الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تاريخ الطبري - الطبري ج 2

تاريخ الطبري

الطبري ج 2


[ 1 ]

تاريخ الامم والملوك للامام أبى جعفر محمد بن جرير الطبري الجزء الثاني [ قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة ] بمطبعة " بريل " بمدينة ليدن في سنة 1879 م ] راجعه وصححه وضبطه نخبه من العلماء الاجلاء منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب 7120

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد وهو ابن عبد الله بن عبد المطلب وكان عبد الله أبو رسول الله أصغر ولد أبيه وكان عبد الله والزبير وعبد مناف وهو أبو طالب بنو عبد المطلب لام واحدة وأمهم جميعا فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن ابن اسحاق * وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه أنه قال عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله وأبو طالب واسمه عبد مناف والزبير وعبد الكعبة وعاتكة وبرة وأميمة ولد عبد المطلب إخوة أم جميعهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم بن يقظة * وكان عبد المطلب فيما حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أنه أخبره أن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته ففعلت ذلك الامر فقدمت المدينة لتستفتى عن نذرها فجاءت عبد الله بن عمر فقال لها عبد الله بن عمر لا أعلم الله أمر في النذر الا الوفاء به فقالت المرأة أفأنحر ابني قال ابن عمر قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم فلم يزدها عبد الله بن عمر على ذلك فجاءت عبد الله بن عباس فاستفتته فقال أمر الله بوفاء النذر ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم وقد كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافي له عشرة رهط أن ينحر أحدهم فلما توافي له عشرة أقرع بينهم أيهم ينحر فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب وكان أحب الناس إلى عبد المطلب فقال عبد المطلب اللهم هو أو مائة من الابل ثم أقرع بينه وبين الابل فطارت القرعة على المائة من الابل

[ 3 ]

فقال ابن عباس للمرأة فأرى أن تنحري مائة من الابل مكان ابنك فبلغ الحديث مروان وهو أمير المدينة فقال ما أرى ابن عمر ولا ابن عباس أصاب الفتيا إنه لا نذر في معصية الله استغفري الله وتوبى إلى الله وتصدقي واعملى ما استطعت من الخير فاما أن تنحري ابنك فقد نهاك الله عن ذلك فسر الناس بذلك وأعجبهم قول مروان ورأوا أن قد أصاب الفتيا فلم يزالوا يفتون بألا نذر في معصية الله وأما ابن اسحاق فإنه قص من أمر نذر عبد المطلب هذا قصة هي أشبع مما في هذا الخبر الذى ذكرناه عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب وذلك ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق قال كان عبد المطلب بن هاشم فيما يذكرون والله أعلم قد نذر حين لقى من قريش في حفر زمزم ما لقى لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه لينحرن أحدهم لله عند الكعبة فلما توافي له بنو عشرة وعرف انهم سيمنعونه جمعهم ثم أخبرهم بنذره الذى نذر ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك فأطاعوه وقالوا كيف نصنع قال يأخذ كل رجل منكم قدحا ثم ليكتب فيه اسمه ثم ائتونى به ففعلوا ثم أتوه فدخل على هبل في جوف الكعبة وكانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة وكانت على بئر في جوف الكعبة وكانت تلك البئر هي التى يجمع فيها ما يهدى للكعبة وكان عند هبل سبعة أقدح كل قدح منها فيه كتاب قدح فيه العقل إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة وقدح فيه نعم للامر إذا أرادوه يضرب به فإن خرج قدح نعم عملوا به وقدح فيه لا فإذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الامر وقدح فيه منكم وقدح فيه ملصق وقدح فيه من غيركم وقدح فيه المياه إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح فحيثما خرج عملوا به وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما أو ينكحوا منكحا أو يدفنوا ميتا أو شكوا في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور فأعطوها صاحب القداح الذى يضربها ثم قربوا صاحبهم الذى يريدون به ما يريدون ثم قالوا يا إلهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا فأخرج الحق فيه

[ 4 ]

ثم يقولون لصاحب القداح اضرب فيضرب فإن خرج عليه منكم كان وسيطا وان خرج عليه من غيركم كان حليفا وإن خرج عليه ملصق كان على منزلته منهم لا نسب له ولا حلف وان خرج في شئ سوى هذا مما يعملون به نعم عملوا به وان خرج لا أخروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح فقال عبد المطلب لصاحب القداح اضرب على بنى هؤلاء بقداحهم هذه وأخبره بنذره الذى نذر فاعطى كل رجل منهم قدحه الذى فيه اسمه وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر بنى أبيه وكان فيما يزعمون أحب ولد عبد المطلب إليه وكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا اخطأه فقد أشوى وهو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها قام عبد المطلب عند هبل في جوف الكعبة يدعو الله ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبد الله فاخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة ثم أقبل إلى إساف ونائلة وهما وثنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحها ليذبحه فقامت إليه قريش من أنديتها فقالوا ماذا تريد يا عبد المطلب قال أذبحه فقالت له قريش وبنوه والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه فما بقاء الناس على هذا فقال له المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان عبد الله ابن أخت القوم والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه فإن كان فداؤه باموالنا فديناه وقالت له قريش وبنوه لا تفعل وانطلق به إلى الحجاز فإن به عرافة لها تابع فسلها ثم أنت على رأس أمرك ان أمرتك ان تذبحه ذبحته وان أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوها فيما يزعمون بخيبر فركبوا إليها حتى جاؤوها فسألوها وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه وما أراد به ونذره فيه فقالت لهم ارجعوا عنى اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله فرجعوا عنها فلما خرجوا من عندها قام عبد المطلب يدعوا الله ثم غدوا عليها فقالت نعم قد جاءني الخبر كم الدية فيكم قالوا عشر من الابل وكانت كذلك قالت فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الابل ثم اضربوا

[ 5 ]

عليها وعليه بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا في الابل حتى يرضى ربكم وان خرجت على الابل فانحروها فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم فخرجوا حتى قدموا مكة فلما أجمعوا لذلك من الامر قام عبد المطلب يدعو الله ثم قربوا عبد الله وعشرا من الابل * وعبد المطلب في جوف الكعبة عند هبل يدعو فخرج القدح على عبد الله فزادوا عشرا فكانت الابل عشرين وقام عبد المطلب في مكانه ذلك يدعو الله ثم ضربوا فخرج السهم على عبد الله فزادوا عشرا من الابل فكانت ثلاثين ثم لم يزالوا يضربون بالقداح ويخرج القدح على عبد الله فكلما خرج عليه زادوا من الابل عشرا حتى ضربوا عشر مرات وبلغت الابل مائة وعبد المطلب قائم يدعو ثم ضربوا فخرج القدح على الابل فقالت قريش ومن حضر قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب فزعموا ان عبد المطلب قال لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات فضربوا على الابل وعلى عبد الله وقام عبد المطلب يدعو فخرج القدح على الابل ثم عادوا الثانية وعبد المطلب قائم يدعو ثم عادوا الثالثة فضربوا فخرج القدح على الابل فنحرت ثم تركت لا يصد عنها انسان ولا سبع ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد ابنه عبد الله فمر فيما يزعمون على امرأة من بنى أسد يقال لها أم قتال بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى وهى أخت ورقة بن نوفل بن أسد وهى عند الكعبة فقالت له حين نظرت إلى وجهه أين تذهب يا عبد الله قال مع أبى قالت لك عندي مثل الابل التى نحرت عنك وقع على الآن قال ان معى أبى ولا أستطيع خلافه ولا فراقه فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة ووهب يومئذ سيد بنى زهرة سنا وشرفا فزوجه آمنة بنت وهب وهى يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا وهى لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى وبرة لام حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصى وأم حبيب بنت أسد لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب بن لؤى فزعموا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه فوقع عليها فحملت بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم خرج من عندها حتى

[ 6 ]

أتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت فقال لها مالك لا تعرضين على اليوم ما كنت عرضت علي بالامس فقالت له فارقك النور الذى كان معك بالامس فليس لى بك اليوم حاجة وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر واتبع الكتب حتى أدرك فكان فيما طلب من ذلك انه كائن لهذه الامة نبى من بنى اسماعيل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن أبيه اسحاق بن يسار أنه حدث ان عبد الله انما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة وقد عمل في طين له وبه آثار من الطين فدعاها إلى نفسه فأبطأت عليه لما رأت به من آثار الطين فخرج عنها فتوضأ وغسل عنه ما كان به من ذلك وعمد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها فحملت بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم مر بأمرأته تلك فقال هل لك فقالت لا مررت بى وبين عينيك غرة فدعوتني فأبيت ودخلت على آمنة فذهبت بها فزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس قالت فدعوته رجاء أن يكون بى فأبى على ودخل على آمنة بنت وهب فأصابها فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنى على بن حرب الموصلي قال حدثنا محمد بن عمارة القرشى قال حدثنا الزنجي بن خالد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال لها خرج عبد المطلب بعبد الله ليزوجه مر به على كاهنة من خثعم يقال له فاطمة بنت مر متهودة من أهل تبالة قد قرأت الكتب فرأت في وجهه نورا فقالت له يا فتى هل لك أن تقع على الآن وأعطيك مائة من الابل فقال: أما الحرام فالممات دونه * والحل لا حل فأستبينه فكيف بالامر الذى تبغينه ثم قال أنا مع أبى ولا أقدر أن أفارقه فمضى به فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فأقام عندها ثلاثا ثم انصرف فمر بالخثعمية فدعته نفسه إلى ما دعته إليه فقال لها هل لك فيما كنت أردت فقالت يا فتى إنى والله ما أنا بصاحبة ريبة ولكني رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في وأبى الله إلا أن يجعله

[ 7 ]

حيث أراد فما صنعت بعدى قال زوجنى أبى آمنة بنت وهب فأقمت عندها ثلاثا فأنشأت فاطمة بنت مر تقول: إنى رأيت محيلة لمعت * فتلالات بحناتم القطر فلمأتها نورا يضئ له * ما حوله كإضاءة البدر فرجوتها فخرا أبوء به * ما كل قادح زنده يورى لله ما زهرية سلبت * ثوبيك ما استلبت وما تدرى وقالت أيضا: بنى هاشم قد غادرت من أخيكم * أمينة إذ للباه يعتركان كما غادر المصباح عند خموده * فتائل قد ميهت له بدهان وما كل ما يحوى الفتى من تلاده * لعزم ولا ما فاته لتوان فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه * سيكفيكه جدان يعتلجان سيكفيكه إما يد مقفعلة * وإما يد مبسوطة ببنان ولما حوت منه امينة ما حوت * حوت منه فخرا ما لذلك ثان * حدثنى الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا معمر وغيره عن الزهري أن عبد الله بن عبد المطلب كان أجمل رجال قريش فذكر لآمنة بنت وهب جماله وهيئته وقيل لها هل لك أن تزوجيه فتزوجته آمنة بنت وهب فدخل بها وعلقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه أبوه إلى المدينة في ميرة يحمل لهم تمرا فمات بالمدينة فبعث عبد المطلب ابنه الحارث في طلبه حين أبطأ فوجده قد مات * قال الواقدي هذا غلط والمجتمع عليه عندنا في نكاح عبد الله بن عبد المطلب ما حدثنا به عبد الله بن جعفر الزهري عن أم بكر بنت المسور أن عبد المطلب جاء بابنه عبد الله فخطب على نفسه وعلى ابنه فتزوجا في مجلس واحد فتزوج عبد المطلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة وتزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة * قال الحارث

[ 8 ]

قال ابن سعد قال الواقدي والثبت عندنا ليس بين أصحابنا فيه اختلاف أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشأم في عير لقريش فنزل بالمدينة وهو مريض فأقام بها حتى توفى ودفن في دار النابغة وقيل التابعة في الدار الصغرى إذا دخلت الدار عن يسارك ليس بين أصحابنا في هذا اختلاف ابن عبد المطلب وعبد المطلب اسمه شيبة سمى بذلك لانه فيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبيه كان في رأسه شيبة وقيل له عبد المطلب وذلك أن أباه هاشما كان شخص في تجارة له إلى الشأم فسلك طريق المدينة إليها فلما قدم المدينة نزل فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق وفيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبيه وفيما حدثنى الحارث عن محمد بن سعد عن محمد بن عمر ودخل حديث بعضهم في بعض وبعضهم يزيد على بعض على عمرو بن زيد بن لبيد الخزرجي فرأى ابنته سلمى بنت عمرو * وأما ابن حميد فقال في حديثه عن سلمة عن ابن اسحاق سلمى بنت زيد بن عمرو بن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدى بن النجار فأعجبته فخطبها إلى أبيها عمرو فأنكحه إياها وشرط عليه ألا تلد ولدا إلا في أهلها ثم مضى هاشم لوجهته قبل أن يبنى بها ثم انصرف راجعا من الشأم فبنى بها في أهلها بيثرب فحملت منه ثم ارتحل إلى مكة وحملها معه فلما أثقلت ردها إلى أهلها ومضى إلى الشأم فمات بها بغزة فولدت له سلمى عبد المطلب فمكث بيثرب سبع سنين أو ثمانى سنين ثم إن رجلا من بنى الحارث بن عبد مناة مر بيثرب فإذا غلمان ينتضلون فجعل شيبة إذا خسق قال أنا ابن هاشم أنا ابن سيد البطحاء فقال له الحارثى من أنت قال أنا شيبة بن هاشم ابن عبد مناف فلما أتى الحارثى مكة قال للمطلب وهو جالس في الحجر يا أبا الحارث تعلم أنى وجدت غلمانا ينتضلون بيثرب وفيهم غلام إذا خسق قال أنا ابن هاشم أنا ابن سيد البطحاء فقال المطلب والله لا ارجع إلى أهلى حتى آتى به فقال له الحارثى هذه ناقتي بالفناء فاركبها فجلس المطلب عليها فورد يثرب عشاء حتى أتى بنى عدى بن النجار فإذا غلمان يضربون كرة بين ظهرى مجلس فعرف ابن أخيه

[ 9 ]

فقال للقوم أهذا ابن هاشم قالوا نعم هذا ابن أخيك فإن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به أمه فإنها ان علمت لم تدعه وحلنا بينك وبينه فدعاه فقال يا ابن أخى أنا عمك وقد أردت الذهاب بك إلى قومك وأناخ راحلته فما كذب أن جلس على عجز الناقة فانطلق به ولم تعلم به أمه حتى كان الليل فقامت تدعو بحربها على ابنها فأخبرت أن عمه ذهب به وقدم به المطلب ضحوة والناس في مجالسهم فجعلوا يقولون من هذا وراءك فيقول عبد لى حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم فقالت من هذا قال عبد لى ثم خرج المطلب حتى أتى الحزورة فاشترى حلة فألبسها شيبة ثم خرج به حين كان العشى إلى مجلس بنى عبد مناف فجعل بعد ذلك يطوف في سكك مكة في تلك الحلة فيقال هذا عبد المطلب لقوله وهذا عبدى حين سأله قومه فقال المطلب عرفت شيبة والنجار قد جعلت * أبناؤها حوله بالنبل تنتضل وقد حدثنى هذا الحديث على بن حرب الموصلي قال حدثنى أبو معن عيسى من ولد كعب بن مالك عن محمد بن أبى بكر الانصاري عن مشايخ الانصار قالوا تزوج هاشم بن عبد مناف امرأة من بنى عدى بن النجار ذات شرف تشرط على من خطبها المقام بدار قومها فتزوجت بهاشم فولدت له شيبة الحمد فربى في أخواله مكرما فبينا هو يناضل فتيان الانصار إذا أصاب خصلة فقال أنا ابن هاشم وسمعه رجل مجتاز فلما قدم مكة قال لعمه المطلب بن عبد مناف قد مررت بدار بنى قيلة فرأيت فتى من صفته ومن صفته يناضل فتيانهم فاعتزى إلى إخيك وما ينبغى ترك مثله في الغربة فرحل المطلب على ورد المدينة فأراده على الرحلة فقال ذاك إلى الوالدة فلم يزل بها حتى أذنت له وأقبل به قد أردفه فإذا لقيه اللاقى وقال من هذا يا مطلب قال عبد لى فسمى عبد المطلب فلما قدم مكة وقفه على ملك أبيه وسلمه إليه فعرض له نوفل بن عبد مناف في ركح له فاغتصبه إياه فمشى عبد المطلب إلى رجالات قومه فسألهم النصرة على عمه فقالوا لسنا بداخلين بينك وبين عمك فلما رأى ذلك كتب إلى أخواله يصف لهم حال نوفل وكتب في كتابه

[ 10 ]

أبلغ بنى النجار إن جئتهم * أنى منهم وابنهم والخميس رأيتهم قوما إذا جئتهم * هووا لقائي وأحبوا حسيس فإن عمى نوفلا قد أبى * إلا التى يغضى عليها الخسيس قال فخرج أبو أسعد بن عدس النجارى في ثمانين راكبا حتى أتى الابطح وبلغ عبد المطلب فخرج يتلقاه فقال المنزل يا خال فقال اما حتى ألقى نوفلا فلا قال تركته جالسا في الحجر في مشايخ قريش فأقبل حتى وقف على رأسه ثم استل سيفه ثم قال ورب هذه البنية لتردن على ابن أختنا ركحه أو لاملان منك السيف قال فإنى ورب هذه البنية أرد ركحه فاشهد عليه من حضر ثم قال المنزل يا ابن أختى فأقام عنده ثلاثا وأعتمر وأنشأ عبد المطلب يقول تأبى مازن وبنو عدى * ودينار بن تيم اللات ضيمي وسادة مالك حتى تناهى * ونكب بعد نوفل عن حريمي بهم رد الاله على ركحى * وكانوا في التنسب دون قومي وقال في ذلك سمرة بن عمير أبو عمرو الكنانى لعمري لاخوال لشيبة قصرة * من اعمامه دنيا أبر وأوصل أجابوا على بعد دعاء ابن أختهم * ولم يثنهم إذ جاوز الحق نوفل جزى الله خيرا عصبة خزرجية * تواصوا على بر وذو البر أفضل قال فلما رأى ذلك نوفل حالف بنى عبد شمس كلها على بنى هاشم قال محمد بن أبى بكر فحدثت بهذا الحديث موسى بن عيسى فقال يا ابن أبى بكر هذا شئ ترويه الانصار تقربا إلينا إذ صير الله الدولة فينا عبد المطلب كان أعز في قومه من أن يحتاج إلى أن تركب بنو النجار من المدينة إليه قلت أصلح الله الامير قد احتاج إلى نصرهم من كان خيرا من عبد المطلب قال وكان متكئا فجلس مغضبا وقال من خير من عبد المطلب قلت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال صدقت وعاد إلى مكانه وقال لبنيه اكتبوا هذا الحديث من أبى بكر * وقد حدثت هذا الحديث في أمر عبد المطلب وعمه نوفل بن عبد مناف عن هشام

[ 11 ]

ابن محمد عن أبيه قال حدثنا زياد بن علاقة التغلبي وكان قد أدرك الجاهلية قال كان سبب بدء الحلف الذى كان بين بنى هاشم وخزاعة الذى افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه مكة وقال لتنصب هذه السحابة بنصر بنى كعب أن نوفل بن عبد مناف وكان آخر من بقى من بنى عبد مناف ظلم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له وهى الساحات وكانت أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو النجارية من الخزرج قال فتنصف عبد الملك عمه فلم ينصفه فكتب إلى أخواله يا طول ليلى لاحزاني وأشغالي * هل من رسول إلى النجار أخوالى ينبى عديا ودينارا ومازنها * ومالكا عصمة الجيران عن حالى قد كنت فيكم ولا أخشى ظلامة ذى * ظلم عزيزا منيعا ناعم البال حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني * عن ذاك مطلب عمى بترحال وكنت ما كان حيا ناعما جذلا * أمشى العرضنة سحابا لاذيالي فغاب مطلب في قعر مظلمة * وقام نوفل كى يعدو على مالى أأن رأى رجلا غابت عمومته * وغاب أخواله عنه بلا وال أنحى عليه ولم يحفظ له رحما * ما أمنع المرء بين العم والخال فاستنفروا امنعوا ضيم ابن أختكم * لا تخذلوه وما أنتم بخذال ما مثلكم في بنى قحطان قاطبة * حى لجار وإنعام وإفضال أنتم ليان لمن لانت عريكته * سلم لكم وسمام الابلخ الغالى قال فقدم عليه منهم ثمانون راكبا فأناخوا بفناء الكعبة فلما رآهم نوفل بن عبد مناف قال لهم أنعموا صباحا فقالوا له لا نعم صباحك أيها الرجل انصف ابن أختنا من ظلامته قال أفعل بالحب لكم والكرامة فرد عليه الاركاح وأنصفه قال فانصرفوا عنه إلى بلادهم قال فدعا ذلك عبد المطلب إلى الحلف فدعا عبد المطلب بسر بن عمرو وورقاء بن فلان ورجالا من رجالات خزاعة فدخلوا الكعبة

[ 12 ]

وكتبوا كتابا * وكان إلى عبد المطلب بعد مهلك عمه المطلب بن عبد مناف ما كان إلى من قبله من بنى عبد مناف من أمر السقاية والرفادة وشرف في قومه وعظم فيهم خطره فلم يكن يعدل به منهم أحد وهو الذى كشف عن زمزم بئر اسماعيل ابن ابراهيم واستخرج ما كان فيها مدفونا وذلك غزالان من ذهب كانت جرهم دفنتهما فيما ذكر حين أخرجت من مكة وأسياف قلعية وأدراع فجعل الاسياف بابا للكعبة وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب فكان أول ذهب حليته فيما قيل الكعبة وكانت كنية عبد المطلب أبا الحارث كنى بذلك لان الاكبر من ولده الذكور كان اسمه الحارث وهو شيبة ابن هاشم واسم هاشم عمرو وإنما قيل له هاشم لانه أول من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه وله يقول مطرود بن كعب الخزاعى وقال ابن الكلبى انما قاله ابن الزبعرى عمرو الذى هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف ذكر أن قومه من قريش كانت أصابتهم لزبة وقحط فرحل إلى فلسطين فاشترى منها الدقيق فقدم به مكة فأمر به فخبز له ونحر جزورا ثم اتخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز * وذكر أن هاشما هو أول من سن الرحلتين لقريش رحلة الشتاء والصيف * وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه قال كان هاشم وعبد شمس وهو أكبر ولد عبد مناف والمطلب وكان أصغرهم أمهم عاتكة بنت مرة السلمية ونوفل وأمه واقدة بنت عبد مناف فسادوا بعد أبيهم جميعا وكان يقال لهم المجبرون قال ولهم يقال يا أيها الرجل المحول رحله * ألا نزلت بآل عبد مناف فكانوا أول من أخذ لقريش العصم فانتشروا من الحرم أخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الشام الروم وغسان وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي الاكبر فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة وأخذ لهم نوفل حبلا من الاكاسرة فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس وأخذ لهم المطلب

[ 13 ]

حبلا من ملوك حمير فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن فجبر الله بهم قريشا فسموا المجبرين * وقيل إن عبد شمس وهاشما توأمان وإن أحدهما ولد قبل صاحبه وأصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت عنها فسال من ذلك دم فتطير من ذلك فقيل تكون بينهما دماء وولى هاشم بعد أبيه عبد مناف السقاية والرفادة * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال حدثنى معروف بن الخربوذ المكى قال حدثنى رجل من آل عدى بن الخيار بن عدى بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه قال وقال وهب بن عبد قصى في ذلك يعنى في إطعام هاشم قومه الثريد تحمل هاشم ما ضاق عنه * وأعيا أن يقوم به ابن بيض أتاهم بالغرائر متأقات * من ارض الشأم بالبر النفيض فأوسع أهل مكة من هشيم * وشاب الخبز باللحم الغريض فظل القوم بين مكللات * من الشيزى وحائرها يفيض قال فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان ذا ما فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه فشمت به ناس من قريش فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة فكره هاشم ذلك لسنه وقدره ولم تدعه قريش واحفظوه قال فانى أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ببطن مكة والجلاء عن مكة عشر سنين فرضى بذلك أمية وجعلا بينهما الكاهن الخزاعى فنفر هاشما عليه فأخذ هاشم الابل فنحرها وأطعمها من حضره وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد ابن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال أخبرني رجل من بنى كنانة يقال له ابن أبى صالح ورجل من أهل الرقة مولى لبنى أسد وكان عالما قالا تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب ابن أمية إلى النجاشي الحبشى فأبى أن ينفر بينهما فجعل بينهما نفيل ابن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب فقال لحرب يا أبي عمرو أتنافر رجلا هو أطول منك قامة وأعظم منك هامة وأوسم منك وسامة وأقل منك لامة وأكثر منك ولدا وأجزل منك صفدا وأطول

[ 14 ]

منك مذودا فنفره عليه فقال حرب إن من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما * فكان أول من مات من ولد عبد مناف ابنه هاشم مات بغزة من أرض الشأم ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق ثم مات المطلب بردمان من أرض اليمن وكانت الرفادة والسقاية بعد هاشم إلى أخيه المطلب ابن عبد مناف واسمه المغيرة وكان يقال له القمر من جماله وحسنه وكان قصى يقول فيما زعموا ولد لى أربعة فسميت اثنين بصنمى وواحدا بدارى وواحدا بنفسى وهم عبد مناف وعبد العزى ابنا قصى وعبد العزى والد أسد وعبد الدار بن قصى وعبد قصى ابن قصى درج ولده وبرة بنت قصى أمهم جميعا حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة * وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه قال وكان يقال لعبد مناف القمر واسمه المغيرة وكانت أمه حتى دفعته إلى مناف وكان أعظم أصنام مكة تدينا بذلك فغلب عليه عبد مناف وهو كما قيل له كانت قريش بيضة فتفلقت * فالمخ خالصة لعبد مناف ابن قصى وقصى اسمه زيد وإنما قيل له قصى لان أباه كلاب بن مرة كان تزوج أم قصى فاطمة بنت سعد بن سيل واسم سيل خير بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر ابن عمرو بن جعثمة بن يشكر من أزد شنوءة حلفاء في بنى الديل فولدت لكلاب زهرة وزيدا فهلك كلاب وزيد صغير وقد شب زهرة وكبر فقدم ربيعة بن حرام ابى ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد بن زيد أحد قضاعة فتزوج فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه فاطمة أم زهرة وقصى وزهرة رجل قد بلغ وقصى فطيم أو قريب من ذلك فاحتملها إلى بلاده من أرض بنى عذرة من أشراف الشأم فاحتملت معها قصيا

[ 15 ]

لصغره وتخلف زهرة في قومه فولدت فاطمة بنت سعد بن سيل لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة فكان أخاه لامه وكان لربيعة بن حرام ثلاثة نفر من امرأة أخرى وهم حن بن ربيعة ومحمود بن ربيعة وجلهمة بن ربيعة وشب زيد في حجر ربيعة فسمى زيد قصيا لبعد داره عن دار قومه ولم يبرح زهرة مكة فبينا قصى بن كلاب بأرض قضاعة لا ينتمى فيما يزعمون إلا إلى ربيعة بن حزام إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شئ وقد بلغ قصى وكان رجلا شابا فأنبه القضاعى بالغربة وقال له ألا تلحق بقومك ونسبك فانك لست منا فرجع قصى إلى أمه وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعى فسألها عما قال له ذلك الرجل فقالت له أنت والله يا بنى أكرم منه نفسا ووالدا أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة القرشى وقومك بمكة عند البيت الحرام وفيما حوله فأجمع قصى الخروج إلى قومه واللحوق بهم وكره الغربة بأرض قضاعة فقالت له أمه يا بنى لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام فتخرج في حاج العرب فإنى أخشى عليك أن يصيبك بعض البأس فأقام قصى حتى إذا دخل الشهر الحرام خرج حاج قضاعة فخرج فيهم حتى قدم مكة فلما فرغ من الحج أقام بها وكان رجلا جليدا نسيبا فخطب إلى حليل بن حبشية الخزاعى ابنته حبى بنت حليل فعرف حليل النسب ورغب فيه فزوجه وحليل يومئذ فيما يزعمون يلى الكعبة وأمر مكة (فأما ابن اسحاق) فانه قال في خبره فأقام قصى معه يعنى مع حليل وولدت له ولده عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبد ابني قصى فلما انتشر ولده وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل بن حبشية فرأى قصى أنه أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وبنى بكر وأن قريشا فرعة اسماعيل بن ابراهيم وصريح ولده فكلم رجالا من قريش وبنى كنانة ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبنى بكر من مكة فلما قبلوا منه ما دعاهم إليه وبايعوه عليه كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة ابن حرام وهو ببلاد قومه يدعوه إلى نصرته والقيام معه فقام رزاح بن ربيعة في قضاعة فدعاهم إلى نصر أخيه والخروج معه إليه فأجابوه إلى ما دعاهم من ذلك

[ 16 ]

وقال هشام في خبره قدم قصى على أخيه زهرة وقومه فلم يلبث أن ساد وكانت خزاعة بمكة أكثر من بنى النضر فاستنجد قصى أخاه رزاحا وله ثلاثة أخوة من أبيه من امرأة أخرى فأقبل بهم وبمن أجابه من احياء قضاعة ومع قصى قومه بنو النضر فنفوا خزاعة فتزوج قصى حبى بنت حليل بن أحبشية من خزاعة فولدت له أولاده الاربعة وكان حليل آخر من ولى البيت فلما ثقل جعل ولاية البيت إلى ابنته حبى فقالت قد علمت أنى لا أقدر على فتح الباب واغلاقه قال فانى أجعل الفتح والاغلاق إلى رجل يقوم لك به فجعله إلى أبى غبشان وهو سليم بن عمرو بن بوى بن ملكان بن أفصى فاشترى قصى ولاية البيت منه بزق خمر وبعود فلما رأت ذلك خزاعة كثروا على قصى فاستنصر أخاه فقاتل خزاعة فبلغنا والله أعلم أن خزاعة أخذتها العدسة حتى كادت تفنيهم فلما رأت ذلك جلت عن مكة فمنهم من وهب مسكنه ومنهم من باع ومنهم من أسكن فولى قصى البيت وأمر مكة والحكم بها وجمع قبائل قريش فأنزلهم أبطح مكة وكان بعضهم في الشعاب ورؤوس جبال مكة فقسم منازلهم بينهم فسمى مجمعا وله يقول مطرود وقيل ان قائله حذافة بن غانم أبوكم قصى كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر وملكه قومه عليهم (وأما ابن اسحاق) فانه ذكر أن رزاحا أجاب قصيا إلى ما دعاه إليه من نصرته وخرج إلى مكة مع إخوته الثلاثة ومن تبعه لذلك من قضاعة في حاج العرب وهم مجمعون لنصر قصى والقيام معه قال وخزاعة تزعم أن حليل ابن حبشية أوصى بذلك قصيا وأمره به حين انتشر له من ابنته من الاولاد ما انتشر وقال أنت أولى بالكعبة والقيام عليها وبأمر مكة من خزاعة فعند ذلك طلب قصى ما طلب فلما اجتمع الناس بمكة وخرجوا إلى الموقف وفرغوا من الحج ونزلوا منى وقصى مجمع لما أجمع له ومن تبعه من قومه من قريش وبنى كنانة ومن معه من قضاعة ولم يبق الا أن ينفروا للصدر وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفة وتجيزهم إذا نفروا من منى إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار ورجل من صوفة

[ 17 ]

يرمى للناس لا يرمون حتى يرمى فكان ذوو الحاجات المعجلون يأتونه فيقولون له قم فارم حتى نرمى معك فيقول لا والله حتى تميل الشمس فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجيل يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك ويقولون ويلك قم فارم فيأبى عليهم حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق هذا الحديث عن يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه عباد فإذا فرغوا من رمى الجمار وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بناحيتي العقبة فحبسوا الناس وقالوا أجيزى صوفة فلم يحز أحد من الناس حتى أنفذوا فإذا نفرت صوفة ومضت خلى سبيل الناس فانطلقوا بعدهم فلما كان ذلك العام فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل قد عرفت ذلك لها العرب وهو دين في أنفسهم في عهد جرهم وخزاعة وولايتهم أتاهم قصى بن كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة فقالوا نحن أولى بهذا منكم فناكروه فناكرهم فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدا ثم انهزمت صوفة وغلبهم قصى على ما كان بأيديهم من ذلك وحال بينهم وبينه قال وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصى بن كلاب وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم وثبت معه أخوه رزاح بن ربيعة بمن معه من قومه من قضاعة وخرجت لهم خزاعة وبنو بكر وتهيئوا لحربهم والتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى من الفريقين جميعا وفشت فيهم الجراحة ثم إنهم تداعوا إلى الصلح وإلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب فيما اختلفوا فيه ليقضى بينهم فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن ليث ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وأن كل دم أصابه قصى من خزاعة وبنى بكر موضوع يشدخه تحت قدميه وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وبنى كنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة وأن يخلى بين قصى بن كلاب وبين الكعبة ومكة فسمى يعمر بن عوف يومئذ الشداخ لما شدخ من الدماء ووضع منها فولى قصى البيت وأمر مكة

[ 18 ]

جميع قومه من منازلهم إلى مكة وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه فكان قصى أول ولد كعب بن لؤى أصاب ملكا أطاع له به قومه فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف مكة كله وقطع مكة أرباعا بين قومه فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التى أصبحوا عليها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال ويزعم الناس أن قريشا هابت قطع شجر الحرم في منازلهم فقطعها قصى بيده وأعانوه فسمته العرب مجمعا لما جمع من أمرها وتيمنت بامره فما تنكح امرأة ولا رجل من قريش الا في دار قصى ابن كلاب وما يتشاورون في أمر ينزل بهم إلا في داره ولا يعقدون لواء الحرب قوم من غيرهم الا في داره يعقدها لهم بعض ولده وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش الا في داره يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه ثم ينطلق بها إلى أهلها فكان أمره في قومه من قريش في حياته وبعد موته كالدين المتسع لا يعمل بغيره تمينا بامره ومعرفة بفضله وشرفه واتخذ قصى لنفسه دار الندوة وجعل بابها إلى مسجد الكعبة ففيها كانت قريش تقضى أمورها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عبد الملك بن راشد عن أبيه قال سمعت السائب بن خباب صاحب المقصورة يحدث أنه سمع رجلا يحدث عمر بن الخطاب وهو خليفة حديث قصى بن كلاب هذا وما جمع من أمر قومه واخراجه خزاعة وبنى بكر من مكة وولايته البيت وأمر مكة فلم يردد ذلك عليه ولم ينكره قال فاقام قصى بمكة على شرفه ومنزلته في قومه لا ينازع في شئ من أمر مكة إلا أنه قد أقر للعرب في شأن حجهم ما كانوا عليه وذلك لانه كان يراه دينا في نفسه لا ينبغى له تغييره وكانت صوفة على ما كانت عليه حتى انقرضت صوفة فصار ذلك من أمرهم إلى آل صفوان بن الحارث بن شجنة وراثة وكانت عدوان على ما كانت عليه وكانت النسأة من بنى مالك بن كنانة على ما كانوا عليه ومرة بن عوف على ما كانوا عليه فلم يزالوا على ذلك حتى قام الاسلام فهدم الله به ذلك كله وابتنى قصى دارا بمكة وهى دار الندوة وفيها كانت قريش تقضى أمورها فلما كبر قصى

[ 19 ]

ورق وكان عبد الدار بكره هو كان أكبر ولده وكان فيما يزعمون ضعيفا وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه وذهب كل مذهب وعبد العزى بن قصى وعبد ابن قصى فقال قصى لعبد الدار فيما يزعمون أما والله لالحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها ولا يعقد لقريش لواء لحربهم الا أنت بيدك ولا يشرب رجل بمكة ماء إلا من سقايتك ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما الا من طعامك ولا تقطع قريش أمورها إلا في دارك فاعطاه داره دار الندوة التى لا تقضى قريش أمرا الا فيها وأعطاه الحجابة واللواء والندوة والسقاية والرفادة وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصى بن كلاب فيصنع به طعاما للحاج يأكله من لم يكن له سعة ولا زاد ممن يحضر الموسم وذلك أن قصيا فرضه على قريش فقال لهم حين أمرهم به يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرام وأن الحاج ضيف الله وزوار بيته وهم أحق الضيف بالكرامة فاجعلوا لهم شرابا وطعاما أيام هذا الحج حتى يصدروا عنكم ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم فيدفعونه إليه فيصنعه طعاما للناس أيام منى فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهلية حتى قام الاسلام ثم جرى في الاسلام إلى يومك هذا فهو الطعام الذى يصنعه السلطان كل عام بمنى حتى ينقضى الحج * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى من أمر قصى ابن كلاب وما قال لعبد الدار فيما دفع إليه ابن اسحاق بن يسار عن أبيه عن الحسن ابن محمد بن على بن أبي طالب قال سمعته يقول ذلك لرجل من بنى عبد الدار يقال له نبيه بن وهب بن عامر بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قال الحسن بن محمد فجعل إليه قصى ما كان بيده من أمر قومه كله وكان قصى لا يخالف ولا يرد شئ صنعه ثم إن قصيا هلك فأقام أمره في قومه من بعده بنوه ابن كلاب وأم كلاب فيما ذكر هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة له اخوان من أبيه من غير أمه وهما تيم ويقظة أمهما فيما قال

[ 20 ]

هشام بن الكلبى أسماء بنت عدى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن بارق وأما ابن اسحاق فإنه قال أمهما هند بنت حارثة البارقية قال ويقال بل يقظة لهند بنت سرير أم كلاب ابن مرة وأم مرة وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة وأخواه لابيه وأمه عدى وهصيص وقيل إن أم هؤلاء الثلاثة مخشية وقيل إن أم مرة وهصيص مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر وأم عدى رقاش بنت ركبة بن نائلة بن كعب بن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان ابن كعب وأم كعب ماوية فيما قال ابن اسحاق وابن الكلبى ماوية بنت كعب بن القين ابن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة وله اخوان من أبيه وأمه أحدهما يقال له عامر والآخر سامة وهم بنو ناجية ولهم من أبيهم أخ قد انتمى ولده إلى غطفان ولحقوا بهم كان يقال له عوف أمه الباردة بنت عوف بن غنم بن عبد الله بن غطفان ذكر أن الباردة لما مات لؤى بن غالب خرجت بابنها عوف إلى قومها فتزوجها سعد بن ذبيان بن بغيض فتبنى عوفا وفيه يقول فيما ذكر فزارة بن ذبيان عرج على ابن لؤى جملك * تركك القوم ولا منزل لك ولكعب اخوان آخران أيضا من أبيه من غير أمه أحدهما خزيمة وهو عائذة قريش وعائذة أمه وهى عائذة بنت الخمس بن قحافة من خثعم والآخر سعد ويقال له بنانة وبنانة أمهم فاهل البادية منهم اليوم فيما قيل في بنى أسعد بن همام في بنى شيبان بن ثعلبة وأهل الحاضرة ينتمون إلى قريش ابن لؤى وأم لؤى فيما قال هشام عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة وهى أول العواتك اللاتى ولدن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش وله أخوان من

[ 21 ]

أبيه وأمه يقال لاحدهما تيم وهو الذى كان يقال له تيم الادرم والدرم نقصان في الذقن قيل إنه كان ناقص اللحى وقيس قيل لم يبق من قيس أخى لؤى أحد وأن آخر من كان بقى منهم رجل هلك في زمان خالد بن عبد الله القسرى فبقى ميراثه لا يدرى من يستحقه وقد قيل إن أم لؤى واخوته سلمى بنت عمرو بن ربيعة وهو لحى ابن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء من خزاعة ابن غالب وأم غالب ليلى بنت الحارثة بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة واخوته من أبيه وأمه الحارث ومحارب وأسد وعوف وجون وذئب وكانت محارب والحارث من قريش الظواهر فدخلت الحارث الابطح ابن فهر وفهر فيما حدثت عن هشام بن محمد أنه قال هو جماع قريش قال وأمه جندلة بنت عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمى وقال ابن اسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق أمه جندلة بنت الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمى وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يقول فيما ذكر عنه أمه سلمى بنت أد بن طابخة بن الياس بن مضر وقيل إن أمه جميلة بنت عدوان من بارق من الازد وكان فهر في زمانه رئيس الناس بمكة فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق في حربهم حسان بن عبد كلال بن مثوب ذى حرث الحميرى وكان حسان فيما قيل أقبل من اليمن مع حمير وقبائل من اليمن عظيمة يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن ليجعل حج الناس عنده ببلاده فأقبل حتى نزل بنخلة فأغار على سرح الناس ومنع الطريق وهاب أن يدخل مكة فلما رأت ذلك قريش وقبائل كنانة وخزيمة وأسد وجذام ومن كان معهم من افناء مضر خرجوا إليه ورئيس الناس يومئذ فهر بن مالك فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمت حمير وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير أسره الحارث بن فهر وقتل في المعركة فيمن قتل من الناس ابن ابنه قيس بن غالب بن فهر وكان حسان عندهم بمكة أسيرا ثلاث سنين حتى افتدى منهم نفسه

[ 22 ]

فخرج به فمات بين مكة واليمن ابن مالك وأمه عكرشة بنت عدوان وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان في قول هشام * وأما ابن اسحاق فإنه قال أمه عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان وقيل إن عكرشة لقب عاتكة بنت عدوان واسمها عاتكة وقيل إن أمه هند بنت فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان وكان لمالك اخوان يقال لاحدهما يخلد فدخلت يخلد في بنى عمرو بن الحارث بن مالك بن كنانة فخرجوا من جماع قريش والاخر منهما يقال له الصلت لم يبق من ذريته أحد وقيل سميت قريش قريشا بقريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة وبه سميت قريش قريشا لان عير بنى النضر كانت إذا قدمت قالت العرب قد جاءت عير قريش قالوا وكان قريش هذا دليل بنى النضر في أسفارهم وصاحب ميرتهم وكان له ابن يسمى بدرا احتفر بدرا قالوا فبه سميت البئر التى تدعى بدرا بدرا * وقال ابن الكلبى إنما قريش جماع نسب ليس بأب ولا أم ولا حاضن ولا حاضنة وقال آخرون إنما سمى بنو النضر بن كنانة قريشا لان النضر بن كنانة خرج يوما على نادى قومه فقال بعضهم لبعض انظروا إلى النضر كأنه جمل قريش وقيل إنما سميت قريش قريشا بدابة تكون في البحر تأكل دواب البحر تدعى القرش فشبه بنو النضر بن كنانة بها لانها أعظم دواب البحر قوة وقيل إن النضر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس فيسدها بماله والقرش فيما زعموا التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدونها بما يبلغهم واستشهدوا لقولهم إن التقريش هو التفتيش بقول الشاعر أيها الناطق المقرش عنا * عند عمرو فهل لهن انتهاء وقيل ان النضر بن كنانة كان اسمه قريشا وقيل بل لم تزل بنو النضر بن كنانة يدعون بنى النضر حتى جمعهم قصى بن كلاب فقيل لهم قريش من أجل أن التجمع هو التقرش فقالت العرب تقرش بنو النضر أي قد تجمعوا وقيل إنما

[ 23 ]

قيل قريش من أجل أنها تقرشت عن الغارات * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير متى سميت قريش قريشا قال حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها فذلك التجمع التقرش فقال عبد الملك ما سمعت هذا ولكن سمعت ان قصيا كان يقال له القرشى ولم تسم قريش قبله * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال لما نزل قصى الحرم وغلب عليه فعل أفعالا جميلة فقيل له القرشى فهو أول من سمى به * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد ابن عمر قال حدثنى أبو بكر بن أبى سبرة عن أبى بكر بن عبيد الله بن أبى جهم قال النضر بن كنانة كان يسمى القرشى * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال: قال محمد بن عمرو قصى أحدث وقود النار بالمزدلفة حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة فلم تزل تلك النار تلك الليلة في الجاهلية * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال فأخبرني كثير بن عبد الله المزني عن نافع عن ابن عمر قال كانت تلك النار توقد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان قال محمد بن عمر وهى توقد إلى اليوم ابن النضر واسم النضر قيس وأمه برة بنت مر بن أد بن طابخة وإخوته لابيه وأمه نضير ومالك وملكان وعامر والحارث وعمرو وسعد وعوف وغنم ومخرمة وجرول وغزوان وحدال وأخوهم من أبيهم عبد مناة وأمه فكيهة وقيل فكهة وهى الذفراء بنت هنى بن بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة وأخو عبد مناة لامه على بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدى بن عمرو بن مازن الغساني

[ 24 ]

وكان عبد مناة بن كنانة تزوج هند بنت بكر بن وائل فولدت له ولده ثم خلف عليها أخوه لامه على بن مسعود فولدت له فحضن على بنى أخيه فنسبوا إليه فقيل لبنى عبد مناة بنو على وإياهم عنى الشاعر بقوله لله در بنى على * أيم منهم وناكح وكعب بن زهير بقوله صدموا عليا يوم بدر صدمة * دانت على بعدها لنزار ثم وثب مالك بن كنانة على على بن مسعود فقتله فوداه أسد بن خزيمة ابن كنانة وأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان وقد قيل إن أمه هند بنت عمرو بن قيس واخوته من أبيه أسد وأسدة يقال إنه أبو جذام والهون وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة وهى أم النضر بن كنانة خلف عليها بعد أبيه ابن خزيمة وأمه سلمى بنت أسلم بن الحاف بن قضاعة وأخوه لابيه وأمه هذيل وأخوهما لامه ما تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وقد قيل إن أم خزيمة وهذيل سلمى بنت أسد بن ربيعة ابن مدركة واسمه عمرو وأمه خندف وهى ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وأمها ضرية بنت ربيعة بن نزار قيل بها سمى حمى ضرية وإخوة مدركة لابيه وأمه عامر وهو طابخة وعمير وهو قمعة ويقال إنه أبو خزاعة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحق أنه قال أم بنى الياس خندف وهى امرأة من أهل اليمن فغلبت على نسب بنيها فقيل بنو خندف قال وكان اسم مدركة عامرا واسم طابخة عمرا قال وزعموا انهما كانا في إبل لهما يرعيانها فاقتنصا صيدا فقعدا عليه يطبخانه وعدت عادية على إبلهما فقال عامر لعمرو أتدرك الابل أو تطبخ هذا الصيد فقال عمرو بل أطبخ الصيد فلحق عامر الابل فجاء بها فلما راحا على

[ 25 ]

أبيهما فحدثاه شأنهما قال لعامر أنت مدركة وقال لعمرو أنت طابخة * وحدثت عن هشام بن محمد قالوا خرج إلياس في نجعة له فنفرت إبله من أرنب فخرج إليها عمرو فادركها فسمى مدركة وأخذها عامر فطبخها فسمى طابخة وانقمع عمير في الخباء فلم يخرج فسمى قمعة وخرجت أمهم تمشى فقال لها الياس اين تخندفين فسميت خندف والخندفة ضرب من المشى قال وقال قصى بن كلاب * أمهتى خندف وإلياس أبى * قال وقال الياس لعمرو ابنه * إنك قد أدركت ما طلبتا * ولعامر * وأنت قد أنضجت ما طبختا، ولعمير * وأنت قد أسأت وانقمعتا * ابن إلياس وأمه الرباب بنت حيدة بن معد وأخوه لابيه وأمه الياس وهو عيلان وسمى عيلان فيما ذكر لانه كان يعاتب على جوده فيقال له لتغلبن عليك العيلة يا عيلان فلزمه هذا الاسم وقيل بل سمى عيلان بفرس كانت له تدعى عيلان وقيل سمى بذلك لانه ولد في جبل يسمى عيلان وقيل سمى بذلك لانه حضنه عبد لمضر يدعى عيلان ابن مضر وأمه سودة بنت عك وأخوه لابيه وأمه إياد ولهما اخوان من أبيهما من غير أمهما وهما ربيعة وإنمار أمهما جدالة بنت وعلان بن جوشم بن جلهمة بن عمرو من جرهم وذكر بعضهم أن نزار بن معد لما حضرته الوفاة أوصى بنيه وقسم ماله بينهم فقال يا بنى هذه القبة وهى قبة من أدم حمراء وما أشبهها من مالى لمضر فسمى مضر الحمراء وهذا الخباء الاسود وما أشبهه من مالى لربيعة فخلف خيلا دهما فسمى الفرس وهذه الخادم وما أشبهها من مالى لاياد وكانت شمطاء فأخذ البلق والنقد من غنمه وهذه البدرة والمجلس لانمار يجلس فيه فيأخذ إنمار ما أصابه فإن أشكل عليكم في ذلك شئ واختلفتم في القسمة فعليكم بالافعى الجرهمى فاختلفوا في القسمة فتوجهوا إلى الافعى فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ

[ 26 ]

رأى مضر كلا قد رعى فقال إن البعير الذى رعى هذا الكلا لاعور وقال ربيعة هو أزور وقال أياد هو أبتر وقال إنما هو شرود فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل توضع به راحلته فسألهم عن البعير فقال مضر هو أعور قال نعم قال ربيعة هو أزور قال نعم قال إياد هو أبتر قال نعم قال إنما هو شرود قال نعم قال هذه صفة بعيرى دلوني عليه فحلفوا له ما رأوه فلزمهم وقال كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيرى بصفته فساروا جميعا حتى قدموا نجران فنزلوا بالافعى الجرهمى فنادى صاحب البعير هؤلاء أصحاب بعيرى وصفوا لى صفته ثم قالوا لم نره فقال الجرهمى كيف وصفتموه ولم تروه فقال مضر رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور وقال ربيعة رأيت إحدى يده ثابتة الاثر والاخرى فاسدة الاثر فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره وقال إياد عرفت انه أبتر باجتماع بعره ولو كان ذبالا لمصع به وقال إنمار انما عرفت انه شرود لانه يرعى المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان آخر أرق منه نبتا وأخبث فقال الجرهمى ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه ثم سألهم من هم فأخبروه فرحب بهم فقال أتحتاجون إلى وأنتم كما أرى فدعا لهم بطعام فأكلوا وأكل وشربوا وشرب فقال مضر لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر وقال ربيعة لم أر كاليوم لحما اطيب لولا أنه ربى بلبن كلب وقال إياد لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه لغير أبيه الذى يدعى له وقال إنما لم أر كاليوم قط كلاما أنفع في حاجتنا وسمع الجرهمى الكلام فتعجب لقولهم وأتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل بها فوطئها فحملت به وسأل القهرمان عن الخمر فقال من حبلة غرستها على قبر أبيك وسأل الراعى عن اللحم فقال شاة أرضعتها لبن كلبة ولم يكن ولد في الغنم شاة غيرها فقيل لمضر من أين عرفت الخمر ونباتها على قبر قال لانه أصابني عليها عطش شديد وقيل لربيعة بم عرفت فذكر كلاما فأتاهم الجرهمى فقال صفوا لى صفتكم فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم فقضى بالقبة الحمراء والدنانير والابل وهى حمر لمضر وقضى بالخباء الاسود

[ 27 ]

وبالخيل الدهم لربيعة وقضى بالخادم وكانت شمطاء وبالخيل البلق لاياد وقضى بالارض والدراهم لانمار ابن نزار وقيل إن نزار كان يكنى أبا إياد وقيل بل كان يكنى أبا ربيعة أمه معانة بنت جوشم بن جلهمة بن عمرو وإخوته لابيه وأمه قنص وقناصة وسنام وحيدان وحيدة وحيادة وجنيد وجنادة والقحم وعبيد الرماح والعرف وعوف وشك وقضاعة وبه كان معد يكنى وعدة درجوا ابن معد وأم معد فيما زعم هشام مهدد بنت اللهم ويقال اللهم بن جلحب بن جديس وقيل ابن طسم وقيل ابن الطوسم من ولد يقشان بن إبراهيم خليل الرحمن * حدثنا الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال حدثنى محمد بن عبد الرحمن العجلاني وإخوته من أبيه وأمه الديث وقيل إن الديث هو عك وقيل إن عكا هو ابن الديث بن عدنان وعدن بن عدنان فزعم بعض أهل الانساب أنه صاحب عدن. إليه تنسب وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا وأبين وأبى بن عدنان وزعم بعضهم أنه صاحب أبين وأنها إليه تنسب وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا وأد بن عدنان درج والضحاك والعى وأم جميعهم أم معد وقال بعض النسابة كان عك انطلق إلى سموان من أرض اليمن وترك أخاه معدا وذلك أن أهل حضور لما قتلوا شعيب بن ذى مهدم الحضوري بعث الله عليهم بختنصر عذابا فخرج أرميا وبرخيا فحملا معدا فلما سكنت الحرب رداه إلى مكة فوجد معد إخوته وعمومته من بنى عدنان قد لحقوا بطوائف اليمن وتزوجوا فيهم وتعطفت عليهم اليمن بولادة جرهم إياهم واستشهدوا في ذلك قول الشاعر تركنا الديث إخوتنا وعكا * إلى سمران فانطلقوا سراعا وكانوا من بنى عدنان حتى * أضاعوا الامر بينهم فضاعا

[ 28 ]

ابن عدنان ولعدنان أخوان لابيه يدعى أحدهما نبتا والآخر منهما عمرا فنسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا يختلف النسابون فيه إلى معد بن عدنان وأنه على ما بينت من نسبه * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثنى ابن لهيعة عن أبى الاسود وغيره عن نسبة رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد ثم يختلفون فيما بعد ذلك * وقال الزبير بن بكار حدثنى يحيى بن المقداد الزمعى عن عمه موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة عن عمته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول معد بن عدنان بن أدد بن زند بن يرى ابن إعراق الثرى قالت أم سلمة فزند هو الهميسع ويرى هو نبت وإعراق الثرى هو اسماعيل بن إبراهيم * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام ابن محمد قال حدثنى محمد بن عبد الرحمن العجلاني عن موسى بن يعقوب الزمعى عن عمته عن جدتها ابنة المقداد بن الاسود البهرانى قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم معد بن عدنان بن أدد بن يرى بن اعراق الثرى وقال ابن اسحاق فيما حدثنا ابن حميد عن سلمة بن الفضل عنه عدنان فيما يزعم بعض النساب ابن أدد ابن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن اسماعيل بن إبراهيم وبعض يقول بل عدنان بن أدد بن أيتحب بن أيوب بن قيذر بن اسماعيل بن إبراهيم * قال وقد انتمى قصى بن كلاب إلى قيذر في شعره قال ويقول بعض النساب بل عدنان بن ميدع ابن منيع بن أدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن قيذر بن اسماعيل بن إبراهيم قال وذلك أنه علم قديم أخذ من أهل الكتاب الاول * وأما الكلبى محمد بن السائب فإنه فيما حدثنى الحارث عن محمد بن سعد عن هشام قال أخبرني مخبر عن أبى ولم أسمعه منه أنه كان ينسب معد بن عدنان بن أدد

[ 29 ]

ابن الهميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال بن أبى بن العوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن تاحش بن ماخى بن عيفى بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر بن يثربى بن يحزن بن يلحن بن أرعوى ابن عيفى بن ديشان بن عيصر بن اقناد بن إيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن شمى بن مزى بن عوص بن عرام بن قيذر بن اسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال وكان رجل من أهل تدمر يكنى أبا يعقوب من مسلمة بنى إسرائيل قد قرأ من كتبهم وعلم علما فذكر أن بروخ ناريا كاتب أرميا أثبت نسب معد بن عدنان عنده ووضعه في كتبه وأنه معروف عند أحبار أهل الكتاب مثبت في أسفارهم وهو مقارب لهذه الاسماء ولعل خلاف ما بينهم من قبل اللغة لان هذه الاسماء ترجمت من العبرانية * قال الحارث محمد بن سعد وأنشدني هشام عن أبيه شعر قصى فلست لحاضن إن لم تأثل * بها أولاد قيذر والنبيت قال أراد نبت بن اسماعيل * وقال الزبير بن بكار حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى عن زكرياء بن عيسى عن ابن شهاب قال معد بن عدنان بن أد بن الهميسع ابن أسحب بن نبت بن قيذار بن اسماعيل وقال بعضهم هو معد بن عدنان بن أدد ابن أمين بن شاجب بن ثعلبة بن عتر بن يربح بن محلم بن العوام بن المحتمل ابن رائمة ابن العيقان بن علة بن الشحدود بن الظريب بن عبقر بن إبراهيم بن اسماعيل بن يزن بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور بن عتود بن دعدع بن محمود بن الزائد بن ندوان بن أتامة بن دوس بن حصن بن النزال بن القمير بن المجشر بن معد مر بن صيفي بن نبت بن قيذار بن اسماعيل بن ابراهيم خليل الرحمن * وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن يقدر بن يقدم بن هميسع بن نبت ابن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أد بن الهميسع ابن نبت بن سلمان وهو سلامان بن حمد بن نبت بن قيدر بن إسماعيل بن إبراهيم * وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أدد بن المقوم بن ناحور بن مشرح بن يشجب بن

[ 30 ]

ملك بن أيمن بن النبيت بن قيذر بن اسماعيل بن ابراهيم * وقال آخرون هو معد ابن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن أسحب بن سعد بن بريح بن نضير بن حميل بن منحم بن لافث بن الصابوح بن كنانة بن العوام بن نبت بن قيدر بن اسماعيل * وأخبرني بعض النساب أنه وجد طائفة من علماء العرب قد حفظت لمعد أربعين أبا بالعربية إلى اسماعيل واحتجت لقولهم ذلك بأشعار العرب وأنه قابل بما قالوا من ذلك ما يقول أهل الكتاب فوجد العدد متفقا واللفظ مختلفا وأملى ذلك على فكتبته عنه فقال هو معد بن عدنان بن أدد بن هميسع وهميسع هو سلمان وهو أمين بن هميتع وهو هميدع وهو الشاجب بن سلامان وهو منجر نبيت سمى بذلك فيما زعم لانه كان منجر العرب لان الناس عاشوا في زمانه واستشهد لقوله ذلك بقول قعنب بن عتاب الرياحي تناشدني طى وطى بعيدة * وتذكرني بالوذ أزمان نبيت قال نبيت بن عوص وهو ثعلبة قال وإليه تنسب الثعلبية بن بورا وهو بوز وهو عتر العتائر وأول من سن العتيرة للعرب ابن شوحا وهو سعد رجب وهو أول من سن الرجبية للعرب وهو بن يعمانا وهو قموال وهو بريح الناصب وكان في عصر سليمان بن داود النبي صلى الله عليه وسلم ابن كسدانا وهو محلم ذو العين ابن حرانا وهو العوام بن بلداسا وهو المحتمل بن بلدلانا وهو يدلاف وهو رائمة ابن طهبا وهو طاهب وهو العيقان بن جهمى وهو جاحم وهو علة ابن محشى وهو تاحش وهو الشحدود ابن معجالى وهو ماخى وهو الظريب خاطم النار بن عقارا وهو عافى وهو عبقر أبو الجن قال وإليه تنسب جنة عبقر بن عاقارى وهو عاقر وهو ابراهيم جامع الشمل * قال وإنما سمى جامع الشمل لانه أمن في ملكه كل خائف ورد كل طريد واستصلح الناس ابن بيداعى وهو الدعا وهو اسماعيل ذو المطابخ سمى بذلك لانه حين ملك أقام بكل بلدة من بلدان العرب دار ضيافة ابن ابداعى وهو عبيد وهو يزن الطعان وهو أول من قاتل بالرماح فنسبت إليه ابن همادى وهو حمدان وهو اسماعيل ذو الاعوج

[ 31 ]

وكان فرسا له وإليه تنسب الاعوجية من الخيل ابن بشمانى وهو بشمين وهو المطعم في المحل ابن بثرانى وهو بثرم وهو الطمح ابن بحراني وهو بحرن وهو القسور بن بلحانى وهو يلحن وهو العنود بن رعوانى وهو رعوى وهو الدعدع بن عاقارى وهو عاقر بن داسان وهو الزائد بن عاصار وهو عاصر وهو النيدوان ذو الاندية وفى ملكه تفرق بنى القاذور وهو القادور وخرج الملك من ولد النبيت بن القادور إلى بنى جاوان بن القادور ثم رجع إليهم ثانية ابن قنادى وهو قنار وهو ايامة بن ثامار وهو بهامى وهو دوس العتق وهو دوس أجمل الخلق زعم في زمانه فلذلك تقول العرب أعتق من دوس لامرين أما أحدهما فلحسنه وعتقه والآخر لقدمه وفى ملكه أهلكت جرهم بن فالج وقطورا وذلك أنهم بغوا في الحرم فقتلهم دوس واتبع الذر آثار من بقى منهم فولج في أسماعهم فأفناهم ابن مقصر وهو مقاصرى وهو حصن ويقال له ناحث وهو النزال بن زارح وهو قمير بن سمى وهو سما وهو المجشر وكان فيما زعم أعدل ملك ولى وأحسنه سياسة وفيه يقول أمية بن أبى الصلت لهرقل ملك الروم كن كالمجشر إذ قالت رعيته * كان المجشر أوفانا بما حملا ابن مزرا ويقال مرهر بن صنفا وهو السمر وهو الصفى وهو أجود ملك رؤى على وجه الارض وله يقول أمية بن أبى الصلت إن الصفى بن النبيت مملكا * أعلى وأجود من هرقل وقيصرا ابن جعثم وهو عرام وهو النبيت وهو قيذر قال وتأويل قيذر صاحب ملك كان أول من ملك من ولد اسماعيل بن اسماعيل صادق الوعد ابن ابراهيم خليل الرحمن بن تارح وهو آزر بن ناحور بن ساروع بن بالغ وتفسير بالغ القاسم بالسريانية لانه الذى قسم الارضين بين ولد آدم وبالغ فهو فالج بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي صلى الله عليه وسلم بن برد وهو بارد الذى عملت الاصنام في زمانه ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث وهو هبة الله بن آدم عليه السلام وكان

[ 32 ]

وصى أبيه بعد مقتل هابيل فقال هبة الله من هابيل فاشتق اسمه من اسمه وقد مضى من ذكرنا الاخبار عن اسماعيل بن ابراهيم وآبائه وأمهاته فيما بينه وبين آدم ومما كان من الاخبار والاحداث في كل زمان من ذلك بعض ما انتهى إلينا بوجيز من القول مختصر في كتابنا هذا فكرهنا إعادته * وحدثت عن هشام بن محمد قال كانت العرب تقول انما خدش الخدوش منذ ولد أبونا أنوش وانما حرم الحنث منذ ولد أبو ناشت وهو بالسريانية شيث ونعود الآن إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنسابه فتوفى عبد المطلب بعد الفيل بثماني سنين كذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى يكر وكان عبد المطلب يوصى برسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب وذلك أن أبا طالب وعبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانا لام فكان أبو طالب هو الذى يلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده وكان يكون معه ثم إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشام تاجرا فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير صب به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون فرق له أبو طالب فقال والله لاخرجن به معى ولا يفارقنى ولا أفارقه أبدا وكما قال فخرج به معه فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له وكان ذا علم من أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة مذ قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا صنع لهم طعاما كثيرا ودلك انه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صومعته عليه غمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعا فلما رأى بحيرا رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته فلما فرغ القوم من الطعام وتفرقوا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن

[ 33 ]

أشياء في حاله في يقظته وفى نومه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فيجدها بحيرا موافقة لما عنده من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه ثم قال بحيرا لعمه أبى طالب ما هذا الغلام منك قال ابني فقال له بحيرا ما هو بابنك وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال فإنه ابن أخى قال فما فعل أبوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت ارجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا فانه كائن له شأن عظيم فاسرع به إلى بلده فخرج به عمه سريعا حتى أقدمه مكة * وقال هشام بن محمد خرج أبو طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بصرى من أرض الشأم وهو ابن تسع سنين * حدثنى العباس بن محمد قال حدثنا أبو نوح قال حدثنا يونس بن أبى اسحاق عن أبى بكر بن أبى موسى عن أبى موسى قال خرج أبو طالب إلى الشأم وخرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت قال فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم حتى جاء فاخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين هذا يبعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ قريش ما علمك قال انكم حين أشرفتم من العقبة لم تبق شجرة ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدون إلا لنبى وانى أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به كان هو في رعية الابل قال ارسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة فقال انظروا إليه عليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فئ الشجرة فلما جلس مال فئ الشجرة عليه فقال انظروا إلى فئ الشجرة مال عليه قال فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم فان الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه فالتفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال ما جاء بكم قالوا جئنا إن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليها ناس وإنا أخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا قال لهم هل خلفتم خلفكم أحدا هو خير منكم

[ 34 ]

قالوا لا إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا قال أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده قالوا لا فتابعوه وأقاموا معه قال فأتاهم فقال أنشدكم الله أيكم وليه قالوا أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبو بكر رضى الله تعالى عنه بلالا وزوده الراهب من الكعك والزيت * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن الحسن بن محمد بن على بن أبى طالب عن أبيه محمد بن على عن جده على بن أبى طالب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما هممت بشئ مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله بينى وبين ما أريد من ذلك ثم ما هممت بسوء حتى أكرمنى الله عز وجل برسالته فانى قد قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معى بأعلى مكة لو أبصرت لى غنمي حتى أدخل مكة فاسمر بها كما يسمر الشباب فقال افعل فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير فقلت ما هذا قالوا فلان بن فلان تزوج بفلانة بنت فلان فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذنى فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس قال فجئت صاحبي فقال ما فعلت قلت ما صنعت شيئا ثم أخبرته الخبر قال ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك فقال افعل فخرجت فسمعت حين جئت مكة مثل ما سمعت حين دخلت مكة تلك الليلة فجلست أنظر فضرب الله على أذنى فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فاخبرته الخبر ثم ما هممت بعدها بسوء حتى أكرمنى الله عز وجل برسالته ذكر تزيج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة رضى الله عنها قال هشام بن محمد نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة وخديجة يومئذ ابنة أربعين سنة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشئ تجعله لهم منه وكانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه

[ 35 ]

وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشأم تاجرا وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج في مالها ذلك وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدما الشأم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان فاطلع الراهب رأسه إلى ميسرة فقال من هذا الرجل الذى نزل تحت هذه الشجرة فقال له ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبى ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته التى خرج بها واشترى ما أراد أن يشترى ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة فكان ميسرة فيما يزعمون إذا كانت الهاجرة واشتد الحريري ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعفت أو قريبا من ذلك وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة مع ما أراد الله بها من كرامته فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له فيما يزعمون يا ابن عم إنى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليها فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لاعمامه فخرج معه حمزة ابن عبد المطلب عمه حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها فولدت له ولده كلهم إلا ابراهيم: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والقاسم وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم والطاهر والطيب فأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا في الجاهلية وأما بناته فكلهن أدركن الاسلام فأسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا معمر وغيره عن ابن شهاب الزهري وقد قال ذلك غيره من أهل البلدان خديجة إنما كانت استأجرت

[ 36 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلا آخر من قريش إلى سوق حباشة بتهامة وكان الذى زوجها إياه خويلد وكان الذى مشت في ذلك مولاة مولدة من مولدات مكة قال الحارث قال محمد بن سعد قال الواقدي فكل هذا غلط قال الواقدي ويقولون أيضا إن خديجة أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تدعوه إلى نفسها تعنى التزويج وكانت امرأة ذات شرف وكان كل قريش حريصا على نكاحها قد بذلوا الاموال لو طمعوا بذلك فدعت أباها فسقته خمرا حتى ثمل ونحرت بقرة وخلقته بخلوق وألبسته حلة حبرة ثم أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومته فدخلوا عليه فزوجه فلما صحا قال ما هذا العقير وما هذا العبير وما هذا الحبير قالت زوجتني محمد بن عبد الله قال ما فعلت إنى أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش فلم أفعل قال الواقدي وهذا غلط والثبت عندنا المحفوظ من حديث محمد ابن عبد الله بن مسلم عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم ومن حديث ابن أبى الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ومن حديث ابن ابى حبيبة عن داود ابن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أباها مات قبل الفجار (قال أبو جعفر) وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذى يعرف بها اليوم فيقال منزل خديجة فاشتراه معاوية فيما ذكر فجعله مسجدا يصلى فيه الناس وبناه على الذى هو عليه اليوم لم يغير وأما الحجر الذى على باب البيت عن يسار من يدخل البيت فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس تحته ويستتر به من الرمى إذا جاءه من دار أبى لهب ودار عدى بن حمراء الثقفى خلف دار ابن علقمة والحجر ذراع وشبر في ذراع ذكر باقى الاخبار عن الكائن من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينبأ وما كان بين مولده ووقت نبوته من الاحداث في بلده (قال أبو جعفر) قد ذكرنا قبل سبب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة واختلاف المختلفين في ذلك ووقت نكاحه صلى الله عليه وسلم اياه وبعد السنة

[ 37 ]

التى نكحها فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم هدمت قريش الكعبة بعشر سنين ثم بنتها وذلك في قول ابن اسحاق في سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله صلى عليه وسلم وكان سبب هدمهم اياها فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق أن الكعبة كانت رضمة فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفرا من قريش وغيرهم سرقوا كنز الكعبة وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة وكان أمر غزالي الكعبة فيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبيه أن الكعبة كانت رفعت حين غرق قوم نوح فأمر الله ابراهيم خليله عليه السلام وابنه اسماعيل أن يعيدا بناء الكعبة على أسها الاول فأعادا بناءها كما أنزل في القرآن " وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " فلم يكن له ولاة منذ زمن نوح عليه السلام وهو مرفوع ثم أمر الله عز وجل ابراهيم أن ينزل ابنه اسماعيل البيت لما أراد الله من كرامة من أكرمه بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فكان ابراهيم خليل الرحمن وابنه اسماعيل يليان البيت بعد عهد نوح ومكة يومئذ بلاقع ومن حول مكة يومئذ جرهم والعماليق فنكح اسماعيل عليه السلام امرأة من جرهم فقال في ذلك عمرو بن الحارث بن مضاض وصاهرنا من أكرم الناس والدا * فأبناؤه منا ونحن الاصاهر فولى البيت بعد إبراهيم إسماعيل وبعد إسماعيل نبت وأمه الجرهمية ثم مات نبت ولم يكثر ولد إسماعيل فغلبت جرهم على ولاية البيت فقال عمرو بن الحارث بن مضاض وكنا ولاة البيت من بعد نابت * نطوف بذاك البيت والخير ظاهر فكان أول من ولى من جرهم البيت مضاض ثم وليته بعده بنوه كابرا عن كابر حتى بغت جرهم بمكة واستحلوا حرمتها وأكلوا مال الكعبة الذى يهدى لها وظلموا من دخل مكة ثم لم يتناهوا حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانا يزنى فيه يدخل الكعبة فزنى فزعموا أن أسافا بغى بنائلة في جوف الكعبة فمسخا حجرين وكانت مكة في الجاهلية لا ظلم ولا بغى فيها ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه فكانت تسمى الناسة وتسمى بكة كانت تبك أعناق البغايا إذا بغوا فيها والجبابرة قال ولما

[ 38 ]

لم تتناه جرهم عن بغيها وتفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن فانخزع بنو حارثة ابن عمرو فأوطنوا تهامة سميت خزاعة وهم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة وأسلم ومالك وملكان بنو أفصى بن حارثة فبعث الله على جرهم الرعاف والنمل فأفناهم فاجتمعت خزاعة ليجلوا من بقى ورئيسهم عمرو بن ربيعة بن حارثة وأمه فهيرة بنت عامر بن الحارث بن مضاض فاقتتلوا فلما أحس عامر بن الحارث بالهزيمة خرج بغزالي الكعبة وحجر الركن يلتمس التوبة وهو يقول: لاهم إن جرهما عبادك * الناس طرف وهم تلادك بهم قديما عمرت بلادك فلم تقبل توبته فالقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم ثم دفنها وخرج من بقى من جرهم إلى أرض من أرض جهينة فجاءهم سيل أتى فذهب بهم فذلك قول أمية بن أبى الصلت وجرهم دمنوا تهماة في ال‍ * دهر فسالت بجمعهم إضم وولى البيت عمرو بن ربيعة وقال بنو قصى بل وليه عمرو بن الحارث الغبشانى وهو يقول ونحن ولينا البيت من بعد جرهم * لنعمره من كل باغ وملحد وقال: واد حرام طيره ووحشه * نحن ولاته فلا نغشه وقال عامر بن الحارث كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالى والجدود العواثر وقال: يا أيها الناس سيروا إن قصركم * أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا كنا أناسا كما كنتم فغيرنا * دهرا فانتم كما كنا تكونونا حثوا المطى وأرخوا من أزمتها * قبل الممات وقضوا ما تقضونا يقول اعملوا لآخرتكم وافرغوا من حوائجكم في الدنيا فوليت خزاعة البيت غير أنه كان في قبائل مضر ثلاث خلال الاجازة بالحج للناس من عرفة وكان

[ 39 ]

ذلك إلى الغوث بن مر وهو صوفة فكانت إذا كانت الاجازة قالت العرب أجيزى صوفة والثانية الافاضة من جمع غداة النحر إلى منى فكان ذلك إلى بنى زيد بن عدوان فكان آخر من ولى ذلك منهم أبو سيارة عميلة بن الاعزل بن خالد بن سعد بن الحارث بن وابش بن زيد والثالثة النسئ للشهور الحرم فكان ذلك إلى القلمس وهو حذيفة بن فقيم بن عدى من بنى مالك بن كنانة ثم بنيه حتى صار ذلك إلى آخرهم أبى ثمامة وهو جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن حذيفة وقام عليه الاسلام وقد عادت الحرم إلى أصلها فأحكمها الله وأبطل النسئ فلما كثرت معد تفرقت فذلك قول مهلهل غنيت دارنا تهامة في الده‍ * ر وفيها بنو معد حلولا وأما قريش فلم يفارقوا مكة فلما حفر عبد المطلب زمزم وجد الغزالين غزالي الكعبة اللذين كانت جرهم دفنتهما فيه فاستخرجهما وكان من أمره وأمرهما ما قد ذكرت في موضع ذلك فيما مضى من هذا الكتاب قبل (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال وكان الذى وجد عنده الكنز دويك مولى لبنى مليح ابن عمرو من خزاعة فقطعت قريش يده من بينهم وكان ممن اتهم في ذلك الحارث ابن عامر بن نوفل وأبو إهاب بن عزيز بن قيس بن سويد التميمي وكان أخا الحارث ابن عامر بن نوفل بن عبد مناف لامه وأبو لهب بن عبد المطلب وهم الذين تزعم قريش انهم وضعوا كنز الكعبة حين أخذوه عند دويك مولى بنى مليح فلما اتهمتهم قريش دلوا على دويك فقطع ويقال هم وضعوه عنده وذكروا أن قريشا حين استيقنوا بأن ذلك كان عند الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خرجوا به إلى كاهنة من كهان العرب فسجعت عليه من كهانتها بأن لا يدخل مكة عشر سنين بما استحل من حرمة الكعبة فزعموا انهم أخرجوه من مكة فكان فيما حولها عشر سنين وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها وكان بمكة رجل قبطى نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها وكانت حية تخرج من بئر الكعبة

[ 40 ]

التى يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم فتشرف على جدار الكعبة فكانوا يهابونها وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزالت وكشت وفتحت فاها فبينا هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله عليها طائرا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش إنا لنرجو أن يكون الله عز وجل قد رضى ما أردنا عندنا عامل رفيق وعندنا خشب وقد كفانا الله الحية وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم عامئذ ابن خمس وثلاثين سنة فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا ولا تدخلوا فيها مهر بغى ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس قال والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى نجيح المكى أنه حدث عن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم يطوف بالبيت فسأل عنه فقيل له هذا ابن لجعدة بن هبيرة فقال عند ذلك عبد الله بن صفوان جد هذا يعنى أبا وهب الذى أخذ من الكعبة حجرا حين اجتمعت قريش لهدمها فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال عند ذلك يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا لا تدخلوا فيها مهر بغى ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد وأبو وهب خال أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شريفا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق قال ثم إن قريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبنى عبد مناف وزهرة وكان ما بين الركن الاسود والركن اليماني لبنى مخزوم وتيم وقبائل من قريش ضموا إليهم وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وبنى سهم وكان شق الحجر وهو الحطيم لبنى عبد الدار بن قصى ولبنى أسد بن عبد العزى بن قصى وبنى عدى بن كعب ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدأكم في هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها

[ 41 ]

وهو يقول اللهم لم ترع اللهم لا نريد إلا الخير ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس به تلك الليلة وقالوا ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شئ فقد رضى الله ما صنعنا هدمنا فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله فهدم والناس معه حتى انتهى الهدم إلى الاساس فأفضوا إلى حجارة خضر كأنها أسنة آخذ بعضها ببعض * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد ابن إسحاق عن بعض من يروى الحديث أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما فلما تحرك الحجر انتقضت مكة بأسرها فانتهوا عند ذلك إلى الاساس قال ثم إن القبائل جمعت الحجارة لبنائها جعلت كل قبيلة تجمع على حدتها ثم بنوا حتى إذا بلغ البنيان موضع الركن اختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الاخرى حتى تحاوزوا وتحالفوا وتواعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدى بن كعب على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في الجفنة فسموا لعقة الدم بذلك فمكثت قريش أربع ليال أو خمس ليال على ذلك ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا فزعم بعض الرواة أن أبا أمية بن المغيرة كان عامئذ أسن قريش كلها قال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم فيه فكان أول من دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا هذا الامين قد رضينا به هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال هلم لى ثوبا فأتى به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه بيده ثم بنى عليه وكانت قريش تسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحى الامين (قال أبو جعفر) وكان بناء قريش الكعبة بعد الفجار بخمس عشرة سنة وكان بين عام الفيل وعام الفجار عشرون سنة * واختلف السلف في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نبى كم كانت فقال بعضهم نبى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما بنت قريش الكعبة بخمس سنين وبعد ما تمت له من مولده أربعون سنة

[ 42 ]

ذكر من قال ذلك * حدثنى محمد بن خلف العسقلاني قال حدثنا آدم قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا أبو جمرة الضبعى عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة * حدثنا عمرو بن على وابن المثنى قالا حدثنا يحيى بن محمد بن قيس قال سمعت ربيعة بن أبى عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين * حدثنا العباس بن الوليد قال أخبرني أبى قال حدثنا الاوزاعي قال حدثنى ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال حدثنى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين * حدثنى ابن عبد الرحيم البرقى قال حدثنا عمرو بن أبى سلمة عن الاوزاعي قال حدثنى ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال حدثنى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين * حدثنى أبو شرحبيل الحمصى قال حدثنى أبو اليمان قال حدثنا أسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا الحجاج بن المنهال قال حدثنا حماد قال حدثنا عمرو بن دينار عن عروة بن الزبير قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا الحجاج عن حماد قال أخبرنا عمرو عن يحيى بن جعدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة إنه كان يعرض على القرآن كل عام مرة وإنه قد عرض على العام مرتين وإنه قد خيل إلى أن أجلى قد حضر وإن أول أهلى لحاقا بي أنت وانه لم يبعث نبى إلا بعث الذى بعده بنصف من عمره وبعث عيسى لاربعين وبعثت لعشرين * حدثنى عبيد بن محمد الوراق قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا هشام قال حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة ومحمد بن ميمون الزعفراني عن هشام ابن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه وهو ابن أربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة * وقال آخرون

[ 43 ]

بل نبي حين نبي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ذكر من قال ذلك * حدثنا أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا أحمد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحى وهو ابن ثلاث وأربعين سنة * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا يحيى بن سعيد قال سمعت سعيدا يعنى ابن المسيب يقول أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحى وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ذكر اليوم الذى نبي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشهر الذى نبي فيه وما جاء في ذلك قال أبو جعفر صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدثنا به ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن غيلان بن جرير أنه سمع عبد الله ابن معبد الزمانى عن أبى قتادة الانصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال ذلك يوم ولدت فيه ويوم بعثت فيه أو أنزل على فيه * حدثنا أحمد بن منصور قال حدثنا الحسن بن موسى الاشيب قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا غيلان بن جرير المعولى قال حدثنا عبد الله بن معبد الزمانى عن أبى قتادة عن عمر رحمه الله أنه قال للنبى صلى الله عليه وسلم يا نبى الله صوم يوم الاثنين قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم أنزلت على فيه النبود * حدثنا ابراهيم ابن سعيد قال حدثنا موسى بن داود عن ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن حنش الصنعانى عن ابن عباس قال ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين (قال أبو جعفر) وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم واختلفوا في أي الاثانين كان ذلك فقال بعضهم نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه

[ 44 ]

وسلم لثماني عشرة خلت من رمضان. ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن الحسن ابن دينار عن أيوب عن أبى قلابة عبد الله بن زيد الجرمى أنه كان يقول فيما بلغه وانتهى إليه من العلم أنزل الفرقان على رسول الله صلى الله عليه وسلم لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان * وقال آخرون بل أنزل لاربع وعشرين ليلة خلت منه ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى من لا يتهم عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة بن دعامة السدوسى عن أبى الجلد قال نزل الفرقان لاربع وعشرين ليلة خلت من رمضان * وقال آخرون بل نزل لسبع عشرة خلت من شهر رمضان واستشهدوا لتحقيق ذلك بقول الله عز وجل (وما أنزلنا على عبد نا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) وذلك ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر وأن التقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر كان صبيحة سبع عشرة من رمضان * قال أبو جعفر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أن يظهر له جبريل عليه السلام برسالة الله عز وجل إليه فيما ذكر عنه يرى ويعاين آثارا وأسبابا من يريد الله أكرامه واختصاصه بفضله فكان من ذلك ما قد ذكرت فيما مضى من خبره عن الملكين اللذين أتياه فشقا بطنه واستخرجا ما فيه من الغل والدنس وهو عند أمه من الرضاعة حليمة ومن ذلك أنه كان إذا مر في طريق لا يمر فيما ذكر عنه بشجر ولا حجر فيه إلا سلم عليه * حدثنى الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا على بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن منصور بن عبد الرحمن عن أمه عن برة بنت أبى تجراة قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا ويفضى إلى الشعاب وبطون الاودية فلا يمر بحجر ولا شجرة إلا

[ 45 ]

قالت السلام عليك يا رسول الله فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا (قال أبو جعفر) وكانت الامم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل أمة منها قومها بذلك وقد حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى على بن عيسى الحكمى عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال سمعت زيد ابن عمرو بن نفيل يقول أنا أنتظر نبيا من ولد اسماعيل ثم من بنى عبد المطلب ولا أرانى أدركه وأنا أو من به وأصدقه وأشهد أنه نبى فان طالت بك مدة فرأيته فأقرئه منى السلام وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك قلت هلم قال هو رجل ليس بالقصير ولا بالطويل ولا بكثير الشعر ولا بقليله وليست تفارق عينيه حمرة وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه أحمد وهذا البلد مولده ومبعثه ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره فاياك أن تخدع عنه فانى طفت البلاد كلها لطلب دين ابراهيم فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك وينعتونه مثل ما نعته لك ويقولون لم يبق نبى غيره قال عامر فلما أسلمت أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحم عليه وقال قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن من لا يتهم عن عبد الله بن كعب مولى عثمان أنه حدث أن عمر بن الخطاب بينا هو جالس في الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من العرب داخل المسجد يريد عمر يعنى ابن الخطاب فلما نظر إليه عمر قال إن الرجل لعلى شركه ما فارقه * أو لقد كان كاهنا في الجاهلية فسلم عليه الرجل ثم جلس فقال له عمر هل أسلمت فقال نعم فقال هل كنت كاهنا في الجاهلية فقال الرجل سبحان الله لقد استقبلتني بأمر ما أراك قلته لاحد من رعيتك منذ وليت فقال عمر اللهم غفرا قد كنا في الجاهلية على شر من ذلك نعبد الاصنام ونعتنق الاوثان حتى أكرمنا الله بالاسلام فقال نعم والله يا أمير المؤمنين لقد كنت كاهنا في الجاهلية قال فأخبرنا ما أعجب ما جاءك به صاحبك قال جاءني قبل الاسلام بشهر أو سنة

[ 46 ]

فقال لى ألم تر إلى الجن وابلاسها وإياسها من دينها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها قال فقال عمر عند ذلك يحدث الناس والله إنى لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلا فنحن ننظر قسمه ليقسم لنا منه إذ سمعت من حوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه وذلك قبل الاسلام بشهر أو سنة يقول يا آل ذريح أمر نجيح رجل يصيح يقول لا إله إلا الله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا على بن مجاهد عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن كعب مولى عثمان ابن عفان مثله * حدثنا الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى محمد بن عبد الله عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعلم عن أبيه قال كنا حلوسا عند صنم ببوانة قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهر نحرنا جزورا فإذا صائح يصيح من جوف واحدة اسمعوا إلى العجب ذهب استراق الوحى ونرمى بالشهب لنبى بمكة اسمه أحمد مهاجره إلى يثرب قال فأمسكنا وعجبنا وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنى إحمد بن سنان القطان الواسطي قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس أن رجلا من بنى عامر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرنى الخاتم الذى بين كتفيك فإن بك بك طب داويتك فإنى أطب العرب قال أتحب أن أريك آية قال نعم ادع ذاك العذق قال فنظر إلى عذق في نخلة فدعاه فجعل ينقر حتى قام بين يديه قال قل له فليرجع فرجع فقال العامري يا بنى عامر ما رأيت كاليوم أسحر (قال أبو جعفر) والاخبار عن الدلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم أكثر من من أن تحصى ولذلك كتاب يفرد إن شاء الله ونرجع الآن إلى ذكر الخبر عما كان من أمر نبى الله صلى الله عليه وسلم عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه بإكرامه بإرسال جبريل عليه السلام إليه بوحيه (قال أبو جعفر) قد ذكرنا قبل بعض الاخبار الواردة عن أول وقت إتيان مجئ جبريل نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بالوحى من الله وكم كان سن النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير إليه وظهوره له

[ 47 ]

بتنزيل ربه * فدحثنى أحمد بن عثمان المعروف بأبى الجوزاء قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبى قال سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت كان أول ما ابتدئ به رسول صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقة كانت تجئ مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان بغار بحراء يتحنث فيه الليالى ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق فأتاه فقال يا محمد أنت رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجثوت لركبتي وأنا قائم ثم زحفت ترجف بوادرى ثم دخلت على خديجة فقلت زملوني زملوني حتى ذهب عنى الروع ثم أتانى فقال يا محمد أنت رسول الله قال فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل فتبدى لى حين هممت بذلك فقال يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله ثم قال اقرأ قلت ما اقرأ قال فأخذني فغتنى ثلاث مرات حتى بلغ منى الجهد ثم قال اقرأ باسم ربك الذى خلق فقرأت فأتيت خديجة فقلت لقد أشفقت على نفسي فأخبرتها خبرى فقالت أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا ووالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدى الامانة وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ثم انطلقت بى إلى ورقة بن نوفل بن أسد قالت اسمع من ابن أخيك فسألني فأخبرته خبرى فقال هذا الناموس الذى أنزل على موسى بن عمران ليتنى فيها جذع ليتنى أكون حيا حين يخرجك قومك قلت أمخرجى هم ؟ قال نعم إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودي ولئن أدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم كان أول ما نزل على من القرآن بعد اقرأ ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لاجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون ويا أيها المدثر قم فأنذر والضحى والليل إذا سجى * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثنى عروة أن عائشة أخبرته ثم ذكر نحوه غير أنه لم يقل ثم كان من أول ما أنزل على من القرآن إلى آخره * حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا سليمان الشيباني قال حدثنا عبد الله بن

[ 48 ]

شداد قال أتى جبريل محمدآ صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد اقرأ فقال ما أقرأ قال فغمه ثم قال يا محمد اقرأ قال ما أقرأ قال فغمه ثم قال يا محمد اقرأ قال وما أقرأ قال اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الانسان من علق حتى بلغ علم الانسان ما لم يعلم قال فجاء إلى خديجة فقال يا خديجة ما أرانى إلا قد عرض لى قالت كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك ما أتيت فاحشة قط قال فأتت خديجة ورقة بن نوفل فأخبرته الخبر فقال لئن كنت صادقة إن زوجك لنبى وليلقين من أمته شدة ولئن أدركته لاومنن به قال ثم أبطأ عليه جبريل فقالت له خديجة ما أرى ربك إلا قد قلاك قال فأنزل الله عز وجل والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثى حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاء جبريل عليه السلام فقال عبيد وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهرا وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر وقال أبو طالب * وراق ليرقى في حراء ونازل * فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاء من المساكين فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله عز وجل فيه ما أراد من كرامته من السنة التى بعثه فيها وذلك في شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره معه أهله حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ فقلت ما أقرأ فغتنى حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ وما أقول ذلك

[ 49 ]

إلا افتداء منه أن يعود إلى بمثل ما صنع بي قال اقرأ باسم ربك الذى خلق إلى قوله علم الانسان ما لم يعلم قال فقرأته قال ثم انتهى ثم انصرف عنى وهببت من نومى وكأنما كتب في قلبى كتابا قال ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلى من شاعر أو مجنون كنت لا أطيق أن أنظر إليهما قال قلت إن الابعد يعنى نفسه لشاعر أو مجنون لا تحدث بها عني قريش أبدا لاعمدن إلى حالق من الجبل فلاطرحن نفسي منه فلاقلنها فلاستريحن قال فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد انت رسول الله وأنا جبريل قال فوقفت أنظر إليه وشغلني ذلك عما أردت فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهى عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامى ولا أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبى حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ثم انصرف عنى وانصرفت راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا فقالت يا أبا القاسم أين كنت فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلى قال قلت لها أن الابعد لشاعر أو مجنون فقالت أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم ما كان الله ليصنع ذلك بك ما أعلم منك من صدق حديثك وعظم أمانتك وحسن خلقك وصلة رحمك وما ذاك يا ابن عم لعلك رأيت شيئا قال فقلت لها نعم ثم حدثتها بالذى رأيت فقالت أبشر يا ابن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إنى لارجو أن تكون نبى هذه الامة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد وهو ابن عمها وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والانجيل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وآله أنه رأى وسمع فقال ورقة قدوس قدوس والذى نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الاكبر يعنى بالناموس جبريل عليه السلام الذى كان يأتي موسى وإنه لنبى هذه الامة فقولي له فليثبت

[ 50 ]

فرجعت خديجة إلى رسول االله صلى الله عليه وآله فأخبرته بقول ورقة فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة ابن نوفل وهو يطوف بالبيت فقال يا ابن أخى أخبرني بما رأيت أو سمعت فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له ورقة والذى نفسي بيده إنك لنبى هذه الامة ولقد جاءك الناموس الاكبر الذى جاء إلى موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه ولئن أنا أدركت ذلك لانصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى رأسه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتا وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحق عن إسماعيل بن أبى حكيم مولى آل الزبير أنه حدث عن خديجة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يثبته فيما أكرمه الله به من نبوته يا ابن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذى يأتيك إذا جاءك قال نعم قالت فإذا جاءك فأخبرني به فجاءه جبريل عليه السلام كما كان يأتيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة يا خديجة هذا جبريل قد جاءني فقالت نعم فقم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجلس عليها قالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاقعد على فخذي اليمنى فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها فقالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول فجلس في حجرها قالت هل تراه قال نعم فتحسرت فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في حجرها ثم قالت هل تراه قال لا فقالت يا ابن عم اثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هو بشيطان * فحدثنا ابن حميد حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق قال وحدثت بهذا الحديث عبد الله بن الحسن فقال قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أنى قد سمعتها تقول أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها فذهب عند ذلك جبريل

[ 51 ]

فقالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن هذا لملك وما هو بشيطان * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عثمان بن عمر بن فارس قال حدثنا على بن المبارك عن يحيى يعنى بن أبى كثير قال سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل أول فقال يا أيها المدثر فقلت يقولون اقرأ باسم ربك فقال أبو سلمة سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل أول فقال يا أيها المدثر فقلت اقرأ باسم ربك الذى خلق فقال لا أخبرك إلا ما حدثنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت عن يمينى وعن شمالى وخلفي وقدامي فلم أر شيئا فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والارض فخشيت منه قال ابن المثنى هكذا قال عثمان بن عمرو إنما هو فجئثت منه فلقيت خديجة فقلت دثروني فدثروني وصبوا على ماء وانزل على يا أيها المدثر قم فأنذر * حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن على بن المبارك عن يحيى بن أبى كثير قال سألت أبا سلمة عن أول ما نزل من القرآن قال نزلت يا أيها المدثر أول قال قلت إنهم يقولون اقرأ باسم ربك الذى خلق فقال سألت جابر بن عبد الله فقال لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فسمعت صوتا فنظرت عن يمينى فلم أر شيئا وعن شمالى فلم أر شيئا ونظرت أمامى فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا على الماء قال فدثروني وصبوا على ماء باردا فنزلت يا أيها المدثر * وحدثت عن هشام بن محمد قال أتى جبريل رسول الله صلى الله وسلم أول ما أتاه ليلة السبت وليلة الاحد ثم ظهر له برسالة الله عز وجل يوم الاثنين فعلمه الوضوء وعلمه الصلاة وعلمه اقرأ باسم ربك الذى خلق وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين يوم أوحى إليه أربعون سنة * حدثنى أحمد بن محمد بن حبيب الطوسى قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال أخبرنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشى قال أخبرني عمر بن عروة بن الزبير قال سمعت عروة بن الزبير يحدث عن أبى ذر الغفاري

[ 52 ]

قال قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبى أول ما علمت حتى علمت ذلك واستيقنت قال يا أبا ذر أتانى ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة فوقع أحدهما في الارض والاخر بين السماء والارض فقال أحدهما لصاحبه أهو هو قال هو هو قال فزنه برجل فوزنت برجل فرجحته ثم قال زنه بعشرة فوزننى بعشرة فرجحتهم ثم قال زنه بمائة فوزننى بمائة فرجحتهم ثم قال زنه بألف فوزننى بألف فرجحتهم فجعلوا ينتثرون علي من كفة الميزان قال فقال احدهما للآخر لو وزنته بأمته رجحها ثم قال أحدهما لصاحبه شق بطنه فشق بطني ثم قال أحدهما أخرج قلبه أو قال شق قلبه فشق قلبى فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحها ثم قال أحدهما للآخر أغسل بطنه غسل الاناء واغسل قلبه غسل الاناء أو اغسل قلبه غسل الملاءة ثم دعا بالسكينة كأنها وجه هرة بيضاء فأدخلت قلبى ثم قال أحدهما لصاحبه خط بطنه فخاطا بطني وجعلا الخاتم بين كتفي فما هو إلا أن وليا عنى فكأنما أعاين الامر معاينة * حدثنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري قال فتر الوحى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة فحزن حزنا شديدا جعل يغدو إلى رؤوس شواهق الجبال ليتردى منها فكلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فيقول إنك نبى الله فيسكن لذلك جأشه وترجع إليه نفسه فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن ذلك قال فبينما أنا أمشى يوما إذ رأيت الملك الذى كان يأتيني بحراء على كرسى بين السماء والارض فجئثت منه رعبا فرجعت إلى خديجة فقلت زملوني فزملناه أي دثرناه فأنزل الله عز وجل (يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر ثيابك فطهر) قال الزهري فكان أول شئ أنزل عليه اقرأ باسم ربك الذى خلق حتى بلغ ما لم يعلم * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الانصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحى بينا أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذى جاءني بحراء جالس على كرسى بين السماء والارض قال رسول الله

[ 53 ]

صلى الله عليه وسلم فجئثت منه فرقا وجئت فقلت زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله عز وجل (يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر - إلى قوله - والرجز فاهجر) قال ثم تتابع الوحى (قال أبو جعفر) فلما أمر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقوم بإنذار قومه عقاب الله على ما كانوا عليه مقيمين من كفرهم بربهم وعبادتهم الآلهة والاصنام دون الذى خلقهم ورزقهم وأن يحدث بنعمة ربه عليه بقوله (وأما بنعمة ربك فحدث) وذلك فيما زعم ابن إسحاق النبوة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وأما بنعمة ربك فحدث أي ما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة فحدث اذكرها وادع إليها قال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله فكان أول من صدقه وآمن به واتبعه من خلق الله فيما ذكر زوجته خديجة رحمها الله * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال الواقدي أصحابنا مجمعون على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد رحمها الله * قال أبو جعفر ثم كان اول شئ فرض الله عز وجل من شرائع الاسلام عليه بعد الاقرار بالتوحيد والبراءة من الاوثان والاصنام وخلع الانداد الصلاة فيما ذكر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق قال وحدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ليريه كيف الطهور للصلاة ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل عليه السلام توضأ ثم قام جبريل عليه السلام فصلى به وصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصلاته ثم انصرف جبريل عليه السلام فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خديجة فتوضأ لها يريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل عليه السلام فتوضأت كما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 54 ]

كما صلى به جبريل عليه السلام فصلت بصلاته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا هارون بن المغيرة وحكام بن سلم عن عنبسة عن أبى هاشم الواسطي عن ميمون ابن سياه عن أنس بن مالك قال لما كان حين نبئ النبي صلى الله عليه وسلم وكان ينام حول الكعبة وكانت قريش تنام حولها فأتاه ملكان جبريل وميكائيل فقالا بأيهم أمرنا فقالا أمرنا بسيدهم ثم ذهبا ثم جاءا من القبلة وهم ثلاثة فألفوه وهو نائم فقلبوه لظهره وشقوا بطنه ثم جاءوا بماء من ماء زمزم فغسلوا ما كان في بطنه من شك أو شرك أو جاهلية أو ضلابة (1) ثم جاءوا بطست من ذهب ملئ إيمانا وحكمة فملئ بطنه وجوفه إيمانا وحكمة ثم عرج به إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقالوا من هذا فقال جبريل فقالوا من معك فقال محمد قالوا وقد بعث قال نعم قالوا مرحبا فدعوا له في دعائهم فلما دخل فإذا هو برجل جسيم وسيم فقال من هذا يا جبريل فقال هذا أبوك آدم ثم أتوا به إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل له مثل ذلك وقالوا في السموات كلها كما قال وقيل له في السماء الدنيا فلما دخل إذا برجلين فقال من هؤلاء يا جبريل فقال يحيى وعيسى ابنا الخالة ثم أتى به السماء الثالثة فلما دخل إذا هو برجل فقال من هذا يا جبريل قال هذا أخوك يوسف فضل بالحسن على الناس كما فضل القمر ليلة البدر على الكواكب ثم أتى به السماء الرابعة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبريل فقال هذا إدريس ثم قرأ (ورفعناه مكانا عليا) ثم أتى به السماء الخامسة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبريل قال هذا هارون ثم أتى به السماء السادسة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبريل فقال هذا موسى ثم أتى به السماء السابعة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبريل قال هذا أبوك ابراهيم ثم انطلق إلى الجنة فإذا هو بنهر أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل بجنبتيه قباب الدر فقال ما هذا يا جبريل فقال هذا الكوثر الذى أعطاك ربك وهذه مساكنك قال وأخذ جبريل بيده من تربته فإذا هو مسك أذفر ثم خرج إلى سدرة المنتهى وهى سدرة نبق أعظمها


(1) قوله ما كان في بطنه الخ: مثل هذا ليس في الصحيح وهو كما ترى لا يليق برسول الله صلى الله عليه وسلم [ * ]

[ 55 ]

أمثال الجرار وأصغرها أمثال البيض فدنا ربك عز وجل (فكان قاب قوسين أو أدنى) فجعل يتغشى السدرة من دنو ربها تبارك وتعالى أمثال الدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ ألوان (فأوحى إلى عبده) وفهمه وعلمه وفرض عليه خمسين صلاة فمر على موسى فقال ما فرض على أمتك فقال خمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف لامتك فإن أمتك أضعف الامم قوة وأقلها عمرا وذكر ما لقى من بنى اسرئيل فرجع فوضع عنه عشرا ثم مر على موسى فقال ارجع إلى ربك فسله التخفيف كذلك حتى جعلها خمسا قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف فقال لست براجع غير عاصيك وقذف في قلبه أن لا يرجع فقال الله عز وجل لا يبدل كلامي ولا يرد قضائي وفرضي وخفف عن أمتى الصلاة لعشر قال أنس وما وجدت ويحا قط ولا ريح عروس قط أطيب ريحا من جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألزقت جلدى بجلده وشمته * قال أبو جعفر ثم اختلف السلف فيمن اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن به وصدقه على ما جاء به من عند الله من الحق بعد زوجته خديجة بنت خويلد وصلى معه فقال بعضهم كان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معه وصدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبي طالب عليه السلام ذكر بعض من قال ذلك ممن حضرنا ذكره * حدثنا ابن حميد قال حدثنا ابراهيم بن المختار عن شعبة عن أبى بلج عن عمرو ابن ميمون عن ابن عباس قال أول من صلى علي * حدثنا زكريا بن يحيى الضرير قال حدثنا عبد الحميد بن بحر قال أخبرنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى حمزة عن زيد بن أرقم قال أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب قال فذكرته للنخعى فأنكره وقال أبو بكر أول من أسلم * حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى حمزة

[ 56 ]

مولى الانصار عن زيد بن أرقم قال أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب عليه السلام * حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبيد بن سعيد عن شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا حمزة رجلا من الانصار يقول سمعت زيد بن أرقم يقول أول رجل صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي عليه السلام * حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا العلاء عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله قال سمعت عليا يقول أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الاكبر لا يقولها بعدى إلا كاذب مفتر صليت مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين * حدثنى محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا سعيد بن خثيم عن أسد بن عبد ة البجلى عن يحيى بن عفيف عن عفيف قال جئت في الجاهلية إلى مكة فنزلت على العباس بن عبد المطلب قال فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه قال فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه فقلت يا عباس أمر عظيم فقال أمر عظيم أتدرى من هذا فقلت لا قال هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن أخى أتدرى من هذا معه قلت لا قال هذا علي بن أبى طالب بن عبد المطلب ابن أخى أتدرى من هذه المرأة التى خلفهما قلت لا قال هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخى وهذا حدثنى إن ربك رب السماء أمرهم بهذا الذى تراهم عليه وأيم الله ما أعلم على ظهر الارض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة * حدثنا أبو كريب قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا محمد بن اسحاق قال حدثنى يحيى بن أبى الأشعث الكندى من أهل الكوفة قال حدثنى اسماعيل بن اياس بن عفيف عن أبيه عن جده قال كنت امرءا تاجرا فقدمت أيام الحج فأتيت العباس فبينا نحن عنده إذ خرج رجل يصلى فقام تجاه الكعبة ثم خرجت امرأة فقامت معه تصلى وخرج غلام فقام يصلى معه فقلت يا عباس ما هذا الدين إن هذا الدين ما أدرى ما هو

[ 57 ]

قال هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله به وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبى طالب آمن به قال عفيف فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون ثالثا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد قال سلمة حدثنى محمد بن اسحاق عن يحيى ابن أبى الأشعث قال أبو جعفر وهو في موضع آخر من كتابي عن يحيى بن الاشعث عن اسماعيل بن اياس بن عفيف الكندى وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس الكندى لامه وكان ابن عمه عن أبيه عن جده عفيف قال كان العباس بن عبد المطلب لي صديقا وكان يختلف إلى اليمن يشترى العطر فيبيعه أيام الموسم فبينا أنا عند العباس بن عبد المطلب بمنى فاتاه رجل مجتمع فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم قام يصلى فخرجت امرأة فتوضأت وقامت تصلى ثم خرج غلام قد راهق فتوضأ ثم قام إلى جنبه يصلى فقلت ويحك يا عباس ما هذا قال هذا ابن أخى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يزعم أن الله بعثه رسولا وهذا ابن أخى علي بن أبى طالب قد تابعه على دينه وهذه امرأته خديجة ابنة خويلد قد تابعته على دينه قال عفيف بعد ما أسلم ورسخ الاسلام في قلبه يا ليتنى كنت رابعا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا عيسى بن سوادة ابن الجعد قال حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبى عبد الرحمن وأبو حازم المدنى والكلبي قالوا علي أول من أسلم قال الكلبى أسلم وهو ابن تسع سنين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال كان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معه وصدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبى طالب وهو يومئذ ابن عشر سنين وكان مما أنعم الله به على علي بن أبى طالب عليه السلام أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الاسلام * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال فحدثني عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد بن جبر أبى الحجاج قال كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب وما صنع الله له وأراده به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه وكان من أيسر بنى هاشم يا عباس ان

[ 58 ]

أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ من بنيه رجلا فنكفهما عنه قال العباس نعم انطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب أذا تركتما لى عقيلا فاصنعاما شئتما فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فضمه إليه وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه فلم يزل علي بن ابى طالب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبيا فاتبعه علي فآمن به وصدقه ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال فحدثني محمد بن اسحاق قال وذكر بعض أهل العلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبى طالب مستخفيا من عمه أبى طالب وجميع أعمامه وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن أخى ما هذا الدين الذى أراك تدين به قال أي عم هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا ابراهيم أو كما قال بعثنى الله به رسولا إلى العباد وأنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابنى إليه وأعانني عليه أو كما قال فقال أبو طالب يا ابن أخى إنى لا أستطيع إن أفارق دينى ودين آبائى وما كانوا عليه ولكن والله لا يخلص إليك بشئ تكرهه ما حييت * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد ابن اسحاق قال وزعموا انه قال لعلي بن أبى طالب أي بنى ما هذا الدين الذى أنت عليه قال يا أبه آمنت بالله وبرسوله وصدقته بما جاء به وصليت معه لله فزعموا أنه قال له أما انه لا يدعوك إلا إلى خير فالزمه * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا ابراهيم بن نافع عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال أسلم علي وهو ابن عشر سنين * قال الحارث قال ابن سعد قال الواقدي واجتمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعدما تنبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة فأقام

[ 59 ]

بمكة ثنتى عشرة سنة وقال آخرون أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضى الله عنه ذكر من قال ذلك * حدثنا سهل بن موسى الرازي قال حدثنا عبد الرحمن بن مغراء عن مجالد عن الشعبى قال قلت لابن عباس من أول الناس إسلاما فقال أما سمعت قول حسان بن ثابت إذا تذكرت شجوا من أخى ثقة * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها * بعد النبي وأوفاها بما حملا الثاني التالى المحمود مشهده * وأول الناس منهم صدق الرسلا * وحدثني سعيد بن عنبسة الرازي قال حدثنا الهيثم بن عدى عن مجالد عن الشعبى عن ابن عباس نحوه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا الهيثم بن عدى عن مجالد عن الشعبى عن ابن عباس نحوه * حدثنا بحر بن نصر الخولانى قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني معاوية بن صالح قال حدثنى أبو يحيى وضمرة بن حبيب وأبو طلحة عن أبى أمامة الباهلي قال حدثنى عمرو بن عبسة قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بعكاظ قلت يا رسول الله من تبعك على هذا الامر قال اتبعنى عليه رجلان حر وعبد أبو بكر وبلال قال فاسلمت عند ذلك قال فلقد رأيتنى إذ ذاك ربع الاسلام * حدثنى ابن عبد الرحيم البرقى قال حدثنا عمرو بن أبى سلمة قال حدثنا صدقة عن نصر بن علقمة عن أخيه عن ابن عائذ عن جبير بن نفير قال كان أبو ذر وابن عبسة كلاهما يقول لقد رأيتنى ربع الاسلام ولم يسلم قبلى إلا النبي وأبو بكر وبلال كلاهما لا يدرى متى أسلم الآخر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن ابراهيم قال أول من أسلم أبو بكر * حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال قال ابراهيم النخعي أبو بكر أول من أسلم * وقال آخرون أسلم قبل أبى بكر جماعة

[ 60 ]

ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا كنانة بن جبلة عن ابراهيم بن طهمان عن الحجاج ابن الحجاج عن قتادة عن سالم بن أبى الجعد عن محمد بن سعد قال قلت لابي أكان أبو بكر أو لكم اسلاما فقال لا ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين ولكن كان أفضلنا اسلاما * وقال آخرون كان أول من آمن واتبع النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال زيد بن حارثة مولاه ذكر من قال ذلك * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال قال الواقدي حدثنى ابن أبى ذؤيب قال سألت الزهري من أول من أسلم قال من النساء خديجة ومن الرجال زيد بن حارثة * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد ابن عمر قال حدثنا مصعب بن ثابت عن أبى الاسود عن سليمان بن يسار قال أول من أسلم زيد بن حارثة * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد يعنى ابن عمر قال حدثنا ربيعة بن عثمان عن عمران بن أبى أنس مثله * وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا ابن لهيعة عن أبى الاسود عن عروة قال أول من أسلم زيد بن حارثة * وأما ابن اسحاق فإنه قال في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أول ذكر أسلم وصلى بعد علي ابن أبى طالب ثم أسلم أبو بكر بن أبى قحافة الصديق فلما أسلم أظهر اسلامه ودعا إلى الله عز وجل وإلى رسوله قال وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه محببا سهلا وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير أو شر وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الامر لعلمه وتجارته وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الاسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه فأسلم على يديه فيما بلغني عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم

[ 61 ]

إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فاسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية نفر الذين سبقوا إلى الاسلام فصلوا وصدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا بما جاء به من عند الله ثم تتابع الناس في الدخول في الاسلام الرجال منهم والنساء حتى فشا ذكر الاسلام بمكة وتحدث به الناس * وقال الواقدي في ذلك ما حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد عنه اجتمع أصحابنا على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد ثم اختلف عندنا في ثلاثة نفر في أبى بكر وعلى وزيد بن حارثة أيهم أسلم أول قال وقال الواقدي أسلم معهم خالد بن سعد بن العاص خامسا وأسلم أبو ذر قالوا رابعا أو خامسا وأسلم عمرو بن عبسة السلمى فيقال رابعا أو خامسا قال فانما اختلف عندنا في هؤلاء النفر أيهم أسلم أول وفى ذلك روايات كثيرة قال فيختلف في الثلاثة المتقدمين وفي هؤلاء الذين كتبنا بعدهم * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى مصعب بن ثابت قال حدثنا أبو الاسود محمد ابن عبد الرحمن بن نوفل قال كان اسلام الزبير بعد أبى بكر كان رابعا أو خامسا * وأما ابن اسحاق فإنه ذكر ان خالد بن سعيد بن العاص وامرأته همينة بنت خلف ابن أسعد بن عامر بن بياضة من خزاعة أسلما بعد جماعة كثيرة غير الذين ذكرتهم باسمائهم انهم كانوا من السابقين إلى الاسلام ثم ان الله عز وجل أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما جاءه منه وأن يبادى الناس بأمره ويدعو إليه فقال له اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين وكان قبل ذلك في السنين الثلاث من مبعثه إلى أن أمر باظهار الدعاء إلى الله مستسرا مخفيا أمره صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه (وأنذر عشيرتك الاقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إنى برئ مما تعملون) قال وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب فاستخفوا من قومهم فبينا سعد بن أبى وقاص في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فناكروهم

[ 62 ]

وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم فاقتتلوا فضرب سعد بن أبى وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه فكان أول دم أهريق في الاسلام * فحدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم الصفا فقال يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا مالك قال أرأيت إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقونني قالوا بلى قال فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك ألهذا دعوتنا أو جمعتنا فأنزل الله عز وجل (تبت يدا أبى لهب وتب) إلى آخر السورة * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة عن الاعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الاقربين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفاف هتف يا صباحاه فقالوا من هذا الذى يهتف قالوا محمد فقال يا بنى فلان يا بنى عبد المطلب يا عبد مناف فاجتمعوا إليه فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقى قالوا ما جربنا عليك كذبا قال فانى نذير لكم بين يدى عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا ثم قام فنزلت هذه السورة تبت يدا أبى لهب وتب إلى آخر السورة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب عن عبد الله ابن عباس عن علي بن أبى طالب قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنذر عشيرتك الاقربين دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى يا علي إن الله أمرنى أن أنذر عشيرتي الاقربين فضقت بذلك ذرعا وعرفت أنى متى أباديهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره فصمت عليه حتى جاءني جبريل فقال يا محمد إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رحل شاة واملا لنا عسا من لبن ثم اجمع لي بنى عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به ففعلت ما أمرنى به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون

[ 63 ]

رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذى صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حذية من اللحم فشقها باسنانه ثم ألقاها في نواحى الصفحة ثم قال خذوا بسم الله فأكل القوم حتى مالهم بشئ حاجة وما أرى الا موضع أيديهم وايم الله الذى نفس علي بيده وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم ثم قال اسق القوم فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا منه جميعا وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال لقد ما سحركم صاحبكم فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الغد يا علي إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم إلى * قال ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم ففعل كما فعل بالامس فأكلوا حتى ما لهم بشئ حاجة ثم قال أسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا بنى عبد المطلب إنى والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به إنى قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرنى الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني على هذا الامر على أن يكون أخى ووصيي وخليفتي فيكم قال فأحجم القوم عنها جميعا وقلت وإنى لاحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا أنا يا نبى الله أكون وزيرك عليه فاخذ برقبتى ثم قال إن هذا أخى ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا قال فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع * حدثنى زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا أبو عوانة عن عثمان ابن المغيرة عن أبى صادق عن ربيعة بن ناجد أن رجلا قال لعلى عليه السلام يا أمير المؤمنين بم ورثت ابن عمك دون عمك فقال على هاؤم ثلاث مرات حتى اشرأب الناس ونشروا آذانهم ثم قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو دعا

[ 64 ]

رسول الله بنى عبد المطلب منهم رهطه كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق قال فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا وبقى الطعام كما هو كأنه لم يمس قال ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقى الشراب كأنه لم يمس ولم يشربوا قال ثم قال يا بنى عبد المطلب إنى بعثت إليكم بخاصة وإلى الناس بعامة وقد رأيتم من هذا الامر ما قد رأيتم فأيكم يبايعني على أن يكون أخى وصاحبى ووارثى فلم يقم إليه أحد فقمت إليه وكنت أصغر القوم قال فقال اجلس قال ثم قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لى اجلس حتى كان في الثالثة فضرب بيده على يدى قال فبذلك ورثت ابن عمى دون عمى * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة حدثنا محمد بن اسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن بن أبى الحسن قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأنذر عشيرتك الاقربين) قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالابطح ثم قال يا بنى عبد المطلب يا بنى عبد مناف يا بنى قصى قال ثم فخذ قريش قبيلة قبيلة حتى مر على آخرهم إنى أدعوكم إلى الله وأنذركم عذابه * حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا جارية بن أبى عمران عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه من عند الله وأن يبادى الناس بأمره وان يدعوهم إلى الله فكان يدعو من أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيا إلى أن أمر بالظهور للدعاء * قال ابن اسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه فصدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله وبادى قومه بالاسلام فلما فعل ذلك لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه بعض الرد فيما بلغني حتى ذكر آلهتهم وعابها فلما فعل ذلك ناكروه وأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالاسلام وهم قليل مستخفون وحدب عليه أبو طالب عمه ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرا لامره لا يرده عنه شئ فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شئ أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف

[ 65 ]

قريش إلى أبى طالب عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البخترى بن هشام والاسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابنا الحجاج أو من مشى إليه منهم فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فاما أن تكفه عنا وإما أن تخلى بيننا وبينه فانك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه قال ثم سرى الامر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه ثم إنهم مشوا إلى أبى طالب مرة أخرى فقالوا يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن اخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا ثم انصرفوا عنه فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم له ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه * حدثنى محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدى أن ناسا من قريش اجتمعوا فيهم أبو جهل بن هشام والعاص ابن وائل والاسود بن المطلب والاسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى أبى طالب فنكلمه فيه فلينصفنا منه فيأمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذى يعبد فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شئ فتعيرنا العرب يقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه قال فبعثوا رجلا منهم يدعى المطلب فاستأذن لهم على أبى طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم يستأذنون عليك قال أدخلهم فلما دخلوا عليه قالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فانصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه قال فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 66 ]

قال يا ابن أخى هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم وقد سألوك النصف أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك قال أي عم أو لا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها قال وإلى ما تدعوهم قال ادعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم قال فقال أبو جهل من بين القوم ما هي وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها قال تقول لا إله إلا الله قال فنفروا وقالوا سلنا غير هذه فقال لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدى ما سألتكم غيرها قال فغضبوا وقاموا من عنده غضابى وقالوا والله لنشتمنك وإلهك الذى يأمرك بهذا (وانطلق الملا منهم أن أمشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا الشئ يراد - إلى قوله - إلا اختلاق) وأقبل على عمه فقال له عمه يا ابن أخى ما شططت عليهم فأقبل على عمه فدعاه فقال قل كلمة أشهد لك بها يوم القيامة تقول لا إله إلا الله فقال لولا أن تعيبكم بها العرب يقولون جزع من الموت لاعطيتكها ولكن على ملة الاشياخ قال فنزلت هذه الآية (إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء) * حدثنا أبو كريب وابن وكيع قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا الاعمش قال حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقال إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول فلو بعثت إليه فنهيته فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبى طالب قدر مجلس رجل قال فخشى أبو جهل إن جلس إلى جنب أبى طالب أن يكون أرق له عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب أي ابن أخى ما بال قومك يشكونك يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول قال وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عم إنى أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدى إليهم بها العجم الجزية ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كلمة واحدة نعم وأبيك عشرا قالوا فما هي فقال أبو طالب وأى كلمة هي يا ابن أخى قال لا إله الا الله قال

[ 67 ]

فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب) قال نزلت من هذا الموضع - إلى قوله - (لما يذوقوا عذاب) لفظ الحديث لابي كريب (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال فحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة ابن الاخنس أنه حدث أن قريشا حين قالت لابي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا ابن أخى إن قومك قد جاؤني فقالوا لي كذا وكذا فأبق على وعلى نفسك ولا تحملني من الامر ما لا أطيق فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قد بدا لعمه فيه بداء وانه خاذله ومسلمه وانه قد ضعف عن نصرته والقيام معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عماه لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى على أن أترك هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يا ابن أخى فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اذهب يا ابن أخى فقل ما أحببت فو الله لا أسلمك لشئ أبدا قال ثم ان قريشا لما عرفت ان أبا طالب أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم واسلامه واجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد ابن المغيرة فقالوا له فيما بلغني يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأشعره وأجمله فخذه فلك عقله ونصرته واتخذه ولدا فهو لك وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذى قد خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما رجل كرجل فقال والله لبئس ما تسوموننى أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله ما لا يكون أبدا فقال المطعم ابن عدى بن نوفل بن عبد مناف والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا فقال أبو طالب للمطعم والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك أو كما قال أبو طالب قال فحقب الامر عند ذلك وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى

[ 68 ]

بعضهم بعضا قال ثم ان قريشا تذمروا على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اسلموا معه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله رسوله منهم بعمه أبى طالب وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا تصنع ما تصنع في بنى هاشم وبنى المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوا إلى ما دعاهم إليه من الدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الا ما كان من أبى لهب فلما رأى أبو طالب من يومه ما سره من جدهم معه وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ومكانه ليشد لهم رأيهم * حدثنا على بن نصر بن على الجهضمى وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال على بن نصر حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وقال عبد الوارث حدثنى أبى قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب إلى عبد الملك بنى مروان * أما بعد فإنه يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قومه لما بعثه الله من الهدى والنور الذى أنزل عليه لم يبعدوا منه أول ما دعاهم وكادوا يسمعون له حتى ذكر طواغيتهم وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال أنكروا ذلك عليه واشتدوا عليه وكرهوا ما قال وأغروا به من أطاعهم فانصفق عنه عامة الناس فتركوه إلا من حفظه الله منهم وهم قليل فكث بذلك ما قدر الله أن يمكث ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الاسلام فافتنن من افتتتن وعصم الله منهم من شاء فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي لا يظلم أحد بأرضه وكان يثنى عليه من ذلك صلاح وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها يجدون فيها رفاغا من الرزق وأمنا ومتجرا حسنا فأمرهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة وخاف عليهم

[ 69 ]

الفتن ومكث هو فلم يبرح فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم ثم إنه فشا الاسلام فيها ودخل فيها رجال من أشرافهم (قال أبو جعفر) فاختلف في عدد من خرج إلى ارض الحبشة وهاجر إليها هذه الهجرة وهى الهجرة الاولى فقال بعضهم كانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة ذكر من قال ذلك * حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا يونس بن محمد الظفرى عن أبيه عن رجل من قومه قال وأخبرنا عبيد الله بن العباس الهذلى عن الحارث بن الفضيل قالا خرج الذين هاجروا الهجرة الاولى متسللين سرا وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي ووفق الله للمسلمين ساعة جاءوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا قالوا وقدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جار أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى يونس بن محمد عن أبيه قال وحدثني عبد الحميد عن محمد بن يحيى بن حبان قالا تسمية القوم الرجال والنساء عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو حذيفة بن عتبة ابن ربيعة معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو والزبير بن العوام بن خويلد ابن أسد ومصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة وأبو سلمة بن عبد الاسد بن هلال ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم معه امرأته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وعثمان بن مظعون الجمحى وعامر بن ربيعة العنزي من عنز بن وائل ليس من عنزة حليف بنى عدى بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة وأبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى العامري وحاطب بن عمرو بن

[ 70 ]

عبد شمس وسهيل بن بيضاء من بنى الحارث بن فهر وعبد الله بن مسعود حليف بنى زهرة (قال أبو جعفر) وقال آخرون كان الذين لحقوا بأرض الحبشة وهاجروا إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها اثنين وثمانين رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم وهو يشك فيه ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله وعمه أبى طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم أحد عنده وهى أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله عز وجل بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الاسلام فكان أول من خرج من المسلمين من بنى أمية ابن عبد شمس ابن عبد مناف عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية ومعه امرأته رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بنى عبد شمس أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ابن عبد مناف ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو أحد بنى عامر بن لؤى ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى بن الزبير بن العوام فعد النفر الذين ذكرهم الواقدي غير أنه قال من بنى عامر بن لؤى بن غالب بن فهر أبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى ابن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى يقال بل أبو حاطب بن عمر بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى قال ويقال هو أول من قدمها فجعلهم ابن إسحاق عشرة وقال كان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني قال ثم خرج جعفر بن أبى طالب وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها منهم من خرج بأهله معه ومنهم من خرج بنفسه لا أهل معه ثم عد بعد ذلك تمام اثنين وثمانين رجلا بالعشرة الذين ذكرت بأسمائهم ومن كان منهم معه أهله وولده ومن ولد له بأرض الحبشة ومن كان منهم لا أهل له (قال أبو جعفر)

[ 71 ]

ولما خرج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مهاجرا إليها ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بمكة يدعو إلى الله سرا وجهرا قد منعه الله بعمه أبى طالب وبمن استجاب لنصرته من عشيرته ورأت قريش أنهم لا سبيل لهم إليه رموه بالسحر والكهانة والجنون وأنه شاعر وجعلوا يصدون عنه من خافوا منه أن يسمع قوله فيتبعه فكان أشد ما بلغوا منه حينئذ فيما ذكر ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قلت له ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهر من عداوته قال قد حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا لقد صبرنا منه على أمر عظيم أو كما قال فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشى حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت فلما مر غمزوه ببعض القول قال فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فوقف فقال أتسمعون يا معشر قريش أما والذى نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح قال فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع وحتى ان أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفأه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول انصرف يا أبا القاسم راشدا فوالله ما كنت جهولا قال فانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وآله فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون له أنت الذى تقول كذا وكذا لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله

[ 72 ]

نعم أنا الذى أقول ذلك قال فلقد رأيت رجلا منهم آخذا بجمع ردائه قال وقام أبو بكر الصديق دونه يقول وهو يبكى ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ثم انصرفوا عنه فان ذلك أشد ما رأيت قريشا بلغت منه قط * حدثنا يونس بن عبد الاعلى قال حدثنا بشر بن بكر قال حدثنا الاوزاعي قال حدثنا يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال قلت لعبد الله بن عمرو حدثنى بأشد شئ رأيت المشركين صنعوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال أقبل عقبة بن أبى معيط ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكعبة فلوى ثوبه في عنقه وخنقه خنقا شديدا فقام أبو بكر من خلفه فوضع يده على منكبه فدفعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال أبو بكر يا قوم (أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله - إلى قوله - إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب) قال ابن إسحاق وحدثني رجل من أسلم كان واعية أن أبا جهل بن هشام مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وآله ومولاة لعبد الله جدعان التيمى في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى نادى قريش عند الكعبة فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم وكان أعز قريش وأشدها شكيمة فلما مر بالمولاة وقد قام رسول الله صلى الله عليه وآله ورجع إلى بيته فقالت يا أبا عمارة لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد آنفا قبل أن تأتى من أبى الحكم بن هشام وجده ههنا جالسا فسبه وآذاه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد قال فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله من كرامته فخرج سريعا لا يقف على أحد كما كان يصنع يريد الطواف بالكعبة معدا لابي جهل إذا لقيه أن يقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه

[ 73 ]

بها ضربة فشجه بها شجة منكرة وقال أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول فرد ذلك على إن استطعت وقامت رجال بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإنى والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا وتم حمزة على إسلامه فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما كانوا ينالون منه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق قال حدثنى يحيى ابن عروة بن الزبير عن أبيه قال كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عبد الله بن مسعود قال اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا والله ما سمعت قريش بهذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعهموه فقال عبد الله بن مسعود أنا قالوا إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه فقال دعوني فإن الله سيمنعنى قال فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام ثم قال (بسم الله الرحمن الرحيم - رافعا بها صوته - الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان) قال ثم استقبلها يقرأ فيها قال وتأملوا وجعلوا يقولون ما يقول ابن أم عبد ثم قالوا إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه فقالوا هذا الذى خشينا عليك قال ما كان أعداء الله أهون على منهم اليوم لئن شئتم لاغادينهم غدا بمثلها قالوا لا حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون (قال أبو جعفر) ولما استقر بالذين هاجروا إلى أرض الحبشة القرار بأرض النجاشي واطمأنوا تآمرت قريش فيما بينها في الكيد بمن ضوى إليها من المسلمين فوجهوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة بن المغيرة المخزومى إلى النجاشي مع هدايا كثيرة أهدوها إليه وإلى بطارقته وأمروهما أن يسألا النجاشي تسليم من قبله وبأرضه من المسلمين إليهم فشخص عمرو وعبد الله إليه في ذلك فنفذا لما أرسلهما إليه قومهما فلم يصلا إلى ما أمل قومهما من النجاشي فرجعا مقبوحين

[ 74 ]

وأسلم عمر بن الخطاب رحمه الله فلما أسلم وكان رجلا جلدا جليدا منيعا وكان قد أسلم قبل ذلك حمزة بن عبد المطلب ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في انفسهم قوة وجعل الاسلام يفشو في القبائل وحمى النجاشي من ضوى إلى بلده منهم اجتمعت قريش فائتمرت بينها أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على ألا ينكحوا إلى بنى هاشم وبنى المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم فكتبوا بذلك صحيفة وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا بذلك الامر على أنفسهم فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه في شعبه وخرج من بنى هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش وظاهرهم عليه فأقاموا على ذلك من أمرهم سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل إلى أحد منهم شئ إلا سرا مستخفيا به ممن أراد صلتهم من قريش وذكر أن أبا جهل لقى حكيم ابن حزام بن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد وهى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه في الشعب فتعلق به وقال أتذهب بالطعام إلى بنى هاشم والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة فجاء أبو البخترى ابن هشام بن الحارث بن أسد فقال مالك وله قال يحمل الطعام إلى بنى هاشم فقال له أبو البخترى طعام لعمته عنده بعثت إليه أفتمنعه أن يأتيها بطعامها خل سبيل الرجل فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه فأخذ أبو البخترى لحى بعير فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيشمتوا بهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ذلك يدعو قومه سرا وجهرا آناء الليل وآناء النهار والوحى عليه من الله متتابع بأمره ونهيه ووعيد من ناصبه العداوة والحجج لرسول الله صلى الله عليه وسلم على من خالفه فذكر أن أشراف قومه اجتمعوا له يوما فيما حدثنى محمد بن موسى الحرشى قال حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى قال حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس أن قريشا وعدوا رسول الله صلى الله

[ 75 ]

عليه وسلم أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء ويطؤا عقبه فقالوا هذا لك عندنا يا محمد وكف عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فانا نعرض عليك خصلة واحدة فهى لك ولنا فيها صلاح قال ما هي قالوا تعبد آلهتنا سنة اللات والعزى ونعبد إلهك سنة قال حتى أنظر ما يأتي من عند ربى فجاء الوحى من اللوح المحفوظ قل (يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) السورة وأنزل الله عز وجل (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون - إلى قوله - بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) * حدثنى يعقوب بن ابراهيم قال حدثنا ابن علية عن محمد بن اسحاق قال حدثنى سعيد بن مينا مولى إبى البخترى قال لقى الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والاسود بن المطلب وأمية ابن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ونشركك في أمرنا كله فإن كان الذى جئت به خيرا مما في أيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذى بأيدينا خيرا مما في يدك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه فأنزل الله عز وجل قل يا أيها الكافرون حتى انقضت السورة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على صلاح قومه محبا مقاربتهم بما وجد إليه السبيل قد ذكر أنه تمنى السبيل إلى مقاربتهم فكان من أمره في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن يزيد بن زياد المدنى عن محمد بن كعب القرظى قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى قومه عنه وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه وكان يسره مع حبه قومه وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم حتى حدث بذلك نفسه وتمناه وأحبه فأنزل الله عز وجل (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى - فلما انتهى إلى قوله - أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى) ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتضي فلما سمعت قريش فرحوا وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم فأصاخوا له والمؤمنون مصدقون نبيهم

[ 76 ]

فياجاءهم به عن ربهم ولا يتهمونه على خطإ ولا وهم ولا زلل فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها فسجد المسلمون بسجود نبيهم تصديقا لما جاء به واتباعا لامره وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة فانه كان شيخا كبيرا فلم يستطع السجود فاخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ثم تفرق الناس من المسجد وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم يقولون قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر قد زعم فيما يتلو إنها الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتضي وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل أسلمت قريش فنهض منهم رجال وتخلف آخرون وآتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد ماذا صنعت لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عز وجل وقلت ما لم يقل لك فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا فأنزل الله عز وجل وكان به رحيما يعزيه ويخفض عليه الامر ويخبره أنه لم يك قبله نبى ولا رسول تمنى كما تمنى ولا أحب كما أحب الا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آبائه أي فانما أنت كبعض الانبياء والرسل فانزل الله عز وجل (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) فاذهب الله عز وجل عن نبيه الحزن وآمنه من الذى كان يخاف ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم إنها الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتضي بقول الله عز وجل ذكر اللات والعزى ومناة الثلاثة الاخرى (ألكم الذكر وله الانثى تلك إذا قسمة ضيزى) أي عوجاء (إن هي إلا أسماء سميتموها إنتم وآباؤكم - إلى قوله - لمن يشاء ويرضى) أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده فلما جاء من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه قالت قريش ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتكم

[ 77 ]

عند الله فغير ذلك وجاء بغيره وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وأقبل أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا من أرض الحبشة لما بلغهم من اسلام أهل مكة حين سجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذى كانوا تحدثوا به من اسلام أهل مكة كان باطلا فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيا فكان من قدم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدرا من بنى عبد شمس بن عبد مناف بن قصى عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بنت سهيل وجماعة أخر معهم عددهم ثلاثة وثلاثون رجلا * حدثنى القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثنى حجاج عن أبى معشر عن محمد بن كعب القرظى ومحمد بن قيس قالا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناد من أندية قريش كثير أهله فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شئ فينفروا عنه فأنزل الله عز وجل والنجم إذا هوى مل ضل صاحبكم وما غوى فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى ألقى الشيطان عليه كلمتين تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى فتكلم بها ثم مضى فقرأ السورة كلها فسجد في آخر السورة وسجد القوم معه جميعا ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود فرضوا بما تكلم به وقالوا قد عرفنا أن الله يحيى ويميت وهو الذى يخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فإذا جعلت لها نصيبا فنحن معك قالا فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال ما جئتك بهاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل فأوحى الله إليه وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفتري علينا غيره - إلى قوله

[ 78 ]

ثم لا تجد لك علينا نصيرا) فما زال مغموما مهموما حتى نزلت (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى - إلى قوله - والله عليم حكيم) قال فسمع من كان بأرض الحبشة من المهاجرين أن أهل مكة قد اسلموا كلهم فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا هم أحب إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان ثم قام فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق في نقض الصحيفة التى كانت قريش كتبت بينها على بنى هاشم وبنى المطلب نفر من قريش وكان أحسنهم بلاء فيه هشام ابن عمرو بن الحارث العامري من عامر بن لؤى وكان ابن أخى نضلة بن هاشم بن عبد مناف لامه وأنه مشى إلى زهير بن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت لا يبايعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم أما إنى أحلف بالله لو كان أخوال أبى الحكم ابن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا قال ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد والله لو كان معى رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها قال قد وجدت رجلا قال من هو قال أنا قال له زهير ابغنا ثالثا فذهب إلى المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف فقال له يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سريعا قال ويحك فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت ثانيا قال من هو قال أنا قال أبغنا ثالثا قال قد فعلت قال من هو قال زهير بن أبى أمية قال ابغنا رابعا فذهب إلى أبى البخترى ابن هشام فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدى فقال وهل من أحد يعين على هذا قال نعم قال من هو قال زهير بن أبى أمية والمطعم بن عدى وأنا معك قال ابغنا خامسا فذهب إلى زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم فقال له وهل على هذا الامر الذى تدعوني إليه من أحد قال نعم ثم سمى له القوم فاتعدوا له خطم الحجون التى بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك وأجمعوا

[ 79 ]

أمرهم وتعاهدوا على القيام في الصحيفة التى ينقضوها وقال زهير أنا أبدأكم فأكون أولكم يتكلم فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير بن أبى أمية عليه حلة له فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال يا أهل مكة أنأكل الطعام ونشرب الشراب ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبايعون ولا يبتاع منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة قال أبو جهل وكان في ناحية المسجد كذبت والله لا تشق قال زمعة بن الاسود أنت والله أكذب ما رضينا كتابها حين كتبت قال أبو البخترى صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به قال المطعم بن عدى صدقتما وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها قال هشام بن عمرو نحوا من ذلك قال أبو جهل هذا أمر قضى بليل وتشوور فيه بغير هذا المكان وأبو طالب جالس في ناحية المسجد وقام المطعم ابن عدى إلى الصحيفة ليشقها فوجد الارضة قد أكلتها إلا ما كان من باسمك اللهم وهى فاتحة ما كانت تكتب قريش تفتتح بها كتابها إذا كتبت قال وكان كاتب صحيفة قريش فيما بلغني التى كتبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطه من بنى هاشم وبنى المطلب منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى فشلت يده وأقام بقيتهم بأرض الحبشة حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمرى فحملهم في سفينتين فقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعد الحديبية وكان جميع من قدم في السفينتين ستة عشر رجلا ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيما مع قريش بمكة يدعوهم إلى الله سرا وجهرا صابرا على أذاهم وتكذيبهم إياه واستهزائهم به حتى إن كان بعضهم فيما ذكر يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلى ويطرحها في برمته إذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فيما بلغني حجرا يستتر به منهم إذا صلى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن إسحاق قال حدثنى عمر ابن عبد الله بن عروة بن الزبير عن عروة بن الزبير قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج بذلك إذا رمى به في داره على العود فيقف على بابه ثم يقول يا بنى

[ 80 ]

عبد مناف أي جوار هذا ثم يلقيه بالطريق ثم إن أبا طالب وخديجة هلكا في عام واحد وذلك فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين فعظمت المصيبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاكهما وذلك أن قريشا وصلوا من أذاه بعد موت أبى طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته منه حتى نثر بعضهم على رأسه التراب * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال حدثنى هشام بن عروة عن أبيه قال لما نثر ذلك السفيه التراب على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهى تبكى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها يا بنية لا تبكى فإن الله مانع أباك قال ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ولما هلك أبو طالب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة من قومه وذكر أنه خرج إليهم وحده فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا ابن إسحاق قال حدثنى يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة عبد ياليل بن عمرو بن عمير ومسعود ابن عمرو بن عمير وحبيب بن عمرو بن عمير وعندهم امرأة من قريش من بنى جمح فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاء لهم من نصرته على الاسلام والقيام معه على من خالفه من قومه فقال أحدهم هو يمرط بباب الكعبة إن كان الله أرسلك وقال الاخر ما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك كلمة أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لانت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى أن أكلمك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف وقد قال لهم فيما ذكر لى إن فعلتم ما فعلتم فاكتموا على وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس

[ 81 ]

وألجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقى من سفهاء ثقيف وقد لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لى تلك المرأة من بنى جمح فقال لها ماذا لقينا من أحمائك فلما اطمان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما ذكر لى اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتى وهوانى على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمرى إن لم يكن بك على غضب فلا أبالى ولكن عافيتك هي أوسع لى أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بى غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك فلما رأى ابنا ربيعة عتبة وشيبة ما لقى تحركت له رحمهما فدعوا له غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس فقالا له خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده قال بسم الله ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس وما دينك قال أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى قال له وما يدريك ما يونس بن متى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أخى كان نبيا وأنا نبى فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه ورجليه قال يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه أما غلامك فقد أفسده عليك فلما جاءهما عداس قالا له ويلك يا عداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه قال يا سيدى ما في الارض خير من هذا الرجل لقد خبرني بأمر لا يعلمه إلا نبى فقالا ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من

[ 82 ]

خير ثقيف حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلى فمر به نفر من الجن الذين ذكر الله عز وجل * قال محمد بن اسحاق وهم فيما ذكر لى سبعة نفر من جن أهل نصيبين اليمن فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا فقص الله عز وجل خبرهم عليه (وإذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن - إلى قوله - ويجركم من عذاب أليم) وقال (قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن) إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة قال محمد وتسمية النفر من الجن الذين استمعوا الوحى فيما بلغني حسا ومسا وشاصر وناصر واينا الاردواينين والاحقم قال ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الطائف مريدا مكة به بعض أهل مكة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أنت مبلغ عنى رسالة أرسلك بها قال نعم قال فأتاه الاخنس بن شريق فقل له يقول لك محمد هل أنت مجيرى حتى أبلغ رسالة ربى قال فأتاه فقال له ذلك فقال الاخنس إن الحليف لا يجير على الصريح قال فأتى النبي صلى الله على وسلم فأخبره قال تعود قال نعم قال ائت سهيل بن عمرو فقل له أن محمدا يقول لك هل أنت مجيرى حتى أبلغ رسالات ربى فأتاه فقال له ذلك قال فقال إن بنى عامر بن لؤى لا تجير على بنى كعب قال فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره قال تعود قال نعم قال ائت المطعم ابن عدى فقل له إن محمدا يقول لك هل أنت مجيرى حتى أبلغ رسالات ربى قال نعم فليدخل قال فرجع الرجل إليه فأخبره وأصبح المطعم بن عدى قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه فدخلوا المسجد فلما رآه أبو جهل قال أمجير أم متابع قال بل مجير قال فقال قد أجرنا من أجرت فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وأقام بها فدخل يوما المسجد الحرام والمشركون عند الكعبة فلما رآه أبو جهل قال هذا نبيكم يا بنى عبد مناف قال عتبة بن ربيعة وما تنكر أن يكون منا نبى أو ملك فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أو سمعه فأتاهم فقال أما أنت يا عتبة بن ربيعة

[ 83 ]

