الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 تاريخ المدينة - ابن شبة النميري ج 3

تاريخ المدينة

ابن شبة النميري ج 3


[ 783 ]

كتاب تاريخ المدينة المنورة لابن شبه أبو زيد عمر بن شبه النميري البصري 173 ه‍ - 262 ه‍ - من منشورات دار الفكر الجزء الثالث حققه فهيم محمد شلتوت

[ 784 ]

تاريخ الطبع: 1410 ق 1368 ش بسم الله الرحمن الرحيم هذا هو الجزء الثالث من تاريخ المدينة المنورة لابن شبة - رحمه الله - ويجد القارئ الكريم في الصفحة 952 أخبار عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ونحب أن نشير للقارئ الكريم إلى أن الفهارس العامة لهذا المؤلف ستكون في الجزء الاخير متتابعة ومفصلة، بإذن الله تعالى

[ 785 ]

(حبس عمر رضي الله عنه الحطيئة في هجائه الزبرقان بن بدر) * حدثنا الصلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك عن عبد العزيز بن أبي سلمة: أن عمر رضي الله عنه حبس الحطيئة (1) فقال: ماذا تقول لافراخ بذي مرخ (2) * حمر الحواصل لا ماء ولا شجر (3) ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة * فاغفر هداك مليك الناس يا عمر (4) أنت الامام الذي من بعد صاحبه * ألقى إليك مقاليد النهى البشر لم يؤثروك بها إذ قدموك لها * لكن لانفسهم كانت بك الاثر * حدثنا أحمد بن معاوية، عن أبي عبد الرحمن الطائي، عن ابن عياش، عن الشعبي قال: شهدت زيادا أتاه عامر بن مسعود بأبي علاثة (5) التيمي فقال: إنه هجاني فقال: وما قال لك ؟ قال: قال لي: وكيف أرجي ثروها ونماءها * وقد سار فيها خصية الكلب عامر فقال أبوعلاثة: ليس هكذا قلت. قال: فكيف قلت ؟ قال: قلت: وإني لارجو ثروها ونماءها * وقد سار فيها ناجذ الحق عامر


(1) انظر ترجمته وأخباره في الاغاني 2: 43 ط بولاق - (2) ذو مرخ: واد بالحجاز (سيرة عمر 2: 518) وفي مراصد الاطلاع 3: 1256 واد بين فدك والوابشية كثير الشجر. (3) في الاغاني 2: 54 ط بولاق، وسيرة عمر 2: 508 " زغب الحواصل ". (4) في المرجعين السابقين " فاغفر عليك سلام الله يا عمر ". (5) في الاصل " بأبي علاقة " والتصويب عن الاغاني 2: 55 ط. بولاق. (*)

[ 786 ]

فقال (زياد: قاتل الله الشاعر ينقل لسانه كيف يشاء (1)) والله لو لا أن تكون سنة لقطعت لسانه، فقام قيس بن فهد الانصاري فقال: أصلح الله الامير، والله لا أدري ممن الرجل، فإن شئت حدثتك ما سمعت عن عمر (2) رضي الله عنه، قال: وكان يعجب زيادا أن يسمع الحديث عن عمر رضي الله عنه، فقال: هات، فقال: شهدته وقد أتاه الزبرقان بن بدر بالحطيئة فقال إنه هجاني، فقال: وما قال لك ؟ فقال: قال: دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فقال: ما أسمع هجاء، ولكنها معاتبة جميلة. فقال الزبرقان: وما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس ! ! (والله يا أمير المؤمنين ما هجيت ببيت قط أشد علي منه، سل ابن الفريعة - يعني حسان ابن ثابت (3) فقال عمر رضي الله عنه: علي بحسان. فجئ به فسأله عمر رضي الله عنه، فقال: لم يهجه ولكن سلح عليه. ويقال - وليس بهذا الاسناد - إنه سأل لبيد بن ربيعة: أهجاه أم لا ؟ فقال: ما يسرني أنه لحقني ما لحقه من هذا الشعر. وأن لي حمر النعم. رجع إلى الاسناد الاول - قال: فأمر به عمر رضي الله عنه فجعل


(1) سقط في الاصل. والمثبت عن الاغاني 2: 55 ط بولاق. والخبر فيه مروي عن ابن شبة عن أحمد بن معاوية عن أبي عبد الرحمن الطائي.. الخ. (2) كذا في الاصل. وفي الاغاني 2: 55 " من الرجل - فإن شئت حدثتك عن عمر بما سمعت منه ". (3) ما بين الحاصرتين سقط في الاصل، والمثبت عن سيرة عمر 2: 507. (*)

[ 787 ]

في نقير في بئر، ثم ألقى عليه حفصة (1)، فقال الحطيئة: ماذا تقول لافراخ بذي مرخ * حمر الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة * فاغفر عليك سلام الله يا عمر قال فأخرجه، وقال: إياك وهجاء الناس. قال: إذن تموت عيالي جوعا، هذا كسبي ومنه معاشي، قال: فإياك والمقذع من القول. قال: وما المقذع ؟ قال: أن تخاير بين الناس فتقول فلان خير من فلان (وآل فلان خير من آل فلان (2))، قال: أنت والله أهجى مني، قال: ويقال إن عمر رضي الله عنه قال: والله لو لا أن تكون سنة لقطعت لسانك، ولكن اذهب فأنت له (خذه يا زبرقان (3) فألقى الزبرقان في عنقه عمامته فاقتاده بها. وعارضته غطفان فقالوا: أبا شذرة (4) إخوتك وبنو عمك هبه لنا فوهبه لهم. * وبلغني أن ابن الحمامة (5) هو هوذة رجل من سليم، كان في العطاء أيام عمر رضي الله عنه فحضر ليأخذ عطاءه فدعي رجال من قومه قبله فقال:


(1) الحفص: زبيل من جلود، وقيل زبيل صغير من أدم تتقى به الآبار (أقرب الموارد). (2) سقط في الاصل، والمثبت عن الاغاني 2: 55 ط بولاق. (3) ما بين الحاصرتين من الاغاني 2: 55 ط بولاق. (4) هو كنية الزبرقان بن بدر (الاغاني 2: 56 ط بولاق، تاج العروس 3: 294) وفي أسد الغابة 2: 194 " أبو سورة " بالمهملة. (5) هو هوذة بن الحارث بن بحرة بن عبد الله نفطة بن عصبة بن خفاف من امرئ القيس بن بهثة بن سليم السلمي - ذكره الطبري وابن شاهين في الصحابة، قال: أسلم هوذة بن الحارث وشهد فتح مكة، وهو القائل لعمر في مخاصمته هذه الابيات (الاصابة 3: 579 - أسد الغابة 5: 74). (*)

[ 788 ]

لقد دار هذا الامر في غير أهله * فأبصر إمام الحي كيف تريد أيدعى خثيم والشريد أمامنا * ويدعى رياح قبلنا وطرود فإن كان هذا في الكتاب فهم إذا * ملوك بني حر ونحن عبيد فبلغ شعره عمر رضي الله عنه فدعاه فسأله عن حاله، فأخبره أن عليه دينا فأعانه على دينه من ماله، فكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه (كلما (1)) ذاكر أباه دعاه به على غير اسمه فقال: يا بني اتق ألسن الشعراء، وكان ابن الحمامة هذا وقف على الحطيئة وهما لا يتعارفان، والحطيئة في خباء له وهو يأكل، فسلم عليه فقال الحطيئة: قلت مالا ينكر، قال: إن الشمس قد أحرقتني، فقال ادن من الجبل يفئ عليك، قال: إن الرمضاء قد أحرقت قدمي، قال: بل في موضعهما تبردان، قال: إن رأيت أن تطعمني من طعامك، قال: إن فضل شئ كنت أحق به من الكلب، قال: أتعرفني ؟ قال: لا، قال: أنا ابن الحمامة، قال: كن ابن أي طير الله شئت (2). * حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن ربعي بن حراش قال: قال لنا عمر رضي الله عنه: يا معشر غطفان: أي شعرائكم الذي يقول: أتيتك عاريا خلقا ثيابي * على خوف تظن بي الظنون فألقيت الامارة لم تخنها * كذلك كان نوح لا يخون (3)


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) وانظر أخبار ابن الحمامة في مختار الاغاني 4: 81، والاغاني 12: 297 ط دار الكتب. والخبر فيها مع أبي الاسود الدؤلي. (3) وانظر ديوان النابغة ص 150 ط بيروت، وسيرة عمر 2: 511. (*)

[ 789 ]

قلنا: النابغة، قال هو أشعر شعرائكم. * حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا شريك، عن مجالد، عن الشعبي قال: ذكروا الشعراء عند عمر رضي الله عنه. فقال: أيهم يقول: فذكر البيتين، قالوا: النابغة. قال: هو أشعر شعرائكم. * حدثنا عبيد بن جناب قال، حدثنا معن بن عبد الرحمن ابن عيسي بن عبد الرحمن السلمي، عن جده، عن الشعبي قال: ذكر الشعراء عند عمر رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه: من أشعر الناس ؟ فقالوا: أنت أعلم يا أمير المؤمنين، فقال: من الذي يقول: إلا سليمان إذ قال الاله له * قم في البرية فاحددها عن الفند (1) وخيس الجن إني قد أذنت لهم * يبنون تدمر بالصفاح والعمد (2) قالوا: النابغة. قال: فمن الذي يقول: أتيتك عاريا خلقا ثيابي... فذكر البيتين. قالوا: النابغة. قال فمن الذي يقول: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء الله للمرء مذهب قالوا: النابغة. قال: فهو أشعر العرب.


(1) احددها: امنعها - الفند: الخطأ. (2) خيس: ذلل يقال خيس أنفه إذا أذله. تدمر: مدينة بالبرية على طريق الشام، يقال بنتها الجن لسليمان. الصفاح: حجارة كبيرة - العمد: الاعمدة. (معجم ما استعجم ص 194 - ديوان النابغة ص 45، 67 ط بيرون - سيرة عمر 2: 510 - أقرب الموارد). (*)

[ 790 ]

* حدثنا عبد الله بن عمر قال، حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن عبد الله بن أبي شقيق، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال لي عمر رضي الله عنه: أنشدني لشاعر الشعراء. قلت: ومن شاعر الشعراء يا أمير المؤمنين ؟ قال: أوما تعرفه ؟ قلت: لا. قال: هو زهير، أليس هو الذي يقول: إذا ابتدرت قيس بن غيلان غاية * من المجد من يسبق إليها يسود قال: فأنشدته حتى برق الفجر، فقال: إيها، الآن اقرأ. قلت: وما أقرء ؟ قال (إذا وقعت الواقعة (1). * حدثنا عثمان قال، حدثنا خالد - يعني ابن عبد الله (بن عبد الرحمن بن يزيد المزني (2)) قال، حدثنا بيان (بن بشر (3)) عن قيس بن أبي حازم، عن أبي كبشة قال: بينما أنا أرتجز وسط الحاج وأنا أقول: أقسم بالله أبو حفص عمر * ما مسها من نقب ولا دبر (4) فاغفر له اللهم إن كان فجر فما راعني إلا ويد عمر رضي الله عنه في ظهري فقال: نشدتك (الله (5) أعلمت مكاني ؟ قتل: لا. قال فحمله وأعطاه (6).


(1) والخبر بتمامه في مناقب عمر لابن الجوزي ص 190، وشرح نهج البلاغة 12: 68. (2) الاضافة عن الخلاصة للخزرجي ص 86. (3) هو بيان بن بشر الاحمس - أبو بشر الكوفي المعلم.. وفقه ابن معين وقال الذهبي توفي في حدود الاربعين (الخلاصة للخزرجي ص 46 ط الخيرية). (4) نقب البعير: حفي، وقيل رقت أخفافه - ودبر البعير: أصابته قرحة من الرحل. (5) إضافة على الاصل. (6) وانظر شرح نهج البلاغة 12: 62، ومنتخب كنز العمال 4: 416. (*)

[ 791 ]

* حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا النجاري، عن مسعر، عن ابن طليق قال: تذاكروا النساء يوما عند عمر رضي الله عنه، فقال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، ما أستطيع أن أقبل ابن إحداهن في يوم صاحبتها، وإني لاكون في حاجة إحداهن فترى أني في غير ذلك. قال: فوقع عمر رضي الله عنه في النساء ونال منهن، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: أما علمت أن إبراهيم شكا إلى ربه ذرا (1) في خلق سارة، فأوحى الله إليه: إنما المرأة كالضلع إن أقمته كسرته، فدارها تعش بها. فضرب عمر رضي الله عنه بيده على جنب عبد الله وقال: لقد جعل الله بين جنبيك من العلم غير قليل. قال النجاري: فبلغني أن بعض الشعراء قال في ذلك: أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى * أليس عجيبا ضعفها واقتدارها هي الضلع العوجاء لست مقيمها * ألا إن تقويم الضلوع انكسارها * حدثنا أبو عاصم، عن أبي سعيد بن عوذ الله قال: أخبرني محمد بن عباد بن جعفر، عن بلال بن عياض قال: خرج عمر رضي الله عنه ومعه خوات بن جبير (2) فتغنى خوات أو ترنم، فقال


(1) أي شيئا قليلا. (2) هو خوات بن جبير بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عوف بن مالك الاوسي الانصاري، يكنى أبا عبد الله وقيل أبو صالح كان أحد فرسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد بدرا، وأخوه عبد الله بن جبير في قول بعضهم، وقال موسى بن عقبة: خرج خوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، فلما بلغ الصفراء أصاب ساقه حجر فرجع، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمه وأجره فكان كمن شهدها، وشهد بعد ذلك أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بالمدينة سنة 40 ه‍ وهو ابن أربع وسبعين سنة وله عقب: (أسد الغابة 2: 135 - طبقات ابن سعد 3: 477). (*)

[ 792 ]

عمر: أحسس خوات، أحسس خوات (1)، أحسس خوات، ثم قال: كأن شاربها غصن بمروحة (2) * إذا تدلت به أو شارب ثمل قال أبو عاصم. فقلت له " أو شارب ثمل "، (ثم قال: استغفر الله. قال الاصمعي: فلا أدري أتمثل به أم هو قائله (3). * حدثنا أحمد بن معاوية، عن الاصمعي، عن أبي عمرو ابن العلاء قال: تحول عمر رضي الله عنه من ناقته إلى ناقة غيره فقال: كأن راكبها غصن بمروحة * إذا تدلت به أو شارب ثمل ثم ردها على صاحبها، فلم يدر أهو قاله أم سمعه ؟. * حدثنا الصلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليمان بن صالح قال، حدثني عبد الله بن المبارك، عن رجل من أهل الجزيرة، عن يزيد بن الاصم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ركب بعيرا ثم قال: وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما * قضى وطرا منها جميل بن معمر (4)


(1) أحسس خوات: أي رقق (القاموس المحيط). (2) بمروحة أي بمكان تهب فيه الريح. (3) ما بين الحاصرتين عن سيرة عمر (2: 502). (4) وانظر في الخبر سيرة عمر للشيخ الطنطاوي (2: 503) - والاصابة 1: 246 وأسد الغابة 1: 296، وجميل هو جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي، وهو أخو سفيان بن معمر، وكان لا يكتم ما استودعه من سر، قال أبو عباس المبرد في الكامل: له صحبة، وكان خاصا بعمر بن الخطاب، ولا نسب بينه وبين جميل بن عبد الله بن معمر العذري الشاعر المشهور، صاحب بثينة. وعن ابن عمر قال، لما أسلم أبي قال: أي قريش أنقل للحديث ؟ فقيل له جميل بن معمر الجمحي، = (*)

[ 793 ]

ثم قال: الله أكبر، والله ما ركب أحد قط دابة فلم يسم إلا تغنى أو لبى. * حدثنا عثمان بن عمر قال، أنبأنا عثمان بن مرة، عن معاذ بن عبد الله بن حبيب، عن أبيه قال: قلما خطبنا عمر رضي الله عنه على هذا المنبر إلا قال: أيها الناس، أصلحوا مثاويكم، وأخيفوا هذه الدواب قبل أن تخيفكم (1)، وخذوا على أيدي سفهائكم، ولا تدرعوا نساءكم القباطي (2)، فإنه إن لم يشف فإنه يصف. إن شرخ الشباب والشعر الاس‍ * - ود ما لم يعاص كان جنونا (3) حدثنا معاذ بن شبة بن عبيدة قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن الحسن: أن عمر رضي الله عنه نزع خالد بن الوليد رضي الله عنه عن إمرة كان عليها، وكان خالد شبيها بعمر رضي الله عنه، فلقي علقمة بن علاثة (4) عمر رضي الله عنه خالدا فقال له: نزعك هذا


= فأخبره بإسلامه واستكتمه، فنادى بأعلى صوته: أن عمر صبأ - وكان يسمى ذا القلبين، وفيه نزلت: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ". أسلم جميل عام الفتح، وكان مسنا وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، وكان قد شهد مع أبيه الفجار، ومات في أيام عمر وحزن عليه حزنا شديدا، قال ابن حجر نقلا عن المبرد في الكامل: وأظنه لما مات قارب المائة. (1) في الاصل كلمة لا تقرأ والمثبت عن شرح نهج البلاغة 12: 140. (2) القباطي: ثوب من كتان ينسج بمصر وينسب إلى القبط (أقرب الموارد). (3) وانظر الخبر في مناقب عمر لابن الجوزي ص 185. (4) هو علقمة بن علاثة بن عوف بن الاحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة - العامري الكلابي، من أشراف بني ربيعة بن عامر، كان من المؤلفة قلوبهم، سيدا في قومه، حليما عاقلا، ارتد عن الاسلام ولحق بالشام، فلما توفي النبي صلى الله = (*)

[ 794 ]

الرجل ؟ فعلم عمر رضي الله عنه أنه شبهه خالدا، فقال: نعم، فقال علقمة: أبى هذا الرجل إلا شدة، فقال عمر رضي الله عنه: فنزعني فما عندك (معونة على ذلك (1)) فقال علقمة: وما عسى أن يكون عندي، ولا هم الله هذا الامر فنوليهم ما ولاهم الله منه، ونقضي ما لهم علينا، ونكلهم إلى الله فيما لنا عليهم، وحسابهم على الله، فسكت عمر رضي الله عنه، فلما كان الغد اجتمع خالد وعلقمة عند عمر رضي الله عنه: فقال عمر رضي الله عنه: يا خالد لقيك علقمة البارحة فقال لك - وأعاد الكلام كله - فجعل خالد رضي الله عنه يحلف بالله ما لقي علقمة البارحة ولا كلمه، وجعل علقمة إذا حلف خالد يقول: ويحلف ويحلف ! ! تعجبا من حلف خالد، فقال عمر رضي الله عنه صدق خالد، إياي لقيت، والله لان يكون في قلب كل مؤمن أحب إلي من كذا وكذا، يعني ما كان في قلب علقمة. * حدثنا الصلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك، عن ابن عون، عن الحسن قال: قدم علقمة بن علاثة على عمر رضي الله عنه فوافق قدومه عليه نزع خالد رضي الله عنه، فوافقه في المساء، أي وافق علقمة عمر رضي الله عنه مؤنسا، فظن أنه خالد رضي الله عنه فقال:


= عليه وسلم أقبل مسرعا حتى عسكر في بني كلاب بن ربيعة فأرسل إليه أبو بكر رضي الله عنه سرية فانهزم منهم، وغنم المسلمون أهله... ثم أسلم علقمة واستعمله عمر على حوران فمات بها. (أسد الغابة 4: 13 - الاصابة 2: 498 - طبقات ابن سعد 1: 311) (1) الاضافة عن الاغاني 2: 59 ط بولاق. (*)

[ 795 ]

أبى هذا الرجل إلا شحا أبى هذا الرجل إلا شحا لك نزعك، لا أبا لغيرك، لم نزعك ؟ لقد قدمت عليه في حاجتين لي أريد أن أسألهما إياه، فأما إذ فعل ما فعل فلست سائله شيئا أبدا، قال وادا: ما هما ؟ قال: مال هنة (1) لنا ماتت فأردت أن أسأله، وابن عم لي كتب إلي أن ألحقه، فأردت أن أسأله إياه، فأما إذ فعل ما فعل فلست سائله شيئا أبدا، فلم نزعك ؟ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعين بك ؟ فلم نزعك ؟ قال: نزعني فما عندك (2) في نزعي ؟ قال: وماذا عندي في نزعك، هؤلاء قوم ولوا أمرا ولهم علينا حق، فنحن مؤدون إليهم الحق الذي جعله الله لهم، وأمرنا - أو قال: حسابنا - على الله، قال، وانسل عمر رضي الله عنه، فدخل في الناس، فلما أصبحوا ودخل عليه الناس قال: يا خالد ما كان حديث علقمة إياك وقت البارحة حين يقول: أبى هذا الرجل إلا شحا ؟ قال: ما رأيته، وجعل علقمة يقول: ما أفجره، قال: قلت للحسن ما يصنع علقمة ؟ قال: يعزره (3)، قال عمر رضي الله عنه: إنه قال كلمة لان يقولها من أصبح من أمة محمد أحب إلي من حمر النعم. * حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا حميد قال: دخلنا على الحسن رضي الله عنه في منزل أبي خليفة فحدثنا أبو نضرة بحديث علقمة بن علاثة وعمر رضي الله عنهما حين التقيا في قصة خالد - وما سمعته قبل ذلك من الحسن قط -


(1) الهنة: المراد بها الانثى ولامها محذوفة وأصلها " هنوة " (أقرب الموارد - القاموس المحيط). (2) وفي الاصابة 2: 498 " فقال له عمر هيه فما عندك ". (3) كذا في الاصل والمعنى يلومه. (القاموس المحيط) (*)

[ 796 ]

قال: ثم سمعت الحسن بعد ذلك يحدث به فكان أحسن له سياقة من أبي نضرة. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن الاعمش قال، سمعت أبا وائل يقول: لما توفي خالد بن الوليد رضي الله عنه بكاه نساء من نساء بني المغيرة، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال: وما عليهن أن يبكين أبا سليمان وهن جلوس في غير نقع (1) ولا لقلقة (2). * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: لما جاء نعي خالد بن الوليد رضي الله عنه دخل رجل على عمر رضي الله عنه فقال: يبكون خالدا ويقولون كذا وكذا، كأنه أراد عمر رضي الله عنه بذلك. فقال عمر رضي الله عنه: ويحك وما عليك أن تبكي نساء قريش أبا سليمان ما يكن نقع ولا لقلقة. قال: والنقع شق الجيوب واللقلقة: الجلبة. * حدثنا عبد الله بن نافع بن ثابت الزبيدي في إسناد ذكره قال: لما قال عمر رضي الله عنه هذه المقالة تمثل طلحة ابن عبد الله: لا ألفينك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زودتني زادي فعل الجليل أضاع الحق من كثب * وصار يندب ميتا فوق أعواد * حدثنا محمد بن بكار قال، حدثنا أبو معشر، عن عمارة ابن غزية قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل بن وهب بن عبد مناف، وعبد الله بن


(1) النقع: رفع الصوت، وقيل شق الجيوب. (2) اللقلقة: الجلبة، كأنها حكاية الاصوات إذا كثرت - والخبر بشرحه في أسد الغابة 2: 104 ترجمة خالد بن الوليد. (*)

[ 797 ]

السائب بن أبي حبيش وهم يتذاكرون النسب، فجاء عمر رضي الله عنه حتى سلم عليهم ثم جاوزهم فجلس على المنبر فكبر عليه، قال: فظننا أنه سيتكلم، فرفع رأسه (1) فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس أوفوا الطحين واملكوا (2) العجين، وخير الطحين ملك العجين، ولا تأكلوا البيض فإنما البيض لقمة، فإذا تركت كانت دجاجة ثمن درهم، وإياكم والطعن في النسب، اعرفوا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وتأخذون به وتقطون به، واتركوا ما سوى ذلك، لا يسألني أحد وراء الخطاب، فإنه لو قيل لا يخرج من هذا المسجد إلا بهيم بن هبوب ما خرج منهم أحد، فقال مخرمة بن نوفل: إذن أخرج منه. فقال له عبد الله بن السائب إذن أمسكك لما قيل فيك وما في قومك، قال: فكأن عمر رضي الله عنه سره ذلك. ويروى في غير هذا الاسناد: أن الحارث بن حاطب قال: إذن لخرجت منه أنا وأنت يا أمير المؤمنين، فقال عمر رضي الله عنه: لو رمت ذلك آخذ بثوبك. وقيل اجلس حار (3). * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط، عن مالك بن هدم (4): أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: أيها الناس تعلموا أنسابكم لتصلوا أرحامكم، ولا يسألني


(1) فنكس عليه أي طأطأ رأسه على المنبر. (القاموس المحيط) (2) يقال ملك العجين أي أنعم عجنه. (القاموس المحيط) (3) حار: مرخم حارث.. فكأنه يعني: اجلس يا حارث. (4) له ترجمة في الاصابة 3: 337. (*)

[ 798 ]

أحد ما وراء الخطاب، ألا وقد ذكر لي: أن رجالا منكم قد أكثروا في إسماعيل وما ولد، الله أعلم بإسماعيل وما ولد، والله لينتهن عن ذلك أو لالحقن كل قوم بجمرتهم (1)، ألا وإن أبانا الذي لا يشك فيه إبراهيم. * حدثنا أحمد قال، حدثنا ابن وهب قال، حدثني الحارث ابن نبهان، عن محمد بن عبيد الله، عن ابن إسحاق، عن حسان ابن يزيد: أن عمر رضي الله عنه قال: كذب النسابون ما يرجون (قول (2) الله تعالى: " وقرونا بين ذلك كثيرا (3) " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وتعرفون به مواريثكم، وتعلموا من النجوم ما تعرفون به ساعات الليل والنهار، وتهتدون به السبيل ومناول القمر. * حدثنا الخزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الله بن كعب أن حسين ابن علي رضي الله عنهما قام إلى عمر رضي الله عنه وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة فقال: انزل عن منبر جدي. فقال عمر رضي الله عنه: تأخر يا ابن أخي، قال وأخذ حسين برداء عمر رضي الله عنهما فلم يزل يجبذه ويقول: انزل عن منبر جدي، وتردد عليه حتى قطع خطبته ونزل عن المنبر، وأقام الصلاة، فلما صلى أرسل إلى حسين رضي الله عنه فلما جاءه


(1) الجمرة: كل قبيلة انضموا فصاروا يدا واحدة ولم يحالفوا غيرهم، وجمرات العرب ثلاث: بنو ضبة بن أد، وبنو الحارث بن كعب، وبنو نمير بن عامر (تاج العروس وأقرب الموارد). (2) إضافة يقتضيها السياق. (3) سورة الفرقان، آية 38. (*)

[ 799 ]

قال: يا ابن أخي من أمرك بالذي صنعت ؟ قال حسين: ما أمرني به أحد، قال: يقول له ذلك حسين ثلاث مرات، كل ذلك يقول: ما أمرني به أحد، قال عمر رضي الله عنه: أو لي ؟ ! ولم يزد على ذلك. وحسين رضي الله عنه يومئذ دون المحتلم. حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى ابن سعيد، عن عبيد بن حسين، عن حسين بن علي رضي الله عنهما قال: أتيت عمر رضي الله عنه وهو على المنبر فقلت: انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك، قال: إن أبي لم يكن له منبر، وأجلسني بين يديه، وفي يدي حصى فجعلت أقلبه، فلما نزل ذهب بي إلى منزله فقال لي: يا بني من علمك هذا ؟ قلت: ما علمنيه أحد، قال: أي بني حلفت تغشانا حلفت (1) تأتينا قال: فأتيته يوما وهو خال بمعاوية رضي الله عنه، وابن عمر رضي الله عنه بالباب لم يدخل فرجع ابن عمر رضي الله عنهما، فلما رأيته يرجع رجعت فلقيني عمر رضي الله عنه بعد ذلك فقال: أي بني لم أرك أتيتنا. قلت: قد جئت وأنت خال بمعاوية فرأيت ابن عمر يرجع فرجعت. قال: أنت أحق بالاذن من ابن عمر، إنما أثبت في رؤوسنا ما هدى الله وأنتم. ووضع يده على رأسه. * حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا معشر بن إسماعيل، عن الاوزاعي قال: بلغني أن عمر رضي الله عنه سمع صوت بكاء في بيت، فدخل معه غيره، فأمال عليهم ضربا حتى بلغ النائحة فضربها حتى سقط خمارها، فعدل الرجل. فقال: اضرب فإنها


(1) في الاصل " حلفت " ولعل الصواب ما أثبته، أو لعلها " حقك ". (*)

[ 800 ]

نائحة ولا حرمة لها، إنها لا تبكي بشجوكم إنها تهريق دموعها على أخد دراهمكم، إنها تؤذي أمواتكم في قبورهم وتؤذي أحياءكم في دورهم، إنها تنهى عن الصبر، وقد أمر الله به، وتأمر بالجزع وقد نهى الله عنه (1)،. * حدثنا عمر بن سعيد قال، حدثنا سعيد بن عبد العزير، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن السائب بن يزيد بن أخت النمر (2): أن عمر رضي الله عنه قال: ألا لا أعلمن ما قال أحدكم: إن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه منعنا أن نقرأ كتاب الله، إني ليس لذلك أمنعكم، ولكن أحدكم يقوم لكتاب الله والناس يستمعون إليه، ثم يأتي بالحديث من قبل نفسه، إن حديثكم هو شر الحديث، وإن كلامكم هو شر الكلام، من قام منكم فليقم بكتاب الله وإلا فليجلس، فإنكم قد حدثتم الناس حتى قيل قال فلان وقال فلان، وترك كتاب الله. قال سعيد: وقال عمر لابي هريرة رضي الله عنه: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لالحقنك بأرض الطفيح - يعني أرض قومه - وقال لكعب: لتتركن الحديث أو لالحقنك بأرض القرية. * حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن الاوزاعي قال: كان عمر رضي الله عنه يقول: أيها الناس لا نجدن أحدا بعد السنة في ضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى ركبه حسبه ضلالة، قد بلغت (3) الامور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر.


(1) وقد ورد بمعناه في شرح نهج البلاغة 12: 68. (2) له ترجمة في الخلاصة للخزرجي 133 ط الخيرية. (3) الكلمة في الاصل تقرأ كما أثبتت، وتقرأ " بينت ". (*)

[ 801 ]

* حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، قال حيوة، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم قال، قال عمر رضي الله عنه: أصبح أهل الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن يعوها وتفلتت أن يردوها فاستقوها بالرأي. * حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، عن محمد بن سيرين قال، قال عمر رضي الله عنه: اتقوا الله، واتقوا الناس. * حدثنا سليمان بن أحمد قال، حدثنا جرير بن القاسم قال، حدثنا فرج بن نضالة قال، حدثنا عمر بن شراحيل قال، قال عمر رضي الله عنه: إن من الحزم سوء الظن بالناس. (مطعم عمر بن الخطاب رضي الله عنه) * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن مصعب بن سعد (1) أن حفصة رضي الله عنها قالت لابيها: لو لبست ثوبا ألين من ثوبك، وأكلت طعاما أطيب من طعامك، فقد أكثر الله لك من الخير، وفتح عليك الارض. فقال: إني سأخاصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة العيش ؟ فما زال يذكرها حتى أبكاها، فقال لها: قد قلت ذلك لك، أتسمعين ؟ والله لئن استطعت لاشاركنهما في عيشهما الشديد، لعلي أدرك معهما عيشهما الرخي (قال يزيد ابن هارون: يعني رسول الله وأبا بكر (2)).


(1) له ترجمة في الخلاصة للخزرجي 323 ط الخيرية. (2) ما بين الحاصرتين عن طبقات ابن سعد 3: 277. وانظر حلية الاولياء 1: 48. (*)

[ 802 ]

* حدثنا موسى بن برقان قال، حدثنا المعافى بن عمران، قال، حدثنا أبو معشر المدني (1) قال، حدثنا محمد بن قيس (2) قال: دخل ناس من بني عدي على حفصة بنت عمر رضي الله عنهما فقالوا: لو كلمت أمير المؤمنين فأكل طعاما هو أطيب من هذا الطعام ولبس ثيابا هي ألين من هذه الثياب، فإنه قد بدا علياء رقبته (3) من الهزال، وقد كثر المال، وفتح الارضون. فدعته فقالت له ذلك. فقال: يا بنية هلم صاعا من تمر عجوة، وقال: افركوه بأيدكم ففركوه، فقال: انزعوا تفاريقه - يعني أقماعه - فجلس عليه فأكله، ثم قال: أتروني (4) لا أشتهي الطعام، إني لآكل الخبز واللحم، ثم إني لاترك اللحم وهو عندي ولا آكل به، وآكل السمن ثم أترك السمن لا آكل به، ولو شئت لاكلت، ولكن أتركه وآكل الزيت، ثم إني أترك الزيت لا آكل به وإني لاترك الملح وهو عندي، وإن الملح لادام، ولو شئت أكلت به، وآكل قفارا، أبتغي ما عند الله، يا بنية أخبريني بأحسن ثوب لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندك، قالت: نمرة نسجت له فلبسها، فقال له رجل من أصحابه: اكسنيها، فكساه إياها، قال: أخبريني بألين فراش فرشه عندك،


(1) له ترجمة في ميزان الاعتدال 3: 228. (2) له ترجمة في المرجع السابق 3: 125. (3) العلياء: عصبة صفراء في صفحة العنق (شرح نهج البلاغة 12: 36). (4) كذا في الاصل، وفي مناقب عمر لابن الجوزي ص 147 " فقال عمر أتروني لا أشتهي الطعام. إني لآكل السمن وعندي اللحم، وآكل الزيت وعندي السمن، وآكل الملح وعندي الزيت، وآكل بحتا وعندي ملح، ولكن صاحبي سلكا طريقا فأخاف أن أخالفهما فيخالف بي ". (*)

[ 803 ]

قالت: عباءة كنا ثنيناها له فغلظت عليه فربعناها، ووسادة من أدم حشوها ليف، قال: يا بنية مضى صاحباي على حالة إن خالفتهما خولف بي عنهما، إذن لا أفعل شيئا مما يقولون. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير عن (أبي (1)) حنيف المؤذن قال: أكل عمر رضي الله عنه تمرات ثم شرب عليها ماء ثم قال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله. * حدثنا موسى بن مروان قال، حدثنا المعافي بن عمران قال، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: كان عمر رضي الله عنه ينهى أن يتخذ المنخل، وقال: إنما عهدنا بالشعير حديث أما ترضون أن تأكلوا سمراء (2) الشام حتى تنخلوه ؟ * حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا الاشعث، عن الحسن قال: أتي عمر رضي الله عنه بشربة عسل فقال: ما أنا بمحتمل فضلها إني سمعت الله يقول: " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا (3) ". * حدثنا موسى بن مروان قال، حدثنا المعافى بن عمران، عن أسامة بن زيد قال، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن زرارة عن مشيختهم: أن عمر رضي الله عنه أتاهم بقباء في صلح كان بينهم فلما حان للصائم الفطر استسقى فأتى رجل بقدح من زجاج - أو قال


(1) سقط في الاصل، والاثبات عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 149. (2) السمراء: هي الخشكار. كذا قاله الزبيدي في تاج العروس 3: 278. وفي المعجم الوسيط 1: 235 عرف الخشكار بأنه الخبز الاسمر غير النقي. (3) سورة الاحقاف، آية 20. وقد ورد بالمعنى في منتخب كنز العمال 4: 404 ومناقب عمر لابن الجوزي ص 142، 146 - وشرح نهج البلاغة 12: 15. (*)

[ 804 ]

من قوارير - فيه عسل، فقال: ما رأيت كاليوم إناء أحسن ولا شرابا أحسن، ثم قال: شرابا هو أيسر في المسألة من هذا فأتي بماء فشرب. (لباس عمر رضي الله عنه) * حدثنا يوسف بن عطية قال، سمعت مالك بن دينار يقول: بينما أنا أرمي الجمرة إذا أنا بنافع مولى عبد الله بن عمر، فأخبرني عن عبد الله بن عمر، عن أبيه: أنه رآه يرمي هده الجمرة، وإن عليه لازارا فيه ثنتا عشرة رقعة إن بعضها لمن ورق الادم وإن منها لما هو مثنى قد خيط بعضه على بعض إذا قعد فقام من مجلسه يتنخل منه التراب (1). * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا أبو معاوية، عن العوام ابن جويرية، عن الحسن، عن أنس رضي الله عنه قال: رايت على عمر رضي الله عنه إزارا فيه ثلاث عشرة رقعة من (أدم و (2)) بعضها من أدم. * حدثنا الحسين بن حفص قال، حدثنا سفيان، عن الجريري، عن أبي عثمان قال: أخبرني من رأى عمر رضي الله عنه يرمي الجمار وعليه إزار مرقوع بقطعة أديم (3). * حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن ابن قيس (4) عن


(1) وقد ورد بسنده ومتنه في مناقب عمر لابن الجوزي ص 140. (2) إضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 140، وفي عيون الاخبار 1: 197 وفي سيرة عمر 2: 419 فيه إحدى وعشرون رقعة من أدم ورقعة من ثيابنا. (3) وقد ورد بسنده ومتنه في مناقب عمر لابن الجوزي ص 139. (4) هو محمد بن قيس الاسدي الوالدي الكوفي. (*)

[ 805 ]

عطاء، عن عبيد بن عمير قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرمي الجمار وعليه إزار مرقوع عند دبره. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سلام بن مسكين، عن عبد العزيز بن أبي جميلة الانصاري قال: أبطأ عمر رضي الله عنه عن الساعة التي كان يخرج فيها للجمعة، فخرج وعليه قميص سنبلاني ثمنه أربعة دراهم لا يجاوز نصف الساق، ولا يجاوز كمه رسغه، وقال معذرة إليكم إنه لم يكن لي قميص حتى فرغ من قميصي هذا (1). * حدثنا القعنبي، عن مالك بن أنس، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رأيت عمر رضي الله عنه وهو يومئذ أمير المؤمنين وقد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث، لبد بعضها فوق بعض. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال: كان عمر رضي الله عنه يدفع الشئ ليشتهيه سنة. (سيرة عمر رضى الله عنه في عماله) * حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن: أن عمر رضي الله عنه قال: هان علي (2) شئ أصلح به قوما: أن أبدلهم أميرا مكان أمير.


(1) وانظر منتخب كنز العمال 4: 419، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 140، وسيرة عمر 2: 420. (2) في الاصل: هان شئ. والمثبت عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 121. (*)

[ 806 ]

* حدثنا موسى بن هارون الرقي قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عيسى بن راشد بن أبي رزين الثمالي قال، حدثنا يزيد بن رفاعة قال، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من رابه من أمير ظلامة فلا يعجزه طيبه ولا عبيطه ولا نابه (1). * حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا المبارك بن سعيد، عن نوح بن جابر، عن خاله رياش قال: كان عمر رضي الله عنه يبعث إلى عماله عند رأس كل سنة فيقدمون عليه فيسألهم عن الناس وعما وراءهم، فمن أراد أن يرده رده، ومن أراد أن يعزله حبسه عنده. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا إسحاق ابن يوسف، عن عبد الله بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: كان عمر رضي الله عنه يكتب إلى عماله أن يوافوه بالموسم فوافوه، فقام فقال: أيها الناس، إني استعملت عليكم عمالي هؤلاء، ولم أستعملهم ليصيبوا (2) من أبشاركم (3)، ولا من أموالكم ولا من أعراضكم، ولكن استعملتهم ليحجزوا بينكم أو يردوا عليكم فيئكم فمن كانت له مظلمة عند أحد منهم فليقم، فما قام من الناس أحد


(1) العبيط: لحم ودم وزعفران، والناب: الابل (أقرب الموارد). (2) كذا في الاصل، وفي شرح نهج البلاعة 12: 22، وكامل ابن الاثير 3: 56، ومنتخب كنز العمال 6: 307، وتاريخ الطبري ق 1 ج 5: 2742، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 95 " ليضربوا أبشاركم ". (3) أبشاركم: قال الزبيدي في تاج العروس 3: 44 نقلا عن المحكم: البشرة أعلى جلدة الرأس والوجه والجسد من الانسان، وهي التي عليها الشعر، وقيل هي التي تلي اللحم، وقال الليث: البشرة أعلى جلدة الوجه والجسد من الانسان وأورد الخبر، وفيه " لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ". (*)

[ 807 ]

يومئذ إلا " فلان " قام فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك فلانا (ضربني) (1) مائة سوط فقال: يضرب مائة ! ! فاستقد منه. فقام عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، إنك متى تفتح هذا على عمالك تكثر عليهم، وتكون سنة يأخذ بها من بعدك، فقال: أنا لا أقيد منه، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقيد من نفسه. فقال: دعنا إذن نرضيه. قال: أرضوه. قال فافتديت منه بمائتي دينار، فكان كل سوط بدينارين (2). * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي فراس قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أشعاركم، ولا أبشاركم ولا أموالكم إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، ويقسموا فيئكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم، فو الله لاقصنه منه، فقال عمرو ابن العاص: يا أمير المؤمنين إن كان رجل على رعية يؤدب بعض رعيته إنك لتقصه منه ؟ فقال: أنا لا أقصه منه، وقد رأيت رسول الله صلى عليه وسلم أقص من نفسه. ثم قال ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تجمروهم في البعوث فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم (3). * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا أبو المليح الرقي قال،


(1) سقط في الاصل، والمثبت عن منتخب كنز العمال 4: 419. (2) وانظر طبقات ابن سعد 3: 293 ط بيروت. (3) وانظر الكامل لابن الاثير 3: 56، وتاريخ الطبري ق 1 ج 5: 2742، ومنتخب كنز العمال 6: 307. (*)

[ 808 ]

حدثنا عبد الملك بن أبي القاسم قال، قال عمرو بن العاص رضي الله عنه لرجل من تجيب: يا منافق، فقال التجيبي ما نافقت منذ أسلمت، ولا أغسل لي رأسا ولا أدهنه حتى آتي عمر رضي الله عنه، فأتى عمر رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين إن عمرا نفقني ولا والله ما نافقت منذ أسلمت. فكتب عمر رضي الله عنه إلى عمرو رضي الله عنه، وكان إذا غضب عليه يكتب: إلى العاص بن العاص، أما بعد فإن فلانا التجيبي ذكر أنك نفقته، وقد أمرته إن أقام عليك شاهدين أن يضربك أربعين أو قال سبعين. فقام فقال: أنشد الله رجلا سمع عمرا نفقني إلا قام فشهد. فقام عامة أهل المسجد، فقال له حشمه، أتريد أن تضرب الامير ؟ قال، وعرض عليه الارش فقال: لو ملئت لي هذه الكنيسة ما قبلت، فقال له حشمه: أتريد أن تضربه ؟ فقال التجيبي: ما أرى لعمر رضي الله عنه هاهنا طاعة، فلما ولى قال عمرو رضي الله عنه: ردوه، فأمكنه من السوط وجلس بين يديه، قال: أتقدر أن تمتنع مني بسلطانك ؟ قال: لا، فامض لما أمرت به قال: فإني أدعك لله (1). * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي زرعة، عن جرير بن عبد الله (البجلي (2)) رضي الله عنه: أن رجلا كان مع أبي موسى الاشعري رضي الله عنه، وكان ذا سوط (3) ونكاية في العدو، فغنموا مغنما


(1) وانظر مناقب عمر لابن الجوزي ص 97. (2) الاضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 96. (3) كذا في الاصل، ونقلها " صوت " بالصاد. (*)

[ 809 ]

فأعطاه أبو موسى رضي الله عنه بعض سهمه فأبى أن يقبله إلا جميعا، فضربه أبو موسى رضي الله عنه عشرين سوطا، وحلق رأسه، فجمع شعره ورحل إلى عمر رضي الله عنه حتى قدم عليه - قال جرير رضي الله عنه - وأنا أقرب الناس منه - فأدخل يده في خبيئة فأخرج شعره فضرب به صدر عمر رضي الله عنه وقال: أما والله لولا.. فقال عمر رضي الله عنه: صدق والله لولا النار. فقال: يا أمير المؤمنين كنت رجلا ذا سوط ونكاية (في العدو (1)) وأخبره بأمره (وقال (1)) فضربني أبو موسى عشرين سوطا وحلق رأسي، وهو يرى أنه لا يقتص منه، فقال عمر رضي الله عنه: لان يكون الناس كلهم على مثل صرامة هذا أحب إلي من جميع ما أفاء (الله (1) علينا. فكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى رضي الله عنه: سلام عليك أما بعد فإن فلانا أخبرني بكذا وكذا، فإن كنت فعلت ذلك به في ملا من الناس (فعزمت عليك لما قعدت له في ملا من الناس حتى يقتص منك (2)) وإن كنت فعلت ذلك به في خلاء لما قعدت له في خلاء حتى يقتص منك، فقال له الناس: اعف عنه، فقال: لا أعفو عنه لاحد من الناس، فلما صعد أبو موسى رضي الله عنه ليقتص منه رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم قد عفوت عنه لك. * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا سليمان بن المغيرة قال، سمعت حميد بن هلال قال، حدثنا عبد الله بن يزيد الباهلي قال:


(1) الاضافات عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 96. (2) ما بين الحاصرتين ساقط في الاصل والمثبت عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 96. (*)

[ 810 ]

دخل علي ضبة بن محصن فتحدث عندي من الليل حتى خشيت عليه الحراس، فكان فيما حدثني قال: شاكيت أبا موسى كبعض ما يشاكي الرجل أميره فانطلقت (إلى عمر (1)) لآتي عليه، وذلك عند حضور وفادة أبي موسى إلى عمر، والبرد إذ ذاك على الابل قال، فكتب (أبو موسى (1)) سلام عليك. أما بعد فإني كتبت إليك وأنا خارج في كذا وكذا، وكتبت إليك وضبة بن محصن قد خرج من عندي غاضبا بغير إذني فهو بيني وبينك. فأحببت أن تعلم ذلك يا أمير المؤمنين، قال فسبقني كتابه، فقدمت المدينة فجئت إلى باب عمر رضي الله عنه فقلت: السلام عليك أيدخل ضبة بن محصن ؟ قال: لا مرحبا ولا أهلا. قال فقلت: أما المرحب فمن الله، وأما الاهل فلا أهل ولا مال. قال: فأعاد (ضبة (1)) ذلك ثلاث مرار، وأعادها (عمر (1)) ثم قال: ادخل، فدخلت فقلت: يا أمير المؤمنين، الرجل يظلمه سلطانه المظلمة فإذا انتهى إلى أمير المؤمنين فلم يجد عنده غيرا فو الله إن الارض لواسعة وإن العدو لكبير، قال: فكأنما كشفت عن وجهه غطاء، فقال ادن دنوك: فدنوت فقال: إيه ؟ فقلت: أبو موسى اصطفى لنفسه أربعين من أبناء الاساورة (2) فقال: يا غلام اكتب، فكتب. ثم قال: إيه ؟ فقلت: أبو موسى له مكيالان يكتال بمكيال ويكيل للناس بغيره. فقال: اكتب، فكتب.


(1) الاضافات يقتضيها السياق. (2) الاساورة: قوم من العجم نزلوا البصرة، وقال أبو عبيدة: أساورة الفرس فرسانهم المقاتلون، وقيل نسبة إلى أساورة بأصبهان (تاج العروس - المعجم الوسيط) وعبارة الطبري في تاريخه ق 1 ج 5: 2711 " تنقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه " والدهقان: رئيس الاقليم (أقرب الموارد). (*)

[ 811 ]

قلت: وسريته عقيلة لها قصعة (1) غادية رائحة يأكل منها أشراف الجند. قال: اكتب، فكتب. قال: فما لبث إلا يسيرا حتى قدم أبو موسى. فمشيت إلى جنبه أغبطه وأذكر أمير المؤمنين به حتى جاء إلى أمير المؤمنين، فقال: ما بال أربعين (2) اصطفيتهم لنفسك من أبناء الاساورة ؟ قال: يا أمير المؤمنين، اصطفيتهم وخشيت أن أن يخدع الجند عنهم ففاديتهم واجتهدت في فدائهم، وكنت أعلم بفدائهم، ثم خمست وقسمت قال ضبة: وصادق والله، فو الله ما كذب أمير المؤمنين ولا كذبته. قال: فما بال هذا المكيال الذي تكتال به وتكيل للناس بغيره ؟ قال: مكيال أكيل به قوت أهلي وأرزاق دوابي، ما كلت به لاحد ولا اكتلت به لاحد. قال ضبة: وصادق والله: فما كذب أمير المؤمنين ولا كذبته. قال: فما بال قصعة عقيلة الغادية الرائحة ؟ قال: فسكت فلم يعتذر منها بشئ، فقال لوفده أنشد الله رجلا أكل منها مارم (3) القوم. ثم عاد، فقال وكيع بن بشر التميمي: قبح الله تلك القصعة ما أحل لنا ما قد أصبنا منها (4)، فقال عمر رضي الله عنه: لا جرم، والذي نفس عمر بيده لا ترى عقيلة العراق ما دمت أملك شيئا، فاحتبسها عنده، قال


(1) في تاريخ الطبري ق 1 ج 5: 2711، والكامل لابن الاثير 3: 47 " وسريته تدعى عقيلة تغدى جفنة وتعشى جفنة ". (2) في الكامل لابن الاثير 3: 47 " ستين " وكذا في تاريخ الطبري ق 1 ج 5: 2711. (3) الرم والارتمام: تمام الاكل، ورم الشئ رما: أكله، وقال ابن الاعرابي: رم فلان ما في الغضارة إذا أكل ما فيها (تاج العروس). (4) ما بين الرقمين عبارة مضطربة في الاصل وهي أقرب لما يلي " فأنى لرجل ليأخذ إصبعا منها " والثبت يرجحه السياق. (*)

[ 812 ]

حميد: فذكرت هذا لابي بردة (1) فقال: ما رأت عقيلة العراق حتى قبض عمر رضي الله عنه (2). * حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن عاصم، عن فضيل بن زيد الرقاشي قال: سرت سرية على عهد عمر رضي الله عنه على أرجلهم فأعيا رجل منهم فأراد أن يقيموا عليه (فرفض أمير السرية (3)) فنادى: يا عمراه، فمضوا وتركوه، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فكتب إلى أبي موسى رضي الله عنه أن ابعث إلي بالرجل. فبعث به إليه فأخذ قناة فجعل يضربه بها ويقول: يا لبيكاه، ويقول: يا مهلك، يقول لك الرجل انتظرني فتذهب وتتركه فينادي يا عمراه ؟ فجعل يعتذر إليه، فقال: والله لصلاح رجل من المسلمين أحب إلي من هلاك كذا وكذا من أهل الشرك وكتب إلى (أبي (4)) موسى رضي الله عنه: انظر مهلكا فلا تستعمله ما كنت لنا على عمل. * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا أبو معاوية، عن الاعمش عن زيد بن وهب قال: خرج جيش في زمن عمر رضي الله عنه نحو الجبل، فانتهوا إلى نهر ليس عليه جسر، فقال أمير ذلك الجيش لرجل من أصحابه - انزل فابغنا مخاضة نجوز فيها (وذلك (5)) في


(1) هو أبو بردة بن أبي موسى الاشعري الفقيه قاضي الكوفة، روى عن علي والزبير وحذيفة، وعنه عبد الله ويونس. قال الواقدي: مات سنة 103 ه‍ (الخلاصة للخزرجي ص 443 ط بولاق). (2) وانظر الخبر في نهاية الارب للنويري 19: 282 ط الهيئة العامة للكتاب، والكامل لابن الاثير 3: 41، وتاريخ الطبري ق 1 ح‍ 5: 2711. (3) إضافة يقتضيها السياق. (4) سقط في الاصل. (5) إضاقة يقتضيها السياق. (*)

[ 813 ]

يوم بارد شديد البرد، فقال الرجل: إني أخاف إن دخلت الماء أن أموت. فأكرهه، فقال: يا عمراه يا عمراه، ثم لم يلبث أن هلك، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه وهو في سوق المدينة فقال: يا لبيكاه يا لبيكاه، وبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه، وقال له: لولا أن تكون سنة لاقدت منك لا تعمل لي على عمل أبدا (1). * حدثنا القعنبي قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: استعمل عمر رضي الله عنه رجلا من الانصار فنزل بعظيم أهل الحيرة عبد المسيح (عمرو ابن حيان (2)) بن بقيلة فأمال عليه بالطعام والشراب ما دعا به فاحتبس عليه بالهزل (3) فدعا الرجل فمسح بلحيته، فركب إلى عمر رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، قد خدمت كسرى وقيصر فما أتى إلي في ملك أحد منهم ما أتي إلي في ملكك، قال: وما ذاك ؟ قال: نزل بي عاملك فلان فأملنا عليه بالطعام والشراب ما دعا به، فاحتبس بالهزيل فدعاني فمسح بلحيتي، فأرسل إليه عمر رضي الله عنه، فقال: هيه، أمال عليك بالطعام والشراب ما دعوت به، ثم مسحت بلحيته ؟ ! والله لولا أن تكون سنة ما تركت في لحيتك طاقة إلا نتفتها، ولكن اذهب فو الله لا تلي لي عملا أبدا. * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبر سماك بن حرب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال، حدثنا


(1) وانظر الخبر في مناقب عمر لابن الجوزي ص 123. (2) الاضافة عن المرجع السابق، وتاريخ الطبري ق 1 ج‍ 2 ص 981، وطبقات ابن سعد 7: 396. (3) كذا في الاصل - ولعل المراد: فاحتبس عليه بالسمير المؤنس والمفاكه. من هزل الرجل: أكثر المزح والفكاهة (محيط المحيط). (*)

[ 814 ]

عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه كان مع عمر رضي الله عنه في حج - أو عمرة - قال: فبينا نحن نسير إذا نحن براكب متعجل. فقال عمر رضي الله عنه إني لاظن هذا يطلبنا، فأنخ لانشق عليه، فأنخنا، وذهب عمر رضي الله عنه يبول وجاء الراكب وقال لابن عمر: أأنت عمر ؟ قال: لا، قال: لقد زعم أهل الماء أن عمر مر آنفا. قال: فبال عمر رضي الله عنه ثم جاء، فبكى الرجل فقال عمر رضي الله عنه: ما يبكيك ؟ إن كنت غارما أعناك، وإن كنت خائفا أمناك، إلا أن تكون قتلت نفسا، وإن كنت خفت جوار قوم حولناك عن مجاورتهم. فقال الرجل: لا، ولكن شربت الخمر وأنا أحد بني تميم، فأخذني أبو موسى فجلدني وسود وجهي وطاف بي في الناس، وقال: لا تؤاكلوه ولا تشاربوه ولا تجالسوه. فحدثت نفسي بإحدى ثلاث: إما أن أتخذ سيفا فأضرب به أبا موسى، وإما أن آتي المشركين فآكل معهم وأشرب، وإما أن آتيك فترسلني إلى الشام فإنهم لا يعرفونني. فبكى عمر رضي الله عنه ثم قال: إني كنت من أشرب الناس لها في الجاهلية، وإنها ليست كالزنا، وما يسرني أن رجلا لحق بالمشركين وأن لي كذا وكذا، ثم كتب إلى أبي موسى رضي الله عنه: إن فلان بن فلان التميمي أخبرني بكذا وكذا، وايم الله لئن عدت لاسودن وجهك وليطاف بك في الناس، فإن أردت أن تعلم أحق ما أقول فعد وأمر الناس فليؤاكلوه وليجالسوه، وإن تاب فاقبلوا شهادته. وكساه عمر رضي الله عنه حلة وحمله وأعطاه مائتي درهم (1).


(1) ورد مختصرا في مناقب عمر لابن الجوزي ص 133. (*)

[ 815 ]

* حدثنا الفضل بن دكين قال، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الفسيل، عن هارون بن عبد الله الحضرمي، عن عفيف، ابن معدي كرب قال: خرجنا أناس نشي بسعد الاشعث وغير واحد من وجوه أهل الكوفة - حتى قدمنا المدينة فنزلنا في رحبة من رحابها نطلب منزلا، إذ مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ناحية الطريق معه درة في يده فقال بعضنا: هذا أمير المؤمنين، وقال بعضنا: ما هو به، فالقوم يختصمون إذ رأى مكاننا فأقبل إلينا، فسلم. ثم قال الاشعث وأصحابه: يا أمير المؤمنين، إنا قد جئنا نذكر لك ما قد رأينا من عاملنا سعد، فإن أحببت أن نقوم معك قمنا معك، وإن أحببت أن تجلس إلينا فعلت، قال: لا بل أجلس إليكم، هاتوا ما عندكم. قلنا: يا أمير المؤمنين، ظلمنا واعتدى علينا، ومنعنا حقوقنا فلم نجئ في غيبة، ونحن نحب أن تعزله عنا وتستعمل علينا غيره. فقام وقال: لعل ذلك أن يكون، فلما ولى قلنا: والله ما صنعنا شيئا وما أدركنا حاجتنا ولا كفينا أنفسنا، وهو مخبر سعدا الآن بما قلنا، فيكون أخبث ما كان لنا صحبة، يا عفيف أدركه، فسمع حسا خلفه فوقف فقال: ألك حاجة ؟ قال: نعم. قال: ما حاجتك ؟ قال: أرسلني إليك أصحابنا قالوا: إذا لم تسمع فيه ما قلنا فنحن نحب ألا تذكره له. قال: لعل ذلك أن يكون، قال: ثم تبوأنا منزلنا، ثم غدونا إلى المسجد وسعد عنده في المنزل فمكثنا طويلا فخرج إلينا سعد وهو يذم أهل الحيرة وأهل المخالفة. قال قلنا: إنا لله، استعمله علينا ويكون شر ما كان لنا صحبة، فقال قائل: هذا والله غضب رجل قد عزل، قال: فبينما نحن كذلك إذ جاء رسول

[ 816 ]

عمر رضي الله عنه فأدخلنا عليه فقال: يا أشعث، إني قد عزلت عنكم سعدا، ولكن أخبروني عما أسألكم عنه، إذا كان الامام عليكم فجار عليكم ومنعكم حقوقكم وأساء صحبتكم ما تصنعون به ؟ قلنا يا أمير المؤمنين، ما نصنع به إن رأينا خيرا حمدنا الله وقبلنا، وأن رأينا جورا وظلما صبرنا حتى يفرج الله منه، قال: أما هو إلا ما أسمع ؟ قالوا: لا والله ما عندنا إلا ما قلنا لك، قال فضرب بيده على جبهته ثم قال: لا والله الذي لا إله إلا هو لا تكونون شهداء في الارض حتى تأخذوهم كأخذهم إياكم، وتضربوهم في الحق كضربهم إياكم وإلا فلا. * حدثنا محمد بن بكار قال، حدثنا حبان بن علي، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كنت جالسا عند عمر رضي الله عنه فأتاه ناس من أهل الكوفة فشكوا إليه سعدا حتى قالوا ما يحسن يصلي، فقال سعد (1): أما أنا والله فقد كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر رضي الله عنه: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، وكيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: أركد (2) في الاوليين وأحذف في الاخريين قال: فأرسل به عمر رضي الله عنه إلى الكوفة فطيف به في مساجدها، فيقولون فيه خيرا ويثنون خيرا حتى انتهوا إلى مجلس بني عبس وفيه رجل يكنى أبا سعدة فقال: اللهم كان لا ينفر في السرية، ولا يعدل


(1) الاضافة عن الرياض النضرة ص 393. (2) أركد في الاوليين: أي أسكن وأطيل القيام في الركعتين الاوليين من الصلاة الرباعية وأخفف في الاخريين. وهي من ركد بمعنى سكن (لسان العرب)، الرياض النضرة 393. (*)

[ 817 ]

في القضية، ولا يقسم بالسوية، فقال سعد: اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره وأشد فقره، وأعم بصره، واعرض عليه الفتن. قال عبد الملك (بن عمير (1)): فأنا رأيته بعد كبيرا فقيرا ذاهب البصر، فقال له: كيف أنت يا أبا سعد ؟ فيقول: (شيخ (2)) كبير فقير مفتون أجيبت في دعوة سعد (3). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا ثابت، عن هلال بن أمية: أن عمر رضي الله عنه استعمل عياض بن غنم (4) على الشام، فبلغه، أنه اتخذ حماما، واتخذ نوابا، فكتب إليه أن يقدم عليه، فقدم، فحجبه ثلاثا، ثم أذن له، ودعا بجبة صوف فقال: البس هذه، وأعطاه كنف (5) الراعي وثلاثمائة شاة، وقال: انعق بها، فنعق بها، فلما جاوز هنيهة قال: أقبل، فأقبل يسعى حتى أتاه، فقال: اصنع بها كذا وكذا، اذهب. فذهب حتى إذا تباعد ناداه يا عياض أقبل، فلم يزل يردده حتى عرقه في جبته، قال: أوردها علي يوم كذا وكذا، فأوردها لذلك اليوم، فخرج عمر رضي الله عنه إليه فقال: انزع عليها. فاستقى حتى ملا الحوض فسقاها، ثم قال، انعق بها فإذا كان يوم كذا فأوردها،


(1) الاضافة عن الرياض النضرة 773، وهو الراوي عن جابر. (2) الاضافة عن المرجع السابق. (3) وانظر أسد الغابة 2: 292، والاصابة 2: 30. (4) هو عياض بن غنم بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن ضبة بن الحارث ابن فهر الفرسي " وانظر ترجمته في الاصابة 3: 50. (5) كنف الراعي: وعاء طويل يكون فيه متاع الراعي وأدواته (اللسان - التاج - محيط المحيط). (*)

[ 818 ]

فلم يزل يعمل به حتى مضى شهران، قال: فاندس إلى امرأة عمر رضي الله عنها وكان بينه وبينها قرابة، فقال: سلي أمير المؤمنين فيم وجد علي ؟ فلما دخل عليها قالت: يا أمير المؤمنين فيم وجدت على عياض ؟ قال: يا عدوة الله، وفيم أنت وهذا، ومتى كنت تدخلين بيني وبين المسلمين ؟ إنما أنت لعبة يلعب بك، ثم تتركين. قال: فأرسل إليها عياض: ما صنعت ؟ فقالت: وددت أني لم أعرفك ما زال يوبخني حتى تمنيت أن الارض انشقت فدخلت فيها، قال: فمكث ما شاء الله ثم اندس إلى عمثان رضي الله عنه فقال: سله فيم وجد علي ؟ فقال: يا أمير المؤمنين فيم وجدت على عياض ؟ فقال: إنه مر إليك عياض فقال: شيخ من شيوخ قريش، قال فتركه بعد ذلك شهرين أو ثلاثة ثم دعاه، فقال: هيه، اتخذت نوابا، واتخذت حماما، أتعود ؟ قال: لا، قال: ارجع إلى عملك (1). * حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن حارثة قال: بعث عمر رضي الله عنه شرحبيل بن السمط (2) - وكان ممن شهد اليرموك - على جيش، فلما نزل بهم قال: عزمت عليكم لما أخبرتموني بكل ذنب أذنبتموه ؟ فجعلوا يعترفون بذنوبهم، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال: ما له لا أم له، يعمد إلى ستر ستره الله فيهتكه ؟ والله لا يعمل لي عملا أبدا.


(1) وانظر مناقب عمر لابن الجوزي 123، وشرح نهج البلاغة 12: 23. (2) هو شرحبيل بن السمط بن الاسود - أو الاعور - بن جبلة بن عدي بن ربيعة ابن معاوية الكندي - أبو يزيد - قيل له صحبة وأنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ثم شهد القادسية، وانظر ترجمته في الاصابة 2: 142، وأسد الغابة 2: 392. (*)

[ 819 ]

* حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا أبو جميع سالم ابن راشد قال، حدثنا الحسن قال: استعمل عمر رضي الله عنه مجاشع ابن مسعود (1) على عمل، فبلغه أن امرأته تحدث (2) بيوتها، فكتب إليه عمر رضي الله عنه: من عبد الله أمير المؤمنين إلى مجاشع بن مسعود، سلام عليك أما بعد فإنه بلغني أن الخضيراء تحدث بيوتها، فإذا أتاك كتابي هذا فعزمت عليك ألا تضعه من يديك حتى تهتك ستورها. قال: فأتاه الكتاب والقوم عنده جلوس، فنظر في الكتاب فعرف القوم أنه قد أتاه بشئ كرهه، فأمسك الكتاب بيده ثم قال للقوم: انهضوا فنهضوا: ولا والله ما يدرون إلى ما ينهضهم، فانطلق بهم حتى انتهى إلى باب داره فدخل، فلقيته امرأته فعرفت الشر في وجهه فقالت له: ما لك ؟ فقال: إليك عني، فقد أرمضتني، فذهبت المرأة، وقال للقوم: ادخلوا، فدخل القوم، فقال: فليأخذ كل رجل منكم ما يليه من هذا النحو واهتكوا، قال: فهتكوها جميعا حتى ألقوها إلى الارض، والكتاب في يده لم يضعه بعد * حدثنا أبو بكر العليمي، عن علي بن محمد، عن حبان ابن موسى، وعلي بن مجاهد، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي قال: أوفد سعد بن أبي وقاص جرير بن عبد الله (3) إلى عمر رضي الله عنه، فقال له الاشعث بن قيس: إن استطعت أن تنال من شرحبيل


(1) هو مجاشع بن مسعود بن ثعلبة بن وهب بن عائذ بن ربيعة بن يربوع بن سماك ابن عوف بن امرئ القيس السلمي. قيل له صحبة، وانظر ترجمته في: الاصابة 3: 342، وأسد الغابة 4: 300. (2) أي تجدد بيوتها. (3) هو جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجلي (الكامل لابن الاثير 3: 278). (*)

[ 820 ]

ابن السمط عند عمر فافعل، وكان شرحبيل قد شرف بالكوفة، وكان أثيرا عند سعد فغم ذلك الاشعث، فلما قدم جرير على عمر رضي الله عنه سأله عن الناس، فقال: هم كقداح الحصير فيها الاعضل الطائش والقائم الرائش، وسعد أمامها يقيم ميلها ويعمر عضاها، وقد قال قائل. قال: وما قال القائل ؟ قال، قال: ألا ليتني والمرء سعد بن مالك * وزبراء وابن السمط في لجة البحر فيغرق أصحابي وأخرج سالما * على ظهر قرقور أنادي أبا بكر (1) قال عمر رضي الله عنه: أقد فعلها ؟ وكيف طاعة الناس له ؟ قال: يقيمون الصلاة لوقتها، ويؤتون الزكاة ولاتها، قال: الله أكبر، إذا أقيمت الصلاة، وأوتيت الزكاة كانت الطاعة. وكتب إلى سعد: أن احمل إلي (زبراء وشرحبيلا فأرسلهما فأمسك زبراء (2)) عنده بالمدينة، وحمل شرجبيل إلى الشام فشرب بها. * حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا سعيد بن عبد العزيز: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغزى جيشا فغزا فيهم فتى كان يدنو من عمر رضي الله عنه ويألفه، فأوصى به عمر صاحب البعث خيرا، فكان معه، فراودته جارية لصاحب الجيش أو لرفيق له عن نفسها فامتنع عليها، فأخذت نفقة لسيدها فجعلتها في عيبة الفتى، فافتقدها صاحبها فوجدها في عيبة الفتى، فقطع يده، ثم أراد حسمها بالنار فامتنع عليهم فمات، فلما قفل الجيش سأل عمر رضي الله عنه عن الفتى، فأخبروه بأمره،


(1) القرقور: السفينة الطويلة، وقيل العظيمة (أقرب الموارد). (2) ما بين الحاصرتين سقط في الاصل، والمثبت عن الكامل لابن الاثير 3: 278. (*)

[ 821 ]

قال: وبيد عمر رضي الله عنه عصا، فجعل يضرب بها الارض ويقول والله ما زنى وما سرق، والله ما زنى وما سرق ؟ هل كانت معكم جارية ؟ قالوا: نعم، قال: ايتوني بها، فأتوه بها، فسألها، فاعترفت فأمر بها عمر رضي الله عنه فقتلت به. قال سعيد: فمن يومئذ قال عمر رضي الله عنه: لا يقطع إلا إمام. قال سعيد: وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من استعملناه منكم فليجعل الرفق. يعني العدل والامانة (.... (1)) (مسير عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى الشام) * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال، حدثنا يونس، عن الحسن قال، قال عمر رضي الله عنه: لئن عشت - إن شاء الله - لاسيرن في الرعية حولا، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني، إما هم فلا يصلون إلي، وإما عمالهم فلا يرفعونها إلي، فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين (ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين (2) ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين (ثم أسير إلى البصرة فاقيم بها (2)) شهرين، والله لنعم الحول هذا. * حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، سمعت يحيى بن سعيد يقول، سمعت القاسم بن محمد يقول، سمعت أسلم مولى عمر رضي الله عنه يقول: خرجت مع عمر رضي الله عنه وهو يريد الشام حتى إذا دنا أناخ فذهب لحاجة له، قال أسلم: فطرحت فروتي


(1) بياض بالاصل بمقدار كلمتين. (2) سقط في الاصل والاضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 123، والكامل لابن الاثير 3: 56 وتاريخ الطبري ق 1 ح‍ 5: 2738، وشرح نهج البلاغة 12: 61. (*)

[ 822 ]

بين شعبتي رحلي، فلما فرغ عمر رضي الله عنه عمد إلى بعيري فركبه، وركب أسلم بعير عمر رضي الله عنه فخرجا يسيران حتى لقيهما أهل الارض، قال: فلما دنوا أشرت لهم إلى أمير المؤمنين، فجعلوا يتحدثون بينهم، فقال عمر رضي الله عنه: تطمح أبصارهم إلى مراكب من لا خلاق له (1). * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: خرجت مع عمر رضي الله عنه إلى الشام حتى إذا كنا ببعض الطريق نزل للصبح، ونزلت معه، فذهب لحاجته - وكان إذا ذهب أبعد - ثم جاء فناولته إداوة من ماء فتوضأ، ثم صلى، فلما أردنا أن نركب قال: هل لك أن تركب جملي وأركب جملك يا أبا خالد ؟ ولكنه جمل يقبض، قال، قلت: وما يقبض ؟ قال: يضرب بيديه فلا ينشب - أي ينقب -، وهو جمل رجل أقث لم يثقل حواياه الشحم قال: ثم لقينا أهل الارض يشتدون، قالوا: أين أمير المؤمنين ؟ قال: أمامكم، قال: فانصرفوا قال: ما إخالنا إلا قد كربناهم، نادهم، فناديتهم فرجعوا، فقلت: هذا أمير المؤمنين، فكأنما ضربت وجوههم فانصرفوا، فقال: هل ترى ما أرى يا أبا خالد ؟ فقلت: وما أرى يا أمير المؤمنين ؟ فقال: لم ير هؤلاء على صاحبك ثياب قوم غضب الله عليهم فيها، ثم تزدرينا أعينهم، قال: فلقينا الناس فقيل له: يا أمير المؤمنين: إنك تقدم على أهل الارض


(1) قال ابن الجوزي في مناقب عمر 152 " " كأن عمر يريد مراكب العجم " وانظر متنخب كنز العمال 4: 417. (*)

[ 823 ]

وعلى قوم حديثي عهد بكفر، فلو ركبت دابة غير دابتك هذه ؟ ! قال: فأتي ببرذون (1) فركبه، فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترا، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي، ايتوني بقعودي فركبه، وأخر الناس عنه، قال: فطلع أبو عبيدة على جمل خطامه حبل أسود، فلما رآه قال: مرحبا هذا أخي، مرحبا هذا رجل لم تغيره الدنيا، قال: فما زال يقول مرحبا حتى جاء. * حدثنا بشر بن عمر، قال حدثنا مالك بن أنس، عن زيد ابن أسلم عن أبيه قال: خرجت مع عمر رضي الله عنه إلى الشام، فلما كنا في أدنى الريف ودنونا منه، ذهب عمر رضي الله عنه لحاجته - وكان إذا ذهب لحاجته أبعد - فجاء وقد قلبت فروتي فألقيتها بين شعبتي الرحل، فركب بعيري وركبت بعيره، فلما خطا به البعير قال: يا أسلم بجملك هذا قباض، قلت: لا أدري، قال: بلى، ولا يصلحه إلا رجل لم يثقل حواياه الشحم، فسرنا حتى لقينا الناس، فجعلوا يسألون عنه فأقول: أمامكم فيبعدون على وجوههم، فقال لي: يا أسلم قد أكثرت فأخبرهم، فقلت: هذا فاطلع أناس فقالوا: أمير المؤمنين ؟ فقلت: هذا. فجعلوا يتواطأون فيما بينهم، فقال: إن هؤلاء لا يرون علينا برد قوم غضب الله عليهم فيها، وأعينهم تزدرينا، ثم سار حتى لقيه عمرو بن العاص وأمراء الاجناد، فتحدث معهم ثم قال عمرو: يا أمير المؤمنين، إنك تقدم


(1) البرذون: دابة دون الخيل وأقدر من الحمر، يقع على الذكر والانثى (شرح نهج البلاغة 12: 37). (*)

[ 824 ]

على قوم حديثي عهد بكفر، قال: فمه ؟ قال: يؤتى بدابة فتركبها، قال: ما شئتم، قال: (فأتي (1)) ببرذون فركبه، فجعل البرذون يحركه، فجعل عمر رضي الله عنه يضربه ويضرب وجهه قلا يزيده إلا مشيا فقال سائس الدابة: ما ينقم أمير المؤمنين منه ؟ ثم نزل فقال: ما حملتموني إلا على شيطان، وما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي قربوا بعيري، فركبه ثم اعتزل الناس، فسار حتى لقيه أبو عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه على بعير قد خطمه بحبل أسود. فلما رآه عمر رضي الله عنه قال: أخي لعمري لم تغيرك الدنيا بعدي ودخلا. * حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن أبي إسحاق الشيباني، عن بشير بن عمرو قال: أتي عمر رضي الله عنه ببرذون فركبه منطلقا إلى الشام، فلما هزه خلجه (2) فنزل عنه، وقال قبح الله من عملك هذا (3). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: ركب عمر رضي الله عنه برذونا فهزه فنزل عنه وقال: ما يصلح هذا إلا لصاحب يأتي عليه الغائط * حدثنا موسي بن مروان الرقي قال، حدثنا المعافى بن عمران، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز (المكي عن أبي الغالية الشامي (4)) من


(1) الاضافة للسياق. (2) خلجه: حركه بشدة (القاموس المحيط - أقرب الموارد). (3) وانظره في البداية والنهاية لابن كثير 7: 57، وتاريخ الطبري ق 1 ج 5: 2407. (4) الاضافات عن البداية والنهاية 7: 56 ومناقب عمر لابن الجوزي ص 151. (*)

[ 825 ]

أهل دمشق - أن عمر رضي الله عنه قدم عليهم الشام على جمل أورق بين عمودين، تلوح صلعته في الشمس، لا حقبة ولا خشبة، تصطفق رجلاه، ليس له ركابان، وطاؤه فروة كبش كرمى ذات صوف، هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، وحقيبة نمرة أو شملة محشوة ليفا هي وسادته إذا نزل وحقيبته إذا ركب، قال له رأس القرية: أنت ملك العرب وهذه دابة لا تصلح لهذا البلد، فأتي ببرذون فطرحت عليه قطيفة، فركب بغير سرج فأهزته، فقال: أمسك أمسك، أدن جملي، ما شعرت أن الناس يركبون الشياطين قبل يومي هذا، فدعي بجمله فركبه (1). * حدثنا عبيد بن قتادة قال، حدثنا عطاء بن مسلم، عن محمد بن سوقة، عن ابن صالح قال: قدم عمر رضي الله عنه الجابية (2) على بعير أحمر مقتب بقتب مشتملا بعباءة قطوانية، خطام بعيره في يده اليمنى، وفي يساره نمرة (3). * حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن سالم بن عجلان قال: لما قدم عمر رضي الله عنه الشام فلقيه العجم من أهل الشام فيقولون: أين أمير المؤمنين ؟ فيقولون: قدامكم حتى جاوزوه فسألوا: فقيل هذا أمير المؤمنين فرجعوا فنظروا إليه في رجل أو اثنين أو ما شاء الله، فقالوا: هذه والله الرهبانية،


(1) وانظره في البداية والنهاية 7: 59، وشرح نهج البلاغة 12: 37، ومناقب عمر لابن الجوزي 151. (2) الجابية: قرية من عمل دمشق (ياقوت - معجم البلدان) (3) النمرة: شملة أو بردة، فيها خطوط بيض وسود من صوف تلبسها الاعراب (تاج العروس). (*)

[ 826 ]

لا رهبانيتكم، قال: ولقيه معاوية رضي الله عنه على برذون فنزل ومشى معه وتغافل عنه عمر رضي الله عنه، فقيل له: يا أمير المؤمنين جهدت الرجل، إنه بادن، فقال: دعه، حتى بلغ من ذلك ما أراد، ثم أمره فركب. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، سمعت أبا عبد الله محمد بن سليمان بن عطاء بن قيس الحراني قال، حدثني أبي سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مسجعة بن ربعي الجهني (1) قال: لما قدم عمر رضي الله عنه الجابية لغرض الخراج - وذلك بعد وقعة اليرموك - شهدته دعا بكرسي من كراسي الكنيسة فقام عليه فقال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: " أيها الناس أكرموا أصحابي فإن خياركم أصحابي ألا ثم الذين يلونهم ألا ثم الذين يلونهم ألا ثم يظهر العرب ويكثر الحلف حتى يحلف (الحالف (2)) وإن لم يستحلف، ويشهد (الشاهد وإن لم (2) يستشهد، ألا فمن أراد بحبوحة الجنة فعليكم بالجماعة، الجماعة تدرئكم على الجماعة، ألا وإن الشيطان ذنب بني آدم وهو مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ألا لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له إلا كان الشيطان ثالثهما، ألا ومن ساءته سيئاته وسرته حسناته فهو مؤمن، قمت فيكم بقدر ما قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ارتحل حتى نزل أذرعات (3) وقد ولى على الشام يزيد بن أبي


(1) الاضافة عن الاصابة 4: 190، وقد ورد الخبر فيه من رواية ابن شبة. (2) الاضافات عن منتخب كنز العمال 4: 339. (3) أذرعات: بالفتح ثم السكون وكسر الراء بلد في طرف الشام (مراصد الاطلاع 1: 47). (*)

[ 827 ]

سفيان فدعا بغدائه، فلما فرغ من الثريد رفع، فوضعت بين يديه قصعة أخرى فصاح فقال: ما هذا ؟ فأرسل يزيد إلى معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه - وكان صاحب إمرة - فقال معاوية رضي الله عنه: ما الذي أنكرت يا أمير المؤمنين ؟ قال: ما بالي توضع بين يدي قصعة وترفع أخرى ؟ قال: إنك هبطت أرضا كثيرة الاطعمة فخفت عليك وخامتها، فأشر إلي إن شئت حتى ألزمكه، فأشار إلى الثريد. فقام قسطنطين - وهو صاحب بصرى - بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين: إن أبا عبيدة قد فرض علي الخراج، فاكتب له به، فأنكر عمر ذاك وقال: فما فرض عليك ؟ قال: فرض علي أربعة دراهم وعباءة على كل جلهمة - يعني الجماجم (1) - فقال عمر رضي الله عنه لابي عبيدة: ما يقول هذا ؟ قال: كذب، ولكني صالحته على ما ذكر ليستمتع به المسلمون في شتائهم هذا، ثم تقدم أنت فتكون الذي يفرض عليهم الخراج، فقال عمر رضي الله عنه: أبو عبيدة أصدق عندنا منك، فقال قسطنطين: صدق أبو عبيدة، وكذبت أنا. قال: ويحك، فماذا أردت بمقالتك ؟ قال: أردت أن أخدعك، ولكن افرض علي يا أمير المؤمنين الآن، قال: فجاثاه النبطي مجاثاة الخصم عامة النهار، ففرض على الغني ثمانية وأربعين وعلى الوسط أربعة وعشرين، وعلى الناس اثني عشر درهما، وشرط عليه عمر رضي الله عنه أن يشاطرهم منازلهم فينزل فيها المسلمون، وعلى أن لا يضربوا بناقوس ولا يرفعوا صليبا إلا في جوف كنيسة، وعلى أن لا يحدثوا كنيسة إلا ما في أيديهم، وعلى أن لا يمر خنزير


(1) وفي تاج العروس 8: 241 " العرب يسمون الرجل جلهمة والمرأة جلهم ". (*)

[ 828 ]

بين أظهر المسلمين، وعلى أن يقروا ضيفهم يوما وليلة، وعلى أن يحملوا راجلهم من رستاق (1) إلى رستاق، وعلى أن يناصحوهم ولا يغشوهم، وعلى أن لا يمالئوا عليهم عدوا، فمن وفى وفينا له، ومنعناه مما نمنع منه نساءنا وأبناءنا، ومن انتهك شيئا من ذلك استحللنا بذلك سفك دمه وسباء أهله وماله، فقال له قسطنطين: يا أمير المؤمنين اكتب لي به كتابا (2)، فقال: نعم، ثم وكد عمر رضي الله عنه فقال: إلا أن أستثني عليك ميرة الجيش، فقال له النبطي: لك ثنياك، وقبح الله من أقالك. فلما فرغ قال له قسطنطين: يا أمير المؤمنين، قم في الناس فأعلمهم كتابك لي ليتناهوا عن ظلمي، والعسار علينا، فقام عمر رضي الله عنه فخطب خطبة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ " من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له " قال النبطي: إن الله لا يضل أحدا، فقال عمر رضي الله عنه ما يقول ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين شئ تكلم به، فعاد عمر رضي الله عنه في الخطبة وعاد النبطي، فقال عمر رضي الله عنه: أفترون ما يقول ؟ قالوا: يقول إن الله لا يضل أحدا. فقال عمر رضي الله عنه: والذي نفسي بيده لئن عدت لها لاضربن الذي فيه عيناك، فمضى عمر رضي الله عنه في خطبته. فلما فرغ قام إليه قسطنطين فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فاقضها لي فإن لي عليك حقا. قال: ما حقك علينا ؟ قال: إني أول من أقر بالصغار، قال: وما حاجتك ؟ إن كان لك فيها منفعة فعلنا. قال غدا (3) عندي أنت وأصحابك، قال


(1) الرستاق: والجمع رساتيق وهي قرى السواد (تاج العروس - محيط المحيط). (2) وانظر تاريخ دمشق لابن عساكر 178، 179. (3) كذا بالاصل ولعلها " غداؤك عندي أنت ". (*)

[ 829 ]

عمر رضي الله عنه: ويحك إن ذلك يضرك. قال: ولكنها مكرمة وشرف أناله. قال: انطلق فتهيأ حتى نأتيك، فانطلق فتهيأ في كنيسة بصرى ونجدها وهيأها وهيأ فيها الاطعمة وقباب الخبيص وكانونا عليه المجمر، فلما جاء عمر رضي الله عنه وأصحابه نزل في بعض البيادر، ثم خرج يمشي وتبعه الناس والنبطي بين يديه، ثم بدا لعمر رضي الله عنه فقال: لا يتبعني أحد، ثم مضى هو والنبطي، فلما دخل الكنيسة إذا هو بالستور والبسط وقباب الخبيص والمجمر، فقال للنبطي: ويلك لو نظر من خلفي إلى ما ها هنا، أفسدت علي قلوبهم، اهتك ما أرى، قال: يا أمير المؤمنين: إني أحب أن تنظروا إلى نعمة الله علي. فقال له: إن أردت أن نأكل طعامك فاصنع ما آمرك، فهتك الستور ونزع البسط، وأخرج عنه المجمر، ثم قال له: اخرج إلى رحالنا فأتني بأنطاع، فأخذها عمر رضي الله عنه فبسطها في الكنيسة، ثم عمد عمر رضي الله عنه إلى ذلك الخبيص وما كان هنا فعكس بعضه على بعض، فجعل يحمل بيديه ويجعله على الانطاع، ثم قال: ادع الناس، فجاؤوا فجثوا على ركبهم وأقبلوا يأكلون، فربما وقعت القطعة من الخبيص في فم الرجل فيقول: إن هذا طعام ما رأيناه، فقال عمر رضي الله عنه (لقسطنطين (1)): ويحك أما تسمع ؟ كيف لو رأوا ما رأيت ؟ ! فلما فرغوا قال النبطي لمعاوية رضي الله عنه: إن الاحبار والرهبان قد اجتمعوا، فهم يريدون أن ينظروا إلى أمير المؤمنين، وإنما عليه أخلاق وسخه مهلهلة فلنحدثه عنها فنعيره ثيابا غير هذه حتى يقضي


(1) إضافة للتوضيح. (*)

[ 830 ]

جمعته. فقال له معاوية رضي الله عنه: أما أنا فلا أدخل في هذا بعد إذ نجوت منه أمس، فقال له النبطي: يا أمير المؤمنين ثيابك قد اتسخت فإن رأيت أن تعطينا (إياها (1)) تغسلها ونرمها ؟ قال: نعم، فدفع إليه ثيابه واتزر بكساء، فعمد النبطي فغسل الثياب وتركها في الماء، ثم هيأ له قميصا مرويا ورداء قصيبا، فلما حضرته الجمعة قال له عمر رضي الله عنه ايتني بثيابي، قال يا أمير المؤمنين ما جفت، فنحن نعيرك ثوبين حتى تقضي جمعتك، قال: أرني، فلما نظر إلى القميص قال: ويحك كأنما رفي رفوا اغربهما عني وأتني بثيابي. فجاء بها تقطر، فجعل يتناولها، وجعل النبطي يأخذ بطرف الثوب وعمر رضي الله عنه بالطرف الآخر، فجعل يعصرها ويلبسها، ثم دعا بكرسي من كراسي الكنيسة فقام عليه وجعل يخطب الناس وهو يمسح ثيابه ويمددها - قال فسألته أي شئ كانت ثيابه ؟ قال غزلي كتان - وجاءت الرهبان فقاموا وراء الناس وعليهم القلانس تبرق بريقا ومعهم عصي عليها صفائح الفضة ومعهم المواكب، فلما نظروا إليه وإلى هيئته قالوا: أنتم الرهبان. لا والله. ولكن هذه الرهبانية ؟ ! وما أنتم عنده إلا ملوك. ثم ارتحل حتى أتى دمشق فشاطرهم منازلهم وكنائسهم، وجعل يأخذ الحيز القبلي من الكنيسة لمسجد المسلمين لانها أنظف وأطهر وجعل يأخذ هو بطرف الحبل والنبطي بطرف الحبل حتى شاطرهم منازلهم، قال: فربما أرخى فأخذ الحبل منه فأعقبه، ففرغ عمر رضي الله عنه من دمشق وحمص.


