الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ
 
أ ب ت  ...




تاريخ اليعقوبي - اليعقوبي ج 1

تاريخ اليعقوبي

اليعقوبي ج 1


[ 1 ]

تاريخ اليعقوبي 1

[ 3 ]

تاريخ اليعقوبي وهو تاريخ أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب ابن واضح الكاتب العباسي المعروف باليعقوبي المجلد الاول ناشر: مؤسسه ونشر فرهنگ اهل بيت (ع) - قم - خيابان حجت، صندوق پستى 11 - تلفن 27348 دار صادر بيروت

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم على آدم، فلم يطاوعه شئ مما خلق الله عزوجل إلا الجنة، فلما رأى آدم ما في الجنة من النعيم قال: لو كان سبيل إلى الخلود ؟ فطمع فيه إبليس لما سمع ذلك منه، فبكى ونظر إليه آدم وحواء يبكي، فقالا له: ما يبكيك ؟ قال: لانكما تفارقان هذا، وما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة، إلا أن تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين. وكان لباس آدم وحواء ثيابا من نور، فلما ذاقا من الشجرة، بدت لهما سوآتهما، فزعم أهل الكتاب أن مكث آدم في الارض، قبل أن يدخل الجنة، كان ثلاث ساعات، ومكث هو وحواء في النعيم والكرامة، قبل أن يأكلا من الشجرة فتبدو لهما سوآتهما، ثلاث ساعات، فلما بدت لآدم سوأته أخذ ورقة من الشجرة، فوضعها على نفسه، ثم صاح: ها أنا يا رب عريان قد أكلت من الشجرة التي نهيتني عنها، فقال الله: ارجع إلى الارض التي منها خلقت، فإني مسخر لك ولولدك طير السماء، ونون البحار. وأخرج الله آدم وحواء مما كانا فيه، فيما يقول أهل الكتاب، في تسع ساعات من يوم الجمعة، وهبطا إلى الارض، وهما حزينان باكيان، وكان هبوطهما على أدنى جبل من جبال الارض إلى الجنة، وكان ببلاد الهند، وقال

[ 6 ]

قوم: على أبي قبيس، جبل بمكة، ونزل آدم في مغارة في ذلك الجبل سماها مغارة الكنز، ودعا الله أن يقدسها. وروى بعضهم أن آدم لما هبط كثر بكاؤه، ودام حزنه على مفارقة الجنة، ثم ألهمه الله سبحانه أن قال: لا إله إلا أنت، سبحانك، وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسي، فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم ! فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه واجتباه، وأنزل له من الجنة، التي كان فيها، الحجر الاسود، وأمره أن يصيره إلى مكة، فيبني له بيتا، فصار إلى مكة وبنى البيت، وطاف به، ثم أمره الله أن يضحي له، فيدعوه ويقدسه، فخرج معه جبريل حتى وقف بعرفات، فقال له جبريل: هذا الموضع أمرك ربك أن تقف له به. ثم مضى به إلى مكة، فاعترض له إبليس، فقال: ارمه ! فرماه بالحصى، ثم صار إلى الابطح، فتلقته الملائكة، فقالت له: بر حجك يا آدم ! لقد حججنا هذا البيت قبلك ألفي عام. وأنزل الله، عزوجل، الحنطة على آدم، وأمره أن يأكل من كده، فحرث وزرع، ثم حصد، ثم داس، ثم طحن، ثم عجن، ثم خبز، فلما فرغ عرق جبينه، ثم أكل، فلما امتلا ثقل ما في بطنه، فنزل إليه جبريل، ففجه، فلما خرج ما في بطنه وجد رائحة تكره، فقال: ما هذا ؟ قال له جبريل: رائحة الحنطة. ووقع آدم على حواء، فحملت، وولدت غلاما وجارية، فسمى الغلام قابيل، والجارية لوبذا، ثم حملت فولدت غلاما وجارية، فسمى الغلام هابيل والجارية اقليما. فلما كبر ولده وبلغوا النكاح، قال آدم لحواء: مري قابيل، فليتزوج اقليما التي ولدت مع هابيل، ومري هابيل فليتزوج لوبذا التي ولدت مع قابيل، فحسده قابيل أن يتزوج بأخته التي ولدت معه. وقد روى بعضهم أن الله عزوجل أنزل لهابيل حوراء من الجنة، فزوجه بها، وأخرج لقابيل جنية، فزوجه بها، فحسد قابيل أخاه على الحوراء،

[ 7 ]

فقال لهما آدم: قربا قربانا ! فقرب هابيل من تين زرعه، وقرب قابيل أفضل كبش في غنمه لله، فقبل الله قربان هابيل، ولم يقبل قربان قابيل، فازداد نفاسة وحسدا، وزين له الشيطان قتل أخيه، فشدخه بالحجارة، حتى قتله، فسخط الله على قابيل ولعنه، وأنزله من الجبل المقدس إلى أرض يقال لها نود. ومكث آدم وحواء ينوحان على هابيل دهرا طويلا، حتى يقال إنه خرج من دموعهما كالنهر. ووقع آدم على حواء، فحملت، فولدت غلاما، بعد أن أتى له مائة وثلاثون سنة، فسماه شيثا، فكان أشبه ولد آدم بآدم، ثم زوج آدم شيثا، فولد له غلام بعد أن أتت عليه مائة وخمس وستون سنة، فسماه انوش، ثم ولد لانوش غلام، فسماه قينان، ثم ولد لقينان غلام، فسماه مهلائيل، فهؤلاء ولدوا في حياة آدم وعلى عهده. ولما حضرت آدم الوفاة جاءه شيث ابنه وولده وولد ولده، فصلى عليهم ودعا لهم بالبركة، وجعل وصيته إلى شيث وأمره أن يحفظ جسده ويجعله، إذا مات، في مغارة الكنز، وأن يوصي بنيه وبني بنيه، ويوصي بعضهم بعضا عند وفاتهم، إذا كان هبوطهم من جبلهم، أن يأخذوا جسده حشمة، فيجعلوه وسط الارض، وأمر شيثا ابنه أن يقوم بعده في ولدهم، فيأمرهم بتقوى الله وحسن عبادته، وينهاهم أن يخالطوا قابيل اللعين وولده، ثم صلى على بنيه أولئك وأولادهم ونسائهم، ثم مات لست خلون من نيسان، يوم الجمعة، في الساعة التي خلق فيها، وكانت حياته تسعمائة سنة وثلاثين سنة اتفاقا.

[ 8 ]

شيث بن آدم وقام بعد موت آدم ابنه شيث، وكان يأمر قومه بتقوى الله، سبحانه والعمل الصالح، وكانوا يسبحون الله ويقدسونه، وأبناؤهم ونساؤهم ليس بينهم عداوة، ولا تحاسد، ولا تباغض، ولاتهمة، ولا كذب، ولاخلف، وكان أحدهم إذا أراد أن يحلف قال: لا ودم هابيل. فلما حضرت وفاة شيث أتاه بنوه وبنو بنيه، وهم يومئذ أنوش، وقينان، ومهلائيل، ويرد، واخنوخ، ونساؤهم وأبناؤهم، فصلى عليهم، ودعا لهم بالبركة، وتقدم إليهم، وحلفهم بدم هابيل ألا يهبط أحد منهم من هذا الجبل المقدس، ولا يتركوا أحدا من أولادهم يهبط منه، ولا يختلطوا بأولاد قابيل الملعون، وأوصلي إلى انوش ابنه، وأمره أن يحتفظ بجسد آدم، وأن يتقي الله، ويأمر قومه بتقوى الله وحسن العبادة، ثم توفي يوم الثلاثاء لسبع وعشرين ليلة خلت من آب على ثلاث ساعات من النهار، وكانت حياته تسعمائة واثنتي عشرة سنة. انوش بن شيث وقام انوش بن شيث، بعد أبيه، بحفظ وصية أبيه وجده، وأحسن عبادة الله، وأمر قومه بحسن العبادة، وفي أيامه قتل قابيل الملعون، رماه لمك الاعمى بحجر، فشدخ رأسه، فمات. وكان قد ولد لانوش قينان بعد أن أتت له تسعون سنة.

[ 9 ]

ولما حضرت أنوش الوفاة اجتمع إليه بنوه وبنو بنيه: قينان، ومهلائيل، ويرد، واخنوخ، ومتوشلح، ونساؤهم وأبناؤهم، فصلى عليهم، ودعا لهم بالبركة، ونهاهم أن يهبطوا من جبلهم المقدس، أو يدعوا أحدا من بنيهم أن يختلطوا بولد قابيل اللعين، وأوصى قينان بجسد آدم، وأمرهم أن يصلوا عنده ويقدسوا الله كثيرا، وتوفي لثلاث خلون من تشرين الاول، حين غابت الشمس، وكانت حياته تسعمائة وخمسا وستين سنة. قينان بن انوش وقام قينان بن أنوش، وكان رجلا لطيفا، تقيا، مقدسا، فقام في قومه بطاعة الله وحسن عبادته، واتباع وصية آدم وشيث، وكان قد ولد له مهلائيل بعد أن أتت عليه سبعون سنة. فلما دنا موته اجتمع إليه بنوه وبنو بنيه مهلائيل، ويرد، ومتوشلح، ولمك، ونساؤهم وأبناؤهم، فصلى عليهم، ودعا لهم بالبركة، فأقسم عليهم بدم هابيل أن لا يهبط أحد منهم من جبلهم المقدس إلى ولد الملعون قابيل، وجعل وصيته إلى مهلائيل، وأمره أن يحتفظ بجسد آدم. ومات قينان وكانت حياته تسعمائة سنة وعشرين سنة.

[ 10 ]

مهلائيل بن قينان ثم قام بعد قينان مهلائيل بن قينان، فقام في قومه بطاعة الله تعالى، واتباع وصية أبيه، وكان قد ولد له يرد، بعد أن أتت عليه خمس وستون سنة. فلما دنا موت مهلائيل أوصى إلى ابنه يرد وأوصاه بجسد آدم، ثم توفي مهلائيل لليلتين خلتا من نيسان، يوم الاحد، على ثلاث ساعات من النهار، وكانت حياته ثمانمائة سنة وخمسا وتسعين سنة. يرد به مهلائيل ثم قام بعد مهلائيل يرد، وكان رجلا مؤمنا، كامل العمل لله، سبحانه، والعبادة له، كثير الصلاة بالليل والنهار، فزاد الله في حياته، وكان قد ولد له اخنوخ، بعد أن أتت عليه اثنتان وستون سنة، وفي الاربعين ليرد تم الالف الاول. ولما مضى من حياة يرد خمسمائة سنة نقض بنو شيث العهود والمواثيق التي كانت بينهم، فجعلوا ينزلون إلى الارض التي فيها بنو قابيل، وكان أول نزولهم أن الشيطان اتخذ شيطانين من الانس اسم أحدهما يوبل، والآخر توبلقين، فعلمهما أصناف الغناء والزمر، فصنع يوبل المزامير والطنابير والبرابط والصور. وصنع توبلقين الطبول والدفوف والصنوج، ولم يكن لبني قابيل عمل يشغلهم، ولا ذكر لهم إلا أمام الشيطان، وكانوا يركبون المحارم والمآثم، ويجتمعون

[ 11 ]

على الفسق، وكان ذوو السن من رجالهم ونسائهم أشد في ذلك من شبانهم، فكانوا يجتمعون، فيزمرون ويضربون بالطبول والدفوف والبرابط والصنوج، ويصيحون، ويضحكون، حتى سمع أهل الجبل من بني شيث أصواتهم، فاجتمع منهم مائة رجل على أن يهبطوا إلى بني قابيل، فينظروا ما تلك الاصوات، فلما بلغ ذلك يرد أتاهم، فناشدهم الله، وذكرهم وصية آبائهم، وحلف عليهم بدم هابيل، وقام فيهم اخنوخ بن يرد، فقال: اعلموا أنه من عصى منكم أبانا يرد، ونقض عهود آبائنا، وهبط من جبلنا لم ندعه يصعد أبدأ، فأبوا إلا أن يهبطوا، فلما هبطوا اختلطوا ببنات قابيل. بعد أن ركبوا الفواحش. فلما دنا موت يرد اجتمع إليه بنوه وبنو بنيه اخنوخ، ومتوشلح، ولمك، ونوح، فصلى عليهم، ودعا لهم بالبركة، ونهاهم أن يهبطوا من الجبل المقدس، وقال: إنكم لا محالة تهبطون إلى الارض السفلى، فأيكم كان آخر هبوطا فليهبط بجسد أبينا آدم، ثم ليجعله وسط الارض، كما أوصانا، وأمر اخنوخ ابنه ألا يزال يصلي في مغارة الكنز، ثم توفي يوم الجمعة لليلة خلت من آذار، حين غابت الشمس، وكانت حياته تسعمائة سنة واثنتين وستين سنة. اخنوخ بن يرد ثم قام بعد يرد اخنوخ بن يرد، فقام بعبادة الله، سبحانه، ولما أتت له خمس وستون سنة ولد له متوشلح، وأخذ بنو شيث ونساؤهم وأبناؤهم في الهبوط، فعظم ذلك على اخنوخ، فدعا ولده متوشلح ولمكا ونوحا، فقال لهم: إني أعلم أن الله معذب هذه الامة عذابا عظيما ليس فيه رحمة. وكان اخنوخ أول من خط بالقلم، وهو ادريس النبي، فأوصى ولده أن يخلصوا عبادة الله، ويستعملوا الصدق واليقين، ثم رفعه الله بعد أن أتت له ثلاثمائة سنة.

[ 12 ]

متوشلح بن اخنوخ ثم قام متوشلح بن اخنوخ بعبادة الله تعالى وطاعته، وكان لما أتت عليه مائة وسبع وثمانون سنة، ولد له لمك، فأوحى الله إلى نوح في عصره، وأعلمه أنه باعث الطوفان على الناس، وأمره أن يعمل السفينة من الخشب، ولما كملت لنوح ثلاثمائة سنة وأربع وأربعون سنة تم الالف الثاني. وتوفي متوشلح في إحدى وعشرين من أيلول، يوم الخميس، وكانت حياته تسعمائة وستين سنة. لملك بن متوشلح فقام لمك بعد أبيه بعبادة الله وطاعته، وكان قد ولد له بعد أن أتت عليه مائة واثنتان وثمانون سنة، وكثرت الجبابرة في عصره، وذلك أنه كان لما وقع بنو شيث في بنات قابيل ولدت منهم الجبابرة. ثم دنا موت لمك، فدعا نوحا، وساما، وحاما، ويافثا، ونساءهم، ولم يكن بقي من أولاد شيث في الجبل أحد غيرهم إلا هبطوا إلى بني قابيل، فكانوا ثمانية أنفس، ولم يكن لهم أولاد قبل الطوفان، فصلى عليهم ودعا لهم بالبركة، ثم بكى، وقال لهم: إنه لم يبق من جنسنا أحد إلا هؤلاء الثمانية الانفس، وأسأل الله الذي خلق آدم وحواء وحدهما، ثم كثر ولدهما، أن ينجيكم من هذا الرجز الذي أعد للامة السوء، ويكثر ولدكم، حتى يملاوا الارض، ويعطيكم

[ 13 ]

بركة أبينا آدم، ويجعل في ولدكم الملك، وأنا متوفى، ولن يفلت من أهل الرجز غيرك يا نوح، فإذا أنا مت فاحملني، واجعلني في مغارة الكنز، فإذا أراد الله أن تركب السفينة، فاحمل جسد أبينا آدم، فاهبط به معك، ثم اجعله وسط البيت الاعلى من السفينة، ثم كن أنت وبنوك في طرف السفينة الشرقي، ولتكن امرأتك وكنائنك في طرف السفينة الغربي، وليكن جسد آدم بينكم، فلا تجوزوا إلى نسائكم ولا تجز نساؤكم إليكم، ولا تأكلوا ولا تشربوا معهن، ولا تقربوهن، حتى تخرجوا من السفينة، فإذا ذهب الطوفان وخرجتم من السفينة إلى الارض، فصل أنت عند جسد آدم، ثم أوص ساما أكبر بنيك، فليذهب بجسد آدم، حتى يجعله في وسط الارض، وليجعل معه رجلا من أولاده يقوم عليه، وليكن حبرا لله حياته لا ينكح امرأة، ولا يبني بيتا، ولا يهريق دما، ولا يقرب قربانا من الدواب، ولا الطير، فإن الله مرسل معه ملكا من الملائكة يدله على وسط الارض ويؤنسه. وتوفي لمك لسبع عشرة ليلة خلت من آذار يوم الاحد، على تسع ساعات من النهار، وكانت حياته سبعمائة وسبعا وسبعين سنة. نوح وأوحى الله عزوجل إلى نوح في أيام جده اخنوخ، وهو ادريس النبي، وقبل أن يرفع الله ادريس، وأمره أن ينذر قومه، وينهاهم عن المعاصي التي كانوا يركبونها، ويحذرهم العذاب، فأقام على عبادة الله تعالى والدعاء لقومه، وحبس نفسه على عبادة الله تعالى والدعاء لقومه، لا ينكح النساء خمسمائة عام، ثم أوحى الله إليه أن ينكح هيكل بنت ناموسا بن اخنوخ، وأعلمه أنه باعث الطوفان على

[ 14 ]

الارض، وأمره أن يعمل السفينة التي نجاه الله وأهله فيها، وأن يجعلها ثلاثة بيوت سفلا ووسطا وعلوا، وأمره أن يجعل طولها ثلاثمائة ذراع بذراع نوح، وعرضها خمسين ذراعا، وسمكها ثلاثين ذراعا، ويصير حواليها رفوف الخشب، ويكون البيت الاسفل للدواب والوحش والسباع، ويكون الاوسط للطير، ويكون الاعلى لنوح وأهل بيته، ويجعل في الاعلى صهاريج الماء، وموضعا للطعام. فولد له بعد أن أتت عليه خمسمائة سنة. ولما فرغ نوح من عمل السفينة، وكان ولد قابيل، ومن اختلط بهم من ولد شيث، إذا رأوه يعمل الفلك سخروا منه، فلما فرغ دعاهم إلى الركوب فيها، وأعلمهم أن الله باعث الطوفان على الارض كلها حتى يطهرها من أهل المعاصي، فلم يجبه أحد منهم، فصعد هو وولده إلى مغارة الكنز، فاحتملوا جسد آدم، فوضعوه في وسط البيت الاعلى من السفينة، يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من آذار، وأدخل الطير البيت الاوسط، وأدخل الدواب والسباع البيت الاسفل، وأطبقها حين غابت الشمس. وأرسل الله الماء من السماء، وفجر عيون الارض، فالتقى الماء على أمر قد قدر، وأخذ الارض كلها والجبال، وأظلمت الدنيا، وذهب ضوء الشمس والقمر، حتى كان الليل والنهار سواء، وكان الطالع في ذلك الوقت الذي أرسل الله تعالى فيه الماء، فيما يقول أصحاب الحساب: السرطان، والشمس، والقمر، وزحل، وعطارد، والرأس، مجتمعة في آخر دقيقة من الحوت، فاتصل الماء من السماء والارض أربعين يوما، حتى علا فوق كل جبل خمس عشرة ذراعا، ثم وقف بعد ان لم تبق بقعة من الارض إلا غمرها الماء وعلاها. ودارت السفينة الارض كلها حتى صارت إلى مكة، فطافت حول البيت أسبوعا، ثم انكشف الماء بعد خمسة أشهر، فكان ابتداؤه لسبع عشرة ليلة خلت من أيار إلى ثلاث عشرة ليلة خلت من تشرين الاول. وروى بعضهم أن نوحا ركب السفينة أول يوم من رجب، واستوت على

[ 15 ]

الجودي في المحرم، فصار أول الشهور يعده، وأهل الكتاب يخالفون في هذا. ولما استوت على الجودي، وهو جبل بناحية الموصل، أمر الله تعالى ماء السماء فرجع من حيث جاء، وأمر الارض فبلعت ماءها، فأقام نوح بعد وقوف السفينة أربعة أشهر، ثم بعث الغراب ليعرف خبر الماء، فوجد الجيف طافية على الماء، فوقع عليها ولم يرجع، ثم أرسل الحمامة، فجاءت بورقة زيتون، فعلم أن الماء قد ذهب، فخرج لسبع وعشرين من أيار، فكان، بين دخوله السفينة وخروجه، سنة كاملة وعشرة أيام، فلما صار إلى الارض هو وأهله بنوا مدينة، فسموها ثمانين. ولما خرج نوح من السفينة ورأى عظام الناس تلوح غمه ذلك وأحزنه، وأوحى الله إليه: إني لن أرسل الطوفان على الارض بعدها أبدا. ولما خرج نوح من السفينة أقفلها بقفل ودفع المفتاح إلى سام ابنه، ثم زرع نوح، وغرس كرما، وعمر الارض. وإن نوحا يوما لنائم إذ انكشف ثوبه، فرأى حام ابنه سوأته، فضحك، وخبر أخويه ساما ويافثا، فأخذا ثوبا حتى أتياه به، ووجوههما مصروفة عنه، فألقيا الثوب عليه، فلما انتبه نوح من نومه، وعلم الخبر، دعا على كنعان بن حام، ولم يدع على حام، فمن ولده القبط والحبشة والهند. وكان كنعان أول من رجع من ولد نوح إلى عمل بني قابيل، فعمل الملاهي والغناء والمزامير والطبول والبرابط والصنوج، وأطاع الشيطان في اللعب والباطل. وقسم نوح الارض بين ولده، فجعل لسام وسط الارض، والحرم وما حوله، واليمن وحضرموت، إلى عمان، إلى البحرين، إلى عالج ويبرين، ووبار، والدو والدهناء، وجعل لحام أرض المغرب والسواحل، فولد كوش ابن حام، وكنعان بن حام النوبة والزنج والحبشة. ونزل يافث بن نوح ما بين المشرق والمغرب، فولد له جومر، وتوبل، وماش، وما شج، ومأجوج، فولد جومر الصقالبة، وولد توبل برجان، وولد ماش

[ 16 ]

الترك والخزر، وولد ما شج الاشبان، وولد مأجوج يأجوج ومأجوج، وهم في شرقي الارض من جهة الترك، وكانت منازل الصقالبة وبرجان أرض الروم، قبل أن يكون الروم، فهؤلاء ولد يافث. وعاش نوح، بعد خروجه من السفينة، ثلاثمائة وستين سنة، ولما حضرت وفاة نوح اجتمع إليه بنوه الثلاثة سام وحام ويافث وبنوهم، فأوصاهم، وأمرهم بعبادة الله تعالى، وأمر ساما أن يدخل السفينة، إذا مات، ولا يشعر به أحد، فيستخرج جسد آدم، ويذهب معه بملكيزدق بن لمك بن سام، فإن الله اختاره ليكون مع جسد آدم في وسط الارض، في المكان المقدس، وقال له: يا سام ! إنك إذا خرجت أنت وملكيزدق بعث الله معكما ملكا من الملائكة يدلكما على الطريق، ويريكما وسط الارض، فلا تعلمن أحدا ما تصنع، فإن هذا الامر وصية آدم التي أوصى بها بنيه، وأوصى بها بعضهم بعضا، حتى انتهى ذلك إليك، فإذا بلغتما المكان الذي يريكما الملك، فضع فيه جسد آدم، ثم مر ملكيزدق ألا يفارقه، ولا يكون له عمل إلا عبادة الله، سبحانه وتعالى، وأمره أن لا ينكح امرأة، ولا يبني بنيانا، ولا يهريق دما، ولا يلبس ثوبا، إلا من جلود الوحش، ولا يقص شعرا ولا ظفرا، وليجلس وحده، وليكثر حمد الله، ثم مات في أيار يوم الاربعاء، وكانت حياته تسعمائة سنة وخمسين، كما حكى الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاما.

