الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ
 
أ ب ت  ...




تاريخ المدينة - ابن شبة النميري ج 2

تاريخ المدينة

ابن شبة النميري ج 2


[ 377 ]

كتاب تاريخ المدينة المنورة (أخبار المدينة النبوية) لابن شبه أبو زيد عمر بن شبه النميري البصري 173 ه‍ - 262 ه‍ الجزء الثاني حققه فهيم محمد شلتوت الطبعة الثانية

[ 378 ]

بسم الله الرحمن الرحيم هذا هو الجزء الثاني من تاريخ المدينة المنورة لابن شبة، ويجد القارئ الكريم في الصفحة 653 أخبار عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ونحب أن نشير للقارئ الكريم إلى أن الفهارس العامة لهذا المؤلف القيم ستكون في الجزء الاخير، متتابعة ومفصلة، بإذن الله.

[ 379 ]

(ذكر اللعان) * حدثنا أبو داود قال، حدثنا عباد بن منصور قال، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية (1) قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أهكذا أنزلت ؟ فلو وجدت لكاعا يتفخذها رجل لم يكن لي أن أخبركم ولا أهيجه حتى أتي بأربعة شهداء ؟ فوالله لا آتي بأربعة شهداء حتى يقضي حاجته (2). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا معشر الانصار، ألا تسمعون ما يقول سيدكم ؟ قالوا: يا رسول الله. لا تلمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج فينا قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد: والله يا رسول الله إني لاعلم أنها حق، وأنها من الله، ولكني عجبت (من ذلك لما أخبرك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فإن


(1) في معالم التنزيل للبغوي 6: 61 قال عكرمة عن ابن عباس: لما نزلت " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين " الآية، قال سعد بن عبادة: لو أتيت لكاعا وقد تفخذها رجل.. الحديث. (2) وفي تفسير الحافظ ابن كثير 6: 60 قال الامام أحمد: حدثنا يزيد أخبرنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال لما نزلت " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا.. " الآية. قال سعد بن عبادة - وهو سيد الانصار رضي الله عنه - هكذا أنزلت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الانصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم ؟ فقالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله إني لاعلم أنه لحق، وأنها من الله، ولكني قد تعجبت أني وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى أتي بأربعة شهداء. فوالله إني لا آتي حتى يقضي حاجته. فذكر الحديث. (مجمع الزوائد 7: 74) وفيه الحديث بنصه عن ابن عباس. (*)

[ 380 ]

الله يأبى إلا ذلك " فقال: صدق الله ورسوله) (1) قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكذاك إذ جاء هلال بن أمية الواقفي (2) فقال: يا رسول الله، إني جئت البارحة عشاء من حائط (3) لي كنت فيه فرأيت مع أهلي رجلا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء به، وقيل يجلد هلال وينكل في المسلمين. فقال هلال: يا رسول الله، إني أرى في وجهك أنك تكره ما جئت به، وإني لارجو أن يجعل الله (لي) (4) فرجا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكذاك إذ نزل عليه الوحي - وكان إذا نزل عليه الوحي تربد لذلك وجهه (وبرد) (4) جسده - فلما رفع الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبشر يا هلال، فقد جعل الله لك فرجا " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادعوها " فدعيت، فقال: " إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ؟ " فقال هلال: يا رسول الله ما قلت إلا حقا، ولقد صدقت فقالت هي عند ذلك: كذب، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، وقيل له عند الخامسة: يا هلال اتق الله فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. فقال هلال: لا والله لا يعذبني الله عليها أبدا كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة " أن لعنة الله


(1) ما بين الحاصرتين عن معالم التنزيل للبغوي 6: 61. (2) هو هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الاعلم بن عامر بن كعب بن واقف الاوسي الانصاري الواقفي، شهد بدرا وأحدا، وكان قديم الاسلام، وكان يكسر أصنام بني واقف، وكانت معه رايتهم يوم الفتح، وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وهم هلال هذا وكعب بن مالك ومرارة بن الربيع، وأنزل الله فيهم. " وعلى الثلاثة الذين خلفوا.. " الآية. (أسد الغابة 5: 66). (3) الحائط: البستان (أقرب الموارد). (4) الاضافة عن ابن كثير 6: 61. (*)

[ 381 ]

عليه إن كان من الكاذبين " وقيل لها اشهدي، فشهدت " أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين "، وقيل لها عند الخامسة: يا هذه اتقي الله فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. قال: فبكت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة " أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين " وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لا ترمي ولا يرمى ولدها، ومن رماها ورمى ولدها جلد الحد، وليس لها عليه قوت ولا سكنى من أجل أنهما يتفرقان بغير طلاق ولا متوفى (1) عنها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبصروها، فإن جاءت به أثبج (2) أصهب (3) أرسح (4) حمش (5) الساقين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به خدلج (6) الساقين، سابغ الاليتين (7)، أورق (8) جعدا (9) جماليا (10) فهو لصاحبه " فجاءت به خدلج الساقين


(1) في نيل الاوطار 7: 73 عن ابن عباس في قصة الملاعنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن لا قوت لها ولا سكنى من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها (رواه أحمد وأبو داود). (2) الثبج: من كل شئ وسطه (أقرب الموارد 85). (3) الاصهب: من الرجال الاشقر. (4) الارسح: هو خفيف لحم الفخذين والاليتين (نيل الاوطار للشوكاني 7: 70). (5) حمش الساقين: لغة في أحمش، أي صار دقيق الساقين (نيل الاوطار 7: 69). (6) خدلج الساقين: ممتلئ الساقين والذراعين (نيل الاوطار 7: 68). (7) سابغ الاليتين: عظيمهما (المرجع السابق). (8) الاورق: هو الاسمر (المرجع السابق 7: 70 "). (9) جعدا: الجعد من الشعر خلاف السبط أو القصير منه (المرجع السابق). والسبط: المسترسل من الشعر، وتام الخلق من الرجال (المرجع السابق). (10) جماليا: هو العظيم الخلق كأنه الجمل (نيل الاوطار 7: 70). (*)

[ 382 ]

سابغ الاليتين أورق جعدا جماليا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا الايمان لكان لي ولها أمر " قال عباد: فسمعت عكرمة يقول: لقد رأيته بعد ذلك أميرا (1) مصر من الامصار لا يدري من أبوه. * حدثنا عبد الاعلى قال، حدثنا هشام (2)، عن محمد (3) قالت: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه - وأنا أرى أن عنده فيه علما - فقال: إن هلال بن أمية قذف امرأة بشريك بن سحماء (4) وكان أخا البراء من مالك لامه، فكان أول رجل لاعن في الاسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبصروها فإن جاءت به أبيض


(1) ما بين الرقمين عبارة لا تقرأ في الاصل، وما أثبته أقرب لحروفها رسما، ويؤيده ما جاء في معالم التنزيل 6: 63 " وكان بعد أميرا على مصر لا يدري من أبوه وكذلك في تفسير ابن كثير 6: 62. (2) هو هشام بن حسان القردوسي - بضم القاف - الازدي مولاهم أبو عبد الله البصري - أحد الاعلام - روى عن حفصة ومحمد وأنس بن سيرين، مات في أول صفر سنة ثمان وأربعين ومائة (ميزان الاعتدال 3: 235، والخلاصة للخزرجي ص 351). (3) * هو محمد بن الحنفية، وقد روى عنه عبد الاعلى بن عامر الثعلبي الكوفي بدون واسطة (الخلاصة للخزرجي ص 186). (4) شريك بن سحماء، وهي أمه - وأبوه عبدة بن معتب بن الجد بن العجلان ابن حارثة بن ضبيعة البلوي، وهو ابن عم معن وعاصم، ابني عدي بن الجد، وكان حليفا للانصار، وصاحب هذا اللعان، نسب في هذا الحديث إلى أمه، قيل إنه شهد مع أبيه أحدا، وقد ذكر ابن الاثير في أسد الغابة 2: 397 هذا الحديث مرويا عن بندار، من حديث ابن عباس " أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البينة وإلا حد في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد. فنزل " والذين يرمون أزواجهم... " الآيات. أخرجه الثلاثة. (أسد الغابة 2: 397). (*)

[ 383 ]

سبطا قضئ العينين (1) فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدا (2) حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء، قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين. * حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة، عن سعيد بن برير، عن سعيد بن المسيب: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بت أجر الجريد على ظهري، فلما أسحرت أتيت أهلي فإذا رجل مع امرأتي، فأبصرت عيناي، وسمعت أذناي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أم والله لا يكلني الله ولا يجور على نبيه صلى الله عليه وسلم " فأنزل الله عزوجل " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " إلى " الصادقين (3) فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتلاعنا " أحدكما كاذب، فهل منكما تائب ؟ " فمضيا على أمرهما فتلاعنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن جاءت به أكحل العينين، جعد الرأس، سابغ الاليتين، خدلج الساقين فهو للذي قذفت به، وإن جاءت به أخفش (4) العينين، أصم (5)


(1) قضئ العينين فاسد العينين (المرجع السابق 7: 69). (2) الاكحل: الذي منابت أجفانه سوداء كأن فيها كحل (المرجع السابق 7: 68) (3) سورة النور الآيات من 6 - 9. (4) أخفش العينين: من ضعف بصره خلقة وصغرت عيناه، وقيل: فساد في الجفون بلا وجع، واحمرار تضيق له العيون، وقيل أن يبصر بالليل دون النهار. (أقرب الموارد). وفي اللسان 8: 187 في حديث ولد الملاعنة " إن جاءت به أمه أخفش العينين... " الحديث قال بعضهم هو الذي يغمض إذا نظر. (5) أصم الشعر: صلب الشعر (أقرب الموارد). (*)

[ 384 ]

الشعر، ممسوح (1) الاليتين، دقيق الساقين فهو منه " فولدت جارية كحلاء سابغة الاليتين جعدة الرأس خدلجة الساقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لولا ما مضى من الايمان كان لي فيهما أمر ". * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا هارون بن المغيرة، عن عمرو بن أبي قيس، عن الحجاج، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعن هلال بن أمية وامرأته وهي حامل. * حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال، حدثنا إبراهيم ابن سعد، عن ابن شهاب، عن سهل بن (2) سعد قال: جاء


(1) ممسوح الاليتين: في صحيح الترمذي 5: 185 " سافع الاليتين خدلج الساقين. (2) سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج ابن ساعدة بن كعب بن الخزرج الانصاري الساعدي، قيل إنه شهد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في المتلاعنين وأنه فرق بينهما، وكان اسمه حزنا فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلا. قال الزهري: رأى سهل بن سعد النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه، وذكر أنه يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان له خمس عشرة سنة، وعاش سهل وطال عمره حتى أدرك الحجاج بن يوسف الثقفي، وامتحن معه، وقد روى عن سهل أبو هريرة وسعيد بن المسيب والزهري وأبو حازم وابنه عباس بن سهل، وتوفي رضي الله عنه سنة ثمان وثمانين وهو ابن ست وتسعين سنة، وقيل توفي سنة إحدى وتسعين وقد بلغ مائة سنة، ويقال إنه آخر من بقى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. قال أبو حازم: سمعت سهل بن سعد يقول: لو مت لم تسمع من أحد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يصفر لحيته. (أسد الغابة 2: 365). (*)

[ 385 ]

عويمر (1) إلى عاصم (2) بن عدي فقال له: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت رجلا وجد مع امرأته (3) رجلا أيقتله فيقتل به، أم كيف يصنع ؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل، ثم لقيه عويمر فقال: ما صنعت ؟ فقال: صنعت أنك لم تأتني بخير، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب السائل، فقال عويمر: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه يسأله فوجده قد أنزل عليه فيهما، فدعاهما فتلاعنا، فقال عويمر: لئن انطلقت بها يا رسول الله، لقد كذبت عليها (4)، ففارقها قبل أن يأمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصارت سنة في المتلاعنين.


(1) هو عويمر بن أبيض العجلاني الانصاري صاحب اللعان. قال الطبري: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد العجلاني، الذي رمى زوجته بشريك ابن سحماء، فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وذلك في شعبان سنة تسع لما قدم من تبوك. (أسد الغابة 4: 158). (2) عاصم: هو عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان بن حارثة بن ضيعة بن حرام ابن جعل، بن عمرو البلوي، أخو معد بن عدي، وكان سيد بني العجلان، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي سنة خمس وأربعين، وقد عاش مائة وخمس عشر سنة، وقيل عاش مائة وعشرين سنة. (أسد الغابة 3: 75). (3) ورد في أسد الغابة 4: 159 بإسناده إلى مالك بن أنس عن ابن شهاب أن سهل ابن سعد الساعدي أخبره أن عويمر بن أشقر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الانصاري فقال له: يا عاصم أرأيت رجلا وجد مع امرأته ".. الحديث. وجاء في معالم التنزيل 6: 63 أن امرأة عويمر هي خولة بنت قيس بن محصن، وجاء في نيل الاوطار 7: 64 أن اسمها خولة بنت عاصم بن عدي العجلاني. (4) وعبارة معالم التنزيل للبغوي 6: 60 قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم. (*)

[ 386 ]

* ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبصروها، فإن جاءت به أسحم، أدعج العينين، عظيم الاليتين فلا أراه إلا وقد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وجرة فلا أراه إلا كاذبا " قال فجاءت به على النعت المكروه. * قال: وأخبرني إبراهيم، عن أبيه قال، أخبرني سعيد ابن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن جاءت به أديعج (1) جعدا فهو للذي اتهمه، وإن جاءت به أشقر سبطا فهو لزوجها " فجاءت به أديعج. * حدثنا عبد الله بن نافع قال، حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره، أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي العجلاني فقال له: يا عاصم أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل ؟، سل لي يا عاصم عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عاصم عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره المسائل (2) وعابها، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع إلى أهله جاءه عويمر فقال له: يا عاصم، ماذا قال لك رسول الله ؟ قال له عاصم: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته (3) عنها، فقال عويمر:


(1) أديعج: تصغير أدعج: وهو من عينه شديدة السواد مع سعتها (أقرب الموارد) وانظر الحديث بسنده ومتنه في أسد الغابة 2: 366. (2) كذا في الاصل ويوافق ما في معالم التنزيل 6: 59، 60 " ولعلها المسألة ويرجحها ما أخبر به عاصم. (3) في الاصل " المسألة التي سألتها عنه " والتصويب عن المرجع السابق. (*)

[ 387 ]

لا أنتهي حتى أسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء عويمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، فاذهب فائت بها. قال سهل: فتلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال مالك، قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني عياض بن عبد الله، عن ابن شهاب، عن سهل ابن سعد بنحوه، قال: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام، فمضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا، وكانت امرأة عويمر حاملا فأنكر حملها، فكان ابنها يدعي ابن أمه (1)، ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه


(1) الحديث في نيل الاوطار للشوكاني 7: 61 عن نافع عن ابن عمر " أن رجلا لاعن امرأته وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وألحق الولد بالمرأة، وقد جاء في حديث سهل بن سعد عن أبي داود بلفظ " فكان الولد ينسب إلى أمه "، وفي رواية أخرى " وكان ابنها يدعى لامه، قال الشوكاني: جرت السنة في ميراثهما أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله لهما، وقيل معنى " إلحاقه بأمه " أنه صيرها له أبا وأما، فترث جميع ماله إذا لم يكن له وارث آخر من ولده، وهو قول ابن مسعود وطائفة. (*)

[ 388 ]

فافترض (1) الله للام. قال ابن شهاب، قال عويمر عند ذلك: لبئس عبد الله، إنما إن كنت وقعت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذبة وتحملت بغيرته. * حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال. أنبأنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد قال: أخبرني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني (2)


(1) ورد في نيل الاوطار للشوكاني 7: 83 عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه، ومن رماها به جلد ثمانين، ومن دعاه ولد زنا جلد ثمانين. كما ورد بالجزء الثامن ص 179 من كتاب إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري عن نافع عن ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين رجل وامرأة فانتفى من ولدها ففرق بينهما وألحق الولد بالمرأة " أي فترث منه ما فرض الله لها ونفاه عن الزوج فلا توارث بينهما. كما جاء في 9: 437 من إرشاد الساري " باب ميراث الملاعنة " حدثني يحيى بن قزعة حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلا لاعن امرأته في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها، ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، وألحق الولد بالمرأة، وعلق عليه في شرح الحديث: بأن الرجل هو عويمر وامرأته هي خولة بنت قيس " وألحق الولد بالمرأة " فترثه أمه وإخوته منها فإن فضل شئ فهو لبيت المال، وهذا قول زيد بن ثابت وجمهور العلماء وأكثر فقهاء الامصار. وقال الامام مالك، وعلى ذلك أدركت أهل العلم. وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم ميراث ابن الملاعنة لامه ولورثتها من بعدها. وعن أصحاب السنن الاربعة وحسنه الترمذي وصححه الحاكم عن وائلة " تحوز المرأة ثلاثة مواريت. عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه " وثقه أحمد (إرشاد الساري 9: 437، 438). (2) العجلاني هو عويمر بن الحارث الذي سبق التعريف به. (*)

[ 389 ]

وامرأته، فقال زوجها: والله يا رسول الله ما قربتها مذ عفرنا، والعفر: أن يسقي النخل بعد أن يترك من السقي بعد الابار بشهرين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومئذ " اللهم بين " وكان الذي رميت به ابن السحماء، وكان زوج المرأة أصهب الشعر حمش الذراعين والساقين، فقال رجل (1) يا أبا العباس هي المرأة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو كنت راجما بغير بينة لرجمتها " قال: لا، تلك امرأة قد كانت أعلنت السوء (2) في الاسلام، فناداه رجل من ناحية: يا أبا العباس ما قلت ؟ قال: جاءت به على الوصف السيئ (3). * حدثنا شريح بن النعمان قال، حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس رضي الله عنهما: مثله - قال:


(1) الرجل: هو عبد الله بن شداد بن الهاد (مسند الامام أحمد 1: 335، نيل الاوطار 7: 73 وابن شبة في الحديث التالي). (2) الاضافة عن نيل الاوطار 7: 72، وعبارته " فقال ابن عباس: لا تلك امرأة كانت تظهر في الاسلام السوء " أي كانت تعلن بالفاحشة، ولكنه لم يثبت ذلك عن بينة أو اعتراف. (3) والحديث في مسند الامام أحمد بن حنبل 1: 335، 336 بالسند والمتن التالي: حدثنا عبد الله أبي حدثنا عبد الملك بن عمر وحدثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن القاسم بن محمد أنه سمع ابن عباس يقول: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وامرأته قال: وكانت حبلى فقال: والله ما قربتها منذ عفرنا، والعقر: أن يسقى النخل بعد أن يترك من السقي بعد الابار بشهرين، قال: وكان زوجها حمش الساقين والذراعين أصهب الشعر، وكان الذي رميت به ابن السحماء، قال: فولدت غلاما أسود أحلى جعدا عبل الذراعين قال فقال ابن شداد بن الهاد لابن عباس: أهي المرأة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت راجما من غير بينة لرجمتها قال لا تلك امرأة قد أعلنت في الاسلام. (*)

[ 390 ]

وكان الذي رميت به ابن السوداء، وقال: فقال له ابن شداد بن الهاد (1): أهي المرأة التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو كنت راجما بغير بينة رجمتها. قال: لا، تلك امرأة قد أعلنت السوء في الاسلام " (2). * حدثنا عفان قال، حدثنا وهيب، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: كنا إذا اختلفنا في شئ بالكوفة كتبته حتى أسأل عنه ابن عمر رضي الله عنهما، وكان فيما سألته عن الملاعنة فقال: فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان، وقال: " الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب " ثلاث مرار - قال أيوب: فحدثت به عمرو بن دينار فقال في المدينة شئ لا أراك تحدثنيه، قال: يا رسول الله ما لي ؟ قال " لا مال لك إن كنت صادقا فقد دخلت بها، وإن كنت كاذبا فهو أبعد لك ". * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن الاعمش عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد ليلة الجمعة إذ قال رجل: لو أن رجلا وجد مع امرأته


(1) هو عبد الله بن شداد بن الهاد واسمه أسامة الليثي أبو الوليد المدني، عن أبيه وعمر وعلى ومعاذ، وعنه محمد بن كعب والحكم بن عتيبة. وثقه النسائي وابن سعد. قال الواقدي: طرح مع القراء أيام عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث على الحجاج، قيل إنه غرق بدجيل سنة إحدى وثمانين، وقال العجلى: هلك عبد الرحمن بن أبي ليلى وابن شداد في الجماجم، اقتحم بهما فرساهما الماء فذهبا، وقال الثوري: فقد في الجماجم سنة ثلاث وثمانين. (الخلاصة للخزرجي والحاشية 10، 11 ص 170). (2) ما بين الحاصرتين سقط في الاصل والاثبات عن مسند الامام أحمد بن حنبل 1: 35.. وبمعناه أيضا في نيل الاوطار 7: 72، قال ابن عباس لا تلك امرأة كانت تظهر في الاسلام السوء " وكذا بمعناه في صحيح الترمذي 5: 185 ط. المصرية بالازهر. (*)

[ 391 ]

رجلا فقتله قتلتموه، وإن نكل جلدتموه ؟ لاذكرن هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله آيات اللعان. ثم جاء الرجل يقذف امرأته، فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال " عسى أن تجئ به أسود جعدا فجاءت به أسود جعدا. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني (1) عن ليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تذاكروا الملاعن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم فيه قولا ثم رجع، فقال ابن عمر له: إنه رأى مع امرأته رجلا، فقال عاصم: ما ابتليت إلا بقولي: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم والرجل يذكر له أن الذي رأى مع امرأته رجل خدر كثير اللحم جعد الشعر، وكان الرجل قليل اللحم معمرا، قال فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بامرأته فتلاعنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم بين " فولدته على شبه ما قال زوجها إنه رآه معها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لولا الملاعن لكان بيني وبينك حال ". * قال ابن عباس رضي الله عنهما: التي لاعن رسول الله صلى الله


(1) هو يحيى بن إسحاق البجلي أبو زكريا السيلحيني - بفتح المهملة واللام بينهما تحتيه ساكنة ثم مهملة مكسورة ثم تحتية ثم نون - البغدادي، روى عن يحيى بن أيوب وحماد بن سلمة وطائفة، وعنه أحمد بن حنبل ومحمد بن عبد الله بن المخرمي، قال ابن سعد: كان ثقة حافظا، وقال أحمد: شيخ ثقة، قال ابن معين: صدوق، مات سنة ست وعشرين ومائتين (الخلاصة للخزرجي وحاشيتها 7: 361، وتذكرة الحفاظ للذهبي 1: 376 ط. بيروت). (*)

[ 392 ]

عليه وسلم بينها وبين زوجها امرأة كانت تظهر في الاسلام القبيح. * قال وحدثنا ابن لهيعة، عن أبي الاسود، عن القاسم بن محمد أن رجلا قال لابن عباس رضي الله عنهما: المرأة التي لاعن النبي صلى الله عليه وسلم بينها وبين زوجها قال لها: " لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها " قال: لا، هي امرأة كانت تظهر في الاسلام القبيح. ذكر الظهار * حدثنا علي بن عاصم قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي العالية الرياحي قال: كانت خولة بنت دليج (1) عند رجل من الانصار، وكان ضرير البصر سيئ الخلق فقيرا، وكان طلاق الناس إذا أراد الرجل أن يفارق امرأته قال: أنت علي كظهر أمي " فنازعته في شئ فغضب، فقال: أنت علي كظهر أمي، فاحتملت عيلا لها - أو عيلين منه - ثم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت عائشة رضي الله عنها، وعائشة رضي الله عنها تغسل شق رأسه، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله، إن زوجي ضرير البصر سيئ الخلق، فقير،


(1) في تفسير الطبري 28: 2 قال: اختلف أهل العلم في نسبها واسمها، فقال بعضهم: خويلة بنت ثعلبة، وقال آخرون: خويلة بنت الصامت، وقال البعض: خويلة بنت الدليج، وهو ما يوافق الاصل، وما جاء في الاستيعاب 4: 283. وفي معالم التنزيل 8: 249 وكذا تفسير ابن كثير 8: 249 أنها خولة بنت ثعلبة، وكانت تحت أوس بن الصامت، وكانت حسنة الجسم، وكان به لمم، فأرادها فأبت، فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال، وكان الظهار والايلاء من طلاق الجاهلية، فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت علي، فقالت والله ما ذلك طلاق، وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها تغسل شق رأسه.. الحديث وانظر (أسد الغابة 5: 443، والاصابة 4: 282). (*)

[ 393 ]

ولي منه عيل أو عيلان، فنازعته في شئ، فغضب، فقال: أنت علي كظهر أمي، ولم يرد الطلاق يا رسول الله، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: " ما أعلمك إلا قد حرمت عليه " فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي وبأصبيتي، وتحولت عائشة رضي الله عنها إلى شق رأسه تغسله، وتحولت معها فقالت له مثل ذلك، وقال لها مثل ذلك، فقالت أشكو إلى الله ما نزل بي وبأصبيتي (1)، وتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لها عائشة رضي الله عنها: وراءك وراءك، فتنحت، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فيما هو فيه حتى إذا انقطع الوحي وعاد النبي صلى الله عليه وسلم كما كان قال " يا عائشة آتي امرأة " فدعتها فجاءت، فقال " اذهبي فجيئي بزوجك، فذهبت تسعى فجاءت به كما قالت ضرير البصر سيئ الخلق فقيرا، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما " (2) إلى آخر الآية. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أتجد رقبة تعتقها ؟ " قال: لا يا رسول الله، قال " أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ " قال:


(1) في معالم التنزيل للبغوي 8: 250 قالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، وأن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا.. (2) وفي تفسير ابن جرير الطبري 28: 4 " ثم قالت اللهم إني أشكو إليك شدة حالي ووحدتي وما يشق علي من فراقه، اللهم فأنزل على لسان نبيك. فلم ترم مكانها حتى أنزل الله: " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله... " آية 1 من سورة المجادلة. (*)

[ 394 ]

فأعتل، قال: أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينا ؟ " قال: لا، إلا أن تعينني يا رسول الله، قال: فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرف الطلاق إلى الظهار. قال علي: يعني أن الظهار كان طلاقهم فجعل ظهارا. * حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن الاعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة بن الزبير قال: قالت عائشة رضي الله عنها: الحمد لله الذي وسع سمعه الاصوات، إن خولة لتشتكي زوجها (1) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخفى علي أخبار بعض ما تقول، فأنزل الله عزوجل: " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها " (2). * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا علي بن الحسن قال، حدثنا خليد بن دعلج، عن قتادة قال: خرج عمر رضي الله عنه من المسجد ومعه الجارود العبدي فإذا بامرأة برزة على ظهر الطريق، فسلم عليها عمر رضي الله عنه فردت عليه - أو سلمت عليه - فرد عليها، ثم قالت هيه يا عمر (3)، عهدتك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ


(1) هو أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم وهو - قوقل ابن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الانصاري أخو عبادة بن الصامت، شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي بالرملة من أرض فلسطين سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة (أسد الغابة 1: 147، الاصابة 1: 67). (2) الهامش رقم 2 بالصفحة السابقة. (3) في الاستيعاب 4: 283: هيها يا عمر. وفي الاصابة 4: 283 عن خليد بن دعلج عن قتادة قال: خرج عمر من المسجد وعمعه الجارود العبدي فإذا بامرأة برزت على الطريق فسلم عليها عمر فقالت: هيها يا عمر عهدتك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ ترعى الصبيان بعصاك، فلم تذهب الايام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الايام... الحديث. (*)

[ 395 ]

تصارع الصبيان، فلم تذهب الايام والليالي حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الايام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم (1) أنه من خاف الوعيد قرب منه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت، فبكى عمر رضي الله عنه، فقال الجارود: هيه، فقد أكثرت وأبكيت أمير المؤمنين، فقال له عمر رضي الله عنه وعنها، أو ما تعرف هذه ؟ هذه خولة بنت حكيم امرأة عبادة (2) بن الصامت التي سمع الله قولها من سمائه، فعمر والله أجدر أن يسمع لها. * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زيد في قول الله: " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها " (3) ققال: هي خولة بنت الصامت، كان زوجها مريضا فدعاها فلم تجبه، ثم دعاها فلم تجبه، فقال: أنت علي مثل ظهر أمي. * حدثنا محمد بن بكار قال حدثنا جريج بن معاوية، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زيد، عن خولة قال: كان زوجها مريضا فدعاها - وكانت تصلي - فأبطأت عليه، فقال: أنت علي مثل ظهر أمي إن أنا وطئتك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت ذلك إليه، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه في ذلك شئ، ثم أتته مرة أخرى (فدعاه (4) فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال


(1) في الاصل (فاعلم)، والمثبت عن الاصابة 4: 283. (2) في الاصابة 4: 283 قال أبو عمر: هكذا في الخبر خولة بنت حكيم امرأة عبادة، وهو وهم، يعني في اسم أبيها وزوجها، وخليد ضعيف سئ الحفظ. (3) سورة المجادلة آية 1. (4) سقط في الاصل والمثبت عن ابن جرير الطبري 8: 5. (*)

[ 396 ]

" أعتق رقبة " قال: ليس عندي مال، قال: " فصم شهرين متتابعين " قال: لا أستطيع، قال " أطعم ستين مسكينا ثلاثين صاعا " قال: لست أملك ذلك إلا أن تعينني، فأعانه بخمسة عشر صاعا وأعانه الناس حتى بلغ ثلاثين صاعا فقال " أطعم ستين مسكينا " فقال: يا رسول الله، ما أجد أحد أفقر إليه مني وأهل بيتي، قال " خذه أنت وأهل بيتك " فأخذه. * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا عبد الله بن نمير، عن محمد ابن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر البياضي الزرقي (1) قال: كنت امرأ أستكثر من النساء لا أرى رجلا يصيب من ذلك ما أصيب، فلما دخل رمضان ظاهرت (2) من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فبينما هي عندي ذات ليلة انكشف عنها شئ فوثبت عليها فواقعتها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري، وقلت: سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما كنا لنفعل إذا ينزل فينا من الله كتاب، أو يكون


(1) هو سلمة بن صخر بن سليمان بن الصمة بن حارثة بن الحارث بن زيد مناة بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جشم بن الخزرج الانصاري الخزرجي، له خلف بني بياضة، ققيل البياضي، ويجتمع وبياضة في عبد حارثة بن مالك بن عضب، وقيل اسمه سلمان وهذا أصح وأكثر، وهو الذي جعل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف رمضان وقع عليها ليلا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. فقال رسول الله: أعتق رقبة " قال: لا أجدها. قال: فصم شهرين متتابعين. قال: لا أستطيع. قال: أطعم ستين مسكينا. قال: لا أجد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعروة بن عمر، أعطه ذلك العرق، وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعا، لاطعام ستين مسكينا. أخرجه الثلاثة. (أسد الغابة 2: 337). (2) في تفسير ابن كثير 8: 252 فلما دخل رمضان تظهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان. (*)

[ 397 ]

من النبي صلى الله عليه وسلم فينا قول فيبقى علينا عاره (1)، ولكن سوف نسلمك لجريرتك، فاذهب أنت فاذكر شأنك لرسول الله صلى الله عليه وسلم (قال: فخرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبري، فقال لي: " أنت بذاك " فقلت أنا بذاك، فقال " أنت بذاك " فقلت أنا بذاك، قال " أنت بذاك " قلت نعم (2) هأنذا يا رسول الله صابر لحكم الله علي، قال " فأعتق (رقبة، قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت لا) (3) والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك إلا رقبتي هذه، قال " فصم شهرين متتابعين " قلت: يا رسول الله، وهل أدخل علي من البلاء ما أدخل إلا الصوم (4)، قال " فتصدق، أطعم ستين مسكينا " قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه ما لنا من عشاء، قال " فاذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم (عنك منها وسقا من تمر) (5) ستين مسكينا، واستنفع ببقيتها " (قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول


(1) في نيل الاوطار 8: 51 وابن كثير 8: 252 " أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا عارها ". (2) ما بين الحاصرتين سقط في الاصل، والمثبت عن ابن كثير 8: 252 ونيل الاوطار للشوكاني 7: 51. (3) ما بين الحاصرتين سقط بالاصل والمثبت عن تفسير ابن كثير 8: 252، ونيل الاوطار 7: 51. (4) في نيل الاوطار 7: 51 وابن كثير 8: 252 " قلت يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام ". (5) الاضافة عن نيل الاوطار للشوكاني 7: 51، 8: 252. (*)

[ 398 ]

الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، وقد أمر لي بصدقتكم، فادفعوها إلي، قال: فدفعوها إلي) (1). * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس بن محمد قال، حدثنا شيبان، عن قتادة في قوله: " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله " (2) قال: ذكر لنا أنها خويلة بنت ثعلبة، وزوجها أوس بن الصامت، جاءت تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عزوجل ذلك فيها. * حدثنا عبد الاعلى بن حماد قال، حدثنا بن سلمة قال، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أن جميلة (3) كانت تحت أوس بن الصامت، وكان امرا به لمم (4)،


(1) ما بين الحاصرتين عن نيل الاوطار للشوكاني 7: 51 وعلق عليه بقوله: رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. واختصره الترمذي وقال حديث حسن، وابن كثير 8: 253، وظاهر السياق أن هذه القصة كانت بعد قصة أوس ين الصامت وزوجته خويلة بنت ثعلبة، كما دل عليه سياق تلك وهذه بعد التأمل. هذا ما ذكره ابن كثير في 8: 253 ويلاحظ في هذا الحديث أن ابن كثير والشوكاني متفقان مع ابن شبة في سنده عن محمد بن إسحاق بن سيار عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة ين صخر البياضي الانصاري. (2) سورة المجادلة آية 1. (3) في نيل الاوطار 7: 55 ذكر الشوكاني.. وأخرج أيضا أبو داود والحاكم عن عائشة من وجه آخر قالت: كانت جميلة امرأة أوس بن الصامت وكان امرأ به لمم فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته.. الحديث. وفي أسد الغابة 5: 417 جميلة، ويقال خولة، وقيل خويلة، وقيل خويلة امرأة أوس بن الصامت، وذكر الحديث مرويا أيضا عن محمد بن الفضلي عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة... " أن جميلة امرأة أوس بن الصامت.. الحديث، وذيله بقوله: قال أبو نعيم كذا قال يعني ابن منده: جميلة. وإنما هي خويلة، فأوصل الواو بالياء فقال جميلة. والله أعلم. (4) اللمم: الجنون الخفيف أو طرف منه (اللسان). (*)

[ 399 ]

فلما اشتد به لممه ظاهر من امرأته، فأنزل الله كفارة الظهار. * حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا زكريا، عن عامر، وحدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن زكريا، عن عامر قال: التي جادلت في زوجها خولة، قال أبو نعيم: بنت الصامت، وقال هشيم: بنت حكيم. * حدثنا سعيد بن منصور البرقي قال، حدثنا إسماعيل ابن عياش، عن جعفر بن الحارث، عن محمد بن إسحاق عن معمر بن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، عن يوسف بن عبد الله ابن سلام قال، حدثتني خولة بنت مالك من فيها قالت: كنت عند أوس بن الصامت، وكان شيخا كبيرا، فكلمني يوما بشئ فراجعته، فقال: أنت علي كظهر أمي، ثم خرج فجلس في نادي القوم، ثم أقبل فأرادني على نفسي فأبيت، فغلبت لما يغلب به المرأة الضعيفة الرجل الضعيف، وقلت: ما أنت لتخلص لي في حبي، ينتهي أمري وأمرك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحكم في وفيك حكمه، فدخلت على جارة لي فاستعرت منها أثوابا (1)، ثم خرجت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ما لقيت، فطفق يقول: ابن عمك وزوجك، اتقي الله فيه، فما برحت حتى أنزل الله فيه وفي قرآنا " قد سمع الله قول التي


(1) في 28: 5 من تفسير ابن جرير الطبري " ثم خرجت إلى جارة لها فاستعارت ثيابها فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلست بين يديه فذكرت له أمره، فما برحت حتى أنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالت: لا يقدر على ذلك، قال: إنا سنعينه على ذلك بفرق من تمر، قلت: وأنا أعينه بفرق آخر. فأطعم ستين مسكينا. (*)

[ 400 ]

تجادلك في زوجها " (1) ثم نزل الفرض بتحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " مريه فليعتق رقبة، قلت: ما عنده ما يعتق " قال " فليصم شهرين متتابعين " قلت: إنه شيخ كبير وما به صيام، قال " فليتصدق " (2) قلت ما عنده، قال " سأعينه بفرق من تمر " فقلت: وأنا أعينه بفرق آخر، قال " أصبت " والفرق يأخذ الشطر. والشطر ثلاثون صائما، فأطعمت عنه ستين مسكينا، لكل مسكين صاع من تمر (3).


(1) سورة المجادلة آية 1. (2) في تفسير ابن جرير الطبري 28: 8 كأن الله جل شأنه يقول: " هذا الذي فرضت على من ظاهر منكم ما فرضت في حال القدرة على الرقبة، ثم خفضت عنه مع العجز بالصوم، ومع فقد الاستطاعة على الصوم بالاطعام. (3) قوله " بفرق من تمر " موافق لما جاء في تفسير ابن جرير الطبري 28: 5 وفي الاصابة لابن حجر 4: 283 " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإنا سنعينك بعزق من تمر " قالت فقلت: وأنا سأعينه بعزق آخر فقال: " فقد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا. قالت ففعلت. وفي نيل الاوطار 7: 55 قالت: يا رسول الله. إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينا، قالت: ما عنده من شئ يتصدق به. قال: فأتى ساعتئذ بعرق من تمر. قالت: يا رسول الله فإني سأعينه بعرق آخر، قال: أحسنت، اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينا، وارجعي إلى ابن عمك. والعرق ستون صاعا، ولابي داود في رواية أخرى " والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعا "، والعزق بالفتح النخلة بحملها وبالكسر القنو، وهو من النخلة كالعنقود من العنب، والفرق مصدر، ولغة في الفرق للمكيال المذكور، وقيل مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع أو ستة عشر رطلا أو أربعة أرباع. (أقرب الموارد - فرق). (*)

[ 401 ]

(خبر ابن صائد) (1) * حدثنا ابن أبي جهينة قال، حدثنا العلي بن منصور قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا الحارث (2) بن حصيرة، عن زيد بن وهب قال: سمعت أبا ذر رضي الله عنه يقول لئن أحلف عشرا أن ابن الصياد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف واحدة إنه ليس به، وذلك لشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعثني إلى أم صياد فقال: سلها كم حملت به ؟ فسألتها، فقالت: حملت به اثني عشر شهرا، فأتيته فأخبرته، فقال: سلها عن صيحته حيث وقع، فقالت: صاح صياح صبي ابن شهر، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد خبأت لك خبيئا، فقال: خبأت لي عظم شاة عفراء، وأراد أن يقول: والدخان، فقال


(1) اختلف في اسمه فقيل عبد الله بن صائد، وقيل عبد الله بن صياد - كذا أورده ابن شاهين، وجاء في بعض روايات الحديث أن اسمه صاف. كان أبوه من اليهود لا يدرى ممن هو، وهو الذي يقول بعض الناس إنه الدجال، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أعور مختونا، يقال إنه أسلم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فله صحبة، لانه رآه وخاطبه، ويقال إنه أسلم بعد النبي صلى الله عليه وسلم لان جماعة من الصحابة منهم عمر وغيره كانوا يظنون الدجال، فلو أسلم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لانتفى هذا الظن... وكان من ولده عمارة بن عبد الله بن صياد من خيار المسلمين ومن أصحاب سعيد ابن المسيب وغيره (أسد الغابة 3: 187، ثلاثيات مسند الامام أحمد بن حنبل 2: 420). (2) الحارث بن حصيرة - بكسر الصاد - الازدي، أبو نعمان الكوفي، رمي بالرفض، روى عنه زيد بن وهب وعكرمة، وعنه مالك بن مغول وعلي بن عياش. قال يحيى بن معين والنسائي ثقة، وقال ذنيج: سألت جريرا أرأيت الحارث بن حصيرة ؟ قال: نعم، رأيته شيخا كبيرا طويل السكوت يصر على أمر عظيم، قال أبو حاتم الرازي: هو من الشيعة العتق لولا الثوري روى عنه لترك (ميزان الاعتدال 1: 200، الخلاصة للخزرجي 57). (*)

[ 402 ]

له رسول الله صلى الله عليه وسلم " اخسأ فإنك لم تسبق القدر " (1). * حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أم سلمة رضي الله عنها: أنه سمعها تقول: حدثتني أم ابن صائد أنها ولدته ممسوخا مجنونا مشرورا. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا يونس، عن ابن شهاب، أن سالما أخبره، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن عمر رضي الله عنه انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط قبل ابن صائد فوجده يلعب مع الصبيان - وقد قارب ابن صائد يومئذ الحلم - فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ظهره بيده، ثم قال: أتشهد أني رسول الله ؟ " فنظر إليه ابن صائد فقال: أشهد أنك رسول الاميين. وقال ابن صائد للنبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول اله فرفضه (2) النبي، وقال " آمنت بالله ورسله " ثم قال له


(1) في صحيح مسلم بشرح النووي 10: 381 من حاشية إرشاد الساري للقسطلاني الحديث... ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد خبأت لك خبيئا فقال ابن الصياد هو الدخ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخسأ فلن تعدو قدرك. (2) فرفضه بالفتح في الفاء والراء والضاد: أي تركه، وهو موافق لما جاء في ثلاثيات أحمد بن حنبل 2: 419، وفي صحيح مسلم 18: 53 ط الحلبي (فرفضه) هكذا هو في أكثر نسخ بلادنا، وقال القاضي التميمي: روايتنا فيه عن الجماعة بالصاد المهملة، وهو الضرب بالرجل مثل الرفس بالسين قال: فإن صح هذا فهو معناه. ورواه الخطابي في غريبه " فرصه " بصاد مهملة أي ضغطه حتى ضم بعضه إلى بعض، ومنه قوله تعالى: " بنيان مرصوص " ويجوز أن يكون معنى رفضه بالمعجمة: أي ترك سؤاله الاسلام ليأسه منه حينئذ، ثم شرع في سؤاله عما يرى. (*)

[ 403 ]

النبي صلى الله عليه وسلم " ماذا ترى " قال ابن صائد: يا نبي الله صادق (1) وكاذب. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " خلط عليك الامر " ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم " إني قد خبأت لك خبيئا " فقال ابن صائد هو الدخ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " اخسأ فلن تعدو قدرك " فقال عمر رضي الله عنه: يا نبي الله (ذرني (2) أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن يكنه فلن تسلط عليه وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله " (3). * حدثنا محمد بن خالد بن حتمة قال، حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الاسوار (4) فقيل له: هذا ابن صائد نائما تحت صور (5)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " لعلي إن وجدته نائما أن أخبركم عنه " فلما دنا أيقظته أمه فقالت: يا صاف، هذا رسول الاميين،


(1) كذ بالاصل، وفي صحيح مسلم بشرح النووي حاشية القسطلاني 10: 381 " يأتيني صادق وكاذب " وهو موافق أيضا لما في شرح ثلاثيات مسند الامام أحمد بن حنبل للعلامة السفاريني 2: 419 ط. المكتب الاسلامي بدمشق. (2) سقط في الاصل والمثبت عن صحيح مسلم 10: 381 حاشية القسطلاني، وثلاثيات مسند الامام أحمد بن حنبل 2: 240، وانظر الحديث بمعناه هناك. (3) في مسند الامام أحمد بن حنبل 6: 171 الحديث بمعناه عن الاعمش عن شقيق ابن سلمة عن عبد الله بن مسعود وفيه ".. فقال عمر دعني فلاضرب عنقه، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن يك الذي تخافه فلن تستطيعه ". وفي ثلاثيات مسند الامام أحمد بن حنبل 2: 421 " إن يكن هو فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله ". (4) الاسوار: كذا بالاصل ولعلها بالصاد بمعنى النخل، وقد ورد في صحيح مسلم بشرح النووي 10: 382 وكذا في شرح الثلاثيات 2: 421 " انطلق إلى االنخل ". (5) الصور: النخل الصغير أو المجتمع منه (أقرب الموارد). (*)

[ 404 ]

فجاء فقعد يمسح عينيه وينظر إلى السماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما لها هبلت (1) " وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " إلام تنظر، هل ترى السماء شيئا ؟ " قال: نعم، إني لارى جزلا (2)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خلط خلط الله عليه، أتشهد أني رسول الله ؟ " قال: أشهد أنك رسول الاميين، أتشهد أنت أني رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " آمنت بالله ورسله " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد خبأت لك خبيئا فما هو ؟ " قال له ابن صياد: دخ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اخسأ فإنك لن تعدو أجلك " وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خبأ له (يوم تأتي السماء بدخان مبين) (3). * حدثنا علي بن عاصم قال، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن صائد ومع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أتشهد أني رسول الله ؟ " فقال له ابن صائد: أتشهد أني رسول الله ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله - مرتين - يا بن صائد، انظر ماذا ترى ؟ " قال: أرى كاذبين وصادقا، وكاذبا وصادقين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ليس عليه فاتركوه " (4).


(1) هبلت: أي مالها ثكلت (لسان العرب). (2) الجزل: العظيم الكثير من الشئ (أقرب الموارد). (3) سورة الدخان آية 10. (4) في ثلاثيات الامام أحمد بن حنبل 2: 420، وفي صحيح مسلم 10: 377 بالسند المذكور عن أبي سعيد الخدري قال - أبو سعيد الخدري - لقيه رسول الله صلى الله = (*)

[ 405 ]


= عليه وسلم وأبو بكر وعمر في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله ؟ فقال هو: أتشهد أني رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " آمنت بالله وملائكته وكتبه " ما ترى ؟ قال: أرى عرشا على الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ترى عرش إبليس على البحر " وما ترى ؟ قال أرى صادقين وكاذبا أو كاذبين وصادقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس عليه، دعوه ". وفي ثلاثيات الامام أحمد بن حنبل 2: 421 " ليس عليه، دعوه ". وفي رواية أخرى، 2: 419 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خلط عليه الامر " وذكر ابن الاثير في (جامع الاصول) قال الخطابي رحمه الله: قد اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافا شديدا، وأشكل أمره حتى قيل فيه كل قول. فقيل كيف أبقى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعي النبوة كاذبا وتركه بالمدينة في داره يجاوره فيها ؟ وما معنى ذلك ؟ وما وجه امتحانه بما خبأه له من آية الدخان ؟، وقوله بعد ذلك: " اخسأ فلن تعدو قدرك ؟ " قال: والذي عندي أن هذه القضية إنما جرت معه أيام مهادنته اليهود وحلفاءهم، وذلك بعد مقدمه المدينة، فإنه كتب بينه وبين اليهود كتابا صالحهم فيه على ألا يهاجوا، وأن يتركوا على أمرهم، وكان ابن صياد منهم أو دخيلا في جملتهم، وكان يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، وما يدعيه من الكهانة، ويتعاطاه من الغيب، فامتحنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبرز أمره ويخبر شأنه، فلما كلمه على أنه مبطل وأنه من جملة السحرة أو الكهنة، أو ممن يأتيه رئي من الجن، أو يتعاهده شيطان، فليقي على لسانه بعض ما يتكلم به " فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: " الدخ " زبره فقال: " اخسأ فلن تعدو قدرك " يريد أن ذلك شيئا أطلع الله تعالى عليه الشيطان فألقاه إليه، وأجراه على لسانه، وليس ذلك من قبيل الوحي السماوي، إذ لم يكن له قدر الانبياء الذين يوحى إليهم علم الغيب، ولا درجة الاولياء الذين يلهمون الغيب فيصيبون بنو قلوبهم، وإنما كانت له تارات يصيب في بعضها ويخطئ في البعض، وذلك معنى قوله: يأتيني صادق وكاذب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد خلط عليك " قال والجملة من أمره أنه كان فتنة امتحن الله بها عبادة المؤمنين: " ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة " كما امتحن الله تعالى قوم موسى بالعجل، فافتتن به قوم وهلكوا، ونجا من هداه الله وعصمه. قال وقد اختلفت الروايات في كفره، وفيما كان من أمره وشأنه بعد كبره، فروى أنه تاب عن ذلك القول، ثم إنه مات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه، كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس وقيل لهم: أشهدوا. وروى غيره ذلك. (شرح ثلاثيات مسند الامام أحمد بن حنبل للعلامة السفاريني الحنبلي 2: 429). (*)

[ 406 ]

ثم قال يا بن صائد انظر ماذا ترى ؟ " فقال: أرى عرشا من حديد على البحر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ذاك عرش إبليس ". * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان، عن الاعمش، عن شقيق، عن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا نمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم فمررنا على صبيان يلعبون فتفرقوا حين رأوا رسول االله صلى الله عليه وسلم، وجلس ابن صائد فغاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " مالك تربت يداك، أتشهد أني رسول الله ؟ " فقال: أتشهد أنت أني رسول الله، فقال عمر رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فلاقتل هذا الخبيث. فقال " دعه فإن ظن الذي يخوف فلن تستطيع قتله ". * حدثنا الحجاج بن نصير قال، حدثنا قرة، عن قتادة، عن النضر بن أنس قال: قدم ابن صياد فنزل علينا، فمال الناس علينا وقالوا: الدجال في دار أنس، فلقد رأيتني ولو أن آخذ على بابه إتاوة - يعني الرشوة - لفعلت، فنزل غرفة لنا فجعل يجئ فإذا لم ير أحدا تناول ثوبه من الغرفة، وإذا رأى أحدا صعد فأخذ حاجته. * حدثنا خالد بن عمرو عن الوليد بن جميع، عن جهم ابن عبد الرحمن قال: قلت لابن صائد إن الناس قد أكثروا فيك فأخبرني عن نفسك. فقال: كان لي تبيعان من الجن، أحدهما يصدقني والآخر يكذبني، فلما أسلمت ذهبا عني.

[ 407 ]

(ذكر ابن ابيرق) (1) * حدثنا فليح بن محمد اليمامي، قال حدثنا مروان بن معاوية، عن جويبر، عن الضحاك قال: كان رجل من اليهود استودع رجلا من الانصار درعا من حديد، فتركها ما شاء الله أن يتركها ثم طلبها، فكابره بها، فخون اليهودي الانصاري، فغضب له قومه فمضوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إن اليهودي خون صاحبنا فاعذره وأزجر عنه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم - وهولا يعلم - فعذره وزجر عنه، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات كلها فيه " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما " (2) يقول بما أنزل إليك وأوحي إليك قوله: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " (3) يقول: إن تبت ورجعت من الشرك إلى الاسلام تيب عليك، فأبى حتى قتل مع المشركين، فقال الله تعالى لنبيه ومن فعل مثل ما فعل " ومن يشاقق الرسول " - يقول يعادي الرسول - " من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل


(1) هو طعمة بن أييرق بن عمرو بن حارثة بن ظفر بن الخزرج بن عمرو، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بدرا، ذكره أبو إسحاق المستملي في الصحابة، وقيل أبو طعمة بشبر بن أبيرق الانصاري، روى خالد بن معدان عن طعمة ابن أبيرق الانصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أمشي قدام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله رجل ما فضل من جامع أهله محتسبا ؟ قال: " غفر الله لهما البتة " (أسد الغابة 3: 53، الاصابة 2: 215، وانظر القصة في معالم التنزيل للبغوي 2: 572، وابن كثير 2: 572، وتفسير ابن جرير 5: 158، 159، والمستدرك للحاكم 4: 385). (2) سورة النساء آية 105. (3) سورة النساء آية 48. (*)

[ 408 ]

المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " (1). * حدثنا فليح بن محمد قال حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن عروة أن ابن أبيرق الظفري كان سرق درعا من يهودي فأخذه اليهودي بها فرمى به غيره فأغضبهم ذلك فقالوا: أراد أن يعير أحسابنا، فكلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقوم بعذره، فلما رجعوا من عند رسول الله صلى االله عليه وسلم أنزل الله على رسوله فأخبره خبره: " ولا يجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما " (2) وما ذكر فيها من الشأن قال: " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما * ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما * ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا " (3) فلو أنه مات قبل منه إن شاء الله، ولكنه حمى أنفه فخرج إلى قريش، فلبث فيهم. ثم عثروا عليه قد سرق ثياب الكعبة فقدموه فقتلوه. * حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب السمرقندي قال، حدثنا محمد بن سلمة الحراني قال، حدثنا محمد بن إسحاق،


(1) سورة النساء آية 115. في معالم التنزيل 2: 581 قوله تعالى: " ومن يشاقق الرسول " الآية. قال البغوي: نزلت في طعمة بن أبيرق، وذلك لما ظهرت عليه السرقة خاف على نفسه من قطع اليد والفضيحة فهرب إلى مكة وارتد عن الدين، فقال الله تعالى " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى.. " الآية. (2) سورة النساء آية 107. (3) سورة النساء الآيات من 110 إلى 112. (*)

[ 409 ]

عن عاصم (1) بن عمر بن قتادة عن أبيه (2)، عن جده قتادة بن النعمان قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشير وبشر ومبشر وكان مبشر رجلا منافقا، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر (إلا هذا الرجل (3) الخبيث فقال: أو كلما قال الرجال قصيدة * أضموا وقالوا: ابن الابيرق قالها ؟ (4) قال: وكانوا أهل بيت فاقة وحاجة في الجاهلية والاسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، فكان الرجل إذا


(1) عاصم بن عمر بن قتادة بن نعمان الانصاري الظفري أبو عمرو المدني، روى عن أبيه وجابر، وعنه بكير بن الاشج وزيد بن أسلم، وثقه ابن معين وابن سعد، توفي سنة عشرين ومائة، وقال أبو عبيد: سنة سبع وعشرين، وقال الواقدي: سنة تسع وعشرين (الخلاصة للخزرجي ص 155، ميزان الاعتدال 2: 4). (2) في الاصل " عن أبيه عن أبيه عن جده " وهي زيادة لا تدخل في السند حيث إن السند بوضعه المثبت موافق لما جاء في ابن كثير 2: 574 والمستدرك 4: 385. (3) سقط في الاصل والمثبت عن تفسير الطبري 5: 157، وكذا تفسير ابن كثير 2: 574. (4) والبيت في الاصل هكذا: أكلما قال الرجل قصيدة * أضموا علي وقالوا ابن الابيرق قالها وهو غير موزون. والمثبت عن تفسير الطبري 5: 157. والاضم - محركة -: الحقد والحسد والغضب (تاج العروس). وأضاف المستدرك للحاكم 4: 385 إليه هذا البيت: متحطمين كأنني أحشاهم * جدع الاله أنوفهم فأبانها (*)

[ 410 ]

كان له يسار فقدمت ضافطة (1) من الشام بالدرمك (2) ابتاع الرجل منها فخص به نفسه، فأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك فجعله في مشربة له، وفي المشربة سلاح له: درعان وسيفاهما وما يصلحهما، فعدي عليه من تحت الليل فنقبت المشربة فأخذ الطعام والسلاح، فلما أتاني عمي رفاعة قال: ابن أخي، تعلم أنه قد عدي علينا من ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا ؟ قال: فتحسسنا (3) في الدار وسألنا، فقالوا قد رأينا بني أبيرق (قد) (4) استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وقد كان بنو أبيرق قالوا (5) - ونحن نسأل في الدار -: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد (6) بن سهل، رجل منا


(1) ضافطة: هي الابل الحمولة: والضافظ: من يجلب الميرة والمتاع إلى المدن (أقرب الموارد 1: 687، والمستدرك للحاكم 4: 385) والنص موافق لابن كثير 2: 574، وفي تفسير الطبري 5: 157 " فقدمت قافلة من الشام. (2) الدرمك: دقيق حنطة حواريا، أي الدقيق الخالص البياض، وكان طعام أهل اليسار، بخلاف عامة الناس فكان طعامهم التمر والشعير (أقرب الموارد 1: 331، والتاج 4: 99). (3) التحسس: شبه التسمع والتبصر يقال: اخرج فتحسس لنا. وبالجيم في الشر (أقرب الموارد). (4) الاضافة للسياق. (5) في الاصل " قاموا " والتصويب عن ابن كثير 2: 574. (6) في أسد الغابة 4: 263 ما نصه " لبيد بن سهل الانصاري. قال أبو عمر: لا أدري من أنفسهم أو حليف لهم، ذكر ابن الكلبي نسبه فقال: هو ابن سهل بن الحارث ابن عروة بن رزاح بن ظفر، وعجب لابي عمر كيف يقول لا أدري أهو من أنفسهم أو حليف مع علمه بالنسب - انظر الحديث مرويا عن أبي جعفر بن السمين بإسناده عن يونس بن بكير عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن نعمان قال: كان بنو أبيرق... الحديث. (أسد الغابة ص 263). (*)

[ 411 ]

له صلاح وإسلام، فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق ! ! والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبين هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتي لم يشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك ؟ قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك فقلت: يا رسول الله، إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة (1) ابن زيد، فنقبوا مشربة له فأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سأنظر في ذلك " فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسيد بن عروة (2) فكلموه في ذلك، واجتمع إليه


(1) هو رفاعة بن زيد بن عامر بن سواد بن كعب، وهو ظفر بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن أوس الانصاري الظفري عم قتادة النعمان، روى الترمذي والطبري وابن حجر هذا الحديث من طريق عاصم بن عمرو بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق... الحديث. (2) كذا في الاصل وفي ابن كثير 2: 575، وفي ابن جرير الطبري 5: 157، والمستدرك 4: 386 وأسد الغابة 1: 95 والاصابة 1: 65: " أسير بن عروة " قبل ابن عمرو وقيل ابن سواد بن الهيثم بن ظفر الانصاري الظفري الاوسي. قال ابن القداح: شهد أحدا والمشاهد بعدها، واستشهد بنهاوند، وروى الواقدي بإسناده عن محمود بن لبيد قال: كان أسير بن عروة رجلا منطيقا بليغا، فسمع بما قال قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر ابن سواد بن ظفر في بني أبيرق للنبي صلى الله عليه وسلم، فجمع جماعة من قومه وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن قتادة وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل حسب وصلاح يقولان لهما القبيح بغير ثبت ولا بينة، ثم انصرف، فأقبل قتادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام قتادة عنده فأنزل الله تعالى فيهم: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما " أخرجه أبو عمر وأبو موسى، إلا أن أبا موسى جعل الترجمة أسير بن عمرو، وقيل ابن عروة، وجعلها أبو عمر وأسير بن عروة، وهما واحد انتهى. (أسد الغابة 1: 95، الاصابة 1: 65). (*)

[ 412 ]

أناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل إسلام (1) وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة عن غير ثبت (2) ولا بينة " قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض ما لي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتاني عمي فقال: يا ابن أخي ما صنعت ؟ فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان، قال فلم يلبث أن نزل القرآن " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما " بني أبيرق. (واستغفر الله) أي مما قلت لقتادة " إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم " أي بني أبيرق " إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما * يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا * ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا * ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما " أي لو أنهم استغفروا


(1) في الاصل " أهل الاسلام " والتصويب عن التاج الجامع " للاصول في أحاديث الرسول تحقيق الشيخ منصور 4: 99، وابن كثير 2: 575، وتفسير ابن جرير الطبري 5: 157. (2) الثبت الحجة (التاج للاصول في أحاديث الرسول 4: 99). (*)

[ 413 ]

الله لغفر لهم " ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما * ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا " قولهم للبيد " فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا * ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك " يعني أسيدا وأصحابه " وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما " (1) قال: فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة، قال قتادة: فلما أتيت عمي بالسلاح - وكان شيخا قد عسا (2) في الجاهلية، وكنت أرى أن إسلامه مدخولا - قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحا، قال: فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد بن شهيد (3)، فأنزل الله فيه " ومن يشاقق


(1) سورة النساء الآيات من 105 إلى 114. (2) كذا في الاصل " وهو موافق لما جاء في تفسير ابن جرير الطبري 5: 158 ط. الميمنية، وكذا 7: 55 حاشية رقم 1 ط. دار المعارف، وبه: عسا الشيخ يعسوا عسوا وعسيا: كبر وأسن، ويقال أيضا في مثله عتا. وفي ابن كثير 2: 575 " لما أتيت عمي وكان شيخا قد عسى أو عشى - الشك من أبي عيسى - في الجاهلية. وفي لسان العرب 19: 283 " في حديث قتادة بن نعمان: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخا قد عسى أو عشى، بالسين المهملة كبر وأسن من عسا القضيب إذا يبس، وبالمعجمة أي قل بصره وضعف.. وفي التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول 4: 100 " قد عصى في الجاهلية ". (3) كذا في الاصل وهو موافق لما جاء في تفسير ابن جرير الطبري 5: 157 وفي = (*)

[ 414 ]

الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا * إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا " (1) فلما نزل على سلافه رماها حسان بأبيات شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت فرمت به في الابطح، ثم قالت: أهديت إلي شعر حسان، قالت: والله لا يثبت في صدري، قد علمت أنك لم تأتني بخير (أو قالت) (2) أهديت إلي هجاء حسان فأخذت رحله فألقته في البطحاء، فخرج يسير إلى الطائف فذهب ينقب بيتا (3) فانهدم عليه فمات، فقال أهل مكة: ما كان ليفارق محمدا رجل من أصحابه فيه خير.


= ابن كثير 2: 575، والتاج 4: 100 " سلاقة بنت سعد بن سمية " وفي الاصابة 4: 323 " سلامة بنت سعيد بن الشهيد ". (1) سورة النساء الآيتان 115، 116. (2) إضافة يقتضيها السياق. (3) البيت الذي أراد نقبه وسرقته هو بيت الحجاج بن علاط السلمي، روي أن الحجاج سمع خشخشة في بيته وقعقعة جلود كانت عنده، فنظر فإذا هو طعمة فقال له أضيفي وابن عمي وأردت أن تسرقني، فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافرا. وقيل عدا على مشربة للحجاج بن علاط البهزي السلمي - حليف بني عبد الدار - فنقبها فسقط عليه حجر فلحج، فلما أصبح أخرجوه من مكة، فلقي ركبا من قضاعة فعرض لهم فقال: ابن سبيل منقطع به، فحملوه حتى إذا جن الليل عدا عليه فسرقه ثم انطلق، فرجعوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات. وقيل إنه ركب سفينة إلى جدة فسرق فيها كيسا فيه دنانير، فأخذ فألقي في البحر. وقيل إنه نزل بحرة بني سليم وكان يعبد صنما لهم إلى أن مات، فأنزل الله فيه: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ". (تفسير الطبري 5: 160 ط. اليمنية. معالم التنزيل للبغوي 2: 581). (*)

[ 415 ]

* حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا علي بن ثابت قال، حدثنا الوازع (1)، عن سالم، عن ابن عمر، وأم الوليد قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فسرقت درع لرجل من الانصار، سرقها رجل منهم يقال له ثعلبة بن أبيرق، فظهروا على صاحب الدرع، فجاء أهله فقالوا: اعذر صحابنا يا رسول الله وتجاوز عنه فإنه (إن) (2) لم يدركه الله بك هلك، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفع عنه ويتجاوز عنه فأبى الله إلا أن يبدي (3) عليه فأنزل الله " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما " إلى قوله " إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما " إلى قوله " ونصله جهنم وساءت مصيرا " (4). * حدثنا معاذ بن سعد، عن عبيد بن زيد قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن الحسن: أن رجلا من الانصار كانت له درع حديد فسرقها ابن أخ له، فاتهمه فيها وطلبها منه، فجحدها


(1) هو الوازع بن نافع العقيلي الجذري، روى عن أبي سلمة وسالم بن عبد الله، وعنه علي بن ثابت، قال ابن معين: ليس بثقة، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك. ومن سنده روى علي بن ثابت عن الوازعي عن سالم عن أبيه مرفوعا " من شهد الفجر في جماعة فكأنما قام ليلة، ومن شهد العشاء في جماعة فكأنما قام نصف ليلة، وهو غير أبي الوازع - جابر بن عمر وأبو الوازع (ميزان الاعتدال 3: 266). (2) سقط في الاصل والاضافة عن تفسير ابن جرير الطبري 5: 158. (3) فأبى الله إلا أن يبدي عليه: أي أن يقدم الرسول على هذا الفعل قبل أمره تعالى، ولذا عاتبه بقوله تعالى: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ".. الآية. (تفسير ابن جرير 5: 159). (4) سورة النساء الآيات من 105 إلى 115. (*)

[ 416 ]

وزعم أنه برئ، فأبى إلا أن يطلبها منه، ورفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه، واستعان الفتى ناسا ليعذروه ويتكلموا دونه، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره برد الدرع على عمه، فجحده وأبى أن يقر بها فعذره القوم وتكلموا دونه حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن) (1) يأخذ فيه بعض ما سمع منهم، فأنزل الله على رسوله " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما * يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا * ها أنتم هؤلاء جادلتهم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليم وكيلا * ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما " (2) قال الحسن: فأقال الله عثرته - فأبى أن يقبل وذهب بالدرع إلى رجل من اليهود صائغ فدفعها إليه، ثم رجع فقال لم ترمونني بالدرع وهي تلك عند فلان اليهودي، فأتوا اليهودي فقال: هو أتاني بها فدفعها إلي: فأنزل الله: " ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما * ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (3) * ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) سورة النساء الآيات 111 إلى 114. (3) في تفسير ابن جرير الطبري 5: 160 عند قوله تعالى: " ومن يكسب إثما فإنما = (*)

[ 417 ]

أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما * لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ". فلما رأى الفتي أنه قد افتضح ذهب مراغما حتى لحق بقوم كفار، فنقب على قوم بيتا ليسرقهم فسقط عليه الحائط فقتله، فأنزل الله عزوجل: " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى " إلى قوله " ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا " (1) وقرأ الآية. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس بن محمد، عن شيبان (2) بن عبد الرحمن، عن قتادة في قوله " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما " (3) قال: قد ذكر لنا أن هؤلاء الآيات نزلت في طعمة ابن أبيرق وفي ما هم به نبي الله من عذره، فقص الله شأن طعمة ووعظ نبيه، وكان طعمة رجلا من الانصار ثم أحد بني ظفر، سرق درعا لعمه كانت له وديعة عنده، ثم قدمها على يهودي كان


= يكسبه على نفسه " الآية: يعني به طعمة. " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرمي به بريئا " يعني زيد بن السمين " فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا " يعني طعمة بن الابيرق. (1) سورة النساء الآيات 111 إلى 116. (2) هو شيبان بن عبد الرحمن التميمي أبو معاوية النحوي البصري الكوفي البغدادي، روى عن الحسن وعبد الملك بن عسير وقتادة، قال أحمد: ثبت في كل المشايخ، قال ابن سعد: مات سنة أربع وستين ومائة (الخلاصة للخزرجي 168 ط. بولاق). (3) سورة النساء آية 105. (*)

[ 418 ]

يغشاهم (1) بالمدينة يقال له، زيد بن السمير (2)، فجاء اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهتف به، فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليعذروا صاحبهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ردهم بعذره حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل، فقال " ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما " (3) ثم قال لقومه وعشيرته " ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا * ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما * ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما * ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا " فكان طعمة قدف بها بريئا فلما بين الله شأنه عنده شاق ولحق بالمشركين بمكة، فأنزل الله " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " (4). * حدثنا محمد بن منصور قال، حدثنا جعفر بن سليمان قال، حدثنا حميد بن قيس الاعرج، عن مجاهد قال: كان


(1) في الاصل " يغشاها " والتصويب عن ابن جرير 5: 158. (2) كذا في الاصل وهو موافق لابن جرير والطبري في 5: 158 وذكر في رواية أخرى 5: 160 أنه " زيد بن السمين " موافقا لابن كثير في 2: 579. (3) سورة النساء آية 107. (4) أثبت الاصل الآيتين 109، 112 واقتضى الامر إثبات الآيتين 110، 111 من سورة النساء. (*)

[ 419 ]

جماع بطون الانصار هذين البطنين، الاوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حرب وقتال وبلاء شديد، حتى جاء الله بالاسلام والنبي صلى الله عليه وسلم فاصطلحوا وسكتوا، فكان يوما رجل من الاوس ورجل من الخزرج جالسين معهما (يهودي) (1) فجعل يذكرهما أيامهما في الجاهلية في الحرب التي كانت بينهم حتى استبا واقتتلا، ودعا هذا قومه وهذا قومه، فخرجت الاوس والخزرج في السلاح، وصف بعضهم لبعض، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حتى وقف بينهم، فجعل يعظ (2) بعض هؤلاء وبعض هؤلاء حتى رجعوا ووضعوا السلاح، وأنزل الله القرآن: " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين " فقرأ حتى بلغ " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم " (3) قال فأنزلت هذي الآيات في الانصاريين واليهودي. * حدثنا عثمان بن موسى قال، حدثنا جعفر، عن حميد،


(1) سقط في الاصل والاثبات عن ابن جرير الطبري 4: 16 ط. الميمنية (7: 58 ط. المعارف) واسمه شأس بن قيس اليهودي. وفي معالم التنزيل 2: 198 " شماس بن قيس اليهودي، وكان شيخا عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين، مر على نفر من الاوس والخزرج في مجلس جمعهم، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم في الاسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية، وقال: إن اجتمع ملا بني قيلة بهذه البلاد والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شابا من اليهود أن يذكرهم بيوم بعاث وما تقاولوا فيه من الاشعار، ففعل، فتكلم، فتنازعوا وتواثبوا... الحديث. (2) في الاصل (بعض يغط) والمثبت عن تفسير الطبري 4: 16. (3) سورة آل عمران الآيات من 100 - 105. (*)

[ 420 ]

عن مجاهد مثله، قال فقرأ إلى قوله " إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم " (1) قال: فذكرهم ما كانوا فيه من البلاء والحرب، ثم قال " أولئك لهم عذاب عظيم " (2). * حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا عبد الله ابن المثنى (3)، عن ثمامة (4)، عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا سلم على قوم سلم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا ". (خبر خالد بن سنان) (5) * حدثنا يوسف بن عطية الصفار قال، حدثنا ثابت، عن


(1) سورة آل عمران آية رقم 103. (2) سورة آل عمران آية رقم 105. (3) هو عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك الانصاري أبو المثنى البصري، عن عمي أبيه موسى والنضر، وعنه ابنه محمد وعبد الصمد بن عبد الوارث. قال أبو حاتم شيخ صالح - وقال النسائي ليس بالقوي. (الخلاصة للخزرجي 212، 368 ط. بولاق). (4) هو ثمامة بن عبد الله بن أنس الانصاري قاضي البصرة، يروي عن جده أنس ابن مالك والبراء بن عازب، وعنه ابن أخيه عبد الله بن المثنى - وابن عون وأبو عوانة. وثقه أحمد والنسائي. توفي بعد العشر ومائة. (الخلاصة للخزرجي ص 49، وميزان الاعتدال 1: 173). (5) هو خالد بن سنان بن غيث بن مريطة بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة ابن عبس العبسي - كان نبيا في الفترة - ومن معجزاته إطفاء نار الحدثان. أخرجه أبو موسى ولم ينسبه، وإنما قال: قال عبدان، ليس له صحبة ولا أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: نبي ضيعه قومه. (الاصابة 1: 458، أسد الغابة 2: 92، الكامل لابن الاثير 1: 376). وله أخبار أخرى في مروج الذهب للمسعودي. (*)

[ 421 ]

أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبايع النساء فجاءته مرأة تبايعه فسألها: " بنت من أنت ؟ " فقالت: أنا بنت خالد بن سنان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذه بنت نبي ضيعه قومه، أمرهم إذا هم دفنوه أن ينبشوا عنه فإنه سيخرج حيا، فلم يفعلوا، فهذه ابنة نبي ضيعه قومه ". * حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال، حدثنا سفيان، عن سالم الافطس قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: جاءت بنت خالد بن سنان العبسي (إلى النبي صلى الله عليه وسلم) (1) فقال " مرحبا يا ابنة أخي وابنة نبي ضيعه قومه ". * حدثنا سليمان بن أيوب صاحب البصري (2) قال، حدثنا أبو عوانة، عن أبي يونس (3)، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلا من بني عبس يقال له: خالد بن سنان قال لقومه: أنا أطفئ عنكم نار الحدثان، فقال له عمارة بن زياد - رجل من قومه -: والله ما قلت لنا يا خالد قط إلا حقا، فما شأنك وشأن نار الحدثان تزعم أنك تطفئها ؟. قال: فانطلق وانطلق معه عمارة ابن زياد مع ناس من قومه حتى أتوها وهي تخرج من شق جبل


(1) سقط في الاصل والاضافة لابن حجر 1: 459. (2) في الاصل " صاحب الكرى " والتصويب عن غاية النهاية في طبقات القراء 1: 312، وهو سليمان بن أيوب بن الحكم أبو أيوب الخياط. (3) أبو يونس: هو حاتم بن أبي صغيرة - بمهملة ومعجمة مكسورة - القشيري أو الباهلي مولاهم أبو يونس البصري، وثقه أبو حاتم وابن معين والنسائي. (الاصابة لابن حجر 1: 460، والخلاصة للخزرجي ص 56، 406). (*)

[ 422 ]

من حرة يقال لها حرة (1) أشجع، قال: فخط لهم خطة فأجلسهم فيها وقال لهم: إن أبطأت عنكم فلا تدعوني باسمي. قال، فخرجت كأنها خيل (2) شقر يتبع بعضها بعضا، فاستقبلها خالد فجعل يضربها بعصاه ويقول بدا بدا، كل هدى مؤدى (3)، زعم ابن راعية المعزي أني لا أخرج منها وثيابي تندى، حتى دخل معها الشعب قال - فأبطأ عليهم، فقال عمارة بن زياد: والله لو كان صاحبكم حبا ليخرج إليكم (بعد) (3) فقالوا له: إنه قد نهانا أن ندعوه باسمه، قال: ادعوه باسمه، فوالله لو كان (صاحبكم) (4) حيا لقد خرج إليكم بعد، قال: فدعوه باسمه، قال: فخرج وهو آخذ برأسه، فقال: ألم أنهكم أن تدعوني باسمي ؟ قد والله قتلتموني، احملوني وادفنوني، فإن مرت بكم الحمر (5) فيها حمار أبتر فانبشوني، فإنكم ستجدوني حيا (فأخبركم بما يكون) (6)، قال فدفنوه فمرت بهم الحمر فيها حمار أبتر، فقالوا: ننبشه


(1) حرة أشجع: وهي بفدك وتسمى حرة النار، وفدك على يومين من المدينة وقيل ثلاثة. (وفاء الوفا 4: 1187، 1280 محيي الدين). (2) " خيل شقر " هكذا رويت بالاصل وتاريخ الخميس 1: 199 ومجمع الزوائد 8: 213 أما في الاصابة لابن حجر فقال: فخرجت كأنها جبل سعر يتبع بعضها بعضا. (3) كذا في الاصل وفي مجمع الزوائد 8: 213 " بدا بدا كل بها مردا " وفي تاريخ الخميس 1: 199 " هديا هديا كل بهن مؤدى " وفي الاصابة 1: 459 " بدا بدا بدا كل هدى يردا ". (4) الاضافة عن مجمع الزوائد 8: 213. (5) في الاصل وتاريخ الخميس 1: 200 " معها " والمثبت عن مجمع الزوائد 8: 213، والاصابة 1: 459. (6) الاضافة عن الاصابة 1: 459، وفي تاريخ الخميس 1: 200 " فأخبركم بجميع ما هو كائن ". (*)

[ 423 ]

فإنه قد أمرنا أن ننبشه، فقال عمارة: لا تحدث (1) مضر: أنا ننبش موتانا، والله لا تنبشونه أبدا، قال: وقد كان خالد أخبرهم أن في عكم (2) امرأته لوحين فإذا أشكل عليكم أمر فانظروا فيهما فإنكم سترون ما تسألون عنه، قال: ولا تمسهما (3) حائض. فلما رجعوا إلى امرأته سألوها عنهما فأخرجتهما وهي حائض، فذهب ما كان فيهما من علم، قال أبو يونس: فقال سماك بن حرب: سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " نبي أضاعه قومه " قال: وقال سماك بن حرب: إن ابن خالد بن سنان، أو بنت خالد أتى، أو أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مرحبا بابن أخي أو ابنة أخي ". * حدثنا علي بن الصباح، قال هشام بن محمد، عن أبيه، عن ابن صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال قدمت المحياة (4) بنت خالد بن سنان على النبي صلى الله عليه وسلم فقال " مرحبا بابنة أخي، نبي ضيعه قومه ".


(1) في الاصل (تحدث مضر بنبش) والمثبت عن مجمع الزوائد 8: 213. (2) عكم امرأته: أي متاع امرأته (أقرب الموارد 2: 817) وفي الاصابة 1: 459 " عكن امرأته " - والعكنة بالضم: ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا، والجمع عكن، وجارية عكناء أي ذات عكن (تاج العروس 9: 380). وفي مجمع الزوائد 8: 213 " أن في علم امرأته " والعلم يطلق على الراية ورسم الثوب (أقرب الموارد). (3) في الاصل " تمسها " والمثبت عن مجمع الزوائد 8: 213. (4) هي محياة بنت خالد بن سنان العبسي - قال ابن الاثير في أسد الغابة 5: 544 " لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أتته محياة بنت خالد فانتسبت له، فبسط لها رداءه وأجلسها عليه، وقال: " ابنة أخي، نبي ضيعه قومه " - وانظر أيضا ترجمتها في الاصابة 4: 392. (*)

[ 424 ]

* حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا ابن أبي الرجال، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه يقول " نبي فرط فيه قومه ". (سالت عليهم نار من حرة النار في ناحية خيبر والناس في وسطها) (1)، وهي تأتي من ناحيتين جميعا، فخافها الناس خوفا شديدا، فقال لهم العبسي: ابعثوا معي إنسانا حتى أطفئها من أصلها. قال: فخرج معه راعي غنم، هو ابن راعية، حتى جاء غارا تخرج منه النار، ثم قال العبسي للراعي: أمسك ثوبي، ثم دخل في الغار فقال: هديا هديا، كل يهن مؤدى (2)، زعم ابن راعية الغنم أني سأخرج وثيابي لا تندى، قال وهو يمسح العرق عن جبينه. عودي بدا كل شئ مودى * لاخرجن منها وجسدي يندى (3) حتى إذا حضرته الوفاة قال لقومه الادنين منه: إذا دفنتموني فمرت ثلاثة أيام فإنكم ستنظرون إلى حمار يأتي قبري فيبحث بحافره وجحفلته (4) عني، فإذا رأيتم ذلك فانبشوني فإني سأخبركم بما هو هو كائن إلى يوم القيامة، قال: سمعته يقول: اسمه خالد ابن سنان.