فوالله ما حميت لله ولا لرسوله ولكن حميت لانفك وأما أنت يا أبا جهل بن هشام فوالله لا يأتي عليك غير كبير من الدهر حتى تضحك قليلا وتبكى كثيرا وأما أنتم يا معشر الملا من قريش فوالله لا يأتي عليكم غير كبير من الدهر حتى تدخلوا فيما تنكرون وأنتم كارهون وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في الموسم إذا كانت على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبى مرسل ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى حسين بن عبد الله بن عبيد الله ابن عباس قال سمعت ربيعة بن عباد يحدث أبى قال إنى لغلام شاب مع أبى بمنى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول يا بنى فلان إنى رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الانداد وأن تؤمنوا بى وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثنى به قال وخلفه رجل أحول وضئ له غديرتان عليه حلة عدنية فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه قال الرجل يا بنى فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن من بنى مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا له قال فقلت لابي يا أبت من هذا الرجل الذى يتبعه يرد عليه ما يقول قال هذا عمه عبد العزى أبو لهب بن عبد المطلب * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال وحدثني محمد بن اسحاق قال حدثنا محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين أنه أتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول لهم يا بنى عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال

[ 84 ]

محمد بن اسحاق حدثنى بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بنى حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه أتى بنى عامر ابن صعصعة فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فقال رجل منهم يقال له بيحرة ابن فراس والله لو أنى أخذت هذا الفتى من قريش لاكلت به العرب ثم قال له أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الامر من بعدك قال الامر إلى الله يصنعه حيث يشاء قال فقال له أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الامر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كانت أدركته السن حتى لا يقدر على أن يوافي معهم الموسم فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسهم فقالوا جاءنا فتى من قريش ثم أحد بنى عبد المطلب يزعم أنه نبى ويدعو إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به معنا إلى بلادنا قال فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال يا بنى عامر هل لها من تلاف هل لذناباها من مطلب والذى نفس فلان بيده ما تقولها اسماعيلي قط وانها لحق فأين كان رأيكم عنه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمر كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الاسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة لا يسمع بقادم يقدم من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق قال حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة الظفرى عن أشياخ من قومه قالوا قدم سويد بن صامت أخو بنى عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا قال وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره ونسبه وشرفه وهو الذى يقول ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى * مقالته بالغيب ساءك ما يفرى مقالته كالشحم ما كان شاهدا * وبالغيب مأثور على ثغره النحر

[ 85 ]

يسرك باديه وتحت أديمه * نميمة غش تبترى عقب الظهر تبين لك العينان ما هو كاتم * ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر فرشني بخير طال ما قد بريتنى * وخير الموالى من يريش ولا يبرى مع أشعار له كثيرة يقولها قال فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به فدعاه إلى الله وإلى الاسلام قال فقال له سويد فلعل الذى معك مثل الذى معى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الذى معك قال مجلة لقمان يعنى حكمة لقمان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرضها على فعرضها عليه فقال إن هذا لكلام حسن، معى أفضل من هذا، قرآن أنزله الله على هدى ونور قال فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الاسلام فلم يبعد منه وقال إن هذا لقول حسن ثم انصرف عنه وقدم المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج فإن كان قومه ليقولون قد قتل وهو مسلم وكان قتله قبل بعاث * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال حدثنى الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ أخو بنى عبد الاشهل عن محمود بن لبيد أخى بنى عبد الاشهل قال لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتنة من بنى عبد الاشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم هل لكم إلى خير مما جئتم له قالوا وما ذاك قال أنا رسول الله بعثنى إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وأنزل على الكتاب ثم ذكر لهم الاسلام وتلا عليهم القرآن فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا أي قوم هذا والله خير مما جئتم له قال فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا قال فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وانصرفوا إلى المدينة فكانت وقعة بعاث بين الاوس والخزرج قال ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك قال محمود بن لبيد فأخبرني من حضره من قومي عند موته

[ 86 ]

إنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات فكانوا يشكون أن قد مات مسلما لقد كان استشعر الاسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع * قال فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه وإنجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذى لقى فيه النفر من الانصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم فبينا هو عند العقبة إذ لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا * قال ابن حميد قال سلمة قال محمد بن اسحاق فحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم من أنتم قالوا نفر من الخزرج قال أمن موالى يهود قالوا نعم قال أفلا تجلسون حتى أكلمكم قالوا بلى قال فجلسوا معه فدعاه ألى الله عز وجل وعرض عليهم الاسلام وتلا عليهم القرآن قال وكان مما صنع الله لهم به في الاسلام أن يهودا كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وكانوا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شئ قالوا لهم إن نبيا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض تعلمن والله إنه للنبى الذى توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام وقالوا له إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى الله أن يجمعهم بك وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا وهم فيما ذكر لي ستة نفر من الخزرج منهم من بنى النجار وهم تيم الله ثم من بنى مالك بن النجار بن ثعلبة ابن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر أسعد ابن زرارة بن عدس ابن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار وهو أبو أمامة وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار وهو ابن عفراء ومن بنى زريق

[ 87 ]

ابن عامر بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة ابن عمرو بن عامر رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق ومن بنى سلمة ابن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة ابن ثعلبة بن عمرو بن عامر ثم من بنى سواد قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو ابن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة ومن بنى حرام بن كعب بن غنم ابن كعب بن سلمة عقبة بن عامر بن نابى بن زيد بن حرام ومن بنى عبيد ابن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد قال فلما قدموا المدينة على قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الاسلام حتى فشا فيهم فلم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الانصار اثنى عشر رجلا فلقوه بالعقبة الاولى فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض عليهم الحرب منهم من بنى النجار أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار وهو أبو أمامة وعوف ومعاذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار وهما ابنا عفراء ومن بنى زريق بن عامر بن مالك بن العجلان ابن عمرو بن عامر بن زريق وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن محلد بن عامر بن زريق ومن بنى عوف بن الخزرج ثم من بنى غنم بن عوف وهم القوافل عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن غنم بن عوف بن الخزرج وأبو عبد الرحمن وهو يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة من بنى غضينة من بلى حليف لهم ومن بنى سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج عباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف ومن بنى سلمة ثم من بنى حرام عقبة بن عامر بن نابى بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة ومن بنى سواد قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو ابن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة وشهدها من الاوس ابن حارثة بن ثعلبة بن عمرو

[ 88 ]

ابن عامر ثم من بنى عبد الاشهل أبو الهيثم بن التيهان اسمه مالك حليف لهم ومن بنى عمرو بن عوف عويم بن ساعدة بن صعلجة حليف لهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى يزيد بن أبى حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزنى عن أبى عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحى عن عبادة بن الصامت قال كنت فيمن حضر العقبة الاولى وكنا اثنى عشر رجلا فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فان وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم شيئا من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق أن ابن شهاب ذكر عن عائذ الله بن عبد الله أبى ادريس الخولانى عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال فلما انصرف عنه القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الاسلام ويفقههم في الدين فكان يسمى مصعب بالمدينة المقرئ وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس أبى أمامة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب وعبد الله ابن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ان أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بنى عبد الاشهل ودار بنى ظفر وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس ابن خالة أسعد بن زرارة فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر على بئر يقال لها بئر مرق فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بنى عبد الاشهل وكلاهما مشرك على دين قومه فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لاسيد بن حضير لا أبا لك انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أن يأتيا دارنا فإنه

[ 89 ]

لولا أن أسعد بن زرارة منى حيث قد علمت كفيتك ذلك هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل اليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه قال مصعب أن يجلس أكلمه قال فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما الينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة فقال له مصعب أو تجلس فتسمع فان رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره قال أنصفت ثم ركز حربته وجلس اليهما فكلمه مصعب بالاسلام وقرأ عليه القرآن فقالا فيما يذكر عنهما والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في اشراقه وتسهله ثم قال ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين قالا له تغتسل فتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى ركعتين قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله اليكما الآن سعد بن معاذ ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم فلما وقف على النادى قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت * وقد حدثت أن بنى حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك انهم عرفوا انه ابن خالتك ليخفروك قال فقام سعد مغضبا مبادرا تخوفا للذى ذكر له من بنى حارثة فأخذ الحربة من يده ثم قال والله ما أراك أغنيت شيئا ثم خرج اليهما فلما رآهما سعد مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما متشتما ثم قال لاسد بن زرارة يا أبا أمامة لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رمت هذا منى تغشانا في دارنا بما نكره وقد قال أسعد لمصعب أي مصعب جاءك والله سيد من وراءه من قومه أن يتبعك لم يخالف عليك منهم اثنان فقال له مصعب أو تقعد فتسمع فان رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره قال سعد أنصفت ثم ركز الحربة فجلس فعرض

[ 90 ]

عليه الاسلام وقرأ عليه القرآن قالا فعرفنا والله في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم به في اشراقه وتسهله ثم قال لهما كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين قالا تغتسل فتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى ركعتين قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادى قومه ومعه أسيد بن حضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا نحلف بالله لقد رجع سعد اليكم بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم فلما وقف عليهم قال يا بنى عبد الاشهل كيف تعلمون أمرى فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال فان كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال فوالله ما أمسى في دار عبد الاشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة ورجع أسعد مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فاقام عنده يدعو الناس إلى الاسلام حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بنى أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف وتلك أوس الله وهم من أوس بن حارثة وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الاسلت وهو صيفي وكان شاعرا لهم وقائدا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الاسلام فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق قال ثم إن مصعب ابن عمير رجع إلى مكة وخرج من خرج من الانصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته والنصر لنبيه صلى الله عليه وسلم وإعزاز الاسلام وأهله واذلال الشرك وأهله * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال حدثنى معبد بن كعب بن مالك بن أبى كعب بن القين أخو بنى سلمة أن أخاه عبد الله بن كعب وكان من أعلم الانصار حدثه أن أباه كعب بن مالك حدثه وكان كعب ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها قال خرجنا في حجاج قومنا وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا فلما وجهنا السفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء لنا

[ 91 ]

والله يا هؤلاء إنى قد رأيت رأيا والله ما أدرى أتوا فنقونى عليه أم لا قال فقلنا وما ذاك قال قد رأيت أن لا أدع هذه البنية منى بظهر يعنى الكعبة وأن أصلى إليها قال فقلنا والله ما بلغنا عن نبينا أنه يصلى إلا إلى الشأم وما نريد أن نخالفه قال فقال إنى لمصل إليها فقلنا له لكنا لا نفعل قال فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشأم وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة قال وقد عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الاقامة على ذلك فلما قدمنا مكة قال لى يا ابن أخى انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا فانى والله لقد وقع في نفسي منه شئ لما رأيت من خلافكم إياى فيه قال فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك فلقينا جلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله الله صلى الله عليه وسلم فقال هل تعرفانه قلنا لا قال فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه قلنا نعم قال وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا قال وإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس بن عبد المطلب قال فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع العباس فسلمنا ثم جلسنا إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل قال نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاعر قال نعم قال فقال له البراء بن معرور يا نبى الله إنى خرجت في سفري هذا وقد هداني الله للاسلام فرأيت أن لا أجعل هذه البنية منى بظهر فصليت إليها وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شئ فماذا ترى يا رسول الله قال قد كنت على قبلة لو صبرت عليها فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معنا إلى الشأم قال وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس ذلك كما قالوا نحن أعلم به منهم قال ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق قال فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التى واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر

[ 92 ]

أخبرناه وكنا نكتم من معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر أنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وانا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه إلى الاسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيانا العقبة قال فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين تسلل القطا حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا ومعهم امرأتان من نسائهم نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بنى مازن بن النجار وأسماء بنت عمرو بن عدى إحدى نساء بنى سلمة وهى أم منيع فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له فلما جلس كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال يا معشر الخزرج وكانت العرب إنما يسمون هذا الحى من الانصار الخزرج خزرجها وأوسها إن محمدا منا حيث قد عنم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا وهو في عز من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا الانقطاع لكم واللحوق بكم فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون انكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فانه في عز ومنعة من قومه وبلده قال فقلنا له قد سمعنا (فقلت) فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك وربك ما احببت قال فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم قال فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال والذى بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر قال فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وآله أبو الهيثم بن التيهان حليف بنى عبد الاشهل فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا وإنا قاطعوها يعنى اليهود فهل عسيت

[ 93 ]

إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم أنتم منى وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله أخرجوا إلي منكم اثنى عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم فأخرجوا اثنى عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق فحدثى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال للنقباء أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي قالوا نعم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وآله قال العباس ابن عبادة بن نضلة الانصاري ثم أخو بنى سالم بن عوف يا معشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل قالوا نعم قال إنكم تبايعونه على حرب الاحمر والاسود من الناس فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتل أسلمتموه فمن الآن فهو والله خزى الدنيا والآخرة إن فعلتم وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الاموال وقتل الاشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والاخرة قالوا فإنا نأخذه على مصيبة الاموال وقتل الاشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا قال الجنة قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه وأما عاصم بن عمرو بن قتادة فقال والله ما قال العباس ذلك إلا ليشد العقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أعناقهم وأما عبد الله بن أبى بكر فقال والله ما قال العباس ذلك إلا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبى ابن سلول فيكون أقوى لامر القوم والله أعلم أي ذلك كان فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يديه وبنو عبد الاشهل يقولون بل أبو الهيثم بن التيهان * قال ابن حميد قال سلمة قال محمد وأما معبد ابن كعب بن مالك فحدثني قال أبو جعفر وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد قال

[ 94 ]

حدثنى أبى قال حدثنا محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب قال فحدثني في حديثه عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك قال كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور ثم تتابع القوم فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقول عدو الله هذا أزب العقبة هذا ابن أزيب اسمع عدو الله أما والله لافرغن لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفضوا إلى رحالكم فقال له العباس بن عبادة بن نضلة والذى بعثك بالحق لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤنا في منازلنا فقالوا يا معشر الخزرج إنا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حى من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم قال فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شئ وما علمناه قال وصدقوا لم يعلموا قال وبعضنا ينظر إلى بعض وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام ابن المغيرة المخزومى وعليه نعلان جديدان قال فقلت كلمة كأنى أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلى فقال والله لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر مه أحفظت والله الفتى فاردد عليه نعليه قال قلت والله لا أردهما فأل والله صالح والله لئن صدق الفأل لاسلبنه فهذا حديث كعب بن مالك عن العقبة وما حضر منها (قال أبو جعفر) وقال غير بن إسحاق كان من قدم على النبي صلى الله عليه وآله للبيعة من الانصار في ذى الحجة وأقام رسول الله صلى الله عليه وآله بعدهم بمكة بقية ذى الحجة من تلك السنة والمحرم وصفر وخرج مهاجرا إلى المدينة في شهر

[ 95 ]

ربيع الاول وقدمها يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت منه * وحدثني علي بن نصر بن علي وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال علي بن نصر حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وقال عبد الوارث حدثنى أبى قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة أنه قال لما رجع من أرض الحبشة من رجع منها ممن كان هاجر إليها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جعل أهل الاسلام يزدادون ويكثرون وأنه أسلم من الانصار بالمدينة ناس كثير وفشا بالمدينة الاسلام فطفق أهل المدينة يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فلما رأت ذلك قريش تذامرت على أن يفتنوهم ويشتدوا عليهم فاخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم فأصابهم جهد شديد وكانت الفتنة الاخرة وكانت فتنتين فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة حين أمرهم بها وأذن في الخروج إليها وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة ثم إنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة سبعون نقيبا رؤوس الذين أسلموا فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة وأعطوه عهودهم على أنا منك وأنت منا وعلى أنه جاء من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا فاشتدت عليهم قريش عند ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالخروج إلى المدينة وهى الفتنة الاخرة التى أخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وخرج وهى التى أنزل الله عز وجل فيها (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال وحدثني عبد الله بن أبى بكر ابن محمد بن عمر بن حزم أنهم أتوا عبد الله بن أبي ابن سلول يعنى قريشا فقالوا مثل ما ذكر كعب بن مالك من القول لهم فقال لهم ان هذا الامر جسيم ما كان قومي ليتفوتوا علي بمثل هذا وما علمته كان فانصرفوا عنه وتفرق الناس من منى فتبطن القوم الخبر فوجدوه قد كان وخرجوا في طلب القوم فأدركوا سعد بن عبادة بالحاجر والمنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج فكلاهما كان نقيبا فأما المنذر فأعجز القوم وأما سعد فأخذوه وربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ثم

[ 96 ]

أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجبذونه بجمته وكان ذا شعر كثير فقال سعد فوالله إنى لفي أيديهم إذ طلع على نفر من قريش فيهم رجل أبيض وضئ شعشاع حلو من الرجال قال قلت إن يكن عند أحد من القوم خبر فعند هذا فلما دنا منى رفع يديه فلطمني لطمة شديدة قال قلت في نفسي والله ما عندهم بعد هذا خير قال فوالله إنى لفى أيديهم يسحبونني إذ أوى الي رجل منهم ممن معهم فقال ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد قال قلت بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف تجارة وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي والحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف قال ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما قال ففعلت وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالابطح وإنه ليهتف بكما ويذكر أن بينه وبينكما جوارا قالا ومن هو قال سعد بن عبادة قالا صدق والله إن كان ليجير تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده قال فجاآ فخلصا سعد من أيديهم وانطلق وكان الذى لكم سعدا سهل بن عمرو أخو بنى عامر بن لؤى (قال أبو جعفر) فلما قدموا المدينة أظهروا الاسلام بها وفى قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من أهل الشرك منهم عمرو بن الجموح ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة وكان ابنه معاذ بن عمرو قد شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتيان منهم وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بايع من الاوس والخزرج في العقبة الآخرة وهى بيعة الحرب حين أذن الله عز وجل في القتال بشروط غير الشروط في العقبة الاولى * وأما الاولى فانها كانت على بيعة النساء على ما ذكرت الخبربة عن عبادة بن الصامت قبل وكانت بيعة العقبة الثانية على حرب الاحمر والاسود على ما قد ذكرت قبل عن عروة بن الزبير * وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه الوليد عن عبادة ابن الصامت وكان أحد النقباء قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة

[ 97 ]

الحرب وكان عبادة من الاثنى عشر الذين بايعوا في العقبة الاولى (قال أبو جعفر) فلما أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال ونزل قوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وبايعه الانصار على ما وصفت من بيعتهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ممن هو معه بمكة من المسلمين بالهجرة والخروج إلى المدينة واللحوق باخوانهم من الانصار وقال إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه بالخروج من مكة والهجرة إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش ثم من بنى مخزوم أبو سلمة ابن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة وكان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من أرض الحبشة فلما آذته قريش وبلغه اسلام من أسلم من الانصار خرج إلى المدينة مهاجرا ثم كان أول من قدم المدينة من المهاجرين بعد أبى سلمة عامر بن ربيعة حليف بنى عدى بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة ابن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب ثم عبد الله ابن جحش بن رئاب وأبو أحمد بن جحش وكان رجلا ضرير البصر وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين الا أخذ فحبس أو فتن الا علي بن أبى طالب وأبو بكر بن أبى قحافة وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا فطمع أبو بكر أن يكونه فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم

[ 98 ]

وعرفوا أنه قد أجمع أن يلحق بهم لحربهم فاجتمعوا له في دار الندوة وهى دار قصى بن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمرا الا فيها يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد بن جبر أبى الحجاج عن ابن عباس قال وحدثني الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس والحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة ويشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم غدوا في اليوم الذى اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى الزحمة فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بت له فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذى اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأى ونصح قالوا أجل فادخل فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلهم من كل قبيلة من بنى عبد شمس شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب ومن بنى نوفل بن عبد مناف طعيمة بن عدى وجبير بن مطعم والحارث بن عامر بن نوفل ومن بنى عبد الدار بن قصى النضر بن الحارث بن كلدة ومن بنى أسد بن عبد العزى أبو البخترى بن هشام وزمعة بن الاسود وحكيم بن حزام ومن بنى مخزوم أبو جهل بن هشام ومن بنى سهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج ومن بنى جمح أمية بن خلف ومن كان منهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش فقال بعضهم لبعض إن هذا الرجل قد كان أمره ما قد كان وما قد رأيتم وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا قالوا فتشاورا ثم قال قائل منهم احبسوه في الحديد وأغلقوه عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه منهم ما أصابهم قال فقال الشيخ النجدي لا والله ما هذا لكم برأى والله لو حبستموه كما تقولون لخرج أمره من وراء الباب الذى أغلقتموه دونه إلى أصحابه فلا وشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه

[ 99 ]

من أيديكم ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم هذا ما هذا لكم برأى فانظروا في غيره ثم تشاوروا فقال قائل منهم نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلدنا فإذا خرج عنا فو الله ما نبالي اين ذهب ولا حيث وقع غاب عنا أذاه وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت قال الشيخ النجدي والله ما هذا لكم برأى ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به من الله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ثم يسير به إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد أديروا فيه رأيا غير هذا قال فقال أبو جهل بن هشام والله إن لى فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد قالوا وما هو يا أبا الحكم قال أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدون إليه ثم يضربونه بها ضربه رجل واحد فيقتلونه فنستريح فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل كلها فلم يقدروا بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا ورضوا منا بالعقل فعقلناه لهم قال يقول الشيخ النجدي القول ما قال الرجل هذا الرأى لا أرى لكم غيره فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه قال فلما كان العتمة من الليل اجتمعوا على بابه فترصدوه متى ينام فيثبون عليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال نم على فراشي واتشح ببردى الحضرمي الاخضر فنم فيه فإنه لا يخلص إليك شئ تكرهه منهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام (قال أبو جعفر) زاد بعضهم في هذه القصة في هذا الموضع وقال له إن أتاك ابن أبى قحافة فأخبره أنى توجهت إلى ثور فمره فليلحق بى وأرسل إلى بطعام واستأجر لى دليلا يدلني على طريق المدينة واشتر لى راحلة ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعمى الله أبصار الذين كانوا يرصدونه عنه وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال

[ 100 ]

اجتمعوا له وفيهم أبو جهل بن هشام فقال وهم على بابه إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم بعد موتكم فجعل لكم جنان كجنان الاردن وإن لم تفعلوا كان لكم منه ذبح ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها قال وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب ثم قال نعم أنا أقول ذلك أنت أحدهم وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم - إلى قوله - وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات فلم يبق منهم رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال ما تنتظرون ههنا قالوا محمد قال خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته أفما ترون ما بكم قال فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون والله إن هذا لمحمد نائم عليه برده فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش فقالوا والله لقد صدقنا الذى حدثنا فكان مما نزل من القرآن في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) وقول الله عز وجل (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين) وقد زعم بعضهم أن أبا بكر أتى عليا فسأله عن نبى الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه لحق بالغار من ثور وقال إن كان لك فيه حاجة فالحقه فخرج أبو بكر مسرعا فلحق نبى الله صلى الله عليه وسلم في الطريق فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم جرس أبى بكر في ظلمة الليل فحسبه من المشركين فأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشى فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجر فكثر دمها وأسرع السعي فخاف أبو بكر أن يشق على رسول

[ 101 ]

الله صلى الله عليه وسلم فرفع صوته وتكلم فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام حتى أتاه فانطلقا ورجل رسول الله صلى الله عليه وسلم تستن دما حتى انتهى إلى الغار مع الصبح فدخلاه وأصبح الرهط الذين كانوا يرصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا الدار وقام علي عليه السلام عن فراشه فلما دنوا منه عرفوه فقالوا له أين صاحبك قال لا أدرى أو رقيبا كنت عليه أمرتموه بالخروج فخرج فانتهروه وضربوه وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعة ثم تركوه ونجى الله رسوله من مكرهم وأنزل عليه في ذلك (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) (قال أبو جعفر) وأذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم عند ذلك بالهجرة فحدثنا على بن نصر الجهضمى قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنا أبى قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة قال لما خرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقبل أن يخرج يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل هذه الآية التى أمروا فيها بالقتال استأذنه أبو بكر ولم يكن أمره بالخروج مع من خرج من أصحابه حبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له انظرني فإنى لا أدرى لعلى يؤذن لى بالخروج وكان أبو بكر قد اشترى راحلتين يعدهما للخروج مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فلما استنظره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بالذى يرجو من ربه أن يأذن له بالخروج حبسهما وعلفهما انتظار صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمنهما فلما حبس عليه خروج النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر أتطمع أن يؤذن لك قال نعم فانتظره فمكث بذلك فأخبرتني عائشة أنهم بينا هم ظهرا في بيتهم وليس عند أبى بكر إلا ابنتاه عائشة وأسماء إذا هم برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قام قائم الظهيرة وكان لا يخطئه يوما أن يأتي بيت أبى بكر أول النهار وآخره فلما رأى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم جاء ظهرا قال له ما جاء بك يا نبى الله إلا أمر حدث فلما دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم البيت قال

[ 102 ]

لابي بكر أخرج من عندك قال ليس علينا عين إنما هما ابنتاى قال إن الله قد أذن لى بالخروج إلى المدينة فقال أبو بكر يا رسول الله الصحابة الصحابة قال الصحابة قال أبو بكر خذ إحدى الراحلتين وهما الراحلتان اللتان كان يعلفهما أبو بكر يعدهما للخروج إذا أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إحدى الراحلتين فقال خذها يا رسول الله فارتحلها فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذتها بالثمن وكان عامر بن فهيرة مولدا من مولدي الازد كان للطفيل بن عبد الله بن سخبرة وهو أبو الحارث ابن الطفيل وكان أخا عائشة بنت أبى بكر وعبد الرحمن بن أبى بكر لامهما فأسلم عامر بن فهيرة وهو مملوك لهم فاشتراه أبو بكر فأعتقه وكان حسن الاسلام فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر كان لابي بكر منيحة من غنم تروح على أهله فأرسل أبو بكر عامرا في الغنم إلى ثور فكان عامر بن فهيرة يروح بتلك الغنم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغار في ثور وهو الغار الذى سماه الله في القرآن فأرسل بظهرهما رجلا من بنى عبد بن عدى حليفا لقريش من بنى سهم ثم آل العاص ابن وائل وذلك العدوى يومئذ مشرك ولكنهما استأجراه وهو هاد بالطريق وفى الليالى التى مكثا بالغار كان يأتيهما عبد الله بن أبى بكر حين يمسى بكل خبر بمكة ثم يصبح بمكة ويريح عامر الغنم كل ليلة فيحلبان ثم يسرح بكرة فيصبح في رعيان الناس ولا يفطن له حتى إذا هدأت عنهما الاصوات وأتاهما أن قد سكت عنهما جاءهما صاحبهما ببعيريهما فانطلقا وانطلقا معهما بعامر بن فهيرة يخدمهما ويعينهما يردفه أبو بكر ويعقبه على رحله ليس معهما أحد إلا عامر بن فهيرة وأخو بنى عدى يهديهما الطريق فأجاز بهما في أسفل مكة ثم مضى بهما حتى حاذى بهما الساحل أسفل من عسفان ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد ما جاوز قديدا ثم سلك الخرار ثم أجاز على ثنية المرة ثم أخذ على طريق يقال لها المدلجة بين طريق عمق وطريق الروحاء ثم يوفق لطريق العرج وسلك ماء يقال له الغابر عن يمين ركوبة حتى يطلع على بطن رئم ثم جاء حتى قدم المدينة على بنى عمرو بن عوف قبل القائلة فحدثت أنه لم يبق فيهم إلا يومين وتزعم بنو عمرو بن عوف أن قد أقام فيهم أفضل من ذلك فاقتاد راحلته فاتبعته حتى دخل في دور بنى النجار فأراهم

[ 103 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم مربدا كان بين ظهرى دورهم * وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي قال حدثنى عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخطئه أحد طرفي النهار أن يأتي بيت أبى بكر إما بكرة وإما عشية حتى إذا كان اليوم الذى أذن الله فيه لرسوله بالهجرة وبالخروج من مكة من بين ظهرانى قومه أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها قالت فلما رآه أبو بكر قال ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا لامر حدث قالت فلما دخل تأخر أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عند أبى بكر إلا أنا وأختى أسماء بنت أبى بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عنى من عندك قال يا نبى الله إنما هما ابنتاى وما ذاك فداك أبى وأمى قال إن الله عز وجل قد أذن بالخروج والهجرة فقال أبو بكر الصحبة يا رسول الله قال الصحبة قالت فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكى من الفرح ثم قال يا نبى الله إن هاتين راحلتاى كنت أعددتهما لهذا فاستأجرا عبد الله بن أرقد رجلا من بنى الديل بن بكر وكانت أمه امرأة من بنى سهم بن عمرو وكان مشركا يدلهما على الطريق ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما ولم يعلم فيما بلغني بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا علي بن أبى طالب وأبو بكر الصديق وآل أبى بكر فاما علي بن أبى طالب فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني أخبره بخروجه وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده للناس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بمكة أحد عنده شئ يخشى عليه إلا وضعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يعرف من صدقه وأمانته فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج أتى أبا بكر بن أبى قحافة فخرجا من خوخة لابي بكر في ظهر بيته ثم عمدا إلى غار بثور جبل بأسفل مكة فدخلاه وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبى بكر أن

[ 104 ]

يسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى بالغار وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما فاقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم فكان عبد الله بن أبى بكر يكون في قريش ومعهم ويستمع بما يأتمرون به وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر وكان عامر بن فهيرة مولى أبى بكر يرعى في رعيان أهل مكة فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبى بكر فاحتلبا وذبحا فإذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفى عليه حتى إذا مضت الثلاث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذى استأجرا ببعيريهما وأتتهما أسماء بنت أبى بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام فحلت نطاقها فجعلته لها عصاما ثم علقتها به فكان يقال لاسماء بنت أبى بكر ذات النطاقين لذلك فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب له أفضلهما ثم قال له اركب فداك أبى وأمى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى لا اركب بعيرا ليس لى قال فهو لك يا رسول الله بأبى أنت وأمى قال لا ولكن ما الثمن الذى ابتعتها به قال كذا وكذا قال قد أخذتها بذلك قال هي لك يا رسول الله فركبا فانطلقا وأردف أبو بكر عامر ابن فهيرة مولاه خلفه يخدمهما بالطريق * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال وحدثت عن أسماء بنت أبى بكر قالت لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبى بكر فخرجت إليهم فقالوا أين أبو ك يا ابنة أبى بكر قلت لا أدرى والله أين أبى قالت فرفع أبو جهل يده وكان فاحشا خبيثا فلطم خدى لطمة طرح منها قرطي قالت ثم انصرفوا ومكثنا ثلاث ليال لا ندرى أين

[ 105 ]

توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يغنى بأبيات من الشعر غناء العرب والناس يتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلا مكة وهو يقول جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين قالا خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى واغتدوا به * فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بنى كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد قالت فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة وكانوا أربعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعامر ابن فهيرة وعبد الله بن أرقد دليلهما (قال أبو جعفر) حدثنى أحمد بن المقدام العجلى قال حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى قال حدثنا عبد الحميد بن أبى عبس ابن محمد بن أبى عبس بن جبر عن أبيه قال سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبى قبيس فإن يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف المخالف فلما أصبحوا قال أبو سفيان من السعدان ؟ سعد بكر سعد تميم سعد هذيم، فلما كان في الليلة الثانية سمعوه يقول أيا سعد سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعى الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف فإن ثواب الله للطالب الهدى * جنان من الفردوس ذات رفارف فلما أصبحوا قال أبو سفيان هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة (قال أبو جعفر) وقدم دليلهما بهما قباء على بنى عمرو بن عوف لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول يوم الاثنين حين اشتد الضحى وكادت الشمس أن تعتدل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة قال حدثنى رجال قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لما سمعنا

[ 106 ]

بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلا دخلنا بيوتنا وذلك في أيام حارة حتى إذا كان في اليوم الذى قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسنا كما كنا نجلس حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود وقد رأى ما كنا نصنع وإنا كنا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ بأعلى صوته يا بنى قيلة هذا جدكم قد جاء قال فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنة وأكثرنا من لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قال وركبه الناس وما نعرفه من أبى بكر حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله فيما يذكرون على كلثوم بن هدم أخى عمرو ابن عوف ثم أحد بنى عبيد ويقال بل نزل على سعد بن خيثمة * ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن هدم إنما كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج من منزل كلثوم بن هدم جلس للناس في بيت خيثمة وذلك أنه كان عزبا لا أهل له وكان منازل العزاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المهاجرين عنده فمن هنالك يقال نزل على سعد بن خيثمة وكان يقال لبيت سعد بن خيثمة بيت العزاب فالله أعلم أي ذلك كان كلا قد سمعنا ونزل أبو بكر بن أبى قحافة على خبيب بن أساف أخى بنى الحارث بن الخزرج بالسنح ويقول قائل كان منزله على خارجة بن زيد بن أبى زهير أخي بنى الحارث بن الخزرج * وأقام علي بن أبى طالب رضى الله عنه بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده إلى الناس حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل معه على كلثوم بن هدم فكان علي يقول وإنما كانت إقامته بقباء على امرأة لا زوج لها مسلمة ليلة أو ليلتين

[ 107 ]

وكان يقول كنت نزلت بقباء على امرأة لا زوج لها مسلمة فرأيت إنسانا يأتيها في جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه قال فاستربت لشأنه فقلت لها يا أمة الله من هذا الرجل الذى يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا ما أدرى ما هو وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك قالت هذا سهل ابن حنيف بن واهب قد عرف أنى امرأة لا أحد لى فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها وقال احتطبي بهذا فكان علي بن أبى طالب يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق قال حدثنى هذا الحديث علي بن هند بن سعد بن سهل بن حنيف عن علي بن أبى طالب رضى الله عنه * فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم أخرجه الله عز وجل من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك والله أعلم * ويقول بعضهم إن مقامه بقباء كان بضعة عشر يوما (قال أبو جعفر) واختلف السلف من أهل العلم في مدة مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد ما استنبئ فقال بعضهم كانت مدة مقامه بها إلى أن هاجر إلى المدينة عشر سنين ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا يحيى بن محمد بن قيس المدنى يقال له أبو زكير قال سمعت ربيعة بن أبى عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين فأقام بمكة عشرا * حدثنى الحسين ابن نصر الآملي قال حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال أخبرتني عائشة وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا يحيى بن سعيد قال سمعت سعيد بن المسيب يقول أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين فأقام بمكة

[ 108 ]

عشرا * حدثنى أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا أحمد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة فمكث بمكة عشرا * حدثنى محمد بن إسماعيل قال حدثنا عمرو ابن عثمان الحمصى قال حدثنا أبى قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار قال هاجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على رأس عشر من مخرجه (قال أبو جعفر) وقال آخرون بل أقام بعدما استنبئ بمكة ثلاث عشرة سنة ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا حجاج بن المنهال قال حدثنا حماد يعنى ابن سلمة عن أبى جمرة عن ابن عباس قال أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه * حدثنى محمد بن خلف قال حدثنا آدم قال حدثنا حماد ابن سلمة قال حدثنا أبو جمرة الضبعى عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة * حدثنى محمد بن معمر قال حدثنا روح قال حدثنا زكرياء بن إسحاق قال حدثنا عمرو بن دينار عن ابن عباس قال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة * حدثنى عبيد ابن محمد الوراق قال حدثنا روح قال حدثنا هشام قال حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة (قال أبو جعفر) وقد وافق قول من قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة قول ابن قيس صرمة بن أبى أنس أخى بنى عدى بن النجار في قصيدته التى يقول فيها وهو يصف كرامة الله إياهم بما أكرمهم به من الاسلام ونزول نبى الله صلى الله عليه وسلم عليهم ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا ويعرض في أهل المواسم نفسه * فلم يرمن يؤوى ولم ير داعيا

[ 109 ]

فلما أتانا أظهر الله دينه * فأصبح مسرورا بطيبة راضيا وألفى صديقا واطمأنت به النوى * وكان له عونا من الله باديا يقص لنا ما قال نوح لقومه * وما قال موسى إذ أجاب المناديا وأصبح لا يخشى من الناس واحدا * قريبا ولا يخشى من الناس نائيا بذلنا له الاموال من جل مالنا * وأنفسنا عند الوغى والتآسيا ونعلم أن الله لا شئ غيره * ونعلم أن الله أفضل هاديا فأخبر أبو القيس في قصيدته هذه أن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه قريش كان بعد ما استنبئ وصدع بالوحى من الله بضع عشرة حجة * وقال بعضهم كان مقامه بمكة خمس عشرة سنة ذكر من قال ذلك * حدثنى بذلك الحارث عن ابن سعد عن محمد بن عمر عن ابراهيم بن اسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس واستشهد بهذا البيت من قول أبى قيس صرمة بن أبى أنس غير أنه أنشد ذلك ثوى في قريش خمس عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا (قال أبو جعفر) وقد روى عن الشعبى أن اسرافيل قرن برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه ثلاث سنين * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر الواقدي قال حدثنا الثوري عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى * قال وحدثنا املاء من لفظه منصور عن الاشعث عن الشعبى قال قرن اسرافيل بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه ثم كان بعد ذلك جبريل عليه السلام قال الواقدي فذكرت ذلك لمحمد بن صالح بن دينار فقال والله يا ابن أخى لقد سمعت عبد الله بن أبى بكر بن حزم وعاصم ابن عمر بن قتادة يحدثان في المسجد ورجل عراقى يقول لهما هذا فأنكراه جميعا وقالا ما سمعنا ولا علمنا إلا أن جبريل هو الذى قرن به وكان يأتيه بالوحى من

[ 110 ]

يوم نبئ إلى أن توفى صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبى عدى عن داود عن عامر قال أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته اسرافيل ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشئ ولم ينزل القرآن على لسانه فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام فنزل القرآن على لسانه عشر سنين بمكة وعشر سنين بالمدينة (قال أبو جعفر) فلعل الذين قالوا كان مقامه بمكة بعد الوحى عشرا عدوا مقامه بها من حين أتاه جبريل بالوحى من الله عز وجل وأظهر الدعاء إلى توحيد الله وعد الذين قالوا كان مقامه ثلاث عشرة سنة من أول الوقت الذى استنبئ فيه وكان اسرافيل المقرون به وهى السنون الثلاث التى لم يكن أمر فيها بأظهار الدعوة وقد روى عن قتادة غير القولين اللذين ذكرت وذلك ما حدثت عن روح بن عبادة قال سعيد عن قتادة قال نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانى سنين بمكة وعشرا بعدما هاجر وكان الحسن يقول عشرا بمكة وعشرا بالمدينة ذكر الوقت الذى عمل فيه التأريخ (قال أبو جعفر) ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أمرا بالتأريخ فيما قيل * حدثنى زكرياء بن يحيى بن أبى زائدة قال حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن أبى سلمة عن ابن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وقدمها في شهر ربيع الاول أمر بالتأريخ (قال أبو جعفر) فذكر أنهم كانوا يؤرخون بالشهر والشهرين من مقدمه إلى أن تمت السنة وقد قيل إن أول من أمر بالتأريخ في الاسلام عمر بن الخطاب رحمه الله ذكر الاخبار الواردة بذلك * حدثنى محمد بن اسماعيل قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا حبان بن علي العنزي عن مجالد عن الشعبى قال كتب أبو موسى الاشعري إلى عمر أنه تأتينا منك كتب ليس لها تأريخ قال فجمع عمر الناس للمشورة فقال بعضهم أرخ لمبعث رسول الله

[ 111 ]

صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر لا بل نؤرخ لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فان مهاجره فرق بين الحق والباطل * حدثنى محمد بن اسماعيل قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا خالد بن حيان أبو يزيد الخراز عن فرات بن سلمان عن ميمون بن مهران قال رفع إلى عمر صك محله في شعبان فقال عمر أي شعبان الذى هو آت أو الذى نحن فيه قال ثم قال لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعوا للناس شيئا يعرفونه فقال بعضهم اكتبوا على تأريخ الروم فقيل انهم يكتبون من عهد ذى القرنين فهذا يطول وقال بعضهم اكتبوا على تأريخ الفرس فقيل إن الفرس كلما قام ملك طرح من كان قبله فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فوجدوه عشر سنين فكتب التأريخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثت عن أمية بن خالد وأبى داود الطيالسي عن قرة بن خالد السدوسى عن محمد بن سيرين قال قام رجل إلى عمر بن الخطاب فقال أرخوا فقال عمر ما أرخوا قال شئ تفعله الاعاجم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا فقال عمر بن الخطاب حسن فأرخوا فقالوا من أي السنين نبدأ قالوا من مبعثه وقالوا من وفاته ثم أجمعوا على الهجرة ثم قالوا فأى الشهور نبدأ فقالوا رمضان ثم قالوا المحرم فهو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فأجمعوا على المحرم * حدثنى محمد بن اسماعيل قال حدثنى سعيد ابن أبى مريم وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا أبى قالا جميعا حدثنا عبد العزيز بن أبى حازم قال حدثنى أبو حازم عن سهل بن سعد قال ما أصاب الناس العدد ما عدوا من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته ولا عدوا إلا من مقدمه المدينة * حدثنى محمد بن اسماعيل قال حدثنا سعيد ابن أبى مريم قال حدثنا يعقوب بن إسحاق قال حدثنى محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عباس قال كان التأريخ في السنة التى قدم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وفيها ولد عبد الله بن الزبير * حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله

[ 112 ]

ابن عبد الحكم قال حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبى عباد قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال كان التأريخ في السنة التى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فذكر مثله * حدثنى محمد بن اسماعيل قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا نوح بن قيس الطاحى عن عثمان بن محصن أن ابن عباس كان يقول في (والفجر وليال عشر) قال الفجر هو المحرم فجر السنة * حدثنى محمد بن اسماعيل قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا يونس بن أبى إسحاق عن أبى إسحاق عن الاسود بن يزيد عن عبيد بن عمير قال إن المحرم شهر الله عز وجل وهو رأس السنة فيه يكسى البيت ويؤرخ التأريخ ويضرب فيه الورق وفيه يوم كان تاب فيه قوم فتاب الله عز وجل عليهم * حدثنى أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا أحمد قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا زكرياء بن إسحاق عن عمرو بن دينار أن أول من أرخ الكتب يعلى بن أمية وهو باليمن وأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في شهر ربيع الاول وأن الناس أرخوا لاول السنة وإنما أرخ الناس لمقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقال على بن مجاهد عن محمد بن اسحاق عن الزهري وعن محمد بن صالح عن الشعبى قالا أرخ بنو اسماعيل من نار إبراهيم عليه السلام إلى بنيان البيت حين بناه إبراهيم واسماعيل ثم أرخ بنو اسماعيل من بنيان البيت حتى تفرقت فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا بمخرجهم ومن بقى في تهامة من بنى اسماعيل يؤرخون من خروج سعد ونهد وجهينة بنى زيد من تهامة حتى مات كعب بن لؤى فأرخوا من موت كعب بن لؤى إلى الفيل فكان التاريخ من الفيل حتى أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة وذلك سنة سبع عشرة أو ثمانى عشرة * حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا الدراوردى عن عثمان بن عبيد الله بن أبى رافع قال سمعت سعيد بن المسيب يقول جمع عمر بن الخطاب الناس فسألهم فقال من أي يوم نكتب فقال علي عليه السلام من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك أرض الشرك ففعله عمر رضى الله عنه (قال أبو جعفر) وهذا الذى رواه على بن مجاهد عمن رواه عنه في تأريخ

[ 113 ]

بنى اسماعيل غير بعيد من الحق وذلك أنهم لم يكونوا يؤرخون على أمر معروف يعمل به عامتهم وإنما كان المؤرخ منهم يؤرخ بزمان قحمة كانت في ناحية من نواحى بلادهم ولزبة أصابتهم أو بالعامل كان يكون عليهم أو الامر الحادث فيهم ينتشر خبره عندهم يدل على ذلك اختلاف شعرائهم في تأريخاتهم ولو كان لهم تأريخ على أمر معروف وأصل معمول عليه لم يختلف ذلك منهم ومن ذلك قول الربيع بن ضبع الفزارى هانذا آمل الخلود وقد * أدرك عقلي ومولدى حجرا أبا امرئ القيس هل سمعت به * هيهات هيهات طال ذا عمرا فأرخ عمر بحجر بن عمره وأبى امرئ القيس وقال نابغة بن جعدة فمن يك سائلا عنى فانى * من الشبان أزمان الخنان فجعل النابغة تأريخ ما أرخ بزمان علة كانت فيهم عامة وقال آخر وما هي إلا في إزار وعلقة * مغار بن همام على حبى خثعما فكل واحد من هؤلاء الذين ذكرت تأريخهم في هذه الابيات أرخ على قرب زمان بعضهم من بعض وقرب وقت ما أرخ به من وقت الاخر بغير المعنى الذى أرخ الاخر ولو كان لهم تأريخ معروف كما للمسلمين اليوم ولسائر الامم غيرها كانوا إن شاء الله لا يتعدونه ولكن الامر في ذلك كان عندهم إن شاء الله على ما ذكرت فأما قريش من بين العرب فإن آخر ما حصلت من تأريخها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة على التأريخ بعام الفيل وذلك عام ولد رسول الله صلى الله وكان بين عام الفيل والفجار عشرون سنة وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة سنة وبين بناء الكعبة ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم خمس سنين (قال أبو جعفر) وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة وقرن بنبوته كما قال الشعبى ثلاث سنين إسرافيل وذلك قبل أن يؤمر بالدعاء وإظهاره على ما قد قدمنا الرواية والاخبار به ثم قرن بنبوته جبريل عليه السلام بعد السنين الثلاث وأمره بإظهار الدعوة إلى الله فأظهرها ودعا إلى الله مقيما بمكة

[ 114 ]

عشر سنين ثم هاجر إلى المدينة شهر ربيع الاول من سنة أربع عشرة من حين استنبئ وكان خروجه من مكة إليها يوم الاثنين وقدومه المدينة يوم الاثنين لمضى اثنتى عشرة ليلة من شهر ربيع الاول * حدثنى ابراهيم بن سعيد الجوهرى قال حدثنا موسى بن داود عن ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن حنش الصنعانى عن ابن عباس قال ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين ورفع الحجر يوم الاثنين وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وقبض يوم الاثنين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول (قال أبو جعفر) فإذا كان الامر في تأريخ المسلمين كالذى وصفت فإنه وإن كان من الهجرة فإن ابتداءهم إياه قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بشهرين وأيام هي اثنا عشر وذلك أن أول السنة المحرم وكان قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بعد مضى ما ذكرت من السنة ولم يؤرخ التأريخ من وقت قدومه بل من أول تلك السنة ذكر ما كان من الامور المذكورة في أول سنة من الهجرة (قال أبو جعفر) قد مضى ذكرنا وقت مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وموضعه الذى نزل فيه حين قدمها وعلى من كان نزوله وقدر مكثه في الموضع الذى نزله وخبر ارتحاله عنه ونذكر الآن ما لم نذكر قبل مما كان من الامور المذكورة في بقية سنة قدومه وهى السنة الاولى من الهجرة فمن ذلك تجميعه صلى الله عليه وسلم بأصحابه الجمعة في اليوم الذى ارتحل فيه من قباء وذلك أن ارتحاله عنها كان يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته الصلاة صلاة الجمعة في بنى سالم ابن عوف ببطن واد لهم قد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجدا فيما بلغني وكانت هذه الجمعة أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاسلام فخطب في

[ 115 ]

هذه الجمعة وهى أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول جمعة جمعها بالمدينة * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثنى سعيد بن عبد الرحمن الجمحى أنه بلغه عن خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول جمعة صلاها بالمدينة في بنى سالم بن عوف (الحمد لله) أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الاجل من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا، وأوصيكم بتقوى الله فانه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرا وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذى بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوى بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد والذى صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فانه يقول عز وجل (ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد) فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية، فانه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله يوقى مقته ويوقى عقوبته ويوقى سخطه وإن تقوى الله يبيض الوجوه ويرضى الرب ويرفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق

[ 116 ]

جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيى عن بينة ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم فانه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضى على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب ناقته وأرخى لها الزمام فجعلت لا تمر بدار من دور الانصار إلا دعاه أهلها إلى النزول عندهم وقالوا له هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة والمنعة فيقول لهم صلى الله عليه وسلم خلوا زمامها فانها مأمورة حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم فبركت على باب مسجده وهو يومنذ مربد لغلامين يتيمين من بنى النجار في حجر معاذ بن عفراء يقال لاحدهما سهل وللآخر سهيل ابنا عمرو بن عباد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار فلما بركت لم ينزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ثم التفتت خلفها ثم رجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ووضعت جرانها ونزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته فدعته الانصار إلى النزول عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم المرء مع رحله فنزل مع أبى أيوب خالد بن زيد بن كليب في بنى غنم بن النجار (قال أبو جعفر) وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المربد لمن هو فأخبره معاذ بن عفراء وقال هو ليتيمين لى سأرضيهما فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى مسجدا ونزل على أبى أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى موضع مسجده ثم بناه والصحيح عندنا في ذلك ما حدثنا مجاهد بن موسى يزيد بن هارون قال أخبرنا حماد ابن سلمة عن أبى التياح عن أنس بن مالك قال كان موضع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لبنى النجار وكان فيه نخل وحرث وقبور من قبور الجاهلية فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثامنونى به فقالوا لا نبتغى به ثمنا إلا ما عند الله

[ 117 ]

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطع وبالحرث فافسد وبالقبور فنبشت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يصلى في مرابض الغنم وحيث أدركته الصلاة (قال أبو جعفر) وتولى بناء مسجده صلى الله عليه وسلم هو بنفسه وأصحابه من المهاجرين والانصار (وفى هذه السنة) بنى مسجد قباء وكان أول من توفى بعد مقدمه المدينة من المسلمين فيما ذكر صاحب منزله كلثوم بن الهدم لم يلبث بعد مقدمه إلا يسيرا حتى مات ثم توفى بعده أسعد بن زرارة في سنة مقدمه وكان أبو أمامة وكانت وفاته قبل أن يفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بناء مسجده بالذبحة والشهقة * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال حدثنا محمد بن اسحاق حدثنى عبد الله بن أبى بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب يقولون لو كان محمد نبيا لم يمت صاحبه ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا * وقد حدثنا محمد ابن عبد الاعلى قال حدثنا يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة * قال ابن حميد قال سلمة عن ابن اسحاق قال حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة الانصاري أنه لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة اجتمعت بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم * وكان أبو أمامة نقيبهم فقالوا يا رسول الله إن هذا الرجل قد كان منا حيث قد علمت فاجعل منا رجلا مكانه يقيم من أمرنا ما كان يقيمه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم أخوالى وأنا منكم وأنا نقيبكم قال وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخص بها بعضهم دون بعض فكان من فضل بنى النجار الذى تعد على قومهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نقيبهم (وفى هذه السنة) مات أبو احيحة بماله بالطائف ومات الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمى فيها بمكة * وفيها بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة بعد مقدمه المدينة بثمانية أشهر في ذى القعدة في قول بعضهم وفى قول بعض بعد مقدمه المدينة بسبعة أشهر في شوال وكان تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة خديجة وهي

[ 118 ]

ابنة ست سنين وقد قيل تزوجها وهى ابنة سبع * حدثنا عبد الحميد بن بيان السكرى قال أخبرنا محمد بن يزيد عن اسماعيل يعنى ابن أبي خالد عن عبد الرحمن بن أبى الضحاك عن رجل من قريش عن عبد الرحمن بن محمد أن عبد الله بن صفوان وآخر معه أتيا عائشة فقالت عائشة يا فلان أسمعت حديث حفصة قال لها نعم يا أم المؤمنين قال لها عبد الله بن صفوان وما ذاك قالت خلال في تسع لم تكن في أحد من النساء إلا ما آتى الله مريم بنت عمران والله ما أقول هذا فخرا على أحد من صواحبي قال لها وما هو قالت نزل الملك بصورتي وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبع سنين وأهديت إليه لتسع سنين وتزوجني بكرا لم يشركه في أحد من الناس وكان يأتيه الوحى وأنا وهو في لحاف واحد وكنت من أحب الناس إليه ونزل في آية من القرآن كادت الامة أن تهلك ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه غيرى وقبض في بيتى لم يله أحد غير الملك وأنا (قال أبو جعفر) وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قيل في شوال وبنى بها حين بنى بها في شوال ذكر الرواية بذلك * حدثنا ابن بشار قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا سفيان عن اسماعيل بن أمية عن عبد الله بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى بى في شوال وكانت عائشة تستحب أن يبنى بنسائها في شوال * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن سفيان عن اسماعيل بن أمية عن عبد الله بن عروة عن عروة عن عائشة قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى بى في شوال فأى نساء رسول الله كانت أحظى عنده مني وكانت عائشة تستحب أن يدخل بنسائها في شوال (قال أبو جعفر) وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى بها في شوال يوم الاربعاء في منزل أبى بكر بالسنح (وفى هذه السنة) بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى بناته وزوجته سودة بنت زمعة زيد بن حارثة وأبا رافع فحملاهن من مكة إلى المدينة ولما رجع فيما ذكر

[ 119 ]

عبد الله بن أريقط إلى مكة أخبر عبد الله بن أبى بكر بمكان أبيه أبى بكر فخرج عبد الله بعيال أبيه إليه وصحبهم طلحة بن عبيد الله معهم أم رمان وهى أم عائشة وعبد الله بن أبى بكر حتى قدموا المدينة (وفى هذه السنة) زيد في صلاة الحضر فيما قيل ركعتان وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين وذلك بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر في ربيع الآخر لمضى اثنتى عشرة ليلة منه زعم لواقدي أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه * وفيها في قول بعضهم ولد عبد الله ابن الزبير وفى قول الواقدي ولد في السنة الثانية من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في شوال * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال محمد بن عمر الواقدي ولد ابن الزبير بعد الهجرة بعشرين شهرا بالمدينة (قال أبو جعفر) وكان أول مولود ولد من المهاجرين في دار الهجرة فكبر فيما ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد وذلك أن المسلمين كانوا قد تحدثوا أن اليهود يذكرون أنهم قد سحروهم فلا يولد لهم فكان تكبيرهم ذلك سرورا منهم بتكذيب الله اليهود فيما قالوا من ذلك وقيل إن أسماء بنت أبى بكر هاجرت إلى المدينة وهى حامل به وقيل أيضا إن النعمان بن بشير ولد في هذه السنة وإنه أول مولود ولد للانصار بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم وأنكر ذلك الواقدي أيضا * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا الواقدي قال حدثنا محمد بن يحيى ابن سهل بن أبى حثمة عن أبيه عن جده قال كان أول مولود من الانصار النعمان ابن بشير ولد بعد الهجرة بأربعة عشر شهرا فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانى سنين أو أكثر قليلا قال وولد النعمان قبل بدر بثلاثة أشهر أو أربعة * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا مصعب بن ثابت عن أبى الاسود قال ذكر النعمان بن بشير عند ابن الزبير فقال هو أسن منى بستة أشهر قال أبو الاسود ولد ابن الزبير على رأس عشرين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وولد النعمان على رأس أربعة عشر شهرا في ربيع الآخر (قال أبو جعفر) وقيل إن المختار بن أبى عبيد الثقفى وزياد

[ 120 ]

ابن سمية فيها ولدا * قال وزعم الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد في هذه السنة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره لحمزة بن عبد المطلب لواء أبيض في ثلاثين رجلا من المهاجرين ليعترض لعيرات قريش وأن حمزة لقى أبا جهل في ثلاثمائة رجل فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنى فافترقوا ولم يكن بينهم قتال وكان الذى يحمل لواء حمزة أبو مرثد وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد أيضا في هذه السنة على رأس ثمانية أشهر من مهاجره في شوال لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف لواء أبيض وأمره بالمسير إلى بطن رابغ وأن لواءه كان مع مسطح بن أثاثة فبلغ ثنية المرة وهى بناحية الجحفة في ستين من المهاجرين ليس فيهم انصاري وإنهم التقوا هم والمشركون على ماء يقال له أحياء فكان بينهم الرمى دون المسايفة * قال وقد اختلفوا في أمير السرية فقال بعضهم كان أبو سفيان بن حرب وقال بعضهم كان مكرز بن حفص قال الواقدي ورأيت الثبت على أبى سفيان بن حرب وكان في مائتين من المشركين * قال وفيها عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد ابن أبى وقاص إلى الخرار لواء أبيض يحمله المقداد بن عمرو في ذى القعدة وقال حدثنى أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه قال خرجت في عشرين رجلا على أقدامنا أو قال واحد وعشرين رجلا فكنا نكمن النهار ونسير الليل حتى صبحنا الخرار صبح خامسة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أن لا أجاوز الخرار وكانت العير قد سبقتني قبل ذلك بيوم وكانوا ستين وكان من مع سعد كلهم من المهاجرين (قال أبو جعفر) وقال ابن اسحاق في أمر كل هذه السرايا التى ذكرت عن الواقدي قوله فيها غير ما قاله الواقدي وأن ذلك كله كان في السنة الثانية من وقت التاريخ * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثنى محمد بن اسحاق قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في شهر ربيع الاول لاثنتى عشرة ليلة مضت منه فأقام بها ما بقى من شهر ربيع الاول وشهر ربيع الآخر وجماديين ورجب وشعبان

[ 121 ]

ورمضان وشوال وذا القعدة وذا الحجة وولى تلك الحجة المشركون والمحرم وخرج في صفر غازيا على رأس اثنى عشر شهرا من مقدمه المدينة لثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول حتى بلغ ودان يريد قريشا وبنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهى غزوة الابواء فوادعته فيها بنو ضمرة وكان الذى وادعه منهم عليهم سيدهم كان في زمانه ذلك مخشى بن عمر ورجل منهم قال ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا فأقام بها بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الاول وبعث في مقامه ذلك عبيدة بن الحارث بن المطلب في ثمانين أو ستين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الانصار أحد حتى بلغ أحياء ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة فلقى بها جمعا عظيما من قريش فلم يكن بينهم قتال إلا أن سعد ابن أبى وقاص قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمى به في الاسلام ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد ابن عمرو البهرانى حليف بنى زهرة وعتبة بن غزوان بن جابر حليف بنى نوفل ابن عبد مناف وكانا مسلمين ولكنهما خرجا يتوصلان بالكفار إلى المسلمين وكان على ذلك الجمع عكرمة بن أبى جهل قال محمد فكانت راية عبيدة فيما بلغني أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاسلام لاحد من المسلمين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال وبعض العلماء يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعثه حين أقبل من غزوة الابواء قبل أن يصل إلى المدينة قال وبعث حمزة بن عبد المطلب في مقامه ذلك إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين وهى من أرض جهينة ليس فيهم من الانصار أحد فلقى أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنى وكان موادعا للفريقين جميعا فانصرف القوم بعضهم عن بعض ولم يكن بينهم قتال قال وبعض القوم يقول كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحد من المسلمين وذلك أن بعثه وبعث عبيدة بن الحارث كانا معا فشبه ذلك على الناس

[ 122 ]

قال والذى سمعنا من أهل العلم عندنا أن راية عبيدة بن الحارث كانت أول راية عقدت في الاسلام قال ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الآخر يريد قريشا حتى إذا بلغ بواط من ناحية رضوى رجع ولم يلق كيدا فلبث بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الاولى ثم غزا يريد قريشا فسلك على نقب بنى دينار بن النجار ثم على فيفاء الخبار فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها ذات الساق فصلى عندها فثم مسجده وضع له عندها طعام فأكل منه وأكل الناس منه فموضع أثا في البرمة معلوم هنالك فاستقى له من ماء به يقال له المشيرب ثم ارتحل فترك الخلائق بيسار وسلك شعبة يقال لها شعبة عبد الله وذلك اسمها اليوم ثم صب ليسار حتى هبط يليل فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة واستقى له من بئر بالضبوعة ثم سلك الفرش فرش ملل حتى لقى الطريق بصحيرات اليمام ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع فأقام بها بقية جمادى الاولى وليالي من جمادى الآخرة ووداع فيها بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا وفى تلك الغزوة قال لعلي بن أبى طالب عليه السلام ما قال قال فلم يقم رسول الله صلى عليه وسلم حين قدم من غزوة العشيرة بالمدينة إلا ليالى قلائل لا تبلغ العشر حتى أغار كرز بن جابر الفهرى على سرح المدينة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى بلغ واديا يقال له هفوان من ناحية بدر وفاته كرز فلم يدركه وهى غزوة بدر الاولى ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأقام بها بقية جمادى الآخرة ورجبا وشعبان وقد كان بعث فيما بين ذلك من غزوة سعد بن أبى وقاص في ثمانية رهط * وزعم الواقدي أن في هذه السنة أعنى السنة الاولى من الهجرة جاء أبو قيس بن الاسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام فقال ما أحسن ما تدعو إليه أنظر في أمرى ثم أعود إليك فلقيه عبد الله بن أبي فقال له كرهت والله حرب الخزرج فقال أبو قيس لا أسلم سنة فمات في ذى القعدة

[ 123 ]

ثم كانت السنة الثانية من الهجره فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول جميع أهل السير فيها في ربيع الاول بنفسه غزوة الابواء ويقال ودان وبينهما ستة أميال هي بحذائها واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة حين خرج إليها سعد بن عبادة بن دليم وكان صاحب لوائه في هذه الغزوة حمزة بن عبد المطلب وكان لواؤه فيما ذكر أبيض وقال الواقدي كان مقامه بها خمس عشرة ليلة ثم قدم المدينة قال الواقدي ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتين من أصحابه حتى بلغ بواط في شهر ربيع الاول يعترض لعيرات قريش وفيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير ثم رجع ولم يلق كيدا وكان يحمل لواءه سعد بن أبى وقاص واستخلف على المدينة سعد بن معاذ في غزوته هذه قال ثم غزا في ربيع الاول في طلب كرز بن جابر الفهرى في المهاجرين وكان قد أغار على سرح المدينة وكان يرعى بالجماء فاستاقه فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ بدرا فلم يلحقه وكان يحمل لواءه علي بن أبى طالب عليه السلام واستخلف على المدينة زيد بن حارثة قال وفيها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعترض لعيرات قريش حين أبدأت إلى الشأم في المهاجرين وهى غزوة ذات العشيرة حتى بلغ ينبع واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الاسد وكان يحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب * فحدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقى قال حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد ابن يزيد بن خثيم عن محمد بن كعب القرظى قال حدثنا أبوك يزيد بن خثيم عن عمار بن ياسر قال كنت أنا وعلي رفيقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة العشيرة فنزلنا منزلا فرأينا رجالا من بنى مدلج يعملون في نخل لهم فقلت لو انطلقنا فنظرنا إليهم كيف يعملون فانطلقنا فنظرنا إليهم ساعة ثم غشينا النعاس فعمدنا إلى صور من النخل فنمنا تحته في دقعاء من التراب فما أيقظنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا وقد تتربنا في ذلك التراب فحرك عليا برجله فقال

[ 124 ]

ثم يا أبا تراب الا أخبرك بأشقى الناس أحمر ثمود عاقر الناقة والذى يضربك على هذا يعنى قرنه فيخضب هذه منها وأخذ بلحيته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى يزيد بن محمد بن خثيم المحاربي عن محمد بن كعب القرظى عن محمد بن خثيم وهو أبو يزيد عن عمار بن ياسر قال كنت أنا وعلى رفيقين فذكر نحوه * وقد قيل في ذلك غير هذا القول وذلك ما حدثنى به محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا عبد العزيز بن أبى حازم عن أبيه قال قيل لسهل بن سعد إن بعض أمراء المدينة يريد أن يبعث اليك تسب عليا عند المنبر قال أقول ماذا قال تقول أبا تراب قال والله ما سماه بذلك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلت وكيف ذاك يا أبا العباس قال دخل علي على فاطمة ثم خرج من عندها فاضطجع في فئ المسجد * قال ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة فقال لها اين ابن عمك فقالت هو ذاك مضطجع في المسجد قال فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره وخلص التراب إلى ظهره فجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول اجلس أبا تراب فوالله ما سماه به إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووالله ما كان له اسم أحب إليه منه (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة في صفر لليال بقين منه تزوج علي بن أبى طالب عليه السلام فاطمة رضى الله عنها حدثت بذلك عن محمد بن عمر قال حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن اسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن أبى جعفر (قال أبو جعفر الطبري) ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب كرز بن جابر الفهرى إلى المدينة وذلك في جمادى الآخرة بعثت في رجب عبد الله ابن جحش معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الانصار أحد فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى الزهري ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير بذلك وأما الواقدي فإنه زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش سرية في اثنى عشر رجلا من المهاجرين (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) عن الزهري ويزيد بن رومان عن عروة

[ 125 ]

قال وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم له كتابا يعنى لعبد الله بن جحش وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضى له أمره به ولا يستكره أحدا من أصحابه فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب ونظر فيه فإذا فيه إذا نظرت في كتابي هذا فسر حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من اخبارهم فلما نظر عبد الله في الكتاب قال سمع وطاعة ثم قال لاصحابه قد أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضى إلى النخلة فأرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر وقد نهانى أن أستكره أحدا منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع فأما أنا فماض لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى معه أصحابه فلم يتخلف عنه منهم أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع أضل سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها منهم عمرو بن الحضرمي وعثمان بن عبد الله ابن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم فأشرف لهم عكاشة ابن محصن وقد كان حلق رأسه فلما رأوه أمنوا وقالوا عمار لا بأس عليكم منهم وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام فتردد القوم وهابوا الاقدام عليهم ثم تشجعوا عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والاسير حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قال وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله ابن جحش قال لاصحابه إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنتم الخمس وذلك

[ 126 ]

قبل أن يفرض الله من الغنائم الخمس فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الغنيمة وقسم سائرها بين أصحابه فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فوقف العير والاسير وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدى القوم وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم المسلمون فيما صنعوا وقال لهم صنعتم ما لم تؤمروا به وقاتلتم في الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الاموال وأسروا فيه الرجال فقال من يرد ذلك عليهم من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان وقالت يهود تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي قتله واقد ابن عبد الله عمرو عمرت الحرب والحضرمى حضرت الحرب وواقد بن عبد الله وقدت الحرب فجعل الله عز وجل ذلك عليهم لا لهم فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) الآية فلما نزل القرآن بهذا من الامر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والاسيرين وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفد يكموهما حتى يقدم صاحبانا يعنى سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان فإنا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم فقدم سعد وعتبة ففاداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا (قال أبو جعفر) وخالف في بعض هذه القصة محمد بن إسحاق والواقدى جميعا السدى * حدثنى موسى ابن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الاسدي وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة عتبة بن ربيعة وسعد بن أبى وقاص وعتبة بن

[ 127 ]

غزوان السلمى حليف لبنى نوفل وسهيل بن بيضاء وعامر بن فهيرة وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب وكتب مع ابن جحش كتابا وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه أن سر حتى تنزل بطن نخل فقال لاصحابه من كان يريد الموت فليمض وليوص فإنى موص وماض لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار وتخلف عنه سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان أضلا راحلة لهما فأتيا بحران يطلبانها وسار ابن جحش إلى بطن نخلة فإذا هو بالحكم بن كيسان وعبد الله بن المغيرة والمغيرة بن عثمان وعمرو بن الحضرمي فاقتتلوا فأسروا الحكم بن كيسان وعبد الله بن المغيرة وانفلت المغيرة وقتل عمرو ابن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلما رجعوا إلى المدينة بالاسيرين وما أصابوا من الاموال أراد أهل مكة أن يفادوا الاسيرين فقال النبي صلى الله عليه وسلم حتى ننظر ما فعل صاحبانا فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالاسيرين ففجر عليه المشركون وقالوا محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب فقال المسلمون إنما قتلناه في جمادى وقيل في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رجب فأنزل الله عز وجل يعير أهل مكة يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير الآية (قال أبو جعفر) وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان انتدب لهذا المسير أبا عبيدة بن الجراح ثم بدا له فيه فندب له عبد الله بن جحش ذكر الخبر بذلك * حدثنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا المعتمر بن سليما عن ابيه أنه حدثه رجل عن أبى السوار يحدثه عن جندب بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بعث رهطا فبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح فلما أخذ لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رجلا مكانه يقال له عبد الله بن جحش وكتب له كتابا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ كذا وكذا ولا تكرهن أحدا من

[ 128 ]

أصحابك على السير معك فلما قرأ الكتاب استرجع ثم قال سمعا وطاعة لامر الله ورسوله فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب فرجع رجلا ومضى بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا ذلك اليوم من رجب أو من جمادى فقال المشركون للمسلمين فعلتم كذا وكذا في الشهر الحرام فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فحدثوه الحديث فأنزل الله عز وجل (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه إلى قوله والفتنة أكبر من القتل) الفتنة هي الشرك * وقال بعض الذى أظنه قال كانوا في السرية والله ما قتله إلا واحد فقال إن يكن خيرا فقد وليت وان يكن ذنبا فقد علمت ذكر بقية ما كان في السنة الثانسة من سنى الهجرة ومن ذلك ما كان من صرف الله عز وجل قبلة المسلمين من الشأم إلى الكعبة وذلك في السنة الثانية من مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في شعبان واختلف السلف من العلماء في الوقت الذى صرفت فيه من هذه السنة فقال بعضهم وهم الجمهور الاعظم صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذكر من قال ذلك * حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان الناس يصلون قبل بيت المقدس فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجره وكان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر وكان يصلى قبل بيت المقدس فنسختها للكعبة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يصلى قبل الكعبة فانزل الله عز وجل (قد نرى تقلب وجهك في السماء) الآية * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة * وحدثت عن ابن سعد عن الواقدي مثل ذلك وقال صرفت القبلة في الظهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان (قال أبو جعفر) وقال آخرون إنما صرفت القبلة إلى الكعبة لستة عشر

[ 129 ]

شهرا مضت من سنى الهجرة ذكر من قال ذلك * حدثنا المثنى بن إبراهيم الآملي قال حدثنا الحجاج قال حدثنا همام بن يحيى قال سمعت قتادة قال كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة وبعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال سمعت ابن زيد يقول استقبل النبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس ستة عشر شهرا فبلغه أن يهود تقول والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ورفع وجهه إلى السماء فقال الله عز وجل (قد نرى تقلب وجهك في السماء، الآية (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة فرض فيما ذكر صوم شهر رمضان وقيل إنه فرض في شعبان منها وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة رأى يهود تصوم يوم عاشوراء فسألهم فأخبروه أنه اليوم الذى غرق الله فيه آل فرعون ونجى موسى ومن معه منهم فقال نحن أحق بموسى منهم فصام وأمر الناس بصومه فلما فرض صوم شهر رمضان لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء ولم ينههم عنه (وفيها) أمر الناس باخراج زكاة الفطر وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس قبل الفطر بيوم أو يومين وأمرهم بذلك (وفيها) خرج إلى المصلى فصلى بهم صلاة العيد وكان ذلك أول خرجة خرجها بالناس إلى المصلى لصلاة العيد (وفيها) ذكر حملت العنزة له إلى المصلى فصلى إليها وكانت للزبير بن العوام كان النجاشي وهبها له فكانت تحمل بين يديه في الاعياد وهى اليوم فيما بلغني عند المؤذنين بالمدينة (وفيها) كانت وقعة بدر الكبرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والكفار من قريش وذلك في شهر رمضان منها ثم اختلفوا في اليوم الذى فيه كانت الحرب بينه وبينهم فقال بعض كانت وقعة بدر يوم تسعة عشر من شهر رمضان ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا هارون بن المغيرة عن عنبسة عن أبى اسحاق عن

[ 130 ]

عبد الرحمن بن الاسود عن أبيه عن ابن مسعود قال التمسوا ليلة القدر في تسع عشرة ليلة من رمضان فانها ليلة بدر * حدثنا محمد بن عمارة الاسدي قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا اسرائيل عن أبى اسحاق عن حجير الثعلبي عن الاسود عن عبد الله قال التمسوا ليلة القدر في تسع عشرة من رمضان فان صبيحتها كانت صبيحة بدر * حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبيد بن محمد المحاربي قال حدثنا ابن أبى الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن زيد أنه كان لا يحيى ليلة من شهر رمضان كما يحيى ليلة تسع عشرة وثلاث وعشرين ويصبح وجهه مصفرا من أثر السهر فقيل له فقال إن الله عز وجل فرق في صبيحتها بين الحق والباطل (وقال) آخرون كانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة قال سمعت أبا اسحاق تحدث عن حجير عن الاسود وعلقمة أن عبد الله بن مسعود قال التمسوها في سبع عشرة وتلا هذه الاية (يوم التقى الجمعان) يوم بدر ثم قال أو تسع عشرة وإحدى وعشرين * حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا الثوري عن الزبير بن عدى عن إبراهيم عن الاسود عن عبد الله قال كانت بدر صبيحة تسع عشرة من رمضان * حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا الثوري عن أبى إسحاق عن الاسود عن عبد الله مثله * قال الحارث قال ابن سعد قال الواقدي فذكرت ذلك لمحمد بن صالح فقال هذا أعجب الاشياء ما ظننت أن أحدا من أهل الدنيا شك في هذا إنها صبيحة تسع عشرة من رمضان يوم الجمعة قال محمد بن صالح وسمعت عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان يقولان ذلك قال لى محمد بن صالح يا ابن أخى وما تحتاج إلى تسمية الرجال في هذا هذا أبين من ذلك ما يجهل هذا النساء في بيوتهن قال الواقدي فذكرته لعبد الرحمن بن أبى الزناد فقال أخبرني أبى عن خارجة بن زيد عن زيد ابن ثابت أنه كان يحيى ليلة سبع عشرة من شهر رمضان وإن كان ليصبح وعلى

[ 131 ]

وجهه اثر السهر ويقول فرق الله في صبيحتها بين الحق والباطل وأعز في صبحها الاسلام وأنزل فيها القرآن وأذل فيها الكفر وكانت وقعة بدر يوم الجمعة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنى يحيى بن يعقوب أبو طالب عن أبى عون محمد بن عبيد الله الثقفى عن أبى عبد الرحمن السلمى عبد الله بن حبيب قال قال الحسن بن علي بن أبى طالب كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة من رمضان وكان الذى هاج وقعة بدر وسائر الحروب التى كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش فيما قال عروة بن الزبير ما كان من قتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي ذكر وقعة بدر الكبرى * حدثنا علي بن نصر بن علي وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال علي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وقال عبد الوارث حدثنى أبى قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان أما بعد فانك كتبت إلى في أبى سفيان ومخرجه تسألني كيف كان شأنه: كان من شأنه أن أبا سفيان بن حرب أقبل من الشأم في قريب من سبعين راكبا من قبائل قريش كلها كانوا تجارا بالشأم فأقبلوا جميعا معهم أموالهم وتجارتهم فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد كانت الحرب بينهم قبل ذلك فقتلت قتلى وقتل ابن الحضرمي في ناس بنخلة وأسرت أسارى من قريش فيهم بعض بنى المغيرة وفيهم ابن كيسان مولاهم أصابهم عبد الله بن جحش وواقد حليف بنى عدى بن كعب في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم مع عبد الله بن جحش وكانت تلك الوقعة هاجت الحرب بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش وأول ما أصاب به بعضهم بعضا من الحرب وذلك قبل مخرج أبى سفيان وأصحابه إلى الشأم ثم إن أبا سفيان أقبل بعد ذلك ومن معه من ركبان قريش مقبلين من الشأم فسلكوا طريق الساحل فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه وحدثهم بما معهم من الاموال وبقلة عددهم فخرجوا

[ 132 ]

لا يريدون الا أبا سفيان والركب معه لا يرونها الا غنيمة لهم لا يظنون أن يكون كبير قتال إذا لقوهم وهى التى أنزل الله عز وجل فيها (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) فلما سمع أبو سفيان أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معترضون له بعث إلى قريش أن محمدا وأصحابه معترضون لكم فأجيروا تجارتكم فلما أتى قريشا الخبر وفى عير أبى سفيان من بطون كعب بن لؤى كلها نفر لها أهل مكة وهى نفرة بنى كعب بن لؤى ليس فيها من بنى عامر أحد إلا ما كان من بنى مالك بن حسل ولم يسمع بنفرة قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم بدرا وكان طريق ركبان قريش من أخذ منهم طريق الساحل إلى الشأم فخفض أبو سفيان عن بدر ولزم طريق الساحل وخاف الرصد على بدر وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى عرس قريبا من بدر وبعث النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام في عصابة من أصحابه إلى ماء بدر وليسوا يحسبون أن قريشا خرجت لهم فبينا النبي صلى الله عليه وسلم قائم يصلى إذ ورد بعض روايا قريش ماء بدر وفيمن ورد من الروايا غلام لبنى الحجاج أسود فأخذه النفر الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الزبير إلى الماء وأفلت بعض أصحاب العبد نحو قريش فأقبلوا به حتى أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في معرسه فسألوه عن أبى سفيان وأصحابه لا يحسبون الا أنه معهم فطفق العبد يحدثهم عن قريش ومن خرج منها وعن رؤسهم ويصدقهم الخبر وهم أكره شئ إليهم الخبر الذى يخبرهم وإنما يطلبون حينئذ بالركب أبا سفيان وأصحابه والنبى صلى الله عليه وسلم يصلى يركع ويسجد يرى ويسمع ما يصنع بالعبد فطفقوا إذا ذكر لهم أنها قريش جاءتهم ضربوه وكذبوه وقالوا إنما تكتمنا أبا سفيان وأصحابه فجعل العبد إذا أذلقوه بالضرب وسألوه عن أبى سفيان وأصحابه وليس له بهم علم إنما هو من روايا قريش قال نعم هذا أبو سفيان والركب حينئذ أسفل منهم قال الله عز وجل (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم - حتى بلغ - أمرا كان مفعولا) فطفقوا إذا قال لهم العبد

[ 133 ]

هذه قريش قد أتتكم ضربوه وإذا قال لهم هذا أبو سفيان تركوه فلما رأى صنيعهم النبي صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاته وقد سمع الذى أخبرهم فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذى نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدق وتتركونه إذا كذب قالوا فانه يحدثنا أن قريشا قد جاءت قال فانه قد صدق قد خرجت قريش تجير ركابها فدعا الغلام فسأله فأخبره بقريش وقال لا علم لي بأبى سفيان فسأله كم القوم فقال لا أدرى والله هم كثير عددهم فزعموا أن النبي صلى الله وسلم قال من أطعمهم أول من أمس فسمى رجلا أطعمهم فقال كم جزائر نحر لهم قال تسع جزائر قال فمن أطعمهم أمس فسمى رجلا فقال كم نحر لهم قال عشر جزائر فزعموا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال القوم ما بين التسعمائة إلى الالف فكان نفرة قريش يومئذ خمسين وتسعمائة فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم فنزل الماء وملا الحياض وصف عليها أصحابه حتى قدم عليه القوم فلما ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا قال هذه مصارعهم فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قد سبقهم إليه ونزل عليه فلما طلعوا عليه زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه قريش قد جاءت بجلبتها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم إنى أسألك ما وعدتني فلما أقبلوا استقبلهم فحثا في وجوههم التراب فهزمهم الله وكانوا قبل أن يلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم قد جاءهم راكب من أبى سفيان والركب الذين معه أن ارجعوا والركب الذين يأمرون قريشا بالرجعة بالجحفة فقالوا والله لا نرجع حتى ننزل بدرا فنقيم به ثلاث ليال ويرانا من غشينا من أهل الحجاز فإنه لن يرانا أحد من العرب وما جمعنا فيقاتلنا وهم الذين قال الله عز وجل (الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس) فالتقوا هم والنبى صلى الله عليه وسلم ففتح الله على رسوله وأخزى أئمة الكفر وشفى صدور المسلمين منهم * حدثنى هارون بن إسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنا إسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن حارثة عن علي عليه السلام قال لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها وأصابنا بها وعك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخبر عن بدر فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا

[ 134 ]

سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وبدر بئر فسبقنا المشركين إليها فوجدنا فيها رجلين منهم رجل من قريش ومولى لعقبة بن أبى معيط فأما القرشى فانفلت وأما مولى عقبة فأخذناه فجعلنا نقول كم القوم فيقول هم والله كثير شديد بأسهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له كم القوم فقال هم والله كثير شديد بأسهم فجهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره كم هم فأبى ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله كم ينحرون من الجزر فقال عشرا كل يوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم ألف ثم إنه أصابنا من الليل طش من المطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض فلما أن طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرض على القتال ثم قال إن جمع قريش عند هذه الضلعة من الجبل فلما أن دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل من القوم على جمل أحمر يسير في القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا علي ناد لى حمزة وكان أقربهم إلى المشركين من صاحب الجمل الاحمر وماذا يقول لهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يكن في القوم من يأمر بالخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الاحمر فجاء حمزة فقال هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم إنى أرى قوما مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة بن ربيعة ولقد علمتم أنى لست بأجبنكم قال فسمع أبو جهل فقال أنت تقول هذا والله لو غيرك يقول هذا لعضضته لقد ملئت رئتك وجوفك رعبا فقال عتبة إياى تعير يا مصفر استه ستعلم اليوم أينا أجبن قال فبرز عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة ابن ربيعة وابنه الوليد حمية فقالوا من يبارز فخرج فتية من الانصار ستة فقال عتبة لا نريد هؤلاء ولكن يبارزنا من بنى عمنا من بنى عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا علي قم يا حمزة قم يا عبيدة بن الحارث قم فقتل الله عتبة بن

[ 135 ]

ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وجرح عبيدة بن الحارث فقتلنا منهم سبعين وأسرنا منهم سبعين قال فجاء رجل من الانصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرا فقال يا رسول الله والله ما هذا أسرني ولكن أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم فقال الانصاري أنا أسرته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد آزرك الله بملك كريم قال علي فأسر من بنى عبد المطلب العباس وعقيل ونوفل بن الحارث * حدثنى جعفر بن محمد البزورى قال حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبى أسحاق عن حارثة عن علي قال لما أن كان يوم بدر وحضر الناس اتقينا برسول الله فكان من أشد الناس بأسا وما كان منا أحد أقرب إلى العدو منه * حدثنا عمرو بن علي قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة عن أبى إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي قال سمعته يقول ما كان فينا فارس يوم بدر غير مقداد بن الاسود ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائما إلى شجرة يصلى ويدعو حتى الصبح * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد ابن إسحق قال إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمع بأبى سفيان ابن حرب مقبلا من الشأم في عير لقريش عظيمة فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم وفيها ثلاثون راكبا من قريش أو أربعين منهم مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة وعمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحق قال فحدثني محمد بن مسلم الزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ويزيد ابن رومان عن عروة وغيرهم من علمائنا عن عبد الله بن عباس كل قد حدثنى بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى سفيان مقبلا من الشأم ندب المسلمين إليهم وقال هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه

[ 136 ]

وسلم يلقى حربا وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الاخبار ويسأل من لقى من الركبان تخوفا على أموال الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال ابن إسحاق وحدثني من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة قال وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخى والله لقد رأيت الليلة رؤيا لقد أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم على ما أحدثك قال لها وما رأيت قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالابطح ثم صرخ بأعلى صوته أن انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينا هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بأعلى صوته بمثلها أن انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقى بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلت منها فلقة قال العباس والله إن هذه لرؤيا رأيت فاكتميها ولا تذكريها لاحد ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبة بن ربيعة وكان له صديقا فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لابيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش قال العباس فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة فلما رأني أبو جهل قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل الينا قال فلما فرغت أقبلت إليه حتى جلست معهم فقال لى أبو جهل يا بنى عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية قال قلت وما ذاك قال الرؤيا التى رأت عاتكة قال قلت وما رأت قال يا بنى عبد المطلب أما رضيتم

[ 137 ]

أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فان يكن ما قالت حقا فسيكون وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب قال العباس فوالله ما كان منى إليه كبير إلا أنى جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا قال ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ثم لم يكن عندك غيرة لشئ مما سمعت قال قلت قد والله فعلت ما كان منى إليه من كبير وايم الله لا تعرضن له فإن عاد لاكفينكموه قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أن قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه قال فدخلت المسجد فرأيته فوالله إنى لامشى نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر إذ خرج نحو باب المسجد يشتد قال قلت في نفسي ماله لعنه الله أكل هذا فرقا من أن أشاتمه قال وإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث قال فشغلني عنه وشغله عنى ما جاء من الامر فتجهز الناس سراعا وقالوا أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب تخلف فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكان لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها فاستأجره بها على أن يجزى عنه بعثه فخرج عنه وتخلف أبو لهب * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق حدثنى عبد الله بن أبى نجيح أن أمية بن خلف كان قد أجمع العقود وكان شيخا جليلا ثقيلا فأتاه عقبة بن أبى معيط وهو جالس في المسجد بين ظهرى

[ 138 ]

قومه بمجمرة يحملها فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال يا أبا على استجمر فانما أنت من النساء قال قبحك الله وقبح ما جئت به قال ثم تجهز فخرج مع الناس فلما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير ذكروا ما بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب فقالوا إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذى بينها وبين بنى بكر فكاد ذلك أن يثنيهم فتبدى لهم ابليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجى وكان من أشراف كنانة فقال أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشئ تكرهونه فخرجوا سراعا (قال أبو جعفر) وخرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما بلغني عن غير ابن اسحاق لثلاث ليال خلون من شهر رمضان في ثلثمائة وبضعة عشر رجلا من أصحابه فاختلف في مبلغ الزيادة على العشرة فقال بعضهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا ذكر من قال ذلك * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر بن عياش قال حدثنا أبو اسحاق عن البراء قال كنا نتحدث أن أصحاب بدر يوم بدر كعدة أصحاب طالوت ثلثمائة رجل وثلاثة عشر رجلا الذين جاوزوا النهر فسكت * حدثنى محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا أبو مالك الجنى عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال كان المهاجرون يوم بدر سبعة وسبعين رجلا وكان الانصار مائتين وستة وثلاثين رجلا وكان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب عليه السلام وصاحب راية الانصار سعد بن عبادة * وقال آخرون كانوا ثلثمائة رجل وأربعة عشر من شهد منهم ومن ضرب بسهمه وأجره حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق وقال بعضهم كانوا ثلثمائة وثمانية عشر وقال آخرون كانوا ثلثمائة وسبعة * وأما عامة السلف فإنهم قالوا كانوا ثلثمائة رجل وبضعة عشر رجلا

[ 139 ]

ذكر من قال ذلك حدثنا هارون بن اسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام وحدثني أحمد بن اسحاق الاهوازي قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قالا حدثنا اسرائيل قال حدثنا أبو اسحاق عن البراء قال كنا نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجز معه إلا مؤمن ثلثمائة وبضعة عشر * حدثنا ابن بشار قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا سفيان عن أبى اسحاق عن البراء قال كنا نتحدث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلا على عدة أصحاب طالوت من جاز معه النهر وما جاز معه إلا مؤمن * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن سفيان عن أبى اسحاق عن البراء بنحوه * حدثنا اسماعيل بن اسرائيل الرملي قال حدثنا عبد الله بن محمد بن المغيرة عن مسعر عن أبى اسحاق عن البراء قال عدة أهل بدر عدة أصحاب طالوت * حدثنى أحمد بن اسحاق قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا مسعر عن أبى اسحاق عن البراء مثله * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه يوم بدر أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقى جالوت وكان أصحاب نبى الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلا * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى قال خلص طالوت في ثلثمائة وبضعة عشر رجلا عدة أصحاب بدر * حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة قال كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلا رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق قال وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه وجعل على الساقة قيس ابن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار في ليال مضت من شهر رمضان فسار حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهنى حليف بنى ساعدة وعدى بن أبى الزغباء الجهنى حليف بنى النجار إلى بدر يتحسسان له الاخبار

[ 140 ]

عن أبى سفيان بن حرب وعيره ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قدمهما فلما استقبل الصفراء وهى قرية بين جبلين سأل عن جبليهما ما أسماؤهما فقالوا لاحدهما هذا مسلح وقالوا للآخر هذا مخرئ وسأل عن أهلهما فقالوا بنو النار وبنو حراق بطنان من بنى غفار فكرههما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرور بينهما وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهاليهما فتركهما والصفراء بيسار وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر رضى الله عنه فقال فأحسن ثم قام عمر بن الخطاب فقال فأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول كما قالت بنو اسرائيل لموسى (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد يعنى مدينة الحبشة لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير * حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا اسماعيل بن ابراهيم أبو يحيى قال حدثنا المخارق عن طارق عن عبد الله بن مسعود قال لقد شهدت من المقداد مشهدا لان أكون أنا صاحبه أحب إلى مما في الارض من شئ كان رجلا فارسا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب احمارت وجنتاه فأتاه المقداد على تلك الحال فقال أبشر يا رسول الله فو الله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) ولكن والذى بعثك بالحق لنكونن من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك أو يفتح الله لك (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشيروا على أيها الناس وإنما يريد الانصار وذلك أنهم كانوا عدد الناس وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان رسول الله صلى

[ 141 ]

الله عليه وسلم يتخوف الا تكون الانصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ والله لكأنك تريدنا يا رسول الله قال أجل قال فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال سيروا على بركة الله وأبشروا فان الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران فسلك على ثنايا يقال لها الاصافر ثم انحط منها على بلد يقال لها الدبة وترك الحنان بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من أصحابه * كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخبرتنا أخبرناك فقال وذاك بذاك قال نعم قال الشيخ فانه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فان كان صدقنى الذى أخبرني فهو اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا فان كان الذى حدثنى صدقنى فهم اليوم بمكان وكذا وكذا للمكان الذى به قريش فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن من ماء ثم انصرف عنه قال يقول الشيخ ما من ماء أمن ماء العراق ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فلما أمسى بعث علي بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون

[ 142 ]

له الخبر عليه كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق كما حدثنى يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بنى الحجاج وعريض أبو يسار غلام بنى العاص بن سعيد فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائم يصلى فسألوهما فقالا نحن سقاة قريش بعثونا لنسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لابي سفيان فضربوهما فلما أذ لقوهما قالا نحن لابي سفيان فتركوهما وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتين ثم سلم فقال إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله إنهما لقريش أخبرانى أين قريش قالا هم وراء هذا الكثيب الذى ترى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما كم القوم قالا كثير قال ما عدتهم قالا لا ندرى قال كم ينحرون كل يوم قالا يوما تسعا ويوما عشرا قال رسول الله صلى الله عليه وآله القوم ما بين التسعمائة والالف ثم قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فيهم من أشراف قريش قال عتبة بن ربيعة وشيبة ابن ربيعة وأبو البخترى بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويد والحارث ابن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدى بن نوفل والنضر بن الحارث بن كلدة وزمعة بن الاسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ود فأقبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الناس فقال هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها قالوا وقد كان بسبس ابن عمرو وعدى بن أبى الزغباء مضيا حتى نزلا بدرا فأناخا إلى تل قريب من الماء ثم أخذا شنا يستقيان فيه ومجدى بن عمرو الجهنى على الماء فسمع عدى وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما تتلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها إنما تأتى العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذى لك قال مجدي صدقت ثم خلص بينهما وسمع ذلك عدى وبسبس فجلسا على بعيريهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بما سمعا وأقبل أبو سفيان

[ 143 ]

قد تقدم العير حذرا حتى ورد الماء فقال لمجدي بن عمرو هل أحسست أحدا قال ما رأيت أحدا أنكره إلا أنى رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه نوى فقال هذا والله علائف يثرب فرجع إلى أصحابه سريعا فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدرا يسارا ثم انطلق حتى أسرع وأقبلت قريش فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا فقال انى رأيت فيما يرى النائم وإنى لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة ابن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف وفلان وفلان فعدد رجالا ممن قتل يومئذ من أشراف قريش ورأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقى خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه قال فبلغت أبا جهل فقال وهذا أيضا نبى آخر من بنى عبد المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا فقال أبو جهل بن هشام والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدر موسما من مواسم العرب تجتمع لهم بها سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثا وننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقى الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا فامضوا فقال الاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى وكان حليفا لبنى زهرة وهم بالجحفة يا بنى زهرة قد نجى الله لكم أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وإنما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بى جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة بكم في أن تخرجوا في غير ضيعة لا ما يقول هذا يعنى أبا جهل فرجعوا فلم يشهدها زهرى واحد وكان فيهم مطاعا ولم يكن بقى من قريش بطن إلا نفر منهم ناس إلا بنى عدى بن كعب لم يخرج منهم رجل واحد فرجعت بنو زهرة مع الاخنس بن شريق فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد ومضى القوم قال وقد كان بين طالب بن أبى طالب وكان

[ 144 ]

في القوم وبين بعض قريش محاورة فقالوا والله لقد عرفنا يا بنى هاشم إن خرجتم معنا ان هواكم مع محمد فرجع طالب إلى مكة فيمن رجع (قال أبو جعفر) وأما ابن الكلبى فإنه قال فيما حدثت عنه شخص طالب بن أبى طالب إلى بدر مع المشركين أخرج كرها فلم يوجد في الاسرى ولا في القتلى ولم يرجع إلى أهله وكان شاعرا وهو الذى يقول يا رب إما يغزون طالب * في مقنب من هذه المقانب فليكن المسلوب غير السالب * وليكن المغلوب غير الغالب (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل وبطن الوادي وهو يليل بين بدر وبين العقنقل الكثيب الذى خلفه قريش والقلب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة وبعث الله السماء وكان الوادي دهسا فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد لهم الارض ولم يمنعهم المسير وأصاب قريشا منها ما لم يقدر على أن يرتحلوا معه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال فحدثني محمد بن اسحاق قال حدثت عن رجال من بنى سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخره أم هو الرأى والحرب والمكيدة قال بل هو الرأى والحرب والمكيدة فقال يا رسول الله فإن هذا ليس لك بمنزل فانهض بالناس حتى تأتى أدنى ماء من القوم فتنزله ثم تغور ما سواه من القلب ثم تبنى عليه حوضا فتملاه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أشرت بالرأى فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم حتى نزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق فحدثني عبد الله بن أبى بكر أن سعد

[ 145 ]

ابن معاذ قال يا رسول الله نبنى لك عريشا من جريد فتكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك مما أحببنا وإن كانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبى الله ما نحن بأشد حبا لك منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحوك ويجاهدون معك فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه خيرا ودعا له بخير ثم بنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش فكان فيه وقد ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذى منه جاؤا إلى الوادي قال اللهم هذه قريش قد اقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذى وعدتني اللهم فأحنهم الغداة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى عتبة ابن ربيعة في القوم على جمل له أحمر إن يكن عند أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمر إن يطيعوه يرشدوا وقد كان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري أو أبو ه إيماء بن رحضة بعث إلى قريش حين مروا به ابنا له بجزائر أهداها لهم وقال إن أحببتم أن أمدكم بسلاح ورجال فعلنا فأرسلوا إليه مع ابنه ان وصلتك الرحم فقد قضيت الذى عليك فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم ولئن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فما لاحد بالله من طاقة فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم حكيم بن حزام على فرس له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فما شرب منهم رجل إلا قتل يومئذ إلا ما كان من حكيم بن حزام فانه لم يقتل نجا على فرس له يقال له الوجيه وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه فكان إذا اجتهد يمينه قال لا والذى نجاني يوم بدر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق وحدثني اسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الانصار قالوا لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحى فقالوا احرز لنا أصحاب محمد قال فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه

[ 146 ]

ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أم مدد * قال فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا فرجع إليهم فقال ما رأيت شيئا ولكني قد رأيت يا معشر قريش الولايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم والله ما أرى يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة فقال يا أبا الوليد إنك كبير قريش الليلة وسيدها والمطاع فيها هل لك أن لا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر قال وما ذاك يا حكيم قال ترجع بالناس وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي قال قد فعلت أنت على بذلك إنما هو حليفي فعلى عقله وما أصيب من ماله فأت ابن الحنظلية فانى لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره يعنى أبا جهل بن هشام * حدثنا الزبير بن كار قال حدثنا عمامة بن عمرو السهمى قال حدثنى مسور بن عبد الملك اليربوعي عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل حاجبه فقال هذا أبو خالد حكيم بن حزام قال إئذن له فلما دخل حكيم بن حزام قال مرحبا بك يا أبا خالد ادن فحال له مروان عن صدر المجلس حتى كان بينه وبين الوسادة ثم استقبله مروان فقال حدثنا حديث بدر قال خرجنا حتى إذا نزلنا الجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التى قال الله عز وجل فجئت عتبة بن ربيعة فقلت يا أبا الوليد هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت قال أفعل ماذا قلت إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي وهو حليفك فتحمل ديته فترجع بالناس فقال أنت وذاك وأنا أتحمل بديته واذهب إلى ابن الحنظلية يعنى أبا جهل فقل له هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه وإذا ابن الحضرمي واقف على رأسه وهو يقول قد فسخت عقدى من عبد شمس وعقدي إلى بنى مخزوم فقلت له يقول لك عتبة بن ربيعة هل لك أن ترجع اليوم عن ابن عمك بمن معك قال أما وجد رسولا غيرك قلت لا ولم أكن

[ 147 ]

لاكون رسولا لغيره قال حكيم فخرجت مبادرا إلى عتبة لئلا يفوتنى من الخير شئ وعتبة متكئ على ايماء بن رحضة الغفاري وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر فطلع أبو جهل الشر في وجهه فقال لعتبة انتفخ سحرك فقال له عتبة ستعلم فسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه فقال ايماء بن رحضة بئس الفأل هذا فعند ذلك قامت الحرب (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا فقال يا معشر قريش انكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا والله لئن أصبتموه لا يزال رجل منكم ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب فإن أصابوه فذاك الذى أردتم وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون قال حكيم فانطلقت أؤم أبا جهل فوجدته قد نثل درعا له من جرابها فهو يهيؤها فقلت يا أبا الحكم إن عتبة قد أرسلني إليك بكذا وكذا للذى قال فقال انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وأصحابه وما بعتبة قال ولكنه قد رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه ثم بعث إلى عامر ابن الحضرمي فقال له هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك فقال عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ واعمراه واعمراه فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوثقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأى الذى دعاهم إليه عتبة بن ربيعة فلما بلغ عتبة بن ربيعة قول أبى جهل انتفخ سحره قال سيعلم المصفر أسته من انتفخ سحره أنا أم هو ثم التمس بيضة يدخلها رأسه فلما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له وقد خرج الاسود بن عبد الاسد المخزومى وكان رجلا شرسا سيئ الخلق فقال أعاهد الله لاشربن من حوضهم ولاهدمنه أو لاموتن دونه فلما خرج خرج له حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد زعم أن يبر يمينه واتبعه حمزة

[ 148 ]

فضربه حتى قتله في الحوض ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الانصار ثلاثة نفر منهم عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء ورجل آخر يقال له عبد الله بن رواحة فقال من أنتم قالوا رهط من الانصار فقالوا ما لنا بكم من حاجة ثم نادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا حمزة بن عبد المطلب قم يا عبيدة بن الحارث قم يا علي ابن أبى طالب فلما قاموا ودنوا منهم قالوا من أنتم قال عبيدة عبيدة وقال حمزة حمزة وقال علي علي قالوا نعم أكفاء كرام فبارز عبيدة بن الحارث وكان أسن القوم عتبة بن ربيعة وبارز حمزة شيبة بن ربيعة وبارز علي الوليد بن عتبة فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه فقتلاه واحتملا صاحبهما عبيدة فجاءا به إلى أصحابه وقد قطعت رجله فمخها يسيل فلما أتوا بعبيدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألست شهيدا يا رسول الله قال بلى فقال عبيدة لو كان أبو طالب حيا لعلم أنى أحق بما قال منه حيث يقول ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني عاصم ابن عمر بن قتادة أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الانصار حين انتسبوا أكفاء كرام إنما نريد قومنا ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم وقال إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش معه أبو بكر (قال أبو جعفر) وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق كما حدثنى أبو جعفر محمد ابن علي بن الحسين وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني حبان بن واسع بن حبان بن واسع عن أشياخ من قومه أن رسول الله صلى الله

[ 149 ]

عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفى يده قدح يعدل به القوم فمر بسواد ابن غزية حليف بنى عدى بن النجار وهو مستنتل من الصف فطعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطنه بالقدح وقال استويا يا سواد بن غزية فقال يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق فأقدنى * قال فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه ثم قال استقد * قال فاعتنقه وقبل بطنه فقال ما حملك على هذا يا سواد فقال يا رسول الله حضر ما ترى فلم آمن القتل فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيرا ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ورجع إلى العريش ودخله ومعه فيه أبو بكر ليس معه فيه غيره ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة اليوم يعنى المسلمين لا تعبد بعد اليوم وأبو بكر يقول يا نبى الله بعض مناشدتك ربك فإن الله عز وجل منجز لك ما وعدك * فحدثني محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن عكرمة بن عمار قال حدثنى سماك الحنفي قال سمعت ابن عباس يقول حدثنى عمر ابن الخطاب قال لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المشركين وعدتهم ونظر إلى أصحابه نيفا على ثلثمائة استقبل القبلة فجعل يدعو يقول اللهم انجز لى ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الاسلام لا تعبد في الارض فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه فأخذ أبو بكر فوضع رداءه عليه ثم التزمه من ورائه ثم قال كفاك يا نبى الله بأبى أنت وأمى مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله تبارك وتعالى (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا الثقفى يعنى عبد الوهاب عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال وهو في قبته يوم بدر اللهم إنى أسألك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم قال فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك يا نبى الله فقد ألححت على ربك وهو في الدرع فخرج وهو يقول (سيهزم

[ 150 ]

الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) (رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق) قال وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع قال وقد رمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل فكان أول قتيل من المسلمين ثم رمى حارثة بن سراقة أحد بنى عدى بن النجار وهو يشرب من الحوض فقتل ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم ونفل كل امرئ منهم ما أصاب وقال والذى نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة فقال عمير بن الحمام أخو بنى سلمة وفى يده تمرات يأكلهن بخ بخ فما بينى وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل وهو يقول ركضا إلى الله بغير زاد * إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد * وكل زاد عرضة النفاد غير التقى والبر والرشاد * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن عوف بن الحارث وهو ابن عفراء قال يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده قال غمسه يده في العدو حاسرا فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق وحدثني محمد بن مسلم الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري حليف بنى زهرة قال لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قال أبو جهل اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة فكان هو المستفتح على نفسه ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال شاهت الوجوه ثم نفحهم بها وقال لاصحابه شدوا فكانت الهزيمة فقتل الله من قتل من صناديد قريش وأسر من أسر منهم فلما وضع القوم

[ 151 ]

أيديهم يأسرون ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحا السيف في نفر من الانصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم يخافون عليه كرة العدو ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لى في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكأنك يا سعد تكره ما يصنع الناس قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بالمشركين فكان الاثخان في القتل أعجب إلى من استبقاء الرجال * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه يومئذ إنى عرفت أن رجالا من بنى هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقى منكم أحدا من بنى هاشم فلا يقتله ومن لقى أبا البخترى ابن الحارث بن أسد فلا يقتله ومن لقى العباس بن عبد المطلب عم رسول الله فلا يقتله فانه إنما أخرج مستكرها * قال فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس والله لئن لقيته لاحملنه السيف فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول لعمر بن الخطاب يا أبا حفص أما تسمع إلى قول أبى حذيفة يقول أضرب وجه عم رسول الله بالسيف فقال عمر يا رسول الله دعني فلاضربن عنقه بالسيف فوالله لقد نافق فقال عمر والله إنه لاول يوم كنى بى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى حفص * قال فكان أبو حذيفة يقول ما أنا بآمن من تلك الكلمة التى قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عنى الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا قال وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبى البخترى لانه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شئ يكرهه وكان ممن قام في نقض الصحيفة التى كتبت قريش على بنى هاشم وبنى المطلب فلقيه المجذر بن ذياد البلوى حليف الانصار من بنى عدى فقال المجذر بن ذياد لابي البخترى إن

[ 152 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتلك ومع أبى البخترى زميل له خرج معه من مكة وهو جنادة بن مليحة بنت زهير بن الحارث بن أسد وجنادة رجل من بنى ليث واسم أبى البخترى العاص بن هشام بن الحارث بن أسد قال وزميلي فقال المجذر لا والله ما نحن بتاركي زميلك ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك قال لا والله إذا لاموتن أنا وهو جميعا لا تحدث عنى نساء قريش من أهل مكة أنى تركت زميلي حرصا على الحياة فقال أبو البخترى حين نازله المجذر وأبى إلا القتال وهو يرتجز لن يسلم ابن حرة أكيله * حتى يموت أو يرى سبيله فاقتتلا فقتله المجذر بن ذياد * قال ثم أتى المجذر بن ذياد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والذى بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فأتيك به فأبى إلا القتال فقاتلته فقتلته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد ابن إسحاق حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه * قال وحدثني أيضا عبد الله بن أبى بكر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال كان أمية بن خلف لى صديقا بمكة وكان اسمى عبد عمرو فسميت حين أسلمت عبد الرحمن ونحن بمكة قال فكان يلقانى ونحن بمكة فيقول يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبوك فاقول نعم فيقول فانى لا أعرف الرحمن فاجعل بينى وبينك شيئا أدعوك به أما أنت فلا تجيبني باسمك الاول وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف قال فكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه فقلت اجعل بينى وبينك يا أبا علي ما شئت قال فأنت عبد الاله فقلت نعم فكنت إذا مررت به قال يا عبد الاله فأجيبه فأتحدث معه حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه علي بن أمية آخذا بيده ومعى أدراع قد استلبتها فأنا أحملها فلما رأني قال يا عبد عمرو فلم أجبه فقال يا عبد الاله قلت نعم قال هل لك في فأنا خير لك من هذه الادراع التى معك قال قلت نعم هلم إذا قال فطرحت الادراع من يدى وأخذت بيده ويد ابنه علي وهو يقول ما رأيت كاليوم قط أما لكم حاجة في

[ 153 ]

اللبن قال ثم خرجت أمشي بهما * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى عبد الواحد بن أبى عون عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال قال لى أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما يا عبد الاله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره قال قلت ذاك حمزة بن عبد المطلب قال ذاك الذى فعل بنا الافاعيل قال عبد الرحمن فو الله إنى لاقودهما إذ رآه بلال معى وكان هو الذى يعذب بلالا بمكة على أن يترك الاسلام فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول لا تزال هكذا حتى تفارق دين محمد فيقول بلال أحد أحد فقال بلال حين رآه رأس الكفر أمية ابن خلف لا نجوت إن نجوت قال قلت أي بلال أسيرى قال لا نجوت إن نجوا قال قلت تسمع يا ابن السوداء قال لا نجوت إن نجوا ثم صرخ باعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال فأحاطوا بنا ثم جعلونا في مثل المسكة وأنا أذب عنه قال فضرب رجل ابنه فوقع قال وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط قال قلت انج بنفسك ولا نجاء فو الله ما أغنى عنك شيئا قال فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما * قال فكان عبد الرحمن يقول رحم الله بلالا ذهبت أدراعى وفجعني بأسيرى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني عبد الله بن أبى بكر أنه حدث عن ابن عباس أن ابن عباس قال حدثنى رجل من بنى غفار قال أقبلت أنا وابن عم لى حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب قال فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول اقدم حيزوم قال فأما ابن عمى فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني أبى إسحاق ابن يسار عن رجال من بنى مازن بن النجار عن أبى داود المازنى وكان شهد

[ 154 ]

بدرا قال إنى لاتبع رجلا من المشركين يوم بدر لاضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفى فعرفت أن قد قتله غيرى * حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصرى قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا محمد بن يحيى الاسكندرانى عن العلاء بن كثير عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبى أمامة ابن سهل بن حنيف قال قال لى أبى يا بنى لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق قال وحدثني الحسن بن عمارة عن الحكم ابن عتيبة عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن عباس قال كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء قد أرسلوها في ظهورهم ويوم حنين عمائم حمرا ولم تقاتل الملائكة في يوم من الايام سوى يوم بدر وكانوا يكونون فيما سواه من الايام عددا ومددا لا يضربون * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد وحدثني ثور بن زيد مولى بنى الديل عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال وحدثني عبد الله بن أبى بكر قالا كان معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بنى سلمة يقول لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه أمر بأبى جهل أن يلتمس في القتلى وقال اللهم لا يعجزنك قال فكان أول من لقى أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح قال سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة وهم يقولون أبو الحكم لا يخلص إليه فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه فلما أمكننى حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا النواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها قال وضربنى ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدى فتعلقت بجلده من جنبى وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومى وإنى لاسحبها خلفي فلما آذتنى جعلت عليها رجلى ثم تمطيت بها حتى طرحتها قال ثم عاش معاذ بعد ذلك حتى كان في زمن عثمان بن عفان قال ثم مر بأبى جهل وهو عقير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق وقاتل معوذ حتى قتل فمر عبد الله بن مسعود بأبى جهل حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 155 ]

أن يلتمس في القتلى وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني انظروا إن خفى عليكم في القتلى إلى أثر جرح بركبته فإنى ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش في احداهما جحشا لم يزل أثره فيه بعد فقال عبد الله بن مسعود فوجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلى على عنقه قال وقد كان ضبث بى مرة بمكة فأذاني ولكزنى ثم قلت هل أخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا أخزاني أعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدبرة قال قلت لله ولرسوله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق وزعم رجال من بنى مخزوم أن ابن مسعود كان يقول قال لى أبو جهل لقد ارتقيت يا رويعى الغنم مرتقى صعبا ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبى جهل قال فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم آلله الذى لا إله غيره وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وآله قال قلت نعم والله الذى لا إله غيره ثم ألقيت رأسه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فحمد الله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه حتى ملاها فذهبوا ليحركوه فتزايل فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة فلما ألقاهم في القليب وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فقال يا أهل القليب هل وجدتهم ما وعدكم ربكم حقا فإنى وجدت ما وعدني ربى حقا فقال له أصحابه يا رسول الله أتكلم قوما موتى قال لقد علموا أن ما وعدتهم حق قالت عائشة والناس يقولون لقد سمعوا ما قلت لهم وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد علموا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال وحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو

[ 156 ]

يقول من جوف الليل يا أهل القليب يا عتبة بن ربيعة يا شيب بن ربيعة يا أمية بن خلف يا أبا جهل بن هشام فعدد من كان معهم في القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ف نى قد وجدت ما وعدني ربى حقا قال المسلمون يا رسول الله أتنادى قوما قد جيفوا فقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قال هذه المقالة قال يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس ثم قال هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا للمقالة التى قال قال ولما أمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني في وجه أبى حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير فقال يا أبو حذيفة لعلك دخلك من شأن أبيك شئ أو كما قال صلى الله عليه وسلم فقال لا والله يا نبى الله ما شككت في أبى ولا في مصرعه ولكني كنت أعرف من أبى رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الاسلام فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذى كنت أرجو له حرننى ذلك قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم له بخير وقال له خيرا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه هو لنا قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل كل امرئ ما أصاب فقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونهم لولا نحن ما أصبتموه لنحن شغلنا القوم عنكم حتى أصبتم ما أصبتم فقال الذين يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يخالف إليه العدو والله ما أنتم بأحق به منا لقد رأينا أن نقتل العدو إذ ولانا الله ومنحنا أكتافهم ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ولكن خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو فقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال وحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى الاشدق عن مكحول عن

[ 157 ]

أبى أمامة الباهلى قال سألت عبادة بن الصامت عن الانفال فقال فينا معشر أصحاب بدر ونزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسوله فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء يقول على السواء فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين * قال ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الفتح عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة قال أسامة بن زيد فأتانا الخبر حين سوينا على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التى كانت عند عثمان بن عفان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفنى عليها مع عثمان قال ثم قدم زيد بن حارثة فجئته وهو واقف بالمصلى قد غشيه الناس وهو يقول قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وزمعة بن الاسود وأبو البخترى بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج قال قلت يا أبه أحق هذا قال نعم والله يا بنى ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا المدينة فاحتمل معه النفل الذى أصيب من المشركين وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو ابن مازن بن النجار ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية يقال له سير إلى سرحة به فقسم هنالك النفل الذى أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء واستقى له من ماء به يقال له الارواق ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال سلمة بن سلامة بن وقش كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق كما حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وما الذى تهنئون به فوالله ان لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعلقة فنحرناها فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا ابن أخى أولئك الملا قال ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسارى من المشركين وكانوا أربعة وأربعين أسيرا وكان من القتلى مثل ذلك وفى الاسارى

[ 158 ]

عقبة بن أبى معيط والنضر بن الحارث بن كلدة حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله علي بن أبى طالب رضى الله عنه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق كما حدثنى بعض أهل العلم من أهل مكة قال ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبى معيط فقال حين أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل فمن للصبية يا محمد قال النار قال فقتله عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح الانصاري ثم أحد بنى عمرو بن عوف * قال كما حدثنى أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عرق الظبية حين قتل عقبة لقيه أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضى بحميت مملوء حيسا وكان قد تخلف عن بدر ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حجام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أبو هند امرؤ من الانصار فأنكحوه وانكحوا إليه ففعلوا ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الاسارى بيوم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن سعد بن زرارة قال قدم بالاسارى حين قدم بهم وسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء قال وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب قال تقول سودة والله إنى لعندهم إذا أتينا فقيل هؤلاء الاسارى قد أتى بهم قالت فرحت إلى بيتى ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل قالت فوالله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت يا أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كراما فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت يا سودة أعلى الله وعلى رسوله قالت قلت يا رسول والذى بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بحبل أن قلت ما قلت * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال حدثنى نبيه بن وهب أخو بنى

[ 159 ]

عبد الدار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالاسارى فرقهم في أصحابه وقال استوصوا بالاسارى خيرا قال وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لابيه وأمه في الاسارى قال فقال أبو عزيز مر أبى أخى مصعب بن عمير ورجل من الانصار يأسرنى فقال شد يديك به فان أمه ذات متاع لعلها أن تفتديه منك قال وكنت في رهط من الانصار حين أقبلوا بى من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا ما تقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحني بها قال فأستحي فأردها على أحدهم فيردها على ما يمسها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله بن إياس بن ضبيعة بن مازن بن كعب بن عمرو الخزاعى (قال أبو جعفر) وقال الواقدي الحيسمان بن حابس الخزاعى قالوا ما وراءك قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية ابن خلف وزمعة بن الاسود وأبو البخترى بن هشام ونبيه ومنبه ابنا الحجاج قال فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر والله ان يعقل هذا فسلوه عنى قالوا ما فعل صفوان بن أمية قال هو ذاك جالسا في الحجر وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا * حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق حدثنى حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة مولى ابن عباس قال قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الاسلام قد دخلنا أهل البيت وأسلمت أم الفضل وأسلمت وكان العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم وكان يكتم اسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكذلك صنعوا لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كتبه الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا قال وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل القداح أنحتها في حجرة زمزم فوالله إنى لجالس فيها أنحت القداح وعندي أم الفضل جالسة وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل

[ 160 ]

الفاسق أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهرى فبينا هو جالس إذ قال الناس هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم قال فقال أبو لهب هلم إلى يا ابن أخى فعندك الخبر قال فجلس إليه والناس قيام عليه فقال يا ابن أخى أخبرني كيف كان أمر الناس قال لا شئ والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسرون كيف شاؤا وايم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض ما تليق شيئا ولا يقوم لها شئ قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدى ثم قلت تلك الملائكة قال فرفع أبو لهب يده فضرب وجهى ضربة شديدة قال فثاورته فاحتملني فضرب بى الارض ثم برك على يضربني وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة ومنكرة وقالت تستضعفه ان غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله عز وجل بالعدسة فقتلته فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا ما يدفنانه حتى أنتن في بيته وكانت قريش تتقى العدسة وعدوتها كما يتقى الناس الطاعون حتى قال لهما رجل من قريش ويحكما ألا تستحيان أن أباكما قد أنتن في بيته لا تغيبانه فقالا إنا نخشى هذه القرحة قال فانطلقا فأنا معكما فما غسلوه إلا قدفا بالماء عليه من بعيد ما يمسونه ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكة إلى جدار وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة ابن الفضل قال قال محمد بن إسحاق وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن عبد الله بن عباس قال لما أمسى القوم من يوم بدر والاسارى محبوسون في الوثاق بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ساهرا أول ليلة فقال له أصحابه يا رسول الله مالك لا تنام فقال سمعت تضور العباس في وثاقه قال فقاموا إلى العباس فأطلقوه فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال فحدثني الحسن ابن عمارة عن الحكم بن عتيبة بن مقسم عن ابن عباس قال كان الذى أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بنى سلمة وكان أبو اليسر رجلا مجموعا وكان العباس رجلا جسيما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي اليسر كيف أسرت العباس يا أبا اليسر

[ 161 ]

فقال يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده هيئته كذا وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أعانك عليه ملك كريم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق قال وحدثني يحيى بن عباد عن أبيه عباد قال ناحت قريش على قتلاهم ثم قالوا لا تفعلوا فيبلغ ذلك محمدا وأصحابه فيشمت بكم ولا تبعثوا في فداء أسراكم حتى تستأنوا بهم ولا يتأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء قال وكان الاسود بن عبد يغوث قد أصيب له ثلاثة من ولده زمعة بن الاسود وعقيل بن الاسود والحارث بن الاسود وكان يحب أن يبكى على بنيه فبينا هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل فقال لغلام له وقد ذهب بصره أنظر هل أحل النحب هل بكت قريش على قتلاها لعلى أبكى على أبى حكيمة يعنى زمعة فان جوفى قد احترق قال فلما رجع إليه الغلام قال إنما هي امرأة تبكى على بعير لها أضلته قال فذلك حين يقول أتبكى أن يضل لها بعير * ويمنعها من النوم السهود فلا تبكى على بكر ولكن * على بدر تقاصرت الجدود على بدر سراة بنى هصيص * ومخزوم ورهط أبى الوليد وبكى إن بكيت على عقيل * وبكى حارثا أسد الاسود وبكيهم ولا تسمى جميعا * فما لابي حكيمة من نديد ألا قد ساد بعدهم رجال * ولولا يوم بدر لم يسودوا قال وكان في الاسارى أبو ودعة بن ضبيرة السهمى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن له ابنا تاجرا كيسا ذا مال وكأنكم به قد جاءكم في فداء أبيه قال فلما قالت قريش لا تعجلوا في فداء أسرائكم لا يتأرب عليكم محمد وأصحابه قال المطلب بن أبى وداعة وهو الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى صدقتم لا تعجلوا بفداء أسرائكم ثم انسل من الليل فقدم المدينة فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم ثم انطلق به ثم بعثت قريش في فداء الاسارى فقدم مكرز بن حفص بن الاخيف في فداء سهيل بن عمرو وكان الذى أسره مالك بن الدخشم أخو بنى سالم

[ 162 ]

ابن عوف وكان سهيل بن عمرو أعلم من شفته السفلى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق فحدثني محمد بن عمرو بن عطاء بن عباس بن علقمة أخو بنى عامر بن لؤى أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله انترع ثنيتى سهيل بن عمرو السفليين يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أمثل به فيمثل الله بى وإن كنت نبيا قال وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا الحديث إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضاهم قالوا هات الذى لنا قال اجعلوا رجلى مكان رجله وخلو سبيله حتى بعث إليكم بفدائه قال فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا مكانه عندهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب حين انتهى به إلى المدينة يا عباس افد نفسك وابنى أخيك عقيل بن أبى طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بنى الحارث بن فهر فإنك ذو مال فقال يا رسول الله إنى كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني فقال الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقا فالله يجزيك به فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فأفد نفسك وكان رسول الله صلى الله الله عليه وسلم قد أخذ منه عشرين أوقية من ذهب فقال العباس يا رسول الله احسبها لى في فدائي قال لا ذاك شئ أعطاناه الله عز وجل منك قال فانه ليس لى مال قال فأين المال الذى وضعته بمكة حيث خرجت عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد ثم قلت لها إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا وكذا ولعبد الله كذا وكذا ولقثم كذا وكذا ولعبيد الله كذا وكذا قال والذى بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيرى وغيرها وانى لاعلم أنك رسول الله ففدى العباس نفسه وابنى أخيه وحليفه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد قال وحدثني عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال كان عمرو بن أبى سفيان ابن حرب وكان لابنه عقبة بن أبى معيط أسيرا في يدى رسول الله صلى الله

[ 163 ]

عليه وسلم من أسارى بدر فقيل لابي سفيان افد عمرا قال أيجمع على دمى ومالى قتلوا حنظلة وأفدى عمرا دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم قال فبينا هو كذلك محبوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بنى عمرو بن عوف ثم أحد بنى معاوية معتمرا ومعه مرية له وكان شيخا كبيرا مسلما في غنم له بالنقيع فخرج من هنالك معتمرا ولا يخشى الذى صنع به لم يظن أنه يحبس بمكة إنما جاء معتمرا وقد عهد قريشا لا تعترض لاحد حاجا أو معتمرا الا بخير فعدا عليه أبو سفيان بن حرب فحبسه بمكة بابنه عمرو بن أبى سفيان ثم قال أبو سفيان أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه * تفاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا فإن بنى عمرو لئام أذلة * لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا قال فمشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبى سفيان فيفكوا شيخهم ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثوا به إلى أبى سفيان فخلى سبيل سعد * قال وكان في الاسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنته زينب وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة وكان لهالة بنت خويلد خديجة خالته فسألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالفها وذلك قبل أن ينزل عليه فزوجه فكانت تعده بمنزلة ولدها فلما أكرم الله عز وجل رسوله بنبوته آمنت به خديجة وبناته فصدقته وشهدن أن ما جاء به هو الحق ودن بدينه وثبت أبو العاص على شركه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوج عتبة ابن أبى لهب إحدى ابنتيه رقية أو أم كلثوم فلما بادى قريشا بأمر الله عز وجل وباعدوه قالوا إنكم قد فرغتم محمدا من همه فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن فمشوا إلى أبى العاص بن الربيع فقالوا له فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة شئت

[ 164 ]

من قريش قال لا ها الله إذا لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لى بامرأتي امرأة من قريش وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثنى عليه في صهره خيرا فيما بلغني * قال ثم مشوا إلى الفاسق بن الفاسق عتبة بن أبى لهب فقالوا له طلق ابنة محمد ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت فقال إن زوجتموني ابنة أبان بن سعيد ابن العاص أو ابنة سعيد بن العاص فارقتها فزوجوه ابنة سعيد بن العاص وفارقها ولم يكن عدو الله دخل بها فأخرجها الله من يده كرامة لها وهوانا له فخلف عليها عثمان بن عفان بعده وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوبا على أمره وكان الاسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلمت وبين أبى العاص بن الربيع إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر على أن يفرق بينهما فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم أبو العاص بن الربيع فأصيب في الاسارى يوم بدر وكان بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبى العاص بن الربيع بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص حين بنى عليها * قالت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذى لها فافعلوا فقالوا نعم يا رسول الله فأطلقوه وردوا عليها الذى لها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أو وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلى سبيل زينب إليه أو كان فيما شرط عليه في اطلاقه ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم ما هو إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخلى سبيله بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الانصار مكانه فقال كونا ببطن يأجج حتى

[ 165 ]

تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها فخرجا مكانهما وذلك بعد بدر بشهر أو شيعه فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت تجهز * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال حدثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال حدثت عن زينب أنها قالت بينا أنا أتجهز بمكة للحوق بأبى لقيتني هند بنت عتبة فقالت أي ابنة محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك قالت فقلت ما أردت ذلك قالت أي ابنة عمى لا تفعلي إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تبلغين به إلى أبيك فإن عندي حاجتك فلا تضطنئ منى فانه لا يدخل بين النساء ما يدخل بين الرجال * قالت ووالله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل قالت ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك وتجهزت فلما فرغت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهازها قدم لها حموها كنانة ابن الربيع أخو زوجها بعيرا فركبته وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها وهى في هودج لها وتحدث بذلك رجال قريش فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذى طوى فكان أول من سبق إليها هبار بن الاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى ونافع بن عبد القيس الفهرى فروعها هبار بالرمح وهى في هودجها وكانت المرأة حاملا فيما يزعمون فلما رجعت طرحت ذا بطنها وبرك حموها ونثر كنانته ثم قال والله لا يدنو منى رجل إلا وضعت فيه سهما فتكركر الناس عنه وأتاه أبو سفيان في جلة قريش فقال أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك فكف فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال إنك لم تصب خرجت بالمرأة على رؤس الرجال علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذا خرج بابنته علانية من بين أظهرنا أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا ونكبتنا التى كانت وأن ذلك منا ضعف ووهن لعمري مالنا حاجة في حبسها عن أبيها ومالنا في ذلك من ثؤرة ولكن أرجع المرأة فإذا هدأ الصوت وتحدث الناس أنا قد رددناها فسلها سرا فألحقها بأبيها ففعل حتى إذا هدأ الصوت خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه فقدما بها على رسول الله صلى الله

[ 166 ]

عليه وسلم قال فأقام أبو العاص بمكة وأقامت زينب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قد فرق بينهما الاسلام حتى إذا كان قبيل الفتح خرج تاجرا إلى الشام وكان رجلا مأمونا بمال له وأموال رجال من قريش أبضعوها معه فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيه سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابوا ما معه وأعجزهم هربا فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستجار بها فأجارته في طلب ماله فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال كما حدثنى يزيد بن رومان فكبر وكبر الناس معه صرخت زينب من صفة النساء أيها الناس إنى قد أجرت أبا العاص بن الربيع فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم من الصلاة أقبل على الناس فقال أيها الناس هل سمعتم ما سمعت قالوا نعم قال أما والذى نفس محمد بيده ما علمت بشئ كان حتى سمعت منه ما سمعتم أنه يجير على المسلمين أدناهم ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على ابنته فقال أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق قال وحدثني عبد الله بن أبى بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبى العاص فقال لهم إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم وقد أصبتم له مالا فان تحسنوا تردوا عليه الذى له فإنا نحب ذلك وإن أبيتم فهو فئ الله الذى أفاءه عليكم فأنتم أحق به قالوا يا رسول الله بل نرده عليه * قال فردوا عليه ماله حتى إن الرجل ليأتي بالحبل ويأتى الرجل بالشنة والادواة حتى إن أحدهم ليأتي بالشظاظ حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذى مال من قريش ماله ممن كان أبضع معه ثم قال يا معشر قريش هل بقى لاحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا لا فجزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما قال فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله والله ما منعنى من الاسلام عنده إلا

[ 167 ]

تخوف أن تظنوا أنى إنما أردت أكل أموالكم فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال فحدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس قال رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بالنكاح الاول ولم يحدث شيئا بعد ست سنين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال قال محمد بن إسحق حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال جلس عمير بن وهب الجمحى مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش بيسير في الحجر وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش وكان ممن يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويلقون منه عناء وهم بمكة وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر فذكر أصحاب القليب ومصابهم فقال صفوان والله إن في العيش خير بعدهم فقال عمير صدقت والله أما والله لو لا دين على ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدى لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لى قبلهم علة ابني أسير في أيديهم فاغتنمها صفوان بن أمية فقال على دينك أنا أقضيه عنك وعيالك مع عيالي اسوتهم ما بقوا لا يسعنى شئ ويعجز عنهم قال عمير فاكتم على شأني وشأنك قال افعل * قال ثم إن عميرا أمر بسيفه فشحذ له وسم ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين في المسجد يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله عز وجل به وما أراهم في عدوهم إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ بعيره على باب المسجد متوشحا السيف فقال هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر وهو الذى حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبى الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه قال فأدخله على * قال فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها وقال لرجال ممن كان معه من الانصار ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا هذا الخبيث عليه فإنه غير مأمون ثم دخل

[ 168 ]

به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه قال أرسله يا عمر ادن يا عمير فدنا ثم قال أنعموا صباحا وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة قال أما والله يا محمد إن كنت لحديث عهد بها قال ما جاء بك يا عمير قال جئت لهذا الاسير الذى في أيديكم فأحسنوا فيه قال فما بال السيف في عنقك قال قبحها الله من سيوف وهل أغنت شيئا قال اصدقني بالذى جئت له قال ما جئت إلا لذلك فقال بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت لولا دين على وعيالي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له والله عز وجل حائل بينى وبينك فقال عمير أشهد أنك رسول الله قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحى وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فو الله إنى لاعلم ما أتاك به إلا الله فالحمد لله الذى هداني للاسلام وساقني هذا المساق ثم تشهد شهادة الحق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه وعلموه القرآن وأطلقوا له أسيره * قال ففعلوا ثم قال يا رسول الله إنى كنت جاهدا في إطفاء نور الله شديد الاذى لمن كان على دين الله وإنى أحب أن تأذن لى فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الاسلام لعل الله أن يهديهم وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذى أصحابك في دينهم قال فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه فحلف ألا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الاسلام ويؤذى من خالفه أذى شديدا فأسلم على يديه أناس كثير فلما انقضى أمر بدر أنزل الله عز وجل فيه من القرآن الانفال بأسرها

[ 169 ]

* حدثنا أحمد بن منصور قال حدثنا عاصم بن على قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثنا أبو زميل قال حدثنى عبد الله بن عباس قال حدثنى عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر التقوا فهزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلا وأسر سبعون رجلا فلما كان يومئذ شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر فقال أبو بكر يا نبى الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان فإنى أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما اخذنا منهم قوة وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترى يا ابن الخطاب * قال قلت لا والله ما ارى الذى رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنني من فلان فأضرب عنقه وتمكن حمزة من أخ له فيضرب عنقه وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للكفار هؤلاء صناديدهم وقادتهم وأئمتهم * قال فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت أنا فأخذ منهم الفداء فلما كان الغد قال عمر غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاعد وأبو بكر وإذا هما يبكيان قال قلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فان وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذى عرض على أصحابك من الفداء لقد عرض على عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة وأنزل الله عز وجل (ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض - إلى قوله - فيما أخذتم عذاب عظيم) ثم أحل لهم من الغنائم فلما كان من العام القابل في أحد عوقبوا بما صنعوا قتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعون وأسر سبعون وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه وفر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وصعدوا الجبل فأنزل الله عز وجل هذه الآية (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا - إلى قوله - إن الله على كل شئ قدير) ونزلت هذه الآية الاخرى (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم - إلى قوله -

[ 170 ]

من بعد الغم آمنة) * حدثنى سلم بن جنادة قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الاعمش عن عمرو بن مرة عن أبى عبيدة عن عبد الله قال لما كان يوم بدر وجئ بالاسرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقولون في هؤلاء الاسرى فقال أبو بكر يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأنهم لعل الله أن يتوب عليهم وقال عمر يا رسول الله كذبوك وأخرجوك قدمهم فضرب أعناقهم وقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا قال فقال له العباس قطعتك رحمك قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم ثم دخل فقال ناس يأخذ بقول أبى بكر وقال ناس يأخذ بقول عمر وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة ثم خرج عليهم رسول الله فقال إن الله عز وجل ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال من تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال إن تعذبهم فانهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ومثلك يا عمر مثل نوح قال رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا ومثلك كمثل موسى قال ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق قال عبد الله ابن مسعود إلا سهيل بن بيضاء فانى سمعته يذكر الاسلام فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتنى في يوم أخوف أن تقع على الحجارة من السماء منى من ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سهيل بن بيضاء * قال فأنزل الله عز وجل (ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض) إلى آخر الآيات الثلاث * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق لما نزلت يعنى هذه الآية (ما كان لنبى أن يكون له أسرى) قال رسول الله

[ 171 ]

صلى الله عليه وسلم لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ لقوله يا نبى الله كان الاثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال (قال أبو جعفر) وكان جميع من شهد بدرا من المهاجرين ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره ثلاثة وثمانين رجلا في قول ابن اسحاق * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه وجميع من شهد من الاوس معه ومن ضرب له بسهمه واحد وستون رجلا وجميع من شهد معه من الخزرج مائة وسبعون رجلا في قول ابن اسحاق وجميع من استشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الانصار وكان المشركون فيما زعم الواقدي تسعمائة وخمسين مقاتلا وكانت خيلهم مائة فرس ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ جماعة استصغرهم فيما زعم الواقدي فمنهم فيما زعم عبد الله بن عمر ورافع ابن خديج والبراء بن عازب وزيد بن ثابت وأسيد بن ظهير وعمير بن أبى وقاص ثم أجاز عميرا بعد أن رده فقتل يومئذ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث قبل أن يخرج من المدينة طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل إلى طريق الشأم يتحسسان الاخبار عن العير ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر فاستقبلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتربان وهو منحدر من بدر يريد المدينة * قال الواقدي كان خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة في ثلثمائة رجل وخمسة وكان المهاجرون أربعة وسبعين رجلا وسائرهم من الانصار وضرب لثمانية بأجورهم وسهمانهم ثلاثة من المهاجرين أحدهم عثمان بن عفان كان تخلف على ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد كان بعثهما يتحسسان الخبر عن العير وخمسة من الانصار أبو لبابة بشير بن عبد المنذر خلفه على المدينة وعاصم بن عدى بن العجلان خلفه على العالية والحارث بن حاطب رده من الروحاء إلى بنى عمرو ابن عوف لشئ بلغه عنهم والحارث بن الصمة كسر بالروحاء وهو من بنى

[ 172 ]

مالك بن النجار وخوات بن جبير كسر من بنى عمرو بن عوف قال وكانت الابل سبعين بعيرا والخيل فرسين فرس للمقداد بن عمرو وفرس لمرثد بن أبى مرثد (قال أبو جعفر) وروى عن ابن سعد عن محمد بن عمر عن محمد بن هلال عن أبيه عن أبى هريرة قال ورؤى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثر المشركين يوم بدر مصلتا السيف يتلو هذه الآية (سيهزم الجمع ويولون الدبر) * قال وفى غزوة بدر انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار وكان لمنبه بن الحجاج * قال وفيها غنم جمل أبى جهل وكان مهريا يغزو عليه ويضرب في لقاحه (قال أبو جعفر) ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة منصرفه من بدر وكان قد وادع حين قدم المدينة يهودها على أن لا يعينوا عليه أحدا وأنه إن دهمه بها عدو نصروه فلما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل ببدر من مشركي قريش أظهروا له الحسد والبغى وقالوا لم يلق محمد من يحسن القتال ولو لقينا لاقى عندنا قتالا لا يشبهه قتال أحد وأظهروا نقض العهد غزوة بنى قينقاع * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال كان من أمر بنى قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمعهم بسوق بنى قينقاع ثم قال يا معشر اليهود احذروا من الله عز وجل مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتم أنى نبى مرسل تجدون ذلك في كتابكم وفى عهد الله إليكم قالوا يا محمد إنك ترى أنا كقومك لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة إنا والله لئن حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن بنى قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحاربوا فيما بين بدر وأحد * فحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر عن محمد ابن عبد الله عن الزهري أن غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى القينقاع

[ 173 ]

كانت في شوال من السنة الثانية من الهجرة قال الزهري عن عروة نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليهما وسلم بهذه الآية (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) فلما فرغ جبريل عليه السلام من هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى أخاف من بنى قينقاع قال عروة فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية قال الواقدي وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يطلع منهم أحد ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتفوا وهو يريد قتلهم فكلمه فيهم عبد الله بن أبي (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة) قال فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه فقام إليه عبد الله ابن أبى ابن سلول حين أمكنه الله منهم فقال يا محمد أحسن في موالى وكانوا حلفاء الخزرج فأبطأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أحسن في موالى فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم * قال فأدخل يده في جيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا في وجهه ظلالا يعنى تلونا ثم قال ويحك أرسلني قال لا والله لا أرسلك حتى تحسن إلى موالى أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع قد منعوني من الاسود والاحمر تحصدهم في غداة واحدة وإنى والله لا آمن وأخشى الدوائر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم لك (قال أبو جعفر) وقال محمد بن عمر في حديثه عن محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة فقال النبي صلى الله عليه وسلم خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم فأرسلوهم ثم أمر بإجلائهم وغنم الله عز وجل رسوله والمسلمين ما كان لهم من مال ولم تكن لهم أرضون إنما كانوا صاغة فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم سلاحا كثيرا وآلة صياغتهم وكان الذى ولى إخراجهم من المدينة بذراريهم عبادة بن الصامت فمضى بهم حتى بلغ بهم ذباب وهو يقول الشرف إلابعد الاقصى فالاقصى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر (قال أبو جعفر) وفيها كان أول خمس خمسه رسول الله

[ 174 ]

صلى الله عليه وسلم في الاسلام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفيه والخمس وسهمه وفض أربعة أخماس على أصحابه فكان أول خمس قبضه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بنى قينقاع لواء أبيض مع حمزة بن عبد المطلب ولم تكن يومئذ رايات ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وحضرت الاضحى فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى وأهل اليسر من أصحابه يوم العاشر من ذى الحجة وخرج بالناس إلى المصلى فصلى بهم فذلك أول صلاة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس بالمدينة بالمصلى في عيد وذبح فيه بالمصلى بيده شاتين وقيل ذبح شاة قال الواقدي حدثنى محمد بن الفضل من ولد رافع بن خديج عن أبى مبشر قال سمعت جابر بن عبد الله يقول لما رجعنا من بنى قينقاع ضحينا في ذى الحجة صبيحة عشر وكان أول أضحى رآه المسلمون وذبحنا في بنى سلمة فعدت في بنى سلمة سبع عشرة أضحية (قال أبو جعفر) وأما ابن إسحاق فلم يوقت لغزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى غزاها بنى قينقاع وقتا غير أنه قال كان ذلك بين غزوة السويق وخروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة يريد غزو قريش حتى بلغ بنى سليم وبحران معدنا بالحجاز من ناحية الفرع وأما بعضهم فإنه قال كان بين غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا الاولى وغزوة بنى قينقاع ثلاث غزوات وسرية أسراها وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما غزاه لتسع ليال خلون من صفر من سنة ثلاث من الهجرة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا بعدما انصرف من بدر وكان رجوعه إلى المدينة يوم الاربعاء لثماني ليال بقين من رمضان وأنه أقام بها بقية رمضان ثم غزا قرقرة الكدر حين بلغه اجتماع بنى سليم وغطفان فخرج من المدينة يوم الجمعة بعدما ارتفعت الشمس غرة شوال من السنة الثانية من الهجرة إليها * وأما ابن حميد فحدثنا عن سلمة عن ابن إسحاق أنه قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر إلى المدينة وكان فراغه من بدر في عقب شهر رمضان أو في أول شوال لم يقم بالمدينة إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بنى سليم حتى بلغ ماء من مياههم يقال له الكدر فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى

[ 175 ]

