة ابن أبى الحقيق إن هذا
[ 186 ]
لصوت عبد الله بن عتيك قال ابن أبى الحقيق ثكلتك أمك عبد الله بن عتيك بيثرب أين هو عندك هذه الساعة افتحي لى إن الكريم لا يرد عن بابه هذه الساعة فقامت ففتحت فدخلت أنا وعبد الله على ابن أبى الحقيق فقال عبد الله بن عتيك دونك قال فشهرت عليها السيف فأذهب لاضربها بالسيف فأذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان فأكف عنها فدخل عبد الله بن عتيك على بن أبى الحقيق قال فأنظر إليه في مشربة مظلمة إلى شدة بياضه فلما رأني ورأى السيف أخذ الوسادة فاتقاني بها قال فأذهب لاضربه فلا أستطيع فوخزته بالسيف وخزا ثم خرج إلى عبد الله بن أنيس فقال أقتله قال نعم فدخل عبد الله بن انيس فدفف عليه * قال ثم خرجت إلى عبد الله بن عتيك فانطلقنا وصاحت المرأة وابياتاه وابياتاه *
قال فسقط عبد الله بن عتيك في الدرجة فقال وارجلاه وارجلاه فاحتمله عبد الله بن أنيس حتى وضعه إلى الارض * قال قلت انطلق ليس برجلك بأس * قال فانطلقنا قال عبد الله بن أنيس جئنا أصحابنا فانطلقنا ثم ذكرت قوسى أنى تركتها في الدرجة فرجعت إلى قوسى فإذا أهل خيبر يموج بعضهم في بعض ليس لهم كلام إلا من قتل ابن أبى الحقيق من قتل ابن أبى الحقيق قال فجعلت لا أنظر في وجه إنسان ولا ينظر في وجهى انسان إلا قلت من قتل ابن أبى الحقيق قال ثم صعدت الدرجة والناس يظهرون فيها وينزلون فأخذت قوسى من مكانها ثم ذهبت فأدركت أصحابي فكنا نكمن النهار ونسير الليل فإذا كمنا النهار أقعدنا منا ناطورا ينظر لنا فان رأى شيئا أشار الينا فانطلقنا حتى إذا كنا بالبيضاء كنت قال موسى أنا ناظرهم وقال عباس كنت أنا ناطورهم فأشرت إليهم فذهبوا جمزا وخرجت في آثارهم حتى إذا اقتربنا من المدينة أدركتهم قالوا ما شأنك هل رأيت شيئا قلت لا إلا أنى قد عرفت أن قد بلغكم الاعياء والوصب فأحببت أن يحملكم الفزع (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر في شعبان وكانت قبلة تحت خنيس بن حذافة السهمى في الجاهلية فتوفى عنها * وفيها كانت غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وكانت في شوال يوم السبت لسبع ليال خلون منه فيما قيل من
[ 187 ]
سنة ثلاث من الهجرة غزوة أحد (قال أبو جعفر) وكان الذى هاج غزوة أحد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشركى قريش وقعة بدر وقتل من قتل ببدر من أشراف قريش ورؤسائهم فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة
والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث عن يوم أحد وقد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت من الحديث عن يوم أحد قالوا لما أصيبت قريش أو من قاله منهم يوم بدر من كفار قريش من أصحاب القليب فرجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره مشى عبد الله بن أبى ربيعة وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذالمال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا ففعلوا فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حير فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة وكل أولئك قد استعووا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحى قد من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر كان وكان فقيرا ذا بنات وكان في الاسارى فقال يا رسول الله إنى فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن على صلى الله عليك فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان بن أمية يا أبا عزة إنك إمرؤ شاعر فأعنا بلسانك فاخرج معنا فقال إن محمدا قد من على فلا أريد أن أظاهر عليه فقال بلى فأعنا بنفسك فلك الله إن رجعت أن أغنيك وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتى يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر فخرج أبو عزة يسير في تهامة ويدعو بنى كنانة وخرج مسافع بن عبد مناف
[ 188 ]
ابن وهب بن حذافة بن جمح إلى بنى مالك بن كنانة يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا جبير بن مطعم غلاما له يقال له وحشى كان حبشيا يقذف بحربة له قذف الحبشة قل ما يخطئ بها فقال له اخراج مع الناس
فإن أنت قتلت عم محمد بعمى طعيمة بن عدى فأنت عتيق فخرجت قريش بحدها وجدها وأحابيشها ومن معها من بنى كنانة وأهل تهامة وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة ولئلا يفروا فخرج أبو سفيان بن حرب وهو قائد الناس معه هند بنت عتبة بن ربيعة وخرج عكرمة بن أبى جهل بن هشام بن المغيرة بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد ابن المغيرة وخرج صفوان بن أمية بن خلف ببرزة (قال أبو جعفر) وقيل ببرة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية وهى أم عبد الله بن صفوان وخرج عمرو بن العاص بن وائل بريطة بنت منبه بن الحجاج وهى أم عبد الله ابن عمرو بن العاص وخرج طلحة بن أبى طلحة وأبو طلحة عبد الله بن عبد العزى ابن عثمان بن عبد الدار بسلافة بنت سعد بن شهيد وهى أم بنى طلحة مسافع والجلاس وكلاب قتلوا يومئذ وأبو هم وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب احدى نساء بنى مالك بن حسل مع ابنها أبى عزيز بن عمير وهى أم مصعب بن عمير وخرجت عمرة بنت علقمة احدى نساء بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة كلما مرت بوحشى أو مر بها قالت إيه أبا دسمة إشف واشتف وكان وحشى يكنى أبا دسمة فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مما يلى المدينة فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين إنى قد رأيت بقرا فأولتها خيرا ورأيت في ذباب سيفى ثلما ورأيت أنى أدخلت يدى في درع حصنة فأولتها المدينة فان رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فان أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها ونزلت قريش منزلها من أحد يوم الاربعاء فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الجمعة فأصبح بالشعب من أحد
[ 189 ]
فالتقوا يوم السبت للنصف من شوال وكان رأى عبد الله بن أبى ابن سلول مع رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى رأى رسول الله عليه وسلم في ذلك ألا يخرج إليهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج من المدينة فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته بدر وحضوره يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا فقال عبد الله بن أبى ابن سلول يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم فو الله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا الا أصبنا منه فدعهم يا رسول اله فان أقاموا أقاموا بشر مجلس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤا فلم يزل برسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لامته وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة وقد مات في ذلك اليوم رجل من الانصار يقال له مالك بن عمرو أحد بنى النجار فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لنا (قال أبو جعفر) وأما السدى فانه قال في ذلك غير هذا القول ولكنه قال ما حدثنى محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدى أن رسول الله صلى الله عليه سلم لما سمع بنزول المشركين من قريش واتباعها أحدا قال لاصحابه أشيروا علي ما أصنع فقالوا يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الاكلب فقالت الانصار يا رسول الله ما غلبنا عدو لنا قط أتانا في ديارنا فكيف وأنت فينا فدعا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبد الله بن أبى ابن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره فقال يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الاكلب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة فيقاتلوا في الازقة فأتاه النعمان بن مالك الانصاري فقال يا رسول الله
لا تحرمنى الجنة فوالذي بعثك بالحق لادخلن الجنة فقال له بم قال بأنى أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وأنى لا أفر من الزحف قال صدقت فقتل يومئذ
[ 190 ]
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بدرعه فلبسها فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا وقالوا بئس ما صنعنا نشير على رسول الله والوحى يأتيه فقاموا فاعتذروا إليه وقالوا اصنع ما رأيت فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا ينبغى لنبى أن يلبس لامته فيضعها حتى يقاتل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن صدوا فلما خرج رجع عبد الله بن أبى ابن سلول في ثلثمائة فتبعهم أبو جابر السلمى يدعوهم فلما غلبوه وقالوا له ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعن معنا وقال الله عز وجل (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا) فهم بنو سلمة وبنو حارثة هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبى فعصمهم الله عز وجل وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال قالوا لما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله استكرهناك ولم يكن ذلك لنا فان شئت فاقعد صلى الله عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينبغى لنبى إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل فخرج رسول الله في ألف رجل من أصحابه حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة انخزل عنه عبد الله بن أبى ابن سلول بثلث الناس فقال أطاعهم فخرج وعصاني والله ما ندرى على ما نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بنى سلمة يقول يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند ما حضر من عدوهم قالوا لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنه قال أبعدكم الله أعداء الله فسيغنى عنكم (قال أبو جعفر)
قال محمد بن عمر الواقدي انخزل عبد الله بن أبى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشيخين بثلمائة وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة وكان المشركون ثلاثة آلاف والخيل مائتي فرس والظعن خمس عشرة امرأة * قال وكان في المشركين سبعمائة دارع وكان في المسلمين مائة دارع ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرس لابي بردة نيار الحارثى فأدلج
[ 191 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشيخين حين طلعت الحمراء وهما أطمأن كان يهودى ويهودية أعميان يقومان عليهما فيتحدثان فلذلك سميا الشيخين وهو في طرف المدينة قال وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلة بالشيخين بعد المغرب فأجاز من أجاز ورد من رد قال وكان فيمن رد زيد بن ثابت وابن عمر وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب وعرابة بن أوس قال وهو الذى قال فيه الشماخ رأيت عرابة الاوسي ينمى * إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين قال ورد أبا سعيد الخدرى وأجاز سمرة بن جندب ورافع بن خديج وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد استصغر رافعا فقام على خفين له فيهما رقاع وتطاول على أطراف أصابعه فلما رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أجازه * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال كانت أم سمرة بن جندب تحت مرى بن سنان بن ثعلبة عم أبى سعيد الخدرى فكان ربيبه فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد وعرض أصحابه فرد من استصغر رد سمرة بن جندب وأجاز رافع بن خديج فقال سمرة بن جندب لربيبه مرى بن سنان يا أبت أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج وردنى وأنا أصرع رافع بن خديج فقال مرى بن سنان
يا رسول الله رددت ابني وأجزت رافع بن خديج وابنى يصرعه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرافع وسمرة تصارعا فصرع سمرة رافعا فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدها مع المسلمين قال وكان دليل النبي صلى الله عليه وسلم أبو حثمة الحارثى (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بنى حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف فاستله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحب الفأل ولا يعتاف لصاحب السيف شم سيفك فإنى أرى السيوف ستسل اليوم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه من رجل يخرج بنا على القوم من كثب من طريق
[ 192 ]
لا يمر بنا عليهم فقال أبو حثمة أخو بنى حارثة بن الحارث أنا يا رسول الله فقدمه فنفذ به في حرة بنى حارثة وبين أموالهم حتى سلك به في مال المربع بن قيظى وكان رجلا منافقا ضرير البصر فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين قام يحثى في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله فانى لا أحل لك أن تدخل حائطي قال وقد ذكر لى أنه أخذ حفنة من تراب في يده ثم قال لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا فهذا الاعمى البصر الاعمى القلب وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بنى عبد الاشهل حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فضربه بالقوس على رأسه فشجه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة للمسلمين فقال رجل من المسلمين حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال أترعى زروع بنى قيلة ولما
نضارب وتعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة رجل وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد على ميسرتها عكرمة بن أبى جهل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف وهو يومئذ معلم بثياب بيض والرماة خمسون رجلا وقال انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين * فحدثنا هارون بن اسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنا اسرائيل وحدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن اسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال لما كان يوم إحد ولقى رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا بإزاء الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم وإن
[ 193 ]
رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا فلما لقى القوم هزم المشركون حتى رأيت النساء قد رفعن عن سوقهن وبدت خلاخيلهن فجعلوا يقولون الغنيمة الغنيمة فقال عبد الله مهلا أما علمتم ما عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا فانطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم فأصيب من المسلمين سبعون * حدثنى محمد بن سعد قال حدثنى أبى قال حدثنى عمى قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس قال أقبل أبو سفيان في ثلاث ليال خلون من شوال حتى نزل أحدا وخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأذن في الناس فاجتمعوا وأمر الزبير على الخيل ومعه يومئذ المقداد ابن الاسود الكندى وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء رجلا من قريش يقال له مصعب بن عمير وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحسر وبعث حمزة بين يديه وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبى جهل فبعث
رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وقال استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك وأمر بخيل أخرى فكانوا من جانب آخر فقال لا تبرحن حتى أوذنكم وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزبير أن يحمل فحمل على خالد بن الوليد فهزمه الله ومن معه فقال (ولقد صدقكم الله وعده - إلى قوله - من بعد ما أراكم ما تحبون) وإن الله عز وجل وعد المؤمنين أن ينصرهم وإنه معهم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ناسا من الناس فكانوا من ورائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كونوا ههنا فردوا وجه من فر منا وكونوا حراسا لنا من قبل ظهورنا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم القوم هو وأصحابه قال الذين كانوا جعلوا من ورائهم بعضهم لبعض ورأوا النساء مصعدات في الجبل ورأوا الغنائم انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوا الغنيمة قبل أن يسبقونا إليها وقالت طائفة أخرى بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنثبت مكاننا فذلك قوله لهم منكم من يريد الدنيا الذين أرادوا الغنيمة ومنكم من يريد الآخرة الذين قالوا نطيع رسول الله ونثبت مكاننا فكان ابن مسعود يقول ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله
[ 194 ]