(1) في الاصل " سالت عليهم من حرة النار يقال لها في ناحية خيبر والناس وسطها " والمثبت عن تاريخ الخميس 1: 199. (2) في الاصل " كل يهب مؤدى " والمثبت عن تاريخ الخميس 1: 199، وفي الاصابة 1: 459 " بدا بدا كل هدى مؤدى ". (3) ما بين المعكوفتين عن الاصابة 1: 459 حيث ورد فيها " خرج يرشح جبينه عرقا وهو يقول: عودي بدا كل شئ مؤدى * لاخرجن منها وجسدي يندى (4) الجحفلة لذي الحافر كالشفة للانسان (أقرب الموارد). (*)

[ 425 ]

* حدثنا أحمد بن معاوية قال. حدثنا إسماعيل (1) بن مجالد قال، حدثنا مجالد، عن الشعبي: أن رجلا من عبس في الجاهلية يقال له خالد بن سنان دعا قومه إلى الاسلام، وأن يقروا له بالنبوة فأبوا، وكانت نار تستوقد في أرض قريب من أرض بني عبس. فقال لهم: إن أطفأت لكم هذه النار أتشهدون أني نبي ؟ قالوا: نعم، قال: فأخذ عسيبا من نخل رطب فدخل النار وهو يضربها بالقضيب (2) وهو يقول: باسم رب الاعلى، كل هدى مودى، زعم ابن راعية المعزى، أن لا أخرج منها وثيابي تندى (3). فما من شئ كان أصابه ذلك العسيب إلا انطفأ، فأطفأها، ودعاهم فأبوا، فكذبوه ثانية، فقال لهم: إني لبثت أي كذا وكذا يوما، فإذا دفنتموني وأتى علي ثلاثة أيام فأتوا قبري، فإذا عرضت لكم عانة من حمر وحش وبين يديها عير (4) تتبعه فانبشوني فإني أقوم فأخبركم ما هو كائن إلى يوم القيامة، فأتوا القبر بعد ثلاث، وسنحت لهم الحمر وبين يديها عير تتبعه، فقام قومه من أهل


(1) هو إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمداني - أبو عمر الكوفي، روى عن أبيه مجالد وعبد الملك بن عمير والسماك، وعنه ابن معين وشريح بن يونس، قال ابن معين: ثقة، وقال أحمد: ما أراه إلا صدوقا، وقال أبو زرعة: ليس ممن يكذب (الخلاصة للخزرجي ص 30). (2) القضيب: الغصن المقطوع (أقرب الموارد). (3) في تاريخ الخميس 1: 199 " ففرقها وهو يقول: بدا بدا كل هدى مؤدى، إلى الله الاعلى، لادخلنها وهي تلظى، ولاخرجن منها وثيابي تندى " ثم إنها أطفئت وهو في وسطها. (4) العير - مصدر - الحمار أيا كان وحشيا أو أهليا، وقد غلب إطلاقه على الوحشي (أقرب الموارد 2: 825). (*)

[ 426 ]

بيته وبني عمه فقالوا: لا ندعكم تنبشون صاحبنا فنعير، فقال الشعبي: إن رجلا من ولده سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " نبي ضيعه قومه ". * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنى عبد العزيز بن عمران، عن هلال، والحارث، عن عبد الرحمن بن عمرو الاوزاعي قال: قدمت بنت خالد بن سنان بن جابر بن مريطة بن قطيعة بن عبس، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ (قل هو الله أحد) فقالت: يا رسول الله، إني لاسمع كلاما كنت أسمعه من أبي، قال: " إن أباك كان نبيا أضاعه قومه، فما أوصاكم به عند موته ؟ " قالت قال لنا: إنكم إذا دفنتموني أقبل عير أشهب يقود عانة (1) من الحمر حتى يتمعك (2) عند قبري، فإذا رأيتم ذلك انحتوني (3) أخبركم بما مضى من أمر الدنيا وما بقي إلى يوم القيامة، فلما دفناه جاء ذلك العير في تلك الحمير فتمعك عند قبره، فهم بعضنا بنحته، فقال قيس بن زهير: إذا تكون سبة علينا فاتركوه، فتركناه. * قال عبد العزيز، عن عبد الرزاق بن الفرات بن سالم قال، حدثني ابن القعقاع بن خليد العبسي، عن أبيه، عن جده قال: بعث الله خالد بن سنان نبيا إلى بني عبس، فدعاهم فكذبوه، فقال له قيس بن زهير: إن دعوت فأسلت هذه الحرة علينا نارا


(1) العانة: الاتان، والقطيع من حمر الوحش (أقرب الموارد). (2) يتمعك: يتمرغ (اللسان). (3) نحت: حفر، (أقرب الموارد) وباقي المصادر " فانبشوني ". (*)

[ 427 ]

- فإنك إنما تخوفنا بالنار - اتبعناك، وإن لم تسل نارا كذبناك، قال: فذلك بيني وبينكم، قالوا نعم، قال: فتوضأ ثم قال: اللهم إن قومي كذبوني ولم يؤمنوا برسالتي إلا بأن تسيل عليهم هذه الحرة نارا فأسلها عليهم نارا، قال فطلع مثل رأس الحريش (1) ثم عظمت حتى عرصت أكثر من ميل فسالت عليهم. فقالوا: يا خالد ارددها فإنا مؤمنون بك، فتناول عصا ثم استقبلها بعد ثلاث ليال فدخل فيها فضربها بالعصا ويقول: هدا هدا كل خرج مؤدى، زعم ابن راعية المعزى أن لا أخرج منها وجبيني يندى. فلم يزل يضربها حتى رجعت. قال فرأيتنا نعشى (2) الابل على ضوء نارها ضلعا الربذة (3)، وبين ذلك ثلاث ليال. * حدثني أبو غسان قال، حدثني عبد العزيز، عن طلحة ابن منظور بن قتادة بن منظور بن زبان بن سيار الفزاري قال، أخبرني مشيخة من قومي فيهم أبي قالوا، قال خالد بن سنان: يا بني عبس، إن كنتم تحبون أن تغلبوا العرب ولا تغلبنكم فخذوا


(1) رأس الحريش: دويبة قدر الاصبع ذات أرجل كثيرة، وقيل صنف من الحيات أقرط (أقرب الموارد). (2) عشى الابل: رعاها ليلا (أقرب الموارد). (3) الربذة: بفتح أوله وثانيه ودال معجمة مفتوحة: من قرى المدينة على ثلاثة أميال منها، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة، بها قبر أبي ذر الغفاري، خربت في سنة تسع عشرة وثلاثمائة بالقرامطة (مراصد الاطلاع 2: 601). وفي وفاء الوفا 4: 1187 " وفي رواية أنهم طلبوا منه إسالة الحرة نارا ليؤمنوا به، فدعا الله فسالت عليهم - قال الراوي. فرأيتنا نعشى الابل على ضوء نارها ضلعا الربذة وبين ذلك ثلاث ليال " وهو يوافق ما هنا. (*)

[ 428 ]

هذه الصخرة فاحملوها، فإذا لقيتم عدوا فاطرحوها بينكم، فإنكم لا تزالون غالبين ما كانت الصخرة معكم، واسم الصخرة " رماس " فحملتها بنو عبس يتعاقبونها، فإذا كانت الحرب سعى بها الغلام الشاب، فإذا لم يكن حرب كان جهدها أن يقلها أربعون رجلا، قال: فدار حملها يوما على بني بجاد من بني عبس، فقال لهم قيس بن زهير: يا بني عبس أما تعرفنا (1) العرب إلا بصخرة ورثناها خالد بن سنان ؟ ألقوها فلا تحملوها، فحفروا لها حفيرا من الارض فدفنوها، فلقيتهم بنو فزارة فقتلوهم، فكروا يطلعون الصخرة فلما حفروا عنها صارت عليهم نارا فتركوها فلن يقدروا عليها، فقال الحطئية يهجوهم: لعن الاله بني بجاد إنهم * لا يصلحون وما استطاعوا أفسدوا برد الحمية واحد مولاهم * جمد على من ليس فيه مجمد (2) * قال أبو غسان، وحدثني عبد العزيز قال، حدثني سليمان ابن أسيد عن معمر (3)، عن ابن شهاب، وعن شعيب (4) الجبائي


(1) في الاصل " تعرف لنا العرب " (2) وفي ديوان الحطيئة بشرح السكري وابن السكيت ص 299 ط. الحلبي وردت الابيات كالآتي: قبح الاله بني بجاد إنهم * لا يصلحون وما استطاعوا أفسدوا بلد الحفيظة واحد مولاهم * جمد على من ليس عنه مجمد (3) معمر بن راشد، أبو عروة، أحد الاعلام الثقات، قال أبو حاتم: صادق الحديث وقال يحيى بن معين: هو من أثبتهم في الزهري، سمح عن ابن شهاب، ومات سنة ثلاث وخمسين ومائة. (4) شعيب الجبائي قال عنه الذهبي في كتاب ميزان الاعتدال 1: 448 " هو اخباري متروك - قاله الازدي - تحدث عنه سلمة بن وهران. وينسب إلى جبا، جبل من أعمال الجند باليمن، فكأنه شعيب بن الاسود صاحب الملاحم. (*)

[ 429 ]

قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافد من عبس - قال عبد العزيز: وأخبرني منظور بن طلحة: أنه الحارث بن جزى العبسي - ثم رفع الحديث قال: حدثنا مسلم: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " كيف لي بقومك " قال: أنا لك بهم، وهذه فرسي رهن حتى آتي بهم، قال: فخرج حتى نزل على قومه: فنزل بضليع فدعاهم فأبوا عليه، فناشدهم فأبوا. فقال: خذوا ما قال صاحبكم فإني * لما فعلت بنو عبس بصير فهم دفنوا الرماس فأعقبتهم * مخازي ما تعب ولا تطير فلما غاب غيهم تناهوا * وقد بانت لمبصرها الامور فكروا نادمين ينحتوها (1) * ففاجأهم لها لهب سعير * حدثني زريق بن حسين بن مخارق رئيس بني عبس سنة عشر ومائتين قال، سمعت (أن) (2) أصحابنا من بني عبس انتجعوا عينا حتى نظروا إلى مواقف وضعوها في جدرها وقالوا: امضوا فتمكنوا في الرتع (3)، قال: ثم رجعوا فلم يجدوها، فأتاهم رجل من بني عبس يقال له نيار بن ربيعة بن مخزوم فأذاع أنه تنبأ كذلك وقال: أنا أخرجها لكم، وقال: هي رماس. وأن


(1) ينحتوها: يحفروها (أقرب الموارد " نحت "). (2) إضافة يقتضيها السياق. (3) الرتع: التنعم، ومنه الحديث في شبع وري ورتع. ويقال: رتعت الماشية في المكان رتعا ورتوعا أي أكلت وشربت ما شاءت في خصب وسعة، ورتع القوم أكلوا ما شاءوا في رغد. (أقرب الموارد " رتع). (*)

[ 430 ]

لا يزاغ (1) إلا بأطراف القياس، فلم يظفروا بها. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وسئل عنها. فقال: " أما خالد بن سنان فنبي ضيعه قومه، وأما نيار فكاذب لعنه الله " فقال في ذلك منجاب أحد بني ربيعة بن مخزوم في الاسلام، وكان يلقب منقارا: أما نيار فإن الله يلعنه * وكل من يلعن الرحمن في النار * قال زريق بن حسين: وسمعت أصحابنا منهم أبي يحدثني عن أبيه: أن نار الحدثان خرجت بالحرة التي يقال لها حرة النار، حتى كانت الابل تغشاه (2)، بعدها بقدر مسيرة إحدى عشرة ليلة، وأن خالد بن سنان خرج إليها يضربها بسوطه حتى رجعت من الشق الذي خرجت منه، وثيابه تندى، لم يصبه ولا ثيابه منها شئ، وهو يقول لرجل زجره عنها: كذبت ابن راعية المعزى، لاخرجن منها وثيابي تندى. * حدثني من أصدق، عن هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي بن عمارة بن مالك بن جزء بن شيطان بن حديم بن جزيمة ابن رواحل (بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس العبسي) (3) قال: كانت بأرض الحجاز نار يقال لها نار الحدثان


(1) أزاغه عن الطريق: أماله (أقرب الموارد " زاغ "). (2) تغشاه: تغطيه نارها، أو دخانها، وهي على هذا البعد. (أقرب الموارد 2: 974). وفي الاخبار السابقة " تعش ". (3) في الاصل " أبي بن عمارة بن مالك بن حرى بن سبطان بن جديم بن جذية بن رواحة، والتصويب والاضافة عن الاصابة 1: 109. قال هشام بن الكلبي في الجمهرة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وعاش حتى أدركه أبي، وتبعه ابن حزم في الجمهرة. وحكى ابن الكلبي عنه عن أبيه عمارة أنه أدرك خالد ابن سنان العبسي. (*)

[ 431 ]

حرة بأرض بني عبس - تعشى الابل بضوئها من مسيرة ثمان ليال، وربما خرج منها العنق (1) فذهب في الارض فلا يبقي شيئا إلا أكله، ثم يرجع حتى يعود إلى مكانه، وأن الله أرسل إليها خالد بن سنان ابن غيث بن مريطة بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة ابن عبس (2)، فقال لقومه يا قوم إن الله أمرني أن أطفئ هذه النار التي قد أضرت بكم، فليقم معي من كل بطن رجل، قال أبي: فكان ابن عمارة الذي قام معه من جزيمة قال: فخرج بنا حتى انتهى إلى النار فخط خطا على من معه ثم قال: إياكم أن يخرج (أحد) (3) منكم من هذا الخط فيحترق، ولا ينوهن باسمي فأهلك قال: فخرج عنق من النار فأحدق بنا حتى جعلنا في مثل كفة الميزان، وجعل يدنو منا حتى كاد يأخذ بأفواهنا، فقلت: يا خالد أهلكتنا آخر الدهر. فقال: كلا، وجعل يضربها ويقول: بدا بدا (4)، كل هدى لله مؤدى، حتى عادت من حيث جاءت، وخرج يتبعها حتى ألجأها في بئر في وسط الحرة منها تخرج النار، فانحدر فيها خالد وفي يده درة فإذا هو بكلاب تحتها فرضهن (5) بالحجارة، وضرب النار حتى أطفأها الله على يده. ومعهم ابن عم له يقال له


(1) العنق: جمع العناق للانثى من ولد المعز قبل استكمالها السنة. (2) في الاصل " خالد بن سنان بن عتبة بن مريطة بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيف بن قيس " والتصويب عن الاصابة 1: 458، أسد الغابة 1: 92، والكامل لابن الاثير 1: 376. (3) الاضافة عن تارخ الخميس 1: 199. (4) بدا بدأ: مصدر يراد به الامر، والمعنى تبددي وتفرقي. (5) في الاصل كلمة لا تقرأ، والمثبت عن وفاء الوفا 1: 107 ط. الآداب. (1: 153 محيي الدين) وتاريخ الخميس 1: 199، والرض: الدق. (*)

[ 432 ]

عروة بن سنان بن غيث وأمه رقاش بنت صباح من بني ضبة، فجعل يقول: هلك خالد، فخرج وعليه بردان ينطفان (1) ماء من العرق، وهو يقول بدا بدا كل هدى لله مؤدى أنا عبد الله أنا خالد بن سنان: كذب ابن راعية المعزى لاخرجن منها وجلدي (2) يندى. فسمي بنو عروة ببني راعية المعزى، فهو اسمهم إلى اليوم، ثم إن خالدا جمع عبسا فقال: يا عشيرتاه احفروا بهذا القاع فحفروا فاستخرجوا حجرا فيه خط دقيق (قل هو الله أحد الله الصمد..) السورة كلها، فقال: احفظوا هذا الحجر فإن أصابتكم سنة أو قحطتم فأخمروه بثوب ثم أخرجوه فإنكم تسقون ما دام مخمرا. فكانوا إذا قحطوا أخرجوه فخمروه بثوب، فلم يزالوا يمطرون ما دام مخمرا، فإذا كشفوه أقلعت السماء، ثم قال: إن صاحبتي هذه حبلى في كذا وكذا، تلد في كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، وقد سميت من نعم المولود فاستوصوا به خيرا، فإنه سيشهد مشاهد أولدت مجاهدا، وهو أحيمر كالدرة، نفع مولاه من المضرة، نعم فارس الكرة، ولا تصيبنكم جائحة من عدو ولا سنة ما كان بين أظهركم. فلما حضره الموت قال: احفروا لي على هذه الاكمة، ثم ادفنوني ثم ارقبوني ثلاثا، فإذا مرت بكم عانة فيها حمار أبتر فاستاف القبر فأطاف به فانبشوني تجدوني حيا، أخبركم بما يكون إلى آخر الدهر، فمات فدفنوه حيث قال لهم، ثم مكثوا أياما ثلاثة فإذا


(1) ينطفان من العرق: أي ابتلت من الماء فقطرت (أقرب الموارد " نطف ") (2) في رواية السمهودي عن ابن شبة (وفاء الوفا 1: 153 محيي الدين) " وثيابي تندى ". (*)

[ 433 ]

الحمار كما وصف، فارادوا نبشه فقال بنو عبس (1): والله لا ننبش موتانا فتسبنا به العرب، فلما أسرع بعضهم إلى بعض قام رجل منهم يقال له سليط بن مالك بن زهير بن جزيمة فقال: دعوا نبش هذا الرجل يصلح لكم حالكم وتسلم لكم دماؤكم فأجابوه. وقدم (ابنه) (2) مرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقعده معه وقال " إلي يا ابن أخي، ابن نبي أضاعه قومه - ويقال: إن ابنته محياة هي التي أتته، فبسط لها رداءه وقال " إلي يا ابنة أخي، ابنة نبي أضاعه قومه ". (ذكر سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم) (سرية القرطاء) (3) * حدثنا عاصم بن علي بن عاصم قال، حدثنا ليث بن سعد، عن سعيد - يعني المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول صلى الله عليه وسلم بعث خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة


(1) في الاصل " بنو عتبة " والصواب ما أثبت. (2) الاضافة عن أسد الغابة 5: 326، وهو يدعى عبد الله بن خالد بن سنان. وقد جاء في الاصابة 1: 459 " فلما رأوا العير أرادوا نبشه، فقال ابنه عبد الله بن خالد ابن سنان: لا تنبشوه، ولا أدعى ابن المنبوش أبدا ". وقد قال القاضي عياض في الشفاء في سياق من اختلف في نبوته خالد بن سنان المذكور، يقال إنه نبي أهل الرس. (3) إضافة على الاصل عن شرح المواهب للزرقاني 2: 143، والسيرة الحلبية 2: 297). والقرطاء ينزلون خربة، وهي قرية لبني كلاب على طريق البصرة إلى مكة وبينها وبين الموثمة سبع ليال، وكانت هذه السرية لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست للهجرة (شرح المواهب 2: 143). وبقية خبر سرية القرطاء في تلقيح فهوم أهل الاثر في عيون التاريخ والسير، لابي الفرج ابن عبد الرحمن الجوزي ص 28 ط. دلهي. " قال خرج محمد بن سلمة إلى القرطاء، = (*)

[ 434 ]

يقال له ثمامة بن أثال (1) سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما عندك يا ثمامة ؟ " قال عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا ذنب (2)، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه حتى كان الغد، ثم قال " ما عندك يا ثمامة ؟ " قال: ما قلت: إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل


= لعشر ليال خلون من المحرم على رأس تسعة وخمسين شهرا من الهجرة في ثلاثين راكبا، فأغار عليهم وقتل نفرا منهم، وهرب سائرهم، وغنم واستاق نعما وشاء.. الحديث. وفي السيرة الحلبية 2: 297 أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث محمد بن مسلمة إلى القرطاء في ثلاثين راكبا - والقرطاء بالقاف المفتوحة وبالطاء المهملة وهم بنو بكر ابن كلاب - وأمره أن يسير الليل ويكمن النهار حتى إذا كان بموضع يطلعه على بني بكر بعث عابد بن بشير إليهم وخرج محمد بن مسلمة في أصحابه فشن الغارة عليهم، فقتل منهم، واستاقوا النعم والشاء، وأخذت تلك السرية ثمامة بن أثال الحنفي سيد أهل اليمامة وهم لا يعرفونه، وجئ به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فربط بسارية من سواري المسجد.. الحديث. (1) ثمامة بن أثال بن النعمان بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل ابن حنيفة بن لجين. روى حديث يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال محمد بن إسحق: لما ارتد أهل اليمامة عن الاسلام لم يرتد ثمامة وثبت على إسلامه هو ومن اتبعه من قومه، وكان مقيما باليمامة ينهاهم عن اتباع مسيلمة الكذاب وتصديقه، ويقول: إياكم وأمرا مظلما لا نور فيه، وإنه لشقاء كتبه الله عزوجل على من أخذ به منكم، شهد مع العلاء بن الحضرمي قتال الحطم وهزيمته، وقد كانت للحطم خميصة يباهي بها فنفلها العلاء لرجل من المسلمين، فاشتراها منه ثمامة. فلما رجع ثمامة رأى بنو قيس بن ثعلبة - قوم الحطم - خميصته على ثمامة، فقالوا أنت قتلت الحطم وقتلوه بها. (أسد الغابة 1: 246، الاصابة 1: 204، الاستيعاب 1: 206). (2) في شرح المواهب 2: 145، وأسد الغابة 1: 246 " إن تقتل تقتل ذا دم وإن تعف تعف عن شاكر ". (*)

[ 435 ]

ذا ذنب، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه حتى كان بعد الغد، ثم قال " ما عندك يا ثمامة ؟ " قال: عندي ما قلت، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا ذنب، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أطلقوا ثمامة " فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الارض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى ؟ فأمره أن يعتمر (1)، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت (2) قال: لا، ولكني أسلمت مع محمد، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. * حدثنا فليح بن محمد اليمامي قال، حدثنا سعيد بن سعيد ابن أبي سعيد المقبري قال، حدثني أخي، عن جده، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرجت خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) في شرح المواهب 1: 145 " فبشره النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر " وفي أسد الغابة 1: 246 " وإني خرجت معتمرا وأنا على دين قومي فأسرني أصحابك في عمرتي، فسيرني صلى الله عليك في عمرتي. فسيره رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرته " (2) صبوت: خرجت من دين إلى دين. (*)

[ 436 ]

فأخذت رجلا من بني حنيفة (1) لا يشعرون من هو حتى أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " أتدرون من أخذتم ؟ قالوا: لا والله يا رسول الله، قال " هذا ثمامة بن أثال، هذا سيد حنفية وفارسها - وكان رجلا عليلا - أحسنوا إساره " ورجع إلى أهله، فقال: اجمعوا ما قدرتم عليه من طعامكم فابعثوا به إليه وأمر (2) بلقحة (3) له يغدى بها عليه ويراح، فلا يقع من ثمامة موقعا، (وإساره) (4) ويأتيه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض ذلك فيقول " ايها يا ثمامة " فيقول: ايها يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم وإن ترد الفداء فسل مالا ما شئت. فلبث ما شاء الله أن يلبث، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم " أطلقوا ثمامة " فلما أطلقوه خرج حتى أتى الصورين فتطهر بأحسن طهوره، ثم أقبل فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الاسلام، فلما أمسى جاءوا بما كانوا يأتونه من طعام فلم ينل منه إلا قليلا، وجاءوا باللقحة فلم يصب من حلابها إلا يسيرا، فتعجب من ذلك المسلمون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه " ما يعجبون من رجل أكل في أول النهار في معاء كافر وأكل من آخر النهار في معاء مسلم،


(1) في الاصل " حنيف " والتصويب عن الاصابة 1: 204، والسيرة الحلبية 2: 297. (2) في الاصل " وأمروا بلقحة " والمثبت عن شرح المواهب للزرقاني 2: 144، وكذا السيرة الحلبية 2: 297. (3) اللقحة: الناقة ذات اللبن، القريبة العهد بالولادة. (شرح المواهب 2: 148). (4) الاضافة عن شرح المواهب للزرقاني 2: 145، وفي السيرة الحلبية 2: 297 " وكان ذلك لا يقع عند ثمامة موقعا من كفايته ". (*)

[ 437 ]

الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معاء واحد " (1) * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا علي بن ثابت قال، أخبرنا عكرمة بن عمار قال، حدثني عبد الله بن عبيد بن عمير وأبو زميل (2): أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخذوا ثمامة وهو طليق، وأخذوه وهو يريد أن يغزو بني قشير، فجاءوا به أسيرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو موثق، فأمر به فسجن، فحبسه ثلاثة أيام في السجن ثم أخرجه فقال " يا ثمامة إني فاعل بك إحدى ثلاث، إني قاتلك، أو تفدي نفسك، أو نعتقك " قال إن تقتلني تقتل سيد قومه، وإن تفادي فلك ما شئت، وإن تعتقني (تعتق) (3) شاكرا. قال " فإني قد أعتقتك " قال: فأنا على أي دين شئت ؟ قال " نعم " قال: فأتيت المرأة التي كنت موثقا عندها فقلت: كيف الاسلام ؟ فأمرت لي بصحفه ماء فاغتسلت، ثم علمتني ما أقول، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم قدمت مكة فقلت: يا أهل مكة إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ولا تأتيكم من اليمامة تمرة ولا برة أبدا أو تؤمنوا بالله ورسوله، فكتب المشركون


(1) انظر كتاب مجمع الزوائد ومنع الفوائد الجزء الخامس ص 31 ط. المقدسي " باب المؤمن يأكل في معاء واحد... الحديث وانظر الحديث بمعناه في السيرة الحلبية 2: 298. (2) هو سماك بن الوليد الحنفي أبو زميل - بضم الزاي - اليماني نزيل الكوفة. عن ابن عباس، وعنه عكرمة بن عمار والاوزاعي. وثقه أحمد وابن معين (الخلاصة للخزرجي ص 132). (3) إضافة يقتضيها السياق. (*)

[ 438 ]

من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه بالله وبالرحم أن لا يحبس الطعام عن مكة حرم الله وأمنه، فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال " يا ثمامة لا يثأر المسلم بالكافر، ولكن ارجع إلى قومك فادعهم إلى الاسلام فمن أقر منهم بالاسلام واتبعك فانطلق إلى بني قشير ولا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن بايعوك حرمت عليك دماؤهم، وإن لم يبايعوك فقاتلهم. فدعا قومه فأسلموا معه، ثم غزا بني قشير فثأر بابنه. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن ابن غزية (1) الانصاري، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثمامة ابن أثال الحنفي يؤتى به، قال عبد العزيز: فأخبرني جعفر عن أبيه قال: الذي جاء به محمد بن مسلمة الانصاري، أصابه بنخلة فأسره وجاء به، ثم رجع حديث ابن غزية قال: فربط إلى سارية في المسجد. وقال إبراهيم بن جعفر في حديثه: إلى السارية التي ارتبط إليها أبو لبابة - قال أبو هريرة رضي الله عنه: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده فقال " يا ثمام، ما تظن أني فاعل بك ؟ " قال: إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم (2)، وإن


(1) هو عمارة بن غزية بن الحارث بن عمرو الانصاري المازني المدني - بفتح أوله وكسر الزاي بعدها تحتانية ثقيلة، وثقه أحمد وأبو زرعة. قال ابن سعد: مات سنة أربعين ومائة. (الخلاصة للخزرجي 238). (2) في الاصل " ذنب " والمثبت عن شرح المواهب 2: 145، وأسد الغابة 1: 247، والاستيعاب 1: 206. وفي السيرة الحلبية 2: 297 " إن تقتل تقتل ذا كرم، وفي لفظ ذا دم ". (*)

[ 439 ]

تسل مالا تعطه - قال أبو هريرة رضي الله عنه: فقلت في نفسي اللهم ألق في نفسه أن يأخذ منه الفداء، فوالله لاكلة من لحم جزور أحب إلي من دم ثمامة (1) - ثم مر النبي صلى الله عليه وسلم رائحا فأعاد عليه قوله الاول، فرد عليه مثل ما قال له، ثم أعاد ذلك الثالثة فرد عليه جوابه الاول، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم (فأطلقه) (2) فخرج ثمامة إلى المناصع فاغتسل ورحض (3) ثوبيه، ثم أقبل حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ثم كتب أبو ثمامة إلى أهل مكة - وهم يومئذ حرب للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان مادة أهل مكة من قبل اليمامة - أم والله الذي لا إله إلا هو لا يأتينكم طعام ولا حبة من قبل اليمامة حتى يؤمنوا بالله ورسوله، فأضر (4) ذلك بأهل مكة حتى كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهم حرب - فشكوا ذلك إليه، فكتب إلى أبي ثمامة: أن لا تقطع عنهم موادهم التي كانت تأتيهم. ففعل.


(1) في السيرة الحلبية 2: 297 قال أبو هريرة رضي الله عنه: " فجعلنا أيها المساكين أي أصحاب الصفة نقول نبينا صلى الله عليه وسلم ما يصنع بدم ثمامة ؟ والله لاكلة جزور سمينة من فدائة أحب إلينا من دم ثمامة. (2) سقط في الاصل والاضافة عن الاستيعاب 1: 206. وفي السيرة الحلبية 2: 297 " ثم أمر به فأطلق ". (3) رحض ثوبيه: غسل ثوبيه (أقرب الموارد 1: 395). (4) في السيرة الحلبية 2: 298 " حتى أضر بهم الجوع وأكلت قريش العلهز، وهو الدم يخلط بأوبار الابل فيشوى على النار، فكتب قريش إلى الرسول... الحديث. " (*)

[ 440 ]

(غزوة ذى قرد) (1) * حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب (2)، عن أبي قلابة (3)، عن أبي المهلب (4)، عن عمران بن حصين قال: كانت العضباء لرجل من عقيل، وكانت من سوابق الحاج فأسر الرجل وأخذت العضباء منه فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في وثاق - ورسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار عليه قطيفة - فقال: " يا محمد، علام تأخذونني وتأخذون سابقة الحاج ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نأخذك بجريرة قومك وحلفائك ثقيف " - قال: وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال فيما قال: إني مسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح " قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إني


(1) الاضافة عن السيرة النبوية لابن هشام 2: 214، وشرح المواهب للزرقاني 2: 148، والسيرة الحلبية 2: 126. (2) هو أيوب بن أبي تميمة، كيسان السختياني - بفتح المهملة أو كسرها بعدها معجمة ساكنة ثم مثناة فوقية - العنزي - أبو بكر البصري - الفقيه - أحد الائمة الاعلام. روى عن عمرو بن سلمة وأبي قلابة وأبي رجاء العطاردي وأبي عثمان النهدي، وعنه ابن سيرين وشعبة والسفيانان والحمادان، وعبد الوارث وابن عليا وخلق وستين، وقال ابن المديني: توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة (الخلاصة للخزرجي ص 36). (3) أبو قلابة هو عبد الله بن زيد بن عمرو بن عامر الجرمي البصري، أحد الائمة، نزل الشام سنة أربع ومائة، وقيل سنة ست، وقيل سنة سبع ومائة. (الخلاصة للخزرجي ص 168). (4) هو: مطرح. بضم أوله وكسر الراء بعد الطاء الثقيلة - بن يزيد الازدي أبو المهلب الكوفي (ميزان الاعتدال 3: 173، الخلاصة للخزرجي ص 340). (*)

[ 441 ]

جائع فأطعمني، وإني ظمآن فاسقني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذه حاجتك " ففدي بالرجلين، وحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء (لرحله، قال ثم إن المشركين أغاروا على سرح المدينة فذهبوا به، وكانت العضباء فيه) (1) وأسروا امرأة (2) من المسلمين، فكانوا إذا نزلوا أراحو إبلهم بأفنيتهم، فقامت المرأة ليلا بعدما نوموا، فجعلت كلما أتت على بعير رغا حتى أتت على العضباء فأتت على ناقة ذلول مجربة فركبتها، ثم وجهتها قبل المدينة، ونذرت إن الله أنجاها عليها لتنحرنها " (3)، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة وقيل: ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بنذرها، وأتته فأخبرته، فقال " بئس ما جزتها - أو بئس ما جزيتيها - نذرت إن الله أنجاها عليها لتنحرنها، ثم قال " لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم " قال عفان: وقال لي: وهيب: كانت ثقيف حلفاء بني عقيل، وقال عفان وزاد حماد بن سلمة قال: وكانت العضباء إذا جاءت لا تمنع من حوض ولا نبت. * حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن عمران بن حصين: بنحوه، وزاد: ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجلين.


(1) سقط في الاصل والاضافة عن البداية والنهاية لابن كثير 4: 154. (2) قيل: هي زوج أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، وانظر السيرة الحلبية 2: 126، ص 131. (3) في الاصل " لتنحرها " والتصويب عن البداية والنهاية 1: 154. (*)

[ 442 ]

* حدثنا عتاب بن زياد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام، ثم فداه بالرجلين. * حدثنا عتاب بن زياد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران ابن حصين رضي الله عنه قال: فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام - قال أبو زيد: كان مروان بن قيس الدوسي خرج يريد الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بإبل لثقيف فاطردها، فأغارت ثقيف فأخذت ابنه وامرأتين له وإبلا، فلما طفر (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حنين يريد الطائف شكا إليه مروان ما فعلت به ثقيف، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم - إن كان (2) قاله - خذ أول غلامين تلقاهما من هوازن، فأخذ أبي بن مالك (3)، ويقال ابن سلمة بن معاوية بن قشير والآخر


(1) طفر - وثب (أقرب الموارد " طفر "). (2) كذا في الاصل، وهو موافق لما في الاصابة 3: 384، والعبارة تدل على شك الراوي. (3) أبي بن مالك الحرشي، ويقال العامري. قاله أبو عمرو، وقال ابن منده وأبو نعيم: القشيري العامري، واتفقوا على أنه من عامر بن صعصعة، واختلفوا فيما سواه، فالحريشي وقشير أخوان. وهما أبناء كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. قال يحيى بن معين: ليس في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن مالك، وإنما هو عمرو بن مالك.. وذكر البخاري أبي بن مالك هذا في كتابه الكبير في باب أبي - والله أعلم. (أسد الغابة 1: 59). وفي الاصابة 1: 32 أبي بن مالك القشيري، ويقال القرشي، من بني عامر بن = (*)

[ 443 ]

حيدة (1) أحد بني الجريش، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسبهما، فقال لابي: " إما هذا فإن أخاه يزعم ويزعم له أنه فتى أهل المشرق. كيف قال القائل يا أبا بكر (2) ؟ قال فقال: إن نهيكا (3) أبى إلا خليقته * حتى تزول جبال الحرة السود قال أبو زيد بن شبة: والشعر لنهيك، وقيل هذا البيت منه: يا خال دعني ومالي ما فعلت به * وخذ نصيبك مني إنني مودي وأما هذا - لابن حيدة - فإنه من قوم صليب نسبهم (4)، شديد بأسهم، اشدد يديك بهما حتى تؤدي إليك ثقيف أهلك


= صعصعة، عداده في أهل البصرة، قال ابن حبان: يقال إن له صحبة، ونسبه فقال: أبي بن مالك بن عمرو بن ربيعة بن عبد الله بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيري - وقد روى عنه البصريون - كما في الاصابة 3: 384 " فأغار مروان فأخذ فتيين من بني عامر، أحدهما أبي بن مالك بن معاوية بن سلمة بن قشير القشيري، والآخر حيدة الجرشي. (1) في الاصل " وابن حميدة " والمثبت عن الاصابة 3: 384. (2) في الاصابة 3: 384: " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما هذا فإن أخاه يزعم أنه فتى أهل المشرق، كيف قال يا أبا بكر ؟ فقال: يا رسول الله قال: ما إن يعود امرؤ عن خليقته * حتى تعود جبال الحرة السود (3) هو نهيك بن مالك. ذكره المرزباني في معجم الشعراء فقال: إنه جاهلي، وكان يلقب " منهب الرزق " قال وكان قد قدم مكة بطعام ومتاع للتجارة فرآهم مجهودين فأنهب العير بما عليها. وعاتبه خاله في إنهاب ماله بعكاظ فقال: يا خال ذرني ومالي ما فعلت به * وما يصيبك منه أنني مودي إن نهيكا أبى إلا خلائقه * حتى تبيد جبال الحرة السود فلن أطيعك إلا أن تخلدني * فانظر بكيدك هل تسطيع تخليدي الحمد لا يشترى إلا له ثمن * ولن أعيش بمال غير محمود (الاصابة: 3: 384، 385). (4) في الاصابة 3: 384 " صليب عودهم ". (*)

[ 444 ]

ومالك، قال أبي: يا محمد، ألست تزعم أنك خرجت تضرب رقاب الناس على الحق ؟ قال: " بلى ". قال: فأنت والله أولى بثقيف مني، شاركتهم في الدار المسكونة، والاموال المعمورة، والمرأة المنكوحة، قال: بل أنت أولى بهم مني، أنت أخوهم في العصب، وحليفهم بالله ما دام الصالف (1) مكانه، ولن يزول ما دامت السموات والارض، وقال لمروان " اجلس إليهما "، فكأنه لم يفعل، فأجاز بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكوا ذلك إليه، فأمر بلالا بألا يغلق عليهما. فجاءه الضحاك بن سفيان الكلابي أحد بني بكر ابن كلاب (2) فاستأذنه في الدخول على ثقيف، فأذن له، فكلمهم في أهل مروان وماله، فوهبوه له، فدفعه إلى مروان فأطلق الغلامين، فعتب الضحاك بعد ذلك على أبي بن مالك في بعض الامر، فقال يذكر بلاءه عنده: أتنسى بلائي يا أبي بن مالك * غداة الرسول معرض عنك أشوس يقودك مروان بن قيس بحبله * ذليلا كما قيد الذلول المخيس (3) فعادت عليك (من) (4) ثقيف عصابة * متى يأتهم مستقبس الشر يقبسوا


(1) الصالف: جبل كانوا في الجاهلية يتحالفون عنده، وهو بين مكة والمدينة (مراصد الاطلاع 2: 830، وأقرب الموارد 1: 658). وفي الاصابة 3: 384 ترجمة مروان بن قيس الدوسي " ما دام الطائف مكانه ". (2) في الاصل كلمة لا تقرأ، والاثبات عن الاصابة 3: 384. (3) في الاصل:.. ذليلا كما قيد الوقاع المخيس. وفي الاصابة 3: 384.. ذليلا كما قيد الرفيع المحبس. والمثبت عن السيرة لابن هشام 2: 456 ط. الحلبي، والذلول: المرتاض والمخيس: المذلل. (4) الاضافة عن السيرة لابن هشام 2: 456. (*)

[ 445 ]

ويقال: إن نهيكا ركب إلى ثقيف فكلمهم، وإنه قال هذه الابيات لاخيه أبي بن مالك ومن معهما. وكانوا (1) هم المولى فنادوا بحلمهم * عليك وقد كادت بك النفس تيأس لعمرو أبيك يا أبي بن مالك * لغير الذي تأتي من الامر أكيس (سرية أبي قتادة رضي الله عنه إلى بطن إضم) (2) * حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن (القعقاع بن عبد الله (3)) بن أبي حدرة الاسلمي، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه، وأبا قتادة، ومحلم بن جثامة (4) سرية إلى إضم (5)، (هامش) * (1) في ابن هشام 2: 486. فكانوا هم المولى فعادت حلومهم * عليك وقد كادت بك النفس تيأس وبالمصدر السابق " أن هذا البيت متصل بالثلاثة السابقة بدون فاصل، وهو من شعر الضحاك بن قيس الدوسي، وليس من شعر نهيك كما ذكر ابن شبة هنا. (2) الاضافة عن السيرة الحلبية 2: 318، وتلقيح فهوم أهل الاثر لابن الجوزي ص 33. (3) سقط في الاصل، والاثبات عن أسد الغابة 4: 309، وتفسير ابن كثير 2: 545، والبداية والنهاية 4: 224. (4) محلم بن جثامة، واسمه يزيد بن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر الشداخ ابن عوف بن كعب الكناني الليثي، أخو الصعب بن جثامة، ذكر الطبري أن محلم بن جثامة توفي في حياة النبي، فدفنوه فلفظته الارض مرة بعد أخرى، فأمر به فألقي بين جبلين، وجعل عليه حجارة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الارض لتقبل من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يريكم آياته في قتل المؤمن ". (وانظر الخبر في أسد الغابة 4: 309 مرويا أيضا عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله ابن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد، عن أبيه). (5) إضم: قال ياقوت: 1: 218: إضم بالكسر ثم الفتح: ماء يطأه الطريق بين = (*)

[ 446 ]

قال: فلقينا عامر بن الاضبط الاشجعي (1)، فحياهم بتحية الاسلام فكف أبو قتادة وأبو حدرة، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله، فسلبه بعيرا له ومتيعا ووطبا من لبن، فلما قدموا أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال " قتلته بعد ما قال آمنت بالله ؟ " ونزل القرآن " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة " (2) !. * قال محمد بن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر قال، سمعت زياد بن ضميرة بن سعد الضمري (3) يحدث (عن (4)


= مكة والمدينة، وفي مراصد الاطلاع 1: 90 " إضم بالكسر ثم الفتح ماء يطأه الحاج بين مكة واليمامة عند السمينة وقيل جوف (أي قناة) هناك به ماء وأماكن يقال لها الحناظل، وقيل الوادي الذي فيه مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بأعلاه القناة التي تمر دوين المدينة وآخره يصب في البحر، وقيل جبل بين اليمامة وضرية. وفي السيرة الحلبية 2: 318 إضم اسم موضع أو جبل. (1) في أسد الغابة 3: 77 أن عامر بن الاضبط الاشجعي هو الذي قتلته سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظنونه متعوذا بالشهادة، وفي ابن كثير 2: 545: " فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الاضبط الاشجعي على قعود له ومعه متيح ووطب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله، لشئ كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه.. الحديث. (2) سورة النساء آية 94. (3) في أسد الغابة 4: 413، والاصابة لابن حجر 3: 436 " قال: سمعت زياد ابن ضميرة بن سعد السلمي... الحديث. وفي الخلاصة للخزرجي ص 106: زياد بن سعد بن ضميرة السلمي عن أبيه، وعنه محمد بن جعفر - وفي ميزان الاعتدال 1: 357 زياد بن سعد بن ضميرة، ويقال زياد بن ضمرة، ويقال زيد بن ضمرة ". (4) الاضافة للسياق. (*)

[ 447 ]

عروة، عن أبيه وجده - وقد كانا شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا - قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، فقام إلى ظل شجرة فقعد فيه، فقام إليه عيينة بن (حصن بن حذيفة بن (1)) بدر يطلب بدم عامر بن الاضبط الاشجعي - وهو سيد قيس - وجاء الاقرع بن حابس (2) يرد عن (3) دم محلم بن جثامة وهو سيد خندف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم عامر ابن الاضبط " هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة ؟ " فقال عيينة (بن حصن بن حذيفة) ابن بدر: " لا والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن مثل ما أذاق نسائي، فقام رجل من بني ليث يقال له مكيتل (وهو) (4)


(1) في الاصل والبداية والنهاية لابن كثير " عيينة بن بدر " والاضافة عن مغازي الواقدي 3: 199 ط. اكسفورد. والاصابة 3: 436، وأسد الغابة 4: 413 ترجمة مكيتل الليثي. (2) الاقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، واسمه فراس، ولقب بالاقرع لقرع كان به في رأسه. وقد كان شريفا بالجاهلية والاسلام، وأنه هو الذي نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات قال: يا محمد، إن مدحي زين وإن ذمي شين. فقال الرسول عليه السلام: ذلكم الله عزوجل. وشهد الاقرع مع خالد بن الوليد حرب أهل العراق، وشهد معه فتح الانبار، وكان على مقدمة جيش خالد بن الوليد، وقتل باليرموك في عشرة من بنيه، وقيل استعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره إلى خراسان، فأصيب بالجوزجان هو والجيش. (الاصابة 1: 72، وأسد الغابة 1: 119). (3) في أسد الغابة 4: 413، والمغازي للواقدي 3: 199، والاصابة 3: 436 " يدفع عن محلم بن جثامة ". (4) سقط في الاصل، والمثبت في البداية والنهاية 4: 224، ومكيتل الليثي بمثناة مصغرا، وقيل مكيثر بكسر المثلثة وآخره راء. (الاصابة 3: 436). (*)

[ 448 ]

القصير من الرجال (1) - فقال: يا رسول الله، ما أجد لهذا القتيل مثلا في غرة (2) الاسلام إلا كغنم وردت فرميت (3) أولاها ونفرت أخراها، اسنن اليوم وغير غدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لكم أن تأخذوا خمسين (بعيرا (4) الآن وخمسين إذا رجعت إلى المدينة ؟ " فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية، فقال قوم محلم: ايتوا به حتى يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فجاء رجل طوال (5) ضرب اللحم في حلة قد تهيأ للقتل فيها، فقعد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم لا تغفر لمحلم، اللهم لا تغفر لمحلم، قال فقام وإنه ليتلقى دمعه بطرف ثوبه، قال محمد: زعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد، عن عبد الله بن أبي حدرة الاسلمي، عن أبيه بنحوه، وقال زياد بن ضميرة: وقال في غزة الاسلام.


(1) في الاصابة 3: 437، " قصير مجموع "، وفي أسد الغابة 4: 413، " مجموع قصير ". (2) في الاصل " ما أجد في هذا القتيل مثلا في عدة الاسلام " والمثبت عن المغازي للواقدي 3: 200، والبداية والنهاية 4: 225، و " غرة الاسلام " يراد بها أوله، وفي أسد الغابة 4: 413 " ما وجدت في هذا القتيل في غرة الاسلام شبيها ". (3) في البداية والنهاية 4: 224 " إلا كغنم وردت فشربت أولاها ونفرت آخرها ". (4) الاضافة عن البداية والنهاية 4: 224. (5) في شرح المواهب للزرقاني 2: 286 " فجاء رجل آدم ضرب طويل عليه حلة قد تهيأ للقتل "، وفي المغازي للواقدي 3: 920 " فجاء رجل طويل آدم محمر بالحناء " والمثبت يتفق مع ابن كثير في البداية والنهاية 3: 225. (*)

[ 449 ]

* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء عن أبي قلابة: أن جيشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم غزوا قوما من بني تميم، فحمل (على (1) رجل منهم فقال: إني مسلم، فقتله، قال خالد: فحدثني نصر بن عاصم الليثي (2): أنه كان محلم بن جثامة الذي حمل على الرجل الذي قال إني مسلم فقتله، فجاء قومه - وأسلموا - فقالوا: يا رسول الله، إن محلم ابن جثامة قتل صاحبنا بعد ما قال إني مسلم، فقال: " أقتلته بعدما قال إني مسلم ؟ " فقال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذا، فقال " فلولا شققت عن قلبه لتعلم ذاك " قال فكنت أعلمه، قال " فلم قتلته ؟ " ثم قال " أنا آخذ من أخذ بكتاب الله، فاقعد للقصاص ". فلما أرادوا أن يقتلوه اشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من فرسان النبي صلى الله عليه وسلم فكلم قومه فأعطاهم الدية، وأعطاهم محلم دية أخرى، فأخذوا ديتين. * حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن بكار قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا عبد الله بن زياد بن سمعان، وغيره، عن ابن شهاب الزهري، عن عبد الله بن موهب (3)، عن قبيصة


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) نصر بن عاصم الليثي البصري النحوي، عن أبي بكرة، وعنه أبو الشعثاء وقتادة، وثقه النسائي. وقال خالد بن الحذاء: هو أول من وضع العربية، له حديث واحد. (الخلاصة للخزرجي ص 343). (3) عبد الله بن موهب الهمذاني، أو الخولاني، أمير فلسطين، عن تميم الداري مرسلا، وابن عباس، وعنه ابنه يزيد والزهري، وثقه يعقوب الفسوي (الخلاصة للخزرجي، وحاشيتها ص 183). (*)

[ 450 ]

ابن ذويب الكعبي قال: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية فلقوا المشركين بإضم أو قريب منه، فهزم الله المشركين، وغشي محلم ابن جثامة الليثي عامر بن الاضبط الاشجعي، فلما لحقه قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فلم ينته بكلمته حتى قتله، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى محلم فقال: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله ؟ " فقال: يا رسول الله، إن كان قالها: فإنما يعوذ بها، وهو كافر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا ثقبت عن قلبه ؟ قال: يريد - والله أعلم - إنما كان يعرب عن القلب واللسان - قال ابن سمعان: وإنه قتله محلم رغبة في سلاحه، وفيه أنزلت هذه الآية: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا (1) " قال الوليد وأنبأنا أبو سعيد فكان يحدثنا أنه سمع الحسن يقول: إنما أنزلت هذه في قتل (2) مرداس الفدكي. * قال وحدثني ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر. قال: نزلت هذه الآية في قاتل مرداس الفدكي. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس بن محمد قال، حدثنا شيبان (3)، عن قتادة في قوله " فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل " قال: كنتم كفارا حتى من الله عليكم بالاسلام


(1) سورة النساء آية 94. (2) في الاصل " قتال " والتصويب عن معالم التنزيل للبغوي 2: 544، واسمه مرداس بن نهيك، من أهل فدك، ويوافقه ما جاء في تفسير ابن جرير الطبري 5: 131. (3) شيبان بن عبد الرحمن التميمي، أبو معاوية النحوي البصري ثم الكوفي ثم البغدادي، عن الحسن وعبد الملك بن عمير وقتادة، وعنه زائدة وأبو حنيفة، قال أحمد: ثبت في كل المشايخ، وقال ابن سعد: مات سنة أربع وستين ومائة. (الخلاصة للخزرجي 143). (*)

[ 451 ]

" فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا " (1) قال نزلت هذه الآية - فيما حدثنا - في مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جيشا عليهم غالب (بن فضالة (2) الليثي إلى أهل فدك، فبرز أهل مرداس في الجبل وصبحته الخيل غدوة، وقال لاهله: إني مسلم، وإني غير متبعكم. ففر أهله في الجبل، فلقيته الخيل غدوة، فلما لقي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه وأخذوا كل ما معه من شئ، فأنزل الله في شأنه " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا " (3) قال: لان تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، ويلقى بعضهم بعضا. * حدثنا سعيد بن أوس قال، حدثنا الاشعث، عن محمد، عن رجل من قريش: الذي قتل رجلا من المشركين من بني تميم بعد قال إني مسلم، فطلب بدمه الاقرع بن حابس ووكيع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " قتلته بعد ما قال إني مسلم ؟ " فقال: إنه يا رسول الله إنما قال متعوذا. قال " أفلا شرحت عن (4) صدره " قال: فدفعه إليهم (5)، فعرفوا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الكراهة، فلم يزالوا بهما حتى رضيا بالدية، فقالوا: يا رسول الله، إنهما قد رضيا بالدية، قال: فاستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما أو كلاهما على السقاية وقال: دناه منها.


(1) سورة النساء آية 94. (2) الاضافة عن معالم التنزيل 2: 544. (3) سورة للنساء آية 94. (4) في تفسير الطبري 5: 132 " هلا شققت عن قلبه ". (5) فدفعه إليهم: " أي ليقتصوا منه ". (*)

[ 452 ]

(غزوة الخندق) (1) * حدثنا ابن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة قال: قدم كعب بن الاشرف وحيي بن أخطب مكة، فقالت لهم قريش: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا: ما أنتم وما محمد ؟ قالوا: نحن ننحر الكوماء (2)، ونفك العناء، ونسقي اللبن على الماء، ونسقي الحجيج، ونصل الارحام. قالوا: فما محمد ؟ قالوا صنبور (3)، قطع أرحامنا. وأتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فنحن أهدى سبيلا أم محمد ؟ قالوا: أنتم، فأنزل الله: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا " (4).


(1) الاضافة عن السيرة النبوية بهامش الروض الانف 2: 187، وشرح المواهب للزرقاني 2: 103 وتسمى أيضا غزوة الاحزاب. (2) الكوماء: البعير الضخم السنام (أقرب الموارد 2: 114). (3) الصنبور: الابتر الذي لا عقب له (الفائق في غريب الحديث 2: 39). والسياق بهذا التعبير موافق لما جاء في ابن كثير 2: 486، وابن جرير 5: 79 حيث ورد هذا الصنبور المنبتر، وفي رواية الابتر. (4) صورة النساء آية 51. قال محمد بن إسحاق: الجبت: السحر، الطاغوت: الشيطان، وقال ابن عباس: الجبت: الشرك، وعنه أيضا الجبت: الاصنام. وهناك رواية أخرى عنه أن المراد بالجبت: حيي بن أخطب، وعن مجاهد أن الجبت: كعب بن الاشرف، وعن الجوهري في كتابه الصحاح الجبت: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر... انظر ابن كثير 2: 484. وفي معالم التنزيل للبغوي 2: 484 " الجبت والطاغوت: هما صنمان كان المشركون يعبدونهما، وهو قول عكرمة، وقال أبو عبيدة: كل معبود يعبد من دون الله. وقيل = (*)

[ 453 ]

* حدثنا فليح بن محمد اليماني قال، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن جويبر، عن الضحاك في قوله " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت) يعنون بذلك اليهود، جعلوا كعب بن الاشرف وحيي بن أخطب حكمين، ما حكما من شئ خلاف كتاب الله أو يوافق كتاب الله رضوا به، وتركوا الكتاب الذي عندهم، فزعما وأهل دينهما: أن كفار مكة أهدى سبيلا من محمد وأصحابه، وهم يعلمون أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على هدى من الله. قال الله " أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا " (1) قال جويبر: حيي بن أخطب: الجبت، وكعب: الطاغوت. * حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدم ابن الاشرف مكة قالت له قريش: أنت حبر أهل المدينة وسيدهم ؟ قال: نعم، قالوا ألا ترى إلى هذا الصبي الابتر من قومه، يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية. قال: أنتم خير منه. فنزلت " إن شانئك هو الابتر " (2) ونزلت: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا " (3).


= الجبت: الاوثان. والطاغوت: شياطين الاوثان. وقال الضحاك: الجبت حيي ابن أخطب، والطاغوت: كعب بن الاشرف. (1) سورة النساء آية 52. (2) سورة الكوثر آية 3. (3) سورة النساء الآيتان 51، 52. (*)

[ 454 ]

* حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس، عن شيبان، عن قتادة في قوله: " يؤمنون بالجبت والطاغوت " قال كنا نحدث أن الجبت الشيطان، والطاغوت الكاهن، وقوله: " ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا " قال: ذاك عدوا الله: كعب بن الاشرف وحيي بن أخطب، وكانا من أشراف يهود من بني النضير، لقيا قريشا بالموسم فقال لهما المشركون: أنحن أهدى أم محمد ؟ فإنا أهل السدانة، وأهل السقاية، وجيران الحرم: قالا: بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه، وهما يعلمان أنهما كاذبان، إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه فأنزل الله في ذلك: " أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ". (مقتل كعب بن الاشرف) (1) * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا فليح بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: كان كعب بن الاشرف اليهودي أحد بني النضير قد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء، وقدم على قريش فاستعان بهم عليه، فقال أبو سفيان ابن حرب: أناشدك، أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه، وأننا هدى في رأيك وأقرب إلى الحق فإنا نطعم الجزور الكوماء ونسقي اللبن ونطعم ما هبت (الشمال (2) قال: أنتم أهدى منهم


(1) الاضافة عن السيرة النبوية لابن هشام بهامش الروض الانف 2: 123، والغازي للواقدي 1: 184، وشرح المواهب للزرقاني 2: 8. (2) سقط في الاصل والاضافة عن البداية والنهاية لابن كثير 4: 6، وفي تفسير ابن جرير 5: 80 " ما هبت الريح " أي ما هبت ريح الشمال. (*)

[ 455 ]

سبيلا. ثم خرج مقبلا قد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، معلنا بعداوته وهجائه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لنا من ابن الاشرف، قد استعلن بعداوتنا وهجائنا، وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قدم على أخبث ما كان ينتظر قريشا أن تقدم فينا طبائعهم، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين ما أنزل الله فيه أن كذلك والله أعلم. قال " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا " (1) وآيات معها فيه وفي قريش. * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطيه العوفي في قوله " بالجبت والطاغوت " قال: الجبت: الشيطان. والطاغوت: كعب بن الاشرف. * حدثنا ابن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو (بن دينار) (2) عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من يكفينا كعب بن الاشرف، فإنه آذى الله ورسوله ؟ " فقال محمد بن مسلمة (3): أتحب أن أقتله ؟ قال:


(1) سورة النساء آية 51. (2) إضافة عن شرح المواهب 2: 12. (3) هو محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس،، الانصاري الاوسي الحارثي، حليف بني عبد الاشهل، يكنى أبا عبد الرحمن، وقيل أبو عبد الله، ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة، وهو ممن سمي في الجاهلية محمدا، وكان أكبر من سمي باسمه من بين الصحابة، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبوك، استخلفه = (*)

[ 456 ]

" نعم " قال: أيذن لي. فأقول (1)، قال: " قل " فقتله. * قال ابن شهاب في حديثه: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم اكفني ابن الاشرف بما شئت " فقال محمد بن مسلمة " أنا يا رسول الله، أقتله ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم " فقام محمد منقلبا إلى أهله، فلقي سلكان بن سلامة (2) في المقبرة عائدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له محمد: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني بقتل كعب بن الاشرف، وأنت نديمه في الجاهلية، ولن يأمن غيرك، فأخرجه لي حتى أقتله، فقال سلكان: إن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلت، فرجع محمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سلكان: يا رسول الله، أمرت بقتل كعب بن الاشرف ؟ قال " نعم " قال: يا رسول الله


= رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في بعض غزواته، قيل كانت غزوة قرقرة الكدر، وقيل غزوة تبوك، واستعمله عمر بن الخطاب على صدقات جهينة، توفي بالمدينة سنة ست وأربعين أو سبع وأربعين، وقيل غير ذلك، وكان عمره سبعا وسبعين سنة.. (أسد الغابة 4: 330، الاصابة 3: 363، المستدرك للحاكم 3: 433 ط. الرياض، شرح المواهب 2: 8). (1) أي أقول قولا غير مطابق، كما في شرح المواهب اللدنية 2: 10، وفي نهاية الارب للنويري 17: 73، والبداية والنهاية لابن كثير 4: 70 " فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم " قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك " وفي المغازي للواقدي 1: 187 فأذن لنا فلنقل فإنه لا بد لنا منه ". (2) سلكان بن سلامة بن وقش بن زعبة بن زعوراء بن عبد الاشهل الانصاري الاوسي الاشهلي، أخو سلمة بن سلامة بن وقش، قيل سلكان لقب واسمه سعد وكنيته أبو نائلة، وهو اشتهر بها، كان شاعرا، وشهد أحدا، وكان من الرماة المذكورين، وقد ثبت ذكره في الصحيح في قصة قتل كعب بن الاشرف. (الاصابة 4: 194، أسد الغابة 5: 311، البداية والنهاية 4: 7). (*)

[ 457 ]

أمحللي مما قلت لابن الاشرف ؟ قال: " أنت في حل مما قلت " فخرج سلكان، ومحمد بن مسلمة، وعباد بن بشر بن وقش (1)، والحارث بن أوس بن (2) معاذ، وأبو عبس بن (3) جبر، حتى أتوه في ليلة مقمرة فتواروا في ظلال جذوع النخل، وخرج سلكان فصرخ بكعب، فقال كعب: من هذا ؟ فقال سلكان: هذا يا أبا ليلى أبو نائلة، وكان كعب يكنى أبا ليلى، فقالت امرأته: لا تنزل


(1) في الاصل " عباد بن بشر بن وقيش " والتصويب عن البداية والنهاية لابن كثير 4: 7، وابن هشام 2: 124. وهو عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الاشهل بن جشم بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو - وهو النبيت - بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي الاشهلي، يكنى أبا بشر، وقيل أبو الربيع، أسلم بالمدينة على يد مصعب بن عمير قبل إسلام سعد ابن معاذ وأسيد بن حضير، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ممن قتل كعب بن الاشرف، وقد كان من فضلاء الصحابة، قالت عائشة رضي الله عنها: ثلاثة من الانصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلا كلهم من بني الاشهل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر. وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوت عباد بن بشر فقال: اللهم ارحم عبادا، وقتل عباد يوم اليمامة، وكان له يومئذ بلاء عظيم، وكان عمره خمسا وأربعين سنة ولا عقب له. أخرجه الثلاثة. (أسد الغابة 3: 100، الاصابة 2: 254). (2) الحارث بن أوس بن معاذ بن النعمان الانصاري ثم الاوسي، ابن أخي سعد بن معاذ سيد الاوس، يكنى أبا أوس، شهد بدرا، وممن حضر قتل ابن الاشرف، قال ابن إسحاق: لم يعقب. (أسد الغابة 1: 317، الاصابة 1: 273). (3) أبو عبس بن جبر - وقيل: ابن جابر - بن عمرو بن زيد بن جشم بن مجدعة ابن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس، كذا نسبه أبو عمر، ونسبه ابن الكلبي مثله إلا أنه أسقط مجدعة واسمه عبد الرحمن، شهد بدرا والمشاهد كلها، مات سنة أربع وثلاثين وهو ابن سبعين سنة، وصلى عليه عثمان، ودفن بالبقيع. (أسد الغابة 5: 247). (*)

[ 458 ]

يا أبا ليلى، فإنه قاتلك، قال: ما كان يأتيني إلا بخير ولو يدعى الفتى لطعنة لاجاب (1) فخرج كعب، فلما فتح باب المربض قال: من أنت ؟ قال: أخوك قال: فطأطئ لي رأسك. فطأطأ له فعرفه، فنزل إليه، فمشى به سلكان نحو القوم، فقال له سلكان: جعنا وأصابنا شدة مع صاحبنا. فجئتك لاتحدث معك، ولارهنك درعي في شعير، فقال له كعب: قد حدثتك أنكم ستلقون ذلك، ولكن عندنا شعير، ولم تأتونا لعلنا أن نفعل. قال: ثم أدخل سلكان يده في رأس كعب ثم شمه فقال: ما أطيب عبيركم (2) هذا. فصنع ذلك به مرة أو مرتين حتى آمنه، ثم أخذ سلكان برأسه أخذة فصاه (3) منها. فخار عدو الله خارة رفيعة، فصاحت امرأته: واصاحباه، فعانقه سلكان، وقال: اقتلوا عدو الله، فلم يزالوا يتخلصون (4) بأسيافهم حتى طعنه أحدهم في بطنه طعنة بالسيف فخرج منها مصرانه، وخلصوا إليه فضربوه بأسيافهم، وكانوا في بعض ما يتخلصون إليه - وسلكان يعانقه - أصابوا عباد بن بشر في وجهه أو في رجله ولا يشعرون، ثم خرجوا يشتدون سراعا حتى إذا كانوا بجرف بعاث (5) فقدوا صاحبهم ونزف الدم


(1) في شرح المواهب للزرقاني 2: 12 " إن الكريم لو دعي إلى طعنه بليل لاجاب " (2) في المغازي للواقدي 2: 197 " ما أطيب عطرك هذا يا ابن الاشرف "، وفي البداية والنهاية 4: 7 " ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط ". (3) فصاه - بالفاء: خلصه وأبانه (أقرب الموارد 2: 929). (4) يتخلصون: أي يفصلون أسيافهم بعضها عن بعض لتخلص إلى غريمهم. (أقرب الموارد: خلص). (5) جرف بعاث: موضع من نواحي المدينة، بعاث بالضم وآخره ثاء مثلثة، كانت بها وقائع بين الاوس والخزرج في الجاهلية (مراصد الاطلاع للبغدادي 1: 206، 326). (*)

[ 459 ]

فرجعوا أدراجهم فوجدوه من وراء الجرف فاحتملوه حتى أتوا به أهاليهم من ليلتهم، فقتل الله ابن الاشرف بعداوته لله ورسوله، وهجائه إياه، وتأليبه عليه قريشا، وإعلانه ذلك. * قال الحزامي (1) حدثنا ابن وهب (2)، عن حيوة بن شريح. وابن لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب قال، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن كعب بن الاشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويحرض عليهم كفار فريش في شعره، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهي أخلاط: منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم المشركون الذين يعبدون الاوثان، ومنهم اليهود أهل الحلقة والحصون، وهم حلفاء الحيين الاوس والخزرج، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم استصلاحهم وموادعتهم، وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا، والرجل يكون مسلما وأخوه مشركا، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه


(1) الحزامي: هو إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الاسدي الحزامي، أحد كبار المحدثين، وثقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم، مات سنة 236 ه‍ (الخلاصة للخزرجي ص 22 ط. بولاق). (2) هو عبد الله بن وهب بن مسلم الفهمي - كذا في نسخة - وفي التهذيب وغيره الفهري - القرشي - مولاهم - أبو محمد البصري أحد الائمة، روى عن يونس بن يزيد وحيدة بن شريح وأسامة الليثي ومالك والثوري، وعنه الليثي - شيخه - وابن مهدي وسعيد بن أبي مريم " قال أحمد: ما أصح حديثه، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن حبان: حفظ على أهل مصر والحجاز حديثهم. مات سنة تسع وتسعين ومائة عن أربع وسبعين سنة (الخلاصة للخزرجي 218 وحاشيتها ط - بولاق). (*)

[ 460 ]

وسلم يؤذونه وأصحابه أشد الاذى، فأمر الله نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم، وفيهم أنزل الله تبارك وتعالى: " لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الامور " (1) وفيهم أنزل الله " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير " (2) فلما أبى كعب أن ينزع عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى المسلمين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ في خمسة رهط فأتوه عشية في مجلسه بالعوالي (3)، فلما رآهم كعب أنكر شأنهم، وكاد يذعر منهم، فقال لهم، ما جاء بكم ؟ قالوا: جاء بنا حاجة إليك، قال: فليدن إلي بعضكم فليحدثني بها، فدنا إليه بعضهم فقال: جئناك لنبيعك: أدراعا لنا نستعين بأثمانها. فقال لهم: والله لئن فعلتم ذلك لقد جهدتم ثم جهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل، ثم واعدهم أن يأتوه عشاء حين يهدأ عنه الناس، فجاءوه فناداه رجل منهم، فقام ليخرج إليهم، فقالت له امرأته: ما طرقوك ساعتهم هذه لشئ مما تحب. قال: بلى إنهم قد حدثوني حديثم. فخرج إليهم، فاعتنقه محمد بن مسلمة، وقال لاصحابه لا تستنكروا إن قتلتموني وإياه جميعا. قال: وطعنه بعضهم بالسيف في خاصرته،


(1) سورة آل عمران آية 186. (2) سورة البقرة آية 109. (3) العوالي: بالفتح جمع العالي: ضيعة بينها وبين المدينة أربعة أميال، وقيل ثلاثة، وقيل ثمانية (مراصد الاطلاع 2: 970 ط. الحلبي). (*)

[ 461 ]

فلما قتلوه فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين، فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبحوا، فقالوا: قد طرق صاحبنا الليلة، وهو سيد من سادتنا فقتل غيلة، فذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوله في أشعاره ويؤذيهم به، ودعاهم إلى أن تكتب بينهم وبينه وبين المسلمين صحيفة فيها جماع أمر الناس، فكتبها صلى الله عليه وسلم. * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي ابن يزيد، عن سعيد بن المسيب: أن ابن نامين اليهودي أخذ يعذر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل كعب بن الاشرف. فقال له محمد بن مسلمة: ألا سيف، ألا سيف ؟ فأخذ السيف، وغيبوا اليهودي، فقال محمد لمروان: ألا أراه يعذر النبي صلى الله عليه وسلم عندك ؟. * حدثنا الحزامي قال، وحدثنا ابن وهب قال، حدثني ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن قال: إن (ابن (1) الاشرف عدو الله وهو أحد بني النضير اعتزل قتال بني النضير، وزعم أنه لم يظاهر على المسلمين، فتركه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انبعث يهجوه والمؤمنين، ويمتدح عدوهم من قريش، ويحرضهم عليهم، فلم يرض بذلك حتى ركب إلى قريش فاستعداهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو سفيان والمشركون: ننشدكم الله أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه، وأن ديننا أهدى في رأيك أو أقرب إلى الحق، فقال لقريش: أنتم


(1) سقط في الاصل. (*)

[ 462 ]

أهدى منه سبيلا وأفضل، ثم خرج معلنا بعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لنا من ابن الاشرف ؟، قد استعلن بعداوتنا وهجائنا، وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا، وقد أخبرني الله عزوجل بذلك " ثم قدم أخبث ما كان ينتظر قريشا، ثم قرأ ما أنزل الله عليه " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت " وخمس آيات فيه وفي قريش (1). (قتل أبي رافع بن أبي الحقيق) (2) * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب


(1) سورة النساء الآيات 51 حتى 55. وفي المستدرك للحاكم 3: 435 أن محمد ابن مسلمة وأصحابه لما قتلوا كعب بن الاشرف، قال عباد بن بشر في ذلك شعرا شرح فيه قتلهم ومذهبهم فقال: صرخت به فلم يعرض لصوتي * ووافى طالعا من فوق جدر فعدت له فقال من المنادي * فقلت أخوك عباد بن بشر وهذي درعنا رهنا فخذها * لشهر إن وفى أو نصف شهر فقال معاشر ثغبوا وجاعوا * وما عدموا الغنى من غير فقر فأقبل نحونا يهودي سريعا * وقال لنا لقد جئتم لامر وفي أيماننا بيض حداد * مجردة بها نكوي ونفري فقلت لصاحبي لما بداني * تبادره السويف كذبح عير وعانقه ابن مسلمة المرادي * يصيح عليه كالليث الهزبر وشد بسيفه صلتا عليه * فقطره أبو عبس بن جبر وكان الله سادسنا وليا * بأنعم نعمه وأعز نصر وجاء برأسه نفر كرام * أتاهم هود من صدق وبر (2) الاضافة عن شرح المواهب للزرقاني 2: 164. وفي المغازي للواقدي 1: 391 " سرية ابن عتيك إلى أبي رافع ". (*)

[ 463 ]

ابن مالك قال: كان فيما من الله به على رسوله هذين الحيين من الانصار: الاوس والخزرج، كانا يتصاولان كما يتصاول الفحلان، فلما قتل محمد بن مسلمه كعب بن الاشرف قالت الخزرج: كيف لنا أن يكون لنا مثل سابقتهم ؟ فقالوا: يا رسول الله، أرسلنا إلى ابن (أبي (1) حقيق، فأرسل أبا قتادة وأبا عتيك وأبيض بن الاسود، وعبد الله بن أفيس، وقال لهم: " لا تقتلوا صبيا ولا امرأة " فذهبوا فدخلوا الدار ليلا، وغلقوا على كل قوم بابهم من خارج، حتى إذا استغاثوا لم يستطيعوا أن يخرجوا، ثم صعدوا إليه في علية له إليها عجلة (2) فإذا هم به نائم أبيض كأنه القرطاس، فتعاطوه بأسيافهم فضربوه، فصرخت امرأته فهموا أن يقتلوها، فذكروا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تقتلوا امرأة ولا صبيا " فنزلوا، وانفكت قدم أحدهم فاحتملوه فانطلقوا به فدخلوا نهرا من أنهارهم، وتصايح الناس: قتل ابن حقيق، قتل ابن حقيق، فجاءوا بالنيران - وقال عبد الله بن أنيس: إني أخاف أن لا تكونوا أجهزتم عليه، فقال: لاذهبن فلانظرن قد أجهزنا عليه أم لا، فجاء يصعد إليه في غمار الناس فإذا امرأته قد أكبت عليه ساعة ثم قالت: فاضت نفسه ويهود، وقالت فيما تقول: إني لا أظنني إلا قد سمعت كلام عبد الله بن أنيس. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن سعيد بن أبي هلال حدثه، أن يزيد


(1) سقط في الاصل والاثبات عن البداية والنهاية 4: 137. (2) في الاصل " صعدوا إليه في عجلة له " والمثبت عن السيرة النبوية لابن هشام 3: 747، والبداية والنهاية 4: 137. (*)

[ 464 ]

ابن عياض حدثه: أنه بلغه من شأن خيبر أن أهل ابن أبي حقيق دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألهم عن أموال خرجوا بها من المدينة إذ أخرجهم: مسك الجمل (1) ودنان (2) كانت فيها الاموال إذ أخرجوا، فغيبوها عنه حتى أمر (كنانة وحيي (3)) ابني أبي الربيع بن أبي الحقيق أو أحدهما - زوج صفية (4) - فيزعمون أنه سأل رجلا منهم من آل أبي الحقيق (5) فأخبره بمكان المال، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما إلى محمد بن مسلمة والآخر إلى الزبير يعذبان حتى قتلا، فاستحل بغدرهم قتل كنانة ابن الربيع بن أبي الحقيق زوج صفية وحيي بن الربيع أخيه. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال. وحدثنا محمد بن فليح،


(1) مسك الجمل: أي جلد الجمل. الصحاح 1608، أقرب الموارد 2: 1211. (2) دنان: جمع دن. بالفتح وهو الراقود العظيم لا يقعد إلا أن يحفر له. الراقود: الدن الكبير، طويل الاسفل، يطلى داخله بالقار، وهو معرب (أقرب الموارد: دنن، رقد). (3) في الاصل: فأمر بابني حيي بن ربيع بن أبي الحقيق " " والصواب ما أثبتناه طبقا للسياق في آخر هذه القصة - وفي البداية والنهاية 4: 157 وابن هشام 2: 237 ط. الحلبي " وأتى رسول الله بكنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه فجحد أن يكون يعرف مكانه. (4) صفية بنت حيي بن أخطب بن سعنه بن ثعلبة بن عبيد بن كعب من بني إسرائيل، من سبط لاوي بن يعقوب، كانت زوج سلام بن مشكم اليهودي، ثم خلف عليها كنانة ابن أبي الحقيق، وهما شاعران، فقتل عنها كنانة يوم خيبر وسبيت في ذلك اليوم فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم واصطفاها وحجبها وأعتقها وتزوجها وقسم لها، وكانت عاقلة من عقلاء النساء، وتوفيت سنة ست وثلاثين وقيل سنة خمسين (أسد الغابة 5: 490). (5) في شرح المواهب للزرقاني 2: 229 " قيل هو شعبة بن عمرو ". (*)

[ 465 ]

عن موسى بن عقبة (1)، عن ابن شهاب قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس ومسعود ابن سنان (2) بن الاسود، وأبا قتادة بن ربعي بن بلدمة (3) وأسود ابن خزاعي (4) حليفا لهم - ويقال: ولم نجده في غير هذه الصحيفة - وأسعد بن حرام، وهو أحد الترك حليف لبني سواد، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك فطرقوا أبا رافع ابن أبي الحقيق بخيبر فقتلوه في بيته. قال ابن شهاب، قال (أبي (5)) ابن كعب: وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو


(1) موسى بن عقبة الاسدي - مولاهم - المدني، عن أم خالد بنت خالد وعروة وعلقمة بن وقاص، وعنه ابن جريج ومحمد بن فليح وخلق. قال مالك: عليكم بمغازي ابن عقبة فإنه ثقة، وهي أصح المغازي، ووثقه أحمد وأبو حاتم وابن معين، قال القطان: مات سنة إحدى وأربعين ومائة (الخلاصة للخزرجي ص 292 ط. بولاق). (2) في الاصل " مسعود بن سيار " والتصويب عن البداية والنهاية 4: 137، وابن هشام 3: 746 ط. صبيح، وهو مسعود بن سنان بن الاسود، حليف لبني غنم من بني سلمة من الانصار، شهد أحدا، وقتل يوم اليمامة شهيدا، قال ابن الاثير في أسد الغابة 4: 358: استأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبي رافع بن أبي الحقيق فأذن له في قتله، فخرج إليه رهط منهم عبد الله بن عتيك أمير القوم وعبد الله بن سنان، ومسعود بن سنان، وأبو قتادة، وخزاعي بن أسود من أسلم حليف لهم، فخرجوا إليه حتى جاءوا خيبر فقتلوه... الحديث (أسد الغابة 4: 358). (3) أبو قتادة: هو الحارث بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن عبيد بن غنم بن كعب ابن سلمة بن سعد الانصاري الخزرجي السلمي، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل اسمه النعمان، ويكني أبا قتادة، وهو بالحارث أكثر، توفي سنة أربع وخمسين بالمدينة، وقيل توفي بالكوفة في خلافة علي بن أبي طالب (أسد الغابة 5: 274). (4) في البداية والنهاية لابن كثير 4: 137، وكذا ابن هشام 3: 146: " خزاعي ابن أسود " وما في الاصل متفق مع أسد الغابة 1: 83 والاصابة 1: 58، وفيهما " الاسود ابن خزاعي من حلف بني سلمة من الانصار، وأحد من اشترك في قتل ابن أبي الحقيق. (5) سقط في الاصل والاثبات عن البداية والنهاية 4: 139. (*)

[ 466 ]

على المنبر فقال: " أفلحت الوجوه " قالوا: " أفلح وجهك يا رسول الله " قال " أقتلتموه ؟ " قالوا: نعم. قال " ناولوني السيف " فسله، قال " هذا طعامه في ذباب السيف ". * قال ابن شهاب: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانة ابن أبي الربيع (1) بن أبي الحقيق عن كنز كان من مال أبي الحقيق كان يليه الاكبر فالاكبر منهم فسمى ذلك المال مسك الجمل، وسأل مع كنانة حيي ابن (أبي (2) الربيع بن أبي الحقيق، فقالا: أنفقناه في الحرب فلم يبق منه شئ، وحلفا له على ذلك، فقال " برئت منكما ذمة الله وذمة رسوله إن كان عندكما " - أو قال نحو هذا من القول - قالا: نعم. فأشهد عليهما (3)، ثم أمر الزبير ابن العوام رضي الله عنه أن يعذب كنانة، فعذبه حتى أخافه فلم يعترف بشئ - فلا أدري أعذب حيي أم لا - ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن ذلك الكنز غلاما منهم، يقال له: ثعلبة (بن سلام بن أبي الحقيق (4)) وكان كالضعيف، فقال: ليس لي به علم غير أني كنت أرى كنانة يطوف كل غداة بهذه الخربة، فإن كان شئ فهو فيها. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تلك الخربة فوجدوا فيها ذلك الكنز فأتى به. فأمر بقتلهما، ودفع كنانة إلى محمد بن مسلمة فقتله بأخيه محمود بن مسلمة،


(1) في الاصل: " كنانة بن أبي ربيع " والصواب ما أثبته لنص السياق عليه بعد ذلك. (2) سقط في الاصل والاضافة من نص المادة. (3) في مغازي الواقدي 2: 672: " أشهد عليهما أبا بكر وعمر وعليا والزبير وعشرة من اليهود ". (4) الاضافة عن الواقدي 2: 672 وبقية الخبر " وكان رجلا ضعيفا ". (*)

[ 467 ]

وقيل كنانة قتل محمودا. وسبا رسول الله صلى الله عليه وسلم آل أبي الحقيق بما كانوا أعطوا من أنفسهم، وصفية بمكانها منهم، ولم يسب أحد من أهل خيبر غيرهما فيما نعلم. * حدثنا محمد بن سليمان بن أبي رجاء قال، حدثنا إبراهيم ابن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب ابن مالك: أنه أخبره أن الرهط الذي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتل ابن أبي الحقيق قتلوه ثم أتوا يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلما رآهم قال: أفلحت الوجوه " قالوا: أفلح وجهك يا رسول الله. قال " أقتلتموه ؟ " قالوا: نعم. قال: فدعا بالسيف الذي قتلوه به وهو قائم على المنبر فسله، ثم قال " أجل هذا طعامه في ذباب السيف " وكان الرهط الذين قتلوه: عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأسود بن خزاعي - حليفا لهم، وأبا قتادة - فيما يظن إبراهيم - قال إبراهيم: ولا أحفظ الخامس. * حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال، أخبرني بعض أهل المدينة: أن بني الحقيق اشترط عليهم أن لا يكتموه فكتموه، فأحل بذلك دماءهم. * حدثنا عتاب بن زياد قال، أنبأنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهري قال، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله ابن كعب بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث إلى بني الحقيق بخيبر نهى عن قتل النساء والصبيان. (سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح) (1) * حدثنا الحزامي قال، حدثنا ابن وهب قال، حدثني


(1) الاضافة عن شرح المواهب للزرقاني 2: 63، والمغازي للواقدي 2: 531. (*)

[ 468 ]

مالك بن أنس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ابن أنيس إلى ابن نبيح فقال يا رسول الله: انعته لي، فإني لا أعرفه، فنعته له، فقال: " إذا رأيته هبته ". فقال: ما هبت شيئا قط يا رسول الله، قال: فخرج حتى لقيه خارجا من مكة يريد عرنة (1)، فلما لقيه ابن نبيح قال له: ما حاجتك هاهنا ؟ قال: جئت في طلب قلائص - وكان ابن أنيس أناخ راحلته في مكان خبأها فيه، فمر يماشيه ساعة ويسائله، ثم استأجر عنه كأنه يصلح شيئا، ثم شد عليه فضربه بالسيف فقطع رجله، قال ابن أنيس: فأخذ رجل نفسه فرماني بها فلو أصابتني لاوجعتني قال: ثم جاء برأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. * حدثنا الحزامي قال، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى ابن عقبة، عن ابن شهاب قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس السلمي إلى سفيان (2) بن عبد الله بن نبيح الهذلي ثم اللحيانى وهو بعرنة من وراء مكة - أو بعرفة (3) - قد اجتمع إليه الناس ليغزو فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يقتله، فقال عبد الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما صفته


(1) عرنة: موضع قرب عرفة (شرح المواهب للزرقاني 2: 63، مراصد الاطلاع 2: 934). (2) كذا في الاصل، وفي شرح المواهب للزرقاني 2: 63 وفي سيرة ابن هشام 4: 1036 ط. " صبيح " والبداية والنهاية لابن كثير 4: 140 " خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي " وفي مغازي الواقدي 2: 531 ط. أكسفورد، والسيرة الحلبية 2: 288 " سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي ". (3) اعتراض. للتوضيح. وقد سبق أن قرب عرفة. أو بوادي عرفة كما في شرح المواهب 2: 63. (*)

[ 469 ]

يا رسول الله ؟ قال: " إذا رأته هبته وفرقت منه ". قال: ما فرقت من شئ قط، فانطلق عبد الله يتوصل بالناس ويعتزي إلى خزاعة، ويخبر من لقي أنما يريد سفيان ليكون معه، فلقي سفيان وهو ببطن عرنة وراءه الاحابيش (1) من حاضرة مكة، قال عبد الله: فلما رأيته هبته وفرقت منه، فقلت: صدق الله ورسوله، ثم كمنت حتى هدأ الناس، ثم اعتورته فقتلته، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بقتله قبل قدوم عبد الله، وحكوا - والله أعلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه عصاه، فقال " تخصر (2) بها - أو أمسكها " فكانت - زعموا - عنده حتى أمر بها فجعلت في كفنه بين جلده وثيابه. ولا ندري من أين بعث النبي صلى الله عليه وسلم ابن أنيس إلى ابن نبيح، أمن المدينة أم من غيرها ؟. (قدوم عروة بن مسعود وإسلامه) (3) * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثني محمد بن فليح،