المدينة ولم يلق كيدا فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وفدى في اقامته تلك جل الاسارى من قرش وأما الواقدي فزعم أن غزوة النبي صلى الله عليه وسلم الكدر كانت في المحرم من سنة ثلاث من الهجرة وأن لواءه كان يحمله فيها على بن أبى طالب وأنه استخلف فيها ابن أم مكتوم المعيصى على المدينة * وقال بعضهم لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة الكدر إلى المدينة وقد ساق النعم والرعاء ولم يلق كيدا وكان قدومه منها فيما زعم لعشر خلون من شوال بعث غالب بن عبد الله الليثى يوم الاحد لعشر ليال مضين من شوال إلى بنى سليم وغطفان في سرية فقتلوا فيهم وأخذوا النعم وانصرفوا إلى المدينة بالغنيمة يوم السبت لاربع عشرة ليلة بقيت من شوال واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة إلى ذى الحجة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا يوم الاحد لسبع ليال بقين من ذى الحجة غزوة السويق غزوة السويق (قال أبو جعفر) وأما ابن اسحاق فانه قال في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الكدر إلى المدينة أقام بها بقية شوال سنة اثنتين من الهجرة وذا القعدة ثم غزا أبو سفيان ابن حرب غزوة السويق في ذى الحجة قال وولى تلك الحجة المشركون من تلك السنة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان ومن لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك وكان من أعلم الانصار قال وكان أبو سفيان بن حرب حين رجع إلى مكة ورجع فل قريش إلى مكة من بدر نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدور قناة إلى جبل يقال له تيت من المدينة على بريد أو نحوه ثم خرج من الليل حتى أتى بنى النضير تحت الليل فأتى حيى بن أخطب فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه فانصرف إلى سلام بن مشكم وكان سيد النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم فاستأذن عليه

[ 176 ]

فأذن له فقراه وسقاه وبطن له خبر الناس ثم خرج في عقب ليلته حتى جاء أصحابه فبعث رجالا من قريش إلى المدينة فأتوا ناحية منها يقال لها العريض فحرقوا في أصوار من نخل لها ووجدوا رجلا من الانصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين ونذر بهم الناس فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر ثم انصرف راجعا وقد فاته أبو سفيان وأصحابه وقد رأوا من مزاود القوم ما قد طرحوه في الحرث يتخففون منه للنجاء فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتطمع ان تكون لنا غزوة قال نعم وقد كان أبو سفيان قال وهو يتجهز خارجا من مكة إلى المدينة أبياتا من شعر يحرض قريشا كروا على يثرب وجمعهم * فإن ما جمعوا لكم نفل إن يك يوم القليب كان لهم * فإن ما بعده لكم دول آليت لا أقرب النساء ولا * يمس رأسي وجلدي الغسل حتى تبيروا قبائل الاوس وال‍ * خزرج إن الفؤاد مشتعل فأجابه كعب بن مالك: تلهف أم المسبحين على * جيش ابن حرب بالحرة الفشل إذ يطرحون الرجال من شيم ال‍ * طير ترقى لقنة الجبل جاؤا بجمع لو قيس مبركه * ما كان إلا كمفحص الدول عار من النصر والثراء ومن * أبطال أهل البطحاء والاسل وأما الواقدي فزعم أن غزوة السويق كانت في ذى القعدة من سنة اثنتين من الهجرة وقال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتي رجل من أصحابه من المهاجرين والانصار ثم ذكر من قصة أبى سفيان نحوا مما ذكره ابن اسحاق غير أنه قال فمر يعنى أبا سفيان بالعريض برجل معه أجير له يقال له معبد بن عمرو فقتلهما وحرق أبياتا هناك وتبنا ورأى أن يمينه قد حلت وجاء الصريخ إلى النبي صلى

[ 177 ]

الله عليه وسلم فاستنفر الناس فخرجوا في أثره فاعجزهم قال وكان أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب الدقيق ويتخففون وكان ذلك عامة زادهم فلذلك سميت غزوة السويق * وقال الواقدي واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر (قال أبو جعفر) ومات في هذه السنة أعنى سنة اثنتين من الهجرة في ذى الحجة عثمان بن مظعون فدفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع وجعل عند رأسه حجرا علامة لقبره وقيل إن الحسن بن علي بن أبى طالب عليه السلام ولد في هذه السنة (قال أبو جعفر) وأما الواقدي فإنه زعم أن ابن أبى سبرة حدثه عن اسحاق بن عبد الله عن أبى جعفر أن علي بن أبى طالب عليه السلام بنى بفاطمة عليها السلام في ذى الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا (قال أبو جعفر) فان كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الاول باطل (وقيل) إن في هذه السنة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاقل فكان معلقا بسيفه ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذى الحجة والمحرم أو قريبا منه ثم غزا نجدا يريد غطفان وهى غزوة ذى أمر فأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا فلبث بها شهر ربيع الاول كله الا قليلا منه ثم غزا يريد قريشا وبنى سليم حتى بلغ بحران معدنا بالحجاز من ناحية الفرع فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الاولى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا خبر كعب بن الاشرف (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة سرى النبي صلى الله عليه وسلم سرية إلى كعب بن الاشرف فزعم الواقدي أن النبي وجه من وجه إليه في شهر ربيع الاول

[ 178 ]

من هذه السنة * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال كان من حديث ابن الاشرف أنه لما أصيب أصحاب بدر وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عز وجل عليه قتل من قتل من المشركين كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله ابن المغيث بن أبى بردة بن أسير الظفرى وعبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم وعاصم بن عمر بن قتادة وصالح بن أبى أمامة بن سهل * قال كل قد حدثنى بعض حديثه قال قال كعب بن الاشرف وكان رجلا من طيئ ثم أحد بنى نبهان وكانت أمه من بنى النضير فقال حين بلغه الخبر ويلكم أحق هذا أترون أن محمدا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان يعنى زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة وهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الارض خير لنا من ظهرها فلما تيقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة فنزل على المطلب بن أبى وداعة بن ضبيرة السهمى وعنده عاتكة بنت أسيد ابن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس فأنزلته وأكرمته وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الاشعار ويبكى على أصحاب القليب الذين أصيبوا ببدر من قريش ثم رجع كعب بن الاشرف إلى المدينة فشبب بأم الفضل بنت الحارث فقال أراحل أنت أم تحلل بمنقبة * وتارك أنت أم الفضل بالحرم صفراء رادعة لو تعصر انعصرت * من ذى القوارير والحناء والكتم يرتج ما بين كعبيها ومرفقها * إذا تأتت قياما ثم لم تقم أشاه أم حكيم إذ تواصلنا * والحبل منها متين غير منجذم إحدى بنى عامر جن الفؤاد بها * ولو تشاء شفت كعبا من السقم فرع النساء وفرع القوم والدها * أهل المحلة والايفاء بالذمم لم أر شمسا بليل قبلها طلعت * حتى تجلت لنا في ليلة الظلم

[ 179 ]

ثم شبب بنساء من نساء المسلمين حتى آذاهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن المغيث بن أبى بردة من لى من ابن الاشرف * قال فقال محمد بن مسلمة أخو بنى عبد الاشهل أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله قال فافعل إن قدرت على ذلك فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق نفسه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له لم تركت الطعام والشراب قال يا رسول الله قلت قولا ألا أدرى في به أم لا قال إنما عليك الجهد قال يا رسول الله إنه لابد لنا من أن نقول قال قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك قال فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة أحد بنى عبد الاشهل وكان أخا كعب من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش أحد بنى عبد الاشهل والحارث بن أوس بن معاذ أحد بنى عبد الاشهل وأبو عبس بن جبر وأخو بنى حارثة ثم قدموا إلى ابن الاشرف قبل أن يأتوه سلكان بن سلامة أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة وتناشدا شعرا وكان أبو نائلة يقول الشعر ثم قال ويحك يا ابن الاشرف إنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم علي قال افعل قال كان قدوم هذا الرجل بلاء عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الانفس وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا فقال كعب أنا ابن الاشرف أما والله لقد كنت أخبرتك يا ابن سلامة إن الامر سيصير إلى ما كنت أقول فقال سلكان إنى قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك قال ترهنوني أبناءكم فقال لقد أردت أن تفضحنا إن معى أصحابا لى على مثل رأيى وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه لك وفاء وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاؤا بها فقال إن في الحلقة لوفاء قال فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره وأمرهم أن يأخذوا السلاح فينطلقوا فيجتمعوا إليه فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق

[ 180 ]

قال فحدثني ثور بن زيد الديلى عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته في ليلة مقمرة فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفته فأخذت امرأته بناحيتها وقالت إنك امرؤ محارب وان صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة قال إنه أبو نائلة لو وجدني نائما لما أيقظني قالت والله إنى لاعرف في صوته الشر قال يقول لها كعب لو دعى الفتى لطعنة أجاب فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه ثم قالوا له هل لك يا ابن الاشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه قال إن شئتم فخرجوا يتماشون فمشوا ساعة ثم أن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال ما رأيت كالليلة طيب عطر قط ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى أطمأن ثم مشى ساعة فعاد لمثلها فأخذ بفودى رأسه ثم قال اضربوا عدو الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفى حين رأيت أسيافنا لا تغنى شيئا فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن الا أوقدت عليه نار قال فوضعته في ثندؤته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ بجرح في رأسه أو رجله أصابه بعض أسيافنا قال فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية بن زيد ثم على بنى قريظة ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزفه الدم فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا قال فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلى فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله وتفل على جرح صاحبنا ورجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله فليس بها يهودى الا وهو يخاف على نفسه قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه فوثب محيصة ابن مسعود على ابن سنينة رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان

[ 181 ]

حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول أي عدو الله قتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله قال محيصة فقلت له والله لو أمرنى بقتلك من أمرنى بقتله لضربت عنقك قال فو الله إن كان لاول إسلام حويصة وقال لو أمرك محمد بقتلى لقتلتني قال نعم والله لو أمرنى بقتلك لضربت عنقك قال والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب فأسلم حويصة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى هذا الحديث مولى لبنى حارثة عن ابنة محيصة عن أبيها (قال أبو جعفر) وزعم الواقدي أنهم جاؤا برأس ابن الاشرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم الواقدي أن في ربيع الاول من هذه السنة تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخلت عليه في جمادى الآخرة وإن في ربيع الاول من هذه السنة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة أنمار يقال لها ذو أمر وقد ذكرنا قول ابن اسحاق في ذلك قبل، قال الواقدي وفيها ولد السائب بن يزيد بن أخت النمر غزوة القردة قال الواقدي وفى جمادى الآخرة من هذه السنة كانت غزوة القردة وكان أميرها فيما ذكر زيد بن حارثة قال وهى أول سرية خرج فيها زيد بن حارثة أميرا (قال أبو جعفر) وكان من أمرها ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال سرية زيد بن حارثة التى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها حين أصاب عير قريش فيها أبو سفيان بن حرب على القردة ماء من مياه نجد قال وكان من حديثها أن قريشا قد كانت خافت طريقها التى كانت تسلك إلى الشأم حين كان من وقعة بدر ما كان فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان ابن حرب ومعه فضة كثيرة وهى عظم تجارتهم واستأجروا رجلا من بكر بن وائل يقال له فرات بن حيان يدلهم على ذلك الطريق وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة فلقيهم على ذلك الماء فأصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال أبو جعفر) وأما

[ 182 ]

الواقدي فزعم أن سبب هذه الغزوة كان أن قريشا قالت قد عور علينا محمد متجرنا وهو على طريقنا وقال أبو سفيان وصفوان بن أمية إن أقمنا بمكة أكلنا رؤس أموالنا قال زمعة بن الاسود فأنا أدلكم على رجل يسلك بكم النجدية لو سلكها مغمض العينين لاهتدى قال صفوان من هو فحاجتنا إلى الماء قليل إنما نحن شاتون قال فرات بن حيان فدعواه فاستأجراه فخرج بهم في الشتاء فسلك بهم على ذات عرق ثم خرج بهم على غمرة وانتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبر العير وفيها مال كثير وآنية فضة حملها صفوان بن أمية فخرج زيد بن حارثة فاعترضها فظفر بالعير وأفلت أعيان القوم فكان الخمس عشرين ألفا فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم الاربعة الاخماس على السرية وأتى بفرات بن حيان العجلى أسيرا فقيل إن أسلمت لم يقتلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم فأرسله مقتل أبى رافع اليهودي (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة كان مقتل أبى رافع اليهودي فيما قيل وكان سبب قتله إنه كان فيما ذكر عنه يظاهر كعب بن الاشرف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجه إليه فيما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة عبد الله بن عتيك فحدثنا هارون بن اسحاق الهمداني قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنى اسرائيل قال حدثنا أبو اسحاق عن البراء قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى رافع اليهودي وكان بأرض الحجاز رجالا من الانصار وأمر عليهم عبد الله بن عقبة أو عبد الله بن عتيك وكان أبو رافع يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغى عليه وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم قال لهم عبد الله ابن عقبة أو عبد الله بن عتيك اجلسوا مكانكم فانى أنطلق وأتلطف للبواب لعلى أدخل قال فأقبل حتى إذا دنا من الباب تقنع بثوبه كأنه يقضى حاجة وقد دخل الناس فهتف به البواب يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فانى أريد أن

[ 183 ]

أغلق الباب قال فدخلت فكمنت تحت آرى حمار فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الاقاليد على ود قال فقمت إلى الاقاليد فأخذتها ففتحت الباب وكان أبو رافع يسمر عنده في علالى فلما ذهب عنه أهل سمره فصعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقته على من داحل قلت إن القوم نذروا بى لم يخلصوا إلى حتى أقتله قال فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدرى أين هو من البيت قلت أبا رافع قال من هذا قال فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنى شيأ وصاح فخرجت من البيت ومكثت غير بعيد ثم دخلت إليه فقلت ما هذا الصوت يا أبا رافع قال لامك الويل إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف قال فأضربه فأثخنه ولم أقتله قال ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه حتى أخرجته من ظهره فعرفت أنى قد قتلته فجعلت أفتح الابواب بابا فبابا حتى انتهيت إلى درجة فوضعت رجلى وأنا أرى انى انتهيت إلى الارض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقى قال فعصبتها بعمامتي ثم إنى انطلقت حتى جلست عند الباب فقلت والله لا أبرح الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا قال فلما صاح الديك قام الناعي عليه على السور فقال أنعى أبا رافع رباح أهل الحجاز قال فانطلقت إلى أصحابي فقلت النجاء قد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال ابسط رجلك فبسطتها فمسحها فكأنما لم أشتكها قط (قال أبو جعفر) وأما الواقدي فإنه زعم أن هذه السرية التى وجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى رافع سلام بن أبى الحقيق إنما وجهها إليه في ذى الحجة من سنة أربع من الهجرة وأن الذين توجهوا إليه فقتلوه كانوا أبا قتادة وعبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان والاسود بن خزاعي وعبد الله بن أنيس * وأما ابن إسحاق فإنه قص من قصة هذه السرية ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه كان سلام ابن أبى الحقيق وهو أبو رافع ممن كان حزب الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الاوس قبل أحد قتلت كعب بن الاشرف في عداوته رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه عليه فاستأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبى الحقيق وهو بخيبر فأذن لهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد

[ 184 ]

ابن اسحاق عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال كان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيين من الانصار الاوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين لا تصنع الاوس شيئا فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غناء إلا قالت الخزرج والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاسلام فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها قال وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الاوس مثل ذلك فلما أصابت الاوس كعب بن الاشرف في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الخزرج لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا قال فتذاكروا من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الاشرف فذكروا ابن أبى الحقيق وهو بخيبر فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله فأذن لهم فخرج إليه من الخزرج ثم من بنى سلمة ثمانية نفر عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة الحارث ابن ربعى وخزاعي بن الاسود حليف لهم من أسلم فخرجوا وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة فخرجوا حتى قدموا خيبر فأتوا دار ابن أبى الحقيق ليلا فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه من خلفهم على أهله وكان في علية له إليها عجلة رومية فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا فخرجت إليهم امرأته فقالت من أنتم فقالوا نفر من العرب نلتمس الميرة قالت ذاك صاحبكم فادخلوا عليه فلما دخلنا أغلقنا عليها وعلينا وعليه باب الحجرة وتخوفنا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه قال فصاحت امرأته ونوهت بنا وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا والله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة قال ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها السيف ثم يذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكف يده ولولا ذاك فرغنا منه بليل فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول قطني قطني قال ثم خرجنا وكان عبد الله بن عتيك سيئ البصر فوقع من الدرجة فوثئت رجله وثئا شديدا واحتملناه حتى نأتى به منهرا من عيونهم فندخل فيه

[ 185 ]

قال وأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبوننا حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يقضى بينهم قال فقلنا كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات فقال رجل منا أنا أذهب فانظر لكم فانطلق حتى دخل في الناس قال فوجدته ورجال يهود عنده وامرأته في يدها المصباح تنظر في وجهه ثم قالت تحدثهم وتقول أما والله لقد عرفت صوت ابن عتيك ثم أكذبت فقلت أنى ابن عتيك بهذه البلاد ثم أقبلت عليه لتنظر في وجهه ثم قالت فاض وإله يهود قال يقول صاحبنا فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسي منها ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه بقتل عدو الله واختلفنا عنده في قتله وكلنا يدعيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتوا أسيافكم فجئناه بها فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس هذا قتله أرى فيه أثر العظام فقال حسان بن ثابت وهو يذكر قتل كعب بن الاشرف وسلام بن أبى الحقيق لله در عصابة لاقيتهم * يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الاشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم * بطرا كأسد في عرين مغرف حتى أتوكم في محل بلادكم * فسقوكم حتفا ببيض وذف مستبصرين لنصر دين نبيهم * مستضعفين لكل أمر مجحف * وحدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقى وعباس بن عبد العظيم العنبري قالا حدثنا جعفر بن عون قال حدثنا ابراهيم بن اسماعيل قال حدثنى إبراهيم بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن أباه حدثه عن أمه ابنة عبد الله بن أنيس أنها حدثته عن عبد الله بن أنيس أن الرهط الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن أبى الحقيق ليقتلوه عبد الله بن عتيك وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة وحليف لهم ورجل من الانصار وأنهم قدموا خيبر ليلا * قال فعمدنا إلى أبوابهم نغلقها من خارج ونأخذ المفاتيح حتى أغلقنا عليهم أبوابهم ثم أخذنا المفاتيح فألقيناها في فقير ثم جئنا إلى المشربة التى فيها ابن أبى الحقيق فظهرت عليها أنا وعبد الله بن عتيك وقعد أصحابنا في الحائط فاستأذن عبد الله بن عتيك فقالت امرأة ابن أبى الحقيق إن هذا

[ 186 ]

لصوت عبد الله بن عتيك قال ابن أبى الحقيق ثكلتك أمك عبد الله بن عتيك بيثرب أين هو عندك هذه الساعة افتحي لى إن الكريم لا يرد عن بابه هذه الساعة فقامت ففتحت فدخلت أنا وعبد الله على ابن أبى الحقيق فقال عبد الله بن عتيك دونك قال فشهرت عليها السيف فأذهب لاضربها بالسيف فأذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان فأكف عنها فدخل عبد الله بن عتيك على بن أبى الحقيق قال فأنظر إليه في مشربة مظلمة إلى شدة بياضه فلما رأني ورأى السيف أخذ الوسادة فاتقاني بها قال فأذهب لاضربه فلا أستطيع فوخزته بالسيف وخزا ثم خرج إلى عبد الله بن أنيس فقال أقتله قال نعم فدخل عبد الله بن انيس فدفف عليه * قال ثم خرجت إلى عبد الله بن عتيك فانطلقنا وصاحت المرأة وابياتاه وابياتاه * قال فسقط عبد الله بن عتيك في الدرجة فقال وارجلاه وارجلاه فاحتمله عبد الله بن أنيس حتى وضعه إلى الارض * قال قلت انطلق ليس برجلك بأس * قال فانطلقنا قال عبد الله بن أنيس جئنا أصحابنا فانطلقنا ثم ذكرت قوسى أنى تركتها في الدرجة فرجعت إلى قوسى فإذا أهل خيبر يموج بعضهم في بعض ليس لهم كلام إلا من قتل ابن أبى الحقيق من قتل ابن أبى الحقيق قال فجعلت لا أنظر في وجه إنسان ولا ينظر في وجهى انسان إلا قلت من قتل ابن أبى الحقيق قال ثم صعدت الدرجة والناس يظهرون فيها وينزلون فأخذت قوسى من مكانها ثم ذهبت فأدركت أصحابي فكنا نكمن النهار ونسير الليل فإذا كمنا النهار أقعدنا منا ناطورا ينظر لنا فان رأى شيئا أشار الينا فانطلقنا حتى إذا كنا بالبيضاء كنت قال موسى أنا ناظرهم وقال عباس كنت أنا ناطورهم فأشرت إليهم فذهبوا جمزا وخرجت في آثارهم حتى إذا اقتربنا من المدينة أدركتهم قالوا ما شأنك هل رأيت شيئا قلت لا إلا أنى قد عرفت أن قد بلغكم الاعياء والوصب فأحببت أن يحملكم الفزع (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر في شعبان وكانت قبلة تحت خنيس بن حذافة السهمى في الجاهلية فتوفى عنها * وفيها كانت غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وكانت في شوال يوم السبت لسبع ليال خلون منه فيما قيل من

[ 187 ]

سنة ثلاث من الهجرة غزوة أحد (قال أبو جعفر) وكان الذى هاج غزوة أحد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشركى قريش وقعة بدر وقتل من قتل ببدر من أشراف قريش ورؤسائهم فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث عن يوم أحد وقد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت من الحديث عن يوم أحد قالوا لما أصيبت قريش أو من قاله منهم يوم بدر من كفار قريش من أصحاب القليب فرجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره مشى عبد الله بن أبى ربيعة وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذالمال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا ففعلوا فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حير فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة وكل أولئك قد استعووا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحى قد من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر كان وكان فقيرا ذا بنات وكان في الاسارى فقال يا رسول الله إنى فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن على صلى الله عليك فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان بن أمية يا أبا عزة إنك إمرؤ شاعر فأعنا بلسانك فاخرج معنا فقال إن محمدا قد من على فلا أريد أن أظاهر عليه فقال بلى فأعنا بنفسك فلك الله إن رجعت أن أغنيك وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتى يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر فخرج أبو عزة يسير في تهامة ويدعو بنى كنانة وخرج مسافع بن عبد مناف

[ 188 ]

ابن وهب بن حذافة بن جمح إلى بنى مالك بن كنانة يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا جبير بن مطعم غلاما له يقال له وحشى كان حبشيا يقذف بحربة له قذف الحبشة قل ما يخطئ بها فقال له اخراج مع الناس فإن أنت قتلت عم محمد بعمى طعيمة بن عدى فأنت عتيق فخرجت قريش بحدها وجدها وأحابيشها ومن معها من بنى كنانة وأهل تهامة وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة ولئلا يفروا فخرج أبو سفيان بن حرب وهو قائد الناس معه هند بنت عتبة بن ربيعة وخرج عكرمة بن أبى جهل بن هشام بن المغيرة بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد ابن المغيرة وخرج صفوان بن أمية بن خلف ببرزة (قال أبو جعفر) وقيل ببرة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية وهى أم عبد الله بن صفوان وخرج عمرو بن العاص بن وائل بريطة بنت منبه بن الحجاج وهى أم عبد الله ابن عمرو بن العاص وخرج طلحة بن أبى طلحة وأبو طلحة عبد الله بن عبد العزى ابن عثمان بن عبد الدار بسلافة بنت سعد بن شهيد وهى أم بنى طلحة مسافع والجلاس وكلاب قتلوا يومئذ وأبو هم وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب احدى نساء بنى مالك بن حسل مع ابنها أبى عزيز بن عمير وهى أم مصعب بن عمير وخرجت عمرة بنت علقمة احدى نساء بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة كلما مرت بوحشى أو مر بها قالت إيه أبا دسمة إشف واشتف وكان وحشى يكنى أبا دسمة فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مما يلى المدينة فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين إنى قد رأيت بقرا فأولتها خيرا ورأيت في ذباب سيفى ثلما ورأيت أنى أدخلت يدى في درع حصنة فأولتها المدينة فان رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فان أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها ونزلت قريش منزلها من أحد يوم الاربعاء فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الجمعة فأصبح بالشعب من أحد

[ 189 ]

فالتقوا يوم السبت للنصف من شوال وكان رأى عبد الله بن أبى ابن سلول مع رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى رأى رسول الله عليه وسلم في ذلك ألا يخرج إليهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج من المدينة فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته بدر وحضوره يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا فقال عبد الله بن أبى ابن سلول يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم فو الله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا الا أصبنا منه فدعهم يا رسول اله فان أقاموا أقاموا بشر مجلس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤا فلم يزل برسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لامته وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة وقد مات في ذلك اليوم رجل من الانصار يقال له مالك بن عمرو أحد بنى النجار فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لنا (قال أبو جعفر) وأما السدى فانه قال في ذلك غير هذا القول ولكنه قال ما حدثنى محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدى أن رسول الله صلى الله عليه سلم لما سمع بنزول المشركين من قريش واتباعها أحدا قال لاصحابه أشيروا علي ما أصنع فقالوا يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الاكلب فقالت الانصار يا رسول الله ما غلبنا عدو لنا قط أتانا في ديارنا فكيف وأنت فينا فدعا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبد الله بن أبى ابن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره فقال يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الاكلب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة فيقاتلوا في الازقة فأتاه النعمان بن مالك الانصاري فقال يا رسول الله لا تحرمنى الجنة فوالذي بعثك بالحق لادخلن الجنة فقال له بم قال بأنى أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وأنى لا أفر من الزحف قال صدقت فقتل يومئذ

[ 190 ]

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بدرعه فلبسها فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا وقالوا بئس ما صنعنا نشير على رسول الله والوحى يأتيه فقاموا فاعتذروا إليه وقالوا اصنع ما رأيت فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا ينبغى لنبى أن يلبس لامته فيضعها حتى يقاتل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن صدوا فلما خرج رجع عبد الله بن أبى ابن سلول في ثلثمائة فتبعهم أبو جابر السلمى يدعوهم فلما غلبوه وقالوا له ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعن معنا وقال الله عز وجل (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا) فهم بنو سلمة وبنو حارثة هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبى فعصمهم الله عز وجل وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال قالوا لما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله استكرهناك ولم يكن ذلك لنا فان شئت فاقعد صلى الله عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينبغى لنبى إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل فخرج رسول الله في ألف رجل من أصحابه حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة انخزل عنه عبد الله بن أبى ابن سلول بثلث الناس فقال أطاعهم فخرج وعصاني والله ما ندرى على ما نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بنى سلمة يقول يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند ما حضر من عدوهم قالوا لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنه قال أبعدكم الله أعداء الله فسيغنى عنكم (قال أبو جعفر) قال محمد بن عمر الواقدي انخزل عبد الله بن أبى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشيخين بثلمائة وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة وكان المشركون ثلاثة آلاف والخيل مائتي فرس والظعن خمس عشرة امرأة * قال وكان في المشركين سبعمائة دارع وكان في المسلمين مائة دارع ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرس لابي بردة نيار الحارثى فأدلج

[ 191 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشيخين حين طلعت الحمراء وهما أطمأن كان يهودى ويهودية أعميان يقومان عليهما فيتحدثان فلذلك سميا الشيخين وهو في طرف المدينة قال وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلة بالشيخين بعد المغرب فأجاز من أجاز ورد من رد قال وكان فيمن رد زيد بن ثابت وابن عمر وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب وعرابة بن أوس قال وهو الذى قال فيه الشماخ رأيت عرابة الاوسي ينمى * إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين قال ورد أبا سعيد الخدرى وأجاز سمرة بن جندب ورافع بن خديج وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد استصغر رافعا فقام على خفين له فيهما رقاع وتطاول على أطراف أصابعه فلما رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أجازه * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال كانت أم سمرة بن جندب تحت مرى بن سنان بن ثعلبة عم أبى سعيد الخدرى فكان ربيبه فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد وعرض أصحابه فرد من استصغر رد سمرة بن جندب وأجاز رافع بن خديج فقال سمرة بن جندب لربيبه مرى بن سنان يا أبت أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج وردنى وأنا أصرع رافع بن خديج فقال مرى بن سنان يا رسول الله رددت ابني وأجزت رافع بن خديج وابنى يصرعه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرافع وسمرة تصارعا فصرع سمرة رافعا فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدها مع المسلمين قال وكان دليل النبي صلى الله عليه وسلم أبو حثمة الحارثى (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بنى حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف فاستله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحب الفأل ولا يعتاف لصاحب السيف شم سيفك فإنى أرى السيوف ستسل اليوم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه من رجل يخرج بنا على القوم من كثب من طريق

[ 192 ]

لا يمر بنا عليهم فقال أبو حثمة أخو بنى حارثة بن الحارث أنا يا رسول الله فقدمه فنفذ به في حرة بنى حارثة وبين أموالهم حتى سلك به في مال المربع بن قيظى وكان رجلا منافقا ضرير البصر فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين قام يحثى في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله فانى لا أحل لك أن تدخل حائطي قال وقد ذكر لى أنه أخذ حفنة من تراب في يده ثم قال لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا فهذا الاعمى البصر الاعمى القلب وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بنى عبد الاشهل حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فضربه بالقوس على رأسه فشجه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة للمسلمين فقال رجل من المسلمين حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال أترعى زروع بنى قيلة ولما نضارب وتعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة رجل وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد على ميسرتها عكرمة بن أبى جهل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف وهو يومئذ معلم بثياب بيض والرماة خمسون رجلا وقال انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين * فحدثنا هارون بن اسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنا اسرائيل وحدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن اسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال لما كان يوم إحد ولقى رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا بإزاء الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم وإن

[ 193 ]

رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا فلما لقى القوم هزم المشركون حتى رأيت النساء قد رفعن عن سوقهن وبدت خلاخيلهن فجعلوا يقولون الغنيمة الغنيمة فقال عبد الله مهلا أما علمتم ما عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا فانطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم فأصيب من المسلمين سبعون * حدثنى محمد بن سعد قال حدثنى أبى قال حدثنى عمى قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس قال أقبل أبو سفيان في ثلاث ليال خلون من شوال حتى نزل أحدا وخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأذن في الناس فاجتمعوا وأمر الزبير على الخيل ومعه يومئذ المقداد ابن الاسود الكندى وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء رجلا من قريش يقال له مصعب بن عمير وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحسر وبعث حمزة بين يديه وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبى جهل فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وقال استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك وأمر بخيل أخرى فكانوا من جانب آخر فقال لا تبرحن حتى أوذنكم وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزبير أن يحمل فحمل على خالد بن الوليد فهزمه الله ومن معه فقال (ولقد صدقكم الله وعده - إلى قوله - من بعد ما أراكم ما تحبون) وإن الله عز وجل وعد المؤمنين أن ينصرهم وإنه معهم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ناسا من الناس فكانوا من ورائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كونوا ههنا فردوا وجه من فر منا وكونوا حراسا لنا من قبل ظهورنا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم القوم هو وأصحابه قال الذين كانوا جعلوا من ورائهم بعضهم لبعض ورأوا النساء مصعدات في الجبل ورأوا الغنائم انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوا الغنيمة قبل أن يسبقونا إليها وقالت طائفة أخرى بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنثبت مكاننا فذلك قوله لهم منكم من يريد الدنيا الذين أرادوا الغنيمة ومنكم من يريد الآخرة الذين قالوا نطيع رسول الله ونثبت مكاننا فكان ابن مسعود يقول ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله

[ 194 ]

عليه وعلى آله وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يومئذ * حدثنى محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدى قال لما برز رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين وقال لا تبرحوا مكانكم ان رأيتم قد هزمناهم فانا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم وأمر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات ابن جبير ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال يا معشر أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلنى بسيفه إلى النار فقام إليه علي ابن أبى طالب رضى الله عنه فقال والذى نفسي بيده لا أفارقك حتى أعجلك بسيفي إلى النار أو تعجلنى بسيفك إلى الجنة فضربه على فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال أنشدك الله والرحم يا ابن عم فتركه فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال لعلى أصحابه ما منعك أن تجهز عليه قال إن ابن عمى ناشدنى حين انكشفت عورته فاستحييت منه ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الاسود على المشركين فهزماهم وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهزموا أبا سفيان فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع فلما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا بالغنيمة فقال بعضهم لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل فقتل الرماة وحمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم * فحدثني بشر بن آدم قال حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي قال حدثنا عبيد الله بن الوازع عن هشام ابن عروة عن أبيه قال قال الزبير عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا في يده يوم أحد فقال من يأخذ هذا السيف بحقه قال فقمت فقلت أنا يا رسول الله قال فأعرض عنى ثم قال من يأخذ هذا السيف بحقه فقمت فقلت أنا يا رسول الله

[ 195 ]

فاعرض عنى ثم قال من يأخذ هذا السيف بحقه قال فقام أبو دجانة سماك ابن خرشة فقال أنا آخذه بحقه وما حقه قال حقه ألا تقتل به مسلما وأن لا تفر به عن كافر قال فدفعه إليه قال وكان إذا أراد القتال أعلم بعصابة قال فقلت لانظرن اليوم ما يصنع قال فجعل لا يرتفع له شئ إلا هتكه وأفراه حتى انتهى إلى نسوة في سفح جبل معهن دفوف لهن فيهن امرأة تقول نحن بنات طارق * إن تقبلوا نعانق ونبسط النمارق * أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق قال فرفع السيف ليضربها ثم كف عنها قال قلت كل عملك قد رأيت أرأيت رفعك للسيف على المرأة بعد ما أهويت به إليها فقال أكرمت سيف رسول الله أن أقتل به امرأة (رجع الحديث إلى حديث أبى إسحق) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خراشة أخو بنى ساعدة فقال وما حقه يا رسول الله قال أن تضرب به في العدو حتى ينحنى فقال أنا آخذه بحقه يا رسول الله فأعطاه إياه وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب إذا كانت وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء يعصبها على رأسه علم الناس أنه سيقاتل فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عصابته تلك فعصب بها رأسه ثم جعل يتبختر بين الصفين * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحق قال حدثنى جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الانصار من بنى سلمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر إنها لمشية يبغضها الله عز وجل إلا في هذا الموطن وقد أرسل أبو سفيان رسولا فقال يا معشر الاوس والخزرج خلوا بيننا وبين ابن عمنا ننصرف عنكم فإنه لا حاجة لنا بقتالكم فردوه بما يكره * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق عن عاصم ابن عمر بن قتادة أن أبا عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان بن أمة أحد بنى ضبيعة وقد كان خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم معه

[ 196 ]

خمسون غلاما من الاوس منهم عثمان بن حنيف وبعض الناس يقول كانوا خمسة عشر فكان يعد قريشا أن لو قد لقى محمدا لم يختلف عليه منهم رجلا فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الاحابيش وعبد ان أهل مكة فنادى يا معشر الاوس أنا أبو عامر قالوا فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق وكان أبو عامر يسمى في الجاهلية الراهب فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق فلما سمع ردهم عليه لقد أصاب قومي بعدى شر ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم راضخهم بالحجارة وقد قال أبو أبو سفيان لاصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم بذلك على القتال يا بنى عبد الدار إنكم وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فإما أن تكفونا نسلم إليك لواءنا ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع وذلك الذى أراد أبو سفيان فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللواتى معها وأخذن الدفوف يضربن خلف الرجال ويحرضهم فقالت هند فيما تقول إن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق وتقول: ويها بنى عبد الدار * ويها حماة الادبار * ضربا بكل بتار واقتل الناس حتى حميت الحرب وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبى طالب في رجال من المسلمين فأنزل الله عز وجل نصره وصدقهم وعده فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم وكانت الهزيمة لا شك فيها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده قال قال الزبير والله لقد رأيتنى أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون اخذهن قليل ولا كثير إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل فاتينا من أدبارنا وصرخ صارخ ألا

[ 197 ]

إن محمدا قد قتل فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن بعض أهل العلم أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به وكان اللواء مع صواب غلام لبنى أبى طلحة حبشي وكان آخر من أخذه منهم فقاتل حتى قطعت يداه ثم برك عليه فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه وهو يقول اللهم هل أعذرت فقال حسان بن ثابت في قطع يد صواب حين تقاذفوا بالشعر فخرتم باللواء وشر فخر * لواء حين رد إلى صواب جعلتم فخركم فيها لعبد * من الام من وطى عفر التراب ظننتم والسفيه له ظنون * وما إن ذاك من أمر الصواب بأن جلادنا يوم التقينا * بمكة بيعكم حمر العياب أقر العين أن عصبت يداه * وما إن تعصبان على خضاب * حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا حبان بن على عن محمد بن عبيد الله بن أبى رافع عن أبيه عن جده قال لما قتل علي بن أبى طالب أصحاب الالوية أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلى احمل عليهم فحمل عليهم ففرق جمعهم وقتل عمرو بن عبد الله الجمحى قال ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلى احمل عليهم فحمل عليهم ففرق جماعتهم وقتل شيبة بن مالك أحد بنى عامر بن لؤى فقال جبريل يا رسول الله إن هذه للمواساة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه منى وأنا منه فقال جبريل وأنا منكما قال فسمعوا صوتا لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي (قال أبو جعفر) فلما أتى المسلمون من خلفهم انكشفوا وأصاب منهم المشركون وكان المسلمون لما أصابهم ما أصابهم من البلاء أثلاثا ثلث قتيل وثلث جريح وثلث منهزم وقد جهدته الحرب حتى ما يدرى ما يصنع وأصيبت رباعية

[ 198 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم السفلى وشقت شفته وكلم في وجنتيه وجبهته في أصول شعره وعلاه ابن قميئة بالسيف على شقه الايمن وكان الذى أصابه عتبة ابن أبى وقاص * حدثنا ابن بشار قال حدثنا ابن أبى عدى عن حميد عن أنس ابن مالك قال لما كان يوم أحد كسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم وشج فجعل الدم يسيل على وجهه وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله عز وجل فأنزل الله عز وجل (ليس لك من الامر شئ) الآية (قال أبو جعفر) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غشيه القوم من رجل يشرى لنا نفسه * فحدثنا ابن حميد قال حدثني سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى الحصين بن عبد الرحمن ابن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن عمرو بن يزيد بن السكن قال فقام زياد ابن السكن في نفر خمسة من الانصار وبعض الناس يقول إنما هو عمارة بن زياد ابن السكن فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ثم رجلا يقتلون دونه حتى كان آخرهم زياد أو عمارة بن زياد بن السكن فقاتل حتى أثبتته الجراحة ثم فاءت من المسلمين فئة حتى أجهضوهم عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادنوه منى فأدنوه منه فوسده قدمه فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثرت فيه النبل ورمى سعد بن أبى وقاص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد فلقد رأيته يناولني ويقول ارم فداك أبى وأمى حتى إنه لينا ولنى السهم ما فيه نصل فيقول ارم به * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها فأخذها قتادة ابن النعمان فكانت عنده وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما

[ 199 ]

(قال أبو جعفر) وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه لواؤه حتى قتل وكان الذى أصابه ابن قميئة الليثى وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلى قريش فقال قتلت محمدا فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء علي بن أبى طالب رضى الله عنه وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار بن فصى وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء ثم مر به سباع ابن عبد العزى الغبشانى وكان يكنى بأبى نيار فقال له حمزة بن عبد المطلب هلم إلى يا ابن مقطعة البظور وكانت أمه أم انمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفى وكانت ختانة بمكة فلما التقيا ضربه حمزة فقتله فقال وحشى غلام جبير ابن مطعم والله إنى لانظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه ما يليق شيئا يمر به مثل الجمل الاورق إذ تقدمنى إليه سباع بن عبد عبد العزى فقال له هلم إلى يا ابن مقطعة البظور فضربه فكأنما اخطأ رأسه وهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في لبته حتى خرجت من بين رجليه وأقبل نحوى فغلب فوقع فامهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتى ثم تنحيت إلى العسكر ولم يكن لى بشئ حاجة غيره وقد قتل عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح أخو بنى عمرو ابن عوف مسافع بن طلحة وأخاه كلاب بن طلحة كلاهما يشعره سهما فيأتى أمه سلافة فيضع رأسه في حجرها فتقول يا بنى من أصابك فيقول سمعت رجلا حين رماني يقول خذها وأنا ابن الاقلح فتقول أقلحى فنذرت لله إن الله أمكنها من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر وكان عاصم قد عاهد الله أن لا يمس مشركا أبدا ولا يمسه * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق قال حدثنى القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بنى عدى بن النجار قال انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والانصار وقد ألقوا بأيديهم فقال ما يجلسكم قالوا قتل محمد رسول الله قال فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 200 ]

ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل وبه سمى أنس بن مالك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال حدثنى حميد الطويل عن أنس بن مالك قال لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة وطعنة فما عرفه الا أخته عرفته بحسن بنانه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال كان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول الناس قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنى ابن شهاب الزهري كعب بن مالك أخو بنى سلمة قال عرفت عينيه تزهران تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أنصت فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ونهض نحو الشعب معه علي بن أبى طالب وأبو بكر بن أبى قحافة وعمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة في رهط من المسلمين فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبى بن خلف وهو يقول أين محمد لا نجوت إن نجوت فقال القوم يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا قال دعوه فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث ابن الصمة قال يقول بعض الناس فيما ذكر لى فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم انتفض بنا انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا وكان أبى بن خلف كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن صالح بن ابراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول يا محمد إن عندي العود أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنا أقتلك إن شاء الله فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم قال قتلني والله محمد قالوا ذهب والله فؤادك والله إن بك بأس قال إنه قد كان بمكة قال لى أقتلك فو الله لو بصق على لقتلني فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج علي بن أبى طالب حتى ملا درقته من المهراس

[ 201 ]

ثم جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه وهو يقول اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبى وقاص أنه كان يقول والله ما حرصت على قتل رجل قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبى وقاص وإن كان ما علمت لسئ الخلق مبغضا في قومه ولقد كفانى منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله * حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدى قال أتى ابن قميئة الحارثى أحد بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ودخل بعضهم المدينة وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى عباد الله إلى عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فجعلوا يسيرون بين يديه فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف فحماه طلحة فرمى بسهم في يده فيبست يده وأقبل أبى بن خلف الجمحى وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم فقال بل أنا أقتله فقال يا كذاب أين تفر فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في جيب الدرع فجرح جرحا خفيفا فوقع يخرر خوار الثور فاحتملوه وقالوا ليس بك جراحة فما يجزعك قال أليس قال لاقتلنك لو كانت بجميع ربيعة ومضر لقتلهم فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل فقال بعض أصحاب الصخرة ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبى فيأخذ لنا أمنة من أبى سفيان يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم قال أنس ابن النضر يا قوم إن كان محمد قد قتل فان رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد اللهم إنى أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس حتى

[ 202 ]

انتهى إلى أصحاب الصخرة فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه فأراد أن يرميه فقال أنا رسول الله ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب عنهم الحزن فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا فقال الله عز وجل للذين قالوا إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين) فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم فلما نظروا إليه نسوا ذلك الذى كانوا عليه وأهمهم أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لهم أن يعلونا اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم فقال أبو سفيان يومئذ اعل هبل حنظلة بحنظلة ويوم بيوم بدر وقتلوا يومئذ حنظلة ابن الراهب وكان جنبا فغسلته الملائكة وكان حنظلة بن أبى سفيان قتل يوم بدر وقال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر قل الله مولانا ولا مولى لكم فقال أبو سفيان أفيكم محمد أما إنها قد كانت فيكم مثلة ما أمرت بها ولا نهيت عنها ولا سرتني ولا ساءتنى فذكر الله عز وجل إشراف أبى سفيان عليهم فقال (فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم) والغم الاول ما فاتهم من الغنيمة والفتح والغم الثاني إشراف العدو عليهم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ولا ما أصابكم من القتل حين تذكرون فشغلهم أبو سفيان (قال أبو جعفر) وأما ابن اسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه بينا رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب ومعه اولئك النفر من أصحابه إذ علت عالية من قريش الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنه لا ينبغى لهم أن يعلونا فقاتل عمر بن الخطاب ورهط من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها وقد كان بدل رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهر

[ 203 ]

بين درعين فلما ذهب لينهض لم يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض حتى استوى عليها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله ابن الزبير عن الزبير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع (قال أبو جعفر) وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم إلى المنقى دون الاعوص وفر عثمان بن عفان وعقبة بن عثمان وسعد بن عثمان رجلان من الانصار حتى بلغوا الجلعب جبلا بناحية المدينة مما يلى الاعوص فأقاموا به ثلاثا ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم لقد ذهبتم فيها عريضة (قال أبو جعفر) وقد كان حنظلة بن أبى عامر الغسيل التقى هو وأبو سفيان ابن حرب فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الاسود وكان يقال له ابن شعوب قد علا أبا سفيان فضربه شداد فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صاحبكم يعنى حنظلة لتغسله الملائكة فسلوا أهله ما شأنه فسئلت صاحبته فقالت خرج وهو جنب حين سمع الهائعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك غسلته الملائكة فقال شداد بن الاسود في قتله حنظلة لاحمين صاحبي ونفسي * بطعنة مثل شعاع الشمس وقال أبو سفيان بن حرب وهو يذكر صبره ذلك اليوم ومعاونة ابن شعوب شداد بن الاسود إياه على حنظلة ولو شئت نجتنى كميت طمرة * ولم أحمل النعماء لابن شعوب فما زال مهرى مرجز الكلب منهم * لدى غدوة حتى دنت لغروب أقاتلهم وادعى يا آل غالب * وأدفعهم عنى بركن صليب فبكى ولا ترعى مقالة عاذل * ولا تسأمى من عبرة ونحيب أباك وإخوانا له قد تتابعوا * وحق لهم من عبرة بنصيب وسلى الذى قد كان في النفس إننى * قتلت من النجار كل نجيب

[ 204 ]

ومن هاشم قرما نجيبا ومصعبا * وكان لدى الهيجاء غير هيوب ولو أننى لم أشف منهم قرونتى * لكانت شجى في القلب ذات ندوب فآبوا وقد أودى الحلائب منهم * لهم خدب من مغبط وكئيب أصابهم من لم يكن لدمائهم * كفيا ولا في خطة بضريب فأجابه حسان بن ثابت فقال ذكرت القروم الصيد من آل هاشم * ولست لزور قلته بمصيب أتعجب أن أقصدت حمزة منهم * نجيبا وقد سميته بنجيب ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه * وشيبة والحجاج وابن حبيب غداة دعا العاصى عليا فراعه * بضربة عضب بله بخضيب وقال شداد بن الاسود يذكر يده عند أبى سفيان بن حرب فيما دفع عنه ولولا دفاعي يا ابن حرب ومشهدي * لالفيت يوم النعف غير مجيب ولولا مكرى المهر بالنعف فرفرت * ضباع على أوصاله وكليب وقال الحارث بن هشام يجيب أبا سفيان في قوله * وما زال مهرى مرجز الكلب منهم * وظن أنه يعرض به إذ فر يوم بدر وإنك لو عاينت ما كان منهم * لابت بقلب ما بقيت نخيب لدا صحن بدر أو لقامت نوائح * عليك ولم تحفل مصاب حبيب جزيتهم يوما ببدر كمثله * على سابح ذى ميعة وشبيب (قال أبو جعفر) وقد وقفت هند بنت عتبة فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق قال حدثنى صالح بن كيسان والنسوة اللاتى معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد عن الآذان والانوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنفهم خدما وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشيا غلام جبير بن مطعم وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها بما قالت من الشعر حين ظفرا بما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 205 ]

* حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى صالح بن كيسان أنه حدث ان عمر بن الخطاب قال لحسان يا ابن الفريعة لو سمعت ما تقول هند ورأيت أشرها قائمة على صخرة ترتجز بنا وتذكر ما صنعت بحمزة فقال له حسان والله إنى لانظر إلى الحربة تهوى وأنا على رأس فارع يعنى أطمه فقلت والله إن هذه لسلاح ماهى بسلاح العرب وكأنها إنما تهوى إلى حمزة ولا أدرى أسمعني بعض قولها أكفيكموها قال فأنشده عمر بعض ما قالت فقال حسان يهجو هندا أشرت لكاع وكان عادتها * لؤما إذا أشرت مع الكفر لعن الاله وزوجها معها * هند الهنود عظيمة البظر أخرجت مرقصة إلى أحد * في القوم مقتبة على بكر بكر ثفال لا حراك به * لا عن معاتبة ولا زجر وعصاك إستك تتقين بها * دقى العجاية هند بالفهر قرحت عجيزتها ومشرحها * من دأبها نصا على القتر ظلت تداويها زميلتها * بالماء تنضحه وبالسدر أخرجت ثائرة مبادرة * بأبيك وابنك يوم ذى بدر وبعمك المستوه في ودع * وأخيك منعفرين في الحفر ونسيت فاحشة أتيت بها * يا هند ويحك سبة الدهر فرجعت صاغرة بلا ترة * منا ظفرت بها ولا نصر زعم الولائد أنها ولدت * ولدا صغيرا كان من عهر (قال أبو جعفر) ثم ان أبا سفيان بن حرب أشرف على القوم فيما حدثنا هارون بن اسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنا اسرائيل * وحدثنا ابن وكيع قال حدثنى أبى عن اسرائيل قال حدثنا أبو اسحاق عن البراء قال ثم ان أبا سفيان أشرف علينا فقال أفى القوم محمد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجيبوه مرتين ثم قال أفى القوم ابن أبى قحافة ثلاثا فقال رسول الله صلى الله

[ 206 ]

عليه وسلم لا تجيبوه ثم قال أفى القوم ابن الخطاب ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجيبوه ثم التفت إلى أصحابه فقال أما هؤلاء فقد قتلوا لو كانوا في الاحياء لاجابوا فلم يملك عمر بن الخطاب نفسه أن قال كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يخزيك فقال اعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجيبوه قالوا ما نقول قال قولوا الله أعلى وأجل قال أبو سفيان ألا لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجيبوه قالوا ما نقول قال قولوا الله مولانا ولا مولى لكم قال أبو سفيان يوم بيوم بدر والحرب سجال أما انكم ستجدون في القوم مثلا لم آمر بها ولم تسؤني * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال في حديثه لما أجاب عمر أبا سفيان قال له أبو سفيان هلم يا عمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إيته فانظر ما شأنه فقال له أبو سفيان أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا فقال عمر اللهم لا وإنه ليسمع كلامك الآن فقال أنت أصدق عندي من ابن قميئة وأبر لقول ابن قميثة لهم إنى قتلت محمدا ثم نادى أبو سفيان فقال إنه قد كان في قتلاكم مثل والله ما رضيت ولا سخطت ولا نهيت ولا أمرت وقد كان الحليس بن زبان أخو بنى الحارث بن عبد مناة وهو يومئذ سيد الاحابيش قد مر بأبى سفيان بن حرب وهو يضرب في شدق حمزة بزج الرمح وهو يقول ذق عقق فقال الحيس يا بنى كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه كما ترون لحما فقال اكتمها فإنها كانت زلة فلما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى أن موعدكم بدر للعام المقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه قل نعم هي بيننا وبينك موعدا ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب عليه السلام فقال اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون فإن كانوا قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الابل فإنهم يريدون مكة وإن ركبوا الخيل وساقوا الابل فهم يريدون المدينة فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها لاسيرن إليهم فيها ثم لاناجزنهم قال علي فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون فلما اجتنبوا الخيل وامتطوا الابل توجهوا إلى مكة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

[ 207 ]

أي ذلك كان فأخفه حتى تأتيني قال علي عليه السلام فلما رأيتهم قد توجهوا إلى مكة أقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم الذى أمرنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بي من الفرح إذ رأيتهم انصرفوا إلى مكة عن المدينة وفرغ الناس لقتلاهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة المازنى أخى بنى النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من رجل ينظر لى ما فعل سعد ابن الربيع وسعد أخو بنى الحارث بن الخزرج أفى الاحياء هو أم في الاموات فقال رجل من الانصار أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل فنظر فوجده جريحا في القتلى به رمق قال فقلت له ان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمرنى أن أنظر له أفى الاحياء أنت أم في الاموات قال فأنا في الاموات أبلغ رسول الله عنى السلام وقل له ان سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله خير ما جرى نبى عن أمته وأبلغ عنى قومك السلام وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف ثم لم أبرح حتى مات فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى بحمزة ما رأى قال لو لا أن تحزن صفية أو تكون سنة من بعدى لتركته حتى يكون في أجواف السباع وحواصل الطير ولئن أنا أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لامثلن بثلاثين رجلا منهم فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على ما فعل بعمه قالوا والله لئن ظهرنا عليهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق قال أخبرني بريدة ابن سفيان بن فروة الاسلمي عن محمد بن كعب القرظى عن ابن عباس * قال ابن

[ 208 ]

حميد قال سلمة وحدثني محمد بن اسحاق قال وحدثني الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال إن الله عز وجل أنزل في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) إلى آخر السورة فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر ونهى عن المثلة (قال ابن اسحاق) وأقبلت فيما بلغني صفية بنت عبد المطلب لتنظر إلى حمزة وكان أخاها لابيها وأمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام القها فارجعها لا ترى ما بأخيها فلقيها الزبير فقال لها يا أمه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي فقالت ولم وقد بلغني أنه مثل بأخى وذلك في الله قليل فما أرضانا بما كان من ذلك لاحتسبن ولاصبرن إن شاء الله فلما جاء الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك قال خل سبيلها فأتته فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت له ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به فدفن * حدثنا ابن حمد قال حدثنا سلمة قال فحدثني محمد بن اسحاق قال فزعم بعض آل عبد الله بن جحش وكان لاميمة بنت عبد المطلب خاله حمزة وكان قد مثل به كما مثل بحمزة إلا أنه لم يبقر عن كبده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفنه مع حمزة في قبره ولم أسمع ذلك إلا عن أهله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد وقع حسيل بن جابر وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان وثابت بن وقش بن زعوراء في الآطام مع النساء والصبيان فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران لا أبا لك ما تنتظر فو الله إن بقى لواحد منا من عمره إلا ظم ء حمار إنما نحن هامة اليوم أو غد أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله عز وجل يرزقنا شهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس ولم يعلم بهما فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون وأما حسيل بن جابر اليمان فاختلف عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه فقال حذيفة أبى قالوا والله إن عرفناه

[ 209 ]

وصدقوا قال حذيفة يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين فزادته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة أن رجلا منهم كان يدعى حاطب بن أمية بن رافع وكان له ابن يقال له يزيد بن حاطب أصابته جراحة يوم أحد فأتى به إلى دار قومه وهو يموت فاجتمع إليه أهل الدار فجعل المسلمون يقولون من الرجال والنساء أبشر يا ابن حاطب بالجنة قال وكان حاطب شيخا قد عسا في الجاهلية فنجم يومئذ نفاقه فقال بأى شئ تبشرونه أبجنة من حرمل غررتم والله هذا الغلام من نفسه وفجعتموني به * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال كان فينا رجل أتى لا يدرى من أين هو يقال له قزمان فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر له إنه لمن أهل النار فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا فقتل هو وحده ثمانية من المشركين أو تسعة وكان شهما شجاعا ذا بأس فاثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بنى ظفر قال فجعل رجال من المسلمين يقولون والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فابشر قال بم أبشر فو الله إن قاتلت إلا على أحساب قومي ولو لا ذلك ما قاتلت فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقطع رواهشة فنزفه الدم فمات فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أشهد أنى رسول الله حقا وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق اليهودي وكان أحد بنى ثعلبة بن الفطيون لما كان ذلك اليوم قال يا معشر يهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق قالوا إن اليوم يوم السبت فقال لا سبت فأخذ سيفه وعدته وقال إن أصبت فمالى لمحمد يصنع فيه ما شاء ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني مخيريق خير يهود * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال وقد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال ادفنوهم حيث صرعوا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن

[ 210 ]

اسحاق قال حدثنى أبى اسحاق بن يسار عن أشياخ من بنى سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ حين أمر بدفن القتلى انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد فلما احتفر معاوية القناة أخرجا وهما ينثنيان كأنما دفنا بالامس قال ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش كما ذكر لى فنعى لها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له ثم نعى لها زوجها مصعب ابن عمير فصاحت وولولت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن زوج المرأة منها لبمكان لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها قال ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار من دور الانصار من بنى عبد الاشهل وبنى ظفر فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قال لكن حمزة لا بواكي له فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بنى عبد الاشهل أمرا نساءهم أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى عبد الواحد بن أبى عون عن اسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقاص قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بنى دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد فلما نعوا لها قالت فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين قالت أرونيه حتى أنظر إليه فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت كل مصيبة بعدك جلل (قال أبو جعفر) فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال اغسلي عن هذا دمه يا بنية وناولها علي عليه السلام سيفه وقال وهذا فاغسلي عنه فو الله لقد صدقنى اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة وزعموا أن علي بن أبى طالب حين أعطى فاطمة عليهما السلام سيفه قال

[ 211 ]

أفاطم هاك السيف غير ذميم * فلست برعديد ولا بمليم لعمري لقد قاتلت في حب أحمد * وطاعة رب بالعباد رحيم وسيفي بكفى كالشهاب أهزه * أجذ به من عاتق وصميم فما زلت حتى فض ربى جموعهم * وحتى شفينا نفس كل حليم وقال أبو دجانة حين أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل به قتالا شديدا وكان يقول رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا فصمدت له فلما حملت عليه بالسيف ولولت فإذا امرأة فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة وقال أبو دجانة أنا الذى عاهدني خليلي * ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر في الكيول * اضرب بسيف الله والرسول وكان رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يوم السبت وذلك يوم الوقعة بأحد * فحدثنا ابن احمد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى حسين بن عبد الله عن عكرمة قال كان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال فلما كان الغد من يوم أحد وذلك يوم الاحد لست عشرة ليلة خلت من شوال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو وأذن مؤذنه ألا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالامس فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو ابن حرام فقال يا رسول الله إن أبى كان خلفنى على أخوات لى سبع وقال لى يا بنى إنه لا ينبغى لى ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذى أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو وليبلغهم أنه قد خرج في طلبهم ليظنوا به قوة وأن الذى أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد ابن إسحاق قال فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبى السائب مولى عائشة

[ 212 ]

بنت عثمان أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنى عبد الاشهل كان شهد أحدا قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخ لى فرجعنا جريحين فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لاخى وقال لى أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والله مالنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحا منه فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الاسد وهى من المدينة على ثمانية أميال فأقام بها ثلاثا الاثنين والثلاثاء والاربعاء ثم رجع إلى المدينة وقد مر به فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم معبد الخزاعى وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عليه شيئا كان بها ومعبد يومئذ مشرك فقال يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله كان أعفاك منهم ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الاسد حتى لقى أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا أصبنا جد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم رجعنا قبل إن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبدا قال ما وراءك يا معبد قال محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شئ لم أر مثله قط قال ويلك ما تقول قال والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصى الخيل قال فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم قال فانى أنهاك عن ذلك فو الله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر قال وماذا قلت قال قلت كادت تهد من الاصوات راحلتي * إذ سالت الارض بالجرد الاباببل تردى بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا خرق معازيل

[ 213 ]

فظلت عدوا أظن الارض مائلة * لما سموا برئيس غير محذول فقلت ويل ابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إنى نذير لاهل البسل ضاحية * لكل ذى أربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش قنابله * وليس يوصف ما أنذرت بالقيل قال فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ومر به ركب من عبد القيس فقال أين تريدون قالوا نريد المدينة قال ولم قالوا نريد الميرة قال فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتمونا قالوا نعم قال فإذا جئتموه فاخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الاسد فأخبروه بالذى قال أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حسبنا الله ونعم الوكيل (قال أبو جعفر) ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد الثالثة فزعم بعض أهل الاخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظفر في وجهه إلى حمراء الاسد بمعاوية بن المغيرة بن أبى العاص وأبى عزة الجمحى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف على المدينة حين خرج إلى حمراء الاسد ابن أم مكتوم (وفى هذه السنة) أعنى سنة ثلاث من الهجرة ولد الحسن بن على بن أبى طالب في النصف من شهر رمضان (وفيها) علقت فاطمة بالحسين صلوات الله عليهما وقيل لم يكن بين ولادتها الحسن وحملها بالحسين إلا خمسون ليلة (وفيها) حملت فيما قيل جميلة بنت عبد الله بن أبى بعبد الله بن حنظلة بن أبى عامر في شوال ذكر الاحداث التى كانت في سنة أربع من الهجرة ثم دخلت السنة الرابعة من الهجرة فكان فيها غزوة الرجيع في صفر وكان من أمرها ما حدثنى به ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عاصم ابن عمر بن قتادة قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا له يا رسول الله إن فينا اسلاما وخيرا فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرؤننا القرآن ويعلموننا شرائع الاسلام فبعث

[ 214 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم نفرا ستة من أصحابه مرثد بن أبى مرثد الغنوى حليف حمزة بن عبد المطلب وخالد بن البكير حليف بنى عدى بن كعب وعاصم ابن ثابت بن أبى الاقلح أخا بنى عمرو بن عوف وخبيب بن عدى أخا بنى جحجبا ابن كلفة بن عمرو بن عوف وزيد بن الدثنة أخا بنى بياضة بن عامر وعبد الله ابن طارق حليفا لبنى ظفر من بلى وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم مرثد بن أبى مرثد فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع ماء لهذيل بناحية من الحجاز من صدور الهدأة غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا بالرجال في أيديهم السيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم إنا والله ما نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم فأما مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت بن أبى الاقلح فقالوا والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا فقاتلوهم حتى قتلوهم جميعا وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدى وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره بالظهران وأما خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة فباعوهما فابتاع خبيبا حجير ابن أبى إهاب التميمي حليف بنى نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل وكان حجير أخا الحارث بن عامر لامه ليقتله بأبيه وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان ابن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر فمنعته الدبر فلما حالت بينهم وبينه قالوا دعوه حتى يمسى فتذهب عنه فتأخذه فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به وكان عاصم قد أعطى الله عهدا أن لا يمسه مشرك أبدا ولا يمس مشركا أبدا تنجسا منه فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه إن الدبر منعته عجبا

[ 215 ]

لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا في حياته فمنعه الله بعدو فاته كما امتنع منه في حياته (قال أبو جعفر) وأما غير ابن اسحاق فانه قص من خبر هذه السرية غير الذى قصه والذى قصه غيره من ذلك ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا جعفر بن عون العمرى قال حدثنا ابراهيم بن اسماعيل عن عمرو أو عمر ابن أسيد عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عشرة رهط وأمر عليهم عاصم بن ثابت فخرجوا حتى إذا كانوا يالهدأة ذكروا لحى من هذيل يقال لهم بنو لحيان فبعثوا إليهم مائة رجل راميا فوجدوا مأكلهم حيث أكلوا التمر فقالوا هذه نوى يثرب ثم اتبعوا آثارهم حتى إذا أحس بهم عاصم وأصحابه التجأوا إلى جبل فأحاط بهم الآخرون فاستنزلوهم وأعطوهم العهد فقال عاصم والله لا أنزل على عهد كافر اللهم أخبر نبيك عنا ونزل إليهم ابن الدثنة البياضى وخبيب ورجل آخر فاطلق القوم أوتار قسيهم ثم أوثقوهم فجرحوا رجلا من الثلاثة فقال هذا والله أول الغدر والله لا أتبعكم فضربوه فقتلوه وانطلقوا بخبيب وابن الدثنة إلى مكة فدفعوا خبيبا إلى بنى الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف وكان خبيب هو الذى قتل الحارث بأحد فبينما خبيب عند بنات الحارث إذ استعار من إحدى بنات الحارث موسى يستحد بها للقتل فما راع المرأة ولها صبى يدرج إلا بخبيب قد أجلس الصبى على فخذه والموسى بيده فصاحت المرأة فقال خبيب أتخشين أنى أقتله إن الغدر ليس من شأننا قال فقالت المرأة بعد ما رأيت أسيرا قط من خبيب لقد رأيته وما بمكة من ثمرة وإن في يده لقطفا من عنب يأكله إن كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا وبعث حى من قريش إلى عاصم ليؤتوا من لحمه بشئ وقد كان لعاصم فيهم آثار بأحد فبعث الله عليه دبرا فحمت لحمه فلم يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئا فلما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه قال ذروني أصل ركعتين فتركوه فصلى سجدتين فجرت سنة لمن قتل صبرا أن يصلى ركعتين ثم قال خبيب لولا أن يقولوا جزع لزدت وما أبالى على أي شقى كان لله مصرعي ثم قال وذلك في ذات الاله وإن يشا * يبارك على أوصال شلو ممزع

[ 216 ]

اللهم أحصهم عددا وخذهم بددا ثم خرج أبو سروعة بن الحارث بن عامر ابن نوفل بن عبد مناف فضربه فقتله * حدثنا أبو كريب قال حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل قال وأخبرني جعفر جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وحده عينا إلى قريش قال فجئت خبيب وأنا أتخوف العيون فرقيت فيها فحللت خبيبا فوقع إلى الارض فانتبذت غير بعيد ثم التفت فلم أر لخبيب أرمة فكأنما الارض ابتلعته فلم تذكر لخبيب أرمة حتى الساعة (قال أبو جعفر) وأما زيد بن الدثنة فإن صفوان بن أمية بعث به فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحق مع مولى له يقال له بسطاس إلى التنعيم وأخرجه من الحرم ليقتله واجتمع إليه رهط من قريش فيهم أبو سفيان ابن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل انشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه وإنك في أهلك قال والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكه تؤذيه وأنا جالس في أهلى قال يقول أبو سفيان ما رأيت في الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ثم قتله نسطاس ذكر الخبر عن عمرو بن أمية الضمرى إذ وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتل أبى سفيان بن حرب ولما قتل من وجهه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عضل والقارة من أهل الرجيع وبلغ خبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمرى إلى مكة مع رجل من الانصار وأمرهما بقتل أبى سفيان بن حرب فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثنى محمد بن إسحق عن جعفر بن الفضل بن الحسن بن عمرو ابن أمية الضمرى عن أبيه عن جده يعنى عمرو بن أمية قال قال عمرو بن أمية بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قتل خبيب وأصحابه وبعث معى رجلا من الانصار فقال ائتيا أبا سفيان بن حرب فاقتلاه قال فخرجت أنا وصاحبى ومعى بعير لى وليس مع صاحبي بعير وبرجله علة فكنت أحمله على بعيرى حتى جئنا

[ 217 ]

بطن يأجج فعلقنا بعيرنا في فناء شعب فأسندنا فيه فقلت لصاحبي انطلق بنا إلى دار أبى سفيان فإنى محاول قتله فانظر فإن كانت مجاولة أو خشيت شيئا فالحق ببعيرك فاركبه والحق بالمدينة فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر وخل عنى فإنى رجل عالم بالبلد جرئ عليه نجيب الساق فلما دخلنا مكة ومعى مثل خافية النسر يعنى خنجره قد أعددته إن عاقني إنسان قتلته به فقال لى صاحبي هل لك أن نبدأ فنطوف بالبيت أسبوعا ونصلي ركعتين فقلت أنا أعلم بأهل مكة منك إنهم إذا أظلموا رشوا أفنيتهم ثم جلسوا بها وأنا أعرف بها من الفرس الابلق قال فلم يزل بى حتى أتينا البيت فطفنا به أسبوعا وصلينا ركعتين ثم خرجنا فمررنا بمجلس من مجالسهم فعرفني رجل منهم فصرخ بأعلى صوته هذا عمرو بن أمية قال فتبادرتنا أهل مكة وقالوا تالله ما جاء بعمرو خير والذى يحلف به ما جاءها قط إلا لشر وكان عمرو رجلا فاتكا متشيطنا في الجاهلية قال فقاموا في طلبى وطلب صاحبي فقلت له النجاء هذا والله الذى كنت أحذر أما الرجل فليس إليه سبيل فانج بنفسك فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في الجبل فدخلنا في غار فبتنا فيه ليلتنا وأعجزناهم فرجعوا وقد استترت دونهم بأحجار حين دخلت الغار وقلت لصاحبي أمهلنى حتى يسكن الطلب عنا فإنهم والله ليطلبنا ليلتهم هذه ويومهم هذا حتى يمسوا قال فو الله إنى لفيه إذ أقبل عثمان بن مالك بن عبيد الله التيمى يختل بفرس له فلم يزل يدنو ويختل بفرسه حتى قام علينا بباب الغار قال فقلت لصاحبي هذا والله ابن مالك والله لئن رآنا ليعلمن بنا أهل مكة قال فخرجت إليه فوجأته بالخنجر تحت الثدى فصاح صيحة أسمع أهل مكة فأقبلوا إليه ورجعت إلى مكاني فدخلت فيه وقلت لصاحبي مكانك قال واتبع أهل مكة الصوت يشتدون فوجدوه وبه رمق فقالوا ويلك من ضربك قال عمرو بن أمية ثم مات وما أدركوا ما يستطيع أن يخبرهم بمكاننا فقالوا والله لقد علمنا أنه لم يأت لخير وشغلهم صاحبهم عن طلبنا فاحتملوه ومكثنا في الغار يومين حتى سكن عنا الطلب ثم خرجنا إلى التنعيم فإذا خشبة خبيب فقال لى صاحبي هل لك في خبيب تنزله عن خشبته فقلت أين هو قال هو ذاك حيث ترى فقلت نعم فأمهلني وتنح عنى قال

[ 218 ]

وحوله حرس يحرسونه قال عمرو بن أمية فقلت للانصاري إن خشيت شيئا فخذ الطريق إلى جملك فاركبه والحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فاشتددت إلى خشبته فاحتللته واحتملته على ظهرى فو الله ما مشيت إلا نحو أربعين ذراعا حتى نذروا بى فطرحته فما أنسى وجبته حين سقط فاشتدوا في أثرى فأخذت طريق الصفراء فأعيوا فرجعوا وانطلق صاحبي إلى بعيره فركبه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أمرنا وأقبلت أمشى حتى إذا أشرفت على الغليل غليل ضجنان دخلت غارا فيه ومعى قوسى وأسهمي فبينا أنا فيه إذ دخل على رجل من بنى الديل بن بكر أعور طويل يسوق غنما له فقال من الرجل فقلت رجل من بنى بكر قال وأنا من بنى بكر ثم أحد بنى الديل ثم اضطجع معى فيه فرفع عقيرته يتغنى ويقول ولست بمسلم ما دمت حيا * ولست أدين دين المسلمينا فقلت سوف تعلم فلم يلبث الاعرابي أن نام وغط فقمت إليه فقتلته أسوأ قتلة قتلها أحد أحدا قمت إليه فجعلت سية قوسى في عينه الصحيحة ثم تحاملت عليها حتى أخرجتها من قفاه قال ثم أخرج مثل السبع وأخذت المحجة كأنى نسر وكان النجاء حتى أخرج على بلد قد وصفه ثم على ركوبة ثم على النقيع فإذا رجلان من أهل مكة بعثتهما قريش يتحسسان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفتهما فقلت استأسرا فقالا أنحن نستأسر لك فأرمى أحدهما بسهم فأقتله ثم قلت للآخر استأسر فاستأسر فأوثقته فقدمت به على رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن سليمان بن وردان عن أبيه عن عمرو ابن أمية قال لما قدمت المدينة مررت بمشيخة من الانصار فقالوا هذا والله عمرو ابن أمية فسمع الصبيان قولهم فاشتدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه وقد شددت ابهام أسيرى بوتر قوسى فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه فضحك حتى بدت نواجذه ثم سألني فأخبرته الخبر فقال لى خيرا ودعا لى بخير (وفى هذه السنة) تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت

[ 219 ]

خزيمة أم المساكين من بنى هلال في شهر رمضان ودخل بها فيه وكان أصدقها اثنتى عشرة أوقية ونشا وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها ذكر خبر بئر معونة (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة أعنى سنة أربع من الهجرة كان من أمر السرية التى وجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت ببئر معونة وكان سبب توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إياهم لما وجههم له ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال وحدثني محمد بن اسحاق قال فأقام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمدينة بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم وولى تلك الحجة المشركون ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد وكان من حديثهم ما حدثنى أبى اسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن إبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهم من أهل العلم قالوا قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الاسنة وكان سيد بنى عامر بن صعصعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأهدى له هدية فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها وقال يا أبا براء لا أقبل هدية مشرك فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك ثم عرض عليه الاسلام وأخبره بماله فيه وما وعد الله المؤمنين من الثواب وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يبعد وقال يا محمد إن أمرك هذا الذى تدعو إليه حسن جميل فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى أخشى عليهم أهل نجد فقال أبو براء أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذ بن عمرو أخا بنى ساعدة المعنق ليموت في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان أخو بنى عدى بن النجار وعروة بن أسماء بن الصلت السلمى ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعى وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر في رجال مسمين من خيار المسلمين * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن حميد

[ 220 ]

الطويل عن أنس بن مالك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو في سبعين راكبا فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهى أرض بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم كلا البلدين منها قريب وهى إلى حرة بنى سليم أقرب فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله ثم استصرخ عليهم بنى عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا لن نحفر أبا براء قد عقد لهم عقدا وجوارا فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم عصية ورعلا وذكوان فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا السيوف ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار ابن النجار فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى ورجل من الانصار أحد بنى عمرو ابن عوف فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا والله إن لهذه الطير لشأنا فأقبلا لينظرا إليه فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التى أصابتهم واقفة فقال الانصاري لعمرو بن أمية ماذا ترى قال أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر فقال الانصاري لكنى ما كنت لارغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو وما كنت لتخبرنى عنه الرجال ثم قاتل القوم حتى قتل وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا فلما أخبرهم انه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه في ظل هو فيه وكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية وقد سألهما حين نزلا ممن أنتما فقالا من بنى عامر فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى انه قد أصاب بهما ثؤرة من بنى عامر بما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر فقال

[ 221 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قتلت قتيلين لادينهما ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عمل أبى براء قد كنت لهذا كارها متخوفا فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد ابن اسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول من الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والارض حتى رأيت السماء من دونه قالوا هو عامر بن فهيرة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن أحد بنى جعفر رجل من بنى جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر قال كان جبار فيمن حضرها يومئذ مع عامر ثم أسلم بعد ذلك فكان يقول مما دعاني إلى الاسلام أنى طعنت رجلا منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول حين طعنته فزت والله قال فقلت في نفسي ما فاز أليس قد قتلت الرجل حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا الشهادة قال فقلت فاز لعمر الله فقال حسان بن ثابت يحرض بنى أبى البراء على عامر بن الطفيل بنى أم البنين ألم يرعكم * وأنتم من ذوائب أهل نجد تهكم عامر بأبى براء * ليخفره وما خطا كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعى * فما أحدثت في الحدثان بعدى أبوك أبو الحروب أبو براء * وخالك ماجد حكم بن سعد وقال كعب بن مالك في ذلك أيضا لقد طارت شعاعا كل وجه * خفارة ما أجار أبو براء فمثل مسهب وبنى أبيه * بجنب الرده من كنفى سواء (بن ؟) أم البنين أما سمعتم * دعاء المستغيث مع المساء وتنويه الصريخ بلى ولكن * عرفتم أنه صدق اللقاء فما صفرت عياب بنى كلاب * ولا القرطاء من ذم الوفاء

[ 222 ]

أعامر عامر السوآت قدما * فلا بالعقل فزت ولا السناء أأخفرت النبي وكنت قدما * إلى السوآت تجرى بالعراء فلست كجار جار أبى داود * ولا الاسدي جار أبى العلاء ولكن عاركم داء قديم * وداء الغدر فاعلم شر داء فلما بلغ ربيعة بن عامر أبى البراء قول حسان وقول كعب حمل على عامر بن الطفيل فطعنه فشطب الرمح عن مقتله فخر عن فرسه فقال هذا عمل أبى براء إن مت فدمي لعمى ولا يتبعن به وإن أعش فسأرى رأيى فيما أتى إلى * حدثنى محمد بن مرزوق قال حدثنا عمرو بن يونس عن عكرمة قال حدثنا اسحاق بن أبى طلحة قال حدثنى أنس بن مالك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل بئر معونة قال لا أدرى أربعين أو سبعين وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري فخرج أولئك النفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بعثوا حتى أتوا غارا مشرفا على الماء قعدوا فيه ثم قال بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء فقال أراه بن ملحان الانصاري أنا أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج حتى أتى حواء منهم فاحتبى أمام البيوت قال يا أهل بئر معونة إنى رسول رسول الله إليكم إنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله فخرج إليه من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال الله أكبر فزت ورب الكعبة فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل قال اسحاق حدثنى أنس بن مالك إن الله عز وجل أنزل فيهم قرانا بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناه زمانا وأنزل الله عز وجل (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين) * حدثنى العباس بن الوليد قال حدثنى أبى قال حدثنا الاوزاعي قال حدثنى اسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة الانصاري عن أنس بن مالك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل

[ 223 ]

الكلابي سبعين رجلا من الانصار قال فقال أميرهم مكانكم حتى آتيكم بخبر القوم فلما جاءهم قال أتؤمنوني حتى أخبركم برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا نعم فبينا هو عندهم إذ وخزه رجل منهم بالسنان قال فقال الرجل فزت ورب الكعبة فقتل فقال عامر لا أحسبه إلا أن له أصحابا فاقتصوا أثره حتى أتوهم فقتلوهم فلم يفلت منهم إلا رجل واحد قال أنس فكنا نقرأ فيما نسخ بلغوا عنا أخواننا أن قد لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه (وفى هذه السنة) أعنى السنة الرابعة من الهجرة أجلى النبي صلى الله عليه وسلم بنى النضير من ديارهم (ذكر خبر جلاء بنى النضير) (قال أبو جعفر) وكان سبب ذلك ما قد ذكرنا قبل من قتل عمرو بن أمية الضمرى الرجلين الذين قتلهما في منصرفه من الوجه الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه إليه مع أصحاب بئر معونة وكان لهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم جوار وعهد وقيل إن عامر بن الطفيل كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك قتلت رجلين لهما منك جوار وعهد فابعث بديتهما فانطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى قباء ثم مال إلى بنى النضير مستعينا بهم في ديتهما ومعه نفر من المهاجرين والانصار فيهم أبو بكر وعمر وعلي وأسيد بن حضير * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد ابن إسحاق وقال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بنى عامر اللذين قتل عمرو بن أمية الضمرى للجوار الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما كما حدثنى يزيد بن رومان وكان بين بنى النضير وبين بنى عامر حلف وعقد فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا إنكم لن تجدوا هذا الرجل على مثل حاله هذه ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد فقالوا من

[ 224 ]

رجل يعلو على هذا البيت فيلقى عليه صخرة فيقتله بها فيريحنا منه فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم فقال أنا لذلك فصعد ليلقى عليه الصخرة كما قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وقال لاصحابه لا تبرحوا حتى آتيكم وخرج راجعا إلى المدينة فلما استلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال رأيته داخلا المدينة فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه فاخبرهم الخبر بما كانت يهود قد أرادت من الغدر به وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في التهيؤ لحربهم والسير إليهم ثم سار بالناس إليهم حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخل والتحريق فيها فنادوه يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخيل وتحريقها (قال أبو جعفر) وأما الواقدي فإنه ذكر أن بنى النضير لما تآمروا بما تآمروا به من إدلاء الصخرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم عن ذلك سلام بن مشكم وخوفهم الحرب قال وهو يعلم ما تريدون فعصوه فصعد عمرو ابن جحاش ليدحرج الصخرة وجاء النبي صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء فقام كأنه يريد حاجة وانتظره أصحابه فأبطأ عليهم وجعلت يهود تقول ما حبس أبا القاسم وانصرف أصحابه فقال كنانة بن صوريا جاءه الخبر بما هممتم به قال ولما رجع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهوا إليه وهو جالس بالمسجد فقالوا يا رسول الله انتظرناك ومضيت فقال همت يهود بقتلي وأخبرنيه الله عز وجل ادعوا إلى محمد بن مسلمة قال فأتى محمد بن مسلمة فقال اذهب إلى يهود فقل لهم اخرجوا من بلادي فلا تساكنونى وقد هممتم بما هممتم به من الغدر قال فجاءهم محمد بن مسلمة فقال لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تظعنوا من بلاده فقالوا يا محمد ما كنا نظن أن يجيئنا بهذا رجل من الاوس فقال محمد تغيرت القلوب ومحا الاسلام العهود فقالوا نتحمل قال فأرسل إليهم عبد الله بن أبى يقول

[ 225 ]

لا تخرجوا فإن معى من العرب ومن انضوى إلى من قومي ألفين فاقيموا فهم يدخلون معكم وقريظة تدخل معكم فبلغ كعب بن أسد صاحب عهد بنى قريظة فقال لا ينقض العهد رجل من بنى قريظة وأنا حى فقال سلام بن مشكم لحيى بن أخطب يا حيى أقبل هذا الذى قال محمد فانما شرفنا على قومنا بأموالنا قبل أن تقبل ما هو شر منه قال وما هو شر منه قال أخذ الاموال وسبى الذرية وقتل المقاتلة فأبى حيى فأرسل جدى بن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لا نريم دارنا فاصنع ما بدا لك قال فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون معه وقال حاربت يهود وانطلق جدى إلى ابن أبى يستمده فوجدته جالسا في نفر من أصحابه ومنادى النبي صلى الله عليه وسلم ينادى بالسلاح فدخل ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبى وأنا عنده فأخذ السلاح ثم خرج يعدو قال فأيست من معونته قال فأخبرت بذلك كله حييا فقال هذه مكيدة من محمد فزحف إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يوما حتى صالحوه على أن يحقن لهم دماءهم وله الاموال والحلقة * فحدثني محمد ابن سعد قال حدثنى أبى قال حدثنى عمى قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس قال حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى بنى النضير خمسة عشر يوما حتى بلغ منهم كل مبلغ فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم ويسيرهم إلى أذرعات الشأم وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء * حدثنا ابن عبد الاعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري قال قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشأم على أن لهم ما أقلت الابل من شئ إلا الحقه والحلقة والسلاح (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال وقد كان رهط من بنى عوف بن الخزرج منهم عبد الله ابن أبى ابن سلول وديعة ومالك بن أبى قوقل وسويد وداعس قد بعثوا إلى بنى النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا فلم يفعلوا وقذف الله في قلوبهم الرعب فسألوا رسول الله صلى الله عليه

[ 226 ]

وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الابل من أموالهم إلا الحلقة ففعل فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الابل فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشأم فكان اشرافهم ممن سار منهم إلى خيبر سلام بن أبى الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وحيى بن أخطب فلما نزلوها دان لهم أهلها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر أنه حدث أنهم استقلوا بالنساء والابناء والاموال معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم وأن فيهم يومئذ لام عمرو صاحبة عروة بن الورد العبسى التى ابتاعوا منه وكانت احدى نساء بنى غفار بزهاء وفخر ما رؤى مثله من حى من الناس في زمانهم وخلوا الاموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث يشاء فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المهاجرين الاولين دون الانصار إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك ابن خرشة ذكرا فقرا فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان يامين بن عمير بن كعب بن عم عمرو بن جحاش وأبو سعد ابن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها (قال أبو جعفر) واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ خرج لحرب بنى النضير فيما قيل ابن أم مكتوم وكانت رايته يومئذ مع علي بن أبى طالب عليه السلام (وفى هذه السنة) مات عبد الله ابن عثمان بن عفان في جمادى الاولى منها وهو ابن ست سنين وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في حفرته عثمان بن عفان (وفيها) ولد الحسين ابن علي عليه السلام لليال خلون من شعبان * واختلف في التى كانت بعد غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بنى النضير من غزواته فقال ابن اسحاق في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق قال ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة بنى النضير شهرى ربيع وبعض شهر جمادى ثم غزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان حتى نزل نخل وهى غزوة ذات

[ 227 ]

الرقاع فلقى بها جمعا من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين صلاة الخوف ثم انصرف بالمسلمين * وأما الواقدي فانه زعم أن غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات الرقاع كانت في المحرم سنة خمس من الهجرة قال وإنما سميت ذات الرقاع لان الجبل الذى سميت به ذات الرقاع جبل به سواد وبياض وحمرة فسميت الغزوة بذلك الجبل قال واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة على المدينة عثمان بن عفان * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد يعنى ابن عبد الرحمن عن عروة بن الزبير عن أبى هريرة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجد حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل لقى جمعا من غطفان فلم يكن بيننا قتال إلا أن الناس قد خافوهم ونزلت صلاة الخوف فصعد أصحابه صدعين فقامت طائفة مواجهة العدو وقامت طائفة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا جميعا ثم ركع بمن خلفه وسجد بهم فلما قاموا مشوا القهقرى إلى مصاف أصحابهم ورجع الآخرون فصلوا لانفسهم ركعة ثم قاموا فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وجلسوا ورجع الذين كانوا مواجهين العدو فصلوا الركعة الثانية فجلسوا جميعا فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلام فسلم عليهم (قال أبو جعفر) وقد اختلفت الرواية في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة ببطن نخل اختلافا متفاوتا كرهت ذكرها في هذا الموضع خشية اطالة الكتاب وسأذكرها إن شاء الله في كتابنا المسمى بسيط القول في أحكام شرائع الاسلام في كتاب صلاة الخوف منه وقد حدثنا محمد ابن بشار قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثنى أبى عن قتادة عن سليمان اليشكرى أنه سأل جابر بن عبد الله عن اقصار الصلاة أي يوم أنزل أو في أي يوم هو فقال جابر انطلقنا متلقى عير قريش آتيه من الشأم حتى إذا كنا بنخل جاء رجل من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد قال نعم قال هل تخافني قال لا

[ 228 ]

قال فمن يمنعك منى قال الله يمنعنى منك قال فسل السيف ثم تهدده وأوعده ثم نادى بالرحيل وأخذ السلاح ثم نودى بالصلاة فصلى نبى الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم فصلى بالذين يلونه ركعتين ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم فقاموا في مصاف أصحابهم ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم ثم سلم فكانت للنبى صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين فيومئذ أنزل الله عز وجل في اقصار الصلاة وأمر المؤمنون بأخذ السلاح * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد ابن اسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري عن جابر بن عبد الله الانصاري أن رجلا من بنى محارب يقال له فلان بن الحارث قال لقومه من غطفان ومحارب ألا أقتل لكم محمدا قالوا نعم وكيف تقتله قال أفتك به فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فقال يا محمد أنظر إلى سيفك هذا قال نعم فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم به فيكبته الله الله عز وجل ثم قال يا محمد أما تخافني وفى يدى السيف ؟ قال لا، يمنعنى الله منك، قال ثم غمد السيف فرده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم - الآية) * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن جابر بن عبد الله الانصاري قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل من المسلمين امرأة من المشركين فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا أتى زوجها وكان غائبا فلما أخبر الخبر حلف ألا ينتهى حتى يهريق في أصحاب محمد دما فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فقال من رجل يكلانا ليلتنا هذه فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الانصار فقالا نحن يا رسول الله قال فكونا بفم الشعب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا الشعب من بطن

[ 229 ]

الوادي فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الانصاري للمهاجري أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أو آخره قال بل اكفني أوله فاضطجع المهاجرى فنام وقام الانصاري يصلى وأتى زوج المرأة فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم فرمى بسهم فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما يصلى ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما يصلى ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ثم أهب صاحبه فقال اجلس فقد أتيت قال فوثب المهاجرى فلما رآهما الرجل عرف أنهم قد نذروا به ولما رأى المهاجرى ما بالانصارى من الدماء قال سبحان الله أفلا أهببتنى أول ما رماك قال كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تتابع علي الرمى ركعت فأذنتك وايم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها ذكر الخبر عن غزوة السويق وهى غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بدرا الثانية لميعاد أبى سفيان * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الاولى وجمادى الآخرة ورجبا ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبى سفيان حتى نزله فأقام عليه ثمانى ليال ينتظر أبا سفيان وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران وبعض الناس يقول قد قطع عسفان ثم بدا له الرجوع فقال يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن وإن عامكم هذا عام جدب وإنى راجع فارجعوا فرجع ورجع الناس فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون إنما خرجتم تشربون السويق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده فأتاه مخشى بن عمر الضمرى وهو والذى وادعه على بنى ضمرة في غزوة ودان فقال يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء قال نعم يا أخا بنى ضمرة وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك حتى

[ 230 ]

يحكم الله بيننا وبينك فقال لا والله يا محمد ما لنا بذلك منك حاجة وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أبا سفيان فمر به معبد بن أبى معبد الخزاعى وقد رأى مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وناقته تهوى به فقال قد نفرت من رفقتي محمد * وعجوة من يثرب كالعنجد تهوى على دين أبيها الا تلد * قد جعلت ماء قديد موعدى وماء ضجنان لها ضحى الغد وأما الواقدي فانه ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه لغزوة بدر لموعد أبى سفيان الذى كان وعده الالتقاء فيه يوم أحد رأس الحول للقتال في ذى القعدة قال وكان نعيم بن مسعود الاشجعى قد اعتمر فقدم على قريش فقالوا يا نعيم من أين كان وجهك قال من يثرب قال وهل رأيت لمحمد حركة قال تركته على تعبئة لغزوكم وذلك قبل أن يسلم نعيم قال فقال له أبو سفيان يا نعيم إن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام ترعى فيه الابل الشجر ونشرب فيه اللبن وقد جاء أوان موعد محمد فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا فيأتى الخلف منهم أحب إلى من أن يأتي من قبلنا ولك عشر فرائض أضعها لك في يد سهيل بن عمرو ويضمنها فجاء سهيل بن عمرو إليهم فقال نعيم لسهيل يا أبا يزيد أتضمن هذه الفرائض وأنطلق إلى محمد فأثبطه فقال نعم فخرج نعيم حتى قدم المدينة فوجد الناس يتجهزون فتدسس لهم وقال ليس هذا برأى ألم يجرح محمد في نفسه ألم يقتل أصحابه قال فثبط الناس حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فقال والذى نفسي بيده لو لم يخرج معى أحد لخرجت وحدي ثم انهج الله عز وجل للمسلمين بصائرهم فخرجوا بتجارات فأصابوا للدرهم درهمين ولم يلقوا عدوا وهى بدر الموعد وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام (قال أبو جعفر) واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله بن رواحة (قال الواقدي) وفى هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بنت أبى أمية في شوال ودخل بها * قال وفيها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 231 ]

زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود وقال انى لا آمن أن يبدلوا كتابي * وولى الحج في هذه السنة المشركون ثم كانت السنة الخامسة من الهجرة ففى هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش * حدثت عن محمد بن عمر قال حدثنى عبد الله بن عامر الاسلمي عن محمد بن يحيى بن حبان قال جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت زيد بن حارثة وكان زيد إنما يقال له زيد بن محمد ربما فقده رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعة فيقول أين زيد فجاء منزله يطلبه فلم يجده وقامت إليه زينب بنت جحش زوجته فضلا فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ليس هو هاهنا يا رسول الله فادخل بأبى أنت وأمى فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل وإنما عجلت زينب أن تلبس ان قيل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الباب فوثب عجلة فأعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فولى وهو يهمهم بشئ لا يكاد يفهم الا أنه أعلن سبحان الله العظيم سبحان الله مصرف القلوب قال فجاء زيد إلى منزله فأخبرته امرأته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزله فقال زيد الا قلت له ادخل فقالت قد عرضت عليه ذلك فأبى قال فسمعتيه يقول شيئا قالت سمعته يقول حين ولى سبحان الله العظيم سبحان الله مصرف القلوب فخرج زيد حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي فهلا دخلت بأبى أنت وأمى يا رسول ؟ الله يا رسول الله لعل زينب أعجبتك فأفارقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك زوجك فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ذلك اليوم فكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم امسك عليك زوجك ففارقها زيد واعتزلها وحلت فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث مع عائشة إذ أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم غشية فسرى عنه وهو يتبسم ويقول من يذهب إلى زينب يبشرها يقول إن الله زوجنيها وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (وإذ تقول للذى أنعم

[ 232 ]

الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك) القصة كلها (قالت عائشة) فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها وأخرى هي أعظم الامور وأشرفها ما صنع الله لها زوجها فقلت تفخر علينا بهذا (قالت عائشة) فخرجت سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبرها بذلك فأعطتها أوضاحا عليها * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد زوج زيد بن حارثة زينب بنت جحش ابنة عمته فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يريده وعلى الباب ستر من شعر فرفعت الريح الستر فانكشف وهى في حجرتها حاسرة فوقع اعجابها في قلب النبي صلى الله عليه وسلم فلما وقع ذلك كرهت إلى الآخر قال فجاء فقال يا رسول الله إنى أريد أن أفارق صاحبتي فقال مالك أرابك منها شئ فقال لا والله يا رسول الله ما رابنى منها شئ ولا رأيت إلا خيرا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك زوجك واتق الله فذلك قول الله عز وجل وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى في نفسك ما الله مبديه تخفى في نفسك إن فارقها تزوجتها (قال الواقدي) وفيها غزا دومة الجندل في شهر ربيع الاول وكان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن جمعا تجمعوا بها ودنوا من أطرافه فغزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ دومة الجندل ولم يلق كيدا وخلف على المدينة سباع ابن عرفطة الغفاري (قال أبو جعفر) وفيها وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن أن يرعى بتغلمين وما والاها قال محمد بن عمر فيما حدثنى ابراهيم ابن جعفر عن أبيه وذلك أن بلاد عيينة أجدبت فوادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرعى بتغلمين إلى المراض وكان ما هنالك قد أخصب بسحابة وقعت فوادعه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرعى فيها هنالك (قال الواقدي) وفيها توفيت أم سعد بن عبادة وسعد غائب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دومة الجندل

[ 233 ]

ذكر الخبر عن غزوة الخندق (وفيها) كانت غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق في شوال حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وكان الذى جر غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق فيما قيل ما كان من إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى النضير عن ديارهم فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن يزيد ابن رومان مولى آل الزبير عن عروة بن الزبير ومن لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك وعن الزهري وعن عاصم بن عمر بن قتادة وعن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن محمد بن كعب القرظى وعن غيرهم من علمائنا كل قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق وبعضهم يحدث ما لا يحدث بعض أنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبى الحقيق النضرى وحيى بن أخطب النضرى وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق النضرى وهوذة بن قيس الوائلي وأبو عمار الوائلي في نفر من بنى النضير ونفر من بنى وائل هم الذين حزبوا الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله فقالت لهم قريش يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الاول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه قالوا بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه قال فهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا - إلى قوله - وكفى بجهنم سعيرا) فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجمعوا لذلك واتعدوا له ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاؤا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه وأن قريشا تابعوهم على ذلك وأجمعوا فيه فأجابوهم فخرجت قريش وقائدها

[ 234 ]

أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر في بنى فزارة والحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى في بنى مرة ومسعود ابن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع ابن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أجمعوا له من الامر ضرب الخندق على المدينة * فحدثت عن محمد بن عمر قال كان الذى أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق سلمان وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر وقال يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الاجر وعمل فيه المسلمون فدأب فيه ودأبو ا وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعف من العمل ويتسللون إلى أهاليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته نائبة من الحاجة التى لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له فأنزل الله عز وجل (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستاذنوه - إلى قوله - واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم) فنزلت هذه الآية في كل من كان من أهل الحسبة من المؤمنين والرغبة في الخير والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ثم قال يعنى المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا - إلى قوله - قد يعلم ما أنتم عليه) أي قد علم ما أنتم عليه من صدق أو كذب وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا فقالوا سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا

[ 235 ]

فإذا مروا بعمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا وإذا قالوا ظهرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهرا * فحدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد ابن خالد بن عثمة قال حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال حدثنى أبى عن أبيه قال خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الاحزاب من أجم الشيخين طرف بنى حارثة حتى بلغ المذاد ثم قطعه أربعين ذراعا بين كل عشرة فاحتق المهاجرون والانصار في سلمان الفارسى وكان رجلا قويا فقالت الانصار سلمان منا وقالت المهاجرون سلمان منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت قال عمرو بن عوف فكنت أنا وسلمان وحذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن المزني وستة من الانصار في أربعين ذراعا فحفرنا تحت ذوباب حتى بلغنا الندى فاخرج الله عز وجل من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه فرقى سلمان حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية فقال يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا خرجت صخرة بيضاء من الخندق مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما نحيك فيها قليلا ولا كثيرا فمرنا فيها بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان في الخندق ورقينا نحن التسعة على شقة الخندق فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها وبرقت منها برقة أضاء ما بين لابتيها يعنى لابتى المدينة حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية فصدعها وبرق منها برقة أضاء منها ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالثة فكسرها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن

[ 236 ]

مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم أخذ بيده سلمان فرقى فقال سلمان بأبى أنت وأمى يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيته قط فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم فقال هل رأيتم ما يقول سلمان قالوا نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر فنكبر ولا نرى شيئا غير ذلك قال صدقتم ضربت ضربتي الاولى فبرق الذى رأيتم أضاءت لى منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذى رأيتم أضاءت لى منها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق منها الذى رأيتم أضاءت لى منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها فأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر وابشروا يبلغهم النصر فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعد صادق بار وعدنا النصر بعد الحصر فطلعت الاحزاب فقال المؤمنون هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما وقال المنافقون ألا تعجبون يحدثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا وأنزل القرآن (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحق عمن لا يتهم عن أبى هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الامصار في زمن عمر وعثمان وما بعده افتتحوا ما بدا لكم فو الذى نفس أبى هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى محمد مفاتيحها قبل ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحق قال كان أهل الخندق ثلاثة آلاف قال ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الاسيال من دومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم

[ 237 ]

من كنانة وأهل تهامة وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد وخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذرارى والنساء فرفعوا في الآطام وخرج عدو الله حيى بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظى صاحب عقد بنى قريظة وعهدهم وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاهده على ذلك وعاقده فلما سمع كعب بحيى بن أخطب أغلق دونه حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه حيى يا كعب افتح لى قال ويحك يا حيى إنك امرؤ مشؤم إنى قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بينى وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا قال ويحك افتح لى أكلمك قال ما أنا بفاعل قال والله إن أغلقت دوني إلا على جشيشتك أن آكل معك منها فاحفظ الرجل ففتح له فقال ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الاسيال من دومة وبغطفان على قادتها وسادتها حنى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد قد عاهدوني وعاقدونى ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه فقال له كعب بن أسد جئتني والله بذل الدهر بجهام قد هراق ماءه يرعد ويبرق ليس فيه شى ء ويحك فدعني ومحمدا وما أنا عليه فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء فلم يزل حيى بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بنى عبد الاشهل وهو يومئذ سيد الاوس وسعد بن عبادة بن دليم أحد بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بلحارث بن الخزرج وخوات بن جبير أخو بنى عمرو بن عوف فقال

[ 238 ]

انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أو لا فإن كان حقا فالحنوا لى لحنا نعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه وكان رجلا فيه حد فقال له سعد بن معاذ دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ثم قالوا عضل والقارة كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الرجيع خبيب بن عدى وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال معتب بن قشير أخو بنى عمرو ابن عوف كان محمد يعدنا إن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط وحتى قال أوس بن قيظى أحد بنى حارثة بن الحارث يا رسول الله إن بيوتنا لعورة من العدو وذلك عن ملا من رجال فاذن لنا فلنرجع إلى دارنا فإنها خارجة من المدينة فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمى بالنبل والحصار فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وعن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف ابن أبى حارثة المرى وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك ففعلا فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه فقالا يا رسول الله أمر تحبه فنصنعه أم شئ

[ 239 ]

أمرك الله عز وجل به لا بد لنا من عمل به أم شئ تصنعه لنا قال لا بل لكم والله ما أصنع ذلك إلا أنى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم لامر ما ساعة فقال له سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله عز وجل وعبادة الاوثان ولا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعا أفحين أكرمنا الله بالاسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا مالنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنت وذاك فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وعدوهم محاصروهم لم يكن بينهم قتال إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود بن أبى قيس أخو بنى عامر بن لؤى وعكرمة بن أبى جهل وهبيرة بن أبى وهب المخزوميان ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب بن مرداس أخو بن محارب بن فهر قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم ومروا على بنى كنانة فقالوا تهيئوا للحرب يا بنى كنانة فستعلمون اليوم من الفرسان ثم أقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا عليه فلما رأوه قالوا والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع وخرج على بن أبى طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التى أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم وقد كان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة قلم يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله قال له علي يا عمرو إنك كنت تعاهد الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين إلا أخذت منه إحداهما قال أجل قال له علي بن أبى طالب فإنى أدعوك إلى الله عز وجل والى رسوله والى الاسلام قال لا حاجة لى بذلك قال فإنى أدعوك إلى النزال قال ولم يا ابن أخى فو الله ما أحب أن أقتلك قال علي ولكني والله أحب أن أقتلك قال فحمى عمرو عند ذلك

[ 240 ]

فاقتحم عن فرسه فعقره أو ضرب وجهه ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي عليه السلام وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة ومن بنى مخزوم نوفل بن عبد الله بن المغيرة وكان اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة فقال يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه فنزل إليه علي فقتله فغلب المسلمون على جسده فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حاجة لنا بجسده ولا ثمنه فشأنكم به فخلى بينهم وبينه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن أبى ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الانصاري ثم أحد بنى حارثة أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بنى حارثة يوم الخندق وكان من أحرز حصون المدينة وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن (قالت عائشة) وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب قالت فمر سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها وفى يده حربته يرقد بها ويقول لبث قليلا يشهد الهيجا حمل * لا بأس بالموت إذا حان الاجل قالت له أمه الحق يا بنى فقد والله أخرت (قالت عائشة) فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه قالت فرمى سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الاكحل رماه فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة حبان بن قيس ابن العرقة أحد بنى عامر بن لؤى فلما أصابه قال خذها وأنا ابن العرقة فقال سعد عرق الله وجهك في النار اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فانه لا قوم أحب إلى أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه اللهم وأن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لى شهادة ولا تمتنى حتى تقر عينى من بنى قريظة * حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنى أبى عن علقمة عن عائشة قالت خرجت يوم الخندق

[ 241 ]

أقفو آثار الناس فو الله إنى لامشى إذ سمعت وئيد الارض خلفي تعنى حس الارض فالتفت فإذا أنا بسعد فجلست إلى الارض ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا بذلك محمد بن عمرو يحمل مجنة وعلى سعد درع من حديد قد خرجت أطرافه منها (قالت) وكان من أعظم الناس وأطولهم (قالت) فأنا أتخوف على أطراف سعد فمر بي يرتجز ويقول لبث قليلا يدرك الهيجا حمل * ما أحسن الموت إذا حان الاجل قالت فلما جاوزني قمت فاقتحمت حديقة فيها نفر من المسلمين فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تسبغة له (قال محمد) والتسبغة المغفر لا ترى الا عيناه فقال عمر إنك لجرية ما جاء بك ما يدريك لعله يكون تحوز أو بلاء فو الله ما زال يلومني حتى وددت أن الارض تنشق لى فأدخل فيها فكشف الرجل التسبغة عن وجهه فإذا هو طلحة فقال إنك قد أكثرت أين الفرار وأين التحوز الا إلى الله عز وجل * قالت فرمى سعد يومئذ بسهم رماه رجل يقال له ابن العرقة فقال خذها وأنا ابن العرقة فقال سعد عرق الله وجهك في النار فأصاب الاكحل منه فقطعه قال محمد ابن عمر وزعموا أنه لم ينقطع من أحد قط إلا لم يزل يبض دما حتى يموت فقال سعد اللهم لا تمتنى حتى تقر عينى في بنى قريظة وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عمن لا يتهم عن عبيد الله بن كعب ابن مالك أنه كان يقول ما أصاب سعدا يومئذا بالسهم الا أبو أسامة الجشمى حليف بنى مخزوم فالله أعلم أي ذلك كان * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت قالت وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان * قالت صفية فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم أن أتانا آت قالت فقلت يا حسان إن هذا

[ 242 ]

اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وانى والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله فقال يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا قالت فلما قال ذلك لى ولم أر شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت يا حسان انزل إليه فاسلبه فانه لم يمنعنى من سلبه الا أنه رجل قال مالى بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب * قال ابن اسحاق وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله عز وجل من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن حلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله انى قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا باسلامى فمرنى بما شئت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فان الحرب خدعة فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بنى قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال لهم يا بنى قريظة قد عرفتم ودى إياكم وخاصة ما بينى وبينكم قالوا صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم إن قرشا وغطفان قد جاؤا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره وإن قريشا وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم وبلدهم بغيره فليسوا كهيئتكم إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه فقالوا لقد أشرت برأى ونصح ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لابي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش يا معشر قريش قد عرفتم ودى إياكم وفراقي محمدا وقد بلغني أمر رأيت حقا على أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا علي قالوا نفعل قال فاعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين

[ 243 ]

محمد وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقى منهم فأرسل إليهم أن نعم فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان أنتم أصلى وعشيرتي وأحب الناس إلى ولا أراكم تتهموني قالوا صدقت قال فاكتموا علي قالوا نفعل ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم فلما كانت ليلة السبت في شوال سنة خمس وكان مما صنع الله عز وجل لرسوله أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه فأرسلوا إليهم أن اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك بالذى نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك من محمد فلما رجعت إليهم الرسل الذى قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان تعلمون والله أن الذى حدثكم نعيم بن مسعود لحق فأرسلوا إلى بنى قريظة إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا إن الذى ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن وجدوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك تشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم فأرسلوا إلى قريش وغطفان إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا عليهم وخذل الله بينهم وبعث الله عز وجل عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال

[ 244 ]

حدثنى محمد بن إسحاق قال حدثنا يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله وصحبتموه قال نعم يا ابن أخى قال فكيف كنتم تصنعون قال والله لقد كنا نجهد فقال الفتى والله لو أدركناه ما تركناه يمشى على الارض ولحملناه على أعناقنا فقال حذيفة يا ابن أخى والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق وصلى هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم يشرط له رسول الله انه يرجع أدخله الله الجنة فما قام رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال مثله فما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع يشرط له رسول الله الرجعة أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لى بد من القيام حين دعاني فقال يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا قال فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء فقام أبو سفيان ابن حرب فقال يا معشر قريش لينظر امرؤ جليسه قال فأخذت بيد الرجل الذى كان إلى جنبى فقلت من أنت قال أنا فلان بن فلان ثم قال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذى نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون والله ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإنى مرتحل ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنى لا أحدث شيئا حتى آتيه ثم شئت لقتلته بسهم قال حذيفة فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلى في مرط لبعض نسائه مرحل فلما رأني أدخلني بين رجليه وطرح على طرف المرط ثم ركع وسجد فإذا لقته فلما سلم أخبرته الخبر وسمعت غطفان بما فعلت

[ 245 ]

قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال فلما أصبح نبى الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح غزوة بنى قريظة فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن ابن شهاب الزهري معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج فقال أقد وضعت السلاح يا رسول الله قال نعم قال جبريل ما وضعت الملائكة السلاح وما رجعت الآن إلا من طلب القوم إن الله يأمرك يا محمد بالسير إلى بنى قريظة وأنا عامد إلى بنى قريظة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا فأذن في الناس أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بنى قريظة وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب برايته إلى بنى قريظة وابتدرها الناس فسار علي بن أبى طالب عليه السلام حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فرجع حتى لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق فقال يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الاخابث قال لم، أظنك سمعت لى منهم أذى ؟ قال نعم يا رسول الله قال لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته قالوا يا أبا القاسم ما كنت جهولا ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على اصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بنى قريظة فقال هل مر بكم أحد فقالوا نعم يا رسول الله قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبى على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك جبريل بعث إلى بنى قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقدف الرعب في قلوبهم فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى قريظة نزل على بئر من آبارها في ناحية

[ 246 ]

من أموالهم يقال لها بئر أنا فنلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلين أحد العصر إلا في بنى قريظة لشئ لم يكن لهم منه بد من حربهم وأبوا أن يصلوا لقول النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأتوا بنى قريظة فصلوا العصر بها بعد العشاء الاخرة فما عابهم الله بذلك في كتابه ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث عن محمد بن اسحاق عن أبيه عن معبد بن كعب بن مالك الانصاري * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنى أبى عن علقمة عن عائشة قالت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على سعد قبة في المسجد ووضع السلاح يعنى عند منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع المسلمون السلاح فجاءه جبريل عليه السلام فقال أوضعتم السلاح فو الله ما وضعت الملائكة بعد السلاح اخرج إليهم فقاتلهم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلامته فلبسها ثم خرج وخرج المسلمون فمر ببنى غنم فقال من مر بكم قالوا مر علينا دحية الكلبى وكان يشبه سنته ولحيته ووجهه بجبريل عليه السلام حتى نزل عليهم وسعد في قبته التى ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فحاصرهم شهرا أو خمسا وعشرين ليلة فلما اشتد عليهم الحصار قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله فأشار أبو لبابة بن عبد المنذر أنه الذبح فقالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انزلوا على حكمه فنزلوا فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمار بإكاف من ليف فحمل عليه قالت عائشة لقد كان برأ كلمه حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب وقد كان حيى بن أخطب دخل على بنى قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد لهم يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الامر ما ترون وإنى عارض

[ 247 ]

عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم قالوا وما هن قال نتابع هذا الرجل ونصدقه فو الله لقد كان تبين لكم إنه لنبى مرسل وإنه للذى كنتم تجدونه في كتابكم فتأمنوا على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره قال فإذا أبيتم هذه على فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئا نخشى عليه وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والابناء قالوا نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم قال فإذا أبيتم هذه على فإن الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة قالوا نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه من المسخ ما لم يخف عليك قال ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما قال ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بنى عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الاوس نستشيره في أمرنا فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما رأوه قام إليه الرجال وبهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم وقالوا له يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد قال نعم وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح قال أبو لبابة فو الله ما زالت قدماى حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت وعاهد الله أن لا يطأ بنى قريظة أبدا وقال لا يرانى الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وأبطأ عليه وكان قد استبطأه قال أما لو جاءني لاستغفرت له فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة ابن الفضل قال حدثنا محمد بن اسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أن توبة أبى لبابة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة

[ 248 ]

قالت أم سلمة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر يضحك فقلت مم تضحك يا رسول الله أضحك الله سنك قال تيب على أبى لبابة فقلت ألا أبشره بذلك يا رسول الله قال بلى إن شئت قال فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك قال فثار الناس إليه ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذى يطلقني بيده فلما مر عليه خارجا إلى الصبح أطلقه قال ابن إسحاق ثم إن ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد وهم نفر من بنى هدل ليسوا من بنى قريظة ولا النضير نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم أسلموا تلك الليلة التى نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظى فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها محمد بن مسلمة الانصاري تلك الليلة فلما رآه قال من هذا قال عمرو بن سعدى وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا أغدر بمحمد أبدا فقال محمد بن مسلمة حين عرفه اللهم لا تحرمنى عثرات الكرام ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب فلا يدرى أين ذهب من أرض الله إلى يومه هذا فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه فقال ذاك رجل نجاه الله بوفائه قال ابن إسحاق وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بنى قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبحت رمته ملقاة لا يدرى أين ذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة والله أعلم قال ابن إسحق فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواثبت الاوس فقالوا يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالى الخزرج بالامس ما قد عملت وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بنى قريظة حاصر بنى قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه فسأله إياهم عبد الله بن أبى ابن سلول فوهبهم له فلما كلمه الاوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترضون يا معشر الاوس

[ 249 ]

أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى قال فذاك إلى سعد بن معاذ وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة امرأة من المسلمين يقال لها رفيدة في مسجده كانت تداوى الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنى قريظة أتاه قومه فاحتملوه على حمار قد وطؤا له بوسادة من أدم وكان رجلا جسيما ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم فلما أكثروا عليه قال قد أنى لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الاشهل فنعى لهم رجال بنى قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التى سمع منه (قال أبو جعفر) فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حدثنا ابن وكيع قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنى أبى عن علقمة في حديث ذكره قال قال أبو سعيد الخدرى فلما طلع يعنى سعدا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قدموا إلى سيدكم أو قال إلى خيركم فأنزلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احكم فيهم قال فإنى أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم وأن تقسم أموالهم فقال لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله (رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق) وأما ابن إسحق فإنه قال في حديثه فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا إلى سيدكم فقاموا إليه فقالوا يا أبا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك مواليك لتحكم فيهم فقال سعد عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيها ما حكمت قالوا نعم قال وعلى من ههنا في الناحية التى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 250 ]

نعم قال سعد فإنى أحكم فيهم بأن تقتل الرجال وتقسم الاموال وتسبى الذرارى والنساء * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن علقمة بن وقاص الليثى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة قال ابن إسحاق ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار ابنة الحارث امرأة من بنى النجار ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة التى هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم إليه ارسالا وفيهم عدو الله حيى ابن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة المكثر لهم يقول كانوا من الثمانمائة إلى التسعمائة وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارسالا يا كعب ما ترى ما يصنع بنا فقال كعب في كل موطن لا تعقلون ألا ترون الداعي لا ينزع وأنه من ذهب به منكم لا يرجع هو والله القتل فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى بحيى بن أخطب عدو الله وعليه حلة لها فقاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الانملة أنملة أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل ثم أقبل على الناس فقال أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب الله وقدره وملحمة قد كتبت على بنى اسرائيل ثم جلس فضربت عنقه فقال جبل بن جوال الثعلبي لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها * وقلقل يبغى العز كل مقلقل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة قالت والله إنها لعندى تحدث معى وتضحك ظهرا وبطنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل

[ 251 ]

رجالهم بالسوق إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة قالت أنا والله قالت قلت ويلك مالك قالت أقتل قلت ولم قالت حدث أحدثته قالت فانطلق بها فضربت عنقها فكانت عائشة تقول ما أنسى عجبا منها طيب نفس وكثرة ضحك وقد عرفت أنها تقتل وكان ثابت بن قيس بن شماس كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن ابن شهاب الزهري أتى الزبير بن باطا القرظى وكان يكنى أبا عبد الرحمن وكان الزبير قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية * قال محمد مما ذكر لى بعض ولد الزبير أنه كان من عليه يوم بعاث أخذه فجز ناصيته ثم خلى سبيله فجاءه وهو شيخ كبير فقال يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني قال وهل يجهل مثلى مثلك قال إنى قد أردت أن أجزيك بيدك عندي قال إن الكريم يجزى الكريم ثم أتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله قد كانت للزبير عندي يد وله على منة وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لي دمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو لك فأتاه فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لى دمك فهو لك قال شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أهله وولده قال هم لك فأتاه فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاني امرأتك وولدك فهم لك قال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ماله قال هو لك فأتاه فقال إن رسول الله قد أعطاني مالك فهو لك قال أي ثابت ما فعل الذى كأن وجهه مرآة صينية تتراءى فيه عذارى الحى كعب بن أسد قال قتل قال فما فعل سيد الحاضر والبادى حيى بن أخطب قال قتل قال فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا كررنا عزال بن شمويل قال قتل قال فما فعل المجلسان يعنى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة قال ذهبوا قتلوا قال فانى أسألك بيدى عندك يا ثابت إلا ألحقتنى بالقوم فو الله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فما أنا بصابر لله قبلة دلو نضح حتى ألقى الاحبة فقدمه ثابت فضرب عنقه فلما بلغ أبا بكر قوله ألقى الاحبة قال يلقاهم والله في نار جهنم خالدا

[ 252 ]

فيها مخلدا أبدا فقال ثابت بن قيس بن الشماس في ذلك يذكر الزبير بن باطا وفت ذمتي أنى كريم وأنني * صبور إذا ما القوم حادوا عن الصبر وكان زبير أعظم الناس منة * على فلما شد كوعاه بالاسر أتيت رسول الله كيما أفكه * وكان رسول الله بحرا لنا يجرى قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل من أنبت منهم * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قد حدثنى محمد بن اسحاق عن أيوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى صعصعة أخى بنى عدى بن النجار أن سلمى بنت قيس أم المنذر أخت سليط بن قيس وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلت معه القبلتين وبايعته بيعة النساء سألته رفاعة بن شمويل القرظى وكان رجلا قد بلغ ولاذ بها وكان يعرفهم قبل ذلك فقالت يا نبى الله بأبى أنت وأمى هب لى رفاعة بن شمويل فانه قد زعم أنه سيصلى ويأكل لحم الجمل فوهبه لها فاستحيته قال ابن اسحاق ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بنى قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين وأعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال وأخرج منها الخمس فكان للفارس ثلاثة أسهم للفرس سهمان ولفارسه سهم وللراجل ممن ليس له فرس سهم وكانت الخيل يوم بنى قريظة ستة وثلاثين فرسا وكان أول فئ وقع فيه السهمان وأخرج منه الخمس فعلى سنتها وما مضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وقعت المقاسم ومضت السنة في المغازى ولم يكن يسهم للخيل إذا كانت مع الرجل إلا لفرسين ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الانصاري أخا بنى عبد الاشهل بسبايا من سبايا بنى قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلا وسلاحا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن جنافة إحدى نساء بنى عمرو بن قريظة فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفى عنها وهى في ملكه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت يا رسول الله بل تتركني في ملكك فهو أخف على وعليك فتركها وقد

[ 253 ]

كانت حين سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تعصت بالاسلام وأبت إلا اليهودية فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه لذلك من أمرها فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرني باسلام ريحانة فجاءه فقال يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك فلما انقضى شأن بنى قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ وذلك أنه دعا كما حدثنى ابن وكيع قال حدثنا ابن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنى أبى عن علقمة في خبر ذكره عن عائشة ثم دعا سعد بن معاذ يعنى بعد أن حكم في بنى قريظة ما حكم فقال اللهم إنك قد علمت أنه لم يكن قوم أحب إلى أن أقاتل أو أجاهد من قوم كذبوا رسولك اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئا فأبقني لها وإن كنت قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني اليك فانفجر كلمه فرجعه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى خيمته التى ضرب عليه في المسجد قالت عائشة فحضره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبو بكر وعمر فوالذي نفس محمد بيده إنى لاعرف بكاء أبى بكر من بكاء عمر وإنى لفى حجرتي قالت وكانوا كما قال الله عز وجل (رحماء بينهم) قال علقمة أي أمه كيف كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا اشتد وجده على أحد أو إذا وجد فانما هو آخذ بلحيته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق قال لم يقتل من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر وقتل من المشركين ثلاثة نفر وقتل يوم بنى قريظة خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو ابن بلحارث بن الخزرج طرحت عليه رحى فشدخته شدخا شديدا ومات أبو سنان ابن محصن بن حرثان أخو بنى أسد بن خزيمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بنى قريظة فدفن في مقبرة بنى قريظة ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخندق قال الآن نغزوهم يعنى قريشا ولا يغزونا فكان كذلك حتى فتح الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة وكان فتح بنى قريظة في ذى القعدة أو في صدر ذى الحجة في قول ابن إسحاق وأما الواقدي فإنه قال غزاهم رسول الله

[ 254 ]

صلى الله عليه وسلم في ذى القعدة لليال بقين منه وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يشق لبنى قريظة في الارض أخاديد ثم جلس فجعل علي والزبير يضربان أعناقهم بين يديه وزعم أن المرأة التى قتلها النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ كانت تسمى بنانة امرأة الحكم القرظى كانت قتلت خلاد بن سويد رمت عليه رحى فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب عنقها بخلاد بن سويد واختلف في وقت غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بنى المصطلق وهى الغزوة التى يقال لها غزوة المريسيع والمريسيع اسم ماء من مياه خزاعة بناحية قديد إلى الساحل فقال ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا بنى المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست من الهجرة وقال الواقدي غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم المريسيع في شعبان سنة خمس من الهجرة وزعم أن غزوة الخندق وغزوة بنى قريظة كانتا بعد المريسيع لحرب بنى المصطلق من خزاعة وزعم ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف بعد فراغه من بنى قريظة وذلك في آخر ذى القعدة أو في صدر ذى الحجة فأقام بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهرى ربيع وولى الحجة في سنة خمس المشركون ذكر الاحداث التى كانت في سنة ست من الهجرة غزوة بنى لحيان (قال أبو جعفر) وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الاولى على رأس ستة أشهر من فتح بنى قريظة إلى بنى لحيان يطلب بأصحاب الرجيع خبيب ابن عدى وأصحابه وأظهر أنه يريد الشأم ليصيب من القوم غرة فخرج من المدينة فسلك على غراب جبل بناحية المدينة على طريقه إلى الشأم ثم على مخيض ثم على البتراء ثم صفق ذات اليسار ثم على يين ثم على صخيرات اليمام ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة فأغذ السير سريعا حتى نزل على غران وهى منازل

[ 255 ]

بنى لحيان وغران واد بين أمج وعسفان إلى بلد يقال له ساية فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤس الجبال فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخطأه من غرتهم ما أراد قال لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم كرا وراح قافلا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن إسحاق قال والحديث في غزوة بنى لحيان عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر عن عبيد الله بن كعب قال ابن إسحاق ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يقم إلا ليالى قلائل حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى في خيل لغطفان على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة وفيها رجل من بنى غفار وامرأته فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح غزوة ذى قرد * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر ابن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ومن لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك كل قد حدث في غزوة ذى قرد بعض الحديث أنه أول من نذر بهم سلمة بن عمرو ابن الاكوع الاسلمي غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله ومعه غلام لطلحة ابن عبيد الله وأما الرواية عن سلمة بن الاكوع بهذه الغزوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مقدمه المدينة منصرفا من مكة عام الحديبية فإن كان ذلك صحيحا فينبغي أن يكون ما روى عن سلمة بن الاكوع كانت إما في ذى الحجة من سنة ست من الهجرة وأما في أول سنة سبع وذلك أن انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة عام الحديبية كان في ذى الحجة من سنة ست من الهجرة وبين الوقت الذى وقته ابن إسحاق لغزوة ذى قرد والوقت الذى روى عن سلمة ابن الاكوع قريب من ستة أشهر * حدثنا حديث سلمة بن الاكوع الحسن ابن يحيى قال حدثنا أبو عامر العقدى قال حدثنا عكرمة بن عمار اليمامى عن أياس

[ 256 ]

ابن سلمة عن أبيه قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يعنى بعد صلح الحديبية فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره مع رباح غلام رسول الله وخرجت معه بفرس لطلحة بن عبيد الله فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن بن عيينة قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاقه أجمع وقتل راعيه قلت يا رباح خذ هذا الفرس وأبلغه طلحة وأخبر رسول الله أن المشركين قد أغاروا على سرحه ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة فناديت ثلاثة أصوات يا صباحاه ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز وأقول وأنا إبن الاكوع * واليوم يوم الرضع قال فو الله ما زلت أرميهم وأعقر بهم فإذا رجع إلى فارس منهم أتيت شجرة وقعدت في أصلها فرميته فعقرت به وإذا تضايق الجبل فدخلوا في متضايق علوت الجبل ثم أرديهم بالحجارة فو الله ما زلت كذلك حتى ما خلق الله بعيرا من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا جعلته وراء ظهرى وخلوا بينى وبينه حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وثلاثين بردة يستخفون بها لا يلقون شيئا إلا جعلت عليه آراما حتى يعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى إذا انتهوا إلى متضايق من ثنية وإذا هم قد أتاهم عيينة بن حصن بن بدر ممدا فقعدوا ينضحون وقعدت على قرن فوقهم فنظر عيينة فقال ما الذى أرى قالوا لقينا من هذا البرح لا والله ما فارقنا هذا منذ غلس يرمينا حتى استنفذ كل شئ في أيدينا قال فليقم إليه منكم أربعة فعمد إلى أربعة منهم فلما أمكنوني من الكلام قلت أتعرفوني قالوا من أنت قلت سلمة بن الاكوع والذى كرم وجه محمد لا أطلب أحدا منكم الا أدركته ولا يطلبني فيدركني قال أحدهم ان أظن قال فرجعوا فما برحت مكاني ذاك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر أولهم الاخرم الاسدي وعلى أثره أبو قتادة الانصاري وعلى أثره المقداد بن الاسود الكندى فأخذت بعنان فرس الاخرم فقلت يا أخرم إن القوم قليل فاحذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق بنا رسول الله وأصحابه فقال يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق

[ 257 ]

فلا تحل بينى وبين الشهادة قال فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة فعقر الاخرم بعبد الرحمن فرسه فطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول عبد الرحمن على فرسه ولحق أبو قتادة عبد الرحمن فطعنه وقتله وعقر عبد الرحمن بأبى قتادة فرسه وتحول أبو قتادة على فرس الاخرم فانطلقوا هاربين * قال سلمة فوالذي كرم وجه محمد لتبعتهم أعدو على رجلى حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئا قال ويعدلون قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال ذو قرد يشربون منه وهم عطاش فنظروا إلى أعدو في آثارهم فحليتهم فما ذاقوا منه قطرة قال ويسندون في ثنية ذى أسير ويعطف على واحد فأرشقه بسهم فيقع في نغض كتفه فقلت خذها وأنا ابن الاكوع * واليوم يوم الرضع فقال أكوعى غدوة قلت نعم يا عدو نفسه وإذا فرسان على الثنية فجئت بهما أقودهما إلى رسول الله ولحقني عامر عمى بعد ما أظلمت بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء فتوضأت وصليت وشربت ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذى حليتهم عنه عند ذى قرد وإذا رسول قد أخذ تلك الابل التى استنقذت من العدو وكل رمح وكل بردة وإذا بلال قد نحر ناقة من الابل التى استنقذت من العدو فهو يشوى لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها فقلت يا رسول الله خلنى فلانتخب مائة رجل من القوم فأتبع القوم فلا يبقى منهم عين فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدا أو بانت نواجذه ثم قال أكنت فاعلا فقلت إى والذى أكرمك فلما أصبحنا قال رسول الله إنهم ليقرون بأرض غطفان قال فجاء رجل من غطفان فقال نحر لهم فلان جزورا فلما كشطوا عنها جلدها رأوا غبارا فقالوا أتيتم فخرجوا هاربين فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة بن الاكوع ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الفارس وسهم الراجل ثم أردفني رسول الله وراءه على العضباء فبينما نحن نسير وكان رجل من الانصار لا يسبق شدا فجعل يقول ألا من مسابق فقال ذاك مرارا فلما سمعته قلت أما تكرم كريما

[ 258 ]

ولا تهاب شريفا فقال لا إلا إن يكون رسول الله فقلت يا رسول الله بأبى أنت وأمى ائذن لى فلاسابق الرجل قال إن شئت قال فطفرت فعدوت فربطت شرفا أو شرفين فألحقه وأصكه بين كتفيه فقلت سبقتك والله فقال إن أظن فسبقته إلى المدينة فلم نمكث بها الا ثلاثا حتى خرجنا إلى خيبر (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله يعنى مع سلمة بن الاكوع معه فرس له يقوده حتى إذا علا على ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف في ناحية سلع ثم صرخ واصباحاه ثم خرج يشتد في آثار القوم وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم فجعل يردهم بالنبل ويقول إذا رمى خذها منى وأنا إبن الاكوع * واليوم يوم الرضع فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمى رمى ثم قال خذها وأنا ابن الاكوع * واليوم يوم الرضع قال فيقول قائلهم أكيعنا هو أول النهار قال وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الاكوع فصرخ بالمدينة الفزع الفزع فتتامت الخيول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن عمرو ثم كان أول فارس وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المقداد من الانصار عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعورا أخو بنى عبد الاشهل وسعد بن زيد أحد بنى كعب بن عبد الاشهل وأسيد بن ظهير أخو بنى محارثة بن الحارث يشك فيه وعكاشة بن محصن أخو بنى أسد بن خزيمة ومحرز بن نضلة أخو بنى أسد بن خزيمة وأبو قتادة الحارث بن ربعى أخو بنى سلمة وأبو عياش وهو عبيد بن زيد ابن صامت أخو بنى زريق فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سعد بن زيد ثم قال اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني عن رجال من بنى زريق لابي عياش يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالقوم قال أبو عياش فقلت يا رسول الله أنا أفرس الناس ثم ضربت الفرس فو الله ما جرى

[ 259 ]

خمسين ذراعا حتى طرحني فعجبت أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول لو أعطيته أفرس منك وأقول أنا أفرس الناس فزعم رجال من بنى زريق أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطى فرس أبى عياش معاذ بن ماعص أو عائذ بن ماعص بن قيس بن خلدة كان ثامنا وبعض الناس يعد سلمة ابن عمرو بن الاكوع أحد بنى الثمانية ويطرح أسيد بن ظهير أخا بنى حارثة ولم يكن سلمة يومئذ فارسا وكان أول من لحق بالقوم على رجليه فخرج الفرسان في طلب القوم حتى تلاحقوا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال وحدثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة أخو بنى أسد بن خزيمة ويقال لمحرز الاخرم ويقال له قمير وان الفزع لما كان جال فرس لمحمود بن مسلمة في الحائط حين سمع صاهلة الخيل وكان فرسا صنيعا جاما فقال نساء من نساء بنى عبد الاشهل حين رأى الفرس يجول في الحائط بجذع من نخل هو مربوط به يا قمير هل لك في أن تركب هذا الفرس فإنه كما ترى ثم تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين قال نعم فأعطنيه إياه فخرج عليه فلم ينشب أن بذا الخيل بجمامه حتى أدرك القوم فوقف لهم بين أيديهم ثم قال قفوا معشر اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والانصار قال وحمل عليه رجل منهم فقتله وجال الفرس فلم يقدروا عليه حتى وقف على آريه في بنى عبد الاشهل فلم يقتل من المسلمين غيره وكان اسم فرس محمود ذا اللمة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن عبيد الله ابن كعب بن مالك الانصاري أن محرزا إنما كان على فرس لعكاشة بن محصن يقال له الجناح فقتل محرز واستلب الجناح ولما تلاحقت الخيول قتل أبو قتادة الحارث بن ربعى أخو بنى سلمة حبيب بن عيينة بن حصن وغشاه ببردته ثم لحق بالناس وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون فإذا حبيب مسجى ببردة أبى قتادة فاسترجع الناس وقالوا قتل أبو قتادة فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس بأبى قتادة ولكنه قتيل لابي قتادة وضع عليه بردته لتعرفوا

[ 260 ]

أنه صاحبه وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا وابنه عمرو بن أوبار على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا واستنقذوا بعض اللقاح وسار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى نزل بالجبل من ذى قرد وتلاحق به الناس فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وأقام عليه يوما وليلة فقال له سلمة بن الاكوع يا رسول الله لو سرحتنى في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني أنهم الآن ليغبقون في غطفان وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه في كل مائة جزورا فأقاموا عليها ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا حتى قدم المدينة فأقام بها بعض جمادى الآخرة ورجبا ثم غزا بالمصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست ذكر غزوة بنى المصطلق * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل وعلى بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وعن عبد الله بن أبى بكر وعن محمد بن يحيى بن حبان قال كل قد حدثنى بعض حديث بنى المصطلق قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بالمصطلق يجتمعون له وقائدهم الحارث بن أبى ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحف الناس واقتتلوا قتالا شديدا فهزم الله بنى المصطلق وقتل من قتل منهم ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم الله وقد أصيب رجل من المسلمين من بنى كلب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر يقال له هشام بن صبابة أصابه رجل من الانصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يرى انه من العدو فقتله خطأ فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ومع عمر ابن الخطاب أجير له من بنى غفار يقال له جهجاه بن سعيد يقود له فرسه فازدحم جهجاه وسنان الجهنى حليف بنى عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهنى يا معشر الانصار وصرخ جهجاه يا معشر المهاجرين فغضب عبد الله بن أبى ابن

[ 261 ]

سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم غلام حديث السن فقال أقد فعلوها قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما عدونا وجلابيب قريش ما قال القائل * سمن كلبك يأكلك * أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل ثم أقبل على من حضره من قومه فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله مر به عباد بن بشر بن وقش فليقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ لا ولكن أذن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها فارتحل الناس وقد مشى عبد الله بن أبى ابن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به وكان عبد الله ابن أبى في قومه شريفا عظيما فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه من الانصار يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل حدبا على عبد الله بن أبى ودفعا عنه فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه تحية النبوة وسلم عليه ثم قال يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما بلغك ما قال صاحبكم قال وأى صاحب يا رسول الله قال عبد الله بن أبى قال وما قال قال زعم أنه رجع إلى المدينة أخرج الاعز منها الاذل قال أسيد فأنت والله يا رسول الله تخرجه أنت إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به فو الله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا ثم متن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يكن إلا أن وجدوا مس الارض وقعوا نياما وإنما فعل ذلك ليشغل الناس

[ 262 ]

عن الحديث الذى كان بالامس من حديث عبد الله بن أبى ثم راح بالناس وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع يقال له نقعاء فلما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم هبت على الناس ريح شديدة آذتهم وتخوفوها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تخافوا فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت احد بنى قينقاع وكان من عظماء يهود وكهفا للمنافقين قد مات في ذلك اليوم ونزلت السورة التى ذكر فيها المنافقين في عبد الله بن أبى ابن سلول ومن كان على مثل أمره فقال إذا جاءك المنافقون فلما نزلت هذه السورة أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم باذن زيد بن أرقم فقال هذا الذى أوفى الله بأذنه * حدثنا أبو كريب قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن زيد بن أرقم قال خرجت مع عمى في غزاة فسمعت عبد الله بن أبى ابن سلول يقول لاصحابه لا تنفقوا على من عند رسول الله والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل فذكرت ذلك لعمى فذكره عمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلي فحدثته فأرسل إلى عبد الله وأصحابه فحلفوا ما قالوا قال فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه فأصابني هم لم يصبنى مثله قط فجلست في البيت فقال لى عمى ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ومقتك قال حتى أنزل الله عز وجل إذا جاءك المنافقون قال فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقرأها ثم قال إن الله صدقك يا زيد (رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق) وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبى الذى كان من أمر أبيه * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحق عن عاصم بن عمر ابن قتادة أن عبد الله بن عبد الله بن أبى ابن سلول أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنه قد بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبى فيما بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمرنى به فأنا أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالده منى وإنى أخشى أن تأمر به غيرى فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبى يمشى في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل

[ 263 ]

النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقى معنا وجعل بعد ذلك اليوم إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه ويتوعدونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم من شأنهم كيف ترى يا عمر أما والله لو قتلته يوم أمرتنى بقتله لارعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته قال فقال عمر قد والله علمت لامر رسول الله أعظم بركة من أمرى قال وقدم مقيس بن صبابة من مكة مسلما فيما يظهر فقال يا رسول الله جئتك مسلما وجئتك أطلب دية أخى قتل خطأ فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية أخيه هشام بن صبابة فأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ثم خرج إلى مكة مرتدا فقال في سفره شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا * يضرج ثوبيه دماء الاخادع وكانت هموم النفس من قبل قتله * تلم فتحميني وطاء المضاجع حللت به وترى وأدركت ثؤرتى * وكنت إلى الاوثان أول راجع ثأرت به قهرا وحملت عقله * سراة بنى النجار أرباب فارع وقال مقيس بن صبابة أيضا جللته ضربة باءت لها وشل * من ناقع الجوف يعلوه وينصرم فقلت والموت يغشاه أسرته * لا تامنن بنى بكر إذا ظلموا وأصيب من بنى المصطلق يومئذ ناس كثير قتل علي بن أبى طالب منهم رجلين مالكا وابنه وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبيا كثيرا ففشا قسمه في المسلمين ومنهم جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار زوج النبي صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بنى المصطلق وقعت جويرية

[ 264 ]

بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه على كتابتها قالت فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي كرهتها وعرفت أنه سيرى منها مثل ما رأيت فدخلت عليه فقالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي فقال لها فهل لك في خير من ذلك قالت وما هو يا رسول الله قال أقضى كتابتك وأتزوجك قالت نعم يا رسول الله قال قد فعلت قالت وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية بنت الحارث فقال الناس أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم قالت فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بنى المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها حديث الافك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك كما حدثنى أبى اسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة حتى إذا كان قريبا من المدينة وكانت عائشة في سفره ذلك قال أهل الافك فيها ما قالوا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن الزهري عن علقمة بن وقاص الليثى وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير وعن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة قال الزهري كل قد حدثنى بعض هذا الحديث وبعض القوم كان أوعى له من بعض قال وقد جمعت لك كل الذى حدثنى القوم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد ابن اسحاق قال حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قال وحدثني عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الانصاري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قال وكل قد اجتمع حديثه في

[ 265 ]

خبر قصة عائشة عن نفسها حين قال أهل الافك فيها ما قالوا وكل ما حدث قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا ويحدث بعضهم ما لم يحدث بعض وكل كان عنها ثقة وكل قد حدث عنها ما سمع (قالت عائشة) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه فلما كانت غزوة بنى المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمي عليهن فخرج بى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يهيجن اللحم فيثقلن قالت وكنت إذا رحل بعيرى جلست في هودجي ثم يأتي القوم الذين يرحلون هودجي في بعيرى ويحملوني فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به قالت فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات فيه بعض الليل ثم أذن في الناس بالرحيل فلما ارتحل الناس خرجت لبعض حاجتى وفى عنقي نقد لى فيه جزع ظفار فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدرى فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده وقد اخذ الناس في الرحيل قالت فرجعت عودي على بدئى إلى المكان الذى ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته وجاء خلافى القوم الذين كانوا يرحلون لى البعير وقد فرغوا من رحلته فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أنى فيه ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به ورجعت إلى العسكر وما فيه داع ولا مجيب وقد انطلق الناس قالت فتلففت بجلبابى ثم اضطجعت في مكاني الذى ذهبت إليه وعرفت أن لو قد افتقدوني قد رجعوا إلى قالت فو الله إنى لمضطجعة إذ مر بى صفوان بن المعطل السلمى وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس في العسكر فلما رأى سوادى أقبل حتى وقف علي فعرفني وقد كان يرانى قبل أن يضرب علينا الحجاب فلما رأني قال إنا لله وإنا إليه راجعون أضعينة رسول الله وأنا متلففة في ثيابي قال ما خلفك رحمك الله قالت فما كلمته ثم قرب البعير فقال اركبي رحمك الله واستأخر عنى قالت فركبت وجاء

[ 266 ]

فاخذ برأس البعير فانطلق بى سريعا يطلب الناس فو الله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى اصبحت ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقودنى فقال أهل الافك في ما قالوا فارتج العسكر ووالله ما أعلم بشئ من ذلك ثم قدمنا إلى المدينة فلم أمكث أن اشتكيت شكوى شديدة ولا يبلغني من ذلك وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبوى ولا يذكران لى من ذلك قليلا ولا كثيرا إلا أنى قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض لطفه بى كنت إذا اشتكيت رحمنى ولطف بى فلم يفعل ذلك في شكواى تلك فانكرت منه وكان إذا دخل على وأمى تمرضني قال كيف تيكم لا يزيد على ذلك قالت حتى وجدت في نفسي مما رأيت من جفائه عنى فقلت له يا رسول الله فلو أذنت لى فانتقلت إلى أمي فمرضتنى قال لا عليك قالت فانتقلت إلى أمي ولا أعلم بشئ مما كان حتى نقهت من وجعى بعد بضع وعشرين ليلة قالت وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التى تتخذها الاعاجم نعافها ونكرهها إنما كنا نخرج في فسح المدينة وإنما كان النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن فخرجت ليلة لبض حاجتى ومعى أم مسطح بنت أبى رهم بن المطلب بن عبد مناف وكانت أمها بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم خالة أبى بكر قالت فو الله إنها لتمشى معى إذ عثرت في مرطها فقالت تعس مسطح قالت قلت بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا قالت أو ما بلغك الخبر يا بنت أبى بكر قالت قلت وما الخبر فأخبرتني بالذى كان من قول أهل الافك قالت قلت وقد كان هذا قالت نعم والله لقد كان قالت فو الله ما قدرت على أن أقضى حاجتى ورجعت فما زلت أبكى حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي قالت وقلت لامى يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به وبلغك ما بلغك ولا تذكرين لى من ذلك شيئا قالت أي بنية خفضى الشأن فو الله قل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها قالت وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس يخطبهم ولا أعلم بذلك ثم قال أيها الناس ما بال رجال يؤذوننى في أهلى