[ 17 ]

سام بن نوح وقام سام بن نوح، بعد أبيه، بعبادة الله تعالى وطاعته، وكان قد ولد له رفخشد، بعد أن أتت عليه مائة سنة وسنتان، ثم انطلق، وفتح السفينة، فأخذ جسد آدم، فهبط به سرا من أخويه وأهله، ودعا أخويه يافثا وحاما، فقال لهما: إن أبي أوصى إلي وأمرني أن آتي البحر، فأنظر في الارض ثم أرجع، فلا تتحركوا حتى آتيكم، واستوصوا بامر أتي وبني خيرا، فقال له أخواه: اذهب في حفظ الله، فإنك قد علمت أن الارض خربة ونخاف عليك السباع. قال سام: إن الله تعالى يبعث ملكا من الملائكة، فلا أخاف، إن شاء الله تعالى، شيئا. ودعا سام ابنه لمكا فقال له ولامرأته: يا وزدق ! ارسلا معي ابنكما ملكيزدق يؤنسني في الطريق. فقالا له: اذهب راشدا ! فقال سام لاخويه وأهله وولده: قد علمتم أن أبانا نوحا قد أوصى إلي، وأمرني أن أختم السفينة، فلا أدخلها أنا، ولا أحد من الناس، فلا يقربن السفينة منكم أحد. ثم إن ساما خرج ومعه ابنه، فعرض لهما الملك، فلم يزل معهما حتى صار بهما إلى الموضع الذي أمروا أن يضعوا جسد آدم فيه، فيقال إنه بمسجد منى عند المنارة، ويقول أهل الكتاب: بالشأم في الارض المقدسة، فانفتحت الارضون، فوضعوا الجسد فيها، ثم انطبقت عليه. وقال سام لملكيزدق ابن لمك بن سام: اجلس هاهنا، وأحسن عبادة الله، فإن الله يرسل إليك في كل يوم ملكا من الملائكة يؤنسك، ثم سلم عليه، وانصرف، فأتى أهله، فسأله ابنه لمك عن ملكيزدق، فقال: إنه قد مات في الطريق، فدفنته، فحزن عليه أبوه وأمه. ثم حضرت ساما الوفاة فأوصى إلى ابنه أرفخشد، ومات سام يوم الخميس لسبع خلون من أيلول، وكانت حياته ستمائة سنة.

[ 18 ]

أرفخشد بن سام ثم قام ارفخشد بن سام بعبادة الله تعالى وطاعته، وكان قد ولد له شالح بعد أن أتت عليه مائة وخمس وثمانون سنة، وقد تفرق ولد نوح في البلاد، وكثرت الجبابرة والعتاة منهم، وأفسد ولد كنعان بن حام، وأظهروا المعاصي. ولما حضرت ارفخشد الوفاة جمع إليه ولده وأهله وأوصاهم بعبادة الله تعالى ومجانبة المعاصي، وقال لشالح ابنه: اقبل وصيتي، وقم في أهلك بعدي عاملا بطاعة الله تعالى. ومات يوم الاحد لسبع بقين من نيسان، وكانت حياته أربعمائة وخمسا وستين سنة. شالح بن أرفخشد ثم قام شالح بن أرفخشد في قومه يأمرهم بطاعة الله تعالى، وينهاهم عن معاصيه، ويحذرهم ما نال أهل المعاصي من الرجز والعذاب. وكان قد ولد له عابر بعد أن أتت عليه مائة وثلاثون سنة، ثم حضرته الوفاة، فأوصى إلى ابنه عابر بن شالح، وأمره أن يتجنب فعل بني قابيل اللعين، ومات يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من آذار، وكانت حياته أربعمائة وثلاثين سنة.

[ 19 ]

عابر بن شالح ثم قام عابر بن شالح يدعو قومه إلى طاعة الله تعالى، ويحذر بني سام بن نوح أن يختلطوا بولد كنعان بن حام، المغير دين آبائه، والمرتكب للمعاصي. وكان قد ولد له فالغ، بعد أن أتت عليه مائة وأربع وثلاثون سنة، ثم حضرته الوفاة، فأوصى إلى ابنه فالغ، فقال له: يا بني ! إن ولد قابيل اللعين، لما أكثروا العمل بمعاصي الله، سبحانه وتعالى، ودخل معهم ولد شيث بعث الله عليهم الرجز، فلا تدخل أنت ولا أهلك في ملة بني كنعان. ومات عابر يوم الخميس لثلاث وعشرين من تشرين الاول، وكانت حياته ثلاثمائة وأربعين سنة، وقيل مائة وأربعا وستين سنة. فالغ بن عابر ثم قام بعد عابر فالغ ابنه يدعو الناس إلى طاعة الله تعالى، فكان في زمانه اجتماع ولد نوح ببابل، وذلك أن ماش بن ارم بن سام بن نوح صار إلى أرض بابل، فولد نمرود الجبار، ونبيط، وهو أبو النبط، وهو أول من استنبط الانهار، وغرس الاشجار، وعمر الارض، وكان لسانهم جميعا السرياني، وهو لسان آدم، فلما اجتمعوا ببابل قال بعضهم لبعض: لنبنين بنيانا أسفله الارض وأعلاه السماء ! فلما أخذوا في البنيان قالوا: نتخذه حصنا يحرزنا من الطوفان، فهدم الله حصنهم، وفرق الله ألسنهم على اثنين وسبعين لسانا،

[ 20 ]

وتفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة من موضعهم ذلك، فكان في ولد سام تسعة عشر لسانا، وفي ولد حام ستة عشر لسانا، وفي ولد يافث سبعة وثلاثون لسانا، فلما رأوا ما هم فيه اجتمعوا إلى فالغ بن عابر فقال لهم: إنه لا يسعكم أرض واحدة مع افتراق ألسنتكم، فقالوا: اقسموا الارض بيننا، فقسم لهم فصار لولد يافث بن نوح الصين والهند والسند والترك والخزر والتبت والبلغر والديلم وما والى أرض خراسان، وكان ملك بني يافث في ذلك الزمان جم شاذ. وصار لولد حام أرض المغرب وما وراء الفرات إلى مسقط الشمس. وصار لولد سام الحجاز واليمن وباقي الارض. وكان قد ولد له أرغو بعد أن أتت عليه ثلاثون سنة، وحضرت فالغ الوفاة، فأوصى إلى ابنه ارغو، ومات فالغ يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من أيلول، وكانت حياته مائتي سنة وتسعا وثلاثين سنة. أرغو بن فالغ ثم قام ارغو بن فالغ بعد أبيه، وقد تفرقت الالسن على اثنتين وسبعين فرقة، لبني سام تسع عشرة فرقة، ولولد حام ست عشرة فرقة، ولولد يافث سبع وثلاثون، وكان في زمانه نمرود الجبار، وكان مسكنه ببابل، وكان الذي ابتدأ بناء الصرح، وأول من عمل التاج، وملك سبعا وستين سنة. وكان قد ولد لارغو ساروغ، بعد أن أتت عليه اثنتان وثلاثون سنة، ولما أتت لارغو أربع وسبعون سنة من عمره كمل الالف الثالث. وحضرت أرغو الوفاة، فأوصى ابنه ساروغ، وتوفي أرغو يوم الاربعا لاربع عشرة ليلة خلت من نيسان، وكانت حياته مائتي سنة.

[ 21 ]

ساروغ بن أرغو وقام ساروغ بن أرغو في ولد سام، بعد موت أبيه، وقد كثرت الجبابرة، وعتت في الارض. وكان في زمن ساروغ أول ما عبدت الاصنام، وكان أول شأن الاصنام أن الناس كان إذا مات لاحدهم الميت الذي يعز عليهم من أب أو أخ أو ولد صنع صنما على صورته، وسماه باسمه، فلما أدرك الخلف الذي بعدهم ظنوا، وحدثهم الشيطان، أنه إنما صنعت هذه لتعبد، فعبدوها، ثم فرق الله دينهم، فمنهم من عبد الاصنام، ومنهم من عبد الشمس، ومنهم من عبدالقمر، ومنهم من عبدالطير، ومنهم من عبد الحجارة، ومنهم من عبد الشجر، ومنهم من عبد الماء، ومنهم من عبدالريح، وفتنهم الشيطان وأضلهم وأطغاهم. وكان قد ولد له ناحور، بعد أن أتت عليه مائة وثلاثون سنة، ولما حضرت ساروغ اوفاة أوصى ابنه ناحور، وأمره بعبادة الله تعالى، ومات ساروغ لثلاث بقين من آب يوم الاحد، وكانت حياته مائتين وثلاثين سنة. ناحور بن ساروغ وكان ناحور مكان أبيه، فكثرت عبادة الاصنام في زمانه، فأمر الله سبحانه الارض، فزلزلت عليهم زلزلة شديدة، حتى سقطت تلك الاصنام، فلم يكترثوا بذلك، وأعادوا أصناما مكانها.

[ 22 ]

وفي زمانه ظهر السحر، والكهانة، والطيرة، وذبح الناس أولادهم للشياطين، وجعلت المكاييل والموازين. وكانت حياة ناحور مائة وثمانيا وأربعين سنة، وكانت جبابرة ذلك العصر عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح، وكانوا قد انتشروا في البلاد، وكانت منازلهم بين أعالي حضرموت إلى أودية نجران، فلما عاثوا وعتوا بعث الله تبارك وتعالى هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح، فدعاهم إلى عبادة الله تعالى، والعمل بطاعته، واجتناب المحارم، فكذبوه، فقطع الله عنهم المطر ثلاث سنين، فوجهوا وفدا لهم إلى البيت الحرام يستسقي لهم، فأقاموا يطوفون بالبيت ويسعون أربعين صباحا. ثم رفعت لهم سحابتان: إحداهما بيضاء فيها غيث ورحمة، والاخرى سوداء فيها عذاب ونقمة، وسمعوا صوتا يناديهم: اختاروا أيتهما شئتم ! فقالوا: اخترنا السوداء ! فمرت، وهي على رؤوسهم، فلما قربت من البلاد قال لهم هود: إن هذه السحابة فيها عذاب قد أظلكم ! فقالوا: بل هو عارض ممطرنا، فأقبلت ريح سوداء لاتمر بشئ إلا أحرقته، فما نجا منهم إلا هود، ويقال إنه نجا لقمان بن عاد، وعاش حتى عمر عمر سبعة نسور. ولما مضت عاد صار في ديارهم بنو ثمود بن جازر بن ثمود بن ارم بن سام ابن نوح، وكانت ملوكهم تنزل الحجر، فلما عتوا بعث الله إليهم صالح بن تالح بن صادوق بن هود نبيا، فسألوه أن يأتيهم بآية، فأخرج الله لهم ناقة من الارض معها فصيلها، فقال لهم صالح: إن لهذه الناقة يوما ترد فيه الماء، ولكم يوما، فاحذروا أن تصدوها عن الماء ! فكذبوه، فقام رجل منهم يقال له قدار، فعقرها وضرب عرقوبها بالسيف، فارتفع فصيلها على نشز من الارض، ثم رغا، فبعث الله عليهم العذاب، فما فلت منهم إلا امرأة يقال لها الذريعة، وضرب العرب بقدار المثل.

[ 23 ]

تارخ بن ناحور وكان تارخ بن ناحور، هو أبو إبراهيم خليل الله، في عصر نمرود الجبار، وكان نمرود أول من عبد النار وسجد لها، وذلك أنه خرجت نار من الارض، فأتاها، فسجد لها، وكلمه منها شيطان، فبنى عليها بنية، وجعل لها سدنة. وفي ذلك العصر تعاطى الناس علم النجوم، وحسبوا الكسوف للشمس والقمر والكواكب السائرة والراتبة، وتكلموا في الفلك والبروج. وكان الذي علم نمرود ذلك رجلا يقال له ينطق (1)، وكان تارخ، وهو آزر أبو إبراهيم، مع نمرود الجبار، فحسب المنجمون لنمرود، فقالوا له: إنه يولد في مملكته مولود يعيب دينه، ويزري عليه، ويهدم أصنامه، ويفرق جمعه، فجعل لا يولد في مملكته مولود إلا شق بطنه، حتى ولد ابراهيم، فستره أبواه، وأخفيا أمره، وصيراه في مغارة حيث لا يعلم به أحد، وكان مولده بكوثا ربا، وكان مولد ابراهيم بعد أن أتت لتارخ مائة وسبعون سنة، وعاش تارخ أبوه مائتي سنة وخمس سنين.


1) بلا نقط في الاصل (*).

[ 24 ]

إبراهيم ونشأ ابراهيم في زمان نمرود الجبار، فلما خرج من المغارة التي كان فيها قلب طرفه في السماء، فنظر إلى الزهرة، فرأى كوكبا مضيئا، فقال: هذا ربي، فإن له علوا وارتفاعا، ثم غاب الكوكب، فقال: إن ربي لا يغيب، ثم رأى القمر لما طلع، فقال: هذا ربي، فلم يلبث أن غاب القمر، فقال: لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين، فلما جاء النهار طلعت الشمس، فقال: هذا ربي، هذا أنور وأضوأ، فلما غابت الشمس قال: غابت، وربي لا يغيب، كما قص الله خبره وأمره، فلما كملت سنه جعل يعجب إذ رأى قومه يعبدون الاصنام، ويقول: أتعبدون ما تنحتون ؟ فيقولون: أبوك علمنا هذا. فيقول: إن أبي لمن الضالين ! فظهر قوله في قومه، وتحدث الناس به، وأرسله الله نبيا، وبعث إليه جبريل، فعلمه دينه، فجعل يقول لقومه: إني برئ مما تشركون. وبلغ خبره نمرود، فأرسل إليه فيها، ثم جعل ابراهيم يكسر أصنامهم، فيقول: ادفعي عن نفسك، فألهب نمرود نارا ووضعه في منجنيق ورمى به فيها، فأوحى الله إليها: أن كوني بردا وسلاما على إبراهيم، فجلس وسط النار ما تضره، فقال نمرود: من اتخذ إلها، فليتخذه مثل إله إبراهيم، فأمن معه لوط، وكان لوط ابن أخيه خاران بن تارخ. وأمر الله، عزوجل، إبراهيم أن يخرج من بلاد نمرود إلى الشأم الارض المقدسة، فخرج إبراهيم وامرأته سارة بنت خاران بن ناحور عمه، ولوط ابن خاران، مهاجرين حيث أمرهم الله، فنزلوا أرض فلسطين، وكثر ماله ومال لوط، فقال إبراهيم للوط: إن الله قد كثر لنا مالنا وماشيتنا، فانتقل منا

[ 25 ]

حتى تنزل مديني سدوم وعمورة، بالقرب من الموضع الذي كان فيه إبراهيم. فلما صار لوط إلى مدينة سدوم وعمورة ونزلها أتاه ملك تلك الناحية، فقاتله، وأخذ ماله، فمضى ابراهيم حتى استنقذ ماله. ووسع الله، عزوجل، على إبراهيم في كثرة المال، فقال: رب ما أصنع بالمال، ولا ولد لي ؟ فأوحى الله، عزوجل، إليه: اني مكثر ولدك، حتى يكونوا عدد النجوم. وكان لسارة جارية يقال لها هاجر، فوهبتها لابراهيم، فوقع عليها، فحملت، وولدت إسماعيل، وإبراهيم يومئذ ابن ست وثمانين سنة، وقال الله: إني مكثر ولدك وجاعل فيهم الملك الباقي مدى الدهر، حتى لا يدري أحد ما عددهم. فلما ولدت هاجر غارت سارة، وقالت: اخرجها عني وولدها ! فأخرجها، ومعها اسماعيل، حتى صار بهما إلى مكة، فأنزلهما عند البيت الحرام، وفارقهما، فقالت له هاجر: على من تدعنا ؟ قال: على رب هذه البنية ! فقال: اللهم إني أسكنت ابني بواد غير ذي زرع، عند بيتك المحرم. ونفد الماء الذي كان مع هاجر، فاشتد باسماعيل العطش، فخرجت هاجر تطلب الماء، ثم صعدت إلى الصفا، فرأت بقربه طائرا واقفا، فرجعت، فإذا بالطائر قد فحص برجله الارض، فخرج الماء، فجمعته لئلا يذهب، فهي بئر زمزم. وعمل قوم لوط المعاصي، وكانوا يأتون الذكران من العالمين، وذلك أن إبليس، لعنه الله تعالى، تراءى لهم في صورة غلام أمرد، ثم أمرهم أن ينكحوه، فاشتهوا ذلك حتى تركوا نكاح النساء، وأقبلوا على نكاح الذكران، فنهاهم لوط، فلم ينتهوا، وجاروا في الاحكام حتى ضرب بهم في الجور المثل، وقالوا: أجور من حكم سدوم ! وكان الرجل منهم، إذا نال أحدا بمكروه، فضربه، أو سحه، قال له: أعطني أجرا على فعلي بك. وكان لهم حاكمان يقال لهما

[ 26 ]

شقرى وشقروني يحكمان بالجور والظلم والعدوان. ولما كثر عمل قوم لوط وجورهم بعث الله، عزوجل، ملائكة لهلاكهم، فنزلوا بإبراهيم، وكان يضيف الاضياف، ويعمل القرى، فلما نزلوا به قرب إليهم عجلا مشويا، فلما رآهم لا يأكلون نكرهم، فعرفوه بأنفسهم، وقالوا: إنا رسل ربك لهلاك أهل هذه القرية، يعنون سدوم القرية التي كان فيها قوم لوط، فقال لهم إبراهيم: إن فيها لوطا، قالوا: نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله، إلا امرأته. وكانت سارة امرأة إبراهيم واقفة، فعجبت من قولهم، فبشروها بإسحاق فقالت: أألد وأنا عجوز، وهذا بعلي شيخ كبير ؟ وكان ابراهيم ابن مائة سنة، وهي بنت تسعين، فلما أتوا إلى لوط، ورأتهم امرأته دخنت لقومها، فجاءوا إلى لوط، فقالوا: ادفع إلينا أضيافك ! فقال: لا تفضحون في ضيفي ! فلما أكثروا صدهم جبريل، فأعماهم، فقالوا له: إنا مهلكوهم. قال: فمتى ؟ قالوا: الصبح. قال: تؤخرونهم إلى الصبح ؟ قال له جبريل: أليس الصبح بقريب ؟ فلما كان السحر قال له جبريل: اخرج، ثم قلبها عليهم. ويقال نزلت عليهم نار، فلم ينج منهم أحد، وكانت امرأة لوط فيهم فمسخت ملحا، فما بقي منهم مخبر. ووهب الله لابراهيم اسحاق بن سارة، فعجب الناس من ذلك، وقالوا: شيخ ابن مائة سنة، وعجوز بنت تسعين سنة ! فخرج إسحاق أشبه شئ بإبراهيم. وكان إبراهيم يزور اسماعيل وأمه في كل وقت. وبلغ اسماعيل حتى صار رجلا، ثم تزوج امرأة من جرهم، فزاره ابراهيم مرة، فلم يلقه، وكانت أمه قد ماتت، فكلم امرأته فلم يرض عقلها، وسألها عن اسماعيل، فقالت: في الرعي ! فقال: إذا جاء فقولي له غير عتبة بابك ! فلما انصرف اسماعيل من رعيه قالت له امرأته: قد جاء هنا شيخ يسأل عنك. فقال اسماعيل: فما قال لك ؟ قالت قال لي: قولي له غير عتبة بابك. قال: أنت خلية ! فطلقها،

[ 27 ]

وتزوج الحيفاء بنت مضاض الجرهمية، فعاد إليهم إبراهيم من الحول، فوقف ببيت اسماعيل، فلم يجده، ووجد امرأته، فقال: كيف حالكم ؟ قالت: بخير ! قال: هكذا فليكن ! أين زوجك ؟ قالت: ليس بحاضر، انزل ! قال: لا يمكنني. قالت: فأعطني رأسك أقبله ! ففعل ذلك، وقال: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: تمسك بعتبة بابك. فلما انصرف جاء اسماعيل، فأخبرته امرأته بخبر ابراهيم، فوقع على موضع قدمه يقبلها. ثم إن الله تعالى أمر ابراهيم أن يبني الكعبة، ويرفع قواعدها، ويؤذن في الناس بالحج، ويريهم مناسكهم، فبنى ابراهيم واسماعيل القواعد حتى انتهى إلى موضع الحجر، فنادى إبراهيم أبو قبيس: ان لك عندي وديعة ! فأعطاه الحجر، فوضعه، وأذن إبراهيم في الناس بالحج، فلما كان يوم التروية قال له جبريل: ترو من الماء، فسميت التروية، ثم أتى منى، فقال له: بت بها، ثم أتى عرفات، فبنى بها مسجدا بحجارة بيض، ثم صلى به الظهر والعصر، ثم عمد به إلى عرفات، فقال له: هذه عرفات فاعرفها، فسميت عرفات. ثم أفاض به من عرفات، فلما حاذى المأزمين قال له: ازدلف، فسميت المزدلفة، وقال له: اجمع الصلاتين، فسميت جمع، وصار إلى المشعر، فنام عليه، فأمره الله أن يذبح ابنه، فالرواية تختلف في اسماعيل وإسحاق، فيقول قوم: إنه اسماعيل لانه الذي وضع داره وبيته وإسحاق بالشأم، ويقول قوم: إنه إسحاق لانه أخرجه وأخرج أمه معه، وكان يومئذ غلاما، واسماعيل رجل قد ولد له. وقد كثرت الروايات في هذا وهذا، واختلف الناس فيهما، فلما أصبح ابراهيم صار إلى منى وقال للغلام: زورني بالبيت، وقال لابنه: إن الله أمرني أن أذبحك ! فقال: يا أبت افعل ما تؤمر ! فأخذ السكين، وأضجعه على جمرة العقبة، وطرح تحته قرطان حمار، ثم وضع الشفرة على حلقه، وحول وجهه عنه، فقلب جبريل الشفرة، فنظر إبراهيم، فإذا الشفرة مقلوبة، ففعل

[ 28 ]

ذلك ثلاث مرات، ثم نودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. وأخذ جبريل الغلام، وانحط الكبش من قلة ثبير، فوضعه تحته، فذبحه، فأهل الكتاب يقولون: إنه كان إسحاق، وإنه فعل به هذا في برية الاموريين بالشأم، فلما فرغ إبراهيم من حجه وأراد أن يرتحل أوصى إلى ابنه اسماعيل أن يقيم عند البيت الحرام، وأن يقيم للناس حجهم ومناسكهم، وقال له: إن الله مكثر عدده، ومثمر نسله، وجاعل في ولده البركة والخير. وتوفيت سارة عند مصيرهم إلى الشأم، فتزوج إبراهيم قطورة، فولدت له أولادا كثيرا، وهم: زمرن، ويقشن، ومدن، ومدين، ويشباق، وشوح. وتوفي إبراهيم، وكانت وفاته يوم الثلاثاء لعشر خلون من آب، وكانت حياته مائة وخمسا وتسعين سنة. إسحاق بن إبراهيم ولما توفي ابراهيم بالشأم قام اسحاق بعده وتزوج رفقا بنت بتوئيل، فحملت فثقل حملها، فأوحى الله، عزوجل، إلى إسحاق: اني مخرج من بطنها شعبين وأمتين، فأجعل الاصغر أعظم من الاكبر ! فولدت رفقا عيصو ويعقوب توأمين، وخرج عيصو أولا، وخرج يعقوب بعده، وعقبه مع عقب عيصو، فسمي يعقوب. وكان اسحاق يوم ولد له ابن ستين سنة، وكان إسحاق يحب عيصو، ورفقا تحب يعقوب، وسكن إسحاق وادي جارر، وكان قد ذهب بصره، فقال لابنه عيصو: خذ سيفك وقوسك، واخرج، فصد لي صيدا حتى آكل وأبارك عليك قبل أن أموت، فسمعت رفقا أمه ذلك، فقالت ليعقوب: اصنع

[ 29 ]

لابيك طعاما ! اذهب إلى الغنم، فخذ جديين، فاصنع طعاما، وقربه لابيك، حتى تقع عليك البركة. فقال: أخاف أن يلعنني. فقالت: إن لعنك كانت لعنتك علي. فمضى يعقوب، وأخذ جديين، فذبحهما، وطبخهما، وقربهما إليه. وكان عيصو مشعر الذراع، فأخذ يعقوب جلد الجديين، فوضعهما على ساعديه، فلما قرب الطعام من أبيه قال: النغمة نغمة يعقوب، والمسحة مسحة عيصو. ثم بارك عليه، ودعا له، وقال له: كن رأسا على إخوتك. وجاء عيصو بصيده، فقال له اسحاق: من قدم إلي الطعام، فباركته، ومباركا يكون ؟ قال: خدعني أخي يعقوب ! قال له إسحاق: قد جعلته رأسا عليك، وعلى إخوته. ثم دعا له، وقال: على سمية الارض تنزل. وأمر إسحاق يعقوب أن يصير إلى حران، فيكون عند لابان بن بتوئيل بن ناحور، أخي إبراهيم، وخاف اسحاق عيصو عليه، وأمره أن لا يتزوج من نساء الكنعانيين، فصار إلى حران إلى خاله لابان، فكانت حياة اسحاق مائة وخمسا وثمانين سنة. يعقوب بن إسحاق ثم إن إسحاق قال ليعقوب: إن الله قد جعلك نبيا، وجعل ولدك أنبياء، وجعل فيك الخير والبركة، وأمره أن يسير إلى الفدان، وهو موضع بالشأم، فسار إلى الفدان، فلما دخلها رأى امرأة معها غنم على البئر تريد أن تسقي غنمها، وعلى رأس البئر حجر لا يرفعه إلا عدة رجال، فسألها: من هي ؟ فقالت: أنا بنت لابان، وكان لابان خال يعقوب، فزحزح يعقوب الحجر، وسقى لها،

[ 30 ]

وسار إلى خاله، فزوجه إياها، فقال يعقوب: إن التي كانت مسماة لي راحيل أختها. فقال: هذه أكبر، وأنا أزوجك أيضا راحيل، فتزوجهما جميعا. ودخل بليا أولا، فأولدها روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ويشاجر، وزفولون، وجارية يقال لها دينا، ثم زوجه خاله بابنته الاخرى، وهي راحيل، فأبطأ عليها الولد، حتى عظم ذلك عليها، ثم وهب الله، سبحانه وتعالى، يوسف، وبنيامين. ووقع يعقوب بزلفا جارية كانت لليا، فولدت منه كاذ، وآشر، ونفتالي. ووقع بوليدة راحيل، فولدت دان، وقال قوم إن يعقوب تزوج راحيل قبل ليا، وقال أهل الكتاب تزوجهما جميعا في وقت واحد، فماتت راحيل، وبقيت ليا. وكان يوسف أحب ولد يعقوب إلى يعقوب لانه كان أجملهم وجها، وكانت أمه أحب نسائه إليه، فحسده إخوته ذلك، فأخرجوه معهم، وكان من خبرهم ما قصه الله، عزوجل، في كتابه العزيز، حتى بيع، واستعبد، وغاب عن أبيه أربعين سنة، ثم رده الله، سبحانه، عليه، وجمعهم ويوسف بمصر على ما قد قصه الله في كتابه. وولد ليوسف بمصر عدة أولاد، فأقام يعقوب بمصر سبع عشرة سنة، ولما حضرته الوفاة أوصى يوسف ولده ألا يدفنه بمصر، وتوفي وله مائة وأربعون سنة.