(1) الاحابيش: الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة، قال ابن إسحق إن الاحابيش هم بنو الهون وبنو الحارث من كنانة وبنو المصطلق من خزاعة، تحبشوا أي تجمعوا، فسموا بذلك، نقله السهيلي في الروض، والمراد بالاحابيش هنا أخلاط الناس ممن انضم إليهم لمحاربة الرسول صلى الله عليه وسلم (السيرة الحلبية 2: 288، تاج العروس " حبش "). (2) التخصر: الاتكاء على قضيب ونحوه. (الزرقاني 2: 76، المغازي للواقدي 2: 533)، وفي السيرة الحلبية 2: 288 ".. فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبري فدفع لي عصا وقال: تخصر بهذه في الجنة - أي توكأ عليها - فإن المتخصرين في الجنة قليل. (3) الاضافة عن المغازي للواقدي 3: 960. وهو: عروة بن مسعود بن معتب ابن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف وهو عم والد المغيرة بن شعبة ابن عامر بن مسعود يجتمعان في مسعود، ذكر ابن إسحق أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من ثقيف اتبع أثره عروة بن مسعود بن معتب، فأدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم.. الحديث. ولعروة ولد يقال له أبو المليح أسلم بعد قتل أبيه (أسد الغابة 3: 405، الاصابة 2: 470). (*)

[ 470 ]

عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: لما صدر أبو بكر رضي الله عنه - وقد أقام الناس حجهم - فقدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، ثم استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى قومه، فقال " إني أخاف أن يقتلوك " فقال: لو وجدوني نائما ما أيقظوني. فأذن له فرجع إلى الطائف، فقدم عشاء فجاءته ثقيف فحيوه، فدعاهم إلى الاسلام، ونصح لهم، فعصوه واتهموه وأسمعوه من الاذى ما لم يكن يخشاهم عليه، وخرجوا من عنده، حتى إذا أسحر وطلع الفجر قام على غرفة له في داره فأذن بالصلاة وتشهد، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله (1)، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حين بلغه قتله " مثل عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله فقتلوه ". حدثنا الحزامي قال، حدثنا ابن وهب قال، حدثني الليث ابن سعد: أن عروة بن مسعود استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي قومه، فقال، إني أخاف أن يقتلوك " قال: إني أحب إليهم (من أبكار أولادهم (2) من ذاك الذي عرف من منزلته عندهم، فأذن له، فلما أتى قومه أذن فيهم بالصلاة قبل أن يعلمهم، فقتلوه،


(1) في أسد الغابة 3: 406: " تزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم من بني عتاب ابن مالك يقال له وهب بن جابر، وتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس ابن عوف، أحد بني سالم بن مالك، وقال الواقدي 3: 961 " وهذا هو أثبت عندنا ". وقيل لعروة ما ترى في دمك قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي. فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم، فدفنوه معهم. (الاصابة 2: 470، أسد الغابة 3: 406). (2) ما بين الحاصرتين عن الواقدي 3: 960، وفي ابن هشام 4: 964 " أنا أحب إليهم من أبكارهم " قال ابن هشام ويقال: من أبصارهم. وهي رواية ابن الاثير 3: 406 من أسد الغابة. (*)

[ 471 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن مثل عروة مثل صاحب آل ياسين " قال " وكان صاحبهم رجلا يقال له حبيب - وكان نجارا - فقال " يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون " وقال " وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون * إني إذا لفي ضلال مبين * إني آمنت بربكم فاسمعون " (1) فقاموا إليه فأخذوا قدومه من قفته فضربوه به على دماغه فقتلوه، فقيل له " ادخل الجنة " فلما دخلها ذكر قومه قال " يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين " (2). * حدثنا الحزامي قال، وحدثنا ابن وهب قال، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الاسود، عن عروة بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عروة بن مسعود الثقفي إلى قومه يدعوهم إلى الاسلام فقتلوه، - رمي بسهم (3) - فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال مثله في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه ". ورثاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: فازت ثقيف بأمر غير محمود * وأصبحت وهي في إثم وتفنيد بقتلهم رجلا قد كان يخبرهم * عن النبي بأمر غير مردود فكذبوه أضل الله سعيهم * بغيا ولم يثبتوا منه بموعود وقال كافرهم هذا يريدكم * شرا فقوموا إليه بالجلاميد (4)


(1) سورة يس آية 20 - 25. (2) سورة يس آية 26 - 27. (3) وفي الاستيعاب 3: 112، وأسد الغابة 3: 406 وابن هشام 4: 965 " رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله ". (4) الجلمد والجلمود: الحجر الصخر، أقرب الموارد " جلمد ". (*)

[ 472 ]

فلو شهدت أضل الله سعيهم * إذ يرجمونك يا عرو بن مسعود لوافقوا مرهفات لا يزال لها * يوما قتيلا عليه الطير بالبيد * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا أبو الفتح الرقي، عن عبد الملك بن أبي القاسم قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود إلى قومه يدعوهم فقتلوه، فشبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاحب ياسين. (سرية نخلة) (1) حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعة عشر شهرا، ثم بعث عبد الله بن جحش في ركب من المهاجرين (2)، وكتب معه كتابا فدفعه إليه، وأمره


(1) الاضافة عن المغازي للواقدي. ونخلة هي نخلة اليمانية، وهي بستان ابن عامر عند العامة، والصحيح أن نخلة اليمانية هي بستان عبيد بن معمر (مغازي الواقدي 1: 13 ط. أكسفورد)، (معجم ما استعجم ص 2577). وفي مراصد الاطلاع 3: 1365: واد يصب فيه يدعان. به مسجد للنبي صلى الله عليه وسلم وبه عسكرت هوازن يوم حنين، وقيل نخلة واد من الحجاز بينه وبين مكة مسيرة ليلتين. وفي السيرة الحلبية 2: 278 نخلة: موضع بين مكة والطائف. (2) في ابن هشام 2: 435 ط. صبيح، والبداية والنهاية لابن كثير 3: 249 " وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حرثان، أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم، ومن بني نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان بن جابر، حليف لهم، ومن بني زهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص، ومن بني عدي بن كعب: عامر بن ربيعة حليف لهم من عنز بن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عريق بن ثعلبة ابن يربوع، أحد بني تميم، حليف لهم، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث، حليف لهم، ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء ". (*)

[ 473 ]

أن يسير ليلتين ثم يقرأ الكتاب فيتبع ما فيه، وفي بعثه ذلك أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعمرو بن سراقة، وعامر بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن (1) غزوان، وواقد بن عبد الله وصفوان (2) بن بيضاء، فلما سار ليلتين فتح الكتاب فإذا فيه (3): أن امض حتى تبلغ نخلة، فلما قرأه قال: سمعا وطاعة لله ولرسوله، فمن كان منكم يريد الموت في سبيل الله فليمض فإنى ماض على ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. * فمضى ومضى معه أصحابه ولم يتخلف عنه منهم أحد، وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران (4) أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه


(1) كذا في الاصل، وفي المغازي للواقدي 1: 16 وفي السيرة الحلبية 2: 278 " عيينة بن غزوان ". (2) في نهاية الارب 17: 7، وابن كثير 1: 494، ومعالم التنزيل 1: 494 " سهيل بن بيضاء ". (3) في السيرة الحلبية 2: 278 " فإذا فيه: سر باسم الله وبركاته، ولا تكرهن أحدا من أصحابك على السير معك، وامض لامري حتى تأتي بطن نخلة فترصد عير قريش وتعلم لنا أخبارهم ". * بعد هذا سقط في الاصل واضطراب في العبارات - وورد في هامش اللوحة ما يلي " إلى هنا انتهت الكراريس المذكورة فيها أنها من الجزء الثالث وهو العاشر من أصله - آخر الكراس " وقد أتممنا خبر سرية نخلة من سيرة النبي لابن هشام 2: 436 - 439 ط. صبيح. (4) كذا في المثبت " بحران " وفي معالم التنزيل 1: 495، والبداية والنهاية 3: 249 وتفسير ابن جرير الطبري 2: 195 " نجران ". وبحران بالضم موضع بناحية الفرع، قال الواقدي: بين الفرع والمدينة ثمانية برد. قال ابن إسحق: هو معدن بالحجاز في ناحية الفرع وقيده ابن الفرات بفتح الباء في هذا الخبر، وقد قيده في مواضع بالضم، وهو المشهور (معجم البلدان 1: 499). (*)

[ 474 ]

فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش (1) فيها عمرو بن الحضرمي. قال ابن هشام واسم الحضرمي: عبد الله بن عباد (ويقال: مالك بن عباد) أحد الصدف: واسم الصدف: عمرو بن مالك أحد السكون ابن أشرس بن كندة، ويقال: كندي، قال ابن إسحاق: وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان، مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن (2) وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عمار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم،


(1) في تفسير ابن كثير 1: 495 " وتجارة من الطائف " وما في تفسير ابن جرير الطبري 2: 195 موافق للمثبت هنا. (2) في تفسير ابن كثير 2: 496، والسيرة الحلبية 2: 279 " قال عبد الله بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم وليتعرض لهم، فحلقوا رأس عكاشة، ثم أشرف عليهم فقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوهم. وهو عكاشة بن محصن بن حرثان بن قيس بن مرة بن كثير بن غنم بن دوران ابن أسد بن خزيمة الاسدي، حليف بني عبد شمس، يكنى أبا محصن، كان من سادات الصحابة وفضلائهم، هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وأبلى فيها بلاء حسنا، وانكسر في يده السيف فأعطاه الرسول عرجونا فعاد في يده سيفا يومئذ شديد المتن أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله عزوجل على رسوله، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل في الردة وهو عنده، وكان ذلك السيف يسمى العون. (أسد الغابة 4: 3). (*)

[ 475 ]

وهابوا الاقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي (1) عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالاسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لاصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس - وذلك قبل أن يفرض الله تعالى الخمس من المغانم - فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه، قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فوقف العير والاسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش: (2) قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام


(1) في تفسير ابن كثير 2: 496 " فرماه واقد بن عبد الله السهمي " وفي السيرة الحلبية 2: 279 " رماه واقد بن عبد الله بسهم "، وفي معالم التنزيل 2: 497، وطبقات ابن سعد 2: 10، وابن جرير الطبري 2: 195 " فرماه واقد بن عبد الله التميمي، وهو الا ثبت عندنا، حيث أن ابن الاثير ترجم له في 5: 69 من كتابه أسد الغابة بقوله " هو واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي الحنظلي اليربوعي حليف بني عدي ابن كعب - كذا قاله أبو عمر ". (2) في معالم التنزيل للبغوي 2: 497، والسيرة الحلبية 2: 279 " وعير بذلك أهل مكة من كان بها من المسلمين، وقالوا: يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه ". = (*)

[ 476 ]

وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الاموال، وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة، إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان. وقالت يهود - تتفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم - عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو: عمرت الحرب، والحضرمي: حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله: وقدت الحرب. فجعل الله ذلك عليهم لا لهم. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله 2: 217 " (1). أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم " والفتنة أكبر من القتل 2: 217 " أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه،


= وفي 2: 196 من تفسير ابن جرير الطبري عن السدي قال: ففجر عليه المشركون وقالوا: محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب. فقال المسلمون: إنا قتلناه في جمادى، فأنزل الله عز وجل يعير أهل مكة " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير " الآية. (1) وفي رواية أخرى في تفسير ابن جرير الطبري 1: 197 في سبب نزول هذه الآية عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: إن رجلا من بني تيم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية فمر بابن الحضرمي يحمل خمرا من الطائف إلى مكة، فرماه بسهم فقتله - في آخر يوم من جمادى الآخر وأول يوم من رجب - وكان بين قريش ومحمد عقد فقالت قريش: أفي الشهر الحرام ولنا عهد ؟ فأنزل الله عزوجل... الآية. (*)

[ 477 ]

فذلك أكبر عند الله من القتل " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا 2: 217 " أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين. فلما نزل القرآن بهذا من الامر، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والاسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله، والحكم ابن كيسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم، فقدم سعد وعتبه، فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم. فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا. وأما عثمان ابن عبد الله فلحق بمكة، فمات بها كافرا. فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الاجر، فقالوا يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله عزوجل فيهم: " إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، أولئك يرجون رحمة الله، والله غفور رحيم 2: 218 " فوضعهم الله عزوجل من ذلك على أعظم الرجاء. والحديث في هذا عن الزهري ويزيد ابن رومان، عن عروة بن الزبير. قال ابن إسحاق:: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن الله عزوجل قسم الفئ حين أحله، فجعل أربعة أخماس لمن

[ 478 ]

أفاءه، وخمسا إلى الله ورسوله، فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير. قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون وعمرو بن الحضرمي أول من قتله المسلمون، وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون. قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في غزوة عبد الله بن جحش، ويقال: بل عبد الله بن جحش قالها، حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه المال، وأسروا فيه الرجال - قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش: تعدون قتلا في الحرام عظيمة * وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد * وكفر به، والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله * لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن عيرتمونا بقتله * وأرجف بالاسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا * بنخلة لما أوقد الحرب واقد دما وابن عبد الله بن عثمان بيننا * ينازعه غل من القد عاند (خبر صهيب بن سنان وخباب وجبر وعمار ممن عذبوا في الله (1) * حدثنا (2) سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبع حدثنا جعفر بن محمد الصائغ حدثنا عفان بن مسلم حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير وموسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن


(1) إضافة على الاصول. والخبر مضطرب وبه نقص وسيتم استكماله وفقا لما يشار إليه في التعليقات. (2) ما بين الحاصرتين عن الاستيعاب لابن عبد البر 2: 173. (*)

[ 479 ]

سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: خرج صهيب (1) مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من المشركين فنثر كنانته وقال لهم: يا معشر قريش قد تعلمون أني من أرماكم، والله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي منه في يدي شئ، فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه. قالوا: فدلنا على مالك ونخلي عنك. فتعاهدوا على ذلك، فدلهم ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى


(1) هو صهيب بن سنان بن خالد بن عبد عمرو بن طفيل بن عامر بن جندلة ابن سعد بن جذيمة بن كعب بن سعد، هكذا قاله ابن إسحق، وقال الواقدي وابن الكلبي: صهيب بن سنان بن خالد بن عمرو بن عقيل بن كعب بن سعد، ومنهم من يقول: ابن سفيان بن جندلة بن مسلم بن أوس بن زيد مناة، من النمر بن قاصر، ويعرف بالرومي لانه أخذ لسان الروم إذ سبوه وهو صغير، وقيل كان أبوه سنان بن مالك أو عمه عاملا لكسرى على الابلة، وكانت منازلهم بأرض الموصل في قرية على شط الفرات، فأغارت الروم على تلك الناحية فسبت صهيبا وهو غلام صغير، فنشأ صهيب بالروم فصار ألكن، فابتاعته منه كلب، ثم قدمت به مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان فأعتقه، وأقام معه بمكة حتى هلك. قال الواقدي: كان إسلام صهيب وعمار بن ياسر في يوم واحد، وكانا من المستضعفين بمكة، المعذبين في الله عزوجل، وقدم في آخر الناس في الهجرة إلى المدينة، وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله، وكان فيما ذكروا رضي الله عنه أحمر شديد الحمرة ليس بالطويل ولا بالقصير، كثير شعر الرأس. وعن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " السباق أربعة: أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبش " وكان عمر رضي الله عنه محبا لصهيب حسن الظن فيه، حتى إنه لما ضرب أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأن يصلى بجماعة المسلمين ثلاثا حتى يتفق أهل الشورى على من يستخلف، وتوفي صهيب بالمدينة سنة ثمان وثلاثين في شوال، وقيل سنة تسع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل ابن سبعين، وقيل ابن تسعين، ودفن بالبقيع. (الاستيعاب 2: 167، أسد الغابة 3: 30، الاصابة 2: 188). (*)

[ 480 ]

الله عليه وسلم " ربح البيع أبا يحيى " فأنزل الله تعالى فيه: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله - الآية " (1). قال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب (2) بن سنان الرومي حين أخذه المشركون في رهط من المؤمنين فعذبوه، فقال لهم صهيب: إني شيخ ضعيف (3) لا يضركم أمنكم كنت أم من عدوكم. قالوا: صدقت. قال: فتأخذون أهلي ومالي وتدعوني وديني ففعلوا، فنزلت فيه هذه الآية، فلقيه أبو بكر رضي الله عنه بعد ما قدم المدينة فقال: ربح البيع يا صهيب. قال: وبيعك فلا يخسر. فقرأ عليه الآية ففرح بها. وأما بلال وخباب وجبر وعمار (4) فعذبوا حتى قالوا: نمضي ما أراد المشركون. ما أرسلوهم، ففيهم نزلت: " والذين هاجروا في الله بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولاجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون " 16: 41. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني نافع بن يزيد (5)، عن عمر مولى غفرة: أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج مهاجرا إلى المدينة أخذ المشركون عمار


(1) سورة البقرة آية 207. (2) بياض بالاصل والاضافة عن معالم التنزيل للبغوي 1: 481. (3) في معالم التنزيل للبغوي 1: 481 " إني شيخ كبير ". (4) جبر مولى عامر بن الحضرمي أكرهه سيده على الكفر فكفر مكرها، ثم أسلم فحسن إسلامه (معالم التنزيل للبغوي 5: 93). (5) هو نافع بن يزيد الكلاعي أبو يزيد المصري عن يزيد بن عبد الله بن الهاد وعنه بقية وابن وهب وثقه أحمد بن صالح، وقال أبو حاتم والنسائي: لا بأس به، وقال ابن يونس: مات سنة ثمان وستين ومائة (الخلاصة للخزرجي وحاشيتها ص 400 ط. بولاق). (*)

[ 481 ]

ابن ياسر وعبد الله بن سعد (1)، فشرح بالكفر صدرا. وأما عمار فلم يزالوا يعذبونه حتى كادوا يقتلونه، فلما رأوا أنه يأبى عليهم أن يكفر قالوا: تسب النبي ونخلي سبيلك، فلما فعل فعلوا، فخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: " أفلح وجه أبي اليقظان " قال: ما أفلح وجهه ولا أنجح، قال: " ما لك أبا اليقظان " قال: بدروني (2) حتى سببتك، قال: فكيف تجد قلبك ؟ " قال: يحبك ويؤمن بك، قال " فإن استزادوك من ذلك فزد ". قال أبو زيد بن شبة: فقد روى هذا الحديث: وأثبت منه أن عمارا قدم المدينة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - حدث به شعبة عن ابن إسحاق عن البراء، كذلك روى شعبة بهذا الاسناد أن عمر رضي الله عنه قدمها قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما روى شعبة في الاسناد وأحرى أن يكون، لان عمارا وعمر بن الخطاب لا يتخلفان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.


(1) هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري - قريش الظواهر وليس من قريش البطاح - أسلم قبل الفتح، ثم هاجر، وكان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد مشركا وصار إلى قريش بمكة وقال لهم: إني كنت أصرف محمدا حيث أريد، كان يملي على " عزيز حكيم " فأقول: أو " عليم حكيم " فيقول: نعم كل صواب - فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، وقتل كل من: عبد الله بن خطل، وقعيس بن صبابة، ولو وجدوا تحت أستار الكعبة، فأجاره عثمان بن عفان، وأسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، مات سنة ست وثلاثين وقيل سبع وثلاثين وقيل تسع وخمسين، والاول أصح. (أسد الغابة 3: 173، الاصابة 2: 309). (2) البادرة: طرف السهم من قبل النصل، وبدروني: أي ضربوني ببادرة سهامهم حتى سببتك (أقرب الموارد 1: 33، وفي أسد الغابة 4: 44: أخذه المشركون فعذبوه فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير.). (*)

[ 482 ]

(هجرة عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما) (1) * حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم (2) الاحول، عن أبي عثمان قال (3)، سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يغضب إذا قيل إنه هاجر قبل أبيه ويقول: قدمت أنا وعمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجدناه قائلا، فرجعنا إلى المنزل فأرسلني عمر رضي الله عنه فقال: اذهب فانظر هل استيقظ ؟ فأتيت فدخلت عليه فبايعته، ثم انطلقت إلى عمر رضي الله عنه فأخبرته أنه قد استيقظ، فانطلقنا إليه فهرول هرولة حتى دخل عليه عمر رضي الله عنه فبايعه، ثم بايعته. فكان ابن عمر رضي الله عنه يغضب إذا قيل له هاجرت قبل عمر رضي الله عنه. (لا هجرة بعد الفتح) (4) * حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا وهيب قال، حدثنا عبد الله


(1) إضافة على الاصل. (2) هو عاصم بن سليمان التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن البصري الاحول، عن أنس وعبد الله بن سرجس والشعبي وأبو عثمان النهدي، وعنه قتادة وحماد بن زيد وزائدة وشريك، وثقه ابن معين وأبو زرعة، قال أحمد: ثقة من الحفاظ، قال ابن سعد: مات سنة إحدى وأربعين ومائة (الخلاصة للخزرجي ص 182. ميزان الاعتدال 2: 2). (3) هو عبد الرحمن بن مل - بضم أوله وكسر اللام - بن عمرو بن عدي النهدي أبو عثمان الكوفي، أسلم وصدق، ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، يروي عن عمر وعلي وأبي ذر، وعنه قتادة وأيوب وخلق، وثقه ابن المديني وأبو حاتم والنسائي، وقيل إنه حج واعتمر ستين مرة، قال عمرو بن علي: مات سنة خمس وتسعين، وقال ابن معين: مات سنة مائة عن أكثر من مائة وثلاثين عاما (الخلاصة للخزرجي ص 235 ط. بولاق). (4) إضافة على الاصل. (*)

[ 483 ]

ابن فاروق طاوس، عن أبيه، عن صفوان بن أمية. أنه قيل له: إن الجنة لا يدخلها إلا من هاجر، قال: فقلت لا أدخل منزلي حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله، قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت: يا رسول الله، إنهم يقولون لا يدخل الجنة إلا من هاجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية وإن استنفرتم فانفروا " (1). * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا محمد بن إسحاق، عن ابن جعفر: أن صفوان بن أمية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح، فقال: " ما جاء بك أبا أمية " ؟ قال: زعم الناس أنه لا خلاق لمن لم يهاجر، فقال " عزمت عليك لترجعن حتى تتبطح ببطحاء مكة " (2) فعلم أنه لا هجرة بعد الفتح. * قال محمد بن حاتم، أخبرنا الحزامي، عن محمد بن طلحة قال، حدثنا إسحاق - رجل من ولد حارثة بن النعمان - عن أبيه، عن جده قال: لما قدم صفوان بن أمية المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " على من نزلت " ؟ قال: على العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: " نزلت على أشد قريش لقريش حبا ". * قال أبو زيد بن شبة: كان نعيم بن عبد الله بن النحام (3) يمون عالة بني عدي، فأراد الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،


(1) ورد في الجامع الصغير عن مجاشع بن مسعود 2: 204. (2) البطحاء مسيل واسع فيه دقاق الحصى. وتتبطح: أي تستلقي وتنطرح على وجهك بالبطحاء: أقرب الموارد " بطح ". (3) هو نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبد عوف بن عبيد بن عويج - بفتح العين = (*)

[ 484 ]

فسأله قومه المقام فيهم، وقالوا: إنه لا ينالك أحد بمكروه ومنا نفس حية، فأقام. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قومك كانوا لك خيرا من قومي لي، أخرجني قومي وحبسك قومك " قال نعيم: يا رسول الله، إن قومك أخرجوك إلى الهجرة وحبسني قومي عنها. * حدثنا أبو الوليد القرشي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا أبو مهدي سعيد بن سنان (1)، عن أبي الزاهرية (2) حدير بن كريب، عن جبير بن نفير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس فسلم قام فتصفح بوجهه الناس، فإذا رأى رجلا لم يكن رآه قبل ذلك سأل عنه. قال جبير: فرأى يوما رجلا لم يكن رآه قبلها فقال: " من تكون يا عبد الله " ؟ فرفع رأسه فقال: أنا واثلة بن الاسقع (3) الليثي، قال " فما جاء بك " ؟ قال مهاجرا إلى


= وكسر الباء والواو فيهما - بن عدي بن كعب القرشي العدوي، سمي النحام لان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " دخلت الجنة فسمعت نحمة من نعيم فيها " والنحمة: السعلة، وقيل النحنحة الممدود آخرها - منعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة، لانه كان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم ويمونهم وقالوا له: أقم عندنا على أي دين شئت فوالله لا يتعرض إليك أحد إلا ذهبت أنفسنا جميعا دونك: قتل يوم اليرموك شهيدا سنة خمس عشرة في خلافة عمر، وقيل استشهد بأجنادين ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر (أسد الغابة 5: 33). (1) هو سعيد بن سنان أبو مهدي الحمصي، قال الجوزجاني: كان أبو اليمان يثنى عليه في فضله وعبادته، توفي سنة ثمان وستين ومائة (ميزان الاعتدال 1: 374). (2) هو حدير بن كريب الحضرمي أو الحميري، أبو الزاهرية، الحمصي، كان أميا، روى عن جبير بن نفير وكثير بن مرة، وثقه ابن معين، قال الفلاس: توفي سنة مائة، قال ابن سعد: توفي سنة تسع وعشرين ومائة (الخلاصة للخزرجي وحاشيتها ص 97). (3) في الاصل " واثلة بن أسقع، والتصويب عن أسد الغابة 5: 77 وكذا الاصابة 2: 589. وهو واثلة بن الاسقع بن عبد العزى بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن = (*)

[ 485 ]

الله ورسوله، قال " هجرة إقامة أم هجرة رجعة " ؟ قال: وكان منهم من يسلم ثم يرجع ومنهم من يسلم ويقيم - قال: بل هجرة إقامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أعطني يدك " فبسطها فصافحه على: " شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاه الزكاة، وتطيع الله ورسوله فيما استطعت "، قال: نعم، فصافح رسول الله صلى الله عليه وسلم على يده، وكانت بيعة رسول الله المهاجرين فيما استطعت. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني عاصم بن حكيم، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني (1)، عن ابن الديلمي، عن واثلة بن الاسقع رضي الله عنه قال: خرجت من أهلي أريد الاسلام، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في الصلاة،، فصففت في آخر الصفوف فصليت بصلاتهم، فلما فرغ انتهى إلى واثلة وهو في آخر الصفوف فقال: " ما حاجتك " ؟ قلت: الاسلام، قال " هو خير لك " قال: " وتهاجر " ؟ قلت: نعم، قال هجرة البادي أو هجرة التأله (2) ؟ قلت أيها خير " ؟ قال " هجرة التأله " - قال: وهجرة التأله أن يثبت مع رسول الله صلى الله عليه


= سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني الليثي، وقيل واثلة بن عبد الله بن الاسقع، ويكنى أبو شداد، وأبو قزخافة، توفي سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وخمس وستين، وقال سعيد بن خالد وأبو مسهر: مات سنة خمس وثمانين، وهو ابن ثمان وتسعين، قيل توفي ببيت المقدس، وقيل بدمشق، وكان قد عمى - أخرجه الثلاثة. (1) يحيى بن أبي عمرو السيباني - بفتح المهملة والموحدة بينهما تحتانية، وسيبان بطن من حمير - أبو زرعة الحمصي، عن عبد الله بن الدليمي - مرسلا - وأبي محيريز، وعنه الاوزاعي وابن المبارك، وثقه أحمد ودحيم، قال ضمرة بن ربيعة: توفي سنة ثمان وأربعين ومائة (الخلاصة للخزرجي ص 426). (2) هجرة التأله: أي هجرة التنسك والتعبد (المعجم الوسيط 1: 24). (*)

[ 486 ]

وسلم، وهجرة البادي أن يرجع إلى باديته - قال " وعليك الطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك " قلت: نعم، قال: فقدم يده وقدمت يدي، فلما رآني لا أستثني لنفسي شيئا قال: " فيما استطعت " قلت: فيم استطعت، فضرب على صدري. * حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود ابن أبي هند، عن أبي حرب (1) - يعني ابن أبي الاسود الديلي، عن طلحة - قال أبو زيد: هذا طلحة (بن عمرو (2) النضري) - قال: كان من قدم المدينة، فكان له بها عريف نزل على عريفه، ومن لم يكن له بها عريف نزل الصفة، فكنت فيمن نزل الصفة، فوافقت رجلين فكان يجري علينا في كل يوم مد من تمر (3) من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فناداه رجل من أهل الصفة: يا رسول الله، أحرق التمر بطوننا،، وتخرقت علينا الخنف (4) فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى منبره فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ما لقي من قومه، حتى أن كاد ليأتي علي وعلى صاحبي


(1) في الاصل " عن ابن حرب " والتصويب عن حلية الاولياء لابي نعيم الاصبهاني 1: 339، 374 ط. السعادة. (2) ما بين الحاصرتين إضافة عن الحلية 1: 339، 374 وفي الاصابة 2: 222. والحلية 1: 374 " طلحة بن عمرو البصري. أما في الاستيعاب 2: 216، وأسد الغابة 3: 62 فهما موافقان للاصل في ترجمته. (3) في الاصل " مدين تمر " والمثبت عن حلية الاولياء 1: 339، 374 وأسد الغابة 3: 63. (4) العبارة مشوهة في الاصل والاثبات عن حلية الاولياء 1: 364، وأسد الغابة 3: 62، والخنف - ككتب: جمع خنيف: نوع غليظ من أردأ أنواع الكتان تعمل منه برود شبه اليمانية (حلية الاولياء 1: 374). (*)

[ 487 ]

بضعة عشر يوما ما لنا طعام إلا البرير (1) فقدمنا على إخواننا من الانصار - وجل طعامهم التمر - فواسونا، ولو أجد لكم الخبز واللحم لاطعمتكم، ولكن لعلكم ستدركون زمانا - أو من أدركه منكم - تلبسون فيه مثل أستار الكعبة، ويغدي ويراح عليكم بالجفان. * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن هشام بن الوليد، عن زياد بن مخراق، عن عبد الله بن مغفل المزني (2) قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا هاجر أحد من العرب وكل به رجلا من الانصار، فقال: " ففقهه في الدين، وأقرئه القرآن، فهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوكل بي رجلا من الانصار ففقهني في الدين، وأقرأني القرآن، وكنت أغدو عليه فأجلس ببابه حتى يخرج متى يخرج، فإذا خرج ترددت معه في حوائجه فأستقرئه القرآن، وأسأله في الدين حتى يرجع إلى بيته، فإذا دخل بيته انصرفت عنه. * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا إسرائيل، عن سماك،


(1) البرير: أول ما يظهر من ثمر الاراك (أقرب الموارد 1: 37 والنص بهذا موافق للحلية في 1: 375، وأسد الغابة 3: 63). (2) عبد الله بن مغفل بن عبد غنم، وقيل عبد نهم بن عفيف بن أسحم بن ربيعة ابن عداء بن عدي بن ثعلبة بن ذؤيب المزني، هو وولده عثمان من مزينة نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب - وكان من أصحاب الشجرة، أحد البكائين الذين أنزل الله عزوجل فيهم: " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع " 9: 92. وكان رضي الله عنه أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة يفقهون الناس، وهو أول من دخل من باب مدينة " تستر " حين فتحها المسلمون، توفي عبد الله بالبصرة سنة تسع وخمسين، وقيل سنة ستين، أيام إمارة ابن زياد، وصلى عليه أبوبرزة الاسلمي بوصية منه (أسد الغابة 3: 294، الاصابة 2: 364، الاستيعاب 2: 316). (*)

[ 488 ]

عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: " كنتم خير أمة أخرجت للناس " (1) قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. * حدثنا أيوب بن محمد قال، حدثنا محمد بن مصعب قال، حدثنا قيس، عن سماك بإسناده مثله. * حدثنا خالد بن عبد العزيز الثقفي قال، حدثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن مجاهد قال: مرت بابن عمر رضي الله عنهما رفقة فقال: من القوم ؟ " فقال: حادي بن عمر: قريش. فقال ابن عمر: قريش قريش ! ! نحن المهاجرون. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا مالك بن أنس قال: لما قدم المهاجرون على الانصار المدينة قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " قاسموا الذين قاموا عليكم " قالوا (2): نعم يا رسول الله نقاسمهم التمر، قال " أو غير ذلك " قالوا: ما هو ؟ قال: يكفونكم المؤنة وتقاسمونهم التمر، قالوا: سمعنا وأطعنا، فكانوا يكفونهم المؤنة ويقاسمونهم التمر، حتى إن كان أحدهم ليكون له المرأتان فيخير أخاه المهاجر في إحداهما. (قسم أموال بنى النضير) (3) * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر، عن الكلبي قال: لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على


(1) سورة آل عمران آية 110. (2) في الاصل " قال " والصواب ما أثبت. (3) إضافة على الاصل. (*)

[ 489 ]

أموال بني النضير قال للانصار " إن إخوانكم من المهاجرين ليست لهم أموال، فإن شئتم قسمت هذه الاموال بينهم وبينكم جميعا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم فقسمت هذه فيهم خاصة ؟ " قالوا: لا، بل أقسم هذه فيهم، وأقسم لهم من أموالنا ما شئت. فنزلت " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " (1) قال، وقال أبو بكر: يا معشر الانصار جزاكم الله خيرا، فوالله ما مثلنا ومثكلم إلا ما قال طفيل الغنوي (2) لبني جعفر (3): جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت * بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملونا ولو أن أمنا * تلاقي الذي يلقون منا لملت فذو المال موفور وكل معصب * إلى حجرات أدفأت وأظلت (4) * قال يحيى: وحدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق


(1) سورة الحشر آية 9. (2) هو طفيل بن عوف بن خليف بن ضبيس بن مالك بن سعد بن عوف بن كعب ابن غنم بن غني بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان، وهو شاعر جاهلي من الفحول المعدودين، ويكنى أبا قران، ويقال إنه من أقدم شعراء قيس وأوصفهم للخيل. (الاغاني 14: 88 ط. بولاق). (3) بنو جعفر بن كلاب: بطن في بني عامر (أيام العرب في الجاهلية ط. الحلبي). (4) وبعد هذه الابيات في الوحشيات ص 251 ط. المعارف: وقالوا هلم الدار حتى تبينوا * وتنجلي الغماء عما تجلت ومن بعد ما كنا لسلمى وأهلها * قطينا وملتنا البلاد وملت (ديوان طفيل: 16 - الاغاني 15: 368 ط. دار الكتب - مجالس ثعلب ص 461 تحقيق: شاكر). (*)

[ 490 ]

قال: قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين إلا سهل ابن حنيف (1) وأبو دجانة (2) وكذا نفرا فأعطاهما منها. * حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري قال، حدثنا حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أكثر بذلا من كثير، ولا أكثر مواساة من قليل، كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ، فقد خشينا أن يكونوا قد ذهبوا بالاجر كله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلا، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم ". * حدثنا هارون بن عبد الله قال، سمعت عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم يقول في قول الله عزوجل " إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فأحذروهم " (3) ليست عامة إلا في المهاجرين


(1) هو سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن الحرث بن مجدعة ابن عمرو بن حبيش بن عوف، الانصاري الاوسي، يكنى أبا سعد وأبا عبد الله، من أهل بدر، كان من السابقين، وثبت يوم أحد حين أنكشف الناس، وبايع يومئذ على الموت، وكان ينفح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنبل. فيقول: نبلوا سهلا فإنه سهل، ومات سنة ثمان وثلاثين (الاصابة لابن حجر 2: 86، الاستيعاب 2: 91). (2) أبو دجانة هو سماك - بكسر أوله وتخفيف الميم - بن خرشة، وقيل سماك ابن أوس بن خرشة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج ابن ساعدة بن كعب بن الخزرج الاكبر، الانصاري الخزرجي الساعدي، من رهط سعد بن عبادة، شهد بدرا، وكان من الابطال الشجعان، ودافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكان إذا أعلم بعصابة حمراء عصبها على رأسه علم الناس أنه سيقاتل، وكان أبو دجانة ممن شهد يوم اليمامة، وهو ممن شرك في قتل مسيلمة مع عبد الله بن زيد بن عاصم ووحشي بن حرب، ثم استشهد يومها (أسد الغابة 5: 184، الاصابة 4: 59). (3) سورة التغابن آية رقم 14. (*)

[ 491 ]

الاولين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، بكى عليهم أزواجهم وأولادهم فنزلت فيهم. * حدثنا عفان، وموسى (1). قال، حدثنا أبو هلال (2)، عن قتادة قال قلت لسعيد بن المسيب: ما فرق بين المهاجرين الاولين والمهاجرين الآخرين ؟ قال: فرق بينهم القبلتان، فمن صلى القبلتين مع النبي صلى الله عليه وسلم فهو من المهاجرين الاولين. * حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا هشيم قال، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: المهاجرون الاولون الذين شهدوا بيعة الرضوان. * قال محمد وحدثنا هشيم، قال أنبأنا داود قال، سمعت الشعبي يقول: فضل ما بين الهجرتين بيعة الرضوان يوم الحديبية. * قال وحدثنا هشيم قال: إما منصورا وإما غيره من أصحابنا حدثنا، عن الحسن قال: فتح مكة. * حدثنا عبد الاعلى بن حماد قال، حدثنا معتمر بن سليمان قال، سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: ما بقي أحد صلى القبلتين غيري. * حدثنا الحجاج بن نصير قال، حدثنا قرة قال، سألت


(1) هو موسى بن إسماعيل المنقري، أبو سلمة التبوذكي - بفتح المثناة وضم الموحدة - البصري الحافظ، عن شعبة وحماد بن سلمة وخلق، وعنه أبو زرعة ومحمد ابن يحيى وابن معين، وقالوا: ثقة مأمون، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. (الخلاصة للخزرجي ص 389). (2) أبو هلال هو محمد بن سليمان الراسبي، روى عن الحسن وابن سيرين وقتادة وجماعة، وروى عنه وكيع بن مهدي وموسى بن إسماعيل وخلق، وثقه أبو داود، مات سنة سبع وتسعين ومائة (الخلاصة للخزرجي ص 338 ط. بولاق). (*)

[ 492 ]

محمدا عن المهاجرين الاولين فقال: من صلى القبلتين جميعا مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: صلوا قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا. * حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان قال، حدثني عبد العزيز ابن عمران عن مجمع بن يعقوب الانصاري، عن الحسن بن السائب ابن أبي لبابة، عن عبد الله بن أبي أحمر قال: قالت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أنزل في آيات من القرآن، كنت أول من هاجر في الهدنة حين صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا على أنه من جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن وليه رده إليه، ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه إليه. قالت: فلما قدمت المدينة قدم علي أخي الوليد بن عقبة. قالت: ففسخ الله العقد الذي بينه وبين المشركين في شأني، فأنزل الله " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن " إلى قوله " ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن " (1) قالت: ثم أنكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، وكان أول من نكحني فقلت: يا رسول الله زوجت (بنت) (2)


(1) روى في معالم التنزيل للبغوي 8: 322 عن ابن عباس رواية أخرى غير رواية أم كلثوم بنت عقبة عن سبب نزول هذه الآيات قال ابن عباس: بعد أن عاهد النبي قريشا بذلك، وكتبوا بذلك كتابا وختموه، جاءت سبيعة بنت الحارث الاسلمية مسلمة بعد الفراغ من الكتاب، فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم - وقال مقاتل: هو صيفي بن الراهب - في طلبها وكان كافرا، وقال: يا محمد اردد علي امرأتي فإنك شرطت أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ". (2) سقط في الاصل. ويؤيد المثبت ما جاء من أن نسبها ونسبه عليه السلام يجتمعان معا في عبد مناف أي أنهما أبناء عمومة لذلك، أو أنها أول قرشية هاجرت كما ذكر = (*)

[ 493 ]

عمك مولاك ؟ فأنزل الله " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " (1) قالت: فسلمت لقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قتل عني فأرسل إلي الزبير بن العوام أبي بن خالد فأحبسني على نفسه (2). فقلت: نعم، فأنزل الله " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله " (3) قالت: ثم حللت فتزوجت الزبير، وكان ضرابا للنساء فوقع بيني وبينه بعض ما يقع بين المرء وزوجه فضربني وخرج عني وأنا حامل في سبعة أشهر، فقلت: اللهم فرق بيني وبينه، ففارقني فضربني المخاض فولدت زينب بنت الزبير، فرجع وقد حللت فتزوجت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فولدت عنده إبراهيم ومحمدا وحميدا بني عبد الرحمن بن عوف. * حدثنا يزيد قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا عمرو بن ميمون بن مهران، عن أبيه: أن أم كلثوم بنت عقبة كانت تحت الزبير بن العوام، وكانت له كارهة، وكان شديدا


= ابن حجر في الاصابة 4: 468 فقيل بنت عمه لكونها من قريش. وفي تفسير ابن كثير 6: 556 عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال إن أم مكتوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت أول من هاجر من النساء بعد صلح الحديبية فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: قد قبلت، فزوجها زيد بن حارثة رضي الله عنه بعد فراقه زينب بنت جحش فسخطت هي وأخوها، وقالوا أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا عبده. (1) سورة الاحزاب آية 36. (2) في الاصل " على نفسك " والصواب ما أثبت. (3) سورة البقرة آية 235. (*)

[ 494 ]

على النساء، فكانت تسأله الطلاق فيأبى، فضربها المخاض وهو لا يعلم، فألحت عليه يوما وهو يتوضأ للصلاة فطلقها تطليقة، ثم خرج إلى الصلاة فوضعت، فاتبعه إنسان من أهله وقال: إنها وضعت، قال: خدعتني خدعها الله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال " سبق فيها كتاب الله، اخطبها " قال: لا لا ترجع إلي. * حدثنا الحزامي قال، حدثنا ابن وهب قال، أنبأنا ابن لهيعة: أن أم كلثوم ابنة عقبة بن معيط كانت أخت عثمان ابن عفان لامه، وأنها أول بكر من قريش هاجرت إلى الله ورسوله، فتزوجها زيد بن حارثة، ثم تزوجها الزبير بن العوام، ثم تزوجها عبد الرحمن بن عوف فمات عنها، ثم تزوجها عمرو بن العاص رضي الله عنه. * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عكرمة: أن أميمة بنت بشر الانصاري ثم من بني عمرو بن عوف كانت تحت يدي الدحداح (1) - وهو يومئذ مشرك - ففرت من زوجها بمكة حتى أتت النبي صلى الله عليه وسلم تريد الاسلام، فهم النبي صلى الله عليه وسلم بردها حتى أنزل الله " فامتحنوهن " (2) فكان النبي صلى الله


(1) أنظر الخبر في أسد الغابة 5: 102 وكذا الاصابة 1: 326،، 4: 233 والدحداح هو حسان بن الدحداحة أو الدحداح، ذكر في هذه المصادر بدون نسب وفي الاصابة 1: 226 مات في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وصلى عليه، ولعله قد أسلم بعد ذلك. (2) سورة الممتحنة آية 10. (*)

[ 495 ]

عليه وسلم يقول للمرأة حين تأتيه " بالله " ما أخرجك " بغض " زوجك ؟ بالله ما أخرجك، شدة أصابتك ؟ بالله ما تريدين " إلا " (1) الاسلام والهجرة إلى الله ورسوله ؟ ففعلت (2)، وأن النبي صلى الله عليه وسلم زوجها سهل بن حنيف فولدت عبد الله بن سهل. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا ابن وهب، عن حنيف بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب: أن امرأة ابن الدحداح أميمة بنت بشر فرت من زوجها - وكان مشركا - فلما جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم هم بردها، فأنزل الله " فلا ترجعوهن إلى الكفار " (3) فنكحها سهل بن حنيف، فبعث إلى المشرك بما أنفق وهو من الصداق. * حدثنا ابن حذيفة قال، سفيان، عن مجاهد في قوله " إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات " قال: كانت المرأة (4) من المشركين تفر إلى المسلمين فيعطي المشركين المسلمون مهرها، فأنزل الله " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " (5) يقول إن أصبتم منهم غنيمة. * حدثنا أبو أيوب الهاشمي قال، حدثنا ابن أبي الزناد،


(1) ما بين الحواصر سقط في الاصل، والاثبات من تفسير ابن جرير الطبري 28: 42 وكذا تفسير ابن كثير 8: 322. (2) ففعلت: يفيد تفسير الطبري 28: 42 عند تفسير قوله تعالى: " فامتحنوهن " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحلفهن على مضمون ما ورد هنا: فكن يحلفن ولعل كلمة ففعلت بمعنى أنها حلفت على سؤالها. (3) سورة الممتحنة آية 10. (4) في الاصل " امرأة " والتصويب عن تفسير الطبري 28: 42. (5) سورة النحل آية 126. (*)

[ 496 ]

عن أبيه عن عروة: أن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت علي أمي في عهد قريش - وهي مشركة - إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدتهم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها ؟ قال " نعم فصلي أمك ". * حدثنا ابن عتمة قال، حدثنا ابن عائشة قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن أسماء ابنة أبي بكر رضي الله عنها قالت: قدمت علي أمي، تعني لميرها - وهي راغبة، وهي في عهد قريش ومدتهم التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي مشركة، أفأصلها ؟ قال " نعم فصليها ". * حدثنا عتاب بن زياد قال، حدثنا ابن المبارك، عن مصعب ابن ثابت، عن عبد الله بن الزبير قال، أخبرني عامر بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسد (ابن نصر (1)) من بني مالك بن حسل على ابنتها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وكان أبو بكر رضي الله عنه طلقها في الجاهلية، فقدمت على ابنتها بهدايا ضباب وسمن وقرظ (2)، فأبت أسماء رضي الله عنها أن تقبل منها أو تدخلها منزلها حتى


(1) الاضافة عن الاستيعاب لابن عبد البر 4: 228 وهي قتيلة بنت عبد العزى ابن عبد أسد بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، ويقال بنت عبد العزى ابن عبد أسد بن جابر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي وفي تفسير ابن جرير الطبري 28: 48 وابن كثير 8: 320 قتيلة بنت عبد العزى بن سعد من بني مالك بن حسل. (2) وفي الاستيعاب 8: 320 وابن جرير الطبري 28: 40 " قدمت على ابنتها بهدايا ضبابا وأقطا وسمنا ". (*)

[ 497 ]

أرسلت إلى عائشة رضي الله عنها: أن سلي عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقبل هداياها، وتدخلها منزلها وأنزل الله " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم " (1) إلى آخر الآيتين. * حدثنا الحزامي وحدثنا ابن وهب، عن جرير قال، حدثني رجل من أهل مكة يقال له عثمان بن القاسم قال: لما خرجت أمها (2) من مكة مهاجرة إلى المدينة أمست بالمنصرف (3) قريبا من الروحاء (4) فلم تجد ما تفطر عليه، وعطشت فاشتد عطشها، فدلي لها من السماء دلو ثم شئ أبيض فشربت. وكانت تقول: ما عطشت منذ شربت تلك الشربة، قد صمت في الهواجر وتعرضت للعطش فما أصابني عطش بعد ". * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا المسعودي قال حدثنا


(1) سورة الممتحنة 8، 9. (2) أي أم عائشة، وهي مسلمة وتدعى أم رومان، وعي غير أم أسماء السابق ذكرها. (3) المنصرف: بالضم وفتح الراء موضع بين مكة وبدر بينهما أربعة برد (مراصد الاطلاع 3: 1321، معجم البلدان 4: 363 ط. طهران). (4) الروحاء: بالفتح والسكون - قال المجد: موضع من عمل الفرع على نحو أربعين ميلا من المدينة، وفي صحيح مسلم: على نحو ست وثلاثين ميلا من المدينة، وفي كتاب ابن شبة: على ثلاثين ميلا، وقال أبو غسان على أربعة برد، وقال أبو عبيدة البكري: قبر مضر بن نزار بالروحاء على ليلتين من المدينة، وقال ابن الكلبي: لما رجع تبع من قتال أهل المدينة نزل بالروحاء وأقام بها وأراح فسماها الروحاء (وفاء الوفا 2: 314، مراصد الاطلاع 2: 667). (*)

[ 498 ]

عدي بن ثابت، عن أبي بردة (1)، عن أبي موسى الاشعري (2) قال: لقي عمر رضي الله عنه أسماء بنت عميس (3) رضي الله عنها فقال: نعم القوم أنتم، لولا أنكم سبقتم بالهجرة، فنحن أفضل منكم. فقالت: كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم جاهلكم ويحمل راجلكم، وفررنا بديننا، ولست براجعة حتى أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله إني لقيت عمر فقال كذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لكم هجرتكم مرتين، هجرتكم إلى الحبشة وهجرتكم إلى المدينة (4) ". * حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان، عن ابن إسحاق: أن عكرمة بن أبي جهل لما قدم على رسول الله صلى الله


(1) أبو بردة بن أبي موسى الاشعري، الفقيه قاضي الكوفة، اسمه الحارث أو عامر، روى عن علي والزبير وحذيفة وطائفة، وعنه بنوه عبد الله ويوسف وسعيد وبلال، وثقه غير واحد منهم: ابن سعد وابن خراش والعجلي، قال الواقدي، توفي سنة ثلاث ومائة. الخلاصة للخزرجي 443 ط. بولاق. (2) الاضافة عن حلية الاولياء 2: 74، والاصابة 4: 2. (3) وهي أسماء بنت عميس بنت معبد بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك ابن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك، وأمها هند بنت عوف ابن زهير بن الحارث الكنانية، أسلمت أسماء قديما وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له بالحبشة عبد الله وعونا ومحمدا، ثم هاجرت إلى المدينة، فلما قتل عنها جعفر بن أبي طالب تزوجها أبو بكر الصديق، فولدت له محمد بن أبي بكر، وهي أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم (حلية الاولياء 2: 74، أسد الغابة 5: 395، الاصابة 4: 225). (4) في الاصابة 4: 226 " عن أبي بردة عن أسماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: لكم هجرتان وللناس هجرة واحدة، أخرجه ابن سعد من مرسل الشعبي، قالت أسماء يا رسول الله إن رجالا يفخرون علينا ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الاولين فقال: بل لكم هجرتان. (*)

[ 499 ]

عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مرحبا بالراكب المهاجر، مرحبا بالراكب المهاجر " فقال عكرمة: والله يا رسول الله لا أدع موقفا وقفته لاحد (1) به عن سبيل الله، ولا أدع نفقة أنفقتها لاحد بها عن سبيل الله إلا أنفقت مثلها في سبيل الله. الوفود (وفد ثقيف) (2) * حدثنا رجاء بن سلمة قال، حدثنا أبي قال، حدثنا روح بن غطيف، عن أبيه (غطيف (3) بن أبي سفيان قال: أتت الانصار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، ادع الله على ثقيف، فقال صلى الله عليه وسلم " اللهم اهد ثقيفا " قالوا: يا رسول الله، ادع عليهم، فقال " اللهم اهد ثقيفا (4) " فعادوا فعاد، فأسلموا، فوجدوا من صالحي الناس إسلاما، ووجد منهم أئمة وقادة. وقدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب عليهم


(1) الحد: المنع والصرف عن الشئ. اللسان وأقرب الموارد " حدد "، وفي أسد الغابة 4: 5 لما أسلم عكرمة قال: يا رسول الله لا أدع ما لا أنفقت عليك إلا أنفقت في سبيل الله مثله. وفي الاستيعاب 3: 150 فقال عكرمة: " والله لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله. ولا قتالا قاتلته إلا قاتلت ضعفه، وأشهدك يا رسول الله " ثم اجتهد في العبادة حتى قتل زمن عمر رضي الله عنه بالشام، وانظر هذا الخبر بطوله في الاستيعاب. (2) إضافة عن شرح المواهب 4: 6. (3، 4) الاضافة عن أسد الغابة 4: 131 وهو غطيف بن أبي سفيان الطائفي روى له النسائي. ووثقه حبان، ويقال: غضيف، (ميزان الاعتدال 2: 323). والحديث رواه الترمذي وحسنه عن جابر رضي الله عنه (شرح المواهب 4: 6). (*)

[ 500 ]

القبة في المسجد (فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله إنهم (1)) لا يصلون. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " دعهم يا عمر فإنهم سيستحيون ألا يصلوا، فمكثوا يومهم لا يصلون والغد، حتى إذا كان عند العصر صلوا بغير وضوء فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله صلوا بلا وضوء. فقال صلى الله عليه وسلم " دعهم فإنهم سيتوضأون " حتي إذا كان اليوم الثالث غسلوا وجوههم ورؤوسهم وأعناقهم وأيديهم إلى المناكب، وتركوا الارجل، فقال عمر: إنهم فعلوا كذا وكذا، فقال " دعهم فإنهم سيتوضأون، وغدوا اليوم الخامس فغسلوا البطون والظهور، فأتى عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال " دعهم عنك " فلم يذكر شيئا من أمرهم بعد حتى قدمت عليهم هدية من الطائف، عسل وزبيب ورمان وشنان (2) فرسك (2) مربب، فأهدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم " صدقة أم هدية ؟ " فقالوا: بل هدية يا رسول الله، ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم سقاء من العسل قال " ما هذا ؟ " قالوا: ضريب (3) فأكل منه، ثم فتح الثاني فقال " ما هذا ؟ " فقالوا: ضريب يا رسول الله، قال " ما أطيب ريحه وأطيب طعمه "، وأكل منه، ثم قاموا عنه، وأهدى له رجل من بني ليث شاة مطبوخة بلبن، فالتمس العوض فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) الشنان: القرب، الفرسك: الخوخ أو ضرب منه أو ما لا يتعلق عن نواه (أقرب الموارد " شنن وفرسك "). (3) في الاصل " ضربه " والصواب ما أثبت، والضريب والضرب: مصدر بمعنى مضروب وهو: العسل الابيض الغليظ، وقيل عسل البر (تاج العروس 1: 348) والضريب من الفاكهة الناضج يقال: أضرب الخبز أي نضج. (*)

[ 501 ]

وقال " هل رضيت ؟ " " قال: لا، فدخل فأعطاه وقال " هل رضيت ؟ " قال: لا، قال " ويحك لا تبخلني فإني لم أخلق بخيلا ولا جبانا " فالتمس فجاءه بقبضة (1) من شعير وسلت (2) وتمر فأعطاه إياه، ثم قال " هل رضيت ؟ " قال: نعم. فقال " لا أتهب إلا من قريشي أو ثقفي، فإنهما حيان لا يتعجلان الثائبة. * حدثنا الحزامي قال، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: أقبل وفد ثقيف - بعد قتل عروة بن مسعود، بضعة عشر رجلا هم أشراف ثقيف - فيهم كنانة بن عبد يا ليل، وهو رأسهم يومئذ، وفيهم عثمان بن أبي العاص بن بشر، وهو أصغر الوفد، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون الصلح والقضية وهو بالمدينة حين رأوا أن قد فتحت مكة وأسلم عامة العرب. فقال المغيرة بن شعبة: يا رسول الله. أنزل علي قومي فأكرمهم فإني حديث الجرم فيهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا أمنعك أن تكرم قومك، ولكن تنزلهم حيث يسمعون القرآن " قال: وكان من جرم المغيرة في قومه أنه كان أجيرا لثقيف فإنهم أقبلوا من مضر حتى إذا كانوا ببساق (3) عدا عليهم - وهم نيام - فقتلهم، ثم أقبل بأموالهم حتى أتى رسول الله صلى


(1) القبضة بالفتح وبالضم وهو أكثر ما قبضت عليه من شئ، أو ملء الكف ويقال: أعطاه قبضة من تمر أو سويق أي كفا. (انظر أقرب الموارد " قبض "). (2) السلت: الشعير، وقيل ضرب منه ليس له قشر كأنه الحنطة، ويكون بالغور أو الحجاز (أقرب الموارد " سلت "). (3) بساق: ويقال بصاق: واد بين المدينة والجار ويقال جبل بعرفات وفي المغازي للواقدي 3: 964 " فلما كانوا بسياق " وعلق عليه في الحاشية: أنه واد بالدهناء (انظر ياقوت ط. طهران، مراصد الاطلاع 1: 195). (*)

[ 502 ]

الله عليه وسلم، فقال: أخمس مالي هذا ؟ قال " وما نبأه ؟ " قال: كنت أجيرا لثقيف، فلما سمعت بك قتلتهم، وهذه أموالهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنا لسنا بغدر " وأبى أن يخمس ما معه، وأنزل النبي صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد، وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب لم يذكر نفسه، فلما سمعه وفد ثقيف قالوا: يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله ولا يشهد هو به في خطبتهم. فلما بلغه قولهم قال " فأنا أول من شهد أني رسول الله " وكانوا يغدون عليه كل يوم ويخلفون عثمان بن أبي العاص في رحالهم لانه أصغرهم، فكان عثمان كلما رجع إليه الوفد وقالوا بالهاجرة عمد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الدين واستقرأه القرآن، فاختلف إليه عثمان مرارا حتى فقه وعلم، وكان إذا وجد النبي صلى الله عليه وسلم نائما عمد لابي بكر رضي الله عنه، وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثمان وأحبه، فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعوهم إلى الاسلام، فأسلموا، فقال له كنانة بن عبد يا ليل: هل أنت مقاضينا (1) حتى نرجع إليك ؟ قال: " نعم إن أنتم أقررتم بالاسلام قاضيتكم وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم " قالوا: أرأيت الزنا


(1) أي عاقد معنا صلحا، وفي مغازي الواقدي 3: 966 " هل مقاضينا حتى نرجع إلى أهلنا وقومنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم إن أنتم أقررتم بالاسلام قاضيتكم وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم. قال عبد يا ليل: أرأيت الزنا ؟ فإنا قوم عزاب - أي ببعد - (النهاية 3: 153) لا بد لنا منه ولا يصبر أخونا على الغربة. قال: هو مما حرم الله على المسلمين يقول الله تعالى:... (*)

[ 503 ]

فإنا قوم نغترب " قال " هو عليكم حرام، إن الله قال: " لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا " (1) قالوا أرأيت الربا ؟ قال: " والربا حرام (2) " قالوا: فإنها أموالنا كلها ؟ قال " لكم رؤوس أموالكم، فإن الله قال: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين " (3) قالوا: أفرأيت الخمر، فإنها عصير أعنابنا (4) ولا بد لنا منه ؟ قال " فإن الله قد حرمها، فقال: " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون " (5) فارتفع القوم وخلا بعضهم ببعض فقال سفيان بن عبد الله (6): ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يوما كيوم مكة، انطلقوا فيه فلنكافئه على ما سألنا، فأتوه صلى الله عليه وسلم فقالوا: نعم لك ما سألت، وقالوا: أرأيت الربة، ماذا نصنع فيها ؟ قال: " اهدموها " قالوا: هيهات، لو تعلم الربة أنك تريد هدمها قتلت أهلينا، قال عمر رضي الله عنه: ويحك يا ابن


(1) سورة الاسراء آية 32. (2) الاضافة عن المغازي للواقدي 3: 996. (3) سورة البقرة آية 278. (4) في الاصل " أرضنا " وما أثبت عن المغازي للواقدي 3: 967. (5) سورة المائدة آية 90. (6) سقط في الاصل. والاثبات عن المغازي للواقدي 3: 967، وفيه " فارتفع القوم وخلا بعضهم ببعض فقال عبد ياليل: ويحكم نرجع إلى قومنا بتحريم هذه الخصال الثلاث، والله لا تصبر ثقيف عن الخمر أبدا، ولا عن الزنا أبدا، قال سفيان بن عبد الله: أيها الرجل إن يرد الله بها خيرا تصبر عنها قد كان هؤلاء الذين معه على مثل هذا فصبروا وتركوا ما كانوا عليه مع أنا نخاف هذا الرجل، قد أوطأ الارض غلبة ونحن في حصن في ناحية من الارض، والاسلام حولنا فاش، والله لو قام على حصننا شهرا لمتنا جوعا وما أرى إلا الاسلام وأنا أخاف يوما مثل يوم مكة. (*)

[ 504 ]

عبد يا ليل ما أحمقك، إنما الربة حجر (لا يدري من عبده ممن لا يعبده) (1) قال: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، قالوا: يا رسول الله أرسل أنت فاهدمها فإنا لن نهدمها أبدا، قال " فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها " فكاتبوه، فقال كنانة بن عبد يا ليل: ائذن لنا قبل رسولك، ثم ابعث في آثارنا، فإني أعلم بقومي. فأذن لهم وأكرمهم وحملهم، قالوا: يا رسول الله، أمر علينا رجلا منا، فأمر عليهم عثمان بن أبي العاص، لما رأى من حرصه على الاسلام، وقد كان علم سورا من القرآن قبل أن يخرج، فقال كنانة بن عبد يا ليل: أنا أعلم الناس بثقيف، فاكتموهم القضية وخوفوهم بالحرب والفناء، وأخبروهم أن محمدا سألنا أمورا أبيناها عليه، وسألنا أن نهدم اللات، ونبطل أموالنا في الربا، ونحرم الخمر والزنا. فخرجت ثقيف حين دنا الوفد منهم يتلقونهم، فلما رأوهم قد ساروا العنق (2)، وقطروا (3) الابل، وتغشوا ثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا ولم يرجعوا بخير، فلما رأت ثقيف ما في وجوه القوم قال بعضهم لبعض: ما جاء وفدكم بخير، ولا رجعوا به. فدخل الوفد فعمدوا إلى اللات فنزلوا عندها، واللات بيت كان بين ظهري الطائف بستر ويهدى لها الهدي، ضاهوا به بيت الله، وكانوا يعبدونها، فيقول ناس من ثقيف حين نزل الوفد إليها كأنهم (4)


(1) الاضافة عن المغازي للواقدي 3: 967. (2) العنق: ساروا العنق: ساروا سيرا منبسطا (لسان العرب 12: 149). (3) قطروا الابل، جعلوها قطارا يتبع بعضها بعضا في قرب وعلى نسق (لسان العرب 6: 417). (4) سقط بالاصل والاضافة عن المغازي للواقدي 3: 969. (*)

[ 505 ]

لا عهد لهم برؤيتها (1)، ورجع كل رجل منهم إلى أهله، وأتى كل رجل منهم جانبه من ثقيف فسألوه: ماذا جئتم به، وما رجعتم به ؟ قالوا: أتينا رجلا غليظا يأخذ من أمره ما شاء، قد ظهر بالسيف وأداخ (2) العرب، وأدان له الناس، فعرض علينا أمورا شدادا: هدم اللات وترك الاموال في الربا إلا رؤوس أموالنا، وتحريم الخمر. قالت ثقيف: فو الله لا نقبل هذا أبدا، فقال الوفد فأصلحوا السلاح وتيسروا للقتال (3)، ورموا حصنكم. فمكثت بذلك ثقيف يومين أو ثلاثة يريدون - زعموا - القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فقالوا: والله ما لنا طاقة به، أداخ العرب كلها، فارجعوا إليه وأعطوه ما سأل وصالحوه عليه، فلما رأى الوفد أنهم قد رعبوا وخافوا واختاروا الامن على الخوف والحرب قال الوفد: فإنا قد قاضيناه، وأعطانا ما أحببنا وشرط لنا ما أردنا، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم، وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه، وفيما قاضيناه عليه. فانهوا القضية واقبلوا عاقبة الله، قالت ثقيف: فلم كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا به أشد الغم ؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان (4). فأسلموا مكانهم واستسلموا، ومكثوا أياما، ثم قدمت عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أميرهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة،


(1) في المرجع السابق " كأنهم لم يكن لهم بها عهد ولا برؤيتها ". (2) أداخ العرب: أي أذلهم (النهاية 2: 34). (3) وتيسروا للقتال أي تهيئوا له (أقرب الموارد 2: 1198) وهو بهذا موافق لشرح المواهب للزرقاني 3: 9. (4) نخوة الشيطان: الكبر والعظمة (شرح المواهب للزرقاني 4: 9). (*)

[ 506 ]

فلما قدموا عمدوا إلى اللات فهدموها،، وقد استكفت (1) ثقيف الرجال منهم والنساء والصبيان حتى خرج العواتق (2) من الحجال، لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة، ويظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة ابن شعبة رضي الله عنه فأخذ الكرزن (3) وقال: لاضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزن ثم سقط يرتكض، فارتج أهل المدينة بصيحة واحدة قالوا: أبعد الله المغيرة، قد قتلته الربة - حين رأوه ساقطا - وقالوا: من شاء منكم فليتقرب (4) وليجتهد على هدمها، فو الله لا يستطاع أبدا، فوثب المغيرة فقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف، إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم ضرب الباب فكسره ثم علا على سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالارض، وجعل صاحب المفاتيح يقول: ليغضبن الاساس وليخسفن بهم، فلما سمع ذلك المغيرة قال: يا خالد، دعني أحفر أساسها، فحفروه حتى أخرجوا ترابها، وانتزعوا حليها، وأخذوا ثيابها، فبهتت ثقيف، وقالت عجوز منهم:


(1) في الاصل " فانكفت " والمثبت عن البداية والنهاية 5: 33 وانكف القوم عن الموضع: تركوه، استكف الناس حوله: أحاطوا به ينتظرون إليه (أقرب الموارد " كفف ")، وعبارة الواقدي: وقد خرج نساء ثقيف حسرا - أي مكشوفات الوجوه - يبكين على الطاغية، والعبيد والصبيان والرجال متكشفون " (مغازي الواقدي 3: 972، شرح المواهب 4: 9). (2) العواتق: جمع عاتق - الجارية أول ما أدركت، أو التي بين الادراك والتعنيس، سميت بذلك لانها عتقت عن خدمة أبويها ولم يدكها زوج بعد (محيط المحيط). (3) كذا في الاصل: وفي البداية والنهاية 5: 34: الكرزين: والكرزن، والكرزن، والكرزين بمعنى واحد، وهو: الفأس الكبير (انظر أقرب الموارد 2: 1076). (4) كذا في الاصل ولعلها " فليقترب ". (*)

[ 507 ]

أسلمها الرضاع (1) وتركوا المصاع (2) وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليها وكسوتها، وقسمها من يومه، وحمد الله على نصره وإعزاز دينه، فهذا حديث ثقيف. * حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة: أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك يخبره أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة وحنين، وانصرافه إلى المدينة، فقاضوه على القضية الذي ذكرت لك (3)، وبايعوه، وهو الكتاب الذي عندهم الذي بايعوه عليه. * حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الحكم ابن هشام الثقفي قال، أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن عازب: أنه كان في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لثقيف حين أسلموا أنهم حي من المسلمين يكونون معهم حيث شاءوا وحيث أحبوا، قال: فجعلوا دعوتهم مع قريش وقالوا، ولدتنا قريش وولدناهم. * حدثنا خالد بن عبد العزيز الثقفي قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله عن عمه عمرو بن أوس، عن عثمان بن أبي العاص قال: استعملني


(1) الرضاع: جمع راضع وهو اللئيم (مغازي الواقدي 3: 972 ط. أكسفورد). (2) والمصاع: القتال والمضاربة بالسيوف (مغازي الواقدي 3: 972 ط. أكسفورد)، وفي البداية والنهاية لابن كثير 5: 33 وتاريخ الطبري ق 1 ج 4: 1692 قال: " وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن: لنبكين دفاع * أسلمها الرضاع * لم يحسنوا المصاع (3) كذا في الاصل - ولعل تذكير الموصول لان القضية هنا بمعنى الصلح أو العهد والعقد فراعى المعنى. (*)

[ 508 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصغر الستة الوفد الذين قدموا عليه من ثقيف، لاني كنت قرأت السورة، فقلت: يا رسول الله، إن القرآن يتفلت مني، فوضع يده على صدري وقال: " يا شيطان اخرج من صدر عثمان " قال: فما نسيت بعد شيئا أريد حفظه. * حدثنا أبو عاصم قال، أنبأنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله، عن عمه عمرو بن أوس، عن أبيه أوس (1) قال: كنت في الوفد (حين (2) قدمت ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلهم في قبة في المسجد قال: وكان يأتينا إذا صلى العشاء فيقوم قائما يتحدث، فأكثر ذاك تشكيه قريشا، فقال: كنا العشر التي كنا بمكة فكنا مقهورين مظلومين، فلما خرجنا في العشر الاواخر كانت الحرب سجالا، علينا ولنا. قال: فاحتبس عنا ليلة فقلنا: ما حبسك ؟ فقال " إنه طرأ علي حزب من القرآن فكرهت أن أخرج حتى أقضيه ". * حدثنا عبيد بن عقيل قال، سمعت عبد الله بن عبد الرحمن ابن يعلى يحدث، عن عثمان بن عبد الله بن أوس بن حذيفة، عن جده أوس بن حذيفة قال: قدمنا في وفد ثقيف فأنزلهم في قبته


(1) هو أوس بن حذيفة بن ربيعة بن أبي سلمة بن غيرة بن عوف الثقفي، كان في الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني مالك فأنزلهم في القبة، وإليه يعزى هذا الحديث الذي روي عن أبي داود الطيالسي عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي عن جده أوس بن حذيفة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينا فيحدثنا بعد العشاء الآخرة حتى يراوح بين قدميه من طول القيام وكان أكثر ما يحدثنا اشتكاء قريش يقول: قد كنا بمكة مستذلين مستضعفين، فلما قدمنا المدينة انتصفنا من القوم، فكانت سجال الحرب لنا وعلينا. الحديث (أسد الغابة 1: 143). (2) الاضافة للسياق. (*)

[ 509 ]

بين مصلاه ومسكن أهله، فكان يمر بهم إذا صلى العشاء يحدثهم، وكان أكثر ما يحدثنا تشكيه قريشا وما صنعوا به بمكة فيقول: وكنا بمكة مستضعفين مستذلين، فلما خرجنا إلى المدينة انتصفنا من القوم: فكانت سجال الحرب، علينا ولنا، فمكث عنا ليلة فقلنا: يا رسول الله أبطأت عنا المكث الليلة، فقال: " إنه طرأ علي حزب من القرآن الليلة فأحببت أن لا أخرج حتى أقضيه، فلما قضيته خرجت إليكم " فلما أصبح بكرة سألنا أصحابه: كيف تحزبون القرآن ؟ فقالوا: نحزبه سبعة أحزاب: ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وترا وترا. وحزب المفصل أوله " قاف ". * حدثنا سهل بن يوسف قال، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن عثمان بن عبد الله قال: لما خرج وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل الاحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل المالكين (1) - وفيهم عثمان بن أبي العاص - في قبة بينه وبين المسجد، قال عثمان ابن أبي العاص: فكان يأتينا إذا انصرف من العشاء فيقوم على باب قبتنا فيحدثنا، فمنا النائم ومنا المستيقظ - نحو حديث عبيد ابن عقيل (2). * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا مروان بن معاوية قال، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن عثمان بن عبد الله، عن جده قال: لما وفدت بنو مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليها


(1) المالكيون: هم بنو مالك. كما سيرد في الخبر الآتي. (2) هو راوي الخبر السابق. (*)

[ 510 ]

قبة وأنزلهم فيها، فكان يأتينا بعد العشاء، فيحدثنا وإنه لقائم يراوح بين قدميه من طول القيام نحو حديث أبي عاصم (1). * حدثنا عفان قال، حدثنا أبو عقيل الدورقي، عن الحسن: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب لهم قبة في المسجد، فقالوا: يا رسول الله قوم مشركون، فقال " إن الارض ليس عليها من أنجاس الناس شئ، إنما أنجاسهم على أنفسهم. * حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم فاشترطوا عليه (2) أن لا يحشروا (3) ولا يعشروا (4) ولا يجبوا ولا يستعمل عليهم غيرهم فقال: " لكم أن لا تعشروا وأن لا تحشروا ولا يستعمل عليكم غيركم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " " لا خير في دين لا ركوع فيه " قال عثمان، قلت (5): يا رسول الله، علمني القرآن، واجعلني إمام قومي (6). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد، عن الكلبي: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد


(1) انظر الخبر الذي يسبق هذا بخبرين. (2) إضافة عن الفائق للزمخشري 2: 152. (3) ألا يحشروا: أي لا يندبون إلى المغازي ولا تضرب عليهم البعوث (البداية والنهاية 5: 30). (4) ألا يعشروا: أي لا يؤخذ عشر أموالهم (الفائق للزمخشري 2: 152). (5) ألا يجبوا: أي ألا يركعوا (الفائق للزمخشري 2: 152). (6) انظر الحديث والخبر في 2: 152 من الفائق في غريب الحديث للزمخشري. (*)

[ 511 ]

إنا أخوالك وأصهارك وجيرانك، وإنا أشد أهل نجد عليك حربا وخيرهم لك سلما، إن حاربناك حاربك من بعدنا، وإن سالمناك سالمك من بعدنا، فاجعل لنا أن لا نعشر ولا نحشر ولا نجبى ولا تكسر أصنامنا بأيدينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لكم ألا تعشروا ولا تحشروا ولا تكسروا أصنامكم بأيديكم ولا خير في دين ليس فيه ركوع، قالوا: تمتعنا باللات سنة، فإن خشيت لائمة العرب فقل: الله ربي أمرني بذلك (1). فقال عمر رضي الله عنه: لا والله ولا نعمة عين، أحرقتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحرق الله أكبادكم، لا والله حتى تدخلوا فيما دخلت فيه العرب. وأنزل الله: " وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ". (2) * حدثنا أبو داود قال، حدثنا فليج بن سليمان قال، أخبرني سعيد بن جبير، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء الآخرة حتى مضى ساعة من الليل، فجاء عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله نام الولدان وتعشى النسوان وذهب الليل. فقال: يا أيها الناس، احمدوا الله، فما أعلم أحدا ينتظر هذه الصلاة غيركم، ولولا أن أشق على أمتي لاخرت هذه الصلاة إلى نصف الليل ". * حدثنا أبو مطرف بن أبي الوزير قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يحيى بن هانئ قال، حدثني أبو علقمة، عن عبد الملك بن محمد بن البشير، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي: أن وفد


(1) في الاصل " الله أمرني ربي بذلك " والمثبت عن تفسير ابن كثير 5: 290. (2) سورة الاسراء آية 73. (*)

[ 512 ]

ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوه بهدية فقال: صدقة أم هدية، إن الهدية يبتغى بها وجه الرسول وقضاء الحاجة، وإن الصدقة يبتغى بها ما عند الله " قالوا: بل هدية، فقبلها ثم لم يزل في مقعده ذلك يحدثونه حتى صلى الظهر مع العصر. * حدثنا عمر بن عثمان بن عاصم الواسطي ابن أخي علي بن عاصم قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يحيى بن هانئ (1) وعروة قال، حدثني أبو حذيفة، عن عبد الملك بن محمد، عن عبد الرحمن ابن علقمة بمثله - إلا أنه قال: ثم شغلوه يسألهم ويسألونه حتى لم يصل الظهر إلا مع العصر. * حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال، حدثنا زهير قال، أنبأنا أبو خالد يزيد الاسدي قال، حدثنا عون (2) بن أبي جحيفة السوائي، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي، عن عبد الرحمن ابن أبي عقيل قال: انطلقت في وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيناه فأنخنا بالباب، وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فما خرجنا حتى ما في الناس أحب إلينا من رجل دخلنا عليه، فقال قائل منا: يا رسول الله (3)، ألا سألت الله ملكا كملك سليمان ؟ فضحك، ثم قال: فلعل لصاحبك أفضل من ملك سليمان،


(1) هو عروة بن محمد بن عطية السعدي أمير اليمن، ولي اليمن عشرين سنة، ثم صرف عنها سنة ثلاث ومائة. (الخلاصة للخزرجي ص 265) وهذا الخبر موافق لما جاء في أسد الغابة 3: 412 في هذا الحديث. (2) عون بن أبي جحيفة السوائي، عن أبيه والمنذر بن جرير، وعنه عمر بن أبي زائدة والثوري، وثقه أبو حاتم والنسائي (الخلاصة للخزرجي 298 ط. بولاق). (3) في الاصل " هذا يا رسول الله " والصواب ما أثبت. (*)

[ 513 ]

إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذ بها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فهلكوا بها، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عندي شفاعة لامتي يوم القيامة. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني عاصم بن عبد الله بن نعيم، عن أبيه، عن عروة بن محمد، عن أبيه، عن جده: أنه قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني قومه ثقيف، فلما دخلوا عليه كان فيما ذكروا أنهم سألوه (فقضى حوائجهم (1) وقال لهم: هل قدم معكم أحد غيركم ؟ قالوا: نعم، معنا فتى منا خلفناه في رحالنا، قال: فأرسلوا إليه " وقال: فلما دخلت عليه وهم عنده استقبلني فقال: إن اليد المنطية (2) هي العليا، وإن السائلة هي السفلى، فما استغنيت فلا تسأل، وإن مال الله مسئول ومنطى ". * حدثنا عمرو بن قسط قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا ابن جابر قال، حدثني عروة بن محمد، عن أبيه، عن جده عطية السعدي قال: وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من بني سعد (بن بكر (3)) وكنت أصغرهم فخلفوني في رحالهم، وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقضوا حوائجهم، فقال: هل بقي من أحد ؟ قالوا (4): نعم، غلام خلفناه في رحالنا، فأمرهم أن يدعوني فقالوا:


(1) الاضافة عن أسد الغابة 3: 412. (2) المنطية أي: المعطية من أنطيته إنطاء بمعنى أعطيته إعطاء، زنة ومعنى وهذه لغة أهل اليمن في أعطى (أقرب الموارد 2: 1315)، وانظر الحديث بمعناه في النهاية في غريب الحديث والاثر 5: 76 ط. الحلبي. (3) في الاصل " بني سعيد " والتصويب والاضافة عن أسد الغابة 3: 412. (4) في الاصل " قال " والمثبت عن المصدر السابق. (*)

[ 514 ]

أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته فقال: ما أنطاك (1) الله فلا تسأل الناس شيئا، فإن اليد العليا هي اليد المنطية، وإن اليد السفلى المنطاة، وإن مال الله لمسئول ومنطى، قال فكلمني بلغتنا. * حدثنا ضرار بن صرد (2) قال، حدثنا سعيد بن عبد الجبار الزبيري، عن منصور بن رجاء، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن عطية بن عمرو السعدي، عن أبيه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تسأل الناس شيئا، ومال الله مسئول ومنطى " قال فكلمني بلغة قومي وهم (بنو سعد) (3). * حدثنا عن أبي مصعب قال، حدثنا عبد الحميد بن (حبيب (4))


(1) ما أنطاك الله: أي ما أعطاك الله، أنطيت لغة في أعطيت لاهل اليمن، وقد قرئ: " إنا أنطيناك الكوثر " وأنشد ثعلب: من المنطيات الموكب المعج بعدما * يرى فروع المقلتين نضوب والانطاء: العطيات (انظر لسان العرب 20: 207) وقد ورد هذا الحديث في الفائق 3: 103 بهذا النص، قال صلى الله عليه وسلم لعطية السعدي: ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئا، فإن اليد العليا هي المنطية، وإن اليد السفلى هي المنطاة، وإن مال الله مسئول ومنطى. (2) ضرار بن صرد التيمي، أبو نعيم الطحان، كوفي عابد، روى عن إبراهيم ابن سعد وابن المبارك وهشيم وطبقته، قال مطين: مات سنة تسع وعشرين ومائتين (الخلاصة للخزرجي ص 177 ط. بولاق). (3) الاضافة للسياق ويؤيدها ما جاء في 3: 103 من الفائق في غريب الحديث للزمخشري. (4) في الاصل حدثنا عن أبي مصعب قال حدثنا الاوزاعي عن عبد الحميد - ثم بياض بمقدار كلمتين - أن وفد الخ. وكما ترى ففيه تقديم وتأخير واضطراب وطبقا للمصادر وتواريخ الوفاة يرجح أن يكون السند كما أثبتناه، حيث إن عبد الحميد بن حبيب كان كاتبا للاوزاعي وراويا عنه (انظر الخلاصة للخزرجي ص 222 ط. بولاق). (*)

[ 515 ]

عن الاوزاعي (1): أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وفروا أشعارهم وشواربهم وأظفارهم فأمرهم أن يقيموا وأن يتعلموا القرآن، فأقاموا قريبا من سنة، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعرضهم ففضلهم أحدهم بسورة البقرة وسورة معها، فأمره عليهم وقال: إنك لاحدثهم، ولكني أمرتك عليهم لما فضلتهم من القرآن، فإذا صليت فصل بصلاة أصغرهم، فإن فيهم الضعيف والمملوك وذا الحاجة، وإذا خرجت ساعيا فلا تأخذن من الغنم الشافع (2) ولا الربى (3) ولا حرزة (4) الرجل فإنه أحق بها، وخير منهم الجزعة والثنية، فإنها وسط من الغنم ". (وفد بني المنتفق) (5) * حدثنا أبو عاصم قال، أنبأنا ابن جريج قال، أخبرني إسماعيل ابن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، يخبر عاصم، عن أبيه


(1) هو عبد الرحمن بن عمرو الاوزاعي أبو عمرو الشامي الامام العالم عن عطاء وابن سيرين ومكحول وقتادة ونافع وخلق. وعنه يحيى بن أبي كثير شيخه، وبقية ويحيى بن حمزة، قال ابن سعد: كان خيرا فاضلا كثير الحديث والعلم والفقه، مات سنة سبع وخمسين ومائة (الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 488، الخلاصة للخزرجي ص 232 ط. بولاق). (2) الغنم الشافع: الشاة التي في بطنها ولد، ويتبعها آخر، وسميت شافعا لان ولدها شفعها أو هي شفعته (تاج العروس 5: 401 - أقرب الموارد: شفع). (3) الربى: التي تربى في البيت من الغنم لاجل اللبن، وقيل هي الشاة القريبة العهد بالولادة (النهاية في الغريب 2: 180). (4) الحرزة: خيار المال، لان صاحبها يحرزها ومنه الحديث: " في الزكاة لا تأخذوا من حرزات أموال الناس شيئا " أي لا تأخذوا من خيارها شيئا (أقرب الموارد " حرز ") وفي اللسان: الحرائز من الابل: التي لا تباع لنفاسه بها (اللسان حرز). (5) إضافة على الاصل للتوضيح. (*)

[ 516 ]

وافد بني المنتفق (1) قال: أتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم أنا وصاحب لي فلم نجده، فأتتنا عائشة رضي الله عنها بعصيدة فأكلنا، فبينا ذاك إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكفى (2) فقال: هل طعمتم شيئا ؟ فقلنا: نعم، أتتنا عائشة رضي الله عنها بعصيدة، قال، قلت: يا رسول الله، الصلاة، فقال: إذا توضأت فأسبغ وضوء الاصابع، فإذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائما " فقال صاحبي: يا رسول الله، إن لي امرأة، فذكر من بذائها وطول لسانها، فقال: طلقها، فقال: إنها ذات صحبة وولد، قال: مرها - أو قل لها - (3) فإن يك فيها خير فستقبل (4)، ولا تضربن ظعينتك ضربك أمتك " قال: فبينا ذاك إذ دفع الراعي الغنم في المراح، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل ولدت شيئا ؟ قال: نعم، (قال: ماذا ؟ (5) قال): سخلة، قال: فاذبح لنا شاة " ثم التفت إلي فقال: لا تحسبن - ولم يقل لا تحسبن - أنا إنما ذبحناها من أجلك، لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد فإذا ولد (للراعي) (5) سخلة أمرناه أن يذبح شاة. * حدثنا عثمان بن عمر، عن ابن جريج بنحوه - إلا أنه قال: أتتنا عائشة رضي الله عنها بعصيدة وتمر.