(1) في الاصل " أن تعطينا أن نغسلها ". (*)

[ 831 ]

وبعث أبا عبيدة إلى قنسرين (1) وحلب ومنبج (2) ففعل بهم كما فعل عمر رضي الله عنه. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: لما نزل رضي الله عنه جاءه صاحب الارض فأعطاه عمر رضي الله عنه قميصه ليغسله ويرفوه، وفي عاتقه خرق، فانطلق به فغسله ثم رقعه، وقطع قميصا جديدا آخر فأتاه به، وقد أعد قميصه فأعطاه الجديد فرآه عليه وقال ايتني بقميصي فناوله إياه. * حدثنا أحمد بن جناب قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل، عن قيس قال: لما أتى عمر رضي الله عنه الشام أتي ببرذون فقيل اركبه يا أمير المؤمنين ليراك عظماء الارض، قال: وإنكم لهناك ! إنما الامر ها هنا وأشار إلى السماء، خلوا سبيل جملي (3). * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن إسماعيل بن عياش قال، حدثني يحيى الطويل، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: بلغ عمر رضي الله عنه أن يزيد ابن أبي سفيان يأكل ألوان الطعام، فقال لمولى له يقال له يرفأ: إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمني، فلما حضر عشاؤه أعلمه،


(1) قنسرين: مدينة بينها وبين حلب مرحلة. (مراصد الاطلاع 3: 1126). (2) منبج: بلد قديم بينه وبين الفرات ثلاثة فراسخ وإلى حلب عشرة فراسخ (مراصد الاطلاع 3: 1316). (3) وانظر فيه منتخب كنز العمال 4: 413، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 155، وسيرة عمر 2: 443، وحلية الاولياء 1: 47. (*)

[ 832 ]

فأتاه عمر رضي الله عنه فاستأذن فأذن له، فدخل فقرب عشاءه فجاء بثريد لحم فأكل عمر رضي الله عنه منها، ثم قرب شواء فبسط يزيد يده وكف عمر رضي الله عنه يده، ثم قال: الله يا يزيد ابن أبي سفيان، أطعام بعد الطعام ؟ ! والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم (1). * حدثنا موسى بن مروان الرقي قال، حدثنا المعافى بن عمران عن أبان البجلي، عن أبي بكر بن حفص: أن عمر رضي الله عنه غزا إلى الشام وعليها يزيد بن أبي سفيان فدعاه إلى طعامه فإذا بيت مستور، فوضع عمر رضي الله عنه طيلسانه ثم طفق بتلك الستور يقطعها، وأخذ الآخر يقول: أعوذ بالله من غضب الله وغضب أمير المؤمنين، فقال: ويحك أتلبس الحيطان ما لو ألبسته قوما من الناس لسترهم من الحر والقر ؟ ! * حدثنا سعيد بن عامر قال، حدثنا جويرية بن أسماء قال، بعضه عن نافع وبعضه عن رجل من ولد أبي الدرداء قال: دخل أبو الدرداء رضي الله عنه مالا له. ومعه ناس من أصحابه فطافوا فيه، فلما خرجوا قال: كيف رأيتم ؟ قالوا: ما رأينا كاليوم مالا أحسن، قال: فإني أشهدكم أن ما خلفت خلف ظهري في سبيل الله، وإن ذلك إلى أمير المؤمنين يضعه حيث رأى، ثم أتى عمر رضي الله عنه فاستأذنه في أن يأتي الشام، قال: لا آذن لك إلا أن تعمل، قال: فإني لا أعمل، قال عمر رضي الله عنه: فإني لا آذن لك، قال: فإني أنطلق فأعلم الناس سنه نبيهم صلى الله عليه وسلم، وأصلي بهم،


(1) وانظر فيه مناقب عمر لابن الجوزي ص 180، ومنتخب كنز العمال 4: 402. (*)

[ 833 ]

قال: وكان الناس إذا كان الصيف تفرقوا في المغازي، وإذا كان الشتاء اجتمعوا في الشتاء فصلى بهم أبو الدرداء رضي الله عنه، فأتاهم عمر رضي الله عنه وقد اجتمعوا في الشتاء، فلما كان قربيا منهم أقام حتى أمسى، فلما جنه الليل قال: يا يرفأ انطلق بنا إلى يزيد ابن أبي سفيان أبصره عنده سمار ومصباح مفترشا ديباجا وحريرا من فئ المسلمين، تسلم عليه لا يرد عليك وتستأذن عليه فلا يأذن لك حتى يعلم من أنت، فإذا علم من أنت - فذكر جويرية كراهيته، ولم يحفظ أبو محمد لفظه - قال: فانطلقنا حتى انتهينا إلى بابه، فقال: السلام عليكم، قال: وعليك، قال: أدخل، قال: ومن أنت ؟ قال يرفأ: هذا من يسوؤك، هذا أمير المؤمنين. ففتح الباب فإذا سمار ومصباح وإذا هو مفترش ديباجا وحريرا من فئ المسلمين. فقال عمر رضي الله عنه: يا يرفأ: الباب الباب، ووضع الدرة بين أذنيه ضربا، ثم كور المتاع فوضعه في وسط البيت، ثم قال للقوم: لا يبرحن منكم أحد حتى أرجع إليكم، ثم خرجنا من عنده فقال: يا يرفأ انطلق إلى عمرو بن العاص أبصره عنده سمار ومصباح مفترشا ديباجا وحريرا من فئ المسلمين ؟ تسلم عليه فيرد عليك وتستأذن عليه فلا يأذن لك حتى يعلم من أنت، فإذا علم - ذكر جويريه: مشقة ذلك على عمرو رضي الله عنه وذكر حلفه واعتذاره، قال عمر رضي الله عنه: والله يعلم إنه على غير ذلك - قال: فانتهينا إلى بابه، فقال عمر رضي الله عنه: السلام عليكم، قال: وعليك، قال: أدخل ؟ قال: ومن أنت ؟ قال يرفأ: هذا من يسوؤك، هذا أمير المؤمنين، فقتح الباب، فلما دخل إذا سمار ومصباح وإذا هو مفترش

[ 834 ]

ديباجا وحريرا من فئ المسلمين، فقال عمر رضي الله عنه: يا يرفأ: الباب الباب، ووضع الدرة بين أذنيه ضربا، وجعل عمرو رضي الله عنه يحلف ثم كور المتاع فوضعه في وسط البيت، ثم قال للقوم لا يبرجن منكم أحد حتى أعود إليكم، ثم خرجا من عنده فقال عمر رضي الله عنه: يا يرفأ انطلق بنا إلى أبي موسى أبصره عنده سمار ومصباح مفترشا صوفا من فئ المسلمين، فتسلم عليه فيرد عليك، وتستأذن عليه فلا يأذن لك حتى يعلم من أنت، فإذا علم من أنت قال: إن أهل البلد زعموا أن خيرا له أن يلبس، فانطلقنا حتى إذا قمنا على بابه قال: السلام عليك، قال: وعليك، قال: أدخل ؟ قال: ومن أنت ؟ قال يرفأ: هذا من يسوؤك، هذا أمير المؤمنين، ففتح الباب فإذا سمار ومصباح وإذا هو مفترش صوفا من فئ المسلمين فقال يا يرفأ: الباب، ثم وضع الدرة بين أذنيه ضربا وقال: وأنت أيضا يا أبا موسى ؟ قال: يا أمير المؤمنين، أوقد رأيت ما صنع أصحابي، أما والله لقد أصبت مثل الذي أصابوا، قال: فما هذا ؟ قال: زعم أهل البلد أن خيرا له أن يلبس، قال فكور المتاع ووضعه وسط البيت، ثم قال للقوم لا يبرحن منكم أحد حتى أعود إليكم، فلما خرجنا من عنده قال: يا يرفأ انطلق بنا إلى أخي أبصره ليس عنده سمار ولا مصباح ليس لبابه غلق، يفترش بطحاء يبوسة (ووسادة) برذعة، عليه كساء رقيق، قد أرهقه (1) البرد، فسلم عليه فيرد عليك، وتستأذن عليه فيأذن لك قبل أن يعلم من أنت، فانطلقنا حتى إذا قمنا على بابه قال: السلام عليكم، قال وعليك،


(1) كذا في الاصل. والمعنى حمله البرد ما لا يطيقه (القاموس المحيط). (*)

[ 835 ]

قال أدخل: ؟ قال: ادخل، فدفع الباب فإذا ليس عليه غلق، فدخلنا إلى بيت مظلم، فجعل عمر رضي الله عنه يلمسه حتى وقع عليه فجس وساده فإذا هي برذعة وجس فراشه فإذا بطحاء، وجس دثاره فإذا كساء رقيق. فقال أبو الدرداء رضي الله عنه من هذا ؟ أمير المؤمنين ؟ قال: نعم، قال: أما والله لقد استبطأتك منذا العام، فقال عمر رضي الله عنه: رحمك الله، ألم أوسع عليك ؟ ألم أفعل بك ؟ فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: أتذكر حديثا حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: أي حديث ؟ قال: " ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب " قال: نعم. قال: فماذا فعلنا بعده يا عمر ؟ قال: فما زالا يتجاوبان بالبكاء حتى أضحيا. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني غسان بن عبد الحميد قال: لما قدم عمر رضي الله عنه الشام غدا هو وبلال مولى أبي بكر رضي الله عنهما، فاستأذن بلال على أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فقال: أدخل ؟ قال: ادخل، قال: أنا ومن معي ؟ قال: أنت ومن معك، فدخل عمر وبلال رضي الله عنهما فوجدا أبا عبيدة رضي الله عنه جالسا على خص ليس في بيته غيره، ورآه عمر رضي الله عنه في حال شديدة اشتدت عليه، فكلمه في بعض ذلك. فقال: كفاك ما بلغك المقيل، ثم خرجنا من عنده فذهبنا إلى منزل خالد ابن الوليد رضي الله عنه، فاستأذن بلال رضي الله عنه فقال: أدخل أنا ومن معي ؟ قال: ادخل أنت ومن معك، فدخلا فوجدا خالدا يصلح نبلا له، ورأى عمر رضي الله عنه في بيته صندوقا فظن أن فيه مالا، ففتحه عمر رضي الله عنه فإذا فيه أدراع من حديد فسكت

[ 836 ]

وخرج هو وبلال رضي الله عنهما حتى وقفا على باب عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقال بلال رضي الله عنه: أدخل ؟ قال: ادخل. قال: أدخل أنا ومن معي ؟ قال: لا، قال: أأدخل أنا ومن معي ؟ قال: لا يدخل من معك ولو كان عمر بن الخطاب، فرجعنا عن بابه ولم يدخلا. * حدثنا محمد بن أبي أسامة الرقي قال، حدثني أبي، عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الاصم قال: خرج عمر رضي الله عنه ومعه بلال المؤذن رضي الله عنه فجعل يأتي بيوت ناس من العمال فيستأذن فإذا أذن له قال: أنا ومن معي، قال فيدخل عمر رضي الله عنه، وهو متنكر فيفتش بيوتهم. فدخل على خالد بن الوليد رضي الله عنه ففتش بيوته فلم يجد ألا متاع الغازي فقال خالد رضي الله عنه: أما والله لولا الله الاسلام ما فتشت بيت رجل بعدي، فكانت ميمونة إذا ذكرت خالدا قالت: فداك أبي وأمي. * حدثنا موسى بن مروان الرقي قال، حدثنا المعافى بن عمران عن صفوان بن عمرو قال، حدثني سليم بن عامر قال: قدم عمر رضي الله عنه الجابية فقضى بين الناس، فلما أظهر توجه إلى أبي عبيدة، ثم قال: نحو منزلك يا أبا عبيدة، فقال: مرحبا وأهلا يا أمير المؤمنين، ثم سبقه أبو عبيدة إلى منزله، فلما دخل قالت امرأة أبي عبيدة: مرحبا يا أمير المؤمنين، قال: فلانة ؟ قالت: نعم فلانة. قال: والذي نفس عمر بيده لاسوأنك. قالت: إياي تعني ؟ وقالت: والله ما تقدر على ذاك، فأعاد عليها مثل قوله، وأعادت عليه مثل قولها، فغضب، فلما رأى أبو عبيدة غضبه،

[ 837 ]

قال: بلى والله يا أمير المؤمنين إنك لتقدر على ذلك، فقالت: والله ما هو على ذلك بقادر، قال عمر رضي الله عنه: إنك لتدلين بدالة. قالت: هل تستطيع أن تسألني الاسلام فتذهب به ؟ قال: لا والله، قالت: فلا والله ما أبالي ما كان بعد، فقال عمر رضي الله عنه: أستغفر الله، ثم سلم فانطلق. قال صفوان: فقلت لسليم: ما كان غضبه عليها ؟ قال: بلغني أن امرأة عظيم دمشق من الاعاجم حين فتحت دمشق أهدت إليها عقدا فيه خرزة لؤلؤ وجزع، لعله لا يساوي إلا ثلاثمائة درهم. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عثمان بن عبد الحميد قال: أرسل عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بخمسمائة دينار، فعمد إليها أبو عبيدة فقسمها كلها، فكانت امرأته تقول: والله لقد كان ضرر دخول تلك الدنانير علينا أكثر من نفعها، ثم إن أبا عبيدة عمد إلى خلق ثوب كنا نصلي فيه فشققه، ثم جعل يصر فيه من تلك (الدنانير (1) الذهب ويبعث بها إلى مساكين، فقسمها عليهم حتى فنيت. * حدثنا هارون بن محمد المخزومي قال، حدثنا محمد بن سعيد بن المفضل، عن أبيه قال، حدثنا الاوزاعي قال: بلغنا أن عمر رضي الله عنه لما بلغته وفاة يزيد - يعني ابن أبي سفيان - لقي أبا سفيان فقال له: يا أبا سفيان احتسب يزيد. قال: فمن وليت مكانه ؟ قال: معاوية. قال: وصلتك رحم، أتقره عليها ؟ قال: نعم. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال: فتوفي عمر ومعاوية - رضي


(1) سقط في الاصل. (*)

[ 838 ]

الله عنهما - على الشام (أربعين سنة، أربع (1) سنين آخر ولاية عمر رضي الله عنه، وأقره عثمان رضي الله عنه، عليها - خلافته - ثنتي عشرة سنة، وقاتل عليا رضي الله عنه خمس سنين، وأقام خليفة ما بين تسع عشرة سنة إلى عشرين، فكان واليا على الشام أربعين سنة وأشهرا (2). * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف: أنه قدم وفد عبد القيس على عمر رضي الله عنه فأذن لهم فدخلوا عليه، فقضى بينهم، وقضى من حوائجهم، فبينا هم كذلك غلبته عينه فقال رجل منهم: ما رأيت امرأ قط خيرا من هذا، فاستيقظ عمر رضي الله عنه فكلمه فقال: أكنت رأيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه ؟ قال: لا، فقال: أما والله لو كنت رأيته لثكلت بك. * حدثنا يزيد بن هارون قال أنبأنا عبد العزيز بن عبد الله ابن أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال عمر رضي الله عنه: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا - يعني بلالا -. * حدثنا الاصمعي قال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: مر عمر رضي الله عنه بقوم يقولون كان أبو بكر رضي الله عنه


(1) سقط في الاصل، والمثبت عن أسد الغابة 4: 385، وأنساب الاشراف 3: 379. (2) وانظر منتخب كنز العمال 5: 273. (*)

[ 839 ]

ولم تكن له مثل شدة عمر، فقال: أيا شر يحيى، أيا ملكعان (1)، أيا كذا.. * حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن ناسا من بني ثعلبة أتوا عمر رضي الله عنه فقالوا: أرضنا (عليها) (2) قاتلنا في الجاهلية، وأسلمنا عليها في الاسلام، حميت علينا، فجعل عمر رضي الله عنه يقول: البلاد بلاد الله، تحمى لنعم مال الله، وما أنا بفاعل، وجعل يفتل شاربه، وكان يفعل ذلك إذا هم (3). * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عمر رضي الله عنه استعمل مولى له يدعي هنيا (4) على الحمي، وقال له: اضمم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة (5) ورب الغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف، وإياي ونعم ابن عفان،


(1) الملكعان: اللئيم، ولا يقال إلا بحرف النداء (سيبويه 2: 324، وأقرب الموارد، وتاج العروس). (2) إضافة يقتضيها السياق. (3) في منتخب كنز العمال 4: 419 عن ابن الزبير قال: كان عمر إذا غضب فتل شاربه. (4) هنى - بالتصغير - مولى عمر رضي الله عنه، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، واستعمله عمر على حمى الربذة، وأخرج ابن سعد عن الواقدي عن عمرو بن عمير ابن هنى عن أبيه عن جده قال: لم يحم أبو بكر شيئا من الارض إلا البقيع، فلما كان عمر وكثر الناس استعملني على حمى الربذة (الاصابة 3: 585 - وسيرة عمر 2: 677). (5) الصريمة: تصغير الصرمة وهي القطعة من الابل. (*)

[ 840 ]

فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الغنيمة ورب الصريمة إن تهلك ماشيته جاءني ببنية فقال: يا أمير المؤمنين أفتاركهم تالله: لا أبالك (1)، فالماء والكلا أهون علي من الذهب والورق، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، وإنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الاسلام، ووالذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا عامر بن صالح قال، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب: أن عمر رضي الله عنه حمى الربذة، وأن عثمان رضي الله عنه حمى السرف (2). * حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد: أن عمر رضي الله عنه كان يحمل في العام الواحد على أربعين ألف بعير، يحمل الرجل إلى الشام على بعير، ويحمل الرجلين (3) إلى العراق على بعير، فجاءه رجل من أهل العراق فقال: احملني وسحيما، فقال له عمر رضي الله عنه: إنشدك الله أسحيم زق (4) ؟ قال: نعم.


(1) وفي الرياض النضرة ص 79 " أفتاركه أنا، وقوله لا أبالك، قال الجوهر: هو مدح، وكذلك لا أم لك. وربما قالوا لا أبالك ومعناه لا كافي لك يشبهك، وقد تذكر أيضا في الذم كقولهم لا أم لك ". (2) السرف - بفتح أوله وكسر ثانيه بعدها فاء: على ستة أميال من مكة، وهناك أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بميمونة مرجعه من مكة حين قضى نسكه، وهناك أيضا ماتت ميمونة (معجم ما استعجم ص 772). (3) وفي منتخب كنز العمال 4: 413 " ويحمل الرجل إلى العراق ". (4) الزق: وعاء للشراب وغيره، من جلد يجز شعره ولا ينتف. (المعجم الوسيط - أقرب الموارد). (*)

[ 841 ]

(إقامة عمر رضي الله عنه الحدود على القريب والبعيد) * حدثنا أبو عاصم قال، حدثني ابن جريح قال، قال ابن شهاب، حدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: شرب أخي عبد الرحمن بن عمر، وشرب معه (أبو سروعة (1) عقبة بن الحارث شرابا فسكرا منه بمصر في خلافة عمر رضي الله عنه، فلما ضحيا أتيا عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو أمير بمصر فقالا: طهرنا، فذكر أخي (لي) أنه (قد) (2) سكر. فقلت (له) ادخل الدار أطهرك، فقال قد حدثت الامير. فقلت: لا والله لا تحلق (اليوم) على رؤوس الناس. قال: وكانوا (إذ ذاك) يحلقون (مع الحد، فدخل معي الدار (2) قال: فحلقت أخي بيدي وجلدهما (3) عمرو، فسمع بذلك عمر رضي الله عنه فكتب إلى عمرو: ابعث إلي عبد الرحمن على قتب، ففعل، فلما قدم عليه جلده لمكانه منه ثم أرسله، فمكث أشهرا صحيحا، فأصابه قدره، فحسب عامة الناس أنه مات من جلده، ولم يمت من جلده (4). * حدثنا عبيد الله بن موسى قال، حدثنا ابن أبي ليلى، عن


(1) إضافة عن السنن الكبرى للبيهقي 8: 312، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 238 وهو أبو سروعة عقبة بن الحارث بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي، حجازي له صحبة، أسلم عام الفتح (أسد الغابة 5: 218). (2) الاضافات عن السنن الكبرى للبيهقي 8: 313، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 238. (3) في الاصل " وجلدهم " والمثبت عن المراجع السابقة. (4) في السنن الكبرى للبيهقي 8: 313 " قال الشيخ رحمه الله: والذي يشبه أنه جلده تعزير فإن الحد لا يعاد، وقد ورد هذا الخبر بروايات أخرى في منتخب كنز العمال 4: 421، والرياض النضرة 2: 41. (*)

[ 842 ]

الشعبي قال: ضرب عمر رضي الله عنه ابنا له في حد، فأتاه وهو يموت فقال: يا أبه قتلتني، قال: إذا لقيت ربك فأخبره أنا نقيم الحدود (1). * حدثنا عفان قال، أنبأنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا معمر، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: صلى عمر رضي الله عنه على جنازة، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إني وجدت من عبد الله بن عمر ريح شراب، وإني سألته عنه فزعم أنه خل، وإني سائل عنه، فإن كان مسكرا جلدته، قال السائب فأنا شهدته جلده الحد (2). * حدثنا محمد بن الفضل عارم (3) قال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهري قال، حدثني عبد الله بن عامر ابن ربيعة وكان أبوه قد شهد بدرا: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل قدامة بن مظعون (4) على البحرين، فقدم الجارود (ابن المعلى (5)) سيد عبد القيس على عمر رضي الله عنه من البحرين


(1) وانظره برواية أخرى في المرجع السابق 2: 43. (2) وقد ورد بمعناه في السنن الكبرى 8: 315. (3) هو محمد بن الفضل السدوسي أبو نعمان البصري الحافظ الملقب بعارم - قال أبو حاتم: ثقة، ومات سنة 224 ه‍ (الخلاصة للخزرجي 356 ط بولاق). (4) هو قدامة بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي، يكنى أبا عمرو، وقيل أبو عمر، وهو أخو عثمان بن مظعون، وخال حفصة وعبد الله ابن عمر رضي الله عنه، وكان تحته صفية بنت الخطاب، وهو من السابقين إلى الاسلام، هاجر إلى الحبشة وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها، (أسد الغابة 4: 199). (5) الاضافة عن السنن الكبرى للبيهقي 8: 315 ونهاية الارب 19: 364، وطبقات ابن سعد 5: 56 والاستيعاب 3: 248 والاصابة 3: 220، والرياض النضرة 2: 45، وأسد الغابة 4: 199. (*)

[ 843 ]

فقال: إن قدامة بن مظعون شرب فسكر، ثم إني رأيت حدا (من حدود الله (1) حقا علي أن أرفعه إليك، قال: من يشهد معك ؟ قال أبو هريرة رضي الله عنه، فأرسل إلى أبي هريرة رضي الله عنه فقال: أما تشهد ؟ قال: لم أره حين شرب ؟ ولكني رأيته سكران يقئ. قال: لقد تنطعت في الشهادة يا أبا هريرة، ثم كتب إلى قدامة أن يقدم، فقدم على عمر رضي الله عنه فقام الجارود إلى عمر رضي الله عنه فقال: أقم على هذا حد الله، قال: أخصم أنت أم شهيد ؟ قال: لا بل شهيد. قال: قد أديت شهادتك، فصمت الجارود حتى غدا على عمر رضي الله عنه من الغد فقال: أقم على هذا حد الله، فقال: ما أراك إلا خصما، وما أراك شهد معك إلا رجل. قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، قال: لتمسكن لسانك (2) أو لاسوأنك ؟ قال: والله ما ذاك بالعدل، يشرب ابن عمك وتسوؤني ؟ ! فقال أبو هريرة رضي الله عنه وهو جالس: يا أمير المؤمنين إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها - وهي امرأة قدامة - فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد يناشدها، فأقمت الشهادة على زوجها، فقال عمر رضي الله عنه: إني جالدك يا قدامة. فقال: لئن كان كما يقولون فليس لك أن تجلدني، قال: لم ؟ قال: لان الله يقول: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا (3) " حتى قرأ الآية. قال: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله عليك، قال: ثم استشار الناس


(1) انظر الحاشية رقم 5 في الصفحة السابقة. (2) في طبقات ابن سعد 5: 561، والرياض النضرة 2: 45 " لتملكن ". (3) سورة المائدة، آية 93. (*)

[ 844 ]

فقال: ما ترون في جلد قدامة، قالوا لا نرى أن تجلده ما دام وجعا قال: لان يلقى الله تحت السياط أحب إلي من أن يلقاه وهو في عنقي، ايتوني بسوط، فأمر قدامة فجلد، فغاضبه قدامة وهجره حتى خرج إلى مكة وحج قدامة، فلما رجع ونزل السقيا استيقظ عمر رضي الله عنه من نومه، فقال: عجلوا علي بقدامة فو الله إني لارى في النوم أن آتيا أتاني فقال: سالم قدامة فإنه أخوك، فعجلوا علي بقدامة، فأرسل إليه فأبى قدامة أن يأتيه، فقال ليأتيني أو ليجرن فأتاه فصالحه واستغفر له، فكان ذلك أول صلحهما. * حدثنا شهاب بن عباد قال، حدثنا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن منذر بن أبي الاشرس: أن عمر رضي الله عنه لما ضرب قدامة بن مظعون غشي عليه في خمسة وستين، فقال عمر رضي الله عنه: لو مات لجلدته بقيتها على قبره. * حدثنا مسعود بن واصل، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد أن الجارود قدم على عمر رضي الله عنه فقال: إن قدامة ابن مظعون شرب الخمر، فقال: من شهودك ؟ قال: أبو هريرة، قال: ختنك ! والله لاوجعن متنه بالسوط، قال: والله إن هذا لظلم، يشرب ختنك ويضرب ختني ؟ ! قال: ومن ؟ قال: علقمة (1)، قال: هاتهم، فجاؤوا، فقال لابي هريرة رضي الله عنه: ما تقول ؟ قال: أشهد أني رأيته يشربها مع ابن زبراء حتى أولجها بطنه، ثم قال لعلقمة: ما تقول ؟ قال أتجوز شهادة الخصي ؟ قال: هات،


(1) هو علقمة الخصي من بني رباح من يربوع بن حنظلة، وكان خصيا في الجاهلية وكان يقال له خصي بني رباح (الاصابة 3: 220). (*)

[ 845 ]

قال: أتجوز شهادة الخصي ؟ قال: هات، قال أتجوز شهادة الخصي ؟ قال: هات. قال: ما رأيته يشربها ولكني رأيته يمجها، قال: ما مجها حتى شربها، حاشا في إمارتنا أحدا غيره، ثم أمر بضربه (1). * حدثنا محمد بن عباد بن موسي العكلي (2) عن هشيم عن المغيرة، عن الشعبي وغيره: أن الجارود ضرب قدامة بن مظعون الجمحي بالبحرين في الخمر الحد، وهو أميرهم، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فأرسل إليهم، فقاموا فقال للجارود: هيه، اجترأت على صهري وخال ولدي ؟ فقال الجاورد: لا أجترئ على قرشي بعدك، فقال عمر رضي الله عنه لاوجعن ختنك.. يعني أبا هريرة فقال الجارود: أيشرب ختنك ويضرب ختني ؟ ! فقال عمر رضي الله عنه: ما ذاك بالعدل، ثم قال: هات بينتك، فجاء بأبي هريرة رضي الله عنه فشهد، وجاء بعلقمة الخصي فشهد أنه رآه قاءها، فقال عمر رضي الله عنه: ما قاءها حتى شربها، فأخر عمر رضي الله عنه قدامة بعض التأخير لوجع كان به، ثم دعاه فضربه الحد، وقال: والله لا أكلمك أبدا، فرأى رؤيا فأتاه فكلمه، وقال: ما حابيت مذ وليت رجلا غيره، فما بورك لي فيه. * حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا شريك، عن المغيرة، عن الشعبي قال: أمر عمر رضي الله عنه قدامة على بعض عمله، فشرب خمرا فقام إليه الجارود فجلده الحد - وهو سكران لا يعقل -


(1) وانظره في السنن الكبرى للبيهقي 8: 316. (2) في الاصل " بن عباد بن عباد " والمثبت عن الخلاصة للخزرجي ص 343، وهو محمد بن عباد بن موسى العكلي أبو جعفر البغدادي، ذكره ابن حبان في ثقاته. (*)

[ 846 ]

فرفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فأرسل إليه فقال: أضربت خال ولدي وفضحته ؟ فقال: لقد وقعت السياط بظهره وما يعلم، فقال عمر رضي الله عنه ائتني بشهود على ما تقول وإلا ضربتك، فقال: أنشد الله رجلا شهد لما قام. فقام رجل فقال: أنا أشهد إن كنت تجيز شهادة الخصي، قال: أما أنت فإني أجيز شهادتك، قال: فإني أشهد أني رأيته يقئ الخمر، قال: فمن قاءها فقد شربها، قال الشعبي: لا يضرب سكران حتى يصحو إلا إمام، فإنه إذا صحا امتنع. * حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن جعفر قال: لما توفي العلاء بن الحضرمي (1) وهو عامل البحرين لعمر رضي الله عنه، استعمل عمر رضي الله عنه قدامة بن مظعون عليها، فخرج يغزو بعض بلاد الاعاجم فأصابهم في مسيرهم نصب وعذر، فمروا ببيت مفتوح فدخله قدامة والارقم بن أبي الارقم وعياش بن أبي ربيعة المخزومي وابن حنظلة الزرقي الانصاري، فوجدا فيه طعاما كثيرا وخمرا في جرار فأكل قدامة وبعض من معه، وشربوا من تلك الخمر، ثم لحقهم أبو هريرة رضي الله عنه فمر بالبيت فدخله فوجدهم، فأنكر عليهم ما صنعوا، فقال: مالك ولهذا يا ابن أبيه ؟ وقال عياش: إني والله ما كنت من أمرهم بسبيل، ولا شربت ما شربوا، قال: فمالك معهم ؟ قال: استظللت بظلهم، واستقاء فقاء كسرا أكلها وشرب عليها ماء، فركب الجارود العبدلي ورجل (2) من


(1) العلاء بن الحضرمي له ترجمة في أسد الغابة: 4: 7. (2) هو علقمة الخصي. وقد ترجم له سابقا. (*)

[ 847 ]

بني رباح بن يربوع بن حنظلة - كان خصيا في الجاهلية، فكان يقال له: خصي بني رباح - في نفر من أهل البحرين حتى قدموا على عمر رضي الله عنه، فذكروا له أمر قدامة، وشهدوا عليه بشرب الخمر، فسبهم وغضب عليهم غضبا شديدا، وأبى أن ينزلهم، ومنع الناس أن ينزلوهم، ومر الجارود بمنزل عمر رضي الله عنه وابنة له تطلع، وهي ابنة أخت قدامة، فقالت والله لارجو أن يخزيك الله، فقال: إنما يخزي الله العينين اللتين تشبهان عينيك، أو يأثم أبوك، ورجا عمر رضي الله عنه أن ينزعوا عن شهادتهم، وأعظم ما قالوا، وأرسل إلى الجاورد: لقد هممت أن أقتلك أو أحبسك بالمدينة فلا تخرج منها أبدا أو أمحوك من العطاء فلا تأخذ مع المسلمين عطاء أبدا، فأرسل إليه الجارود: إن قتلتني فأنت أشقى بذاك، وإن حبستني بالمدينة فما بلد أحب إلي من بلد فيه قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنبره ومهاجره، وإن محوتني من العطاء ففي مالي سعة، ويكون عليك مأثم ذاك وتباعته، فلما رأى عمر رضي الله عنه أنهم لا ينزعون ولا يزدادون إلا شدة أرسل إليهم وسمع منهم وقال: والله ما استعملت عاملا قط لهوى لي فيه إلا قدامة، ثم والله ما بارك الله لي فيه، ثم كتب إلى أبي هريرة رضي الله عنه: إن كان ما شهدوا حقا فاجلد قدامة الحد وأعدل، فلما جاء كتاب عمر أبا هريرة رضي الله عنه جلد قدامة الحد، فقدم قدامة على عمر رضي الله عنه، فتظلم من أبي هريرة، فقدم أبو هريرة رضي الله عنه فأرسل إليه عمر رضي الله عنه: خاصم قدامة فإنه قد تظلم منك، فقال: لا حتى يرجع إلى عقلي ويذهب عني نصب السفر وأنام،

[ 848 ]

فإني قد سهدت في سفري، فلبث ثلاثا ثم خاصم قدامة في بيت عمر، وعند عمر رضي الله عنه زينب بنت مظعون، وهي أم حفصة وعبد الله ابني عمر، فتراجعا فكان أبو هريرة رضي الله عنه أطولهما لسانا، ففزعت بنت مظعون فقالت: لعنك الله من شيخ طويل اللسان ظالم. فقال: أبو هريرة: بل لعنك الله من عجوز حمراء رمضاء بذئ لسانها فاحشة في بيتها، فقال قدامة: يا أمير المؤمنين سله لم جلدني ؟ قال: جلدتك بالذي رأيت منك، قال: هل رأيتني أشرب الخمر ؟ قال: لا. قال عمر رضي الله عنه: الله أكبر قال أبو هريرة رضي الله عنه: يرحم الله أبا بكر، تشتمني زوجتك وتقضي بيني وبين ختنك في بيتك، وتعين علي بالتكبير ؟ ! فقال عمر رضي الله عنه: فقوموا، فقاموا جميعا حتى جلسنا في المسجد، واجتمع عليهم الناس فقال قدامة: أنشدك الله هل رأيتني أشرب الخمر ؟ قال: لا. قال: فهل رأيتني أشتريها ؟ قال: لا. قال: فهل رأيتني أحملها ؟ قال: لا، قال: فهل رأيتها تحمل إلي ؟ قال: لا، قال: الله أكبر، ففيم جلدتني ؟ قال: جلدتك أني رأيتك تقيئها، تخرجها من بطنك، فمن أين أدخلتها ؟ قال: قدامة: وإنك بالخمر لعالم ؟ ! قال: نعم والله، ولقد كنت أشربها، ثم ما شربتها بعدما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر رضي الله عنه: تب إلى الله يا قدامة، اللهم صدق وكذبت وبر وفجرت، تب إلى الله. وكان ابن جندب الهذلي أتاه بالبحرين فوصله، فلما ضربه عمر رضي الله عنه في الشراب قال ابن جندب: أؤمل خيرا من قدامة بعدما * علا السوط منه كل عظم ومفصل

[ 849 ]

شربت حراما يا قدام فأرسلت * عليك سياط الشارب الخمر من عل (1) فلا تشربن خمرا قدامة إنها * حرام على أهل الكتاب المنزل * * * * حدثنا محمد بن خالد قال، حدثنا ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أن عمر رضي الله عنه كتب إلى عامله على دمشق: إن فتح الله عليكم دمشق فنقل عبد الرحمن بن أبي بكر ليلى بنت الجودي، قالت عائشة رضي الله عنها: فلقد رأيتها في بيتي (2). * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: استهام عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما بليلى بنت الجودي بن عدي بن عمرو بن أبي شمر حتى قال فيها: تذكرت ليلى والسماوة بيننا * فما لابنة الجودي ليلى وما ليا وأنى تعاطي قلبه حارثية * فتسكن بصرى أو تحل الجوابيا وأنى تلاقيها بلى ولعلها * إذا الناس حجوا قابلا أن توافيا (3) فقال له عمر رضي الله عنه: مالك وما لها يا عبد الرحمن ؟ فقال والله يا أمير المؤمنين ما رأيتها قط، إلا أني رأيتها ليلة في بيت المقدس في جوار ونساء يتهادين، فإذا عثرت إحداهن قالت يا ابنة الجودي، وإذا حلفت قالت: بابنة الجودي، فكتب عمر


(1) في الاصل: يا قدامة. وقد رخمنا الاسم ليستقيم الوزن (المدقق) (2) وانظر الاصابة والاستيعاب 2: 392. (3) في الاصل " أن تلاقيا " والمثبت عن الاصابة 2: 400، وأسد الغابة 3: 305. (*)

[ 850 ]

رضي الله عنه إلى صاحب النفير الذي هي به: إن فتح عليهم غنموه إياها. قالت عائشة رضي الله عنها: فكنت أكلمه فيما يصنع بها فيقول: يا أخية (1) دعيني فو الله لكأنما أرشف بأنيابها حب الرمان. ثم نزل بها وهانت عليه فكنت أكلمه فيما يسئ إليها كما كنت أكلمه في الاحسان إليها، فكان إحسانه أن ردها إلى أهلها. وقد روي خلاف هذا. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن العلاء بن هارون، عن عبد الله بن عون - أو عوف - عن يحيى ابن يحيى الغساني قال: كان عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما يتشبب بجارية في الجاهلية، فقدم علي يعلى بن منبه وهو على اليمن فوجدها في السبي، فسأله أن يدفعها إليه، فأبى، وكتب يعلى إلى أبي بكر رضي الله عنه يذكر له أمر عبد الرحمن، فكتب إليه: أن ادفعها إليه. * حدثنا أيوب بن محمد قال، حدثنا ضمرة، عن العلاء، عن عبد الله بن عون، عن يحيى بن يحيى بمثله. * حدثنا الصلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليمان بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن المبارك عن مصعب ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن عروة بن الزبير قال: كانت بنت ملك من ملوك الشام يشبب بها عبد الرحمن، وقد كان رآها


(1) كذا في الاصل، وفي الاصابة 4: 390 " فيقول يا أخية دعيني فكأنما أرتشف من ثناياها حب الرمان " وفي أسد الغابة 3: 306 " فقال والله لكأني أرتشف من ثناياها حب الرمان ". (*)

[ 851 ]

فيما تقدم بالشام، فلما فتح الله على المسلمين وقتلوا أباها جاءوا بها. فقال المسلمون لابي بكر رضي الله عنه: يا خليفة رسول الله أعط هذه الجارية عبد الرحمن، فقد سلمناها له، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أكلكم على ذلك ؟ قالوا: نعم، فأعطاها إياه، وكان لها بساط في بلدها لا تذهب إلى الكنيف أو إلى حاجة إلا بسط لها، ورمي بين يديها برمانتين من ذهب تتلهى بهما، فكان عبد الرحمن إذا خرج من عندها ثم رجع إليها رأى في عينيها أثر البكاء فيقول لها: ما يبكيك ؟ اختاري خصالا أيها شئت: إما أن أعتقك وأنكحك، فتقول لا أبتغيه، وإن شئت رددتك إلى قومك، قالت: ولا أريد، قال وإن أحببت رددتك على المسلمين، قالت: ولا أريد، قال: فأخبريني ما يبكيك ؟ قالت أبكي للملك من يوم البؤس. * حدثنا شريح بن النعمان قال، حدثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن يحيى بن عبد الرحمن ابن حاطب قال: توفي حاطب (1) وأعتق كل من صام وصلى من رقيقه، وكانت فيهم امرأة سوداء لم تفقه (2)، فلم يرعه إلا حملها (3)، فجاء عبد الرحمن إلى عمر رضي الله عنه فزعا فأخبره، فقال: لانت الرجل لا تأتي بخير، وأفزعه ذلك، فسأل الجارية: ممن حملك ؟ فقالت من مرعوش بدرهمين تستهل به (لا تكتمه (4))


(1) وفي منتخب كنز العمال 2: 405 " توفي عبد الرحمن بن حاطب، وما هنا متفق مع السنن الكبرى للبيهقي 8: 238. (2) كلمة غير واضحة في الاصل، والمثبت عن السنن الكبرى للبيهقي 8: 238 ومنتخب كنز العمال 2: 405. (3) في المرجع السابق " فلم ترعه إلا بحبلها ". (4) الاضافة عن السنن الكبرى للبيهقي 8: 238. (*)

[ 852 ]

فصادف ذلك عنده عثمان وعليا وعبد الرحمن بن عوف فقال: أشيروا علي، فقال عبد الرحمن وعلي رضي الله عنهما: قد وجب عليهما الرجم (1) فقال: أشر علي يا عثمان، فقال: قد أشار عليك أخواك، قال: وأنت فأشر، فقال: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه، وإنما الحد على من علمه، فجلدها مائة وغربها (عاما (2) وقال: صدقت، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علمه (3). * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا محمد بن سلمة قال، أنبأنا محمد بن إسحق، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه قال: لما حضرت حاطبا الوفاة أوصى بأن يعتق كل مملوك له قد صلى وصام، وكانت جارية له سوداء فزنت وكانت ثيبا، فأتيت عمر رضي الله عنه فأخبرته، فقال: مثلك الرجل لا يأتي بخير، فقلت: يا أمير المؤمنين حق لله وقع في أهلي، وانت محل ذلك فأتيت لذلك، فقال: ائتني بها، فأتيت بها، فقال: زنيت. ويحك ؟ ! قالت: نعم رفش: درهمين بالحبشية - تقول أجري: بدرهمين - وعنده عثمان وعلي وعبد الرحمن رضي الله عنهم، فقال: ما ترون ؟ فقال علي وعبد الرحمن رضي الله عنهما: نرى أن تقيم عليهما الحد وعثمان رضي الله عنه ساكت، فقال: ما تقول


(1) في المرجع السابق " فقال على وعبد الرحمن: قد وقع عليها الحد ". (2) الاضافة عن السنن الكبرى للبيهقي 8: 239. (3) وفي المرجع السابق 8: 239 " قال الشيخ رحمه الله: وكان حدها الرجم، فكأنه رضي الله عنه درأ عنها للشبهة بالجهالة، وجلدها وغرب بها تعزيرا، والله أعلم ". (*)

[ 853 ]

أنت ؟ فاستوى جالسا وكان متكئا (1) فقال: أراها مستهلة بفعلها، كأنها لا ترى به بأسا، وإنما الحد على من عرفه فقال: صدقت والله ما الحد إلا على من عرفه، فضربها أدنى الحد من مائة جلدة وغربها عاما. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: كان للمهاجرين مجلس في المسجد يجلسون فيه، فكان عمر رضي الله عنه يجلس معهم فيحدثهم عما ينتهي إليه من أمر الآفاق، فجلس معهم يوما فقال: ما أدري كيف أصنع بالمجوس ؟ فوثب عبد الرحمن ابن عوف فقام قائما فقال نشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب. ما عند أبي عاصم عن جعفر بن محمد غير هذا الحديث، وعن سليمان التيمي حديث. * حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد: أن عمر رضي الله عنه لما قدم من الشام قال: لقد رأيت بالشام أشياء كرهتها: الشماسة والنواقيس. فلو استطعت (منعتهما (2): فقال عبد الله بن الطليب الهلالي: أنا أذهب يا أمير المؤمنين إلى مدينة قيصر فأصعد فأؤذن ببرج من بروجها، فإن قتلت برئت إليك ذمتهم واستحللت قتالهم، فذهب فأذن ببرج من بروجها، فأقبلوا


(1) وفي السنن الكبرى للبيهقي 8: 238 " وكان عثمان رضي الله عنه جالسا فاضطجع ". (2) الاضافة يقتضيها السياق. (*)

[ 854 ]

نحوه ليقتلوه فقال قيصر: علي بالرجل لا يقتا، فقال: إنما أراد عمر رضي الله عنه أن لا يكون بالشام شماسة ونواقيس فأجازه بألف دينار وألحقه بعمر رضي الله عنه. * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد قال، اختضب عمرو بن العاص بالسواد، فجاء إلى عمر رضي الله عنه فسلم عليه، فقال له: من أنت ؟ قال: عمرو بن العاص، قال: فرضيت بعد أن كان يقال لك كهل قريش أن يقال لك شاب من شباب قريش ؟ ثم قال: خضاب الايمان الصفرة، وخضاب الاسلام الحمرة، وخضاب الشيطان السواد. * حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس رضي الله عنه قال: استعملني أبو بكر رضي الله عنه على الصدقة، فلما توفي قدمت على عمر رضي الله عنه فسلمت عليه، فقال: أجئتنا بظهر ؟ فقلت: البيعة ثم الخير، فبايعته، ثم قال: أجئتنا بظهر ؟ فقلت: جئتك بظهر، ومال، فقال: ائتنا بالظهر ولا حاجة لنا في المال، قلت: أربعة آلاف ؟ قال: هي لك، قال: فكنت من أكثر أهل المدينة مالا. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا هشيم، عن يونس ابن عبيد، عن ثمامة بن عبد الله، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن عمر رضي الله عنه قال لابي بكر رضي الله عنه: إن أنس ابن مالك رضي الله عنه رجل كاتب لبيب فاستعن به قال: فاستعملني على بعض الصدقات، فرجعت وقد قبض أبو بكر رضي الله عنه

[ 855 ]

واستخلف عمر رضي الله عنه، فأتيته فقال: أمعك ظهر ؟ فقلت: البيعة أولا، فبايعته، ثم قال: أمعك ظهر ؟ قلت: نعم معي ظهر ومال. قال: فأخذ الظهر ثم قال: المال، لك، فقلت: هو أكثر من ذاك فقال: هو لك فذكر هشيم أنه كان أربعة آلاف (1). * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا غسان بن عبد الحميد، أن عبد الله بن أبي ربيعة (2) كان عاملا على الجند، فبعث إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمسك صب فيه سليخة بان (3) هدية له، فلما شمه قال: أكل المسلمين تدهن بهذا ثم دعا بصحفة فصبه فيها، ثم أرسل إلى العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فادهن به، وإلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فادهنوا به، وكان ذلك أول بان دخل المدينة. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا همام بن إسماعيل قال، حدثني العلاء بن بشير: أن فتى شابا كان قد أعجب عمر بن الخطاب


(1) وقد ورد بمعناه في الاصابة 1: 85. (2) هو عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي كان اسمه في الجاهلية " بحيرا " فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، وكان من أشراف قريش في الجاهلية، وهو الذي أرسلته قريش مع عمرو بن العاص إلى الحبشة في طلب من هاجر إليها من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأسلم يوم الفتح. ويقال إن عمر رضي الله عنه قال لاهل الشورى لا تختلفوا فإنكم إن اختلفتم جاءكم معاوية من الشام وعبد الله بن أبي ربيعة من اليمن فلا يريان لكم فضلا لسابقتكم، وإن هذا الامر لا يصلح للطلقاء ولا لابناء الطلقاء (أسد الغابة 3: 155 - والاصابة 2: 297). (3) سليخة بان: السليخة دهن ثمر البان قبل أن يربب بأفاويه الطيب، فإذا ربب بالمسك والطيب ثم اعتصر فهو متشوش (تاج العروس 2: 262) والبان: شجر معروف ولحب ثمره دهن طيب (تاج العروس 9: 147). (*)

[ 856 ]

رضي الله عنه، فلما أراد الفتى الخروج إلى بلده قال: يا أمير المؤمنين أخلني فإن لي حاجة، فأخلاه فقال: إني أردت الانصراف إلى بلدي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يوليني القضاء، فقال عمر رضي الله عنه: لقد كدت تغرني، إن هذا لامر لا يقوم به من أحبه. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا إسحاق بن جعفر بن محمد قال، حدثني عبد الله بن جعفر بن المسور، عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها: أن رجلا نعى (1) عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستوقفه فوقف، فقال: يا أمير المؤمنين تستعملني ؟ فأقبل عمر رضي الله عنه يضرب على جبينه ويقول: سبحان الله: إن كاد هذا ليغرني: لقد قال ما قال وإني لا أرضى له عملا. * حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا محمد بن مسلم قال: حدثنا إبراهيم بن ميسرة، عن سالم قال: بلغني أن عمر رضي الله عنه قال لا يحب الامارة أحد فيعدل. * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا بكر بن خنيس (2) عن ابن هزال (3) قال، قال عمر رضي الله عنه نجد الرجل يلبس الصوف لو ظلم ما انتصر، وإن قلبه في ذاك لمملوء كبرا وإعجابا، وإنك لتجد الرجل يتجمل في ثيابه وفي كثير من أمره، وإن في قلبه الخشوع والتواضع، وذلك أملك التواضع بالعبد.


(1) أي صاح به ونادى عليه. (2) هو بكر بن خنيس الكوفي البغدادي، قال أبو حاتم: صالح ليس بالقوي (الخلاصة للخزرجي 51 ط بولاق) (3) هو نعيم بن هزال - بفتح الزاى المشددة - صحابي، ذكره ابن حبان في الثقات (الخلاصة للخزرجي 403 ط بولاق). (*)

[ 857 ]

* حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبي هريرة التيمي قال، قال الهرمزان لعمر رضي الله عنه ايذن لي أصنع طعاما للمسلمين ؟ قال إني أخاف أن تعجز، قال: لا، قال فدونك، قال: فصنع لهم ألوانا من حلو وحامض، ثم جاء إلى عمر رضي الله عنه فقال: قد فرغت فأقبل، فقام عمر رضي الله عنه وسط المسجد فقال: يا معشر المسلمين أنا رسول الهرمزان إليكم فاتبعه المسلمون، فلما انتهى إلى بابه قال للمسلمين: مكانكم، ثم دخل فقال أرني ما صنعته، ثم دعا: - أحسبه قال - بأنطاع، فقال ألق هذا كله عليها، واخلطوا بعضه ببعض، فقال الهرمزان: إنك تفسده، هذا حلو وهذا حامض، فقال عمر رضي الله عنه: أردت أن تفسد علي المسلمين، ثم أذن للمسلمين فدخلوا فأكلوا. * حدثنا الصلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليم بن صالح، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن قتادة قال: آخر مال أتي به النبي صلى الله عليه وسلم ثمانمائة ألف درهم من البحرين، فما قام من مجلسه حتى أمضاه، ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم بيت مال، ولا لابي بكر، وأول من اتخذ بيت مال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال ابن شهاب: عمر رضي الله عنه أول من دون الدواوين، قال عبد الله بن جعفر بن برقان (1) قال


(1) هو جعفر بن برقان - بضم الباء وكسرها - الكلابي - مولاهم - أبو عبد الله الرقي، قيل ثقة وقال يحيى بن معين: كان جعفر بن برقان أمينا - وعنه قال: كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، توفي 154 ه‍ (الخلاصة للخزرجي 62 ط بولاق). (*)

[ 858 ]

قال رجل لعمر رضي الله عنه أدنو منك فإن لي إليك حاجة ؟ قال: لا، قال: إذن أذهب فيغنيني الله عنك، فولى ذاهبا فأتبعه عمر رضي الله عنه فأخذ بثوبه فقال: حاجتك ؟ قال الرجل أبغضك الناس أبغضك الناس، كرهك الناس - ثلاثا - قال عمر رضي الله عنه له: (مم (1) ويحك ؟ ! قال: لسانك وعصاك، فرفع عمر رضي الله عنه يديه فقال: اللهم حببني إليهم وحببهم إلي، وليني لهم ولينهم لي، قال فما وضع يديه حتى ما على الارض أحب إلي منه. * حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا ابن أبي الرجال، قال إسحاق بن يحيى بن طلحة، أخبرني عن عمه عيسى بن طلحة قال: سألت ابن عباس رضى الله عنهما وقلت: يا أبا العباس، أخبرني عن سلفنا حتى كأني عاينتهم، فقال: تسألني عن عمر، كان والله - في علمي - قويا تقيا قد وضعت له الحبائل بكل مرصد، فهو لها أحذر من رجل في سوقه قيد. حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال، عن حميد بن هلال قال: عمل عمر رضي الله عنه عشر سنين وبعض أخرى فأنفق من ماله ثمانين ألفا، فقال لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أدها إلى الخليفه بعدي، فإن كان عندكم رقة (2) وإلا فبيعوا من عقد (3) أموالنا فادفعوا إليه (4).


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) الرقة: المراد بها الفضة والدراهم المضروبة منها (تاج العروس 7: 85). (3) العقد: ما عقدت من البناء، والجمل الموثق الظهر (أقرب الموارد). (4) هذا الحديث من حديث كبير ورد في منتخب كنز العمال 4: 437 وفيه " ثم قال يا عبد الله أقسمت عليك بحق الله وحق عمر إذا مت فدفنتني فلا تغسل رأسك = (*)

[ 859 ]

* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن الحارث بن نبهان قال: زعم أيوب أن عمر رضي الله عنه أنفق في عشر سنين ثمانين ألفا. (موافقاته رضي الله عنه) * قال ابن عمر رضي الله عنه: ما نزل الله أمرا قط فقالوا فيه وقال فيه عمر إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر (1). * وعنه أنه قال، قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر (2).


= حتى تبيع من رباع آل عمر ثمانين ألفا فتضعها في بيت مال المسلمين، فقال له عبد الرحمن ابن عوف - وكان عند رأسه - يا أمير المؤمنين، وما قدر هذه الثمانين ألفا أضررت بعيالك - أو بآل عمر.. قال: إليك عني يا ابن عوف، فنظر إلى عبد الله فقال: يا بني واثنين وثلاثين ألفا أنفقتها في اثنتى عشرة حجة حججتها في ولايتي، ونوائب كانت تنوبني في الرسل تأتيني من قبل الامصار، فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين أبشر وأحسن الظن بالله فإنه ليس أحد منا من المهاجرين والانصار إلا وقد قبض مثل الذي أخذت من الفئ الذي جعله الله لنا، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض، وقد كانت لله معه سوابق. فقال: يا ابن عوف، ود عمر أنه لو خرج منها كما دخل فيها، إني أود أن ألقى الله فلا تطالبوني بقليل ولا كثير ". وانظر شرح نهج البلاغة 2: 226 فقد ورد فيه بمعناه. (1) عن سنن الترمذي 13: 143، وسيرة عمر 4: 375، وبمعناه في تاريخ الخلفاء ص 122. (2) عن سيرة عمر 2: 275، مسند أحمد 4: 23، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 15 من حديث أنس رضي الله عنه، وحلية الاولياء 1: 42 من حديث أنس، وابن عمر رضي الله عنهما. (*)

[ 860 ]

موافقته في مقام ابراهيم: * قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله أليس هذا مقام إبراهيم أبينا، قال: بلى، قال عمر: فلو اتخذته مصلى ؟ فأنزل الله تعالى: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى (1) ". موافقته في الحجاب: * قالت عائشة رضي الله عنها: كان عمر يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك. قالت: فلم يفعل. وكان أزواج النبي يخرجن ليلا إلى ليل قبل المناصع (وهو صعيد أفيح خارج المدينة) فخرجت سودة بنت زمعة - وكانت امرأة طويلة - فرآها عمر وهو في المجلس. فقال: عرفناك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب. قالت: فأنزل الله عزوجل آية الحجاب (2). * وعن أنس قال، قال عمر: قلت يا رسول الله لو أمرت نساءك يحتجبن، فإنهن يكلمهن البر والفاجر. فنزلت آية الحجاب (3) * وعن ابن مسعود قال: أمر عمر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتجبن. فقالت له زينب: وإنك علينا يا ابن الخطاب، والوحي ينزل بيوتنا ! فأنزل الله: " وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب (4) ".


(1) سورة البقرة آية 125 - والمثبت عن سيرة عمر 2: 375، وتفسير ابن كثير 6: 586، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 16. (2) عن سيرة عمر 2: 375، وتفسير ابن كثير 6: 589، ومعالم التنزيل 6: 589، ومسند أحمد 6: 223، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 15. (3) عن سيرة عمر 2: 376، وبمعناه في مسند أحمد 1: 24، 36 - ومناقب عمر (4) سورة الاحزاب آية 53، والمثبت عن سيرة عمر 2: 376، ومجمع الزاوئد 9: 67، ومنتخب كنز العمال 4: 378، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 17 مع اختلاف يسير بينها. (*)

[ 861 ]

موافقته في اسرى بدر * عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر جئ بالاسرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تقولون في هؤلاء ؟) فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار. وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، قدمهم نضرب أعناقهم، مكن عليا من عقيل يضرب عنقه، ومكني من فلان - نسيب لعمر - فأضرب عنقه، فإن هولاء أئمة الكفر. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم نارا. فقال له العباس: قطعت رحمك. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم، ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: " فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم (1) " ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (2) "، وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال " رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا (3) "


(1) سورة إبراهيم، آية 36. (2) سورة المائدة، آية 118. (3) سورة نوح، آية 26. (*)

[ 862 ]

ومثلك مثل موسى قال: " ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم (1) " الآية. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق، قال عبد الله ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الاسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي الحجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى عليه وسلم: " إلا سهيل بن بيضاء " قال ابن عباس، قال عمر بن الخطاب: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان. قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شئ تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة من رسول الله - وأنزل الله تعالى: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض - إلى قوله - فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا (2) ". موافقته في تحريم الخمر: * عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا.


(1) سورة يونس، آية 88. (2) سورة الانفال، الآيتان 67، 68، والمثبت عن معالم التنزيل للبغوي 4: 93 وورد باختصار في الروض الازهر لوحة 19 وما بعدها، ومجمع الزوائد 9: 98. (*)

[ 863 ]

فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة: " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما (1) ". فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في سورة النساء: " يا أيها الذين آمنو لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى (2) ". فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في المائدة: " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (3) "، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ - " فهل أنتم منتهون " فقال عمر: انتهينا يا رب انتهينا (4). موافقته في ترك الصلاة على المنافقين: * عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله، أعلى عدو الله عبد الله بن أبي


(1) سورة البقرة آية 219. (2) النساء آية 43. (3) سورة المائدة الآيتان 90، 91. (4) عن تفسير ابن كثير 3: 225، ومسند أحمد 1: 53، وباختصار من تاريخ الخلفاء ص 122. (*)

[ 864 ]

القائل يوم كذا: كذا وكذا ؟ - يعدد أيامه - قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم حتى إذا أكثرت عليه قال: " أخر عني يا عمر، إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم (1) "، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت ". قال ثم صلى عليه. ومشى معه، وقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم. قال فو الله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره (2) " فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله عزوجل. موافقته في الاستئذان: * قال ابن عباس رضي الله عنه: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما من الانصار يقال له مولج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقت الظهيرة ليدعوه فدخل فرأى عمر بحالة، فكره عمر رؤيته ذلك، فأنزل الله: " يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء (3) ".


(1) سورة التوبة، آية 80. (2) سورة التوبة، آية 84. (3) سورة التوبة، آية 58. والمثبت عن معالم التنزيل للبغوي 6: 142، وسيرة عمر 2: 378، وتاريخ الخلفاء 124 مع اختلاف يسير. (*)

[ 865 ]

موافقات اخرى: * عن عروة بن رويم قال: لما أنزل الله على رسوله: " ثلة من الاولين، وقليل من الآخرين (1) " بكى عمر رضي الله عنه. فقال يا نبي الله، آمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقناه. ومن ينجو منا قليل. فأنزل الله عزوجل: " ثلة من الاولين، وثلة من الآخرين (2) " فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال: " قد أنزل الله عزوجل فيما قلت " فقال عمر رضي الله عنه: رضينا عن ربنا وتصديق نبينا (3). * عن أنس قال، قال عمر - يعني ابن الخطاب - رضي الله عنه: وافقت ربي في أربع، نزلت هذه الآية: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين "... الآيات فقلت أنا: " فتبارك الله أحسن الخالقين " فنزلت: " فتبارك الله أحسن الخالقين (4) ". * عن الشعبي قال: نزل عمر الروحاء فرأى رجالا يبتدرون أحجارا يصلون إليها، فقال: ما بال هولاء ؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ها هنا، قال: فكفر ذلك وقال: أينما رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة بواد صلاها، ثم


(1) سورة الواقعة، الآيتان 13، 14. (2) سورة الواقعة، الآيتان 39، 40. (3) عن معالم التنزيل للبغوي 8: 197، وورد باختصار في سيرة عمر 2: 378، وتاريخ الخلفاء ص 124. (4) سورة " المؤمنون "، الآيات من 12 - 14. والمثبت عن تفسير ابن كثير 6: 11، وسيرة عمر 2: 379، ومنتخب كنز العمال 4: 378، ومجمع الزوائد 9: 68 مع اختلاف يسير. (*)

[ 866 ]

ارتحل فتركه، ثم أنشأ يحدثهم فقال: كنت أشهد اليهود يوم مدارسهم فأعجب من التوراة كيف تصدق القرآن، ومن القرآن كيف يصدق التوراة. فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب، ما من أصحابك أحب إلينا منك. قلت: ولم ذلك ؟ قالوا: لانك تغشانا وتأتينا. فقلت: إني آتيكم فأعجب من القرآن كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق القرآن. قالوا: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ابن الخطاب ذاك صاحبكم فالحق به. قال فقلت لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو وما استرعاكم من حقه وما استودكم من كتابه، هل تعلمون أنه رسول الله ؟ قال: فسكتوا. فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه. قالوا: فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت. قال: أما إذ نشدتنا بما نشدتنا فإنا نعلم أنه رسول الله. قلت: ويحكم إذا هلكتم. قالوا: إنا لم نهلك. قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ولا تتبعونه ولا تصدقونه ؟ قالوا: إن لنا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة، وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة. قلت: ومن عدوكم ومن سلمكم ؟ قالوا: عدونا جبريل وسلمنا ميكائيل. ثم قالوا: إن جبرائيل ملك الفظاظة والغلظة والاعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا. وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة والتخفيف ونحو هذا. قال، قلت: وما منزلتهما من ربهما عزوجل ؟ قالوا: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره. قال، قلت: فو الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما. وما ينبغي لجبرائيل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن

[ 867 ]

يسالم عدو جبرائيل. قال: ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان، فقال: يا ابن الخطاب ألا أقرئك آيات نزلن قبل ؟ فقرأ علي: " من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله (1) " حتى قرأ الآيات. قال، قلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك وأنا أسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر (2). * عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر أنه قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلوات وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرنا مثل قرن اليهود. فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا بلال قم فناد بالصلاة (3). * عن أبي عبد الله بن زيد قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به الناس في الجمع للصلاة، أطاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت له:: يا عبد الله أتبيع الناقوس ؟ قال: وما تصنع به ؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك ؟ قلت: بلى. قال: تقول:


(1) سورة البقرة، آية 97. (2) عن تفسير ابن كثر 1: 241، وفي معالم التنزيل 1: 239، وسيرة عمر 2: 379، وتاريخ الخلفاء ص 124 باختصار واختلاف بينها يسير. (3) عن صحيح مسلم 1: 285 وسنن النسائي 2: 3، وصحيح الترمذي 1: 306، والسنن الكبرى للبيهقي 1: 390. (*)

[ 868 ]

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله. حي على الصلاة. حي على الصلاة. حي على الفلاح، حي على الفلاح. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. ثم استأخر غير بعيد قال: ثم تقول: إذا أقمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ما رأيت. فقال: (إنها لرويا حق إن شاء الله تعالى. فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به. فإنه أندى صوتا منك) فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، فسمع بذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما أرى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلله الحمد (1). (مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأمر الشورى) * حدثنا أبو داود قال، حدثنا المسعودي قال، حدثنا سعيد ابن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن عوف بن مالك الاشجعي (2) قال: رأيت رؤيا في حياة أبي بكر رضي الله عنه كأن شيئا نزل من السماء فجعل الناس يتطاولون ففضل الناس عمر رضي الله عنه بثلاثة


(1) عن السنن الكبرى للبيهقي 1: 390، ومسند أحمد بن حنبل 4: 43، وباختصار في سنن الترمذي 1: 305. (2) هو عوف بن مالك بن أبي عوف الاشجعي، يكنى أبا عبد الرحمن، ويقال أبو حماد، أول مشاهده خيبر، وكان معه راية أشجع يوم الفتح، سكن الشام وعمر كثيرا حتى مات في خلافة عبد الملك بن مروان سنة 73 ه‍ بدمشق (الاستيعاب 3: 131، أسد الغابة 4: 156). (*)

[ 869 ]

أذرع. فقلت: فيم ذاك ؟ فقيل: إنه خليفة من خلفاء الله في الارض، وإنه لا تأخذه في الله لومة لائم، وإنه يقتل شهيدا، قال: فقدمت على أبي بكر رضي الله عنه فقصصتها عليه، فلما أتيت على هذا الموضع: إنه خليفة من خلفاء الله في الارض، قال عمر رضي الله عنه: كل ذلك يرى النائم لمكان أبي بكر رضي الله عنه - فلما استخلف عمر رضي الله عنه أتى الجابية، فبينما هو يخطب إذ رأى عوف ابن مالك فكره أن يدعوه فأومى إليه أن يجلس، وخاف أن ينساه، فلما فرغ من خطبته قال: يا عوف اقصص بقية رؤياك، قال: أو ليس قد كرهتها ؟ قال: خدعتك أيها الرجل، فقص، فلما قال إنه خليفة من خلفاء الله في الارض قال عمر رضي الله عنه قد أوتيت ما ترون، وأما قولك لا أخاف في الله لومة لائم فإني أرجو أن يعلم الله ذلك مني، وأما قولك أن عمر يقتل شهيدا فأنى لي بالشهادة وأنا في جزيرة العرب (1)، ولقد رأيت مع ذلك أن ديكا ينقر سرتي فما أمتنع منه بشئ. * حدثنا عمرو بن قسط الرقي قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة بن أبي موسى قال أي عوف ابن مالك كأن الناس اجتمعوا في صعيد واحد، فإذا رجل قد علا الناس بثلاثة أذرع، قال: فقلت من هذا ؟ قالوا عمر بن الخطاب، فقلت: لم يعلوهم ؟ قالوا: إن فيه ثلاث خصال: لا يخاف في الله لومة لائم، وإنه شهيد مستشهد، وإنه (خليفة (2)) مستخلف، فأتى


(1) الاضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 231، (2) الاضافة عن طبقات ابن سعد 3: 331. (*)

[ 870 ]

عوف أبا بكر رضي الله عنه فأخبره، فأرسل أبو بكر إلى عمر رضي الله عنهما ليبشره، فقال أبو بكر رضي الله عنه: اقصصها عليه فلما بلغ خليفة مستخلف انتهره عمر رضي الله عنه فأسكته فلما ولي عمر رضي الله عنه انطلق إلى الشام فبينما هو يخطب إذ رأى عوف ابن مالك فدعاه فصعد معه المنبر فقال له: اقصص رؤياك، فقصها فقال: أما أني لا أخاف في الله لومة لائم فإني أرجو أن يجعلني الله فيهم، وأما خليفة مستخلف فقد استخلفت، فأسأل الله أن يعينني على ما ولاني، وأما شهيد مستشهد فأنى لي بالشهادة وأنا بين ظهراني جزيرة العرب ؟ لست أغزو والناس (حولي ؟ ثم قال: ويلي ويلي (1))، بل يأتي بها الله إن شاء الله. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أن عوف بن مالك قال لابي بكر الصديق رضي الله عنه: رأيت فيما يرى النائم كأن سببا دلي من السماء فانتشط (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دلي فانتشط أبو بكر رضي الله عنه ثم ذرع الناس حول المنبر ففضل عمر رضي الله عنه الناس بثلاث أذرع، فقال عمر رضي الله عنه: مه، دعنا منك لا أرب لنا في رؤياك، فلما مات أبو بكر رضي الله عنه واستخلف


(1) بياض بالاصل، والمثبت عن طبقات ابن سعد 3: 331. (2) انتشط: يقال انتشطه أي جذبه إليه ورفعه، قال صاحب اللسان: ومنه حديث عوف بن مالك قال: رأيت سببا من السماء دلى فانتشط النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أعيد فانتشط أبو بكر رضي الله عنه أي جذب إلى السماء ورفع إليها (لسان العرب 9: 292 - أقرب الموارد 2: 1302). (*)

[ 871 ]

عمر رضي الله عنه قال عمر: رؤياك يا عوف، قال: وهل لك في رؤياي من حاجة ؟ ألم تنهرني ؟ قال: كرهت أن تنعى لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، فقال: رأيت كذا ورأيت كذا، فقص عليه الرؤيا كما رآها، فقيل: ما هذه الثلاث الاذرع التي فضل بها عمر رضي الله عنه الناس إلى المنبر ؟ فقيل: أما ذراع فإنه كائن خليفة، وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأما الثالثة فإنه شهيد. فقال: يقول الله: " ثم جعلناكم خلائف في الارض من بعدهم لننظر كيف تعملون (1) " هيه: فقد استخلفت يا بن أم عمر، فانظر كيف تعمل ؟ وأما الشهادة فأنى لعمر بالشهادة والمسلمون يضيعون به ؟ ثم قال: أما وإن الله على ما يشاء لقادر، وأما قوله ولا يخاف في الله لومة لائم فما شاء الله. * حدثنا عثمان بن عمر بن فارس (2) قال، حدثنا أسامة ابن زيد، عن مكحول، عن سعد بن مالك قال: رأيت فيما يرى النائم في عهد أبي بكر رضي الله عنه ستارا نزل من السماء، بقدر الناس، ففضلهم عمر رضي الله عنه بثلاث قصبات، قالوا بالخلافة والشهادة، وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم، قال: فعدوت بها على عمر رضي الله عنه فقال: فيم أنا وأحلام " طسم " فلما استخلف قدم علينا يضع الناس مواضعهم، فأرسل إلي فقال: ما فعلت الرؤيا ؟ قلت: زعمت أنها أحلام " طسم " فلم تسألني عنها ؟ قال: إنك


(2) سورة يونس، آية 14. (1) هو عثمان بن عمر بن فارس العبدي - أبو محمد النجاري، نزيل البصرة، وثقه ابن معين، مات سنة 209 ه‍ أو 207 ه‍ (الخلاصة للخزرجي 262 ط بولاق). (*)

[ 872 ]

أخبرتني بها وأبو بكر رضي الله عنه حي، ولان أقرب فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من سخط الله أحب إلي من أن أكون على قوم فيهم أبو بكر رضي الله عنه. * حدثنا عثمان بن عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا أبي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن ابن حاطب قال، ربيعة بن أمية: رأيت هذا هلك، وكانت بعده لابي بكر فقال بفيك الحجر يبقيه الله ويمتعنا به. * حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن حفصة بنت عمر رضي الله عنها: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: اللهم ارزقني قتلا في سبيلك، ووفاة ببلد نبيك، قالت حفصة رضي الله عنها: أنى لك ذلك يا أبه ؟ قال: إن الله يأتي بأمره أنى شاء (1). * حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرني يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أن عمر رضي الله عنه أتى البطحاء فكوم كومة من بطحاء ثم طرح عليها طرف ثوبه واستلقى، ثم رفع يديه إلى السماء ثم قال: اللهم كبرت سني وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط، ثم أتى المدينة فخطب، الناس فقال: يا أيها الناس سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، ثم صفق بيمينه على شماله إلا أن تضلوا بالناس شمالا ويمينا (2).