[ 31 ]

ولد يعقوب وكان ليعقوب من الولد اثنا عشر ذكرا: روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ويشاجر، وزفولون، ويوسف، وبنيامين، وكاذ، وآشر، ودان، ونفتالي، فهؤلاء بنو يعقوب، وهم بنو إسرائيل، وهم الاسباط. وكان لروبيل من الولد: خنوخ، وفلو، وحصران، وكرمي. وكان لشمعون من الولد: نموئيل، ويامين، وشاوول. وكان للاوي من الولد: جرشون، وقهث، ومراري. وكان ليهوذا من الولد: عار، وأونان، وشيلا، وفارص، وزارح. وكان ليشاجر من الولد: تولع، وفوا، ويوب، وشمرون. وكان لآشر من الولد: يمنا، واشوا، وأشوي، وبريعا، وسارح. وكان لزفولون من الولد: سارد، وايلون، ويحلائيل. وولد ليوسف بأرض مصر: افرائيم، ومنشى. وكان لبنيامين: بالع، وبخر، واشبال، ونعمان، واوخي، ومقيم، وحفيم، وارد. وكان لكاذ من الولد: صفيان، وشوني، واصبون، وعاري، وارودي، وارايلي. وكان لنفتالي من الولد: يحصيل، وغوني، ويبصر، وشاليم. فهؤلاء أولاة يعقوب وولد ولده، الذين اجتمعوا بمصر عند يوسف، مع ولدي يوسف اللذين ولدا بمصر، وأعطاهم أرضا، وقال: ازرعوا، فما خرج فلفرعون الخمس. ولما حضرت يعقوب الوفاة جمع ولده وولد ولده، فبارك عليهم، ودعا

[ 32 ]

لهم، وقال لكل واحد منهم قولا، وأعطى ليوسف سيفه وفوسه. وقرب إليه يوسف ابنيه منشى وافرائيم. فصير منشى عن يمينه وافرائيم عن شماله، لان منشى كان أكبر، فقلب يده اليمنى على افرائيم، وأوصى يوسف أن يحمله ويدفنه إلى جنب قبر إبراهيم وإسحاق. ولما توفي يعقوب قاموا يبكون عليه سبعين يوما، ثم حمله يوسف، وأخرج معه غلمانا من أهل مصر، وصار به إلى أرض فلسطين، فدفنه إلى جنب قبر إبراهيم وإسحاق. ولما فرغوا من دفن يعقوب قال لاخوته: ارجعوا معي إلى أرض مصر ! فخافوه، فقالوا له: قد أوصاك أبوك يعقوب أن تغفر خطيئتنا. قال: لا تخشوني ! فإني أخشي الله. فاطمأنت قلوبهم، فرجعوا إلى أرض مصر، فأقاموا بها. وعاش يوسف بمصر دهرا، ثم حضرته الوفاة، فجمع بني إسرائيل، وقال: إنكم تخرجون بعد حين من أرض مصر، إذا بعث الله رجلا يقال له موسى بن عمران من ولد لاوي بن يعقوب، وسيذكركم الله، ويرفعكم، فأخرجوا بدني من هذه الارض، حتى تدفنوني عند قبور آبائي. ومات يوسف وله مائة وعشر سنين، فصير في تابوت حجارة، وصير في النيل. وكان في ذلك العصر أيوب النبي ابن أموص بن زارح بن رعوئيل بن عيصو ابن إسحاق بن ابراهيم، وكان كثير المال، فابتلاه الله تعالى بخطيئة أخطأها، فشكر الله وصبر، ثم رفع الله عنه البلاء، ورد إليه ماله وأضعف له.

[ 33 ]

موسى بن عمران وولد موسى بن عمران بن قهث بن لاوي بن يعقوب بمصر في زمان فرعون الجبار، وهو الوليد بن معصب، ويقال: كان اسمه ظلمي، وبنو إسرائيل يومئذ بمصر قد أقاموا من زمان يوسف في الرق والعبودية. وكان سحرة فرعون وكهنته قد قالوا له: يولد في هذا الوقت مولود من بني إسرائيل يفسد عليك ملكك، ويكون بن هلاكك. وكان فرعون قد ملك مصر دهرا طويلا ممتعا بالسلامة، حتى قال: أنا ربكم الاعلى، فأمر فرعون، فوضع على كل امرأة حامل من بني إسرائيل حرسا، فكانت لا تلد منهن امرأة غلاما إلا قتل ولدها، فلما جاء أم موسى المخاض قالت لها القابلة: إني أكتم عليك ! فلما ولدت قالت للحرس: إنما خرج منها دم. وأوحى الله إلى أم موسى أن اعملي تابوتا، ثم ضعيه فيه، وأخرجيه ليلا، فاطرحيه في نيل مصر ! ففعلت ذلك، وضربته الريح، فطرحته إلى الساحل، فرأته امرأة فرعون، فدنت منه حتى أخذته، فلما فتحت التابوت ورأت موسى وقع عليه منها محبة، فقالت لفرعون: نتخذه ولدا، وطلبت له من ترضعه، فلم يأخذ من المرضعات، حتى جاءت أمه، فأخذ منها، وشب أحسن شباب، وبلغ في أسرع وقت ما لا يبلغ الصبيان. وكان يوسف قد قال لبني إسرائيل: إنكم لن تزالوا في العذاب حتى يأتي غلام جعد، من ولد لاوي بن يعقوب، يقال له موسى بن عمران. فلما طال الامر على بني إسرائيل ضجوا وأتوا شيخا منهم، فقال لهم: كأنكم به ! فبيناهم في ذلك إذ وقف عليهم موسى، فلما رآه الشيخ عرفه بالصفة، فقال له: ما اسمك فقال: موسى. قال: ابن من ؟ قال: ابن عمران. فقام هو والقوم

[ 34 ]

وقبلوا يديه ورجليه، واتخذهم شيعة. ودخل يوما مدينة من مدائن مصر، فإذا رجل من شيعته ينازع رجلا من آل فرعون، فوكزه موسى، فقتله، ونذر به فرعون وآل فرعون وأرادوا قتله، فلما علم ذلك خرج وحيدا على وجهه، حتى صار إلى مدين، وأجر نفسه من شعيب النبي ابن نويب بن عيا بن مدين بن ابراهيم على أن ينكحه إحدى ابنتيه. فلما قضى موسى الاجل سار بامرأته يريد بيت المقدس، على ما قص الله، عزوجل، من خبره في كتابه العزيز، فبينا موسى يسير في طريقه إذ رأى نارا، فقصد نحوها، وخلف أهله، فلما دنا منها إذا شجرة تضطرم من أسفلها إلى أعلاها نارا، فلما دنا منها تأخرت نفسه، ووجل واشتد رعبه، فناداه الله جل وعلا: يا موسى أقبل لا تخف ! إنك من الآمنين. فسكن عنه رعبه، وأمره الله أن يلقي عصاه، فألقاها، فإذا هي حية كالجذع، فأمره الله أن يأخذها، فصارت عصا. وبعثه الله تعالى إلى فرعون، وأمره أن يأتيه، ويدعوه إلى عبادة الله، فعظم ذلك في قلب موسى، فقال الله: إني آمرك إلى عبد من عبيدي بطر نعمتي وأمن مكري، وزعم أنه لا يعرفني، وإني أقسم بعزتي لولا العدل والحجة التي وضعتها بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار تغضب لغضبه السموات والارض. فقال: اللهم اشدد عضدي بأخي هارون، وإني قتلت منهم نفسا، فأخاف أن يقتلون (1) ! فقال له الله: قد فعلت ذلك، فاذهب أنت وأخوك بآياتي، فأخرجا بني إسرائيل ! هذا أوان إخراجي إياهم من الرق والعبودية. فرد موسى امرأته إلى أبيها، وصار إلى فرعون هو وأخوه هارون، وأعلمه ما بعثه الله به، وخبر بني إسرائيل، فعظم سرورهم، وعلموا أن يوسف صدقهم. ثم ساروا إلى باب فرعون، وعليه مدرعة صوف، وفي وسطه حبل ليف، وفي يده عصا، فمنع من الدخول، فضرب الباب بالعصا، فانفتحت الابواب،


1 ان يقتلون: أراد ان يقتلوني، فوقف على النون (*).

[ 35 ]

ثم دخل، فقال لفرعون: أنا رسول رب العالمين، بعثني إليك لتؤمن به، وتبعث معي بني إسرائيل. فأعظم فرعون ذلك، فقال له: إيت بآية نعلم بها صدقك ! فألقى عصاه، فإذا هي ثعبان عظيم قد فتح فاه، وأهوى نحو فرعون، فسأل موسى أن ينحيه عنه، ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها بيضاء من غير سوء برص. وكان فرعون أراد أن يصدقه، فقال له هامان: أما في عبيدك، أيها الملك، من يعمل مثل هذا ؟ فأحضر السحرة من جميع البلاد، وخبروا بخبر موسى، فأقاموا حينا يعملون من جلود البقر حبالا مجوفة وعصيا مجوفة، ويزوقونها، ويصيرون فيها الزيبق، ثم أحموا المواضع التي أرادوا أن يلقوا فيها الحبال والعصي، ثم جلس فرعون، وأحضره، فألقى السحرة حبالهم وعصيهم، فلما حمي الزيبق تحرك، ومشت الحبال والعصي، فألقى موسى عصاه، فأكلت ذلك كله، حتى لم يبق منه شئ، ونكص السحرة، فقتل فرعون من قتل منهم. وبعث الله موسى بآيات إلى فرعون: العصا، ثم اليد التي خرجت من جيبه بيضاء، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم وموت الابكار، فلما اتصل بهم هذا قال له فرعون: إن كشفت عنا الرجز آمنا وأخرجنا معك بني إسرائيل. فكشف الله عنهم، ولم يؤمنوا. وأمر الله موسى أن يخرج بني إسرائيل، فلما أرادوا الخروج طلب جسد يوسف بن يعقوب ليحمله معه، كما أوصى يوسف بني إسرائيل، فأتته شارح بنت آشر بن يعقوب، فقالت: تضمن لي البقاء حتى أدلك عليه ؟ حتى ضمن ذلك لها فصارت به إلى موضع من النيل، فقالت له: هو هاهنا ! فأخذ موسى أربع صفائح ذهب، فصور في واحدة صورة نسر، وأخرى صورة سبع، وأخرى صورة إنسان، وأخرى صورة ثور، وكتب في كل صفيحة اسم الله الاعظم، وألقاها في الماء، فطفا تابوت الحجارة الذي كان فيه جسد يوسف، وبقيت في يد موسى صفيحة واحدة فيها صورة ثور، فوهبها لشارح بنت آشر،

[ 36 ]

وحمل التابوت. وقفل موسى ببني إسرائيل، وهم ستمائة ألف إنسان بالغ، واتبعه فرعون وجنوده، فغرقهم الله جميعا، وكانوا ألف ألف فارس، وقيل هبط جبريل، وفرعون وأصحابه يحاولون الدخول اثرهم، وإذ قد نزل جبريل بعد أن لم يجزع من خيل فرعون فرس واحد، وكان تحت جبريل مهرة، وكان تحت فرعون فرس طويل الذنب، فدخل جبريل البحر، فنظر فرس فرعون إلى مهرة جبريل، فاقتحم اثرها البحر، وتبعه أصحابه فغرقوا كلهم، أعني فرعون وجميع أصحابه، وانطبق البحر عليهم، وصار موسى إلى التيه. وجعل بنو إسرائيل يستعجلونه ليدخل إلى الارض المقدسة، فأوحى الله إلى موسى أنها محرمة عليهم أربعين سنة، فأقاموا في التيه، واشتد بهم العطش، فأوحى الله إلى موسى أن يضرب بعصاه الحجر، فقام موسى مغضبا، فضرب الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين يشربون منها، فأوحى الله إلى موسى أنك ضربت الحجر قبل أن تقدسني، ولم تذكر اسمي، وأنت أيضا فلا تخرج من التيه، وأمره أن يبني فيه قبة الزمان، ويجعل فيها الهيكل، ويجعل في الهيكل تابوت السكينة، ويكون هارون كاهن ذلك الهيكل الذي لا يدخله غيره، فجمع غزول نساء بني إسرائيل، فنسجت، وجمع الحلي، وعمل سرادقا طوله مائة ذراع في صدره الهيكل وفي صدر الهيكل تابوت السكينة. وكان عمله ذلك في السنة الثانية من خروجه من مصر، وجعل فيها مائدة من ذهب، وجعل للقبة أجراس ذهب، وكلل القبة بالجوهر، وجعل فيها مجمرة ذهب للدخنة، وجعل فيها منارة ذهب مكللة بالجوهر، فكان هارون وحده يدخل القبة ويقدس الله، وموسى على الستر، وسائر بني اسرائيل في السرادق. وكانت غمامة تجلل القبة، ولا تبرحها، وأمرهم الله أن يقربوا قربانهم، وقال لموسى: قل لبني إسرائيل يقربون قربانا سليما من العيوب من البقر والغنم، ويجعلون شحم القربان على المذبح، وينضحون الدم أيضا عليه، وما كان من

[ 37 ]

القربان فهو حل لبني هارون خاصة، حرام على غيرهم، ومن أذنب منهم ذنبا، فليقرب قربانا لله عند المذبح على قدر ما يجد بقرا، أو غنما، أو شفنينين، أو فرخي حمام. فأوحى الله عزوجل إلى موسى أن يكتب العشر الآيات في لوحي زمرد، فكتبها على ما أمره الله، وهذه العشر الآيات: قال الله: إني أنا الرب الذي أخرجتك من أرض بيت الرق والعبودية، ولا يكون لك إله آخر دوني، ولا تتخذ تمثالا، ولا صنما مشبها بي من فوق السماء، ولا تحت الارض، ولا تسجد لها، ولا تعبدها من أجل أنا الرب الملك القاهر قاضي ديون الآباء عن الابناء، نقمي على الثلاث والرباع لمبغضي، وأصنع نعمي لمحبي وحافظ وصيتي إلى ألوف الآلاف من المحبين لي، الحافظين لوصيتي. لا تحلف باسم الرب كاذبا لان الله لا يزكي من حلف باسمه كاذبا. واذكر يوم السبت لتطهره، اعمل ستة أيام، واسع في أعمالك كلها، واليوم السابع سبت الرب إلهك لاتعمل فيه شيئا من الاعمال أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك ونعمك وبهائمك والساكن في قراك، لانه في ستة أيام خلق الله السماء والارض والنجوم وجميع ما فرع في السماء، فلهذا بارك الله اليوم السابع وطهره. وأكرم أباك وأمك لتطول أيامك في الارض التي أعطاكها الرب إلهك. ولا تقتل. ولا تزن. ولا تسرق. ولا تشهد على صاحبك شهادة كاذبة. ولا تشته بيت صاحبك ولا زوجة صاحبك، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئا من مال صاحبك. وصعد موسى طور سيناء فأقام أربعين يوما، فكتب التوراة، فاستبطأه بنو

[ 38 ]

إسرائيل، فقالوا لهارون: إن موسى قد ذهب، ولا نظنه يرجع. ثم عمدوا إلى حلي نسائهم، فعملوا منها عجلا مجوفا، وكانت الريح تدخله فتخور فيه، فقال الله لموسى: إن بني إسرائيل قد اتخذوا عجلا وعبدوه من دوني، فدعني أهلكهم. فدعا لهم موسى، وقال: يا رب ! احفظ فيهم ابراهيم وإسحاق ويعقوب، ولا تشمت بهم أهل مصر. وهبط موسى من الجبل بعد أربعين يوما، فلما رأى العجل ورآهم عكوفا عليه، اشتد غضبه، فألقى الالواح، فكسرها، وأخذ برأس أخيه هارون، فنظر إلى العجل يخور، فكسره وسحقه، حتى صيره كالتراب، وذراه في الماء، وقال لبني لاوي: جردوا سيوفكم واقتلوا من قدرتم عليه ممن عبد العجل ! فجرد بنو لاوي سيوفهم، وقتلوا في ساعة واحدة خلقا عظيما، وقال الله لهم: أبيدوا من اتخذ إلها غيري. وأمر الله موسى أن يعد بني إسرائيل، ويجعل على كل سبط رجلا خيرا، فاضلا، وكان عددهم ممن بلغ العشرين سنة، فما فوقها إلى الستين، ممن يحمل السلاح: ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين رجلا، وكان عده إياهم بعد خروجهم من مصر بسنتين، فكان رئيس بني يهوذا نحشون بن عمينذاب، وعدد من معه من سبطه أربعة وسبعون ألفا وستمائة رجل. ورئيس بني يشاجر نثنيل بن صوعر، وعدد من معه أربعة وخمسون ألفا وأربعمائة رجل. ورئيس سبط زبلون الياب بن حيلون، وعدد من معه سبعة وخمسون ألفا وأربعمائة رجل. ورئيس سبط بني روبيل اليصور بن شذياور، وعدد من معه سبعة وأربعون ألفا وخمسمائة رجل. ورأس بني شمعون شلوميال بن صوري شذاي، وعدد من معه تسعة وخمسون ألف رجل وثلاثمائة رجل.

[ 39 ]

ورأس بني كاذ اليسف بن دعوال، وعدد من معه خمسة وأربعون ألفا وستمائة وخمسون رجلا. ورأس بني افرائيم اليشمع بن عميهوذ، وعدد من معه أربعون ألفا وخمسمائة رجل. ورأس بني منشا جمليال بن فداصور، وعدد من معه اثنان وثلاثون ألفا ومائتا رجل. ورأس بني بنيامين ابيذان بن جذعوني، وعدد من معه خمسة وستون ألفا وأربعمائة رجل. ورأس بني دان اخيعازر بن عميشذاي، وعدد من معه اثنان وثلاثون ألفا وسبعمائة رجل. ورأس بني آشر فجعيال بن عنحرن، وعدد من معه أحد وأربعون ألفا وخمسمائة رجل. ورأس سبط نفتالي اخيرع بن عينان، وعدد من معه ثلاثة وخمسون ألفا وأربعمائة رجل. وكان بنو لاوي خدام قبة الزمان وحرسها، فلم يدخلوا معهم، وكانوا مخصوصين بالكرامة والقدس، وخدمة قبة الزمان والتطهير، فهذا عدد بني إسرائيل واسم رئيس كل سبط منهم، وما كان معه من سبط على ما في السفر الرابع من التوراة. وأمر الله، سبحانه، موسى أن يقول لرؤساء أسباط بني إسرائيل أن يقرب كل عظيم منهم قربانا، فكان قربان كل رجل منهم صحفة فضة من مائة وثلاثين مثقالا، ومصفاة فضة من سبعين مثقالا، ومل ء الصحفة سميذ ملتوت بدهن، ومدهن ذهب من عشرة مثاقيل مملوءا طيبا، وثورا، وكبشا، وحملا حوليا، وحولية من المعزى. وكان الذبح الكامل ثورين وخمسة أكبش وخمسة جداء وخمسة حملان حولية.

[ 40 ]

وأمر الله، عزوجل، موسى أن يقول لبني إسرائيل أن يذبحوا بقرة صفراء مسلمة لا عيب فيها، ثم يأخذ دمها فيرشه على حبال قبة الزمان، ثم يحرقها وجلدها، ثم ليأت رجل آخر، فليجمع الرماد، وليصيره في موضع، فإذا أراد أحد أن يطهر، فليجعل في الماء من ذلك الرماد، فيكون طهورا. وأقام موسى وبنو إسرائيل في التيه دهرا، وكان طعامهم المن، وكان المن مثل حب الكسبرة يطحنونه بالارحاء ويجعلونه أرغفة، فيكون طعامهم طيبا أطيب من كل شئ، وكان ينزل عليهم بالليل، ويجمعونه بالنهار، فضجوا وبكوا، وجعلوا يقولون: من يطعمنا لحما ؟ أما تذكرون ما كنا نأكل بمصر من النون، والقثاء، والبطيخ، والكراث، والبصل، والفوم ؟ فاشتد غم موسى لذلك، وجعلوا يقولون: أطعمنا لحما ! فقال موسى: اللهم إني لا أقوى على بني إسرائيل ! فأوحى الله إليه إني مطعمكم لحما، فبعث لهم السلوى، وأعلمهم الله أنه يخرجهم إلى الشأم، فبعث موسى إلى الشأم بيوشع ابن نون وغيره إلى أرض بني كنعان ليأتوه بخبرها، فقالت بنو إسرائيل: لا طاقة لنا بحرب الجبابرة. وأذن الله لموسى أن ينتقم من أهل مدين، فوجه باثني عشر ألف رجل من بني إسرائيل، فقتلوا جميع أهل مدين، وقتلوا ملوكهم، وكانوا خمسة ملوك: أوي، ورقم، وصور، وحور، وربع، وقتل بلعام بن باعور في الحرب، وكان نبيا، فأشار على ملك مدين أن يوجه بالنساء على عسكر بني إسرائيل، حتى يفسدوهم، فغضب موسى من ذلك، فأمر الله موسى أن يقسم تلك الغنائم بين بني إسرائيل، ويأخذ منهم من كل خمسين واحدا، فيجعله لله يدفعه إلى ولد هارون، ثم أمره الله أن يوجه بني إسرائيل إلى الشام يقاتلون من بها، فوجه جيشا عظيما، فجعلوا يسيرون قليلا قليلا، وينزلون، ويقولون: إنا نخاف الجبارين ! فأقاموا بجبل ساعير، فقال الله تعالى لموسى: إن بني إسرائيل عصوا أمري، فليشتروا الطعام بالثمن، وليخضعوا الآن لمن كان يخضع لهم.