(1) وافد بني المنتفق هو لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب ابن عامر بن صعصعة أبو رزين العقيلي، له صحبة ووفادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. (أسد الغابة 4: 226، الاضافة 3: 311) وانظر الخلاف حول هل لقيط ابن صبرة هو لقيط بن عامر أو هما اثنان، في (شرح المواهب 4: 66). (2) يتكفى: يتمايل إلى قدام. انظر الحديث بمعناه بمسند الامام أحمد بن حنبل 4: 212، (الفائق في غريب الحديث للزمخشري 3: 37 حاشية 4). (3) سقط في الاصل، والاضافة عن مسند ابن حنبل 4: 211. (4) كذا في الاصل وفي مسند الامام أحمد بن حنبل 4: 211 " فستفعل ". (5) الاضافات عن مسند الامام أحمد بن حنبل 4: 211. (*)

[ 517 ]

* حدثنا أيوب بن محمد الرقي قال، حدثنا يعلى بن الاشدق (بن جراد بن معاوية بن فرج بن (1) خفاجة بن عمرو بن عقيل قال، حدثنا عبد الله بن جراد بن معاوية بن أبي الفرج بن خفاجة الوافد الميمون الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو عامر (بن لقيط العامري (2) - وعما فعل إليه الرسول - دعاه الرسول ليسلم فغلبه، فلما غلبه قال: فأنا أعطيك وادي القرى خراجه فأبى قال: ما نعطيك إلا الاعنة فتكون بيدك. قال: لا، قال: فما يريد ؟ قال: أروني إسلامكم حتى أنظر ما هو، فقاموا فصلوا، فقال: هذا الذي تدعونني إليه ؟ باللات والعزى لا نظرت إلى عامرية محببة أبدا أبدا (3)، وركب راحلته وخرج وقال: والله لاملانها عليك خيلا شقرا ورجالا حمرا.. فقال: كذبت، ثم قال: تطهروا فإذا دعوت فأمنوا "، فزعم عبد الله بن جراد: أن الرسول عليه السلام قال: اللهم اشغل


(1) في الاصل يعلى بن الاشدق بن بشير بن ثور بن الشمرخ بن يزيد بن مالك ابن خفاجة، وما أثبتناه مع الاضافة عن ترجمته في ميزان الاعتدال 3: 226 والاصابة 2: 279، وأسد الغابة 3: 133 والجميع متفقون على أن يعلى بن الاشدق يروي عن عمه عبد الله بن جراد بن معاوية بن فرج. (2) إضافة للتوضيح، وجاء في أسد الغابة 3: 62، والاصابة 2: 248: حدثنا هاشم بن القاسم الحراني - حدثنا يعلى بن الاشدق - حدثنا عامر بن لقيط العامري قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشره بإسلام قومي، وطاعتهم ووافدا إليه، فلما أخبرته قال: (أنت الوافد الميمون بارك الله فيك ومسح ناصيتي ثم صافحني). (3) بالاصل كلمات غير مقروءة، وما أثبتناه عن طبقات ابن سعد 1: 302، والبداية والنهاية 5: 90، والاصابة لابن حجر 3: 311، وهو لقيط بن عامر ابن المنتفق بن عامر بن عقيل بن عامر العامري أبو زرين العقيلي وافد بني المنتفق (الاصابة 3: 311)، وانظر حديث وفادته بطوله في مسند الامام أحمد بن حنبل 4: 10 والمستدرك 4: 110 والعقد الفريد لابن عبد ربه 2: 38. (*)

[ 518 ]

عامر بن الطفيل وأرينه الحتوف " فأمن القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إنه سيأتيكم الراكب الميمون الذي تحبون، وأشار من قبل أرض بني عامر بن صبرة بن أنيس بن لقيط بن (عامر) بن المنتفق بن عامر بن عقيل، فأتاه، فأعجبه، وقال: ما فعل قومك ؟ قال: قومي على ما يحب رسول الله، وقد أتيتك بطواعيتهم إياك وحرصهم عليك، فقال أعجل قومك، ومسح ناصيته وصافحه، وقال: هذا الوافد الميمون. فلما جاءوه قال: أبى الله لبني عامر إلا خيرا، فدفع يزيد بن مالك بن خفاجة إلى الضحاك بن سفيان البكري (1) الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم قائدا على سليم وعامر، ودفع إليه ذات الاذنة ودرعه وحصانه وسيفه، وهو سلب حارثة الكندي. وقال مزاحم بن الحارث بن عقال الخويلدي: أحارثة الكندي ذا التاج إننا * متى ما نواقع حارة القوم نقتل وننعم ولا ينعم علينا وإن نعش * بدأنا وأبدا من يظالم يفصل ونغصب ولا نغصب وتأسر رماحنا * كرام الاسارى بين نعم ومحول وقال حارثة: يريك شراها يا طفيل بن مالك * دلاص الحديد عن أشم طويل وهم سلبوا ذات الاذنة عنوة * وهم تركوا بالشعب ألف قتيل * حدثنا عفان قال، حدثنا محمد بن دينار قال، حدثنا يونس عن عكرمة قال: جاء عامر (2) إلى النبي صلى الله عليه وسلم


(1) هو الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة العامري ولاه الرسول على من أسلم من قومه وآمره على بني سليم عند فتح مكة لانهم جميعا من قيس عيلان. (انظر أسد الغابة 3: 36، الاصابة 2: 198، الاستيعاب 2: 199). (2) هو عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الجعفري، كان سيد بني عامر في الجاهلية، مات كافرا، وقصته وقصة = (*)

[ 519 ]

فسأله الخلافة من بعده، وسأله المرباع (1) وسأله أشياء، فقال له رجل (2) من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: زحزح قدميك لا تنزعك الرماح نزعا عنيفا، والله لو سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيبة (3) من سبيبات المدينة ما أعطاك، فولى عامر غضبان، وقال: لاملانها عليك خيلا ورجالا (4)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم إن لم تهد عامرا فاكفينه، فأخذته غدة (5) كغدة البكر، فجعل ينادي يا آل عامر غدة كغدة البكر ! ! حتى قتلت عدو الله. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، سمعت ليث بن سعد يحدث: أن أربد بن ربيعة (6) وعامر


= قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم معروفة. وروي أن قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم كان وهو ابن ثمانين سنة (الاصابة 2: 242، وأسد الغابة 3: 84). (1) المرباع: هو ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس في الجاهلية، ومن قولهم (لك المرباع منها والصفايا) (أقرب الموارد). (2) في الحلبية 2: 341 قال السهيلي وجعل أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه يضرب في رؤوسهما، ويقول: اخرجا أيها الهجرسان - أي القردان - فقال له عامر ومن أنت ؟ فقال: أسيد بن حضير. فقال أحضير بن سماك ؟ قال: نعم. قال: أبوك كان خيرا منك. قال: بلى أنا خير منك ومن أبي، لان أبي كان مشركا وأنت مشرك. (3) السبيبة: شقة من الثياب أي توع كان، وقيل هي من الكتان (النهاية في الغريب 2: 329 وقيل: هي الخصلة من الشعر، ومن الفرس شعر الذنب والعرف والناصية (أقرب الموارد 1: 488). (4) وفي رواية أخرى: خيلا جردا ورجالا مردا ولاربطن بكل نخلة فرسا (السيرة الحلبية 2: 341). (5) الغدة: طاعون الابل، والبكر: الفتى منه، وإنما تأسف عامر أن لم يمت في ميدان القتال كما يموت الشجعان، كما تأسف أيضا على موته في بيت سلولية (هامش نهاية الارب 18: 52). (6) في ابن هشام 4: 991 ط. صبيح، والسيرة الحلبية 2: 341 والبداية والنهاية 5: 56 أربد بن قيس بن جزء بن جعفر بن خالد. (*)

[ 520 ]

ابن الطفيل أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما للآخر: أنا أشغله بالكلام حتى تقتله، فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثه فلما طال عليه انصرف، قال له صاحبه: لقد رأيت عنده شيئا إن رجليه لفي الارض وإن رأسه لفي السماء، لو دنوت منه لاهلكني. فأما أربد فأصابته صاعقة، وأنزل الله " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " (1) وأما عامر فإنه قال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم اكفنيه " فأخذته غدة فقتلته. * حدثنا محمد بن الحسن بن زياد قال، حدثني عبد العزيز ابن نمر، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري: أن رسول الله صلى الله وسلم قال " اللهم اهد بني عامر وأرح المسلمين من عامر بن الطفيل ". * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا ابن وهب، عن الليث ليت سعد قال: جعل عامر يقول: غدة كغدة البعير في بيت سلولية (2). * حدثنا أبو عاصم قال، أخبرني رجل من بني تميم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لقد بلغ عامر (3) ما لا يضره أن لا يكون من آل عيينة بن حصن أو زرارة، ولو علم النبي صلى الله عليه وسلم بيتين في العرب أشرف منهما لذكره. * حدثنا عفان قال، حدثني مهدي بن ميمون، عن غيلان ابن جرير، عن مطرف بن عبد الله، عن أبيه: أنه قدم على رسول الله


(1) سورة الرعد 11. (2) في بيت سلولية أي أمراة من بني سلول وكانوا موصوفين باللؤم (السيرة الحلبية 2: 352). (3) في الاصل عمار والصواب ما أثبت. (*)

[ 521 ]

صلى الله عليه وسلم في رهط من بني عامر قال: فأتيناه فسلمنا عليه ثم قلنا: أنت ولدنا، وأنت سيدنا، وأنت أطولنا طولا، وأنت الجفنة الغراء، فقال رسول الله عليه وسلم " يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا تستسخركم الشياطين - قال وربما قال غيلان -: لا تستهزئكم الشياطين. (وفد بني سعد بن بكر) (1) * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني سلمة بن كهيل، ومحمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب مولى ابن عباس (عن ابن عباس) (1) قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة (2) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخله المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين (3) حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا ابن عبد المطلب. فقال: محمد ؟ قال: نعم. قال: يا ابن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ في المسألة فلا تجدن في نفسك، قال " لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك ". قال: فإني أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله


(1) الاضافة عن أسد الغابة 3: 42 وشرح المواهب 4: 47 ورواه ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس أيضا (نهاية الارب للنويري 18: 21). (2) هو ضمام بن ثعلبة السعدي أحد بني سعد بن بكر، أرسله بنو سعد قيل كان ذلك سنة خمس وقيل سنة سبع وقيل سنة تسع، والخبر بطوله مروي أيضا في أسد الغابة 3: 42 عن محمد بن الوليد عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس. (3) الغديرة: الذوابة. شرح الزرقاني 4: 47. (*)

[ 522 ]

من هو كائن بعدك، الله بعثك إلينا رسولا ؟ قال " اللهم نعم " قال فأنشدك الله إلهك وإله من قبلك وإله من بعدك: الله أمرك أن نعبده وحده لا شريك له ؟، وأن نخلع هذه الانداد (1) التي كانت تعبد آباؤنا من دونه ؟ قال " اللهم نعم " قال: فأنشدك بإلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك: الله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس ؟ قال: " اللهم نعم " قال: ثم جعل يذكر فرائض الاسلام فريضة فريضة: الزكاة والحج والصيام وشرائع الاسلام كلها، يناشده عند كل فريضة كما ناشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن يصدق ذو العقيصتين (2) يدخل الجنة " قال: فأتى إلى بعيره فأطلق عقاله حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى. قالوا: يا ضمام اتق البرص والجنون واتق الجذام قال: ويلكم، إنهما والله ما يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاستنقذكم (3) مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما


(1) في أسد الغابة 3: 43 " أن تخلع هذه الاوثان ". (2) العقيصتان: الضفيرتان من الشعير، وهما الغديرتان. (3) في الاصل " استنفذكم " والمثبت من نهاية الارب 18: 21. (*)

[ 523 ]

أمركم به ونهاكم عنه، فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره (1) رجل ولا امرأة إلا مسلما. قال يقول عبد الله بن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (1). * حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا نافع، عن ابن أبي مليكة قال، أخبرني ابن الزبير قال: قدم الاقرع بن حابس على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: يا رسول الله استعمله على قومه، وقال عمر، لا تستعملنه يا رسول الله، فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما، فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: ما أردت إلا خلافي ؟ قال: ما أردت خلافك، فنزلت " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " (2) الآية. قال: فكان عمر رضي الله عنه بعد ذلك إذا كلم النبي صلى الله عليه وسلم (كلمة) (3) في مسمعه حتى يستفهمه (مما يخفض صوته) (3) قال: ما ذكر حينه. (وفد بني تميم) (4) * حدثنا قيس بن عاصم (5): أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد من بني سعد، فاستملاه رسول الله صلى الله عليه


(1) في حاضره: أي في حينه، والحديث أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 2: 45 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (2) سورة الحجرات، الآية 2. (3) الاضافة من معالم التنزيل 8: 8. (4) إضافة على الاصل. (5) هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعس التميمي المنقري، يكنى أبا علي، وقيل أبو طلحة، وقيل أبو قبيصة، والاول أشهر، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم، وأسلم سنة تسع، ولما رآه الرسول صلى الله عليه وآله قال: هذا سيد أهل الوبر وكان عاقلا حليما مشهورا بالحلم، قيل للاحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم ؟ قال: من قيس بن عاصم. = (*)

[ 524 ]

وسلم فأعطاه يومئذ أشياء، فلما حضرت الصلاة قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. قال فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بسدر وماء فاغتسل، وأقيمت الصلاة ففرج بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقام بينهما، فلما قضى الصلاة قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال (1) فلم يسأله أحد عنهم ولم يخبرهن (2). * حدثنا محمد بن عباد بن عباد المهلبي قال، حدثني أبي، عن محمد بن الزبير قال: قدم عمرو بن الاهتم (3) والزبرقان بن


= وكان قيس بن عاصم رضي الله عنه ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وقال في ذمها أبياتا كثيرة، ولما حضرته الوفاة دعا بنيه فقال لهم: يا بني احفظوا عني فلا أحد أنصح لكم مني، إذا مت فسودوا كباركم ولا تسودوا صغاركم، فيسفه الناس كباركم وتهونوا عليهم، وعليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الناس فإنها آخر كسب الرجل، فإذا مت فلا تنوحوا علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه. ولما مات رثاه عبدة بن الطبيب بقوله: عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحما وما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما (أسد الغابة 4: 219، الاصابة 3: 242، السيرة الحلبية 2: 340). (1) في الاصل بعد هذا اللفظ " فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بسدر وماء فاغتسل وأقيمت الصلاة فلم " الخ " وهو تكرار نتيجة السهو. (2) أي الاشياء التي أعطاها له رسول الله صلى الله عليه وسلم. (3) هو عمرو بن سنان بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعص التميمي المنقري. وكان عمرو ممن اتبع سجاح لما ادعت النبوة - ثم إنه أسلم وحسن إسلامه - وكان خطيبا أديبا يدعى المكحل لجماله - وكان شاعرا بليغا محسنا يقال إن شعره كان حللا منتشرة. وسمي الاهتم لان قيس بن عاصم ضربه بقوس فهتم فاه. انظر أسد الغابة 4: 87. (*)

[ 525 ]

بدرا (1)، وقيس بن عاصم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن الاهتم عن الزبرقان: كيف هو فيكم ؟ ولم يسأل عنه قيسا لشئ قد علمه بينهما، فقال له ابن الاهتم: مطاع (2) (في أذنيه) (3)، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. قال الزبرقان: والله لقد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال، قال عمرو فإنك لزمر (4) المروءة، ضيق العطن، أحمق الاب، لئيم الخال. ثم قال: يا رسول الله، لقد صدقت فيهما جميعا، أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه، وأسخطني فقلت بأسوأ ما أعلم فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان لسحرا " وكان يقال للزبرقان قمر نجد لجماله، وكان ممن يدخل مكة متعمما لحسنه، وولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه بني عوف، فأداها في الردة (5) إلى أبي بكر، فأقره أبو بكر على الصدقة لما رأى من ثباته على الاسلام، وحمله الصدقة إليه * (هامش) (1) الزبرقان بن بدر بن امرئ القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، التميمي السعدي، يكنى أبا عياش، وقيل أبو سدرة، وإنما قيل له الزبرقان لحسنه: والزبرقان: القمر، وقيل إنما قيل له ذلك لانه لبس عمامة مزبرقة بالزعفران، نزل البصرة، وكان سيدا في الجاهلية عظيم القدر في الاسلام، وهو الذي هجاه الحطيئة بقوله: دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي (أسد الغابة 2: 194.) (2) انقطع الكلام في الاصل بعد كلمة " مطاع " ودون في هامش اللوحة بخط مغاير " لعل النقص ورقتان " وقد اقتضى الامر إتمام خبر الزبرقان بإضافة ما جاء في أسد الغابة 2: 194. (3) في الحلبية 2: 325: " مطاع في ناديه ". (4) زمر المروءة: قليل المروءة. (5) أي عام حرب الردة. (*)

[ 526 ]

حين ارتد الناس، وكذلك عمر بن الخطاب. قال رجل في الزبرقان من النمر بن قاسط يمدحه، وقيل قالها الحطيئة: تقول خليلتي لما التقينا * ستدركنا بنو القوم الهجان سيدركنا بنو القمر بن بدر * سراج الليل للشمس الحصان فقلت أدعي وأدعو إن أندي * لصوت أن ينادي داعيان فمن يك سائلا عني فإني * أنا النمري جار الزبرقان وكان الزبرقان قد سار إلى عمر بصدقات قومه فلقيه الحطيئة ومعه أهله وأولاده يريد العراق فرارا من السنة (1) وطلبا للعيش، فأمره الزبرقان أن يقصد أهله وأعطاه إمارة يكون بها ضيفا له، حتى يلحق به، ففعل الحطيئة، ثم هجاه الحطيئة بقوله: دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي (2) فشكاه الزبرقان إلى عمر، فسأل عمر حسان بن ثابت عن قوله " أنه هجو " فحكم أنه هجو له وضعة، فحبسه عمر في مطمورة حتى شفع فيه عبد الرحمن بن عوف والزبير، فأطلقه بعد أن أخذ عليه العهد أن لا يهجو أحدا أبدا، وتهدده إن فعل، والقصة مشهورة، وهي أطول من هذه وللزبرقان شعر، فمنه قوله: نحن الملوك فلا حي يقاربنا * فينا العلاء وفينا تنصب البيع (3)


(1) السنة: الجدب والقحط " أقرب الموارد 1: 551 ". (2) روي هذا البيت في معاهد التنصيص ص 447 هكذا: ذر المآثر لا تذهب لمطلبها * واجلس فإنك أنت الآكل الكاسي (ديوان الحطيئة ص 289 ط. الحلبي). (3) في البداية والنهاية 5: 42. نحن الكرام فلا حي يعادلنا * منا الملوك وفينا تنصب البيع (*)

[ 527 ]

ونحن نطعمهم في القحط ما أكلوا * من العبيط (1) إذا لم يؤنس الفزع وننحر الكوم (2) عبطا في أرومتنا * للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا تلك المكارم حزناها مقارعة * إذا الكرام على أمثالها اقترعوا أخرجه الثلاثة (3). * (وقال (4) محمد بن إسحاق: ولما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة ابن عدس التميمي في أشراف بني تميم منهم الاقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر التميمي - أحد بني سعد - وعمرو بن الاهتم، والحتحات بن (5) يزيد، ونعيم بن يزيد، وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عظيم من بني تميم. قال ابن إسحاق: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وقد كان الاقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنين والطائف، فلما قدم وفد بني تميم كانا معهم، ولما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته: أن اخرج إلينا يا محمد، فآذي ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) العبيط: الذبيحة تنحر من غير علة وهي سمينة فتية (أقرب الموارد " عبط ") وفي البداية والنهاية 5: 42: ونحن نطعم عند القحط مطعمنا * من الشواء إذا لم يؤنس الفزع (2) الكوم - الكوماء: البعير الضخم السنام ينحر عبطا من غير علة (أقرب الموارد: كوم). (3) ما سبق من إضافة عن أسد الغابة 2: 194 - والثلاثة هم أبو نعيم وابن منده وأبو عمر. (4) إضافة عن البداية والنهاية لابن كثبير 5: 41. (5) جاء في هامش البداية والنهاية لابن كثير 5: 41 وفي الحلبية " الحبحاب " وفي التيمورية: الحجاب، وفي ابن إسحق: الحثحاث، وقال ابن هشام الحتات، ووافقه السهيلي. (*)

[ 528 ]

من صياحهم، فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: " قد أذنت لخطيبكم فليقل " فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة. فمن مثلنا في الناس، ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لاكثرنا الكلام ولكن نخشى من الاكثار فيما أعطانا، وأنا نعرف بذلك، أقول هذا لان تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث ابن الخزرج: " قم فأجب الرجل في خطبته " فقام ثابت فقال) (1) أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. (وفي راوية) (2) فقال ثابت: وأيضا والذي بعث محمدا بالحق - وأشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -


(1) اضافة عن البداية والنهاية لابن كثير 5: 41 (2) سقط في الاصل والاضافة عن السيرة الحلبية 2: 324. وفي رواية أنه قال: الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، دعا المهاجرين من بني عمه أحسن الناس وجوها وأعظم الناس أحلاما فأجابوه، والحمد لله الذي جعلنا أنصاره، ووزراء رسوله، وعز دينه، فنحن نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فمن قالها منع منها نفسه وماله، ومن أباها قاتلناه وكان رغمه في الله علينا هينا، أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات. ثم قال الزبرقان لرجل منهم: قم يا فلان فقل أبياتا تذكر فيها فضلك وفضل قومك. فقال أبياتا منها: نحن الكرام فلا حي يعادلنا * نحن الرؤوس وفيها يقسم الربح إذا أبينا فلا يأبى لنا أحد * إنا لذلك عند الفخر نرتفع (*)

[ 529 ]

لتسمعن أنت وصاحبك في هذا المجلس ما لم ينفذ بمسامعكما مثله قط، ثم تكلم ثابت وذكر من عظمة الله وسلطانه وقدرته ما الله أهله، ثم ذكر به وألحق، فساق الامر حتى انتهى إلى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: والذي بعث محمدا بالحق لئن لم تدخل أنت وصاحبك وقومكما في دين الله الذي أكرم به رسول الله وهدانا له ليطأن بلادكم بالخيل والرجال نصرا لله ولرسوله ولدينه، ثم ليقتلن الرجال وليسبين النساء والذرية، وليأخذن المال حتى يكون فيئا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال الاقرع: أنت تقول ذاك يا ثابت ؟ قال: نعم، والذي بعث محمدا بالحق، ثم سكت - (ثم قالوا: يا محمد ايذن لشاعرنا، فأدن له، فقام الزبرقان بن بدر فأنشد) (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: أنشدهم، فأنشدهم حسان ثم سكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للاقرع وعيينة: قد سمعنا ما قلتما وسمعتما ما قلنا، فخرجا، فلما خلوا أخذ أحدهما بيد صاحبه، قال الاقرع لعيينه: أسمعت ما سمعت، ما سكت حتى ظننت أن سقف البيوت سوف يقع علينا، فقال عيينة أوجدت ذلك ؟ والله لقد تكلم شاعرهم فما سكت حتى أظلم علي البيت وحيل بيني وبين النظر إليك، وقال الاقرع: إن لهذا الرجل لشأنا، ثم دخلا بعد ذلك في الاسلام وكانا من المؤلفة قلوبهم. فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الاقرع مائة ناقة. وأعطى عيينة مائة ناقة، فقال العباس بن مرداس (2) رضي الله عنه فيما أعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.


(1) سقط في الاصل والاثبات عن سيرة النبي لابن هشام 4: 930 ط. صبيح. (2) هو العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد بن عبس بن رفاعة بن = (*)

[ 530 ]

فأصبح نهبي ونهب العبي‍ * د عيينة والاقرع وقد كنت في القوم ذا تدرا * فلم أعط شيئا ولم أمنع وما كان بدر ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع قال: العبيد فرس عباس بن مرداس. * حدثنا علي بن الجعد قال، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن زياد الجصاص، عن الحسن قال، حدثني قيس بن عاصم المنقري قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآني سمعته يقول: هذا سيد (أهل) (1) الوبر. قال: فلما نزلت جعلت أحدثه: قال قلت: يا نبي الله المال الذي لا يكون علي فيه تبعة من ضيف ضافي أو عيال إن كثروا. قال: نعم المال الاربعون، وإن كثر فستون، ويل لاصحاب المئين إلا من أعطى في رسلها (2)


= الحارث بن حيي بن الحارث بن بهشة بن سليم بن منصور السلمي يكني أبا الهيثم وقيل أبو الفضل. كان العباس من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم، وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية - فإنه قيل له ألا تأخذ من الشراب فإنه يزيد في قوتك وجراءتك قال: لا أصبح سيد قومي وأمسي سفيهها، وقد كان ينزل البادية بناحية البصرة، وقيل إنه قدم دمشق وابتنى بها دارا - وسأل عبد الملك بن مروان جلساءه من أشجع الناس في شعره ؟ فتكلموا في ذلك، فقال: أشجع الناس العباس بن مرداس حيث يقول: أكر على الكتيبة لا أبالي * أحتفي كان فيها أم سواها وانظر الخبر والشعر في السيرة النبوية لابن هشام 4: 930 ط. صبيح، والمغازي للواقدي 3: 947، وأسد الغابة 3: 112، والاصابة 2: 263، والبداية والنهاية 4: 309. (1) الاضافة عن أسد الغابة 4: 219، والاصابة لابن حجر 3: 243. (2) في النهاية في غريب الحديث 2: 2222 " إلا من أعطى في نجدتها ورسلها: النجدة: الشدة، والرسل بالكسر الهينة والتأني. قال الجوهري: يقال افعل كذا وكذا = (*)

[ 531 ]

ونجدتها وأفقر ظهرها (1) ونحر سمينتها، فأطعم القانع والمعتر. قال: قلت يا نبي الله ما أكرم هذه الاخلاق وأحسنها، يا نبي الله إنه لا يحل الوادي الذي أنا به لكثرة إبلي، قال: فما تصنع في المنحة (2) قال أمنح كل سنة مائة ناقة، قال فما تصنع في المطروقة ؟ قال: تغدو الابل وتغدو الناس فمن شاء أخذ برأس بعير فذهب به، قال فما تصنع في أفقار الظهر ؟ قال: إني لا أفقر الصدع (3) الصغير ولا الناب المدبرة (4). فقال: أفمالك أحب أم مال مواليك ؟ قال. قلت: بل مالي أحب إلي من مال موالي، قال: فإن لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت،


= على رسلك بالكسر، أي اتئد فيه. كما يقال على هينتك، ويقول يعطي وهي سمان حسان: يشتد عليه إخراجها. فتلك نجدتها، ويعطي في رسلها وهي مهازيل مقاربة. قال ابن الاثير والاحسن - والله أعلم - أن يكون المراد بالنجدة الشدة والجدب، وبالرسل: الرخاء والخصب لان الرسل: اللبن. فيكون المعنى أنه يخرج حق الله تعالى في حال الضيق والسعة والجدب والخصب. (1) أفقر ظهرها: أي أعاره فقارها: أي اعاره ظهرها للحمل والركوب ومنه أفقر البعير إذا أعاره، مأخوذ من ركوب فقار الظهر (أقرب الموارد - فقر). (2) كذا في الاصل وفي الاصابة 3: 242 - المنيحة، وهما بمعنى واحد والمنيحة: الشاة والناقة يعطيها صاحبها رجلا يشرب لبنها ثم يردها إذا انقطع اللبن وفي الحديث: " العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم، ومنه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: أفضل الصدقة المنيحة تغدو بعشاء وتروح بعشاء " (الفائق في غريب الحديث 3: 50). (3) الصدع: محركة - من الاوعال والظباء والحمير والابل: الفتى الشاب القوي، وقيل الصدع المتوسط بين الفتى والمسن، وبين السمين والمهزول، وبين العظيم والصغير (أقرب الموارد - صدع). (4) دبر البعير دبرا: أصابته الدبرة، والدبرة: قرحة الدابة تحدث من الرحل ونحوه (أقرب الموارد 1: 317). (*)

[ 532 ]

وإلا فلمواليك، وإلا فلموالي الله (قال قلت يا رسول الله) (1) لئن بقيت لادعن عددها قليلا. قال الحسن: ففعل رحمه الله (2). * حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا يونس بن محمد قال، حدثنا شيبان عن قتادة: أن قيس بن عاصم قال: يا نبي الله إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعتق عن كل واحدة رقبة، قال: يا نبي الله، إني ذو إبل. قال فأهد لكل واحدة منهن إن شئت هديا (3). * حدثنا حكيم بن سيف قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن حماد بن شعيب، عن زياد البصري، عن الحسن، عن قيس ابن عاصم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دنوت سمعته يقول: " هذا سيد أهل الوبر " فلما سلمت وجلست قلت: يا رسول الله، المال الذي لا يكون علي فيه تبعة من ضيف ضافني أو عيال وإن كثروا، قال: المال الاربعون والكثير ستون، وويل لاصحاب المئين - يقولها ثلاثا - إلا من أعطى في رسلها وبجدتها، وأفقر ظهرها وأطرق فحلها، ومنع غزيرتها ونحر سمينتها، وأطعم القانع والمعتر، قلت: ما أكرم هذه الاخلاق وأحسنها، وما يحل بالوادي الذي أنا فيه. قال: فكيف تصنع بالافقار ؟ فقلت: إنا لا نعير البكر الضرع والناب المدبرة قال: فيكف تصنع بالمنيحة ؟ قال: أنتج في كل سنة مائة. قال: فكيف تصنع في الطروق ؟


(1) الاضافة عن أسد الغابة 4: 243. (2) انظر المرجع السابق في خبر قيس بن عاصم. (3) والحديث في المرجع السابق برواية النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفيه " أهو إن شئت عن كل واحدة بدنة ". (*)

[ 533 ]

قال تغدو الابل وتأتي الناس فمن شاء أخذ برأس بعير فذهب به، قال: فمالك أحب إليك أو مال مواليك ؟ قال قلت: بل مالي، قال: إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت، وما بقي فلمولاك. قلت: أما والله لئن بقيت لادعنها قليلا، قال الحسن: ففعل والله. فلما حضرته الوفاة قال: يا بني خذوا عني، فإنه ليس أحد أنصح لكم مني، إذا أنا مت فسودوا كباركم لا تسودوا صغاركم فتستسفه الناس كباركم وتهونوا عليهم وعليكم بإصلاح المال فإن منبهة الكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم والمسألة، فإنها آخر كسب المرء، ادفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها، وإياكم والنياحة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنها، وادفنوني في مكان لا يعلم بي أحد، فإنه قد كان كون (1) مني ومن هذا الحي ابن بكر بن وائل كما نشأت في الجاهلية. * حدثنا خلف بن الوليد، وأحمد بن معاوية قالا، حدثنا هشيم، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخل عيينة بن حصن (2) على رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) الكون: الشئ أو الحدث (أقرب الموارد ك ون). (2) عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوزان بن ثعلبة بن عدي ابن فزارة الفزاري - يقال كان اسمه حذيفة، ويكنى أبا مالك، ولقب عيينة، لانه كانت أصابته شجة فجحظت عيناه، قال ابن السكن: له صحبة، وكان من المؤلفة قلوبهم، أسلم قبل الفتح، وشهد حنينا والطائف، وكان ممن ارتد في عهد أبي بكر، ومال إلى طليحة فبايعه، ثم عاد إلى الاسلام، كما كان فيه جفاء سكان البوادي كما هو ثابت من هذا الخبر وغيره من دخوله بغير إذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب " الام " للشافعي في باب الزكاة " أن عمر قتل عيينة بن حصن على الردة، قال ابن حجر: ولم أر من ذكر ذلك غيره، لكن يحتمل أن يكون أمر بقتله فبادر إلى الاسلام فترك فعاش إلى خلافة عثمان (الاصابة 3: 55، وأسد الغابة 4: 167). (*)

[ 534 ]

وهو يقبل الحسن (1) أو الحسين فقال: أتقبله وقد ولد لي عشرة ما قبلت أحدا منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنه لا يرحم من لا يرحم ". * حدثنا سلمان بن أحمد الحرشي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ربيعة بن يزيد الحرشي، عن أبي كبشة السلولي: أنه قدم على ابن الوليد بن عبد الملك فقال: ما أقدمك ! ! أردت مسألة أمير المؤمنين ؟ فقال: أنا أسأله شيئا بعد ما حدثني سهل بن الحنظلية الانصاري أن عيينة بن بدر والاقرع بن حابس سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر معاوية فكتب لهما كتابا فرمى به إليهما، فربط عيينة كتابه في عمامته - وكان أحلم الرجلين - فقال الاقرع: ما فيها ؟ فقال معاوية رضي الله عنه: فيها ما أمرت به. فقال الاقرع: أنا أحمل صحيفة لا أدري ما فيها كصحيفة المتلمس (2) ؟ فأخبر معاوية رضي الله عنه


(1) وفي السيرة الحلبية 2: 325: ورأى النبي يقبل الحسن الخ وانظر الحديث والخبر بطوله هناك. وورد الحديث بمعناه في الجامع الصغير 2: 183 مرويا بطرق مختلفة عن أبي هريرة وابن عباس. (2) هو جرير بن عبد المسيح بن عبد الله بن زوفن بن حرب بن وهب بن جلا بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وهو من شعراء الجاهلية المقلين المفلقين، وقد اتفقوا على أن أشعر المقلين في الجاهلية ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن علس، وحصين بن الحمام. والمتلمس لقب غلب عليه ببيت قاله وهو: فهذا أوان العرض جن ذبابه * زنابيره والازرق المتلمس وهو خال طرفة بن العبد، وكان طرفة قد هجا عمرو بن هند فلما قدم عليه، كتب لهما إلى عامله على البحرين وهجر - ربيعة بن الحارث العبدي - وقال لهما انطلقا فاقبضا جوائزكما، فلما هبط النجف، قال المتلمس لطرفة: إنك غلام حديث السن والملك من عرفت حقده وغدره - وكان قد هجاه - فلست آمنا أن يكون قد أمر بشر، فهلم فلننظر في كتبنا فأبى طرفة أن يفض خاتم الملك، وعدل المتلمس، إلى غلام من غلمان الحيرة = (*)

[ 535 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب وذكره، وقال كالمتشخط آنفا " إنه من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم " قالوا: يا رسول الله وما يغنيه ؟ قال " ما يغديه أو يعشيه ". * حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عقال الحراني قال، حدثنا مسكين بن بكير الحراني (1). قال، حدثنا محمد بن المهاجر، عن ربيعة بن يزيد قال: أقبل أبو كبشة السلولي إلى الوليد بن عبد الملك وهو نازل بدير مروان فدخل إليه فسلم، ثم خرج إلى المسجد فإذا خلفه عبد الله بن عامر فجلسا (2) فيه له عبد الله: يا أبا كبشة، هل دخلت على أمير المؤمنين ؟ قال: نعم. قال فهل سألته من حاجة ؟ فقال: ما كنت لاسأله بعد حديث سهل بن الحنظلية. قال: وما حديث سهل ؟ قال: حدثنا سهل: أن عيينة بن حصن بن بدر والاقرع ابن حابس دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه، فأمر لهما بما سألاه، وأمر معاوية أن يكتب لهما بذلك، فكتب ودفع إلى كل واحد منهما صحيفة، فأما الاقرع فكان رجلا رحيما فأخذ صحيفته فلفها في عمامته، وأما عيينة فإنه أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتراني ذاهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة


= عبادي فأعطاه الصحيفة، فقرأها فانتزع المتلمس الصحيفة من الغلام واكتفى بذلك، وأتبع طرفة فلم يلحقه، وأتى طرفة العامل فقطع يديه ورجليه ودفنه حيا (الاغاني 21: 185 ط. ليدن). (1) مسكين بن بكير الحراني صدوق مشهور، صاحب حديث، قال أبو حاتم لا بأس به صالح الحديث، مات سنة ثمان وتسعين ومائة (ميزان الاعتدال 3: 164). (2) في الاصل: فجلس فيها والصواب ما أثبت. (*)

[ 536 ]

المتلمس لا يدري ما فيها ؟ فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم صحيفته فنظر فقال " قد كتبت إليك بما أمر لك فيها " - قال محمد بن المهاجر عن يونس عن ميسرة: فيرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب بعد ما أنزل إليه - ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله فمر ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال " اتقوا الله في هذه الدواب العجمة، كلوها صالحة واركبوها صالحة " ثم قال بعد أن دخل منزلة كهيئة المتشخط: آنفا يقول أذهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة المتلمس لا يدري ما فيها، ألا ومن سأل مسألة وعنده ما يغنيه فإنه يستكثر من النار " فقال قائل: يا رسول الله، ما هذا الغنى الذي لا تبتغى المسألة معه ؟ فقال " قوت يوم وليلة ". قال أبو زيد بن شبة: يقال إن عيينة كان أهوج مجدودا، وإن عامر بن الطفيل كان عاقلا محدودا، فكان يقال: رأي عامر وحظ عيينة. * حدثنا أحمد بن جناب قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل عن قيس: أن عيينة بن حصن كان عند النبي صلى الله عليه وسلم ورجل آخر وعنده عائشة رضي الله عنها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بشراب فسقى الرجل فسبروه (1)، فقال عيينة: يا رسول الله ما هذ ؟ قال هذه خلة أتاها الله قوما ومنعكموها هذا الحياء. قال: فمن هذه إلى جنبك ؟ قال هذه عائشة بنت أبي بكر،


(1) سبروه: أي وجدوه: سبرا أي حسن الهيئة والجمال حييا - قال الشاعر: وسبرى أنني حر تقي * وأني لا يزايلني الحياء (اللسان " سبر "). (*)

[ 537 ]

قال: أفلا أنزل لك عن خير منها ؟ قال: من ؟ قال: حمرة (1)، قال: لا، قم فاخرج فاستأذن، قال: إن علي يمينا أن لا أستأذن في بيت رجل من مضر. فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله من هذا ؟ قال: " هذا أحمق متبع " (2). * حدثنا علي بن الصباح، عن هشام بن محمد قال، حدثني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل عيينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أم سلمة فقال: يا محمد من هذه ؟ قال: هذه أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، قال: ألا أنزل لك عن سيدة نساء مضر: حمرة ؟ قال صلى الله عليه وسلم: أنت أحق بالحمرة، * قال أبو زيد بن شبة وروى الهيثم بن عدي، عن ابن عياش، عن الشعبي: أن وفد غطفان قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يستعمل عليهم رجلا منهم فتنافسوا في الامرة فولى عيينة على بني فزارة، والحارث بن عوف على بني مرة، ونعيم بن مسعود على أشجع، وعبد الله بن عمرو بن سبيع الثعلبي على بني ثعلبة ونمير وبني عبد الله بن غطفان. قال أبو زيد بن شبة: ويقال إن عيينة ربع في الجاهلية وخمس في الاسلام، وإن هذا لم يجتمع لعربي غيره.


(1) حمرة: يعني امرأته، كما يفهم من الاصابة 3: 55 ومن الحديث الآتي (2) في الاصابة 3: 55 فقال النبي صلى الله عليه وسلم " هذا الاحمق المطاع " يعني في قومه. (*)

[ 538 ]

* حدثنا المدائني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد عيينة ربع في الجاهلية وخمس في الاسلام، وأن هذا لم يجتمع لعربي غيره. * حدثنا المدائني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه عيينة ابن حصن إلى ذات الشقوق سرية. فأغار على حي من بني العنبر ابن عمرو بن تميم فقدم بهم المدينة وعلى عائشة (1) عتق محرر من ولد إسماعيل، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقت رجلا من سبي بني المغيرة، ثم أخذ بني المنذر بن الحارث بن جهنمة ابن عدي بن جندب، فقال سلمة بن عتاب: لعمري لقد لاقت عدي بن جندب * من الشر مهواة شديدا كؤودها تكنفها الاعداء من كل جانب * وغيب عنها جدها وعديدها ويقال إنه كانت له إتاوة على أهل يثرب يأخذها في كل عام، وإنه كان في ذبيان حيث أوقع بينهم ذرو (2) فلقيه ذبان بن سار منطلقا ليأخذ إتاوته، فقال له: أتدع قومك على هذه الدائرة ولا تصلح بينهم لاتاوة تأخذها من أهل يثرب ؟ فلم يعرج عليه ومضى لوجهه، فقال ذبان: تركت بني ذبيان لم تأس بينهم * فأصعدت في ركب إلى أهل يثربا وما جئتهم إلا لتأكل تمرهم * وتسرق في أهل الحجاز وتكذبا


(1) في ابن هشام 4: 1038 " قالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن علي رقبة من ولد إسماعيل، فقال: هذا سبي بني العنبر يقدم الآن فتعطيك منهم إنسانا فتعتقينه. (2) الذرو من الحديث: ما ارتفع إليك وترامى من حواشيه وأطرافه، من قولهم: ذرا إلي فلان أي ارتفع وقصد، وذرا الشئ وذروته أنا: إذا طيرته (الفائق في غريب الحديث 1: 429) والمراد المعاتبة - أو الخصومة. (*)

[ 539 ]

يسوقون لحاظا إذا ما رأيته * بسلع رأيت الهجرس (1) المتزيبا (2) * حدثنا أيوب بن محمد الرقي قال، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن مالك بن أبي الحسين، عن عيينة شيخ من بني فزارة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: دخل عيينة بن حصن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وهم جلوس على الارض جميعا فأمر لعيينة بنمرقة (3) فأجلسه عليها وقال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه (4). * حدثنا محمد بن مصعب قال، حدثنا الاوزاعي، عن داود بن علي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم بموضع يقال له القارة فشرط بكسرة شفرة. فمر به عيينة بن بدر فقال له: يا محمد علام تعطي هذا الاعرابي يبطط (5) جلدك ؟ فقال: إن هذا الحجم هو خير ما يداوى به (6).


(1) الهجرس: ولد الثعلب، هكذا تجعله بنو تميم - وقال أبو زيد: الهجرس: القرد. (2) المتزيبا: الازيب: اللئيم والداهية - أو السريع المتقارب الخطو (الفائق في غريب الحديث 3: 195 - تاج العروس 1: 291، 4: 271، اللسان ز ى ب). (3) النمرق والنمرقة بالضم ويثلثان: الوسادة الصغيرة يتكأ عليها، وقيل الطنفسه فوق الرحل (أقرب الموارد). (4) في الجامع الصغير 1: 16 عن أبي هريرة، وعن معاذ وأبي قتادة، وعن ابن عباس، وعن عدي بن حاتم، وعن أبي راشد بن عبد الرحمن بن عبد. روي بلفظ " شريف قومه ". (5) بط الجرح: شقه (اللسان) وبط الجلد: أعياه (أقرب الموارد). (6) وفي المستدرك 4: 208 عن سمرة رضي الله عنه قال: دخل أعرابي من بني فزارة من بني قرفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حجام يحجمه بمحاجم له من قرون يشرطه بشفرة، فقال ما هذا يا رسول الله ؟: لم تدع هذا يقلع عليك جلدك ؟ قال: هذا الحجم. قال: وما الحجم ؟ قال: خير ما تدارى به الناس. وانظر ابن ماجه = (*)

[ 540 ]

* حدثنا الحسين بن إبراهيم قال، حدثنا المبارك بن سعيد، عن أبيه، عن ابن أبي نعيم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بعث علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهبية في أديم مقروط لم تحصل من ترابها (1) فقسمها بين أربعة: الاقرع بن حابس الحنظلي ثم أحد بني مجاشع، وعيينة ابن حصن الفزاري، وعلقمة بن علاثة الجعفري (2)، وزيد الخير الطائي (3)، ثم أحد بني نبهان. فقالت قريش والانصار: أتقسم


= 2: 1151 حيث روى أكثر من حديث بهذا المعنى عن أبي هريرة وعن أبي عباس، وعن أنس بن مالك وكذا صحيح الترمذي 8: 209 " أبواب الطب ". (1) في الاصل " في ذهبية فيها ترابها " والمثبت عن البداية والنهاية 5: 106. (2) هو علقمة بن علاثة بن عوف بن الاحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة الجعفري العامري الكلابي، كان من أشراف بني ربيعة بن عامر، وكان من المؤلفة قلوبهم، وكان سيدا في قومه حليما عاقلا، وهو الذي نافر عامر بن الطفيل بن مالك ابن جعفر بن كلاب وفاخره - والقصة مشهورة - ولما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف ارتد علقمة ولحق بالشام، فلما توفي النبي أقبل مسرعا وعسكر في بني كلاب بن ربيعة، فأرسل إليه أبو بكر رضي الله عنه سرية فانهزم وغنم المسلمون أهله، ثم أسلم علقمة فقبل ذلك منه، وحسن إسلامه، واستعمله عمر على حوران فمات بها، وكان الحطيئة خرج إليه، فمات علقمة قبل أن يصل إليه الحطيئة، فأوصى له علقمة كبعض ولده، فقال الحطيئة من أبيات: فما كان بيني لو لقيتك سالما * وبين الغنى إلا ليال قلائل (أسد الغابة 4: 13). (3) زيد الخير: هو زيد الخيل، وسمي بذلك لكثرة خيله، ولم يكن لاحد من قومه ولا لكثير من العرب غير الفرس والفرسين، وهو زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب ابن عبد بن أقصى بن المحلس بن ثوب بن كنانة بن مالك بن نائل بن نبهان، كان من المؤلفة قلوبهم، أسلم وحسن إسلامه، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد طئ سنة تسع وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم (زيد الخير)، وقال عليه السلام: ما ذكر رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ الذي فيه، وأقطعه أرضين، وكان يكنى أبا مكنف وكان له ابنان: مكنف وحريث، أسلما، = (*)

[ 541 ]

بين صناديد أهل نجد وتتركنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنا فيهم، إذ أقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين، ناتئ (1) الجبين، كث اللحية محلوق الرأس مشمر الازار (2) فقال: يا محمد، اتق الله. فقال: " من يطيع الله إذا عصيته، أيأمنني على أهل الارض ولا تأمنوني ؟ قال فسأله رجل من القوم قتله - حسبته خالد بن الوليد - وولى الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه يخرج من ضئضئى (3) هذا قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الاسلام ويدعون أهل الاوثان، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (4).


= وصحب النبي صلى الله عليه وسلم وشهد قتال الردة مع خالد بن الوليد، وكان رضي الله عنه شاعرا محسنا خطيبا لسنا شجاعا كريما، ولما انصرف من عند النبي أخذته الحمى فمات، وقيل بل توفي آخر خلافة عمر (أسد الغابة 2: 241، الاغاني 16: 47 ط. بولاق، البداية والنهاية 5: 63، الاصابة 1: 555، جمهرة أنساب العرب 403). (1) في البداية والنهاية 5: 106 " ناشز الجبهة ". (2) سقط في الاصل والاضافة عن البداية والنهاية 5: 107. (3) في الاصل كلمة لا تقرأ والمثبت عن الفائق 2: 48، والبداية والنهاية 5: 107، والضئضئى: الاصل، والمعنى يخرج من ضئضئى: أي من أصل. (4) كذا ويوضحه ما جاء في البداية والنهاية 5: 107 " ثم ولى الرجل، قال خالد ابن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ قال: لا لعله أن يكون صلى، قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال صلى الله عليه وسلم: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم. قال: ثم نظر إليه وهو مقف. فقال: " إنه يخرج من ضئضئى هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " أظنه قال " لئن أدركتهم لاقتلنهم قتل ثمود " رواه البخاري في مواضع من كتابه، ومسلم في كتابه الزكاة من صحيحه من طرق متعددة إلى عمارة بن القعقاع، وانظر أيضا الحديث بمعناه في الفائق 2: 48. (*)

[ 542 ]

(وفد كندة) (1) * حدثنا هارون بن هارون قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة الجذامي (2) حدثه، أن زياد بن مغنم الحضرمي حدثه: أن وفد كندة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم جمد (3). فبينا هم عنده أقبل رجل فقال: كلمت يا رسول الله. قال: أفلح المكلومون، فخرجوا فقالوا وقالوا، فأخذت جمدا اللقوة (4)، فأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سيد الناس يا رسول الله ادع الله له. قال: لم أكن لافعل، ولكن حدوا فسلة (5)، فاقلبوا ما في عينيه أو بشفرة فاكووه بها فهي شفاؤه وإليها مصيره، الله أعلم ما قلتم


(1) إضافة على الاصل. (2) هو بكر بن سوادة بن ثمامة الجذامي - بجيم ثم معجمة - أبو ثمامة البصري الفقيه، أحد الائمة، روى عن سهل بن سعد ثم حنش الصنعاني وزياد بن نافع وخلق، وعنه جعفر بن ربيعة وعمرو بن الحارث والليث. وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي. مات سنة ثمان وعشرين ومائة. الخلاصة للخزرجي ص 51 ط. بولاق. (3) في أسد الغابة 1: 294 ط. المعارف جمد - بفتح الجيم وسكون الميم - قال: لا أعرف جمدا من كندة إلا جمدا أحد الملوك الاربعة الذين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلوا في الردة كفارا. وفي 1: 349 من طبقات ابن سعد: " وقدم وفد حضرموت مع وفد كندة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بنو هليعة ملوك حضرموت حمدة ومخوس ومشرح وأبضعة ". (4) اللقوة: داء يصيب الوجه يعوج منه الشدق إلى أحد جانبي العنق، فيخرج البلغم والبصاق من جانب واحد، ولا يحسن التقاء الشفتين، ولا تنطبق إحدى العينين (أقرب الموارد). (5) الفسلة: القطعة من الحديد ونحوه (أقرب الموارد). (*)

[ 543 ]

حين أدبرتم (فصنعوه به فبرئ) (1) قالوا: أرأيت أكلتنا في الجاهلية ؟ قال: وهي لكم حتى ينزعها الله منكم قالوا: فديتنا، قال: ليأتين عليكم زمان ترضون بالكفاف، قالوا: فنجيتنا. قال: قد جاء الله بخير منها الاسلام، وارتد جمد بعد ذلك، فقتل كافرا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال عمرو: فحدثني كعب ابن علقمة: أنهم قالوا أتينا هذا الغلام المضري فما سألناه شيئا إلا أعطانا، حتى لو أردنا أن نأخذ بأذنه لفعلنا،، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول " لعن الله جمدا وأبضعة وأخته العمردة ". * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا زهير بن معاوية قال، حدثنا يزيد بن يزيد بن جابر، عن جابر، عن عمرو بن عنبسة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما أبالي أن يهلك الحيان جميعا فلا قيل ولا ملك، ألا فلعن الله الملوك الاربعة. جمدا ومسرحا ومخوسا وأبضعة وأختهم العمردة. قال أبو زيد بن شبة: وكان مخوس ومسرح وجمد وأبضعة بنو معدي كرب بن وليعة بن شرحبيل بن معاوية بن حجر القرد، وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الاشعث بن قيس


(1) ما بين الحاصرتين عن طبقات ابن سعد 1: 350 والخبر فيه مروي عن هشام ابن محمد (مولى بني هاشم) عن ابن أبي عبيدة قال: وفد مخوس بن معد يكرب بن وليعة فيمن معه على النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرجوا من عنده فأصاب مخوسا اللقوة فرجع منهم نفر فقالوا: يا رسول الله، سيد العرب ضربته اللقوة، فادللنا على دوائه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا مخيطا فاحموه في النار ثم اقبلوا شفر عينيه ففيها شفاؤه وإليها مصيره، فالله أعلم ما قلتم حين خرجتم من عندي، فصنعوه به فبرئ. (*)

[ 544 ]

فأسلموا، ثم ارتدوا فقتلوا يوم النجير (1)، وكان لكل رجل منهم واد يملكه، فسموا بذلك الملوك الاربعة وقيل فيهم. يا عين بكي للملوك الاربعة * جمد ومخوس مسرح وأبضعة قال أبو زيد بن شبة: قال أبو عبيدة: لم يكن من كندة ملك قط، إلا أن نزارا لما كثرت وخاف بعضها بعضها أجمعت قبائل من ربيعة أن يأتوا تبعا فيسألونه أن يبعث رجلا يكف قويهم عن ضعيفهم، على أن يعطوه من أموالهم خرجا، فوجه معهم الحارث بن عمرو بن حجر بن معاوية الكندي وهو جد امرئ القيس بن حجر بن الحارث الكندي الشاعر، فصار إلى بطن عامر فنزلها وفرق بنيه، فجعل ابنه يزيد على كنانة، وابنه حجرا على بني أسد، وابنه شرحبيل على بني تميم وعبد مناة، وابنه سلمة على بني ثعلب، وغزا ملوك غسان بالشام، وملوك لخم بالحيرة حتى أحجه المنذر بن ماء السماء إلى تكريت (2)، فأشار سفيان ابن مجاشع على المنذر أن يخطب إليه ابنته ففعل، فزوجه ابنته هندا فقيل فيها يا ليت هندا ولدت ثلاثة، فولدت عمرا وقابوسا والمنذر أبا النعمان بن المنذر، ولم ينشب أن مات الحارث فقتلت


(1) النجير: تصغير النجر، حصن باليمن قرب حضرموت لجأ إليه أهل الردة مع الاشعث بن قيس في أيام أبي بكر، فحاصره زياد بن ربيع البياضي حتى افتتحوه عنوة وقتلوا من فيه سنة 12 ه‍ وقال الاعشى: وابتذل العيس المراقيل تفتلي * مسافة ما بين النجير وصرخدا (مراصد الاطلاع 3: 1361) وانظر حصار حصن النجير في الاصابة 1: 77 ترجمة: امرئ القيس بن عابس الكندي، وياقوت 4: 763 ط. طهران. (2) تكريت - بفتح التاء، والعامة تكسرها مدينة مشهورة بين الموصل بغداد، ولها قلعة حصينة، أحد جوانبها إلى دجلة (مراصد الاطلاع 1: 268). (*)

[ 545 ]

بنو أسد ابنه حجرا، واختلف ابناه سلمة وشرحبيل وتحاربا، فقتلت بنو ثعلب شرحبيل بن الحارث، وبعث المنذر بن ماء السماء إلى من بقي منهم فقتلهم بجفر الاملاك (1) بالحيرة، فقال رجل من أهل الحيرة وهي تحمل على امرئ القيس بن حجر: ألا يا عين بكي لي شنينا * وبكي للملوك الذاهبينا (2) ملوكا من بني حجر بن عمرو * يساقون العشية يقتلونا فلو في يوم معركة أصيبوا * ولكن في ديار بني مرينا (3) ولم تغسل جماجمهم بغسل * ولكن بالدماء مرملينا (4) تظل الطير عاكفة عليهم * وتنتزع الحواجب والعيونا (5) قال أبو عبيدة: ثم انقطع الامر منهم فلم يكن فيهم ملك قط ولكنهم كانوا ذوي أموال، فكانوا يدعون ريحانة اليمن، وإنما ملوك اليمن التتابعة من حمير. * روى الكلبي أن وفد كندة قدموا على رسول الله صلى الله عليه


(1) جفر الاملاك: ناحية الحيرة (مراصد الاطلاع 1: 338، والجفر: هو البئر الواسعة أو المستنقع). (2) وفي الاصل " شبيب " والمثبت عن ديوان امرئ القيس الكندي ص 200 ط. المعارف 1964. و " شنينا " فعيل من الشن وهو الصب. (3) " بنو مرينا " قوم من أهل الحيرة من ناحية الكوفة. وفي الاصل " فلو في قوم معركة أصيبوا " والمثبت عن المرجع السابق. (4) الغسل: بالكسر: ما غسلت به رأسك أو ثوبك، والغسل بالفتح مصدر. (5) في الاصل " تحوم الطير عاكفة عليه " والمثبت عن المصدر السابق. والطير جماعة النسور والعقبان وسائر سباع الطير، والعاكفة التي تلزم الشئ ولا تفارقه وتحبس نفسها عليه. (*)

[ 546 ]

وسلم وفيهم الجفشيش أو الخفشيش (1) وعمرو بن أبي الكيشم وابن أبي سهر بن جبلة والاشعث بن قيس وامرؤ القيس بن عابس (2). فقال الجفشيش: يا رسول الله، إنا نزعم أنكم من العمور عمور كندة، فيقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ذاك شئ كان يقوله العباس وأبو سفيان إذا قدما عليكم. نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا ولا ندع أبانا.


(1) الخفشيش الكندي: يقال فيه بالحاء والجيم والخاء، وهو الجفشيش بن النعمان الكندي، وقال هشام الكلبي: هو معدان بن الاسود بن معدي كرب بن ثمامة بن الاسود ابن عبد الله بن الحارث الولادة بن عمرو بن معاوية بن الحارث الاكبر بن معاوية بن ثور ابن مرتع بن معاوية، وهو كندة الكندي، وقيل إن الجفشيش لقب له، وهو حضرمي يكنى أبا الخير، وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع الاشعث بن قيس الكندي في وفد كندة، وذكر ابن الاثير: أنه هو الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت منا. فقال عليه السلام: لا نققو أمنا ولا ننتفي من أبينا، نحن من ولد النضر بن كنانة. قال أبو نعيم قال بعض الناس: إنه الحفشيش - بالحاء - وهو وهم (انظر باقي أخباره في أسد الغابة 1: 290، 2: 30). (2) وهو مرؤ القيس بن عابس بن المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية الاكرمين الكندي، قال ابن السكن،: كان ممن ثبت على الاسلام، وأنكر على الاشعث ارتداده، وذكر المرزباني: أنه كان ممن حضر حصار حصن النجير، فلما أخرج المرتدون ليقتلوا، وثب على عمه ليقتله فقال له عمه: ويحك أتقتلني وأنا عمك ؟ قال: أنت عمي والله ربي، فقتله، وكتب إلى أبي بكر في الردة: ألا بلغ أبا بكر رسولا * وبلغها جميع المسلمينا فليس مجاورا بيتي بيوتا * بما قال النبي مكذبينا وأنشد له ابن إسحق شعرا يحرك فيه قومه على الثبات على الاسلام منه: قف بالديار وقوف حابس * وتأتي آنة غير آيس لعبت بهن العاصفا * ت الرائحات من الروامس يا رب باكية علي * ومنشد لي في المجالس لا تعجبوا أن تسمعوا * هلك امرؤ القيس بن عابس قال ابن الكلبي: ومن رهطه رجاء من حيوة التابعي الشهير، صاحب عمر بن عبد العزيز (الاصابة 1: 77). (*)

[ 547 ]

* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن عقيل بن طلحة السلمي، عن مسلم بن هيصم، عن الاشعث بن قيس رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر كندة لا يروني أفضلهم، فقلت: يا رسول الله، إنا نزعم أنكم منا، فقال صلى الله عليه وسلم: " نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا، ولا ننتفي من أبينا (1) - قال الكلبي: فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لهم ريع ما أخرجت حضرموت، وقال: ارجعوا إلى بلادكم مصاحبين " واستعمل عليهم وعلى الصدقات المهاجر بن أمية ابن المغيرة، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدوا إلا طائفة من بني عمرو بن معاوية معهم امرؤ القيس بن عابس، فلما قتل من كندة من قتل وأسر من أسر قال امرؤ القيس بن عابس: ألا أبلغ أبا بكر رسولا * وفتيان المدينة أجمعينا فلست مبدلا بالله ربا * ولا متبدلا بالسلم دينا شأمتم قومكم وشأمتمونا * وغابركم كأشأم غابرينا فلما قتل ابن الاشعث قدم على عبد الملك وفد الاذد فيهم ابن امرئ القيس، قال: أنت ابن الرجل الصالح الذي يقول: شأمتم قومكم وشأمتمونا * وغابركم كأشأم غابرينا صدق والله، لقد شأم أولكم وآخركم أمركم،، وقال الخفشيش لما ارتد:


(1) انظر الحديث في السيرة الحلبية 2: 350 ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم نحن بنو النضر ين كنانة لا نققو أمنا ولا ننتفي من أبينا، أي لا ننتسب إلى الامهات ونترك النسب إلى الآباء. (*)

[ 548 ]

أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيا لعباد الله ما لابي بكر (1) أيملكنا بكر إذا كان بعده * فذاك وبيت الله قاصمة الظهر فإن التي أعطيتم أو منعتم * لكالتمر أو أحلى مذاقا من التمر أقوم ولا أعطي القيام معادة * أبيت وإن كان القيام على الجمر فأخذ أسيرا وقتل صبرا. * حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال، حدثنا يحيى بن حمزة العبسي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن عمرو بن عبسة (السلمي (2)) قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا قايل (3) ولا كاهن


(1) في الاصل " فيا قومنا ما بال أبي بكر " وخطؤه العروضي واضح. والابيات في تاريخ الطبري القسم الاول ص 1875: أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيال عباد الله ما لابي بكر أيورثنا بكرا إذا مات بعده * وتلك لعمر الله قاصمة الظهر فهلا رددتم وفدنا بزمانة * وهلا خشيتم حسن راعية البكر وأن التي سألوكم فمنعتم * لكالتمر أو أحلى إلي من التمر (2) الاضافة عن أسد الغابة 4: 120، وهو عمرو بن عبسة بن خالد بن غاضرة ابن عتاب بن امرئ القيس بن بهسة بن سليم، هكذا قاله أبو عمر، وقال ابن الكلبي وغيره: هو عمرو بن عبسة بن خالد بن حذيفة بن عمرو بن خالد بن مازن بن مالك بن ثعلبة بن بهسة بن سليم السلمي، يكني أبا نجيح، وقيل أبو شعيب، أسلم قديما أول الاسلام، كان يقال هو ربع الاسلام، قدم المدينة فسكنها، ثم نزل بعد ذلك الشام، روى عنه من الصحابة عبد الله بن مسعود، أبو أمامة الباهلي، سهل بن سعد بن سعد الساعدي، ومن التابعين أبو إدريس الخولاني وسليمان بن عامر وجبير بن نفير وغيرهم، وهو القائل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من شاب شيبة في الاسلام كانت له نورا يوم القيامة، ومن رمى سهما في سبيل الله فبلغ العدو أو قصر كان له عدل رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل عضو منه عضوا من المعتق من النار. (انظر باقي الخبر في أسد الغابة 4: 120). (3) قايل: من القيل وهو الملك، وقيل: الملك من ملوك حمير، وقيل هو الرئيس دون الملك الاعلى، وأصله: قيل كميت، سمي به لانه يقول ما يشاء فينفذ، والجمع أقوال وأقيال (أقرب الموارد - قيل). (*)

[ 549 ]

ولا ملك إلا الله، ولعن الله الملوك الاربعة جمدا ومخوسا ومسرحا وأبضعة وأختهم العمردة " قال وكانت تأتي المؤمنين إذا سجدوا فتركلهم برجلها. * حدثنا محمد بن زياد الحارثي قال، حدثنا محمد بن عبد الرحمن ابن السلماني، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفروة بن مسيك المرادي (1) " اذهب فقاتل بقومك من أدبر بمن أقبل " فلما أدبر قال " ردوه علي " فلما أتاه قال " إنه قد نزل القرآن بعدك " قال ما هو يا رسول الله ؟ قال " لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من


(1) في الاصل " الرمادي " والمثبت عن ابن هشام 2: 581، والبداية والنهاية 5: 70، وأسد الغابة 4: 180، وطبقات ابن سعد 1: 337، والاصابة 3: 200، والسيرة الحلبية 2: 349 - وهو فروة بن مسيك، وقيل: مسيكة، ومسيك أكثر - ابن الحارث بن سلمة بن الحارث بن ذويد بن مالك بن منبه بن عطيف بن عبد الله بن ناجية ابن مراد، وقيل: سلمة بن الحارث بن كريب بن مالك، وهو مرادي عطيفي، أصله من اليمن، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر فأسلم، فبعثه على مراد وزبيد ومذحج، وقال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم ؟ فأذن لي في قتالهم، وأمرني، فلما خرجت من عنده سأل عني ما فعل العطيفي ؟ فأخبر أني قد سرت، فأرسل في أثري فردني، فأتيت وهو في نفر من أصحابه فقال: ادع القوم، فمن أسلم فأقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك (أسد الغابة 4: 180). وقيل لما رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال في طريقه: لما رأيت ملوك كندة أعرضت * كالرجل خان الرجل عرق نسائها يممت راحلتي أمام محمد * أرجو فواضلها وحسن ثرائها وفي الحلبية 2: 349 " وحسن ثوابها ". وانظر الحديث مرويا بمعناه عن أبي سبرة النخعي عن فروة في الاصابة 3: 200، وأسد الغابة 4: 180، والسيرة الحلبية 2: 349. (*)

[ 550 ]

رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور " (1) فقال ناس من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما سبأ، أرض أو امرأة ؟ قال " لا أرض ولا امرأة ولكن رجل من العرب، وله عشرة أبطن فتيامنت ستة وتشاءمت أربعة " قالوا: من هم يا رسول الله ؟ قال " أما الذين تيامنوا فكندة ومذحج والاشعريون وحمير وأنمار والازد (2)، وأما الذين تشاموا فجذام ولخم وعاملة وغسان " فقال قائل من القوم: يا رسول الله فما خثعم وبجيلة ؟ قال: " بطنان من أنمار " (3) * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا أبو أسامة قال، حدثنا الحسن ابن الحكم قال، حدثنا أبو سبرة النخعي، عن فروة بن مسيكة العطيفي ثم المرادي (4) قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم ؟ قال بلى، ثم بدا لي فقلت: يا رسول الله، بل أهل سبأ هم أعز وأشد قوة، قال، فأمرني وأذن لي قتال سبأ، فلما خرجت من عنده أنزل الله في سبأ ما أنزل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما فعل العطيفي ؟ فأرسل إلى منزلي فوجدني قد سرت فردني، فلما أتيت وجدته قاعدا وأصحابه، وقال " ادع القوم فمن أجابك منهم فاقبل منه ومن أبى


(1) سورة سبأ 34. (2) في الاصل " الاسد " والمثبت عن أسد الغابة 4: 184 ويؤيده ما سوف يذكر بعد من الاحاديث ". (3) في أسد الغابة 4: 181 فقال رجل وما أنمار ؟ قال صلى الله عليه وسلم: الذين منهم خثعم وبجيلة. (4) في الاصل " الرمادي " والتصويب عن المصادر السابقة وانظر أيضا الحديث مرويا بسنده ومتنه فيها. (*)

[ 551 ]

فلا تعجل عليهم حتى أحدث إليك (1) "، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، ما سبأ أرض أو امرأة ؟ قال " ليست بأرض ولا امرأة، ولكن رجل ولد عشرة من العرب، فأما ستة فتيامنوا، وأما أربعة فتشاءموا ؟ فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا فالازد وكندة وحمير والاشعريون وأنمار ومذحج " فقال رجل: يا رسول الله، ما أنمار، قال " هم الذين منهم خثعم وبجيلة " (2). * حدثنا أحمد بن عيسى، وهارون بن معروف قالا، حدثنا عبد الله ابن وهب قال: أخبرني موسى بن علي، عن أبيه، عن يزيد بن حصين بن نمير: أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت سبأ، رجل أو امرأة ؟ قال " بل رجل " قال: فما ولد من العرب ؟ قال " عشرة: (ستة) (3) يمانون وأربعة شامون، فأما اليمانون فكندة ومذحج والازد والاشعرون وأنمار، وأمسك في يده واحدا لم يسمه (4)، وأما الشآمون فلخم وجذام وغسان وعاملة " قال: يا رسول الله فحمير ؟ قال " هم وما كلهم ".