عليه وعلى آله وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يومئذ * حدثنى محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدى قال لما برز رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين وقال لا تبرحوا مكانكم ان رأيتم قد هزمناهم فانا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم وأمر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات ابن جبير ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال يا معشر أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة
فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلنى بسيفه إلى النار فقام إليه علي ابن أبى طالب رضى الله عنه فقال والذى نفسي بيده لا أفارقك حتى أعجلك بسيفي إلى النار أو تعجلنى بسيفك إلى الجنة فضربه على فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال أنشدك الله والرحم يا ابن عم فتركه فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال لعلى أصحابه ما منعك أن تجهز عليه قال إن ابن عمى ناشدنى حين انكشفت عورته فاستحييت منه ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الاسود على المشركين فهزماهم وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهزموا أبا سفيان فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع فلما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا بالغنيمة فقال بعضهم لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل فقتل الرماة وحمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم * فحدثني بشر بن آدم قال حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي قال حدثنا عبيد الله بن الوازع عن هشام ابن عروة عن أبيه قال قال الزبير عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا في يده يوم أحد فقال من يأخذ هذا السيف بحقه قال فقمت فقلت أنا يا رسول الله قال فأعرض عنى ثم قال من يأخذ هذا السيف بحقه فقمت فقلت أنا يا رسول الله
[ 195 ]
فاعرض عنى ثم قال من يأخذ هذا السيف بحقه قال فقام أبو دجانة سماك ابن خرشة فقال أنا آخذه بحقه وما حقه قال حقه ألا تقتل به مسلما وأن لا تفر به عن كافر قال فدفعه إليه قال وكان إذا أراد القتال أعلم بعصابة قال فقلت لانظرن اليوم ما يصنع قال فجعل لا يرتفع له شئ إلا هتكه وأفراه حتى انتهى إلى نسوة في
سفح جبل معهن دفوف لهن فيهن امرأة تقول نحن بنات طارق * إن تقبلوا نعانق ونبسط النمارق * أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق قال فرفع السيف ليضربها ثم كف عنها قال قلت كل عملك قد رأيت أرأيت رفعك للسيف على المرأة بعد ما أهويت به إليها فقال أكرمت سيف رسول الله أن أقتل به امرأة (رجع الحديث إلى حديث أبى إسحق) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خراشة أخو بنى ساعدة فقال وما حقه يا رسول الله قال أن تضرب به في العدو حتى ينحنى فقال أنا آخذه بحقه يا رسول الله فأعطاه إياه وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب إذا كانت وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء يعصبها على رأسه علم الناس أنه سيقاتل فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عصابته تلك فعصب بها رأسه ثم جعل يتبختر بين الصفين * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحق قال حدثنى جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الانصار من بنى سلمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر إنها لمشية يبغضها الله عز وجل إلا في هذا الموطن وقد أرسل أبو سفيان رسولا فقال يا معشر الاوس والخزرج خلوا بيننا وبين ابن عمنا ننصرف عنكم فإنه لا حاجة لنا بقتالكم فردوه بما يكره * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق عن عاصم ابن عمر بن قتادة أن أبا عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان بن أمة أحد بنى ضبيعة وقد كان خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم معه
[ 196 ]
خمسون غلاما من الاوس منهم عثمان بن حنيف وبعض الناس يقول كانوا
خمسة عشر فكان يعد قريشا أن لو قد لقى محمدا لم يختلف عليه منهم رجلا فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الاحابيش وعبد ان أهل مكة فنادى يا معشر الاوس أنا أبو عامر قالوا فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق وكان أبو عامر يسمى في الجاهلية الراهب فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق فلما سمع ردهم عليه لقد أصاب قومي بعدى شر ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم راضخهم بالحجارة وقد قال أبو أبو سفيان لاصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم بذلك على القتال يا بنى عبد الدار إنكم وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فإما أن تكفونا نسلم إليك لواءنا ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع وذلك الذى أراد أبو سفيان فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللواتى معها وأخذن الدفوف يضربن خلف الرجال ويحرضهم فقالت هند فيما تقول إن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق وتقول: ويها بنى عبد الدار * ويها حماة الادبار * ضربا بكل بتار واقتل الناس حتى حميت الحرب وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبى طالب في رجال من المسلمين فأنزل الله عز وجل نصره وصدقهم وعده فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم وكانت الهزيمة لا شك فيها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده قال قال الزبير والله لقد رأيتنى أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون اخذهن قليل ولا كثير إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل فاتينا من أدبارنا وصرخ صارخ ألا
[ 197 ]
إن محمدا قد قتل فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن بعض أهل العلم أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به وكان اللواء مع صواب غلام لبنى أبى طلحة حبشي وكان آخر من أخذه منهم فقاتل حتى قطعت يداه ثم برك عليه فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه وهو يقول اللهم هل أعذرت فقال حسان بن ثابت في قطع يد صواب حين تقاذفوا بالشعر فخرتم باللواء وشر فخر * لواء حين رد إلى صواب جعلتم فخركم فيها لعبد * من الام من وطى عفر التراب ظننتم والسفيه له ظنون * وما إن ذاك من أمر الصواب بأن جلادنا يوم التقينا * بمكة بيعكم حمر العياب أقر العين أن عصبت يداه * وما إن تعصبان على خضاب * حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا حبان بن على عن محمد بن عبيد الله بن أبى رافع عن أبيه عن جده قال لما قتل علي بن أبى طالب أصحاب الالوية أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلى احمل عليهم فحمل عليهم ففرق جمعهم وقتل عمرو بن عبد الله الجمحى قال ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلى احمل عليهم فحمل عليهم ففرق جماعتهم وقتل شيبة بن مالك أحد بنى عامر بن لؤى فقال جبريل يا رسول الله إن هذه للمواساة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه منى وأنا منه فقال جبريل وأنا منكما قال فسمعوا صوتا لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي (قال أبو جعفر) فلما أتى المسلمون من خلفهم انكشفوا وأصاب منهم
المشركون وكان المسلمون لما أصابهم ما أصابهم من البلاء أثلاثا ثلث قتيل وثلث جريح وثلث منهزم وقد جهدته الحرب حتى ما يدرى ما يصنع وأصيبت رباعية
[ 198 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم السفلى وشقت شفته وكلم في وجنتيه وجبهته في أصول شعره وعلاه ابن قميئة بالسيف على شقه الايمن وكان الذى أصابه عتبة ابن أبى وقاص * حدثنا ابن بشار قال حدثنا ابن أبى عدى عن حميد عن أنس ابن مالك قال لما كان يوم أحد كسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم وشج فجعل الدم يسيل على وجهه وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله عز وجل فأنزل الله عز وجل (ليس لك من الامر شئ) الآية (قال أبو جعفر) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غشيه القوم من رجل يشرى لنا نفسه * فحدثنا ابن حميد قال حدثني سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى الحصين بن عبد الرحمن ابن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن عمرو بن يزيد بن السكن قال فقام زياد ابن السكن في نفر خمسة من الانصار وبعض الناس يقول إنما هو عمارة بن زياد ابن السكن فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ثم رجلا يقتلون دونه حتى كان آخرهم زياد أو عمارة بن زياد بن السكن فقاتل حتى أثبتته الجراحة ثم فاءت من المسلمين فئة حتى أجهضوهم عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادنوه منى فأدنوه منه فوسده قدمه فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثرت فيه النبل ورمى سعد بن أبى وقاص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد فلقد رأيته يناولني ويقول ارم فداك أبى وأمى حتى إنه لينا ولنى السهم ما فيه نصل فيقول ارم به * حدثنا ابن
حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها فأخذها قتادة ابن النعمان فكانت عنده وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما
[ 199 ]
(قال أبو جعفر) وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه لواؤه حتى قتل وكان الذى أصابه ابن قميئة الليثى وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلى قريش فقال قتلت محمدا فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء علي بن أبى طالب رضى الله عنه وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار بن فصى وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء ثم مر به سباع ابن عبد العزى الغبشانى وكان يكنى بأبى نيار فقال له حمزة بن عبد المطلب هلم إلى يا ابن مقطعة البظور وكانت أمه أم انمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفى وكانت ختانة بمكة فلما التقيا ضربه حمزة فقتله فقال وحشى غلام جبير ابن مطعم والله إنى لانظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه ما يليق شيئا يمر به مثل الجمل الاورق إذ تقدمنى إليه سباع بن عبد عبد العزى فقال له هلم إلى يا ابن مقطعة البظور فضربه فكأنما اخطأ رأسه وهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في لبته حتى خرجت من بين رجليه وأقبل نحوى فغلب فوقع فامهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتى ثم تنحيت إلى العسكر ولم يكن لى بشئ حاجة غيره وقد قتل عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح أخو بنى عمرو ابن عوف مسافع بن طلحة وأخاه كلاب بن طلحة كلاهما يشعره سهما فيأتى أمه
سلافة فيضع رأسه في حجرها فتقول يا بنى من أصابك فيقول سمعت رجلا حين رماني يقول خذها وأنا ابن الاقلح فتقول أقلحى فنذرت لله إن الله أمكنها من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر وكان عاصم قد عاهد الله أن لا يمس مشركا أبدا ولا يمسه * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق قال حدثنى القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بنى عدى بن النجار قال انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والانصار وقد ألقوا بأيديهم فقال ما يجلسكم قالوا قتل محمد رسول الله قال فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 200 ]
ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل وبه سمى أنس بن مالك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال حدثنى حميد الطويل عن أنس بن مالك قال لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة وطعنة فما عرفه الا أخته عرفته بحسن بنانه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال كان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول الناس قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنى ابن شهاب الزهري كعب بن مالك أخو بنى سلمة قال عرفت عينيه تزهران تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أنصت فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ونهض نحو الشعب معه علي بن أبى طالب وأبو بكر بن أبى قحافة وعمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة في رهط من المسلمين فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبى بن خلف وهو يقول أين محمد لا نجوت إن نجوت فقال القوم يا رسول الله أيعطف عليه
رجل منا قال دعوه فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث ابن الصمة قال يقول بعض الناس فيما ذكر لى فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم انتفض بنا انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا وكان أبى بن خلف كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن صالح بن ابراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول يا محمد إن عندي العود أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنا أقتلك إن شاء الله فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم قال قتلني والله محمد قالوا ذهب والله فؤادك والله إن بك بأس قال إنه قد كان بمكة قال لى أقتلك فو الله لو بصق على لقتلني فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج علي بن أبى طالب حتى ملا درقته من المهراس
[ 201 ]
ثم جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه وهو يقول اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبى وقاص أنه كان يقول والله ما حرصت على قتل رجل قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبى وقاص وإن كان ما علمت لسئ الخلق مبغضا في قومه ولقد كفانى منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله * حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدى قال أتى ابن قميئة الحارثى أحد بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر
فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ودخل بعضهم المدينة وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى عباد الله إلى عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فجعلوا يسيرون بين يديه فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف فحماه طلحة فرمى بسهم في يده فيبست يده وأقبل أبى بن خلف الجمحى وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم فقال بل أنا أقتله فقال يا كذاب أين تفر فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في جيب الدرع فجرح جرحا خفيفا فوقع يخرر خوار الثور فاحتملوه وقالوا ليس بك جراحة فما يجزعك قال أليس قال لاقتلنك لو كانت بجميع ربيعة ومضر لقتلهم فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل فقال بعض أصحاب الصخرة ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبى فيأخذ لنا أمنة من أبى سفيان يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم قال أنس ابن النضر يا قوم إن كان محمد قد قتل فان رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد اللهم إنى أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس حتى
[ 202 ]
انتهى إلى أصحاب الصخرة فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه فأراد أن يرميه فقال أنا رسول الله ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب عنهم الحزن فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا فقال الله عز وجل للذين قالوا إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم
على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين) فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم فلما نظروا إليه نسوا ذلك الذى كانوا عليه وأهمهم أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لهم أن يعلونا اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم فقال أبو سفيان يومئذ اعل هبل حنظلة بحنظلة ويوم بيوم بدر وقتلوا يومئذ حنظلة ابن الراهب وكان جنبا فغسلته الملائكة وكان حنظلة بن أبى سفيان قتل يوم بدر وقال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر قل الله مولانا ولا مولى لكم فقال أبو سفيان أفيكم محمد أما إنها قد كانت فيكم مثلة ما أمرت بها ولا نهيت عنها ولا سرتني ولا ساءتنى فذكر الله عز وجل إشراف أبى سفيان عليهم فقال (فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم) والغم الاول ما فاتهم من الغنيمة والفتح والغم الثاني إشراف العدو عليهم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ولا ما أصابكم من القتل حين تذكرون فشغلهم أبو سفيان (قال أبو جعفر) وأما ابن اسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه بينا رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب ومعه اولئك النفر من أصحابه إذ علت عالية من قريش الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنه لا ينبغى لهم أن يعلونا فقاتل عمر بن الخطاب ورهط من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها وقد كان بدل رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهر
[ 203 ]
بين درعين فلما ذهب لينهض لم يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض حتى استوى عليها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله
ابن الزبير عن الزبير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع (قال أبو جعفر) وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم إلى المنقى دون الاعوص وفر عثمان بن عفان وعقبة بن عثمان وسعد بن عثمان رجلان من الانصار حتى بلغوا الجلعب جبلا بناحية المدينة مما يلى الاعوص فأقاموا به ثلاثا ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم لقد ذهبتم فيها عريضة (قال أبو جعفر) وقد كان حنظلة بن أبى عامر الغسيل التقى هو وأبو سفيان ابن حرب فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الاسود وكان يقال له ابن شعوب قد علا أبا سفيان فضربه شداد فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صاحبكم يعنى حنظلة لتغسله الملائكة فسلوا أهله ما شأنه فسئلت صاحبته فقالت خرج وهو جنب حين سمع الهائعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك غسلته الملائكة فقال شداد بن الاسود في قتله حنظلة لاحمين صاحبي ونفسي * بطعنة مثل شعاع الشمس وقال أبو سفيان بن حرب وهو يذكر صبره ذلك اليوم ومعاونة ابن شعوب شداد بن الاسود إياه على حنظلة ولو شئت نجتنى كميت طمرة * ولم أحمل النعماء لابن شعوب فما زال مهرى مرجز الكلب منهم * لدى غدوة حتى دنت لغروب أقاتلهم وادعى يا آل غالب * وأدفعهم عنى بركن صليب فبكى ولا ترعى مقالة عاذل * ولا تسأمى من عبرة ونحيب أباك وإخوانا له قد تتابعوا * وحق لهم من عبرة بنصيب وسلى الذى قد كان في النفس إننى * قتلت من النجار كل نجيب
[ 204 ]
ومن هاشم قرما نجيبا ومصعبا * وكان لدى الهيجاء غير هيوب ولو أننى لم أشف منهم قرونتى * لكانت شجى في القلب ذات ندوب فآبوا وقد أودى الحلائب منهم * لهم خدب من مغبط وكئيب أصابهم من لم يكن لدمائهم * كفيا ولا في خطة بضريب فأجابه حسان بن ثابت فقال ذكرت القروم الصيد من آل هاشم * ولست لزور قلته بمصيب أتعجب أن أقصدت حمزة منهم * نجيبا وقد سميته بنجيب ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه * وشيبة والحجاج وابن حبيب غداة دعا العاصى عليا فراعه * بضربة عضب بله بخضيب وقال شداد بن الاسود يذكر يده عند أبى سفيان بن حرب فيما دفع عنه ولولا دفاعي يا ابن حرب ومشهدي * لالفيت يوم النعف غير مجيب ولولا مكرى المهر بالنعف فرفرت * ضباع على أوصاله وكليب وقال الحارث بن هشام يجيب أبا سفيان في قوله * وما زال مهرى مرجز الكلب منهم * وظن أنه يعرض به إذ فر يوم بدر وإنك لو عاينت ما كان منهم * لابت بقلب ما بقيت نخيب لدا صحن بدر أو لقامت نوائح * عليك ولم تحفل مصاب حبيب جزيتهم يوما ببدر كمثله * على سابح ذى ميعة وشبيب (قال أبو جعفر) وقد وقفت هند بنت عتبة فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق قال حدثنى صالح بن كيسان والنسوة اللاتى معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد عن الآذان والانوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنفهم خدما وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشيا غلام جبير بن مطعم وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها
فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها بما قالت من الشعر حين ظفرا بما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 205 ]
* حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى صالح بن كيسان أنه حدث ان عمر بن الخطاب قال لحسان يا ابن الفريعة لو سمعت ما تقول هند ورأيت أشرها قائمة على صخرة ترتجز بنا وتذكر ما صنعت بحمزة فقال له حسان والله إنى لانظر إلى الحربة تهوى وأنا على رأس فارع يعنى أطمه فقلت والله إن هذه لسلاح ماهى بسلاح العرب وكأنها إنما تهوى إلى حمزة ولا أدرى أسمعني بعض قولها أكفيكموها قال فأنشده عمر بعض ما قالت فقال حسان يهجو هندا أشرت لكاع وكان عادتها * لؤما إذا أشرت مع الكفر لعن الاله وزوجها معها * هند الهنود عظيمة البظر أخرجت مرقصة إلى أحد * في القوم مقتبة على بكر بكر ثفال لا حراك به * لا عن معاتبة ولا زجر وعصاك إستك تتقين بها * دقى العجاية هند بالفهر قرحت عجيزتها ومشرحها * من دأبها نصا على القتر ظلت تداويها زميلتها * بالماء تنضحه وبالسدر أخرجت ثائرة مبادرة * بأبيك وابنك يوم ذى بدر وبعمك المستوه في ودع * وأخيك منعفرين في الحفر ونسيت فاحشة أتيت بها * يا هند ويحك سبة الدهر فرجعت صاغرة بلا ترة * منا ظفرت بها ولا نصر زعم الولائد أنها ولدت * ولدا صغيرا كان من عهر (قال أبو جعفر) ثم ان أبا سفيان بن حرب أشرف على القوم فيما حدثنا
هارون بن اسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنا اسرائيل * وحدثنا ابن وكيع قال حدثنى أبى عن اسرائيل قال حدثنا أبو اسحاق عن البراء قال ثم ان أبا سفيان أشرف علينا فقال أفى القوم محمد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجيبوه مرتين ثم قال أفى القوم ابن أبى قحافة ثلاثا فقال رسول الله صلى الله
[ 206 ]
عليه وسلم لا تجيبوه ثم قال أفى القوم ابن الخطاب ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجيبوه ثم التفت إلى أصحابه فقال أما هؤلاء فقد قتلوا لو كانوا في الاحياء لاجابوا فلم يملك عمر بن الخطاب نفسه أن قال كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يخزيك فقال اعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجيبوه قالوا ما نقول قال قولوا الله أعلى وأجل قال أبو سفيان ألا لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجيبوه قالوا ما نقول قال قولوا الله مولانا ولا مولى لكم قال أبو سفيان يوم بيوم بدر والحرب سجال أما انكم ستجدون في القوم مثلا لم آمر بها ولم تسؤني * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال في حديثه لما أجاب عمر أبا سفيان قال له أبو سفيان هلم يا عمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إيته فانظر ما شأنه فقال له أبو سفيان أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا فقال عمر اللهم لا وإنه ليسمع كلامك الآن فقال أنت أصدق عندي من ابن قميئة وأبر لقول ابن قميثة لهم إنى قتلت محمدا ثم نادى أبو سفيان فقال إنه قد كان في قتلاكم مثل والله ما رضيت ولا سخطت ولا نهيت ولا أمرت وقد كان الحليس بن زبان أخو بنى الحارث بن عبد مناة وهو يومئذ سيد الاحابيش قد مر بأبى سفيان بن حرب وهو يضرب في شدق حمزة بزج الرمح وهو يقول ذق عقق فقال الحيس يا بنى كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه كما ترون لحما فقال اكتمها فإنها كانت زلة فلما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى أن موعدكم
بدر للعام المقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه قل نعم هي بيننا وبينك موعدا ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب عليه السلام فقال اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون فإن كانوا قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الابل فإنهم يريدون مكة وإن ركبوا الخيل وساقوا الابل فهم يريدون المدينة فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها لاسيرن إليهم فيها ثم لاناجزنهم قال علي فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون فلما اجتنبوا الخيل وامتطوا الابل توجهوا إلى مكة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
[ 207 ]
أي ذلك كان فأخفه حتى تأتيني قال علي عليه السلام فلما رأيتهم قد توجهوا إلى مكة أقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم الذى أمرنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بي من الفرح إذ رأيتهم انصرفوا إلى مكة عن المدينة وفرغ الناس لقتلاهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة المازنى أخى بنى النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من رجل ينظر لى ما فعل سعد ابن الربيع وسعد أخو بنى الحارث بن الخزرج أفى الاحياء هو أم في الاموات فقال رجل من الانصار أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل فنظر فوجده جريحا في القتلى به رمق قال فقلت له ان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمرنى أن أنظر له أفى الاحياء أنت أم في الاموات قال فأنا في الاموات أبلغ رسول الله عنى السلام وقل له ان سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله خير ما جرى نبى عن أمته وأبلغ عنى قومك السلام وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف ثم لم أبرح حتى مات فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره وخرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى بحمزة ما رأى قال لو لا أن تحزن صفية أو تكون سنة من بعدى لتركته حتى يكون في أجواف السباع وحواصل الطير ولئن أنا أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لامثلن بثلاثين رجلا منهم فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على ما فعل بعمه قالوا والله لئن ظهرنا عليهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق قال أخبرني بريدة ابن سفيان بن فروة الاسلمي عن محمد بن كعب القرظى عن ابن عباس * قال ابن
[ 208 ]
حميد قال سلمة وحدثني محمد بن اسحاق قال وحدثني الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال إن الله عز وجل أنزل في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) إلى آخر السورة فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر ونهى عن المثلة (قال ابن اسحاق) وأقبلت فيما بلغني صفية بنت عبد المطلب لتنظر إلى حمزة وكان أخاها لابيها وأمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام القها فارجعها لا ترى ما بأخيها فلقيها الزبير فقال لها يا أمه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي فقالت ولم وقد بلغني أنه مثل بأخى وذلك في الله قليل فما أرضانا بما كان من ذلك لاحتسبن ولاصبرن إن شاء الله فلما جاء الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك قال خل سبيلها فأتته فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت له ثم أمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم به فدفن * حدثنا ابن حمد قال حدثنا سلمة قال فحدثني محمد بن اسحاق قال فزعم بعض آل عبد الله بن جحش وكان لاميمة بنت عبد المطلب خاله حمزة وكان قد مثل به كما مثل بحمزة إلا أنه لم يبقر عن كبده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفنه مع حمزة في قبره ولم أسمع ذلك إلا عن أهله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد وقع حسيل بن جابر وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان وثابت بن وقش بن زعوراء في الآطام مع النساء والصبيان فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران لا أبا لك ما تنتظر فو الله إن بقى لواحد منا من عمره إلا ظم ء حمار إنما نحن هامة اليوم أو غد أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله عز وجل يرزقنا شهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس ولم يعلم بهما فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون وأما حسيل بن جابر اليمان فاختلف عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه فقال حذيفة أبى قالوا والله إن عرفناه
[ 209 ]
وصدقوا قال حذيفة يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين فزادته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة أن رجلا منهم كان يدعى حاطب بن أمية بن رافع وكان له ابن يقال له يزيد بن حاطب أصابته جراحة يوم أحد فأتى به إلى دار قومه وهو يموت فاجتمع إليه أهل الدار فجعل المسلمون يقولون من الرجال والنساء أبشر يا ابن حاطب بالجنة قال وكان حاطب شيخا قد عسا في الجاهلية فنجم يومئذ نفاقه فقال بأى شئ تبشرونه أبجنة من حرمل غررتم والله هذا الغلام من نفسه وفجعتموني به
* حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال كان فينا رجل أتى لا يدرى من أين هو يقال له قزمان فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر له إنه لمن أهل النار فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا فقتل هو وحده ثمانية من المشركين أو تسعة وكان شهما شجاعا ذا بأس فاثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بنى ظفر قال فجعل رجال من المسلمين يقولون والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فابشر قال بم أبشر فو الله إن قاتلت إلا على أحساب قومي ولو لا ذلك ما قاتلت فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقطع رواهشة فنزفه الدم فمات فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أشهد أنى رسول الله حقا وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق اليهودي وكان أحد بنى ثعلبة بن الفطيون لما كان ذلك اليوم قال يا معشر يهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق قالوا إن اليوم يوم السبت فقال لا سبت فأخذ سيفه وعدته وقال إن أصبت فمالى لمحمد يصنع فيه ما شاء ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني مخيريق خير يهود * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال وقد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال ادفنوهم حيث صرعوا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن
[ 210 ]
اسحاق قال حدثنى أبى اسحاق بن يسار عن أشياخ من بنى سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ حين أمر بدفن القتلى انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد فلما احتفر معاوية القناة أخرجا وهما ينثنيان كأنما دفنا بالامس قال ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش
كما ذكر لى فنعى لها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له ثم نعى لها زوجها مصعب ابن عمير فصاحت وولولت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن زوج المرأة منها لبمكان لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها قال ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار من دور الانصار من بنى عبد الاشهل وبنى ظفر فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قال لكن حمزة لا بواكي له فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بنى عبد الاشهل أمرا نساءهم أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى عبد الواحد بن أبى عون عن اسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقاص قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بنى دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد فلما نعوا لها قالت فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين قالت أرونيه حتى أنظر إليه فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت كل مصيبة بعدك جلل (قال أبو جعفر) فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال اغسلي عن هذا دمه يا بنية وناولها علي عليه السلام سيفه وقال وهذا فاغسلي عنه فو الله لقد صدقنى اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة وزعموا أن علي بن أبى طالب حين أعطى فاطمة عليهما السلام سيفه قال
[ 211 ]
أفاطم هاك السيف غير ذميم * فلست برعديد ولا بمليم لعمري لقد قاتلت في حب أحمد * وطاعة رب بالعباد رحيم