[ 41 ]

وكان ذلك بعد أن قتل موسى سيحون ملك الاموري واستباح أرضه. ولما كان في سنة الاربعين من مقامهم في التيه، وهي برية سينا، أوحى الله إلى موسى: إني قابض هارون إلي، فاصعد به الجبل لتأتي ملائكتي فتقبض روحه ! فأخذ موسى بيد هارون أخيه، فلما صعد به الجبل لم يكن معه إلا اليعازر بن هارون، فلما صار على الجبل إذ سرير عليه ثياب، فقال له موسى: البس يا أخي هذه الثياب المطهرة، التي أعدها الله لك، لتلقاه فيها، فلبسها هارون، ثم تمدد على السرير فمات، وصلى عليه موسى. فلما لم ير بنو إسرائيل هارون، ضجوا، وقالوا: أين هارون ؟ قال لهم موسى: قبضه الله إليه، فاضطربوا. وكان هارون محببا فيهم، لين الجانب لهم، فرفعه الله لهم على السرير، حتى رأوا وجهه، فعلموا أنه قد مات، وكانت سنو هارون يومئذ مائة وثلاثا وعشرين سنة، وكان له من الولد أربعة: نادب، واليهو، واليعازر، وايتمر، وتوفي في حياته نادب، واليهو، وبقي اليعازر، وايتمر. وصار اليعازر مكان هارون يقدس في قبة الزمان، ودعا موسى يوشع ابن نون، وقال له: بين يدي بني إسرائيل سر، وشد قلبك، فإنك تدخل ببني إسرائيل إلى أرض بني كنعان التي ورثهم الله، وهذه التوراة ادفعها إلى كهنة بني لاوي، الذين كانوا يقومون بتابوت السكينة، ووقروا مقام الله، واحفظوا وصاياه، التي بينها لكم في التوراة، وأوصاهم أن يتبعوا ما فيها، وبرك عليهم. وكان مما أوصى الله عزوجل به لبني إسرائيل على لسان موسى أن قال لهم: اذكروا اليوم الذي قمتم فيه قدام الله إذ قال الله لي: اجمع هذا الشعب قدامي، فأسمعهم كلامي ليخشوني أيام حياتهم، فقمتم في أسفل الجبل، والجبل يتوقد نارا إلى قلب السماء، وكلمني الله من جوف النار، فسمعتم الصوت، ولم تروا الشبه، وأوصاكم الله أن تتعلموا العشر الآيات، وأوصاني أن أعلمكم

[ 42 ]

السنن والقضاء، فتعملوا بذلك في الارض التي تصيرون إليها، فاحتفظوا بأنفسكم ولا تصنعوا أصناما مما يشبه ذكرا، ولا أنثى، ولا شيئا مما يدب على الارض، ولا مما يكون في البحر، ولا ترفعوا رؤوسكم إلى السماء فتعبدوا النجوم ! إن الله قد أقسم لا أدخل الارض الصالحة، فأنا ميت بهذه الارض، ولست أعبر الاردن، ولكنكم ستعبرون وتصيرون إلى الارض الصالحة، التي جعلها الله لكم ميراثا، فلا تضلوا ميثاق الله ربكم الذي واثقكم به، فتصنعوا الاصنام، ولا تعملوا أعمال السوء قدام إلهكم لو قد صرتم إلى الارض الصالحة، فتوشكوا، إن عصيتم، أن تهلكوا، وتفرقوا بين الشعوب، وإن عبدتم ما تعمله أيدي البشر من خشب وحجارة لا يبصرون، وتدعون، فلا يسمع لكم دعاء، إن الله الرحيم بكم يسمع أصواتكم، وإن من سمع من الله مثل الذي سمعتم، ورأى مثل الذي رأيتم، لا ينبغي أن يعصي الله، قد رأيتم ما صنع الله بأهل مصر، وأنتم تنظرون، فإن الله هو الرب الذي ليس غيره، الذي بصركم ناره، وأسمعكم صوته، وأحب آباءكم فاجتبى خلوفهم، وأهلك لكم قوما كانوا أعظم وأشد منكم، وإن الله سيدخلكم الارض الصالحة، ويجعلها ميراثا لكم، فاحفظوا سننه التي أوصاكم بها وأمركم بها ليحسن إليكم وإلى خلفكم من بعدكم، ويكثر أيامكم في الارض، اقبلوا وصية الله التي أمركم بها لا تزيغوا عنها يمينا ولا شمالا، واسلكوا كل طريق أوصاكم بها ربكم ليحسن إليكم. أحبوا الله من كل قلوبكم ومن همكم ومالكم، وقصوهن على أولادكم، وأتموها، واتلوها في بيوتكم، اجعلوها علامة بين أعينكم، واكتبوها في منازلكم، إن الله سيعطيكم قرى عظاما لم تبنوها، وبيوتا مملوءة من الخير لم تملاوها، وآبارا مطوية لم تحفروها، وكروما، وزيتونا لم تغرسوها، فلا تنسوا الله، واخشوه، واعبدوه، واحلفوا باسمه، ولا تتبعوا إلها آخر. احذروا غضب الله الذي يبيدكم عن وجه الارض، ولا تخونوا الله، واقبلوا أمره، واعملوا خيرا وصدقا.

[ 43 ]

اذكروا إذ كنتم عببدا لفرعون، فأخرجكم الله بيد شديدة، وآيات معجزات عظام ساقت فرعون وأصحابه إلى الهلكة، وأنتم تنظرون. إن الله يقول لكم سأعطيكم البلاد الصالحة وأقدركم على الامم التي بين أيديكم، وأظفركم بالجبارين، والجرشيين، والاموريين، والكنعانيين، والفرازيين، والحوبيين، والنابلسيين، هؤلاء السبع الامم الذين هم أكثر منكم وأشد، فإذا ظفركم الله بهم، فاضربوهم، وارجموهم، ولا ترحموهم، ولا تعطوهم ميثاقا، ولا تنكحوهم بناتكم لكيلا يكونوا لكم عثرة، فيزيغون أولادكم عني، فيعبدون إلها غيري، فيشتد عليكم غضبي، فأبيدكم عاجلا، ولكن اكسروا أصنامهم، واعقروا مذابحهم، واهدموا أنساكهم، وأوقدوها ! إنكم إن سمعتم وصيتي، وعملتم بقضاياي، فسأحفظ لكم نعمكم والميثاق الذي واثقت آباءكم، وأكثركم، وأثمر زرعكم وماشيتكم. اجعلوا لله نصيبا في أموالكم، فواسوا منه اليتيم، والارملة، والمسكين، والضعيف، والساكن معكم الذي لازرع له. إذا قضيتم بين اثنين، فاعدلوا، ولا تأخذوا الرشا، فإن الرشوة تعمي عيون الحكام، ولا تغرسوا شجرة عند مذبح، ولا تذبحوا قربانا فيه عيب من ثور ولا كبش، واقتلوا من يعمل الاصنام التي تعبد من دون الله، وإذا بلغكم أن أحدا يسجد للشمس والقمر والنجوم، أو شئ من الانوار، فافحصوا عنه، فإذا علمتم صحته، فارجموه بالحجارة حتى يموت. ولا تقبلوا في الاحكام الموجبة للقتل شهادة واحد، ولكن شهادة شاهدين، أو ثلاثة، وإذا شهد الشهود على من يجب عليه القتل، فليبد الشهود، فليبسطوا أيديهم إلى الذي يقتل، فإذا أشكل عليكم الحكم، فارجعوا إلى الاحبار والكهان. ومن قتل رجلا خطأ، ولم يرده، فليفر من ولي الدم حتى لا يدركه. ولا تسفكوا دم برئ، أيما رجل قتل رجلا بريئا تعمدا، فليقتل، ولا تقتلوا أحدا حتى تقوم عليه شهادة عند الحبر، والقاضي، فإن وقف القاضي على

[ 44 ]

أن أحدا شهد بزور فعل بالشاهد ما أراد أن يفعله بالمشهود عليه، والنفس بالنفس، والعين بالعين، واليد باليد، والرجل بالرجل. وإذا أردتم قتال قوم فأتيتم قريتهم، فادعوهم إلى السلم، فإن أجابوكم، فاجعلوا عليهم ضريبة، فإن لم يسلموا قتلتم كل من يحمل السلاح، ولا تفسدوا شجرها. وقال الله عزوجل لموسى: إذا خرجت لقتال عدوك، فأمكنك الله منهم، فرأيت في السبي امرأة، وأحببت أن تتخذها لنفسك، فأدخلها إلى بيتك، واكشف عن رأسها، وقص أظفارها، وانزع عنها ثيابها التي سبيت فيها، وأقعدها في بيتك ثلاثة أشهر تبكي على أبيها وأمها، ثم استحلها، فإن كرهتها بعد أن تمسها، فأخرجها، ولا تبعها، ولا تأخذ لها ثمنا بعد أن وقعت عليها. وأيما ابن عصى أباه، ولم يطعه، ولم يقبل أمره، فليخرجه أبوه إلى شيوخ سبعة، فيرجموه حتى يذهب الشر والفظيعة منكم، ويحذر أمثاله من بني إسرائيل. وإذا وجد أحد منكم ضالة قد ضلت من صاحبها من نعجة، أو ثور، أو حمار، فليردها على صاحبها، فإن لم يجده، فليحبسها في بيته حتى يحضر صاحبها. ولا تلبسوا ثوبا منسوجا بقطن وصوف جميعا، واصنعوا خيوطا في أطراف أكسيتكم. وأيما رجل قذف امرأته ورماها بفجور، فلم يصح عليها، فليغرم مائة درهم، وتكون امرأته آخر الدهر، وإن كان ما قذفها به حقا، فلترجم. وأيما رجل وجد يزني بامرأة لها زوج، فليقتلا كلاهما. وأيما رجل غلب امرأة على نفسها، فليقتل الرجل، وأي رجل وقع على جارية تكون في حجر أبيها، فافتضها، وأحبها، فليعط أباها خمسين مثقالا فضة، ولتكن امرأته آخر الدهر، ولا يخل سبيلها.

[ 45 ]

ولا يحل لرجل أن يمس امرأة قد مسها أبوه، ولا ينظر إلى عورتها، ولا يدخل الرجل الجنب مسجدا من مساجد الله، ولا تأكلوا ربا لفضة، ولا ذهب، وإذا نذرتم نذرا، فلا تؤخروا قضاءه، وأوفوا بالعهد، إذا عاهدتم، ولا تنقضوا العهد، فإن الله يحب من وفى بعهده. اعتزلوا من كان به برص، وتباعدوا منه، ولا تحبسوا أجر الاجير، ولا تأخذوا أبا بذنب ابنه، ولا ابنا بذنب أبيه، وأدوا زكاة أموالكم وثمراتكم إلى الحبر قربانا، وأعطوا الفقراء، والارامل، واليتامى، والمساكين، وبني السبيل. وإذا دخلتم الارض الصالحة، فاعملوا مذبحا للقدس من حجارة مستوية، فليقل أحبار بني إسرائيل: ملعون من يضل الاعمى عن الطريق. ملعون من يحيف في القضاء على المساكين، واليتيم، والارملة. ملعون من يضاجع امرأة أبيه. ملعون من يضاجع دابة. ملعون من يضاجع أخته وأمه. ملعون من يضاجع أم امرأته. ملعون من يأكل لحم أخيه سرا. ملعون من يأخذ رشوة في قتل نفس زكية ظلما. ملعون كل من لم يعمل بوصية الله. ثم قال لهم موسى: قد بلغتكم وصايا الله، وعرفتكم أمره، فاتبعوا ذلك، واعملوا به، فقد أتت لي مائة وعشرون سنة، وقد حانت وفاتي، وهذا يوشع ابن نون القيم فيكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا أمره، فإنه يقضي بينكم بالحق، وملعون من خالفه وعصاه. وكانت بين وفاة هارون إلى أن حضرت موسى الوفاة سبعة أشهر، ثم صعد موسى إلى جبل نابون، فنظر إلى الشأم، وقال الله له: هذه الارض التي ضمنت

[ 46 ]

لابراهيم وإسحاق ويعقوب أن أعطيها خلفهم، وقد أريتكها بعينك، ولكنك لن تدخلها ! فمات موسى في ذلك الموضع، فقبره يوشع بن نون، ولم يدر أين قبره. انبياء بني إسرائيل وملوكهم بعد موسى وكان موسى لما حضرته وفاته أمره الله، عزوجل، أن يدخل يوشع بن نون، وكان يوشع بن نون من شعب يوسف بن يعقوب، إلى قبة الزمان، فيقدس عليه، ويضع يده على جسده لتتحول فيه بركته، ويوصيه أن يقوم بعده في بني إسرائيل، ففعل موسى ذلك، فلما مات موسى قام يوشع بعده في بني إسرائيل، ثم خرج من التيه بعد وفاة موسى بيوم، وقال بعض أهل الكتاب: ثلاثين يوما، وصار إلى الشأم، وفيها الجبابرة، ولد عمليق بن لاود بن سام بن نوح، وكان أول من ملك منهم السميدع بن هوبر، فصار من أرض تهامة إلى الشأم يريد غزو بني إسرائيل، فوجه إليه يوشع بن نون من قتله، ثم قام بعده من بني أبيه جماعة، فقتلهم يوشع. وسار يوشع حتى انتهى إلى البلقاء، فلقي رجلا يقال له بالق، وبه سميت البلقاء، فجعلوا يخرجون يقاتلونه، فلا يقتل منهم رجلا واحدا، فسأل عن ذلك، فقيل له: إن في مدينته امرأة منجمة تستقبل الشمس بفرجها، ثم تحسب، فإذا فرغت عرضت عليها الحيل، فلا يخرج يومئذ من حضر أجله، فصلى يوشع ركعتين، ثم دعا أن يؤخر الله الشمس ساعة، فأخرت له ساعة، فاختلط عليها حسابها، فقالت لبالق: انظر ما كانوا يسألونك، فأعطهم، فإن حسابي قد اختلط علي ! قال: تصفحي آلتك، وأخرجي منها، فإنه لا يكون صلح إلا بقتال ! فتصفحت الحيل على غير علم منها لاختلاط الامر عليها، فقتلوا قتلة

[ 47 ]

لم يقتلها قوم، فسألوا يوشع الصلح، فأبى عليهم، حتى يدفعوا إليه المرأة، فقال بالق: لا أدفعها ! فقالت: ادفعني إليه ! فدفعها إليه، وصالح، فقالت له: هل تجد فيما أنزل على صاحبك قتل النساء ؟ قال: لا ! قالت: فإني قد دخلت في دينك. قال: فاسكني في مدينة أخرى ! فأنزلها مدينة أخرى. ولما افتتح يوشع بن نون البلقاء أكثر بنو إسرائيل الزناء، وشرب الخمور، ووقعوا على النساء، وكثرت فيهم الفاحشة، فعظم ذلك على يوشع بن نون، وخوفهم الله، وحذرهم سطوته، فلم يحذروا، فأوحى الله، عزوجل، إلى يوشع بن نون: إن شئت سلطت عليهم عدوهم، وإن شئت أهلكتهم بالسنين، وإن شئت بموت حثيث عجلان. فقال: هم بنو إسرائيل، ولا أحب أن تسلط عليهم عدوهم، ولا يهلكوا بالسنين، ولكن بموت حثيث، فوقع فيهم الطاعون فمات في وقت واحد سبعون ألفا. وكانت أيام يوشع في بني إسرائيل، بعد موسى بن عمران، سبعا وعشرين سنة. ثم كان على بني إسرائيل بعد يوشع بن نون دوشان الكفري، فلبث فيهم ثماني سنين، ثم كان بعد دوشان عثانيل بن قنز، أخي كالب، من سبط يهوذا ابن يعقوب، أربعين سنة، وقد كان كثر ظلم بني إسرائيل وعتوهم، فسلط الله عليهم كوشان جبار مؤاب، فلما ملك عثنايل قتل كوش، وملك أربعين سنة. ثم ارتدت بنو إسرائيل إلى الكفر، فسلط الله عليهم عقلون ملك مؤاب، خمس عشرة سنة، ثم تابوا، فبعث الله لهم رجلا يقال له اهود به جيرا، من سبط افرائيم، فقتل عقلون ملك مؤاب، وكان يقاتل بشماله ويمينه، فلسموه ذا اليمينين، وهو أول من طبع السيوف ذوات الحدين، وكانت قبله ذوات أقفية، وفي زمانه بنيت البنية بالشأم، وفي خمس وعشرين سنة من ملك اهود تم الالف الرابع.

[ 48 ]

ثم ارتدت بنو إسرائيل بعد اهود، فسلط الله عليهم يابين ملك كنعان، عشرين سنة، وكان سمحر بن عانات قد ملك على بني إسرائيل قبل، فقتل من أهل فلسطين ستمائة رجل، ثم إن الله رحمهم، فبعث إليهم رجلا يقال له بارق بن أبي نعم، من سبط نفتالي، فملكهم أربعين سنة. ثم ارتدت بنو إسرائيل إلى الكفر، فسلط الله عليهم أهل مدين سبع سنين، ثم إن الله تعالى رحمهم، فبعث إليهم رجلا يقال له جدعان بن يواس، بن سبط منشى، وكان صالحا، وهو الذي بيت أهل مدين، فقتل منهم مائتي ألف وخمسة وثمانين ألفا، وملكهم أربعين سنة، ثم ملك بعده ابنه ابي ملك بن جد عون، وكان ابن سوء، وهو الذي قتل سبعين أخا كانوا له، فقتلته امرأة، ورمته بحجر من فوق باب المدينة، فشدخته، وكان ملكه ثلاث سنين. ثم ملك تالع بن فواي، من سبط يشاجر، فأقام ثلاثا وعشرين سنة، ثم ملك جلعاد من سبط منشى، وكان له ثلاثون ابنا يركبون معه على ثلاثين مهرا، وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة، ثم ارتدت بنو إسرائيل إلى الكفر، فسلط الله عليهم بني عمون، سبع عشرة سنة، وفي زمانه بنيت مدينة صور بالشأم، وسامهم سوء العذاب. ثم إن الله تعالى رحمهم، فبعث لهم رجلا من أهل جلعاد اسمه يفتح، فقتل من بني اسرائيل من آل افرائيم اثنين وأربعين ألفا، وكان من سبط منشى، وكان ملكه ست سنين، ثم كان عليهم ابيصان الذي يدعى نخشون، سبع سنين، ثم كان عليهم ايلان، من سبط زبولون، عشرين سنة، ثم كان عليهم عكران ثماني سنين، ثم كان عليهم الانكساس، فسامهم سوء العذاب، وسلط عليهم أشد التسليط، أربعين سنة، ثم كان عليهم شمسون عشرين سنة، ثم لبثوا ليس عليهم أحد اثنتي عشرة سنة، ثم كان عليهم عالي الاحباري أربعين سنة. ثم كان عليهم شمويل النبي، وهو الذي ذكره الله تعالى إذ قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، فلما قالوا لشمويل النبي: سل الله أن

[ 49 ]

يبعث لنا ملكا حتى يقاتل عدوه، وقال: إنه لا وفاء لكم، ولا صدق نية، وقالوا: بلى ! قال: فإن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، واسمه شاول، قالوا: والله ما هو من سبط الملك والنبوة، ما هو من ولد لاوي، ولا يهوذا، وإنما هو من سبط بنيامين. قال شمويل: فليس لكم أن تختاروا على الله، فدعا شمويل شاول، وهو طالوت، فقال له: إن الرب أمرني أن أبعثك ملكا على بني إسرائيل، والله يأمرك أن تنتقم من عمليق، فأهلك عمليق وكل ما له، ولا تبق له شيئا من رجل، ولا امرأة، ولاصبي رضيع، ولاعجل، ولا شاة، ولا بعير، ولا حمار. وأوصى الجماعة كلها بهذا، وكان عددهم أربعمائة ألف مقاتل، فأقبل شاول إلى عمليق، فقتل أصحاب عمليق، وأسر اغاغ ملك العمالقة، فأخذه حيا، فاستبقاه، وامتنعوا من إتلاف شئ من البقر، والغنم، وأبقوا لانفسهم، فأوحى الله تعالى إلى شمويل: إن شاول عصاني، ولم يهلك عمليق، وكل ما حواه ملكه. فقال شمويل لشاول: إن الله قد غضب من فعلك ! فدعا شاول باغاغ، فقال: ما أمر الموت ؟ قال: الذبح ! فذبحه، ثم قال شاول لشمويل: امض معي لنسجد بين يدي الله تعالى، فامتنع، فأمسك رداء شمويل فخرقه، فقال شمويل: كذا ينخرق ملكك. وارتفعت النصرة عن شاول، ودخلته ريح سوء، وكان يضطرب، ويتغير لونه، فقال له أصحابه: لو أتيت بإنسان حسن الصوت، من الشعارير، يقرأ عليك، إذا دخلتك هذه الريح السوء ! فأرسل إلى إيشا: ابعث إلي داود ابنك، فبعث به إليه، فكان إذا خنق شاول أخذ داود قيثاره بيده، وتكلم عليها، فيذهب عنه الريح السوء. ثم اجتمع الحنفاء الذين كانوا في وقت شاول، فقاتلهم، وهم عبدة النجوم، وخرج إليهم شاول في جموعه، فخرج منهم رجل طوله خمس أذرع يقال له غلياث، وهو جالوت، فقال: يبرز لي منكم رجل واحد، فقال داود لشاول:

[ 50 ]

أنا أبرز إليه ! فقال لداود: انطلق، والرب يكون معك فأخذ عصا وخمسة أحجار، وخرج إلى غلياث، فلما رآه احتقره، فقال له: إلى كلب خرجت بعصا وحجر ؟ فقال له: إلى أشد من الكلب، ثم أخذ حجرا من مخلاته ورماه به حتى غاب الحجر في جبهة جالوت، وسقط، فسعى إليه داود، فأخذ سيفه، وحز رأسه، وأخذ راجعا، فانهزم عسكر غلياث، واشتد سرور بني يهوذا، فاغتم شاول وحسد داود، فطرده عنه، وصيره رئيسا على ألف، ونفاه بمكان بني يهوذا، وتزوج ميخل بنت شاول. وكان شاول يريد قتل داود، فكان يوجهه يقاتل الحنفاء عبدة النجوم، فيفتح الله عليه، فهم أن يقتله بغير حيلة، فهرب داود، فجاء إلى شمويل النبي، فخبره بخبر شاول، ولم يزل شاول يحاول قتل داود حتى هرب، فمر باخيش ملك جات، فلما رآه عرفه، فتحيل عليه داود حتى أطلقه، فصار إلى سارع، فنزلها. ولما علم شاول أنه قد فاته قتل الكهنة الذين كانوا يقدسون، وقال: قد علمتم به ولم تخبروني، ثم خرج شاول في طلب داود، حتى أدركه، فدخل داود مغارة، فلما صار شاول عند المغارة نزل لحاجته، فدخل المغارة، وهو لا يعلم أن داود فيها، فقام داود، فتوارى، فقال له أصحابه: يا داود اقتله ! فقد أمكنك الله منه. قال: ما كنت لافعل. وتوفي شمويل النبي، فاجتمعت بنو إسرائيل، وأعظموا ذلك، وناحوا عليه ثلاثين يوما. وخرج شاول يقاتل الحنفاء، والتحم القتال بينهم، فهزموا بني إسرائيل، وقتل منهم خلق عظيم، وكان داود بن إيشا يقاتل العماليق مع قومه من ولد يهوذا، فلما انهزم عن شاول جميع بني إسرائيل، قام هو وولده يحارب، ثم قال لصاحبه الذي يحمل سلاحه: خذ سيفك فاقتلني به لئلا يقتلني هؤلاء القلف، ويلعبوا بي، فلم يفعل، فأخذ شاول سيفه، فأقامه، ثم ألقى نفسه عليه، فمات، وقتل أولاده الثلاثة، وكان ملك شاول أربعين سنة.