(1) وانظره في طبقات ابن سعد 3: 331 والرياض النضرة 2: 90. (2) وهو بأطول مما هنا في طبقات ابن سعد 3: 334، ومناقب عمر لابن الجوزي = (*)

[ 873 ]

* حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال، أنبأنا إبراهيم بن سعد (الزهري (1)) عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن أبي ربيعة، أنه حدثه عن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، أنها أخبرتها عن عائشة رضي الله عنها: أن عمر أذن لازواج النبي صلى الله عليه وسلم فحججن في آخر حجة حجها عمر رضي الله عنه، قالت: فلما ارتحل عمر رضي الله عنه من الحصبة من آخر الليل أقبل رجل متلثم وقال، وأنا أسمع: أين كان أمير المؤمنين نزل ؟ فقال له قائل، وأنا أسمع: هذا كان منزله فأناخ في منزل عمر رضي الله عنه ثم رفع عقيرته يتغنى: عليك السلام من أمير وباركت * يد الله في ذاك الاديم الممزق (2) فمن يجر أو يركب جناحي نعامة * ليدرك ما قدمت بالامس يسبق (3)


= ص 206 وشرح نهج البلاغة 12: 74 - وفيها " قد فرضت لكم الفرائض وسنت لكم السنن وتركتكم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا، إياكم أن تنتهوا عن آية الرجم وأن يقول قائل لا نحد حدين في كتاب الله فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ورجمنا بعده، ولولا أن يقول الناس والله إن عمر بن الخطاب أحدث آية في كتاب الله لكتبتها في المصحف، كنا نقرؤها " والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجة حتى طعن ". (1) الاضافة عن الاغاني 8: 102 ط بولاق - وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري - أبو إسحاق المدني، وثقه أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم والعجلي ومات سنة 183 ه‍ (الخلاصة الخزرجي ص 17 ط بولاق). (2) في طبقات ابن سعد 3: 333 ومناقب عمر لابن الجوزي ص 208 عليك سلام من إمام وباركت. (3) في المرجعين السابقين وشرح نهج البلاغة 12: 194، ونهاية الارب 19: 377 فمن يسع أو يركب جناح نعامة. (*)

[ 874 ]

قضيت أمورا ثم غادرت بعدها * فوائح في أكمامها لم تفتق (1) قالت عائشة رضي الله عنها فقلت لهم: اعلموا (لي (2)) علم هذا الرجل، فذهبوا فلم يروا في مناخه أحدا، فكانت عائشة رضي الله عنها تقول: إني لاحسبه من الجن، فلما قتل عمر رضي الله عنه نحل الناس هذه الابيات شماخ بن ضرار، أو جماع (3) بن ضرار. - شك أبراهيم بن سعد. * حدثنا شهاب بن عباد قال، حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا مسعر، عن عبد الملك بن عمير، عن الصقر (4) بن عبد الله، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ناحت الجن على عمر رضي الله عنه قبل أن يقتل بثلاث فقالت: أبعد قتيل بالمدينة أصبحت * له الارض تهتز العضاه بأسوق


(1) المراجع السابقة.. بوائق في أكمامها لم تفتق والبوائق هي الدواهي العامة. (2) الاضافة عن الاغاني 8: 102 ومناقب عمر لابن الجوزي ص 208. (3) وفي شرح نهج البلاغة 12: 194 قال ابن أبي الحديد: والاكثرون يرونها لمزرد أخي الشماخ ومنهم من يرويها للشماخ نفسه - وهو الشماخ بن ضرار بن سنان ابن أمية بن عمرو بن جحاش بن بجالة بن مازن بن ثعلبة، وذكر الكوفيون أنه الشماخ ابن ضرار بن حرملة بن صيفي بن إياس بن عبد بن عثمان بن جحاش.. الخ.. والشماخ لقب واسمه معقل وقيل الهيثم وهو من الهجائين - وانظر الاغاني 8: 108 ط بولاق، والاصابة 2: 152 وتاج العروس 3: 131. (4) في الاصل " السعد بن عبد الله " والمثبت عن أسد الغابة 4: 74 والاغاني 8: 102 بروايته عن ابن شبة. (*)

[ 875 ]

جزى الله خيرا من أمير وباركت * يد الله في ذاك الاديم الممزق فمن يسع أو يركب جناحي نعامة * ليدرك ما أسديت بالامس يسبق * قضيت أمورا ثم غادرت بعدها * فوائح في أكمامها لم تفتق وما كنت أخشى أن تكون وفاته * بكفي سبنتى أخضر العين مطرق (1) * حدثنا أبو داود الطيالسي قال، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري قال، حدثني محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: حججنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه آخر حجة حجها، فإنا لوقوف على جبال من جبال عرفة إذا قال رجل يا خليفة يا خليفة (2) فقال رجل من أزدشنوءة من لهب: والله لا يقف عمر رضي الله عنه هذا الموقف بعد العام - وكانوا قوما يعيفون - قال: ونظرت إليه فعرفته سببته (وأدبته (3)) فبينا هو يرمي الجمار إذ جاءت حصاة


(1) السبنتى - قال ابن الجوزي في مناقب عمر ص 229 قال أبو عبيد القاسم ابن سلام: السبنتى: النمر ويستعمل في الجرئ المقدام - وقوله أزرق العينين يحتمل أنه يريد أزرق العين وذلك قليل في العرب ويجوز أن يريد الازرق العدو. يعني ما كنت أخشى أن يقتله رجل من العرب إنما هو من الموالي - وبعده في سيرة عمر 2: 606. تظل الحصان البكر تبدي عويلها * عليه فويق الايطل المتأرق وكنت تشوب العدل بالبر والتقى * وحكم صليب الدين غير مزوق (2) في الاصل " إذ قال رجل خليفة " والمثبت عن طبقات ابن سعد 3: 333 وفي سيرة عمر 2: 605 " إذ سمعت رجلا يقول يا خليفة رسول الله ثم قال يا أمير المؤمنين. فقال أعرابي من لهب - وهم حي من أزد شنوءة، وكانوا أصحاب عيافة - من خلف: ما هذا الصوت قطع الله لهجتك أو لهاتك والله لا يقف أمير المؤمنين على هذا الجبل بعد هذا العام أبدا. (3) الاضافة عن سيرة عمر 2: 605، وفي طبقات ابن سعد 3: 333 " فأقبلت على الرجل فصخبت عليه " وانظر أسد الغابة 4: 73 والاستيعاب 2: 459، والرياض النضرة 2: 100. (*)

[ 876 ]

ففصدت فيه عرقا. فقال رجل: أشعرت ورب الكعبة، لا والله لا يقف عمر بعد هذا العام أبدا، قال: فنظرت فإذا هو اللهبي الذي قال تعرفة ما قال. * حدثنا الصلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك، عن أسامة بن زيد قال، حدثني إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد قال: رمى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه الجمرة ووراءه رجل من لهب، فرميت (1) الجمر فأصابته فساءه، وكان أصلع فدميت رأسه، فقال اللهبي: ما له قطع الله يده رماني رماه الله، والله لا يرجع إلى هذا المقام أبدا. فلما (كان اليوم (2)) الآخر نزل بالمحصب، ثم جمع بطحاء ووضع رداءه عليها، واتكأ ينظر إلى الناس، فرأى القمر طالعا ليلة أربع عشرة فقال: إن شيئا من الدنيا لم يتم قط إلا أخذ في النقصان، ثم يذكر قائم الليل حين يأخذ في النقصان إن أتى التمام، وتمام الشمس ثم رجوعها، وتمام القمر، ثم قال: إن الاسلام قد ثم ولا يزداد إلا نقصانا إلى يوم القيامة ثم رفع يديه فقال: اللهم كبرت سني وأنست الضعف من نفسي، وانتشرت رعيتي، وقد خفت على نفسي، فتوفني إليك غير عاجز ولا مقصر ولا مغبون، حتى إذا كان من جوف الليل وكب وخباء عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بجنب فسطاطه، فلما استقل عمر رضي الله عنه وانطلقت به


(1) كذا في الاصل ولعلها بالبناء المجهول أو لعلها " رمى ". (2) بياض بالاصل. والمثبت عن هامش اللوحة (56) حيث أثبت قارئ للنسخة قوله " لعله: فلما كان اليوم الآخر ". (*)

[ 877 ]

راحلته خلفه في مكانه راكب فرفع صوته فقال: جزى الله خيرا من أمير وباركت * يد الله في ذاك الاديم الممزق فمن يجر أو يركب جناحي نعامة * ليدرك ما قدمت بالامس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها * بوائق في أكمامها لم تفتق فسمعته عائشة رضي الله عنها فقالت: علي بالراكب، فلم يجدوه، فبكت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فلما قدم المدينة لم يمكث إلا قليلا حتي طعن. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن أبا موسى الاشعري رضي الله عنه قال: رأيت كأني أخذت جواد (1) كثيرة فجعلت تضمحل حتى بقيت جادة واحدة فسلكتها حتى انتهت إلى جبل فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقه، وإلى جنبه أبو بكر رضي الله عنه، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير (2) إلى عمر رضي الله عنه (أن تعال (3)): فقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون " مات والله أمير المؤمنين، فقلت: ألا تكتب بهذا إليه ؟ فقال: ما كنت لانعي له نفسه (4). * حدثنا محمد بن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن قال،


(1) الجواد: جمع جادة للطريق أو وسطه (محيط المحيط). (2) في الرياض النصرة 2: 99، وسيرة عمر 2: 603، وطبقات ابن سعد 3: 332 " يومي ". (3) الاضافة عن المراجع السابقة. (4) وانظر المراجع السابقة. (*)

[ 878 ]

قال عمر رضي الله عنه: اللهم كبرت سني ورق عظمي وخفت الانتشار من رعيتي، فاقبضني إليك غير عاجز ولا مليم - وقال مرة ملوم - فلم يلبث أن أصيب (1). * حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب (2)، عن مالك بن أنس قال، بلغني أن عمر رضي الله عنه كان يقول: اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك في حرم رسولك (3). * حدثنا عبد الصمد بن الوارث قال، حدثنا عبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر رضي الله عنه قال: اللهم اجعل وفاتي في سبيلك، في بلد رسولك. * حدثنا الصلت بن مسعود قال حدثنا أحمد بن شبويه: عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك قال، حدثني سعيد ابن عبد الرحمن الاعرج قال: كان عمر رضي الله عنه يقول: اللهم ارزقني قتلا في سبيلك، واجعله في بلد رسولك، قال فجعل الناس


(1) ورد بمتنه في طبقات ابن سعد 3: 335 عن هشام بن سعد عن سعيد بن أبي هلال، كما ورد بمعناه في الروض الزاهر لوحة 131، والرياض النضرة 2: 90، والبداية والنهاية 7: 137. (2) في الاصل كلمة لا تقرأ، والاثبات عن خلاصة الخزرجي 215 ط بولاق. وهو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي - بفتح أوله والنون بعد المهلة الساكنة - الحارثي - أبو عبد الرحمن المدني، نزيل البصرة، وثقه أبو حاتم وقال: حجة لم أر أخشع منه. وأعلم بقدومه فقال: قوموا إلى خير أهل الارض، وقال عمرو بن علي: كان مجاب الدعوة. وقال ابن سعد: كان عابدا فاضلا، مات سنة 221 ه‍ بمكة. (3) روي بمعناه في طبقات ابن سعد 3: 331. (*)

[ 879 ]

يعجبون ولا يدرون ما لعمر رضي الله عنه والله من المنزلة حتى طعنه أبو لؤلؤة. * حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال، أنبأنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما أنا أمشي مع عمر رضي الله عنه ذات يوم وهو يضرب وحشي قدمه (1) بالدرة تنفس تنفسة طننت أنها قد قضت أضلاعه، فقلت: سبحان الله ! وما أخرج هذا منك يا أمير المؤمنين إلا أمر عظيم قال: ويحك يا ابن عباس ! والله ما أدري كيف أصنع بأمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قلت: والله إنك بحمد الله لقادر على أن تصنع ذاك منها في البقية، قال: إنه والله يا ابن عباس ما يصلح هذا الامر إلا القوي في غير عنف، اللين في غير ضعف، الجواد في غير سرف، الممسك في غير بخل. يقول ابن عباس: والله ما أعرفه غير عمر. * حدثنا أحمد بن معاوية بن بكر قال، حدثنا الوليد بن مسلمة عن عمر بن قيس، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت عند عمر رضي الله عنه - وكنت له هيوبا، وكان لي مكرما، وكان يلحقني بعلية الرجال - فتنفس تنفسا ظننت أن أضلاعه ستتفصد، فمنعتني هيبته من مسألته، فقلت: يا أمير المؤمنين، قاتل الله النابغة ما كان أشعره ! ! قال: هيه، قال: قلت خيرا يقول: وإن يرجع النعمان نفرح ونبتهج * ويأت معدا ملكها وربيعها


(1) وحشي القدم: الجانب الايمن منه (محيط المحيط - تاج العروس). (*)

[ 880 ]

ويرجع ألى غسان ملك وسؤدد * وتلك المنى لو أننا نستطيعها وإن يهلك النعمان تعر معية * ويلق إلى جنب الفناء قطوعها وتنحط حصان آخر اليل نحطة (1) * تقضقض منها أو تكاد ضلوعها (2) على إثر خير الناس إن كان هالكا * وإن كان في جنب الفتاة ضجيعها (3) فقال: لعلك ترى صاحبك لها ؟ فقلت: القربى في قرابته وصهره وسابقته أهلها ؟ قال: بلى، ولكنه امرؤ فيه دعابة، قلت فطلحة ابن عبيد الله ؟ قال ذو البأو (4) بأصبعه مذ قطعت دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت (5) فالزبير بن العوام ؟ قال: وعقة لقس (6) يلاطم في البقيع في صاع من تمر قلت: فعبد الرحمن بن عوف ؟ فقال: رجل ضعيف لو صار الامر إليه، وضع خاتمه في يد امرأته، قلت:


(1) نحط: يقال نحط الرجل إذا زفر زفيرا، أو تردد البكاء في صدره من غير أن يظهر، (محيط المحيط). (2) تقضقض: تبتعد عنها (3) في الاصل " في جنب الفراش " والمثبت عن ديوان النابغة تحقيق فاروق صويني ص 111 والمعنى: وإن كان معها زوجها فهي تبكيه وتذكر معروفه ولا تحتشم. (4) البأو: العجب والكبر والفخر والتعظيم، والخبر في الغائق الزمخشري 2: 426، وشرح نهج البلاغة 12: 142، والنهاية في غريب الحديث 1: 90. (5) في الاصل " قالت " تحريف، والصواب ما أثبته. (6) الوعقة - بالسكون: الذي يضجر ويتبرم. وقيل هو الذي فيه حرص ووقوع في الامر بجهل وضيق نفس وسوء خلق. واللقس: السئ الخلق، وقيل الشحيح، وقيل من لا يستقيم على وجه، وقال الزبيدي عن ابن شميل: رجل لقس: سئ الخلق خبيث النفس، وفي الحديث " لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل نفست نفسي. (النهاية في الغريب 4: 264، 5: 207 - شرح نهج البلاغة 12: 142 - أنساب الاشراف 5: 17 - الفائق في الغريب 2: 425، 470 - تاج العروس 10: 30). (*)

[ 881 ]

فسعد بن أبي وقاص ؟ قال: صاحب سلاح ورمح وفرس يجاهد في سبيل الله: وأخرت عثمان رضي الله عنه - وكان ألزمهم للمسحد وأقومهم فيه - قلت: فعثمان بن عفان رضي الله عنه ؟ فقال: أوه ثلاث مرات، والله لئن كان الامر إليه ليحملن بني أبي معيط على رقاب الناس، ووالله لئن فعل لينهضن إليه فليقتلنه، والله لئن فعل ليفعلن، والله لئن فعل ليفعلن، يا ابن عباس لا ينبغي لهذا الامر إلا حصيف العقدة قليل الغرة، لا تأخذه في الله لومة لائم، يكون شديدا في غير عنف، لينا في غير ضعف، جوادا في غير سرف، بخيلا في غير وكف (1)، يا ابن عباس لو كان فيكم مثل أبي عبيدة ابن الجراح لم أشكك في استخلافه لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لكل أمة أمين، وأمين هذه الامة أبو عبيدة ابن الجراح " لو كان فيكم مثل معاذ بن جبل لم أشكك في استخلافه، لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " معاذ بن جبل أعلم الاولين والآخرين ما خلا النبيين والمرسلين، يأتي يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة (2) " لو كان فيكم مثل سالم مولى أبي حذيفة لم أشكك في استخلافه، لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:


(1) الوكف: الوقوع في المأثم والعيب، ومنه قول قيس بن الخطيم: الحافظو عورة العشيرة لا تا * تيهم من ورائهم وكف (الفائق في الغريب 2: 427). (2) الرتوة: هي رمية بسهم، وقيل ميل، وقيل خطوة، وقيل مدى البصر. والكلمة غير واضحة في الاصل، والاثبات عن الفائق في الغريب 1: 456. وقد ورد بمعناه في منتخب كنز العمال 4: 427، وحلية الاولياء 1: 228، وأسد الغابة 4: 378 والاصابة 3: 407. (*)

[ 882 ]

سالم مولى أبي حذيفة آمن وأحب الله فأحبه. ولو (كان ما يخاف الله ما (1)) عصاه ". * حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس ابن مالك الانصاري قال، حدثنا عبيد الله بن حميد قال، حدثنا أبو الفتح الهذلي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخلت على عمر رضي الله عنه فتنفس تنفسا شديدا فقلت: يا أمير المؤمنين ما أخرج هذا منك إلا هم. قال: نعم فويل لهذا الامر لا أدري فمن له بعدي، ثم نظر إليه فقال لعلك ترى أن صاحبك لها - يعني عليا - قلت يا أمير المؤمنين وما يمنعه ؟ أليس بمكان ذاك في قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وسوابقه في الاسلام ومناقبه في الخير ؟ قال: إنه لكذاك ولكن فيه (بطالة (2) وفكاهة. قلت: يا أمير المؤمنين، فأين أنت من طلحة بن عبيد الله ؟ قال: الاكتع (3) ! ما كان الله ليعطيها إياه، ما زلت أعرف فيه بأوا مذ أصيبت يده. قلت: يا أمير المؤمنين فأين أنت من الزبير ؟ قال: وعقة لقس قلت: يا أمير المؤمنين فأين أنت من عبد الرحمن بن عوف ؟ قال: نعم المرء ذكرت، وهو ضعيف، ولا يقوم بهذا الامر إلا القوي في غير


(1) سقط في الاصل، والاثبات عن منتخب كنز العمال 5: 189، وحلية الاولياء 1: 177 وانظره في المراجع السابقة. (2) الاضافة عن أنساب الاشراف 5: 16، وفي شرح نهج البلاغة 12: 142 " قال فعلي فيه دعابة " وفي نفس المرجع 1: 186 رواية أحرى وفيها " ثم أقبل على علي عليه السلام فقال: لله أنت لولا دعابة فيك، أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح والمحجة البيضاء ". (3) الاكتع: الاشل (الفائق 2: 426). (*)

[ 883 ]

عنف واللين في غير ضعف، والجواد في غير سرف، قلت: يا أمير المؤمنين، فأين أنت من سعد ؟ قال صاحب فرس وقوس. قلت يا أمير المؤمنين، فأين أنت من عثمان ؟ قال: أوه ووضع يده على رأسه قال: - والله لئن (وليها (1)) يحمل بني أبي معيط على رقاب الناس فكأني أنظر إلى العرب قد سارت إليه حتى يضرب عنقه، والله لئن فعل ليفعلن ولئن فعل ليفعلن ذاك به، ثم أقبل علي فقال: أما إن أحراهم إن وليها أن يحملهم على كتاب الله وسنة نبيهم صاحبك - يعني عليا (2) * حدثنا أبو بكر العلمي قال، حدثنا هشيم، عن داود ابن أبي هند عن الحسن قال: خلا عمر رضي الله عنه يوما فجعل الناس يقولون: ما الذي خلا له ؟ فقال المغيرة بن شعبة: أنا آتيكم بعلم ذاك. فأتاه فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد ظنوا بك في خلواتك ظنا. قال: وما ظنوا ؟ قال: ظنوا أنك تنظر من يستخلف بعدك. قال: ويحك ! ! ومن ظنوا ؟ قال: ومن عسى أن يظنوا إلا هؤلاء: علي، وعثمان، وطلحة، والزبير. قال. وكيف لي بعثمان ؟ فهو رجل كلف بأقاربه ؟ وكيف لي بطلحة وهو مؤمن الرضا كافر الغضب ؟ وكيف لي بالزبير وهو رجل ضبس (3) وإن أخلقهم أن يحملهم على المحجة البيضاء الاصلع - يعني عليا رضي الله عنه (4).


(1) الاضافة يقتضيها السياق. (2) وانظر أنساب الاشراف 5: 17، وشرح نهج البلاغة 1: 185، 12: 142 والنهاية في الغريب 3: 73، 83، وحلية الاولياء 1: 64. (3) الضبس: الصعب السئ الخلق (الفائق في الغريب 2: 27) والكلمة في الاصل لا تقرأ. (4) وانظر النهاية في الغريب 3: 73 وأنساب الاشراف 5: 19 ومنتخب كنز العمال 4: 429 فقد ورد فيها اختلاف في الالفاظ. (*)

[ 884 ]

* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا عقبة (بن عبد الله العنبري (1)) قال: سمعت قتادة يقول، قال المغيرة بن شعبة: هل لكم أن أعلم من يستخلف هذا بعده - يعني عمر رضي الله عنه - قال: وكان عمر رضي الله عنه يغدو كل غداة إلى أرض له على أتان له قال: فانطلق ذات يوم فعرض له المغيرة فقال: يا أمير المؤمنين، ألا أصحبك ؟ قال: بلى، فسار معه، فلما انتهيا إلى أرضه عمد إلى ردائه فجمعه ثم رمى به فوضع عليه رأسه، فقال له عند ذلك يا أمير الآمنين إلا نفس يغدى عليها ويراح وتكون أحداث، فلو أن أمير المؤمنين أعلم للمسلمين علما إن كان حدث انتهوا إليه ورضوا به وكانوا معه، فقال عمر: وما يقولون ؟ قال: يقولون عبد الله بن عمر، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، الزبير بن العوام، وطلحة ابن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف. فقال: أما عبد الله ابن عمر فلئن يكن خيرا فقد أصاب منه آل عمر، وإن يكن شرا فشر عمهم منه، وأما الزبير فذاك والله الضرس الضبس (2)، وأما طلحة فمؤمن الرضا كافر الغضب، فكأنه لو ملك شيئا جعل بني أبي معيط على رقاب الناس، وأما عبد الرحمن بن عوف فمؤمن ضعيف، وأما علي فهو أحراهم أن يقيم الناس على الحق على شئ أعيبه فيه، فسألنا قتادة ما هو ؟ فقال حفته (3).


(1) بياض في الاصل والمثبت من ميزان الاعتدال 2: 204. (2) الضرس الضبس: الشرس الذعر، والصعب السئ الخلق النهاية في الغريب 3: 73 - والفائق في الغريب 2: 427. (3) وانظر سيرة عمر 2: 624. (*)

[ 885 ]

* حدثنا محمد بن حاتم قال: حدثنا نعيم بن حماد، عن ابن المبارك قال، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خرجت في غزوة لي فقيل لي: إن عمر رضي الله عنه لا يستخلف، فآليت إن رجعت من غزوتي لاسألنه عن ذلك فلما رجعت دخلت عليه فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الناس يزعمون أنك لا تستخلف، ولو أن راعيا قدم عليك ولم يستخلف رأيت أن قد ضيع بأمر الامة أعظم من ذلك، قال: إن لا أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر رضي الله عنه قد استخلف، فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم علمت أنه لم يكن لعدو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). * حدثنا أحمد بن عيسى، قال حدثنا ضمام بن إسماعيل (2) قال حدثني العلاء بن كثير عن بعض أهل المدينة، أن أسلم مولى عمر قال لعمر رضي الله عنه حين وقف لم يول أحدا بعده: يا أمير المؤمنين ما يمنعك أن تصنع كما صنع أبو بكر رضي الله عنه ؟ قال: ويحك يا أسلم ! ! أرأيت لو كنت غلاما يشانئك غلمان مثلك حتى بلغتم السن أما كان بعضكم يعرف بعضا ؟ قال قلت: بلى، وهؤلاء نشأنا جميعا، ولا أعرف مكان أحد خصه بهذا الامر، ثم قال: إني جاعلها


(1) روي بمعناه في منتخب كنز العمال 2: 185 عن ابن عمر وفيه " فو الله ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله صلى الله وسلم أحدا وأنه غير مستخلف ". (2) هو ضمام بن إسماعيل المرادي المعافري. ختن أبي قبيل مصري صالح، قال أبو حاتم: صدوق متعبد وقال ابن معين: لا بأس به - مات 185 ه‍. (الخلاصة للخزرجي ص 178 ط بولاق - وميزان الاعتدال 1: 473). (*)

[ 886 ]

في قوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبهم. * حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري قال، حدثنا سعيد ابن أبي عروبة قال، حدثنا شهر بن حوشب قال، قال عمر رضي الله عنه: لو أدركت أبا عبيدة لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: يا رب إني سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الامة - ولو أدركت سالما مولى أبي حذيفة لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: يا رب إني سمعت نبيك يقول: إنه يحب الله ورسوله حبا من قبله، ولو أدركت معاذ بن جبل لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: يا رب إني سمعت نبيك يقول إذا اجتمعت العلماء بين يدي يوم القيامة كان بين أيديهم قذفة بحجر (1). * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا مروان بن معاوية (2) قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة قال، حدثنا شهر بن حوشب بمثله. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن الشيباني، عن أبي العجفاء (الشامي (3)) قال، قيل لعمر رضي الله عنه يا أمير المؤمنين لو عهدت ؟ قال: لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح لوليته، فإن قدمت على ربي فقال لي: من وليت على أمة محمد ؟ قلت سمعت عبدك وخليلك صلى الله عليه وسلم يقول: لكل أمة أمين،


(1) وانظر منتخب كنز العمال 4: 427، شرح نهج البلاغة 1: 190. (2) في الاصل " ابن ماريه " والمثبت عن الخلاصة للخزرجي 373 ط بولاق. وهو مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة الفزاري - أبو عبد الله الكوفي الحافظ.، مات سنة 193 ه‍. (3) في الاصل " عن أبي العجماء " والاثبات والاضافة عن منتخب كنز العمال 2: 188 وقال صاحب المنتخب: أبو العجماء مجهول لا يدري من هو. (*)

[ 887 ]

وأمين هذا الامة أبو عبيدة بن الجراح، ولو أدركت معاذ بن جبل. ثم وليته (ثم (1) قدمت على ربي فقال لي: من وليت على أمة محمد ؟ قلت: إني سمعت عبدك وخليلك صلى الله عليه وسلم يقول: يأتي بين العلماء يوم القيامة برتوة، ولو أدركت خالد بن الوليد ثم وليته، ثم قدمت على ربي فسألني من وليت على أمة محمد ؟ لقلت: سمعت عبدك وخليلك صلى الله عليه وسلم يقول: سيف (من سيوف (2) الله سله على المشركين. * حدثنا موسى ابن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال قال، أنبأنا منصور - مولى لبني أمية - قال، قال عمر رضي الله عنه: يضيق الغار بأحد يجفو ويقسو ويغلظ فيعيبنا، وليس أحد ولي من القبائل شيئا من أمر الناس إلا حام على قرابته وقرى في عيبته (3)، وما ولي الناس من أحد مثل قرشي قد عض على ناجذيه. * حدثنا الهقل بن زياد، عن الهذلي - يعني معاوية بن يحيى قال، حدثني الزهري، قال: كان عمر رضي الله عنه لا يأذن لسبي بقل (4) وجهه في دخول المدينة. حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة - وهو


(1) سقط في الاصل، والاثبات عن منتخب كنز العمال 2: 188. (2) سقط في الاصل، والاثبات عن المرجع السابق. (3) العيبة: أي الخاصة وموضع السر (النهاية في الغريب 3: 327، وقيل العيبة زييل من أدم ينقل فيه الزرع، وقيل وعاء من أدم يكون فيه المتاع، وفي الحديث " الانصار عيبتي وكرشي " أي خاصتي وموضع سري " والعرب تكني عن الصدور والقلوب بالعياب لانها مستودع السرائر كما أن العياب مستودع الثياب (الفائق في الغريب 1: 311 -، وشرح نهج البلاغة 12: 168). (4) بقل وجهه: أي خرج شعره، يعني لحيته (تاج العروس) وفي طبقات ابن سعد 3: 345، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 209 " لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة ". (*)

[ 888 ]

أمير على الكوفة - يذكر أن له غلاما صانعا ويستأذنه في دخول المدينة وقال: إن عنده أعمالا كثيرة فيها منافع (للناس (1)، وإنه حداد نقاش نجار، فكتب إليه عمر رضي الله عنه أن يرسل به إلى المدينة، فقتل عمر رضي الله عنه. * حدثنا معاذ بن معاذ قال، حدثنا ابن عوف، عن محمد قال: حدر عمر رضي الله عنه مكة وأتبعه رجل، فلما نزل جعل الرجل يرمقه، فوضعوا له طهوره فبات فأتيته وهو مذعور، فأتى الماء فأصاب منه، ثم رقد، ثم أتيته الثانية وهو مذعور فأتى الماء فأصاب منه، ثم أتيته الثالثة وكان مذعورا فأتى الماء فأصاب منه فصلى فقال: اللهم اجعلها حقا، اللهم اجعلها حقا، اللهم اجعلها حقا. فلما أصبح دعا الرجل ليتبعنه، فقال: يا أمير المؤمنين ما شئ رأيتك فعلته الليلة، فقال: ما هو ؟ فأخبره. قال: رأيت ديكا نقرني ثلاث نقرات، وإنه سيقتلني أعجمي، فاذهب فإن رجعت وأنا حي فافعل كذا وافعل كذا، قال فجاء وقد أصيب عمر رضي الله عنه - قال محمد: فإذا عمر رضي الله عنه قد رأى في منامه ما فعل عبيد الله بن عمر. * حدثنا حجاج (2) بن نصير قال، حدثنا قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين: أن عمر رضي الله عنه كان يقول: لا تدخلوا


(1) الاضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 210، وطبقات ابن سعد 3: 345. (2) في الاصل " الحاد بن نصير عن قرة ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ب والاضافة عن (الخلاصة للخزرجي 72 ط. بولاق) (*)

[ 889 ]

المدينة من السبي إلا الوصفاء، قالوا: إن عمل المدينة شديد لا يستقيم إلا بالعلوج (1). * حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن هشام بن أبي عبد الله قال، حدثني قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة (اليعمري (2))، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أبا بكر رضي الله عنه، ثم قال: إني رأيت كأن ديكا نقرني نقرتين، وإني لا أرى ذلك إلا لحضور أجلي، وإن أقواما يأمروني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، ولا والذي بعث نبيه (صلى الله عليه وسلم، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الرهط الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض (3)) وقد علمت أن أقواما سيطعنون في هذا الامر (بعد (3)) أنا ضربتهم بيدي هذا على الاسلام، فإن فعلوا فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال (4). * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا عبيدة بن حميد قال،


(1) العلوج: جمع علج وهو الرجل القوي الضخم، وقيل الرجل من كفار العجم وغيرهم، ومنه حديث قتل عمر " قال لابن عباس: قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة " (النهاية في غريب الحديث 3: 286). (2) الاضافة عن طبقات ابن سعد 3: 335، ومنتخب كنز العمال 2: 184، ومسند ابن حنبل 1: 15. (3) ما بين الحاصرتين إضافة عن مسند أحمد بن حنبل 1: 48، وطبقات ابن سعد 3: 335. (4) وانظر مسند أحمد بن حنبل 1: 15، 48، وشرح نهج البلاغة 12: 184، ومنتخب كنز العمال 2: 184، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 209 وطبقات ابن سعد 3: 336. (*)

[ 890 ]

حدثني عثمان بن ابرهيم الحاطبي، عن أمه (1) قال: مر عمر رضي الله عنه يوما على خولة بنت حكيم السلمية. وهي في المسجد فلم تقم إليه، فقال: مالك يا خولة ؟ قالت: خيرا يا أمير المؤمنين، ورأى الحزن في وجهها، فقالت يا أمير المؤمنين رأيت في النوم كأن ديكا نقرك ثلاث نقرات، فقال: فما أولته يا خولة ؟ قالت: أولته أن رجلا من العجم يطعنك ثلاث طعنات، فقال: وأنى لعمر ذاك ؟ قال: وطعن عمر رضي الله عنه من الليل. * أراد عيينة بن حصن سفرا، فلما استقلت به ركابه قال لاصحابه: أرفقوا علي فإن لي إلى أمير المؤمنين حاجة، فأتاه فقال: يا أمير المؤمنين، إني أرى هذه الاعاجم قد كثرت ببلدك فاحترس منهم، قال: إنهم قد اعتصموا بالاسلام، قال: أما والله لكأني أنظر إلى أحمر أزرق منهم قد جال في هذه، ونخس بأصبعه في بطن عمر رضي الله عنه، فلما طعن عمر رضي الله عنه قال: ما فعل عيينة ؟ قالوا هو بالجباب، قال: إن بالجباب لرأيا، والله ما أخطأ بأصبعه الموضع الذي طعنني فيه الكلب (2). * حدثنا الصلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال، قال عمر رضي الله عنه على المنبر: إنه وقع في نفسي أني هالك في عامي هذا، إني رأيت في النوم ديكا نقرني


(1) وفي طبقات ابن سعد 4: 176 " عن محمد بن كناسة: أنها بنت قدامة ابن مظعون ". (2) ورد بمعناه في الرياض النضرة 2: 100، وسيرة عمر 2: 604. (*)

[ 891 ]

ثلاث نقرات حول سرتي، فاستعبرت أسماء بنت عميس فقالت: هذا رجل من العجم يطعنك (1). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر رضي الله عنه قال: رأيت كأن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين، وإن رجلا من العجم سيقتلني. * حدثنا محمد بن يحيى بن علي المدني قال، حدثني عبد العزيز ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف (2) قال، حدثني عبد الله بن زيد ابن أسلم، عن أبيه، عن جده قال: لما قدم عمر رضي الله عنه من مكة في آخر حجة حجها أتاه كعب فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد فإنك ميت في عامك، قال عمر رضي الله عنه: وما يدريك يا كعب ؟ قال: وجدته في كتاب الله. قال: أنشدك الله يا كعب هل وجدتني باسمي ونسبي، عمر بن الخطاب ؟ قال: اللهم لا، ولكني وجدت صفتك وسيرتك وعملك وزمانك. فلما أصبح الغد غدا عليه كعب فقال عمر رضي الله عنه: يا كعب. فقال كعب: بقيت ليلتان، فلما أصبح الغد غدا عليه كعب - قال عبد العزيز: فأخبرني عاصم بن عمر بن عبيد الله بن عمر قال: قال عمر رضي الله عنه:


(1) ورد بمعناه في منتخب كنز العمال 4: 428. (2) في الاصل " حدثني عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن ابن عوف " والمثبت عن تاريخ الطبري ق 1 ح‍ 5: 2722: وما ورد في الخلاصة للخزرجي ص 240 ط بولاق يؤكده حيث جاء في الهامش نقلا عن التهذيب " عبد العزيز ابن عمر هو عبد العزيز بن عمران ". (*)

[ 892 ]

يواعدني كعب ثلاثا يعدها * ولا شك أن القول ما قاله كعب وما بي لقاء الموت إني لميت * ولكنما في الذنب يتبعه الذنب فلما طعن عمر رضي الله عنه دخل عليه كعب فقال: ألم أنهك ؟ قال: بلى، ولكن كان أمر الله قدرا مقدورا (1). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال قال: (أنبأنا منصور مولى لبني أمية (2)) قال إن عمر رضي الله عنه قال: يا كعب حدثني عن... (3)، كذا... وقصور الجنة لا يسكنها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل، فقال عمر رضي الله عنه: أما النبوة فقد مضت لاهلها، وأما الصديق فإني قد صدقت الله ورسوله وأما حكم عدل فإني أرجو من الله أن لا أحكم بين اثنين إلا لم آل عن العدل، وأما الشهادة فأنى لعمر بالشهادة. ودون الروم الشام، ودون الحبشة اليمن، ودون فارس العراق - أو قال البصرة - فساقها الله في بيته. * حدثنا الفضل بن دكين قال، حدثنا العمري عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كان عمر رضي الله عنه يكتب إلى أمراء الجيوش: لا تجلبوا علينا من العلوج أحدا جرت عليه الموسى فلما طعنه أبو لؤلؤة قال: من هذا ؟ قالوا (4) غلام المغيرة بن شعبة


(1) وانظر تاريخ الطبري ق 1 ج 2: 2725، ونهاية الارب 19: 374. (2) بياض بالاصل والمثبت عن السند في ص 845. (3) بياض في الاصل بمقدار نصف سطر. (4) في الاصل " قال " والتصويب عن طبقات ابن سعد 3: 349، وفي شرح نهج البلاغة " فلما طعنه أبو لؤلؤة قال: من بي ؟ قالوا: غلام.. الخ ". (*)

[ 893 ]

قال: ألم أقل لكم لا تجلبوا إلينا من العلوج أحدا فغلبتموني (1). * حدثنا الصلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال، أخبرني نافع، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أخبره، أن عمر رضي الله عنه كان دخل بأبي لؤلؤة البيت ليصلح ضبة له، وكان نجارا نقاشا يصنع الارحاء، فقال أبو لؤلؤة: مر سيدي المغيرة بن شعبة يضع عني خراجي. فقال: إنك لتكسب كسبا كبيرا فاصبر واتق الله، هل أنت صانع لي رحى ؟ قال: نعم والله لاصنعن لك رحى تتحدث بها العرب. فقال عمر رضي الله عنه: أوعدني الخبيث، وخرج إلينا فقال لو قتلت أحدا بسوء الظن لقتلت هذا العلج، إنه نظر إلي نظرة لم أشك أنه أراد قتلي فقل ما مكث حتى طعنه. * حدثنا عبد الملك بن قريب قال، حدثنا نافع بن أبي نعيم قال، قال ابن الزبير: كنت أمشي مع عمر رضي الله عنه فنظر إليه العلج نظرة ظننت أنه لولا مكاني لسطا به. * حدثنا سليمان بن كراز قال، حدثنا ميمون بن موسى ابن عبد الرحمن بن صفوان الداني، عن الحسن قال: كان للمغيرة ابن شعبة علج من هذه العجم، وكان يعمل الارحاء تطحن بالريح، فأتى عمر رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين إن سيدي يكلفني ما لا أطيق، قال: ما تعمل ؟ قال: لي أرحاء تطحن بالريح، قال: فأد


(1) ورد في منتخب كنز العمال 4: 432، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 212. (*)

[ 894 ]

إلى سيدك خراجك. فخرج العلج يتحطم (1) غضبا، وكان عمر رضي الله عنه يخرج عند صلاة الصبح ومعه درته، فيدخل المسجد وفيه رجال قد حلوا من الليل فوضعوا رؤوسهم، فيأتيهم رجلا رجلا فيقول: الصلاة طال ما ما فسيتم في هذا المسجد، ثم يتقدم فيكبر، فوثب العلج فطعنه طعنتين، أما إحداهما فلم تعمل شيئا حازت في الجنب، وأما الاخرى فهجمت على جوفه فنادى يا للمسلمين بسم الله، فحمل عمر رضي الله عنه فدخل به، فصلى بالناس عبد الرحمن بن عوف، وقتل العبد، وقال عمر رضي الله عنه: ويحكم أنال العبد شيئا ؟ قالوا: لا بحمد الله، ودخل عليه الناس فجعلوا يسلمون عليه ويقولون: ليس عليك بأس، فقال: أبأس أن أكون قتلت، فقد قتلت، فقالوا، أما إنه إن جزاك الله عنا خيرا: فقد كنت وكنت. قال الحسن: لا والله ما يخافون أن يفرطوا، قال فعلموني بها. ولوددت أني أنفلت كفافا، وسلم لي ما كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني لم آل ولا أدري. قال الحسن: أرسلت إليه حفصة إيذن لي فأدخل عليك، قال: لا تدخلي علي، فأرسلت إليه: والله لتأذنن لي أو لادخلن عليك، قال: يا ابن عباس قم فإنها داخلة، فدخلت، فلما رأته صريعا ذهبت لتبكي، فقال: لا تبكي إنما يبكي الكافر، قال الناس: استخلف يا أمير المؤمنين. قال: والله ما من الناس رجل أوليها إياه أعلم أن قد وضعتها موضعا ليس أبا عبيدة بن الجراح وسالما مولى أبي حذيفة لو أدركتهما ولا


(1) يتحطم - أي يتلظى ويتوقد مأخوذ من الحطمة وهي النار (النهاية في غريب الحديث 1: 403). (*)

[ 895 ]

تؤمروا عليكم أحدا إلا عالم، وليصل بكم صهيب، فإذا كان اليوم الثالث فليجتمع ستة منكم في بيت فلا يخرجوا حتى يستخلفوا عليكم أحدا، ولا يختلفوا. ففعلوا كما أمرهم، فجعلوا أمرهم إلى عبد الرحمن بن عوف، فجعل عبد الرحمن يقول: يا فلان عهد الله عليك لئن استخلفت لتفعلن كذا وكذا، فيقول نعم، فقال لهم، ثم قال لعثمان أرني يدك، فمسح على يده،. * حدثنا عبد الله بن بكر السهمي قال، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة: أن عمر رضي الله عنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس: إني رأيت أن ديكا نقرني، وإني لا أراه إلا لحضور أجلي، فإن عجل بي آمر بالشورى إلى هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فمن بايعتم له منهم فاستمعوا له وأطيعوا، وإن أناسا سيطلبون في ذلك أنا قاتلتهم بيدي هذه على الاسلام، فإن فعلوا فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال، قال: وخطب الناس يوم الجمعة، ومات يوم الاربعاء لاربع بقين من ذي الحجة قال: وأهل الشورى عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن ابن عوف، وسعد بن مالك رضي الله عنهم (1). * حدثنا محمد بكار قال، حدثنلا أبو معشر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عمر مولى غفرة، وابنه نويفع: أن عمر رضي الله عنه خطب فقال في خطبته: رأيت رؤيا، وما أظن ذاك إلا عن


(1) ورد في مسند أحمد بن حنبل 1: 28 مطولا عن معدان بن أبي طلحة. (*)

[ 896 ]

اقتراب أجلي، رأيت كأن ديكا أحمر نزا (1) فنقرني ثلاث نقرات، فاستعبرت أسماء بنت عميس رضي الله عنهما، فقالت: يقتلك عبد من هذه الحمراء، فإن أهلك قبل أن أوصي فأمركم إلى هؤلاء الستة الذين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة ابن عبيد الله (2)، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن مالك، وإن أعش فسأعهد. * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل (بن يونس عن أبي إسحاق (3)) عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر رضي الله عنه يوم طعن فما منعني أن أكون في الصف الاول إلا هيبته، - وكان رجلا مهيبا (4) - فأقبل وقد أقيمت الصلاة، فعرض له أبو لؤلؤة - غلام المغيرة بن شعبة - فناجاه غير بعيد، ثم طعنه ثلاث طعنات، وإني أنظر إليه، فرأيته وقد بسط يده وهو يقول


(1) نزا: أي وثب (تاج العروس 10: 365). (2) وانظره بمعناه في مناقب عمر لابن الجوزي ص 209، ومنتخب كنز العمال 4: 428، ومسند أحمد بن حنبل 1: 27. (3) الاضافة عن طبقات ابن سعد 3: 340. وفي الخلاصة للخزرجي 31 ط بولاق هو إسرائيل بن يونس بن إسحاق السبيعي الهمداني أبو يوسف الكوفي، روى عن جده أبي إسحاق، وثقه أحمد، وقال أبو حاتم: صدوق من أتقن أصحاب أبي إسحاق، ولد سنة 100 ه‍ ومات سنة 162 ه‍. (4) وفي طبقات ابن سعد 3: 340، ومنتخب كنز العمال 4: 429 " وكان رجلا مهيبا فكنت في الصف الذي يليه، وكان عمر لا يكبر حتى يستقبل الصف المقدم بوجهه، فإن رأى رجلا متقدما من الصف أو متأخرا ضربه بالدرة، فذلك الذي منعني منه، فأقبل عمر فعرض له أبو لؤلؤة " وما في الرياض النضرة 2: 95 متفق مع الاصل. (*)

[ 897 ]

بيده هكذا دونكم الكلب فإنه قد قتلني، وماج الناس فجرح أحد عشر أو اثني عشر، وماج الناس بعضهم في بعض، حتى قال رجل: الصلاة عباد الله. طلعت الشمس، فقدموا عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه فصلى بنا، فقرأ أقصر سورتين في القرآن: " إذا جاء نصر الله والفتح " و " إنا أعطيناك الكوثر (1) ". * حدثنا معاوية بن عمرو قال، حدثنا زهير بن معاوية قال، حدثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر رضي الله عنه حين طعن، جاءه أبو لؤلؤة وهو يسوي الصفوف فطعنه، وطعن اثني عشر معه، وهو ثالث عشر، فقال رجل: الصلاة عباد الله، فقد كادت الشمس تطلع. فقدموا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فقرأ أقصر سورتين: " العصر، وإنا أعطيناك الكوثر ". * حدثنا أبو داود، وعمرو بن مرزوق قالا، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، أنه شهد عمر رضي الله عنه حين طعن، فأمهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فقرأ أقصر سورتين في القرآن: " والعصر (2) " و " إذا جاء نصر الله والفتح (3) ". * حدثنا أبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا نعيم بن ميسرة قال: حدثنا الزبير بن عدي قال، حدثني عمرو الاودي (4) قال: شهدت الجمعة يوم طعن عمر رضي الله عنه، طعنه العلج، شد عليه


(1) سورة الكوثر - وقد ورد في منتخب كنز العمال 4: 429 وطبقات ابن سعد 3: 340، والرياض النضرة 2: 95 من حديث عمرو بن ميمون. (2) أي سورة العصر. (3) سورة النصر (4) هو عمرو بن ميمون الاودي - أبويحيى الكوفي، وانظر ترجمته في الخلاصة للخزرجي ص 294 ط بولاق. (*)

[ 898 ]

الناس فشد على الناس، فطعن ثلاثة عشر رجلا، فمات منهم سبعة (1) سوى عمر رضي الله عنه وأصيح االناس عن الصلاة فقدموا عبد الرحمن ابن عوف فقرأ: " إذا جاء نصر الله والفتح " و " إنا أعطيناك الكوثر ". * حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال " إن كنت لادع الصف الاول هيبة لعمر رضي الله عنه، فلما أصيب أخر الناس الصلاة حتى خشوا طلوع الشمس، فقدموا عبد الرحمن فقرأ بهم: " إذا جاء نصر الله والفتح " و " إنا أعطيناك الكوثر ". حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن حصين، عن عمرو بن ميمون قال: لما أصيب عمر رضي الله عنه أمر عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه أن يصلي بالناس، فسمع ضجة الناس فقرأ " إذا جاء نصر الله والفتح " و " إنا أعطيناك الكوثر ". * حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن الشيباني (2)، عن عمرو بن ميمون قال: ما منعني أن أكون في الصف الاول حين طعن عمر رضي الله عنه إلا هيبته فماج الناس فقام عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه فصلى بالناس فقرأ: " إذا جاء نصر الله والفتح " و " إنا أعطيناك الكوثر ". * حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا أبو معاوية الضرير عن الاعمش، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون قال: كنت


(1) ويوافقه ما جاء في فتح الباري 7: 50، وإرشاد الساري 6: 111 مع زيادة هناك. (2) هو سليمان بن أبي سليمان الشيباني - أبو إسحاق الكوفي - وانظر ترجمته في الخلاصة للخزرجي ص 152 ط بولاق. (*)

[ 899 ]

في الصف الاول مما يلي عمر رضي الله عنه، فلما طعن الطعنة قال: " وكان أمر الله قدرا مقدورا (1) " فمال الناس على عبد المغيرة فجرح منهم ثلاثة عشر رجلا، فمات تسعة ونجا أربعة. * حدثنا الصلت بن مسعود قال: حدثنا أحمد بن شبويه عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك قال، حدثني عباد المنقري، عن الحسن قال: حدثنا أمير المؤمنين بأطيب ليلة قد أحياها وأحيا عامتها، ثم خرج على المسلمين وقد أدركتهم تلك الفترة، ومعه درته فقال (2): أيها الناس، الصلاة، وخرج الناس إلى وضوئهم، فلما أقيمت الصلاة تقدم وكبر فطعنه الفاسق طعنة مارت بين جلده، ثم طعنه أخرى فجافه (3) وهجمت على نفسه، ونادى، يا للمسلمين، عليكم الرجل، فصلى بالناس عبد الرحمن ابن عوف. * قال ابن المبارك، حدثته وحدثني أبو جعفر عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن ميمون قال: طعن عمر رضي الله عنه وما بيني وبينه إلا رجلين، خرج عمر رضي الله عنه يقول: الصلاة الصلاة، فوثب عليه العلج معه سكين ذات طرفين، فجعل يطعنه، ثم خرج فجعل لا يمر بأحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه، فطعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم تسعة، فلقيه رجل من المسلمين فألقى عليه برنسه، فلما ظن أنه أخذ نحر نفسه، وتقدم عبد الرحمن رضي


(1) سورة الاحزاب آية 38. (2) إضافة يقتضيها السياق. (3) جافه: أي أوصلها إلى جوفه (النهاية في غريب الحديث 1: 327). (*)

[ 900 ]

الله عنه فصلى، وحمل عمر رضي الله عنه فأدخل البيت. * حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: طعن الذي قتل عمر رضي الله عنه اثني عشر رجلا فمات منهم سته وأفرق ستة فبصر به (1) رجلان (2) من حاج العراق فألقى أحدهما عليه برنسه (3)، فطعن العلج نفسه فقتلها. * حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا شعبة، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن عمرو بن ميمون قال: سمعته لما طعن يقول: " وكان أمر الله قدرا مقدورا (4) ". * حدثنا معاوية بن عمرو المعني (5) قال، حدثنا زهير بن معاوية قال، حدثنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر رضي الله عنه حين طعن، أتاه أبو لؤلؤة وهو يسوي الصفوف فطعنه، وطعن اثني عشر معه، وهو ثالث عشرهم، فمات منهم خمسة أو ستة. * قال ابن المبارك، وحدثني أبو جعفر، عن حصين، عن عمرو بن ميمون قال: مات منهم تسعة. * حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن حصين،


(1) في الاصل " له " والصواب ما أثبته. (2) الرجلان هما: حسان التميمي اليربوعي، وعبد الله بن عوف كما ذكرهما فتح الباري 7: 51، وإرشاد الساري 6: 111. (3) البرنس: كساء تتصل به قلنسوة. (4) سورة الاحزاب آية 38. وقد ورد بنصه في طبقات ابن سعد 3: 349. (5) هو معاوية بن عمرو بن المهلب الازدي - (أبو عمرو الكوفي - وثقه أحمد وأبو حاتم، مات سنة 214 ه‍ (الخلاصة للخزرجي ص 382 ط بولاق). (*)

[ 901 ]

عن عمرو بن ميمون قال: أصيب تلك الليلة مع عمر رضي الله عنه سبعة عشر رجلا. * حدثنا عبد الله بن رجاء قال: أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: مات من الذين جرحوا (1) سبعة أو ستة. * حدثنا أبو داود الطيالسي قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال، سمعت عمرو بن ميمون بقول: شهدت عمر رضي الله عنه لما طعن، طعن معه ثلاثة عشر، فمات منهم تسعة (2). * حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا أبو عامر الخزاز (3) عن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قلت لعمر رضي الله عنه: أصابك أبو لؤلؤة، وأصيب معك ثلاثة عشر رجلا، وقتل كليب (بن بكير الليثي (4)) الجزار عند المهراس. * حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر قال، أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ماتت امرأة بظهر البيداء، فكان الناس يمرون عليها فلا يوارونها - فقلت: ما رأيتها ؟ فقال: أما إنك لو رأيتها لفعلت ثلاثا - ثم خطب فقال: ما بال رجال يمرون على امرأة ميتة فلا يوارونها حتى مر عليها كليب الجزار


(1) في الاصل " جرح ". (2) ورد في نهاية الارب 19: 372 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب. (3) هو صالح بن رستم المازني - مولاهم - أبو عامر الخزاز - بمعجمات - البصري، وثقه أبو داود والطيالسي وابن حبان (الخلاصة للخزرجي 144: 403 ط الخيرية). (4) الاضافة عن الاصابة 3: 289، ومنتخب كنز العمال 4: 435. (*)

[ 902 ]

فواراها ؟ والله إني لارجو أن يغفر الله له، قال فيمر عليه أبو لؤلؤة وهو يتوضأ عند المهراس فطعنه فقتله حين قتل عمر رضي الله عنه (1). * حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال، حدثنا عبيد الله بن وهب قال، حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عبد الله ابن عتبة، أن ابن عباس رضي الله عنهما أخبره، أن عمر رضي الله عنه حين طعن في غلس السحر مع الفجر قال فاحتملته أنا ورهط كانوا معي في المسجد حتى أدخلناه بيته، وأمر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يصلي بالناس، قال: فلما أدخل بيته غشي عليه من النزف، فلم يزل في غمرة حتى أسفر، ثم أفاق فقال: صلى الناس ؟ قلنا: نعم، قال لا إسلام لمن ترك الصلاة. ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى، فلما سلم قال يا ابن عباس، اخرج سل من قتلني، قال: فخرجت فإذا الناس منقصعون (2) على باب دار عمر رضي الله عنه جاهلون بخبره، ففتحت الباب فقلت للناس: من طعن أمير المؤمنين


(1) ورد في فتح الباري 7: 50 بإيجاز أيضا، وفي منتخب كنز العمال 4: 345 " ذكر لعمر أن امرأة من المسلمين ماتت بالبيداء مطروحة على الارض يمر بها الناس لا يكفنها أحد ولا يواريها أحد حتى مر بها كليب بن بكير الليثي فأقام عليها حتى كفنها وواراها، فذكر ذلك لعمر فقال: من مر بها من المسلمين ؟ فقالوا: لقد مر عليها عبد الله بن عمر فيمن مر عليها من الناس، فدعاه وقال: ويحك مررت على امرأة من المسلمين مطروحة على ظهر الطريق فلم توارها ولم تكفنها ! ! قال: والله ما شعرت بها ولا ذكرها لي أحد. فقال: من واراها وكفنها ؟ قالوا: كليب بن بكير الليثي. قال: والله لحرى أن يصيب كليب خيرا، فخرج عمر يوقظ الناس بدرته لصلاة الصبح، فلقيه الكافر أبو لؤلؤة فطعنه ثلاث طعنات بين الثنية والسرة، وطعن كليب بن بكير فأجهز عليه وتصايح الناس ". (2) منقصفون: مزدحمون (أقرب الموارد) وفي منتخب كنز العمال 4: 431 " فإذا الناس مجتمعون جاهلون بخبرهم ". (*)

[ 903 ]

قالوا: عدو الله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، فرجعت إلى عمر رضي الله عنه فقلت: أرسلتني أسأل من طعنك، فزعموا أن أبا لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة هو الذي (1) طعنك، فقال: الله أكبر، ما كانت العرب لتقتلني، الحمد لله الذي لا يحاجني عند الله بصلاة صلاها (2). * حدثنا القعنبي، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم: أن عمر رضي الله عنه كان يقول: اللهم لا تجعل قتلي بيد رجل صلى لله سجدة أو ركعة واحدة يحاجني بها عندك يوم القيامة. * حدثنا هوزة بن خليفة الثقفي (3) قال، حدثنا عوف، عن محمد بن سيرين قال، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما كان غداة أصيب عمر رضي الله عنه كنت فيمن احتمله حتى أدخلناه الدار، فأفاق إفاقة فقال: من ضربني ؟ قلت: أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، فقال عمر رضي الله عنه عمل أصحابك، كنت أريد ألا يدخلها علج من السبي فغلبتموني (4). * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، وعبيد الله عن نافع: أن عمر رضي الله عنه لما طعن قال: من


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) ورد في منتخب كنز العمال 4: 430 وفيه " فقال الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له ". (3) في الاصل قرة بن خليفة الثقفي. والمثبت عن طبقات ابن سعد 3: 352 فالخبر فيه متفق مع ما هنا سندا ومتنا، وانظر في ترجمته ميزان الاعتدال 3: 289، والخلاصة للخزرجي ص 414 ط بولاق. (4) ورد بمعناه في منتخب كنز العمال 4: 432، وطبقات ابن سعد 3: 350 وفيه " فعصيتموني ". (*)

[ 904 ]

طعنني ؟ قالوا: أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، فقال للعباس رضي الله عنه: هذا عملك وعمل أصحابك، والله لقد كنت أنهاكم أن تجلبوا إلينا منهم أحدا، وقال: الحمد لله الذي لم أخاصم في ديني أحدا من المسلمين. * حدثنا حجاج بن نصير (1) قال، حدثنا قرة بن خالد عن محمد (بن سيرين (2) قال، قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال لي عمر رضي الله عنه: انظر من طعنني ؟ فقلت: أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، قال: إنه نفذ القضاء على أصحابك. قال قرة: فكان محمد يفسر قول عمر رضي الله عنه: كان يقول: لا تدخلوا المدينة من السبي إلا الوصفاء (3) فقال العباس رضي الله عنه: إن عمل المدينة شديد لا يستقيم إلا بالعلوج. * حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر رضي الله عنه يوم طعن، دخل عليه الناس فقال لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: اخرج فناد في الناس: أعن ملا منكم كان هذا ؟ فخرج ابن عباس فقال أيها الناس، إن أمير المؤمنين يقول (4) فقالوا معاذ الله، وما علمنا ولا اطلعنا. * حدثنا أبو مطرف بن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان بن عيينة


(1) هو حجاج بن نصير القيس أبو محمد الفساقيطي البصري (الخلاصة للخزرجي 72 ط بولاق. (2) الاضافة عن الخلاصة للخزرجي ص 316 ط بولاق. (3) الوصفاء: جمع وصيفة، وهي الجارية دون المراهقة (أقرب الموارد). (4) ما بين الحاصرتين عن نهاية الارب 19: 375 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب. (*)

[ 905 ]

عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: صدرنا مع عمر رضي الله عنه فلما كنا بالبيداء إذا نحن بركب تحت شجرة، فقال له عمر رضي الله عنه: يا عبد الله انظر من هؤلاء فأتهم. فإذا صهيب فأتيته فأخبرته أنه صهيب مولى ابن جدعان، فقال: مره فليلحقني، قال: فلما قدم عمر رضي الله عنه المدينة لم يلبث أن لحقني فدخل عليه صهيب رضي الله عنه فقال: واحباه واصاحباه فقال عمر رضي الله عنه: مهلا يا صهيب فإن بكاء الحي على الميت عذاب للميت (1). * حدثنا حماد بن مسعدة (2) عن ابن عون عن محمد قال: لما أصيب عمر رضي الله عنه دخل صهيب فقال: واأخاه، فقال: ويلك يا صهيب، أما تعلم أنه من يعول عليه يعذب ؟. * حدثنا أبو عاصم عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن: أن صهيب دخل على عمر رضي الله عنه فقال: واأخاه واعمراه، فقال: أما علمت أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه (3) ؟. * حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد (4) قال، حدثنا أيوب،


(1) ورد في طبقات ابن سعد 3: 362 بروايات كثيرة. (2) هو حماد بن مسعدة التميمي أبو سعيد البصري، وثقه أبو حاتم وتوفي سنة 202 ه‍ الخلاصة للخزرجي ص 92 ط بولاق. (3) ورد في طبقات ابن سعد 3: 362 مع اختلاف في الالفاظ. (4) هو عبد الوهاب بن عبد المجيد - ويقال ابن الحكم - ابن الصلت بن عبد الله ابن الحكم بن أبي العاص الثقفي. أبو محمد البصري، وثقه ابن معين، ومات سنة 194 ه‍ (الخلاصة للخزرجي ص 248 ط بولاق، وميزان الاعتدال 2: 161). (*)

[ 906 ]

عن محمد (بن سيرين (1) قال: نبئت أن عمر رضي الله عنه لما أصيب جاء صهيب رضي الله عنه فجعل يقول: واأخاه، واصاحباه. فقال عمر رضي الله عنه: ألم يعلم أو لم يسمع أن المعول عليه يعذب ؟ * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا جرير بن عثمان قال، حدثنا حبيب بن عبيد الرحبي (2) عن المقدام بن معدي كرب (3): أنه دخل على عمر رضي الله عنه فلما خرج من عنده دخلت عليه حفصة فقالت: يا أمير المؤمنيناه ويا صاحب رسول الله ويا خليفة رسول الله. فقال عمر رضي الله عنه أقعدوني (4) ولا صبر لي على ما أسمع. ثم قال: إني أعزم عليك، قال: عليك من الحق أن لا تندبيني (5) بعد مجلسك هذا (فأما عينيك (6) فلن أملكهما إنه ليس من ميت يندبه أهله إلا والملائكة تمقته. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك


(1) إضافة على الاصل. (2) هو حبيب بن عبيد الرحبي - بمهملتين - أبو حفص الحمصي، وثقه الهتاني (الخلاصة للخزرجي 61 ط الخيرية). (3) هو المقدام بن معد يكرب بن عمرو بن يزيد بن معد يكرب بن عبد الكندي - صحابي - مات سنة 87 ه‍ (الخلاصة للخزرجي 386). (4) كذا في الاصل، وفي منتخب كنز العمال 4: 433، وشرح نهج البلاغة 12: 193، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 225 " فقال عمر لابنه عبد الله: أجلسني فلا صبر لي على ما أسمع ". (5) كذا في الاصل، وفي منتخب كنز العمال 4: 433، وشرح نهج البلاغة 12: 193، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 225 " فقال لها إني أحرج عليك من أن تندبيني بعد مجلسك هذا ". (6) سقط في الاصل، والمثبت عن المصادر السابقة. (*)

[ 907 ]

ابن عمير، عن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: دخل صهيب على عمر رضي الله عنه وقد طعن فقعد بحياله يبكي، فقال أعلي تبكي ؟ فقال: إني والله لعليك أبكي، قال: أما والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه (1). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: أعول عليه صهيب، فقال عمر رضي الله عنه: يا صهيب إن المعول عليه يعذب (2). * حدثنا أحمد بن موسى قال، حدثنا زهير - يعني ابن معاوية - عن سليمان التيمي قال: انتهيت إلى محمد بن موسى وهو يقول: والله لا نبالي من قال فيه بعد قول عمر رضي الله عنه، قال صهيب: واعمراه، قال عمر رضي الله عنه مهلا يا صهيب، إن المعول عليه يعذب. قيل لسليمان: أحين طعن عمر رضي الله عنه ؟ قال: نعم. * حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا سالم بن أبي راشد قال، حدثنا ابن أبي عامر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جلست بالباب فإذا صهيب رضي الله عنه قد دخل وهو يهتف، واحبيباه، واخليلاه، واعمراه. فقال عمر رضي الله عنه: مهلا يا أخي، أما بلغك أن المعول عليه يتعذب ببعض بكاء أهله ؟


(1) ورد في طبقات ابن سعد 3: 362 من حديث أبي بردة عن أبي موسى الاشعري. (2) ورد في منتخب كنز العمال 4: 433 من حديث أنس بن مالك. (*)

[ 908 ]

* حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة قال، أنبأنا يوسف بن سعد، عن عبد الرحمن بن (نصير أبو حميد (1) الحضرمي عن شداد بن أوس، أن كعبا قال: فكان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإذا ذكرنا عمر رضي الله عنه ذكرناه، وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه، فأوحى الله إلى النبي أن مره أن يعهد ويوصي، فإنه ميت إلى ثلاثة أيام، فأخبره النبي بذلك، فلما كان اليوم الثالث وقع بين الجدر (2) والسرير، ثم جأر إلى الله فقال: اللهم إن كنت تعلم أني أحكم بالعدل، وإذا اختلفت الامور اتبعت هواك، وكنت وكنت، فزد في عمري حتى يكبر طفلي وتربو أمتي، فأوحى الله إلى النبي: أنه قال كذا وكذا، وأنه قد صدق، وإني قد زدت في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يشد طفله وتربو أمته، فلما طعن عمر رضي الله عنه قال كعب: والله لئن سأل عمر ربه أن يبقيه ليبقينه، فأخبر عمر رضي الله عنه بذلك. فقال: اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم (3). * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبيد الله بن وهب قال، حدثني يونس عن ابن شهاب، أن كعبا قال: لو دعوت الله يا أمير المؤمنين أن يزيد في عمرك ؟ قال: انظر ما تقول يا كعب،


(1) في الاصل " عبد الرحمن بن جبير بن حميد، والمثبت عن الخلاصة للخزرجي ص 191 ط الخيرية. (2) الجدر: والجدار، الحائط (المعجم الوسيط، أقرب الموارد). (3) وانظره متنا في طبقات ابن سعد 3: 353، ومنتخب كنز العمال 4: 432. (*)

[ 909 ]

قال: أن رجلا من بني إسرائيل كان على مثل ما أنت عليه من الحق فبينما هو يقضي بين الناس في مجلسه إذ جاءه ملك الموت فتوارى عن المجلس كراهية للموت، ثم دعا الله أن ينسئ في أجله ليعدل بين الناس فأنسأ في أجله خمس عشرة سنة. * حدثنا وهيب بن جرير قال، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: سمع عمر رضي الله عنه صوتا قال لابن عباس رضي الله عنه: اخرج فانظر ما هذا الصوت ؟ فخرج فسأل الناس فقالوا: ارجع إلى أمير المؤمنين فأخبره أن كعبا يقول: لو أن أمير المؤمنين أقسم على الله أن يؤخره لاخره، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كنت لاخبر أمير المؤمنين عن كعب بشئ حتى أسمعه منه، فأتاه كعب فسأله فقال: نعم، لو أن أمير المؤمنين يقسم على الله أن يؤخره لاخره، فرجع ابن عباس رضي الله عنهما إلى عمر رضي الله عنه فأخبره، فقال: إذن والله لا أقسم على الله (1). * حدثنا خلاد بن يزيد قال، حدثنا نافع، عن ابن مليكة بنحوه، وزاد: لا أقسم على ربي، ولا أسأله أن يؤخرني، ويل لي، ويلي لامي إن لم يغفر لي، لو أن لي ما على الارض لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه. * حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا أبو جميع قال، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه قال: لما أصيب عمر رضي الله عنه كنت فيمن حمله وأدخلناه البيت فقال: يا ابن أخي اذهب فانظر من


(1) ورد مختصرا في منتخب كنز العمال 4: 433 من حديث أبي مليكة. (*)

[ 910 ]

أصابني، ومن أصيب معي، قال: وكان يقول إذا بعثت أحدكم في حاجة فليرجع إلى فليخبرني فإني أنسى - قال: فخرجت فنظرت ورجعت إليه لاخبره فإذا البيت قد امتلا، فجلست عند الباب، ودخل كعب فأخذ بعضادتي الباب وقال: كيف ترون أمير المؤمنين ؟ قالوا: ما تراه مغش عليه. قال: والذي أنزل التوراة على موسى، وأنزل الانجيل على عيسى، وأنزل الفرقان على محمد إن دعا أمير المؤمنين ليبقيه الله (1) لهذا الامة حتى يأمر فيهم بأمره ويقضي فيهم بقضائه ليرفعنه، فلما سمعت ذلك تخطيت الناس حتى جلست عند رأسه فقلت: يا أمير المؤمنين إنك بعثتني أنظر من أصابك، أصابك أبو لؤلؤة، وأصيب معك ثلاثة عشر وقتل كليب الجزار عند المهراس، وهذا كعب يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى والانجيل على عيسى والفرقان على محمد لئن أمير المؤمنين دعا ربه أن يرفعه لهذه الامة (فقال ادع إلي كعبا فدعي فقال ما تقول. قال: أقول كذا - قال لا والله لا أدعو (2) ولكن ويل لعمر من النار إن لم يرحمه ربه - ثلاثا. * حدثنا عبد الله بن رجاء، ومحمد بن الزبير قالا، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر رضي الله عنه يوم طعن، أدخل فقال ادعو إلي الطبيب، فقال أي الشراب أحب إليك ؟ قال: النبيذ. قال فسقي نبيذا فخرج من بعض


(1) في الاصل " أن أمير المؤمنين دعي به حتى يرفعه " والمثبت عن شرح نهج البلاغة 12: 191. (2) ما بين الحاصرتين سقط في الاصل، والمثبت عن شرح نهج البلاغة 12: 191. (*)

[ 911 ]

طعناته، فقال الناس من حوله: هذا صديد فاسقوه لبنا، فسقي لبنا فخرج فقال الطبيب: فما كنت فاعلا فافعل (1). * حدثنا القعنبي قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: دعي لعمر رضي الله عنه الطبيب فسقاه نبيذا فخرج من جروحه مختلطا بدم فدعي بلبن فسقاه فخرج أبيض، فقال له الطبيب: اعهد يا أمير المؤمنين. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال المراسي قال، حدثنا الحسن: أن عمر رضي الله عنه حين طعن قالوا: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، قال: إن كان علي بأس (فقد قتلت (2) فقالوا: لو شربت نبيذا، فشربه فخرج من جراحته، فقالوا: إنه صديد فقال ائتوني بلبن، فشربه فخرج من جراحته. * حدثنا الحسن بن عثمان قال، كتب إلي عبد الله بن صالح قال، حدثنا الهقل بن زياد، عن معاوية بن يحيى الصدفي قال، حدثنا الزهري قال، حدثني سالم قال، سمعت عبد الله قال، قال عمر رضي الله عنه: أرسلوا إلى الطبيب فينظر إلى جرحي هذا، قال فأرسلوا إلى طبيب من العرب فسقاه نبيذا فشبه النبيذ (بالدم (3) حين خرج من الطعنة التي تحت السرة قال فدعونا طبيبا من الامصار من بني معاوية فسقاه لبنا فخرج مصلدا (4) أبيض فقال: يا أمير المؤمنين


(1) ورد - مع إطالة - في سيرة عمر 2: 615. (2) بياض بالاصل، والمثبت عن الروض الازهر في مناقب الجد الاكبر لابن عنان - مخطوط - لوحة 142. (3) الاضافة عن سيرة عمر 2: 615. (4) المصلد: اللبن يحلب في إناء قد أصابه الدسم فلا تكون له رغوة (سيرة عمر 2: 615) وفي هذا المرجع " فشبه النبيذ بصديد أبيض ". (*)

[ 912 ]

اعهد، فقال عمر رضي الله عنه: صدقني أخو بني معاوية، ولو قلت غير ذلك كذبتك، فبكى عليه القوم حين سمعوا ذلك، فقال عمر رضي الله عنه: لا تبكوا علينا، من كان باكيا فليخرج، ألم تسمعوا ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! قال: " يعذب الميت ببكاء أهله ". * حدثنا سالم بن نوح قال، حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر رضي الله عنه لما طعن دخلت عليه حفصة، وإنه يغشى عليه، فصرخت، فقال: اسكتي يا بنية، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الميت يعذب ببكاء الحي ؟ ". * قال ابن المبارك في حديثه: لما طعن عمر رضي الله عنه وأدخل البيت جاءت حفصة تقول: أبي أبي، أخرج ؟ فقالوا: الناس. فقالت: لتخرجن عني أو لاخرجن ؟ فقال عمر رضي الله عنه: أمكم تستأذن، فخرج الناس، فلما نظرت إليه - ضعفت بدنه - فقال: يا بنية إنما يبكى الكافر - أو يبكى الكافر. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمه (ثابت عن (1) أنس رضي الله عنه: أن عمر رضي الله عنه لما طعن أعولت حفصة رضي الله عنها، فقال عمر رضي الله عنه: يا حفصة، أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن المعول عليه يعذب ؟.