(1) في الاصل " حتى يحدث إلي " والمثبت عن أسد الغابة 4: 181. (2) وانظر أيضا الحديث في تفسير ابن كثير 7: 16 مرويا عن أبي أسامة عن الحسن ابن الحكم عن أبي سبرة النخعي عن فروة بن مسيك. (3) الاضافة عن تفسير ابن كثير 7: 15، وقال ابن كثير: وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب " القصد والامم بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم " من حديث ابن لهيعة عن علقمة بن وعلة عن ابن عباس رضي الله عنهما فذكر نحوه، وقد روي نحوه من وجه آخر. (4) وهو (حمير) حيث جاء في ابن كثير 7: 15 فأما اليمانيون فمذحج وكندة والازد والاشعريون وأنمار وحمير. (*)

[ 552 ]

* ويروى عن الشعبي: أن مرادا لما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لعروة بن ميسرة: أيسرك ما لقي قومك من الروم يوم الروضة ؟ قال: لا، أما إن ذلك برفضهم للاسلام، قال: وقالت مليكة بنت أبي حية: والله إن كنا لنترابا العطيفي بيننا في الجاهلية كما ترابون أنتم بني أمية اليوم ". * حدثنا أحمد بن معاوية بن بكر قال، حدثني أخي العباس بن معاوية، عن معد بن النحاس، عن أبيه، عن الشعبي قال: قدم ظبيان بن كدادة (1) على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسجده بالمدينة، ثم سلم، ثم قال: إن الملك لله والجهادين إلى الخير، آمنا به وشهدنا أن لا إله غيره، ونحن (قوم) (2) من سرارة مذحج بن يحابر بن مالك، لنا مآثر ومآكل ومشارب، أبرقت لنا مخائل السماء، وجادت علينا شآبيب الانواء فتوقلت (3) بنا القلاص من أعالي


(1) في العقد الفريد 2: 36 " ظبيان بن حداد وفد في سراة مذحج على النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعد السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء على الله عزوجل بما هو أهله (الحمد لله الذي صدع الارض بالنبات، وفتق السماء بالرجع نحن قوم من سراة).. وفي الاصابة 2: 232 والاستيعاب 2: 233 ظبيان بن كرادة وقيل ابن كراد الايادي أو الثقفي، وفي أسد الغابة 3: 70 ظبيان بن كدادة، ويقال ابن كداد الايادي، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم في حديث طويل يرويه أهل الاخبار والغريب فأقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه من بلاده ومن قوله فيه: وأشهد بالبيت العتيق وبالصفا * شهادة من إحسانه متقبل بأنك محمود لدينا مبارك * وفي أمين صادق القول مرسل (3) الاضافة عن النهاية في غريب الحديث 2: 360، وفي الاصل: نحن من سراة مذحج، والمعنى أي من خيارهم، وسرارة الوادي وسطه وخير موضع فيه. (6) وقل في الجبل وتوقل: إذا رقي - (الفائق 3: 177). = (*)

[ 553 ]

الجوف (1) ورؤوس الهضاب، ورفعتها عرار (2) الثرى، وألحقتها دآدئ الرحى وخفضتها بطنان الرقاق (3) وقطرات الاعناق، حتى حلت بأرضك وسمائك، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك، والله مولانا ومولاك، إن وجا (4) وسروات الطائف كانت لبني مهلائيل ابن قينان، غرسوا ودانه (5) وذنبوا خشانه (6) ورعوا قربانه (7)، فلما عصوا الرحمن هب عليهم الطوفان فلم يبق على ظهر الارض منهم أحدا إلا من كان في سفينة نوح، فلما أقلعت السماء غاض الماء أهبط الله نوحا ومن معه في حزن الارض وسهلها، ووعرها وجبلها،


= وفي النهاية في غريب الحديث 5: 216 " التوقل: الاسراع في الصعود، يقال: وقل في الجبل وتوقل إذا صعد فيه مسرعا ". (1) الحوف: بلد بعمان. مراصد الاطلاع 1: 438، العقد الفريد 2: 36. (2) في العقد 2: 36: ترفعها عرر الربا، العرر جمع عرة وهو شحمة السنام العليا. (3) بطنان الرقاق: البطنان جمع بطن وهو الناهض من الارض، والرقاق: ما اتسع من الارض ولان، واحدها رق - بالكسر. النهاية في غريب الحديث 1: 137، 2: 252 والعقد الفريد 2: 36. (4) وج - بالفتح ثم التشديد: موضع بالطائف، به كانت غزاة النبي صلى الله عليه وسلم (مراصد الاطلاع 3: 1426). (5) غرسوا ودانه: الودان، مواضع الندى والماء التي تصلح للغراس (النهاية في غريب الحديث 5: 169). (6) ذنبوا خشانه أي جعلوا له مذانب ومجاري، والخشان: ما خشن من الارض (النهاية في غريب الحديث 2: 170). (7) ورعوا قربانه: أي مجاري الماء، وأحدها قري بوزن طري - والمقري والمقراة: الحوض الذي يجتمع فيه الماء (النهاية في غريب الحديث 4: 56). والعبارة في العقد الفريد 2: 36 " غرسوا وديانه وذللوا خشانه ورعوا قربانه ". (*)

[ 554 ]

فكان أكثر بنيه ثباتا من بعده عادا وثمودا (1)، وكانا من البغي كفرسي رهان، فأما عاد فأهلكهم الله بالريح العقيم والعذاب الاليم، وأما ثمود فرماها الله بالدمالق (2) وأهلكها بالصواعق، وكانت بنو هانئ بن هدلول بن هرولة بن ثمود تسكنها (3) وهم الذين خطوا مشايرها (4)، وأتوا جداولها (5)، وأحيوا غراسها، ورفعوا عريشها، ثم إن ملوك حمير (6) ملكوا معاقل الارض وقرارها ورؤوس الملوك وغرارها (7) وكهول الناس وأغمارها (8) حتى بلغ أدناها أقصاها، وملك أولاها أخراها، فكان لهم البيضاء والسوداء وفارس الحمراء، والجزية الصفراء (9)، فبطروا النعم واستحقوا النقم، فضرب الله


(1) في العقد الفريد 2: 36 " فكان أكثر بنيه بناتا، وأسرعهم نباتا عاد وثمود ". (2) الدملق والدمالق: الاملس المستدير الشديد الاستدارة من الحجارة، وفي حديث ثمود: رماهم الله بالحجارة أي بالحجارة الملس (تاج العروس 6: 349). وانظر النهاية في غريب الحديث 2: 134 من حديث ظبيان وفيه " رماهم الله بالدمالق " أي بالحجارة الملس، يقال دملقت الشئ ودملكته: إذا أدرته وملسته ". (3) العقد الفريد 2: 37: وككانت بنو هانئ من ثمود تسكن الطائف. (4) مشايرها: ديارها، الواحدة مشارة، وهي مفعلة من الشارة، والميم زائدة، (النهاية في غريب الحديث 2: 518) وفي العقد الفريد 2: 37: خطوا مشاربها. (5) وأتوا جداولها: أي سهلوا طرق المياه إليها، يقال أتى الماء تأتية إذا سهله وأصلح مجراه (النهاية في غريب الحديث 1: 21، والعقد الفريد 2: 37). (6) الاضافة عن النهاية في غريب الحديث 3: 281. والمعاقل: الحصون. (7) المثبت عن النهاية في غريب الحديث 3: 355. الغرار والاغرار: جمع غر، وهو المحمود الذي من طبعه الغرارة وقلة الفطنة للشر. (8) الاغمار: جمع غمر مثلثة العين، وهو الحدث الذي لا تجربة له (العقد الفريد 2: 37). (9) وكانت لهم البيضاء والسواد وفارس الحمراء والجزية الصفراء: أراد بالبيضاء الخراب من الارض لانه يكون أبيض لا غرس فيه ولا زرع. وأراد بالسوداء العامر منها لاخضراره بالشجر والزرع، وأراد بفارس الحمراء تحكمهم عليه، وفي اللسان أراد بفارس الحمراء: العجم، وبالجزية الصفراء: الذهب، لانهم كانوا يجبون الخراج ذهبا. (النهاية في غريب الحديث 1: 172). (*)

[ 555 ]

بعضهم ببعض وأهلكهم في الدنيا بالغدر، فكانوا كما قال شاعرنا: الغدر أهلك عادا في منازلها * والبغي أفنى قرونا ساكني البلد من حمير حين كان البغي مجهرة * منهم على حادث الايام والنضد (1) ثم إن قبائل من الازد نزلوها على عهد عمرو بن عامر، نتجوا فيها النزائع (2) وبنوا فيها المصانع (2)، واتخذوا فيها الدسائع (3)، فكان لهم ساكنها وعامرها وقاربها وسائرها حتى نقلتها مذحج بسلاحها ونحتهم عن بواديها فأجلوا عنها مهانا وتركوها عيانا وحاولوها أزمانا، ثم ترامت مذحج بأسنتها وتشزنت (4) بأعنتها فغلب العزيز أذلها، وأكل الكثير أقلها وكنا معشر يحابر (5) أوتاد مرساها، ونظاهر أولاها، وصفاء مجراها، فأصابنا بها القحوط، وأخرجنا منها القنوط، بعد ما غرسنا بها الاشجار وأكلنا بها الثمار، وكان بنو


(1) النضد: العز والشرف، يقال لبني فلان نضد أي شرف (أقرب الموارد " نضد "). (2) في الاصل كلمة لا تقرأ والتصويب عن النهاية في غريب الحديث 5: 41، وكذا تاج العروس 5: 327، والنزائع أي الابل الغرائب انتزعوها من أيدي الناس، وقيل النزيعة من النجائب التي تجلب إلى غير بلادها ومنتجها، والعبارة في العقد الفريد 2: 37 " " ففتحوا فيها الشرائع.. وبنوا.. والشرائع موارد الشاربة الواحدة شريعة. (3) المصانع: المباني من القصور والحصون (العقد الفريد 2: 37). (4) الدسائع: قيل العطايا، وقيل الدساكر، وقيل الجفان والموائد (النهاية في غريب الحديث 2: 117، والعقد الفريد 2: 37). (5) التشزن: التأهب والتهيؤ للشئ والاستعداد له، ومنه حديث عائشة أن عمر دخل على النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقطب وتشزن له، وحديث الخدري أتى جنازة فلما رآه القوم تشزنوا ليوسعوا له (النهاية في غريب الحديث 2: 471)، والعبارة في العقد 2: 37 وتنزت بأعنتها: تنزت: توثبت. (6) يحابر أبو مذحج، حيث إن نسبهم مذحج بن يحابر بن ملك كما سبق أول الحديث. (*)

[ 556 ]

عمرو بن خالد بن جذيمة يخبطون (1) عضيدها ويأكلون حصيدها (2)، ويرشحون خضيدها (3) حتى ظعنا منها، ثم إن قيس بن معاوية وإياد بن نزار نزلوها، فلم يصلوا بها حبلا، ولم يجعلوا لها أكلا، ولم يرضوا بها آخرا، ولا أولا، فلما أثرى ولدهم، وكثر عددهم، وتناسوا بينهم حسن البلاء، وقطعوا منهم عقد الولاء، فصارت الحرب بينهم حتى أفنى بعضهم بعضا، قال: رد علينا بلدنا يا رسول الله، قال فوافق عند رسول الله الاخنس بن شريق (4) والاسود بن مسعود الثقفيين، فقال الاسود مجيبا له: يا رسول الله، إن بني هلال بن هدلول بن هوذاء بن ثمود كانوا ساكنين بطن وج بعدها آل مهلائيل بن قينان، فعطلت منازلها، وتركت مساكنها خرابا، وبناءها يبابا (1)، فتحامتها العرب تحاميا، وتجافت عنها تجافيا،


(1) يخبطون عضدها: العضيد والعضد: ما قطع من الشجر أي يضربونه ليسقط ورقه فيتخذونه علفا لابلهم. (النهاية في غريب الحديث 3: 252، العقد الفريد 2: 37). (2) يأكلون حصيدها، الحصيد: المحصود فعيل بمعنى مفعول (النهاية في غريب الحديث 1: 394). (3) يرشحون خضيدها: أي يصلحونه ويقومون بأمره. والخضيد: الشجر الذي قطع شوكه، فعيل بمعنى مفعول، وترشيحهم له: قيامهم عليه وإصلاحهم له إلى أن تعود ثمراته فتطلع كما يفعل بشجر الاعناب والنخيل (النهاية في الغريب 2: 39، وأقرب الموارد 1: 280). (4) الاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج بن أبي سلمة الثقفي، يكنى أبا ثعلبة، وكان يعرف بأبى بن شريق، أي كان اسمه أبيا، فلما أشار على بني زهرة بالرجوع إلى مكة في موقعة بدر قبلوا منه فرجعوا، فقيل خنس بهم فسمي الاخنس، وكان حليفا لبني زهرة، وأعطاه الرسول مع المؤلفة قلوبهم، وتوفي أول خلافة عمر ابن الخطاب (أسد الغابة 1: 48، الاصابة 1: 39). (5) يبابا: خرابا (أقرب الموارد - يبب). (*)

[ 557 ]

مخافة أن يصيبها ما أصاب عادا وثمودا من معاريض البلاء ودواعي الشقاء، فلما كثرت قحطان وضاق فجاجها ساق بعضهم بعضا، وانتجعوا أرضا أرضا، وأقامت بنو عمرو بن خالد بن جذيمة، ثم إن قيس بن معاوية وإياد بن نزار ساروا إليهم فساقوهم السمام، وأوردوهم الحمام، فأجلوهم عناء، فتوجهوا منها إلى ضواحي اليمن. والتمست إياد الناصف لما أصابوا من المغنم فأبت قيس عليهم، وكانت قيس أكثر من إياد عددا، وأوسع منهم بلدا، فرحلت إياد إلى العراق، وأقامت قيس ببطن وج ليست لهم سائبة يأكلون ملاحها (1) ويرعون سراحها، ويحتطبون طلاحها، ويأبرون نخلها، ويأرون (2) نجلها، سهلها وجبلها، حتى أوقدت الحرب في هبواتها، وخاضوا الاصابي (3) في غمراتها، وأخرجوهم من سرواتها، وأناخوا على إياد بالكلكل، وسقوهم بصبير النيطل (4)، حتى خلا لهم خيارها وحزونها، وظهورها وبطونها، وقطورها وعيونها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن نعيم الدنيا أقل وأصغر عند الله من خرء بعيضة، ولو عدلت عند الله جناح ذباب لم يكن لمسلم بها لحاق


(1) يأكلون ملاحها: الملاح ضرب من البنات. ويرعون سراجها: سراحها جمع سرحة أو سرح، والسرح: السهل ويقال للناقة سرح أيضا (النهاية في غريب الحديث 2: 358، 4: 355). (2) يأرون نجلها: الارن النشاط. والنجل: النز الذي يخرج من الارض والوادي. وكأن المعنى ينشطون مسايل الماء في الوديان والجبال (اللسان وتاج العروس - ارن - نجل) (3) صاب رمحه: إذا صدر سنانه للارض للطعن به (اللسان " صبا "). (4) وسقوهم بصبير النيطل: أي بسحاب الموت والهلاك. الصبير: سحاب أبيض متراكب متكاثف. النيطل: الموت والهلاك (النهاية في غريب الحديث 3: 9، 5: 76، أقرب الموارد 2: 1315). (*)

[ 558 ]

ولا لكافر خلاق (1)، ولو علم المخلوق مقدار يومه لضاقت عليه برحبها، ولم ينفعه فيها قوم ولا خفض، ولكنه عمي عليه الاجل، ومد له في الامل، وإنما سميت الجاهلية لضعف أعمالها، وجهالة أهلها لمن أدركه الاسلام وفي يده خراب أو عمران، فهو له على وطف ركاها لكل مؤمن خلص أو معاهد ذمي، إن أهل الجاهلية عبدوا غير الله، ولهم أجل ينتهون إلى مدته ويصيرون إلى نهايته، مؤخر عنهم العقاب إلى يوم الحساب، أمهلهم الله بقدرته وجلاله وعزته، فغلب الاعز الاذل، وأكل الكبير فيها الاقل، والله الاعلى الاجل، فما كان في الجاهلية فهو موضوع من سفك دم أو انتهاك محرم، " عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام " (2) فلم يرددها رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد، وقضى بها لثقيف. وقال ظبيان بن كداد في ذلك شعرا هذا منه: فأشهد بالبيت العتيق وبالصفا * شهادة من إحسانه متقبل (3) بأنك محمود لدينا مبارك * وفي (4) أمين صادق القول مرسل أتيت بنور يستضاء بمثله * ولقيت في القول الذي يتبجل متى تأته يوما على كل حادث * تجد وجهه تحت الدجى يتهلل عليه قبول من إلهي وخالقي * وسيماء حق سعيها متقبل


(1) في الاصل كلمة لا تقرأ والتصويب عن العقد الفريد 2: 37 والعبارة هناك " إن نعيم الدنيا أقل وأصغر عند الله من خرء بعيضة، ولو عدلت عند الله جناح ذباب لم يكن لكافر منها خلاق ولا لمسلم منها لحاق ". (2) سورة المائدة 95. (3) في الاصل كلمة لا تقرأ والمثبت عن الاستيعاب 2: 233. (4) في الاصل " ولي " والتصويب عن الاصابة 2: 232 والاستيعاب 2: 233. (*)

[ 559 ]

حلفت يمينا بالحجيج وبيته * يمين امرئ في القول لا يتنحل فإنك قسطاس البرية كلها * وميزان عدل ما أقام المسلل وقال في ذلك الاسود بن مسعود الثقفي: أمسيت أعبد ربي لا شريك له * رب العباد إذا ما حصل البشر (1) أهل المحامد في الدنيا وخالتها * والمبتدا حين لا ماء ولا شجر لا أبتغي بدلا بالله أعبده * ما دام بالجزع من أركانه حجر إن الرسول الذي ترجي نوافله (2) * عند القحوط إذا ما أخطأ المطر هو المؤمل في الاحياء قد علمت * عليا معد إذا ما استجمعت مضر مبارك الامر محمود شمائله * لا يشتكى منه عند الهيعة الخور أعز متصل للمجد متزر * كأنما وجهه في الظلمة القمر لا أعبد اللات والعزى أدينهما * [ أو دينهما ما كان لي السمع والبصر (3) ] لكنني أعد الرحمن خالقنا * ما أشرق النور والعيدان تعتصر " وفد بنى نهدى " (4) حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر البغدادي يوما بسر من رأى (5) على باب عمر بن شبة في شعبان سنة إحدى وستين ومائتين قال، حدثني أبي، عن خالد بن حبيش، عن عمرو بن واقد، عن عروة بن رويم، قال: قدمت وفود العرب على رسول الله صلى الله


(1) كذا في الاصل: وفي الاصابة 1: 61 ترجمة الاسود بن مسعود الثقفي.. " رب العباد إذا ما حصل اليسر ". (2) في الاصابة 1: 61 أنت الرسول الذي ترجى فواضله..... (3) مختل الوزن كذا في الاصل. (4) إضافة على الاصل. (5) سر من رأى: مدينة أنشأها المعتصم بين بغداد وتكريت (مراصد الاطلاع 2: 684). (*)

[ 560 ]

عليه وسلم فقام طهفة بن زهير النهدي (1) فقال: يا رسول الله جئناك من غوري تهامة (2) على أكوار الميس (3)، ترمي بنا العيس (4)، نستعضد البربر (5)، ونستحلب الصبير (6)، ونستخلب الخبير (7)، ونستخبل الرهام (8)،


(1) في النهاية في غريب الحديث 5: 401، وأسد الغابة 3: 66 طهفة بن زهير النهدي، وفي الاصابة 2: 227 طهية بن أبي زهير النهدي، وقال أبو عمر: هو طهفة ابن زهير النهدي، قاله بالفاء، وضبطه غيره بالياء المثناة التحتانية بدل الفاء، وفي الفائق في غريب الحديث 2: 4 طهفة بن أبي زهير النهدي، وفي الاستيعاب 2: 230 طهفة ابن زهير النهدي، وفي العقد الفريد 2: 53 " طهفة بن أبي زهير النهدي " قال الزرقاني في المواهب " 4: 192 " هذا لفظ عمران، ولفظ على " طخفة " بالخاء المعجمة وفي المواهب " ابن رهم " وقيل ابن زهير، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في ستة تسع حين وفد أكثر العرب، فكلمه بكلام فصيح، وأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله، وكتب له كتابا إلى قومه بني نهدين زيد. (2) الغور - بالفتح ثم السكون وآخره راء: وأصله ما تداخل من الارض وانهبط، وهو وتهامة اسمان لمسمى واحد، وقال ياقوت: كل ما وصفنا به تهامة فهو من صفة الغور. قال أعرابي: أراني ساكنا من بعد نجد * بلاد الغور والبلد التهاما وقيل الغور، تهامة وما يلي اليمن، وقيل ما بين ذات عرق إلى البحر غور وتهامة، وطرف تهامة من قبل الحجاز مدارج العرج. ويقال تهامة: تساير البحر، ومنها مكة والحجاز (مراصد الاطلاع 2: 1004، 1: 283). (3) أكوار الميس: جمع كور بالضم وهو رحل البعير، والميس: خشب صلب تعمل منه الاكوار. (4) العيس: الابل. (5) نستعضد البرير: البرير: ثمر الاراك إذا اسود وبلغ، ومعنى نستعضد البرير: أي نأخذه من شجره فنأكله للجدب، من العضد وهو القطع. (6) نستحلب الصبير: الصبير: السحاب الكثيف والمتراكم وهو من الصبر بمعنى الحبس كأن بعضه صبر على بعض. ونستحلب: نستدر ونستمطر (الفائق 2: 6، النهاية في الغريب 1: 422). (7) ونستخلب الخبير: الخبير: النبات والعشب، واستخلابه احتشاشه بالمخلب، وهو المنجل، ونستخلب من الخلب وهو القطع والمزق، من خلب السبع الفريسة يخلبها، ويخلبها إذا شقها ومزقها، ومنه المخلب، وقد قيل للمنجل المخلب (الفائق 2: 6). (8) نستخبل الرهام: الرهام هي الامطار الضعيفة، واحدتها رهمة، وقيل الرهمة أشد وقعا من الديمة، والاستخالة أن تظنه خليقا بالامطار. (الفائق 2: 5، والنهاية في الغريب 2: 93). (*)

[ 561 ]

ونستحيل الجهام (1)، من أرض غائلة النطاء (2)، غليظة الوطاء، قد يبس المدهن (3)، وجف الجعثن، وسقط الاملوج (4)، ومات العسلوج (5)، وهلك الهدي (6) ومات الودي (7)، برئنا إليك


(1) الجهام: السحاب الذي فرغ ماؤه. ونستحيل: أي ننظر إليه هل يتحرك أم لا، من حال يحول إذا تحرك. وقيل معناه نطلب حال مطره. ويروى بالجيم، والمعنى أن نراه جائلا تذهب به الريح هاهنا وهاهنا. ويروى بالخاء المعجمة، من خلت إخال إذا ظننت، أي تظنه خليقا بالمطر. وانظر ما جاء في النهاية في غريب الحديث 2: 93، 1: 323 والفائق في الغريب 2: 5. (2) من أرض غائلة النطاء: النطاء من النطي وهو البعيد، قال العجاج: قي تناصيها بلاد قئ * وبلدة نياطها نطي وبلد نطي أي بعيد (الفائق في غريب الحديث 2: 6، النهاية في غريب الحديث 5: 76 " وفي أسد الغابة 3: 66 من أرض غائلة النطا غليظة الموطا ". والغائلة: التي تغول سالكيها ببعدها. (3) يبس المدهن وجف الجعثن: وفي الفائق في غريب الحديث 2: 6 والنهاية في غريب الحديث 1: 274، 2: 146 نشف المدهن وجف الجعثن، والمدهن نقرة في صخرة استنقعوا فيها الماء وهو من قولهم: دهن المطر الارض إذا بلها بلا يسيرا. وناقة دهين: قليلة اللبن. الجعثن: أصل النبات، وفي النهاية في غريب الحديث 1: 274 الجعثن: هو أصل الصليان خاصة وهو نبت معروف. (4) وسقط الاملوج: الاملوج واحد الاماليج، وهو روق كأنه عيدان يكون لضرب من شجر البردي، وقيل نوى المقل، وقيل ورق من أوراق الشجر يشبه الطرفاء، وروي " سقط الاملوج من البكارة - البكارة جمع بكر وهو الفتى من الابل - أي هزلت البكارة فسقط عنها ما علاها من السمن برعي الاملوج، فسمي السمن أملوجا على سبيل الاستعارة، كقوله يصف غيثا: أقبل في المستن من ربابه * أسنمة الآبال في سحابه (الفائق 2: 6). (5) ومات العسلوج: العسلوج الغصن الغصن الناعم ومنه قولهم طعام عسلوج (الفائق في غريب الحديث 2: 6). (6) وهلك الهدي: الهدي والهدي بمعنى واحد وهو ما يهدي إلى البيت الحرام من النعم، وقرى (والهدي معكوفا) وأراد الابل فسماها هديا لانها تكون منها، أو أراد هلك منها ما أعد لان يكون هديا واختير لذلك لعدم ما يرعاه. (7) الودي: الفسيل (صغار النحل)، ومات الودي أي يبس النخل من شدة القحط والجدب (الفائق في غريب الحديث 2: 6، والنهاية في غريب الحديث 5: 170، أسد الغابة 3: 67). (*)

[ 562 ]

يارسول الله من الوثن (1) والعنن وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام وشريعة الاسلام ما طما البحر (2)، وقام تعار (3)، لنا نعم همل (4) أغفال (5)، ما تبض ببلال (6)، ووقير (7) (كثير الرسل (8)


(1) الوثن: الصنم. العنن الاعتراض والخلاف: أي برئنا من أن نخالف ونعاند قال ابن حلزة: عننا باطلا وظلما كما تع‍ * - تر عن حجرة الربيض الظباء (النهاية في غريب الحديث 3: 313، الفائق في غريب الحديث 2: 6) وفي أسد الغابة 3: 67 العنن: الاعتراض، ويقال عن لي الشئ إذا اعترض، كانه قال: برئنا إليك من الشرك والظلم. وقيل: أراد الخلاف والباطل. (2) طما البحر: ارتفع بامواجه (أسد الغابة 3: 67، الفائق في غريب الحديث 2: 6، النهاية في غريب الحديث 3: 139). (3) قام تعار: تعار: اسم جبل ببلاد قيس (المراجع السابقة). (4) لنا نعم همل: همل أي مهملة لا رعاء لها ولا فيها من يصلحها ويهديها (المراجع السابقة). (5) أغفال: جمع غفل وهي التي لا سمة عليها، وفي النهاية في غريب الحديث قيل الاغفال هنا التي لا ألبان لها، وقيل الغفل الذي لا يرجى خيره ولا شره. (6) ما تبض ببلال: أي ما يقطر منها لبن وما يسيل منها ما يبل (المراجع السابقة). (7) الوقير - قيل: الغنم الكثيرة، وقيل أصحابها، وقيل القطيع من الضأن خاصة، قال أبو عبيدة: لا يقال للقطيع وقير حتى يكون فيه الكلب والحمار والمراد من الوقير الغنم والكلاب والرعاة جميعا، أي أنها كثيرة الارسال في المرعى. وفي النهاية في غريب الحديث 2: 222 (وقير كثير الرسل قليل الرسل) يريد أن الذي يرسل من المواشي إلى المرعى كثير العدد لكنه قليل الرسل وهو اللبن، فهو فعل بمعنى مفعل، أي أرسلها فهي مرسلة قال الخطابي: هكذا فسره ابن قتيبة، وقد فسره العذري وقال: كثر الرسل أي شديد التفرق في طلب، وهو أشبه لانه قال في أول الحديث: مات الودي وهلك الهدي يعني الابل، فإذا هلكت الابل مع صبرها وبقائها على الجدب، كيف تسلم الغنم وتنمى حتى يكثر عددها ؟ وإنما الوجه ما قاله العذري، فإن الغنم تتفرق وتنتشر في طلب المراعى لقلته. (8) سقط في الاصل وما بين الحاصرتين عن الفائق في غريب الحديث 2: 4، وأسد الغابة 3: 67، والنهاية في غريب الحديث 2: 222. والرسل بفتح الراء والسين - من الابل والغنم ما بين عشرة إلى خمسة وعشرين، يريد أن الذي يرسل من المواشي إلى المرعى كثير والرسل بالكسر - أي اللبن، وقيل كثير الرسل بالفتح شديد التفرق في طلب المرعى لقلة النبات. وفي الفائق في غريب الحديث 2: 7 كثير الرسل قليل الترسل: والرسل: ما يرسل إلى المرعى، وجمعه أرسال، وقيل: التفرق والانتشار في المرعى لقلة النبات وتفرقه، والرسل: اللبن أي هي كثيرة العدد قليلة اللبن. (*)

[ 563 ]

قليل الرسل " أصابتها سنة حمراء مؤزلة (1)، ليس لها فهل ولا علل (2). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم بارك له في محضها (3) ومخضها ومذقها، واحبس مراعيها في الدمن (وابعث راعيها في الدثر (4) ويانع الثمر وافجر له الثمد (5)، وبارك له في (المال) (6) والولد، من أقام الصلاة كان مؤمنا (7)، ومن أدى الزكاة - لم يكلفك عاملا - (كان محسنا) (8) ومن شهد أن لا إله إلا الله


(1) أصابتها سنة حمراء مؤزلة: أي شديدة الجدب والبلاء لان آفاق السماء تحمر في سني الجدب والقحط. والمؤزلة أي التي جاءت بالازل: وهو الضيق، ويروى المؤزلة بالتشديد. (2) في الفائق في غريب الحديث 2: 6 " ليس لها علل ولا نهل " والنهل من الاضداد لوقوعه على الريان والعطشان، وحقيقته أول السقى (النهاية في غريب الحديث 5: 138 - أقرب الموارد 2: 1353). والعلل: الشربة الثانية، أو الشرب بعد الشرب تباعا، ويقال " علل بعد نهل " (تاج العروس " علل "). (3) " اللهم بارك في محضها ومخضها ومذقها ". المحض: اللبن الخالص، والمخض: تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج زبدة. والمذق: المزج والخلط، ويقال مذقت اللبن فهو مذيق إذا خلطته (أسد الغابة 3: 69، الفائق في غريب الحديث 2: 7). (4) إضافة عن النهاية في غريب الحديث 2: 100، والفائق في غريب الحديث 2: 4، أسد الغابة 3: 67). قال ابن الاثير في النهاية: الدثر هاهنا الخصب والنبات الكثير، ووافقه بذلك صاحب أسد الغابة في 3: 67. وقال للزمخشري في الفائق 2: 7: هو المال الكثير. (5) وافجر له الثمد - بإسكان الميم وفتحها مع فتح الثاء: الماء القليل لا مادة له، يدعو لهم بكثرة الماء وإغزاره (العقد الفريد 2: 54، الفائق 2: 7). (6) الاضافة عن الفائق 2: 5، والعقد الفريد 2: 54). (7) في الفائق 2: 5، والعقد الفريد 2: 54 " كان مسلما ". (8) الاضافة عن الفائق 2: 55، والعقد الفريد 2: 54. (*)

[ 564 ]

كان مسلما (1)، لكم يا بني نهد ودائع الشرك (2) ووضائع الملك (3)، لم يكن لكم عهد ولاء موكد، لا تتثاقل (4) عن الصلاة، ولا تلطط (5) في الزكاة، ولا تلحد في الحياة (6)، من أقر بالاسلام، فله ما في هذا الكتاب، ومن أقر بالجزية فعليه الربوة (7)، وله من رسول الله الوفاء بالعهد والذمة، وكتب مع طهفة بن زهير النهدي (8).. من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد (9) السلام عليكم (10)،


(1) في الفائق 2: 55 والعقد الفريد 2: 54 " كات مخلصا ". (2) ودائع الشرك: المراد بها العهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين من جاورهم من الكفار في المهادنة، وقيل المراد: ما كانوا استودعوه من أموال الكفار الذين لم يدخلوا في دين الاسلام، أراد إحلالها لهم لانها مال كافر قدر عليه من غير عهد ولا شرط (العقد الفريد 2: 54، الفائق 2: 55). (3) في الاصل وضائع اللط، والتصويب عن الفائق في غريب الحديث 2: 7، والعقد الفريد 2: 54، والوضائع: جمع وضيعة وهي الوظيفة تكون على الملك (بالكسر) وهي ما يلزم الناس في أموالهم من الصدقة والزكاة. أي لكم الوظائف التي تلزم المسلمين لا نتجاوزها معكم، ولا نزيد عليكم فيها شيئا. وقيل معناها: ما كان ملوك الجاهلية يوظفونه على رعيتهم، ويستأثرون به في الحرب وغيرها من المغنم، أي لا نأخذ منكم ما كان ملوككم وظفوه عليكم بل هو لكم. (4) في أسد الغابة 3: 66 " ولا تغافل عن الصلاة " وفي العقد الفريد 2: 55 " ولا تثاقل عن الصلاة "، ورواية الاصل متفقة بذلك مع الفائق في غريب الحديث 2: 5. (5) لا تلطط في الزكاة: يقال لط وألط إذا دافع عن حق يلزمه وستره، والمعنى أي لا تمنع في الزكاة (العقد الفريد 2: 54، الفائق 2: 7، أسد الغابة 3: 67). (6) لا تلحد في الحياة: الالحاد الميل عن الحق إلى الباطل، أي لا تمل عن الحق إلى الباطل ما دمت حيا (الفائق 2: 7). (7) " من أقر بالجزية فعليه الربوة ": أي من امتنع عن الاسلام لاجل الزكاة كان عليه من الجزية أكثر مما يجب عليه بالزكاة (النهاية في غريب الحديث 2: 192). (8) الاضافة عن الفائق في غريب الحديث 2: 4. (9) الاضافة عن العقد الفريد 2: 55، والفائق في غريب الحديث 2: 5. (10) في الفائق 2: 5، والعقد الفريد 2: 55 " السلام على من آمن بالله ورسوله ". (*)

[ 565 ]

في الوظيفة الفريضة (1)، ولكم العارض والفريس (2) وذو العنان الركوب (3) والفلو الضبيس (4)، لا يؤكل كلاكم، ولا يعضد طلحكم (5) ولا يقطع سرحكم (6) (ولا يحبس دركم (7) ما لم


(1) " في الوظيفة الفريضة " الوظيفة: النصاب في الزكاة: الفريضة: الهرم المسنة. أي لا نأخذ في الصدقات هذا الصنف كما لا نأخذ خيار المال (العقد الفريد 2: 55). (2) " ولكم العارض والفريس " العارض التي أصابها كسر أو رض، والفريس الذي قد فرست عنقه. وفي الفائق في غريب الحديث 2: 5 " ولكم العارض والفريش ". وفي العقد الفريد 2: 55 " ولكم الفارض والفريش " وعرف ابن عبد ربه الفارض أي المريضة، والفريش: الحديثة، العقد بالنتاج، وهى من خيار المال لانها لبون. وفي النهاية في غريب الحديث 3: 430 " ولكم العارض والفريش " ثم عرف الفريش: الناقة الحديثة الوضع كالنفساء من النساء، ويقال فرس فريش إذا حمل عليها صاحبها بعد النتاج بسبع، وقال الهروي: لتسع. (3) ذو العنان: الفرس الركوب الذلول، أي لكم الفرس المذلل للركوب (الفائق 2: 8، العقد الفريد 2: 55). (4) الفلو الضبيس: الفلو: المهر، والضبيس: الصعب العسر الركوب (العقد الفريد 2: 55، الفائق 2: 8). (5) لا يعضد طلحكم: يعضد: يقطع، الطلح: الشجر الذي لا ثمر له، والمعنى لا يقطع شجركم البتة، طلحا كان أو غيره، لانه إذا نهى عن قطع ما لا ثمر له وهو الطلح فغيره أولى (العقد الفريد 2: 55). (6) في الفائق 2: 5، والعقد الفريد 2: 55 " لا يمنع سرحكم، والسرح: ما سرح من المواشي، أي لا يدخل عليكم أحد في مراعيكم ". (7) الاضافة عن الفائق في غريب الحديث 2: 5، والنهاية في غريب الحديث 1: 329، والعقد الفريد 2: 55 أي لا تحبس ذوات الدر - وهو اللبن - عن المرعى بحشرها وسوقها إلى المصدق ليأخذ ما عليها من الزكاة لما في ذلك من الاضرار بها، والقصد الرفق بمن تؤخذ منهم الزكاة بعدم حبسها. (*)

[ 566 ]

تضمروا الاماق (1) وتأكلوا الرياق (2) الكور: رحال البعير. العيس الابل. يستعضد: يقطع، والبرير: ثمر الاراك. (عامة) والمرد (غضه) (3) والكباب (نضيجه)، الجعثن: ضرب من النبت. العسلوج: الغصن. العنن: الاعتراض. الوقير: الشاء الكثير. الرسل: اللبن. المؤزلة: الازل. الشدة والضيق. النهل: أول شربة. والعلل: الشربة الثانية. المحض: اللبن الخالص. والمخض: اللبن المخيض. والمذق: اللبن الرقيق الذي قد شيب بالماء. الدمن: آثار الناس، وما سودوا بالرماد، الثمد: البقية من الماء القليل. اللط: الجاحد. والالحاد: الزوال من الطريق. الضبيس: المهزول. والفلو: ولد الفرس.


(1) الاماق: تخفيف الامآق: بحذف الهمزة وإلقاه حركتها على الساكن قبلها وهو الميم، وهو أماق الرجل إذا صار ذا ماقة وهي الحمية والانفة، والمعنى ما لم تضمروا الحمية وتستشعروا عبية الجاهلية التي منها ينتج النكف والغذر. والاوجه أن يكون من الاماق مصدر أماق، على ترك التعويض كقولهم أرأيته إراء. وكقوله تعالى (وإقام الصلاة) وهو أفعل من الموق بمعنى الحمق، والمراد إضمار الكفر والعمل على ترك الاستبصار في دين الله، وفي رواية: " ما لم تضمروا الرماق " وهو النفاق: أي ما لم تضيق صدوركم عن أداء الحق (الفائق في غريب الحديث 2: 8، العقد الفريد 2: 55). (2) الرباق: جمع ربق، وهو الحبل الذي يجعل فيه عرى وتشد به البهيمة وأراد به هنا: العهد، أي لا تنقضوا العهد، شبه ما لزم أعناقهم بالربق في أعناق البهم، وشبه نقضه بأكل البهم ربقها وقطعه، لان البهيمة إذا أكلت الربق خلصت من الشد، واستعار الاكل لنقض العهد. (الفائق في غريب الحديث 2: 8، العقد الفريد 2: 55). ثم ذيل الحديث في الفائق 2: 8 والعقد الفريد 2: 55 بعد قوله " ولا تأكلوا الرباق " " من أقر بما في هذا الكتاب فله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الربوة ". والربوة: الزيادة على الفريضة عقوبة على إبائه الحق، أي من أبى إعطاء الزكاة فعليه الزيادة في الفريضة عقوبة له. (3) ما بين الحواصر عن لسان العرب 5: 120 وفيه عن حديث طهيفة " ونستصعد البرير " - بالصاد المهملة - أي نجنيه للاكل، والبرير ثمر الاراك إذا اسود وبلغ. (*)

[ 567 ]

الفريس: الذي قد فرست عنقه. الطلح: الشجر، شجر الوادي، ولا يقطع سرحكم، السرح: الشاء. الماق: الخلو من العقل. الرياق: العهد الذي جعله الله في أعناقكم. * حدثنا محمد بن الحسن قال، حدثنا الرقاشي قال، حدثنا حمزة بن نصير البيروذي (1) قال: حدثنا الزيان بن عباد بن شبل المذحجي - عربي من أهل صنعاء - عن عمر بن موسى، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة لم يبرح مصلاه حتى تطلع الشمس، فقال لنا يوما " يطلع عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن عليه مسحة ملك " قال: فطلع جرير بن عبد الله البجلي (2) في أحد عشر راكبا من قومه، فعقلوا ركابهم ثم دخلوا


(1) حمزة نصير البيروذي نسبة إلى بيروذ من نواحي الاهواز - وهى بموحدة ثم تحتانية ثم مهملة ثم معجمة بعد الواو - روى عن مقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان، وعنه زهير بن حبان الرؤاس. (الخلاصة للخزرجي وحاشيتها ص 94 ط بولاق). (2) جرير بن عبد الله بن جابر - وهو الشليل بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جشم ابن عوف بن خزيمة بن حرب بن علي، البجلي، الصحابي، يكنى أبا عمرو، وقيل يكنى أبا عبد الله، اختلف في وقت إسلامه، ففي الطبراني الاوسط من طريق حسين ابن عمر الاحمسي عن إسماعيل بن أبي خالد بن قيس بن أبي حازم عن جرير قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أتيته فقال: " ما جاء بك ؟ قلت جئت لاسلم، فألقى إلى كساءه وقال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. وجزم الواقدي أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان سنة عشر، وأن بعثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك، وأنه وافى مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع من عامة، وكان جرير جميلا، قال عمر: هو يوسف هذه الامة، وقدمه عمر في حروب العراق على جميع بجيلة، وكان لهم أثر عظيم في فتح القادسية، ثم سكن جرير الكوفة، وأرسله علي رسولا إلى معاوية، ثم اعتزل الفريقين، وسكن قرقيسيا حتى مات سنة إحدى وخمسين، قيل أربع وخمسين، وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم بعثه إلى ذي الخلصة فهدمها، = (*)

[ 568 ]

المسجد، فقال جرير: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معاشر قريش ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذا رسول الله يا جرير، أسلم تسلم يا جرير، أسلم تسلم - قالها ثلاثا - يا جرير إنك لم تستحق حقيقة الايمان، ولن تبلغ شريعة الاسلام حتى تدع عبادة الاوثان، يا جرير إن غلظ القلوب والجفاء والحوب (1) في أهل الوير والصوف، يا جرير إني أحذرك الدنيا وحلاوة رضاعها ومرارة فطامها " فقال جرير: يا رسول الله، ما الذي جئت أسألك عنه ؟ قال " جئت تسأل عن حق الوالد على ولده، وعن حق الولد على والده، ومن حق الوالد على ولده أن يخضع له في الغضب والتعب، ومن حق الولد على والده أن يحسن أدبه وأن لا يجحد نسبه، إن المكافئ ليس بالواصل، إنما الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها " قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم " يا جرير أين تنزلون ؟ " قال: ننزل في أكناف


= وروى شعبة وهشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلى قال: ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني قط إلا ضحك وتبسم. وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل وافدا عليه " يطلع عليكم ذي يمن، كأن على وجهه مسحة ملك " فطلع جرير، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذي كلاع وذي رعين باليمن. وفي جرير قال الشاعر: لولا جرير هلكت بجيلة * نعم الفتى وبئست القبيلة قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما مدح من هجى قومه (الاصابة 3: 233، الاستيعاب 1: 234، أسد الغابة 1: 279، المستدرك على الصحيحين 3: 464، التاج الجامع للاصول: 3: 413 (. والحديث ورد في منتخب كنز العمال 5: 152، وفيه بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ عرض له في خطبته فقال: " سيدخل عليكم من هذا الفج أو من هذا الباب من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك، قال جرير فحمدت الله على ما أبلاني به.. الحديث. (1) الحوب: الاثم، وانظر الحديث في النهاية في غريب الحديث 1: 455. (*)

[ 569 ]

بيشة (1) بين سلم وأراك (2)، وسهل ودكداك (3)، وحمض (4)، (وعلاك (5) بين نخلة ونخلة (6)، شتاؤنا ربيع وربيعنا مريع (7)،


(1) بيشة: قرية كانت غناء في واد كثير الاهل من بلاد اليمن (مراصد الاطلاع 1: 242، وفي تاج العروس 4: 285، 6: 228 قام بيشة واد بطريق اليمامة، فقد قال ابن القصار على حاشية ديوان حميد بن ثور. بيشة واد من أودية اليمن، وأكنافها: نواحيها. (2) في النهاية في غريب الحديث 2: 395 في حديث جرير " بين سلم وأراك " السلم: شجر من العضاه واحدتها سلمة - بفتح اللام - وورقها القرظ الذي يدبغ به. وفي العقد الفريد 2: 59 السلم: شجر من العضاه، والاراك: شجر له حمل كعناقيد العنب. (3) الدكداك: ما تلبد من الرمل بالارض ولم يرتفع كثيرا، أي أن أرضهم ليست ذات حزونة (العقد الفريد 2: 49) وانظر (النهاية في غريب الحديث 2: 138 وأيضا الفائق في غريب الحديث 1: 504). (4) الحمض: كل نبت في طعامه حموضة. (5) العلاك - بالفتح: شجر ينبت بناحية الحجاز، ويقال له العلك، ويروى أيضا بالنون (النهاية في غريب الحديث 3: 290، الفائق في غريب الحديث 1: 405، العقد الفريد 2: 49). (6) الاضافة عن الفائق في غريب الحديث 1: 405، والعقد الفريد 2: 49 ومكانها في الاصل عبارة غير مقروءة. وقال صفي الدين بن عبد الحق البغدادي في كتابه مراصد الاطلاع على أسماء الامكنة والبقاع 3: 1365: نخلة: واد من الحجاز بينه وبين مكة مسيرة ليلتين. وفي تاج العروس 8: 131 نخلة: واد على ليلة من مكة من بلاد هذيل، وقيل واد باليمامة. ولعل المراد نخلة الشامية ونخلة اليمانية، والشامية واديان - لهذيل على ليلتين من مكة، واليمامة - واد يصب فيه يدعان (مراصد الاطلاع 3: 1364). (7) في الفائق 1: 405 " وجنابنا مريع: أي خصيب " وفي العقد الفريد 2: 49 " وجنابها مريع ". (*)

[ 570 ]

وماؤنا يميع (1)، لا يضام ماتحها (2) ولا يعزب سارحها (3) ولا يحسر صابحها (4). فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أما إن خير الماء الشبم (5)، وخير المال الغنم. وخير المرعى الاراك والسلم، إذا أخلف كان لجينا (6) وإذا سقط كان درينا (7) وإذا أكل كان


(1) " ماؤنا يميع " أي يسيل - جاء في النهاية في غريب الحديث 4: 386 ماؤنا يميع وجنابنا مريع من ماع الشئ يميع وانماع إذا ذاب وسال. (2) لا يقام ما تحها: الماتح: المستقي من البئر بالدلو من أعلى البئر، أراد أن ماءها جار على وجه الارض فليس يقام بها ماتح، لان الماتح يحتاج إلى إقامته على الآبار ليستقي (النهاية في غريب الحديث 4: 291، الفائق في غريب الحديث 1: 405. وهذه العبارة ساقطة من العقد الفريد 2: 49). (3) لا يعزب سارحها: السارح: النعم، أي نبتهم قريب من المنازل، فنعمهم لا تعزب أي لا يبعد ما يسرح منها إذا غدت للمرعى (النهاية في غريب الحديث 2: 358، والفائق في غريب الحديث 1: 406، واللفظ ساقط من العقد الفريد 2: 49). (4) لا يحسر صابحها: حسر يحسر: إذا عيي، والصابح: الذي يصبح الابل، أي يسقيها صباحا، والمعنى أي لا يكل ولا يعيى صابحها لانه يوردها ماء ظاهرا على وجه الارض فلا يعيى في سقيها. والعبارة ساقطة من العقد الفريد 2: 49، (النهاية في غريب الحديث 3: 6، الفائق في غريب الحديث 1: 405). (5) خير الماء الشبم - بكسر الباء - أي البارد، والشبم بفتح الباء البرد، وفي رواية أخرى خير الماء السنم - بالسين ؟ والنون - أي المرتفع الجارى على وجه الارض، ونبت سنم أي مرتفع، وكل شئ علا شيئا فقد تسنمه. (النهاية في غريب الحديث 2: 409، 441، الفائق في غريب الحديث 1: 406، العقد الفريد 2: 49، تاج العروس 8: 354). (6) إذا أخلف كان لجينا: اللجين بفتح اللام وكسر الجيم: الخبط، وذلك أن ورق الاراك والسلم يخبط حتى يسقط ويجف، ثم يدق حتى يتلجن، يتلجن، أي يتلزج ويصير كالخطمي، وكل شئ تلزج فقد تلجن، وهو بمعنى مفعول (النهاية في غريب الحديث 4: 235، الفائق في غريب الحديث 1: 504، العقد الفريد 2: 50). (7) الدرين: حطام المرعى إذا تناثر وسقط على الارض (النهاية في غريب الحديث 2: 115، الفائق في غريب الحديث 1: 406، العقد الفريد 2: 50). (*)

[ 571 ]

لبينا (1) " فقال جرير: يا رسول الله أخبرني عن السماء الدنيا وعن الارض السفلى، قال " خلق الله السماء الدنيا من ألوح الكفوف (2)، وحفها بالنجوم، وجعلها رجوما للشياطين. وحفظها من كل شيطان رجيم، وخلق الارض السفلى من الزبد الجفاء (3) والماء الكباء (3)، وجعلها على صخرة عن ظهر حوت يخرج منها الماء، فلو انخرق منها خرق لاذرت الارض ومن عليها، سبحان خالق النور " قال، فقال جرير: يا رسول الله ابسط يدك حتى أبايعك، قال: فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال جرير: يا رسول الله اعتقد. قال اعتقد أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " قال: نعم قال: وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، قال: نعم، قال: وتصوم رمضان، قال: نعم، قال: وتغتسل من الجنابة وتحج البيت، قال: نعم قال وتسمع وتطيع وإن كان عبدا حبشيا، قال: نعم (4).


(1) في الاصل " لينا " والتصويب عن النهاية في غريب الحديث 4: 229، والفائق في غريب الحديث 1: 405، والعقد الفريد 2: 50، وتاج العروس 4: 285. ولبينا: أي مدرا للبن مكثرا له. يعني أن النعم إذا رعت الاراك والسلم غزرت ألبانها، وهو فعيل بمعنى فاعل. وفي الفائق 1: 406 " اللبين بمعنى اللابن " من لبنت القوم إذا سقيتهم اللبن، كأنه يلبن القوم لانه يدره ويكثره. (2) ألوح الكفوف: أي ألواح مكفوفة مزجت على ما فيها وقفلت (تاج العروس 6: 236). (3) الزبد الجفاء: أي المجمع المتكاثف في جنباته، والماء الكباء: أي العالي العظيم، أي أنه خلقها من زبد اجتمع للماء وتكاثف في جنباته (النهاية في غريب الحديث 4: 147، العقد الفريد 2: 50). (4) انظر الحديث بمعناه في منتخب كنز العمال 5: 152. (*)

[ 572 ]

خبر مسيلمة الكذاب * حدثنا الحزامي، وأحمد بن عيسى قالا، حدثنا عبد الله بن وهب قال، سمعت عمرو بن الحارث، عن ابن أبي هلال: أنه بلغه أن مسيلمة الكذاب كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عيك أما بعد (فإني قد أشركت في الامر معك (1) وإن لنا نصف الارض ولقريش نصفها، ذلك بأنهم قوم يعدلون (2). فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى (3) أما بعد: فإن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. * قال ابن أبي هلال، وأخبرني سعيد بن زياد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ورجل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن مسيلمة قدم في جيش عظيم (4) حتى نزل في نخل (رملة (5) بنت الحارث، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه


(1) الاضافة عن سيرة ابن هشام 4: 1019 ط. صبيح، والسيرة الحلبية 2: 347. (2) في ابن هشام 4: 1019 " ولكن قريشا قوم يعتدون ". (3) في الاصل " سلام عليك " والمثبت عن ابن هشام 4: 1019، وتاريخ الطبري 4: 1749، والبداية والنهاية 6: 341، والسيرة الحلبية 2: 347. (4) شرح المواهب للزرقاني 4: 22 قدم في بشر كثير من قومه ". (5) الاضافة عن طبقات ابن سعد 1: 316، وفي تاريخ الطبري 4: 1737 ط. بيروت " فكان منزلهم في دار ابنة الحارث امرأة من الانصار ثم من بني النجار "، انظر أيضا الجزء السادس من إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري للقسطلاني 6: 435، وقيل إن التي نزل عليها هي رملة بنت الحدث - بدال مهملة بعد الحاء المهملة لابراء - والحدث هو ابن ثعلبة بن الحرث بن زيد بن الانصار، وكانت دارها دار الوفود. إرشاد الساري 6: 435. (*)

[ 573 ]

يقول: إن جعل لي محمد الامر من بعده تبعته، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه إلا ثابت بن قيس بن شماس في يده جريدة حتى وقف عليه، فقال: " لو أنك سألتني هذه ما أعطيتك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله (1)، وهذا ثابت يجيبك عني، وإني لاحسبك الذي أريت فيه ما أريت (2) " قال ابن عباس رضي الله عنهما فطلبت رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثني أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا أنا نائم أريت كأن في يدي سوارين من ذهب فنفختهما (3) فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي: العنسي (4) صاحب صنعاء، ومسيلمة صاحب اليمامة (5).


(1) في شرح المواهب 4: 22 " ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنك ". (2) في الاصل " رأيت فيه ما رأيت "، والتصويب عن البداية والنهاية 6: 341، وشرح المواهب للزرقاني 4: 22، وإرشاد الساري للقسطلاني 6: 434. (3) في: 6: 434 من إرشاد الساري للقسطلاني، 15: 193 من صحيح البخاري بشرح الكرماني " سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحي إلي في المنام أن أنفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين.. الحديث. وانظر الحديث بمتنه هناك. (4) العنسي: هو عبهلة بن كعب بن غوث الاسود العنسي، وكان يكنى ذا الخمار، قتله فيروز الديلمي لانه كان قد خرج وادعى النبوة، وغلب على عامل النبي صلى الله عليه وسلم بصنعاء (شرح المواهب 4: 23). (5) مسيلمة صاحب اليمامة، قتله زيد بن عاصم الانصاري المازني، وقيل غيره، في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. في البداية والنهاية 6: 325 ولما دخل المسلمون الحديقة من حيطانها وأبوابها يقتلون من فيها من المرتدة من أهل اليمامة حتى خلصوا إلى مسيلمة لعنه الله وإذا هو واقف في ثلمة جدار كأنه جمل أورق يريد أن يتساند، لا يعقل من الغيظ، وكان إذا اعتراه شيطانه أزبد حتى يخرج الزبد من شدقيه، فتقدم إليه وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم - قاتل حمزة - فرماه بحربته فأصابه فخرجت من الجانب الآخر، وسارع إليه أبو دجانة سماك بن خرسة فضربه بالسيف فسقط، فنادت امرأة من القصر: وا أمير المضاءة قتله العبد الاسود. (*)

[ 574 ]

* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة الكذاب رجلا من قومه بني حنيفة - كان قد أسلم - ليأتيه بمسيلمة، فانطلق الرجل حتى قدم عليه فبلغه رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاه إليه، فأبى أن يأتيه، وبعث مسيلمة رجلين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسألاه، ويكلماه، فلما قدم الرجلان، فتشهد أحدهما فذكر رسول الله وحده، ثم كلمه بما بدا له، فلما قضى كلامه تشهد الرجل الآخر فذكر رسول الله وذكر مسيلمة معه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذوا هذا فقتلوه، فثار إليه المسلمون فأخذوا بلببه وأخذ صاحبه بحجزته، وطفق يقول: يا رسول الله اعف عني بأبي أنت، فتجابذ هو والمسلمون حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلوه، فلما أرسلوه تشهد فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده. وأسلم هو وصاحبه فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج هو وصاحبه حتى قدما على أهلهما باليمامة فافتتن الذي أمسك بحجزته فقتل مع مسيلمة كافرا، واستمسك الذي كان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله لم يفتنه أمر مسيلمة. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس بن محمد قال، حدثنا شيبان، عن قتادة في قوله " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله (1) " قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في عدو الله


(1) سورة الانعام 93 وانظر قصة مسيلمة وسجعه وكهانته في (معالم التنزيل للبغوي 3: 360، والسيرة الحلبية 2: 346، وشرح المواهب للزرقاني 4: 19 - 25، والبداية والنهاية 6: 346). (*)

[ 575 ]

مسيلمة قال: وذكر لنا أن رجلا أتى مسيلمة فقال: إن لي إليك حاجة، قال: أسر أم علانية ؟ قال: لا، بل سر، فدنا منه فقال: أرأيت الذي يأتيك، أفي ضوء يأتيك أم في ظلمة ؟ قال: لا، بل في أضواء من النهار، قال: أشهد أنك رسول الله، قال: فعرفت أن الهدى في ضوء، وأن الضلالة في ظلمة. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا علي بن ثابت قال، حدثنا الوازع، عن أبي سلمة، عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: جاء مسيلمة الكذاب إلى المدينة، فنزل في نخل للانصار في بشر كثير من قومه، فجعل يقول: إن جعل لي محمد الامر من بعده تابعته واتبعته، فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه أقاويل، فانطلق إليه ومعه ثابت بن قيس، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيب فوقف عليه فقال: لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتك، ولئن أدبرت ليعقرن الله بك، وإني لاراك (1) الذي أريت فيه ما أريت، وهذا ثابت بن قيس بن شماس يجيبك عني. قال: وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجبت عنه، فلما انصرف جعلت أقول: ليتني أدري ما الذي أري فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبغي أن أسأله حتى جلست مجلسا فيه أبو هريرة. فقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أريت في منامي أن في يدي سوارين من ذهب فغماني وشقا علي فجعلت أعالجها لانزعهما، فأوحي إلي أن أنفخ فيهما، فنفخت


(1) لاراك - يقول الزرقاني: بفتح الهمزة أي لاعتقدك، وفي بعضهما بضم الهمزة أي لاظنك (شرح المواهب 4: 22). (*)

[ 576 ]

فيهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي، وكان أحدهما صاحب صنعاء والآخر مسيلمة " (1). * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا أبي وهب قال، أخبرني يونس عن ابن شهاب، أن طلحة بن عبد الله بن عوف أخبره، عن عياض بن مسافع، عن أبي بكرة أخي زياد لامه قال: أكثر الناس في شأن مسيلمة الكذاب قبل أن يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد في شأن هذا الرجل الذي قد أكثرتم في شأنه، فإنه كذاب من ثلاثين كذابا يخرجون قبل الدجال، وإنه ليس بلد إلا يدخله ركب المسيخ إلا المدينة على كل نقب من أنقابها يومئذ ملكان يذبان عنها رعب المسيخ (2). * حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني إسماعيل بن اليسع، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أريت في منامي كأن في يدي سوارين من ذهب فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان: الاسود العنسي ومسيلمة صاحب اليمامة (3). * حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا خالد بن عبد الله، عن حسين ابن قيس، عن عطاء، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:


(1) انظر الحديث بمعناه في صحيح البخاري بشرح الكرماني 15: 95، وإرشاد الساري للقسطلاني 6: 435. (2) انظر الحديث بمعناه في مجمع الزوائد 7: 332 مرويا عن أبي بكرة، والمسيح بالحاء المهملة بدلا من المسيخ، والمستدرك 4: 541. (3) انظر الحديث مرويا بمعناه عن عبد الله بن عباس في مسند الامام أحمد بن حنبل 4: 115 تحقيق شاكر. (*)

[ 577 ]

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام كأن في ساعديه سوارين من ذهب. قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فنفختهما فطارا، قال: هما كذابا أمتي، صاحب اليمامة وصاحب اليمن، ولن يضرا أمتي شيئا. * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أريت كأن في يدي سوارين من ذهب فنفختهما فطارا فأولتهما هذين الكذابين صاحب اليمن وصاحب اليمامة (1). * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا ابن وهب قال، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: تنبأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم خمسة: مسيلمة، وامرأته، وطلحة، والاسود بن كعب، وعجرة. حدثنا الحجاج بن نصير قال، حدثنا قرة بن خالد قال، سمعت الحسن عن أنس رضي الله عنه يقول: جاء مسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام من عنده قال: هذا يبتعث هلكة لقومه (3).


(1) انظر الحديث مرويا بمعناه عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار - أو أخيه سلمان بن يسار - عن أبي سعيد الخدري أيضا. (2) هذا الحديث في المستدرك 3: 53 عن محمد بن حيان الانصاري عن شيبان ابن فروخ عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس رضي الله عنه ولفظه: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسيلمة فقال له مسيلمة تشهد أني رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت بالله وبرسله، ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن هذا رجل أخر لهلكة قومه. (*)

[ 578 ]

* حدثنا عمرو بن قسط قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثني عبد الملك بن معقل بن منبه قال، حدثني عمي وهو ابن منبه قال: خرج الاسود العنسي (1) الكذاب فتنبأ، فخرج إليه فيروز بن الديلمي (2)، فقتله، ثم حملوا رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم وفدهم وعليهم المآثر الديباج عليها الذهب والدر، فألقى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم منتفة له وقال: " اعتجر بها وألق هذه المنتفة إلي، فإنها ليست من لباسنا " قال: فأهل ذلك البيت إلى اليوم يسمون آل ذي المعجز.


(1) الاسود العنسي واسمه " هبعلة بن كعب، كما تقدم في ترجمته، وكان كاهنا شعباذا، وكان يريهم الاعاجيب كما قال الطبري، وقد قتله فيروز الديلمي في سنة إحدى عشرة من الهجرة (مسند ابن حنبل 4: 115 تحقيق شاكر). (2) في الاصل " النيروزين الديلمي فقتلوه " وما أثبتناه من تاريخ الطبري 4: 1867 ط. بيروت، 6: 310 من البداية والنهاية، 4: 186 من أسد الغابة، 3: 204 من الاصابة، وفيهم: عن ابن عمر قال: أتى الخبر النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي يبشرنا: فقال: قتل العنسي البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين، قيل: من ؟ قال: فيروز فاز. وفيروز هو فيروز الديلمي، ويقال ابن الديلمي، يكنى أبا الضاحك، وقيل: أبا عبد الله. وقيل أبا عبد الرحمن، يماني كناني من أبناء الاساورة، من فارس الذين كان كسرى بعثهم إلى قتال الحبشة. قال ابن منده: هو ابن أخت النجاشي، قال النعمان بن الزبير عن أبي صالح الاحمى عن مر المؤدب قال: خرجت مع فيروز إلى عمر فقال: هذا فيروز قاتل الكذاب، قال ابن سعد وأبو حاتم وغيرهما: مات في خلافة عثمان، وقيل في خلافة معاوية باليمن سنة ثلاث وخمسين. وقيل: إن فيروز الديلمي وقيس بن المكشوح وداذويه قد دخلوا عليه فقتلوه. وقيل كان بين خروج الاسود العنسي بكهف خبار إلى أن قتل نحو أربعة أشهر، وقيل كان قبل ذلك مستترا، وقيل بين أول أمره وآخره ثلاثة أشهر (الاصابة 3: 204، أسد الغابة 2: 129، 4: 227، مسند ابن حنبل 4: 115 تحقيق شاكر، والاستيعاب 3: 199). (*)

[ 579 ]

وفاة وائل بن حجر الحضرمي (1) * حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني ابن لهيعة قال: قدم وائل بن حجر (2) على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعه وهو بمكة يومئذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاوية: " اخرج معه، قال وذلك في (يوم (3) حار فركب وائل راحلته ومعاوية رضي الله عنه يمشي، فقال له معاوية رضي الله عنه: أردفني خلفك، فإن الحر شديد، قال: إنك لست من أرداف الملوك، قال: فأعطني نعليك ألبسهما، قال: ليس لمثلك لبس نعلي (4)، فلما


(1) إضافة على الاصل. (2) هو وائل بن حجر - بضم المهملة وسكون الجيم - بن ربيعة بن وائل بن يعمر الحضرمي، ويقال ابن حجر بن سعد بن مسروق بن وائل بن النعمان بن ربيعة بن الحارث ابن سعد الحضرمي يكنى أبا هنيدة، كان قيلا من أقيال حضرموت وكان أبوه من ملوكهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بقدومه قبل أن يصل بأيام، وقال: " يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت طائعا راغبا في الله ورسوله، وهو بقية أبناء الملوك. فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه، وقرب مجلسه، وبسط له رداءه فأجلسه عليه مع نفسه على مقعده. وقال: " اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده. واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقيال من حضرموت، وكتب معه ثلاثة كتب، منها كتاب إلى المهاجر بن أبي أمية، وكتاب إلى الاقيال والعباهلة، وأقطعه أرضا، وكان وائل بن حجر رضي الله عنه زاجرا حسن الزجر، خرج يوما من عند زياد بالكوفة وأميرها المغيرة فرأى غرابا ينعق فرجع إلى زياد فقال له يا أبا المغيرة: هذا غراب يرحلك من ها هنا إلى خير، فقدم رسول معاوية من يومه إلى زياد أن سر إلى البصرة واليا، وروى وائل بن حجر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث. (الاصابة 3: 592، الاستيعاب 3: 605، أسد الغابة 5: 81، طبقات ابن سعد 1: 351 البداية والنهاية 5، 79، معالم التنزيل 3: 609). (3) سقط في الاصل. (4) في طبقات ابن سعد 1: 351 قال: " لا يبلغ أهل اليمن أن سوقة لبس نعل ملك، ولكن إن شئت قصرت عليك ناقتي فسرت في ظلها. (*)

[ 580 ]

استخلف معاوية رضي الله عنه قدم عليه فأقعده معه على سريره، فقال رجل من مضر: من هذا الذي أقعدت معك على السرير يا أمير المؤمنين ؟ قال: هذا رجل ما كان يرانا قبل اليوم على جلسة، ثم أنشأ في خبره، فقال وائل: نحن السوقة وأنت اليوم الملك. وهاجر وائل إلى الكوفة فقال ابن لهيعة: وكتب له: من محمد رسول الله لوائل بن حجر وبني معشر وبني ضمعج أن لهم شنوءة وبيعة وحجرا والله لهم ناصر - وشنوءة وبيعة وحجر قرى ". * حدثنا أبو داود قال، أنبأنا شعبة، عن سماك بن حرب قال، سمعت علقمة بن وائل، يحدث عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا بحضرموت. * حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن عاصم بن كليب عن أبيه، عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ولي شعفة (1) - قال: ذوأبة - فذهبت فأخذت من شعري ثم جئته، فقال: لم أخذت من شعرك ؟ فقلت سمعتك تقول ذوأبة فظننت أنك تعنيني، فقال: ما عنيتك - وهكذا أخبر. وفد نجران (2) * حدثنا أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن القرشي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، عن عطاء ابن السائب، عن الشعبي قال: قدم وفد نجران (3) فقالوا لرسول الله


(1) الشعفة محركه: الذؤابة يقال له " شعفتان وشعفتان تنوسان " أي ذؤابتان الاساس ص 236 وأقرب الموارد 1: 556. (2) إضافة على الاصل. (3) في مراصد الاطلاع 3: 1359 " نجران - بالفتح ثم السكون وآخره نون - = (*)

[ 581 ]

صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن عيسى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم. فقالوا: ما ينبغي لعيسى أن يكون فوق هذا: فأنزل الله فيه: " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " (1). * قال الوليد، قال أبو عمرو: انه قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم السيد والعاقب (2) فخاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم خصومة لم يخاصم مثلها قط، فانصرف أحدهما وبقي الآخر، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملاعنة، فأجابه إليها، فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: والذي


= من مخاليف اليمن من ناحية مكة، وبها كان خبر الاخدود، وإليها تنسب كعبة نجران، وكانت بيعة بها أساقفة مقيمون، منهم السيد والعاقب اللذان جاء ذكرهما في هذا الحديث. وفي فتح الباري بشرح صحيح البخاري 8: 73 قال ابن حجر: نجران - بفتح النون وسكون الجيم - بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن، يشتمل على ثلاثة وسبعين قرية، مسيرة يوم للراكب السريع. وقال ابن حجر قال ابن سعد: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليهم فخرج إليه وفدهم أربعة عشر رجلا، وعند ابن إسحق من حديث كرز بن علقمة: أنهم كانوا أربعة وعشرين رجلا. وفي تفسير ابن كثير 2: 164 " قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ستون راكبا فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم. (1) سورة آل عمران، 61 (2) السيد والعاقب: في فتح الباري 8: 73، وتفسير ابن كثير 2: 155، وطبقات ابن سعد 1: 357: أما السيد فاسمه الايهم - بتحتانية ساكنة - ويقال شرحبيل، وكان عالمهم وصاحب رحالهم ومجتمعهم ورئيسهم، والعاقب واسمه عبد المسيح، وكان ذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه. وقال ابن حجر في فتح الباري: وكان معهم أيضا أبو الحرث بن علقمة، وكان أسقفهم وحبرهم وصاحب مدارسهم. (*)

[ 582 ]

نفسي بيده لئن لاعنوني لا يحول حول وبنجران عين تطرف (1)، قال: فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وغدا حسن وحسين وفاطمة وناس من أصحابه، وغدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما للملاعنة جئناك، ولكن جئناك لتفرض علينا شيئا نؤديه إليك، وتبعث معنا من يهدينا الطريق. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو لاعنتموني ما حال الحول وبنجران عين تطرف (2)، قال: ففرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الملاحف النجرانية، ثم قال: أنا باعث معكم أمين هذه الامة (3)، فتشوف لها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وغيرهما، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


(1) في تفسير ابن جرير الطبري 3: 193 عن ابن جريج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده، ولو لاعنوني ما حال الحول وبحضرتهم منهم أحد إلا أهلك الله الكاذبين. (2) في معالم التنزيل 2: 157 والسيرة الحلبية 2: 335 يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أما والذي نفسي بيده لقد تدلى العذاب على أهل نجران، ولو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولاستأصل الله تعالى نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولا حال الحول على النصارى حتى يهلكوا. وورد هذا الحديث بمعناه في 3: 192 من تفسير ابن جرير الطبري، وفيه " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: والذي نفس محمد بيده أن كان العذاب قد تدلى على أهل نجران ولو فعلوا لاستؤصلوا عن جديد الارض. (3) في السيرة الحلبية " قالوا له: أرسل معنا أمينا، فأرسل معهم أبا عبيدة عامر ابن الجراح رضي الله عنه، وقال لهم: هذا أمين هذه الامة، وفي رواية هذا هو القوي الامين " وكان لذلك يدعى في الصحابة بذلك، وانظر الحديث بمعناه في مسند الامام أحمد ابن حنبل 6: 15 تحقيق شاكر، وكذا الاصابة 2: 243 ترجمة عامر بن عبد الله الجراح (أبو عبيدة). (*)

[ 583 ]

أنشدكم بالله وما أنزل على عيسى بن مريم، أتعلمون أنكم إنما استقبلتم المشرق بعد رفع الله عيسى ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم بالله وما أنزل على عيسى ابن مريم، أتعلمون أنه من شرب الخمر نزل عليه سخط الله حتى يبلغ السماء ؟ قالوا كلهم: نعم. * حدثنا الحزامي قال، حدثنا ابن وهب قال، أخبرني الليث بن سعد، عن من حدثه قال: جاء راهبا نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليهما الاسلام فقالا: إنا قد أسلمنا قبلك. فقال: كذبتما، إنه يمنعكما من الاسلام ثلاث: عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزيز، وقولكما لله ولد. فقال أحدهما: من أبو عيسى فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لا يعجل حتى يكون ربه هو يأمره، فأنزل الله عليه: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب " حتى بلغ " فلا تكن من الممترين (1) " (ثم قال تعالى) (2) فيما قال الفاسقان " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم " إلى قوله " فنجعل لعنة الله على الكاذبين " (3) قال فدعاهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة (4) وأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، فقال أحدهما للآخر: قد أنصفك الرجل، فقالا: لا نباهلك، وأقرا بالجزية وكرها الاسلام.


(1) سورة آل عمران 59، 60 (2) الاضافة عن تفسير ابن كثير 2: 53 (3) سورة آل عمران 61 (4) في الاصل " المبارزة " والتصويب عن معالم التنزيل 2: 154 وفي تفسير ابن كثير 2: 158 فدعاهما إلى الملاعنة، والمباهلة من بهل فلان فلانا أي لاعنه، وهو مأخوذ من البهل بمعنى التخلية (تاج العروس 7: 238)، ويقال في الكلام ما له بهله الله أي لعنه الله، وما له عليه بهلة الله. يريد اللعن (البداية والنهاية 5: 52). (*)

[ 584 ]

* حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر (عن حذيفة رضي الله عنه (1): أن العاقب والسيد صاحبي نجران أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرادا أن يلاعناه (2)، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فو الله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، فقالا: لا نلاعنك، ولكن نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا، فقال: " لابعثن معكما رجلا أمينا حق أمين، فاستشرف لها أصحابه، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح. فلما قام قال: هذا أمين هذه الامة (3). * حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا أبو عمرو عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي الفتح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل نجران، وكتب لهم كتابا. بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب محمد النبي رسول الله لاهل نجران إذا كان حكمه عليهم، أن في كل سوداء أو بيضاء وصفراء وتمرة ورقيق، وأفضل (4) عليهم وترك ذلك لهم على ألفي حلة، في كل صفر ألف حلة، وفي كل رجب ألف حلة، مع كل


(1) الاضافة عن تفسير ابن كثير 2: 156 (2) في الاصل " فلاعنته " والمثبت من البداية والنهاية لابن كثير 5: 52، وتفسير ابن كثير 2: 156 (3) والحديث - سندا ومتنا - في ابن كثير 2: 156، ورواه مسلم والبخاري من حديث حذيفة، ورواه الامام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود. (4) " وأفضل عليهم " في ابن كثير 2: 58 " فاضل عليهم " وفي البداية والنهاية 5: 55 فأفضل عليهم. (*)

[ 585 ]

حلة أوقية (1) (ما زادت على الخراج أو نقصت على الاواقي فبحساب، وما قضوا من دروع أو خيل أو ركاب أو عرض أخذ منهم بحساب، وعلى نجران مثواة رسلي ومتعتهم بها عشرين فدونه، ولا يحبس رسول فوق شهر، وعليهم عارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، إذا كان كيد باليمن ومعذرة. وما هلك مما أعاروا رسولي من دروع أو خيل أو ركاب فهو ضمان على رسولي حتى يؤديه إليهم، ولنجران وحسبها جوار الله وذمة محمد النبي على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وتبعهم، وألا يغيروا مما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا واقه من وقهيته (2) وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم ريبة ولا دم جاهلية، ولا يحشرون ولا يعشرون (3)، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين، ومن


(1) سقط في الاصل والمثبت عن زاد المعاد لابن القيم الجوزي 3: 40 ط. المصرية سنة 1928. (2) في زاد المعاد 3: 40 ط. المصرية سنة 1928: " وقهة من وقهيته " والمثبت عن النهاية في غريب الحديث 5: 217، وكذا تاج العروس 9: 431 وفيهما أي النهاية في غريب الحديث 5: 211 والتاج 9: 431 في كتابه لاهل نجران: " لا يحرك راهب عن رهبانيته ولا وافه عن وفهيته ولا قسيس عن قسيسته "، والوافه: قيم البيعة التي فيها صليب النصارى، بلغه أهل الجزيرة. هكذا قاله الازهري وهو الصواب، وهكذا ضبطه ابن بزرح بالفاء. وفي رواية أخرى: ولا واقه عن وقاهيته، والواقه مثل الوافه بالفاء كما أثبتناه. (3) ولا يحشرون ولا يعشرون: أي لا يندبون إلى المغازي ولا تضرب عليهم البعوث، وقيل لا يحشرون إلى عامل الزكاة ليأخذ صدقة أموالهم بل يأخذها في أماكنهم (النهاية في غريب الحديث 1: 389، حديث صلح أهل نجران). (*)

[ 586 ]

أكل ربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة، ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين بظلم (1). وفد عبد القيس رضي الله تعالى عنهم (2) * (حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا يحيى بن عبد الرحمن العصري قال، حدثنا شهاب بن عباد: أنه سمع من بعض وفد عبد القيس (3) وهم يقولون: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد فرحهم بنا، فلما انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا فقعدنا، فرحب بنا النبي صلى الله عليه وسلم ودعا لنا، ثم نظر إلينا فقال " من سيدكم وزعيمكم ؟ فأشرنا بأجمعنا إلى المنذر بن عائذ (4)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أهذا الاشج " فكان أول


(1) إضافة على الاصل. (2) انقطاع وسقط في الاصل. والمثبت عن مسند ابن حنبل 3: 432. (3) عبد القيس قبيلة كبيرة يسكنون البحرين ينسبون إلى عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جليلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وذكر ابن حجر في الفتح أن لهم وفادتين إحداهما قبل الفتح سنة خمس أو قبلها، ولهذا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم " بيننا وبينك كفار مضر، وكانت قريتهم بالبحرين أول قرية أقيمت فيها الجمعة بعد المدينة، وكان عددهم ثلاثة عشر، وسألوا عن الايمان والاشربة، وكان فيهم الاشج كما هو مبين في هذا الحديث، أما الوفادة الثانية فكانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذ أربعين رجلا، وكان فيهم الجارود العبدي، (انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري، وبهامشه الجامع الصحيح 8: 67). (4) المنذر بن عائذ بن المنذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عصر بن عوف ابن عمرو بن عوف بن جديمة الاشج العبدي العصري، له صحبة ومكان من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان حليما فاضلا، وهو الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والاناة. (وانظر ترجمته وأخباره في أسد الغابة 1: 96، 4: 417، الاستيعاب 3: 441، الاصابة 3: 439، جمهرة أنساب العرب 296 ط. دار المعارف). (*)

[ 587 ]

يوم وضع عليه هذا الاسم بضربة لوجهه بحافر حمار، فقلنا: نعم يا رسول الله، فتخلف بعد القوم فعقل رواحلهم، وضم متاعهم، ثم أخرج عيبته (1) فألقى عند ثياب السفر، ولبس من صالح ثيابه ثم أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بسط النبي صلى الله عليه وسلم رجله واتكأ، فلما دنا منه الاشج أوسع القوم له وقالوا: ها هنا يا أشج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، واستوى قاعدا وقبض رجله - " هاهنا يا أشج، فقعد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم فرحب به (*) وألطفه وعرف فضله عليهم، فأقبل القوم على النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه ويخبرهم (2)، حتى إذا كان بعقب الحديث قال " أمعكم من أزوادكم شئ (3) ؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، وقاموا سراعا كل واحد منهم إلى ثقله فجاءوا بصبر (4) التمر، فوضعت


(1) العيبة: وعاء من أدم يكون فيه المتاع (تاج العروس 1: 402). (*) وإلى هنا، ثم ما أضيف عن مسند ابن حنبل 3: 432. (2) (يسألونه ويخبرهم): في مسند ابن حنبل 3: 432، 4: 206 " وسأله عن بلاده، وسمى له قرية قرية - الصفا والمشقر وغير ذلك من قرى هجر - فقال: بأبي وأمي يا رسول الله لانت أعلم بأسماء قرانا منا. فقال: إني قد وطئت بلادكم وفسح لي فيها. قال: ثم أقبل على الانصار فقال: يا معشر الانصار أكرموا إخوانكم فإنهم أشباهكم في الاسلام، أشبه شئ بكم شعارا وإبشارا، أسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين إذا أبى قوم أن يسلموا حتى قتلوا. قال: فلما أن أصبحوا قال: كيف رأيتم كرامة إخوانكم لكم وضيافتهم إياكم ؟ قالوا: خير إخوان، ألانوا فراشنا وأطابوا مطعمنا، وباتوا وأصبحوا يعلمونا كتاب ربنا تبارك وتعالى، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فأعجبت النبي صلى الله عليه وسلم، وفرح بها، ثم أقبل علينا رجلا رجلا، فعرضنا عليه ما تعلمنا وعلمنا، فمنا من تعلم التحيات وأم الكتاب والسورة والسورتين والسنة والسنتين، ثم أقبل علينا بوجهه فقال هل معكم من أزوادكم. ؟ الحديث. (3) وفي مسند ابن حنبل 3: 432، 4: 206 " هل معكم من أزوادكم شئ ". (4) صبر التمر: ما جمع بلا كيل ولا وزن وكان بعضه فوق بعض (تاج العروس 3: 324، الفائق في غريب الحديث 1: 547). (*)

[ 588 ]

على نطع بين يديه، وبيده جريدة دون الذراعين وفوق الذراع، كان يختصره بها، قلما يفارقها، فأومأ بها إلى صبرة من ذلك التمر، فقال: أتسمونها التعضوض ؟ (1) قالوا: نعم يا رسول الله، قال: وتسمعون هذا الصرفان ؟ (2) قالوا: نعم، قال: وتسمعون هذا البرني ؟ (3) قالوا: نعم يا رسول الله، قال: هو خير تمركم وأنفعه لكم " - وقال بعض شيوخ الحي: وأعظمه بركة - فأقبلنا عن وفادتنا تلك وإنما كانت عندنا خصبة (4) نعلفها إبلنا وحميرنا، فلما رجعنا من وفادتنا تلك عظمت رغبتنا فيها، ونسلناها حتى تحولت ثمارنا فيها ورأينا البركة فيها. * حدثنا عبد الواحد بن غياث (الصيرفي) (5) قال، حدثنا حويل الصفار قال، حدثنا النعمان بن خبران الشيباني، عن صهباء بنت خليد العصري (6) عن بعض وفد عبد القيس قال: وفدنا


(1) التعضوض - بفتح التاء - تمر أسود شديد الحلاوة ومعدنه هرج، وفي النهاية في غريب الحديث 1: 191،، والفائق 1: 547، ومسند ابن حنبل 3: 432، 4: 206: فقال صلى الله عليه وسلم " أتسمون هذا التعضوض " وفي تاج العروس 5: 55 أن وفد عبد القيس قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فكان فيما أهدوا له قربا من تعضوض. (2) الصرفان: ضرب من أجود التمر وأوزنه (النهاية في غريب الحديث 3: 25، والفائق 1: 548، مسند الامام 3: 432، 4: 206 وتاج العروس 6: 164). (3) البرني: تمر ضخم كثير اللحاء، أحمر مشرب صفرة، عذب الحلاوة (الفائق في غريب الحديث 1: 548، تاج العروس 9: 137). (4) الخصبة: واحدة الخصاب، وهو نخل الدقل. وهو أردأ أنواه التمر (الفائق في الغريب 1: 548، النهاية في الغريب 2: 137، تاج العروس 1: 236). (5) الاضافة عن الخلاصة للخزرجي ص 246 ط. بولاق. (6) أي من بني عصر من أهل هجر، وهم بنو عصر بن عوف بن عمرو بن عوف بن جذيمة بن عوف بن أنصار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد قيس (جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 296 ط. دار المعارف، الاصابة 2: 17). (*)

[ 589 ]

على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهدينا له أنواعا من التمر، فجعل يقلب البرني فقال " هذا من أمثل تمركم فيه البركة. * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا يونس بن عبيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال، حدثني أشج عبد القيس قال، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فيك لخلتين يحبهما الله: الحلم والحياء قال: قلت يا رسول الله أقديما كان ذلك أو حديثا ؟ قال: لا، بل قديما، فقال: الحمد لله الذي جعلني على خلتين يحبهما (1). * حدثنا سعيد بن عامر قال، حدثنا أبان بن أبي عياش، عن الحكم بن حيان النجاري (2) - وكان من الوفد الذي وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عبد القيس - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال إذا أصبح أو ما من عبد يقول إذا أصبح - الحمد لله ربي الله الذي لا أشرك به شيئا، وأشهد أن لا إله إلا الله، ثلاث مرار إلا ظل يغفر له ذنوبه شئ بشئ، وإذا قالها إذا أمسى إلا بات يغفر له ذنوبه حتى يصبح. * حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: جاءني أهل بيت من عبد القيس بكتاب، زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه لهم، فانتسخت بهجائه، فإذا فيه " بسم الله الرحمن الرحيم "، هذا كتاب من رسول الله لسفيان بن همام (3)


(1) انظر الحديث بمعناه في أسد الغابة 1: 97، والبداية والنهاية: 47. (2) ذكر ابن حجر في الاصابة 1: 342 " أن الحكم بن حيان العبدي ثم النجاري كان هو وأخوه عبد الرحمن في وفد عبد القيس ". (3) هو سفيان بن همام المحاربي، من محارب عبد القيس، وقيل من محارب خفصة = (*)

[ 590 ]

علي بني ربيعة بن قحطان، وبني زفر بن زفر، وبني الشحر، لمن أسلم منهم وأعطى الزكاة، وأطاع الله ورسوله، واجتنب المشركين، وأعطى من المغنم خمس الله وصفيه، وسهم النبي وصفيه، فإنه أمر بأمر الله ومحمد، ومن خالف أو نكث فإن ذمة الله ومحمد منه بريئة، وإن لهم خطبهم من الصلصل (1) ومن الاكرم ودار ورك (2) وصمعر (3) وسلان (4) ومور (5) فكل إتاوة لهم. * حدثنا عاصم بن علي قال، حدثنا شعبة، عن ابن حمزة أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من القوم ؟ أو ممن الوفد ؟ قالوا: من ربيعة، قال مرحبا (6) بالقوم غير الخزايا ولا النادمين (7)، فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع إتيانك


= ابن قيس عيلان، والاول أصح، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنه قومك عن نبيذ الجر فإنه حرام من الله ورسوله " أخرجه ابن منده وأبو نعيم (أسد الغابة 2: 323، الاصابة 2: 56). (1) في الاصل " صلصل " وفي تاج العروس 7: 407 " صلاصل " وهو ماء لبني عامر بن جذيمة بن عبد قيس. (2) الورك: رملة قيل في غربي اليمامة (مراصد الاطلاع 3: 1434). (3) صمعر - بالفتح ثم السكون والعين المهملة المفتوحة وآخره راء: موضع في ديار الحارث بن كعب (مراصد الاطلاع 2: 852). (4) السلان: من أرض تهامة مما يلي اليمن، وفيه واد فيه حلفاء وماء (مراصد الاطلاع 2: 726). (5) مور: أحد مشارف اليمن الكبار. وإليه يصب أكثر أودية اليمن (مراصد الاطلاع 3: 1231). (6) بياض بالاصل مقدار كلمة والحديث في إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري 6: 430 عن قرة عن أبي جمرة عن ابن عباس، متصل متفق في الرواية مثل حديث ابن شبة هذا بدون البياض المشار إليه. (7) في البداية 5: 46، " غير خزايا ولا الندامى ". (*)

[ 591 ]

إلا في شهر حرام، وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فأخبرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا (1) وندخل به الجنة، قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، أمرهم بالايمان بالله وحده وقال: أتدرون ما الايمان بالله وحده ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس. ونهاهم عن الحنتم (2) والدباء (3) والنقير (4)، قال: وربما قال المقير والمزفت (5) قال: احفظوهن وخبروا بهن من وراءكم (6).