[ 267 ]

ويقولون عليهن غير الحق والله ما علمت منهن إلا خيرا ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا وما دخل بيتا من بيوتي إلا وهو معى قالت وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبى ابن سلول في رجال من الخزرج مع الذى قال مسطح وحمنة بنت جحش وذلك ان أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضارني لاختها زينب بنت جحش فشقيت بذلك فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة قال أسيد بن حضير أخو بنى عبد الاشهل يا رسول الله إن يكونوا من الاوس نكفيكهم وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك فو الله إنهم لاهل أن تضرب أعناقهم قالت فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا فقال كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ما قلت هذا قال أسيد كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين قالت وتثاور الناس حتى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الاوس والخزرج شر ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على قالت فدعا علي بن أبى طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما فاما أسامة فأثنى خيرا وقاله ثم قال يا رسول الله أهلك ولا نعلم عليهن إلا خيرا وهذا الكذب والباطل وأما علي فإنه قال يا رسول الله إن النساء لكثير وإنك قادر على أن تستخلف وسل الجارية فإنها تصدقك فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة يسألها قالت فقام إليها علي فضربها ضربا شديدا وهو يقول أصدقي رسول الله قالت فتقول والله ما أعلم إلا خيرا وما كنت أعيب على عائشة إلا أنى كنت أعجن عجيني فأمرها أن تحفظه فتنام عنه فيأتى الداجن فيأكله ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أبواي وعندي امرأة من الانصار وأنا أبكى وهى تبكى معى فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقى الله وإن كنت قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبى إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده قالت فو الله ما هو الا أن قال ذلك تقلص دمعى حتى ما أحس منه شيئا وانتظرت أبوى أن يجيبا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتكلما قالت وايم الله لانا كنت أحقر في نفسي وأصغر

[ 268 ]

شأنا من أن ينزل الله عز وجل في قرآنا يقرأ به في المساجد ويصلى به ولكني قد كنت أرجو أن يرى رسول الله في نومه شيئا يكذب الله به عنى لما يعلم من برأتي أو يخبر خبرا فأما قرآن ينزل في فو الله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك قالت فلما لم أر أبوى يتكلمان قالت قلت ألا تجيبان رسول الله قالت فقالا لى والله ما ندرى بماذا نجيبه قالت وايم الله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبى بكر في تلك الايام قالت فلما استعجما على استعبرت فبكيت ثم قلت والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا والله لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم أنى منه بريئة لتصدقني لاقولن ما لم يكن ولئن أنا أنكرت ما تقولون لا تصدقوني قالت ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره ولكني أقول كما قال أبو يوسف (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) قالت فو الله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه فسجى بثوبه ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فزعت كثيرا ولا باليت قد عرفت أنى بريئة وأن الله غير ظالمي وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس قالت ثم سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شات فجعل يمسح العرق عن جنبيه ويقول أبشرى يا عائشة فقد أنزل الله براءتك قالت فقلت بحمد الله وذمكم ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عز وجل من القرآن في ثم أمر بمسطح بن أثاثه وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن أبيه عن بعض رجال بنى النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة قال بلى وذلك الكذب أكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك قالت لا والله ما كنت لافعله قال فعائشة والله خير منك قال فلما نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الافك (إن الذين جاؤوا بالافك

[ 269 ]

عصبة منكم) الآية وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا ثم قال الله عز وجل (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا) الآية أي كما قال أبو أيوب وصاحبته ثم قال (إذ تلقونه بألسنتكم) الآية فلما نزل هذا في عائشة وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وحاجته والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذى قال لعائشة وأدخل علينا ما أدخل قال فأنزل الله عز وجل في ذلك (ولا ياتل اولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى) الآية قالت فقال أبو بكر والله لاحب أن يغفر الله لى فرجع إلى مسطح نفقته التى كان ينفق عليه وقال والله لا أنزعها منه أبدا ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بن ثابت بالسيف حين بلغه ما يقول فيه وقد كان حسان قال شعرا مع ذلك يعرض بابن المعطل فيه وبمن أسلم من العرب من مضر فقال أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا * وابن الفريعة أمسى بيضة البلد قد ثكلت أمه من كنت صاحبه * أو كان منتشبا في برثن الاسد ما لقتيلي الذى أغدوا فاخذه * من دية فيه يعطاها ولا قود ما البحر حين تهب الريح شامية * فيغطئل ويرمى العبر بالزبد يوما بأغلب منى حين تبصرني * مل غيظ أفرى كفرى العارض البرد فاعترضه صفوان بن المعطل بالسيف فضربه ثم قال كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق تلق ذباب السيف عنى فإننى * غلام إذا هوجيت لست بشاعر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن محمد بن ابراهيم ابن الحارث التيمى أن ثابت بن قيس بن الشماس أخا بلحارث بن الخزرج وثب على صفوان بن المعطل في ضربه حسان فجمع يديه إلى عنقه فانطلق به إلى دار بنى الحارث بن الخزرج فلقيه عبد الله بن رواحة فقال ما هذا قال الا أعجبك ضرب

[ 270 ]

حسان بن ثابت بالسيف والله ما أراه إلا قد قتله قال فقال له عبد الله بن رواحة هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ مما صنعت قال لا والله قال لقد اجترأت أطلق الرجل فأطلقه ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك فدعا حسان وصفوان بن المعطل فقال ابن المعطل يا رسول الله آذانى وهجاني فاحتملني الغضب فضربته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان يا حسان اتشوهت على قومي أن هداهم الله للاسلام ثم قال أحسن يا حسان في الذى قد أصابك قال هي لك يا رسول الله * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن محمد بن ابراهيم بن الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه عوضا منها بيرحا وهى قصر بنى حديلة اليوم بالمدينة كانت مالا لابي طلحة بن سهل تصدق بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاها حسان في ضربته وأعطاه سيرين أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان قال وكانت عائشة تقول لقد سئل عن صفوان بن المعطل فوجدوه رجلا حصورا ما يأتي النساء ثم قتل بعد ذلك شهيدا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن بن اسحاق عن عبد الواحد بن حمزة أن حديث عائشة كان في عمرة القضاء (قال أبو جعفر) ثم إقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة شهر رمضان وشوالا وخرج في ذى القعدة من سنة ست معتمرا ذكر الخبر عن عمرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صده المشركون فيها عن البيت، وهى قصة الحديبية * حدثنا ابن حميد قال حدثنا الحكم بن بشير قال حدثنا عمر بن ذر الهمداني عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر كلها في ذى القعدة يرجع في كلها إلى المدينة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمرا في ذى القعدة لا يريد حربا وقد استنفر العرب من حوله من أهل البوادى من الاعراب أن يخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذى صنعوا أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت فأبطأ عليه كثير من الاعراب

[ 271 ]

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين والانصار ومن لحق به من العرب وساق معه الهدى وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم الناس أنه إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما له * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن محمد بن مسلم الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور ابن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا وساق معه سبعين بدنة وكان الناس سبعمائة رجل كانت كل بدنة عن عشرة نفر * وأما حديث ابن عبد الاعلى فحدثنا عن محمد بن ثور عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة * وحدثني يعقوب قال حدثنى يحيى بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن مبارك قال حدثنى معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه ثم ذكر الحديث * حدثنا يحيى الحسن بن قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا عكرمة بن عمار اليمامى عن إياس بن سلمة عن أبيه قال قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية ونحن اربع عشرة مائة * حدثنا يوسف بن موسى القطان قال حدثنا هشام بن عبد الملك وسعيد بن شرحبيل المصرى قالا حدثنا الليث بن سعد المصرى قال حدثنا أبو الزبير عن جابر قال كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة * حدثنى محمد بن سعد قال حدثنى أبى قال حدثنى عمى قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس قال كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت عبد الله بن أبى أوفى يقول كنا في يوم الشجرة ألفا وثلثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن الاعمش عن أبى سفيان عن جابر بن عبد الله الانصاري قال كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة (قال الزهري) فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر ابن سفيان الكعبي فقال له يا رسول الله هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فخرجوا

[ 272 ]

معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذى طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم (قال أبو جعفر) وقد كان بعضهم يقول إن خالد بن الوليد كان يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب القمى عن جعفر يعنى ابن أبى المغيرة عن ابن أبزى قال لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهدى وانتهى إلى ذى الحليفة قال له عمر يا رسول الله تدخل على قوم هم لك حرب بغير سلاح ولا كراع قال فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فلم يدع فيها كراعا ولا سلاحا إلا حمله فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل فسار حتى أتى منى فنزل بمنى فأتاه عينه أن عكرمة بن أبى جهل قد خرج عليك في خمسمائة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل فقال خالد أنا سيف الله وسيف رسوله فيومئذ سمى سيف الله يا رسول الله ارم بى حيث شئت فبعثه على خيل فلقى عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة فأنزل الله تعالى فيه (وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - إلى قوله - عذابا أليما) قال وكف الله النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها من بعد أن أظفره عليهم كراهية أن تطأهم الخيل بغير علم (رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق) قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بينى وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذى أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الاسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش فو الله لا أزال أجاهدهم على الذى بعثنى الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ثم قال من رجل يخرج بنا على طريق

[ 273 ]

غير طريقهم التى هم بها * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحق عن عبد الله بن أبى بكر أن رجلا من أسلم قال أنا يا رسول الله قال فسلك بهم على طريق وعر حزن بين شعاب فلما أن خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس قولوا نستغفر الله ونتوب إليه ففعلوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله إنها للحطة التى عرضت على بنى إسرائيل فلم يقولوها (قال ابن شهاب) ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال اسلكوا ذات اليمين بين ظهرى الحمض في طريق تخرجه على ثنية المرار على مهبط الحديبية من أسفل مكة قال فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خالفهم عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته فقال الناس خلات فقال ما خلات وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونى صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم قال للناس انزلوا فقيل يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش الماء بالرى حتى ضرب الناس عليه بعطن * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم أن رجلا من أسلم حدثه أن الذى نزل في القليب بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن عمير بن يعمر ابن دارم وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقد زعم لى بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول أنا الذى نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنشدت أسلم أبياتا من شعر قالها ناجية قد ظننا أنه هو الذى نزل بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعمت أسلم أن جارية من الانصار أقبلت بدلوها وناجية في القليب يميح على الناس فقالت يا أيها المائح دلوى دونكا * إنى رأيت الناس يحمدونكا

[ 274 ]

* يثنون خيرا ويمجدونكا * وقال ناجية وهو في القليب يميح الناس قد علمت جارية يمانية * أنى أنا المائح واسمى ناجية وطعنة دات رشاش واهيه * طعنتها تحت صدور العاديه * حدثنا محمد بن عبد الاعلى الصنعانى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة * وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتربضه الناس تربضا فلم يلبثه الناس أن نزحوه فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فنزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فو الله ما زال يجيش لهم بالرى حتى صدروا عنه فبيناهم كذلك جاء بديل بن ورقاء الخزاعى في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال إنى تركت كعب بن لؤى وعامر بن لؤى قد نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا لم نأت لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤا ماددناهم مدة ويخلوا بينى وبين الناس فإن أظهر فإن شاؤا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لاقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره فقال بديل سنبغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشا فقال إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشئ وقال ذو الرأى منهم هات ما سمعته يقول قال سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود الثقفى فقال أي قوم ألستم بالوالد قالوا بلى قال أو لست بالولد قالوا بلى قال فهل تتهموني قالوا لا قال ألستم تعلمون أنى استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا على جئتكم بأهلى وولدى من أطاعنى قالوا

[ 275 ]

بلى * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق عن الزهري في حديثه قال كان عروة بن مسعود لسبيعة بنت عبد شمس (رجع الحديث إلى حديث ابن عبد الاعلى ويعقوب) قال فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آتيه فقالوا ائته فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي نحوا من مقالته لبديل فقال عروة عند ذلك أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الاخرى فو الله انى لارى وجوها وأشوابا من الناس خلقا أن يفروا ويدعوك فقال أبو بكر امصص بظر اللات واللات طاغية ثقيف التى كانوا يعبدون أنحن نفر وندعه فقال من هذا فقالوا أبو بكر فقال أما والذى نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لاجبتك وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال أخر يدك عن لحيته فرفع عروة رأسه فقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة قال أي غدر ألست أسعى في غدرتك وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الاسلام فقد قبلنا وأما المال فانه مال غدر لا حاجة لنا فيه وإن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينه قال فو الله إن يتنخم النبي نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم وما يحدون النظر إليه تعظيما له فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشى والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم وما يحدون

[ 276 ]

النظر إليه تعظيما له وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقال رجل من كنانة دعوني آئيه فقالوا ائته فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعث له واستقبله قوم يلبون فلما رأى ذلك قال سبحان الله ما ينبغى لهؤلاء أن يصدوا عن البيت * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن الزهري قال في حديثه ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان وكان يومئذ سيد الاحابيش وهو أحد بلحارث بن عبد مناة بن كنانة فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أو باره من طول الحبس رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما لما رأى فقال يا معشر قريش إنى قد رأيت مالا يحل صد الهدى في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله قالوا له اجلس فانما أنت رجل أعرابي لا علم لك * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر أن الحليس غضب عند ذلك وقال يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أن تصدوا عن بيت الله من جاءه معظما له والذى نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لانفرن بالاحابيش نفرة رجل واحد قال فقالوا له مه كف عنا يا حليس حتى نأخذ لانفسنا ما نرضى به (رجع الحديث إلى حديث ابن عبد الاعلى ويعقوب) فقام رجل منهم يقال له مكرز ابن حفص فقال لهم دعوني آته قالوا ائته فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا مكرز بن حفص وهو رجل فاجر فجاء فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو قال أيوب عن عكرمة إنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم قد سهل لكم من أمركم * فحدثني محمد بن عمارة الاسدي ومحمد بن منصور واللفظ لابن عمارة قالا حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة بن الاكوع عن أبيه قال بعثت قريش سهيل

[ 277 ]

ابن عمرو وحويطب بن عبد العزى وحفص بن فلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصالحوه فلما رآهم رسول الله فيهم سهيل بن عمرو قال قد سهل الله لكم من أمركم القوم ماتون إليكم بأرحامكم وسائلوكم الصلح فابعثوا الهدى وأظهروا التلبية لعل ذلك يلين قلوبهم فلبوا من نواحى العسكر حتى ارتجت أصواتهم بالتلبية قال فجاؤا فسألوه الصلح قال فبينما الناس قد توادعوا وفى المسلمين ناس من المشركين وفى المشركين ناس من المسلمين قال ففتك به أبو سفيان قال فإذا الوادي يسيل بالرجال والسلاح قال إياس قال سلمة فجئت بستة من المشركين متسلحين أسوقهم ما يملكون لانفسهم نفعا ولا ضرا فأتيت بهم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسلب ولم يقتل وعفا وأما الحسن بن يحيى فانه حدثنا قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا عكرمة بن عمار اليمامى عن إياس بن سلمة عن أبيه أنه قال لما اصطلحنا نحن وأهل مكة أتيت الشجرة فكسحت شوكها ثم اضطجعت في ظلها فأتاني أربعة نفر من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبغضتهم قال فتحولت إلى شجرة أخرى فعلقوا سلاحهم ثم اضطجعوا فبينا هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين قتل ابن زنيم فاخترطت سيفى فشددت على أولئك الاربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدى ثم قلت والذى كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذى فيه عيناه قال فجئت بهم أقودهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء عمى عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده مجففا حتى وقفنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دعوهم يكن لهم بدء الفجور فعفا عنهم قال فأنزل الله عز وجل (وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة) (رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمارة ومحمد بن منصور عن عبيد الله) قال سلمة فشددنا على من في أيدى المشركين منا فما تركنا في أيديهم منا رجلا إلا استنقذناه قال وغلبنا على من في أيدينا منهم ثم إن قريشا بعثوا سهيل بن عمرو

[ 278 ]

وحويطبا فولوهم صلحهم وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا عليه السلام في صلحه * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له زنيم اطلع الثنية من الحديبية فرماه المشركون فقتلوه فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا فأتوه باثنى عشر رجلا فارسا من الكفار فقال لهم نبى الله صلى الله عليه وسلم هل لكم علي عهد هل لكم علي ذمة قالوا لا قال فأرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله في ذلك القرآن (وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة - إلى قوله - بما تعملون بصيرا) وأما ابن اسحاق فإنه ذكر أن قريشا إنما بعثت سهيل ابن عمرو بعد رسالة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلها إليهم مع عثمان بن عفان * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعى فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على جمل له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به جمل رسول الله وأرادوا قتله فمنعته الاحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال حدثنى من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس أن قريشا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين رجلا وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه فأخذوا أخذا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال يا رسول الله إنى أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من بنى عدى ابن كعب أحد يمنعنى وقد عرفت قريش عداوتي اياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل هو أعز بها منى عثمان بن عفان فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان فبعثه إلى أبى سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص

[ 279 ]

حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فنزل عن دابته فحمله بين يديه ثم ردفه وأجاره حين بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به قال ما كنت لافعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال فحدثني عبد الله بن أبى بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن عثمان قد قتل قال لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة * حدثنى ابن عمارة الاسدي قال حدثنى عبد الله بن موسى عن عبيدة عن اياس ابن سلمة قال قال سلمة بن الاكوع بينما نحن قافلون من الحديبية نادى منادى النبي صلى الله عليه وسلم أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس قال فثرنا إلى رسول الله وهو تحت شجرة سمرة قال فبايعناه قال وذلك قول الله تعالى (لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) * حدثنا عبد الحميد بن بيان قال أخبرنا محمد بن يزيد عن اسماعيل بن أبى خالد عن عامر قال كان أول من بايع بيعة الرضوان رجلا من بنى أسد يقال له أبو سنان بن وهب * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنهم كانوا يوم الحديبية أربع عشرة مائة قال فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهى سمرة فبايعناه غير الجد بن قيس الانصاري اختبأ تحت بطن بعيره * قال جابر بايعنا رسول الله على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت وقد قيل في ذلك ما حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبر أبو عامر قال أخبرنا عكرمة بن عمار اليمامى عن اياس بن سلمة بن الاكوع عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس للبيعة في أصل الشجرة فبايعته في أول الناس ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط من الناس قال بايع يا سلمة قال قلت قد بايعتك يا رسول

[ 280 ]

الله في أول الناس قال وأيضا ورأني النبي صلى الله عليه وسلم أعزل فأعطاني حجفة أو درقة قال ثم إن رسول الله بايع الناس حتى إذا كان في آخرهم قال ألا تبايع يا سلمة قلت يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم قال وأيضا قال فبايعته الثالثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين الدرقة والحجفة التى أعطيتك قلت لقيني عمى عامر أعزل فأعطيته اياها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إنك كالذى قال الاول اللهم ابغنى حبيبا هو أحب إلى من نفسي (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها الا الجد بن قيس أخو بنى سلمة قال كان جابر بن عبد الله يقول لكأنى أنظر إليه لاصقا بابط ناقته قد ضبأ إليها يستتر بها من الناس ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الذى كان من أمر عثمان باطل قال ابن اسحاق قال الزهري ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بنى عامر بن لؤى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له ائت محمدا فصالحه ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا فو الله لا تحدث العرب أنه دخل علينا عنوة أبدا قال فأقبل سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل فلما انتهى سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح فلما التأم الامر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال يا أبا بكر أليس برسول الله قال بلى قال أو لسنا بالمسلمين قال بلى قال أو ليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلام نعطى الدنية في ديننا قال أبو بكر يا عمير الزم غرزه فإنى أشهد أنه رسول الله قال عمر وأنا أشهد أنه رسول الله قال ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ألست برسول الله قال بلى قال أو لسنا بالمسلمين قال بلى قال أو ليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلام نعطى الدنية في ديننا فقال أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني قال فكان عمر يقول ما زلت أصوم وأتصدق وأصلى وأعتق من الذى صنعت يومئذ مخافة كلامي الذى تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيرا * حدثنا ابن حميد

[ 281 ]

قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن بريدة بن سفيان بن فروة الاسلمي عن محمد بن كعب القرظى عن علقمة بن قيس النخعي عن علي بن أبى طالب رضى الله عنه قال ثم دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم فقال رسول الله اكتب باسمك اللهم فكتبتها ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو فقال سهيل بن عمرو لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى رسول الله من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله لم ترده عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا أسلال ولا أغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا نحن في عقد رسول الله وعهده وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن في عقد قريش وعهدهم وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا وأن معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغير هذا فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بلببه فقال يا محمد قد لجت القضية بينى وبينك قبل أن يأتيك هذا قال صدقت قال فجعل ينثر بلببه ويجره ليرده إلى قريش وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونى

[ 282 ]

في دينى ؟ فزاد الناس ذلك شرا إلى ما بهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا جندل احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهدا وإنا لا نغدر بهم قال فوثب عمر بن الخطاب مع أبى جندل يمشى إلى جنبه ويقول اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب قال ويدنى قائم السيف منه قال يقول عمر رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه قال فضن الرجل بأبيه فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين أبا بكر بن أبى قحافة وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله ابن سهيل بن عمرو وسعد بن أبى وقاص ومحمود بن مسلمة أخا بنى عبد الاشهل ومكرز بن حفص بن الاحنف وهو مشرك أخا بنى عامر بن لؤى وعلي بن أبى طالب وكتب وكان هو كاتب الصحيفة * حدثنا هارون بن إسحاق قال حدثنا مصعب ابن المقدام وحدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا أبى قالا جميعا حدثنا أسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذى القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى يقاضيهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتب الكتاب كتب هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله فقالوا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك ولكن أنت محمد بن عبد الله قال أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله قال لعلي عليه السلام امح رسول الله قال لا والله لا أمحاك أبدا فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يحسن يكتب فكتب مكان رسول الله محمد فكتب هذا ما قاضى عليه محمد لا يدخل مكة بالسلاح إلا السيوف في القراب ولا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه ولا يمنع أحدا من أصحابه أراد أن يقيم بها فلما دخلها ومضى الاجل أتوا عليا عليه السلام فقالوا له قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الاجل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن المبارك

[ 283 ]

قال حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في قصة الحديبية فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قضيته قال لاصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا قال فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكرها ما لقى من الناس فقالت له أم سلمة يا نبى الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنتك وتدعو حالقك فيحلقك فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم كلمة حتى فعل ذلك نحر بدنته ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما قال ابن حميد قال سلمة قال ابن إسحاق وكان الذى حلقه فيما بلغني ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال حدثنى عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال يرحم الله المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين قالوا يا رسول الله فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين قال لانهم لم يشكوا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في هداياه جملا لابي جهل في رأسه برة من فضة ليغبط المشركين بذلك (رجع الحديث إلى حديث الزهري الذى ذكرنا قبل) ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زاد ابن حميد عن سلمة في حديثه عن ابن اسحاق عن الزهري قال يقول الزهري فما فتح في الاسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالاسلام يعقل شيئا الا دخل فيه فلقد دخل في تينك السنتين في الاسلام مثل ما كان في الاسلام قبل ذلك وأكثر وقالوا جميعا في حديثهم عن الزهري

[ 284 ]

عن عروة عن المسور ومروان فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءه أبو بصير رجل من قريش (قال ابن اسحاق) في حديثه أبو بصير عتبة بن أسيد ابن جارية وهو مسلم وكان ممن حبس بمكة فلما قدم على رسول الله كتب فيه أزهر ابن عبد عوف والاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث رجلا من بنى عامر بن لؤى ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الازهر والاخنس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا قال فانطلق معهما حتى إذا كان بذى الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه فقال أبو بصير أصارم سيفك هذا يا أخا بنى عامر قال نعم قال أنظر إليه قال إن شئت فاستله أبو بصير ثم علاه به حتى قتله وخرج المولى سريعا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد فلما رآه رسول الله طالعا قال إن هذا رجل قد رأى فزعا فلما انتهى إلى رسول الله قال ويلك مالك قال قتل صاحبكم صاحبي فو الله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله وفت ذمتك وأدى عنك أسلمتني ورددتني إليهم ثم أنجانى الله منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ويل أمه مسعر حرب (وقال ابن اسحاق) في حديثه محش حرب لو كان معه رجال فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم قال فخرج أبو بصير حتى نزل بالعيص من ناحية ذى المروة على ساحل البحر بطريق قريش الذى كانوا يأخذون إلى الشأم وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي بصير ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال فخرجوا إلى أبى بصير بالعيص وينفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبى بصير فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم فكانوا قد ضيقوا على قريش فو الله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم الا اعترضوا لهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناشدونه بالله وبالرحم لما

[ 285 ]

أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن فآواهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموا عليه المدينة (زاد ابن اسحاق في حديثه) فلما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبى بصير صاحبهم العامري أسند ظهره إلى الكعبة وقال لا أؤخر ظهرى عن الكعبة حتى يودوا هذا الرجل فقال أبو سفيان بن حرب والله إن هذا لهو السفه والله لا يودى ثلاثا * وقال ابن عبد الاعلى ويعقوب في حديثهما ثم جاءه يعنى رسول الله نسوة مؤمنات فأنزل الله عز وجل عليه (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات - حتى بلغ - بعصم الكوافر) قال فطلق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك قال فنهاهم أن يردوهن وأمرهم أن يردوا الصداق حينئذ قال رجل للزهري أمن أجل الفروج قال نعم فتزوج إحداهما معاوية بن أبى سفيان والاخرى صفوان بن أمية (زاد ابن اسحاق) في حديثه وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط في تلك المدة فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذى كان بينه وبين قريش في الحديبية فلم يفعل أبى الله عز وجل ذلك وقال أيضا في حديثه كان ممن طلق عمر بن الخطاب طلق امرأتيه قريبة بنت أبى أمية بن المغيرة فتزوجها بعده معاوية بن أبى سفيان وهما على شركهما بمكة وأم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية أم عبيد الله ابن عمر فتزوجها أبو جهم ابن حذافة بن غانم رجل من قومها وهما على شركهما بمكة (وقال الواقدي) في هذه السنة في شهر ربيع الآخر منها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى الغمر فيهم ثابت بن أقرم وشجاع بن وهب فأغذ السير ونذر القوم به فهربوا فنزل على مياههم وبعث الطلائع فأصابوا عينا فدلهم على بعض ماشيتهم فوجدوا مائتي بعير فحدروها إلى المدينة قال وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد ابن مسلمة في عشرة نفر في ربيع الاول منها فكمن القوم لهم حتى نام هو وأصحابه فما شعروا إلا بالقوم فقتل أصحاب محمد بن مسلمة وأفلت محمد جريحا (قال الواقدي) وفيها أسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية أبى عبيدة بن الجراح إلى ذى القصة في شهر ربيع

[ 286 ]

الآخر في أربعين رجلا فساروا ليلتهم مشاة ووافوا ذا القصة مع عماية الصبح فأغاروا عليهم فأعجزوهم هربا في الجبال وأصابوا نعما ورثة ورجلا واحدا فأسلم فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وفيها كانت سرية زيد بن حارثة بالجموم فأصاب امرأة من مزينة يقال لها حليمة فدلتهم على محلة من محال بنى سليم فأصابوا بها نعما وشاء وأسراء وكان في أولئك الاسراء زوج حليمة فلما قفل بما أصاب وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمزنية زوجها ونفسها * قال وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص في جمادى الاولى منها وفيها أخذت الاموال التى كانت مع أبى العاص بن الربيع فاستجار بزينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم فأجارته * قال وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى الطرف في جمادى الآخرة إلى بنى ثعلبة في خمسة عشر رجلا فهربت الاعراب وخافوا أن يكون رسول الله سار إليهم فأصاب من نعمهم عشرين بعيرا قال وغاب أربع ليال * قال وفيها سرية زيد بن حارثة إلى حسمى في جمادى الآخرة * قال وكان أول ذلك فيما حدثنى موسى بن محمد عن أبيه قال أقبل دحية الكلبى من عند قيصر وقد أجاز دحية بمال وكساه كسى فأقبل حتى كان بحسمى فلقيه ناس من جذام فقطعوا عليه الطريق فلم يترك معه شئ فجاء إلى رسول الله قبل أن يدخل بيته فأخبره فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى حسمى قال وفيها تزوج عمر بن الخطاب جميلة بنت ثابت بن أبى الاقلح أخت عاصم بن ثابت فولدت له عاصم بن عمر فطلقها عمر فتزوجها بعده يزيد بن جارية فولدت له عبد الرحمن بن يزيد فهو أخو عاصم لامه قال وفيها سرية زيد بن حارثة إلى وادى القرى في رجب قال وفيها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم فأسلم القوم فتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الاصبغ وهى أم أبى سلمة وكان أبوها رأسهم وملكهم قال وفيها أجدب الناس جدبا شديدا فاستسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان بالناس * قال وفيها سرية علي بن أبى طالب عليه السلام إلى فدك في شعبان قال وحدثني

[ 287 ]

عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن عتبة قال خرج علي بن أبى طالب في مائة رجل إلى فدك إلى حى من بنى سعد بن بكر وذلك أنه بلغ رسول الله أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر فسار إليهم الليل وكمن النهار وأصاب عينا فأقر لهم أنه بعث إلى خيبر يعرض عليهم نصرهم على أن يجعلوا لهم ثمر خيبر قال وفيها سرية زيد ابن حارثة إلى أم قرفة في شهر رمضان وفيها قتلت أم قرفة وهى فاطمة بنت ربيعة ابن بدر قتلها قتلا عنيفا ربط برجليها حبلا ثم ربطها بين بعيرين حتى شقاها شقا وكانت عجوزا كبيرة وكان من قصتها ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى وادى القرى فلقى به بنى فزارة فأصيب به أناس من أصحابه وارتث زيد من بين القتلى وأصيب فيها ورد بن عمرو إحدى بنى سعد بن هذيم أصابه أحد بنى بدر فلما قدم زيد بن نذر أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو فزارة فلما استبل من جراحه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش إلى بنى فزارة فلقيهم بوادي القرى فأصاب فيهم وقتل قيس بن المسحر اليعمرى مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر وأسر أم قرفة وهى فاطمة بنت ربيعة بن بدر وكانت عند مالك بن حذيفة بن بدر عجوزا كبيرة وبنتا لها وعبد الله بن مسعدة فأمر زيد بن حارثة أن يقتل أو قرفة فقتلها قتلا عنيفا ربط برجليها حبلين ثم ربطهما إلى بعيرين حتى شقاها ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنة أم قرفة وبعبد الله بن مسعدة وكانت ابنة أم قرفة لسلمة بن عمرو بن الاكوع كان هو الذى أصابها وكانت في بيت شرف من قومها كانت العرب تقول لو كنت أعز من أم قرفة ما زدت فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة فوهبها له فأهداها لخاله حزن ابن أبى وهب فولدت له عبد الرحمن بن حزن * وأما الرواية الاخرى عن سلمة ابن الاكوع في هذه السرية أن أميرها كان أبا بكر بن أبى قحافة * حدثنا الحسن ابن يحيى قال أخبرنا أبو عامر قال حدثنا عكرمة بن عمار عن اياس بن سلمة عن أبيه قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا أبا بكر فغزونا ناسا من بنى فزارة

[ 288 ]

فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة عليهم قال فوردنا الماء فقتلنا به من قتلنا قال فأبصرت عنقا من الناس وفيهم النساء والذراري قد كادوا يسبقون إلى الجبل فطرحت سهما بينهم وبين الجبل فلما رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم إلى أبى بكر وفيهم امرأة من بنى فزارة عليها قشع أدم معها ابنة لها من أحسن العرب قال فنفلنى أبو بكر ابنتها قال فقدمت المدينة فلقينى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوق فقال يا سلمة لله أبوك هب لى المرأة فقلت يا رسول الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا قال فسكت عنى حتى إذا كان من الغد لقيني في السوق فقال يا سلمة لله أبوك هب المرأة فقلت يا رسول الله والله ما كشفت لها ثوبا وهى لك يا رسول الله قال فبعث بها رسول الله إلى مكة ففادي بها أسارى من المسلمين كانوا في أيدى المشركين فهذه الرواية عن سلمة قال محمد بن عمر وفيها سرية كرز بن جابر الفهرى إلى العرنيين الذين قتلوا راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الابل في شوال من سنة ست وبعثه رسول الله في عشرين فارسا قال وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسل فبعث في ذى الحجة ستة نفر ثلاثة مصطحبين حاطب بن أبى بلتعة من لخم حليف بنى أسد بن عبد العزى إلى المقوقس وشجاع بن وهب من بنى أسد بن خزيمة حليفا لحرب بن أمية شهد بدرا إلى الحارث بن أبى شمر الغساني ودحية بن خليفة الكلبى إلى قيصر وبعث سليط بن عمرو العامري عامر بن لؤى إلى هوذة بن علي الحنفي وبعث عبد الله بن حذافة السهمى إلى كسرى وعمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشي * وأما ابن اسحاق فانه فيما زعم وحدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرق رجالا من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم دعاة إلى الله عز وجل فيما بين الحديبية ووفاته * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق عن يزيد بن أبى حبيب المصرى أنه وجد كتابا فيه تسمية من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الخائبين وما قال لاصحابه حين بعثهم فبعث به إلى

[ 289 ]

ابن شهاب الزهري مع ثقة من أهل بلده فعرفه وفى الكتاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه ذات غداة فقال لهم إنى بعثت رحمة وكافة فأدوا عنى يرحمكم الله ولا تختلفوا على كاختلاف الحواريين على عيسى ابن مريم قالوا يا رسول الله وكيف كان اختلافهم قال دعا إلى مثل ما دعوتكم إليه فأما من قرب به فأحب وسلم وأما من بعد به فكره وأبى فشكا ذلك منهم عيسى إلى الله عز وجل فأصبحوا من ليلتهم تلك وكل رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين بعث إليهم فقال عيسى هذا أمر قد عزم الله لكم عليه فامضوا قال ابن اسحاق ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فبعث سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود أخا بنى عامر ابن لؤى إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذرين ساوى أخى بنى عبد القيس صاحب البحرين وعمرو بن العاص إلى جيفر بن جلندا وعباد بن جلندا الازديين صاحبي عمان وبعث حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الاسكندرية فأدى إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى المقوقس إلى رسول الله أربع جوار منهن مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث رسول الله دحية بن خليفة الكلبى ثم الخزرجي إلى قيصر وهو هرقل ملك الروم فلما أتاه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر فيه ثم جعله بين فخذيه وخاصرته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس قال حدثنى أبو سفيان بن حرب قال كنا قوما تجارا وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا فلما كانت الهدنة بيننا وبين رسول الله لم نأمن أن لا نجد أمنا فخرجت في نفر من قريش تجار إلى الشأم وكان وجه متجرنا منها غزة فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان بأرضه من فارس وأخرجهم منها وانتزع له منهم صليبه الاعظم وكانوا قد استلبوه إياه فلما بلغ ذلك منهم وبلغه أن صليبه قد استنقذ له وكانت حمص منزله خرج منها يمشى على قدميه متشكرا لله حين رد عليه ما رد ليصلى في بيت المقدس تبسط له البسط وتلقى عليها الرياحين فلما انتهى إلى إيلياء وقضى فيها

[ 290 ]

صلاته ومعه بطارقته وأشراف الروم أصبح ذات غداة مهموما يقلب طرفه إلى السماء فقال له بطارقته والله لقد أصبحت أيها الملك الغداة مهموما قال أجل أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر قالوا له أيها الملك ما نعلم أمة تختتن إلا يهود وهم في سلطانك وتحت يدك فابعث إلى كل من لك عليه سلطان في بلادك فمره فليضرب أعناق كل من تحت يديه من يهود واسترح من هذا الهم فو الله إنهم لفى ذلك من رأيهم يديرونه إذ أتاه رسول صاحب بصرى برجل من العرب يقوده وكانت الملوك تهادى الاخبار بينها فقال ايها الملك إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والابل يحدث عن أمر حدث ببلاده عجب فسله عنه فلما انتهى به إلى هرقل رسول صاحب بصرى قال هرقل لترجمانه سله ما كان هذا الحدث الذى كان ببلاده فسأله فقال خرج بين أظهرنا رجل بزعم أنه نبى قد اتبعه ناس وصدقوه وخالفه ناس وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة فتركتهم على ذلك قال فلما أخبره الخبر قال جردوه فجردوه فإذا هو مختون فقال هرقل هذا والله الذى أريت لا ما تقولون أعطوه ثوبه انطلق عنا ثم دعا صاحب شرطته فقال له قلب لى الشأم ظهرا وبطنا حتى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل يعنى النبي صلى الله عليه وسلم (قال أبو سفيان) فو الله إنا لبغزة إذ هجم علينا صاحب شرطته فقال أنتم من قوم هذا الرجل الذى بالحجاز قلنا نعم قال انطلقوا بنا إلى الملك فانطلقنا معه فلما انتهينا إليه قال أنتم من رهط هذا الرجل قلنا نعم قال فأيكم أمس به رحما قلت أنا (قال أبو سفيان) وايم الله ما رأيت من رجل أرى أنه كان أنكر من ذلك الاغلف يعنى هرقل فقال ادنه فأقعدني بين يديه وأقعد أصحابي خلفي ثم قال إنى سأسأله فإن كذب فردوا عليه فو الله لو كذبت ما ردوا على ولكني كنت امرأ سيدا أتكرم عن الكذب وعرفت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك على ثم يحدثوا به عنى فلم أكذبه فقال أخبرني عن هذا الرجل الذى خرج بين أظهركم يدعى ما يدعى قال فجعلت أزهد له شأنه وأصغر له أمره وأقول له أيها الملك ما يهمك من أمره إن شأنه دون ما يبلغك فجعل لا يلتفت إلى ذلك ثم قال أنبئني عما أسألك عنه من شأنه قلت سل

[ 291 ]

عما بدا لك قال كيف نسبه فيكم قلت محض أوسطنا نسبا قال فأخبرني هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل ما يقول فهو يتشبه به قلت لا قال فهل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه قلت لا قال فأخبرني عن أتباعه منكم من هم قال قلت الضعفاء والمساكين والاحداث من الغلمان والنساء وأما ذوو الاسنان والشرف من قومه فلم يتبعه منهم أحد قال فأخبرني عن من تبعه أيحبه ويلزمه أم يقليه ويفارقه قال قلت ما تبعه رجل ففارقه قال فأخبرني كيف الحرب بينكم وبينه قال قلت سجال يدال علينا وندال عليه قال فأخبرني هل يغدر فلم أجد شيئا مما سألني عنه أغمزه فيه غيرها قلت لا ونحن منه في هدنة ولا نأمن غدره قال فو الله ما التفت إليها منى ثم كر على الحديث قال سألتك كيف نسبه فيكم فزعمت أنه محض من أوسطكم نسبا وكذلك يأخذ الله النبي إذا أخذه لا يأخذه إلا من أوسط قومه نسبا وسألتك هل كان أحد من أهل بيته يقول بقوله فهو يتشبه به فزعمت أن لا وسألتك هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث يطلب به ملكه فزعمت أن لا وسألتك عن أتباعه فزعمت أنهم الضعفاء والمساكين والاحداث والنساء وكذلك اتباع الانبياء في كل زمان وسألتك عمن يتبعه أيحبه ويلزمه أم يقليه ويفارقه فزعمت أن لا يتبعه أحد فيفارقه وكذلك حلاوة الايمان لا تدخل قلبا فتخرج منه وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا فلئن كنت صدقتني عنه ليغلبني على ما تحت قدمى هاتين ولوددت أنى عنده فأغسل قدميه انطلق لشأنك قال فقمت من عنده وأنا أضرب إحدى يدى بالاخرى وأقول أي عباد الله لقد أمر أمر ابن أبى كبشه أصبح ملوك بنى الاصفر يهابونه في سلطانهم بالشأم قال وقدم عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دحية بن خليفة الكلبى بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم السلام على من اتبع الهدى أما بعد أسلم تسلم واسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن تتول فإن إثم الاكارين عليك يعنى تحماله * حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا عبد الله بن إدريس قال حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن

[ 292 ]

عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال أخبرني أبو سفيان بن حرب قال لما كانت الهدنة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية خرجت تاجرا إلى الشأم ثم ذكر نحو حديث ابن حميد عن سلمة إلا أنه زاد في آخره قال فأخذ الكتاب فجعله بين فخذيه وخاصرته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن إسحاق قال قال ابن شهاب الزهري حدثنى أسقف للنصارى أدركته في زمان عبد الملك بن مروان أنه أدرك ذلك من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر هرقل وعلقه قال فلما قدم عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دحية بن خليفة أخذه هرقل فجعله بين فخذيه وخاصرته ثم كتب إلى رجل برومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرؤنه يذكر له أمره ويصف له شأنه ويخبره بما جاء منه فكتب إليه صاحب رومية إنه للنبى الذى ننتظره لا شك فيه فاتبعه وصدقه فأمر هرقل ببطارقة الروم فجمعوا له في دسكرة وأمر بها فأشرجت أبوابها عليهم ثم اطلع عليهم من علية له وخافهم على نفسه وقال يا معشر الروم إنى قد جمعتكم لخير إنه قد أتانى كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه وانه والله للنبى الذى كنا ننتظره ونجده في كتبنا فهلموا فلنتبعه ونصدقه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا قال فنخروا نخرة رجل واحد ثم ابتدروا أبواب الدسكرة ليخرجوا منها فوجدوها قد أغلقت فقال كروهم على وخافهم على نفسه فقال يا معشر الروم إنى قد قلت لكم المقالة التى قلت لا نظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الامر الذى قد حدث وقد رأيت منكم الذى أسر به فوقعوا له سجدا وأمر بأبواب الدسكرة ففتحت لهم فانطلقوا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق عن بعض أهل العلم أن هرقل قال لدحية بن خليفة حين قدم عليه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك والله إنى لاعلم أن صاحبك نبى مرسل وانه الذى كنا ننتظره ونجده في كتابنا ولكني أخاف الروم على نفسي ولو لا ذلك لاتبعته فاذهب إلى ضغاطر الاسقف فاذكر له أمر صاحبكم فهو والله أعظم في الروم منى وأجوز قولا عندهم منى فانظر ما يقول لك قال فجاءه دحية فأخبره بما جاء به من رسول الله صلى الله

[ 293 ]

عليه وسلم إلى هرقل وبما يدعوه إليه فقال ضغاطر صاحبك والله نبى مرسل نعرفه بصفته ونجده في كتبنا باسمه ثم دخل فألقى ثيابا كانت عليه سودا ولبس ثيابا بيضا ثم أخذ عصاه فخرج على الروم وهم في الكنيسة فقال يا معشر الروم أنه قد جاءنا كتاب من أحمد يدعونا فيه إلى الله عزوجل وانى أشهد أن لا إله إلا الله وان أحمد عبد ه ورسوله قال فوثبوا عليه وثبة رجل واحد فضربوه حتى قتلوه فلما رجع دحية إلى هرقل فأخبره الخبر قال قد قلت لك انا نخافهم على أنفسنا فضغاطر والله كان أعظم عندهم وأجوز قولا منى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق عن خالد بن يسار عن رجل من قدماء أهل الشأم قال لما أراد هرقل الخروج من أرض الشأم إلى القسطنطينية لما بلغه من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الروم فقال يا معشر الروم انى عارض عليكم أمور فانظروا فيما قد أردتها قالوا ما هي قال تعلمون والله ان هذا الرجل لنبى مرسل انا نجده في كتابنا نعرفه بصفته التى وصفت لنا فهلم فلنتبعه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا فقالوا نحن نكون تحت يدى العرب ونحن أعظم الناس ملكا وأكثرهم رجالا وأفضلهم بلدا قال فهلم فأعطيه الجزية في كل سنة اكسروا عنى شوكته وأستريح من حربه بمال أعطيه اياه قالوا نحن نعطى العرب الذل والصغار بخرج يأخذونه منا ونحن أكثر الناس عددا وأعظمهم ملكا وأمنعهم بلدا لا والله لا نفعل هذا ابدا قال فهلم فلاصالحه على أن أعطيه أرض سورية ويدعنى وأرض الشأم قال وكانت أرض سورية فلسطين والاردن ودمشق وحمص وما دون الدرب من ارض سورية وكان ما وراء الدرب عندهم الشأم فقالوا له نحن نعطيه أرض سورية وقد عرفت انها سرة الشأم والله لا نفعل هذا أبدا فلما أبو ا عليه قال أما والله لترون انكم قد ظفرتم إذا امتنعتم منه في مدينتكم ثم جلس على بغل له فانطلق حتى إذا أشرف على الدرب استقبل أرض الشأم ثم قال السلام عليكم أرض سورية تسليم الوداع ثم ركض حتى دخل القسطنطينية قال ابن اسحاق وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب أخا بنى أسد

[ 294 ]

ابن خزيمة إلى المنذر بن الحارث بن أبى شمر الغساني صاحب دمشق وقال محمد بن عمر الواقدي وكتب إليه معه سلام على من اتبع الهدى وآمن به إنى أدعوك إلى ان تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك فقدم به شجاع بن وهب فقرأه عليهم فقال من ينزع منى ملكى أنا سائر إليه قال النبي صلى الله عليه وسلم باد ملكه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا ابن إسحق قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبى طالب وأصحابه وكتب معه كتابا بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم ملك الحبشة سلم أنت فانى أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه وإنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذى جاءني فإنى رسول الله وقد بعثت إليك ابن عمى جعفرا ونفرا معه من المسلمين فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر فانى أدعوك وجنودك إلى الله فقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدى فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله من النجاشي الاصحم ابن أبجر سلام عليك يا نبى الله ورحمة الله وبركاته من الله الذى لا إله إلا هو الذى هداني إلى الاسلام أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والارض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ثفروقا إنه كما قلت وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقد قرينا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين وقد بعثت إليك بابنى ارها بن الاصحم بن أبجر فإنى لا أملك إلا نفسي وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله فإنى أشهد أن ما تقول حق والسلام عليك يا رسول الله قال ابن إسحق وذكر لى أن النجاشي بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة فإذا كانوا في وسط من البحر غرقت بهم السفينة فهلكوا

[ 295 ]

* وحدثت عن محمد بن عمر قال أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ليزوجه أم حبيبة بنت أبى سفيان ويبعث بها إليه مع من عنده من المسلمين فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة يخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها جارية له يقال لها أبرهة فأعطتها أوضاحا لها وفتخا سرورا بذلك وأمرها أن توكل من يزوجها فوكلت خالد بن سعيد بن العاص فزوجها فخطب النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب خالد فأنكح أم حبيبة ثم دعا النجاشي بأربعمائة دينار صداقها فدفعها إلى خالد بن سعيد فلما جاءت أم حبيبة تلك الدنانير قال جاءت بها أبرهة فأعطتها خمسين مثقالا وقالت كنت أعطيتك ذلك وليس بيدى شئ وقد جاء الله عز وجل بهذا فقالت أبرهة قد أمرنى الملك أن لا آخذ منك شيئا وأن أرد إليك الذى أخذت منك فردته وأنا صاحبة دهن الملك وثيابه وقد صدقت محمدا رسول الله وآمنت به وحاجتي إليك أن تقرئيه منى السلام قالت نعم وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من عود وعنبر فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عليها وعندها فلا ينكره قالت أم حبيبة فخرجنا في سفينتين وبعث معنا النواتى حتى قدمنا الجار ثم ركبنا الظهر إلى المدينة فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله فدخلت إليه فكان يسائلنى عن النجاشي وقرأت عليه من أبرهة السلام فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها ولما جاء أبا سفيان تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة قال ذلك الفحل لا يقرع أنفه وفيها كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وبعث الكتاب مع عبد الله بن حذافة السهمى فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيا أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم المجوس فمزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله مزق ملكه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن يزيد بن حبيب قال وبعث عبد الله بن

[ 296 ]

حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاء الله فإنى أنا رسول الله إلى الناس كافة لا نذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك فلما قرأه مزقه وقال يكتب إلى هذا وهو عبدى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق عن عبد الله بن أبى بكر عن الزهري عن أبى سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الله بن حذافة قد بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كسرى فلما قرأه شقه فقال رسول الله مزق ملكه حين بلغه أنه شق كتابه (ثم رجع إلى حديث يزيد بن أبى حبيب) قال ثم كتب كسرى إلى باذان وهو على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الذى بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به فبعث باذان قهرمانه وهو بابويه وكان كاتبا حاسبا بكتاب فارس وبعث معه رجلا من الفرس يقال له خرخسرة وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى وقال لبابويه ائت بلد هذا الرجل وكلمه وأتنى بخبره فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجالا من قريش بنخب من أرض الطائف فسألاهم عنه فقالوا هو بالمدينة واستبشروا بهما وفرحوا وقال بعضهم لبعض أبشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك كفيتم الرجل فخرجا حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه بابويه فقال إن شاهانشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك وقد بعثنى إليك لتنطلق معى فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك وإن أبيت فهو من قد علمت فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك ودخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فكره النظر اليهما ثم أقبل عليهما فقال ويلكما من أمركما بهذا قالا أمرنا بهذا ربنا يعنيان كسرى فقال رسول الله لكن ربى قد أمرنى باعفاء

[ 297 ]

لحيتى وقص شاربى ثم قال لهما ارجعا حتى تأتياني غدا وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء ان الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا وكذا ليلة كذا وكذا من الليل بعدما مضى من الليل سلط عليه ابنه شيرويه فقتله (قال الواقدي) قتل شيرويه أباه كسرى ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الاولى من سنة سبع لست ساعات مضت منها (رجع الحديث إلى حديث محمد بن اسحاق) عن يزيد بن أبى حبيب فدعاهما فأخبرهما فقالا هل تدرى ما تقول إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا أفنكتب هذا عنك ونخبره الملك قال نعم أخبراه ذلك عنى وقولا له إن دينى وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى وينتهى إلى منتهى الخف والحافر وقولا له إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملكتك على قومك من الابناء ثم أعطى خرخسره منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك فخرجا من عنده حتى قدما على باذان فأخبراه الخبر فقال والله ما هذا بكلام ملك وإنى لارى الرجل نبيا كما يقول ولننظرن ما قد قال فلئن كان هذا حقا ما فيه كلام إنه لنبى مرسل وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا فلم ينشب باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه أما بعد فإنى قد قتلت كسرى ولم أقتله إلا غضبا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم وتجميرهم في ثغورهم فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لى الطاعة ممن قبلك وانظر الرجل الذى كان كسرى كتب فيه اليك فلا تهجه حتى يأتيك أمرى فيه فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال إن هذا الرجل لرسول فأسلم وأسلمت الابناء معه من فارس من كان منهم باليمن فكانت حمير تقول لخرخسره ذو المعجزة للمنطقة التى أعطاه إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنطقة بلسان حمير المعجزة فبنوه اليوم ينسبون إليها خرخسره ذو المعجزة وقد قال بابويه لباذان ما كلمت رجلا قط أهيب عندي منه فقال له باذان هل معه شرط قال لا (قال الوقدى) وفيها كتب إلى المقوقس عظيم القبط يدعوه إلى الاسلام فلم يسلم (قال أبو جعفر) ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الحديبية إلى المدينة أقام بها ذا الحجة وبعض المحرم فيما حدثنا ابن حميد

[ 298 ]

قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال وولى الحج في تلك السنة المشركون ذكر الاحداث الكائنة في سنة سبع من الهجرة غزوة خيبر ثم دخلت سنة سبع فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم إلى خيبر واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري فمضى حتى نزل بجيشه بواد يقال له الرجيع فنزل بين أهل خيبر وبين غطفان فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر جمعوا له ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في اموالهم وأهاليهم حسا ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أهاليهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله وبين خيبر وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاموال يأخذها مالا مالا ويفتتحها حصنا حصنا فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحا منه فقتلته ثم القموص حصن ابن أبى الحقيق وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا مهم صفية بنت حيى بن أخطب وكانت عند كنانة ابن الربيع بن أبى الحقيق وابنتي عم لها فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه وكان دحية الكلبى قد سأل رسول الله صفية فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتى عمها وفشت السبايا من خيبر في المسلمين قال ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدنى الحصون والاموال * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر أنه حدثه بعض أسلم أن بنى سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا شئ فلم يجدوا عند رسول الله شيئا يعطيهم إياه فقال النبي اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدى شئ أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها

[ 299 ]

أكثرها طعاما وودكا فغدا الناس ففتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه قال ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما افتتح وحاز من الاموال ما حاز انتهوا إلى حصنهم الوطيح والسلالم وكان آخر حصون خيبر افتتح حاصرهم رسول الله بضع عشرة ليلة * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل أخى بنى حارثة عن جابر بن عبد الله الانصاري قال خرج مرحب اليهودي من حصنهم قد جمع سلاحه وهو يرتجز ويقول قد علمت خيبر أنى مرحب * شاكى السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وحينا أضرب * إذا الليوث أقبلت تحرب كان حماى للحمى لا يقرب وهو يقول هل من مبارز فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لهذا فقام محمد بن مسلمة فقال أنا له يا رسول الله أنا والله الموتور الثائر قتلوا أخى بالامس قال فقم إليه اللهم أعنه عليه فلما أن دنا كل واحد منهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه فكلما لاذ بها اقتطع بسيفه منها ما دونه منها حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما بينهما فنن ثم حمل مرحب على محمد فضربه فاتقاه بالدرقة فوقع سيفه فيها فعضت به فأمسكته وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر يرتجز ويقول قد علمت خيبر أنى ياسر * شاك السلاح بطل مغاور إذا الليوث أقبلت تبادر * وأحجمت عن صولتي المغاور إن حماى فيه موت حاضر * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن هشام ابن عروة أن الزبير بن العوام خرج إلى ياسر فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب أيقتل ابني يا رسول الله قال بل ابنك يقتله إن شاء الله فخرج الزبير وهو يقول

[ 300 ]

قد علمت خيبر أنى زبار * قرم لقوم غير نكس فرار ابن حماة المجد وابن الاخيار * ياسر لا يغررك جمع الكفار فجمعهم مثل السراب الجرار ثم التقيا فقتله الزبير * حدثنا ابن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا عوف عن ميمون أبى عبد الله أن عبد الله بن بريدة حدث عن بريدة الاسلمي قال لما كان حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصن أهل خيبر أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء عمر بن الخطاب ونهض من نهض معه من الناس فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجبنه أصحابه ويجبنهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعطين اللواء غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فلما كان من الغد تطاول لها أبو بكر وعمر فدعا عليا عليه السلام وهو أرمد فتفل في عينيه وأعطاه اللواء ونهض معه من الناس من نهض قال فلقى أهل خيبر فإذا مرحب يرتجز ويقول قد علمت خيبر أنى مرحب * شاكى السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وحيا أضرب * إذا الليوث أقبلت تلهب فاختلف هو وعلي ضربتين فضربه علي على هامته حتى عض السيف منها بأضراسه وسمع أهل العسكر صوت ضربته فما تتام آخر الناس مع علي عليه السلام حتى فتح الله له ولهم * حدثنا أبو كريب قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا المسيب بن مسلم الاودى قال حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما أخذته الشقيقة فيلبث اليوم واليومين لا يخرج فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس وأن أبا بكر أخذ راية رسول الله ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الاول ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله فقال أما والله لاعطينها غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يأخذها عنوة قال وليس ثم علي عليه السلام فتطاولت لها قريش ورجا كل واحد منهم أن يكون صاحب

[ 301 ]

ذلك فأصبح فجاء علي عليه السلام على بعير له حتى أناخ قريبا من خباء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أرمد وقد عصب عينيه بشقة برد قطرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك قال رمدت بعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادن منى فدنا منه فتفل في عينيه فما وجعها حتى مضى لسبيله ثم أعطاه الراية فنهض بها معه وعليه حلة أرجوان حمراء قد أخرج خملها فأتى خيبر وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر معصفر يمان وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه وهو يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أنى مرحب * شاكى السلاح بطل مجرب فقال علي على السلام أنا الذى سمتنى أمي حيدره * أكيلكم بالسيف كيل السندره ليث بغابات شديد قسوره فاختلفا ضربتين فبدره علي فضربه فقد الحجر والمغفر ورأسه حتى وقع في الاضراس وأخذ المدينة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن الحسن عن بعض أهله عن أبى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خرجنا مع علي بن أبى طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده فتناول علي رضى الله عنه بابا كان عند الحصن فترس عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتنى في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم القموص حصن ابن أبى الحقيق أتى رسول الله بصفية بنت حيى بن أخطب وبأخرى معها فمر بهما بلال وهو الذى جاء بهما على قتلى من قتلى يهود فلما رأتهم التى مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها فلما رآها رسول الله قال اغربوا عنى هذه الشيطانة وأمر بصفية فحيزت خلفه وألقى عليها رداؤه فعرف

[ 302 ]

المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفاها لنفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال فيما بلغني حين رأى من تلك اليهودية ما رأى أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمر بامرأتين على قتلى رجالهما وكانت صفية قد رأت في المنام وهى عروس بكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق أن قمرا وقع في حجرها فعرضت رؤياها على زوجها فقال ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا فلطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها أثر منها فسألها ما هو فأخبرته هذا الخبر (قال ابن إسحق) وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وكان عنده كنز بنى النضير فسأله فجحد أن يكون يعلم مكانه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل من يهود فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنى قد رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة فقال رسول الله لكنانة أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك قال نعم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله ما بقى فأبى أن يؤديه فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام فقال عذبه حتى تستأصل ما عنده فكان الزبير يقدح بزنده في صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه رسول الله إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في حصنهم الوطيح والسلالم حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم ويحقن لهم دماءهم ففعل وكان رسول الله قد حاز الاموال كلها الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم إلا ما كان من ذنيك الحصنين فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم لهم ويخلوا الاموال ففعل وكان فيمن مشى بينهم وبين رسول الله في ذلك محيصة بن مسعود أخو بنى حارثة فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا الله أن يعاملهم بالاموال على النصف وقالوا نحن أعلم بها منكم وأعمر لها فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم وصالحه أهل فدك على مثل ذلك فكانت خيبر فيأ للمسلمين

[ 303 ]

وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لانهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله فقيل لها الذراع فأكثرت فيها السم فسمت سائر الشاة ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع فأخذها فلاك منها مضغة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور وقد أخذ منها كما أخذ رسول الله فأما بشر فأساغها وأما رسول الله فلفظها ثم قال إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم ثم دعا بها فاعترفت فقال ما حملك على ذلك قالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت إن كان نبيا فسيخبر وإن كان ملكا استرحت منه فتجاوز عنها النبي صلى الله عليه وسلم ومات بشر بن البراء من أكلته التى أكل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق عن مروان بن عثمان بن أبى سعيد بن المعلى قال وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذى توفى فيه ودخلت عليه أم بشر ابن البراء تعوده يا أم بشر إن هذا الاوان وجدت انقطاع أبهرى من الاكلة التى أكلت مع ابنك بخيبر قال وكان المسلمون يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة (قال ابن إسحق) فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر انصرف إلى وادى القرى فحاصر أهله ليالى ثم انصرف راجعا إلى المدينة ذكر غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وادى القرى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحق عن ثور بن زيد عن سالم مولى عبد الله بن مطيع عن أبى هريرة قال لما انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادى القرى نزلنا أصلا مع مغارب الشمس ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام له أهداه إليه رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبيبى فو الله إنا لنضع رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه سهم

[ 304 ]

غرب فأصابه فقتله فقلنا هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا والذى نفس محمد بيده إن شملته الآن لتحرق عليه في النار قال وكان غلها من فئ المسلمين يوم خيبر قال فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فقال يا رسول الله أصبت شراكين لنعلين قال فقال يقد لك مثلهما من النار (وفى هذه السفرة) نام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحق عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وكان ببعض الطريق قال من آخر الليل من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام فقال بلال أنا يا رسول الله أحفظ لك فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل الناس فناموا وقام بلال يصلى فصلى ما شاء الله أن يصلى ثم استند إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه فغلبته عينه فنام فلم يوقظهم إلا مس الشمس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول أصحابه هب من نومه فقال ماذا صنعت بنا يا بلال فقال يا رسول الله أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك قال صدقت ثم اقتاد رسول الله غير كثير ثم أناخ فتوضأ وتوضأ الناس ثم أمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بالناس فلما سلم أقبل على الناس فقال إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها فإن الله عز وجل يقول (أقم الصلاة لذكرى) (قال ابن إسحق) فتح خيبر في صفر قال وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء من نساء المسلمين فوضح لهن رسول الله من الفئ ولم يضرب لهن بسهم قال ولما فتحت خيبر قال الحجاج بن غلاط السلمى ثم البهزى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إن لى بمكة عند صاحبتي أم شيبة بنت أبى طلحة وكانت عنده له منها معرض ابن الحجاج ومال مفترق في تجار أهل مكة فأذن لى يا رسول الله فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال إنه لا بد لى من أن أقول قال قل قال الحجاج فخرجت حتى إذا قدمت مكة فوجدت بثنية البيضاء رجالا من قريش يتسمعون الاخبار ويسألون عن أمر رسول الله وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر وقد عرفوا أنها قرية الحجاز

[ 305 ]

ريفا ومنعة ورجالا فهم يتحسسون الاخبار فلما رأوني قالوا الحجاج بن علاط ولم يكونوا علموا باسلامى عنده والله الخبر أخبرنا بأمر محمد فإنه قد بلغنا أن القاط قد سار إلى خيبر وهى بلدة يهود وريف الحجاز قال قلت قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم قال فالتاطوا بجنبى ناقتي يقولون إيه يا حجاج قال قلت هزموا هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط وأسر محمد أسرا وقالوا لن نقتله حتى نبعث به إلى مكة فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم قال فقاموا فصاحوا بمكة وقالوا قد جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم قال قلت أعينوني على جمع مالى بمكة على غرمائي فانى أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقنى التجار إلى ما هنالك قال فقاموا فجمعوا مالى كأحث جمع سمعت به فجئت صاحبتي فقلت مالى وقد كان لى عندها مال موضوع لعلى ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقنى إليه التجار فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر وجاءه عنى أقبل حتى وقف إلى جنبى وأنا في خيمة من خيام التجار فقال يا حجاج ما هذا الذى جئت به قال قلت وهل عندك حفظ لما وضعت عندك قال نعم قلت فاستأخر عنى حتى ألقاك على خلاء فانى في جمع مالى كما ترى فانصرف عنى حتى إذا فرغت من جمع كل شئ كان لى بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت احفظ على حديثى يا أبا الفضل فانى أخشى الطلب ثلاثا ثم قل ما شئت قال افعل قال قلت فانى والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على ابنة ملكهم يعنى صفية بنت حيى بن أخطب ولقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولاصحابه قال ما تقول يا حجاج قال قلت إى والله فاكتم على ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالى فرقا من أن أغلب عليه فإذا مضت فاظهر أمرك فهو والله على ما تحب قال حتى إذا كان اليوم لبس العباس حلة له وتخلق وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحر المصيبة قال كلا والذى حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم وأحرز أموالها وما فيها فأصبحت له ولاصحابه

[ 306 ]

قالوا من جاءك بهذا الخبر قال الذى جاءكم بما جاءكم به لقد دخل عليكم مسلما وأخذ ماله وانطلق ليلحق برسول الله وأصحابه فيكون معه قالوا يال عباد الله أفلت عدو الله أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى عبد الله بن أبى بكر قال كانت المقاسم على أموال خيبر على الشق ونطاة والكتيبة فكانت الشق ونطاة في سهمان المسلمين وكانت الكتيبة خمس الله عز وجل وخمس النبي صلى الله عليه وسلم وسهم ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وطعم أزواج النبي وطعم رجال مشوا بين رسول الله وبين أهل فدك بالصلح منهم محيصة بن مسعود أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ثلاثين وسق شعير وثلاثين وسق تمر وقسمت خيبر على أهل الحديبية من شهد منهم خيبر ومن غاب عنها ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله بن حرام الانصاري فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم كسهم من حضرها قال ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر فبعثوا إلى رسول الله يصالحونه على النصف من فدك فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق وإما بعد ما قدم المدينة فقبل ذلك منهم فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة لانه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين ويهود فيخرص عليهم فإذا قالوا تعديت علينا قال إن شئتم فلكم وإن شئتم فلنا فتقول يهود بهذا قامت السموات خنساء أخو بنى سلمة هو الذى يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة فأقامت يهود والارض وإنما خرص عليهم عبد الله بن رواحة ثم أصيب بمؤتة فكان جبار بن صخر بن على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأسا في معاملتهم حتى عدوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن سهل أخى بنى حارثة فقتلوه فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون عليه

[ 307 ]

* حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال سألت ابن شهاب الزهري كيف كان إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود خيبر نخيلهم حين أعطاهم النخل على خرجها أبت ذلك لهم حتى قبض أم أعطاهم إياها لضرورة من غير ذلك فأخبرني ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال وكانت خيبر مما أفاء الله على رسوله خمسها رسول الله وقسمها بين المسلمين ونزل من نزل من أهلها على الاجلاء بعد القتال فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن شئتم دفعنا إليكم هذه الاموال على أن تعملوها وتكون ثمارها بيننا وبينكم وأقركم ما أقركم الله فقبلوا فكانوا على ذلك يعملونها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيقسم ثمرها ويعدل عليهم في الخرص فلما توفى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أقرها أبو بكر بعد النبي في أيديهم على المعاملة التى كان عاملهم عليها رسول الله حتى توفى ثم أقرها عمر صدرا من إمارته ثم بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذى قبض فيه لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت فأرسل إلى يهود أن الله قد أذن في اجلائكم فقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان فمن كان عنده عهد من رسول الله فليأتني به أنفذه له ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله من اليهود فليتجهز للجلاء فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم (قال أبو جعفر) ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة (قال الواقدي) في هذه السنة رد رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنته على أبى العاص بن الربيع وذلك في المحرم قال وفيها قدم حاطب بن أبى بلتعة من عند المقوقس بمارية وأختها سيرين وبغلته دلدل وحماره يعفور وكسا وبعث معهما بخصى فكان معهما وكان حاطب قد دعاهما إلى الاسلام قبل أن يقدم بهما فأسلمت هي وأختها فأنزلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سليم بنت ملحان وكانت مارية وضيئة قال فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأختها سيرين إلى حسان

[ 308 ]

ابن ثابت فولدت له عبد الرحمن بن حسان قال وفى هذه السنة اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم منبره الذى كان يخطب الناس عليه واتخذ درجتين ومقعده قال ويقال إنه عمل في سنة ثمانية قال وهو الثبت عندنا قال وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة فخرج بدليل له من بنى هلال وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار فأتى الخبر هوازن فهربوا فلم يلق كيدا ورجع قال وفيها سرية أبى بكر بن أبى قحافة في شعبان إلى نجد قال سلمة بن الاكوع غزونا مع أبى بكر في تلك السنة (قال أبو جعفر) قد مضى خبرها قبل (قال الواقدي) وفيها سرية بشير بن سعد إلى بنى مرة بفدك في شعبان في ثلاثين رجلا فأصيب أصحابه وارتث في القتلى ثم رجع إلى المدينة (قال أبو جعفر) وفيها سرية غالب بن عبد الله في شهر رمضان إلى الميفعة * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلبى إلى أرض بنى مرة فأصاب بها مرداس ابن نهيك حليفا لهم من الحرقة من جهينة قتله أسامة بن زيد ورجل من الانصار قال أسامة لما غشيناه قال أشهد أن لا إله إلا الله فلم ننزع عنه حتى قتلناه فلما قدمنا على رسول الله أخبرناه الخبر فقال يا أسامة من لك بلا إله إلا الله قال الواقدي وفيها سرية غالب بن عبد الله إلى بنى عبد بن ثعلبة ذكر أن عبد الله بن جعفر حدثه عن ابن أبى عون عن يعقوب بن عتبة قال قال يسار مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إنى أعلم غرة من بنى عبد بن ثعلبة فأرسل معه غالب بن عبد الله في مائة وثلاثين رجلا حتى أغاروا على بنى عبد فاستاقوا النعم والشاء وحدروها إلى المدينة قال وفيها سرية بشير بن سعد إلى يمن وجناب في شوال من سنة سبع ذكر أن يحيى بن عبد العزيز بن سعيد حدثه عن سعد بن عبادة عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد قال الذى أهاج هذه السرية أن حسيل بن نويرة الاشجعى وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خيبر قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما وراءك قال تركت جمعا من غطفان بالجناب قد

[ 309 ]

بعث إليهم عيينة بن حصن ليسيروا اليكم فدعا رسول الله بشير بن سعد وخرج معه الدليل حسيل بن نويرة فأصابوا نعما وشاء ولقيهم عبد لعيينة بن حصن فقتلوه ثم لقوا جمع عيينة فانهزم فلقيه الحارث بن عوف منهزما فقال قد آن لك يا عيينة أن تقصر عما ترى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من خيبر أقام بها شهر ربيع الاول وشهر ربيع الآخر وجمادى الاولى وجمادى الآخرة ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوالا يبعث فيما بين ذلك من غزوه وسراياه ثم خرج في ذى القعدة في الشهر الذى صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التى صدوه عنها وخرح معه المسلمون ممن كان معه في عمرته تلك تلك وهى سنة سبع فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه وتحدثت قريش بينها أن محمدا وأصحابه في عسر وجهد وحاجة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال اصطفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه معه فلما دخل رسول الله المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال رحم الله أمرأ أراهم اليوم من نفسه قوة ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الاسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها وكان ابن عباس يقول كان الناس يظنون أنها ليست عليهم وذلك أن رسول الله إنما صنعها لهذا الحى من قريش للذى بلغه عنهم حتى حج حجة الوداع فرملها فمضت السنة بها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة في تلك العمرة دخلها وعبد الله ابن رواحة آخذ بخطام ناقته وهو يقول خلوا بنى الكفار عن سبيله * إني شهيد أنه رسوله خلوا فكل الخير في رسوله * يا رب إنى مؤمن بقيله أعرف حق الله في قبوله * نحن قتلناكم على تأويله

[ 310 ]

كما قتلناكم على تنزيله * ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق عن أبان بن صالح وعبد الله ابن أبى نجيح عن عطاء بن رباح ومجاهد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام وكان الذى زوجه إياها العباس بن عبد المطلب (قال ابن إسحاق) فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثا فأتاه حويطب بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل في نفر من قريش في اليوم الثالث وكانت قريش وكلته بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فقالوا له إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عليكم لو تركتمونى فأعرست بين أظهركم فصنعنا لكم طعاما فحضرتموه قالوا لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بها بسرف فبنى عليها رسول الله هنالك وأمر رسول الله أن يبدلوا الهدى وأبدل معهم فعزت عليهم الابل فرخص لهم في البقر ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ذى الحجة فأقام بها بقية ذى الحجة وولى تلك الحجة المشركون والمحرم وصفر وشهرى ربيع وبعث في جمادى الاولى بعثه إلى الشأم الذين أصيبوا بمؤتة وقال الواقدي حدثنى ابن أبى ذئب عن الزهري قال أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتمروا في قابل قضاء لعمرة الحديبية وأن يهدوا قال وحدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال لم تكن هذه العمرة قضاء ولكن كان شرط على المسلمين أن يعتمروا قابلا في الشهر الذى صدهم المشركون فيه قال الواقدي قول ابن أبى ذئب أحب إلينا لانهم أحصروا ولم يصلوا إلى البيت (وقال الواقدي) وحدثني عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن محمد بن ابراهيم قال ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية ستين بدنة قال وحدثني معاذ بن محمد الانصاري عن عاصم بن عمر بن قتادة قال حمل السلاح والبيض والرماح

[ 311 ]

وقاد مائة فرس واستعمل على السلاح بشير بن سعد وعلى الخيل محمد بن مسلمة فبلغ ذلك قريشا فراعهم فأرسلوا مكرز بن حفص بن الاخيف فلقيه بمر الظهران فقال له ما عرفت صغيرا ولا كبيرا إلا بالوفاء وما أريد إدخال السلاح عليهم ولكن يكون قريبا إلى فرجع إلى قريش فأخبرهم (قال الواقدي) وفيها كانت غزوة ابن أبى العوجاء السلمى إلى بنى سليم في ذى القعدة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم بعد ما رجع من مكة في خمسين رجلا فخرج إليهم (قال أبو جعفر) فلقيه فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر بنو سليم فأصيب بها هو وأصحابه جميعا (قال أبو جعفر) أما الواقدي فانه زعم أنه نجا ورجع إلى المدينة وأصيب وأصحابه ثم دخلت سنة ثمان من الهجرة ففيها توفيت فيما زعم الواقدي زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يحيى بن عبد الله بن أبى قتادة عن عبد الله بن أبى بكر قال وفيها أغزى رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الليثى في صفر إلى الكديد إلى بنى الملوح (قال أبو جعفر) وكان من خبر هذه السرية وغالب بن عبد الله ما حدثنى ابراهيم بن سعيد الجوهرى وسعيد بن يحيى بن سعيد قال ابراهيم حدثنى يحيى بن سعيد وقال سعيد بن يحيى حدثنى أبى وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة جميعا عن ابن اسحاق قال حدثنى يعقوب ابن عتبة بن المغيرة عن مسلم بن عبد الله بن خبيث الجهنى عن جندب بن مكيث الجهنى قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلبى كلب ليث إلى بنى الملوح بالكديد وأمره أن يغير عليهم فخرج وكنت في سريته فمضينا حتى إذا كنا بقديد لقينا بها الحارث بن مالك وهو ابن البرصاء الليثى فأخذناه فقال إنى إنما جئت لاسلم فقال غالب بن عبد الله إن كنت إنما جئت مسلما فلن يضرك رباط يوم وليلة وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك قال فأوثقه رباطا ثم خلف عليه رويجلا أسود كان معنا فقال امكث معه حتى نمر عليك فان نازعك

[ 312 ]

فاحتز رأسه قال ثم مضينا حتى أتينا بطن الكديد فنزلنا عشيشية بعد العصر فبعثني أصحابي ربيئة فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر فانبطحت عليه وذلك قبيل المغرب فخرج منهم رجل فنظر فرأني منبطحا على التل فقال لامرأته والله إنى لارى على هذا التل سوادا ما كنت رأيته أول النهار فانظري لا تكون الكلاب جرت بعض أوعيتك فنظرت فقالت والله ما أفقد شيئا قال فناوليني قوسى وسهمين من نبلى فناولته فرمانى بسهم فوضعه في جنبى قال فنزعته فوضعته ولم أتحرك ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي فنزعته فوضعته ولم أتحرك فقال أما والله لقد خالطه سهماى ولو كان ربيئة لتحرك فإذا أصبحت فاتبعي سهمي فخذيهما لا تمضغهما على الكلاب قال فأمهلناهم حتى راحت رائحتهم حتى إذا احتلبوا وعطنوا وسكنوا وذهبت عتمة من الليل شننا عليهم الغارة فقتلنا من قتلنا واستقنا النعم فوجهنا قافلين وخرج صريخ القوم إلى القوم مغوثا قال وخرجنا سراعا حتى نمر بالحارث ابن مالك بن البرصاء وصاحبه فانطلقنا به معنا وأتانا صريخ الناس فجاءنا ما لا قبل لنا به حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم الا بطن الوادي من قديد بعث الله عز وجل من حيث شاء سحابا ما رأينا قبل ذلك مطرا ولا خالا فجاء بما لا يقدر أحد أن يقدم عليه فلقد رأيناهم ينظرون إلينا ما يقدر أحد منهم أن يقدم ولا يتقدم ونحن نحدوها سراعا حتى أسندناها في المشلل ثم حدرناها عنها فأعجزنا القوم بما في أيدينا فما أنسى قول راجز من المسلمين وهو يحدوها في أعقابها ويقول أبى أبو القاسم أن تعزبى * في خضل نباتة مغلولب صفر أعاليه كلون المذهب * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد ابن اسحاق عن رجل من أسلم عن شيخ منهم أن شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة كان أمت أمت (قال الواقدي) كانت سرية غالب بن عبد الله بضعة عشر رجلا قال وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدى وكتب إليه كتابا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله

[ 313 ]

إلى المنذر بن ساوى سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو ما بعد فان كتابك جاءني ورسلك وإنه من صلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا فإنه مسلم له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين ومن أبى فعليه الجزية قال فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن على المجوس الجزية لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم قال وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر وعباد ابني جلندى بعمان فصدقا النبي وأقرا بما جاء به وصدق أموالهما وأخذ الجزية من المجوس قال وفيها سرية شجاع بن وهب إلى بنى عامر في شهر ربيع الاول في أربعة وعشرين رجلا فشن الغارة عليهم فأصابوا نعما وشاء وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا لكل رجل قال وفيها كانت سرية عمرو بن كعب الغفاري إلى ذات أطلاح خرج في خمسة عشر رجلا حتى انتهى إلى ذات أطلاح فوجدنا جمعا كثيرا فدعوهم إلى الاسلام فأبوا أن يجيبوا فقتلوا أصحاب عمرو جميعا وتحامل حتى بلغ المدينة (قال الواقدي) وذات أطلاح من ناحية الشأم وكانوا من قضاعة ورأسهم رجل يقال له سدوس قال وفيها قدم عمرو بن العاص مسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسلم عند النجاشي وقدم معه عثمان بن طلحة العبدرى وخالد ابن الوليد بن المغيرة قدموا المدينة في أول صفر (قال أبو جعفر) وكان سبب إسلام عمرو بن العاص ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يزيد ابن أبى حبيب عن راشد مولى ابن أبى أوس عن حبيب بن أبى أوس قال حدثنى عمرو بن العاص من فيه إلى أذنى قال لما انصرفنا مع الاحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيى ويسمعون منى فقلت لهم تعلمون والله إنى لارى أمر محمد يعلو الامور علوا منكرا وإنى قد رأيت رأيا فما ترون فيه قالوا وماذا رأيت قلت رأيت أن نلحق بالنجاشى فنكون عنده فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدى محمد وإن يظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلا يأتينا منهم إلا خير فقالوا إن هذا لرأى قلت فاجمعوا له ما نهدى إليه وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الادم

[ 314 ]

فجمعنا له أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا عليه فو الله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمرى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إليه في شأن جعفر بن أبى طالب وأصحابه قال فدخل عليه ثم خرج من عنده قال فقلت لاصحابي هذا عمرو بن أمية الضمرى لو قد دخلت على النجاشي سألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه فإذا فعلت ذلك رأت قريش أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع فقال مرحبا بصديقي أهديت لى شيئا من بلادك قلت نعم أيها الملك قد أهديت لك أدما كثيرا ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه ثم قلت له أيها الملك إنى قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لاقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا قال فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره يعنى النجاشي فلو انشقت الارض لى لدخلت فيها فرقا منه ثم قلت والله أيها الملك لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه قال أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الاكبر الذى كان يأتي موسى لتقتله فقلت أيها الملك أكذاك هو قال ويحك يا عمرو أطعنى واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده قال قلت فتبايعني له على الاسلام قال نعم فبسط يده فبايعته على الاسلام ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيى عما كان عليه وكتمت أصحابي إسلامى ثم خرجت عامدا لرسول الله لاسلم فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت أين يا أبا سليمان قال والله لقد استقام المنسم وإن الرجل لنبى اذهب والله أسلم فحتى متى فقلت والله ما جئت إلا لاسلم فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت فقلت يا رسول الله إنى أبايعك على أن تغفر لى ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمرو بايع فإن الاسلام يجب ما قبله وإن الهجرة تجب ما قبلها فبايعته ثم انصرفت * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد ابن إسحاق عمن لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة كان معهما أسلم حين أسلما

[ 315 ]

ذكر ما في الخبر عن الكائن من الاحداث المذكورة في سنة ثمانية من سنى الهجرة فمما كان فيها من ذلك توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في جمادى الاخرة إلى السلاسل من بلاد قضاعة في ثلثمائة وذلك ان أم العاص بن وائل فيما ذكر كانت قضاعية فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يتألفهم بذلك فوجهه في أهل الشرف من المهاجرين والانصار ثم استمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمده بأبى عبيدة بن الجراح على المهاجرين والانصار فيهم وأبو بكر وعمر في مائتين فكان جميعهم خمسمائة * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى أرض بلى وعذرة يستنفر الناس إلى الشأم وذلك أن أم العاص ابن وائل كانت امرأة من بلى فبعثه رسول الله إليهم يستألفهم بذلك حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلاسل وبذلك سميت تلك الغزوة ذات السلاسل فلما كان عليه خاف فبعث إلى رسول الله يستمده فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الاولين فيهم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهم وقال لابي عبيدة حين وجهه لا تختلفا فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه قال له عمرو بن العاص إنما جئت مددا لى فقال ابو عبيدة يا عمرو إن رسول الله قد قال لى لا تختلفا وأنت إن عصيتني أطعتك قال فأنا أمير عليك وإنما أنت مدد لى قال فدونك فصلى عمرو بن العاص بالناس (قال الواقدي) وفيها كانت غزوة الخبط وكان الامير فيها عبيدة بن الجراح بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب منها في ثلثمائة من المهاجرين والانصار قبل جهينة فأصابهم فيها أزل شديد وجهد حتى اقتسموا التمر عددا * وحدثنا أحمد ابن عبد الرحمن قال حدثنا عمى عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث أن عمرو بن دينار حدثه أنه سمع جابر بن عبد الله يقول خرجنا في بعث ونحن

[ 316 ]

ثلثمائة وعلينا أبو عبيدة بن الجراح فأصابنا فكنا نأكل الخبط ثلاثة أشهر فخرجت دابة من البحر يقال لها العنبر فمكثنا نصف شهر نأكل منها ونحر رجل من الانصار جزائر ثم نحر من الغد كذلك فنهاه أبو عبيدة فانتهى قال عمرو بن دينار وسمعت ذكوان أبا صالح قال إنه قيس بن سعد قال عمرو وحدثني بكر ابن سوادة الجذامي عن أبى جمرة عن جابر بن عبد الله نحو ذلك إلا أنه قال جهدوا وقد كان عليهم قيس بن سعد ونحر لهم تسع ركائب وقال بعثهم في بعص من وراء البحر وإن البحر ألقى إليهم دابة فمكثوا عليها ثلاثة أيام يأكلون منها ويقددون ويغرفون شحمه فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا له ذلك من أمر قيس بن سعد فقال رسول الله إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت وقال في الحوت لو نعلم أنا نبلغه قبل أن يروح لاحببنا أن لو كان عندنا منه شئ ولم يذكر الخبط ولا شيئا سوى ذلك * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا الضحاك بن مخلد عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يخبر قال زودنا النبي صلى الله عليه وسلم جرابا من تمر فكان يقبض لنا أبو عبيدة قبضة قبضة ثم تمرة تمرة فنمصها ونشرب عليها الماء إلى الليل حتى نفد ما في الجراب فكنا نجنى الخبط فجعنا جوعا شديدا قال فألقى لنا البحر حوتا ميتا فقال أبو عبيدة جياع كلوا فأكلنا وكان أبو عبيدة ينصب الضلع من أضلاعه فيمر الراكب على بعيره تحته ويجلس النفر الخمسة في موضع عينه فأكلنا وادهنا حتى صلحت أجسامنا وحسنت شحماتنا فلما قدمنا المدينة قال جابر فذكرنا ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال كلوا رزقا أخرجه الله عز وجل لكم معكم منه شئ وكان معنا منه شئ فأرسل إليه بعض القوم فأكل منه (قال الواقدي) وإنما سميت غزوة الخبط لانهم أكلوا الخبط حتى كان أشداقهم أشداق الابل العضهة قال وفيها كانت سرية وجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان أميرها أبو قتادة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق عن يحيى بن سعيد الانصاري عن محمد بن ابراهيم عن عبد الله ابن أبى حدرد الاسلمي قال تزوجت امرأة من قومي فأصدقتها مائتي درهم فجئت

[ 317 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على نكاحي فقال وكم أصدقت قلت مائتي درهم يا رسول الله قال سبحان الله لو كنتم إنما تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم والله ما عندي ما أعينك به قال فلبثت أياما وأقبل رجل من بنى جشم بن معاوية يقال له رفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة في بطن عظيم من جشم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة يريد أن يجمع قيسا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وكان ذا اسم وشرف في جشم قال فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين من المسلمين فقال اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتونا به أو تأتونا منه بخبر وعلم قال وقدم لنا شارفا عجفاء فحمل عليها أحدنا فو الله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت ثم قال تبلغون على هذه واعتقبوها قال فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى جئنا قريبا من الحاضر عشيشية مع غروب الشمس فكمنت في ناحية وأمرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم وقلت لهما إذا سمعتماني قد كبرت وشددت على العسكر فكبرا وشدا معى قال فو الله انا لكذلك ننتظر أن نرى غرة أو نصيب منهم شيئا غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه قال فقام صاحبهم ذلك رفاعة بن قيس فأخذ سيفه فجعل في عنقه ثم قال والله لاتبعن أثر راعينا هذا ولقد أصابه شر فقال نفر ممن معه والله لا تذهب نحن نكفيك فقال والله لا يذهب إلا أنا قالوا فنحن معك قال والله لا يتبعني منكم أحد قال وخرج حتى مر بى فلما أمكننى نفحته بسهم فوضعته في فؤاده فو الله ما تكلم ووثبت إليه فاحتززت رأسه ثم شددت في ناحية العسكر وكبرت وشد صاحباى وكبرا فو الله ما كان إلا النجاء ممن كان فيه عندك عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم قال فاستقنا إبلا عظيمة وغنما مثيرة فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجئت برأسه أحمله معى قال فأعاننى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الابل بثلاثة عشر بعيرا فجمعت إلى أهلى (وأما الواقدي) فذكر أن محمد بن يحيى بن سهل بن

[ 318 ]

أبى حثمة حدثه عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ابن أبى حدرد في هذه السرية مع أبى قتادة وأن السرية كانت ستة عشر رجلا وأنهم غابوا خمس عشرة ليلة وأن سهمانهم كانت اثنى عشر بعيرا ستة يعدل البعير بعشر من الغنم وأنهم أصابوا في وجوههم أربع نسوة فيهن فتاة وضيئة فصارت لابي قتادة فكلم محمية بن الجزء فيها ورسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا قتادة عنها فقال اشتريتها من المغنم فقال هبها لى فوهبها له فأعطاها رسول الله محمية بن جزء الزبيدى قال وفيها أغزى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية أبا قتادة إلى بطن إضم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن يزيد ابن عبد الله بن قسيط عن أبى القعقاع بن عبد الله بن أبى حدرد الاسلمي وقال بعضهم عن ابن القعقاع عن أبيه عن عبد الله بن أبى حدرد قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اضم فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث ابن ربعى محلم بن جثامة بن قيس الليثى فخرجنا حتى إذا كنا ببطن اضم وكانت قبل الفتح مر بنا عامر بن الاضبط الاشجعى على قعود له معه متيع له ووطب من لبن فلما مر بنا سلم علينا بتحية الاسلام فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة الليثى لشئ كان بينه وبينه فقتله وأخذ بعيره ومتيعه فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبرناه الخبر نزل فينا القرآن (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) الآية (وقال الواقدي) إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث هذه السرية حين خرج لفتح مكة في شهر رمضان وكانوا ثمانية نفر ذكر الخبر عن غزوة مؤتة (قال ابن إسحاق) فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من خيبر أقام بها شهرى ربيع ثم بعث في جمادى الاولى بعثه إلى الشأم الذين أصيبوا بمؤتة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير

[ 319 ]

قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مؤتة في جمادى الاولى من سنة ثمانية واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال إن أصيب زيد بن حارثة فجعفر بن أبى طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس فتجهز الناس ثم تهيؤا للخروج وهم ثلاثة آلاف فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله وسلموا عليهم وودعوهم فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى فقالوا ما يبكيك يا ابن رواحة فقال أما والله ما بى حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) فلست أدرى كيف لى بالصدر بعد الورود فقال المسلمون صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين فقال عبد الله بن رواحة لكننى أسئل الرحمن مغفرة * وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدى حران مجهزة * بحربة تنفذ الاحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على جدثى * أرشدك الله من غاز وقد رشدا ثم إن القوم تهيؤا للخروج فجاء عبد الله بن رواحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه ثم خرج القوم وخرج رسول الله يشيعهم حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال عبد الله بن رواحة خلف السلام على امرئ ودعته * في النخل خير مشيع وخليل ثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشأم فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف منهم من الروم وانضمت إليه المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلى في مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى ثم أحد اراشة يقال له مالك بن رافلة فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا نكتب إلى رسول الله ونخبره بعدد عدونا فاما إن يمدنا برجال وإما إن يأمرنا بأمره فنمضى له فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال يا قوم والله ان الذى تكرهون للذى خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا

[ 320 ]

كثرة ما نقاتلهم الا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة فقال الناس قد والله صدق ابن رواحة فمضى الناس فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك جلبنا الخيل من آجام قرح * تغر من الحشيش لها العكوم حذوناها من الصوان سبتا * أزل كأن صفحته أديم أقامت ليلتين على معان * فأعقب بعد فترتها جموم فرحنا والجياد مسومات * تنفس في مناخرها السموم فلا وأبى مآب لنأتينها * ولو كانت بها عرب وروم فعبانا أعنتها فجاءت * عوابس والغبار لها بريم بذى لجب كان البيض فيه * إذا برزت قوانسها النجوم فراضية المعيشة طلقتها * أسنتنا فتنكح أو تئيم ثم مضى الناس * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله ابن أبى بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره فخرج في سفره ذلك مردفى على حقيبة رحله فو الله انه ليسير ليلة إذ سمعته وهو يتمثل أبياته هذه إذا أديتني وحملت رحلى * مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك أنعم وخلاك ذم * ولا أرجع إلى أهلى ورائي وجاء المسلمون وغادروني * بأرض الشأم مشتهى الثواء وردك كل ذى نسب قريب * إلى الرحمن منقطع الاخاء هنالك لا أبالى طلع بعل * ولا نخل أسافلها رواء قال فلما سمعتهن منه بكيت فخفقني بالدرة وقال ما عليك يا لكع يرزقنى الله الشهادة وترجع بين شعبتى الرحل ثم قال عبد الله في بعض شعره وهو يرتجز يا زيد زيد اليعملات الذبل * تطاول الليل هديت فانزل

[ 321 ]

قال ثم مضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها فتعبأ المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة يقال له قطبة بن قتادة وعلى ميسرتهم رجلا من الانصار يقال له عباية بن مالك ثم التقى الناس فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم ثم أخذها جعفر بن أبى طالب فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الاسلام فرسه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة وأبو تميلة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد عن أبيه قال حدثنى أبى الذى أرضعني وكان أحد بنى مرة بن عوف وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال والله لكأنى أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل فلما قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال أقمست يا نفس لتنزلنه * طائعة أو فلتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنه * مالى أراك تكرهين الجنة قد طال ما قد كنت مطمئنه * هل أنت إلا نطفة في شنه وقال أيضا يا نفس إلا تقتلي تموتي * هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت * إن تفعلي فعلهما هديت قال ثم نزل فلما نزل أتاه ابن عم له بعظم من لحم فقال شد بها صلبك فإنك قد لقيت أيامك هذه ما لقيت فأخذه من يده فانتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده وأخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل فأخذ الراية ثابت بن أرقم أخو بلعجلان فقال يا معشر المسلمين اصطلحوا على

[ 322 ]

رجل منكم فقالوا أنت قال ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم ثم انحاز وتحيز عنه حتى انصرف بالناس * فحدثني القاسم بن بشر بن معروف قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا الاسود بن شيبان عن خالد بن سمير قال قدم علينا عبد الله بن رباح الانصاري وكانت الانصار تفقهه فغشيه الناس فقال حدثنا أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعث رسول الله جيش الامراء فقال عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب فجعفر بن أبى طالب فإن أصيب جعفر فعبد الله بن أبى رواحة فوثب جعفر فقال يا رسول الله ما كنت اذهب إن تستعمل زيدا علي قال امض فإنك لا تدرى أي ذلك خير فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر وأمر فنودى الصلاة جامعة فاجتمع الناس إلى رسول الله فقال باب خير باب خير باب خير أخبركم عن جيشكم هذا الغازى إنهم انطلقوا فلقوا العدو فقتل زيد شهيدا واستغفر له ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا فشهد له بالشهادة واستغفر له ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفر له ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الامراء هو أمر نفسه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره فمنذ يومئذ سمى خالد سيف الله ثم قال رسول الله أبكروا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن منكم أحد فنفروا مشاة وركبانا وذلك في حر شديد * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال لما أتى رسول الله مصاب جعفر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مر جعفر البارحة في نفر من الملائكة له جناحان مختضب القوادم بالدم يريدون بيشة أرضا باليمن قال وقد كان قطبة بن قتادة العذري الذى كان على ميمنة المسلمين حمل على مالك بن رافلة قائد المستعربة فقتله قال وقد كانت كاهنة من حدس حين سمعت بجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قد قالت لقومها من حدس وقومها بطن يقال لهم بنو غنم أنذركم قوما خزرا ينظرون شزرا ويقودون الخيل بترا ويهريقون دما عكرا فأخذوا بقولها

[ 323 ]

فاعتزلوا من بين لخم فلم يزالوا بعد أثرى حدس وكان الذين صلوا الحرب يومئذ بنو ثعلبة بطن من حدس فلم يزالوا قليلا بعد ولما انصرف خالد بن الوليد بالناس أقبل بهم قافلا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال لما دنوا من دخول المدينة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله مقبل مع القوم على دابة فقال خذوا الصبيان فاحملوهم واعطوني ابن جعفر فأتى بعبد الله بن جعفر فأخذه فحمله بين يديه قال وجعل الناس يجثون على الجيش التراب ويقولون يا فرار في سبيل الله فيقول رسول الله ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عبد الله ابن أبى بكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن بعض آل الحارث بن هشام وهم أخواله عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال قالت أم سلمة لامرأة سلمة ابن هشام بن المغيرة مالى لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله ومع المسلمين قالت والله ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صالح الناس أفررتم في سبيل الله حتى قعد في بيته فما يخرج * وفيها غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة ذكر الخبر عن فتح مكة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن إسحاق قال ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد بعثه إلى مؤتة جمادى الآخرة ورجبا ثم إن بنى بكر ابن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له الوتير وكان الذى هاج ما بين بنى بكر وبنى خزاعة رجل من بلحضرمى يقال له مالك بن عباد وحلف الحضرمي يومئذ إلى الاسود بن رزن خرج تاجرا فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه فعدت خزاعة قبيل الاسلام على بنى الاسود بن رزن الديلى وهم منخر بنى بكر وأشرافهم سلمى وكلثوم وذؤيب فقتلوهم بعرفة عند

[ 324 ]

انصاب الحرم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن رجل من بنى الديل قال كان بنو الاسود يودون في الجاهلية ديتين ديتين ونودى دية دية لفضلهم فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الاسلام وتشاغل الناس به فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش كان فيما شرطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرط لهم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم وغيره من علمائنا أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه فدخلت بنو بكر في عقد قريش ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كانت تلك الهدنة اغتنمتها بنو الديل من بنى بكر من خزاعة وأرادوا أن يصيبوا منهم بأولئك النفر الذين أصابوا منهم ببنى الاسود بن رزن فخرج نوفل بن معاوية الديلى في بنى الديل وهو يومئذ قائدهم ليس كل بنى بكر تابعه حتى بيت خزاعة وهم على الوتير ماء لهم فأصابوا منهم رجلا وتحاوزوا واقتتلوا ورفدت قريش على بنى بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا حتى حازوا خزاعة إلى الحرم (قال الواقدي) كان ممن أعان من قريش بنى بكر على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم متنكرين صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو مع عيرهم وعبيدهم (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك فقال كلمة عظيمة إنه لا إله له اليوم يا بنى بكر أصيبوا ثأركم فلعمري انكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه وقد أصابوا منهم ليلة بيتوهم بالوتير رجلا يقال له منبه وكان منبه رجلا مفودا خرج هو ورجل من قومه يقال له تميم بن أسد فقال له منبه يا تميم انج بنفسك فأما أنا فو الله إنى لميت قتلوني أو تركوني لقد انبت فؤادى فانطلق تميم فأفلت وأدركوا منبها فقتلوه فلما دخلت خزاعة مكة لجؤا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعى ودار مولى

[ 325 ]

لهم يقال له رافع قال فلما تظاهرت قريش على خزاعة وأصابوا منهم ما أصابوا ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق بما استحلوا من خزاعة وكانوا في عقده وعهده خرج عمرو بن سالم الخزاعى ثم أحد بنى كعب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكان ذلك مما هاج فتح مكة فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظهرانى الناس فقال لا هم إنى ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الا تلدا فوالدا كنا وكنت ولدا * ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر رسول الله نصرا عتدا * وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا * أبيض مثل البدر ينمى صعدا إن سيم خسفا وجهه تربدا * في فيلق كالبحر يجرى مزبدا إن قريشا أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا وجعلوا لى في كداء رصدا * وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذل وأقل عددا * هم بيتونا بالوتير هجدا فقتلونا ركعا وسجدا يقول قد قتلونا وقد أسلمنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك قد نصرت يا عمرو بن سالم ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء فقال إن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله المدينة فأخبروه بما أصيب منهم وبمظاهرة قريش بنى بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس كأنكم بأبى سفيان قد جاء ليشدد العقد ويزيد في المدة ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه فلقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله ليشدد العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا الذى صنعوا فلما لقى أبو سفيان

[ 326 ]

بديلا قال من أين أقبلت يا بديل وظن أنه قد أتى رسول الله قال سرت في خزاعة في هذا الساحل وفى بطن هذا الوادي قال أو ما أتيت محمدا قال لا قال فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى فعمد إلى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبى سفيان فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه فقال يا بنية والله ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أم رغبت به عنى قالت بل هو فراش رسول الله وأنت رجل مشرك نجس فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله قال والله لقد أصابك يا بنية بعدى شر ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يردد عليه شيئا ثم ذهب إلى أبى بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله فقال ما أنا بفاعل ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال أنا أشفع لكم إلى رسول الله فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم ثم خرج فدخل على علي بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه وعنده فاطمة ابنة رسول الله وعندها الحسن ابن علي غلام يدب بين يديها فقال يا علي إنك أمس القوم بى رحما وأقربهم منى قرابة وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا اشفع لنا إلى رسول الله قال ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه فالتفت إلى فاطمة فقال يا ابنة محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر قالت والله ما بلغ بنيى ذلك أن يجير بين الناس وما يجير على رسول الله أحد قال يا أبا الحسن إنى أرى الامور قد اشتدت علي فانصحني فقال له والله ما أعلم شيئا يغنى عنك شيئا ولكنك سيد بنى كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك قال أو ترى ذلك مغنيا عنى شيئا قال لا والله ما أظن ولكن لا أجد لك غير ذلك فقام أبو سفيان في المسجد فقال أيها الناس إنى قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا ما وراءك قال جئت محمدا فكلمته فو الله ما رد علي شيئا ثم جئت

[ 327 ]

ابن أبى قحافة فلم أجد عنده خيرا ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم ثم جئت علي بن أبى طالب فوجدته ألين القوم وقد أشار علي بشئ صنعته فو الله ما أدرى هل يغنينى شيئا أم لا قالوا وبماذا أمرك قال أمرنى أن أجير بين الناس ففعلت قالوا فهل أجاز ذلك محمد قال لا قالوا ويلك والله إن زاد على أن لعب بك فما يغنى عنا ما قلت قال لا والله ما وجدت غير ذلك قال وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه فدخل أبو بكر على ابنته عائشة وهى تحرك بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أي بنية أأمركم رسول الله بأن تجهزوه قالت نعم فتجهز قال فأين ترينه يريد قالت والله ما أدرى ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيؤ وقال اللهم خذ العيون والاخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها فتجهز الناس فقال حسان ابن ثابت الانصاري يحرض الناس ويذكر مصاب رجال خزاعة أتانى ولم أشهد ببطحاء مكة * رجال بنى كعب تحز رقابنا بأيدى رجال لم يسلوا سيوفهم * وقتلى كثير لم تجن ثيابها ألا ليت شعرى هل تنالن نصرتي * سهيل بن عمرو حرها وعقابها وصفوان عودا حز من شفر استه * فهذا أوان الحرب شد عصابها فلا تأمننايا ابن أم مجالد * إذا احتلبت صرفا وأعصل نابها فلا تجزعوا منها فإن سيوفنا * لها وقعة بالموت يفتح بابها وقول حسان بأيدى رجال لم يسلوا سيوفهم يعنى قريشا وابن أم مجالد يعنى عكرمة بن أبى جهل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قالوا لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة كتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع رسول الله من الامر في السير إليهم ثم أعطاه امرأة يزعم محمد بن جعفر أنها من مزينة وزعم غيره أنها سارة مولاة لبعض بنى

[ 328 ]

عبد المطلب وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث علي بن أبى طالب والزبير بن العوام فقال أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم فخرجا حتى أدركاها بالحليفة حليفة ابن أبى أحمد فاستنزلاها فالتمسا في رحلها فلم يجد شيئا فقال لها علي ابن أبى طالب إنى أحلف ما كذب رسول الله ولا كذبنا ولتخرجن إلى هذا الكتاب أو لنكشفنك فلما رأت الجد منه قالت أعرض عنى فأعرض عنها فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منه فدفعته إليه فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله حاطبا فقال يا حاطب ما حملك على هذا فقال يا رسول الله أما والله إنى لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت ولا بدلت ولكني كنت امرءا أليس لى في القوم أصل ولا عشيرة وكان لى بين أظهرهم أهل وولد فصانعتهم عليهم فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله دعني فلاضرب عنقه فان الرجل قد نافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريك يا عمر لعل قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فأنزل الله عز وجل في حاطب (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء - إلى قوله - وإليك أنبنا) إلى آخر القصة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن محمد بن مسلم الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين ابن خلف الغفاري وخرج لعشر مضين من شهر رمضان فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد ما بين عسفان وأمج أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين فسبعت سليم وألفت مزينة وفى كل القبائل عدد واسلام وأوعب مع رسول الله المهاجرون والانصار فلم يتخلف عنه منهم أحد فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران وقد عميت الاخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر

[ 329 ]

عن رسول الله ولا يدرون ما هو فاعل فخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون الاخبار هل يجدون خبرا أو يسمعون به * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال وقد كان فيما حدثنى محمد بن اسحاق عن العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب عن ابن عباس وقد كان العباس بن عبد المطلب تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق وقد كان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة قد لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة فالتمس الدخول على رسول الله فكلمته أم سلمة فيهما فقالت يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك قال لا حاجة لى بهما أما ابن عمى فهتك عرضى واما ابن عمتى وصهري فهو الذى قال بمكة ما قال فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبى سفيان بنى له فقال والله ليأذنن لى أو لآخذن بيد بنى هذا ثم لنذهبن في الارض حتى نموت عطشا رجوعا فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما وأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى منه لعمري إنى يوم أحمل راية * لتغلب خيل اللات خيل محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليله * فهذا أواني حين أهدى وأهتدى وهاد هداني غير نفسي ونالني * مع الله من طردت كل مطرد أصد وأنأى جاهد عن محمد * وأدعى ولو لم انتسب من محمد هم ماهم من لم يقل بهواهم * وان كان ذا رأى يلم ويفند أريد لارضيهم ولست بلائط * مع القوم ما لم اهد في كل مقعد فقل لثقيف لا أريد قتالها * وقل لثقيف تلك غيرى أوعدى وما كنت في الجيش الذى نال عامرا * وما كان عن جرى لساني ولا يدى قبائل جاءت من بلاد بعيدة * نزائع جاءت من سهام وسردد قال فزعموا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ونالني مع الله

[ 330 ]

من طردت كل مطرد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدره ثم قال أنت طردتني كل مطرد (وقال الواقدي) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فقائل يقول يريد قريشا وقائل يقول يريد هوازن وقائل يقول يريد ثقيفا وبعث إلى القبائل فتخلفت عنه ولم يعقد الالوية ولم ينشر الرايات حتى قدم قديدا فلقيته بنو سليم على الخيل والسلاح التام وقد كان عيينة لحق رسول الله بالعرج في نفر من أصحابه ولحقه الاقرع بن حابس بالسقيا فقال عيينة يا رسول الله والله ما أرى آلة الحرب ولا تهيئة الاحرام فأين تتوجه يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث شاء الله ثم رعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعمى عليهم الاخبار فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ولقيه العباس بالسقيا ولقيه مخرمة بن نوفل بنيق العقاب فلما نزل مر الظهران خرج أبو سفيان بن حرب ومعه حكيم بن حزام * فحدثنا أبو كريب قال أخبرنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحق قال حدثنى حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس قال لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران قال العباس بن عبد المطلب وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يا صباح قريش والله لئن بغتها رسول الله في بلادها فدخل مكة عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر فجلس على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء وقال اخرج إلى الاراك لعلى أرى حطابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله فيأتونه فيستأمنونه فخرجت فو الله إنى لاطوف في الاراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبى سفيان بن حرب بن وحكيم حزام وبديل بن ورقاء وقد خرجوا يتحسسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعت أبا سفيان وهو يقول والله ما رأيت كاليوم قط نيرانا فقال بديل هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب فقال أبو سفيان خزاعة ألئم من ذلك وأذل فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة فقال أبو الفضل فقلت نعم فقال لبيك فداك أبى وأمى فما وراءك فقلت هذا رسول الله ورائي قد دلف إليكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين قال فما تأمرني فقلت

[ 331 ]

تركب عجز هذه البغلة فأستأمن لك رسول الله فو الله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فردفنى فخرجت به أركض بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلما مررت بنار من نيران المسلمين ونظروا إلى قالوا عم رسول الله على بغلة رسول الله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال أبو سفيان الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد ثم اشتد نحو النبي صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة وقد أردفت أبا سفيان حتى اقتحمت على باب القبة وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطئ فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عهد فدعني أضرب عنقه فقلت يا رسول الله إنى قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت والله لا يناجيه اليوم أحد دوني فلما أكثر فيه عمر قلت مهلا يا عمر فو الله ما تصنع هذا إلا أنه رجل من بنى عبد مناف ولو كان من بنى عدى بن كعب ما قلت هذا فقال مهلا يا عباس فو الله لاسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم وذلك لانى أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب لو أسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب فقد آمناه حتى تغدو به على بالغداة فرجع به إلى منزله فلما وأصبح غدا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله فقال بأبى أنت وأمى ما أوصلك وأحلمك وأكرمك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنى شيئا فقال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله فقال بأبى أنت وأمى ما أوصلك وأحلمك وأكرمك أما هذه ففى النفس منها شئ فقال العباس فقلت له ويلك تشهد شهادة الحق قبل والله أن تضرب عنقك قال فتشهد قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس حين تشهد أبو سفيان انصرف يا عباس فاحبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتى تمر عليه جنود الله فقلت له يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا يكون في قومه فقال نعم من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد

[ 332 ]

فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن فخرجت حتى حبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي فمرت عليه القبائل فيقول من هؤلاء يا عباس فأقول سليم فيقول مالى ولسليم فتمر به قبيلة فيقول من هؤلاء فأقول أسلم فيقول مالى ولاسلم وتمر جهينة فيقول مالى ولجهينة حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانصار والمهاجرين في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقال من هؤلاء يا أبا الفضل فقلت هذا رسول الله في المهاجرين والانصار فقال يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما فقلت ويحك إنها النبوة فقال نعم إذا فقلت الحق الآن بقومك فحذرهم فخرج سريعا حتى أتى مكة فصرخ في المسجد يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به قالوا فمه فقال من دخل دارى فهو آمن فقالوا ويحك وما تغنى عنا دارك فقال ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن * حدثنى عبد الوارث ابن عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنى أبى قال حدثنا ابان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان أما بعد فإنك كتبت إلي تسألني عن خالد بن الوليد هل أغار يوم الفتح وبأمر من أغار وإنه كان من شأن يوم الفتح أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما ركب النبي بطن مر عامدا إلى مكة وقد كانت قريش بعثوا أبا سفيان وحكيم بن حزام يتلقيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم حين بعثوهما لا يدرون أين يتوجه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أو إلى الطائف وذاك أيام الفتح واستتبع أبو سفيان وحكيم بن حزام بديل بن ورقاء وأحبا أن يصحبهما ولم يكن غير أبى سفيان وحكيم بن حزام وبديل وقالوا حين بعثوهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نؤتين من ورائكم فإنا لا ندرى من يريد محمدا إيانا يريد أو هوازن يريد أو ثقيفا وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش صلح يوم الحديبية وعهد ومدة فكانت بنو بكر في ذلك الصلح مع قريش فاقتتلت طائفة من بنى كعب وطائفة من بنى بكر وكان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش في ذلك الصلح الذى اصطلحوا

[ 333 ]

عليه لا اغلال ولا اسلال فأعانت قريش بنى بكر بالسلاح فاتهمت بنو كعب قريشا فمنها غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة وفى غزوته تلك لقى أبا سفيان وحكيما وبديلا بمر الظهران ولم يشعروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل مر حتى طلعوا عليه فلما رأوه بمر دخل عليه أبو سفيان وبديل وحكيم بمنزله بمر الظهران فبايعوه فلما بايعوه بعثهم بين يديه إلى قريش يدعوهم إلى الاسلام فاخبرت إنه قال من دخل دار أبى سفيان فهو آمن وهى بأعلى مكة ومن دخل دار حكيم وهى بأسفل مكة فهو آمن ومن أغلق عليه بابه وكف يده فهو آمن وأنه لما خرج أبو سفيان وحكيم من عند النبي صلى الله عليه وسلم عامدين إلى مكة بعث في أثرهما الزبير وأعطاه رايته وأمره على خيل المهاجرين والانصار وأمره أن يغرز رايته بأعلى مكة بالحجون وقال للزبير لا تبرح حيث أمرتك أن تغرز رايتى حتى آتيك ومن ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وبنى سليم وأناس إنما أسلموا قبيل ذلك أن يدخل من أسفل مكة وبها بنو بكر قد استنفرتهم قريش وبنو الحارث بن عبد مناة ومن كان من الاحابيش أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة فدخل عليهم خالد بن الوليد من أسفل مكة * حدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخالد والزبير حين بعثهما لا تقاتلا إلا من قاتلكما فلما قدم خالد على بنى بكر والاحابيش بأسفل مكة قاتلهم فهزمهم الله عز وجل ولم يكن بمكة قتال غير ذلك غير أن كرز بن جابر أحد بنى محارب بن فهر وابن الاشعر رجلا من بنى كعب كانا في خيل الزبير فسلكا كداء ولم يسلكا طريق الزبير الذى سلك الذى أمر به فقدما على كتيبة من قريش مهبط كداء فقتلا ولم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال ومن ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم وقام الناس إليه يبايعونه فأسلم أهل مكة وأقام النبي صلى الله عليه وسلم عندهم نصف شهر لم يزد على ذلك حتى جاءت هوازن وثقيف فنزلوا بحنين * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى نجيح أن النبي صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذى طوى

[ 334 ]

أمر الزبير أن يدخل في بعض الناس من كدى وكان الزبير على المجنبة اليسرى فأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء فزعم بعض أهل العلم أن سعدا قال حين وجه داخلا اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة فسمعها رجل من المهاجرين فقال يا رسول الله اسمع ما قال سعد بن عبادة وما نأمن أن تكون له في قريش صولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبى طالب أدركه فخذ الراية فكن أنت الذى تدخل بها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى نجيح في حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خالد ابن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس وكان خالد على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة ضربت هنالك قبته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى نجيح وعبد الله بن أبى بكر أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو وكانوا قد جمعوا أناسا بالخندمة ليقاتلوا وقد كان حماس بن قيس بن خالد أخو بنى بكر يعد سلاحا قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ويصلح منها فقالت له امرأته لماذا تعد ما أرى قال لمحمد وأصحابه فقالت والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شئ قال والله إنى لارجو أن أخدمك بعضهم فقال إن تقبلوا اليوم فمالى علة * هذا سلاح كامل وأله وذو غرارين سريع السله ثم شهد الخندمة مع صفوان وسهيل بن عمرو وعكرمة فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد وشوهم شيئا من قتال فقتل كرز بن جابر بن حسل بن الاجب بن حبيب ابن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر وخنيس بن خالد وهو الاشعر بن ربيعة بن أصرم ابن ضبيس بن حرام بن حبشية بن كعب بن عمرو حليف بنى منقذ وكانا في خيل خالد بن الوليد فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه فقتلا جميعا قتل خنيس قبل

[ 335 ]

كرز بن جابر فجعله كرز بين رجليه ثم قاتل حتى قتل وهو يرتجز ويقول قد علمت صفراء من بنى فهر * نقية الوجه نقية الصدر لاصربن اليوم عن أبى صخر وكان خنيس يكنى بأبى صخر وأصيب من جهينة سلمة بن الميلاء من خيل خالد بن الوليد وأصيب من المشركين أناس قريب من اثنى عشر أو ثلاثة عشر ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته ثم قال لامرأته أغلقى على بابى قالت فأين ما كنت تقول فقال إنك لو شهدت يوم الحندمة * إذ فر صفوان وفر عكرمة وأبو زيد يزيد قائم كالماتمه * واستقبلتهم بالسيوف المسلمه يقطعن كل ساعد وجمجمة * ضربا فلا تسمع إلا غمغمه لهم نهيت خلفنا وهمهمه * لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقتلوا أحدا إلا من قاتلهم إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد بن أبى سرح بن حبيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله أنه كان قد أسلم فارتد مشركا ففر إلى عثمان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأن أهل مكة فاستأمن له رسول الله فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صمت طويلا ثم قال نعم فلما انصرف به عثمان قال رسول الله لمن حوله من أصحابه أما والله لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه فقال رجل من الانصار فهلا أومأت إلى يا رسول الله قال إن النبي لا يقتل بالاشارة وعبد الله بن خطل رجل من بنى تميم بن غالب وإنما أمر بقتله أنه كان مسلما فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث

[ 336 ]

معه رجلا من الانصار وكان معه مولى له يخدمه وكان مسلما فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا ويصنع له طعاما وقام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا وكانت به قينتان فرتنا وأخرى معها وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقتلهما معه والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصى وكان ممن يؤذيه بمكة ومقيس بن صبابة وإنما أمر بقتله لقتله الانصاري الذى كان قتل أخاه خطأ ورجوعه إلى قريش مرتدا وعكرمة بن أبى جهل وسارة مولاة كانت لبعض بنى عبد المطلب وكانت ممن يؤذيه بمكة فأما عكرمة بن أبى جهل فهرب إلى اليمن وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام فاستأمنت له رسول الله فآمنه فخرجت في طلبه حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عكرمة يحدث فيما يذكرون أن الذى رده إلى الاسلام بعد خروجه إلى اليمن أنه كان يقول أردت ركوب البحر لالحق بالحبشة فلما أتيت السفينة لاركبها قال صاحبها يا عبد الله لا تركب سفينتي حتى توحد الله وتخلع ما دونه من الانداد فانى أخشى إن لم تفعل أن نهلك فيها فقلت وما يركبه أحد حتى يوحد الله ويخلع ما دونه قال نعم لا يركبه أحد إلا أخلص قال فقلت ففيما أفارق محمدا فهذا الذى جاءنا به فو الله إن إلهنا في البحر لالهنا في البر فعرفت الاسلام عند ذلك ودخل في قلبى وأما عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن حريث المخزومى وأبو برزة الاسلمي اشتركا في دمه وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه فقالت أخت مقيس لعمري لقد أخزى نميلة رهطه * وفجع أضياف الشتاء بمقيس فلله عينا من رأى مثل مقيس * إذا النفساء أصبحت لم تخرس وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما وهربت الاخرى حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فآمنها وأما سارة فاستؤمن لها فآمنها ثم بقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا له في زمن عمر بن الخطاب بالابطح فقتلها وأما الحويرث بن نقيد فقتله علي بن أبى طالب رضى الله عنه (وقال الواقدي)

[ 337 ]

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل سته نفر وأربع نسوة فذكر من الرجال من سماه ابن إسحاق ومن النساء هند بنت عتبة بن ربيعة فأسلمت وبايعت وسارة مولاة عمرو بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف قتلت يومئذ وقريبة قتلت يومئذ وفرتنا عاشت إلى خلافة عثمان * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عمر بن موسى بن الوجيه عن قتادة السدوسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام قائما حين وقف على باب الكعبة ثم قال لا إله الا إلله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبد ه وهزم الاحزاب وحده ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمى هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وقتيل الخطإ مثل العمد السوط والعصا فيهما الدية مغلظة منها أربعون في بطونها أولادها يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم خلق من تراب ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الآية يا معشر قريش ويا أهل مكة ما ترون انى فاعل بكم قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم ثم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة وكانوا له فيأ فبذلك يسمى أهل مكة الطلقاء ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاسلام فجلس لهم فيما بلغني على الصفا وعمر بن الخطاب تحت رسول الله أسفل من مجلسه يأخذ على الناس فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا وكذلك كانت بيعته لمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس على الاسلام فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيعة الرجال بايع النساء واجتمع إليه نساء من نساء قريش فيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة لحدثها وما كان من صنيعها بحمزة فهى تخاف أن يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدثها ذلك فلما دنون منه ليبايعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني تبايعني على ألا تشركن بالله شيئا فقالت هند والله إنك لتأخذ علينا امرا ما تأخذه على الرجال

[ 338 ]

وسنؤتيكه قال ولا تسرقن قالت والله إن كنت لاصيب من مال أبى سفيان الهنة والهنة وما أدرى أكان ذلك حلالى أم لا فقال أبو سفيان وكان شاهدا لما تقول أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وإنك لهند بنت عتبة فقالت أنا هند بنت عتبة فاعف عما سلف عفا الله عنك قال ولا تزنين قالت يا رسول الله هل تزني الحرة قال ولا تقتلن أولادكن قالت قد ربيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا فأنت وهم أعلم فضحك عمر بن الخطاب من قولها حتى استغرب قال ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن قالت والله إن إتيان البهتان لقبيح ولبعض التجاوز أمثل قال ولا تعصيننى في معروف قالت ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيك في معروف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بايعهن واستغفر لهن رسول الله فبايعهن عمر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء ولا يمس امرأة ولا تمسه إلا امرأة أحلها الله له أو ذات محرم منه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أبان بن صالح أن بيعة النساء قد كانت على نحوين فيما أخبره بعض أهل العلم كان يوضع بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء فيه ماء فإذا أخذ عليهن وأعطينه غمس يده في الاناء ثم أخرجها فغمس النساء أيديهن فيه ثم كان بعد ذلك يأخذ عليهن فإذا أعطينه ما شرط عليهن قال اذهبن فقد بايعتكن لا يزيد على ذلك (قال الواقدي) فيها قتل خراش بن أمية الكعبي جنيدب بن الادلع الهذلى (وقال ابن إسحاق) ابن الاثوع الهذلى وإنما قتله بذحل كان في الجاهلية فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن خراشا قتال ان خراشا قتال يعيبه بذلك فأمر النبي صلى الله عليه وسلم خزاعة أن يدوه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال محمد بن إسحاق ولا أعلمه إلا وقد حدثنى عن عروة بن الزبير قال خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن فقال عمير بن وهب يا نبى الله إن صفوان بن أمية سيد قومه وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر فآمنه صلى الله عليك قال هو آمن قال يا رسول الله أعطني شيئا

[ 339 ]

يعرف به أمانك فأعطاه عمامته التى دخل فيها مكة فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة وهو يريد أن يركب البحر فقال يا صفوان فداك أبى وأمى أذكرك الله في نفسك أن تهلكها فهذا أمان من رسول الله قد جئتك به قال ويلك اغرب عنى فلا تكلمني قال أي صفوان فداك أبى وأمى أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمتك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك قال إنى أخافه على نفسي قال هو أحلم من ذلك وأكرم فرجع به معه حتى قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان إن هذا زعم أنك قد آمنتني قال صدق قال فاجعلني في أمرى بالخيار شهرين قال أنت فيه بالخيار أربعة أشهر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام وفاختة بنت الوليد وكانت فاختة عند صفوان بن أمية وأم حكيم عند عكرمة ابن أبى جهل أسلمتا فأما أم حكيم فاستأمنت رسول الله لعكرمة بن أبى جهل فآمنه فلحقت به باليمن فجاءت به فلما أسلم عكرمة وصفوان أقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهما على النكاح الاول * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هرب هبيرة بن أبى وهب المخزومى وعبد الله بن الزبعرى السهمى إلى نجران * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الانصاري قال رمى حسان عبد الله بن الزبعرى وهو بنجران ببيت واحد ما زاده عليه لا تعدمن رجلا أحلك بغضه * نجران في عيش أحذ لئيم فلما بلغ ذلك ابن الزبعرى رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حين أسلم يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أبارى الشيطان في سنن الري‍ * ح ومن مال ميله مثبور آمن اللحم والعظام لربى * ثم نفسي الشهيد أنت النذير إننى عنك ناهى ثم حى * من لؤى فكلهم مغرور وأما هبيرة بن أبى وهب فأقام بها كافرا وقد قال حين بلغه إسلام أم هانئ بنت أبى طالب

[ 340 ]

وكانت تحته واسمها هند أشاقتك هند أم ناك سؤالها * كذاك النوى أسبابها وانفتالها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف من بنى غفار أربعمائة ومن أسلم أربعمائة ومن مزينة ألف وثلاثة نفر ومن بنى سليم سبعمائة ومن جهينة ألف وأربعمائة رجل وسائرهم من قريش والانصار وحلفاؤهم وطوائف العرب من بنى تميم وقيس وأسد (قال الواقدي) في هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم مليكة بنت داود الليثية فجاء إليها بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت لها ألا تستحين حين تزوجين رجلا قتل أباك فاستعاذت منه وكانت جميلة وكانت حدثة ففارقها رسول الله وكان قتل أباها يوم فتح مكة قال وفيها هدم خالد بن الوليد العزى ببطن نخلة لخمس ليال بقين من رمضان وهو صنم لبنى شيبان بطن من سليم حلفاء بنى هاشم وبو أسد بن عبد العزى يقولون هذا صنمنا فخرج إليه خالد فقال قد هدمته قال أرأيت شيئا قال لا قال فارجع فاهدمه فرجع خالد إلى الصنم فهدم بيته وكسر الصنم فجعل السادن يقول أعزى اغضبي بعض غضباتك فخرجت عليه امرأة حبشية عريانة مولولة فقتلها وأخذ ما فيها من حلية ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال تلك العزى ولا تعبد العزى أبدا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى وكانت بنخلة وكانت بيتا يعظمه هذا الحى من قريش وكنانة ومضر كلها وكانت سدنتها من بنى شيبان من بنى سليم حلفاء بنى هاشم فلما سمع صاحبها بمسير خالد إليها علق عليها سيفه وأسند في الجبل الذى هي إليه فأصعد فيه وهو يقول أيا عز شدى شدة لا شوى لها * على خالد ألقى القناع وشمرى ويا عز إن لم تقتلي اليوم خالدا * فبوئى بإثم عاجل أو تنصري فلما انتهى إليها خالد هدمها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال الواقدي) وفيها هدم سواع وكان برهاط لهذيل وكان حجرا وكان الذى

[ 341 ]

هدمه عمرو بن العاص لما انتهى إلى الصنم قال له السادن ما تريد قال هدم سواع قال لا تطيق تهدمه قال له عمرو بن العاص أنت في الباطل بعد فهدمه عمرو ولم يجد في خزانته شيئا ثم قال عمرو للسادن كيف رأيت قال أسلمت والله وفيها هدم مناة بالمشلل هدمه سعد بن زيد الاشهلى وكان للاوس والخزرج وفيها كانت غزوة خالد بن الوليد بن جذيمة وكان من أمره وأمرهم ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بنى إسحاق قال قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث فيما حول مكة السرايا تدعو إلى الله عز وجل ولم يأمرهم بقتال وكان ممن بعث خالد بن الوليد وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيا ولم يبعثه مقاتلا فوطئ بنى جذيمة فأصاب منهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن حكيم بن حكيم بن عباد ابن حنيف عن أبى جعفر محمد بن على بن حسين قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة خالد بن الوليد داعيا ولم يبعثه مقاتلا ومعه قبائل من العرب سليم ومدلج وقبائل من غيرهم فلما نزلوا على الغميصاء وهى ماء من مياه بنى جذيمة ابن عامر بن عبد مناة بن كنانة على جماعتهم وكانت بنو جذيمة قد أصابوا في الجاهلية عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف والفاكه بن المغيرة وكانا أقبلا تاجرين من اليمن حتى إذا نزلا بهم قتلوهما وأخذوا أموالهما فلما كان الاسلام وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد سار حتى نزل ذلك الماء فلما رآه القوم أخذوا السلاح فقال لهم خالد ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى بعض أهل العلم عن رجل من بنى جذيمة قال لما أمرنا خالد بوضع السلاح قال رجل منا يقال له جحدم ويلكم يا بنى جذيمة إنه خالد والله ما بعد وضع السلاح إلا الاسار ثم ما بعد الاسار إلا ضرب الاعناق والله لا أضع سلاحي أبدا قال فأخذه رجال من قومه فقالوا يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وأمن الناس فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ووضع القوم السلاح لقول خالد فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل

[ 342 ]

من قتل منهم فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء ثم قال اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثم دعا علي بن أبى طالب عليه السلام فقال يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك فخرج حتى جاءهم ومعه مال قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم به فودى لهم الدماء وما أصيب من الاموال حتى إنه ليدى ميلغة الكلب حتى إذا لم يبق شئ من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال فقال لهم علي عليه السلام حين فرغ منهم هل بقى لكم دم أو مال لم يود إليكم قالوا لا قال فإنى أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون ففعل ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فقال أصبت وأحسنت ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى بياض ما تحت منكبيه وهو يقول اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات (قال ابن اسحاق) وقد قال بعض من يعذر خالدا إنه قال ما قاتلت حتى أمرنى بذلك عبد الله بن حذافة السهمى وقال إن رسول الله قد أمرك بقتلهم لامتناعهم من الاسلام وقد كان جحدم قال لهم حين وضعوا سلاحهم ورأى ما يصنع خالد ببنى جذيمة يا بنى جذيمة يا بنى خزيمة ضاع الضرب قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال حدثنى عبد الله بن أبى سلمة قال كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف فيما بلغني كلام في ذلك فقال له عملت بأمر الجاهلية في الاسلام فقال إنما ثأرت بأبيك فقال عبد الرحمن بن عوف كذبت قد قتلت قاتل أبى ولكنك إنما ثأرت بعمك الفاكه ابن المغيرة حتى كان بينهما شئ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مهلا يا خالد دع عنك أصحابي فو الله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته * حدثنا سعيد بن يحيى الاموى قال حدثنا أبى وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة جميعا عن ابن اسحاق عن يعقوب بن عتبة ابن المغيرة بن الاخنس بن شريق عن ابن شهاب الزهري عن ابن عبد الله بن

[ 343 ]

أبى حدرد الاسلمي عن أبيه عبد الله بن أبى حدرد قال كنت يومئذ في خيل خالد فقال لى فتى منهم وهو في السبى وقد جمعت يداه إلى عنقي برمة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه يا فتى قلت نعم قال هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي بها إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى اليهن حاجة ثم تردني بعد فتصنعوا بى ما بدا لكم قال قلت والله ليسير ما سألت فأخذت برمته فقدته بها حتى أوقفته عليهن فقال اسلمي حبيش على نفذ العيش أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم * بحلية أو ألفيتكم بالخوانق ألم يك حقا أن ينول عاشق * تكلف إدلاج السرى والودائق فلا ذنب لى قد قلت إذ أهلنا معا * أثيبي بود قبل إحدى الصفائق أثيبي بود قبل أن تشحط النوى * ويناى الامير بالحبيب المفارق فإنى لا سرا لدى أضعته * ولا راق عينى بعد وجهك رائق على أن ما ناب العشيرة شاغل * ولا ذكر إلا أن يكون لوامق قالت وأنت فحييت عشرا وسبعا وترا وثمانيا تترا ثم انصرفت به فقدم فضربت عنقه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن أبى فراس ابن أبى سنبلة الاسلمي عن أشياخ منهم عمن كان حضرها قالوا قامت إليه حين ضربت عنقه فأكبت عليه فما زالت تقبله حتى ماتت عنده * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة (قال ابن اسحاق) وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمانية

[ 344 ]

ذكر الخبر عن غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن بحنين وكان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر المسلمين وأمر هوازن ما حدثنا على بن نصر بن على الجهضمى وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال على حدثنا عبد الصمد وقال عبد الوارث حدثنا أبى قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة قال أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح نصف شهر لم يزد على ذلك حتى جاءت هوازن وثقيف فنزلوا بحنين وحنين واد إلى جنب ذى المجاز وهم يومئذ عامدون يريدون قتال النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا قد جمعوا قبل ذلك حين سمعوا بمخرج رسول الله من المدينة وهم يظنون أنه إنما يريدهم حيث خرج من المدينة فلما أتاهم أنه قد نزل مكة أقبلت هوازن عامدين إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأقبلوا معهم بالنساء والصبيان والاموال ورئيس هوازن يومئذ مالك بن عوف أحد بنى نصر وأقبلت معهم ثقيف حتى نزلوا حنينا يريدون النبي صلى الله عليه وسلم فلما حدث النبي وهو بمكة أن قد نزلت هوازن وثقيف بحنين يسوقهم مالك بن عوف أحد بنى نصر وهو رئيسهم يومئذ عمد النبي صلى الله عليه وسلم حتى قدم عليهم فوافاهم بحنين فهزمهم الله عز وجل وكان فيها ما ذكر الله عز وجل في الكتاب وكان الذى ساقوا من النساء والصبيان والماشية غنيمة غنمها الله عز وجل رسوله فقسم أموالهم فيمن كان أسلم معه من قريش * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال لما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة جمعها مالك بن عوف النصرى واجتمعت إليه مع هوازن ثقيف كلها فجمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بنى هلال وهم قليل ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء وغابت عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب ولم يشهدها منهم أحد له اسم وفى جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شئ إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب

[ 345 ]

وكان شيخا كبيرا مجربا وفى ثقيف سيدان لهم في الاحلاف قارب بن الاسود ابن مسعود وفى بنى مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه الاحمر بن الحارث في بنى هلال وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصرى فلما أجمع مالك المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به فلما نزل قال بأى واد أنتم قالوا بأوطاس قال نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس مالى أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير ويعار الشاء وبكاء الصغير قالوا ساق الملك ابن عوف مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم فقال أين مالك فقيل هذا مالك فدعى له فقال يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الايام مالى أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير ويعار الشاء وبكاء الصغير قال سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم قال ولم قال أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم قال فانقض به ثم قال راعى ضأن والله هل يرد المنهزم شئ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك وما فعلت كعب وكلاب قالوا لم يشهد منهم أحد قال غاب الجد والحد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب فمن شهدها منكم قالوا عمرو بن عامر وعوف بن عامر قال ذانك الجذعان من بنى عامر لا ينفعان ولا يضران يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا أرفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم ثم الصق الصباء على متون الخيل فان كانت لك لحق بك من وراءك وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك قال والله لا أفعل إنك قد كبرت وكبر علمك والله لتطيعننى يا معشر هوازن أو لاتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهرى وكره أن يكون لدريد فيها ذكر ورأى قال دريد بن الصمة هذا يوم لم أشهده ولم يفتنى يا ليتنى فيها جذع * أخب فيها وأضع * أقود وطفاء الزمع * كأنها شاة صدع

[ 346 ]

وكان دريد رئيس بنى جشم وسيدهم وأوسطهم ولكن السن أدركته حتى فنى وهو دريد بن الصمة بن بكر بن علقمة بن جداعة بن غزية بن جشم بن معاوية ابن بكر بن هوازن ثم قال مالك للناس إذا أنتم رأيتم القوم فاكسروا جفون سيوفكم وشدوا شدة رجل واحد عليهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان أنه حدث أن مالك ابن عوف بعث عيونا من رجاله لينظروا له ويأتوه بخبر الناس فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم فقال ويلكم ما شأنكم قالوا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق فو الله ما تمسكنا أن أصابنا ما ترى فلم ينهه ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد (قال ابن إسحاق) ولما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله ابن أبى حدرد الاسلمي وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يأتيه بخبر منهم ويعلم من علمهم فانطلق ابن أبى حدرد فدخل فيهم فأقام معهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم أمر مالك وأمر هوازن وما هم عليه ثم أتى رسول الله فأخبره الخبر فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب فأخبره خبر ابن أبى حدرد فقال عمر كذب فقال ابن أبى حدرد ان تكذبني فطال ما كذبت بالحق يا عمر فقال عمر ألا تسمع يا رسول الله إلى ما يقول ابن أبى حدرد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كنت ضالا فهداك الله يا عمر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى أبو جعفر محمد بن على بن حسين قال لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ليلقاهم ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا فأرسل إليه فقال يا أبا أمية وهو يومئذ مشرك أعرنا سلاحك هذا نلفى فيه عدونا غدا فقال له صفوان أغصبا يا محمد قال بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك قال ليس بهذا بأس فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيه حملها ففعل (قال أبو جعفر محمد بن على) فمضت السنة أن العارية مضمونة مؤداة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق

[ 347 ]

عن عبد الله بن أبى بكر قال ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة فكانوا اثنى عشر ألفا واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس على مكة أميرا على من غاب عنه من الناس ثم مضى على وجهه يريد لقاء هوازن * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه قال لما استقبلنا وادى حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا قال وفى عماية الصبح وكان القوم قد سبقوا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه قد أجمعوا وتهيؤا وأعدوا فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد وانهزم الناس أجمعون فانشمروا لا يلوى أحد عن أحد وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين ثم قال أين أيها الناس هلم إلى أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله قال فلا شئ احتملت الابل بعضها بعضا فانطلق الناس إلا أنه قد بقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين والانصار وأهل بيته وممن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي بن أبى طالب والعباس بن عبد المطلب وابنه الفضل وأبو سفيان بن الحارث وربيعة ابن الحارث وأيمن بن عبيد وهو أيمن بن أم أيمن وأسامة بن زيد بن حارثة قال ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام الناس وهوازن خلفه إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه ولما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن فقال أبو سفيان حرب لا تنتهى هزيمتهم دون البحر والازلام معه في كنانته وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية بن خلف وكان أخاه لامه وصفوان يومئذ مشرك في المدة التى جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألا بطل السحر اليوم فقال له صفوان اسكت فض الله فاك فو الله لان يربنى رجل من قريش

[ 348 ]

أحب إلى من أن يربنى رجل من هوازن وقال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة أخو بنى عبد الدار قلت اليوم أدرك ثأري وكان أبوه قتل يوم أحد اليوم أقتل محمد قال فأردت رسول الله لاقتله فأقبل شئ حتى تغشى فؤادى فلم أطق ذلك وعلمت أنه قد منع منى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن كثير بن العباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال إنى لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها قال وكنت امرءا جسيما شديد الصوت قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى من الناس ما رأى أين أيها الناس فلما رأى الناس لا يلوون على شئ قال يا عباس اصرخ يا معشر الانصار يا أصحاب السمرة فناديت يا معشر الانصار يا معشر أصحاب السمرة قال فأجابوا لبيك لبيك قال فيذهب الرجل منهم يريد ليثنى بعيره فلا يقدر على ذلك فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ثم يقتحم عن بعيره فيخلى سبيله في الناس ثم يؤم الصوت حتى ينتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة رجل استقبلوا الناس فاقتتلوا فكانت الدعوى أولا يا للانصار ثم جعلت أخيرا يا للخزرج وكانوا صبرا عند الحرب فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركابه فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون فقال الآن حمى الوطيس * حدثنا هارون بن إسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنا إسرائيل قال حدثنا ابو إسحاق عن البراء قال كان أبو سفيان بن الحارث يقود بالنبي صلى الله عليه وسلم بغلته يوم حنين فلما غشى النبي صلى الله عليه وسلم المشركون نزل فجعل يرتجز ويقول أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب فما رئى من الناس أشد منه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه عبد الله قال بينا ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله بصنع ما يصنع إذ هوى له علي ابن أبى طالب ورجل من الانصار يريدانه فيأتيه علي من خلفه فيضرب عرقوبى

[ 349 ]

الجمل فوقع على عجزه ووثب الانصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله قال واجتلد الناس فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الاسارى مكتفين وقد التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان ممن صبر يومئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حسن الاسلام حين أسلم وهو آخذ بثفر بغلته فقال من هذا قال ابن أمك يا رسول الله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الله ابن أبى بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التفت فرأى أم سليم بنت ملحان وكانت مع زوجها أبى طلحة حازمة وسطها ببرد لها وإنها لحامل بعبد الله بن أبى طلحة ومعها جمل أبى طلحة وقد خشيت أن يعزها الجمل فأدنت رأسه منها فأدخلت يدها في خزامته مع الخطام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سليم قالت نعم بأبى أنت وأمى يا رسول الله اقتل هؤلاء الذين يفرون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك فإنهم لذلك أهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يكفى الله يا أم سليم ومعها خنجر في يدها فقال لها أبو طلحة ما هذا معك يا أم سليم قالت خنجر أخذته معى إن دنا منى أحد من المشركين بعجته به قال يقول أبو طلحة ألا تسمع ما تقول أم سليم يا رسول الله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثنى حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك قال لقد استلب أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلا وحده هو قتلهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن أبيه أنه حدث عن جبير بن مطعم قال لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الاسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملا الوادي فلم أشك أنها الملائكة ولم يكن إلا هزيمة القوم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف ببنى مالك فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب جد ابن أم حكم بنت أبى سفيان وكانت رايتهم مع ذى الخمار فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله

[ 350 ]

فقاتل بها حتى قتل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عامر بن وهب بن الاسود بن مسعود قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل عثمان قال أبعده الله فإنه كان يبغض قريشا * حدثنا على بن سهل قال حدثنا مؤمل عن عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين على بغلة بيضاء يقال لها دلدل فلما انهزم المسلمون قال النبي صلى الله عليه وسلم لبغلته البدى دلدل فوضعت بطنه على الارض فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب فرمى بها في وجوههم وقال حم لا ينصرون فولى المشركون مدبرين ما ضرب بسيف ولا طعن برمح ولا رمى بسهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس قال قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نصراني أغرل قال فبينا رجل من الانصار يستلب قتلى من ثقيف إذ كشف العبد ليستلبه فوجده أغرل فشرخ بأعلى صوته يعلم الله أن ثقيفا غرل ما تختتن قال المغيرة بن شعبة فأخذت بيده وخشيت أن تذهب عنا في العرب فقلت لا تقل ذلك فداك أبى وأمى إنما هو غلام لنا نصراني ثم جعلت أكشف له قتلانا فأقول ألا تراهم مختنين قال وكانت راية الاحلاف مع قارب بن الاسود بن مسعود فلما هزم الناس أسند رايته إلى شجرة وهرب هو وبنو عمه وقومه من الاحلاف فلم يقتل منهم إلا رجلان رجل من بنى غيرة يقال له وهب وآخر من بنى كنة يقال له الجلاح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل الجلاح قتل اليوم سيد شباب ثقيف إلا ما كان من ابن هنيدة وابن هنيدة الحارث بن أوس * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف فتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك في نخلة من الناس ولم تتبغ من سلك الثنايا فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع ابن سمال بن عوف بن امرئ القيس كان يقال له ابن لذعة وهى أمه فغلبت على نسبه دريد