(1) بياض بالاصل، والمثبت عن طبقات ابن سعد 3: 362، وهو ثابت بن قيس الغفاري - مولاهم - أبو الغصن المدني، مات سنه 168 ه‍ (الخلاصة للخزرجي ص 57 ط بولاق). (*)

[ 913 ]

* حدثنا سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو بن علقمة قال: كان أبو لؤلؤة مجوسيا. * حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة قال: دخل رجل على عمر رضي الله عنه وهو يألم فقال يا أمير المؤمنين إن كنت لاراك - كأنه يعني الجلد، والله لئن كان الذي تخاف لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، وفارقك وهو عنك راض، وصحبت أبا بكر رضي الله عنه فأحسنت صحبته، وفارقك وهو عنك راض، وصحبت المسلمين فأحسنت صحبتهم ولئن فارقتهم وهم عنك راضون، فقال عمر رضي الله عنه: أما ما ذكرت من صحبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاءه عني فإنما ذاك من من الله من علي به، وأما ما ذكرت من صحبتي أبا بكر رضي الله عنه ورضاه عني فإنما ذاك من من (1) الله من به علي، وأما ما تري في من الالم فإنما ذاك من صحبتكم، والله لو أن لي ما على الارض من شئ لافتديت به من عذاب الله من قبل أن أراه (2). * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد قال: لما طعن عمر رضي الله عنه دعا بلبن فشربه فخرج منه فجعل جلساؤه يثنون عليه. فقال: إن من غره عمر لغار (3) والله لوددت


(1) الاضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 218، وشرح نهج البلاغة 12: 192. (2) ورد في الرياض النضرة 2: 97 وفيه " قبل أن أراده ". (3) في شرح نهج البلاغة 12: 192، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 218، وسيرة عمر 2: 617 " قال: المغرور من غررتموه، ولو أن لي ما على ظهرها من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع " وكذا سيرد في الحديث النالي. (*)

[ 914 ]

أني لم أدخل فيها، والله إني لو كان لي ما على وجه الارض لافتديت به من هول المطلع. * حدثنا علي بن عاصم قال، أخبرني داود، عن عامر قال: لما طعن عمر رضي الله عنه دخل عليه ابن عباس رضيه الله عنهما والناس عنده، فسلم ثم قال: يا أمير المؤمنين، أبشر ببشرى الله، كان لك القدم في الاسلام، وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي وهو عنك راض، ووليت فعدلت، ثم قتلت شهيدا، قال: ويحك أعد علي ما قلت، فأعاد فتنفس عمر رضي الله عنه تنفسا كادت نفسه تخرج معه، ثم قال: والله إن المغرور لمن غررتموه، ولو أن لي ما على الارض من صفراء وبيضاء لافتديت بها من هول المطلع. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله الاودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري (1) قال: خطبنا ابن عباس رضي الله عنهما على منبر البصرة فقال: أنا أول من دخل على عمر رضي الله عنه حين طعن، فقلت له: أبشر فقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلت صحبته، ووليت فعدلت، وأديت الامانة. فقال: إنما تبشيرك إياي بالجنة، فو الذي نفسي بيده لو أن لي ما على الارض من صفراء وبيضاء لافتديت (2) بها مما هو


(1) في الاصل " عن عبيد الله بن عبد الرحمن الحميري " والمثبت عن مسند أحمد ابن حنبل 1: 46 والسند فيه، " حدثنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله الاودي عن حميد ابن عبد الرحمن الحميري قال: حدثنا ابن عباس بالبصرة " وانظر في ترجمة الخلاصة للخزرجي ص 94 ط بولاق. (2) في مناقب عمر لابن الجوزي ص 219، وشرح نهج البلاغة 12: 192، وسيرة عمر 2: 618 " من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر ". (*)

[ 915 ]

أمامي قبل أن أعلم الخبر، وأما قولك استخلفت فعدلت، فو الله لوددت أن ذاك كفاف لا علي ولا لي، وأما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذاك. * حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنا شعبة قال، (حدثنا عمر بن يونس أبو القاسم (1) اليمامي قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: لما طعن عمر رضي الله عنه دخلت عليه فجعلت أثني عليه، فقال: بأي شئ تثني علي، بالامرة أم بغيرها ؟ فقلت بكل، فقال: والله لوددت أني أفلت منهما كفافا لا أجر ولا وزر (2) * حدثنا مسعر، عن سماك الحنفي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتيت عمر رضي الله عنه فقلت: مصر الله بك الامصار، وفتح الفتوح، وفعل وفعل. فقال: وددت أني نجوت منها لا أجر ولا وزر (3). * حدثنا عمرو بن قسط قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو - يعني الاوزاعي - قال، حدثني سماك الحنفي، قال حدثني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: دخلت أنا والمسور ابن مخرمة على عمر رضي الله عنه حين طعن فقلت: أبشر يا أمير المؤمنين، فإن الله قد مصر بك الامصار، ودفع بك النفاق، وأفشى (4)


(1) بياض بالاصل، والمثبت عن الخلاصة للخزرجي 243 ط الخيرية. (2) وانظر حلية الاولياء 1: 52، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 219، وسيرة عمر 2: 618، وفي الجميع " والذي نفسي بيده لوددت أني خرجت منها كما دخلت فيها لا أجر ولا وزر " وفي شرح نهج البلاغة 12: 192 " لا حرج ولا وزر ". (3) ورد في مناقب عمر لابن الجوزي ص 219 من حديث ابن عباس مع مغايرة في بعض الالفاظ. (4) في الاصل لفظ لا يقرأ، والمثبت عن حلية الاولياء 1: 52. (*)

[ 916 ]

بك الرزق. فقال: أفي الامارة تثني علي يا ابن عباس ؟ قلت: إي والله، وفي غيرها، قال: فو الله لوددت أني خرجت منها فلا لي ولا علي. * حدثنا أبو عاصم قال حدثنا سهل السراج قال، قال رجل عند الوليد بن عبد الملك: قال عمر رضي الله عنه: لوددت أني أفلت من هذا الامر كفافا، فقال الوليد: كذبت، أيقول هذا خليفة الله ؟ فقال الرجل: أو كذبت - قال: أو ذاك. * حدثنا الحجاج بن نصير قال، حدثنا قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين قال، قال ابن عباس رضي الله عنهما، قلت لعمر والله لا يمس جلدك النار، قال: والله إن علمك بذاك لقليل (1). * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا عمرو بن الحارث، أن أبا النصر حدثه، عن سليمان بن يسار: أن عمر رضي الله عنه حين حضرته الوفاة قال له المغيرة بن شعبة: هنيئا لك يا أمير المؤمنين الجنة. قال: يا ابن أم المغيرة، وما يدريك ؟ والذي نفسي بيده لو كان لي ما بين المشرق والمغرب لافتديت به من هول المطلع. قال ابن المبارك في حديثه، فحدثنا علاد المنقري، عن الحسن قال: دخلوا عليه فقالوا ليس عليك يا أمير المؤمنين بأس، فقال: إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت، فقالوا: أما فجزاك الله خيرا، فلقد كنت وكنت. قال: وتغبطونني بها، لو أني خرجت منها كفافا ؟


(1) ورد مطولا في مناقب عمر لابن الجوزي ص 220. (*)

[ 917 ]

يقول الحسن: يا سبحان الله فصاحب كل يوم مبارك يقول: لوددت أني نجوت منها كفافا (1) ؟ * حدثنا عامر بن مدرك الحارثي قال، حدثنا عبد الواحد بن أيمن، عن أبي جعفر قال: لما طعن عمر رضي الله عنه اشتد جزعه فقال ابن عباس رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين ما يجزعك ؟ فو الله إن كان إسلامك لفتحا، وإن كانت خلافتك ليمنا، ولقد ملات الارض عدلا. فقال: يا ابن أخي أتشهد بذاك لي عند ربك، فكأنه كع (2) فقال له علي (3): نعم اشهد وأنا معك أشهد أنا معك. * حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن رجاء قالا، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: دخل عليه كعب الاحبار فقال: " الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (4) " قد أنبأتك أنك شهيد فقلت: من أين لي بالشهادة وأنا في جزيرة العرب (5) ؟. * حدثنا أبو بكر العليمي قال، حدثنا النضر بن شميل قال،


(1) ورد بمعناه في خبر طويل في الروض الازهر ص 140 ومنتخب كنز العمال 4: 438. (2) كع: الرجل عن الشئ: أحجم أو جبن (النهاية في الغريب 4: 180). وفي شرح نهج البلاغة 12: 192 " قال أتشهد لي بهذا يا ابن عباس ؟ فكععت، أي جبنت " وانظر الخبر مطولا في طبقات ابن سعد 3: 355، 454 وفتح الباري 7: 53، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 221 - وفيه " تلكأ ". (3) المراد علي بن أبي طالب رضي الله عنه - كما ورد في المصادر السابقة. (4) سورة البقرة آية 147. (5) وهو متفق سندا ومتنا مع ما ورد في شرح نهج البلاغة 12: 192، وطبقات ابن سعد 3: 342 سندا مع طول في المتن. (*)

[ 918 ]

حدثنا ابن المبارك قال، حدثني مولى لآل بن عفان: أن عمر رضي الله عنه أمر صهيبا أن يصلي بالناس ثلاثا،، وقال: لا يأتين عليكم ثالثة - أو لا يخلون عليكم ثالثة حتى تبايعوا لاحدكم - يعني أهل الشورى - ثم اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، ولا تشاقوا ولا تنازعوا وأطيعوا الله ورسوله والامير (1). * حدثنا حبان بن بشر قال حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا ابن إدريس عن طلحة بن يحيى بن طلحة، عن عيسى بن طلحة وعروة بن الزبير قالا، قال عمر رضي الله عنه حين طعن: ليصل بكم صهيب ثلاثا، ولتنظروا طلحة، فإن جاء إلى ذلك وإلا فانظروا في أمركم، فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تترك فوق ثلاث سدى، قال له عثمان: إنك لم يفتك من الامر شئ، فقال له طلحة: إذا صليت الظهر فاجلس على المنبر، فلما جلس على المنبر قام إليه طلحة فبايعه. * حدثنا سعيد بن عامر قال، أنبأنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رأس عمر رضي الله عنه في حجري حين أصيب، فقال لي: يا عبد الله ضع رأسي بالارض فجمعت ردائي تحت رأسه فمات وإن خده لعلى الارض، وقال: ويل لعمر وويل أمه إن لم يغفر الله له. * حدثنا القعنبي قال، حدثنا مالك بن أنس، عن يحيى


(1) ورد بمعناه في خبر طويل في طبقات ابن سعد 3: 344، 367. وفي نهاية الارب للنويري 19: 379 ط الهيئة العامة للكتاب " قال: فإذا أنا مت فتشاوروا ثلاثة أيام، ليصل بالناس صهيب، ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير ". (*)

[ 919 ]

ابن سعيد، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه عن عثمان ابن عفان (1) رضي الله عنه قال: أنا آخركم عهدا بعمر رضي الله عنه، دخلت عليه ورأسه في حجر (2) ابنه عبد الله بن عمر فقال له، ضع خدي بالارض، فقال: هل حجري والارض إلا سواء ؟ قال: ضع خدي بالارض لا أم لك - في الثانية أو الثالثة - ثم شبك رجليه فسمعته يقول: ويل لي وويل لامي إن لم يغفر الله لي. حتى فاضت نفسه. * حدثنا سليمان حرب قال، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الرحمن بن أبان ابن عثمان، عن أبيه، عن عثمان رضي الله عنه قال: أنا آخر الناس عهدا بعمر رضي الله عنه، دخلت عليه ورأسه في حجر ابن له فقال له: ضع خدي بالارض، فأبى، فقال: ضع خدي بالارض لا أم لك، ففعل، فقال: الويل لامي إن لم يغفر الله لي، فلم يزل يقولها حتى خرجت نفسه. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، سمعت عبد الله بن عمر يحدث، عن عاصم بن عبيد الله، عن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: أنا آخر الناس عهدا بعمر رضي الله عنه، دخلت عليه وهو في المغرب ورأسه في حجر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقال له: يا بني ضع خدي بالارض، فقال له ما حجري والارض إلا سواء، فقال له:


(1) إضافة على الاصل. (2) بياض في الاصل والمثبت عن طبقات ابن سعد 3: 360. (*)

[ 920 ]

يا بني ضع خدي بالارض، فقال له: مثل ذلك، فقال له في الثالثة: ضع خدي بالارض لا أم لك، فوضع خده بالارض، فقال: ويل عمر وويل أمه إن لم يغفر الله له، ثم مات رحمه الله (1). * حدثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عاصم، عن عبد الله ابن عامر بن ربيعة قال: رأيت عمر رضي الله عنه أخذ تبنة من حائط (2) فقال: يا ليتني كنت هذه التبنة يا ليتني لم أخلق (3)، يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني لم أك شيئا، يا ليتني كنت نسيا منسيا. * حدثنا موسى بن مروان الرقي قال، حدثنا بقية بن الوليد عن أبي مرثد اللبكي عبد الله بن العوذ، عن من حدثه: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا ليتني كنت حائكا أعيش من عمل يدي.. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما طعن عمر رضي الله عنه قالوا له: استخلف، قال: لا، والله لا أتحملكم حيا وميتا، ثم قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني: يعني أبا بكر رضي الله عنه، وإن أدع فقد ودع (4) من هو خير مني: يعني النبي صلى الله عليه


(1) ورد بمعناه في حلية الاولياء 1: 52. (2) في طبقات ابن سعد 3: 360 ومنتخب كنز العمال 4: 400 " أخذ تبتة من الارض ". (3) الاضافة عن المصدرين السابقين. (4) أي وإن أترك فقد ترك. (أقرب الموارد) والمعنى: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - أبو بكر - وإن أدع الناس إلى أمرهم فقد تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم (منتخب كنز العمال 4: 427). (*)

[ 921 ]

وسلم، قالوا: جزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا، قال ما شاء الله راغبا راهبا، ثم قال وددت أني أفلت كفافا لا لي ولا علي (1). * حدثنا أبو داود قال، حدثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الاودي، عن حميد بن عبد الرحمن (2) الحميري قال، خطبنا ابن عباس رضي الله عنهما على منبر البصرة فقال: قيل لعمر رضي الله عنه: استخلف، فقال: إن ذلك فعلت فقد فعله من هو خير مني، وإن أكل الناس إلى أنفسهم فقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر رضي الله عنه. * حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا عاصم بن محمد، عن أبيه قال: قيل لعمر رضي الله عنه: استخلف: فقال: لوددت أني نجوت منها كفافا لا لي ولا علي (3). * قال ابن المبارك في حديثه، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم قال، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بعدما طعن عمر: يا أمير المؤمنين، ما عليك لو أجهدت نفسك، ثم أمرت رجلا ؟ فقال: أقعدوني، قال: عبد الله فتمنيت لو أن بيني وبينه عرضى المدينة، فرقا منه حين قال أقعدوني، ثم قال: من أمرتم بأفواهكم ؟ قلت: فلانا، فقال: إن تؤمروه فأره ذا شيبتكم،


(1) ورد في السنن الكبرى للبيهقي 8: 148 مع تقديم وتأخير. (2) في الاصل " عن حميد بن عبد الواحد الحميري " والمثبت عن طبقات ابن سعد 3: 353، ومسند أحمد بن حنبل 1: 46، والخلاصة للخزرجي ص 94. وما سبق في ص 876 وما سيرد ص 886. (3) جزء من خبر طويل ورد في السنن الكبرى للبيهقي 8: 148. (*)

[ 922 ]

ثم أقبل على عبد الله فقال: أثكلتك أمك: أرأيت الوليد ينشأ مع الوليد وليدا، ثم ينشأ معه شابا ثم ينشأ معه كهلا، أتراه يعرف من خلقه ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فبماذا أحاج رب العالمين إذا سألني من أمرت عليكم ؟ فقلت: فلانا، وأنا أعلم منه ما أعلم، كلا والذي نفسي بيده لاردنها إلي الذي دفعها إلي، والله لوددت أنه كان عليها من هو خير مني لا ينقصني ذلك مما أعطاني الله شيئا. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا الحسن، وعبد الله بن بريدة قالا: لما طعن عمر رضي الله عنه قيل له: لو استخلفت ؟ قال: لو شهدني أحد رجلين استخلفته - إني قد اجتهدت ولم أتم - أو وضعتها موضعها، أبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة. * حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا إسماعيل بن زكرياء عن عاصم الاحول قال، قلت للشعبي يا أبا عمرو، ما منع عمر رضي الله عنه أن يستخلف عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وقد كان من هجرته ما قد علمت، ومن ورعه ما قد رأيت ؟ قال: أما إنه قد قال أدخلوه وأشهدوه، وليس منها في شئ، فإن يكن خيرا فقد استكثرنا منه، وإن يكن شرا فشر عنا إلى عمر فشر عنا إلى عمر ثلاثا (1).


(1) " فشر عنا إلى عمر " كذا في الاصل، وفي تاريخ الطبري ق 1 ج 5: 2757 " وإن يكن شرا فشر عنا إلى عمر. بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد " وفي نهاية الارب 19: 378 " إن كان خيرا فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فقد صرف عنا، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ". (*)

[ 923 ]

* حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا جرير، عن الاعمش، عن إبراهيم قال، قال عمر رضي الله عنه: يأمرونني أن أبايع لرجل لم يحسن (أن (1) يطلق امرأته. * حدثنا هارون الدمشقي قال، حدثنا محمد بن عيسى، عن عمر بن يزيد قال: كتب عمر عبد الله بن عمر في الشورى، فقال رجل: استخلفه فإنه ابن أمير المؤمنين ومن المهاجرين الاولين. فقال عمر رضي الله عنه: وقد قيلت ! والله ليمحين منها، كفى آل عمر منها الكفاف لا علينا ولا لنا (2). * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا جرير بن عبد الحميد عن الاعمش، عن إبراهيم قال، قال عمر رضي الله عنه: تأمرونني أن أبايع لرجل لم يحسن يطلق امرأته (3). * حدثنا أبو داود قال، حدثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الاودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري قال، خطبنا ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أنا أول من دخل على عمر رضي الله عنه حين طعن، فقال لي: يا ابن عباس احفظ عني ثلاثا: إني لم أستخلف على الناس خليفة، ولم أقض في الكلالة قضاء، وكل مملوك لي عتيق (4).


(1) الاضافة عن منتخب كنز العمال 4: 430، وفي شرح نهج البلاغة 1: 190 " كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته، لا أرب لعمر في خلافتكم ". (2) انظر منتخب كنز العمال 4: 430. (3) ورد في طبقات ابن سعد 3: 343 من حديث الاعمش عن إبراهيم. مع زيادة فيه. (4) روى بسنده في خبر طويل بمسند الامام أحمد 1: 46، وطبقات ابن سعد 3: 353، ومنتخب كنز العمال 4: 434. (*)

[ 924 ]

* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة قال، ابن شهاب، حدثنا عروة، أن مروان ابن الحكم حدثه: أن عمر رضي الله عنه قال حين طعن: إني رأيت في الجد رأيا، فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه، فقال عثمان: إن نتبع رأيك فإنه رشد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان. * وحدثنا محمد قال، حدثنا موسى بن عقبة قال، حدثنا نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أخبره: أن عمر رضي الله غسل وكفن وصلي عليه، وكان شهيدا. وقال عمر رضي الله عنه إذا مت فتربصوا (1) (2) ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيب، ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا - ولا شئ له من الامر - وطلحة شريككم في الامر، فإن قدم في الايام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الايام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم، ومن لي بطلحة ؟ ! فقال سعد بن أبي وقاص: أنا لك به، ولا يخالف إن شاء الله، فقال عمر: أرجو ألا يخالف إن شاء الله، وما أظن أن يلي إلا أحد هذين الرجلين، علي أو عثمان، فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي علي ففيه دعابة وأحر به أن يحملهم على طريق الحق، وإن تولوا سعدا فأهلها هو، وإلا فليستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن خيانة ولا ضعف، ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف، مسدد رشيه، له


(1) ورد في هامش اللوحة 271 " هنا نقص نحو ثلاث ورقات ". (2) من هنا إلى آخر الحديث عن تاريخ الطبري ق 1 ص 5: 2778 وما بعدها بروايته عن ابن شبة. (*)

[ 925 ]

من الله حافظ، فاسمعوا منه، وقال لابي طلحة الانصاري: يا أبا طلحة إن الله عزوجل طالما أعز الاسلام بكم، فاختر منهم، وقال للمقداد ابن الاسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم، وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة - إن قدم - وأحضر عبد الله بن عمر - ولا شئ له من الامر - وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه - أو اضرب رأسه - بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة (1) رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس. فخرجوا فقال علي لقوم كانوا معه من بني هاشم: ان أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا، وتلقاه العباس فقال: عدلت عنا. فقال: وما علمك ؟ قال: قرن بي عثمان، وقال كونوا مع الاكثر، فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن ابن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيوليها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله أني لا أرجو


(1) كذا في تاريخ الطبري، ويوافقه العقد الفريد لابن عبدربه 4: 286 ط النهضة. وفي نهاية الارب 19: 38 " وأن رضي اثنان رجلا واثنان رجلا فحكموا عبد الله ابن عمر ". (*)

[ 926 ]

إلا أحدهما، فقال العباس: لم أرفعك في شئ إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسأله فيمن هذا الامر فأبيت، وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الامر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم فأبيت، احفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم فقل لا إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الامر حتى يقوم لنا به غيرنا، وأيم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير. فقال علي: أما لئن بقي عثمان لاذكرنه ما أتى، ولئن مات ليتداولنها بينهم، ولئن فعلوا ليجدني حيث يكرهون ثم تمثل: حلفت برب الراقصات عشية * غدون خفافا فابتدرن المحصبا ليختلين رهط ابن يعمر مارئا (1) * نجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا والتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه، فقال أبو طلحة: لم ترع أبا الحسن. فلما مات عمر وأخرجت جنازته تصدى علي وعثمان أيهما يصلي عليه، فقال عبد الرحمن: كلا كما يحب الامرة، لستما من هذا في شئ، هذا إلى صهيب، استخلفه عمر يصلي بالناس ثلاثا حتى يجتمع الناس على إمام. فصلى صهيب، فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة، ويقال في بيت المال، ويقال في حجرة عائشة بإذنها، وهم خمسه معهم ابن عمر وطلحة


(1) في الكامل لابن الاثير 3: 68. ليختلين رهط ابن يعمر قارئا (*)

[ 927 ]

غائب، وأمروا أبا طلحة أن يحجبهم، وجاء عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبها سعد وأقامهما، وقال: تريدان أن تقولا حضرنا، وكنا في أهل الشورى ؟ فتنافس القوم في الامر وكثير بينهم الكلام، فقال أبو طلحة: أنا كنت لان تدفعوها أخوف مني لان تنافسوها، لا والذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الايام الثلاثة التي أمرتم، ثم أجلس في بيتي فأنظر ما تصنعون. فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم ؟ فلم يجبه أحد، فقال: أنا أنخلع منها. فقال عثمان: أنا أول من رضي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أمين في الارض أمين في السماء " " فقال القوم: قد رضينا، وعلي ساكت. فقال: ما تقول يا أبا الحسن ؟ قال: أعطني موثقا لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تألو الامة. فقال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير، وأن ترضوا من اخترت لكم، علي ميثاق الله أن لا أخص ذا رحم لرحمه ولا آلو المسلمين، فأخذ منهم ميثاقا وأعطاهم مثله، فقال لعلي: إنك تقول إني أحق من حضر بالامر، لقرابتك. وسابقتك، وحسن أثرك في الدين. ولم تبعد، ولكن أرأيت لو صرف هذا الامر عنك فلم تحضر، من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق بالامر ؟ قال: عثمان، وخلا بعثمان فقال: تقول شيخ من بني عبد مناف، وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، لي سابقة وفضل، لم تبعد، فلن يصرف هذا الامر عني، ولكن لو لم تحضر فأي هؤلاء الرهط تراه أحق به ؟ قال: علي. ثم خلا بالزبير فكلمه بمثل ما كلم به

[ 928 ]

عليا وعثمان، فقال: عثمان. ثم خلا بسعد فكلمه فقال: عثمان. فلقي علي سعدا فقال: (اتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا (1) "، أسألك برحم ابني هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرحم عمي حمزة منك. أن لا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيرا علي، فإني أدلي بما لا يدلي به عثمان، ودار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وافى المدينة من أمراء الاجناد، وأشراف الناس يشاورهم ولا يخلو برجل إلا أمره بعثمان، حتى إذا كانت الليلة التي يستكمل في صبيحتها الاجل أتى منزل المسور بن مخرمة بعد ابهيرار (2) من الليل فأيقظه فقال: ألا أراك نائما ولم أذق في هذه الليلة كثير غمض، انطلق فادع الزبير وسعدا. فدعاهما، فبدأ بالزبير في مؤخر المسجد في الصفة التي تلي دار مروان فقال له: خل ابني عبد مناف (3) وهذا الامر قال: نصيبي لعلي. وقال لسعد: أنا وأنت كلالة فاجعل نصيبك لي فأختار. قال إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي، أيها الرجل بايع لنفسك وأرحنا، وارفع رؤوسنا. قال: يا أبا إسحاق إني قد خلعت نفسي منها على أن أختار، ولو لم أفعل وجعل الخيار إلي لم أردها، إني أريت (4) كروضة خضراء كثيرة العشب فدخل فحل لم أر فحلا قط أكرم منه، فمر كأنه سهم


(1) سورة النساء آية 1. (2) ابهيرار الليل: أي إذا انتصف (تاج العروس 3: 64). (3) أي علي وعثمان رضي الله عنهما. (4) في نهاية الارب 19: 383، والكامل لابن الاثير 3: 70 " إني رأيت روضة خضراء " وفي العقد الفريد 4: 278 " إني رأيت كأني في روضة خضراء ". (*)

[ 929 ]

لا يلتفت إلي شئ مما في الروضة حتى قطعها لم يعرج، ودخل بعير يتلوه فاتبع أثره حتى خرج من الروضة، ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه يلتفت يمينا وشمالا، ويمضي قصد الاولين حتى خرج، ثم دخل بعير رابع فرتع في الروضة ولا والله لا أكون الرابع، ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحد فيرضى الناس عنه. قال سعد: فإني أخاف أن يكون الضعف قد أدركك فامض لرأيك، فقد عرفت عهد عمر. وانصرف الزبير وسعد وأرسل المسور بن مخرمة إلى علي، فناجاه طويلا، وهو لا يشك أنه صاحب الامر، ثم نهض وأرسل المسور إلى عثمان فكان في نجيهما حتى فرق بينهما أذان الصبح. فقال عمرو ابن ميمون، قال لي عبد الله بن عمر: يا عمرو، من أخبرك أنه يعلم ما كلم به عبد الرحمن بن عوف عليا وعثمان فقد قال بغير علم. فوقع قضاء ربك على عثمان. فلما صلوا الصبح جمع الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السنة والفضل من الانصار، وإلى أمراء الاجناد فاجتمعوا حتى التج (1) المسجد بأهله، فقال: أيها الناس، إن الناس قد أحبوا أن يلحق أهل الامصار بأمصارهم، وقد علموا من أميرهم. فقال سعيد بن زيد: إنا نراك لها أهلا. فقال: أشيروا علي بغير هذا. فقال عمار: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليا. فقال المقداد بن الاسود: صدق عمار، إن بايعت عليا قلنا سمعنا وأطعنا. قال ابن أبي سرح: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان.


(1) في العقد الفريد 4: 278 ارتج المسجد بأهله " وفي نهاية الارب 19: 383 " حتى التحم المسجد بأهله ". (*)

[ 930 ]

فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدق، إن بايعت عثمان قلنا سمعنا وأطعنا. فشتم عمار ابن أبي سرح وقال متى كنت تنصح المسلمين ؟ فتكلم بنو هاشم وبنو أمية. فقال عمار: أيها الناس إن الله عزوجل أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه، فأنى تصرفون هذا الامر عن أهل بيت نبيكم ؟ ! فقال رجل من بيي مخزوم: لقد عدوت طورك يا ابن سمية. وما أنت وتأمير قريش لانفسها ؟ فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن، افرغ قبل أن يفتتن الناس. فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت. فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا. ودعا عليا فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده. قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي. ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي. قال: نعم. فبايعه. فقال علي: " حبوته حبو دهر (1) " ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (2) " والله ما وليت عثمان إلا ليرد الامر إليك، والله " كل يوم هو في شأن " فقال عبد الرحمن: يا علي، لا تجعل على نفسك سبيلا، فإني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان. فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته.. من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون. فقال: يا مقداد، والله لقد اجتهدت للمسلمين. قال: إن كنت أردت بذلك الله فأثابك


(1) في العقد الفريد 4: 279 " قال علي حبوته محاباة ". (2) سورة يوسف آية 18. (*)

[ 931 ]

الله ثواب المحسنين. فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أوتي (1) إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، إني لاعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول إن أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل، أما والله لو أجد عليه أعوانا ! فقال عبد الرحمن: يا مقداد اتق الله فإني خائف عليك الفتنة. فقال رجل للمقداد: رحمك الله، من أهل هذا البيت ومن هذا الرجل ؟ قال: " أهل البيت بنو عبد المطلب والرجل علي ابن أبي طالب. فقال علي: إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها (2) فتقول إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا " وإن كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم. وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان، فقيل له: بايع عثمان. فقال: أكل قريش راض به ؟ قال: نعم. فأتى عثمان فقال له عثمان: أنت على رأس أمرك إن أبيت رددتها، قال: أتردها ؟ قال: نعم. قال: أكل الناس بايعوك ؟ قال: نعم. قال: قد رضيت، لا أرغب عما قد أجمعوا عليه، وبايعه. وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد قد أصبت إذ بايعت عثمان، وقال لعثمان: لو بايع عبد الرحمن غيرك ما رضينا. فقال عبد الرحمن: كذبت يا أعور، لو بايعت غيره بايعت ولقلت هذه المقالة (3).


(1) كذا في تاريخ الطبري، وفي نهاية الارب 19: 386 " ما رأيت مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت ". (2) في الكامل لابن الاثير 3: 72 " وقريش تنظر بينها ". (3) إلى هنا انتهت رواية ابن شبة في تاريخ الطبري. وفي الكامل لابن الاثير 3: 72 " قال: وكان المسور يقول: ما رأيت أحدا بذ قوما فيما دخلوا فيه بمثل ما بذهم عبد الرحمن ". (*)

[ 932 ]

عن أبي مجلز قال، قال عمر رضي الله عنه: من تستخلفون ؟ فسموا رجالا حتى سموا طلحة، فقال: كيف تستخلفون رجلا أول نحل نحله رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله في مهر ليهودية. * حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا أبو عوانة: عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن خراش عن حذيفة رضي الله عنه قال: سألني عمر رضي الله عنه: من ترى قومك مؤمرين بعدي ؟ قلت: رأيت الناس قد أسندوا أمرهم إلى عثمان رضي الله عنه. * حدثنا عمرو بن قسط قال، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة (بن اليمان (1) رضي الله عنه قال: بينما أنا مع عمر رضي الله عنه عشية عرفة (2) ونحن ننتظر أن تغرب الشمس فنفيض، فلما رأى كثرة الناس وتكبيرهم وما يصنعون، أعجبه ذلك قال: يا ابن اليمان، كم ترى هذا تاما (3) للناس ؟ فقلت: (على الفتنة باب (4) حتى يكسر باب أو يفتح (خرجت (4)، قال: وما يكسر باب أو يفتح ؟ قلت يقتل رجل أو يموت، قال: يا ابن اليمان فيمن ترى قومك يؤمرون بعدي ؟ قلت: رأيت الناس (قد (5) أسندوا أمرهم إلى عثمان رضي الله عنه. * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن خارجة بن مضرب قال: حججت مع عمر رضي الله عنه


(1) إضافة للتوضيح. (2) في طبقات ابن سعد 3: 332 " مع عمر رضي الله عنه بعرفات ". (3) كذا في الاصل، وفي المرجع السابق " يبقى للناس ". (4) الاضافات عن طبقات ابن سعد 3: 332. (5) إضافة عن طبقات ابن سعد 3: 332. (*)

[ 933 ]

فسمعت الحادي يحدو: إن الامير بعده ابن عفان. وسمعت الحادي في إمارة عثمان: إن الامير بعده علي - رضي الله عنه. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: أن عمر رضي الله عنه بدأ بعثمان رضي الله عنه فقال: اتق الله، إن وليت من أمر الناس. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني الليث بن سعد، أن يحيى بن سعيد حدثه، أن عمر رضي الله عنه حين أوصى النفر الخمسة فولوا، مال برأسه إلى عبد الله وهو مسند ظهره إلى صدره (وقال (1): إن يولوا عثمان رضي الله عنه يصيبوا خيرهم. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، عن عمر رضي الله عنه قال: لا بيعة إلا عن مشورة. * حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال، حدثنا أم خنيس قالت: انطلقت مع مولاي نعود عمر فسمعته يقول: إني أقمت لكم الطريق فلا تعوجنها. * حدثنا عفان قال، حدثنا وهيب قال، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عمر رضي الله عنه لما أصيب أرسل إلى الناس فقال: هل كان هذا عن ملا منكم ؟ فقال علي: أعن ملا منا ؟ ! إني والله لوددت أن الله نقص من آجالنا في أجلك.


(1) إضافة يقتضيها السياق. (*)

[ 934 ]

* قال ابن المبارك، حدثني أبو جعفر، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن ميمون قال، قال عمر رضي الله عنه: يا ابن عباس انظر (من قتلني (1) ؟ قال ودخل عليه الناس كأنهم لم تصبهم مصيبة قط قبل يومهم، قال فخرج فقال (من طعن (1) أمير المؤمنين ؟ قالوا: عدو الله أبو لؤلؤة، فرجع فأخبره فقال: (قاتله الله لقد أمرت به معروفا، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الاسلام، لقد كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلت - أي إن شئت قتلناه -. فقال: كذبت بعد ما (1) صلوا صلاتكم وتكلموا بلسانكم، وحجوا حجكم. ثم دخل عليه شاب فقال: يا أمير المؤمنين أبشر ببشرى الله، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استخلفت، فقال ثم الشهادة. قال: يا ابن أخي، ليتني أنجو كفافا لا علي ولا لي، ثم أدبر الشاب فإذا إزاره يمس الارض، فقال: يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك. فما منعه ما هو فيه من الموت أن نصح له، ثم قال: يا عبد الله انظر كم علي من الدين ؟ قال: بضعة (2) وثمانون ألفا. قال: أدها


(1) بياض في الاصل، والمثبت عن فتح الباري 7: 51، وإرشاد الساري 6: 112 وطبقات ابن سعد 3: 337، وأسد الغابة 4: 75، وشرح نهج البلاغة، 12: 188. (2) في شرح نهج البلاغة 12: 188، وفي فتح الباري 7: 51، وإرشاد الساري 6: 112 " فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا ". وفي الفتح 7: 51 " أنكر نافع مولى ابن عمر أن يكون على عمر دين حيث قال ابن حجر في الفتح وروى عمر بن شبة في كتاب المدينة بإسناد صحيح: إن نافعا قال: من أين يكون على عمر دين وقد باع رجل من ورثته ميراثه بمائة ألف، وعلق عليه = (*)

[ 935 ]

من أموال آل عمر، فإن وفت وإلا فسل بني عدي بن كعب، فإن وفت وإلا فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم. * حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن حصين، عن عمرو بن ميمون قال: إني لفي الصف المقدم إذ طعن عمر رضي الله عنه، قال: فأوصى فقال: بلغ الدين الذي علي بضعة وثمانين ألفا، وقال لعبد الله بن عمر: إن بلغ مال آل عمر فأدها وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن بلغت فأدها وإلا فسل في قريش ولا تجاوزهم إلى غيرهم. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سلام بن أبي مطيع عن أيوب قال، قلت لنافع: هل كان على عمر رضي الله عنه دين ؟ فقال: ومن أين يدع عمر دينا وقد باع رجل من ورثته ميراثه بمائة ألف ؟ !. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال، سمعت إبراهيم يقول، قال عبد الله: أقبل رجل شاب يثني على عمر رضي الله عنه - وقد طعن والناس يثنون عليه -، فلما أدبر إذا إزاره يمس الارض، فقال: يا ابن أخي ارفع إزارك فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك. قال عبد الله: يرحم الله عمر لم يمنعه ما كان فيه أنه رأى حقا لله يتكلم فيه. * حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عامر قال: لما طعن عمر رضي الله عنه دخل عليه ابن عباس رضي الله عنهما فقال:


= ابن حجر بقوله: هذا لا ينفي أن يكون عند موته عليه دين، فقد يكون الشخص كثير المال ولا يستلزم نفي الدين عنه، فلعل نافعا أنكر أن يكون دينه لم يقض. (*)

[ 936 ]

أبشر يا أمير المؤمنين بالجنة، فرفع رأسه ننظر إليه. ثم قال: اللهم نعم، أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتلت شهيدا، قال: أعد فأعاد ثلاث مرات، فقال عمر رضي الله عنه: إن الغرور لمن غررتموه، لو أن لي ما على الارض من صفراء وبيضاء لافتديت بها من هول المطلع. * حدثنا خلاد بن يزيد قال، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة: أن عثمان رضي الله عنه وضع رأس عمر رضي الله عنه في حجره فقال: أعد رأسي في التراب، ويل لي وويل لامي إن لم يغفر الله. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا ليث، عن واصل الاحدب، عن المعرور بن سويد (1): أن عمر رضي الله عنه قال: من دعا إلى إمارة لنفسه من غير مشورة المسلمين فلا يحل لكم إلا أن تقاتلوه. * حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا شعبة، عن أبي جمرة، أنه سمع (جويرية (2) ابن قدامة: أنه حج عام قتل عمر رضي الله عنه، قال: فمررنا بالمدينة فقام فخطب الناس (إني رأيت كأن ديكا أحمر (2) نقر في نقرة أو نقرتين، فما لبث إلا الجمعة حتى طعن (فأذن للناس فكان أول من دخل عليه أصحاب النبي صلى الله


(1) هو المعرور بن سويد - بمهملات - الاسدي - أبو أمية الكوفي، وثقه أبو حاتم، عمر مائة وعشرين سنة (الخلاصة للخزرجي ص 341 ط الخيرية). (2) بياض بالاصل، والاثبات عن مسند الامام أحمد 1: 51 حيث ورد متفقا مع ما هنا سندا، وانظره مختصرا في سيرة عمر 2: 599. (*)

[ 937 ]

عليه وسلم، ثم أهل المدينة، ثم أهل الشام، ثم أذن لاهل العراق، فدخلت فيمن دخل. قال فكان كلما دخل عليه قوم أثنوا عليه وبكوا. قال: فلما دخلنا عليه قال - وقد عصب بطنه بعمامة سوداء والدم يسيل، قال فقلنا: أوصنا - قال وما سأله الوصية أحد غيرنا - فقال: عليكم بكتاب الله، فإنكم لن تضلوا ما اتبعتموه. فقلنا: أوصنا. فقال: أوصيكم بالمهاجرين، فإن الناس سيكثرون وتقلون، وأوصيكم بالانصار، فإنهم شعب الاسلام الذي لجأ إليه، وأوصيكم بالاعراب، فإنهم أصلكم ومادتكم، وأوصيكم بأهل ذمتكم، فإنهم عهد نبيكم ورزق عيالكم، قوموا عني. قال: فما زاد على هؤلاء الكلمات، قال محمد بن جعفر، قال شعبة: ثم سألته بعد ذلك فقال في الاعراب، وأوصيكم بالاعراب فإنهم إخوانكم وعدو عدوكم). * أخبرنا سعيد بن منصور قال، أخبرنا يونس بن أبي يعقوب العبدي قال، حدثني عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: كنت عند عمر وقد سجي عليه فدخل علي (1) فكشف الثوب عن وجهه وقال: رحمة الله عليك أبا حفص، فو الله ما بقي أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته أو بمثل صحيفته. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن عليا رضي الله عنه رأى عمر رضي الله عنه وهو مسجى فقال: صلى الله عليك، ما من الناس أحد أحب إلي أن ألقى الله بما في صحيفته


(1) بياض بالاصل، والمثبت عن طبقات ابن سعد 3: 370. (*)

[ 938 ]

من هذا، فقال له الحسن بن علي رضي الله عنهما..... (1) فقال لا تصل على أحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم فسكت. * حدثنا عبد الله بن يحيى قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن الحجاج، عن نافع: أن عمر رضي الله عنه لحد له لحد. * حدثنا حيان بن بشر الاسدي قال، حدثنا عطاء بن مسلم، عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي مريم - رجل من الموالي - قال: أتيت عليا رضي الله عنه وعليه برد سحيق قد تهدب طرفاه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك يا أبا مريم ؟ قلت: تلقي هذا البرد عنك. قال فقعد، ثم وضع طرف البرد على عينيه، ثم بكى حتى علا صوته، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو كنت أعلم أنه يبلغ منك ما رأيت ما أمرتك بطرحه. قال: يا أبا مريم، إني أزداد له حبا، إنه أهداه إلي خليلي، قلت: ومن خليلك يا أمير المؤمنين ؟ قال: عمر رضي الله عنه، إن عمر رضي الله عنه ناصح الله فناصحه. * حدثنا محمد بن بكار قال، حدثنا أبو معشر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: وضع عمر رضي الله عنه بين القبر والمنبر فجاء علي يشق الصفوف، فقام بين أيديهم فقال: هو هذا مآل أبي بكر رضي الله عنكما - قالها مرارا ثم قال رحمة الله عليه ما من خلق الله أحد أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته بعد صحيفة


(1) بياض بالاصل بمقدار كلمتين. وقد ورد مختصرا في طبقات ابن سعد، 3: 371 ومناقب عمر لابن الجوزي ص 241، وسيرة عمر 2: 635. (*)

[ 939 ]

النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسجى بينكم (1). * حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا محمد بن أبان، عن خلف بن حوشب قال، أدركت رجلا من أصحاب عبد الله شيخا كبيرا قال: خرج علينا علي رضي الله عنه من القصر وعليه بردة يمانية من هذه اليمانية الخمر عتيق منها جيد فجعل القوم يمسونه ويقولون: من أين لك هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال: هذا كسانيه حبيبي عمر رضي الله عنه، فلما ذكر عمر رضي الله عنه قبع (2) رأسه بالبرد. ثم بكى حتى رحمه من كان ثم. * حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا نوح بن قيس قال، حدثنا عون بن أبي شداد: أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه لم يدرك الصلاة على عمر رضي الله عنه فقال: إن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه فلن تسبقوني بالثناء، ثم قال نعم أخو الاسلام كنت يا عمر، كنت عف الطرف، عف الظهر، جوادا بالحق، بخيلا بالباطل، ترضي حين الرضا، وتسخط حين السخط، لم تكن مداحا ولا عيابا (3). * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا سويد بن محمد الوراق قال: حدثنا سالم (المرادي عن (4)) عمرو بن هرم، عن عبد الله


(1) ورد في مناقب عمر لابن الجوزي ص 240 مع اختصار في ألفاظه، وبمعناه في طبقات ابن سعد 3: 369. (1) قبع رأسه بالبرد: أدخل رأسه فيه (محيط المحيط). (2) ورد في سيرة عمر 2: 641. (3) بياض بالاصل بمقدار كلمتين، والمثبت عن طبقات ابن سعد 3: 369، وهو سالم بن عبد الواحد المرادي - أبو العلاء الكوفي، وثقه ابن حبان (الخلاصة للخزرجي ص 131 ط بولاق). (*)

[ 940 ]

ابن أبي سارية الازدي قال: جاء عبد الله بن سلام (وقد صلى على عمر (1) فقال لئن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه لا تسبقوني بالثناء، ثم قال: نعم أخو الاسلام كنت يا عمر، ترضى حين الرضا، وتسخط حين السخط، عفيف الطرف، طيب الظرف (2)، لم تكن مداحا، ولا مغتابا، ثم جلس. * حدثنا القعنبي قال، حدثنا بكر بن يزيد، عن أسامة ابن زيد بن أسلم، قال: جاء كعب الاحبار بعدما دفن عمر رضي الله عنه فقال: والله لئن سبقتموني بدفنه لا تسبقوني بحسن الثناء عليه، فوقف على قبره فقال: نعم أخو الاسلام كنت ما علمت يا عمر أما والله إن كنت لجوادا بالحق، بخيلا بالباطل، تلين للين، وتشتد للشدة، وترضى للرضا، وتسخط للسخط، عفيف الظهر والبطن والفرج، ما كنت عيابا ولا مداحا. * حدثنا الحسن بن عثمان قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن عليا رضي الله عنه صلى على عمر رضي الله عنه - وهو على سريره - وقال فيما دعا له: صلى الله عليك (3).


(1) بياض بالاصل بمقدار ثلاث كلمات، والمثبت عن طبقات ابن سعد 3: 369 والخبر فيه متفق مع ما هنا سندا ومتنا. (2) كذا بالاصل، ولعلها " العرف ". (3) ورد في طبقات ابن سعد 3: 369 من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، مع زيادة في الالفاظ. (*)

[ 941 ]

* حدثنا القعنبي قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر ابن سعيد، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كنا نترحم على عمر رضي الله عنه حين وضع على على سريره، فجاء رجل من خلفي فترحم عليه وقال: ما أحد أحب إلي أن ألقى الله بعمله منك، وإن كنت لاظن ليجعلنك الله مع صاحبيك، فلاني كنت أكثر أن أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول (1): كنت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلت أنا وأبو بكر وعمر، فكنت أظن ليجعلنك الله مع صاحبيك، فلان كنت أكثر أن أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فكنت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلت أنا وأبو بكر وعمر، فكنت أظن ليجعلنك الله معهما فالتفت فإذا هو علي. * حدثنا محمد بن عباد بن عباد قال، حدثنا غسان بن عبد الحميد قال، بلغنا أن عبد الله بن مالك بن عيينة الازدي حليف بني مطلب قال: لما انصرفنا مع علي رضي الله عنه من جنازة عمر رضي الله عنه دخل فاغتسل، ثم خرج إلينا فصمت ساعة، ثم قال لله بلاء نادبة (2) عمر (لقد صدقت ابنة أبي خثمة حين (3) قالت: واعمراه، أقام الاود (وأبدأ (3) العهد واعمراه. ذهب نقي الثوب


(1) ورد التعبير مكررا في الاصل كما ترى، وفي منتخب كنز العمال 4: 423، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 240، وسيرة عمر 2: 635 من حديث ابن عباس " إني كنت أكثر أن أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ورحلت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت الاظن ليجعلنك الله معهما ". (2) كذا بالاصل، وفي الرياض النضرة 2: 103 " لله در باكية عمر ". (3) سقط في الاصل، والمثبت عن تاريخ الطبري ق 1 ج‍ 5: 763. (*)

[ 942 ]

قليل العيب، واعمراه أقام السنة وخلف الفتنة (1)، ثم قال: والله ما درت هذا ولكنها قولته وصدقت، والله لقد أصاب عمر خيرها وخلف شرها (2)، ولقد نظر له صاحبه (فسار على الطريقة ما استقامت (3) ورحل (الركب (3) وتركهم في طرق متشعبة لا يدري الضال ولا يستيقن المهتدي. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن أبي النضر، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما زال بي ذكر عمر رضي الله عنه وترديدي فيه حتى أتيت في المنام فقيل لي: عمر ابن الخطاب نبي هو ؟ فظننت أني دعوت بذلك. * حدثنا أبو عاصم النبيل، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن محمد بن علي أنه سمعه يقول: لما أتي بجنازة عمر رضي الله عنه فوضعت فقال علي ما أحد أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من أن ألقاه بصحيفة هذا المسجى بينكم. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن


(1) في تاريح الطبري ق 1 ج‍ 5: 2763 " أمات الفتن وأحيا السنن " وفي الرياض النضرة 2: 103 " واعمراه. ذهب بالسنة واتقى الفتنة ". (2) في تاريخ الطبري ق 1 ج‍ 5: 2763 " ولقد ذهب بخيرها ونجا من شرها " وفي الرياض النضرة 2: 103 " أصاب والله ابن الخطاب خيرها ونجا من شرها ". (3) سقط بالاصل، والاثبات عن الرياض النضرة 2: 103. وفي الروض الازهر لوحة 151 " ورحل الركب فتشعبت الطرق، ولا يدري الضال ولا يستيقن المهدي " وفي شرح نهج البلاغة 12: 3 " رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي بها الضال ولا يستيقن المهتدي ". (*)

[ 943 ]

عبد الله بن أبي الهذيل. قال: كنا عند حذيفة رضي الله عنه إذ أتاه نعي عمر رضي الله عنه فقال حذيفة رضي الله عنه: اليوم ترك الناس حلقة الاسلام. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سعيد بن زيد قال حدثنا أبوالتياح. قال حدثنا عبد الله بن أبي الهذيل قال: كنا عند حذيفة رضي الله عنه إذ أتاه نعي عمر رضي الله عنه، فقال حذيفة رضي الله عنه: (اليوم ترك الناس (1) حافة الاسلام (2) (وايم الله لقد جار هؤلاء القوم عن القصد حتى لقد حال دونه وعورة، ما يبصرون القصد ولا يهتدون له، قال: فقال عبد الله بن أبي هذيل: كم ظعنوا بعد ذلك من مظعنة (1) وقال: (إنما كان مثل الاسلام أيام عمر مثل امرئ مقبل لم يزل في إقبال، فلما قتل أدبر فلم يزل في إدبار (1). وقال: (كأن علم الناس كان مدسوسا في حجر عمر، والله لا أعرف رجلا لا تأخذه في الله لومة لائم إلا عمر. وقال: ما يحبس البلاء عنكم فراسخ إلا موتة في عنق رجل كتب عليه أن يموت. يعني عمر (1). وفاته رضي الله عنه * روى أبو بكر بن إسماعيل، عن محمد بن سعد أنه قال: طعن عمر يوم الاربعاء لاربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين،


(1) سقط في الاصل، والاثبات عن سيرة عمر 2: 64، وطبقات ابن سعد 3: 373. (2) ورد في هامش اللوحة بخط قارئ " هنا نقص كبير ". (*)

[ 944 ]

ودفن يوم الاحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وخمسة أشهر وواحدا وعشرين يوما. وقال عثمان بن محمد الاحمس: هذا وهم، توفي عمر لاربع ليال بقين من ذي الحجة. وبيوع عثمان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة. وقال ابن قتيبة: ضربه أبو لؤلؤة يوم الاثنين لاربع بقين من ذي الحجة، ومكث ثلاثا وتوفي، فصلى عليه صهيب، وقبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل كان عمره خمسا وخمسين سنة. والاول أصح (1). * أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: بكي على عمر حين مات (2). * عن محمد بن عمر قال، حدثنا خالد بن أبي بكر قال: دفن عمر في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل رأس أبي بكر عند كتفي النبي، وجعل رأس عمر عند حقوى النبي صلى الله عليه وسلم (3). * حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبي فديك، أخبرني


(1) عن أسد الغابة 4: 77. (2) عن طبقات ابن سعد 3: 375. (3) عن طبقات ابن سعد 1: 268 ط ليدن، وسيرة عمر 2: 630 - والحقو: الخصر. (*)

[ 945 ]

عمر بن عثمان بن هانئ، عن القاسم قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه، اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوطة ببطحاء العرصة الحمراء، قال أبو علي: يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدم وأبو بكر عند رأسه وعمر عند رجليه رأسه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). * أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني قال، حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو ابن حزم وغيرهما، عن عمرة بنت عبد الرحمن الانصارية، عن عائشة قال: ما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي في بيتي حتى دفن عمر بن الخطاب فيه فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارا فتفضلت بعد (2). (رؤيته بعد موته رضي الله عنه (*) * أخبرنا المعلى بن أسد قال، أخبرنا وهيب بن خالد، عن موسى ابن سالم قال، حدثني عبد الله بن عبيد الله بن العباس قال: كان العباس خليلا لعمر، فلما أصيب عمر جعل يدعو الله أن يريه عمر في المنام. قال فرآه بعد حول وهو يمسح العرق عن جبينه، فقال: ما فعلت ؟ قال: هذا أوان فرغت، وإن كان عرشي ليهد لولا أني لقيته رؤوفا رحيما (3).


(1) عن سنن أبي داود 3: 215، وسيرة عمر 2: 630. (2) عن طبقات ابن سعد 3: 264 ط ليدن. (*) عنوان مضاف. (3) عن طبقات ابن سعد 3: 375، والروض الازهر لوحة 156، وحلية الاولياء 1: 54 مع اختلاف يسير. (*)

[ 946 ]

* أخبرنا عفان بن مسلم، وسليمان بن حرب قالا، أخبرنا حماد بن زيد قال، أخبرنا أبوجهضم قال، حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عباس: أن العباس قال: كان عمر لي خليلا، وإنه لما توفي لبثت حولا أدعو الله أن يرينيه في المنام، قال: فرأيته على رأس الحول يمسح العرق عن جبهته. قال قلت: يا أمير المؤمنين: ما فعل بك ربك ؟ قال: هذا أوان فرغت، وإن كاد عرشي ليهد لولا أني لقيت ربي رؤوفا رحيما. * أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن عمارة، عن ابن عباس قال: دعوت الله سنة أن يريني عمر، قال: فرأيته في المنام فقال: كاد عرشي أن يهوي لولا أني وجدت ربا رحيما. * أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني معمر، عن قتادة، عن ابن عباس قال: دعوت الله سنة أن يريني عمر بن الخطاب، قال: فرأيته في النوم فقلت: ما لقيت ؟ قال: لقيت رؤوفا رحيما، ولولا رحمته لهوى عرشي. * أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني معمر عن الزهري عن ابن عباس قال: دعوت الله أن يريني عمر في النوم، فرأيته بعد سنة وهو يسلت العرق عن وجهه وهو يقول: الآن خرجت من الحناذ أو مثل الحناذ (1). * أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني عبد الله بن عمر بن حفص، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن قال، سمعت سالم


(1) عن طبقات ابن سعد 3: 376. والحناذ: الحر الشديد (تاج العروس). (*)

[ 947 ]

ابن عبد الله يقول، سمعت رجلا من الانصار يقول: دعوت الله أن يريني عمر في النوم، فرأيته بعد عشر سنين وهو يمسح العرق عن جبينه فقلت: يا أمير المؤمنين ما فعلت ؟ فقال: الآن فرغت، ولولا رحمة ربي لهلكت (1). * أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني معمر، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه قال: نمت بالسقيا وأنا قافل من الحج، فلما استيقظ قال: والله إني لارى عمر آنفا أقبل يمشي حتى ركض أم كلثوم بنت عقبة وهي نائمة إلى جنبي فأيقظها ثم ولى مدبرا، فانطلق الناس في طلبه، ودعوت بثيابي فلبستها فطلبته مع الناس، فكنت أول من أدركه، والله ما أدركته حتى حسرت فقلت: والله يا أمير المؤمنين لقد شققت على الناس، والله لا يدركك أحد حتى يحسر، والله ما أدركتك حتى حسرت. فقال: ما أحسبني أسرعت، والذي نفس عبد الرحمن بيده إنه لعمله (2). (ذكر بعض ما رثي به رضي الله عنه (*) * حدثني عمر قال، حدثني علي قال، حدثنال أبو عبد الله البرجمي، عن هشام بن عروة: أن باكية بكت على عمر فقالت: واحرى على عمر، حر انتشر فملا البشر، وقالت أخرى: واحرى على عمر حر انتشر حتى شاع في البشر (3).


(1) عن المرجع السابق. (2) عن المرجع السابق. (*) إضافة على الاصل. (3) من تاريخ الطبري ق 1 ج‍ 5: 2762. (*)

[ 948 ]

* وقالت عاتكة ابنة زيد بن عمرو في عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فجعني فيروز لا در دره * بأبيض تال للكتاب منيب رؤوف على الادنى غليظ على العدى * أخي ثقة في النائبات مجيب متى ما يقل لا يكذب القول فعله * سريع إلى الخيرات غير قطوب (1) * وقالت امرأة تبكيه: سيبكيك نساء الح‍ * - ي يبكين شجيات ويخمشن وجوها كال‍ * - دنانير نقيات ويلبسن ثياب الحز * ن بعد القصييات (2) * وقالت عاتكة تبكيه (3) - وكان تزوجها بعد مقتل زيد ابن الخطاب شهيدا يوم اليمامة: عين جودي بعبرة ونحيب * لا تملي على الجواد النجيب فجعتني المنون بالفارس المع‍ * - لم يوم الهياج والتثويب


(1) من المرجع السابق ق 1 ج‍ 5: 2763. (2) من المرجع السابق ق 1 ج‍ 5: 2764. (3) هي عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل العدوية، أخت سعيد بن زيد، وكانت من المهاجرات وكانت حسناء جميلة بارعة، وكانت زوجة لعبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما فأولع بها وشغلته عن مغازيه فأمره أبوه فطلقها. ولكنه ندم على طلاقها وقال فيها أشعارا: فرق أبوه وأمره بمراجعتها فارتجعها، ثم مات عنها - فتزوجها زيد بن الخطاب على اختلاف في ذلك فقتل عنها يوم اليمامة فتزوجها عمر رضي الله عنه، فقتل عنها فتزوجها الزبير بن العوام فقتل عنها. ثم خطبها على بن أبي طالب رضي الله عنه، فأرسلت إليه: إني لاضن بك يا ابن عم رسول الله عن القتل. وانظر نهاية الارب للنويري 9: 139. (*)

[ 949 ]

وقالت أيضا ترثيه بهذه الابيات: منع الرقاد فعاد عيني عائد * مما تضمن قلبي المعمود ما ليلة حبست علي نجومها * فسهرتها والشامتون رقود قد كان يسهرني حذارك مرة * فاليوم حق لعيني التسهيد أبكي أمير المؤمنين ودونه * للزائرين صفائح وصعيد

[ 951 ]

أخبار عثمان بن عفان رضي الله عنه

[ 952 ]

عثمان بن عفان رضي الله عنه (مولده ونشأته) (*) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصي. وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأمها أم حكم، وهي البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد المناف بن قصي. وكان عثمان في الجاهلية يكني أبا عمرو، فلما كان الاسلام ولد له من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام سماه عبد الله واكتنى به، فكناه المسلمون أبا عبد الله، فبلغ عبد الله ست سنين، فنقره ديك على عينيه فمرض فمات في جمادى الاولى سنة أربع من الهجرة فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل في حفرته عثمان بن عفان. وكان لعثمان رضي الله عنه من الولد - سوى عبد الله بن رقية - عبد الله الاصغر - درج (1) - وأمه فاختة بنت غزوان بن جابر ابن نسيب بن وهيب بن زيد بن مالك بن عبد عوف بن الحارث ابن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. وعمرو، وخالد، وأبان، وعمر، ومريم، وأمهم أم عمرو بنت جندب بن عمرو بن حممة بن الحارث بن رفاعة بن سعد


(*) ما بين النجمتين عن الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 53 ط بيروت، وانظر التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان لابن أبي بكر ح 2. (1) درج: مات، يقال درج القوم أي ماتوا وانقرضوا، وفي المثل " هو أكذب من دب ومن درج " أي أكذب الاحياء والاموات. (أقرب الموارد). (*)

[ 953 ]

ابن ثعلبة بن لؤي بن عامر بن غنم بن دهمان بن منهب بن دوس من الازد. والوليد بن عثمان، وسعيد، وأم سعيد، وأمهم فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وعبد الملك بن عثمان - درج - وأمه أم البنين بنت عيينة ابن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري. وعائشة بنت عثمان، وأم أبان، وأم عمرو، وأمهن رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. ومريم بنت عثمان، وأمها نائلة بنت الفرافصة (1) ابن الاحوص ابن عمرو بن ثعلبة بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب بن كلب. وأم البنين بنت عثمان، وأمها أم ولد، وهي التي كانت عند عبد الله بن زيد بن سفيان (2). (ذكر إسلام عثمان بن عفان رضي الله عنه) (3) قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال حدثني محمد بن صالح عن يزيد بن رومان قال: خرج عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله


(1) الفرافصة: أي الاسد الشديد، أو الرجل الشديد البطش، وفي اللسان: كل ما في العرب فرافصة بضم الفاء إلا فرافصة نائلة امرأة عثمان فإنه بفتح الفاء وكذا ذكره القالي في الامالي 3: 209 ط دار الكتب، وانظر قصة زواج نائلة من عثمان في أنساب الاشراف للبلاذري 5: 12 - ونهاية الارب للنويري 19: 507، 508. (2) وانظر في شأن أولاد عثمان رضي الله عنهم أنساب الاشراف 5: 12 - وتاريخ الخميس للديار بكري 2: 274. ونهاية الارب 19: 507 - والتمهيد والبيان ح 2. (3) طبقات ابن سعد 3: 55 - التمهيد والبيان ح 3. (*)

[ 954 ]

على أثر الزبير بن العوام، فدخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليهما الاسلام وقرأ عليهما القرآن، وأنبأهما بحقوق الاسلام، ووعدهما الكرامة من الله، فآمنا وصدقا، فقال عثمان: يا رسول الله قدمت حديثا من الشام، فلما كنا بين معان (1) والزرقاء (2) فنحن كالنيام إذا مناد ينادينا: أيها النيام هبوا فإن أحمد قد خرج بمكة. فقدمنا فسمعنا بك - وكان إسلام عثمان قديما قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الارقم. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني موسى بن محمد ابن إبراهيم بن حارث التيمي عن أبيه قال: لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطا وقال: أترغب عن ملة آبائك إلي دين محدث ؟ ! والله لا أحلك أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين. فقال عثمان: والله لا أدعه أبدا ولا أفارقه. فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه. قالوا: فكان عثمان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة الهجرة الاولى والهجرة الثانية، ومعه فيهما جميعا امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهما لاول من هاجر إلى الله بعد لوط (3).


(1) معان: بالفتح، وفي معجم ما استعجم للبكري بضم الميم: مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء. (معجم البلدان، مراصد الاطلاع للبغدادي). (2) الزرقاء - تأنيث الازرق: موضع بالشام ناحية معان وهو نهر عظيم يصب في الغور (معجم البلدان - مراصد الاطلاع). (3) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 7: 143، وإرشاد الساري 6: 196، وأسد الغابة 5: 456، والاصابة 4: 298. (*)

[ 955 ]

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا عبد الجبار بن عمارة قال، سمعت عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال محمد بن عمرو، وأخبرنا موسى بن يعقوب الزمعي، عن محمد بن جعفر بن الزبير - قالا: لما هاجر عثمان من مكة إلي المدينة نزل على أوس بن ثابت أخي حسان بن ثابت في بني النجار. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: لما أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الدور بالمدينة خط لعثمان بن عفان داره اليوم. ويقال إن الخوخة التي في دار عثمان الويم وجاه باب النبي الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج منه إذا دخل بيت عثمان. قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وآخى بين عثمان وأوس بن ثابت أبي شداد بن أوس، ويقال أبي عبادة سعد بن عثمان الزرقي. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني أبو بكر بن عبد الله ابن أبي سبرة، عن المسور بن رفاعة، عن عبد الله بن مكنف ابن حارثة الانصاري قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر خلف عثمان على ابنته رقية، وكانت مريضة فماتت رضي الله عنها يوم قدم زيد بن حارثة المدينة بشيرا بما فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر، وضرب رسول الله صلى الله عليه

[ 956 ]

وسلم لعثمان بسهمه وأجره في بدر، فكان كمن شهدها (*). * (عن إياس بن سلمة بن الاكوع، عن أبيه قال: اشتد البلاء على من كان في أيدي المشركين من المسلمين قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال: يا عمر هل أنت مبلغ عني إخوانك من أسرى المسلمين ؟ قال: بأبي أنت والله ما لي بمكة عشيرة، غيري أكثر عشيرة مني، ثم (1) إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى مكة، فأجاره أبان بن سعيد، فقال له: يا ابن عم، أراك متحشفا (2)، أسبل كما يسبل قومك، قال: هكذا يتزر صاحبنا إلى أنصاف ساقيه (فلم يدع أحدا بمكة من أسرى المسلمين إلا أبلغهم ما قال رسول الله (1). * حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو عوانة قال، حدثنا حصين، عن عمرو بن جأوان، عن الاحنف بن قيس قال: رأيت عثمان رضي الله عنه يمشي وعليه ملاءة صفراء قد رفعها على رأسه (3). * حدثنا أبودواد الطيالسي قال، حدثنا هارون بن إبراهيم قال، حدثنا محمد بن سيرين، عن عبد الله بن الحارث، وسراقة قال: أول نعل رأيتها متسعة نعل رأيتها على ابن عفان (4).


(*) إلى هنا ينتهي ما أضيف عن طبقات ابن سعد المشار إليه في أول الترجمة. (1) الاضافة عن الرياض النضرة للمحب الطبري 2: 127 ط دار التأليف، وانظر أنساب الاشراف 5: 4. (2) الحشف: البالي الخلق. والمراد هنا أي يلبس ثيابا خلقة منقبضة قصيرة وذلك لقوله: أسبل كما يسبل قومك. والاسبال لبس الطويل من الثياب. (3) منتخب كنزل العمال للمتقي الهندي 5: 13 وأنساب الاشراف 5: 6. (4) أنساب الاشراف 5: 3. (*)

[ 957 ]

* حدثنا على بن أبي هاشم قال، أنبأنا إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد الحذاء، عن محمد قال: أول نعل ربت (1) بفتال واحد نعل عثمان رضي الله عنه. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمه موسى بن طلحة قال: كان عثمان رضي الله عنه أجمل الناس، عليه ثوبان أصفران، إزار ورداء يتوكأ على عصا له عقفاء (2). * حدثنا موسى بن إسماعيل، وإسحاق بن إدريس قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل (أن عبد الله) (3) بن مسعود رضي الله عنه سار من من المدينة إلى الكوفة ثمانيا - حين قتل عمر رضي الله عنه - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إن أمير المؤمنين قد مات فلم نر نشيجا أكثر من نشيج ذلك اليوم، وإنا اجتمعنا - أصحاب محمد - فلم نأل عن خيرنا ذا فوق فيايعنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، فبايعوه. فبايعه الناس (4). * حدثنا الصلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبوبه، عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك، عن جرير بن حازم


(1) ربت بمعنى استغلق (أقرب الموارد). (2) مجمع الزوائد 9: 80، التمهيد والبيان ح 146. (3) الاضافة عن طبقات ابن سعد 3: 63. (4) وانظر المرجع السابق، والنهاية في غريب الحديث 3: 480، والتمهيد والبيان لوحة 6، وجمهرة خطب العرب 1: 271، 3: 350، والبيان والتبيين للجاحظ 1: 345، وأنساب الاشراف 5: 24. (*)

[ 958 ]

قال: لما بويع عثمان رضي الله عنه قام فحصر وقال: أما بعد فما من كلام، وسيكون إن شاء الله (1). (ما سن عثمان رضي الله عنه من الاذان الثاني يوم الجمعة (2) * حدثنا عبد الملك بن عمرو قال، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة إذا خرج الامام، وإذا قامت الصلاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، حتى كان عثمان رضي الله عنه فكثر الناس، فأمر بالنداء الثالث على الزوراء (3)، فثبت إلى الساعة. * حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن الزهري، عن السائب بن (يزيد (4) قال: إنما أمر عثمان رضي الله عنه بالنداء الثالث حين كثر أهل المدينة، وكان الامام إذا صعد على المنبر أذن المؤذن (5). * حدثنا موسى بن إسماعيل (عن حماد بن سلمة، عن


(1) طبقات ابن سعد 3: 63، 202 مع مغايرة في السياق وبعض الالفاظ. (2) وانظر في هذا: صحيح مسلم 2: 326، وسنن ابن ماجه 1: 359، والجامع للاصول 1: 281، والغدير 8: 163، وتاريخ اليعقوبي 2: 140 وبدائع الصنائع 1: 262، والبداية والنهاية 7: 215. (3) الزوراء: في فتح الباري 2: 327، موضع بالمدينة عند السوق، وقيل: أرفع دار بالمدينة قرب المسجد (تفسير ابن كثير 8: 358). وانظر الخبر في سنن أبي داود 1: 285 وسنن ابن ماجه 1: 359، والجامع للاصول 1: 281، ووسنن البيهقي 3: 192، وفتح الباري 2: 236، والغدير 8: 125، والام للشافعي 1: 173. (4) بياض بالاصل، والمثبت عن السند السابق، وعن إرشاد الساري 2: 178. (5) وانظر سنن البيهقي 3: 192. ومنتخب كنز العمال 3: 282. (*)

[ 959 ]

حميد، عن أنس قال (1) إن المقام كان كذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه فشا الناس وكثروا، فأمر مؤذنا (2) فأذن بالزوراء، فتأخر خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت. * حدثنا بشر بن الوليد قال، حدثنا أبو يوسف، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذن يوم الجمعة، فإذا قعد الامام المنبر (أذن (3) ويقيم إذا نزل، فكان كذلك زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وصدرا من ولاية عثمان رضي الله عنه، فلما كثر الناس أمر عثمان رضي الله عنه المؤذن أن يقدم أذانا قبل ذلك بالزوراء. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا محمد بن راشد، عن مكحول: أن النداء كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة مؤذن واحد حتى يخرج الامام، ثم تقام الصلاة، وذلك النداء الذي يحرم عنده البيع والاشتراء إذا نودي به، فأمر عثمان ابن عفان رضي الله عنه أن ينادي قبل خروج الامام لكي تجتمع الناس (4).


(1) بياض بالاصل، والمثبت عن سند ابن شبة في حديث قيام النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه بصلاة العيد ثم الخطبة بعد الصلاة. فلما كان على عهد عثمان خطب ثم صلى " لوحة 279 ". (2) وانظر مسند أحمد 3: 450 مع اختلاف في السياق وبعض الالفاظ. (3) إضافة يقتضيها السياق. وانظره مختصرا في مسند أحمد 3: 449. (4) تفسير ابن كثير 8: 358. (*)

[ 960 ]

* حدثنا ميمون بن الاصبغ قال، حدثنا الحكم بن نافع، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: أتي عبد الله بن زيد رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما رأى من التأذين في النوم، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتأذين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا بلال قم فأذن، وكان بلال يؤذن بإقامة الصلاة، ثم أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتأذين قبل الاقامة، ثم زاد بلال " الصلاة خير من النوم ". وذلك أن بلالا أتى بعدما أذن التأذينة الاولى من صلاة الفجر ليؤذن النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة فقيل له: إن النبي صلى الله عليه وسلم نائم، فأذن بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، فأقرت في التأذين في صلاة الغداة، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر التأذين على هذا، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم كثر الناس فأمر عثمان رضي الله عنه بتأذين الجمعة الثالث فثبتت السنة على ذلك، فلا يؤذن تأذينا (ثالثا (1) إلا في الجمعة منذ سنها عثمان رضي الله عنه (2). * حدثنا عبد الاعلى بن عبد الاعلى قال، حدثنا هشام، عن الحسن أنه سئل عن الاذان يوم الجمعة فقال: إنما كان أذان وإقامة، والاذان إذا خرج الامام يحدث (الناس عن أسعارهم وعن مرضاهم (3). * (هاش) * (1) إضافة يقتضيها السياق. (2) وانظره بمعناه في مسند أحمد 3: 449، ومجمع الزوائد 1: 330. (3) بياض بالاصل، والمثبت عن تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 164، وانظر البداية والنهاية لابن كثير 7: 215. (*)

[ 961 ]

* حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن حامد بن عبد الله رضي عنهما قال: أول من خلق المسجد، ورزق المؤذنين عثمان بن عفان رضي الله عنه. * حدثنا الواقدي قال، حدثني إبراهيم بن عبد الله بن أبي فروة، أنه سمع عمرو بن أبي عبيد، أنه سمع مروان بن الحكم يقول: رأيت المؤذن يأتي عثمان رضي الله عنه فيقول: الصلاة يا أمير المؤمنين، حي على الصلاة حي على الفلاح. فيقول عثمان: مرحبا بالقائلين عدلا، وبالصلاة مرحبا وأهلا. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا نعيم بن حماد قال، حدثنا غسان بن بكر، عن سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة قال: كان عثمان رضي الله عنه قد كبر، فكان إذا خرج يوم الجمعة وصعد المنبر استقبل الناس فقال: السلام عليكم مدة قدر ما يقرأ إنسان فاتحة الكتاب. *.... (1) عن موسى بن طلحة قال: خرج عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة عليه حلة أفواف فصعد المنبر، وأخذ المؤذنون يؤذنون فأكب على الناس فقال: من أتى منكم السوق اليوم ؟ كيف كان سعر البر اليوم ؟. ثم قام فخطب، ثم قعد، ثم قام فخطب الثانية.


(1) بياض في الاصل بمقدار نصف سطر. وانظر التمهيد والبيان لوحة 145، 146 - فالحديث هناك بمعناه. وسنده " محمد بن عمر عن إسحاق بن يحيى عن عمه موسى بن طلحة ". (*)

[ 962 ]

* حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا هشيم قال، أنبأنا محمد بن قيس الاسدي، عن موسى بن طلحة (بن عبد الله (1) قال رأيت عثمان رضي الله عنه على المنبر يوم الجمعة والمؤذنون يؤذنون، وهو يستخبر عن الاسعار والاخبار. * حدثنا مصعب بن عبد الله بن مصعب قال، حدثني أبي، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان رضي الله عنه خرج يوم جمعة وعليه ثوبان ممصران (2)، وفي يده عصا في رأسها انحناء، فصعد المنبر وأخذ المؤذنون يؤذنون، والناس يتحدثون، ثم قام فخطب ثم جلس، ثم قام فخطب (3). * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن موسى بن طلحة قال: كان عثمان رضي الله عنه يتوكأ على عصا عقفاء حتى يأتي المنبر يوم الجمعة فيجلس عليه، وحوله المهاجرون والانصار فيحدثهم ويحدثونه، ويسألهم عن السعر وعما كان من الخبر، والمؤذنون يؤذنون، فإذا سكت المؤذنون قام فخطب وسكتوا، فإذا جلس بين الخطبتين أقبلوا عليه يحدثونه فيذهبوا عنه برحاء الخطبة، وحتى كأنما يرون ذلك عليهم حقا واجبا، ثم يقوم فيخطب، فإذا قام سكتوا، ثم يقرأ آخر سورة النساء آية " قل الله يفتيكم في


(2) الاضافة عن طبقات ابن سعد 3: 59. وانظر مسند أحمد 1: 73، وأنساب الاشراف 5: 40، ومجمع الزوائد 2: 186. (1) ممصران: أي مصبوغان بالمصر وهو طين أحمر، وقيل هو ما صبغ بالعشرق وهو نبات أحمر طيب الرائحة (ذيل الامالي ص 155 ط دار الكتب). (2) وانظر أنساب الاشراف 5: 8، وطبقات ابن سعد 3: 58. (*)

[ 963 ]

الكلالة.. (1) " وأدركت عمر وعثمان رضي الله عنهما فلم يكونا يصنعان إلا ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه (2). * حدثنا عبد الاعلى بن عبد الاعلى قال، حدثنا هشام، عن الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كانوا يخطبون قياما، ثم إن عثمان رضي الله عنه بعد أن رق وكبر فكان يخطب فيدركه ما يدرك الكبير، فيستريح ولا يتكلم، ثم يقول فيتم خطبته، ثم كان معاوية رضي الله عنه أول من قعد (3). * حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء. من أول من جعل في الخطبة جلوسا ؟ قال: عثمان رضي الله عنه حين كبر فأخذته رعدة فكان يجلس هنيهة ثم يقول. قلت: أفكان يخطب أم لا ؟ قال: لا أدري. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنهما كانوا يخطبون قياما، فلما كان عثمان رضي الله عنه: طالت الخطبة، وكثرت المقادير، فخطب قائما ثم قعد ولم يتكلم، ثم قام فخطب الاخرى قائما ثم نزل.


(1) سورة النساء، آية 176. (2) أنساب الاشراف 5: 4، ومجمع الزوائد 2: 187، 9: 80، ومسند أحمد 1: 73 وطبقات ابن سعد 3: 59. (3) مسند أبي داود 1: 286. (*)

[ 964 ]

فلما كان معاوية رضي الله عنه جاء رجلا عظيم العجيزة فخطب الخطبة الاولى قاعدا، ثم قام فخطب الخطبة الاخرى قائما ثم نزل (1). * حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا موسى بن عبيدة قال، حدثنا عبد الله بن عبيدة وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العيدين قبل الظهر، وأبو بكر وعمر، ثم (ظل الحال (2) على ذلك حتى قام عثمان رضي الله عنه صدرا (من خلافته (2). * حدثنا أبو عاصم، عن ابن عون، عن محمد قال: كانت الصلاة قبل الخطبة، وكان عثمان رضي الله عنه يخطب فجعل الناس يقومون فقال: لو أخرنا حتي نتكلم لحاجتنا. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم يصلون يوم العيد ثم يخطبون، فلما كثر الناس على عهد عثمان رضي الله عنه فرآهم لا يدركون الصلاة خطب ثم صلى (3). * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا حميد قال، قلت للحسن: من أول من صلى بعد الخطبة ؟ قال: عثمان صلى ثم خطب، فأرى كثيرا من الناس يذهبون فخطب ثم صلى (4).


(1) انظر مجمع الزوائد 2: 187. (2) بياض في الاصل بمقدار كلمتين، والمثبت يقتضيه السياق. (3) انظر سنن الترمذي 3: 3، ومجمع الزوائد 2: 201. (4) مسند أبي داود 1: 297 - وقيل: إن مروان بن الحكم هو أول من فعل ذلك. (نفس المرجع). (*)

[ 965 ]

* حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبد الله، عن عبد الرحمن ابن أم الحكم قال: رأيت عثمان - أو حضرت عثمان - رضي الله عنه يقرأ في صلاة الصبح من غداة يوم الجمعة إلي صلاة الصبح من غداة يوم الخميس من " الذين كفروا (1) " إلى الممتحنة أربع عشرة سورة ويقرأ في صلاة الجمعة " يسبح " الجمعة، و " سبح " الصف، ويقرأ في صلاة العشاء من ليلة الجمعة إلى صلاة العشاء من ليلة الخميس من: " إذا جاءك المنافقون (2) " إلى " هل أتى (3) "، ويقرأ في صلاة المغرب من " المرسلات " إلى أسفل (4). * وحدثنا صدقة بن خالد قال، حدثنا يحيى بن الحارث، عن القاسم، أن عبد الرحمن قال: كان عثمان رضي الله عنه يفتتح ليلة الجمعة بالبقرة إلى المائدة، وبالانعام إلى هود، وبيوسف إلى مريم، وب‍ " طه " إلى " طسم " موسى وفرعون (5)، وبالعنكبوت إلى " ص " وب‍ " تنزيل (6) " إلى " الرحمن "، فيفتح ليلة الجمعة، ويختم ليلة الجمعة، ويختم ليلة الخميس. * حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال، أنبأنا إبراهيم ابن سعد قال، أخبرني أبي، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أمه


(1) سورة محمد، آية 1. (2) سورة " المنافقون "، آية 1. (3) سورة الانسان، آية 1. (4) وانظر مجمع الزوائد 2: 186، 191، وسنن أبي داود 1: 293. (5) أي سورة القصص. (6) أي سورة الزمر. (*)

[ 966 ]

أم كلثوم (1) قالت: كأنما أنظر إلى جارية سوداء حممها (2) عيد الرحمن حيث طلقها (هي) أم أبي سلمة. قال إبراهيم، قال أبي: وقد كان بعبد الرحمن مرض طال به فطلقها في مرضه، فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه، فأرسل إلى عبد الرحمن: قد بلغني طلاقك أم أبي سلمة، ووالله لئن هلكت في مرضك الذي طلقتها فيه لاورثنها. فأرسل إليه عبد الرحمن: لست بأعلم بذلك منا، ولكنها طلبته. ثم إن عبد الرحمن هلك في مرضه ذلك، فورثها عثمان بعد انقضاء عدتها (3). * حدثنا محمد بن الفضل عارم قال، حدثنا حماد بن زيد، عن كثير بن شنطير، عن عطاء: أن امرأة عبد الرحمن بن عوف كانت عنده على تطليقه فأبانها، فأتاه عثمان رضي الله عنه فقال: اعلم أنك إن مت قبل أن تنقضي عدتها ورثتها منك. فقال: يا أمير المؤمنين إني والله ما طلقتها فرارا من كتاب الله. قال: اعلم أنك إن مت قبل أن تنقضي عدتها ورثتها منك. * حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن طلحة ابن عبد الله بن عوف، وكان أعلمهم بذلك، وعن أبي سلمة بن


(1) هي أم كلثوم بنت عقبة بن معيط، زوج عبد الرحمن بن عوف وأم حميد وإبراهيم وإسماعيل (المعارف لابن قتيبة ص 81، والرياض النضرة 2: 291، وطبقات ابن سعد 3: 147. (2) أي متعها - تنفيدا لقوله تعالى " فمتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف ". (3) وانظر مع المراجع السابقة: التمهيد والبيان لوحه 81، والتراتيب الادارية للكتاني 2: 339، 400 وما قيل في ذلك عن مصالحتها عن الثلث أو الربع. (*)

[ 967 ]

عبد الرحمن بن عوف: أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته ألبتة وهو مريض، فورثها عثمان رضي الله عنه منه بعد انقضاء عدتها (1). * حدثنا موسي بن إسماعيل قال: [............. (2) ] تتزوج بعده، ونحر جزورا وأقامها على دمها واستحلفها، فتزوجت، فخاصمها ولد عبد الرحمن إلى عثمان رضي الله عنه فقضى لهم بالارض. * حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، سمعت يحيى ابن سعيد يحدث، عن محمد بن يحيى، أنه سمعه يحدث عن جده حيان بن منقذ: أنه كانت عنده امرأة من بني هاشم، وامرأة من الانصار، وأنه طلق الانصارية وهي ترضع، فكانت إذا أرضعت لم تحض، فمكثت قريبا من سنة وهي ترضع لا تحيض، فتوفي حيان عند رأس السنة أو قريبا من ذلك، فاختصمت المرأتان إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه فأشرك بينهما في الميراث، وقال للهاشمية: هذا رأي ابن عمك، يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه (3). * حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال، حدثنا ليث بن سعد، عن نافع، أنه سمع ربيع بنت معوذ بن عفراء وهي تحدث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنها اختلعت من زوجها


(1) وانظر المعارف لابن قتيبة ص 80، وتاريخ اليعقوبي 2: 169. (2) بياض بمقدار سطر في الاصل، ولعل الساقط " حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن أنس - أو حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن ابن وائل - حماد بن سلمه عن حميد عن الحسن: أن عبد الرحمن بن عوف طلق زوجته وشرط عليها ألا تتزوج (فتلك هي طرق موسى بن إسماعيل، والبقية تستقيم مع السياق. (3) منتخب كنز العمال 2: 204 - مع زيادة في المتن. (*)

[ 968 ]

على عهد عثمان رضي الله عنه، فخاصمها معاذ بن عفراء إلى عثمان فقال: إن بنت معوذ أختلعت من زوجها اليوم، أفتتنقل ؟ فقال له عثمان: فتتنقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها، إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة، خشية أن يكون لها حبل، فقال عبد الله - عند ذلك: فعثمان خيرنا وأعلمنا (1). * حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا غيلان بن جرير، عن أبي الخلال العتكي قال: قدمت على عثمان بن عفان رضي الله عنه في وفد من وفد أهل البصرة، فرفعنا إليه حوائجنا فقال: إذا شئتم، ثم قال: بل الله أملك بل الله أملك، فقلت يا أمير المؤمنين، رجل منا جعل أمر امرأته في يدها، فقال: فهو في يدها (2). * حدثنا حماد، عن الفضل بن الموفق العتكي، عن أبي الخلال العتكي: أن رجلا منهم يقال له الديال، جعل أمر امرأته بيدها، فطلقت نفسها ثلاثا، فسأل عثمان بن عفان رضي الله عنه عنها، فقال: سلطان كان له عليها فخرج منه فبرئت منه. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس بن محمد قال، حدثنا سليمان بن أبي سليمان القافلاني، عن بهر بن حكيم، عن أبيه، عن جده أبي جيدة: كان كثير المال من عبيد وإماء مولدين


(1) وانظر سنن البيهقي 7: 450 - 451 - وابن ماجه 1: 634، وتفسير ابن كثير 1: 276، وزاد المعاد لابن قيم الجوزية 2: 403، ومنتخب كنز العمال 3: 223، ونيل الاوطار 7: 35، والغدير 8: 197. (2) متخب كنز العمال 3: 481. (*)

[ 969 ]

ومولدات وقيون ونعم، وكان له بنون لعلات، كان له أربع بنين من امرأة قد ماتت أخذهم معاوية، وثلاثة لامرأة قد ماتت، وأربعة لامرأة حية، وأنه عمد إلى ماله فجزأه (بين (1) أصاغر بنيه الاربعة الذين أمهم حية، وترك سائرهم، فجفى الشيخ وحرموه وقطعوه، فغضب معاوية رضي الله عنه فركب إلى أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، فلما رآه رحب به فقال: يا أمير المؤمنين إن أبانا شيخ كبير، ونحن بنوه لعلات، فانطلق إلى ماله فجعله لطائفة بني امرأة واحدة وترك سائرهم، يا أمير المؤمنين إما أن ترد إلى أبينا ماله وإما أن توزعه بيننا، فليس هم بأحق به منا ؟ قال: فأي ذلك أحب إليك أن أفعل ؟ قال: أحب إلى أن تخيره، قال فكتب إلى عامل اليمامة أن خير جيدة بين أن يرد ماله وبين أن يوزعه بين بنيه. قال. فاختار ماله، فعاد إليه بنوه في الطواعية له، فلم يزل ماله في يده حتى مات فتركه (ميراثا (2) فتركه أكابر بنيه الاربعة لاخوتهم فاقتسموه بينهم. * وحدثنا سليمان، عن بهر، عن أبيه، عن جده: أنه زوج ابنة له ابن عم له - كان له شرف - واشترط عليه ألا تتزوج حتى تأتيك، فإن تزوجت فلا حق لك فيها، قال فتزوج زينب أم زرارة بن أوفى القاضي، فخاصمه إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فجحد الشرط وقال: إنه قد كان شرط شرطا فتركه. قال:


(1) إضافة للسياق. (2) بياض في الاصل بمقدار كلمة، والمثبت يقتضيه السياق، وفي الاصابة 1: 365 " فلما مات تركه الاكابر لاخوتهم ". (*)

[ 970 ]

ما أراه تركه، هو على شرطه، قال: فكتب عثمان إلى رافع بن خديج - وهو عامله على اليمامة - فانتزعها منه، فزوجها ابن أخيه، فولدت له (1). * حدثنا إبراهيم بن حميد الطويل قال، حدثنا صالح ابن أبي الاخضر، عن الزهري، عن عروة، عن عبيد الله بن عدي ابن الخيار قال: جلست إلى المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الاسود ابن عبد يغوث فقالا لي: ألا تكلم خالك في شأن هذا الرجل (2) الذي قد أكثر الناس فيه ؟ فعرضت لعثمان حين انصرف من الصلاة فقلت: يا أمير المؤمنين إن لك عندي نصيحة. فقال: أعوذ بالله منك أيها المرء. فرجعت حتى جلست إلى المسور وعبد الرحمن فأخبرتهما بما قلت وقال لي. فقالا: قد قضيت ما عليك، فوافاني رسول عثمان رضي الله عنه فقال: أجب. فقالا لي: قد ابتليت. فأتيته، فقال لي: ما هذه النصيحة التي ذكرت لي آنفا ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنك كنت ممن استجاب لله ولرسوله، وهاجرت الهجرتين جميعا، والثالثة صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه وسيرته. فقال: يا ابن أخت، وهل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت: لا، ولكنه


(1) الرياض النضرة 2: 141. (2) المراد به الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أخو عثمان رضي الله عنه لامه وكان من فتيان قريش وشعرائهم، ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص فشرب الخمر وشهد عليه وحد في ذلك. وانظر الاغاني 4: 177 - والاغريض في نضرة القريض ص 227، والعواصم من القواصم 88 وما بعدها - والتمهيد والبيان لوحة: 28، 29. (*)

[ 971 ]

قد خلص إلي من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها (1). فقال: أنا كما قلت ممن استجاب لله ولرسوله، وهاجرت الهجرتين جميعا، والثالثة صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عني راض، ثم بايعت أبا بكر رضي الله عنه، فسمعت وأطعت حتى توفاه الله رضي الله عنه، فسمعت وأطعت حتى توفاه الله وهو عني راض، إنما لي عليكم من الحق مثل الذي كان لهم علي: قلت: بلى. قال: فما هذه الاحاديث التي تبلغني عنكم ؟ فأما ما ذكرت من أمر هذا الرجل الوليد بن عقبة فسنأخذ فيه إن شاء الله بالحق، فدعا عليا وأمره بضربه أربعين. * وقال المدائني، عن يحيى بن معين عن عبد الملك بن أبي بكر، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن قوما قالوا لعدي بن الخيار: أما تريد أن تكلم خالك فيما يقول الناس ؟ قال: بلى.. قال عدي: فعرضت له عند الظهر فكأنه علم ما أريد، فأخذ بيدي فقال: أيا عدي، والله إني لمظلوم منعي علي، لقد أسلمت وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما خالفته ولا غششته، ثم صحبت أبا بكر، ثم عمر رضي الله عنهما فما خالفتهما ولا غششتهما حتى ماتا، أفما ترون لي مثل ما رأيت لمن قبلي ؟ قلت: إنه لك حق، ولكن الناس يأتونني. قال: فدفع في صدري وقال: فأنا أنا.