وسيفي بكفى كالشهاب أهزه * أجذ به من عاتق وصميم فما زلت حتى فض ربى جموعهم * وحتى شفينا نفس كل حليم وقال أبو دجانة حين أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل به قتالا شديدا وكان يقول رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا فصمدت له فلما حملت عليه بالسيف ولولت فإذا امرأة فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة وقال أبو دجانة أنا الذى عاهدني خليلي * ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر في الكيول * اضرب بسيف الله والرسول وكان رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يوم السبت وذلك يوم الوقعة بأحد * فحدثنا ابن احمد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى حسين بن عبد الله عن عكرمة قال كان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال فلما كان الغد من يوم أحد وذلك يوم الاحد لست عشرة ليلة خلت من شوال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو وأذن مؤذنه ألا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالامس فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو ابن حرام فقال يا رسول الله إن أبى كان خلفنى على أخوات لى سبع وقال لى يا بنى إنه لا ينبغى لى ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذى أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو وليبلغهم أنه قد خرج في طلبهم ليظنوا به قوة وأن الذى أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد ابن إسحاق قال فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبى السائب مولى عائشة
[ 212 ]
بنت عثمان أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنى عبد الاشهل كان شهد أحدا قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخ لى فرجعنا جريحين فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لاخى وقال لى أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والله مالنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحا منه فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الاسد وهى من المدينة على ثمانية أميال فأقام بها ثلاثا الاثنين والثلاثاء والاربعاء ثم رجع إلى المدينة وقد مر به فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم معبد الخزاعى وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عليه شيئا كان بها ومعبد يومئذ مشرك فقال يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله كان أعفاك منهم ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الاسد حتى لقى أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا أصبنا جد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم رجعنا قبل إن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبدا قال ما وراءك يا معبد قال محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شئ لم أر مثله قط قال ويلك ما تقول قال والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصى الخيل قال فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم قال فانى أنهاك عن ذلك فو الله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر قال وماذا قلت قال قلت
كادت تهد من الاصوات راحلتي * إذ سالت الارض بالجرد الاباببل تردى بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا خرق معازيل
[ 213 ]
فظلت عدوا أظن الارض مائلة * لما سموا برئيس غير محذول فقلت ويل ابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إنى نذير لاهل البسل ضاحية * لكل ذى أربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش قنابله * وليس يوصف ما أنذرت بالقيل قال فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ومر به ركب من عبد القيس فقال أين تريدون قالوا نريد المدينة قال ولم قالوا نريد الميرة قال فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتمونا قالوا نعم قال فإذا جئتموه فاخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الاسد فأخبروه بالذى قال أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حسبنا الله ونعم الوكيل (قال أبو جعفر) ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد الثالثة فزعم بعض أهل الاخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظفر في وجهه إلى حمراء الاسد بمعاوية بن المغيرة بن أبى العاص وأبى عزة الجمحى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف على المدينة حين خرج إلى حمراء الاسد ابن أم مكتوم (وفى هذه السنة) أعنى سنة ثلاث من الهجرة ولد الحسن بن على بن أبى طالب في النصف من شهر رمضان (وفيها) علقت فاطمة بالحسين صلوات الله عليهما وقيل لم يكن بين ولادتها الحسن وحملها بالحسين إلا خمسون ليلة (وفيها) حملت فيما قيل جميلة بنت عبد الله بن أبى بعبد الله بن حنظلة بن أبى عامر في شوال ذكر الاحداث التى كانت في سنة أربع من الهجرة
ثم دخلت السنة الرابعة من الهجرة فكان فيها غزوة الرجيع في صفر وكان من أمرها ما حدثنى به ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عاصم ابن عمر بن قتادة قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا له يا رسول الله إن فينا اسلاما وخيرا فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرؤننا القرآن ويعلموننا شرائع الاسلام فبعث
[ 214 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم نفرا ستة من أصحابه مرثد بن أبى مرثد الغنوى حليف حمزة بن عبد المطلب وخالد بن البكير حليف بنى عدى بن كعب وعاصم ابن ثابت بن أبى الاقلح أخا بنى عمرو بن عوف وخبيب بن عدى أخا بنى جحجبا ابن كلفة بن عمرو بن عوف وزيد بن الدثنة أخا بنى بياضة بن عامر وعبد الله ابن طارق حليفا لبنى ظفر من بلى وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم مرثد بن أبى مرثد فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع ماء لهذيل بناحية من الحجاز من صدور الهدأة غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا بالرجال في أيديهم السيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم إنا والله ما نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم فأما مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت بن أبى الاقلح فقالوا والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا فقاتلوهم حتى قتلوهم جميعا وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدى وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره بالظهران وأما خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة فباعوهما فابتاع خبيبا حجير
ابن أبى إهاب التميمي حليف بنى نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل وكان حجير أخا الحارث بن عامر لامه ليقتله بأبيه وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان ابن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر فمنعته الدبر فلما حالت بينهم وبينه قالوا دعوه حتى يمسى فتذهب عنه فتأخذه فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به وكان عاصم قد أعطى الله عهدا أن لا يمسه مشرك أبدا ولا يمس مشركا أبدا تنجسا منه فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه إن الدبر منعته عجبا
[ 215 ]
لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا في حياته فمنعه الله بعدو فاته كما امتنع منه في حياته (قال أبو جعفر) وأما غير ابن اسحاق فانه قص من خبر هذه السرية غير الذى قصه والذى قصه غيره من ذلك ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا جعفر بن عون العمرى قال حدثنا ابراهيم بن اسماعيل عن عمرو أو عمر ابن أسيد عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عشرة رهط وأمر عليهم عاصم بن ثابت فخرجوا حتى إذا كانوا يالهدأة ذكروا لحى من هذيل يقال لهم بنو لحيان فبعثوا إليهم مائة رجل راميا فوجدوا مأكلهم حيث أكلوا التمر فقالوا هذه نوى يثرب ثم اتبعوا آثارهم حتى إذا أحس بهم عاصم وأصحابه التجأوا إلى جبل فأحاط بهم الآخرون فاستنزلوهم وأعطوهم العهد فقال عاصم والله لا أنزل على عهد كافر اللهم أخبر نبيك عنا ونزل إليهم ابن الدثنة البياضى وخبيب ورجل آخر فاطلق القوم أوتار قسيهم ثم أوثقوهم فجرحوا رجلا من الثلاثة فقال هذا والله أول الغدر والله لا أتبعكم فضربوه فقتلوه وانطلقوا بخبيب وابن الدثنة إلى مكة فدفعوا خبيبا إلى بنى الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف وكان خبيب هو الذى قتل الحارث
بأحد فبينما خبيب عند بنات الحارث إذ استعار من إحدى بنات الحارث موسى يستحد بها للقتل فما راع المرأة ولها صبى يدرج إلا بخبيب قد أجلس الصبى على فخذه والموسى بيده فصاحت المرأة فقال خبيب أتخشين أنى أقتله إن الغدر ليس من شأننا قال فقالت المرأة بعد ما رأيت أسيرا قط من خبيب لقد رأيته وما بمكة من ثمرة وإن في يده لقطفا من عنب يأكله إن كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا وبعث حى من قريش إلى عاصم ليؤتوا من لحمه بشئ وقد كان لعاصم فيهم آثار بأحد فبعث الله عليه دبرا فحمت لحمه فلم يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئا فلما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه قال ذروني أصل ركعتين فتركوه فصلى سجدتين فجرت سنة لمن قتل صبرا أن يصلى ركعتين ثم قال خبيب لولا أن يقولوا جزع لزدت وما أبالى على أي شقى كان لله مصرعي ثم قال وذلك في ذات الاله وإن يشا * يبارك على أوصال شلو ممزع
[ 216 ]
اللهم أحصهم عددا وخذهم بددا ثم خرج أبو سروعة بن الحارث بن عامر ابن نوفل بن عبد مناف فضربه فقتله * حدثنا أبو كريب قال حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل قال وأخبرني جعفر جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وحده عينا إلى قريش قال فجئت خبيب وأنا أتخوف العيون فرقيت فيها فحللت خبيبا فوقع إلى الارض فانتبذت غير بعيد ثم التفت فلم أر لخبيب أرمة فكأنما الارض ابتلعته فلم تذكر لخبيب أرمة حتى الساعة (قال أبو جعفر) وأما زيد بن الدثنة فإن صفوان بن أمية بعث به فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحق مع مولى له يقال له بسطاس إلى التنعيم وأخرجه من الحرم ليقتله واجتمع إليه رهط من قريش فيهم أبو سفيان ابن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل انشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا
عندنا الآن مكانك نضرب عنقه وإنك في أهلك قال والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكه تؤذيه وأنا جالس في أهلى قال يقول أبو سفيان ما رأيت في الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ثم قتله نسطاس ذكر الخبر عن عمرو بن أمية الضمرى إذ وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتل أبى سفيان بن حرب ولما قتل من وجهه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عضل والقارة من أهل الرجيع وبلغ خبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمرى إلى مكة مع رجل من الانصار وأمرهما بقتل أبى سفيان بن حرب فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثنى محمد بن إسحق عن جعفر بن الفضل بن الحسن بن عمرو ابن أمية الضمرى عن أبيه عن جده يعنى عمرو بن أمية قال قال عمرو بن أمية بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قتل خبيب وأصحابه وبعث معى رجلا من الانصار فقال ائتيا أبا سفيان بن حرب فاقتلاه قال فخرجت أنا وصاحبى ومعى بعير لى وليس مع صاحبي بعير وبرجله علة فكنت أحمله على بعيرى حتى جئنا
[ 217 ]
بطن يأجج فعلقنا بعيرنا في فناء شعب فأسندنا فيه فقلت لصاحبي انطلق بنا إلى دار أبى سفيان فإنى محاول قتله فانظر فإن كانت مجاولة أو خشيت شيئا فالحق ببعيرك فاركبه والحق بالمدينة فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر وخل عنى فإنى رجل عالم بالبلد جرئ عليه نجيب الساق فلما دخلنا مكة ومعى مثل خافية النسر يعنى خنجره قد أعددته إن عاقني إنسان قتلته به فقال لى صاحبي هل لك أن نبدأ فنطوف بالبيت أسبوعا ونصلي ركعتين فقلت أنا أعلم بأهل مكة منك إنهم إذا أظلموا رشوا أفنيتهم ثم جلسوا بها وأنا أعرف بها من الفرس الابلق قال فلم يزل بى حتى أتينا البيت فطفنا به أسبوعا وصلينا ركعتين ثم خرجنا فمررنا بمجلس من مجالسهم
فعرفني رجل منهم فصرخ بأعلى صوته هذا عمرو بن أمية قال فتبادرتنا أهل مكة وقالوا تالله ما جاء بعمرو خير والذى يحلف به ما جاءها قط إلا لشر وكان عمرو رجلا فاتكا متشيطنا في الجاهلية قال فقاموا في طلبى وطلب صاحبي فقلت له النجاء هذا والله الذى كنت أحذر أما الرجل فليس إليه سبيل فانج بنفسك فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في الجبل فدخلنا في غار فبتنا فيه ليلتنا وأعجزناهم فرجعوا وقد استترت دونهم بأحجار حين دخلت الغار وقلت لصاحبي أمهلنى حتى يسكن الطلب عنا فإنهم والله ليطلبنا ليلتهم هذه ويومهم هذا حتى يمسوا قال فو الله إنى لفيه إذ أقبل عثمان بن مالك بن عبيد الله التيمى يختل بفرس له فلم يزل يدنو ويختل بفرسه حتى قام علينا بباب الغار قال فقلت لصاحبي هذا والله ابن مالك والله لئن رآنا ليعلمن بنا أهل مكة قال فخرجت إليه فوجأته بالخنجر تحت الثدى فصاح صيحة أسمع أهل مكة فأقبلوا إليه ورجعت إلى مكاني فدخلت فيه وقلت لصاحبي مكانك قال واتبع أهل مكة الصوت يشتدون فوجدوه وبه رمق فقالوا ويلك من ضربك قال عمرو بن أمية ثم مات وما أدركوا ما يستطيع أن يخبرهم بمكاننا فقالوا والله لقد علمنا أنه لم يأت لخير وشغلهم صاحبهم عن طلبنا فاحتملوه ومكثنا في الغار يومين حتى سكن عنا الطلب ثم خرجنا إلى التنعيم فإذا خشبة خبيب فقال لى صاحبي هل لك في خبيب تنزله عن خشبته فقلت أين هو قال هو ذاك حيث ترى فقلت نعم فأمهلني وتنح عنى قال
[ 218 ]
وحوله حرس يحرسونه قال عمرو بن أمية فقلت للانصاري إن خشيت شيئا فخذ الطريق إلى جملك فاركبه والحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فاشتددت إلى خشبته فاحتللته واحتملته على ظهرى فو الله ما مشيت إلا نحو أربعين ذراعا حتى نذروا بى فطرحته فما أنسى وجبته حين سقط فاشتدوا في أثرى فأخذت طريق الصفراء فأعيوا فرجعوا وانطلق صاحبي إلى بعيره فركبه ثم أتى
النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أمرنا وأقبلت أمشى حتى إذا أشرفت على الغليل غليل ضجنان دخلت غارا فيه ومعى قوسى وأسهمي فبينا أنا فيه إذ دخل على رجل من بنى الديل بن بكر أعور طويل يسوق غنما له فقال من الرجل فقلت رجل من بنى بكر قال وأنا من بنى بكر ثم أحد بنى الديل ثم اضطجع معى فيه فرفع عقيرته يتغنى ويقول ولست بمسلم ما دمت حيا * ولست أدين دين المسلمينا فقلت سوف تعلم فلم يلبث الاعرابي أن نام وغط فقمت إليه فقتلته أسوأ قتلة قتلها أحد أحدا قمت إليه فجعلت سية قوسى في عينه الصحيحة ثم تحاملت عليها حتى أخرجتها من قفاه قال ثم أخرج مثل السبع وأخذت المحجة كأنى نسر وكان النجاء حتى أخرج على بلد قد وصفه ثم على ركوبة ثم على النقيع فإذا رجلان من أهل مكة بعثتهما قريش يتحسسان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفتهما فقلت استأسرا فقالا أنحن نستأسر لك فأرمى أحدهما بسهم فأقتله ثم قلت للآخر استأسر فاستأسر فأوثقته فقدمت به على رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن سليمان بن وردان عن أبيه عن عمرو ابن أمية قال لما قدمت المدينة مررت بمشيخة من الانصار فقالوا هذا والله عمرو ابن أمية فسمع الصبيان قولهم فاشتدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه وقد شددت ابهام أسيرى بوتر قوسى فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه فضحك حتى بدت نواجذه ثم سألني فأخبرته الخبر فقال لى خيرا ودعا لى بخير (وفى هذه السنة) تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت
[ 219 ]
خزيمة أم المساكين من بنى هلال في شهر رمضان ودخل بها فيه وكان أصدقها اثنتى عشرة أوقية ونشا وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها
ذكر خبر بئر معونة (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة أعنى سنة أربع من الهجرة كان من أمر السرية التى وجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت ببئر معونة وكان سبب توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إياهم لما وجههم له ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال وحدثني محمد بن اسحاق قال فأقام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمدينة بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم وولى تلك الحجة المشركون ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد وكان من حديثهم ما حدثنى أبى اسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن إبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهم من أهل العلم قالوا قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الاسنة وكان سيد بنى عامر بن صعصعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأهدى له هدية فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها وقال يا أبا براء لا أقبل هدية مشرك فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك ثم عرض عليه الاسلام وأخبره بماله فيه وما وعد الله المؤمنين من الثواب وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يبعد وقال يا محمد إن أمرك هذا الذى تدعو إليه حسن جميل فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى أخشى عليهم أهل نجد فقال أبو براء أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذ بن عمرو أخا بنى ساعدة المعنق ليموت في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان أخو بنى عدى بن النجار وعروة بن أسماء بن الصلت السلمى ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعى وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر في رجال مسمين من خيار المسلمين * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن حميد
[ 220 ]
الطويل عن أنس بن مالك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو في سبعين راكبا فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهى أرض بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم كلا البلدين منها قريب وهى إلى حرة بنى سليم أقرب فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله ثم استصرخ عليهم بنى عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا لن نحفر أبا براء قد عقد لهم عقدا وجوارا فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم عصية ورعلا وذكوان فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا السيوف ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار ابن النجار فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى ورجل من الانصار أحد بنى عمرو ابن عوف فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا والله إن لهذه الطير لشأنا فأقبلا لينظرا إليه فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التى أصابتهم واقفة فقال الانصاري لعمرو بن أمية ماذا ترى قال أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر فقال الانصاري لكنى ما كنت لارغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو وما كنت لتخبرنى عنه الرجال ثم قاتل القوم حتى قتل وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا فلما أخبرهم انه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه في ظل هو فيه وكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية وقد سألهما حين نزلا ممن
أنتما فقالا من بنى عامر فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى انه قد أصاب بهما ثؤرة من بنى عامر بما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر فقال
[ 221 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قتلت قتيلين لادينهما ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عمل أبى براء قد كنت لهذا كارها متخوفا فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد ابن اسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول من الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والارض حتى رأيت السماء من دونه قالوا هو عامر بن فهيرة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن أحد بنى جعفر رجل من بنى جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر قال كان جبار فيمن حضرها يومئذ مع عامر ثم أسلم بعد ذلك فكان يقول مما دعاني إلى الاسلام أنى طعنت رجلا منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول حين طعنته فزت والله قال فقلت في نفسي ما فاز أليس قد قتلت الرجل حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا الشهادة قال فقلت فاز لعمر الله فقال حسان بن ثابت يحرض بنى أبى البراء على عامر بن الطفيل بنى أم البنين ألم يرعكم * وأنتم من ذوائب أهل نجد تهكم عامر بأبى براء * ليخفره وما خطا كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعى * فما أحدثت في الحدثان بعدى أبوك أبو الحروب أبو براء * وخالك ماجد حكم بن سعد وقال كعب بن مالك في ذلك أيضا
لقد طارت شعاعا كل وجه * خفارة ما أجار أبو براء فمثل مسهب وبنى أبيه * بجنب الرده من كنفى سواء (بن ؟) أم البنين أما سمعتم * دعاء المستغيث مع المساء وتنويه الصريخ بلى ولكن * عرفتم أنه صدق اللقاء فما صفرت عياب بنى كلاب * ولا القرطاء من ذم الوفاء
[ 222 ]
أعامر عامر السوآت قدما * فلا بالعقل فزت ولا السناء أأخفرت النبي وكنت قدما * إلى السوآت تجرى بالعراء فلست كجار جار أبى داود * ولا الاسدي جار أبى العلاء ولكن عاركم داء قديم * وداء الغدر فاعلم شر داء فلما بلغ ربيعة بن عامر أبى البراء قول حسان وقول كعب حمل على عامر بن الطفيل فطعنه فشطب الرمح عن مقتله فخر عن فرسه فقال هذا عمل أبى براء إن مت فدمي لعمى ولا يتبعن به وإن أعش فسأرى رأيى فيما أتى إلى * حدثنى محمد بن مرزوق قال حدثنا عمرو بن يونس عن عكرمة قال حدثنا اسحاق بن أبى طلحة قال حدثنى أنس بن مالك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل بئر معونة قال لا أدرى أربعين أو سبعين وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري فخرج أولئك النفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بعثوا حتى أتوا غارا مشرفا على الماء قعدوا فيه ثم قال بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء فقال أراه بن ملحان الانصاري أنا أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج حتى أتى حواء منهم فاحتبى أمام البيوت قال يا أهل بئر معونة إنى رسول رسول الله إليكم إنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله فخرج إليه من
كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال الله أكبر فزت ورب الكعبة فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل قال اسحاق حدثنى أنس بن مالك إن الله عز وجل أنزل فيهم قرانا بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناه زمانا وأنزل الله عز وجل (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين) * حدثنى العباس بن الوليد قال حدثنى أبى قال حدثنا الاوزاعي قال حدثنى اسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة الانصاري عن أنس بن مالك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل
[ 223 ]
الكلابي سبعين رجلا من الانصار قال فقال أميرهم مكانكم حتى آتيكم بخبر القوم فلما جاءهم قال أتؤمنوني حتى أخبركم برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا نعم فبينا هو عندهم إذ وخزه رجل منهم بالسنان قال فقال الرجل فزت ورب الكعبة فقتل فقال عامر لا أحسبه إلا أن له أصحابا فاقتصوا أثره حتى أتوهم فقتلوهم فلم يفلت منهم إلا رجل واحد قال أنس فكنا نقرأ فيما نسخ بلغوا عنا أخواننا أن قد لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه (وفى هذه السنة) أعنى السنة الرابعة من الهجرة أجلى النبي صلى الله عليه وسلم بنى النضير من ديارهم (ذكر خبر جلاء بنى النضير) (قال أبو جعفر) وكان سبب ذلك ما قد ذكرنا قبل من قتل عمرو بن أمية الضمرى الرجلين الذين قتلهما في منصرفه من الوجه الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه إليه مع أصحاب بئر معونة وكان لهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم جوار وعهد وقيل إن عامر بن الطفيل كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك قتلت رجلين لهما منك جوار وعهد فابعث بديتهما
فانطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى قباء ثم مال إلى بنى النضير مستعينا بهم في ديتهما ومعه نفر من المهاجرين والانصار فيهم أبو بكر وعمر وعلي وأسيد بن حضير * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد ابن إسحاق وقال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بنى عامر اللذين قتل عمرو بن أمية الضمرى للجوار الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما كما حدثنى يزيد بن رومان وكان بين بنى النضير وبين بنى عامر حلف وعقد فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا إنكم لن تجدوا هذا الرجل على مثل حاله هذه ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد فقالوا من
[ 224 ]
رجل يعلو على هذا البيت فيلقى عليه صخرة فيقتله بها فيريحنا منه فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم فقال أنا لذلك فصعد ليلقى عليه الصخرة كما قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وقال لاصحابه لا تبرحوا حتى آتيكم وخرج راجعا إلى المدينة فلما استلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال رأيته داخلا المدينة فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه فاخبرهم الخبر بما كانت يهود قد أرادت من الغدر به وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في التهيؤ لحربهم والسير إليهم ثم سار بالناس إليهم حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخل والتحريق فيها فنادوه يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخيل
وتحريقها (قال أبو جعفر) وأما الواقدي فإنه ذكر أن بنى النضير لما تآمروا بما تآمروا به من إدلاء الصخرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم عن ذلك سلام بن مشكم وخوفهم الحرب قال وهو يعلم ما تريدون فعصوه فصعد عمرو ابن جحاش ليدحرج الصخرة وجاء النبي صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء فقام كأنه يريد حاجة وانتظره أصحابه فأبطأ عليهم وجعلت يهود تقول ما حبس أبا القاسم وانصرف أصحابه فقال كنانة بن صوريا جاءه الخبر بما هممتم به قال ولما رجع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهوا إليه وهو جالس بالمسجد فقالوا يا رسول الله انتظرناك ومضيت فقال همت يهود بقتلي وأخبرنيه الله عز وجل ادعوا إلى محمد بن مسلمة قال فأتى محمد بن مسلمة فقال اذهب إلى يهود فقل لهم اخرجوا من بلادي فلا تساكنونى وقد هممتم بما هممتم به من الغدر قال فجاءهم محمد بن مسلمة فقال لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تظعنوا من بلاده فقالوا يا محمد ما كنا نظن أن يجيئنا بهذا رجل من الاوس فقال محمد تغيرت القلوب ومحا الاسلام العهود فقالوا نتحمل قال فأرسل إليهم عبد الله بن أبى يقول
[ 225 ]
لا تخرجوا فإن معى من العرب ومن انضوى إلى من قومي ألفين فاقيموا فهم يدخلون معكم وقريظة تدخل معكم فبلغ كعب بن أسد صاحب عهد بنى قريظة فقال لا ينقض العهد رجل من بنى قريظة وأنا حى فقال سلام بن مشكم لحيى بن أخطب يا حيى أقبل هذا الذى قال محمد فانما شرفنا على قومنا بأموالنا قبل أن تقبل ما هو شر منه قال وما هو شر منه قال أخذ الاموال وسبى الذرية وقتل المقاتلة فأبى حيى فأرسل جدى بن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لا نريم دارنا فاصنع ما بدا لك قال فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون معه وقال حاربت يهود وانطلق جدى إلى ابن أبى يستمده فوجدته
جالسا في نفر من أصحابه ومنادى النبي صلى الله عليه وسلم ينادى بالسلاح فدخل ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبى وأنا عنده فأخذ السلاح ثم خرج يعدو قال فأيست من معونته قال فأخبرت بذلك كله حييا فقال هذه مكيدة من محمد فزحف إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يوما حتى صالحوه على أن يحقن لهم دماءهم وله الاموال والحلقة * فحدثني محمد ابن سعد قال حدثنى أبى قال حدثنى عمى قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس قال حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى بنى النضير خمسة عشر يوما حتى بلغ منهم كل مبلغ فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم ويسيرهم إلى أذرعات الشأم وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء * حدثنا ابن عبد الاعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري قال قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشأم على أن لهم ما أقلت الابل من شئ إلا الحقه والحلقة والسلاح (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال وقد كان رهط من بنى عوف بن الخزرج منهم عبد الله ابن أبى ابن سلول وديعة ومالك بن أبى قوقل وسويد وداعس قد بعثوا إلى بنى النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا فلم يفعلوا وقذف الله في قلوبهم الرعب فسألوا رسول الله صلى الله عليه
[ 226 ]
وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الابل من أموالهم إلا الحلقة ففعل فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الابل فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشأم فكان اشرافهم ممن سار منهم إلى خيبر سلام بن أبى الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وحيى بن أخطب فلما نزلوها دان لهم أهلها * حدثنا ابن حميد
قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر أنه حدث أنهم استقلوا بالنساء والابناء والاموال معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم وأن فيهم يومئذ لام عمرو صاحبة عروة بن الورد العبسى التى ابتاعوا منه وكانت احدى نساء بنى غفار بزهاء وفخر ما رؤى مثله من حى من الناس في زمانهم وخلوا الاموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث يشاء فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المهاجرين الاولين دون الانصار إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك ابن خرشة ذكرا فقرا فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان يامين بن عمير بن كعب بن عم عمرو بن جحاش وأبو سعد ابن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها (قال أبو جعفر) واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ خرج لحرب بنى النضير فيما قيل ابن أم مكتوم وكانت رايته يومئذ مع علي بن أبى طالب عليه السلام (وفى هذه السنة) مات عبد الله ابن عثمان بن عفان في جمادى الاولى منها وهو ابن ست سنين وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في حفرته عثمان بن عفان (وفيها) ولد الحسين ابن علي عليه السلام لليال خلون من شعبان * واختلف في التى كانت بعد غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بنى النضير من غزواته فقال ابن اسحاق في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق قال ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة بنى النضير شهرى ربيع وبعض شهر جمادى ثم غزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان حتى نزل نخل وهى غزوة ذات
[ 227 ]
الرقاع فلقى بها جمعا من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين صلاة الخوف
ثم انصرف بالمسلمين * وأما الواقدي فانه زعم أن غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات الرقاع كانت في المحرم سنة خمس من الهجرة قال وإنما سميت ذات الرقاع لان الجبل الذى سميت به ذات الرقاع جبل به سواد وبياض وحمرة فسميت الغزوة بذلك الجبل قال واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة على المدينة عثمان بن عفان * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد يعنى ابن عبد الرحمن عن عروة بن الزبير عن أبى هريرة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجد حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل لقى جمعا من غطفان فلم يكن بيننا قتال إلا أن الناس قد خافوهم ونزلت صلاة الخوف فصعد أصحابه صدعين فقامت طائفة مواجهة العدو وقامت طائفة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا جميعا ثم ركع بمن خلفه وسجد بهم فلما قاموا مشوا القهقرى إلى مصاف أصحابهم ورجع الآخرون فصلوا لانفسهم ركعة ثم قاموا فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وجلسوا ورجع الذين كانوا مواجهين العدو فصلوا الركعة الثانية فجلسوا جميعا فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلام فسلم عليهم (قال أبو جعفر) وقد اختلفت الرواية في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة ببطن نخل اختلافا متفاوتا كرهت ذكرها في هذا الموضع خشية اطالة الكتاب وسأذكرها إن شاء الله في كتابنا المسمى بسيط القول في أحكام شرائع الاسلام في كتاب صلاة الخوف منه وقد حدثنا محمد ابن بشار قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثنى أبى عن قتادة عن سليمان اليشكرى أنه سأل جابر بن عبد الله عن اقصار الصلاة أي يوم أنزل أو في أي يوم هو فقال جابر انطلقنا متلقى عير قريش آتيه من الشأم حتى إذا كنا بنخل جاء رجل من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد قال نعم قال هل تخافني قال لا