[ 351 ]

ابن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة وذلك أنه كان في شجار له فإذا هو رجل فأناخ به وإذا هو شيخ كبير وإذا هو دريد بن الصمة لا يعرفه الغلام فقال له دريد ماذا تريد بى قال أقتلك قال ومن أنت قال أنا ربيعة بن رفيع السلمى ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا فقال بئسما سلحتك أمك خذ سيفى هذا من مؤخر الرحل في الشجار ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإنى كذلك كنت أقتل الرجال ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرب يوم والله قد منعت نساءك فزعمت بنو سليم أن ربيعة قال لما ضربته فوقع تكشف الثوب عنه فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل إعراء فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا (قال أبو جعفر) وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس فحدثني موسى بن عبد الرحمن الكندى قال حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله عن أبى بردة عن أبيه قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقى دريد بن الصمة فقتل دريدا وهزم الله أصحابه (قال أبو موسى) فبعثني مع أبى عامر قال فرمى أبو عامر في ركبته رماه رجل من بنى جشم بسهم فأثبته في ركبته فانتهيت إليه فقلت يا عم من رماك فأشار أبو عامر لابي موسى فقال إن ذاك قاتلي تراه ذلك الذى رماني (قال أبو موسى) فقصدت له فاعتمدته فلحقته فلما رأني ولى عنى ذاهبا فاتبعته وجعلت أقول له ألا تستحى ألست عربيا ألا تثبت فكر فالتقيت أنا وهو فاختلفنا ضربتين فضربته بالسيف ثم رجعت إلى أبى عامر فقلت قد قتل الله صاحبك قال فانزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماء فقال يا ابن أخى انطلق إلى رسول الله فاقرئه منى السلام وقل له إنه يقول لك استغفر لى قال واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرا ثم إنه مات * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال يزعمون أن سلمة بن دريد هو الذى رمى أبا عامر بسهم فأصاب ركبته فقتله فقال سلمة بن دريد في قتله أبا عامر: إن تسألوا عنى فإنى سلمه * ابن سمادير لمن توسمه

[ 352 ]

أضرب بالسيف رؤس المسلمه وسمادير أم سلمة فانتمى إليها قال وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة فوقف في فوارس من قومه على ثنية من الطريق وقال لاصحابه قفوا حتى تمضى ضعفاؤكم وتلحق أخراكم فوقف هنالك حتى مضى من كان لحق بهم من منهزمة الناس * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق قال حدثنى بعض بنى سعد بن بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ لخيله التى بعث إن قدرتم على بحاد رجل من بنى سعد بن بكر فلا يفلتنكم وكان بحاد قد أحدث حدثا فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله وساقوا أخته الشيماء بنت الحارث بن عبد الله بن عبد العزى أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة فعنفوا عليها في السايق معهم فقالت للمسلمين تعلمون والله إنى لاخت صاحبكم من الرضاعة فلم يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا ابن إسحاق عن أبى وجزة يزيد بن عبيد السعدى لما انتهى بالشيماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت يا رسول الله إنى أختك قال وما علامة ذلك قالت عضة عضضتنيها في ظهرى وأنا متوركتك قال فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة فبسط لها رداءه ثم قال ههنا فأجلسها عليه وخيرها وقال إن أحببت فعندي محببة مكرمة وإن أحببت أمتعك وترجعي إلى قومك قالت بل تمتعني وتردني إلى قومي فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وردها إلى قومها فزعمت بنو سعد بن بكر أنه أعطاها غلاما له يقال مكحول وجارية فزوجت أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية (قال ابن اسحاق) استشهد يوم حنين من قريش ثم من بنى هاشم أيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بنى أسد بن عبد العزى يزيد بن زمعة بن الاسود بن المطلب ابن أسد جمح به فرس له يقال له الجناح فقتل ومن الانصار سراقة بن الحارث بن عدى بن بلعجلان ومن الاشعريين أبو عامر الاشعري ثم جمعت إلى رسول الله سبايا حنين وأموالها وكان على المغانم مسعود بن عمرو القارى فأمر رسول الله صلى الله

[ 353 ]

عليه وسلم بالسبايا والاموال إلى الجعرانة فحبست بها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال ابن إسحاق لما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عن عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة كانا بجرش يتعلمان صنعة الدباب والضبور والمجانيق * فحدثنا على بن نصر بن علي قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وحدثنا عبد الوارث ابن عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنا أبى قال أخبرنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة قال سار رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين من فوره ذلك يعنى منصرفه من حنين حتى نزل الطائف فأقام نصف شهر يقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقاتلهم ثقيف من وراء الحصن لم يخرج إليه في ذلك أحد منهم وأسلم من حولهم من الناس كلهم وجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفودهم ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحاصرهم إلا نصف شهر حتى نزل الجعرانة وبها السبى الذى سبى رسول الله من حنين من نسائهم وأبنائهم ويزعمون أن ذلك السبى الذى أصاب يومئذ من هوازن كانت عدته ستة آلاف من نسائهم وأبنائهم فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة قدمت عليه وفود هوازن مسلمين فأعتق أبناءهم ونساءهم كلهم وأهل بعمرة من الجعرانة وذلك في ذى القعدة ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع إلى المدينة واستخلف أبا بكر رضى الله تعالى عنه على أهل مكة وأمره أن يقيم للناس الحج ويعلم الناس الاسلام وأمره أن يؤمن من حج من الناس ورجع إلى المدينة قلما قدمها قدم عليه وفود ثقيف فقاضوه على القضية التى ذكرت فبايعوه وهو الكتاب الذى عندهم كاتبوه عليه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن إسحاق عن عمرو ابن شعيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلك إلى الطائف من حنين على نخلة اليمانية ثم على قرن ثم على المليح ثم على بحرة الرغاء من لية فابتنى بها مسجدا فصلى فيه فأقاد يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم وهو أول دم أقيد به في الاسلام رجلا من بنى ليث قتل رجلا من هذيل فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر رسول الله

[ 354 ]

وهو بلية بحصن مالك بن عوف فهدم ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة فلما توجه فيها سأل على اسمها فقال ما اسم هذه الطريق فقيل له الضيقة فقال بل هي اليسرى ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نخب حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريبا من مال رجل من ثقيف فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أن تخرج وإما أن نخرب عليك حائطك فأبى أن يخرج فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراجه ثم مضى رسول الله حتى نزل قريبا من الطائف فضرب عسكره فقتل أناس من أصحابه بالنبل وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف فكانت النبل تنالهم ولم يقدر المسلمون أن يدخلوا حائطهم غلقوه دونهم فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل ارتفع فوضع عسكره عند مسجده الذى بالطائف اليوم فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة ومعه امرأتان من نسائه احداهما أم سلمة بنت أبى أمية وأخرى معها (قال الواقدي) الاخرى زينب بنت جحش فضرب لهما قبتين فصلى بين القبتين ما أقام فلما أسلمت ثقيف بنى على مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أبو أمية بن عمرو بن وهب بن معتب بن مالك مسجدا وكانت في ذلك المسجد سارية فيما يزعمون لا تطلع عليها الشمس يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلهم قتالا شديدا وتراموا بالنبل حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابة ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرمتهم ثقيف بالنبل وقتلوا رجالا فأمر رسول الله بقطع أعناب ثقيف فوقع فيها الناس يقتطعون وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة إلى الطائف فناديا يا ثقيفا أن أمنونا حتى نكلمكم فأمنوهما فدعوا نساء من نساء قريش وبنى كنانة ليخرجن إليهما وهما يخافان عليهن السباء فأبين منهن آمنة بنت أبى سفيان كانت عند عروة بن مسعود لها منها داود بن عروة وغيرها (وقال الواقدي) حدثنى كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبى هريرة قال لما مضت خمس عشرة من

[ 355 ]

حصار الطائف استشار رسول الله نوفل بن معاوية الديلى وقال يا نوفل ما ترى في المقام عليهم قال يا رسول الله ثعلب في حجر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا ابن اسحاق قال قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي بكر بن أبى قحافة وهو محاصر ثقيفا بالطائف يا أبا بكر إنى رأيت أنه أهديت لى قعبة مملوأة زبدا فنقرها ديك فأهراق ما فيها فقال أبو بكر ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا لا أرى ذلك ثم إن خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة ابن الاوقص السلمية وهى امرأة عثمان بن مظعون قالت يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلى بادية بنت غيلان بن سلمة أو حلى الفارعة بنت عقيل وكانتا من أحلى نساء ثقيف قال فذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها وإن كان لم يؤذن لى في ثقيف يا خويلة فخرجت خويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خويلة أنك قلته قال قد قلته قال أوما أذن فيهم يا رسول الله قال لا قال أفلا أؤذن بالرحيل في الناس قال بلى فأذن عمر فيهم بالرحيل فلما استقل الناس نادى سعيد ابن عبيد بن أسيد بن أبى عمرو بن علاج الثقفى ألا إن الحى مقيم قال يقول عيينة ابن حصن أجل والله مجدة كراما فقال له رجل من المسلمين قاتلك الله يا عيينة أتمدح قوما من المشركين بالامتناع من رسول الله وقد جئت تنصره قال إنى والله ما جئت لاقاتل معكم ثقيفا ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب من ثقيف جارية أتبطنها لعلها أن تلد لي رجلا فان ثقيفا قوم مناكير واستشهد بالطائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلا سبعة من قريش ورجل من بنى ليث وأربعة من الانصار * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من الطائف على دحنا حتى نزل الجعرانة بمن معه من المسلمين وكان قدم سبى هوازن حين سار إلى الطائف إلى الجعرانة بها ثم أتته وفود هوازن بالجعرانة وكان مع رسول الله صلى

[ 356 ]

الله عليه وسلم من سبى هوازن من النساء والذراري عدد كثير ومن الابل ستة آلاف بعير ومن الشاء ما لا يحصى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص قال أتى وفد هوازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا يا رسول الله إنا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك فامنن علينا من الله عليك فقام رجل من هوازن أحد بنى سعد بن بكر وكان بنو سعد هم الذين أرضعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له زهير بن صرد وكان يكنى بأبى صرد فقال يا رسول الله إنما في الحضائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك ولو أننا ملحنا للحارث بن أبى شمر أو للنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل ما نزلت به رجونا عطفه وعائدته وأنت خير المكفولين ثم قال امنن علينا رسول الله في كرم * فإنك المرء نرجوه وندخر امنن على بيضة أعتاقها قدر * ممزق شملها في دهرها غير في أبيات قالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناؤكم ونساؤكم أحب اليكم أم أموالكم فقالوا يا رسول الله خيرتنا بين احسابنا وأموالنا بل ترد علينا نساءنا وأبناءنا فهم أحب الينا فقال أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم فإذا أنا صليت بالناس فقولوا إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم وأسأل لكم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر قاموا فتكلموا بالذى أمرهم به فقال رسول الله أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم وقال المهاجرون وما كان لنا فهو لرسول الله وقالت الانصار وما كان لنا فهو لرسول الله قال الاقرع بن حابس أما أنا وبنو تميم فلا وقال عيينة ابن حصن أما أنا وبنو فزارة فلا قال عباس بن مرداس أما أنا وبنو سليم فلا قالت بنو سليم ما كان لنا فهو لرسول الله قال يقول العباس لبنى سليم وهنتموني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما من تمسك بحقه من هذا السبى فله بكل إنسان ست فرائض من أول شئ نصيبه فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم * حدثنا ابن

[ 357 ]

حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال حدثنى يزيد بن عبيد السعدى أبو وجزة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعطى علي بن أبى طالب جارية من سبى حنين يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة بن هلال بن ناصرة بن قصية ابن نصر بن سعد بن بكر وأعطى عثمان بن عفان جارية يقال لها زينب بنت حيان ابن عمرو بن حيان وأعطى عمر بن الخطاب جارية فوهبها لعبد الله بن عمر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن نافع عن عبد الله ابن عمر قال أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب جارية من سبى هوازن فوهبها لى فبعثت بها إلى أخوالى من بنى جمح ليصلحوا لى منها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها قال فخرجت من المسجد حين فرغت فإذا الناس يشتدون فقلت ما شأنكم قالوا رد علينا رسول الله نساءنا وأبناءنا قال قلت تلكم صاحبتكم في بنى جمح اذهبوا فخذوها فذهبوا إليها فأخذوها وأما عيينة بن حصن فأخذ عجوزا من عجائز هوازن وقال حين أخذها أرى عجوزا وأرى لها في الحى نسبا وعسى أن يعظم فداؤها فلما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم السبايا بست فرائض أبى أن يردها فقال له زهير بن صرد خذ عنك فو الله ما فوها ببارد ولا ثديها بناهد ولا بطنها بوالد ولا درها بماكد ولا زوجها بواجد فردها بست فرائض حين قال له زهير ما قال فزعموا أن عيينة لقى الاقرع بن حابس فشكا إليه ذلك فقال والله انك ما أخذتها بكرا غريرة ولا نصفا وثيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لوفد هوازن وسألهم عن مالك بن عوف ما فعل فقالوا هو بالطائف مع ثقيف فقال رسول الله أخبروا مالكا أنه إن أتانى مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الابل فأتى مالك بذلك فخرج من الطائف إليه وقد كان مالك خاف ثقيفا على نفسه أن يعملوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ما قال فيحبسوه فأمر براحلته فهيئت له وأمر بفرس له فأتى به الطائف فخرج ليلا فجلس على فرسه فركضه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس له فركبها فلحق برسول الله فأدركه بالجعرانة أو بمكة فرد

[ 358 ]

عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الابل وأسلم فحسن اسلامه واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعلى من أسلم من تلك القبائل حول الطائف ثمالة وسلمة وفهم فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم فقال أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفى هابت الاعداء جانبنا * ثم تغزونا بنو سلمه وأتانا مالك بهم * ناقضا للعهد والحرمه وأتونا في منازلنا * ولقد كنا أولى نقمه وهذا آخر حديث أبى وجزة (ثم رجع الحديث إلى حديث عمرو بن شعيب) قال فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من رد سبايا حنين إلى أهلها ركب واتبعه الناس يقولون يا رسول الله أقسم علينا فيئنا الابل والغنم حتى ألجؤه إلى شجرة فاختطفت الشجرة عنه رداءه فقال ردوا على ردائي أيها الناس فو الله لو كان لى عدد شجر تهامة نعما لقسمتها عليكم ثم ما لقيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا ثم قام إلى جنب بعير فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصبعيه ثم رفعها فقال أيها الناس إنه والله ليس من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخياط والمخيط فإن الغلول يكون على أهله عارا ونارا وشنارا يوم القيامة فجاءه رجل من الانصار بكبة من خيوط شعر فقال يا رسول الله أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لى دبر قال أما نصيبي منها فلك فقال إنه إذا بلغت هذه فلا حاجة لى بها ثم طرحها من يده. إلى هاهنا حديث عمرو بن شعيب * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافا من أشراف الناس يتألفهم ويتألف به قلوبهم فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير وأعطى ابنه معاوية مائة بعير وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير وأعطى النضير بن الحارث بن كلدة بن علقمة أخا بنى عبد الدار مائة بعير وأعطى العلاء بن حارثة الثقفى حليف بنى زهرة مائة بعير وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير

[ 359 ]

وأعطى سهيل بن عمرو مائة بعير وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبى قيس مائة بعير وأعطى عيينة بن حصن مائة بعير وأعطى الاقرع بن حابس التميمي مائة بعير وأعطى مالك بن عوف النصر مائة بعير فهؤلاء أصحاب المئين وأعطى دون المائة رجالا من قريش منهم محرمة بن نوفل بن أهيب الزهري وعمير بن وهب الجمحى وهشام بن عمرو أخو بنى عامر بن لؤى لا يحفظ عدة ما أعطاهم وقد عرف فيما زعم انها دون المائة وأعطى سعيد بن يربوع بن عنكثة بن عامر بن مخزوم خمسين من الابل وأعطى السهمى خمسين من الابل وأعطى عباس بن مرداس السلمى أباعر فتسخطها وعاتب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كانت نهابا تلافيتها * بكرى على المهر في الاجرع وإيقاظي القوم أن يرقدوا * إذا هجع الناس لم أهجع فأصبح نهبى ونهب العبي‍ * د بين عيينة والاقرع وقد كنت في الحرب ذا تدرإ * فلم أعط شيئا ولم أمنع إلا أفائل أعطيتها * عديد قوائمها الاربع وما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهبوا فاقطعوا عنى لسانه فزادوه حتى رضى فكان ذلك قطع لسانه الذى أمر به * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث أن قائلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والاقرع بن حابس مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والذى نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الارض كلهم مثل عيينة ابن حصن والاقرع بن حابس ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثنى أبو عبيدة بن محمد عن مقسم أبى القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال

[ 360 ]

خرجت أنا وتليد بن كلاب الليثى حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص وهو يطوف بالبيت معلقا نعليه بيده فقلنا له هل حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كلمه التميمي يوم حنين قال نعم أقبل رجل من بنى تميم يقال له ذو الخويصرة فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعطى الناس فقال يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم فقال رسول الله أجل فكيف رأيت قال لم أرك عدلت فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله ألا نقتله فقال لا دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يوجد شئ ثم في الفوق فلا يوجد شئ سبق الفرث والدم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن أبى جعفر محمد بن على بن الحسين بن على مثل ذلك وسماه ذا الخويصرة التميمي (قال أبو جعفر) وقد روى عن أبى سعيد الخدرى أن الذى كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام إنما كلمه في مال كان علي عليه السلام بعثه من اليمن إلى رسول الله فقسمه بين جماعة منهم عيينة بن حصن والاقرع وزيد الخيل فقال حينئذ ما ذكر عن ذى الخويصرة أنه قاله رجل حضره * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن شهد معه حنينا قال والله إنى لاسير إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة لى وفى رجلى نعل غليظة إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله فأوجعه قال فقرع قدمى بالسوط وقال أوجعتني فأخرعني فانصرفت فلما كان من الغد إذا رسول الله يلتمسني قال قلت هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله بالامس قال فجئته وأنا أتوقع فقال لى إنك قد أصبت رجلى بالامس فأوجعتني فقرعت قدمك بالسوط فدعوتك لاعوضك منها فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التى ضربني * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبى سعيد الخدرى قال لما أعطى

[ 361 ]

رسول الله ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ولم يكن في الانصار منها شئ وجد هذا الحى من الانصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة حتى قال قائلهم لقى والله رسول الله قومه فدخل عليه سعد بن عبادة فقال يا رسول الله إن هذا الحى من الانصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفئ الذى أصبت قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ولم يكن في هذا الحى من الانصار شئ قال فأين أنت من ذلك يا سعد قال يا رسول الله ما أنا إلا من قومي قال فاجمع لى قومك في الحظيرة قال فخرج سعد فجمع الانصار في تلك الحظيرة قال فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم فلما اجتمعوا إليه أتاه سعد فقال قد اجتمع لك هذا الحى من الانصار فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه بالذى هو له أهل ثم قال يا معشر الانصار ما قالة بلغتني عنكم وموجدة وجدتموها في أنفسكم ألم آتكم ضلالا فهداكم الله وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف بين قلوبكم قالوا بلى لله ولرسوله المن والفضل فقال ألا تجيبوني يا معشر الانصار قالوا وبماذا نجيبك يا رسول الله لله ولرسوله المن والفضل قال أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم ولصدقتم أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك وعائلا فآسيناك وجدتم في أنفسكم يا معشر الانصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم أفلا ترضون يا معشر الانصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار ولو سلك الناس شعبا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار اللهم ارحم الانصار وأبناء الانصار وأبناء أبناء الانصار قال فبكى القوم حتى أخصلوا لحاهم وقالوا رضينا برسول الله قسما وحظا ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا وأمر ببقايا الفئ فحبس بمجنة وهى بناحية مر الظهران فلما فرغ رسول الله من عمرته

[ 362 ]

وانصرف راجعا إلى المدينة استخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ ابن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقايا الفئ وكانت عمرة رسول الله في ذى القعدة فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ذى القعدة أو في ذى الحجة وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج عليه وحج تلك السنة بالمسلمين عتاب بن أسيد وهى سنة ثمانية وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذى القعدة إذ انصرف رسول الله عنهم إلى شهر رمضان من سنة تسع (قال الواقدي) لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بين المسلمين بالجعرانة أصاب كل رجل أربع من الابل وأربعون شاة فمن كان منهم فارسا أخذ سهم فرسه أيضا وقال أيضا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لليال بقين من ذى الحجة من سفرته هذه قال وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندى من الازد مصدقا فخليا بينه وبين الصدقة فأخذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم وأخذ الجزية من المجوس الذين بها وهم كانوا أهل البلد والعرب كانوا يكونون حولها قال وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلابية التى يقال لها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان فاختارت الدنيا حين خيرت وقيل إنها استعاذت من رسول الله ففارقها وذكر أن إبراهيم بن وثيمة بن مالك بن أوس ابن حدثان حدثه عن أبى وجزة السعدى أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها في ذى القعدة قال وفيها ولدت مارية إبراهيم في ذى الحجة فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول ابن عمرو بن غنم بن عدى بن النجار فكانت ترضعه قال وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت إلى أبى رافع فأخبرته أنها ولدت غلاما فبشر به أبو رافع رسول الله فوهب له مملوكا قال وغارت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد عليهن حين رزقت منه الولد

[ 363 ]

ثم دخلت سنة تسع وفيها قدم وفد بنى أسد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر فقالوا قدمنا يا رسول الله قبل أن ترسل إلينا رسولا فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم) الآية وفيها قدم وفد بلى في شهر ربيع الاول فنزلوا على رويفع بن ثابت البلوى * وفيها قدم وفد الداريين من لخم وهم عشرة * وفيها قدم في قول الواقدي عروة ابن مسعود الثقفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما وكان من خبره ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف عن أهل الطائف اتبع أثره عروة بن مسعود بن معتب حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالاسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يتحدث قومهم أنهم قاتلوك وعرف رسول الله أن فيهم نخوة بالامتناع الدى كان منهم فقال له عروة يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم وكان فيهم كذلك محببا مطاعا فخرج يدعو قومه إلى الاسلام ورجا ألا يخالفوه لمنزلته فيهم فلما أشرف لهم على علية له وقد دعاهم إلى الاسلام وأظهر لهم دينهم رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله فتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف أخو بنى سالم بن مالك وتزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم من بنى عتاب بن مالك يقال له وهب بن جابر فقيل لعروة ما ترى في دمك قال كرامة أكرمنى الله بها وشهادة ساقها الله إلى فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم فدفنوه معهم فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه * وفيها قدم وفد أهل الطائف على رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل إنهم قدموا عليه في شهر رمضان * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا ثم إنهم ائتمروا

[ 364 ]

بينهم ألا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس بن شريق الثقفى أن عمرو بن أمية أخا بنى علاج كان مهاجرا لعبد ياليل ابن عمرو الذى بينهما سيئ وكان عمرو بن أمية من أدهى العرب فمشى إلى عبد ياليل ابن عمرو حتى دخل عليه داره ثم أرسل إليه أن عمرو بن أمية يقول لك اخرج إلى قال عبد ياليل للرسول ويحك أعمرو أرسلك قال نعم وهو ذا واقف في دارك فقال إن هذا لشئ ما كنت أظنه لعمرو كان أمنع في نفسه من ذلك فلما رآه رحب به وقال عمرو إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت وقد أسلمت العرب كلها وليست لكم بحربهم طاقة فانظروا في أمركم فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها وقال بعضهم لبعض ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع به فائتمروا وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا كما أرسلوا عروة فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير وكان في سن عروة بن مسعود وعرضوا ذلك عليه فأبى أن يفعل وخشى أن يصنع به إذا رجع كما يصنع بعروة فقال لست فاعلا حتى تبعثوا معى رجالا فأجمعوا على أن يبعثوا معه رجلين من الاحلاف وثلاثة من بنى مالك فيكونوا ستة عثمان بن أبى العاص بن بشر بن عبد دهمان أخو بنى يسار وأوس بن عوف أخو بنى سالم ونمير بن خرشة بن ربيعة أخو بلحارث وبعثوا من الاحلاف مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب فخرج بهم عبد ياليل وهو ناب القوم وصاحب أمرهم ولم يخرج بهم إلا خشية من مثل ما صنع بعروة بن مسعود ليشغل كل رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رهطه فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة لقوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله وكانت رعيتها نوبا على أصحابه فلما رآهم المغيرة ترك الركاب وضبر يشتد ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم عليه فلقيه أبو بكر الصديق رضى الله عنه قبل أن يدخل على رسول الله فأخبره

[ 365 ]

عن ركب ثقيف أنهم قدموا يريدون البيعة والاسلام بأن يشرط لهم شروطا ويكتبوا من رسول الله كتابا في قومهم وبلادهم وأموالهم فقال أبو بكر للمغيرة أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا الذى أحدثه ففعل المغيرة فدخل أبو بكر على رسول الله فأخبره عن ركب ثقيف بقدومهم ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية ولما أن قدموا على رسول صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده كما يزعمون وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذى يمشى بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اكتتبوا كتابهم وكان خالد هو الذى كتب كتابهم بيده وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا وبايعوا وفرغوا من كتابهم وقد كان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع الطاغية وهى اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى رسول الله ذلك عليهم فما برحوا يسألونه سنة سنة فأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم فأبى أن يدعها شيئا يسمى وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الاسلام فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة وأن يكسروا أوثانهم بأيديهم فقال رسول الله أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه فقال ايا محمد أما هذه فسنؤتيكها وإن كانت دناءة فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابهم أمر عليهم عثمان بن أبى العاص وكان من أحدثهم سنا وذلك أنه كان أحرصهم على التفقه في الاسلام وتعلم القرآن فقال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إنى قد رأيت هذا الغلام فيهم من أحرصهم على التفقه في الاسلام وتعلم القرآن * حدثنا ابن حميد قال حدثنا عن ابن اسحاق عن يعقوب بن عتبة قال فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه

[ 366 ]

وسلم توجهوا إلى بلادهم راجعين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان ابن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية فخر جامع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك أبو سفيان عليه وقال ادخل أنت على قومك وأقام أبو سفيان بماله بذى الهرم فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول وقام قومه دونه بنو متعب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن ألا أبكين دفاع * أسلمها الرضاع * لم يحسنوا المصاع قال ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس واهالك واهالك فلما هدمها المغيرة أخذ مالها وحليها وأرسل إلى أبى سفيان وحليها مجموع ومالها من الذهب والجزع وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا سفيان أن يقضى من مال اللات دين عروة والاسود ابني مسعود فقضى منه دينهما * وفى هذه السنة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق قال أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد منصرفه من الطائف ما بين ذى الحجة إلى رجب ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبى بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم كل قد حدث في غزوة تبوك ما بلغه عنها وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض وكل قد اجتمع حديثه في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمن عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد وحين طابت الثمار وأحبت الظلال فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذى هم عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وأخبر أنه يريد غير الذى يصمد له إلا ما كان من غزوة تبوك فانه بينها للناس لبعد الشقة وشدة

[ 367 ]

الزمان وكثرة العدو الذى يصمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته وأمر الناس بالجهاز وأخبرهم أنه يريد الروم فتجهز الناس على ما في أنفسهم من الكره لذلك الوجه لما فيه مع ما عظموا من ذكرى الروم وغزوهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أخى بنى سلمة هل لك يا جد العام في جلاد بنى الاصفر فقال يا رسول الله أو تأذن لى ولا تفتني فو الله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء منى وإنى أخشى أن رأيت نساء بنى الاصفر أن لا أصبر عنهن فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قد أذنت لك ففى الجد بن قيس نزلت هذه الآية (ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتني) الآية أي إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بنى الاصفر وليس ذلك به سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم وإن جهنم لمن ورائه وقال قائل من المنافقين لبعض لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد وشكا في الحق وإرجافا بالرسول فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم (وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون - إلى قوله - جزاء بما كانوا يكسبون) ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره فأمر الناس بالجهاز والانكماش وخص أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله ورغبهم في ذلك فحمل رجال من أهل الغنى فاحتسبوا وأنفق عثمان ابن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم من نفقته ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله وهم البكاؤن وهم سبعة نفر من الانصار وغيرهم فاستحملوا رسول الله وكانوا أهل حاجة فقال (لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون) قال فبلغني أن يامين بن عمير بن كعب النضرى لقى أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان فقال لهما ما يبكيكما قالا جئنا رسول الله ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر فخرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وجاء المعذرون من الاعراب فاعتذروا

[ 368 ]

إليه فلم يعذرهم الله عز وجل وذكر لى أنهم كانوا من بنى غفار منهم خفاف بن إيماء بن رحضة ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره وأجمع السير وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله حتى تخلفوا عنه من غير شك ولا ارتياب منهم كعب بن مالك بن أبى كعب أخو بنى سلمة ومرارة بن الربيع أخو بنى عمرو بن عوف وهلال بن أمية أخو بنى واقف وأبو خيثمة أخو بنى سالم بن عوف وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبى ابن سلول عسكره على حدة أسفل منه بحذاء ذباب جبل بالجبانة أسفل من ثنية الوداع وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبى فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب وكان عبد الله ابن أبى أخا بنى عوف بن الخزرج وعبد الله بن نبتل أخا بنى عمرو بن عوف ورفاعة بن زيد بن التابوت أخا بنى قينقاع وكانوا من عظماء المنافقين وكانوا ممن يكيد الاسلام وأهله قال وفيهم فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري أنزل الله عز وجل (لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الامور) الآية (قال ابن إسحاق) وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب على أهله وأمره بالاقامة فيهم واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة أخا بنى غفار فأرجف المنافقون بعلي بن أبى طالب وقالوا ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه فلما قال ذلك المنافقون أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجرف فقال يا نبى الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني انك استثقلتني وتخففت منى فقال كذبوا ولكني إنما خلفتك لما ورائي فارجع فاخلفني في أهلى وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى فرجع علي إلى المدينة ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفره ثم أن أبا خيثمة أخا بنى سالم رجع بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما إلى أهله في يوم حار فوجد

[ 369 ]

امرأتين له في عريشين لهما في حائط قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاما فلما دخل فقام على باب العريشين فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له قال رسول الله في الضح والريح وأبو خيثمة في ظلال باردة وماء بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ما هذا بالنصف ثم قال والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله فهيئا لى زاد ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحى في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب إن لى ذنبا فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل ثم سار حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك قال الناس يا رسول الله هذا راكب على الطريق مقبل فقال رسول الله كن أبا خيثمة فقالوا يا رسول الله هو والله أبو خيثمة فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله أولى لك يا أبا خيثمة ثم أخبر رسول الله الخبر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضأوا منها للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الابل ولا تأكلوا منه شيئا ولا يخرجن احد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له فأما الذى ذهب لحاجته فانه خنق على مذهبه وأما الذى ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته في جبلى طيئ فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألم أنهكم أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحب له ثم دعا الذى أصيب على مذهبه فشفى وأما الآخر الذى وقع بجبلى طيئ فان طيأ أهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة (قال أبو جعفر) والحديث عن

[ 370 ]

الرجلين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا الله فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال قلت لمحمود ابن لبيد هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم قال نعم والله ان كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه ومن عشيرته ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك ثم قال محمود لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سار فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا فارسل الله السحابة فامطرت حتى ارتوى الناس أقبلنا عليه نقول ويحك هل بعد هذا شئ قال سحابة مارة ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته فخرج أصحابه في طلبها وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه يقال له عمارة بن حزم وكان عقيبا بدريا وهو عم بنى عمرو بن حزم وكان في رحله زيد بن لصيب القينقاعى وكان منافقا فقال زيد بن لصيب وهو في رحل عمارة وعمارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس يزعم محمد أنه نبى يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمارة عنده ان رجلا قال ان هذا محمدا يخبركم أنه نبى وهو يزعم انه يخبركم بخبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته وانى والله ما أعلم الا ما علمني الله وقد دلنى الله عليها وهى في الوادي من شعب كذا وكذا قد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتوا بها فذهبوا فجاؤا بها فرجع عمارة بن حزم إلى أهله فقال والله لعجب من شئ حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا عن مقالة قائل أخبره عنه كذا وكذا الذى قال زيد ابن اللصيب فقال رجل ممن كان في رحل عمارة ولم يحضر رسول الله زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتى فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه يقول يا عباد الله

[ 371 ]

والله ان في رحلى لداهية وما أدرى اخرج يا عدو الله من رحلى فلا تصحبني قال فزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك وقال بعض لم يزل متهما بشر حتى هلك ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرا فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون يا رسول تخلف فلان فيقول دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وان يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره فقال دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه قال وتلوم أبو ذر على بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله ماشيا ونزل رسول الله في بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله ان هذا الرجل يمشى على الطريق وحده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا ذر فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو أبو ذر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن بريدة بن سفيان الاسلمي عن محمد بن كعب القرظى قال لما نفى عثمان أبا ذر نزل أبو ذر الربذة فأصابه بها قدره لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما أن غسلاني وكفناني ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه فلما مات فعلا ذلك به ثم وضعاه على قارعة الطريق فأقبل عبد الله بن مسعود ورهط من أهل العراق عمارا فلم يرعهم الا بجنازة على الطريق قد كادت الابل تطأها وقام إليهم الغلام فقال هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه قال فاستهل عبد الله بن مسعود يبكى ويقول صدق رسول الله تمشى وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك ثم نزل هو وأصحابه فواروه ثم حدثهم ابن مسعود حديثه وما قال له رسول الله في مسيره إلى تبوك قال وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بنى عمرو بن عوف ومنهم رجل من أشجع حليف لبنى سلمة يقال له مخشى بن حمير يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك فقال

[ 372 ]

بعضهم لبعض أتحسبون قتال بنى الاصفر كقتال غيرهم والله لكأنى بكم غدا مقرنين في الحبال إرجافا وترهيبا للمؤمنين فقال مخشى بن حمير والله لوددت انى أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وانا ننفلت ان ينزل الله فينا قرآنا لمقالتكم هذه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لعمار بن ياسر أدرك القوم فانهم قد اخترقوا فسلهم عما قالوا فان أنكروا فقل بلى قد قلتم كذا وكذا فانطلق إليهم عمار فقال لهم ذلك فأتوا رسول الله يعتذرون إليه فقال وديعة بن ثابت ورسول الله واقف على ناقته فجعل يقول وهو آخذ بحقبها يا رسول الله كنا نخوض ونلعب فأنزل الله عز وجل فيهم (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) وقال مخشى بن حمير يا رسول الله قعد بى اسمى واسم أبى فكان الذى عفى عنه في هذه الآية مخشى بن حمير فسمى عبد الرحمن وسأل الله ان يقتله شهيدا الا يعلم مكانه فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحنه بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية وأهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل كتابا فهو عندهم ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد انك ستجده يصيد البقر فخرج خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفى ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر فقالت امرأته هل رأيت مثل هذا قط قال لا والله قالت فمن يترك هذا قال لا أحد فنزل فأمر بفرسه فأسرج له وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان فركب وخرجوا معه بمطاردهم فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخذته وقتلوا أخاه حسان وقد كان عليه قباء له من ديباج مخوص بالذهب فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه * حدثنا ابن حميد قال

[ 373 ]

حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس بن مالك قال رأيت قباء أكيدر حين قدم به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه فقال رسول الله أتعجبون من هذا فو الذى نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال ثم إن خالدا قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن له دمه وصالحه على الجزية ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته (رجع الحديث إلى حديث يزيد بن رومان الذى في أول غزوة تبوك) قال فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها ثم انصرف قافلا إلى المدينة فكان في الطريق ماء يخرج من وشل ما يروى الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادى المشقق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه قال فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال من سبقنا إلى هذا الماء فقيل يا رسول الله فلان وفلان فقال أو لم ننههم أن يستقوا منه شيئا حتى نأتيه ثم لعنهم رسول الله ودعا عليهم ثم نزل صلى الله عليه وسلم فوضع يده تحت الوشل فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه به ومسحه بيده ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما شاء الله أن يدعو فانخرق من الماء كما يقول من سمعه ان له حسا كحس الصواعق فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من بقى منكم ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذى أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذى العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية وإنا نحب أن تأتينا فتصلى لنا فيه فقال إنى على جناح سفر وحال شغل أو كما قال رسول الله ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه فلما نزل بذى أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله

[ 374 ]

صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بنى سالم بن عوف ومعن بن عدى أو أخاه عاصم بن عدى أخا بنى العجلان فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بنى سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك لمعن أنظرني حتى اخرج إليك بنار من أهلى فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما نزل (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين) إلى آخر القصة وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا خذام بن خالد من بنى عبيد بن زيد أحد بنى عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الشقاق وثعلبة بن حاطب من بنى عبيد وهو إلى بنى أمية بن زيد ومعتب ابن قشير من بنى ضبيعة بن زيد وأبو حبيبة بن الازعر من بنى ضبيعة بن زيد وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بنى عمرو بن عوف وجارية بن عامر وابناه مجمع بن جارية وزيد بن جارية ونبتل بن الحارث من بنى ضبيعة وبخزج وهو إلى بنى ضبيعة وبجاد بن عثمان وهو من بنى ضبيعة ووديعة بن ثابت وهو إلى بنى أمية رهط أبى لبابة بن عبد المنذر قال وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقد كان تخلف عنه رهط من المنافقين وتخلف أولئك الرهط من المسلمين من غير شك ولا نفاق كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكلمن أحد أحدا من هولاء الثلاثة وأتاه من تخلف عنه من المنافقين فجعلوا يحلفون له ويعتذرون فصفح عنهم رسول الله ولم يعذرهم الله ولا رسوله واعتزل المسلمون كلام هؤلاء الثلاثة النفر حتى أنزل الله عز وجل قوله (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين) فتاب الله عليهم قال وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في شهر رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف وقد مضى ذكر خبرهم قبل قال وفى هذه السنة أعنى سنة تسع وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب رضى الله عنه في سرية إلى بلاد طيئ في ربيع الآخر فأغار عليهم فسبى

[ 375 ]

وأخذ سيفين كانا في بيت الصنم يقال لاحدهما رسوب وللآخر المخذم وكان لهما ذكر كان الحارث بن أبى شمر نذرهما له وسبى أخت عدى بن حاتم (قال أبو جعفر) فأما الاخبار الواردة عن عدى بن حاتم عندنا بذلك فبغير بيان وقت وبغير ما قال الواقدي في سبى علي أخت عدى بن حاتم * حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا محمد ابن جعفر قال حدثنا شعبة قال حدثنا سماك قال سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدى بن حاتم قال جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال رسل رسول الله فأخذوا عمتى وناسا فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم قال فصفوا له قالت قلت يا رسول الله نأى الوافدى وانقطع الولد وأنا عجوز كبيرة ما بى من خدمة فمن على من الله عليك يا رسول الله قال ومن وافدك قالت عدى بن حاتم قال الذى فر من الله ورسوله قالت فمن على ورجل إلى جنبه ترى أنه علي عليه السلام قال سليه حملانا قال فسألته فأمر لها فأتتنى فقالت لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها قالت ائته راغبا وراهبا فقد أتاه فلان فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه قال فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبى فذكر قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر فقال لى يا عدى بن حاتم ما أفرك أن يقال لا إله إلا الله فهل من إله إلا الله وما أفرك أن يقال الله أكبر فهل من شئ هو أكبر من الله فأسلمت فرأيت وجهه استبشر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن شيبان بن سعد الطائى قال وكان عدى بن حاتم طيئ يقول فيما بلغني ما رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله حين سمع به منى أما أنا فكنت امرءا شريفا وكنت نصرانيا أسير في قومي بالمرباع فكنت في نفسي على دين وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بى فلما سمعت برسول الله كرهته فقلت لغلام كان لى عربي وكان راعيا لابلى لا أبا لك أعدد لى من إبلى اجمالا ذللا سمانا مسان فاحبسها قريبا منى فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فأذني ففعل ثم إنه أتانى ذات غداة فقال يا عدى ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن فانى قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا هذه جيوش محمد قال فقلت قرب لى جمالي فقربها فاحتملت

[ 376 ]

بأهلى وولدى ثم قلت ألحق بأهل دينى من النصارى بالشأم فسلكت الحوشية وخلفت ابنة حاتم في الحاضر فلما قدمت الشأم أقمت بها وتخالفني خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصيب فقدم بها على رسول الله في سبايا طيئ وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشأم قال فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا يحبسن بها فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت إليه وكانت امرأة جزلة فقالت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن على من الله عليك قال ومن وافدك قالت عدى بن حاتم قال الفار من الله ورسوله قالت ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني حتى إذا كان الغد مر بى وقد أيست فأشار إلى رجل من خلفه أن قومي إليه فكلميه قالت فقمت إليه فقلت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن على من الله عليك قال قد فعلت فلا تعجلى بخروج حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنينى قالت فسألت عن الرجل الذى أشار إلى أن كلميه فقيل علي ابن أبى طالب قالت وأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة قالت وإنما أريد أن آتى أخى بالشأم قالت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لى فيهم ثقة وبلاغ قالت فكساني رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملنى وأعطاني نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشأم قال عدى فو الله إنى لقاعد في أهلى إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى تؤمنا قال فقلت ابنة حاتم قال فإذا هي هي فلما وقفت على انسحلت تقول القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك وتركت بنية والدك وعورته قال قلت يا أخية لا تقولي الا خيرا فو الله ما لى عذر لقد صنعت ما ذكرت قال ثم نزلت فأقامت عندي فقلت لها وكانت امرأة حازمة ماذا ترين في أمر هذا الرجل قالت أرى والله أن تلحق به سريعا فان يكن الرجل نبيا فالسابق إليه له فضيلة وإن يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت قلت والله إن هذا للرأى قال فخرجت حتى أقدم على رسول الله المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه فقال من الرجل فقلت عدى بن حاتم فقام رسول الله صلى الله عليه

[ 377 ]

وسلم فانطلق بى إلى بيته فو الله إنه لعامد بى إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها قال فقلت في نفسي والله ما هذا بملك ثم مضى رسول الله حتى دخل بيته فتناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلى فقال لى اجلس على هذه قال قلت لا بل أنت فاجلس عليها قال لا بل أنت فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالارض قال قلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك ثم قال إيه يا عدى بن حاتم ألم تك ركوسيا قال قلت بلى قال أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع قال قلت بلى قال فان ذلك لم يكن يحل لك في دينك قال قلت أجل والله وعرفت أنه نبى مرسل يعلم ما يجهل قال ثم قال لعله يا عدى بن حاتم إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين لما ترى من حاجتهم فو الله ليوشكن المال يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ولعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف الا الله ولعله إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت قال فأسلمت فكان عدى بن حاتم يقول مضت الثنتان وبقيت الثالثة والله لتكونن قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف شيئا حتى تحج هذا البيت وايم الله لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه (قال الواقدي) وفيها قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى تميم * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر قالا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف من بنى تميم منهم الاقرع بن حابس والزبرقان بن بدر التميمي ثم أحد بنى سعد وعمرو بن الاهتم والحتات بن فلان ونعيم بن زيد وقيس بن عاصم أخو بنى سعد في وفد عظيم من بنى تميم معهم عيينة بن حصن بن حذيفة الفزارى وقد كان الاقرع بن حابس وعيينة بن حصن شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 378 ]

فتح مكة وحصار الطائف فلما وفد وفد بنى تميم كانا معهم فلما دخل وفد بنى تميم المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات أن اخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك من صياحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فقالوا يا محمد جئناك لنفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا قال نعم فأذنت لخطيبكم فليقل فقام إليه عطارد بن حاجب فقال الحمد لله الذى له علينا الفضل وهو أهله الذى جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة فمن مثلنا في الناس ألسنا برؤس الناس وأولى فضلهم فمن يفاخرنا فليعدد مثل ما عددنا وإنا لو نشاء لاكثرنا الكلام ولكنا نحيا من الاكثار فيما أعطانا وإنا نعرف اقول هذا الآن لتأتونا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا ثم جلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخى بلحارث بن الخزرج قم فأجب الرجل في خطبته فقام ثابت فقال الحمد لله الذى السموات والارض خلقه قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه ولم يك شئ قط إلا من فضله ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمهم نسبا وأصدقهم حديثا وأفضلهم حسبا فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين ثم دعا الناس إلى الايمان فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوى رحمه أكرم الناس أنسابا وأحسن الناس وجوها وخير الناس فعالا ثم كان أول الخلق إجابة واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن فنحن انصار الله ووزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا أقول قولى هذا وأستغفر الله للمؤمنين وللمؤمنات والسلام عليكم ثم قالوا يا محمد ائذن لشاعرنا فقال نعم فقام الزبرقان بن بدر فقال نحن الكرام فلا حى يعادلنا * منا الملوك وفينا تنصب البيع وكم قسرنا من الاحياء كلهم * عند النهاب وفضل العز يتبع ونحن نطعم عند القحط مطعمنا * من الشواء إذا لم يؤنس القزع

[ 379 ]

ثم ترى الناس تأتينا سراتهم * من كل أرض هويا ثم نصطنع فننحر الكوم غبطا في أرومتنا * للنازلين إذا ما أنزلوا شعبوا فلا ترانا إلى حى نفاخرهم * إلا استقادوا وكاد الرأس يقتطع إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد * إنا كذلك عند الفخر نرتفع فمن يقادرنا في ذاك يعرفنا * فيرجع القول والاخبار تستمع وكان حسان بن ثابت غائبا فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حسان فلما جاءني رسوله فأخبرني أنه إنما دعاني لاجيب شاعر بنى تميم خرجت إلى رسول الله وأنا أقول منعنا رسول الله إذ حل وسطنا * على كل باغ من معد وراغم منعناه لما حل بين بيوتنا * أسيافنا من كل عاد وظالم ببيت حريد عزه وثراؤه * بجابية الجولان وسط الاعاجم هل المجد إلا السودد العود والندى * وجاه الملوك واحتمال العظائم قال فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام شاعر القوم فقال ما قال عرضت في قوله وقلت على نحو مما قال فلما فرغ الزبرقان بن بدر من قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال قال فقال حسان إن الذوائب من فهر وإخوتهم * قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته * تقوى الاله وكل الخير يصطنع قوم إاذا حاربوا ضروا عدوهم * أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة * إن الخلائق فاعلم شرها البدع إن كان في الناس سباقون بعدهم * فكل سبق لادنى سبقهم تبع لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم * عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم * أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا

[ 380 ]

أعفة ذكرت في الوحى عفتهم * لا يطبعون ولا يرديهم طمع لا يبخلون على جار بفضلهم * ولا يمسهم من مطمع طبع إذا نصبنا لحى لم ندب لهم * كما يدب إلى الوحشية الذرع نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها * إذا الزعانف من أظفارها خشعوا لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم * وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع كأنهم في الوغى والموت مكتنع * أسد بحلية في أرساغها فدع خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا * ولا يكن همك الامر الذى منعوا فإن في حربهم فاترك عداوتهم * شرا يخاض عليه السم والسبع أكرم بقوم رسول الله شيعتهم * إذا تفرقت الاهواء والشيع أهدى لهم مدحتي قلب يوازره * فيما أحب لسان حائك صنع فإنهم أفضل الاحياء كلهم * إن جد بالناس جد القول أو سمعوا فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله قال الاقرع بن حابس وأبى إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطبتنا ولشاعره أشعر من شاعرنا وأصواتهم أعلى من أصواتنا فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم وكان عمرو بن الاهتم قد خلفه القوم في ظهرهم فقال قيس بن عاصم وكان يبغض عمرو بن الاهتم يا رسول الله إنه قد كان منا رجل في رحالنا وهو غلام حدث وأزرى به فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم فقال عمرو بن الاهتم حين بلغه ذلك من قول قيس بن عاصم وهو يهجوه ظللت مفترشا هلباك تشتمني * عند الرسول فلم تصدق ولم تصب إن تبغضونا فإن الروم أصلكم * والروم لا تملك البغضاء للعرب سدنا فسوددنا عود وسوددكم * مؤخر عند أصل العجب والذنب * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن يزيد بن رومان قال فأنزل الله فيهم القرآن (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات - من

[ 381 ]

بنى تميم - أكثرهم لا يعقلون) قال وهى القراءة الاولى (قال الواقدي) فيها مات عبد الله بن أبى ابن سلول مرض في ليال بقين من شوال ومات في ذى القعدة وكان مرضه عشرين ليلة قال وفيها قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير في شهر رمضان مقرين بالاسلام مع رسولهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك ورسولهم إليه باسلامهم الحارث ابن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين وهمدان ومعافر وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوى باسلامه ومفارقتهم الشرك وأهله فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين وهمدان ومعافر أما بعد ذلكم فإنى أحمد اليكم الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتهم وخبر ما قبلكم وأنبأنا باسلامكم وقتلكم المشركين وان الله قد هداكم بهدايته إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغانم خمس الله وسهم نبيه وصفيه وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وما سقت السماء وكل ما سقى بالمغرب نصف العشر وفى الابل في الاربعين ابنة لبون وفى ثلاثين من الابل ابن لبون ذكر وفى كل خمس من الابل شاة وفى كل عشر من الابل شاتان وفى كل أربعين من البقر بقرة وفى كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة وإنها فريضة الله التى فرض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو خير له ومن أدى ذلك وأشهد على اسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين له مالهم وعليه ما عليهم وله ذمة الله وذمة رسوله وإنه من أسلم من يهودى أو نصراني فإن له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن عنها وعليه

[ 382 ]

الجزية على كل حالم ذكر أو انثى حر أو عبد دينار واف أو قيمته من المعافر أو عرضه ثيابا فمن أدى ذلك إلى رسول الله فإن له ذمة الله وذمة رسوله ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله أما بعد فإن رسول الله محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذى يزن أن إذا أتتكم رسلي فأوصيكم بها خيرا معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن نمر ومالك بن مرة وأصحابهم وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخالفيكم وبلغوها رسلي وان أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضيا أما بعد فان محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله ثم إن مالك بن مرة الرهاوى قد حدثنى أنك أسلمت من أول حمير وقتلت المشركين فأبشر بخير وآمرك بحمير خيرا ولا تخونوا ولا تخذلوا فإن رسول الله مولى غنيكم وفقيركم وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لاهله إنما هي زكاة يتزكى بها على فقراء المؤمنين وأبناء السبيل وإن مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب وآمركم به خيرا وإنى قد بعثت اليكم من صالحي أهلى وأولى دينى وأولى علمهم فآمركم بهم خيرا فإنه منظور إليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (قال الواقدي) وفيها قدم وفد بهراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر رجلا ونزلوا على المقداد ابن عمرو * قال وفيها قدم وفد بنى البكاء (وفيها) قدم وفد بنى فزارة وهم بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن * قال وفيها نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين النجاشي وأنه مات في رجب سنة تسع * قال وفيها حج أبو بكر بالناس ثم خرج أبو بكر من المدينة في ثلثمائة وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة وساق أبو بكر خمس بدنات وحج فيها عبد الرحمن بن عوف وأهدى وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب عليه السلام على أثر أبى بكر رضى الله عنه فأدركه بالعرج فقرأ على عليه براءة يوم النحر عند العقبة * فحدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا اسباط عن السدى قال لما نزلت هذه الآيات إلى رأس الاربعين يعنى من سورة براءة فبعث بهن رسول الله مع أبى بكر وأمره على الحج فلما سار فبلغ الشجرة من ذى الحليفة

[ 383 ]

اتبعه بعلى فأخذها منه فرجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله بأبى أنت وأمى أنزل في شأني شئ قال لا ولكن لا يبلغ عنى غيرى أو رجل منى أما ترضى يا أبا بكر انك كنت معى في الغار وأنك صاحبي على الحوض قال بلى يا رسول الله فسار أبو بكر على الحج وسار علي يؤذن ببراءة فقام يوم الاضحى فآذن فقال لا يقربن المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا ولا يطوفن بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فله عهده إلى مدته وان هذه أيام أكل وشرب وان الله لا يدخل الجنة الا من كان مسلما فقالوا نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب فرجع المشركون فلام بعضهم بعضا وقالوا ما تصنعون وقد أسلمت قريش فاسلموا * حدثنى الحارث بن محمد قال حدثنا عبد العزيز بن أبان قال حدثنا أبو معشر قال حدثنا محمد بن كعب القرظى وغيره قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع وبعث علي بن أبى طالب بثلاثين أو أربعين آية من براءة فقرأها على الناس يؤجل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الارض فقرأ عليهم براءة يوم عرفة أجل المشركين عشرين يوما من ذى الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الاول وعشرا من ربيع الآخر وقرأها عليهم في منازلهم ولا يحجن بعد عامنا هذا مشرك ولا يطوفن بالبيت عريانا (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة فرضت الصدقات وفرق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عماله على الصدقات (وفيها) نزل قوله (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) وكان السبب الذى نزل ذلك به قصة أمر ثعلبة بن حاطب ذكر ذلك أبو أمامة الباهلى (قال الواقدي) وفى هذه السنة ماتت أم كلثوم ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان وغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب قال وقيل غسلتها نسوة من الانصار فيهن امرأة يقال لها ام عطية ونزل في حفرتها أبو طلحة * قال وفيها قدم وفد ثعلبة بن منقذ * وفيها قدم وفد سعد هذيم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال حدثنى سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن

[ 384 ]

نويفع عن كريب مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس قال بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم عليه فأناخ بعيره على باب المسجد ثم علقه ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه وكان ضمام بن ثعلبة رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه فقال أيكم ابن عبد المطلب قال قال رسول الله أنا ابن عبد المطلب قال محمد قال نعم قال يا ابن عبد المطلب إنى سائلك ومغلظ لك في المسألة فلا تجدن في نفسك قال لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك قال أنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك الله بعثك إلينا رسولا قال اللهم نعم قال فأنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا وأن نخلع هذه الانداد التى كانت آباؤنا تعبد من دونه قال اللهم نعم قال فأنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن تأمرنا أن نصلى هذه الصلوات الخمس قال اللهم نعم قال ثم جعل يذكر فرائض الاسلام فريضة فريضة الزكاة والصيام والحج وشرائع الاسلام كلها يناشده عن كل فريضة كما ناشده التى قبلها حتى إذا فرغ قال فانى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا رسول الله ساؤدى هذه الفرائض واجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أنقص ولا أزيد ثم انصرف إلى بعيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولى إن صدق ذو العقيصتين يدخل الجنة قال فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال بئست اللات والعزى قالوا مه يا ضمام اتق البرص اتق الجذام اتق الجنون قال ويحكم إنهما والله لا ينفعان ولا يضران إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه قال فو الله ما أمسى ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلم قال يقول ابن عباس فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة

[ 385 ]

ثم دخلت سنة عشر (قال أبو جعفر) فبعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر وقيل في شهر ربيع الاول وقيل في جمادى الاولى سرية في أربعمائة إلى بنى الحارث بن كعب * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد ابن الوليد في شهر ربيع الاخر أو في جمادى الاولى من سنة عشر إلى بلحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الاسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا فان استجابوا لك فاقبل منهم وأقم فيهم وعلمهم كتاب الله وسنة نبيه ومعالم الاسلام فإن لم يفعلوا فقاتلهم فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون الناس إلى الاسلام ويقولون يا أيها الناس أسلموا تسلموا فأسلم الناس ودخلوا فيما دعاهم إليه فأقام خالد فيهم يعلمهم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه ثم كتب خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم من خالد بن الوليد السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فانى أحمد اليك الله الذى لا اله إلا هو أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك فانك بعثتني إلى بنى الحارث بن كعب وأمرتني إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعوهم إلى الاسلام فإن أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه وإن لم يسلموا قاتلتهم وإنى قدمت عليهم فدعوتهم إلى الاسلام ثلاثة أيام كما أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثت فيهم ركبانا يا بنى الحارث أسلموا تسلموا فأسلموا ولم يقاتلوا وأنا مقيم بين أظهرهم وآمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه وأعلمهم معالم الاسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكتب إلى رسول الله والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد سلام عليك فانى أحمد الله اليك الذى

[ 386 ]

لا اله إلا هو أما بعد فإن كتابك جاءني مع رسلك بخبر أن بنى الحارث قد أسلموا قبل أن يقاتلوا وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الاسلام وشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن قد هداهم الله بهداه فبشرهم وأنذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته فأقبل خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل معه وفد بلحارث بن كعب فيهم قيس بن الحصين بن يزيد بن قنان ذى الغصة ويزيد بن عبد المدان ويزيد بن المحجل وعبد الله بن قريظ الزيادي وشداد بن عبد الله القنانى وعمرو بن عبد الله الضبابى فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرآهم قال من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند قيل يا رسول الله هؤلاء بنو الحارث بن كعب فلما وقفوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سلموا عليه فقالوا نشهد أنك رسول الله وأن لا إله إلا الله فقال رسول الله وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم الذين إذا زجروا استقدموا فسكتوا فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها رسول الله الثالثة فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها رسول الله الرابعة فقال يزيد بن عبد المدان نعم يا رسول الله نحن الذين إذا زجرنا استقدمنا فقالها أربع مرات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن خالد بن الوليد لم يكتب إلى فيكم أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لالقيت رؤسكم تحت أقدامكم فقال يزيد بن عبد المدان أما والله يا رسول الله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا فقال رسول الله فمن حمدتم قالوا حمدنا الله الذى هدانا بك قال صدقتم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية قالوا لم نكن نغلب أحدا فقال رسول الله بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم قالوا يا رسول الله كنا نغلب من قاتلنا أنا كنا بنى عبيد وكنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحدا بظلم قال صدقتم ثم أمر رسول الله على بلحارث بن كعب بن قيس بن الحصين فرجع وفد بلحارث بن كعب إلى قومهم

[ 387 ]

في بقية شوال أو في صدر ذى القعدة فلم يمكثوا بعد أن قدموا إلى قومهم إلا أربعة أشهر حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثنى عبد الله بن أبى بكر قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بنى الحارث بن كعب بعد أن ولى وفدهم عمروا بن حزم الانصاري ثم أحد بنى النجار ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة ومعالم الاسلام ويأخذ منهم صدقاتهم وكتب له كتابا عهد إليه فيه وأمره فيه بأمره بسم الله الرحمن الرحيم هذا بيان من الله ورسوله يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عقد من محمد النبي لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله في أمره كله فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وأمره أن يأخذ بالحق كما أمر به الله وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به ويعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين وينهى الناس ولا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر ويخبر الناس بالذى لهم وبالذي عليهم ويلين للناس الحق ويشتد عليهم في الظلم فإن الله عز وجل كره الظلم ونهى عنه وقال (ألا لعنة الله على الظالمين) ويبشر الناس بالجنة وبعملها وينذر بالنار وبعملها ويستألف الناس حتى يتفقهوا في الدين ويعلم الناس معالم الحج وسنته وفريضته وما أمر الله به في الحج الاكبر والحج الاصغر وهو العمرة وينهى الناس أن يصلى أحد في ثوب واحد صغير إلا أن يكون ثوبا واحدا يثنى طرفه على عاتقه وينهى أن يحتبى أحد في ثوب واحد يفضى بفرجه إلى السماء وينهى ألا يعقص أحد شعر رأسه إذا عفا في قفاه وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطعوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين ويمسحون برؤوسهم كما أمرهم الله عز وجل وأمره بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والخشوع ويغلس بالفجر ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس وصلاة العصر والشمس في الارض مدبرة والمغرب حين يقبل الليل

[ 388 ]

لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء والعشاء أول الليل ويأمر بالسعي إلى الجمعة إذا نودى لها والغسل عند الرواح إليها وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقى البعل وما سقت السماء وما سقى الغرب نصف العشر وفى كل عشر من الابل شاتان وفى كل عشرين من الابل أربع شياه وفى كل أربعين من البقر بقرة وفى كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة وفى كل أربعين من الغنم سائمة شاة فإنها فريضة الله التى افترض الله عز وجل على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو خير له وأنه من أسلم من يهودى أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه ودان دين الاسلام فإنه من المؤمنين له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يفتن عنها وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عرضه ثيابا فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله ومن منع ذلك فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا (قال الواقدي) توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو بن حزم عامله بنجران (قال الواقدي) وفى هذه السنة قدم وفد سلامان في شوال على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم سبعة نفر رأسهم حبيب السلامانى (وفيها) قدم وفد غسان في رمضان (وفيها) قدم وفد غامد في رمضان (وفيها) قدم وفد الازد رأسهم صرد بن عبد الله في بضعة عشر * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عبد الله ابن أبى بكر قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صرد بن عبد الله الازدي فأسلم فحسن إسلامه في وفد من الازد فأمره رسول الله على من أسلم من قومه وأمره أن يجاهد بمن أسلم من أهل بيته المشركين من قبائل اليمن فخرج صرد بن عبد الله يسير بأمر رسول الله في جيش حتى نزل بجرش وهى يومئذ مدينة مغلقة وفيها قبائل اليمن وقد ضوت إليهم خثعم فدخلوا معهم حين سمعوا بمسير المسلمين فحاصروهم بها قريبا من شهر وامتنعوا ثم إنه رجع قافلا حتى إذا كان إلى جبل يقال له كشر ظن أهل جرش أنه إنما ولى عنهم منهزما فخرجوا في طلبه حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلا وقد كان أهل جرش قد بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله صلى الله

[ 389 ]

عليه وسلم وهو بالمدينة يرتادان وينظران فبينا هما عند رسول الله عشية بعد العصر إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بأى بلاد الله شكر فقام الجرشيان فقالا يا رسول الله ببلادنا جبل يقال لها جبل كشر وكذلك تسميه أهل جرش فقال إنه ليس بكشر ولكنه شكر قالا فما له يا رسول الله قال إن بدن الله لتنحر عنده الآن قال فجلس الرجلان إلى أبى بكر وإلى عثمان فقال لهما ويحكما إن رسول الله الآن لينعى لكما قومكما فقوما إلى رسول الله فاسألاه أن يدعو الله فيرفع عن قومكما فقاما إليه فسألاه ذلك فقال اللهم ارفع عنهم فخرجا من عند رسول الله راجعين إلى قومهما فوجدا قومهما أصيبوا يوم أصابهم صرد بن عبد الله في اليوم الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال وفى الساعة التى ذكر فيها ما ذكر فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وحمى لهم حمى حول قريتهم على أعلام معلومة للفرس وللراحلة وللمثيرة تثير الحرث فمن رعاها من الناس سوى ذلك فماله سحت فقال رجل من الازد في تلك الغزوة وكانت خثعم تصيب من الازد في الجاهلية وكانوا يغزون في الشهر الحرام يا غزوة ما غزونا غير خائبة * فيها البغال وفيها الخيل والحمر حتى أتينا حميرا في مصانعها * وجمع خثعم قد ساغت لها النذر إذا وضعت غليلا كنت أحمله * فما أبالى أدانوا بعد أم كفروا قال وفيها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب في سرية إلى اليمن في رمضان * فحدثنا أبو كريب ومحمد بن عمرو بن هياج قالا حدثنى يحيى ابن عبد الرحمن الازجى قال حدثنا ابراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاسلام فكنت فيمن سار معه فأقام عليه ستة أشهر لا يجيبونه إلى شئ فبعث النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب وأمره أن يقتل خالد ومن معه فإن أراد أحد ممن كان مع خالد بن الوليد أن يعقب معه تركه (قال البراء) فكنت فيمن عقب معه فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر فجمعوا له

[ 390 ]

فصلى بنا علي الفجر فلما فرغ صفنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان كلها في يوم واحد وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ كتابه خر ساجدا ثم جلس فقال السلام على همدان السلام على همدان ثم تتابع أهل اليمن على الاسلام (قال أبو جعفر) وفيها قدم وفد زبيد على النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامهم * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله ابن أبى بكر قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن معديكرب في أناس من بنى زبيد فأسلم وكان عمرو بن معديكرب قد قال لقيس بن مكشوح المرادى حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يا قيس إنك سيد قومك اليوم وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول إنى نبى فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه فإن كان نبيا كما يقول فإنه لا يخفى عليك إذا لقيناه اتبعناه وإن غير ذلك علمنا علمه فأبى عليه ذلك قيس بن مكشوح وسفه رأيه فركب عمرو بن معديكرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقه وآمن به فلما بلغ ذلك قيسا أوعد عمرا وتحفظ عليه وقال خالفني وترك رأيى فقال عمرو في ذلك أمرتك يوم ذى صنعا * ء أمرا باديا رشده أمرتك باتقاء الل‍ * ه والمعروف تاتعده خرجت من المنى مثل ال‍ * حمار أعاره وتده تمنانى على فرس * عليه جالسا أسده على مفاضة كالنه‍ * ى أخلص ماءه جدده ترد الرمح مثنى ال‍ * سنان عوائرا قصده فلو لاقيتني لاقي‍ * ت ليثا فوق لبده تلاقى شنبثا شثن ال‍ * براثن ناشزا كتده يسامى القرن إن قرن * تيممه فيعتضده

[ 391 ]

فيأخذه فيرفعه * فيخفضه فيقتصده فيدمغه فيحطمه * فيخضمه فيزدرده ظلوم الشرك فيما أح‍ * رزت أنيابه ويده متى ما يغدو أو يغدى * به فقبوله برده فيخطر مثل خطر الفح‍ * ل فوق شرابه زبده فأمسى يعتريه من ال‍ * بعوض ممنعا بلده فلا تتمننى وتم‍ * ن غيرى لينا كتده وثوى له وطنا * كثيرا حوله عدده قال فأقام عمرو بن معديكرب في قومه من بنى زبيد وعليهم فروة بن مسيك المرادى فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو فقال حين ارتد وجدنا ملك فروة شر ملك * حمارا ساف منخره بقذر وكنت إذا رأيت أبا عمير * ترى الحولاء من خبث وغدر وقد كان قدم على رسول الله في هذه السنة أعنى سنة عشر قبل قدوم عمرو ابن معديكرب فروة بن مسيك المرادى مفارقا لملوك كندة * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال قدم فروة بن مسيك المرادى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا لملوك كندة ومعاندا لهم وقد كان قبيل الاسلام بين مراد وهمدان وقعة أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا حتى أثخنوهم في يوم كان يقال له الرزم وكان الذى قاد همدان إلى مراد الاجدع بن مالك ففضحهم يومئذ وفى ذلك يقول فروة بن مسيك فإن نغلب فغلابون قدما * وإن نهزم فغير مهزمينا وإن نقتل فلا جبن ولكن * منايانا وطعمة آخرينا كذاك الدهر دولته سجال * تكر صروفه حينا فحينا فبينا هو يسر به ويرضى * ولو لبست غضارته سنينا إذا انقلبت به كرات دهر * فألفى للاولى غبطوا طحينا

[ 392 ]

ومن يغبط بريب الدهر منهم * يجد ريب الزمان له خؤونا فلو خلد الملوك إذا خلدنا * ولو بقى الكرام إذا بقينا فأفنى ذاكم سروات قومي * كما أفنى القرون الاولينا ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا لملوك كندة قال لما رأيت ملوك كندة أعرضت * كالرجل خان الرجل عرق نسائها يممت راحلتي أؤم محمدا * أرجو فواضلها وحسن ثرائها قال فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله فيما بلغني يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يومك يوم الرزم فقال يارسول الله ومن ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الرزم لا يسوؤه ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن ذلك لم يزد قومك في الاسلام إلا خيرا فاستعمله رسول الله على مراد وزبيد ومذحج كلها وبعث خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة وكان معه في بلاده حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا أبو كريب وسفيان بن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة قال أخبرنا مجالد قال حدثنا عامر عن فروة ابن مسيك قال قال لى رسول الله أكرهت يومك ويوم همدان فقلت إى والله أفنى الاهل والعشيرة فقال أما إنه خير لمن بقى (وفيها) قدم وفد عبد القيس * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو بن حنش بن المعلى أخو عبد القيس في وفد عبد القيس وكان نصرانيا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن الحسن بن دينار عن الحسن قال لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه فعرض عليه الاسلام ودعاه إليه ورغبه فيه فقال يا محمد إنى قد كنت على دين وإنى تارك دينى لدينك فتضمن لى دينى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم أنا ضامن لك أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه قال فأسلم وأسلم معه أصحابه ثم سألوا رسول الله الحملان فقال والله ما عندي ما أحملكم عليه فقالوا يا رسول الله إن بيننا وبين

[ 393 ]

بلادنا ضوال من ضوال الناس أفنتبلغ عليها إلى بلادنا قال إياكم وإياها فإنما ذلك حرق النار قال فخرج من عنده الجارود راجعا إلى قومه وكان حسن الاسلام صلبا على دينه حتى هلك وقد أدرك الردة فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الاول مع الغرور المنذر بن النعمان بن المنذر أقام الجارود فشهد شهادة الحق ودعا إلى الاسلام فقال يا أيها الناس إنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنهى من لم يشهد وقد كان رسول الله بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدى فأسلم فحسن إسلامه ثم هلك بعد وفاة رسول الله وقبل ردة أهل البحرين والعلاء أمير عنده لرسول الله على البحرين وفيها قدم وفد بنى حنيفة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى حنيفة فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب فكان منزلهم في دار ابنة الحارث امرأة من الانصار ثم من بنى النجار * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثنى بعض علمائنا من أهل المدينة أن بنى حنيفة أتت بمسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب ورسول الله جالس في أصحابه ومعه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله لو سألتنى هذا العسيب الذى في يدى ما أعطيتك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن شيخ من بنى حنيفة من أهل اليمامة قال كان حديث مسيلمة على غير هذا زعم أن وفد بنى حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم فلما أسلموا ذكروا له مكانه فقالوا يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وركابنا يحفظها لنا قال فأمر له رسول الله بمثل ما أمر به للقوم وقال أما إنه ليس بشركم مكانا يحفظ ضيعة أصحابه وذلك يريد رسول الله قال ثم انصرفوا عن رسول الله وجاءا مسيلمة بما أعطاه رسول الله فلما انتهى إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم وقال إنى قد أشركت في الامر معه وقال لوفده ألم يقل لكم رسول الله حيث ذكرتموني أما

[ 394 ]

إنه ليس بشركم مكانا ما ذلك إلا لما كان يعلم أنى قد أشركت معه ثم جعل يسجع السجاعات ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشى ووضع عنهم الصلاة وأحل لهم الخمر والزنا ونحو ذلك فشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نبى فأصفقت بنو حنيفة على ذلك فالله أعلم أي ذلك كان (قال أبو جعفر) وفيها قدم وفد كندة رأسهم الاشعث بن قيس الكندى فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن ابن شهاب الزهري قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الاشعث بن قيس في ستين راكبا من كندة فدخلوا على رسول الله مسجده وقد رجلوا جمعهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة قد كففوها بالحرير فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألم تسلموا قالوا بلى قال فما بال هذا الحرير في أعناقكم قال فشقوه منها فألقوه ثم قال الاشعث يا رسول الله نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار فتبسم رسول الله ثم قال ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث قال وكان ربيعة والعباس تاجرين فكانا إذا ساحا في أرض العرب فسئلا من هما قالا نحن بنو آكل المرار يتعززان بذلك ذلك أن كندة كانت ملوكا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفى من أبينا فقال الاشعث بن قيس هل عرفتم يا معشر كندة والله لا أسمع رجلا قالها بعد اليوم إلا ضربته حده ثمانين (قال الواقدي) وفيها قدم وفد محارب وفيها قدم وفد الرهاويين وفيها وفد العاقب والسيد من نجران فكتب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصلح قال وفيها قدم وفد عبس وفيها قدم وفد صدف وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قال وفيها قدم عدى بن حاتم الطائى في شعبان وفيها مات أبو عامر الراهب عند هرقل فاختلف كنانة بن عبد ياليل وعلقمة بن علاثة في ميراثه فقضى به لكنانة بن عبد ياليل قال وهما من أهل المدر وأنت من أهل الوبر قال وفيها قدم وفد خولان وهم عشرة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن

[ 395 ]

اسحاق قال حدثنى يزيد بن أبى حبيب قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر رفاعة بن زيد الجزامى ثم الضبيبى فأهدى لرسول الله غلاما وأسلم فحسن اسلامه وكتب له رسول الله إلى قومه كتابا في كتابه بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد إنى بعثته إلى قومه عامة ومن دخل فيهم يدعوهم إلى الله والى رسوله فمن أقبل فمن حزب الله وحزب رسوله ومن أدبر فله أمان شهرين فلما قدم رفاعة على قومه أجابوا وأسلموا ثم ساروا إلى الحرة حرة الرجلاء فنزلوها * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عمن لا يتهم عن رجال من جذام كانوا بها علماء أن رفاعة بن زيد لما قدم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه يدعوهم إلى الاسلام فاستجابوا له لم يلبث أن أقبل دحية بن خليفة الكلبى من عند قيصر صاحب الروم حين بعثه رسول الله ومعه تجارة له حتى إذا كان بواد من أوديتها يقال له شنار أغار على دحية الهنيد بن عوص وابنه عوص بن الهنيد الضليعيان والضليع بطن من جذام فأصابا كل شئ كان معه فبلغ ذلك نفرا من بنى الضبيب قوم رفاعة ممن كان أسلم وأجاب فنفروا إلى الهنيد وابنه فيهم من بنى الضبيب النعمان بن أبى جعال حتى لقوهم فاقتتلوا وانتمى يومئذ قرة بن أشقر الضفارى ثم الضليعى فقال أنا ابن لبنى ورمى النعمان بن أبى جعال بسهم فأصاب ركبته فقال حين أصابه خذها وأنا ابن لبنى وكانت له أم تدعى لبنى قال وقد كان حسان بن ملة الضبيبى قد صحب دحية بن خليفة الكلبى قبل ذلك فعلمه ام الكتاب فاستنفذوا ما كان في يد الهنيد وابنه عوص فردوه على دحية فسار دحية حتى قدم على رسول الله فأخبره خبره واستسقاه دم الهنيد وابنه فبعث إليهم رسول الله زيد بن حارثه وذلك الذى هاج غزوة زيد جذام وبعث معه جيشا وقد وجهت غطفان من جذام كلها ووائل ومن كان من سلامان وسعد بن هذيم حين جاءهم رفاعة بن زيد بكتاب رسول الله فنزلوا بالحرة حرة الرجلاء ورفاعة بن زيد بكراع ربة ولم يعلم ومعه ناس من بنى الضبيب وسائر بنى الضبيب بواد من ناحية الحرة

[ 396 ]

مما يسيل مشرقا وأقبل جيش زيد بن حارثة من ناحية الاولاج فأغار بالفضافض من قبل الحرة وجمعوا ما وجدوا من مال وأناس وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين من بنى الاحنف ورجلا من بنى خصيب فلما سمعت بذلك بنو الضبيب والجيش بفيفاء مدان ركب حسان بن ملة على فرس لسويد بن زيد يقال لها العجاجة وأنيف بن ملة على فرس لملة يقال لها رغال وأبو زيد بن عمرو على فرس له يقال لها شمر فانطلقوا حتى إذا دنوا من الجيش قال أبو زيد لانيف بن ملة كف عنا وانصرف فانا نخشى لسانك فانصرف فوقف عنهما فلم يبعدا منه فجعل فرسه تبحث بيدها وتوثب فقال لانا أضن بالرجلين منك بالفرسين فأرخى لها حتى أدركهما فقالا له اما إذ فعلت ما فعلت فكف عنا لسانك ولا تشأمنا اليوم وتواطؤا ألا يتكلم منهن إلا حسان بن ملة وكانت بينهم كلمة في الجاهلية قد عرفوها بعضهم من بعض إذا أراد أحدهم أن يضرب بسيفه قال ثورى فلما برزوا على الجيش أقبل القوم يبتدرونهم فقال حسان إنا قوم مسلمون وكان أول من لقيهم رجل على فرس أدهم بائع رمحه معرضه كأنما ركزه على منسج فرسه جد واعتق فأقبل يسوقهم فقال أنيف ثورى فقال حسان مهلا فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال له حسان إنا قوم مسلمون فقال له زيد فاقرأ أم الكتاب فقرأها حسان فقال زيد بن حارثة نادوا في الجيش ان الله قد حرم علينا ثغرة القوم التى جاؤا منها الا من ختر وإذا أخت لحسان بن ملة وهى امرأة أبى وبر ابن عدى بن أمية بن الضبيب في الاسارى فقال له زيد خذها فأخذت بحقويه فقالت أم الفزر الضليعية أتنطلقون ببناتكم وتذرون أمهاتكم فقال أحد بنى خصيب إنها بنو الضبيب وسحرت ألسنتهم سائر اليوم فسمعها بعض الجيش فأخبر بها زيد بن حارثة فأمر بأخت حسان ففكت يداها من حقويه فقال لها اجلسي مع بنات عمك حتى يحكم الله فيكن حكمه فرجعوا ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذى جاؤا منه فامسوا في أهليهم واستعتموا ذودا لسويد بن زيد فلما شربوا عتمتهم ركبوا إلى رفاعة بن زيد وكان ممن ركب إلى رفاعة تلك الليلة أبو زيد

[ 397 ]

ابن عمرو وأبو شماس بن عمر وسويد بن زيد وبعجة بن زيد وبرذع بن زيد وثعلبة بن عمر ومخربة بن عدى وأنيف بن ملة وحسان بن ملة حتى صبحوا رفاعة بن زيد بكراع ربة بظهر الحرة على بئر هنالك من حرة ليلى فقال له حسان بن ملة إنك لجالس تحلب المعزى ونساء جذام يجررن أسارى قد غرها كتابك الذى جئت به فدعا رفاعة بن زيد بجمل له فجعل يشكل عليه رحله وهو يقول هل أنت حى أو تنادى حيا ثم غدا وهم معه بأمية بن ضفارة أخى الخصيبى المقتول مبكرين من ظهر الحرة فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال فلما دخلوا انتهوا إلى المسجد ونظر إليه رجل من الناس فقال لهم لا تنيخوا إبلكم فتقطع أيديهن فنزلوا عنها وهن قيام فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم ألاح إليهم بيده أن تعالوا من وراء الناس فلما استفتح رفاعة بن زيد المنطق قام رجل من الناس فقال إن هؤلاء يا نبى الله قوم سحرة فرددها مرتين فقال رفاعة رحم الله من لم يجزنا في يومنا هذا إلا خيرا ثم دفع رفاعة كتابه إلى رسول الله الذى كان كتبه له فقال دونك يا رسول الله قديما كتابه حديثا غدره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأ يا غلام وأعلن فلما قرأ كتابهم واستخبرهم فأخبروه الخبر قال رسول الله كيف أصنع بالقتلى ثلاث مرات فقال رفاعة أنت يا رسول الله أعلم لا نحرم عليك حلالا ولا نحل لك حراما فقال أبو زيد عمرو أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن كان قد قتل فهو تحت قدمى هاتين فقال رسول الله صدق أبو زيد اركب معهم يا علي فقال يا رسول الله إن زيدا لن يطيعني قال خذ سيفى فأعطاه سيفه فقال علي ليس لى راحلة يا رسول الله أركبها فحمله رسول الله على جمل لثعلبة بن عمرو يقال له المكحال فخرجوا فإذا رسول لزيد بن حارثة على ناقة من ابل أبى وبر يقال لها الشمر فأنزلوه عنها فقال يا علي ما شأني فقال له علي مالهم عرفوه فأخذوه ثم ساروا حتى لقوا الجيش بفيفاء الفحلتين فأخذوا ما في أيهديهم من أموالهم حتى كانوا ينزعون لبديد المرأة من تحت الرجل

[ 398 ]

(وفد بنى عامر بن صعصعة) * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى عامر فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس بن مالك بن جعفر وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر وكان هؤلاء الثلاثة رؤس القوم وشياطينهم فقدم عامر بن الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به وقد قال له قومه يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم قال والله لقد كنت آليت ألا أنتهى حتى تتبع العرب عقبى أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ثم قال لاربد إذا قدمت على الرجل فانى شاغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل يا محمد خالنى قال لا والله حتى تؤمن بالله وحده قال يا محمد خالنى قال وجعل يكلمه فينتظر من أربد ما كان أمره به فجعل أربد لا يحير شيئا فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال يا محمد خالنى قال لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له فلما أبى عليه رسول الله عليه وسلم قال أما والله لاملانها عليك خيلا حمرا ورجالا فلما ولى قال رسول الله اللهم اكفني عامر بن الطفيل فلما خرجوا من عند رسول الله قال عامر لاربد ويلك يا أربد أين ما كنت أوصيتك به والله ما كان على ظهر الارض رجل هو أخوف على نفسي عندي منك وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا قال لا تعجل علي لا أبا لك والله ما هممت بالذى أمرتنى به من مرة إلا دخلت بينى وبين الرجل ما أرى غيرك أفأضربك بالسيف قال عامر بن الطفيل بعث الرسول بما ترى فكأنما * عمدا نشد على المقانب غارا ولقد وردن بنا المدينة شزبا * ولقد قتلن بجوها الانصارا وخرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله عز وجل على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله وإنه في بيت امرأة من بنى سلول فجعل يقول يا بنى عامر أغدة كغدة البكر وموت في بيت امرأة من بنى سلول ثم خرج

[ 399 ]

أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بنى عامر فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا ما وراءك يا أربد قال لا شئ والله لقد دعانا إلى عبادة شئ لوددت أنه عندي الآن فأرميه بنبلى هذه حتى أقتله فخرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لامه وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيئ فيهم زيد الخيل وهو سيدهم فلما انتهوا إليه كلموه وعرض عليهم رسول الله الاسلام فأسلموا فحسن إسلامهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن رجال من طيئ ما ذكر لى رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا ما كان من زيد الخيل فانه لم يبلغ فيه كل ما فيه ثم سماه زيد الخير وقطع له فيدا وأرضين معه وكتب له بذلك فخرج من عند رسول الله راجعا إلى قومه فقال رسول الله إن ينج زيد من حمى المدينة سماها رسول الله غير الحمى وغير أم ملدم فلم يثبته فلما انتهى من بلاد نجد إلى ماء من مياهه يقال له فردة أصابته الحمى فمات بها فلما أحس بالموت زيد قال أمر تحل قومي المشارق غدوة * وأترك في بيت بفردة منجد ألا رب يوم لو مرضت لعادني * عوائد من لم يبر منهن يجهد فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان معها من كتبه التى قطع له رسول الله صلى الله عليه وسلم فحرقتها بالنار وفى هذه السنة كتب مسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى أنه أشرك معه في النبوة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال كان مسيلمة بن حبيب الكذاب كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك فانى قد أشركت في الامر معك وإن لنا نصف الارض ولقريش نصف الارض ولكن قريشا قوم يعتدون فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن شيخ من أشجع (قال ابن حميد) أما على بن مجاهد فيقول عن أبى مالك الاشجعى عن سلمة بن نعيم بن مسعود الاشجعى عن أبيه نعيم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

[ 400 ]

لهما حين قرءا كتاب مسيلمة فما تقولان أنتما قالا نقول كما قال فقال أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما ثم كتب إلى مسيلمة بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسليمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى أما بعد فان الارض لله يورثها من يشاء من عبادة والعاقبة للمتقين قال وكان ذلك في آخر سنة عشر (قال أبو جعفر) وقد قيل إن دعوى مسيلمة ومن ادعى النبوة من الكذابين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت بعد انصراف النبي من حجه المسمى حجة الوداع ومرضته التى مرضها التى كانت منها وفاته صلى الله عليه وسلم * حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري قال حدثنى عمى يعقوب بن ابراهيم قال حدثنى سيف بن عمر وكتب بذلك إلى السرى يقول حدثنا شعيب بن ابراهيم التميمي عن سيف بن عمر التميمي الاسيدى قال حدثنا عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجذع الانصاري عن عبد الله بن حنين مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبى مويهبة مولى رسول الله قال لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ما قضى حجة التمام فتحلل به السير وطارت به الاخبار لتحلل السير بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه قد اشتكى فوثب الاسود باليمن ومسيلمة باليمامة وجاء الخبر عنهما للنبى صلى الله عليه وسلم ثم وثب طليحة في بلاد بنى أسد بعد ما أفاق النبي ثم اشتكى في المحرم وجعه الذى توفاه الله فيه (قال أبو جعفر) وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع البلاد التى دخلها الاسلام عمالا على الصدقات * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث أمراءه وعماله على الصدقات على كل ما أوطأ الاسلام من البلدان فبعث المهاجرين بن أبى أمية بن المغيرة إلى صنعاء فخرج عليه العنسى وهو بها وبعث زياد بن لبيد أخا بنى بياضة الانصاري إلى حضرموت على صدقتها وبعث عدى بن حاتم على الصدقة صدقة طيئ وأسد وبعث مالك بن نويرة على صدقات بنى حنظلة وفرق صدقة بنى سعد على رجلين منهم وبعث العلاء بن الحضرمي على البحرين وبعث علي بن أبى طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه

[ 401 ]

بجزيتهم فلما دخل ذو القعدة من هذه السنة أعنى سنة عشر تجهز النبي إلى الحج فأمر الناس بالجهاز له * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحج لخمس ليال بقين من ذى القعدة لا يذكر ولا يذكر الناس إلا الحج حتى إذا كان بسرف وقد ساق رسول الله معه الهدى وأشراف من أشراف الناس أمر الناس أن يحلوا بعمرة إلا من ساق الهدى وحضت ذلك اليوم فدخل على وأنا أبكى فقال مالك يا عائشة لعلك نفست فقلت نعم لوددت أنى لم أخرج معكم عامى هذا في هذا السفر قال لا تفعلي لا تقولن ذلك فانك تقضين ما يقضى الحاج إلا أنك لا تطوفين بالبيت قالت ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فحل كل من كان لا هدى معه وحل نساؤه بعمرة فلما كان يوم النحر أتيت بلحم بقر فطرح في بيتى قلت ما هذا قالوا ذبح رسول الله عن نسائه البقر حتى إذا كانت ليلة الحصبة بعثنى رسول الله مع أخى عبد الرحمن بن أبى بكر لاقضى عمرتي من التنعيم مكان عمرتي التى فاتتني * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن ابن أبى نجيح قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب إلى نجران فلقيه بمكة وقد أحرم فدخل علي على فاطمة ابنة رسول الله فوجدها قد حلت وتهيأت فقال مالك يا ابنة رسول الله قالت أمرنا رسول الله أن نحل بعمرة فأحللنا قال ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من الخبر عن سفره قال رسول الله انطلق فطف بالبيت وحل كما حل أصحابك فقال يا رسول الله إنى قد أهللت بما أهللت به قال ارجع فاحلل كما حل أصحابك قال قلت يا رسول الله إنى قلت حين أحرمت اللهم إنى أهللت بما أهل به عبدك ورسولك قال فهل معك من هدى قال قلت لا قال فأشركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه وثبت على احرامه مع رسول الله حتى فرغا من الحج ونحر رسول الله الهدى عنهما * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبى عمرة عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال لما أقبل علي بن أبى طالب من

[ 402 ]

اليمن ليلقى رسول الله بمكة تعجل إلى رسول الله واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه فعمد ذلك الرجل فكسى رجالا من القوم حللا من البز الذى كان مع علي بن أبى طالب فلما دنا جيشه خرج علي ليلقاهم فإذا هم عليهم الحلل فقال ويحك ما هذا قال كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس فقال ويلك انزع من قبل أن تنتهى إلى رسول الله قال فانتزع الحلل من الناس وردها في البز وأظهر الجيش شكاية لما صنع بهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة وكانت عند أبى سعيد الخدرى عن أبى سعيد قال شكا الناس علي بن أبى طالب فقام رسول الله فينا خطيبا فسمعته يقول يا أيها الناس لا تشكوا عليا فو الله انه لاخشن في ذات الله أو في سبيل الله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى نجيح قال ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على حجه فأرى الناس مناسكهم وأعلمهم سنن حجهم وخطب الناس خطبته التى بين للناس فيها ما بين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس اسمعوا قولى فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وحرمة شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائمتنه عليها وإن كل ربا موضوع ولكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا وأن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وكان مسترضعا في بنى ليث فقتلته بنو هزيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية أيها الناس إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ولكنه رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم أيها الناس (إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه

[ 403 ]

عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله) ويحرموا ما أحل الله وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والارض و (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها أربعة حرم) ثلاثة متوالية ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان أما بعد أيها الناس فان لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة فان فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فان انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان لا يملكن لانفسهن شيئا وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاعقلوا أيها الناس واسمعوا قولى فإنى قد بلغت وتركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه أيها الناس اسمعوا قولى فإنى قد بلغت واعقلوا تعلمن أن كل مسلم أخو المسلم وأن المسلمين أخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس فلا تظلموا أنفسكم اللهم هل بلغت قال فذكر أنهم قالوا اللهم نعم فقال رسول الله اللهم اشهد * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال كان الذى يصرخ في الناس بقول رسول الله وهو على عرفة ربيعة بن أمية بن خلف قال يقول له رسول الله قل أيها الناس إن رسول الله يقول هل تدرون أي شهر هذا فيقولون الشهر الحرام فيقول قل لهم إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا ثم قال قل إن رسول الله يقول أيها الناس فهل تدرون أي بلد هذا قال فيصرخ به فيقولون البلد الحرام قال فيقول قل إن الله حرم عليكم دماءكم واموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة بلدكم هذا ثم قال قل أيها الناس هل تدرون أي يوم هذا فقال لهم فقالوا يوم الحج الاكبر فقال قل إن الله حرم عليكم أموالكم ودماءكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى نجيح أن رسول الله حين وقف بعرفة قال هذا الوقف للجبل

[ 404 ]

الذى هو عليه وكل عرفة موقف وقال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة هذا الموقف وكل المزدلفة موقف ثم لما نحر بالمنحر قال هذا المنحر وكل منى منحر فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج وقد أراهم مناسكهم وعلمهم ما افترض عليهم في حجهم في الموقف ورمى الجمار والطواف بالبيت وما أحل لهم في حجهم وما حرم عليهم فكانت حجة الوداع وحجة البلاغ وذلك أن رسول الله لم يحج بعدها (قال أبو جعفر) وكانت غزواته بنفسه ستا وعشرين غزوة ويقول بعضهم هن سبع وعشرون غزوة فمن قال هي ست وعشرون جعل غزوة النبي صلى الله عليه وسلم خيبر وغزواته من خيبر إلى وادى القرى غزوة واحدة لانه لم يرجع من خيبر حين فرغ من أمرها إلى منزله ولكنه مضى منها إلى وادى القرى فجعل ذلك غزوة واحدة ومن قال هي سبع وعشرون غزوة جعل غزوة خيبر غزوة وغزوة وادى القرى غزوة أخرى فيجعل العدد سبعا وعشرين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال كان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ستا وعشرين غزوة أول غزوة غزاها ودان وهى غزوة الابواء ثم غزوة بواط إلى ناحية رضوى ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع ثم غزوة بدر الاولى يطلب كرز بن جابر ثم غزوة بدر التى قتل فيها صناديد قريش وأشرافهم وأسر فيها من أسر ثم غزوة بنى سليم حتى بلغ الكدر ماء لبنى سليم ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان حتى بلغ قرقرة الكدر ثم غزوة غطفان إلى نجد وهى غزوة ذى أمر ثم غزوة بحران معدن بالحجاز من فوق الفرع ثم غزوة أحد ثم غزوة حمراء الاسد ثم غزوة بنى النضير ثم غزوة ذات الرقاع من نخل ثم غزوة بدر الاخرى ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة الخندق ثم غزوة بنى قريظة ثم غزوة بنى لحيان من هذيل ثم غزوة ذى قرد ثم غزوة بنى المصطلق من خزاعة ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون ثم غزوة خيبر ثم اعتمر عمرة القضاء ثم غزوة الفتح فتح مكة ثم غزوة حنين ثم غزوة الطائف ثم غزوة تبوك قاتل منها في تسع غزوات بدر وأحد

[ 405 ]

والخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف * حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبى حثمة عن أبيه عن جده قال غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ستا وعشرين غزوة ثم ذكر نحو حديث ابن حميد عن سلمة قال محمد بن عمر مغازى رسول الله معروفة مجتمع عليها ليس فيها اختلاف بين أحد في عددها وهى سبع وعشرون غزوة وانما اختلفوا بينهم في تقديم مغزاة قبل مغزاة * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنى محمد بن عمر قال حدثنا معاذ بن محمد الانصاري عن محمد بن ثابت الانصاري قال سئل ابن عمر كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سبعا وعشرين غزوة فقيل لابن عمر كم غزوت معه قال إحدى وعشرين غزوة أولها الخندق وفاتني ست غزوات وقد كنت حريصا قد عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم كل ذلك يردنى فلا يجيزني حتى أجارني في الخندق (قال الواقدي) قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى عشرة ذكر من ذلك التسع التى ذكرتها عن ابن اسحاق وعد معها غزوة وادى القرى وأنه قاتل فيها فقتل غلامه مدعم رمى بسهم قال وقاتل يوم الغابة فقتل من المشركين وقتل محرز ابن نضلة يومئذ واختلف في عدد سراياه صلى الله عليه وسلم * حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال كانت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه فيما بين أن قدم المدينة وبين أن قبضه الله خمسا وثلاثين بعثا وسرية بعث غزوة سرية عبيدة بن الحارث إلى أحياء من ثنية المرة وهو ماء بالحجاز ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب إلى ساحل البحر من ناحية العيص وبعض الناس يقدم غزوة حمزة قبل غزوة عبيدة وغزوة سعد بن أبى وقاص إلى الخرار من أرض الحجاز وغزوة عبد الله ابن جحش إلى نخلة وغزوة زيد بن حارثة القردة ماء من مياه نجد وغزوة مرثد بن أبى مرثد الغنوى الرجيع وغزوة المنذر بن عمرو بئر معونة وغزوة أبى عبيدة بن الجراح

[ 406 ]

إلى ذى القصة من طريق العراق وغزوة عمر بن الخطاب تربة من أرض بنى عامر وغزوة علي بن أبى طالب اليمن وغزوة غالب بن عبد الله الكلبى كلب ليث الكديد وأصاب بلملوح وغزوة علي بن أبى طالب إلى بنى عبد الله بن سعد من أهل فدك وغزوة ابن أبى العوجاء السلمى أرض بنى سليم أصيب بها وهو وأصحابه جميعا وغزوة عكاشة بن محصن وغزوة الغمرة وغزوة أبى سلمة بن عبد الاسد قطنا ماء من مياه بنى أسد من ناحية نجد قتل فيها مسعود بن عروة وغزوة محمد بن مسلمة أخى بنى الحارث إلى القرطاء من هوازن وغزوة بشير بن سعد إلى بنى مرة بفدك وغزوة بشير بن سعد أيضا إلى يمن وجناب بلد من أرض خيبر وقيل يمن وجبار أرض من أرض خيبر وغزوة زيد بن حارثة الجموم من أرض بنى سليم وغزوة زيد بن حارثة أيضا جذام من أرض حسمى وقد مضى ذكر خبرها قبل وغزوة زيد بن حارثة أيضا وادى القرى لقى بنى فزارة وغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين إحداهما التى أصاب الله فيها يسير بن رزام وكان من حديث يسير بن رزام اليهودي أنه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليه رسول الله عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه منهم عبد الله بن أنيس حليف بنى سلمة فلما قدموا عليه كلموه وواعدوه وقربوا له وقالوا له إنك إن قدمت على رسول الله استعملك وأكرمك فلم يزالوا به حتى خرج معهم في نفر من يهود فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره وردفه حتى إذا كان بالقرقرة من خيبر على ستة أميال ندم يسير بن رزام على سيره إلى رسول الله ففطن له عبد الله بن أنيس وهو يريد السيف فاقتحم به ثم ضربه بالسيف فقطع رجله وضربه يسير بمخرش في يده من شوحط فأمه في رأسه وقتل الله يسيرا ومال كل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صاحبه من يهود فقتله الا رجلا واحدا أفلت على راحلته فلما قدم عبد الله بن أنيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم تفل على شجته فلم تقح ولم تؤذه وغزوة عبد الله بن عتيك إلى خيبر فأصاب بها أبا رافع وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث محمد بن مسلمة وأصحابه فيما بين بدر وأحد إلى كعب بن الاشرف فقتلوه

[ 407 ]

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان بن نبيح الهذلى وهو بنخلة أو بعرنة يجمع لرسول الله ليغزوه فقتله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن أنيس قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنه بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلى يجمع لى الناس ليغزوني وهو بنخلة أو بعرنة فأته فاقتله قال قلت يا رسول الله انعته لى حتى أعرفه قال إذا رأيته أذكرك الشيطان أنه آية ما بينك وبينه انك إذا رأيته وجدت له قشعريرة قال فخرجت متوشحا سيفى حتى دفعت إليه وهو في ظعن يرتاد لهن منزلا حيث كان وقت العصر فلما رأيته وجدت ما وصف لى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القشعريرة فأقبلت نحوه وخشيت أن تكون بينى وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة فصليت وأنا أمشى نحوه أومئ برأسي إيماء فلما انتهيت إليه قال من الرجل قلت رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك قال أجل أنا في ذلك فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكننى حملت عليه بالسيف حتى قتلته ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه فلما قدمت على رسول الله وسلمت عليه ورأني قال أفلح الوجه قال قلت قد قتلته قال صدقت ثم قام رسول الله فدخل بيته فأعطاني عصا فقال أمسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس قال فخرجت بها على الناس فقالوا ما هذه العصا قلت أعطانيها رسول الله وأمرني أن أمسكها عندي قالوا أفلا ترجع إلى رسول الله فتسأله لم ذلك فرجعت إلى رسول الله فقلت يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا قال آية ما بينى وبينك يوم القيامة إن أقل الناس المتخصرون يومئذ فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فضمت معه في كفنه ثم دفنا جميعا (ثم رجع الحديث إلى حديث عبد الله بن أبى بكر) قال وغزوة زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشأم وغزوة كعب بن عمير الغفاري بذان أطلاح من أرض الشأم فأصيب بها هو وأصحابه وغزوة عيينة بن حصن بنى العنبر من بنى تميم وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إليهم فأغار عليهم فأصاب منهم ناسا وسبى

[ 408 ]

منهم سبيا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر ابن قتادة أن عائشة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إن على رقبة من بنى إسماعيل قال هذا سبى بنى العنبر يقدم الآن فنعطيك إنسانا فتعتقينه (قال ابن إسحاق) فلما قدم سبيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فيهم وفد من بنى تميم حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ربيعة بن رفيع وسبرة بن عمرو والقعقاع بن معبد ووردان بن محرز وقيس بن عاصم ومالك ابن عمرو والاقرع بن حابس وحنظلة بن دارم وفراس بن حابس وكان ممن سبى من نسائهم يومئذ أسماء بنت مالك وكأس بنت أرى ونجوة بنت نهد جميعة بنت قيس وعمرة بنت مطر (ثم رجع الحديث إلى حديث عبد الله بن أبى بكر) قال وغزوة غالب بن عبد الله الكلبى كلب ليث أرض بنى مرة فأصاب بها مرداس بن نهيك حليفا لهم من الحرقة من جهينة قتله أسامة بن زيد ورجل من الانصار وهو الذى قال النبي صلى الله عليه وسلم لاسامة من لك بلا إله إلا الله وغزوة عمرو ابن العاص ذات السلاسل وغزوة ابن أبى حدرد وأصحابه إلى بطن اضم وغزوة ابن أبى حدرد الاسلمي إلى الغابة وغزوة عبد الرحمن بن عوف وبعث سرية إلى سيف البحر وعليهم أبو عبيدة بن الجراح وهو غزوة الخبط * حدثنى الحارث ابن محمد قال حدثنا ابن سعد قال قال محمد بن عمر كانت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانيا وأربعين سرية (قال الواقدي) في هذه السنة قدم جرير بن عبد الله البجلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما في رمضان فبعثه رسول الله إلى ذى الخلصة فهدمها * قال وفيها قدم وبر بن يحنس على الابناء باليمن يدعوهم إلى الاسلام فنزل على بنات النعمان بن بزرج فأسلمن وبعث إلى فيروز الديلمى فأسلم وإلى مركبود وعطاء ابنه ووهب بن منبه وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود ووهب بن منبه قال وفيها أسلم بأذان وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه (قال أبو جعفر) وقد خالف في ذلك عبد الله ابن أبى بكر ومن قال كانت مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم ستا وعشرين

[ 409 ]

غزوة من أنا ذاكره * حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا زهير عن أبى اسحاق عن زيد بن أرقم قال سمعت منه ان رسول الله غزا تسع عشرة وحج بعد ما هاجر حجة لم يحج غير حجة الوداع وذكر ابن اسحاق حجة بمكة (قال أبو اسحاق) فسألت زيد بن أرقم كم غزوة مع رسول الله قال سبع عشرة * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبى اسحاق أن عبد الله بن يزيد الانصاري خرج يستسقى بالناس قال فصلى ركعتين ثم استسقى قال فلقيت يومئذ زيد بن أرقم قال ليس بينى وبينه غير رجل أو بينى وبينه رجل قال فقلت كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تسع عشرة غزوة فقلت كم غزوت معه قال سبع عشرة غزوة فقلت فما أول غزوة غزا قال ذات العسير أو العشير وزعم الواقدي أن هذا عندهم خطأ * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا إسرائيل عن أبى إسحاق الهمداني قال قلت لزيد بن أرقم كم غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سبع عشرة غزوة قلت كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تسع عشرة غزوة قال الحارث قال ابن سعد قال الواقدي فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن جعفر فقال هذا اسناد أهل العراق يقولون هكذا وأول غزوة غزاها زيد بن الارقم المريسيع وهو غلام صغير وشهد مؤتة رديف عبد الله بن رواحة وما غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاث غزوات أو أربعا وروى عن مكحول في ذلك ما حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا ابن عمر قال حدثنى سويد ابن عبد العزيز عن النعمان بن المنذر عن مكحول قال غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانى عشرة غزوة قاتل من ذلك في ثمان غزوات أولهن بدر وأحد والاحزاب وقريظة قال الواقدي فهذان الحديثان حديث زيد بن الارقم وحديث مكحول جميعا غلط

[ 410 ]

ذكر الخبر عن حج رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنى عبد الله بن زياد قال حدثنا زيد بن الحارث عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معهما عمرة * حدثنا عبد الحميد بن بنان قال أخبرنا إسحاق بن يوسف عن شريك عن أبى إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرتين قبل أن يحج فبلغ ذلك عائشة فقالت اعتمر رسول الله أربع عمر قد علم ذلك عبد الله بن عمر منهن عمرة مع حجته * حدثنا محمد بن على بن الحسن بن شقيق قال سمعت أبى قال حدثنا أبو حمزة عن مطرف عن أبى إسحاق عن مجاهد قال سمعت ابن عمر يقول اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر فبلغ عائشة فقالت لقد علم ابن عمر أنه اعتمر أربع عمر منها عمرته التى قرن معها الحجة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد قال دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر جالس عند حجرة عائشة فقلنا كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال أربعا إحداهن في رجب فكرهنا أن نكذبه ونرد عليه فسمعنا استنان عائشة في الحجرة فقال عروة بن الزبير يا امه يا أم المؤمنين أما تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن فقالت وما يقول قال يقول ان النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر إحداهن في رجب فقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر النبي عمرة الا وهو شاهد وما اعتمر في رجب ذكر الخبر عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن منهن عاش بعده ومن منهن فارقه في حياته والسبب الذى فارقه من أجله ومن منهن مات قبله * فحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال أخبرني أبى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج خمس عشرة امرأة دخل بثلاث عشرة وجمع بين إحدى عشرة وتوفى عن تسع تزوج في الجاهلية وهو ابن بضع

[ 411 ]

وعشرين سنة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى وهى أول من تزوج وكانت قبله عند عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وأمها فاطمة بنت زائدة بن الاصم بن رواحة بن حجر بن معيص بن لؤى فولدت لعتيق جارية ثم توفى عنها وخلف عليها أبو هالة بن زرارة بن نباش بن زرارة بن حبيب بن سلامة بن غذى بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم وهو في بنى عبد الدار بن قصى فولدت لابي هالة هند بنت أبى هالة ثم توفى عنها فخلف عليها رسول الله وعندها ابن أبى هالة فولدت لرسول الله ثمانية القاسم والطيب والطاهر وعبد الله وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة (قال أبو جعفر) ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياتها على خديجة حتى مضت لسبيلها فلما توفيت خديجة تزوج رسول الله بعدها فاختلف فيمن بدأ بنكاحها منهن بعد خديجة فقال بعضهم كانت التى بدأ بنكاحها بعد خديجة قبل غيرها عائشة بنت أبى بكر الصديق وقال بعضهم بل كانت سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدد بن نصر فأما عائشة فكانت يوم تزوجها صغيرة لا تصلح للجماع وأما سودة فانها كانت امرأة ثيبا قد كان لها قبل النبي صلى الله عليه وسلم زوج وكان زوجها قبل النبي السكران بن عمرو بن عبد شمس وكان السكران من مهاجرة الحبشة فتنصر ومات بها فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة (قال أبو جعفر) ولا خلاف بين جميع أهل العلم بسير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى بسودة قبل عائشة ذكر السبب الذى كان في خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وسودة والرواية الواردة بأولاهما كان عقد عليها رسول الله عقدة النكاح * حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الاموى قال حدثنى أبى قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة قالت لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم بن أمية بن الاوقص امرأة عثمان بن مظعون

[ 412 ]

وذلك بمكة أي رسول الله ألا تزوج فقال ومن فقالت إن شئت بكرا وان شئت ثيبا قال فمن البكر قالت ابنة أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبى بكر قال ومن الثيب قالت سودة بنت زمعة بن قيس قد آمنت بك واتبعتك على ما أنت عليه قال فاذهبي فاذكريهما علي فجاءت فدخلت بيت أبى بكر فوجدت أم رومان أم عائشة فقالت أي أم رومان ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة قالت وما ذاك قالت أرسلني رسول الله أخطب عليه عائشة قالت وددت انتظري أبا بكر فإنه آت فجاء أبو بكر فقالت يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة أرسلني رسول الله أخطب عليه عائشة قال وهل تصلح له إنما هي ابنة أخيه فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له ذلك فقال ارجعي إليه فقولي له أنت أخى في الاسلام وأنا أخوك وابنتك تصلح لى فأتت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال انتظرينى حتى أرجع فقالت أم رومان إن المطعم بن عدى كان ذكرها على ابنه ولا والله ما وعد شيئا قط فأخلف فدخل أبو بكر على مطعم وعنده امرأته أم ابنه الذى كان ذكرها عليه فقالت العجوز يا ابن أبى قحافة لعلنا إن زوجنا ابننا ابنتك أن تصبئه وتدخله في دينك الذى أنت عليه فأقبل على زوجها المطعم فقال ما تقول في هذه فقال إنها تقول ذاك قال فخرج أبو بكر وقد أذهب الله العدة التى كانت في نفسه من عدته التى وعدها إياه وقال لخولة ادعى لى رسول الله فدعته فجاء فأنكحه وهى يومئذ ابنة ست سنين قال ثم خرجت فدخلت على سودة فقلت أي سودة ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة قالت وما ذاك قالت أرسلني رسول الله أخطبك عليه قالت فقالت وددت ادخلي على أبى فاذكري له ذلك قالت وهو شيخ كبير قد تخلف عن الحج فدخلت عليه فحييته بتحية أهل الجاهلية ثم قلت إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أرسلني أخطب عليه سودة قال كفو كريم فماذا تقول صاحبته قالت تحب ذلك قال ادعيها إلى فدعيت له فقال أي سودة زعمت هذه أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أرسل يخطبك وهو كفو كريم أفتحبين أن أزوجكه قالت نعم قال فادعيه لى فدعته فجاء فزوجه فجاء أخوها

[ 413 ]

من الحج عبد بن زمعة فجعل يحثى في رأسه التراب فقال بعد أن أسلم إنى لسفيه يوم أحثى في رأسي التراب ان تزوج رسول الله سودة بنت زمعة قال قالت عائشة فقدمنا المدينة فنزل أبو بكر السنح في بنى الحارث بن الخزرج قالت فجاء رسول الله فدخل بيتنا فاجتمع إليه رجال من الانصار ونساء فجاءتني أمي وأنا في أرجوحة بين عرقين يرجح بى فأنزلتنى ثم وفت جميمة كانت لى ومسحت وجهى بشئ من ماء ثم أقبلت تقودني حتى إذا كنت عند الباب وقفت بى حتى ذهب بعض نفسي ثم أدخلت ورسول الله جالس على سرير في بيتنا قالت فاجلستني في حجره فقالت هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهن وبارك لهن فيك ووثب القوم والنساء فخرجوا فبنى بى رسول الله في بيتى ما نحرت جزور ولا ذبحت على شاة وأنا يومئذ ابنة تسع سنين حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا علي بن نصر قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وحدثني عبد الوارث بن عبد الصمد قال حدثنى أبى قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان أنك كتبت إلى في خديجة بنت خويلد تسألني متى توفيت وأنها توفيت قبل مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة بثلاث سنين أو قريبا من ذلك ونكح عائشة متوفى خديجة كان رسول الله رأى عائشة مرتين يقال له هذه امرأتك وعائشة يومئذ ابنة ست سنين ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى بعائشة بعد ما قدم المدينة وهى يوم بنى بها ابنة تسع سنين رجع الخبر إلى خبر هشام بن محمد ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بنت أبى بكر واسمه عتيق بن أبى قحافة وهو عثمان ويقال عبد الرحمن بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة تزوجها قبل الهجرة بثلاث سنين وهى ابنة سبع سنين وجمع إليها بعد أن هاجر إلى المدينة وهى ابنة تسع سنين في شوال فتوفى عنها وهى ابنة

[ 414 ]

ثمان عشرة ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمرو بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن كعب وكانت قبله عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم وكان بدريا شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تلد له شيئا ولم يشهد من بنى سهم بدرا غيره ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة واسمها هند بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانت قبله عند أبى سلمة بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فارس القوم فأصابته جراحة يوم أحد فمات منه وكان ابن عمة رسول الله ورضيعه وأمه برة بنت عبد المطلب ولدت له عمر وسلم وزينب ودرة فلما مات كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى سلمة تسع تكبيرات فلما قيل يا رسول الله أسهوت أم نسيت قال لم أسه ولم أنس ولو كبرت على أبى سلمة ألفا كان أهلا لذلك ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لابي سلمة بخلفه في أهله فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الاحزاب سنة ثلاث وزوج سلمة بن أبى سلمة ابنة حمزة بن عبد المطلب ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام المريسيع جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار بن حبيب بن مالك بن جذيمة وهو المصطلق بن سعد بن عمرو سنة خمس وكانت قبله عند مالك بن صفوان ذى الشفر بن أبى سرح بن مالك بن المصطلق لم تلد له شيئا فكانت صفية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم المريسيع فأعتقها وتزوجها وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عتق ما في يده من قومها فأعتقهم لها ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب وكانت عند عبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد وكانت من مهاجرات الحبشة هي وزوجها فتنصر زوجها وحاولها أن تتابعه فأبت وصبرت على دينها ومات زوجها على النصرانية فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فيها فقال النجاشي لاصحابه من أولاكم

[ 415 ]

بها قالوا خالد بن سعيد بن العاص قال فزوجها من نبيكم ففعل وأمهرها أربعمائة دينار ويقال بل خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان فلما زوجه إياها بعث إلى النجاشي فيها فساق عنه النجاشي وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ابن رئاب بن يعمر بن صبرة وكانت قبله عند زيد بن حارثة بن شراحيل مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تلد له شيئا وفيها أنزل الله عز وجل (وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك) إلى آخر الآية فزوجها الله عز وجل إياه وبعث في ذلك جبريل وكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول أنا أكرمكن وليا وأكرمكن سفيرا ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيى بن أخطب بن سعية بن ثعلبة بن عبيد ابن كعب بن الخزرج بن أبى حبيب بن النضير وكانت قبله تحت سلام بن مشكم ابن الحكم بن حارثة بن الخزرج بن كعب بن الخزرج وتوفى عنها وخلف عليها كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق فقتله محمد بن مسلمة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ضرب عنقه صبرا فلما تصفح النبي صلى الله عليه وسلم السبى يوم خيبر ألقى رداءه على صفية فكانت صفية يوم خيبر ثم عرض عليها الاسلام فأسلمت فأعتقها وذلك سنة ست ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال وكانت قبله عند عمير بن عمرو من بنى عقدة بن غيرة بن عوف بن قسى وهو ثقيف لم تلد له شيئا وهى أخت أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف في عمرة القضاء زوجها إياه العباس بن عبد المطلب فتزوجها رسول الله وكل هؤلاء اللواتى ذكرناهن أن رسول الله صلى الله عليه سلم تزوجهن إلى هذا الموضع توفى رسول الله وهن أحياء غير خديجة بنت خويلد ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بنى كلاب بن ربيعة يقال لها النشاة بنت رفاعة وكانوا حلفاء لبنى رفاعة من قريظة وقد اختلف فيها وكان بعضهم يسمى

[ 416 ]

هذه سنا وينسبها فيقول سنا بنت أسماء بن الصلت السلمية وقال بعضهم هي سبا بنت أسماء بن الصلت من بنى حرام من بنى سليم وقالوا توفيت قبل أن يدخل بها رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم ونسبها بعضهم فقال هي سنا بنت الصلت بن حبيب ابن حارثة بن هلال بن حرام بن سمال بن عوف السلمى ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم الشنباء بنت عمرو الغفارية وكانوا أيضا حلفاء لبنى قريظة وبعضهم يزعم أنها قرظية وقد جهل نسبها لهلاك بنى قريظة وقيل أيضا إنها كنانية فعركت حين دخلت عليه ومات ابراهيم قبل أن تطهر فقالت لو كان نبيا ما مات أحب الناس إليه فسرحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم غزية بنت جابر من بنى أبى بكر بن كلاب بلغ رسول الله عنها جمال وبسطة فبعث أبا أسيد الانصاري ثم الساعدي فخطبها عليه فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وكانت حديثة عهد بالكفر فقالت إنى لم أستأمر في نفسي إنى أعوذ بالله منك فقال النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عائذا لله وردها إلى أهلها ويقال إنها من كندة ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء بنت النعمان بن الاسود بن شراحيل بن الجون بن حجر بن معاوية الكندى فلما دخل بها وجد بها بياضا فمتعها وجهزها وردها إلى أهلها ويقال بل كان النعمان بعث بها إلى رسول الله فسرحته فلما دخلت عليه استعاذت منه أيضا فبعث إلى أبيها فقال له أليست ابنتك قال بلى قال لها ألست ابنته قالت بلى قال النعمان عليكها يا رسول الله فانها وإنها وأطنب في الثناء فقال إنها لم تنجع قط ففعل بها ما فعل بالعامرية فلا يدرى ألقولها أم لقول أبيها أنها لم تنجع قط وأفاء الله عز وجل على رسوله ريحانة بنت زيد من بنى قريظة وأهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم مارية القبطية أهداها له المقوقس صاحب الاسكندرية فولدت له إبراهيم ابن رسول الله فهؤلاء أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن ست قرشيات (قال أبو جعفر) وممن لم يذكر هشام في خبره هذا ممن روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تزوجه من النساء زينب بنت خزيمة وهى التى يقال لها أم المساكين من بنى عامر بن صعصعة وهى

[ 417 ]

زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة وكانت قبل رسول الله عند الطفيل بن الحارث بن المطلب أخى عبيدة بن الحارث توفيت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وقيل إنه لم تمت عند رسول الله في حياته من أزواجه غيرها وغير خديجة وشراف بنت خليفة أخت دحية بن خليفة الكلبى والعالية بنت ظبيان * حدثنى ابن عبد الله ابن عبد الحكم قال حدثنا شعيب بن الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم العالية امرأة من بنى أبى بكر بن كلاب فمتعها ثم فارقها وقتيلة بنت قيس بن معديكرب أخت الاشعث بن قيس فتوفى عنها قبل أن يدخل بها فارتدت عن الاسلام مع أخيها وفاطمة بنت شريح وذكر عن ابن الكلبى أنه قال غزية بنت جابر هي أم شريك تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زوج كان لها قبله وكان لها منه ابن يقال له شريك فكنيت به فلما دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم وجدها مسنة فطلقها وكانت قد أسلمت وكانت تدخل على نساء قريش فتدعوهن إلى الاسلام وقيل إنه تزوج خولة بنت الهذيل بن هبيرة بن قبيصة بن الحارث روى ذلك عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس وبهذا الاسناد أن ليلى بنت الخطيم بن عدى بن عمرو بن سواد بن ظفر بن الحارث ابن الخزرج أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مول ظهره الشمس فضربت على منكبه فقال من هذه قالت انا ابنة مبارى الريح أنا ليلى بنت الخطيم جئتك أعرض عليك نفسي فتزوجني قال قد فعلت فرجعت إلى قومها فقالت قد تزوجني رسول الله فقالوا بئس ما صنعت انت امرأة غيرى والنبى صاحب نساء استقيليه نفسك فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أقلنى قال قد أقلتك وبغير هذا الاسناد أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عمرة بنت يزيد امرأة من بنى رؤاس بن كلاب ذكر من خطب النبي صلى الله عليه وسلم من النساء ثم لم ينكحها منهن أم هانئ بنت أبى طالب واسمها هند خطبها رسول الله صلى الله

[ 418 ]

تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يتزوجها لانها ذكرت أنها ذات ولد وخطب ضباعة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة إلى ابنها سلمة بن هشام بن المغيرة فقال حتى أستأمرها فأتاها فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم خطبك فقالت ما قلت له قال قلت له حتى أستأمرها قالت وفى النبي يستأمر ؟ ارجع فزوجه فرجع فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه أخبر أنها قد كبرت وخطب فيما ذكر صفية بنت بشامة أخت الاعور العنبري وكان أصابها سباء فخيرها فقال إن شئت أنا وإن شئت زوجك قالت بل زوجي فأرسلها وخطب أم حبيب بنت العباس بن عبد المطلب فوجد العباس أخاه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة وخطب جمرة بنت الحارث بن أبى حارثة فقال أبوها فيما ذكر بها شئ ولم يكن بها شئ فرجع فوجدها قد برصت (ذكر سرارى رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهى مارية بنت شمعون القبطية وريحانة بنت زيد القرطبية وقيل هي من بنى النضير وقد مضى ذكر أخبارهما قبل (ذكر موالى رسول الله صلى الله عليه وسلم) فمنهم زيد بن حارثة وابنه أسامة بن زيد وقد ذكرنا خبره فيما مضى وثوبان مولى رسول الله فأعتقه ولم يزل معه حتى قبض ثم نزل حمص وله بها دار وقف ذكر أنه توفى سنة أربعة وخمسون في خلافة معاوية وقال بعضهم بل كان سكن الرملة ولا عقب له وشقران وكان من الحبشة اسمه صالح بن عدى اختلف في أمره وقد ذكر عن عبد الله بن داود الخريبى أنه قال شقران ورثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه وقال بعضهم شقران من الفرس ونسبه فقال هو صالح ابن حول بن مهربوذ نسب شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول من نسبه إلى عجم الفرس زعم أنه صالح بن حول بن مهربوذ بن آذزجشنس ابن مهربان بن فيران بن رستم بن فيروز بن ماى بن بهرام بن رشتهرى وزعم

[ 419 ]

أنهم كانوا من دهاقين الرى وذكر عن مصعب الزبيري أنه قال كان شقران لعبد الرحمن بن عوف فوهبه للنبى صلى الله عليه وسلم وأنه أعقب وأن آخرهم مؤبا رجل كان بالمدينة من ولده كان له بالبصرة بقية ورويفع وهو أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه أسلم وقال بعضهم اسمه إبراهيم واختلفوا في أمره فقال بعضهم كان للعباس بن عبد المطلب فوهبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه رسول الله وقال بعضهم كان أبو رافع لابي أحيحة سعيد بن العاص الاكبر فورثه بنوه فأعتق ثلاثة منهم أنصباءهم منه وقتلوا يوم بدر جميعا وشهد أبو رافع بدرا ووهب خالد بن سعيد نصيبه منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه رسول الله وابنه البهى اسمه رافع وأخو البهى عبيدة الله ابن أبى رافع وكان يكتب لعلي بن أبى طالب فلما ولي عمرو بن سعيد المدينة دعا البهى فقال من مولاك فقال رسول الله فضربه مائة سوط وقال مولى من أنت قال مولى رسول الله فضربه مائة سوط فلم يزل يفعل به ذلك كلما سأله مولى من أنت وقال مولى رسول الله حتى ضربه خمسمائة سوط ثم قال مولى من أنت قال مولاكم فلما قتل عبد الملك عمرو بن سعيد قال البهى بن أبى رافع صحت ولا شلت وضرت عدوها * يمين هراقت مهجة ابن سعيد هو ابن أبى العاص مرارا وينتمى * إلى أسرة طابت له وجدود وسلمان الفارسى وكنيته أبو عبد الله من أهل قرية أصبهان ويقال إنه من قرية رامهرمز فأصابه أسر من بعض كلب فبيع من بعض اليهود بناحية وادى القرى فكاتب اليهودي فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى عتق وقال بعض نسابة الفرس سلمان من كورسابور واسمه ما به بن بوذخشان بن دهديره وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لام سلمة فأعتقته واشترطت عليه خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته قيل إنه أسود واختلف في اسمه فقال بعضهم اسمه مهران وقال بعضهم اسمه رباح وقال بعضهم هو من عجم الفرس واسمه سبيه بن مارقيه وأنسة يكنى أبا مسرح وقيل أبا مسروح كان من مولدي

[ 420 ]

السراة وكان يأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم أصله من عجم الفرس كانت أمه حبشية وأبوه فارسيا قال واسم أبيه بالفارسية كردوى بن أشرنيده بن أدوهر بن مهرادر بن كنحكان من بنى مهجوار بن يوماست وأبو كبشة واسمه سليم قيل إنه كان من مولدي مكة وقيل من مولدي أرض دوس ابتاعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه فشهد مع رسول الله بدرا وأحدا والمشاهد توفى أول يوم استخلف فيه عمر بن الخطاب سنة ثلاث عشرة من الهجرة وأبو مويهبة قيل إنه كان من مولدي مزينة فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه ورباح الاسود كان يأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفضالة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل فيما ذكر الشأم ومدعم مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عبدا لرفاعة بن زيد الجذامي فوهبه لرسول الله فقتل بوادي القرى يوم نزل بهم رسول الله أتاه سهم غرب فقتله وأبو ضميرة كان بعض نسابة الفرس زعم انه من عجم الفرس من ولد كشتاسب الملك وأن اسمه واح بن شيزر ابن بيرويس بن تاريشمة بن ماهوش بن باكمهير وذكر بعضهم أنه كان ممن صار في قسم رسول الله في بعض وقائعه فأعتقه وكتب له كتابا بالوصية وهو جد أبى حسين بن ضميرة بن عبد الله بن أبى ضميرة وأن ذلك الكتاب في أيدى ولد ولده وأهل بيته وأن حسين بن عبد الله هذا قدم على المهدى ومعه ذلك الكتاب فأخذه المهدى فوضعه على عينيه ووصله بثلثمائه دينار ويسار وكان فيما ذكر نوبيا كان فيما وقع في سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فأعتقه وهو الذى قتله العرنيون الذين أغاروا على لقاح رسول الله ومهران حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له خصى يقال له مابور كان المقوقس أهداه إليه مع الجاريتين اللتين يقال لاحداهما مارية وهى التى تسرى بها والاخرى سيرين وهى التى وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت لما كان من جناية صفوان بن المعطل عليه فولدت لحسان ابنه عبد الرحمن بن حسان وكان المقوقس

[ 421 ]

بعث بهذا الخصى مع الجاريتين اللتين أهداهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليوصلهما إليه ويحفظهما من الطريق حتى يصلا إليه وقيل إنه الذى قذفت مارية به فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأمره بقتله فلما رأى عليا وما يريد به تكشف حتى تبين لعلى أنه أجب لا شئ معه مما يكون مع الرجال فكف عنه علي وخرج إليه من الطائف وهو محاصر أهلها أعبد لهم أربعة فأعتقهم صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكرة ذكر من كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن عثمان بن عفان كان يكتب له أحيانا وأحيانا علي بن أبى طالب وخالد بن سعيد وأبان بن سعيد والعلاء بن الحضرمي وقيل أول من كتب له أبي بن كعب وكان إذا غاب أبي كتب له زيد بن ثابت وكتب له عبد الله بن سعد ابن أبى سرح ثم ارتد عن الاسلام ثم راجع الاسلام يوم فتح مكة وكتب له معاوية بن أبى سفيان وحنظلة الاسيدى أسماء خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبى حثمة عن أبيه قال أول فرس ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرس ابتاعه بالمدينة من رجل من بنى فزارة بعشر أواق وكان اسمه عند الاعرابي الضرس فسماه رسول الله السكب وكان أول ما غزا عليه أحد ليس مع المسلمين يومئذ فرس غيره وفرس لابي بردة بن نيار يقال له ملاوح * حدثنى الحارث قال أخبرنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال سألت محمد بن يحيى بن سهل بن أبى حثمة عن المرتجز فقال هو الفرس الذى اشتراه من الاعرابي الذى شهد له فيه خزيمة بن ثابت وكان الاعرابي من بنى مرة * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا أبي ابن عباس بن سهل عن أبيه عن جده قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 422 ]

ثلاثة أفراس لزاز والظرب واللخيف فاما لزاز فأهداه له المقوقس وأما اللخيف فأهداه له ربيعة بن أبى البراء فأثابه عليه فرائض من نعم بنى كلاب وأما الظرب فأهداه له فروة بن عمرو الجذامي وأهدى تميم الدارى لرسول الله فرسا يقال له الورد فاعطاه عمر فحمل عليه عمر في سبيل الله فوجده يباع وقد زعم بعضهم أنه كان له مع ما ذكرت من الخيل فرس يقال له اليعسوب (ذكر أسماء بغال رسول الله صلى الله عليه وسلم) * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا موسى ابن محمد بن ابراهيم عن أبيه قال كانت دلدل بغلة النبي صلى الله عليه وسلم أول بغلة رئيت في الاسلام أهداها له المقوقس وأهدى له معها حمارا يقال له عفير فكانت البغلة قد بقيت حتى كان زمن معاوية * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا معمر عن الزهري قال دلدل أهداها له فروة بن عمرو الجذامي * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال اخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن زامل بن عمرو قال أهدى فروة بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغلة يقال لها فضة فوهبها لابي بكر وحماره يعفور فنفق منصرفه من حجة الوداع (ذكر أسماء إبله صلى الله عليه وسلم) * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى موسى بن محمد بن ابراهيم التيمى عن أبيه قال كانت القصواء من نعم بنى الحريش ابتاعها أبو بكر وأخرى معها بثمانمائة درهم وأخذها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعمائة فكانت عنده حتى نفقت وهى التى هاجر عليها وكانت حين قدم رسول الله المدينة رباعية وكان اسمها القصواء والجدعاء والعضباء * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى بن أبى ذئب عن يحيى بن يعلى عن ابن المسيب قال كان اسمها العضباء وكان في طرف اذنها جذع

[ 423 ]

(ذكر أسماء لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم) حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبى رافع قال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاح وهى التى أغار عليها القوم بالغابة وهى عشرون لقحة وكانت التى يعيش بها أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم يراح إليه كل ليلة بقربتين عظيمتين من لبن فيها لقاح غزار الحناء والسمراء والعريس والسعدية والبغوم واليسيرة والريا * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى هارون بن محمد عن أبيه عن نبهان مولى أم سلمة قال سمعت أم سلمة تقول كان عيشنا مع رسول الله اللبن أو قالت أكثر عيشنا كانت لرسول الله لقاح بالغابة كان قد فرقها على نسائه فكانت فيها لقحة تدعى العريس وكنا منها فيما شئنا من اللبن وكانت لعائشة لقحة تدعى السمراء غزيرة لم تكن كلقحتى فقرب راعيهن اللقاح إلى مرعى بناحية الجوانية فكانت تروح على أبياتنا فنؤتي بهما فتحلبان فتوجد لقحته أغزر منهما بمثل لبنهما أو أكثر * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا عبد السلام بن جبير عن أبيه قال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقائح تكون بذى الجدر وتكون بالجماء فكان لبنها يؤوب الينا لقحة تدعى مهرة أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بنى عقيل وكانت غزيرة وكانت الريا والشقراء ابتاعهما بسوق النبط من بنى عامر وكانت بردة والسمراء والعريس واليسيرة والحناء يحلبن ويراح إليه بلبنهن كل ليلة وكان فيها غلام للنبى صلى الله عليه وسلم اسمه يسار فقتلوه (ذكر أسماء منائح رسول الله صلى الله عليه وسلم) * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى زكرياء ابن يحيى عن ابراهيم بن عبد الله من ولد عتبة بن غزوان قال كانت منائح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا عجوة وزمزم وسقيا وبركة وورسة وأطلال

[ 424 ]

وأطراف * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد قال حدثنى أبو اسحاق عن عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال كانت منائح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع أعنز منائح يرعاهن ابن أم أيمن (ذكر أسماء سيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم) * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن مروان بن أبى سعيد بن المعلى قال أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاح بنى قينقاع ثلاثة أسياف سيفا قلعيا وسيفا يدعى بتارا وسيفا يدعى الحتف وكان عنده بعد ذلك النخذم ورسوب أصابهما من القلس وقيل انه قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ومعه سيفان يقال لاحدهما العضب شهد به بدرا وسيفه ذو الفقار غنمه يوم بدر كان لمنبه بن الحجاج (ذكر أسماء قسيه ورماحه صلى الله عليه وسلم) * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا أبو بكر ابن عبد الله بن أبى سبرة عن مروان بن أبى سعيد بن المعلى قال أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاح بنى قينقاع ثلاثة أرماح وثلاث قسى قوس الروحاء وقوس شوحط تدعى البيضاء وقوس صفراء تدعى الصفراء من نبع ذكر أسماء دروعه صلى الله عليه وسلم * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن مروان بن أبى سعيد بن المعلى قال أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاح بنى قينقاع درعين درع يقال لها السعدية ودرع يقال لها فضة * حدثنى الحارث قال حدثنى ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى موسى بن عمر عن جعفر بن محمود عن محمد بن مسلمة قال رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعين درعه ذات الفضول ودرعه فضة ورأيت

[ 425 ]

عليه يوم خيبر درعين ذات الفضول والسعدية ذكر ترسه صلى الله عليه وسلم * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا عتاب بن زياد قال أخبرنا عبد الله بن المبارك قال أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال سمعت مكحولا يقول كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ترس فيه تمثال رأس كبش فكره رسول الله مكانه فأصبح يوما وقد أذهبه الله عز وجل ذكر أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنى محمد بن المثنى قال حدثنا ابن أبى عدى عن عبد الرحمن يعنى المسعودي عن عمرو بن مرة عن أبى عبيدة عن أبى موسى قال سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه أسماء منها ما حفظنا قال أنا محمد وأحمد والمقفى والحاشر ونبى التوبة والملحمة * حدثنى ابن المثنى قال حدثنا أبو داود قال أخبرنا ابراهيم يعنى ابن سعد عن الزهري قال أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال قال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن لى أسماء أنا محمد وأحمد والعاقب والماحي قال الزهري والعاقب الذى ليس بعده أحد والماحي الذى يمحو الله به الكفر * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا سفيان بن حسين قال حدثنى الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا محمد وأحمد والماحي والعاقب والحاشر الذى يحشر الناس على قدمى قال يزيد فسألت سفيان ما العاقب قال آخر الانبياء ذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم * حدثنى ابن المثنى قال حدثنى ابن عدى عن المسعودي عن عثمان بن عبد الله بن هرمز قال حدثنى نافع بن جبير عن علي بن أبى طالب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل ولا بالقصير ضخم الرأس واللحية شثن الكفين والقدمين ضخم الكراديس مشرب وجهه الحمرة طويل المسربة إذا مشى

[ 426 ]

تكفأ تكفا كأنما ينحط من صبب لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا مجمع بن يحيى قال حدثنا عبد الله بن عمران عن رجل من الانصار لم يسمه أنه سأل علي بن أبى طالب وهو في مسجد الكوفة محتب بحمالة سيفه فقال أنعت لى نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له علي كان رسول الله أبيض اللون مشربا حمرة أدعج سبط الشعر دقيق المسربة سهل الخدين كث اللحية ذو وفرة كأن عنقه إبريق فضة كان له شعر من لبته إلى سرته يجرى كالقضيب لم يكن في إبطه ولا صدره شعر غيره شثن الكف والقدم إذا مشى كأنما ينحدر من صبب وإذا مشى كأنما ينقلع من صخر وإذا التفت التفت جميعا ليس بالقصير ولا بالطويل ولا العاجز ولا اللئيم كأن العرق في وجهه اللؤلؤ ولريح عرقه أطيب من المسك لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن المقدمى قال حدثنا يحيى بن محمد بن قيس الذى يقال له أبو زكير قال سمعت ربيعة بن أبى عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين فأقام بمكة عشرا وبالمدينة عشرا وتوفى على رأس ستين ليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطويل البائن ولا القصير ولم يكن بالابيض الامهق ولا الآدم ولم يكن بالجعد القطط ولا السبط * حدثنى ابن المثنى قال حدثنا يزيد بن هارون عن الجريرى قال كنت مع أبى الطفيل يطوف بالبيت فقال ما بقى أحد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرى قال وقلت أرأيته قال نعم قلت كيف كان صفته قال كان أبيض مليحا مقصدا ذكر خاتم النبوة التى كانت به صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا الضحاك بن مخلد قال حدثنا عزرة بن ثابت قال حدثنا علباء قال حدثنا أبو زيد قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا زيد ادن منى امسح ظهرى وكشف عن ظهره قال فمسيت ظهره ثم وضعت أصبعي

[ 427 ]

على الخاتم فغمزتها قال قلت وما الخاتم قال شعر مجمع كان على كتفيه * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا بشر بن الوضاح أبو الهيثم قال حدثنا أبو عقيل الدورقى عن أبى نضرة قال سألت أبا سعيد الخدرى عن الخاتم التى كانت للنبى صلى الله عليه وسلم قال كانت بضعة ناشزة ذكر شجاعته وجوده صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا حماد بن واقد عن ثابت عن أنس قال كان نبى الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس وأسمح الناس وأشجع الناس لقد كان فزع بالمدينة فانطلق أهل المدينة نحو الصوت فإذا هم قد تلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس عرى لابي طلحة ما عليه سرج وعليه السيف قال وقد كان سبقهم إلى الصوت قال فجعل يقول يا أيها الناس لن تراعوا لن تراعوا مرتين ثم قال يا أبا طلحة وجدناه بحرا وقد كان الفرس يبطأ فما سبقه فرس بعد ذلك * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأجود الناس كان فزع بالمدينة فخرج الناس قبل الصوت فاستبرأ الفزع على فرس لابي طلحة عرى ما عليه سرج في عنقه السيف قال وجدناه بحرا أو قال وإنه لبحر ذكر صفة شعره صلى الله عليه وسلم وهل كان يخضب أم لا * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا معاذ بن معاذ قال حدثنا حريز بن عثمان قال أبو موسى قال معاذ وما رأيت من رجل قط من أهل الشأم أفضله عليه قال دخلنا على عبد الله بن بسر فقلت له من بين أصحابي أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشيخا كان قال فوضع يده على عنفقته وقال كان في عنفقته شعر أبيض * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زهير عن أبى إسحاق عن أبى جحيفة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنفقته بيضاء قيل مثل من أنت يومئذ

[ 428 ]

يا أبا جحيفة قال أبرى النبل وأريشها * حدثنى ابن المثنى قال حدثنا خالد بن الحارث قال حدثنا حميد قال سئل أنس أخضب رسول الله قال فقال أنس لم يشتد برسول الله الشيب ولكن خضب أبو بكر بالحناء والكتم وخضب عمر بالحناء * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبى عدى عن حميد قال سئل أنس هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لم ير من الشيب إلا نحو من تسع عشرة أو عشرين شعرة بيضاء في مقدم لحيته قال إنه لم يشن بالشيب فقيل لانس وشين هو قال كلكم يكرهه ولكن خضب أبو بكر بالحناء والكتم وخضب عمر بالحناء * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا معاذ بن معاذ قال حدثنا حميد عن أنس قال لم يكن الشيب الذى بالنبي صلى الله عليه وسلم عشرين شعرة * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا حماد بن سلمة عن سماك عن جابر بن سمرة قال ما كان في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشيب إلا شعرات في مفرق رأسه وكان إذا دهنه غطاهن * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال حدثنا سلام بن أبى مطيع عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال دخلت زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجت الينا شعرا من شعر رسول الله مخضوبا بالحناء والكتم * حدثنا ابن جابر ابن الكردى الواسطي قال حدثنا أبو سفيان قال حدثنا الضحاك بن حمرة عن غيلان بن جامع عن أياد بن لقيط عن أبى رمثة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضب بالحناء والكتم وكان يبلغ شعره كتفيه أو منكبيه - الشك من أبى سفيان - * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن ابراهيم يعنى ابن نافع عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن أم هانئ قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وله ضفائر أربع ذكر الخبر عن بدء مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى توفى فيه وما كان منه قبيل ذلك لما نعيت إليه نفسه صلى الله عليه وسلم (قال أبو جعفر) يقول الله عز وجل (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت

[ 429 ]

الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) قد مضى ذكرنا قبل ما كان من تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في حجته التى حجها المسماة حجة الوداع وحجة التمام وحجة البلاغ مناسكهم ووصيته إياهم بما قد ذكرت قبل في خطبته التى خطبها بهم فيها ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من سفره ذلك بعد فراغه من حجه إلى منزله بالمدينة في بقية ذى الحجة فأقام بها ما بقى من ذى الحجة والمحرم والصفر ثم دخلت سنه إحدى عشرة ذكر الاحداث التى كانت فيها (قال أبو جعفر) ثم ضرب في المحرم من سنة إحدى عشرة على الناس بعثا إلى الشام وأمر عليهم مولاه وابن مولاه أسامة بن زيد بن حارثة وأمره فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش ابن أبى ربيعة أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الاولون فبينا الناس على ذلك ابتدئ صلى الله عليه وسلم شكواه التى قبضه الله عز وجل فيها إلى ما أراد به من رحمته وكرامته في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الاول * حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري قال حدثنى عمى يعقوب قال حدثنا ابراهيم قال أخبرنا سيف بن عمر قال حدثنا عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجزع الانصاري عن عبيد بن حنين مولى النبي صلى الله عليه وسلم عن أبى مويهبة مولى رسول الله قال رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعدما قضى حجة التمام فتحلل به السير وضرب على الناس بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد وأمره أن يوطئ من آبل الزيت من مشارف الشأم الارض بالاردن فقال المنافقون في ذلك ورد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم إنه لخليق لها أي حقيق بالامارة وإن قلتم فيه لقد قلتم في أبيه من قبل وإن كان لخليقا لها فطار الاخبار بتحلل السير بالنبي صلى الله عليه وسلم

[ 430 ]