(1) أي وصل إليه - والمراد بيان حال وصول علمه صلى الله عليه وسلم كما وصل علم الشريعة إلى العذراء من وراء الحجاب لكونه كان شائعا ذائعا. فوصوله إليه بطريق الاولى لحرصه على ذلك، كذا قاله القسطلاني في إرشاد الساري 6: 108، وانظر الخبر في فتح الباري 7: 44، 45، وصحيح البخاري بشرح الكرماني 14: 230 ومسند أحمد 1: 66، والبداية والنهاية 7: 207، والرياض النضرة 2: 141. (*)

[ 972 ]

* وقال عن مبارك بن سلام، عن قطن بن خليفة، عن أبي الضحى قال: كان أبو زينب الازدي، وأبو مروع يلتمسان عثرة الوليد، فجاءا يوما - ولم يحضر الصلاة - فسألا عنه وتلطفا حتى علما أنه يشرب، فاقتحما الدار فوجداه يقئ، فاحتملاه وهو سكران فوضعاه على سريره، وأخذا خاتمه وخرجاه، فأفاق، فتفقد خاتمه، فسأل، فقالوا: قد رأينا رجلين دخلا (الدار فاحتملاك فوضعاك على سريرك (1) فقال: صفوهما، فوصفوهما. فقال: هذان أبو زينب وأبو مروع. ولقي أبو زينب وأبو مروع عبد الله بن جبير الاسدي، وعقبة بن يزيد البكري وغيرهما فأخبراهم، فقالوا: اشخصوا إلى أمير المؤمنين فأعلموه فشخصوا فقالوا له: إما جئناك لامر نحن مخرجوه إليك من أعناقنا. قال: وما هو ؟ قالوا: رأينا الوليد سكران من خمر قد شربها، وهذا خاتمه أخذناه وهو لا يعقل، فأرسل إلى علي رضي الله عنه يشاوره، فقال، أرى أن تشخصه فإن شهدوا عليه بمحضر منه حددته، فكتب إليه عثمان رضي الله عنه فقدم فشهدوا عليه - أبو زينب وأبو مروع وجندب الاسدي وسعد ابن مالك الاشعري - ثم شهد عليه الايمان، فقال عثمان رضي الله عنه لعلي: قم فاضربه. فقال علي للحسن: قم فاضربه. فقال الحسن: ومالك ولهذا ؟ يكفيك هذا غيرك - فقال علي لعبد الله بن جعفر: قم فاضربه. فضربه بمخصرة لها رأسان، فلما بلغ أربعين قال له: أمسك.


(1) بياض بالاصل بمقدار ثلث سطر، والمثبت من الاغاني 4: 180 وانظر الخبر في التمهيد والبيان لوحة 35، 36، 37 - وفتح الباري 7: 46، وأنساب الاشراف 5: 29 - 33، والاصابة 3: 602، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 18، والكامل 3: 105 وأسد الغابة 5: 205. (*)

[ 973 ]

* حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن عبد الله الداناج، عن حصين (ابن المنذر (1) أبي ساسان قال: ركب ناس من أهل الكوفة إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه فأخبروه عن الوليد يشرب الخمر، فكلمه فيه علي فقال له عثمان: دونك ابن عمك فأقم عليه الحد، فقال علي للحسن: قم فاجلده. قال: ما أنت وهذا ؟ ! ول هذا غيرك. (فقال علي للحسن (1) بل وهنت وضعفت وعجزت، قم يا عبد الله بن جعفر. قال فجلده، وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال كف، جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر رضي الله عنه أربعين، وكملها عمر رضي الله عنه ثمانين. وكل سنة (2). * حدثنا عبد الله بن فيروز، قال حدثني حصن أبو ساسان قال: شهدت الوليد بن عقبة لما أتي به عثمان قد شرب الخمر، قال عثمان لعلي: حده، فقال علي للحسن: قم فاجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها، فعنفه وأمر عبد الله بن جعفر أن يحده، وجعل علي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك، جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر رضي الله عنه أربعين، وجلد عمر رضي الله عنه ثمانين. وكل سنة، وهذا أحب إلي (3).


(1) الاضافات عن فتح الباري 7: 46، وأنساب الاشراف 5: 34. (2) وانظر مسند أحمد 1: 282 والاستيعاب 3: 598، ومروج الذهب 1: 234 وأنساب الاشراف 5: 33. (3) فتح الباري 7: 46، وأسد الغابة 5: 91، والكامل 3: 106، والرياض النضرة 2: 141. (*)

[ 974 ]

* حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم قال، حدثنا خالد بن سعد قال: لما ضرب عثمان الوليد الحد قال: أبصرتني اليوم بشهادة قوم ليقتلنك عاما قابلا، وقال الوليد لما ضربه عثمان رضي الله عنه. فرق الله ما بيني وبينكم * بني أمية من قربى ومن نسب (1) وقال أبو زبيد الطائي - وكان نديما للوليد وكان نصرانيا - في قصيدة (2): ولعمرك الاله لو كان للسي‍ * - ف مصال أو للسان مقال ما تناسيتك الصفاء ولا الود * ولا حال دونك الاشغال ولحرمت لحمك المتعصي * ضلة ضل حلمهم ما اغتالوا من رجال تناولوا منكرات * لينالوا الذي أرادوا فنالوا قولهم شربك الحرام وقد * كان شراب دون الحرام حلال * حدثني عبد الله بن عبد الرحيم بن عيسى بن موسى قال، حدثني سلمة بن أبي اليقظان قال: لما ولى عثمان رضي الله عنه سعيد بن العاص الكوفة كتب إلى أهلها: من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة، سلام أما بعد فإني استعملت عليكم الوليد بن عقبة حتى تولت منعته واستقامت طريقته، وكان من صالحي أهله، وأوصيته بكم ولم أوصكم به، فلما بذل لكم خيره، وكف عنكم شره، وغلبتكم علانيته طعنتم في سريرته، والله


(1) أنساب الاشراف 5: 35، وفيه " باعد الله ما بيني وبينكم ". (2) وانظر القصيدة كاملة في التمهيد والبيان لوحة 37، 38 - مع اختلاف في بعض الالفاظ - والشعر والشعراء ص 167 ط ليدن، وعيون الاخبار 3: 12. وتاريخ الطبري 5: 60 وكامل ابن الاثير 3: 39. (*)

[ 975 ]

أعلم بكم وبه، وقد بعثت عليكم سعيد بن العاص أميرا، وهو شرف أهله ومن لا يطغى في سريرته ولا علانيته، وقد أوصيته بكم خيرا، فاستوصوا به خيرا والسلام (1). * حدثنا سويد بن سعيد وخلف بن الوليد قالا، حدثنا هشيم قال، أخبرني أبو إسحاق خلف المذحجي قال، حدثني هرار بن موسى الهمذاني قال: لما كان من أمر الوليد بن عقبة ما كان، حيث شهدوا عليه أنه شرب الخمر، فأتى به عثمان رضي الله عنه، فلما ثبتت عليه الشهادة قال علي: أنا جلاد قريش سائر اليوم، فضربه الحد ثم قال: لا تجزعن أبا وهب، فإنما هلكت بنو إسرائيل بتعطيلهم الحدود، وذاك أن امرأة منهم ذات شرف وهيئة فجرت فأرادوا أن يقيموا عليها الحد - وكانت في عدد - فقال أهلها: أيقام على فلانة الحد ؟ ! فلم يزالوا حتى تركت فلم يقم عليها الحد، وفجرت امرأة منهم دونها في الحسب، فأرادوا أن يقيموا عليها الحد فقال أهلها: ما بالكم تقيمون على فلانة الحد وتركتم الاخرى ؟ ! فتركوها فعطلوا الحدود (2). * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا جرير، عن الاجلح عن الشعبي في حديث الوليد حين شهدوا عليه قال الحطيئة: شهد الحطيئة يوم يلقى ربه * أن الوليد أحق بالعذر نادى وقد تمت صلاتهم * سفها: أريد بكم وما يدري


(1) وانظر كامل ابن الاثير 3: 108، والتمهيد والبيان لوحة 23، 39، 40. (1) شرح نهج البلاغة 3: 17، والاغاني 4: 179. (*)

[ 976 ]

كفوا عنانك إذ جريت ولو * تركوا عنانك لم تزل تجري (1) وقال أيضا: تكلم في الصلاة وزاد فيها * علانية وجاهر بالنفاق ومج الخمر عن سنن المصلى * ونادى والجميع إلى افتراق أزيدكم على أن تحمدوني * فما لكم ولا لي من خلاق (2) * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا محمد بن سلمة قال، أنبأنا أبو إسحاق، عن عمر بن عبد الله بن عروة، عن عروة قال: جاء بنو الحكم بعبد الرحمن بن الحكم إلى عثمان - وقد سكر - فقال: والله لقد قطعتم رحمه، وجئتم مالا يحل لكم، وما كان عليكم أن تأتوني به، ولكن (أما (3) إذا انتهى إليه الحد فليس له بد أن نمضيه، فضربه الحد ثم تركه. * حدثنا....... (4) عن محمد بن إسحاق، عن عاصم ابن عمر، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما قال: بينما أنا جالس بفنائي إذ مر بي أبو قتادة على دابة له، فتحدث فركبت خلفه، فخرجنا نسير - وكانت له أرض بالعقيق - فمررنا إلى جانب سلع فقال: لقد


(1) فتح الباري 6: 47، ومروج الذهب 1: 334، وشرح نهج البلاغة 3: 18، وأنساب الاشراف 5: 32، والعقد الفريد 6: 348، والاستيعاب 3: 597، والاغاني 4: 178، والكامل 3: 107 - والتمهيد والبيان لوحة 36. (2) شرح نهج البلاغة 3: 19، والاغاني 4: 178، ونهاية الارب 19: 437، والعواصم من القواصم ص 99. (3) بياض في الاصل بمقدار كلمة، والمثبت يقتضيه السياق. (4) بياض في الاصل بمقدار نصف سطر. (*)

[ 977 ]

لقينا البارحة هاهنا أمرا عظيما. قلت: وما هو ؟ قال: أتت أمير المؤمنين عثمان البارحة امرأة متنكرة فقالت: يا أمير المؤمنين، إني قد زنيت وإني قد أحصنت فأقم علي حد الله، فإنك محل ذلك. قال: فبعث إلي رجال من المهاجرين والانصار في جوف الليل، فطرقنا في بيوتنا، فأتيناه، فاستشارنا فيها، فأشرنا عليه أن يقيم عليها الحد، فأمرنا أن نرجمها، فخرجنا بها إلى هذا المكان فرجمناها حتى ظننا أنها قد حدت، فذهبنا ننظر فإذا عيناها تبصان فعدنا فرجمناها، فما كادت تموت فلقينا أمرا عظيما. فقلت: يا أبا قتادة، أترى النار مع هذا ؟ قال: لا إن شاء الله. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني أبو عبيد مولى عبد الرحمن: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه صلى الصلاة، ثم جلس على المنبر فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أتى هاهنا امرأة إخالها قد عادت بشر (1) ولد لستة أشهر، فما ترون فيها ؟ فناداه ابن عباس رضي الله عنهما فقال: إن الله قال: " ووصينا الانسان بوالديه حسنا حملته أمه كرها ووضعه كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " (2) وقال: " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " (3) فإذا تمت رضاعته فإنما الحمل ستة أشهر، فتركها عثمان رضي الله عنه فلم يرجمها.


(1) كذا في الاصل. وفي تفسير الطبري 5: 34 بتحقيق أحمد شاكر. (2) سورة الاحقاف، آية 15. (3) سورة البقرة، آية 233. (*)

[ 978 ]

* حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا أبو معاوية الضرير قال، حدثنا الاعمش، عن مسلم بن صبيح قال، حدثني قائد لابن عباس: أن عثمان رضي الله عنه أتي بامرأة ولدت في ستة أشهر فأمر برجمها. فقال ابن عباس رضي الله عنه: ادنوني منه، أما إنها إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك، قال الله " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " (1) ويقول في آية أخرى " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " (2) فقد حملت ستة أشهر، وهي ترضعة لكم حولين كاملين، قال: فدعا بها عثمان رضي الله عنه فخلى سبيلها (3). * حدثنا أيوب بن محمد قال، حدثنا مروان بن معاوية عن الاعمش عن أبي الضحى قال: أتي عثمان رضي الله عنه بامرأة ولدت لستة أشهر، فشاور الناس - بنحوه - قال: ففرح بذلك عثمان رضي الله عنه والناس وأعجبهم (4). * حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال، أخبرني عثمان ابن أبي سليمان، عن نافع بن جبير، أن ابن عباس رضي الله عنهما أخبره قال: أتى صاحب المرأة التي أتي بها عمر رضي الله عنه وقد وضعت لستة أشهر قال: أتي عمر رضي الله عنه بامرأة ذات زوج وضعت لستة أشهر فأنكر ذلك، فقلت: لم تظلم ؟ قال: كيف ؟ قلت (اقرأ (5) " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " (6) " والوالدات


(1) سورة الاحقاف، آية 15. (2) سورة البقرة، آية 233. (3) منتخب كنز العمال 2: 406. (4) منتخب كنز العمال 2: 406. (5) الاضافة عن الغدير 6: 95. (6) سورة الاحقاف، آية 15. (*)

[ 979 ]

يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة (1) " قلت: كم الحول ؟ قال سنة. قلت: فكم السنة ؟ قال: اثنا عشر شهرا (قلت) فذاك أربعة وعشرون شهرا حولان. يؤخر الله من الحمل ما شاء، ويقدم. قال: فاستراح عمر رضي الله عنه إلى قولي (2). * حدثنا... (3) عن أبيه قال: دفعت إلى عمر (4) رضي الله عنه امرأة ولدت لستة أشهر، فهم برجمها، فبلغ ذلك عليا رضي الله عنه فقال: ليس عليها رجم، قال الله " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة (5) " وقال " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا (6) " فحولين كاملين وستة أشهر ثلاثون شهرا، قال: ثم ولدت مرة أخرى على حالها ذلك. * حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن أبي ذئب قال، حدثنا يزيد ابن عبد الله، عن بعجة (7) بن عبد الله بن بدر قال: كانت امرأة منا


(1) سورة البقرة، آية 233. (2) وانظره في الغدير 6: 95 سندا ومتنا. (3) بياض في الاصل بمقدار ثلثي سطر، وهو في تفسير ابن كثير 7: 462 بسنده عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن معمر بن عبد الله الجهني. (4) كذا في الاصل. وفي حديث ابن كثير المشار إليه في التعليق السابق " دفعت إلى عثمان " ولعله الصواب. ويرجحه الحديث التالي. (5) سورة البقرة، آية 233. (6) سورة الاحقاف، آية 15. (7) هو بعجة بن عبد الله بن بدر الجهني، تابعي مشهور، وثقه النسائي وغيره وأرخ ابن حبان وفاته سنة مائة (الاصابة 1: 184). (*)

[ 980 ]

تحت رجل منا، فولدت لستة أشهر فدفعت إلى عثمان رضي الله عنه فأمر بها أن ترجم، فدخل عليه علي رضي الله عنه فقال: إن الله يقول: " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " (1) فبعث خلفها فلم يدركها إلا وقد رجمت. وكان فيما تقول لاختها: لا تحزني فو الله ما كشف عني رجل قط غيره. فلما شب الغلام كان أشبه الناس به، واعترف به. قال: فلقد رأيته يتقطع عضوا عضوا (2). * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا الحجاج، عن الحكم، عن عيينة، عن يحيى بن جعدة: أن أعرابيا قدم المدينة بحلوبة له فساومه مولى لعثمان بن عفان رضي الله عنه فنازعه فلطمه لطمة فقأ عينه، فقال له عثمان: هل لك أن أضعف لك الدية وتعفو عنه ؟ فقال: لا والله، لا يتحدث قومي أن أخذت لعيني أرشا، فرفعهما إلى علي بن أبي طالب فدعا علي رضي الله عنه بمرآة فأحماها ووضع القطن على عينه الاخرى، ثم أخذ المرآة بكلبتين، ثم أدناها من عينه حتى سال إنسان عينه. * حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا شعبة، عن ابن حصين، عن عبد الله بن عبيد بن عمير - أظنه - عن أبيه ! أن عثمان رضي الله عنه أتي بغلام قد سرق قال، انظروا اخضر مئزره ؟ فنظروا فإذا هو لم يخضر فخلى سبيله.


(1) سورة الاحقاف، آية 15. (2) تفسير ابن كثير 7: 662 عن معمر بن عبد الله الجهني، والغدير 6: 94، 8: 97. وما فيه يتفق مع ما هنا سندا مع اختلاف يسير في المتن، والموطأ 2: 176، وسنن البيهقي 7: 442، وتيسير الوصول 2: 9، وعمدة القاري 9: 642، والدر المنثور للسيوطي 6: 40. (*)

[ 981 ]

* حدثنا بشر بن عمر قال، حدثنا سليمان بلال قال، حدثنا عمرو بن أبي عمرو، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير: أن عثمان رضي الله عنه تزوج بنت الفرافصة الكلبي وهي نصرانية، ملك عقدة نكاحها وهي نصرانية حتى تحنفت حين قدمت عليه (1). * حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم، عن خالد بن سعيد ابن عمرو بن سعيد، عن أبيه قال: تزوج عثمان رضي الله عنه نائلة بنت الفرافصة بن الاحوص بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث ابن الحصين بن ضمضم بن عدي بن جناب الكلبية وكان أبوها نصرانيا، فأمر ضبا ابنه فزوجها إياه، فلما أرادوا حملها إليه قال لها أبوها: يا بنية إنك تقدمين على نساء من نساء قريش هم أقدر على الطيب منك، فاحفظي عني خصلتين، تكحلي وتطيبي بالماء حتى يكون ريحك كريح شن أصابه مطر، فلما حملت كرهت الغربة، وحزنت لفراق أهلها، فأنشأت تقول: ألست ترى يا ضب بالله أنني * مصاحبة نحو المدينة أركبا إذا قطعوا حزنا تخب ركابهم * كما زعزعت ريح يراعا مثقبا لقد كان في أبناء حصن بن ضمضم * لك الويل ما يغني الخباء المطنبا (2) (فلما قدمت على عثمان قعد على سريره، ووضع لها سريرا حياله


(1) الاغاني 15: 70 ط بولاق، وعيون الاخبار 4: 46، مختار الاغاني لابن منظور 8: 57. (2) انظر الابيات في عيون الاخبار 4: 76، مرآة الزمان لوحة 373، ونثر الدر للآبي لوحة 367. (*)

[ 982 ]

فجلست عليه (1). فوضع عثمان رضي الله عنه قلنسوته فبدا الصلع فقال: يا بنت الفرافصة لا يهولنك ما ترين من صلع فإن من ورائه ما تحبين. فسكتت، فقال: إما أن تقومي إلي وإما أن أقوم إليك ؟ فقالت: أما ما ذكرت من الصلع فإني من نساء أحب بعولتهن إليهن السادة الصلع، وأما قولك أما أن تقومي إلي وإما أن أقوم إليك فو الله تجشمت من جنبات السماوة أبعد مما بيني وبينك، بل أقوم إليك. فقامت فجلست إلى جنبه، فمسح رأسها ودعا لها بالبركة ثم قال لها: اطرحي عنك رداءك فطرحته له، ثم قال: اطرحي خمارك، فطرحته، ثم قال: انزعي عنك درعك، فنزعته، ثم قال: حلي إزارك. قالت: ذاك إليك، فحل إزارها فكانت من أحظى نسائه عنده (2). * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن محرز بن جعفر، عن الوليد بن زياد قال: لما قدم جنيدب بن عمرو بن حممة الدوسي المدينة مهاجرا معه ابنته أم عمرو خرج إلى الشام، وخلفها عند عمر رضي الله عنه وأوصى بها حتى يزوجها كفئا وإن كان بفتال (3)، قال: فاستشهد بالشام فأتى عمر رضي الله عنه يعتلي المنبر ضرب بإحدى يديه على الاخرى وقال وكبر: يا من له في أحسن الناس وأحبهم إلي إبنتي أم عمرو بنت جنيدب، ولينظر رجل من هو - وحوله المهاجرون - فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه:


(1) بياض في الاصل بمقدار ثلثي سطر. والمثبت عن الاغاني 15: 71 طبع دار الكتب. وأنساب الاشراف 5: 12. (2) وانطر في الخبر المراجع السابقة. (3) كذا في الاصل، وفي أنساب الاشراف 5: 13 " وإن كان بشراك نعله. والمعنى واحد. (*)

[ 983 ]

أنا يا أمير المؤمنين. قال: فابذل فإنها متيسرة. قال: كذا وكذا. قال: قد زوجناكها، فعجل. فوثب فجاء بصداقها فدفعه إلى عمر رضي الله عنه. فدخل عمر رضي الله عنه بيته فقال: أين بنيتي ؟ قيل: هي ذه. فجاءت فقال: يا بنية ابسطي حبوتك (1)، فبسطت مقدم ثوبها فنثر فيه الدراهم وقال: قولي اللهم بارك لي. قالت: وما هذه الدراهم يا أبتاه ؟ قال: هذه صداقك من عثمان بن عفان. فنثرتها وقالت: واسوأتاه. فقال لحفصة: يا أختاه صفروا يديها، واصبغوا لها ثوبين، وتصدقي يا بنية من صداقك على بعض قومك، ثم قال لحفصة: اخرجي بها الليلة حتى تدفعيها إلى عثمان. فخرجت بها، فقال عمر رضي الله عنه: والله إنها لامانة في عنقي وما ندري ما يحدث عليها. فخرج حتى لحقها، ثم مضى حتى دق على عثمان رضي الله عنه فقال: هذه زوجتك. فبنى عليها عثمان رضي الله عنه، فقعد عندها فأطال، فدخل عليه سعيد بن العاص فقال: يا أبا عبد الله لقد أقمت عند هذه الدوسية إقامة ما كنت تقيمها عند النساء ! قال: إنه والله ما من خلة أشتهي أن تكون في امرأة إلا وقد وجدتها فيها إلا خلة، وجدتها صغيرة، أخاف ألا يكون لها ولد. قال: فابتسمت ابتسامة سمعها عثمان رضي الله عنه، فلما قام سعيد رفع عثمان رضي الله عنه عنها الحجاب فقال: ما أضحكك يا بنت عمر ؟ فقالت: لا شئ. قال: لتخبريني. قالت: سمعت مقالتك لابن عمك، والله إني لمن نسوة ما دخلت منهن امرأة على رجل شريف


الحبوة: ما يحتبى به من ثوب ونحوه " المعجم الوسيط ". (*)

[ 984 ]

قط (فحملت (1) حتى تلد سيدا منهم بين ظهرانيه، قال: فلم تر حمراء حتى رأيتها على رأس عمرو بن عثمان. فولدت لعثمان عمرا ومحمدا وأبان وأم عمرو. قال عبد العزيز: وكان بالمدينة امرأة تقبل النساء فلما كان... (2) عبيد الله بن معمر فإذا هي تطلق، فلم تنشب أن ولدت، فقال لها: وما ولدت ؟ قالت: غلاما. قالت: إني لم أزل أسمع أنه لا يموت شريف قوم فسمي باسمه أول مولود يولد في قومه إلا كان له حظه، فقد أسميته عمر. قالت المرأة: ثم رجعت إلى منزلي فجاءني رسول أم عمرو بنت جنيدب فأجدها تطلق، فلم تنشب أن ولدت، فقالت: ما ولدت ؟ قلت: غلاما، فقالت: إني لم أزل أسمع أنه لم يمت شريف قوم قط تسمى باسمه أول مولود يولد في قومه إلا كان له حظه، وقد سميته عمر. قلت: هيهات سبقتك الفيدرية امرأة عبيد الله بن معمر. قالت: فإذن هو عمرو. * حدثنا عثمان بن الهيثم المؤذن قال، حدثني ابن أبي عطيف الثقفي قال، حدثني رومان بن أبي بكر بن أنس، عن محمد بن سيرين: أن عثمان رضي الله عنه تزوج، فأرسل إلي الحسن بن علي رضي الله عنهما يدعوه، فأتاه فأجلسه معه على السرير، فقال الحسن: إني صائم، ولو علمت أنكم تدعوني ما صمت. قال عثمان !


(1) بياض في الاصل بمقدار كلمة، والمثبت يقتضيه السياق. (2) بياض في الاصل بمقدار ثلثي سطر. ولعل ما كان يشغله (يوم استشهاد عمر رضي الله عنه جاء المخاض للفيدرية امرأة عبيد الله بن معمر فدعاها، فجاءت إلى امرأة وبه يستقيم السياق. (*)

[ 985 ]

إن شئت صنعنا بك ما يصنع بالصائم. قال: وما يصنع به ؟ قال: يكحل ويطيب. قال: فدعا له بكحل وطيب، فكحل وطيب. * حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، وأبو عتاب (1) الدلال قال، حدثنا عبد الواحد بن صفوان مولى عثمان بن عفان، أنه سمع أباه يحدث عن أمه - زاد أبو عتاب - أم عياش (2)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعث بها مع ابنته إلى عثمان، قالا جميعا، قالت: كنت أمعث (3) لعثمان الزبيب غدوة فيشربه عشية، وأفعله عشية فيشربه غدوة، وأنها قال لها ذات يوم: لعلك - قال أحمد - تلقين، وقال أبو عتاب تخلطين فيه رهوا، قالت: ربما - قال أبو عتاب: فعلت، وقال أحمد: خلطت فيه رهوا (4) قال أحمد: فلا تفعلي، وقال أبو عتاب: فلا تعودين (5). * كتبت من كتاب إسحاق بن إدريس - ولا أعلمه إلا قد قرأه علي - قال، حدثنا عبد الواحد بن صفوان بن أبي عياش قال، سمعت أبي يقوله - وذكر أم عياش فقال: كانت خادما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما زوج عثمان رضي الله عنه ابنته بعث بها مع ابنته إلي عثمان، قالت: فكنت أمعث له الزبيب غدوه فيشربه


(1) هو سهل بن حماد العنبري، أبو عتاب الدلال البصري، توفي سنة 208 ه‍ الخلاصة 133. (2) أم عياش خادم النبي صلى الله عليه وسلم ومولاته. وقيل مولاة رقية: أسد الغابة 5: 606. (3) أمعث: أعرك. (4) الرهو: طعام، يؤخذ السنبل ويدق ويلت في اللبن. (5) وانظر أسد الغابة 5: 606. (*)

[ 986 ]

عشية، وأمعثه عشية فيشربه غدوة. قالت: وإنه أتاني ذات يوم فقال: لعلك تخلطين فيه رهوا ؟ قلت: ربما فعلت. قال: فلا تعودين. قالت: وكان حمران من سبي قدم على عثمان رضي الله عنه من نجير (1) باليمن فكان يخدمه، وأسلمه إلى الكنات. قالت: فبعثه إلي يوما وأنا أمعث ذلك الزبيب، فقلت له: أنا مشغولة. فرجع ثم رجع إلي فقال: انطلقي فإنه يدعوك. قالت: فرفعت يدي فدحيته بها، فانطلق من عندي وهو يبكي، فجاء ومعه عثمان رضي الله عنه وفي يده الدرة، فقال: نبعث إليك رسولي فلم تجيبي ثم بعثته إليك الثانية فضربته فقال: بتلك الدرة فخفقني بها واحدة. وذاك كل ضرب ضربني في ملكه. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا مروان بن معاوية قال، حدثنا طلحة قال، أخبرتني بنانة مولاة أم البنين قالت: (... (2) أنت لام البنين. حدثنا عبد الله بن يحيى قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثتنا جدة علي بن غراب قالت: حدثتنا أم المهاجر قالت: سبيت من الروم مع جواري، فعرض علينا عثمان بن عفان الاسلام،


(1) نجير: حصن باليمن قرب حضرموت، لجأ إليه أهل الردة مع الاشعث بن قيس في أيام أبي بكر، فحاصره زياد البياض حتى افتتحه وأسر من كان فيه وأرسلهم إلى الخليفة مع نهيك بن أويس (ياقوت معجم البلدان). (2) بياض في الاصل بمقدار سطر، يوضحه ما يرد من حديث بناته مع عثمان رضي الله عنه في الخبر التالي. (*)

[ 987 ]

فما أسلم منا غيري وغير أخرى، فقال: اذهبوا بها فاخفضوها وطهروها، قالت: وكنت أخدمه فقال: يا رومية إذا غيرت حلتي فلا تدخلي علي، قالت، فقلت لمولاتي أم البنين: إن أمير المؤمنين قال لي كذا وكذا، قالت (1): وأنا أعوق كل يوم. قالت: ليس ذاك يعني، إنما يعني الحيض. قالت فلما طهرت دخلت عليه فشق إزارا مطريا فأعطاني نصفه وقال: تقنعي به. قالت: وكانت له ملحفة يلبسها إذا اغتسل فكانت على ود (2)، فكان إذا اغتسل قال: يا رومية ناوليني الملحفة ولا تنظري إلي، فإنك لست لي إنما أنت لام البنين. قالت وخدمته خمس عشرة سنة فما رأيته توضأ في طست، وكان يتوضأ في تور (3) من برام، وكانت له ركوة عظيمة تأخذ نصف جرة فكان يغتسل منها. قالت وخرج إلى مكة، وكان لام البنين منه بنت، فلما حضر قدومه جعلت لابنتها حليا من ذهب مكللا بالياقوت والزمرد، وجعلت لها قميصا، وأحدثت في بيتها سريرا من سير عليه [ حشيتين ] بالعصفر وثلاثة أنماط (4) ومعرضة (5) بالعصفر، ومرفقتين (6) بالعصفر. فلما قدم قعد خارجا فأقبلت إليه الخادم بالصبية فقال: ردوها


(1) في الاصل قال، ولعل الصواب ما أثبته. (2) الود: بالفتح - الوتد في لغة أهل نجد، كأنهم سكنوا التاء فأدغموها في الدال (أقرب الموارد). (3) التور: إناء صغير (أقرب الموارد). (4) أنماط: جمع نمط وهو ظهارة الفراش، أو ضرب من البسط، أو ثوب من صوف ملون له خمل رقيق يطرح على الهودج (وسيط المجمع اللغوي). (5) المعرضة: الثوب تجلى فيه الفتاة. (المرجع السابق). (6) المرفقة: ما يتكأ عليه من متكأ أو مخدة. (المرجع السابق). (*)

[ 988 ]

وانزعوا هذا الحلي عنها وألبسوها (1) هذا الحلي الذي صنعته لها وكان صنع لها حليا من فضة - فلما دخل البيت دعا مولاه رباحا فقال: اخرج بهذا السرير عني، وأخرج ما في البيت، ودع حشية، ودعا بمرفقة بيضاء فجعلها على الحشية وترك المرفقتين اللتين بالعصفر وبساطا في البيت. قالت: وكان يأمرني فأنقع عجوة فينام نومة من أول الليل، ثم يقوم فيأكلها ويشرب ماءها، ثم يصلي حتى يصبح، فإن لم تكن عجوة فزبيب، وكان إذا مطرت السماء خرج فقام في المطر وقال إنه مبارك. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد قال، حدثنا يحيى بن سعيد أن عثمان رضي الله عنه قال: ربما (2) يزع السلطان الناس أشد مما يزعهم القرآن. * حدثنا بشر بن عمر قال، حدثنا سليمان بن بلال، عن الجنيد بن عبد الرحمن، عن موسى بن أبي سهل البناني، عن زبيد ابن السلط: أنه سمع عثمان وهو على المنبر يقول: يا أيها الناس، إياكم والميسر - يريد النرد - فإنه ذكر لي أنها في بيوت أناس منكم، فمن كانت في بيته فليخرجها أو يكسرها، ثم قال وهو على المنبر مرة أخرى: أيها الناس إني قد كلمتكم في هذه النرد فلم أذكر أحرقتموها، ولقد هممت أن آمر بحزم الحطب ثم أرسل إلى الذين هي في بيوتهم فأحرقها عليهم.


(1) في الاصل " ألبسوا " ولعل الصواب ما أثبت. (2) في الاصل " لما " ولعل الصواب ما أثبته. (*)

[ 989 ]

* حدثنا عثمان بن عمر قال، أنبأنا يونس، عن الزهري: أن سليم بن شأس قتل نبطيا بالسيف، فهم عثمان أن يقتله. (فكلمه الزبير رضي الله عنه وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم فنهوه عن قتله، فجعل ديته ألف دينار (1). وعاقبه عقوبة موجعة. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن موسى بن عقبة بن سالم بن عبد الله، وعبد الله بن عبيد الله: أن محمد بن طلحة أراد الجهاد فأتت أمه عثمان فكلمته، فأمره أن يقيم عليها. فقال: إنها قد أتت عمر فأمرني أن أقيم عندها (ولم يجبرني قال: لكني أجبرك (2)). * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني ابن لهيعة قال: كان عثمان قد جعل لموالي قريش طعمة خمسة دنانير لكل رجل وكل حول، وذلك أن قريشا قالت: إنا لسنا كغيرنا، ليس لنا مدد وإنما موالينا مددنا، فجعل لهم هذه الطعمة، فكان يموت الرجل منهم فيكتب وليه ولدا إن كان له، وإن لم يكن له ولد كتب عليها من شاء. لم يجعلها عثمان لاحد من الموالي إلا موالي قريش. * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا الحجاج، عن قتادة،


(1) بياض في الاصل بمقدار سطر، والمثبت عن الغدير 8: 167 من طريق الزهري وانظر الخبر فيه. (1) في الاصل " ولم يخبرني، قال ولكني أخبرك " ولعل الصواب ما أثبته حيث يستقيم به المعنى. (*)

[ 990 ]

عن صفية بنت شعبة، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لكل قوم مادة ومادة قريش مواليها ". * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عمن حدثه: أن رجلا كانت له على ابن صائد (1) مائة دينار، فجاءه يتقاضاه، فعد له تسعين دينارا وقال: حتما، فإذا هي مائة دينار، فذهب بها الرجل فوزنها فإذا هي تسعون دينار، فردها إليه وقال: ويلك إنما أعطيتني تسعين دينارا. فوزنها وخاتل أيضا وقال: حتما، فإذا هي مائة دينار، فذهب بها الرجل ووزنها فإذا هي تسعون دينارا، فخاصمه إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فوزنها ابن صائد وقال: حتما، فإذا هي مائة دينار. فقال له عثمان: لا تقل حتما، فوزنها فإذا هي تسعون دينارا، فغرمه عثمان رضي الله عنه البقية (2). (كتابة القرآن وجمعه) (كتابة عثان رضي الله عنه المصاحف وجمعه القرآن (3) * حدثنا الحسن بن عثمان قال، حدثنا الربيع بن بدر، عن سوار بن شبيب قال: دخلت على ابن الزبير رضي الله عنه في نفر فسألته عن عثمان، لم شقق المصاحف، ولم حمى الحمى ؟ فقال:


(1) قيل اسمه عبد الله بن صاند، وكان أبوه يهوديا لا يدرى من هو، وانظر باقي أخباره في أسد الغابة 3: 187. (2) وانظر إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري 10: 373، وثلاثيات مسند أحمد للسفاريني 2: 419. (3) انظر في ذلك، إرشاد الساري 7: 448 - وفتح الباري 9: 14 - والرياض النضرة 2: 135 - والتمهيد والبيان لوحة: 43 - والعواصم من القواصم من ص 61، 68 - = (*)

[ 991 ]

قوموا فإنكم حرورية (1)، قلنا: لا والله ما نحن حرورية. قال: قام إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه رجل فيه كذب وولع، فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس قد اختلفوا في القراءة، فكان عمر رضي الله عنه قد هم أن يجمع المصاحف فيجعلها على قراءة واحدة، فطعن طعنته التي مات فيها. فلما كان في خلافة عثمان رضي الله عنه قام ذلك الرجل فذكر له، فجمع عثمان رضي الله عنه المصاحف، ثم بعثني إلى عائشة رضي الله عنها فجئت بالصحف التي كتب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فعرضناها عليها حتى قومناها، ثم أمر بسائرها فشققت. * حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال، أنبأنا إبراهيم بن سعد قال، وحدثنا ابن شهاب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم على عثمان رضي الله عنه، وكان يغازي أهل (الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل (2)) العراق وأفزعن باختلافهم في القراءة (3) فقال حذيفة لعثمان رضي


= والبرهان في علوم القرآن 1: 236 - وتاريخ القرآن للكردي ط جدة. وتاريخ القرآن للدكتور عبد الصبور شاهين ص 111 - ونهاية الارب 19: 439 - والبداية والنهاية 7: 217 - وكامل ابن الاثير 3: 111 - والعبر لابن خلدون 2: 380. والتاريخ السياسي للعلوم العربية للدكتور عبد المنعم ماجد ص 250. والمصاحف للسجستاني ص 18 وما بعدها. (1) الحرورية: طائفة من الخوارج تنسب إلى حروراء بقرب الكوفة فقد كان اجتماعهم بها لاول مرة للتحكيم حين خالفوا عليا رضي الله عنه، وتشددوا في دينهم حتى مرقوا منه (الوسيط للمجمع اللغوي). (2) بياض في الاصل بمقدار ثلث سطر والمثبت عن فتح الباري 9: 14 والرياض النضرة 2: 135. (3) في الاصل كلمة لا تقرأ. والمثبت عن المرجعين السابقين. والمراجع المثبتة في صدر الموضوع - وانظر الحديث الذي بعد الثاني. (*)

[ 992 ]

عنه: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الامة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان رضي الله عنه إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانهم، ففعلوا ذلك، حتى إذا نسخ المصحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق (1). * حدثنا أبو داود الطيالسي قال، حدثنا إبراهيم بن سعد بإسناده بنحوه، إلا أنه لم يذكر سعيد بن العاص، وقال: أن تحرق. * حدثنا عثمان بن عمر قال، أنبأنا يونس، عن ابن شهاب قال، حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه اجتمع لغزوة أرمينية وأذربيجان أهل الشام وأهل العراق، فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة، فركب حذيفة بن اليمان إلى عثمان لما رأى من اختلافهم في القرآن، فقال: إن الناس قد اختلفوا في القرآن حتى - والله - إني لاخشى أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف، ففزع لذلك عثمان رضي الله عنه فزعا شديدا، فأرسل إلى حفصة فاستخرج المصاحف التي كان أبو بكر


فتح الباري 9: 17 - سنن البيهقي 2: 41. (*)

[ 993 ]

رضي الله عنه أمر بجمعها زيدا، فنسخ منها مصاحف بعث بها إلى الآفاق (1). * حدثنا حفص بن عمر أبو عمر الدوري المقرئ قال، حدثنا إسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم المديني، عن عمارة بن غزية، عن ابن شهاب الزهري، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت: أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم من غزوة غزاها بفرج (2) أرمينية فحضرها أهل العراق وأهل الشام، فإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود ويأتون بما لم يسمع أهل الشام (ويقرأ أهل الشام (3)) بقراءة أبي بن كعب، ويأتون بما لم يسمع أهل العراق، فيكفرهم أهل العراق. قال: فأمرني عثمان رضي الله عنه أن أكتب له مصحفا فكتبته. فلما فرغت منه عرضه (4). * حدثنا عبد الاعلى بن عبد الاعلى قال، حدثنا هشام، عن محمد قال: كان الرجل يقرأ فيقول له صاحبه: كفرت بما تقول، فرفع ذلك إلى ابن عفان فتعاظم في نفسه، فجمع اثني عشر رجلا من قريش والانصار، منهم: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأرسل إلى الرقعة التي كانت في بيت عمر رضي الله عنه فيها القرآن. قال: وكان يتعاهدهم. قال: فحدثني كثير بن أفلح: أنه كان فيمن يكتب لهم، فكانوا كلما اختلفوا في شئ أخروه. قلت:


(1) منتخب كنز العمال 2: 49. (2) أي بثغر أرمينية. (3) سقط في الاصل والمثبت عن التاج الجامع للاصول 4: 33. (4) فتح الباري 9: 14، 15 - والتاج الجامع للاصول 4: 33. (*)

[ 994 ]

لم أخروه ؟ قال: لا أدري. قال محمد: فظننت أنا فيه ظنا، ولا تجعلوه (أنتم يقينا، ظننت أنهم كانوا إذا اختلفوا في الشئ أخروه حتى ينظروا آخرهم عهدا (1) بالعرضة الاخيرة فكتبوه على قوله. * حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا هشام بنحوه، وزاد: قال محمد: فأرجو أن تكون قراءتنا هذه آخرتها عهدا بالعرضة الاخيرة. * حدثنا إسماعيل بن أبي كريمة الحراني قال، حدثنا محمد ابن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: جلس عثمان بن عفان رضي الله عنه على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنما عهدكم بنبيكم صلى الله عليه وسلم منذ ثلاث عشرة سنة، لم أنتم تختلفون في القراءة ؟ يقول أحدكم لصاحبه ما تتم قراءتك. قال، فعزم على كل من كان عنده شئ من القرآن إلا جاء به، قال: فجاء الناس بما عندهم، فجعل يسألهم عليه البينة أنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: من أعرب الناس ؟ قالوا: زيد ابن ثابت كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فليمل سعيد، وليكتب زيد، وكتب مصاحف وفرقها في الاجناد. * حدثنا أبو داود الطيالسي قال، حدثنا محمد بن أبان قال، أخبرني علقمة بن مرثد قال، سمعت العيزار بن جرول الحضرمي يقول: لما خرج المختار كنا هذا الحي من حضرموت أول من معه،


(1) بياض في الاصل بمقدار سطر، والمثبت عن كتاب المصاحف للسجستاني ص 25. (*)

[ 995 ]

فأتانا سويد بن غفلة فقال: إن لكم علينا حقا، وإن لكم جوارا، وقد بلغني أنكم تسرعتم إلى هذا الرجل ! فو الله لا أحدثكم إلا بشئ سمعته منه: أقبلت ذات يوم فغمزني غامز من خلفي فالتفت فإذا المختار، فقال: أيها الشيخ. ما بقي في قلبك من حب ذاك الرجل - يعني عليا - قلت إني أشهد الله أني أحبه بقلبي وسمعي وبصري ولساني، قال: ولكني أشهد الله أني أبغضه بقلبي وبصري وسمعي - وأحسبه قال وبلساني. فقلت: أبيت والله إلا تثبيطا عن آل محمد وترتيبا لنقبل حراق - أو إحراق - المصاحف. قال فو الله لا أحدثكم إلا بشئ سمعته من علي: سمعته يقول: اتقوا الله في عثمان ولا تغلوا فيه، ولا تقولوا حراق المصاحف، فو الله ما فعل الذي فعل إلا عن ملاء منا أصحاب محمد، دعانا فقال: ما تقولون في هذه القراءة ؟ فقد بلغني أن بعضكم يقول قراءتي خير من قراءتك. وهذا يكاد يكون كفرا، وإنكم إن اختلفتم اليوم كان لمن بعدكم أشد اختلافا، قلنا: فما ترى ؟ قال: أن أجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت. قال (1): فأي الناس أقرأ ؟ قالوا: زيد بن ثابت، قال: فأي الناس أفصح وأعرب ؟ قالوا: سعيد ابن العاص. قال فليكتب سعيد وليمل زيد، قال: فكانت مصاحف بعث بها إلى الامصار، قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل (2). * حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال، حدثنا محمد


(1) في الاصل " قالوا " والمثبت يقتضيه السياق. (2) البداية والنهاية 8: 218 - ومنتخب كنز العمال 2: 50. (*)

[ 996 ]

ابن أبان، عن علقمة بن مرثد، عن العيزار بن جرول، من رهط سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: الله الله أيها الناس، وإياكم والغلو في عثمان وقولكم حراق المصاحف، فو الله ما حرقها (إلا عن ملا (1) من أصحاب محمد، جمعنا فقال: ما تقولون في القراءة ؟ يلقى الرجل الرجل فيقول قراءتي خير من قراءتك، ويلقى الرجل الرجل فيقول قراءتي أفضل من قراءتك، وهذا شبيه بالكفر. قال فقلنا: فالرأي رأيك يا أمير المؤمنين. قال: فإني أرى أن أجمع الناس على مصحف واحد لا يختلفون بعدي، فإنكم إن اختلفتم اليوم كان الناس بعدكم أشد اختلافا. قلنا: فالرأي رأيك يا أمير المؤمنين. فبعث إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص فقال: ليكتب أحدكما ويمل الآخر، فإن اختلفتما فارفعاه إلي. قال: فما اختلفا إلا في التابوت، فقال أحدهما التابوت وقال الآخر التابوه فرفعاه إليه فقال: إنها التابوت. وقال علي: والله لو وليت الذي ولي لصنعت مثل الذي صنع (2). * حدثنا عفان قال، حدثنا محمد بن أبان قال، حدثنا علقمة بن مرثد، عن العيزار بن جرول السلمي أنه سمع سويد ابن غفلة ذكر نحوه، ولم يذكر سعيد بن العاص ولا زيد بن ثابت ولا ما اختلفا فيه، وزاد: فقال القوم لسويد بن غفلة: آلله الذي


(1) بياض في الاصل بمقدار كلمتين، والمثبت عن إرشاد الساري 8: 448. (2) إرشاد الساري 8: 448 - ومنتخب كنز العمال 2: 49، 50، والعواصم من القواصم ص 69 - والمصاحف للسجستاني 19 - ونهاية الارب 19: 440 والتمهيد والبيان لوحة 44. (*)

[ 997 ]

لا إله إلا هو لسمعت هذا من علي ؟ فقال: آلله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا من علي (1). * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن إسماعيل بن عياش قال، حدثنا حبان بن يحيى البهرائي، عن أبي محمد القرشي: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كتب إلى الامصار: أما بعد فإن نفرا من أهل الامصار اجتمعوا عندي فتدارسوا القرآن، فاختلفوا اختلافا شديدا، فقال بعضهم قرأت على أبي الدرداء، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن مسعود، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن قيس، فلما سمعت اختلافهم في القرآن - والعهد برسل الله صلى الله عليه وسلم حديث - ورأيت أمرا منكرا، فأشفقت على هذه الامة من اختلافهم في القرآن، وخشيت أن يختلفوا في دينهم بعد ذهاب من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قرأوا القرآن على عهده وسمعوه من فيه، كما اختلفت النصارى في الانجيل بعد ذهاب عيسى بن مريم، وأحببت أن ندارك من ذلك، فأرسلت إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن ترسل إلي بالادم الذي فيه القرآن الذي كتب عن فم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوحاه الله إلى جبريل، وأوحاه جبريل إلى محمد، وأنزله عليه، وإذا القرآن غض، فأمرت زيد بن ثابت أن يقوم على ذلك، ولم أفرغ لذلك من أجل أمور الناس والقضاء بين الناس، وكان زيد بن ثابت أحفظنا القرآن، ثم دعوت نفرا من كتاب أهل المدينة وذوي عقولهم، منهم نافع بن طريف وعبد الله بن الوليد الخزاعي


(1) التمهيد والبيان لوحة 44. (*)

[ 998 ]

وعبد الرحمن بن أبي لبابة فأمرتهم أن ينسخوا من ذلك الادم أربعة مصاحف وأن يتحفظوا. * حدثنا محمد بن الفضل عارم قال، حدثنا القاسم بن الفضل قال، حدثنا عمرو بن مرة الجملي قال: استأذن رجل على ابن مسعود، رضي الله عنه فقال الآذن: إن القوم (..... (1) والاشعري وإذا حذيفة يقول لهم: أما إنكما إن شئتما أقمتما هذا الكتاب على حرف واحد، فإني قد خشيت أن يتهون الناس فيه تهون أهل الكتاب، أما أنت يا أبو موسى فيطيعك أهل اليمن، وأما أنت يا ابن مسعود فيطيعك الناس. قال ابن مسعود: لو أني أعلم أن أحدا من الناس أحفظ مني لشددت رحلي براحلتي حتى أنيخ عليه، قال: فكان الناس يرون أن حذيفة رضي الله عنه ممن عمل فيه حتى أتى على حرف واحد. * حدثنا كثير بن هشام قال، حدثنا جعفر بن برقان قال، حدثنا عبد الاعلى بن الحكم الكلابي قال: أتيت دار أبي موسى الاشعري فإذا حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الاشعري فوق إجار (2) فقلت: هؤلاء والله الذين أريد، فأخذت أرتقي لهم فإذا غلام على الدرجة فمنعني أن أرتقي إليهم فنازعته حتى التفت إلي بعضهم فأتيتهم حتي جلست إليهم فإذا عندهم مصحف أرسل به عثمان رضي الله عنه فأمرهم أن يقيموا مصاحفهم عليه. فقال أبو موسى: ما وجدتم في مصحفي هذا من زيادة فلا تنقصوها،


(1) بياض في الاصل بمقدار ثلثي سطر. (2) الاجار، والاجار، والانجار، السطح الذي لا سترة عليه (اللسان). (*)

[ 999 ]

وما وجدتم من نقصان فاكتبوه فيه. فقال حذيفة رضي الله عنه: فكيف بما صنعنا، والله ما أحد من أهل هذا البلد يرغب عن قراءة هذا الشيخ. يعني ابن مسعود، ولا أحد من أهل اليمن يرغب عن قراءة هذا الآخر. يعني أبا موسى. وكان حذيفة هو الذي أشار على عثمان رضي الله عنه أن يجمع المصاحف على مصحف واحد (1). * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني عمرو بن الحارث، أن بكيرا حدث: أن ناسا كانوا بالعراق يسأل أحدهم عن الآية فإذا قرأها قال: فإني أكفر بهذه، ففشا ذلك في الناس، واختلفوا في القراءة، فكلم عثمان بن عفان رضي الله عنه في ذلك، فأمر بجمع المصاحف فأحرقها، وكتب مصاحف ثم بثها في الاجناد (2). * قال ابن وهب، أخبرني عمر بن طلحة الليثي، عن محمد ابن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قام عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: من كان عنده كتاب الله شئ فليأتنا به، وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شاهدان، فجاء خزيمة بن ثابت فقال: إني قد رأيتكم تركتم آيتين من كتاب الله لم تكتبوهما. قال: وما هما ؟ قال: تلقيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد جاءكم رسول من أنفسكم (3) " إلى آخر


(1) المصاحف للسجستاني ص 35. (2) وفي المصاحف للسجستاني " بعث واحدا إلى مكة وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدا ". (3) سورة التوبة، آية 128. (*)

[ 1000 ]

السورة. قال عثمان: وأنا أشهد إنهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلهما ؟ قال: اختم بهما. قال: فختم بهما. قال، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: أمر عثمان رضي الله عنه فتيانا من العرب أن يكتبوا القرآن ويملي عليهم زيد بن ثابت. فلما بلغوا التابوت قال زيد بن ثابت: اكتبوها التابوه. وقالوا: لا نكتب إلا التابوت، فذكروا ذلك لعثمان فقال: اكتبوا التابوت، فإنما أنزله الله على رجل منا بلسان عربي مبين (1). * حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال، أنبأنا إبراهيم ابن سعد، عن الزهري قال: فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، أنه سمع زيد بن ثابت رضي الله عنه يقول (لما نسخنا المصحف من المصاحف (2) فقدت آية من سورة (الاحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها، فالتمستها فلم أجدها مع أحد إلا (3) مع خزيمة بن ثابت الانصاري (4) " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " (5) فألحقتها في سورتها من المصحف.


(1) المصاحف للسجستاني ص 31 - التاج الجامع للصحاح 4: 33، ونهاية الارب للنويري 19: 440. (2) إضافة عن المصاحف للسجستاني ص 29 - والبرهان في علوم القرآن 1: 224 - وفتح الباري 7: 420 - والتاج الجامع للاصول 4: 35، 206 - وتهذيب تاريخ ابن عساكر 5: 133 - والعواصم من القواصم ص 71. (3) أشار في الهامش بقوله " ينتقص هنا سطر واحد " والمثبت عن المراجع السابقة. (4) قال الامام القسطلاني في إرشاد الساري 7: 450 " هو خزيمة بن ثابت الانصاري ابن الفاكه بن ثعلبة ذي الشهادتين، وهو غير أبي خزيمة بالكنية الذي وجد معه آخر التوبة كما جاء في بعض الروايات ". (5) سورة الاحزاب، آية 23. (*)

[ 1001 ]

قال ابن شهاب: واختلفوا يومئذ في التابوت، فقال زيد التابوه، وقال ابن الزبير وسعيد وعبد الرحمن: التابوت، فرفعوا اختلافهم إلى عثمان رضي الله عنه، فقال اكتبوه التابوت فإنه بلسان قريش (1). * حدثنا أبو داود قال، حدثنا إبراهيم بن سعد بمثله إلا أنه قال: وقال النفر القرشيون التابوت (2). * حدثنا حفص بن عمر الدوري، قال حدثنا إسماعيل ابن جعفر أبو إبراهيم، عن عمارة بن غزية، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: عرضت المصحف فلم أجد فيه هذه الآية " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه منهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (3) " قال: فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد، ثم استعرضت الانصار أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد منهم، حتى وجدتها مع خزيمة بن ثابت الانصاري فكتبتها، ثم عرضته مرة أخرى فلم أجد فيه هاتين الآيتين " لقد جاءكم رسول من أنفسكم (4) " إلى آخر السورة، قال: فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها فلم أجدهما مع أحد منهم، ثم أستعرضت الانصار أسألهم عنهما فلم أجدهما مع أحد منهم، حتى وجدتهما مع رجل آخر يدعى خزيمة (5) أيضا من الانصار فأثبتهما في آخر (براءة) * (هماش) * (1) سنن البيهقي 2: 41 - وفتح الباري 9: 17 - ونهاية الارب 19: 440 - والمصاحف للسجستاني ص 19. (2) انظر المراجع السابقة. (3) سورة الاحزاب، آية 23. (4) سورة التوبة، آية 128، 129. (5) كذا في الاصل، وفي إرشاد الساري 7: 950 " أبو خزيمة بالكنية ". (*)

[ 1002 ]

قال زيد: ولو تمت ثلاث آيات لجعلتها سورة واحدة، ثم عرضته عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئا. فأرسل عثمان رضي الله عنه إلى حفصة رضي الله عنها يسألها أن تعطيه الصحيفة، وجعل لها عهد الله ليردها إليها، فأعطته إياها، فعرضت الصحف عليها فلم تخالفها في شئ فرددتها إليه، وطابت نفسه، فأمر الناس أن يكتبوا المصاحف (2). * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني الليث بن سعد قال: قدم حذيفة بن اليمان على عثمان رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين إني سمعت الناس قد اختلفوا في القرآن، ويقول الرجل: حرفي الذي أقرأونيه خير من حرفك. فأرسل عثمان إلى حفصة رضي الله عنهما أن تبعث بها (2) - يعني المصحف - إليه، فقالت: على أن تردها إلي. قال: نعم. فنسخ مصاحف بعث بها إلى الآفاق، وأمرهم أن يبعثوا إليه بما كان عندهم منها، فأمر بها أن تحرق، وقال: كم حبس عنده منها شيئا فهو غلول. قال: وكان حين جمع القرآن جعل زيد بن ثابت، وأبي بن كعب يكتبان القرآن، وجعل معهم سعيد بن العاص يقيم عربيته. فقال أبي ابن كعب التابوه، وقال سعيد بن العاص إنما هو التابوت. فقال عثمان رضي الله عنه: اكتبوه كما قال سعيد فكتبوا التابوت (3).


(1) إرشاد الساري 7: 447 - والمصاحف للسجستاني ص 31 - ومنتخب كنز العمال 2: 45 - ونهاية الارب 19: 440 - وتهذيب تاريخ ابن عساكر 5: 24، 133 (2) في الاصل " به " والمثبت يقتضيه السياق. (3) البرهان في علوم القرآن 1: 326 - وتاريخ القرآن للدكتور عبد الصبور شاهين ص 114. (*)

[ 1003 ]

* حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا الحزامي قال، حدثني كثير بن جعفر قال، حدثني أبي عن محمد (..... (1)) الاكتاف، فجمع ذلك كله في صندوق ثم جمع جماعة من الصحابة فاستشارهم فيه، فقال بعضهم: حرقه. فكره ذلك، حفر تحت درجة منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفنه فيه وسوى عليه (2). * حدثنا حفص بن عمر الدوري قال، حدثنا إسماعيل ابن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن ابن شهاب، عن خارجة ابن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لما ماتت حفصة أرسل مروان (3) إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بعزيمة، فأعطاه إياها، فغسلها غسلا. * حدثنا عثمان بن عمر قال، أنبأنا يونس، عن ابن شهاب قال، حدثني أنس رضي الله عنه قال، لما كان مروان أمير المدينة أرسل إلى حفصة يسألها عن المصاحف ليمزقها وخشي أن يخالف الكتاب بعضه بعضا - فمنعتها إياه (4).


(1) بياض في الاصل بمقدار ثلثي سطر. والسياق يقتضي أن عثمان رضي الله عنه بعد أن استنسخ المصاحف من المواد التي كتب فيها القرآن كالاكتاف وسعف النخيل والآدم والصحف وغيرها. جمع تلك المواد في صندوق - الخ - وانظر حديث محمد بن عمر بسنده إلى محمد بن إسماعيل بن أبي فديك الذي سيرد فيما بعد. (2) وفي منتخب كنز العمال 2: 51 " دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر ". (3) في الاصل " عثمان " والتصويب عن منتخب كنز العمال 2: 45 - والمصاحف للسجستاني ص 25 - ومعلوم أن عثمان رضي الله عنه استشهد في سنة 35 أو 36 - أما حفصة رضي الله عنها فقد توفيت في سنة 41 أو 45 على الخلاف. (4) المصاحف للسجستاني ص 25 - وتاريخ القرآن للدكتور عبد الصبور شاهين 115، 116. (*)

[ 1004 ]

قال الزهري: فحدثني سالم قال، لما توفيت حفصة أرسل مروان إلى ابن عمر رضي الله عنهما بعزيمة ليرسلن بها، فساعة رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابن عمر رضي الله عنهما، فشققها ومزقها مخافة أن يكون في شئ من ذلك خلاف لما نسخ عثمان رضي الله عنه. * حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شقق عثمان رضي الله عنه المصاحف، فأعجبهم ذلك - أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال، سمعت مصعب بن سعد يقول: أدركت أصحاب رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم متوافرين فما رأيت أحدا منهم عاب ما صنع عثمان رضي الله عنه في المصاحف (1). * حدثنا إسماعيل بن أبي كريمة قال، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحمن، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: سمعت رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون لقد أحسن. * حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا عمران بن حدير، عن أبي مجلذ قال: عابوا على عثمان رضي الله عنه تمزيق المصاحف، وصدقوه بما كتب لهم. * حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلذ قال: عابوا على عثمان رضي الله

[ 1005 ]

عنه تشقيق المصاحف وقد آمنوا بما كتب لهم انظر إلى حمقهم ! !. * حدثنا محمد بن عمر قال، حدثنا محمد بن إسماعيل ابن أبي فديك، عمن يثق به: أن عثمان رضي الله عنه لما جمع القرآن في مصحف واحد، جمع الصحف والعسب التي كان فيها القرآن فجعلها في صندوق واحد وكره أن يحرق القرآن أو يشققه. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري قال، أخبرني عبيد الله بن عبد الله: أن ابن مسعود رضي الله عنه كره أن ولي زيد نسخ كتاب المصاحف، وقال: أي معشر المسلمين أأعزل عن نسخ كتاب المصاحف فيولاها رجل، والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر. وعند ذلك قال عبد الله: يا أهل العراق غلوا المصاحف والقوا الله بها فإنه " من يغلل يأت بما غل يوم القيامة (1) " فالقوا الله بالمصاحف. قال الزهري (قال ابن مسعود وإني غال مصحفي، فمن استطاع أن يغل مصحفه فليفعل (2)). * حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الانصاري قال، حدثنا إسرائيل بن يونس، عن توبة بن أبي فأختة، عن أبيه قال: بعث عثمان رضي الله عنه إلى عبد الله أن يدفع المصحف إليه. قال: ولم ؟ قال: لانه كتب القرآن على حرف زيد. قال: أما أن أعطيه المصحف فلن أعطيكموه، ومن استطاع أن يغل شيئا فليفعل،


(1) سورة آل عمران، آية 161. (2) بياض في الاصل بمقدار ثلثي سطر، والمثبت عن المصاحف للسجستاني ص 17 - والعواصم من القواصم 71. (*)

[ 1006 ]

والله لقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زيدا لذو ذؤابتين يلعبب بالمدينة (1). * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حمير بن مالك قال: لما أمر بالمصاحف أن تغير ساء ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليفعل، فإن من غل شيئا جاء بما غل يوم القيامة، ثم قال: لقد قرأت القرآن من في رسول الله سبعين سورة، وزيد صبي، أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) ؟ !. * حدثنا الخزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني يعقوب بن عبد الرحمن، عن حمزة بن عبد الله قال: بلغني أنه قيل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما لك لا تقرأ على قراءة فلان ؟ فقال: لقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة فقال لي لقد أحسنت، وإن الذي يسألون أن أقرأ على قراءته في صلب رجل كافر. * حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال، حدثنا زهير بن معاوية قال، حدثنا أبو همام الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامري عن فلفلة الجعفي قال: فزعت فيمن فزع إلى عثمان في المصاحف فدخلنا عليه، فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين، ولكن


(1) مسند أحمد 1: 414، 442 - والمصاحف للسجستاني ص 16 - وتاريخ القرآن للدكتور عبد الصبور شاهين 117. (2) مسند أحمد 1: 389، 411، 414 - والمصاحف للسجستاني 15، 17 - وحلية الاولياء 1: 125. (*)

[ 1007 ]

حين راعنا هذا الخبر. فقال: إن القرآن نزل على نبيكم صلى الله عليه وسلم من سبعة أبواب على سبعة أحرف - أو حروف - وإن الكتاب كان ينزل أو - يتنزل - من باب واحد على حرف واحد (1). * حدثنا معاوية بن عمرو قال، حدثنا زائدة، عن الاعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قد سمعت القراء فوجدتم مقاربين فاقرأوا كما علمتم، وإياكم والتنطع والاختلاف، فإنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال. حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن الاعمش، عن شقيق قال: لما شق عثمان رضي الله عنه المصاحف بلغ ذلك عبد الله فقال: قد علم أصحاب محمد أني أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغنيه الابل لاتيته. قال أبو وائل: فقعدت إلى الخلق لاسمع ما يقولون، فما سمعت أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عاب ذلك عليه (2). * حدثنا حيان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، أنبأنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن المنهال. (.... (3))


(1) المصاحف للسجستاني 18 - وانظر في معنى الحرف: تأويل مشكل القرآن ص 31 - وتاريخ القرآن للدكتور عبد الصبور شاهين 35. (2) التاج الجامع للاصول 4: 39 - الاستيعاب 2: 315 - أسد الغابة 3: 259. (3) بياض في الاصل بمقدار سطر. وفي المصاحف للسجستاني 16 - وتاريخ القرآن للدكتور عبد الصبور شاهين 117 " قال عبد الله بن مسعود: كيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، والله ما نزل من القرآن إلا وأنا أعلم في أي شئ نزل، ما أحد أعلم بكتاب الله مني. وما أنا بخيركم، ولو أعلم مكانا تبلغنيه الابل أعلم بكتاب الله مني لاتيته - الخ - (*)

[ 1008 ]

الابل لاتيته، فقال له رجل: أما لقيت عليا رضي الله عنه ؟ قال: بلى قد لقيته. * حدثنا الحماني (1) قال، حدثنا شريك، عن ابن إسحاق، عن أبي الاسود - أو غيره - قال: قيل لعبد الله ألا تقرأ على قراءة زيد ؟ قال: مالي ولزيد ولقراءة زيد، لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليهودي له ذؤابتان (2). * حدثنا عبد الله بن رجاء، وشريح بن النعمان قالا، حدثنا محمد بن طلحة، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن عابس، عن رجل (3)، عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه اجتمع إليه ناس من أهل الكوفة فقرأ عليهم السلام، وأمرهم بتقوى الله، وألا يختلفوا في القرآن ولا يتنازعوا فيه فإنه لا يختلف ولا ينسأن (4) ولا يتفه - وقال ابن رجاء: يتغير - لكثرة الرد، ألا ترون أن شريعة الاسلام فيه واحدة حدودها وفوائدها، وأمر الله فيها، فلو كان شئ من الحرفين


(1) الحماني: هو يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن ميمون الحماني - بكسر المهملة - أبو زكريا الكوفي الحافظ مات سنة 228 - الخلاصة 425، 479. (2) وفي حلية الاولياء 1: 125 " سبعين سورة قبل أن يسلم زيد بن ثابت وله ذؤابتان يلعب مع الغلمان. وانظر الاستيعاب 1: 373 - وشرح نهج البلاغة 3: 45، ومسند أحمد 1: 389، 411. (3) وفي مسند أحمد 1: 405 " عن رجل من همدان من أصحاب عبد الله وما سماه لنا ". (4) كذا في الاصل، وفي مسند أحمد 1: 405 " فإنه لا يختلف ولا يستشن ولا يتفه " وفي تاريخ القرآن 237 " فإنه لا يختلف ولا يتلاشى ولا يتغير لكثرة الرد ". (*)

[ 1009 ]

يأمر بشئ وينهى عنه الآخر كان ذلك الاختلاف، ولكنه جامع ذلك كله، وإني لارجو أن يكون قد أصبح فيكم اليوم من الفقه والعلم من خير ما في الناس، ولو أعلم أحدا تبلغنيه الابل هو أعلم بما أنزل على محمد - قال شريح: مني، ولم يقل ابن رجاء - لطلبته حتى أزداد علمه إلى علمي، قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض عليه القرآن كل عام مرة، فعرض عليه عام قبض مرتين. (فكان (1) إذا (فرغ (1)) قرأت عليه فيخبرني أني محسن، فمن قرأ على قراءتي فلا يدعنها رغبة عنها، ومن قرأ على شئ من هذه الحروف فلا يدعنه رغبة عنه، فإنه من جحد شيئا منه جحد به كله (2). * حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أسلم، عن أبي إسحاق، عن أبي الاحوص، عن عبد الله: أنه قال يوم خرج من الكوفة: من قرأ على حرف - أو قرأ على شئ - من كتاب الله فليثبت عليه، فإن كلا كتاب الله (3). * حدثنا عبد الاعلى قال، حدثنا هشام، عن محمد: أن أبي ابن كعب كتبهن في مصحفه خمسهن، أم الكتاب، والمعوذتين، والسورتين، وتركهن ابن مسعود (4) كلهن، وكتب ابن عفان فاتحة الكتاب، والمعوذتين، وترك السورتين. وعلى ما كتبه عمر رضي الله عنه مصاحف أهل الاسلام، فأما ما سوى ذلك فمطرح،


(1) الاضافة عن تاريخ القرآن للدكتور عبد الصبور شاهين 237. (2) مسند أحمد 1: 405، وشرح نهج البلاغة 3: 45 - والاستيعاب 2: 314. (3) وبمعناه في مسند أحمد 1: 405. (4) في الرياض النظرة 2: 150 أن ابن مسعود حذف المعوذتين من مصحفه مع الشهرة عند الصحابة أنهما من القرآن. (*)

[ 1010 ]

ولو قرأ غير ما في مصاحفهم قارئ في الصلاة، أو جحد شيئا منها استحلوا دمه بعد أن يكون يدين به. * حدثني محمد بن الصباح البزاز قال، حدثنا هشيم، عن عبد الرحمن بن عبد الله - يعني ابن كعب بن عجرة - عن أبيه، عن جده قال: كنت عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقرأ رجل من سورة يوسف (عتا حين). فقال عمر رضي الله عنه: من أقرأك هكذا ؟ قال: ابن مسعود - فكتب عمر رضي عنه إلى ابن مسعود: أما بعد، فإن الله أنزل هذا القرآن بلسان قريش، وجعله بلسان عربي مبين، فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل والسلام (1). * حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن سيف، عن مجاهد قال: نزل القرآن بلسان قريش. * حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق،


(1) فتح الباري 9: 7 - والمحتسب ص 83 - وإرشاد الساري 7: 445. وفي تاريخ القرآن 138، 140 يقول الدكتور عبد الصبور شاهين: وبما أن ابن مسعود من حيث القبيلة هذلي فلا غرابة إذن أن تظهر بعض الظواهر اللهجية الخاصة بهذيل في الروايات التي تنسب إليه، وقد عرف عن هذه القبيلة ظاهرة الفحفحة، وهي أنهم يجعلون الحاء عينا مثل قوله تعالى: " حتى حين " قرئتا عتى عين، كما عرف عنها ظاهرة مشتركة بينها وبين سعد بن بكر والازد وقيس، وهي الاستنطاء بأن تجعل العين الساكنة نونا، إذا جاورت الطاء كما روي " وطلع منضود " في موضع " وطلح منضود " و " إنا أنطيناك الكوثر " في موضع " إنا أعطيناك الكوثر " ويظهر من خطاب عمر لابن مسعود بأنه كان من المرغوب فيه دائما أن يعمل على نشر النص القرآني خاليا من الخصائص اللهجية، كما أنه ذو دلالة على اقتداره على أن ينتقل من لهجته الخاصة إلى مستوى آخر كلهجة قريش أو غيرها، شأن المعلم المقتدر دائما. (*)

[ 1011 ]

عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رأيت ابن مسعود رضي الله عنه يحك المعوذتين من المصحف، ويقول: لا يحل قراءة ما ليس منه (1). * حدثنا يحيى بن سعيد، إسماعيل بن قيس، عن عقبة ابن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل علي آيات لم تر مثلهن " قل أعوذ برب الناس " إلى آخر السورة، و " قل أعوذ برب الفلق " إلى آخر السورة. فقال صلى الله عليه وسلم آيات وقال إلى آخر السورة، وهذا لا يكون إلا للقرآن، لا يقال آيات وسورة إلا للقرآن. وهذا إسناد يرضي مع أن ما فيه أسانيد كثيرة جياد منها ما حدثناه عبد الله بن يزيد قال، حدثنا حيوة بن شريح قال، أخبرني يزيد بن أبي حبيب، أن أبا عمران حدثه، أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول: تعلقت بقدم رسول الله صلى الله عليه وسلام فقلت يا رسول الله أقرئني سورة هود، وسورة يوسف. فقال: يا عقبة إنك لن تقرأ سورة هي أحب إلى الله وأبلغ عنده من " قل أعوذ برب الفلق ". * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرنا خيرة بإسناده: مثله، قال: وكان أبوعمران لا يتركها: لا يزال يقرأها في صلاة المغرب. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا بشر بن السري قال، حدثنا معاوية بن جناح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن مولى معاوية، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال:


(1) مجمع الزوائد 7: 149. (*)

[ 1012 ]

كنت أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته في سفر فقال: يا عقبة الا أعلمك خير سورتين قرئتا ؟ قلت: بلى يا رسول الله. فعلمني: " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " فلم يرني عجبت بهما، فلما نزل لصلاة الصبح صلى بهما للناس، فلما انصرف التفت إلي فقال: يا عقبة كيف رأيت (1) ؟. * حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعلمك يا عقبة سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس. قال: فاقرأ: " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " فلما أقيمت الصلاة تقدم فقرأ بهما، فلما سلم مر بي فقال: كيف رأيت يا عقبة، اقرأ بهما (كارها (*)) نمت وقمت. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا بشر بن بكر قال، حدثنا ابن جابر، عن القاسم أبي عبد الرحمن قال، حدثني عقبة ابن عامر بمثله - قال ابن جابر: قرأ بهما في صلاة الصبح. * حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي، عن فروة بن مجاهد الخثعمي، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا أعلمك سورا ما أنزل في التوراة، ولا في الانجيل


(1) التاج الجامع للاصول. 4: 27. (*) هكذا وردت في الاصل.. ولعل الكلمة الصحيحة " كلما " لاتها تتفق والسياق. (المدقق) (*)

[ 1013 ]

ولا في الزبور مثلهن ؟ " قل أعوذ برب الناس " و " قل أعوذ برب الفلق " و " قل هو الله أحد (1) ". * حدثنا عمرو بن قصد قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن عمرو - يعني الاوزاعي - عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد ابن إبراهيم قال، أخبرني أبو عبد الله، أن ابن عباس الجهني أخبره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " يا ابن عباس ألا أدلك - أو ألا أخبرك - ما أفضل ما يتعوذ به المتعوذون ؟ " قال: بلى يا رسول الله. قال: " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " هاتين السورتين (2). * حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا عمر بن القطان، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن عبد الله بن فطيم، عن يحيى بن يعمر قال، قال عثمان رضي الله عنه: إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها (3) * حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن عبد الاعلى بن عبيد الله بن عامر (القرشي (4) قال: لما فرغ من المصحف أتى به عثمان رضى الله عنه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى شيئا من لحن سنقيمه بألسنتنا. * حدثنا أحمد بن إبراهيم قال، حدثنا علي بن مسهر، عن


(1) مجمع الزوائد 7: 148. (2) تفسير ابن كثير 9: 349 - ومنتخب كنز العمال 2: 40. (3) المصاحف للسجستاني ص 33. (4) الاضافة عن منتخب كنز العمال 2: 51 وانظر الخبر فيه. (*)

[ 1014 ]

هشام بن عروة، عن أبيه قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن لحن القرآن " إن هذان لساحران (1) " وقوله " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى (2) "، " والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة (3) " وأشباه ذلك فقالت: أي بني إن الكتاب يخطئون. * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن الزبير، أن خاله قال، قلت لابان بن عثمان - وكان ممن حضر كتاب المصحف: كيف كتبتم " والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة " فقال: كان الكاتب يكتب والمملي يملي، فقال: اكتب. قال: ما أكتب. قال: اكتب " والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة (4) ". * حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا عمران القطان، عن زياد بن أبي الفتح الهذلي، عن أبيه: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: تكتب ثقيف وتملي هذيل (5). * حدثنا يعقوب بن إسحاق المقرئ قال: حدثنا حزم بن حازم، عن عبد الله بن عمير، عن عبد الله بن معقل بن مقرن: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا يملين في مصاحفنا إلا فتيان قريش وثقيف (6).