(1) في الاصل " من وراءه " وفي إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري 6: 431 " فمرنا بأشياء نأخذ بها وندعو إليها من وراءنا ". وفي البداية والنهاية 5: 47 " فمرنا بأمر فصل ندعو إليه من وراءنا وندخل به الجنة " والمثبت عنهما. (2) في النهاية في غريب الحديث 1: 448 " أنه نهى عن الدباء والحنتم ". والحنتم: جرار مدهونة خضر، كانت تحمل الخمر فيها إلى المدينة. ثم اتسع فيها فقيل للخزف كله حنتم، واحدتها حنتمة، وإنما نهى عن الانتباذ فيها لانها تسرع الشدة فيها لاجل دهنها. وقيل لانها كانت تحمل من طين يعجن بالدم والشعر فنهى عنها ليمتنع من عملها. والاول أوجه. (3) الدباء: اليقطين (القرع) كانوا ينتبذون فيها فتسرع الشدة في الشراب. (النهاية في غريب الحديث 2: 96، إرشاد الساري 6: 431، مسند ابن حنبل 3: 22). وفي إرشاد الساري: أن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب ثم يدفنونه حتى يهدر ثم يموت. (4) النقير: أصل النخلة ينقر وسطه ثم ينبذ فيه التمر ويلقي عليه الماء ليصير نبيذا مسكرا. والنهي واقع على ما يعمل به لا على اتخاذ النقير، فيكون على حذف المضاف تقديره عن نبيذ النقير، وهو فعيل بمعنى مفعول وهو فعل أهل اليمامة (النهاية في غريب الحديث 5: 104، إرشاد الساري 6: 431، مسند ابن حنبل 3: 23، البداية والنهاية 5: 46، السيرة الحلبية 2: 345). (5) في النهاية في غريب الحديث 2: 304 المزفت: الاناء الذي طلي بالزفت - وهو نوع من القار - ثم انتبذ فيه. (6) انظر الحديث بمعناه في إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري 6: 431، والنهاية في غريب الحديث بأجزائه السابقة، ومتن الجامع الصحيح للبخاري هامش فتح = (*)

[ 592 ]

(وفد بني نمير) (1) * حدثنا أبو معاوية يزيد بن عبد الملك بن شريك النميري قال، زعم عائذ بن ربيعة (بن قيس) (2) وكان قد لقي الوفد الذي قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني نمير قال: لما أرادت بنو نمير أن تسلم قال لهم مضرس بن جناب: يا بني نمير لا تسلموا حتى أصيب مالا فأسلم عليه. قال: وإنه انطلق زيد بن معاوية القريعي (3) - قريع نمير - وبنو أخيه قرة بن دعموص (4) والحجاج ابن (نبيرة (5) حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم


= الباري 8: 67، ومسند ابن حنبل 3: 23، والبداية والنهاية 5: 46، والسيرة الحلبية 2: 345. (1) إضافة على الاصل. (2) الاضافة عن أسد الغابة 2: 241 ترجمة زيد بن معاوية النميري، وانظر الحديث هناك مرويا عن عبد ربه بن خالد عن أبيه عن عائذ بن ربيعة بن قيس عن عباد ابن زيد عن قرة بن دعموص، وفيه قال: لما جاء الاسلام أرادت بنو نمير أن تسلم فانطلق زيد بن معاوية وابن أخيه قرة والحجاج بن نبيره حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث - وانظر الحديث أيضا في الاصابة مرويا عن يزيد بن عبد الملك النميري عن عائذ ابن ربيعة، وهو مما يتفق في الاسناد مع عمرو بن شبة في روايته التي معنا. (3) في أسد الغابة 2: 241، والاصابة 1: 555: زيد بن معاوية النميري عم قرة بن دعموص ". (4) قرة بن دعموص بن ربيعة بن عوف بن معاوية بن قريع بن الحارث بن نمير النميري، من بني نمير بن عامر بن صعصعة، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم مع نفر من قومه منهم قيس بن عاصم.. الحديث (الاصابة 3: 224 فقد روى ابن حجر الحديث هناك من طريق عبد ربه بن خالد بن عبد الملك بن شريك النميري إمام مسجد بني نمير يقول: سمعت أبي يذكر، عن عائذ بن ربيعة القريعي، عن عباد بن زيد، عن قرة ابن دعموص قال: لما جاء الاسلام انطلق زيد بن معاوية وابنا أخيه قرة بن دعموص والحجاج بن نبيرة.. الحديث. قال ابن حجر رواه عمر بن شبة من رواية يزيد بن عبد الملك ابن شريك. ولم يذكر عباد بن زيد في السند كما هو واقع في هذا الحديث. (5) بياض في الاصل والمثبت عن أسد الغابة 2: 241. (*)

[ 593 ]

فوجدوا عنده الضحاك بن سفيان الكلابي، ولقيط بن المنتفق العقيلي، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنتم ؟ قالوا: نحن بنو نمير، قال: أجئتم لتسلموا ؟ فقال زيد: لا، وقال قرة: أما أنا يا رسول الله فجئت إليك أخاصم في دية أبي، أي دية أبي عند هذا: يعني زيدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا زيد ما يقول هذا الغلام ؟ قال: صدق، قال: فادفع إليه دية أبيه. فقال: يا رسول الله، هل لام من ميراث ابنها حق ؟ قال: نعم، قال: سأعطيها حقها، وقال الحجاج: أما أنا يا رسول الله فأتيتك بمجاهدتين. قال: قد قبلناهما، ادفعهما إلى الضحاك بن سفيان، وإلى لقيط بن المنتفق، قال: فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قوم قد جئناكم من عند خير الناس، قال: فقالت بنو نمير لزيد: ما يقول هذا الغلام ؟ فقال: صدق. ولولا مضرس بن جناب لامرتكم أن تأتوه، قال: فاجتمع نفر: منهم أبو زهير، وعدة من بني جعونة ابن الحارث، وشريح بن الحارث (1) أحد بني عبد الله، وقرة ابن دعموص، فتوجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما


(1) كذا بالاصل، وهو في الاصابة 1: 280، 2: 166، وفي أسد الغابة 1: 332، 5: 117 الحارث بن شريح النميري، قيل ابن ذؤيب بن ربيعة بن عامر ابن ربيعة المنقري التميمي، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد بني منقر مع قيس ابن عاصم. وعند دلهم بن دهشم العجلي عن عائذ بن ربيعة، قال حدثني قرة بن دعموص وقيس ابن عاصم وأبو زهير بن أسيد بن جعونة بن الحارث ويزيد بن عمرو والحارث بن شريح، قالوا: وفدنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني نمير فقلنا: ما تعهد ؟ فقال تقيمون الصلاة، وتنطون الزكاة، وتحجون البيت، وتصومون رمضان، فإن فيه ليلة هي خير من ألف شهر.. أخرجه أبو عمر. (أسد الغابة 1: 332، 5: 117). (*)

[ 594 ]

قدموا عليه تقدم الاشياخ الجعويون (1)، وتخلف قرة بن دعموص وشريح بن الحارث في الركاب، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنتم ؟ قالوا: نحن بنو نمير، قال: فما جاء بكم أجئتم لتسلموا ؟ قالوا: نعم، قال: فلمن تأخذون ؟ قالوا: نأخذ لبني الحارث ابن نمير، قال: أفلا تأخذون لعمريين ؟ قالوا: لا، قال: فأسلموا وأخذوا لبني الحارث، ثم انصرفوا إلى ركابهم، فقال لهم شريح: ما صنعتم ؟ قالوا: صنعنا خيرا وأخذنا لبني الحارث بن نمير، قال: ما صنعتم شيئا، ثم أقبل على قرة بن دعموص فقال له: ألست تعرفه ؟ قال: بلى، قال: فانطلق، قال: فلبسا ثيابهما، ثم انطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما تقدما إليه عرف قرة فقال: ألست الغلام النميري الذي أتاني يخاصم في دية أبيه ؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: فما جاء بكما ؟ قال: جئنا لنسلم وتدعو الله لنا. فقال لقرة: ادنه، فدنا منه، فمسح صدره ودعا له بخير، ثم دنا منه شريح بن الحارث فأسلم وقال: آخذ لقومي. قال: لمن تأخذ ؟ قال آخذ لنمير كلها، قال: وللعمريين ؟ قال: وللعمريين، قال: إني قد بعثت خالد بن الوليد سيف الله، وعيينة بن حصن الفزاري إلى أهلكم، وهذه برأتكم، قال: فكتب لهما كتابا: إذا أتاك كتابي هذا فانصرف إلى أهل العمق من أهل اليمامة، فإن بني نمير قد أتوني فأسلموا وأخذوا لقومهم، فرجعا إلى رحالهما، قال: فتخلف الاشياخ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانطلق


(1) الاشياخ الجعويون نسبة إلى جعونة بن الحارث بن نمير بن عامر بن صعصعة وهم: أبو زهير بن أسيد بن جعونة بن الحارث، وأبو وهب أسيد بن جعونة، وقيس ابن عاصم بن أسيد بن جعونة بن الحارث بن نمير - انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 279 ط المعارف، والاصابة 3: 224، وأسد الغابة 5: 117. (*)

[ 595 ]

شريح وقرة إلى خالد حتى قدما عليه وهو منيخ هو وصاحبه، فقال شريح لقرة: ما ترى ؟ قال: أرى أن ننيخ إلى الفسطاط فتدفع إليهما كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: أمهل حتى ينهضا من منزلهما. فلما نهضا أتياهما، فقال خالد: من أنتما ؟ قالا: رجلان من بني نمير، قال خالد: كيف تريان هذه الخيل وأنها تأتيكما غدا ؟ قالا: فلا تأتنا. قال: بلى والله. قالا: لا والله. ودفعا إليه كتاب رسول الله على رؤوس الناس، فقال خالد: أما والله حتى تتلقوني بالاذان فلا، فقال شريح لقرة: اركب يا قرة هذه وتوجه إلى قومك. وإن قدرت أن تشق بطنك فضلا عن ثيابك فافعل، اصرخ فيهم ومرهم أن يتلقوه بالاذان، فتوجه إليهم وأمامه شريح، قال أبو معاوية: فأخبرني بعض أهل العلم أن شريحا أنشأ يقول: (لقد حملت على ذووها ناحبة (1) * مشمر الامر لاغسا ولا دونا إن مزق الثوب فاهتف في وجوههم * حتى يخالك من لاقيت مجنونا ثم رجع إلى حديث عائذ قال: فأتاهم فأمرهم أن يتلقوه بالاذان ففعلوا، فانصرف عنهم إلى أهل العمق فوقع بهم فقتلهم حتى سال واديهم دما، فقال شريح حين رأى الوقعة وتلك الدماء.: (الله من على معاشر جئتهم * بالعمق مما قد رأيت عشية القوم على ما مثل * وابلا حلة واتليت (2) قال: وانصرفا حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له جلساؤه: وهذان الرجلان النميريان، قال: وأدركا خالدا ؟ قالوا:


(1) الوزن مضطرب، والمعنى غير واضح (المدقق) (2) البيتان مضطربان وزنا ومعنى (المدقق). (*)

[ 596 ]

نعم، قال: أبى الله لبني نمير إلا خيرا، أبى الله لبني نمير إلا خيرا " ثم دعا شريحا واستعمله على قومه، وأمره أن يصدقهم ويزكيهم، ويعمل فيهم بكتاب الله، وسنة نبيهم. فلما انصرفوا قالوا: يا رسول الله، ما تأمرنا أن نعمل ؟ قال: آمركم أن لا تشركوا بالله شيئا، وأن تحجوا البيت، وتصوموا رمضان، فإن فيه ليلة قيامها وصيامها خير من ألف شهر. قالوا: يا رسول الله متى نبتغيها ؟ قال: ابتغوها في الليالي البيض. ثم انصرفوا، فلما كان بعد ذلك أتوه فصادفوه في المسجد الذي بين مكة والمدينة، وإذا هو يخطب الناس ويقول في كلامه: المسلم أخو المسلم، يرد عليه من السلام مثل ما حياه أو أحسن من ذلك، فإذا استنعت قصد البسيل نعت له ويسره، وإذا استنصره على العدو نصره، وإذا استعاره المسلم الحد (1) على المسلم لم يعره، وإذا استعاره المسلم الحد على العدو أعاره، ولم يمنعه الماعون. قيل: يا رسول الله وما الماعون ؟ قال: الماعون في الماء والحجارة والحديد، قيل: أي الحديد ؟ قال: قدر النحاس، وحديد الناس الذين يمتهنون به، قال: ولم يزل شريح عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعامل أبي بكر، فلما قام عمر رضي الله عنه أتاه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه فوضعه تحت قدمه وقال: لا، ما هو إلا ملك، انصرف. * أخبرني أبو معاوية قال، أخبرني أبو الربيع: أن وفد بني نمير قال - وهم متوجهون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. أكلنا بالسرى كدر المطايا * ولم نوقد لكذبتهن نارا


(1) الحد: الدفع والمنع والنجدة على سبيل المجاز (تاج العروس 2: 331). (*)

[ 597 ]

وهاجرة توقد كل يوم * من الجوزاء يلزمها المحارا * حدثنا يحيى بن بسطام قال، حدثني دلهم بن دهثم. قال، حدثني عائد بن ربيعة قال حدثني قرة بن دعموص النميري: أنهم وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أمرهم أن يصوموا رمضان، فإن فيه ليلة خير من ألف شهر، قالوا: يا رسول الله في أي ليلة نبتغيها ؟ قال: في الليالي البيض، قال: ولا تمنعون الماعون، قالوا: يا رسول الله وما الماعون ؟ قال: في الحجر والحديد وفي الماء، قالوا: وأي الحديد ؟ قال قدر النحاس وحديد الناس الذي يمتهنونه، قال: فما الحجر ؟ قال قدركم الحجارة. (وفد بني كلاب) (1) * حدثنا محمد بن إسحاق عن مشيخة بني عامر: أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني كلاب خمسة وعشرون رجلا من بني جعفر وبني أبي بكر وغيرهم من بطون بني كلاب، فيهم عامر بن مالك بن جعفر (2)، وأنه نظر إليهم فقال: قد


(1) إضافة على الاصل. (2) عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكلابي أبو براء، وهو ملاعب الاسنة، وعم عامر بن الطفيل، أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يلتمس منه دواء أو شفاء. فبعث إليه بعكة عسل - رواه ابن منده. وفي مغازي موسى بن عقبة قال: كان ابن شهاب يقول، حدثنا عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ورجال من أهل العلم: أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الاسنة قدم وهو مشرق فعرض النبي صلى الله عليه وسلم الاسلام عليه فأبى، وأهدى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " إني لا أقبل هدية مشرك " فقال له عامر بن مالك: ابعث معي من شئت من رسلك فأنا لهم جار. فبعث رهطا، فذكر قصة بئر معونة، وقتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر فيه إسلامه. (أسد الغابة 3: 93، وكذا الاصابة لابن حجر 2: 249). (*)

[ 598 ]

استعملت عليكم هذا وأشار إلى الضحاك بن سفيان، فقال له عامر بن مالك: أفتخرجني من الامر ؟ قال: فأنت على بني جعفر. ثم أوصى به الضحاك. قال: وكان الضحاك فاضلا شريفا، ثم أقبل عليهم فقال: يا بني عامر إياكم والخيلاء، فإنه من اختال أذله الله، يا بني عامر أسلموا تسلموا، واعلوا أن الله لا ينسى من ذكره، ولا يخذل من نصره، قال: فلم يزل الضحاك عليهم إلى زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (1). * حدثنا علي بن عاصم، حدثنا الجريري، عن عبد الله ابن شقيق العقيلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للضحاك ابن سفيان، يا ضحاك أئت قومك فادعهم إلى الله ورسوله. قال: نعم، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني أخاف على الضحاك أهل نجد أن يقتلوه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق عمر. أقطعوا مع الضحاك بعثا. فبلغ ذلك الضحاك فجاء وهو مغضب فقال: يا رسول الله بلغني أنك أمرت أن يقطع معي بعث. قال: نعم يا ضحاك، إني أخاف عليك أهل نجد أن يقتلوك كما فعلت ثقيف بصاحبهم. قال: فغضب الضحاك وقال: إن ذلك ليقال لك، وأنا أعلم بقومي، إن قومي لم يكونوا ليبلغوا ذلك مني. قال: يا ضحاك أفعلتها ؟ لقد قلت ما قلت، وما كنت أحسب بالمدينة أربعة مثلك (ثم) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق الضحاك،


(1) ورد هذا الحديث في الاصابة 2: 249، رواه ابن حجر بن عمر بن شبة بإسناده عن مشيخة من بني عامر. (*)

[ 599 ]

لا تقطعوا مع الضحاك بعثا فإنه أعلم بقومه، فأتى الضحاك قومه، فأجابوه فدخلوا في الاسلام جميعا (1). * حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أتت امرأة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تطلب ميراثها من زوجها، فقال عمر رضي الله عنه: ما أعلم لك شيئا، إنما الدية للعصب الذين يعقلون عنه، فقال الضحاك بن سفيان: كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أورث امرأة أشيم (2) الضبابي من عقل زوجها أشيم، فورثها عمر رضي الله عنه. (وفد اليمامة) (3) * حدثنا فليح بن محمد اليمامي قال، حدثنا الملتزم بن عمرو قال، حدثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق ابن علي (4) قال: خرجنا وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) اضطراب بالاصل بسبب التقديم التأخير ولعل الصواب ما أثبتناه. (2) في الاصابة لابن حجر 1: 67، 2: 198 أشيم بوزن أحمد - الضبابي بكسر المعجمة بعدها موحدة وبعد الالف أخرى - قتل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأمر الضحاك بن سفيان أن يورث امرأته من دية زوجها - أخرجه أصحاب السنن من حديث الضحاك، وأخرجه أبو يعلى من طريق مالك عن الزهري عن أنس. ورواه ابن شاهين من طريق ابن إسحاق، قال: حدثنا الزهري قال، حدثت عن المغيرة أنه قال: حدثت عمر بن الخطاب بقصة أشيم فقال: لتأتيني على هذا بما أعرف، فناشدت الناس في الموسم، فأقبل رجل يقال له زرارة بن جري فحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. (أسد الغابة 1: 99، الاستيعاب 2: 199). (3) إضافة على الاصل. (4) طلق بن علي بن طلق بن عمرو، وقيل طلق بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزى بن سحيم بن مرة بن الدئل بن حنيفة، الريعي الحنفي السحيمي، = (*)

[ 600 ]

وكان في الوفد طلق بن علي، وسلم بن حنظلة، وعلي بن شيبان (1)، والاقعس (2) بن مسلمة، وحمران بن جابر (3)، وجار لهم من ضبيعة


= وهو والد قيس بن طلق، وكنيته أبو علي، وكان من الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمامة فأسلموا. وانظر حديثه عن أهل اليمامة مرويا عن أبي القاسم يعيش بن الصدقة الفقيه الشافعي، عن أحمد بن شعيب، عن هناد، عن ملازم، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق عن أبيه قال: خرجنا وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة.. الحديث (أسد الغابة 3: 63، والاصابة 2: 224، والاستيعاب 2: 231). (1) كذا في الاصل، وفي طبقات ابن سعد 1: 317 " سلمى بن حنظلة وعلي بن سنان " وهو علي بن شيبان بن محرز بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزيز بن سحيم الحنفي السحيمي اليمامي. أو يحيى، كان أحد الوفد من بني حنيفة، وله أحاديث أخرجها البخاري في الادب المفرد، روى عنه ابنه عبد الرحمن قال: أخبرنا أبو الفرج بن أبي الرجاء، عن أبي بكر بن أبي عاصم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ملازم بن عمرو الحنفي، عن عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه علي بن شيبان قال: خرجنا حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه. الحديث. انظر الاصابة لابن حجر 2: 501 وأسد الغابة 4: 16. (2) أقعش بن مسلمة " كذا في الاصل، وأسد الغابة 1: 122، وفي الاصابة 1: 74 " الاقعس بن سلمة " ذكره ابن حجر بهذا الاسم، وقال: عداده في أهل اليمامة، له صحبة. قال ابن حبان يقال: اسمه الاقيصر بن سلمة الحنفي، ذكر حديثه البغوي قال: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا سليمان بن محمد، عن عمارة بن عقبة، عن محمد بن جابر، عن المنهال بن عبد الله بن ضمرة بن هوذة سمعت أبي يقول: أشهد لجاء الاقيصر ابن سلمة بالاداوة التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفع بها في مسجد قرانة، واعتمد العسكري على ذلك فترجم للاقيصر. وقال ابن مندة: الصواب أن اسمه الاقعس، ثم أخرج الحديث من وجه آخر عن محمد بن جابر، عن المنهال بن عبيد الله بن ضمرة ابن هوذة، عن أبيه قال: أشهد لجاء الاقعس.. الخ. وذكر الرشاطي عن أبي عبيدة ان اسمه الاقعس بن سلمة بن عبيد بن عمرو بن عبد الله بن عبد العزى بن سحيم، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني سحيم فأسلم وحسن إسلامه. (الاصابة 1: 74، والاستيعاب 1: 118). (3) حمران بن جابر الحنفي اليمامي أبو سالم، وهو جد عبد الله بن بدر راوي هذا الحديث، وهو أحد الوفد السبعة من بني حنيفة، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ويل لبني أمية ثلاث مرات، أخرجه ابن مندة وأبو نعيم. (أسد الغابة 2: 46). (*)

[ 601 ]

يقال له زيد بن عبد عمرو، فبايعناه وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، واستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ منه وتمضمض، ثم صب لنا في إداوة، ثم قال: (عليكم) (1) بهذا الماء فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها من هذا الماء، واتخذوا مكانها مسجدا. قلنا: يا نبي الله، البلد بعيد والماء ينشف. قال: فمدوه من الماء فإنه لا يزيده إلا طيبا، قال: فخرجنا وتشاححنا على حمل الاداوة أينا يحملها، فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا نوبا، فخرجنا حتى قدمنا بلدنا، وفعلنا الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وراهبنا ذلك اليوم رجل من طئ قارئا، فلما سمع الراهب الاذان قال: دعوة حق، ثم هرب فلم ير بعد (2). * حدثنا سليمان بن أحمد الجرشي قال، حدثنا جرير بن القاسم ابن سليمان البجلي قال، حدثنا ابن لهيعة قال، حدثنا بكير بن عبد الله بن الاشج قال، حدثني الحسن بن علي بن أبي رافع قال، حدثني أبو رافع: أنه أقبل بكتاب من قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما رأيته ألقى في قلبي الاسلام فقلت: يا رسول الله، إني لا أرجع إليهم. قال: إنا لا نخيس بالعهد، ولا نحبس البرد، ولكن ارجع إليهم فإن كان في قلبك الذي قلبك فارجع، قال: فرجعت إليهم، ثم أقبلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت.


(1) إضافة يقتضيها السياق.. (2) في الاستيعاب 2: 231 فلما سمع الاذان قال: دعوة حق ثم استقبل تلعة من كنانة فلم نره بعد " وفي طبقات ابن سعد 1: 317 " وصار المؤذن طلق بن سعد فأذن، فسمعه راهب البيعة فقال: كلمة حق، أو دعوة حق، فكان آخر العهد به ". (*)

[ 602 ]

قال وأخبرني الحسن: أن أبا رافع كان قبطيا. صفة النبي صلى الله عليه وسلم * حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا المسعودي، عن عثمان بن هرمز، عن نافع بن جبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بالطويل ولا بالقصير، وكان ضخم الرأس واللحية، شثن (1) القدمين والكفين، مشربا حمرة (2)، طويل المسربة (3)، ضخم الكراديس (4) إذا مشى تكفأ تكفيا (5) كأنما ينحط من صبب (6)، لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم. * حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا مسعر، عن عثمان بن سلمة بن هرمز، عن نافع بن جبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشربا حمرة، طويل المسربة، عظيم الرأس واللحية، عظيم الكراديس، شثن الكفين والقدمين، لا طويل ولا قصير، إذا مشى تكفأ، كأنما ينزل من صبب، لم نر قبله ولا بعده مثله، صلى الله عليه وسلم (7).


(1) شثن القدمين والكفين: أي يميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر، ويحمد ذلك في الرجال، لانه أشد لقبضهم (تاج العروس 9: 249 - النهاية في غريب الحديث 2: 444). (2) مشرب حمرة: الاشراب خلط لون بلون، كأن أحد اللونين سقى اللون الآخر، وهو بالتخفيف، فإذا شدد كان للتكثير والمبالغة (النهاية في غريب الحديث 2: 454). (3) في الفائق 3: 37 " دقيق المسربة " وكذا في النهاية في غريب الحديث 2: 356 تاج العروى 9: 296 وفي رواية: أنه كان ذا مسربة، والمسربة بضم الراء ما دق من من شعر الصدر سائلا إلى الجوف، وفي البداية 6: 16 " طويل المسربة ". (4) الكراديس: هي رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين (أسد الغابة 1: 26). (5) تكفيا: تمايل إلى قدام (الفائق في غريب الحديث 3: 37). (6) صبب: أي من موضع منحدر (أسد الغابة 1: 28). (7) انظر الحديث بمعناه في النهاية في غريب الحديث بأجزائه، وكذا الفائق في غريب الحديث بأجزائه، وأسد الغابة 1: 24، 25. (*)

[ 603 ]

* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا نوح بن قيس، عن جابر بن خالد، عن يوسف بن مازن: أن رجلا سأل عليا رضي الله عنه فقال: انعت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: كان ليس بالذاهب طولا وفوق الربعة، إذا قام مع القوم غمرهم (1)، أبيض شديد الوضح (2)، ضخم الهامة، أغر أبلج (3)، ضخم القدمين والكفين، إذا مشى يتقلع (4) كأنما ينحدر من صبب (5)، كأن العرق في وجهه اللؤلؤ، لم أر قبله ولا بعده، صلى الله عليه وسلم.


(1) غمرهم: في الفائق في غريب الحديث 2: 236 " غمرهم أي سترهم، من غمرت الشئ إذا سترته ". وفي النهاية في غريب الحديث 3: 384 " إذا جاء مع القوم غمرهم " أي كان فوق كل من معه. (2) شديد الوضح: شديد البياض. (3) في النهاية في غريب الحديث 1: 151 في حديث أم معبد " أبلج الوجه " أي مشرق الوجه مسفره، والابلج: هو الذي قد وضح ما بين حاجبيه فلم يقترنا. (4) في النهاية في غريب الحديث 4: 101 في صفته صلى الله عليه وسلم " إذا مشى تقلع " أراد قوة مشيه، كأنه يرفع رجليه من الارض رفعا قويا، لا كمن يمشي اختيالا ويقارب خطاه. وفي تاج العروس 5: 482 " إذا مشي يتقلع " قال ابن الاثير: أراد أنه كان يستعمل التثبت ولا يتبين منه في هذه الحالة استعجال ومبادرة، ويروى في حديث هند بنت أبي هالة: إذا زال زال قلعا - بالفتح - مصدر بمعنى الفاعل، أي يزول قالعا لرجله من الارض (أسد الغابة 1: 27). (5) في البداية والنهاية 2: 32، وفي أسد الغابة 1: 24 " كأنما ينحط من صبب "، وفي النهاية في غريب الحديث 3: 3 وتاج العروس 5: 482 " كأنما ينحط من صبب " أي في موضع منحدر، وفي رواية أخرى: كأنما يهوي من صبوب " يروى بالفتح والضم، فالفتح اسم لما يصب على الانسان من ماء وغيره كالطهور والغسول. والضم جمع صبب، وقيل الصبب والصبوب: تصوب نهر أو طريق. (*)

[ 604 ]

* حدثنا القعنبي، والحكم بن موسى قالا، حدثنا عيسى بن يونس عن عمر بن عبد الله (المدني أبو حفص (1) مولى غفرة (2) قال، حدثني إبراهيم (بن (3) محمد من ولد علي. قال: كان (علي (3) رضي الله عنه إذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لم يكن بالطويل الممغط (4) ولا القصير المتردد (5)، وكان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا السبط (6)، كان جعدا رجلا (7)،


(1) ما بين الحاصرتين عن الخلاصة للخزرجي ص 284 ط. بولاق. (2) وغفرة وغفيرة هي بنت رباح أخت بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخت أخيه خالد. قال جعفر: هما أخوان وأخت، وقاله أيضا البخاري محمد بن إسماعيل. (أسد الغابة 5: 514، الاصابة 4: 361). (3) الاضافة عن البداية والنهاية 6: 28، وأسد الغابة 1: 250، وفي البداية والنهاية 6: 16 قال يعقوب: حدثنا عبد الله بن سلمة وسعيد بن منصور قال، حدثنا عيسى ابن يونس، حدثنا عمرو بن عبد الله مولى غفرة، عن إبراهيم بن محمد من ولد علي قال: كان علي إذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال.. الخ. وانظر طبقات ابن سعد 1: 21. (4) الممغط - بتشديد الميم الثانية - الممتد المتناهي الطول. (النهاية في غريب الحديث 4: 354، الفائق 3: 36). (5) في النهاية في غريب الحديث 2: 213 في صفته عليه السلام جاء: " ليس بالطويل البائن ولا القصير المتردد، أي المتناهي في القصر، كأنه تردد بعض خلقه على بعض وتداخلت أجزاؤه. وما في الفائق 3: 36، وأسد الغابة 1: 25، وما في البداية والنهاية 6: 28 متفق مع الاصل. (6) في النهاية في غريب الحديث ج‍ 2: 334 " ليس بالسبط ولا الجعد القطط، والسبط من الشعر: المنبسط المسترسل، والقطط: الشديد الجعودة، ومعناه: أي كان شعره صلى الله عليه وسلم وسطا بينهما، وانظر الفائق في غريب الحديث 3: 37، وأسد الغابة 1: 24، وتاج العروس 5: 147. (7) في النهاية في غريب الحديث 2: 203: " كان شعره رجلا " أي لم يكن شديد الجعودة ولا شديد السبوطة بل بينهما. (*)

[ 605 ]

ولم يكن بالمطهم (1) ولا المكلثم (2)، وكان في الوجه تدوير، أبيض مشرب، أدعج (3) العينين، أهدب الاشفار (4)، جليل المشاش (5)، أجرد ذو مسربة، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة وهو خاتم النبيين، أجود الناس كفا، وأرحب وأجرأ الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس بذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله. صلى الله عليه وسلم. * حدثنا الوضاح بن يحيى النهشلي قال، حدثنا سلام بن مسكين، عن أشعث بن أبي الشعثاء قال، سمعت شيخا من بني كنانة قال:


(1) المطهم: المنتفخ الوجه، وقيل الفاحش السمن، وقيل النحيف الجسم، وقيل الطهمة والطخمة في اللون تجاوز السمرة إلى السواد (النهاية في غريب الحديث 3: 147، البداية والنهاية 6: 29، أسد الغابة 1: 28). (2) المكلثم: القصير الحنك، الداني الجبهة، المستدير مع خفة اللحم، أراد أنه كان أسيل الوجه ولم يكن مستديرا. (النهاية في غريب الحديث 4: 196، الفائق في غريب الحديث 3: 36، أسد الغابة 1: 28، البداية والنهاية 6: 29). (3) الدعج: شدة سواد العين في شدة بياضها، وقيل إن سواد عينيه كان شديد السواد (الفائق في غريب الحديث 3: 37، النهاية في غريب الحديث 2: 119). (4) أهدب الاشفار، وفي رواية: هدب الاشفار، أي طويل شعر الاجفان (النهاية في غريب الحديث 5: 249، الفائق في غريب الحديث 3: 37). (5) جليل المشاش: أي عظيم رؤوس العظام كالمرفقين والكتفين والركبتين. (النهاية في غريب الحديث 4: 333، الفائق في غريب الحديث 3: 37). وفي البداية والنهاية 6: 29، وطبقات ابن سعد 1: 121 " جليل المشاش والكتد " والكتد هو الكاهل وما يليه. (*)

[ 606 ]

رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق ذي المجاز (1)، قال، فقلنا: صفه لنا. قال: رأيته وعليه بردان أحمران، جعدا مربوعا، أبيض شديد سواد الرأس واللحية، كأحسن الرجال وجها. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير، عن أبي حباب (2)، عن زبيد (3)، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى علي رضي الله عنه وهو في مسجد الكوفة يحتبي بحمائل سيفه فقال: يا أمير المؤمنين صف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، صفه كأني أنظر إليه، فقال: كان صلى الله عليه وسلم أبيض اللون مشربا حمرة، أدعج العينين، سبط الشعر، دقيق المسربة، سهل الخد، كث اللحية، ذا وفرة (4)، كأن عنقه بريق فضة، وكان له شعر من لبته إلى سرته يجري كالقضيب، لم يكن في صدره ولا في بطنه شعر غيره.


(1) سوق ذي المجاز: موضع بعرفة، على ناحية كبكب عن يمين الامام علي فرسخ، كانت به تقوم في الجاهلية ثمانية أيام. (مراصد الاطلاع 3: 1229). (2) هو سعيد بن يسار مولى ميمونة، وقيل مولى شقران، وقيل غير ذلك. أبو الحباب - بموحدتين ومهملة مضمومة - المدني أحد العلماء، روى عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس، وعنه سعيد المقبري وسهل بن أبي صالح وطائفة، وثقه ابن معين، قال الفلاس: مات سنة سبع عشرة ومائة. (الخلاصة للخزرجي ص 144). (3) زيد بن الحارث اليامي أبو عبد الرحمن الكوفي، من ثقات التابعين روى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي وإبرهيم التيمي، وعنه الاعمش وشعبة وزهير ابن معاوية وخلق، قال القطان: ثبت، وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال إسماعيل بن حماد: كنت إذا رأيت زيدا مقبلا رجف قلبي، قال أبو نعيم: مات سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقال ابن نمير: سنة أربع (شذرات الذهب 1: 160، ميزان الاعتدال 1: 345، الخلاصة للخزرجي ص 130). (4) الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الاذن (النهاية في غريب الحديث 5: 210). (*)

[ 607 ]

كان شثن الكف والقدم، إذا مشى كأنه ينحدر من صبب، وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر، وإذا التفت التفت جميعا، لم يكن بالقصير ولا بالطويل، كأن عرقه في وجهه اللؤلؤ، وريح عرقه أطيب من ريح المسك الاذفر (1)، لم أر مثله قبله ولا بعده (2). * حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا ابن أبي ذئب، عن (أبي) صالح مولى التوامة (3) قال: كان أبو هريرة رضي الله عنه ينعت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: كان شبح (4) الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، أهدب أشفار العينين، يقبل جميعا ويدبر جميعا، بأبي وأمي لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا (5) بالاسواق.


(1) المسك الاذفر: زكي الريح طيب للغاية (تاج العروس 3: 225، أقرب الموارد). (2) انظر الحديث بمعناه في طبقات ابن سعد 1: 120. (3) أبو صالح مولى التوأمة، هو نبهان الجمحي، أبو صالح المدني، مولى التوأمة، عن أبي قتادة، وعنه سالم أبو النضر (الخلاصة للخزرجي ص 400 ط. بولاق والاضافة عنه). (4) وفي رواية أخرى في صفته صلى الله عليه وسلم وردت في النهاية في غريب الحديث 2: 439، تاج العروس 2: 169 " أنه كان مشبوح الذراعين " وهما بمعنى واحد، والمراد طويلهما، وقيل عريضهما (الفائق في غريب الحديث 3: 37، 38، البداية والنهاية 6: 22). (5) كذا في الاصل، وفي طبقات ابن سعد 1: 123 " ولا صخابا في الاسواق " وفي أسد الغابة 1: 26 " ولا سخابا في الاسواق " وفي النهاية في غريب الحديث 3: 14 في حديث كعب " قال في التوراة: محمد عبدي ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخوب في الاسواق " وفي رواية " ولا صخاب ". وفي تاج العروس، وأقرب الموارد، والنهاية في غريب الحديث: أن السخب هو الصخب، والمراد بهما: الضجة وارتفاع الاصوات للخصام. (*)

[ 608 ]

* حدثنا فليح بن محمد اليماني قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل ابن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض الخدين، أبرج (1) العينين، ضخم القدمين، يقبل جميعا ويدبر جميعا. لا ترى عيني مثله، صلى الله عليه وسلم. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا القاسم بن مالك قال، حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد، عن جده، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لم تر عيناي فتى قوم مثله - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - رحب الجبين، صلت (2) الخدين، أبرج العينين، مقرون الحاجبين، رحب الصدر، وتير (3) الكفين، عظيم مشاش المنكبين، مخطوط المتنين (4)، ضخم الكف، ضخم القدمين، له مسربة شعر في صدره، يذهب جميعا ويقبل جميعا. * حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن من سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم ضخم الكفين، ضخم القدمين.


(1) البرج: نجل العين، وهو سعتها. وقيل: سعة العين في شدة بياض صاحبها، وقيل: نقاء بياضها وصفاء سوادها، وقيل: أن يكون بياض العين محدقا بالسواد كله لا يغيب عن سوادها شئ (تاج العروس 2: 7، النهاية في غريب الحديث 2: 113). (2) في النهاية في غريب الحديث 2: 45 " كان سهل الخدين صلتهما " وفي رواية أخرى في صفته صلى الله عليه وسلم: " كان صلت الجبين " أي واسعه، وقيل الصلت: الاملس، وقيل: البارز (شرح المواهب للزرقاني 4: 90، 91). (3) وتير الكفين: أي ضخمهما - كما سيرد في الحديث التالي. (4) المتنان والمتنتان: جنبتا الظهر (تاج العروس 9: 340). (*)

[ 609 ]

* حدثنا القعنبي قال، حدثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل البائن، أزهر (1) ليس بأدم ولا أبيض أمهق (2)، رجل الشعر ليس بالسبط ولا بالجعد القطط. * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا خالد، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمر (3)، ولم أشم مسكا ولا عنبرا (4) أطيب ريحا من رسول الله صلى الله عليه وسلم (4).


(1) في النهاية في غريب الحديث 2: 321 في صفته عليه السلام " أنه كان أزهر اللون ". وفي ثلاثيات أحمد بن حنبل 2: 428 عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون، ليس بالآدم ولا الابيض الامهق. والازهر: الابيض المستنير، والزهر والزهرة: البياض النير، وهو أحسن الالوان. (2) الامهق: في النهاية في غريب الحديث 4: 374 هو الكريه البياض كلون الجص. وفي الفائق في غريب الحديث 3: 38 الامهق: هو اليقق الذي لا يخالطه شئ من الحمرة. وانظر الحديث بمعناه في هذه المصادر. (3) ورد في شرح ثلاثيات مسند الامام أحمد 2: 438 روى البغوي عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمر اللون، فقال الحافظ ابن الجوزي هذا حديث لا يصح وهو يخالف الاحاديث كلها، وحمله بعض العلماء على أن المراد بالسمرة هنا الحمرة، ومن ثم جاء في رواية " كان بياضه إلى سمرة، لان العرب تطلق على من كان كذلك - أي بياضه إلى حمرة - أسمر وجاء في لسان العرب 6: 42: أن السمرة منزلة بين البياض والسواد، ويكون في ألوان الناس، وما جاء في صفته صلى الله عليه وسلم " كان أسمر اللون " وفي رواية " أبيض مشربا بحمرة " قال ابن الاثير وجه الجمع بينهما: أن ما يبرز إلى الشمس كان أسمر اللون وما تواريه الثياب وتستره فهو أبيض. (4) في الاصل " ولم أشم مسكة ولا عنبرة أطيب ريحا من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمثبت عن البداية والنهاية 6: 23 وانظر الحديث بمعناه في طبقات ابن سعد 1: 127. " (*)

[ 610 ]

* حدثنا غندر قال، حدثنا عوف، عن يزيد الفارسي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم زمن ابن عباس - وكان يزيد يكتب المصاحف - قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال: أما إن رسول الله صلى عليه وسلم كان يقول: إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي، فمن رآني في النوم فقد رآني، فهل تستطيع أن تنعت لي هذا الرجل الذي رأيت ؟ قلت: نعم، رأيت رجلا بين الرجلين جسمه ولونه أسمر (1) إلى البياض، حسن الضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملات لحيته من هذه إلى هذه حتى كادت تملا نحره - قال عوف: لا أدري ما كان مع هذا من النعت - قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن (2) تنعته فوق هذا. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن أبيه، عن كريب، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلج (3) الثنيتين والرباعيتين، إذا تكلم رئي من بين ثناياه كالبرق. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب قال، سمعت جابر بن سمرة رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صلى الله


(1) في البداية والنهاية 6: 18 " جسمه ولحمه أسمر ". (2) الاضافة عن البداية والنهاية 6: 19 والحديث فيه 6: 18 برواية أحمد قال حدثنا جعفر قال حدثنا حدثنا عوف بن أبي جميلة عن يزيد الفارسي قال.. الحديث. (3) في النهاية في غريب الحديث 3: 468 في صفته صلى الله عليه وسلم: " أنه كان مفلج الاسنان " وفي رواية: " أفلج الاسنان " الفلج - بالتحريك: فرجة ما بين الثنايا والرباعيات. والفرق: فرجة بين الثنيتين. (*)

[ 611 ]

عليه وسلم أشكل (1) العين، ضليع الفم (2) منهوس العقب (3). * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا عباد بن العوام، عن (عباد بن (4)) حجاج، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان في ساقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حموشة، وكان


(1) في النهاية في غريب الحديث 2: 495 في صفته عليه السلام: " كان أشكل العينين " أي في بياضهما شئ من حمرة، وهو محمود محبوب، ويقال ماء أشكل إذا خالطه الدم.. وفي البداية والنهاية لابن كثير 6: 17 " أشكل العينين " أي طويل أشفار العينين، وفسره سماك في البداية 6: 22: بأنه طويل شق العينين، ويقول الزرقاني عن عياض: هو وهم من سماك بن حرب باتفاق العلماء وغلط ظاهر (شرح المواهب 4: 88). وفي الفائق في غريب الحديث 3: 37 يروى: " أنه كانت في عينيه شكلة ". ويروى أيضا أنه كان أشجر العينين " وعلق على ذلك الزمخشري بقوله في ص 38 في نفس الجزء: الشكلة: كهيئة الحمرة في بياض العين، وأما الشهلة فحمرة في سوادها، والشجرة في قوله أشجر العينين كالشكلة معنى. (2) ضليع الفم: قال ابن الاثير في النهاية في غريب الحديث 3: 96 في صفته عليه السلام " ضليع الفم: أي عظيمه، وقيل واسعه، والعرب تمدح عظم الفم وتذم صغره، والضليع: العظيم الخلق الشديد ". (3) منهوس العقب: قال ابن الاثير في النهاية 5: 136 في صفته صلى الله عليه وسلم " كان منهوس الكعبين " أي لحمهما قليل، والنهس: أخذ اللحم بأطراف الاسنان، وروي " منهوس العقبين " بالسين غير المعجمة، أي قليل لحمهما، ويروى أيضا منهوش القدمين بالشين المعجمة، والنهش: أخذ اللحم بالاسنان جميعها، وجاء في تاج العروس 4: 265، 7: 373. في صفته عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضليع الفم، أشكل العين، منهوس العقبين " ويروى منهوس الكعبين وكذا القدمين ". وانظر البداية والنهاية 6: 22 قال الحافظ ابن كثير: جاء في صحيح مسلم عن جابر ابن سمرة كان صلى الله عليه وسلم ضليع الفم أشكل العينين منهوس العقب، وفسره بأنه عظيم الفم، طويل شق العينين، قليل لحم العقب. وهذا أنسب وأحسن في حق الرجال. وانظر أيضا شرح المواهب للزرقاني 4: 64. (4) ما بين الحاصرتين عن البداية والنهاية 6: 17. (*)

[ 612 ]

لا يضحك إلا تبسما، وكنت إذا نظرت إليه قلت: أكحل العينين وليس بأكحل (1). * حدثنا غندر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت أبا إسحاق يقول، سمعت البراء رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا مربوعا، بعيدا ما بين المنكبين، عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه، عليه حلة حمراء، ما رأيت شيئا قط أحسن منه صلى الله عليه وسلم (2). * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنه قال: ما رأيت أحدا من خلق الله أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن جمته لتضرب قريبا من منكبيه، قال: وسمعته يحدث بهذا الحديث مرارا ما سمعته حدث به قط إلا ضحك. * حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا معقل بن زياد، عن الاوزاعي، عن حسان بن عطية، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ضخم الهامة،


(1) انظر الحديث في نفس المرجع مع تقديم وتأخير في متنه، وفي النهاية في غريب الحديث 1: 44 في صفته عليه السلام " في ساقيه حموشة " والمراد بأحمش الساقين أي دقيقهما ولم يكونا ضخمين. وورد أيضا في النهاية في غريب الحديث 4: 154 في صفته صلى الله عليه وسلم في عينيه كحل " الكحل - بفتحتين - سواد في أجفان العين خلقة. (2) ورد في النهاية في غريب الحديث 1: 300، 2: 190 كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جمة جعدة " وكان " أطول من المربوع ". والجمة من الشعر: ما سقط على المنكبين، والمربوع ما هو بين الطويل والقصير، يقال: رجل ربعة ومربوع. وانظر الحديث بمعناه في البداية والنهاية 6: 22 مرويا عن شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعا بعيدا ما بين المنكبين. الخ. (*)

[ 613 ]

حسن اللمة (1) عظيم العينين، نهد الاشفار (2)، أبيض مشربا بياضه حمرة، دقيق المسرية، شثن الكفين، في صدره دفو - قال أبو زيد بن شبة: أي ارتفاع لا قصير ولا طويل، إذا مشى مشى تكفيا كأنما يمشي في صعد، كأن عرقه اللؤلؤ، لم أر قبله ولا بعده مثله. * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا عبد الاعلى بن عبد الاعلى قال، حدثنا سعيد الجريري (3)، عن أبي الطفيل (4) رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما على وجه الارض رجل


(1) ورد في النهاية في غريب الحديث 4: 273 " ما رأيت ذا لمة أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللمة من شعر الرأس دون الجمة، سميت بذلك لانها ألمت بالمنكبين، فإذا زادت في الجمة، وزاد الهروي: فإذا بلغت شحمة الاذنين فهي الوفرة. (2) نهد الاشفار: أي مرتفع شعر الجفن (تاج العروس 2: 519، 3: 308). وقد ورد في البداية والنهاية 6: 15 ومما بعدها في صفة وحهه صلى الله عليه وسلم وذكر محاسنه - (فرقه وجبينه وحاجبيه وأنفه) - أحاديث كثيرة بمعنى هذا الحديث. (3) سعيد بن إياس الجريري - بضم الجيم ومهملتين - أبو مسعود البصري، عن أبي الطفيل وأبي عثمان النهدي وأبي نضرة، وعنه شعبة والثوري والحمادان، قال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: مات سنة أربع وأربعين ومائة. (الخلاصة للخزرجي ص 136 ط. بولاق). وانظر الحديث بمعناه مرويا في البداية والنهاية 6: 14 عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي. (4) أبو الطفيل هو عامر بن واثلة الكناني الليثي ولد عام أحد، وأثبت مسلم وابن عدي صحبته، روى عن أبي بكر وعمر، وعنه قتادة والقاسم بن أبي بزة ومعروف بن خربوذ. وخلق. كان من شيعة علي، ثم سكن مكة إلى أن مات سنة مائة، وقيل سنة عشر ومائة هكذا قاله جرير بن حازم، وهو آخر من مات من جميع الصحابة على الاطلاق رضي الله عنه (الخلاصة للخزرجي ص 185 ط - بولاق). (*)

[ 614 ]

رآه غيري، قال: قلت كيف رأيته ؟ قال كان رجلا أبيض مليحا مقصدا (1)، إذا مشى كأنما يهوي في صبوب (2). * حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا مسعر قال، سمعت عونا - يعني ابن عبد الله - يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يضحك إلا تبسما، ولا يلتفت إلا جميعا، قال مسعر: في صلاة ؟ قال: في غير صلاة. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا الحزامي. قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن أسامة بن زيد، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: قلت للربيع (3) بنت معوذ بن عفراء: صفي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا بني لو رأيته رأيت شمسا طالعة. * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا إسرائيل، عن سماك قال، سمعت جابر بن سمرة رضي الله عنه يقول - وذكر النبي صلى الله


(1) في النهاية 4: 67 في صفته صلى الله عليه وسلم " كان أبيض مقصدا " أي هو ليس بطويل ولا قصير ولا جسيم، كأن خلقه نحي به القصد من الامور، والمعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي التفريط الافراط. وانظر الحديث في البداية والنهاية 6: 14، وصحيح مسلم 4: 182 تحقيق عبد الباقي. (2) روي في النهاية في غريب الحديث 3: 3 كأنما يهوي من صبوب، يروى بالفتح والضم. فالفتح اسم لما يصب على الانسان من ماء وغيره كالطهور والغسول، والضم جمع صبب، وقيل الصبب والصبوب تصوب نهر أو طريق. (3) هي الربيع بنت معوذ بن عفراء الانصارية، لها صحبة، روى عنها أهل المدينة، وكانت ربما غزت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتداوي الجرحى وترد القتلى إلى المدينة، وكانت من المبايعات تحت الشجرة بيعة الرضوان، وانظر هذا الحديث مرويا أيضا في ترجمتها في أسد الغابة 5: 452 عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر، مع اختلاف يسير في قولها: فقالت يا بني لو رأيته لرأيت الشمس طالعة. (*)

[ 615 ]

عليه وسلم - فقال له رجل: وجهه مثل السيف، فقال: بل وجهه مثل الشمس والقمر مستديرا، ورأيت خاتمه عند غضروف (1) كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده. * حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا صدقة الرماني، عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما مسست ثوبا لينا خزا ولا غيره ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت طيبا قط مسكا ولا عنبرا (2) أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أحسن الناس، وأشجع الناس، وأسمح الناس، مختصر القدمين، له لمة إلى شحمة أذنيه (3)، وفوق شحمة أذنيه. صلى الله عليه وسلم. * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا مروان بن معاوية قال، حدثنا صالح بن مسعود قال، حدثنا أبو جحيفة (4) قال: أتينا


(1) روي في النهاية في غريب الحديث 3: 370 في صفته صلى الله عليه وسلم: " أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه " وغضروف الكتف: رأس لوحة. وانظر أيضا في الحديث سندا ومتنا في البداية والنهاية 6: 26. (2) في الاصل " عنيزة " والمثبت في البداية والنهاية 6: 22، 23، وانظر الحديث بمعناه فيهما عن الحارث بن أبي أسامة عن عبد الله بن بكر عن حميد عن أنس رضي الله عنه ص 22 وفي ص 23 عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس. (3) شحمة الاذن: ما لان من أسفلها، وهو معلق القرط. (النهاية في غريب الحديث 2: 449، تاج العروس: وأقرب الموارد " شحم "). (4) أبو جحيفة: ترجم له ابن حجر في الاصابة 3: 606 فقال: وهب بن عبد الله ابن مسلم بن جنادة بن حبيب بن سواء السوائي - بضم السين المهملة وتخفيف الواو والمد - ابن عامر بن صعصعة، أبو جحيفة السوائي. قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في أواخر عمره، وحفظ عنه، ثم صحب عليا بعده، وولاه شرطة الكوفة لما ولي الخلافة، وكان علي يسميه: وهب الخير. روى عن النبي وعن علي البراء بن عازب، وروى عنه ابنه = (*)

[ 616 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب لنا ثنتي عشرة قلوصا (1). فكنا في استخراجها فجاءت وفاته فمنعوناها حتى اجتمعوا، قال صالح: فقلت لابي جحيفة: أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: رجلا أبيض قد شمط عارضاه (2) صلى الله عليه وسلم. * حدثنا شيبان بن فروح قال، حدثنا جرير، عن قتادة قال: قلت لانس رضي الله عنه: كيف كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: كان شعرا رجلا ليس بالجعد ولا السبط، بين أذنيه وعاتقه. * حدثنا عفان قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثني عاصم بن كليب قال، حدثني أبي: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رآني في النوم فقد رآني، إن الشيطان لا يتخيلني (3). قال أبي: فحدثت به ابن عباس


= وعون والشعبي وأبو إسحق السبيعي والحكم بن عينية وغيرهم. قال الواقدي: مات في ولاية بشر على العراق، وقال ابن حبان سنة أربع وستين. وانظر الحديث بمعناه بهذا المصدر، وفيه " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكان الحسن بن علي يشبهه، وأمر لنا بثلاثة عشر قلوصا، فمات قبل أن نقبضها ". وفي أسد الغابة 5: 157 اسمه وهب بن عبد الله، ويقال وهب بن وهب من ولد حرثان بن سواءة بن عامر بن صعصعة، وتوفي في إمارة بشر ابن مروان على البصرة سنة اثنين وسبعين، أخرجه أبو نعيم وأبو عمر وأبو موسى. (1) في الاصابة 3: 606 " وأمر بثلاثة عشر قلوصا " كما مر في الترجمة. (2) الشمط: الشيب، وشمط عارضاه: شاب عارضاه (النهاية في غريب الحديث 2: 501، وفيه قال أنس: " لو شئت أن أعد شمطات كن في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلت ". والشمطات الشعرات البيض التي كانت في شعر رأسه، وهو يريد بذلك قلتها. وفي تاج العروس 5: 170 هو أن بياض شعر الرأس يخالطه سواد. (3) ورد هذا الحديث في الجامع الصغير 2: 171 عن أنس رضي الله عنه " من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي ". وفي البداية والنهاية 6: 18 عن ابن عباس قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني فقد رآني ". (*)

[ 617 ]

رضي الله عنهما، وأخبرته أني قد رأيته فقال: رأيته ؟ قلت: إي والله لقد رأيته، قال: فذكرت الحسن بن علي رضي الله عنهما ؟ فقلت: إني والله لقد ذكرته وتقياه في مشيته. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه كان يشبهه. * حدثنا أبو داود وأحمد بن موسى قالا، حدثنا زهير، عن ابن إسحاق عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وعنفقته بيضاء، وقال أحمد: وهذه منه بيضاء - وأشار إلى عنفقته - قالا: فقيل له: مثل من (كنت يومئذ (1) ؟ - وقال أحمد: ابن كم أنت: قال: أبري النبل وأريشها " (2). ما روي في خضاب النبي صلى الله عليه وسلم * حدثنا بهز بن أسد قال، حدثنا أبان بن يزيد قال، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن أبيه: أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم عند النحر حلق رأسه في ثوبه فأعطاه إياه، فإنه عندنا مخضوب بالحناء والكتم (3).


(1) ما بين الحاصرتين إضافة عن الاستيعاب 3: 592، ويعلم من ذلك أن أبا جحيفة كان وقتئذ من صغار الصحابة، وقد ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وأبو جحيفة لم يبلغ الحلم. وانظر الحديث مرويا بسنده ومتنه في البداية والنهاية 6: 20، وفيه أيضا " روى البخاري عن عصام بن خالد عن جرير بن عثمان قال: قلت لعبد الله بن بسر السلمي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكان شيخا ؟ قال: كان في عنفقته شعرات بيض ". والعنفقة: الشعر في الشفة السفلى، وقيل الشعر الذي بينها وبين الذقن، وأصل العنفقة خفة الشئ وقتله (النهاية في غريب الحديث (3: 309). (2) أبري النيل وأريشها: أي أجعل للنبل ريشا، وانظر الحديث بمعناه عن أبي إسحق عن أبي جحيفة في صحيح مسلم 4: 1822 تحقيق عبد الباقي. (3) الكتم: دهن من أدهان العرب أحمر، يجعل فيه الزعفران (النهاية في غريب الحديث 4: 150، تاج العروس 9: 39 وفي شرح ثلاثيات مسند الامام أحمد 2: 49 الكتم بفتح الكاف والتاء المشددة، والمشهور التخفيف: نبت يخلط مع الوسمة ويصبغ = (*)

[ 618 ]

* حدثنا بهز، وعفان، وموسى بن إسماعيل قالوا: حدثنا سلام ابن أبي مطيع قال، حدثنا عثمان بن عبد الله بن موهب القرشي (1): قال: دخلت على أم سلمة (بنت زاد الركب (2) زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجت لي شعرا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مخضوبا بالحناء والكتم (3). * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن عبد الله بن موهب: أنه دخل على أم سلمة رضي الله عنها فأخرجت جلجلا من فضة فيه شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فاطلعت فيه فإذا صبغ أحمر، فكان إذا اشتكى أحدنا أتاها بإناء فخضخضته فيه فشرب منه وتوضأ (4).


= به الشعر، وقيل هو الوسمة، وفي التذكرة الكتم، من نبات الجبال، ورقة كورق الآس يخضب به مدقوقا، وله ثم قدر الفلفل، ويسود إذا نضج، ويعتصر منه دهن يستصبح به في البوادي. (1) الاضافة عن البداية والنهاية 6: 20. (2) الاضافة عن أسد الغابة 5: 588 وهي كما جاء في نهاية الارب 18: 179 " هند بنت أبي أمية - المعروف بزاد الركب - بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وانظر أيضا أسد الغابة 5: 588. (3) قال الحافظ بن كثير: رواه البخاري عن إسماعيل بن موسى عن سلام بن أبي مطيع عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن أم سلمة. وذكر رواية أخرى عن هذا الحديث عن يعقوب بن سفيان عن عبد الله بن عثمان عن أبي حمزة السكري عن عثمان بن عبد الله عن موهب القرشي قال: دخلنا على أم سلمة فأخرجت لنا من شعر رسول الله فإذا هو أحمر مصبوغ بالحناء والكتم (البداية والنهاية 6: 20). (4) روي هذا الحديث في البداية والنهاية 6: 20 عن محمد بن إسحاق الصاغاني عن يحيى بن بكير عن إسرائيل عن عثمان بن موهب قال: كان عند أم سلمة جلجل من فضة ضخم فيه من شعر رسول الله، فكان إذا أصاب إنسانا الحمى بعث إليها فحضحضته فيه ثم ينضحه الرجل على وجهه، قال: فبعثني أهلي إليها فأخرجته فإذا هو هكذا - وأشار إسرائيل بثلاث أصابع - وكان فيه خمس شعرات حمر، قال ابن كثير: رواه البخاري عن مالك بن إسماعيل عن إسرائيل. (*)

[ 619 ]

* حدثنا عبد الله بن داود قال، حدثنا علي بن صالح، عن إياد، عن أبي رمثة (1) قال: كنت مع أبي فإذا رجل في الحجر، فقال: إن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقنا إليه فسلم أبي، فقال: من هذا ؟ قال أبي: ابني ورب الكعبة، فقال: أما إنك لا تجني عليه ولا يجني عليك، قال: وكان عليه ثوبان أخضران وبه ردع (2) حناء. (ذكر خاتم النبوة الذي كان بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم) (3) * حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط قال، حدثني إياد عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأيته قال لي: أتدري من هذا ؟ قلت: لا، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقشعررت حين قال ذلك، وكنت أظن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشبه الناس فإذا هو بشر له وفرة وبه ردع حناء، وعليه بردان أخضران، فسلم عليه


(1) أبو رمثة: اختلف في اسمه، فقيل حبيب بن حبان، وقيل حبان بن وهب، وقيل رفاعة بن يثربي، وقيل عمارة بن يثربي بن عوف، وقيل خشخاش - قاله أبو عمرو - وقال الترمذي: أبو رمثة التيمي اسمه حبيب بن وهب من تيم بن عبد مناة بن أد، وهم تيم الرباب، وقيل التميمي من ولد امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم، روى ابن الاثير حديثه هذا مرويا عن أبي داود عن ابن بشار عن عبد الرحمن عن سفيان عن زياد بن لقيط عن أبي رمثة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأبي فقال لرجل أو لابنه من هذا ؟ قال: ابني. قال لا تجني عليه ولا يجني عليك. وكان قد لطخ لحيته بالحناء (أسد الغابة 5: 193، الاستيعاب 4: 72، الاصابة 4: 71). (2) الردع: أثر الخلوق والطيب والحناء في الجسد (تاج العروس 5: 352) وقال ابن الاثير في النهاية في غريب الحديث 2: 350 قالت عائشة " كفن أبو بكر في ثلاثة أثواب أحدهما بها ردع من زعفران " أي لطخ لم يعمه كله. (3) الاضافة عن طبقات ابن سعد 1: 425. (*)

[ 620 ]

أبي ثم تحدثنا ساعة، ثم قال لابي: ابنك هذا ؟ قال: إي ورب الكعبة، قال: حقا ؟ قال: أشهد به، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكا من ثبت شبهي في أبي، ومن حلفة أبي علي، فقال: أما إن ابنك هذا لا يجني عليك ولا تجني عليه، ثم قال: لا تزر وازرة وزر أخرى، ثم نظر أبي إلى كهيئة الشامة بين كتفيه فقال: يا رسول الله: إني كأطب الرجال، ألا أعالجها ؟ قال: لا، طبيبها الذي خلقها (1). * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا مروان بن معاوية قال، حدثنا عبد الملك (بن سعيد بن حبان (2) بن أبجر (الهمداني (3)، وإياد ابن لقيط البكري، عن أبي رمثة قال: انطلق أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلقت معه فإذا رجل جالس له لمة بها ردع حناء، فقال له أبي: إني طبيب، فقال: الطبيب الله، وأنت رفيق. * حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا موسى بن محمد الانصاري، عن يزيد بن أبي زياد قال: سألت أبا جعفر: هل تشمط رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم فمسه بشئ من حناء.


(1) الحديث في مسند الامام أحمد بن حنبل 4: 163 كالآتي: حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا سفيان عن إياد بن لقيط السدوسي عن أبي رمثة التميمي قال: " خرجت مع أبي حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت برأسه ردع حناء، ورأيت على كتفه مثل التفاحة. قال أبي: إني طبيب ألا أبطها لك ؟ قال: طبيبها الله الذي خلقها. قال وقال لابي: هذا ابنك ؟ قال نعم. قال أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه. وانظر أيضا الحديث بسنده ومتنه في البداية والنهاية 6: 21، وفي طبقات ابن سعد 1: 427 عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي رمثة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا في كتفه مثل بعرة البعير أو بيضة الحمام، قلت يا رسول الله ألا أداويك فإنا أهل بيت نتطبب ؟ قال: يداويها الذي وضعها. (2) ما بين الحواصر عن الخلاصة للخزرجي ص 244 ط. بولاق. (*)

[ 621 ]

* حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا سعدة بن إليسع، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض وفي هذا الموضع في رأسه - يعني وسط الرأس - ردع حناء. * حدثنا فضل بن عبد الوهاب قال، حدثنا شريك عن سدير (ابن حكيم (1)) الصيرفي قال: قلت لعمر بن علي: كان علي لا يخضب ؟ قال: قد خضب من هو خير من علي، خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، قال حيوة أخبرني أبو عقيل: أنه رأى شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مصبوغا بالحناء قال: كان يخضخضه بالماء ثم يشرب ذلك الماء. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا رشدين بن سعد المهري (2)، عن أبي عقيل زهرة بن معبد بمثله سواء. * حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا أبو عوانة، عن أبي سعيد الشامي (3) قال دخلت مع..... (4) على بعض أزواج النبي صلى الله


(1) الاضافة عن ميزان الاعتدال 1: 370 وهو سدير بن حكيم الصيرفي الكوفي صالح الحديث، قال ابن الجوزي: روى عنه سفيان الثوري، وقال النسائي: ليس بثقة. وروى أحمد بن أبي مريم عن يحيى أنه ثقة. (2) هو رشدين بن سعد المهري، أبو الحجاج المصري، روى عن زهرة بن معبد ويونس بن يزيد، وعنه قتيبة وأبو كريب وعيسى بن مثرود، قال أحمد: لا يبالي عمن روى ليس به بأس في الرقاق، وقال: أرجو أنه صالح الحديث، وقال أبو زرعة: ضعيف، وقال الذهبي: كان صالحا عابدا سئ الحفظ. مات سنة ثمان وثمانين ومائة. (ميزان الاعتدال 1: 338، الخلاصة للخزرجي 117). (3) أبو سعيد - غير منسوب - له صحبة وهو رجل من أهل الشام وحديثه في الشاميين (أسد الغابة 5: 212، الاصابة 4: 89، الاستيعاب 4: 93). (4) بياض بالاصل مقدار ثلاث كلمات ولعله عثمان بن عبد الله بن موهب القرشي كما نص عليه في البداية والنهاية 6: 20 بالسند الآتي: قال يعقوب بن سفيان حدثنا عبد الله = (*)

[ 622 ]

عليه وسلم فأخرجت شعرا أحمر فقالت: هذا شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم. * حدثنا عبد الله بن بكر ومعاذ بن معاذ قالا، حدثنا حميد قال: سئل أنس رضي الله عنه: هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: لم يشنه الشيب (1)، زاد عبد الله بن بكر قالوا: شين هو يا أبا حمزة ؟ قال: كلكم يكرهه، وقالا جميعا: خصب أبو بكر رضي الله عنه بالحناء والكتم، وخضب عمر رضي الله عنه بالحناء، وزاد معاذ بن معاذ: قال أنس: لم يبلغ الشيب الذي كان بالنبي صلى الله عليه وسلم عشرين شعرة (2).


= ابن عثمان عن أبي حمزة السكري عن عثمان بن عبد الله بن موهب القرشي قال: دخلنا على أم سلمة فأخرجت إلينا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو أحمر مصبوغ بالحناء والكتم. وفي طبقات ابن سعد 1: 437 عن عثمان بن مسلم، ومسلم بن إبراهيم ويونس ابن محمد المؤدب قالوا: أخبرنا سلام بن أبي مطيع قال: أخبرنا عثمان بن عبد الله بن موهب قال: دخلنا على أم سملة فأخرجت إلينا صرة فيها شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مخضوبا بالحناء. أو لعله ربيعة بن أبي عبد الرحمن كما جاء في نهاية الارب للنويري 18: 244. (1) لم يشنه الشيب: جاء في النهاية في غريب الحديث 2: 521 عن أنس رضي الله عنه يصف شعر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " ما شانه الله ببيضاء " والشين: العيب وجعل الشيب هاهنا عيبا وليس بعيب فإنه قد جاء في حديث آخر: إنه وقار ونور. ووجه الجمع بينهما أنه لما رأى عليه السلام أبا قحافة ورأسه كالثغامة أمرهم بتغييره وكرهه، ولذلك قال: غيروا الشيب. فلما علم أنس ذلك من عادته قال: ما شانه الله ببيضاء، فبناء على هذا القول وحملا على هذا الرأي يحمل الحديث الذي معنا. (2) انظر الحديث بمعناه في البداية والنهاية 6: 20 وفي ص 21 عن المصدر ذاته عن شريك بن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من عشرين شعرة، وفي رواية إسحق: رأيت شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من عشرين شعرة بيضاء في مقدمه. (*)

[ 623 ]

* وقال حميد، وحدثني يحيى بن سعيد قال: كان الشيب الذي كان بالنبي صلى الله عليه وسلم سبع عشرة شعرة (1). * حدثنا الحسين بن إبراهيم قال، حدثنا محمد بن راشد، عن مكحول عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه قال: لم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم من الشيب بالخضب، ولكن أبا بكر رضي الله عنه كان يخضب رأسه ولحيته بالحناء والكتم حتى يقنو شعره (2). * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا محمد بن عيسى، والوليد ابن مسلم، عن الاوزاعي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: بعث النبي صلى الله عليه أربعين عاما، وقبض على رأس ستين عاما، وما في رأسه ولحيته عشرون (شعرة (3) بيضاء، قال ربيعة: إنه لاول من سمعت يقول " عشرون ". * حدثنا يزيد بن هارون، ومعاذ بن معاذ قالا، حدثنا حريز (4)


(1) في البداية والنهاية 6: 20 قال حماد بن سلمة عن ثابت: قيل لانس: هل شاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: ما شانه الله بالشيب، ما كان في رأسه إلا سبع عشرة أو ثماني عشرة شعرة. وانظر الحديث بمعناه في الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 431 عن حميد الطويل عن أنس، وكذلك في نهاية الارب 18: 243. (2) في النهاية في غريب الحديث 4: 150 " أن أبا بكر كان يصبغ بالحناء والكتم. وفي نفس المرجع 4: 117 في حديث أنس عن أبي بكر وصبغه رأسه قال: فغلفها بالحناء والكتم حتى قنا لونها، أي أحمر. وفي أقرب الموارد قنا الشئ قنوءا: اشتدت حمرته. وقنا اللحية قنا أي سودها بالخضاب (أقرب الموارد - قنو). (3) الاضافة عن الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 432، والسيرة الحلبية 2: 454 ط. الحلبي. وانظر الحديث بمعناه فيهما. (4) وفي البداية وطبقات ابن سعد ورد هذا الحديث عن طريق جريج بن عثمان، وفي الاصابة 2: 273 عن طريق حريز بن عثمان، وما أثبتناه عن هذا المصدر وعن = (*)

[ 624 ]

ابن عثمان قال: قلت لعبد الله بن بسر (1) - أراد معاذ - وكانت له صحبة - أشيخا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال كان في مقدم لحيته شعرات بيض. * حدثنا أبو داود قال، أنبأنا شعبة، عن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة رضي الله عنه سئل عن شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان إذا دهن رأسه لم يتبين وإذا لم يدهن تبين (2). * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة رضي الله عنه يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد شمط مقدم رأسه ولحيته، فإذا ادهن وأمشط لم يتبين، وإذا شعث رأسه تبيناه، وكان كثير شعر الرأس واللحية، فقال


= خلاصة تذهيب الكمال للخزرجي ص 75 ط. بولاق حيث ترجم له بالآتي: هو حريز بن عثمان الرحبي - بمهملتين مفتوحتين وموحدة - الحميري أبو عثمان الحمصي، روى عن عبد بن بسر، وخالد بن معدان، وراشد بن سعد، وروى عنه عصام بن خالد، والوليد بن مسلم، وعلي بن عياش وخلق. قال أحمد: ثقة ثقة ثقة. وقال أيضا يحيى بن معين عنه كذلك، وقال علي بن عياش سمعته يقول: والله ما سببت عليا قط، وتوفي سنة ثلاث وستين ومائة. (1) عبد الله بن بسر - بضم الموحدة وسكون المهملة - المازني. من مازن بن منصور أخو بني سليم، وقيل من مازن الانصار. يكنى أبا بسر الحمصي. وقال البخاري: أبو صفوان السلمي - صلى للقبلتين. وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأسه ودعا له. صحب النبي صلى الله عليه وسلم هو وأمه وأبوه وأخوه عطية وأخته الصماء. مات بالشام، وقيل بحمص سنة ثمان وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين سنة وقال أبو القاسم بن سعد: مات سنة ست وتسعين وهو ابن مائة سنة. وقيل هو آخر من مات بالشام من الصحابة. (أسد الغابة 3: 125، الاصابة 2: 273، الاستيعاب 3: 258). (2) انظر الحديث بمعناه في البداية والنهاية 6: 20 وطبقات ابن سعد 1: 434، والاصابة لابن حجر 2: 273. (*)

[ 625 ]

رجل: وجهه (مثل السيف (1)) قال: بل وجهه مثل الشمس والقمر (وكان (1) مستديرا، ورأيت خاتمه عند غضروف كتفه مثل بيضة الحمامة (2) يشبه جسده صلى الله عليه وسلم (2). * حدثنا القعنبي قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن القاسم بن محمد قال: سمعت عائشة رضي الله عنها - وذكر عندها رجل يخضب بالحناء - فقالت: إن يخضب فقد خضب أبو بكر رضي الله عنه قبله. قال القاسم: قد علمت لو أن النبي صلى الله عليه وسلم خضب لبدأت به وذكرته. * حدثنا مسلم بن إبراهيم، والسميدع بن واهب بن سوار بن زهدم قالا، حدثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة قال: سألت سعيد ابن المسيب أخضب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لم يبلغ ذاك. * حدثنا سليمان بن أحمد قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد ابن بشير، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: كأن شيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحا على ناصيته وفي عنفقته (3).


(1) ما بين الحواصر عن البداية والنهاية 6: 26، وانظر الحديث سندا ومتنا بنفس المصدر، وكذا في طبقات ابن سعد 1: 433. وصحيح مسلم 4: 1822. (2) في الاصل " الحمام " والتصويب عن البداية والنهاية 6: 26، وطبقات ابن سعد 1: 425. وفي الطبقات حديث آخر مروي عن حسن بن صالح عن سماك عن جابر بن سمرة قال: رأيت الخاتم الذي في ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعة مثل بيضة ؟ الحمام. وبنفس المصدر عن الضحاك عن مخلد عن عزرة بن ثابت عن علياء بن أحمر عن أبي رمثة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا رمثة ادن مني امسح ظهري، فدنوت فمسحت ظهره، ثم وضعت أصابعي على الخاتم فغمزتها، قلنا له: وما الخاتم ؟ قال: شعر مجتمع عند كتفيه. (3) انظر الحديث بمعناه في طبقات ابن سعد 1: 433 عن زياد مولى سعد عن سعد ابن أبي وقاص: قال سألت سعد بن أبي وقاص: هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: لا، ولا هم به، قال: كان شيبه في عنفقته وناصيته، ولو أشاء، أعدها لعددتها. وانظر أحاديث أخرى بمعناه بنفس هذا المصدر. (*)

[ 626 ]

حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عكرمة قال، قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله أراك قد شبت، قال: شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت (1). * حدثنا ابن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال، هل أن هذا من رسول الله كان قد شاب - يعني عنفقته. * حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا شعبة عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس (2) قال: سئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما شانه الله ببيضاء (2). * حدثنا شريح بن النعمان، وداود بن عمرو قالا، حدثنا عبد الرحمن ابن أبي الزياد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قالت لي عائشة رضي الله عنها: كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة (3) ودون الجمة (4).


(1) انظر الحديث سندا ومتنا في طبقات ابن سعد 1: 435، وكذا أحاديث أخرى بهذا المعنى بنفس هذا المصدر. (2) في الاصل " ابن إياس " والمثبت عن صحيح مسلم 4: 1822 تحقيق عبد الباقي، وانظر الحديث مرويا بسنده ولفطه هناك. وكذا في النهاية في غريب الحديث 2: 521. كما ورد بمعناه في طبقات ابن سعد 1: 431. (3) الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الاذن. (4) الجمة: من شعر الرأس ما سقط على المنكبين. وانظر الحديث في البداية والنهاية 6: 20، وطبقات ابن سعد 1: 429، ونهاية الارب 18: 243. (*)

[ 627 ]

* حدثنا داود بن عمرو قال، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وله أربع غدائر (1). * حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا يونس، عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسدل شعره (2)، وكان المشركون يفرقون (3) رؤوسهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه. ففرق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه (4). * حدثنا القعنبي، عن مالك، عن زياد بن سعد، أنه سمع ابن شهاب (عن أنس (5) يقول: سدل النبي صلى الله عليه وسلم ناصيته ما شاء الله، ثم فرق بعد ذلك. * حدثنا القعنبي قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن الاحوص ابن حكيم، عن راشد بن سعد (وعن أبيه حكيم بن عمير قالا) (6):


(1) الغدائر: الضفائر. وانظره بمعناه في البداية والنهاية 6: 20، وطبقات ابن سعد 1: 429، ونهاية الارب 18: 243. (2) سدل الشعر: إرساله، والمراد به هنا عند العلماء إرساله على الجبين واتخاذه كالقصة. (3) الفرق: هو فرق الشعر بعضه عن بعض، قال العلماء: الفرق سنة لانه الذي رجع إليه النبي صلى الله عليه وسلم. (4) انظر الحديث بمعناه مرويا عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس (صحيح مسلم 4: 1818 تحقيق عبد الباقي، والبداية والنهاية 6: 20). (5) ما بين الحاصرتين عن البداية والنهاية 6: 19، وانظر الحديث بمعناه هناك، وكذا في طبقات ابن سعد 1: 430. (6) ما بين الحاصرتين عن طبقات ابن سعد 1: 430. وانظر الحديث سندا ومتنا في طبقات ابن سعد 1: 430. (*)

[ 628 ]

إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرق ويأمر بالفرق وينهى عن السكينية (1). * حدثنا غندر قال، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأهل الكتاب يسدلون شعرهم والمشركون يفرقون، وكان إذا شك في أمر صنع ما يصنع أهل الكتاب، فكان يسدل، فترك ذاك وفرق، فكان الفرق آخر الامرين. * حدثنا حبان (2) قال (حدثنا (3) همام، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب شعره منكبيه. ما مدح به النبي صلى الله عليه وسلم من الشعر * كان قيس بن نشبة (السلمي (4) بن أبي عامر بن حارثة بن عبد


(1) السكينية: لعلها منسوبة إلى ما كانت تفعله سكينة بنت الحسين في شعرها. (تاج العروس، أقرب الموارد " سكن "). (2) حبان بن هلال الباهلي، أو الكناني، أبو حبيب المصري. الحافظ، عن معمر وشعبة وهمام وخلق، وعنه ابن المديني وإسحاق الكوسج وعبد بن حميد. قال ابن سعد: كان ثقة حجة، مات سنة ست وعشرين ومائتين (الخلاصة للخزرجي ص 59). (3) بياض بالاصل بمقدار كلمة، والمثبت عن ترجمة همام السابقة وفيها أن حبان ابن هلال الباهلي يروي مباشرة عن همام وشعبة ومعمر. وفي طبقات ابن سعد 1: 428 ورد هذا الحديث مرويا عن سليمان أبي داود الطيالسي وعمرو بن عاصم الكلابي عن همام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم شعر. قال أبو داود: يبلغ منكبيه. وقال عمرو: يضرب منكبيه. (4) الاضافة عن أسد الغابة 4: 228، والاضافة 3: 249. وترجمته فيهما: هو قيس بن نشبة السلمي - بضم النون وسكون المعجمة - عم العباس بن مرداس. وفد قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رسول من ورائي من قومي وهم لي مطيعون، وإني سائلك عن مسائل لا يعلمها إلا من يوحي إليه. فسأله عن السموات، فذكر له النبي = (*)

[ 629 ]

ابن عبس بن رفاعة بن الحارث (بن (1)) بهثنة بن سليم متألها في الجاهلية، قد نظر في الكتب، فلما سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم قدم عليه فقال: اعرض علي ما جئت به وأخبرني باسمك ونسبك، فتسمى له وانتسب، وعرض عليه الاسلام، فقال: والله إن اسمك لاسم النبي المنتظر، وإن نسبك لشريف، وإن ما جئت به لحق، أشهد أنك رسول الله، ثم قال: تابعت دين محمد ورضيته * كل الرضا لامانتي ولديني ذاك امرؤ نازعنه قول الهدى (2) * وعقدت فيه يمينه بيميني أمن الفلا لما رأين الفعل من * عف الخلائق طاهر ميمون أعني ابن آمنة الامين ومن به * أرجو السلامة من عذاب الهون قد كنت آمله وأنظر دهره * فالله قدر أنه يهديني


= صلى الله عليه وسلم السموات السبع والملائكة وعبادتهم، وذكر الارض وما فيها فأسلم ورجع إلى قومه فقال: يا بني سلم. قد سمعت برجمة الروم وفارس، وأشعار العرب والكهان ومقاول حمير، وما كلام محمد يشبه شيئا من كلامهم، فأطيعوني في محمد، فإنكم أخواله، فإن ظفر تنتفعوا به وتستعدوا، وإن تكن الاخرى لم تقدم العرب عليكم، فقد دخلت عليه وقلبي عليه أقسى من الحجر فما برحت حتى لان بكلامه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسميه حبر بن سليم، وكان إذا افتقده يقول: يا بني سليم أين حبركم ؟ فقال قيس بن نشبة: تابعت دين محمد ورضيته * كل الرضا لامانتي ولديني....... الابيات (1) الاضافة عن جمهرة أنساب العرب لابن حزم الاندلسي ص 261 تحقيق عبد السلام هارون. (2) كذا في الاصل: وفي الاصابة 3: 250 " قول العدي ". أمن الفلا لما رأيت الفعل من * عف الخلائق طاهر ميمون هذا البيت لم يرو في الاصابة 3: 250. (*)

[ 630 ]

وقدم عليه قدر بن عمار (1) في وفد بني سليم فأسلم، وكان جميلا وسيما، وقال في إسلامه: عقدت يميني إذ أتيت محمدا * بخير يد شدت بحجزة مئزر (2) وذاك امرؤ قاسمته شطر دينه * ونازعته قول امرئ غير أعسر وإن امرأ فارقته عند يثرب * لخير نصيح من معد وحمير وكان خرج إلى بلاد قومه في الوفد، ووعدوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يوافوه لنصره على أهل حنين، فرجع أصحابه وليس فيهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين الغلام الحسان الصدوق الايمان، الطليق اللسان ؟ قالوا: مات. وفي موعدهم النبي، قال عباس ابن مرداس: سرينا وواعدنا قديدا محمدا (3) * يؤم بنا أمرا من الله محكما يجوس العدا بالخيل لاحقة الكلى * وتدعو إذا جن الظلام مقدما


(1) قدر بن عمار: كذا بالاصل، ويروي في أسد الغابة 1: 200، والاصابة 3: 221 " قدد بن عمار بن مالك بن يقظة بن عتبة خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم - بدالين وزن عمر، ويقال آخره راء " قدر " ويقال قدن بفتحتين ونون - عن علي بن محمد المدائني عن أبي معشر عن يزيد بن رومان، ورجال المدائن. قالوا: قدم بنو سليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقديد عام الفتح، وهم سبعمائة ويقال ألف، فقال الناس: ما جاءوا إلا للغنائم. وفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما كان قدم عليه فقال: ما فعل الغلام الحسان الطليق اللسان الصادق الايمان ؟ قالوا: ذلك قدد بن عمار توفي، فترحم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وبايعه وعاهده أن يأتيه بألف من بني سليم، فخرج في تسعمائة وخلف في الحي مائة، وأقبل بهم يريد الرسول عليه السلام فنزل به الموت.. الحديث. (2) وردت هذه الابيات في الاصابة 3: 221 كالآتي: شددت يميني إذ أتيت محمدا * بخير يد شدت بحجزة مئزر وذاك امرأ قاسمته نصف دينه * فأعطيته كف امرئ غير معسر وإن امرأ فارقته عند يثرب * لخير نصيح من معد وحمير (3) في الاصل: عشية واعدنا قديدا محمدا، والتصويب عن ابن هشام 4: 913. (*)

[ 631 ]

أسماء النبي صلى الله عليه وسلم * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا سفيان بن حسين (1)، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي أسماء، أنا محمد وأحمد والعاقب والماحي والحاشر أحشر الناس على قدمي. قال أبو خالد سألت سفيان ابن حسين ما العاقب ؟ قال آخر الانبياء (2). * حدثنا أبوداد قال، أنبأنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم (3)، عن أبيه قال، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي أسماء: أنا محمد وأحمد والعاقب - فقال الزهري: ليس بعده أحد - والماحي الذي محا الله به الكفر (4).


(1) سفيان بن حسين، أبو محمد الواسطي، صدوق مشهور، ويقال: أبو الحسن، مولى الامير عبد الله بن حازم السلمي، ويقال مولى عبد الرحمن بن سلمي القرشي، ويروي عن الزهري ويونس بن عبيد وطائفة، ويروي عنه شعبة وهشيم وعباد بن العوام ويزيد بن هارون. قال العجلي وابن سعد: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. مات في خلافة المهدي (ميزان الاعتدال 1: 395، والخلاصة للخزرجي ص 123). (2) انظر الحديث بمعناه في طبقات ابن سعد 1: 104. (3) جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي يكنى أبا محمد، وقيل أبا عدي، أمه أم حبيب وقيل أم جميل بنت سعيد من بني عامر بن لؤي. وكان من حلماء قريش وسادتهم، وكان يؤخذ عنه النسب لقريش وللعرب قاطبة، وكان يقول أخذت النسب عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكلمة في أسارى بدر فقال له صلى الله عليه وسلم: لو كان أبوك الشيخ حيا فأتانا فيهم لشفعناه. وكان إسلام جبير بعد الحديبية، وقيل قبل الفتح، وقيل أسلم في الفتح، وتوفي جبير سنة سبة وخمسين، وقيل سنة ثمان وقيل سنة تسع وخمسين. (أسد الغابة 1: 271، الاصابة 1: 227). (4) انظر الحديث بمعناه في طبقات ابن سعد 1: 105. (*)

[ 632 ]

* حدثنا أبو داود قال، حدثنا المسعودي قال، حدثنا عمرو بن مرة عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبي موسى (الاشعري (1) رضي الله عنه قال: سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماء فمنها ما حفظنا، قال: أنا محمد وأحمد، والحاشر والمتقي، ونبي (الرحمة (2) والتوبة ونبي الملحمة. * حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن الاعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء قال: أنا محمد وأحمد والمقفى والحاشر، ونبي الرحمة ونبي الملحمة. * حدثنا محمد بن سابق قال، حدثنا مالك بن مغول قال، سمعت أبا حصين (3) يذكر، عن مجاهد قال، قال: يعني النبي صلى الله عليه وسلم: أنا محمد وأحمد ونبي التوبة، أنا رسول الرحمة، أنا رسول الملحمة أنا المقفى والحاشر، بعثت بالجهاد ولم أبعث بالزراع (4). أسماء النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب * حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال،


(1) الاضافة عن ابن سعد 1: 104. (2) الاضافة عن ابن سعد 1: 105. (3) في الاصل " أبا حسين " والتصويب عن طبقات ابن سعد 1: 105 ط. بيروت (4) في الاصل " بعثت بالحصادة ولم أبعث بالزراعة ". والمثبت عن طبقات ابن سعد 1: 105 وانظر الحديث هناك بسنده ومتنه. (5) الزراع: فعال للمبالغة، يطلق على النمام الذي يزرع الاحقاد في قلوب الناس الاحباء، والجمع زراعون وزراع. (تاج العروس 5: 368). (*)

[ 633 ]

حدثنا العيزار بن خريب (1) عن عائشة رضي الله عنها قالت إن محمدا لمكتوب في الانجيل (2) ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الاسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو أو يغفر. * حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا فليح بن سليمان قال، حدثنا هلال بن علي، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو (3) رضي الله عنهما فقلت: حدثني عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة قال: إي والله، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا " (4)، وحرزا للامين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخوب في الاسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه حتى يقيم به الملة المتعوجة بأن يقولوا


(1) في البداية والنهاية 6: 61 العيزار بن خريب " والمثبت عن خلاصة تذهيب الكمال للخزرجي ص 306 ط. بولاق، وهو العبزار بن حريث. هكذا ذكره مسلم وغيره. - العبدي الكوفي، روي عن الحسن وابن عباس. وعنه ابنه الوليد وأبو إسحق. وثقه النسائي. وانظر الحديث بسنده ومتنه في البداية والنهاية. (2) الانجيل: من النجل وهو الخروج ومن ثم سمي الولد نجلا لخروجه، أو مشتق من النجل وهو الاصل، فسمي هذا الكتاب بهذا الاسم لانه الاصل المرجوع إليه في هذا الدين. وقيل من النجلة: وهي سعة العين، لانه أنزل وسعة لهم، ولان فيه تجليلا بعض ما حرم عليهم (السيرة الحلبية 1: 305 ط. الحلبي). (3) في البداية والنهاية 6: 60 رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو غير منسوب، وقيل هو عبد الله بن رجاء، وقيل: عبد الله بن صالح وهو الارجح. وفي السيرة الحلبية 1: 205 ط. الحلبي " يروى هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو ابن العاص. وكان له اطلاع على ذلك من جهة زاملتين كان أصابهما يوم اليرموك، وقد روي هذا الحديث وغيره مما هو في معناه عند البيهقي والترمذي والحافظ المزي من طريق عبد الله بن سلام (البداية والنهاية 6: 60، 61). (4) سورة الاحزاب آية رقم 45. (*)

[ 634 ]

لا إله إلا الله، فيفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا قال: ثم لقيت كعبا فسألته، فما اختلفنا في حرف، إلا أن كعبا قال: أعين عمي وآذان صم وقلوب غلف (1). * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن العلاء بن المسيب، وإبراهيم بن ميمون، كلاهما عن المسيب بن رافع، عن كعب قال: قال الله محمد عبدي المتوكل المختار، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده مكة وهجرته طابة وملكه بالشام، وأمته الحمادون يحمدون الله على كل نجد (2).