إن النبي قد اشتكى فوثب الاسود باليمن ومسيلمة باليمامة وجاء الخبر عنهما للنبى صلى الله عليه وسلم ثم وثب طليحة في بلاد أسد بعد ما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم ثم اشتكى في المحرم وجعه الذى قبضه الله تعالى فيه * حدثنا ابن سعيد قال حدثنى عمى يعقوب قال أخبرنا صيف قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذى توفاه الله به في عقب المحرم (وقال الواقدي) بدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه لليلتين بقيتا من صفر * حدثنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنى عمى قال حدثنا سيف ابن عمر قال حدثنا المستنير بن يزيد النخعي عن عروة بن غزية الدثينى عن الضحاك بن فيروز بن الديلمى عن أبيه قال إن أول ردة كانت في الاسلام باليمن كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على يدى ذوى الخمار عبهلة بن كعب وهو الاسود في عامة مذحج خرج بعد الوداع كان الاسود كاهنا شعباذا وكان يريهم الاعاجيب ويسبي قلوب من سمع منطقه وكان أول ما خرج أن خرج من كهف خبان وهى كانت داره وبها ولد ونشأ فكاتبته مذحج وواعده نجران فوثبوا بها وأخرجوا عمرو بن حزم وخالد بن سعيد بن لعاص وأنزلوه منزلهما ووثب قيس بن عبد يغوث على فروة بن مسيك وهو على مراد فأجلاه ونزل منزله فلم ينشب عبلهة بنجران أن سار إلى صنعاء فأخذها وكتب بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم من فعله ونزوله صنعاء وكان أول خبر وقع به عنه من قبل فروة بن مسيك ولحق بفروة من تم على الاسلام من مذحج فكانوا بالاحسية ولم يكاتبه الاسود ولم يرسل إليه لانه لم يكن معه أحد يشاغبه وصفا له ملك اليمن * حدثنا عبيد الله قال أخبرني عمى يعقوب قال حدثنى سيف قال حدثنا طلحة بن الاعلم عن عكرمة عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ضرب بعث أسامة فلم يستتب لوجع رسول الله ولخلع مسيلمة والاسود وقد أكثر المنافقون في تأمير أسامة حتى بلغه فخرج النبي صلى الله عليه وسلم على الناس عاصبا رأسه من الصداع لذلك من الشأن وانتشاره لرؤيا رآها في بيت عائشة

[ 431 ]

فقال إنى رأيت البارحة فيما يرى النائم أن في عضدي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا فأولتهما هذين الكذابين صاحب اليمامة وصاحب اليمن وقد بلغني أن أقواما يقولون في إمارة أسامة ولعمري لئن قالوا في إمارته لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله وإن كان أبوه لخليقا للامارة وإنه لخليق لها فأنفذوا بعد أسامة وقال لعن الله الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد فخرج أسامة فضرب بالجرف وأنشأ الناس في العسكر ونجم طليحة وتمهل الناس وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستتم الامر ينظرون أولهم آخرهم حتى توفى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم * كتب إلى السرى بن يحيى يقول حدثنا شعيب بن إبراهيم التميمي عن سيف بن عمر قال حدثنا سعيد بن عبيد أبو يعقوب عن أبى ماجد الاسدي عن الحضرمي بن عامر الاسدي قال سألته عن أمر طليحة بن خويلد فقال وقع بنا الخبر بوجع النبي صلى الله عليه وسلم ثم بلغنا أن مسيلمة قد غلب على اليمامة وأن الاسود قد غلب على اليمن فلم يلبث إلا قليلا حتى ادعى طليحة النبوة وعسكر بسميراء واتبعه العوام واستكثف أمره وبعث حبال ابن أخيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الموادعة ويخبره خبره وقال حبال إن الذى يأتيه ذو النون فقال لقد سمى ملكا فقال حبال أنا ابن خويلد فقال النبي صلى الله عليه وسلم قتلك الله وحرمك الشهادة * وحدثني عبيد الله بن سعيد قال أخبرنا عمى يعقوب قال أخبرنا سيف قال وحدثنا سعيد بن عبيد عن حريث بن المعلى أن أول من كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبر طليحة سنان بن أبى سنان وكان على بنى مالك وكان قضاعى بن عمرو على بنى الحارث * حدثنا عبيد الله بن سعيد قال أخبرنا عمى قال أخبرنا سيف قال أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه قال حاربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسل قال فأرسل إلى نفر من الابناء رسولا وكتب إليهم أن يحاولوه وأمرهم أن يستنجدوا رجالا قد سماهم من بنى تميم وقيس وأرسل إلى أولئك النفر أن ينجدوهم ففعلوا ذلك وانقطعت سبل المرتدة وطعنوا في نقصان وأغلقهم واشتغلوا في أنفسهم فأصيب الاسود في حياة رسول الله صلى الله عليه

[ 432 ]

وسلم وقبل وفاته بيوم أو بليلة ولظ طليحة ومسيلمة وأشباههم بالرسل ولم يشغله ما كان فيه من الوجع عن أمر الله عز وجل والذب عن دينه فبعث وبر بن يحنس إلى فيروز وجشيش الديلمى وداذويه الاصطخرى وبعث جرير بن عبد الله إلى ذى الكلاع وذى ظليم وبعث الاقرع بن عبد الله الحميرى إلى ذى زود وذى مران وبعث فرات بن حيان العجلى إلى ثمامة بن أثال وبعث زياد بن حنظلة التميمي ثم العمرى إلى قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وبعث صلصل بن شرحبيل إلى سبرة العنبري ووكيع الدارمي وإلى عمرو بن المحجوب العامري وإلى عمرو ابن الخفاجى من بنى عامر وبعث ضرار بن الازور الاسدي إلى عوف الزرقاني من بنى الصيداء وسنان الاسدي ثم الغنمى وقضاعى الديلمى وبعث نعيم بن مسعود الاشجعى إلى ابن ذى اللحية وابن مشيمصة الجبيرى * وحدثت عن هشام ابن محمد عن أبى مخنف قال حدثنا الصقعب بن زهير عن فقهاء أهل الحجاز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجع وجعه الذى قبض فيه في آخر صفر في أيام بقين منه وهو في بيت زينب بنت جحش * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة وعلى بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عمر بن علي عن عبيد بن جبير مولى الحكم بن أبى العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبى مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فقال لى يا أبا مويهبة إنى قد أمرت أن أستغفر لاهل البقيع فانطلق معى فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال السلام عليكم اهل المقابر ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الاولى ثم أقبل على فقال يا أبا مويهبة إنى قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة خيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنة فاخترت لقاء ربى والجنة قال قلت بأبى أنت وأمى فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فقال لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربى والجنة ثم استغفر لاهل البقيع ثم انصرف فبدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجعه الذى قبض فيه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن

[ 433 ]

اسحاق * وحدثني ابن حميد قال حدثنا على بن مجاهد قال حدثنا ابن اسحاق عن يعقوب بن عتبة عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول وارأساه قال بل أنا والله يا عائشة وارأساه ثم قال ما ضرك لو مت قبلى فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك فقلت والله لكأنى بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتى فأعرست ببعض نسائك قالت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استعز به وهو في بيت ميمونة فدعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيتى فأذن له فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر تخط قدماه الارض عاصبا رأسه حتى دخل بيتى (قال عبيد الله) فحدثت هذا الحديث عنها عبد الله ابن عباس فقال هل تدرى من الرجل قلت لا قال علي بن أبى طالب ولكنها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير وهى تستطيع ثم غمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به الوجع فقال أهريقوا على من سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم قالت فأقعدناه في مخضب لحفصة بنت عمر ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول حسبكم حسبكم * فحدثني حميد بن الربيع الخراز قال حدثنا معن بن عيسى قال حدثنا الحارث بن عبد الملك بن عبد الله بن اياس الليثي ثم الاشجعى عن القاسم بن يزيد عن عبد الله بن قسيط عن أبيه عن عطاء عن ابن عباس عن أخيه الفضل بن عباس قال جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت إليه فوجدته موعوكا قد عصب رأسه فقال خذ بيدى يا فضل فأخذت بيده حتى جلس على المنبر ثم قال ناد في الناس فاجتمعوا إليه فقال أما بعد أيها الناس فانى أحمد اليكم الله الذى لا اله الا هو وانه قد دنا منى حقوق من بين أظهركم فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهرى فليستقدمنه ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضى فليستقدمنه ألا وان الشحناء ليست من طبعي ولا من شأني

[ 434 ]

ألا وإن أحبكم إلى من أخذ منى حقا ان كان له أو حللني فلقيت الله وأنا أطيب النفس وقد أرى أن هذا غير مغن عنى حتى أقوم فيكم مرارا (قال الفضل) ثم نزل فصلى الظهر ثم رجع فجلس على المنبر فعاد لمقالته الاولى في الشحناء وغيرها فقام رجل فقال يا رسول الله ان لى عندك ثلاثة دراهم قال أعطه يا فضل فأمرته فجلس ثم قال أيها الناس من كان عنده شئ فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا ألا وإن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة فقام رجل فقال يا رسول الله عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله قال ولم غللتها قال كنت إليها محتاجا قال خذها منه يا فضل ثم قال يا أيها الناس من خشى من نفسه شيئا فليقم أدع له فقام رجل فقال يا رسول الله انى لكذاب إنى لفاحش وانى لنؤوم فقال اللهم ارزقه صدقا وإيمانا واذهب عنه النوم إذا أراد ثم قام رجل فقال والله يا رسول الله إنى لكذاب وانى لمنافق وما شئ أو إن شئ الا قد جنيته فقام عمر بن الخطاب فقال فضحت نفسك أيها الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا ابن الخطاب فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة اللهم ارزقه صدقا وايمانا وصير أمره إلى خير فقال عمر كلمه فضحك رسول الله ثم قال عمر معى وأنا مع عمر والحق بعدى مع عمر حيث كان * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن الزهري عن أيوب بن بشير ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم وأكثر الصلاة عليهم ثم قال (أن عبدا ؟ من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله قال ففهمها أبو بكر وعلم أن نفسه يريد فبكى وقال بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا فقال على رسلك يا أبا بكر انظروا هذه الابواب الشوارع اللافظة في المسجد فسدوها إلا ما كان من بيت أبى بكر فانى لا أعلم أحدا كان أفضل عندي في الصحبة يدا منه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الرحمن بن عبد الله عن بعض آل أبى سعيد بن المعلى أن رسول الله قال يومئذ في كلامه هذا فانى لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة وإخاء ايمان

[ 435 ]

حتى يجمع الله بيننا عنده * وحدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال حدثنى عمى عبد الله بن وهب قال حدثنا مالك عن أبى النضر عن عبيد بن حنين عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوما على المنبر فقال إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله فاختار ما عند الله فبكى أبو بكر ثم قال فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله قال فتعجبنا له وقال الناس انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله عن عبد يخير ويقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال فكان رسول الله هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمن الناس على في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الاسلام لا تبق خوخة في المسجد الا خوخة أبى بكر * حدثنى محمد بن عمر بن الصباح الهمداني قال حدثنا يحيى بن عبد الرحمن قال حدثنا مسلم بن جعفر البجلى قال سمعت عبد الملك بن الاصبهاني عن خلاد الاسدي قال قال عبد الله بن مسعود نعى الينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر فلما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة فنظر الينا وشدد فدمعت عينه وقال مرحبا بكم رحمكم الله أواكم الله حفظكم الله رفعكم الله نفعكم الله وفقكم الله نصركم الله سلمكم الله رحمكم الله قبلكم الله أوصيكم بتقوى الله وأوصى الله بكم وأستخلفه عليكم وأؤديكم إليه انى لكم نذير وبشير لا تعلوا على الله في عباده وبلاده فانه قال لى ولكم تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين وقال أليس في جهنم مثوى للمتكبرين فقلنا متى أجلك قال قد دنا الفراق والمنقلب إلى الله وإلى سدرة المنتهى قلنا فمن يغسلك يا نبى الله قال أهلى الادنى فالادنى قلنا ففيم نكفنك يا نبى الله قال في ثيابي هذه إن شئتم أو في بياض مصر أو حلة يمانية قلنا فمن يصلى عليك يا نبى الله قال مهلا غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرا فبكينا وبكى النبي صلى الله عليه وسلم وقال إذا غسلتموني وكفنتموني فضعونى على سريري في بيتى هذا على شفير قبري ثم اخرجوا عنى ساعة فان أول من يصلى علي جليسى وخليلي جبريل ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم ملك الموت مع جنود كثيرة

[ 436 ]

من الملائكة بأجمعها ثم ادخلوا علي فوجا فوجا فصلوا علي وسلموا تسليما ولا تؤذونني بتزكية ولا برنة ولا صيحة وليبدأ بالصلاة على رجال أهل بيتى ثم نساؤهم ثم أنتم بعد أقرؤا أنفسكم منى السلام فإنى أشهدكم أنى قد سلمت على من بايعني على دينى من اليوم إلى يوم القيامة قلنا فمن يدخلك في قبرك يا نبى الله قال أهلى مع ملائكة كثيرين يرونكم من حيث لا ترونهم * حدثنا أحمد بن حماد الدولابى قال حدثنا سفيان عن سليمان بن أبى مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال يوم الخميس وما يوم الخميس قال اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال ائتونى اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدى أبدا فتنازعوا ولا ينبغى عند نبى أن يتنازع فقالوا ما شأنه أهجر استفهموه فذهبوا يعيدون عليه فقال دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه وأوصى بثلاث قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم وسكت عن الثالثة عمدا أو قال فنسيتها * حدثنا أبو كريب قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا ابن عيينة عن سليمان الاحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال يوم الخميس ثم ذكر نحو حديث أحمد بن حماد غير أنه قال ولا ينبغى عند نبى أن ينازع * حدثنا أبو كريب وصالح بن سمال قال حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال يوم الخميس وما يوم الخميس قال ثم نظرت إلى دموعه تسيل على خديه كأنها نظام اللؤلؤ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائتونى باللوح والدواة أو بالكتف والدواة أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده قال فقالوا إن رسول الله يهجر * حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال حدثنى عمى عبد الله ابن وهب قال أخبرني يونس عن الزهري قال أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك أن ابن عباس أخبره أن علي بن أبى طالب خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذى توفى فيه فقال الناس يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله قال أصبح بحمد الله بارئا فأخذ بيده عباس بن عبده المطلب فقال ألا ترى أنك بعد ثلاث عبد العصا وانى أرى رسول الله سيتوفى في وجعه هذا وإنى

[ 437 ]

لاعرف وجوه بنى عبد المطلب عند الموت فاذهب إلى رسول الله فسله فيمن يكون هذا الامر فان كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا قال علي والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدا والله لا أسألها رسول الله إبدا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن عبد الله بن عباس قال خرج يومئذ علي ابن أبى طالب على الناس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر نحوه غير أنه قال في حديثه أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله كما كنت أعرفه في وجوه بنى عبد المطلب فانطلق بنا إلى رسول الله فان كان هذا الامر فينا علمنا وإن كان في غيرنا أمرنا فأوصى بنا الناس وزاد فيه أيضا فتوفى رسول الله حين اشتد الضحى من ذلك اليوم * حدثنا سعيد بن يحيى الاموى قال حدثنا أبى عن عروة عن عائشة قالت قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرغوا على من سبع قرب من سبع آبار شتى لعلى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم * قال محمد عن محمد بن جعفر عن عروة عن عائشة قالت فصببنا عليه من سبع قرب فوجد راحة فخرج فصلى بالناس وخطبهم واستغفر للشهداء من أصحاب أحد ثم أوصى بالانصار خيرا فقال أما بعد يا معشر المهاجرين إنكم قد أصبحتم تزيدون وأصبحت الانصار لا تزيد على هيئتها التى هي عليها اليوم والانصار عيبتي التى أويت إليها فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم ثم قال إن عبدا من عباد الله قد خير بين ما عند الله وبين الدنيا فاختار ما عند الله فلم يفقهها إلا أبو بكر ظن أنه يريد نفسه فبكى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم على رسلك يا أبا بكر سدوا هذه الابواب الشوارع في المسجد إلا باب أبى بكر فإنى لا أعلم امرءا أفضل يدا في الصحابة من أبى بكر * حدثنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال حدثنا سفيان قال حدثنا موسى بن أبى عائشة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة قالت لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فقال لا تلدوني فقلنا كراهية المريض الدواء فلما أفاق قال لا يبقى منكم أحد إلا لد غير العباس فانه لم يشهدكم

[ 438 ]

حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق في حديثه الذى ذكرناه عنه عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة قالت ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فدخل بيته وتتام به وجعه حتى غمر واجتمع عنده نساء من نسائه أم سلمة وميمونة ونساء من نساء المؤمنين منهن أسماء بنت عميس وعنده عمه العباس بن عبد المطلب وأجمعوا على أن يلدوه فقال العباس لالدنه قال فلد فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من صنع بى هذا قالوا يا رسول الله عمك العباس قال هذا دواء أتى به نساء من نحو هذه الارض وأشار نحو أرض الحبشة قال ولم فعلتم ذلك فقال العباس خشينا يا رسول الله أن يكون بك وجع ذات الجنب فقال إن ذلك لداء ما كان الله ليعذبني به لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمى قال فلقد لدت ميمونة وإنها لصائمة لقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عقوبة لهم بما صنعوا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة أن عائشة حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قالوا خشينا أن يكون بك ذات الجنب قال إنها من الشيطان ولم يكن الله ليسلطها على * حدثت عن هشام ابن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى الصقعب بن زهير عن فقهاء أهل الحجاز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقل في وجعه الذى توفى فيه حتى أغمى عليه فاجتمع إليه نساؤه وابنته وأهل بيته والعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبى طالب وجميعهم وأن أسماء بنت عميس قالت ما وجعه هذا إلا ذات الجنب فلدوه فلددناه فلما أفاق قال من فعل بى هذا قالوا لدتك أسماء بنت عميس ظنت أن بك ذات الجنب قال أعوذ بالله أن يبليني بذات الجنب أنا أكرم على الله من ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن سعيد بن عبيد بن السباق عن محمد ابن أسامة بن زيد عن أبيه أسامة بن زيد قال لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت وهبط الناس معى إلى المدينة فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علي فعرفت أنه

[ 439 ]

يدعو لى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن الزهري عن عبيد الله ابن عبد الله عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما أسمعه وهو يقول إن الله عز وجل لم يقبض نبيا حتى يخيره * حدثنا أبو كريب قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا يونس بن عمرو عن أبيه عن الارقم بن شرحبيل قال سألت ابن عباس أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا قلت فكيف كان ذلك قال قال رسول الله ابعثوا إلى علي فادعوه فقالت عائشة لو بعثت إلى أبى بكر وقالت حفصة لو بعثت إلى عمر فاجتمعوا عنده جميعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرفوا فان تك لى حاجة أبعث إليكم فانصرفوا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آن الصلاة قيل نعم قال فأمروا أبا بكر ليصلى بالناس فقالت عائشة انه رجل رقيق فمر عمر فقال مروا عمر فقال عمر ما كنت لاتقدم وأبو بكر شاهد فتقدم أبو بكر ووجد رسول الله خفة فخرج فلما سمع أبو بكر حركته تأخر فجذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه فأقامه مكانه وقعد رسول الله فقرأ من حيث انتهى أبو بكر * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن الاعمش قال حدثنا أبو هشام الرفاعي قال حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الاعمش وحدثنا عيسى بن عثمان بن عيسى عن الاعمش عن ابراهيم عن الاسود عن عائشة قالت لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم المرض الذى مات فيه أذن بالصلاة فقال مروا أبا بكر أن يصلى بالناس فقلت إن أبا بكر رجل رقيق وإنه متى يقوم مقامك لا يطيق قال فقال مروا أبا بكر يصلى بالناس فقلت مثل ذلك فغضب وقال إنكن صواحب يوسف وقال ابن وكيع صواحبات يوسف مروا أبا بكر يصلى بالناس قال فخرج يهادى بين رجلين وقدماه تخطان في الارض فلما دنا من أبى بكر تأخر أبو بكر فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قم في مقامك فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى إلى جنب أبى بكر جالسا قالت فكان أبو بكر يصلى بصلاة النبي وكان الناس يصلون بصلاة أبى بكر. اللفط لحديث عيسى بن عثمان * حدثت عن الواقدي قال سألت ابن أبى سبرة كم صلى أبا بكر بالناس قال سبع عشرة صلاة قلت من أخبرك قال أيوب بن عبد الرحمن

[ 440 ]

ابن أبى صعصعة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم * قال وحدثنا ابن أبى سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عكرمة قال صلى بهم أبو بكر ثلاثة أيام * حدثنى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا شعيب بن الليث عن الليث عن يزيد بن الهاد عن موسى بن سرجس عن القاسم عن عائشة قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت وعنده قدح فيه ماء يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول اللهم أعنى على سكرة الموت * حدثنى محمد بن خلف العسقلاني قال حدثنا آدم قال حدثنا الليث بن سعد عن ابن الهاد عن موسى بن سرجس عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت ثم ذكر مثله إلا أنه قال أعنى على سكرات الموت * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن الزهري قال حدثنا أنس بن مالك قال لما كان يوم الاثنين اليوم الذى قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الناس وهم يصلون الصبح فرفع الستر وفتح الباب فخرج رسول الله حتى قام بباب عائشة فكاد المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه فرحا به وتفرجوا فأشار بيده أن اثبتوا على صلاتكم وتبسم رسول الله فرحا لما رأى من هيئتهم في صلاتهم وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن هيئة منه تلك الساعة ثم رجع وانصرف الناس وهم يظنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفاق من وجعه فرجع أبو بكر إلى أهله بالسنح * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى مليكة قال لما كان يوم الاثنين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصبا رأسه إلى الصبح وأبو بكر يصلى بالناس فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرج الناس فعرف أبو بكر أن الناس لم يفعلوا ذلك إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنكص عن مصلاه فدفع رسول الله في ظهره وقال صل بالناس وجلس رسول الله إلى جنبه فصلى قاعدا عن يمين أبى بكر فلما فرغ من الصلاة أقبل على الناس وكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد يقول يا أيها الناس

[ 441 ]

سعرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم وإنى والله لا تمسكون على شيئا إنى لم أحل لكم إلا ما أحل لكم القرآن ولم أحرم عليكم إلا ما أحرم عليكم القرآن فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلامه قال له أبو بكر يا نبى الله إنى أراك قد أصبحت بنعمة الله وفضله كما نحب واليوم يوم ابنة خارجة فآتيها ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم حين دخل من المسجد فاضطجع في حجري فدخل علي رجل من آل أبى بكر في يده سواك أخضر * قالت فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يده نظرا عرفت أنه يريده فأخذته فمضغته حتى ألنته ثم أعطيته إياه قالت فاستن به كأشد ما رأيته يستن بسواك قبله ثم وضعه ووجدت رسول الله يثقل في حجري قالت فذهبت أنظر في وجهه فإذا نظره قد شخص وهو يقول بل الرفيق الاعلى من الجنة قالت قلت خيرت فاخترت والذى بعثك بالحق قالت وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن الزبير عن أبيه عباد قال سمعت عائشة تقول مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحرى وفى دورى ولم أظلم فيه أحدا فمن سفهى وحداثة سنى أن رسول الله قبض وهو في حجري ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهى ذكر الاخبار الواردة باليوم الذى توفى فيه رسول الله ومبلغ سنه يوم وفاته صلى الله عليه وسلم (قال أبو جعفر) أما اليوم الذى مات فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا خلاف بين أهل العلم بالاخبار فيه أنه كان يوم الاثنين من شهر ربيع الاول غير أنه اختلف في أي الاثانين كان موته صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم في ذلك ما حدثت عن هشام بن محمد بن السائب عن أبى مخنف قال حدثنا

[ 442 ]

الصقعب بن زهير عن فقهاء أهل الحجاز قالوا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف النهار يوم الاثنين لليلتين مضتا من شهر ربيع الاول وبويع أبو بكر يوم الاثنين في اليوم الذى قبض فيه النبي صلى الله عليه وسلم وقال الواقدي توفى يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول ودفن من الغد نصف النهار حين زاغت الشمس وذلك يوم الثلاثاء (قال أبو جعفر) توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بالسنح وعمر حاضر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب فقال إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفى وأن رسول الله والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل قد مات والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله مات قال وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شئ حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ورسول الله مسجى في ناحية البيت عليه برد حبرة فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أقبل عليه فقبله ثم قال بأبى أنت وأمى أما الموتة التى كتب الله عليك فقد ذقتها ثم لن يصيبك بعدها موتة أبدا ثم رد الثوب على وجهه ثم خرج وعمر يكلم الناس فقال على رسلك يا عمر فأنصت فأبى إلا أن يتكلم فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنه من كان يعبد محمدا فان محمد قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حى لا يموت ثم تلا هذه الآية وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل إلى آخر الآية قال فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تلاها أبو بكر يومئذ قال وأخذها الناس عن أبى بكر فانما هي في أفواههم قال أبو هريرة قال عمر والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت حتى وقعت إلى الارض ما تحملني رجلاى وعرفت أن رسول الله

[ 443 ]

قد مات * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن أبى معشر زياد بن كليب عن أبى أيوب عن إبراهيم قال لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر غائبا فجاء بعد ثلاث ولم يجترئ أحد أن يكشف عن وجهه حتى اربد بطنه فكشف عن وجهه وقبل بين عينيه ثم قال بأبى أنت وأمى طبت حيا وطبت ميتا ثم خرج أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال من كان يعبد الله فان الله حى لا يموت ومن كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ثم قرأ (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين) وكان عمر يقول لم يمت وكان يتوعد الناس بالقتل في ذلك فاجتمع الانصار في سقيفة بنى ساعدة ليبايعوا سعد ابن عبادة فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح فقال ما هذا فقالوا منا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر منا الامراء ومنكم الوزراء ثم قال أبو بكر إنى قد رضيت لكم أحد الرجلين عمر أو أبا عبيدة ان النبي صلى الله عليه وسلم جاءه قوم فقالوا ابعث معنا أمينا فقال لابعثن معكم أمينا حق أمين فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وأنا أرضى لكم أبا عبيدة فقام عمر فقال أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه عمر وبايعه الناس فقالت الانصار أو بعض الانصار لا نبايع إلا عليا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن زياد بن كليب قال أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال والله لاحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه * حدثنا زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا أبو عوانة قال حدثنا داود بن عبد الله الاودى عن حميد بن عبد الرحمن الحميرى قال توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في طائفة من المدينة فجاء فكشف الثوب عن وجهه فقبله وقال فداك أبى وأمى ما أطيبك حيا وميتا مات محمد ورب الكعبة قال ثم انطلق إلى المنبر فوجد عمر بن الخطاب قائما يوعد

[ 444 ]

الناس ويقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حى لم يمت وإنه خارج إلى من أرجف به وقاطع أيديهم وضارب أعناقهم وصالبهم قال فتكلم أبو بكر وقال أنصت قال فأبى عمر أن ينصت فكلم أبو بكر وقال إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون وقال وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم حتى ختم الآية فمن كان يعبد محمدا فقد مات إلهه الذى كان يعبده ومن كان يعبد الله لا شريك له فان الله حى لا يموت قال فحلف رجال أدركناهم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما علمنا أن هاتين الآيتين نزلتا حتى قرأهما أبو بكر يومئذ إذ جاء رجل يسعى فقال هاتيك الانصار قد اجتمعت في ظلة بنى ساعدة يبايعون رجلا منهم يقولون منا أمير ومن قريش أمير قال فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتواهم فأراد عمر أن يتكلم فنهاه أبو بكر فقال لا أعطى خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم مرتين قال فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئا نزل في الانصار ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا وذكره وقال لقد علمتم أن رسول الله قال لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار واديا سلكت وادى الانصار ولقد علمت يا سعد أن رسول الله قال وأنت قاعد قريش ولاة هذا الامر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم قال فقال سعد صدقت فنحن الوزراء وأنتم الامراء قال فقال عمر ابسط يدك يا أبا بكر فلابايعك فقال أبو بكر بل أنت يا عمر فأنت أقوى لها منى قال وكان عمر أشد الرجلين قال وكان كل واحد منهما يريد صاحبه يفتح يده يضرب عليها ففتح عمر يد أبى بكر وقال إن لك قوتي مع قوتك قال فبايع الناس واستثبتوا للبيعة وتخلف علي والزبير واخترط الزبير سيفه وقال لا أغمده حتى يبايع علي فبلغ ذلك أبا بكر وعمر فقال عمر خذوا سيف الزبير فاضربوا به الحجر قال فانطلق إليهم عمر فجاء بهما تعبا وقال لتبايعان وأنتما طائعان أو لتبايعان وأنتما كارهان فبايعا

[ 445 ]

حديث السقيفة * حدثنى علي بن مسلم قال حدثنا عباد بن عباد قال حدثنا عباد بن راشد قال حدثنا عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف القرآن قال فحج عمر وحججنا معه قال فإنى لفى منزل بمنى إذ جاءني عبد الرحمن بن عوف فقال شهدت أمير المؤمنين اليوم وقام إليه رجل فقال إنى سمعت فلانا يقول لو قد مات أمير المؤمنين لقد بايعت فلانا قال فقال أمير المؤمنين إنى لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوا الناس أمرهم قال قلت يا أمير المؤمنين إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وإنهم الذين يغلبون على مجلسك وإنى لخائف إن قلت اليوم مقالة ألا يعوها ولا يحفظوها ولا يضعوها على مواضعها وأن يطيروا بها كل مطير ولكن أمهل حتى تقدم المدينة تقدم دار الهجرة والسنة وتخلص بأصحاب رسول الله من المهاجرين والانصار فتقول ما قلت متمكنا فيعوا مقالتك ويضعوها على مواضعها فقال والله لاقومن بها في أول مقام أقومه بالمدينة قال فلما قدمنا المدينة وجاء يوم الجمعة هجرت للحديث الذى حدثنيه عبد الرحمن فوجدت سعيد بن زيد قد سبقني بالتهجير فجلست إلى جنبه عند المنبر ركبتي إلى ركبته فلما زالت الشمس لم يلبث عمر أن خرج فقلت لسعيد وهو مقبل ليقولن أمير المؤمنين اليوم على هذا المنبر مقالة لم يقل قبله فغضب وقال فأى مقالة يقول لم يقل قبله فلما جلس عمر على المنبر أذن المؤذنون فلما قضى المؤذن أذانه قام عمر فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد فانى أريد أن أقول مقالة قد قدر أن أقولها من وعاها وعقلها وحفظها فليحدث بها حيث تنتهى به راحلته ومن لم يعها فانى لا أحل لاحد أن يكذب على إن الله عز وجل بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فرجم رسول الله ورجمنا بعده وإنى قد خشيت أن يطول بالناس زمان فيقول قائل والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وقد كنا نقول لا ترغبوا

[ 446 ]

عن آبائكم فانه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول لو قد مات أمير المؤمنين بايعت فلانا فلا يغرن أمرءا أن يقول إن بيعة أبى بكر كانت فلتة فقد كانت كذلك غير أن الله وقى شرها وليس منكم من تقطع إليه الاعناق مثل أبى بكر وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة وتخلفت عنا الانصار بأسرها واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر فقلت لابي بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الانصار فانطلقنا نؤمهم فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدرا فقال أين تريدون يا معشر المهاجرين فقلنا نريد اخواننا من الانصار قالا فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم فقلنا والله لنأتينهم قال فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بنى ساعدة قال وإذا بين أظهرهم رجل مزمل قال قلت من هذا قالوا سعد بن عبادة فقلت ما شأنه قالوا وجع فقام رجل منهم فحمد الله وقال أما بعد فنحن الانصار وكتيبة الاسلام وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا وقد دفت إلينا من قومكم دافة قال فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ويغصبونا الامر وقد كنت زورت في نفسي مقالة أقدمها بين يدى أبى بكر وقد كنت أدارى منه بعض الحد وكان هو أوقر منى وأحلم فلما اردت أن أتكلم قال على رسلك فكرهت أن أعصيه فقام فحمد الله وأثنى عليه فما ترك شيئا كنت زورت في نفسي أن أتكلم به لو تكلمت إلا قد جاء به أو بأحسن منه وقال أما بعد يا معشر الانصار فإنكم لا تذكرون منكم فضلا إلا وأنتم له أهل وإن العرب لا تعرف هذا الامر إلا لهذا الحى من قريش وهم أوسط دارا ونسبا ولكن قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم فأخذ بيدى وبيد أبى عبيدة بن الجراح وإنى والله ما كرهت من كلامه شيئا غير هذه الكلمة إن كنت لاقدم فتضرب عنقي فيما لا يقربني إلى إثم احب إلى من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل فقال أنا جذيلها المحكك وغذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش قال فارتفعت الاصوات وكثر اللغط فلما أشفقت الاختلاف قلت لابي بكر ابسط

[ 447 ]

يدك أبايعك فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون وبايعه الانصار ثم نزونا على سعد حتى قال قائلهم قتلتم سعد بن عبادة فقلت قتل الله سعدا وإنا والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة أبى بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فأما أن نتابعهم على ما نرضى أو نخالفهم فيكون فساد * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير قال إن إحد الرجلين اللذين لقوا من الانصار حين ذهبوا إلى السقيفة عويم بن ساعدة والآخر معن بن عدى أخو بنى العجلان فأما عويم بن ساعدة فهو الذى بلغنا أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الذين قال الله لهم (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم المرء منهم عويم بن ساعدة وأما معن فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفاه الله وقالوا والله لوددنا أنا متنا قبله إنا نخشى ان نفتتن بعده فقال معن بن عدى والله ما أحب أنى مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا فقتل معن يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبى بكر يوم مسيلمة الكذاب * حدثنا عبيد الله ابن سعيد الزهري قال أخبرنا عمى يعقوب بن إبراهيم قال أخبرني سيف بن عمر عن الوليد بن عبد الله بن أبى طيبة البجلى قال حدثنا الوليد بن جميع الزهري قال قال عمرو بن حريث لسعيد بن زيد أشهدت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قال فمتى بويع أبو بكر قال يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة قال فخالف عليه أحد قال لا إلا مرتد أو من قد كاد أن يرتد لولا أن الله عز وجل ينقذهم من الانصار قال فهل قعد أحد من المهاجرين قال لا تتابع المهاجرون على بيعته من غير أن يدعوهم * حدثنا عبيد الله ابن سعيد قال أخبرني عمى قال أخبرني سيف عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب ابن أبى ثابت قال كان علي في بيته إذ أتى فقيل له قد جلس أبو بكر للبيعة فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلا كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتخلله ولزم مجلسه * حدثنا أبو صالح الضرارى قال

[ 448 ]

حدثنا عبد الرزاق بن همام عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يطلبان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر فقال لهما أبو بكر أما إنى سمعت رسول الله يقول لا نورث ما تركنا فهو صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال وإنى والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته قال فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت فدفنها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة فلما توفيت انصرفت وجوه الناس عن علي فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توفيت قال معمر قال رجل للزهري أفلم يبايعه علي ستة أشهر قال لا ولا أحد من بنى هاشم حتى بايعه علي فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبى بكر فأرسل إلى أبى بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر فقال عمر لا تأتهم وحدك قال أبو بكر والله لآتينهم وحدي وما عسى أن يصنعوا بى قال فانطلق أبو بكر على علي وقد جمع بنى هاشم عنده فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فإنه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله اليك ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الامر حقا فاستبددتم به علينا ثم ذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم فلم يزل علي يقول ذلك حتى بكى أبو بكر فلما صمت علي تشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فو الله لقرابة رسول الله أحب إلى من أن أصل من قرابتي وانى والله ما آلوت في هذه الاموال التى كانت بينى وبينكم غير الخير ولكني سمعت رسول الله يقول لا نورث ما تركنا صدقة فهو صدقة انما يأكل آل محمد في هذا المال وانى أعوذ بالله لا أذكر أمرا صنعه محمد رسول الله إلا صنعته فيه إن شاء الله ثم قال علي موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر ثم قام علي فعظم من حق أبى بكر وذكر فضيلته وسابقته ثم مضى إلى أبى بكر فبايعه قالت فأقبل

[ 449 ]

الناس إلى علي فقالوا أصبت وأحسنت قالت فكان الناس قريبا إلى علي حين قارب الحق والمعروف * حدثنى محمد بن عثمان بن صفوان الثقفى قال حدثنا أبو قتيبة قال حدثنا مالك يعنى ابن مغول عن ابن الجر قال قال أبو سفيان لعلى ما بال هذا الامر في أقل حى من قريش والله لئن شئت لاملانها عليه خيلا ورجالا قال فقال علي يا أبا سفيان طال ما عاديت الاسلام وأهله فلم تضره بذاك شيئا إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا * حدثنى محمد بن عثمان الثقفى قال حدثنا أمية بن خالد قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت قال لما استخلف أبو بكر قال أبو سفيان مالنا ولابي فصيل إنما هي بنو عبد مناف قال فقيل له إنه قد ولى ابنك قال وصلته رحم * حدثت عن هشام قال حدثنى عوانة قال لما اجتمع الناس على بيعة أبى بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول والله انى لارى عجاجة لا يطفئها إلا دم يا آل عبد مناف فيما أبو بكر من أموركم أين المستضعفان أين الاذلان علي والعباس وقال أبا حسن ابسط يدك حتى أبايعك فأبى علي عليه فجعل يتمثل بشعر المتلمس ولن يقيم على خسف يراد به * إلا الاذلان عير الحى والوتد هذا على الحسف معكوس برمته * وذا يشج فلا يبكى له أحد قال فزجره علي وقال إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة وإنك والله طال ما بغيت الاسلام شرا لا حاجة لنا في نصيحتك قال هشام بن محمد وأخبرني أبو محمد القرشى قال لما بايع أبو بكر قال أبو سفيان لعلي والعباس أنتما الاذلان ثم أنشد يتمثل إن الهوان حمار الاهل يعرفه * والحر ينكره والرسلة الاجد ولا يقيم على ضيم يراد به * إلا الاذلان عير الحى والوتد هذا على الخسف معكوس برمته * وذا يشج فلا يبكى له أحد * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري قال حدثنا أنس بن مالك قال لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبى بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أيها الناس

[ 450 ]

إنى قد كنت قلت لكم بالامس مقالة ما كانت إلا عن رأيى وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا حتى يكون آخرنا وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذى هدى به رسول الله فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله، وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوا فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذى هو أهله ثم قال أما بعد أيها الناس فإنى قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوى عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله والقوى منكم الضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال والله إنى لامشى مع عمر في خلافته وهو عامد إلى حاجة له وفى يده الدرة وما معه غيرى قال وهو يحدث نفسه ويضرب وحشى قدمه بدرته قال إذ التفت إلى فقال يا ابن عباس هل تدرى ما حملني على مقالتي هذه التى قلت حين توفى الله رسوله قال قلت لا أدرى يا أمير المؤمنين أنت أعلم قال والله إن حملني على ذلك إلا أنى كنت أقرأ هذه الآية (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) فو الله إنى كنت لاظن أن رسول الله سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها فإنه للذى حملني على أن قلت ما قلت (قال أبو جعفر) فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم كان ذلك من فعلهم يوم الثلاثاء وذلك الغد من وفاته صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم إنما دفن بعد وفاته بثلاثة أيام وقد مضى ذكر بعض قائلي ذلك * حدثنا ابن حميد قال

[ 451 ]

حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر وكثير بن عبد الله وغيرهما من أصحابه عمن يحدثه عن عبد الله بن عباس أن علي بن أبى طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس وقثم بن العباس وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين ولوا غسله وإن أوس بن خولى أحد بنى عوف ابن الخزرج قال لعلي بن أبى طالب أنشدك الله يا علي وحظنا من رسول الله وكان أوس من أصحاب بدر وقال ادخل فدخل فحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسنده علي بن أبى طالب إلى صدره وكان العباس والفضل وقثم هم الذين يقلبونه معه وكان أسامة بن زيد وشقران مولياه هما اللذان يصبان الماء وعلي يغسله قد أسنده إلى صدره وعليه قميصه يدلكه من ورائه لا يفضى بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي يقول بأبى أنت وأمى ما أطيبك حيا وميتا ولم ير من رسول الله شئ مما يرى من الميت * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن يحيى ابن عباد عن أبيه عباد عن عائشة قالت لما أرادوا أن يغسلوا النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه فقالوا والله ما ندرى أنجرد رسول الله من ثيابه كما نجرد موتانا أو نغسله وعليه ثيابه فلما اختلفوا ألقى عليهم السنة حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يدرى من هو أن اغسلوا النبي وعليه ثيابه قالت فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه يصبون عليه الماء فوق القميص ويدلكونه والقميص دون أيديهم قال فكانت عائشة تقول لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن جعفر بن محمد بن على بن حسين عن أبيه عن جده علي ابن حسين (قال ابن اسحاق) وحدثني الزهري عن على بن حسين قال فلما فرغ من غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن حسين بن عبد الله عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس قال لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو عبيدة بن الجراح

[ 452 ]

يضرح كحفر أهل مكة وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذى يحفر لاهل المدينة وكان يلحد فدعا العباس رجلين فقال لاحدهما اذهب إلى أبى عبيدة وللآخر اذهب إلى أبى طلحة اللهم خر لرسولك قال فوجد صاحب أبى طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من جهاز رسول الله يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه فقال قائل ندفنه في مسجده وقال قائل يدفن مع أصحابه فقال أبو بكر إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قبض نبى إلا يدفن حيث قبض فرفع فراش رسول الله الذى توفى عليه فحفر له تحته ودخل الناس على رسول الله يصلون عليه أرسالا حتى إذا فرغ الرجال أدخل النساء حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان ثم أدخل العبيد ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد ثم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وسط الليل ليلة الاربعاء * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن فاطمة بنت محمد بن عمارة امرأة عبد الله يعنى ابن أبى بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عائشة أم المؤمنين قالت ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحى من جوف الليل ليلة الاربعاء (قال ابن اسحاق) وكان الذى نزل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب والفضل بن العباس وقثم بن العباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال أوس بن خولى أنشدك الله يا علي وحظنا من رسول الله فقال له انزل فنزل مع القوم وقد كان شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وبنى عليه قد أخذ قطيفة كان رسول الله يلبسها ويفترشها فقذفها في القبر وقال والله لا يلبسها أحد بعدك أبدا قال فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال ابن اسحاق) وكان المغيرة ابن شعبة يدعى أنه أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول أخذت خاتمي فألقيته في القبر وقلت إن خاتمي قد سقط وإنما طرحته عمدا لامس رسول الله فأكون آخر الناس به عهدا * حدثنى ابن حميد قال حدثنا سلمة عن

[ 453 ]

محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار عن مقسم أبى القاسم مولى عبد الله بن الحارث ابن نوفل عن مولاه عبد الله بن الحارث قال اعتمرت مع علي بن أبى طالب في زمان عمر أو زمان عثمان فنزل على أخته أم هانئ بنت أبى طالب فلما فرغ من عمرته رجع وسكبت له غسلا فاغتسل فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق فقالوا يا أبا الحسن جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا به فقال أظن المغيرة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا أجل عن ذا جئناك نسألك قال كذب كان أحدث الناس عهدا برسول الله قثم بن العباس * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة قالت كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة سوداء حين اشتد به وجعه قالت فهو يضعها مرة على وجهه ومرة يكشفها عنه ويقول قاتل الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ذلك على أمته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة قالت كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يترك بجزيرة العرب دينان قالت وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول في اليوم الذى قدم فيه المدينة مهاجرا فاستكمل في هجرته عشر سنين كوامل واختلف في مبلغ سنه يوم توفى صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم كان له يومئذ ثلاث وستون سنة (ذكر من قال ذلك) حدثنا ابن المثنى قال حدثنا حجاج بن المنهال قال حدثنا حماد يعنى ابن سلمة عن أبى جمرة عن ابن عباس قال أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه وبالمدينة عشرا ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا حجاج بن المنهال قال حدثنا حماد عن أبى جمرة عن أبيه قال عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين سنة * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا

[ 454 ]

عبد الوهاب قال حدثنا يحيى بن سعيد قال سمعت سعيد بن المسيب يقول أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة وأقام بمكة عشرا وبالمدينة عشرا وتوفى وهو ابن ثلاث وستين * حدثنا محمد بن خلف العسقلاني قال حدثنا آدم قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا أبو جمرة الضبعى عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه وبالمدينة عشرا ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة * حدثنى أحمد بن عبد الرحمن ابن وهب قال حدثنى عمى عبد الله قال حدثنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين (وقال آخرون) كان له يومئذ خمس وستون * ذكر من قال ذلك * حدثنى زياد بن أيوب قال حدثنا هشيم قال أخبرنا على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال قبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثنى أبى عن قتادة عن الحسن عن دغفل يعنى ابن حنظلة أن النبي صلى الله عليه وسلم توفى وهو ابن خمس وستين سنة (وقال آخرون) بل كان له يومئذ ستون سنة * ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا حجاج قال حدثنا حماد قال حدثنا عمرو بن دينار عن عروة بن الزبير قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين ومات وهو ابن ستين * حدثنا الحسين ابن نصر قال أخبرنا عبيد الله قال أخبرنا شيبان عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة قال حدثتني عائشة وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرا ذكر الخبر عن اليوم والشهر اللذين توفى فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال أبو جعفر) حدثنا عبد الرحمن بن الوليد الجرجاني قال حدثنا أحمد بن أبى طيبة قال حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أبا بكر على الحج سنة تسع فأراهم مناسكهم فلما كان العام المقبل حج رسول الله

[ 455 ]

صلى الله عليه وسلم حجة الوداع سنة عشر وصدر إلى المدينة وقبض في ربيع الاول * حدثنى ابراهيم بن سعيد الجوهرى قال موسى بن داود عن ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن حنش الصنعانى عن ابن عباس قال ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين ورفع الحجر يوم الاثنين وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وقبض يوم الاثنين * حدثنى أحمد بن عثمان بن حكيم قال حدثنا عبد الرحمن بن شريك قال حدثنى أبى عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الاول في ثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول يوم الاثنين ودفن ليلة الاربعاء * حدثنى أحمد بن عثمان قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا أبى قال حدثنا محمد ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر أنه دخل عليه فقال لامرأته فاطمة حدثى محمدا ما سمعت من عمرة بنت عبد الرحمن فقالت سمعت عمرة تقول سمعت عائشة تقول دفن نبى الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاربعاء وما علمنا به حتى سمعنا صوت المساحى ذكر الخبر عما جرى بين المهاجرين والانصار في أمر الامارة في سقيفة بنى ساعدة * حدثنا هشام بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبى عمرة الانصاري ان النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض اجتمعت الانصار في سقيفة بنى ساعدة فقالوا نولي هذا الامر بعد محمد عليه السلام سعد بن عبادة وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض فلما اجتمعوا قال لابنه أو بعض بنى عمه انى لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم كلامي ولكن تلق منى قولى فأسمعهموه فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله فيرفع صوته فيسمع أصحابه فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه يا معشر الانصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الاسلام ليست لقبيلة من العرب أن محمدا عليه السلام لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم

[ 456 ]

إلى عبادة الرحمن وخلع الانداد والاوثان فما آمن به من قومه إلا رجال قليل وكان ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله ولا أن يعزوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما عموا به حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق اليكم الكرامة وخصكم بالنعمة فرزقكم الله الايمان به وبرسوله والمنع له ولاصحابه والاعزاز له ولدينه والجهاد لاعدائه فكنتم أشد الناس على عدوه منكم وأثقله على عدوه من غيركم حتى استقامت العرب لامر الله طوعا وكرها وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا حتى أثخن الله عز وجل لرسوله بكم الارض ودانت بأسيافكم له العرب وتوفاه الله وهو عنكم راض وبكم قرير عين استبدوا بهذا الامر دون الناس فأجابوه بأجمعهم أن قد وفقت في الرأى وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت نوليك هذا الامر فانك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضى ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم فقالوا فان أبت مهاجرة قريش فقالوا نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الاولون ونحن عشيرته وأولياؤه فعلام تنازعوننا هذا الامر بعده فقالت طائفة منهم فانا نقول إذا منا أمير ومنكم أمير ولن نرضى بدون هذا الامر أبدا فقال سعد بن عبادة حين سمعها هذا أول الوهن وأتى عمر الخبر فأقبل إلى منزل النبي صلى االله عليه وسلم فأرسل إلى أبى بكر وأبو بكر في الدار وعلي بن أبى طالب عليه السلام دائب في جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى أبى بكر أن اخرج الي فأرسل إليه انى مشتغل إليه انه قد حدث أمر لا بد لك من حضوره فخرج إليه فقال أما علمت أن الانصار قد اجتمعت في سقيفة بنى ساعدة يريدون أن يولوا هذا الامر سعد بن عبادة وأحسنهم مقالة من يقول منا أمير ومن قريش أمير فمضيا مسرعين نحوهم فلقيا أبا عبيدة بن الجراح فماشوا إليهم ثلاثتهم فلقيهم عاصم بن عدى وعويم بن ساعدة فقالا لهم ارجعوا فانه لا يكون ما تريدون فقالوا لا نفعل فجاؤا وهم مجتمعون فقال عمر بن الخطاب أتيناهم وقد كنت زويت كلاما أردت أن أقوم به فيهم فلما أن دفعت إليهم ذهبت لابتدئ المنطق فقال لى أبو بكر رويدا حتى أتكلم ثم انطق بعد بما

[ 457 ]

أحببت فنطق فقال عمر فما شئ كنت أردت أن أقوله إلا وقد أتى به أو زاد عليه (فقال عبد الله بن عبد الرحمن) فبدأ أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ان الله بعث محمدا رسولا إلى خلقه وشهيدا على أمته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى ويزعمون أنها لهم عنده شافعة ولهم نافعة وإنما هي من حجر منحوت وخشب منجور ثم قرأ (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) وقالوا (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخص الله المهاجرين الاولين من قومه بتصديقه والايمان به والمؤاساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إياهم وكل الناس لهم مخالف زار عليهم فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم وإجماع قومهم عليهم فهم أول من عبد الله في الارض وآمن بالله وبالرسول وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الامر من بعده ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم وأنتم يا معشر الانصار من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الاسلام رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله وجعل اليكم هجرته وفيكم جلة أزواجه وأصحابه فليس بعد المهاجرين الاولين عندنا بمنزلتكم فنحن الامراء وأنتم الوزراء لا تفتاتون بمشورة ولا نقضى دونكم الامور قال فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال يا معشر الانصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم وفى ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم أنتم أهل العز والثروة وأولوا العدد والمنعة والتجربة ذوو البأس والنجدة وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وينتقض عليكم أمركم أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنكم أمير فقال عمر هيهات لا يجتمع اثنان في قرن والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ولكن العرب لا تمتنع أن تولى أمرها من كانت النبوة فيهم وولى أمورهم منهم ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم أو متورط في هلكة فقام الحباب بن المنذر

[ 458 ]

فقال يا معشر الانصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر فإن أبوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الامور فأنتم والله أحق بهذا الامر منهم فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين أنا جذيلها المحكك وغذيقها المرجب أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة فقال عمر إذا يقتلك الله قال بل إياك يقتل فقال أبو عبيدة يا معشر الانصار إنكم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدل وغير فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال يا معشر الانصار إنا والله لئن كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضى ربنا وطاعة نبينا والكدح لانفسنا فما ينبغى لنا أن نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغى به من الدنيا عرضا فإن الله ولى المنة علينا بذلك ألا إن محمدا صلى الله عليه وسلم من قريش وقومه أحق به وأولى وايم الله لا يرانى الله أنازعهم هذا الامر أبدا فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم فقال أبو بكر هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا فقالا لا والله لا نتولى هذا الامر عليك فإنك أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار وخليفة رسول الله على الصلاة والصلاة أفضل دين المسلمين فمن ذا ينبغى له أن يتقدمك أو يتولى هذا الامر عليك ابسط يدك نبايعك فلما ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه فناداه الحباب بن المنذر يا بشير بن سعد عققت عقاق ما أحوجك إلى ما صنعت أنفست على ابن عمك الامارة فقال لا والله ولكني كرهت أن أنازع قوما حقا جعله الله لهم ولما رأت الاوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير وكان أحدا لنقباء والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا فقوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم قال هشام قال أبو مخنف فحدثني أبو بكر بن محمد الخزاعى أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم

[ 459 ]

السكك فبايعوا أبا بكر فكان عمر يقول ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر قال هشام عن أبى مخنف قال عبد الله بن عبد الرحمن فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطؤون سعد بن عبادة فقال ناس من أصحاب سعد اتقوا سعدا لا تطؤه فقال عمر اقتلوه قتله الله ثم قام على رأسه فقال لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك فأخذ سعد بلحية عمر فقال والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفى فيك واضحة فقال أبو بكر مهلا يا عمر الرفق ههنا أبلغ فأعرض عنه عمر وقال سعد أما والله لو أن بى قوة ما أقوى على النهوض لسمعت منى في اقطارها وسككها زئيرا يحجرك وأصحابك أما والله إذا لالحقنك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع احملوني من هذا المكان فحملوه فأدخلوه في داره وترك أياما ثم بعث إليه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك فقال أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل وأخضب سنان رمحي وأضربكم بسيفي ما ملكته يدى وأقاتلكم بأهل بيتى ومن أطاعنى من قومي فلا أفعل وايم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الانس ما بايعتكم حتى أعرض على ربى وأعلم ما حسابى فلما أتى أبو بكر بذلك قال له عمر لا تدعه حتى يبايع فقال له بشير بن سعد إنه قد لج وأبى وليس بمبايعكم حتى يقتل وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته فاتركوه فليس تركه بضاركم إنما هو رجل واحد فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه لما بدا لهم منه فكان سعد لا يصلى بصلاتهم ولا يجمع معهم ويحج ولا يفيض معهم بافاضتهم فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر رحمه الله * حدثنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا عمى قال أخبرنا سيف بن عمر عن سهل وأبى عثمان عن الضحاك بن خليفة قال لما قام الحباب بن المنذر انتضى سيفه وقال أنا جذيلها المحكك وغذيقها المرجب أنا أبو شبل في عرينة الاسد يعزى إلى الاسد فحامله عمر فضرب يده فندر السيف فأخذه ثم وثب على سعد ووثبوا على سعد وتتابع القوم على البيعة وبايع سعد وكانت فلتة كفلتات الجاهلية قام أبو بكر دونها وقال قائل حين أوطئ سعد قتلتم سعدا فقال عمر قتله الله إنه منافق واعترض عمر بالسيف صخرة

[ 460 ]

فقطعه * حدثنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنى عمى يعقوب قال حدثنا سيف عن مبشر عن جابر قال قال سعد بن عبادة يومئذ لابي بكر إنكم يا معشر المهاجرين حسدتموني على الامارة وإنك وقومي أجبرتموني على البيعة فقالوا إنا لو أجبرناك على الفرقة فصرت إلى الجماعة كنت في سعة ولكنا أجبرنا على الجماعة فلا إقالة فيها لئن نزعت يدا من طاعة أو فرقت جماعة لنضربن الذى فيه عيناك * حدثنا عبيد الله ابن سعيد قال أخبرنا عمى قال حدثنى سيف وحدثني السرى بن يحيى قال حدثنا شعيب ابن ابراهيم عن سيف بن عمر عن أبى ضمرة عن أبيه عن عاصم بن عدى قال نادى منادى أبى بكر من بعد الغد من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتم بعث أسامة ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف وقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال يا أيها الناس إنما أنا مثلكم وإنى لا أدرى لعلكم ستكلفوني ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق إن الله اصطفى محمدا على العالمين وعصمه من الآفات وإنما أنا متبع ولست بمبتدع فان استقمت فتابعوني وإن زغت فقوموني وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وليس أحد من هذه الامة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها ألا وإن لى شيطانا يعترينى فإذا أتانى فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم وأنتم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه فإن استطعتم أن لا يمضى هذا الاجل الا وأنتم في عمل صالح فافعلوا ولن تستطيعوا ذلك الا بالله فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الاعمال فان قوما نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم لغيرهم فاياكم أن تكونوا أمثالهم الجد الجد والوحا الوحا والنجاء النجاء فان وراءكم طالبا حثيثا أجلا مره سريع احذروا الموت واعتبروا بالآباء والابناء والاخوان ولا تغبطوا الاحياء الا بما تغبطون به الاموات وقام أيضا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله عز وجل لا يقبل من الاعمال الا ما أريد به وجهه فأريدوا الله بأعمالكم واعلموا أن ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها وخطأ ظفرتم به وضرائب أديتموها وسلف قدمتموه من أيام فانية لاخرى باقية لحين فقركم

[ 461 ]

وحاجتكم اعتبروا عباد الله بمن مات منكم وتفكروا فيمن كان قبلكم أين كانوا أمس وأين هم اليوم أين الجبارون وأين الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب قد تضعضع بهم الدهر وصاروا رميما قد تركت عليهم القالات الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات واين الملوك الذين أثاروا الارض وعمروها قد بعدوا ونسى ذكرهم وصاروا كلا شئ ألا إن الله قد أبقى عليهم التبعات وقطع عنهم الشهوات ومضوا والاعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم وبقينا خلفا بعدهم فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا وإن اغتررنا كنا مثلهم أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم صاروا ترابا وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم اين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط وجعلوا فيها الاعاجيب قد تركوها لمن خلفهم فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة والسعادة فيما بعد الموت ألا أن الله لا شريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا ولا يصرف عنه سوءا إلا بطاعته واتباع أمره واعلموا أنكم عبيد مدينون وإن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته أما أنه لا خير بخير بعده النار ولا شر بشر بعده الجنة * حدثنى عبيد الله بن سعيد قال أخبرني عمى قال أخبرني سيف وحدثني السرى قال حدثنا شعيب قال أخبرنا سيف عن هشام بن عروة عن أبيه قال لما بويع أبو بكر رضى الله عنه وجمع الانصار في الامر الذى افترقوا فيه قال ليتم بعث أسامة وقد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة ونجم النفاق واشرأبت اليهود والنصارى والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم وقلتهم وكثرة عدوهم فقال له الناس إن هؤلاء جل المسلمين والعرب على ما ترى قد انتقضت بك فليس ينبغى لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين فقال أبو بكر والذى نفس أبى بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لانفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم يبق في القرى غيرى لانفذته * حدثنى عبيد الله قال حدثنى عمى قال أخبرني

[ 462 ]

سيف وحدثني السرى قال حدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن عطية عن أبى أيوب عن علي وعن الضحاك عن ابن عباس قالا ثم اجتمع من حول المدينة من القبائل التى غابت في عام الحديبية وخرجوا وخرج أهل المدينة في جند أسامة فحبس أبو بكر من بقى من تلك القبائل التى كانت لهم الهجرة في ديارهم فصاروا مسالح حول قبائلهم وهم قليل * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى قال أخبرني سيف وحدثني السرى قال حدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن أبى ضمرة وأبى عمرو وغيرهما عن الحسن بن أبى الحسن البصري قال ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعثا على أهل المدينة ومن حولهم وفيهم عمر بن الخطاب وأمر عليهم أسامة ابن زيد فلم يجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف اسامة بالناس ثم قال لعمر ارجع إلى خليفة رسول الله فاستأذنه يأذن لى أن أرجع بالناس فان معى وجوه الناس وحدهم ولا آمن على خليفة رسول الله وثقل رسول الله وأثقال المسلمين أن يتخطفهم المشركون وقالت الانصار فإن أبى إلا أن نمضى فأبلغه عنا واطلب إليه أن يولى أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامة فخرج عمر بأمر أسامة وأتى أبا بكر فأخبره بما قال اسامة فقال أبو بكر لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أرد قضاء قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فان الانصار أمروني أن أبلغك وأنهم يطلبون إليك أن تولى أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامة فوثب أبو بكر وكان جالسا فأخذ بلحية عمر فقال له ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أنزعه فخرج عمر إلى الناس فقالوا له ما صنعت فقال امضوا ثكلتكم أمهاتكم ما لقيت في سببكم من خليفة رسول الله ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم فأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب وعبد الرحمن ابن عوف يقود دابة أبى بكر فقال له أسامة يا خليفة رسول الله والله لتركبن أو لانزلن فقال والله لا تنزل ووالله لا أركب وما على أن أغبر قدمى في سبيل الله ساعة فان للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له وسبعمائة درجة ترفع له وترفع عنه سبعمائة خطيئة حتى إذا انتهى قال إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل فأذن له ثم

[ 463 ]

قال يا أيها الناس قفوا أوصكم بعشر فاحفظوها عنى ولا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها شيئا بعد شئ فاذكروا اسم الله عليها وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رؤسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيف خفقا اندفعوا باسم الله أقناكم الله بالطعن والطاعون * حدثنا السرى قال حدثنا شعيب قال حدثنا سيف وأخبرنا عبيد الله قال أخبرني عمى قال حدثنا سيف عن هشام بن عروة عن أبيه قال خرج أبو بكر إلى الجرف فاستقري أسامة وبعثه وسأله عمر فأذن له وقال له اصنع ما أمرك به نبى الله صلى الله عليه وسلم أبدأ ببلاد قضاعة ثم ائت آبل ولا تقصرن في شئ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تعجلن لما خلفت عن عهده فمضى أسامة مغذا على ذى المروة والوادى وانتهى إلى ما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم من بث الحيول في قبائل قضاعة والغارة على آبل فسلم وغنم وكان فراغه في أربعين يوما سوى مقامه ومنقلبه راجعا * فحدثني السرى بن يحيى قال حدثنا شعيب عن سيف وحدثنا عبيد الله قال أخبرنا عمى قال أخبرنا سيف عن موسى بن عقبة عن المغيرة بن الاخنس وعنهما عن سيف عن عمرو بن قيس عن عطاء الخراساني مثله (بقية الخبر عن أمر الكذاب العنسى) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع فيما بلغنا لباذام حين أسلم وأسلمت اليمن عمل اليمن كلها وأمره على جميع مخالفيها فلم يزل عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام حياته فلم يعزله عنها ولا عن شئ منها ولا أشرك معه فيها شريكا حتى مات باذام فلما مات فرق عملها بين جماعة من أصحابه * فحدثني عبيد الله بن

[ 464 ]

سعيد الزهري قال حدثنا عمى قال حدثنا سيف وحدثني السرى بن يحيى قال حدثنا شعيب بن إبراهيم عن سيف قال حدثنا سهل بن يوسف عن أبيه عن عبيد بن صخر ابن لوذان الانصاري السلمى وكان فيمن بعث النبي صلى الله عليه وسلم مع عمال اليمن في سنة عشر بعد ما حج حجة التمام وقد مات باذام فلذلك فرق عملها بين شهر ابن باذام وعامر بن شهر الهمداني وعبد الله بن قيس أبى موسى الاشعري وخالد ابن سعيد بن العاص والطاهر بن أبى هالة ويعلى بن أمية وعمر بن حزم وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد البياضى وعكاشة بن ثور بن أصغر الغوثى على السكاسك والسكون ومعاوية بن كندة وبعث معاذ بن جبل معلما لاهل البلدين اليمن وحضرموت * حدثنى عبيد الله قال أخبرني عمى قال أخبرني سيف يعنى ابن عمر عن أبى عمرو مولى إبراهيم بن طلحة عن عبادة بن قرص بن عبادة عن قرص الليثى أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى المدينة بعد ما قضى حجة الاسلام وقد وجه إمارة اليمن وفرقها بين الرجال وأفرد كل رجل بحيزه ووجه إمارة حضرموت وفرقها بين ثلاثة وأفرد كل واحد منهم بحيزه واستعمل عمرو بن حزم على نجران وخالد بن سعيد بن العاض على ما بين نجران ورمع وزبيد وعامر بن شهر على همدان وعلى صنعاء ابن باذام وعلى عك والاشعريين الطاهر بن أبى هالة وعلى مأرب أبا موسى الاشعري وعلى الجند يعلى بن أبى أمية وكان معاذ معلما يتنقل في عمالة كل عامل باليمن وحضرموت واستعمل على أعمال حضرموت على السكاسك والسكون عكاشة بن ثور وعلى بنى معاوية بن كندة عبد الله أو المهاجر فاشتكى فلم يذهب حتى وجهه أبو بكر وعلى حضرموت زياد بن لبيد البياضى وكان زياد يقوم على عمل المهاجر فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهؤلاء عماله على اليمن وحضرموت إلا من قتل في قتال الاسود أو مات وهو باذام مات ففرق النبي صلى الله عليه وسلم العمل من أجله وشهر ابنه يعنى ابن باذام فسار إليه الاسود فقاتله فقتله * وحدثني بهذا الحديث السرى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف فقال فيه عن سيف عن أبى عمرو مولى إبراهيم بن طلحة ثم سائر الحديث

[ 465 ]

باسناده مثل حديث ابن سعيد الزهري قال حدثنى السرى قال حدثنا شعيب بن إبراهيم عن سيف عن طلحة بن الاعلم عن عكرمة عن ابن عباس قال أول من اعترض على العنسى وكاثره عامر بن شهر الهمداني في ناحيته وفيروز وداذويه في ناحيتهما ثم تتابع الذين كتب إليهم على ما أمروا به * حدثنا عبيد الله بن سعيد قال أخبرنا عمى قال أخبرني سيف قال وحدثنا السرى قال وحدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن سهل بن يوسف عن أبيه عن عبيد بن صخر قال فبينا نحن بالجند قد أقمناهم على ما ينبغى وكتبنا بيننا وبينهم الكتب إذ جاءنا كتاب من الاسود أيها المتوردون علينا أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا ووفروا ما جمعتم فنحن أولى به وأنتم على ما أنتم عليه فقلنا للرسول من أين جئت قال من كهف خبان ثم كان وجهه إلى نجران حتى أخذها في عشر لمخرجه وطابقه عوام مذحج فبينا نحن ننظر في أمرنا ونجمع جمعنا إذ أتينا فقيل هذا الاسود بشعوب وقد خرج إليه شهر بن باذام وذلك لعشرين ليلة من منجمه فبينا نحن ننتظر الخبر على من يكون الدبرة إذ أتانا أنه قتل شهرا وهزم الابناء وغلب على صنعاء لخمس وعشرين ليلة من منجمه وخرج معاذ هاربا حتى مر بأبى موسى وهو بمأرب فاقتحما حضرموت فاما معاذ فانه نزل في السكون وأما أبو موسى فانه نزل في السكاسك مما يلى المفور والمفازة بينهم وبين مأرب وانحاز سائر امراء اليمن إلى الطاهر إلا عمرا وخالدا فانهما رجعا إلى المدينة والطاهر يومئذ في وسط بلاد عك بحيال صنعاء وغلب الاسود على ما بين صهيد مفازة حضرموت إلى عمل الطائف إلى البحرين قبل عدن وطابقت عليه اليمن وعك بتهامة معترضون عليه وجعل يستطير استطارة الحريق وكان معه سبعمائة فارس يوم لقى شهرا سوى الركبان وكان قواده قيس بن عبد يغوث المرادى ومعاوية بن قيس الجنبى ويزيد بن محرم ويزيد بن حصين الحارثى ويزيد بن الافكل الازدي وثبت ملكه واستغلظ أمره ودانت له سواحل من السواحل حاز عثر والسرجة والحردة وغلافقة وعدن والجند ثم صنعاء إلى عمل الطائف إلى

[ 466 ]

الاحسية وعليب وعامله المسلمون بالبقية وعامله أهل الردة بالكفر والرجوع عن الاسلام وكان خليفته في مذحج عمرو بن معديكرب وأسند أمره إلى نفر فأما أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث وأسند أمر الابناء إلى فيروز ودازويه فلما أثخن في الارض استخف بقيس وبفيروز وداذويه وتزوج امرأة شهر وهى ابنة عم فيروز فبينا نحن كذلك بحضرموت ولا نأمن أن يسير إلينا الاسود أو يبعث إلينا جيشا أو يخرج بحضرموت خارج يدعى بمثل ما ادعى به الاسود فنحن على ظهر تزوج معاذ إلى بنى بكرة حى من السكون امرأة أخوالها بنو زنكبيل يقال لها رملة فحدبوا لصهرة علينا وكان معاذ بها معجبا فإن كان ليقول فيما يدعو الله بى اللهم ابعثنى يوم القيامة مع السكون ويقول أحيانا اللهم اغفر للسكون إذ جاءتنا كتب النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا فيها أن نبعث الرجال لمحاولته أو لمصاولته ونبلغ كل من رجا عنده شيئا من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فقام معاذ في ذلك بالذى أمر به فعرفنا القوة وثقنا بالنصر * حدثنا السرى قال أخبرنا شعيب قال حدثنا سيف وحدثني عبيد الله قال أخبرنا عمى قال أخبرنا سيف قال أخبرنا المستنير بن يزيد عن عروة بن غزية الدثينى عن الضحاك ابن فيروز قال السرى عن جشيش بن الديلمى وقال عبيد الله عن جشيش بن الديلمى قال قدم علينا وبر بن يحنس بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا فيه بالقيام على ديننا والنهوض في الحرب والعمل في الاسود إما غيلة وإما مصادمة وأن نبلغ عنه من رأينا أن عنده نجدة ودينا فعملنا في ذلك فرأينا أمرا كثيفا ورأيناه قد تغير لقيس بن عبد يغوث وكان على جنده فقلنا يخاف على دمه فهو لاول دعوة فدعوناه وأنبأناه الشأن وأبلغناه عن النبي صلى الله عليه وسلم فكأنما وقعنا عليه من السماء وكان في غم وضيق بأمره فأجابنا إلى ما أحببنا من ذلك وجاءنا وبر بن يحنس وكاتبنا الناس ودعوناهم وأخبره الشيطان بشئ فأرسل إلى قيس وقال يا قيس ما يقول هذا قال وما يقول قال يقول عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك كل مدخل وصار في العز مثلك مال ميل عدوك وحاول ملكك

[ 467 ]

وأضمر على الغدر إنه يقول يا أسود يا أسود يا سوأة يا سوأة أقطف قنته وخذ من قيس أعلاه وإلا سلبك أو قطف قنتك فقال قيس وحلف به كذب وذى الخمار لانت أعظم في نفسي وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي فقال ما أحفاك أتكذب الملك قد صدق الملك وعرفت الآن أنك تائب مما أطلع عليه منك ثم خرج فأتاه فقال يا جشيش ويا فيروز ويا داذويه إنه قد قال وقلت فما الرأى فقلنا نحن على خذر فإنا في ذلك إذ أرسل إلينا فقال ألم أشرفكم على قومكم ألم يبلغني عنكم فقلنا أقلنا مرتنا هذه فقال لا يبلغني عنكم فأقيلكم فنجونا ولم نكد وهو في ارتياب من أمرنا وأمر قيس ونحن في ارتياب وعلى خطر عظيم إذ جاءنا اعتراض عامر بن شهر وذى زود وذى مران وذى الكلاع وذى ظليم عليه وكاتبونا وبذلوا لنا النصر وكاتبناهم وأمرناهم أن لا يحركوا شيئا حتى نبرم الامر وإنما اهتاجوا لذلك حين جاء كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران إلى عربهم وساكني الارض من غير العرب فثبتوا فتنحوا وانضموا إلى مكان واحد وبلغه ذلك وأحس بالهلاك وفرق لنا الرأى فدخلت على آزاد وهى امرأته فقلت يا ابنة عم قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك قتل زوجك وطأطأ في قومك القتل وسفل بمن بقى منهم وفضح النساء فهل عندك من ممالاة عليه فقالت على أي أمره قلت إخراجه قلت أو قتله قالت أو قتله قالت نعم والله ما خلق الله شخصا أبغض إلى منه ما يقوم لله على حق ولا ينتهى له عن حرمة فإذا عزمتم فاعلموني أخبركم بمأتى هذا الامر فأخرج فإذا فيروز وداذويه ينتظراني وجاء قيس ونحن نريد أن نناهضه فقال له رجل قبل أن يجلس إلينا الملك يدعوك فدخل في عشرة من مذحج وهمدان فلم يقدر على قتله معهم قال السرى في حديثه فقال يا عبهلة بن كعب بن غوث وقال عبيد الله في حديثه يا عبهلة بن كعب بن غوث أمنى تحصن بالرجال ألم أخبرك الحق وتخبرني الكذابة يقول يا سوأة يا سوأة إلا تقطع من قيس يده يقطع قنتك العليا حتى ظن أنه قاتله فقال إنه ليس من الحق أن أقتلك وأنت رسول الله فمر بى بما أحببت فأما الخوف والفزع فأنا فيهما مخافة

[ 468 ]

قال الزهري فأما قتلتنى فموتة وقال السرى اقتلني فموتة أهون على من موتات أموتها كل يوم فرق له فأخرجه فخرج علينا فأخبرنا وطوانا وقال اعملوا عملكم وخرج علينا في جمع فقمنا متولا له وبالباب مائة ما بين بقرة وبعير فقام وخط خطا فأقيمت من ورائه وقام من دونها فنحرها غير محبسة ولا معقلة ما يقتحم الخط منها شئ ثم خلاها فجالت إلى أن زهقت فما رأيت أمرا كان أفظع منه ولا يوما أوحش منه ثم قال أحق ما بلغني عنك يا فيروز وبوأ له الحربة لقد هممت أن أتحرك فأتبعك هذه البهيمة فقال اخترتنا لصهرك وفضلتنا على الابناء فلو لم تكن نبيا ما بعنا نصيبا منك بشئ فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر آخرة ودنيا لا تقبلن علينا أمثال ما يبلغك فإنا بحيث تحب فقال اقسم هذه فأنت أعلم بمن هاهنا فاجتمع إلى أهل صنعاء وجعلت آمر للرهط بالجزور ولاهل البيت بالبقرة ولاهل الخلة بعدة حتى أخذ أهل كل ناحية بقسطهم فلحق به قبل أن يصل إلى داره وهو واقف على رجل يسعى إليه بفيروز فاستمع له واستمع له فيروز وهو يقول أنا قاتله غدا وأصحابه فاغد على ثم التفت فإذا به فقال مه فأخبره بالذى صنع فقال أحسنت ثم ضرب دابته داخلا فرجع إلينا فأخبرنا الخبر فأرسلنا إلى قيس فجاءنا فأجمع ملؤهم أن أعود إلى المرأة فأخبرها بعزيمتنا لتخبرنا بما تأمر فأتيت المرأة وقلت ما عندك فقالت هو متحرز متحرس وليس من القصر شئ إلا والحرس محيطون به غير هذا البيت فان ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطريق فإذا أمسيتم فانقلبوا عليه فإنكم من دون الحرس وليس دون قتله شئ وقالت إنكم ستجدون فيه سراجا وسلاحا فخرجت فتلقاني الاسود خارجا من بعض منازله فقال لى ما أدخلك على ووجأ رأسي حتى سقطت وكان شديدا وصاحت المرأة فأدهشته عنى ولولا ذلك لقتلني وقالت ابن عمى جاءني زائرا فقصرت بى فقال اسكتي لا أبا لك فقد وهبته لك فتزايلت عنى فأتيت أصحابي فقلت النجاء الهرب وأخبرتهم الخبر فإنا على ذلك حيارى إذ جاءني رسولها لا تدعن ما فارقتك عليه فانى لم أزل به حتى أطمأن فقلنا لفيروز ائتها فتثبت منها فأما أنا فلا سبيل لى إلى الدخول بعد النهى ففعل وإذا هو كان أفطن منى فلما أخبرته قال

[ 469 ]

وكيف ينبغى لنا أن ننقب على بيوت مبطنة ينبغى لنا أن نقلع بطانة البيت فدخلا فاقتلعا البطانة ثم أغلقاه وجلس عندها كالزائر فدخل عليها فاستخفته غير وأخبزته برضاع وقرابة منها عنده محرم فصاح به وأخرجه وجاءنا بالخبر فلما أمسينا عملنا في أمرنا وقد واطأنا أشياعنا وعجلنا عن مراسلة الهمدانيين والحميريين فنقبنا البيت من خارج ثم دخلنا وفيه سراج تحت جفنة واتقينا بفيروز وكان أنجدنا وأشدنا فقلنا أنظر ماذا ترى فخرج ونحن بينه وبين الحرس معه في مقصورة فلما دنا من باب البيت سمع غطيطا شديدا وإذا المرأة جالسة فلما قام على الباب أجلسه الشيطان فكلمه على لسانه وإنه ليغط جالسا وقال أيضا ما لى ولك يا فيروز فخشى إن رجع أن يهلك وتهلك المرأة فعاجله فخالطه وهو مثل الجمل فأخذ برأسه فقتله فدق عنقه ووضع ركبته في ظهره فدقه ثم قام ليخرج فأخذت المرأة بثوبه وهى ترى أنه لم يقتله فقالت أين تدعني قال أخبر أصحابي بمقتله فأتانا فقمنا معه فأردنا حز رأسه فحركه الشيطان فاضطرب فلم يضبطه فقلت اجلسوا على صدره فجلس اثنان على صدره وأخذت المرأة بشعره وسمعنا بربرة فألجمته بمئلاة وأمر الشفرة على حلقه فخار كأشد خوار ثور سمعته قط فابتدر الحرس الباب وهم حول المقصورة فقالوا ما هذا ما هذا فقالت المرأة النبي يوحى إليه فخمد ثم سمرنا ليلتنا ونحن نأتمر كيف نخبر أشياعنا ليس غيرنا ثلاثتنا فيروز وداذويه وقيس فاجتمعنا على النداء بشعارنا الذى بيننا وبين أشياعنا ثم ينادى بالاذان فلما طلع الفجر نادى داذويه بالشعار ففزع المسلمون والكافرون وتجمع الحرس فأحاطوا بنا ثم ناديت بالاذان وتوافت خيولهم إلى الحرس فناديتهم أشهد أن محمدا رسول الله وأن عبهلة كذاب وألقينا إليهم رأسه فأقام وبر الصلاة وشنها القوم غارة ونادينا يا أهل صنعاء من دخل عليه داخل فتعلقوا به ومن كان عنده منهم أحد فتعلقوا به ونادينا بمن في الطريق تعلقوا بمن استطعتم فاختطفوا صبيانا كثيرين وانتهبوا ما انهبوا ثم مضوا خارجين فلما برزوا فقدوا منهم سبعين فارسا وركبانا وإذا أهل الدور والطرق وقد وافونا بهم وفقدنا سبعمائة عيل فراسلونا وراسلناهم على أن يتركوا

[ 470 ]

لنا ما في أيديهم ونترك لهم ما في أيدينا ففعلوا فخرجوا لم يظفروا منا بشئ فترددوا فيما بين صنعاء ونجران وخلصت صنعاء والجند وأعز الله الاسلام وأهله وتنافسنا الامارة وتراجع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعمالهم فاصطلحنا على معاذ بن جبل فكان يصلى بنا وكتبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه الخبر من ليلته وقدمت رسلنا وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة تلك الليلة فأجابنا أبو بكر رحمه الله * حدثنا عبيد الله قال أخبرنا عمى قال أخبرنا سيف وحدثني السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن أبى القاسم الشنوى عن العلاء بن زياد عن ابن عمر قال أتى الخبر النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التى قتل فيها العنسى ليبشرنا فقال قتل العنسى البارحة قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين قيل ومن قال فيروز فاز فيروز * حدثنا عبيد الله قال أخبرنا عمى قال أخبرني سيف وحدثني السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن المستنير عن عروة عن الضحاك عن فيروز قال قتلنا الاسود وعاد أمرنا كما كان إلا أنا أرسلنا إلى معاذ فتراضينا عليه فكان يصلى لنا في صنعاء فو الله ما صلى بنا إلا ثلاثا ونحن راجون مؤملون لم يبق شئ نكرهه إلا ما كان من تلك الخيول التى تتردد بيننا وبين نجران حتى أتانا الخبر بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتقضت الامور وأنكرنا كثيرا مما كنا نعرف واضطربت الارض * حدثنى السرى قال حدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن أبى القاسم وأبى محمد عن أبى زرعة يحيى بن أبى عمرو الشيباني من جند فلسطين عن عبد الله بن فيروز الديلمى أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم رسولا يقال له وبر بن يحنس الازدي وكان منزله على داذويه الفارسى وكان الاسود كاهنا معه شيطان وتابع له فخرج فنزل على ملك اليمن فقتل ملكها ونكح امرأته وملك اليمن وكان باذام هلك قبل ذلك فخلف ابنه على أمره فقتله وتزوجها فاجتمعت أنا وداذويه وقيس ابن المكشوح المرادى عند وبر يخنس رسول نبى الله صلى الله عليه وسلم نأتمر بقتل الاسود ثم إن الاسود أمر الناس فاجتمعوا في رحبة من صنعاء ثم

[ 471 ]

خرج حتى قام في وسطهم ومعه حربة الملك ثم دعا بفرس الملك فأوجره الحربة ثم أرسل فجعل يجرى في المدينة ودماؤه تسيل حتى مات وقام وسط الرحبة ثم دعا بجزر من وراء الخط فأقامها وأعناقها ورؤسها في الخط ما يجزنه ثم استقبلهن بحربته فنحرهن فتصدعن عنه حتى فرغ منهن ثم أمسك حربته في يده ثم أكب على الارض ثم رفع رأسه فقال انه يقول يعنى شيطانه الذى معه ان ابن المكشوح من الطغاة يا أسود اقطع قنة رأسه العليا ثم أكب رأسه أيضا بنظر ثم رفع رأسه فقال إنه يقول إن ابن الديلمى من الطغاة يا أسود اقطع يده اليمنى ورجله اليمنى فلما سمعت قوله والله ما آمن أن يدعو بى فينحرني بحربته كما نحر هذه الجزر فجعلت أستتر بالناس لئلا يرانى حتى خرجت ولا أدرى من حذرى كيف آخذ فلما دنوت من منزلي لقيني رجل من قومه فدق في رقبتي فقال إن الملك يدعوك وأنت تروغ ارجع فردني فلما رأيت ذلك خشيت أن يقتلنى قال وكنا لا يكاد يفارق رجلا منا أبدا خنجره فأدس يدى في خفي فأخذت خنجري ثم أقبلت وأنا أريد أن أحمل عليه فأطعنه به حتى أقتله ثم أقتل من معه فلما دنوت منه رأى في وجهى الشر فقال مكانك فوقفت فقال إنك أكبر من ههنا وأعلمهم بأشراف أهلها فاقسم هذه الجزر بينهم وركب فانطلق وعلقت أقسم اللحم بنى أهل صنعاء فأتاني ذلك الذى دق في رقبتي فقال اعطني منها فقلت لا والله ولا بضعة واحدة ألست الذى دققت في رقبتي فانطلق غضبان حتى أتى الاسود فأخبره بما لقى منى وقلت له فلما فرغت أتيت الاسود أمشى إليه فسمعت الرجل وهو يشكوني إليه فقال له الاسود أما والله لاذبحنه ذبحا فقلت له إنى قد فرغت مما أمرتنى به وقسمته بين الناس قال قد أحسنت فانصرف فانصرفت فبعثنا إلى امرأة الملك إنا نريد قتل الاسود فكيف لنا فأرسلت إلى أن هلم فأتيتها وجعلت الجارية على الباب لتؤذننا إذا جاء ودخلت أنا وهى البيت الآخر فحفرنا حتى نقبنا نقبا ثم خرجنا إلى البيت فأرسلنا الستر فقلت إنا نقتله الليلة فقالت فتعالوا فما شعرت بشئ حتى إذا الاسود قد دخل البيت وإذا هو معنا

[ 472 ]

فأخذته غيرة شديدة فجعل يدق في رقبتي وكفكفته عنى وخرجت فأتيت أصحابي بالذى صنعت وأيقنت بانقطاع الحيلة عنا فيه إذ جاءنا رسول المرأة أن لا يكسرن عليكم أمركم ما رأيتم فإنى قد قلت له بعد ما خرجت ألستم تزعمون أنكم أقوام أحرار لكم أحساب قال بلى فقلت جاءني أخى يسلم على ويكرمني فوقعت عليه تدق في رقبته حتى أخرجته فكانت هذه كرامتك إياه فلم أزل ألومه حتى لام نفسه وقال أهو أخوك فقلت نعم فقال ما شعرت فأقبلوا الليلة لما أردتم قال الديلمى فاطمأنت أنفسنا واجتمع لنا أمرنا فأقبلنا من الليل أنا وداذويه وقيس حتى ندخل البيت الاقصى من النقب الذى نقبنا فقلت يا قيس أنت فارس العرب ادخل فاقتل الرجل قال إنى يأخذني رعدة شديدة عند البأس فأخاف أن أضرب الرجل ضربة لا تغنى شيئا ولكن ادخل أنت يا فيروز فإنك أشبنا وأقوانا قال فوضعت سيفى عند القوم ودخلت لانظر أين رأس الرجل فإذا السراج يزهر وإذا هو راقد على فرش قد غاب فيها لا أدرى أين رأسه من رجليه وإذا المرأة جالسة عنده كانت تطعمه رمانا حتى رقد فأشرت إليها أين رأسه فأشارت إليه فأقبلت أمشى حتى قمت عند رأسه لانظر فما أدرى أنظرت في وجهه أم لا فإذا هو قد فتح عينيه فنظر إلى فقلت إن رجعت إلى سيفى خفت أن يفوتنى ويأخذ عدة يمتنع بها منى وإذا شيطانه قد أنذره بمكانى وقد أيقظه فلما أبطأ كلمني على لسانه وانه لينظر ويغط فأضرب بيدى إلى رأسه فأخذت رأسه بيد ولحيته بيد ثم ألوى عنقه فدقتها ثم أقبلت إلى أصحابي فأخذت المرأة بثوبي فقالت أختكم نصحتكم قلت قد والله قتلته وأرحتك منه قال فدخلت على صاحبي فأخبرتهما قالا فارجع فاحتز رأسه فائتنا به فدخلت فبربر فألجمته فحززت رأسه فأتيتهما به ثم خرجنا حتى أتينا منزلنا وعندنا وبر بن يحنس الازدي فقام معنا حتى ارتقينا على حصن مرتفع من تلك الحصون فأذن وبر بن يحنس بالصلاة ثم قلنا ألا إن الله عز وجل قد قتل الاسود الكذاب فاجتمع الناس إلينا فرمينا برأسه فلما رأى القوم الذين كانوا معه أسرجوا خيولهم ثم جعل كل واحد منهم يأخذ

[ 473 ]

غلاما من أبنائنا معه من أهل البيت الذى كان نازلا فيهم فأبصرتهم في الغلس مردفى الغلمان فناديت أخى وهو أسفل منى مع الناس أن تعلقوا بمن استطعتم منهم ألا ترون ما يصنعون بالابناء فتعلقوا بهم فحبسنا منهم سبعين رجلا وذهبوا منا بثلاثين غلاما فلما برزوا إذا هم يفقدون سبعين رجلا حين تفقدوا أصحابهم فأتونا فقالوا أرسلوا إلينا أصحابنا فقلنا لهم أرسلوا الينا أبناءنا فأرسلوا إلينا الابناء وأرسلنا إليهم أصحابهم قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه إن الله قد قتل الاسود الكذاب العنسى قتله بيد رجل من إخوانكم وقوم أسلموا وصدقوا فكنا كأنا على الامر الذى كان قبل قدوم الاسود علينا وأمن الامراء وتراجعوا واعتذر الناس وكانوا حديث عهد بالجاهلية * حدثنا عبيد الله قال حدثنا عمى قال أخبرنا سيف وحدثني السرى قال حدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن سهل بن يوسف عن أبيه عن عبيد بن صخر قال كان أول أمره إلى آخره ثلاثة أشهر * وحدثني السرى قال حدثنا شعيب عن سيف وحدثنا عبيد الله قال أخبرنا عمى قال أخبرنا سيف عن جابر بن يزيد عن عروة بن غزية عن الضحاك بن فيروز قال كان ما بين خروجه بكهف خبان ومقتله نحوا من أربعة أشهر وقد كان قبل ذلك مستسرا بأمره حتى بادى بعد * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا علي بن محمد عن أبى معشر ويزيد بن عياض ابن جعدبة وغسان بن عبد الحميد وجويرية بن أسماء عن مشيختهم قالوا أمضى أبو بكر جيش أسامة بن زيد في آخر ربيع الاول وأتى مقتل العنسى في آخر ربيع الاول بعد مخرج أسامة وكان ذلك أول فتح أتى أبا بكر وهو بالمدينة (وقال الواقدي) في هذه السنة أعنى سنة إحدى عشر قدم وفد النخع في النصف من المحرم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأسهم زرارة بن عمرو وهم آخر من قدم من الوفود (وفيها) ماتت فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان وهى يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها وذكر أن أبا بكر بن عبد الله حدثه عن اسحاق بن

[ 474 ]

عبد الله عن أبان بن صالح بذلك وزعم أن ابن جريج حدثه عن عمرو بن دينار عن أبى جعفر قال توفيت فاطمة عليها السلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر قال وحدثنا ابن جريج عن الزهري عن عروة قال توفيت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر (قال الواقدي) وهو أثبت عندنا قال وغسلها علي عليه السلام وأسماء بنت عميس قال وحدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله ابن عثمان بن حنيف عن عبد الله بن أبى بكر بن عمرو بن حزم عن عمرة ابنة عبد الرحمن قالت صلى عليها العباس بن عبد المطلب * وحدثنا أبو زيد قال حدثنا علي عن أبى معشر قال دخل قبرها العباس وعلي والفضل بن العباس * قال وفيها توفى عبد الله بن أبى بكر بن أبى قحافة وكان أصابه بالطائف سهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وسلم رماه أبو محجن ودمل الجرح حتى انتقض به في شوال فمات * حدثنى أبو زيد قال حدثنا علي قال حدثنا أبو معشر ومحمد بن اسحاق وجويرة ابن أسماء باسناده الذى ذكرت قبل قالوا في العام الذى بويع فيه أبو بكر ملك أهل فارس عليهم يزدجرد (قال أبو جعفر) وفيها كان لقاء أبى بكر رحمه الله خارجة ابن حصن الفزارى * حدثنى أبو زيد قال حدثنا علي بن محمد باسناده الذى ذكرت قبل قالوا أقام أبو بكر بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيهه أسامة في جيشه إلى حيث قتل أبوه زيد بن حارثة من أرض الشام وهو الموضع الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بالمسير إليه لم يحدث شيئا وقد جاءته وفود العرب مرتدين يقرون بالصلاة ويمنعون الزكاة فلم يقبل ذلك منهم وردهم وأقام حتى قدم أسامة بن زيد بن حارثة بعد أربعين يوما من شخوصه ويقال بعد سبعين يوما فلما قدم أسامة بن زيد استخلفه أبو بكر على المدينة وشخص ويقال استخلف سنانا الضمرى على المدينة فسار ونزل بذى القصة في جمادى الاولى ويقال في جمادى الآخرة وكان نوفل بن معاوية الديلى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه خارجة بن حصن بالشربة فأخذ ما في يديه فرده على بنى فزارة فرجع نوفل إلى أبى بكر بالمدينة قبل قدوم أسامة على أبى بكر فأول حرب كانت

[ 475 ]

في الردة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حرب العنسى وقد كانت حرب العنسى باليمن ثم حرب خارجة بن حصن ومنظور بن زبان بن سيار في غطفان والمسلمون غارون فانحاز أبو بكر إلى أجمة فاستتر بها ثم هزم الله المشركين * حدثنى عبيد الله قال حدثنا عمى قال أخبرنا سيف وحدثني السرى قال حدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن المجالد بن سعيد قال لما فصل أسامة كفرت الارض وتصرمت وارتدت من كل قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشا وثقيفا * وحدثني عبيد الله قال حدثنا عمى قال أخبرنا سيف وحدثني السرى قال حدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن هشام ابن عروة عن أبيه قال لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وفصل أسامة ارتدت العرب وعوام أو خواص وتوحى مسيلمة وطليحة فاستغلظ أمرهما واجتمع على طليحة عوام طيئ وأسد وارتدت غطفان إلى ما كان من أشجع وخواص من الافناء فبايعوه وقدمت هوازن رجلا وأخرت رجلا أمسكوا الصدقة إلا ما كان من ثقيف ولفها فإنهم اقتدى بهم عوام جديلة والاعجاز وارتدت خواص من بنى سليم وكذلك سائر الناس بكل مكان قال وقدمت رسل النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن واليمامة وبلاد بنى أسد ووفود من كان كاتبه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أمره في الاسود ومسيلمة وطليحة بالاخبار والكتب فدفعوا كتبهم إلى أبى بكر وأخبروه الخبر فقال لهم أبو بكر لا تبرحوا حتى تجئ رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتم وأمر وانتقاض الامور فلم يلبثوا أن قدمت كتب أمراء النبي صلى الله عليه وسلم من كل مكان بانتقاض عامة أو خاصة وتبسطهم بأنواع المثل على المسلمين فحاربهم أبو بكر بما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حاربهم بالرسل فرد رسلهم بأمره وأتبع الرسل رسلا وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة وكان أول من صادم عبس وذبيان عاجلوه فقاتلهم قبل رجوع أسامة * حدثنى عبيد الله قال أخبرنا عمى قال أخبرنا سيف وحدثني السرى قال حدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن أبى عمرو عن زيد بن أسلم قال مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعماله على قضاعة وعلى كلب امرؤ القيس بن الاصبغ الكلبى من بنى

[ 476 ]

عبد الله وعلى القين عمرو بن الحكم وعلى سعد هذيم معاوية بن فلان الوائلي وقال السرى الوالبى فارتد وديعة الكلبى فيمن آزره من كلب وبقى امرؤ القيس على دينه وارتد زميل بن قطبة القينى فيمن آزره من بنى القين وبقى عمرو وارتد معاوية فيمن آزره من سعد هذيم فكتب أبو بكر إلى امرئ القيس بن فلان وهو جد سكينة ابنة حسين فسار بوديعة والى عمرو فأقام لزميل والى معاوية العذري فلما توسط أسامة بلاد قضاعة بث الخيول فيهم وأمرهم أن ينهضوا من أقام على الاسلام إلى من رجع عنه فخرجوا هرابا حتى أرزوا إلى دومة واجتمعوا إلى وديعة ورجعت خيول أسامة إليه فمضى فيها أسامة حتى أغار على الحمقتين فأصاب في بنى الضبيب من جذام وفى بنى خليل من لخم ولفها من القبيلين وحازهم من آبل وانكفأ سالما غانما * فحدثني السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف عن القاسم ابن محمد قال مات رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحة إلا ما كان من خواص أقوام في القبائل الثلاث فاجتمعت أسد بسميراء وفزارة ومن يليهم من غطفان بجنوب طيبة وطيئ على حدود أرضهم واجتمعت ثعلبة بن سعد ومن يليهم من مرة وعبس بالابرق من الربذة وتأشب إليهم ناس من بنى كنانة فلم تحملهم البلاد فافترقوا فرقتين فأقامت فرقة منهم بالابرق وسارت الاخرى إلى ذى القصة وأمدهم طليحة بحبال فكان حبال على أهل ذى القصة من بنى أسد ومن تأشب من ليث والديل ومدلج وكان على مرة بالابرق عوف بن فلان بن سنان وعلى ثعلبة وعبس الحارث بن فلان أحد بنى سبيع وقد بعثوا وفودا فقدموا المدينة فنزلوا على وجوه الناس فأنزلوهم ما خلا عباسا فتحملوا بهم على أبى بكر على أن يقيموا الصلاة وعلى أن لا يؤتوا الزكاة فعزم الله لابي بكر على الحق وقال لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه وكان عقل الصدقة على أهل الصدقة مع الصدقة فردهم فرجع وفد من يلى المدينة من المرتدة إليهم فأخبروا عشائرهم بقلة من أهل المدينة وأطمعوهم فيها وجعل أبو بكر بعدما أخرج الوفد على أنقاب المدينة نفرا عليا والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود وأخذ أهل المدينة بحضور

[ 477 ]

المسجد وقال لهم إن الارض كافرة وقد رأى وفدهم منكم قلة وإنكم لا تدرون أليلا تؤتون أم نهارا وأدناهم منكم على بريد وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونواعدهم وقد أبينا عليهم ونبذنا إليهم عهدهم فاستعدوا وأعدوا فما لبثوا إلا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارة مع الليل وخلفوا بعضهم بذى حسى ليكونوا لهم ردءا فوافوا الغوار ليلا الانقاب وعليها المقاتلة ودونهم أقوام يدرجون فنبهوهم وأرسلوا إلى أبى بكر بالخبر فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا أماكنكم ففعلوا وخرج في أهل المسجد على النواضح إليهم فانفش العدو فأتبعهم المسلمون على إبلهم حتى بلغوا ذا حسى فخرج عليهم الردء بأنحاء قد نفخوها وجعلوا فيها الحبال ثم دهدهوها بأرجلهم في وجوه الابل فتدهده كل نحى في طوله فنفرت إبل المسلمين وهم عليها ولا تنفر من شئ نفارها من الانحاء فعاجت بهم ما يملكونها حتى دخلت بهم المدينة فلم يصرع مسلم ولم يصب فقال في ذلك الخطيل بن أوس أخو الحطيئة بن أوس فدى لبنى ذبيان رحلى وناقتي * عشية يحدى بالرماح أبو بكر ولكن يدهدى بالرجال فهبنه * إلى قدر ما إن تقيم ولا تسرى ولله أجناد تذاق مذاقه * لتحسب فيما عد من عجب الدهر وأنشده الزهري من حسب الدهر وقال عبد الله الليثى وكانت بنو عبد مناة من المرتدة وهم بنو ذبيان في ذلك الامر بذى القصة وبذي حسى أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيال عباد الله ما لابي بكر أيورثنا بكرا إذا مات بعده * وتلك لعمر الله قاصمة الظهر فهلا رددتم وفدنا بزمانه * وهلا خشيتم حس راعية البكر وإن التى سألوكم فمنعتم * لكالتمر أو أحلى إلى من التمر فظن القوم بالمسلمين الوهن وبعثوا إلى أهل ذى القصة بالخبر فقدموا عليهم اعتمادا في الذين أخبروهم وهم لا يشعرون لامر الله عز وجل الذى أراده وأحب أن يبلغه فيهم فبات أبو بكر ليلته يتهيأ فعبى الناس ثم خرج على تعبية

[ 478 ]

من أعجاز ليلته يمشى وعلى ميمنته النعمان بن مقرن وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن وعلى الساقة سويد بن مقرن معه الركاب فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد فما سمعوا للمسلمين همسا ولا حسا حتى وضعوا فيهم السيوف فاقتتلوا في أعجاز ليلتهم فما ذر قرن الشمس حتى ولوهم الادبار وغلبوهم على عامة ظهرهم وقتل حبال وأتبعهم أبو بكر حتى نزل بذى القصة وكان أول الفتح ووضع بها النعمان ابن مقرن في عدد ورجع إلى المدينة فذل بها المشركون فوثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم كل قتلة وفعل من وراءهم فعلهم وعز المسلمون بوقعة أبى بكر وحلف أبو بكر ليقتلن في المشركين كل قتلة وليقتلن في كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة وفى ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي غداة سعى أبو بكر إليهم * كما يسعى لموتته حلال أراح على نواهقها عليا * ومج لهن مهجته حبال وقال أيضا أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا * ككبكبة الغزى أناخوا على الوفر فما صبروا للحرب عند قيامها * صبيحة يسمو بالرجال أبو بكر طرقنا بنى عبس بأدنى نباجها * وذبيان نهنهنا بقاصمة الظهر ثم لم يصنع إلا ذلك حتى ازداد المسلمون لها ثباتا على دينهم في كل قبيلة وازداد لها المشركون انعكاسا من أمرهم في كل قبيلة وطرقت المدينة صدقات نفر صفوان الزبرقان عدى صفوان ثم الزبرقان ثم عدى صفوان في أول الليل والثانى في وسطه والثالث في آخره وكان الذى بشر بصفوان سعد بن أبى وقاص والذى بشر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف والذى بشر بعدى عبد الله بن مسعود وقال غيره أبو قتاده قال وقال الناس لكلهم حين طلع نذير وقال أبو بكر هذا بشير هذا حام وليس بوان فإذا نادى بالخير قالوا طال ما بشرت بالخير وذلك لتمام ستين يوما من مخرج أسامة وقدم أسامة بعد ذلك بأيام لشهرين وأيام فاستخلفه أبو بكر على المدينة وقال له ولجنده أريحوا وأريحوا ظهركم ثم خرج في الذين

[ 479 ]

خرج إلى ذى القصة والذين كانوا على الانقاب على ذلك الظهر فقال له المسلمون ننشدك الله يا خليفة رسول الله إن تعرض نفسك فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام ومقامك أشد على العدو فابعث رجلا فإن أصيب أمرت آخر فقال لا والله لا أفعل ولا أواسينكم بنفسى فخرج في تعبيته إلى ذى حسى وذى القصة والنعمان وعبد الله وسويد على ما كانوا عليه حتى نزل على أهل الربذة بالابرق فاقتتلوا فهزم الله الحارث وعوفا وأخذ الحطيئة أسيرا فطارت عبس وبنو بكر وأقام أبو بكر على الابرق أياما وقد غلب بنى ذبيان على البلاد وقال حرام على بنى ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد إذ غنمناها الله وأجلاها فلما غلب أهل الردة ودخلوا في الباب الذى خرجوا منه وسامح الناس جاءت بنو ثعلبة وهى كانت منازلهم لينزلوها فمنعوا منها فأتوه في المدينة فقالوا علام نمنع من نزول بلادنا فقال كذبتم ليست لكم ببلاد ولكنها موهبي ونقذتى ولم يعتبهم وحمى الابرق لخيول المسلمين وأرعى سائر بلاد الربذة الناس على بنى ثعلبة ثم حماها كلها لصدقات المسلمين لقتال كان وقع بين الناس وأصحاب الصدقات فمنع بذلك بعضهم من بعض ولما فضت عبس وذبيان أرزوا إلى طليحة وقد نزل طليحة على بزاخة وارتحل عن سميراء إليها فأقام عليها وقال في يوم الابرق زياد بن حنظلة ويوم بالابارق قد شهدنا * على ذبيان يلتهب التهابا أتيناهم بداهية نسوف * مع الصديق إذ ترك العتابا * حدثنى السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعيد بن ثابت ابن الجذع وحرام بن عثمان عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال لما قدم أسامة ابن زيد خرج أبو بكر واستخلفه على المدينة ومضى حتى انتهى إلى الربذة يلقى بنى عبس وذبيان وجماعة من بنى عبد مناة بن كنانة فلقيهم بالابرق فقاتلهم فهزمهم الله وفلهم ثم رجع إلى المدينة فلما جم جند أسامة وثاب من حول المدينة خرج إلى ذى القصة فنزل بهم وهو على بريد من المدينة تلقاء نجد فقطع فيها الجند وعقد

[ 480 ]

الاولوية عقد أحد عشر لواء على أحد عشر جندا وأمر أمير كل جند باستنفار من مر به من المسلمين من أهل القوة وتخلف بعض أهل القوة لمنع بلادهم * حدثنا السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد قال لما أراح أسامة وجنده ظهرهم وجموا وقد جاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم قطع أبو بكر البعوث وعقد الالوية فعقد احدى عشر لواء عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح ان أقام له ولعكرمة بن أبى جهل وأمره بمسيلمة والمهاجر بن أبى أمية وأمره بجنود العنسى ومعونة الابناء على قيس بن المكشوح ومن أعانه من أهل اليمن عليهم ثم يمضى إلى كندة بحضرموت ولخالد بن سعيد بن العاص وكان قدم على تفيئة ذلك من اليمن وترك عمله وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشام ولعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة ووديعة والحارث ولحذيفة بن محصن الغلفانى وأمره بأهل دبا ولعرفجة بن هرثمة وأمره بمهرة وأمرهما ان يجتمعا وكل واحد منهما في عمله على صاحبه وبعث شرحبيل بن حسنة في أثر عكرمة بن أبى جهل وقال إذا فرغ من اليمامة فالحق بقضاعة وأنت على خيلك تقتل أهل الردة ولطريفة بن حاجز وأمره ببنى سليم ومن معهم من هوازن ولسويد بن مقرن وأمره بتهامة اليمن وللعلاء بن الحضرمي وأمره بالبحرين ففصلت الامراء من ذى القصة ونزلوا على قصدهم فلحق بكل أمير جنده وقد عهد إليهم عهده وكتب إلى من بعث إليه من جميع المرتدة * حدثنا السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وشاركه في العهد والكتاب قحذم فكانت الكتب إلى قبائل العرب المرتدة كتابا واحدا (بسم الله الرحمن الرحيم) من أبى بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة أقام على اسلامه أو رجع عنه سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى فانى أحمد الله اليكم الله الذى لا إله إلا هو وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله نقر بما جاء به ونكفر من

[ 481 ]

أبى ونجاهده أما بعد فان الله تعالى أرسل محمدا بالحق من عنده إلى خلقه بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فهدى الله بالحق من أجاب إليه وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم باذنه من أدبر عنه حتى صار الاسلام طوعا وكرها ثم توفى الله رسوله صلى الله عليه وسلم وقد نفذ لامر الله ونصح لامته وقضى الذى عليه وكان الله قد بين له ذلك ولاهل الاسلام في الكتاب الذى أنزل فقال إنك ميت وإنهم ميتون وقال وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون وقال للمؤمنين وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين فمن كان انما يعبد محمدا فان محمدا قد مات ومن كان انما يعبد الله وحده لا شريك له فان الله له بالمرصاد حى قيوم لا يموت ولا تأخذه سنة ولا نوم حافظ لامره منتقم من عدوه ويجزيه وانى أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله وما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم وأن تهتدوا بهداه وأن تعتصموا بدين الله فان كل من لم يهده الله ضال وكل من لم يعافه مبتلى وكل من لم يعنه الله مخذول فمن هداه الله كان مهتديا ومن أضله كان ضالا قال الله تعالى (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) ولم يقبل منه في الدنيا عمل حتى يقربه ولم يقبل منه في الآخرة صرف ولا عدل وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالاسلام وعمل به اغترارا بالله وجهالة بأمره وإجابة للشيطان قال الله تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا) وقال (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) وانى بعثت اليكم فلانا في جيش من المهاجرين والانصار والتابعين باحسان وأمرته ان لا يقاتل أحدا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله فمن استجاب له وأقر وكف

[ 482 ]

وعمل صالحا قبل منه وأعانه عليه ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه وأن يحرقهم بالنار ويقتلهم كل قتلة وأن يسبى النساء والذراري ولا يقبل من أحد الا الاسلام فمن اتبعه فهو خير له ومن تركه فلن يعجز الله وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم والداعية الاذان فإذا أذن المسلمون فأذنوا كفوا عنهم وإن لم يؤذنوا عاجلوهم وإن أذنوا اسألوهم ما عليهم فإن أبوا عاجلوهم وإن أقروا قبل منهم وحملهم على ما ينبغى لهم فنفذت الرسل بالكتب أمام الجنود وخرجت الامراء ومعهم العهود (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا عهد من أبى بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الاسلام وعهد إليه أن يتقى الله ما استطاع في أمره كله سره وعلانيته وأمره بالجد في أمر الله ومجاهدة من تولى عنه ورجع عن الاسلام إلى أمانى الشيطان بعد أن يعذر إليهم فيدعوهم بداعية الاسلام فان أجابوه أمسك عنهم وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم حتى يقروا له ثم ينبئهم بالذى عليهم والذى لهم فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذى لهم لا ينظرهم ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم فمن أجاب إلى أمر الله عز وجل وأقر له قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف وإنما يقاتل من كفر بالله على الاقرار بما جاء من عند الله فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل وكان الله حسيبه بعد فيما استسر به ومن لم يجب داعية الله قتل وقوتل حيث كان وحيث بلغ مراغمة لا يقبل من أحد شيئا أعطاه الا الاسلام فمن أجابه وأقر قبل منه وعلمه ومن أبى قاتله فإن أظهره الله عليه قتل منهم قتلة بالسلاح والنيران ثم قسم ما أفاء الله عليه الا الخمس فانه يبلغناه وإن يمنع أصحابه العجلة والفساد وأن لا يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم ويعلم ما هم لا يكونوا عيونا ولئلا يوتى المسلمون من قبلهم وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل يتفقدهم ولا يعجل بعضهم عن بعض ويستوصى بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول

[ 483 ]

ذكر بقية الخبر عن غطفان حين انضمت إلى طليحة وما آل إليه أمر طليحة * حدثنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا عمى قال أخبرنا سيف وحدثني السرى قال حدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد وبدر ابن الخليل وهشام بن عروة قال لما أرزت عبس وذبيان ولفها إلى البزاخة أرسل طليحة إلى جديلة والغوث أن ينضموا إليه فتعجل إليه أناس من الحيين وأمروا قومهم باللحاق بهم فقدموا على طليحة وبعث أبو بكر عديا قبل توجيه خالد من ذى القصة إلى قومه وقال أدركهم لا يوكلوا فخرج إليهم فقتلهم في الذروة والغارب وخرج خالد في أثره وأمره أبو بكر أن يبدأ بطيئ على الاكناف ثم يكون وجهه إلى البزاخة ثم يثلث بالبطاح ولا يريم إذا فرغ من قوم حتى يحدث إليه ويأمره بذلك وأظهر أبو بكر أنه خارج إلى خيبر ومنصب عليه منها حتى يلاقيه بالاكناف إكناف سلمى فخرج خالد فازوار عن البزاخة وجنح إلى أجأ وأظهر أنه خارج إلى خيبر ثم منصب عليهم فقعد ذلك طيئا وبطأهم عن طليحة وقدم عليهم عدى فدعاهم فقالوا لا نبايع أبا الفصيل أبدا فقال لقد أتاكم قوم ليبيحن حريمكم ولتكننه بالفحل الاكبر فشأنكم به فقالوا له فاستقبل الجيش فنهنهه عنا حتى نستخرج من لحق بالبزاخة منا فانا إن خالفنا طليحة وهم في يديه قتلهم أو ارتهنهم فاسقبل عدى خالدا وهو بالسنح فقال يا خالد أمسك عنى ثلاثا يجتمع لك خمسمائة مقاتل تضرب بهم عدوك وذلك خير من أن تعجلهم إلى النار وتشاغل بهم ففعل فعاد عدى إليهم وقد أرسلوا إخوانهم فأتوهم من بزاخة كالمدد لهم ولولا ذلك لم يتركوا فعاد عدى بإسلامهم إلى خالد وارتحل خالد نحو الانسر يريد جديلة فقال له عدى إن طيئا كالطائر وإن جديلة أحد جناحى طيئ فأجلني أياما لعل الله أن ينتقذ جديلة كما انتقذ الغوث ففعل فأتاهم عدى فلم يزل بهم حتى بايعوه فجاءه بإسلامهم ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب فكان خير مولود ولد في أرض طيئ وأعظمه عليهم

[ 484 ]

بركة * وأما هشام بن الكلبى فانه زعم أن أبا بكر لما رجع إليه أسامة ومن كان معه من الجيش جد في حرب أهل الردة وخرج بالناس وهو فيهم حتى نزل بذى القصة منزلا من المدينة على بريد من نحو نجد فعبى هنالك جنوده ثم بعث خالد ابن الوليد على الناس وجعل ثابت بن قيس على الانصار وأمره إلى خالد وأمره أن يصمد لطليحة وعيينة بن حصن وهما على بزاخة ماء من مياه بنى أسد وأظهراني ألاقيك بمن معى من نحو خيبر مكيدة وقد أوعب مع خالد الناس ولكنه أراد أن يبلغ ذلك عدوه فيرعبهم ثم رجع إلى المدينة وسار خالد بن الوليد حتى إذا دنا من القوم بعث عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم أحد بنى العجلان حليفا للانصار طليعة حتى إذا دنوا من القوم خرج طليحة وأخوه سلمة ينظران ويسألان فأما سلمة فلم يمهل ثابتا أن قتله ونادى طليحة أخاه حين رأى أن قد فرغ من صاحبه أن أعنى على الرجل فانه آكل فاعتونا عليه فقتلاه ثم رجعا وأقبل خالد بالناس حتى مروا بثابت بن أقرم قتيلا فلم يفطنوا له حتى وطئته المعطى بأخفافها فكبر ذلك على المسلمين ثم نظروا فإذا هم بعكاشة بن محصن صريعا فجزع لذلك المسلمون وقالوا قتل سيدان من سادات المسلمين وفارسان من فرسانهم فانصرف خالد نحو طيئ (قال هشام) قال أبو مخنف فحدثني سعد بن مجاهد عن المحل بن خليفة عن عدى ابن حاتم قال بعثت إلى خالد بن الوليد أن سر إلى فأقم عندي أياما حتى أبعث إلى قبائل طيئ فاجمع لك منهم أكثر ممن معك ثم أصحبك إلى عدوك قال فسار إلى (قال هشام) قال أبو مخنف حدثنا عبد السلام بن سويد أن بعض الانصار حدثه أن خالدا لما رأى ما بأصحابه من الجزع عند مقتل ثابت وعكاشة قال لهم هل لكم إلى أن أميل بكم إلى حى من أحياء العرب كثير عددهم شديدة شوكتهم لم يرتد منهم عن الاسلام أحد فقال له الناس ومن هذا الحى الذى تعنى فنعم والله الحى هو قال لهم طيئ فقالوا وفقك الله نعم الرأى رأيت فانصرف بهم حتى نزل بالجيش في طيئ (قال هشام) حدثنى جديل ابن خباب النبهاني من بنى عمرو بن أبى أن خالدا جاء حتى نزل على أرك مدينة سلمى (قال هشام) قال أبو مخنف حدثنى إسحاق أنه نزل بأجأ ثم تعبي لحربه ثم

[ 485 ]

سار حتى التقيا على بزاخة وبنو عامر على سادتهم وقادتهم قريبا يستمعون ويتربصون على من تكون الدبرة (قال هشام) عن أبى مخنف حدثنى سعد ابن مجاهد أنه سمع أشياخا من قومه يقولون سألنا خالدا أن نكفيه قيسا فان بنى أسد حلفاؤنا فقال والله ما قيس بأوهن الشوكتين اصمدوا إلى أي القبلتين أحببتم فقال عدى لو ترك هذا الدين أسرتي الادنى فالادنى من قومي لجاهدتهم عليه فأنا أمتنع من جهاد بنى أسد لحلفهم لا لعمر الله لا أفعل فقال له خالد إن جهاد الفريقين جميعا جهاد لا تخالف رأى أصحابك امض إلى أحد الفريقين وامض بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط (قال هشام) عن أبى مخنف فحدثني عبد السلام بن سويد أن خيل طيئ كانت تلقى خيل بنى أسد وفزارة قبل قدوم خالد عليهم فيتشاتمون ولا يقتتلون فتقول أسد وفزارة لا والله لا نبايع أبا الفصيل أبدا فتقول لهم خيل طيئ أشهد ليقاتلنكم حتى تكنوه أبا الفحل الاكبر * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال حدثت أن الناس لما اقتتلوا قاتل عيينة مع طليحة في سبعمائة من بنى فزارة قتالا شديدا وطليحة متلفف في كساء له بفناء بيت له من شعر يتنبأ لهم والناس يقتتلون فلما هزت عيينة الحرب وضرس القتال كر على طليحة فقال هل جاءك جبريل بعد قال لا قال فرجع فقاتل حتى إذا ضرس القتال وهزته الحرب كر عليه فقال لا أبا لك أجاءك جبريل بعد قال لا والله قال يقول عيينة حلفا حتى متى قد والله بلغ منا قال ثم رجع فقاتل حتى إذا بلغ كر عليه فقال هل جاءك جبريل بعد قال نعم قال فماذا قال لك قال قال لى إن لك رحا كرحاه وحديثا لا تنساه قال يقول عيينة أظن أن قد علم الله أنه سيكون حديث لا تنساه يا بنى فزارة هكذا فانصرفوا فهذا والله كذاب فانصرفوا وانهزم الناس فغشوا طليحة يقولون ماذا تأمرنا وقد كان أعد فرسه عنده وهيأ بعيرا لامرأته النوار فلما أن غشوه يقولون ماذا تأمرنا قام فوثب على فرسه وحمل امرأته ثم نجا بها وقال من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل ثم سلك الحوشية حتى

[ 486 ]

لحق بالشام وارفض جمعه وقتل الله من قتل منهم وبنو عامر قريبا منهم على قادتهم وسادتهم وتلك القبائل من سليم وهوازن على تلك الحال فلما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع أقبل أولئك يقولون ندخل فيما خرجنا منه ونؤمن بالله ورسوله ونسلم لحكمه في أموالنا وأنفسنا (قال أبو جعفر) وكان سبب ارتداد عيينة وغطفان ومن ارتد من طيئ ما حدثنا عبيد الله بن سعيد قال أخبرنا عمى قال أخبرني سيف وحدثني السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن طلحة بن الاعلم عن حبيب بن ربيعة الاسدي عن عمارة بن فلان الاسدي قال ارتد طليحة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعى النبوة فوجه النبي صلى الله عليه وسلم ضرار بن الازور إلى عماله على بنى أسد في ذلك وأمرهم بالقيام في ذلك على كل من ارتد فأشجوا طليحة وأخافوه ونزل المسلمون بواردات ونزل المشركون بسميراء فما زال المسلمون في نماء والمشركون في نقصان حتى هم ضرار بالمسير إلى طليحة فلم يبق إلا أخذه سلما إلا ضربة كان ضربها بالجراز فنبا عنه فشاعت في الناس فأتى المسلمون وهم على ذلك بخبر موت نبيهم صلى الله عليه وسلم وقال ناس من الناس لتلك الضربة إن السلاح لا يحيك في طليحة فما أمسى المسلمون من ذلك اليوم حتى عرفوا النقصان وارفض الناس إلى طليحة واستطار أمره وأقبل ذو الخمارين عوف الجذمى حتى نزل بازائنا وأرسل إليه ثمامة بن أوس بن لام الطائى إن معى من جديلة خمسمائة فان دهمكم أمر فنحن بالقردودة والانسر دوين الرمل وأرسل إليه مهلهل بن زيدان معى حد الغوث فان دهمكم أمر فنحن بالاكناف بحيال فيد وإنما تحدبت طيئ على ذى الخمارين عوف أنه كان بين أسد وغطفان وطيئ حلف في الجاهلية فلما كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعت غطفان وأسد على طيئ فأزاحوها عن دارها في الجاهلية غوثها وجديلتها فكره ذلك عوف فقطع ما بينه وبين غطفان وتتابع الحيان على الجلاء وأرسل عوف إلى الحيين من طيئ فأعاد حلفهم وقام بنصرتهم فرجعوا إلى دورهم واشتد ذلك على غطفان فلما مات رسول اله صلى الله عليه وسلم قام عيينة بن حصن في غطفان

[ 487 ]

فقال ما أعرف حدود غطفان منذ انقطع ما بيننا وبين بنى أسد وإنى لمجدد الحلف الذى كان بيننا في القديم ومتابع طليحة والله لان نتبع نبيا من الحليفين أحب الينا من أن نتبع نبيا من قريش وقد مات محمد وبقى طليحة فطابقوه على رأيه ففعل وفعلوا فلما اجتمعت غطفان على المطابقة لطليحة هرب ضرار وقضاعى وسنان ومن كان قام بشئ من أمر النبي صلى الله عليه وسلم في بنى أسد إلى أبى بكر وأرفض من كان معهم فأخبروا أبا بكر الخبر وأمروه بالحذر فقال ضرار ابن الازور فما رأيت أحدا ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم أملا بحرب شعواء من أبى بكر فجعلنا نخبره ولكأنما نخبره بماله ولا عليه وقدمت عليه وفود بنى أسد وغطفان وهوازن وطيئ وتلقت وفود قضاعة أسامة بن زيد فحوزها إلى أبى بكر فاجتمعوا بالمدينة فنزلوا على وجوه المسلمين لعاشر من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضوا الصلاة على أن يعفوا من الزكاة واجتمع ملا من أنزلهم على قبول ذلك حتى يبلغوا ما يريدون فلم يبق من وجوه خبرهم وما أجمع عليه ملاهم إلا ما كان من أبى بكر فانه أبى إلا ما كان رسول اللظ صلى الله عليه وسلم يأخذ وأبوا فردهم وأجلهم يوما وليلة فتطايروا إلى عشائرهم * حدثنى السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن الحجاج عن عمرو بن شعيب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث عمرو بن العاص إلى جيفر منصرفه من حجة الوداع فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو بعمان فأقبل حتى إذا انتهى إلى البحرين وجد المنذر بن ساوى في الموت فقال له المنذر أشر علي في مالى بأمر لى ولا على قال صدق بعقار صدقة تجرى من بعدك ففعل ثم خرج من عنده فسار في بنى تميم ثم خرج منها إلى بلاد بنى عامر فنزل على قرة بن هبيرة وقرة يقدم رجلا ويؤخر رجلا وعلى ذلك بنو عامر كلهم إلا خواص ثم سار حتى قدم المدينة فأطافت بها قريش وسألوهم فأخبرهم أن العساكر معسكرة من دبا إلى حيث انتهيت إليكم فتفرقوا وتحلقوا حلقا وأقبل عمر بن الخطاب يريد التسليم على عمرو فمر بحلقة وهم في شئ من الذى سمعوا من عمرو في تلك الحلقة

[ 488 ]

عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد فلما دنا عمر منهم سكتوا فقال فيم أنتم فلم يجيبوه فقال ما أعلمني بالذى خلوتم عليه فغضب طلحة وقال تالله يا ابن الخطاب لتخبرنا بالغيب قال لا يعلم الغيب ألا الله ولكن أظن قلتم ما أخوفنا على قريش من العرب وأحلفهم إلا يقروا بهذا الامر قالوا صدقت قال فلا تخافوا هذه المنزلة أنا والله منكم على العرب أخوف منى من العرب عليكم والله لو تدخلون معاشر قريش جحرا لدخلته العرب في آثاركم فاتقوا الله فيهم ومضى إلى عمرو فسلم عليه ثم انصرف إلى أبى بكر * حدثنا السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن هشام بن عروة عن أبيه قال نزل عمرو بن العاص منصرفه من عمان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرة بن هبيرة بن سلمة بن قشير وحوله عسكر من بنى عامر من أفنائهم فذبح له وأكرم مثواه فلما أراد الرحلة خلا به قرة فقال يا هذا إن العرب لا تطيب لكم نفسا بالاتاوة فإن أنتم أعفيتموها من أخذ أموالها فستسمع لكم وتطيع وإن أبيتم فلا أرى أن تجتمع عليكم فقال عمرو أكفرت يا قرة وحوله بنو عامر فكره أن يبوح بمتابعتهم فيكفروا بمتابعته فينفر في شر فقال لنردنكم إلى فيئتكم وكأن من أمره الاسلام اجعلوا بيننا وبينكم موعدا فقال عمرو أتواعدنا بالعرب وتخوفنا بها موعدك حفش أمك فو الله لاوطئنه عليك الخيل وقدم على أبى بكر والمسلمين فأخبرهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال لما فرغ خالد من أمر بنى عامر وبيعتهم على ما بايعهم عليه أوثق عيينة بن حصن وقرة بن هبيرة فبعث بهما إلى أبى بكر فلما قدما عليه قال له قرة يا خليفة رسول الله إنى قد كنت مسلما ولى من ذلك على إسلامى عند عمرو بن العاص شهادة قد مر بى فأكرمته وقربته ومنعته قال فدعا أبو بكر عمرو بن العاص فقال ما تعلم من أمر هذا فقص عليه الخبر حتى انتهى إلى ما قال له من أمر الصدقة قال له قرة حسبك رحمك الله قال لا والله حتى أبلغ له كل ما قلت فبلغ له فتجاوز عنه أبو بكر وحقن دمه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن محمد بن طلحة ابن يزيد بن ركانة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال أخبرني من نظر

[ 489 ]

إلى عيينة بن حصن مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ينخسه غلمان المدينة بالجريد يقولون أي عدو الله أكفرت بعد إيمانك فيقول والله ما كنت آمنت بالله قط فتجاوز عنه أبو بكر وحقن له دمه * حدثنى السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف قال أخذ المسلمون رجلا من بنى أسد فأتى به خالد بالغمر وكان عالما بأمر طليحة فقال له خالد حدثنا عنه وعن ما يقول لكم فزعم أن مما أتى به والحمام واليمام والصرد الصوام قد ضمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام * حدثنى السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن أبى يعقوب سعيد بن عبيد قال لما أزرى أهل الغمر إلى البزاخة قام فيهم طليحة ثم قال أمرت أن تصنعوا رحا ذات عرى يرمى الله بها من رمى يهوى عليها من هوى ثم عبى جنوده ثم قال ابعثوا فارسين على فرسين أدهمين من بنى نصر بن قعين يأتيانكم بعين فبعثوا فارسين من بنى قعين فخرج هو وسلمة طليعتين * حدثنا السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجذع عن عبد الرحمن ابن كعب عمن شهد بزاخة من الانصار قال لم يصب خالد على البزاخة عيلا واحدا كانت عيالات بنى أسد محرزة (وقال أبو يعقوب) بين مثقب وفلج وكانت عيالات قيس بن فلج وواسط فلم يعد أن انهزموا فأقروا جميعا بالاسلام خشية على الذرارى واتقوا خالدا بطلبته واستحقوا الامان ومضى طليحة حتى نزل في كلب على النقع فأسلم ولم يزل مقيما في كلب حتى مات أبو بكر وكان إسلامه هنالك حين بلغه أن أسدا وغطفان وعامر قد أسلموا ثم خرج نحو مكة معتمرا في إمارة أبى بكر ومر بجنبات المدينة فقيل لابي بكر هذا طليحة فقال ما أصنع به خلوا عنه فقد هداه الله للاسلام ومضى طليحة نحو مكة فقضى عمرته ثم أتى عمر إلى البيعة حين استخلف فقال له عمر أنت قاتل عكاشة وثابت والله لا أحبك أبدا فقال يا أمير المؤمنين ما تهم من رجلين أكرمهما الله بيدى ولم يهنى بأيديهما فبايعه عمر ثم قال له يا خدع ما بقى من كهانتك قال نفخة أو نفختان بالكير ثم رجع إلى دار قومه فأقام بها حتى خرج إلى العراق

[ 490 ]

ذكر ردة هوازن وسليم وعامر * حدثنا السرى عن شعيب عن سيف عن سهل وعبد الله قالا أما بنو عامر فانهم قدموا رجلا وأخروا أخرى ونظروا ما تصنع أسد وغطفان فلما أحيط بهم وبنو عامر على قادتهم وسادتهم كان قرة بن هبيرة في كعب ومن لاقها وعلقمة بن علاثة في كلاب ومن لافها وقد كان علقمة أسلم ثم ارتد في أزمان النبي صلى الله عليه تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم خرج بعد فتح الطائف حتى لحق بالشام فلما توفى النبي صلى الله عليه وسلم أقبل مسرعا حتى عسكر في بنى كعب مقدما رجلا ومؤخرا أخرى وبلغ ذلك أبا بكر فبعث إليه سرية وأمر عليها القعقاع بن عمرو وقال يا قعقاع سر حتى تغير على علقمة بن علاثة لعلك أن تأخذه أو تقتله واعلم أن شفاء النفس الخوض فاصنع ما عندك فخرج في تلك السرية حتى أغار على الماء الذى عليه علقمة وكان لا يبرح أن يكون على رجل فسابقهم على فرسه فسبقهم مراكضة وأسلم أهله وولده فانتسف امرأته وبناته ونساءه ومن أقام من الرجال فاتقوه بالاسلام فقدم بهم على أبى بكر فجحد ولده وزوجته أن يكونوا مالؤا علقمة وكانوا مقيمين في الدار فلم يبلغه إلا ذلك وقالوا ما ذنبنا فيما صنع علقمة من ذلك فأرسلهم ثم أسلم فقبل ذلك منه * حدثنا السرى عن شعيب عن سيف عن أبى عمرو وأبى ضمرة عن ابن سيرين مثل معانيه وأقبلت بنو عامر بعد هزيمة أهل بزاخة يقولون ندخل فيما خرجنا منه فبايعهم على ما بايع عليه أهل البزاخة من أسد وغطفان وطيئ قبلهم وأعطوه ما بأيديهم على الاسلام ولم يقبل من أحد من أسد ولا غطفان ولا هوازن ولا سليم ولا طيئ إلا أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على أهل الاسلام في حال ردتهم فأتوه بهم فقبل منهم إلا قرة بن هبيرة ونفرا معه أوثقهم ومثل بالذين عدوا على الاسلام فأحرقهم بالنيران ورضخهم بالحجارة ورمى بهم من الجبال ونكسهم في الآبار وخزق بالنبال وبعث بقرة وبالاسارى وكتب إلى أبى بكر إن بنى عامر أقبلت

[ 491 ]

بعد إعراض ودخلت في الاسلام بعد تربص وإنى لم أقبل من أحد قاتلني أو سالمنى شيئا حتى يجيئونى بمن عدا على المسلمين فقتلهم كل قتلة وبعثت إليك بقرة وأصحابه * حدثنا السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن أبى عمرو عن نافع قال كتب أبو بكر إلى خالد ليزدك ما أنعم الله به عليك خيرا واتق الله في أمرك فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون جد في أمر الله ولا تنين ولا تظفرن بأحد قتل المسلمين إلا قتلته ونكلت به غيره ومن أحببت ممن حاد الله أو ضاده ممن ترى أن في ذلك صلاحا فاقتله فأقام على البزاخة شهرا يصعد عنها ويصوب ويرجع إليها في طلب أولئك فمنهم من أحرق ومنهم من قمطه ورضخه بالحجارة ومنهم من رمى به من رؤس الجبال وقدم بقرة وأصحابه فلم ينزلوا ولم يقل لهم كما قيل لعيينة وأصحابه لانهم لم يكونوا في مثل حالهم ولم يفعلوا فعلهم * قال السرى حدثنا شعيب عن سيف عن سهل وأبى يعقوب قالا واجتمعت فلال غطفان إلى ظفر وبها أم زمل سلمى ابنة مالك بن حذيفة بن بدر وهى تشبه بأمها أم قرفة بنت ربيعة بن فلان بن بدر وكانت أم قرفة عند مالك بن حذيفة فولدت له قرفة وحكمة وجرشة وزملا وحصينا وشريكا وعبدا وزفر ومعاوية وحملة وقيسا ولايا فاما حكمة فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أغار عيينة بن حصن على سرح المدينة قتله أبو قتادة فاجتمعت تلك الفلال إلى سلمى وكانت في مثل عز أمها وعندها جمل أم قرفة فنزلوا إليها فذمرتهم وأمرتهم بالحرب وصعدت سائرة فيهم وصوبت تدعوهم إلى حرب خالد حتى اجتمعوا لها وتشجعوا على ذلك وتأشب إليها الشرداء من كل جانب وكانت قد سبيت أيام أم قرفة فوقعت لعائشة فأعتقتها فكانت تكون عندها ثم رجعت إلى قومها وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليهن يوما فقال إن أحداكن تستنبح كلاب الحوأب ففعلت سلمى ذلك حين ارتدت وطلبت بذلك الثأر فسيرت فيما ظفر والحوأب لتجمع إليها فتجمع إليها كل فل ومضيق عليه من تلك الاحياء من غطفان وهوازن وسليم وأسد وطيئ فلما بلغ ذلك خالدا وهو فيما هو فيه من تتبع الثأر وأخذ الصدقة

[ 492 ]

ودعاء الناس وتسكينهم سار إلى المرأة وقد استكثف أمرها وغلظ شأنها فنزل عليها وعلى جماعها فاقتتلوا قتالا شديدا وهى واقفة على جمل أمها وفى مثل عزها وكان يقال من نخس جمالها فله مائة من الابل لعزها وأبيرت يومئذ بيوتات من خاسئ (قال أبو جعفر) خاسئ حى من غنم وهاربة وغنم وأصيب في أناس من كاهل وكان قتالهم شديدا حتى اجتمع على الجمل فوارس فعقروه وقتلوها وقتل حول جملها مائة رجل وبعث بالفتح فقدم على أثر قرة بنحو من عشرين ليله * قال السرى قال شعيب عن سيف عن سهل وأبى يعقوب قالا كان من حديث الجواء وناعر أن الفجاءة اياس بن عبد ياليل قدم على أبى بكر فقال أعنى بسلاح ومرني بمن شئت من أهل الردة فأعطاه سلاحا وأمره أمره فخالف أمره إلى المسلمين فخرج حتى ينزل بالجواء وبعث نجبة بن أبى الميثاء من بنى الشريد وأمره بالمسلمين فشنها غارة على كل مسلم في سليم وعامر وهوازن وبلغ ذلك أبا بكر فأرسل إلى طريفة بن حاجز يأمره أن يجمع له وأن يسير إليه وبعث إليه عبد الله بن قيس الجاسى عونا ففعل ثم نهضا إليه وطلباه فجعل يلوذ منهما حتى لقياه على الجواء فاقتتلوا فقتل نجبة وهرب الفجاءة فلحقه طريفة فاسره ثم بعث به إلى فقدم به على أبى بكر فأمر فأوقد له نارا في مصلى المدينة على حطب كثير ثم رمى به فيها مقموطا (قال أبو جعفر) وأما ابن حميد فإنه حدثنا في شأن الفجاءة عن سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال قدم على أبى بكر رجل من بنى سليم يقال له الفجاءة وهو اياس بن عبد الله بن عبد ياليل ابن عميرة بن خفاف فقال لابي بكر انى مسلم وقد أردت جهاد من ارتد من الكفار فاحملني وأعنى فحمله أبو بكر على ظهر وأعطاه سلاحا فخرج يستعرض الناس المسلم والمرتد يأخذ أموالهم ويصيب من امتنع منهم ومعه رجل من بنى الشريد يقال له نجبة بن أبى الميثاء فلما بلغ أبا بكر خبره كتب إلى طريفة بن حاجز ان عدو الله الفجاءة أتانى يزعم أنه مسلم ويسألني ان أقويه على من ارتد عن الاسلام فحملته وسلحته ثم انتهى إلى من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس المسلم والمرتد

[ 493 ]

يأخذ أموالهم ويقتل من خالفه منهم فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله أو تأخذه فتأتيني به فسار إليه طريفة بن حاجز فلما التقى الناس كانت بينهم الرميا بالنبل فقتل نجبة بن أبى الميثاء بسهم رمى به فلما رأى الفجاءة من المسلمين الجد قال لطريفة والله ما أنت بأولى بالامر منى أنت أمير لابي بكر وأنا أميره فقال له طريفة إن كنت صادقا فضع السلاح وانطلق معى إلى أبى بكر فخرج معه فلما قدما عليه أمر أبو بكر طريفة بن حاجز فقال اخرج به إلى هذا البقيع فحرقه فيه بالنار فخرج به طريفة إلى المصلى فأوقد له نارا فقذفه فيها فقال خفاف بن ندبة وهو خفاف بن عمير يذكر الفجاءة فيما صنع لم يأخذون سلاحه لقتاله * ولذاكم عند الاله أثام لا دينهم دينى ولا أنا فاتن * حتى يسير إلى الطراة شمام * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال كانت سليم بن منصور قد انتقض بعضهم فرجعوا كفارا وثبت بعضهم على الاسلام مع أمير كان لابي بكر عليهم يقال له معن بن حاجز أحد بنى حارثة فلما سار خالد بن الوليد إلى طليحة وأصحابه كتب إلى معن بن حاجز أن يسير بمن ثبت معه على الاسلام من بنى سليم مع خالد فسار واستخلف عل عمله أخاه طريفة ابن حاجز وقد كان لحق فيمن لحق من بنى سليم بأهل الردة أبو شجرة بن عبد العزى وهو ابن الخنساء فقال فلو سألت عنا غداة مزامر * كما كنت عنها سائلا لو نأيتها لقاء بنى فهر وكان لقاؤهم * غداة الجواء حاجة فقضيتها صبرت لهم نفسي وعرجت مهرتى * على الطعن حتى صار وردا كميتها إذا هي صدت عن كمى أريده * عدلت إليه صدرها فهديتها فقال أبو شجرة حين ارتد عن الاسلام صحا القلب عن مى هواه وأقصرا * وطاوع فيها العاذلين فأبصرا وأصبح أدنى رائد الجهل والصبى * كما ودها عنا كذاك تغيرا

[ 494 ]

وأصبح أدنى رائد الوصل منهم * كما حبلها من حبلنا قد تبترا ألا أيها المدلى بكثرة قومه * وحظك منهم أن تضام وتقهرا سل الناس عنا كل يوم كريهة * إذا ما التقينا دار عين وحسرا ألسنا نعاطي ذا الطماح لجامه * ونطعن في الهيجا إذا الموت أقفرا وعارضه شهباء تخطر بالقنا * ترى البلق في حافاتها والسنورا فرويت رمحي من كتيبة خالد * وإنى لارجو بعدها أن أعمرا ثم أن أبا شجرة أسلم ودخل فيما دخل فيه الناس فلما كان زمن عمر بن الخطاب قدم المدينة * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الرحمن ابن أنس السلمى عن رجال من قومه وحدثنا السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن سهل وأبى يعقوب ومحمد بن مرزوق وعن هشام عن أبى مخنف عن عبد الرحمن بن قيس السلمى قالوا فأناخ بصعيد بنى قريظة قال ثم أتى عمر وهو يعطى المسكين من الصدقة ويقسمها بين فقراء العرب فقال يا أمير المؤمنين أعطني فإنى ذو حاجة قال ومن أنت قال أبو شجرة بن عبد العزى السلمى قال أبو شجرة أي عدو الله ألست الذى تقول فرويت رمحي من كتيبة خالد * وإنى لارجو بعدها أن أعمرا قال ثم جعل يعلوه بالدرة في رأسه حتى سبقه عدوا فرجع إلى ناقته فارتحلها ثم أسندها في حرة شوران راجعا إلى أرض بنى سليم فقال ضن علينا أبو حفص بنائله * وكل مختبط يوما له ورق ما زال يرهقنى حتى خذيت له * وحال من دون بعض الرغبة الشفق لما رهبت أبا حفص وشرطته * والشيخ يفزع أحيانا فينحمق ثم ارعويت إليها وهى جانحة * مثل الطريدة لم ينبت لها ورق أوردتها الخل من شوران صادرة * إنى لازرى عليها وهى تنطلق تطير مروأبان عن مناسمها * كما تنوقد عند الجهبذ الورق إذا يعارضها خرق تعارضه * ورهاء فيها إذا استعجلتها خرق

[ 495 ]

ينوء آخرها منها بأولها * سرح اليدين بها نهاضة العنق ذكر خبر بنى تميم وأمر سجاح بنت الحارث بن سويد وكان من أمر بنى تميم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى وقد فرق فيهم عماله فكان الزبرقان بن بدر على الرباب وعوف والابناء فيما ذكر السرى عن شعيب عن سيف عن الصعب بن عطية بن بلال عن أبيه وسهم بن منجاب وقيس ابن عاصم على مقاعس والبطون وصفوان بن صفوان وسبرة بن عمرو على بنى عمرو هذا على بهدى وهذا على خضم قبيلتين من بنى تميم ووكيع ابن مالك ومالك بن نويرة على بنى حنظلة هذا على بنى مالك وهذا على بنى يربوع فضرب صفوان إلى أبى بكر حين وقع إليه الخبر بموت النبي صلى الله عليه وسلم بصدقات بنى عمرو وما ولى منها وبما ولى سبرة وأقام سبرة في قومه لحدث أرباب وقد أطرق قيس ينظر ما الزبرقان صانع وكان الزبرقان متعتبا عليه وقل ما جامله إلا مزقه الزبرقان بحظوته وجده وقد قال قيس وهو ينتظر لينظر ما يصنع ليخالفه حين أبطأ عليه واويلنا من ابن العكلية والله لقد مزقني فما أدرى ما أصنع لئن أنا تابعت أبا بكر وأتيته بالصدقة لينحرنها في بنى سعد فليسودني فيهم ولئن نحرتها في بنى سعد ليأتين أبا بكر فليسودني عنده فعزم قيس على قسمها في المقاعس والبطون ففعل وعزم الزبرقان على الوفاء فاتبع صفوان بصدقات الرباب وعوف والابناء حتى قدم بها المدينة وهو يقول ويعرض بقيس وفيت بأذواد الرسول وقد أبت * سعاة فلم يردد بعيرا مجيرها وتحلل الاحياء ونشب الشر وتشاغلوا وشغل بعضهم بعضا ثم ندم قيس بعد ذلك فلما أظله العلاء بن الحضرمي أخرج صدقتها فتلقاه بها ثم خرج معه وقال في ذلك ألا أبلغا عنى قريشا رسالة * إذا ما أتتها بينات الودائع فتشاغلت في تلك الحال عوف والابناء بالبطون والرباب بمقاعس وتشاغلت خضم بمالك وبهدى بيربوع وعلى خضم سبرة بن عمرو وذلك الدى خلفه عن صفوان والحصين بن نيار على بهدى والرباب وعبد الله بن صفوان على ضبة