(1) سورة طه، آية 63 - واللحن المشار إليه في لفظ " هذان ". (2) سورة المائدة، آية 69 - واللحن المشار إليه في لفظ " والصابئون ". (3) سورة النساء، آية 162 - واللحن المشار إليه في لفظ " والمقيمين " وانظر الخبر في المصاحف للسجستاني 1: 34 - وتاريخ القرآن 118. (4) سورة النساء، آية 162. (5) منتخب كنز العمال 2: 51. (6) منتخب كنز العمال 2: 41 مع اختلاف طفيف في بعض الالفاظ. (*)

[ 1015 ]

* حدثنا عارم قال، حدثنا هشيم قال، أنبأنا العوام بن حوشب بن يزيد بن الحارث بن رويم، عن إبراهيم التيمي، عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه كان يحب أن تكتب مضر المصاحف (1). * حدثنا يحيى بن سعيد، وغندر قالا، حدثنا عوف قال، حدثنا يزيد الفارسي قال، أنبأنا ابن عباس رضي الله عنهما: قلت لعثمان بن عفان رضي الله عنه: ما حملكم على أن عمدتم إلى الانفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من السبع فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر " بسم الله الرحمن الرحيم " ووضعتموها في السبع الطول، فما حملكم على ذلك ؟ قال عثمان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال يحيى -: كان، ولم يقلها غندر - قالا جميعا: مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشئ يدعو بعض من يكتب عنده - وقال غندر: يدعو من يكتب له - فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وإذا أنزلت عليه الآيات قال: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الانفال من أوائل ما أنزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا، وظننت أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب سطر " بسم الله


(1) وفي المصاحف للسجستاني ص 11 من حديث هوزه بسنده قال: لما أراد عمر أن يكتب الامام أقعد له نفرا من أصحابه وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل على رجل من مضر. (*)

[ 1016 ]

الرحمن الرحيم " ووضعتها في السبع الطول - زاد غندر قال عوف: وعما يدعيان القرينين (1). * حدثنا هارون بن عمير قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال، حدثنا إسماعيل بن عياش قال، حدثنا حبان بن يحيى البهراني، عن أبي محمد القرشي قال: أمرهم عثمان رضي الله عنه أن يتابعوا الطول فجعلت سورة الانفال وسورة التوبة في السبع ولم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم. * حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة قال: يقولون إن براءة من " يسئلونك (2) " وإنما ترك بسم الله الرحمن الرحيم أن تكتب في براءة لانها من " يسئلونك (3) " * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني سليمان بن بلال قال، سمعت ربيعة (4) يسأل: لم قدمت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة، وإنما نزلتا بالمدينة ؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه


(1) مسند أحمد 1: 57، 56 - ومنتخب كنز العمال 2: 48 - والمصاحف للسجستاني 31. (2) المراد سورة الانفال. (3) مسند أحمد 1: 57. (4) هو ربيعة الرأي - ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي. أبو عثمان المدني يروى عن أنس والسائب بن يزيد وابن المسيب وعنه سليمان بن بلال التيمي ويحيى بن سعيد القطان، وسعيد، والليث وخلق آخرهم أنس بن عياض وثقة أحمد وابن حيان وابن سعد.. توفي سنة ست وثلاثين ومائة. قال سوار بن عبد الله: ما رأيت أعلم من ربيعة. الخلاصة للخزرجي 116. (*)

[ 1017 ]

به، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا مما ينتهي إليه ولا يسأل عنه. * * * (باب تواضع عثمان بن عفان رضي الله عنه) * حدثنا عارم قال، حدثنا وهيب، عن يونس، عن الحسن قال: رأيت عثمان رضي الله عنه نائما في المسجد متوسدا رداءه (1). * حدثنا إبراهيم الهروي قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا هاشم ابن أبي هشام - مولى قريش - قال: سمعت الحسن يقول: أتيت مسجد المدينة بالهاجرة فإذا أنا بابن عفان قد كوم كومة من حصباء وطرح رداءه واتكى تجاه سقاء معه قربة، يخاصم رجلا فجعل ينظر بينهما (2). * حدثنا محمد بن يزيد الرفاعي قال، حدثنا أبو أسامة قال، حدثنا علي بن مسعدة - وكان مرضيا - قال، حدثنا عبد الله الرومي قال: كان عثمان رضي الله عنه إذا قام من الليل يلي طهره بيده. فقيل له: لو أمرت بعض الخدم (3). فقال: لهم الليل يستريحون فيه. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبيد الله بن وهب قال قال (4): أخبره جرير أبو عيسى محمد بن القاسم المرادي، أنه


(1) الرياض النضرة ص 147 - وبمعناه في أنساب الاشراف 5: 4. (2) مسند أحمد 1: 73 - وتاريخ الطبري 6: 302 ط بيروت. (3) منتخب كنز العمال 3: 391، وفيه " أمرت بعض الخدم فكفوك " وطبقات ابن سعد 3: 41 - والبداية والنهاية 7: 214 - والتمهيد والبيان لوحة 146. (4) قال قال - كذا في الاصل وقد كتبتا بخط جيد كبير ووضع فوق قال الثانية حرف " ط " وكذا بعد أخبره التي تليها. مما يدل على عناية الناسخ. (*)

[ 1018 ]

سمع أبا مرزوق التجيبي يقول: إن رجلا طلق أمرأته ثلاثا فحرمت على زوجها، فحزنت وحزن الزوج، ودخل عليهما الهم والبلاء، كانا لهما جار كثير المال فرحمهما لما دخل عليهما من البلاء، فقال في نفسه: لو أني أحسنت على هذين فأحللت بينهما ؟ ثم بدا له فقال: لو أشرت على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ؟ قال: فلقيته وهو راكب على فرسه، فقلت: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فقف علي. فقال: إني على عجل ولكن اركب ورائي، فأردفه وراءه وقص عليه الامر. فال عثمان: الانكاح رغبة غير مدالسة. * حدثنا هارون بن عمر الدمشقي قال، حدثنا عبد الله بن كريم قال، حدثنا أبو الفتح، عن حبيب بن أبي مرزوق قال: دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه على غلام له يعلف ناقة، فرأى في علفها ما كره، فأخذ بأذن غلامه فعركها، ثم ندم فقال لغلامه: اقتص. فأبى الغلام، فلم يدعه حتى أخذ بأذنه فجعل يعركها، فقال له عثمان: شد حتى ظن أنه قد بلغ منه مثل ما بلغ منه، ثم قال عثمان رضي الله عنه: واها لقصاص قبل قصاص الآخرة. * حدثنا محمد بن حسن بن زبالة قال، حدثنا محمد بن طلحة، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمه موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه بين عمودي سرير أمه أروى بنت كريز، وكان منزلها في الموضع الذي فيه دار هبيرة. * حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا ابن المبارك قال، حدثني معمر، عن الزهري عن عبد الله بن شرحبيل بن حسنة قال: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه يأمر بتسوية القبور، فمر

[ 1019 ]

بقبر فقالوا: هذا قبر أم عمرو بنت عثمان. فأمر به فسوي. * حدثنا عارم قال، حدثنا ثابت أبو زيد، عن عاصم، عن أبي عثمان: أن عبدا للمغيرة بن شعبة تزوج، فدعا نفرا وعثمان ابن عفان، فلما جاء وسع له وقيل أمير المؤمنين. فأخذ بسجفي الباب وقال: إني صائم ولكني أحببت أن أجيب الدعوة، وأدعو بالبركة. * حدثنا محمد بن بكار قال، حدثنا أبو معشر، عن موسى ابن عقبة، عن مالك بن أبي عامر قال: كلمت عثمان رضي الله عنه - والصلاة قائمة - فقلت: افرض لي يا أمير المؤمنين. فقال: تأخر يا غلام. فما زال يقول تأخر يا غلام حتى جاءه رجل من ورائه فقال: استوت الصفوف يا أمير المؤمنين فكبر. * حدثنا حيان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا شريك، عن جابر، عن عامر قال: لم يقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الارضين، ولا أبو بكر، ولا عمر رضي الله عنهما. أول من أقطعها وباعها عثمان رضي الله عنه (1). * حدثنا.... (2) قال، حدثنا محمد بن طلحة.... (2) عن موسى بن طلحة قال: أقطع عثمان بن عفان رضي الله عنه خمسة (3) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضين، فذكر لعبد الله ابن مسعود، ولسعد، ولطلحة، والزبير، وخباب، وخارجة، فكان جاراي منهم يعطيان أرضهم بالثلث - يعني عبد الله وسعدا (4).


(1) وانظر في ذلك كتاب الاوائل لابي هلال العسكري 144. (2) بياض في كل من الموضعين بمقدار ثلاث كلمات في الاصل. (3) يلاحظ أنه ذكر ستة من الاصحاب وليس خمسة. (4) وانظر الغدير 5: 282 وما ورد فيه من أعطيات عثمان لهؤلاء النفر. (*)

[ 1020 ]

* حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن المهاجر، عن موسى بن طلحة: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أقطع خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: الزبير ابن العوام، وسعدا، وعبد الله بن مسعود، وخباب بن الارت، وأسامة بن زيد. قال: فرأيت جاري، عبد الله بن مسعود وسعدا يعطيان أرضيهما بالثلث. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن الاعمش، عن إبراهيم بن المهاجر، عن موسى بن طلحة قال: أقطع عثمان بن عفان عبد الله بن مسعود النهرين، وأقطع سعد بن أبي وقاص قرية هرمز (1)، وأقطع عمار ابن ياسر استينيا (2)، وأقطع خبابا صعنبى (3)، قال: فكلا جاري قد رأيته يعطي أرضه بالثلث والربع. * حدثنا الحسن بن عثمان قال، حدثنا أبو يوسف، عن الاعمش، عن إبراهيم بن المهاجر عن موسى بن طلحة بمثله. إلا أنه قال: استنبنيا. * حدثنا الحسن بن عثمان قال: حدثنا محمد بن عمر قال، حدثنا إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة قال: أول من أقطع


(1) قرية هرمز: مدينة في فارس وهي فرضة كرمان يوصل إليها خور وترفأ إليها المراكب وتنقل لها منتجات الهند ومنها تنتقل إلى سجستان وخراسان (ياقوت معجم البلدان) (2) استينيا: قرية بالكوفة. قال ياقوت: أقطعها عثمان رضي الله عنه لخباب ابن الارت - نقلا عن المدائن (ياقوت - معجم البلدان). (3) صعنبي: قرية بالسواد - بالعراق - قال ياقوت نقلا عن كتاب الفتوح: إن عثمان بن عفان رضي الله عنه أقطعها لخباب بن الارت (ياقوت - معجم البلدان). (*)

[ 1021 ]

بالعراق عثمان بن عفان رضي الله عنه قطائع مما كان من صوافي آل كسرى، ومما جلا عنه أهله، فقطع لطلحة بن عبيد الله: النشاستج (1)، وقطع لخباب بن الارت صعنبي، وأقطع سعد بن أبي وقاص أرضا، والزبير إلى ناحية قنطرة الكوفة، وعدي بن حاتم الروحاء (2)، وسعيد بن زيد، وخالد بن عرفطة، والاشعري في موضع واحد نحو حمام (3) ابن عمر. * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن السري بن يحيى، عن ابن سعدى (4) قال: كثر المال في زمن عثمان رضي الله عنه حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمائة ألف درهم، ونخلة بألف درهم (5). * حدثنا سعيد بن عامر قال، سمعت شعبة يقول: بلغ الفرس في زمن عثمان رضي الله عنه مائة ألف درهم. * حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا قيس، عن أبي حصين: أن عثمان رضي الله عنه أجاز الزبير رضي الله عنه بستمائة ألف، قال:


(1) النشاستج: ضيعة أو نهر بالكوفة - قال ياقوت: اشتراها طلحة من أهل الكوفة المقيمين بالحجاز بمال كان له في خيبر، وعمرها حتى عظم دخلها حتى قيل إن من له مثل النشاستج لحقيق أن يكون جوادا - (ياقوت - معجم البلدان، والتمهيد والبيان لوحة 40) وتاريخ الطبري 5: 80 ط بيروت في ذكر تسيير من سير من أهل الكوفة إليها. (2) الروحاء: من عمل القرع على نحو أربعين ميلا، وسميت روحاء. (3) كذا بالاصل. (4) ابن سعدى: عبد الله بن السعدي القرشي العامري، صحابي " روى عن حويطب ابن عبد العزى وعبد الله بن محيريز - توفي سنة سبع وتسعين (الاستيعاب 1: 399 ". (5) الرياض النضرة 2: 148 - ونهاية الارب 19: 506. (*)

[ 1022 ]

فلما قدم ها هنا قال: أي المال خير ؟ قالوا: مال أصبهان. قال: فأعطوني من مال أصبهان. * حدثنا محمد بن سلام، أبيه قال، قال عبد الله بن خالد لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كلم أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه فإن لي عيالا وعلي دينا. فقال: كلمه فإنك تجده برا وصولا. فكلمه فزوجه بنته، وأعطاه مائة ألف، فولدت له عثمان بن عبد الله. فكان لا يكلم إخوته كبرا بعثمان. وحج هشام بن عبد الملك فطاف بالبيت، عثمان بن خالد جالس فلم يقم إليه. فقال هشام: ينبغي أن يكون ذلك الرجل عثمان. فقيل هو عثمان (رضي الله عنه (1)). * حدثنا إبراهيم بن (عمرو بن كيسان (2) قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الاسود، عن أبي أويس - مولى لهم - قال: غزونا مع عبد الله بن سعد إفريقية في خلافة عثمان رضي الله عنه سنة سبع وعشرين، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، للفرس ألفا دينار ولفارسه ألف دينار، وللراجل ألف دينار (3). * حدثنا إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الاسود، عن عروة بن الزبير قال: أدركت زمن عثمان


(1) كذا في الاصل - وهذا يوهم أنه عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولكنه عثمان ابن عبد الله بن خالد، وابن بنت عثمان رضي الله عنه فهو حفيده رضي الله عنه. (2) بياض في الاصل بمقدار ثلاث كلمات، والمثبت عن الخلاصة للخزرجي 185. (3) انظر في ذلك نهاية الارب 7: 152. (*)

[ 1023 ]

رضي الله عنه وما من نفس مسلمة إلا ولها في مال الله حق. * حدثنا خالد بن خداش قال، حدثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن ابن سيرين قال: لم تكن الدراهم في زماني أرخص منها في زمان عثمان رضي الله عنه، أن كانت الجارية لتباع بوزنها، وإن الفرس ليبلغ خمسين ألفا، مما يعطيهم. * حدثنا محمد بن عمر بن حميد قال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: رأيت عثمان رضي الله عنه وما من يوم إلا ومناد ينادي: هلم إلى أعطياتكم، حتى والله يذكر السمن والعسل. * وحدثنا الحجاج بن نصر قال، حدثنا قرة (1)، عن محمد قال: قدم محمد بن أبي حذيفة على عثمان رضي الله عنه، فأجازه بمائة ألف. * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا مبارك بن فضالة قال، سمعت الحسن يقول: أدركت عثمان وأنا يومئذ قد راهقت الحلم فسمعته يخطب، وما من يوم إلا وهم.. (2) يقسمون فيه خيرا، يقال: يا معشر المسلمين اغدوا على أرزاقكم. فيغدون ويأخذونها وافرة. يا معشر المسلمين أغدوا على كسوتكم، فيجاء بالحلل فتقسم بينهم. قال الحسن: حتى - والله - سمع أوس يقال: اغدوا السمن والعسل. قال الحسن: والعدو ينفر، والعطيات دارة، وذات


(1) هو قرة بن خالد السدوسي، أبو خالد البصري، عن الحسن، محمد بن سيرين. وعمرو بن دينار، وعنه شعبة القطان، مات سنة أربع وخمسين ومائة (الخلاصة 316). (2) بياض في الاصل بمقدار كلمة فوقه كلمة " كذا ". (*)

[ 1024 ]

البين حسن (1)، والخير كثير، ما على الارض مؤمن يخاف مؤمنا (2). * حدثنا أبو عاصم، عن عوف، عن أبي رجاء: أن عمر وعثمان رضي الله عنهما كانا يعاقبان على الهجاء. قال: واستعار خالي (3) من قوم كلبا لهم، فأرادوا أخذه منه، فرمى أمهم بكلبهم، فحبسه عثمان رضي الله عنه. * حدثنا موسى بن مروان قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن عوف، عن أبي رجاء بنحوه. قال: فاستعدوا عليه عثمان رضي الله عنه، فحبسه حتى مات. وقال: هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله (4) فقال عثمان رضي الله عنه: ماله - قاتله الله - أراد قتلي ؟ ! وقبل هذا البيت مما لم يروه عوف: وقائلة قد مات في السجن ضابئ * ألا من لخصم لا يرى من يجاوله وقائلة لا يبعد الله ضابئا * فنعم الفتى تخلو به وتنازله (5)


(1) كذا في الاصل بتذكير حسن. (2) البداية والنهاية 7: 213 - ونهاية الارب 19: 506. (3) هو ضابئ بن الحارث بن أرطأة التميمي البرجمي. شاعر خبيث اللسان، عرف في الجاهلية، وأدرك الاسلام وعاش في المدينة إلى أيام عثمان رضي الله عنه. وانظر الاغريض للمظفر العلوي 220 - وطبقات الشعراء لابن سلام ص 40 - وخزانة الادب للبغدادي 4: 80 - ومعاهد التنصيص 1: 186 والاوائل لابي هلال العسكري 257. (4) تاريخ الطبري 6: 3034 - وأنساب الاشراف 5: 84 - والتمهيد والبيان لوحة 61 - وكامل ابن الاثير 3: 183 - والاوائل ص 263. (5) تاريخ الطبري 6: 3034 - والكامل لابن الاثير 3: 183 - والتمهيد والبيان لوحة 61. (*)

[ 1025 ]

والشعر الذي هجا به أصحاب الكلب: تجشم دوني وفد قرحان شقة * تظل بها الوجناء وهي حسير فراحوا بكلب مردفيه كأنما * حباهم ببيت المرزبان أمير فأمكم لا تتركوها وكلبكم * فإن عقوق الامهات كبير إذا غيبت من آخر الليل دخنة * يظل له تحت السرير هرير فيالك من كلب تعود ما يرى * بصبر فما فوق السرير خبير (1) فلما أتي به عثمان رضي الله عنه وأنشد الشعر قال: ويلك، أرميت أم قوم بكلبهم ؟ لو كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لنزل فيك قرآن، وضربه وحبسه. فعرض عليه يوما فوجد معه خنجر. ويقال وجد خصافي نعله، فرده إلى حبسه بعدما شاور فيه، فأشار عليه بقتله بعضهم، ونهاه بعض. * حدثنا محمد بن سلام قال: كان ضابئ سيئ البصر فأوطا صبيا فرفع إلى عثمان فقال إني سيئ البصر. فأعفاه. وهو الذي يقول: ومن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيارا بها لغريب (2) وقيار فرسه. قال: واستعار من قوم من بني نهشل كلبا فحبسه سنة، فلما طلبوه قال. وأنشدني الابيات الخمسة. قال: فرفع إلى عثمان رضي


(1) أنساب الاشراف 5: 84 والتمهيد والبيان لوحة 60 - والاوائل لابي هلال العسكري ص 257. (2) يقول: من كان بالمدينة بيته ومنزله فلست منها ولا لي منزل بها. وقيار: فرس ضابئ أو جمله (تاريخ الطبري: 6: 3033 - والكامل لابن الاثير 3: 172 - والاغاني 14: 244 - وتاج العروس 3: 513. (*)

[ 1026 ]

الله عنه فقال: ويلك أرميت أم قوم بكلبهم ؟ لو كنت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لنزل فيك قرآن، ولو تقدم لي قتل شاعر لقتلتك. فقال: هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله ولا القتل ما أمرت فيه ولا الذي (*) * تحدث من لاقيت أنك فاعله وما القتل إلا لامرئ ذي حفيظة * إذا هم لم ترعد إليه خصائله (1) لم يزد ابن سلام على هذه الثلاثة الابيات. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبيد الله بن وهب قال، أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن بشار: أن رجلا عراقيا رصد عثمان رضي الله عنه ليقتله، فظهر عليه، فاستشار فيه المهاجرين الاولين، فلم يروا عليه قتلا، فأرسله. * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا ابن لهيعة قال، حدثنا أبو الأسود، أن بكير بن الاشج حدثه عن سليمان بن يسار: أن رجلا من بني تميم جلس لعثمان بن عفان رضي الله عنه بخنجر، فأخذ عثمان رضي الله عنه فسأل عنه عليا رضي الله عنه، واستشارهم فيه. فقالوا بئسما صنع، ولم يقتلك، ولو قتلك قتل. فأرسله عثمان رضي الله عنه. قال ابن لهيعة، وحدثنا يزيد بن أبي حبيب: أن ناعم بن أحيل مولى أم سلمة حضر ذلك من أمر عثمان رضي الله عنه وصاحب الخنجر. * حدثنا الصلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه.


(*) هكذا ورد في الاصل - مختل الوزن - (المدقق) (1) أنساب الاشراف 5: 85 (*)

[ 1027 ]

عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك قال، أخبرني يحيى ابن أيوب قال، أنبأنا يزيد بن أبي حبيب، عن مرة بن أبي قيس أنه حدثه: أن رجلا رصد عثمان رضي الله عنه بخنجر، فلما جاء عثمان رضي الله عنه ليدخل تلقاه (فوجأ عثمان وجهه فوقع على إسته وقال: أوجعتني يا أمير المؤمنين. قال: أو لست بفاتك ؟ قال: لا. والذي لا إله إلا هو (1) فقال عثمان رضي الله عنه: خذوا الرجل ولا تقتلوه. فقال: ما ترون فيه ؟ قالوا: اقتله يا أمير المؤمنين فإن فتنك كثيرة. قال: لم ؟ قالوا: لانه أراد قتلك. فقال: أراد قتلي ولم يرد الله. فتركه ولم يقتله. والاصح في خبره أنه رده إلى محبسه حتى مات، فلما أتي الحجاج بابنه عمير بن ضابئ قال له عنبسة بن سعيد: هذا أتى أمير المؤمنين عثمان قتيلا فلطمه. فقال له الحجاج: أفعلت ؟ قال: نعم. قال: ولم ؟ قال: لانه قتل أبي. قال: أو ليس أبوك الذي يقول: هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله ثم أمر بضرب عنقه، فقال عبد الله بن الزبير الاسدي: تخير فإما أن تزور ابن ضابئ * عميرا وإما أن تزور المهلبا (2) * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سلام بن مسكين، عن عمران بن عبد الله بن طلحة: أن عثمان رضي الله عنه خرج


(1) بياض في الاصل بمقدار نصف سطر، والمثبت عن تاريخ الطبري 6: 3035. (2) الموفقيات ص 98 - الكامل لابن الاثير 4: 378، 379 - التمهيد والبيان لوحة 63. (*)

[ 1028 ]

لصلاة الغداة فدخل من الباب الذي كان يدخل منه. فزحمه الباب فقال: انظروا. فنظروا فإذا رجل معه خنجر أو سيف، فقال له عثمان رضي الله عنه: ما هذا ؟ قال: أردت أن أقتلك. قال: سبحان الله، ويحك علام تقتلني ؟ قال ظلمني عاملك باليمن. قال: أفلا رفعت ظلامتك إلي، فإن لم أنصفك أو أعديك على عاملي أردت ذاك مني ؟ فقال لمن حوله: ما تقولون ؟ فقالوا يا أمير المؤمنين، عدو أمكنك الله منه. فقال: عبد هم بذنب فكفه الله عني، آتني بمن يكفل بك: لا تدخل المدينة ما وليت أمر المسلمين. فأتاه برجل من قومه فكفل به، فخلى عنه. قال عمران: فو الله ما ضربه سوطا، ولا حبسه يوما. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني ابن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عبيدة ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر، عن أبيه، عن جده: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه اشتكى رعافا فدعا حمران فقال: اكتب لعبد الرحمن العهد من بعدي. فكتب له، فانطلق حمران فقال: لي البشرى. قال: لك البشرى، وذاك ماذا ؟ قال: إن عثمان قد كتب لك العهد من بعده. فأقبل عبد الرحمن إلى عثمان فقال: أكان يصلح لك أن تكتب لي العهد من بعدك، والله يعلم أني أخشى أن يحاسبني في أهلي ألا أكون أعدل بينهم، فكيف بأمة محمد ؟ ! فقال عثمان رضي الله عنه: عزمت عليك، أحمران أخبرك ؟ قال: نعم. فقال: يا حمران فأعاهد الله ألا تساكنني أبدا، فأخرجه. وأما أنت يا أبا محمد فهل وليتني هذا الامر يوم وليته وأنت تقدر

[ 1029 ]

على أن تصرف ذلك إلى نفسك، أو توليه من بدا لك، وفي القوم من هو أمس بك يومئذ رحما مني إلا رجاء الصلة والاحسان فيما بيني وبينك ؟ فقال عبد الرحمن: وليتك ما وليتك والله يعلم أني قد اجتهدت ولم آل أن أجد خير عباده. أما أنا فكان يعلم الله موضعي ما لم أكن لاليها، وأما أنا فاجتهدت لامة محمد فوليت أمرهم خيرهم، فإذا سألني قلت: يا رب وليت أمرهم خيرهم (فيما (1)) أعلم. قال عثمان: فاجتهدت أنت لنفسك وحرصت، وأنا والله ما آلو أن أجتهد وأحرص في أفضل من أعلم، والله لا أفتك هذا من رقبتك أبدا. فلما رأى ذلك عبد الرحمن انصرف، فقام بين المنبر والقبر فدعا فقال: اللهم إن كان من تولية عثمان إياي ما ولاني فأمتني قبل عثمان فلم يمكث إلا ستة أشهر حتى قبضه الله (2). * حدثنا ابن وهب قال، حدثني الليث بن سعد: أن عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه خرج إلى العمرة في حلافة عثمان رضي الله عنه فاشتكى عثمان بعده حتى خاف على نفسه، وأوصى ودعا مولاه حمران فكتب عهد في الناس، واستخلف عبد الرحمن بن عوف في عهده، وأمر حمران ألا يذكر لبشر، فلم يرجع عبد الرحمن من العمرة حتى عوفي عثمان رضي الله عنه، فانطلق حمران إلى ابن عوف حين قدم فرحب به، ثم أخبره بالذي كان من استخلافه إياه على الامة واستكتمه، فقال عبد الرحمن: ما يسعني أن أكتم ذلك عنك، وما لي بد أن أخبره إياه ليحذرك. قال: أهلكتني. قال: إني لم أفعل


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) مسند أحمد 1: 64 - الرياض النضرة 2: 269. (*)

[ 1030 ]

حتى أستأمن لك منه. فأناه عبد الرحمن مسلما ودعا له فيما رزقه الله من العافية، ثم قال: إن لبعض الناس ذنبا لا إثم عليك في العفو عنه، فهب ذلك لي. قال: ما أنا بفاعل حتى تخبرني ما هو، قال: ما أنا بمخبرك، ولكن أعطني ذلك. فلم يزل به حتى فعل، فقال: قد عفوت عنه إن كان شيئا لا إثم فيه. فذكر له أمر حمران. فقال: أخيره في العقوبة أو فراقي. فقال: حمران أفشيت سري ؟ ! قال: قد كان ذلك. قال: فاختر أي ذلك شئت، إن شئت أن أجلدك مائة سوط، وإن شئت أن تخرج فلا أراك ولا تراني. فاختار الخروج إلى العراق، فأصاب هنالك - لمكانته من عثمان - مالا وولدا، فلهم بالعرق عدد وشرف وأموال (1). * حدثنا على بن محمد، عن عيسى بن يزيد، عن شيخ من أهل مكة، عن عبد الملك بن حذيفة قال: قدم المغيرة بن شعبة على عثمان رضي الله عنه بمال من الكوفة، فقال له أصحابه: كيف رأيت سرور أمير المؤمنين بما قدمت به عليه ؟ قال: رأيت له وجها لا يردني على الكوفة أبدا. قال: وما يدريك ؟ قال: هو ما أقول لكم. وجعل المغيرة لبحران حاجب عثمان جعلا على أن يأتيه بخبر من يستعمل عثمان، إذا استعمل أحدا على الكوفة. فأتاه فقال: فقد استعمل سعد بن أبي وقاص. فأتى المغيرة عثمان فقال: يا أمير المؤمنين هل شكاني إليك أحد، أو بلغك عني أمر كرهته ؟ قال: وما ذاك ؟ قال: لم عزلتني واستعملت سعدا ؟ قال: وكان ذاك ؟ قال: نعم.


(1) تاريخ اليعقوبي 2: 169 وانظر سببا آخر عن خروج حمران إلى العراق في التمهيد والبيان لوحة 64، 65 وتاريخ الطبري 5: 90، 91. ط بيروت. (*)

[ 1031 ]

قال: ومن أخبرك ؟ قال: الامر أشيع (1) من ذاك. فأرسل عثمان إلى سعد فأتاه، فقال: هل أعلمت أحدا ؟ قال: لا. فأرسل إلى المغيرة فقال: والله لتخبرني من أخبرك أو لاسيلن دمك (قال (2): لاقصن لك، فأخبره. فدعا ببحران فضربه ستين سوطا، وحلق رأسه، وأمر أن يطاف به في السوق. فقال هوذة السلمي: لا بعد بحران يفشي سرنا ملك * ستون سوطا ورأس بعد محلوق وطيف في السوق أعلاها وأسفلها * لم يلقه قبله في الناس مخلوق قال: فعاب ذلك ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا الليث بن سعد، أن يزيد بن أبي حبيب حدثه، عمن حدثه: أن عبد الرحمن بن عوف أرسل إلى عثمان رضي الله عنه وهو مريض يعاتبه في بعض ما عتب الناس عليه فيه، وقال لرسوله: اقرأ على أمير المؤمنين السلام، وقل له: لقد وليتك ما وليتك من أمر الناس، وإن لي لامورا ما هي لك، لقد شهدت بدرا وما شهدتها، وشهدت بيعة الرضوان وما شهدتها، ولقد فررت يوم أحد وصبرت. فقال عثمان لرسوله: اقرأ على أخي السلام وقل له: أما ما ذكرت من شهودك بدرا وغيبتي عنه، فقد خرجت للذي خرجت له فردني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطريق إلى ابنته التي كانت تحتي لما بها من المرض، ووليت من ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) في الاصل " أشنع " بنقطة فوق النون - ولعل الصواب ما أثبته. (2) إضافة يقتضيها السياق. (*)

[ 1032 ]

الذي يحق علي حتى دفنتها، ثم لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من بدر فبشرني بأجر عند الله مثل أجوركم، وأعطاني سهما مثل سهمانكم، فأنا أفضل أم أنتم ؟ وأما بيعة الرضوان فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعثني إلى قريش لاستأذن له بالدخول بالهدي، يطوف بالبيت، وينحر بدنه، يحل من عمرته، فاستبطأني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاف أن يكون غدر بي فهاجه مكاني على بيعة الرضوان، فلما فرغ من بيعتكم ضرب بإحدى يديه على الاخرى وقال: هذه بيعة عثمان، أفأيديكم أفضل أم يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! وأما ما ذكرت من صبرك يوم أحد وفراري فقد كان ذاك، فأنزل الله العفو عني في كتاب، فعيرتني بذنب غفره الله لي، ونسيت من ذنوبك ما لا تدري أغفر لك أم لم يغفر. فلما جاءه الرسول بهذا بكى. وقال: صدق والله أخي: لقد عيرته بذنب غفره الله له، ونسيت من ذنوبي ما لا أدري أغفرت لي أم لم تغفر (1). * حدثنا عن ابن أبي شيبة قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبن النجود، عن أبي وائل قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: مالك لا تأتي أمير المؤمنين - يعني عثمان - ولا تغشاه ؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه عني أني لم أغب عن بدر، ولم أفر يوم عيين - يعني يوم أحد - ولم أخالف سنة عمر. قال: فأخبر الوليد عثمان


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 196 - والتمهيد والبيان لوحة 151 مع اختصار. (*)

[ 1033 ]

رضي الله عنه فقال: أما يوم بدر فإنما (كانت على ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بسهم (1)، وأما يوم عيين فلم تعيرني بذنب قد عفا الله لي فيه فقال " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان (2) " الآية. وأما سنة عمر رضي الله عنه، فوالله ما أظنني أنا ولا هو (يطيق (3) سنة عمر رضي الله عنه. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا يوسف بن الماجشون قال، حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه قال: بينما نحن جلوس مع عبد الرحمن بن عوف، في منزله إذ جاء رجل فسلم فرد عليه عبد الرحمن السلام، فقال له الرجل: قم إلي هاهنا أكلمك. فقام معه عبد الرحمن فوقف معه بين الباب والستر، ثم دخل علينا كأن وجهه البسر صرفا (4)، فقلت له: لقد دخلت بوجه ما خرجت به. فقال: أجل، هذا رسول عثمان دعاني فشتمني ما شاء ثم ذهب. * حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا موسى بن عبيدة قال، حدثنا عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أنس بن الحدثان قال: جاء


(1) كذا في الاصل، وفي التمهيد والبيان لوحة 151 " أما يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت رضي الله عنها وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه فقد شهد ". (2) سورة آل عمران، آية 155. (3) إضافة يستقيم بها السياق - وانظر مسند أحمد حديث 490 - والبداية والنهاية 7: 207 - وتاريخ اليعقوبي 2: 169 - ومنتخب كنز العمال 5: 14. (4) الصرف: صبغ أحمر يصبغ به (القاموس). (*)

[ 1034 ]

أبو ذر وأنا جالس مع عثمان رضي الله عنه فسلم عليع عثمان رضي الله عنه وقال: كيف أنت يا أبا ذر ؟ فقال: كيف أنت ؟ وولى وجهه، فاستفتح " ألهاكم التكاثر " رفع بها صوته حتى إن للمسجد لرجة، أو للجة - شك أبو عاصم - قال: فانتهت به القراءة إلى سارية فركع ركعتين فجود فيهما، وركبه الناس - وأنا في الناس - فقالوا: يا أبا ذر حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: في الابل صدقتها والبقر صدقتها، والغنم صدقتها، وفي البر صدقته، ومن جمع دنانير أو دراهم أو تبر ذهب أو تبر فضة لا ينفقه في سبيل الله ولا يعده لغريم فهو كنز يكوى به يوم القيامة. قال فقلت: يا أبا ذر أتق الله وانظر ما تقول، فإن هذه الاموال قد كنزت في الناس. فقال: يا ابن أخي من أنت ؟ فانتسبت له. فقال: قد عرفت نسبك الاكبر. يا ابن أخي، أتقرأ القرآن ؟ قلت: نعم قال: أليس الله يقول " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله (1) " قال قلت: بلى، قال: فافقه إذن يا ابن أخي (2). * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبي عمرو بن خماش، عن مالك بن أنس بن الحدثان قال: كنت أسمع بأبي ذر، فلم يكن أحد أحب إلي أن أراه أو ألقاه منه، فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك في الشام حاجة فأخرج أبا ذر منه، فإنه قد نفل (3) الناس عندي، فكتب إليه عثمان رضي الله عنه يأمره


(1) سورة التوبة، آية 34. (2) طبقات ابن سعد 4: 219. (3) نفل الناس أي أفسدهم (القاموس المحيط). (*)

[ 1035 ]

بالقدوم، فلما قدم تصايح الناس: هذا أبو ذر، فخرجت أنظر إليه فيمن ينظر، فدخل المسجد فصلى ركعتين، ثم أتى عثمان رضي الله عنه حتى وقف عليه، فما سبه ولا أنبه، فقال له عثمان رضي الله عنه: أين كنت حين أغير على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: كنت على البئر أستقي، ثم رفع أبو ذر بصوته الاشد فقال: " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله (1) " إلى آخر الآية. فأمره عثمان رضي الله عنه أن يخرج إلى الربذة فخرج (2). * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن محمد بن هلال، عن (عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر (3) على عثمان (بن عفان (4)) فدخلنا عليه من الباب الذي لا يدخل منه، فانتهى إليه فسلم عليه فقال: لو أمرتني أن آخذ بعرقوبي قتب لاخذت بهما حتى أموت، فاستأذنه للربذة فقال: نأذن لك، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة فتصيب من نسلها (5). فنادى أبو ذر رضي الله عنه: دونكم معاشر قريش دنياكم فاحزموها (6)


(1) سورة التوبة، آية 34. (2) الاستيعاب 1: 214، 4: 62 - والاصابة 4: 63 - والبداية والنهاية 7: 164 - وأسد الغابة 1: 301 - ونهاية الارب 19: 442 - وتاريخ الطبري 5: 2859 ط بيروت - والعواصم من القواصم 3: 73 - 76. (3) بياض في الاصل بمقدار ثلث سطر والمثبت من طبقات ابن سعد 4: 232 - والتمهيد والبيان لوحة 67. (4) بياض بالاصل بمقدار كلمتين والمثبت عن المرجعين السابقين. (5) كذا في الاصل، وفي طبقات ابن سعد 4: 232 " رسلها ". (6) كذا في الاصل، وفي طبقات ابن سعد " فاعذموها " بمعنى ادفعوها عن أنفسكم وما في الاصل أوفق للسياق. (*)

[ 1036 ]

فلا حاجة لنا فيها، فما زاد على ذلك شيئا. فانطلق وانطلقت حتى قدمنا الربذة، فإذا عليها حبشي مولى لعثمان رضي الله عنه، فنودي للصلاة فتقدم فنكص فأومى إليه أبو ذر رضي الله عنه، فتقدم فصلى. فصلى خلفه أبو ذر رضي الله عنه (1). * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال، ابن شوذب حدثنا، عن مطرف، عن حميد بن هلال، عن عبد الله ابن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه. قال: وعلى أبي ذر عمامة فرفع العمامة عن رأسه وقال: إني والله يا أمير المؤمنين ما أنا منهم - قال ابن شوذب: يعني من الخوارج ولو أمرتني أن أعض على عرقوبي قتب لعضضت عليهما حتى يأتيني الموت وأنا عاض عليهما. قال: صدقت يا أبا ذر، إنا إنما أرسلنا إليك لخير، لتجاورنا بالمدينة. قال: لا حاجة لي في ذاك، ايذن لي في الربذة. قال: نعم، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة تغدو عليك وتروح. قال: لا حاجة لنا في ذاك، يكفي أبا ذر صرمته (2). قال ثم خرج، فلما بلغ الباب التفت إليهم فقال: يا معاشر قريش اعذموها ودعونا وديننا. قال: ودخل عليه وهو يقسم مال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بين ورثته وعنده كعب (3) فأقبل عثمان رضي الله عنه فقال: يا أبا إسحاق ما تقول في رجل جمع هذا المال فكان يتصدق منه،


(1) طبقات ابن سعد 4: 232 - تاريخ الطبري 5: 2861، 2862 ط بيروت. (2) الصرمة: القطعة من الابل، وقيل آخر اللبن واللسان، (3) هو كعب الاحبار كما في حلية الاولياء 1: 16 - وشرح نهج البلاغة 3: 54. (*)

[ 1037 ]

ويحمل في السبيل، ويصل الرحم ؟ فقال: إني لارجو له (خيرا (1) فغضب أبو ذر، ورفع عليه العصى وقال: وما يدريك يا ابن اليهودية ليودن صاحب هذا المال يوم القيامة أن لو كان عقارب تلسع السويداء من قلبه (2). * حدثنا حجاج بن نصير قال، حدثنا قرة، عن محمد بن سيرين قال: خرج أبو ذر رضي الله عنه إلى الشام، فشكاه معاوية رضي الله عنه، فبعث عثمان رضي الله عنه إليه، فلما قدم عليه قال: يا أمير المؤمنين إني والله لست منهم. قال: أجل، ولكنما أردنا أن تروح عليك اللقاح وتغدو. قال: لا حاجة لي في دنياكم. فخرج حتى أتى الربذة. فكان محمد إذا ذكر له أن عثمان رضي الله عنه سيره أخذه أمر عظيم، ويقول: وهو خرج من قبل نفسه ولم يسيره عثمان (3). * حدثنا الحكم بن موسى، وهارون قالا، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن غالب القطان قال، قلت للحسن: عثمان أخرج أبا ذر ؟ قال: لا، معاذ الله (4). * حدثنا محمد بن حاتم، وأحمد بن معاوية (عن (5) هشيم


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) طبقات ابن سعد 4: 232 - حلية الاولياء 1: 160 - تاريخ الطبري 5: 2860 - شرح نهج البلاغة 2: 376، 3: 54 - مروج الذهب 1: 336 - ونهاية الارب 19: 443 - والتمهيد والبيان لوحة 70. (3) تاريخ الطبري 5: 2859 - أنساب الاشراف 5: 53 - وشرح نهج البلاغة 3: 52 - وتاريخ الخميس 2: 369. (4) وبمعناه من أنساب الاشراف 5: 54. (5) بياض بالاصل والمثبت عن شرح نهج البلاغة 3: 53. (*)

[ 1038 ]

عن (حصين، عن زيد) بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت: ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله (1) " فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، وقلت أنا: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه كلام في ذلك، فكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، فكثر الناس علي حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك. فذكرت ذلك لعثمان رضي الله عنه فقال: إن شئت تنحيت وكنت قريبا، لذلك أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا علي حبشيا لسمعت، وأطعت (2). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا الحكم بن أبي القاسم أبو عروة الدباغ قال، حدثني حميد بن هلال، عن الاحنف بن قيس قال: كنت بالمدينة لنأتي عثمان رضي الله عنه إذ خرج رجل من دار الامير، فلما توسط المسجد وقريش حلق حلق في المسجد قال: ألا ليبشر أهل الكنوز بكي في جباههم، والكي في جنوبهم، والكي في ظهورهم لم تعذر قريش. فقلت: من هذا ؟ قالوا: أبو ذر. * حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن الاعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي نضرة، عن الاحنف بن قيس قال: كنت في مسجد المدينة في إمارة عثمان رضي الله عنه فإذا رجل آدم


(1) سورة التوبة، آية 34. (2) طبقات ابن سعد 4: 226 - ومروج الذهب 1: 336 - والاستيعاب 1: 83 - ونهاية الارب 19: 446 - والتمهيد والبيان لوحة 68 - (*)

[ 1039 ]

طويل، وإذا هو أبو ذر، فدخل المسجد فقام فقال: بشر أصحاب الكنوز بكي في الجباه، وكي في الجنوب، وكي في الظهور حتى يتقي الحرق إخوانهم. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم: أن عثمان رضي الله عنه أرسل إلى أبي ذر وهو بالشام، فلما أتاه قال: إيذن لي يا أمير المؤمنين أتكلم، قال: اجلس، ثم أعادها عليه، فقال له: اجلس، ثم أعادها الثالثة فقال يا أمير المؤمنين إيذن لي فو الله لا أقول إلا خيرا. قال: تكلم. قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كيف بك يا أبا ذر إذا أخرجت ؟ فبكيت فقلت: فأين تأمرني يا رسول الله ؟ قال: ها هنا، وأشار نحو الشام، وإن أمر عليك عبد أسود مجدع فاسمع له وأطع (1). * حدثنا كثير بن هشام قال، حدثنا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، وثابت بن الحجاج وغيرهما: أن أبا ذر رضي الله عنه جاء عثمان بن عفان رضي الله عنه حتى ارتفعت أصواتهما، ثم إن أبا ذر انصرف وهو يبتسم، فقال الناس: ما لك ولامير المؤمنين ؟ فقال: سامع مطيع ولو أمرني أن آتي صنعاء لاتيتها. * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا بكار عن عبد الله الربعي قال، حدثنا موسى بن عبيدة قال، حدثني الوليد بن نفيع، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أبو ذر رضي الله عنه


(1) مسند أحمد 5: 171 - وتاريخ الطبري 5: 2561، 2562 - وطبقات ابن سعد 4: 226. (*)

[ 1040 ]

يستأذن على عثمان رضي الله عنه - وأنا عنده - فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا أبو ذر يستأذن. قال: إيذن له إن شئت فإنه يؤذينا ويشقينا. قال: فأذنت له، فأقبل حتى قعد على سرير من سرر يقال لها النجدية ذي قوائم أربع يرجف به السرير من طوله وعظمه - وكان طويلا عظيما - فقال له عثمان رضي الله عنه: أنت الذي تزعم أنك خير من أبي بكر وعمر ؟ ! قال أبو ذر رضي الله عنه: ما قلت هذا. قال عثمان: إني أقيم عليك البينة. قال: ما أدري ما بينتك قد عرفت ما قلت، قال: فكيف قلت ؟ قال: قلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أحبكم إلي وأقربكم مني الذي يأخذ بالعهد الذي تركته عليه حتى يلحقني. وكلكم قد أصاب من الدنيا غيري، فأنا على العهد وعلى الله البلاغ. قال له عثمان رضي الله عنه: الحق بمعاوية، فأخرجه إلى الشام، فلما قدم على معاوية رضي الله عنه قدم رجل حديث العهد برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بقلوب الناس فأبكى عيونهم، وأوغر (1) صدورهم، وكان فيما يقول: لا يبقين في بيت أحد منكم دينار ولا درهم ولا تبر ولا فضة إلا شئ ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم. فأنكر معاوية رضي الله عنه الناس، فبعث إليه معاوية رضي الله عنه جنح الليل بألف دينار أراد أن يخالف فعله قوله وسريرته علانيته. فلما جاءه الرسول قسم الالف فلم يصبح عنده منها دينار ولا درهم. فلما أصبح معاوية رضي الله عنه دعا الرسول فقال له: انطلق إلى أبي ذر فقل له: أنقذ لي جسدي من عذاب معاوية أنقذ الله جسدك


(1) في الاصل كلمة لا تقرأ، والمثبت عن أواخر هذا الخبر. (*)

[ 1041 ]

من النار، فإنه أرسلني إلى غيرك فأخطأت بك. فقال له أبو ذر: اقرأ على معاوية السلام وقل له: يقول لك أبو ذر: ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار واحد، فإن آخذتنا بها فأنظرنا ثلاث ليال نجمعها لك. فلما رأى معاوية أن فعله يصدق قوله، وسريرته تصدق علانيته كتب إلى عثمان رضي الله عنه: إن كان لك بالشام حاجة فأرسل إلى أبي ذر، فإنه قد أوغر صدور الناس عليك. فكتب إليه عثمان رضي الله عنه: أن الحق بي (1). * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا يونس بن محمد قال، حدثنا صالح بن عمر قال، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبي الجويرية عن بدر بن خالد الحرمي قال: كنت جالسا عند عثمان رضي الله عنه إذ جاء شيخ: فلما رآه القوم قالوا: أبو ذر. فلما رآه قال: مرحبا وأهلا يا أخي. فقال أبو ذر: مرحبا وأهلا يا أخي، لعمري لقد غلظت في العزمة وأيم الله لو أنك عزمت على أن أحبو لحبوت ما استطعت أن أحبو. * حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثني أبي قال، حدثنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت قال: أرسل عثمان رضي الله عنه إلى أبي ذر فقال: لست منهم، لو أمرتني أن أتعلق بعرقوة قتب لتعلقت به حتى أموت (2).


(1) الغدير 9: 299، 304 - وأنساب الاشراف 5: 53 - وشرح نهج البلاغة 2: 376 - والكامل لابن الاثير 3: 114 - ونهاية الارب 19: 443 - والرياض النضرة 2: 146. (2) طبقات ابن سعد 4: 232. (*)

[ 1042 ]

* حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا هشام... (1) قال: مر عثمان بسبخة فقال: لمن هذه ؟ قالوا: لفلان، اشتراها عبد الله بن جعفر بستين ألفا، فقال: ما سرني أنها لي بنعلي، قال فجزأها عبد الله ثمانية أجزاء لقد ألقى فيها العمار فأقبلت فركب عثمان رضي الله عنه ركبة فقال: لمن هذه ؟ فقيل: هذه الارض التي اشتراها عبد الله بن جعفر من فلان. فأرسل إليه أن ولني جزأين منها. قال: أما والله دون أن ترسل إلى الذين سفهتني عندهم فيطلبون ذلك إلي فلا أفعل. فأرسل إليه: إني قد فعلت. قال: والله لا أنقصك جزأين من عشرين ومائة ألف. قال: قد أخذتها. * حدثنا صلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليمان بن صالح قال، سمعت عبد الله بن المبارك يحدث عن محمد بن إسحاق قال، حدثني جهيم بن الجهم قال، حدثني عبد الله ابن جعفر - وقال، حدثني من سمع عبد الله بن جعفر يحدث - قال: كان علي رضي الله عنه لا يحضر الخصومة ويقول: إن لها لحمي، وإن الشيطان يحضرها، وقد كان جعل خصومة إلى عقيل بن أبي طالب، فلما كبر ورق حولها إلي، فكان إذا دخلت عليه خصومة أو نوزع في شئ قال: عليكم بعبد الله بن جعفر فما قضى عليه فعل وما قضى له فلي. فوثب طلحة بن عبيد الله في ضفيرة كان علي ضفرها على الذي له بيننا، وكانت له إحدى عدوتي الوادي، وكانت الاخرى لطلحة. فقال طلحة: حمل على السيل فأضر بي، فاختصما


(1) بياض في الاصل بمقدار كلمة. (*)

[ 1043 ]

فيها إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فلما كثر الكلام منا فيها قال: إني راكب غدا معكم في ركب من المسلمين، فإن رأيت ضررا أزلته. قال فركب وركبنا معه - وفي قدمة قدمها معاوية من الشام فركب معنا - فو الله لكأني أنظر إليه على بغلة بيضاء تعتق أمام الركب ونحن نتداول الخصومة إذ رمى بكلمة عرفت أنه رفدني بها قال: يا هذان إنكما قد أكثرتما علي، أرأيت هذه الضفيرة كانت لي في زمان عمر رضي الله عنه فلقيتها منه - فقلت: نعم والله أن كانت لفي زمان عمر رضي الله عنه. قال فقال الركب جميعا: كلا والله لو كانت ضررا ما أقره عمر رضي الله عنه. قال: فالله يعلم ما انتهينا إليه حتى نرد عليه القضاء أن قيل أن كان في زمان عمر، فلما انتهى إليها عثمان رضي الله عنه قال: والله ما أرى ضررا، وقد كان في زمن عمر رضي الله عنه، ولو كان ظلما ما أقره. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن الحكم قال، سمعت علي بن الحسين يحدث عن مروان بن الحكم قال: شهدت عليا وعثمان رضي الله عنهما بين مكة والمدينة، فنهى عثمان رضي الله عنه عن العمرة في أشهر الحج، أو أن يجمع بينهما. فلما رأى ذلك علي رضي الله عنه أهل بهما جميعا، وقال لبيك بعمرة وحجة معا، فقال له عثمان رضي الله عنه: تراني أنهى عن شئ وتفعله ؟ ! فقال: ما كنت لادع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) لاحد من الناس.


(1) وفي الغدير 9: 130، وفتح الباري 3: 337 لقول أحد من الناس ". (*)

[ 1044 ]

* وحدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت (... (1)) وأتاه عثمان بعسفان، وما اجتمعا بعدها، فنهى عثمان رضي الله عنه أن يجمع بينهما - يعني الحج والعمرة - فقال له علي رضي الله عنه: ما تريد إلى شئ فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه ؟ قال: دع ذا منك، قال: لا أدعك مني، فلما رأى ذلك علي رضي الله عنه أهل بهما جميعا (2). * حدثنا أيوب بن محمد الرقي قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن حميد بن حسان، عن علي بن حسين قال: لبى علي رضي الله عنه بالحج والعمرة جميعا، وعثمان رضي الله عنه يسير في موكبه، فقال رجل من موكب عثمان رضي الله عنه: من هذا الذي يلبي ؟ ! إن هذا لاحمق أو مجنون. فقالوا: هذا أبو تراب (3). فسكتوا فما يدمدم إنسان. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سلام بن مسكين، عن عمران بن عبد الله بن طلحة قال، حدثني سعيد بن المسيب قال: شهدت عليا وعثمان رضي الله عنهما كان بينهما نزغ من الشيطان فو الله ما أبركا شيئا (4)، ولو شئت أن أخبر بما قال كل واحد منهما لصاحبه لفعلت، ثم لم يقوما حتى استغفر كل واحد منهما للآخر. * حدثنا معمر بن عمر قال، حدثنا أبو يوسف - يعني القاضي -


(1) بياض في الاصل بمقدار ربع سطر. والسياق يقتضى " سمعت سعيد بن المسيب يحدث: خرج علي للحج، وأتاه عثمان بعسفان ". (2) مسند أحمد 2: 336 - والغدير 9: 30 - وفتح الباري 3: 344. (3) أبو تراب هي كنية علي بن أبي طالب رضي الله عنه. (4) لعله أراد: فو الله ما تركا شيئا. (*)

[ 1045 ]

عن محمد بن عبد الرحمن بن سلمة، عن مروان بن الحكم قال: اشتكى علي رضي الله عنه شكوى آدت منه فأتاه عثمان رضي الله عنه عائدا وأنا معه فقال: كيف أنت ؟ كيف تجدك ؟ حتى إذا فرغ من مسألة العيادة قال: والله ما أدري أنا دونك أسر أم ببقائك ؟ والله لئن مت لا أجد منك خلفا، ولئن بقيت لا أعدم طاعنا غائبا يتخذك عضدا أو يعدك كهفا لا يمنعني منه إلا مكانه منك ومكانك منه، فأنا مثلي كأبي العاق إن مات فجعه وإن عاش عقه، فإما سلم فنسالم وإما حرب فننابز، ولا تجعلنا بين السماء والماء، إنك والله لئن قتلتني لا تجد مني خلفا وإن قتلتك لا أجد منك خلفا، ولن يلي هذا الامر بادئ فتنة، وإن أعز الناس به الرابض مع العنز، قال فحمد الله علي وأثنى عليه وقال: إن فيما تكلمت به لجوابا، ولكني عن جوابك مشغول. ولاقولن كما قال العبد الصالح " أمرا فصبر جميل والله المستعان (1) " قال فقلت: إنا إذن والله لنكسرن رماحنا ولنقطعن سيوفنا، ولا نكون في هذا الامر حينا لمن بعدنا. قال فقال عثمان رضي الله عنه في صدري: اسكت، ما أنت وذاك لا أم لك (2) ! ! * حدثنا معمر قال، حدثنا أبو يوسف القاضي، عن ابن أخي عمرو بن دينار، عن عمرو بن دينار قال: تذاكرنا أمر عثمان رضي الله عنه عند عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فمنا العاذر له، ومنا اللائم، فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ما سمعت من


(1) سورة يوسف، آية 18. (2) شرح نهج البلاغة 9: 24 - والموفقيات ص 618 - وتاريخ الطبري 1 / 6: 2940 - والكامل لابن الاثير 3: 59. (*)

[ 1046 ]

أبي أمرا قط يعذره فيه ولا يلومه، ولقد كنت أكره أن أذكر عنده شيئا من ذلك فأهجم على ما لا يوافقه فأنا عنده ليلة نتعشى فقيل هذا أمير المؤمنين يستأذن بالباب، فأذن له ووسع له معه على فراشه، فأصاب من العشاء حتى رفع، قال فتفرق الناس وثبت، فحمد الله عثمان وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ((*) فإني قد جئتك أستعذرك من ابن أخيك علي، سبني وشهر أمري، وقطع رحمي، وطعن في ديني، وإني أعوذ بالله منكم يا بني عبد المطلب، إن كان لكم حق تزعمون أنكم غلبتم عليه، فقد تركتموه في يدي من فعل ذلك بكم، وأنا أقرب إليكم رحما منه، وما لمت منكم أحدا إلا عليا، ولقد دعيت أن أبسط عليه فتركته لله والرحم، وأنا أخاف ألا يتركني فلا أتركه. قال ابن عباس: فحمد أبي الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا ابن أختي فإن كنت لا تحمد عليا لنفسك فإني لا أحمدك لعلي، وما علي وحده قال فيك، بل غيره، فلو أنك اتهمت نفسك للناس اتهم الناس أنفسهم لك، ولو أنك نزلت مما رقيت وارتقوا مما نزلوا فأخذت منهم وأخذوا منك ما كان بذلك بأس. قال عثمان: فذلك إليك يا خال، وأنت بيني وبينهم، قال: أفأذكر لهم ذلك عنك ؟ قال: نعم، وانصرف. فما لبثنا أن قيل: هذا أمير المؤمنين قد رجع بالباب. قال أبي: ائذنوا له، فدخل فقام قائما ولم يجلس، وقال: لا تعجل يا خال حتى أوذنك. فنظرنا فإذا مروان بن الحكم كان جالسا بالباب ينتظره حتى خرج، فهو الذي ثناه عن رأيه الاول.

[ 1047 ]

فأقبل علي أبي وقال: يا بني ما إلى هذا من أمره شئ، ثم قال: يا بني املك عليك لسانك حتى نرى ما لا بد منه. ثم رفع يديه فقال: اللهم اسبق بي مالا خير لي في إدراكه، فما مرت جمعة حتى مات رحمه الله (*). * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت قال، أخبرني محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن يونس بن يزيد الايلي، عن الزهري قال: اشتكى عثمان رضي الله عنه فدخل عليه علي رضي الله عنه عائدا فقال عثمان رضي الله عنه حين رآه: وعائدة تعود بغير نصح * تود لو أن ذا دنف يموت (1) * حدثنا حيان بن بشر قال، حدثنا عطاء بن مسلم، عن جعفر بن يرقان، عن ميمون بن مهران قال، بلغ عليا رضي الله عنه أن عثمان رضي الله عنه يريد أن يذكره ويذكر جلساءه إذا صلى الظهر، فجاء علي رضي الله عنه إلى عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال: يا عم إنه بلغني أن أمير المؤمنين يريد أن يذكرني إذا صلى الظهر وجلسائي، وإن الناس فد كثروا وأنا أتقي أن يذكرني فأته فانهه عن ذلك، فدخل العباس على عثمان رضي الله عنهما وهو على وسادة له، فحين رآه تنحى عنها حتى جلس العباس رضي الله عنه عليها، فقال له: ما حاجتك يا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال:


(*) مابين النجمتين ساقط في الاصل. ومكانه بياض بمقدار نصف لوحة - وفي الهامش كتب " ورقة واحدة " هذا والمثبت عن شرح نهج البلاغة 9: 13 - والموفقيات ص 610. (1) وروي في شرح نهج البلاغة 9: 22 أن عليا هو الذي اشتكى وأن الزائر هو عثمان وأن الذي استشهد بالشعر علي. (*)

[ 1048 ]

أخوك في دينك، وابن عمك في النسب بلغه أنك تريد ذكره إذا صليت الظهر وأصحابه، فلا تفعل. قال: لا آتي ما تكرهون، فإن شئت فمر أخي في ديني وابن عمي في النسب فلئن شاء فليكن أول داخل وآخر خارج وأدناهم مجلسا. فلقي العباس عليا رضي الله عنهما فقال: ابن أخي أحب لك أن تكف، فإن أخاك في دينك وابن عمك في النسب قال بعد أن قلت ذاك: ولكن لا أفعل ما تكرهون جهرا في الاسلام، وابن عمي في النسب فليكن أول داخل وآخر خارج وأدناهم مجلسا مني. فقال له علي رضي الله عنه: يا عم لو أردت ذلك لفعله لي ولكن أبى علي وعليه الكتاب. قال عطاء، وحدثني بعض أصحابنا قال: فقال العباس رضي الله عنه: اللهم لا تبقني لقتله. فمات قبله بشئ. * قدم تميم بن مقبل العجلاني (1) المدينة، وقد اشتد الطعن على عثمان رضي الله عنه، فسمعهم يذكرون أن عليا رضي الله عنه رأس ذلك الطعن، فدخل يوما على عثمان رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه إلى جانبه متكئ على وسادة - وهو لا يعرف عليا - فسأل عن المتكئ فأخبر أنه علي، فقال حين رجع إلى بلاده:


(1) هو تميم بن أبي مقبل من بني عجلان، أبو كعب، شاعر جاهلي أدرك الاسلام وأسلم، عاش نيفا ومائة سنة، وعد من المخضرمين، وانظر خبره مع عمر ابن الخطاب رضي الله عنه حين استدعاه في الاصابة 1: 189 - ونضرة الاغريض ص 144 وخزانة الادب 1: 113. وطبقات الشعراء لابن سلام ص 52 ط السعادة - وسمط اللآلي ص 66 - 68. ويلاحظ أن أبياته هذه لم ترد في ديوانه الذي حققه الدكتور عزت حسن وطبع في دمشق. (*)

[ 1049 ]

خرجنا وغادرنا ابن عفان مدنفا * من السيف لا يسلك (إلى) السيف ضاربه وذو دائه مستحجن بوساده * إذا شاء غاداه وغابت طبائبه وبالمصر طب إن أرادوا دواءه * وبالشام ليث تقشعر مناحبه فإن تقتلوه تلفظ الارض بطنها * على الناس فيه فرثه وأقاتبه * حدثنا أحمد بن معاويه قال، حدثنا إسماعيل بن مجالد ابن سعيد قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد: أن الوليد بن عقبة كتب إلى عثمان رضي الله عنه يبغضه على ابن مسعود، وأن عثمان رضي الله عنه سيره من الكوفة إلى المدينة وحرمه عطاءه ثلاث سنين. * حدثنا حيان بن بشر (..... (1)) عن الاعمش، عن زيد بن وهب قال: بعث عثمان رضي الله عنه إلى عبد الله: إما أن تدع هؤلاء الكلمات (2) وإما أن تخرج ؟ فخرج عبد الله: فبلغ ذلك أهل الكوفة فخرجوا في السلاح حتى وصلوا الجبانة، فقالوا له: ارجعوا فإنا لا نأمن هذا الرجل عليك والله لا يصل إليك أحد ونحن أحياء. فقال عبد الله: إن له علي بيعة، وإنه كائن أمر، وأني أكره أن أكون أول من فتحه، عزمت عليكم لترجعن. فرجعوا.


(1) بياض في الاصل بمقدار نصف سطر. (2) هذه الكلمات هي " إن أصدق القول كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار " وكان يقولها رضي الله عنه كل جمعة بالكوفة جاهرا معلنا معرضا بعثمان (شرح نهج البلاغة 3: 42 - وأنساب الاشراف 5: 36) وقيل هي " أيها الناس لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو يسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم (الرياض النضرة 2: 139 - وتاريخ الخميس 2: 370). (*)

[ 1050 ]

* حدثنا (أبو بكر الباهلي قال، حدثنا إسماعيل بن مجالد قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: أوصى عبد الله إلى الزبير وأمره ألا يصلي عليه عثمان، فلما مات عجله، وانتهى عثمان رضي الله عنه إلى القبر حين رفعوا أيديهم من التراب فقال: يا زبير لم لم تؤذن (1) أمير المؤمنين ولم تعلمه ؟ قال الزبير: إنما كرامة الميت تعجيله. فقال عثمان رضي الله عنه: فعلت هذا عمدا، لم يكن بك تعجيله، لولا أن تكون سنة لنبشته حتى أصلي عليه. فقال الزبير: ما كنت تصل إلى ذاك. وتفرقا. ثم أتى على ذلك ما شاء الله، ثم كلم الزبير عثمان رضي الله عنهما فقال: يا أمير المؤمنين عيال عبد الله أحق بعطائه من بيت المال. فدفع إليه عطاءه (2). * حدثنا عنان قال، حدثنا معمر قال، سمعت أبي يحدث قال، حدثنا أبو ندرة، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد: أن عثمان رضي الله عنه نهى عن الحكرة، قال فلم يزل الرجل يستشفع حتى بدل مولاه. فدخل الزبير رضي الله عنه السوق فإذا هو بموال لبني أمية يحتكرون فأقبل عليهم ضربا، فبينما هو كذلك إذا هو بعثمان رضي الله عنه مقبل على بغلة له، فمشى إليه فأخذ بلجام البغلة فهزها هزا شديدا - قال وأراه قال: إنك وإنك - فقال: إنك ضال


(1) ما بين الحاصرتين وارد في آخر اللوحة 157، وهي عبارة عن ورقة ملخصة تسمى في عرف التراثيين طيارة، أي سقط دون بورقة صغيرة تضاف في مكانها من المنسوخ - ولكن هذه الطيارة أضيفت في غير مكانها - أما بقية الخبر فقد ورد في طيارة أخرى أضيفت إلى النص بعد اللوحة 308. (2) إلى هنا ينتهي عجز الخبر السابق المشار إليه في آخر التعليق. (*)

[ 1051 ]

مضل، غير أنه قد اشتد عليه في القول ثم تركه. فلما نزل ألقيت له وسادة فجلس عليها، وجاءه الزبير (فسلم عليه وقال: والله يا أمير المؤمنين إني لاعلم أن لك حقا ولكني رجل إذا رأيت المنكر لم أصبر. فقال له عثمان رضي الله عنه: اجلس هاهنا. فأجلسه على الوسادة إلى جنبه (1). * حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا إسماعيل، عن قيس قال: دخل عثمان على عبد الله وهو مريض يعوده فقال: كيف تجدك ؟ قال: مردود إلى مولاي الحق. قال: يرحمك الله - أو طبت - شك يزيد (2). * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: لما بلغ عثمان أن عبد الله مريض حمل إليه عطاءه خمسة عشر ألفا، وكان عطاء البدريين خمسة آلاف، فدخل عليه عثمان رضي الله عنه فقال: كيف تجدك ؟ قال: مردود إلى مولاي الحق. قال: يرحمك الله، كأنها ظنة، هذا عطاؤك خمسة عشر ألفا فاقبضه. قال: منعتنيه إذ كان ينفعني ! فأنا آخذه منك يوم القيامة. فانصرف ولم يقبل عطاءه (3). * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر قال: دخل عثمان رضي الله عنه على عبد الله يعوده وقال:


(1) ما بين الحاصرتين وارد في أول اللوحة 310 - أما صدر الخبر فوارد في الطيارة الملحقة باللوحة 308. (2) وتتمة الخبر في شرح نهج البلاغة 3: 43 - وأنساب الاشراف 5: 37 " قال ألا أدعو لك طبيبا ؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا آمر لك بعطائك ؟ قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه وتعطينيه وأنا مستغن عنه ! ! قال: يكون لولدك. قال: رزقهم على الله تعالى. قال: استغفر لي يا أبا عبد الرحمن. قال: أسأل الله أن يأخذ لي منك حقي. (3) وبمعناه في الرياض النضرة 2: 147. (*)

[ 1052 ]

هذا عطاؤك فخذه. قال: لا حاجة لي فيه، منعتني إذ كان ينفعني - وكان حرمه عطاءه عامين (4). * أخبرنا يزيد بن هارون قال. أنبأنا المسعودي، عن القاسم، وعمران بن عمر قالا: دخل عثمان رضي الله عنه على عبد الله يعوده، فاستغفر كل واحد منهما لصاحبه (2). * حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا المسعودي، عن القاسمي بمثله، وزاد: فلما قام نال رجل من عثمان. فقال عبد الله: ما سرني أني أردت عثمان بسهم فأخطأه وأن لي مثل أحد ذهبا (3). * حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي يعفور، عن سلمة بن سعيد قال: ما سمعت ابن مسعود رضي الله عنه قائلا لعثمان سواقط، ولقد سمعته يقول لئن قتلتموه لا تستخلفونه (4). * حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عامر الشعبي: أن رجلا من بني أميه غصب رجلا من أهل اليمن إبلا له، فجاء الرجل إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، إن فلانا غصبني إبلي. فقال عثمان: نحن نرد عليك إبلك بفضالها. قال: إذن لا تبلغوا وادي حتى تهلك فصالها وتنقطع ألبانها.


(1) وانظره بروايات أخرى في شرح نهج البلاغة 3: 41. والرياض النضرة 2: 147 - وتاريخ الخميس 2: 368. (2) طبقات ابن سعد 3: 113 - والرياض النضرة 2: 184 - وتاريخ الخميس 2: 370. (3) أنساب الاشراف 5: 37 - والاستيعاب 2: 316. (4) الاستيعاب 1: 373 - وتاريخ الخميس 2: 371 - والرياض النضرة 2: 148. (*)

[ 1053 ]

فأومى إليه بعض القوم فقال: قل اجعل بيني وبينك عبد الله ابن مسعود. فنظر عثمان رضي الله عنه فإذا هو بابن مسعود في غمار الناس، فقال: قل فيها يا أبا عبد الرحمن. فقال: كدت (1) أقول فيها، وإنك تزعم أني كافر. قال: قلت ذاك ولكني وجدت عليك فيما يجد فيه الاخ على أخيه. فقال عبد الله: إنك إن دفعت إليه إبله هاهنا لم تبلغ واديه حتى تنقطع ألبانها وتهلك فصالها، ولكن ادفع إليه إبله بألبانها وفصالها بواديه. * حدثنا زهير بن حرب قال: حدثنا جرير، عن المغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق: أر (.... (2)) حذيفة، فطلبته عند أبي موسى فوجدته وحذيفة وأبا موسى في غرفة أبي موسى فجعل... (3) يقع في عثمان رضي الله عنه ويتناوله ويقول: هو وهو.... (4) قال حذيفة: على ذلك لو أنه أرسل إليك الآن يا أبا موسى فاستعملك على البصرة، واستعملك يا أبا عبد الرحمن على بيت المال، واستعملني على المدائن لرضينا وسكتنا، وكنا خلفاء نرضى أو نسكت. فقال عبد الله: إنا إذا لقوم سوء. * حدثنا سعدويه قال، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن جبير، عن يعلى بن مسلم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين الزبير وابن مسعود رضي الله عنهما (5).


(1) كذا في الاصل، ولعلها كيف أقول فيها ؟ (2) بياض في الاصل بمقدار سطر، ولعل ما كان يشغله " أردت عبد الله بن مسعود فطليته عند حذيفة فلم أجده عند حذيفة ". (3) كلمة غير واضحة، ولعلها " عبد الله ". (4) بياض في الاصل بمقدار كلمتين. (5) طبقات ابن سعد 3: 107 - والاستيعاب 1: 373. (*)

[ 1054 ]

* حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا المسعودي، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين عبد الله وبين ابن الزبير بالاخوة التي كانوا يتوارثون بها قبل أن تنزل آية المواريث. * قال وأخبرنا المسعودي، عن القاسمي قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين الزبير وبين عبد الله، وأوصى عبد الله إلى الزبير (1). * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا إسماعيل، عن قيس قال: قال الزبير لعثمان رضي الله عنه بعد ما مات عبد الله: أعطني عطاء عبد الله فعيال عبد الله أحق بعطائه من بيت المال، فأعطاه خمسة عشر ألف درهم. * حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن ابن أبي زينب كان يتيما في (..... (2)) في يده شمراخ يضرب به الزبير، فأخذه الزبير وقال: اضرب به عثمان، فأبى (..... (3)) فجعل يضربه به.


(1) في طبقات ابن سعد 3: 112 عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن ابن مسعود أنه أوصى فكتب في وصيته: بسم الله الرحمن الرحيم - إن حدث به حدث في مرضه هذا فإن مرجع وصيته إلى الله وإلى الزبير بن العوام وإلى ابنه عبد الله بن الزبير: أنهما في حل وبل مما ولي وقضيا، وأنه لا تزوج امرأة من بنات عبد الله إلا بإذنهما لا تحظر عن ذلك زينب - زوجه - وفي رواية أخرى عنه فقضيا لا حرج عليهما في شئ منه، وأنه لا تزوج امرأة من بناته إلا بعلمهما، ولا يحجر ذلك عن امرأته زينب بنت عبد الله الثقفية وكان مما أوصى به في رقيقه إذا أدى فلان خمسمائة فهو حر. وفي الغدير 9: 5 - ومجمع الزوائد 9: 291 - وأنساب الاشراف 5: 37 " إن وصيه عمار بن ياسر ". (2) بياض في الاصل بمقدار كلمتين. (3) بياض في الاصل بمقدار ثلث سطر. (*)

[ 1055 ]

* حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال، حدثني مروان بن الحكم - وما إخاله يتهم علينا - قال أصاب عثمان بن عفان رضي الله عنه رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج. وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش فقال له: استخلف. قال: وقالوه ؟ قال: نعم. قال: ومن هو ؟ فسكت. ثم دخل عليه آخر فقال: استخلف - قال أراه الحارث بن الحكم - فقال عثمان: وقالوه ؟ قال: نعم. قال: ومن هو ؟ فسكت. قال عثمان: فلعلهم قالوا الزبير ؟ قال: نعم. قال: أما والذي نفسي بيده إنه لخيرهم (ما علمت) وإنه كان أحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). * حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، أخبرني ابن أبي مليكة: أن عقيل بن أبي طالب خطب فاطمة بنت عتبة فقالت: تزوجني وأنا أنفق عليك. فكان إذا دخل عليها قالت: أين عتبة ابن ربيعة ؟ أين شيبة بن ربيعة ؟ فقال: على يسارك إذا دخلت النار. فشدت عليها ثيابها فأتت عثمان فقالت: لا والله، لا يجمع رأسي ورأس عقيل أبدا. فأرسل ابن عباس وأرسل معاوية، فقال ابن عباس: والله لافرقن بينهما. فقال معاوية: ما كنت لافرق بين شيخين من بني عبد مناف. قال: فألفيا وقد شدا عليهما أثوابهما وأصلحا شأنهما (2).