(1) في البداية والنهاية 6: 60، 61، 62 ذكر ابن كثير أن البيهقي روى هذا الحديث من طريق يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا أبو صالح كاتب الليث عن خالد ابن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن أسامة عن عطاء بن يسار عن ابن سلام أنه كان يقول: إنا لنجد صفة رسول الله... ثم روى الحديث بمعناه وفيه... " وليس أقبضه حتى يقيم الملة العوجاء بأن تشهد " أن لا إله إلا الله " يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، قال عطاء بن يسار، وأخبرني الليث أنه سمع كعب الاحبار يقول مثل ما قال ابن سلام. وفي السيرة الحلبية 1: 206 ط. الحلبي زيد في رواية كعب الاحبار " وأعطي المفاتيح، ليبصرن الله به أعينا عورا، وليسمع به آذانا صما، ويقيم به ألسنة معوجة، يعين المظلوم ويمنعه من أن يستضعف. وجاء أيضا في السيرة الحلبية 1: 208 رواية عن جلال الدين السيوطي في الخصائص الكبرى قال: " وفي صحف شعياء اسمه صلى الله عليه وسلم ركن المتواضعين، وفيها: إني باعث نبيا أميا أفتح به آذانا صما وقلوبا غلفا، وأعينا عميا، مولده بمكة ومهاجرته بطيبة،، وملكه بالشام، رحيما بالمؤمنين يبكي للبهيمة المثقلة، ويبكي لليتيم في حجر الارملة، لو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القضيب الرعراع - يعني اليابس - لم يسمع من تحت قدميه " إلى آخر الرواية فإن فيها طولا. (2) النجد: هو الكرب والغم (تاج العروس، أقرب الموارد " نجد "). (*)

[ 635 ]

* حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إبراهيم بن ميمون قال، حدثنا المسيب بن رافع، عن كعب قال: قال الله: محمد عبدي المتوكل - بمثله - إلا أنه قال: على كل حبل - وزاد - وفي منزلة، لهم دوي كدوي النحل في جو السماء، يوضئون أطرافهم، ويتزررون على أنصافهم، صفهم في القتال مثل صف الصفاة - رعاة الشمس، يصلون الصلاة حيث أدركتهم ولو على ظهر كناسة (1). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبان بن يزيد، عن عاصم بن بهدلة (2)، عن ابن صالح، عن كعب قال: التوراة مكتوب (فيها (3) محمد عبدي المختار، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالاسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام (4).


(1) جاء في السيرة الحلبية للعلامة ابن برهان الدين الحلبي 1: 207 " وفي التوراة في صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم يوضئون أطرافهم ويأتزرون في أوساطهم، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم. وعلق عليه: يؤخذ من وصفهم هذا بأنهم يوضئون أطرافهم حيث إن الامم السابقة كانوا لا يتوضأون، ثم ذكر رواية أخرى عن ابن عباس: " في التوراة في صفة أمته صلى الله عليه وسلم " دويهم في مساجدهم كدوي النحل " وذكر رواية أخرى: أصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النحل، رهبان بالليل ليوث بالنهار، إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر حسنات، وإذا هم أحدهم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت له سيئة واحدة، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالكتاب الاول - أي التوراة ". (2) عاصم بن بهدلة وهي أمه وقيل أبوه، قال ابن أبي داود: الاسدي - مولاهم - أبو بكر الكوفي، أحد القراء السبعة، عن أبي وائل وأبي صالح وحميد الطويل، وعنه شعبة والحمادان والسفيانان وأبو عوانة، وثقه أحمد والعجلي وأبو زرعة. قال خليفة: مات سنة تسع وعشرين ومائة، وكان معروفا بابن أبي النجود. (الخلاصة للخزرجي ص 182 ط. بولاق). (3) سقط في الاصل. والاثبات عن البداية والنهاية 6: 61. (4) أنظر هذا الحديث بمعناه في البداية والنهاية 6: 61 عن كعب الاحبار. (*)

[ 636 ]

* حدثنا محمد بن حاتم قال، أنبأنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثني عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، أنه أخبره عن سعيد بن سويد عن عبد الاعلى بن هلال السلمي، عن عرباض بن سارية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، إني لمكتوب عبد الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل (1) في طينته، وسأخبركم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، وبرؤيا أمي أنها رأت حين وضعتني أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام. * حدثنا شريح قال، حدثنا فليح، عن هلال (2) بن علي، عن أنس رضي الله عنه قال: لم يكن النبي سبابا ولا فحاشا، ولا لعانا، كان يقول لاحدنا عند المعتبة: ما له ترب جبينه (3).


(1) في النهاية في غريب الحديث 1: 248: " أنا خاتم النبيين في أم الكتاب، وإن آدم لمنجدل في طينته " أي ملقى على الجدالة وهي الارض. (2) في خلاصة تذهيب الكمال ص 412 ط. بولاق ذكر الخزرجي أن اسمه هلال ابن علي بن أسامة، ويقال ابن أبي هلال القرشي العامري - مولاهم - المدني، روى عن أنس وعطاء بن يسار، وعنه سعيد بن أبي هلال ومالك وفليح. قال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب بحديثه، قال الواقدي: مات في خلافة هشام، وذكر ابن سعد في طبقاته 1: 369 هذا الحديث سندا ومتنا، فقال: أخبرنا فليح بن سليمان عن هلال وهو هلال بن أبي ميمونة وابن أبي هلال بن علي عن أنس بن مالك قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبابا.. الحديث. وترحم الخزرجي لهلال بن أبي ميمونة في ابن علي، وهو هلال بن علي الذي ترجمنا له سابقا. (3) انظر الحديث سندا ومتنا في طبقات ابن سعد 1: 369، وفي البداية والنهاية 6: 36 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لم يكن رسول الله سبابا ولا لعانا ولا فاحشا كان يقول لاحدنا عند الم‍ ؟ اتبة: ما له تربت جبينه. وفي النهاية في غريب الحديث 1: 185 عن أنس رضي الله عنه الحديث بمعناه، وأراد صلى الله عليه وسلم بترب جبينه " الدعاء له بكثرة السجود، وهناك رواية أخرى في النهاية في غريب الحديث 3: 175: " كان يقول لاحدنا عند المعتبة: ما له تربت يمينه " والمعتبة - بالفتح والكسر - من الموجدة والغضب. (*)

[ 637 ]

* حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا يحيى بن زكرياء، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن أبي عبد الله الجدلي قال: سألت عائشة رضي الله عنها: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهله، قالت أحسن الناس خلقا، لم يك فاحشا ولا متفحشا، ولا صخابا في الاسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح (1). * حدثنا سويد قال، حدثنا يحيى بن زكريا، عن حارثة ابن محمد (الانصاري (2) عن عمرة (3) قالت: سألت عائشة رضي الله عنها: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا بنسائه (4) ؟ قالت: كان رجلا من رجالكم، كان أحسن الناس خلقا، وكان ضحاكا بساما. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا مهدي بن ميمون، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أنها سئلت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته، قالت: كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما تعمل الرجال في بيوتهم (5).


(1) انظر الحديث في طبقات ابن سعد 1: 87، 90، وفيه صلى الله عليه وسلم في بيته مكان أهله، وانظر الحديث بمعناه عن عائشة رضي الله عنه في البداية والنهاية 6: 60. (2) الاضافة عن البداية والنهاية 6: 44. (3) عمرة بنت عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة الانصارية المدنية، سيدة نساء التابعين تروى عن عائشة رضي الله عنها (الخلاصة للخزرجي ص 435). (4) وفي طبقات ابن سعد 1: 2: 91 " إذا خلا في بيته " بدلا من " إذا خلا بنسائه ". (5) في البداية والنهاية 6: 44 " كان يخصف نعله ويخيط ثوبه كما يعمل أحدكم في بيته ". (*)

[ 638 ]

* حدثنا سعيد بن سليمان قال، حدثنا منصور بن أبي الاسود، عن الاعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن السائب قال: كنت شريكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدمت عليه قال: أتعرفني ؟ قلت: كنت شريكك فنعم الشريك لا تماري ولا تداري (1). * حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا سفيان بن عيينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلم أني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم ووضع آخرين. * حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد (2)، عن أبيه في قوله (لقد جاءكم رسول من أنفسكم (3)) يقول: من نكاح لا من سفاح الجاهلية. * حدثنا عبيد الله بن سعد قال، حدثني عمي يعقوب بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمد بن كعب القرظي، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غضب رأيت لوجهه ظلالا (4). (ذكر فضل بني هاشم وغيرهم من قريش وقبائل العرب) * حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري قال، حدثنا يوسف ابن صهيب، عن أبي الازهر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:


(1) كذا في الاصل. وفي النهاية في غريب الحديث 2: 110 " كان لا يداري ولا يماري " أي لا يشاغب ولا يخالف. وقيل المراء: الجدال، والتماري والمماراة: المجادلة على مذهب الشك والريبة. (2) في الاصل " سفيان عن حنين محمد " والمثبت عن ابن كثير 4: 275. (3) سورة التوبة آية 128 أي لم يصبه شئ من ولادة الجاهلية. ولذا قال صلى الله عليه وسلم " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح " ابن كثير 4: 275. (4) ظلالا: أي تموجات سوداء (تاج العروس " ظلل "). (*)

[ 639 ]

إن بني هاشم فضلوا على الناس بست خصال: هم أعلم الناس، وأشجع الناس، وهم أسمح الناس، وهم أحلم الناس، وهم أصفح الناس، وأحب الناس إلى نسائهم. * حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن العباس ابن عبد المطلب رضي الله عنه قال، قلت: يا رسول الله، إن قريشا إذا لقي بعضها بعضا لقوا ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، فغضب غضبا شديدا فقال: والذي نفس محمد بيده لا يدخل قلب عبد الايمان حتى يحبكم لله ولرسوله. * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا جرير، عن يزيد ابن أبي زياد، عن عبيد الله بن الحارث، عن المطلب بن ربيعة بنحوه. * حدثنا عمرو بن عون قال، أنبأنا خالد بن عبد الله، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب بن ربيعة قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليه العباس وهو مغضب فقال: يا نبي الله، ما بال قريش، إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك ؟ قال فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى احمر وجهه وقال: لا يدخل قلب رجل الايمان حتى يحبكم لله ولرسوله (ثم قال: أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني وإنما) (1): عم الرجل صنو أبيه (2).


(1) ما بين الحاصرتين من أسد الغابة 3: 331. (2) انظر الحديث في النهاية في غريب الحديث 3: 57، وفي رواية: " العباس صنوي " الصنو: المثل، وأصله أن تطلع نخلتان عرق واحد، ويريد بذلك صلى الله عليه وسلم أن أصل العباس وأصل أبي واحد، وهو مثل أبي أو مثلي. وانظر الحديث بطوله عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب في أسد الغابة 3: 331. (*)

[ 640 ]

* حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده قال، قال العباس رضي الله عنه: يا رسول الله، إن قريشا تتلاقى بينها بوجوه لا تلقانا بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إن الايمان لا يدخل أجوافهم حتى يحبوكم لي. * حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء العباس رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنك تركت فينا ضغائن منذ صنعت الذي صنعت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن تبلغوا الخير - أو قال: الايمان - حتى يحبوكم لله ولقرابتي، أيرجو سؤلهم شفاعتي عن مراد ولا يرجو بنو عبد المطلب شفاعتي ؟ * حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد قال، حدثني أبي، عن أبيه عن جده، عن علي رضي الله عنه قال: قدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل في المسجد، وألقى عليه ثوبا، وجعل يعطيه الناس، فأشار إلي عمه العباس رضي الله عنه أن قم بنا إليه، فقمنا فقلنا: يا رسول الله، أعطيت من هذا المال ولم تعطنا منه شيئا ؟ قال: إنما هي صدقة، والصدقة أوساخ الناس يتطهرون بها من ذنوبهم، إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد. فقمنا فلما ولينا دعانا، فقال: ما ظنكم بي غدا إذا أحذت بباب الجنة، وهل تروني مناديا سواكم، أو مؤثرا عليكم غيركم (1).


(1) روي بمعناه في مجمع الزوائد 3: 91. (*)

[ 641 ]

* حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري، عن محمد بن عبد الله بن المطلب، ابن ربيعة، عن أبيه، أن أباه والعباس بن عبد المطلب اجتمعا مع كل واحد منهما ابنه، مع العباس الفضل ومع ربيعة (1) بن الحارث ابنه عبد المطلب فقالا: ما يمنعنا أن نبعث هذين الفتيين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستعملهما على بعض ما يستعمل عليه هؤلاء الناس، فأما ما يؤدي إليه الناس فيؤديان، وأما ما يصيب الناس من منفعة ذلك فيصيبنا، قال: فبينما هما كذلك إذ أتى عليهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: ما يقول الشيخان ؟ فقالا: نقول لو بعثنا هذين الفتيين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعملهما على بعض ما يستعمل عليه هؤلاء الناس ؟ فقال: لا عليكما أن لا تفعلا، فإنه ليس بفاعل. فقالا: يا أبا علي أو يا أبا حسن: ما نفسنا عليك قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهرك إياه فتنفس علينا أن يستعمل هذين الفتيين ؟ قال: فأي نفاسة عليكما ! ولكني أعلم أنه غير فاعل، ثم جمع رداءه فجلس عليه ثم قال حزنا: أنا أبو حسين أو أنا أبو حسن القرم (2). قال فانطلقنا


(1) انظر الحديث في صحيح مسلم 5: 38 حاشية شرح الساري مرويا عن عبد المطلب ابن ربيعة بن الحارث، وفي مجمع الزوائد، 3: 91 " أن نوفل بن الحارث بعث ابنيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما انطلقا إلى ابن عمكما لعله يستعين بكما على الصدقات لعلكما تصيبان شيئا فتتزوجان، فلقيا عليا رضي الله عنه.. الحديث. (2) في الاصل " أنا أبو الحسن اليوم " والمثبت من صحيح مسلم حاشية شرح الساري 5: 41، والقرم: هو السيد، ومعناه: المقدم في المعرفة بالامور والرأي. وفي رواية " أنا أبو حسن القرم " بإضافة حسن للقوم: أي أنا عالم القوم وذو رأيهم. والرواية الثالثة " أنا أبو حسن القوم " بالتنوين والقوم بالرفع: أي أنا من علمتم رأيه أيها القوم، وهو = (*)

[ 642 ]

إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا معه الظهر ثم انصرفنا حتى انتهينا معه إلى الباب، وهو يومئذ يوم زينب بنت جحش، فدخل وأذن لنا فقال: أخرجا ما تصرران (1)، فقلنا: يا رسول الله، بعثنا أبوانا لتستعملنا على بعض ما تستعمل عليه الناس، فأما ما يؤدي الناس فنؤدي، وأما ما يصيب الناس من منفعة فنصيب، فاستلقى مليا ورفع بصره إلى السماء، فذهبنا نكلمه فأومت إلينا زينب أن امضيا فإنه في شأنكما، فأقبل علينا فقال: إن هذه الصدقات أوساخ أيدي الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا آل محمد، ثم قال: ادع لي أبا سفيان بن الحارث ومحمية بن جزء الزبيدي (2)،


= رأي ضعيف لان حروف النداء لا تحذف في نداء القوم. والاصح ما أثبتناه في الاصل وهو الرأي المعروف والمشهور في بلادنا. (صحيح مسلم 5: 41). (1) في المرجع السابق " فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا ثم قال: أخرجا ما تصرران، أي ما تجمعانه في صدوركما من الكلام، وفي رواية في بعض النسخ: أخرجا ما تسرران بالسين أي ما تقولانه لي سرا. (صحيح مسلم 5: 39). (2) في صحيح مسلم 5: 42 " محمية بن جزء - بجيم مفتوحة ثم زاي ساكنة ثم همزة - وهو رحل من بني أسد. قال القاضي: هكذا يقوله عامة الحفاظ، وأهل الاتقان ومعظم الرواة. وقال عبد الغني بن سعيد: يقال جزي - بكسر الزاي - وقال أبو عبيد هو عندنا جز - مشدد الزاي - وهو رجل من بني أسد. فقال القاضي: كذا وقع، والمحفوظ أنه من بني زبيد لا من بني أسد وهو محمية بن جزء بن عبد يغوث بن عويج ابن عمرو بن زبيد الاصغر الزبيدي. قال الكلبي: هو حليف بني جمح. وقيل: حليف بني سهم، وكان قديم الاسلام وهو من مهاجرة الحبشة. وتأخر عوده منها. وأول مشاهده المريسيع، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على الاخماس.. ثم ذكر ابن الاثير هذا الحديث بطوله في ترجمته. (انظر أسد الغابة 4: 334، وانظره بمعناه أيضا في مجمع الزوائد 3: 91، والاصابة 3: 362، 3: 547 ترجمة نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ابن هاشم). (*)

[ 643 ]

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع إليه الشئ إذا كان عنده، فقال: يا محمية زوج أحد هذين، وقال، لابي سفيان: زوج ابنتك من الآخر، وقال لمحمية: سق عنها ما عندك. * حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا إسماعيل بن علية، عن محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله ابن نوفل، عن المطلب بن ربيعة بن الحارث بنحوه، وقال فيه: فقالا لعلي والله ما نفسنا عليك ما هو أعظم من ذلك من صهره وصحبته، وقال فيه: وكان محمية على خمس المسلمين. وقال فيه: وقال لابي سفيان: زوج ابنتك عبد المطلب. قال: قد فعلت، وقال لمحمية: يا محمية زوج الفضل ابنتك، قال: قد فعلت يا نبي الله (1). * حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع (2) عن أبيه (3): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث


(1) في رواية صحيح مسلم 5: 40 حاشية شرح الساري، قال صلى الله عليه وسلم ادعوا إلي محمية - وكان على الخمس - ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، قال فجاءه فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك للفضل بن عباس، فأنكحه. وقال لنوفل بن الحارث أنكح هذا الغلام ابنتك لي فأنكحني، وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا، قال الزهري: لم يسمه لي. وانظر الحديث بطوله في أسد الغابة 3: 331 ترجمة عبد المطلب ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم برواية الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب - عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، وكذا في صحيح مسلم 5: 38 رواية السند السابق. (2) ابن أبي رافع: في الاصابة 4: 68 هو عبيد الله بن أبي رافع، وفي أسد الغابة 3: 338 عبيد الله بن أسلم، وأسلم من أسماء أبيه أبي رافع كما سيأتي في ترجمة أبيه. (3) أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم اختلف في اسمه، فقيل: أسلم، وقيل إبراهيم، وقيل صالح، وقيل يسار. كان للعباس عم الرسول فوهبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي في خلافة عثمان. وقيل في خلافة علي رضي الله عنه. (انظر الاصابة 4: 68، الاستيعاب 4: 69). (*)

[ 644 ]

رجلا من بني مخزوم (1) على الصدقة. فقال لابي رافع: أتتبعني فتصيب منها. فقال: لا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له، فقال: إن مولى القوم من أنفسهم وإنه لا يحل لنا الصدقة. * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم قال: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذي القربى من (خيبر بين) (2) بني هاشم وبني المطلب، أتيته أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله به منهم أرأيت (إخواننا من (3) بني المطلب ؟ أعطيتهم ومنعتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة (واحدة (3) ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد، وشبك النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه - وأشار أبو خالد فشبك بين أصابعه (4).


(1) هو - كما جاء في مجمع الزوائد 3: 90 عن ابن عباس " أرقم بن أبي أرقم. واسم أبي الارقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، يكنى أبا عبد الله، كان من السابقين الاولين إلى الاسلام، أسلم قديما حتى قيل إنه كان ثاني عشر، وكان من المهاجرين الاولين، وشهد بدرا، ونفله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها سيفا واستعمله على الصدقات (انظر أسد الغابة 1: 59، وانظر ما جاء في صحيح الترمذي 3: 159، ونبل الاوطار للشوكاني 4: 243). (2) الاضافة عن مسند الامام أحمد بن حنبل 4: 81. (3) ما بين الحاصرتين عن المسند للامام أحمد بن حنبل 4: 81. (4) انظر الحديث بطوله في مسند ابن حنبل 4: 81 مرويا عن الزهري عن سعيد ابن المسيب عن جبير بن مطعم. (*)

[ 645 ]

* حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال، أخبرني جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل من الخمس كما قسم لبني هاشم وبني المطلب، وكان أبو بكر رضي الله عنه يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم (غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم، وكان عمر رضي الله عنه يعطيهم وعثمان من بعده منه (1). * حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم الخمس بين بني عبد المطلب وبني عبد يغوث، ثم قسمه أبو بكر رضي الله عنه عليهم، وهو يسير، ثم قسمه عمر رضي الله عنه سنتين، ثم كلم فيه عليا رضي الله عنه عام اشتدت فيه حال المسلمين فقال: أرفقونا به فأرفقه، فلما صار علي رضي الله عنه إلى منزله أرسل إليه العباس رضي الله عنه: أعطيتموه الخمس ؟ قال: نعم، قال: أم والله لا يعطيكموه أحد حتى يعطيكموه رجل نبي. * حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال، حدثنا عبد الله بن نمير قال، حدثنا هاشم بن البريد (2) قال، حدثنا حسين بن ميمون،


(1) الاضافة من مسند ابن حنبل 4: 83 من حديث سعيد بن المسيب عن جبير ابن مطعم. (2) في الاصل " هاشم بن بريد " والتصويب عن ميزان الاعتدال 1: 257 حيث أن سلسلة السند بطولها وردت فيه وبعض من هذا الحديث. (*)

[ 646 ]

عن عبد الله بن عبد الله (1)، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: اجتمعت أنا والعباس وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة: عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل العباس فقال: يا رسول الله كبرت سني ورق عظمي، وقد ركبني مؤونة فإن رأيت أن تأمر لي بكذا وكذا وسقا من طعام فافعل قال: فعل ذاك: ثم قالت فاطمة: يا رسول الله أنا منك بالمنزل الذي قد علمت، فإن رأيت أن تأمر لي كما أمرت لعمك فافعل قال: قد فعل ذاك، ثم قال زيد بن حارثة: يا رسول الله كنت أعطيتني أرضا أعيش فيها، ثم منعتها مني، فإن رأيت أن تردها علي، قال: فعل ذاك. قال فقلت أنا: يا رسول الله، إن رأيت أن توليني حقنا من الخمس في كتاب الله فاقسمه في حياتك لئلا ينازعنيه أحد بعدك فافعل، قال: قد فعل ذاك، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم التفت إلى العباس فقال: يا أبا الفضل ألا سألتني الذي سألني ابن أخيك ؟ فقال: يا رسول الله أنتهت مسألتي إلى الذي سألتك، قال: فولانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقسمته حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ولاية أبي بكر رضي الله عنه، فقسمته حياة أبي بكر، ثم ولاية عمر رضي الله عنه، فقسمته حياة عمر رضي الله عنه. حتى كانت آخر سنة من سني عمر رضي الله عنه فإنه أتاه مال كثير


(1) هو عبد الله بن عبد الله الهاشمي - مولاهم - الرازي الكوفي، قاضي الري روى عن جابر بن سمرة وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وروى عنه الاعمش والحجاج ابن أرطأة، قال النسائي: ليس به بأس، ووثقه أحمد بن حنبل (خلاصة تذهيب الكمال ص 203 ط - بولاق). (*)

[ 647 ]

فعزل حقنا، ثم أرسل إلي فقال: هذا حقكم فخذه فاقسمه حيث كنت تقسمه، فقلت: يا أمير المؤمنين بنا عنه العام غناء وبالمسلمين إليه حاجة، فرده عليهم تلك السنة، ثم لم يدعني إليه أحد بعد عمر رضي الله عنه حتى قمت مقامي هذا، فلقيت العباس بعد ما خرجت من عند عمر فقال: يا علي لقد حرمتنا الغداة شيئا لا يرد علينا أبدا إلى يوم القيامة، وكان رجلا ذاهبا. * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل، عن حكيم ابن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبا من خيبر، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم قال: إن الناس قد كثروا وإن شئتم أعطيتكم ما كان نصيبكم من خيبر مالا، فنظر بعضنا إلى بعض، فقتل عمر ولم يعطنا شيئا، فقسمها عثمان. فذكرنا ذلك له، فقال: إن عمر قبضها ولم يعطكم شيئا فأبى أن يعطينا. * حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري ومحمد بن علي عن يزيد بن هرمز (1) قال (كتب نجدة ابن عامر (2) إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله عن سهم ذي القربى لمن هو ؟ وعن النساء هل كن يحضرن الحرب مع رسول الله صلى الله وسلم ؟ وهل كان يضرب لهن بسهم ؟ وعن قتل الولدان ؟ ويخبره


(1) في الاصل " يزيد بن هارون " والمثبت عن مسند ابن حنبل 1: 248، وميزان الاعتدال 3: 318، وخلاصة التذهيب للخزرجي ص 374، ويؤيد ذلك ما جاء في سند الاحاديث التالية. (2) ما بين الحاصرتين بياض بالاصل والمثبت عن مسند ابن حنبل 1: 248، وتفسير ابن كثير 4: 68، وهو: نجدة بن عامر الحروري من رؤوس الخوارج، زائغ عن الحق، ذكره الجوزجاني في الضعفاء. وانظر أيضا ميزان الاعتدال 3: 228. (*)

[ 648 ]

في كتابه: أن العالم صاحب موسى قد قتل الغلام. قال يزيد (1): فأنا كتبت كتاب ابن عباس رضي الله عنهما إلى نجدة. كتب إليه: كتبت تسألني عن سهم ذوي القربى لمن هو ؟ فهو لنا أهل البيت، وقد كان عمر رضي الله عنه دعانا إلى ننكح منه نساءنا، ونخدم منه عائلنا، ونقضي منه عن غارمنا فأبينا إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك فتركناه عليه (2)، وكتبت تسألني عن النساء (3) هل كن يحضرن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقد كن يحضرن الحرب معه، فأما أن يضرب لهم بسهم فلا، وقد كان يرضخ (4) لهن، وكتبت تسألني عن قتل الولدان، وتقول في كتابك: إن العالم صاحب موسى قتل الغلام، ولو كنت تعلم منهم ما علم ذلك العالم (5)


(1) في مسند ابن حنبل 1: 248 قال يزيد: فشهدت ابن العباس حين قرأ كتابه وحين كتب جوابه وقد قال ابن عباس: " والله لولا أرده عن شر يقع فيه ما كتبت إليه ولا نعمة عين... (2) في الاصل " غرة " والمثبت عن مسند ابن حنبل 1: 248. (3) في مسند ابن حنبل 1: 308 عن يزيد بن هرمز " كتب إليه ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يغزو بالنساء معه فيداوين المرضى، ولم يكن يضرب لهن بسهم ولكنه كان يجيزهن من الغنيمة. (4) الرضخ: العطية القليلة. (5) في مسند ابن حنبل: 1: 249 " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل منهم أحدا وأنت فلا تقتل إلا أن تكون تعلم ما علم الخضر من الغلام الذي قتله " وفي المسند 1: 344 رواية أخرى لهذا الحديث، وهو قول ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل منهم أحدا. وأنت فلا تقتل منهم أحدا إلا أن تكون تعلم منهم ما علم الخضر من الغلام حين قتله. وفي 1: 349 عن يزيد بن هرمز كتب ابن عباس - حين سأله عن قتل الولدان - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقتلهم وأنت فلا تقتلهم إلا أن تعلم منهم مثل ما علم صاحب موسى من الغلام. وفي 1: 352 قال يزيد بن هرمز: وأنا كتبت كتاب ابن عباس إلى نجدة، كتب إليه: كتبت تسألني عن قتل الولدان وتقول إن العالم صاحب موسى قد قتل الغلام، فلو كنت تعلم من الولدان مثل ما كان يعلم ذلك العالم قتلت. ولكنك لا تعلم، فاجتتبهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتلهم (انظر الحديث بمعناه في هذه المصادر كلها). (*)

[ 649 ]

ولكنك لا تعلم فاجتنبهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتلهم. * قال محمد بن إسحاق، وحدثني من لا أتهم، عن يزيد ابن هرمز: أنه كان في كتاب نجدة إلى ابن عباس رضي الله عنهما: يسأله عن العبيد هل كانوا يحضرون الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وهل كان يضرب لهم بسهم ؟ فكتب إليه ابن عباس رضي الله عنه: إن العبيد قد كانوا يحضرون الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أن يضرب لهم بسهم فلا، وقد كان يرضخ لهم، وعن اليتيم (1) ومتى يخرج من اليتم ويجب سهمه في الفئ ؟ فكتب إليه: وأما اليتيم فإذا (بلغ النكاح وأونس منه رشدا دفع إليه ماله (2) و) خرج من اليتم ووجب سهمه في الفئ. * حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا يونس، عن الزهري، عن يزيد بن هرمز: أن نجدة (الحروري (3)) حين خرج في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما: يسأله عن سهم ذي القربى، لمن تراه ؟ فقال ابن عباس: هو (لنا (4) لقربي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قسمه لهم، وقد كان عمر رضي الله عنه عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا فرددناه (عليه (5)


(1) في الاصل " وعن البيت " والتصويب عن مسند ابن حنبل 1: 248. (2) ما بين الحاصرتين سقط بالاصل والمثبت عن مسند ابن حنبل 1: 248 وفي المصدر السابق ص 308 " وكتبت تسألني عن يتم اليتيم متى ينقضي ؟ ولعمري إن الرجل تنبت لحيته وهو ضعيف الاخذ لنفسه، فإذا كان يأخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس. فقد ذهب اليتم. (3) سقط في الاصل والمثبت عن المصدر السابق. (*)

[ 650 ]

وأبينا أن نقبله، وكان الذي عرض عليهم أن يعين ناكحهم، وأن يقضي عن غارمهم، وأن يعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك (1). * حدثنا القعنبي، عن سليمان بن بلال، عن بلال، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن يزيد بن هرمز: أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن الخمس لمن هو ؟ فكتب إليه ابن عباس: كتبت تسألني عن الخمس لمن هو ؟ وإنا نقول هو لنا، فأبى قومنا ذلك علينا (2). * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا أبو معشر، عن سعيد ابن أبي سعيد قال: كتب نجدة إلى ابن عباس: اكتب إلي: من ذوو القربى ؟ فكتب إليه: كنا نزعم نحن بني هاشم فأبى علينا قومنا ذلك، وقالوا: قريش كلهم. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف (3)، عن مجاهد في قوله (واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى (4) قال: فكان النبي صلى الله


(1) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده 1: 320 من حديث يزيد بن هرمز. (2) في مسند ابن حنبل 1: 320 " " الحديث برواية محمد بن ميمون الزعفراني قال حدثني جعفر عن أبيه عن يزيد بن هرمز قال: كتب نجدة إلى ابن عباس.. الحديث، وفيه قال: وأما الخمس فإنا كنا نرى أنه لنا، فأبى ذلك علينا قومنا. (3) هو خصيف بن عبد الرحمن الجزري الحراني، أبو عون، من موالي بني أمية، روى عن سعيد بن جبير ومجاهد، وروى عنه عتاب بن بشير، مات سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومائة (انظر ميزان الاعتدال 1: 307). (4) سورة الانفال آية 41. (*)

[ 651 ]

عليه وسلم وذو قرابته لا يأكلون من الصدقة شيئا لا تحل لهم (1)، فللنبي خمس الخمس، ولذي قرابته خمس الخمس، ولليتامي مثل ذلك، وللمساكين مثل ذلك، ولابن السبيل مثل ذلك. * حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي قال، حدثنا أبو مالك (2) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم الفئ على خمسة يضربها لمن أصاب الفئ، للفارس ثلاثة أسهم، والراجل سهم، ويقسم الباقي على ستة، فسهم لله، وسهم لرسوله، وسهم لذي القربى، قرابة رسول الله مع سهمهم في المسلمين ومع سهم النبي صلى الله عليه وسلم مع المسلمين، وسهم لليتامى، يتامى الناس ليس ليتامى بني هاشم.


(1) روى ابن كثير في التفسير 4: 68 الحديث عن خصيف بن مجاهد قال: علم الله أن في بني هاشم فقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة. وفي رواية أخرى عنه قال: هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة. (2) هو غزوان الغفاري أبو مالك الكوفي روى عن البراء وابن عباس وروى عنه سلمة بن كهيل والسدي ووثقه ابن معين (الخلاصة للخزرجي 306 ط. بولاق). (*)

[ 653 ]

أخبار عمر بن الخطاب رضي الله عنه

[ 654 ]

(عمر بن الخطاب رضي الله عنه) (*) نسبه ونشأته (*) هو عمر بن نفيل بن عبد العزى بن رياح (1) بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب. ويكنى أبا حفص. وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم (2). أولاده (*) وكان لعمر من الولد عبد الله، وعبد الرحمن، وحفصة. وأمهم زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح. وزيد الاكبر - لا بقية له - ورقية وأمها أم كلثوم بنت علي ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وزيد الاصغر، وعبيد الله - قتلا يوم صفين مع معاوية - وأمهما أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب بن ربيعه بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة. وكان الاسلام فرق بين عمر وأم كلثوم بنت جرول. وعاصم، وأمه جميلة بنت ثابت بن أبي الاقلح، واسمه قيس ابن عصمة بن مالك بن أمة بن ضبيعة بن زيد، من الاوس من الانصار. وعبد الرحمن الاوسط - وهو أبو المجبر - وأمه لهية - أم ولد - وعبد الرحمن الاصغر، وأمه أم ولد.


(1) اختلف في رسم هذا اللفظ ففي أسد الغابة 4: 53 والروض الازهر - مخطوط لوحة 8، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 2 " رباح " بكسر الراء وبالموحدة آخره مهملة، وفي طبقات ابن سعد 3: 265، وفتح الباري 7: 34 وإرشاد الساري 6: 98، والمستدرك على الصحيحين 3: 80 والاصابة 2: 511، والطبري ق 1 ج‍ 5: 2528، ونهاية الارب 19: 146، ومجمع الزوائد 9: 60، وتاريخ الخلفاء ص 108 " رياح ". (2) عن طبقات ابن سعد 3: 265. (*) عناوين مضافة. (*)

[ 655 ]

وفاطمة، وأمها أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وزينب - وهي أصغر ولد عمر - وأمها فكيهة - أم ولد - وعياض بن عمر، وأمه عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل. قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس المدني قال: أخبرنا سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع قال: غير النبي صلى الله عليه وسلم اسم أم عاصم ابن عمر، وكان اسمها عاصية قال: " لا، بل أنت جميلة " (1). منزل عمر في الجاهلية (*) * قال محمد بن سعد، سألت أبا بكر بن محمد بن أبي مرة المكي - وكان عالما بأمور مكة - عن منزل عمر بن الخطاب الذي كان في الجاهلية بمكة فقال: كان ينزل في أصل الجبل الذي يقال له اليوم جبل عمر، وكان اسم الجبل في الجاهلية " العاقر " فنسب إلى عمر بعد ذلك، وبه كانت منازل بني عدي بن كعب (2). * قال، أخبرنا يزيد بن هارون، وعفان بن مسلم، وعارم ابن الفضل قالوا:، أخبرنا حماد بن زيد قال، أخبرنا يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار قال: مر عمر بن الخطاب بضجنان (3) فقال: لقد رأيتني وإني لارعى على الخطاب في هذا المكان، وكان


(1) عن طبقات ابن سعد 3: 260. * عنوان مضاف. (2) عن طبقات ابن سعد 3: 266. (3) ضجنان: جبل بناحية مكة على طريق المدينة. (معجم ما استعجم 618) ويقال جبل على بريد من مكة وقيل: بين مكة وضجنان 25 كم وهو لاسلم وهذيل وغاضرة (مراجع الاطلاع 2: 865). (*)

[ 656 ]

- والله ما علمت - فظا غليظا، ثم أصبح إلي أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال متمثلا: لا شئ فيما نرى إلا بشاشته * يبقى الاله ويودي المال والولد (1) ثم قال لبعيره: حوب (2). قال، أخبرنا سعيد بن عامر، وعبد الوهاب بن عطاء قالا، أخبرنا محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه قال: أقبلنا مع عمر بن الخطاب قافلين من مكة، حتى إذا كنا بشعاب ضجنان وقف الناس - فكان محمد يقول: مكانا كثير الشجر والاشب (3) - قال فقال: لقد رأيتني في هذا المكان وأنا في إبل للخطاب - وكان فظا غليظا. أحتطب عليها مرة وأختبط عليها أخرى، ثم أصبحت اليوم يضرب الناس بجنباتي، ليس فوقي أحد. قال ثم تمثل بهذا البيت: لا شئ فيما ترى إلا بشاشته * يبقى الاله ويودي المال والولد (4) إسلام عمر (*) * قال، أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقدي قال،


(1) وبعده: لم تغن عن هرمز يوما خزائنه * والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذا تجري الرياح له * والانس والجن فيها بينها ترد أين الملوك التي كانت قوافلها * عن كل أرب إليها راكب يفد حوضا هنالك مورودا بلا كذب * لا بد من ورده يوما كما وردوا (تاريخ الطبري ق 1 ج‍ 5: 2764). (2) حوب: زجر للجمل، (تاج العروس) ومتن الخبر عن طبقات ابن سعد 3: 266. (3) الاشب: شدة التفاف الشجر وكثرته حتى لا يجازى فيه. (4) عن طبقات ابن سعد 3: 266. (*) عنوان مضاف. (*)

[ 657 ]

أخبرنا خارجة بن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم أعز الاسلام بأحب الرجلين إليك، بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام " قال فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب (1). * قال، أخبرنا عفان بن مسلم قال، أخبرنا خالد بن الحارث، قال، أخبرنا عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى عمر بن الخطاب أو أبا جهل ابن هشام قال " اللهم اشدد دينك بأحبهما إليك " فشدد دينه بعمر ابن الخطاب (2). * قال، أخبرنا محمد بن عبد الله الانصاري قال، أخبرنا أشعث بن سوار، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب " (3). * قال، أخبرنا إسحاق بن يوسف الازرق قال، أخبرنا القاسم ابن عثمان البصري، عن أنس بن مالك قال: خرج عمر متقلدا السيف فلقيه رجل (4) من بني زهرة قال: أين تعمد يا عمر ؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا. قال: وكيف تأمن في بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا ؟ قال فقال عمر: ما أراك إلا قد صبوت وتركت


(1) عن حلقات ابن سعد 3: 266. وروي في المستدرك على الصحيحين 3: 83 عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وفي الروض الازهر لوحة 12 بدون سند وعلله صاحب الروض بقوله: بأنهما كانا سيدي قبائلهما. (2) عن طبقات ابن سعد 3: 266. (3) عن طبقات ابن سعد 3: 267، وانظر المستدرك 3: 83 ومجمع الزوائد 9: 62. (4) وفي منتخب كنز العمال 4: 375 " وتبعه النعام وهو نعيم بن عبد بن أسد أخو بني عدي بن كعب. (*)

[ 658 ]

دينك الذي أنت عليه ! قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر ؟ إن ختنك (1) وأختك قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه، قال: فمشى عمر ذامرا حتى أتاهما. وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خباب. قال: فلما سمع خباب (2) حس عمر توارى في البيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة (3) التي سمعتها عندكم ؟ قال: وكانوا يقرأون " طه " فقالا: ما عدا حديثا تحدثناه بيننا. قال: فلعلكما قد صبوتما، قال فقال له ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك ؟ قال فوثب عمر على ختنه فوطئه وطئا شديدا، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها، فنفحها بيده نفحة فدمي وجهها، فقالت وهي غضبى: يا عمر، أن كان الحق في غير دينك ! ! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فلما يئس عمر قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه - قال، وكان عمر يقرأ الكتب - فقالت أخته: إنك رجس، و " لا يمسه إلا المطهرون ". فقم فاغتسل أو توضأ، قال: فقام عمر فتوضأ ثم أخذ الكتاب،


(1) الختن: هو الصهر المتزوج ابنة الرجل أو أخته، وختن عمر رضي الله عنه هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى من رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح ابن عدي بن كعب بن لؤي القرشي، ابن عم عمر رضي الله عنهما، (أساس البلاغة). (2) هو خباب بن الارت بن جندلة بن سعد بن خذيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة ابن تميم، يكني أبا عبد الله، اختلف في نسبه فقيل خزاعي، وقيل تميمي، لحقه سباء في الجاهلية فبيع بمكة، وقيل هو مولى عتبة بن غزوان، وقيل أم أنمار بنت سباع الخزاعية - من السابقين الاولين للاسلام - عذب في الله كثيرا، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل الكوفة ومات بها، وهو أول من دفن بظهر الكوفة، وكان موته سنة 37 ه‍. وكان عمره ثلاثا وسبعين سنة. (أسد الغابة 2: 107). (3) الهينمة: الصوت الحفي (شرح نهج البلاغة). (*)

[ 659 ]

فقرأ " طه " حتي انتهى إلى قوله: " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدني وأقم الصلاة لذكري " (1) قال، فقال عمر: دلوني على محمد. فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ليلة الخميس " اللهم أعز الاسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام " قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار التي في أصل الصفا، فانطلق عمر حتى أتي الدار. قال: وعلى باب الدار حمزة، وطلحة، وأناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأى حمزة وجل القوم من عمر قال حمزة: نعم فهذا عمر، فإن يرد الله بعمر خيرا يسلم، ويتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا. قال: والنبي عليه السلام داخل يوحى إليه، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال " أما أنت فتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة. اللهم هذا عمر ابن الخطاب، اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب (2) " قال فقال عمر: أشهد أنك رسول الله، فأسلم وقال: اخرج يا رسول الله. * قال، أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين قال، وحدثني معمر عن الزهري قال: أسلم عمر بن الخطاب بعد أن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الارقم، وبعد أربعين أو نيف وأربعين بين رجال


(1) سورة طه، الآيات 1 - 14. (2) عن طبقات ابن سعد 3: 267. (*)

[ 660 ]

ونساء قد أسلموا قبله، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بالامس " اللهم أيد الاسلام بأحب الرجلين إليك، عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام " فلما أسلم عمر نزل جبريل فقال: يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر (1). * قال، أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلا وعشر نسوة، فما هو إلا أن أسلم عمر فظهر الاسلام بمكة (2). * قال أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني علي بن محمد، عن عبيد الله بن سلمان الاغر، عن أبيه، عن صهيب بن سنان، قال: لما أسلم عمر ظهر الاسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به (3). * قال، أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني محمد بن عبد الله، عن أبيه قال، ذكرت له حديث عمر فقال، أخبرني عبد الله بن ثعلبة ابن صعير قال: أسلم عمر بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة (4). * قال أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني أسامة بن زيد


(1) عن طبقات ابن سعد 3: 269. وفي المستدرك على الصحيحين 3: 84 عن سعيد بن جبير ابن عباس، وكذا منتخب كنز العمال 4: 368 عن عائشة رضي الله عنها ومناقب عمر لابن الجوزي ص 12 مع اختلاف يسير. (2) عن طبقات ابن سعد 3: 269، وفي منتخب كنز العمال 4: 377 " والمسلمون يومئذ بضعة وأربعون رجلا وإحدى وعشرون امرأة " وفي الروض الازهر (مخطوط لوحة 18 " وكان إسلامه بعد أربعين رجلا أو تسع وثلاثين رجلا أو خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة "). (3، 4) عن طبقات ابن سعد 3: 269. (*)

[ 661 ]

ابن أسلم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: " ولدت قبل الفجار الاعظم الآخر بأربع سنين ". وأسلم في ذي الحجة السنة السادسة من النبوة وهو ابن ست وعشرين سنة. قال: وكان عبد الله بن عمر يقول: أسلم عمر وأنا ابن ست سنين (1). * قال أخبرنا عبد الله بن نمير، ويعلى، ومحمد ابنا عبيد قالوا، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: فما زلنا أعزة منذ أسلم عمر (2). * قال محمد بن عبيد في حديثه: لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي (3). * قال، أخبرنا يعلى، ومحمد ابنا عبيد، وعبيد الله بن موسى، والفضل بن دكين، ومحمد بن عبد الله الاسدي قالوا، أخبرنا مسعر، عن القاسم بن عبد الرحمن قال، قال عبد الله بن مسعود: كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمارته رحمة، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا (4).


(1، 2) عن طبقات ابن سعد 3: 269 و 270. (3) عن المرجع السابق، وقد ورد في مجمع الزوائد 9: 63 عن ابن مسعود. (4) عن طبقات ابن سعد 3: 270، وقد ورد في إرشاد الساري 6: 101، ومجمع الزوائد 9: 62، ومنتخب كنز العمال 4: 365 وبعده " وإني لاحسب بين عيني عمر ملكا يسدده، وإني لاحسب الشيطان يفرقه، إذا ذكر الصالحون فحيي ". (*)

[ 662 ]

(تسميته بالفاروق) * قال أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان قال، قال ابن شهاب: بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر: الفاروق، وكان المسلمون يؤثرون ذلك من قولهم، ولم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من ذلك شيئا، ولم يبلغنا أن ابن عمر (1) قال ذلك إلا لعمر، كان فيما يذكر من مناقب عمر الصالحة ويثني عليه، قال: وقد بلغنا أن عبد الله بن عمر كان يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم أيد دينك بعمر بن الخطاب ". * قال أخبرنا أحمد بن محمد الازرقي المكي قال، أخبرنا عبد الرحمن بن حسن، عن أيوب بن موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق، فرق الله بين الحق والباطل " (2). * قال أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا أبو حزرة يعقوب ابن مجاهد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي عمرو بن ذكوان قال، قلت لعائشة: من سمى عمر الفاروق ؟ قالت: النبي عليه السلام (3).


(1) عن طبقات ابن سعد 3: 270، وانظر تاريخ الطبري ق 1 ج‍ 5: 2729، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 14. (2) عن طبقات ابن سعد 3: 270، وورد أيضا في منتخب كنز العمال 4: 468 عن ابن عباس وفيه " أول من يصافحه الحق عمر، وأول من يسلم عليه، وأول من يأخذ بيده فيدخله الجنة ". (3) عن طبقات ابن سعد 3: 270، وورد أيضا في تاريخ الطبري ق 1 ج‍ 2: 2729، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 14 من حديث أبي عمرو بن ذكوان عن عائشة رضي الله عنها. (*)

[ 663 ]

(ذكر هجرة عمر بن الخطاب وإخائه - رحمه الله) * قال أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا محمد بن عبد الله ابن مسلم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وأخبرنا محمد ابن عمر قال، حدثني عمر بن أبي عاتكة، وعبد الله بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس في الخروج إلى المدينة، جعل المسلمون يخرجون أرسالا، يصطحب الرجال فيخرجون. قال عمر، وعبد الله قلنا لنافع: مشاة أو ركبانا ؟ قال: كل ذلك، أما أهل القوة فركبان ويعتقبون، وأما من لم يجدوا ظهرا فيمشون. قال عمر بن الخطاب فكنت قد اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل التناضب من إضاءة بني غفار. وكنا إنما نخرج سرا، فقلنا: أيكم ما تخلف عن الموعد فلينطلق من أصبح عند الاضاءة. قال عمر فخرجت أنا وعياش بن أبي ربيعة، واحتبس هشام بن العاص ففتن فيمن فتن، وقدمت أنا وعياش، فلما كنا بالعتيق عدلنا إلى العصبة حتى أتينا قباء، فنزلنا على رفاعة بن المنذر، فقدم على عياش بن أبي ربيعة أخواه لامه، أبو جهل والحارث ابنا هشام بن المغيرة. وأمهم أسماء ابنة مخربة من بني تميم، والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة لم يخرج، فأسرعا السير فنزلا معنا بقباء، فقالا لعياش: إن أمك قد نذرت ألا يظلها ظل ولا يمس رأسها دهن حتى تراك. قال عمر فقلت لعياش: والله إن يرداك إلا عن دينك، قال عياش: فإن لي بمكة مالا لعلي آخذه فيكون لنا قوة، وأبر قسم أمي. فخرج معهما فلما كانوا بضجنان نزل عن راحلته فنزلا معه (*)

[ 664 ]

فأوثقاه رباطا حتى دخلا به مكة فقالا: كذا يا أهل مكة فافعلوا بسفهائكم. ثم حبسوه (1). * قال أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال محمد بن عمر، أخبرنا عبد الله ابن جعفر عن سعد بن إبراهيم قالا: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عمر بن الخطاب وعويم بن ساعدة (2). * قال أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك. قال محمد بن عمر: ويقال بين عمر ومعاذ بن عفراء (3). * قال أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: نزل عمر بن الخطاب بالمدينة خطة من رسول الله صلى الله عليه وسلم (4). (قيادة عمر لبعض السرايا) (*) * قال أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: بعث رسول الله صلى الله


(1) عن طبقات ابن سعد 3: 271، وورد في أسد الغابة 4: 161، والاصابة 3: 47، والاستيعاب 3: 132 - مع اختلاف يسير. وفي مناقب عمر لابن الجوزي ص 14. (2) عن طبقات ابن سعد 3: 272. (3) عن طبقات ابن سعد 3: 272. (4) عن طبقات ابن سعد 3: 272. (*) عنوان مضاف. (*)

[ 665 ]

عليه وسلم عمر بن الخطاب سرية في ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة، في شعبان سنة سبع من الهجرة (1). * قال أخبرنا روح بن عبادة قال، أخبرنا عوف، عن ميمون أبي عبد الله، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة الاسلمي قال: لما كان حيث نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة أهل خيبر أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء عمر بن الخطاب (2). (ذكر عهد أبي بكر " إلى عمر " واستخلافه إياه ووصيته إياه) * عن إبراهيم النخعي، قال: أول من ولى أبو بكر شيئا من أمور المسلمين عمر بن الخطاب ولاه القضاء. وكان أول قاض في الاسلام (3). * عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لما ثقل أبو بكر واستبان له من نفسه. جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظني إلا ميت لما بي. وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم. فأمروا عليكم من أحببتم فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي. فقاموا في ذلك وخلوا عليه فلم تستقم لهم، فرجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك. قال: فلعلكم تختلفون. قالوا: لا. قال: فعليكم عهد الله على الرضى، قالوا: نعم. قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده. فأرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان فقال: أشر علي برجل،


(1) عن طبقات ابن سعد 3: 372. (2) عن المرجع السابق 3: 373. (3) مناقب عمر لابن الجوزي ص 48. (*)

[ 666 ]

ووالله إنك عندي لها لاهل وموضع. فقال: عمر. فقال: اكتب. فكتب حتى انتهى إلى الاسم فغشي عليه. ثم أفاق. فقال: اكتب عمر (1). * عن الشعبي. قال: بينا طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد جلوسا عند أبي بكر في مرضه عوادا. فقال أبو بكر: ابعثوا إلى عمر. فأتاه فدخل عليه، فلما دخل أحست أنفسهم أنه خيرته، فتفرقوا عنه وخرجوا وتركوهما. فجلسوا في المسجد وأرسلوا إلى علي ونفر معه، فوجدوا عليا في حائط فتوافوا إليه واجتمعوا. وقالوا: يا علي يا فلان ويا فلان، إن خليفة رسول الله مستخلف عمر. وقد علم وعلم الناس أن إسلامنا كان قبل إسلام عمر، وفي عمر من التسلط على الناس ما فيه ولا سلطان له. فادخلوا بنا عليه نسأله فإن استعمل عمر، كلمناه فيه فأخبرناه عنه. ففعلوا. فقال أبو بكر: اجمعوا لي الناس أخبركم من اخترت لكم، فخرجوا فجمعوا الناس إلى المسجد. فأمر من يحمله إليهم حتى وضعه على المنبر، فقام فيهم باختيار عمر لهم. ثم دخل. فاستأذنوا عليه فأذن لهم، فقالوا له: ماذا تقول لربك وقد استخلفت علينا عمر. فقال: أقول استخلفت عليهم خير أهلك (2). * عن عاصم بن عدي، قال: جمع أبو بكر الناس وهو مريض فأمر من يحمله إلى المنبر. فكانت آخر خطبة خطبها، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس احذروا الدنيا ولا تثقوا بها، فإنها غدارة، وآثروا الآخرة على الدنيا وأحبوها فبحب كل واحدة منهما


(1) المرجع السابق 48. (2) مناقب عمر لابن الجوزي ص 49. (*)

[ 667 ]

تبغض الاخرى. وإن هذا الامر الذي هو أملك بنا لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله. ولا يتحمله إلا أفضلكم مقدرة، وأملككم لنفسه أشدكم في حال الشدة، وأسلسكم في حال اللين، وأعملكم برأي ذوي الرأي، لا يتشاغل بما لا يعنيه، ولا يحزن لما ينزل به، ولا يستحي من التعلم، ولا يتحير عند البديهة. قوي على الامور، لا يخور لشئ منها ضده بعدوان ولا تقصير. يرصد لما هو آت عتاده من الحذر والظلم (1)، وهو عمر بن الخطاب - ثم نزل فدخل. فحمل الساخط أمارته الراضي بها على الدخول معهم توصلا (2). * عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عثمان يكتب وصية أبي بكر فأغمي على أبي بكر فجعل عثمان يكتب فكتب عمر، فلما أفاق قال: ما كتبت ؟ قال: كتبت عمر. قال كتبت الذي أردت أن آمرك به ولو كتبت نفسك لكنت لها أهلا (3). * عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: كتب عثمان عهد الخليفة بعد أبي بكر، وأمره أن لا يسمي أحدا. وترك اسم الرجل - فأغمي على أبي بكر إغماءة. فأخذ عثمان العهد فكتب فيه اسم عمر. قال: فأفاق أبو بكر فقال: أرني العهد، فإذا فيه اسم عمر. قال: من كتب هذا ؟ فقال عثمان: أنا. فقال: رحمك الله وجزاك خيرا، فوالله لو كتبت نفسك لكنت لذلك أهلا (4). * عن الواقدي، عن أشياخه: أن أبا بكر لما استعز به دعا


(1) في نسخة النورية من المناقب " من الحذر والطاعة ". (2) مناقب عمر لابن الجوزي ص 49. (3) المرجع السابق ص 49، 50. (4) المرجع السابق ص 50. (*)

[ 668 ]

عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال: ما سألتني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني. فقال أبو بكر: وإن. فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه. ثم دعا عثمان ابن عفان: فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب. فقال: أنت أخبرنا به. فقال: على ذلك يا أبا عبد الله. فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله. فقال أبو بكر: يرحمك الله والله لو تركته ما عدتك. وشاور بعده سعيد بن زيد وأسيد بن الحضير وغيرهما من المهاجرين والانصار. وسمع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته ؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أبالله تخوفوني ؟ ! خاب من تزود من أمركم بظلم. أقول اللهم استخلفت عليهم خير أهلك. أبلغ عني ما قلت من وراءك. ثم اضطجع - ودعا عثمان بن عفان فقال: كتب. " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها. حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب. فاسمعوا له وأطيعوا. وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم إلا خيرا، فإن عدل فذلك ظني به، وعلمي فيه. وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب. والخير أردت، ولا أعلم الغيب، " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " (1). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ".


(1) سورة الشعراء آية 227. (*)

[ 669 ]

ثم أمر بالكتاب فختمه، وخرج به مختوما. فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب ؟ قالوا: نعم. فيايعوا. ثم دعا أبو بكر عمر خاليا فأوصاه، ثم خرج. فرفع أبو بكر يديه وقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، واجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر، فاخلفني فيهم فهم عبادك (1). * عن قيس بن أبي حازم. قال: خرج علينا عمر ومعه شديد مولى أبي بكر، ومعه جريدة يجلس بها الناس، فقال: يا أيها الناس اسمعوا قول خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: إني قد رضيت لكم عمر فبايعوه (2). * عن قيس قال: رأيت عمر وبيده عسيب نخل وهو يجلس الناس يقول: اسمعوا لقول خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء مولى لابي بكر يقال له شديد بصحيفة فقرأها على الناس. فقال: يقول أبو بكر: اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة فوالله ما آلوتكم. قال قيس: فرأيت عمر بعد ذلك على المنبر (3). * عن أبي عبيدة قال قال عبد الله: أفرس الناس ثلاثة أبو بكر


(1) مناقب عمر لابن الجوزي ص 50، 51 وانظره في الطبقات الكبرى لابن سعد. 3: 199، وتاريخ الطبري ق 1 ح‍ 5: 2137، وأسد الغابة 4: 69. (2) مناقب عمر لابن الجوزي ص 51، وتاريخ الطبري ق 1 ح‍ 5: 2138. (3) مناقب عمر لابن الجوزي ص 51، 52. (*)

[ 670 ]

في عمر، وصاحبة موسى حين قالت استأجره، وصاحبة يوسف (1). * عن موسى الجهني قال سمعت أبا بكر بن حفص يقول: قال أبو بكر لعائشة حين احتضر: يا بنية إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لهم دينارا ولا درهما، ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وإنه لم يبق عندنا من فئ المسلمين قليل ولا كثير. إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضج، وجرد هذه القطيفة. فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر. فجاءه الرسول وعنده عبد الرحمن بن عوف فبكى عمر حتى سالت دموعه على الارض وقال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، ارفعهن يا غلام، فقال عبد الرحمن: سبحان الله يا أمير المؤمنين تسلب عيال أبي بكر عبدا حبشيا، وبعيرا ناضحا، وجرد قطيفة ثمنها خمسة دراهم فقال: ما تأمر ؟ قال: آمر بردهن على عياله. قال: خرج أبو بكر عنهن عند الموت وأردهن " أنا " إلى عياله. لا يكون ذلك والله أبدا الموت أسرع من ذلك (2). (سياق وصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما) * عن زيد أن أبا بكر قال لعمر: إني موصيك بوصية إن حفظتها إن لله حقا بالنهار لا يقبله في الليل، ولله حق بالليل لا يقبله في النهار، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم في الدنيا الحق وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت


(1) المرجع السابق ص 52. (2) مناقب عمر لابن الجوزي ص 52. (*)

[ 671 ]

موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم في الدنيا الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف، وإن الله عزوجل ذكر أهل الجنة وصالح ما عملوا، وتجاوز عن سيئاتهم، وذكر آية الرحمة، وآية العذاب، ليكون المؤمن راغبا وراهبا، فلا يتمنى على الله غير الحق ولا يلقي بيده إلى المهلكة، فإن حفظت قولي فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت، ولا بد لك منه، وإن ضيعت وصيتي فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت، ولن تعجزه (1). * عن إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد (ابن الحارث) اليامي (2). قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة بعث إلى عمر يستخلفه. فقال الناس: استخلف علينا فظا غليظا. لو قد ملكنا كان أفظ وأغلظ. فماذا تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر ؟ فقال أبو بكر: أتخوفوني بربي ؟ ! أقول يا رب أمرت عليهم خير أهلك. ثم بعث إلى عمر فقال: إني موصيك بوصية إن حفظتها. إن لله حقا في الليل لا يقبله بالنهار، ولله حقا في النهار لا يقبله في الليل، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا ثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف.


(1) مناقب عمر لابن الجوزي ص 53. (2) إضافة عن ميزان الاعتدال 1: 345. (*)

[ 672 ]

إن الله ذكر أهل الجنة بصالح أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم فيقول القائل: لا أبلغ هؤلاء وذكر أهل النار بأسوإ ما عملوا به: رد عليهم صالح الذين عملوا. فيقول القائل أنا أفضل من هؤلاء. وذكر آية الرحمة وآية العذاب، ليكون المؤمن راغبا راهبا. لاتتمن على الله عزوجل غير الحق ولا تلق بيديك إلى التهلكة. فإن حفظت قولي هذا لم يكن غائب أحب إليك من الموت. ولا بد لك منه، وإن أنت ضيعت قولي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولن تعجزه (1). * عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: سمعت أبا بكر بن سالم، قال: لما حضر أبا بكر الموت أوصى. " بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من أبي بكر الصديق عند آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يؤمن الكافر، ويتقي الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت من بعدي عمر بن الخطاب، فإن قصد وعدل فذاك ظني به، وإن جار وبدل فالخير أردت ولا أعلم الغيب " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " (2). ثم بعث إلى عمر فدعاه فقال: يا عمر أبغضك مبغض وأحبك محب، وقد ما يبغض الخير ويحب الشر، قال (عمر) (3): فلا حاجة لي فيها، قال: لكن لها بك حاجة، قد رأيت رسول الله


(1) مناقب عمر لابن الجوزي ص 53، 54. (2) سورة الشعراء آية 227. (3) إضافة للتوضيح. (*)

[ 673 ]

صلى الله عليه وسلم وصحبته، ورأيت أثرته أنفسنا على نفسه، حتى أن كنا لنهدي لاهله فضل ما يأتينا منه، ورأيتني وصحبتني، وإنما اتبعت أثر من كان قبلي. والله ما نمت فحلمت ! ولا شبهت فتوهمت. وإني على طريقي ما زغت، تعلم يا عمر أن لله حقا في الليل لا يقبله في النهار وحقا في النهار لا يقبله في الليل. وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق، وحق لميزان لا يكون فيه إلا الحق أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل، وحق لميزان لا يكون فيه إلا الباطل أن يخف. إن أول من أحذرك نفسك وأحذرك الناس، فإنهم قد طمحت أبصارهم، وانتفخت أجوافهم، وإن لهم لحيرة عن ذلة تكون، وإياك أن تكونه، وإنهم لن يزالوا خائفين لك فرقين منك ما خفت من الله وفرقته. وهذه وصيتي، وأقرأ عليك السلام (1). (ذكر ابتداء خلافته رضي الله عنه) * عن محمد بن سعد قال قال لي حمزة بن عمر: توفي أبو بكر رضي الله عنه مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، فاستقبل عمر بخلافته يوم الثلاثاء صبيحة موت أبي بكر (2).


(1) مناقب عمر لابن الجوزي ص 54، 55. (2) المرجع السابق ص 55 وانظره بمعناه من تاريخ الطبري ق 1 ح‍ 4: 2124. (*)

[ 674 ]

* حدثنا (عبد الله (*)) (1) بن صالح قال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن جرير بن حازم، عن حميد بن هلال قال، حدثني من شهد وفاة أبي بكر رضي الله عنه قال: لما فرغ عمر رضي الله عنه من دفنه قام خطيبا مكانه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إن الله ابتلاني بكم وابتلاكم بي. وأبقاني فيكم بعد صاحبي والله لا يحضرني شئ من أمركم فيليه أحد دوني. ولا يغيب عني فآلو فيه من أهل الخير والامانة (2)، فلئن أحسنوا لاحسنن إليهم، ولئن أساءوا لانكلن بهم. فقال الرجل (3). فوالله ما زاد على الذي قال في ذلك المكان حتى فارق الدنيا. * حدثنا أحمد بن معاوية الباهلي. قال، حدثنا المغيرة ابن المغيرة (4) أن هارون الفلسطيني قال، حدثني أبو حيان الاراش:


(*) ورد بهامش اللوحة 193 ما يلي " مكتوب على بعض أصل هذه الكراريس أنها من جزء غير ما قبله وما بعده، وهذا الكراس أول الخمسة لكن سقط منه نحو ورقة، والجزء جميعه في بعض مناقب سيدنا عمر، وهو ناقص كما في الاصل ". (1) بياض في الاصل بمقدار كلمتين والمثبت عن الخلاصة للخزرجي ص 170، ويؤيده ما يجئ بعده من الاخبار. وقد ورد في طبقات ابن سعد 3: 274 " أخبرنا عفان بن مسلم ووهب بن جرير قالا، أخبرنا جرير بن حازم قال، سمعت حميد بن هلال قال، أخبرنا من شهد وفاة أبي بكر... وساق الخبر ". (2) كذا بالاصل وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي 143 " ومن غاب عنا ولينا أهل القوة والامانة " وفي طبقات ابن سعد 3: 234 " ولا يتغيب عني قالو فيه عن الجزء والامانة ". (3) المراد بالرجل الذي روى عنه حميد بن هلال عندما شهد وفاة أبي بكر، ولم يذكره ابن شبة ولا ابن سعد في طبقاته. (4) قال الذهبي في ميزان الاعتدال 3: 193 " لا أعرفه، وقد روى عنه عبد الله ابن محمد بن نصر الرملي الحافظ ". (*)

[ 675 ]

أن عمر رضي الله عنه لما استخلف قام فحمد الله وأثنى عليه وبدأ بآي من القرآن، ولم يكبر. ثم قال: أيها الناس إني نظرت في أمر الاسلام. فإذا هو إنما يقوم بخمس خصال، فمن حفظهن وعمل بهن وقوي عليهن فقد حفظ أمر الاسلام، ومن ضيع منهن خصلة واحدة فقد ضيع أمر الاسلام، ألا فمن كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فإن حفظتهن وعملت بهن وقويت عليهن إلا وآزرني، ألا ومن كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فإن ضيعت منهن خصلة واحدة إلا خلعني خلع الشعرة من العجين، فلا طاعة لي عليه. قال: فقام إليه عمار بن ياسر فقال: وما هذه الخمس الخصال يا عمر ؟ فقال: أما الاولى فهذا المال من أين آخذه أو أين أجمعه، حتى إذا أتى أخذته من مآخذه التي أمرني الله أن أضعه فيها حتى لا يبقى عندي منه دينار ولا درهم، ولا عند آل عمر خاصة، وأما الثانية فالمهاجرون تحت ظلال السيوف أدر عليهم أرزاقهم، وأوفر عليهم فيئهم، ولا أجمرهم (1) في المغازي، وأكون أنا أبا العيال حتى يقدموا. وأما الثالثة فالانصار الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه وواسوه في دمائهم وأموالهم، أدر عليهم أرزاقهم، وأوفر فيئهم، وأفعل فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل محسنهم وأعفو من مسيئهم. وأما الرابعة فللعرب فإنهم أصل الاسلام ومنبت العز، أثبتهم على منازلهم، وآخذ من أموالهم صدقة أطهرهم


(1) تجمير الجيش: هو إبقاؤه في غزوة لفترة طويلة تزيد على نصف العام، وانظر الحديث في تاريخ الطبري ق 1 ح‍ 5: 2740 - 2742، وفي منتخب كنز العمال 6: 307 وفي شرح نهج البلاغة 12: 155 والنهاية في غريب الحديث 1: 292. (*)

[ 676 ]

وأزكيهم، لا آخذ في ذلك دينارا ولا درهما، إلا الشاة والبعير، ثم أرده على فقرائهم. وأما الخامسة فأهل الذمة أوفي لهم بعهدهم، وأقاتل عدوهم من ورائهم، ولا أكلفهم إلا دون طاقتهم، فإذا فعلت ذلك كنت عند الله مصدقا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. قال فكانت هذه خطبته حين استخلف. * حدثنا عثمان بن عمر قال، أنبأنا يونس يعني ابن زيد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن أبا بكر رضي الله عنه لما توفي أقامت عليه عائشة رضي الله عنها النوح، فأقبل عمر رضي الله عنه حتى قام ببابها فنهاها (ومن معها عن البكاء على أبي بكر، فأبين أن ينتهين. فقال عمر لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج إلي ابنة أبي قحافة أخت أبي بكر، فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر: إني أحرج عليك بيتي، فقال عمر لهشام: ادخل فقد أذنت) (1) لك، فدخل فأخرج أم فروة بنت أبي قحافة إلى عمر رضي الله عنه. فعلاها بالدرة. فضربها ضربات، فتفرق النوائح لما سمعن ذلك فقال عمر رضي الله عنه: أترون أن يعذب أبو بكر رضي الله عنه ببكائكن ؟ ! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري عن سعيد بن المسيب بنحوه:


(1) ما بين الحاصرتين سقط في الاصل والمثبت عن تاريخ الطبري، والعقد الفريد 4: 264، والكامل لابن الاثير 2: 419، وشرح نهج البلاغة 1: 181. (*)

[ 677 ]

(أول من سمى عمر رضي الله عنه أمير المؤمنين) * حدثنا الحسن بن عثمان قال، حدثنا محمد بن حرب الابرش (1) قال، حدثنا محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري قال: أول من سمى عمر رضي الله عنه أمير المؤمنين المغيرة ابن شعبة رضي الله عنه (2). * حدثنا محمد بن يحيى، عن عبد العزيز بن عمران، عن أبيه، عن جده قال: جلس عمر رضي الله عنه يوما فقال: والله ما ندري ما نقول، أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم من اسم ؟ قالوا: الامير، قال: كلهم أمير، فقال المغيرة ابن شعبة: نحن المؤمنون وأنت أميرنا، فأنت أمير المؤمنين. قال فأنا أمير المؤمنين. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب قال: أول من حيا عمر رضي الله عنه بأمير المؤمنين المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، دخل عليه ذات يوم فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين، فكأن عمر رضي الله عنه أنكر ذلك، فقال


(1) انظر ترجمته في الخلاصة للخزرجي ص 332 ط. بولاق. (2) في الاصابة: 2: 457 " ذكر الزبير أنه قال، قال عمر لما ولى: كان أبو بكر يقال له خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يقال لي خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطول هذا ! فقال المغيرة بن شعبة: أنت أميرنا ونحن المؤمنون، فأنت أمير المؤمنين. قال، فذاك إذا " وورد بمعناه أيضا في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 138 عن طريق معاوية بن قرة. (*)

[ 678 ]

المغيرة: هم المؤمنون وأنت أميرهم، فسكت عمر رضي الله عنه. * قال ابن وهب، وحدثني الليث بن سعد: أن المغيرة أول من سمى عمر أمير المؤمنين رضي الله عنه، سمعها من الاقرع بن حابس يقول: استأذنوا على أمير المؤمنين، فدخل المغيرة عليه ساعته فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: ما هذا ؟ فلتخرجن مما قلت، قال: ألست أميرنا ؟ قال: بلى، قال: أفلسنا بمؤمنين ؟ قال: بلى، قال: فأنت أميرنا. * حدثنا الحسن بن عثمان قال، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن جويبر، عن الضحاك قال: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لابي بكر رضي الله عنه: خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو بكر رضي الله عنه قالوا لعمر رضي الله عنه: خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر رضي الله عنه: إن هذا لكثير، فإذا مت أنا فقام رجل مقامي قلتم خليفة خليفة رسول الله، أنتم المؤمنون وأنا أميركم. فهو سمى نفسه (1). * حدثنا الحسن بن عثمان قال كتب إلي عبد الله بن صالح قال، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن الزهري قال: قال عمر بن عبد العزيز لابي بكر بن سليمان بن أبي حثمة (2)


(1) ورد متخصرا في أسد الغابة 4: 71، وفي طبقات ابن سعد 3: 281 وفي مناقب عمر لابن الجوزي ص 56، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 138. (2) كذا في الاصل ومجمع الزوائد 9: 61 والخلاصة للخزرجي ص 382. أما في أسد الغابة 4: 70 ط الوهبية والاستيعاب 2: 458 " ابن أبي خيثمة " وفي مناقب عمر لابن الجوزي ص 56 ط السعادة " ابن حنتمة ". (*)

[ 679 ]

(لاي شئ كان أبو بكر رضي الله عنه يكتب: من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمر يكتب من خليفة أبي بكر، ومن أول من كتب عبد الله أمير المؤمنين ؟ فقال: حدثتني الشفاء، وكانت من المهاجرات الاول) (1) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عامل العراق أن يبعث إليه برجلين جلدين نبيلين يسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه (عامل العراق) (2) لبيد بن ربيعة (3) وعدي بن حاتم (4)، فقدما المدينة فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا، فوجدا عمرو بن العاص فيه فقالا: استأذن لنا يا ابن العاص


(1) ما بين الحاصرتين سقط في الاصل والاثبات عن الاستيعاب 2: 458 وتاريخ الخلفاء ص 138 - وانظره بمعناه في أسد الغابة 4: 70. (2) إضافة عن الاستيعاب 2: 458. (3) هو لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة العامري - أبو عقيل المشهور، قال الشعر في الجاهلية ثم وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة وفد قومه بنو جعفر فأسلم وحسن إسلامه، وترك قول الشعر وقبل لم يقل غير بيت واحد وهو قوله: ما عاتب المرء الكريم كنفسه * والمرء يصلحه القرين الصالح وقيل بل قال: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي * حتى اكتسيت من الاسلام سربالا وقال عمر بن الخطاب يوما له: أنشدني شيئا من شعرك. فقال: ما كنت لاقول شعرا بعد أن علمني الله البقرة وآل عمران فزاد عمر في عطائه خمسمائة. قيل عاش 140 سنة وقيل مات وهو ابن 157 سنة (أسد الغابة 4: 260 - الاصالة 3: 307 - الاستيعاب 3: 306). (4) هو عدي بن حاتم بن عبد الله بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي الطائي أبوه حاتم الجواد الذي يضرب به المثل، يكنى أبا طريف وقيل يكنى أبا وهب، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع في شعبان وقبل سنة عشر فأسلم وكان نصرانيا، ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم على أبي بكر الصديق وقت الردة بصدقة قومه، وثبت على الاسلام ولم يرتد وثبت معه قومه، شهد فتوح العراق ووقعة = (*)

[ 680 ]

على أمير المؤمنين (فقال عمرو أنتما) (1) والله أصبتما اسمه، هو الامير ونحن المؤمنون، فوثب (عمرو) (1) فدخل على عمر رضي الله عنه، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال (عمر) (1) يا ابن العاص (ما بدالك) (1) في هذا الاسم ؟ لتخرجن مما دخلت فيه (أو لافعلن) (1) قال: قدم لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فهما (والله) (1) أصابا اسمك، فأنت الامير، ونحن المؤمنون. قال: فجرى الكتاب من ذلك اليوم. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا حيي بن آدم قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الاعمش، عن إبراهيم، عن همام ابن الحارث قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى عمر رضي الله عنه فقال: السلام عليك يا ملك العرب، فقال عمر رضي الله عنه وعليك، أكذاك تجده في كتابكم، أليس تجد نبيا، ثم خليفة، ثم أمير المؤمنين، ثم الملوك قال: بلى. (هيبة عمر رضي الله عنه) * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير، عن المغيرة قال: كان مما تميز به عمر رضي الله عنه الرعب، إن الناس كانوا يفرقونه (2).


= القادسية ووقعة مهران ويوم الجسر مع أبي عبيدة وكان مع خالد بن الوليد لما سار إلى الشام وشهد معه بعض الفتوح، وشهد مع علي بن أبي طالب وقعة الجمل، وصفين. توفي سنة 67 ه‍ وقيل غير ذلك وله مائة وعشرون سنة ومات بالكوفة أيام المختار (أسد الغابة 3: 392 - الاصابة 2: 460). (1) الاضافات للتوضيح عن الاستيعاب 2: 458. (2) يفرقونه: أي يفزعون منه. (*)

[ 681 ]

* حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا محمد بن قيس، عن عمر بن محمد (1) قال، حدثني أبي قال: اجتمع عثمان والزبير وطلحة وابن عوف رضي الله عنهم، فقالوا لعبد الرحمن بن عوف - وكان أجرأهم على عمر رضي الله عنه - لو أنك كلمت أمير المؤمنين فإنه يقدم الرجل فيطلب الحاجة فتمنعه مهابته أن يكلمه حتى يرجع، فليلن للناس، فدخل عليه فقال ذلك له، فقال: أنشدك الله يا عبد الرحمن أفلان وفلان قالوا ذلك ؟ قال: فلم يدع منهم إنسانا إلا سماه قال: اللهم نعم، قال: أيا عبد الرحمن والله لقد لنت للناس حتى خشيت الله في اللين، ثم اشتددت حتى خشيت الله في الشدة، فأين المخرج ؟ فقام عبد الرحمن يبكي يجر إزاره يقول: أف لهم بعدك، أف لهم بعدك (2). حدثنا أحمد بن معاوية، عن أبي عبد الرحمن الطائي، عن أسامة بن زيد، عن القاسم بن محمد قال: بينما عمر رضي الله عنه يمشي وخلفه عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم بدا له فالتفت فما بقي منهم أحد إلا سقط إلى الارض (3) على ركبتيه، فلما رأى ذلك بكى، ثم رفع يديه فقال: اللهم إنك تعلم أني منك منهم أشد فرقا منهم مني.


(1) كذا في الاصل. وفي طبقات ابن سعد 3: 288 معمر بن محمد عن أبيه محمد بن زيد قال: اجتمع علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وكان أجرأهم على عمر عبد الرحمن بن عوف، فقالوا: يا عبد الرحمن لو كلمت أمير المؤمنين.. الحديث. (1) ورد في طبقات ابن سعد 3: 288 ومنتخب كنز العمال 4: 382. (2) في سيرة عمر بن الخطاب للشيخ الطنطاوي 2: 461، فلم يبق منهم أحد إلا وجعل رقبته ساقط. (*)

[ 682 ]

حدثنا معاذ بن شبة قال حدثني أبي عن أبيه عن الحسن (البصري (1) أن عمر رضي الله عنه بينما هو يجول في سكك المدينة إذ عرضت له هذه الآية " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات " (2) (فحدث نفسه فقال لعلي أوذي المؤمنين والمؤمنات) (3) فانطلق من وجهه إلى أبي بن كعب فدخل عليه بيته وهو جالس على وسادته فانتزعها أبي من تحته وقال: دونكها يا أمير المؤمنين، فقال: لا: ونبذها برجله، وجلس فقرأ عليه هذه الآية، وقال: أخشى أن أكون أنا صاحب هذه الآية، أوذي المؤمنين والمؤمنات ؟ فقال أبي: لا إن شاء الله أرجو أن لا تكون تفعل، ولكنك رجل مؤدب لا تستطيع إلا أن تعاهد رعيتك فتأمر وتنهى (فقال عمر: قد قلت والله أعلم) (4). * حدثنا...... (5) وأحمد بن معاوية قال، حدثنا أبو الفتح الرقي، عن ميمون بن مهران قال: قرأ أبي رضي الله عنه " والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا " (6) فقال (عمر رضي عنه) (7): هكذا تقرؤها يا أبي ؟ ثم أعاد عليه. فقال: وهكذا


(1) الاضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 162. (2) سورة الاحزاب 57، 58. (3) ما بين الحاصرتين إضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 162. (4) ما بين الحاصرتين إضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 162. (5) بياض في الاصل بمقدار كلمتين. (6) سورة الاحزاب آية 58. (7) ما بين الحاصرتين إضافة للتوضيح عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 162. (*)

[ 683 ]

أنزلها الله ؟ حتى غضب أبي فقال: نعم هكذا أنزلها، لم يستأمر فيها عمر ولا ابنه. فقال عمر رضي الله عنه: اللهم غفرا إني رجل قد دخل الناس مني هيبة، فأنا أخاف أن أكون قد آذيت مسلما. * حدثنا أبو مطرف بن أبي الوزير قال، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة قال: دعا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه رجلا يأخذ من شاربه فتنحنح عمر رضي الله عنه - وكان مهيبا - فأحدث الحجام، فأعطاه أربعين درهما (1). * حدثنا زكريا بن أبي خالد البلوي قال، حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال، حدثنا سعيد بن مسلمة الاموي (2) قال، حدثنا إسماعيل بن أمية (3) قال: بينما سعيد بن الهيلة (4) يأخذ من شارب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففزعه عمر رضي الله عنه فأحدث، فقال له عمر رضي الله عنه: أخفناك وسنعقله لك، فأمر له بأربعين درهما. * حدثنا جعفر بن عبد الواحد بن جعفر قال، حدثنا رجل عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: دخل رجل على عمر رضي الله عنه فقال: السلام عليك يا أبا غفر، حفص، الله لك،


(1) ورد في مناقب عمر لابن الجوزي ص 136 بسنده إلى عكرمة أيضا. (2) في الاصل كلمة لا تقرأ والمثبت عن الخلاصة للخزرجي ص 121 ط الخيرية، وميزان الاعتدال 1: 394 وهو سعيد بن مسلمة بن هشام وقبل - ابن سلمة ابن أمية ابن هشام - الاموي الجزري روى عن إسماعيل بن أمية وابن علام. وعنه داود بن رشيد وعلي بن ميمون العطار. بقى إلى ما بعد المائتين. (3) في الاصل أمي والمثبت عن المرجع السابق ص 28 ط الخيرية. (4) كذا في الاصل وفي طبقات ابن طبقات ابن سعد 3: 287 سعيد بن الهيلم. (*)

[ 684 ]

فقال عمر رضي الله عنه: يا أبا حفص غفر الله لك، فقال الرجل أصلعتني فرقتك، يقول: أفرقتني صلعتك. * حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا أبو عوانة، عن حسين بن عمران، عن رجل، عن عبد الرحمن بن أبزى: أن هانئ ابن قبيصة قدم المدينة وقد أسلمت امرأته، فخشي أن يفرق بينهما، فلقي أبا سفيان فطلب إليه أن يكلم عمر رضي الله عنه فقال أبو سفيان: ذهب الزمان الذي عهدتنا عليه، والله لقد بلغني أن لي ابنا بالعراق قد خرج على أهله ما يمنعني أن أدعيه إلا الفرق منه، وما يكلم في ذات الله. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد: أن هشام بن عكرمة صاحب دار الندوة (1) هجا رجلا من المهاجرين، فجعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلوه بالدرة ويقول: هجوت رجلا من المهاجرين، وجعل يقول: يا لقصي - ثلاثا - فقال أبو سفيان: اصبر أخا قصي، فلو قبل اليوم تدعو قصيا لما ضربك أخو بني عدي، فالتفت إليه عمر رضي الله عنه


(1) دار الندوة: في الروض الانف 2: 55 ط دار الكتب الحديثة أن قصي بن كلاب اتخذ دار الندوة، وهي الدار التي كانوا يجتمعون فيها للتشاور، ولفظها مأخوذ من الندى، والنادي، والمنتدى، وهو مجلس القوم وقد تصيرت بعد بني عبد الدار إلى حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي فباعها في الاسلام بمائة ألف درهم وذلك في زمن معاوية، فلامه معاويه في ذلك وقال: ابعث مكرمة آبائك وشرفهم ؟ فقال حكيم: ذهبت المكارم إلا التقوى، والله لقد اشتريتها في الجاهلية بزق خمر، وقد بعتها بمائة ألف درهم وأشهدكم أن ثمنها في سبيل الله، فأينا المغبون ؟ (الاصابة 1: 348 - طبقات ابن سعد 1: 77 - معجم البلدان لياقوت 2: 534). (*)

[ 685 ]

فقال: اسكت لا أم لك، فوضع أبو سفيان إصبعه السبابة على فيه. * حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة: أن عكرمة بن عامر (1) هجا وهب بن زمعة، فعرض له في هجائه، فجلده عمر رضي الله عنه، أو فحده عمر رضي الله عنه. * حدثنا محمد بن يحيى بن علي بن عبد الحميد قال، قال عكرمة (بن عامر (1) بن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار يهجو ربيعة الاسدي: علا زمع الناس ساداتهم * وقد كنت أكره علو الزمع (2) بني زمع اللؤم أعذر بكم * جفاء اللئيم وقول البدع قال فاستأذن وهب بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجلده جلدا بالدرة في المسجد الحرام، فصاح: يا آل قصي، فأمر به عمر رضي الله عنه فسحب حتى أخرج من المسجد - وكانت له دار الندوة، ورثها عن جده عبد مناف بن عد الدار، وكانت يومئذ في يده، ثم باعها ابنه أبو علي بن عكرمة من معاوية رضي الله عنه - فقال عكرمة: هنيئا لافتاء العشيرة كلها * مجري لدى الاركان سحبا على عهد


(1) الاضافة عن أسد الغابة 714 - والاستيعاب 3: 151 والاصابة 2: 490، وهو عكرمة بن عامر ويقال بن عمار بن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي ابن كلاب القرشي العبدري، وقيل هو الذي باع دار الندوة من معاوية بمائة ألف، وهو معدود من المؤلفة قلوبهم.. قال ابن حجر ذكر المرزباني: إنه هجا رجلا في خلافة عمر، فضربه عمر تعذيرا، فلما أخذته السياط نادى يا آل قصي.. بقية الخبر. (2) زمع الناس: رذال الناس وأتباعهم، ومن لا يؤبه لهم. (المعجم الوسيط 1: 402 - القاموس المحيط 3: 33). (*)

[ 686 ]

هنيئا على ذي السيد الغمر منهم * وبالحدث الناشي وبالغرر الفرد فإن تك عبد الدار أخلت ديارها * وأصبحت فردا في ديارهم وحدي فيا رب يوم لو دعوت أجابني * مصاليت أبطال سراع إلى المجد (1) * حدثنا موسى بن إسماعيل قل: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: أتى عمر رضي الله عنه على أبي سفيان رضي الله عنه وهو يبني له قد أضر بالطريق فقال: يا أبا سفيان انزع بناءك هذا، فإنه قد أضر بالطريق، فقال: نعم وكرامة يا أمير المؤمنين، فقال: أما والله لقد كنت أبيا. * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: خرج عمر رضي الله عنه ومعه أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه فمر بلبن في الطريق فأمر أبا سفيان أن ينحيه فجعل ينحيه، فقال عمر رضي الله عنه: الحمد لله الذي أدركت زمانا أمر عمر فيه أبا سفيان فأطاعه. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا النضر بن سهيل قال، سمعت محمد بن عمرو بن علقمة يقول: كان الناس لدرة عمر رضي الله عنه أهيب منكم لسوطكم وسيفكم. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني غسان (2) بن عبد الحميد: أن عيينه بن حصن قدم على عمر رضي الله عنه فكلمه في دين عليه، فلم يرد عليه شيئا، فلما كان بعد كسر بعير من الصدقة فنحره عمر


(1) الصلت: هو الرجل الماضي في الحوائج والامور ويقال رجل أصلتي أي سريع متشمر. (تاج العروس 1: 560 - لسان العرب 2: 358). (2) في الاصل كلمة لا تقرأ والمثبت عن ميزان الاعتدال 2: 322. (*)

[ 687 ]

رضي الله عنه وجعله طعاما للمسلمين، وقسم جلده قطعا، وبعث إلى عيينة بقطعة من جلده، وقال: اخصف بها فإنه ليس لك في فئ المسلمين حق، قال: ثم إن عثمان رضي الله عنه تزوج بنت عيينة، فقدم عليه فطلب إليه حوائج، فقال: ما لك عندي إلا ما كان لك عند عمر رضي الله عنه، فقال: رحم الله عمر وأثابه الله على ذلك، إن كان ليعطينا حتى يغنينا ويخشينا حتى يتقينا * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة، أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة ابن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس ابن حصن - وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه، وكان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاوريه - كهولا كانوا أو شبانا - فقال عيينه لابن أخيه (الحر بن قيس (1): هل لك وجه عند هذا الامير فتستأذن لي عليه ؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فاستأذن الحر لعيينة، فلما دخل عليه قال: (هي (2))..........


(1) ما بين الحاصرتين بياض بالاصل والاثبات عن أسد الغابة 1: 394 والاصابة والاصابة 1: 323، وهو الحر ابن قيس بن حفص بن حذيفة بن بدر ابن عمرو بن جؤبة الفزاري بن أخي عيينة بن حصن، أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك، وكان للحر ابن متشيع وابنة حرورية وامرأته معتزلية وأخت مرجئة فقال لهم: أنا وأنتم كما قال الله تعالى " وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك وكنا طرائق قددا ". (2) سقط في الاصل والمثبت عن منتخب كنز العمال 4: 416. (*)

[ 688 ]

... يا ابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل (1)، ولا تحكم بيننا بالعدل، قال فغضب عمر رضي الله عنه حتى هم أن يقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين أن الله تعالى قد قال لنبيه: " خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " (2) قال فوالله ما جاوزها عمر رضي الله عنه حتى تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله. * ومما وجدت في كتاب أبي غسان، وقرأه علي ولا أدري أنسبه إلى ابن شهاب أم لا، قال: أقبل عيينة بن حصن يريد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه - وعنده رجل من غطفان يدعى مالك ابن أبي زفر من فقراء المسلمين وضعفائهم - وكان غائطا لعيينة - يتكلم يوما، فقال عيينة: أصبح الخبأ تامكا (3) والدني متكلما، فقال مالك: يا أمير المؤمنين، هذا يفخر علينا بأعظم حائلة، وأرواح في النار، فقال عيينة: ما أنت المتكلم، ولكن الذي أقعدك هذا المقعد هو المتكلم، وغضب لعيينة رجال من قومه، فقالوا لمالك: أتقول هذا لسيد مضر ؟ وقام عيينة مغضبا وقال: لهذا اليوم أعظم عندي من قتل الهباءة (4) أو لما جناه أريمص غطفان، يعني ما جناه مالكا أشد مما جنى وقتئذ، فقام إليه عمر رضي الله عنه فضربه


(1) في الاصل " الجزيل " والمثبت عن أسد الغابة 1: 364 ومنتخب كنز العمال 4: 416 ومناقب عمر لابن الجوزي ص 155. (2) سورة الاعراف آية 199. (3) يقال تمك السنام تمكا وتموكا إذا طال وارتفع (تاج العروس 7: 116) والتامك السنام المرتفع والمراد أصبح الضعيف قويا والدني مرتفعا. (4) الهباءة: يوم من أيام العرب المشهورة في الجاهلية في حروب داحس والغبراء وقد كان بين عيس وذبيان وينسب إلى جفر الهباءة وهو مستنقع ببلاد غطفان وانظر خبرة بطوله في الاغاني 16: 32 ط بولاق، والعقد الفريد 5: 156. (*)

[ 689 ]

بالدرة، وقال: يا عيينة، كن ذليلا في الاسلام، فإنما أنت طليق من أهل الردة، لا والله. لا أرضى عنك أبدا حتى يشفع لك مالك، فرجع عيينة فبات بليلة سوء، وبعث عمر رضي الله عنه عليه العيون فإذا عنده رجال من العرب وهو يقول: العجب لعمر، إن الاشعث بن قيس ارتد مرتين فغفروا له ذنبه، وزوجه أبو بكر أخته ثم تلقفوه بأيديهم، وإنهم قد أولعوا بي حتى ما يلهج رجل من قريش إلا بتعييري، فقال له الهرم بن قطبة (1): وأين أنت من الاشعث ؟ ملك في الجاهلية سيد في الاسلام، له من الاوس والخزرج ملء المدينة، فأقصد، واعلم أنك مع عمر، قال فبات وهو يتغنى: حلفت يمينا غير ذي مثنوية * لقلب أبي حفص أشد من الحجر أيشتمني الفاروق والله غافر * له ما مضى إن أصلح اليوم ما غبر فآلى يمينا لا يراجع قلبه * عيينة حتى يشفع ابن أبي زفر وللموت خير من شفاعة مالك * إلى عمر لله من كبدي عمر على غير ذنب غير أن قال قائل * عيينة محمود الزيادين في مضر


(1) هو الهرم بن قطبة بن سنان الفزاري، أدرك الجاهلية، وأسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت في الردة، وذكر وثيمة أنه دعا عيينة بن حصن إلى الثبات على الاسلام وقال له اذكر عواقب البغي يوم الهباءة ولجاج رهان يوم قيس، وهزيمتك يوم الاحزاب - في موعظة طويلة - فلم يقبل منه ففارقه وقال فيه شعرا وكان هرم يقضى بين العرب في الجاهلية وقد تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة فاستخفى منهما - ذكر ذلك أبو عبيدة في كتاب الديباج - وأسلم هرم بن قطبة وقال له عمر في خلافته ! لمن كنت حاكما بينهما لو حكمت ؟ فقال: أعفني.. أعفني فوالله لو أظهرت هذا لعادت الحكومة جذعة. فقال: صدقت والله بهذا الفعل حكمت (الاصابة 3: 583). (*)

[ 690 ]

وآباؤه الغر البهاليل منهم * حذيفة شمس وابنه حصنها القمر فإن يك كانت مني العام ردة * فلست أبا حفص بأول من كفر وللاشعث الكندي أعظم غدرة * وأنكى بها من حي ذبيان إذ غدر فأنكحه الصديق واختار قومه * وأمسى يفدى اليوم بالسمع والبصر وأني له إذ كان قد.... (1) * له دون وكان له نفر (2) فلما بلغ عمر رضي الله عنه قوله قال: يا عيينة إني على حلفتي فاحتل لنفسك، فأتى عيينة مالكا فلم يجده، فقعد على بابه ينتظره، فمر به رجل من قومه فقال: ما بالك ها هنا ؟ قال: انتظر أريمص غطفان، قال: ما كنت أحسب هذا كائنا، ألا بعثت إليه (3) فأتاك ؟ فضحك عيينة وقال: هل يدعنا عمر ؟ حلف لا يرضى حتى يشفع لي مالك، فقبح الله هذا عيشا مع ما ترى، فقال الرجل: يا ابن حصن، من دخل هذا الدين ذل، ومن فزع إلى غيره لم يمنع، وجاء مالك فكلمه عيينة أن يشفع له إلى عمر رضي الله عنه، فمشى معه إلى عمر رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين إن عيينة حرج الصدر ضيق الذرع، يخافه من فوقه ويخيفه من دونه، فارض عنه، فرضي عنه، قال عيينة: هذه شر من الاولى. حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا المبارك، عن الحسن (البصري (4): أن عمر رضي الله عنه كان قاعدا وفي يده الدرة والناس عنده، فأقبل الجارود، فلما أتى عمر رضي الله عنه قال له رجل: هذا سيد ربيعة،


(1) بياض بالاصل. (2) هكذا ورد في الاصل. (3) في الاصل " إليك " والصواب ما أثبته. (4) الاضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 202. (*)

[ 691 ]

فسمعها عمر رضي الله عنه وسمعها الجارود وسمعها القوم، فلما دنا الجارود من عمر رضي الله عنه خفقه بالدرة على رأسه، فقال الجارود: بسم الله، مه يا أمير المؤمنين، قال: ذلك، قال: أما والله لقد سمعتها وسمعت ما قال الرجل، قال: فمه، قال: خشيت أن يخالط قلبك منها شئ (فأحببت أن أطأطئ منك (1)). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا صدقة أبو سهل الهنائي (2) قال، حدثني أبو عمرو (الجملي) (2)، عن زاذان: أن عمر رضي الله عنه خرج من المسجد فإذا جمع على رجل فسأل: ما هذا ؟ قالوا: هذا أبي بن كعب، كان يحدث الناس في المسجد. فخرج الناس يسألونه، فأقبل عمر رضي الله عنه حردا فجعل يعلوه بالدرة خفقا، فقال: يا أمير المؤمنين، انظر ما تصنع، قال: فإني على عمد أصنع، أما تعلم أن هذا الذي تصنع فتنة للمتبوع مذلة للتابع ؟ ! * حدثنا ميمون بن الاصبع قال، حدثنا الحكم بن نافع قال، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال، أخبرني عمر بن عبد العزيز من حديث نوفل بن مساحق (بن عبد الله بن مخرمه القرشي (3) أنه تناجى عمر بن الخطاب وعثمان بن حنيف في المسجد، والناس يحيطون بهما لا يسمع نجواهما منهم أحد، فلم يزالا يتحدثان في الرأي حتى أغضب عثمان عمر رضي الله عنهما في بعض ما تكلموا


(1) ما بين الحاصرتين عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 202. (2) كلمة لا تقرأ في الاصل والمثبت عن ميران الاعتدال 1: 464 وهو صدفة ابن سهل أبو سهل الهنائي، روى عن ابن سيرين وأبي عمرو الجملي. (3) الاضافة للتوضيح عن أنساب الاشراف 5: 226 ط بغداد. (*)

[ 692 ]

به، فقبض عمر رضي الله عنه من حصى المسجد قبضة فحصب بها وجه عثمان رضي الله عنه فشجه بالحصى في وجهه آثارا من شجاج، فلما رأى عمر رضي الله عنه كثرة تسرب الدم على لحيته قال: أمسك عنك الدم، فعرف عثمان رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه نادم على ما فرط منه فقال: يا أمير المؤمنين لا يهولنك الذي أصبت مني، فو الله إني لانتهك ممن وليتني أمره من رعيتك التي استرعاك الله أكثر مما انتهكت مني، فأعجب بها عمر رضي الله عنه في رأيه، وحمله وزاده عنده خيرا. * حدثنا شهاب بن عباد قال، حدثنا الوليد بن علي الجعفي، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال لي عمر رضي الله عنه: احجبني لا يدخل علي أحد، قال: فجاء رجل يريد أن يدخل عليه فمنعته، فأرادني فامتنعت عليه، فرفع يده فلطمني، فدخلت على عمر رضي الله عنه فأخبرته، فخرج وفي يده الدرة فعلاه بها وقال: أردتم أن تجرئوا علي كلاب العرب (1). * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن سالم - يعني الافطس - قال: جاءت وفود فارس إلى عمر رضي الله عنه يطلبونه فلم يجدوه في منزله، فقيل لهم: هو في المسجد ليس عنده أحد، فأتوه فإذا هو فيه ليس عنده حرس ولا كبير أحد، فقالوا (2): هذا الملك والله لا ملك كسرى. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال،


(1) ورد في طبقات ابن سعد 3: 309 مع زيادة فيه. (2) في الاصل " فقال " والصواب ما أثبته. (*)

[ 693 ]

أنبأنا يحيى بن سعيد، عن القاسم: أن عمر رضي الله عنه قال: ليعلم من ولي هذا الامر من بعدي أن سيريده عنه القريب والبعيد، إني لاقاتل الناس عن نفسي قتالا، ولو علمت أن أحدا من الناس أقوى على هذا الامر مني لكنت أن أقدم فيضرب عنقي أحب إلي من أن آتي إليه. (ولاية زيد بن ثابت رضي الله عنه القضاء) * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن حفص بن عمر قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا كثر عليه الخصوم صرفهم إلى زيد، فلقي رجلا ممن صرفه إلى زيد فقال له: ما صنعت ؟ قال: قضي علي يا أمير المؤمنين، قال: لو كنت أنا لقضيت لك، قال: فما يمنعك وأنت أولى بالامر ؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو سنة نبيه فعلت، ولكني إنما أردك إلى رأي، والرأي مشير. * حدثنا عفان قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا الحجاج، عن نافع: أن عمر رضي الله عنه استعمل زيدا على القضاء، وفرض له رزقا. * حدثنا الحسن بن عثمان قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزياد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد قال: كان عمر رضي الله عنه كثيرا ما يستخلف زيد بن ثابت إذا خرج إلى شئ من الاسفار، وقلما رجع من سفر إلا أقطع زيدا حديقة من نخل. * حدثنا محمد بن عمر، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، عن أبيه:

[ 694 ]

أن عمر رضي الله عنه قال: اكفني صغار الامور، فكان يقضي في الدرهم ونحوه،. * حدثنا بكر بن الاسود قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن ابن حبان، عن ابن الزنباع (1)، عن ابن دهقان قال: قيل لعمر رضي الله عنه إن ها هنا حائكا من أهل الحيرة نصرانيا، فلو استكتبته ؟ فقال: قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين. (عفاف عمر رضى الله عنه عن المال وغلظ مطعمه) * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا إسرائيل، عن حارثة ابن مضرب (2)، عن عمر رضي الله عنه قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، ثم قضيت (3). * حدثنا أبو داود قال، حدثنا عمران - يعني القطان - عن قتادة عن أبي مجلز (4) قال: قال عمر رضي الله عنه لعمار وابن مسعود رضي الله عنهما - يعني حين ولاهما أعمال الكوفة - إني وإياكم


(1) هو روح بن زنباع بن روح الخزامي. وانظر الخلاصة للخزرجي ص 110 ط الخيرية. (2) انظر ترجمته في الخلاصة للخزرجي ص 59 ط الخيرية. (3) في طبقات ابن سعد 3: 276 عن حادثة بن مضرب عن عمر أنه قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة وإلى مال اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف. قال وكيع: فإن أيسرت قضيت. وورد أيضا في مناقب لابن الجوزي ص 105 مع اختلاف يسير في الالفاظ. (4) هو لاحق بن حميد السدوسي توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وكان ثقة. (طبقات ابن سعد 7: 216 - الخلاصة للخزرجي 404 ط الخيرية). (*)

[ 695 ]

في مال الله كوالي مال اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف. * حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما استخلف عمر رضي الله عنه أكل هو وأهله من المال، واخترق في مال نفسه. * حدثنا معاذ بن معاذ قال، حدثنا ابن عون، عن الحسن، عن الاحنف قال: كنا نأكل عند عمر رضي الله عنه، فيوما لحما غريضا (1)، ويوما قديدا، ويوما زيتا. * حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا مبارك بن فضالة قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حفص بن أبي العاص قال: كان عمر رضي الله عنه يغدينا بالخبز والزيت والخل، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأول ذلك اللحم الغريض، يأكل وكنا نغدر (2)، وكان يقول: لا تنخلوا الدقيق فكله طعام، وكان يقول: ما لكم لا تأكلون ؟ فقلت يا أمير المؤمنين إنا نرجع إلى طعام ألين من طعامك، قال: يا ابن أبي العاص. أما تراني عالما أن أرجع إلى دقيق ينخل في خرقة فيخرج كأنه كذا وكذا ؟ أما تراني عالما أن أعمد إلى أعناق سمينة (3) فنلقي عنها شعرها فتخرج كأنها كذا وكذا، أما تراني عالما أن أعمد إلى صاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء (4) وأصب عليه من


(1) الغريض من اللحم الطري منه. (القاموس المحيط 2: 338). (2) نعذر أي نصنع ما نعذر فيه (أقرب الموارد). (3) العناق الانثى من أولاد الماعز قبل استكمالها الحول (أقرب الموارد). (4) كذا في الاصل، وفي طبقات ابن سعد 3: 208 " وأمر يصاع من زبيب فيقذف = (*)

[ 696 ]

الماء فيصبح كأنه دم الغزال ؟ قال قلت: أحسن ما يبعث العيش يا أمير المؤمنين. قال: أجل، والله لولا مخافة أن ينقص من حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في لين عيشكم، ولكني سمعت الله ذكر قوما فقال: " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا (1) " (2). * حدثنا المبارك بإسناده وقال: فكان يجئ بخبز مفلع (3) غليظ وقال: قال عمر رضي الله عنه: بخ بخ يا ابن أبي العاص أما تراني ! ! * حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا أبي قال، سمعت الحسن يقول: قدم وفد أهل البصرة مع أبي موسى (الاشعري) (4) على عمر رضي الله عنه قال: فكان له في كل يوم خبز يلت (5) فربما وافقناها مأدومة بزيت، وربما وافقناها مأدومة بسمن، وربما وافقناها مأدومة بلبن، وربما وافقناها القدائد اليابسة قد دقت ثم غلي بها (6)، وربما وافقنا اللحم الغريض - وهو قليل - فيقال لنا يوما: إني والله قد أرى تقذيركم وكراهيتكم طعامي، أما والله لو شئت لكنت أطيبكم


= في سعن ثم يصب عليه من الماء فيصبح كأنه دم الغزال " والسعن قربة تقطع من نصفها وينبذ فيها وقد يستقى فيها كالدلو. (أقرب الموارد). (1) سورة الاحقاف آية 20. (2) ورد في منتخب كنز العمال 4: 403 مع اختلاف في السياق، وفي شرح نهج البلاغة 1: 175 لكنه ساقه مع الربيع بن زياد الحارثي عامل عمر على البحرين. (3) الخبز المفلع: هو المشقوق أو المقطع (القاموس المحيط - أقرب الموارد). (4) الاضافة عن منتخب كنز العمال 4: 402. (5) في الاصل " يلاف " والمثبت عن منتخب كنز العمال 4: 402. (6) في منتخب كنز العمال 4: 402 " قد دقت ثم أغلى بماء ". (*)

[ 697 ]

طعاما وأرقكم عيشا، أما والله (1) ما أجهل عن كراكر (2) وأسنمة، وعن صلاء (3) وصناب (4) وصلائق (5)، ولكني سمعت الله عير قوما (بأمر فعلوه (6)) فقال: " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها (7) ". * حدثنا عبد الله بن محمد بن حفص قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي نضرة (8)، عن الربيع بن زياد الحارثي قال: كنت عند عمر رضي الله عنه فوضع يده على بطنه، فقلت: مالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: طعام غليظ أكلته أذيت منه، قلت: يا أمير المؤمنين، إن أولى الناس بالمطعم اللين والملبس اللين لانت، قال: فتناول عصية فقرع بها رأسي وقال: كنت أحسب فيك خيرا يا ربيع بن زياد. قلت: مالك يا أمير المؤمنين ؟ قال: والله ما أردت بها إلا مقاربتي، أتدري ما مثلي ومثلهم ؟ قال: ما مثلك


(1) في منتخب كنز العمال 4: 402 " إني والله ". (2) كراكر: رحى زور البعير. (القاموس المحيط). (3) الصلاء: الشواء. (الفائق في غريب الحديث 2: 34، 35). (4) الصناب: الخردل بالزبيب، ويقال فرس صنابي أي لونه لون الصناب. (الفائق في غريب الحديث 2: 34، 35). (5) الصلائق: جمع صليقة وهي الرقاقة وهي من صلقت الشاة إذا شويتها، وكأنه أراد الحملان والجداء المشوية، وتروى: السلائق - بالسين (النهاية في الغريب - 3: 48، 55 - القاموس المحيط). (6) سقط في الاصل والمثبت عن منتخب كنز العمال 4: 402. (7) سورة الاحقاف آية 20. (8) هو المنذر بن مالك بن قطعة - أبو ندرة العبدي العوفي البصري من ثقات التابعين وهو بكنيته أشهر. توفي سنة 108 ه‍ (ميزان الاعتدال 3: 200 - الخلاصة للخزرجي ص 331، 405 ط الخيرية). (*)

[ 698 ]

ومثلهم ؟ قال: مثل قوم أرادوا سفرا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل وقالوا: أنفق عليك وعلينا. أفله أن يستأثر عليهم ؟ قلت: لا، قال: فكذاك (1). * حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا أيوب، عن محمد، عن الاحنف: أنه كان جالسا في رهط على باب عمر رضي الله عنه، فخرجت عليهم جارية فقالوا: سرية أمير المؤمنين، فقالت: إنها ليست سرية أمير المؤمنين، إنها لا تحل له، إنها من مال الله، قال: فتذاكرنا ما يحل له من مال الله، فبلغه ذلك، فدعانا فقال: ما قلتم ؟ فقلنا: خيرا يا أمير المؤمنين. خرجت علينا جارية سرية أمير المؤمنين، فقالت: ليست سرية أمير المؤمنين، إنها لا تحل له، إنها من مال الله، فتذاكرنا ما يحل له من مال الله، قال: وقلنا أمير المؤمنين أعلم، قال فرددها علينا ثلاث مرار، فقلنا أمير المؤمنين، فقال: أنا أنبئكم بما أستحل من هذا المال: (يحل لي حلتان (2) حلة للشتاء وحلة للقيظ، وما أحج عليه وأعتمر من الظهر (وقوتي (2) وقوت أهلي مثل رجل من قريش ليس بأغناهم ولا أفقرهم، ثم أنا (بعد (2) رجل من المسلمين (يصيبني ما أصابهم (2). حدثني معاذ بن شبة بن عبيدة قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن الحسن: أن عمر وعبد الله ابنه رضي الله عنهما كانا يسيران في مربد لهما، فرأي عمر رضي الله عنه جارية تقوم مرة وتصرع أخرى، فقال: يا بؤس هذه الجارية، أما لها أحد ؟ فقال عبد الله


(1) في منتخب كنز العمال 4: 402 " فذلك مثلي ومثلهم ". (2) الاضافات عن طبقات ابن سعد 3: 275، 276. (*)

[ 699 ]

رضي الله عنه: هي والله يا أمير المؤمنين إنها لاحدي بناتك. قال: وأي بناتي ؟ قال بنت عبد الله بن عمر. فقال: أهلكت هذه الجارية هزالا. فقال: يا أمير المؤمنين حبست ما عندك. فقال: وما عندي ؟ غرك أن تكسب بناتك كما تكسب الاقوام بناتهم، لا والله ما لك عندي إلا سهمك في المسلمين. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا أبو معاوية الضرير، قال، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر قال: لما زوجني عمر رضي الله عنه، أنفق علي من مال الله شهرا ثم قال: يا يرفأ احبس عنه، ثم دعاني فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا بني فإني لم أكن أرى (شيئا من (1) هذا المال (يحل (1) لي قبل أن إليه إلا بحقه، ثم ما كان أحرمه علي منه حين وليتة، فعاد أمانتي (وإني كنت قد (1)) أنفقت عليك من مال الله شهرا ولن أزيدك عليه، وقد أعنتك بتمر مال بالعالية، فانطلق إليه فاجذذه ثم بعه، ثم قم إلى جانب رجل من تجار قومك، فإذا ابتاع فاستشركه ثم استنفق وأنفق على أهلك (قال فذهبت ففعلت (1)) (2). * حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عبد الله ابن الارقم يقول لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين إن عندنا حلية من حلى جلولاء (3)، وآنية وفضة فانظر ما تأمرنا فيها بأمرك،


(1) الاضافات عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 107. (2) وانظر الخبر في منتخب كنز العمال 4: 418. (3) جلولاء: من نواحي السواد في طريق خراسان يشقها نهر جلولاء، وهو نهر = (*)

[ 700 ]

قال: إذا رأيتني فارغا فآذني، قال: فجاءه يوما: يا أمير المؤمنين إني أراك اليوم فارغا، قال: ابسط لي نطعا في الجيش، فأمر بنطع فبسط، ثم أتى بذلك المال فصبه عليه، قال: فأتى فوقف فقال: اللهم إنك ذكرت هذا المال فقلت (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة (1)) اللهم وقلت (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم (2)) اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا، اللهم إني أسألك أن تضعه في حقه، وأعوذ بك من شره، قال: فأتي بابن له (يحمل (3) يقال له عبد الرحمن بن لهية فقال: يا أبتاه هب لي خاتما. فقال: اذهب إلى أمك تسقيك سويقا، فما أعطاه شيئا. * وحدثنا ابن وهب قال، حدثني ابن لهيعة، عن أبي الاسود، عن عروة بن الزبير، عن معيقب قال: أرسل إلي عمر رضي الله عنه مع الظهيرة فإذا هو في بيت يطالب ابنه عاصما، فقلت: على رسلك يا أمير المؤمنين، فإنك تأخذ أمرك بالهوينى، وإذا بعاصم في زاوية فقال: أتدري ما صنع هذا ؟ إنه انطلق إلى العراق فأخبرهم أنه ابن أمير المؤمنين فانتفقهم فأعطوه آنية وفضة ومتاعا وسيفا محلى، فقال: ما فعلت، إنما قدمت على أناس من قومي فأعطوني هذا، فقال خذه يا معيقب فاجعله في بيت المال، فجعلته، فلما كان


= عظيم يمتد إلى يعقوبا ويشقها: وبها كانت موقعة مشهورة على الفرس سنة 16 ه‍، فسميت جلولاء الوقيعة لما أوقع بهم المسلمون (مراصد الاطلاع 1: 343). (1) سورة آل عمران آية 15. (2) سورة الحديد آية 23. (3) الاضافة عن منتخب كنز العمال 4: 412. (*)

[ 701 ]

العشي حدث القوم شأنه، وانطلق عاصم فطلب (1) إلى ناس في السيف. فقالوا: يا أمير المؤمنين، السيف، أما له ؟ فإنه ليس له سيف ؟ قال: يا معيقب انزع حليته وأعطه النصل، قال: فما أصنع به ؟ قال: ما شئت، فأخذ النصل. * حدثنا أحمد بن يونس قال، حدثنا زائدة (بن قدامة (2)، عن الاعمش، عن أبي وائل قال: قال عمر رضي الله عنه إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم، من كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف. * حدثنا أبو الربيع الزهران، ومحمد بن حميد قالا، حدثنا يعقوب القمي عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، عن شقيق بن سلمة، عن عمر رضي الله عنه قال: إني ممسك بحلاقيم قريش، إني أنزلت مال الله - وقال أبو الربيع: مال المسلمين - مني بمنزلة مال اليتيم (3). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سلام بن مسكين قال، سمعت الحسن يقول: أتى عمر رضي الله عنه مال كثير، فجاءت حفصة بنته وأم المؤمنين فقالت: يا أمير المؤمنين حق أقربتك (4) في هذا المال، وقد أوصى الله (عزوجل (5)) بالاقربين،


(1) كذا في الاصل ولعلها " فتكلم إلى الناس ". (2) الاضافة عن طبقات ابن سعد 3: 276، وقد ورد الخبر به سندا ومتنا. (3) وانظره في منتخب كنز العمال 4: 380. (4) في منتخب كنز العمال 4: 412 " أقربائك ". (5) الاضافة عن المرجع السابق. (*)

[ 702 ]

فقال: أي بنية، إنما (حق أقربائي في مالي) (1)، فأما هذا ففئ المسلمين، غششت أباك ونصحت لاقربتك، قومي. قال الحسن: فقامت والله تجر ذيلها. * حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا عيسى بن حفص بن عاصم، عن أبيه، عن جده: أن عمر رضي الله عنه قدم عليه مال فأمر به إلى بيت المال، فجئت وأنا غليم وعلي أزير فوجدت درهما فأخذته، فقال لي: من أين هذا الدرهم لك يا عاصم ؟ قلت: أعطتنيه أمي، فأرسل إلى أمي: أعطيت عاصما درهما ؟ قالت: لا، قال أخبرني خبره، قلت: وجدته في الحجر وقال في الفناء. فأخذه مني ودفعه إلى رجل وقال: اذهب به فألقه بين الخوخة والباب (2). * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا أبو الفتح الرقي قال، حدثنا رجل قال: تناول ابن لعمر رضي الله عنه تمرة من تمر الصدقة فوضعها في فمه، فقام عمر رضي الله عنه فعالجها حتى انتزعها فوضعها في تمر الصدقة، وقال: إني أريد أن أتلقى سلمان فمن أراد أن يتلقاه فليتلقاه، فلما التقيا أخذ كل واحد بيد صاحبه يتحدثان فمر رجل فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال عمر لسلمان رضي الله عنهما: أبا عبد الله أتراني مستحقا لهذا الاسم ؟ قال: نعم ما لم تستأثر على الناس بتمرة، فقال عمر رضي الله عنه: الله أكبر (3). * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال،


(1) ما بين القوسين كلمات لا تقرأ في الاصل والمثبت عن المرجع السابق. (2) وانظره في مناقب عمر لابن الجوزي ص 107. (3) وانظره في منتخب كنز العمال 4: 388، 389. (*)

[ 703 ]

أخبرني ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عبد الرحمن بن نجيح قال: نزلت على عمر رضي الله عنه، فكانت له ناقة يحلبها فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبنا أنكره، فقال: ويحك من أين هذا اللبن لك ؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها، فحلبت لك ناقة من مال الله، فقال ويحك تسقيني نارا، (واستحل ذلك اللبن من بعض الناس. فقيل (1)): هو لك حلال يا أمير المؤمنين ولحمها. وأوشك ألا يرى لنا في هذا المال حق. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا ابن أبي سلمة قال، حدثنا إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال: قدم على عمر رضي الله عنه، مسك وعنبر من البحرين فقال (عمر والله لوددت) (2) أني وجدت من يقسم هذا المسك والعنبر حتى أقسمه بين المسلمين. فقالت امرأته عاتكة بنت زيد: هلم أزن لك فإني جيدة الوزن. قال: لا، إني أكره أن تصيب يدك. فتقولين هكذا على صدرك بما أصابت يداك فضلا على المسلمين. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سلام بن مسكين، عن عمران بن عبد الله بن طلحة قال: كان عمر رضي الله عنه يحتاج


(1) كذا في الاصل، وفي مناقب عمر لابن الجوزي ص 139 " ادع لي علي بن أبي طالب. قال: فدعاه فقال: إن هذا عمد إلى ناقة من مال الله فسقاني بعضها أفتحله لي ؟. قال نعم " وهذا يوضح ما هنا. (2) الاضافة عن منتخب كنز العمال 4: 413. وفيه " لوددت أني وجدت امرأة حسنة الوزن تزن لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت له امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل: أنا جيدة الوزن، فهلم أزن لك. فقال: لا. قالت: لم ؟ قال: إني أخشى أن تأخذيه فتجعليه هكذا - وأدخل أصابعه في صدغيه - وتمسحين به عنقك فأصبت فضلا عن المسلمين ". (*)

[ 704 ]

الحاجة الشديدة فيأتي خازن بيت المال فيستقرض الدريهمات فيقرضه، فربما أخذ بخناقه فيها حتى يردها، وربما يؤخر حتى يخرج عطاؤه أو سهمه فيعطيه (1). * حدثنا عمرو بن قسط قال، حدثنا الوليد بن مسلم عن الاوزاعي عن الوليد بن هشام، أنه حدثه، عن معدان بن أبي (2) طلحة اليعمري أنه قدم على عمر رضي الله عنه بقطائف وطعام، فأمر به فقسم، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لم أرزقهم ولن استأثر عليهم إلا أن أضع يدي مع أيديهم في طعامهم، وقد خفت أن تجعله نارا في بطن عمر، قال معدان: ثم لم أبرح حتى رأيته اتخذ صحفة من خالص ماله فجعلها بينه وبين جفان العامة. * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال، حدثنا الاوزاعي بمثله سواء، إلا أنه قال لم: أرزأ فيهم. * حدثنا سعيد بن سليمان قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا عبد الغفار بن إسماعيل، عن أبيه إسماعيل بن عبيد الله ابن أبي المهاجر، (عن عبد الرحمن بن غنم قال: شهدت عمر ينظر في أمور الناس حتى (3) تعالى النهار وافترق عن الناس، وقام إلى


(1) وانظره في مناقب عمر لابن الجوزي ص 104. وفيه " فربما عسر فيأتيه صاحب بيت المال ". (2) في الاصل " عن معد بن طلحة " والمثبت عن الخلاصة للخزرجي ص 383 ط بولاق. وهو معدان بن أبي طلحة الكناني اليعمري - بفتح التحتانية - الشامي، روى عن عمر، وعنه سالم بن أبي الجعد، وثقه العجلي وابن سعد. (3) ما بين الحاصرتين بياض بالاصل، والاثبات عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 107. (*)

[ 705 ]

منزله، فاستتبعني، فلما صار فيه قال لجاريته: ويحك يا قريباء، آتينا غداءنا، فقربت خبزا وزيتا، فقال: ويحك ! ألا جعلت مكان الزيت سمنا ؟ قالت: يا أمير المؤمنين. إنك (1) جعلت مال الله في أمانتي، فإن (2)........ * أنبأنا محمد بن يزيد، عن يونس ابن ميمون، عن قاسم قال: خطب عمر رضي الله عنه الناس فقال: إن أمير المؤمنين يشتكي بطنه من الزيت، فإن رأيتم أن تحلوا له ثلاثة دراهم ثمن عكة (3) من سمن من بيت مالكم فافعلوا. (ما روي عنه رضي الله عنه في جمع القرآن والقول فيه) * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني عمر بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: أراد عمر رضي الله عنه أن يجمع القرآن فقام في الناس فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والالواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان، فقتل عمر رضي الله عنه قبل أن يجمع ذلك إليه (4). * حدثنا هارون بن عمر الدمشقي قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة،


(1) في الاصل " ان " والمثبت عن المرجع السابق. (2) نقص بمقدار ورقة من الاصل: (3) في الاصل كلمة لا تقرأ. والمثبت عن منتخب كنز العمال 4: 418، والعكة: زقيق صغير للسمن (لسان العرب. أقرب الموارد) وانظره في مناقب عمر لابن الجوزي ص 108. (4) وانظره في مناقب عمر لابن الجوزي ص 129 مع اختلاف يسير في الالفاظ، وكذلك في منتخب كنز العمال مع اختلاف في السياق وزيادة في الاصل. (*)

[ 706 ]

عن إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمد، عن أبيه قال: جاءت الانصار إلى عمر رضي الله عنه فقالوا: نجمع القرآن في مصحف واحد، فقال: إنكم أقوام في ألسنتكم لحن، وإني أكره أن تحدثوا في القرآن لحنا. فأبى عليهم. * حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال، حدثنا جرير ابن حازم، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن معقل بن معاوية قال: قال عمر رضي الله عنه: لا يملينا في مصاحفنا إلا فتيان قريش وثقيف (1). * حدثنا يحيى بن سعيد، ومحمد بن عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر رضي الله عنه (أقضانا علي، وأقرؤنا أبي (2) وإنا لندع كثيرا مما يقول أبي، وإنه يقول: أخذته من في (رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) والله يقول " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها " (4). * حدثنا عثمان بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن أبي قبيصة، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال، قال ابن عباس


(1) وانظر كتاب المصاحف للسجستاني ص 11 ومناقب عمر ص 129. (2) ما بين الحاصرتين سقط في الاصل والاثبات عن سير أعلام النبلاء 1: 281 ط المعارف ومنتخب كنز العمال 2: 54. (3) ما بين الحاصرتين بياض في الاصل والمثبت عن سير أعلام النبلاء 1: 281. (4) سورة البقرة آية 106. (*)

[ 707 ]

رضي الله عنه، قلت لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين إن أبيا يزعم أنكم تركتم آية من كتاب الله لم تكتبوها. قال: أما والله لاسألن أبيا فإن أنكر لتنكرني. فلما أصبح غدا على أبي، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما أبيا تريد ؟ قال: نعم، فانطلق معه فدخلا على أبي فقال: إن هذا يزعم أنك تزعم أنا تركنا آية من كتاب الله لم نكتبها. فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لو أن لابن آدم ملء واد ذهبا ابتغى إليه مثله، ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب، والله يتوب على من تاب) قال عمر رضي الله عنه: أفتكتبها ؟ قال: لا آمرك، قال أفتدعها ؟ قال: لا أنهاك، قال: كان إثباتك أولى من رسول الله صلى الله عليه، وسلم، أم قرآن منزل ؟ ! * حدثنا معاذ بن شبة بن عبيدة قال حدثني أبي عن أبيه عن الحسن: قرأ عمر رضي الله عنه: " والسابقون الاولون من المهاجرين والذين اتبعوهم بإحسان " فقال أبي " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بإحسان (1) " فقال عمر رضي الله عنه " والسابقون الاولون من المهاجرين والذين اتبعوهم بإحسان " وقال عمر رضي الله عنه: أشهد أن الله أنزلها هكذا، فقال أبي رضي الله عنه: أشهد أن الله أنزلها هكذا، ولم يؤامر فيه الخطاب ولا ابنه (2).


(1) سورة التوبة آية 100. (2) في منتخب كنز العمال 2: 55 عن عمرو بن عامر الانصاري أن عمر بن الخطاب قرأ " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار الذين اتبعوهم بإحسان " فرفع = (*)

[ 708 ]

* حدثنا أبو مطرف بن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن بجالة (1) قال: مر عمر رضي الله عنه بغلام معه مصحف وهو يقرأ (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم (2)، وهو أب لهم) فقال عمر رضي الله عنه: يا غلام حكها، فقال: هذا مصحف أبي بن كعب، فذهب إلى أبي فقال: ما هذا ؟ فنادي أبي بأعلى صوته: أن كان يشغلني القرآن وكان يشغلك الصفق بالاسواق ! ! فمضى عمر رضي الله عنه (3).


= الانصار، ولم يلحق الواو في الذين، فقال له زيد بن ثابت " والذين اتبعوهم بإحسان " فقال عمر " الذين اتبعوهم بإحسان " فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم. فقال عمر: ائتوني بأبي بن كعب - فسأله عن ذلك فقال أبي " والذين اتبعوهم بإحسان " فجعل كل واحد منهما يشير إلى أنف صاحبه بإصبعه فقال أبي: والله أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تتبع الخبط. فقال عمر: فنعم إذن فنعم إذن نتابع أبيا. كذلك ورد في نفس المرجع 2: 56 عن أبي سلمة ومحدم بن ابراهيم التيمي قالا: مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقرأ " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بإحسان " فوقف عمر فقال: انصرف فانصرف الرجل فقال: من أقرأك هذه ؟ قال: أقرأنيها أبي بن كعب قال فانطلق إليه. فانطلق إليه. فقال: يا أبا المنذر أخبرني هذا أنك أقرأته هذه الآية. قال: صدق، تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عمر: أنت تلقيتها من محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم، فقال في الثالثة وهو غضبان نعم والله لقد أنزلها الله على جبريل وأنزلها جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ولم يستأمر فيها عمر بن الخطاب ولا ابنه، فخرج عمر رافعا يديه وهوى يقول: الله أكبر، الله أكبر. وانظر تفسير ابن كثر 4: 228. (1) هو الفقيه ابن عبدة - بفتحات - الضيري البصري. بجالة بفتح أوله والجيم كاتب حرب بن معاوية وثقه أبو زرعة، وقال أبو حاتم شيخ كان حيا سنة 70 ه‍. (الخلاصة للخزرجي ص 46 ط الخيرية). (2) سورة الاحزاب آية 6. (3) وانظره في سير أعلام النبلاء 1: 285 مع اختلاف يسير في بعض الالفاظ. = (*)

[ 709 ]

* حدثنا فهر ابن أسد قال، حدثنا ثابت أبو زيد، عن عاصم الاحول، عن أبي مجلز: أن أبيا قرأ (من الذين استحق عليهم الاوليان " (1) فقال عمر رضي الله عنه: كذبت، فقال أبي: بل أنت أكذب، فقال له رجل: أتكذب أمير المؤمنين ؟ فقال: أنا أشد تعظيما لامير المؤمنين منكم، ولكني أكذبه في تصديق الله ولا أصدقه في تكذيب كتاب الله (فقال عمر: صدق (2)). * حدثنا عمر بن قسط قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا عبد الله بن العلاء بن زيد وغيره، عن عطية بن قيس (عن أبي إدريس الخولاني (3): أن أبا الدرداء وأصحابا له خرجوا بمصحفهم حتى قدموا المدينة يثبتون حروفه على عمر، وزيد بن ثابت، وأبي ابن كعب (4) يقرأ عليهم آي " إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية " (5) ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام " (6) قال فأخبروا بذلك عمر وزيد بن ثابت، فقال عمر رضي الله عنه: علي بأبي: فخرج إليه رسول عمر ورجل من أصحاب أبي الدرداء


= والصفق بالاسواق هو الضرب باليد على اليد عند وجوب البيع. ومنه قيل للبيعة صفقة، وفي حديث أبي هريرة ألهاهم الصفق بالاسواق أي التبايع - (تاج العروس 6: 409) وانظر منتخب كنز العمال 2: 43. (1) سورة المائدة آية 107. (2) الاضافة عن منتخب كنز العمال 2: 55. (3) الاضافة عن كتاب المصاحف للسجستاني ص 155. (4) في المصدر السابق " ليعرضوه على أبي بن كعب وزيد بن ثابت وعلي وأهل المدينة ". (5) سورة القتح آية 26. (6) ما أضيف من قراءة أبي إلى الآية وليست في مصاحفنا. (*)

[ 710 ]

فوافقوه يهنأ بعيرا له بيده (فسلما عليه ثم قال له المديني (1) أجب أمير المؤمنين، فقال: وما ذاك ؟ فاحتواه الامر، فالتفت إلى الشامي فقال: ما كنتم تنتهون معشر الركيب حتى يشدفني منكم شر، فقال: تقول هذا لهم وفيهم أبو الدرداء. ومضى أبي ولم يغسل (2) يده وفيها القطران حتى سلم على عمر رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله عنه: يا أبي اقرأ، فقرأ كما أخبروه، فقال يا زيد اقرأ، فقرأ قراءة العامة، فقال عمر: اللهم لا علم إلا كما قرأت، فقال أبي: أما والله يا عمر إنك لتعلم أني كنت أحضر ويغيبون، وإن شئت لا أقرأت أحدا آية من كتاب الله، ولا حدثت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: اللهم غفرا، قد جعل الله عندك علما فأقرى الناس وحدثهم، قال فكتبوها على قراءة عمر وزيد (3). * حدثنا عمر بن سعيد الدمشقي قال، حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال، حدثني عطية بن قيس: أن رجلا من أهل الشام خرج إلى المدينة لكتب مصحف وخرج معه بطعام وإدام، في خلافة عمر رضي الله عنه، فكان يطعم الذين يكتبون، وكان أبي يختلف إليهم يمل عليهم، فقال له عمر رضي الله عنه: كيف وجدت طعام


(1) الاضافة عن كتاب المصاحف للسجستاني ص 156 وعن منتخب كنز العمال 2: 60. (2) بياض في الاصل والمثبت يتفق مع السياق، وفي كتاب المصاحف ص 156 ومنتخب كنز العمال 2: 60 " ثم جاء إلى عمر وهو مشمر والقطران على يديه ". (3) وانظر سير أعلام النبلاء 1: 285. (*)

[ 711 ]

الشامي ؟ قال: (إني لاوشك إذا ما نشبت في أمر القوس (1)، ما طعمت له طعاما ولا إداما. * حدثنا محمد بن الصباح البزار قال، حدثنا هشيم، عن عبد الرحمن بن عبد الملك (2) - يعني ابن كعب بن عجرة - عن أبيه عن جده قال: كنت عند عمر رضي الله عنه فقرأ رجل من سورة يوسف " عتا حين (3) " فقال له عمر رضي الله عنه: من أقرأك هكذا ؟ قال: ابن مسعود، فكتب عمر إلى ابن مسعود (سلام عليك أما بعد) (4) فإن الله أنزل هذا القرآن بلسان قريش، وجعله بلسان عربي مبين، أقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام. ويقال: إن نافع بن طريف بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف كان كتب المصحف لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. * حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا مغيرة، عن إبراهيم عن خرشة بن الحر قال: رأى معي عمر بن الخطاب رضي الله عنه لوحا مكتوبا فيه " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله " (5) فقال: من أملى عليك هذا ؟ قلت


(1) ما بين الرقمين كلمات محرفة في الاصل. والمثبت عن كتاب المصاحف للسجستاني ص 157. (2) في الاصل " عبد الرحمن بن عبد الله " والتصويب عن الخلاصة للخزرجي ص 321 ط بولاق، ترجمة كعب بن عجرة. (3) من الآية 35، وهي لغة هذيل وثقيف في " حتى " وانظر تاج العروس 1: 234 (4) ما بين الحاصرتين عن منتخب كنز العمال 2: 56 والحديث بنصه هناك. (5) سورة الجمعة آية 9. (*)

[ 712 ]

أبي بن كعب، فقال إن أبيا كان أقرأنا للمنسوخ، اقرأها " فامضوا إلى ذكر الله ". * حدثنا فضل بن عبد الوهاب قال، حدثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة قال: قال عمر رضي الله عنه أقرأنا أبي، وإنا لندع كثيرا من لحن أبي. * حدثنا عبد الاعلى بن عبد الاعلى قال، حدثنا هشام - يعني ابن حسان - عن محمد بن سيرين: أن عمر رضي الله عنه سمع كثير بن الصلت يقرأ " لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثا، ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب " فقال عمر رضي الله عنه: ما هذا ؟ قال: هذا في التنزيل، فقال عمر رضي الله عنه: من يعلم ذاك ؟ والله لتأتين بمن يعلم ذاك أو لافعلن كذا وكذا، قال أبي بن كعب، فانطلق إلى أبي فقال: ما يقول هذا ؟ قال: ما يقول ؟ قال: فقرأ عليه، فقال: صدق قد كان هذا فيما يقرأ، قال: أكتبها في المصحف ؟ قال: لا أنهاك قال: أتركها ؟ قال: لا آمرك (1). * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا علي بن ثابت، عن جعفر ابن بركان (2)، عن ميمون بن مهران، قال: قرأت في مصحف أبي: اللهم نستعينك ونستغفرك حتى بلغ آخر السورتين ".


(1) ورد في منتخب كنز العمال 2: 43 مسندا إلى ابن عباس رضي الله عنه ومع اختلاف يسير في السياق. (2) في الاصل " برقان " والمثبت عن الخلاصة للخزرجي 53، وهو جعفر بن بركان الكلابي مولاهم، أبو عبد الله الرقي. (*)

[ 713 ]

(جمع عمر رضي الله عنه الناس على قيام رمضان) * حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا محمد، وعمرو، عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن قالا: كان الناس يقومون رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، وبعض إمارة عمر رضي الله عنه فرادى، حتى جعل الرجل الذي معه القرآن إذا صلى جاء القوم يقفون خلفه. حتى صاروا في المسجد زمرا، ها هنا زمرة وها هنا زمرة، مع كل من يقرأ، فكلم الناس أبي بن كعب فقالوا: لو جمعتنا فصليت بنا ؟ فلم يزالوا به حتى تقدم وصف الناس خلفه، فأتاهم عمر رضي الله عنه فقال: بدعة ونعمت البدعة، فإنكم لتنقلبون بآخر المصلى إلى أن أصلي فيه. * حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يوسف، عن السائب ابن يزيد قال: جمع عمر رضي الله عنه الناس على أبي وتميم (الداري (1)، فكانا يقومان بإحدى عشرة ركعة يقرأان بالمئتين (حتى يعتمد على العصا من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر (2). * حدثنا أبو ذكير (3) قال، سمعت محمد بن يوسف الاعرج يحدث عن السائب بن يزيد قال: جاء عمر رضي الله عنه ليلة من ليالي رمضان، إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والناس متفرقون، يصلي الرجل بنفسه، ويصلي الرجل ومعه النفر، فقال:


(1) الاضافة عن منتخب كنز العمال 3: 314. (2) ما بين الحاصرتين إضافة عن المرجع السابق 3: 315. (3) هو يحيى بن محمد بن قيس الضرير المدني. (الخلاصة للخزرجي 367 ط الخيرية). (*)

[ 714 ]

لو اجتمعتم على قارئ واحد كان أمثل، (ثم عزم فجمعهم (1) على أبي بن كعب، ثم جاء من العالية (2) وقد اجتمعوا على واتفقوا فقال نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يصلون، وكان الناس يصلون أول الليل ويرقدون آخره. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني بكر بن مضر، وعبد الرحمن بن سلمان، عن ابن العماد، أن قيس بن عبد الملك بن مخرمة حدثه عن ابن المغيرة عطاء ابن جبير قال: بينما نحن ذات ليلة في المسجد في رمضان إذ جاء عمر رضي الله عنه وفي يده الدرة حتى جلس على المنبر فقال: أيها الناس، ما هذا الاختلاف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فلان أقرأ للقرآن من فلان، وفلان أحصر للقرآن من فلان، وفلان أعلم بالقرآن من فلان، أتفعلون هذا وأنتم أنتم، فكيف بمن بعدكم ؟ إني أبتر هذا. يصلون بالناس في هذا المسجد فمن أحب أن يصلي معهم فليصل بصلاتهم، ومن كان لا يريد أن يصلي معمهم فليرجع إلى بيته حتى يفرغوا، ثم يرجع إلى المسجد إن أحب. قال عطاء: فأمر أبا حثمة (3) وأبي بن كعب، ومعاذا فكانوا يصلون بالناس.


(1) اضطراب في العبارة، والمثبت عن منتخب كنز العمال 3: 315. (2) العالية: كل ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها إلى تهامة (مراصد الاطلاع 2: 911). (3) هو عبد الرحمن بن ساعدة، ويقال عامر بن ساعدة، ويقال عامر بن عدي ابن مجدعة بن حارثة الاوسي الانصاري، والد سهل، ودليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، وشهد معه المشاهد كلها، توفي في آخر خلافة معاوية (أسد الغابة 5: 169 الاستيعاب 4: 41 - الاصابة 4: 42). (*)

[ 715 ]

* حدثنا معاوية بن عمرو قال، حدثنا زائدة، عن عاصم الاحول، عن أبي عثمان قال: دعا عمر رضي الله عنه ثلاثة من القراء فاستقرأهم، فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ بالناس في رمضان ثلاثين آية، وأمر أوسطهم أن يقرأ خمسا وعشرين، وأمر أبطأهم قراءة أن يقرأ بعشرين. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا ابن أبي ذئب، عن مسلم بن جندب، عن نوفل بن أبي إياس الهذلي قال: كان الناس يقومون في رمضان في المسجد فرقا، فكانوا إذا سمعوا قارئا حسن الصوت مالوا إليه، فقال عمر رضي الله عنه: قد اتخذوا القرآن أغاني، والله لئن استطعت لاغيرن هذا، فلم يمكث إلا ليالي حتى جمع الناس على أبي بن كعب رضي الله عنه، وقال: كانت هذه بدعة فتعم البدعة. * حدثنا موسى بن مروان الرقي قال، حدثنا محمد بن حرب الخولاني، عن الاوزاعي قال، حدثني الزهري عن عروة بن (الزبير ابن العوام.... (1) قال: خرج عمر رضي الله عنه ليلة في رمضان والناس يصلون أوزاعا فقال: لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد كان خيرا، ثم جمعهم على أبي بن كعب رضي الله عنه، وقال نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون - يريد آخر الليل -. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة: أن عمر رضي الله عنه دخل المسجد


(1) بياض بالاصل، والمثبت عن مناقب عمر لابن الجوزي ص 61. (*)

[ 716 ]

ليلة في رمضان والناس قد اجتمعوا، فقيل اجتمعوا للصلاة، فقال: بدعة ونعمت البدعة، ثم قال لابي رضي الله عنه: صل بالرجال في هذه الناحية، وقال لسليمان بن أبي حثمة: صل بالنساء في هذه الناحية. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني مالك. وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، أن محمد بن يوسف حدثهم، عن السائب بن يزيد قال: جمع عمر رضي الله عنه الناس على أبي بن كعب، وتميم الداري. فكانا يقومان في الركعة بالمئين من القرآن، حتى إن الناس ليعتمدون على العصي من طول القيام، ويتنوط أحدهم بالحبل المربوط بالسقف من طول القيام، وكنا نخرج إذا فرغنا ونحن ننظر إلى بزوغ الفجر. (تحريم عمر رضي الله عنه متعة النساء) * حدثنا ابن أبي خداش (1) الموصلي قال، حدثنا عيسى بن يونس عن الاجلح (2) قال، سمعت أبا الزبير يقول: (فيما يروى عن جابر بن عبد الله (3): تمتع عمرو بن حريث من امرأة بالمدينة فحملت، فأتى بها عمر رضي الله عنه فأراد أن يضربها فقالت: يا أمير المؤمنين


(1) هو عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش - بدال مهملة - الاسدي الموصلي - مات سنة 255 ه‍ وقيل 205 ه‍ (الخلاصة للخزرجي ص 173 وحاشيتها ط الخيرية). (2) هو أبو بكر الحافظ الاجلح يحيى بن عبد الله أبو حدبة الكندي الكوفي، وثقه ابن معين والعجلي، مات سنة 145 ه‍ (الخلاصة للخزرجي ص 481 ط بولاق - ميزان الاعتدال 1: 27). (3) ما بين الحاصرتين إضافة يقتضيها السياق في آخر الحديث، ويؤيدها ما ورد في مسند الامام أحمد 3: 305 حيث يروي الاجلح عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله. (*)

[ 717 ]

تمتع مني عمرو بن حريث، فقال: من شهد نكاحك ؟ فقالت: أمي وأختي، فقال عمر رضي الله عنه: بغير ولي ولا شهود ! ! فأرسل إلى عمرو بن حريث فقام عليه فسأله، فقال: صدقت، فقال عمر رضي الله عنه للناس: هذا نكاح فاسد، وقد دخل فيه ما ترون، فرأى عمر رضي الله عنه أن يحرمه، فقال: أبو الزبير، فقلت لجابر: هل بينهما ميراث ؟ قال: لا. * حدثنا أيوب بن محمد الرقي قال، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الحراني، عن زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: استمتعت من النساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزمن أبي بكر، ثم زمن عمر حتى كان من شأن عمرو بن حريث (1) الذي كان، فقال عمر رضي الله عنه: إنا كنا نستمتع ونفي،، وإني أراكم تستمتعون ولا تفون، فانكحوا ولا تستمتعوا. * حدثنا القعنبي، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير: أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر رضي الله عنه فقالت: إن ربيعة بن أمية استمتع من امرأة مولدة فولدت منه، فخرج عمر رضي الله عنه يجر ثوبه فزعا فقال: هذه المتعة، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت (2). * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير (أن


(1) انظر ترجمته في الاصابة 2: 524 - والاستيعاب 2: 508. (2) ورد بسنده ومتنه في منتخب كنز العمال 6: 404. (*)

[ 718 ]

خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الاوقص بن مرة بن هلال ابن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهيئة بن سليم السلمية. وكانت (1) من المهاجرات الاول اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تحت عثمان بن مظعون، فلما حملت المولدة من ربيعة ابن أمية فزعت خولة فأتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخبرته الخبر، ففزع عمر رضي الله عنه، فقام يجر من العجلة ضفة ردائه في الارض حتى جاء المنبر، فقام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: بلغني أن ربيعة بن أمية تزوج امرأة سرا فحملت منه، وإني والله لو تقدمت في هذا لرجمت فيه (2). * حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن رجل: أن سلمة بن أمية المخزومي تزوج مولاة له بشهادة أمها وأختها، أو شهادة أمه وأخته، فرفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فأرسل إليه فقال: مالك ولفلانة ؟ فقال: مولاتي أعجبتني فتزوجتها بشهادة أمها وأختها، أو شهادة أمي وأختي، فقال لابي بن كعب رضي الله عنه: ما ترى ؟ قال: أرى أن عليه الرجم. قال: فوثب إلى رجل عمر رضي الله عنه وقال: أنشدك الله والرحم، قال: إن الرجم لا يغني عنك شيئا، الجهالة فعلت ما فعلت ؟ قال: نعم قال لكني أرى غير ما رأى أبي، فانطلق فأشهد ذوي عدل وإلا فرقت بينكما.


(1) ما بين الرقمين بياض بالاصل، والمثبت عن الاصابة 4: 283. (2) ورد في الاصابة 1: 514 مع اختلاف في بعض الالفاظ. (*)

[ 719 ]

(ذكر من استمتع قبل تحريم عمر رضي الله عنه) * يقال إن عمرو بن حريث استمتع من امرأة من بني سعد ابن بكر فولدت فجحد ولدها. واستمتع سلمة بن أمية بن خلف من سلمى مولاة حكيم بن أمية ابن حارثة بن الاوقص السلمي، فولدت فجحد ولدها. واستمتع سعد بن أبي سعد بن أبي طلحة من بني عبد الدار من عميرة مولاة لكندة، فولدت عبد الله بن سعد. ثم استمتع منها فضالة بن جعفر بن أمية بن عابد المخزومي، فولدت له أمية بن فضالة (1). واستمتع عبد الله بن أبي عوف بن جبيرة السهمي من بنت أبي لبيبة مولاة هشام بن الوليد بن المغيرة - وكانت تبيع الشراب ويغشى بيتها، فولدت له يوسف - لا عقب له - فقال له عمر رضي الله عنه: أتعترف بهذا الغلام ؟ قال: لا، قال: لو قلت نعم لرجمتك بأحجارك وكان عمر رضي الله عنه يعرف هذه المرأة بالسوء فحرم المتعة. * حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت قتادة يحدث عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس رضي الله عنهما يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، فذكرت ذلك لجابر ابن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام عمر رضي الله عنه قال: إن الله يحل لرسوله ما شاء بما شاء، فإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج


(1) في الاصل " بهالة " تحريف فضة. (*)

[ 720 ]

والعمرة كما أمركم الله، وأتموا نكاح هذه النساء ولن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة. * حدثنا عمار قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن جابر رضي الله عنه قال: لما ولي عمر رضي الله عنه خطب الناس فقال: إن القرآن هو القرآن، وإن الرسول هو الرسول. (وإنهما كانتا متعتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إحداهما متعة الحج والاخرى متعة النساء (1). فافصلوا حجكم عن عمرتكم، فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم، والاخرى متعة النساء فلا أوتى برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا غيبته في الحجارة. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: رحم الله عمر رضي الله عنه، لولا أنه نهى عن المتعة لفشا الزنى، قال: وقال ابن عباس رضي الله عنه: رحم الله عمر رضي الله عنه لولا نهى عن المتعة ما زنى أحد. وقد روي في ربيعة بن أمية بن خلف غير هذا. * حدثنا عارم قال، حدثنا عبد الله بن المبارك قال، أخبرني معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه غرب (2) ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر - - أراه قال: إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر رضي الله عنه: لا أغرب أحدا بعده.


(1) ما بين الحاصرتين بياض بالاصل، والاثبات عن مسند أحمد بن حنبل 1: 52 وقد ورد في منتخب كنز العمال 6: 404. (2) كلمة لا تقرأ في الاصل، والمثبت عن طبقات ابن سعد 3: 282. (*)

[ 721 ]

* حدثني محمد بن يحيى قال، حدثني غسان بن غسان بن عبد الحميد: أن ربيعة بن أمية بن خلف كان قد أدمن الشراب، فشرب في رمضان، فضربه عمر رضي الله عنه وغربه إلى ذي الردة، فلم يزل بها حتى توفي عمر رضي الله عنه، واستخلف عثمان رضي الله عنه، فقيل له: قد ولى عمر واستخلف عثمان، فلو دخلت المدينة ما ردك أبدا، فقال: لا والله لا أدخل. فتقول قريش غربه رجل من بني عدي بن كعب فلحق بالروم فتنصر، فكان قيصر يحبوه ويكرمه، فأعقب بها، قال فأخبرني أبي قال: قدم رسول ليزيد بن معاوية على معاوية رضي الله عنه من بلاد الروم، فقال معاوية رضي الله عنه: هل كان للناس خبر ؟ قال: نعم: بينا نحن محاصرو مدينة كذا إذ سمعت رجلا فصيح اللسان مشرفا من بين شرفتين من شرف الحصن ينشد: كان لم يكن بين الحجون لي الصفا (1) * أنيس ولم يسمر بمكة سامر


(1) الحجون: الجبل الذي بحذاء مسجد البيعة والمشرف على شعب الجزارين، والابيات قالها مضاد بن عمرو الجرهمي يتشوف إلى مكة لما أجلتهم عنها خزاعة، وبعد هذين البيتين ما يلي: فأخرجنا منها المليك بقدرة * كذلك يا للناس تجري المقادر فصرنا أحاديث وكنا بغبطة * كذلك غضتنا السنون الغوابر وبدلنا بها كعب دار غربة * بها لذئب يعوي فسحت دموع العين تجري ببلدة. (مراصد الاطلاع 1: 383 - ياقوت 2: 215). (*)

[ 722 ]

بلى نحن كنا أهلها فأبادنا (1) * صروف الليالي والجدود العواثر فقال معاوية رضي الله عنه، ويحك، ذاك ربيعة بن أمية بن خلف يتمثل بشعر الحارث بن عمرو بن مضاض الجرهمي. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن المسور بن مخرمة: أن عبد الرحمن بن عوف حدث: أنه حرس عمر رضي الله عنه، فبينما هم يمشون شب لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمونه حتى قربوا منه، فإذا باب مجاف على قوم فيه لهم أصوات مرتفعة ولغط، فقام عمر رضي الله عنه فأخذ بيد عبد الرحمن وقال: أتدري بيت من هذا ؟ قال عبد الرحمن: لا، قال: هذا بيت ربيعة بن أمية ابن خلف، وهم الآن شرب، فما ترى ؟ قال: أرى أنا قد أتينا ما نهي عنه، قال الله تعالى: " ولا تجسسوا " (2) فانصرف عمر رضي الله عنه وتركهم. (نهي عمر رضي الله عنه عن بيع أمهات الاولاد) * حدثنا عمرو بن قسط الرقي قال، حدثنا عبد الله بن عمرو عن يحيى بن أمية، عن محمد بن عبد الله، عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب قال: بينما عمر رضي الله عنه يوما جالس إذ أتاه رجل بابن له فقال: يا أمير المؤمنين، افرض لابني مالا. قال: أمن مهيرة أم من أمة ؟ قال: من أمة، قال: إنما هو عبدك، وإنما


(1) في الاصل " فأزالنا " والمثبت عن ياقوت 2: 215. (2) سورة الحجرات آية 22. (*)

[ 723 ]

أمه أمتك وهل نفرض لامرأتك قال: فخرج الرجل بابنه حتى أتى أهله، فلما أتاهم خرج بابنه وبأمه إلى السوق يبيعهما، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فأرسل إليه فقال: إني لو كنت تقدمت إليك في هذا لجعلتك نكالا، قال: يا أمير المؤمنين قد زعمت أنه عبدي وأنها أمتي ! ! قال سعيد: فقام عمر رضي الله عنه عند ذلك فنهى عن بيع أمهات الاولاد. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا القاسم من مالك المازني قال، حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد، عن جده: أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله قد أفاء عليكم من سبي الاعاجم ما لم يفئ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا على أبي بكر رضي الله عنه، من نسائهم وأولادهم، وإني قد عرفت أن رجالا سيلهون بالنساء فمن ألم بامرأة فولدت له، فلا تبيعوا أمهات أولادكم، فإنكم إذا فعلتم ذلك يوشك أن يتزوج أحدكم ذا محرمه، وهو لا يشعر، ثم إن عمر رضي الله عنه قضى فيهن بعد ذلك أن يجعلن من أنصباء أولادهن، فأتاه صبي شاب فقال: يا أمير المؤمنين إن إخوتي أقاموا علي أمي بجميع ما ورثت عن أبي، فقال عمر رضي الله عنه: لا، إنما أردنا من ذلك عدلا، ما لنا نمنعهن من البيع ونجعلهن في أنصباء أولادهن، بل هي في يمينه وأمره ما عاش فإذا مات فهي حرة. * حدثنا هارون بن عبد الله الزهري قال، حدثنا العطاف بن خالد، عن عبد الاعلى بن عبد الله بن أبي فروة، عن ابن شهاب قال: أصابت أهل المدينة حاجة من فتنة عبد الملك بن مروان، فتذكرت

[ 724 ]

هل من أحد أمت إليه برحم أو بمودة أرجو إن خرجت إليه أن أصيب منه شيئا ؟ فما ذكرت أحدا، فقلت: الرزق بيد الله، فخرجت حتى قدمت دمشق، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد فعمدت إلى أعظم حلقة رأيتها فيه وأكثرها هيئة فجلست إليهم، فإني لجالس معهم إذ أقبل رجل كأجمل الرجال وأحسنهم هيئة، فلما رآه القوم تحججوا (1) له وأوسعوا، وإذ هو قبيصة (2) بن ذؤيب، فقال: لست أجلس، لقد جاء أمير المؤمنين اليوم كتاب ما جاءه مثله مذ استخلفه الله، قالوا: وما ذاك ؟ قال كتب إليه عامله على المدينة هشام بن إسماعيل يذكر أن ابنا لمصعب بن الزبير توفي وترك أم ولد له، فأراد عروة بن الزبير بيعها فأشكل على أمير المؤمنين حديث سمعه من سعيد بن المسيب لا يدري كيف هو، قلت: أنا أحدثك ما ريت فلنقم. قال: قم، قال: قمت وأخذ بيدي فخرجنا حتى جاء إلى باب عبد الملك فقال: السلام عليكم، فقال عبد الملك محييا: وعليكم السلام، فقال أندخل ؟ قال: ادخل، قال: فدخل وهو آخذ بيدي فقال: يا أمير المؤمنين هذا يحدثك الحديث الذي سمعته من سعيد ابن المسيب، قال: أتقرأ القرآن ؟ قلت: نعم، قال: اقرأ، فقرأت، قال: وسألني عن شئ من الفرض، ثم سألني عن الحديث فقال: كيف حدثك سعيد بن المسيب ؟ قلت: يا أمير المؤمنين، حدثني سعيد: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان رأى في أمهات


(1) تحججوا: أي قصدوا إليه وأوسعوا. (أقرب الموارد). (2) هو قبيصة بن ذؤيب بن طلحة الخزاعي من بني قمير ويكني أبا إسحاق، وكان ثقة. روى عنه الزهري. وكان على خاتم عبد الملك بن مروان وتوفي بالشام سنة ست أو سبع وثمانين في آخر خلافة عبد الملك. (طبقات ابن سعد 7: 447). (*)

[ 725 ]

الاولاد ما قد علمت، فمات أبي وترك أمي أم ولد فخيرني إخوتي بين أن يسترقوا أمي وبين أن يخرجوني من ميراث أبي، فكان أن يخرجوني من ميراثي من أبي أهون علي من أن يسترقوا أمي، فقال: ما ترانا نقول في شئ إلا قلتم فيه، ثم صعد المنبر واجتمع الناس، حتى إنه رأى رضاء من جماعتهم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس فإنه قد كان لي رأى في أمهات الاولاد، ثم قد حدث لي رأي غير ذلك، فأيما امرئ كانت عنده أم ولد فإنه يستمتع منها ما عاش، فإذا مات فهي حرة لا سبيل لاحد عليها، قال: من أنت ؟ قلت: محمد بن سلمة بن عبيد الله ابن شهاب، فقال: أما والله أن كان لك لاربة لقارفي الفتنة تروي لنا فيها، قلت: يا أمير المؤمنين، بل كما قال العبد الصالح لاخوته " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " (1) قال وقلت: يا أمير المؤمنين افرض لي فإني مقطع من الديوان، قال: إن بلادك لبلاد ما فرضنا فيها لاحد مذ كان هذا الامر، ثم أومى إلي قبيصة فقال: قد فرض لك أمير المؤمنين، قال: وصلة تصلني بها يا أمير المؤمنين، فإني خرجت من عند أهلي وما لهم خادم إلا أخت لي، إنها لتعجن لهم وتخبز، فأومى إلي قبيصة فقال: وقد أخدمك أمير المؤمنين، قال: ثم كتب إلى هشام بن إسماعيل عامله على المدينة يأمره أن يسأل سعيد بن المسيب عن الحديث، فكتب إليه بمثل حديثي ما زاد حرفا ولا نقص حرفا. قال أبويحيى: وحدثني أحمد بن حميد بن عبد الرحمن: أن


(1) سورة يوسف آية 92. (*)

[ 726 ]

الغلام القرشي الذي مر بعمر بن الخطاب رضي الله عنه من بني عدي ابن كعب (1). وحدثني أحمد، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري قال، قال لي عبد الملك: اقرأ والناس يزعمون أن قد لحن، فلما قرأت، قال: إنك لقارئ والناس يزعمون أن قد لحن (2). * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا منصور بن سلمة الخزاعي قال، حدثنا ليث - يعني ابن سعد - عن يزيد - يعني ابن الهاد - عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أن عمر رضي الله عنه في أول خلافته جعل أمهات الاولاد في ميراث أبنائهن حتى مات رجل من بني فهر وله أولاد من مهيرة، وغلام من أم ولد فأقاموها عليه قيمة شحطوا (3) عليه فيها، لجمالها أو لمال ذكر لها، فأخذ الغلام


(1) وقد ورد في منتخب كنز العمال 4: 82 عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب أمر بأمهات الاولاد أن يفرض في أموال أبنائهن بقيمة عدل، ثم يعتقن فمكث بذلك صدرا من خلافته، ثم توفي رجل من قريش كان له ابن أم ولد، فكان عمر يعجب بذلك الغلام، فمر ذلك الغلام على عمر في المسجد بعد وفاة أبيه، فقال له عمر: ما فعلت يا بن أخي في أمك ؟ قال: فقلت يا أمير المؤمنين خيرا، خيرني إخوتي في أن يسترقوا أمي أو يخرجوني من ميراثي من أبي، فكان ميراثي أهون علي من أن تسترق أمي - فقال عمر: أو لست إنما أمرت في ذلك بقيمة عدل ! ما أرى رأيا أو آمر بشئ إلا قلتم فيه ! ثم قام فجلس على المنبر فاجتمع إليه الناس حتى إذا رضي جماعتهم قال: يا أيها الناس إني قد كنت أمرت في أمهات الاولاد بأمر قد علمتموه ثم قد حدث لي رأي غير ذلك فأيما امرئ كانت عنده أم ولد فملكها بيمينه ما عاش، فإذا مات فهي حرة لا سبيل عليها. (2) كذا في الاصل ولعل فيه تكرارا وأصل السياق " اقرأ. فلما قرأت قال: إنك لقارئ والناس يزعمون أن قد لحنت ". (3) شحطوا: تباعدوا عن الحق وتجاوزوا تقدير القيمة. (أقرب الموارد). (*)

[ 727 ]

أمه، وبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فأرسل إلى الغلام فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين خيروني بين أن يؤدوني في أمي وبين أن يخرجوني من ميراث أبي، فاخترت إحرار أمي، وعلى أن الله رازقي، فقال عمر رضي الله عنه: أقد فعلت ؟ ما هذا إرث ! فقام على المنبر فخطب الناس فقال: أما بعد أيها الناس، قد كان مني في أمهات الاولاد ما كان، وقد ركب الناس فيهن الحرام، فأيما أمة ولدت من سيدها فلا تباع ولا توهب. * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا يحيى بن سعيد، عن نافع: أنه خرج مع ابن عمر رضي الله عنهما زمن ابن الزبير يريد مكة حتى إذا كان على ماء من مياه طريق مكة يقال له الابواء (1) دخل عليه رجلان أتيا من مكة فقالا: تركنا ابن الزبير قد أمر ببيع أمهات الاولاد، قال: لكن أبا حفص عمه - أتعرفانه ؟ قالا: نعم - قال: أي وليدة ولدت لسيدها فهي له متعة ما عاش، فإذا مات فهي حرة من بعد موته (2)، فمن وطئ وليدة فضيعها، فالولد له، والضيعة عليه. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا علي بن ثابت قال، حدثني عمر بن ذر قال، حدثني محمد بن عبد الله بن قارب الثقفي أن أباه أشترى في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه جارية بأربعة آلاف درهم، قد أسقطت لرجل سقطا، فسمع بذلك فأرسل إليهما


(1) الابواء: قرية من أعمال الفرع، والفرع من نواحي الربذة على طريق مكة. (مراصد الاطلاع 3: 1029). (2) الاضافة عن منتخب كنز العمال 4: 83. (*)

[ 728 ]

قال: وكان أبي صديقا لعمر رضي الله عنه، وكانت له منه خاصة، فأقبل عليه فلامه لوما شديدا، وقال: إن كنت لانزهك عن هذا، وأقبل على الرجل البائع ضربا بالدرة وقال: أبعد ما اختلطت لحومكم ولحومهن ودماؤكم ودماؤهن بعتموهن وأكلتم أثمانهن ؟ ! قاتل الله يهود فإنهم حرموا شحومها فباعوها وأكلوا أثمانها. ارددها، قال: فردها أبي فأدرك من ثمنها ثلاثة آلاف ولوى ألفا. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا هشيم، عن عمر بن ذر، عن محمد بن عبيد الله بن قارب، عن أبيه: أنه اشترى أمة فأسقطت منه فباعها، فذكر ذلك لعمر رضي الله عنه فقال: أبعد ما اختلطت دماؤكم ودماؤهن، ولحومكم ولحومهن بعتموهن ؟ ! ارددها ارددها. * حدثنا محمد بن حاتم قال، وحدثنا هشيم، عن ابن إسحاق المدني، عن عكرمة: أن عمر رضي الله عنه أعتق أمهات الاولاد، وأمهات الاسقاط. * حدثنا موسى بن مروان الرقي قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن عمر بن ذر قال، أخبرني محمد بن عبيد الله الثقفي بمثل حديث علي بن ثابت. * حدثنا محمد بن الفضل عارم (1) قال، حدثنا القاسم بن الفضل، عن محمد بن زياد قال: كانت جدتي أم ولد لعثمان بن مظعون. (فلما مات أراد ابنه أن يبيعها، فشكت إلى عائشة أم المؤمنين


(1) هو محمد بن الفضل السدوسي أبو النعمان البصري، الحافظ الملقب بعارم. (الخلاصة للخزرجي ص 294). (*)

[ 729 ]

رضي الله عنها، فقالت: إني كنت لعثمان بن مظعون (1) وإني ولدت له، وإن ابنه أراد أن يبيعني، فلو كلمته أن يضعني موضعا صالحا، قالت لها عائشة رضي الله عنها: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعتقك، فأتت عمر رضي الله عنه فذكرت ذلك له، فأرسل إلى ابن عثمان فقال: أردت أن تبيع هذه ؟ قال: نعم، قال: ليس ذاك لك، هي حرة. فقالت: يا أمير المؤمنين أتعتقني ؟ قال: أعتقك ولدك من عثمان بن مظعون. قالت: فإنه جرح هذه الجروح بوجهي بعد موت أبيه. فقال عمر رضي الله عنه: أعطها أرش ما صنعت بها. * حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا أيوب عن محمد، عن عبيدة قال: قال علي رضي الله عنه: اجتمع رأيي ورأي عمر رضي الله عنه في أ