[ 228 ]
قال فمن يمنعك منى قال الله يمنعنى منك قال فسل السيف ثم تهدده وأوعده ثم نادى بالرحيل وأخذ السلاح ثم نودى بالصلاة فصلى نبى الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم فصلى بالذين يلونه ركعتين ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم فقاموا في مصاف أصحابهم ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم ثم سلم فكانت للنبى صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين فيومئذ أنزل الله عز وجل في اقصار الصلاة وأمر المؤمنون بأخذ السلاح * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد ابن اسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري عن جابر بن عبد الله الانصاري أن رجلا من بنى محارب يقال له فلان بن الحارث قال لقومه من غطفان ومحارب ألا أقتل لكم محمدا قالوا نعم وكيف تقتله قال أفتك به فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فقال يا محمد أنظر إلى سيفك هذا قال نعم فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم به فيكبته الله الله عز وجل ثم قال يا محمد أما تخافني وفى يدى السيف ؟ قال لا، يمنعنى الله منك، قال ثم غمد السيف فرده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم - الآية) * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن جابر بن عبد الله الانصاري قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل من المسلمين امرأة من المشركين فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا أتى زوجها وكان غائبا فلما أخبر الخبر حلف ألا ينتهى حتى يهريق في أصحاب محمد دما فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم
فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فقال من رجل يكلانا ليلتنا هذه فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الانصار فقالا نحن يا رسول الله قال فكونا بفم الشعب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا الشعب من بطن
[ 229 ]
الوادي فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الانصاري للمهاجري أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أو آخره قال بل اكفني أوله فاضطجع المهاجرى فنام وقام الانصاري يصلى وأتى زوج المرأة فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم فرمى بسهم فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما يصلى ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما يصلى ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ثم أهب صاحبه فقال اجلس فقد أتيت قال فوثب المهاجرى فلما رآهما الرجل عرف أنهم قد نذروا به ولما رأى المهاجرى ما بالانصارى من الدماء قال سبحان الله أفلا أهببتنى أول ما رماك قال كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تتابع علي الرمى ركعت فأذنتك وايم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها ذكر الخبر عن غزوة السويق وهى غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بدرا الثانية لميعاد أبى سفيان * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الاولى وجمادى الآخرة ورجبا ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبى سفيان حتى نزله فأقام عليه ثمانى ليال ينتظر أبا سفيان وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران وبعض الناس يقول قد قطع عسفان ثم بدا له الرجوع فقال يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن وإن عامكم هذا
عام جدب وإنى راجع فارجعوا فرجع ورجع الناس فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون إنما خرجتم تشربون السويق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده فأتاه مخشى بن عمر الضمرى وهو والذى وادعه على بنى ضمرة في غزوة ودان فقال يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء قال نعم يا أخا بنى ضمرة وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك حتى
[ 230 ]
يحكم الله بيننا وبينك فقال لا والله يا محمد ما لنا بذلك منك حاجة وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أبا سفيان فمر به معبد بن أبى معبد الخزاعى وقد رأى مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وناقته تهوى به فقال قد نفرت من رفقتي محمد * وعجوة من يثرب كالعنجد تهوى على دين أبيها الا تلد * قد جعلت ماء قديد موعدى وماء ضجنان لها ضحى الغد وأما الواقدي فانه ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه لغزوة بدر لموعد أبى سفيان الذى كان وعده الالتقاء فيه يوم أحد رأس الحول للقتال في ذى القعدة قال وكان نعيم بن مسعود الاشجعى قد اعتمر فقدم على قريش فقالوا يا نعيم من أين كان وجهك قال من يثرب قال وهل رأيت لمحمد حركة قال تركته على تعبئة لغزوكم وذلك قبل أن يسلم نعيم قال فقال له أبو سفيان يا نعيم إن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام ترعى فيه الابل الشجر ونشرب فيه اللبن وقد جاء أوان موعد محمد فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا فيأتى الخلف منهم أحب إلى من أن يأتي من قبلنا ولك عشر فرائض أضعها لك في يد سهيل بن عمرو ويضمنها فجاء سهيل بن عمرو إليهم فقال نعيم لسهيل يا أبا يزيد أتضمن هذه الفرائض وأنطلق إلى محمد فأثبطه فقال نعم فخرج نعيم حتى قدم المدينة فوجد
الناس يتجهزون فتدسس لهم وقال ليس هذا برأى ألم يجرح محمد في نفسه ألم يقتل أصحابه قال فثبط الناس حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فقال والذى نفسي بيده لو لم يخرج معى أحد لخرجت وحدي ثم انهج الله عز وجل للمسلمين بصائرهم فخرجوا بتجارات فأصابوا للدرهم درهمين ولم يلقوا عدوا وهى بدر الموعد وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام (قال أبو جعفر) واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله بن رواحة (قال الواقدي) وفى هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بنت أبى أمية في شوال ودخل بها * قال وفيها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 231 ]
زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود وقال انى لا آمن أن يبدلوا كتابي * وولى الحج في هذه السنة المشركون ثم كانت السنة الخامسة من الهجرة ففى هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش * حدثت عن محمد بن عمر قال حدثنى عبد الله بن عامر الاسلمي عن محمد بن يحيى بن حبان قال جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت زيد بن حارثة وكان زيد إنما يقال له زيد بن محمد ربما فقده رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعة فيقول أين زيد فجاء منزله يطلبه فلم يجده وقامت إليه زينب بنت جحش زوجته فضلا فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ليس هو هاهنا يا رسول الله فادخل بأبى أنت وأمى فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل وإنما عجلت زينب أن تلبس ان قيل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الباب فوثب عجلة فأعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فولى وهو يهمهم بشئ لا يكاد يفهم الا أنه أعلن سبحان الله العظيم سبحان الله مصرف القلوب قال فجاء زيد إلى منزله فأخبرته امرأته أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزله فقال زيد الا قلت له ادخل فقالت قد عرضت عليه ذلك فأبى قال فسمعتيه يقول شيئا قالت سمعته يقول حين ولى سبحان الله العظيم سبحان الله مصرف القلوب فخرج زيد حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي فهلا دخلت بأبى أنت وأمى يا رسول ؟ الله يا رسول الله لعل زينب أعجبتك فأفارقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك زوجك فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ذلك اليوم فكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم امسك عليك زوجك ففارقها زيد واعتزلها وحلت فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث مع عائشة إذ أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم غشية فسرى عنه وهو يتبسم ويقول من يذهب إلى زينب يبشرها يقول إن الله زوجنيها وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (وإذ تقول للذى أنعم
[ 232 ]
الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك) القصة كلها (قالت عائشة) فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها وأخرى هي أعظم الامور وأشرفها ما صنع الله لها زوجها فقلت تفخر علينا بهذا (قالت عائشة) فخرجت سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبرها بذلك فأعطتها أوضاحا عليها * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد زوج زيد بن حارثة زينب بنت جحش ابنة عمته فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يريده وعلى الباب ستر من شعر فرفعت الريح الستر فانكشف وهى في حجرتها حاسرة فوقع اعجابها في قلب النبي صلى الله عليه وسلم فلما وقع ذلك كرهت إلى الآخر قال فجاء فقال يا رسول الله إنى أريد أن أفارق صاحبتي فقال مالك أرابك منها شئ فقال لا والله يا رسول الله ما رابنى منها شئ ولا رأيت إلا خيرا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك زوجك واتق الله
فذلك قول الله عز وجل وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى في نفسك ما الله مبديه تخفى في نفسك إن فارقها تزوجتها (قال الواقدي) وفيها غزا دومة الجندل في شهر ربيع الاول وكان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن جمعا تجمعوا بها ودنوا من أطرافه فغزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ دومة الجندل ولم يلق كيدا وخلف على المدينة سباع ابن عرفطة الغفاري (قال أبو جعفر) وفيها وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن أن يرعى بتغلمين وما والاها قال محمد بن عمر فيما حدثنى ابراهيم ابن جعفر عن أبيه وذلك أن بلاد عيينة أجدبت فوادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرعى بتغلمين إلى المراض وكان ما هنالك قد أخصب بسحابة وقعت فوادعه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرعى فيها هنالك (قال الواقدي) وفيها توفيت أم سعد بن عبادة وسعد غائب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دومة الجندل
[ 233 ]
ذكر الخبر عن غزوة الخندق (وفيها) كانت غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق في شوال حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وكان الذى جر غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق فيما قيل ما كان من إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى النضير عن ديارهم فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن يزيد ابن رومان مولى آل الزبير عن عروة بن الزبير ومن لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك وعن الزهري وعن عاصم بن عمر بن قتادة وعن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن محمد بن كعب القرظى وعن غيرهم من علمائنا كل قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق وبعضهم يحدث ما لا يحدث بعض أنه كان من حديث
الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبى الحقيق النضرى وحيى بن أخطب النضرى وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق النضرى وهوذة بن قيس الوائلي وأبو عمار الوائلي في نفر من بنى النضير ونفر من بنى وائل هم الذين حزبوا الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله فقالت لهم قريش يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الاول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه قالوا بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه قال فهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا - إلى قوله - وكفى بجهنم سعيرا) فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجمعوا لذلك واتعدوا له ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاؤا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه وأن قريشا تابعوهم على ذلك وأجمعوا فيه فأجابوهم فخرجت قريش وقائدها
[ 234 ]
أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر في بنى فزارة والحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى في بنى مرة ومسعود ابن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع ابن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أجمعوا له من الامر ضرب الخندق على المدينة * فحدثت عن محمد بن عمر قال كان الذى أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق سلمان وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر
وقال يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الاجر وعمل فيه المسلمون فدأب فيه ودأبو ا وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعف من العمل ويتسللون إلى أهاليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته نائبة من الحاجة التى لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له فأنزل الله عز وجل (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستاذنوه - إلى قوله - واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم) فنزلت هذه الآية في كل من كان من أهل الحسبة من المؤمنين والرغبة في الخير والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ثم قال يعنى المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا - إلى قوله - قد يعلم ما أنتم عليه) أي قد علم ما أنتم عليه من صدق أو كذب وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا فقالوا سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا
[ 235 ]
فإذا مروا بعمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا وإذا قالوا ظهرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهرا * فحدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد ابن خالد بن عثمة قال حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال حدثنى أبى عن أبيه قال خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الاحزاب من
أجم الشيخين طرف بنى حارثة حتى بلغ المذاد ثم قطعه أربعين ذراعا بين كل عشرة فاحتق المهاجرون والانصار في سلمان الفارسى وكان رجلا قويا فقالت الانصار سلمان منا وقالت المهاجرون سلمان منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت قال عمرو بن عوف فكنت أنا وسلمان وحذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن المزني وستة من الانصار في أربعين ذراعا فحفرنا تحت ذوباب حتى بلغنا الندى فاخرج الله عز وجل من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه فرقى سلمان حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية فقال يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا خرجت صخرة بيضاء من الخندق مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما نحيك فيها قليلا ولا كثيرا فمرنا فيها بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان في الخندق ورقينا نحن التسعة على شقة الخندق فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها وبرقت منها برقة أضاء ما بين لابتيها يعنى لابتى المدينة حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية فصدعها وبرق منها برقة أضاء منها ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالثة فكسرها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن
[ 236 ]
مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح
وكبر المسلمون ثم أخذ بيده سلمان فرقى فقال سلمان بأبى أنت وأمى يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيته قط فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم فقال هل رأيتم ما يقول سلمان قالوا نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر فنكبر ولا نرى شيئا غير ذلك قال صدقتم ضربت ضربتي الاولى فبرق الذى رأيتم أضاءت لى منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذى رأيتم أضاءت لى منها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق منها الذى رأيتم أضاءت لى منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها فأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر وابشروا يبلغهم النصر فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعد صادق بار وعدنا النصر بعد الحصر فطلعت الاحزاب فقال المؤمنون هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما وقال المنافقون ألا تعجبون يحدثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا وأنزل القرآن (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحق عمن لا يتهم عن أبى هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الامصار في زمن عمر وعثمان وما بعده افتتحوا ما بدا لكم فو الذى نفس أبى هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى محمد مفاتيحها قبل ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحق قال كان أهل الخندق ثلاثة آلاف قال ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع
الاسيال من دومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم
[ 237 ]
من كنانة وأهل تهامة وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد وخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذرارى والنساء فرفعوا في الآطام وخرج عدو الله حيى بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظى صاحب عقد بنى قريظة وعهدهم وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاهده على ذلك وعاقده فلما سمع كعب بحيى بن أخطب أغلق دونه حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه حيى يا كعب افتح لى قال ويحك يا حيى إنك امرؤ مشؤم إنى قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بينى وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا قال ويحك افتح لى أكلمك قال ما أنا بفاعل قال والله إن أغلقت دوني إلا على جشيشتك أن آكل معك منها فاحفظ الرجل ففتح له فقال ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الاسيال من دومة وبغطفان على قادتها وسادتها حنى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد قد عاهدوني وعاقدونى ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه فقال له كعب بن أسد جئتني والله بذل الدهر بجهام قد هراق ماءه يرعد ويبرق ليس فيه شى ء ويحك فدعني ومحمدا وما أنا عليه فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء فلم يزل حيى بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بنى عبد الاشهل وهو يومئذ سيد الاوس وسعد بن عبادة بن دليم أحد بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بلحارث بن الخزرج وخوات بن جبير أخو بنى عمرو بن عوف فقال
[ 238 ]
انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أو لا فإن كان حقا فالحنوا لى لحنا نعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه وكان رجلا فيه حد فقال له سعد بن معاذ دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ثم قالوا عضل والقارة كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الرجيع خبيب بن عدى وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال معتب بن قشير أخو بنى عمرو ابن عوف كان محمد يعدنا إن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط وحتى قال أوس بن قيظى أحد بنى حارثة بن الحارث يا رسول الله إن بيوتنا لعورة من العدو وذلك عن ملا من رجال فاذن لنا فلنرجع إلى دارنا فإنها خارجة من المدينة فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمى بالنبل والحصار فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا
ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وعن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف ابن أبى حارثة المرى وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك ففعلا فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه فقالا يا رسول الله أمر تحبه فنصنعه أم شئ
[ 239 ]
أمرك الله عز وجل به لا بد لنا من عمل به أم شئ تصنعه لنا قال لا بل لكم والله ما أصنع ذلك إلا أنى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم لامر ما ساعة فقال له سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله عز وجل وعبادة الاوثان ولا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعا أفحين أكرمنا الله بالاسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا مالنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنت وذاك فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وعدوهم محاصروهم لم يكن بينهم قتال إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود بن أبى قيس أخو بنى عامر بن لؤى وعكرمة بن أبى جهل وهبيرة بن أبى وهب المخزوميان ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب بن مرداس أخو بن محارب بن فهر قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم ومروا على بنى كنانة فقالوا تهيئوا للحرب يا بنى كنانة فستعلمون اليوم من الفرسان ثم أقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا عليه
فلما رأوه قالوا والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع وخرج على بن أبى طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التى أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم وقد كان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة قلم يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله قال له علي يا عمرو إنك كنت تعاهد الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين إلا أخذت منه إحداهما قال أجل قال له علي بن أبى طالب فإنى أدعوك إلى الله عز وجل والى رسوله والى الاسلام قال لا حاجة لى بذلك قال فإنى أدعوك إلى النزال قال ولم يا ابن أخى فو الله ما أحب أن أقتلك قال علي ولكني والله أحب أن أقتلك قال فحمى عمرو عند ذلك
[ 240 ]
فاقتحم عن فرسه فعقره أو ضرب وجهه ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي عليه السلام وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة ومن بنى مخزوم نوفل بن عبد الله بن المغيرة وكان اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة فقال يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه فنزل إليه علي فقتله فغلب المسلمون على جسده فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حاجة لنا بجسده ولا ثمنه فشأنكم به فخلى بينهم وبينه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن أبى ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الانصاري ثم أحد بنى حارثة أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بنى حارثة يوم الخندق وكان من أحرز حصون المدينة وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن (قالت عائشة)
وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب قالت فمر سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها وفى يده حربته يرقد بها ويقول لبث قليلا يشهد الهيجا حمل * لا بأس بالموت إذا حان الاجل قالت له أمه الحق يا بنى فقد والله أخرت (قالت عائشة) فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه قالت فرمى سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الاكحل رماه فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة حبان بن قيس ابن العرقة أحد بنى عامر بن لؤى فلما أصابه قال خذها وأنا ابن العرقة فقال سعد عرق الله وجهك في النار اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فانه لا قوم أحب إلى أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه اللهم وأن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لى شهادة ولا تمتنى حتى تقر عينى من بنى قريظة * حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنى أبى عن علقمة عن عائشة قالت خرجت يوم الخندق
[ 241 ]
أقفو آثار الناس فو الله إنى لامشى إذ سمعت وئيد الارض خلفي تعنى حس الارض فالتفت فإذا أنا بسعد فجلست إلى الارض ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا بذلك محمد بن عمرو يحمل مجنة وعلى سعد درع من حديد قد خرجت أطرافه منها (قالت) وكان من أعظم الناس وأطولهم (قالت) فأنا أتخوف على أطراف سعد فمر بي يرتجز ويقول لبث قليلا يدرك الهيجا حمل * ما أحسن الموت إذا حان الاجل قالت فلما جاوزني قمت فاقتحمت حديقة فيها نفر من المسلمين فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تسبغة له (قال محمد) والتسبغة المغفر لا ترى الا عيناه فقال
عمر إنك لجرية ما جاء بك ما يدريك لعله يكون تحوز أو بلاء فو الله ما زال يلومني حتى وددت أن الارض تنشق لى فأدخل فيها فكشف الرجل التسبغة عن وجهه فإذا هو طلحة فقال إنك قد أكثرت أين الفرار وأين التحوز الا إلى الله عز وجل * قالت فرمى سعد يومئذ بسهم رماه رجل يقال له ابن العرقة فقال خذها وأنا ابن العرقة فقال سعد عرق الله وجهك في النار فأصاب الاكحل منه فقطعه قال محمد ابن عمر وزعموا أنه لم ينقطع من أحد قط إلا لم يزل يبض دما حتى يموت فقال سعد اللهم لا تمتنى حتى تقر عينى في بنى قريظة وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عمن لا يتهم عن عبيد الله بن كعب ابن مالك أنه كان يقول ما أصاب سعدا يومئذا بالسهم الا أبو أسامة الجشمى حليف بنى مخزوم فالله أعلم أي ذلك كان * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت قالت وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان * قالت صفية فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم أن أتانا آت قالت فقلت يا حسان إن هذا
[ 242 ]
اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وانى والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله فقال يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا قالت فلما قال ذلك لى ولم أر شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت يا حسان انزل
إليه فاسلبه فانه لم يمنعنى من سلبه الا أنه رجل قال مالى بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب * قال ابن اسحاق وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله عز وجل من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن حلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله انى قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا باسلامى فمرنى بما شئت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فان الحرب خدعة فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بنى قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال لهم يا بنى قريظة قد عرفتم ودى إياكم وخاصة ما بينى وبينكم قالوا صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم إن قرشا وغطفان قد جاؤا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره وإن قريشا وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم وبلدهم بغيره فليسوا كهيئتكم إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه فقالوا لقد أشرت برأى ونصح ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لابي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش يا معشر قريش قد عرفتم ودى إياكم وفراقي محمدا وقد بلغني أمر رأيت حقا على أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا علي قالوا نفعل قال فاعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين
[ 243 ]
محمد وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم
نكون معك على من بقى منهم فأرسل إليهم أن نعم فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان أنتم أصلى وعشيرتي وأحب الناس إلى ولا أراكم تتهموني قالوا صدقت قال فاكتموا علي قالوا نفعل ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم فلما كانت ليلة السبت في شوال سنة خمس وكان مما صنع الله عز وجل لرسوله أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه فأرسلوا إليهم أن اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك بالذى نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك من محمد فلما رجعت إليهم الرسل الذى قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان تعلمون والله أن الذى حدثكم نعيم بن مسعود لحق فأرسلوا إلى بنى قريظة إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا إن الذى ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن وجدوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك تشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم فأرسلوا إلى قريش وغطفان إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا عليهم وخذل الله بينهم وبعث الله عز وجل عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال
[ 244 ]
حدثنى محمد بن إسحاق قال حدثنا يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله وصحبتموه قال نعم يا ابن أخى قال فكيف كنتم تصنعون قال والله لقد كنا نجهد فقال الفتى والله لو أدركناه ما تركناه يمشى على الارض ولحملناه على أعناقنا فقال حذيفة يا ابن أخى والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق وصلى هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم يشرط له رسول الله انه يرجع أدخله الله الجنة فما قام رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال مثله فما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع يشرط له رسول الله الرجعة أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لى بد من القيام حين دعاني فقال يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا قال فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء فقام أبو سفيان ابن حرب فقال يا معشر قريش لينظر امرؤ جليسه قال فأخذت بيد الرجل الذى كان إلى جنبى فقلت من أنت قال أنا فلان بن فلان ثم قال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذى نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون والله ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإنى مرتحل ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنى لا أحدث شيئا حتى آتيه ثم شئت
لقتلته بسهم قال حذيفة فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلى في مرط لبعض نسائه مرحل فلما رأني أدخلني بين رجليه وطرح على طرف المرط ثم ركع وسجد فإذا لقته فلما سلم أخبرته الخبر وسمعت غطفان بما فعلت
[ 245 ]
قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال فلما أصبح نبى الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح غزوة بنى قريظة فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن ابن شهاب الزهري معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج فقال أقد وضعت السلاح يا رسول الله قال نعم قال جبريل ما وضعت الملائكة السلاح وما رجعت الآن إلا من طلب القوم إن الله يأمرك يا محمد بالسير إلى بنى قريظة وأنا عامد إلى بنى قريظة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا فأذن في الناس أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بنى قريظة وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب برايته إلى بنى قريظة وابتدرها الناس فسار علي بن أبى طالب عليه السلام حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فرجع حتى لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق فقال يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الاخابث قال لم، أظنك سمعت لى منهم أذى ؟ قال نعم يا رسول الله قال لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته قالوا يا أبا القاسم ما كنت جهولا ومر رسول الله