(1) مسند أحمد 1: 64 والاضافة عنه. (2) عيون الاخبار 4: 60 - ونثر الدر للآبي مخطوط رقم 4428 أدب تيمور لوحة 115. (*)

[ 1056 ]

* حدثنا أبو عاصم قال، أخبرني جويرية بن أسماء قال: خطب مروان وسعيد بن العاص إلى عثمان، فدعا مروان رجلا كان بالمدينة عاملا فقال: إني خفت أن يزوج أمير المؤمنين سعيدا، فاحتل لي. فأتى ذلك الرجل عثمان وهو في المسجد متكئ فجلس إليه فقال له عثمان: ما خبر الناس ؟ فقال: يا أمير المؤمنين تركت إماء أهل المدينة يقلن (1) إن مروان وسعيدا خطبا إليك، وأنت منكح أشرفهما، وقد شك الناس أيهما أشرف، فدعا مروان فزوجه. * حدثنا عبيد الله بن محمد بن حفص، عن أمية قال: قال عثمان بن عفان: يا بني مخزوم ما أجد بعد عشيرتي أحب إلي منكم: قال وكان (بنو (2)) مخزوم تشبه ببني أمية في المال والعدد والهيبة، فقال رجل: يا أمير المؤمنين فأنكحنا إذن. قال فنظر إلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: إن خطب إلي هذا أنكحته. قال فخطب إليه فزوجه من ساعته مريم بنت عثمان - وأمها أم جندب -. فسمعت زيد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب يحدث عن بعض علمائهم: أن عثمان كان مر بهم راكبا فلما قال عبد الرحمن ابن الحارث فأنا أخطب إليك. فنوله دركه فنزل إليه فأنكحه مكانه (3). * حدثنا محمد بن عباد، قال حدثنا إبراهيم بن سعد قال:


(1) في الاصل " يقولون ". (2) إضافة يقتضيها السياق. (3) وفي تاريخ الخميس 2: 275 " أن عثمان بن عفان رضي الله عنه زوج ابنته مريم الكبرى من سعيد بن العاص فلما هلك عنها زوجها لعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام المخزومي ". (*)

[ 1057 ]

دخل عيينة بن حصن على عثمان رضي الله عنه ليلا وهو يتعشى، فدعاه إلى عشائه. فقال: إني صائم، فاحتفظ من ذلك عثمان لسهوه وقال: أراك تواصل يا أبا مالك. قال: لا، ولكني وجدت صوم الليل أهون علي من صوم النهار. * حدثنا نصر بن علي، عن عبيد الله بن ثور قال، حدثني بكر بن الخلال بن ثور، عن المجيد بن وهب العتكي، عن أبي الخلال العتكي قال: سألت عثمان بن عفان رضي الله عنه عن جوائز السلطان. فقال: لحم ظبي ذكر. * قال أبو شهاب، قال مسعود بن معتب الثقفي: لالفين قريشا تشتري غيلي * بني أمية من زرع وحجران وابني سبيعة إن أخشى ضياعهما * على موالي من سود وحمران قال فاشترى عثمان بن عفان رضي الله عنه أموالهم بعد ذلك، فإنه تعلى فيها ينظر إذ ذكر مسعودا وشعره فقال: واعجبا لمسعود ! ! لو رأى ما أعطى الله قريشا لتحاقر زرعه وحجر انه. قال: وسبيعة بنت عبد شمس لها عروة والاسود ابنا مسعود. وأميمة بنت عمر ابن عمير من ثقيف لها عامر وأبو عامر ابنا مسعود. وكان من خبر سالم بن مسافع (1) أحد بني عبد الله بن غطفان - وأمه دارة - أنه عشق امرأة من بني فزارة، فخطبها فردوه وطردوه،


(1) هو سالم بن مسافع بن دارة بن كعب بن عدي بن جشم بن عوف بن بهئة ابن عبد الله بن غضفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والاسلام. ودارة أمه وهي من بني أسد وسميت بذلك لانها شبهها بدارة القمر من جمالها. وقيل دارة لقب غلب على جده واسمه يربوع بن كعب بن عدي بن جشم، وقد قتل سالم بن دارة في خلافة عثمان رضي الله عنه قتله ابن أبير الفزاري بسبب ما ذكره = (*)

[ 1058 ]

فهجاهم. فلقيه زميل بن أبير أحد بني مازن بن فزارة فأوعده فلم ينته: فلقيه مرة أخرى فقال: إنك أحمق لم تهد لقومك هدية أبقى ضغينة ولا أخبث نتيجة من هجائك، فإياك وإياه. فقال: وما الذي تخوفني به يا ابن أم دينار ؟ فو الله لا أصالح بني فزارة حتى ينكح الذي تخوفني به أمه. ويقال بل قال: حتى تفعل أنت بأمك. ثم جعل لا يلقاه إلا قال: يا زميل ما يحسبني عن صلح قومي غيرك، وقال: أبلغ فزارة أني لن أسالمها * حتى ينيك زميل أم دينار في استكين يغيب الفهر بينهما * وكعثب كسنام البكر مرمار لا تأمنن فزاريا خلوت به * على قلوصك واكتبها بأسيار لا تأمنن فزاريا على خبر * بعد الذي استل أير العير في النار إن الفزاري لا ينفك مغتلما * من النواكه تهدارا بتهدار أنا ابن دارة موصولا به نسبي * وهل بدارة يا للناس من عار من جذم قيس وأخوالي بنو أسد * من أكرم الناس زندي منهم وار جرثومة نبتت في العز واعتدلت * تنفي الجراثيم في عرف وإنكار قال: بعث الشعر وروي ونشر عليهم أمرا كان قد نسي. ثم إن ركبا من فزارة دخلوا الكوفة فلقيهم ركب من غطفان فيهم ابن دارة فقال: أفزارة ؟ قالوا: نعم. قال: أفيكم زميل ؟ قال زميل: نعم. قال: ألا تبر قسمي يا زميل حتى أصالح قومي ؟


= ابن شبة في كتابه هنا ". خزانة الادب 2: 144 ط بيروت - وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 249 - وأسماء المغتالين من الاشراف في الجاهلية والاسلام للبغدادي ص 156 - وشرح الحماسة للتبريزي 1: 202 - والشعر والشعراء ص 89 - والشعر والشعراء ص 89 - والاصابة 2: 107، 170 - والفصول والغايات ص 34 ". (*)

[ 1059 ]

فقال: يا ابن دارة معذرة إليك، إنه لا حديدة في الركب إلا مخياط يختاط به القوم. فغضبت فزارة أشد الغضب - وأم دينار بين بني بدر - فقال الغطفيون لابن دارة تغيب عنا من شرك إلا أن تحذره. فأتى بني أسد فأنزلوه (..... (1)) أحد بني طريف وطرده وتهدده. فقال: إني وإن حذرت شيخنا لذاكر * لشتم بني الطرماح أهل حمام لحى الله قوما بين زيد ومزيد * يرون حلالا منك كل حرام إذا مات منهم ميت دهنوا استه * بزيت وحفوا حوله بغرام ثم انتقل إلى بني نبهان بن طئ ومدح عدي بن حاتم فقال: تسير قلوصي في معد وإنها * لترجو الربيع في لقاء بني نفل وأنتم رمام من أزمة طئ * وأنتم بخير جنة السهل والجبل وأبقى الخطوب من عدي بن حاتم * حساما كنصل السيف سل من الخلل أبوك جواد لا يشق غباره * وأنت كريم لا تحضرك العلل فإن تتقو شرا فمثلكم اتقى * وإن تفعلوا خيرا فمثلكم فعل ثم انضم إلى قومه وقد احتفظت عليه فزارة وتحاضت، وقال رجل منهم: يا ليت شعري والايام تحكمه * هل في مثولة حامي راهب العاري يهذي بأعراضكم في كل منزلة * إذا تلبس وراد بصدار (إذا) تغنت علوج الحظ جاوبها * بحمص أو بدمشق الاصهب الداري فأين مولاك منظور لحلته * وأين مرقة عنها وابن عمار


(1) بياض في الاصل بمقدار ثلثي سطر. (*)

[ 1060 ]

فهر القوم زميلا وخرج ركوب بن مراد وهو فيهم صادرين عن المدينة، فلقيهم رهط من بني عبد الله مقبلين من بطن نخلة فيهم ابن دارة فسمعه زميل يتغنى ليلا: إذا اتسقت أخفافها فكأنما * تكسر بيض بينهن وخيم فقال زميل: سالم ورب الكعبة، ففضوا من ركابهم حتى استتبت ثم خنس بينهم فلم يشعر به ابن دارة إلا وهو عن يمينه مسلط بالسيف. فقال: يا زميل نشدتك الرحم، وأخرج رجله من الغرز لينزل وضربه زميل على فخذه حتى رد سيفه العظم وقد صدعه، ثم كر إلى أصحابه، وتصايح العبديون: قتل زميل صاحبنا، وأقبل نحوهم فتواقفوا وحذر بعضهم لبعض، ثم انصرف العبديون بجريحهم إلى المدينة فدخلوا به على عثمان بن عفان رضي الله عنه فاستعدوه، فأقبل على ابن دارة فقال: من ضربك ؟ قال: منظور بن سيار. قال: سبحان الله ! ! ضربت بموضع كذا وكذا ومنظور عندي مقيم بالمدينة. قال أمر العبد زميلا وأعطاه سيفه. فقال منظور: كذب ابن الامة، ولكنه لم يلق ابن حرة غيره. فأمر به عثمان إلى الطبيب وقال: أحضروا بيناتكم. وهرب زميل، وخرجت رسل عثمان في طلبه معهم رسل بني عبد الله، واختفى زميل يتنقل من موضع إلى موضع حتى نزل برجل من كلب وتسمى زميل بزينب، فكان الكلبي يقول: اذهبوا بصبوح زينب، وادرجوا بغبوق زينب. فقال زميل: ألا هل أتى فتيان قومي أنني * تسميت لما شبت الحرب زينبا وأدنيت جلبابي على نبت لحيتي * وأخرجت للناس البنان المخضبا

[ 1061 ]

وقال: لست وإن قالوا أمنت بآمن * ولا بائت إلا على جد مرفقي أخاف محاذير الامور ومن يكن * طريدا لعثمان بن عفان يفرق إذا حال أجبال المدينة بيننا * وذو النخل من وادي نطاة فيعتق ثم هجمت عليه رسل عثمان رضي الله عنه وهو بماء من مياه قومه يدعى الهجع، فلبس دراعة أمة وعمامتها وجعل يستقي ويتعاجم ويقول: ما إن يريد الكوم إلا كتلي (يريد قتلي) * يصرعن أو يلتوين رجلي فظنته الرسل أمة عجماء فلم يعرضوا له - وقال: أنا زميل قاتل ابن دارة * وكاشف المخزاة عن فزارة ثم جعلت عقله البكارة ويقال إن ابن دارة صح من ضربته وبرئ - أو قارب ذاك - فدست بنت عيينة امرأة عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الطبيب الذي يعالجه جعلا - ويقال بل منظور بن سيار - ليسمه، فجعل في دواء ابن دارة سما، فانتقض جرحه، فلما أشفى على الموت قال لابيه: أبلغ أبا سالم عني مغلغلة * أعني بها أقرب الاقوام للعار لا تأخذوا دية عني فتفتضحوا * وإن أتاك بها تحذى ابن عمار لا تأخذوا دية عني مجلجلة * واضرب بسيفك منظور بن سيار فما بلغ الشعر أباه قال، عقني حيا وكلفني ما لا أطيق ميتا. وقتل عثمان رحمه الله ووقعت الفتنة، وهم الفريقان أن يتحاربوا،

[ 1062 ]

وخلص الامر لمعاوية رضي الله عنه، فمضى عبد الله بن عباد بن عقبة ابن حصن إلى بني عبد الله يعرض عليهم الدية، فأطافوا به وجعلوا يقولون أنت والله البار الميتم، فلم يحفل بهم وجعل يقول: أنا والله البار المشهر، فأحجموا عنه وقبلوا منه الدية، وخاضت العرب في أمرهم، وقيل في ذلك أشعار كثيرة من الفريقين، وكان من أشهر ما قيل فيه قول الكميت بن معروف الاسدي ولم يكن من الامر في شئ إلا أنه أدخل......... (1) بينهما فقال: من مبلغ عني معدا وطيئا * وكندة من أصغى لها وتسمعا خذوا العقل إن أعطاكم العقل قومكم * وكونوا كمن سيم الهوان فأرتعا ولا تكثروا فيها الضجاج فإنه * محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا وأقبل أقوام بحر وجوههم * وأقبل أقوام بلطمة أسفعا فمهما تشأ منه فزارة تعطكم * ومهما تشأ منه فزارة تمنعا فإن مات زمل فالاله حسيبه * وإن عاش زمل فاسقياه المشعشعا وإن نقضوا نحرب عليه فتيله * كرهط كليب أو أعز وأمنعا أخوه وأنتم معشر لا أخالكم * فصبرا على ذل الحياة أو اجزعا فغضب بنو عبد الله من شعر الكميت، ويقال بل قال هذه الابيات الكميت بن ثعلبه وهو أسدي فقعسي أيضا، فهجاهم عبد الرحمن بن مسافع أخو سالم بن دارة وتشهر على بني أسد آكل الكلاب - وكان رجلا من بني والبة بن الحارث بن دوران بن أسد طوى أياما فذبح كلبه فشواه وأكله، فلامه قومه فقال: ما شعرت أن الله حرمه. فقال عبد الرحمن بن مسافع:


(1) بياض في الاصل بمقدار أربع كلمات. (*)

[ 1063 ]

يا فقعسي لم أكلته لمه * لو جاءك الله عليه حرمه لما تركت لحمه ولا دمه وقال: إذا فقعسي جاع يوما ببلدة * وكان سمينا كلبه فهو آكله قبيلة لا الاصل من أصل خندف * ولا من نزار في اليهود وسائله والذي أكل الكلب والبي، ولكن ابن دارة هجا به فقعسا من رهط الكميت، فقيل في هذا السبب أشعار كثيرة تركتها إذ لم يكن لعثمان بن عفان رضي الله عنه فيها ذكر إلا أبياتا قالها شعيب ابن ثوابة الفزاري مدحه فيها: وإليك يا عثمان كلفنا السرى * بركابنا قحما تهر زمانها يطلبن يوم عصابة حلبت وما * وأتين بعد بلائها أحسابها بالترك منك وقائع مشهورة * والروم كان على يديك هوانها (1) * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا يوسف بن الماجشون قال، سمعت أم سهل تقول: لو هلك عثمان بن عفان وزيد بن ثابت في بعض الزمان لهلك علم الناس إلى يوم القيامة، لقد جاء على الناس زمان وما يعلمهم غيرهما. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: إن صعصعة بن صوحان (2) قام ذات يوم فتكلم فأكثر، فقال عثمان


(1) حذفنا ثلاثة أبيات تالية لشدة اضطرابها وغموضها. (المدقق) (2) هو صعصعة بن صوحان العبدي أسلم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يره، وكان سيدا من سادات قومه عبد القيس وكان فصيحا خطيبا لسنا بليغا دينا ثقة قليل الحديث شهد صفين مع علي رضي الله عنه - ونفاه معاوية إلى إحدى جزر البحرين = (*)

[ 1064 ]

ابن عفان: يا أيها الناس، إن هذا البجباج (1) النفاج (2) ما يدري من الله ولا أين الله. فقال صعصعة: أما قولك لا يدري من الله فإن الله ربنا ورب آبائنا الاولين، وأما قولك لا يدري أين الله، فإن الله بالمرصاد، ثم قال " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (3) " فقال عثمان: ويحك، والله ما نزلت هذه الآية إلا في وفي أصحابنا أخرجنا من مكة بغير حق. * حدثنا أحمد بن معاوية، عمن حدثه، عن عيسى بن يزيد قال: دخل عمرو بن العاص على عثمان رضي الله عنه وعنده معاوية، فقال عثمان رضي الله عنه: أيا معاوية إني قد أخذت بضاعتك فانهض إني قد أغلقت على الكرم والحسب بابا أنت في وسطه. فقال عمرو: إنكما لم تغلقا بابا ليس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عثمان: وما أنت وذاك، إن بيتي لبيت رسول الله، إذ أغلقت بيتك على أبي رزام (4). فتركه عمرو وقال: أنا ابن العاتكتين. فقال عثمان: سلح عليك بعدهما، إن تزدني أزدك. فسكت عنه. والعاتكتان عاتكة بنت أسد بن عبد العزى وهي أم وائل بن هاشم،


= فتوفي بها. " الغدير 9: 147 - ومختصر تاريخ ابن عساكر 6: 424 - وانظر الخبر بصور مختلفة في نثر الدر للآبي لوحة رقم 314 - وانظر أخباره مع معاوية في تاريخ الطبري 5: 88 - والعواصم من القواصم 120 - 122 ". (1) البجباج: الذي يهبر الكلام وليس لكلامه جهة - ويروى: الفجفاج بمعنى الصياح المكثار. " الفائق للزمخشري 1: 35 - وأقرب الموارد ". (2) النفاج: المتكبر المفتخر بما ليس عنده. " أقرب الموارد ". (3) سورة الحج، آية 39. (4) هو أبوحي من تميم وهو رزام بن مالك بن حنظلة بن مالك بن عمرو (تاج العروس). (*)

[ 1065 ]

وعاتكة بنت عبد العزيز بن قصي بن هاشم بن سعد بن سهم. * يروى عن الشعبي قال: كان أبو عبد الله الجدلي (1) عبدا للازد فأدعي إلى جديلة بن عدوان (بن عمرو (2) بن قيس فنوزع فيه فيه إلى عمر رضي الله عنه، فقال له: ممن أنت ؟ قال: من عدوان. فسألهم فقالوا: من أوسطنا. فأقره عمر رضي الله عنه منهم. فلما شكا عثمان رضي الله عنه جلس للناس فقال: من يطلبني بمظلمة فليقل. فقام أبو عبد الله..... (3) وحوصاتها. فقال: وما أنت وذاك يا عبد ظرب لا أم لك، يأتيني مواليك يدعونك عبدا، فقلت أروني (4) جلدة عذبته وهو لكم ابن عم خير منه لكم عبدا..... (5) عربيا في ألفين من العطاء، وزوجتك امرأة عربية فلم تحفظ ذاك ولم تشكره، قم لا أم لك. قال الشعبي: وكأن عثمان عض سنا. وقال المدائني، قال له عثمان: إلى (ما متى بنو الظرب يدعونك عبدا (6). * وقال المدائني، عن علي بن مجاهد، عن حميد بن أبي البختري،


(1) هو عبدة بن عبد بن عبد الله بن أبي الضمير بن حبيب بن عائذ بن مالك ابن وائلة بن عمرو بن وناج بن يشكر بن عدوان - وكان أبو عبد الله الجدلي من شيع علي وقائدا للثمانمائة الذين أرسلهم المختار إلى محمد بن الحنفية ليمنعه من ابن الزبير حين أراد قتله (الطبري 4 / 13: 2530). (2) الاضافة عن جمهرة أنساب العرب ص 480. (3) بياض في الاصل بمقدار ثلث سطر. (4) في الاصل " أرني " ولعل الصواب ما أثبت. (5) بياض في الاصل بمقدار كلمتين. ولعلهما " لقد جعلتك ". (6) عبارة الاصل " إلى ما متى بك بنو الظرب يدعونك عبدا ". (*)

[ 1066 ]

عن نوفل بن مساحق قال: قال كميل (1) بن زياد النخعي لعثمان رضي الله عنه أقدني - يعني من لطمة - فقال: أقيد يا عبد النخع ! ثم قال: إن نفرا من النخع جاؤوني بهذا فادعوه عبدا فألحقته فيهم ثم هو يسألني القود، أقيد ! ! فقال: قد عفوت عنك. * قال الوليد بن عقبة يمدح عثمان رضي الله عنه: يا ابن أروى ويا ابن أم حكيم * وقروم البطحاء أهل العمارة وشريك البنى شركة حق * غير ما نحلة ولا مستعارة أنجب الناحلوك عتقا وجودا * ولقد تنتج العتاق المهارة وقال يمدحه: جزى الله خيرا من خليل مودع * أخي ذا الطول والحول والنائل الغمر (*) شريك نبي الله عثمان ذا النهى * وذا الخلق المأمون في اليسر والعسر جزى خير جزي الناس حيا وميتا * وفي القبر إذ وافوا جميعا إلى القبر * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا فرج بن فضالة، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، ومعاوية، عن القاسم ابن عبد الرحمن، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قالت عائشة رضي الله عنها: بينا أنا جالسة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عائشة لو كان عندنا أحد يحدثنا ! فقلت: ألا تبعث إلى عمر، فسكت، ثم دعا وصيفا له فلم أدر ما ما ساره


(1) كان شريفا في قومه، وقتله الحجاج سنة 42 ه‍، وتقه ابن معين والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات (الغدير 9: 46 - وانظر خبره مع عثمان رضي الله عنه في تاريخ الطبري 5: 137، 138). (*) هكذا ورد الشطر الثاني مختل الوزن. (المدقق) (*)

[ 1067 ]

به، فإذا عثمان بن عفان يستأذن فأذن له فدخل، فأكب أحدهما على الآخر، ولم أدر ما يقول، فلما فرغ قال: يا عثمان عسى الله أن يقمصك قميصا من بعدي، فإن أرادك المبيتون على خلعه فلا تخلعه - يقول له ذلك ثلاثا - فقيل لعائشة رضي الله عنها: فأين كنت من هذا الحديث ؟ قالت: أنسيته - والله - حتى قتل الرجل (1). * حدثنا عمرو بن عوف قال، حدثنا فرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن النعمان بن بشير، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي قال لعثمان: إن الله يقمصك قميصا من بعدي فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه يقولها له ثلاثا - قلنا: يا أم المؤمنين، فأين كنت من هذا الحديث ؟ قالت: نسيت - والله - حتى قتل الرجل (2). * قال فرج، وحدثني محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن عائشة رضي الله عنها بمثله. * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد أن عبد الله حدثه، أن النعمان بن بشير رضي الله عنهما حدثه قال: كتب معي معاوية إلى عائشة رضي الله عنهما - قال: وآل عمر يومئذ آمنون في الناس


(1) مسند أحمد 6: 75 - والرياض النضرة 2: 119 - وأنساب الاشراف 5: 11. (2) مسند أحمد 6: 86، 114، 149 - والبداية والنهاية 7: 80، 81 والرياض النضرة 2: 118 - ومنتخب كنز العمال 5: 21. (*)

[ 1068 ]

من شيعة علي ومن شيعة عثمان - فسرت حتى نزلت تبوك في ناحية إلى جانب قارة (9) فإذا شيخان قد أقبلا إلي فقالا من: الرجل ؟ فقلت أنا أبو عبد الله. فقالا: وممن أنت ؟ قلت: مولى لعمر بن الخطاب. ثم إني قمت لهراقة الماء، فسمعت أحدهما قال لصاحبه لقد ضربت (فيه (2) الانصار. فلما رجعت إليهما قالا: يا عبد الله نشدناك بالله، أضربت فيك الانصار ؟ قلت: نعم أمي امرأة من أنفس (3) الانصار، وأبي مولى عمر بن الخطاب. فو الله ما زال الحديث يجري بينهما وبيني فإذا هما من شيعة عثمان رضي الله عنه، فأطلعتهما على أمري وأنبأتهما بخبري فأرشداني للطريق. قال: فقدمت على عائشة رضي الله عنها فدفعت إليها كتاب معاوية، فقالت: يا بني ألا أحدثك بشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت: بلى يا أميه. قالت فإني كنت أنا وحفصة يوما من ذلك عنده فقال: لو كان عندنا رجل يحدثنا، قالت: قلت يا رسول الله ألا أبعث لك إلى أبي بكر ؟ فسكت، ثم قال: لو كان عندنا رجل يحدثنا. فقلت ألا أبعث إلى عمر ؟ فسكت، ثم دعا إنسانا فأسر إليه سرا وأرسله، فما كان شئ إذ أقبل عثمان فجلس إليه فأقبل إليه بوجهه وحديثة، فسمته يقول: يا عثمان إن الله لعله أن يقمصك قميصا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه - يقول ذلك له ثلاث


(1) القارة الجبيل المستدق في السماء. وقيل أصاغر الجبال وأعاظم الآكام. وهي متفرقة خشنة كثيرة الحجارة. (ياقوت). (2) إضافة للسياق. (3) هي عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة أخت (المستدرك 3: 530 وترجمة النعمان هناك). (*)

[ 1069 ]

مرات - قلت: يا أم المؤمنين فأين كنت من ذا الحديث ؟ قالت: يا بني لقد نسيته حتى ما ظننت أني سمعته (1). * حدثنا سليمان بن أحمد قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب قال، حدثنا عبد الله بن عامر اليحصبي قال، سمعت النعمان بن بشير يقول، سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعثمان - وانتحاه ذات ليلة فيما بين المغرب والعشاء -: يا عثمان إن الله يقمصك قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه (2). * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا موسى بن داود، عن فرج بن فضالة، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: دعا النبي صلى الله عليه وسلم (في مرحته ببعض أصحابه (3) فإذا عثمان يستأذن فأذن له فدخل، فناجاه طويلا ثم قال: إن الله مقمصك قميصا، فإن أرادك المنافقون على على خلعه فلا تخلعه لهم، ولا كرامة - يقولها له مرتين أو ثلاثا (4) -. * حدثنا يحيى بن بسطام قال، حدثنا أبو معشر البراء قال، حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبان بن عثمان، عن أبيه، عن عبد الله ابن عمر، عن حفصة رضي الله عنها قالت: بينما أنا وعائشة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) يتحدث معي فقالت عائشة ألا أرسل


(1) مسند أحمد 6: 149 - الرياض النضرة 2: 118 - البداية والنهاية 7: 207. (2) مسند أحمد 6: 86 - مجمع الزوائد 9: 90. (3) بياض في الاصل بمقدار أربع كلمات، والمثبت عن مجمع الزوائد 9: 90. (4) وانظر الرياض النضرة 2: 199. (5) كذلك في الاصل ويلاحظ وجود سقط هنا. يفسره ما جاء في الاحاديث السابقة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم " لو كان معنا رجل يحدثنا ". (*)

[ 1070 ]

إلى عمر. فقال: لا ولكن أرسلي إلى عثمان، فدخل عليه عثمان فأقامنا من عنده يتحدث معه، ثم قال: يا عثمان إنك مستشهد فاصبر صبرك الله، ولا تخلعن قميصا قمصك الله. فقال عثمان: أستعين الله وأسأله الصبر، ادع الله لي يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم صبره وأعنه. ثم قام عثمان حتى إذا أدبر صرخ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: اصبر صبرك الله فإنك سوف تستشهد وأنت صائم تفطر معي (1). * حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا إسماعيل قال، حدثنا قيس، عن أبي سهلة (مولى عثمان (2)، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ادعوا إلي بعض أصحابي. قلت: أبو بكر ؟ قال: لا. قلت: عمر ؟ قال: لا. قلت: ابن عمك عليا ؟ قال: لا. قلت: من ؟ قال: عثمان. فلما جاء قال: تنحي. فعل يساره ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر قلنا: يا أمير المؤمنين ألا نقاتل ؟ قال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا وأنا صابر عليه (3). * حدثنا يحيى بن سعيد، عن عثمان بن غياث، عن أبي عثمان (النهدي (4)، عن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حائط بالمدينة - وهو


(1) منتخب كنز العمال 5: 23 - ونحوه في الرياض النضرة 2: 119. (2) الاضافة عن طبقات ابن سعد 3: 67. (3) الرياض النضرة 2: 199، 120. (4) إضافة عن فتح الباري 7: 43. (*)

[ 1071 ]

يضرب بعود بين الماء والطين - فجاء رجل فاستفتح، فقال: افتح له وبشره بالجنة. ففتحت فإذا أبو بكر رضي اله عنه، ففتحت له وبشرته بالجنة (ثم جاء رجل فاستفتح فقال النبي: افتح له وبشره بالجنة (1)) ففتحت فإذا عمر رضي الله عنه فبشرته بالجنة، ثم جاء رجل فاستفتح فقال: افتح له وبشره بالجنة مع بلوى تكون. ففتحت فإذا عثمان، فبشرته بالجنة وأخبرته بالذي قال. فقال: الله المستعان. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا غسان بن نضر قال، حدثنا سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطا بالمدينة متشحا بثوبه، وأغلقت الباب، فجاء رجل فضرب الباب فقال: يا عبد الله ابن قيس افتح عن الضارب وبشره بالجنة. ففتحت فإذا أبو بكر رضي الله عنه، فقلت: أبشر ببشرى الله ورسوله، أبشر بالجنة. فحمد الله وقعد، ثم لبثنا فجاء رجل فضرب الباب فقال: افتح عن الرجل (2) وبشره بالجنة. ففتحت فإذا عمر. فقلت أبشر ببشرى الله ورسوله، أبشر بالجنة. فحمد الله وأثنى عليه وقعد، ثم لبثنا فجاء رجل فضرب الباب فقال: يا عبد الله بن قيس افتح عن الضارب وبشره بالجنة وسيلقى ويلقى، ففتحت فإذا عثمان فقلت أبشر ببشرى الله ورسوله، أبشر بالجنة غير أن رسول الله صلى الله


(1) بياض في الاصل بمقدار ثلث سطر. والمثبت عن صحيح مسلم 2: 105 - وصحيح الترمذي 13: 163 - والبداية والنهاية 7: 202 - والتمهيد والبيان لوحة 159. (2) في الاصل " افتح عن الجنة " وهو خطأ اقتضى التصويب. (*)

[ 1072 ]

عليه وسلم قال: ستلقى وتلقى. قال: فحمد الله وقعد كئيبا: ما هذه التي قالها لي ؟ لم يقلها أمامي (1) ! * حدثنا هدبة بن خالد قال، حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي موسى، وعلي بن الحكم، عن أبي عثمان، عن أبي موسى رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في حائط بالمدينة مسندا ظهره إلى حائط، فجاء رجل فاستفتح الباب، فقال: اذهب وافتح له وبشره بالجنة مع بلوى شديدة تصيبه. ففتح له فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه. * حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي عثمان (النهدي (2)، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم فدخل حائطا للانصار، فقضى حاجته وقال لي: يا أبا موسى املك علي الباب لا يدخلن علي أحد إلا بإذن، فجاء رجل فضرب الباب. فقلت: من هذا ؟ قال: أبو بكر. فقلت: يا رسول الله، هذا أبو بكر يستأذن. فقال: ائذن له وبشره بالجنة. فدخل وجاء آخر فضرب الباب فقلت: من هذا ؟ قال: عمر (فقلت يا رسول الله هذا عمر (3) قال: افتح له وبشره بالجنة. ففتحت له فدخل. وجاء آخر فضرب الباب فقلت: من هذا ؟ قال: عثمان. قلت: يا رسول الله هذا عثمان، قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فأذنت له


(1) أسد الغاية 3: 377 مع اختلاف يسير. (2) إضافة للتوضيح. (3) الاضافة عن صحيح الترمذي 3: 163. (*)

[ 1073 ]

وبشرته بالجنة وأخبرته بما قال. فدخل وهو يقول: اللهم صبرا، اللهم صبرا، حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد القف (1) قد امتلا، فقعد قبالتهم من الشق الآخر. قال سعيد: فأولت ذلك ابتعاد قبره من قبورهم (2). * حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن محمد بن عبيد الحنفي، عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حش من حشان المدينة، فجاء رجل فاستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قم فاذن له وبشره بالجنة فقمت فإذا أبو بكر رضي الله عنه، فأذنت له وبشرته بالجنة فجعل يحمد الله حتى جلس، ثم جاء آخر فاستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ائذن له وبشره بالجنة. فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأذنت له وبشرته بالجنة فجعل يحمد الله حتى جلس، ثم جاء رجل خفيض الصوت فاستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى. فإذا عثمان رضي الله عنه، فأذنت له وبشرته بالجنة على هذا، فجاء يقول: اللهم صبرا حتى جلس. قال فقلت يا رسول الله: فأين أنا ؟ قال: أنت مع أبيك (3). * حدثنا عبد الله بن عمرو قال، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،


(1) القف: بضم القاف وتشديد الفاء. الداكة التي تجعل حول البئر (فتح الباري 7: 30). (2) البداية والنهاية 7: 202 - وإرشاد الساري 6: 110 - وصحيح مسلم 2: 106 - والتمهيد والبيان لوحة 157 و 158 - والعواصم من القواصم ص 55. (3) البداية والنهاية 7: 203 - ومنتخب كنز العمال 5: 16. (*)

[ 1074 ]

(عن هشيم (1) قال، حدثنا عبد العزيز بن مروان، عن أبيه قال: بعث عثمان رضي الله عنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى إفريفية، فلما فتحها بعثني بشيرا بفتحها إلى عثمان رضي الله عنه، وبعث معي رجلا من بلي هو أحذق بالطريق مني، قال فأقبلنا نسير حتى دفعنا إلى مشربة في جوف الليل فيها نار، فقال: أترى هذه مشربة ؟ قلت: نعم. قال: فإن فيها رجلا من النصارى له ضيافة وهو حسن الرأي في المسلمين وإليه ينتهي علم النصاري (فما (2) قولك أن ننزل به، فقد أصابنا برد وجوع ؟ فقلت: نعم. فنزلنا به وصعدنا إليه، فلم نلبث أن أتينا بطعام حار من لحم طير، ثم راطنه صاحبي وكان عالما بكلامه، ثم نهض فقام وأقبل علي النصراني. فقال: ما أنت من ملككم ؟ قلت: ابن عمه، قال: هل أحد أقرب إليه منك ؟ قلت: لا إلا ولده، قال: فما أنتم من نبيكم ؟ قلت: نحن من قومه، قال: فهل أحد أقرب إليه منكم ؟ قلت: نعم، قال: فسل صاحبك أن يوليك الشام، قلت: على الشام رجل له قدر عنده وعندنا، ولو أردت ذلك لم يفعل. قال، فسكت فقلت: لم قلت ذا ؟ قال: ليتني ما قلته، قلت: فحدثني به، قال: لا تحتمله، قلت: بلى لاحتملنه. قال: فإن ملككم يقتل ويصير الامر إلى صاحب الشام. قال: فدخلني من ذلك ما لم يدخلني مثله قط، قال: وقدمت على عثمان رضي الله عنه فبشرته بفتح إفريقية، فخر ساجدا، وقال: الحمد لله لو لم تفتح لقال


(1) بياض في الاصل، والمثبت عن الخلاصة للخزرجي 231. (2) إضافة يقتضيها السياق. (*)

[ 1075 ]

الناس خالفك عمر. قال: ثم دخلت يوما فرأيته طيب النفس، فقلت: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أحدثك حديثا. فقال: هاته. فلما تفوهت به بكيت، فقال: ما يبكيك (لا (1)) أبكى الله عينيك ؟ قال: فبدرت فحدثته، فاستلقى ووضع مروحة كانت في يده على وجهه، فرأيته يعضها، ثم جلس فقال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين وقد أنفقت فيه نفقة كثيرة، فقدم خالد ابن الوليد بكتيبة أكيدر صاحب دومة الجندل، فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعطه أحدا من أصحابه. فقلت: يا رسول الله، إن كنت إنما زدتني لنفقتي في سبيل الله وكان ذلك بناقص من أجري فلا حاجة لي فيه. فقال: على عمد فضلتك وليس بناقصك من أجرك فانصرفت، وكان عبد الرحمن بن عوف (حاضرا (2) فقال: ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإني رأيته أتبعك بصره حتى دخلت منزلك ؟ فدخلني من ذلك، فصليت معه الظهر، فلما سلم قام يدخل بيته فرآني فقال: ألك حاجة ؟ قلت: نعم، أخبرني عبد الرحمن أنك أتبعتني بصرك فإن كان ذلك لشئ قلته كرهته فو الله ما أردت ما تكره. قال: فنطر في وجهي ثم خفض بصره إلى قدمي، ثم قال: يا عثمان أنت قاتل أو مقتول. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا علي بن محمد، عن ابن دأب، عن صالح بن كيسان، عن ابن النعمان بن بشير، عن أبيه قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعت الانصار


(1) إضافة على الاصل. (2) سقط في الاصل والمثبت يقتضيه السياق. (*)

[ 1076 ]

في سقيفة بني ساعدة، فأتيت أبي بن كعب فقلت: ألا أراك قاعدا في بيتك وهؤلاء قومنا يتداعون المهاجرين ؟ فأنطلق إلى قومك. فقال: والله ما أنتم من هذا الامر في شئ، وإنه لهم دونكم، يليها مهاجران ويقتل الثالث، ويفرع الامر فيكون ها هنا - وأشار إلى الشام - وان هذا لمبلول بريق محمد صلى الله عليه وسلم ثم أغلق بابه. * حدثنا بشر بن عمر قال، حدثنا أبن لهيعة...... (1) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مجلس يوما..... (2) ستكون بعدي فتنة. فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتدركني يا رسول الله ؟ قال: لا. فكبر. فقال عمر رضي الله عنه: أتدركني: قال: لا. فكبر. فقال عثمان رضي الله عنه: أتدركني يا رسول الله ؟ قال: نعم وستقتل فيها (3). * حدثنا عاصم بن علي قال، حدثنا ليث بن سعد، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط، عن عبد الله بن حوالة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من نجا من ثلاث فقد نجا، من نجا من ثلاث فقد نجا، من نجا من ثلاث فقد نجا. قالوا: ماذا يا رسول الله ؟ قال: موتي، وقتل خليفة مصطبر بالحق يعطيه (4) والدجال.


(1) بياض في الاصل بمقدار ثلث سطر. (2) بياض في الاصل بمقدار كلمة ولعلها " فقال ". (3) مجمع الزوائد 7: 225 - والبداية والنهاية 7: 208. (4) مسند الامام أحمد 4: 105، 109، 110 - 5: 33، 288. (*)

[ 1077 ]

* حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني الليث، وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن ربيعة بن لقيط أخبره، عن ابن حوالة الاسدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نجا من ثلاث فقد نجا، موتي، وخرج الدجال، وقتل الخليفة مصطبرا بالحق يعطيه. * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا عبد الوهاب بن محمد قال، حدثني الوليد بن مسلم قال، حدثنا ابن لهيعة، وليث بإسناده بنحوه، قال: فسئل ابن لهيعة والليث: من هذا الخليفة المقتول ؟ فقالا: عثمان. * حدثنا رجاء بن سلمة قال، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي، عن أبي السلماني، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى البحرين، فقال له رجل من اليهود: إن النبي صلى الله عليه وسلم مات اليوم، قال: وما علمك ؟ قال: إنه موقت خروجه فخرج لوقته، وموقت عمره فهذا آخر عمره، ثم قال: ماذا ؟ قال: ثم يملككم رجل يعمل بعلمه ويسير بسيرته فلا يمكث إلا قليلا، قال: ثم يموت، ثم يملككم رجل آخر سنين ثم يقتل. قال: أفتكا أم عن ملا ؟ قال: لا، بل فتكا. قال: ذلك إذن أهون. قال: ثم يستعمل عليكم رجل آخر سنين ثم يقتل. قال: أفتكا أم عن ملا ؟ قال: لا، بل عن ملا. قال: ذاك إذن أشد. ثم ماذا ؟ قال: ثم يسل عليهم السيف حتى يناديهم المنادي من السماء. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة،

[ 1078 ]

قال الشيباني حديثا قال: كان ليهودي حاجة إلى عثمان، واستعان عمرو بن العاص يعليها (1) له إلى عثمان فقضاها له، فقال اليهودي لعمرو: إن لك علي لحقا، وإن هذا الرجل مقتول، فإن استطعت ألا تكون فيمن يقتله فافعل، فإنكم لو قد قتلتموه لم تغزوا بقلب رجل واحد ولم تقاتلوا عدوكم بقلب رجل واحد. وسل الله عليكم سيفا لا يغمد إلى يوم القيامة. * حدثنا علي بن إبراهيم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن المثنى بن شعبة قال، أخبرني طلحة بن نافع أبو سفيان قال، قال جابر: خرجت في يوم شديد الحر في بعض حيطان المدينة، فإذا شيخ من اليهود كبير السن فقال: ممن أنت ؟ قلت: رجل من الانصار. قال: كيف رأيتم صاحبكم الذي استخلف وعمل صاحبيه ؟ قال: وكيف أنتم إن قتلتموه ؟ قلت: نقتله ؟ ! وغضبت. قال: إي والذي نفسي بيده لتقتلنه وليقومن بها من يتولى فيعيش الناس في زمانه في رفاهية، ثم يهلك فيقوم بها منه فلا يمكث إلا يسيرا ثم يهلك، ثم لا أدركت أنا ولا أنت الرابع أبدا. قال: فهممت به ثم تركته، فقلت: يهودي خبيث. قال: فذكرت قوله بعد، وقلت: قاتله الله أن كان عنده لعلم، ولولا أني عجلت عليه. * حدثني موسى بن مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا حماد ابن سلمة، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن أقرع مؤذن عمر قال: بعثني عمر رضي الله عنه إلى الاسقف فدعوته فجعلت أظلهما من الشمس، فقال عمر رضي الله عنه: يا أسقف، هل تجدنا


(1) كذا في الاصل. (*)

[ 1079 ]

في الكتب ؟ قال: نعم. قال: فكيف تجدني ؟ قال: أجدك قرنا. قال: فرفع عليه الدرة وقال: وعلى قرني مه ؟ قال: قرنا حديدا أمينا شديدا. قال: فكيف تجد الذي بعدي ؟ قال: خليفة صالحا غير أنه يؤثر قرابته. قال: يرحم الله عثمان، يرحم الله عثمان - ثلاثا - قال: فكيف تجد الذي بعده ؟ قال: أجد حدا حديدا. فوضع عمر رضي الله عنه يده على رأسه وقال: وازفراه، وازفراه، وازفراه. فقال: يا أمير المؤمنين إنه خليفة صالح ولكن يستخلف حين يستخلف والسيف مسلول والدم مهراق. * حدثنا علي بن محمد، عن ابن دأب، عن شرحبيل بن سعد قال، قال عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: خرجت مع عمر رضي الله عنه إلى الشام، فلحقت عثمان وعليا وطلحة والزبير، فلما طلع الفجر نزلوا فما تلعثم عثمان رضي الله عنه أن تقدم فصلى بهم، ثم قال: من يطيب لنا منزلا ؟ فقلت: أنا. فتقدمت فأصبت لهم منزلا فنزلنا، فما لبثنا أن أوتينا بلحم طير فطعمنا، ثم جاء قوم فيهم شيخ ذو هيبة فقال: إنه بلغنا أنكم سراة هؤلاء (1) القوم، ونحن من الطريق بحيث ترون، وخراجنا ثقيل، فلو كلمتم ملككم فخفف عنا من خراجنا. قالوا: نفعل، فقال لهم طلحة: أكنتم ترون هذا ينزل بكم ؟ قالوا: نعم، نجد صفة صاحبكم، وصفة الذي قبله، وصفة نبيكم إذا فرغ من العرب ثم أخذ في العجم مات، ثم يلي بعده رجل شديد القلب ضعيف البدن، يرمي الشرق والغرب بشهابين من نار، يكون مثله مثل النار في الحطب الرطب،


(1) في الاصل " سراة وهؤلاء ". (*)

[ 1080 ]

يكثر الدخان ويقل الاكل، ثم يهلك، فيلي من بعده رجل شديد القلب والبدن، يتابع الجيوش إلى الشرق والغرب، مثله مثل النار في الحطب اليابس، يفل الدخل ويكثر الاكل - إي والله - ويعرف عقيرتكم التي تنحرون. فنظر عثمان إلى علي وعلي إلى عثمان، فقال له عثمان: اسكت، فنحن أعلم بأمرنا منك، ولامه القوم وقالوا علام تتنبأ ؟ فقال: لو علم أمير المؤمنين بهذا لنكلكم. وقام الشيخ فخرج. فقالوا لي: اكتم الحديث. وجاء عمر مؤخرا فنزل عند شجرات في ناحية الغرب، ثم ارتحل، فلما كان الغد ونزلنا منزلا أرسل إلي فقال: إيها عن حديث النصراني ؟ فقلت: لا إيها. فقال: لتخبرني أو لاسيلن دمك علي عقبيك. فأخبرته فأرسل للقوم وأرسل إلي فقال: حدثنا حديث النصراني، فقال (1): ذكر لي ولابن مسعود خبر وفد نجران أن فيهم رجلا يعلم علما، فأتيناه فحدثنا حديثا كرهناه، فقلنا (لا (2)) ينبغي لنا أن نسأل هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته حين خرج للصلاة فقلت: أستغفر الله يا رسول الله. قال: أحسنت، ومما ذاك ؟ فحدثته الحديث، فقال: قد صدقكم، وفيه ما لم يخبركم به، وأنا أعلم به منه، فلا تسألوا أهل الكتاب، فإن حدثوكم بما تحبون لن تصدقوهم، وإن حدثوكم بما تكرهون وجلتم. فقال عمر: فهل تهددكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: لا. (قال (3)): لكني أتهددكم، والله


(1) كذا في الاصل، ولعلها " فقلت ". (2) إضافة يقتضيها السياق. (3) إضافة يقتضيها السياق. (*)

[ 1081 ]

لئن بلغني أنكم سألتم أحدا من أهل الكتاب لاوجعنكم ضربا، قوموا فقد وسم لنا من أمركم وسم. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا مهدي بن ميمون قال، حدثنا ابن أبي يعقوب، عن الوليد بن مسلم، عن جندب ابن عبد الله قال: بلغني عن حذيفة رضي الله عنه أنه ينال من أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، فأتيته فقلت له: بلغني أنك تنال من أمير المؤمنين عثمان قال: أجل فما ذعرك ؟ فإنه: ذعرني (1)، أما إنه سيقتل. قلت: فأين هو ؟ قال: في الجنة. قلت: فأين قتلته ؟ قال: في النار، وإني لاعلم قائد فتنة في الجنة وأتباعه في النار (2). * حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا أبو الأشهب قال، حدثني حبيب بن الشهيد قال، حدثني الوليد، عن جندب رضي الله عنه قال: بلغنا حديث ذكره حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في عثمان بن عفان رضي الله عنه فأنكرته من مثله لمثله، فأتيته عند صلاة الصبح فسلمت عليه ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، فإذا رسوله قد أتبعني فردني، فدخلت عليه فقال: ما ردك ؟ فقلت: استأذنت - أو سلمت ثلاثا فلم يؤذن لي. فقال: أما إنك لو استأذنت أكثر من ذلك لم يؤذن لك. قال: وحسبتك نائما. قال: ما كنت لانام حتى أعلم من أين تطلع الشمس. قال: ما حديث بلغني عنك ذكرت به عثمان فأنكرته من مثلك لمثله ؟ فقال: قد كان بعض ذلك، أما إنهم قد ساروا إليه وهم قاتلوه. قلت: قاتلوه ؟ قال:


(1) في الاصل " فما ذعرك قال ذعرني أما إنه سيقتل ". (2) التمهيد والبيان لوحة 218. (*)

[ 1082 ]

قاتلوه - ثلاثا - قلت: فأين قتلته ؟ قال: في النار والله - قالها ثلاثا - قلت: فأين هو ؟ قال: في الجنة والله - قالها ثلاثا - ثم قال: أما إنها قد حضرت فتنة ففر منها. ثم قال: والله لانا أعلم بها من بطريق كذا وكذا. قلت: ما تأمرني ؟ قال: الزم الذي أنت عليه ولا تدعه إلى غيره فتضل. * حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الوليد بن هشام قال، أخبرني شيخ بالمدينة قال: شهدت بيعة عثمان رضي الله عنه، فجاء القوم - وحذيفة رضي الله عنه قاعد - فقالوا: بايعنا أمير المؤمنين ما أصدق حياءه وأكرمه، وأثنوا عليه. فقال حذيفة رضي الله عنه كلمة: رويدا أما والله لتقتلنه. فسمع رجل من القوم قول حذيفة فذهب إلى القوم فقال: إن حذيفة جاء بأمر عظيم ! ! قالوا: وما قال ؟ قال، قال لتقتلن أمير المؤمنين عثمان. فخرجوا غضابا وأخذوا بيد الرجل وذهبوا إليه فقالوا: لا نعلم أحدا أجرا على كذبة منك. قال: ثم قالوا: تزعم أنا نقتل أمير المؤمنين ! ! قال: فالتفت إلى جليسه فقال: عليك... (1). * حدثنا موسى بن إسماعيل، قال، حدثنا حماد بن سلمة.... (2) عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولتداعسن برماحكم على أبواب المساجد، اتق الله لا تخبرن أحدا، فقام الفتى من عنده فأتى محمد بن مسلمة، وسلمة بن سلامة فأخبرهما


(1) بياض في الاصل بمقدار ثلاث كلمات ولعله " بلعنة مثل أحد " كما سيرد في الخبر التالي. (2) بياض بمقدار ثلثي سطر، وصدر الحديث السابق وسياق ما هنا يدل عليه. (*)

[ 1083 ]

بما قال حذيفة، ثم قام حذيفة فمر بهما، فدعواه فقالا: أنت الكذاب، تزعم أنا سنقتل عثمان ونتداعس برماحنا على أبواب المساجد. فنظر حذيفة إلى الفتى فقال: أخبرهما، عليك بلعنة مثل أحد، والذي نفسي بيده لتقتلن عثمان ولتداعس برماحكم على أبواب المساجد. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا قيس، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش قال: قلت لحذيفة رضي الله عنه: ما هذه الاحاديث ؟ قد جاء فلان ابن فلان. فقال: عد ما تقول. فاستند إلى الحائط ثم قال: إنك لتحدثني حديث رجل إن أحد طرفيه لفي النار، والله ليخرجن إخراج الثور ثم ليشحطن شحط الجمل. * حدثنا يحيى، وحدثنا أبو بكر بن عياش، عن الاعمش، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن حذيفة: أن عثمان رضي الله عنه قال له: ما يبلغني عنك بظهر الغيب ؟ قال له حذيفة: والله ما أبغضتك مذ أحببتك، ولا غششتك منذ نصحت لك. قال عثمان: أنت أصدق عندي منهم وأبر، ثم خرج حذيفة، فبعث إليه فرده فقال: أما ما يبلغني عنك بظهر الغيب ؟ قال حذيفة: أجل، والله لتخرجن إخراج الثور ثم لتشحطن شحط الجمل. قال: فاتحدوا فكل سديد. فبعث إلى معاوية فذكره له، فقال له معاوية: ادفنها تحت قدميك، والله لئن سمعه الناس ليقولن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه إياه. (1)


(1) منتخب كنز العمال 5: 402 مع اختلاف في بعض الالفاظ. (*)

[ 1084 ]

حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الاعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن صخر بن الوليد، عن جزي بن بكير العنسي قال: جاء حذيفة رضي الله عنه إلى عثمان رضي الله عنه يسلم عليه ويودعه، فلما أدبر قال: ردوه، فقال: أما ما يبلغني عنك بظهر الغيب ؟ قال: والله ما أبغضتك مذ أحببتك، ولا غششتك منذ نصحت لك. قال: أنت - والله - عندي أبر منهم وأصدق. فمضى فقال: ردوه، فردوه فقال: أما ما يبلغني عنك (بظهر الغيب ؟ [ قال ] والله لتخرجن إخراج الثور ولتشطحن شحط الجمل. فأخذه من ذلك أفكل - يعني رعدة - فبعث إلى معاوية رضي الله عنه فأتي به فقال: ألم تر إلى ما قال حذيفة ؟ قال: وما قال ؟ قال: والله لتخرجن إخراج الثور ولتشحطن شحط الجمل. قال: أوه، ادفنها. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: لقد روي عن حذيفة في عثمان رضي الله عنه أحاديث أشهد أن كانت لمقالة كذاب) (1). * حدثنا علي بن محمد، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه قال: قدم عبد الملك بن مروان المدينة فصلى صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس بوجهه فقال: يا أهل المدينة، الحمد لله الذي أذلكم بعد عزكم، ووضعكم بعد


(1) ما بين الحاصرتين منسوخ في الاصل بخط مغاير، وواضح أنها محاولة من قارئ لتوضيح كلام مطموس أو غير واضح، والمحاولة في صدر الحديث التالي أوضح لان بعض الكلمات بالخط الاصلي وبعضها بخط القارئ المشار إليه والله أعلم. (*)

[ 1085 ]

ارتفاعكم، وأنزل بكم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، أما والله لو قتلتم في نواحيها لكنتم لذلك أهلا، إنما مثلكم مثل القرية التي وصفها الله " كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (1) " فقام إليه رجل من ولد معاذ القارئ (2) الانصاري فقال: اقرأ الآية التي بعدها " ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه (3) " أفنحن كذبناه ؟ لا والله، ولكن نصرناه وآمنا به. فقال: اسكت، فو الله لئن تكلم ثان لاضربن عنقه، ثم دخل منزله وبعث إليه فدعاه فقال: ويلك، أما تركت حماقتك ؟ قال: وعهدتني أحمق ؟ قال: فما كان يؤمنك أن أقتلك غضبان فيضرك وأندم راضيا فلا ينفعك ؟ قال: قد وقى الله شرك. قال: حدثني حديث أبيك عن علي رضي الله عنه حين دخل على عثمان رضي الله عنه. قال: أرسل عثمان إلى أبي وعبد الله بن حنظلة، وعبد الله - أو عبيدالله - ابن عدي بن الخيار، ورجال من قريش والانصار، فقال: إنكم محببون في قومكم منظور إليكم، وقد أحببت أن أعلم ما لي عندكم. قال عبيد الله بن عدي، دعوتنا لامر لم نعد له جوابا، فأمهلنا ننظر. فخلوا في ناحية الدار، ودخل علي رضي الله عنه فقال:


(1) سورة النحل، آية 112. (2) هو معاذ بن الحارث الانصاري من الخزرج ثم من بني النجار، ويكنى أبا حليمة وقيل يكنى أبا الحارث شهد غزوة الخندق، وقيل لم يدرك من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ست سنين، غلب عليه معاذ القاري وعرف بذلك، وهو الذي أقامه عمر بن الخطاب فيمن أقام في شهر رمضان ليصلي التراويح بالناس، قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين (أسد الغابة 4: 378 - والاستيعاب 1: 248). (3) سورة النحل، آية 113. (*)

[ 1086 ]

يا عثمان ما هذا المنحى، أدونك أم بإذنك ؟ قال: كل ذاك. فقال: أما إنهم نعم الفتية فاتق الله يا عثمان وثب إلى الله. قال: ما فعلت إلا حقا، أتريد أن تشهد علي وتقررني ؟ قال: أنت وذاك، أما لكأنني بك قد أخذ منك بالحنو فذبحت كما يذبح الجمل. قال: لك مثل السوء. وخرج علي رضي الله عنه. فقال عبد الملك: أكنتم تعدون عثمان رضي الله عنه حليما ؟ قال: وفوق ذلك. * حدثنا علي بن محمد، عن أبي دأب قال: قدم عبد الملك المدينة وهو غضبان على أهلها، فصلى بهم بصلاة الصبح، فقرأ بهم في الركعة الاولى " الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله (1) " و " إذا زلزلت " وقرأ في الركعة الثانية سورة الفتح، و " إذا جاء نصر الله (2) " ثم خرج وعليه جبة خز، وكنا بين يديه نسمعه عابسا قد حفت به الحراب، وأهل المدينة يسبحون، فقال: يا أهل المدينة، مالكم تسبحون كأنكم أنكرتم دخولنا المسجد ؟ أما والله لو قتلتكم في نواحيها لرأيتكم حلالا، الحمد لله الذي أذلكم بعد عزكم ووضعكم بعد ارتفاعكم وأنزل بكم بأسه الذي لا يرده عن القوم المجرمين، إنما مثلكم مثل القرية التي ضرب الله مثلها " قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (3) "


(1) سورة محمد، آية 1. (2) سورة النصر، آية 1. (3) سورة النحل، آية 112. (*)

[ 1087 ]

فقام إليه محمد بن عبد الرحمن بن عبد القارئ (1) قال: قلت: والله على (2) الباطل وعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، اقرأ الآية التي بعدها " ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه (3) " أفنحن كذبناه ؟ لا والله ولكن نصرناه وعزرناه. فقال عبد الملك: اسكت لا سكت، أما والله لئن قام الثاني لاضربن عنقه، يا أهل الشام إن أبا هذا كان رجلا صالحا. قال (ثم تلا قوله تعالى (4) " وكان أبوهما صالحا (5) " إلى آخر الآية، قم يا ابن مصقلة، فبين لهم فقام فقال: يا أهل المدينة، شاهت الوجوه، أنتم والله أخبث الناس أنفسا وأخبث حجرا ومدرا، أنت يا ابن قينة... (6) لعنة الله عليك إنما كانت أمك تصعد خبوبا وتبرك تسولا تتلقى الركبان. فوضع عبد الملك يده عليه (وقال له يا ابن عبد قد رأيت ما صنعت، وقد عفوت ذلك عنك، وإياك أن تفعلها بوال بعدي فأخشى ألا يحمل لك ما حملت (7) يا محمد بن عبد الرحمن تعال ويلك أما تركت حماقتك ؟ قال ! وعهدتني أحمق ؟ قال: لا ولكن عهدتك عاقلا لبيبا، ولكن أمنت أن أقتلك غضبان فيضرك، وأندم راضيا فلا ينفعك. قال: فقد وقى الله شر ذلك، بهذا نحن نتكلم فما أدخل


(1) كذا في الاصل وقد سبق، في ص 1086 أنه معاذ القاري، وما هنا يتفق مع طبقات ابن سعد 5: 232. (2) كذا في الاصل. (3) سورة النحل، آية 113. (4) بياض في الاصل بمقدار ثلاث كلمات والمثبت يقتضيه السياق. (5) سورة الكهف، آية 82. (6) بياض في الاصل بمقدار كلمة ولعلها " ألا ". (7) بياض في الاصل بمقدار نصف سطر، والمثبت عن طبقات ابن سعد 5: 232. (*)

[ 1088 ]

هذا الاعرابي بيننا ؟ قال: أحببت أن أكفى. وقال: فكيف رأيت رفقي ؟ ! (ثم (1) قال: ويحكم يا أهل المدينة، أنتم والله أحب الناس إلي، ولو صلحتم أحب إلي من نفسي. حدثني حديث أبيك وعثمان حين دخل عليكم (علي (2). قال: حدثني أبي أن عثمان أرسل إليه وإلى عبيد الله بن عدي وعبد الله بن حنظلة فقال: إنكم محببون في قومكم منظور إليكم. فقال عبيد الله: دعوتنا لامر لم ننظر فيه قبل: فمر لنا بكتاب نكتب فيه ما تريد. فدعا له بصحيفة ودواة، فجلسوا يكتبون، فدخل علي رضي الله عنه فقال: يا عثمان، ما هذا المنحى، أبإذنك أم دونك ؟ قال: كل ذاك بإذني ودوني. قال: أما إنهم نعم الفتية، ثب إلى الله يثب عليك. قال: ما فعلت إلا حقا، أتريد أن تقررني وتشهد علي ؟ قال: أنت وذاك، أنت إذن أم باطل. قال: قد عرفتها في امرأة فركت (3) زوجها فقتلت نفسها، لك مثل السوء، إلي تضرب الامثال، ولله المثل الاعلى. قال عبد الملك: أكنتم تعدونه حليما ؟ قال: وفوق ذلك (4). (كلام عمرو بن العاص في عثمان رضي الله عنهما) (*) * حدثنا علي بن محمد، عن أبي مخنف، عن عبد الملك ابن نوفل بن مساحق، عن أبيه قال: عزل عثمان رضي الله عنه عمرو بن العاص رضي الله عنه عن مصر، فكان واجدا عليه.


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) إضافة على الاصل. (3) فركت زوجها: أي كرهته كرها شديدا وأبغضته. (القاموس المحيط). (4) الموفقيات لابن بكار ص 496. (*) وانظر أنساب الاشراف 5: 74 - والغدير 9: 135 - 139. (*)

[ 1089 ]

* حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب: أن هدايا ابن سعد (1) حين قدمت على عثمان بعث إلى عمرو بن العاص ليحضرها، فلما حضرها وهي تعرض قال: أبا عبد الله، الآن درت اللقاح. قال عمرو: الآن هلكت الفصال. * حدثني محمد بن يحيى قال، حدثني غسان بن عبد الحميد قال: كان عمرو بن العاص من أشد الناس طعنا على عثمان رضي الله عنه، وقال: والله لقد أبغضت عثمان وحرضت عليه حتى الراعي في غنمه والسقاية (2) تحت قربتها. * حدثنا عبيد الله بن محمد بن حفص قال، حدثني أبي قال: لما قدم عمرو بن العاص رضي الله عنه قال له عثمان رضي الله عنه: قم فأعذرني في الناس. فقال فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيكم من هو أطول صحبة له مني، والله إن كانت الخصاصة لتكون فيخص بها نفسه وأهله، وإن كانت السعة لتكون فيعم بها الناس، أكذاك كان ؟ فقالوا: نعم صلى الله عليه، قال: ثم ولي أبو بكر رضي الله عنه فسلك منها جولات والله وإنه لفي خلق ثوب ما له غيره، أكذاك كان ؟ قالوا: نعم يرحمه الله. قال: ثم ولي عمر رضي الله عنه فبعجت له الدنيا عن بطنها، وألقت إليه..... (3) كبدها،


(1) هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث القرشي وهو الذي استعمله عثمان على مصر بعد أن عزل عمرو بن العاص عنها. (2) كذا في الاصل، وانظر الغدير 9: 136. (3) بياض بمقدار كلمة. (*)

[ 1090 ]

ففرص منها فرصا، وجانب غمرتها: ومشى (في (1) ضحضاحها فخرج - والله - منها وما بلت عقبيه، ثم ولي عثمان رضي الله عنه فقلتم تلومونه، وقال يعذر نفسه، فارضوا به، فإن.... (2). فقال عثمان: أنت منذ اليوم فيما لا ينفع أهلك...... (3) * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: أرسل عثمان إلى طلحة رضي الله عنهما يدعوه، فخرجت معه حتى دخل على عثمان رضي الله عنه - قال وعنده علي وسعد والزبير ومعاوية - فحمد الله معاوية وأثنى عليه وقال: أنتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيرة الارض، وولاة أمر هذه الامة، لا يطمع في ذلك أحد غيركم، اخترتم صاحبكم من غير غلبة ولا طمع، وقد كبرت سنه وولى عمره، ولو انتظرتم به الهرم - وكان قريبا - مع أني أرجو أن يكون أكرم على الله من أن يبلغ به ذلك، ولقد فشت قالة خفتها عليكم، فما عتبتم فيه من شئ فهذه يدي به لكم (4)، ولا تطمعوا الناس في أمركم، فو الله لئن طمعوا في ذلك لا رأيتم منها أبدا إلا إدبارا. فقال علي رضي الله عنه: مالك ولذاك لا أم لك. فقال: دع أمي فهي ليست بشر أمهاتكم، قد أسلمت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجبني فيما أقول لك. فقال عثمان رضي الله عنه: صدق


(1) إضافة على الاصل من الموفقيات ص 496. (2) بياض في الاصل بمقدار ثلث سطر. (3) بياض في الاصل بمقدار ثلث صفحة، وانظر الخبر مطولا في الموفقيات ص 496. (4) في شرح نهج البلاغة 2: 138 " فهذه يدي لكم به رهنا ". (*)

[ 1091 ]

ابن أخي، إني أخبركم عني وعما وليت، إن صاحبي اللذين كانا قبلي طلقا أنفسهما، وكان ذلك منهما احتسابا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي قرابته، وأتاني رهط أهل عيلة وقلة معاش فبسطت يدي في شئ من ذلك لمكاني مما أقوم به، ورأيت أن ذلك لي، فإن رأيتم ذلك خطأ فردوه وأمري لامركم تبع. قالوا: أصبت وأحسنت. قال أعطيت عبد الله بن خالد بن أسيد، ومروان - وكانوا يزعمون أنه أعطى مروان خمسة عشر ألفا وابن أسيد خمسين ألفا - قال: فردوا ما رأيتم من ذلك. فرضوا وقنعوا وخرجوا راضين (1). * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا نعيم بن محمد قال، حدثنا الفضل بن موسى، عن الاعمش، عن حبيب بن أبي ثابت قال: قال معاوية لعلي رضي الله عنهما: لو تنحيت، فإن هذا الرجل إن أصيب اتهموك. فقال علي رضي الله عنه: يا قاص كذا وكذا، مالك وما هناك. فقال معاوية رضي الله عنه: لا تشتم أمي فإنها ليست بدون أمهاتكم (2). * حدثنا علي بن محمد، عن عيسى بن يزيد، عن صالح ابن كيسان قال: حج عثمان ومعاوية - رضي الله عنهما - معه، فأمره عثمان رضي الله عنه، فتكلم فقال: يا أيها الناس، إنكم قد اجتمعتم في أعظم حرمة لله، والله لا أقول في مقامي هذا إلا حقا هيبة لله وحرمته، وخيفة من الله وعقوبته، إن هؤلاء الرهط من المهاجرين قد أنعم الله عليهم في أنفسهم، وأنعم على المسلمين بهم،


(1) وانظر في أعطيات عثمان رضي الله عنه لبني أمية وغيرهم. الغدير 8: 286. (2) وبمعناه في الامامة والسياسة 1: 49. (*)

[ 1092 ]

فهم ولاة هذا الامر ما بقي منهم إنسان، وهذان البلدان - المدينة ومكة - خير البلدان، فالتابعون ينظرون إلى السابقين، والبلدان ينظرون إلى هذين البلدين، وإني قد رأيتكم بطرتم نعمكم، ونشبتم في الطعن على إمرتكم، وإني والله إن صفقت إحدى يدي على الاخرى لم يقم السابقون للتابعين، ولا البلدان على البلدان وما هم في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الاسود، فلا ينزعن أمركم من أيديكم، ولا يخرجن من بين أظهركم، فإياكم إياكم، فرب أمر يستأنى فيه وإن كره خيفة لما في عاقبته (1). * حدثنا محمد بن سعيد الدمشقي قال، حدثنا عبد الكريم ابن يزيد، عن موسى بن محمد بن طلحة، عن أبيه قال: إني لمع أبي في المنزل حين أتاه رسول عثمان يدعوه، فقام يلبس ثوبه، ثم أتاه رسول ثان، ثم أتاه رسول ثالث، فانطلق وانطلقت معه فإذا عثمان جالس وعنده المهاجرون وعيون الانصار وفي قدمة قدمها مع معاوية، فلما رأيتهم علمت أنه ليس مجلسي، فتنحيت ناحية، فتكلم عثمان فعلمت أنه كان ينتظر أبي، فحمد الله وأثني عليه ثم قال: إنكم نقمتم علي رجالا استعملتهم بهذه الاعمال، فولوها من أحببتم. ونقمتم علي هذا الحمى، وإني نظرت فرأيت المسلمين لا يستغنون عن إبل معدة لهم للنائبة تنوب، وللامر يحدث، فحميت لها حمى، وإني أشهدكم أني قد أبحتها، ونقمتم علي إيوائي الحكم بن أبي العاص، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يقبل توبة الكافر، وإن الحكم تاب فقبلت توبته، ولعمري لو كانت


(1) وانظر الامامة والسياسة 1: 49، 50. (*)

[ 1093 ]

ثمت بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما مثل رحمه بي لآوياه، ونقمتم علي أني وصلته بمالي، والله ما هو إلا مالي، أنشدك بالله يا طلحة هل أخذت له من بيت ما لكم درهما ؟ قال: اللهم لا. فقال معاوية رضي الله عنه: إنكم معشر المهاجرين قد علمتم أنه ليس منكم إلا قد كان في عشيرته من هو أشرف منه، بعث الله رسوله فأسرعتم إلى الله، وأبطأوا عنه، فسدتم عشائركم حتى إنه ليقال بنو فلان، رهط فلان، وإن هذا الامر ثابت لكم ما استقمتم، فإني قد أراكم وما تصنعون، وإني والله لئن لم تتركوا شيخنا هذا يموت على فراشه ليدخلن فيكم من ليس منكم. فقال علي رضي الله عنه: وما أنت وهذا يا ابن اللخناء ؟ فقال معاوية رضي الله عنه: مهلا أبا حسن، فو الله ما هي بأخس نسائكم، ولقد أسلمت وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته وصافحته، وما رأيته صافح امرأة قط غيرها. قال: فنهض علي رضي الله عنه مغضبا، فقال له عثمان رضي الله عنه: اجلس. قال: لا أجلس. قال: عزمت عليك. فأبى، فأخذ عثمان رضي الله بطرف ردائه، فتركه من يده وخرج (1). * حدثنا علي بن محمد، عن أبي دينار - رجل من بني دينار ابن النجار -، عن أبي معبد الاسلمي، عن قيس بن طلحة قال: خرج معاوية رضي الله عنه من عند عثمان رضي الله عنه فمر به نفر من المهاجرين فقال: استوصوا بشيخي هذا خيرا، فو الله لئن قتل


(1) أنساب الاشراف 5: 28، 126 - والغدير 8: 242، 243 - ومرآة الجنان 1: 85 - والمعارف لابن قتيبة ص 84 - والعقد الفريد 2: 261 - والمستدرك 4: 481 - ومنتخب كنز العمال 6: 39، 90 - والتمهيد والبيان لوحة 78 - وأسد الغابة 2: 34 - والسيرة الحلبية 1: 337. (*)

[ 1094 ]

لا أعطيكم إلا السيف. ثم أتى عمارا فقال: أبا اليقظان، إني تركت بالشام أكثر من عدد أهل الحجاز، كلهم شجاع فارس، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويحج البيت، لا يعرف عمارا ولا سابقته، ولا عليا ولا قرابته، فإياك أن تنجلي الغمة فيقال هذا قاتل عمار. فقال: أبالقتل تخوفني ؟ والله يا بني أمية لا تسبوني ونقول أحسنتم. * حدثنا هارون بن عمر المخزومي قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث بن سعد: أن معاوية رضي الله عنه لما سمع الذي كان من معاتبة - أو كلمة تشبهها - أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان أقبل من الشام بغير إذن، فدخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عليا وطلحة والزبير رضي الله عنهم في ناحية المسجد يتحاورون، فسلم عليهم ثم قال: أبإذن منكم ؟ قالوا: نعم يا معاوية. فقعد فقالوا: ما جاء بك ؟ قال: الذي دخل بينكم، فإن الناس قد رأوا أن هذا الامر ميراث لكم أيها النفر، ليس لاحد فيه حق معكم، حتي إنهم ليقولون فلان بعد فلان، وفلان بعد فلان كأنه ميراث، وإن تصلح ذات بينكم لا يطمع أحد في منازعتكم، وإن تختلفوا يدخل عليكم غيركم. قالوا: ومن ذاك ؟ قال: أنا أولهم، فوقع به علي فضعف من أمره، فقام فدخل على عثمان رضي الله عنه، فقال: معاوية ؟ قال: نعم. قال: ما جاء بك ؟ قال: الذي بلغني من أمرك وأمر أصحابك، ثم أخبره بما كلم به عليا وأصحابه، وما أجابه به علي، ثم قال له: إني قد جئت معي بظهر فاركب الآن فاقدم على أهل الشام، فإنك أحب الناس إليهم حتى ترى رأيك. فقال: ما أريد أن أفر. قال: فأذن للناس في القتال.

[ 1095 ]

لا أريد أفتح سنة السور قال: فبقيت أخرى، إن رأيت أن تردني إلى عملي فافعل. قال: نعم، ولاك من هو خير مني: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاخرج إلى عملك. فركب ثم قال لمن حضره: يا أهل المدينة دونكم جزوركم - يريد عثمان - وستعلمون كيف العاقبة (1). * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا أيوب بن سويد قال، حدثنا مطرف بن أبي بكر الهذلي، عن أبيه، عن الزهري قال، كان أمراء الاجناد يقدمون على عثمان في كل عام، فقدم عليه ابن أبي سرح من مصر، ومعاوية من الشام، وعبد الله بن عامر من البصرة وسعيد بن العاص من الكوفة، فقال لهم عثمان (2): يا بني أمية أنتم باطنتي دون ظاهري، وقد أكثر الناس شكايتي حتى تناولني بها البعيد، وآذاني بها القريب، فأشيروا علي ؟ فأشار عبد الله بن عامر - وكان امرأ سخيا - فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس إنما يرضيهم ما أسخطهم، وهي هذه الاموال، فأعطهم منها تستل بذلك سخائم صدورهم وضغائن قلوبهم وضبابها. ثم تكلم ابن أبي سرح فقال: يا أمير المؤمنين إن لك عليهم حقا ولهم عليك حقا، فأعطهم حقهم عليك وخذهم بحقك عليهم، واتبع سنة الدين قبلك يجتمعوا بالرضا عليك. ثم تكلم سعيد بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس قد


(1) وانظر في معناه التمهيد والبيان لوحة 89، 90. (2) في الاصل " له " والمثبت يقتضية السياق. (*)

[ 1096 ]

أمروا وجموا حتى كبرت كبراهم، فابعثهم جيوشا وجمرهم (1) في المغازي حتى تكون دبرة دابة أحدهم أهم إليه من التفكر في أمر الائمة. ثم تكلم معاوية رضي الله عنه فقال: إني سمعت الذي قالوا فليسمعوا الذي أقول. ليكلفك كل رجل منهم مصره، وأكفيك الشام، فلن تؤتى من الشام أبدا (2). * عن المدائني، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل ابن مساحق، عن أبيه بنحوه. قال المدائني: ويقال إن سعيد بن العاص هو قائل المقالة التي رويت عن ابن أبي سرح، قال المدائني وهو الذي أعتقد. قال: وقال معاوية رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين إنك قد بلغت من صلتنا ما يبلغه كريم قوم من صلة قوم، حملتنا على رقاب الناس، وجعلتنا أوتاد الارض، فخذ كل رجل منا بعمله وما يليه يكفك. قال: فأخذ بقول معاوية ورد عماله إلى أمصارهم. فقال له معاوية رضي الله عنه: اخرج معي إلى الشام فهم سيعتك وأنصارك. فقال: ما كنت لا فارق مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسجده ومنازل أزواجه. قال: فإذ أبيت فإذن لي أجهز إليك جيشا من الشام تطأ بهم من رابك. قال: لا أكون أول من أذل المهاجرين. قال:


(1) جمر الجيش في المغازي: حبسه في أرض العدو ولم يقفله - وفي الحديث الشريف " لا تجمروا الجيش فتفتنوهم ". (2) وانظر تاريخ الطبري 5: 94 - 99 - والغدير 9: 53 - وشرح نهج البلاغة 2: 135 - والكامل لابن الاثير 3: 149 - والتمهيد والبيان لوحة 86. (*)

[ 1097 ]

فلا تخرج ولا تأذن لي أوجه إليك جيشا ؟ ! أنت مقتول. ثم خرج إلى المسجد وفيه نفر من المهاجرين فقال: أوصيكم بشيخي هذا خيرا، والله لئن أحدثتم فيه حدثنا لا أعطيكم إلا السيف. فقال بعضهم: ألا تسمعون لما يقول هذا ؟ فرد عليهم آخرون: لا تلوموه أن يتكلم في ابن عمه (1). * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا الهيثم بن عدي، عن ابن عياش قال، قال عبد الله بن عباس: قدم سعيد بن العاص من الكوفة حاجا فمرض بمكة، فدخل عليه (علي رضي الله عنه (2)) يعوده وعنده معاوية، وعبد الله بن عامر، وعبد الله بن خالد بن أسيد، فأوسعوا له عند رأسه، فسأله، فلما فرغ قال له معاوية: أبا حسن، إني قائل لك قولا فإن كرهته فاصبر على ما تكره منه فإن من ورائه ما تحب، إنه والله ما صاحبنا غيرك، ولو سكت عنا ما نطق من قال معك، وما يغصب أمرنا إلا بك، وإن الذين معك اليوم لعليك غدا، ولئن لا يشنأك لنكونن أحب إليهم منك، وباطلنا أحب إليهم من حقك، إنك والله ما أنت بقوي على ما تريد، ولا نحن بضعفاء عما نطالب. فقال علي: يا معاوية أفتراني أقعد أقول وتقول ! ! ثم خرج. قال ابن عباس، فلقيته فعرفت الغضب في وجهه، فدخلت على سعيد بن العاص فسألته، ثم قلت لهم: كأنكم أنفرتم شيخكم ! فقال معاوية: أردنا تسكينه فنفر. فقلت: ولم ؟ فو الله إنه لوقور


(1) وانظر في معناه تاريخ الطبري 5: 101. (2) إضافة يقتضيها السياق. (*)

[ 1098 ]

غيور يسيق (1) بغير مضغ، فإياكم يا بني أمية. لا تمثلوا به فيمثل بكم. قال: وكان معاوية وعمرو رضي الله عنهما عند عثمان رضي الله عنه، فقال لهما: قوما فأعذراني. فخرجا، فقال معاية لعمرو: تكلم. قال: بل أنت فتكلم فأنت أعلم بعذر صاحبك، فقال معاوية: يا أهل المدينة إن قولكم اليوم سنة على من سواكم، وحكم على من خالفكم، وقد خلى الناس بينكم وبين أمركم في هذا الرجل، فإن تركتموه حتى يمضي قام الامر فأقمتم به، وكان لكم وإليكم، وإن أمضيتموه وأقمتم أتهمكم الناس على حكمكم وحكموا عليكم، وإن الفتنة تنبت على ثلاث: على التخون ثم السكون ثم الخلع وهي العظمى، وفيها يصير الصغير كبيرا والشريف وضيعا، ويقول فيها من لم يكن يسمع منه فيسمع له، ولا يقال معه. ودعا عثمان عليا وطلحة والزبير وعمرو بن العاص رضي الله عنهم ليذروه فقال الوليد بن عقبة: دعونا رجالا من قريش لينطقوا * بعذر أبي عمرو فلم يحفظوا الحرم فأما علي فاختلاجة أنفه * وطلحة قد أشجى وعمرو قد اصطلم ولولا علي كان جل مقالهم * كضرطة عير بالصحاصح من إضم ولكنه مهما يقل يسمعوا له * ومهما مضى فيما أحاذره أمم * حدثنا القاسم بن الفضيل قال، حدثني عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد قال: دعا عثمان رضي الله عنه ناسا من أصحاب


(1) يسيق: أي يتابع الكلام في يسر. (*)

[ 1099 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم عمار فقال: إني سائلكم، أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤثر قريشا على سائر الناس ويؤثر بني هاشم على سائر قريش ؟ فسكت القوم، فقال: لو أن مفاتيح الجنة في يدي لاعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم، والله لاعطينهم ولاستعملنهم على رغم أنف من رغم. فقال عمار: على رغم أنفي ؟ قال: على رغم أنفك. قال: وأنف أبي بكر وعمر ؟ فغضب عثمان رضي الله عنه فوثب إليه فوطئه وطأ شديدا، فأجفله الناس عنه، ثم بعث إلى بني أمية فقال: أيا أخابث خلق الله أغضبتموني على هذا الرجل حتى أراني قد أهلكته وهلكت. فبعث إلى طلحة والزبير فقال: ما كان نوالي إذ قال لي ما قال إلا إن أقول له مثل ما قال، وما كان لي على قسره من سبيل، اذهبا إلى هذا الرجل فخيراه بين ثلاث، بين أن يقتص أو يأخذ أرشا أو يعفو. فقال: والله لا أقبل منها واحدة حتى ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشكوه إليه. فأتوا عثمان. فقال: سأحدثكم عنه، كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بيدي بالبطحاء فأتى على أبيه وأمه وعليه وهم يعذبون، فقال أبوه: يا رسول الله أكل الدهر هكذا ؟ قال: قال: اصبر ياسر: اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت (1). * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن المغيرة قال: اجتمع ناس فكتبوا عيوب عثمان، وفيهم - ابن


(1) وانظر في هذا أنساب الاشراف 5: 48 - والغدير 9: 15 - 18 - وشرح نهج البلاغة 1: 238 - والعقد الفريد 4: 307 - ومنخب كنز العمال 5: 246. (*)

[ 1100 ]

مسعود - فاجتمعوا بباب عثمان ليدخلوا عليه فيكلموه، فلما بلغوا الباب نكلوا إلا عمار بن ياسر فإنه دخل عليه فوعظه، فأمر به فضرب حتى فتق فكان لا يستمسك بوله. فقيل لعمار: ما هذا ؟ قال: إني ملقى من قريش، لقيت منهم في الاسلام كذا، وفعلوا بي كذا، ثم دخلت على هذا - يعني عثمان - فأمرته ونهيته، فصنع ما ترون، فلا يستمسك بولي. قال: وكان حيث ضرب وقع عليه رجل من قريش فقال: أما والله لئن مات هذا ليقتلن ضخم السرة من قريش. قال وهو جد هشام ابن عبد الملك (1). * حدثنا علي بن محمد، عن أبي عبد الرحمن العجلان، عن عكرمة بن خالد قال: كلم هشام بن الوليد عثمان أن يكف عن عمار، فقال: اسكت يا ابن القسرية. فقال هشام بن الوليد: لئن مت يا عمار لاقتلن بك رجلا تملا سرته قادمة الرحل من بني أمية. فقال له عثمان: أأنت يا ابن القسرية ؟ ! قال: إنهما اثنتان تأكلان الثريد. قال: لا أم لك، ولا واحدة إلا بعد شر. فقالت أم سلمة: فإنه قتل أبا أزيهر. قال: اسكتي فإن أباك مات باليمن، وقال هشام ابن الوليد لعثمان رضي الله عنه: لساني طويل فاحذرن شداته * عليك وسيفي من لساني أطول (2)


(1) أنساب الاشراف 5: 48 - والغدير 9: 15، 16، 20 - والرياض النضرة 2: 184 - وتاريخ الخميس 2: 271 - وشرح نهج البلاغة 4: 463 - والامامة والسياسة 1: 53. (2) شرح نهج البلاغة 1: 239 - وأنساب الاشراف 5: 48. (*)

[ 1101 ]

* حدثنا عفان، حدثنا أبو محصن قال، حدثنا حصين بن عبد الرحمن قال، حدثني جهيم (الفهري (1)) قال: أنا شاهد للامر (2)، سعد وعمار فأرسلوا إلى عثمان أن ائتنا فإنا نريد أن نذاكرك أشياء أحدثتها، وأشياء فعلتها. فأرسل إليهم: أن انصرفوا اليوم فإني مشتغل وميعادكم يوم كذا وكذا حتى أتشوف لكم (3). فانصرف سعد وأبى عمار أن ينصرف، فتناوله رسول عثمان فضربه، فلما اجتمعوا للميعاد ومن معهم قال لهم عثمان: ما تنقمون ؟ قالوا: ننقم عليك ضربك عمارا. فقال: جاء سعد وعمار، فأرسلت إليهما فانصرف سعد وأبى عمار أن ينصرف، فتناوله رسولي عن غير أمري، فو الله ما أمرت ولا رضيت، فهذي يدي لعمار فليصطبر. قال أبو محصن: يعني يقتص (4). * حدثنا هارن بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، قال حيوة، أخبرني ابن سمعان أنه سمع عمته ومن أدرك من أهله يذكرون: أن عثمان أمر بعمار بن ياسر فضرب في أمر نازعه فيه حتى أغمي عليه، فحمله زياد بن سمعان وناس معه إلى بيت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعقل، فصلى الناس الجمعة ثم صلوا العصر ولم يفق عمار ولم يصل حتى دنت الشمس


(1) الاضافة عن أنساب الاشراف 5: 51. (2) كذا في الاصل ولعلها " أجتمع سعد وعمار فأرسلوا إلى عثمان ". (3) أتشوف: أتعرض. (4) أنساب الاشراف 5: 51، 52 - وشرح نهج البلاغة 1: 238 - وتاريخ الخميس 2: 273. (*)

[ 1102 ]

أن تغرب، ثم أفاق قبل أن تغرب الشمس بقليل فصلى الاولى والعصر جميعا (1). * حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن كلثوم بن جبير بن أبي حفص، عن ابن عادية قال: سمعت عمارا رضي الله عنه يقع في عثمان رضي الله عنه ويشتمه بالمدينة، فتوعدته بالقتل (2). (ما جاء في كف عثمان رضي الله عنه عن القتال وأنه يقتل على الحق) * حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الاشعث الصنعاني، أن مرة بن كعب قال: لولا حديث سمعته من رسول الله صلي الله عليه وسلم ما قمت، ذكر الفتن فقربها فمر رجل مقنع في ثوبه فقال: هذا يومئذ على الهدى. فقمت إليه فإذا عثمان رضي الله عنه، فأقبلت عليه بوجهه فقلت هذا ؟ قال: نعم (3). * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا أبان بن يزيد قال، حدثني يحيى بن أبي كثير قال، حدثني أبو قلابة قاال: شهدت خطباء من أهل الشام في الفتنة الاولى، قابلنا منهم قوم ذوو عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام (4) رجل من بهز يقال له مرة بن كعب - من آخر الخطباء - فقال لولا كلمات (5) سمعتهن


(1) أنساب الاشراف 5: 49 - وتاريخ الخميس 2: 271. (2) مجمع الزائد 9: 298. (3) تاريخ الخلفاء ص 152 - والتمهيد والبيان لوحة 164. (4) في الاصل " فقال " ولعل الصواب ما أثبت. (5) في الاصل " كتاب " وما أثبته يقتضيه السياق. (*)

[ 1103 ]

من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أخطبكم اليوم، ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وهو يحدث أصحابه فقال في حديثه ستكون بعدي فتن. فبينما هو يحدثنا إذ مر رجل متقنع فقال: هذا يومئذ وأصحابه على الهدى. فاتبعت الرجل فكشفت وجهه فإذا هو عثمان رضي الله عنه، فأقبلت بوجهه على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: هذا يا رسول الله ؟ قال: نعم (1). * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا معاوية بن صالح قال، حدثني سليم بن عامر، عن جبير ابن نفير قال: كنا معسكرين مع معاوية فقام مره بن كعب البهزي فقال: أما والله لولا شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قمت هذا المقام، قال: فلما سمع معاوية رضي الله عنه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلس الناس. قال: حينما نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مر بنا عثمان بن عفان مرحلا معذقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتخرجن فتنة تحت رجلي - أي من تحت قدمي هذا - (وهذا (2) يومئذ ومن اتبعه على الهدى. قال: فقام عبد الله بن حوالة الازدي من عند المنبر فقال: إنك لصاحب هذا ؟ قال: نعم. قال: أما والله إني لحاضر ذلك المجلس، ولو كنت أعلم أن لي في الجيش مصدقا لكنت أول من تكلم فيه (3).