[ 496 ]

وعصمة بن أبير على عبد مناة وعلى عوف والابناء عوف بن البلاد بن خالد من بنى غنم الجشمى وعلى البطون سعر بن خفاف وقد كان ثمامة بن أثال تأتيه امداد من بنى تميم فلما حدث هذا الحدث فيما بينهم تراجعوا إلى عشائرهم فأضر ذلك بثمامة بن أثال حتى قدم عليه عكرمة وأنهضه فلم يصنع شيئا فبينا الناس في بلاد بنى تميم على ذلك قد شغل بعضهم بعضا فمسلمهم بإزاء من قدم رجلا وأخر أخرى وتربص وبإزاء من ارتاب فجئتهم سجاح بنت الحارث قد أقبلت من الجزيرة وكانت ورهطها في بنى تغلب تقود أفناء ربيعة معها الهذيل بن عمران في بنى تغلب وعقة بن هلال في النمر وزياد بن فلان في اياد والسليل بن قيس في شيبان فأتاهم أمر دهى هو أعظم مما فيه الناس لهجوم سجاح عليهم ولما هم فيه من اختلاف الكلمة والتشاغل بما بينهم وقال عفيف بن المنذر في ذلك ألم يأتيك والانباء تسرى * بما لاقت سراة بنى تميم تداعى من سراتهم رجال * وكانوا في الذوائب والصميم وألجوهم وكان لهم جناب * إلى أحياء خالية وخيم وكانت سجاج بنت الحارث بن سويد بن عقفان هي وبنو أبيها عقفان في بنى تغلب فتنبت بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجزيرة في بنى تغلب فاستجاب لها الهذيل وترك التنصر وهؤلاء الرؤساء الذين أقبلوا معها لتغزو بهم أبا بكر فلما انتهت إلى الحزن راسلت مالك بن نويرة ودعته إلى الموادعة فأجابها وفثاها عن غزوها وحملها على أحياء من بنى تميم قالت نعم فشأنك بمن رأيت فانى انما أنا امرأة من بنى يربوع وان كان ملك فالملك ملككم فارسلت إلى بنى مالك بن حنظلة تدعوهم إلى الموادعة فخرج عطارد بن حاجب وسروات بنى مالك حتى نزلوا في بنى العنبر على سبرة بن عمرو هرابا قد كرهوا ما صنع وكيع وخرج أشباههم من بنى يربوع حتى نزلوا على الحصين بن نيار في بنى مازن وقد كرهوا ما صنع مالك فلما جاءت رسلها إلى بنى مالك تطلب الموادعة أجابها إلى ذلك وكيع فاجتمع وكيع ومالك وسجاح وقد وادع بعضهم بعضا واجتمعوا على قتال

[ 497 ]

الناس وقالوا بمن نبدأ بخضم أم ببهدى أم بعوف والابناء أم بالرباب وكفوا عن قيس لما رأوا من ترده وطمعوا فيه فقالت أعدوا الركاب واستعدوا للنهاب ثم أغيروا على الرباب فليس دونهم حجاب قال وصمدت سجاح للاحفار حتى تنزل بها وقالت لهم أن الدهناء حجاز بنى تميم ولن تعدو الرباب إذا شدها المصاب أن تلوذ بالدجانى والدهانى فلينزلها بعضكم فتوجه الجفول يعنى مالك بن نويرة إلى الدجانى فنزلها وسمعت بهذا الرباب فاجتمعوا لها ضبتها وعبد مناتها فولى وكيع وبشر بنى بكر من بنى ضبة وولى ثعلبة بن سعد بن ضبة عقة وولى عبد مناة الهذيل فالتقى وكيع وبشر وبنو بكر من بنى ضبة فهزما وأسر سماعة ووكيع وقعقاع وقتلت قتلى كثيرة فقال في ذلك قيس بن عاصم وذلك أول ما استبان فيه الندم كأنك لم تشهد سماعة إذ غزا * وما سر قعقاع وخاب وكيع رأيتك قد صاحبت ضبة كارها * على ندب في الصفحتين وجيع ومطلق أسرى كان حمقا مسيرها * إلى صخرات أمرهن جميع فصرفت سجاح والهذيل وعقة بنى بكر للموادعة التى بينها وبين وكيع وكان عقة خال بشر وقالت اقتلوا الرباب ويصالحونكم ويطلقون أسراكم وتحملون لهم دماءهم وتحمد غب رأيهم أخراهم فأطلقت لهم ضبة الاسرى وودوا القتلى وخرجوا عنهم فقال في ذلك قيس يعيرهم صلح ضبة اسعادا لضبة وتأنيبا لهم ولم يدخل في امر سجحة عمرى ولا سعدى ولا ربى ولم يطمعوا من جميع هؤلاء الا في قيس حتى بدا منه إسعاد ضبة وظهر منه الندم ولم يمالئهم من حنظلة الا وكيع ومالك فكانت ممالاتهما موادعة على أن ينصر بعضهم بعضا ويحتاز بعضهم إلى بعضهم وقال أصم التيمى في ذلك أتتنا أخت تغلب فاستهدت * جلائب من سراة بنى أبينا وأرست دعوة فينا سفاها * وكانت من عمائر آخرينا فما كنا لنرزيهم زبالا * وما كانت لتسلم إذ أتينا ألا سفهت حلومكم وضلت * عشية تحشدون لها ثبينا

[ 498 ]

قال ثم ان سجاح خرجت في جنود الجزيرة حتى بلغت النباج فأغار عليهم أوس بن خزيمة الهجيمى فيمن تأشب إليه من بنى عمرو فأسر الهذيل أسره رجل من بنى مازن ثم أحد بنى وبر يدعى ناشرة وأسر عقة أسره عبدة الهجيمى وتحاجزوا على أن يترادوا الاسرى وينصرفوا عنهم ولا يجتازوا عليهم ففعلوا فردوها وتوثقوا عليها وعليهما أن يرجعوا عنهم ولا يتخذوهم طريقا إلا من ورائهم فوفوا لهم ولم يزل في نفس الهذيل على المازنى حتى إذا قتل عثمان بن عفان جمع جمعا فأغار على سفار وعليه بنو مازن فقتلته بنو مازن ورموا به في سفار ولما رجع الهذيل وعقة إليها واجتمع رؤساء أهل الجزيرة قالوا لها ما تأمريننا فقد صالح مالك ووكيع قومهما فلا ينصروننا ولا يريدوننا على أن نجوز في أرضهم وقد عاهدنا هؤلاء القوم فقالت اليمامة فقالوا إن شوكة أهل اليمامة شديدة وقد غلظ أمر مسيلمة فقال عليكم باليمامة ودفوا دفيف الحمامة فإنها غزوة صرامة لا يلحقكم بعدها ملامة فنهدت لبنى حنيفة وبلغ ذلك مسيلمة فهابها وخاف إن هو شغل بها أن يغلبه ثمامة على حجر أو شرحبيل بن حسنة أو القبائل التى حولهم فأهدى لها ثم أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيها فنزلت الجنود على الامواه وأذنت له وآمنته فجاءها وافدا في أربعين من بنى حنيفة وكانت راسخة في النصرانية قد علمت من علم نصارى تغلب فقال مسيلمة لنا نصف الارض وكان لقريش نصفها لو عدلت وقد رد الله عليك النصف الذى ردت قريش فحباك به وكان لها لو قبلت فقالت لا يرد النصف إلا من حنف فاحمل النصف إلى خيل تراها كالسهف فقال مسيلمة سمع الله لمن سمع وأطمعه بالخير إذ طمع ولا زال أمره في كل ما سر نفسه يجتمع رأكم ربكم فحياكم ومن وحشة خلاكم ويوم دينه أنجاكم فأحياكم علينا من صلوات معشر أبرار لا أشقياء ولا فجار يقومون الليل ويصومون النهار لربكم الكبار رب الغيوم والامطار وقال أيضا لما رأيت وجوههم حسنت وأبشارهم صفت وأيديهم طفلت قلت لهم لا النساء تأتون ولا الخمر تشربون ولكنكم معشر أبرار تصومون يوما وتكلفون يوما فسبحان الله إذا جاءت الحياة

[ 499 ]

كيف تحيون وإلى ملك السماء ترقون فلو أنها حبة خردلة لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور وأكثر الناس فيها الثبور وكان مما شرع لهم مسيلمة أن من أصاب ولدا واحدا عقبا لا يأتي امرأة إلى أن يموت ذلك الابن فيطلب الولد حتى يصيب ابنا ثم يمسك فكان قد حرم النساء على من له ولد ذكر (قال أبو جعفر) وأما غير سيف ومن ذكرنا عنه هذا الخبر فإنه ذكر أن مسيلمة لما نزلت به سجاح أغلق الحصن دونها فقالت له سجاح أنزل قال فنحى عنك أصحابك ففعلت فقال مسيلمة اضربوا لها قبة وجمروها لعلها تذكر الباه ففعلوا فلما دخلت القبة نزل مسيلمة فقال ليقف ههنا عشرة وههنا عشرة ثم دارسها فقال ما أوحى اليك وقالت هل تكون النساء يبتدئن ولكن أنت ما أوحى إليك قال ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشى قالت وماذا أيضا قال أوحى إلى أن الله خلق النساء أفراجا وجعل الرجال لهن أزواجا فنولج فيهن قعسا إيلاجا ثم نخرجها إذا نشاء اخراجا فينتجن لنا سخالا إنتاجا قالت أشهد أنك نبى قال هل لك أن أتزوجك فآكل بقومي وقومك العرب قالت نعم قال ألا قومي إلى النيك * فقد هيى لك المضجع وإن شئت ففى البيت * وإن شئت ففى المخدع وإن شئت سلقناك * وإن شئت على أربع وإن شئت بثلثيه * وإن شئت به أجمع قالت بل به أجمع قال بذلك أوحى إلى فأقامت عنده ثلاثا ثم انصرفت إلى قومها فقالوا ما عندك قالت كان على الحق فاتبعته فتزوجته قالوا فهل أصدقك شيئا قالت لا قالوا ارجعي إليه فقبيح بمثلك أن ترجع بغير صداق فرجعت فلما رآها مسيلمة أغلق الحصن وقال مالك قالت أصدقني صداقا قال من مؤذنك قالت شبث بن ربعى الرياحي قال على به فجاء فقال ناد في أصحابك أن مسيلمة ابن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد صلاة العشاء الآخرة وصلاة الفجر قال وكان من أصحابها الزبرقان بن بدر وعطارد بن حاجب ونظراؤهم

[ 500 ]

وذكر الكلبى أن مشيخة بنى تميم حدثوه أن عامة بنى تميم بالرمل لا يصلونهما فانصرفت ومعها أصحابها فيهم الزبرقان وعطارد بن حاجب وعمرو بن الاهتم وغيلان بن خرشة وشيث بن ربعى فقال عطارد بن حاجب أمست نبيتنا أنثى نطيف بها * وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا وقال حكيم بن عياش الاعور الكلبى وهو يعير مضر بسجاح ويذكر ربيعة أتوكم بدين قائم وأتيتم * بمنتسخ الآيات في مصحف طب (رجع الحديث إلى حديث سيف) فصالحها على أن يحمل إليها النصف من غلات اليمامة وأبت إلا السنة المقبلة يسلفها فباح لها بذلك وقال خلفي على السلف من يجمعه لك وانصرفي أنت بنصف العام فرجع فحمل إليها النصف فاحتمله وانصرفت به إلى الجزيرة وخلفت الهذيل وعقة وزيادا لينجز النصف الباقي فلم يفجأهم إلا دنو خالد بن الوليد منهم فارفضوا فلم تزل سجاح في بنى تغلب حتى نقلهم معاوية عام الجماعة في زمانه وكان معاوية حين أجمع عليه أهل العراق بعد على عليه السلام يخرج من الكوفة المستغرب في أمر على وينزل داره المستغرب في أمر نفسه من أهل الشأم وأهل البصرة وأهل الجزيرة وهم الذين يقال لهم النواقل في الامصار فأخرج من الكوفة قعقاع بن عمرو بن مالك إلى إيلياء بفلسطين فطلب إليه أن ينزل منازل بنى أبيه بنى عقفان وينقلهم إلى بنى تميم فنقلهم من الجزيرة إلى الكوفة وأنزلهم منازل القعقاع وبنى أبيه وجاءت معهم وحسن إسلامها وخرج الزبرقان والاقرع إلى أبى بكر وقالا اجعل لنا خراج البحرين ونضمن لك ألا يرجع من قومها أحد ففعل وكتب الكتاب وكان الذى يختلف بينهم طلحة بن عبيد الله وأشهدوا شهودا منهم عمر فلما أتى عمر بالكتاب فنظر فيه لم يشهد ثم قال لا والله ولا كرامة ثم مزق الكتاب ومحاه فغضب طلحة فأتى أبى بكر فقال أأنت الامير أم عمر فقال عمر غير أن الطاعة لى فسكت وشهدا مع خالد المشاهد كلها حتى اليمامة ثم مضى الاقرع ومعه شرحبيل إلى دومة

[ 501 ]

ذكر البطاح وخبره كتب إلى السرى بن يحيى عن شعيب عن سيف عن الصعب بن عطية بن بلال قال لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة ارعوى مالك بن نويرة وندم وتحير في أمره وعرف وكيع وسماعة قبح ما أتيا فرجعا رجوعا حسنا ولم يتجبرا أخرجا الصدقات فاستقبلا بها خالدا فقال خالد ما حملكما على موادعة هؤلاء القوم فقالا ثأر كنا نطلبه في بنى ضبة وكانت أيام تشاغل وفرص وقال وكيع في ذلك فلا تحسبنا أنى رجعت وأنني * منعت وقد تحنى إلى الاصابع ولكننى حاميت عن جل مالك * ولاحظت حتى أكحلتني الاخادع فلما أتانا خالد بلوائه * تخطت إليه بالبطاح الودائع ولم يبق في بلاد بنى حنظلة شئ يكره إلا ما كان من مالك بن نويرة ومن تأشب إليه بالبطاح فهو على حاله متحير شج * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن سهل عن القاسم وعمرو بن شعيب قالا لما أراد خالد السير خرج من ظفر وقد استبرأ أسدا وغطفان وطيئا وهوازن فسار يريد البطاح دون الحزن وعليها مالك بن نويرة وقد تردد عليه أمره وقد ترددت الانصار على خالد وتخلفت عنه وقالوا ما هذا بعهد الخليفة إلينا إن الخليفة عهد إلينا إن نحن فرغنا من البزاخة واستبرأنا بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا فقال خالد إن يك عهد إليكم هذا فقد عهد إلى أن أمضى وأنا الامير وإلى تنتهى الاخبار ولو أنه لم يأتنى له كتاب ولا أمر ثم رأيت فرصة فكنت إن أعلمته فأتتنى لم أعلمه حتى أنتهزها وكذلك لو ابتلينا بأمر ليس منه عهد إلينا فيه لم ندع ان نرى أفضل ما بحضرتنا ثم نعمل به وهذا مالك بن نويرة بحيالنا وأنا قاصد إليه ومن معى من المهاجرين والتابعين بإحسان ولست أكرهكم ومضى خالد وندمت الانصار وتذامروا وقالوا إن أصاب القوم خيرا إنه لخير حرمتموه وإن أصابتهم مصيبة ليجتنبكم

[ 502 ]

الناس فأجمعوا اللحاق بخالد وجردوا إليه رسولا فأقام عليهم حتى لحقوا به ثم سار حتى قدم البطاح فلم يجد به أحدا (قال أبو جعفر) فيما كتب به إلى السرى ابن يحيى يذكر عن شعيب بن ابراهيم أنه حدثه عن سيف بن عمر عن خزيمة بن شجرة العقفانى عن عثمان بن سويد عن سويد بن المثعية الرياحي قال قدم خالد ابن الوليد البطاح فلم يجد عليه أحدا ووجد مالكا قد فرقهم في أموالهم ونهاهم عن الاجتماع حين تردد عليه أمره وقال يا بنى يربوع إنا قد كنا عصينا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدين وبطأنا الناس عنه فلم تفلح ولم تنجح وإنى قد نظرت في هذا الامر فوجدت الامر يتأتى لهم بغير سياسة وإذا الامر لا يسوسه الناس فإياكم ومناوأة قوم صنع لهم فتفرقوا إلى دياركم وادخلوا في هذا الامر فتفرقوا على ذلك إلى أموالهم وخرج مالك حتى رجع إلى منزله ولما قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الاسلام وأن يأتوه بكل من لم يجب وإن امتنع أن يقتلوه وكان مما أوصى به أبو بكر إذا نزلتم منزلا فأذنوا وأقيموا فإن أذن القوم وأقاموا فكفوا عنهم وإن لم يفعلوا فلا شئ إلا الغارة ثم تقتلوا كل قتلة الحرق فما سواه وإن أجابوكم إلى داعية الاسلام فسائلوهم فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم وإن أبوها فلا شئ إلا الغارة ولا كلمة فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بنى ثعلبة بن يربوع من عاصم وعبيد وعرين وجعفر فاختلفت السرية فيهم وفيهم أبو قتادة فكان فيمن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا فلما اختلفوا فيهم أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شئ وجعلت تزداد بردا فأمر خالد مناديا فنادى أدفئوا أسراكم وكانت في لغة كنانة إذا قالوا دثروا الرجل فأدفئوه دفأه قتله وفى لغة غيرهم أدفه فاقتله فظن القوم وهى في لغتهم القتل أنه أراد القتل فقتلوهم فقتل ضرار بن الازور مالكا وسمع خالد الواعية فخرج وقد فرغوا منهم فقال إذا أراد الله أمرا أصابه وقد اختلف القوم فيهم فقال أبو قتادة هذا عملك فزبره خالد فغضب ومضى حتى أتى أبا بكر فغضب عليه أبو بكر حتى كلمه عمر فيه فلم يرض الا أن يرجع إليه فرجع إليه حتى قدم معه المدينة وتزوج خالد أم تميم ابنة المنهال وتركها

[ 503 ]

لينقضى طهرها وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايره وقال عمر لابي بكر إن في سيف خالد رهقا فان لم يكن هذا حقا حق عليه أن تقيده وأكثر عليه في ذلك وكان أبو بكر لا يقيد من عماله ولا وزعته فقال هيه يا عمر تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد وودى مالكا وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ففعل فأخبره خبره فعذره وقبل منه وعنفه في التزويج الذى كانت تعيب عليه العرب من ذلك * وكتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن هشام بن عروة عن أبيه قال شهد قوم من السرية أنهم أذنوا وأقاموا وصلوا ففعل مثل ذلك وشهد آخرون أنه لم يكن من ذلك شئ فقتلوا وقدم أخوه متمم بن نويرة ينشد أبا بكر دمه ويطلب إليه في سبيهم فكتب له برد السبى وألح عليه عمر في خالد أن يعزله وقال إن في سيفه رهقا فقال لا يا عمر لم أكن لاشيم سيفا سله الله على الكافرين * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن خزيمة عن عثمان عن سويد قال كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شعرا وان أهل العسكر أثفوا برؤوسهم القدور فما منهم رأس إلا وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكا فان القدر نضجت وما نضج رأسه من كثرة شعره وفى الشعر البشر حرها أن يبلغ منه ذلك وأنشده متمم وذكر خمصه وقد كان عمر رآه مقدمه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أكذاك يا متمم كان قال أما مما أعنى فنعم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق أن أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه أن إذا غشيتم دارا من دور الناس فسمعتم فيها أذانا للصلاة فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم ما الذى نقموا وإن لم تسمعوا أذانا فشنوا الغارة فاقتلوا وحرقوا وكان ممن شهد لمالك بالاسلام أبو قتادة الحارث بن ربعى أخو بنى سلمة وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حربا أبدا بعدها وكان يحدث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح قال فقلنا إنا المسلمون فقالوا ونحن المسلمون قلنا فما بال السلاح معكم قالوا لنا فما بال السلاح معكم قلنا فان كنتم كما تقولون فضعوا السلاح قال فوضعوها ثم صلينا وصلوا وكان خالد يعتذر في

[ 504 ]

قتله أنه قال وهو يراجعه ما إخال صاحبكم الا وقد كان يقول كذا وكذا قال أو ما تعده لك صاحبا ثم قدمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطاب تكلم فيه عند أبى بكر فأكثر وقال عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته وأقبل خالد بن الوليد قافلا حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد معتجرا بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الاسهم من رأسه فحطمها ثم قال أرئاء قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته والله لارجمنك بأحجارك ولا يكلمه خالد بن الوليد ولا يظن الا أن رأى أبى بكر على مثل رأى عمر فيه حتى دخل على أبى بكر فلما أن دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك قال فخرج خالد حين رضى عنه أبو بكر وعمر جالس في المسجد فقال هلم إلى يا ابن أم شملة قال فعرف عمر أن أبا بكر قد رضى عنه فلم يكلمه ودخل بيته وكان الذى قتل مالك بن نويرة عبد بن الازور الاسدي وقال ابن الكلبى الذى قتل مالك بن نويرة ضرار بن الازور ذكر بقية خبر مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد قال كان أبو بكر حين بعث عكرمة بن أبى جهل إلى مسيلمة واتبعه شرحبيل عجل عكرمة فبادر شرحبيل ليذهب بصوتها فواقعهم فنكبوه وأقام شرحبيل بالطريق حيث أدركه الخبر وكتب عكرمة إلى أبى بكر بالذى كان من أمره فكتب إليه أبو بكر يا ابن أم عكرمة لا أرينك ولا تراني على حالها لا ترجع فتوهن الناس امض على وجهك حتى تساند حذيفة وعرفجة فقاتل معهما أهل عمان ومهرة وإن شغلا فامض أنت ثم تسير وتسير جندك تستبرؤن من مررتم به حتى تلتقوا أنتم والمهاجر ابن أبى أمية باليمن وحضرموت وكتب إلى شرحبيل يأمره بالمقام حتى يأتيه أمره ثم كتب إليه قبل أن يوجه خالدا بأيام إلى اليمامة إذا قدم عليك خالد ثم فرغتم إن شاء الله فالحق بقضاعة حتى تكون أنت وعمرو بن العاص على من أبى منهم

[ 505 ]

وخالف فلما قدم خالد على أبى بكر من البطاح رضى أبو بكر عن خالد وسمع عذره وقبل منه وصدقه ورضى عنه ووجهه إلى مسيلمة وأوعب معه الناس وعلى الانصار ثابت بن قيس والبراء بن فلان وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد وعلى القبائل على كل قبيلة رجل وتعجل خالد حتى قدم على أهل العسكر بالبطاح وانتظر البعث الذى ضرب بالمدينة فلما قدم عليه نهض حتى أتى اليمامة وبنو حنيفة يومئذ كثير * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن أبى عمرو بن العلاء عن رجال قالوا كان عدد بنى حنيفة يومئذ أربعين ألف مقاتل في قراها وحجرها فسار خالد حتى إذا أظل عليهم أسند خيولا لعقة والهذيل وزياد وقد كانوا أقاموا على خرج أخرجه لهم مسيلمة ليلحقوا به سجاح وكتب إلى القبائل من تميم فيهم فنفروهم حتى أخرجوهم من جزيرة العرب وعجل شرحبيل بن حسنة وفعل فعل عكرمة وبادر خالدا بقتال مسيلمة قبل قدوم خالد عليه فنكب فحاجز فلما قدم عليه خالد لامه وإنما أسند خالد لتلك الخيول مخافة أن يأتوه من خلفه وكانوا بأفنية اليمامة * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعيد بن ثابت عمن حدثه عن جابر بن فلان قال وأمد أبو بكر خالدا بسليط ليكون ردءا له من أن يأتيه أحد من خلفه فخرج فلما دنا من خالد وجد تلك الخيول التى انتابت تلك البلاد قد فرقوا فهربوا وكان منهم قريبا ردءا لهم وكان أبو بكر يقول لا أستعمل أهل بدر أدعهم حتى يلقوا الله بأحسن أعمالهم فان الله يدفع بهم وبالصلحاء من الامم أكثر وأفضل مما ينتصر بهم وكان عمر بن الخطاب يقول والله لاشركنهم وليؤاسننى * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن طلحة بن الاعلم عن عبيد بن عمير عن أثال الحنفي وكان مع ثمامة بن أثال قال وكان مسيلمة يصانع كل أحد ويتألفه ولا يبالى أن يطلع الناس منه على قبيح وكانت معه نهار الرجال بن عنفوة وكان قد هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ القرآن وفقه في الدين فبعثه معلما لاهل اليمامة وليشغب على مسيلمة وليشدد من أمر المسلمين فكان أعظم فتنة على بنى حنيفة من مسيلمة شهد له أنه سمع محمدا صلى الله عليه وسلم يقول إنه أشرك معه فصدقوه واستجابوا

[ 506 ]

له وأمره بمكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه فكان نهار الرجال بن عنفوة لا يقول شيئا الا تابعه عليه وكان ينتهى إلى أمره وكان يؤذن للنبى صلى الله عليه وسلم ويشهد في الاذان أن محمدا رسول الله وكان الذى يؤذن له عبد الله بن النواحة وكان الذى يقيم له حجير بن عمير ويشهد له وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة قال صرح حجير فيزيد في صوته ويبالغ لتصديق نفسه وتصديق نهار وتضليل من كان قد أسلم فعظم وقاره في أنفسهم قال وضرب حرما باليمامة فنهى عنه وأخد الناس به فكان محرما فوقع في ذلك الحرم قرى الا حالف أفخاذ من بنى أسيد كانت دارهم باليمامة فصار مكان دارهم في الحرم والاحاليف سيحان ونمارة ونمر والحارث بنو جروة فإن أخصبوا أغاروا على ثمار أهل اليمامة واتخذوا الحرم دغلا فإن نذروا بهم فدخلوه أحجموا عنهم وإن لم ينذروا بهم فذلك ما يريدون فكثر ذلك منهم حتى استعدوا عليهم فقال انتظر الذى يأتي من السماء فيكم وفيهم ثم قال لهم والليل الاطحم والذئب الادلم والجذع الازلم ما انتهكت أسيد من محرم فقالوا أما محرم استحلال الحرم وفساد الاموال ثم عادوا للغارة وعادوا للعدوى فقال انتظر الذى يأتيني فقال والليل الدامس والذئب الهامس ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس فقالوا أما النخيل مرطبة فقد جدوها وأما الجدران يابسة فقد هدموها فقال اذهبوا وارجعوا فلا حق لكم وكان فيما يقرأ لهم فيهم إن بنى تميم قوم طهر لقاح لا مكروه عليهم ولا إتاوة نجاورهم ما حيينا بإحسان نمنعهم من كل إنسان فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن وكان يقول والشآء وألوانها وأعجبها السود وألبانها والشاة السوداء واللبن الابيض إنه لعجب محض وقد حرم المذق فمالكم لا تمجعون وكان يقول يا ضفدع ابنة ضفدع نقى ما تنقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين وكان يقول والمبذرات زرعا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا والطاحنات طحنا والخابزات خبزا والثاردات ثردا واللاقمات لقما إهالة وسمنا لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر ريفكم فامنعوه والمعتر فآووه والباغى فناوؤه قال وأتته امرأة من بنى حنيفة تكنى بأم الهيثم فقالت إن نخلنا

[ 507 ]

لسحق وإن آبارنا لجرز فادع الله لمائنا ولنخلنا كما دعا محمد لاهل هزمان فقال يا نهار ما تقول هذه فقال إن أهل هزمان أتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فشكوا بعد مائهم وكانت آبارهم جرزا ونخلهم إنها سحق فدعا لهم فجاشت آبارهم وانحنت كل نخلة قدانتهت حتى وضعت جرانها لانتهائها فحكت به الارض حتى أنشبت عروقا ثم قطعت من دون ذلك فعادت فسيلا مكمما ينمى صاعدا قال كيف صنع بالآبار قال دعا بسجل فدعا لهم فيه ثم تمضمض بفم منه ثم مجه فيه فانطلقوا به حتى فرغوه في تلك الآبار ثم سقوه نخلهم ففعل المنتهى ما حدثتك وبقى الآخر إلى انتهائه فدعا مسيلمة بدلو من ماء فدعاهم فيه ثم تمضمض منه ثم مج فيه فنقلوه فأفرغوه في آبارهم فغارت مياه تلك الآبار وخوى نخلهم وإنما استبان ذلك بعد مهلكه وقال له نهار برك على مولودي بنى حنيفة فقال له وما التبريك قال كان أهل الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوا به محمدا صلى الله عليه وسلم فحنكه ومسح رأسه فلم يؤت مسيلمة بصبى فحكنه ومسح رأسه إلا قرع ولثغ واستبان ذلك بعد مهلكه وقالوا تتبع حيطانهم كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يصنع فصل فيها فدخل حائطا من حوائط اليمامة فتوضأ فقال نهار لصاحب الحائط ما يمنعك من ضوء الرحمن فتسقى به حائطك حتى يروى وينيل كما صنع بنو المهرية أهل بين من بنى حنيفة وكان رجل من المهرية قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ وضوءة فنقله معه إلى اليمامة فأفرغه في بئره ثم نزع وسقاه وكانت أرضه تهوم فرويت وجزأت فلم تلف إلا خضراء مهتزة ففعل فعادت يبابا لا ينبت مرعاها وأتاه رجل فقال ادع الله لارضى فإنها مسبخة كما دعا محمد صلى الله عليه وسلم لسلمى على أرضه فقال ما يقول يا نهار فقال قدم عليه سلمى وكانت أرضه سبخة فدعا له وأعطاه سجلا من ماء ومج له فيه فأفرغه في بئره ثم نزع فطابت وعذبت ففعل مثل ذلك فانطلق الرجل ففعل بالسجل كما فعل سلمى فغرقت أرضه فما جف ثراها ولا أدرك ثمرها وأتته امرأة فاستجلبته إلى نخل لها يدعو لها فيها فجزت كبائسها يوم عقرباء كلها وكانوا قد علموا واستبان لهم ولكن الشقاء غلب

[ 508 ]

عليهم (كتب إلى السرى) قال حدثنا شعيب عن سيف عن خليد بن زفر النمري عن عمير بن طلحة النمري عن أبيه أنه جاء اليمامة فقال أين مسيلمة فقالوا مه رسول الله فقال لا حتى أراه فلما جاءه قال أنت مسيلمة قال نعم قال من يأتيك قال رحمن قال أفى نور أو في ظلمة فقال في ظلمة فقال أشهد أنك كذاب وأن محمدا صادق ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر فقتل معه يوم عقرباء (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن الكلبى مثله إلا انه قال كذاب ربيعة أحب إلى من كذاب مضر * وكتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن طلحة ابن الاعلم عن عبيد بن عمير عن رجل منهم قال لما بلغ مسيلمة دنو خالد ضرب عسكره بعقرباء واستنفر الناس فجعل الناس يخرجون إليه وخرج مجاعة بن مرارة في سرية يطلب بثأر له في بنى عامر وبنى تميم قد خاف فواته وبادر به الشغل فاما ثأرهم في بنى عامر فكانت خولة ابنة جعفر فيهم فمنعوهم منها فاختلجها وأما ثأره في بنى تميم فنعم أخذوا له واستقبل خالد شرحبيل بن حسنة فقدمه وأمر على المقدمة خالد بن فلان المخزومى وجعل على المجنبتين زيدا وأبا حذيفة وجعل مسيلمة على مجنبتيه المحكم والرجال فسار خالد ومعه شرحبيل حتى إذا كان من عسكر مسيلمة على ليلة هجم على جبيلة هجوع المقلل يقول أربعين والمكثر يقول ستين فإذا هو مجاعة وأصحابه وقد غلبهم الكرى وكانوا راجعين من بلاد بنى عامر قد طووا إليهم واستخرجوا خولة ابنة جعفر فهى معهم فعرسوا دون أصل الثنية ثنية اليمامة فوجدوهم نياما وأرسان خيولهم بأيديهم تحت خدودهم وهم لا يشعرون بقرب الجيش منهم فأنهبوهم وقالوا من أنتم قالوا هذا مجاعة وهذه حنيفة قالوا وأنتم فلا حياكم الله فأوثقوهم وأقاموا إلى ان جاءهم خالد ابن الوليد فأتوه بهم فظن خالد أنهم جاؤه ليستقبلوه وليتقوه بحاجته فقال متى سمعتم بنا قالوا ما شعرنا بك إنما خرجنا لثأر لنا فيمن حولنا من بنى عامر وتميم ولو فطنوا لقالوا تلقيناك حين سمعنا بك فأمر بهم ان يقتلوا فجادوا كلهم بأنفسهم دون مجاعة بن مرارة وقالوا ان كنت تريد أهل اليمامة غدا خيرا أو

[ 509 ]

شرا فاستبق هذا ولا تقتله فقتلهم خالد وحبس مجاعة عنده كالرهينة * كتب إلى السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن طلحة عن عكرمة عن أبى هريرة وعبد الله ابن سعيد عن أبى سعيد عن أبى هريرة قال قد كان أبو بكر بعث إلى الرجال فأتاه فأوصاه بوصيته ثم أرسله إلى أهل اليمامة وهو يرى انه على الصدق حين أجابه قالا قال أبو هريرة جلست مع النبي صلى الله عليه وسلم في رهط معنا الرجال بن عنفوة فقال إن فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من أحد فهلك القوم وبقيت أنا والرجال فكنت متخوفا لها حتى خرج الرجال مع مسيلمة فشهد له بالنبوة فكانت فتنة الرجال أعظم من فتنة مسيلمة فبعث إليهم أبو بكر خالدا فسار حتى إذا بلغ ثنية اليمامة استقبل مجاعة بن مرارة وكان سيد بنى حنيفة في جبل من قومه يريد الغارة على بنى عامر ويطلب دماؤهم ثلاثة وعشرون فارسا ركبانا قد عرسوا فبيتهم خالد في معرسهم فقال متى سمعتم بنا فقالوا ما سمعنا بكم إنما خرجنا لنثئر بدم لنا في بنى عامر فأمر بهم خالد فضربت أعناقهم واستحيا مجاعة ثم سار إلى اليمامة فخرج مسيلمة وبنو حنيفة حين سمعوا بخالد فنزلوا بعقرباء فحل بها عليهم وهى طرف اليمامة دون الاموال وريف اليمامة وراء ظهورهم وقال شرحبيل بن مسيلمة يا بنى حنيفة اليوم يوم الغيرة اليوم إن هزمتم تستردف النساء سبيات وينكحن غير حظيات فقاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نساءكم فاقتتلوا بعقرباء وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبى حذيفة فقالوا نخشى علينا من نفسك شيئا فقال بئس حامل القرآن أنا إذا وكانت راية الانصار مع ثابت بن شماس وكانت العرب على راياتها ومجاعة أسير مع أم تميم في فسطاطها فجال المسلمون جولة ودخل أناس من بنى حنيفة على أم تميم فأرادوا قتلها فمنعها مجاعة وقال أنا لها جار فنعمت الحرة هي فدفعهم عنها وتراد المسلمون فكروا عليهم فانهزمت بنو حنيفة فقال المحكم بن الطفيل يا بنى حنيفة ادخلوا الحديقة فانى سأمنع أدباركم فقاتل دونهم ساعة ثم قتله الله قتله عبد الرحمن بن أبى بكر ودخل الكفار الحديقة وقتل وحشى مسيلمة وضربه رجل من الانصار فشاركه فيه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة

[ 510 ]

عن محمد بن إسحاق بنحو حديث سيف هذا غير أنه قال دعا خالد بمجاعة ومن أخذ معه حين أصبح فقال يا بنى حنيفة ما تقولون قالوا نقول منا نبى ومنكم نبى فعرضهم على السيف حتى إذا بقى منهم رجل يقال له سارية بن عامر ومجاعة بن مرارة قال له سارية أيها الرجل إن كنت تريد بهذه القرية غدا خيرا أو شرا فاستبق هذا الرجل يعنى مجاعة فأمر به خالد فأوثقه في الحديد ثم دفعه إلى أم تميم امرأته فقال استوصى به خيرا ثم مضى حتى نزل اليمامة على كثيب مشرف على اليمامة فضرب به عسكره وخرج أهل اليمامة مع مسيلمة وقد قدم في مقدمته الرحال (قال أبو جعفر) هكذا قال ابن حميد بالحاء بن عنفوة بن نهشل وكان الرحال رجلا من بنى حنيفة قد كان أسلم وقرأ سورة البقرة فلما قدم اليمامة شهد لمسيلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان أشركه في الامر فكان أعظم على أهل اليمامة فتنة من مسيلمة وكان المسلمون يسألون عن الرحال يرجون أنه يثلم على أهل اليمامة أمرهم باسلامه فلقيهم في أوائل الناس متكتبا وقد قال خالد بن الوليد وهو جالس على سريره وعنده اشراف الناس والناس على مصافهم وقد رأى بارقة في بنى حنيفة أبشروا يا معشر المسلمين فقد كفاكم الله أمر عدوكم واختلف القوم إن شاء الله فنظر مجاعة وهو خلفه موثقا في الحديد فقال كلا والله ولكنها الهندوانية خشوا عليها من تحطمها فأبرزوها للشمس لتلين لهم فكان كما قال فلما التقى المسلمون كان أول من لقيهم الرحال بن عنوة فقتله الله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن شيخ من بنى حنيفة عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما وأبو هرير ورحال بن عنفوة في مجلس عنده لضرس أحدكم أيها المجلس في النار يوم القيامة أعظم من أحد (قال أبو هريرة) فمضى القوم لسبيلهم وبقيت أنا ورحال بن عنفوة فما زلت لها متخوفا حتى سمعت بمخرج رحال فأمنت وعرفت أن ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حق ثم التقى الناس ولم يلقهم حرب قط مثلها من حرب العرب فاقتتل الناس قتالا شديدا حتى انهزم المسلمون وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة والى خالد فزال خالد عن فسطاطه ودخل أناس الفسطاط

[ 511 ]

وفيه مجاعة عند أم تميم فحمل عليها رجل بالسيف فقال مجاعة أنا لها جار فنعمت الحرة عليكم بالرجال فرعبلوا الفسطاط بالسيوف ثم إن المسلمين تداعوا فقال ثابت بن قيس بئسما عودتم إنفسكم يا معشر المسلمين اللهم إنى أبرأ اليك مما يعبد هؤلاء يعنى أهل اليمامة وأبرأ اليك مما يصنع هؤلاء يعنى المسلمين ثم جالد بسيفه حتى قتل وقال زيد بن الحطاب حين انكشف الناس عن رحالهم لا تحوز بعد الرحال ثم قاتل حتى قتل ثم قام البراء بن مالك أخو أنس بن مالك وكان إذا حضر الحرب أخذته العرواء حتى يقعد عليه الرجال ثم ينتقض تحتهم حتى يبول في سراويله فإذا بال يثور كما يثور الاسد فلما رأى ما صنع الناس أخذه الذى كان يأخذه حتى قعد عليه الرجال فلما بال وثب فقال أين يا معشر المسلمين أنا البراء ابن مالك هلم إلى وفاءت فئة من الناس فقاتلوا القوم حتى قتلهم الله وخلصوا إلى محكم اليمامة وهو محكم بن الطفيل فقال حين بلغه القتال يا معشر بنى حنيفة الآن والله تستحقب الكرائم غير رضيات وينكحن غير حظيات فما عندكم من حسب فأخرجوه فقاتل قتالا شديدا ورماه عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق بسهم فوضعه في نحره فقتله ثم زحف المسلمون حتى ألجؤهم إلى الحديقة حديقة الموت وفيها عدو الله مسيلمة الكذاب فقال البراء يا معشر المسلمين القونى عليهم في الحديقة فقال الناس لا نفعل يا براء فقال والله لتطرحني عليهم فيها فاحتمل حتى إذا أشرف على الحديقة من الجدار اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة حتى فتحها للمسلمين ودخل المسلمون عليهم فيها فاقتتلوا حتى قتل الله مسيلمة عدو الله واشترك في قتله وحشى مولى جبير بن مطعم ورجل من الانصار كلاهما قد أصابه أما وحشى فدفع عليه حربته وأما الانصاري فضربه بسيفه فكان وحشى يقول ربك أعلم أينا قتله * حدثنا حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عمر قال سمعت رجلا يومئذ يصرخ يقول قتله العبد الاسود * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن طلحة عن عبيد ابن عمير قال كان الرجال بحيال زيد بن الخطاب قلما دنا صفاهما قال زيد يا رجال الله الله فو الله لقد تركت الدين وان الذى أدعوك إليه لاشرف لك وأكثر

[ 512 ]

لدنياك فأبى فاجتلدا فقتل الرجال وأهل البصائر من بنى حنيفة في أمر مسيلمة فتذامروا وحمل كل قوم في ناحيتهم فجال المسلمون حتى بلغوا عسكرهم ثم أعروه لهم فقطعوا أطناب البيوت وهتكوها وتشاغلوا بالعسكر وعالجوا مجاعة وهموا بأم تميم فأجارها وقال نعم أم المثوى وتذامر زيد وخالد وأبو حذيفة وتكلم الناس ويوم جنوب له غبار فقال زيد لا والله لا أتكلم اليوم حتى نهزمهم أو ألقى الله فأكلمه بحجتي عضوا على أضراسكم أيها الناس واضربوا في عدوكم وامضوا قدما ففعلوا فردوهم إلى مصافهم حتى أعادوهم إلى أبعد من الغاية التى حيزوا إليها من عسكرهم وقتل زيد رحمه الله وتكلم ثابت فقال يا معشر المسلمين أنتم حزب الله وهم أحزاب الشيطان والعزة لله ولرسوله ولاحزابه أرونى كما أريكم ثم جلد فيهم حتى حازهم وقال أبو حذيفة يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال وحمل فحازهم حتى أنفذهم وأصيب رحمه الله وحمل خالد بن الوليد وقال لحماته لاؤتين من خلفي حتى كان بحيال مسيلمة يطلب الفرصة ويرقب مسيلمة * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضيل عن سالم بن عبد الله قال لما أعطى سالم الراية يومئذ قال ما أعلمني لاى شئ أعطيتمونيها قلتم صاحب قرآن وسيثبت كما ثبت صاحبها قبله حتى مات قالوا أجل وقالوا فانظر كيف تكون فقال بئس والله حامل القرآن أنا إن لم أثبت وكان صاحب الراية قبله عبد الله بن حفص ابن غانم (وقال عبد الله بن سعيد بن ثابت وابن اسحاق) فلما قال مجاعة لبنى حنيفة ولكن عليكم بالرجال إذا فئة من المسلمين قد تذامروا بينهم فتفاتوا وتفاتى المسلمون كلهم وتكلم رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال زيد ابن الخطاب والله لا أتكلم أو أظفر أو أقتل واصنعوا كما أصنع أنا فحمل وحمل أصحابه وقال ثابت بن قيس بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين هكذا عنى حتى أريكم الجلاد. وقتل زيد بن الخطاب رحمه الله * كتب إلى السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن مبشر عن سالم قال قال عمر لعبد الله بن عمر حين رجع ألا هلكت قبل زيد هلك زيد وأنت حى فقال قد حرصت على ذلك أن يكون

[ 513 ]

ولكن نفسي تأخرت فأكرمه الله بالشهادة (وقال سهل) قال ما جاء بك وقد هلك زيد الا واريت وجهك عنى فقال سأل الله الشهادة فأعطيها وجهدت أن تساق إلى فلم أعطها * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن طلحة بن الاعلم عن عبيد بن عمير ان المهاجرين والانصار جبنوا أهل البوادى وجبنهم أهل البوادى فقال بعضهم لبعض امتازوا كى نستحيا من الفرار اليوم ونعرف اليوم من أين نؤتى ففعلوا وقال أهل القرى نحن أعلم بقتال أهل القرى يا معشر أهل البادية منكم فقال لهم أهل البادية إن أهل القرى لا يحسنون القتال ولا يدرون ما الحرب فسترون إذا امتزتما من أين يجئ الخلل فامتازوا فما رؤى يوم كان أحد ولا أعظم نكاية مما رؤى يومئذ ولم يدر أي الفريقين كان أشد فيهم نكاية الا أن المصيبة كانت في المهاجرين والانصار أكثر منها في أهل البادية وأن النقمة ابدا في الشدة ورمى عبد الرحمن بن أبى بكر المحكم بسهم فقتله وهو يخطب فنحره وقتل زيد بن الخطاب الرجال بن عنفوة * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن الضحاك بن يربوع عن أبيه عن رجل من بنى سحيم قد شهدها مع خالد قال لما اشتد القتال وكانت يومئذ سجالا انما تكون مرة على المسلمين ومرة على الكافرين فقال خالد ايها الناس امتازوا لنعلم بلاء كل حى ولنعلم من اين نؤتى فامتاز اهل القرى والبوادى وامتازت القبائل من اهل البادية وأهل الحاضر فوقف بنو كل أب على رايتهم فقاتلوا جميعا فقال أهل البوادى يومئذ الان يستحر القتل في الاجذع الاضعف فاستحر القتل في اهل القرى وثبت مسيلمة ودارت رحاهم عليه فعرف خالد انها لا تركد الا بقتل مسيلمة ولم تحفل بنو حنيفة بقتل من قتل منهم ثم برز خالد حتى إذا كان امام الصف دعا إلى البراز وانتمى وقال انا ابن الوليد العود انا ابن عامر وزيد ونادى بشعارهم يومئذ وكان شعارهم يومئذ يا محمداه فجعل لا يبرز له أحد إلا قتله وهو يرتجز أنا ابن أشياخ وسيفي السخت * أعظم شئ حين يأتيك النفت ولا يبرز له شئ إلا أكله ودارت رحى المسلمين وطحنت ثم نادى خالد حين

[ 514 ]

دنا من مسيلمة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن مع مسيلمة شيطانا لا يعصيه فإذا اعتراه أزبد كأن شدقيه زبيبتان لا يهم بخير ابدا إلا صرفه عنه فإذا رأيتم منه عورة فلا تقيلوه العثرة فلما دنا خالد منه طلب تلك ورآه ثابتا ورحاهم تدور عليه وعرف أنها لا تزول إلا بزواله فدعا مسيلمة طلبا لعورته فأجابه فعرض عليه أشياء مما يشتهى مسيلمة وقال ان قبلنا النصف فأى الانصاف تعطينا فكان إذا هم بجوابه اعرض بوجهه مستشيرا فينهاه شيطانه أن يقبل فأعرض بوجهه مرة من ذلك وركبه خالد فأرهقه فادبر وزالوا فذمر خالد الناس وقال دونكم لا تقبلوهم وركبوهم فكانت هزيمتهم فقال مسيلمة حين قام وقد تطاير الناس عنه وقال قائلون فأين ما كنت تعدنا فقال قاتلوا عن أحسابكم قال ونادى المحكم يا بنى حنيفة الحديقة الحديقة ويأتى وحشى على مسيلمة وهو مزبد متساند لا يعقل من الغيظ فخرط عليه حربته فقتله واقتحم الناس عليهم حديقة الموت من حيطانها وأبوابها فقتل في المعركة وحديقة الموت عشرة آلاف مقاتل * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن هارون وطلحة عن عمرو بن شعيب وابن اسحاق انهم لما امتازوا وصبروا وانحازت بنو حنيفة تبعهم المسلمون يقتلونهم حتى بلغوا بهم إلى حديقة الموت فاختلفوا في قتل مسيلمة عنده فقال قائلون فيها قتل فدخلوها وأغلقوها عليهم وأحاط المسلمون بهم وصرخ البراء بن مالك فقال يا معشر المسلمين احملوني على الجدار حتى تطرحوني عليه ففعلوا حتى إذا وضعوه على الجدار نظر وأرعد فنادى أنزلوني ثم قال احملوني ففعل ذلك مرارا ثم قال أف لهذا خشعا ثم قال احملوني فلما وضعوه على الحائط اقتحم عليهم فقاتلهم على الباب حتى فتحه للمسلمين وهم على الباب من خارج فدخلوا فأغلق الباب عليهم ثم رمى بالمفتاح من وراء الجدار فاقتتلوا قتالا شديدا لم يروا مثله وأبير من في الحديقة منهم وقد قتل الله مسيلمة وقد قالت له بنو حنيفة أين ما كنت تعدنا قال قاتلوا عن أحسابكم * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن هارون وطلحة وابن إسحاق قالوا لما صرخ الصارخ أن العبد الاسود

[ 515 ]

قتل مسيلمة خرج خالد بمجاعة يرسف في الحديد ليريه مسيلمة وأعلام جنده فأتى على الرجال فقال هذا الرجال * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال لما فرغ المسلمون من مسيلمة أتى خالد فأخبر فخرج بمجاعة يرسف معه في الحديد ليدله على مسيلمة فجعل يكشف له القتلى حتى مر بمحكم بن الطفيل وكان رجلا جسيما وسيما فلما رآه خالد قال هذا صاحبكم قال لا هذا والله خير منه وأكرم هذا محكم اليمامة قال ثم مضى خالد يكشف له القتلى حتى دخل الحديقة فقلب له القتلى فإذا رويجل أصيفر أخينس فقال مجاعة هذا صاحبكم قد فرغتم منه فقال خالد لمجاعة هذا صاحبكم الذى فعل بكم ما فعل قال قد كان ذلك يا خالد وإنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس وإن جماهير الناس لفى الحصون فقال ويلك ما تقول قال هو والله الحق فهلم لاصالحك على قومي * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن الضحاك عن أبيه قال كان رجل من بنى عامر بن حنيفة يدعى الاغلب بن عامر بن حنيفة وكان أغلظ أهل زمانه عنقا فلما انهزم المشركون يومئذ وأحاط المسلمون بهم تماوت فلما أثبت المسلمون في القتلى أتى رجل من الانصار يكنى أبا بصيرة ومعه نفر عليه فلما رأوه مجدلا في القتلى وهم يحسبونه قتيلا فقالوا يا أبا بصيرة إنك تزعم ولم تزل تزعم أن سيفك قاطع فاضرب عنق هذا الاغلب الميت فان قطعته فكل شئ كان يبلغنا عن سيفك حق فاخترطه ثم مشى إليه ولا يرونه إلا ميتا فلما دنا منه ثار فحاضره واتبعه ابو بصيرة وجعل يقول أنا أبو بصيرة الانصاري وجعل الاغلب يتمطر ولا يزداد منه إلا بعدا فكلما قال ذلك أبو بصيرة قال الاغلب كيف ترى عدو أخيك الكافر حتى أفلت * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد قال لما فرغ خالد من مسيلمة والجند قال له عبد الله بن عمر و عبد الرحمن بن أبى بكر ارتحل بنا وبالناس فانزل على الحصون فقال دعاني أبث الخيول فألقط من ليس في الحصون ثم أرى رأيى فبث الخيول فحووا ما وجدوا من مال ونساء وصبيان فضموا هذا إلى العسكر ونادى بالرحيل لينزل على الحصون فقال له

[ 516 ]

مجاعة إنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس وإن الحصون لمملوأة رجالا فهلم لك إلى الصلح على ما وارئى فصالحه على كل شئ دون النفوس ثم قال أنطلق إليهم فأشاورهم وننظر في هذا الامر ثم أرجع اليك فدخل مجاعة الحصون وليس فيها إلا النساء والصبيان ومشيخة فانية ورجال ضعفى فظاهر الحديد على النساء وأمرهن أن ينشرن شعورهن وأن يشرفن على رؤس الحصون حتى يرجع إليهم ثم رجع فأتى خالدا فقال قد أبو أن يجيزوا ما صنعت وقد أشرف لك بعضهم نقضا على وهم منى براء فنظر خالد إلى رؤس الحصون وقد اسودت وقد نهكت المسلمين الحرب وطال اللقاء وأحبوا أن يرجعوا على الظفر ولم يدروا ما كان كائنا لو كان فيها رجال وقتال وقد قتل من المهاجرين والانصار من أهل قصبة المدينة يومئذ ثلثمائة وستون (قال سهل) ومن المهاجرين من غير أهل المدينة والتابعين باحسان ثلثمائة من هؤلاء وثلثمائة من هؤلاء ستمائة أو يزيدون وقتل ثابت بن قيس يومئذ قتله رجل من المشركين قطعت رجله فرمى بها قاتله فقتله وقتل من بنى حنيفة في الفضاء بعقرباء سبعة آلاف وفى حديقة الموت سبعة آلاف وفى الطلب نحو منها وقال ضرار بن الازور في يوم اليمامة ولو سئلت عنا جنوب لاخبرت * عشية سالت عقرباء وملهم وسال بفرع الواد حتى ترفرقت * حجارته فيها من القوم بالدم عشية لا تغنى الرماح مكانها * ولا النبل إلا المشرفى المصمم فإن تبتغى الكفار غير مليمة * جنوب فإنى تابع الدين مسلم أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة * ولله بالمرء المجاهد أعلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال قال مجاعة لخالد ما قال إذ قال له فهلم لاصالحك عن قومي لرجل قد نهكته الحرب وأصيب معه من أشراف الناس من أصيب فقد رق وأحب الدعة والصلح فقال هلم لاصالحك فصالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة ونصف السبى ثم قال إن آتى القوم فاعرض عليهم ما قد صنعت قال فانطلق إليهم فقال للنساء البسن الحديد ثم أشرفن

[ 517 ]

على الحصون ففعلن ثم رجع إلى خالد وقد رأى خالد الرجال فيما يرى على الحصون عليهم الحديد فلما انتهى إلى خالد قال أبوا ما صالحتك عليه ولكن إن شئت صنعت شيئا فعزمت على القوم قال ما هو قال تأخذ منى ربع السبى وتدع ربعا قال خالد قد فعلت قال قد صالحتك فلما فرغا فتحت الحصون فإذا ليس فيها إلا النساء والصبيان فقال خالد لمجاعة ويحك خدعتني قال قومي ولم أستطع إلا ما صنعت * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف قال قال مجاعة يومئذ ثانية إن شئت أن تقبل منى نصف السبى والصفراء والبيضاء والحلقة والكراع عزمت وكتبت الصلح بينى وبينك ففعل خالد ذلك فصالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة والكراع وعلى نصف السبى وحائط من كل قرية يختاره خالد ومزرعة يختارها خالد فتقاضوا على ذلك ثم سرحه وقال أنتم بالخيار ثلاثا والله لئن تتموا وتقبلوا لانهدن إليكم ثم لا أقبل منكم خصلة أبدا إلا القتل فأتاهم مجاعة فقال أما الآن فاقبلوا فقال سلمة بن عمير الحنفي لا والله لا نقبل نبعث إلى أهل القرى والعبيد فنقاتل ولا نقاضي خالدا فإن الحصون حصينة والطعام كثير والشتاء قد حضر فقال مجاعة إنك امرؤ مشؤم وغرك أنى خدعت القوم حتى أجابوني إلى الصلح وهل بقى منكم أحد فيه خير أو به دفه وإنما أنا بادرتكم قبل أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة فخرج مجاعة سابع سبعة حتى أتى خالدا فقال بعد شر ما رضوا اكتب كتابك فكتب هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد مجاعة بن مرارة وسلمة بن عمير وفلانا وفلانا قاضاهم على الصفراء والبيضاء ونصف السبى والحلقة والكراع وحائط من كل قرية ومزرعة على أن يسلموا ثم أنتم آمنون بأمان الله ولكم ذمة خالد بن الوليد وذمة أبى بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذمم المسلمين على الوفاء * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن طلحة عن عكرمة عن أبى هريرة قال لما صالح خالد مجاعة صالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة وكل حائط رضانا في كل ناحية ونصف المملوكين فأبوا ذلك فقال خالد أنت بالخيار

[ 518 ]

ثلاثة أيام فقال سلمة بن عمير يا بنى حنيفة قاتلوا عن أحسابكم ولا تصالحوا على شئ فإن الحصن حصين والطعام كثير وقد حضر الشتاء فقال مجاعة يا بنى حنيفة أطيعوني واعصوا سلمة فإنه رجل مشئوم قبل أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة قبل أن تستردف النساء غير رضيات وينكحن غير حظيات فأطاعوه وعصوا سلمة وقبلوا قضيته وقد بعث أبو بكر رضى الله عنه بكتاب إلى خالد مع سلمة بن سلامة بن وقش يأمره إن ظفره الله عز وجل أن يقتل من جرت عليه من المواشى من بنى حنيفة فقدم فوجده قد صالحهم فوفى لهم وتم على ما كان منه وحشرت بنو حنيفة إلى البيعة والبراءة مما كانوا عليه إلى خالد وخالد في عسكره فلما اجتمعوا قال سلمة بن عمير لمجاعة استأذن لى على خالد أكلمه في حاجة له عندي ونصيحة وقد أجمع أن يفتك به فكلمه فأذن له فأقبل سلمة بن عمير مشتملا على السيف يريد ما يريد فقال من هذا المقبل قال مجاعة هذا الذى كلمتك فيه وقد أذنت له قال أخرجوه عنى فأخرجوه عنه ففتشوه فوجدوا معه السيف فلعنوه وشتموه وأثقوه وقالوا لقد أردت أن تهلك قومك وايم الله ما أردت إلا أن تستأصل بنو حنيفة وتسبى الذرية والنساء وايم الله لو أن خالدا علم أنك حملت السلاح لقتلك وما نأمنه إن بلغه أن يقتل الرجال ويسبي النساء بما فعلت ويحسب أن ذلك عن ملا منا فأثقوه وجعلوه في الحصن وتتابع بنو حنيفة على البراء مما كانوا عليه وعلى الاسلام وعاهدهم سلمة على أن لا يحدث حدثا ويعفوه فأبوا ولم يثقوا بحمقه أن يقبلوا منه عهدا فأفلت ليلا فعمد إلى عسكر خالد فصاح به الحرس وفزعت بنو حنيفة فاتبعوه فأدركوه في بعض الحوائط فشد عليهم بالسيف فاكتنفوه بالحجارة وأجال السيف على حلقه فقطع أوداجه فسقط في بئر فمات * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن الضحاك بن يربوع عن أبيه قال صالح خالد بنى حنيفة جميعا إلا ما كان بالعرض والقرية فإنهم سبوا عند انبثاث الغارة فبعث إلى أبى بكر ممن جرى عليه القسم بالعرض والقرية من بنى حنيفة أو قيس بن ثعلبة أو يشكر خمسمائة رأس * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة

[ 519 ]

عن محمد بن اسحاق ثم ان خالدا قال لمجاعة زوجنى ابنتك فقال له مجاعة مهلا انك قاطع ظهرى وظهرك معى عند صاحبك قال أيها الرجل زوجنى فزوجه فبلغ ذلك أبا بكر فكتب إليه كتابا يقطر الدم لعمري يا ابن أم خالد إنك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفف بعد قال فلما نظر خالد في الكتاب جعل يقول هذا عمل الاعيسر يعنى عمر بن الخطاب وقد بعث خالد بن الوليد وفد من بنى حنيفة إلى أبى بكر فقدموا عليه فقال لهم أبو بكر ويحكم ما هذا الذى استنزل منكم ما استنزل قالوا يا خليفة رسول الله قد كان الذى بلغك مما أصابنا كان امرءا لم يبارك الله عز وجل له ولا لعشيرته فيه قال على ذلك ما الذى دعاكم به قالوا كان يقول يا ضفدع نقى نقى لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين لنا نصف الارض ولقريش نصف الارض ولكن قريشا قوم يعتدون قال أبو بكر سبحان الله ويحكم إن هذا لكلام ما خرج من إل ولا بر فأين يذهب بكم فلما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة وكان منزله الذى به التقى الناس أباض واد من أودية اليمامة ثم تحول إلى واد من أوديتها يقال له الوبر وكان منزله بها ذكر خبر أهل البحرين وردة الحطم ومن تجمع معه بالبحرين (قال أبو جعفر) وكان فيما بلغنا من خبر أهل البحرين وارتداد من ارتد منهم ما حدثنا عبيد الله بن سعيد قال أخبرنا عمى يعقوب بن إبراهيم قال أخبرنا سيف قال خرج العلاء بن الحضرمي نحو البحرين وكان من حديث البحرين أن النبي صلى الله عليه وسلم والمنذر بن ساوى اشتكا في شهر واحد ثم مات المنذر بعد النبي صلى الله عليه وسلم بقليل وارتد بعده أهل البحرين فأما عبد القيس ففاءت وأما بكر فتمت على ردتها وكان الذى ثنى عبد القيس الجارود حتى فاؤا * حدثنا عبيد الله قال أخبرنا عمى قال أخبرنا سيف عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن بن أبى الحسن قال قدم الجارود بن المعلى على النبي صلى الله عليه وسلم مرتادا فقال أسلم يا جارود فقال إن

[ 520 ]

لى دينا قال له النبي صلى الله عليه وسلم إن دينك يا جارود ليس بشئ وليس بدين فقال له جارود فإن أنا أسلمت فما كان من تبعة في الاسلام فعليك قال نعم فأسلم ومكث بالمدينة حتى فقه فلما أراد الخروج قال يا رسول الله هل نجد عند أحد منكم ظهرا نتبلغ عليه قال ما أصبح عندنا ظهر قال يا رسول الله إنا نجد بالطريق ضوال من هذه الضوال قال تلك حرق النار فإياك وإياها فلما قدم على قومه دعاهم إلى الاسلام فأجابوه كلهم فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم فقالت عبد القيس لو كان محمدا نبيا لما مات وارتدوا وبلغه ذلك فبعث فيهم فجمعهم ثم قام فخطبهم فقال يا معشر عبد القيس إنى سائلكم عن أمر فأخبروني به إن علمتوني ولا تجيبوني إن لم تعلموا قالوا سل عما بدا لك قال تعلمون أنه كان لله أنبياء فيما مضوا قالوا نعم قال تعلمونه أو ترونه قالوا لا بل نعلمه قال فما فعلوا قالوا ماتوا قال فان محمدا صلى الله عليه وسلم مات كما ماتوا وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله قالوا ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنك سيدنا وأفضلنا وثبتوا على اسلامهم ولم يبسطوا ولم يبسط إليهم وخلوا بين سائر ربيعة وبين المنذر والمسلمين فكان المنذر مشتغلا بهم حياته فلما مات المنذر حصر أصحاب المنذر في مكانين حتى تنقذهم العلاء (قال أبو جعفر) وأما ابن اسحاق فانه قال في ذلك ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه قال لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة بعث أبو بكر رضى الله عنه العلاء بن الحضرمي وكان العلاء هو الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى المنذر بن ساوى العبدى فأسلم المنذر فأقام بها أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمات المنذر بن ساوى بالبحرين بعد متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمرو بن العاص بعمان فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو بها فأقبل عمرو فمر بالمنذر بن ساوى وهو بالموت فدخل عليه فقال المنذر له كم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل للميت من المسلمين من ماله عند وفاته قال عمرو فقلت له كان يجعل له الثلث قال فما ترى لى أن أصنع في ثلث مالى قال عمرو فقلت له إن شئت قسمته

[ 521 ]

في أهل قرابتك وجعلته في سبيل الخير وإن شئت تصدقت به فجعلته صدقة محرمة تجرى من بعدك على من تصدقت به عليه قال ما أحب أن أجعل من مالى شيئا محرما كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ولكن اقسمه فأنفذه على من أوصيت به له يصنع به ما يشا قال فكان عمرو يعجب لها من قوله وارتدت ربيعة بالبحرين فيمن ارتد من العرب إلا الجارود بن عمرو بن حنش بن معلى فانه ثبت على الاسلام ومن معه من قومه وقام حين بلغته وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتداد العرب فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأكفر من لا يشهد واجتمعت ربيعة بالبحرين وارتدت فقالوا نرد الملك في آل المنذر فملكوا المنذر بن النعمان بن المنذر وكان يسمى الغرور وكان يقول حين أسلم وأسلم الناس وغلبهم السيف لست بالغرور ولكني المغرور * حدثنا عبيد الله بن سعيد قال أخبرنا عمى قال أخبرنا سيف عن اسماعيل بن مسلم عن عمير بن فلان العبدى قال لما مات النبي صلى الله عليه وسلم خرج الحطم بن ضبيعة أخو بنى قيس بن ثعلبة فيمن اتبعه من بكر بن وائل على الردة ومن تأشب إليه من غير المرتدين ممن لم يزل كافرا حتى نزل القطيف وهجر واستغوى الخط ومن فيها من الزط والسايجة وبعث بعثا إلى دارين فأقاموا له ليجعل عبد القيس بينه وبينهم وكانوا مخالفين لهم يمدون المنذر والمسلمين وأرسل إلى الغرور بن سويد أخى النعمان بن المنذر فبعثه إلى جواثا وقال اثبت فإنى إن ظفرت ملكتك بالبحرين حتى تكون كالنعمان بالحيرة وبعث إلى جواثا فحصرهم وألحوا عليهم فاشتد على المحصورين الحصر وفى المسلمين المحصورين رجل من صالح المسلمين يقال له عبد الله بن حذف أحد بنى أبى بكر بن كلاب وقد اشتد عليه وعليهم الجوع حتى كادوا أن يهلكوا وقال في ذلك عبد الله بن حذف ألا أبلغ أبا بكر رسولا * وفتيان المدينة أجمعينا فهل لكم إلى قوم كرام * قعود في جواثا محصرينا كأن دماءهم في كل فج * شعاع الشمس يغشى الناظرينا

[ 522 ]

توكلنا على الرحمن إنا * وجدنا الصبر للمتوكلينا كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن الصعب بن عطية بن بلال عن سهم ابن منجاب عن منجاب بن راشد قال بعث أبو بكر العلاء بن الحضرمي على قتال أهل الردة بالبحرين فلما أقبل إليها فكان بحيال اليمامة لحق به ثمامة بن أثال في مسلمة بنى حنيفة من بنى سحيم ومن أهل القرى من سائر بنى حنيفة وكان متلددا وقد ألحق عكرمة بعمان ثم مهرة وأمر شرحبيل بالمقام حيث انتهى إلى أن يأتيه أمر أبى بكر ثم دومة يغاور هو وعمرو بن العاص أهل الردة من قضاعة فأما عمرو ابن العاص فكان يغاور سعدا وبليا وأمر هذا بكلب ولفها فلما دنا منا ونحن في عليا البلاد لم يكن أحد له فرس من الرباب وعمرو بن تميم إلا جنبه ثم استقبله فأما بنو حنظلة فانهم قدموا رجلا وأخروا أخرى وكان مالك بن نويرة في البطاح ومعه جموع يساجلنا ونساجله وكان وكيع بن مالك في القرعاء معه جموع يساجل عمرا وعمرو يساجله وأما سعد بن زيد مناة فانهم كانوا فرقتين فأما عوف والابناء فانهم أطاعوا الزبرقان بن بدر فثبتوا على اسلامهم وتموا وذبوا عنه وأما المقاعس والبطون فإنهما أصاخا ولم يتابعا إلا ما كان من قيس بن عاصم فإنه قسم الصدقات التى كانت اجتمعت إليه في المقاعس والبطون حين شخص الزبرقان بصدقات عوف والابناء فكانت عوف والابناء مشاعيل بالمقاعس والبطون فلما رأى قيس ابن عاصم ما صنعت الرباب وعمر ومن تلقى العلاء ندم على ما كان فرط منه فتلقى العلاء بإعداد ما كان قسم من الصدقات ونزع عن أمره الذى كان هم به واستاق حتى أبلغها اياه وخرج معه إلى قتال أهل البحرين وقال في ذلك شعرا كما قال الزبرقان في صدقته حين أبلغها أبا بكر وكان الذى قال الزبرقان في ذلك وفيت بأذواد الرسول وقد أبت * سعاة فلم يردد بعيرا مجيرها معا ومنعناها من الناس كلهم * ترامى الاعادي عندنا ما يضيرها فأديتها كى لا أخون بذمتي * محانيق لم تدرس لركب ظهورها أردت بها التقوى ومجد حديثها * إذا عصبة سامى قبيلى فخورها

[ 523 ]

وإنى لمن حى إذا عد سعيهم * يرى الفخر منها حيها وقبورها أصاغرهم لم يضرعوا وكبارهم * رزان مراسيها عفاف صدورها ومن رهط كناد توفيت ذمتي * ولم يثن سيفى نبحها وهريرها ولله ملك قد دخلت وفارس * طعنت إذا ما الخيل شد مغيرها ففرجت أولاها بنجلاء ثرة * بحيث الذى يرجو الحياة يضيرها ومشهد صدق قد شهدت فلم أكن * به خاملا واليوم يثنى مصيرها أرى رهبة الاعداء منى جراءة * ويبكى إذا ما النفس يوحى ضميرها وقال قيس عند استقبال العلاء بالصدقة ألا أبلغا عنى قريشا رسالة * إذا ما أتتها بينات الودائع حبوت بها في الدهر أعراض منقر * وأيأست منها كل أطلس طامع وجدت أبى والخال كانا بنجوة * بقاع فلم يحلل بها من أدافع فأكرمه العلاء وخرج مع العلاء من عمرو وسعد الرباب مثل عسكره وسلك بنا الدهناء حتى إذا كنا في بحبوحتها والحنانات والعزافات عن يمينه وشماله وأراد الله عز وجل أن يرينا آياته نزل وأمر الناس بالنزول فنفرت الابل في جوف الليل فما بقى عندنا بعير ولا زاد ولا مزاد ولا بناء إلا ذهب عليها في عرض الرمل وذلك حين نزل الناس وقبل أن يحطوا فما علمت جمعا هجم عليهم من الغم ما هجم علينا وأوصى بعضنا إلى بعض ونادى منادى العلاء اجتمعوا فاجتمعنا إليه فقال ما هذا الذى ظهر فيكم وغلب عليكم فقال الناس وكيف نلام ونحن إن بلغنا غدا لم تحم شمسه حتى نصير حديثا فقال أيها الناس لا تراعوا ألستم مسلمين ألستم في سبيل الله ألستم أنصار الله قالوا بلى قال فأبشروا فو الله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم ونادى المنادى بصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلى بنا ومنا المتيمم ومنا من لم يزل على طهوره فلما قضى صلاته جثا لركبتيه وجثا الناس فنصب في الدعاء ونصبوا معه فلمع لهم سراب الشمس فالتفت إلى الصف فقال رائد ينظر ما هذا ففعل ثم رجع فقال سراب فأقبل على الدعاء ثم لمع لهم آخر فكذلك ثم لمع لهم آخر فقال ماء

[ 524 ]

فقام وقام الناس فمشينا إليه حتى نزلنا عليه فشربنا واغتسلنا فما تعالى النهار حتى أقبلت الابل تكرد من كل وجه فأناخت إلينا فقام كل رجل إلى ظهره فأخذه فما فقدنا سلكا فأرويناها وأسقيناها العلل بعد النهل وتروينا ثم تروحنا وكان أبو هريرة رفيقي فلما غبنا عن ذلك المكان قال لى كيف علمك بموضع ذلك الماء فقلت أنا من أهدى العرب بهذه البلاد قال فكن معى حتى تقيمنى عليه فكررت به فأتيت به على ذلك المكان بعينه فإذا هو لا غدير به ولا أثر للماء فقلت له والله لولا أنى لا أرى الغدير لاخبرتك أن هذا هو المكان وما رأيت بهذا المكان ماء ناقعا قبل اليوم وإذا أداوة مملوءة فقال يا أبا سهم هذا والله المكان ولهذا رجعت ورجعت بك ملات أداوتي ثم وضعتها على شفيره فقلت إن كان منا من المن وكانت آية عرفتها وإن كان غياثا عرفته فإذا من من المن فحمد الله ثم سرنا حتى ننزل هجر قال فأرسل العلاء إلى الجارود ورجل آخر أن انضما في عبد القيس حتى تنزلا على الحطم مما يليكما وخرج هو فيمن جاء معه وفيمن قدم عليه حتى ينزل عليه مما يلى هجر وتجمع المشركون كلهم إلى الحطم إلا أهل دارين وتجمع المسلمون كلهم إلى العلاء بن الحضرمي وخندق المسلمون والمشركون وكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خندقهم فكانوا كذلك شهرا فبينا الناس ليلة إذ سمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة كأنها ضوضاء هزيمة أو قتال فقال العلاء من يأتينا بخبر القوم فقال عبد الله بن حذف أنا آتيكم بخبر القوم وكانت أمه عجلية فخرج حتى إذا دنا من خندقهم أخذوه فقالوا له من أنت فانتسب لهم وجعل ينادى يا أبجراه فجاء أبجر بن بجير فعرفه فقال ما شأنك فقال لا أضيعن بين اللهازم علام أقتل وحولي عساكر من عجل وتيم اللات وقيس وعنزة أيتلاعب بى الحطم ونزاع القبائل وأنتم شهود فتخلصه وقال والله إنى لاظنك بئس ابن الاخت لاخوالك الليلة فقال دعني من هذا وأطعمني فإنى قد مت جوعا فقرب له طعاما فأكل ثم قال زودني واحملني وجوزنى انطلق إلى طيتى ويقول ذلك لرجل قد غلب عليه الشراب ففعل وحمله على بعير وزوده وجوزه وخرج عبد الله بن حذف حتى

[ 525 ]

دخل عسكر المسلمين فأخبرهم أن القوم سكارى فخرج المسلمون عليهم حتى اقتحموا عليهم عسكرهم فوضعوا السيوف فيهم حيث شاؤوا واقتحموا الخندق هرابا فمترد وناج ودهش مقتول أو مأسور واستولى المسلمون على ما في العسكر لم يفلت رجل إلا بما عليه فأما أبجر فأفلت وأما الحطم فإنه بعل ودهش وطار فؤاده فقام إلى فرسه والمسلمون خلالهم يجوسونهم ليركبه فلما وضع رجله في الركاب انقطع به فمر به عفيف بن المنذر أحد بنى عمرو بن تميم والحطم يستغيث ويقول ألا رجل من بنى قيس بن ثعلبة يعقلنى فرفع صوته فعرف صوته فقال أبو ضبيعة قال نعم قال أعطني رجلك أعقلك فأعطاه رجله يعقله فنفحها فأطنها من الفخذ وتركه فقال أجهز على فقال إنى أحب أن لا تموت حتى أمضك وكان مع عفيف عدة من ولد أبيه فأصيبوا ليلتئذ وجعل الحطم لا يمر به في الليل أحد من المسلمين إلا قال هل لك في الحطم أن تقتله ويقول ذاك لمن لا يعرفه حتى مر به قيس بن عاصم فقال له ذلك فمال عليه فقتله فلما رأى فخذه نادرة قال واسوأتاه لو علمت الذى به لم أحركه وخرج المسلمون بعد ما أحرزوا الخندق على القوم يطلبونهم فاتبعوهم فلحق قيس بن عاصم أبجر وكان فرس أبجر أقوى من فرس قيس فلما خشى أن يفوته طعنه في العرقوب فقطع العصب وسلم النساء فكانت رادة وقال عفيف بن المنذر فإن يرقا العرقوب لا يرقأ النسا * وما كل من يهوى بذلك عالم ألم تر أنا قد فللنا حماتهم * بأسرة عمرو والرباب الاكارم وأسر عفيف بن المنذر الغرور بن سويد فكلمته الرباب فيه وكان أبوه ابن أخت التيم وسألوه أن يجيره فقال للعلاء إنى قد أجرت هذا قال ومن هذا قال الغرور قال أنت غررت هؤلاء قال أيها الملك انى لست بالغرور ولكني المغرور قال أسلم فأسلم وبقى بهجر وكان اسمه الغرور وليس بلقب وقتل عفيف المنذر بن سويد ابن المنذر وأصبح العلاء فقسم الانفال ونفل رجالا من أهل البلاء ثيابا فكان فيمن نفل عفيف بن المنذر وقيس بن عاصم وثمامة بن أثال فأما ثمامة فنفل ثيابا

[ 526 ]

فيها خميصة ذات أعلام وكان الحطم يباهى فيها وباع الثياب وقصد عظم الفلال لدارين فركبوا فيها السفن ورجع الآخرون إلى بلاد قومهم فكتب العلاء بن الحضرمي إلى من أقام على إسلامه من بكر بن وائل فيهم وأرسل إلى عتيبة بن النهاس وإلى عامر بن عبد الاسود بلزوم ما هم عليه والقعود لاهل الردة بكل سبيل وأمر مسمعا بمبادرتهم وأرسل إلى خصفة التميمي والمثنى بن حارثة الشيباني فاقاموا لاولئك بالطريق فمنهم من أناب فقبلوا منه واشتملوا عليه ومنهم من أبى ولج فمنع من الرجوع فرجعوا عودهم على بدئهم حتى عبروا إلى دارين فجمعهم الله بها وقال في ذلك رجل من بنى ضبيعة بن عجل يدعى وهبا يعير من ارتد من بكر بن وائل ألم تر أن الله يسبك خلقه * فيخبث أقوام ويصفو معشر لحى الله أقواما أصيبوا بخنعة * أصابهم زيد الضلال ومعمر ولم يزل العلاء مقيما في عسكر المشركين حتى رجعت إليه الكتب من عند من كان كتب إليه من بكر بن وائل وبلغه عنهم القيام بأمر الله والغضب لدينه فلما جاءه عنهم من ذلك ما كان يشتهى أيقن أنه لن يؤتى من خلفه بشئ يكرهه على أحد من أهل البحرين وندب الناس إلى دارين ثم جمعهم فخطبهم وقال ان الله قد جمع لكم أحزاب الشياطين وشرد الحرب في هذا البحر وقد أراكم من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر فانهضوا إلى عدوكم ثم استعرضوا البحر إليهم فان الله قد جمعهم فقالوا نفعل ولا نهاب والله بعد الدهناء هولا ما بقينا فارتحل وارتحلوا حتى إذا أتى ساحل البحر اقتحموا على الصاهل والحامل والشاحج والناهق والراكب والراحل ودعا ودعوا وكان دعاؤه ودعاؤهم يا أرحم الراحمين يا كريم يا حليم يا أحد يا صمد يا حى يا محيى الموتى يا حى يا قيوم لا إله إلا أنت يا ربنا فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعا يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف الابل وان ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر في بعض الحالات فالتقوا بها واقتتلوا قتالا شديدا فما تركوا بها مخبرا وسبوا الذرارى واستاقوا الاموال فبلغ نفل الفارس ستة آلاف والراجل ألفين قطعوا إليهم وساروا يومهم فلما

[ 527 ]

فرغوا رجعوا عودهم على بدئهم حتى عبروا وفى ذلك يقول عفيف بن المنذر ألم تر أن الله ذلل بحره * وأنزل بالكفار إحدى الجلائل دعونا الذى شق البحار فجاءنا * بأعجب من فلق البحار الاوائل ولما رجع العلاء إلى البحرين وضرب الاسلام فيها بجرانه وعز الاسلام وأهله وذل الشرك وأهله أقبل الذين في قلوبهم ما فيها على الارجاف فأرجف مرجفون وقالوا ها ذاك مفروق قد جمع رهطه شيبان وتغلب والنمر فقال لهم أقوام من المسلمين إذا تشغلهم عنا اللهازم واللهازم يومئذ قد استجمع أمرهم على نصر العلاء وطابقوا وقال عبد الله بن حذف في ذلك لا توعدونا بمفروق وأسرته * إن يأتينا يلق فينا سنة الحطم وإن ذا الحى من بكر وإن كثروا * لامة داخلون النار في أمم فالنخل ظاهره خيل وباطنه * خيل تكدس بالفتيان في النعم وأقفل العلاء بن الحضرمي الناس فرجع الناس إلا من أحب المقام فقفلنا وقفل ثمامة بن أثال حتى إذا كنا على ماء لبنى قيس بن ثعلبة فرأوا ثمامة ورأوا خميصة الحطم عليه دسوا له رجلا وقالوا سله عنها كيف صارت له وعن الحطم أهو قتله أو غيره فأتاه فسأله عنها فقال نفلتها قال أأنت قتلت الحطم قلا لا ولوددت أنى كنت قتلته قال فما بال هذه الخميصة معك قال ألم أخبرك فرجع إليهم فأخبرهم فتجمعوا له ثم أتوه فاحتوشوه فقال مالكم قالوا أنت قاتل الحطم قال كذبتم لست بقاتله ولكني نفلتها قالوا هل ينفل إلا القاتل قال إنها لم تكن عليه إنما وجدت في رحله قالوا كذبت فأصابوه قال وكان مع المسلمين راهب في هجر فأسلم يومئذ فقيل ما دعاك إلى الاسلام قال ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني الله بعدها إن أنا لم أفعل فيض في الرمال وتمهيد أثباج البحار ودعاء سمعته في عسكرهم في الهواء من السحر قالوا وما هو قال اللهم أنت الرحمن الرحيم لا إله غيرك والبديع ليس قبلك شئ والدائم غير الغافل والحى الذى لا يموت وخالق ما يرى وما لا يرى وكل يوم أنت في شأن وعلمت اللهم كل شئ بغير تعلم فعلمت أن القوم لم يعانوا بالملائكة

[ 528 ]

إلا وهم على أمر الله فلقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعون من ذلك الهجرى بعد وكتب العلاء إلى أبى بكر أما بعد فان الله تبارك وتعالى فجر لنا الدهناء فيضا لا ترى غواربه وأرانا آية وعبرة بعد غم وكرب لنحمد الله ونمجده فادع الله واستنصره لجنوده وأعوان دينه فحمد أبو بكر الله ودعاه وقال ما زالت العرب فيما تحدث عن بلد أنها يقولون إن لقمان حين سئل عن الدهناء أيحتفرونها أو يدعونها نهاهم وقال لا تبلغها الارشية ولم تقر العيون وأن شأن هذا الفيض من عظيم الآيات وما سمعنا به في أمة قبلها اللهم اخلف محمدا صلى الله عليه وسلم فينا ثم كتب إليه العلاء بهزيمة أهل الخندق وقتل الحطم قتله زيد ومسمع أما بعد فإن الله تبارك اسمه سلب عدونا عقولهم وأذهب ريحهم بشراب أصابوه من النهار فاقتحمنا عليهم خندقهم فوجدناهم سكارى فقتلناهم إلا الشريد وقد قتل الله الحطم فكتب إليه أبو بكر أما بعد فإن بلغك عن بنى شيبان بن ثعلبة تمام على ما بلغك وخاض فيه المرجفون فابعث إليهم جندا فأوطئهم وشرد بهم من خلفهم فلم يجتمعوا ولم يصر ذلك من أرجافهم إلى شئ ذكر الخبر عن ردة أهل عمان ومهرة واليمن (قال أبو جعفر) وقد اختلف في تاريخ حرب المسلمين هؤلاء فقال محمد ابن إسحق فيما حدثنا ابن حميد عن سلمة عنه كان فتح اليمامة واليمن والبحرين وبعث الجنود لى الشام في سنة اثنى عشرة وأما أبو زيد فحدثني عن أبى الحسن المدائني في خبر ذكره عن أبى معشر ويزيد بن عياض بن جعدبة وأبى عبيدة بن محمد ابن أبى عبيدة وغسان بن عبد الحميد وجويرية بن أسماء بإسنادهم عن مشيختهم وغيرهم من علماء أهل الشأم وأهل العراق أن الفتوح في أهل الردة كلها كانت لخالد بن الوليد وغيره وفى سنة إحدى عشرة إلا أمر ربيعة بن بجير فإنه كان في سنة ثلاث عشرة وقصة ربيعة بن بجير التغلبي أن خالد بن الوليد فيما ذكر في خبره هذا الذى ذكرت عنه بالمصيخ والحصيد فقام ربيعة وهو في جمع من

[ 529 ]

المرتدين فقاتله وغنم وسبى وأصاب ابنة لربيعة بن بجير فسباها وبعث بالسبي إلى أبى بكر رحمه الله فصارت ابنة ربيعة إلى علي بن أبى طالب عليه السلام (فأما) أمر عمان فإنه كان فيما كتب إلى السرى بن يحيى يخبرني عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد والغصن بن القاسم وموسى الجليوسى عن ابن محيريز قالوا نبغ بعمان ذو التاج لقيط بن مالك الازدي وكان يسامى في الجاهلية الجلندى وادعى بمثل ما ادعى به من كان نبيا وغلب على عمان مرتدا وألجأ جيفرا وعبادا إلى الاجبال والبحر فبعث جيفر إلى أبى بكر يخبره بذلك ويستجيشه عليه فبعث أبو بكر الصديق حذيفة بن محصن الغلفانى من حمير وعرفجة البارقى من الازد، حذيفة إلى عمان وعرفجة إلى مهرة وأمرهما إذا اتفقا أن يجتمعا على من بعثا إليه وأن يبتدئا بعمان وحذيفة على عرفجة في وجهه وعرفجة على حذيفة غى وجهه فخرجا متساندين وأمرهما أن يجدا السير حتى يقدما عمان فإذا كانا منها قريبا كاتبا جيفرا وعبادا وعملا برأيهما فمضيا لما أمرا به وقد كان أبو بكر بعث عكرمة إلى مسيلمة باليمامة واتبعه شرحبيل بن حسنة وسمى له اليمامة وأمرهما بما أمر به حذيفة وعرفجة فبادر عكرمة شرحبيل وطلب حظوة الظفر فكلمه مسيلمة فأحجم عن مسيلمة وكتب إلى أبى بكر بالخبر وأقام شرحبيل عليه حيث بلغه الخبر وكتب أبو بكر إلى شرحبيل بن حسنة أن أقم بأذنى اليمامة حتى يأتيك أمرى وترك أن يمضيه لوجهه الذى وجهه له وكتب إلى عكرمة يعنفه لتسرعه ويقول لا أرينك ولا أسمعن بك إلا بعد بلاء والحق بعمان حتى تقاتل أهل عمان وتعين حذيفة وعرفجة وكل واحد منكم على خيله وحذيفة ما دمتم في عمله على الناس فإذا فرغتم فامض إلى مهرة ثم ليكن وجهك منها إلى اليمن حتى تلاقى المهاجر بن أبى أمية باليمن وبحضرموت وأوطئ من بين عمان واليمن ممن ارتد وليبلغني بلاؤك فمضى عكرمة في أثر عرفجة وحذيفة فيمن كان معه حتى لحق بهما قبل أن ينتهيا إلى عمان وقد عهد إليهم أن ينتهوا إلى رأى عكرمة بعد الفراغ في السير معه أو المقام بعمان فلما تلاحقوا وكانوا قريبا من عمان

[ 530 ]

بمكان يدعى رجاما راسلوا جيفرا وعبادا وبلغ لقيطا مجئ الجيش فجمع جموعه وعسكر بدبا وخرج جيفر وعباد من موضعهما الذى كانا فيه فعسكرا بصحار وبعثا إلى حذيفة وعرفجة وعكرمة في القدوم عليهما فقدموا عليهما بصحار فاستبرؤوا ما يليهم حتى رضوا به ممن يليهم وكاتبوا رؤساء مع لقيط وبدؤا بسبد بنى جديد فكاتبهم وكاتبوه حتى ارفضوا عنه ونهدوا إلى لقيط فالتقوا على دبا وقد جمع لقيط العيالات فجعلهم وراء صفوفهم ليحربهم وليحافظوا على حرمهم ودبا هي المصر والسوق العظمى فاقتتلوا بدبا قتالا شديدا وكان لقيط يستعلى الناس فبينا هم كذلك قد رأى المسلمون الخلل ورأى المشركون الظفر جاءت المسلمين موادهم العظمى من بنى ناجية وعليهم الخريث بن راشد ومن عبد القيس وعليهم سيحان بن صوحان وشواذب عمان من بنى ناجية وعبد القيس فقوى الله بهم أهل الاسلام ووهن الله بهم أهل الشرك فولوا المشركون الادبار فقتلوا منهم في المعركة عشرة آلاف وركبوهم حتى أثخنوا فيهم وسبوا الذرارى وقسموا الاموال على المسلمين وبعثوا بالخمس إلى أبى بكر مع عرفجة ورأى عكرمة وحذيفة أن يقيم حذيفة بعمان حتى يوطئ الامور ويسكن الناس وكان الخمس ثمانمائة رأس وغمنوا السوق بحذافيرها فسار عرفجة إلى أبى بكر بخمس السبى والمغانم وأقام حذيفة لتسكين الناس ودعا القبائل حول عمان إلى سكون ما أفاء الله على المسلمين وشواذب عمان ومضى عكرمة في الناس وبدأ بمهرة وقال في ذلك عباد الناجى لعمري لقد لاقى لقيط بن مالك * من الشر ما أخزى وجوه الثعالب وبادى أبا بكر ومن هل فارتمى * خليجان من تياره المتراكب ولم تنهه الاولى ولم ينكأ العدى * فألوت عليه خليه بالجنائب ذكر خبر مهرة بالنجد ولما فرغ عكرمة وعرفجة وحذيفة من ردة عمان خرج عكرمة في جنده نحو مهرة

[ 531 ]

واستنصر من حول عمان وأهل عمان وسار حتى يأتي مهرة ومعه ممن استنصره من ناجية والازد وعبد القيس وراسب وسعد من بنى تميم بشر حتى اقتحم على مهرة بلادها فوافق بها جمعين من مهرة أما أحدهما فبمكان من أرض مهرة يقال له جيروت وقد امتلا ذلك الحيز إلى نضدون قاعين من قيعان مهرة عليهم شخريت رجل من بنى شخراة وأما الآخر فبالنجد وقد انقادت مهرة جميعا لصاحب هذا الجمع عليهم المصبح أحد بنى محارب والناس كلهم معه إلا ما كان من شخريت فكأنا مختلفين كل واحد من الرئيسين يدعو الاخر إلى نفسه وكل واحد من الجندين يشتهى أن يكون الفج لرئيسهم وكان ذلك مما أعان الله به المسلمين وقواهم على عدوهم ووهنهم ولما رأى عكرمة قلة من مع شخريت دعاه إلى الرجوع إلى الاسلام فكان لاول الدعاء فأجابه ووهن الله بذلك المصبح ثم أرسل إلى المصبح يدعوه إلى الاسلام والرجوع عن الكفر فاعتز بكثرة من معه وازداد مباعدة لمكان شخريت فسار إليه عكرمة وسار معه شخريت فالتقوا هم والمصبح بالنجدة فاقتتلوا أشد من قتال دبا ثم إن الله كشف جنود المرتدين وقتل رئيسهم وركبهم المسلمون فقتلوا منهم ما شاؤا وأصابوا ما شاؤا وأصابوا فيما أصابوا ألفى نجيبة فخمس عكرمة الفئ فبعث بالاخماس مع شخريت إلى أبى بكر وقسم الاربعة الاخماس على المسلمين وازداد عكرمة وجنده قوة بالظهر والمتاع والاداة وأقام عكرمة حتى جمعهم على الذى يحب وجمع أهل النجد أهل رياضة الروضة وأهل الساحل وأهل الجزائر وأهل المر واللبان وأهل جيروت وظهور الشحر والصبرات وينعب وذات الخيم فبايعوا على الاسلام فكتب بذلك مع البشير وهو السائب أحد بنى عابد من مخزوم فقدم على أبى بكر بالفتح وقدم شخريت بعده بالاخماس وقال في ذلك علجوم المحاربي جزى الله شخريتا وأفناء هيشم * وفرضم إذ سارت إلينا الحلائب جزاء مسئ لم يراقب ذمة * ولم يرجها فيما يرجى الاقارب أعكرم لولا جمع قومي وفعلهم * لضاقت عليك بالفضاء المذاهب

[ 532 ]

وكنا كمن اقتاد كفا بأختها * وحلت علينا في الدهور النوائب ذكر خبر المرتدين باليمن (قال أبو جعفر) كتب إلى السرى بن يحيى عن شعيب عن سيف عن طلحة عن عكرمة وسهل عن القاسم بن محمد قالا توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى مكة وأرضها عتاب بن أسيد والطاهر بن أبى هالة عتاب على بنى كنانة والطاهر على عك وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اجعلوا عمالة عك في بنى أبيها معد بن عدنان وعلى الطائف وأرضها عثمان بن أبى العاص ومالك بن عوف النصرى عثمان على أهل المدر ومالك على أهل الوبر إعجاز هوازن وعلى نجران وأرضها عمرو بن حزم وأبو سفيان بن حرب عمرو بن حزم على الصلاة وأبو سفيان بن حرب على الصدقات وعلى ما بين رمع وزبيد إلى حد نجران خالد بن سعيد بن العاص وعلى همدان كلها عامر بن شهر وعلى صنعاء فيروز الديلمى مسانده داذويه وقيس بن المكشوح وعلى الجند يعلى بن أمية وعلى مأرب أبو موسى الاشعري وعلى الاشعريين مع عك الطاهر بن أبى هالة ومعاذ بن جبل يعلم القوم يتنقل في عمل كل عامل فنزا بهم الاسود في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فحاربه النبي عليه الصلاة والسلام بالرسل والكتب حتى قتله الله وعاد أمر النبي عليه الصلاة والسلام كما كان قبل وفاة النبي عليه الصلاة والسلام بليلة إلا أن مجيئهم لم يحرك الناس والناس مستعدون له فلما بلغهم موت النبي صلى الله عليه وسلم انتقضت اليمن والبلدان وقد كانت تذبذبت خيول العنسى فيما بين نجران إلى صنعاء في عرض ذلك البحر لا تأوى إلى أحد ولا يأوى إليها أحد فعمرو ابن معديكرب بحيال فروة بن مسيك ومعاوية بن أنس في فالة العنسى يتردد ولم يرجع من عمال النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمرو بن حزم وخالد بن سعيد ولجأ سائر العمال إلى المسلمين واعترض عمرو ابن معديكرب خالد بن سعيد فسلبه الصمصامة ورجعت الرسل مع من رجع

[ 533 ]

بالخبر فرجع جرير بن عبد الله والاقرع بن عبد الله ووبرا بن يحنس فحارب أبو بكر المرتدة جميعا بالرسل والكتب كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حاربهم إلى أن رجع أسامة بن زيد من الشام وحرز ذلك ثلاثة أشهر إلا ما كان من أهل ذى حسى وذى القصة ثم كان أول مصادم عند رجوع أسامة هو فخرج إلى الابرق فلم يصمد لقوم فيفلهم إلا استنفر من لم يرتد منهم إلى آخرين فيفل بطائفة من المهاجرين والانصار والمستنفرة ممن لم يرتد إلى التى تليهم حتى فرغ من آخر أمور الناس ولا يستعين بالمرتدين فكان أول من كتب إليه عتاب بن أسيد كتب إليه بركوب من ارتد من أهل عمله بمن ثبت على الاسلام وعثمان بن أبى العاص بركوب من ارتد من أهل عمله بمن ثبت على الاسلام فأما عتاب فإنه بعث خالد ابن أسيد إلى أهل تهامة وقد تجمعت بها جماع من مدلج وتأشب إليهم شذاذ من خزاعة وأفناء كنانة عليهم جندب بن سلمى أحد بنى شنوق من بنى مدلج ولم يكن في عمل عتاب جمع غيره فالتقوا بالابارق ففرقهم وقتلهم واستحر القتال في بنى شنوق فما زالوا أذلاء قليلا وبرئت عمالة عتاب وأفلت جندب فقال جندب في ذلك ندمت وأيقنت الغداة بأننى * أتيت التى يبقى على المرء عارها شهدت بأن الله لا شئ غيره * بنى مدلج فالله ربى وجارها وبعث عثمان بن أبى العاص بعثا إلى شنوءة وقد تجمعت بها جماع من الازد وبجيلة وخثعم عليهم حميضة بن النعمان وعلى أهل الطائف عثمان بن ربيعة فالتقوا بشنوءة فهزموا تلك الجماع وتفرقوا عن حميضة وهرب حميضة في البلاد فقال في ذلك عثمان بن ربيعة فضضنا جمعهم والنقع كاب * وقد تعدى على الغدر الفتوق * وأبرق بارق لما التقينا * فعادت خلبا تلك البروق خبر الاخابث من عك (قال أبو جعفر) وكان أول منتقض بعد النبي صلى الله عليه وسلم بتهامة عك

[ 534 ]

والاشعرون وذلك إنهم حين بلغهم موت النبي صلى الله عليه وسلم تجمع منهم طخارير فأقبل إليهم طخاريرمن الاشعرين وخضم فانضموا إليهم فأقاموا على الاعلاب طريق الساحل وتأشب إليهم أوزاع على عير رئيس فكتب بذلك الطاهر ابن أبى هالة إلى أبى بكر وسار إليهم وكتب أيضا بمسيره إليهم ومعه مسروق العكى حتى انتهى إلى تلك الاوزاع على الاعلاب فالتقوا فاقتتلوا فهزمهم الله وقتلوهم كل قتلة وأنتنب السبل لقتلهم وكان مقتلهم فتحا عظيما وأجاب أبو بكر الطاهر قبل أن يأتيه كتابه بالفتح بلغني كتابك تخبرني فيه مسيرك واستنفارك مسروقا وقومه إلى الاخابث بالاعلاب فقد أصبت فعاجلوا هذا الضرب ولا ترفهوا عنهم وأقيموا بالاعلاب حتى يأمن طريق الاخابث ويأتيكم أمرى فسميت تلك الجموع من عك ومن تأشب إليهم إلى اليوم الاخابث وسمى ذلك الطريق طريق الاخابث وقال في ذلك الطاهر بن أبى هالة ووالله لولا الله لا شئ غيره * لما فض بالاجراع جمع العثاعث فلم تر عينى مثل يوم رأيته * بجنب صحار في جموع الاخابث قتلناهم ما بين قنة خامر * إلى القيعة الحمراء ذات النبائث وفئنا بأموال الاخابث عنوة * جهارا ولم نحفل بتلك الهثاهث وعسكر طاهر على طريق الاخابث ومعه مسروق في عك ينتظر أمر أبى بكر رحمه الله (قال أبو جعفر) ولما بلغ أهل نجران وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يومئذ أربعون ألف مقاتل من بنى الافعى الامة التى كانوا بها قبل بنى الحارث بعثوا وفدا ليجددوا عهدا فقدموا إليه فكتب لهم كتابا (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا كتاب من عبد الله أبى بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهل نجران أجارهم من جنده ونفسه وأجاز لهم ذمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا ما رجع عنه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله عز وجل في أرضهم وأرض العرب أن لا يسكن بها دينان أجارهم على أنفسهم بعد ذلك وملتهم وسائر أموالهم وحاشيتهم وعاديتهم وغائبهم وشاهدهم وأسقفهم ورهبانهم وبيعهم

[ 535 ]

ما وقعت وعلى ما ملكت أيديهم من قليل أو كثير عليهم ما عليهم فإذا أدوه فلا يحشرون ولا يعشرون ولا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ووفى لهم بكل ما كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ما في هذا الكتاب من ذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار المسلمين وعليهم النصح والاصلاح فيما عليهم من الحق شهد المسور بن عمرو وعمرو مولى أبى بكر ورد أبو بكر جرير ابن عبد الله وأمره أن يدعوه من قومه من ثبت على أمر الله ثم يستنفر مقويهم فيقاتل بهم من ولى عن أمر الله وأمره أن يأتي خثعم فيقاتل من خرج غضبا لذى الخلصة ومن أراد إعادته حتى يقتلهم الله ويقتل من شاركهم فيه ثم يكون وجهه إلى نجران فيقيم بها حتى يأتيه أمره فخرج جرير فنفذ لما أمره به أبو بكر فلم يقر له أحد إلا رجال في عدة قليلة فقتلهم وتتبعهم ثم كان وجهه إلى نجران فأقام بها انتظارا أمر أبى بكر رحمه الله وكتب إلى عثمان بن أبى العاص أن يضرب بعثا من أهل الطائف على كل مخلاف بقدره ويولى عليهم رجلا يأمنه ويثق بناحيته فضرب على كل محلاف عشرين رجلا وأمر عليهم أخاه وكتب إلى عتاب بن أسيد أن اضرب على أهل مكة وعملها خمسمائة مقو وابعث عليهم رجلا تأمنه فسمى من يبعث وأمر عليهم خالد بن أسيد وأقام أمير كل قوم وقاموا على رجل ليأتيهم أمر أبى بكر وليمر عليهم المهاجر ردة أهل اليمن الثانية (قال أبو جعفر) فمن ارتد ثانية منهم قيس بن عبد يغوث بن مكشوح * كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف قال كان من حديث قيس في ردته الثانية أنه حين وقع إليهم الخبر بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم انتكث وعمل في قتل فيروز وداذويه وجشيش وكتب أبو بكر إلى عمير ذى مران والى سعيد ذى زود والى سميفع ذى الكلاع والى حوشب ذى ظليم والى شهر ذى يناف يأمرهم بالتمسك بالذى هم عليه والقيام بأمر الله والناس ويعدهم الجنود من أبى بكر خليفة رسول الله

[ 536 ]

صلى الله عليه وسلم إلى عمير بن أفلح ذى مروان وسعيد بن العاقب ذى زود وسميفع ابن ناكور ذى الكلاع وحوشب ذى ظليم وشهر ذى يناف أما بعد فأعينوا الابناء على من ناوأهم وحوطوهم واسمعوا من فيروز وجدوا معه فإنى قد وليته (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن المستنير بن يزيد عن عروة بن غزية الدثينى قال لما ولى أبو بكر أمر فيروز وهم قبل ذلك متساندون هو وداذويه وجشيش وقيس وكتب إلى وجوه من وجوه أهل اليمن ولما سمع بذلك قيس أرسل إلى ذى الكلاع وأصحابه أن الابناء نزاع بلادكم ونقلاء فيكم وإن تتركوهم لن يزالوا عليكم وقد أرى من الرأى أن أقتل رؤسهم وأخرجهم من بلادنا فتبرؤا فلم يمالؤه ولم ينصروا الابناء واعتزلوا وقالوا لسنا مما ها هنا في شئ أنت صاحبهم وهم أصحابك فتربص لهم قيس واستعد لقتل رؤسائهم وتسيير عامتهم فكاتب قيس تلك الفالة السيارة اللحجية وهم يصعدون في البلاد ويصوبون محاربين لجميع من خالفهم فكاتبهم قيس في السر وأمرهم أن يتعجلوا إليه وليكون أمره وأمرهم واحدا وليجتمعوا على نفى الابناء من بلاد اليمن فكتبوا إليه بالاستجابة له وأخبروه أنهم إليه سراع فلم يفجأ أهل صنعاء إلا الخبر بدنوهم منها فأتى قيس فيروز في ذلك كالفرق من هذا الخبر وأتى داذويه فاستشارهما ليلبس عليهما ولئلا يتهماه فنظروا في ذلك واطمأنوا إليه ثم إن قيسا دعاهم من الغد إلى طعام فبدأ بداذويه وثنى بفيروز وثلث بجشيش فخرج داذويه حتى دخل عليه فلما دخل عليه عاجله فقتله وخرج فيروز يسير حتى إذا دنا سمع امرأتين على سطحين تتحدثان فقالت إحداهما هذا مقتول كما قتل داذويه فلقيهما فعاج حتى يروى أوى القوم الذى أربؤوا فأخبر برجوع فيروز فخرجوا يركضون وركض فيروز وتلقاه جشيش فخرج معه متوجها نحو جبل خولان وهم أخوال فيروز فسبقا الخيول إلى الجبل ثم نزلا فتوقلا وعليهما خفاف ساذجة فما وصلا حتى تقطعت أقدامهما فانتهيا إلى خولان وامتنع فيروز بأخواله وآلى أن لا ينتعل ساذجا ورجعت الخيول إلى قيس فثار بصنعاء فأخذوها وجبى ما حولها مقدما رجلا ومؤخرا أخرى وأتته خيول

[ 537 ]

الاسود ولما أوى فيروز إلى أخواله خولان فمنعوه وتأشب إليه الناس كتب إلى أبى بكر بالخبر فقال قيس وما خولان وما فيروز وما قرار أووا إليه وطابق على قيس عوام قبائل من كتب أبو بكر إلى رؤسائهم وبقى الرؤساء معتزلين وعمد قيس إلا الابناء ففرقهم ثلاث فرق أقر من أقام وأقر عياله وفرق عيال الذين هربوا إلى فيروز فرقتين فوجه إحداهما إلى عدن ليحملوا في البحر وحمل الاخرى في البر وقال لهم جميعا الحقوا بأرضكم وبعث معهم من يسيرهم فكان عيال الديلمى ممن سير في البر وعيال داذويه ممن سير في البحر فلما رأى فيروز أن قد اجتمع عوام أهل اليمن على قيس وأن العيال قد سيروا وعرضهم للنهب ولم يجد إلى فراق عسكره في تنقذهم سبيلا وبلغه ما قال قيس في استصغاره الاخوال والابناء فقال فيروز منتميا ومفاخرا وذكر الظعن ألا ناديا ظعنا إلى الرمل ذى النخل * وقولا لها ألا يقال ولا عذلى وما ضرهم قول العداة ولو أثرى * أتى قومه عن غير فحش ولا بخل فدع عنك ظعنا بالطريق التى هوت * لطيتها صمد الرمال إلى الرمل وإنا فإن كانت بصنعاء دارنا * لنا نسل قوم من عرانينهم نسلى وللديلم الرزام من بعد باسل * أبى الخفض واختار الحرور على الظل وكانت منابيت العراق جسامها * لرهطي إذا كسرى مراجله تغلى وباسل أصلى إن نميت ومنصبي * كما كل عود متهاه إلى الاصل هم تركوا مجراى سهلا وحصنوا * فجاجى بحسن القول والحسب الجزل فما عزنا في الجهل من ذى عداوة * أبى الله إلا أن يعز على الجهل ولا عاقنا في السلم عن آل أحمد * ولا خس في الاسلام إذ أسلموا قبلى وإن كان سجل من قبيلى أرشني * فإنى لراج أن يغرقهم سجلى وقام فيروز في حربه وتجرد لها وأرسل إلى بنى عقيل بن ربيعة بن عامر بن صعصعة رسولا بأنه متفخر بهم يستمدهم ويستنصرهم في ثقله على الذين يزعجون أثقال الابناء وأرسل إلى عك رسولا يستمدهم ويستنصرهم على الذين يزعجون

[ 538 ]

أثقال الابناء فركبت عقيل وعليهم رجل من الحلفاء يقال له معاوية فاعترضوا خيل قيس فتنقذوا أولئك العيال وقتلوا الذين سيروهم وقصروا عليهم القرى إلى أن رجع فيروز إلى صنعاء ووثبت عك وعليهم مسروق فساروا حتى تنقذوا عيالات الابناء وقصروا عليهم القرى إلى أن رجع فيروز إلى صنعاء وأمدت عقيل وعك فيروز بالرجال فلما أتته أمدادهم فيمن كان اجتمع إليه خرج فيمن كان تأشب إليه ومن أمده من عك وعقيل فناهد قيسا فالتقو دون صنعاء فاقتتلوا فهزم الله قيسا في قومه ومن انهضوا فخرج هاربا في جنده حتى عاد معهم وعادوا إلى المكان الذى كانوا به مبادرين حين هربوا بعد مقتل العنسى وعليهم قيس وتذبذبت رافضة العنسى وقيس معهم فيما بين صنعاء ونجران وكان عمرو بن معديكرب بإزاء فروة بن مسيك في طاعة العنسى (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عطية عن عمرو بن سلمة قال وكان من أمر فروة بن مسيك أنه كان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما وقال في ذلك لما رأيت ملوك حمير أعرضت * كالرجل خان الرجل عرق نسائها يممت راحلتي أمام محمد * أرجو فواضلها وحسن ثنائها وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال له هل ساءك ما لقى قومك يوم الرزم يا فروة أو سرك قال ومن يصب في قومه بمثل الذى أصبت به في قومي يوم الرزم إلا ساءه ذلك وكان يوم الرزم بينهم وبين همدان على يغوث وثن كان يكون في هؤلاء مرة وفى هؤلاء مرة فأراد مراد أن تغلبهم عليه في مرتهم فقتلتهم همدان ورئيسهم الاجدع أبو مسروق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن ذلك لم يزدهم في الاسلام إلا خيرا فقال قد سرنى إذ كان ذلك فاستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات مراد ومن نازلهم أو نزل دارهم وكان عمرو بن معديكرب قد فارق قومه سعد العشيرة في بنى زبيد وأحلافها وانحاز إليهم وأسلم معهم فكان فيهم فلما ارتد العنسى واتبعه عوام مذحج اعتزل فروة فيمن أقام معه على الاسلام وارتد عمرو فيمن ارتد فخلفه العنسى فجعله بإزاء

[ 539 ]

فروة فكان بحياله ويمتنع كل واحد منهما لمكان صاحبه من البراح فكانا يتهاديان الشعر فقال عمرو يذكر إمارة فروة يعيبها: وجدنا ملك فروة شر ملك * حمارا ساف منخره بقذر وكنت إذا رأيت أبا عمير * ترى الحولاء من خبث وغدر فأجابه فروة: أتانى عن أبى ثور كلام * وقدما كان في الابغال يجرى وكان الله يبغضه قديما * على ما كان من خبث وغدر فبينا هم كذلك قدم عكرمة أبين (وكتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن سهل عن القاسم وموسى بن الغصن عن ابن محيريز قالا فخرج عكرمة من مهرة سائرا نحو اليمن حتى ورد أبين ومعه بشر كثير من مهرة وسعد بن زيد والازد وناجية وعبد القيس وحدبان من بنى مالك بن كنانة وعمرو بن جندب من العنبر فجمع النخع بعد ما أصاب من مدبريهم فقال لهم كيف كنتم في هذا الامر فقالوا له كنا في الجاهلية أهل دين لا نتعاطى ما تتعاطى العرب بعضها من بعض فكيف بنا إذا صرنا إلى دين عرفنا فضله ودخلنا حبه فسأل عنهم فإذا الامر كما قالوا ثبت عوامهم وهرب من كان فارق من خاصتهم واستبرأ النخع وحمير وأقام لاجتماعهم وأرزى قيس بن عبد يغوث لهبوط عكرمة إلى اليمن إلى عمرو بن معديكرب فلما ضامه وقع بينهما تنازع فتعايرا فقال عمرو بن معديكرب يعير قيسا غدره بالابناء وقتله داذويه ويذكر فراره من فيروز غدرت ولم تحسن وفاء ولم يكن * ليتحمل الاسباب إلا المعوذ وكيف لقيس أن ينوط نفسه * إذا ما جرى والمضرحى المسود وقال قيس وفيت لقومي واحتشدت لمعشر * أصابوا على الاحياء عمرا ومرثدا وكنت لدى الابناء لما لقيتهم * كأصيد يسمو بالعزازة أصيدا وقال عمرو بن معديكرب

[ 540 ]

فما إن داذوى لكم بفخر * ولكن داذوى فضح الذمارا وفيروز غداة أصاب فيكم * وأضرب جموعكم استجارا ذكر خبر طاهر حين شخص مددا لفيروز (قال أبو جعفر الطبري رحمه الله) وقد كان أبو بكر رحمه الله كتب إلى طاهر بن أبى هالة بالنزول إلى صنعاء وإعانة الابناء وإلى مسروق فخرجا حتى أتيا صنعاء وكتب إلى عبد الله بن ثور بن أصغر بأن يجمع إليه العرب ومن استجاب له من أهل تهامة ثم يقيم بمكانه حتى يأتيه أمره وكان أول ردة عمرو ابن معديكرب أنه كان مع خالد بن سعيد فخالفه واستجاب للاسود فسار إليه خالد بن سعيد حتى لقيه فاختلفا ضربتين فضربه خالد على عاتقه فقطع حمالة سيفه فوقع ووصلت الضربة إلى عاتقه وضربه عمرو فلم يصنع شيئا فلما أراد خالد أن يثنى عليه نزل فتوقل في الجبل وسلبه فرسه وسيفه الصمصامة ولحج عمرو فيمن لحج وصارت إلى سعيد بن العاص الاصغر مواريث آل سعيد بن العاص الاكبر فلما ولى الكوفة عرض عليه عمرو ابنته فلم يقبلها وأتاه في داره بعدة سيوف كان خالد أصابها باليمن فقال أيها الصمصامة قال هذا قال خذه فهو لك فأخذه ثم آكف بغلا له فضرب الاكاف فقطعه والبرذعة وأسرع في البغل ثم رده على سعيد وقال لو زرتني في بيتى وهو لى لوهبته لك فما كنت لاقبله إذ وقع (كتب إلى السرى) عن شعب عن سيف عن المستنير بن يزيد عن عروة بن غزية وموسى عن أبى زرعة الشيباني قال ولما فصل المهاجر بن أبى أمية من عند أبى بكر وكان في آخر من فصل اتخذ مكة طريقا فمر بها فاتبعه خالد بن أسيد ومر بالطائف فاتبعه عبد الرحمن ابن أبى العاص ثم مضى حتى إذا حاذى جرير بن عبد الله ضمه إليه وانضم إليه عبد الله بن ثور حين حازاه ثم قدم على أهل نجران فانضم إليه فروة بن مسيك وفارق عمرو بن معديكرب قيسا وأقبل مستجيبا حتى دخل على المهاجر على غير أمان فأوثقه المهاجر وأوثق قيسا وكتب بحالهما إلى أبى بكر

[ 541 ]

رحمه الله وبعث بهما إليه فلما سار المهاجر من نجران إلى اللحجية والتفت الخيول على تلك القالة استأمنوا فأبى أن يؤمنهم فاقترقوا فرقتين فلقى المهاجر إحداهما بعجيب فأتى عليهم ولقيت خيوله الاخرى بطريق الاخابث فأتوا عليهم وعلى الخيول عبد الله وقتل الشرداء بكل سبيل فقدم بقيس وعمرو على أبى بكر فقال يا قيس أعدوت على عباد الله تقتلهم وتتخذ المرتدين والمشركين وليجة من دون المؤمنين وهم بقتله لو وجد أمرا جليا وانتفى قيس من أن يكون قارف من أمر داذويه شيئا وكان ذلك عملا عمل في سر لم يكن به بينة فتجافى له عن دمه وقال لعمرو بن معديكرب أما تخزى أنك كل يوم مهزوم أو مأسور لو نصرت هذا الدين لرفعك الله ثم خلى سبيله وردهما إلى عشائرهما وقال عمرو لا جرم لاقبلن ولا أعود (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن المستنير وموسى قالا سار المهاجر من عجيب حتى ينزل صنعاء وأمر أن يتبعوا شذاذ القبائل الذين هربوا فقتلوا من قدروا عليه منهم كل قتلة ولم يعف متمردا وقبل توبة من أناب من غير المتمردة وعملوا في ذلك على قدر ما رأوا من آثارهم ورجوا عندهم وكتب إلى أبى بكر بدخوله صنعاء وبالذي يتبع من ذلك ذكر خبر حضرموت في ردتهم (قال أبو جعفر) كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف عن الصلت عن كثير بن الصلت قال مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعماله على بلاد حضرموت زياد بن لبيد البياضى على حضرموت وعكاشة بن محصن على السكاسك والسكون والمهاجر على كندة وكان بالمدينة لم يكن خرج حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثه أبو بكر بعد إلى قتال من باليمن والمضى بعد إلى عمله (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى السائب عطاء بن فلان المخزومى عن أبيه عن أم سلمة والمهاجر بن أبى أمية أنه كان تخلف عن تبوك فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه عاتب فبينا أم سلمة

[ 542 ]

تغسل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كيف ينفعني شئ وأنت عاتب على أخى فرأت منه رقة فأومأت إلى خادمها فدعته فلم يزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ينشر عذره حتى عذره ورضى عنه وأمره على كندة فاشتكى ولم يطق الذهاب فكتب إلى زياد ليقوم له على عمله وبرأ بعد فأتم له أبو بكر إمرته وأمره بقتال من بين نجران إلى أقصى اليمن ولذلك أبطأ زياد وعكاشة عن مناجزة كندة انتظارا له (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن سهل عن يوسف عن القاسم بن محمد قال كان سبب ردة كندة اجابتهم الاسود العنسى حتى لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الملوك الاربعة وانهم قبل ردتهم حين أسلموا وأسلم أهل بلاد حضرموت كلهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يوضع من الصدقات أن يوضع صدقة بعض حضرموت في كندة ووضع صدقة كندة في بعض حضرموت وبعض حضرموت في السكون والسكون في بعض حضرموت فقال نفر من بنى وليعة يا رسول الله إنا لسنا بأصحاب إبل فان رأيت أن يبعثوا إلينا بذلك على ظهر فقال إن رأيتم قالوا فإنا ننظر فإن لم يكن لهم ظهر فعلنا فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء ذلك الا بان دعا زياد الناس إلى ذلك فحضروه فقالت بنو وليعة إبلغونا كما وعدتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إن لكم ظهرا فهلموا فاحتملوا ولاحوهم حتى لاحوا زيادا وقالوا له أنت معهم علينا فأبى الحضرميون ولج الكنديون فرجعوا إلى دارهم وقدموا رجلا وأخروا أخرى وأمسك عنهم زياد انتظارا للمهاجر فلما قدم المهاجر صنعاء وكتب إلى أبى بكر بكل الذى صنع أقام حتى قدم عليه جواب كتابه من قبل أبى بكر فكتب إليه أبو بكر وإلى عكرمة أن يسيرا حتى يقدما حضرموت وأقر زيادا على عمله وأذن لمن معك من بين مكة واليمن في القفل إلا أن يؤثر قوم الجهاد وأمده بعبيدة ابن سعد ففعل فسار المهاجر من صنعاء يريد حضرموت وسار عكرمة من أبين يريد حضرموت فالتقيا بمأرب ثم فوزا من صهيد حتى اقتحما حضرموت فنزل أحدهما على الاسود والآخر على وائل (كتب إلى السرى) عن شعيب عن

[ 543 ]

سيف عن سهل بن يوسف عن أبيه عن كثير بن الصلت قال وكان زياد بن لبيد حين رجع الكنديون ولجوا ولج الحضرميون ولى الصدقات بنى عمرو بن معاوية بنفسه فقدم عليهم وهم بالرياض فصدق أول من انتهى إليه منهم وهو غلام يقال له شيطان بن حجر فأعجبته بكرة من الصدقة ودعا بنار فوضع عليهم الميسم وإذا الناقة لاخى الشيطان العداء بن حجر وليست عليه صدقة وكان أخوه قد أوهم حين أخرجها وظنها غيرها فقال العداء هذه شذرة باسمها فقال الشيطان صدق أخى فإنى لم أعطكموها إلا وأنا أراها غيرها فأطلق شذرة وخذ غيرها فإنها غير متروكة فرأى زياد أن ذلك منه اعتلال واتهمه بالكفر ومباعدة الاسلام وتحرى الشر فحمى وحمى الرجلان فقال زياد لا ولا تنعم ولا هي لك لقد وقع عليها ميسم الصدقة وصارت في حق الله ولا سبيل إلى ردها فلا تكونن شذرة عليكم كالبسوس فنادى العداء يا آل عمرو بالرياض أضام وأضطد إن الذليل من أكل في داره ونادى يا أبا السميط فأقبل أبو السميط حارثة بن سراقة بن معديكرب فقصد لزياد بن لبيد وهو واقف فقال أطلق لهذا الفتى بكرته وخذ بعيرا مكانها فانما بعير مكان بعير فقال ما إلى ذلك سبيل فقال ذاك إذا كنت يهوديا وعاج إليها فأطلق عقالها ثم ضرب على جنبها فبعثها وقام دونها وهو يقول يمنعها شيخ بخديه الشيب * ملمع كما يلمع الثوب فأمر به زياد شبابا من حضرموت والسكون فمغثوه وتوطؤه وكتفوه وكتفوا أصحابه وارتهنوهم وأخذوا البكرة فعلقوها كما كانت وقال زياد ابن لبيد في ذلك لم يمنع الشذرة أركوب * والشيخ قد يثنيه أرجوب وتصايح أهل الرياض وتنادوا وغضبت بنو معاوية لحارثة وأظهروا أمرهم وغضبت السكون لزياد وغضبت له حضرموت وقاموا جميعا دونه وتوافى عسكران عظيمان من هؤلاء وهؤلاء لا تحدث بنو معاوية لمكان اسرائهم شيئا ولا تجد أصحاب زياد على بنى معاوية سبيلا يتعلقون به عليهم فأرسل إليهم زياد إما أن تضعوا

[ 544 ]

السلاح وإما أن تؤذنوا بحرب فقالوا لا نضع السلاح أبدا حتى ترسلوا أصحابنا فقال زياد لا يرسلون أبدا حتى ترفضوا وأنتم صغرة قمأة يا أخابث الناس ألستم سكان حضرموت وجيران السكون فما عسيتم أن تكونوا وتصنعوا في دار حضرموت وفى جنوب مواليكم وقال له السكون ناهد القوم فإنه لا يفطمهم الا ذلك فنهد إليهم ليلا فقتل منهم وطاروا عباديد وتمثل زياد حين أصبح في عسكرهم وكنت امرءا لا أبعث الحرب ظالما * فلما أبوا سامحت في حرب حاطب ولما هرب القوم خلى عن النفر الثلاثة ورجع زياد إلى منزله على الظفر ولما رجع الاسراء إلى أصحابهم ذمروهم فتذامروا وقالوا لا تصلح البلدة علينا وعلى هؤلاء حتى تخلو لاحد الفريقين فأجمعوا وعسكروا جميعا ونادوا بمنع الصدقة فتركهم زياد لم يخرج إليهم وتركوا المسير إليه أرسل إليهم الحصين بن نمير فما زال يسفر فيما بينهم وبين زياد وحضرموت والسكون حتى سكن بعضهم عن بعض وهذه النفرة الثانية وقال السكوني في ذلك لعمري وما عمرى بعرضة جانب * ليجتلبن منها المرار بنو عمرو كذبتم وبيت الله لا تمنعونها * زيادا وقد جئنا زيادا على قدر فأقاموا بعد ذلك يسيرا ثم ان بنى عمرو بن معاوية خصوصا خرجوا إلى المحاجر إلى أحماء حموها فنزل جمد محجر أو مخوص محجر أو مشرح محجر أو أبضعة محجر أو أختهم العمردة محجرا وكانت بنو عمرو بن معاوية على هؤلاء الرؤساء ونزلت بنو الحارث بن معاوية محاجرها فنزل الاشعث بن قيس محجر أو السمط بن الاسود محجرا وطابقت معاوية كلها على منع الصدقة وأجمعوا على الردة الا ما كان من شرحبيل بن السمط وابنه فانهما قاما في بنى معاوية فقالا والله إن هذا لقبيح بأقوام أحرار التنقل إن الكرام ليكونون على الشبهة فيتكرمون أن يتنقلوا منها إلى أوضح منها مخافة العار فكيف بالرجوع عن الجميل وعن الحق إلى الباطل والقبيح اللهم إنا لا نمالئ قومنا على هذا وإنا لنادمون على مجامعتهم إلى يومنا هذا يعنى يوم البكرة ويوم النفرة وخرج شرحبيل

[ 545 ]

ابن السمط وابنه السمط حتى أتيا زياد بن لبيد فانضما إليه وخرج ابن صالح وامرؤ القيس بن عابس حتى أتيا زيادا فقالا له بيت القوم فان أقواما من السكاسك قد انضموا إليهم وقد تسرع إليهم قوم من السكون وشذاذ من حضرموت لعلنا نوقع بهم وقعة تورث بيننا عداوة وتفرق بيننا وإن أبيت خشينا أن يرفض الناس عنا إليهم والقوم غارون لمكان من أتاهم راجون لمن بقى فقال شأنكم فجمعوا جمعهم فطرقوهم في محاجرهم فوجدوهم حول نيرانهم جلوسا فعرفوا من يريدون فأكبوا على بنى عمرو بن معاوية وهم عدد القوم وشوكتهم من خمسة أوجه في خمس فرق فأصابوا مشرحا ومحوصا وجمدا وأبضعة وأختهم العمردة أدركتهم اللعنة وقتلوا فأكثروا وهرب من أطاق الهرب ووهنت بنو عمرو بن معاوية فلم يأتوا بخير بعدها وانكفأ زياد بالسبي والاموال وأخذوا طريقا يفضى بهم إلى عسكر الاشعث وبنى الحارث بن معاوية فلما مروا بهم فيه استغاث نسوة بنى عمرو بن معاوية ببنى الحارث ونادينه يا أشعث يا أشعث خالاتك خالاتك فثار في بنى الحارث فتنقذهم وهذه الثالة وقال الاشعث منعت بنى عمرو وقد جاء جمعهم * بأمعز من يوم البضيض وأصبر وعلم الاشعث أن زيادا وجنده إذا بلغهم ذلك لم يقلعوا عنه ولا عن بنى الحارث بن معاوية وبنى عمرو بن معاوية فجمع إليه بنى الحارث بن معاوية وبنى عمرو بن معاوية ومن أطاعه من السكاسك والخصائص من قبائل ما حولهم وتباين لهذه الوقعة من بحضرموت من القبائل فثبت أصحاب زياد على طاعة زياد ولجت كندة فلما تباينت القبائل كتب زياد إلى المهاجر وكاتبه الناس فتلقاه بالكتاب وقد قطع صهيد مفازة ما بين مأرب وحضرموت واستخلف على الجيش عكرمة وتعجل في سرعان الناس ثم سار حتى قدم على زياد فهد إلى كندة وعليهم الاشعث فالتقوا بمحجر الزرقان فاقتتلوا به فهزمت كندة وقتلت وخرجوا هرابا فالتجأت إلى النجير وقد رموه وحصنوه وقال في يوم محجر الزرقان المهاجر كنا بزرقان إذ يشردكم * بحر يزجى في موجه الحطبا

[ 546 ]

نحن قتلناكم بمحجركم * حتى ركبتم من خوفنا السببا إلى حصار يكون أهونه * سبى الذرارى وسوقها خببا وسار المهاجر في الناس من محجر الزرقان حتى نزل على النجير وقد اجتمعت إليه كندة فتحصنوا فيه ومعهم من استغووا من السكاسك وشذاذ من السكون وحضرموت والنجير على ثلاثة سبل فنزل زياد على أحدها ونزل المهاجر على الآخر وكان الثالث لهم يؤتون فيه ويذهبون فيه إلى أن قدم عكرمة في الجيش فأنزله على ذلك الطريق فقطع عليهم المواد وردهم وفرق في كندة الخيول وأمرهم أن يوطئوهم وفيمن بعث يزيد بن قنان من بنى مالك بن سعد فقتل من بقرى بنى هند إلى برهوت وبعث فيمن بعث إلى الساحل خالد بن فلان المخزومى وربيعة الحضرمي فقتلوا أهل محا وأحياء أخر وبلغ كندة وهم في الحصار ما لقى سائر قومهم فقالوا الموت خير مما أنتم فيه جزوا نواصيكم حتى كأنكم قوم قد وهبتم لله أنفسكم فأنعم عليكم فبؤتم بنعمه لعله أن ينصركم على هؤلاء الظلمة فجزوا نواصيهم وتعاقدوا وتواثقوا ألا يفر بعضهم عن بعض وجعل راجزهم يرتجز في جوف الليل فوق حصنهم صباح سوء لبنى قتيره * وللامير من بنى المغيره وجعل راجز المسلمين زياد بن دينار يرد عليهم لا توعدونا واصبروا حصيره * نحن خيول ولد المغيره وفى الصباح تظفر العشيره فلما أصبحوا خرجوا على الناس فاقتتلوا بأفنية النجير حتى كثرت القتلى بحيال كل طريق من الطرق الثلاثة وجعل عكرمة يرتجز يومئذ ويقول أطعنهم وأنا على وفاز * طعنا أبوبه على مجاز ويقول: أنفذ قولى وله نفاذ * وكل من جاورنى معاذ فهزمت كندة وقد أكثروا فيهم القتل وقال هشام بن محمد قدم عكرمة بن أبى جهل بعد ما فرغ المهاجر من أمر القوم مددا له فقال زياد والمهاجر لمن معهما إن إخوانكم قدموا مددا لكم وقد سبقتوهم بالفتح فأشركوهم في الغنيمة ففعلوا

[ 547 ]

وأشركوا من لحق بهم وتواصوا بذلك وبعثوا بالاخماس والاسراء وسار البشير فسبقهم وكانوا يبشرون القبائل ويقرؤن عليهم الفتح (وكتب إلى السرى) قال كتب أبو بكر رحمه الله إلى المهاجر مع المغيرة بن شعبة إذا جاءكم كتابي هذا ولم تظفروا فان ظفرتم بالقوم فاقتلوا المقاتلة واسبوا الذرية إن أخذتموهم عنوة أو ينزلوا على حكمي فان جرى بينكم صلح قبل ذلك فعلى أن تخرجوهم من ديارهم فانى أكره أن أقر أقواما فعلوا فعلهم في منازلهم ليعلموا أن قد أساؤا وليذوقوا وبال بعض الذى أتوا (قال أبو جعفر) ولما رأى أهل النجير المواد لا تنقطع عن المسلمين وأيقنوا أنهم غير منصرفين عنهم خشعت أنفسهم ثم خافوا القتل وخاف الرؤساء على أنفسهم ولو صبروا حتى يجئ المغيرة لكانت لهم في الثالثة الصلح على الجلاء نجاة فعجل الاشعث فخرج إلى عكرمة بأمان وكان لا يأمن غيره وذلك أنه كانت تحته أسماء ابنة النعمان بن الجون خطبها وهو يومئذ بالجند ينتظر المهاجر فأهداها إليه أبوها قبل أن يبادوا فأبلغه عكرمة المهاجر واستأمنه له على نفسه ونفر معه تسعة على أن يؤمنهم وأهليهم على أن يفتحوا لهم الباب فأجابه إلى ذلك وقال انطلق فاستوثق لنفسك ثم هلم كتابك أختمه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى اسحاق الشيباني عن سعيد بن أبى بردة عن عامر أنه دخل عليه فاستأمنه على أهله وماله وتسعة ممن أحب وعلى أن يفتح لهم الباب فيدخلوا على قومه فقال له المهاجر اكتب ما شئت واعجل فكتب أمانه وأمانهم وفيهم أخوه وبنو عمه وأهلوهم ونسى نفسه عجل ودهش ثم جاء بالكتاب فختمه ورجع فسرب الذين في الكتاب * وقال الاجلح والمجالد لما لم يبق الا أن يكتب نفسه وثب عليه جحدم بشفرة وقال نفسك أو تكتبنى فكتبه وترك نفسه (قال أبو اسحاق) فلما فتح الباب اقتحمه المسلمون فلم يدععود فيه مقاتلا الا قتلوه ضربوا أعناقهم صبرا وأحصى ألف امرأة ممن في النجير والخندق ووضع على السبى والفئ الاحراس وشاركهم كثير * وقال كثير بن الصلت لما فتح الباب وفرغ ممن في النجير وأحصى ما أفاء الله عليهم دعا الاشعث بأولئك النفر ودعا بكتابه فعرضهم فأجاز من الكتاب فإذا الاشعث

[ 548 ]

ليس فيه فقال المهاجر الحمد لله الذى خطأك نوءك يا أشعث يا عدو الله قد كنت أشتهى أن يخزيك الله فشده وثاقا وهم بقتله فقال له عكرمة أخره وأبلغه أبا بكر فهو أعلم بالحكم هذا وإن كان رجلا نسى اسمه أن يكتبه وهو ولى المخاطبة أفذاك يبطل ذاك فقال المهاجر إن أمره لبين ولكني اتبع المشورة وأوثرها وأخره وبعث به إلى أبى بكر مع السبى فكان معهم يلعنه المسلمون ويلعنه سبايا قومه وسماه نساء قومه عرف النار كلام يمان يسمون به الغادر وقد كان المغيرة تحير ليلة الذى أراد الله فجاء والقوم في دمائهم والسبي على ظهر وسارت السبايا والاسرى فقدم القوم على أبى بكر رحمه الله بالفتح والسبايا والاسرى فدعا بالاشعث فقال استزلك بنو وليعة ولم تكن لتستزلهم ولا يرونك لذلك أهلا وهلكوا وأهلكوك أما تخشى أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل اليك منها طرف ما تراني صانعا بك قال إنى لا أعلم برأيك وأنت أعلم برأيك قال فانى أرى قتلك قال فانى أنا الذى راوضت القوم في عشرة فما يحل دمى قال أفوضوا اليك قال نعم قال ثم أتيتهم بما فوضوا اليك فختموه لك قال نعم قال فانما وجب الصلح بعد ختم الصحيفة على من في الصحيفة وانما كنت قبل ذلك مراوضا فلما خشى أن يقع به قال أو تحتسب في خيرا فتطلق إسارى وتقيلنى عثرتي وتقبل إسلامى وتفعل بى مثل ما فعلته بأمثالى وترد على زوجتى وقد كان خطب أم فروة بنت أبى قحافة مقدمه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجه وأخرها إلى أن يقدم الثانية فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل الاشعث ما فعل فخشى أن لا ترد عليه تجدني خير أهل بلادي لدين الله فتجافى له عن دمه وقبل منه ورد عليه أهله وقال انطلق فليبلغني عنك خير وخلى عن القوم فذهبوا وقسم أبو بكر في الناس الخمس واقتسم الجيش الاربعة الاخماس (قال أبو جعفر) وأما ابن حميد فانه قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر أن الاشعث لما قدم به على أبى بكر قال ماذا تراني أصنع بك فانك قد فعلت ما علمت قال تمن على فتفكني من الحديد وتزوجني أختك فتني قد راجعت وأسلمت

[ 549 ]

فقال أبو بكر قد فعلت فزوجه أم فروة ابنة أبى قحافة فكان بالمدينة حتى فتح العراق (رجع الحديث إلى حديث سيف) فلما ولى عمر رحمه الله قال انه ليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا وقد وسع الله وفتح المعاجم واستشار في فداء سبايا العرب في الجاهلية والاسلام إلا امرأة ولدت لسيدها وجعل فداء كل انسان سبعة أبعرة وستة أبعرة الا حنيفة وكندة فانه خفف عنهم لقتل رجالهم ومن لا يقدر على فداء لقيامهم وأهل دبا فتتبعت رجالهم نساءهم بكل مكان فوجد الاشعث في بنى نهد وبنى غطيف امرأتين وذلك أنه وقف فيها يسأل عن غراب وعقاب فقيل ما تريد إلى ذلك قال إن نساءنا يوم النجير خطفهن العقبان والغربان والذئاب والكلاب فقال بنو غطيف هذا غراب قال فما موضعه فيكم قالوا في الصيانة قال فنعم وانصرف وقال عمر لا ملك على عربي للذى أجمع عليه المسلمون معه قالوا ونظر المهاجر في أمر المرأة التى كان أبوها النعمان بن الجون أهداها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوصفها انها لم تشتك قط فردها وقال لا حاجة لنا بها بعد أن أجلسها بين يديه وقال لو كان لها عند الله خير لاشتكت فقال المهاجر لعكرمة متى تزوجتها قال وأنا بعدن فاهديت إلى بالجند فسافرت بها إلى مأرب ثم أوردتها العسكر فقال بعضهم دعها فانها ليست بأهل أن يرغب فيها وقال بعضهم لا تدعها فكتب المهاجر إلى أبى بكر رحمه الله يسأله عن ذلك فكتب إليه أبو بكر إن أباها النعمان بن الجون أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزينها له حتى أمره أن يجيئه بها فلما جاءه بها قال أزيدك انها لم تتجع شيئا قط فقال لو كان لها عند الله خير لاشتكت ورغب عنها فارغبوا عنها فارسلها وبقى في قريش بعد ما أمر عمر في السبى بالفداء عدة منهم بشرى بنت قيس بن أبى الكيسم عند سعد بن مالك فولدت له عمر وزرعة بنت مشرح عند عبد الله بن العباس ولدت له عليا وكتب أبو بكر إلى المهاجر يخيره اليمن أو حضرموت فاختار اليمن فكانت اليمن على أميرين فيروز والمهاجر وكانت حضرموت على أميرين عبيدة بن سعد على كندة والسكاسك بن زياد بن لبيد على حضرموت وكتب أبو بكر إلى عمال الردة أما بعد

[ 550 ]

فان أحب من أدخلتم إلى أموركم إلى من لم يرتدوا من كان ممن لم يرتد فأجمعوا على ذلك فاتخذوا منها صنائع وائذنوا لمن شاء في الانصراف ولا تستعينوا بمرتد في جهاد عود وقال الاشعث بن مئناس السكوني يبكى أهل النجير لعمري وما عمرى على بهين * لقد كنت بالقتلى لحق ضنين فلا غرو إلا يوم أفرغ بينهم * وما الدهر عندي بعدهم بأمين فليت جنوب الناس تحت جنوبهم * ولم تمش أنثى بعدهم بجنين وكنت كذات البوريعت فأقبلت * على بوها إذ طربت بحنين (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن موسى بن عقبة عن الضحاك ابن خليفة قال وقع إلى المهاجر امرأتان مغنيتان غنت إحداهما بشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطع يدها ونزع ثنيتها فكتب إليه ابو بكر رحمه الله بلغني الذى سرت به في المرأة التى تغنت وزمرت بشتيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فولا ما قد سبقتني فيها لامرتك بقتلها لان حد الانبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مستسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر وكتب إليه أبو بكر في التى تغنت بهجاء المسلمين أما بعد فانه بلغني أنك قطعت يد امرأة في أن تغنت بهجاء المسلمين ونزعت ثنيتها فان كانت ممن تدعى الاسلام فأدب وتقدمه دون المثلة وإن كانت ذمية فلعمري لما صفحت عنه من الشرك أعظم ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت مكروها فاقبل الدعة وإياك والمثلة في الناس فانها مأثم ومنفرة الا في قصاص (وفى هذه السنة) أعنى سنة إحدى عشرة انصرف معاذ بن جبل من اليمن واستقضى أبو بكر فيها عمر بن الخطاب فكان على القضاء أيام خلافته كلها (وفيها) أمر أبو بكر رحمه الله على الموسم عتاب بن أسيد فيما ذكره الذين أسند إليهم خبره علي بن محمد الذين ذكرت قبل في كتابي هذا أسماءهم وقال على بن محمد وقال قوم بل حج بالناس في سنة إحدى عشرة عبد الرحمن بن عوف عن تأمير أبى بكر إياه بذلك

[ 551 ]

ثم كانت سنة اثنتى عشرة من الهجرة (قال أبو جعفر) ولما فرغ خالد من أمر اليمامة كتب إليه أبو بكر الصديق رحمه الله وخالد مقيم باليمامة فيما حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري قال أخبرنا عمى قال أخبرنا سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبى أن سر إلى العراق حتى تدخلها وابدأ بفرج الهند وهى الابلة وتألف أهل فارس ومن كان في ملكهم من الامم * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا على بن محمد بالاسناد الذى قد تقدم ذكره عن القوم الذين ذكرتهم فيه أن أبا بكر رحمه الله وجه خالد بن الوليد إلى أرض الكوفة وفيها المثنى بن حارثة الشيباني فسار في المحرم سنة اثنتى عشرة فجعل طريقه البصرة وفيها قطبة بن قتادة السدوسى (قال أبو جعفر) وأما الواقدي فإنه قال اختلف في أمر خالد بن الوليد فقائل يقول مضى من وجهه ذلك من اليمامة إلى العراق وقائل يقول رجع من اليمامة فقدم المدينة ثم سار إلى العراق من المدينة على طريق الكوفة حتى انتهى إلى الحيرة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن صالح بن كيسان أن أبا بكر رحمه الله كتب إلى خالد بن الوليد يأمره أن يسير إلى العراق فمضى خالد يريد العراق حتى نزل بقريات من السواد يقال لها بانقيا وباروسما وأليس فصالحه أهلها وكان الذى صالحه عليها ابن صلوبا وذلك في سنة اثنتى عشرة فقبل منهم خالد الجزية وكتب لهم كتابا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد لابن صلوبا السوادى ومنزله بشاطئ الفرات إنك آمن بأمان الله إذ حقن دمه بإعطاء الجزية وقد أعطيت عن نفسك وعن أهل خرجك وجزيرتك ومن كان في قريتيك بانقيا وباروسما ألف درهم فقبلها منك ورضى من معى من المسلمين بها منك ولك ذمة الله وذمة محمد صلى الله عليه وسلم وذمة المسلمين على ذلك وشهد هشام بن الوليد ثم أقبل خالد بن الوليد بمن معه حتى نزل الحيرة فخرج إليه أشرافهم مع قبيصة بن إياس بن حية الطائى وكان أمره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر فقال له خالد ولاصحابه أدعوكم إلى

[ 552 ]