صلى الله عليه وسلم على اصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بنى قريظة فقال هل مر بكم أحد فقالوا نعم يا رسول الله قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبى على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك جبريل بعث إلى بنى قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقدف الرعب في قلوبهم فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى قريظة نزل على بئر من آبارها في ناحية
[ 246 ]
من أموالهم يقال لها بئر أنا فنلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلين أحد العصر إلا في بنى قريظة لشئ لم يكن لهم منه بد من حربهم وأبوا أن يصلوا لقول النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأتوا بنى قريظة فصلوا العصر بها بعد العشاء الاخرة فما عابهم الله بذلك في كتابه ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث عن محمد بن اسحاق عن أبيه عن معبد بن كعب بن مالك الانصاري * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنى أبى عن علقمة عن عائشة قالت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على سعد قبة في المسجد ووضع السلاح يعنى عند منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع المسلمون السلاح فجاءه جبريل عليه السلام فقال أوضعتم السلاح فو الله ما وضعت الملائكة بعد السلاح اخرج إليهم فقاتلهم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلامته فلبسها ثم خرج وخرج المسلمون فمر ببنى غنم فقال من مر بكم قالوا مر علينا دحية الكلبى وكان يشبه سنته ولحيته ووجهه بجبريل عليه السلام حتى نزل عليهم وسعد في قبته التى ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فحاصرهم شهرا أو خمسا وعشرين ليلة فلما اشتد عليهم الحصار قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله فأشار أبو لبابة بن عبد المنذر أنه الذبح فقالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم انزلوا على حكمه فنزلوا فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمار بإكاف من ليف فحمل عليه قالت عائشة لقد كان برأ كلمه حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب وقد كان حيى بن أخطب دخل على بنى قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد لهم يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الامر ما ترون وإنى عارض
[ 247 ]
عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم قالوا وما هن قال نتابع هذا الرجل ونصدقه فو الله لقد كان تبين لكم إنه لنبى مرسل وإنه للذى كنتم تجدونه في كتابكم فتأمنوا على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره قال فإذا أبيتم هذه على فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئا نخشى عليه وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والابناء قالوا نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم قال فإذا أبيتم هذه على فإن الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة قالوا نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه من المسخ ما لم يخف عليك قال ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما قال ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بنى عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الاوس نستشيره في أمرنا فأرسله رسول الله صلى الله
عليه وسلم إليهم فلما رأوه قام إليه الرجال وبهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم وقالوا له يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد قال نعم وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح قال أبو لبابة فو الله ما زالت قدماى حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت وعاهد الله أن لا يطأ بنى قريظة أبدا وقال لا يرانى الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وأبطأ عليه وكان قد استبطأه قال أما لو جاءني لاستغفرت له فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة ابن الفضل قال حدثنا محمد بن اسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أن توبة أبى لبابة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة
[ 248 ]
قالت أم سلمة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر يضحك فقلت مم تضحك يا رسول الله أضحك الله سنك قال تيب على أبى لبابة فقلت ألا أبشره بذلك يا رسول الله قال بلى إن شئت قال فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك قال فثار الناس إليه ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذى يطلقني بيده فلما مر عليه خارجا إلى الصبح أطلقه قال ابن إسحاق ثم إن ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد وهم نفر من بنى هدل ليسوا من بنى قريظة ولا النضير نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم أسلموا تلك الليلة التى نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظى فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها محمد بن مسلمة
الانصاري تلك الليلة فلما رآه قال من هذا قال عمرو بن سعدى وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا أغدر بمحمد أبدا فقال محمد بن مسلمة حين عرفه اللهم لا تحرمنى عثرات الكرام ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب فلا يدرى أين ذهب من أرض الله إلى يومه هذا فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه فقال ذاك رجل نجاه الله بوفائه قال ابن إسحاق وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بنى قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبحت رمته ملقاة لا يدرى أين ذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة والله أعلم قال ابن إسحق فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواثبت الاوس فقالوا يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالى الخزرج بالامس ما قد عملت وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بنى قريظة حاصر بنى قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه فسأله إياهم عبد الله بن أبى ابن سلول فوهبهم له فلما كلمه الاوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترضون يا معشر الاوس
[ 249 ]
أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى قال فذاك إلى سعد بن معاذ وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة امرأة من المسلمين يقال لها رفيدة في مسجده كانت تداوى الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنى قريظة أتاه قومه فاحتملوه على حمار قد وطؤا له بوسادة من أدم وكان رجلا جسيما ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم فلما أكثروا عليه قال قد أنى لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الاشهل فنعى لهم رجال بنى قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التى سمع منه (قال أبو جعفر) فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حدثنا ابن وكيع قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنى أبى عن علقمة في حديث ذكره قال قال أبو سعيد الخدرى فلما طلع يعنى سعدا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قدموا إلى سيدكم أو قال إلى خيركم فأنزلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احكم فيهم قال فإنى أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم وأن تقسم أموالهم فقال لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله (رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق) وأما ابن إسحق فإنه قال في حديثه فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا إلى سيدكم فقاموا إليه فقالوا يا أبا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك مواليك لتحكم فيهم فقال سعد عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيها ما حكمت قالوا نعم قال وعلى من ههنا في الناحية التى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 250 ]
نعم قال سعد فإنى أحكم فيهم بأن تقتل الرجال وتقسم الاموال وتسبى الذرارى والنساء * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن علقمة بن وقاص الليثى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد لقد حكمت فيهم بحكم الله
من فوق سبعة أرقعة قال ابن إسحاق ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار ابنة الحارث امرأة من بنى النجار ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة التى هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم إليه ارسالا وفيهم عدو الله حيى ابن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة المكثر لهم يقول كانوا من الثمانمائة إلى التسعمائة وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارسالا يا كعب ما ترى ما يصنع بنا فقال كعب في كل موطن لا تعقلون ألا ترون الداعي لا ينزع وأنه من ذهب به منكم لا يرجع هو والله القتل فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى بحيى بن أخطب عدو الله وعليه حلة لها فقاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الانملة أنملة أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل ثم أقبل على الناس فقال أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب الله وقدره وملحمة قد كتبت على بنى اسرائيل ثم جلس فضربت عنقه فقال جبل بن جوال الثعلبي لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها * وقلقل يبغى العز كل مقلقل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة قالت والله إنها لعندى تحدث معى وتضحك ظهرا وبطنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل
[ 251 ]
رجالهم بالسوق إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة قالت أنا والله قالت قلت ويلك
مالك قالت أقتل قلت ولم قالت حدث أحدثته قالت فانطلق بها فضربت عنقها فكانت عائشة تقول ما أنسى عجبا منها طيب نفس وكثرة ضحك وقد عرفت أنها تقتل وكان ثابت بن قيس بن شماس كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن ابن شهاب الزهري أتى الزبير بن باطا القرظى وكان يكنى أبا عبد الرحمن وكان الزبير قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية * قال محمد مما ذكر لى بعض ولد الزبير أنه كان من عليه يوم بعاث أخذه فجز ناصيته ثم خلى سبيله فجاءه وهو شيخ كبير فقال يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني قال وهل يجهل مثلى مثلك قال إنى قد أردت أن أجزيك بيدك عندي قال إن الكريم يجزى الكريم ثم أتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله قد كانت للزبير عندي يد وله على منة وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لي دمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو لك فأتاه فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لى دمك فهو لك قال شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أهله وولده قال هم لك فأتاه فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاني امرأتك وولدك فهم لك قال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ماله قال هو لك فأتاه فقال إن رسول الله قد أعطاني مالك فهو لك قال أي ثابت ما فعل الذى كأن وجهه مرآة صينية تتراءى فيه عذارى الحى كعب بن أسد قال قتل قال فما فعل سيد الحاضر والبادى حيى بن أخطب قال قتل قال فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا كررنا عزال بن شمويل قال قتل قال فما فعل المجلسان يعنى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة قال ذهبوا قتلوا قال فانى أسألك بيدى عندك يا ثابت إلا ألحقتنى بالقوم فو الله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فما أنا بصابر لله قبلة دلو نضح حتى ألقى الاحبة فقدمه ثابت
فضرب عنقه فلما بلغ أبا بكر قوله ألقى الاحبة قال يلقاهم والله في نار جهنم خالدا
[ 252 ]
فيها مخلدا أبدا فقال ثابت بن قيس بن الشماس في ذلك يذكر الزبير بن باطا وفت ذمتي أنى كريم وأنني * صبور إذا ما القوم حادوا عن الصبر وكان زبير أعظم الناس منة * على فلما شد كوعاه بالاسر أتيت رسول الله كيما أفكه * وكان رسول الله بحرا لنا يجرى قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل من أنبت منهم * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قد حدثنى محمد بن اسحاق عن أيوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى صعصعة أخى بنى عدى بن النجار أن سلمى بنت قيس أم المنذر أخت سليط بن قيس وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلت معه القبلتين وبايعته بيعة النساء سألته رفاعة بن شمويل القرظى وكان رجلا قد بلغ ولاذ بها وكان يعرفهم قبل ذلك فقالت يا نبى الله بأبى أنت وأمى هب لى رفاعة بن شمويل فانه قد زعم أنه سيصلى ويأكل لحم الجمل فوهبه لها فاستحيته قال ابن اسحاق ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بنى قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين وأعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال وأخرج منها الخمس فكان للفارس ثلاثة أسهم للفرس سهمان ولفارسه سهم وللراجل ممن ليس له فرس سهم وكانت الخيل يوم بنى قريظة ستة وثلاثين فرسا وكان أول فئ وقع فيه السهمان وأخرج منه الخمس فعلى سنتها وما مضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وقعت المقاسم ومضت السنة في المغازى ولم يكن يسهم للخيل إذا كانت مع الرجل إلا لفرسين ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الانصاري أخا بنى عبد الاشهل بسبايا من سبايا بنى قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلا وسلاحا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه
من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن جنافة إحدى نساء بنى عمرو بن قريظة فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفى عنها وهى في ملكه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت يا رسول الله بل تتركني في ملكك فهو أخف على وعليك فتركها وقد
[ 253 ]
كانت حين سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تعصت بالاسلام وأبت إلا اليهودية فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه لذلك من أمرها فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرني باسلام ريحانة فجاءه فقال يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك فلما انقضى شأن بنى قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ وذلك أنه دعا كما حدثنى ابن وكيع قال حدثنا ابن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنى أبى عن علقمة في خبر ذكره عن عائشة ثم دعا سعد بن معاذ يعنى بعد أن حكم في بنى قريظة ما حكم فقال اللهم إنك قد علمت أنه لم يكن قوم أحب إلى أن أقاتل أو أجاهد من قوم كذبوا رسولك اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئا فأبقني لها وإن كنت قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني اليك فانفجر كلمه فرجعه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى خيمته التى ضرب عليه في المسجد قالت عائشة فحضره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبو بكر وعمر فوالذي نفس محمد بيده إنى لاعرف بكاء أبى بكر من بكاء عمر وإنى لفى حجرتي قالت وكانوا كما قال الله عز وجل (رحماء بينهم) قال علقمة أي أمه كيف كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا اشتد وجده على أحد أو إذا وجد فانما هو آخذ بلحيته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق قال لم يقتل من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر وقتل
من المشركين ثلاثة نفر وقتل يوم بنى قريظة خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو ابن بلحارث بن الخزرج طرحت عليه رحى فشدخته شدخا شديدا ومات أبو سنان ابن محصن بن حرثان أخو بنى أسد بن خزيمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بنى قريظة فدفن في مقبرة بنى قريظة ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخندق قال الآن نغزوهم يعنى قريشا ولا يغزونا فكان كذلك حتى فتح الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة وكان فتح بنى قريظة في ذى القعدة أو في صدر ذى الحجة في قول ابن إسحاق وأما الواقدي فإنه قال غزاهم رسول الله