[ 51 ]

داود ولما مات شاول، وهو طالوت، انصرف داود من قتال عمليق إلى سقلاغ، فأقام بها يومين، ثم أتاه الخبر بموت شاول، فحزن لذلك، وأظهر جزعا، وملك داود على بني يهوذا، وكان لداود عدة نسوة قد ولدن منه أولادا، فكان أكبر أولاده: أمنون، وأمه شيتموم، والثاني دالويا بن اربيخايل، والثالث أباشلوم بن موخا، والرابع ارنيا بن دحات، والخامس سفاطيا بن ابيطال، والسادس ناتان بن اغلا، فهؤلاء الستة من ست نسوة، ولم تلد ميخل بنت شاول، فهربت من داود إلى أصحاب شاول. واجتمعت بنو اسرائيل من الاسباط على تمليك داود، فملكوه بعد سبع سنين ملكها على بني يهوذا خاصة، إلى أن ملكته جميع أسباط بني إسرائيل. ونزل داود مدينة صيون، وهي بيت المقدس، وبنى بها منزلا، وتزوج النساء، فولد له بعد أن ملك: سمون، وسوباب، ونوتان، وسلامان، ويابار، واليشوس، ونافاق، ويافيا، واليشماس، والسنانا (1)، واليفلات، فكثر أولاد داود، وعز ملكه، وأعظمته بنو اسرائيل. وسمع الحنفاء أن داود قد ملك على بني إسرائيل، واجتمعوا لقتاله، فقاتلهم داود، فقتل فيهم قتلا كثيرا، حتى أبادهم، فلما فرغ من قتالهم حمل تابوت السكينة على عجل، حتى أدخله مدينة بيت المقدس، وصنع طعاما لبني اسرائيل، لرجالهم ونسائهم. وكان في ذلك العصر ناتان النبي، فأوحى الله إلى ناتان: قل لعبدي داود: ابن لي بيتا، فقد ملكتك على بني اسرائيل، بعد أن كنت في صيرة الغنم،


1) بدون فقط في الاصل (*).

[ 52 ]

وقتلت أعداءك. فقال ناتان النبي لداود، فعظم في قلب داود، ويقال: إن ناتان كان ابن داود. وقاتل داود الحنفاء فهزمهم، وقاتل أهل مؤاب وهزمهم، وقاتل اددازار ملك سوبا فهزمه، وأخذ له ألف مركب وسبعة آلاف من الخيل. واجتمع أهل الشأم ودمشق مع اددازار ليقاتلوا داود، فقتل منهم اثنين وعشرين ألفا، واستحوذ على الارض، فكان أهل الشأم جميعا عبيدا له، ثم اجتمعوا جميعا على محاربة داود، فوجه إليهم يواب ابن أخته، وابيشا أخاه، ثم خرج داود حتى عبر نهر الاردن، فقتل من القوم أربعين ألفا، وقتل اشان رأس القوم، ثم وجه يؤاب ابن أخته لقتال بني عمون إلى أسافل الشأم، ورجع إلى بيت المقدس، فقام يمشي على سطح له إذ نظر إلى برسبا بنت اليات، امرأة اوريا بن حنان الشطي، فسأل عنها، فأخبر بحالها، وانها امرأة اوريا بن حنان، فوقعت في قلبه، فأرسل إلى أوريا بن حنان، فأقدمه عليه، ثم كتب إلى يؤاب ابن أخته أن قدم اوريا أمام الخيل يحارب، فقدمه يؤاب، فقاتل، فقتل. وأرسل داود إلى امرأته، فتزوجها وأحبلها، فأرسل الله إليه الملكين، على ما قص في كتابه عزوجل، وأرسل إليه ناتان النبي فقال له: يا داود، ألم يأمرك الله أن تعدل في القضاء، وتحكم بالحق، ولا تتبع الهوى ؟ قال: بلى ! قال: فهذان رجلان يسكنان مدينة واحدة أحدهما غني والآخر فقير، وكان للغني مواش وبقر كثيرة، ولم يكن للفقير شئ إلا رخلة واحدة صغيرة رباها، فشبت معه ومع أولاده، فكانت تأكل من طعامه، وتشرب من كأسه، وتنام في حجره. ونزل بالغني ضيف، فلم يأخذ من بقره وغنمه شيئا، وأخذ رخلة الفقير، فهيأها لضيفه، فغضب داود، وقال: أهل أن يموت، ويغرم بتلك الرخلة سبعة أضعاف. فقال ناتان النبي لداود: أنت الرجل الذي فعلت هذا ! إن الرب إلهك يقول لك: أنا الذي جعلتك ملكا على بني إسرائيل، بعد أن كنت راعي غنم، وأنقذتك من يدي شاول، وأعطيتك بيت إسرائيل، وبيت يهوذا،

[ 53 ]

ففعلت هذا، فلانتقمن منك بشر ولدك، ولاسلطنه عليك وعلى نسائك ! فعظم ذلك على داود، فقال له ناتان: إن الله قد تجاوز عن سبيلك، فلن تموت، ولكنه ينتقم منك بشر بنيك، وأعلمه الله أن ولده الذي ولدته المرأة يموت، فجزع داود، واشتد جزعه، واشتكى الصبي، فلما اشتدت علته صام وقام ليصلي ويبكي، ويتمرغ بالشعر على الارض، فلما توفي الصبي أعظم خول داود أن يخبروه بذلك، حتى سمع بوشوشتهم، فعلم، فغسل وجهه، ولبس ثيابه، وجلس في مجلسه، ودعا بطعامه، وقال: إنما كنت أحزن قبل أن يهلك، فأما الساعة، فإن حزني لا يرده إلي بل أنا أذهب إليه. ثم واقع برسبا، فحملت غلاما، فسماه سليمان. ثم إن أبيشالوم بن داود قتل أخاه امنون، وذلك أنه اتهمه بأخت له من أمه، فقتله، وخرج على داود. وكان أبيشالوم عظيم الجسم، كثير الشعر، فبعث إليه داود من رده حتى رجع، ثم خرج عليه ثانية، فهرب منه داود ماشيا على رجليه، حتى صعد عقبة طور سينا، وبلغ منه الجوع حتى لحقه رجل معه خبز وزيت، فأكل منه، ودخل أبيشالوم مدينة أبيه، وصار إلى داره وأخذ سراري أبيه، فوطئهن، وقال: ملكني الله على بني إسرائيل، وخرج ومعه اثنا عشر ألفا، فطلب داود ليقتله، فهرب داود حتى جاز نهر الاردن، فلما جاز اجتمع إليه جماعة من أصحابه ولفيف من القرى، فوجه يؤاب ولده ليحارب أبيشالوم، وقال له: خذه لي حيا صحيحا ! فخرجوا، فحاربوه، وكان أبيشالوم على بغل، فدخل تحت شجرة بطم، فتعلق بها، فاندقت عنقه، ورماه يؤاب بثلاثة أسهم، وطرحه في جب، فلما أتى داود الخبر جزع عليه جزعا شديدا، ورجع داود إلى موضعه. وخرج على داود بعد ذلك ازلا، ومعه جبابرة، فحاربهم، فقتلهم، فلما قتلهم، وأنقذه الله منهم، قام يقدس الله ويسبحه، فقال في تقديسه: إياك يا رب أعبد، ولك أخلص محبتي، فإنك قوتي وعدتي، وملجأي

[ 54 ]

ومخلصي، بعد أن أحاطت بي سكرات الموت، وقربت مني، واحتوت علي أحداث الهلكة، فدعوتك في ضيقي واستعنت بك يا إلهي، فسمعت صوتي فاستنقذتني من الذين اعتوروني واضطهدوني، وكنت ناصري، فأخرجتني من الضيق إلى الفرج، فما أعد لك يا رب، وأنصرك للمتوكلين عليك، لانه لارب غيرك، فألهمني القوة، وبصرني طريق الرشد، وثبت قدمي بين يديك، وشدد ساعدي، ولا تقدر علي أعدائي، وهب لي طاعة بني إسرائيل، وصيرهم خولا خاضعين، وألهمني شكرك. وكان داود إذا سبح الله بهذا الكلام رفع صوتا حسنا لم يسمع مثله، وكان إذا قرأ الزبور قال: طوبى لرجل.. (1) في سبيل الاثمة لم يسلك، وفي مجالس المستهزئين لم يجلس، ولكن هواه سنة الله، وبسننه تعلم الليل والنهار، يكون كشجرة غرست على شط الماء، تؤتي أكلها كل حين، ولا يتناثر ورقها، وليس كذلك المنافقون في القضاء، ولا الخاطئون في مجمع الابرار، من أجل أن الله يعلم سبيل الابرار وسبيل الاثمة يبطل. ثم يقول: سبح لله من في السماء، وليسبحه من في العلى، ولتسبحه ملائكته كلها، ولتسبحه جنوده كلها، ولتسبح له الشمس والقمر، ولتسبح له الكواكب والنور، وليسبح لاسم ربنا الماء الذي فوق السماء، وذلك بأنه قال لكل شئ: كن فكان، وهو خلق كل شئ وبرأه، وجعلهن دائمات الابد، وقدر كل شئ منهن تقديرا، وجعل لهن حدا ومنتهى لا يجاوزنه، فليسبح الله من في الارض، والنار، والبرد، والثلج، والجليد، فإنه خلق الريح العاصف بكلمته. سبحوا الله تسبيحا حديثا في مسجد الصديقين، وليفرح اسرائيل بخالقه، وإن بني صيون يكبرون ربكم، ويسبحون اسمه بالدف، والطبل، والكبر، يكبرونه من أجل أن يسر الله بشريعته، ويعطي المساكين النصر، ليشيد الصديقون


(1) بياض في الاصل (*).

[ 55 ]

بالكرامة، ويسبحون على أسرتهم، ويكبرون الله على حناجرهم، وسيف ذو شفيرتين بأيديهم، لينتصروا على الشعوب ويتعظ الامم فيوثقوا ملوكهم في القيود، وذوي الكرامة بسلاسل من حديد، ليفعل بهم القضاء الذي كتب، والحمد لله لكل الصديقين. سبحوه في مقدسه، سبحوه في سماء عزته، سبحوه بحوله وقوته، سبحوه بعظمته، سبحوه بصوت العزف، سبحوه بالقيتار والكبر، سبحوه بالبرابط والزمر، سبحوه بالاوتار والكبر الطويل الخليلات، سبحوه في صلاصل السمع، سبحوه بالاصوات العلى والنداء، سبحوا ربنا تسبيحا خالصا، كل نفس بنفس. ثم يقول داود في آخر الزبور: إني كنت آخر إخوتي وعبد بيت أبي، وكنت راعي غنم أبي، ويدي تعمل الكبر، وأصابعي تقص المزامير، فمن ذا الذي حدث ربي عني ؟ هو ربي، وهو الذي سمع مني وأرسل إلي ملائكته، فأنزعني من غنم إخوتي، هم أكبر مني وأحسن، فلم يرضهم ربي، فبعثني للقاء جنود جالوت، فلما رأيته يعبد أصنامه أعطاني النصر عليه، فأخذت سيفه، فقطعت رأسه. ثم إن بني إسرائيل وقعوا في داود، فاشتد غضب الله عليهم، فأمر الله داود أن يحصي عدد بني إسرائيل، فأحصاهم، فوجدهم ثماني مائة ألف رجل بطل، وعدد بني يهوذا خمسمائة ألف رجل، فبعث الله حيرام النبي إلى داود، وقال له: قل لداود اختر واحدة من ثلاث: إما أن يكون جوع سبع سنين، وإما أن تدفع إلى أعدائك فيعزونك ثلاثة أشهر، ويطرحونك من سلطانك، وإما أن يكون موت شديد ثلاثة أيام ؟ فضاق داود لذلك، وقال: ربنا أولى بنا من خلقه ! فسلط الله عليهم الموت، فمات في ساعة واحدة سبعون ألف رجل، فقال داود: يا رب ! إني أنا أسأت، فما ذنب هؤلاء الذين يشبهون البهائم ؟ فأوحى الله إليه: أن ابن لي هيكلا في بيدر اليبوساني، فصعد داود

[ 56 ]

الجبل، حتى اشترى البيدر بخمسين استارا، وابتنى هناك مذبحا، فكف الموت عن بني إسرائيل. وكان داود قد أسن وضعف بدنه، وكان له ابن يقال له ادونياس، فاستمال يؤاب صاحب حروب داود وقوما من قواد داود، وقال لهم: قد كبر الملك داود، وأنا أولى أن أقوم مقامه، فلما بلغ داود ذلك أرسل إلى سادوق الكاهن وناتان النبي، وقال لهم: اجمعوا أهل المملكة، واحملوا سليمان ابني على بغلتي، وأجلسوه على منبري، فقد جعله الله رأسا على بني إسرائيل، والله يعظم ملكه، ويرفع شأنه ! فمضوا مع سليمان حتى علا منبر داود، واجتمع عليه أهل المملكة، فقال داود: هكذا أعلمني الله أن يملك سليمان ابني، وعيناي تنظران إليه، وكان سليمان يومئذ ابن اثنتي عشرة سنة. ثم اشتدت على داود علته، فأوصى سليمان، وقال: أنا ماض في سبيل كل أهل الارض. لاتمأن، فاعمل بوصايا الرب إلهك، واحفظ مواثيقه وعهوده ووصاياه التي في التوراة المنزلة على موسى بن عمران. ومات داود وله مائة وعشرون سنة، وكان ملكه أربعين سنة.

[ 57 ]

سليمان بن داود ولما قبض الله، عزوجل، داود قام مكانه سليمان نبيا، وملكا، فسخر الله له الجن والانس، والرياح والسحاب، والطير والسباع، وآتاه ملكا عظيما، كما قص في كتابه العزيز. ومال يؤاب صاحب حروب داود، وقوم من أصحابه، مع إخوة سليمان، ليفسدوا على سليمان ملكه، فقتلهم سليمان من عند آخرهم، وقتل ادونياس أخاه، فصلح الملك لسليمان، وثبت سلطانه، وتزوج بنت فرعون ملك مصر، ودخل بها في بيت داود. وجمع سليمان بني إسرائيل ليقرب قربانا، فقرب ألف ذبيحة، فرأى سليمان في ليلة كأن الرب يقول له: سل ما أحببت لاعطيك ! فقال سليمان: أنت يا رب أنعمت على داود النعمة العظيمة، وصيرت عبدك سليمان ملكا بعده، فأعطني قلبا حكيما لاحكم بين عبادك بالعدل، وأفهم الخير والشر. فقال الله: لانك طلبت هذا الامر، ولم تطلب مالا، ولم تطلب أنفس أعدائك، ولم تطلب طول العمر لكنك طلبت حكمة تفهم بها الحكم والقضاء، فقد استجبت لك، وأعطيتك قلبا فهيما، بصيرا إلى الامر الذي لم يكن لاحد قبلك، ولايكون بعدك مثلك، وأعطيتك ما لم تطلب من الاموال، والعتاق، والكرامة، وأنت إن سلكت في طريقي، وحفظت شرائعي ووصاياي، كما حفظ داود أبوك، أطيل عمرك، وأعظم أمرك. فكان سليمان يجلس للقضاء، ويحكم بين بني إسرائيل، فيعجبون لحكمه، وعدل قضائه، وقوله، وحسن لفظه، وكان لسليمان قواد، ووزراء، وكتاب، ووكلاء، فكان وزيره زابود بن ناتان، وعلى حروبه بنايا بن بويادع، وخازنه

[ 58 ]

أبي شار، وعلى الخراج ادونيرام بن عبدا، وكان له اثنا عشر وكيلا على نفقاته يقوم كل وكيل بنفقة شهر، وكانت نفقاته على أسباط بني إسرائيل، وكانت وظيفته كل يوم ثلاثين كرا من الدقيق السميذ، وستين كرا من دقيق الخشكار، وعشرة ثيران معلوفة، وعشرين ثورا، ومائة كبش، وكان له أربعون ألف أري معلق عليها دوابه، وكان معجبا بالخيل، وقد قص الله من خبره فيها ما قص. وابتدأ سليمان في بناء بيت المقدس، وقال: إن الله أمر أبي داود أن يبني بيتا، وإن داود شغل بالحروب، فأوحى الله إليه أن ابنك سليمان يبني البيت باسمي، فأرسل سليمان في حمل خشب الصنوبر وخشب السرو، ثم بنى بيت المقدس بالحجارة، فأحكمه، ولبسه الخشب من داخل، وجعل الخشب منقوشا، وجعل له هيكلا مذهبا، وفيه آلة الذهب، ثم أصعد تابوت السكينة، فجعله في الهيكل، وكان في التابوت اللوحان اللذان وضعهما موسى. ولما وضع سليمان تابوت السكينة قام بين يدي الهيكل، وقد اجتمعت جموع بني إسرائيل، فسبح الله، وقدسه، وأثنى عليه بآلائه إذ ملكه على بني إسرائيل، وأجرى بناء بيت المقدس على يده، وكان يجتمع إليه بنو إسرائيل، ويقول: تبارك وتعالى الرب الذي وهب الراحة لاسرائيل، وتمت كلماته الصالحة، فلم يسقط شئ منها مما قاله لعبده موسى، ونسأل الله ربنا أن يكون معنا كما كان مع آبائنا، ولا يرفضنا، ولا يخذلنا، بل يقبل بقلوبنا إليه لنسلك الطريق التي يرضاها، ونحفظ سننه، وعهوده، ووصاياه، وأحكامه التي أمر آباءنا بها، ويجعل قولنا قريبا منه، ورضيا عنده، وقلوبنا سالمة له، حافظة لامره. ولما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس عمل عيدا، وقرب فيه الذبائح فأقام أربعة عشر يوما يفعل ذلك، وقد جمع إليه بني إسرائيل، فإذا فرغ من اطعامهم قام، فقدس الله، وسبحه، فلما فرغ أوحى الله إليه: إني قد سمعت صلاتك، ورأيت قربانك، فإن دمت على طاعتي وصلت لك ملكك ولولدك بعدك،

[ 59 ]

فقدست هذا البيت آخر الدهر، وإن حدتم عن أمري، أو نقض أحد منكم عهودي سلبته ملكه، وخربت هذا البيت إلى آخر الابد. وقدمت بلقيس ملكة سبإ على سليمان، وكان من أمرها ما قد قصه الله في كتابه العزيز، ولما قدمت عليه جاءته بجمال موقرة ذهبا وعنبرا، وقالت له: لقد بلغني من أمرك ما لم أصدق به حتى رأيته، ثم انصرفت إلى بلدها. وكان سليمان معجبا بالنساء، فتزوج، فيما يقال، سبعمائة امرأة، فيهن بنت فرعون ملك مصر، وعدة من نساء بني عمون، وعدة من نساء أهل مؤاب جبابرة الشأم، ومن أدوم، ومن الجثانيين، وهم الصيدانيون، ومن الشعوب التي قد كان الله نهى عن مخالطتهم، وكان له سبعمائة، فاتخذت امرأة من نساء سليمان تمثالا على صورة أبيها، فلما رأى ذلك غيرها من نسائه فعلن كفعلها، فعاتب الله سليمان، وقال له: تعبد الاصنام في بيتك، ولا تغضبك ؟ لاسلبنك ملكك، ولانزعن العز من يدك، ولافرقن الاسباط من ولدك، ولكني أحفظ أباك داود فيك، فلا أسلبك الملك بقية عمرك، ولا أسلب جميع الاسباط، ولكني أدع في يدك سبطين لئلا يذهب ذكرك. وإن سليمان لجالس على كرسية المعمول من الذهب، المكلل بالجوهر، إذ انتزع خاتمه من يده، فأخذه شيطان من الشياطين، فوضعه في يده، ونحى سليمان عن كرسيه، وجلس عليه الشيطان، ونزع ثياب سليمان ولبسها، فمر سليمان على وجهه وعليه جبة صوف، وفي يده قصبة، فكان يستطعم، ويقول: أنا ملك بني إسرائيل، سلبني الله ملكي ! فيسخر منه من يسمعه، وينكرون قوله، فكان يقف على الصيادين الذين على البحر، فيطلب منهم ما يطعمونه. وأنكر آصف صاحب سليمان وغيره أمر ذلك الشيطان، ولم يروه يذكر الله، فهرب الشيطان، وطرح الخاتم في البحر، وأقام سليمان مسلوب الملك أربعين يوما، فإنه بعد أن كملت له الاربعون يمشي على شط البحر حائرا،

[ 60 ]

إذ قال له بعض الصيادين: تعال يا مجنون، فخذ هذا الحوت ! فأعطاه حوتا قد تغيرت رائحته، فصار به إلى البحر، فغسله، وشق بطنه، وإذا في داخله حوت آخر، فشق بطن الحوت الآخر، فإذا خاتمه في جوفه، فلبسه، وحمد الله، ورد الله عليه ملكه. وأقام ملكا على بني إسرائيل، وعلى ما وصف الله، جل وعز، من ملكه، وتسخيره له الطير والجن والانس يعملون له أعاجيب الصنعة، ويشيدون له البنيان، ويطيعونه في كل أمره، أربعين سنة، ثم توفي، ودفن إلى جانب قبر داود، وكان لسليمان يوم ملك اثنتا عشرة سنة، فمات وله اثنتان وخمسون سنة.

[ 61 ]

رحبعم بن سليمان والملوك بعده ولما مات سليمان بن داود ملك رحبعم بن سليمان، فاجتمع إليه أسباط بني إسرائيل، وقالوا له: إن أباك قد كان غلظ علينا، واستعبدنا استعبادا شديدا، فخفف أنت الآن عنا ! فقال لهم رحبعم: انصرفوا عني اليوم وجيئوني بعد ثلاثة أيام، فانصرفوا عنه، فاستشار المشيخة من أصحاب أبيه، فقال: ما ترون ؟ قالوا: نرى أن تحسن إجابة بني إسرائيل، وتلين لهم القول، حتى تملكهم بعد اليوم. فترك قول مشيخة بني إسرائيل، واستشار أحداثا نشأوا معه، فقالوا له: نرى أن تغلظ القول لهم ليستقيم لك أمرهم، كما استقام لابيك. فلما كان اليوم الثالث اجتمعوا إليه ليسألوه عما ذكروا له، فقال لهم: إن خنصري أثقل من إبهام أبي. فلما قال لهم هذا انصرفوا عنه، وتفرقوا في قراهم، فلم يبق معه من أسباط بني إسرائيل إلا سبط يهوذا وسبط بنيامين. وملكت الاسباط العشرة عليهم يوربعم بن ناباط، وكان قد هرب من سليمان إلى مصر، فلما اختلفت بنو إسرائيل على رحبعم بن سليمان قدم، وجمع رحبعم ابن سليمان من سبط يهوذا، وسبط بنيامين، ألف رجل يطلب محاربة يوربعم ابن ناباط ومن معه. وأوحى الله إلى سمعيا النبي أن قل لرحبعم ومن معه: لا تحاربوا بني اسرائيل ! فسمعوا قوله، وانصرفوا، وكان ملك رحبعم سبع عشرة سنة. وملك يوربعم بن ناباط على العشرة الاسباط من جبل فاران، فقالت بنو إسرائيل: إنا نريد أن نقرب قرابيننا إلى الله، فكره يوربعم أن يصعدوا إلى بيت المقدس، فيستميلهم آل يهوذا، فيدخلوا في ملكهم، فقال: ليست بكم حاجة إلى الصعود، وأنا أعمل لكم مذبحا، فعمل لهم مذبحا، وصير فيه

[ 62 ]

عجلا من ذهب، وقال: هذه آلهتكم التي أصعدتكم من أرض مصر، واتخذ للعجل أحبارا، وعمل عيدا، وقرب الذبائح للعجل، فأتاه نبي بني إسرائيل، فوعظه، فمد يده إليه فيبست، فقال له: ادع الله أن يرد يدي ! فدعا له النبي، فرجعت يد يوربعم، وأقام يوربعم على طريقه لم يرجع عنها، وأهلك الله يوربعم، وكل من كان معه، وقتله، ودمر عليه، وكان ملكه عشرين سنة. ثم ملك ابيام بن رحبعم، فسلك سبيل أبيه، وأظهر الفواحش، وارتكب القبيح، فبتر الله عمره، وكان ملكه ثلاث سنين، ثم ملك اسا، فأظهر العمل بطاعة الله تعالى، ومنع الزنا، وعاقب عليه وعلى الريب، وأخرج من كان يعبد الاصنام من مملكته، حتى طرد أمه لما بلغه أنها تعبد الاصنام. وفي زمانه صار زارح ملك الحبشة، وأقبل ملك الهند إلى بيت المقدس، فبعث الله عذابا، فأهلك زارح وملك الهند. وكان ملك اسا أربعين سنة، ويقال إن بني إسرائيل أوقدوا من خشب أسلحة أصحاب الهند، لما قتلهم اسا، سبع سنين. ثم ملك بعده ابنه يهوشافط، فسلك سبيل أبيه، وكان ناسكا صديقا، فملك العشرة الاسباط، وكان مرضيا في جميع بني إسرائيل، وكان ملكه خمسا وعشرين سنة. ثم ملك بعده يورام ابنه، فكفر، ورجع قومه إلى عبادة الاصنام، وتزوج امرأة أطغته وأضلته، وكان ملكه أربعين سنة. ثم ملك أحزيا، بعد أبيه، فسلك سبيله، وكان العشرة الاسباط قد اعتزلت، وملكت منهم ملكا يقال له يهو، فحارب احزيا، حتى قتل من قومه مقتلة عظيمة، ثم سلط الله عليهم ملك سورية، ففعل بهم مثل ذلك، وكان ملك احزيا سنة واحدة. ثم ملكت عتلايا بنت عمري، فقتلت ولد داود، حتى لم يبق من نسل داود أحد إلا غلام يقال له يواش، وأخذته امرأة من بني عمه يقال لها يوشبع

[ 63 ]

عمته، وكان يرضع. وأفسدت عتلايا، وأظهرت الفواحش، وأفسدت البلاد، واجتمعت بنو إسرائيل إلى يويدع الاحباري، فاشتكوا إليه الذي تفعل بهم، فاجتمعوا، فقتلوها، وكان ملكها سبع سنين. وملك بعد عتلايا الغلام الذي كان بقي من بني داود، وهو يواش، وكان يوم ملك له سبع سنين، فصلحت أمور بني إسرائيل، وظهر فيهم العدل، وارتفعت الفواحش، وتركوا عبادة الاصنام، ثم ظلم في آخر عمره، واستعمل القتل، حتى قتل أولاد الاحبار، وقتل ولد يويدع الاحباري الذي ملكه، ثم مات وكان ملكه أربعين سنة، وهدم من سور بيت المقدس أربعين ذراعا، وانتهب كل ما كان فيه. ثم ملك بعده أمصيا، وكان يشبه مذهب يواش في أول أمره، ثم ظلم وجار، وكان ملكه سبعا وعشرين سنة. ثم ملك عزيا بن امصيا، وكان في زمانه أشعيا النبي، فأحسن عبادة الله، والعمل بطاعته، غير أنه أخذ المجمر ودخل الهيكل، ولم يكن ذلك يصلح لاحد إلا للاحبار، فعاقبه الله فبرص، وعاقب أشعيا النبي لانه لم ينهه عن ذلك، فنزع الله منه النبوة، حتى مات عزيا، وكان ملكه اثنتين وخمسين سنة. ثم ملك يوتام لما برص أبوه، وكان ملكه ست عشرة سنة. ثم ملك احاز ابنه، فكفر، فعبد الاصنام، فسلط الله عليه تغلتفلسر ملك بابل، فسباه، واستعبده، وضرب عليه الجزية، وأخرب مدينة العشرة الاسباط بفلسطين، وهي سبسطية، وسبى أهلها، فدخل بهم إلى ارض بابل، ثم أرسل إلى المدينة قوما من قبله، فعمروها وبنوها، فهم الذين يدعون السامرة بفلسطين والاردن، فلما سكنوها سلط الله عليهم الاسد، ثم بعث إليهم رجلا من أحبار بني إسرائيل، من ولد هارون، يعلمهم دين بني إسرائيل، فلما دخلوا في دينهم تركهم الاسد، وصاروا سامرة فقالوا: لا نؤمن بنبي إلا

[ 64 ]

بموسى، ولا نعرف إلا ما في التوراة، وجحدوا نبوة داود، وأنكروا البعث والنشور، وامتنعوا من مجالسة الناس والاختلاط بهم، ومن تناول شئ منهم، ومن حمل الموتى، ومن حمل ميتا اعتزل سبعة أيام، يعتزل في الصحراء لا يختلط بهم، ثم يغتسل، وكذلك من تناول شيئا لا يحل له، ولا يؤون الحائض منازلهم، وجعلوا رئيسهم من ولد هارون يسمونه الرئيس، ويتوارثون على التوراة، فليس هم في بقعة من بقاع الارض إلا بجند فلسطين، وكان ملك احاز ست عشرة سنة. ثم ملك بعد احاز حزقيل ابنه، فأحسن عبادة الله تعالى، وكسر الاصنام، وهدم بيوتها، وكان في زمانه سنحاريب بن سراطم ملك بابل، فسار إلى بيت المقدس، فسبى بقية الاسباط، فرشاه حزقيل بثلاثمائة قنطار فضة، وثلاثين قنطار ذهب، على أن ينصرف، فأخذها، ثم غدر، فلما فعل ذلك دعا الله أشعيا النبي وحزقيل على سنحاريب، فأجاب الله دعاءهما، فسلط الله على أصحاب سنحاريب القتل، فقتل منهم في ساعة واحدة مائة ألف وخمسة وثمانين ألفا، فرجع سنحاريب مهزوما، حتى صار إلى بابل، وقتله ولده شر قتلة. وأمر الله سبحانه أشعيا النبي أن يعلم حزقيل أنه ميت، فليوص، فلما أعلمه الله ذلك دعا الله أن يزيد في حياته، حتى يهب له ولدا يملك بعده، فزاد الله في حياته خمس عشرة سنة، حتى ولد له ولد. وفي أيام حزقيل رجعت الشمس نحو مطلعها خمس درجات، وكان ملك حزقيل سبعا وعشرين سنة. ثم ملك بعد حزقيل منشا بن حزقيل، فكفرت بنو إسرائيل في أيامه، وكفر، وعبد الاصنام، وكان شر ملك في بني إسرائيل، وبنى للاصنام مسجدا، واتخذ صنما له اربعة أوجه، فنهاه أشعيا، فأمر به فنشر بالمنشار من رأسه إلى رجليه، فسلط الله على منشا قسطنطين ملك الروم، فحاربه، وأسره، فأقام في الاسر زمانا، ثم تاب إلى ربه، فرده الله إلى ملكه، فكسر الصنم، وهدم بيوت

[ 65 ]

الاصنام، وكان ملكه خمسا وخمسين سنة، وأيام أسره عشرين سنة. ثم ملك أمون بن منشا، فأعاد الاصنام حتى كثرت، وكان ملكه ست عشرة سنة. ثم ملك بعده يوشيا ابنه، فأحسن عبادة الله، وكسر الاصنام، وهدم بيوتها وقتل سدنتها، وأحرقهم، وكان في العدل وحسن عبادة الله تعالى وجميل مذهبه يشبه داود وسليمان، وكان ملكه ثلاثين سنة. ثم ملك يهواخز ابنه ثلاثة أشهر، ثم أسره فرعون الاعرج ملك مصر، ووضع على بلاده الخراج، وصير عليها ملكا من قبله، وأخذ يهواخز، فذهب به إلى مصر فمات هناك. ثم ملك بعده يويقيم أخوه، وهو أبو دانيال النبي، وفي عصره سار بخت نصر ملك بابل إلى بيت المقدس، فقتل في بني إسرائيل، وسباهم، وحملهم إلى أرض بابل، ثم صار إلى أرض مصر، فقتل فرعون الاعرج ملكها. وأخذ بخت نصر التوراة، وما كان في الهيكل من كتب الانبياء، فصيرها في بئر وطرح عليها النار، وكبسها. وكان في ذلك العصر ارميا النبي، فلما علم بقدوم بخت نصر، أخذ تابوت السكينة، فخبأه في مغارة حيث لم يعلم به أحد، ولم ينج من بخت نصر إلا أرميا. وكان عدة من حمل بخت نصر إلى أرض بابل ثمانية عشر ألفا، فيهم ألف نبي، وملكهم يحنيا بن يهوياقيم، فمنهم اليهود الذين بالعراق، ويقال إن ارميا النبي قال: اللهم ! إني لاعلم من عدلك ما لا يعلمه غيري، فعلام سلطت بخت نصر على بني إسرائيل ؟ فأوحى الله إليه: إني إنما أنتقم من عبادي، إذا عصوني، بشرار خلقي. ولم يزل بنو إسرائيل في الاسر تحت يد بخت نصر حتى تزوج امرأة منهم يقال لها ملحات أخت زر بابل، بنت سلتائيل، فسألته أن يرد قومها إلى بلدهم، فلما رجع بنو إسرائيل إلى بلدهم ملكوا عليهم زر بابل، بن سلتائيل، فبنى مدينة

[ 66 ]

بيت المقدس، وبنى الهيكل، وأقام على بنائه ستا وأربعين سنة، وفي زمانه مسخ الله بخت نصر بهيمة أنثى، فلم يزل ينتقل في أجناس البهائم سبع سنين، ثم يقال إنه تاب إلى الله، عزوجل، فأحياه بشرا، ثم مات. وكان زر بابل الذي أخرج التوراة وكتب الانبياء من البئر التي دفنها فيها بخت نصر، فوجدها بجالها لم تحترق، فأعاد نسخ التوراة وكتب الانبياء وسننهم وشرائعهم، وكان أول من رسم هذه الكتب. وكانت شريعة بني إسرائيل توحيد الله، والاقرار بنبوة موسى وهارون ابني عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم خليل الله، وكان صيامهم في كل سنة ستة أيام أولها في رأس السنة، وهم يعدون رأس السنة أول يوم من تشرين، فإذا مضى من تشرين عشرة أيام صاموا يوما واحدا، وهو اليوم الذي نزلت فيه الالواح الثانية على موسى بن عمران. ويصومون لعشر خلون من كانون الآخر يوما واحدا، وهو يوم نجى الله بني إسرائيل من هامان. ويصومون لسبعة عشر يوما من تموز يوما واحدا، وهو اليوم الذي نزل فيه موسى من الطور. ويصومون لتسعة أيام من آب يوما واحدا، وهو اليوم الذي كان فيه خراب بيت المقدس. ويصومون لثلاثة أيام من تشرين، وهو الذي قتل فيه قدريا بن اخيقام. ولهم أربعة أعياد في السنة: عيد الفطير، وهو اليوم الذي خرج فيه موسى ببني إسرائيل من مصر، فحملوا عجينهم، ولم يختمر، فأكلوه فطيرا، وهو لخمسة عشر يوما من نيسان، وأيامه سبعة أيام، ثم عيد لستة عشر يوما يمضي من حزيران، وهو يوم أنزلت التوراة على موسى، فذلك يوم عيد عندهم معظم، ثم عيد أول يوم من تشرين، وهو رأس السنة عندهم، ثم عيد في خمسة عشر يوما من تشرين، وهو عيد المظلة، ومعناها أن الله، عزوجل، أمر موسى أن

[ 67 ]

يأمر بني إسرائيل أن يبنوا عريشا بالسعف والجريد، فهم يقيمون ثمانية أيام يتخذون في كنائسهم ظلالات من السعف والجريد. وصلواتهم ثلاث صلوات: صلاة بالغداة، وصلاة عند غروب الشمس، وصلاة بعد الغروب، فإذا وقف أحدهم للصلاة جمع عقبيه، وجعل يده اليمنى على كتفه اليسرى، ويده اليسرى على كتفه اليمنى، وهو مطرق، يركع خمس ركعات لا يسجد فيهن، ثم يسجد في الآخرة سجدة واحدة، ويسبح بمزامير داود في أول الصلوات، ويقرأ في صلاة المغيب من التوراة، ومعتمدهم في سننهم وشرائعهم على كتب علمائهم، وهي الكتب التي يقال لها.. (1) بالعبرانية، وهي اللغة التي صارت لهم لما عبروا البحر. وسنتهم في مناكحهم ألا يتزوجوا إلا بولي وشاهدين، وأقل مهورهم للبكر مائتا درهم، وللثيب مائة درهم بهذا الوزن لا يكون أقل منه، والطلاق مباح متى كرهوا، ولايكون إلا بشهود. وسنتهم في ذبائحهم ألا يأكلوا ما ذبحه غيرهم، وأن يكون الذي يتولى الذبائح عالما بالشرائع، ثم يأتي بالسكين، كلما أراد أن يذبح بها، إلى الكاهن، فإذا رضي حدها أطلق له الذبح بها، وإلا أمره أن يحدها، أو يأتي بغيرها، فإذا ذبح لم يقربها من حائط تضطرب عليه، فإذا فرغ منها نظر إلى الحلقوم، فإن وجده لم يرغ الغلصمة، ووجد الذبح مستويا لم يؤكل حتى ينظر إلى الرئة، فإن وجد بها عيبا، أو علة، أو شقا، أو بثرة، أو ورما، لم تؤكل الذبيحة، فإن سلمت الرئة نظر إلى الدماغ، فإن وجد فيه علة لم تؤكل، وإن سلم الدماغ نظر إلى القلب، فإن وجد فيه علة لم يأكله، وإن سلم ما في البطون والثرب من الشحم، فلا يأكله، ولا العروق، وأكل ما سوى ذلك. وتاريخهم، على حسابهم، من خراب بيت المقدس، فعلى هذا يحسبون، ولا بد لهم في كل يوم أن يذكروا اليوم الذي خرب فيه بيت المقدس، وكم له إلى يومه ذلك.


(1) بياض في الاصل. (*)

[ 68 ]

المسيح عيسى بن مريم وكانت حنة امرأة عمران قد نذرت إن وهب الله لها ولدا أن تجعله لله، فلما ولدت مريم دفعتها إلى زكرياء بن برخيا بن ؟ لشوا (1) بن نحرائيل بن سهلون بن ارسو بن شويل بن ؟ لعود (2) بن موسى بن عمران، وكان كاهن المذبح، فلم يزل كذلك حتى إذا كملت سبع عشرة سنة بعث الله إليها الملك ليهب لها ولدا زكيا، فكان من خبرها ما قد قصه الله، عزوجل، حتى اشتملت على الحمل، فلما كملت أيامها طرقها المخاض، على ما قال الله، عزوجل، ووصف من حالها وحاله، وكلامه من تحتها، وكلامه في المهد. وكان مولده بقرية يقال لها بيت لحم من قرى فلسطين، وكان ذلك يوم الثلاثاء لاربعة وعشرين يوما خلت من كانون الاول. قال ما شاء الله المنجم: كان الطالع للسنة التي ولد فيها المسيح في الميزان ثماني عشرة درجة، والمشتري في السنبلة إحدى وثلاثين دقيقة راجعا، وزحل في الجدي ست عشرة درجة وثمانيا وعشرين دقيقة، والشمس في الحمل دقيقة، والزهرة في الثور أربع عشرة درجة، والمريخ في الجوزاء إحدى وعشرين درجة وأربعا وأربعين دقيقة، وعطارد في الحمل أربع درجات وسبع عشرة دقيقة. وأما أصحاب الانجيل فلا يقولون إنه تكلم في المهد، ويقولون: إن مريم كانت مسماة برجل يقال له يوسف من ولد داود، وإنها حملت، فلما قرب وضع حملها سار بها إلى بيت لحم، فلما ولدت ردها إلى ناصرة من جبل الجليل، فلما كان في اليوم الثامن ختنه على سنة موسى بن عمران، وقد وصف الحواريون أخبار المسيح، وذكروا حاله، فأثبتنا مقالة واحد واحد منهم، وما وصفوه به. وكان الحواريون اثني عشر من أسباط يعقوب وهم: شمعون بن كنعان


(1 و 2) بلا نقط في الاصل (*).

[ 69 ]

من سبط.. (1) ويعقوب بن زبدى.. (2) ويحيى بن حابر بن فالي من سبط زبلون، وفيلفوس من سبط اشر، ومتى من سبط اشجر بن يعقوب، وسمعي من سبط هرام بن يعقوب، ويهودا من سبط يهوذا بن يعقوب، ويعقوب من سبط يوسف بن يعقوب، ومنشي من سبط روبيل بن يعقوب، وكان دون هؤلاء سبعون رجلا، وكان الاربعة الذين كتبوا الانجيل: متى ومرقس ولوقا ويوحنا، اثنان من هؤلاء الاثني عشر، واثنان من غيرهم. فأما متى فإنه قال في الانجيل في نسب المسيح ايسوع بن داود بن ابراهيم إلى أسفل، حتى انتهى إلى يوسف بن يعقوب بن ماثن بعد اثنين وأربعين أبا، ثم قال: وكان يوسف بعل مريم، وإن المسيح ولد في بيت لحم من قرى فلسطين، وملك فلسطين يومئذ هيرودس، وإن قوما من المجوس ساروا إلى بيت لحم، وعلى رؤوسهم نجم يهتدون به، حتى رأوه، فسجدوا له، وإن هيرودس ملك فلسطين أراد أن يقتل المسيح، وان يوسف أخرجه وأخرج أمه إلى أرض مصر، فلما مات هيرودس رده، فأنزله ناصرة جبل الجليل، وانه لما كمل المسيح وبلغ تسعا وعشرين سنة صار إلى يحيى بن زكرياء ليصطنعه، فقال له يحيى بن زكرياء: أنا أحوج إليك منك إلي ! فقال له المسيح: اترك هذا القول، فإن هكذا ينبغي أن يتم البر، فتركه يحيى، وإن ايسوع خرج بتأييد روح الله إلى البرية فصام أربعين يوما، فاقترب إليه الشيطان، فقال: إن كنت الآن ابن الله فمر هذه الحجارة أن تصير خبزا ! فقال ايسوع: إنه ليس بالخبز وحده يحيا البشر، ولكن بكلمة الله، فحمله، فصيره على جناح الهيكل، ثم قال له الشيطان: فألق نفسك إلى الارض، فإنك إن كنت ابن الله تكنفتك ملائكته. فقال المسيح: إنه مكتوب: لاتجرب الله بك، ثم قال للشيطان: اذهب فأنا لله أسجد وإياه أعبد. فتركه الشيطان وذهب، ثم إن ملائكة الله، عزوجل، اقتربت منه، فجعلوا يخدمونه، ثم إن تلامذته اقتربوا إليه، فجعل يكلمهم بأمثال ووحي،


1 و 2 بياض في الاصل (*).

[ 70 ]

وبغير أمثال. وكان أول ما تكلم به من الانجيل، على ما في إنجيل متى: طوبى للمساكين القانعة قلوبهم بما عند ربهم، بحق إن لهم ملكوت السماء، طوبى للجياع العطاش في طاعة الله، طوبى للصادقين في قولهم، التاركين للكذب، الذين هم ملح الارض ونور العالم. لا تقتلوا، ولا تسخطوا أحدا، وأرضوا من سخط عليكم، وصالحوا خصمكم، ولا تزنوا، ولا تنظروا إلى غير نسائكم، فإن كانت عينكم اليمنى تدعوكم إلى الخيانة، فاقلعوها حتى تنجوا بأبدانكم، ولا تطلقوا نساءكم من غير زنية (1)، ولا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين، ولا بسمائه، ولا بأرضه، ولا تقاوموا الشر، ولكن من لطمك على عارضك الايمن، فأقبل إليه بعارضك الايسر، ومن أراد أن ينزع قميصك، فأعطه أيضا رداءك، ومن سخرك ميلا، فانطلق معه ميلين، ومن سألك فأعطه، ومن استقرضك فأقرضه ولا تحرمه. قد سمعتم أنه قد قيل: أحبب قريبك وابغض عدوك ! أما أنا فإني أقول لكم: أحبوا أعداءكم وصلوا من قطعكم، وافعلوا الخير إلى من بغضكم. إن كنتم تحبون الذين يحبونكم فأي أجر لكم ؟ لا تظهروا صدقاتكم بين أيدي البشر، لاتعلم شمائلكم بما عملت أيمانكم، لاتراؤوا الناس بصلاتكم، وإذا صليتم فادخلوا بيوتكم، وأغلقوا أبوابكم، ولا يسمعكم أحد، وإذا صليتم فقولوا: أبانا الذي في السموات يقدس اسمك، ويأتي ملكوتك، تكون مشيئتك كما في السماء وعلى الارض، خبزنا كفافنا أعطنا اليوم، واترك لنا الذي علينا كمثل ما نترك نحن لغرمائنا، ولا تدخلنا في تجربة يا رب ! ولكن نجنا من الشرير. ولا تظهروا صيامكم للبشر، إذا صمتم لله ربكم، ولا تغيروا وجوهكم ليراكم الناس، فإن ربكم يعلم بحالكم. لا تدخروا الذخائر حيث السوس والارضة الاكلة يفسدن، وحيث اللصوص


1 قوله زنية هكذا في الاصل (*).

[ 71 ]

يحفرون، ولكي تكون ذخائركم عند ربكم الذي في السماء حيث لاسوس يعدو، ولا لص يسرق. ولا تهتموا بمعاشكم، ولا ما تأكلون، ولا ما تشربون، ولا ما تلبسون، وانظروا إلى طير السماء لا يزرعن، ولا يحصدن، ولا يجمعن في البيوت، فإن الله يرزقهن، وأنتم أكرم على الله من الطير. لا تهتموا لاولادكم، فإنهم مثلكم كما خلقتم خلقوا، وكما رزقتم رزقوا. ولا تقل لاخيك أخرج القذى من عينك، وفي عينك أنت جذع، لا تنظروا في عيوب الناس وتدعوا عيوبكم، لا تعطوا القدس ولا اللؤلؤ للخنازير، فتدوسه بأرجلها ! سلوا ربكم يعطكم وابتغوا إليه، فأنكم تجدونه رحيما بكم، واقرعوا بابه يفتح لكم، أما الباب فإنه معرض، والطريق بين، وهو يبلغ الناس التلف، وما أصغر الباب، وأضيق الطريق التي تبلغ الناس النجاة. تحفظوا من أهل الكذب الذين يشبهون الذئاب الضارية، كما لا تستطيعون وتقطفون العنبة من الشوك، ولا التين من الحنظل، هكذا لا تجدون شجرة سوء تخرج نباتا صالحا، ولا شجرة صالحة تخرج ثمرة سوء. كل من يسمع كلامي ثم يفهمه، فإنه يشبه رجلا حليما بنى بيته في مكان صلب شديد، فجاء المطر ودرت الانهار، وارتفعت الرياح.. (1) فسقط البيت. وفي ذلك الزمان كان الملك هيرودس قد أخذ يوحنا فسجنه، وذلك أنه كان يأتي امرأة أخيه فيلفوس، فنهاه يوحنا أن يأتي ذلك، وكان يريد أن يقتله، ويتقي لانهم كانوا يعظمون يوحنا، فقالت له امرأة أخيه: اقتل يوحنا ! فوجه إلى السجن، فقطع رأس يوحنا ووضعه على طبق، واقترب تلاميذه، وأخذوا جثته فقبروها، وجاءوا المسيح فأخبروه، فخرج إلى أرض قفر، وجعل يأمر أصحابه: لا تخبروا أحدا.


(1) بياض في الاصل (*).

[ 72 ]

انجيل مرقس: فأما مرقس فإنه قال في أول إنجيله: ايسوع المسيح ابن الله، كما هو مكتوب في أشعيا النبي: إني مرسل ملاكي قدام وجهك لاصلح سبيلك، وان يحيى بن زكرياء كان يعمد المعمودية للتوبة، وكان لباسه وبر الابل، وكان يشد حقوته بغرفة من جلود، وإن المسيح جاءه من ناصرة الجليل يعمده في الاردن، فلما عمده خرجت روح القدس على الماء كالحمامة، وصوت من السماء ينادي: أنت ابني خليلي الذي بك سررت. وانصرف إلى جبل الجليل، فإذا قوم يصطادون السمك، فيهم شمعون واندراوس، فقال لهما: الحقاني أجعلكما تصطادان البشر ! فمضيا معه، فدخل قرية فأبرأ مرضاها وبرصها، وفتح أعين عميان بها، فاجتمع إليه قوم وجعل يكلمهم بأمثال ووحي، ويقول: بحق أقول لكم، لا تذهب القبيلة حتى يذهب السماء والارض، وكلامي لا يذهب. انجيل لوقا: فأما لوقا فإنه يقول في أول الانجيل: من أجل أن كثيرا من الناس أحبوا أن يكتبوا القصص والامور التي عرفناها رأيته يحق علي أن أكتب شيئا علمته بحقه. إنه كان في أيام هيرودس الملك كاهن يسمى زكرياء من خدام آل ابيا وامرأته من بنات هارون تسمى اليسبع، وكانا جميعا بارين قدام الله، عاملين بوصاياه، غير مقصرين في طاعته، ولم يكن لهما ولد، وكانت اليسبع عاقرا وزكرياء عاقرا، قد كبرت سنهما، فبينا زكرياء يكهن الدخنة، فدخل الهيكل، وجماعة خارج الهيكل، فتراءى لزكرياء ملك الرب قائما عن يمين المذبح، فارتعد زكرياء حين أبصره، وحلت عليه الخشية، فقال له الملك: لا ترهبن يا زكرياء ! فإن الله قد سمع صلواتك، وأجاب دعاءك، فيهب لك ابنا تسميه يحيى، ويكون لك فيه الخير والفرح، ويكون عظيما عند الله، ولا يشرب خمرا، ولا سكرا، ويمتلئ من روح القدس، إذ هو في بطن أمه، ويقبل إلى الله بكثير من آل إسرائيل، ويحل عليه الروح الذي حل على الياء النبي

[ 73 ]

ليقبل بقلوب الآباء على أبنائهم، ويكونوا لله شعبا كاملا. فقال زكرياء للملك: كيف لي أن أعلم هذا، وأنا شيخ، وامرأتي كبيرة السن ؟ فقال له الملك: إني أنا جبريل القائم بين يدي الله، عزوجل، أرسلني لابشرك بهذا، فمن الآن، فكن صامتا لا تتكلم حتى اليوم الذي يكون فيه هذا لانك لم تصدق، ولم تؤمن بقولي الذي يتم في حينه. وكان الشعب قياما ينتظرون زكرياء، ويتعجبون من لبثه في الهيكل، فلما أن خرج لم يقدر أن يكلمهم، فعرفوا، وأيقنوا أنه قد رأى رؤيا في الهيكل، فكان يومئ إليهم إيماء، ولا يتكلم. فلما تمت أيام خدمته انصرف إلى بيته، وحبلت اليسبع امرأته، وأقامت تخفي نفسها أشهرا خمسة، وتقول: هذا الذي صنع إلي الرب في أيام نظره إلي ليمحو عني عاري في البشر. ولما كان في الشهر السادس من حمل امرأة زكرياء أرسل الله جبريل الملك إلى جبل الجليل إلى مدينة تدعى ناصرة، إلى فتاة عذراء مملكة برجل يسمى يوسف من آل داود، اسمها مريم، فدخل إليها الملك، وقال لها: السلام عليك أيتها المملوءة من النعمة، أيتها المباركة في النساء ! فلما رأته فزعت من كلامه، وجعلت تفكر، وتقول: ما هذا السلام ؟ فقال لها الملك: لا ترهبي يا مريم ! قد لاقيت ووافيت عند الله نعمة، بحق إنك تقبلين حبلى، وتلدين ابنا، وسميه ايسوع، ويكون عظيما، وابن الاعلى يدعى، ويعطيه الرب إلهه كرسي داود أبيه، ويملك على آل يعقوب إلى الدهر، ولايكون لملكه فناء، ولا انقطاع. فقالت مريم للملك: كيف يكون هذا، ولم يمسسني رجل ؟ قال لها الملك: روح القدس يحل عليك، وهذا الذي يولد منك قدوس، وابن الله يدعى، وهذه اليسبع نسيبتك، فهي أيضا حبلى بابن، على كبرها، وهذا الشهر هو السادس لتلك التي تدعى عاقرا، لانه لا يعجز الله شئ ! فقالت مريم: إني أمة الله، فليكن لي كما قلت.

[ 74 ]

ودخلت مريم إلى بيت زكرياء، وسألت عن سلامة اليسبع، فلما سمعت امرأة زكرياء كلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلات من روح القدس، قالت لمريم: مباركة أنت في النساء ! بحق إنه لما وقع صوت سلامك في مسمعي، بفرح عظيم ارتكض الجنين في بطني. وولدت اليسبع امرأة زكرياء ابنا، وختنوه يوم الثامن، وسموه يوحنا، ومن ساعته انفتح فوه، وتكلم وبرك الله تعالى، وامتلا زكرياء من روح القدس، وقال: تبارك الرب إله إسرائيل، الذي أبلى شعبه، وأطلقهم بالخلاص، وأقام لنا قرن الخلاص من آل داود، كالذي تكلم على ألسنة أنبيائه الطاهرين. ولما كملت لمريم أيامها صعد بها يوسف إلى جبل الجليل، فولدت ابنها البكر، فلفته في الخرق، وأضجعته في الاري من أجل أنه لم يكن لها مكان حيث كانا نازلين.. (1) فأتاهم ملك الرب، ومجد الله أشرق عليهم، فخافوه خوفا شديدا، وقال لهم ملك الرب: لا تخافوا، ولا تحزنوا ! بحق إني أبشركم بفرح عظيم يعم العالم. ثم نسب المسيح من يوسف إلى آدم، وإنه لما تمت له ثمانية أيام أتوا به ليختنوه كسنة موسى، وسموه ايسوع، وختنوة، وأتوا به إلى الهيكل، وأتوا بذبيحة زوج يمام وفرخي حمام ليقرب عنه، وكان هناك رجل يقال له شمعان من الانبياء، فلما دنوا من المذبح ليقربوا عنه احتمله شمعان، وقال: قد أبصرت عيناي حنانك، يا رب، فمن الآن فتوفني. وكان أهله يصعدونه في كل سنة إلى أورشليم في عيد الفصح، وكان يخدم العظماء، ويعجبون به لما يرون من حكمته. وإن المسيح لما كملت له ثلاثون سنة دخل إلى الهيكل يوم السبت، وقام ليقرأ كعادته، وأعطي سفر أشعيا النبي، ففتح السفر، فوجد فيه مكتوبا: روح الرب علي من أجل ذلك اصطفاني، ومسحني لابشر المساكين، وأرسلني


(1) بياض في الاصل (*).

[ 75 ]

لاشفي المنكسرة قلوبهم، ولابشر المسبيين بالخلاص، والعميان بالبصر، وأن أجبر المنكسر، وأبشر المسئ بالعفو والمغفرة، وأن أبشر بالسنة المتقبلة للرب، وطوى السفر ودفعه إلى الخادم، وتنحى، فجلس، فعجب الناس لفعله، وقالوا: أليس هذا ابن يوسف ؟ انجيل يوحنا: وأما يوحنا السليح، فإنه يقول في أول إنجيله في نسبة المسيح: قبل كل شئ كانت الكلمة، وتلك الكلمة عند الله، والله كان هو الكلمة، هذه كانت قبل كل شئ وكان بها، كانت الحياة، والحياة هو نور البشر، وذلك الضياء في الظلام، والظلام لم يدركه. كان إنسان، كان أرسله الله، اسمه يوحنا، أتى للشهادة ليشهد على النور ليهتدي الناس، ويؤمنوا على يده، ولم يكن هو النور، فإن نور الحق لم يزل يضئ ويبين في العالم، والعالم كان في يده، والعالم لم يعرفه، إلى خاصته أتى وخاصته لم تقبله، فأما الذين قبلوه، وآمنوا به، فأعطاهم الله سلطانا ليكونوا يدعون أبناء الله، أولئك الذين يؤمنون باسمه الذي لا من الدم، ولا هو من هوى اللحم، ولا من شهوة المرء ولد، ولكن من الله ولد، والكلمة صارت لحما وحلت فينا، ورأينا مجدها مجدا كالوحيد الذي من الاب المملوء من النعمة والقسط. ويوحنا شهد عليه ونادى وقال: هذا قلت إنه يأتي من بعدي، وقد كان قبلي من أجل أنه أقدم مني، ومن تمامه كلما نلنا نعمة فاضلة بدل النعمة الاولى، لان التوراة على يد موسى أنزلت، فأما الحق والنعمة فبايسوع المسيح.. (1) الكلمة التي لم تزل في حضن أبيها. فهذا قول الاربعة التلاميذ، أصحاب الانجيل، في نسبة المسيح، ثم وصفوا بعد ذلك ما كان من أخباره، وأنه أبرأ المرضى والبرص، وأقام المقعد، وفتح عيون العميان، وأنه كان له صاحب يقال له العازر في قرية تدعى بيت عنيا،


1) بياض في الاصل. (*)

[ 76 ]

في ناحية بيت المقدس، وأنه مات، فصير في مغارة، فأقام أربعة أيام، ثم جاء المسيح إلى تلك القرية، فخرجت أختان للعازر، فقالتا له: يا سيدنا إن خليلك العازر قد مات، فحزن المسيح عليه، وقال: أين قبره ؟ فأتوا به إلى المغارة وعليها حجر، فقال: نحوا الحجر ! فقالوا: قد نتن منذ أربعة أيام ! فدنا من المغارة، فقال: رب لك الحمد ! إني أعلم أنك تعطي كل شئ، ولكني أقول من أجل الجماعة الواقفة ليؤمنوا ويصدقوا أنك أنت أرسلتني، ثم قال للعازر: قم ! فقام يجر خمارا عليه، ويداه ورجلاه مشدودة، وقد كان معهم قوم من اليهود، فآمنوا به، وأقبلوا ينظرون إلى العازر ويتعجبون منه. فاجتمع عظماء اليهود وأحبارهم، فقالوا: إنا نخاف أن يفسد علينا ديننا ويتبعه الناس، فقال لهم قيافا، رئيس الكهنة: لان يموت رجل واحد خير من أن يذهب الشعب بأسره ! فأجمعوا على قتله. ودخل المسيح إلى أورشليم على حمار، وتلقاه أصحابه بقلوب النخل، وكان يهوذا بن شمعان من أصحاب المسيح، فقال المسيح لاصحابه: إن بعضكم يسلمني ممن يأكل ويشرب معي، يعني يهوذا بن شمعان، ثم جعل يوصي أصحابه، ويقول لهم: قد بلغت الساعة التي يتحول ابن البشر إلى أبيه، وأنا أذهب إلى حيث لا يمكنكم أن تجيئوا معي، فاحفظوا وصيتي، فسيأتيكم الفارقليط يكون معكم نبيا، فإذا أتاكم الفارقليط بروح الحق والصدق، فهو الذي يشهد علي، وإنما كلمتكم بهذا كيما تذكروه إذا أتى حينه، فإني قد قلته لكم، فأما أنا فإني ذاهب إلى من أرسلني، فإذا ما أتى روح الحق يهديكم إلى الحق كله، وينبئكم بالامور البعيدة، ويمدحني، وعن قليل لا تروني. ثم رفع المسيح عينه إلى السماء، وقال: حضرت الساعة ! إني قد مجدتك في الارض، والعمل الذى أمرتني أن أعمله فقد تمته، ثم قال: اللهم إن كان

[ 77 ]

لابد لي من شرب هذه الكأس، فهونها علي، وليس كما أريد يكون، ولكن ما تريد يا رب. ثم مضى المسيح مع تلاميذه إلى المكان الذي يجتمع هو وأصحابه فيه، وكان يهوذا أحد الحواريين يعرف ذلك الموضع، فلما رأى الشرط يطلبون المسيح ساقهم والذين معهم من رسل الكهنة، حتى وقف بهم على الموضع، فخرج إليهم المسيح، فقال لهم: من تريدون ؟ فقالوا: أيسوع الناصري ! فقال لهم ايسوع: أنا هو ! فرجعوا، ثم عادوا، فقال لهم المسيح: أنا ايسوع الناصري، فإن كنتم تريدوني، فانطلقوا بي لتتم الكلمة. وكان مع شمعان الصفا سيف فاخترطه، ثم ضرب عبد سيد الكهنة، فقطع يده اليمنى، فقال المسيح: يا شمعان ! رد السيف إلى غمده، فإني لاأمتنع من شرب الكأس التي أعطاني ربي. فأخذ الشرط المسيح، وأوثقوه، وجاءوا به إلى قيافا رئيس اليهود، الذي كان أشار بقتله. وكان شمعان الصفا يمشي خلفه، فدخل مع الاعوان، فقيل له: أنت من تلاميذ هذا الناصري ؟ قال: لا ! ولما أدخل المسيح على رئيس اليهود جعل يكلمه، والمسيح يجيبه بما لا يفهمه، فضربه بعض الشرط على فكيه، ثم أخرجوا المسيح من عند قيافا إلى فرطورين، فقال له: أنت ملك اليهود ؟ فقال له المسيح: أمن نفسك قلت هذا أم أخبرك آخرون عني ؟ وجعل يكلمه، ويقول: إن ملكي ليس من هذا العالم. ثم ان الشرط أخذوا إكليلا من أرجوان، فوضعوه على رأسه، وجعلوا يضربونه، ثم أخرجوه وعليه ذلك الاكليل، فقال له رؤساء الكهنة: اصلبه ! فقال لهم فيلاطوس: خذوه أنتم فاصلبوه، فأما أنا، فلم أجد عليه علة ! فقالوا: قد وجب عليه الصلب والقتل من اجل انه قال: انه ابن الله، ثم أخرجه، فقال لهم: خذوه أنتم فاصلبوه ! فأخذوا المسيح، وأخرجوه، وحملوه الخشبة التي صلبوه عليها.

[ 78 ]

هذا في إنجيل يوحنا، فأما متى ومرقس ولوقا فيقولون: وضعوا الخشبة التي صلب عليها المسيح على عنق رجل قرناني، وصاروا به إلى موضع يدعى الجمجمة، ويسمى بالعبرانية ايماخاله، وهو الموضع الذي صلب فيه، وصلب معه اثنان آخران: واحد من هذا الجانب، والآخر من هذا الجانب، وكتب فيلاطوس في لوح: هذا ايسوع الناصري، ملك اليهود، فقال له رؤساء الكهنة: اكتب الذي قال انه ملك اليهود ! فقال لهم: ما كتبت، وقد كتبت. ثم إن الشرط اقتسموا ثياب المسيح، وكانت أمه مريم، ومريم بنت قلوفا، ومريم المجدلانية قياما ينظرن إليه، فكلم أمه من فوق الخشبة. وجعل أولئك الشرط يأخذون اسفنجة فيها خل يقربونها إلى أنفه، فيتكرهها، ثم أسلم روحه، فجاءوا إلى ذينك المصلوبين معه، وكسروا سوقهما، وأخذ واحد من الشرط حربة، فطعنه في جنبه، فخرج دم وماء، ثم كلم فيه أحد التلاميذ لفيلاطوس، حتى أنزله، وأخذ حنوطا من مر وصبر، ولفه في ثياب كتان وطيب، فكان في ذلك الموضع جنان، وفيه قبر جديد، فوضعوا المسيح فيه، وكان ذلك يوم الجمعة. فلما كان يوم الاحد، فيما يقول النصارى، بكرت مريم المجدلانية إلى القبر، فلم تجده، فجاءت شمعان الصفا وأصحابه، فأخبرتهم انه ليس في القبر، فمضوا فلم يجدوه، وجاءت مريم ثانية إلى القبر، فرأت في القبر رجلين عليهما ثياب بياض، فقالا لها: لا تبكي ! ثم التفتت خلفها، فرأت المسيح، وكلمها وقال لها: لا تدنين إلي لاني لم أصعد إلى أبي، ولكن انطلقي إلى اخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم، وانه لما كان عشية الاحد جاءهم وقال لهم: السلام معكم ! كما أرسلني أبي كذلك أرسلكم، وان غفرتم ذنوب أحد، فهي مغفورة، فقالوا: هذا الذي يكلمنا روح وخيال ! قال لهم: انظروا إلى آثار المسامير بإصبعي وإلى جانبي الايمن، ثم قال لهم: طوبى للذين لم يروني وصدقوا بي.

[ 79 ]

وجاءوه بقطعة سمك، فأكل، وقال لهم: ان أنتم صدقتم بي، وفعلتم فعلي، يحق ألا تضعوا أيديكم على مريض إلا برئ، ولا يضره الموت. ثم ارتفع عنهم، وكان له ثلاث وثلاثون سنة. هذا ما يقول أصحاب الانجيل وهم يختلفون في كل المعاني. قال الله، عزوجل، ما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شبه لهم، وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن، وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه. ولما رفع عيسى المسيح اجتمع الحواريون إلى أورشليم، في جبل طور الزيتون، وصاروا إلى علية كان فيها بطرس، ويعقوب، ويوحنا، واندراوس، وفيلبس، وتوما، وبرتلموس، ومتاوس، ويعقوب... (1) فقام شمعان على الحجر، فقال: يا معشر الاخوة ! قد كان ينبغي أن يتم الكتاب الذي سبق فيه روح القدس، وأرادوا أن يجعلوا رجلا يتم به الاثنا عشر، فقدموا متى وبرسبا، وقالوا: اللهم اظهر لنا من نختاره ! فوقع على متى، فأصابتهم ريح شديدة، امتلات الغرفة التي كانوا فيها، ورأوا مثل لسان النار، فتكلموا بألسن شتى، ثم قالوا لبطرس: ماذا تصنع ؟ فقال لهم بطرس: قوموا واعمدوا كل انسان منكم باسم المسيح، وتنحوا عن هذه القبيلة المعوجة. وأقام بطرس ويوحنا كلما دخلا الكنيسة ذكرا أمر المسيح، ووصفا فعله، ودعوا الناس إلى عبادته، فأنكر ذلك عليهم اليهود، وأخذوهم، فحبسوهم، ثم أطلقوهم، وقالوا: نختار سبعة رجال يقدسون الله، ويذكرون حكمته ومسيحه، فاختاروا اصطفانس، وفيلبس، وابر حورس، ونيقانور، وطيمون، وبرمنا، ونيقولاوس الانطاكي، وأقاموهم، فصلوا عليهم، وقدسوهم، فجعلوا يصفون أمر المسيح، ويدعون الناس إلى دينهم. وكان بولس أشد الناس عليهم، وأعظمهم ايذاء لهم، وكان يقتل من


(1) بياض في الاصل (*).

[ 80 ]

يقدر عليه منهم، ويطلبهم في كل موضع، فخرج يريد دمشق ليجمع قوما كانوا بها، فسمع صوتا يناديه: يا بولس، كم تضطهدني ! ففزع حتى لم يبصر، ثم جاءه حنانيا، فقدس عليه حتى انصرف، وبرأت عينه، فصار يقوم في الكنائس، فيذكر المسيح، ويقدسه، فأرادت اليهود قتله، فهرب منهم، وصار مع التلامذة يدعو الناس، ويتكلم بمثل ما يتكلمون به، ويظهر الزهد في الدنيا، والتقليل منها، حتى قدمه الحواريون جميعا على أنفسهم، وصيروه رأسهم. وكان يقوم فيتكلم، ويذكر أمر بني إسرائيل والانبياء، ويذكر حال المسيح، ويقول: ميلوا بنا إلى الامم، كما قال الله للمسيح: اني وضعتك نورا للامم، فتصير إخلاصا إلى أقطار الارض، فتكلم كل رجل منهم برأيه، وقالوا: ينبغي أن يحتفظ بناموس، وان يرسل إلى كل بلد من يدعو إلى هذا الدين، وينهاهم عن الذبائح للاوثان، وعن الزنا، وعن أكل الدم. وخرج بولس ومعه رجلان إلى انطاكية ليقيموا دين المعمودية، ثم رجع بولس، وأخذ، فحمل إلى ملك رومية فقام فتكلم، وذكر حال المسيح، فتحالف قوم على قتله لافساده دينهم، وذكره المسيح وتقديسه عليه.

[ 81 ]

ملوك السريانيين وكان أول الملوك بعد الطوفان بارض بابل ملوك السريانيين، فأول من ملك منهم، وعقد التاج على رأسه: شوسان، وكان ملكه ست عشرة سنة، ثم ملك بعده بوير ابنه عشرين سنة، ثم ملك اسماشير بن الول سبع سنين، ثم ملك بعده عمر قيم ابنه عشر سنين، ثم ملك اهريمون ابنه عشر سنين، ثم ملك سمادان ابنه عشر سنين، ثم ملك سبير ابنه ثماني سنين، ثم ملك هريمون ثماني عشرة سنة، وملك ابنه هوريا اثنتين وعشرين سنة، ثم ملك ارود وحلحابيس كلاهما اثنتي عشرة سنة. ملوك الموصل ونينوى وكان أول من ملك منهم بالوس اثنتين وثلاثين سنة، وملك نينوس بن بالوس اثنتين وخمسين سنة، وبنى مدينة نينوى، ثم ملكت امرأة يقال لها شميرم أربعين سنة، ثم ملك لاوسنسر خمسا وأربعين سنة، ثم ملك خمسة عشر ملكا لا تأريخ لهم، ولاقصص.

[ 82 ]

ملوك بابل فكان أول ملوك بابل، بعد السريانيين، نمرود الجبار، فملك تسعا وستين سنة، وملك كودس ثلاثا وأربعين سنة، وملك ارقو عشر سنين، وملك ؟ ولس (1) اثنتين وستين سنة، ثم ملك سميرم اثنتين وأربعين سنة، وملك قوسميس تسعا وستين سنة، وملك انيوس ثلاثين سنة، وملك ليلاوس اثنتي عشرة سنة، وملك اطلوس اثنتين وثلاثين سنة، وملك سفردس ثلاثين سنة، ثم ملك حازم بودس ثلاثين سنة، ثم ملك سعالوس ثلاثين سنة، وملك سبطاس أربعين سنة، وملك اسنطرس أربعين سنة، وملك دمنوطوس خمسا وأربعين سنة، وملك العروس ثلاثين سنة، وملك المقرندوس اثنتين وخمسين سنة، وملك قارنوس (2) ثلاثين سنة، وملك باباوس خمسا وأربعين سنة، وملك شرسبا ادوموس اربعين سنة، وملك دارافوس ثمانيا وثلاثين سنة، وملك لاوبس (3) خمسا وأربعين سنة، وملك قطريس (4) ثلاثين سنة، وملك فرطاوس عشرين سنة، وملك اقرطا (5) ستين سنة، وملك قولا خمسا وثلاثين سنة، وملك بعنطس خمسا وثلاثين سنة، وملك اسعلو سرقم (6) أربع عشرة سنة، وملك اسرعون سبع سنين، وملك قيم حدوم ثلاث سنين، وملك فردوح (7) سبعا وأربعين سنة، وملك سنحاريب إحدى وثلاثين سنة، وملك معرسا ثلاثا وثلاثين سنة، وملك بخت نصر خمسا وأربعين سنة، وملك فرمورج (8) سنة واحدة، وملك سط (9) سفر ستين سنة، وملك ماسوسا ثماني سنين، وملك معوسا سبعة أشهر، وملك داريوش إحدى وثلاثين سنة، وملك كسر حوش عشرين سنة، وملك قرطنان (10)


(1 - 10) بلا نقط في الاصل (*).

[ 83 ]

سبعة أشهر، وملك منحسمت إحدى وأربعين سنة، وملك سعلس سبعة أشهر، وملك داريوش، وهو الذي قتله الاسكندر، تسع عشرة سنة، وملك ارطحشاست سبعا وعشرين سنة. هؤلاء الملوك ملوك الدنيا، وهم الذين شيدوا البنيان، واتخذوا المدن، وعملوا الحصون، وشرفوا القصور، وحفروا الانهار، وغرسوا الاشجار، واستنبطوا المياه، وأثاروا الارضين، واستخرجوا المعادن، وضربوا الدنانير، وصاغوا وكللوا التيجان، وطبعوا السيوف، واتخذوا السلام، وعملوا آلات الحديد، وصنعوا النحاس والرصاص، واتخذوا المكاييل والموازين، واختطوا البلدان، وقلموا الاقاليم، وأسروا الاعداء، واستعبدوا الاسراء، واتخذوا السجون، ووصفوا الازمنة، وسموا الشهور، وتكلموا في الافلاك والبروج والكواكب، وحسبوا، وقضوا بما يدل عليه الاجتماع والافتراق، والتثليث والتربيع، والمجاسدات.

[ 84 ]

ملوك الهند قال أهل العلم: إن أول ملوك الهند الذي اجتمعت عليه كلمتهم: برهمن الملك الذي في زمانه كان البدء الاول، وهو أول من تكلم في النجوم، وأخذ عنه علمها، والكتاب الاول، الذي تسميه الهند: السند هند، وتفسيره دهر الدهور، ومنه اختصر الارجبهر والمجسسطي، ثم اختصروا من الارجبهر الاركند، ومن المجسطي كتاب بطليموس، ثم عملوا من ذلك المختصرات والزيجات وما أشبهها من الحساب، ووضع التسعة الاحرف الهندية التي يخرج منها جميع الحساب والتي لا تدرك معرفتها، وهي: 9 8 7 6 5 4 3 2 1، فالاول منها واحد، وهو عشرة ومائة، وهو ألف، وهو مائة ألف، وهو ألف ألف، وهو عشرة آلاف ألف، وهو مائة ألف ألف، وعلى هذا الحساب ابدأ فصاعدا، والثاني، وهو اثنان، وهو عشرون، وهو مائتان، وهو ألفان، وهو عشرون ألفا، وهو مائتا ألف، وهو ألفا ألف، وعلى هذا الحساب يجري التسعة الاحرف، فصاعدا، غير أن بيت الواحد معروف من العشرة، وكذلك بيت العشرة معروف من المائة، وكذلك كل بيت، وإذا خلا بيت منها يجعل فيه صفر، ويكون الصفر دارة صغيرة. وجعلوا الدنيا سبعة أقاليم: فالاقليم الاول الهند، وحده مما يلي المشرق: البحر، وناحية الصين إلى الديبل مما يلي أرض العراق، إلى خليج البحر مما يلي أرض الهند، إلى أرض الحجاز. والاقليم الثاني: الحجاز، حده: هذا الخليج إلى عدن إلى أرض الحبشة مما يلي أرض مصر، إلى الثعلبية مما يلي أرض العراق. والاقليم الثالث: مصر، حده: مما يلي أرض الحبشة إلى أرض الحجاز،

[ 85 ]

إلى البحر الاخضر مما يلي الجنوب، إلى المغرب، إلى الخليج الذي يلي الروم، إلى نصيبين مما يلي أرض العراق. والاقليم الرابع: وهو العراق، حده مما يلي الهند: الديبل، ومما يلي الحجاز: الثعلبية، ومما يلي أرض مصر والروم: نصيبين، ومما يلي أرض خراسان: نهر بلخ. والاقليم الخامس: الروم، حده مما يلي أرض مصر: الخليج، ومما يلي المغرب: البحر، ومما يلي الترك: يأجوج ومأجوج، ومما يلي أرض العراق: نصيبين. والاقليم السادس: يأجوج ومأجوج، حده مما يلي أرض المغرب: الترك، ومما يلي الخزر: البحر، ومفاوز بينه وبين بحور الشمال، ومما يلي المشرق: أرض نصيبين، ومما يلي خراسان: نهر بلخ. والاقليم السابع: الصين، حده مما يلي المغرب: يأجوج مأجوج، ومما يلي المشرق: البحر، ومما يلي الهند: أرض قشمير، ومما يلي خراسان: نهر بلخ، وقالوا كل اقليم من هذه الاقاليم يسع مائة فرسخ في مثلها. وذكروا أن قطر الارض ألفان ومائة فرسخ، ومدها ستة آلاف وثلاثمائة فرسخ، وأنهم قدروا هذا الفرسخ على ستة عشر ألف ذراع. وذكروا أن الذراع الذي يحيط بأسفل دائرة النجوم، وهو فلك القمر، مائة ألف فرسخ وخمسة وعشرون ألفا وستمائة وأربعة وستون فرسخا، وان قطره من حد رأس الحمل إلى حد رأس الميزان أربعون ألف فرسخ، بتقدير هذه الفراسخ التي قدروا بها الارض، فساعات طول النهار في الاقليم الاول: ثلاث عشرة ساعة، وفي الثاني: ثلاث عشرة ساعة ونصف، وفي الثالث: أربع عشرة ساعة، وفي الرابع: أربع عشرة ساعة ونصف، وفي الخامس: خمس عشرة ساعة، وفي السادس: خمس عشرة ساعة ونصف، وفي السابع: ست عشرة ساعة.

[ 86 ]

وكل مدينة كانت في مقادير طول نهارها في هذا القدر، فهي متوسطة الاقليم الذي هي فيه، وما كان فيما بين هذه الاقدار، فهي من الاقليم الذي هي إليه أقرب في مقدار الساعات، فصار وسط الاقليم الاول، على مسيرة نحو من ثلاثين ليلة من خط الاستواء، بأرض اليمن مدينة سبإ وما والاها إلى المشرق والمغرب، وذلك، فيما دون عدن، أبين بقدر عشرة أيام، ووسط الاقليم الثاني مكة وما والاها من المشرق إلى المغرب، ووسط الاقليم الثالث الاسكندرية وما والاها من ناحية الكوفة والبصرة من المشرق والمغرب، ووسط الاقليم الرابع أصفهان وما والاها مما هو في مثل عرضها من المشرق إلى المغرب، ووسط الاقليم الخامس في اداني أرض مرو وما والاها مما هو في مثل عرضها من المشرق إلى المغرب، ووسط الاقليم السادس برذعة وما والاها مما هو في مثل عرضها ما بين المشرق إلى المغرب، ووسط الاقليم السابع بجبال الترك وما والاها مما هو في مثل عرضها مما بين المشرق والمغرب. وقالت الهند إن الله، عزوجل، خلق الكواكب في أول دقيقة من الحمل، وهو أول يوم من الدنيا، ثم سيرها من ذلك الموضع في أسرع من طرفة العين، فجعل لكل كوكب منها سيرا معلوما حتى يوافي جميعها، في عدة أيام السند هند، إلى ذلك الموضع الذي خلقت فيه كما كانت كهيئتها الاولى، ثم يقضي الله، تبارك وتعالى، ما أحب، فقالوا: ان جميع أيام الدنيا من السند هند، منذ أول ما دارت الكواكب إلى أن تجتمع جميعا في دقيقة الحمل، كما كانت يوم خلقت: ألف ألف ألف ألف، وخمسمائة ألف ألف ألف، وسبعة وسبعون ألف ألف ألف، وسبعمائة ألف ألف، وستة عشر ألف ألف، وأربعمائة ألف، وخمسون ألف يوم، يكون ذلك شهورا ستين ألف ألف ألف، وثماني مائة ألف ألف، وأربعين ألف ألف شهر، ويكون من السنين أربعة آلاف ألف ألف، وثلاثمائة ألف ألف، وعشرين ألف ألف سنة كاملة بسني الشمس على مدارها، والسنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم

[ 87 ]

وخمس ساعات، وجزء من أربعمائة جزء من ساعة. ثم اضطرب أمر الملك بالهند، فأقام زمانا طويلا وهو ممالك مفترقة في البلاد، لكل طائفة مملكة، حتى غزتهم الملوك، فخافوا أن يدخل عليهم الوهن، وكانوا أهل حكمة ومعرفة وعقول مجاوزين بها مقدار غيرهم من الامم، فأجمعوا على تمليك رجل واحد، فملكوا زارح، وكان عظيم الشأن، جليل القدر، فعظم ملكه، وجل سلطانه، حتى سار إلى أرض بابل، ثم تجاوزها إلى ملوك بني إسرائيل، وهو الذي غزا بني إسرائيل، بعد أن مات سليمان ابن داود بعشرين سنة، وملك إسرائيل يومئذ رحبعم بن سليمان، فضجت بنو إسرائيل إلى الله تعالى، فسلط الله على زارح وجيشه الموت، فانصرف إلى بلاده. ومن ملوكهم فور، وهو الذي غزا بلاده الاسكندر لما قتل ملك الفرس، وغلب على أرض العراق وما والاها مما كان في مملكة داريوش، وذلك أنه كتب إليه يأمره بالدخول في طاعته، وكتب إليه فور انه يزحف إليه بالجيوش، فبدر الاسكندر، فصار إلى بلاده، وخرج إليه فور، فحاربه، وأخرج فور الفيلة وكان العلو على الاسكندر، فكانت لا يقف لها شئ، فعمل الاسكندر تماثيل من نحاس، ثم حشاها بالنفط والكبريت، وأشعل النار في داخلها، ثم صيرها على عجل، وألبسها السلاح، ثم قدمها أما الصفوف، فلما تلاقوا دفعتها الرجال إلى الفيلة، فلما قربت حملت عليها الفيلة بخراطيمها، فكانت تلف الخراطيم على ذلك النحاس وهو يلهب فتشتوي، وتنصرف منهزمة، فتفل كراديس الهند، وتهلكهم، ثم دعا الاسكندر فور ملك الهند إلى أن يبارزه، فبرز له، فقتله الاسكندر مبارزة بعدله، واستباح عسكره. ومن ملوكهم كيهن، وكان رجلا حكيما، ذكيا، أديبا، فملكه الاسكندر بعد فور على جميع أرض الهند، وكان كيهن قد استعمل الفكر، فكان أول من قال بالتوهم، وان الطبيعة تنصرف إلى ما تتوهمه، فما توهمت

[ 88 ]

انه ينفعها نفعها وإن كان ضارا، وكان كيهن يأكل البيش، وهو السم القاتل، ثم يتوهم أن على قلبه احمال ثلج، فلا يضره ذلك البيش، حتى احترقت رطوبته، وكان من أصح خلق الله ذهنا، وأحفظه وأذكاه. ومن ملوكهم دبشليم، وهو الذي وضع في عصره كتاب كليلة ودمنة، وكان الذي وضعه بيدبا حكيم من حكمائهم، وجعله أمثالا يعتبر بها، ويتفهمها ذوو العقول، ويتأدبون بها، فكان أول باب منها باب السلطان الذي سعى إليه البغاة بخاصته وأصحابه المقدمين عنده، وكيف ينبغي أن يستعمل الاناة والتثبيت، ولا يعجل بقول السعاية، وهو باب الاسد والثور. الباب الثاني باب الفحس عن الامور، وكيف تكون العواقب فيها، وما يؤدي إليه البغي والتهور والكيد من سوء العاقبة، وهو باب الفحص عن خبر دمنة. الباب الثالث باب الاعداء والتحرز منهم والحيلة لهم، والكلام الذي يكسب العداوة، وما يجب من مداراة الاعداء، وانتهاز الفرصة فيهم عند امكان الامر، والتضرع لهم حتى يمكن الانتقام منهم، وهو باب البوم والغربان. الباب الرابع باب المشاورة للعلماء والاستعانة بأهل الحزم والامانة، وافشاء الامور إلى أهل العقل، وهو باب بلاذ. الباب الخامس باب المعروف وإلى من ينبغي أن يصطنع وكيف يفسده سوء الشكر إذا وضع غير موضعه، وحمله من لا يستحقه، وكيف يعرف موضعه عند أهله الذين يشكرونه، وهو باب السلحفاة والببر والقرد والنجار. الباب السادس باب الظفر بالامر، واضاعته بعد امكانه، والعجز عن حفظه بعد القدرة عليه، وهو باب القدر والغيلم. الباب السابع باب المداراة ومصانعة أهل الشأن، واحتراز مودتهم، واستمالة أهل الانحراف حتى يتخلص من السوء، وهو باب السنور والجرذ. الباب الثامن باب معرفة السلطان بأعوانه وأقربائه وأهل دخلته، واستصلاحه

[ 89 ]

من نالته جفوته منهم، واجتلاب ردئه، والاستعانة على اموره بأهل العفاف والمودة، وتفقد أحوال أعوانه وحاشيته، ومكافأة المحسن، ومعاقبة المسئ على الاساءة، وهو باب الاسد وابن آوى. الباب التاسع باب الاخوان والمتصادقين على صحة موداتهم، ومقدار الاخوان، وعظم النفع بهم، ومعاونتهم على أمور الشدة والرخاء، وهو باب الحمامة المطوقة. الباب العاشر باب طلب نفع الناس بضر النفس، والتفكر في العاقبة، وهو باب اللبؤة والاسوار. وقال بعض علماء الهند ان أهل بلاد الهند تواتر عليهم الموت، حتى ذهب علماؤهم، وضعف الملك، وانه لما ملك هشران طلب من يحيي له شرائع دين آبائه، فأتاه قفلان، وكان داهية، فقال له: ان الناس جزء من الحيوان، وان الحيوان جزء من النامي، وان النامي من الطبائع الاربع التي هي: النار والهواء والارض والماء، وان النامي ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها النبات، وله النمو فقط، والثاني ما يكون في البحر من الاصداف وما أشبهها، وله نمو وحس، والثالث الحيوان البري، وله نمو وحس وحركة، وان الحيوان أقل وأحقر من أن يدبرهم الخالق، وإنما يدبرهم ويصرفهم الفلك. فقال له الملك: أرني صورة ما تقول وبرهانه ! فوضع النرد، وقال: اتفق الناس على أن دور الزمان سنة، ومعناها اثنا عشر شهرا، ومعناها البروج الاثنا عشر، وعلى أن أيام الشهر ثلاثون يوما، ومعناها لكل برج ثلاثون درجة، وعلى أن الايام سبعة، ومعناها الكواكب السبعة السيارة، ثم جعل تشبيها لذلك، فوضع عرصة شبيهة بالسنة، وصير فيها أربعة وعشرين بيتا عدد ساعات الليل والنهار، في كل ناحية اثنا عشر بيتا تشبيها بشهور السنة والبروج، وصير لها ثلاثين كلبا تشبيها بأيام الشهر ودرج البروج، وصير الفصين تشبيها بالليل والنهار، وفي كل فص ست جهات لانه عدد تام له نصف وثلث وسدس،

[ 90 ]

في كل فص، إذا سقط من أعلاه وأسفله، سبع نقط: تحت الست واحدة، وتحت الخمس اثنتان، وتحت الاربع ثلاث، تشبيها بعدد الايام والكواكب السبعة السيارة، وهي: الشمس، والقمر، وزحل، والمشتري، والمريخ، وعطارد، والزهرة، ثم جعلها محنة بين رجلين، وأعطى كل واحد فصا، وقال: من أعطيته هذه السبع النقط من أعلاها أكثر من صاحبه بدأ، فاجتمع له الفصان، فضرب، وما ظهر من الفصين تقلب الكلاب عليه، وجعل ذلك تمثيلا للحظ الذي يناله العاجز بما جرى له الفلك، والحرمان الذي يبتلى به الحازم، على حسب ما يجري له الفلك، فلما ظهر ذلك قبله الملك، وفشا في أهل المملكة، وصار أهل الهند تجري أمورها بما تدبره الكواكب السبعة السيارة. وملك بلهيت وقد غلب على أهل المملكة هذا الدين، وكان له عقل ومعرفة، فلما رأى ما عليه أهل مملكته ساءه ذلك، وبلغ منه، ثم سأل: هل بقي رجل على دين البرهمية ؟ فدل على رجل له عقل ودين، فأرسل إليه، فلما أتاه أكرمه، ورفع درجته، ثم ذكر له ما قد فشا في أهل مملكته، فقال: أيها الملك ! أنا أقيم برهانا اضطربه، ويعرف به فضل الحازم، وموضع تقصير العاجز، واجعلها صورة بين اثنين ليبين فضل الحازم على العاجز، والمجتهد على المقصر، والمحتاط على المضيع، والعالم على الجاهل، فوضع الشطرنج، وتفسيرها بالفارسية هشت رنج، وهشت ثمانية، ورنج صفح، وصيرها ثمانية في ثمانية، فصارت أربعة وستين بيتا، وصيرها اثنين وثلاثين كلبا، مقسومة بين لونين، كل لون ستة عشر كلبا، وقسم الستة عشر على ست صور: فالشاه صورة، والفرز صورة، والفيلان صورة، والرخان صورة، والفرسان صورة، والبيادق صورة، فاشتق ذلك من زوج الزوج، وهو أحسن ما يكون من الحساب لان الاربعة والستين، إذا قسمتها، كان لها نصف، وهو اثنان وثلاثون، وهي عدة جميع الكلام، وإذا نصفت الاثنين والثلاثين كان لها نصف، وهو ستة عشر، وهو ما لكل واحد من الكلاب، وإذا نصفت

[ 91 ]

الستة عشر كان لها نصف، وهو ثمانية، وهي عدة بيادق كل واحد، فإذا نصفت الثمانية كان لها نصف، وهو أربعة، وهو الرخان والفرسان من كل واحد، فإذا نصفت الاربعة كان لها نصف، وهو اثنان، فقد انقسمت أزواجا ولم يبق في القسم بعد الازواج إلا الواحد الذي يقسمها كلها آحادا، وهو ليس بعدد، ولا معدود، ولازوج، ولافرد، لان أول أعداد الفرد ثلاثة. ثم قال الحكيم: ليس شئ أجل من الحرب، لانه يبين فيها فضل التدبير، وفضل الرأي، وفضل الحزم، وفضل الاحتياط، وفضل التعبية، وفضل المكيدة، وفضل الاحبراس، وفضل النجدة، وفضل البأس، وفضل القوة، وفضل الجلد، وفضل الشجاعة، فمن عدم منه شئ من هذا عرف موضع تقصيره لان خطأها لا يستقال، والعجز فيها متلف للمهج، والجهل مبيح للحمى، وترك الحزم ذهاب الملك، وضعف الرأي جلب للعطب، والتقصير سبب للهزيمة، وقلة العلم بالتعبية داعية الانكشاف، وقلة المعرفة بالمكيدة تهور إلى الهلكة، وترك الاحتراس نهزة للعدو، وجعلها على مثال الحرب، فإن أصاب ظفر وإن أخطأ هلك. فلما رأى الملك صحة البرهان، وتبين فضل حكمة الحكيم، وعلم أن قد أصاب وأحسن التمثيل، وأبان عما قد عمي عنه، جمع أهل مملكته، فعرفهم ما كشف الله عنهم من الغم، وأمرهم أن يقيموها ويتأملوها، وقال لهم: قد علمنا أن ليس في العالم حي ناطق، مفكر، ضاحك، عاقل، إلا الانسان، فالانسان عليه مدار جميع ما في العالم، لان الفلك بجميع ما فيه خلقه الخالق للانسان ليعرف به ما يحتاج إليه من زمانه وأوقاته، وكذلك ذلك له جميع ما في الارض، وكل ما خلق الله مما في قعر البحر، وجوه السماء ورؤوس الجبال، فلما ملك الانسان جميع ما خلق قسم ذلك الانسان ثلاثة أقسام فأكل ثلاثا، وسخر ثلاثا، وقتل ثلاثا: فأكل الطير والسمك وما شاء من النعم والابل، وسخر البقر والحمير والدواب، وقتل السباع والحيات والهوام،

[ 92 ]

ثم جعل فيه آلات يعلم بها، ويعقل بها، ويدرك بها، ويفهم، ففضل الناس بعضهم بعضا بالعلم والعقل والفهم. وقد زعم علماء من علماء الهند انه لما ملكت حوسر بنت بلهيت خرج عليها خارجي، وكانت جارية عاقلة، فوجهت ابنا لها، وكان لها أربعة أولاد، فقتل ذلك الخارجي ابنها، فعظم ذلك أهل مملكتها، واشفقوا من إخبارها، فاجتمعوا على حكيم من حكمائهم يقال له قفلان، وكان ذا حكمة وفطنة ورأي، فذكروا ذلك له، فقال: أنظروني ثلاثا ! ففعلوا ذلك، وخلا مفكرا، ثم قال لتلميذ له: احضرني نجارا وخشبا من لونين مختلفين، أبيض وأسود، فأحضره نجارا فارها، وخشبا من لونين مختلفين، أبيض وأسود، فصور صورة الشطرنج، وأمر النجار، فنجرها، ثم قال له: احضرني جلدا مدبوغا ! فأمره أن يخط فيه أربعة وستين بيتا، ففعل ذلك، فنصب ناحية، ثم تجاولا حتى فهماها وأحكماها، ثم قال لتلميذه: هذه حرب بلا ذهاب أنفس. ثم حضره أهل المملكة، فأخرجها لهم، فلما رأوها علموا أنها حكمة لا يهتدي لها أحد، وجعل يجاول تلميذه، فيقع شاه مات، وشاه غلب، فأخبرت الملكة بخبر قفلان، فأحضرته، وأمرته أن يريها حكمته، فأحضر تلميذه، ومعه الشطرنج، فنصبها بينه وبينه، فلعبا فغلب أحدهما صاحبه، فقال: شاه مات ! فانتبهت، وعلمت ما أراداه، وقالت لقفلان: أقتل ابني ؟ قال: أنت قلت ! فقالت لحاجبها: ادخل الناس يعزوني. فلما فرغت أحضرت قفلان وقالت له: سل حاجتك ! فقال: اسأل أن أعطى قمحا بعدد بيوت الشطرنج، أعطى في البيت الاول حبة وفي الثاني اثنتين، ثم يضعف ذلك لي في البيت الثالث على الثاني، ثم على هذا الحساب إلى آخرها. قالت: وما مقدار هذا ؟ ثم أمرت بالحنطة أن تحضر، فلم يقم لذلك شئ حتى أنفدت قموح البلد، ثم قوم القمح بالمال حتى فني المال، فلما كثير ذلك قال: لا حاجة لي به ! ان قليل الدنيا يكفيني.

[ 93 ]

ثم سألته عن عدد الحب الذي سأل، فقال لها: يكون ذلك عددا، وهذا ما في الشطرنج من العدد: السطر الاول مائتان وخمسة وخمسون. الثاني اثنان وثلاثون ألفا وسبعمائة وثمانية وستون. الثالث ثمانية آلاف ألف وثلاثمائة وثمانية وثمانون ألفا وستمائة وثمانية. الرابع ألفا ألف ألف، ومائة وسبعة وأربعون ألف ألف، وأربعمائة وثلاثة وثمانون ألفا، وستمائة وثمانية وأربعون. الخامس خمسمائة وتسعة وأربعون ألف ألف ألف، وسبعمائة وخمسة وخمسون ألف ألف، وثماني مائة ألف، وثلاثة عشر ألفا، وثماني مائة وثمانية وثمانون. السادس مائة وأربعون ألف ألف ألف، وسبعمائة وسبعة وثلاثون ألف ألف ألف، وأربعمائة وثمانية وثمانون ألف ألف، وثلاثمائة وخمسة وخمسون ألفا، وثلاثمائة وثمانية وعشرون. السابع ستة وثلاثون ألف ألف ألف ألف ألف، وثمانية وعشرون ألف ألف ألف ألف، وسبعمائة وسبعة وتسعون ألف ألف ألف، وثمانية عشر ألف ألف، وتسعمائة وثلاثة وستون ألفا، وتسعمائة وثمانية وستون. الثامن تسعة آلاف ألف ألف ألف ألف ألف، ومائتان وثلاثة وعشرون ألف ألف ألف ألف ألف، وثلاثمائة واثنان وسبعون ألف ألف ألف ألف، وستة وثلاثون ألف ألف ألف، وثماني مائة وأربعة وخمسون ألف ألف، وسبعمائة وخمسة وسبعون ألفا، وثماني مائة وثمانية، يكون جميع ذلك في الشطرنج الثمانية ثمانية عشر ألف ألف ألف ألف ألف ألف، وأربعمائة وستة وأربعين ألف ألف ألف ألف ألف، وسبعمائة وأربعة وأربعين ألف ألف ألف ألف، وثلاثة وسبعين ألف ألف ألف، وسبعمائة وتسعة آلاف ألف وخمسمائة وواحدا وخمسين ألفا وستمائة وخمسة عشر. ومنهم كوش الملك الذي كان في زمان سندباذ الحكيم، وكوش هذا وضع