الله والى الاسلام فإن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين لكم مالهم وعليكم ما عليهم فإن أبيتم فالجزية فإن أبيتم الجزية فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم فقال له قبيصة بن إياس ما لنا بحربك من حاجة بل نقيم على ديننا ونعطيك الجزية فصالحهم على تسعين ألف درهم فكانت أول جزية وقعت بالعراق هي والقريات التى صالح عليها ابن صلوبا (قال أبو جعفر) وأما هشام ابن الكلبى فإنه قال لما كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة أن يسير إلى الشأم أمره أن يبدأ بالعراق فيمر بها فأقبل خالد منها يسير حتى نزل النباج * قال هشام قال أبو مخنف فحدثني أبو الخطاب حمزة بن علي عن رجل من بكر بن وائل أن المثنى بن حارثة الشيباني سار حتى قدم على أبى بكر رحمه الله فقال أمرنى على من قبلى من قومي أقاتل من يلينى من أهل فارس وأكفيك ناحيتى ففعل ذلك فأقبل جمع قومه وأخذ يغير بناحية كسكر مرة وفى أسفل الفرات مرة ونزل خالد بن الوليد النباج والمثنى بن حارثة بخفان معسكر فكتب إليه خالد بن الوليد ليأتيه وبعث إليه بكتاب من أبى بكر يأمره فيه بطاعته فانقض إليه جوادا حتى لحق به وقد زعمت بنو عجل أنه كان خرج مع المثنى بن حارثة رجل منهم يقال له مذعور بن عدى فنازع المثنى بن حارثة فتكاتبا إلى أبى بكر فكتب أبو بكر إلى العجلى يأمره بالمسير مع خالد إلى الشام وأقر المثنى على حاله فبلغ العجلى مصر فشرف بها وعظم شأنه فداره اليوم بها معروفة وأقبل خالد بن الوليد يسير فعرض له جابان صاحب أليس فبعث إليه المثنى بن حارثة فقاتله فهزمه وقتل جل أصحابه إلى جانب نهر ثم يدعى نهر دم لتلك الوقعة وصالح أهل أليس وأقبل حتى دنا من الحيرة فخرجت إليه خيول آزاذبه صاحب خيل كسرى التى كانت في مسالح ما بينه وبين العرب فلقوهم بمجتمع الانهار فتوجه إليهم المثنى بن حارثة فهزمهم الله ولما رأى ذلك أهل الحيرة خرجوا يستقبلونه فيهم عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة وهانئ ابن قبيصة فقال خالد لعبد المسيح من أين أثرك قال من ظهر أبى قال من أين خرجت قال من بطن أمي قال ويحك على أي شئ أنت قال على الارض قال

[ 553 ]

ويلك في أي شئ أنت قال في ثيابي قال ويحك تعقل قال نعم وأقيد قال إنما أسألك قال وأنا أجيبك قال أسلم أنت أم حرب قال بل سلم قال فما هذه الحصون التى أرى قال بنيناها للسفيه نحبسه حتى يجئ الحليم فينهاه ثم قال لهم خالد إنى أدعوكم إلى الله والى عبادته والى الاسلام فإن قبلتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا وإن أبيتم فالجزية وإن أبيتم فقد جئناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم شرب الخمر فقالوا لا حاجة لنا في حربك فصالحهم على تسعين ومائة ألف درهم فكانت أول جزية حملت إلى المدينة من العراق ثم نزل على بانقيا فصالحه بصبهرى بن صلوبا على ألف درهم وطيلسان وكتب لهم كتابا وكان صالح خالد أهل الحيرة على أن يكونوا له عيونا ففعلوا * قال هشام عن أبى مخنف قال حدثنى المجالد بن سعيد عن الشعبى قال اقرأني بنو بقيلة كتاب خالد بن الوليد إلى أهل المدائن من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس سلام على من اتبع الهدى أما بعد فالحمد لله الذى فض خدمتكم وسلب ملككم ووهن كيدكم وإنه من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذى له ما لنا وعليه ما علينا أما بعد فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إلى بالرهن واعتقدوا منى الذمة وإلا فو الذى لا إله غيره لابعثن اليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة فلما قرؤا الكتاب أخذوا يتعجبون وذلك سنة اثنتى عشرة (قال أبو جعفر) وأما غير ابن اسحاق وغير هشام ومن ذكرت قوله من قبل فإنه قال في أمر خالد ومسيره إلى العراق ما حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري قال حدثنى عمى عن سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبى قال لما فرغ خالد ابن الوليد من اليمامة كتب إليه أبو بكر رحمه الله إن الله فتح عليك فعارق حتى تلقى عياضا وكتب إلى عياض بن غنم وهو بين النباج والحجاز أن سر حتى تأتى المصيخ فابدأ بها ثم ادخل العراق من أعلاها وعارق حتى تلقى خالدا وأذنا لمن شاء بالرجوع ولا تستفتحا بمتكاره ولما قدم الكتاب على خالد وعياض وأذنا في القفل عن أمر أبى بكر قفل أهل المدينة وما حولها وأعروهما فاستمدا أبا بكر فأمد أبو بكر خالدا بالقعقاع بن عمرو التميمي فقيل له أتمد رجلا قد ارفض عنه جنوده برجل

[ 554 ]

فقال لا يهزم جيش فيهم مثل هذا وأمد عياضا بعبد بن عوف الحميرى وكتب اليهما أن استنفرا من قاتل أهل الردة ومن ثبت على الاسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يغزون معكم أحد ارتد حتى أرى رأيى فلم يشهد الايام مرتد فلما قدم الكتاب على خالد بتأمير العراق كتب إلى حرملة وسلمى والمثنى ومذعور باللحاق به وأمرهم أن يواعدوا جنودهم الابلة وذلك أن أبا بكر أمر خالدا في كتابه إذا دخل العراق أن يبدأ بفرج أهل السند والهند وهو يومئذ الابلة ليوم قد سماه ثم حشر من بينه وبين العراق فحشر ثمانية آلاف من ربيعة ومضر إلى ألفين كانا معه فقدم في عشرة آلاف على ثمانية آلاف ممن كان مع الامراء الاربعة يعنى بالامراء الاربعة المثنى ومذعورا وسلمى وحرملة فلقى هرمز في ثمانية عشر ألفا * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن المهلب الاسدي عن عبد الرحمن بن سياه وطلحة بن الاعلم عن المغيرة بن عتيبة قالوا كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد إذ أمره على حرب العراق أن يدخلها من أسفلها وإلى عياض إذ أمره على حرب العراق أن يدخلها من أعلاها ثم يستبقا إلى الحيرة فأيهما سبق إلى الحيرة فهو أمير على صاحبه وقال إذا اجتمعتما بالحيرة وقد فضضتما مسالح فارس وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليكن أحدكما ردأ للمسلمين ولصاحبه بالحيرة وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم المدائن * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن المجالد عن الشعبى قال كتب خالد إلى هرمز قبل خروجه مع آزاذبه أبى الزباذبة الذين باليمامة وهرمز صاحب الثغر يومئذ أما بعد فأسلم تسلم أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقرر بالجزية وإلا فلا تلومن إلا نفسك فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة * قال سيف عن طلحة بن الاعلم عن المغيرة بن عتيبة وكان قاضى أهل الكوفة قال فرق خالد مخرجه من اليمامة إلى العراق جنده ثلاث فرق ولم يحملهم على طريق واحد فسرح المثنى قبله بيومين ودليله ظفر وسرح عدى بن حاتم وعاصم بن عمرو ودليلاهما مالك بن عباد وسالم ابن نصر أحدهما قبل صاحبه بيوم وخرج خالد ودليله رافع فواعدهم جميعا الحفير

[ 555 ]

ليجتمعوا به وليصادموا به عدوهم وكان فرج الهند أعظم فروج فارس شأنا وأشدها شوكة وكان صاحبه يحارب العرب في البر والهند في البحر * قال وشاركه المهلب ابن عقبة وعبد الرحمن بن سياه الاحمري الذى ينسب إليه الحمراء فيقال حمراء سياه قال لما قدم كتاب خالد على هرمز كتب بالخبر إلى شيرى بن كسرى وإلى أردشير بن شيرى وجمع جموعه ثم تعجل إلى الكواظم في سرعان أصحابه ليتلقى خالدا وسبق حلبته فلم يجدها طريق خالد وبلغه أنهم تواعدوا الحفير فعاج يبادره إلى الحفير فنزله فتعبي به وجعل على مجنبته أخوين يلاقيان أردشير وشيرى إلى أردشير الاكبر يقال لهما قباذوا وأنوشجان واقترنوا في السلاسل فقال من لم ير ذلك لمن رآه قيدتم أنفسكم لعدوكم فلا تفعلوا فإن هذا طائر سوء فاجابوهم وقالوا أما أنتم فيحدثوننا أنكم تريدون الهرب فلما أتى الخبر خالدا بأن هرمز في الحفير امال الناس إلى كاظمة وبلغ هرمز ذلك فبادره إلى كاظمة فنزلها وهو حسير وكان من أسوإ أمراء ذلك الفرج جورا للعرب فكل العرب عليه مغيظ وقد كانوا ضربوه مثلا في الخبث حتى قالوا أخبث من هرمز وأكفر من هرمز وتعبى هرمز وأصحابه واقترقوا في السلاسل والماء في أيديهم وقدم خالد عليهم فنزل على غير ماء فقالوا له في ذلك فأمر مناديه فنادى ألا انزلوا وحطوا أثقالكم ثم جالدوهم على الماء فلعمري ليصيرن الماء لاصبر الفريقين وأكرم الجندين فحطت الاثقال والخيل وقوف وتقدم الرجل ثم زحف إليهم حتى لاقاهم فاقتتلوا وأرسل الله سحابة فاغدرت ما وراء صف المسلمين فقواهم بها وما ارتفع النهار وفى العائط مقترن * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن عبد الملك بن عطاء البكائى عن المقطع بن الهيثم البكائى بمثله وقالوا وأرسل هرمز أصحابه بالغد ليغدروا بخالد فواطؤه على ذلك ثم خرج هرمز فنادى رجل ورجل أين خالد وقد عهد إلى فرسانه عهد فلما نزل خالد نزل هرمز ودعاه إلى النزال فنزل خالد فمشى إليه فالتقيا فاختلفا ضربتين واحتضنه خالد وحملت حامية هرمز وغدرت فاستحملوا خالدا فما شغله ذلك عن قتله وحمل القعقاع بن

[ 556 ]

عمرو واستحلم حماة هرمز فأناموهم وإذا خالد يماصعهم وانهزل أهل فارس وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل وجمع خالد الرثاث وفيها السلاسل فكانت وقر بعير ألف رطل فسميت ذات السلاسل وأفلت قباذوا أنوشجان * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن عمرو بن محمد عن الشعبى قال كان أهل فارس يجعلون قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم فمن تم شرفه فقيمة قلنسوته مائة ألف فكان هرمز ممن تم شرفه فكانت قيمتها مائة ألف فنفلها أبو بكر خالدا وكانت مفصصة بالجوهر وتمام شرف أحدهم أن يكون من بيوتات السبعة * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن محمد بن نويرة عن حنظلة بن زياد بن حنظلة قال لما تراجع الطلب من ذلك اليوم نادى منادى خالد بالرحيل وسار بالناس واتبعته الاثقال حتى ينزل بموضع الجسر الاعظم من البصرة اليوم وقد أفلت قباذو أنوشجان وبعث خالد بالفتح وما بقى من الاخماس وبالفيل وقرأ الفتح على الناس ولما قدم زر بن كليب بالفيل مع الاخماس فطيف به في المدينة ليراه الناس جعل ضعيفات النساء يقلن أمن خلق الله ما نرى ورأينه مصنوعا فرده أبو بكر مع زرقان ولما نزل خالد موضع الجسر الاعظم اليوم بالبصرة وبعث المثنى بن حارثة في آثار القوم وأرسل معقل بن مقرن المزني إلى الابلة ليجمع له مالها والسبي فخرج معقل حتى نزل الابلة فجمع الاموال والسبايا (قال أبو جعفر) وهذه القصة في أمر الابلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح وإنما كان فتح الابلة أيام عمر رحمه الله وعلى يد عتبة بن غزوان في سنة أربعة عشرة من الهجرة وسنذكر أمرها وقصة فتحها إذا انتهينا إلى ذلك إن شاء الله (رجع الحديث) إلى حديث سيف عن محمد بن نويرة عن حنظلة بن زياد قال وخرج المثنى حتى انتهى إلى نهر المرأة فانتهى إلى الحصن الذى فيه المرأة فخلف المعنى بن حارثة عليه فحاصرها في قصرها ومضى المثنى إلى الرجل فحاصره ثم استنزلهم عنوة فقتلهم واستفاء أموالهم ولما بلغ ذلك المرأة صالحت المثنى وأسلمت فتزوجها المعنى ولم يحرك خالد وأمراؤه الفلاحين في

[ 557 ]

شئ من فتوحهم لتقدم أبى بكر إليه فيهم وسبى أولاد المقاتلة الذين كانوا يقومون بأمور الاعاجم وأقر من لم ينهض من الفلاحين وجعل لهم الذمة وبلغ سهم الفارس في يوم ذات السلاسل والثنى ألف درهم والراجل على الثلث من ذلك قال وكانت وقعة المذار في صفر سنة اثنتى عشرة ويومئذ قال الناس صفر الاصفار فيه يقتل كل جبار على مجمع الانهار * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن زياد والمهلب عن عبد الرحمن بن سياه الاحمري وأما فيما كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف فانه عن سيف عن المهلب بن عقبة وزياد بن سرجس الاحمري وعبد الرحمن بن سياه الاحمري وسفيان الاحمري قالوا وقد كان هرمز كتب إلى أردشير وشيرى بالخبر بكتاب خالد إليه بمسيره من اليمامة نحوه فأمده بقارن بن قريانس فخرج قارن من المدائن ممدا لهرمز حتى إذا انتهى إلى المذار بلغته الهزيمة وانتهت إليه الفلال فتذامروا وقال فلال الاهواز وفارس لفلال السواد والجبل إن افترقتم لم تجتمعوا بعدها أبدا فاجتمعوا على العود مرة واحدة فهذا مدد الملك وهذا قارن لعل الله يديلنا ويشفينا من عدونا وندرك بعض ما أصابوا منا ففعلوا وعسكر بالمذار واستعمل قارن على مجنبته قباد وأنوشجان وأرز المثنى والمعنى إلى خالد بالخبر ولما انتهى الخبر إلى خالد عن قسم الفئ على من أفاءه الله عليه ونفل من الخمس ما شاء الله وبعث ببقيته وبالفتح إلى أبى بكر وبالخبر عن القوم وباجتماعهم إلى الثنى المغيث والمغاث مع الوليد بن عقبة والعرب تسمى كل نهر الثنى وخرج خالد سائرا حتى ينزل المذار على قارن في جموعه فالتقوا وخالد على تعبيته فاقتتلوا على حنق وحفيظة وخرج قارن يدعو للبراز فبرز له خالد وأبيض الركبان معقل بن الاعشى ابن النباش فابتدراه فسبقه إليه معقل فقتله وقتل عاصم الانوشجان وقتل عدى قباذ وكان شرف قارن قد انتهى ثم لم يقاتل المسلمون بعده أحدا انتهى شرفه في الاعاجم وقتلت قارس مقتلة عظيمة فضموا السفن ومنعت المياه المسلمين من طلبهم

[ 558 ]

وأقام خالد بالمذار وسلم الاسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت وقسم الفئ ونفل من الاخماس أهل البلاء وبعث ببقية الاخماس ووفد وفدا مع سعد بن النعمان أخى بنى عدى بن كعب * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن محمد ابن عبد الله عن أبى عثمان قال قتل ليلة المذار ثلاثون ألفا سوى من غرق ولولا المياة لاتى على آخرهم ولم يفلت منهم من أفلت إلا عراة وأشباه العراة * قال سيف عن عمرو والمجالد عن الشعبى قال كان أول من لقى خالد مهبطه العراق هرمز بالكواظم ثم نزل الفرات بشاطئ دجلة فلم يلق كيدا وتبحبح بشاطئ دجلة ثم الثنى ولم ليلق بعد هرمز أحدا إلا كانت الوقعة الآخرة أعظم من التى قبلها حتى أتى دومة الجندل وزاد سهم الفارس في يوم الثنى على سهمه في ذات السلاسل فأقام خالد بالثنى يسبى عيالات المقاتلة ومن أعانهم وأقر الفلاحين ومن أجاب إلى الخراج من جميع الناس بعد ما دعوا وكل ذلك أخذ عنوة ولكن دعوا إلى الجزاء فأجابوا وتراجعوا وصاروا ذمة وصارت أرضهم لهم كذلك جرى ما لم يقسم فإذا اقتسم فلا وكان في السبى حبيب أبو الحسن يعنى أبا الحسن البصري وكان نصرانيا وما فنة مولى عثمان وأبو زياد مولى المغيرة بن شعبة وأمر على الجند سعيد بن النعمان وعلى الجزاء سويد بن مقرن المزني وأمره بنزول الحفير وأمره ببث عماله ووضع يده في الجباية وأقام لعدوه يتجسس الاخبار ثم كان أمر الولجة في صفر من سنة اثنتى عشرة والولجة مما يلى كسكر من البر * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى قال حدثنى سيف عن عمرو والمجالد عن الشعبى قال لما فرغ خالد من الثنى وأتى الخبر أردشير بعث الاندرزغر وكان فارسيا من مولدي السواد * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى قال حدثنى سيف عن زياد بن سرجس عن عبد الرحمن ابن سياه قال وفيما كتب به إلى السرى قال حدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن المهلب ابن عقبة وزياد بن سرجس وعبد الرحمن بن سياه قالوا لما وقع الخبر باردشير

[ 559 ]

بمصاب قارن وأهل المذار أرسل الاندر زغر وكان فارسيا من مولدي السواد وتنائهم ولم يكن ممن ولد في المدائن ولا نشأ بها وأرسل بهمن جاذويه في أثره في جيش وأمره أن يعبر طريق الاندرزغر وكان الاندرزغر قبل ذلك على فرج خراسان فخرج الاندرزغر سائرا من المدائن حتى أتى كسكر ثم جازها إلى الولجة وخرج بهمن جاذويه في أثره وأخذ غير طريقه فسلك وسط السواد وقد حشر إلى الاندرزغر من بين الحيرة وكسكر من عرب الضاحية والدهاقين فعسكروا إلى جنب عسكره بالولجة فلما اجتمع له ما أراد واستتم أعجبه ما هو فيه وأجمع السير إلى خالد ولما بلغ خالدا وهو بالثنى خبر الاندرزغر ونزوله الولجة نادى بالرحيل وخلف سويد بن مقرن وأمره بلزوم الحفير وتقدم إلى من خلف في أسفل دجلة وأمرهم بالحذر وقلة الغفلة وترك الاغترار وخرج سائرا في الجنود نحو الولجة حتى ينزل على الاندرزغر وجنوده ومن تأشب إليه فاقتتلوا قتالا شديدا هو أعظم من قتال الثنى * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن محمد ابن أبى عثمان قال نزل خالد عن الاندرزغر بالولجة في صفر فاقتتلوا بها قتالا شديدا حتى ظن الفريقان أن الصبر قد أفرغ واستبطأ خالد كمينه وكان قد وضع لهم كمينا في ناحيتين عليهم بسر بن أبى رهم وسعيد بن مرة العجلى فخرج الكمين في وجهين فانهزمت صفوف الاعاجم وولوا فأخذهم خالد من بين أيديهم والكمين من خلفهم فلم ير رجل منهم مقتل صاحبه ومضى الاندرزغر في هزيمته فمات عطشا وقام خالد في الناس خطيبا يرغبهم في بلاد العجم ويزهدهم في بلاد العرب وقال ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله عز وجل ولم يكن إلا المعاش لكان الرأى أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به ونولى الجوع والاقلال من تولاه ممن أثاقل عما أنتم عليه وسار خالد في الفلاحين بسريته فلم يقتلهم وسبى ذرارى المقاتلة ومن أعانهم ودعا أهل الارض إلى الجزاء والذمة فتراجعوا (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف وحدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن عمرو

[ 560 ]

عن الشعبى قال بارز خالد يوم الولجة رجلا من أهل فارس يعدل بألف رجل فقتله فلما فرغ اتكأ عليه ودعا بغدائه وأصاب في أناس من بكر بن وائل ابنا لجابر ابن بجير وابنا لعبد الاسود خبر أليس وهى على صلب الفرات (قال أبو جعفر) حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى قال حدثنا سيف عن محمد ابن طلحة عن أبى عثمان وطلحة بن الاعلم عن المغيرة بن عتيبة وأما السرى فإنه قال فيما كتب إلى حدثنا شعيب عن سيف عن محمد بن عبد الله عن أبى عثمان وطلحة ابن الاعلم عن المغيرة بن عتيبة قالا ولما أصاب خالد يوم الولجة من أصاب من بكر بن وائل من نصاراهم الذين أعانوا أهل فارس غضب لهم نصارى قومهم فكاتبوهم الاعاجم وكاتبتهم الاعاجم فاجتمعوا إلى أليس وعليهم عبد الاسود العجلى وكان أشد الناس على أولئك النصارى مسلمو بنى عجل عتيبة بن النهاس وسعيد بن مرة وفرات بن حيان والمثنى بن لاحق ومذعور بن عدى وكتب أردشير إلى بهمن جاذويه وهو بقسياثا وكان رافد فارس في يوم من أيام شهرهم وبنو اشهورهم كل شهر على ثلاثين يوما وكات لاهل فارس في كل يوم رافد قد نصب لذلك يرفدهم عند الملك فكان رافدهم بهمن روز أن سر حتى تقدم أليس بجيشك إلى من اجتمع بها من فارس ونصارى العرب فقدم بهمن جاذويه جابان وأمره بالحث وقال كفكف نفسك وجندك من قتال القوم حتى ألحق بك إلا أن يعجلوك فسار جابان نحو أليس وانطلق بهمن جاذويه إلى أردشير ليحدث به عهدا وليستأمره فيما يريد أن يشير به فوجده مريضا فعرج عليه وأخلى جابان بذلك الوجه ومضى حتى أتى أليس فنزل بها في صفر واجتمعت إليه المسالح التى كانت بإزاء العرب وعبد الاسود في نصارى العرب من بنى عجل وتيم اللات وضبيعة وعرب الضاحية من أهل الحيرة وكان جابر بن بجير نصراينا فساند عبد الاسود وقد كان خالد بلغه تجمع عبد الاسود وجابر وزهير فيمن تأشب

[ 561 ]

إليهم فنهد لهم ولا يشعر بدنو جابان وليست لخالد همة إلا من تجمع له من عرب الضاحية ونصاراهم فأقبل فلما طلع على جابان بأليس قالت الاعاجم لجابان أنعاجلهم أم نغدى الناس ولا نريهم أنا نحفل بهم ثم نقاتلهم بعد الفراغ فقال جابان إن تركوكم والتهاون بهم فتهاونوا ولكن ظنى بهم أن سيعجلوكم ويعاجلونكم عن الطعام فعصوه وبسطوا البسط ووضعوا الاطعمة وتداعوا إليها وتوافوا إليها فلما انتهى خالد إليهم وقف وأمر بحط الاثقال فلما وضعت توجه إليهم ووكل خالد بنفسه حوامى يحمون ظهره ثم ندر أمام الصف فنادى أين أبجر أين عبد الاسود أين مالك بن قيس رجل من جذرة فنكلوا عنه جميعا إلا مالكا فبرز له فقال له خالد يا ابن الخبيثة ما جرأك على من بينهم وليس فيك وفاء فضربه فقتله وأجهض الاعاجم عن طعامهم قبل أن يأكلوا فقال جابان ألم أقل لكم يا قوم أما والله ما دخلتني من رئيس وحشة قط حتى كان اليوم فقالوا حيث لم يقدروا على الاكل تجلدا ندعها حتى نفرغ منهم ونعود إليها فقال جابان وأيضا أظنكم والله لهم وضعتموها وأنتم لا تشعرون فالآن فأطيعوني سموها فإن كانت لكم فأهون هالك وإن كانت عليكم كنتم قد صنعتم شيئا وأبليتم عذرا فقالوا لا اقتدار عليهم فجعل جابان على مجنبتيه عبد الاسود وأبجر وخالد على تعبيته في الايام التى قبلها فاقتتلوا قتالا شديدا والمشركون يزيدهم كلبا وشدة ما يتوقعون من قدومهم بهمن جاذويه فصابروا المسلمين للذى كان في علم الله أن يصيرهم إليه وحرب المسلمون عليهم وقال خالد اللهم إن لك على إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقى منهم أحدا قدرنا عليه حتى أجرى نهرهم بدمائهم ثم أن الله عز وجل كشفهم للمسلمين ومنحهم أكتافهم فأمر خالد مناديه فنادى في الناس الاسر الاسر لا تقتلوا إلا من امتنع فأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين يساقون سوقا وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر ففعل ذلك بهم يوما وليلة وطلبوهم الغد وبعد الغد حتى انتهوا إلى النهرين ومقدار ذلك من كل جوانب أليس فضرب أعناقهم وقال له القعقاع وأشباه له لو أنك قتلت أهل الارض لم تجر دمائهم إن الدماء

[ 562 ]

لا تزيد على أن ترقرق مند نهيت عن السيلان ونهيت الارض عن نشف الدماء فأرسل عليه الماء تبر يمينك وقد كان صد الماء عن النهر فأعاده فجرى دما عبيطا فسمى نهر الدم لذلك الشأن إلى اليوم وقال آخرون منهم بشير بن الخصاصية قال وبلغنا ان الارض لما نشفت دم ابن آدم نهيت عن نشف الدماء ونهى الدم عن السيلان الا مقدار برده ولما هزم القوم وأجلوا عن عسكرهم ورجع المسلمون من طلبهم ودخلوه وقف خالد على الطعام فقال قد نفلتكموه فهو لكم وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى على طعام مصنوع نفله فقعد عليه المسلمون لعشائهم بالليل وجعل من لم ير الارياف ولا يعرف الرقاق يقول ما هذه الرقاع البيض وجعل من قد عرفها يجيبهم ويقول لهم مازحا هل سمعتم برقيق العيش فيقولون نعم فيقولون هو هذا فسمى الرقاق وكانت العرب تسميه القرى * حدثنا عبد الله قال حدثنى عمى قال حدثنا سيف عن عمرو بن محمد عن الشعبى عمن حدث عن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الناس يوم خيبر الخبز والطبيخ والشواء وما أكلوا غير ذلك في بطونهم غير متأثليه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن طلحة عن المغيرة قال كانت على النهر أرحاء فطحنت بالماء وهو أحمر قوت العسكر ثمانية عشر ألفا أو يزيدون ثلاثة أيام وبعث خالد بالخبر مع رجل يدعى جندلا من بنى عجل وكان دليلا صارما فقدم على أبى بكر بالخبر وبفتح أليس وبقدر الفئ وبعدة السبى وبما حصل من الاخماس وبأهل البلاء من الناس فلما قدم على أبى بكر فرأى صرامته وثبات خبره قال ما اسمك قال جندل قال وبها جندل نفس عصام سودت عصاما * وعودته الكر والاقداما وأمر له بجارية من ذلك السبى فولدت له قال وبلغت قتلاهم من أليس سبعين ألفا جلهم من امغيشيا (قال أبو جعفر) قال لنا عبيد الله بن سعد قال عمى سألت عن أمغيشيا بالحيرة فقيل لى منشيا فقلت لسيف فقال هذا اسمان

[ 563 ]

حديث أمغيشيا في صفر وأفاءها الله عز وجل بغير خيل * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن محمد عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة قالا لما فرغ خالد من وقعة أليس نهض فأتى أمغيشيا وقد أعجلهم عما فيها وقد جلا أهلها وتفرقوا في السواد ومن يومئذ صارت السكرات في السواد فأمر خالد بهدم أمغيشيا وكل شئ كان في حيزها وكانت مصرا كالحيرة وكان فرات بادقلى ينتهى إليها وكانت أليس من مسالحها فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثله قط (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن بحر بن الفرات العجلى عن أبيه قال لم يصب المسلمون فيما بين ذات السلاسل وأمغيشيا مثل شئ أصابوه في أمغيشيا بلغ سهم الفارس ألفا وخمسمائة سوى النفل الذى نفله أهل البلاء وقالوا جميعا قال أبو بكر رحمه الله حين بلغه ذلك يا معشر قريش يخبرهم بالذى أتاه عدا أسدكم على الاسد فغلبه على خراذيله أعجزت النساء أن ينشؤا مثل خالد حديث يوم المقر وفم فرات بادقلى (قال أبو جعفر) كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن محمد عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة أن الآزاذبه كان مرزبان الحيرة أزمان كسرى إلى ذلك اليوم فكانوا لا يمد بعضهم بعضها إلا بإذن الملك وكان قد بلغ نصف الشرف وكان قيمة قلنسوته خمسين ألفا فلما أخرب خالد أمغيشيا وعاد أهلها سكرات لدهاقين القرى علم الآزاذبه أنه غير متروك فأخذ في أمر وتهيأ لحرب خالد وقدم ابنه ثم خرج في أثره حتى عسكر خارجا من الحيرة وأمر ابنه بسد الفرات ولما استقل خالد من أمغيشيا وحمل الرجل في السفن مع الانفال والاثقال لم يفجأ خالداإلا والسفن جوانح فارتاعوا لذلك فقال الملاحون إن أهل فارس فجروا الانهار فسلك الماء غير طريقه فلا يأتينا الماء إلا بسد الانهار فتعجل خالد في خيل نحو ابن الآزاذبه فتلقاه على فم العتيق خيل من خيله فجئهم وهم آمنون لغارة

[ 564 ]

خالد في تلك الساعة فأنامهم بالمقر ثم سار من فوره وسبق الاخبار إلى ابن الآزاذبه حتى يلقاه وجنده على فم فرات بادقلى فاقتتلوا فأنامهم وفجر الفرات وسد الانهار وسلك الماء سبيله (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة وبحر عن أبيه قالوا وحدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى قال حدثنا سيف عن محمد عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة قالا لما أصاب خالد بن الآزاذبه على فم فرات بادقلى قصد للحيرة واستحلق أصحابه وسار حتى ينزل بين الخورنق والنجف فقدم خالد الخورنق وقد قطع الآزاذبه الفرات هاربا من غير قتال وإنما حداه على الهرب أن الخبر وقع إليه بموت أردشير ومصاب ابنه وكان عسكره بين الغريين والقصر الابيض ولما تتام أصحاب خالد إليه بالخورنق خرج من العسكر حتى يعسكر بموضع عسكر الآزاذبه بين الغريين والقصر الابيض وأهل الحيرة متحصنون فأدخل خالد الحيرة الخيل من عسكره وأمر بكل قصر رجلا من قواده يحاصر أهله ويقاتلهم فكان ضرار بن الازور محاصرا القصر الابيض وفيه إياس بن قبيصة الطائى وكان ضرار بن الخطاب محاصرا قصر العدسيين وفيه عدى بن عدى المقتول وكان ضرار بن مقرن المزني عاشر عشرة إخوة له محاصرا قصر بنى مازن وفيه ابن أكال وكان المثنى محاصرا قصر ابن بقيلة وفيه عمرو بن عبد المسيح فدعوهم جميعا وأجلوهم يوما فأبى أهل الحيرة ولجوا فناوشهم المسلمون * حدثنى عبيد الله بن سعيد قال حدثنى عمى عن سيف عن الغصن بن القاسم رجل من بنى كنانة (قال أبو جعفر) هكذا قال عبيد الله وقال السرى فيما كتب به إلى حدثنا شعيب عن سيف عن الغصن بن القاسم عن رجل من بنى كنانة قال عهد خالد إلى امرائه أن يبدأوا بالدعاء فإن قبلوا قبلوا منهم وإن أبوا أن يؤجلهم يوما وقال لا تمكنوا عدوكم من آذانكم فيتربصوا بكم الدوائر ولكن ناجزوهم ولا تردوا المسلمين عن قتال عدوهم فكان أول القواد أنسب القتال بعد يوم أجلوهم فيه ضرار بن الازور وكان على قتال أهل القصر الابيض فأصبحوا وهم مشرفون فدعاهم إلى إحدى ثلاث الاسلام أو الجزاء أو المنابذة فاختاروا المنابذة

[ 565 ]

وتنادوا عليكم الخزازيف فقال ضرار تنحوا لا ينالكم الرمى حتى ننظر في الذى هتفوا به فلم يلبث أن امتلا رأس القصر من رجال متعلقي المخالى يرمون المسلمين بالخزازيف وهى المداحى من الخزف فقال ضرار أرشقوهم فدنوا منهم فرشقوهم بالنبل فأعروا رءوس الحيطان ثم بثوا غارتهم فيمن يليهم وصبح أمير كل قوم أصحابه بمثل ذلك فافتتحوا الدور والديرات وأكثروا القتل فنادى القسيسون والرهبان يا أهل القصور ما يقتلنا غيركم فنادى أهل القصور يا معشر العرب قد قبلنا واحدة من ثلاث فادعوا بنا وكفوا عنا حتى يبلغونا خالدا فخرج إياس بن قبيصة وأخوه إلى ضرار بن الازور وخرج عدى ابن عدى وزيد بن عدى إلى ضرار بن الخطاب وعدى الاوسط الذى رثته أمه وقتل يوم ذى قار وخرج عمرو بن عبد المسيح وابن أكال هذا إلى ضرار بن مقرن وهذا إلى المثنى بن حارثة فأرسلوهم إلى خالد وهم على مواقفهم (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة قالا قال كان أول من طلب الصلح عمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حيان بن الحارث وهو بقيلة وانما سمى بقيلة لانه خرج على قومه في بردين أخضرين فقالوا يا حار ما أنت إلا بقيلة خضراء وتتابعوا على ذلك فأرسلهم الرؤساء إلى خالد مع كل رجل منهم ثقة ليصالح عليه أهل الحصن فخلا خالد بأهل كل قصر منهم دون الآخرين وبدأ بأصحاب عدى وقال ويحكم ما أنتم أعرب فما تنقمون من العرب أو عجم فما تنقمون من الانصاف والعدل فقال له عدى بل عرب عاربة وأخرى متعربة فقال لو كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا أمرنا فقال له عدى ليدلك على ما نقول أنه ليس لنا لسان إلا بالعربية فقال صدقت وقال اختاروا واحدة من ثلاث أن تدخلوا في ديننا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا إن نهضتم وهاجرتم وان أقمتم في دياركم أو الجزية أو المنابذة والمناجزة فقد والله أتيتكم بقوم هم على الموت أحرص منكم على الحياة فقال بل نعطيك الجزية فقال خالد تبا لكم ويحكم إن الكفر فلاة مضلة فأحمق العرب من سلكها فلقيه دليلان أحدهما عربي فتركه

[ 566 ]

واستدل الاعجمي فصالحوه على مائة ألف وتسعين ألفا وتتابعوا على ذلك وأهدوا له هدايا وبعث بالفتح والهدايا إلى أبى بكر رحمه الله مع الهذيل الكاهلى فقبلها أبو بكر من الجزاء وكتب إلى خالد أن احسب لهم هديتهم من الجزاء إلا أن تكون من الجزاء وخذ بقية ما عليهم فقو بها أصحابك وقال ابن بقيلة أبعد المنذرين أرى سواما * تروح بالخورنق والسدير وبعد فوارس النعمان أرعى * قلوصا بين مرة والحفير فصرنا بعد هلك أبى قبيس * كجرب المعز في اليوم المطير تقسمنا القبائل من معد * علانية كأيسار الجزور وكنا لا يرام لنا حريم * فنحن كضرة الضرع الفخور نؤدى الخرج بعد خراج كسرى * وخرج من قريظة والنضير كذاك الدهر دولته سجال * فيوم من مساءة أو سرور (الجرب والجربة والجربة الجماعة) كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن الغصن بن القاسم عن رجل من بنى كنانة ويونس بن أبى اسحاق بنحو منه وقالا فكانوا يختلفون إليه ويقدمون في حوائجهم عمرو بن عبد المسيح فقال له خالد كم أتت عليك قال مئو سنين قال فما أعجب ما رأيت قال رأيت القرى منظومة ما بين دمشق والحيرة تخرج المرأة من الحيرة فلا تزود إلا رغيفا فتبسم خالد وقال هل لك من شيخك إلا عقلة خرفت والله يا عمرو ثم أقبل على أهل الحيرة فقال ألم يبلغني أنكم خبثة خدعة مكرة فمالكم تتناولون حوائجكم بخرف لا يدرى من أين جاء فتجاهل له عمرو وأحب أن يريه من نفسه ما يعرف به عقله ويستدل به على صحة ما حدثه به فقال وحقك أيها الامير إنى لاعرف من أين جئت قال فمن أين جئت قال أقرب أم أبعد قال ما شئت قال من بطن أمي قال فأين تريد قال أمامى قال وما هو قال الآخرة قال فمن أين أقصى أثرك قال من صلب أبى قال ففيم أنت قال في ثيابي قال أتعقل قال إى والله وأقيد قال فوجده حين فر عضا وكان أهل قريته أعلم به فقال خالد قتلت أرض جاهلها

[ 567 ]

وقتل أرضا عالمها والقوم أعلم بما فيهم فقال عمرو أيها الامير النملة أعلم بما في بيتها من الجمل بما في بيت النملة وشاركهم في هذا الحديث من هذا المكان محمد ابن أبى السفر عن ذى الجوشن الضبابى وأما الزهري فانه حدثنا به فقال شاركهم في هذا الحديث رجل من الضباب قالوا وكان مع ابن بقيلة منصف له متعلق كيسا في حقوه فتناول خالد الكيس ونثر ما فيه في راحته فقال ما هذا يا عمرو قال هذا وأمانة الله سم ساعة قال ولم تحتقب السم قال خشيت أن تكونوا على غير ما رأيت وقد أتيت على أجلى والموت أحب إلى من مكروه أدخله على قومي وأهل قريتي فقال خالد إنها لن تموت نفس حتى تأتى على أجلها وقال بسم الله خير الاسماء رب الارض ورب السماء الذى ليس يضر مع اسمه داء الرحمن الرحيم فأهووا إليه ليمنعوه منه وبادرهم فابتلعه فقال عمرو والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد أيها القرن واقبل على أهل الحيرة فقال لهم أر كاليوم أمرا أوضح إقبالا وأبى خالد أن يكاتبهم إلا على إسلام كرامة بنت عبد المسيح إلى شويل فثقل ذلك عليهم فقالت هونوا عليكم وأسلموني فانى سأقتدى ففعلوا وكتب خالد بينه وبينهم كتابا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديا وعمرا ابني عدى وعمرو بن عبد المسيح وإياس ابن قبيصة وحيرى بن أكال وقال عبيد الله جبري وهم نقباء أهل الحيرة ورضى بذلك أهل الحيرة وأمروهم به عاهدهم على تسعين ومائة ألف درهم تقبل في كل سنة جزاء عن أيديهم في الدنيا رهبانهم وقسيسهم إلا من كان منهم على غير ذى يد حبيسا عن الدنيا تاركا لها وقال عبيد الله إلا من كان غير ذى يد حبيسا عن الدنيا تاركا لها وسائحا تاركا للدنيا وعلى المنعة فإن لم يمنعهم فلا شئ عليهم حتى يمنعهم وان غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة وكتب في شهر ربيع الاول من سنة اثنتى عشرة ودفع الكتاب إليهم فلما كفر أهل السواد بعد موت أبى بكر استخفوا بالكتاب وضيعوه وكفروا فيمن كفر وغلب عليهم أهل فارس فلما افتتح المثنى ثانية أدلوا بذلك فلم يجبهم إليه وعاد بشرط آخر فلما غلب المثنى على البلاد كفروا فيمن كفر وأعانوا واستخفوا

[ 568 ]

وأضاعوا الكتاب فلما افتتحها سعد وأدلوا بذلك سألهم واحدا من الشرطين فلم يجيئوا بهما فوضع عليهم وتحرى ما يرى أنهم مطيقون فوضع عليهم أربعمائة ألف سوى الحرزة قال عبيد الله سوى الخرزة * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف والسرى عن شعيب عن سيف عن الغصن بن القاسم الكنانى عن رجل من بنى كنانة ويونس بن أبى إسحاق قالا كان جرير بن عبد الله ممن خرج مع خالد ابن سعيد بن العاصى إلى الشأم فاستأذن خالدا إلى أبى بكر ليكلمه في قومه وليجمعهم له وكانوا أوزاعا في العرب وليتخلصهم فأذن له فقدم على أبى بكر فذكر له عدة من النبي صلى الله عليه وسلم وأتاه على العدة بشهود وسأله إنجاز ذلك فغضب أبو بكر وقال له ترى شغلنا وما نحن فيه بغوث المسلمين ممن بإزائهم من الاسدين فارس والروم ثم أنت تكلفني التشاغل بما لا يغنى عما هو أرضى لله ولرسوله دعني وسر نحو خالد بن الوليد حتى أنظر ما يحكم الله في هذين الوجهين فسار حتى قدم على خالد وهو بالحيرة ولم يشهد شيئا مما كان بالعراق إلا ما كان بعد الحيرة ولا شيئا مما كان خالد فيه من أهل الردة وقال القعقاع بن عمرو في أيام الحيرة سقى الله قتلى بالفرات مقيمة * وأخرى بأثباج النجاف الكوانف فنحن وطئنا بالكواظم هرمزا * وبالثنى قرنى قارن بالجوارف ويوم أحطنا بالقصور تتابعت * على الحيرة الروحاء إحدى المصارف حططناهم منها وقد كاد عرشهم * يميل به فعل الجبان المخالف رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا * غبوق المنايا حول تلك المحارف صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا * إلى الريف من أرض العريب المقانف خبر ما بعد الحيرة * حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري قال حدثنى عمى عن سيف عن جميل الطائى عن أبيه قال لما أعطى شويل كرامة بنت عبد المسيح قلت لعدى بن حاتم ألا تعجب من مسألة شويل كرامة بنت عبد المسيح على ضعفه قال كان يهرف

[ 569 ]

بها دهره قال وذلك أنى لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما رفع له من البلدان فذكر الحيرة فيما رفع له وكان شرف قصورها أضراس الكلاب عرفت أن قد أريها وأنها ستفتح فلقنته مسألتها * وحدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف قال قال لى عمرو والمجالد عن الشعبى والسرى عن شعيب عن سيف عن المجالد عن الشعبى قال لما قدم شويل إلى خالد قال إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فتح الحيرة فسألته كرامة فقال هي لك إذا فتحت عنوة وشهد له بذلك وعلى ذلك صالحهم فدفعها إليه فاشتد ذلك على أهل بيتها وأهل قريتها ما وقعت فيه وأعظموا الخطر فقالت لا تخطروه ولكن اصبروا ما تخافون على امرأة بلغت ثمانين سنة فإنما هذا رجل أحمق رأني في شبيبتى فظن أن الشباب يدوم فدفعوها إلى خالد فدفعها خالد إليه فقالت ما أربك إلى عجوز كما ترى فأدنى قال لا إلا على حكمي قالت فلك حكمك مرسلا فقال لست لام شويل إن نقصتك من ألف درهم فاستكثرت ذلك لتخدعه ثم أتته بها فرجعت إلى أهلها فتسامع الناس بذلك فعنفوه فقال ما كنت أرى أن عددا يزيد على ألف فأبوا عليه إلا أن يخاصمهم فقال كانت نيتى غاية العدد وقد ذكروا أن العدد يزيد على ألف فقال خالد أردت أمرا وأراد الله غيره نأخذ بما يظهر وندعك ونيتك كاذبا كنت أو صادقا (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبى قال لما فتح خالد الحيرة صلى صلاة الفتح ثمانى ركعات لا يسلم فيهن ثم انصرف وقال لقد قاتلت يوم مؤتة فانقطع في يدى تسعة أسياف وما لقيت قوما كقوم لقيتهم من أهل فارس وما لقيت من أهل فارس قوما كأهل أليس * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن عمرو والمجالد عن الشعبى قال صلى خالد صلاة الفتح ثم انصرف ثم ذكر مثل حديث السرى * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف والسرى عن شعيب عن سيف عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم وكان قدم مع جرير على خالد قال أتينا خالدا بالحيرة وهو متوشح قد شد ثوبه في عنقه يصلى فيه وحده ثم انصرف فقال اندق في يدى تسعة أسياف يوم مؤتة ثم صبرت في يدى صفيحة

[ 570 ]

يمانية فما زالت معى * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن محمد بن عبد الله عن أبى عثمان وطلحة بن الاعلم عن المغيرة بن عتيبة والغصن بن القاسم عن رجل من بنى كنانة وسفيان الاحمري عن ماهان قالوا ولما صالح أهل الحيرة خالدا خرج صلوبا بن نسطونا صاحب قس الناطف حتى دخل على خالد عسكره فصالحه على بانقيا وبسما وضمن له ما عليهما وعلى أرضيهما من شاطئ الفرات جميعا واعتقد لنفسه وأهله وقومه على عشرة آلاف دينار سوى الخرزة خرزة كسرى وكانت على كل رأس أربعة دراهم وكتب لهم كتابا فتموا وتم ولم يتعلق عليه في حال غلبة فارس بغدر وشاركهم المجالد في الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وفومه إنى عاهدتكم على الجزية والمنعة على كل ذى يد بانقيا وبسما جميعا على عشرة آلاف دينار سوى الخرزة القوى على قدر قوته والمقل على قدر إقلاله في كل سنة وإنك قد نقبت على قومك وإن قومك قد رضوا بك وقد قبلت ومن معى من المسلمين ورضيت ورضى قومك فلك الذمة والمنعة فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا حتى نمنعكم شهد هشام بن الوليد والقعقاع ابن عمرو وجرير بن عبد الله الحميرى وحنظلة بن الربيع وكتب سنة اثنتى عشرة في صفر (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبد الله عن أبى عثمان عن ابن أبى مكنف وطلحة عن المغيرة وسفيان عن ماهان وحدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن محمد عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة قال كان الدهاقين يتربصون بخالد وينظرون ما يصنع أهل الحيرة فلما استقام ما بين أهل الحيرة وبين خالد واستقاموا له أتته دهاقين الملطاطين وأتاه زاذ بن بهيش دهقان فرات سريا وصلوبا بن نسطونا بن بصبهرى هكذا في حديث السرى وقال عبيد الله صلوبا بن بصبهرى ونسطونا فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هرمزجرد على ألفى ألف وقال عبيد الله في حديثه على ألف ألف ثقيل وأن للمسلمين ما كان لآل كسرى ومن مال معهم عن المقام في داره فلم يدخل في الصلح وضرب خالد رواقه في عسكره وكتب لهم كتابا بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من خالد بن الوليد

[ 571 ]

لزاذ بن بهيش وصلوبا بن نسطونا إن لكم الذمة وعليكم الجزية وأنتم ضامنون لمن نقبتم عليه من أهل البهقباذ الاسفل والاوسط وقال عبيد الله وأنتم ضامنون حرب من نقبتم عليه على ألفى ألف تقبل في كل سنة ثم كل ذى يد سوى ما على بانقيا وبسما وإنكم قد أرضيتموني والمسلمين وأنا قد أرضيناكم وأهل البهقباذ الاسفل ومن دخل معكم من أهل البهقباذ الاوسط على أموالكم ليس فيها ما كان لآل كسرى ومن مال ميلهم شهد هشام بن الوليد والقعقاع بن عمرو وجرير بن عبد الله الحميرى وبشير بن عبيد الله بن الخصاصية وحنظلة بن الربيع وكتب سنة اثنتى عشرة في صفر وبعث خالد بن الوليد عماله ومسالحه فبعث في العمالة عبد الله ابن وثيمة النصرى فنزل في أعلى العمل بالفلاليج على المنعة وقبض الجزية وجرير ابن عبد الله على بانقيا وبسما وبشير بن الخصاصية على النهرين فنزل الكويفة ببانبورا وسويد بن مقرن المزني إلى تستر فنزل العقر فهى تسمى عقر سويد إلى اليوم وليست بسويد المنقرى سميت وأط بن أبى أط إلى روذ مستان فنزل منزلا على نهر سمى ذلك النهر به ويقال نهر أط إلى اليوم وهو رجل من بنى سعد بن زيد مناة فهؤلاء كانوا عمال الخراج زمن خالد بن الوليد وكانت الثغور في زمن خالد بالسيب بعث ضرار بن الازور وضرار بن الخطاب والمثنى بن حارثة وضرار بن مقرن والقعقاع عمرو وبسر بن أبى رهم وعتيبة بن النهاس فنزلوا على السيب في عرض سلطانه فهؤلاء امراء ثغور خالد وأمرهم خالد بالغارة والالحاح فمخروا ما وراء ذلك إلى شاطئ دجلة قالوا ولما غلب خالد على أحد جانبى السواد دعا من أهل الحيرة برجل وكتب معه إلى أهل فارس وهم بالمدائن مختلفون متساندون لموت أردشير إلا أنهم قد أنزلوا بهمن جازويه ببهرسير وكأنه على المقدمة ومع بهمن جاذويه الآزاذبه في أشباه له ودعا صلوبا برجل وكتب معهما كتابين فأما أحدهما فإلى الخاصة وأما الآخر فإلى العامة أحدهما حيرى والآخر نبطى ولما قال خالد لرسول أهل الحيرة ما اسمك قال مرة قال خذ الكتاب فأت به أهل فارس لعل الله أن يمر عليهم عيشهم أو يسلموا أو ينيبوا وقال لرسول صلوبا ما اسمك قال هزقيل

[ 572 ]

قال فخذ الكتاب وقال اللهم أزهق نفوسهم (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن مجالد وغيره بمثله والكتابان بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس أما بعد فالحمد لله الذى حل نظامكم ووهن كيدكم وفرق كلمتكم ولو لم يفعل ذلك بكم كان شرا لكم فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على غلب على أيدى قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس أما بعد فأسلموا تسلموا وإلا فاعتقدوا منى الذمة وأدوا الجزية وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون شرب الخمر * حدثنى عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن محمد بن نويرة عن أبى عثمان والسرى عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبد الله عن أبى عثمان والمهلب بن عقبة وزياد بن سرجس عن سياه وسفيان الاحمري عن ما هان أن الخراج جبى إلى خالد في خمسين ليلة وكان الذين ضمنوه والذين هم رؤس الرساتيق رهنا في يده فأعطى ذلك كله للمسلمين فقووا به على أمورهم وكان أهل فارس بموت أردشير مختلفين في الملك مجتمعين على قتال خالد متساندين وكانوا بذلك سنة والمسلمون يمخرون ما دون دجلة وليس لاهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر وليست لاحد منهم ذمة إلا الذين كاتبوه واكتتبوا منه وسائر أهل السواد جلاء ومتحصنون ومحاربون واكتتب عمال الخراج وكتبوا البراآت لاهل الخراج من نسخة واحدة بسم الله الرحمن الرحيم براءة لمن كان من كذا وكذا من الجزية التى صالحهم عليها الامير خالد بن الوليد وقد قبضت الذى صالحهم عليه خالد وخالد والمسلمون لكم يد على من بدل صلح خالد ما أقررتم وكففتم أمانكم أمان وصلحكم صلح نحن لكم على الوفاء واشهدوا لهم النفر من الصحابة الذين كان خالد أشهدهم هشام والقعقاع وجابر ابن طارق وجريرا وبشيرا وحنظلة وأزداذ والحجاج بن ذى العنق ومالك بن زيد * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن عطية بن الحارث عن عبد خير قال وخرج خالد وقد كتب أهل الحيرة عنه كتابا إنا قد أدينا الجزية التى

[ 573 ]

عاهدنا عليها خالد العبد الصالح والمسلمون عباد الله الصالحون على أن يمنعونا وأميرهم البغى من المسلمين وغيرهم وأما السرى فإنه قال في كتابه إلى حدثنا شعيب عن سيف عن عطية بن الحارث عن عبد خير عن هشام بن الوليد قال فرغ خالد ثم سائر الحديث مثل حديث عبيد الله بن سعد * حدثنا عبد الله قال حدثنى عمى عن سيف والسرى عن شعيب عن سيف عن عبد العزير بن سياه عن حبيب بن أبى ثابت عن ابن الهذيل الكاهلى نحوا منه قالوا وأمر الرسولين اللذين بعثهما أن يوفياه بالخبر وأقام خالد في عمله سنة ومنزله الحيرة يصعد ويصوب قبل خروجه إلى الشأم وأهل فارس يخلعون ويملكون ليس إلا الدفع عن بهرسير وذلك أن شيرى بن كسرى قتل كل من كان يناسبه إلى كسرى بن قباذ ووثب أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه فقتلوا كل من بين كسرى بن قباذ وبين بهرام جور فبقوا لا يقدرون على من يملكونه ممن يجتمعون عليه * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى قال حدثنى سيف عن عمرو والمجالد عن الشعبى قال أقام خالد بن الوليد فيما بين فتح الحيرة إلى خروجه إلى الشأم أكثر من سنة يعالج عمل عياض الذى سمى له وقال خالد للمسلمين لولا ما عهد إلى الخليفة لم أتنقذ عياضا وكان قد شجى وأشجى بدومة وما كان دون فتح فارس شئ إنها لسنة كأنها سنة نساء وكان عهد إليه أن لا يقتحم عليهم وخلفه نظام لهم وكان بالعين عسكر لفارس وبالانبار آخر وبالفراض آخر ولما وقعت كتب خالد إلى أهل المدائن تكلم نساء آل كسرى فولى الفرخزاذ بن البندوان إلى أن يجتمع آل كسرى على رجل إن وجدوه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبد الله عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة والمهلب عن سياه وسفيان عن ماهان قالوا كان أبو بكر رحمه الله قد عهد إلى خالد أن يأتي العراق من أسفل منها وإلى عياض أن يأتي العراق من فوقها وأيكما ما سبق إلى الحيرة فهو أمير على الحيرة فإذا اجتمعتما بالحيرة إن شاء الله وقد فضضتما مسالح ما بين العرب وفارس وأمنتم أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليقم بالحيرة أحدكما وليقتحم

[ 574 ]

الآخر على القوم وجالدوهم عما في أيديهم واستعينوا بالله واتقوه وآثروا أمر الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم ولا تؤثروا الدنيا فتسلبوهما واحذروا ما حذركم الله بترك المعاصي ومعاجلة التوبة وإياكم والاصرار وتأخير التوبة فأتى خالد على ما كان أمر به ونزل الحيرة واستقام له ما بين الفلاليج إلى أسفل السواد وفرق سواد الحيرة يومئذ على جرير بن عبد الله الحميرى وبشير بن الخصاصية وخالد ابن الواشمة وابن ذى العنق وأط وسويد وضرار وفرق سواد الابلة على سويد ابن مقرن وحسكة الحبطى والحصين بن أبى الحر وربيعة بن عسل وأقر المسالح على ثغورهم واستخلف على الحيرة القعقاع بن عمرو وخرج خالد في عمل عياض ليقضى ما بينه وبينه ولاغاثته فسلك الفلوجة حتى نزل بكربلاء وعلى مسلحتها عاصم بن عمرو وعلى مقدمة خالد الاقرع بن حابس لان المثنى كان على ثغر من الثغور التى على المدائن فكانوا يغاورون أهل فارس وينتهون إلى شاطئ دجلة قبل خروج خالد من الحيرة وبعد خروجه في إغاثة عياض (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى روق عمن شهدهم بمثله إلى أن قال وأقام خالد على كربلاء أياما وشكا إليه عبد الله بن وثيمة الذباب فقال له خالد اصبر فإنى إنما أريد أن أستفرغ المسالح التى أمر بها عياض فنسكنها العرب فتأمن جنود المسلمين أن يؤتوا من خلفهم وتجيئنا العرب أمنة وغير متعتعة وبذلك أمرنا الخليفة ورأيه يعدل نجدة الامة وقال رجل من أشجع فيما شكا ابن وثيمة لقد حبست في كربلاء مطيتي * وفى العين حين عاد غثا سمينها إذا رحلت من مبرك رجعت له * لعمر أيها إننى لاهينها ويمنعها من ماء كل شريعة * رفاق من الذبان زرق عيونها حديث الانبار وهى ذات العيون وذكر كلواذى (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأصحابهما قالوا خرج خالد بن الوليد في تعبيته التى خرج فيها من الحيرة وعلى مقدمته الاقرع

[ 575 ]

ابن حابس فلما نزل الاقرع المنزل الذى يسلمه إلى الانبار انتج قوم من المسلمين إبلهم فلم يستطيعوا العرجة ولم يجدوا بدا من الاقدام ومعهم بنات مخاض تتبعهم فلما نودى بالرحيل صروا الامهات واحتقبوا المنتوجات لانها لم تطق السير فانتهوا ركبانا إلا الانبار وقد تحصن أهل الانبار وخندقوا عليهم وأشرفوا من حصنهم وعلى تلك الجنود شيرزاذ صاحب ساباط وكان أعقل أعجمى يومئذ وأسوده وأقنعه في الناس العرب والعجم فتصايح عرب الانبار يومئذ من السور وقالوا صبح الانبار أشر جمل يحمل جميلة وحمل تربه عوذ فقال شيرزاد ما يقولون ففسر له فقال أما هؤلاء فقد قضوا على أنفسهم وذلك أن القوم إذا قضوا على أنفسهم قضاء كاد يلزمهم والله لئن لم يكن خالد مجتازا لاصالحنه فبينا هم كذلك قدم خالد على المقدمة فأطاف بالخندق وأنشب القتال وكان قليل الصبر عنه إذا رآه أو سمع به وتقدم إلى رماته فأوصاهم وقال إنى أرى أقواما لا علم لهم بالحرب فارموا عيونهم ولا توخوا غيرها فرموا رشقا واحدا ثم تابعوا ففقئ ألف عين يومئذ فسميت تلك الوقعة ذات العيون وتصايح القوم ذهبت عيون أهل الانبار فقال شيرزاذ ما يقولون ففسر له فقال آباذ آباذ فراسل خالدا في الصلح على أمر لم يرضه خالد فرد رسله وأتى خالد أضيق مكان في الخندق في برذايا الجيش فنحرها ثم رمى بها فيه فأفعمه ثم اقتحم الخندق والرذايا جسورهم فاجتمع المسلمون والمشركون في الخندق وأرز القوم إلى حصنهم وراسل شيرزاذ خالدا في الصلح على ما أراد فقبل منه على أن يخليه ويلحقه بمأمنه في جريدة خيل ليس معهم من المتاع والاموال شئ فخرج شيرزاذ فلما قدم على بهمن جاذويه فأخبره الخبر لامه فقال إنى كنت في قوم ليست لهم عقول وأصلهم من العرب فسمعتهم مقدمهم علينا يقضون على أنفسهم وقلما قضى قوم على أنفسهم قضاء إلا وجب عليهم ثم قاتلهم الجند ففقؤا فيهم وفى أهل الارض ألف عين فعرفت أن المسألة أسلم ولما اطمأن خالد بالانبار والمسلمون وأمن أهل الانبار وظهروا رآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها فسألهم ما أنتم فقالوا قوم من العرب نزلنا إلى قوم

[ 576 ]

من العرب قبلنا فكانت أوائلهم نزلوها أيام بخنتصر حين أباح العرب ثم لم تزل عنها فقال ممن تعلمتم فقالوا تعلمنا الخط من إياد وأنشدوه قول الشاعر قومي إياد لو انهم أمم * أو لو أقاموا فتهزل النعم قوم لهم باحة العراق إذا * ساروا جميعا والخط والقلم وصالح خالد من حولهم وبدأ بأهل البوازيج وبعث إليه أهل كلواذى ليعقد لهم فكاتبهم فكانوا عيبته من وراء دجلة ثم إن أهل الانبار وما حولها نقضوا فيما كان يكون بين المسلمين والمشركين من الدول ما خلا أهل البوازيج فإنهم ثبتوا كما ثبت أهل بانقيا (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبد العزيز يعنى ابن سياه عن حبيب بن أبى ثابت قال ليس لاحد من أهل السواد عقد قبل الوقعة إلا بنى صلوبا وهم أهل الحيرة وكلواذى وقرى من قرى الفرات ثم غدروا حتى دعوا إلى الذمة بعد ما غدروا (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس قال قلت للشعبى أخذ السواد عنوة قال نعم وكل أرض إلا بعض القلاع والحصون فان بعضهم صالح به وبعضهم غلب فقلت فهل لاهل السواد ذمة اعتقدوها قبل الهرب قال لا ولكنهم لما دعوا ورضوا بالخراج وأخذ منهم صاروا ذمة خبر عين التمر (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وزياد قالوا ولما فرغ خالد من الانبار واستحكمت له استخلف على الانبار الزبرقان بن بدر وقصد لعين التمر وبها يومئذ مهران بن بهرام جوبين في عظيم من العجم وعقة ابن أبى عقة في جمع عظيم من العرب من التمر وتغلب وإياد ومن لافهم فلما سمعوا بخالد قال عقة لمهران ان العرب أعلم بقتال العرب فدعنا وخالدا قال صدقت لعمري لانتم أعلم بقتال العرب وإنكم لمثلنا في قتال العجم فخدعه واتقى به وقال دونكموهم وإن احتجتم إلينا أعناكم فلما مضى نحو خالد قالت له الاعاجم ما حملك

[ 577 ]

على أن تقول هذا القول لهذا الكلب فقال دعوني فإنى لم أرد إلا خير لكم شر لهم إنه قد جاءكم من قتل ملوككم وفل حدكم فاتقنه بهم فان كانت لهم على خالد فهى لكم وان كانت الاخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم مضعفون فاعترفوا له بفضل الرأى فلزم مهران العين ونزل عقة لخالد على الطريق وعلى ميمنته بجير بن فلان أحد بنى عبيد بن سعد بن زهير وعلى ميسرته الهذيل بن عمران وبين عقة وبين مهران روحة أو غدوة ومهران في الحصن في رابطة فارس وعقة على طريق الكرخ كالخفير فقدم عليه خالد وهو في تعبئة جنده فعبى خالد جنده وقال لمجنبتيه اكفونا ما عنده فانى حامل ووكل بنفسه حوامى ثم حمل وعقة يقيم صفوفه فاحتضنه فأخذه أسيرا وانهزم صفه من غير قتال فأكثروا فيهم الاسر وهرب بجير والهذيل واتبعهم المسلمون ولما جاء الخبر مهران هرب في جنده وتركوا الحصن ولما انتهت فلال عقة من العرب والعجم إلى الحصن اقتحموه واعتصموا به وأقبل خالد في الناس حتى ينزل على الحصن ومعه عقة أسير وعمرو بن الصعق وهم يرجون أن يكون خالد كمن كان يغير من العرب فلما رأوه يحاولهم سألوه الامان فأبى إلا على حكمه فسلسلوا له به فلما فتحوا دفعهم إلى المسلمين فصاروا مساكا وأمر خالد بعقة وكان خفير القوم فضربت عنقه ليوئس الاسراء من الحياة ولما رآه مطروحا على الجسر يئسوا من الحياة ثم دعا بعمرو بن الصعق فضرب عنقه وضرب أعناق أهل الحصن أجمعين وسبى كل من حوى حصنهم وغنم ما فيه ووجد في بيعتهم أربعين غلاما يتعلمون الانجيل عليهم باب مغلق فكسره عنهم وقال ما أنتم قالوا رهن فقسمهم في أهل البلاء منهم أبو زياد مولى ثقيف ومنهم نصير أبو موسى بن نصير ومنهم أبو عمرة جد عبد الله بن عبد الاعلى الشاعر وسيرين أبو محمد بن سيرين وحريث وعلاثة فصار أبو عمرة لشرحبيل بن حسنة وحريث لرجل من بنى عباد وعلاثة للمعنى وحمران لعثمان ومنهم عمير وأبو قيس فثبت على نسبه من موالى أهل الشأم القدماء وكان نصير ينسب إلى بنى يشكر وأبو عمرة إلى بنى مرة ومنهم ابن أخت النمر (كتب إلى السرى) عن شعيب

[ 578 ]

عن سيف عن محمد وطلحة وأبى سفيان طلحة بن عبد الرحمن والمهلب بن عقبة قالوا ولما قدم الوليد بن عقبة من عند خالد على أبى بكر رحمه الله بما بعث به إليه من الاخماس وجهه إلى عياض وأمد به فقدم عليه الوليد وعياض محاصرهم وهم محاصروه وقد أخذوا عليه بالطريق فقال له الرأى في بعض الحالات خير من جند كثيف ابعث إلى خالد فاستمده ففعل فقدم عليه رسوله غب وقعة العين مستغيثا فعجل إلى عياض بكتابه من خالد إلى عياض اياك أريد لبث قليلا تأتك الحلائب * يحملن آسادا عليها القاشب * كتائب يتبعها كتائب خبر دومة الجندل قالوا ولما فرغ خالد من عين التمر خلف فيها عويم بن الكاهل الاسلمي وخرج في تعبيته التى دخل فيها العين ولما بلغ أهل دومة مسير خالد إليهم بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وكلب وغسان وتنوخ والضجاعم وقبل ما قد أتاهم وديعة في كلب وبهراء ومسانده ابن وبرة بن رومانس وأتاهم ابن الحدرجان في الضجاعم وابن الايهم في طوائف من غسان وتنوخ فأشجوا عياضا وشجوا به فلما بلغهم دنو خالد وهم على رئيسين أكيدر بن عبد الملك والجودى بن ربيعة اختلفوا فقال أكيدر أنا أعلم الناس بخالد لا أحد أيمن طائرا منه ولا أحد في حرب ولا يرى وجه خالد قوم أبدا قلوا أو كثروا الا انهزموا عنه فأطيعوني وصالحوا القوم فأبوا عليه فقال لن أمالئكم على حرب خالد فشأنكم فخرج لطيته وبلغ ذلك خالدا فبعث عاصم بن عمرو معارضا له فأخذه فقال إنما تلقيت الامير خالدا فلما أتى به خالدا أمر به فضربت عنقه وأخذ ما كان معه من شئ ومضى خالد حتى ينزل على أهل دومة وعليهم الجودى بن ربيعة ووديعة الكلبى وابن رومانس الكلبى وابن الايهم ابن الحدرجان فجعل خالد دومة بين عسكره وعسكر عياض وكان النصارى الذين أمدوا أهل دومة من العرب محيطين بحصن دومة لم يحملهم الحصن فلما اطمأن خالد خرج الجودى فنهض بوديعة

[ 579 ]

فزحفا لخالد وخرج ابن الحدرجان وابن الايهم إلى عياض فاقتتلوا فهزم الله الجودى ووديعة على يدى خالد وهزم عياض من يليه وركبهم المسلمون فأما خالد فإنه أخذ الجودى أخذا وأخذ الاقرع بن حابس وديعة وأرز بقية الناس إلى الحصن فلم يحملهم فلما امتلا الحصن أغلق من في الحصن الحصن دون أصحابهم فبقوا حوله حرداء وقال عاصم بن عمرو يا بنى تميم حلفاؤكم كلب إسروهم وأجيروهم فإنكم لا تقدرون لهم على مثلها ففعلوا وكان سبب نجاتهم يومئذ وصية عاصم بنى تميم بهم وأقبل خالد على الذين أرزوا إلى الحصن فقتلهم حتى سد بهم باب الحصن ودعا خالد بالجودى فضرب عنقه ودعا بالاسرى فضرب أعناقهم إلا أسارى كلب فإن عاصما والاقرع وبنى تميم قالوا قد آمناهم فأطلقهم لهم خالد وقال مالى ولكم أتحفظون أمر الجاهلية وتضيعون أمر الاسلام فقال له عاصم لا تحسدهم العافية ولا يحوزهم الشيطان ثم أطاف خالد بالباب فلم يزل عنه حتى اقتلعه واقتحموا عليهم فقتلوا المقاتلة وسبوا الشرخ فأقاموهم فيمن يزيد فاشترى خالد ابنة الجودى وكانت موصوفة وأقام خالد بدومة ورد الاقرع إلى الانبار ولما رجع خالد إلى الحيرة وكان منها قريبا حيث يصبحها أخذ القعقاع أهل الحيرة بالتقليس فخرجوا يتلقونه وهم يقلسون وجعل بعضهم يقول لبعض مروا بنا فهذا فرح الشر (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب قالوا وقد كان خالد أقام بدومة فظن الاعاجم به وكاتبهم عرب الجزيرة غضبا لعقة فخرج زرمهر من بغداد ومعه روزبه يريدان الانبار واتعد حصيدا والخنافس فكتب الزبرقان وهو على الانبار إلى القعقاع ابن عمرو وهو يومئذ خليفة خالد على الحيرة فبعث القعقاع أعبد بن فدكى السعدى وأمره بالحصيد وبعث عروة بن الجعد البارقى وأمره بالخنافس وقال لهما إن رأيتما مقدما فأقدما فخرجا فحالا بينهما وبين الريف وأغلقاهما وانتظر روزبه وزرمهر بالمسلمين اجتماع من كاتبهما من ربيعة وقد كانوا تكاتبوا واتعدوا فلما رجع خالد من دومة إلى الحيرة على الظهر وبلغه ذلك وقد عزم على مصادمة أهل المدائن كره خلاف أبى بكر وأن يتعلق عليه بشئ فعجل القعقاع بن عمرو وأبا ليلى بن فدكى

[ 580 ]

إلى روزبه وزرمهر فسبقاه إلى عين التمر وقدم على خالد كتاب امرئ القيس الكلبى أن الهذيل بن عمران قد عسكر بالمضيح ونزل ربيعة بن بجير بالثنى وبالبشر في عسكر غضبا لعقة يريدان زرمهر وروزبه فخرج خالد وعلى مقدمته الاقرع بن حابس واستخلف على الحيرة عياض بن غنم وأخذ طريق القعقاع وأبى ليلى إلى الخنافس حتى قدم عليهما بالعين فبعث القعقاع إلى الحصيد وأمره على الناس وبعث أبا ليلى إلى الخنافس وقال زجياهم ليجتمعوا ومن استثأرهم وإلا فواقعاهم فأبيا إلا المقام خبر حصيد فلما رأى القعقاع أن زرمهر وروزبه لا يتحركان سار نحو حصيد وعلى من مر به من العرب والعجم روزبه ولما رأى روزبه أن القعقاع قد قصد له استمد زرمهر فأمده بنفسه واستخلف على عسكره المهبوذان فالتقوا بحصيد فاقتتلوا فقتل الله العجم مقتلة عظيمة وقتل القعقاع زرمهر وقتل روزبه قتله عصمة بن عبد الله أحد بنى الحارث بن طريف من بنى ضبة وكان عصمة من البررة وكل فخذها جرت بأسرها تدعى البررة وكل قوم هاجروا من بطن يدعون الخيرة فكان المسلمون خيرة وبررة وغنم المسلمون يوم حصيد غنائم كثيرة وأرز فلال حصيد إلى الخنافس فاجتمعوا بها الخنافس وسار أبو ليلى بن فدكى بمن معه ومن قدم عليه نحو الخنافس وقد أرزت فلال حصيد إلى المهبوذان فلما أحس المهبوذان هرب ومن معه وأرزوا إلى المضيح وبه الهذيل بن عمران ولم يلق بالخنافس كيدا وبعثوا إلى خالد بالخبر جميعا مضيح بنى البرشاء قالوا ولما انتهى الخبر إلى خالد بمصاب أهل الحصيد وهرب أهل الخنافس كتب إليهم ووعد القعقاع وأبا ليلى وأعبد وعروة ليلة وساعة يجتمعون فيها إلى المضيح وهو بين حوران والقلت وخرج خالد من العين قاصدا للمضيح على

[ 581 ]

الابل يجنب الخيل فنزل الجناب فالبردان فالحنى واستقل من الحنى فلما كان تلك الساعة من ليلة الموعد اتفقوا جميعا بالمضيح فأغاروا على الهذيل ومن معه ومن أوى إليه وهم نائمون من ثلاثة أوجه فقتلوهم وأفلت الهذيل في أناس قليل وامتلا الفضاء قتلى فما شبهوا بهم إلا غنما مصرعة وقد كان حرقوص بن النعمان قد محضهم النصح وأجاد الرأى فلم ينتفعوا بتحذيره وقال حرقوص بن النعمان قبل الغارة * ألا سقيانى قبل خيل أبى بكر * الابيات وكان حرقوص معرسا بامرأة من بنى هلال تدعى أم تغلب فقتلت تلك الليلة وعبادة بن البشر وامرؤ القيس ابن بشر وقيس بن بشر وهؤلاء بنو الثورية من بنى هلال وأصاب جرير بن عبد الله يوم المضيح من النمر عبد العزى بن أبى رهم بن قرواش أخا أوس مناة من النمر وكان معه ومع لبيد بن جرير كتاب من أبى بكر بإسلامهما وبلغ أبا بكر قول عبد العزى وقد سماه عبد الله ليلة الغارة وقال سبحانك اللهم رب محمد فواده وودى لبيدا وكانا أصيبا في المعركة وقال أما إن ذلك ليس على إذ نازلا أهل الحرب وأوصى بأولادهما وكان عمر يعتد على خالد بقتلهما إلى قتل مالك يعنى ابن نويرة فيقول أبو بكر كذلك يلقى من ساكن أهل الحرب في ديارهم وقال عبد العزى أقول إذ طرق الصباح بغارة * سبحانك اللهم رب محمد سبحان ربى لا إله غيره * رب البلاد ورب من يتورد (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عطية عن عدى بن حاتم قال أغرنا على أهل المضيح وإذا رجل يدعى باسمه حرقوص بن النعمان من النمر وإذا حوله بنوه وامرأته وبينهم جفنة من خمر وهم عليها عكوف يقولون له ومن يشرب هذه الساعة وفى أعجاز الليل فقال اشربوا شرب وداع فما أرى أن تشربوا خمرا بعدها هذا خالد بالعين وجنوده بحصيد وقد بلغه جمعنا وليس بتاركنا ثم قال ألا فاشربوا من قبل قاصمة الظهر * بعيد انتفاخ القوم بالعكر الدثر وقبل منايانا المصيبة بالقدر * لحين لعمري لا بزيد ولا يحرى

[ 582 ]

فسبق إليه وهو في ذلك بعض الخيل فضرب رأسه فإذا هو في جفنته وأخذنا بناته وقتلنا بنيه (الثنى والزميل) وقد نزل ربيعة بن بجير التغلبي الثنى والبشر غضبا لعقة وواعد روزبه وزرمهر والهذيل فلما أصاب خالد أهل المضيح بما أصابهم به تقدم إلى القعقاع والى أبى ليلى بأن يرتحلا أمامه وواعدهما الليلة ليفترقوا فيها للغارة عليهم من ثلاثة أوجه كما فعل بأهل المضيح ثم خرج خالد من المضيح فنزل حوران ثم الرنق ثم الحماة وهى اليوم لبنى جنادة بن زهير من كلب ثم الزميل وهو البشر والثنى معه وهما اليوم شرقي الرصافة فبدأ بالثنى واجتمع هو وأصحابه فبيته من ثلاثة أوجه بياتا ومن اجتمع له واليه ومن تأشب لذلك من الشبان فجردوا فيهم السيوف فلم يفلت من ذلك الجيش محبر واستبى الشرخ وبعث بخمس الله إلى أبى بكر مع النعمان بن عوف بن النعمان الشيباني وقسم النهب والسبايا فاشترى على ابن أبى طالب عليه السلام بنت ربيعة بن بجير التغلبي فاتخذها فولدت له عمر ورقية وكان الهذيل حين نجا أوى إلى الزميل إلى عتاب بن فلان وهو بالبشر في عسكر ضخم فبيتهم بمثلها غارة شعواء من ثلاثة أوجه سبقت إليهم الخبر عن ربيعة فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يقتلوا قبلها مثلها وأصابوا منهم ما شاؤا وكانت على خالد يمين ليبغتن تغلب في دارها وقسم خالد فيأهم في الناس وبعث بالاخماس إلى أبى بكر مع الصباح بن فلان المزني وكانت في الاخماس ابنة مؤذن النمري وليلى بنت خالد وريحانة بنت الهذيل بن هبيرة ثم عطف خالد من البشر إلى الرضاب وبها هلال بن عقة وقد ارفض عنه أصحابه حين سمعوا بدنو خالد وانقشع عنها هلال فلم يلق كيدا بها (حديث الفراض) ثم قصد خالد بعد الرضاب وبغتته تغلب إلى الفراض والفراض تخوم الشأم والعراق والجزيرة فأفطر بها رمضان في تلك السفرة التى اتصلت لها فيها الغزوات

[ 583 ]

والايام ونظمن نظما أكثر فيهن الرجاز إلى ما كان قبل ذلك منهن (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وشاركهم عمرو بن محمد عن رجل من بنى سعد عن ظفر بن دهى والمهلب بن عقبة قالوا فلما اجتمع المسلمون بالفراض حميت الروم واغتاظت واستعانوا بمن يليهم من مسالح أهل فارس وقد حموا واغتاظوا واستمدوا تغلب واياد والنمر فأمدوهم ثم ناهدوا خالدا حتى إذا صار الفرات بينهم قالوا اما أن تعبروا الينا واما أن نعبر اليكم قال خالد بل اعبروا الينا قالوا فتنحوا حتى نعبر فقال خالد لا نفعل ولكن اعبروا أسفل منا وذلك للنصف من ذى القعدة سنة اثنتى عشرة فقالت الروم وفارس بعضهم لبعض احتسبوا ملككم هذا رجل يقاتل على دين وله عقل وعلم ووالله لينصرن ولنخذلن ثم لم ينتفعوا بذلك فعبروا أسفل من خالد فلما تتاموا قالت الروم امتازوا حتى نعرف اليوم ما كان من حسن أو قبيح من أينا يجئ ففعلوا فاقتتلوا قتالا شديدا طويلا ثم ان الله عز وجل هزمهم وقال خالد للمسلمين ألحوا عليهم ولا ترفهوا عنهم فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه فإذا جمعوهم قتلوهم فقتل يوم الفراض في المعركة وفى الطلب مائة ألف وأقام خالد على الفراض بعد الوقعة عشرا ثم أذن في الفعل إلى الحيرة لخمس بقين من ذى القعدة وأمر عاصم ابن عمرو أن يسير بهم وأمر شجرة بن الاعز أن يسوقهم وأظهر خالد أنه في الساقة (حجة خالد) (قال أبو جعفر) وخرج خالد حاجا من الفراض لخمس بقين من ذى القعدة مكتتما بحجه ومعه عدة من أصحابه يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت فتأتى له من ذلك ما لم يتأت لدليل ولا ريبال فسار طريقا من طرق أهل الجزيرة لم ير طريق أعجب منه ولا أشد على صعوبته منه فكانت غيبته عن الجند يسيرة فما توافي إلى الحيرة آخرهم حتى وافاهم مع صاحب الساقة الذى وضعه فقدما معا وخالد وأصحابه محلقون لم يعلم بحجه الا من أفضى إليه بذلك من الساقة ولم يعلم أبو بكر

[ 584 ]

رحمه الله بذلك إلا بعد فعتب عليه وكانت عقوبته اياه أن صرفه إلى الشأم وكان مسير خالد من الفراض أن استعرض البلاد متعسفا متسمتا فقطع طريق الفراض ماء العنبري ثم مثقبا ثم انتهى إلى ذات عرق فشرق منها فاسلمه إلى عرفات من الفراض وسمى ذلك الطريق الصد ووافاه كتاب من أبى بكر منصرفه من حجه بالحيرة يأمره بالشأم يقاربه ويباعده (قال أبو جعفر) قالوا فوافى خالدا كتاب أبى بكر بالحيرة منصرفه من حجه أن سر حتى تأتى جموع المسلمين باليرموك فانهم قد شجوا وأشجوا واياك أن تعود لمثل ما فعلت فانه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجيك ولم ينزع الشجى من الناس نزعك فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة فأتمم يتمم الله لك ولا يدخلنك عجب فتسخر وتخذل واياك ان تدل بعمل فإن الله له المن وهو ولى الجزاء (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبد الملك بن عطاء بن البكائى عن المقطع بن الهيثم البكائى عن أبيه قال كان أهل الايام من أهل الكوفة يوعدون معاوية عند بعض الذى يبلغهم ويقولون ما شاء معاوية نحن أصحاب ذات السلاسل ويسمون ما بينها وبين الفراض ما يذكرون ما كان بعد احتقارا لما كان بعد فيما كان قبل * وحدثني عمير بن شيبة قال حدثنا على بن محمد بالاسناد الذى قد مضى ذكره أن خالد بن الوليد أتى الانبار فصالحوه على الجلاء ثم أعطوه شيئا رضى به فأقرهم وأنه أغار على سوق بغداد من رستاق العال وأنه وجه المثنى على سوق فيها جمع لقضاعة وبكر فأصاب ما في السوق ثم سار إلى عين التمر ففتحها عنوة فقتل وسبى وبعث بالسبي إلى أبى بكر فكان أول سبى قدم المدينة من العجم وسار إلى دومة الجندل فقتل أكيدر وسبى ابنة الجودى ورجع فأقام بالحيرة هذا كله سنة اثنتى عشرة (وفيها) تزوج عمر رحمه الله عاتكة بنت زيد (وفيها) مات أبو مرثد الغنوى (وفيها) مات أبو العاصى بن الربيع في ذى الحجة وأوصى إلى الزبير وتزوج علي عليه السلام ابنته (وفيها) اشترى عمر أسلم مولاه (واختلف) فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال بعضهم حج بهم فيها أبو بكر رحمه الله

[ 585 ]

ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن ابن يعقوب مولى الحرقة عن رجل من بنى سهم عن ابن ماجدة السهمى أنه قال حج أبو بكر في خلافته سنة اثنتى عشرة وقد عارمت غلاما من أهلى فعض بأذنى فقطع منها أو عضضت بأذنه فقطعت منها فرفع شأننا إلى أبى بكر فقال اذهبوا بهما إلى عمر فلينظر فإن كان الجارح قد بلغ فليقدمنه فلما انتهى بنا إلى عمر رضى الله عنه قال لعمري لقد بلغ هذا ادعوا لى حجاما قال فلما ذكر الحجام قال أما إنى قد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قد أعطيت خالتي غلاما وأنا أرجو أن يبارك الله لها فيه وقد نهيتها أن تجعله حجاما أو قصابا أو صائغا فاقتص منه * وذكر الواقدي عن عثمان بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبى وجزة يزيد بن عبيد عن أبيه أن أبا بكر حج في سنة اثنتى عشرة واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رحمه الله وقال بعضهم حج بالناس سنة اثنتى عشرة عمر بن الخطاب ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال بعض الناس يقول لم يحج أبو بكر في خلافته وأنه بعث سنة اثنتى عشرة على الموسم عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث ففيها وجه أبو بكر رحمه الله الجيوش إلى الشام بعد منصرفه من مكة إلى المدينة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال لما قفل أبو بكر من الحج سنة اثنتى عشرة جهز الجيوش إلى الشأم فبعث عمرو بن العاصى قبل فلسطين فأخذ طريق المعرقة على أيلة وبعث يزيد بن أبى سفيان وأبا عبيدة ابن الجراح وشرحبيل بن حسنة وهو أحد الغوث وأمرهم أن يسلكوا التبوكية

[ 586 ]

على البلقاء من علياء الشأم * وحدثني عمر بن شيبة عن على بن محمد بالاسناد الذى ذكرت قبل عن شيوخه الذين مضى ذكرهم قال ثم وجه أبو بكر الجنود إلى الشأم أول سنة ثلاث عشرة فأول لواء عقده لواء خالد بن سعيد بن العاصى ثم عزله قبل أن يسيره وولى يزيد بن أبى سفيان فكان أول الامراء الذين خرجوا إلى الشأم وخرجوا في سبعة آلاف (قال أبو جعفر) وكان سبب عزل أبى بكر خالد بن سعيد فيما ذكر ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر أن خالدا بن سعيد حين قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تربص ببيعته شهرين يقول قد أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم يعزلني حتى قبضه الله وقد لقى على بن أبى طالب وعثمان بن عفان فقال يا بنى عبد مناف لقد طبتم نفسا عن أمركم يليه غيركم فأما أبو بكر فلما يحفلها عليه وأما عمر فاضطغنها عليه ثم بعث أبو بكر الجنود إلى الشأم وكان أول من استعمل على ربع منها خالد بن سعيد فأخذ عمر يقول أتؤمره وقد صنع ما صنع وقال ما قال فلم يزل بأبى بكر حتى عزله وأمر يزيد بن أبى سفيان (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن مبشر بن فضيل عن جبير بن صخر حارس النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه قال كان خالد بن سعيد بن العاصى باليمن زمن النبي صلى الله عليه وسلم وتوفى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بها وقدم بعد وفاته بشهر وعليه جبة ديباج فلقى عمر بن الخطاب وعلي بن أبى طالب فصاح عمر بمن يليه مزقوا عليه جبته أيلبس الحرير وهو في رجالنا في السلم مهجور فمزقوا جبته فقال خالد يا أبا الحسن يا بنى عبد مناف أغلبتم عليها فقال علي عليه السلام أمغالبة ترى أم خلافة قال لا يغالب على هذا الامر أولى منكم يا بنى عبد مناف وقال عمر لخالد فض الله فاك والله لا يزال كاذب يخوض فيما قلت ثم لا يضر إلا نفسه فأبلغ عمر أبا بكر مقالته فلما عقد أبو بكر الالوية لقتال أهل الردة عقد له فيمن عقد فنهاه عنه عمر وقال إنه لمخذول وإنه لضعيف التروية ولقد كذب كذبة لا يفارق الارض مدل بها وخائض فيها فلا يستنصر به فلم يحتمل أبو بكر عليه وجعله ردءا بتيماء أطاع عمر في بعض أمره وعصاه في بعض * كتب

[ 587 ]

إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى إسحق الشيباني عن أبى صفية التيمى تيم بن شيبان وطلحة عن المغيرة ومحمد عن أبى عثمان قالوا أمر أبو بكر خالدا بأن ينزل تيماء ففصل ردا حتى ينزل بتيماء وقد أمره أبو بكر أن لا يبرحها وأن يدعو من حوله بالانضمام إليه وأن لا يقبل إلا ممن لا يرتد ولا يقاتل الا من قاتله حتى يأتيه أمره فأقام فاجتمع إليه جموع كثيرة وبلغ الروم عظم ذلك العسكر فضربوا على العرب الضاحية البعوث بالشأم إليهم فكتب خالد بن سعيد إلى أبى بكر بذلك وبنزول من استنفرت الروم ونفر إليهم من بهراء وكلب وسليح وتنوخ ولخم وجذام وغسان من دون زيزاء بثلاث فكتب إليه أبو بكر أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله فسار إليهم خالد فلما دنا منهم تفرقوا وأعروا منزلهم فنزله ودخل عامة من كان تجمع له في الاسلام وكتب خالد إلى أبى بكر بذلك فكتب إليه أبو بكر أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك فسار فيمن كان خرج معه من تيماء وفيمن لحق به من طرف الرمل حتى نزلوا فيما بين آبل وزيزاء والقسطل فسار إليه بطريق من بطارقة الروم يدعى باهان فهزمه وقتل جنده وكتب بذلك إلى أبى بكر واستمده وقد قدم على أبى بكر أوائل مستنفرى اليمن ومن بين مكة واليمن وفيهم ذو الكلاع وقدم عليه عكرمة قافلا وغازيا فيمن كان معه من تهامة وعمان والبحرين والسرو فكتب لهم أبو بكر إلى أمراء الصدقات أن يبدلوا من استبدل فكلهم استبدل فسمى ذلك الجيش جيش البدال فقدموا على خالد بن سعيد وعند ذلك اهتاج أبو بكر للشأم وعناه أمره وقد كان أبو بكر رد عمرو بن العاصى على عمالة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاها إياه من صدقات سعد هذيم وعذرة ومن لفها من جذام وحدس قبل ذهابه إلى عمان فخرج إلى عمان وهو على عدة من عمله إذا هو رجع فأنجز له ذلك أبو بكر فكتب أبو بكر عند اهتياجه للشأم إلى عمرو إنى كنت قد رددتك على العمل الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاكه مرة وسماه لك أخرى مبعثك إلى عمان انجاز المواعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد وليته ثم وليته وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو

[ 588 ]

خير لك في حياتك ومعادك منه إلا أن يكون الذى أنت فيه أحب إليك فكتب إليه عمرو إنى سهم من سهام الاسلام وأنت بعد الله الرامى بها والجامع لها فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به شيئا أن جاءك من ناحية من النواحى وكتب إلى الوليد بن عقبة بنحو ذلك فأجابه بإيثار الجهاد (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد قال كتب أبو بكر إلى أبو عمرو وإلى الوليد بن عقبة وكان على النصف من صدقات قضاعة وقد كان أبو بكر شيعهما مبعثهما على الصدقة وأوصى كل واحد منهما بوصية واحدة اتق الله في السر والعلانية فإنه من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا فان تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله إنك في سبيل من من سبل الله لا يسعك فيه الاذهان والتفريط والغفلة عما فيه قوام دينكم وعصمة أمركم فلا تن ولا تفتر وكتب إليهما استخلفا على اعمالكما واندبا من يليكما فولى عمرو على عليا قضاعة عمرو بن فلان العذري وولى الوليد على ضاحية قضاعة مما يلى دومة امرأ القيس وندبا الناس فتتام إليهما بشر كثير وانتظرا أمر أبى بكر وقام أبو بكر في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال ألا إن لكل أمر جوامع فمن بلغها فهى حسبه ومن عمل لله كفاه الله عليكم بالجد والقصد فان القصد أبلغ إلا أنه لا دين لاحد لا إيمان له ولا أجر لمن لا حسبة له ولا عمل لمن لا نية له ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغى للمسلم أن يحب أن يخص به هي التجارة التى دل الله عليها ونجى بها من الخزى وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة فامد عمرا ببعض من انتدب إلى من اجتمع إليه وأمره على فلسطين وأمره بطريق سماها له وكتب إلى الوليد وأمره بالاردن وأمده ببعضهم ودعا يزيد بن أبى سفيان فأمره على جند عظيم هم جمهور من انتدب له وفى جنده سهيل بن عمرو وأشباهه من أهل مكة وشيعه ماشيا واستعمل أبا عبيدة بن الجراح على من اجتمع وأمره على حمص وخرج معه وهما ماشيان والناس معهما وخلفهما وأوصى كل واحد منهما (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن سهل

[ 589 ]

عن القاسم ومبشر عن عن سالم ويزيد بن أسيد الغساني عن خالد وعبادة قالوا ولما قدم الوليد عن خالد بن سعيد فسانده وقدمت جنود المسلمين الذين كان أبو بكر أمده بهم وسموا جيش البدال وبلغه عن الامراء وتوجههم إليه اقتحم على الروم طلب الخظوة وأعرى ظهره وبادر الامراء بقتال الروم واستطرد له باهان فأرز هو ومن معه إلى دمشق واقتحم خالد في الجيش ومعه ذو الكلاع وعكرمة والوليد حتى ينزل مرح الصفر من بين الواقوصة ودمشق فانطوت مسالح باهان عليه وأخذوا عليه الطرق ولا يشعر وزحف له باهان فوجد ابنه سعيد بن خالد يستمطره في الناس فقتلوهم وأتى الخبر خالدا فخرج هاربا في جريدة فأفلت من أفلت من أصحابه على ظهور الخيل والابل وقد أجهضوا عن عسكرهم ولم تنته بخالد بن سعيد الهزيمة عن ذى المروة وأقام عكرمة في الناس ردءا لهم فرد عنهم باهان وجنوده أن يطلبوه وأقام من الشأم على قريب وقد قدم شرحبيل بن حسنة وافدا من عند خالد ابن الوليد فندب معه الناس ثم استعمله أبو بكر على عمل الوليد وخرج معه يوصيه فأتى شرحبيل على خالد ففصل بأصحابه الا القليل واجتمع إلى أبى بكر أناس فأمر عليهم معاوية وأمره باللحاق بيزيد فخرج معاوية حتى لحق بيزيد فلما مر بخالد فصل ببقية أصحابه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب لم يزل يكلم أبا بكر في خالد بن الوليد وفى خالد ابن سعيد فأبى أن يعطيه في خالد بن الوليد وقال لا أشيم سيفا سله الله على الكفار وأطاعه في خالد بن سعيد بعد ما فعل فعلته فأخذ عمرو طريق المعرقة وسلك أبو عبيدة طريقه وأخذ يزيد طريق التبوكية وسلك شرحبيل طريقه وسمى لهم أمصار الشأم وعرف أن الروم ستشغلهم فأحب أن يصعد المصوب ويصوب المصعد لئلا يتواكلوا فكان كما ظن وصاروا إلى ما أحب (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبى قال لما قدم خالد بن سعيد ذا المروة وأتى أبا بكر الخبر كتب إلى خالد أقم مكانك فلعمري إنك مقدام محجام نجاء من الغمرات لا تخوضها إلى حق ولا تصبر عليه ولما كان بعد وأذن له في دخوله

[ 590 ]

المدينة قال خالد اعذرني قال أخطل وأنت امر وجبن لدى الحرب فلما خرج من عنده قال كان عمر وعلى أعلم بخالد ولو أطعتهما فيه اختشيته واتقيته (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن مبشر وسهل وأبى عثمان عن خالد وعبادة وأبى حارثة قالوا وأوعب القواد بالناس نحو الشأم وعكرمة ردء للناس وبلغ الروم ذلك فكتبوا إلى هرقل وخرج هرقل حتى نزل بحمص فأعد لهم الجنود وعبى لهم العساكر وأراد اشتغال بعضهم عن بعض لكثرة جنده وفضول رجاله وأرسل إلى عمرو أخاه تذارق لابيه وأمه فخرج نحوهم في تسعين ألفا وبعث من يسوقهم حتى نزل صاحب الساقة ثنية جلق بأعلى فلسطين وبعث جرجة بن توذرا نحو يزيد بن أبى سفيان فعسكر بإزائه وبعث الدراقص فاستقبل شرحبيل ابن حسنة وبعث الفيقار بن نسطوس في ستين ألفا نحو أبى عبيدة فهابهم المسلمون وجميع فرق المسلمين واحد وعشرون ألفا سوى عكرمة في ستة آلاف ففزعوا جميعا بالكتب وبالرسل إلى عمران ما الرأى فكاتبهم وراسلهم إن الرأى الاجتماع وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلب من قلة وإذا نحن تفرقنا لم يبق الرجل منا في عدد يقرن فيه لاحد ممن استقبلنا وأعد لنا لكل طائفة منا فاتعدوا ليرموك ليجتمعوا به وقد كتب إلى أبى بكر بمثل ما كاتبوا به عمرا فطلع عليههم كتابة بمثل رأى عمرو بأن اجتمعوا فتكونوا عسكرا واحدا والقوا زحوف المشركين بزحف المسلمين فإنكم أعوان الله والله ناصر من نصره وخاذل من كفره ولن يؤتى مثلكم من قلة وإنما يؤتى العشرة آلاف والزيادة على العشرة آلاف إذا أتوا من تلقاء الذنوب فاحترسوا من الذنوب واجتمعوا باليرموك متساندين وليصل كل رجل منكم بأصحابه وبلغ ذلك هرقل فكتب إلى بطاقته أن اجتمعوا لهم وانزلوا بالروم منزلا واسع العطن واسع المطرد ضيق المهرب وعلى الناس التذارق وعلى المقدمة جرجة وعلى مجنبتيه باهان والدراقص وعلى الحرب الفيقار وابشروا فإن باهان في الاثر مددا لكم ففعلوا فنزلوا الواقوصة وهى على ضفة اليرموك وصار الوادي خندقا لهم وهو لهب لا يدرك وإنما أراد باهان وأصحابه

[ 591 ]

أن تستفيق الروم ويأنسوا بالمسلمين وترجع إليهم أفئدتهم عن طريتها وانتقل المسلمون عن عسكرهم الذى اجتمعوا به فنزل عليهم بحذائهم على طريقهم وليس للروم طريق إلا عليهم فقال عمرو أيها الناس ابشروا حصرت والله الروم وقل ما جاء محصور بخير فأقاموا بازائهم وعلى طريقهم ومخرجهم صفر من سنة ثلاث عشرة وشهرى ربيع لا يقدرون من الروم على شئ ولا يخلصون إليهم اللهب وهو الواقوصة من ورائهم والخندق من أمامهم ولا يخرجون خرجة إلا أديل المسلمون منهم حتى إذا سلخوا شهر ربيع الاول وقد استمدوا أبا بكر وأعلموه الشأن في صفر فكتب إلى خالد ليلحق بهم وأمره أن يخلف على العراق المثنى فوافاهم في ربيع (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو والمهلب قالوا ولما نزل المسلمون اليرموك واستمدوا أبا بكر قال خالد لها فبعث إليه وهو بالعراق وعزم عليه واستحثه في السير فنفذ خالد لذلك فطلع عليهم خالد وطلع باهان على الروم وقد قدم قدامه الشمامسة والرهبان والقسيسين يغرونهم ويحضضونهم على القتال ووافق قدوم خالد قدوم باهان فخرج بهم باهان كالمقتدر فولى خالد قتاله وقاتل الامراء من بازائهم فهزم باهان وتتابع الروم على الهزيمة فاقتحموا خندقهم وتيمنت الروم بباهان وفرح المسلمون بخالد وحرد المسلمون وحرب المشركون وهم أربعون ومائتا ألف منهم ثمانون ألف مقيد وأربعون ألفا منهم مسلسل للموت وأربعون ألفا مربطون بالعمائم وثمانون ألف فارس وثمانون ألف راجل والمسلمون سبعة وعشرون ألفا ممن كان مقيما إلى أن قدم عليهم خالد في تسعة آلاف فصاروا ستة وثلاثين ألفا ومرض أبو بكر رحمه الله في جمادى الاولى وتوفى للنصف من جمادى الآخرة قبل الفتح بعشر ليال خبر اليرموك (قال أبو جعفر) وكان أبو بكر قد سمى لكل أمير من أمراء الشأم كورة فسمى لابي عبيدة بن عبد الله بن الجراح حمص وليزيد بن أبى سفيان دمشق ولشرحبيل

[ 592 ]

ابن حسنة الاردن ولعمرو بن العاصى ولعلقمة بن مجزز فلسطين فلما فرغا منها نزل علقمة وسار إلى مصر فلما شارفوا الشام دهم كل أمير منهم قوم كثير فأجمع رأيهم أن يجتمعوا بمكان واحد وأن يلقوا جمع المشركين بجمع المسلمين ولما رأى خالد أن المسلمين يقاتلون متساندين قال لهم هل لكم يا معشر الرؤساء في أمر يعز الله به الدين ولا يدخل عليكم معه ولا منه نقيصة ولا مكروه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى عثمان يزيد بن أسيد الغساني عن خالد وعبادة قالا توافي إليها مع الامراء والجنود الاربعة سبعة وعشرون ألفا وثلاثة آلاف من فلال خالد بن سعيد أمر عليهم أبو بكر معاوية وشرحبيل وعشرة آلاف من أمداد أهل العراق مع خالد بن الوليد سوى ستة آلاف ثبتوا مع عكرمة ردأ بعد خالد بن سعيد فكانوا ستة وأربعين ألفا وكل قتالهم كان على تساند كل جند وأميره لا يجمعهم أحد حتى قدم عليهم خالد من العراق وكان عسكر أبى عبيدة باليرموك مجاورا لعسكر عمرو بن العاصى وعسكر شرحبيل مجاورا لعسكر يزيد بن أبى سفيان فكان أبو عبيدة ربما صلى مع عمرو وشرحبيل مع يزيد فأما عمرو ويزيد فإنهما كانا لا يصليان مع أبى عبيدة وشرحبيل وقدم خالد بن الوليد وهم على حالهم تلك فعسكر على حدة فصلى بأهل العراق ووافق خالد بن الوليد المسلمين وهم متضايقون بمدد الروم عليهم باهان ووافق الروم وهم نشاط بمددهم فالتقوا فهزمهم الله حتى ألجأهم وامدادهم إلى الخنادق والواقوصة أحد حدوده فلزموا خندقهم عامة شهر يحضهم القسيسون والشمامسة والرهبان وينعون لهم النصرانية حتى استبصروا فخرجوا للقتال الذى لم يكن بعده قتال مثله في جمادى الآخرة فلما أحس المسلمون خروجهم وأرادوا الخروح متساندين سار فيهم خالد بن الوليد فحمد الله وأثنى عليه وقال إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغى فيه الفخر ولا البغى أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم فإن هذا يوم له ما بعده ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبية على تساند وانتشار فان ذلك لا يحل ولا ينبغى وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا فاعملوا فيما لم تؤمروا به الذى ترون أنه الرأى

[ 593 ]

من واليكم ومحبته قالوا فهات فما الرأى قال إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر ولو علم بالذى كان ويكون لقد جمعكم إن الذى أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم وأنفع للمشركين من امدادهم ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم فالله الله فقد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان لا ينتقصه منه إن دان لاحد من أمراء الجنود ولا يزيده عليه إن دانوا له إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم هلموا فإن هؤلاء قد تهيؤا وهذا يوم له ما بعده إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم وإن هزمونا لم نفلح بعدها فهلموا فلنتعاور الامارة فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم ودعوني إليكم اليوم فأمروه وهم يرون أنها كخرجاتهم وأن الامر أطول مما صاروا إليه فخرجت الروم في تعبية لم ير الراؤون مثلها قط وخرج خالد في تعبية لم تعبها العرب قبل ذلك فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الاربعين وقال إن عدوكم قد كثر وطغى وليس من التعبية تعبية أكثر من رأى العين من الكراديس فجعل القلب كراديس وأقام فيه أبا عبيدة وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاصى وفيها شرحبيل بن حسنة وجعل الميسرة كراديس وعليها يزيد بن أبى سفيان وكان على كردوس من كراديس أهل العراق القعقاع بن عمرو وعلى كردوس مذعور بن عدى وعياض بن غنم على كردوس وهاشم ابن عتبة على كردوس وزياد بن حنظلة على كردوس وخالد في كردوس وعلى فالة خالد ابن سعيد دحية بن خليفة على كردوس وامرؤ القيس على كردوس ويزيد بن يحنس على كردوس وأبو عبيدة على كردوس وعكرمة على كردوس وسهيل على كردوس وعبد الرحمن بن خالد على كردوس وهو يومئذ ابن ثمانى عشرة سنة وحبيب بن مسلمة على كردوس وصفوان بن أمية على كردوس وسعيد بن خالد على كردوس وأبو الاعور بن سفيان على كردوس وابن ذى الخمار على كردوس وفى الميمنة عمارة بن مخشى بن خويلد على كردوس وشرحبيل على كردوس ومعه خالد بن سعيد وعبد الله بن قيس على كردوس وعمرو بن عبسة على كردوس

[ 594 ]

والسمط بن الاسود على كردوس وذو الكلاع على كردوس ومعاوية بن حديج على آخر وجندب بن عمرو بن حممة على كردوس وعمرو بن فلان على كردوس ولقيط بن عبد القيس بن بجرة حليف لبنى ظفر من بنى فزارة على كردوس وفى الميسرة يزيد بن أبى سفيان على كردوس والزبير على كردوس وحوشب ذو ظليم على كردوس وقيس بن عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن مازن بن صعصعة من هوازن حليف لبنى النجار على كردوس وعصمة بن عبد الله حليف لبنى النجار من بنى أسد على كردوس وضرار بن الازور على كردوس ومسروق بن فلان على كردوس وعتبة بن ربيعة بن بهز حليف لبنى عصمة على كردوس وجارية ابن عبد الله الاشجعى حليف لبنى سلمة على كردوس وقباث على كردوس وكان القاضى أبو الدرداء وكان القاص أبو سفيان بن حرب وكان على الطلائع قباث ابن أشيم وكان على الاقباض عبد الله بن مسعود (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة نحوا من حديث أبى عثمان وقالوا جميعا وكان القارئ المقداد ومن السنة التى سن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر أن يقرأ سورة الجهاد عند اللقاء وهى الانفال ولم يزل الناس بعد ذلك على ذلك (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى عثمان يزيد بن أسيد الغساني عن عبادة وخالد قالا شهد اليرموك ألف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم نحو من مائة من أهل بدر قالا وكان أبو سفيان يسير فيقف على الكراديس فيقول الله الله إنكم ذادة العرب وأنصار الاسلام وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك اللهم إن هذا يوم من أيامك اللهم أنزل نصرك على عبادك قالا وقال رجل لخالد ما أكثر الروم وأقل المسلمين فقال خالد ما أقل الروم وأكثر المسلمين إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال والله لوددت أن الاشقر براء من توجيه وأنهم أضعفوا في العدد وكان فرسه قد حفى في مسيره قالا فأمر خالد عكرمة والقعقاع وكانا على مجنبتى القلب فانشبا القتال وارتجز القعقاع وقال يا ليتنى ألقاك في الطراد * قبل اعترام الجحفل الوراد

[ 595 ]

وأنت في حلبتك الوراد وقال عكرمة قد علمت بهكنة الجوارى * أنى على مكرمة أحامي فنشب القتال والتحم الناس وتطارد الفرسان فإنهم على ذلك إذ قدم البريد من المدينة فأخذته الخيول وسألوه الخبر فلم يخبرهم إلا بسلامة وأخبرهم عن إمداد وإنما جاء بموت أبى بكر رحمه الله وتأمير أبى عبيدة فأبلغوه خالدا فأخبره خبر أبى بكر أسره إليه وأخبره بالذى أخبر به الجند قال أحسنت فقف وخذ الكتاب وجعله في كنانته وخاف إن هو أظهر ذلك أن ينتشر له أمر الجند فوقف محمية بن زنيم مع خالد وهو الرسول وخرج جرجة حتى كان بين الصفين ونادى ليخرج إلى خالد فخرج إليه خالد وأقام أبا عبيدة مكانه فوافقه بين الصفين حتى اختلفت أعناق دابتيهما وقد أمن أحدهما صاحبه فقال جرجة يا خالد أصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم قال لا قال فبم سميت سيف الله قال إن الله عز وجل بعث فينا نبيه صلى الله عليه وسلم فدعانا فنفرنا عنه ونأينا عنه جميعا ثم إن بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا باعده وكذبه فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتابعناه فقال أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين ودعا لى بالنصر فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين قال صدقتني ثم أعاد عليه جرجة يا خالد أخبرني إلام تدعوني قال إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله والاقرار بما جاء به من عند الله قال فمن لم يجبكم قال فالجزية ونمنعهم قال فإن لم يعطها قال نؤذنه بحرب ثم نقاتله قال فما منزلة الذى يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الامر اليوم قال منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا ثم أعاد عليه جرجة هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد مثل مالكم من الاجر والذخر قال نعم وأفضل قال وكيف يساويكم

[ 596 ]

وقد سبقتموه قال إنا دخلنا في هذا الامر وبايعنا نبينا صلى الله عليه وسلم وهو حى بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتب ويرينا الآيات وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج فمن دخل في هذا الامر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا قال جرجة بالله لقد صدقتني ولم تخادعني ولم تألفني قال بالله لقد صدقتك وما بى إليك وإلى أحد منكم وحشة وإن الله لولى ما سألت عنه فقال صدقتني وقلب الترس ومال مع خالد وقال علمني الاسلام فمال به خالد إلى فسطاطه فشن عليه قربة من ماء ثم صلى ركعتين وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة والحارث بن هشام وركب خالد ومعه جرجة والروم خلال المسلمين فتنادى الناس فثابوا وتراجعت الروم إلى مواقفهم فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب ثم أصيب جرجة ولم يصل صلاة سجد فيها إلا الركعتين اللتين أسلم عليهما وصلى الناس الاولى والعصر إيماء وتضعضع الروم ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم وكان مقاتلهم واسع المطرد ضيق المهرب فلما وجدت خيلهم مذهبا ذهبت وتركوا رجلهم في مصافهم وخرجت خيلهم تشتد بهم في الصحراء وأخر الناس الصلاة حتى صلوا بعد الفتح ولما رأى السلمون خيل الروم توجهت للهرب أفرجوا لها ولم يحرجوها فذهبت فتفرقت في البلاد وأقبل خالد والمسلمون على الرجل ففضوهم فكأنما هدم بهم حائط فاقتحموا في خندقهم فاقتحمه عليهم فعمدوا إلى الواقوصة حتى هوى فيها المقرنون وغيرهم فمن صبر من المقترنين للقتال هوى به من جشعت نفسه فيهوى الواحد بالعشرة لا يطيقونه كلما هوى أثنان كانت البقية أضعف فتهافت في الواقوصة عشرون ومائة ألف ثمانون ألف مقترن وأربعون ألف مطلق سوى من قتل في المعركة من الخيل والرجل فكان سهم الفارس يومئذ ألفا وخمسمائة وتجلل الفيقار وأشراف من أشراف

[ 597 ]

الروم برانسهم ثم جلسوا وقالوا لا نحب أن نرى يوم السوء إذ لم نستطع أن نرى يوم السرور وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانية فأصيبوا في تزملهم (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى عثمان عن خالد وعبادة قالا أصبح خالد من تلك الليلة وهو في رواق تذارق لما دخل الخندق نزله وأحاطت به خيله وقاتل الناس حتى أصبحوا (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى عثمان الغساني عن أبيه قال قال عكرمة بن أبى جهل يومئذ قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل موطن وأفر منكم اليوم ثم نادى من يبايع على الموت فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الازور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا وقتلوا إلا من برأ ومنهم ضرار ابن الازور قال وأتى خالد بعد ما أصبحوا بعكرمة جريحا فوضع رأسه على فخذه وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه وجعل يمسح عن وجوههما ويقطر في حلوقهما الماء ويقول كلا زعم ابن الحنتمة أنا لا نستشهد (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى عميس عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبى أمامة وكان شهد اليرموك هو وعبادة بن الصامت أن النساء قاتلن يوم اليرموك في جولة فخرجت جويرية ابنة أبى سفيان في جولة وكانت مع زوجها بعد قتال شديد وأصيبت يومئذ عين أبى سفيان فأخرج السهم من عينه أبو حسمة (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن المستنير بن يزيد عن أرطأة بن جهيش قال كان الاشتر قد شهد اليرموك ولم يشهد القادسية فخرج يومئذ رجل من الروم فقال من يبادر فخرج إليه الاشتر فاختلفا ضربتين فقال للرومي خذها وأنا الغلام الايادي فقال الرومي أكثر الله في قومي مثلك أما والله لو لا أنك من قومي لزرت الروم فأما الآن فلا أعينهم (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى عثمان وخالد وكان ممن أصيب في الثلاثة الآلاف الذين أصيبوا يوم اليرموك عكرمة وعمرو بن عكرمة وسلمة بن هشام وعمرو بن سعيد وأبان بن سعيد وأثبت خالد بن سعيد فلا يدرى أين مات بعد وجندب بن عمرو بن حممة الدوسى

[ 598 ]

والطفيل بن عمرو وضرار بن الازور أثبت فبقى وطليب بن عمير بن وهب من بنى عبد بن قصى وهبار بن سفيان وهشام بن العاصى (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال لقى خالدا مقدمه الشأم مغيثا لاهل اليرموك رجل من روم العرب فقال يا خالد ان الروم في جمع كثير مائتي ألف أو يزيدون فان رأيت أن ترجع على حاميتك فافعل فقال خالد أبالروم تخوفنى والله لوددت ان الاشقر براء من توجيه وانهم أضعفوا ضعفهم فهزمهم الله على يديه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن المستنير بن يزيد عن ارطاة بن جهيش قال قال خالد يومئذ الحمد لله الذى قضى على أبى بكر الموت وكان أحب الي من عمر والحمد لله الذى ولى عمر وكان أبغض إلى من أبى بكر ثم الزمني حبه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو ابن ميمون قالوا وقد كان هرقل حج قبل مهزم خالد بن سعيد فحج بيت المقدس فبينا هو مقيم به أتاه الخبر بقرب الجنود منه فجمع الروم وقال أرى من الرأى ألا تقاتلوا هؤلاء القوم وأن تصالحوهم فو الله لئن تعطوهم نصف ما أخرجت الشأم وتأخذوا نصفا وتقر لكم جبال الروم خير لكم من أن يغلبوكم على الشأم ويشاركوكم في جبال الروم فنخر أخوه ونخر ختنه وتصدع عنه من كان حوله فلما رآهم يعصونه ويردون عليه بعث أخاه وأمر الامراء ووجه إلى كل جند جندا فلما اجتمع المسلمون أمرهم بمنزل واحد واسع جامع حصين فنزلوا بالواقوصة وخرج فنزل حمص فلما بلغه أن خالدا قد طلع على سوى وانتسف أهله وأموالهم وعمد إلى بصرى وافتتحها وأباح عذراء قال لجلسائه ألم أقل لكم لا تقاتلوهم فانه لا قوام لكم مع هؤلاء القوم ان دينهم دين جديد يجدد لهم ثبارهم فلا يقوم لهم أحد حتى يبلى فقالوا قاتل عن دينك ولا تجبن الناس واقض الذى عليك قال وأى شئ أطلب إلا توفير دينكم ولما نزلت جنود المسلمين اليرموك بعث إليهم المسلمون انا نريد كلام أميركم وملاقاته فدعونا نأته ونكلمه فأبلغوه فأذن لهم فأتاه أبو عبيدة ويزيد بن أبى سفيان كالرسول والحارث بن هشام وضرار بن

[ 599 ]

الازور وأبو جندل بن سهيل ومع أخى الملك يومئذ ثلاثون رواقا في عسكره وثلاثون سرادقا كلها من ديباج فلما انتهوا إليها أبوان يدخلوا عليه فيها وقالوا لا نستحل الحرير فابرز لنا فبرز إلى فرش ممهدة وبلغ ذلك هرقل فقال ألم أقل لكم هذا أول الذل أما الشأم فلا شأم وويل للروم من المولود المشؤم ولم يتأت بينهم وبين المسلمين صلح فرجع أبو عبيدة وأصحابه واتعدوا فكان القتال حتى جاء الفتح (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن مطرح عن القاسم عن أبى أمامة وأبى عثمان عن يزيد بن سنان عن رجال من أهل الشام ومن أشياخهم قالوا لما كان اليوم الذى تأمر فيه خالد هزم الله الروم مع الليل وصمد المسلمون العقبة وأصابوا ما في العسكر وقتل الله صناديدهم ورؤوسهم وفرسانهم وقتل الله أخا هرقل وأخذ التذارق وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دون مدينة حمص فارتحل فجعل حمص بينه وبينهم وأمر عليها أميرا وخلفه فيها كما كان أمر على دمشق وأتبع المسلمون الروم حين هزموهم خيولا لا يثفنونهم ولما صار إلى أبى عبيدة الامر بعد الهزيمة نادى بالرحيل وارتحل المسلمون بزحفهم حتى وضعوا عساكرهم بمرج الصفر قال أبو أمامة فبعثت طليعة من مرج الصفر معى فارسان حتى دخلت الغوطة فجستها بين أبياتها وشجراتها فقال أحد صاحبي قد بلغت حيث أمرت فانصرف لا تهلكنا فقلت قف مكانك حتى تصبح أو آتيك فسرت حتى دفعت إلى باب المدينة وليس في الارض أحد ظاهر فنزعت لجام فرسى وعلقت عليها مخلاتها وركزت رمحي ثم وضعت رأسي فلم أشعر إلا بالمفتاح يحرك عند الباب ليفتح فقمت فصليت الغداة ثم ركبت فرسى فحملت عليه فطعنت البواب فقتلته ثم انكفأت راجعا وخرجوا يطلبوني فجعلوا يكفون عنى مخافة أن يكون لى كمين فدفعت إلى صاحبي الادنى الذى أمرته أن يقف فما رأوه قالوا هذا كمين انتهى إلى كمينه فانصرفوا وسرت أنا وصاحبى حتى دفعنا إلى صاحبنا الثاني فسرنا حتى انتهينا إلى المسلمين وقد عزم أبو عبيدة أن لا يبرح حتى يأتيه رأى عمر وأمره فأتاه فرحلوا حتى نزلوا على دمشق وخلف باليرموك بشير بن

[ 600 ]

كعب بن أبى الحميرى في خيل (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعد عن أبى سعيد قال قال قباث كنت في الوفد في فتح اليرموك وقد أصبنا خيرا ونفلا كثيرا فمر بنا الدليل على ماء رجل قد كنت اتبعته في الجاهلية حين أدركت وأنست من نفسي لاصيب منه كنت دللت عليه فأتيته فأخبرته فقال قد أصبت فإذا ريبال من ربالة العرب قد كان يأكل في اليوم عجز جزور بأدمها ومقدار ذلك من غير العجز ما يفضل عنه إلا ما يقوتنى وكان يغير على الحى ويدعنى قريبا ويقول إذا مر بك راجز يرتجز بكذا وكذا فانا ذلك فشل معى فمكثت بذلك حتى أقطعنى قطيعا من مال وأتيت به أهلى فهو أول مال أصبته ثم إنى رأست قومي وبلغت مبلغ رجال العرب فلما مر بنا على ذلك الماء عرفته فسألت عن بيته فلم يعرفوه وقالوا هو حى فأتيت ببنين استفادهم بعدى فأخبرتهم خبرى فقالوا اغد علينا غدا فانه أقرب (معا ؟) يكون إلى ما تحب بالغداة فغاديتهم فأدخلت عليه فأخرج من خدره فأجلس لى فلم أزل أذكره حتى ذكر وتسمع وجعل يطرب للحديث ويستطعمنيه وطال مجلسنا وثقلنا على صبيانهم ففرقوه ببعض ما كان يفرق منه ليدخل خدره فوافق ذلك عقله فقال قد كنت وما أفزع فقلت أجل فأعطيته ولم أدع أحدا من أهله إلا أصبته بمعروف ثم ارتحلت (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى سعيد المقبرى قال قال مروان بن الحكم لقباث أأنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله أكبر منى وأنا أقدم منه قال فما أبعد ذكرك قال خشى الفيل لسنة قال وما أعجب ما رأيت قال رجل من قضاعة إنى لما أدركت وأنست من نفسي سألت عن رجل أكون معه وأصيب منه فدللت عليه واقتص هذا الحديث * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن صالح بن كيسان أن أبا بكر رحمه الله حين سار القوم خرج مع يزيد بن أبى سفيان يوصيه وأبو بكر يمشى ويزيد راكب فلما فرغ من وصيته قال أقرئك السلام وأستودعك الله ثم انصرف ومضى يزيد فأخذ التبوكية ثم تبعه شرحبيل بن حسنة ثم أبو عبيدة بن الجراح مددا لهما

[ 601 ]

على بربع فسلكوا ذلك الطريق وخرج عمرو بن العاصى حتى نزل بغمر العربات ونزلت الروم بثنية جلق بأعلى فلسطين في سبعين ألفا عليهم تذارق أخو هرقل لابيه وأمه فكتب عمرو بن العاصى إلى أبى بكر يذكر له أمر الروم ويستمده وخرج خالد بن سعيد بن العاصى وهو بمرج الصفر من أرض الشام في يوم مطير يستمطر فيه فتعاوى عليه اعلاج الروم فقتلوه وقد كان عمرو بن العاصى كتب إلى أبى بكر يذكر له أمر الروم ويستمده (قال أبو جعفر) وأما أبو زيد فحدثني عن على بن محمد بالاسناد الذى قد ذكرت قبل أن أبا بكر رحمه الله وجه بعد خروج يزيد بن أبى سفيان متوجها إلى الشأم بأيام شرحبيل بن حسنة قال وهو شرحبيل ابن عبد الله بن المطاع بن عمرو من كندة ويقال من الازد فسار في سبعة آلاف ثم أبو عبيدة بن الجراح في سبعة آلاف فنزل يزيد البلقاء ونزل شرحبيل الاردن ويقال بصرى ونزل أبو عبيدة الجابية ثم أمدهم بعمرو بن العاصى فنزل بغمر العربات ثم رغب الناس في الجهاد فكانوا يأتون المدينة فيوجههم أبو بكر إلى الشأم فمنهم من يصير مع أبى عبيدة ومنهم من يصير مع يزيد يصير كل قوم مع من أحبوا قالوا فأول صلح كان بالشأم صلح مآب وهى فسطاط ليست بمدينة مر أبو عبيدة بهم في طريقه وهى قرية من البلقاء فقاتلوه ثم سألوه الصلح فصالحهم واجتمع الروم جمعا بالعربة من أرض فلسطين فوجه إليهم يزيد بن أبى سفيان أبا أمامة الباهلى ففض ذلك الجمع قالوا فأول حرب كانت بالشأم بعد سرية أسامة بالعربة ثم أتوا الداثنة ويقال الداثن فهزمهم أبو أمامة الباهلى وقتل بطريقا منهم ثم كانت مرج الصفر استشهد فيه خالد بن سعيد بن العاصى أتاهم أدرنجار في أربعة آلاف وهم غارون فاستشهد خالد وعدة من المسلمين (قال أبو جعفر) وقيل إن المقتول في هذه الغزوة كان ابنا لخالد بن سعيد وإن خالد انحاز حين قتل ابنه فوجه أبو بكر خالد بن الوليد أميرا على الامراء الذين بالشام ضمهم إليه فشخص خالد من الحيرة في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة في ثمانمائة ويقال في خمسمائة واستخلف على عمله المثنى بن حارثة فلقيه عدو بصندوداء فظهر بهم وخلف بها ابن حرام الانصاري ولقى جمعا بالمضيح

[ 602 ]

والحصيد عليهم ربيعة بن بجير التغلبي فهزمهم وسبى وغنم وسار ففوز من قراقر إلى سوى فأغار على أهل سوى واكتسح أموالهم وقتل حرقوص بن النعمان البهرانى ثم أتى أرك فصالحوه وأتى تدمر فتحصنوا ثم صالحوه ثم أتى القريتين فقاتلهم فظفر بهم وغنم وأتى حوارين فقاتلهم فهزمهم وقتل وسبى وأتى قصم فصالحه بنو مشجعة من قضاعة وأتى مرج راهط فأغار على غسان في يوم فصحهم فقتل وسبى ووجه بسر بن أرطاة وحبيب بن مسلمة إلى الغوطة فأتوا كنيسة فسبوا الرجال والنساء وساقوا العيال إلى خالد قال فوافى خالدا كتاب أبى بكر بالحيرة منصرفه من حجه أن سر حتى تأتى جموع المسلمين باليرموك فانهم قد شجوا وأشجوا وإياك أن تعود لمثل ما فعلت فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجيك ولم ينزع الشجى من الناس نزعك فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة فأتمم يتمم الله لك ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل وإياك أن تدل بعمل فإن الله عز وجل له المن وهو ولى الجزاء (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبد الملك ابن عطاء عن الهيثم البكائى قال كان أهل الايام من أهل الكوفة يوعدون معاوية عند بعض الذى يبلغهم ويقولون ما شاء معاوية نحن أصحاب ذات السلاسل ويسمون ما بينها وبين الفراض ما يذكرون ما كان بعد احتقارا لما كان بعد فيما كان قبل (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد عن اسحاق ابن ابراهيم عن ظفر بن دهى ومحمد بن عبد الله عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة والمهلب بن عقبة عن عبد الرحمن بن سياه الاحمري قالوا كان أبو بكر قد وجه خالد بن سعيد بن العاصى إلى الشأم حيث وجه خالد بن الوليد إلى العراق وأوصاه بمثل الذى أوصى به خالدا وأن خالد بن سعيد سار حتى نزل على الشأم ولم يقتحم واستجلب الناس فعز فهابته الروم فأحجموا عنه فلم يصبر على أمر أبى بكر ولكن توردها فاستطردت له الروم حتى أوردوه الصفر ثم تعطفوا عليه بعد ما أمن فوافقوا ابنه سعيد بن خالد مستمطرا فقتلوه هو ومن معه وأتى الخبر خالدا فخرج هاربا حتى يأتي البر فينزل منزلا واجتمعت الروم إلى اليرموك فنزلوا

[ 603 ]

به وقالوا والله لنشغلن أبا بكر في نفسه عن تورد بلادنا بخيوله وكتب خالد بن سعيد إلى أبى بكر بالذى كان فكتب أبو بكر إلى عمرو بن العاصى وكان في بلاد قضاعة بالسير إلى اليرموك ففعل وبعث أبا عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبى سفيان وأمر كل كل واحد منهما بالغارة وأن لا توغلوا حتى لا يكون وراءكم أحد من عدوكم وقدم عليه شرحبيل بن حسنة بفتح من فتوح خالد فسرحه نحو الشام في جند وسمى لكل رجل من أمراء الاجناد كورة من كور الشأم فتوافوا باليرموك فلما رأت الروم توافيهم ندموا على الذى ظهر منهم ونسوا الذى كانوا يتوعدون به أبا بكر واهتموا وهمتهم أنفسهم وشجوهم وأشجوا بهم ثم نزلوا الواقوصة وقال أبو بكر والله لانسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد فكتب إليه بهذا الكتاب الذى فوق هذا الحديث وأمره أن يستخلف المثنى بن حارثة على العراق في نصف الناس فإذا فتح الله على المسلمين الشام فارجع إلى عملك بالعراق وبعث خالد بالاخماس إلا ما نفل منها مع عمير بن سعد الانصاري وبمسيره إلى الشام ودعا خالد الادلة فارتحل من الحيرة سائرا إلى دومة ثم طعن في البر إلى قراقر ثم قال كيف لى بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم فإنى إن استقبلتها حبستنى عن غياث المسلمين فكلهم قال لا نعرف إلا طريقا لا يحمل الجيوش يأخذه الفذ الراكب فإياك أن تغرر بالمسلمين فعزم عليه ولم يجبه إلى ذلك إلا رافع بن عميرة على تهيب شديد فقام فيهم فقال لا يختلفن هديكم ولا يضعفن يقينكم واعلموا إن المعونة تأتى على قدر النية والاجر على قدر الحسبة إن المسلم لا ينبغى له أن يكترث بشئ يقع فيه مع معونه الله له فقالوا له أنت رجل قد جمع الله لك الخير فشأنك فتطابقوه ونووا واحتسبوا واشتهوا مثل الذى اشتهى خالد فأمرهم خالد فترووا للشفة لخمس وأمر صاحب كل خيل بقدر ما يسقيها فظمأ كل قائد من الابل الشرف الجلال ما يكتفى به ثم سقوها العلل بعد النهل ثم صروا آذان الابل وكعموها وخلوا أدبارها ثم ركبوا من قراقر مفوزين إلى سوى وهى على جانبها الاخر مما يلى الشأم فلما ساروا يوما افتظوا لكل عدة من الخيل عشرا

[ 604 ]

من تلك الابل فمزجوا ما في كروشها بما كان من الالبان ثم سقوا الخيل وشربوا للشفة جرعا ففعلوا ذلك أربعة أيام (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبيد الله بن محفز بن ثعلبة عمن حدثه من بكر بن وائل أن محرز بن حريش المحاربي قال لخالد اجعل كوكب الصبح على حاجبك الايمن ثم أمه تفض إلى سوى فكان أدلهم (قال أبو جعفر الطبري) وشاركهم محمد وطلحة قالوا لما نزل بسوى وخشى أن يفضحهم حر الشمس نادى خالد رافعا ما عندك قال خير أدركتم الرى وأنتم على الماء وشجعهم وهو متحير أرمد وقال أيها الناس انظروا علمين كأنهما ثديان فأتوا عليهما وقالوا علمان فقام عليهما فقال اضربوا يمنة ويسرة لعوسجة كقعدة الرجل فوجدوا جذمهما فقالوا جذم ولا نرى شجرة فقال احتفروا حيث شئتم فاستثاروا أوشالا وأحساء رواء فقال رافع أيها الامير والله ما وردت هذا الماء منذ ثلاثين سنة وما وردته إلا مرة وأنا غلام مع أبى فاستعدوا ثم أغاروا والقوم لا يرون ان جيشا يقطع إليهم (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد عن إسحاق بن إبراهيم عن ظفر بن دهى قال فأغار بنا خالد من سوى على مضيح بهراء بالقصوانى ماء من المياه فصبح المضيح والنمر وإنهم لغارون وإن رفقة لتشرب في وجه الصبح وساقيهم يغنيهم ويقول ألا صبحانى قبل جيش أبى بكر فضربت عنقه فاختلط دمه بخمره (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد بإسناده الذى تقدم ذكره قال ولما بلغ غسان خروج خالد على سوى وانتسافها وغارته على مضيح بهراء وانتسافها فاجتمعوا بمرج راهط وبلغ ذلك خالدا وقد خلف ثغور الروم وجنودها مما يلى العراق فصار بينهم وبين اليرموك صمد لهم فخرج من سوى بعد ما رجع إليها بسبي بهراء فنزل الرمانتين علمين على الطريق ثم نزل الكثب حتى صار إلى دمشق ثم مرج الصفر فلقى عليه غسان وعليهم الحارث بن الايهم فانتسف عسكرهم وعيالاتهم ونزل بالمرج أياما وبعث إلى

[ 605 ]

أبى بكر بالاخماس مع بلال بن الحارث المزني ثم خرج من المرج حتى ينزل قناة بصرى فكانت أول مدينة افتتحت بالشأم على يدى خالد فيمن معه من جنود العراق وخرج منها فوافى المسلمين بالواقوصة فنازلهم بها في تسعة آلاف (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب قالوا ولما رجع خالد من حجه وافاه كتاب أبى بكر بالخروج في شطر الناس وأن يخلف على الشطر الباقي المثنى بن حارثة وقال لا تأخذن نجدا الا خلفت له نجدا فإذا فتح الله عليكم فارددهم إلى العراق وأنت معهم ثم أنت على عملك وأحضر خالد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأثر بهم على المثنى وترك للمثنى أعدادهم من أهل القناعة ممن لم يكن له صحبة ثم نظر فيمن بقى فاختلج من كان قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وافدا أو غير وافد وترك للمثنى أعدادهم من أهل القناعة ثم قسم الجند نصفين فقال المثنى والله لا أقيم الا على إنفاذ أمر أبى بكر كله في استصحاب نصف الصحابة أو بعض النصف وبالله ما أرجو النصر إلا بهم فأنى تعرينى منهم فلما رأى ذلك خالد بعد ما تلكأ عليه أعاضه منهم حتى رضى وكان فيمن أعاضه منهم فرات بن حيان العجلى وبشير بن الخصاصية والحارث بن حسان الذهليان ومعبد بن أم معبد الاسلمي وعبد الله بن أبى أوفى الاسلمي والحارث بن بلال المزني وعاصم بن عمرو التميمي حتى إذا رضى المثنى وأخذ حاجته انجذب خالد فمضى لوجهه وشيعه المثنى إلى قراقر ثم رجع إلى الحيرة في المحرم فأقام في سلطانه ووضع في المسلحة التى كان فيها على السيب أخاه ومكان ضرار بن الخطاب عتيبة ابن الناس ومكان ضرار بن الاوزر مسعود أخاه الآخر وسد أماكن كل من خرج من الامراء برجال أمثالهم من أهل الغناء ووضع مذعور بن عدى في بعض تلك الاماكن واستقام أهل فارس على رأس سنة من مقدم خالد الحيرة بعد خروج خالد بقليل وذلك في سنة ثلاث عشرة على شهر براز بن أردشير بن شهريار ممن يناسب إلى كسرى ثم إلى سابور فوجه إلى المثنى جندا عظيما عليهم هرمز جاذويه في عشرة آلاف ومعه فيل وكتبت المسالح إلى المثنى بإقباله فخرج المثنى

[ 606 ]

من الحيرة نحوه وضم إليه المسالح وجعل على مجنبتيه المعنى ومسعودا ابني حارثة وأقام له ببابل وأقبل هرمز جاذويه وعلى مجنبتيه الكوكبد والخوكبذ وكتب إلى المثنى من شهر براز إلى المثنى إنى قد بعثت إليك جندا من وحش أهل فارس إنما هم رعاة الدجاج والخنازير ولست اقاتلك إلا بهم فأجابه المثنى من المثنى إلى شهر براز إنما أنت أحد رجلين إما باغ فذلك شر لك وخير لنا وإما كاذب فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله وفى الناس الملوك وأما الذى يدلنا عليه الرأى فإنكم إنما اصطررتم إليهم فالحمد لله الذى رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير فجزع أهل فارس من كتابه وقالوا انما أتى شهر براز من شؤم مولده ولؤم منشئه وكان يسكن ميسان وبعض البلدان شين على من يسكنه وقالوا له جرأت علينا عدونا بالذى كتبت به إليهم فإذا كاتبت أحدا فاستشر فالتقوا ببابل فاقتتلوا بعدوة الصراة الدنيا على الطريق الاول قتالا شديدا ثم إن المثنى وناسا من المسلمين اعتوروا الفيل وقد كان يفرق بين الصفوف والكراديس فأصابوا مقتله فقتلوه وهزموا أهل فارس وأتبعهم المسلمون يقتلونهم حتى جازوا بهم مسالحهم فاقاموا فيها وتتبع الطلب الفالة حتى انتهوا إلى المدائن وفى ذلك يقول عبدة بن الطبيب السعدى وكان عبدة قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل فلما آيسته رجع إلى البادية فقال هل حبل خولة بعد البين موصول * أم أنت عنها بعيد الدار مشغول وللاحبة أيام تذكرها * وللنوى قبل يوم البين تأويل حلت خويلة في حى عهدتهم * دون المدائن فيها الديك والفيل يقارعون رؤس العجم ضاحية * منهم فوارس لا عزل ولا ميل القصيدة الفرزدق يعدد بيوتات بكر بن وائل وذكر المثنى وقتله الفيل وبيت المثنى قاتل الفيل عنوة * ببابل إذ في فارس ملك بابل ومات شهر براز منهزم هرمز جاذويه واختلف أهل فارس وبقى ما دون دجلة وبرس من السواد في يدى المثنى والمسلمين ثم إن أهل فارس اجتمعوا بعد شهربراز

[ 607 ]

على دخت زنان ابنة كسرى فلم ينفذ لها أمر فخلعت وملك سابور بن شهربراز قالوا ولما ملك سابور بن شهربراز قام بأمره الفرخزاذ بن البندوان فسأله أن يزوجه أزر ميدخت ابنة كسرى ففعل فغضبت من ذلك وقالت يا ابن عم أتزوجني عبدى قالت استحى من هذا الكلام ولا تعيديه على فانه زوجك قبعثت إلى سياوخش الرازي وكان من فتاك الاعاجم فشكت فيه الذى تخاف فقال لها إن كنت كارهة لهذا فلا تعاوديه فيه وأرسلي إليه وقولى له فليقل له فليأتك فانا أكفيكه ففعلت وفعل واستعد سياوخش فلما كان ليلة العرس أقبل الفرخزاذ حتى دخل فثار به سياوخش فقتله ومن معه ثم نهد بها معه إلى سابور فحضرته ثم دخلوا عليه فقتلوه وملكت آزر ميدخت بنت كسرى وتشاغلوا بذلك وأبطأ خبر أبى بكر على المسلمين فخلف المثنى على المسلمين بشير بن الخصاصية ووضع مكانه في المسالح سعيد بن مرة العجلى وخرج المثنى نحو أبى بكر ليخبره خبر المسلمين والمشركين وليستأذنه في الاستعانة بمن قد ظهرت توبته وندمه من أهل الردة ممن يستطعمه الغزو وليخبره أنه لم يخلف أحدا أنشط إلى قتال فارس وحربها ومعونة المهاجرين منهم فقدم المدينة وأبو بكر مريض وقد مرض أبو بكر بعد مخرج خالد إلى الشأم مرضته التى مات فيها بأشهر فقدم المثنى وقد أشفى وعقد لعمر فاخبره الخبر فقال على بعمر فجاء فقال له اسمع يا عمر ما اقول لك ثم اعمل به انى لارجو أن أموت من يومى هذا وذلك يوم الاثنين فان أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى وإن تأخرت إلى الليل فلا تصبحن حتى تندب الناس مع المثنى ولا يشغلنكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم وقد رأيتنى متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما صنعت ولم يصب الخلق بمثله وبالله لو أنى أنى عن أمر الله وأمر رسوله لخذلنا ولعاقبنا فاضطرمت المدينة نارا وإن فتح الله على أمراء الشأم فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أهله وولاة أمره وحده وأهل الضراوة بهم والجراءة عليهم ومات أبو بكر رحمه الله مع الليل فدفنه عمر ليلا وصلى عليه في المسجد وندب الناس مع المثنى بعد ما سوى على أبى بكر وقال عمر كان أبو بكر قد علم أنه يسوءني أن

[ 608 ]

أؤمر خالدا على حرب العراق حين أمرنى بصرف أصحابي وترك ذكره (قال أبو جعفر) وإلى آزرميدخت انتهى شأن أبى بكر وأحد شقى السواد في سلطانه ثم مات وتشاغل أهل فارس فيما بينهم عن إزالة المسلمين عن السواد فيما بين ملك أبى بكر إلى قيام عمر ورجوع المثنى مع أبى عبيد إلى العراق والجمهور من جند أهل العراق بالحيرة والمسالح بالسيب والغارات تنتهى بهم إلى شاطئ دجلة ودجلة حجاز بين العرب والعجم فهذا حديث العراق في إمارة أبى بكر من مبتدئه إلى منتهاه (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) وكتب أبو بكر إلى خالد وهو بالحيرة يأمره أن يمد أهل الشام بمن معه من أهل القوة ويخرج فيهم ويستخلف على ضعفة الناس رجلا منهم فلما أتى خالدا كتاب أبى بكر بذلك قال خالد هذا عمل الاعيسر بن أم شملة يعنى عمر بن الخطاب حسدني أن يكون فتح العراق على يدى فسار خالد بأهل القوة من الناس ورد الضعفاء والنساء إلى المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر عليهم عمير بن سعد الانصاري واستخلف خالد على من أسلم بالعراق من ربيعة وغيرهم المثنى بن حارثة الشيباني ثم سار حتى نزل على عين التمر فاغار على أهلها فأصاب منهم ورابط حصنا بها فيه مقاتلة كان كسرى وضعهم فيه حتى استنزلهم فضرب أعناقهم وسبى من عين التمر ومن أبناء تلك المرابطة سبايا كثيرة فبعث بها إلى أبى بكر فكان من تلك السبايا أبو عمرة مولى شبان وهو أبو عبد الاعلى بن أبى عمرة وأبو عبيد مولى المعلى من الانصار من بنى زريق وأبو عبد الله مولى زهرة وخير مولى أبى داود الانصاري ثم أحد بنى مازن بن النجار ويسار وهو جد محمد بن اسحاق مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف وأفلح مولى أبى أيوب الانصاري ثم أحد بنى مالك بن النجار وحمران بن أبان مولى عثمان بن عفان وقتل خالد ابن الوليد هلال بن عقة بن بشر النمري وصلبه بعين التمر ثم أراد السير مفوزا من قراقر وهو ماء لكلب إلى سوى وهو ماء لبهراء بينهما خمس ليال فلم يهتد خالد الطريق فالتمس دليلا فدل على رافع بن عميرة الطائى فقال له خالد انطلق بالناس فقال له رافع انك لن تطيق ذلك بالخيل والاثقال والله ان الراكب المفرد ليخافها على نفسه وما يسلكها

[ 609 ]

إلا مغرورا انها لخمس ليال جياد لا يصاب فيها ماء مع مضلتها فقال له خالد ويحك إنه والله إن لى بد من ذلك انه قد أتتنى من الامير عزمة بذلك فمر بأمرك قال استكثروا من الماء من استطاع منكم أن يصر أذن ناقته على ماء فليفعل فإنها المهالك إلا ما دفع الله ابغنى عشرين جزورا عظاما سمانا مسان فأتاه بهن خالد فعمد إليهن رافع فظمأهن حتى إذا أجهدهن عطشا أوردهن فشربن حتى إذا تملان عمد إليهن فقطع مشافرهن ثم كعمهن لئلا يجتررن ثم أخلى أدبارهن ثم قال لخالد سر فسار خالد معه مغذا بالخيول والاثقال فكلما نزل منزلا اقتط أربعا من تلك الشوارف فأخذ ما في أكراشها فسقاه الخيل ثم شرب الناس مما حملوا معهم من الماء فلما خشى خالد على أصحابه في آخر يوم من المفازة قال لرافع بن عميرة وهو أرمد ويحك يا رافع ما عندك قال أدركت الرى إن شاء الله فلما دنا من العلمين قال للناس انظروا هل ترون شجيرة من عوسج كقعدة الرجل قالوا ما نراها قال إنا لله وإنا إليه راجعون هلكتم والله إذا وهلكت لا أبا لكم أنظروا فطلبوا فوجدوها قد قطعت وبقيت منها بقية فلما رآها المسلمون كبروا وكبر رافع بن عميرة ثم قال احفروا في أصلها فحفروا فاستخرجوا عينا فشربوا حتى روى الناس فاتصلت بعد ذلك لخالد المنازل فقال رافع والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة واحدة وردته مع أبى وأنا غلام فقال شاعر من المسلمين لله عينا رافع أنى اهتدى * فوز من قراقر إلى سوى خمسا إذا ما سارها الجيش بكى * ما سارها قبلك إنسى يرى فلما انتهى خالد إلى سوى أغار على أهله وهم بهراء قبيل الصبح وناس منهم يشربون خمرا لهم في جفنة قد اجتمعوا عليها ومغنيهم يقول ألا عللاني قبل جيش أبى بكر * لعل منايانا قريب وما ندرى ألا عللاني بالزجاج وكررا * على كميت اللون صافية تجرى ألا عللاني من سلافة قهوة * تسلى هموم النفس من جيد الخمر أظن خيول المسلمين وخالدا * ستطرقكم قبل الصباح من البسر

[ 610 ]

فهل لكم في السير قبل قتالهم * وقبل خروج المحصنات م