(1) صحيح الترمذي 3: 158 مع اختلاف في الالفاظ - وأسد الغابة 4: 351. (2) إضافة على الاصل. (3) مسند أحمد 4: 236 - وصحيح الترمذي 3: 159 - والبداية والنهاية 7: 208. (*)

[ 1104 ]

* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عبد الله بن حوالة رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم - وهو تحت دومة - وهو يكتب الناس، فرفع رأسه إلي فقال: يا عبد الله بن حوالة، أأكتبك ؟ فقلت: ما خار الله لي ورسوله. ثم أمل ساعة ثم رفع رأسه إلي فقال: يا ابن حوالة أأكتبك ؟ فقلت: ما خار الله لي ورسوله، فنظرت في الكتاب فإذا فيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقلت إنهما لم يكتبا إلا في خير موضع، فرفع رأسه إلي فقال يا ابن حوالة أأكتبك ؟ فقلت نعم. فكتبني، ثم قال: يا عبد الله، كيف أنت وفتنة تكون في أقطار الارض كأنها صياصي (1) البقر. والتي بعدها منها كنفجة (2) أرنب ؟ ؟ فقلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: اتبع هذا الرجل، فإنه يومئذ ومن تبعه على الهدى والحق. فتبعته فأخذت بمنكبه ثم لففته فقلت: أهذا ؟ قال: نعم. فإذا هو عثمان بن عفان. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم تهجمون على رجل معتجر ببرد حبرة يبايع الناس من أهل الجنة. فهجمنا على عثمان بن عفان رضي الله عنه (3). * حدثنا رجاء بن سلمة قال، حدثني أبي قال، حدثنا بشر ابن عبد الله السلمي قال، أخبرني عروة بن رويم اللخمي، عن شداد ابن حي، وعوف بن مالك قالا: بينما نحن مع رسول الله صلى الله


(1) صياصي البقر: قرونها (المعجم الوسيط). (2) نفجة الارنب: ثورته (المعجم الوسيط). (3) مسند أحمد 4: 109 - منتخب كنز العمال 5: 402. (*)

[ 1105 ]

عليه وسلم على طرف آرة (1) بالمدينة إذ ذكر اختلافا يكون فينا بعده، وأشار إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: تغدر بهذا يومئذ أمته. * حدثنا عفان قال، حدثنا وهيب قال، حدثنا موسى بن عقبة قال، حدثني جدي أبو حبيبة: أنه دخل الدار وعثمان رضي الله عنه محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة - وأذن له عثمان رضي الله عنه في الكلام - فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تكون فتنة واختلاف فعليكم بالامين وأصحابه، وهو يشير إلى عثمان رضي الله عنه. * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا وهيب بإسناده بنحوه. * حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا وهيب قال، حدثنا موسى ومحمد وإبراهيم بنو عقبة قالوا، حدثنا جدنا أبو أمنا أبو حبيبة بمثله. * حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال، حدثنا سليمان ابن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أن زيد بن خارجة الانصاري (2) ثم من بني الحارث بن الخزرج توفي في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه، فسجي بثوبه، ثم إنهم سمعوا


(1) جبل كبير لمزينة فوق رأس قدس مما يلي الفرع، وهو من أشمخ الجبال تخر من جوانبه عيون في كل عين قرية كبيرة أيضا (وفاء الوفا 4: 1117). (2) هو زيد بن خارجة بن زيد بن أبي زهير بن مالك الخزرجي من الانصار، شهد بدرا. قال ابن عبد البر في الاستيعاب هو الذي تكلم بعد الموت لا يختلفون في ذلك، وانظر الموفقيات ص 485 - والاستيعاب 1: 541 - والاصابة 1: 547. (*)

[ 1106 ]

جلجلة (1) في صدره، ثم تكلم فقال: أحمد أحمد في الكتاب الاول، صدق صدق أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه القوي في أمر الله في الكتاب الاول، صدق عمر بن الخطاب القوي الامين في الكتاب الاول، صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجهم، مضت أربع وبقيت سنتان، أتت الفتن وأكل الشديد الضعيف، وقامت الساعة، وسيأتيكم عن جيشكم خبر ببئر أريس، وما بئر أريس ! ! قال يحيى، قال سعيد: ثم هلك رجل من بني خطمة فسجي بثوبه، فسمعوا جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: إن أخا بني الخارث بن الخزرج صدق صدق (2). * حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا صالح بن موسى بن إسحاق بن طلحة بن عبيد الله، عن عبد الملك بن عمير قال: أرسلت امرأة من الانصار إلى النعمان بن يشير - وهو أمير في خلافة معاوية - تسأله عن كلام ابن خارجة عند الموت، فكتب إليها: أخبرك أني حضرته عند الموت فعرج بروحه حتى ما شككنا أنه الموت إذ أعاد الله إليه روحه فقال: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، كان ذلك في الكتاب الاول، صدق صدق صدق، أبو بكر خليفة رسول الله الضعيف في نفسه، القوي في أمر الله، كان ذلك في الكتاب الاول، صدق صدق صدق، عمر بن الخطاب القوي في نفسه القوي في أمر الله، كان ذلك في الكتاب الاول، صدق صدق صدق، عثمان بن عفان كان ذلك في الكتاب الاول، مضت


(1) الجلجلة: شدة الصوت. وقيل حكاية الصوت (تاج العروس). (2) وانظر الغدير 11: 103. (*)

[ 1107 ]

اثنتان وبقيت أربع، بئر أريس وما بئر أريس ! ! اختلف الناس، ارجعوا إلى خليفتكم فإنه مظلوم (1). * حدثنا عمرو بن قسط قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا ابن جابر قال، حدثني عمير بن هانئ العبسي قال، أخبرني النعمان بن بشير الانصاري قال: توفي رجل منا يقال له خارجة (2) ابن زيد فسجيت عليه ثوبا وقمت أصلي إذ سمعت في البيت ضوضاة فانصرفت وأنا أظن أن حية دخلت بينه وبين ثوبه، فلما وقفت عليه سمعته يقول: أجلد القوم أوسطهم عند الله عمر أمير المؤمنين، القوي في جسمه القوي في أمر الله، لا يأخذه في الله لومة لائم، كان في الكتاب الاول، صدق صدق عند الله، أبو بكر أمير المؤمنين الضعيف في جسمه القوي في أمر الله، كان في الكتاب الاول، صدق صدق عند الله، عثمان أمير المؤمنين، العفيف المتعفف الذي يعفو عن ذنوب كثيرة، خلت ليلتان وبقيت أربع، اختلف الناس فلا أحكام، أنتجت الاحمال، أيها الناس أقبلوا على إمامكم فاسمعوا له وأطيعوا، فمن تولى فلا يعهدن، وكان أمر الله قدرا مقدورا، هذا رسول الله، هذا عبد الله بن رواحة، ما فعل زيد بن خارجة ؟ - يعني أباه - قتل قبل بدر كافرا، ثم رفع صوته وهو يقول: " كلا إنها لظى * نزاعة للشوى * تدعو من أدبر وتولى (3) "


(1) الموفقيات 486 - والاستيعاب 1: 542 - والتمهيد والبيان لوحة 46 - وتاريخ الخميس 2: 255. (2) مضى أنه زيد بن خارجة. وابن خارجة، وانظر أسد الغابة 1: 81 ففيه خارجة بن زيد الخزرجي - والاصابة 1: 396. (3) سورة المعارج، الآيات 15، 16، 17. (*)

[ 1108 ]

أخذت بئر أريس ظلما، أخذت بئر أريس ظلما. قال النعمان: ثم خفت الصوت (1). (الحركة في أمر عثمان رضي الله عنه وأول الوثوب عليه رضوان الله عليه) * حدثنا قريش بن أنس قال، أنبأنا ابن عون، عن الحسن قال: قام رجل إلى ابن عفان وهو يخطب فقال: نسأل كتاب الله. قال: أوما لكتاب الله طالب غيرك ؟ قال ؟ فصاح به الناس أن يقعد فأبى، فحصب وحصب الناس بعضهم بعضا، فلما كانت الجمعة الثانية قيل له قم، فقال: إني أخاف أن يحصبوني. فقالوا: إن حصبوك حصبناهم. فقال: إني أسألك كتاب الله. فقال: أما لكتاب الله طالب غيرك ؟ ! قال: فحصب فحصبهم الآخرون، فنزل ابن عفان برما يكاد يحمل رأسه، يرعش. قلت للحسن: وما سنك يومئذ ؟ ؟ قال: أربع عشرة خمسة عشرة (2). * حدثنا الحجاج بن نصير قال، حدثنا قرة بن خالد قال، سمعت الحسن يقول: شهدت عثمان يخطب على المنبر يوم الجمعة فقام رجل تلقاء وجهه فقال: أسأل كتاب الله. فقال عثمان رضي الله عنه: أما لكتاب الله طالب غيرك ؟ اجلس. قال يقول الحسن: كذبت يا عدو نفسه لو كنت تطلب كتاب الله لم تطلبه والامام يخطب يوم الجمعة. قال ثم قام فقال: أطلب كتاب الله. فقال: أما لكتاب الله طالب غيرك ؟ اجلس. فجلس، قال ثم قام الثالثة فقال: أسأل كتاب الله. فقال عثمان رضي الله عنه: أما لهذا أحد


(1) وانظر الغدير 1: 103 - 105. (2) شرح نهج البلاغة 9: 17 - والكامل لابن الاثير 3: 161. (*)

[ 1109 ]

يجلسه ؟ ! قال: فتحاصبوا حتى ما أرى أديم السماء، قال فكأني أنظر إلى ورقات مصحف رفعته امرأة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: إن الله برأ نبيه من الذين تفرقوا وكانوا شيعا. قال: وذلك حين خالطت الناس وغفلت الاحاديث، قال: فأخبرني بعض أصحابنا أنها أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم (1). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سلام بن مسكين قال، سمعت الحسن قال: خرج عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة فخطب الناس فقام رجل من تلقاء اليسار فقال: أسألك كتاب الله. فقال: ويحك، أليس عندك كتاب الله ؟ قال: فأمر رجلا فنهاه، فقام معه رجل وقام مع هذا الرجل آخر، وقام مع هذا رجل وقام مع هذا رجل آخر، حتى كثروا، ثم تحاصبوا حتى ما أرى أديم الناس، وكأني أنظر إلى رجل معه مصحف بعثته إحدى أمهات المؤمنين فصعد سور المسجد ثم نادى الناس: ألا إن هذا ينهاكم عما تفعلون، إن محمدا قد برئ ممن فرق دينه وكان شيعا (2). * حدثنا الاصمعي قال، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن قال: رأيت قتلة عثمان رضي الله عنه تحاصبوا حتى ما أرى جلد السماء، ورفع مصحف من إحدى الحجر فقيل: يعلمه (من عرف (3) أن محمدا برئ ممن فرق دينه وكان شيعا (4).


(1) شرح نهج البلاغة 9: 18. (2) التمهيد والبيان لوحة 104، 107 - وتاريخ الطبري 6: 2977. (3) يوجد سهم بعد كلمة " يعلم " يشير إلى سقط وما أضفته على الاصل يستقيم معه السياق. (4) تاريح الطبري 6: 2979. (*)

[ 1110 ]

* حدثنا أبو عاصم، عن أبي خلدة قال، لقيت أبا صالح في سكة المربد فقال: لما نهضوا بعثمان رضي الله عنه كان على المنبر فحصبه الناس حتى جعل يتقي بوجهه، فلما أكثروا دخلوا ودخل معه أبو هريرة متقلدا سيفه فقال: يا أمير المؤمنين أأضرب ؟ قال: تدري (1) على مه ؟ قال: نعم. قال: فإني أعزم عليك لما ألقيت سيفك. قال: فألقيته فما أدري من ذهب به (2). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا المهدي بن ميمون قال، حدثنا ابن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن سلام قال: بينما عثمان رضي الله عنه يخطب الناس إذ قام إليه رجل فنال منه، فنهاه عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فقال له رجل من أصحابه: لا يمنعك مكان ابن سلام أن تسب نعثلا فإنه من شيعته. قال قلت: لقد قلت القول العظيم في يوم القيامة للخليقة من بعد نوح. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا يوسف بن الماجشون قال، أخبرني عقبة بن مسلم المدني: أن آخر خرجة خرجها عثمان يوم جمعة وعليه حلة حبرة مصفرا رأسه ولحيته بورس، قال: فما خلص إلى المنبر حتى ظن أن لن يخلص (3)، فلما استوى على المنبر


(1) في الاصل " تدري ؟ ؟ ؟ ؟ مه " بياض بمقدار كلمة بين تدري ومه لعل الصواب ما أثبته. (2) أنساب الاشراف 5: 73 - والتمهيد والبيان لوحة 122 - والامامة والسياسة 1: 63 - وتاريخ الخميس 2: 263. (3) في الاصل " أن لن يخلصوا " ولعل الصواب ما أثبته. (*)

[ 1111 ]

حصبه الناس، وقام رجل من بني غفار يقال له الجهجاه (1) فقال: والله لنغربنك إلى جبل الدخان. فلما نزل حيل بينه وبين الصلاة، فصلى للناس أبو أمامة بن سهل بن حنيف (2). * حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني عبد الله بن عمر، عن نافع: أن جهجاه الغفاري تناول عصا عثمان رضي الله عنه وهو يخطب الناس على المنبر فكسرها بركبته، فأخذته في ركبته قرحة الاكلة (3). * حدثنا علي بن محمد، عن عبد الله بن مصعب، عن هشام ابن عروة، عن أبيه قال: خرج عثمان رضي الله عنه من داره يوم جمعة، عليه حلة حبرة، ومعه ناس من مواليه، قد صفر لحيته، فدخل المسجد فجذب الناس ثيابه يمينا وشمالا، وناداه بعضهم يا نعثل (4)، وكان حليما حييا فلم يكلمهم حتى صعد المنبر، فشتموه فسكت حتى سكتوا، ثم قال: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا، فإن السامع المطيع لا حجة عليه، والسامع العاصي لا حجة له. فناداه بعضهم: أنت السامع العاصي. وقام جهجاه بن سعد الغفاري - وكان


(1) هو جهجاه بن مسعود بن سعد بن حرام بن غفار، شهد بيعة الرضوان تحت الشجرة وشهد غزوة المريسيع وكان أجيرا لعمر بن الخطاب - (الاستيعاب 1: 98). (2) تاريخ الطبري 6: 2981 - والبداية والنهاية 7: 157 - وتاريخ الخميس 2: 260. (3) تاريخ الطبري 6: 2983 - والكامل لابن الاثير 3: 168 - نهاية الارب 19: 466 - والتمهيد والبيان لوحة 219. (4) ونعثل دهقان أصبهان كان جميلا جيد اللحية فشبهوا عثمان به. (أنساب الاشراف 5: 82) وقيل كان إذا نيل من عثمان سمي بذلك لانه كان طويل اللحية كثير الشعر وقيل: النعثل اسم الذكر من الضباع (الرياض النضرة 2: 111). (*)

[ 1112 ]

ممن بايع تحت الشجرة - فقال: هلم إلى ما ندعوك إليه. قال: وما هو ؟ قال: نحملك على شارف (1) جرباء ونلحقك بجبل الدخان. لست هناك لا أم لك. وتناول جهجاه عصا كانت في يد عثمان رضي الله عنه، وهي عصا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسرها على ركبته، ودخل عثمان داره، وصلى بالناس يوم الجمعة سهل بن حنيف (2)، ووقعت في رجل جهجاه الاكلة (3). * حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن زيد، عن يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار: أن جهجاها دخل على عثمان رضي الله عنه، فانتزع عصا النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يتخصر بها فكسرها على ركبته، فأخذته في ركبته الاكلة (4). * حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو عوانة قال، قال حصين: قلت لعمرو بن جأوان: لم اعتزل الاحنف ؟ قال، قال الاحنف: انطلقنا حجاجا فمررنا بالمدينة، فبينما نحن بمنزلنا إذ جاءنا آت فقال: إن الناس قد فزعوا إلى المسجد. فانطلقت أنا وصاحبي، فإذا الناس مجتمعون على نفر وسط المسجد، فتخللتههم


(1) الشارف من النوق هي المسنة الهرمة. (2) مر في حديث سابق أنه " أبو أمامة " وهو أبو أمامة بن سهل بن حنيف بن وهب الانصاري من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس اسمه أسعد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم جده أبي أمامة أسعد بن زارة أبي أمه وكناه بكنيته ودعا له وبرك عليه توفي سنة مائة وهو ابن نيف وتسعين سنة (الاستيعاب 4: 638). (3) أنساب الاشراف 5: 47 - نهاية الارب 19: 466. (4) مسند أحمد بن حنبل 1: 70 - وأنساب الاشراف 5: 4 - ومنتخب كنز العمال 5: 13. (*)

[ 1113 ]

حتى قمت عليهم فإذا علي وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص قعود، فلم يك ذاك بأسرع أن جاء عثمان رضي الله عنه يمشي في المسجد عليه ملاءة له صفراء قد رفعها على رأسه، قال فقلت لصاحبي: كما أنت حتى ننظر ما جاء به. فلما دنا منهم قالوا: هذا ابن عفان. قال: أهاهنا علي ؟ قالوا: نعم. قال: أهاهنا الزبير ؟ قالوا: نعم. قال: أهاهنا طلحة ؟ قالوا: نعم. (قال: أهاهنا سعد ؟ قالوا: نعم (1) قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من يبتاع مربد (2) بني فلان غفر الله له. قال فابتعته بعشرين - أو بخمسة وعشرين - ألفا، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: إني قد ابتعت مربد بني فلان. قال: اجعله في المسجد وأجره لك ؟ قالوا: نعم، ولكنك بدلت. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يبتاع بئر رومة غفر الله له فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني قد ابتعت بئر رومة. فقال: اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك ؟ قالوا: نعم، ولكنك بدلت. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال: من يجهز هؤلاء غفر الله له. فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا ؟ قالوا: نعم، ولكنك بدلت. قال: اللهم اشهد - ثلاث مرات، ثلاث مرات - ثم انصرف (3).


(1) ما بين الحاصرتين إضافة عن التمهيد والبيان لوحة 150. (2) المربد: الجرن، أو الفناء المتسع أمام الدور. (3) التمهيد والبيان لوحة 150 - وأنساب الاشراف 5: 62. (*)

[ 1114 ]

* حدثنا عفان قال، حدثنا أبو محصن قال، حدثنا حصين ابن عبد الرحمن قال، حدثني جهيم قال: أنا شاهد للامر، قالوا لعثمان: ننقم عليك أنك جعلت الحروف حرفا واحدا. قال: جاءني حذيفة فقال: ما كنت صانعا إذا قيل قراءة فلان وقراءة فلان كما اختلف أهل الكتاب ؟ فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطا فمن حذيفة. قالوا: وننقم عليك أنك حميت الحمى. قال: جاءتني قريش فقالوا: إنه ليس من العرب قوم إلا لهم حمي يرعون فيه عرباء، فنفلت ذلك لهم، فإن رضيتم فأقروا، وإن كرهتم فغيروا - أو فلا نقروا - قالوا: وننقم عليك أنك استعملت سفهاء أقاربك. قال: فليقم أهل كل مصر فليسألوني صاحبهم الذي يحبون فأستعمله عليهم، وأعزل عنهم الذي يكرهون. فقال أهل البصرة: رضينا بعبد الله بن عامر فأقره علينا. وقال أهل الكوفة: اعزل عنا سعيدا - أو قال الوليد، شك أبو محصن - واستعمل علينا أبا موسى الاشعري، ففعل. وقال أهل الشام: رضينا بمعاوية فأقره علينا. وقال أهل مصر: اعزل عنا ابن أبي سرح، واستعمل علينا عمرو ابن العاص. ففعل، فما جاءوا بشئ إلا خرج عنه (1). * حدثنا الحزامي قال، حدثنا عمر بن عثمان، عن ابن شهاب قال، أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر رضي الله


(1) التمهيد والبيان لوحة 93 - والعواصم من القواصم 72 - والرياض النضرة 2: 145 - وتاريح الطبري 6: 2952، 2963. (*)

[ 1115 ]

عنهما قال: جاءني رجل من الانصار في خلافة عثمان، فكلمني أن أعيب على عثمان، فتكلم كلاما طويلا وفي لسانه ثقل فلم يكد يقضي كلامه في سريح (1). فلما قضى كلامه قلت: إنا قد كنا نقول - ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي: أفضل أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. وإنا والله ما نعلم عثمان فعل شيئا بغير حق، ولا جاء من الكبائر شيئا، ولكن هو هذا المال: إن أعطاكموه رضيتم، وإن أعطى إلى قرابته سخطتم، إنما تريدون أن تكونوا كفارس والروم، لا يتركون لهم أميرا إلا قتلوه. قال: ففاضت عيناه من الدموع، فقال: اللهم لا نريد ذاك. قال إبراهيم بن المنذر: يريد حبان بن منقذ، كان ألثغ (يقول لا خرابة يريد لا خلابة (2). * حدثنا الحزامي قال، وحدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني ابن سمعان، أن ابن شهاب أخبره، أن سالم بن عبد الله أخبره قال: دخل على عبد الله بن عمر رجل من الانصار يجر النطق جرا، فذكر عثمان وطعن عليه، فقال ابن عمر: ما كنا نفضل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الرهط الثلاثة أحدا، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وإنا لا نعلم عثمان كفر بعد إيمانه، ولا زنى، ولا قتل - بقية الحديث مثل الاول. * حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني سليمان بن بلال، يحيى بن سعيد قال، سمعت نافعا


(1) السريح والسرح إخراج ما في الصدر سهلا سريعا (تاج العروس). (2) كذا بالاصل ولعلها (يقول لا خلابة يريد لا خرابة). (*)

[ 1116 ]

يقول، كان عبد الله بن عمر يقول: لو أن عمر عمل بالذي كان عثمان يفعل ما كلمتموه. * حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني ابن سمعان، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قام عامر بن ربيعة يصلي في الليل وذلك حين نشب الناس في الطعن على عثمان - فصلى ثم نام، فأتي في منامه فقيل له: قم فسل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده. ففعل، واشتكى ليالي فما خرج من بيته لقي الله. * حدثنا نصر بن علي قال، حدثنا محمد بن سواء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: لقد عابوا علي عثمان أشياء لو فعلها عمر ما عابوها عليه. (أمراء أهل مصر ومسيرهم إلى عثمان رضي الله عنه) * حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا الليث بن سعد، عن عبد الكريم بن الحارث، عمن حدثه، عن عمرو بن الحمق الخزاعي (1): أنه قام عند المنبر بمصر - وذاك عند فتنة عثمان رضي الله عنه - فقال: أيها الناس، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنها ستكون فتنة، خير


(1) هو عمرو بن الحمق بن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن رزاح بن عمرو ابن سعد الخزاعي هاجر بعد الحديبية وقيل أسلم عام حجة الوداع سكن الكوفة ثم انتقل إلى مصر وكان ممن سار إلى عثمان وهو أحد الاربعة الذين دخلوا عليه الدار وصار من شيعة علي، قيل نهشته حية فقتلته، وقيل قتله عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، وانظر الاستيعاب 2: 453 - وأسد الغابة 4: 100. (*)

[ 1117 ]

الناس فيها الجند الغزى، وأنتم الجند الغزى، فجئتكم لاكون معكم فيما أنتم فيه. قال الليث: فكان معهم في أشر أمورهم. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني حرملة بن عمران التجيبي، عن عبد الرحمن بن شماسة المصري قال، سمعت أبا ذر رضي الله عنه يقول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما، فإذا رأيتم رجلين يقتتلان على موضع لبنة فاخرج منها. فمر بربيعة و عبد الرحمن ابني شرحبيل بن حسنة يتنازعان في موضع لبنة فخرج منها. قال ابن وهب: فسمعت الليث - يعني ابن سعد - يقول: لا أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ذلك إلا للذي كان أهل مصر في عثمان بن عفان (1). * حدثنا حجاج بن نصير قال، حدثنا قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين قال: قدم محمد بن أبي حذيفة على عثمان رضي الله عنه فأجازه بمائة ألف. ثم طعن عليه بعد ذلك. وقال: ما جعل هؤلاء أحق بالمال مني. * حدثنا هوذة بن خليفة قال، حدثنا عوف، عن محمد ابن سيرين قال: ركب كعب الاحبار ومحمد بن أبي حذيفة في سفينة قبل الشام - زمن عثمان - في غزوة غزاها المسلمون، فقال محمد لكعب: كيف تجد نعت سفينتنا هذه في التوراة تجري غدا في البحر ؟ فقال كعب: يا محمد لا تسخر بالتوراة، فإن التوراة


(1) مسند الامام أحمد 5: 147 - وصحيح مسلم 4: 1970. (*)

[ 1118 ]

كتاب الله. قال: ثم قال له ذاك ثلاث مرار. فقال: لا أجد سفينتنا هذه منعوتة في التوراة، ولكني أجد في بعض كتاب الله أن فتنة قد أطلت ينزو فيها رجل من قريش له سن شاغية (1) نزو الحمار في القيد، فاتق ألا تكون ذلك الرجل. * حدثنا الحجاج بن نصير قال، حدثنا قرة، عن محمد بمثله وقال: يثب فيها غلام من قريش أشفى الثنيتين فيؤخذ فيضرب عنقه، فانظر ألا تكون ذاك. فكان هو. * حدثنا عارم قال، حدثنا أبو هلال، عن محمد قال: ركب كعب مع محمد بن أبي حذيفة في سفينة فقال محمد: يا كعب، أتجد جري سفينتنا في التوراة ؟ فقال كعب: يا محمد إن التوراة حق، وهي في كتاب الله. فلا تستهزئ بها. فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا. فقال كعب: أجد في كتاب الله أن رجلا من قريش اسمه اسمك أشر الثنايا يحجل في الفتنة كما يحجل الحمار في القيد، فاحذر لا يكون أنت هو. * حدثنا علي بن محمد، عن رجل، عن الزهري قال: غزا ابن أبي سرح ذات الصواري سنة أربع وثلاثين، ومعه محمد ابن بكر، ومحمد بن أبي حذيفة فكانا يعيبان عثمان، فحملهما ابن أبي سرح في سفينة مع القبط ثم كلم فيهما فحولهما، فلما رجع كتب إلى عثمان بما كان منهما، فكتب إليه أن أشخص إلي ابن أبي بكر، وقال عثمان: العجب لابن أبي حذيفة، كفلته


(1) السن الشاغية هي الزائدة على الاسنان والمخالفة لنبتة غيرها من الاسنان. (لسان العرب). (*)

[ 1119 ]

وربيته، ثم هو يؤلب الناس علي، اللهم إنه لم يشكر بلائي فأجرني منه. * حدثنا علي بن محمد، عن الماجشون، عن الزهري قال: قال عثمان رضي الله عنه: ألا تعجبون لابن أبي حذيفة، ضممت الرجل لرحمه، فكنت أجس بطنه من الليل أنظر أجائع هو أم شبعان، ثم هو يسعى في خلعي وسفك دمي ! ! اللهم فاجزه جزاء من كفر النعمة وفجر. * حدثنا صلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك، عن حرملة بن عبد العزير، عن أبيه قال: كان محمد بن أبي حذيفة يخطب، وكان أقرأ الناس للقرآن فقال عقبة بن عامر: صدق الله ورسوله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يقرأ القرآن قوم لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. قال: لئن كنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم تزعم أنك (1)...... لكذوب، إنك ما علمت لمتهم (2). * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني ابن لهيعة، عن ابن حبيبة، عن ربيعة بن لقيط قال، حدثني سلمة بن مخرمة قال: لما انتزى ابن أبي حذيفة بمصر فخلع


(1) كذا بالاصل مع بياض بمقدار كلمة بعد " إنك " ولعل العبارة " لئن كنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تزعم، إنك لكذوب ". (2) مسند أحمد 4: 145 - ومنتخب كنز العمال 5: 427 - سبل الهدى والرشاد 2 لوحة 549 - وسيرة ابن هشام 4: 933 والسيرة النبوية لابن كثير 3: 687. (*)

[ 1120 ]

عثمان دعا الناس إلى أعطياتهم، فأبيت أن آخذ منه، قال: ثم ركبت إلى المدينة فصرت إلى عثمان فقلت: يا أمير المؤمنين إن ابن أبي حذيفة إمام حلا له كما علمت، وإنه انتزى علينا بمصر فدعانا إلى أعطياتنا، فأبيت أن آخذ منه، فقال: عجزت، إنما هو حقك عجزت، إنما هو حقك. * حدثنا علي بن محمد، عن علي بن مجاهد، عن يزيد ابن قحيف، عن رجل من قومه، عن رجاء بن حيوة. وحباب بن موسى، عن محمد بن إسحاق، عن مخلد بن خفاف، عن عروة ابن الزبير قالا (1): كتب أهل مصر إلى عثمان: من الملا المسلمين إلى الخليفة المبتلى، أما بعد: فالحمد لله الذي أنعم علينا وعليك واتخذ علينا فيما آتاك الحجة، وإنا نذكرك الله في مواقع السحاب،، فإن الله قال في كتابه " أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق (2) " أن تحل ما شئت منه بقولك وتحرم ما شئت منه بقولك، ونذكرك الله في الحدود، أن تعطلها في القريب وتقيمها في البعيد، فإن سنة الله واحدة، ونذكرك الله في أقوام أخذ الله ميثاقهم على طاعة ليكونوا شهداء على خلقه، نصحوا لك فاغتششت نصيحتهم، وأخرجتهم من ديارهم وأموالهم - وقال الله في كتابه: " وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (3) " فنذكرك الله وننهاك عن


(1) كذا بالاصل ولعل الضمير يعود على رجاء بن حيوة وحباب بن موسى. (2) سورة يونس، آية 59. (3) سورة البقرة، آية 84. (*)

[ 1121 ]

المعصية، فإنك تدعي علينا الطاعة، وكتاب الله ينطق: لا طاعة لمن عصى الله، فإن تعط الله الطاعة نؤازرك ونوقرك وإن تأب فقد علمنا أنك تريد هلكتنا وهلكتك، فمن يمنعنا من الله إن أطعناك وعصيناه وأنت العبد الميت المحاسب، والله الخالق البارئ المصور الذي لا يموت. * حدثنا علي، عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري قال: كتب عثمان إلى أهل مصر: أذكركم الله الذي علمكم الاسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، فإنه قال: " واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا (1) " وقال: " يا أيها الذين آمنو إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (2) " وقال: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا لا خلاق لهم في الآخرة (3) " وقال: " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم (4) " وقال: " وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم (5) " وقال: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه (6) " أما بعد فإن الله رضي لكم السمع والطاعة، وحذركم المعصية والفرقة، وأنبأكم أنه قد فعله


(1) سورة المائدة، آية 7. (2) سورة الحجرات، آية 6. (3) سورة آل عمران، آية 77. (4) سورة النمل، آية 91. (5) سورة النساء، آية 59 (6) سورة الفتح، آية 70. (*)

[ 1122 ]

من قبلكم، وتقدم إليكم فيه لتكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا وصية الله، واحذروا عذابه، فإنكم لم تجدو أمة هلكت إلا من بعد أن تختلف فلا يكون لها رأس يجمعها ومتى تفعلوا ذلك لا تكن لكم صلاة جماعة، ويسلط بعضكم على بعض وتكونوا شيعا. وقال الله: " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (1) ". * حدثنا علي، عن ابن أبي ذئب، عن يزيد بن عبد الله ابن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: دعا عثمان رضي الله عنه عمار بن ياسر رضي الله عنهما فقال: يا أبا اليقظان، إن لك سابقة وقدما، وقد عرفك الناس بذلك، وقد استمرح أهل مصر واستعلى أمرهم وبغيهم علي، فأنا أحب أن أبعثك إليهم فتعتبهم من كل ما عتبوا، وتضمن ذلك علي، وتقول بالمعروف وتنشر الحسنى، فعسى الله إن يطفئ بك ثائرة، ويلم بك شعثا، ويصلح بك فسادا. وأمر له بحملان ونفقة، وكتب إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح أن يجري عليه رزقا ما أقام عنده. فخرج عمار إلى مصر وهو عاتب على عثمان رضي الله عنه، فألب الناس عليه، وأشعل أهل مصر على عثمان رضي الله عنه، فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه: إن عمارا قدم علينا فأظهر القبيح، وقال ما لا يحل،


(1) سورة الانعام، آية 159. وانظر ما كتب به عثمان في تاريخ الطبري في أخبار سنة 35 بالجزء الخامس - والتمهيد والبيان لوحة 96 - 98 - وأنساب الاشراف 5: 51. (*)

[ 1123 ]

وأطاف به قوم ليسوا من أهل الدين ولا القرآن، وكتب يستأذنه في عقوبته وأصحابه. فكتب إليه عثمان رضي الله عنه: بئس الرأي رأيت يا ابن أبي سرح، أنا بقضاء الله أرضى به - اعلمه - من أن آذن لك في عقوبة عمار أو أحد أصحابه، فقد وجهت عمارا وأن أظن به غير الذي كتبت به، فإذا كان من أمره الذي كان فأحسن جهازه واحمله إلي، فلعمري إني لعلى يقين أني أستكمل أجلي وأستوفي رزقي وأصرع مصرعي، فقدم الكتاب على ابن أبي سرح فحمل عمارا إلى المدينة (1). * حدثنا معمر بن بكار بن معمر بن حمزة بن عمر بن سعد قال، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان قال: كتب ابن أبي سرح إلى عثمان: أما بعد، فإنك بعثت قوما ليقوموا بضررك وإنهم يحرضون عليك، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ضرب أعناقهم فليفعل. فكتب إليه عثمان رضي الله عنه: بئس الرأي رأيت يا ابن أبي سرح حتى تستأذن في قتل قوم فيهم عمار بن ياسر ! ! أنا بقضاء الله أرضى من أن آذن لك في ذلك، فإذا أتاك كتابي هذا فأحسن صحبتهم ما صحبوك، فإذا أرادوا الرحلة فأحسن جهازهم، وإياك أن يأتيني عنك خلاف ما كتبت به إليك. * حدثنا علي بن محمد، عن أبي عمرو، عن إبراهيم بن محمد ابن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: بعثني أبي إلى عمار رضي الله عنه حين قدم من مصر وبلغه ما كان من أمره، فأتيته فقام وليس عليه رداء، وعليه قلنسوة من شعر معتم عليها بعمامة وسخة، وعليه


(1) وانظر في ذلك التمهيد والبيان لوحة 83 - 85. (*)

[ 1124 ]

جبة فراء يمانية، فأقبل معي حتى دخل على سعد (1)، فقال: يا أبا اليقظان، إن كنت عندنا لمن أهل الفضل، وكنت فينا مرجوا قبل هذا، فما الذي بلغني عنك من سعيك في فساد المسلمين والتأليب على أمير المؤمنين ؟ فأهوى عمار بعمامته فنزعها عن رأسه. (فقال (2)): ويحك يا عمار، أحين كبرت سنك، ونفد عمرك، واقترب أجلك خلعت بيعة الاسلام من عنفك، وخرجت من الدين عريانا ! ! فقام عمار مغضبا وهو يقول: أعوذ بالله من الفتنة. فقال سعد: " ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (3) " ألا في الفتنة سقطت يا عمار (4). * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني الليث بن سعد: أن عمارا قال: لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: ألا تخرج معنا في هذا الامر فقد خرج فيه من ليس بدونك ؟ فقال سعد: إن جئتموني بسيف ينبو عن المؤمن ويجير على الكافر فعلت (5)، فقال عمار: مثل قول سعد، ثم قال: كأنك أفضل ممن خرج فيه ؟ ! فقال سعد: أيما أحب إليك، أمودة على دخن أم صرم جميل ؟ قال عمار: بل صرم جميل. قال سعد: فهو لله علي إن كلمتك من رأسي ما حييت. * حدثنا علي بن محمد، عن عثمان بن بن عبد الرحمن، عن


(1) في الاصل عمار وهو خطأ من الناسخ. (2) إضافة على الاصل يقتضيها السياق. (3) سورة التوبة، آية 49. (4) التمهيد والبيان لوحة 85، 86. (5) ؟ ؟ ؟ في قول سعد طبقات ابن سعد 3: 143، 144. (*)

[ 1125 ]

الزهري قال: لما خرج عمار رضي الله عنه من مصر فحرك أهل مصر وقالوا: سير عمار، وصرف ابن أبي حذيفة فيهم ودعاهم إلى السير، فأجابوه، فخرج ستمائة أو أربعمائة، وجعلوا أمرهم إلى أربعة منهم رؤساء: عبد الرحمن بن عبد قيس بن عباد التجوبي، وجماع أمرهم إلى محمد بن أبي حذيفة. ويقال عبد الرحمن بن عديس، وكان اسمه في الجاهلية علقمة فتسمى عبد الرحمن، وكان معهم عروة بن شتيم الليثي، وأبو رومان الاسدي، وسودان بن عمران التجوبي، وأظهروا أنهم يريدون العمرة فساروا قرب خمس وثلاثين، وفي ذلك يقول الشاعر: خرجن من أليون (1) بالصعيد * مستحقبات حلق الحديد يطلبن بحق الله في الوليد * وفي ابن عفان وفي سعيد فقدموا فنزلوا بذي خشب في رمضان، فقال سعد بن أبي وقاص لعمار: يا أبا اليقظان ألا تخرج إلى هؤلاء القوم فتردهم وتنهاهم عن البغي ؟ وجاء كثير بن الصلت يسمع كلامهما من فرجة في الباب وفطن له عمار فقام إليه مغضبا بعكاز فولى كثير، وقال عمار: أما والله لو ثبت لفقأت عينك. وغضب فقال: لا أردهم عنه، وتمثل: أبت كبدي - لا أكرهنك قتالهم * علي وتأباه علي أناملي وكيف قتالي معشرا يأذنونكم * عن الحق أن لا يأشبوه بباطل (2)


(1) أليون قرية من قرى مصر - جنوبي الفسطاط كانت عندها وقعه إبان فتح عمرو لمصر. وإليها ينسب باب أليون. وهي حاليا من معالم مصر القديمة قرب ساحل النيل بحي أثر النبي. وانظر الشعر مع اختلاف يسير في تاريخ الطبري 5: 115، 124. (2) أنساب الاشراف 5: 59 - الغدير 9: 168 - والعقد الفريد 4: 87، والتمهيد والبيان لوحة 98، 99 - ونهاية الارب 19: 479. (*)

[ 1126 ]

* حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال، حدثنا سفيان، (عن أبي إسحاق، عن عمرو بن الاصم (1) قال: أرسلوني بذي خشب وقالوا: اسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجعل عليا في آخر من تسأل. فقال: فسألت فكلهم يأمرني بالقدوم، قال: فأتيت عليا رضي الله عنه فسألته، فقال: لكني لا آمرهم، فإن فعلوا فبيض فليفرخ. * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن عبد الله: أنه وزيادا مرا على أهل مصر بذي خشب فقال لهم: أتريدون أن أبلغ عنكم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأزواجه ؟ فأرسلوهما إلى المدينة إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه، واستشاروهم في القدوم على عثمان رضي الله عنه، وأمروهما أن يجعلا عليا رضي الله عنه من آخر من يأتيانه فيستعتبونه فإن أعتبهم فهو الذي يريدون، فأما علي رضي الله عنه فقال لهما: هل أتيتما أحدا قبلي ؟ قالا: نعم، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابك. قال: فما أمروهم ؟ قالا: أمروهم بالقدوم. قال علي رضي الله عنه: لكن لا آمرهم بالقدوم، ولكن ليبعثوا إليه من مكانهم فليستعتبوه، فإن أعتبهم فهو الذي يريدون، وإن أبوا إلا أن يقدموا فبيض فليفرخوه، فبيض فليفرخوه. * حدثنا علي بن محمد، عن عبد الله بن مصعب، عن هشام ابن عروة قال، قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: كنت أمشي


(1) بياض بالاصل بمقدار ثلث سطر، والمثبت عن أنساب الاشراف 5: 71 وما هناك يتفق مع ما هنا سندا ومتنا. (*)

[ 1127 ]

مع أبي فلقينا علي رضي الله عنه فقال: إني لا أظن هؤلاء القوم إلا قادمين فما ترى ؟ قال: إني أرى أن تحبس (1) في بيتك ولا تكفهم ولا ترشدهم. قال: هو رأي ومضي، فقلت لابي والله ليعيننهم وليرشدنهم وليستعينن على أمير المؤمنين. * قال الاصمعي سمعت ابن أبي الزناد يذكر، عن عبد الله ابن الزبير قال: بينا أنا وأبي نهوي نحو البقيع إذا مناد ينادي أبي من ورائه: يا أبا عبد الله، فنظرت فإذا علي رضي الله عنه، فتشربت له - يعني تحرفت له - فقال أبي: إنه أبو الحسن لا أم لك. فجاء علي رضي الله عنه فقال: ألا ترى ما يلقى عثمان رضي الله عنه ؟ ! * حدثنا أبو بكر الباهلي قال، حدثني مؤدب ولد جعفر، عن ابن دأب قال، قال ابن عباس رضي الله عنه: ما ذاكرني علي رضي الله عنه شيئا من أمر عثمان رضي الله عنه حتى حضر أهل مصر وأرسل إلي فقال: أشر علي في هذا الامر، ما الرأي لي فيه ؟ فقلت إنك قد عميت علي في أمرك، فلست أعلم ما في نفسك وسأشير عليك مشورة لا أكشف فيها ما سترت عني، إن كنت تطمع في هذا الامر فإن معك من يطمع فيه مثل طمعك ويدعي فيه مثل حظك، فإن أنت أشرفت لنفسك أشرف عليه يعذروه ويصدوه وكان أحب إليهم منك بعد كما كان أحب إليهم منك قبل، فإن رأوا أنك رافض للامر كفوك المؤونة وولوا نسيا يكفيك، ثم تكون منه حيث ترى ورأيي لك: قد سبقك إلى هذا الامر رجلان لن تعمل أفضل من عملهما إن وليت ما ولياه، واتباع عملهما بمثل عملهما شئ


(1) كذا في الاصل، ولعلها " أن تجلس ". (*)

[ 1128 ]

هو لهما دونك، وقد أشرف... (1) غيرك من شاهد لك وغائب عنك، ووالله لئن قتل عثمان ليلتبسن هذا الامر التباسا لا يتخلص لك فيما بقي من عمرك حتى تموت، فإما يلبسه لك من وليه بك وإما صار لغيرك، فأرى أن ترفضه رفضا صحيحا لا تسر فيه ولا تعلن. قال: فرغت فحسبك. * حدثنا علي بن محمد، عن أبي عمرو، عن محمد بن المنكدر قال: نزل المصريون بذي خشب، فبعث عثمان رضي الله عنه رجلا من المهاجرين إليهم وقال: أعطهم ما سألوك. فقال رجل من بني مخزوم: إني لا آمن الذي بعثت، فإن أذنت لي اتبعته. فأذن له، فقدم عليهم الرجل فرآهم في هيئة رثة، فسمعته يقول: قدمتم بما أرى من سوء الحال على عثمان رضي الله عنه في سودانه وحمرانه، ما هذا لكم برأي. فرجع المخزومي إلى عثمان رضي الله عنه فأخبره فقال: إنه لحريص لا بارك الله له فيما يؤمل على ما يبلغنا، وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا ينالها أبدا. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا يوسف بن الماجشون، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: جاء علي رضي الله عنه إلى أهل مصر وهم في قبة لهم فقال: جئتموني أكلة رأس، إنكم لا طاقة لكم بحمران عثمان ولا سودانه، ارجعوا فاستوثقوا وتعالوا، خير بذلك عبد الله بن الفضل عمن كان وراء القبة. * حدثنا نضر بن علي بن نضر قال، حدثنا غسان بن نضر قال، حدثنا أبو مسلم سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد


(1) بياض في الاصل بمقدار كلمة. (*)

[ 1129 ]

مولى أبي أسيد قال: خطبنا عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: إن ركبا نزلوا ذا الحليفة وإني خارج إليهم، فمن شاء أن يخرج فليخرج قال: فكنت فيمن خرج - يعني أبا سعيد - قال فأتيناهم فإذا هم في حظائر سقف، أبصرناهم من خلال الحائط، وإذا شاب قاعد في حجره المصحف فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت " ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون (1) " فقال: إن عمر رضي الله عنه حمى حمى، وإن الصدق زادت فزدت في الحمى، فمن شاء أن يرعى فليرع، أتوب إلى الله وأستغفره. فقالوا: يا أمير المؤمنين أحسنت. (ثم (2)) قالوا: يا أمير المؤمنين، هل على بيت الله إذن ؟ قال: كنت أرى أن الجهاد أفضل من الحج، فإن كان ذلك من رأيكم فقد أذنا للناس، فمن أراد أن يحج فليحج، أتوب إلى الله وأستغفره. فقالوا: والله لقد أحسنت يا أمير المؤمنين - في خصال سألوه عنها فتاب منها ورجع عنها، كل ذلك يقولون: قد أحسنت يا أمير المؤمنين - قال: فانفروا وتفرقوا. ثم قام خطيبا فقال: ما رأيت ركبا كانوا في نفس أمير المؤمنين خيرا من هؤلاء الركب، والله إن قالوا إلا حقا، وإن سألوا إلا حقا. فرجعوا إليه، فأشرف عليهم فقال: ما رجعكم إلي بعد إعطائكم الحق ؟ قالوا: كتابك. قال: ويلكم لا تهلكوا أنفسكم وتهلكوا أمتكم، والله إن كتبتها ولا أمليتها. فقال الاشتر: إني والله لاسمع حلف رجل ما أراه إلا قد مكر به ومكر بكم قال:


(1) سورة يونس، آية 59. (2) إضافة على الاصل. (*)

[ 1130 ]

فوثبوا عليه فوطئوه حتى ثقل ثقلا قال (1) فوقف عليهم سعد بن مالك فقال (2): أفيم قتلكم ! ! تركتموه وهو في خطيئته.... (3) تطهر منها قتلتموه ! ! فجعلوا يقرعونه بالرماح حتى سقط لجنبه، وجعل يقول: هلم فاقتلوني فلقد أصابت أمي اسمي إذن إذ سمتني سعدا. وأقبل الاشتر فنهاهم وقال: يا عباد الله اتخذتم أصحاب محمد بدنا ؟ ! وخرج سعد يدعو ويقول: اللهم إني فررت بديني من مكة إلى المدينة، وأنا أفر به من المدينة إلى مكة. * حدثنا محمد ين حميد قال، حدثنا ابن المبارك قال، حدثنا الفضل بن لاحق، عن أبي بكر بن حفص، عن سليمان بن عبد الملك قال، حدثني رجل من تدمر - وهي قبيلة من اليمن - قال: بينما أنا أسير بين مكة والمدينة إذا أنا بركب يسيرون بين أيديهم راكب فدنوت فسلمت عليهم فقلت: من هذا ؟ قالوا: سعد ابن مالك. فنهرت دابتي فدنوت منه، فسلمت عليه وقلت: ماذا صنعتم ؟ قال: أتعجب ؟ كنت رجلا من أهل مكة بها مولدي وداري ومالي، فلم أزل بها حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم فاتبعته وآمنت به، فمكث بها ما شاء الله أن أمكث، ثم خرجت منها فرارا بديني إلى المدينة، فلم أزل بها حتى جمع الله لي بها أهلا ومالا،


(1) اللوحة 339 من الاصل مضروب عليها بخمسة خطوط ولعل الناسخ أراد شطبها أو إلغاءها. ويلاحظ أن أخبارها تتعلق بمقتل عثمان رضي الله عنه في الدار. ودفاع الحسن ابن علي رضي الله عنهما عنه. (2) كما في الاقل وفوق كل كلمة منهما حرف " ط " دلالة الشك. (3) بياض في الاصل بمقدار كلمتين ولعلهما " حتى إذا ". (*)

[ 1131 ]

وأنا اليوم فار بديني من المدينة إلى مكة كما فررت بديني من مكة إلى المدينة. * حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سعدان بن بشر قال، حدثنا أبو محمد الانصاري قال: شهدت عثمان رضي الله عنه وهو يقتل بالدار، والحسن بن علي رضي الله عنهما وهو يضارب عنه حتى جرح فرفع (1) في بني زمعة جريحا. * حدثنا علي بن الجعد، والاصمعي قالا، حدثنا زهير بن معاوية قال، حدثنا كنانة مولى صفية قال: كنت فيمن يحمل الحسين بن علي رضي الله عنهما جريحا من دار عثمان رضي الله عنه. * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن إسماعيل بن عياش، عن عطاء ابن عجلان، عن عاصم بن سليمان قال: قام الحسن بن علي رضي الله عنهما بعد ما قتل عثمان رضي الله عنه فقال لهم - يعني لقتلة عثمان رضي الله عنه - لا مرحبا بالوجوه ولا أهلا، مشائم هذه الامة من فتق فيها الفتق العظيم. أما والله لولا عزمة أمير المؤمنين علينا لكان الرأي فيكم ثابتا. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني بعض أصحابنا قالوا: جاء قوم يطلبون عليا بعد قتل عثمان رضي الله عنه فلم يجدوه، فسألوا الحسن بن علي رضي الله عنهما: أين أمير المؤمنين ؟ قال: في حش كوكب - رحمة الله عليه - يعني عثمان رضي الله عنه.


(1) في الاصل " فرفعه في بني زمعة جريحا ". (*)

[ 1132 ]

* حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا الهديل بن بلال، عن أبي الجحاف، عن عبد الله بن الزراد: أن رجلا حدثه أنه كان مع الحسن بن علي رضي الله عنه في الحمام ورجلين آخرين وعلى الحسن رضي الله عنه النورة (1) وقد وضع يده على الحائط فتنفس فقال: لعن الله قتلة عثمان، فقال رجل: أما إنهم يزعمون أن عليا قتله. فقال: قتله الله من قتله، لعن الله قتلة عثمان، ثم قال، قال علي: أنا وعثمان وطلحة والزبير كما قال الله: " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ". * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن يحيى بن عمرو، عن أبيه قال..... (2) عثمان ثم انصرفت فوجدت علي بن أبي طالب واقفا على باب داره، فقيل.... (3) * حدثنا....... (4)، حدثنا علي بن محمد، عن عامر بن حفص عن أشياخ من أهل البصرة: أنهم خرجوا إلى عثمان رضي الله عنه وعليهم حكيم بن جبلة، وفيهم سدوس بن عيسى ورجل من بني ضبيعة يقال له مالك، وكان حكيم ومالك ممن دخل عليه فأصابه. * حدثنا عثمان بن عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الانصاري قال: سمع عثمان رضي الله عنه أن وفدا من أهل


(1) سورة الحجر، آية 47 (2) فراغ في الاصل. (3) فراغ في الاصل. (4) فراغ في الاصل. (*)

[ 1133 ]

مصر قد أقبلوا فاستقبلهم، فكان في قرية له خارجا من المدينة. - أو كما قال - فلما سمعوا به أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه - أراه قال: وكره أن يقدموا عليه المدينة - فأتوه فقالوا: ادع بالمصحف. فدعا بالمصحف، فقالوا له: افتتح السابعة - قال: وكانوا يسمون سورة يونس السابعة - فقرأها حتى أتى على هذه الآية " قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون (1) " قالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك به أم على الله تفتري ؟ ! قال: أمضه، نزلت في كذا وكذا، وأما الحمى فإن عمر رضي الله عنه حمى حمى قبل لابل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زادت، أمضه. قال: فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: أمضه نزلت في كذا وكذا - قال: والذي يلي كلام عثمان يومئذ في سنك، قال أبو نضرة قال: قال لي أبو سعيد: وأنا في سنك يومئذ. قال: ولم يخرج وجهي يومئذ. قال: ولا أدري لعله قال مرة أخرى: وأنا يومئذ ابن ثلاثين سنة - ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه. وقال لهم: ما تريدون ؟ فأخذوا ميثاقه - قال وأحسبه قال: وكتبوا عليه شرطا، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصى ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم - أو كما أخذوا عليه - قال فقال لهم: وما تريدون ؟ قالوا: نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء. قال: إنما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. قال:


(1) سورة يونس، آية 59. (*)

[ 1134 ]

فرضوا وأقبلوا معه إلى المدينة راضين، فقال فخطب فقال: إني والله ما رأيت وفدا في الارض هم خير لحوباتي من هذا الوفد الذين قدموا علي، ألا من كان له زرع فليحق بزرعه، ومن كان له ضرع فليحتلبه، ألا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. قال: فغضب الناس وقالوا: هذا مكر بني أمية. قال: ثم رجع الوفد المصريون راضين (1). * حدثنا أبو مطرف بن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال، حدثنا جابر رضي الله عنه قال: بعثنا عثمان رضي الله عنه خمسين راكبا، أميرنا محمد بن مسلمة، فكلم أهل مصر، فإذا رجل في عنقه مصحف متقلد سيفا تذرف عيناه فقال: إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا على ما في هذا. فقال محمد: اجلس، فنحن ضربنا بهذا على ما في هذا قبل أن تولد. فلم يزل يكلمهم حتى رجعوا. قال جابر: فسمعت رجلا يقول: أما والله ليوشك أن يرجع. قال عمرو: فسمعت جابرا يقول: فزعموا أنهم وجدوا كتابا إلى ابن أبي سرح. فالله أعلم. * حدثنا سليمان بن أيوب صاحب الكرا...... (2) حدثنا أبو عوانة (عن المغيرة (3) بن زياد الموصلي، عن أبي الزبير،


(1) تاريخ الطبري 5: 107 - والرياض النضرة 2: 159، 160 - وتاريخ الخميس 2: 259 - والتمهيد والبيان لوحة 182. (2) بعد هذه الحروف بياض بالاصل. (3) بياض بالاصل والاثبات عن سند مماثل لوحة 345. (*)

[ 1135 ]

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لما أقبل الركب من مصر دعاني عثمان بن عفان فقال: يا جابر، الق هؤلاء الركب. قال: قلت يا أمير المؤمنين فأصنع ماذا ؟ قال: أعطهم علي الحق، وأن أرجع عن كل شئ كرهته الامة. قال قلت: وأعطيهم على ذلك عهدا وميثاقا ؟ قال: نعم. (قلت (1) على أن ترد كل منفي، وتعطي كل محروم، ويقام كتاب الله وسنة نبيه. قال: فركبت فلقيت القوم سحرا بذي خشب، فسلمت عليهم (2) فردوا السلام، وقالوا: من الرجل ؟ قلت: جابر بن عبد الله الانصاري. قالوا: مرحبا مرحبا بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: ما جاء بكم أيها القوم ؟ فانبرى إلي منهم فتى أمرد فاستخرج المصحف ثم سل السيف فقال: جئنا نضرب بهذا على ما في هذا. قال جابر - رضي الله عنه - فقلت: نحن ضربنا به على ما فيه قبل أن تولد، بيننا وبينكم كتاب الله. قال: فنزلنا فنشرنا المصحف نتجادل بالقرآن حتى أصبحنا. قال أبو الزبير: سمعت عمرو بن ميمون الانصاري ذكر أنهم تجادلوا بالقرآن حتى أرمضتهم حجارة الجبل يرمون بها حتى تحولوا إلى مكان تباعدوا فيه من الجبل. قال فقال جابر رضي الله عنه: اصطلحنا على الحق، على أن نرد كل منفي، ونعطي كل محروم، ونعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في العامة. قال: فرد عنهم لينصرفوا فقالوا: بل نأتي أمير المؤمنين فنسلم عليه ونستل سخيمته ونأتي ما سره. قلت: فعلى بركة الله.


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) في الاصل " عليه ". (*)

[ 1136 ]

فرجعت بسببهم إلى أمير المؤمنين فقال: ما وراءك يا جابر ؟ قلت: خير يا أمير المؤمنين، أعطيتهم الذي أمرتني فرضوا وأرادوا الرجوع، ثم إنهم بدا لهم أن يسلموا عليك ويستلوا سخيمة إن كانت في نفسك. قال: فدخلوا على أمير المؤمنين فسلموا عليه، ومكثوا ثلاثة أيام بالمدينة، ثم انصرف القوم (1). * حدثنا علي بن محمد، عن يزيد بن عياض، عن الوليد ابن سعيد، عن عروة بن الزبير قال: قدم المصريون فلقوا عثمان رضي الله عنه فقال: ما الذي تنقمون ؟ قالوا: تمزيق المصاحف. قال: إلى الناس لما اختلفوا في القراءة خشي عمر رضي الله عنه الفتنة فقال: من أعرب الناس ؟ فقالوا: سعيد بن العاص. قال: فمن أخطهم ؟ قالوا: زيد بن ثابت. فأمر بمصحف فكتب بإعراب سعيد وخط زيد، فجمع الناس ثم قرأه عليهم بالموسم فلما كان حديثا كتب إلي حذيفة: إن الرجل يلقى الرجل فيقول: قرآني أفضل من قرآنك حتى يكاد أحدهما يكفر صاحبه، فلما رأيت ذلك أمرت الناس بقراءة المصحف الذي كتبه عمر رضي الله عنه، وهو هذا المصحف، وأمرتهم بترك ما سواه، وما صنع الله بكم خير مما أردتم لانفسكم. وما تنقمون ؟ قالوا: حميت الحمى. وذكروا أهل البوادي وما يلقون من نعم الصدقة. فقال: إن وجدتم فيه بعيرا لآل أبي العاص فهو لكم. وما تنقمون أيضا ؟ قالوا: تعطيل الحدود. قال: وأي حد عطلت ؟ ! ما وجب حد على أحد إلا أقمته عليه، وأنا أستغفر الله


(1) وانظر في هذا الغدير 9: 170. (*)

[ 1137 ]

من كل ذنب وأتوب إليه، فاتقوا الله ولا تكونوا كالذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، أذكركم الله أن تلقوا غدا محمدا صلى الله عليه وسلم ولستم منه في شئ (1). * حدثنا قريش بن (أنس، عن (2) ابن عون قال: لما قدم المصريون على عثمان رضي الله عنه أرسل إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاستشارهم، فقام ابن عمر رضي الله عنه فقال: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أعلم ظل يوما أو بات ليلة إلا وهو عني راض، وصحبت أبا بكر رضي الله عنه فكذلك، وصحبت أبي فكذلك، وقد رأيت لك يا أمير المؤمنين من الطاعة ما رأيت لهم. قال: جزاكم الله خيرا آل عمر، لست عن هذا أسألك إنما أسألك عن هؤلاء القوم، ما تقول فيهم ؟ قال: أرسل إليهم فادعهم إلى كتاب الله، فإن قبلوا فهون خير لهم، وإن أبوا فهو خير لك وشر لهم. قال: فأرسل إليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ورجلا آخر، فشادوه فشادهم، فشادوه فشادهم، فشادوه فشادهم. فقال رجل: رسول أمير المؤمنين وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عليكم كتاب الله ! ! قال: فأصلح علي بينهم وكتبوا كتابا اشترطوا فيه خمسا، أن المنفي يقلب، وأن المحروم يعطي، وأن الفئ يوفر، وأن يعدل في القسم، وأن يستعمل أولو القوة والامانة، قال: واشترطوا شيئين لم يكتبوهما في الكتاب، وأن


(1) تاريح الطبري 5: 602 - والكامل لابن الاثير 3: 59 - والرياض النضرة 2: 102. (2) بياض في الاصل بمقدار كلمة والمثبت عن الخلاصة ص 316. (*)

[ 1138 ]

يستعمل الاشعري على الكوفة، وأن يرد ابن عامر على عمله بالبصرة فإنهم به راضون قال: فذهبوا (1). * حدثنا صلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبوية، عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك، عن جرير بن حازم قال، سمعت محمد بن سيرين يحدث قال: لما قدم أهل مصر على عثمان رضي الله عنه قال المغيرة بن شعبة: إن القوم تفرقوا في الدور فليس أمرهم بشئ، وإن نزلوا زمزمة واحدة (2) فأمرهم سديد. قال: فنزلوا زمزمة واحدة، فقال: دعني فلآتهم، قال: فأتاهم المغيرة، فلما رأوه قالوا: إليك عنا يا أعور ثقيف. فرجع إليه فأخبره بذلك، فدعا علي بن أبي طالب فقال: آت هؤلاء فأعطهم كتاب الله. فأتاهم علي رضي الله عنه فعرض عليهم (3) فأبوا عليه، فانصرف عنهم. فقال القول: أتاكم ابن عم نبيكم فعرض عليكم كتاب الله فرددتموه ! ! فبعثوا إلى علي رضي الله عنه فدعوه، وقبلوا ما أعطاهم، واشترطوا أشياء - قال ابن عون، عن ابن سيرين: فمنها أشياء كتبوها في كتابهم، ومنها أشياء لم يكتبوها (4). * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا سعيد بن يزيد قال، حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد مولى ابن أسيد قال: لما قدم المصريون على عثمان رضي الله عنه اجتمعوا


(1) وانظر في هذا أنساب الاشراف 5: 62 - والكامل لابن الاثير 3: 63 - والغدير 9: 171 - والعواصم من القواصم ص 125 - والبداية والنهاية 7: 170 - 173. (2) في الاصل " زمزمة وأحدهم " - والزمزمة هي صوت الرعد إذا اجتمع. (3) في الاصل " فعرض عليه ". (4) أنساب الاشراف 5: 63 - والغدير 9: 170. (*)

[ 1139 ]

إلى حجرة، وجئنا فجعلنا ننظر إليهم من خلل الحجره، فما سألوه شيئا إلا خرج منه، فقالوا: أغلقت باب الهجرة، وحميت الحمي. قال: إن عمر رضي الله عنه حمى الحمى للصدقة، وإنها كثرت وزادت، فزدت في الحمى على قدر ما زادت الصدقة، وأما قولكم أغلقت باب الهجرة فإني لم أكن أرى هذا المال إلا لمن جاهد عليه، فمن شاء فليهاجر، ومن شاء فليجلس، ثم قال: ويحكم لا تزكوا أنفسكم ولا تهلكوا أمتكم. فرجع القوم راضين (1). * حدثنا علي بن محمد، عن أبي مخنف، عن محمد بن يوسف، عن عبد الرحمن بن جندب قال: قال عثمان رضي الله عنه لعبد الله ابن عمر رضي الله عنهما: ما ترى في هؤلاء القوم ؟ قال: تدعوهم إلى كتاب الله، فإن أجابوك كان خيرا لهم، وإن أبوا كان خيرا لك وشرا لهم، وابعث عليا فإنه لا يردهم عنك غيره. قال: جزاكم الله خيرا آل عمر، فإنكم طالما نصحتم الاسلام وأهله. فأرسل إلى علي رضي الله عنه فقال إيت هؤلاء القوم فأعطهم ما يسألونك. قال: قال: وأضمن ذلك عليك ؟ قال: نعم. فأتاهم علي رضي الله عنه، فبهشوا (2) إليه، فقال علي رضي الله عنه: تعطون كتاب الله وتعتبون من كل ما سخطتم ؟ قالوا: فتضمن ذلك لنا ؟ قال: نعم. فأقبل معه ثلاثون من وجوههم، فدخلوا على عثمان رضي الله عنه، فأرضاهم وكتبوا بينهم كتابا: من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه، إن لكم العمل بكتاب الله، وإن المحروم


(1) تاريخ الطبري 5: 107. (2) بهشوا إليه: ارتاحوا إليه وأقبلوا عليه مسرورين. (*)

[ 1140 ]

يعطى، والنفي يرد، ولا يجمر المبعوث، ولا تحمى الحمى. شهد علي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الله بن عمر، وسهل ابن حنيف، وأبو أيوب، وزيد بن ثابت. ثم انصرفوا إلى بلادهم راضين (1). (حركة أهل الكوفة ومسيرهم إلى عثمان رضي الله عنه) (*) * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا سعيد بن محمد الوراق، عن إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر قال: بلغ عثمان رضي الله عنه أن ناسا من أهل الكوفة يقعون فيه، ويقولون فيه الباطل. فكتب إليهم: إنه بلغني عنكم أمر لا يحل لكم، فمن كان منكم قال ما لا يحل له فليقيد نفسه، قال: فقيد أولئك أنفسهم، فكان في الحي رجل منهم يقال له النعمان بن فلان - أو فلان بن النعمان - يحضر الصلاة مقيدا شهرا، فكتب إليهم عثمان رضي الله عنه: أن حلوا أنفسكم يغفر الله لي ولكم. * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة، عن ابن عيينة، عن بعض أصحابه قال: كتب عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أهل الكوفة: من كان له قبلي حق فليقدم فليأخذ بحقه، أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين، فلم أر يوما أكثر شيخا باكيا من يومئذ. * حدثنا علي بن محمد، عن أبي محنف، عن عبيد بن محصن،


(1) العواصم من القواصم ص 72، 125. (*) انظر في هذا تاريخ الطبري 5: 85 - والكامل لابن الاثير 3: 52 - ونهاية الارب 19: 454 - والتمهيد والبيان لوحة 47. (*)

[ 1141 ]

عن أبيه قال: كتب سعيد بن العاص إلى عثمان رضي الله عنه: إن قبلي قوما يدعون القراء، وهم سفهاء، وثبوا على صاحب شرطتي فضربوه ظالمين له، وشتموني، واستخفوا بحقي، منهم عمرو ابن زرارة، وكميل بن زياد، ومالك بن الحارث، وحرقوص ابن زهير، وشريح بن أوفى، ويزيد بن مكنف، وزيد وصعصعة ابنا صوحان، وجندب بن زهير. فكتب عثمان رضي الله عنه إلى الذين سماهم: أن يأتوا الشام ويغزوا مغازيهم، وكتب إلى سعيد: إني قد كفيتك مئونتهم فأقرئهم كتابي فإنهم لا يخالفون إن شاء الله، وعليك يتقوى الله وحسن السيرة. فأقرأهم سعيد الكتاب، فشخصوا إلى دمشق، فأكرمهم معاوية، وقال لهم: إنكم قدمتم بلدا لا يعرف أهله إلا الطاعة، فلا تجادلوهم فتدخلوا الشك قلوبهم. فقال عمرو بن زرارة، والاشتر: إن الله قد أخذ على العلماء موثقا أن يبينوا علمهم للناس، فإن سألنا سائل عن شئ نعلمه لم نكتمه. فقال معاوية: قد خفت أن تكونوا مرصدين للفتنه، فاتقوا الله ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا فيه فحبسهما معاوية رضي الله عنه. فقال له زيد بن صوحان: ما هذا ؟ إن الذين أشخصونا إليك من بلادنا لم يعجزوا عن حبسنا لو أرادوا ذلك، فإن كنا ظالمين فنستغفر الله ونتوب إليه، وإن كنا مظلومين فنسأل الله العافية. فقال معاوية رضي الله عنه: إني لاحسبك امرأ صالحا، فإن شئت أذنت لك أن تأتي مصرك، وكتبت إلى أمير المؤمنين أعلمه إذني لك. فقال أخشى أن تأذن لي وتكتب إلى سعيد. فلما أراد الشخوص كلمه في الاشتر وعمرو بن زرارة فأخرجهما، فأقاموا لا يرون أمرا

[ 1142 ]

يكرهونه. وبلغ معاوية أن قوما يأتونهم فأشخصهم إلى حمص، فكانوا بها حتى اعتزم أهل الكوفة على إخراج سعيد فكتبوا إليهم فقدموا (1). * حدثنا علي، عن عبد الاعلى بن سليمان العبدي، عن يونس بن أبي إسحاق الهمذاني قال: كتب ناس من وجوه أهل الكوفة ونساكهم، منهم معقل بن قيس الرياحي، ومالك بن حبيب، وعبد الله بن الطفيل العامري، وزياد بن حفص التميمي، ويزيد بن قيس الارحبي، وحجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وسليمان بن صرد، وزيد بن حصن الطائي، وكعب بن عبدة النهدي إلى عثمان - ولم يسم أحد نفسه في الكتاب إلا كعب - أن سعيد بن العاص كثر عندك على قوم من أهل الفضل والدين فحملك من أمرهم على ما لا يحل، وإنا نذكرك الله في أمة محمد. فإنك قد بسطت يدك فيها، وحملت بني أبيك على رقابها، وقد خفنا أن يكون فساد هذه الامة على يديك، فإن لك ناصرا ظالما، وناقما عليك مظلوما، فمتى نقم عليك النقم، ونصرك الظالم تباين الفريقان، واختلفت الكلمة، فاتق الله فإنك أميرنا ما أطعت الله واستقمت. وبعثوا بالكتاب مع أبي ربيعة العنزي. فقال له عثمان رضي الله عنه: من كتب هذا الكتاب ؟ قال: صلحاء أهل المصر. قال: سمهم لي. قال: ما أسمي لك إلا من سمى نفسه.


(1) تاريخ الطبري 5: 85 - 90 - والكامل لابن الاثير 3: 52 - 55 - والغدير 9: 31، 32 - والعواصم من القواصم ص 120، 121 والبداية والنهاية أخبار سنة 33، 34. (*)

[ 1143 ]

فكتب عثمان رضي الله عنه إلى سعيد: انظر ابن ذي الحبكة فاضربه عشرين سوطا، وحول ديوانه إلى الري. فضربه سعيد عشرين سوطا وسيره إلى جبل دنباوند (1). فقال كعب بن عبدة، أترجو اعتذاري يا ابن أروى ورجعتي * عن الحق قدما غال حلمك غول وإن دعائي كل يوم وليلة * عليك لما أسديته لطويل وإن اغترابي في البلاد وجفوتي * وشتمي في ذات الاله قليل فبلغ عثمان رضي الله عنه الشعر، فكتب إلى سعيد: قد خفت أن أكون قد احتملت في ابن ذي الحبكة حوبة، فسرح إليه من يقدم به إليك، ثم احمله إلي. فبعث سعيد بكير بن حمران الاحمري - وهو الذي كان ذهب به - فرده، ثم أشخصه إلى عثمان رضي الله عنه، فقال له عثمان رضي الله عنه: يا أخا بني نهد، والله لئن كان لكم علي حق إن لي عليكم لحقا، وقد كانت مني طيرة فكتبت إلى سعيد آمره أن يضربك عشرين سوطا، وأنا أستغفر الله، فإن شئت تقتص فاقتص. قال: أقتص. فنزع عثمان رضي الله عنه قميصه وقعد بين يديه وأعطاه السوط، فقال: قد عفوت يا أمير المؤمنين وتركت ذلك لله. فلما قدم الكوفة لامه.... (2)


(1) دنباوند: جبل شاهق يعلوه الثلج بالري - انظر ياقوت معجم البلدان. (2) بياض في الاصل بمقدار كلمتين، والكلام متصل دون إضافة أو لعل الساقط " جماعة من ". (*)

[ 1144 ]

قومه قالوا: ما منعك أن تقتص ؟ قال: سبحان الله ! ! والي المسلمين أقاد من نفسه، ولو شاء لم يفعل، أقتص منه عند توبته ؟ ! ما كنت لافعل (1). * حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا الاعمش، عن أبي إسحاق، عن زيد بن تبيع قال: تجهز ناس من بني عبس إلى عثمان رضي الله عنه ليقاتلوه، فقال حذيفة: ما سعى قوم ليذلوا سلطان الله في الارض إلا أذلهم الله في الدنيا قبل أن يموتوا (2). * حدثنا أبو عاصم النبيل قال، حدثنا كثير بن كثير - رجل من بني تميم لم يكن في ذلك العصر رجل خير منه - قال، حدثني ربعي بن خراش: أنه انطلق إلى حذيفة رضي الله عنه، وذلك زمان خرج الناس إلى عثمان رضي الله عنه فقال: يا ربعي أخبرني عن قومك، هل خرج منهم أحد ؟ قال: نعم، فسمى له نفرا، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خرج من الجماعة - قال أبو عاصم مرة - مستذلا للامارة - وقال مرة فاستذل الامارة - لقي الله يوم القيامة لا وجه له. * حدثنا حيان بن بشر، عن يحيى بن آدم قال، حدثنا حفص، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زياد بن علاقة قال: أراد الناس أن يخرجوا إلى عثمان رضي الله عنه حين أنكروه، فجاءت فجاءت بنو عبس إلى حذيفة فقال: لا تفعلوا، فإني سمعت رسول الله


(1) تاريخ الطبري 5: 137 - والكامل لابن الاثير 3: 71 - والغدير 9: 48، 51 - والتمهيد والبيان لوحة 60. (2) التمهيد والبيان لوحة 219. (*)

[ 1145 ]

صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول عصابة تسير إلى سلطان لتذله لا يكون لهم يوم القيامة وزن. * حدثنا علي بن محمد، عن أبي اليمان الحذيفي، عن أبيه - أو عمن حدثه - عن سعد بن حذيفة قال: سار أهل الكوفة إلى عثمان رضي الله عنه، فقال حذيفة: أما إنهم إن تناولوا محجما من دم ثار الشر بينهم فاستبدلوا بذلك أضغانا وأهواء متفرقة وذلا إلى يوم القيامة، فإن كان فعله لله رضي فسيستحلبون به لبنا وإن لم يكن لله رضى فسيستحلبون به دما (1). * حدثنا علي، عن إسرائيل بن قادم قاضي المدائن، عن عبد الله ابن حسن قال: قدم نهارة النخعي أبو عمرو بن زرارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد النخع فقال: يا رسول الله إني رأيت في طريقي رؤيا هالتني. قال: ما هي ؟ قال: رأيت أتانا خلفتها في أهلي ولدت جديا أسفع أحوى، ورأيت نارا خرجت من الارض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، وهي تقول: لظى لظى، بصير وأعمى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل خلفت في أهلك أمة مسرة حملا ؟ قال: نعم. قال: فقد ولدت غلاما، وهو ابنك. قال: فما باله أسفع أحوى ؟ قال: ادن مني، أبك برص تكتمه ؟ قال: والذي بعثك بالحق ما علمه أحد قبلك. قال: فهو ذلك، وأما النار فإنها فتنة تكون بعدي. قال: وما الفتنة ؟ قال: يقتل الناس إمامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس - وحالف بين أصابعه - دم المؤمن


(1) طبقات ابن سعد 3 / 1: 58 - والبداية والنهاية 7: 167 - وأنساب الاشراف 5: 93. (*)

[ 1146 ]

أحل من الماء، يحسب المسئ أنه محسن، إن مت أدركت ابنك، وإن مات ابنك أدركتك. قال: فادع الله ألا تدركني، فدعا له. قال أبو الحسن، عن أشياخه، وزاد فيه: ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان ودملوجان (1) ومسكتان (2) قال: ذلك ملك العرب يصير إلى أفضل (زينته وبهجته. قال يا رسول الله (3):) ورأيت عجوزا شمطاء خرجت من الارض. قال: تلك فتنة الدنيا (4). * حدثنا علي، عن أبي إسماعيل الهمذاني، عن الكلبي، عن كميل بن زياد النخعي قال: أول من دعا إلى خلع عصمان رضي الله عنه عمرو بن زرارة. * حدثنا علي، عن سلمة بن محراب، عن عوف الاعرابي، قال: قدم عبد الله بن عامر من المدينة حين رد عثمان رضي الله عنه عماله إلى أمصارهم، فكان لين الجناح مترددا، مر برجل يحرش بين الاشراف، فأجرى الخيل، فسبقه حكيم بن جبلة (5)، فغضب


(1) الدملوج: السوار يلبس في المعصم. (2) المسك: بفتح الميم الاساور أو الخلاخيل من القرون والواحدة مسكة. (3) بياض في الاصل بمقدار ثلاث كلمات والمثبت عن سبل الهدى والرشاد 2 لوحة 858. (4) الاستيعاب 1: 206 - وأسد الغابة 2: 201 - وسبل الهدى والرشاد 2 لوحة 858. (5) هو حكيم بن جبلة العبدي من قبائل عبد القيس وأصله من عمان وسواحل الخليج تواطن البصرة بعد تمصريها وكانت البصرة منطلق الجيوش الاسلامية نحو الشرق هي والكوفة وكان حكيم شابا جريئا مجازفا فكان إذا رجعت الجيوش خنس عنهم وأغار على أهل الذمة وأفسد في أرضهم بفارس فرفع أمره إلى عثمان رضي الله عنه فكتب إلى عبد الله بن عامر بحبسه. (*)

[ 1147 ]

فأخذ خيلا كانت له بفارس، فغضب حكيم فجعل يعيب عثمان. ورزق ابن عامر الناس طعاما أصابته السماء فتغير، فحمله قوم إلى عثمان وشكوا ابن عامر، فلم يعرض له، فتغير الناس لعثمان رضي عنه: وقالوا: عزل أبا موسى وولى ابن عامر (1). * حدثنا علي، عن عامر بن حفص، عن أشياخه: أن نفرا من أهل الصرة خرجوا إلى عثمان رضي الله عنه عليهم حكيم بن جبلة، وفيهم سدوس بن عبس، ورجل من بني ضبيعة يقال له مالك (2).


(1) تاريخ الطبري 5: 90 ط الحسينية - والعواصم من القواصم ص 115. (2) تاريخ الطبري 4: 348 (ط المعارف) - والعواصم من القواصم ص 116. (*)

[ 1148 ]

انتهى الجزء الثالث من تاريخ المدينة المنورة لابن شبة، ويليه الجزء الرابع - الاخير - ان شاء الله، وأوله عنوان " رجوع اهل مصر بعد شخوصهم ". * الفهارس العامة ستكون في الجزء الاخير - ان شاء الله.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية