الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تاريخ المدينة - ابن شبة النميري ج 1

تاريخ المدينة

ابن شبة النميري ج 1


[ 1 ]

كتاب تاريخ المدينة المنورة (أخبار المدينة النبوية) لابن شبه أبو زيد عمر بن شبه النميري البصري 173 ه‍ - 262 ه‍ من منشورات دار الفكر الجزء الاول حققه فهيم محمد شلتوت

[ 2 ]

اسم الكتاب: تاريخ المدينة المنورة المؤلف: أبو زيد عمر بن شبه النميري البصري الناشر: دار الفكر - قم - ايران - شارع ارم - تلفن: 23646 المطبعة: مطبعة قدس - قم - تلفن: 21354 عدد النسخ: 5000 تاريخ الطبع: 1410 ق - 1386 ش الثمن: 5000 ريال

[ 3 ]

الاهداء إلى من غرسا في نفسي حب الكتاب، والتنقيب عنه في الخزائن الخاصة والعامة. إلى والدي العزيزين أهدي هذا الكتاب رجاء أن يكون لهما فيه من الله تعالى أجر المؤلف في علم ينتفع به.. اللهم رحماك بهما، وبالمؤلف، وبجميع عبادك المؤمنين. حبيب محمود أحمد

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الغر الميامين. وبعد.. فقد كانت أمنية غالية تراودني كلما عاودت المطالعة والقراءة في كتاب: " وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى " للعلامة السمهودي - رحمه الله - الذي أورد نصوصا نقلها عن ابن شبة في كتابه " تاريخ المدينة المنورة " أن أهتدي إلى نسخة من هذا الكتاب، مخطوطة أو مطبوعة، ودفعتني رغبة ملحة في أن أجد في البحث والاستقصاء، علني أعثر على هذا الكتاب الذي نقل عنه كثير من المحدثين والمؤرخين.. وبتوفيق من الله تعالى اهتديت إلى وجود نسخة من تاريخ ابن شبة - مدار البحث - في مكتبة المرحوم السيد محمد مظهر الفاروقي بالمدينة المنورة. وطلبت من حفيده الاخ عمر مظهر تمكيني من تصوير المخطوطة، فتفضل بذلك مشكورا. وعهدت بقراءتها، ونسخها، وتحقيقها لفضيلة المحقق الكبير الاستاذ فهيم محمد شلتوت، الذي كان له فضل المشاركة عن طريق الصديق الكبير سعادة السيد أحمد هاشم مجاهد في إخراج هذا الكتاب بما بذله من مجهود وعناية ودراسة واهتمام.. تبرز ذلك مقدمته التي أوضح فيها مراحل الكتاب، وما يتعلق به.

[ 6 ]

على أنه لا يفوتني في هذا المقام شكر الاخ الدكتور بكري شيخ أمين الذي أشرف على تصحيح الكتاب ومراجعته وتدقيقه.. وها هو ذا تاريخ المدينة المنورة بين يدي القراء الكرام، بعد أن يسر الله إخراجه.. فله الفصل والمنة، ولآل مظهر الشكر والتقدير. وصلى الله وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. حبيب محمود أحمد ذو الحجة 1402

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله على نعمائه والشكر لله على أفضاله وآلائه، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف رسله وأكرم أنبيائه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من اهتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد: فلقد أكرمني الله تعالى إذ هيأ لي أن أقوم بتحقيق هذا الكتاب، ويعلم الله وحده كم فرقت وانتابني الخوف حينما أطلعني الصديق الكريم الاستاذ أحمد هاشم مجاهد على مصورة مخطوطته، وحاولت أن أوجهه إلى بعض أساتذتي الافاضل في ميدان التحقيق، وخصوصا هؤلاء الذين اشتغلوا بالحديث وعلومه، ولهم دراية بفقهه ومعايشة لالفاظه، لانني قد حصرت جهدي في التحقيق في التاريخ الوسيط، اللهم إلا الجزء الخامس من سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للصالحي وهو يعالج بعض غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن أمام رغبة الصديق الاستاذ أحمد مجاهد وما شعرت به من إعزازه لسماحة السيد حبيب محمود أحمد وجدت نفسي عاجزا عن الاصرار على الاعتذار، وقبلت - على خوف ووجل - القيام بالتحقيق. وقلت: إذا استطعت أن أحقق نسبة ثمانين في المائة من تقويم هذا النص وتقديمه للعلماء وطلاب المعرفة، فإن ذلك لا شك سيكون بعون من الله وتوفيقه، وليس بجهد أدعيه خالصا لنفسي. فخط الكتاب تتعذر قراءته، والخرم والسقط فيه كثير.. وهو من نسخة واحدة، ويعد أقدم المصادر في بابه، ويتعذر أن أجد مصدرا يسبقه قد يساعد على حل معضلاته، إلى جانب أن المجازفة في الاجتهاد محفوفة بمخاطر السقوط في الخطأ. ولعلي أكون معذورا إذا فاتني استدراك

[ 8 ]

صواب، أو قصر باعي عن سد خرم، أو أخطأت في اجتهاد، ولا أستطيع أن أدعي لنفسي قدرة على حل المغاليق، ويكفي أنني لجأت إلى من لهم سبق في هذا المضمار طالبا العون فأعانوا بقدر ما أفاء الله عليهم من فضل وعذروني فيما توقفت فيه وتحيرت حياله، فالله يجزيهم عني وعن العلم خير الجزاء. مؤلف الكتاب هو المحدث الثقة المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري، ولد سنة 173 ه‍، وتوفي سنة 262 ه‍ وقد ترجم له ابن النديم في الفهرست، وياقوت الحموي في معجم الادباء، وابن خلكان في وفيات الاعيان، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، والنووي في تهذيب الاسماء واللغات، والذهبي في تذكرة الحفاظ، وابن حجر في لسان الميزان، والسيوطي في بغية الوعاة. وقد أجمع كل من ترجموا له على أنه صادق اللهجة، غير مدخول الرواية، عالم بالآثار، راوية للاخبار، أديب فقيه، صاحب نوادر واطلاع، عالم بالقراءات، صاحب تصانيف، بصير بالسير والمغازي وأيام الناس، ثقة في كل ما يروي. وقد سمع وروى وحدث عن ثقات علماء عصره مثل جبلة بن مالك، ومحبوب بن أبي الحسن، وعبد الوهاب الثقفي، ومحمد بن جعفر غندر، وأبي زكريا يحيى بن محمد بن قيس، وعلي بن عاصم، ويزيد بن هارون، ومؤمل بن إسماعيل، وعمر بن شبيب، وحسين الجعفي، وابن بدر السكوني، ومعاوية بن هشام، وعبد الوهاب ابن عطاء، وأبي عاصم النبيل، ويحيى القطان، ويوسف بن عطية، ومحمد بن سلام الجمحي، وإبراهيم بن المنذر، وهارون بن عبد الله، وغيرهم ممن سيرد ذكرهم في الكتاب الذي بين أيدينا. وروى عن ابن شبة، وحدث عنه أبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد الله ابن سليمان، وعبد الملك بن عمرو الوراق، وأحمد بن فرج، وأبو

[ 9 ]

شعيب الحراني، وأبو قاسم البغوي صاحب الصحيح، ويحيى بن صاعد، وإسماعيل بن العباس الوراق، ومحمد بن زكريا الدقاق، والقاضي المحاملي ومحمد بن مخلد، ومحمد بن الاثرم، وابن ماجه صاحب السنن، وأبو العباس الثقفي، وأبو نعيم، وعبد الملك الجرجاني، وخلق كثير. ولقد عاش عالمنا في فترة ثورة فكرية طبقت العالم الاسلامي، واقتحمت فيها الفلسفة ميادين الفكر والثقافة، وكان لها أثرها لدى متكلمي المعتزلة، ونتج عن هذا الاثر القول بخلق القرآن، تلك الداهية الدهياء التي دهي بها الفكر الاسلامي في أواخر سنة مائتين وثماني عشرة إبان عهد الخليفة المأمون بن الرشيد، وكان المحدثون أول من امتحن بها، ولكنهم على كره منهم وافقوا المأمون على قوله بخلق القرآن، ويقال إن من بين هؤلاء بعض أجلاء علماء الحديث مثل: محمد بن سعد الواقدي، وأبي مسلم المستملي، ويزيد بن هارون، ويحيى بن معين، وأبي خثيمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن الدورقي. ثم انتقل الامر إلى الفقهاء، وكأنما تجمعت رزية الفتنة في الامام أحمد ابن حنبل رضى الله عنه، فقد لاقى على أيدي زبانية المأمون ثم المعتصم من السجن والتعذيب بالقيود والضرب بالسياط ما لم يسمع بمثله في حق عالم من العلماء. وكان عالمنا ابن شبة من بين هؤلاء الذين امتحنوا بخلق القرآن، فقد روى الخطيب البغدادي في ترجمته لابن شبة خيرا عن أبي علي الغنوي يقول فيه: امتحن عمر بن شبة بسر من رأى بحضرتي، فقال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. فقالوا له: من توقف فيه فهو كافر ؟ فقال: لا أكفر أحدا. فقالوا له: أنت كافر. ومزقوا كتبه فلزم داره وحلف ألا يحدث شهرا. مؤلفات ابن شبة: وقد ألف ابن شبة في التاريخ، والادب، والاخبار، واللغة، وعلوم الدين، وأسماء كتبه كما أوردها ابن النديم هي:

[ 10 ]

1 - كتاب الكوفة. 2 - وكتاب البصرة. 3 - وكتاب أمراء المدينة، - ولعله تاريخ المدينة الذي بين أيدينا -. 4 - وكتاب أمراء مكة - ولعله كتاب تاريخ مكة الذي ينقل عنه البخاري. 5 - وكتاب السلطان. 6 - وكتاب مقتل عثمان. 7 - وكتاب الكتاب. 8 - وكتاب الشعر والشعراء. 9 - وكتاب الاغاني. 10 - وكتاب التاريخ. 11 - وكتاب أخبار المنصور. 12 - وكتاب أخبار محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن ابن الحسن. 13 - وكتاب أشعار الشراة. 14 - وكتاب النسب. 15 - وكتاب أخبار بني نمير. 16 - وكتاب ما يستعجم الناس فيه من القرآن. 17 - وكتاب الاستعانة بالشعر وما جاء في اللغات. 18 - وكتاب الاستعظام للنحو - وقد أورد ياقوت الفقرة الاخيرة على النحو التالي: كتاب الاستعظام، وكتاب النحو ومن كان يلحن من النحويين. ولكن هذه الكتب كلها لم يعثر عليها بعد، وقد تكون عملية عقابه بتمزيقها قد قضت عليها، ولكن بروكلمان يذكر أن كتاب الشعر والشعراء موجود بدار الكتب المصرية، وقد رجعنا ألى دار الكتب واطلعنا عليه فتبين أن اسمه طبقات الشعراء، وأنه ليس لعمر بن شبة. ولقد وجدنا نقولا عن ابن شبة لدى البري في تاريخه والبخاري في صحيحه، وأبي الفرج الاصفهاني في أغانيه، وابن أبي بكر في تمهيده، والسمهودي في وفائه. وأخيرا فقد عثر على هذا الكتاب العالم الجليل الفاضل سماحة السيد حبيب محمود أحمد رئيس مجلس الاوقاف بالمدينة المنورة بالكيفية والصورة التي بينها سيادته في التصدير لهذا الكتاب. التاريخ للمدن كتابات المؤرخين المسلمين ": وقبل أن نتحدث عن كتاب تاريخ المدينة فإننا نمهد لذلك بحديث قصير. كالمدخلية له. بدأ اشتغال مؤرخي المسلمين بكتابة سيرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وحولها تفجرت أفكارهم، فتناولوها من كل جوانبها، ومنذ

[ 11 ]

منتصف القرن الثاني الهجري وحتى وقتنا هذا والكتابة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم شغل كثيرين من مفكري الاسلام. وقد أحصى السخاوي المتوفى سنة 902 ه‍ حوالي مائة مؤلف تتناول السيرة العطرة، ولعلها الآن قد تجاوزت الآلاف. وقد اشتغل بعض المؤرخين المسلمين بالتأريخ للمدن الاسلامية، وأخذت كتابتهم صورا متعددة من صور المعالجة التاريخية. وإذا كان التأريخ لبعض المدن جاء عرضا في كتب السيرة إلا أنها لم تحظ بوقفات طويلة تروي ظمأ، أو تشفي غلة، اللهم إلا ما كان يتصل بمدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه أو بمكة المكرمة. لكن تاريخ المدن تناول جوانب عديدة يجد فيها الطالب بغيته. ويقال إن التأريخ للمدن نشأ في القرن الثالث الهجري، لكننا نقرأ أخبارا عن تواريخ نشأت قبل ذلك، مثل تاريخ مكة للحسن البصري المتوفى سنة 110 ه‍ ومنه نسخة في مكتبة تيمور بدار الكتب المصرية. وتاريخ المدينة لابن زبالة الذي لا يعلم تاريخ وفاته، ولكنه كان حيا سنة 199 ه‍. غير أن القرنين الثالث والرابع فد حظيا بكثير من المؤلفات في تواريخ المدن. وكثير منها ينسب لمحمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة 207 ه‍ وكثير ينسب للمدائني علي بن محمد المتوفي سنة 215 ه‍، وكتاب تاريخ مكة للازرقي المتوفى سنة 244 ه‍، وكتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم المتوفى سنة 257 ه‍، ثم يأتي دور كتاب تاريخ المدينة لابن شبة وتواريخه الاخرى، ويستمر تيار التأريخ للمدن منطلقا عبر القرون. وإذا نظرنا إلى طبيعة تواريخ المدن فإننا نجد عناوينها تحدد طبيعة بعضها، فإذا قيل فتوح مصر والمغرب، أو فتوح أرمينيا، أو فتوح الشام، أو قبل طبقات محدثي الموصل، أو شعراء البصرة، أو فضلاء المدينة، أو طبقات علماء أفريقيا وأهل تونس، أو قراء كذا، أو فقهاء كذا، أو ملوك كذا، فقد تحددت طبيعة التأريخ للمدينة. ولكننا نجد كثيرا من كتب التأريخ للمدن يتناول كل ما يتصل بالمدينة

[ 12 ]

سياسيا واجتماعيا ودينيا، ومن نزلها من الصحابة، أو التابعين، ومن برز فيها من القراء والمفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين، وعلماء النحو واللغة، والشعراء والادباء. ونجد طبيعة أخرى تتمثل في المعاجم البلدانية، وتتمثل فيما كتبه الرحالة عن المدن من أحاديث تمتزج فيها الخرافة بالحقيقة، وتتمثل فيما كتبه جغرافيو العرب، وفيما كتبه أصحاب الخطط والآثار، من المعلومات الموسوعية عن المدن. ثم نجد ذلك اللون المتميز عن الكتابة عن المدن، الذي انفرد به القلقشندي صاحب صبح الاعشى المتوفى سنة 821 ه‍، والذي يعتبر نموذجا متكاملا، يتناول مظاهر الحضارة في المدينة أو الاقليم، ويعنى بتوضيح مستوى التمدن والرقي الذي وصل إليه. ولقد أحصى ابن النديم المتوفى سنة 438 ه‍ من هذه الكتب حوالي 85 كتابا. وأحصى الصلاح الصفدي المتوفى 764 ه‍ منها حوالي 115 كتابا، وأحصى السخاوي منها حوالي 300 كتاب. ولعلنا لو رجعنا ألى كشف الظنون، ومفتاح السعادة، وتاريخ الادب العربي لبروكلمان، وتاريخ التراث العربي لفؤاد سيزجين، والكتب الاخرى التي تعنى بإحصاء المؤلفات. لوجدناها تحصي أكثر من الالف كتاب دون مبالغة. " كتاب تاريخ المدينة لعمر بن شبة: بعد التقديم السابق نقول: إن أول مؤلف في تاريخ المدينة هو كتاب محمد بن الحسن ين زبالة، إلا أنه لم يعثر عليه بعد، ولولا تلك النقول التي أوردها السمهودي المتوفى سنة 911 ه‍ في كتابه وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى وغيره من المؤلفين، لظللنا نجهل ذلك الكتاب إلى وقتنا هذا، وقد أفرد هذه النقول المستشرق فستنفيلد منذ قرن من الزمان تقريبا في كتاب سماه تاريخ المدينة لابن زبالة.

[ 13 ]

ويليه كتاب أمر المدينة للمدائني علي بن محمد، ولكننا لم نعثر عليه بعد، ثم كتاب أخبار المدينة للزبير بن بكار المتوفى 256 ه‍، ولكننا أيضا لم نعثر عليه بعد، ثم كتاب تاريخ المدينة لابن شبة. ولقد ظل هذا الكتاب مجهولا لا نعرف عنه إلا اسمه. ولم يذكر بروكلمان أن مكتبة ما في العالم تحوي نسخة منه، وكان جل اعتقادنا فيما ينسب إلى هذا الكتاب على نقول السمهودي، إلى أن أخرجه الله من ظلمات خزائن الكتب إلى نور الاطلاع والتداول منذ سنوات. ومخطوطته في 404 من الصفحات ورقمها في مكتبة مظهر الفاروقي 157 تاريخ، ومتوسط سطور الصفحة 27 سطرا، ومتوسط كلمات السطر عشرون كلمة، وقد كتبت المخطوطة بخط دقيق غير منقوط إلا نادرا، ولا نستطيع أن نحكم عليه بأنه نسخي عادي، ولا أنه ينتسب للون بعينه من ألوان الخط العربي، فهو غير محرر الرسم للحروف والكلمات، ولا يستطيع قارئ مهما أوتي من الخبرة والدراية أن يقيم قراءة سطر من سطوره دفعة واحدة. وليس في الكتاب ما يدل على أنه من خط عالم بعينه وإن جاء في هامش صفحة من صفحاته ما يشير إلى أنه بخط السخاوي، لكن هذا الخط يشبه إلى حد كبير خط الحافظ ابن حجر العسقلاني، بحيث لا يمكن التميز بينه وبين ما وجد بخطه من الكتب المحفوظة بدار الكتب المصرية. وأيا ما يكون الامر فإنه لا يمكننا أن نغفل ما ذكره السخاوي في كتابه " الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ " في حديثه عن الكتب التي ألفت عن المدن الاسلامية: " المدينة النبوية لعمر بن شبة " كما في ترجمته، وهو عند صاحبنا ابن فهد، نقله من نسخة بخط شيخنا - أي ابن حجر العسقلاني - كانت عند ابن السيد عفيف الدين " وهذه المقولة تؤكد وجود نسخة من الكتاب بخط الحافظ ابن حجر، وتجعلنا بالتالي نرجح أنها هي نسخة مكتبة مظهر الفاروقي. المؤلف يورد الاخبار على طريقة المحدثين ومنهجهم، فيذكر سنده كاملا إلى أن يصل شاهد الحادثة أو سامعها أو ناقلها.

[ 14 ]

والكتاب في صورته التي وصلنا بها يضم ثلاثة أقسام: أولها عن حياة الرسول صلوات الله وسلامه عليه في المدينة، وهو ناقص من أوله ومن آخره ومضطرب الترتيب إذا قورن بما على شاكلته من الكتب. ويليه قسم آخر عن حياة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة، وهو أيضا ناقص من أوله وناقص من آخره. ويليه قسم ثالث عن حياة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في المدينة، وهو ناقص من أوله ومن آخره أيضا. ولا تخلو الاقسام الثلاثة من سقط وبياض وخرم يتراوح بين الكلمة والصفحة، ولكنه يكثر في القسم الثالث. ويلاحظ أن الكتاب لا يضم تاريخا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وهذا يدعو إلى افتراض أحد فرضين: إما أن المؤلف ضمن كتابه تاريخ أبي بكر، ولكنه فقد من الكتاب في محنته التي أشرنا إليها سابقا والتي عوقب فيها بتمزيق كتبه، وإما أنه أهمل تاريخ أبي بكر، لان عصره كان قصيرا قضاه أبو بكر مشتغلا بحروب الردة مما صرفه عن الاهتمام بالحياة العمرانية للمدينة وغير العمرانية من أمور الدنيا، والله أعلم أي الفرضين هو الصواب. والقسم الاول: يمكن أن يقال بشأنه إنه يؤرخ لحياة الرسول صلوات الله وسلامه عليه في المدينة منذ أن هاجر إليها إلى أن لحق بالرفيق الاعلى ويعالج من خلال ذلك الحياة العمرانية للمدينة من حيث إقامة المساجد وتخصيص الصدقات، وتخطيط الاحياء وإنزال القبائل في أحياء خاصة بهم وتخطيط الاسواق ومقابر المدينة وذكر الآبار والعيون وحدود المدينة وما حولها من جبال ووديان ومجتمع مياهها ومخايضها وما حماه النبي صلى الله عليه وسلم لابل الصدقة وغيرها. وهو في ذلك يعد أقدم نص وصلنا عن تاريخ العمران في مدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه.

[ 15 ]

والقسم الثاني: مؤرخ لحياة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة منذ تولى الخلافة حتى لحق بالرفيق الاعلى شهيدا على يد أبي لؤلؤة المجوسي، وقد عني فيه بالاصلاحات التي أدخلها عمر على مرافق المدينة، والتوسيعات التي أجراها في مسجد الرسول، كما عني بشرح سياسة الخليفة عمر في إرساء قواعد العدل، ومراقبته للولاة وأولي الامر في إدارة شئون الرعية، ومعالجته الازمات الاقتصادية وبخاصة في عام الرمادة، وتنمية بيت المال بحيث أصبح يضمن رزقا لكل مسلم حتى الطفل الرضيع. وحماية الاحماء لترعى فيها خيول الجهاد وإبل الصدقة.. والحديث عن رحلاته ألى الشام، وتفقده لاحوال المسلمين، وإرسائه أسس العلاقة مع أهل الذمة في تلك البلاد. وإذا كان هناك من كتب عن حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتب التاريخ العام كالطبري، أو في كتب التاريخ الخاص كأنساب الاشراف، وكتب الطبقات، أو في كتب المناقب كابن الجوزي في مناقب عمر، وابن عنان في الغوث الاكبر في مناقب الجد الاعظم عمر، أو غير ذلك، فإن ما كتبه ابن شبة عن عمر رضي الله عنه يعتبر النص الرائد في هذا المجال، من حيث قرب العهد، وتوثيق الاخبار والنصوص، والصدق في العرض مع غزارة المادة. والقسم الثالث: يؤرخ لحياة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويعني بخاصة بجمع الناس على نسخة واحدة من القرآن والاسباب التي دعت لذلك، وكيف كتب المصحف، كما يعنى بالحديث عن الفتوحات وسعة الارزاق، والرفاهية التي عاشها أهل المدينة، وكيف دخل على المجتمع المدني بعض أنواع اللهو، ومحاربة أمير المؤمنين للعب النرد، ورمي الجلاهقات (قوس البندق) وتطيير حمام. ثم تناول بالتوسع الاحداث التي سبقت الفتنة الكبرى، وتطور تلك الاحداث، وما روي عن مواقف بعض الصحابة منها.

[ 16 ]

والنهاية الاليمة التي لقيها أمير المؤمنين بين المدافع عنه والخاذل، والتي فتحت أبواب الشر على المجتمع الاسلامي. ولعلنا لا نجد نصا قديما قد عالج حياة عثمان والمجتمع المدني وأحداث الفتنة بمثل الدقة والتوسع، والاستيثاق والحيدة في الاحكام يضارع أو يقرب مما كتبه ابن شبة في هذا الكتاب، مما يجعله أهم النصوص الاصيلة التي بين أيدينا. وأخيرا، فإذا كان هذا الكتاب قد مني بحظ عاثر فتأخر اكتشافه، وتأخر تحقيقه، إلا أننا نستطيع أن نقول: إنه بفضل الله تعالى، وبفضل الغيورين على العلم والاوفياء لمدينة الرسول ممثلين في سماحة السيد حبيب محمود أحمد نضم إلى الاصول الرائدة في تاريخ السيرة النبوية، والحياة الاسلامية في مدينة الرسول في الحقبة التي تولى أمور المسلمين فيها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنهما كتابا آخر هو تاريخ المدينة لعمر بن شبة النميري البصري. ونحمد الله تعالى على أنه سدد الخطى، وبارك في الجهد، وسهل الصعب حتى تم تحقيق الكتاب، وهو وحده نعم المولى ونعم النصير، ولعلي أكون عند حسن ظن بعض الاساتذة الافاضل الذين أشفقوا علي حينما علموا بإقدامي على تحقيق هذا الكتاب. وأخيرا فإني أشكر كل من تفضل بمعاونتي في صورة ما من صور المعاونة، وأدعو الله أن يجزيهم عني وعن العلم أحسن الجزاء.. فهيم محمد شلتوب مكة المكرمة في 14 من رجب سنة 1399 (8 من يونية سنة 1979 م)

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (الصلاة على الجنائز) (1) *....... (2) قال: إن أول ما قدم (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة (كان) (4) إذا احتضر منا الميت آذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضره واستغفر له، حتي إذ قبض انصرف النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد موت جابر (5) فربما طال حبس ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم.


(1) إضافة على الاصل. (2) بياض بالاصل بمقدار ثلاثة أرباع السطر. وقد روى السمهودي هذا الحديث في وفاء الوفا (2: 531 تحقيق محيي الدين عبد الحميد) قائلا: فقد روى ابن شبة عن صحابي - سقط اسمه من النسخة التي وقفت عليها - حديثا محصله. وساق الحديث. وقد ورد في المستدرك مع التلخيص 1: 364 ط الرياض " حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ابن يوسف الحافظ إملاء، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، حدثنا أبو الحسين سريج بن النعمان الجوهري، حدثنا فليح بن سليمان، عن سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبي سعيد الخدري. وساق الحديث بنصه، وقال: هذا حديث صحيح عند الشيخين ولم يخرجاه، وقد أمليته مختصرا. (3) هذا اللفظ وارد بهامش اللوحة. (4) إضافة على الاصل. من رواية السمهودي. (5) كذا في الاصل، وهو جابر بن عتيك كما في حديث ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: أتى بجنازة جابر بن عتيك - أو قال سهيل بن عتيك. وكان أول من صلى عليه في موضع الجنائز (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 3: 32) وفي رواية السهودي: " وربما قعد ومن معه فربما طال حبس ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فلما خشينا مشقة ذلك عليه قال بعض القوم لبعض: لو كنا لا نؤذن النبي صلى الله عليه وسلم بأحد حتى يقبض فإذا قبض آذناه، فلم يكن عليه في ذلك مشقة ولا حبس (ص 376 وفاء الوفاء ج 1 ط مطبعة الآداب والمؤيد بمصر سنة 1326 ه‍. (*)

[ 4 ]

فلما خشينا مشقة ذلك عليه قال بعض القوم لبعض: لو كنا لا نؤذن النبي صلى الله عليه وسلم بأحد حتى يقبض، فإذا قبض آذناه فلم يكن عليه في ذلك مشقة ولا حبس، ففعلنا ذلك. وكنا نؤذنه بالميت بعد أن يموت فيأتيه ويصلي عليه، فربما انصرف وربما مكث حتى يدفن. فكنا على ذلك حينا، فقلنا: لو لم نشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملنا جنائزنا إليه حتى يصلي عليها عند بيته كان ذلك أرفق به، ففعلنا، فكان ذلك الامر إلى اليوم. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن عبد العزيز، عن ابن شهاب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هلك الهالك شهده فصلى عليه حيث يدفن، فلما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبدن نقل إليه المؤمنون موتاهم يصلي عليهم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنائز عند بيته في موضع الجنائز اليوم، ولم يزل ذلك جاريا (1)... صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمير (2) عند بيته. *......... (3) صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد.


(1) بياض بمقدار ثلاث كلمات. (2) هو عمير بن أبي طلحة، وقد روى الطبراني برجال الصحيح عن عبد الله ابن أبي طلحة أن أبا طلحة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمير بن أبي طلحة حين توفي فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى عليه في منزله.. الخ. (مجمع الزوائد 3: 34) والمستدرك مع التلخيص 1: 364 ط الرياض. (3) يرجح أن هذا بقية حديث عائشة فيما رواه مسلم عنها: أنها أمرت أن يمر بجنازة ابن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع = (*)

[ 5 ]

* قال مالك، وحدثنا نافع قال صلي على عمر في المسجد. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، عن سالم أبي النضر، عن عائشة رضي الله عنها قالت: صلي على سهيل بن بيضاء في المسجد، فقال رجل لعبد العزيز: كان مالك ابن أنس يقول في هذا الحديث:: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه. قال: كان مالك أعلم بالحديث مني. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني من أثق به: أنه كان في موضع الجنائز نخلتان إذا أتي بالموتى وضعوا عندهما فصلي عليهم، فأراد عمر بن عبد العزيز - حين بنى المسجد - قطعهما، فاقتتلت فيهما بنو النجار. فابتاعهما عمر فقطعهما. (باب ذكر مقام جبريل عليه السلام) (1) * قال أبو غسان: علامة مقام جبريل عليه السلام الذي يعرف بها اليوم: أنك تخرج من الباب الذي يقال له " باب آل عثمان " فترى على يمينك إذا خرجت من ذلك الباب على ثلاث أذرع وشبر، وهو من الارض على نحو من ذراع وشبر حجرا أكبر من الحجارة


= ما نسي الناس، ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد - وفي رواية لها: والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد، سهيل وأخيه (وفاء الوفاء للسمهودي 2: 532، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، وفي صحيح الترمذي بشرح ابن العربي المالكي 4: 250 عن عائشة قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء في المسجد. (1) ورد حديث ابن شبة عن مقام جبريل في وفاء الوفاء 2: 580 أثناء الحديث عن الحجرة الشريفة بالمسجد ومقام جبريل منها. وتحدث عن سبب تسميته بمقام جبريل فلينظر هناك. (*)

[ 6 ]

التي بها جدار المسجد ذلك (1) قال: فكان مالك بن أنس يقول: ما أرى مقام جبريل (2). *......... (3) إلى تهامة فظلم رجلا يقال له دب، فجاء دب إلى مقام مروان حيث يريد أن يكبر، فضربه بسكين معه فلم يفعل (4) شيئا، وأخذه مروان، فقال: ما حملك على ما صنعت ؟ قال: بعثت عاملك فأخذ مني بقرة فتركني وعيالي لا نجد شيئا، وأنا امرؤ خباث النفس، فقلت: أذهب إلى الذي بعثه فأقتله فهو أصل هذا، فجئت كما ؟ ؟ ؟ ؟ ترى. فحبسه مروان في الحبس حينا، ثم أمر به فاغتيل سرا، وعمل المقصورة. * حدثنا محمد بن يحيى، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أشياخه: إن أول من عمل مقصورة ؟ ؟ ؟ ن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكانت فيها كوى ينظر الناس منها إلى الامام، وأن عمر ابن عبد العزيز عملها بالساج. * حدثنا محمد بن يحيى، عن يعقوب، عن بكار، عن مشيخة منهم عيسى بن محمد بن السائب، ومحمد بن عمرو بن مسلم


(1) هذا اللفظ غير وارد في رواية السمهودي عن ابن شبة في المرجع السابق. (2) بعد هذا بياض بالاصل بمقدار نصف اللوحة. وقد أشار السمهودي أيضا إلى مثل هذا في النسخة التي اطلع عليها حيث قال بعد عبارة " وكان أنس بن مالك يقول " " وسقط ما بعد ذلك من كتاب ابن شبه فلم أدر ما هو " وفاء الوفا (2: 580). (3) هذا بقية ما روى في زيادة الوليد بالمسجد النبوي الشريف عن عبد الحكيم ابن عبد الله بن حنطب قال: أول من أحدث المقصورة في المسجد مروان بن الحكم، بناها بالحجارة المنقوشة، وجعل لها كوى، وكان بعث ساعيا إلى تهامة.. الخ (وفاء الوفاء 2: 511). (4) كذا بالاصل. وفي النص المشار إليه في التعليق السابق " لم يصنع ". (*)

[ 7 ]

ابن السائب، وعمر بن عثمان بن عبد الرحمن: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أول من وضع المقصورة من لبن (1)، واستعمل عليها السائب بن خباب، وكان رزقه دينارين في كل شهر، فتوفي عن ثلاثة رجال: مسلم، وبكير، وعبد الرحمن، فتواسوا في الدينارين، فجريا في الديوان على ثلاثة منهم إلى اليوم. (باب ما جاء في القصص والقاص وجمع الصحف) (2) * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة قال: إن أول من جمع القرآن في مصحف وكتبه عثمان ابن عفان، ثم وضعه في المسجد (3) فأمر به يقرأ كل غداة. * قال، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن محرز بن ثابت مولى مسلمة بن عبد الملك، عن أبيه قال: كنت في حرس الحجاج ابن يوسف، فكتب الحجاج المصاحف، ثم بعث بها إلى الامصار، وبعث بمصحف إلى المدينة، فكره فلك آل عثمان، فقيل لهم: أخرجوا مصحف عثمان، يقرأ. فقالوا: أصيب المصحف يوم قتل عثمان رضي الله عنه. قال محرز: بلغني أن مصحف عثمان بن عفان


(1) روي عن مالك بن أنس أنه قال " لما استخلف عثمان بعد مقتل عمر بن الخطاب. عمل عثمان مقصورة من لبن فقام يصلي فيها للناس خوفا من الذي أصاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت صغيرة (وفاء الوفا 2: 511). (2) المراد الصحف التي كانت في بيت حفصة رضي الله عنها وأن عثمان رضي الله عنه أمر بذلك: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف (المرجع السابق 2: 670). (3) في الاصل " في مسجد " والتصويب عن رواية السمهودي عن ابن شبة (المرجع السابق 2: 667). (*)

[ 8 ]

صار إلى خالد بن عمرو بن عثمان. قال: فلما استخلف المهدي بعث بمصحف إلى المدينة فهو الذي يقرأ (1) فيه اليوم، وعزل مصحف الحجاج، فهو في الصندوق الذي دون المنبر. (ذكر القصص) حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عبد الحميد بن جعفر قال، حدثني صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة أن عوف بن مالك الاشجعي دخل وابن عبد كلال مسجد حمص، فإذا جماعة على رجل، فقال عوف: ما هذه الجماعة ؟ قالوا: كعب (2) يقص على الناس. قال: يا ويحه !، أما سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مراء أو مختال (3). حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا العوام بن حوشب قال، حدثني عبد الجبار الخولاني قال: دخل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المسجد وكعب يقص فقال: من هذا ؟ قالوا: كعب. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو متكلف. قال: فبلغ ذلك كعبا، فما رئي يقص بعد (4).


(1) ثلاث كلمات غير واضحة بالاصل، والمثبت عن رواية السمهودي عن ابن شبة (المرجع السابق 2: 667). (2) هو كعب مانع ويكنى أبا إسحاق، وكان على دين يهود فأسلم فقدم المدينة ثم خرج إلى الشام فسكن حمص حتى توفي بها سنة 32 في خلافة عثمان بن عفان - وهو الشهير بكعب الاحبار (طبقات ابن سعد 7: 445). (3) رواه الطبراني في الاوسط عن عوف بن مالك وعبارته " لا يقص إلا أمير أو مأمور أو متكلف " (مجمع الزوائد 1: 190). (4) رواه الامام أحمد وإسناده حسن (مجمع الزوائد 1: 190). (*)

[ 9 ]

* حدثنا محمد بن مصعب قال: حدثنا الاوزاعي، عن عبد الله بن عامر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقص على الناس إلا أمير أو مأمور أو مراء. * حدثنا عمر بن سعيد الدمشقي قال: حدثنا بكر بن معروف قال: أحسبه عن مقاتل بن حيان قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقاص، فخفقه بالدرة وقال: ما أنت ؟ قال: مذكر. قال: كذبت، قال الله جل ثناؤه " فذكر إنما أنت مذكر " (1) ثم خفقه بالدرة فقال: ما أنت ؟ قال: ما أدري ما أقول لك ؟ قلت: قاص. فرددت علي، وقلت. مذكر. فرددت علي: فقال: قل: أنا أحمق مراء متكلف (2) * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا علي بن أبي بكر قال، حدثنا سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم يقص على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عهد أبي بكر، ولا عهد عمر. * حدثنا أحمد بن جنان قال، حدثني عيسى بن يونس، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حبيب بن عبيد، عن غضيف


(1) سورة الغاشية آية 21. (2) كذلك بالاصل، ولعل سياق الخبر كما يلي: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقاص فقال: ما أنت ؟ قال: قاص، قال: كذبت، إنما يقص على الناس أمير أو مأمور، فخفقه بالدرة وقال: ما أنت ؟ قال: مذكر، قال: كذبت، قال الله جل ثناؤه " فذكر إنما أنت مذكر " ثم خفقه بالدرة فقال: ما أنت ؟ قال: ما أدري ما أقول لك ! قلت: قاص فرددت علي وقلت: مذكر فرددت علي ! ! فقال: قل أنا أحمق مراء متكلف - وبذلك يتفق صدر الخبر مع عجزه. (*)

[ 10 ]

ابن الحارث الثمالي: أن عبد الملك بن مروان سأله عن القصص ورفع الايدي على المنابر فقال: إنه لمن أمثل ما أحدثتم، فأما أنا فلا أجيبك إليهما، إني حدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من أمة تحدث في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة، فالتمسك من السنة (1) أحب إلي من إحداث البدعة. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن الشيباني قال: أول من أحدث قصص العامة معاوية رضي الله عنه فأرسل إلى رجل يريد أن يوليه القصص فقال له: جزلي. فقال: اجلس في بيتك. * حدثنا محمد بن مصعب قال، حدثنا الاوزاعي، عن يحيى، أن رجلا استأذن عمر رضي الله عنه في القصص فقال: وددت لو أنك رفعت إلى الثريا ثم رمي (2) بك إلى الارض، فإياك وإياه، فإنه الذبح. * حدثنا أيوب بن محمد البرقي قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن السري بن يحيى قال:، قيل للحسن: متى أحدث القصص ؟ قال: في خلافة عثمان رضي الله عنه. فقيل: (من) (3) أول من قص ؟ قال: تميم الداري رضي الله عنه.


(1) كذا في الاصل وفي رواية الامام أحمد والبزار (فتسمك بسنة خير) (مجمع الزوائد 1: 188). (2) رسم هذا اللفظ في الاصل يمكن أن يكون " دحى " أو " رمى " كما أثبتنا. (3) إضافة على الاصل عن الضوء الساري في معرفة خبر تميم الداري للمقريزي ص 129. (*)

[ 11 ]

* حدثنا محمد بن يحيى قال، أنبأنا عبد الله بن موسى التيمي عن ابن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب قال: أول من قص في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم الداري: استأذن عمر رضي الله عنه أن يذكر الله مرة فأبى عليه، ثم استأذن أخرى، فأبى عليه، حتى كان آخر ولايته، فأذن له أن يذكر يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر رضي الله عنه. فاستأذن تميم رضي الله عنه في ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه فأذن له أن يذكر يومين من الجمعة، فكان تميم يفعل ذلك (1). * حدثنا محمد بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع وغيره من أهل العلم: أنه لم يكن يقص في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر رضي الله عنهما، وإنما كان القصص حديثا أحدثه معاوية رضي الله عنه حين كانت الفتنة (2). * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خرج عمر رضي الله عنه إلى المسجد، فرأى حلقا في المسجد فقال: ما هؤلاء ؟ فقالوا: قصاص، فقال: وما القصاص ؟ سنجمعهم على قاص يقص لهم في يوم سبت مرة إلى مثلها من الآخر. فأمر تميم الداري رضي الله عنه. * حدثنا موسي بن مروان البرقي قال، حدثنا محمد بن حرب الخولاني، عن الزبيري، عن الزهري، عن السائب بن يزيد: أنه


(1) نقله المقريزي في المرجع السابق ص 129. (2) نقله المقريزي في المرجع السابق ص 129. (*)

[ 12 ]

لم يكن قص على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، كان أول من قص تميم الداري رضي الله عنه. استأذن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أن يقص على الناس قائما، فأذن له عمر رضي الله عنه (1) * حدثنا أبو عاصم عن ابن أبي رواد، عن نافع: أن تميما الداري رضي الله عنه استأذن عمر رضي الله عنه في القصص فقال: إني أخاف أن يجعلك الله تحت أقدامهم - وقال أبو عاصم مرة: إنه الذبح، وأشار إلى حلقه - فقال: إن لي فيه نية، وأرجو أن أوجر فيه. فأذن له، قال: وجلس إليه هو وابن عباس رضي الله عنهما. وقال أبو عاصم مرة: وجلس إليه في أصحابه وهو يقص، فسمعه يقول: " إياك وزلة العالم " فأراد أن يسأله عنها، فكره أن يقطع به. قال: وتحدث هو وابن عباس رضي الله عنهما وتميم يقص، وقاما قبل أن يفرغ. * حدثنا ابن أبي رجاء قال، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب: أنه سئل عن القصص فقال: لم يكن إلا في خلافة عمر رضي الله عنه، سأله تميم رضي الله عنه أن يرخص له في مقام واحد في الجمعة، فرخص له (فسأله) (2) أن يزيده فزاده مقاما آخر. ثم استخلف عثمان رضي الله عنه فاستزاده، فزاده مقاما آخر، فكان يقوم ثلاث مرات في الجمعة. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، أنبأنا أبو عثمان قال: حدثنا عتبة أن تميما الداري رضي الله عنه استأذن عمر رضي الله عنه


(1) رواه الامام أحمد (مجمع الزوائد 1: 190). (2) إضافة يقتضيها السياق. (*)

[ 13 ]

أن يقص، فقال: لا. ثم استأذن أيضا، فقال: أما إني آذن لك فيه، وأعلمك أنه الذبح، وأشار إلى حلقه. * حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عطاء بن أبي رباح قال: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبيد بن عمير (1) أن يذكر الناس بعد الصبح وبعد العصر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فلم يزل ذلك جاريا إلى اليوم. * حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن ابن مسعود الجريري - من بني جرير بن عباد من بني قيس بن ثعلبة - عن أبي نضرة: أن عائشة رضي الله عنها قالت لقاص المدينة: ضع صوتك عن جلسائك، وتحدث ما أقبلوا عليك بوجوههم، فإذا أعرضوا عنك فأمسك، وإياك والسجع في الدعاء. * حدثنا علي بن أبي هاشم قال، أنبأنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن عامر قال: قالت عائشة رضي الله عنها لابن أبي السائب قاص أهل المدينة: ثلاث لتتابعنني عليهن أو لاناجزنك، قال: ما هن يا أم المؤمنين ؟ بل أتابعك أنا. قالت: إياك والسجع في الدعاء، فإني عهدت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لا يفعلون ذلك، وقص على الناس في كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث، ولا تمل الناس، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقطع عليهم فتغمهم، ولكن أنصت فإذا حدوك عليه وأمروك به فحدثهم (2).


(1) هو عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر الليثي يكنى أبا عاصم وكان قاص أهل مكة (أسد الغابة 3: 353 ط: 1286 ه‍). (2) رواه الامام أحمد (مجمع الزوائد 1: 191). (*)

[ 14 ]

* حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الاشج، عن نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما: لم يكن يجلس إلى القاص، إلا أنه زحم يوما وكثر الناس، فإذا هو بموسى بن يسار يقص، فاستمع له، فلما فرغ قال ابن عمر رضي الله عنهما: هكذا يتكلم. * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا يحيى بن سعيد: أن سعيد بن المسيب كان يكون في مجلسه الذي يجلس فيه - وهو غير بعيد عن القاص - فكان القارئ يقرأ السجدة ويسجد الناس معه، ولا يسجد سعيد، فذكر ذلك له فقال: إني لم أجلس إليه. * حدثنا محمد بن مصعب قال، حدثنا الاوزاعي، عن عبد الرحمن بن حرملة قال: كان مسلم بن جندب (1) قاصا لاهل المدينة فقرأ سجدة بعد صلاة الصبح. فقال سعيد بن المسيب: لو كان لي على هذا الاعرابي الجافي سلطان، لم أزل أضربه حتى يخرج من المسجد. * حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا عبيد الله ابن عامر، عن نافع قال: كان قاص الجماعة يقص فيحلق حلقة حول القاسم (2)، ولا يدخل معهم في قصصهم.


(1) هو مسلم بن جندب أبو عبد الله الهذلي القاص التابعي المشهور توفي سنة 110 ه‍ تقريبا (غاية النهاية في طبقات القراء 2: 297). (2) هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق - أبو محمد أو أبو عبد الرحمن المدني قال عنه ابن سعد: ثقة عالم رفيع فقيه أمام ورع كثير الحديث (طبقات الحفاظ للجلال السيوطي ص 38). (*)

[ 15 ]

* حدثنا بشر بن عمر قال، أنبأنا مالك بن أنس: أن عمر ابن عبد العزيز أمر رجلا وهو بالمدينة أن يقص على الناس، وجعل له دينارين كل شهر، فلما قدم هشام بن عبد الملك جعل له ستة دنانير كل سنة. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا أبو مكين قال: سألت نافعا عن القصص فقال: أول من قص تميم الداري رضي الله عنه على عهد عمر رضي الله عنه، فكان يقوم فيتكلم، فإذا جاء عمر رضي الله عنه أمسك، وقد علم ذلك عمر رضي الله عنه. * حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال، حدثنا عاصم بن محمد، عن نافع (عن ابن عمر رضي الله عنهما) (1) قال: قلت له أذكرت هذا الحديث عن أبيك ؟ قال: نعم، قال: أرسلت عائشة رضي الله عنها إلى أبي عمر رضي الله عنه في قاص كان يقعد على بابها: إن هذا قد آذاني وتركني لا أسمع الصوت، فأرسل إليه فنهاه، فعاد، فقام إليه أبي عمر رضي الله عنهما بعصاه حتى كسرها على رأسه. * حدثنا الحطيم بن موسى قال، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن الاوزاعي، عن الزهري: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه مر على قاص في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه القاص قرأ آية السجدة، فقال عثمان رضي الله عنه: إنما السجدة على من جلس لها واستمع لها.


(1) ما بين الحاصرتين ساقط في الاصل. (*)

[ 16 ]

* حدثنا محمد بن يحيى، عن مالك، عن أنس قال: عمر ابن عبد العزيز رزق قاص الجماعة بالمدينة. (ذكر البلاط الذي حول المسجد) * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا من نثق به من أهل العلم: أن الذي بنى حوالي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجاز معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، أمر بذلك مروان ابن الحكم، وولى عمله عبد الملك ابن مروان، وبلط ما حول دار عثمان بن عفان الشارعة على موضع الجنائز، وحد ذلك البلاط الغربي ما بين المسجد إلى خاتم الزوراء عند دار العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه بالسوق، وحده الشرقي إلى دار المغيرة بن شعبة رضي الله عنه التي في طريق البقيع من المسجد. وحده اليماني إلى حد زاوية دار عثمان بن عفان الشارعة على موضع الجنائز،، وحده الشامي وجه حش (1) طلحة خلف المسجد، وهو في الغرب أيضا إلى حد دار إبراهيم بن هشام الشارعة على المصلى. وللبلاط أسراب ثلاثة يصب فيها مياه المطر، فواحد بالمصلى عند دار إبراهيم بن هشام، وآخر على باب الزوراء عند دار العباس بن عبد المطلب بالسوق، ثم يخرج ذلك الماء إلى ربيع في الجبانة عند الحطابين، وآخر عند دار أنس ابن مالك في بني حديلة عند دار بنت الحارث. * حدثنا محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد بن يحيى، ومحمد بن طلحة عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله قال: بلط مروان بن الحكم البلاط بأمر معاوية رضي الله عنه، وكان


(1) الحش: هو البستان. (*)

[ 17 ]

مروان بلط ممر أبيه الحكم إلى المسجد، وكان قد أسن وأصابته ريح، فكان يجر رجليه فتمتلئ ترابا، فبلطه مروان لذلك السبب. فأمره معاوية رضي الله عنه بتبليط ما سوى ذلك مما قارب المسجد، ففعل. وأراد أن يبلط بقيع الزبير، فحال ابن الزبير بينه وبين ذلك، وقال: تريد أن تنسخ اسم الزبير ويقال بلاط معاوية ؟ قال: فأمضى مروان البلاط، فلما حاذى دار عثمان بن عبيد الله ترك الرحبة التي بين يدي داره، فقال له عبد الرحمن بن عثمان: لئن لم تبلطها لادخلنها في داري، فبلطها مروان. (ذكر المرمر الذي بين يدي المنبر) * حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال: رأيت طنفسة كانت لعبد الله بن حسن بن حسن، تطرح قبالة المنبر على مرمر كان ثم قبل (أن) (1) يعمل هذا المرمر، فحبس عبد الله بن حسن في سنة أربعين ومائة وبقيت الطنفسة بعد حبسه أياما ثم رفعت. فلما ولي الحسن بن زيد بن حسن بن علي ابن أبي طالب المدينة في رمضان سنة خمسين ومائة غير ذلك المرمر وعمله ووسعه من جوانبه كلها حتي ألحقه بالسواري على ما هو عليه اليوم. فكلمه رجل كان فاضلا كان يصلي هناك يقال له أبو مودود عبد العزيز بن [ أبي ] (2) سليمان مولى الهذيل: أن يدع له مصلاه فتركه ولم يلحقه بالاساطين المقدمة. فالمرمر المرتفع حول المنبر


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) هو عبد العزيز بن أبي سليمان الهذلي - مولاهم - أبو مودود المدني القاص (خلاصة تذهيب الكمال) والاضافة عنه. (*)

[ 18 ]

عن المرمر المفروش بين ست (1) أساطين، ثلاث من قبل القبلة، وثلاث من قبل المشرق، وثلاث من قبل المغرب. * قال: وقدم المهدي حاجا في سنة إحدى وستين ومائة فقال لمالك بن أنس: إني أريد أن أعيد منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاله التي كان عليها. فقال له مالك: إنه من طرفاء وقد سمر إلى هذه العيدان وشد، فمتى نزعته خفت أن يتهافت ويهلك، فلا أرى أن تغيره. فانصرف رأي المهدي عن تغييره. (ذكر البزاق في المسجد وسبب ما جعل فيه الخلوق) * حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا عمر بن سليم قال، حدثنا أبو الوليد قال، قلت لابن عمر رضي الله عنهما: ما بدء الزعفران ؟ - يعني في المسجد - فقال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة في المسجد فقال: ما أقبح هذا ! من فعل هذا ؟ فجاء صاحبها فحكها وطلاها بزعفران، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أحسن من ذلك (2). * حدثنا هارون بن معروف قال، أنبأنا حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة ابن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الانصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبو اليسر، ثم مضينا حتى أتينا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في مسجده، وهو يصلي


(1) كذا في الاصل، ولعلها " تسع " حتى يتفق العدد مع ما ذكره من الاساطين المذكور في الجهات. (2) قال السمهودي في وفاء الوفا: 659 " رواه ابن شبة بسند جيد ". (*)

[ 19 ]

في ثوب واحد مشتملا به، فتخطيت القوم حتى جلست بينه وبين القبلة، فقلت له: رحمك الله، تصلي في ثوب واحد، وهذا رداؤك إلى جنبك ؟ فقال: فقال بيده في صدره هكذا وفرق بين أصابعه ففرشها: أردت أن يدخل علي أحمق مثلك فيراني كيف أصنع فيصنع مثله، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرضنا (1) هذا وفي يده عرجون ابن طاب، فرأى في قبلة مسجدنا نخامة فحكها بالعرجون، ثم أقبل علينا فقال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه ؟ قلنا: لا أينا يا رسول الله: قال: فإن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه، فلا يبصق قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق قبل يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليفعل هكذا بثوبه، ثم طوى بعضه على بعض. أروني عبيرا، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخلوق في راحته، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم على رأس العرجون ثم لطخ به على اثر النخامة. قال جابر رضي الله عنه: فمن هنالك جعلتم الخلوق في مساجدكم. * حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يمسك العراجين في يده، فدخل المسجد وفي يده عرجون، فرأى نخامة في المسجد فحكها حتى أنقاها حكا، ثم أقبل على الناس مغضبا فقال: أيحب أحدكم أن يستقبله الرجل فيبصق في وجهه ؟ إن أحدكم إذا قام في صلاته،


(1) كذا في الاصل. وفي رواية السمهودي عن ابن شبة " في مسجدنا هذا " (وفاء الوفا: 660). (*)

[ 20 ]

فإنما يستقبل ربه، فلا يبصق قبالة وجهه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، فإن غلبته بادرة ففي ثوبه وأشار يحيى بطرف ردائه (1). * حدثنا زهير بن حرب قال أنبأنا سفيان عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبله المسجد فحكها بحصاة ثم نهى أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه، وقال: يبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى (2). * حدثنا سفيان قال، أنبأنا حاتم بن إسماعيل، عن إبراهيم ابن إسماعيل، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قال: كل قد حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه رأى نخامة في حائط المسجد فأخذ حصاة فحتها، ثم أقبل على الناس فنحب (3) عليهم ثم قال: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخم وجاهه، وليتنخم عن يساره. * حدثنا أحمد بن عيسي قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد رضي الله عنهما يقولان: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة في القبلة فأخذ حصاة فحكها، ثم قال: لا يتنخم


(1) رواه الامام أحمد وأبو داود ومسلم (منتخب كنز العمال على هامش مسند أحمد 3: 13، 14). (2) رواه مسلم في صحيحه مع اختلاف في بعض الالفاظ (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 1: 389). (3) كذا في الاصل. ونحب بمعنى: غضب. ولم ترد عبارة " نحب عليهم " في روايات البخاري (صحيح البخاري بشرح الكرماني 4: 72). (*)

[ 21 ]

أحدكم في القبلة، ولا عن يمينه، وليتنخم عن يساره، أو تحت رجله اليسرى (1). * حدثنا غندر قال، حدثنا عبد الله بن سعيد قال، سمعت نافعا يحدث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم في قبلته نخامة، فأخذ شيئا فحكها ثم قال: لا يتنخم أحدكم في قبلته، فأن الله مواجهه، ولكن ليتنخم عن يساره أو تحت رجله. * حدثنا أبو عاصم قال، حدثني ابن أبي رواد، عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فرأى نخامة في القبلة، فلما انصرف أتاها فحكها ثم قال: إن أحدكم إذا صلى، فإن ربه أمامه، ولا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره. * حدثنا عبد الوهاب قال: حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فحكها، ثم أقبل على الناس فتغيظ عليهم ثم قال: إن الله قبل وجه أحدكم في صلاته، فلا يتنخمن أحدكم قبل وجهه في صلاته. * حدثنا خلاد بن يزيد، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع (2) عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات يوم فرأى في قبلة المسجد نخامة، فلما قضى صلاته أخذ


(1) انظر المرجع السابق. (2) ورد معناه في صحيح مسلم بشرح محمد فؤاد عبد الباقي (1: 388). (*)

[ 22 ]

عودا فحكها. ثم دعا بخلوق فخلق مكانها، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إذا صلى أحدكم فلا يتفل أمامه ولا عن يمينه، فإنه يستقبل الرب عزوجل بوجهه (1). * حدثنا عبد الله بن بكر قال، حدثنا حميد رضي الله عنه: رأى النبي صلى الله عليه وسلم نخامة في القبلة فكرهها حتى عرف ذاك في وجهه، فحكها وقال: إن أحدكم - أو قال: إن المرء - إذا قام لصلاته فإنه يناجي ربه، فإن ربه بينه وبين قبلته، فليبزق عن يساره أو تحت قدمه - ثم أخذ ثوبه فبزق فيه، ثم رد بعضه على بعض وقال: أو ليفعل هكذا (2). * حدثنا معاوية بن عمرو قال: حدثنا زائدة، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم في القبلة نخامة فوجد من ذلك حتى رئي شبه ذلك في وجهه، ثم قام فحكه ثم قال: إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه - أو ربه بينه وبين القبلة، قال حميد: لا أدري أيها قال - فلا يتفل في قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه. ثم تنخم النبي صلى الله عليه وسلم في طرف ردائه، ثم رد بعضه على بعض، ثم قال: أو يفعل هكذا (3).


(1) في الاصل " عن رافع " وما أثبته عن رواية السمهودي لهذا الحديث عن ابن شبة بالسند المذكور (وفاء الوفا 2: 659). (2) رواه البخاري مع خلاف في الالفاظ (صحيح البخاري بشرح الكرماني 4: 75). (3) رواه البخاري (صحيح البخاري بشرح الكرماني 4: 69). (*)

[ 23 ]

* حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا ثابت، عن أبي نضرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب غضبا شديدا حتى كاد يدعو على صاحبها، ثم قال: لا يبزق أحدكم في قبلته، فإن ربه مستقبله، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكا، ولكن عن يساره أو تحت قدمه اليسرى، فإن كان عن يساره أحد فليبزق في ثوبه. وبزق النبي صلى الله عليه وسلم في ثوبه وحك بعضه ببعض. * قال وحدثنا حماد، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد عن ثابت، عن أبي نضرة: مثله - إلا أنه قال: فإن كان عن يساره أحد يكره أن يبزق نحوه، فليبزق في ثوبه. * قال وحدثنا حماد، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه، بنحوه. * قال وحدثنا حماد، عن الجريري، عن أبي نضرة: أن ذلك الذي بزق في قبلته، جاء بشئ من زعفران فطلى ذلك المكان، فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). * قال وحدثني حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في قبلته نخامة فحتها بيده (2).


(1) يقول السمهودي في وفاء الوفا 2: 660 " روى ابن شبه أيضا بسند جيد ". وساق الحديث. (2) مسند أحمد وبها مشه منتخب كنز العمال (3: 212). (*)

[ 24 ]

* حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا شجاع بن الوليد قال، حدثنا ليث، عن محارب بن دثار، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط المسجد بزاقا فحكه على خرقة، فأخرجه من المسجد، فجعل مكانه شيئا من طيب أو زعفران أو ورس (1). * حدثنا عاصم قال، حدثنا فرج بن فضالة، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: رأيت واثلة بن الاسقع رضي الله عنه دخل مسجد دمشق فصلى فيه فبزق تحت رجله اليسرى ثم عركها، فلما انصرفت قلت له: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تبزق في المسجد ؟ قال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صنع. * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا عبد الاعلى بن عبد الاعلى قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن محمد بن عامر بن سعيد، عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا تنخم أخدكم في المسجد فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فيؤذيه (2). * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا عبد الله بن عامر، عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن محمد بإسناده: مثله. * حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سعيد قال، حدثنا قتادة: أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدث: أن رسول الله صلى الله عليه


(1) الورس: نبت أصفر يكون باليمن، يصبغ به (لسان العرب). (2) مسند الامام أحمد بن حنبل وبهامشه منتخب كنز العمال (3: 263) ومجمع الزوائد (2: 12). (*)

[ 25 ]

وسلم قال: النخامة في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها (1). * حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا شعبة وهشام، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: - قال شعبة -: البزاق، - وقال هشام - التفل في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها (2). * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن واصل، عن أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عرضت علي أمتي بأعمالها حسنة وسيئة، فرأيت في سيئ أعمالها النخامة في المسجد لا تدفن (3). * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا مهدي بن ميمون، عن واصل، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: مثله. * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا أبو عبيد، عن الحسين ابن واقد، عن أبي غالب عن أبي أمامة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من تنخم في المسجد فسيئة، ومن دفنه فحسنة (4).


(1) منتخب كنز العمال على هامش مسند أحمد (3: 263) - إلا أنه قال ال‍ " النخاعة " بدل النخامة. (2) المرجع السابق (3: 263) إلا أنه قال " وكفارته أن يواريه " وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (1: 390). (3) ورد معناه مع خلاف في اللفظ في صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (1: 370). (4) رواه الامام أحمد بلفظ " البصاق في المسجد ودفنه حسنة " (وفاء الوفا 2، 657). (*)

[ 26 ]

* حدثنا القعنبي قال، حدثنا ابن لهيعة، عن المقدام بن سلامة، عن عباس بن خليد الحرثي أنه سمعه يقول: إذا تنخم الرجل في المسجد امتعض (1) المسجد من النخامة كما يمتعض المعصور من الكف. * حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا مسعر، عن رجل من فزارة، عن زياد بن ملقط، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن المسجد لينزوي من النخامة كما ينزوي الجلد من النار (2). * حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم بزق في المسجد فمسح عليه بنعله - أو قال: بخفه (3). * حدثنا أبو داود قال، حدثنا حرب بن شداد، عن يحيى: أن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه بزق في المسجد ولم يدفنه، فجاء بمصباح فالتمسه حتى دفنه. * حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا شريك، عن إبراهيم ابن مهاجر، عن مجاهد قال: بزق ابن قتادة رضي الله عنه في المسجد فذهب فجاء بمصباح فطلبها حتى وجدها فدفنها، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني بخطيئتي. * حدثنا محمد بن يحيى عن أبي ضمرة، عن عبيد الله بن عمر


(1) امتعض: تقبض أو انقبض. (2) وفي منتخب كنز العمال على مسند أحمد 3: 264 " عن أبي أمامة: إذا هم العبد أن يبزق في المسجد اضطربت أركانه وانزوى كما " تنزوي الجلدة في النار ". (3) رواه مسلم مع اختلاف في اللفظ (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (1: 391)، (نيل الاوطار 2: 389). (*)

[ 27 ]

قال: كنت أنا ومحمد بن أبي بكر جالسين في المسجد، فشرب محمد ابن أبي بكر فتمضمض وصبه في المسجد، فقال له القاسم بن محمد: أتتمضمض في المسجد ؟ فقال له: أنت تصنع فيه شرا من ذلك، النخامة والمخاط. قال القاسم: إن ذلك ما لا بد للناس منه، فأما ما منه بد فاعزله عن المسجد. * حدثنا محمد بن يحيى، عن ابن أبي فديك، عن أبي مودود، عن عبد الرحمن بن أبي حدرد الاسلمي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دخل مسجدي هذا فبزق أو تنخم فليحفر. فليبعد، فليدفنه، فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه حتي يخرج به (1). * حدثنا محمد بن يحيى، عن يعلى بن عبيد، عن محمد ابن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: من تنخم في المسجد بعث يوم القيامة وهي في وجهه (2). * حدثنا محمد بن يحيى، عن الحكم بن سليم، عن أيوب ابن سليمان بن يسار: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في جدار المسجد فحكها وخلق مكانها. * حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا حماد، عن سعيد الجريري، عن طاوس: أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بزق ذات ليلة في المسجد ثم ذهب، ثم رجع بشعلة من نار فجعل يتتبع بزقته حتى وجدها ثم دفنها.


(1) رواه أبو داود مع اختلاف في اللفظ (منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 3: 263). (2) رواه البزار مع اختلاف في اللفظ (مجمع الزوائد 2: 19). (*)

[ 28 ]

* حدثنا موسى قال، حدثنا حماد أبو سفيان الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دخلت الجنة فرأيت ما لا أحصي من حسنات بني آدم وسيئاتهم، وأن البزاق في المسجد سيئة، ومسحها حسنة. * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم قال: البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه (1). * حدثنا عمرو بن مرزوق قال: حدثنا شعبة، عن منصور قال: ذكرت لابراهيم قول مجاهد: البزاق في المسجد خطيئة فقال إبراهيم: كفارتها دفنها (2). * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا إبراهيم بن قدامة، عن أبيه: أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه تفل في القبلة، فأصبح مكتئبا، فقالت له امرأته: ما لي أراك مكتئبا ؟ قال: لا شئ إلا أني تفلت في القبلة وأنا أصلي، فعمدت إلى القبلة فغسلتها، ثم عملت خلوقا فخلقتها، فكانت أول من خلق القبلة (3). * حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن كثير بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البزاق في المسجد خطيئة، وكفارته دفنه. قال: وبصق أبو سعيد في المسجد فرجع إليه فدفنه (4). * حدثنا محمد بن يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروة،


(1، 2، 3، 4) من روايات مسلم (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 1: 390). (*)

[ 29 ]

عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في جدار القبلة بصاقا أو مخاطا أو نخامة - فحكه (1). * حدثنا محمد بن يحيى، عن عمرو بن هارون، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أبصر أحدكم القملة وهو يصلي في المسجد، فليصررها في ثوبه، ولا يقتلها في المسجد (2). * حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن عبد الله، عن شيبة ابن نصاح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأى أحدكم القملة في ثوبه وهو في المسجد فليحفر لها، فليدفنها، وليبصق عليها، فإن ذلك كفارتها. * * * (ما كره من رفع الصوت، وإنشاد الضالة، والبيع والشرى في المسجد) * حدثنا عبد الله بن يزيد قال، حدثنا حيوة بن شريح قال، سمعت أبا الاسود يقول، حدثني أبو عبد الله مولى شداد، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: " لا أداها الله إليك "، فإن المساجد لم تبن لهذا (3).


(1) صحيحح البخاري بشرح الكرماني (3: 71) وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (1: 389). (2) مسند أحمد وبهامشه منتخب كنز العمال (3: 265) وعبارته (ولا يلقها في المسجد)، (مجمع الزوائد 2: 20). (3) ورد هذا الحديث والذي يليه في الترغيب والترهيب 1: 169، وصحيح مسلم 1: 397 تحقيق عبد الباقي مع اختلاف يسير في اللفظ واتفاق في السند، والضالة: هي الضائعة من كل ما يقنى من حيوان وغيره. (*)

[ 30 ]

* حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان، عن علقمة ابن يزيد، عن سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه: أن أعرابيا قال في المسجد حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم: من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: " لا أداها الله إليك "، فإن المساجد لم تبن لهذا. * حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان، عن علقمة ابن يزيد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن أعرابيا قال في المسجد حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح: من دعا إلى الجمل الاحمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا وجدته، لا وجدته، لا وجدته، إنما بنيت المساجد لما بنيت له (1). * حدثنا سعيد بن سليمان قال، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة، فسمع أعرابيا ينشد بعيره يقول: من وجد البعير الاحمر ؟ فقال النبي صلى الله عليه لا وجدت لا وجدت " إنما بنيت المساجد لما بنيت له (2). * حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن


(1) أخرجه مسلم من حديث بريدة كما جاء في تيسير الوصول 3: 311. ومعنى دعا إلى الجمل: أي من وجده فدعا إليه صاحبه. (2) روي بمعناه في سنن النسائي عن جابر قال: جاء رجل ينشد ضالة في المسجد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وجدت. (*)

[ 31 ]

يباع ويشترى في المسجد، أو تنشد فيه الاشعار، أو تعرف فيه الضالة، أو يتحلق فيه قبل الصلاة (1). * حدثنا محمد بن مخلد قال حدثنا محمد بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نشد ضالة في المسجد فقولوا: " لا أداها الله عليك " ومن باع فيه سلعة فقولوا: " لا أربح الله تجارتك " (2). * حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله. * حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني ابن وهب، عن يحيي ابن عبد الله بن سالم، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار: أن إنسانا نشد بعيرا في المسجد، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا يقول ؟ فقالوا: ينشد بعيرا له. فقال: لا وجدت بعيرك، إذا سمعتم أحدا ينشد في المسجد شيئا فقولوا: لا وجدت متاعك، ولا أديت عليك ضالتك (3).


(1) أخرجه الترمذي في صحيحه من حديث ابن شعيب عن جده 2: 118 مع اختلاف في السياق. وانظر أيضا بمعناه في سنن النسائي 2: 37 عن عمرو بن شعيب عن أبيه وجده وهو في تيسير الوصول 3: 311 من حديث ابن شعيب عن أبيه عن جده، وقال أخرجه أصحاب السنن. ومن عبارته ونهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة " والحلق جمع حلقة وهي ها هنا الجماعة من الناس. (2) ورد بمعناه في الترغيب والترهيب 1: 169 من حديث أبي هريرة وقال حديث حسن صحيح، رواه النسائي، وابن خزيمة، والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم. (3) أخرجه مسلم في صحيحه 2: 397 من حديث بريدة، وورد في الترغيب والترهيب 1: 169 وابن ماجه 1: 252. (*)

[ 32 ]

* حدثنا محمد بن يحيى، عن القاسم بن عبد الله العمري، عن ابن عجلان، عن يعقوب بن عبد الله الاشج، عن بشر بن سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع إنسانا ينشد ضالة في المسجد فقال: لا وجدت، قولوا لا وجدت (1). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي: أن رجلا نشد فرسا له في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاه رسول الله صلى الله على وسلم وزجره أن ينشد في المسجد. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا سفيان، عن محمد ابن المنكدر قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال: أيها الناشد، غيرك الواجد. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن بكير بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا وجدت، قولوا: لا وجدت. * حدثنا محمد بن يحيى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال: لا وجدت. * حدثنا عبد الملك بن عمرو قال، حدثنا سفيان، عن يزيد ابن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن القرشي، عن ابن عبد الله مولى شداد بن الهاد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمع رسول


(1) ورد بمعناه عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه في سنن ابن ماجه 1: 252. (*)

[ 33 ]

الله صلى الله عليه وسلم رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال: لا وجدت، إن المساجد لم تبن لهذا. * حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا الجعد قال، حدثني يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد قال: كنت مضطجعا في المسجد، فحضر رجل، فرفعت رأسي، فإذا عمر رضي الله عنه فقال: اذهب فأتني بهذين الرجلين. فذهبت فجئت بهما، فقال: من أنتما ؟. ومن أين أنتما ؟ قالا: من أهل الطائف قال: لو كنتما من أهل البلد ما فارقتماني حتى أوجعكما جلدا، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم !. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي إدريس، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن محمد بن عبد الرحمن ابن حاطب، عن أبيه قال: كان بين عثمان وطلحة تلاح في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ عمر رضي الله عنه، فأتاهم وقد ذهب عثمان وبقي طلحة، فقال: أفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تقولان الهجر وما لا يصلح من القول ؟ قال: فجثا طلحة على ركبتيه وقال: إني والله لانا المظلوم المشتوم ! فقال: أفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تقولان الهجر وما لا يصلح من القول ؟ ما أنت مني بناج. فقال: الله الله يا أمير المؤمنين، فوالله إني لانا المظلوم المشتوم، فقالت أم سلمة من حجرتها: والله إن طلحة لهو المظلوم المشتوم. قال: فكف عمر رضي الله عنه، ثم أقبل إلى أم سلمة رضي الله عنها فقال: ما تقولين يا هنتاه. إن ابن الخطاب لحديث العهد ولو سب طلحة لسبه طلحة، فلو ضرب طلحة لضربه

[ 34 ]

طلحة، ولكن الله جعل لعمر درة يضرب بها الناس عن عرض. * حدثنا أبو أيوب سليمان بن داود قال، حدثنا إبراهيم ابن سعد، عن أبيه، عن جده: أن عمر بن الخطاب سمع صوت رجل في المسجد فقال: أتدري أين أنت ؟ أتدري أين أنت ؟ كأنه كره الصوت. حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ابن وهب قال، حدثني أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر رضي الله عنه كان إذا خرج من الصلاة نادى في المسجد: إياكم واللغط. ويقول ارتفعوا في أعلى المسجد. * حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا مالك بن أنس، عن سالم أبي النضر: أن عمر - يعني ابن الخطاب رحمه الله - اتخذ مكانا إلى جانب المسجد يقال له البطيحاء، وقال: من أراد أن يلغط أو يرفع صوتا أو ينشد شعرا، فليخرج إليه. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا مالك، عن أبي النضر، عن سالم بن عبد الله بمثله. قال محمد: وقد دخلت تلك البطيحاء في المسجد فيما زيد فيه بعد عمر رضي الله عنه. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع ناسا من التجار يذكرون تجاراتهم والدنيا في المسجد فقال: إنما بنيت هذه المساجد لذكر الله، فإذا ذكرتم تجاراتكم ودنياكم فاخرجوا إلى البقيع. * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا عبد الله بن المبارك،

[ 35 ]

عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن المسيب قال: لو وليت من الامر شيئا ما تركت رجلين يختصمان في المسجد. * حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا يحيى بن حمزة، عن النعمان عن مكحول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن ترفع الاصوات في المسجد بالحديث واللغو، حتى أن كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل قائم بسوط يضرب من فعل ذلك. قال: (ولا) يسل فيه سيف، ولا يمر فيه بنبل إلا أن يقبض على نصالها، ولا يتخذ طريقا (إلا لذكر أو صلاة، ولا) (1) تقام فيه الحدود، ولا ينطق فيه الاشعار ولا يمر فيه بلحم (2). * حدثنا ابن عائشة، ومسلم بن إبراهيم قالا، حدثنا الحارث ابن نبهان، عن عتبة بن يقظان أبي سعد، عن مكحول، عن واثلة ابن الاسقع رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جنبوا مساجدنا - زاد ابن عائشة: أو مساجدكم - مجانينكم، وصبيانكم وشراءكم وبيعكم ورفع أصواتكم - زاد مسلم: وخصوماتكم - وإقامة حدودكم وسل أسيافكم، وجمروها في الجمع، واتخذوا على أبوابها المطاهر (3). * حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ثور بن يزيد، عن أبي محمد،


(1) سقط في الاصل، والاثبات عن مجمع الزوائد 2: 24، 26. (2) أخرجه ابن ماجه في سننه من حديث أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد عن أبي هريرة مع اختلاف بعض الالفاظ، وكذلك في مجمع الزوائد 2: 24، 26. (3) أخرجه ابن ماجه في سننه 1: 247 من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مع اختلاف في الالفاظ وزيادة في السياق. وانظره أيضا في الترغيب والترهيب 1: 171. والمقاصد للسخاوي ص 175. (*)

[ 36 ]

عن أبي عامر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقربوا مسجدنا هذا صبيانكم ولا مجانينكم. * قال أبو عاصم، أخبرنا أبو محمد، عن أبي عامر، عن عطاء بن أبي رباح، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله - قال أبو محمد: فأنا حدثت ثورا. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا سفيان الثوري، عن قيس ابن مسلم، عن طارق بن شهاب: أن عمر رضي الله عنه أتي برجل في المسجد وقد أخذ في شئ فقال: أخرجاه من المسجد فاضرباه - أو اضربوه. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني من نثق به: أن عثمان ابن عفان رضي الله عنه (دخل المسجد) (1) وفيه خياط يخيط. فقال: اتخذت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم صنعته ؟، أتحترف فيه بصنعتك ؟ ! فحصبه وحصب أصحابه فأخرجهم. * حدثنا محمد بن يحيى، عن عمر بن هارون، عن موسى ابن عبيدة: أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه استأجر حرسا للمسجد لا يحترف فيه أحد. * حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا ابن جابر، أنه سمع مكحولا رضي الله عنه يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال بأبواب المساجد (2).


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) ورد في الجامع الصغير 2: 194 من رواية مكحول مرسلا. (*)

[ 37 ]

* حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا شعبة عن عمارة بن أبي حفصة، عن أبي مجلز: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يدع أحدا يبول في قبلة المسجد. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن يونس، عن ابن شهاب: أنه كره أن يبول فوق المسجد أو إلى جداره، ولا يرى أن يجامع فوق ظهر المسجد. قال: ولا يجلد في المسجد حد ولا غيره (1). * حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن هارون، عن يونس ابن يزيد، عن ابن شهاب: أنه كره أن يمسح ذكره بحائط المسجد من خارج، تنزيها للمسجد. * حدثنا محمد بن يحيى، عن عبد الله بن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن محمد بن والبة الاسدي: أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول: ظهر المسجد كقعره. (باب كراهية النوم في المسجد) * عن حرام بن عثمان، عن ابني جابر، عن أبيهما قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن مضطجعون في المسجد، في يده عسيب رطب فضربنا فقال: ترقدون في المسجد ولا يرقد. * حدثنا محمد بن بكار قال، حدثنا أبو معشر، عن حرام ابن عثمان (عن أبي) (2) عتيق، عن جابر بن عبد الله رضي الله


(1) روي بمعناه في نيل الاوطار للشوكاني 2: 165 من حديث حكيم بن حزام وكذا في مجمع الزوائد 2: 25 من حديث جبير بن مطعم. (2) بياض في الاصل والاثبات عن ميزان الاعتدال 1: 217. (*)

[ 38 ]

عنهما قال: أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسا من المسجد وقال: لا ترقدوا في مسجدي هذا. قال: فخرج الناس، وخرج علي رضي الله عنه، فقال: لعلي رضي الله عنه (ارجع) (1) فقد أحل لك فيه ما أحل لي، كأني بك تذودهم على الحوض، وفي يدك عصا عوسج. * أخبرنا عاصم بن علي قال، حدثنا أبو معشر، عن حرام ابن عثمان، عن محمد وعبد الرحمن ابني جابر، عن جابر رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على (...) (2) في المسجد، فنهاهم أن يتخذوه بيوتا - أو نحو هذا - فخرجوا منه، فأدرك عليا رضي الله عنه فقال: ارجع، فإن الله قد أحل لك فيه ما أحل لي. * حدثنا موسى بن مروان قال، حدثنا عطاء بن مسلم، عن أبي عتبة، عن إسماعيل، عن جسرة وكانت من خيار (النساء) (3) قالت: كنت مع أم سلمة رضي الله عنهما فقالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من عندي حتى دخل المسجد فقال: يا أيها الناس، حرم هذا المسجد على كل جنب من الرجال أو حائض من النساء، إلا النبي وأزواجه وعليا وفاطمة بنت رسول الله، ألا بينت الاسماء أن تضلوا.


(1) سقط في الاصل والاثبات عن مثله في الحديث التالي. (2) بياض في الاصل ولعل الساقط " قوم نيام ". (3) إضافة يقتضيها السياق. (*)

[ 39 ]

(باب الرخصة في النوم فيه) * حدثنا موسى بن مروان الرقي، قال مبشر بن إسماعيل، عن الاوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم ابن الحارث التيمي، عن قيس الغفاري، عن أبيه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المغرب فقال: يا فلان، انطلق مع فلان، ويا فلان، انطلق مع فلان. حتي بقيت في خمسة أنا خامسهم، قال: قوموا. فدخلنا على عائشة رضي الله عنها - وذلك قبل أن يضرب عليها الحجاب - فقال: أطعمينا يا عائشة. فقربت إلينا جشيشة (1)، ثم قال: أطعمينا يا عائشة. فقربت إلينا حيسا (2) مثل القطاة، ثم قال: اسقينا يا عائشة. فأتينا بقعب، ثم قال: اسقينا يا عائشة. فأتينا بقعب دونه، ثم قال: إن شئتم نمتم عندنا، وإن شئتم انطلقتم إلى المسجد فنمتم فيه، قلنا ننطلق إلى المسجد فنبيت فيه، فانطلقنا إلى المسجد فبتنا فيه، فبينما أنا مضطجع على بطني إذا برجل يركضني، فنظرت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا ! ! إن هذه نومة يبغضها الله (3). * حدثنا محمد بن أسامة الرقي قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما


(1) الجشيش: السويقة: والواحدة جشيشة وهي حنطة تطحن وتجعل في قدر ويجعل فيها لحم أو تمر فيطبخ. (أقرب الموارد). (2) الحيس: طعام مكون من تمر وسمن وسويق. (المحيط). (3) والحديث أخرجه ابن ماجه في سننه 1: 248 من حديث يعيش بن قيس بن طخفة عن أبيه، مع اختلاف في الالفاظ. (*)

[ 40 ]

قال: كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن عزاب (1). * حدثنا القعنبي قال، حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أكثر ما كنت (2). * * * * حدثنا القعنبي قال، حدثنا مجمع بن يعقوب الانصاري، عن محمد بن إسماعيل، قال: قيل لعبد الله بن أبي حبيبة: ما أدركت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدنا بقباء، فجئت وأنا غلام حدث حتى جلست عن يمينه، وجلس أبو بكر رضي الله عنه عن يساره، ثم دعي بشراب، فناولني عن يمينه، ثم قام يصلي، فرأيته يصلي في نعليه. * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال، حدثنا محمد بن أبي سليمان قال: سمعت أبا أمامة بن سهل يقول، قال سهل بن حنيف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة، كان له أجر عمرة (3).


(1) روي بمعناه عن ابن عمر في الاوطار للشوكاني 2: 170 وابن ماجه في سننه 1: 248. (2) كذا في الاصل. بانقطاع السياق. ولعله يريد رواية أخرى للحديث السابق مصدرة بقوله أكثر ما كنت أنام.. الخ. (3) رواه الطبراني في الكبير والضياء المقدسي في المختارة (مختصر كنز العمال 5: 359). (*)

[ 41 ]

* حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال، حدثنا عبد الله بن نمير، عن مرسى بن عبيدة قال، أخبرني بوسف بن طهمان (1)، عن أبي أمامة ابن سهل، عن أبيه سهل بن حنيف رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ فأحسن وضوءه، ثم جاء مسجد قباء فركع فيه أربع ركعات، كان له عدل عمرة (2). * حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عتبة بن أبي ميسرة قال، سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يقول: سمعت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول، سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا أحببت أني لا أخفيه عليكم، سمعته يقول: من أتي مسجد بني عمرو بن عوف، مسجد قباء، لا ينزعه إلا الصلاة، كان له أجر عمرة (3). * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا علي بن ثابت قال، حدثنا عبد الحميد بن جعفر قال، أخبرني أبوالابرد، مولى بني حنظلة، عن أسيد بن ظهير الانصاري، وكان من أصحاب


(1) يوسف بن طهمان. قال شمس الدين الذهبي في كتابه ميزان الاعتدال 3: 331 يوسف بن طهمان: واه، حدث عنه موسى بن عبيدة في فضل مسجد قباء. النسائي 2: 30 بمعناه. (2) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه والطبراني في الكبير (مختصر كنز العمال 5: 359) وورد في مجمع الزوائد 4: 11 " باب مسجد قباء " عن سهل بن حنيف وأخرجه النسائي 2: 30 من حديث سهل بن حنيف. وكل ذلك مع اختلاف في بعض الالفاظ وزيادة ونقص في بعضها. (3) في مجمع الزوائد 4: 11 ومنتخب كنز العمال 5: 359 عن كعب بن عجرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من توضأ فأسبغ الوضوء ثم عمد إلى مسجد قباء لا يريد غيره ولا يحمله على الغدو إلا الصلاة في مسجد قباء فصلى فيه أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بأم القرآن كان له كأجر المعتمر إلى بيت الله. (*)

[ 42 ]

النبي صلى الله عليه وسلم حدث (أنه) (1) جاء بعد قتل ابن الزبير عام حج، فزار الانصار يودعهم ويسلم عليهم. فجاء بني خطمة، فحدثهم أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من صلى في مسجد قباء كانت صلاته فيه كعمرة (2). * حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا صخر ابن جويرية، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قال، سمعت أبي يقول: لان أصلي في مسجد قباء ركعتين، أحب إلى (من) (3) أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء، لضربوا إليه أكباد الابل (4). * حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا أيوب بن سيار، عن سعيد بن الرقيش الاسدي قال: جاءنا أنس بن مالك رضي الله عنه إلى مسجدنا فصلى ركعتين إلى بعض هذه السواري ثم سلم، وجلس وجلسنا حوله، فقال: سبحان الله، ما أعظم حق هذا المسجد ! ! لو كان على مسيرة شهر كان أهلا أن يؤتى، من خرج من بيته


(1) سقط في الاصل والاثبات عن عمدة الاخبار ص 142. (2) روي في التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول 1: 235 ومنتخب كنز العمال 5: 359 عن أسيد بن ظهير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلاة في مسجد قباء كعمرة، وكذا رواه الترمذي 2: 121 أي فثوات صلاة واحدة فيه كثواب عمرة مقبولة. (3، 4) الاضافة عن وفاء الوفا 2: 24 والحديث في المرجع متفق مع الاصل في السند والمتن وكذا ورد في منتخب كنز العمال 5: 359 عن ابن سعد عن ظهير بن رافع الالحاني عن يعقوب بن مجمع قال: دخل عمر بن الخطاب مسجد قباء وقال والله لان أصلي في هذا المسجد صلاة واحدة أحب إلي من أن أصلي في بيت المقدس أربعا، (بعد أن صلى في بيت المقدس صلاة واحدة) ولو كان هذا المسجد بأفق من الآفاق لضربنا إليه آباط الابل). (*)

[ 43 ]

يريده معتمدا إليه ؟ يصلي فيه أربع ركعات أقلبه الله بأجر عمرة (1). * حدثنا محمد بن يحيى، عن إسماعيل بن المعلى الانصاري، عن يوسف بن طهمان مولى أبي المغيرة، عن أبي أمامة بن سهل ابن حنيف، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من مؤمن يخرج على طهر إلى مسجد قباء لا يريد غيره حتى يصلي فيه، إلا كان بمنزلة عمرة (2). * قال أبو غسان: ومما يقوي هذه الاخبار، ويدل على تظاهرها في العامة والخاصة، قول عبد الرحمن بن الحكم في شعر له: فإن هلك فقد أقررت عينا * من المتعمرات إلى قباء من اللائي سوالفهن غيد * عليهن الملاحة بالبهاء (3) * حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا هشام بن سعد قال، أخبرني نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء، فجاءت الانصار يسلمون عليه، فإذا هو يصلي، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: يا بلال: كيف رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم وهو يصلي قال: هكذا بيده كلها، يعني يشير. * حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا حفص بن مسيرة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه كان انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسجد قباء فصلى فيه،


(1) ورد بمعناه في منتخب كنز العمال 5: 359 من حديث أبي امامة بن سهل بن حنيف. ورواه السمهودي في وفاء الوفا 2: 18 من حديث ابن شبة بنفس السند والمتن جميعا. (2) ورد في وفاء الوفا 2: 18 من حديث ابن شبة. (3) في الاصل.. عليهن الملاحة والبهاء والمثبت من المرجع السابق. (*)

[ 44 ]

قال: فجعلت الانصار يأتون وهو يصلي فيسلمون عليه، فخرج علي صهيب فقلت: يا صهيب، كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد على من سلم ؟ قال: يشير بيده (1). * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم قال، قال ابن عمر رضي الله عنهما: لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم مسجد قباء، مسجد بني عمرو بن عوف، فدخلت عليه رجال الانصار يسلمون عليه، فقلت لصهيب - وكان معه - كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا سلم عليه وهو يصلي ؟ قال يشير بيده. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن موسى، عن محمد بن المنكدر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان (2). * قال وحدثني عبد العزيز بن سمعان، عن أبي النضير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله. * حدثنا محمد بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم بن نسطاس، عن سعيد بن عمرو بن سليم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطرح له على حمار أنبجاني (3) لكل سبت، ثم يركب إلى قباء.


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 19 بسنده ومتنه. (2) ذكر السمهودي في وفاء الوفا 2: 20 هذا الحديث سندا ومتنا ثم رواه عن طريق آخر قال رواه يحيى عن ابن المنكدر عن جابر متصلا ثم قال وفي كتاب رزين عن ابن المنكدر قال أدركت الناس يأتون مسجد قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان. (3) أنبجاني: منسوب إلى منبج المدينة المعروفة وهي مكسورة الباء وفتحت في النسب وأبدلت الميم همزة ويحتمل أنه منسوب إلى موضع اسمه أنبجان وهو أشبه. انظر اللسان 3: 196 وكذا وفاء الوفا 2: 20 حيث أورده السمهودي عن ابن شبة عن سعيد بن عمرو بن سليم مرسلا. (*)

[ 45 ]

* حدثنا محمد بن يحيى قال، وأخبرني الدراوردي، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء يوم الاثنين (1). * حدثنا عمرو بن قيظ قال، حدثنا أبو الفتح الرقي، عن أبي هاشم قال: جاء تميم بن زيد الانصاري إلى مسجد قباء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر معاذا أن يصلي بهم، فجاء صلاة الفجر وقد أسفر، فقال ما يمنعكم أن تصلوا ؟ ما لكم قد حبستم ملائكة الليل وملائكة النهار ينتظرون أن يصلوا معكم ؟ قالوا: يمنعنا أنا ننتظر صاحبنا. قال: فما يمنعكم إذا احتبس أن يصلي أحدكم ؟ قالوا: فأنت أحق من يصلي بنا. قال: أترضون بذا ؟ قالوا: نعم. فصلى بهم، فجاء معاذ رضي الله عنه، فقال: ما حملك يا تميم على أن دخلت علي في سربال سربلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله إن هذا تميم دخل في سربال سربلتنيه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تقول يا تميم ؟ فقال: مثل الذي قال لاهل المسجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هكذا فاصنعوا مثل الذي صنع تميم بهم إذا احتبس الامام ". فقال معاذ رضي الله عنه: ما استبقت أنا وتميم إلى خصلة من خصال الخير إلا سبقني إليها، استبقت أنا وهو إلى الشهادة، فاستشهد وبقيت.


(1) في منتخب كنز العمال 5: 359 " من صلى في مسجد قباء يوم الاثنين ويوم الخميس انقلب بأجر عمرة ". (*)

[ 46 ]

* حدثنا عفان قال، حدثنا حفص قال، حدثنا ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت سالما مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين في مسجد قباء، فيهم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما. * حدثنا هارون بن معروف، وأحمد بن عيسى قالا، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني ابن جريج، أن نافعا أخبره، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: وكان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الاولين وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانصار في مسجد قباء، فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة، رضوان الله عليهم. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ابن وهب قال، أسامة بن زيد حدثني أبي، أن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد ابن زرارة حدثه، أنه سمع شيوخا من قومه، من بني عمرو بن عوف: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءهم بقباء بعد نصف النهار، فدخل مسجد قباء فأمر رجلا يأتيهم بجريدة رطبة، وقال: لا تقربن بها هنا. فجاء بها فنفض بها الغبار عن الجدار في القبلة، ثم قال: والله لو كنت بأفق من الآفاق لضربنا إليك أكباد الابل. ثم قعد حتى أفطر الصائم، وكان صائما فدعا بشراب، فابتدره القوم، فسبقهم رجل فجاء بقدح من قوارير عسل، فتعجب له عمر رضي الله عنه حين رآه وقال: بخ بخ، أي شئ هذا ؟ قال: عسل. قال عمر رضي الله عنه: أخره واتني بشربة هي أيسر في المسألة من هذا. فجاء بماء فشربه. (*)

[ 47 ]

* حدثنا غندر بن محمد بن جعفر قال، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: لما نزلت " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " (1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أهل قباء، للانصار، إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فماذا (تصنعون) (2) ؟ قالوا. إنا نغسل أثر الغائط والبول (3). * حدثنا موسى ين إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا شيخ من بني النعمان يقال له مجمع قال: نزلت هذه الآية في آبائي: " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " (1)، في بني عمرو بن عوف، وهم آبائي، وهم أهل قباء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الذي أحدثتم فيه، فقد أحسن الله عليكم الثناء. قالوا: إنا نستنجي بالماء. * حدثنا علي بن عاصم قال، أخبرني داود بن أبي هند قال، أخبرني شهر بن حوشب قال: لما نزلت هذه الآية " فيه رجال يحبون أن يتطهروا " (4) مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل ذلك المسجد فقال: إني رأيت الله يحسن عليكم الثناء، فما بلغ من طهوركم ؟ قالوا: نستنجي بالماء (5).


(1) سورة التوبة آية 108. (2) الاضافة من تفسير ابن كثير 4: 244 وقد أورد الحديث بمعناه. (3) ورد في تفسير الطبري 11: 19 عن بشر عن يزيد عن سعيد عن أبي قتادة مع اختلاف يسير في لفظه. وانظره أيضا في مجمع الزوائد 1: 211. 212. (4) سورة التوبة آية 108. (5) ورد في تفسير الطبري 11: 19 مرويا عن شهر بن حوشب مع اختلاف يسير في بعض الالفاظ. (*)

[ 48 ]

* حدثنا حسين بن عبد الاول قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا مالك بن مغول قال، حدثنا سيار أبو الحكم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام، عن أبيه قال: لما أسلم أهل قباء نزلت: " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أهل قباء، ما هذا الثناء الذي أثناه الله عليكم ؟ قالوا: يا رسول الله، نجد في التوراة مكتوبا علينا الاستنجاء بالماء (1). * حدثنا القعنبي قال، حدثنا سليمان بن بلال، عن عن جعفر عن أبيه قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " كانوا يستنجون بالماء (2). * حدثنا فليح بن محمد اليماني قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر عن أبيه: أن هذه الآية نزلت في أهل قباء. * حدثنا معاوية بن عمرو قال، حدثنا زهير، يعني ابن معاوية، عن عاصم الاحول، عن رجل من الانصار في هذه الآية (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) قال: فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قباء عن طهورهم، وكأنهم كانوا يستحيون أن يحدثوه، فقالوا: طهورنا طهور الناس. فقال: إن لكم طهورا. فقالوا: إن


(1) ورد بسنده ومتنه في تفسير الطبري 11: 20، وورد بمعناه في مجمع الزوائد 1: 212، 213، وكذا تفسير الطبري 11: 21 من حديث محمد بن عبد الله بن سلام عن أبيه. (2) ورد في تفسير الطبري 11: 20 من حديث ابن أبي ليلى عن عامر مع تقديم وتأخير في لفظه. (*)

[ 49 ]

لنا خبرا إنا نستنجي بالماء بعد الحجارة، أو بعد الدراري. قال: إن الله قد رضي طهوركم يا أهل قباء. * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن الاعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) (1)، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويمر بن ساعدة فقال: ما هذا الطهور الذي أثني به عليكم ؟ فقال: ما خرج رجل منا أو أمرأة من الغائط إلا غسل دبره، أو مقعده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهو هذا (2). * حدثنا هرون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا يزيد بن عياض، عن الوليد بن أبي سندر الاسلمي، عن يحيى بن سهل الانصاري، عن أبيه: أن هذه الآية نزلت في ناس من أهل قباء كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين). * قال، وأخبرني يزيد بن عياض، عن شرحبيل بن سعد، عن هرمى بن عمرو الواقفي، وسأله عن قوله (يحبون أن يتطهروا) قال، هو غسل الادبار (3).


(1) سورة التوبة آية 108. (2) ورد بالمعنى في مجمع الزوائد 1: 212 من حديث ابن عباس. (3) ورد في تفسير الطبري 11: 20 عن هشيم عن عبد الحميد المدني عن إبراهيم ابن إسماعيل الانصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعويمر بن ساعدة ما هذا الذي أثني عليكم " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " قال: نوشك أن تغسل الادبار بالماء. (*)

[ 50 ]

* قال، وحدثني سلمة بن علي، عن عتبة بن أبي حكيم قال، حدثنا طلحة بن نافع، عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنهما حدثاه:: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا معشر الانصار، ما هذه الطهرة التي نزلت فيكم ؟ قالوا: يا رسول الله لا شئ إلا أنا نتوضأ من الحدث، ونغتسل من الجنابة. فقال: فهل مع ذاكم غيره ؟ قالوا: كنا إذا خرجنا من الغائط استنجينا بالليف (1) والشيح (2)، فنجد لذلك مضاضة، فتطهرنا بالماء. قال: هو ذلكم، فعليكموه. * حدثنا حكم بن سيف قال، حدثنا بقية بن الوليد، عن عتبة بن أبي حكيم الهمداني قال، حدثني طلحة بن نافع قال، حدثني أنس بن مالك وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما، بمثله، إلا أنه لم يذكر الليف والشيح. * حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم، عن أبي قلابة، قال: استأذنت الحمى على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أنت ؟ فقالت: أم ملدم، آكل اللحم، وأمص الدم. فقال: عليك بأهل قباء، فأتتهم، فلقوا منها شدة، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فشكوا ذلك إليه، فقال: ما شئتم ؟ إن شئتم دعوت الله فكشفها عنكم، وإن شئتم تركتها فاستنكفت (3) * (هاش) * (1) الليف الكلا اليابس (محيط المحيط) - أو ليف النخل المعروف (اللسان). (2) الشيح: نبات طيب الرائحة (المعجم الوسيط). (3) كذا في الاصل، وفي وفاء الوفا 1: 542 ط. الآداب، وخلاصة وفاء الوفا ص 25 " فأسقطت بقية ذنوبكم " ولعل الكلمة: فاستكفت (*)

[ 51 ]

بقية ذنوبكم، قالوا: وإنها لتفعل ؟ قال: نعم. قالوا: فدعها. فتركها (1). * حدثنا محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن أفلح بن سعيد، عن أبي كعب القرظي قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء وقد بنى أصحابه مسجدا يصلون فيه إلى بيت المقدس، فلما قدم صلى بهم إليه، ولم يحدث في المسجد شيئا. * وقال الواقدي، عن مجمع بن يعقوب، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش قال: كان المسجد في موضع الاسطوانة المخلقة الخارجة في رحبة المسجد. * حدثنا محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن مسلم بن حماد، عن ابن رقيش قال: بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء وقدم القبلة إلى موضعها اليوم وقال جبريل يؤم بي البيت، قال ابن رقيش فحدثني نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما: كان بعد إذا جاء مسجد قباء صلى إلى الاسطوانة المخلقة - يقصد بذلك مسجد النبي صلى الله عليه وسلم الاول. * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا إسرائيل، عن عمار الذهني أنه رأى أبا سلمة بن عبد الرحمن في مسجد قباء، فقال له أبو سلمة: قد زيد فيه من عند الصومعة إلى القبلة، والجانب الايمن عند دار العاص.


(1) ورد في النهاية في غريب الحديث 4: 246. وفي تاج العروس 9: 58 " قال الليث: وأم ملدم كنية الحمى، والعرب تقول قالت الحمى: أنا أم ملدم آكل اللحم وأمص الدم، وبعضهم يقولها بالذال ". وانظر لسان العرب 16: 12 وهو جامع لما قاله ابن الاثير في النهاية وما قاله الليث في التاج. (*)

[ 52 ]

حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا عبيد بن حميد قال، حدثني عمار الذهني قال، قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: ان ما بين الصومعة إلى القبلة زيادة زادها عثمان بن عفان رضي الله عنه. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي: أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه كان يقول وهم يبنون مسجد قباء: أفلح من يعالج المساجدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المساجدا ". فقال عبد الله رضي الله عنه: ويقرأ القرآن قائما وقاعدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قاعدا ". فقال عبد الله رضي الله عنه. ولا يبيت الليل عنه راقدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " راقدا ". (مسجد الضرار (1)) * حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير: أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجدا


(1) إضافة على الاصل، ومسجد الضرار: جاء في تفسير الطبري 11: 15 عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري عن يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر = (*)

[ 53 ]

وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعوه ليصلي فيه، ففعل، فأتاهم فصلى فيه، فحسدهم إخوتهم بنو فلان بن عوف - يشك - فقالوا: ألا نبني نحن مسجدا وندعو النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه كما صلى في مسجد إخوتنا، ولعل أبا عامر (1) يصلي فيه - وكان بالشام - فابتنوا مسجدا وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي فقام ليأتيهم، وأنزل القرآن: " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا


= وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم قالوا: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني من تبوك حتى نزل بذي أوان - بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار - وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه. فقال: إني على جناح سفر وحال شغل - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولو قد قدمنا أتيناكم إن شاء الله فصلينا لكم فيه. فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي - أو أخاه عاصم ابن عدي - أخا بني العجلان، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه. فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهو رهط مالك بن الدخشم فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا " إلى آخر القصة " الآيات 107 - 110 من سورة التوبة " وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا. (تفسير الطبري 11: 16). وانظر أيضا الخبر بطوله في تفسير ابن كثير 4: 239 وكذا معالم التنزيل للبغوي 4: 238. (1) هو أبو عامر الراهب، كان بالمدينة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقد تنصر في الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية وعلم أهل الكتاب، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للاسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز للعداوة وظاهر بها، وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش فألبهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدموا عام أحد، وكان هذا = (*)

[ 54 ]

وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون * لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين * أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين * لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم " - قال، قال عكرمة: " إلى أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم " (1). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها لية (2)، كانت تربط حمارا لها فيه، فابتنى سعد بن


= الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين فوقع في إحداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيب ذلك اليوم، فجرح وجهه وكسرت رباعيته وشج رأسه، ولما فرغ الناس من أحد ورأى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في ارتفاع ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم فوعده ومناه وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من أهله من الانصار من أهل النفاق والرياء يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به الرسول ويغلبه ويرده، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده، ويكون مرصدا له، فشرعوا في بناء مسجد مجاورا لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وسألوا الرسول أن يأتي إليهم ويصلي فيه ليحتجوا بصلاته على تقريره وإثباته، وذكروا إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية... القصة. (معالم التنزيل للبغوي 4: 239). وفي تفسير الطبري 11: 17 عن عروة عن عائشة قالت: " وإرصادا لمن حارب الله ورسوله " أبو عامر الراهب، انطلق إلى الشام فقال الذين بنوا مسجد الضرار إنما بنيناه ليصلي فيه أبو عامر. (1) الآيات " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا.... والله عليم حكيم " سورة التوبة من 107 إلى 110. (2) ذكر السمهودي في وفاء الوفا 2: 28 هذا الخبر قال. قال ابن شبة عن هشام ابن عروة عن أبيه كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها لية.. الخبر. (*)

[ 55 ]

خيثمة مسجدا، فقال أهل مسجد الضرار: نحن نصلي في مربط حمار لية ! ! لا، لعمر الله، لكنا نبني مسجدا فنصلي فيه حتى يجئ أبو عامر فيؤمنا فيه. وكان أبو عامر فر من الله ورسوله فلحق بمكة، ثم لحق بعد ذلك بالشام فتنصر، فمات بها، فأنزل الله: " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا " الآيات. * حدثنا موسى قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا جابر ابن عمرو (1) أبو الوازع، عن أبي أمين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: انطلقت أنا وعبد الله بن عمر وسمرة بن جندب نطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لنا: توجه نحو مسجد التقوى. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي في قوله: " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها " (2). قال، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو بلعم بن باعور، رجل من بني إسرائيل. وقال نفر من ثقيف: هو أمية بن أبي الصلت. وقالت الانصار: هو الراهب الذي بنى مسجد الشقاق (3).


(1) في الاصول " جابر بن أبي الوازع " والتصويب عن الخلاصة للخزرجي ص 50 وهو جابر بن عمرو الراسبي أبو الوازع البصري. (2) سورة الاعراف آية 175. (3) ذكر في تفسير الطبري 9: 86 عن ابن مسعود عن ابن عباس أنه " بلعم بن أبر " وفيه أيضا عن ابن عباس " أنه بلعم بن باعرا " وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال هو " بلعام بن باعرا من بني إسرائيل " وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ص 77 بنفس المرجع " أنه أمية بن أبي الصلت " وعن يعلى بن عطاء قال: سمعت نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود قال، سمعت عبد الله بن عمرو قال في هذه الآية " الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها " هو صاحبكم يعني أمية بن أبي الصلت، وعن عنبسة عن عبد الملك بن عمير قال: تذاكروا في جامع دمشق هذه الآية فقال بعضهم نزلت في بلعم - بضم الباء - بن باعوراء، وقال = (*)

[ 56 ]

* قال أبو غسان: وأخبرني من أثق به من الانصار، من أهل قباء: أن موضع قبلة مسجد قباء قبل صرف القبلة أن القائم كان يقوم في القبلة الشامية، فيكون موضع الاسطوانة الشارعة في رحبة مسجد قباء التي في صف الاسطوانة المخلقة المقدمة التي يقال لها، إن مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حرفها - قال: وأخبرني أيضا: أن مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء بعد صرف القبلة (1)، كان إلى حرف الاسطوانة المخلق كثير منها المقدمة إلى حرفها الشرقي (2)، وهي دون محراب مسجد قباء على يمين المصلي فيه. * قال، وأخبرني الحارث بن إسحاق قال: كان إسحاق بن أبي بكر بن أبي إسحاق يحدث: أن مبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في


= بعضهم نزلت في الراهب، فخرج عليهم عبد الله بن عمرو بن العاص فقالوا فيمن نزلت هذه قال: نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وقيل إن بلعم كان يعلم اسم الله الاعظم، وقيل كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه، وقال آخرون، بل كان أوتي النبوة. وعن مجاهد قال: هو نبي في بني إسرائيل - يعني بلعم - أوتي النبوة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل، وتركهم على ما هم عليه. وفي تفسير ابن كثير 3: 590 عن سفيان الثوري عن الاعمش ومنصور بن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن باعوراء، وعن قتادة عن ابن عباس: هو صيفي بن الراهب، قال قتادة وقال كعب: كان رجلا من أهل البلقاء، وكان يعلم الاسم الاكبر، وكان مقيما ببيت المقدس مع الجبارين. وبالمصدر ص 951 عن نافع بن عاصم عن عبد الله بن عمرو أنه أمية بن أبي الصلت. وفي معالم التنزيل 3: 590 إختلفوا فيه فقال ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء، وقال مجاهد: بلعام بن باعور. وانظر الخبر بطوله في معالم التنزيل عن ابن إسحاق والسدي وابن عباس. (1 - 2) كذا بالاصل، بوفاء الوفا 2: 22 من رواية السمهودي عن ابن شبة. (*)

[ 57 ]

مركبه إلى قباء أن يمر على المصلى، ثم يسلك في موضع الزقاق بين دار كثير بن الصلت ودار معاوية بالمصلى، ثم يرجع راجعا على طريق دار صفوان بن سلمة التي عند سقيفة محرق، ثم يمر على مسجد بني زريق من كتاب عروة حتى يخرج إلى البلاط. قال: فذكر إسحاق أنه رأى الوليد بن عبد الملك سلك هذه الطريق على هذه في مبدئه ورجعته من قباء (1). * قال أبو غسان: طول مسجد قباء وعرضه سواء، وهو ست وستون ذراعا، وطول ذرعه في السماء تسع عشرة ذراعا، وطول رحبته التي في جوفه خمسون ذراعا، وعرضها ست وعشرون ذراعا، وطول منارته خمسون ذراعا، وعرضها تسع أذرع وشبر في تسع أذرع، وفيه ثلاثة أبواب، وثلاث وثلاثون أسطوانة، ومواضع قناديله لاربعة عشر قنديلا (2). (ذكر المساجد والمواضع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم) * حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن محمد بن إبراهيم عن رافع بن خديج: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد الصغير الذي بأحد في شعب الجرار على يمينك لازقا بالجبل (3).


(1) ذكره السمهودي في وفاء الوفا 2: 27 ط. الآداب هذا الحديث تحت باب " ما جاء في بيان طريقه صلى الله عليه وسلم إلى قباء ذاهبا وراجعا ". (2) نقل السمهودي عن ابن شبة هذا الوصف مع اختصار فيه (وفاء الوفا 2: 25 ط الآداب). (3) ورد في هامش اللوحة " المسجد المعروف اليوم بمسجد الفتح بأحد ". (*)

[ 58 ]

* حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن اسيد بن أبي أسيد، عن أشياخهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على الجبل الذي عليه مسجد الفتح، وصلى في المسجد الصغير الذي بأصل الجبل على الطريق حتى مصعد الجبل (1). * قال أبو غسان، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن كثير ابن زيد، عن المطلب بن حنطب قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الاعلى على الجبل، يوم الاثنين ويوم الثلاثاء، واستجيب يوم الاربعاء بين الصلاتين (2). * قال وأخبرني عبد العزيز، عن سعد بن معاذ الديناري، عن ابن أبي عتيق (3)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:


(1) ورد في هامش اللوحة " مساجد الفتح " وقد ورد في وفاء الوفا 2: 39 أن مسجد الفتح والمساجد التي حوله في قبلته تعرف اليوم كلها بمساجد الفتح، والاول المرتفع على قطعة من جبل سلع في المغرب، غريبه وادي بطحان، ويقال له أيضا مسجد الاحزاب، والمسجد الاعلى. (2) ورد في مجمع الزوائد 4: 12 وكذا وفاء الوفا 2: 39 (مسجد الفتح) عن جابر يعني ابن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد الفتح ثلاثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء فاستجيب له يوم الاربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر في وجهه، قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الاجابة. رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات، والمسجد الاعلى على الجبل هو مسجد الفتح كما ذكره السمهودي في وفاء الوفا 2: 39: 43 وكما بيناه في تعليقنا السابق. وسمي المسجد الاعلى بمسجد الفتح لانه أجيبت فيه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم على الاحزاب فكانت فتحا على الاسلام، أو أنزل الله عليه صلى الله عليه وسلم سورة الفتح هناك. (3) في الاصل عن ابن عتيق - والصواب ما ذكرته - وهو عبد الله بن عبد الله - أبو عتيق بن جابر بن عتيك، وانظر وفاء الوفا 2: 39 ط. الآاب، وخلاصة تهذيب الكمال 50، 410. (*)

[ 59 ]

دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الاعلى يوم الاثنين ويوم الثلاثاء، واستجيب له يوم الاربعاء بين الصلاتين. * قال وأخبرني عبد العزيز، عن ابن سمعان، عن سعيد مولى المهديين (1) قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من الحرب فأدركته صلاة العصر فصلاها في المسجد الاعلى. * قال وأخبرني عبد العزيز، عن محمد بن موسى، عن عمارة ابن أبي اليسر قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الاسفل. * قال وأخبرني عبد العزيز، عن ابن أبي الزناد، عن سالم أبي النضر قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق: اللهم منزل الكتاب، ومنشئ السحاب، اهزمهم وانصرنا عليهم (2). * وعن ابن أبي يحيى، عن الفضل بن مبشر، عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم على الجبل الذي عليه مسجد الفتح من ناحية الغرب، وصلى من وراء المسجد. * حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن الحارث بن فضل: أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ فصلى أسفل من الجبل يوم الاحزاب، ثم صعد فدعا على الجبل. * حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن سلمة بن أبي يزيد، عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قعد


(1) في الاصل كلمة لا تقرأ وما أثبتناه عن وفاء الوفا 2: 40 وانظر الحديث هناك. (2) رواه السمهودي في وفاء الوفا 2: 41. (*)

[ 60 ]

على موضع مسجد الفتح وحمد الله، ودعا عليه، وعرض أصحابه وهو عليه (1). * حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن خالد بن رباح، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يوم الاثنين في مسجد الفتح، واستجيب له عشية الاربعاء بين الصلاتين. * قال أبو غسان: وسمعت غير واحد ممن يوثق به: يذكر أن الموضع الذي دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجبل، هو اليوم إلى الاسطوانة الوسطى الشارعة في رحبة المسجد الاعلى (2). * حدثنا أبو غسان، عن الواقدي، عن ابن أبي ذئب، عن رجل من بني سلمة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد المرتفع ورفع يديه مدا. * حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن عبد الرحمن ابن عتبان، عن عمرو بن شرحبيل: أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يديه على الحجر الذي في أجم سعد بن عبادة عند جدار سعد، وصلى في مسجد بني خدارة. * حدثنا أبو غسان عن ابن أبي يحيى، عن شيخ من الانصار: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني خدارة، وحلق رأسه فيه.


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 39، 40 من حديث جابر رضي الله عنه. (2) ذكر هذا الحديث في وفاء الوفا 2: 40 عن ابن شبة بدون لفظ الاعلى في آخر الحديث. (*)

[ 61 ]

* حدثنا عن أبي غسان، قال حدثنا عن ابن أبي يحيى، عن محمد بن عمر بن قتادة، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد لهم في بني أمية من الانصار، وكان في موضع الكبا (1) من الحرتين اللتين عند مال نهيك. * قال وحدثنا عن ابن أبي يحيى، عن محمد بن الحصين ابن عبد الرحمن بن وائل: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلي في تلك الخربة، وكان قريبا من مصلي النبي صلى الله عليه وسلم هناك أجم، فانهدم فسقط على المكان الذي صلي فيه، فترك وطرح عليه التراب حتي صار كبا (1). * سئل الحسن عن شرب الماء الذي يوضع على ظهر الطريق قال: قد شرب أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما من جرار سعد بفمه. * حدثنا قثم بن جعفر بن سليمان قال: قلت لموسى بن عبد الله ابن حسن: أشرب من هذا الماء الذي يوضع في المسجد ؟ فقال: فداك خالك إن انقطع عنقك عطشا فلا شرب فيه. * حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن إسحاق بن عبد الله، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، عن عبد الرحمن الاعرج: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ذباب (2).


(1) الكبا - بالكسر - الكناسة والمزبل (النهاية في غريب الحديث 4: 146، والفائق 2: 393، أقرب الموارد 2: 1063). (2) ذباب: جبل بجبانة المدينة شامي سوق المدينة، وهو الذي عليه مسجد الراية (وفاء الوفا 2: 50، 51، 308 ط. الآداب). وفي مراصد الاطلاع 2: 583 ذكره البغدادي بكسر أوله نقلا عن ياقوت كما ذكره الحازم فيه، وفي معجم ما استعجم للبكري ص 383: ذباب بضم أوله من لفظ الواحد من الذبان، اسم جبل بجبانة المدينة أسفل من ثنية المدينة. (*)

[ 62 ]

* حدثنا أبو غسان قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن كثير بن عبد الله المزني، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد قال: ضرب النبي صلى الله عليه وسلم قبته يوم الخندق على ذباب. * قال، وأخبرني عبد العزيز، عن عبد الله بن سمعان، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب قال: بعثت عائشة رضي الله عنها إلى مروان بن الحكم حين قتل ذبابا وصلبه على ذباب: تعست، صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم واتخذته مصلبا (1) ! قال: وذباب رجل من أهل اليمن عدا على رجل من الانصار، وكان عاملا لمروان على بعض مساعي اليمن، وكان الانصاري عدا على رجل فأخذ منه بقرة ليست عليه (2)، فتبع ذباب الانصاري حتي قدم المدينة، ثم جلس له في المسجد حتى قتله، فقال له مروان: ما حملك على قتله ؟ قال: ظلمني بقرة لي، وكنت امرأ خباث النفس فقتلته. فقتله مروان، وصلبه على ذباب. * قال أبو غسان، وأخبرني بعض مشيختنا أن السلاطين كانوا يصلبون على ذباب، فقال هشام بن عروة لزياد بن عبيد الله الحارثي: يا عجبا، أتصلبون على مضرب قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فكف عن ذلك زياد، وكفت الولاة بعده عنه (3).


(1) في وفاء الوفا 2: 51 قال السمهودي عن الحارث بن عبد الرحمن قال بعثت عائشة رضي الله عنها إلى مروان بن الحكم حين قتل ذبابا وصلبه على ذباب تقول: موقف صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم واتخدته مصلبا. (2) كذا بالاصل ووفاء الوفا 2: 51 ط. الآداب، والمقصود أنها لم تكن واجبة عليه في زكاة أو خراج. وانظر الحديث بطوله في المرجع السابق. (3) ورد في وفاء الوفا 2: 51. (*)

[ 63 ]

* حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عمن سمع معاوية ابن عبد الله بن خبيب يحدث، عن جابر بن أسامة (1) قال: خط النبي صلى الله عليه وسلم مسجد جهينة لبلي (2). * حدثنا الحزامي قال، حدثتي عبد الله بن موسى التيمي، عن أسامة بن زيد، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن جابر بن أسامة الجهني قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه بالسوق فقلت: أين تريدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: يخط لقومك مسجدا. فرجعت، فإذا قومي قيام، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خط لهم مسجدا، وغرز في القبلة خشبة أقامها فيها (3). * حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن سعيد بن معاوية ابن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد جهينة. * حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن معاوية بن نعمة، عن أبيه معاذ بن عبد الله بن أبي مريم الجهني: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد جهينة (4).


(1) في الاصل " يحدث عن جابر وأسامة " وما أثبت عن أسد الغابة 1: 252 والاصابة 1: 212 وهو جابر بن أسامة الجهني، يكنى أبا سعاد، نزل مصر ومات بها، ويعد في الحجازيين، روى عنه معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني المدني. (2) في الاصل " ليلا " وما أثبتناه نقلا عن وفاء الوفا 2: 58 وفي 1: 550 وهم بنو بلى بن عمرو بن الحاف بن قناعة أحد بطون جهينة (جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 442). (3) ورد في أسد الغابة 1: 252، والاصابة 1: 212 في ترجمة جابر بن أسامة الجهني. (4) ورد في وفاء الوفا 2: 58 ط. الآداب. (*)

[ 64 ]

* وحدثنا عن ابن يحيى، عن سعد بن إسحاق بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني ساعدة، الخارج من بيوت المدينة، وفي مسجد بني بياضة، ومسجد بني الحبلى، ومسجد بني عضية، ومسجد بني خدارة (1). * حدثنا عن ابن أبي يحيى، عن أسيد بن سليمان، عن العباس بن سهل: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني ساعدة في خوف المدينة. * حدثنا أبو غسان قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن عبد السلام بن حفص، عن يحيى بن سعيد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يختلف إلى مسجد أبي (2) فيصلي فيه غير مرة ولا مرتين، وقال: لولا أن يميل الناس إليه لاكثرت الصلاة فيه. * وحدثنا عن ابن أبي يحيى، عن أبي بكر بن يحيى بن النضر الانصاري، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في مسجد ما في جوبة (3) المدينة، إلا في مسجد أبي بن كعب في بني جديلة - وقال أبو زيد بن شبة: وفيها ولد عبد الملك بن مروان - ومسجد بني عمرو بن مبذول، ومسجد جهينة، ومسجد بني دينار


(1) مسجد بني خدارة: ينسب لبني خدارة إخوة بني خدرة من الخزرج (خلاصة وفاء الوفا 282). (2) مسجد أبي: هو مسجد أبي بن كعب ببني جديلة، ويقال مسجد بني جديلة من بني النجار، ومنازل بني جديلة عند بئر ماء شامي سور المدينة (وفاء الوفا 2: 56، 57). (3) الجوبة: المكان الوطئ في جلد من الارض ورحبها، وقيل فضاء أملس ما بين أرضين (أقرب الموارد 1: 148). (*)

[ 65 ]

ومسجد دار النابغة، ومسجد بني عدي، وأنه جلس في كهف سلع، وجلس في مجلس الفتح ودعا فيه. * وحدثنا عن ابن أبي يحيى، عن عمرو بن يحيى بن عمارة المازني، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد دار النابغة، واغتسل في مسجد بني عدي. * وعن ابن أبي يحيى، عن هشام بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني عمرو بن مبذول، وفي دار النابغة، ومسجد بني عدي، ومسجد بني خدارة، ومسجد بني عضية، وبني الحبلى (1)، وبني الحارث بن الخزرج، ومسجد السنح، وبني خطمة، ومسجد الفضيخ (2)، وفي صدقة الزبير في بني محمم، وفي بيت صرمة في بني عدي، وفي بيت عتبان (3).


(1) وهم ولد سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج، ولقب سالم بذلك لعظم بطنه، ويعتبرون رهط عبد الله بن أبي بن سلول، ودارهم بين قباء وبين دار بني الحارث بن الخزرج شرقي بطحان (خلاصة وفاء الوفا 285، عمدة الاخبار 172، جمهرة أنساب العرب 354). (2) في مجمع الزوائد 4: 12 عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بفضيخ في مسجد الفضيخ فشربه فلذلك سمي به، رواه أحمد وأبو يعلى إلا أنه قال أتى بجر فضيخ بسر وهو في مسجد الفضيخ فشربه فلذلك سمي مسجد الفضيخ. والفضيخ: شراب يتخذ من البسر المفضوخ أي المشدوخ. (3) هو عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن الخزرج الانصاري السالمي أحد نقباء الانصار من الخزرج، قال: كنت أؤم قومي بني سالم وكان إذا جاءت السيول شق علي أن أجتاز واديا بيني وبين المسجد، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني يشق علي أن أجتازه، فإن رأيت أن تأتيني وتصلي في بيتي مكانا أتخذه مصلى ؟ قال: أفعل. فجاءني الغد فاحتبسته على خزيرة، فلما دخل لم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي في بيتك ؟ فأشرت إلى الموضع الذي أصلي فيه، فصلى فيه ركعتين ثم ذكر الحديث. (أسد الغابة 3: 359). (*)

[ 66 ]

* حدثنا أبو غسان قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن الحارث بن الفضيل: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني خطمة. * حدثنا عن ابن أبي يحيى، عن الحارث بن سعيد بن عبيد الحارثي: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني حارثة، وفي بني ظفر، وفي بني عبد الاشهل. * حدثنا محمد بن خالد قال، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل ابن أبي حبيبة قال، حدثنا داود بن الحصين وعبد الرحمن بن عبد الرحمن، عن أم عامر. أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد بني عبد الاشهل أتى بعرق (1) فتعرفه، ثم صلى ولم يمس ماء. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب في مسجد بني عبد الاشهل، فلما فرغ من صلاته قال: صلوا هاتين الركعتين في بيوتكم. * حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي. عن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بنا في مسجد بني عبد الاشهل، فرأيته واضعا يديه في ثوبه إذا سجد. * حدثنا عبد الله بن نافع الزبيدي قال، حدثني يحيى بن الزبير بن عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، عن إبراهيم بن


(1) العرق بفتح العين وسكون الراء: عظم أخذ منه معظم اللحم، وتعرقه أخذ منه اللحم بأسنانه، (عمدة الاخبار 172). (*)

[ 67 ]

إسماعيل بن أبي حبيبة، مولى بني عبد الاشهل، عن أبيه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد واقم، في بني عبد الاشهل، وعليه برنكان (1)، فلما سجد لم يفض بيديه من البرنكان (1) إلى الارض. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا معن بن عيسى قال، حدثني بن أبي حبيبة، عن عبد الرحمن ابن ثابت بن صامت، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في بني عبد الاشهل في كساء ملتفا به، يقيه برد الحصا. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك قال: جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية - وهي قرية من قرى الانصار - فقال: تدرون أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم من مسجدكم هذا ؟ قلت: نعم، وأشرت له إلى ناحية منه. قال: فهل تدرون بالثلاث (2) التي دعا بهن فيه ؟ قلت: نعم. قال: فأخبرني بهن: قلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدو من غيرهم، وأن لا يهلكهم بالسنين، فأعطيهما. ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعها. قال: صدقت، فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة.


(1) البرنكان - كزعفران - ضرب من الاكسية، هامش وفاء الوفا 2: 64 ط. الآداب وفي أقرب الموارد 1: 40 البركان والبركاني والبرنكان والبرنكاني الكساء الاسود وجمعه برانك. (2) كذا بالاصل وفي وفاء الوفا 2: 39 ط. الآداب عن ابن شبة " ما الثلاث " (*)

[ 68 ]

* حدثنا هرون بن معروف قال، حدثنا مروان بن معاوية قال، حدثنا عثمان بن حكيم الانصاري قال، أنبأنا عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه: أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر بمسجد بني معاوية، فدخل فركع فيه ركعتين، ثم قام فناجى ربه، ثم انصرف. * حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا علي بن مسهر، عن عثمان بن حكيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه: أنه أقبل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فمر بمسجد بني معاوية، فدخل فصلى فيه ركعتين. * حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن عبد الرحمن بن عتبان، عن أبان بن عثمان، عن كعب بن عجرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في أول جمعة حين قدم المدينة في مسجد بني سالم في مسجد عاتكة. * حدثنا أبو غسان قال، حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن غير واحد ممن نثق به من أهل البلد: أن أول جمعة جمعها النبي صلى الله عليه وسلم حين أقبل من قباء إلى المدينة في مسجد بني سالم، الذي يقال له مسجد عاتكة. * وعن ابن أبي يحيى، عن النضر بن مبشر، عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد الخربة (1)، ومسجد القبلتين، وفي مسجد بني حرام الذي بالقاع.


(1) مسجد الخربة: وهو لبني عبيد من بني سلمة، ومنازلهم عنده، والمسجد معروف دبر الحديقة المشهورة بقراصة، وهي حديقة جابر رضي الله عنه. (عمدة الاخبار ص 179 وهامشه، وفاء الوفا 2: 47 ط. الآداب). (*)

[ 69 ]

* وعن ابن أبي يحيى، عن محمد بن أبي عتبة بن أبي مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في صدقته: ميثب. * وعن ابن أبي يحيى، عن يحيى بن إبراهيم بن محمد ابن أبي ثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد الفضيخ، وفي مشربه أم إبراهيم (1). * حدثنا أبو غسان قال، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن الحارث بن الفضل، عن أبيه، عن حابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: حاصر النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير، فضرب قبته قريبا من مسجد الفضيخ، وكان يصلي في موضع الفضيخ ست ليال، فلما حرمت الخمر خرج الخبر إلى أبي أيوب ونفر من الانصار وهم يشربون فيه فضيخا، فحلوا وكاء السقاء، فهراقوه فيه، فبذلك سمي مسجد الفضيخ. * حدثنا ابن أبي يحيى، عن خالد بن رباح: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد راتج، وشرب من جاسوم، وهي بئر هناك. * حدثنا أبو غسان قال، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن زيد بن سعد قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى أبي الهيثم بن التيهان في جاسوم فشرب منها، وصلى في حائطه.


(1) مشربة أم ابراهيم: من صدقات النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من مال مخيريق وسميت بذلك لان مارية أم ابراهيم بن النبي عليه السلام ولدته فيها، وتعلقت حين ضربها المخاض بخشبة من خشبات تلك المشربة. (وفاء الوفا 2: 35، 36، خلاصة وفاء الوفا 269). (*)

[ 70 ]

* وابن أبي يحيى، عن عبد الله بن عتبة بن عبد الملك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيرا ما يصلي في مسجد بنى دينار الذي عند الغسالين (1). * ابن أبي يحيى، عمن سمع كبشة بنت الحارث تخبر عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد على عينين (2) الظرب الذي بأحد عند القنطرة. * ابن أبي يحيى، عن محمد بن عقبة، عن أبي مالك، عن علي بن رافع وأشياخ قومه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيت امرأة من الخضر، فأدخل ذلك البيت في مسجد بني قريظة، فذلك المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم شرقي مسجد بني قريظة عند موضع المنارة التي هدمت. * ابن أبي يحيى، عن سلمة بن عبيد الله الخطمي: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيت العقدة، عند مسجد بني وائل في مسجد العجوز في بني خطمة عند القبة، ومسجد العجوز (3) الذي عند قبر البراء بن معرور، وكان ممن شهد العقبة، فتوفي قبل الهجرة، وأوصى للنبي صلى الله عليه وسلم بثلث ماله، وأمر بقبره أن يستقبل به الكعبة.


(1) الغسالون: تعني المكان الذي يغسل فيه، وقد صارت حديقة، وهناك حي يعرف بالغسلة في باب قباء وراء الثكنة العسكرية في قبلتها، وفي الحديقة مسجد وعليه قبة. (عمدة الاخبار 169، وفاء الوفا 2: 66 ط. الآداب). (2) عينين: تثنية عين. بفتح العين والنون، وقيل بفتح العين وكسر النون (وفاء الوفا 3: 1375 تحقيق محيي الدين). (3) مسجد العجوز: نسبة إلى امرأة من بني سليم ثم من بني ظفر بن الحارث، (وفاء الوفا 2: 70 ط. الآداب). (*)

[ 71 ]

* ابن أبي يحيى، عن سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني وائل بين العمودين المقدمين، خلف الامام بخمس أذرع أو نحوها. قال: وضربنا ثم وتدا. * حدثنا القعنبي قال، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه في منزله، فلم يجلس حتى قال له: أين تحب أن أصلي لك من بيتك ؟ قال: فأشرت له إلى المكان، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففنا خلفه نصلي ركعتين (1). * حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا يونس، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في بيته سبحة الضحى، فقاموا وراءه فصلوا (2). * حدثنا عبد الله بن نافع وأبو غسان قالا، حدثنا مالك ابن أنس، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع: وقال أبو غسان: عن ابن الربيع الانصاري: أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنها تكون الليلة المظلمة والمطر والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى. قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين تحب أن أصلي ؟: فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).


(1) ورد هذا الحديث في أسد الغابة 3: 360 في ترجمة عتبان بن مالك. (2) ورد بسنده ومتنه في وفاء الوفا 2: 74 ط الآداب. (3) ورد في المرجع السابق مع اختلاف يسير في بعض الالفاظ. (*)

[ 72 ]

* حدثنا أبو غسان قال، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن ابن أبي ذئب، عن نافع مولى أبي قتادة (1)، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: عرض النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالسقيا التي بالحرة متوجها إلى بدر وصلى بها. * ابن أبي يحيى، عن خالد بن رباح، عن المطلب بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بنى ساعدة، وجلس في سقيفتهم القصوى، ولم يدخل الغار الذي بأحد، وأنه صلى في المسجد الذي عند الشيخين (2)، وبات فيه، وصلى فيه الصبح يوم أحد، ثم غدا منه إلى أحد. * قال أبو غسان، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن أبي بن عياش عن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد الذي عند البدائع عند الشيخين، وبات فيه حتى أصبح. والشيخان أطمأن. * قال وأخبرني عبد العزيز، عن الزبير بن موسي المخزومي، عن محمد بن عبد الله بن عبد الله بن أبي أمية، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد البدائع بشواء فاكله، ثم بات حتي غدا إلى أحد (3).


(1) في الاصل " عن نافع مولى ابن قتادة " وما أثبتناه عن الخلاص للخزرخي ص 343 ط. الخيرية. (2) الشيخان: أطمأن بجهة الوالج بفنائهما المسجد الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل سميا بذلك لان شيخا وشيخة كانا يتحدثان هناك (وفاء الوفا 4: 1249 محيي الدين). (3) ورد بسنده ومتنه في وفاء الوفا 2: 65 ط. الآداب. (*)

[ 73 ]

* وعن ابن أبي يحيى، عن هشام بن عروة: أن الغار الذي ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن، هو الغار الذي بمكة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على أبي أيوب الانصاري في بيته، ثم انتقل إلى علوه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد السجدة بالمعرس. قال، وحدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أناخ بالبطحاء التي بذي حليفة فصلى بها. قال: وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ذلك. * ابن أبي يحيى، عمن سمع ثابت بن مسحل يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد الشجرة إلى الاسطوانة الوسطى استقبلها، وكانت موضع الشجرة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليها (1). * وابن أبي يحيى، عن محمد بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالشجرة بالمعرس. ومصلاه بالشجرة في مسجد ذي الحليفة، وفي ذي الحليفة، وفي ذي الحليفة (2).


(1) ورد بسنده ومتنه في وفاء الوفا 3: 1002 محيي الدين. (2) كذا بالاصل. ويؤخذ من مجموع الاخبار المروية عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في وفاء الوفاء 3: 1002 محيي الدين أن النبي صلى الله عليه وسلم بات بذي الحليفة مبدأه، وصلى في مسجدها. وأنه كان إذا خرج إلى مكة صلى في مسجد الشجرة. وأنه أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة وصلى بها. كما ورد أن بذي الحليفة مسجدا آخر على رمية سهم أو أكثر قبلي مسجدها الاول ويسمى مسجد الغرس وهو قديم البناء، ولا يبعد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى فيه. ولعل هذا يفسر ما ورد هنا من التوكيد بالتكرير. (*)

[ 74 ]

* حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرنا يونس عن ابن شهاب: أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بات رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة مبدأه، وصلى في مسجدها. * وعن ابن أبي يحيى، عن ربيعة بن عثمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيت إلى جنب مسجد بني خدرة. * قال أبو غسان، وقال لي غير واحد من أهل العلم من أهل البلد: أن كل مسجد من مساجد المدينة ونواحيها مبني بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حين بني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل - والناس يومئذ متوافرون - عن المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة (1). * حدثنا أبو غسان، عن محمد بن طلحة بن الطويل التيمي، (محمد) (2) بن جعفر عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في دار الشفاء (3)، في البيت على يمين من دخل الدار. قال محمد: وصلى في دار بسرة بنت صفوان (4)،


(1) ورد هذا الخبر في عمدة الاخبار ص 141. (2) سقط في الاصل. والاثبات عن وفاء الوفا 3: 88 محيي الدين. (3) دار الشفاء: يقول ابن شبة في دور بنى عدي: واتخذت الشفاء بيت عبد الله دارها التي في الحكاكين الشارعة في الخط، فخرجت طائفة من أيدي ولدها فصارت للفضل، وبقيت بأيديهم طائفة، ويقول السمهودي: الظاهر أنها كانت قرب سوق المدينة (وفاء الوفا 3: 881 محيي الدين). (4) ورد في وفاء الوفا 3: 89 محيي الدين. (*)

[ 75 ]

وصلى في دار عمرو بن أمية الضمري على يمين من دخل مما يلي الخوخة (1). قال: وبلغني أنه صلى في مسجد بني معاوية عن يمين المحراب نحوا من دار عدي. قال أبو زيد بن شبة: كل ما كان عن ابن أبي يحيى، فهو من قول أبي غسان ولم يلقه. (ذكر المساجد التي يقال إنه صلى فيها، ويقال إنه لم يصل فيها) * حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن خالد بن رباح عن سهل، عن ابن أبي أمامة، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم اضطجع في البيت الذي في دار سعد بن خيثمة بقباء (2). * وعن ابن وقيش: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيت سعد بن خيثمة الذي بقباء وجلس فيه (3). * حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن أبي بكر ابن يحيى بن التمر، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في المسجد الذي دار الانصار، ولا في مسجد بني زريق (4)، ولا في مسجد بني مازن (5).


(1) ورد في المرجع السابق. (2) ورد الخبر في وفاء الوفا 3: 812 عن ابن شبة، وورد مثله في وفاء الوفا 3: 875 محيي الدين (2: 73 ط الآداب) عن ابن زبالة فيما نقله المطري. ويقول: إن دار سعد إحدى الدور التي قبلي مسجد قباء يدخلها الناس إذا أرادوا مسجد قباء ويصلون فيها. (3) ورد في وفاء الوفا 3: 812 عن ابن شبة. (4) مسجد بني زريق. روى أنه أول مسجد قرئ فيه القرآن. وأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فيه وعجب من قبلته ولم يصل فيه (وفاء الوفا 3: 857 محيي الدين) وسيأتي خبره قريبا من حديث ابن شبة. (5) مسجد بني مازن: ورد في وفاء الوفا 3: 868 محيي الدين، عن ابن زبالة أن النبي صلى الله عليه وسلم خط مسجد بني مازن ولم يصل فيه. وفي رواية عنه أيضا: = (*)

[ 76 ]

* قال أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن سعد بن إسحاق: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في مسجد بني سالم الاكبر. * ابن أبي يحيى، عن خالد بن رباح، عن المطلب بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل الغار الذي بأحد. * ابن أبي يحيى، عن ربيع بن عبد الرحمن، عن أبيه (أبي سعيد الخدري) (1): أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في مسجد بني خدرة. * ابن أبي يحيى، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع مسجد مازن بيده، وخطه وهيأ قبلته، ولم يصل فيه. * ابن أبي يحيى، عن حرام بن عثمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في مسجد بني حرام الاكبر (2). * ابن أبي يحيى عن عبد الله بن سنان عن سهل بن سعد:


= أنه صلى الله عليه وسلم وضع مسجد بني مازن بيده وصلى في بيت أم بردة في بني مازن. وأم بردة هي مرضعة إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1) إضافة للتوضيح (وفاء الوفا 3: 870 محيي الدين) والخبر فيه عن ابن شبة وابن زبالة. (2) ورد في وفاء الوفا (3: 838 محيي الدين) عن ابن شبة. ويقول السمهودي: وقد ظهر في محله في قرية بني حرام بشعبهم غربي جبل سلع على يمين السالك إلى مساجد الفتح من الطريق القبيلة، وعلى يسار السالك إلى المدينة من مساجد الفتح. فإذا جاوزت البطن الذي فيه مساجد الفتح وأنت قاصد المدينة يلقاك بعد ذلك بطن متسع من سلع فيه آثار قرية هي قرية بني حرام، وذلك شعبهم، وقد انهدم المسجد بأجمعه، وبقي أساسه وآثار أساطينه من الخرز المكسر.. الخ. (*)

[ 77 ]

أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس في سقيفة بني ساعدة القصوى (1). * ابن أبي يحيى، عن يحيى بن عبد الله بن رفاعة الزرقي، عن معاذ بن رفاعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مسجد بني زريق وتوضأ فيه، وعجب من قبلته، ولم يصل فيه. وكان أول مسجد قرئ فيه القرآن (2). * حدثنا أبو غسان، عن عبد المنعم بن عباس، عن أبيه، عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس في السقيفة التي في بني ساعدة، وسقاه سهل بن سعد في قدح، وصبه عليه (1). * حدثنا عبد الاعلى قال، حدثنا هشام، عن الحسن: أن حيا من الانصار يقال لهم بنو سلمة، شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منازلهم من المسجد، فقال لهم: " يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم فإن بكل خطوة درجة ؟ ". * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد، عن علي ابن زيد، عن سعيد بن المسيب، وحميد، عن أنس رضي الله عنه: أن بني سلمة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منازلهم من المسجد فقال: " يا بني سلمة، أما تحتسبون آثاركم ؟ " قالوا: بلى، يا رسول الله. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا طالب بن حبيب قال، حدثني عبد الرحمن - يعني ابن جابر بن عبد الله -، عن أبيه: أن بني سلمة


(1) ورد في وفاء الوفا 3: 858 عن ابن شبة عن حديث عبد المطلب بن عبد الله. وحديث عبد المنعم بن عباس عن أبيه عن جده. (2) ورد في وفاء الوفا 3: 857 عن ابن شبة. (*)

[ 78 ]

قالوا: يا رسول الله نبيع دورنا ونتحول إليك، فإن بيننا وبينك واديا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اثبتوا، فإنكم أوتادها، وما من عبد يخطو إلى الصلاة خطوة إلا كتب الله له أجرا ". * حدثنا فليح بن محمد التمامي قال، حدثنا سعيد بن سعيد ابن أبي سعيد قال، حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة قال: شكا أصحابنا يعني بني سلمة وبني حرام - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السيل يحول بينهم وبين الجمعة - وكانت دورهم مما يلي نخيلهم ومزارعهم - في مسجد القبلتين ومسجد الخربة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " وما عليكم لو تحولتم إلى سفح الجبل " - يعني سلعا - فتحولوا، فدخلت حرام الشعب، وصارت سواد وعبيد (1) إلى السفح. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا الحزامي قال، حدثني معن بن عيسى قال: حدثني كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده: أن مزينة وبني كعب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يبنوا مسجدا كما بنت القبائل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مسجدي مسجدكم، وأنتم باديتي، وأنا حاضرتكم، وعليكم أن تجيبوني إذا دعوتكم ". * حدثنا محمد بن زوين قال، حدثنا العطاف بن خالد، عن كثير بن عبد الله بن عمرو المزني، عن أبيه، عن جده قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي ببطن الروحاء


(1) هم بنو سواد بن غنم بن كعب، وبنو عبيد بن عدي بن كعب (وفاء الوفا 2: 27 ط الآداب). (*)

[ 79 ]

عند عرق الظبية (1)، ثم قال: " هذا سجاسج، واد من أودية الجنة ". * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن موسى التيمي قال، حدثني أسامة بن زيد، عن معاذ ابن عبد الله (بن حبيب) (2)، عن جابر بن أسامة الجهني قال: لقيت النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه بالسوق، فسألت أصحابه: أين تريدون ؟ قالوا: نخط لقومك مسجدا. فرجعت فإذا قومي قيام، فقلت: ما لكم ؟ قالوا: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجدا، وغرز في القبلة خشبة أقامها فيها. (ما جاء في جبل أحد) * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن عبد الله الاودي، عن خالد بن أيوب، عن معاوية ابن قرة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما تجلى الله عزوجل للجبل، طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة، وثلاثة بمكة، وقع بالمدينة أحد وورقان ورضوى، ووقع بمكة حراء وثبير وثور (3).


(1) عرق الظبية: الظبية بضم المعجمة وسكون الموحدة. شجرة تشبه القتادة يستظل بها (وفاء الوفا 4: 1259 محيي الدين. والروحاء واد، وفي هذا المسجد تشاور النبي صلى الله عليه وسلم لقتال أهل بدر (وفاء الوفا 3: 1008، 1009) وهناك أحاديث عدة عن ابن زبالة عن عمرو بن عوف، وعن الطبراني برجال ثقات. (2) إضافة عن أسد الغابة 1: 252، والاصابة 1: 212 وانظر الحديث هناك، وفي وفاء الوفا 3: 855 محيي الدين. (3) ورد في وفاء الوفا 2: 109، 3: 927 محيي الدين عن ابن شبة من حديث أنس بن مالك. وفي عمدة الاخبار ص 135 " يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما تجلى الله عزوجل لجبل طور سيناء تشظى منه شظايا فنزلت بمكة ثلاث: حراء وثبير وثور، وبالمدينة أحد وورقان ورضوى. (*)

[ 80 ]

* قال أبو غسان: فأما " أحد " فبناحية المدينة على ثلاثة أميال منها في شاميها، وأما " ورقان " فبالروحاء من المدينة على أربعة برد، وأما " رضوى " فبينبع على مسيرة أربعة ليال، وأما " حراء " فبمكة وجاء بئر ميمون، و " ثور " أسفل مكة، هو الذي اختبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في غاره. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا الخزامي قال، حدثنا معن بن عيسى قال، حدثني كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم في أول غزوة غزاها الابواء، نزل بعرق الظبية، وهو المسجد الذي دون الروحاء. فقال: أتدرون ما اسم هذا الجبل ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا حمت. جبل من جبال الجنة، اللهم بارك فيه وبارك لاهله. ثم قال: هذا سجاسج للروحاء، وهذا واد من أودية الجنة، وقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيا (1). * حدثنا ميمون بن الاصبغ قال، حدثنا الحكم بن نافع قال، حدثنا شعيب بن أبي حمزة قال، أخبرني عقبة بن سويد الانصاري، أنه سمع أباه - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: قفلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة خيبر، فلما بدا له أحد قال: الله أكبر، جبل يحبنا ونحبه (2). * حدثنا محمد بن خالد قال، حدثنا كثير بن عبد الله قال، حدثني أبي، عن أبيه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 167، 168 روايات متعددة أطولها رواية ابن زبالة كما ورد في ص 390 من نفس الجزء. (2) ورد في وفاء الوفا 2: 107 ط. الآداب من رواية سويد الانصاري. (*)

[ 81 ]

أربعة أجبل من جبال الجنة: " أحد " جبل يحبنا ونحبه، جبل من جبال الجنة، و " ورقان "، جبل من جبال الجنة، و " لبنان " جبل من جبال الجنة، و " طور "، جبل من جبال الجنة (1). * حدثنا عبد الله بن نافع قال، حدثني مالك بن أنس، عن عمرو مولى المطلب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه (2). * حدثنا القعنبي قال، حدثنا عبد العزيز، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه أقبل مع النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر، فلما بدا لهم أحد قال: هذا جبل يحبنا ونحبه (3). * حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن عاصم الاحول، عن أبي قلابة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء من سفر فبدا له أحد قال: هذا جبل يحبنا ونحبه. ثم قال: آيبون تائبون، ساجدون لربنا حامدون (4). * حدثنا نصر بن علي قال، حدثنا أبي قال: حدثنا قرة عن قتادة قال، سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحدا جبل يحبنا ونحبه.


(1) روى السمهودي هذا الحديث في وفاء الوفا 2: 108 عن الطبراني - الكبير - عن عمرو بن عوف مطولا مع اختلاف في لفظه، وذكر أن ابن شبة رواه مختصرا في كتابه. وانظر أيضا مجمع الزوائد 4: 14 حيث ورد الحديث فيه مرويا عن عمرو ابن عوف أيضا. (2) ورد هذا الحديث في وفاء الوفا 2: 107 ط الآداب. (3) ورد هذا الحديث في وفاء الوفا 2: 108 ط الآداب. (4) ورد الحديث في وفاء الوفا 2: 108 ط الآداب. (*)

[ 82 ]

* حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا محمد بن شعيب قال، حدثنا عبد الرحمن بن سليم، عن يحيى بن عبيد الله، أنه أخبره، أنه سمع أباه يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: لما قدمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة خيبر، بدا لنا أحد فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه، إن أحدا هذا لعلى باب من أبواب الجنة (1). * حدثنا القعنبي قال، حدثنا سليمان بن بلال، عن محمود ابن يحيى، عن العباس بن سهل الساعدي، عن أبي حميد قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، فلما أشرفنا على المدينة قال: هذه طابة، وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه (2). * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا مالك، وسفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لاحد جبل يحبنا ونحبه. * قال وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن هشام بن سعد، عن أبي حازم عن سهل بن سعد، عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه: قال: أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من منزل حتى إذا كنا بغرابات (3) نظر إلى أحد فكبر ثم قال: جبل يحبنا ونحبه، جبل سائر ليس من جبال أرضنا.


(1) ورد في المرجع السابع 2: 108 ط الآداب. (2) ورد هذا الحديث في مجمع الزوائد 4: 13 عن أبي هريرة رضي الله عنه. وفي مختصر كنز العمال 5: 361 عن انس رضى الله عنه " هذه طابة، وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه ". (3) الغرابات: في معجم البلدان 2: 779 ط. طهران - وفي مراصد الاطلاع 2: 986 " الغرابات: جمع غرابة، موضع، وهي أمواه لخزاعة أسفل كلية. وفي = (*)

[ 83 ]

* قال وحدثني عبد العزيز، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن عبد الرحمن الاسلمي قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحد " على باب من أبواب الجنة، و " عير " على باب من أبواب النار (1). * قال وحدثني عبد العزيز، عن ابن أبي حبيبة، عن داود ابن الحصين قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحد " على ركن من أركان الجنة، و " عير " على ركن من أركان النار " (2). * قال وحدثني محمد بن طلحة التيمي، عن إسحاق بن يحيى ابن طلحة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أحد، وورقان (3)، وقدس، ورضوى، من جبال الجنة (4).


= معجم ما استعجم للبكري 692 " الغرابات على لفظ الجمع: آكام سود. والحديث رواه السمهودي من ابن شبة في وفاء الوفا 2: 107. (1) في مجمع الزوائد 4: 13 " عن أبي عبس بن جبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاحد: هذا جبل يحبنا ونحبه، على باب من أبواب الجنة، وهذ عير جبل يبغضنا ونبغضه على باب من أبواب النار. وانظر هذا الحديث في منتخب كنز العمال 5: 361، وانظره أيضا في عدة الاخبار ص 135 عن رواية الطبراني. (2) في مجمع الزوائد 4: 13 عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحد ركن من أركان الجنة. (3) ورقان - بوزن قطران: جبل أسود بين العرج والرويتة، على يمين المار من المدينة إلى مكة (النهاية في غريب الحديث 5: 176). (4) روى السمهودي في وفاء الوفا 2: 108 هذا الحديث عن إسحاق بن يحيى ابن طلحة مرسلا. وقال البكري في معجم ما استعجم ص 738: قدس بضم أوله وإسكان ثانيه بعده سين مهملة - من جبال تهامة، وهو جبل العرج، يتصل بورقان، وهو ينقاد إلى المتعشى بين العرج والسقيا، ويقطع بينه وبين القدس الآخر الاسود عقبة يقال لها حمت. قال السكوني: ونبات القدسين العرعر والقرظ والشوحط. = (*)

[ 84 ]

* قال وحدثني عبد العزيز، عن ابن سمعان، عن عبد الله بن محمد بن عبيد، عن زينب بنت نبيط، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أحد على باب من أبواب الجنة. فإذا مررتم به فكلوا من شجره، ولو من عضاهه. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا الحزامي قال، حدثنا سفيان بن حمزة، عن كثير بن زيد، عن عبد الله بن تمام، مولى أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عن زينب بنت نبيط - وكانت تحت أنس بن مالك رضي الله عنه - أنها كانت ترسل ولائدها فتقول: اذهبوا إلى أحد فأتوني من نباته، فإن لم تجدن إلا عضاها فأتنني به (1)، فإن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا جبل يحبنا ونحبه. فقالت زينب: فكلوا من نباته، ولو من عضاهه. قالت: فكانت تعطينا منه قليلا قليلا فنمضغه. * قال أبو غسان، وأخبرني عبد العزيز، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن هرمز، عن جده، عن أبيه رافع بن خديج رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتش أحد إلا يوما بيوم. * قال وأخبرني عبد العزيز، عن ابن سمعان، عن أبي حرملة (2)


= وهما لمزينة. وفي مراصد الاطلاع 3: 1068 " قدس جبل عظيم بأرض نجد، وقيل: بالحجاز جبلان يقال لهما قدس الابيض وقدس الاسود عند ورقان. (1) في الاصل (فاتني به) والمثبت عن وفاء الوفا 2: 108 ط. الآداب، وانظر الحديث هناك. وكذا في مجمع الزوائد 4: 13 عن أنس رضي الله عنه باختصار فيه. (2) في الاصل " ابن حرملة " والتصويب عن خلاصة تذهيب الكمال ص 400. (*)

[ 85 ]

قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما مثل أحد على الارض كمثل كرنافة (1) ما، ليس لها سنم. * قال وأخبرني عبد العزيز، عن أبي معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربعة أنهار في الجنة، وأربعة أجبل، وأربع ملاحم في الجنة: فأما الانهار فسيحان وجيحان والنيل والفرات، وأما الا جبل فالطور ولبنان وأحد وورقان، وسكت عن الملاحم (2). * قال وأخبرني عبد العزيز، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك: أنهما لم يزالا يسمعان أن أهل الجاهلية كانوا يسمون أحدا عنقد. * قال وأخبرني عبد العزيز الدراوردي، عن رجل من الانصار عن عبد الملك بن جابر بن عتيك، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خرج موسى وهارون حاجين أو معتمرين، حتى إذا قدما المدينة خافا اليهود، فنزلا أحدا وهارون مريض، فحفر له موسى قبرا بأحد وقال: يا أخي ادخل فيه


(1) الكرنافة = الكرناف - بالضم والكسر للكاف: أصول سعف النخل تبقى في الجذع بعد قطع السعف، الواحذة بهاء، والجمع كرانيف، والكرنفة، الضاوي من الابل (القاموس المحيط للفيروز آبادي) ولعل المراد في التمثيل هو ما يعني الابل الضاوية. (2) جاء في مجمع الزوائد 4: 14 عن عمرو بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربعة أجبال من أجبال الجنة، وأربعة أنهار من أنهار الجنة، وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة، قيل: فما الاجبال ؟ قال: أحد يحبنا ونحبه. جبل من جبال الجنة، وورقان جبل من جبال الجنة، والطور جبل من جبال الجنة، ولبنان جبل من جبال الجنة، والانهار الاربعة، النيل والفرات وسيحان وجيحان. والملاحم بدر وأحد والخندق وحنين. وقد روي هذا الحديث في وفاء الوفا 2: 108 ط الآداب وقال السمهودي: ابن شبة رواه مختصرا. (*)

[ 86 ]

فإنك ميت. فدخل فيه، فلما دخل قبضه الله، فحثا موسى عليه التراب (1). (ما ذكر في مقبرة البقيع وبني سلمة والدعاء هناك (2)) * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عمر بن علي، عن عبيد الله بن جبير، مولى الحكم بن أبي العاص، عن ابن أبي مويهبة (3)، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أهبني رسول الله عليه وسلم من جوف الليل فقال: إني قد أمرت أن أستغفر لاهل البقيع، فانطلق معي. فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 110 عن ابن شبة عن جابر بن عبد الله مرفوعا قال: خرج موسى وهارون.. الحديث. (2) البقيع: بفتح أوله وكسر ثانيه وعين مهملة هو الذي حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على عشرين فرسخا من المدينة، وبقيع الغرقد مقبرة المدينة. وأصل البقيع في اللغة: الموضع فيه أروم الشجر من ضروب شتى، والغرقد: كبار العوسج، قال الاصمعي: قطعت غرقدات في هذا الموضع حين دفن فيه عثمان بن مظعون فسمي بقيع الغرقد. قال المطري: إن أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم ممن توفي في حياة النبي وبعد وفاته مدفونون بالبقيع، وكذلك سادات أهل بيت النبي. وسادات التابعين. وفي مدارك عياض عن مالك: أن هناك بالمدينة من الصحابة نحو عشرة آلاف. وقال المجد: لا شك أن مقبرة البقيع محشوة بالجماء الغفير من سادات الامة. غير أن اجتناب السلف الصالح من المبالغة في تعظيم القبور وتجصيصها أفضى إلى انطماس آثار أكثرهم، فلذلك لا يعرف قبر معين منهم إلا أفراد معدودون، وقد ابتنى عليها مشاهد. (معجم ما استعجم للبكري ص 170، مراصد الاطلاع 1: 213، معجم البلدان لياقوت ط. طهران 1: 703، وفاء الوفا 2: 101). (3) في الاصل " ابن موهبة " والمثبت عن نهاية الارب 18: 231 ط. دار الكتب. (*)

[ 87 ]

قال: " السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الاولى " ثم استغفر لهم طويلا. * حدثنا إسماعيل بن أبي طرفة الحراني قال، حدثنا ممد ابن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عمر بن علي، عن عبيد بن جبير مولى الحكم بن أبي العاص، عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، عن أبي مويهبة رضي الله عنهما قال: أهبني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة، إني قد أمرت أن أستغفر لاهل هذا البقيع، فانطلقت معه، فلما أشرف عليهم قال: " السلام عليكم يا أهل المقابر، لو تعلمون ما نجاكم الله منه، ليهن ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الاولى ". ثم استغفر لهم، ثم قال: " يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي ثم الجنة ". قلت: بأبي وأمي خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة. قال: " لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي ثم الجنة ". ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدى به رجعه الذي قبض فيه (1). * حدثنا هرون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا ابن جريج، عن عبد الله بن كثير بن المطلب، أنه سمع محمد


(1) رواه الامام أحمد في مسنده، والطبراني في الكبير، والحاكم في المستدرك، ومنتخب كنز العمال 5: 360. (*)

[ 88 ]

ابن قيس يقول: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: ألا أخبركم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعني ؟ قلنا: بلى. قالت: لما كانت ليلتي انفلت (1) فوضع نعليه عند رجليه، ووضع رداءه، وبسط طرف إزاره على فراشه (فاضطجع) (2) ثم لم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، ثم انتعل رويدا، وأخذ رداءه رويدا، ثم فتح الباب رويدا، ثم خرج وأجافه رويدا، وجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري، وانطلقت في أثره حتى جاء البقيع، فرفع يده ثلاث مرات وأطال القيام، ثم انحرف وانحرفت، وأسرع وأسرعت، وهرول وهرولت، وأحضر (3) وأحضرت، وسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: مالك يا عائشة رابية حشيا (4) ؟ قلت: لا شئ. قال: لتخبريني (5) أو ليخبرني اللطيف الخبير. قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته الخبر.


(1) كذا بالاصل ووفاء الوفا 2: 78 ط. الآداب. وفي عمدة الاخبار ص 123 " انقلب ". (2) سقط بالاصل، وما أثبتناه عن عمدة الاخبار ص 123، ووفاء الوفا 2: 78 ط. الآداب. (3) الحضر: بالضم: ارتفاع الفرس في عدوه كالاحضار، وقال الازهري: الحضر والحضار من عدو الدواب، والفعل الاحضار. وقال كراع: أحضر الفرس إحضارا وحضرا، وكذلك الرجل، وعندي: أن الحضر الاسم المصدر (تاج العروس 3: 146). (4) حشيا: بفتح الحاء المهملة وإسكان الشين المعجمة. معناه: قد وقع عليك الحشا، وهو الربو والتهيج الذي يعرض للمسرع في مشيته، والمجتهد في كلامه، من ارتفاع النفس وتواتره. وقوله رابية: أي مرتفعة. (عمدة الاخبار 123 - 124). (5) في الاصل " لخبرني " والمثبت عن عمدة الاخبار ص 123. (*)

[ 89 ]

قال: فأنت السواد الذي رأيته أمامي ؟ قلت: نعم، قال: فلهزني (1) لهزة في صدري أوجعتني. وقال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله ؟ قالت: مهما يكتم الناس فقد علمه الله. قال: نعم. قال: فإن جبريل أتاني حين رأيت ولم يكن (2) ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك، فناداني فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، وظننت أنك قد رقدت فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشيني، فأمرني (3) أن آتي أهل البقيع فأستغفر لهم. قالت: وكيف أقول ؟ قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله للاحقون. * حدثنا القعنبي قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو مضطجع على فراشه، إذ قام فلبس ثيابه وأنا مستيقظة، فأرسلت جاريتي بريرة في أثره لتنظر أين يذهب، قالت: فسلك نحو البقيع بقيع الغرقد، فوقف في أدنى البقيع ثم رفع يديه، ثم انصرف، وأقبلت الجارية إلي فأخبرتني فسكت عنه فلم أسأله عن شئ من ذلك حتى أصبحت، فسألته، حين


(1) لهزني: يقال لهزة لهزة - بالزاي المعجمة - إذا ضربه بجمع كفه في صدره (عمدة الاخبار 124). (2) في الاصل " لو لم يكن " والتصويب عن عمدة الاخبار 123، ووفاء الوفا 2: 78 ط. الآداب. (3) كذا في الاصل، وفي وفاء الوفا 2: 78 ط. الآداب وعمدة الاخبار ص 123 " فقال: إن ربك يأمرك ". (*)

[ 90 ]

أصبحت فقلت: يا رسول الله، أين خرجت البارحة ؟ فقال: بعثت إلى أهل البقيع لاصلي عليهم (1). * حدثنا القعنبي قال: حدثنا عبد العزيز، عن شريك، عن عطاء بن يسار، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتها منه، يخرج آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أتانا وإياكم ما توعدون، غدا مؤجلون، وإنا إن شاء لله بكم لاحقون، اللهم اغفر لاهل بقيع الغرقد (2). حدثنا أبو غسان قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي، فظننت أنه خرج إلى بعض نسائه، فتتبعته حتى جاء البقيع فسلم ودعا ثم انصرف، فسألته: أين كنت ؟ فقال: إني أمرت أن آتي أهل البقيع فأدعو لهم وأصلي عليهم (3). * حدثنا عبد الله بن نافع، والقعنبي، ومحمد بن خالد بن


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 78 وقد نقله السمهودي عن الموطأ مرويا عن عائشة مع اختصار في متنه. (2) ورد في وفاء الوفا 2: 78 مرويا عن ابن شبة عن عائشة: قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كانت ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لاهل بقيع الغرقد. (3) ذكر السمهودي في وفاء الوفا رواية لابن شبة عن عائشة قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي فظننت أنه خرج إلى بعض نسائه فتتبعته حتى جاء البقيع... الحديث. (*)

[ 91 ]

عثمة، عن مالك بن أنس، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قام النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فلبس ثيابه، ثم خرج، فأمرت جاريتي بريرة فتتبعته حتى جاء البقيع، فوقف في أدناه - زاد ابن نافع والقعنبي: ما شاء الله أن يقف - ثم رجع. قال محمد بن خالد: ورجعت بريرة أمامه، وقال ابن نافع والقعنبي: فسبقت فأخبرتني - ولم أذكر له شيئا حتى أصبحت، فلما أصبحت ذكرت ذلك له فقال: إني أمرت أن آتي أهل البقيع فأصلي عليهم. وقال ابن نافع والقعنبي: بعثت إلى أهل البقيع لاصلي عليهم. * حدثنا محمد بن سنان، عن شريك، عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الليل فتبعته، فأتى البقيع - أو قال: المقبرة - فقال: السلام عليكم ديار قوم مؤمنين، وإنا بكم لاحقون. أنتم لنا فرط، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم. ثم التفت إلي فرآني. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا سعد (1) أبو عاصم قال، حدثني نافع مولى حمنة بنت شجاع قال، حدثتني أم قيس بنت محصن قالت: لو رأيتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بيدي في سكة من سكك المدينة كل البشر فيه (2) حتى أتينا البقيع


(1) في الاصل " سعيد " وما أثبته من ميزان الاعتدال 1: 371، وهو سعد ابن زياد - أبو عاصم - وسيرد صوابا في الحديث التالي. إلا أنه سمي والده زيدا. (2) الكلمات الثلاث السابقة لا تقرأ في الاصل، ورسمها أقرب إلى المثبت، وقد ورد الحديث في وفاء الوفا 2: 80 ط. الآداب عن ابن شبة لكنه أسقط العبارات من أول " لو رأيتني " إلى هنا. (*)

[ 92 ]

فقال: يا أم قيس، يبعث من هذه القبور سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، كأن وجوههم القمر ليلة البدر. قالت: فقام رجل فقال: يا رسول الله، وأنا. قال: وأنت: فقام آخر فقال: يا رسول الله، وأنا. قال: " سبقك عكاشة ". قال سعد: فقلت لها: ما له لم يقل للآخر ؟ قالت ؟ أراه كان منافقا. * حدثنا الحسن بن عثمان قال: حدثنا أبو عاصم سعد بن زيد (1) مولى سليمان بن علي قال، أخبرني نافع - وليس بنافع مولى ابن عمر - بمثله، إلا أنه لم يقل: " فقلت لام قيس ". * حدثنا فليح بن محمد اليماني قال، حدثنا محمد بن سعيد المقبري قال، حدثني أخي، عن جده، أن كعب الاحبار قال: نجد مكتوبا في الكتاب أن مقبرة بغربي المدينة على حافة سيل، يحشر منها سبعون ألفا ليس عليهم حساب - وأن أبا سعيد المقبري قال لابنه سعيد: إن أنا هلكت فادفني في مقبرة بني سلمة التي سمعت من كعب (2). * حدثنا أبو غسان قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن عبد العزيز بن مبشر، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مقبرة بغربي


(1) انظر التعليق الذي قبل السابق. (2) في وفاء الوفا 2: 81 ط. الآداب عن المطلب بن حنطب رفعه مرسلا " يحشر من مقبرة المدينة - يعني البقيع - سبعون ألفا لا حساب عليهم، تضئ وجوههم عمدان اليمن. وجاء ما يقتضي أن هذا العدد يبعث من مقبرة بني سلمة وهي عند مسجد بني حرام منهم، وقد روى ابن شبة حديثه بالاصل عن أبي سعيد المقبري. (*)

[ 93 ]

المدينة يقرضها السيل يسارا، يبعث منها كذا وكذا لا حساب عليهم. قال ابن مبشر: لا أحفظ العدد. * وحدثني عبد العزيز، عن حماد بن أبي حميد، عن ابن المنكدر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحشر من البقيع سبعون ألفا على صورة القمر ليلة البدر، كانوا لا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون (1). * قال: وكان أبي يخبرنا أن مصعب بن الزبير دخل المدينة، فدخل من طريق البقيع ومعه ابن رأس الجالوت، فسمعه مصعب وهو خلفه حين رأى المقبرة يقول: هي هي، فدعاه مصعب فقال: ماذا تقول ؟ قال: نجد صفة هذه المقبرة في التوراة بين حرتين محفوفة بالنخل اسمها كفتة (2)، يبعث الله منها سبعين ألفا على صورة القمر (3).


(1) رواه السمهودي في وفاء الوفا 2: 80 ط. الآداب عن أبي المنكدر مرسلا. (2) كفته: بالفتح ثم السكون وتاء مثناة: سميت مقبرة البقيع بذلك لانها تكفت الموتى، أي تحفظهم وتحرزهم (معجم البلدان لياقوت، ومراصد الاطلاع 3: 1169). (3) ورد في عمدة الاخبار ص 126 عن سعيد المقبري قال: قدم مصعب بن الزبير حاجا - أو معتمرا - ومعه ابن رأس الجالوت، فدخل المدينة من نحو البقيع، فلما مر بالمقبرة قال ابن رأس الجالوت: إنها لهي. قال مصعب: وما هي ؟ قال: إنا نجد في كتاب الله صفة مقبرة في شرقيها نخل وغربيها بيوت يبعث منها سبعون ألف كلهم على صورة القمر ليلة البدر، وقد طفت مقابر الارض فلم أر تلك الصفة حتى رأيت هذه المقبرة. وفي لفظ لما أشرف ابن رأس الجالوت على البقيع قال: هذه التي نجد في كتاب الله كفتة، لا أطؤها. قال: فانصرف عنها إجلالا لها، وأما أول من دفن بالبقيع من الصحابة.. الخ. وقد روى هذا الحديث في وفاء الوفا 2: 81 ط. الآداب، بما هو متفق مع الاصل سندا ومتنا. (*)

[ 94 ]

* حدثنا أبو غسان، عن الثقة، عن ابن أبي درة السلمي، عن عقبة بن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، وعن ابن أبي عتيق وغيرهما من مشيخة بني حرام، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مقبرة بين سبلين غربية، يضئ نورها يوم القيامة ما بين السماء إلى الارض. * وأخبرني عبد العزيز، عن أبي مروان بن أبي جبر، عن عادل بن علي، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) (1) أتى البقيع فوقف فدعا واستغفر. * حدثنا هودة بن خليفة قال: حدثنا عوف، عن الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على أهل البقيع فقال: السلام عليكم يا أهل القبور من المؤمنين والمسلمين، لو تعلمون ما (2) نجاكم الله منه مما هو كائن بعدكم ! ! ثم نظر إلى أصحابه فقال: هؤلاء خير منكم. قالوا: يا رسول الله، وما يجعلهم خيرا منا ؟ قد أسلمنا كما أسلموا، وهاجرنا كما هاجروا، وأنفقنا كما أنفقوا، فما يجعلهم خيرا منا ؟ قال: إن هؤلاء مضوا لم يأكلوا من أجورهم شيئا، وشهدت عليهم، وإنكم قد أكلتم من أجوركم بعدهم، ولا أدري كيف تفعلون بعدي. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا مبارك قال، حدثنا الحسن قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على بقيع الغرقد فقام فقال:


(1) سقط في الاصل والاثبات للسياق. (2) رواية السمهودي في وفاء الوفا 2: 79 ط. الآداب عن ابن شبة " لو تعلمون ما الذي نجاكم.. الخ، وقد رواه الطبراني في الكبير ومنتخب كنز العمال 5: 360. (*)

[ 95 ]

" السلام عليكم يا أهل القبور - ثلاثا - لو تعلمون ما الذي نجاكم الله منه مما هو كائن بعدكم ؟ قال: ثم التفت فقال: " هؤلاء خير منكم - ونحن خلفه - قلنا: يا رسول الله، إنما هم إخواننا، آمنا كما آمنوا، وأنفقنا كما أنفقوا، وجاهدنا كما جاهدوا، وأتوا على آجالهم ونحن ننتظر ؟ قال: إن هؤلاء قد مضوا لم يأكلوا من أجورهم شيئا، وقد أكلتم من أجوركم، ولا أدري كيف تصنعون بعدي. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب - يعني ابن محمد -، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى البقيع فيدعو لهم، فسألته عائشة عن ذلك فقال: إني أمرت أن أدعو لهم. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال قال، حدثني عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: قال لي أبي: يا بني، إني قد كبرت وذهب أصحابي، وحان (1) مني فخذ بيدي. فأخذت بيده حتى جاء إلى البقيع (2)، فجئت به أقصى البقيع مكانا لا يدفن فيه، فقال يا بني، إذا هلكت فاحفر لي هاهنا، لا تبك علي باكية، ولا تضربن علي فسطاطا، ولا تمشين معي بنار، ولا تؤذين أحدا، واسلك بي زقاق عمقة، وليكن مشيك بي خببا.


(1) في عمدة الاخبار 123 " وذهب أصحابي وخادمي " والمثبت متفق مع وفاء الوفا 2: 100. (2) في الاصل " حتى جئت إلى البقيع فجئت أقصى البقيع " وما أثبتناه عن عمدة الاخبار ص 123 ورواه السمهودي في وفاء الوفا 2: 100 من حديث مجاهد. (*)

[ 96 ]

* حدثنا فليح بن محمد. قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل قال، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: ما أحب أن أدفن في البقيع، لان أدفن في غيره أحب إلي من أن أدفن فيه، إنما هو أحد رجلين: إما ظالم، فلا أحب أن أكون معه في قبره، وأما صالح، فلا أحب أن تنشر لي عظامه. * وحدث الواقدي قال، حدثنا عبد الملك بن محمد، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال: أول ميت بالمدينة من الانصار أسعد بن زرارة (1) أبو أمامة، ودفنه بالبقيع، ولم يكن قبل ذلك صلاة على الجنائز. * حدثنا سويد بن شعبة قال، حدثنا ابن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد قال، قال أبي: يا بني، كبرت وذهب أصحابي، ودنا (2) مني ثم اتكأ علي. فأتى البقيع حيث لا يدفن أحد فقال: إذا مت فادفني ها هنا، واسلك بي زقاق عمقة، ولا تضربوا علي فسطاطا، ولا تتبعوني بنار، ولا تبك


(1) هو أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الانصاري الخزرجي، ويقال له: أسعد الخير، وكنيته أبو أمامة. وهو من أول الانصار إسلاما. قال ابن إسحاق: شهد العقبة الاولى والثانية والثالثة، وكان نقيبا. وهو أيضا أول من صلى الجمعة بالمدينة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم ومات في السنة الاولى من الهجرة في شوال قبل بدر، وكان موته بمرض يقال له الذبحة، ومات والمسجد يبنى فقال النبي صلى الله عليه وسلم " بئس الميتة لليهود يقولون أفلا دفع عن صاحبه، وما أملك له ولا لنفسي شيئا ". قال البغوي: بلغني أنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة، وأنه أول ميت صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وروى الواقدي من طريق عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: أول من دفن بالبقيع أسعد بن زرارة، هذا قول الانصار، وأما المهاجرون فقالوا: أول من دفن به عثمان بن مظعون (أسد الغابة 1: 71، الاصابة 1: 50). (2) كذا في الاصل وفي وفاء الوفا 2: 100 " وحان مني ". (*)

[ 97 ]

علي نائحة، وامشوا بي الخبب، ولا تؤذنوا بي أحدا. قال: فسألني الناس متى يخرج ؟ فأكره أن أخبرهم، لما قال لي، فأخرجته في صدر النهار، فأتيت البقيع وقد ملئ ناسا. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الله بن نافع، عن شعيب أبي عبادة، عن أبي كعب القرطي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من دفن في مقبرتنا هذه شفعنا - أو شهدنا - له. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني عبد العزيز بن محمد، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم للبقيع فقال: السلام عليكم قوم مؤجلون، أتانا وإياكم ما توعدون، اللهم اغفر لاهل بقيع الغرقد. (ذكر مواضع قبور ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم من أصحابه وأسلاف المسلمين) * حدثنا أبو حذيفة (1) قال، حدثنا سفيان، عن الاعمش، عن أبي الضحى، عن البراء رضي الله عنه قال: مات إبراهيم - يعني ابن رسول الله صلى لله عليه وسلم: - وهو ابن ستة عشر شهرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادفنوه في البقيع، فإن له مرضعا في الجنة تتم رضاعه (2).


(1) ورد في هامش اللوحة 32 ما يلي " هو: موسى بن مسعود أبو حذيفة النهدي روى عنه البخاري، وهو صادق. ويقرر هذا ما جاء في الخلاصة للخزرجي 336 ط. الخيرية، وميزان الاعتدال 3: 218، وهو موسى بن مسعود النهدي أبو حذيفة البصري، أحد شيوخ البخاري، روى عن الثوري وزائدة، وعنه البخاري والحسن ابن عرفة، وطائفة، وقال العجلي وأبو حاتم: ثقة صدوق، وقال البخاري: مات سنة عشرين ومائتين. (2) ورد هذا الحديث في وفاء الوفا 2: 83 من رواية ابن شبة عن البراء رضي الله عنه. (*)

[ 98 ]

* حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن الاعمش بإسناده مثله، ولم يقل: " تتم رضاعه ". * حدثنا محمد بن بكار قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمر مولى عفرة، عمن حدثه، أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى ابنه إبراهيم قبل أن يدرج في أكفانه. * حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال، حدثنا حبان بن علي، عن عطاء بن عجلان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر على ابنه أربعا. * حدثنا أبو عاصم، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء قال: لما دفن إبراهيم، رأى النبي صلى الله عليه وسلم في القبر جحرا فقال: سدوا الجحر فإنه أطيب للنفس، إن الله يحب إذا عمل العبد عملا أن يتقنه. * حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا يحيى بن حمزة، عن برد (1)، عن مكحول قال: توفي إبراهيم، فلما وضع في اللحد وصف (2) عليه اللبن، بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرجة من اللبن، فأخذ بيده مدرة فناولها رجلا فقال: " ضعها في تلك الفرجة ". ثم قال: " أما إنها لا تضر ولا تنفع، ولكنها تقر بعين الحي.


(1) هو برد بن سنان أبو العلاء الدمشقي نزيل البصرة توفي سنة 135 ه‍ (ميزان الاعتدال 1: 141، الخلاصة للخزرجي 46) وقد أورد السمهودي هذا الحديث في وفاء الوفا 2: 83 ط. الآداب نقلا عن ابن شبة. (2) في وفاء الوفا: 83 ط. الآداب " ورصف " والحديث من رواية ابن شبة بسنده عن مكحول. (*)

[ 99 ]

* حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد قال، أخبرني عبد الله بن محمد بن عمر، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رش على قبر ابنه إبراهيم، وأنه أول من رش عليه. قال: ولا أعلم إلا أنه قال: وحثا عليه بيديه من التراب، وقال حين فرغ من دفنه عند رأسه: السلام عليكم (1). * حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثني عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن سعيد بن جبير قال: دفن إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزوراء، موضع السقاية التي على يسار من سلك البقيع مصعدا إلى جنب دار محمد بن زيد ابن علي (2). * حدثنا محمد بن يحيى، عن الدراوردي، عن سعيد بن محمد، عن سعيد بن جبير بن مطعم قال: رأيت قبر إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم في الزوراء (3). (قبر فيه بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعثمان بن مظعون رضى الله عنهما: (4) حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن قدامة بن موسى، عن أبيه قال، قال رسول الله صلى


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 83 ط. الآداب من رواية ابن شبة بسنده عن محمد ابن عمر، كما ورد فيه 2: 84 برواية عن الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم رش قبر ابنه إبراهيم وووضع عليه الحصى. (2) ورد في وفاء الوفا 2: 85 عن ابن شبة بسنده عن سعيد بن جبير. (3) ورد في المرجع السابق 2: 85 عن ابن شبة. (4) وسيأتي أنها السيدة رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. (*)

[ 100 ]

الله عليه وسلم: ادفنوا عثمان بن مظعون (1) بالبقيع يكن لنا سلفا، فنعم السلف سلفنا عثمان بن مظعون. * قال وأخبرني عبد العزيز عن قدامة بن موسى قال: كان البقيع غرقدا، فلما هلك عثمان بن مظعون دفن بالبقيع، وقطع الغرقد عنه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للموضع الذي دفن فيه عثمان رضي الله عنه: " هذه الروحاء " - وذلك كل ما حازت الطريق من دار محمد بن زيد إلى زاوية دار عقيل اليمانية الشرقية - ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذه الروحاء للناحية الاخرى، فذلك كل ما حازت الطريق من دار محمد بن زيد إلى أقصى البقيع يومئذ (2).


(1) هو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمع بن عمرو ابن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الجمحي، يكنى أبا السائب أسلم قديما وكان إسلامه بعد ثلاثة عشر رجلا، وهاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب الهجرة الاولى، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، وكان من أشد الناس اجتهادا في العبادة يصوم النهار ويقوم الليل، ويجتنب الشهوات ويعتزل النساء، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبتل والاختصاء فنهاه عن ذلك، وهو ممن حرم الخمر على نفسه وقال: لا أشرب شرابا يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدنى مني، وهو أول رجل مات بالمدينة من المهاجرين، مات سنة اثنتين من الهجرة، وقيل توفي بعد اثنين وعشرين شهرا بعد شهوده بدرا، وهو أول من دفن بالبقيع. وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي وعيناه تهراقان، ولما توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلحق بالسلف الصالح عثمان بن مظعون، فلما دفن قال صلى الله عليه وسلم: نعم السلف هو لنا عثمان بن مظعون. (أسد الغابة 3: 386، الاستيعاب 3: 85، الاصابة 2: 457). (2) ورد في وفاء الوفا 2: 84 ط. الآداب عن ابن شبة بسنده عن قدامة بن موسى، = (*)

[ 101 ]

* حدثنا محمد بن يحيى، عن الدراوردي عن أبي سعيد، عن سعيد بن جبير بن مطعم قال: رأيت قبر عثمان بن مظعون عند دار محمد بن علي ابن الحنفية. * قال عبد العزيز بن عمران، أخبرني محمد بن قدامة، عن أبيه، عن جده قال: لما دفن النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون أمر بحجر فوضع عند رأسه، قال قدامة: فلما صفق البقيع وجدنا ذلك الحجر، فعرفنا أنه قبر عثمان بن مظعون رضي الله عنه (1). * قال عبد العزيز وسمعت بعض الناس يقول: كان عند رأس عثمان بن مظعون رضي الله عنه ورجليه حجران. * قال أبو غسان، وأخبرني بعض أصحابنا قال: لم أزل أسمع أن قبر عثمان بن مظعون وأسعد بن زرارة بالروحاء من البقيع، والروحاء المقبرة التي وسط البقيع يحيط بها طرق مطرقة وسط البقيع (2). * قال أبو غسان، وأخبرني عبد العزيز، عن الحسن بن عمارة، عن شيخ من بني مخزوم يدعى عمر، قال: كان عثمان بن مظعون رضي الله عنه من أول من مات من المهاجرين، فقالوا يا رسول الله،


= وقال السمهودي: الروحاء الاولى ما بين المشهدين وتمتد إلى شرقي مشهد سيدنا إبراهيم، والثانية في شرقي الاولى إلى أقصى البقيع. والاولى هي المرادة بما سيأتي في قبر أسعد ابن زرارة من قول أبي غسان. (1) ورد في وفاء الوفا 2: 85 ط. الآداب عن ابن شبة أيضا. (2) ورد في الوفاء الوفا 2: 84 ط. الآداب مع اختصار فيه. وعلق عليه السمهودي بقوله " وكأنها اشتهرت بذلك دون الثانية لاقتصاره على الاولى ". (*)

[ 102 ]

أين ندفنه ؟ قال: بالبقيع. قال، فلحد له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضل حجر من حجارة لحده، فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه عند رجليه. فلما ولي مروان بن الحكم المدينة مر على ذلك الحجر، فأمر به فرمي به وقال: والله لا يكون على قبر عثمان بن مظعون حجر يعرف به. فأتته بنو أمية فقالوا: بئس ما صنعت ؟ عدت إلى حجر وضعه النبي صلى الله عليه وسلم فرميت به. بئس ما عملت به فأمر به فليرد. قال: أم والله إذ رميت به فلا يرد (1). * حدثنا فليح بن محمد اليماني قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل قال، حدثنا كثير بن زيد، عن المطلب قال: لما دفن النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون، قال لرجل: هلم تيك الصخرة أضعها على قبر أخي أتعلمه بها، أدفن إليه من دفنت من أهلي. فقام الرجل إليها فلم يستطعها، قال المخبر: فكأني أنظر إلى بياض ساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين احتملها حتى وضعها عند قبره (2). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس رضي الله الله عنهما قال: لما ماتت رقيه بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 85 ط. الآداب كما ورد باختصار في عمدة الاخبار ص 127. (2) ورد في وفاء الوفا 2: 85 ط. الآداب من حديث أبي داود بإسناد حسن عن المطلب بن عبد الله حنطب ولم يسم الصحابي الذي حدثه، مع اختلاف في الالفاظ. (*)

[ 103 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون. قال: وبكى النساء، فجعل عمر رضي الله عنه يضربهن بسوطه، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده وقال: " دعهن يا عمر ". وقال: " وإياكن ونعيق الشيطان، فإنه مهما يكن من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، ومهما يكن من اللسان ومن اليد فمن الشيطان. قال فبكت فاطمة رضي الله عنها على شفير القبر، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح الدموع عن عينيها بطرف ثوبه (1). قال أبو زيد بن شبه: فقد روي هذا، وروي خلافه (2). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمه، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عثمان بن عفان وأسامة بن زيد على رقية وهي وجعة أيام بدر (3). * حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا يونس، عن الزهري


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 86 ط. الآداب، عن ابن شبة وقد روى هذا الحديث ابن حجر في الاصابة 4: 297 (ترجمة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) عن ابن عباس أيضا، وعلق عليه بقوله: قال الواقدي: هذا وهم ولعلها غيرها من بناته، لان الثبت أن رقية ماتت ببدر أو يحمل على أنه أتى قبرها بعد أن جاء من بدر. (2) وعلق على ذلك السمهودي (وفاء الوفا 2: 86 ط. الآداب) بقوله: أي من حيث حضوره صلى الله عليه وسلم لذلك، ثم روى عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عثمان بن عفان وأسامة بن زيد على رقية وهي وجعة أيام بدر، وروى الزهري أن زيد بن حارثة جاء بشيرا بوقعة بدر وعثمان قائم على قبر رقية يدفنها - قلت: هذا هو المشهور. والثابت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم حضر دفن ابنته أم كلثوم زوجة عثمان رضي الله عنه. فلعل الخبر فيها أو في زينب أختها. فإنها توفيت سنة ثمان بالمدينة. والظاهر أنهن جميعا عند عثمان بن مظعون. (3) انظر التعليق السابق في الخبر، والذي بعده. (*)

[ 104 ]

قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان يوم بدر. قال: وكان تخلف على امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصابتها الحصبة، فجاء زيد بن حارثة بشيرا بوقعة بدر، وعثمان رضي الله عنه قائم على قبر رقية يدفنها. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا الليث بن سعد: أن يزيد بن أبي حبيب حدثه عمن حدثه: أن عبد الرحمن بن عوف أرسل إلى عثمان رضي الله عنه يعاتبه، فذكر أنه شهد بدرا ولم يشهدها، فأرسل إليه عثمان: إني قد خرجت للذي خرجت له، فردني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطريق إلى بنته التي كانت تحتي، لما بها من المرض، فوليت من بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يحق علي حتى دفنتها، ثم لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من بدر، فبشرني بأجري عنه قبل أجوركم، وأعطاني سهما مثل سهامكم، فانا أفضل أم أنتم (1) ؟. (متوفى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضى الله عنها) * حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني محمد (2)، أنه سمع


(1) ورد بمعناه في الاصابة 4: 298 (ترجمة رقية بنت سيد البشر صلى الله عليه وسلم) وفيها عن السراج - في تاريخه - من طريق هاشم بن عروة عن أبيه قال: تخلف عثمان وأسامة بن زيد عن بدر، فبينا هم يدفنون رقية سمع عثمان تكبيرا فقال: يا أسامة ما هذا ؟ فنظروا فإذا زيد بن حارثة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء بشيرا بقتل المشركين يوم بدر. وانظره بمعناه أيضا في عمدة الاخبار ص 127. (2) هو محمد على بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي (الخلاصة للخزرجي ص 242). (*)

[ 105 ]

عبد الله بن حسين بن علي يذكر، عن عكرمة بن مصعب العبدري قال: أدركت حسن بن علي بن أبي طالب وهو يذبنا عن زاوية دار عقيل اليمانية الشارعة في البقيع. * وأخبرنا أيضا، عن عكرمة بن مصعب، عن محمد ابن علي بن عمر أنه كان يقول: قبر فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم زاوية دار عقيل اليمانية الشارعة في البقيع (1). * حدثنا أبو غسان، عن حسن بن منبوذ بن حويطب، عن أبيه وجده الفضل بن أبي رافع أنهما حدثاه: أن قبر فاطمة رضي الله عنها وجاه زقاق نبيه، وأنه إلى زاوية دار عقيل أقرب (2). * حدثنا أبو غسان، عن غسان بن معاوية بن أبي مزرد، أنه سمع عمر بن علي بن حسين بن علي يقول: إن قبر فاطمة رضي الله عنها حذو الزقاق الذي يلي زاوية دار عقيل - وذكر غسان: أنه ذرع من حيث أشار له عمر بن علي، فوجده خمس عشرة ذراعا إلى القناة (3). * حدثنا أبو غسان، عن عبد الله بن عمر بن عبد الله، مولى غفرة، عن أبيه عمر أنه سمعه يقول: قبر فاطمة حذو دار عقيل مما يلي دار نبيه (4). حدثنا أبو غسان، عن إسماعيل بن عون بن عبد الله


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 90 ط. الآداب عن ابن شبة. (2) ورد في المرجع السابق عن ابن شبة. (3) ورد في المرجع السابق عن ابن شبة. (4) ورد في المرجع السابق عن ابن شبة. (*)

[ 106 ]

ابن أبي رافع، أنه سمع من أبيه، عن أبيه: أن قبر فاطمة رضي الله عنها مخرج الزقاق الذي بين دار عقيل ودار أبي نبيه - وذكر إسماعيل: أنه ذرع الموضع الذي ذكر له أبوه أنه موضع قبر فاطمة، فوجد بين موضع القبر وبين القناة التي في دار عقيل ثلاثا وعشرين ذراعا، وبينه وبين القناة الاخرى سبعا وثلاثين ذراعا (1). * قال وأخبرني مخبر ثقة قال: يقال إن المسجد الذي يصلي جنبه شرقيا على جنائز الصبيان، كان خيمة لامرأة سوداء يقال لها رقية، كان جعلها هناك حسين بن علي تبصر قبر فاطمة، وكان لا يعرف قبر فاطمة رضي الله عنها غيرها (2). * قال وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن حماد بن عيسى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: دفن علي فاطمة رضي الله عنها ليلا في منزلها الذي دخل في المسجد، فقبرها عند باب المسجد (3) المواجه دار أسماء بنت حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس. قال أبو زيد بن شبة: وأظن هذا الحديث غلطا، لان الثبت جاء في غيره. * حدثنا أبو غسان، عن محمد ين إسماعيل، عن فائد


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 91 ط. الآداب عن ابن شبة (2) ورد في المرجع السابق عن أبي غسان. ورقية هذه ذكرها ابن حجر في الاصابة 2: 298 قال " رقية مولاة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرت حتى جعلها الحسين بن علي مقيمة عند قبر سيدتها فاطمة، لانه لم يكن بقي من يعرف القبر غيرها. ثم ذكر أن ما نقله قاله عمر بن شبة في أخبار المدينة. (3) وهو الباب الذي كان بشامي باب النساء في المشرق قاله السمهودي في وفاء الوفا 3: 902 ط. محيي الدين (2: 91 ط. الآداب). (*)

[ 107 ]

مولى عبادل، أن عبيد الله بن علي أخبره، عمن مضى من أهل بيته: أن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: ادفنوني في المقبرة إلى جنب أمي. فدفن في المقبرة إلى جنب فاطمة، مواجه الخوخة التي في دار نبيه بن وهب، طريق الناس بين قبرها وبين خوخة نبيه، أظن الطريق سبعة أذرع بالسقاية. (قال فائد) (1): وقال لي منقذ الحفار: إن في المقبرة قبرين مطابقين بالحجارة، قبر حسن بن علي، وقبر عائشة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن لا نخرجهما (2). فلما كان زمن حسن بن زيد وهو أمير على المدينة استعدى بنو محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب على آل عقيل في قناتهم التي في دورهم الخارجة في المقبرة وقالوا: إن قبر فاطمة رضي الله عنها عند هذه القناة. فاختصموا إلى حسن، فدعاني حسن فسألني عن قبرها، فأخبرته عن عبيد الله بن أبي رافع ومن بقي من أهلي، وعن حسن بن علي وقوله: " ادفنوني إلى جنب أمي " ثم أخبرته عن منقذ الحفار وعن قبر الحسن أنه رآه مطابقا، فقال حسن بن زيد أنا على ما تقول، وأقر قناة آل عقيل إلى منتهاه. * حدثنا أبو غسان، عن عبد الله بن إبراهيم بن عبيد الله، أن جعفر بن محمد كان يقول: قبرت فاطمة رضي الله عنها في بيتها الذي أدخله عمر بن عبد العزيز في المسجد.


(1) الاضافة عن وفاء الوفا 2: 91 ط. الآداب وهو فائد مولى عبادل، وهو عبيد الله بن علي بن أبي رافع، روى عنه، وروى عن فائد زيد بن الحباب، وثقه ابن معين (الخلاصة للخزرجي ص 262 ط. الخيرية). (2) كذا في الاصل وفي وفاء الوفا 2: 91 ط. الآداب " فنحن لا نحركها ". وانظر الخبر بطوله هناك. (*)

[ 108 ]

فهذا ما حدثني به أبو غسان في قبر فاطمة، ووجدت كتابا كتب عنه يذكر فيه أن عبد العزيز بن عمران كان يقول: إنها دفنت في بيتها، وصنع بها ما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم، إنها دفنت في موضع فراشها، ويحتج بأنها دفنت ليلا، ولا يعلم بها كثير من الناس (1). * حدثنا أبو عاصم النبيل قال، حدثنا كهمس بن الحسن قال، حدثني يزيد قال: كمدت فاطمة رضي الله عنها بعد وفاة أبيها سبعين بين يوم وليلة، فقالت: إني لاستحي من جلالة (2) جسمي إذا أخرجت على الرجال غدا - وكانوا يحملون الرجال كما يحملون النساء - فقالت أسماء بنت عميس - أو أم سلمة - إني رأيت شيئا يصنع بالحبشة، فصنعت النعش فاتخذ بعد ذلك سنة. * حدثنا محمد بن أبي رجاء قال، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن أبيه، عن أمة سلمى قالت: اشتكت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرضت، فأصبحت يوما كأمثل ما كانت تكون، وخرج علي رضي الله عنه، فقالت: يا أمتاه اسكبي لي غسلا. ثم قامت فاغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل، ثم قالت: هات ثيابي الجدد، فأعطيتها إياها فلبستها، ثم جاءت إلى البيت الذي


(1) ورد في وفاء الوفاء 2: 91 ط. الآداب. ثم قال السمهودي - وأشار ابن شبة إلى رد ذلك بما حدثه أبو عاصم النبيل - وأورد الخبر الذي بعد هذا. (2) من جلالة جسمي: أي من عظم جسمي (اللسان). والخبر في وفاء الوفا 2: 92. (*)

[ 109 ]

كانت فيه فقالت: قدمي الفراش إلى وسط البيت. فقدمته، فاضطجعت واستقبلت القبلة، ووضعت يدها تحت خدها ثم قالت: يا أمتاه إني مقبوضة الآن، وإني قد اغتسلت فلا يكشفني أحد. قال: فقبضت مكانها، وجاء علي رضي الله عنه فأخبرته فقال: لا جرم، والله لا يكشفها أحد. فحملها بغسلها ذلك فدفنها (1). * حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد قال، حدثني محمد بن موسى، عن عون بن محمد، وعن عمارة ابن مهاجر، عن أم جعفر بنت محمد بن أبي طالب، عن جدتها أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت: غسلت أنا وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. * حدثنا القعنبي قال، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن محمد بن موسى: أن عليا رضي الله عنه غسل فاطمة رضي الله عنها. * حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار،


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 92 وأتبعه بقوله: وروى البيهقي بإسناد حسن عن أسماء بنت عميس أن فاطمة أوصت أن تغسلها هي وعلي فغسلاها، ثم تعقبه بأن هذا فيه نظر لان أسماء في هذا الوقت كانت عند أبي بكر الصديق وقد ثبت أن أبا بكر لم يعلم بوفاة فاطمة، لما في الصحيح أن عليا دفنها ليلا ولم يعلم أبا بكر، فكيف يمكن أن تغسلها زوجته وهو لا يعلم ؟ وأجاب في الخلافيات باحتمال أن أبا بكر علم بذلك وأحب أن لا يرد غرض علي في كتمانه منه، قال الحافظ بن حجر: ويمكن أن يجمع بأن أبا بكر علم بذلك وظن إن عليا سيدعوه لحضور دفنها ليلا، وظن علي أنه يحضر من غير استدعاء منه، وقد احتج بحديث بنت عميس هذا أحمد وابن المنذر وفي جزمها بذلك دليل على صحته عندهما فيبطل ما روي أنها غسلت نفسها وأوصت أن لا يعاد غسلها وقد رواه أحمد وأورده ابن الجوزي في الموضوعات وأفحشوا القول في ابن إسحاق راويه وتولى الرد عنه ابن عبد الهادي في التنقيح. قلت (أي السمهودي) وعلى كل تقدير فحديث بنت عميس أرجح للادلة الدالة على وجوب غسل الميت مطلقا. الخ. (*)

[ 110 ]

عن الحسن بن محمد: أن عليا رضي الله عنه دفن فاطمة رضي الله عنها ليلا. * حدثنا أبو عتاب الدلال قال، حدثنا ابن أبي الاخضر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها: أن عليا رضي الله عنه دفن فاطمة رضي الله عنها ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر رضي الله عنه. (قبر الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما) * حدثني أبي قال، حدثني نوفل بن الفرات: أن الحسن ابن علي رضي الله عنهما لما حضرته الوفاة قال للحسين رضي الله عنهما: إني كنت طلبت إلى عائشة إذا أنا مت أن تأذن لي فأدفن في بيتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا أدري لعل ذلك أن يكون كان منها حياء مني، فإذا أنا مت فأتها فاطلب ذلك إليها، فإن طابت نفسها فادفني فيه، وإن فعلت فلا أدري لعل القوم أن يمنعوك إذا أردت ذلك، كما منعنا صاحبهم عثمان ابن عفان - ومروان بن الحكم يومئذ أمير على المدينة وقد كانوا أرادوا دفن عثمان في البيت فمنعوهم - فإن فعلوا فلا تلاحهم في ذلك، فادفني في بقيع الغرقد، فإن لي بمن فيه أسوة. قال فلما مات الحسن بن علي رضي الله عنه، أتى الحسين عائشة رضي الله عنهما فطلب ذلك إليها، فقالت: نعم وكرامة، فبلغ ذلك مروان فقال: كذب وكذبت. فلما بلغ ذلك حسينا رضي الله عنه استلام في الحديد واستلام مروان في الحديد أيضا، فأتى رجل حسينا فقال: يا أبا عبد الله، أتعصي أخاك في نفسه قبل أن تدفنه ؟

[ 111 ]

قال: فوضع سلاحه، ودفنه في بقيع الغرقد (1). * حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن إسماعيل، عن فائد مولى عبادل أن عبيد الله بن علي أخبره، عمن مضى من أهل بيته: أن حسن بن علي رضي الله عنهما أصابه بطن، فلما حزبه (2) وعرف من نفسه الموت، أرسل إلى عائشة رضي الله عنها أن تأذن له أن يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له: نعم، ما كان بقي إلا موضع قبر واحد، فلما سمعت بذلك بنو أمية استلاموا هم وبنو هاشم للقتال، وقالت بنو أمية: والله لا يدفن فيه أبدا. وبلغ ذلك حسن بن علي رضي الله عنهما، فأرسل إلى أهله: أما إذا كان هذا فلا حاجة لي به، ادفنوني في المقبرة إلى جنب أمي فاطمة. فدفن في المقبرة إلى جنب فاطمة رضي الله عنها (3). (قبر عثمان بن عفان رضوان الله عليه) * حدثنا علي بن محمد، عن رجل، عن الزهري قال: جاءت أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما: فوقفت على باب المسجد فقالت: لتخلن بيني وبين دفن هذا الرجل أو لاكشفن ستر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخلوها، فلما أمسوا جاء


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 95، 96 عن نوفل بن الفرات، وانظره مختصرا في عمدة الاخبار ص 129. (2) في الاصل " فلما عرفه ". والمثبت من وفاء الوفا 2: 95 ط. والآداب وفي أقرب الموارد 1: 186 حزبه الامر حزبا: أصابه واشتد عليه أو ضغطه فجأة، وفي الحديث: كان إذا حزبه أمر صلى " أي إذا نزل به هم وأصابه غم ". (3) ورد في وفاء الوفا 2: 95 برواية ابن شبة عن فائد مولى عبادل. وانظره مختصرا في عمدة الاخبار 129. (*)

[ 112 ]

جبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وعبد الله بن الزبير، وأبوالجهم بن حذيفة، وعبد الله بن حسل، فحملوه فانتهوا به إلى البقيع، فمنعهم من دفنه ابن بحرة - ويقال: ابن نحرة الساعدي - فانطلقوا به إلى حش كوكب - وهو بستان في المدينة - فصلى عليه جبير، ودفنوه وانصرفوا (1). * حدثني علي بن دابه، عن شرحبيل بن سعد قال، قال عبد الرحمن بن أزهر: لم أدخل في شئ من أمر عثمان رضي الله عنه، فإني لفي بيتي إذ أتاني المنذر بن الزبير فقال: عبد الله يدعوك. فأتيته وهو قاعد إلى جنب غرارة حنطة، فقال: هل لك إلى دفن عثمان رضي الله عنه ؟ فقلت: ما دخلت في شئ من أمره، وما أريد ذاك، فاحتملوه، معهم معبد بن معمر، فانتهوا به إلى البقيع، فمنعهم من دفنه جبلة بن عمرو الساعدي، فانطلقوا إلى حش كوكب، ومعهم عائشة بنت عثمان، معها مصباح في حق، فصلى عليه مسور بن مخرمة، ثم حفروا له، فلما دلوه صاحت بنته، فلم يضعوا على لحده لبنا، وأهالوا عليه التراب، وانصرفوا.


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 99 ط. الآداب عن ابن شبة عن الزهري. وقال ابن حجر في الاصابة 2: 456 نقلا عن ابن إسحاق أنه قتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا واثنين وعشرين يوما من خلافته، فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وقال الزبير بن بكار بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر لسنة ست وثلاثين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وكان يومه صائما، ودفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء، في حش كوكب، كان عثمان اشتراه فوسع به البقيع، وكان عثمان قبل ذلك يمر بحوش كوكب فيقول: ليدفنن هاهنا رجل صالح. وانظر مجمع الزوائد 9 / 99. (*)

[ 113 ]

* حدثنا علي، عن أبي دينار - أحد بني دينار بن النجار - عن مخلد بن خفاف، عن عروة بن الزبير قال: منعهم من دفن عثمان بالبقيع أسلم بن أوس بن بحرة الساعدي، قال، فانطلقوا به إلى حش كوكب، فصلى عليه حكيم بن حزام، وأدخل بنو أمية حش كوكب في البقيع (1). * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن أبيه، عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الاخنس بن شريق الثقفي (2)، عن أمه حكيمة (3) قالت: كنت مع الاربعة الذين دفنوا عثمان بن عفان رضي الله عنه: جبير بن مطعم، وحكيم ابن حزام، وأبو جهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم الاسلمي، وحملوه على باب، أسمع قرع رأسه على الباب، كأنه دباءة، ويقول: دب دب، حتى جاءوا به حش كوكب، فدفن، ثم هدم عليه الجدار، وصلي عليه هنالك و " حش كوكب ": موضع في أصل الحائط الذي في شرقي البقيع الذي يقال له: خضراء أبان، وهو أبان بن عثمان. * حدثنا أبوشبة بن عمر بن أبي عمرو قال، أخبرني موسى


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 99 عن ابن شبة بسنده عن عروة بن الزبير مع موافقته في السند والمتن. (2) في الاصل " عن عثمان بن محمد الاخنس " ويوافقه وفاء الوفا 2: 99 ط. الآداب، والمثبت عن الخلاصة للخزرجي ص 262. (3) في الاصل " أم حكمة " وفي وفاء الوفا 2: 99 " أم حكيمة " وهي حكيمة بنت أمية بن الاخنس، تروي عن أم سلمة وعنها يحيى بن أبي سفيان الاخنس. وثقها ابن حبان (الخلاصة للخزرجي 422 وانظر الخبر في مجمع الزوائد 9: 95 باختلاف يسير). (*)

[ 114 ]

ابن عبد العزيز قال، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: اتكأ الوليد على يدي حين قدم المدينة، فجعل يطوف المسجد ينظر إلى بنائه، ثم إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف عليه، ثم أقبل علي فقال: أمعه أبو بكر وعمر ؟ قلت: نعم. قال: فأين أمير المؤمنين عثمان ؟ قال: فالله يعلم أني لظننت أنه لا يبرح حتى يخرجهما، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الناس كانوا حين قتل عثمان رضي الله عنه في فتنة وشغل، فذاك الذي منعهم من أن يدفنوه معهم. فسكت. * حدثنا هارون بن عمير قال، حدثنا أسد بن موسى، عن أبي سلمة جامع بن صبيح، عن يحيى بن سعيد قال، أخبرني يعقوب ابن عبد الله بن إسحاق، عن عبد الله بن فروج قال، كنا مع طلحة فقال لي ولابن أخيه عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله، انطلقا فانظرا ما فعل الرجل ؟ قال: فدخلنا فإذا هو مسجى بثوب أبيض، فرجعنا إلى طلحة فأخبرناه، فقال: قوموا إلى صاحبكم فواروه. فانطلقنا فجمعنا عليه ثيابه كما يصنع بالشهيد، ثم أخرجناه لنصلي عليه. فقالت المصرية: والله لا يصلي عليه، فقال أبو الجهم بن حذيفة: والله إن عليكم ألا تصلوا عليه، قد صلى الله عليه. فنهزوه ساعة (1) بنعال سيوفهم حتى ظننت أن قد قتلوه، ثم أرادوا دفنه مع نبي الله صلى الله عليه وسلم - وكان قد استوهب (من (2)) عائشة رضي الله عنها موضع قبر فوهبت له - فأبوا وقالوا: ما سار بسيرتهم فيدفن


(1) في وفاء الوفا 2: 99 ط. الآداب " فنغزوه ساعة بنعال سيوفهم " والخبر مروي فيه عن ابن شبة. (2) الاضافة عن المصدر السابق. (*)

[ 115 ]

معهم. فدفن في مقبرة كان اشتراها فزادها في المقبرة، فكان أول من دفن فيها. قال أسد: فأخبرني سعيد بن المرزبان: أن عمرو بن عثمان صلى عليه يومئذ. (قبر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه) * حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن عبد العزيز، وراشد بن حفص، عن حفص بن عمر ابن عبد الرحمن قال: لما حضرت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الوفاة بعثت إليه عائشة رضي الله عنها: يا بني، هذا موضع قد حبسته لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخذ به. فقال: إني سمعتك تقولين: ما وضعت خماري منذ دفن عمر رضي الله عنه، فأكره أن أضيق عليك بيتك، ونتخذ بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبرة، ولي بعثمان بن مظعون أسوة، قد كنت عاهدته لئن هلكنا بأرض جميعا لندفنن بها. قال، وأخبرني عبد العزيز، عن سعيد بن زياد، مولى سهلة بنت عاصم بن عدي، عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن ابن عوف قال: أوصى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إن هلك بالمدينة أن يدفن إلى عثمان بن مظعون، فلما هلك حفر له عند زاوية دار عقيل الشرقية فدفن هناك، عليه ثوب حبرة من العصب (1)، أتمارى في أن تكون فيه لحمة ذهب أو لا.


(1) في الاصل: " العصبة ". والمثبت عن وفاء الوفا 3: 899 محيي الدين والعصب هو ضرب من البرود سمي، بذلك لان غزله يعصب أي يجمع ويشد (محيط المحيط). (*)

[ 116 ]

(قبر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه) * حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن عبد الرحمن بن خارجة قال، أخبرني ابن دهقان قال: دعاني سعد بن أبي وقاص فخرجت معه إلى البقيع، وخرج بأوتاد حتى إذا جاء من موضع زاوية دار عقيل الشرقية الشامية، أمرني فحفرت، حتى إذا بلغت باطن الارض ضرب فيها الاوتاد، ثم قال: إن هلكت فادللهم على هذا الموضع يدفنوني فيه. فلما هلك قلت ذلك لولده، فخرجنا حتى دللتهم على ذلك الموضع، فوجدوا الاوتاد، فحفروا له هناك ودفنوه (1). (قبر أبي النبي صلى الله عليه وسلم) حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن عبيد الله بن كريم، عن أبي زيد النجاري قال: قبر عبد الله بن عبد المطلب في دار النابغة (2) - قال عبد العزيز: ووضعه


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 89 ط. الآداب عن ابن شبة عن ابن دهقان. (2) في أسد الغابة 1: 13 " توفي أبوه صلى الله عليه وآله وأمه حامل به، وقيل توفي وللنبي صلى الله عليه وسلم ثمانية وعشرون شهرا، وقيل كان له سبعة أشهر، والاول أثبت، وكانت وفاته بالمدينة عند أخواله بني عدي بن النجار، وكان أبوه عبد المطلب بعثه إلى المدينة يمتار تمرأ فمات، وقيل بل أرسله إلى الشام في تجارة فعاد من غزة مريضا فتوفي بالمدينة، وكان عمره خمسا وعشرين سنة، ويقال كان عمره ثماني وعشرين سنة. وكان عبد المطلب قد أرسل ابنه زبير بن عبد المطلب إلى أخيه عبد الله بالمدينة فشهد وفاته، ودفن في دار النابغة، وكان عبد الله والزبير وأبو طالب إخوة لاب وأم، وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم، وورث النبي صلى الله عليه وسلم من أبيه أم أيمن وخمسة أجمال وقطيع نخل وسيفا مأثورا وورقا ". وفي الاستيعاب لابن عبد البر 1: 14 قال ابن عبد البر: " روى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: بعث عبد المطلب ابنه عبد الله يمتار له تمرا = (*)

[ 117 ]

لي ابن كريم فقال: تحت عتبة البيت الثاني على يسار من دخل دار النابغة. قال عبد العزيز، وأخبرني فليج بن سليمان قال: قبره في دار النابغة. (قبر آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم) * حدثنا صدقة بن سابق قال، قرأت على محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن أمه صلى الله عليه وسلم توفيت وهو ابن ست سنين بالابواء بين مكة والمدينة، كانت قدمت به المدينة على أخواله بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة إلى مكة (1). * حدثنا أحمد بن إبراهيم قال، حدثنا نوح بن قيس قال، حدثنا الوليد بن يحيى، عن فرقد السبخي، عن رجل، عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ مر بقبر فقال: أتدرون (قبر) (2) من هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: قبر آمنة، دلني عليه جبريل عليه السلام.


= من يثرب فمات بها، وكانت وفاته وهو شاب عند أخواله بني النجار بالمدينة، ولم يكن له ولد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفيت أمه آمنة بالابواء بين مكة والمدينة، وهو ابن ست سنين وقيل ابن أربع سنين ". ودار النابغة كانت شامي المسجد النبوي عند بني جديلة (وفاء الوفا 3: 867 محيي الدين)، وفي عمدة الاخبار ص 167 أن دار النابغة بها قبر عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل بموضع يقال له سير غربي الجماوات. (1) ورد بمعناه في أسد الغابة 1: 15، كما ورد في الاستيعاب 1: 14. (2) سقط بالاصل والاضافة للسياق. (*)

[ 118 ]

* حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، عن علقمة ابن مرثد، عن أبي بريدة، عن أبيه قال: لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة أتى حرم قبر فجلس إليه، وجلس الناس حوله، فجعل كهيئة المخاطب، ثم قام وهو يبكي، فاستقبله عمر رضي الله عنه - وكان من أجرإ الناس عليه - فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما الذي أبكاك ؟ قال: قبر أمي، سألت الله الزيارة فأذن لي، وسألته الاستغفار فلم يأذن لي، فذكرتها فوقفت فبكيت. فلم أر يوما كان أكثر باكيا من يومئذ. * حدثنا هارون بن معروف (1) قال، حدثنا ابن جريج، عن أيوب بن هانئ، عن مسروق بن الاجدع، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما وخرجنا معه حتى انتهى إلى المقابر، فأمرنا فجلسنا، ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها، فجلس فناجاه طويلا، ثم ارتفع نحيب رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا، فبكينا لبكائه، ثم إنه أقبل إلينا، فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما الذي أبكاك يا رسول الله ؟ فقد أبكانا وأفزعنا. فأخذ بيد عمر رضي الله عنه، ثم أقبل إلينا فقال: أفزعكم بكائي ؟ قلنا نعم. قال: إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي، ونزل علي " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا


(1) سقط في الاصل. وورد في هامش اللوحة " سقط بين هارون وبين ابن جريج، فلم يسمع هارون ابن جريج بل ولا أدركه " وهارون بن معروف المروزي أبو علي الضرير وثقه ابن معين - مات سنة 231 ه‍ (الخلاصة للخزرجي 349 ط. الخيرية). (*)

[ 119 ]

للمشركين " (1) حتي تنقضي الآية " وما كان استغفار إبراهيم لابيه " (2) فأخذني ما يأخذ الولد للوالد من الرقة، فذلك الذي أبكاني. * حدثنا فليح بن محمد اليماني قال، حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري قال، حدثني أبي، عن جده، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة على قبر من قبور الجاهلية فقال: ألا إن هذا قبر أم محمد، استأذنت ربي في أن آتيه فأسلم وأستغفر، فأذن لي أن آتيه، ونهاني أن أستغفر. * حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا أسد بن راشد، عن كريب بن شريح، عن بشر الندبي (3)، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فخلا عن ناقته ولم تكن تقر لمنافق، فأخذ برأسها رجل فقرت له، فقبل رأسها، فدنا النبي صلى الله عليه وسلم من المقبرة، فجعل يدعو حتى ظننا أنه قد نزل فينا شئ، وتوجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما رآه أقبل إلينا بوجهه فقال: هذا قبر آمنة بنت وهب الزهرية أم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني سألت ربي أن يشفعني فيها، فأبى علي. * حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا الحسن بن أبي إبراهيم قال، حدثنا فرقد السبخي، عن إبراهيم النخعي: أن النبي


(1) سورة التوبة آية 113. سورة التوبة آية 114. (3) هو بشر بن حرب الندبي - بفتح النون والدال - الازدي أبو عمرو البصري مات في ولاية يوسف بن عمر على العراق - 121 - 124 ه‍ -، الخلاصة 41 ط. الخيرية. (*)

[ 120 ]

صلى الله عليه وسلم خرج هو وأصحابه في حجة الوداع إلى المقابر، فجعل يتخرق تلك القبور حتى جلس إلى قبر منها، ثم قام وهو يبكي، وقال: هذا قبر أمي آمنة، وإني استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي. (قبر أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضى الله عنها) * حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن يزيد بن السائب قال، أخبرني جدي قال: لما حفر عقيل بن أبي طالب في داره بئرا وقع على حجر منقوش مكتوب فيه: قبر أم حبيبة بنت صخر بن حرب، فدفن عقيل البئر، وبنى عليه بيتا. قال يزيد بن السائب: فدخلت ذلك البيت فرأيت فيه ذلك القبر (1). (قبر أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضى الله عنها) * حدثنا محمد بن يحيى قال، سمعت من يذكر: أن قبر أم سلمة رضي الله عنها بالبقيع، حيث دفن محمد بن زيد بن علي، قريبا من موضع فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان حفر، فوجد على ثماني أذرع حجرا مكسورا، مكتوبا في بعضه: أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فبذلك عرف أنه قبرها. وقد أمر محمد بن زيد بن علي أهله أن يدفنوه في ذلك القبر بعينه، وأن يحفر له عمقا ثماني أذرع، فحفر كذلك ودفن فيه.


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 98 ط. الآداب عن ابن شبة. أي محمد بن زيد بن علي كما يفهم من السياق - والخبر وارد في المرجع السابق من رواية ابن شبة. (*)

[ 121 ]

(قبر ابراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم (1)) * ومما وجدته كتب عن أبي غسان، ولم أسمعه منه، وذكر عن عبد العزيز بن عمران، عن عمه محمد بن عبد العزيز، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: لما توفي إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يدفن عند عثمان بن مظعون، فرغب الناس في البقيع، وقطعوا الشجر، واختارت كل قبيلة ناحية، فمن هناك عرفت كل قبيلة مقابرها. (قبر ابن خديجة رضى الله عنها (2)) * قال عبد العزيز: وكان ابن خديجة في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أمه، فلما توفي حفر له على قارعة الطريق التي بين زقاق عبد الدار التي باب دارهم فيها، وبين بقيع الغرقد الذي يتدافن فيه بنو هاشم اليوم، وكفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل في قبره، ولم ينزل في قبر أحد قط إلا في خمسة قبور: منها قبور ثلاث نسوة، وقبرا رجلين، منها قبر بمكة، وأربعة بالمدينة: قبر خديجة زوجته، وقبر عبد الله المزني الذي يقال له: عبد الله ذو البجادين، وقبر أم رومان أم عائشة بنت أبي بكر، وقبر فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي. (خبر ذى البجادين وقبره (3)) فأما ذو البجادين (4)، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقبل


(1) إضافة على الاصل، وقد ورد في هامش اللوحة أمام الحديث التالي " تعيين قبر إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم ذكره ". (2) إضافة على الاصل. (3) إضافة على الاصل. (4) عبد الله ذو البجادين بن عبدنهم بن عفيف بن سحيم بن عدي بن ثعلبة بن سعد = (*)

[ 122 ]

مهاجرا إلى المدينة وسلك ثنية الغابر وعرت عليه الطريق وغلظت، فأبصره ذو البجادين، فقال لابيه: دعني أدلهم على الطريق فأبى، ونزع ثيابه فتركه عريانا، فاتخذ عبد الله بجادا من شعر فطرحه على عورته، ثم عدا نحوهم، فأخذ بزمام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنشأ يرجز ويقول:


= ابن عدي بن عثمان بن عمرو، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان اسمه عبد العزى فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وهو عم عبد الله بن مغفل بن عبدنهم قال ابن الاثير: لقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو البجادين لانه لما أسلم عند قومه جردوه من كل ما عليه وألبسوه بجادا - وهو الكساء الغليظ الجافي - فهرب منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان قريبا منه شق بجاده باثنين، فاتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: ذو البجادين، صحب رسول الله وأقام معه، وكان أواها فاضلا كثير التلاوة للقرآن، ولزم باب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يرفع صوته بالقرآن والتسبيح والتكبير، فقال عمر: يا رسول الله أمراء هو ؟ قال صلى الله عليه وسلم: دعه فإنه أحد الاواهين. توفي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى الاعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لكأني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبر عبد الله ذي البجادين، وأبو بكر وعمر يدليانه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أدنيا مني أخاكما، فأخذه من قبل القبلة حتى أسنده في لحده، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وولياهما العمل. فلما فرغا من دفنه استقبل القبلة رافعا يديه يقول: اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه، قال يقول ابن مسعود: فوالله لوددت أني مكانه، ولقد أسلمت قبله بخمس عشرة سنة. أسد الغابة 3: 122. وفي الاصابة 2: 330 روى عمر بن شبة عن طريق عبد العزيز بن عمران قال لم ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبر أحد إلا خمسة منهم عبد الله المزني ذو البجادين، قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر وعزبت عليه الطريق فأبصره ذو البجادين فقال لابيه دعني أدله على الطريق، فأبى، ونزع ثيابه عنه وتركه عريانا، فاتخذ بجادا من شعر وطرحه على عورته.. الحديث. وقد أورد السمهودي خبر قبر ابن خديجة رضي الله عنها وخبر ذي البجادين وقبره في وفاء الوفا 2: 87 ط. الآداب نقلا عن ابن شبة. (*)

[ 123 ]

هذا أبو القاسم فاستقيمي تعرضي مدارجا وسومي تعرض الجوزاء للنجوم قال: وقد روى عبد العزيز هذه الابيات ليسار غلام بريدة بن الخصيب، فإما أن تكون لاحدهما وتمثل بها الآخر، وإما أن تكون لغيرهما وتمثلا بها جميعا. وكان عبد العزيز كثير الغلط في حديثه، لانه أحرق كتبه، فإنما كان يحدث بحفظه. قال عبد العزيز: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة اشتكى ذو البجادين، فمرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هلك، فكفنه وصلى عليه، ودخل في قبره. (قبر فاطمة بنت أسد رضى الله عنها (1)) وأما فاطمة بنت أسد، أم علي بن أبي طالب، فإن عبد العزيز حدث، عن عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة، عن عمرو ابن ذبيان، عن محمد بن علي بن أبي طالب قال: لما استقر بفاطمة، وعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا توفيت فأعلموني. فلما توفيت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقبرها، فحفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة (2)، ثم لحد لها


(1) إضافة على الاصل. (2) ورد في هامش اللوحة " أما في زماننا فالموضع المعروف اليوم بقبر فاطمة هو القبة التي في شرقي البقيع من جهة الشمال. لكن يأتي للمصنف في قبر العباس ما يقتضي خلاف ما هو معروف الآن " - وقد ورد هذا الحديث في وفاء الوفا 2: 88 عن ابن شبة بسنده إلى محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. (*)

[ 124 ]

لحدا، ولم يضرح لها ضريحا، فلما فرغ منه نزل فاضطجع في اللحد وقرأ فيه القرآن، ثم نزع قميصه، فأمر أن تكفن فيه، ثم صلى عليها عند قبرها فكبر تسعا وقال: ما أعفي أحد من ضغطة القبر إلا فاطمة بنت أسد. قيل: يا رسول الله، ولا القاسم. قال: ولا إبراهيم. وكان إبراهيم أصغرهما. * حدثنا عبيد بن إسحاق الفطار قال: حدثنا القاسم بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن عقيل قال، حدثني أبي عبد الله بن محمد - قال ولم يدعه قط إلا أباه وهو جده - قال، حدثنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: بينما نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتى آت فقال: يا رسول الله، إن أم علي وجعفر وعقيل قد ماتت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا بنا إلى أمي. فقمنا وكأن على رؤوس من معه الطير، فلما انتهينا إلى الباب نزع قميصه فقال: إذا غسلتموها فأشعروها إياه تحت أكفانها. فلما خرجوا بها جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة يحمل، ومرة يتقدم، ومرة يتأخر حتى انتهينا إلى القبر، فتمعك في اللحد ثم خرج فقال: أدخلوها باسم الله، وعلى اسم الله. فلما أن دفنوها قام قائما فقال: " جزاك الله من أم وربيبة خيرا، فنعم الام، ونعم الربيبة كنت لي. قال: فقلنا له - أو قيل له: يا رسول الله، لقد صنعت شيئين ما رأيناك صنعت مثلهما قط. قال: ما هو ؟ قلنا: بنزعك قميصك، وتمعكك في اللحد. قال: أما قميصي فأردت ألا تمسها النار أبدا إن شاء الله، وأما تمعكي في اللحد فأردت أن يوسع الله عليها قبرها (1).


(1) ورد الحديث في وفاء الوفا 2: 88 عن ابن شبة بسنده إلى جابر بن عبد الله مع = (*)

[ 125 ]

(قبر سعد بن معاذ رضى اله عنه) * قال عبد العزيز: أصيب سعد رضي الله عنه يوم الخندق، فدعا، فحبس الله عنه الدم حتى حكم في بني قريظة، ثم انفجر كله، فمات في منزله في بني عبد الاشهل، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحد (1) له في طرف الزقاق الذي بلزق دار المقداد بن الاسود - وهو المقداد بن عمرو، وإنما تبناه الاسود بن عبد يغوث ابن وهب بن عبد مناف بن زهرة - وهي الدار التي يقال لها دار ابن أفلح، في أقصى البقيع عليها جنبذة (2). (قبر حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه (3)) * قال عبد العزيز، أخبرني ابن سمعان، عن الاعرج قال: لما قتل حمزة رضي الله عنه أقام في موضعه تحت جبل الرماة، وهو الجبل الصغير الذي ببطن الوادي الاحمر، ثم أمر به النبي صلى الله


= اختلاف يسير في بعض الالفاظ. (1) ما في الاصل أقرب رسما للمثبت هنا، أما في رواية السمهودي عن ابن شبة " فدفنه في طرف الزقاق. الخ. " (وفاء الوفا 2: 100 ط. الآداب). (2) الجنبذة: ما يشبه القبة (وفاء الوفا 2: 100 ط. الآداب) ويضيف السمهودي أن هذا الوصف صادق على المشهد المنسوب لفاطمة بنت أسد لكونه بطرف زقاق بأقصى البقيع، وفي شرقيه ناحية بني ظفر وبني عبد الاشهل، ولعله قبره، ولكن وقع الاشتباه في نسبته لفاطمة رضي الله عنها لما قدمناه في قبرها والله أعلم، وجاء في عمدة الاخبار ص 128 بعد الحديث عن قبر فاطمة بنت أسد وكله صريح في مخالفة ما عليه الناس اليوم في المشهد المنسوب إليها، ويبعد كل البعد أن يدفنها النبي صلى الله عليه وسلم في فم زقاق أقصى البقيع بل ليس منه ويترك ما قارب عثمان بن مظعون مع قوله: وأدفن إليه من مات من أهلي. (3) ورد في وفاء الوفا 2: 105 قال: وعليه قبة عالية حسنة متقنة، وبابه مصفح كله بالحديد، ينته أم الخليفة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضئ - كما قاله ابن = (*)

[ 126 ]

عليه وسلم فحمل عن بطن الوادي إلى الربوة التي هو بها اليوم، وكفنه في بردة، وكفن مصعب بن عمير في أخرى، ودفنهما في قبر واحد (1). قال عبد العزيز: وقد سمعت من يذكر أن عبد الله بن جحش ابن رئاب قتل معهما، ودفن معهما في قبر واحد، وهو ابن أخت حمزة، أمه أميمة بنت عبد المطلب (1). قال عبد العزيز: والغالب عندنا أن مصعب بن عمير وعبد الله ابن جحش دفنا تحت المسجد الذي بني على قبر حمزة، وأنه ليس مع حمزة أحد في القبر (1). (قبر صفية بنت عبد المطلب رضى الله عنها) * قال عبد العزيز: توفيت صفية فدفنت في آخر الزقاق الذي يخرج إلى البقيع عند باب الدار التي يقال لها دار المغيرة بن شعبة التي أقطعه عثمان بن عفان رضي الله عنهما، لازقا بجدار الدار - قال عبد العزيز: فبلغني أن الزبير بن العوام أجاز بالمغيرة (2) وهو يبني داره فقال: يا مغيرة، ارفع مطمرك (3) عن قبر أمي. فأدخل


= النجار - وذلك في سنة تسعين وخمسمائة قال: وجعلت على القبر ملبنا من ساج وحوله حصباء، وباب المشهد من حديد يفتح كل يوم خميس وقريب منه مسجد يذكر أنه موضح مقتله. وفي عمدة الاخبار ص 134 قال الشيخ أحمد بن عبد الحميد العباسي ما نصه: " أما المشاهد التي بظاهر المدينة وليست بالبقيع فمنها مشهد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ابن أخته عبد الله بن جحش. (1) وهذه الاخبار الثلاثة نقلها السمهودي في وفاء الوفا 2: 115 عن ابن شبة. (2) في الاصل " بالمقبرة " والمثبت يستقيم معه السياق. (3) المطمر: خيط البناء الذي يقد به (محيط المحيط). (*)

[ 127 ]

المغيرة جداره، فالجدار اليوم منحرف فيما بين ذلك الموضع وبين باب الدار - قال عبد العزيز: وقد سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة أبى أن يفعل ذلك، لمكانه من عثمان، فأخذ الزبير السيف ثم قام على البناء، فبلغ الخبر عثمان، فأرسل إلى المغيرة يأمره بالمصير إلى ما أمره به الزبير، ففعل. (قبر العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه) * قال عبد العزيز: دفن العباس بن عبد المطلب عند قبر فاطمة بنت أسد بن هاشم في أول مقابر بني هاشم التي في دار عقيل (1). فيقال: إن ذلك المسجد بني قبالة قبره. قال: وقد سمعت من يقول: دفن في موقع من البقيع متوسطا. (قبور بنى هاشم) (قبر أبي سفيان بن الحارث رضي الله عنه) * قال عبد العزيز: بلغني أن عقيل بن أبي طالب رأى أبا سفيان ابن الحارث رضي الله عنه يجول بين المقابر، فقال له: يا بن عم. مالي أراك ها هنا ؟ قال: أطلب موضع قبر. فأدخله داره، وأمر بقبر فحفر في قاعتها، فقعد عليه أبو سفيان ساعة ثم انصرف، فلم يلبث إلا يومين حتى توفي فدفن فيه. (قبر عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنهما) * حدثنا القعنبي وأبو غسان، عن مالك بن أنس، عن


(1) ورد في هامش اللوحة 41: " قال الموفق بن قدامة في كتاب البنين في ترجمة أبي سفيان المذكور أنه دفن في دار عقيل، وقيل عنه أنه حفر قبر نفسه قبل موته ". (*)

[ 128 ]

عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام الانصاريين ثم السلميين، كانا في قبر واحد، وكان ممن استشهد يوم أحد، وكان قبرهما مما يلي السيل، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالامس، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت. وكان بين يوم أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة (1). * حدثنا القعنبي قال، حدثنا مالك: أن عمرو بن الجموح وعبد الله ابن عمرو كفنا في كفن واحد وقبر واحد (2). * حدثنا سعيد بن عامر قال، حدثنا شعبة، عن ابن أبي نجيح عن عطاء، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: دفن مع أبي رجل يوم أحد في القبر، فلم تطب نفسي حتى أخرجته، فدفنته على حدة (3). * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب


(1) ورد في وفاء الوفا 2: 115 عن ابن شبة بسنده إلى مالك بن أنس. (2) ورد في وفاء الوفا 2: 115 نقلا عن ابن شبة بسنده إلى مالك بن أنس. (3) ورد في وفاء الوفا 2: 115 من حديث ابن شبة بسند جيد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ثم قال السمهودي ويحتمل أن يكون سبب الاخراج ما تقدم من أمر السيل، ووافق ذلك ما في نفس جابر، فتكون القصة واحدة، ولكن روى البخاري في صحيحه خبر جابر مطولا وفيه ما لفظه " قال: " ودفنت معه آخر في قبره فلم تطب نفسي أن أتركه مع أحد فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير هنية عند أذنه، ثم علق عليه بقوله فقوله بعد ستة أشهر يقتضي أن ذلك ليس هو قصة أمر السيل لان المدة في تلك ست وأربعون سنة. (*)

[ 129 ]

قال، قال حيوة، أخبرني أبو صخر، أن حيوة بن النضر حدثه، عن أبي قتادة أنه حضر ذلك (قال:) (1) أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت حتى أقتل في سبيل الله، ترأني أمشي برجلي هذه في الجنة ؟ قال: نعم - وكانت عرجاء - فقتل يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهما (1) فمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كأني أراك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد. * قال أبو غسان، قال الواقدي: مع عمرو في القبر خارجة ابن زيد، وسعد بن الربيع، والنعمان بن مالك، وعبد بن الحسحاس (2) قال أبو غسان: وقبرهم مما يلى المغرب عن قبر حمزة، بينه وبين قبر حمزة نحو من خمسمائة ذراع. * قال: وأخبرني عبد العزيز، عن عبد الرحمن بن سهيل العجلاني، عن عبد الرحمن بن عمران، عن أبيه قال: نقلنا عبد الله


(1) سقط بالاصل وما أثبتناه عن مجمع الزوائد 9: 315، والحديث في مجمع الزوائد ووفاء الوفا 2: 114 متفقا مع الاصل سندا ومتنا. وفي أسد الغابة 4: 94 قال ابن الاثير فلما قتل في يوم أحد جاءت زوجه عند بنت عمر وعمه جابر بن عبد الله فحملته وحملت أخاها عبد الله بن عمر وابن حرام فدفنا في قبر واحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لقد رأيته يطأ في الجنة بعرجته. (2) كذا في الاصل وفي وفاء الوفا 2: 114 ط. الآداب عن ابن شبة " عبادة بن الحسحاس " وفي أسد الغابة 3: 105 عبادة بن الخشخاش العنبري وقيل الخشخاس بحاءين وشينين معجمات، وقيل بحاءين وسينين مهملات، وانظر ما هناك، وفي الاصابة 2: 259 " عبادة بن الخشخاش بن عمرو بن عمارة بن مالك بن عمرو البلوي حليف الانصار مات شهيدا بأحد وسماه الواقدي " عبده " وسماه أبو عمرو عباد. (*)

[ 130 ]

ابن سلمة والمجذر بن زياد، فدفناهما بقباء. * قال: وحدثني عبد العزيز: أن رافع بن مالك الزرقي قتل بأحد، فدفن في بني زريق. قال: قيل إن موضع قبره اليوم في دار آل نوفل بن مساحق التي في بني زريق، في كتاب عروة صارت للعباس بن محمد. * قال: وحدثني عبد العزيز بن محمد الدراوري، عن ربيح ابن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقل من شهداء أحد إلى المدينة أن يدفنوا حيث أدركوا، فأدرك أبي مالك بن سنان عند أصحاب العباء (1) فدفن. ثم قال ابن أبي فديك: فقبره في المسجد الذي عند أصحاب العباء في طرف الحناطين. * قال أبو غسان: أما ما يعرف اليوم من قبور الشهداء فقبر حمزة بن عبد المطلب، وهو في عدوة الوادي الشامية مما يلي الجبل. وقبر عبد الله بن حرام أبي جابر، ومعه عمرو بن الجموح، وقبر سهل بن قيس بن أبي كعب بن القين بن كعب بن سواد، من بني سلمة، وهو دبر قبر حمزة شاميه بينه وبين الجبل - قال: فأما القبور التي في الحظار بالحجارة بين قبر حمزة وبين الجبل، فإنه بلغنا أنها قبور أعراب أقحموا زمن خالد (2) إذ كان على المدينة،


(1) أصحاب العباء: هم الذين يبيعون العبي. وهذا المحل من سوق المدينة القديم (وفاء الوفا 3: 922 بتحقيق محيي الدين). (2) ورد في هامش اللوحة 42 " يعني خالد بن عبد الملك بن الحارث وكان واليا لهشام بن عبد الملك، وقحط المطر في ولايته سبع سنين، وفيها جلا الناس عن بادية الحجاز والشام. ويوافق ذلك وفاء الوفا 3: 940 تحقيق محيي الدين. (*)

[ 131 ]

فماتوا هناك، فدفنهم سؤال كانوا يسألون عن قبور الشهداء. قال، وقال الواقدي: هم ماتوا زمن الرمادة (1). * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر الانصاري قال: جاءت الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقالوا: يا رسول الله: أصابنا قرح وجهد، فكيف تأمر ؟ فقال: احفروا وأوسعوا واجعلوا الاثنين والثلاثة في القبر. قالوا: فأيهم نقدم ؟ قال: أكثرهم قرآنا. قال: فقدم أبي عامر بين يدي اثنين أو واحد من الانصار، وكل قتل يوم أحد. * حدثنا سليمان بن حرب قال. حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن سعد بن هشام بن عامر، عن أبيه قال: شكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة الجراح يوم أحد فقال: احفروا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا في القبر الاثنين والثلاثة، وقدموا أكثرهم قرآنا. قال: فقدموا أبي بين يدي رجلين. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا هشيم، عن جابر، عن الشعبي قال: رأيت قبور شهداء أحد وهي جثى (2) يهتز عليها النضر، يعني النبت.


(1) زمن الرمادة: يعني عام الجدب المشهور وكان في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه (المرجع السابق). (2) جثى: جمع جثوة وهي ما جمع من تراب وغيره (الفائق في الغريب للزمخشري 1: 170). وقيل الحجارة المجموعة. وقيل حجارة من تراب متجمع كالقبر (تاج العروس 10: 67). (*)

[ 132 ]

* قال أبو غسان، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن عن موسى بن يعقوب الزمعي، عن عباد بن أبي صالح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي قبور الشهداء بأحد على رأس كل حول فيقول " سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " (1). قال: وجاءها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان رضي الله عنهم. فلما قدم معاوية بن أبي سفيان حاجا جاءهم (2) قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا واجه الشعب قال: سلام عليكم بما صبرتم فنعم أجر العاملين. * حدثنا محمد بن بكار قال، حدثنا حبان بن علي، عن سعد بن طريف عن أبي جعفر: أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تزور قبر حمزة رضي الله عنه. ترمه وتصلحه، وقد تعلمته بحجر (3). * حدثنا أبو غسان قال، حدثنا عبد الله بن نافع، عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن أبي عروة، عن رجل حدثه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: من مر على هؤلاء الشهداء فسلم عليهم لم يزالوا يردون عليه إلى يوم القيامة (4).


(1) سورة الرعد آية 24. (2) في الاصل " جاء حاجا " والمثبت عما نقله السمهودي عن ابن شبة في وفاء الوفا 2: 112 ط. الآداب. (3) ورد في وفاء الوفا 2: 112 ط. الآداب. عن ابن شبة. وفيه رواية أخرى عن رزبن: أن فاطمة رضي الله عنها كانت تزور قبر الشهداء بين اليومين والثلاثة. (4) ورد في وفاء الوفا 2: 112 عن ابن شبة عن ابن عمر. (*)

[ 133 ]

* حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن الشعبي قال: كانت قبور أحد مسنمة. * حدثنا إسحاق بن موسى الانصاري قال، حدثنا محمد ابن معن، عن داود بن خالد، أنه سمع ربيعة بن عبد الرحمن يقول، سمعت رجلا من آل الهدير يقول: صحبت طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فما سمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قط غير حديث واحد. قلت: وما هو ؟ قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نريد قبور الشهداء، حتي إذا تدلينا من حرة واقم، إذا قبور محنية، فقلنا: يا رسول الله، هذه قبور إخواننا (1)، فقال: هذه قبور أصحابنا. فلما جئنا قبور الشهداء قال: هذه قبور إخواننا. * حدثنا أبو زيد - وقال: ليس هذا مما في الكتاب - حدثنا سعيد بن عامر عن هشام بن أبي عبد الله، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال: صرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية رضي الله عنه العين، فأتيناهم فأخرجناهم رطابا تتثنى أجسادهم - قال سعيد: وبين الوقتين أربعون سنة (ما جاء في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاعياد) * حدثنا محمد بن يحيى قال: أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن إبراهيم بن أبي أمية مولى بني عامر ابن لؤي قال: سمعت ابن باكية يقول: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد عند دار


(1) في وفاء الوفا 2: 112 " فقلنا يا رسول الله أقبور أخواننا هذه. قال: قبور أصحابنا. فلما جئنا قبور الشهداء قال هذه قبور أخواننا ". (*)

[ 134 ]

الشفاء، ثم صلى في حارة الدوس، ثم صلى في المصلى، فثبت يصلي فيه حتي توفاه الله (1). * قال، وقال الواقدي: أو عيد صلاة رسول الله صلى الله الله عليه وسلم بالمصلى سنة ثنتين من مقدمة المدينة من مكة (2). * قال أبو عبيد، عن ابن أبي يحيى، عن إبراهيم بن ابن أبي أمية، عن عبد الرحمن بن عمرو بن قيس، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: أول فطر وأضحى صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بالمدينة، بفناء دار حكيم بن العداء (3) عند أصحاب المحامل. * قال، وحدثنا عن ابن أبي يحيى، عن عبد الاعلى بن أبي فروة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ذلك المكان. * قال وحدثنا ابن أبي يحيى، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، ومحمد بن زيد: أن مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصلى داخلا (بين الدارين دار معاوية ودار) (4) كثير بن الصلت. * قال وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن


(1) أورده السمهودي في وفاء الوفا 2: 3 من رواية ابن شبة. (2) ورد في المرجع السابق 2: 2 (3) هو حكيم بن العداء بن خالد بن هوذة بن أبي بكر بن هوازن. ويقول السمهودي: ولم أعلم محل داره، غير أن الظاهر من قوله " عند أصحاب المحامل " أنه موضع بأعلى السوق مما يلي المصلى (وفاء الوفا 2: 3 ط. الآداب - 3: 780 تحقيق محيي الدين). (4) بياض بالاصل والاثبات عن وفاء الوفا 2: 3 ط. الآداب - 3: 780 تحقيق محيي الدين. (*)

[ 135 ]

عبد الرحمن الجمحي، عن ابن شهاب قال، صلى النبي صلى الله عليه وسلم العيد في موضع آل درة، وهم حي من مزينة، ثم صلى دون ذلك (في) (1) مكان أطم بني زريق عند أذنه اليسرى. * قال، وأخبرني أبو ضمرة الليثي، عن حمزة بن عبد الواحد، عن داود بن بكر، عن جابر بن عبد الله، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى ليستسقي، فبدأ بالخطبة، ثم صلى وكبر واحدة افتتح بها الصلاة، فقال: هذا مجمعنا ومستمطرنا ومدعانا لعيدنا ولفطرنا وأضحانا (2)، فلا يبنى فيه لبنة على لبنة ولا خيمة (3). * قال وحدثني عبد العزيز بن عمران، عن داود بن قيس، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح قال: أول من قام بالمصلى على منبر عثمان بن عفان، قام على منبر بناه له كثير بن الصلت من طين، ثم بناه كثير لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فتكلم عليه وبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فكلمه في ذلك أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فقال: الصلاة قبل. فقال نترك ما كنت تعهد. فقال: كلا ورب المشارق والمغارب، لا يأتون بخير مما كنت أعلم. قال: وكان مالك بن أنس يقول: إن أول من خطب الناس في المصلى على منبر عثمان رضي الله عنه، كلمهم على منبر من طين بناه كثير بن الصلت.


(1) بياض بالاصل والاثبات عن المرجع السابق 2: 3 ط. الآداب - 3: 780 تحقيق محيي الدين. (2) رواية ابن زبالة في وفاء الوفا 3: 792 تحقيق محيي الدين " لعيد فطرنا وأضحانا " (3) في الاصل " ولا جهة " وما أثبته من المرجع السابق. (*)

[ 136 ]

(بيان طريق النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه للمصلى ورجوعه منه) (1) * قال، وأخبرني عبد العزيز بن عمران عن محرز بن جعفر، عن جده الوليد بن زياد قال، قال أبو هريرة رضي الله عنه: ركن باب داري هذا أحب إلى من زنتها ذهبا، سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على داري إلى العيد، فجعلها يسارا، فمر على عضادة داري مرتين في غداة واحدة (2). * حدثنا القعنبي، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يوم العيد في الطريق ورجع في طريق آخر (3). * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا أبو نميلة قال، حدثنا فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى العيد رجع في غير الطريق الذي أخذ فيه (4). * حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا القاسم بن محمد بن الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر


(1) إضافة على الاصل. (2) أورده السمهودي في وفاء الوفا 2: 12 ط. الآداب من حديث أبي هريرة. (3) رواه أبو داود في سننه عن نافع عن ابن عمر وورد في وفاء الوفا 2 / 12 ط. الآداب عن ابن شبة من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وورد في وفاء الوفا 2: 12 عن ابن شبة. وفي كتاب الام للشافعي 1: 207 ط. بولاق أخبرنا الربيع قال قال الشافعي: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغدو من طريق ويرجع من أخرى. فأحبوا ذلك للامام والعامة، وإن غدوا ورجعوا من طريق واحدة فلا شئ عليهم إن شاء الله تعالى. (4) ورد في وفاء الوفا 2: 12 ط. الآداب من حديث أبي هريرة. (*)

[ 137 ]

رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ يوم العيد في طريق ويرجع في طريق آخر. * حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال، حدثنا خالد ابن إلياس، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى العيد من طريق ورجع من آخر (1) * حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا خالد بن إلياس، عن يحيى ابن عبد الرحمن، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي العيد ماشيا على باب سعد بن أبي وقاص ويرجع (إلى) أبي هريرة (2). * حدثنا حكيم بن يوسف قال، حدثنا بقية بن الوليد، عن سليمان الانصاري عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى العيد في طريق لم يرجع فيه (3). * حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن الفضل - من ولد رافع بن خديج - عن الفضل بن مبشر قال، سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: لما رجعنا من بني قينقاع ضحينا أول أضحى


(1) في مجمع الزوائد 2: 201 عن عبد الرحمن بن حاطب: قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأتي العيد يذهب في طريق ويرجع في آخر. (2) ورد في وفاء الوفا 2: 12 ط. الآداب عن ابن شبة، وفي سنين ابن ماجه 1: 411، 412 عن عبد الرحمن بن عمار بن سعد عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد ماشيا ويرجع ماشيا " وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى العيدين سلك على دار سعيد بن أبي العاص، ثم على أصحاب الفساطيط، ثم انصرف في الطريق الاخرى، طريق بني زريق، ثم يخرج على دار عمار بن ياسر ودار أبي هريرة إلى البلاط. (3) ورد في وفاء الوفا 2: 12 ط. الآداب عن ابن عباس رضي الله عنهما. (*)

[ 138 ]

في ذي الحجة صبيحة عشر، فكان أول أضحى رآه المسلمون، وذبح أهل اليسر من بني سلمة، فعددت في بني سلمة سبع عشرة أضحية (1). * قال، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن ابن قسيط الليثي، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر فمر بالمصلى، استقبل القبلة ووقف يدعو (2). * قال، وأخبرني عبد العزيز، عن أبي إبراهيم صالح النجار، عن جناح النجار قال: خرجت مع عائشة بنت سعد بن أبي وقاص إلى مكة فقالت لي: أين منزلك ؟ فقلت لها: بالبلاط. فقالت لي: تمسك به، فإني سمعت أبي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما بين مسجدي هذا المسجد ومصلاي روضة من رياض الجنة (3). * قال أبو غسان (الكناني) (4): ذرع ما بين مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عنده دار مروان بن الحكم، وبين المسجد الذي يصلي فيه العيد بالمصلى، ألف ذراع.


(1) ورد في المرجع السابق 2: 2 عن ابن شبة من حديث جابر بن عبد الله. (2) ورد في وفاء الوفا 2: 11 ط. الآداب عن ابن شبة من حديث أبي هريرة. (3) ورد في المرجع السابق 2: 11 ط. الآداب عن ابن شبة. (4) إضافة عن وفاء الوفا 2: 3 ط. الآداب وقال وهو أصحاب مالك رضي الله عنه والحديث هناك بسنده ومتنه. (*)

[ 139 ]

(ما جاء في الحربة النى يمشى بها في العيدين بين يدى الولاة) * حدثنا أبو غسان قال، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن عمير، عن حفص بن عمر، عن سعد القرظي رضي الله عنه قال: أهدى النجاشي للنبي صلى الله عليه وسلم حربات، فوهب حربة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ووهب حربة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وحبس لنفسه واحدة. قال: فأما حربة علي رضي الله عنه فهلكت، وأما حربة عمر رضي الله عنه فصارت إلى أهله، وأما الحربة التي أمسك لنفسه، فهي التي يمشى بها مع الامام يوم العيد. * قال، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن الحسن بن عمارة، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وحميد ابني (1) عبد الرحمن ابن عوف، عن أبيهما رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تخرج له عنزة يوم العيد، ثم يخرج ليمشي حتى يأتي المصلى، فتغرز له، فيقوم إليها فيصلي ركعتين، يكبر في الاولى سبعا، وفي الآخرة خمسا. قال أبو سلمة وحميد: و (فعل ذلك) (2) أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ومن بعدهم من الائمة. قال: فتلك العنزة اليوم عند مؤذني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بني سعد يتوارثون حملها بين يدي الائمة. * قال، وقال الواقدي: في سنة ثنتين من مقدمه صلى العيد،


(1) في الاصل ابن والصواب ما أثبته. وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحد الاعلام، قيل: ليس له اسم وقيل: اسمه عبد الله وقيل: اسماعيل وقيل: اسمه وكنيته واحد. الخلاصة 380. (2) سقط بالاصل والاضافة عن وفاء الوفا 3: 779 بتحقيق محيي الدين. (*)

[ 140 ]

وحملت له العنزة وهو يومئذ يصلي إليها في الفضاء، وكانت العنزة للزبير بن العوام، أعطاه إياها النجاشي، فوهبها للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان يخرج بها بين يديه يوم العيد، وهي اليوم بالمدينة عند المؤذنين (1). قال الواقدي، حدثني بذلك إبراهيم بن محمد بن عمار بن سعد القرظ، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن الليث بن سعد: أنه بلغه أن العنزة التي كانت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى، كانت لرجل من المشركين، فقتله الزبير بن العوام يوم أحد وأخذها في سلبه، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الزبير، فكان ينصبها بين يديه إذا صلى. * حدثنا أبو عاصم، والقعنبي، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشى بين يديه بالعنزة. وقال القعنبي: كانت تحمل العنزة مع النبي صلى الله عليه وسلم. * حدثنا عمرو بن قسط قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الاوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغدو إلى المصلى يوم العيد، والعنزة تحمل بين يديه، فيصلي إليها (2). حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي قال، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن


(1) روي هذا الحديث بمعناه في سنن ابن ماجه 1: 414 عن نافع عن ابن عمر. (2) روي هذا الحديث بمعناه في سنن ابن ماجه 1: 414 عن نافع عن ابن عمر. (*)

[ 141 ]

الجمحي، عن عبد الله (1) بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينصب الحربة ويصلي الناس وراءه. * حدثنا أبو عامر قال، حدثنا سفيان الثوري، عن إسماعيل ابن أمية، عن مكحول، قال: إنما كانت الحربة تحمل مع النبي صلى الله عليه وسلم، لانه كان يصلي إليها. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن حميد بن عبد الرحمن: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم العيد عنزة فيركزها، ويصلي إليها. * حدثنا سويد قال، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب العنزة من الزبير رضي الله عنه فأعطاها إياه. ثم طلبها منه أبو بكر رضي الله عنه فأعطاه إياه، ثم طلبها عمر رضي الله عنه فأعطاها إياه، ثم طلبها عثمان رضي الله عنه فأعطاها إياه، فلما قتل عثمان رضي الله عنه وقعت عند آل علي رضي الله عنه، فطلبها منهم عبد الله ابن الزبير رضي الله عنهما، فأعطوه غيرها. قال: والله ما هي هذه حتى أعطوه إياها. (ما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم في مصلى العيد) (2) * حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا ابن أبي ذئب، عن


(1) هو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب صدوق روى عن نافع وجماعة وهو أخو عبد الله الكثير الرواية عن نافع، ميزان الاعتدال 2: 58. (2) عنوان مضاف إلى الاصل. (*)

[ 142 ]

الزهري: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من منزله حتى يأتي المصلى، وحتى يفرغ من الصلاة، فإذا فرغ من الصلاة قطع. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي النياح (1)، عن عبد الله بن أبي الهديل، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر في مسجده، ثم ذهب إلى المصلى، فقعد يحدثهم ويذكرهم، فلما بسطت الشمس قال: لو صلينا. فصلى ثم خطب. * حدثنا أحمد بن عيسى قال: حدثنا عبد الله بن وهب (2). عن يونس، عن ابن شهاب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي المصلى، ثم استن بذلك أهل الامصار. * حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس قال، قلت لابن عباس رضي الله عنهما: أشهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم، خرج حتى أتى العلم عند دار كثير بن الصلت فصلى. * حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا حفص بن غياث، عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي جعفر، عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس في العيدين بردة الاحمر. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا هشيم، عن الحجاج،


(1) كذا بالاصل ولم نعثر على ترجمة ولعله أبو البداح بن عاصم بن عدي الانصاري خلاصة التذهيب 381. (2) في الاصل ابن وهبة والتصويب عن خلاصة التهذيب ص 185 وهو عبد الله بن وهب بن مسلم الفهمي القرشي يروي عن يونس بن يزيد. (*)

[ 143 ]

عن أبي جعفر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس يوم الجمعة بردة الاحمر ويعتم يوم العيدين. * حدثنا أبو عاصم، عن داود بن قيس قال، حدثنا عياض ابن عبد الله، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم العيدين: يوم الفطر ويوم النحر فيصلي بالناس ركعتين، ثم يقوم فيخطب على رجليه، ويقول: تصدقوا، تصدقوا. فإن كانت له حاجة، أو ضرب على الناس بعثا أخبرهم وإلا انصرف. * حدثنا القعنبي قال، حدثنا داود بإسناده بنحوه - وزاد: فيكون أكثر من يتصدق النساء، بالقرط والخاتم والشئ. (ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الاستسقاء) * حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، سمعت يحيى ابن سعيد يقول، أخبرني أبو بكر بن محمد، أن عباد بن تميم أخبره، أن عبد الله بن زيد رضي الله عنه أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى يستسقي، وأنه لما دعا وأراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه (1). * حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عباد بن تميم (2)، عن عمه: أن النبي صلى الله عليه


(1) روي بمعناه بمجمع الزوائد 2: 212 عن أنس بن مالك وفيه فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه وقلب رداءه ثم جثا على ركبتيه ورفع يده وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي (2) في الاصل عن عباد بن نمير عن عمه والمثبت عن سنن النسائي 2: 132، 133 وانظر الحديث فيهما مع اختلاف يسير في لفظه. (*)

[ 144 ]

وسلم خرج إلى المصلى يستسقي، فاستقبل القبلة، وحول ظهره إلى الناس، وقلب رداءه، وصلى ركعتين، وجهر بالقراءة. * حدثنا عبد الوهاب قال، سمعت يحيى بن سعيد يقول، أخبرني عمرو بن شعيب: أنه بلغنا أن رسول لله صلى الله عليه وسلم كان إذا استسقى يقول: اللهم اسق عبادك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت - وزعم أنه كان يرددها. * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا سويد أبو حاتم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استسقى قال: اللهم أنزل على أرضنا زينتها وسكنها (1). * حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال، سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث: أن شرحبيل بن السمط (2)


(1) روي بمعناه بجمع الزوائد 2: 212 وفيه ثم قال صلى الله عليه وسلم اللهم اسقنا غيثا مغيثا رحبا ربيعا وجدا غدقا طبقا مغدقا هنيئا مربعا وابلا شاملا سبلا نجلا دائما دررا نافعا غير ضار عاجلا غير رائث، اللهم تحيي به البلاد وتغيث به العباد وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد، اللهم أنزل علينا في أرضنا زينتها، وأنزل في أرضنا سكنها، اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا فأحي به بلدة ميتة واسقه ما خلقت أنعاما وأناسا كثيرا. قال فما برحوا حتى أقبل قزح من السحاب فالتأم بعضه إلى بعض ثم مطرت عليهم سبعة أيام ولياليهن لا تقلع عن المدينة. (2) في الاصل شرحبيل بن سعد والتصويب عن سنن ابن ماجه 1: 404 حيث أن الحديث قد روي بسنده ومتنه هناك ويوافق ما أثبتناه ما جاء في الخلاصة للخزرجي 139 ط. الخيرية حيث أن المؤلف قد ترجم له بما يأتي: هو شرحبيل بن السمط بن الاسود بن جبل بن عدي الكندي أبو السمط الشامي، قال ابن سعد والبخاري له وفادة ثم شهد القادسية وولي فتح حمص روى عن عمر وسلمان وعنه جبير بن نفير وسالم بن أبي الجعد قال أبو داود لم يسمع سالم منه وثقه النسائي قال أحمد بن محمد بن عيسى في تاريخ حمص مات سنة ست وثلاثين. (*)

[ 145 ]

سأل مرة بن كعب - أو كعب بن مرة - البهزي قال: حدثني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعا على مضر، فقلت: يا رسول الله، إن الله قد نصرك وأعطاك واستجاب لك، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله أن يسقيهم. فأعرض عني، فقلت الثانية، فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مرئيا (1) مريعا طبقا (2) غدقا، عاجلا غير رائث (3)، نافعا غير ضار. فما كان إلا جمعة حي مطرنا. * حدثنا عبيد بن جياد قال، حدثنا رجل، عن محمد بن أبان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي، فاستقبل القبلة وحول رداءه، وأومأ إلى الناس أن قوموا، فدعا قائما والناس قيام - قال محمد: فقلت لجعفر: ما أراد بتحويل ردائه ؟ قال: أن يتحول القحط. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن أبي عطاء، عن أبيه قال: قال لي سعيد بن المسيب: يا أبا محمد، أتعرف موضع دار كثير بن الصلت ؟. قلت: نعم. قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حتى انتهى إلى ذلك الموضع فقام وصف أصحابه خلفه، فصلى على النجاشي حين مات بأرض الحبشة.


(2) مريئا: أي محمود العاقبة. مريعا: بضم الميم وفتحها - من الريع وهو الزيادة. (3) طبقا: أي مائلا إلى الارض مغطيا يقال غيث طبق أي عام واسع.. (4) رائث: أي بطئ متأخر. سنن ابن ماجه 1: 404. (*)

[ 146 ]

(باب ما جاء في العقيق) (1) * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الاوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وهو بالعقيق: " أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في في هذا الوادي المبارك (2) ". * حدثني هارون الحراز قال، حدثنا علي بن المبارك قال، حدثنا يحيى بن أبي كثير قال، حدثني عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال، حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال، حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتاني الليلة آت من ربي - وهو بالعقيق - أن صل في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة (3).


(1) العقيق - بفتح أوله وكسر ثانيه - على وزن فعيل: عقيقان، عقيق بني عقيل، ومن أوديته قو، وفيه قتل صخر بن عمرو أخو الخنساء فقالت ترثيه: وقالوا إن خير بنى سليم * وفارسهم بصحراء العقيق وهو على مقربة من عقيق المدينة. وعقيق المدينة على ليلتين منها وفيه عيون ونخل، سمي عقيق المدينة لانه عق في الحرة، وهما عقيقان الاكبر والاصغر، فالاصغر فيه بئر رومة التي اشتراها عثمان رضي الله عنه وهو ما شغل عن قصر المراجل إلى منهى العرصة. والاكبر فيه بئر عروة وهو ما يلي الحرة إلى قصر المراجل وكان النبي قد أقطع بلالا بن الحارث العقيق، فلما كان عمر قال له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك العقيق لتحجره، فأقطع عمر الناس العقيق. (معجم ما استعجم للبكري ص 677، مراصد الاطلاع 2: 952، معجم البلدان لياقوت 2: 700 ط. طهران). (2) روي في معجم ما استعجم ص 677 عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول بوادي العقيق أتاني آت من ربي وقال صل في هذا الوادي المبارك وقل حجة وعمرة. (3) ورد في وفاء الوفا 2: 186 عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بوادي العقيق أتاني الليلة آت فقال صلى في هذا الوادي المبارك.. الحديث. (*)

[ 147 ]

* حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن شيخ من أهل المدينة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن سلمة بن الاكوع رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين كنت ؟ قلت: في الصيد. قال: أين ؟ فأخبرته بالناحية التي كنت فيها، فكأنه كره تلك الناحية وقال: لو كنت تذهب إلى العقيق لشيعتك ذاهبا وتلقيتك راجعا. * حدثنا محمد بن عثمان الطويل قال، حدثنا موسى بن محمد ابن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة ابن الاكوع (1) رضي الله عنه قال: كنت أصيد الوحش وأهدي لحومها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففقدني فقال: يا سلمة، أين كنت ؟ فقلت: يا رسول الله، تباعد الصيد، فأنا أصيد بصدور قناة نحو ثيب. فقال: لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا خرجت، وتلقيتك إذا جئت، إني أحب العقيق. * حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن محمد عن محمد بن (عبد الله بن أبي عتيق عن) (2) موسى بن عقبة


(1) هو سلمة بن عمرو بن الاكوع، واسمه الاكوع سنان بن عبد الله، وقيل أسم أبيه وهب، كان من الشجعان، ويسبق الفرس عدوا، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الموت عند الشجرة، وأول مشاهده الحديبية، نزل المدينة ثم تحول إلى الربذة بعد قتل عثمان، وولد له فيها، ثم نزل إلى المدينة قبل أن يموت بليال فمات بها، رواه البخاري وكان ذلك سنة أربع وسبعين على الصحيح، وقيل مات سنة أربع وستين، وزعم الواقدي أنه عاش ثمانين سنة، قال ابن حجر: رأيت عند ابن سعد أنه مات في آخر خلافة معاوية، وكذا ذكره البلاذري (الاصابة 2: 65، وقد ورد في وفاء الوفا 2: 187 ط. الآداب ومنتخب كنز العمال 5: 361 مع اختصار في ألفاظه. (2) سقط في الاصل والاضافة عن خلاصة الخزرجي ص 308، 336. (*)

[ 148 ]

الاسدي، عن عروة بن الزبير قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العقيق واد مبارك (1). * قال، وأخبرني سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة قال: اضطجع النبي صلى الله عليه وسلم بالعقيق فقيل: إنك في واد مبارك (2). * قال محمد، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن ثابت ابن قيس بن أبي العصر - مولى لبني غفار - عن عبد الحميد بن عبد الرحمن الازهري قال، قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: العقيق واد مبارك. * قال محمد، وأخبرني عبد العزيز، عن إبراهيم بن أبي بكر ابن المنكدر، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الاكوع، وكان يتبع الصيد، فخرج مرة إلى الحلبة فأطال الغيبة، ثم قدم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حبسك ؟ قال: تراخت بي الوحش حتي بلغت ثيب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنك لو صدت ها هنا - وأشار إلى العقيق - لشيعتك إذا خرجت، وتلقيتك إذا جئت. * قال محمد، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن أيوب ابن النعمان بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده قال،


(1) روي في منتخب كنز العمال 5: 361 عن سعد قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعرس فقال: لقد أوتيت فقيل لي إنك لبالوادي المبارك " يعني العقيق ". (2) روي في منتخب كنز العمال 5: 361 عن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام بالعقيق قال: فاستيقظت وإنه ليقال لي إنك لبالوادي المبارك. (*)

[ 149 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يسيل تضارع إلا في عام ربيع. وتضارع: الجبل الذي سفحه قصر ابن بكير العماني وقصور عبد العزيز ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان، على ثلاثة أميال من المدينة على يمين من ذهب إلى مكة. * قال محمد، وأخبرني عبد العزيز، عن يزيد بن عياض ابن جعدبة، عن ابن شهاب قال: وجد قبر على جماء أم خالد أربعون ذراعا في أربعين ذراعا، مكتوب في حجر فيه: أنا عبد الله من أهل نينوى، رسول رسول الله عيسى ابن مريم إلى أهل هذه القرية، فأدركني الموت، فأوصيت أن أدفن في جماء أم خالد - قال فسألت عبد العزيز عن قوله: " أهل نينوى " قال: " نينوى " موضعان: فأحدهما بالسواد بالطف حيث قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، والآخر قرية بالموصل وهي التي كان فيها يونس النبي صلى الله عليه وسلم، ولسنا ندري أي الموضعين أراد - قال: وأما " جماء أم خالد " يعني الجماء التي بالعقيق، التي في أصلها بيوت الاشعث، وقصر يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي، والفيفاء فيفاء الخباز، وبينها وبين جماء العاقر - طريق - (1) من ناحية رومة، وفيفاء الخباز من جماء أم خالد، وجماء العاقر: الجبل الذي خلف مشاش وإليه قصور جعفر بن سليمان بن علي بالعرصة. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا من نثق به من آل حزم وغيرهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني العقيق، وكتب له فيه كتابا نسخته:


(1) هذه الكلمة من هامش اللوحة 47 وقد أثبت به " طريق من ابن زبالة ". (*)

[ 150 ]

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله بلال ابن الحارث، أعطاه من العقيق ما أصلح فيه معتملا. وكتب معاوية قال: فلم يعتمل بلال في العقيق شيئا، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ولايته: إن قويت على ما أعطاك رسول الله من معتمل العقيق فاعتمله، فما اعتملت فهو لك. كما أعطاكه، فإن لم تعتمله قطعته بين الناس، ولم تحجره عليهم. فقال بلال: أتأخذ مني ما أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال له عمر رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله إليه وسلم قد اشترط عليك فيك شرطا. فقطعه عمر رضي الله عنه بين الناس، ولم يعمل فيه بلال شيئا، فلذلك أخذه عمر رضي الله عنه منه. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا نعيم بن حماد قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة، عن الحارث بن بلال ابن الحارث، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعطك لتحجره على الناس - قال على الناس - قال: فأقطع عمر رضي الله عنه العقيق بيننا. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا يونس، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر قال: جاء بلال بن الحارث المزني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقطعه أرضا، فقطعها له طويلة عريضة، فلما ولي عمر رضي الله عنه قال له: يا بلال، إنك استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا طويلة عريضة فقطعها لك، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن (*)

[ 151 ]

يمنع شيئا سئله، وإنك لا تطيق ما في يديك. قال: أجل. قال: فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه، وما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين. فقال: لا أفعل والله، شئ أعطانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: والله لتفعلن. فأخذ منه ما عجز عن عمارته، فقسمه بين المسلمين. * قال يحيى بن آدم، وحدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن رجل من أهل المدينة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع (بلالا) (1) أرضا، فلما كان عمر رضي الله عنه، ترك في يده منها ما يعمر، وأقطع بقيتها عتيره (2). * قال يحيى، وحدثنا قيس بن الربيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أقطع عمر رضي الله عنه العقيق حتى انتهى إلى أرض فقال: ما أقطعت مثلها. فقال خوات بن جبير الانصاري: أقطعنيها، فأقطعها إياه. حدثنا حبان قال، حدثنا وهيب قال، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه: أن عمر رضي الله عنه أقطع الناس العقيق أجمع حين جاء


(1) سقط في الاصل والاثبات عن أسد الغابة 1: 205 ومعجم ما استعجم للبكري ص 698 (تعريف العقيق). وهو بلال بن الحارث بن عاصم بن سعيد بن قرة بن خلاوة ابن ثعلبة المزني، يكنى أبا عبد الرحمن، وهو مدني، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد مزينة في رجب سنة خمس، وأقطعه النبي صلى الله عليه وسلم العقيق، وكان يحمل لواء مزينة يوم فتح مكة، ثم سكن البصرة. روى عنه ابنه الحارث وعلقمة بن وقاص. توفي سنة ستين آخر أيام معاوية، وهو ابن ثمانين سنة. (أسد الغابة 1: 205). (2) العتير: الاقرباء (اللسان). (*)

[ 152 ]

قطعه، فقال: المستقطعون منذ اليوم (1). فقال خوات بن جبير: أقطعنيها يا أمير المؤمنين أقطعنيها، فقطعها له. (ذكر بئر رومة، وهي في العقيق) (2) * حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن عمرو بن جاوان، عن الاحنف (بن قيس) (3) أنه أتى المسجد، فإذا علي وطلحة والزبير وسعد رضي الله عنهم، ثم أقبل عثمان رضي الله عنه، وعليه ملاءة صفراء قد رفعها على رأسه (4)، فوقف عليهم فقال: أهاهنا علي ؟ قالوا نعم. قال: أها هنا طلحة ؟ قالوا: نعم. قال أهاهنا الزبير ؟ قالوا: نعم. (قال: أهاهنا سعد ؟ قالوا: نعم) (5). قال: أنشدكم الله الذي لا إله إلا هو، هل تعلمون أن رسول الله


(1) كذا في الاصل، ويفسره الاثر السابق، وعليه: فلعل المراد: أفضل المستعطين أنصباءهم الذين سيقطعون منذ اليوم. (2) بئر رومة وهي في العقيق الاصغر. ذكر البكري في معجم ما استعجم ص 677 أن عثمان رضي الله عنه قد اشتراها، يؤيده ما يجئ بعد من الآثار. وفي مراصد الاطلاع 2: 642 " رومة - بضم أوله وسكون ثانيه أرض المدينة بين الجرف ورعانة، نزلها المشركون عام الخندق، وفيها بئر رومة التي ابتاعها عثمان وسبلها ". (3) الاضافة من منتخب كنز العمال 5: 13. (4) في منتخب كنز العمال: " قد قنع بها رأسه ". (5) سقط بالاصل وما أثبتناه عن منتخب كنز العمال 5: 13 وبعده. قال أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له، فابتعته بعشرين ألفا أو بخمسة وعشرين ألفا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني قد ابتعته. فقال: اجعله في مسجدنا وأجره لك ؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم الله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يبتاع بئر رومة غفر الله له، فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم = (*)

[ 153 ]

صلى الله عليه وسلم قال: من يبتاع بئر رومة غفر الله له. فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني قد ابتعت بئر رومة. فقال: اجعلها سقاية للمسلمين، وأجرها لك ؟ قالوا: نعم. * حدثنا محمد بن موسى الاصلع قال، حدثنا عمرو بن الازهر الواسطي قال، حدثنا عاصم الاحول، عن أبي قلابة قال: لما كانوا بباب عثمان رضي الله عنه وأرادوا قتله، أشرف عليهم، فذكر أشياء ثم ناشدهم الله فأعظم النشدة: هل تعلمون أن رومة كانت لفلان اليهودي، لا يسقي منها أحدا قطرة إلا بثمن، فاشتريتها بمالي، بأربعين ألفا، فجعلت شربي فيها وشرب رجل من المسلمين سوى ما استأثرتها عليهم ؟ قالوا: قد علمنا ذلك (1). * حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الانصاري، عن خاله عدي بن ثابت قال: أصاب رجل من مزينة بئرا يقال لها رومة، فذكرت لعثمان


= فقلت: إني قد ابتعتها فقال: اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك ؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال: من يجهز هؤلاء غفر الله له فجهزهم حتى ما يفقدون خياطا ولا عقالا ؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. ثم انصرف. (1) ورد هذا الحديث بمعناه في منتخب كنز العمال 5: 9 عن هزيل بن شريح ص 11 عن بشير، وفيه أن رومة كانت لرجل من بني غفار، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعنيها بعين في الجنة. فقال: يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها. ولا أستطيع. فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمس وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أتجعل لي مثل الذي جعلت له عينا في الجنة إن اشتريتها ؟ قال: نعم. قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين. (*)

[ 154 ]

ابن عفان وهو خليفة فابتاعها بثلاثين ألف درهم من مال المسلمين وتصدق بها عليهم. * قال محمد بن يحيى، وأخبرني غير واحد من أهل البلد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم القليب قليب المزني. * حدثنا محمد بن يحيى، عن ابن أبي يحيى، عن عبد الرحمن ابن أسامة الليثي، عن أبيه قال: لما حصر عثمان رضي الله عنه، أرسل إلى عمار بن ياسر فطلب أن يدخل عليه روايا ماء، فطلب له ذلك عمار من طلحة، فأبى عليه، فقال عمار: سبحان الله اشترى عثمان هذه البئر - يعني رومة - بكذا وكذا ألفا، فتصدق بها على الناس، وهؤلاء يمنعونه أن يشرب منها. * حدثنا محمد بن يحيى قال، قال ابن أبي الزناد، أخبرني أبي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم الصدقة صدقة عثمان. يريد رومة. * قال محمد، وحدثت عن الوقاص، عن الزهري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من يشتري رومة يشرب رواء في الجنة، فاشتراها عثمان رضي الله عنه من ماله فتصدق (بها) (1). * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا علي بن ثابت، عن يحيى بن أبي أمية، عن ابن إسحاق قال، قال عبد الله بن حبيب السلمي، قال عثمان رضي الله عنه: أنشدكم الله، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اشترى بئر رومة فله مثلها من الجنة،


(1) سقط في الاصل والاضافة عن وفاء الوفا 3: 968 بتحقيق محيي الدين. (*)

[ 155 ]

وكان الناس لا يشربون منها إلا بثمن، فاشتريتها بمالي، فجعلتها للفقير والغني وابن السبيل ؟ فقال الناس: نعم. (ما جاء في البقيع) * حدثنا القعنبي قال، حدثنا عبد الله بن عمر بن حفص ابن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى النقيع لخيل المسلمين ترعى فيه. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا الحزامي قال: حدثنا معن قال، حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى (1) النقيع للخيل، وحمى الربذة (2) للصدقة. * قال، وحدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن نافع، عن عاصم بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى قاع النقيع لخيل المسلمين.


(1) الحمى: بالقصر وقد يمد موضع من الموات يمنع من التعرض له ليتوفر فيه الكلا فترعاه مواش مخصوصة، وقد اشتهر بذلك مواضع من جهات المدينة منها حمى النقيع بنون مفتوحة وقاف مكسورة عين مهملة وأصله كل موضع يستنقع فيه الماء، وهو من المدينة على أربعة برد وقد روى الخبر أبو داود (عمدة الاخبار 382، 383). (2) الربذة: بفتح أوله وثانيه وذال معجمة مفتوحة من قرى المدينة على ثلاثة أميال قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة وبها قبر أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وقد خربت في تسع عشرة وثلاث مائة بالقرامطة، معجم البلدان " ربذ " مراصد الاطلاع 2: 601. (*)

[ 156 ]

* حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن رجاء بن جميل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى وادي نخيل (1) للخيل المضمرة. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن نوفل بن مساحق: أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع لخيله. (ما جاء في البئار التي كان يستقى منها) حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، عن ابن إسحاق، عن سليط بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رافع الانصاري، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقال له: يا رسول الله، إنه يستقى لك من بئر بضاعة (2)، وهي تلقى فيها لحوم الكلاب والمحائض وعذر


(1) كذا بالاصل وقال السمهودي وروى ابن شبة في ترجمة ما جاء في البقيع بسند جيد عن رجاء بن جميل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى وادي نخيل للخيل المضمرة وهو يقتضي أن النقيع تسمى بذلك، ولم أر من صرح به. نعم تقدم في الفصل الثالث قول ذؤيب الاسلمي في عرصة العقيق. طاف من الوادي دخيل.. الابيات وهو بالدال في عدة نسخ والذي في نسخة ابن شبة بالباء بدل الدال ولعله تصحيف. (وفاء الوفا 2: 222 ط. الآداب). (2) ورد في هامش اللوحة 49 " بئر بضاعة " وقال السمهودي هي غربي بئر حاء في جهة الشمال وقال روى الحديث أبو داود وأحمد بن حنبل وصححه النسائي والترمذي والدارقطني وفاء الوفا 2: 129 وهذه البئر مليحة طيبة الماء وكان المرضى يغتسلون من مائها فيعافون وهي في وسط بيوت بني ساعدة. انظر عمدة الاخبار ص 231 - 223، ومراصد الاطلاع 1: 140. (*)

[ 157 ]

النساء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الماء طهور لا ينجسه شئ (1). * حدثنا محمد بن يحيى، عن ابن أبي يحيى، عن يحيى ابن عبد الله بن يسار، عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بصق في بضاعة (2). * قال وحدثنا عن ابن أبي يحيى، عن أبيه، عن أمه، أنها سمعت سهل بن سعد رضي الله عنه يقول: سقيت النبي صلى الله عليه وسلم بيدي من بضاعة. * حدثنا عبد الله بن نافع (3) بن ثابت قال، حدثني مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة رضي الله عنه أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بئر حاء (4)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فتصدق بها أبو طلحة رضي الله عنه. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني عبد العزيز بن عمران،


(1) رواه أبو داود والطبراني (وفاء الوفا 2: 129). (2) رواه الطبراني في الكبير (المرجع السابق). (3) ورد في هامش اللوحة 49 أمام حديث عبد الله بن نافع بن ثابت بئر حاء. وتكتب بالحاء المهملة: بئر حا، ويقال بفتح الباء من غير همز. وبئر حاء بالمد، وبير حي: بفتح الباء والراء والقصر، " وبريحا " بفتح الباء وكسر الراء وياء ساكنة وحاء مقصورة. كل ذلك قد روى في اسم هذا الموضع. (4) بئر حاء: بئر وبستان شمالي سور المدينة من جهة الشرق، وقد صارت لابي بن كعب وحسان بن ثابت، دفعها إليهما أبو طلحة كما ورد في الصحيحين. (عمدة الاخبار ص 231، مراصد الاطلاع 1: 140). (*)

[ 158 ]

عن عبد الله بن جعفر، عن ابن عون، عن ابن شهاب قال: لما ضرب صفوان بن المعطل حسان بن ثابت، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أحسن يا حسان: قال: هو لك يا رسول الله. قال: فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم بئر حاء. * حدثنا سعيد بن سليمان، وهارون بن معروف قالا، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقى له الماء العذب من بئر السقيا (1) - وقال هارون: من بيوت السقيا. * حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن معاذ بن محمد الديناري، عن أبي عتيق، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال أبي: يا بني إنا اعترضنا ها هنا بالسقيا حتى قابلنا اليهود بحسيكة، فظفرنا بهم ونحن نرجو أن نظفر، ثم عرضنا النبي صلى الله عليه وسلم بها متوجها إلى بدر، فإن سلمت ورجعت ابتعتها، وإن قتلت فلا تفلتنك (2)، قال: فخرجت أبتاعها، فوجدتها لذكوان بن عبد قيس، ووجدت سعد بن أبي وقاص قد ابتاعها وسبق إليها، وكان اسم الارض " الفلجان " واسم البئر " السقيا ".


(1) ورد في هامش اللوحة 50 " بئر السقيا " وروى الحديث أبو داود وصححه الحاكم، ويقول المطري: إنها في آخر منزلة النقاء على يسار السالك إلى بئر علي - رضي الله عنه - بالحرم، وهي بئر مليحة كبيرة منقورة في الجبل. (وفاء الوفا 2: 151 ط. الآداب. (2) في رواية السمهودي " تفوتنك " (وفاء الوفا 2: 141 ط. الآداب). (*)

[ 159 ]

* قال: سألت عبد العزيز (بن عمران) (1): أين حسيكة فقال: هي ناحية أرض ابن ماقية، إلى قصر ابن أبي عمر والرامض، إلى قصر ابن المشمعل إلى أداني الجرف كله. قال: وفيها يقول الشاعر: صبحناهم بالسفع يوم حسيكة * صفائع بصرى والردينية السمرا فما قام منهم قائم لقراعنا * ولا ناهبونا يوم نزجرهم زجرا * قال أبو غسان، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن راشد ابن حفص، عن أبيه قال: كان اسم أرض السقيا الفلج، واسم بئرها السقيا، وكانت لذكوان بن عبد قيس الزرقي، فابتاعها منه سعد بن أبي وقاص ببعيرين. * قال أبو غسان، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن ابن أبي الزناد، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفة بئر الاعواف (2) صدقته، وسال الماء فيها، ونبتت نابتة على أثر وضوئه، ولم تزل فيها حتى الساعة. * قال، وحدثنا عن ابن أبي يحيى، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم


(1) الاضافة من وفاء الوفا 2: 141 ط. الآداب، وحسيكة تصغير حسكة واحدة حسك السعدان. وهي اسم موضع المدينة طرف جبل ذباب. وكان بحسيكة يهود، ولهم منازل بها (عمدة الاخبار 267). (2) ورد هامش اللوحة 50 " بئر الاعواف " وانظر في التعريف به وفاء الوفا 2: 125 ط. الآداب وفي عمدة الاخبار 207 أنه موضع بالمدينة كان فيه مال لاهلها. (*)

[ 160 ]

شرب من بئر أنس (1) التي في دار أنس. * حدثنا الانصاري قال، سمعت أبي يقول، قال أنس رضي الله عنه: كان في داري بئر يدعى في الجاهلية " البرود " كان الناس إذا حوصروا شربوا منها. * قال أبو غسان، وحدثنا عن ابن أبي يحيى، عن خالد بن رباح: أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من جاسوم (2)، بئر أبي الهيثم بن التيهان. * قال أبو غسان، وحدثني عبد العزيز، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن زيد بن سعد قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم معه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى أبي الهيثم بن التيهان في جاسوم، فشرب من جاسوم، وهي بئر أبي الهيثم، وصلى في حائطه (3). * قال،، وحدثنا عن ابن أبي يحيى، عن طلحة بن خداش، عن عبد الرحمن ومحمد ابني جابر، عن عبد الملك بن جابر بن عتيك، وسعد بن معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من العينية (4) التي عند كهف بني حرام. قال: وسمعت بعض مشيختنا يقول: قد دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الكهف.


(1) بئر أنس: ورد في هامش اللوحة 50 " بئر أنس " والمقصود أنس بن مالك رضي الله عنه وانظر وفاء الوفا 2: 126 ط. الآداب. (2) حاسوم: ورد في هامش اللوحة 50 " بئر حاسوم ". (3) " حائطه " كذا بالاصل وفي رواية السمهودي " غائطة " وفاء الوفا 3: 959 محيي الدين - والحائط بمعنى البستان والغائط بمعنى الارض المنخفضة. (4) ورد في هامش اللوحة 50 " العينية التي عند كهف بني حرام ". (*)

[ 161 ]

* قال، وحدثنا عن ابن أبي يحيى، عن الحارث بن الفضل: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من " ذرع " بئر بني خطمة (1) التي بفناء مسجدهم. * قال أبو غسان: وأخبرنيه عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن الحارث بن الفضل: وصلى في مسجدهم. * قال وحدثنا عن ابن أبي يحيى، عن رجل من الانصار: أن النبي صلى الله عليه وسلم بصق في " ذرع "، بئر بني خطمة. * قال، وحدثنا عن ابن أبي يحيى، عن محمد بن حارثة الانصاري، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى بئر بني أمية من الانصار " اليسيرة " (2)، وبرك عليها، وتوضأ وبصق فيها. * قال وحدثنا عن ابن أبي يحيي، عن سعيد بن رقيش: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من بئر الاغرس (3)، وأهراق بقية وضوئه فيها. * قال، وقال محمد بن علي: شرب النبي صلى الله عليه وسلم منها وغسل منها حين توفي. * حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريح، عن أبي جعفر:


(1) ورد في هامش اللوحة 50 " بئر بني خطمة ". (2) ورد في هامش اللوحة 51 " اليسيرة " وهي اليسر ضد العسر (وفاء الوفا 2: 142 ط. الآداب. (3) ورد في هامش اللوحة 51 " بئر الاغراس " وفي وفاء الوفا 2: 145 ط. الآداب " بئر الغرس " والغرس الغسيل أو الشجر الذي يغرس: وهي بئر بقباء في شرقي مسجدها على نصف ميل إلى جهة الشمال. (*)

[ 162 ]

أن النبي صلى الله عليه وسلم: غسل من بئر سعد بن خيثمة، بئر كان يستعذب له منها. * حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي جعفر: أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل من بئر سعد بن خيثمة، بئر يقال لها الغرس بقباء، كان يشرب منها. * حدثنا موصل بن إسماعيل، قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: غسل النبي صلى الله عليه وسلم من بئر يقال لها الغرس كان يشرب منها. * حدثنا أبو غسان، عن ابن أبي يحيى، عن ابن رقيش قال: يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من المهراس (1) الذي في دار سعد بن خيثمة بقباء. (ما جاء في أسماء المدينة) * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني عبد العزيز بن عمران عن أبي يسار، عن زيد بن أسلم قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: للمدينة عشرة أسماء: هي، المدينة، وطيبة، وطابة، ومسكينة، وجبار، ومحبورة، ويندد، ويثرب. * قال، وأخبرني عبد العزيز، عن بن موسى، عن سلمة مولى منبوذ، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: سمى الله المدينة: الدار والايمان.


(1) ورد في هامش اللوحة 51 " المهراس الذي في دار سعد بن خيثمة " والمهراس: هو حجر منقور عظيم كالحوض يتوضأ منه، لا يقدر على تحريكه (الفائق للزمخشري 3: 203). (*)

[ 163 ]

قال فجاء في الحديث الاول ثمانية أسماء، وجاء في هذا اسمان، فالله أعلم أهما تمام العشرة الاسماء التي في الحديث الاول أم لا. * قال ابن يحيى: لم أرل أسمع أن للمدينة عشرة أسماء في التوراة كما يقال، والله أعلم. قال: هي المدينة، وطيبة، وطابة، والطيبة، والمسكينة، والعذراء، والجابرة، والمجبورة، والمحببة، والمحبوبة. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن أبي سهل بن مالك، عن أبيه، عن كعب الاحبار قال: نجد في كتاب الله الذي أنزل على موسى: أن الله قال للمدينة: يا طيبة يا طابة، يا مسكينة، لا تقبلي الكنوز، أرفع أجاجيرك على أجاجير القرى. و " الاجاجير ": السطوح. * حدثنا أبو عاصم، عن جويرية بن أسماء، عن بديح، عن عبد الله بن جعفر قال: سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة طيبة (1). * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن عن موسى بن عبيدة قال، حدثني عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: لما أقبلنا من غزوة تبوك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه طيبة، أسكننيها ربي، تنفي خبث أهلها كما ينفي الكير خبث الحديد فمن لقي منكم من النفاخين فلا يكلمنه ولا يجالسنه (2).


(1) ورد في منتخب كنز العمال 5: 353 عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أمرني أن أسمي المدينة طيبة. (2) روى هذا الحديث بمعناه عن أبي هريرة في منتخب كنز العمال 5: 353 وكذلك بمعناه في صحيح مسلم تحقيق عبد الباقي 2: 1005، 1006 عن أبي هريرة أيضا ومجمع الزوائد 3: 307 عن جابر بن عبد الله. (*)

[ 164 ]

* حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا عفان قال، حدثنا وهيب قال، حدثنا عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعد، عن أبي حميد الساعدي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك، قال فقال: إني متعجل، فمن أحب منكم أن يتعجل معي فليفعل. فخرج وخرجنا، حتى إذا أوفى على المدينة قال: هذه طابة. * حدثنا موسى بن إسماعيل، وعفان قالا، حدثنا حماد ابن سلمة، عن سماك، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه: أنهم كانوا يقولون: " المدينة " و " يثرب "، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله سماها طابة. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن سماك، عن جابر ابن سمرة رضي الله عنه قال: كانوا يسمون المدينة بثرب، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة. * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله تعالى سمى المدينة طابة (1). * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا إسماعيل بن زكريا الاسدي، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من قال للمدينة يثرب فليقل: أستغفر


(1) روي هذا الحديث في صحيح مسلم 2: 1007 عن سماك عن جابر بن سمرة وهو متفق مع ابن شبة سندا ومتنا. (*)

[ 165 ]

الله - ثلاثا، هي طابة، هي طابة، هي طابة (1). * حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي قال، حدثنا صالح بن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ابن عازب رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال للمدينة يثرب، فليستغفر الله، هي طابة - ثلاث مرات (2). * وابن أبي يحيى، عن عبد الله بن أبي سفيان، عن أبيه، عن أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال للمدينة يثرب. * وابن أبي يحيى، عن عبد الحميد، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال للمدينة يثرب فليستغفر الله. * حدثنا يحيى بن بسطام قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب قال، سمعت النعمان بن بشر رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي المدينة طابة (3). (ذكر أودية المدينة وما حولها وحدودها ومجتمع مياهها ومغايضها) * حدثنا محمد بن يحيى قال: أخبرني عبد العزيز بن عمران، وعثمان بن عبد الرحمن، الجهني، قالا: سيل وادي العقيق يأتي


(1، 2) روي هذا الحديث في منتخب كنز العمال 5: 353 وكذا في مجمع الزوائد 3: 300 عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله عزوجل، هي طابة هي طابة. (3) روي هذا الحديث في منتخب كنز العمال 5: 350 عن جابر بن سمرة قال: إن الله تعالى سمى المدينة طابة. (*)

[ 166 ]

من موضع يقال له " بطاويح " وهو حرس من الحرة (1) وغربي شطاي، حتى يصبا جميعا في النقيع، وهو قاع كبير الدر، وهو من المدينة على أربعة برد في يمانيها. ثم يصب في غدير يلبن وبرام، ويدفع فيه وادي البقاع، ويصب فيه نقعا، فيلتقين جمع بأسفل موضع يقال له بقع، ثم يذهب السيل مشرقا فيصب على راويتين (2) يعترضهما يسارا، ويدفع عليه واد يقال له هلوان، ثم يستجمعن فيلقاهن بوادي ربر بأسفل الحليفة العليا. ثم يصب على الاتمة وعلى الجام، ثم يفضي إلى وادي الحمراء، فيتبطن واديها، ويدفع عليه الحرتان شرقا وغربا حتى ينتهي إلى ثنية الشريد (3)، ثم يفضي إلى الوادي، فيأخذ في ذي الحليفة حتى يصب بين أرض أبي هريرة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وبين أرض عاصم بن عدي بن العجلان، ثم يستبطن الوادي فيصب عليه شعاب الجماء ونمير، حتى يفضي إلى أرض عروة بن الزبير وبئره، ثم يستبطن بطن الوادي، فياخد منه شطيب إلى خليج عثمان بن عفان الذي حفر إلى أسفل العرصة الذي يقال له خليج بنات نائلة - وهن بنات لعثمان من نائلة بنت الفراقصة الكلبية - وكان عثمان بن عفان عمل ذلك


(1) الحرة: اسم لارض ذات حجارة نخرة سود كأنها أحرقت بالنار قد ألبستها (تاج العروس " حر " - مراصد الاطلاع 1: 394). (2) الراوية: المزادة فيها الماء يستقى عليه (تاج العروس روى). (3) ثنية الشريد: كانت لرجل من بني سليم كان بقية أهل بيته، فقيل له الشريد. وكانت أعنابا ونخلا لم ير مثلها. ومزارع ثنية الشريد من أرض المحرمين إلى أرض المنصور ابن إبراهيم، وقال الهجري: إن سيل العقيق يفضي إلى ثنية الشريد. وبها منازل وبئار كثيرة، وهي ذات عضاة وآكام، تنبت ضروبا من الكلا صالحة للماء (وفاء الوفا 2: 209 ط. الآداب). (*)

[ 167 ]

الخليج، ساقه إلى أرض اعتملها بالعرصة، ثم يفترش سيل العقيق إذا خرج من قراقر عبد الله بن عنبسة بن سعيد يمنة ويسرة، ويقطعه نهر الوادي، ثم يستجمع حتى يصب في زغابة (1). * قال أبو غسان أخبرني غير واحد من ثقات أهل المدينة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا انتهى إليه أن وادي العقيق قد سال قال: اذهبوا بنا إلى هذا الوادي المبارك، وإلى الماء الذي لو جاءنا جاء من حيث جاء لتمسحنا به. * قال: وأما سيل بطحان، وهو الوادي المتوسط بيوت المدينة، فإنه يأخذ من ذي الجدر - و " الجدر " قرارة في الحرة يمانية، من حلبات الحرة العليا حرة معصم، وهو جبل يفترش في الحرة حتى يصب على شرقي ابن الزبير، وعلى جفاف ومرقبة وبني حجر، وبني كلب، والحساة حتى يفضي إلى فضاء بني خطمة والاغرس، ثم يستن حتى يرد الجسر، ثم يستبطن وادي بطحان حتى يصير في زعابة (2). (بطحان) (3) * حدثنا محمد قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن رجل من آل أبي العلاء، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها


(1) نقل السمهودي هذا الخبر في وفاء الوفا 2: 211 وهو مما يتفق فيه مع ابن شبة متنا وسندا. (2) نقله السمهودي في وفاء الوفا 2: 212 عن ابن شبة. (3) بطحان: بالضم ثم السكون عند المحدثين، وأهل اللغة يقولون بفتح أوله وكسر ثانية، وقالوا لا يجوز غيره: وهو أحد أودية المدينة الثلاث: العقيق وبطحان وقناة (مراصد الاطلاع 1: 204 - معجم ما استعجم 153). (*)

[ 168 ]

قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن بطحان على ترعة من ترع الجنة (1). * قال: وأما سيل رانون (2)، فإنه يأتي من مقمة في جبل في يماني عير، ومن حرس شرقي الحرة، ثم يصب على قرين صريحة، ثم على سد عبد الله بن عمرو بن عثمان، ثم يتفرق في الصفاصف، فيصب في أرض إسماعيل ومحمد ابني الوليد التي بالقصبة، ثم يستبطن القصبة حتى يعترض قباء يمينا، ثم يدخل غوساء، ثم بطن ذي خصب، ثم يجتمع ما جاء من الحرة وما جاء من ذي خصب، ثم يقرن بذي صلب، ثم يستبطن السرارة حتي يمر على قعر البركة، ثم يفترق فرقتين، فتمر فرقة على بئر جشم تصب في سكة الخليج حتى يفرغ في وادي بطحان، وتصب الاخرى في وادي بطحان (3). وأما بطن وادي مهزوز (4)، فهو الذي يتخوف منه الغرق على أهل المدينة فيما حدثنا بعض أهل العلم.


(1) نقل السمهودي هذا الحديث في وفاء الوفا 2: 212 رواية عن ابن شبة والبراز وعائشة رضي الله عنها. (2) ورد في هامش اللوحة 53 " ولعلها المعروفة اليوم بحوساء، فإنها بفيافي سد برانونا. (3) نقل السمهودي هذا الخبر في كتابه وفاء الوفا 2: 213 عن ابن شبة فقال ومنها رانونا ويقال رانون قال ابن شبة وأما سيل رانون.. الخ. وفي مراصد الاطلاع 2: 598 " رانونا ممدود: واد بالمدينة ". (4) وادي مهزور: بفتح أوله وسكون ثانيه ثم زاي مضمومة، قال البغدادي: هو واد بالمدينة يسيل منه المطر ثم قال: ومهزور وادي قريظة، في سيله اختصم الزبير والانصاري إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للزبير، وأشرفت المدينة على الغرق = (*)

[ 169 ]

(ذكر آبار المدينة) * قال أبو غسان: ومن آبار المذينة بئر بالحرانية يقال لها الحفير يصب فيها سيل مذينب، وربما صرف إليها سيل مهزوز إذا طغا وخيف على المدينة فيصب فيها هو ومذينب. * وبئر يقال لها البويرمة لبني الحارث بن الخزرج. * وبئر يقال لها الهجير بالحرة فوق قصر ابن ماه. وقد كان مهزور سال في ولاية عثمان رضي الله عنه سيلا عظيما خيف على المدينة منه الغرق، فعمل عثمان رضي الله عنه الردم الذي عند بئر مدرى ليرد به السيل عن المسجد وعن المدينة، ثم سال وعبد الصمد بن علي وال على المدينة في خلافة أبي جعفر المنصور سنة ست وخمسين ومائة، فخيف منه أيضا على المسجد، فبعث إليه عبد الصمد عبيد الله بن أبي سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو على قضائه، وندب الناس إليه، فخرجوا إليه بعد العصر وقد طغى وملا صدقات النبي صلى الله عليه وسلم، فدلوا على مصرفه، فحفروا في برقه صدقة النبي صلى الله عليه وسلم، فأبدوا عن حجارة منقوشة ففتحوها، فانصرف الماء فيها وغاض إلى بطحان. وكان الذي دلهم على ذلك عجوز مسنة من أهل العالية، قالت: " إني كنت أسمع الناس يقولون: إذا خيف على القبر من


= منه فاتخذ له عثمان ردما. وقال السمهودي نقلا عن ابن زبالة: إنه يأتي من بني قريظة، ثم قال في هذه الرواية ما لفظه: أما معجب فيأتي سيله. حركات يمر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت الانصار: إنما الذي يمر في المسجد مهزور، ولم يبين أصل سيل معجب، ونقل عن ابن شبة قال: أما بطن مهزور فهو الذي يتخوف منه الغرق على أهل المدينة... الحديث (مراصد الاطلاع 3: 1340، وفاء الوفا 2: 216). (*)

[ 170 ]

سيل مهزور، فاهدموا من هذه الناحية، وأشارت إلى القبلة فهدمها الناس، فأبدوا عن تلك الحجارة. وسيل عن مهزور يأخذ من الحرة من شرقيها، ومن هكر، وحرة صفة، حتى يأتي أعلى حلاة (1) بني قريظة، ثم يسلك فيه شعيب فيأخذ على بني أمية بن زيد بين البيوت في واد يقال له مدينب، ثم يلتقي هو وسيل بني قريظة بالمشارف - فضاء بني خطمة - ثم يجتمع الواديان جميعا، مهزور ومذينب فيفترقان في الاموال ويدخلان صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها إلا مشربة أم إبراهيم، ثم يفضي إلى السورين على قصر مروان بن الحكم، ثم يأخذ بطن الوادي على قصر بني يوسف، ثم يأخذ في البقيع حتى يخرج على بني جديلة، والمسجد ببطن مهزور، وآخره كومة أبي الحمراء، ثم يفضي فيصب في وادي قناة (2). * قال أبو غسان، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب المخزومي، ويزيد بن بكير قالا: يأتي سيل مهزور من بني قريظة وبطحان من صدور جفاف. قال: ومعجب هو الذي يمر سيله في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وقالت الانصار: إنما السيل الذي هو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مهزور. * حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا مالك بن أنس،


(1) حلاه: واحدتها الحلاء بالكسر والمد، وهي اسم لجبال تنحت منها الارحية وتجلب إلى المدينة (تاج العروس). (2) نقل السمهودي هذا الخبر في وفاء الوفا 2: 217 ط. الآداب مع اختلاف في لفظه. (*)

[ 171 ]

عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في وادي مهزور ومذينب أن يمسك (1) الماء إلى الكعبين، ثم يرسل الاعلى على الاسفل. * حدثنا حيان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا أبو معاوية عن محمد بن إسحاق، عن أبي مالك بن ثعلبة (2) ابن أبي مالك، عن أبيه قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهزور ووادي بني قريظة: أن الماء إلى العقبين، لا يحبس الا على على الاسفل ويحبس الاسفل على الاعلى. * قال وحدثنا يحيى قال، حدثنا حفص، عن جعفر، عن أبيه قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيل مهزور، أن لاهل النخل إلى العقبين، ولاهل الزرع إلى الشراكين، ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم. * حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا محمد بن عمارة قال، حدثني أبو بكر بن محمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور، أن يمسك الاعلى على الاسفل حي يبلغ الكعبين والجدر (3)، ثم يرسل الاعلى على الاسفل وكان يسقي الحوائط.


(1) في المتن يسع، في هامش اللوحة 54 لعله كما في الموطأ يمسك. وقد أثبت ما في الهامش. (2) ثعلبة بن أبي مالك القرظي أبو مالك أو أبويحيى المدني إمام مسجد بني قريظة روى عنه ابناه منظور وأبو مالك، قال العجلي في التهذيب له رؤية. روى عن النبي وعمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وعثمان بن عفان، وهو تابعي ثقة. خلاصة الخزرجي 49 ط. الخيرية. (3) الجدر: قيل أصل الشجرة، وقيل جذور المشارب التي يجتمع فيها الماء في أصول النخل، وقيل المسحاء، وهو ما وقع حول المزرعة كالجدار. (وفاء الوفا 3: 1079 محيي الدين). (*)

[ 172 ]

* وسيل وادي قناة، يأتي من وج. وبلغنا عن شريح بن هانئ الشيباني - هكذا قال أبو غسان - أنه قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعه امرأته أم الغمر، فأسلمت ففرق بينهما عمر رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، اردد علي زوجتي. فقال: إنها قد أسلمت، ولا تحل لك إلا أن تسلم فأردها عليك. فنزل شريح بقناة، فأقام بها وقال: ألا يا صاحبي ببطن وج * رواحا، لا أرى لكما مقاما إلا تريان أم الغمر أمست * قريبا لا أطيق لها كلاما فجعل " بطن قناة " بطن وج، لان السيل يأتي منه. * وأما ملتقى سيول هذه الادية ومجتمعها، فإنها تجتمع بزغابة، وهو طرف وادي إضم - وإنما سمي " إضم "، لانضمام السيول به واجتماعها فيه - ثم تجتمع فتنحدر على عين أبي زياد، ثم تنحدر فيلقاها شعاب يمنة ويسرة، ثم يلقاها وادي مالك بذي خشب وظلم والجنية، ثم يلقاها وادي أوان (1) ودوافعه من الشرق، ويلقاها من الغرب واد يقال له بواط والحزار، ويلقاها من الشرق وادي الاتمة، ثم تمضي في وادي إضم وعيونه حتى يلقاه وادي برمة الذي يقال له ذو البيضة من الشام، ويلقاها وادي ترعة من القبلة، ثم يلتقي هو ووادي العيص من القبلة، ثم يلقاه دوافع واد يقال له حجر، ووادي الجزل (2) الذي به السقيا والرحبة في


(1) أوان: في رواية وفاء الوفا 3: 1081 وادي ذي أوان. (2) كذا في الاصل، وفي رواية وفاء الوفا 2: 322 " أودية " وادي الجزل، وهو ببلاد عذرة، قرب وادي القرى، على نحو سبع مراحل من المدينة، وعلى نحو مرحلتين من ذي المروة (وفاء الوفا 2: 323). (*)

[ 173 ]

نخيل ذي المروة مغربا، ثم يلقاه وادي عمودان في أسفل ذي في المروة، ثم يلقاه واد يقال له سفيان، حتى يفضي إلى البحر عند جبل يقال له أراك، ثم يدفع في الغمر من ثلاثة أمكنة من البحر يقال لها اليعبوب والنتيجة وحقيب. (ما جاء في أموال النبي صلى الله عليه وسلم وصدقاته ونفقاته بالمدينة وأعراضها) * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن جعفر بن المسور، عن أبي عون، عن ابن شهاب قال: كانت صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم أموالا لمخيريق اليهودي - قال عبد العزيز: بلغني أنه كان من بقايا بني قينقاع - ثم رجع حديث ابن شهاب قال: وأوصى مخيريق بأمواله للنبي صلى الله عليه وسلم، وشهد أحدا فقتل به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مخيريق سابق اليهود، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة " قال: وأسماء أموال مخيريق التي صارت للنبي صلى الله عليه وسلم: الدلال، وبرقة، والاعواف، والصافية، والميثب، وحسنى، ومشربة أم إبراهيم. فأما الصافية والبرقة والدلال والميثب، فمجاورات بأعلى السورين من خلف قصر مروان بن الحكم، فيسقيها مهزور. وأما مشربة أم إبراهيم فيسقيها مهزور، فإذا خلفت بيت مدراس اليهود، فحيث مال أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة الاسدي، فمشربة أم إبراهيم إلى جنبه، وإنما سميت " مشربة أم إبراهيم " لان أم إبراهيم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدته فيها، (*)

[ 174 ]

وتعلقت حين ضربها المخاض بخشبة من خشب تلك المشربة، فتلك الخشبة اليوم معروفة في المشربة. وأما حسنى فيسقيها مهزور وهي من ناحية القف. وأما الاعواف فيسقيها أيضا مهزور، وهي أموال بني محمم. * قال أبو غسان: وقد اختلف في الصدقات، فقال: بعض الناس هي أموال قريظة والنضير. * فحدثني عبد العزيز بن عمران، عن أبان بن محمد البجلي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: كانت " الدلال " لامرأة من بني النضير، وكان لها سلمان الفارسي، فكاتبته على أن يحييها لها ثم هو حر، فأعلم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج إليها فجلس على فقير (1)، ثم جعل يحمل إليه الودي فيضعه بيده، فما عدت منها ودية أن أطلعت. قال: ثم أفاءها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم. قال: والذي تظاهر عندنا أنها من أموال النضير، ومما يدل على ذلك أن مهزورا يسقيها، ولم يزل يسمع أنه لا يسقي إلا أموال بني النضير. * قال: وقد سمعنا بعض أهل العلم يقول: إن برقة والميثب للزبير بن باطا، وهما اللتان غرس سلمان، وهما مما أفاء الله من أموال بني قريضة ويقال: كانت " الدلال " من أموال بني ثعلبة من اليهود، و " حسنى " من أموالهم، و " مشربة أم إبراهيم " من


(1) الفقير: هو الحفرة التي يوضع فيها الغسيل (تاج العروس فقر). (*)

[ 175 ]

أموال بني قريظة، و " الاعواف " كانت لخنافة اليهودي من بني قريظة، والله أعلم أي ذلك الحق، وقد كتبناه على وجهه كما سمعنا. * قال الواقدي: وقف النبي صلى الله عليه وسلم " الاعواف " و " برقة " و " ميثب " و " الدلال " وحسنى " و " الصافية " و " مشربة أم إبراهيم " سنة سبع من الهجرة. * قال، وقال الواقدي، عن الضحاك بن عثمان، عن الزهري قال: هذه الحوائط (1) السبعة من أموال بني النضير. * قال، وقال الواقدي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، قال، حدثني عبد الله بن كعب ابن مالك قال: قال مخيريق يوم أحد: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه (2) الله، فهي عامة صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم. * قال، وقال الواقدي، عن أيوب بن أبي أيوب، عن عثمان ابن وثاب قال: ما هي إلا من أموال بني النضير، لقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد ففرق أموال مخيريق (3). حدثنا حيان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا إبراهيم بن حميد الرواسي، عن أسامة بن زيد قال، أخبرني


(1) الحوائط: جمع حائط للبستان من النخل إذا كان عليه جدار (تاج العروس). (2) رواية السمهودي في وفاء الوفا 2: 153 ط. الآداب " حيث أراد الله ". (3) ورد في هامش اللوحة 55 " ذكر المجد في تاريخه في ترجمة النضير عن الواقدي أنها من أموال مخيريق وأنه من بنى النضير ". (*)

[ 176 ]

ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر رضي الله عنه قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفايا خيبر وفدك وبنو (1) النضير. فأما " بنو النضير " فكانت حبسا لنوائبه، وأما " فدك " فكانت لابناء السبيل، وأما " خيبر " فجزأها ثلاثة أجزاء، جزئين بين المسلمين، وجزءا لنفقة أهله، فما فضل عن نفقة أهله رد على فقراء المهاجرين. (أمر خيبر) * حدثنا أبو عاصم قال: ابن جريج أخبرنا، قال أخبرنا عامر بن عبد الله بن نسطاس، عن خيبر قال: فتحها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت له جمعاء. * حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني مالك، عن ابن شهاب قال: خيبر كان بعضها عنوة وبقيتها صلحا، والكثيبة (2) أكثرها عنوة، وفيها صلح. * قال مالك أول من جلى أهل خيبر عمر رضي الله عنه، فقال له رئيس من رؤسائهم: أتجلينا وقد أقرنا محمد ؟ فقال عمر رضى الله عنه: أتراني نسيت قوله: كيف بك لو قد رقصت بك قلوصك (نحو الشام) (3) ليلة بعد ليلة " ؟ فقال: إنما كانت هزيلة من أبي القاسم. فقال له عمر رضي الله عنه: كذبت، كلا والذي نفسي بيده، إنه لفصل وما هو بالهزل.


(1) " بنو " كذا في الاصل ولعلها على الحكاية. (2) كذا في الاصل وكذا في السيرة لابن هشام 2: 349 ط. الحلبي " الكتيبة ". (3) الاضافة من البداية والنهاية لابن كثير 3: 200. (*)

[ 177 ]

* حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك قال: لما فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خيبر، قال له أهل خيبر: يا أبا القاسم، نحن عبيدك، فاستبقنا، وادفع إلينا أرضك نعطك ما شئت، ونأخذ ما شئت. قال: فدفعها صلى الله عليه وسلم إليهم على النصف. * حدثنا عبد الله بن نافع، والقعنبي، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب قال (قال النبي صلى الله عليه وسلم) (1) ليهود يوم فتح خيبر: أقركم ما أقركم الله، على أن التمر بيننا وبينكم. فكان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه. * حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله ابن عبيد بن عمير، عن مقارضة النبي صلى الله عليه وسلم يهود أهل خيبر، على أن لنا النصف ولكم نصف. قال: يكفونا العمل. فلما طاب ثمرهم، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث خارصا يخرص بيننا وبينك. فبعث عبد الله بن رواحة، فطاف في نخلهم فنظر إليه، ثم قال: والله ما أعلم. ما يخرج عنكم، وإن شئتم أعطيناكم أربعين ألف وسق وتخرجون عنا. قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: بهذا قامت السموات والارض، وبهذا يغلبونكم. * قال ابن جريج، وأخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابرا رضي الله عنه يقول: خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق، فلما خيرهم،


(1) إضافة على الاصل يقتضيها السياق. (*)

[ 178 ]

اختارت اليهود التمر، وعليهم عشرون ألف وسق. * قال ابن جريج، وأخبرني عامر بن عبد الله بن نسطاس قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه فخرص بينهم، فلما خيروا أخذت اليهود التمر، فلم يزل بيد يهود حتى أخرجهم عمر رضي الله عنه منها، فقالت اليهود: ألم يصالحنا النبي صلى الله عليه وسلم على كذا وكذا ؟ فقال: إن غدركم ما بدا لله ولرسوله، فهذا حين بدا لي إخراجكم منها. ثم قسمها بين المسلمين ولم يعط منها أحدا لم يحضر فتحها، فأهلها الآن المسلمون ليس فيها اليهود. * حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا ابن وهب قال، أخبرني أسامة بن زيد، عن نافع، عن عبد الله قال: لما افتتحت خيبر، سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرها في أيديهم على أن يعملوا على النصف مما خرج منها، التمر والزرع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أقركم على ذلك ما شئنا. فكانوا فيها كذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي رضي الله عنه، وطائفة من إمارة عمر رضي الله عنه، وكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر، ويأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أطعم كل امرأة من أزواجه (من (1)) الخمس: مائة وسق تمرا، وعشرون وسقا شعيرا. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا هشيم، عن - داود بن


(1) بياض بالاصل، وما أثبتناه عن ابن هشام 3: 814 وتاريخ الطبري 3: 1589. (*)

[ 179 ]

أبي هند، عن الشعبي: أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع خيبر إلى أهلها على النصف، وعلى أن يكفوا المسلمين المؤونة حتى يبلغ التمر، ولهم الحطب وسواقط النخل، فلما بلغت التمرة، بعث إليهم عبد الله ابن رواحة - وكان مسترضعا فيهم - ففرحوا به وقالوا: مرحبا بك وبمن جئت من عنده، كيف أنت وكيف صاحبك الذي تركت وراءك ؟ فقال: أما أنا فصالح، وأما صاحبي فو الله لهو أحب إلي من نفسي التي بين جنبي، ولانتم أبغض إلي من عددكم من القردة والخنازير. قالوا: فكيف تعدل علينا ؟ قال: لن يحملني حب صاحبي على أن أجور له عليكم، ولا يحملني بغضي إياكم أن لا أعدل عليكم. قالوا: بهذا قامت السموات والارض. قال: فطاف في النخل ونظر، فقال: إن شئتم أن أكيل لكم كذا وكذا، ولنا الحطب وسواقط (النخل (1)) قال: ففرحوا بذلك وقبلوه، ثم كالوا التمرة فلم يجدوها نقصت شيئا مما خرص ولا زادت. * قال وحدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: أن النبي صلى الله عليه وسلم يبعث (إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين ويهود فيخرص عليهم، فإذا قالوا تعديت علينا قال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا، فتقول يهود: بهذا قامت السموات والارض (2). ثم قال لهم: إن شئتم أن تخرصوا أو تختاروا فقبلوا ذلك، فمن هناك جاءت سنة الخرص. * حدثنا أحمد بن عيسي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال،


(1، 2) بياض بالاصل، والمثبت عن ابن هشام 3: 814، وتاريخ الطبري 3: 1589 (*)

[ 180 ]

أخبرني ابن لهيعة، أن بكير بن عبد الله حدثه، عن سليمان بن يسار: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إلى أهل خيبر خارصا عليهم، فلما جاءهم تلقوه بالهدايا، فقال: لا أرب لي بهداياكم، تعلمون معشر اليهود ما خلق الله قوما أبغض إلي منكم، وما خلق الله قوما أحب إلي من قوم خرجت منهم، وإني والله لا يحملني حبهم ولا بغضي إياكم أن لا تكونوا في الحق عندي سواء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطاهم النخل يساقونها (1) على النصف، فخرصها ابن رواحة، فلما خرصها قال: اختاروا، فإن شيتم أخذتموه بما خرصت، وإلا أخذناه. فقالوا: هذا (هو (2) العدل، بهذا قامت السموات والارض. * حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بشطر ما يخرج من ثمرها وزرع. وكان يعطي أزواجه في كل عام لكل امرأة منهن مائة وسق: ثمانين وسقا من طعام، وعشرين وسقا من شعير. * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا داود بن أبي هند، عن الشعبي: أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع خيبر إلى أهلها بالشطر، فلما كانت المقاسمة، بعث إليهم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه فخيرهم.


(1) في الاصل " يسقونها " والتصويب عن مغازي الواقدي 2: 690. (2) الاضافة للسياق. (*)

[ 181 ]

* حدثنا محمد بن بكار قال، حدثنا أبيض بن يمان الكوفي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أعطي النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر خيبر بالنصف، ثم بعث إليهم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ليقاسمهم، وأتاهم فقال: إن شئتم فأقسموا ثم خبروني، وإن شئتم قسمت ثم خيرتكم. فقالوا قضيت بما في ناموس موسى. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا الخزامي قال، حدثنا عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم أزواجه من خمس خيبر، كل واحدة منهن مائة وسق: ثمانين وسقا تمرا وعشرين وسقا شعيرا، من الخمس (1). * قال الخزامي، حدثني عبد الله بن نافع، عن عاصم بن عمر، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر كانت سهمانها ثمانية عشر سهما، جمع كل رجل من المهاجرين معه مائة رجل يضم إليه، فكانوا ألفا وثمانمائة. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعد، عن بشير بن يسار: أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر على ستة وثلاثين سهما (2)..


(1) في البداية والنهاية 4: 200 قال ابن كثير: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر كل عام وعشرين وسقا من شعير. (2) في البداية والنهاية 4: 201 روي هذا الحديث عن محمد بن فضيل عن يحيى ابن سعيد عن بشير بن يسار مولى الانصار، عن رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما. (*)

[ 182 ]

* حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لولا آخر المسلمين ما فتحت عليهم قرية إلا قسمتها، كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر (1). * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل، عن حكيم ابن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أعطانا النبي صلى الله عليه وسلم نصيبنا من خيبر، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، غير أن الناس كثروا على عمر رضي الله عنه، فأرسل إلينا فجمعنا فقال: إن الناس قد كثروا، فإن شئتم أعطيتكم مكان نصيبكم من خيبر مالا. فنظر بعضنا إلى بعض، فقتل عمر رضي الله عنه ولم يعطنا شيئا، فقبضها عثمان رضي الله عنه، وذكرنا له ذلك فقال: إن عمر رضي الله عنه قبضها ولم يعطكم. فأبى أن يعطينا (2).


(1) روي في إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاي 6: 374 عن محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن مهدي عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لولا آخر المسلمين ما فتحت عليهم قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر. (2) وبالمصدر السابق والبداية والنهاية لابن كثير 4: 201 عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: " أما والذي نفسي بيده لو لا أن أترك الناس ؟ يانا ليس لهم شئ ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، ولكني أتركها لهم خزانة يقتسمونها، قال في النهاية: أي أتركهم شيئا واحدا، لانه إذا قسم البلاد المفتوحة على الغانمين بقي من لم يحضر الغنيمة ومن يجئ بعده من المسلمين بغير شئ منها، فلذلك تركها لتكون بين أيديهم جميعا، وقيل معناه لولا أن أتركهم فقراء معدمين وبيانا، قال أبو عبيد: لا أحسبه عربيا، وقال الازهري: هو لغة يمانية، وقيل أتركهم بيانا: أي طريقة واحدة. (*)

[ 183 ]

* حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا موسى، عن الزهري قال: بلغني أن الخمس كان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل مغنم غنمه المسلمون، شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان لا يقسم لغائب من مغنم إلا يوم خيبر، قسم لغيب الحديبية، من أجل أنه كان أعطى خيبر المسلمين من أهل الحديبية، قال الله عزوجل: " وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه " (2)، فكانت لاهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب (3)، ولم يشهدها من الناس معهم غيرهم. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أهل خيبر خيبر على أن يعملوها، ولهم شطر التمرة، فكانوا على ذلك حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلافة أبي بكر رضي الله عنه، وصدرا من خلافة عمر رضي الله عنه. * قال الزهري، فأخبرني عبد الله بن عبيد الله: أن عمر رضي الله عنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه: " لا يجتمع في جزيرة العرب دينان "، ففحص عمر رضي الله عنه


(1) في البداية والنهاية 4: 206 قال البخاري حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا حفص بن غياث حدثنا يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى قال: قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا ولم يقسم لاحد لم يشهد الفتح غيرنا. (2) سورة الفتح آية 20. (3) ورد أنه لم يغب عنها من أهل الحديبية إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام ابن كعب بن غنم السلمي، فقسم له رسول الله (نهاية الارب 17: 262)، وفي مغازي الواقدي 2: 684 تخلف عنها رجال، وعد منهم جابر بن عبد الله... الخ. (*)

[ 184 ]

عن الخبر في ذلك حتى وجد عليه الثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: من كان من أهل الحجاز - يعني من أهل الكتاب - عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فليأت به أنفذ له عهده وأقره، ومن لا فإن الله تعالى قد أذن في إجلائكم - أو بجلائكم (1) - فأجلى عمر رضي الله عنه يهود الحجاز إلى الشام. * حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا الحجاج، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع خيبر إلى أهلها بالشطر، فلم تزل معهم حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، حتى بعثني عمر رضي الله عنه لاقاسمهم، فسحروني، فتكوعت (2) يدي، فانتزعها عمر رضي الله عنه منهم. * حدثنا سويد قال، حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما ولي عمر رضي الله عنه قسمة خيبر، فخير أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع لهن الارض والمال، أو يضمن لهن الاوساق كل عام، فاختلفن عليه، فمنهن من اختار الارض والاموال، ومنهن من اختار الاوساق كل عام، فكانت عائشة وحفصة رضي الله عنهما ممن اختار الارض والمال (3).


(1) في الاصل: " أو كلالكم " وكلل والرجل تكليلا بمعنى ذهب، وترك أهله وعياله بمضيعة. (تاج العروس 8: 103، واللسان). (2) تكوعت يدي: الكوع في الناس أن تعوج الكف من جهة الكوع (أقرب الموارد. كوع). (3) ورد بمعناه في مسند ابن جنبل 6: 330 عن ابن نمير عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر. (*)

[ 185 ]

* حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني أسامة بن زيد، عن نافع، عن عبد الله رضي الله عنه قال: لما أراد عمر رضي الله عنه إخراج اليهود من خيبر، أمر الناس أن يركبوا، فيقسم خيبر على السهمان، فأرسل إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهن: من أحب منكن أن أقسم لها نخلا تخرصها بمائة وسق، فيكون لها أصلها وأرضها وماؤها، ومن الزرع مزرعة خرص عشرين وسقا، فعلنا، ومن أحب أن يقر لها الذي هو لها في الخمس كما هو، فعلنا. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا زياد بن عبد الله بن طفيل، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن مكنف أخي بني حارثة قال: لما أخرج عمر رضي الله عنه يهود من خيبر، ركب في المهاجرين والانصار، وخرج معه جبار بن صخر بن خنساء أخو بني سلمة، وكان خارص أهل المدينة وحاسبهم، ويزيد بن ثابت، فهما قسما خيبر بين أهلها على أصل جماعة السهمان التي كانت عليها، فكانت مما قسم عمر رضي الله عنه من وادي القرى لعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وعمر بن أبي سلمة، وعامر بن ربيعة، وعمرو بن سراقة، والاشيم (1)، وبني جعفر، ولابن عبد الله بن جحش، وعبد الله بن الارقم وغيرهم، لكل إنسان حظر - قال يحيى والحظر القطعة من النخيل أو الابل أو غيره.


(1) الاشيم: هو أشيم الضبابي غير منسوب، قتل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي خبره في الوفود عندما كاتب النبي صلى الله عليه وسلم الضحاك بن سفيان الكلابي " بتوريث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها ". (أسد الغابة 1: 99، الاصابة 1: 67). (*)

[ 186 ]

* قال يحيى، وحدثني عبد السلام بن حرب، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بشطر ما يخرج من زرع أو تمر، فكان يعطي أزواجه كل عام مائة وسق: ثمانين وسقا تمرا، وعشرين وسقا شعيرا. فلما قام عمر رضي الله عنه، قسم خيبر، فخير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيهن (1) الارض أو يضمن لهن الوسوق كل عام، فاختلفن، فمنهن من اختار الوسوق، ومنهن من اختار أن يقطع لها الارض، وكانت عائشة وحفصة رضي الله عنهما ممن اختار الوسوق. * قال يحيى، وحدثنا أبو بكر، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قسمت خيبر على ألف سهم وخمسمائة وثمانين سهما، الذين شهدوا الحديبية ألف وخمسماية وأربعين رجلا، والذين كانوا مع جعفر بأرض الحبشة أربعون رجلا، وكان معهم يومئذ مائتا فرس أو نحوها، فأسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهما. * حدثنا محمد بن يحيى قال، قال ابن إسحاق: بلغني ممن أثق به أن المقاسم كانت على أموال خيبر على الشق والنطاة في أموال المسلمين، وكانت الكتيبة خمس الله وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين، وطعم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وطعم رجال مشوا بين أهل فدك بالصلح، منهم: محيصة (2) بن مسعود، أعطاه


(1) روي هذا الحديث في مسند ابن حنبل 6: 330 عن ابن نمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر بسنده ومتنه مع اختلاف يسير في قوله " أن يعطيهن الارض " في المسند: يقطعهن الارض. (2) محيصة بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن مجموعة بن حارثة بن الحارث = (*)

[ 187 ]

النبي صلى الله عليه وسلم منها ثلاثين وسقا شعيرا وثلاثين وسقا تمرا، فكانت الكتيبة مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت في صدقاته. * قال أبو غسان: وقد سمعت من يقول: كانت بئر غاضر والنورس من طعمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهما من أموال بني قريظة بعالية المدينة. وقد قيل في ذلك: إن بئر غاضر مما دخلت في صدقة عثمان رضي الله عنه في بئر أريس. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن أبي لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن عثمان بن محمد الاخنسي، قال: غزا النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ففتحها الله له، فقال للمسلمين: " إن خيبر كانت لمن شهد الحديبية خاصة، وإن إخوانكم هؤلاء شهدوا معكم، فألا تشركونهم ؟ وكان قد أدركه بها ركب من شنوءة، فيهم الطفيل بن عمرو، وأبو هريرة - فقال المسلمون: " نعم، افعل يا رسول الله، فأسهمهم معهم. وكانت قسمت نصفين، فكانت الشق ونطاة نصفا، وكانت الوطيح وسلالم ووحيدة (1) نصفا فهذا النصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان للمسلمين الشق ونطاة.


= ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي يكنى أبا سعد، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل فدك يدعوهم للاسلام، شهد أحدا والخندق وما بعدها من المشاهد كلها. (1) في الاصل والمغازي للواقدي " وحد " والتصويب عن وفاء الوفاء 2: 297 ط. الآداب، والوحيدة من الاموال القصوى التي تضم سلالم والكتيبة والوطيع، والاصل " الوحيحة " والصواب ما أثبت عن المرجع السابق. (*)

[ 188 ]

* حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار قال: لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم خيبر، قسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، وعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به، وقسم النصف الباقي بين المسلمين، فما قسم بين المسلمين الشق ونطاة وما حيز معهما، وكان فيما وقف الوطيح (1) والكتيبة وسلالم وما حيز معهن، فلما صارت الاموال بيد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، لم يكن لهم من العمال ما يكفون عمل الارض، فدفعها النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليهود، ويعملونها على نصف ما خرج منها، فلم يزل كذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، حتي كان عمر رضي الله عنه، وكثر العمال في أيدي المسلمين وقووا على عمل الارض، فأجلى عمر رضي الله عنه اليهود إلى الشام، وقسم المال بين المسلمين إلى اليوم. * حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو ابن الحارث، أن سعيد بن أبي هلال حدثه، أن يزيد بن عياض حدثه، أنه بلغه من شأن خيبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل في وادي السرير، الوادي الادنى، وبه الشق والنطاة، فبرز إليه أهلها لقتاله، ثم إن الله هزمهم، ثم نزلوا على حصين بني نزار، ففتحه الله بغير صلح، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله لاهل الحديبية، ولخيل كانت معه عشرين ومائة فرس، ولامرأتين حضرتا القتال: امرأة من بني حارثة يقال لها أم الضحاك (2) بنت مسعود أخت


(1) انظر التعليق رقم (1) في الصفحة السابقة (2) أم الضحاك بنت مسعود الانصارية الحارثية شهدت خيبر مع الرسول صلى الله = (*)

[ 189 ]

حويصة ومحيصة، والاخرى أخت حذيفة بن اليمان (1)، أعطى كل واحدة مثل سهم رجل. وقدم عليه هناك وفد الطفيل بن عمرو الدوسي (2)، وفيهم أبو هريرة، وذلك حين هاجروا، فزعموا أن


= عليه وسلم فأسهم لها سهم رجل، روى حديثها حزام بن محيصة، وسهل بن أبي حثمة. (أسد الغابة 5: 596). (1) أخت حذيفة بن اليمان: قيل هي فاطمة، وقيل هي خولة بنت اليمان. وهو حسل ويقال حسيل بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحارث بن مازن ابن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، العبسية، واليمان قيل حسل بن جابر، وقال ابن الكلبي: لقب جروة بن الحارث (أسد الغابة 5: 447، 628، أسد الغابة 1: 390). (2) طفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس الازدي الدوسي، قال ابن إسحاق: كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث إنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فمشى إليه رجال من قريش - وكان شريفا شاعرا - وقالوا يا طفيل: إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل بين أظهرنا قد عضل بنا وفرق جماعتنا، وإنا نخشى عليك وعلى قومك فلا تكلمه ولا تسمع له. قال: فوالله ما زالوا بي أحتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا أو أكلمه حتى حشوت أذني كرسفا فرقا أن يبلغني من قوله، ثم غدوت إلى المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فأبى الله إلا أن يسمعني قوله. فسمعت كلاما حسنا حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فعرض على الاسلام وتلا على القرآن فأسلمت وقلت: يا رسول الله إني امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الاسلام، فقال اللهم اجعل له آية، فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثينة تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح.. ثم دعوت دوسا فأبطأوا عن الاسلام فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت: غلبني على دوس الربا - صنم لهم - فادع الله عليهم. فقال صلى الله عليه وسلم اللهم أهد دوسا إلي، ارجع إلى قومك فادعهم، فلم أزل بأرض قومي دوس أدعوهم إلى الاسلام حتى هاجر بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت بالمدينة بتسعين أو ثمانين بيتا من دوس ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين، ثم لم يزل مع الرسول حتى حضر فتح مكة، فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين مجاهدا أهل الردة حتى فرغ من نجد، ثم مات شهيدا باليمامة رضي الله عنه (أسد الغابة 3: 54). (*)

[ 190 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن خيبر لم تكن إلا لمن شهد الحديبية، وإن إخوانكم قد جاؤوكم، فإن رأيتم أن تشركوهم معكم فأشركوهم، فقالوا: " افعل يا رسول الله ". فأشركهم، فجعل الشق ونطاة ثمانية عشر سهما - جمع - وسهم الجمع يكون لمائة إنسان - فتلك على ألف وثمانمائة معدودة، منها أربعون ومائة ومائة سهم للخيل لكل فرس سهمان. فلما بلغ أهل وادي خاص (1) الاموال القصوى (2) وفيه من الاموال وحيدة وسلالهم والكتيبة والوطيح - الذي صنع بأهل الشق ونطاة، أرسلوا إليه فصالحوه على أن له كل شئ لهم إلا أنفسهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجهم إذا أراد، فجعل على مثل ما جعل عليه أموال السرير على ثمانية عشر سهما، وأعطى عليا من ذلك سهما، وأعطى عباسا وعقيلا سهما سهما، وأطعم أزواجه سهمين، وسألت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بخيبر ويقاسمهم أموالهم على نصف ما يخرج منها، ففعل، على أنهم يكونون على ذلك ما بدا له، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم فكانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما لهم. وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه الخمس، فكانوا على ذلك زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر رضي عنه، وبعض زمان عمر رضي الله عنه، ثم بدا له أن يخرجوهم (3)، فأذن في الناس


(1) وادي خاص: واد بخيبر فيه الاموال القصوى. (2) والاموال القصوى: الوحيدة وسلالم والوطيع. وفاء الوفا 2: 297 وهو هكذا في الاصول ومعجم البلدان، وذهب السهيلي أنه تحريف وصوابه " خلص " انظر: ابن هشام 2: 349. (3) ثم بدا لهم أن يخرجوهم كذا في الاصل، ولعلها ثم بدا له أن يخرجهم لتجانس ما بعده. ولان عمر بن الخطاب هو الذي أخرجهم، أو على أنه: ثم بدا لعمر بن الخطاب وأولي الامر من المسلمين إخراجهم. (*)

[ 191 ]

أن تخرج اليهود من خيبر، وقاسم أموالهم، فخرج الناس معهم، وخرج يزيد بن ثابت (1) وجبار بن صخر (2) من بني سلمة، فقسماها على الناس، وأجلى يهود إلى الشام، وزعم: أنه خير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فيما كان أجري عليهن، فقال: " من أحب منكن أن نعطيه من النخل ما يخرص (3) مثل الذي أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من التمر، ومن الزرع ما يكون فيه مثل ما أعطاه من الشعير، فيكون له أصولها وماؤها وأرضها ". فأخذت عائشة رضي الله عنها النخل. فلما ضرب السهمان، ضرب في نطاة، فكان أول سهم خرج منها سهم الزبير رضي الله عنه، وهو الخوع (4) وتابعه السرير (5)، ثم كان سهم بني بياضة الثاني، ثم كان الثالث سهم أسيد (6)، ثم كان الرابع سهم بني الحارث بن الخزرج،


(1) يزيد بن ثابت الانصاري - أخو زيد بن ثابت - وهو أسن من زيد، قيل شهد بدرا وأحدا ورمي يوم اليمامة بسهم فمات في الطريق شهيدا (أسد الغابة 5: 105). (2) جبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان، ويقال خنيس بن سنان بن عبيد ابن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الانصاري الخزرجي ثم السلمي، يكنى أبا عبد الله - شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان خارص أهل المدينة وحاسبهم، قال ابن السكن: مات جبار سنة ثلاثين في خلافة عثمان، وزاد أبو نعيم: وهو ابن ثنتين وستين سنة (أسد الغابة 1: 265، سيرة ابن هشام 2: 354 ط. الحلبي). (3) الخارص: الذي يحرز ما على النخل والكرم من ثمر، وهو من الخرص أي الظن لانه تقدير بظن (سيرة ابن هشام 2: 354 ط. الحلبي). (4) في الاصول " الجزع وتابعه السرير " والمثبت عن ابن هشام 2: 350. الخوع: موضع قرب خيبر. (5) السرير: الوادي الادنى بخيبر وبه الشق ونطاة (وفاء الوفا 2: 322). (6) هو أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل الانصاري الاوسي الاشهلي، وكان له حصن واقم، وكان رئيس الاوس يوم بعاث، = (*)

[ 192 ]

ثم كان الخامس سهم ناعم لبني عوف (1) ومزينة وشركائهم. ثم هبطوا إلى الشق، فكان أول سهم خرج سهم عاصم بن عدي، ويزعمون أن سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) كان معه، ثم كان الذي يليه سهم عبد الرحمن بن عوف ثم كان الذي يليه سهم بني ساعدة، ثم كان الذي يليه سهم بني النجار، ثم كان الذي يليه سهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه - مع كل رجل من هؤلاء الذين تخرج سهامهم مائة رجل - ثم كان الذي يليه سهم طلحة بن عبيد الله، ثم كان الذي يليه سهم بني سلمة عبيد وحرام (3)، ثم كان الذي الذي يليه سهم ابني حارثة، وسهم لعبيد السهام (4)، كان اشترى


= أسلم قبل سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير بالمدينة بعد العقبة الاولى، وشهد الثانية - وهو أحد العقلاء الكملة أهل الرأي، وله في بيعة أبي بكر رضي الله عنه أثر عظيم شهد أحدا وما بعدها من المشاهد. واختلف في شهوده بدرا. فقال ابن إسحق وابن الكلبي: لم يشهدها، وقال غيرهما: شهدها. توفي أسيد بن حضير في شعبان سنة عشرين. (أسد الغابة 1: 92، ابن هشام 2: 350). (1) في الاصل " ناعم لعوف " والتصويب عن ابن هشام 2: 350. (2) في ابن هشام 2: 351 أن سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مع سهم عاصم بن عدي أخي بني العجلان، وكان حذوه بإزائه سهم اللفيف من جهينة وغيرهم. (3) في الاصل " سهم ابني سلمة عبيد وحرام " وفي سيرة ابن هشام 2: 351 ثم سهما سلمة بن عبيد وبني حرام " والمثبت عن المغازي للواقدي 2: 690. (4) عبيد السهام: عبيد بن سليم بن ضبع بن عامر بن مجدعة بن جشم بن حارثة الانصاري الحارثي، من الاوس، شهد أحدا، يعرف بعبيد السهام، قال الواقدي: سألت ابن أبي حبيبة لم سمي عبيد السهام فقال: أخبرني داود بن الحصين قال: إنه إنه كان اشترى من سهام خيبر ثمانية عشر سهما: فسمي عبيد السهام، وقيل: إنما سمي عبيد السهام لانه حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فلما أراد رسول الله أن يسهم قال لهم: هاتوا أصغر القوم، فأتى بعبيد، فدفع إليه بسهم، فسمى بعبيد السهام (أسد الغابة 3: 350). (*)

[ 193 ]

من الناس، ثم كان الذي يليه آخر سهم فيها سهم اللفيف، وجمعت إليه جهينة، فكان عدد أصحاب الحديبية ألفا وأربعمائة. (خبر فدك) * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم، قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، وعبد الله ابن أبي بكر، عن بعض ولد محمد بن أبي سلمة قال: بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم ويسيرهم، ففعل، فسمع بذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خالصة، لانه لم يوجف (1) عليها بخيل ولا ركاب. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز عمران، عن إبراهيم بن حويصة الحارثي، عن خاله معن بن جوية، عن حسيل بن خارجة قال: بعث يهود فدك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر: " اعطنا الامان منك وهي لك " فبعث إليهم محيصة بن حرام، فقبضها للنبي صلى الله عليه وسلم، فكانت له خاصة. وصالحه أهل الوطيح وسلالم من أهل خيبر على الوطيح وسلالم، وهي من أموال خيبر، فكانت له خاصة، وخرجت الكثيبة في الخمس، وهي مما يلي الوطيح وسلالم، فجمعت شيئا واحدا فكانت مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صدقاته، وفيما أطعم أزواجه.


(1) لم يوجف: أي لم يجتمع (سيرة ابن هشام 2: 353). (*)

[ 194 ]

* قال محمد، وقال ابن إسحاق: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، قذف الله في قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحونه على النصف من فدك، فقدمت عليه (1) رسلهم بخيبر، أو بالطريق (2)، أو بعدما قدم المدينة، فقبل ذلك منهم. فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة، لانه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فهي من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله أعلم على النصف صالح أهلها أم عليها كلها، فكل ذلك قد جاءت به الاحاديث. * قال محمد بن يحيى، وكان مالك بن أنس، يحدث عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل فدك على النصف له والنصف لهم، فلم يزالوا على ذلك حتى أخرجهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأجلاهم، فعرض لهم بالنصف الذي كان عوضا من إبل ورجال ونقد حتى أوفاهم قيمة نصف فدك عوضا ونقدا، ثم أجلاهم منها. * قال أبو غسان، وقال غير مالك: لما استخلف عمر رضي الله عنه أجلى يهود خيبر، فبعث إليهم من يقوم الاموال، فبعث أبا الهيثم بن التيهان (3)،............


(1) في الاصل " فقدمت عليهم رسلهم " والمثبت عن سيرة ابن هشام 2: 353 وانظر الخبر فيه. (2) في سيرة ابن هشام 2: 353 بالطائف. (3) أبو الهيثم بن التيهان - بفتح المثناة الفوقانية مع كسرها - بن مالك بن عتيك ابن عمرو بن عبد الاعلم بن عامر بن زعور الانصاري الاوسي، والتيان لقب، واسمه = (*)

[ 195 ]

وفروة بن عمرو (1)، وجبار بن صخر، وزيد بن ثابت، فقوموا أرض فدك ونخلها، فأخذها عمر رضي الله عنه ودفع إليهم قيمة النصف الذي لهم، وكان مبلغ ذلك خمسين ألف درهم. وقال بعض العلماء: كان يزيد على ذلك شيئا، وكان ذلك من مال أتى عمر رضي الله عنه من مال العراق، فأجلى عمر رضي الله عنه أهل فدك إلى الشام. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن رجل، عن يحيى بن سعيد قال: كان أهل فدك أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه - على أن لهم رقابهم ونصف أرضهم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر أرضهم ونخلهم.


= مالك، وهو مشهور بكنيته، وقد وقع في مصنف عبد الرزاق أن اسمه عبد الله، قال ابن إسحاق: شهد بدرا، وكان نقيب بني عبد الاشهل، وأسيد بن حضير وأبو الهيثم ابن التيهان، وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: شهد بدرا والعقبة، وكان أول من بايع، آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عثمان بن مظعون، قالوا: مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنه توفي سنة إحدى وعشرين، وقيل شهد صفين مع علي وقتل بها (الاصابة 4: 209). (2) هو فروة بن عمرو بن ودقة بن عبيد بن غانم بن بياضة الانصاري البياضي، قال ابن حبان: شهد بدرا والعقبة، وقال أبو عمر: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن مخرمة العامري، روى عبد الرزاق في الركاز من مصنفه عن معمر عن حرام بن عثمان عن ابني جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث رجلا من الانصار من بني بياضة يقال له فروة بن عمرو فيخرص ثم أهل المدينة عن طريق رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث فروة بن عمرو يخرص النخل، فإذا دخل الحائط حسب ما فيه من الاقناء ثم ضرب بعضها على بعض ما يرى فيها فلا يخطئ، وكان ممن قاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسين في سيبل الله، وكان يتصدق في كل عام من نخله بألف وسق، وقد كان من أصحاب على يوم الجمل (الاصابة 3: 198، أسد الغابة 4: 178). (*)

[ 196 ]

فلما أجلاهم عمر رضي الله عنه بعث من أقام لهم حظهم من النخل والارض، ثم أداه إليهم، ثم أخرجهم. * * * (ذكر فاطمة والعباس وعلي رضي الله عنهم، وطلب ميراثهم من تركة النبي صلى الله عليه وسلم) * حدثنا سويد بن سعيد، والحسن بن عثمان قالا، حدثنا الوليد بن محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها: أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر رضي الله عنه تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله على رسوله، وفاطمة حينئذ تطلب صدقة النبي صلى الله عليه وسلم التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث، ما تركنا صدقة " إنما يأكل آل محمد في هذا المال (1)، وإني لا أغير شيئا من صدقة (2) رسول الله صلى عليه عليه وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاعملن فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أبو بكر رضي الله عنه أن يدفع إلى فاطمة رضي الله عنها منها شيئا. فوجدت (3)


(1) في الاصل " من هذا المال " والمثبت من صحيح مسلم 3: 1380 تحقيق عبد الباقي. (2) في الاصل " صدقات " وما أثبتناه عن المصدر السابق. وفي إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 6: 375 وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. (3) فوجدت: أي غضبت. (*)

[ 197 ]

فاطمة على أبي بكر رضي الله عنه في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر. فلما توفيت، دفنها (زوجها) (1) علي ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها علي رضي الله عنه. * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها: أن فاطمة والعباس رضي الله عنهما أتيا أبا بكر رضي الله عنه، يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك (وسهمه (2)) من خيبر فقال لهما أبو بكر رضي الله عنه: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال "، وإني والله لا أغير (3) أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه إلا صنعته. قال: فهجرته فاطمة رضي الله عنها، فلم تكلمه في ذلك المال حتى ماتت. * حدثنا عمرو بن عاصم، وموسى بن إسماعيل قالا، حدثنا حماد بن سلمة، عن الكلي، عن أبي صالح، عن أم هانئ: أن


(1) سقط في الاصل والاضافة عن صحيح مسلم 3: 1380، وانظر هذا الحديث بالمعنى عن عروة عن عائشة في البداية والنهاية 5: 285، 286. (2) في الاصل " أرض من فدك من خيبر " والتصويب والاضافة عن البداية والنهاية لابن كثير 5: 285 ومسند الامام أحمد بن حنبل 1: 158 ط. دار المعارف. تحقيق شاكر. (3) في مسند ابن حنبل 1: 158 " وإني والله لا أدع أمرا " رواه عبد الرزاق من حديث عائشة بلفظه ومعناه. (*)

[ 198 ]

فاطمة رضي الله عنها قالت لابي بكر رضي الله عنه: من يرثك إذا مت ؟ قال: ولدي وأهلي. قالت: فما لك ترث رسول الله صلى الله عليه وسلم دوننا ؟ قال: يا بنت رسول الله، ما ورثت أباك دارا ولا مالا ولا ذهبا ولا فضة. قالت: بلى، سهم الله الذي جعله لنا، وصافيتنا التي بفدك. فقال أبو بكر رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما هي طعمة أطعمنا الله، فإذا مت كانت بين المسلمين ". * حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: أرسلت فاطمة رضي الله عنها إلى أبي بكر رضي الله عنه قالت: يا خليفة رسول الله، أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أهله ؟ قال: لا، بل أهله، قالت: فما بال سهم (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله عزوجل إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم (من (2)) بعده "، فرأيت أنا بعد أن أرده على المسلمين. قالت: أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم. * حدثنا القعنبي قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمر، وعن أبي سلمة: أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتت أبا بكر رضي الله عنه، فذكرت له ما أفاء الله على رسوله بفدك، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إني سمعت النبي صلى الله


(1) في مسند الامام أحمد بن حنبل 1: 160 " قالت: فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ". (2) الاضافة عن المرجع السابق. (*)

[ 199 ]

عليه وسلم يقول: " إن النبي لا يورث " (1)، من كان النبي يعوله فأنا أعوله، ومن كان ينفق عليه فأنا أنفق عليه. قالت يا أبا بكر: أترثك بناتك ولا ترث رسول الله صلى الله عليه وسلم بناته ؟. قال هو ذاك. * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا مالك بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حميد الرواسي قال، حدثنا سليمان - يعني الاعمش - عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى بن عباس قال: اختصم علي والعباس رضي الله عنهما إلى أبي بكر في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما كنت لاحوله عن موضعه الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. * حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال، حدثنا فضيل ابن مرزوق قال، حدثني النميري بن حسان قال: قلت لزيد بن علي رحمة الله عليه وأنا أريد أن أهجن أمر أبي بكر: إن أبا بكر رضي الله عنه انتزع من فاطمة رضي الله عنها فدك. فقال: إن أبا بكر رضي الله عنه كان رجلا رحيما، وكان يكره أن يغير شئيا تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتته فاطمة رضي الله عنها فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني فدك. فقال لها: هل لك على هذا بينة ؟ فجاءت بعلي رضي الله عنه فشهد لها، ثم جاءت بأم أيمن فقالت: أليس تشهد أني من أهل الجنة ؟ قال: بلى. - قال أبو أحمد: يعني أنها قالت ذاك لابي بكر وعمر رضي الله عنهما - قالت: فأشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها فدك.


(1) روى بمعناه أيضا في مسند الامام أحمد بن حنبل 1: 179. (*)

[ 200 ]

فقال أبو بكر رضي الله عنه: فبرجل وامرأة تستحقينها أو تستحقين بها القضية ؟ قال زيد بن علي: وأيم الله لو رجع الامر إلى لقضيت فيها بقضاء أبي بكر رضي الله عنه. * حدثنا عبد الله بن رجاء وأبو أحمد قالا، حدثنا إسرائيل، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن الحارث - وأبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن الحارث أخي جويرية قال: ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا سلاحه وبغلته البيضاء - قال أبو أحمد الشهباء - وأرضا جعلها صدقة. * حدثنا القعنبي قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن الاعمش، عن شقيق عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا، ولا أوصى بشئ. * حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا مسعر، عن عاصم، عن زر (1)، عن عائشة رضي الله عنها قالت لانسان: غير ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلني، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا. * حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا مسعر، عن عدي بن ثابت، عن علي بن حسين، وعاصم، عن زر، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة - وقال أحدهما: ولا شاة ولا بعيرا.


(1) هو زر بن جبيش بن خباشة الاسدي أبو مريم الكوفي، مخضرم، عن عمر وعثمان وعلي والعباس، وعنه النخعي والمنهال بن عمرو وعاصم بن بهدلة. وثقة ابن معين، مات سنة اثنتين وثمانين (الخلاصة للخزرجي ص 130 بولاق). (*)

[ 201 ]

* حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا يحيى بن المتوكل أبو عقيل، عن كثير النوى قال ؟ قلت لابي جعفر: جعلني الله فداك، أرأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما هل ظلماكم من حقكم شيئا أو ذهبا به ؟ قال: لا، والذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ما ظلمانا من حقنا مثقال حبة من خردل. قلت: جعلت فداك، فأتولاهما ؟ قال: نعم، ويحك تولهما في الدنيا والآخرة، وما أصابك ففي عنقي. ثم قال: فعل الله بالمغيرة وتبيان، فإنهما كذبا علينا أهل البيت. * حدثنا عبد الله بن نافع، والقعنبي، عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: أراد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي أن يأتين بعثمان رضي الله عنه - وقال القعنبي: أن يبعثن بعثمان - إلى أبي بكر رضي الله عنهما يسألنه ميراثهن، وقال القعنبي: ثمنهن، قالت عائشة رضي الله عنها: أليس قد قال رسول الله صلى عليه وسلم: " لا يورث، ما تركنا فهو صدقه ". * حدثنا عبد الله بن نافع، والقعنبي، وبشر بن عمر، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي، فهو صدقة. * حدثنا الحزامي قال، حدثنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، حدثني عبد الرحمن الاعرج، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم

[ 202 ]

يقول: " والذي نفسي بيده، لا يقتسم ورثتي شيئا مما تركت، ما تركته صدقة "، فكانت هذه الصدقة بيد علي رضي الله عنه غلب العباس رضي الله عنه عليها، وكانت فيها خصومتهما، فأبى عمر رضي الله عنه أن يقسمها بينهما، حتى أعرض عنها العباس رضي الله عنه، وغلبه عليها علي رضي الله عنه. ثم كانت على يد حسن بن علي، ثم بيد حسين، ثم بيد علي بن حسين وحسن ابن حسن كلاهما يتداولانها، ثم بيد زيد بن حسين، وهي صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. (خصومة علي والعباس رضي الله عنهما إلى عمر رضي الله عنه) حدثنا عثمان بن فارس قال، حدثنا يونس، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان (النضري) (1): أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعاه يوما بعد ما ارتفع النهار، قال: فدخلت عليه وهو جالس على رمال سرير، ليس بينه وبين الرمال فراش، على وسادة أدم، فقال: يا مالك، إنه قد قدم من قومك أهل أبيات حضروا المدينة، وقد أمرت لهم برضخ (2) فاقتسمه بينهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، مر بذلك غيري. قال: اقسمه أيها المرء. قال: وبينهما نحن على ذلك، إذ دخل يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن وسعد والزبير بستأذنون ؟ قال: نعم. فأذن لهم،


(1) الاضافة عن مسند الامام أحمد بن حنبل 3: 212 تحقيق أحمد شاكر. وفيه عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان النضري مع تقديم وتأخير في متنه. (2) الرضخ: العطاء ليس بالكثير. (*)

[ 203 ]

قال: فلبث قليلا ثم قال: هل لك في علي والعباس يستأذنان ؟ قال، نعم فأذن لهما، فلما دخلا قال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا - يعني عليا - وهما يختصمان في الصوافي (1) التي أفاء الله على رسوله من أموال (2) بني النضير، فاستب علي والعباس عند عمر، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر رضي الله عنه: أنشدكما الله الذي بإذنه تقوم السموات والارض، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث، ما تركنا صدقة " يعني نفسه ؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل عمر على العباس وعلى علي فقال: أنشدكما الله، هل تعلمان ذلك ؟ قالا: نعم. قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الامر، إن الله اختص رسوله في هذا الفئ بشئ لم يعطه أحدا غيره، قال الله عزوجل: " ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شئ قدير " (3) فكانت هذه خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فما احتازها دونكم، ولا استأثر به عليكم، لقد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله (نفقة) (4) سنتهم، ثم يأخذه


(1) في مسند الامام 3: 212 " الصواف " وحذف الياء في مثل هذا جائز. والصوافي: قال ابن الاثير " هي الاملاك والاراضي التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها، واحدتها صافية. (2) في الاصل " الموالي " والمثبت عن مسند الامام أحمد بن حنبل 3: 212. (3) سورة الحشر آية رقم 6 (4) الاضافة عن مسند الامام أحمد بن حنبل 3: 212 تحقيق شاكر. (*)

[ 204 ]

فيجعله مجعل مال الله، فعمل ذلك حياته. ثم توفي، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتما حيين - وأقبل على (علي) والعباس رضي الله عنهما - تزعمان أن أبا بكر فيها ظالم فاجر، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق. ثم توفى الله أبا بكر رضي الله عنه، فقلت: أنا أولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأبي بكر رضي الله عنه، فقبضتها سنتين - أو سنين - من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبمثل ما عمل فيها أبو بكر رضي الله عنه، وأقبل على علي والعباس رضي الله عنهما، فتزعمان أني فيهما ظالم فاجر، والله يعلم أني لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع، فجئتني - يعني العباس - تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا - يعني عليا - يسألني نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث، ما تركنا صدقة "، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما أن أدفعه إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها على ما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وما علمت به وإلا فلا تكلمان، فقلتما: ادفعها إلينا بذلك، فدفعتها إليكما بذلك، افتلتمسان مني قضاء غير ذلك ؟، والله الذي باذنه تقوم السماء والارض لا أقضي فيها بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي، فأنا أكفيكماها.

[ 205 ]

* حدثنا إسحق بن إدريس قال، عبد الله بن المبارك قال، حدثني يونس، عن الزهري قال، حدثنا مالك بن أوس بن الحدثان بنحوه، قال: فذكرته لعروة قال: صدق مالك بن أوس، أنا سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أبي بكر رضي الله عنه يسأل لهن ميراثهن مما أفاء الله على رسوله، حتي كنت أنا رددتهن عن ذلك، فقلت: ألا تتقين الله ؟ ألم تعلمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " لا نورث، فما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال " ؟ فانتهى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما أمرتهن. * حدثنا ابن أبي الوزير، قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: بعث إلى عمر رضي الله عنه، فأتيته فوجدته جالسا على رمال، فقال: يا مالك، إنه قد دف على دواف (1) من قومك، فخذ هذا المال فأقسمه بينهم، فقلت: لو أمرت بذلك غيري: فقال: خذه أيها الرجل، فقال: فبينما أنا عنده إذا يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد - قال سفيان: خمسة أو أربعة - فقال: ائذن لهم. فلم يلبث أن أتاه فقال: هل لك في علي وعباس ؟ فقال: ائذن لهما، فدخلا، فقال القوم: يا أمير المؤمنين افصل بينهما وراحمهما، فقال: إن أموال بني


(1) الدواف: جمع دافة للجماعة من الناس تقبل من بلد إلى بلد سائرة سيرا لينا (المحيط). (*)

[ 206 ]

النضير كانت مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكان ينفق على أهله منه نفقة سنته، وما بقي منه جعله عدة في سبيل الله، في السلاح والكراع (1). * حدثنا ابن أبي شيبة، قال، حدثنا ابن عابد، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: جاء العباس وعلي رضي الله عنهما إلى عمر رضي الله عنه يختصمان، فقال العباس: اقض بيني وبين هذا، لكذا وكذا، فقال الناس: افصل بينهما، افصل بينهما، فقال: لا أفصل بينهما، قد علما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث، ما تركنا صدقة " (2). * حدثنا سعيد، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: جاء العباس وعلي رضي الله عنهما إلى عمر رضي الله عنه وهما يختصمان فقال عمر رضي الله عنه لطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد: أنشدكم الله، أسمعتم النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " كل مال (3) نبي فهو صدقة إلا ما أطعمه أهلنا، إنا لا نورث " ؟ قالوا: نعم. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصدق به ويضع فضله في أهله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع، وأنتما تقولان: إنه كان بذلك خاطئا وكان بذلك ظالما ! وكان بذلك مصيبا راشدا. ثم توفي أبو بكر رضي الله عنه فقلت لكما: إن شئتما قبلتماه على


(1) ورد الحديث بمعناه في مسند الامام أحمد بن حنبل 3: 312 مع زيادة فيه، وورد أيضا في مسند الامام الشافعي بهامش الجزء السادس من كتاب الام ص 249. (2) ورد بمعناه في مسند الامام أحمد بن حنبل 3، ص 4، 75، 125. (3) تحريف في الاصل والتصويب عن تاريخ الخميس 2: 174. (*)

[ 207 ]

عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده الذي عهد فيه، فأبيتما، ثم جئتماني الآن تختصمان، يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي ! ! والله لا أقضي بينكما إلا بذاك. * حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال، سمعت أبا الضرير قال: سمعت حديثا من رجل فأعجبني، فاشتهيت أن أكتبه فقلت: اكتبه لي، فأتى به مكتوبا مدثرا فذكر نحو حديث يحيى بن جبير، قال: لما توفي أبو بكر رضي الله عنه: أرسلت إليكما وأنتما لا تختصمان فقلت لكما.... * حدثنا محمد بن يحيى، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها: أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلن عثمان رضي الله عنه إلى أبي بكر رضي الله عنه، فذكر الحديث، قال عروة: وكانت فاطمة رضي الله عنها سألت أبا بكر رضي الله عنه ميراثها مما ترك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: بأبي أنت وأمي، وبأبي أبوك وأمي ونفسي، إن كنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أو أمرك بشئ لم أتبع غير ما تقولين وأعطيتك ما تبغين، وإلا فإني أتبع ما أمر به، قال: فأما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فدفعها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى العباس وعلي رضي الله عنهما، فغلبه علي رضي الله عنه عليها. وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر رضي الله عنه، وهما صدقتا النبي صلى الله عليه وسلم كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه، فأمرهما إلي وإلي الامر، وهما على ذلك.

[ 208 ]

* حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر رضي الله عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكان يحبس قوت سنة، ثم يجعل ما فضل بعد ذلك في السلاح والكراع عدة في سبيل الله (1). * حدثنا محمد بن يحيى قال (2)، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله الانصاري، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول للعباس وعلي وعبد الرحمن بن عوف والزبير وطلحة: أنشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث معشر الانبياء، ما تركنا صدقة " ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخر قيتة أهله لسنة من صدقاته، ثم يجعل ما بقي في بيت المال ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضها أبو بكر رضي الله عنه، فجئت، يا عباس، تطلب ميراثك من ابن أخيك، وجئت، يا علي تطلب ميراث زوجتك من أبيها، فزعمتما أن أبا بكر رضي الله عنه كان فيها خائنا فاجرا، والله يعلم


(1) ورد هذا الحديث بمعناه في مسند الامام أحمد بن حنبل 1: 228 عن سفيان عن عمرو ومعمر عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب، وورد أيضا بمعناه في 1: 301 عن سفيان عن عمرو عن الزهري عن مالك بن أوس مرسلا إلى عمر. (2) ورد بمعناه في مسند الامام أحمد بن حنبل 1: 187 عن أبي عوانه عن عاصم ابن كليب وكذا في ص 342 عن عبد الرزاق عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان. (*)

[ 209 ]

لقد كان برا مطيعا تابعا للحق، ثم توفي أبو بكر رضي الله عنه فقبضتها، فجئتماني، تطلب ميراثك، يا عباس، من ابن أخيك، وتطلب ميراث زوجتك، يا علي، من أبيها، وزعمتما أني فيها غادر، فاجر، والله يعلم أني فيها بر مطيع تابع للحق، فأصلحا أمركما، وإلا لم يرجع والله إليكما. فقاما وتركا الخصومة وأمضيت صدقة. * قال أبو غسان، فحدثنا عبد الرزاق الصنعاني، عن معمر، عن ابن شهاب، عن مالك، بنحوه - قال في آخره: فغلبه علي رضي الله عنه عليها، فكانت بيد علي رضي الله عنه، ثم كانت بيد الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم حسن بن حسن، ثم بيد زيد بن حسن، رضوان الله عليهم. * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا صدقة بن عمرو، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي بكر، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن فاطمة رضي الله عنها أتت أبا بكر فقالت: قد علمت الذي طلقنا عنه من الصدقات أهل البيت، وما أفاء الله علينا من الغنائم، ثم في القرآن من حق ذي القربى - ثم قرأت عليه: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه " (1) إلى تمام الآية والآية التي بعدها: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى " إلى قوله: " واتقوا الله إن الله شديد العقاب " (2). فقال لها أبو بكر رضي الله عنه: بأبي أنت


(1) سورة الانفال آية 41. (2) سورة الحشر الآيتان 6، 7. (*)

[ 210 ]

وأمي ووالد ولدك، وعلى السمع والبصر كتاب الله وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق قرابته، وأنا أقرأ من كتاب الله الذي تقرئين ولم يبلغ علمي فيه أن الذي قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا هذا السهم كله من الخمس يجري بجماعته عليهم. قالت: أفلك هو ولاقربائك ؟ قال: لا، وأنت عندي أمينة مصدقة، فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليك عهدا، أو وعدك موعدا أوجب لك حقا صدقتك وسلمته إليك. قالت: لم يعهد إلي في ذلك بشئ إلا ما أنزل الله تبارك وتعالى فيه القرآن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه ذلك فقال: " أبشروا آل محمد، فقد جاءكم الغنى " قال أبو بكر رضي الله عنه صدقت فلكم الغنى، ولم يبلغ علمي فيه ولا هذه الآية إلى أن يسلم هذا السهم كله كاملا، ولكن الغنى الذي يغنيكم ويفضل عنكم، وهذا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهما فاسأليهم عن ذلك، فانظري هل هل يوافق على ذلك أحد منهم ؟ فانصرفت إلى عمر رضي الله عنه، فذكرت له مثل الذي ذكرت لابي بكر بقصته وحدوده، فقال لها مثل الذي كان (1) راجعها به أبو بكر رضي الله عنه، فعجبت فاطمة، وظنت أنهما قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه. * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا إسماعيل - يعني ابن عياش - عن محمد بن السائب، عن أبي صالح مولى أم هانئ عن فاطمة رضي الله عنها قالت: دخلت على أبي بكر رضي الله عنه بعد ما استخلف. فقلت: يا أبا بكر، أرأيت


(1) في الاصل " فقال لها مثل الذي قال " وما أثبت هو الصواب ". (*)

[ 211 ]

إن مت اليوم من كان يرثك ؟ قال: ولدي وأهلي. قلت: فلم ترث رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ولده وأهله ؟ قال: ما فعلت، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: بلى، عمدت إلى فدك - وكانت صافية لرسول الله صلى الله عليه وسلم - فأخذتها، وعمدت إلى ما أنزل من السماء فرفعته هنا. قال: بنت رسول الله لم أفعل، حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله تبارك وتعالى يطعم النبي الطعمة ما كان حيا، فإذا قبضه الله رفعت، قلت: أنت ورسول الله أعلم، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي هذا (1). * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثني الوليد قال، حدثني ابن لهيعة، عن الاسود، عن عروة قال: أرادت فاطمة أبا بكر رضي الله عنهما على فدك وسهم ذي القربى فأبى عليها، وجعله في مال الله، وأعطى فاطمة رضي الله عنها نخلا يقال له: الاعواف (2) مما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم. * حدثنا أحمد بن إبراهيم قال، حدثنا عباد بن العوام قال، حدثنا هلال بن خباب،، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مات - والله - رسول الله صلى عليه وسلم ولم يترك دينارا


(1) ورد بمعناه في مسند الامام أحمد بن حنبل 1: 160 عن عبد الله بن محمد ابن أبي شيبة عن محمد بن الفضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل، وكذا بمعناه في 1: 179 عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة. (2) الاعواف: في الاصل " العاف " والتصويب عن وفاء الوفا 2: 153 ط. الآداب، والاعواف كانت لخنافة اليهودي من بني قريظة، وصارت إحدى صدقات النبي صلى الله عليه وسلم وآباره (وفاء الوفا 4: 1128 محيي الدين). (*)

[ 212 ]

ولا درهما ولا عبدا ولا أمة، ترك درعه التي كان يقاتل فيها رهنا (1). * حدثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة (2) قال، حدثنا سلام أبو المنذر قال: حدثنا عبد الملك بن أيوب النميري، ودفع إلى صحيفة زعم أنها رسالة عمر بن عبد العزيز، كتب بها إلى رجل من قريش: " أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على محمد هدى وبصائر لقوم يؤمنون، فشرع الهدى ونهج السبيل، وصرف القول، وبين ما يؤتى مما ينال به رضوانه وينتهى به عن معصيته، وأحل حلاله وحرم حرامه، فجعله ضيقا مرغوبا عنه مسخوطا على أهله، وجعل ما أحل أحل من الغنائم، وبسط لهم منها ولم يحظره عليهم كما ابتلى به أهل النبوة والكتاب من قبلهم، فكان من ذلك ما نفل نبي الله صلى الله عليه وسلم خاصة مما غنمه من أموال قريظة والنضير،


(1) روى هذا الحديث في مسند الامام أحمد بن حنبل 4: 255 عن عفان عن ثابت عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس. وجاء فيه " أن النبي صلى الله عليه وسلم التفت إلى أحد فقال: والذي نفس محمد بيده، ما يسرني أن أحدا يحول لآل محمد ذهبا أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت أدع منه دينارين، إلا دينارين أعدهما لدين إن كان، فما ترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا ليدة. وترك درعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير. وكذا في 4: 262 من المسند عن عبد الصمد عن ثابت عن هلال عن عكرمة عن ابن عباس بنصه ومعناه. وانظر أيضا 3: 355، 5: 137 حيث ورد فيهما بمعناه أيضا عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس. (2) هو عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبد الله بن معمر التيمي أبو عبد الرحمن البصري، ابن عائشة، ويقال له العيشي أو العائشي نسبة إلى عائشة بنت طلحة، كان أحد الاجواد الاشراف. قال أبو حاتم: ثقة، وقال أبو داود: كان عالما بالعربية وأيام الناس، رأي جنازته أبويحيى الساجي سنة ثمان وعشرين ومائتين (الخلاصة للخزرجي 214 ط. الخيرية). (*)

[ 213 ]

إذ يقول حميد: هو: " وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء " حتى بلغ: " والله على كل شئ قدير " (1) فكانت تلك الاموال خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجب لاحد فيها خمس ولا مغنم، إذ تولى رسول الله أمرها على ما يلهمه الله من ذلك ويأذن له به، لم يضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحزها لنفسه ولا أقربائه، ولكنه آثر بأوسعها وأعمرها وأكثرها نزلا أهل العدم من المهاجرين " الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله "، وقسم طوائف منها في أهل " الحاجة " (2) من الانصار، واحتبس منها فريقا لنوائبه وحقه وما يعروه غير معتقد لشئ من ذلك ولا مستأثر به ولا بموته أن يوثر به أحدا، ثم جعله صدقة لا تراث لاحد فيه، زهادة في الدنيا ومحقرة لها، وإيثارا لما عند الله، فهذا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب. وأما الآية التى في تفسيرها اختلاف في قول الفقهاء قول الله: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القري فلله وللرسول ولذي القربى " إلى قوله: " واتقوا الله إن الله شديد العقاب " (3)، ثم أخبر بعد ذلك لهن ذلك، فوصفهم وسماهم ليكون ذلك فيهم وفيمن بعدهم، لا يكون ذلك إلا لهم وفيهم، فأما قوله: " فلله " (4) فإن الله تبارك وتعالى غني عن الدنيا وأهلها وما فيها


(1) سورة الحشر آية 6. (2) في الاصل " أهل الجاهلية " والمثبت عن معالم التنزيل للبغوي بهامش تفسير ابن كثير 8: 287، وقد حصرهم المصنف في أبي دجانة، وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة. (3) سورة الحشر آية 7. (4) إضافة يقتضيها السياق. (*)

[ 214 ]

وله ذلك كله ولكنه يقول لله في سبله التي أمر بها. وأما قوله: " وللرسول " فإن رسول الله صلى الله وسلم لم يأخذ من المغنم إلا كحظ الرجل الواحد من المسلمين، ولكنه يقول: لرسول الله قسمه والعمل به والحكم فيه. وأما قوله: " والذي القربى " فقد ظن ناس أن لذي القربى سهما مفروضا يبينه الله كما بين سهام المواريث من النصف والربع والثمن والسدس، ولما خص حظهم من ذلك غنى ولا فقر ولا صلاح ولا جهل ولا قلة عدد ولا كثرة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين لهم شيئا من ذلك مما أفاء الله عليهم من العطاء والسبي والعرض والصامت (1)، ولكن لم يكن في ذلك سهم مفروض حتي قبض الله نبيه، غير أنه قد قسم لهم ولنسائه يوم خيبر قسما لم يعمهم عامتهم، ولم يخص به قريبا دون من هو أحوج منه، ولقد كان يومئذ ممن أعطى من هو أبعد قرابة لما شكوا إليه من الحاجة، لمن كان منهم ومن قومهم في حياته، ولو كان ذلك مفروضا لم يقطعه عنهم أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما، وبعد ما وسع ركنه - ولا أبو حسن - يعني عليا - حين ملك ما ملك. ولم يكن عليه فيه قائل، فهلا أعلمتم من ذلك أمرا يعمل به فيهم ويعرف لهم بعد ؟ ولو كان ذلك مفروضا لم يقل الله: " كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم " ولكنه يقول: لذي القربى بحقهم، وقرابتهم في الحاجة، والحق النازل اللازم، وكحق المسكين في مسكنه، فإذا استغنى فلا (2) حق له، وكق ابن السبيل في سفره وضرورته،


(1) الصامت - من المال هو: الذهب والفضة (أقرب الموارد). (2) في الاصل " من لا حق له " والمثبت يستقيم به السياق. (*)

[ 215 ]

فإذا أصاب غنى فلا حق له ويرد ذلك على (ذوي) (1) الحاجة، لم يكن رسول الله وصالح الذين اتبعوه ليقطعوا سهما فرضه الله وجنبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقربي نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يؤتونهم إياه، ولا يقومون بحق الله لهم فيه، كما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأحكام القرآن، فقد أمضوا عطايا في أفناء الناس وإن بعضهم على غير الاسلام. وأما الخمس، فإنها بمنزلة المغنم إلا أن الله وسع لنبيه أن يوسع على ذوي القرابة في مواضع قد سمى له بغير سهم مفروض، فقد أفاء الله سبيا فأخدم فيه ناسا وترك ابنته، وكلها إلى ذكر الله والتسبيح، فلا أعظم منها حقا وقرابة، ولو قسم هذا الخمس والمغنم على قول من يقول هذا القول، لكان ذلك حيفا على المسلمين، واغترافا لما في أيديهم، ولا يقبل قسم ذلك فيمن يدعي فيه الولاية والقرابة والنسب، ولا دخلت فيه سهمان العصبية والنساء وأمهات الاولاد، ولدى من تفقه في الدين أن ذلك غير موافق لكتاب الله، قال الله لنبيه: " قل ما سألتكم من أجر فهو لكم " (2)، وقال: " قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين " (3)، ومع قول الانبياء صلوات الله عليهم لاممهم قبل ذلك، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع سهما فرضه الله لنفسه ولاقربائه لآخر الناس، ولا لخلوف بعده، فقد سئل نساء بني سعد بن بكر (4)، فتحلل


(1) في الاصل " على الحاجة " والاضافة يستقيم بها السياق. (2) سورة سبأ آية 47. (3) سورة ص آية 86. (4) في الاصل " فقد سأل نساء بني سعد بن بكير " والتصويب عن نهاية الارب 17: 341. (*)

[ 216 ]

المسلمين من سباياهم، فقد كانوا فيئا، ففكهم النبي صلى الله عليه وسلم وأطلقهم، لما ولوا من الرضاعة، بغير سهم مفروض، وقال يومئذ، وهو يسأل من أنعامهم، وتعلق رداؤه بشجرة: ردوا علي ردائي، فلو كان لكم مثل عدد سمرها (1) نعما لقسمته بينكم، وما أنا بأحق بهذا الفئ منكم بهذه الوبرة آخذها من كاهل البعير "، ففي هذا بيان عن مواضع الفئ ووصية رسول الله. فأما الصدقات فإنه جعلها زكاة وطهورا لعباده، ليعلم بذلك صبرهم وإيمانهم بما فرض عليهم، فنادي به إلى نبيه فقال: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " (2)، ولم يقل: خذها لنفسك ولقرباك، مع أن الصدقة لا تحل لنبي ولا أهل بيته، ولا حق فيها لغني ولا لقوي مكتسب. قال: فقال الله: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها " إلى قوله: " والله عليم حكيم " (3) فهذه مواضع الصدقات، حيوانها وثمارها وصامتها. ثم فرض الله وسن نبيه صلى الله عليه وسلم، وكتب فيها إلى الآفاق، وجمع بينها وبين الصلاة فقال أبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه - وقد قال مرتدو العرب:: نقيم الصلاة ولا نؤتي الزكاة -: لا أفرق بين ما جمع الله بينه، ولاقاتلن من فرق بينهما طيبة بذلك نفسي. وما لاحد أن يتخير وأن يتحكم فيما نطق به كتاب الله. مع أنه قد تألف النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين رؤساء من رؤساء العرب، فقال [ العباس بن مرداس في ذلك ما قال، فرأى رسول الله صلى الله عليه


(1) السمر - شجر من العضاه (اللسان). (2) سورة التوبة آية 103. (3) سورة التوبة آية 60. (*)

[ 217 ]

وسلم أنه قال: " الله يفرغ بعضه في حوض بعض، ويسد بعضه مكان بعض. وما سهمان الصدقة إلا في مواضع الحاجة فيمن سمى الله ووصف، لو لم يكن أهل ذلك يستوجبونه إلا من صنف واحد، لم يكن على ولي الامر أن يصرفه عنهم إلى غيرهم، ولا يحل له أن أن يعطي أحدا لشرفه ولا لغناء ولا لدلة، وأولى الناس بها ممن قبضت عنه الصدقة، يعلمه من تفقه في الدين وقرأ القرآن. والسلام عليك ورحمة الله. * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا مالك بن إسماعيل، قال حدثنا عبد الرحمن بن حميد الرواسي قال، حدثنا سليمان - يعني الاعمش - عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس قال: اختصم علي والعباس رضي الله عنهما في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: ما كنت لاحوله عن موضعه الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. * حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، عن الحسن ابن محمد بن علي: أن أبا بكر رضي الله عنه جعل سهم ذي القربى في سبيل الله، في الكراع والسلاح. * حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي: أرأيت حين ولي علي العراقين وما ولي من أمر الناس، كيف صنع في سهم ذي القربى ؟ قال: سلك به طريق أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. قلت: وكيف ؟ ولم ؟ وأنتم تقولون ؟. قال: أم والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه. قلت: فما منعه ؟ قال: كان والله يكره أن يدعى عليه خلاف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. (*)

[ 218 ]

* قال أبو غسان: صدقات النبي صلى الله عليه وسلم اليوم في يد الخليفة يولي عليها ويعزل عنها، ويقسم ثمرها وغلتها في أهل الحاجة من أهل المدينة على قدر ما يرى من هي في يده من الوكلاء فيها. * حدثنا هارون بن عمير قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: ألم تر حجرا المدري (1) حدثني: أن في صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ينفق على نسائه بالمعروف غير المنكر. (ذكر صدقات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين وغيرهم) (صدقة العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه) قال أبو غسان: تصدق العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه بحل (2) له كان بينبع على عين يقال لها " عين جساس " على شراب زمزم، فذلك الحق (3) يقال له " السقاية " لانه تصدق به على زمزم، وهو الثمن من تلك العين، وهو اليوم بيد الخليفة يوكل به.


(1) هو حجر بن قيس الهمداني المدري اليماني، يروي عن ابن عباس، وعنه طاوس، وقد ذكر في الاصل حجر الدري والتصويب والترجمة عن خلاصة تذهيب الكمال للخزرجي ص 62 ط. الخيرية. (2) كذا في الاصل، والحل: كل أرض جاوزت الحرم من أرض مكة (أقرب الموارد ص 225) ولعلها بحق فقد جاء في آخر الخبر " فذلك الحق يقال له السقاية. (3) الحق: الارض المستديرة أو المطمئنة. (أقرب الموارد). (*)

[ 219 ]

(صدقة عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما) * وتصدق عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما بمال بالصهوة، وهو موضع بين معن وبير حوزة على ليلة من المدينة، وتلك الصدقة بيد الخليفة يوكل بها. (صدقات علي بن أبي طالب رضي الله عنه) * حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن واقد بن عبد الله بن الجهني، عن عمه، عن جده كشد بن مالك (الجهني) (1) قال: نزل طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد رضي الله عنهما علي بالمنجار (2) - وهو موضع بين حوزة السفلى وبين منحوين، على طريق التجار في الشام - حين بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم يترقبان له عن عير أبي سفيان، فنزلا على كشد فأجارهما. فلما أخذ رسول الله ينبع، قطعها لكشد، فقال: يا رسول الله، إني كبير، ولكن اقطعها لابن أخي. فقطعها له، فابتاعها منه عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الانصاري بثلاثين ألف درهم، فخرج عبد الرحمن إليها فرمى بها وأصابه سافيها (3) وريحها، فقدرها، وأقبل راجعا، فلحق علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمنزلة وهي بلية دون ينبع فقال: من أين جئت ؟ فقال من ينبع،


(1) الاضافة عن أسد الغابة 4: 239، وكذا وفاء الوفا 2: 392 ط. الآداب. أما في الاصابة 3: 277 فقد جاء " كسد " بالسين المهملة، وانظر ترجمته هناك. (2) في الاصل " النجار " والمثبت عن وفاء الوفا 2: 392 ط. الآداب. (3) كذا في الاصل. وفي وفاء الوفا 4: 1334 محيي الدين " صافيها وريحها " والسافي الهزال، الريح الشديدة. (*)

[ 220 ]

وقد شنفتها (1)، فهل لك أن تبتاعها ؟ قال. على: قد أخذتها بالثمن، قال: هي لك. فخرج إليها علي رضي الله عنه، فكان أول شئ عمله فيها البغيبغة (2) وأنفذها. * قال أبو غسان، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: بشر علي رضي الله عنه بالبغيبغة حين ظهرت، فقال: تسر الوارث. ثم قال: هي صدقة على المساكين وابن السبيل وذي الحاجة الاقرب (3). * حدثنا القعنبي قال، حدثنا سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه: أن عمر رضي الله عنه قطع لعلي رضي الله عنه ينبع، ثم اشترى علي رضي الله عنه إلى قطيعة عمر أشياء فحفر فيها عينا، فبينما هم يعملون فيها إذ انفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء، فأتي علي رضي الله عنه فبشر بذلك، فقال: يسر الوارث. ثم تصدق بها على الفقراء والمساكين، وفي سبيل الله، وأبناء السبيل القريب والبعيد، في السلم والحرب، ليوم تبيض فيه وجوه وتسود وجوه، ليصرف الله بها وجهي عن النار، ويصرف النار عن وجهي.


(1) شنفتها: أي بغضتها (أقرب الموارد 616) وفي وفاء الوفا 2: 393 ط. الآداب " وقد سئمتها ". (2) البغيبغة: بإعجام الغينين تصغير البغبغ، وهي البئر القريبة الرشاء، وهي عدة عيون منها عين خيف الآراك، وخيف ليلى، وخيف بسطاس (وفاء الوفا 2: 262 ط. الآداب، 4: 1150 محيي الدين) وانظر الخبر في الاصابة 3: 277 تحت ترجمة كسد الجهني. (3) والخبر في وفاء الوفا 2: 262 ط. الآداب = (4: 1150 محيي الدين) وفيه رواية للواقدي: أن جدادها بلغ في زمن علي رضي الله عنه ألف وسق. (*)

[ 221 ]

* حدثنا محمد بن بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران قال، أخبرني ابن لحفص بن عمر مولى علي، عن أبيه، عن جده قال: لما أشرف علي رضي الله عنه على ينبع فنظر إلى جبالها قال: لقد وضعت على نقى من الماء عظيم (1). * قال، وقال ابن أبي أبي يحيى، عن محمد بن كعب القرظي، عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما، في حديث ساقه قال: أقطع النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه بذي العشيرة من ينبع، ثم أقطعه عمر رضي الله عنه بعد ما استخلف إليها قطيعة، واشترى علي رضي الله عنه إليها قطعة، وحفر بها عبينا، ثم تصدق بها على الفقراء والمساكين وابن السبيل، القريب والبعيد، وفي الحياة والسلم والحرب، ثم قال: صدقة لا توهب ولا تورث، حتى يرثها الله الذي يرث الارض ومن عليها، وهو خير الوارثين. قال: وقد جاء في الحديث الاول أن عليا رضي الله عنه اشتراها فالله أعلم أي ذلك كان. قال وكانت أموال علي رضي الله عنه عيونا متفرقة بينبع، منها عين يقال لها " عين البحير "، وعين يقال لها " عين أبي نيزر " (2)، وعين يقال لها " عين نولا "، وهي اليوم تدعي العدر وهي التي يقال لها أن عليا رضي الله عنه عمل فيها بيده، وفيها مسجد النبي


(1) الخبر في وفاء الوفا 2: 392 ط. الآداب = (4: 1334 محيي الدين). (2) عين أبي نيزر - بفتح النون وسكون المثناة وبفتح الزاي، من صدقة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي عين كثيرة النخل غزيرة الماء، وأبو نيزر الذي تنسب إليه العين، مولى لعلي رضي الله عنه، وقد كان ابنا للنجاشي الذي هاجر إليه المسلمون، اشتراه علي وأعتقه مكافأة لابيه (وفاء الوفا 2: 263، 347 ط. الآداب). (*)

[ 222 ]

صلى الله عليه وسلم متوجهة إلى ذي العشيرة يتلقى عير قريش (1). وفي هذه العيون أشراب بأيدي أقوام، زعم بعض الناس أن ولاة الصدقة أعطوهم إياها، وزعم الذين هي بأيديهم أنها ملك لهم، إلا " عين نولا " فإنها خالصة، إلا نخلات فيها بيد امرأة يقال لها " بنت يعلى "، مولى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وعمل علي رضي الله عنه أيضا بينبع " البغيبغات " وهي عيون منها عين يقال لها " خيف (2) الاراك " ومنها عين يقال لها " خيف (2) ليلى " ومنها يقال لها " خيف بسطاس " (2)، فيها خليج من النخل مع العين. وكانت البغيبغات مما عمل علي رضي الله عنه وتصدق به، فلم تزل في صدقاته حتى أعطاها حسين بن علي بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، يأكل ثمرها، ويستعين بها على دينه ومؤونته على ألا يزوج ابنته يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فباع عبد الله تلك العيون من معاوية رضي الله عنه، ثم قبضت حتى ملك بنو هاشم الصوافي، فكلم فيها عبد الله بن حسن بن حسن أبا العباس، وهو خليفة، فردها في صدقة علي رضي الله عنه، فأقامت في صدقته حتي قبضها أبو جعفر في خلافته، وكلم فيها الحسن بن زيد المهدي حين استخلف وأخبرته خبرها، فكتب إلى زفر بن عاصم الهلالي، وهو والي المدينة، فردها مع صدقات علي رضي الله عنه.


(1) والخبر إلى هنا في (وفاء الوفا 4: 1271 محيي الدين). (2) الخيف: ما انحدر من الجبل وارتفع عن المسيل (الفائق 1: 377) وعن خيف الآراك، وخيف ليلى، وخيف بسطاس. انظر وفاء الوفا 2: 263 ط. الآداب = (4: 1151 محيي الدين). (*)

[ 223 ]

ولعلي رضي الله عنه أيضا ساقى على عين يقال لها " عين الحدث " بينبع وأشرك على عين يقال لها " العصبية " موات بينبع. وكان له أيضا صدقات بالمدينة: " الفقيرين " (1) بالعالية، و " بئر الملك " بقناة، و " والادبية " بالاضم (2)، فسمعت أن حسنا أو حسينا بن علي باع ذلك كله فيما كان من حربهم، فتلك الاموال اليوم متفرقة في أيدي ناس شتى. ولعلي رضي الله عنه في صدقاته " عين ناقة " بوادي القرى يقال لها " عين حين " بالبيرة من العلا. كانت حديثا من الدهر بيد عبد الرحمن بن يعقوب بن إبراهيم بن محمد بن طلحة التيمي، فخاصمه فيها حمزة بن حسن بن عبيد الله بن العباس بن علي - بولاية أخيه العباس بن حسن - الصدقة حتى قضى لحمزة بها، وصارت في الصدقة. وله بوادي القرى أيضا عين موات خاصم فيها أيضا حمزة ابن حسن بولاية أخيه العباس رجلين من أهل وادي القرى، كانت بأيديهما يقال لهما " مصدر كبير مولى حسن بن حسن "، و " مروان


(1) الفقيرين: كذا في الاصل. وفي وفاء الوفا 4: 1282 وساق الخبر من حديث ابن شبة. (2) إضم: واد بالمدينة وسمي إضما لانضمام السيول به واجتماعها فيه، ويسمى عند المدينة القناة إلى آخره. (وفاء الوفا 2: 247، معجم ما استعجم 1: 110). وقد جاء في وفاء الوفا 2: 155 أن من الصدقات علي رضي الله عنه الفقيرين مثنى فقير حيث قال: " وكان لي صدقات بالمدينة، الفقيرين بالعالية، وبئر الملك بقناة " وأهل المدينة اليوم ينطقون به مفردا تصغيرا لفقير ضد الغني، وهو اسم الحديقة بالعالية قرب بني قريظة، وكان الفقير لعمر بن سعد، وصار لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. (*)

[ 224 ]

ابن عبد الملك بن خارست "، حتى قضى حمزة بها، فصارت في الصدقة. ولعلي رضي الله (عنه) أيضا حق على عين سكر. وله أيضا ساقي على عين بالبيرة وهو في الصدقة. وله بحرة الرجلاء (1) من ناحية شعب زيد واد يدعي الاحمر، شطره في الصدقة، وشطره بأيدي آل مناع من بني عدي، منحة من علي، وكان كله بأيديهم حتى خاصمهم فيه حمزة بن حسن، فأخذ منهم نصفه. وله أيضا بحرة الرجلاء واد يقال له " البيضاء " فيه مزارع وعفا (2) وهو في صدقته. وله أيضا بحرة الرجلاء أربع آبر يقال لها " ذات كمات "، و " ذوات العشراء " و " قعين " و " معيد " و " رعوان " فهذه الآبر في صدقته. وله بناحية فدك واد بين لابتي (3) حرة يدعى " رعية " فيه


(1) حرة الرجلى: بديار بني القين بين المدينة والشام، سميت بذلك لانه يترجل فيها ويصعب المشي، وفي الصحاح حرة الرجلى: أرض مستوية كثيرة الحجارة يصعب المشي فيها - وانظر (وفاء الوفا 2: 288 ط. الآداب). (2) عفاء: يقال أقطعه عفاء الارض، أي مما ليس لمسلم ولا معاهد وليس به أثر لاحد، وهو من مصدر عفا بمعنى درس، ويحتمل أن يكون عفا صفة للارض العافية الاثر. (الفائق للزمخشري 2: 166). (3) اللابتان: تثنية لابة وهي الحرة، وقيل هما حرتا المدينة الشرقية والغربية، وقال الاصمعي: اللابة الارض التي ألبست الحجارة السود. (وفاء الوفا 2: 366 ط. الآداب). (*)

[ 225 ]

نخل ووشل (1) من ماء يجري على سقا بزرنوق (2) فذلك في صدقته. وله أيضا بناحية فدك واد يقال له " الاسحن "، وبنو فزارة تدعي فيه ملكا ومقاما، وهو اليوم في أيدي ولاة الصدقة في الصدقة. وله أيضا ناحية فدك مال بأعلى حرة الرجلاء يقال له " القصيبة " (3)، كان عبد الله بن حسن بن حسن عامل عليه بني عمير مولى عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، على أنه إذا بلغ ثمره ثلاثين صاعا بالصاع الاول فالصدقة على الثلث، فإذا انقرض بنو عمير فمرجعه إلى الصدقة، فذلك اليوم على هذه الحال بأيدي ولاة الصدقة. قال أبو غسان: وهذه نسخة كتاب صدقة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حرفا بحرف نسختها على نقصان هجائها وصورة كتابها، أخذتها من أبي، أخذها من حسن بن زيد. بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أمر به وقضى به في ماله عبد الله علي أمير المؤمنين، ابتغاء وجه الله ليولجني الله به الجنة، ويصرفني عن النار ويصرف النار عني يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. أن ما كان لي بينبع من ماء يعرف لي فيها وما حوله صدقة ورقيقها غير أن رباحا وأبا نيزر


(1) الوشل - محركة: الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة ولا يتصل قطره، وقيل لا يكون إلا من أعلى الجبل، وقيل اللفظ من الاضداد ويطلق على الماء الكثير أيضا، والجمع أوشال. (أقرب الموارد 2: 1445). (2) الزرنوق: حائط يوضع على رأس البئر به خشبة معترضة وبكرة يستقى بها (أقرب الموارد - زرق). (3) واد بين المدينة وخيبر وهو أسفل وادي الروم وما قارب ذلك (مراصد الاطلاع 3: 1002) وقيل وادي القصيبة قبلي خيبر وشرقي وادي عصر (وفاء الوفا 2: 288 ط. الآداب). (*)

[ 226 ]

وجبير أعتقناهم (1)، ليس لاحد عليم سبيل، وهم موالي يعملون في الماء خمس حجج، وفيه نفقتهم ورزقهم ورزق أهليهم. ومع ذلك ما كان بوادي القرى، ثلثه مال ابني قطيعة (2)، ورقيقها صدقة، وما كان لي (بواد) (3) ترعة (4) وأهلها صدقة، غير أي زريقا له مثل ما كتبت لاصحابه. وما كان لي بإذنية وأهلها صدقة. والفقير لي كما قد علمتم صدقة في سبيل الله. وأن الذي كتبت من أموالي هذه صدقة وجب فعله حيا أنا أو ميتا ينفق في كل نفقة ابتغى به وجه الله من سبيل (الله) (5) ووجهه وذوي الرحم من بني هاشم، وبني المطلب والقريب والبعيد، وأنه يقوم على ذلك حسن بن علي، يأكل منه بالمعروف وينفق حيث يريه الله في حل محلل لا حرج عليه فيه، وإن أراد أن يندمل (6) من الصدقة مكان ما فاته يفعل إن شاء الله لا حرج عليه فيه، وإن أراد أن يبيع من الماء فيقضي به الدين فليفعل إن شاء لا حرج عليه فيه، وإن شاء جعله يسير إلى ملك، وإن ولد علي وما لهم إلى حسن بن علي، وإن كان دار حسن غير دار الصدقة فبدا له أن يبيعها، فإنه يبيع إن شاء لا حرج


(1) في الاصل " أن رباحا وأبا نزير وجبيرا عتقاء " وما أثبتناه عن وفاء الوفا 2: 349 ط. الآداب. (2) قطيعة: أي إقطاع وهبة. على سبيل الوقف أو غيره. (3) اللفظ محرف في الاصل، والتصويب عن وفاء الوفا 2: 349. (4) ترعة: واد يلقى أضم من القبلة، وفي ترعة يقول بشر السلمي: أرى إبلي أمست تحن لقاحها * بترعة ترجو أن أحل بها إبلا والاضافة للتوضيح (وفاء الوفا 2: 270). (5) إضافة على الاصل. (6) يندمل: أي يصلح من الصدقة (أقرب الموارد). (*)

[ 227 ]

عليه فيه، فإن يبع فإنه يقسم منها ثلاثة أثلاث، فيجعل ثلثه في سبيل الله، ويجعل ثلثه في بني هاشم وبني المطلب، ويجعل ثلثه في آل أبي طالب، وأنه يضعه منهم حيث يريه الله. وإن حدث بحسن حدث وحسين حي، فإنه إلى حسين بن علي، وأن حسين بن علي يفعل فيه مثل الذي أمرت به حسنا، له منها مثل الذي كتبت لحسن منها، وعليه فيها مثل الذي على حسن، وإن لبني فاطمة من صدقة علي مثل الذي لبني علي، وإني إنما جعلت الذي جعلت إلى ابني فاطمة ابتغاء وجه الله وتكريم حرمة محمد وتعظيما وتشريفا ورجاء بهما، فإن حدث لحسن أو حسين حدث، فإن الآخر منهما ينظر في بني علي، فإن وجد فيهم من يرضى بهديه وإسلامه وأمانته فإنه يجعله إن شاء، وإن لم ير فيهم بعض الذي يريد، فإنه يجعله إلى رجل من ولد أبي طالب يرضاه، فإن وجد آل أبي طالب يومئذ قد ذهب كبيرهم وذوو رأيهم وذوو أمرهم، فإنه يجعله إلى رجل يرضاه من بني هاشم، وإنه يشترط على الذي يجعله إليه أن ينزل الماء على أصوله، ينفق تمره حيث أمر به من سبيل الله ووجهه، وذوي الرحم من بني هاشم، وبني المطلب، والقريب والبعيد لا يبع منه شئ ولا يوهب ولا يورث، وإن مال محمد على ناحية، ومال ابني فاطمة ومال فاطمة إلى ابني فاطمة. وإن رقيقي الذين في صحيفة حمزة الذي كتب لي عتقاء: فهذا ما قضى عبد الله علي أمير المؤمنين في أمواله هذه الغد من يوم قدم مكر (1) ابتغي وجه الله والدار الآخرة، والله المستعان على كل


(1) مكر: بمعنى اختضب، ولعله من يوم قدم مختضب الدماء. (تاج العروس). (*)

[ 228 ]

حال، ولا يحل لامرئ مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شئ قبضته في مال، ولا يخالف فيه عن أمري الذي أمرت به عن قريب ولا بعيد. أما بعدي (فإن) (1) ولائدي اللاتي أطوف عليهن السبع عشرة منهن أمهات أولاد أحياء معهن ومنهن من لا ولد لها، فقضائي فيهن إن حدث لي حدث: أن من كان منهن ليس لها ولد، وليست بحبلى، فهي عتيقة لوجه الله، ليس لاحد عليها سبيل، ومن كان منهن ليس لها ولد وهي حبلى فتمسك على ولدها وهي من حظه، وأن من مات ولدها وهي حية فهي عتيقة، ليس لاحد عليها سبيل، فهذا ما قضى به عبد الله علي أمير المؤمنين من مال الغد من يوم مكر. شهد أبو شمر بن أبرهة، وصعصعة بن صوحان، ويزيد بن قيس، وهياج بن أبي هياج. وكتب عبد الله علي أمير المؤمنين بيده لعشرة خلون من جمادى الاولى سنة تسع وثلاثين ه‍. * حدثنا ابن أبي خداش الموصلي قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو قال: لم تكن في صدقة علي إلا " شهد أبو هياج، وعبيد الله (2) بن أبي رافع، وكتب ". * حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن ضمرة (3) مولى العباس قال: كتب علي في وصيته: إن وصيتي إلى أكبر ولدي غير طاعن عليه في فرج ولا بطن.


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) في الاصل عبد الله بن أبي رافع والصواب ما أثبت، وهو عبيد الله بن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم وكاتب علي رضي الله عنه (الخلاصة للخزرجي ص 212) (3) كذا في الاصل. ولعله صباح مولى العباس بن عبد المطلب كما في الاصابة 2: 168. (*)

[ 229 ]

* حدثنا عارم، وموسى بن إسماعيل قالا، حدثنا حماد ابن سلمة، عن يونس بن عبيد، عن الوليد بن أبي هاشم: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعتق عبيدا له واشترط عليهم أن يعملوا في أرضه ست سنين. * حدثنا عارم، وموسى قالا، حدثنا حماد، عن سعيد ابن أبي الحكم قال: أتيت المدينة فقرأت في وصية علي مثل هذا. (صدقات الزبير، ودور بني أسد) (1) استقطع الزبير النبي صلى الله عليه وسلم البقيع فقطعه، فهو " بقيع الزبير " (2)، ففيه من الدور للزبير: دار عروة بن الزبير، وهي التي فيها المجزرة، ثم خلفها في شرقيها دار المنذر بن الزبير إلى زقاق عروة، فيها يسكن بنو محمد بن فليح بن المنذر، وفيه دار مصعب بن الزبير، وهي الدار التي على يسارك إذا أردت بني مازن، إلى جنب دار الحجارة، وهي بأيدي بني مصعب اليوم، وفيه دار آل عكاشة بن مصعب بن الزبير، وهي الدار التي على باب الزقاق الذي فيه الكتاب الذي يخرجك إلى دور نفيس بن محمد (يعني مولى بني المعلى في بني زريق من الانصار (3))، وفيه دار آل عبد الله بن الزبير التي كان فيها صديق بن موسى الزبيري،


(1) إضافة على الاصل. (2) بقيع الزبير: يجاور لمنازل بني غنم وشرقي منازل بني زريق وإلى جانبه في المشرق البقال، ولعل الرحبة التي بحارة الخدام بطريق بقيع الغرقد منه (وفاء الوفا 2: 264 ط. الآداب) والبقيع هو الموضع تكون فيه أروم الشجر من ضروب شتى (مراصد الاطلاع 1: 213). (3) ما بين الحاصرتين من هامش الاصل. وكذا من وفاء الوفا 2: 265. (*)

[ 230 ]

وأديارها لبني المنذر، فيها بيت أبي عود الزبيري وابنه، ثم دار عبد الله، ممدودة إلى دار أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. وفيه بيت نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الذي يفترق (علوه) (1) الطريقان. كل هذا صدقة من الزبير بن العوام وتجويز منه لولده. * واتخذ الزبير رضي الله عنه أيضا دار عروة ودار عمرو، وهما متلازمتان عند خوخة القوارير، فتصدق بهما متفرقتين على عروة وعمرو وأعقابهما، فهما بأيديهم على ذلك إلى اليوم. * قال أبو غسان: وسمعت بعض من يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعها صفية بنت عبد المطلب، قال: وكانتا واحدة. * قال أبو غسان: فأخبرني ابن وهب، عن معبد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة بن الزبير: أن الزبير بن العوام رضي الله عنه جعل دوره صدقة على بنيه، لا تباع ولا تورث، وأن للمرء دوره من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، وإن استغنت بزوج فليس لها حق. * واتخذ ذؤيب بن حبيب بن تويت بن أسد بن عبد العزى - وكانت له صحبة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح - دارا بالمصلى مما يلي السوق، بين دار عبد الملك بن مروان، وبين الزقاق الذي يقال له زقاق القفاصين، فهي بأيديهم. * واتخذ حكيم بن حزام داره الشارعة على البلاط، إلى جنب دار مطيع بن الاسود، بينها وبين دار معاوية بن أبي سفيان، يحجز بينهما وبين دار معاوية الطريق، فوقفها، فهي بأيديهم اليوم.


(1) ما بين الحاصرتين من هامش الاصل. وكذا من وفاء الوفا 2: 265. (*)

[ 231 ]

* قال أبو غسان، حدثنا الواقدي، عن عيسى بن محمد مولى لفاطمة بنت عبيد، عن حكيم بن حزام: أنه حبس داره لا تباع ولا توهب ولا تورث. * واتخذ هبار بن الاسود الاسدي دارا بين خطة بني نصر وبين بني زريق، فلم تزل بأيدي ولده حتى باعوها من عبد الله بن زياد بن سمعان فهي بأيدي ولده اليوم. * واتخذ نوفل بن عدي بن أبي حبيس دارين: إحداهما التي بالبلاط عند أصحاب الرباع، بين دار آل المنكدر التيميين، وبين دار أبي جهم العدويين، فهي بأيدي آل نوفل بن عدي، والدار الاخرى في زريق. وجاه الكتاب الذي يقال له " كتاب أبي ذبان "، بين منزل أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام الذي صار لبني عباد بن عبد الله بن الزبير، ومن حد الزقاق التي عند الخمارين دبرها دار هانئ التي بأيدي آل جبير. * واتخذ عبد الرحمن بن العوام داره التي يقال لها " دار الريان "، ولدار عبد الرحمن ثلاثة أبواب، منها باب يخرجك إلى دار المطلب ابن عبد الله المخزومي، ومنها باب على الخط العظيم الذي إلى بقيع الزبير، ومنها باب يخرجك إلى دار آل سراقة العدوي، وعلى دار أيوب بن سلمة المخزومي وهي بأيدي ولده إلى اليوم. (دور عبد بن قصي) * اتخذ طليب بن كثير بن عبد بن قصي دارا في زقاق الصفارين، فورثها أبو كثير بن زيد بن كثير بن عبد بن قصي، ثم خرجت من أيديهم. (*)

[ 232 ]

(دور بني زهرة) * اتخذ عبد الرحمن بن عوف دورا، فدخل منها في المسجد ثلاث آدر كن يدعين " القرائن " وسمعت من يذكر أن " القرائن " ثلاث جنابذ (1) لعبد الرحمن بن عوف، وللقرائن يقول أبو قطيقة (2). ألا ليت شعري هل تغير بعدنا * جنوب المصلى أم كعهدي القرائن * ودخل في المسجد أيضا دار عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان يقال لها دار مليكة، كان عمر ومصعب - يقول -: باعوها من عبد الله بن جعفر، فباعها عبد الله بن معاوية، فصارت في الصوافي فأدخلها المهدي في المسجد. وإنما سميت دار مليكة لان عبد الرحمن بن عوف أنزلها مليكة بنت سنان بن أبي حارثة المرية حين قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، وكانت تحت زبان بن منظور فهلك عنها، فخلف عليها ابنه منظور بن زبان،


(1) الجنابذ: جمع جنبذة بضم الجيم والباء بينهما نون ساكنة، وهي القبة (وفاء الوفا 2: 516 هامش الشيخ محيي الدين (وقد وصف الحديث الشريف الجنة بأن فيها جنابذ من لؤلؤ). (2) أبو قطيفة هو عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط واسم أبي معيط: أبان ابن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤي. وأبو قطيفة وأهله من العنابس من بني أمية، وسموا بالعنابس لانهم ثبتوا مع أخيهم حرب بن أمية بعكاظ وقاتلوا قتالا شديدا فشبهوا بالاسد، والاسد يقال لها العنابس. وكان ابن الزبير قد نفى أبا قطيفة مع من نفاه من بني أمية عن المدينة إلى الشام، فلما طال مقامه بها أنشد هذا، وبعده: وهل أدور حول البلاط عوامر * من الحي أم هل بالمدينة ساكن إذا برقت نحو الحجاز سحابة * دعا الشوق مني برقها المتيامن فلم أتركنها رغبة عن بلادها * ولكنه ما قدر الله كائن الاغاني 1: 16 ط. بولاق. (*)

[ 233 ]

فأقدمها أبو بكر رضي الله عنه المدينة، وفرق بينها وبين منظور، وقال: من ينزل هذه المرأة ؟ فأنزلها عبد الرحمن داره. * قال عبد العزيز بن مروان (1): ومنهن دار القضاء التي هي اليوم رحبة لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غريبه مما يلي دار مروان. * قال أبو غسان، وأخبرني عبد العزيز، عن راشد بن حفص، عن أم الحكم بنت عبد الله بن ثابت عن عمتها سهلة بنت عاصم قالت: كان دار القضاء لعبد الرحمن بن عوف - وإنما سميت " دار القضاء "، لان عبد الرحمن اعتزل فيها ليالي الشورى حتى قضي الامر - فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. قال عبد العزيز فصارت بعد في الصوافي، وكانت الدواوين فيها، وبيت المال، فهدمها أبو العباس أمير المؤمنين، فصيرها رحبة للمسجد، فهي اليوم كذلك. * قال وسمعت من يقول فيها غير ذلك من غير واحد، منهم محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عن عمه قال: كانت رحبة القضاء لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأمر حفصة وعبد الله ابنيه رضي الله عنهما أن يبيعاها عند وفاته في دين كان عليه، فإن بلغ ثمنها دينه وإلا فاسألوا فيه بني عدي بن كعب حتى يقضوه،


(1) عبد العزيز بن مروان والد الخليفة عمر بن عبد العزيز الاموي، ملك الديار المصرية، عن أبي هريرة، وعنه ابنه عمر وعلي بن رباح، وثقه ابن سعد والنسائي، قال ابن سعد: مات سنة ست وثمانين (ميزان الاعتدال 2: 139، الخلاصة للخزرجي ص 204). (*)

[ 234 ]

فباعوها من معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وكانت تسمى دار القضاء، قال ابن أبي فديك: فسمعت عمر يقول: أن كانت لتسمى دار القضاء (1). قال: وكان معاوية رضي الله عنه اشتراها عند ولايته، فلم يزل حتى قدم زياد بن عبد الله المدينة سنة ثمان وثلاثين ومائة، فهدمها وجعلها رحبة للمسجد، وفتح فيها الباب الذي إلى جنب الخوخة الصغيرة، وجعل هدمها على أهل السوق. قال محمد ابن إسماعيل بن أبي فديك: فأخذ مني في هدمها أربعة دوانيق (2). قال ابن أبي فديك: وأخبرني أيضا - كما أخبرني عمي - عبيد الله ابن عمر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال، وأشار لي عبيد الله إلى صندوق في بيته وقال: إن في هذا الصندوق إبراءات من ذلك الدين، فالله أعلم بأمرها. * ومنهن دار عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي الدار التي صارت لمنيرة مولاة أمير المؤمنين، ثم صارت بعد ليحيى ابن خالد بن برمك، ثم صارت صافية، وكان سهيل ابن عبد الرحمن ابن عوف باعها من عبد الله بن جعفر رضي الله عنه. * ومنهن دار عبد الله بن مكمل بن عوف بن عبد الحارث ابن زهرة، الشارعة في غربي دار القضاء، كان عبد الرحمن (بن عوف (3) وهبها له، فباعها آل مكمل من المهدي، فهي بأيدي


(1) في هامش الاصل " يخبر الحافظ بن حجر بقياس هذا الكتاب عمن يقول: إن كانت هي دار قضاء الدين ". (2) الدانق بكسر النون وفتحها: سدس الدرهم (أقرب الموارد). (3) الاضافة عن وفاء الوفا 2: 724 تحقيق محيي الدين. (*)

[ 235 ]

ولده اليوم خراب - قال أبو زيد بن شبة: وكان ينام بها وهي خراب إلى جنب المسجد، وهي التي يقولون إن أهلها قالوا: يا رسول الله، اشتريناها ونحن جميع فتفرقنا، وأغنياء فافتقرنا، فقال صلى الله عليه وسلم: " اتركوها وهي ذميمة ". - قال أبو زيد بن شبة: وأراد قثم (1) شراءها فحم. * ومنهن الدار التي يقال لها " الدار الكبرى " دار حميد ابن عبد الرحمن بن عوف، بحش طلحة، وإنما سميت الدار الكبرى لانها أول دار بناها أحد من المهاجرين بالمدينة، وكان عبد الرحمن ينزل فيها ضيفان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت ذلك تسمى: " دار الضيفان "، فسرق فيها بعض الضيفان، فشكا ذلك عبد الرحمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد بنى فيها النبي صلى الله عليه وسلم بيده، فيما زعم الاعرج، وهي اليوم بيد بعض عبد الرحمن بن عوف. * واتخذ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه دارين بالبلاط متقابلتين بينهما عشرة أذرع، أما اليمنى منهما وأنت تريد المسجد، فكانت لابي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناقله أبو رافع إلى داريه بالبقال وكانت دار أبي رافع ملكا لسعد.


(1) لعله قثم بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم أخو عبد الله بن العباس القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان آخر الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم، استعمله علي بن أبي طالب على مكة، وسار أيام معاوية إلى سمرقند مع سعيد ابن عثمان بن عفان فمات بها شهيدا، وفيه قال بعض شعراء المدينة: كم صارخ بك مكروب وصارخة * يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم (أسد الغابة 4: 197، الاصابة 3: 218، والاستيعاب 3: 266). (*)

[ 236 ]

* حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة: أن عمرو بن الشريد أخبره قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فجاء المسور بن مخرمة رضي الله عنه فوضع يده على أحد منكبي، ثم جاء رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا سعد ابتع مني بيتين لي في ذلك. فقال سعد: والله لا أبتاعهما. فقال المسور: والله لتبتاعنهما. فقال سعد: لا والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة وقطيعة. فقال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " المرء أحق بسقبه (1) " ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطى بها خمسمائة دينار - وقال: وأما الاخرى، فوجاه داره هذه. هما جميعا صدقة على ولده. * قال الواقدي، عن بكير بن مسمار، عن عائشة بنت سعد: أن سعدا رضي الله عنه أخرج الثياب وجعل للمجهودة أن تسكن.


(1) روي في سنن ابن ماجة 2: 833 تحقيق عبد الباقي، عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الجار أحق بسقبه ". وروي أيضا في ص 834 من نفس المرجع عن عمرو بن الشريد بن السويد عن أبيه شريد بن سويد قال: قلت يا رسول الله أرض ليس فيها لاحد قسم ولا شرك إلا الجوار قال: " الجار أحق بسقبه ". وروي أيضا في ص 834 من نفس المرجع عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشريك أحق بسقبه ما كان ". كما ورد في النهاية في غريب الحديث والاثر 2: 377 " الجار أحق بسقبه " والسقب بالسين والصاد في الاصل القرب، يقال سقبت الدار وأسقبت أي قربت، وانظر أقرب الموارد 1: 524، والمعجم الوسيط 1: 437 وفي المعنى جاء في الجامع الصغير للسيوطي 1: 131 " جار أحق بدار الجار " " وجار الدار أحق بالشفعة ". (*)

[ 237 ]

* والواقدي، عن محمد بن نجاد بن موسى - أو عن موسى - عن عائشة بنت سعد قالت: صدقة أبي حبس لا تباع ولا توهب ولا تورث، وأن للمردودة - أي أحق - أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، حتى تستغني. فتكلم فيها بعض ورثته يجعلونها ميراثا، فاختصموا إلى مروان بن الحكم فجمع أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنفذها على ما صنع سعد. * واتخذ سعد رضي الله عنه أيضا درا في قبلة دار إبراهيم ابن هشام المخزومي بالبلاط في غربيها، وهي دبر دار جبى (1) ولها في دار جبى طريق مسلمة، وهي بأيدي ولد سعد اليوم. * وقد سمعت بعض من يقول: كانت دار جبى لسعد، وهي هذه الدار التي ذكرناها في قبلة دار إبراهيم بن هشام: وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قاسمه إياها، فكانت دار جبى قسيمة هذه الدار، حين قاسمه ماله مقدم سعد من العراق، وأن عمر رضي الله عنه لما قاسمه إياها، باعها من عثمان بن عفان باثني عشر ألف درهم، ثم صارت لعمرو بن عثمان، وكانت جبى أرضعت عمر، فوهب لها الدار، فكانت بيدها حتى سمعت نقيضا في سقف بيتها الذي كانت تسكن، فقالت لجاريتها: ما هذا ؟ فقالت: السقف يسبح. قالت: ما سبح شئ قط إلا سجد، لا، والله لا سكنت هذا البيت. فخرجت منه فاضطربت خباء بالمصلى، ثم باعت الدار من بعض ولد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهي


(1) وانظر وفاء الوفا 2: 740 تحقيق محمد محيي الدين. (*)

[ 238 ]

بأيديهم إلى اليوم. قال: وسمعت من يقول إن عثمان نفسه رضي الله عنه أقطعها جبى. فالله أعلم (1). * واتخذ سعد رضي الله عنه دارا بالمصلى بين دار عبد الحميد ابن عبيد الكناني، وبين الزقاق الذي يسلك في بني كعب عند الحمارين،، وفتح في طائفة من أدنى داره بابا في الزقاق حتى صارت كأنها داران متفرقتان وكانت واحدة، فهما جميعا بأيدي ولده اليوم على حوز الصدقة. * قال، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن سعيد بن يحيى ابن حسن بن عثمان الزهري، عن جده حسن بن عثمان، في حديث قد كتبته في صدقات بني زهرة في آخره " فثبتت الدور صدقة ". * وهذه نسخة كتاب صدقة سعد في دوره حرفا بحرف على هجائها وصورة كتابها، أخذته من كتابه بعينه، ودفعه إلي هشام بن عبد الله المخزومي وهو قاض، واختصموا في شئ منها فجاءوا به، فثبتت عنده. بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب سعد بن أبي وقاص لابنته حفص وبنتيها، مسكنها الذي هي فيه علوه وسفله سكنة غير مبيع ولا ميراث ولا موهوب، ولكن إنما هي دار صدقة، فلهن مسكنة غير مسكنتها الرجل إلا بإذن بنتيها، وإن لزبراء بنتها مسكنها الذي هي فيه، وبيت دمية الذي هي فيه إن خرجت دمية أو توفيت، والبيت الذي معه، وبيت البير يسكن ذلك غير مبيع ولا متوارث ولا موهوب إنما


(1) وانظر الخبر مرويا عن ابن شبة في وفاء الوفا 2: 740 تحقيق محيي الدين. (*)

[ 239 ]

هي دار صدقة لان لابنته حجير مسكن بيت أمها، وإنما كتب هذا لمن ظلم منهن أو هجر، وليس لامرأة منهن تحت زوج في دار مسكن: إلا كما كتبت به. وإن لبجير مسكن أمه والمشربة التي فوق سكنه، كالذي كتبت به في مسكن الدار. وأن لجثيم مسكن بيت الخربة ومسكنه فيه كالذي كتبت به للآخرين، وإن لعثمان ابن سعد مسكن البقعة التي فيها مسجد ابن أبي القعدة التي فيها القعدة التي تلي سرة الدار من شق الدار، ذلك كالذي كتبت به للآخرين، وإن بيت رفع وبيت ابن خالد والماء وبيت نيروز، فإن نصفه كله لعمر بن سعد، كالذي كتبت (به) (1) للآخرين، وإن لجهمان مسكنه الذي هو فيه، كما كتبت به للآخرين. شهد عثمان بن حنيف، وعبد الرحمن بن عامر، وهشيم، وعبيد الله بن هاشم، ومسلم بن أبي عبد الله، وكتب. * واتخذ المغيرة بن الاخنس الثقفي، حليف بني زهرة، دار بجير بن وهب الجمحي التي بالمصلى، يقال لها " دار ابن صفوان ". * واتخذ عمير بن وهب دار المغيرة بن الاخنس التي عند الصفارين، فدار المغيرة بأيدي ولده، ودار أسيد بن الاخنس صدقة، وفيها قبر المغيرة بن الاخنس، وقتل مع عثمان بن عفان يوم الدار، وقبره فيها في بيت المغيرة بن الاخنس، وهو البيت الذي في زاوية الدار الشرقية اليمانية. * واتخذ المغيرة أيضا داره التي ببطحان، على عدوة الوادي الغربية يمانيها الدار التي يقال لها " دار وليد السمان "، وشاميها


(1) الاضافة للسياق. (*)

[ 240 ]

دار الوليد بن عقبة التي يقال لها " مريد البقر "، فهي بأيدي بعض ولده اليوم صدقة منه عليهم. * واتخذ المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهرائي (1)، حليف بني زهرة، دارين، إحداهما في بني جديلة (2)، يقال لها " دار المقداد "، وهي في أيدي ولد ابنته، ولد وهب بن عبد الله بن زمعة الاسدي، والاخرى دار بين بيت رباح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين زقاق عاصم بن عمر بن الخطاب، وبه دار يزيد ابن عبد الملك التي بالبلاط، دخلت في دار يزيد، باعها منه ولد بنته. * واتخذ عامر بن أبي وقاص (3) داره التي في زقاق حلوة بين دار


(1) في هامش اللوحة " المقداد بن الاسود ". والمقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراني هو المعروف بالمقداد بن الاسود، والاسود الذي ينسب إليه هو الاسود بن عبد يغوث الزهري، وإنما نسب إليه لان المقداد حالفه فتبناه الاسود فنسب إليه، ويقال له أيضا المقداد الكندي وقيل له ذلك أيضا لانه أصاب دما في بهراء فهرب منهم إلى كندة فحالفهم، ثم أصاب فيهم دما فهرب إلى مكة فحالف الاسود بن عبد بغوث فنسب إليه. والصحيح أنه بهراوي - وفي الاصابة " نهراني " -، كنيته أبو معبد وقيل أبو الأسود قديم الاسلام من السابقين هاجر إلى الحبشة، شهد بدرا وله فيها مقام مشهور، وشهد أحدا أيضا، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناقبه كثيرة، وكانت وفاته بالمدينة في خلافة عثمان، ومات بأرض له بالجرف، وحمل إلى المدينة، وأوصى إلى الزبير بن العوام، وكان عمر سبعين سنة (أسد الغابة 4: 409، والاصابة 3: 433). (2) يقال بني حديلة بحاء مهملة، وقيل بجيم معجمة. (3) عامر بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص لابيه وأمه، أمهما حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، قال الواقدي: أسلم بعد عشرة رجال، وكان هو الحادي عشر، فلقي من أمه ما لم يلق أحد من قريش، وحلفت لا يظلها ظل ولا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا حتى يدع دينه، فأنزل الله تعالى: " وإن جاهداك على أن تشرك بي.... الآية "، وهاجر إلى الحبشة (أسد الغابة 3: 97). (*)

[ 241 ]

حويطب بن عبد العزى، وبين خط الزقاق الذي إلى دار آمنة بنت سعد بن أبي سرح فبعضها بأيدي ولده، وخرج بعضها. * واتخذ نافع بن عتبة بن أبي وقاص داره بالبلاط، فصارت للربيع مولى أمير المؤمنين، ابتاعها من ولد نافع، فهي دار الربيع اليوم التي بالبلاط قبالة دار مساحق بن عمرو العامري التي يقال لها " دار خراش (1) ". * واتخذ مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة دارا، وهي في زاوية المسجد عند المنارة الشرقية اليمانية، فاشترى المهدي بعضها فأدخله في رحبة المسجد القصيا، وفي الطريق بيعت بقيتها، فصارت لرجل من آل مطرق، ثم صارت لبعض بني برمك، ثم صارت صافية اليوم. * واتخذ عبد الرحمن بن أزهر بن عبد عوف دارا بالسوق، وتصدق بها على بني أزهر بن عبد عوف، وإلى شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة. * واتخذ عبد الله بن عوف بن عبد عوف دارا بالبلاط، بين زقاق دار عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وبين زقاق دار أبي أمية ابن المغيرة شارعا على بابها في البلاط التي (2) يقال لها دار طلحة ابن عبد الله بن عوف، فهي صدقة بأيدي ولده إلا شيئا خرج منها كان لابي عبيدة و عبد الله بن عوف صار لطلحة بن سعيد - مولى لهم - ثم صار بعد لبكار بن عبد الله بن مصعب الزبيري.


(1) انظر وفاء الوفا 2: 741 تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. (2) ورد في هامش لوحة 77 أمام لفظ " التي " أي دار عبد الله بن عوف هي التي.. الخ. " وانظر الخبر في وفاء الوفا 2: 743 محيي الدين. (*)

[ 242 ]

* حدثنا أبو المطرف بن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة قال: لما قدم المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع الناس الدور. فجاء حي من بني زهرة يقال لهم بنو عبد زهرة - وأنكر عنا - ابن أم عبد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلم ابتعثني الله إذن ؟ إن الله لا يقدس أمة لا يعطى الضعيف فيهم حقه. (دور بني تيم) * اتخذ أبو بكر رضي الله عنه دارا إلى زقاق البقيع، قبالة دار عثمان رضي الله عنه الصغرى. * واتخذ أبو بكر رضي الله عنه أيضا منزلا آخر عند المسجد، وهو المنزل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سدوا عني هذه الابواب إلا ما كان من باب أبي بكر ". * قال أبو غسان، أخبرني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أن عمه أخبره: أن الخوخة الشارعة في دار القضاء في غربي المسجد خوخة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سدوا عني هذه الابواب إلا ما كان من خوخة أبي بكر الصديق (1) ".


(1) انظر الحديث في وفاء الوفا 1: 519 ط. الآداب. وقد ورد في النهاية في غريب الحديث والاثر لابن الاثير 2: 86 كالآتي " لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت، إلا خوخة أبي بكر ". وفي حديث آخر " إلا خوخة علي "، والخوخة باب صغير كالنافذة الكبيرة وتكون بين بيتين ينصب عليها باب. (*)

[ 243 ]

* واتخذ أبو بكر رضي الله عنه أيضا بيتا بالسنح من ناحية بني الحارث بن الخزرج، وهو في وسط بيوت بني الحارث، وهو المنزل الذي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر رضي الله عنه به. * واتخذ طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه داره بين دار عبد الله ابن جعفر التي صارت لمنيرة وبين دار عمرو بن الزبير بن العوام (1)، ففرقها ولده من بعده ثلاث آدار، فصارت الدار الشرقية اللاصقة بدار منيرة ليحيى بن طلحة، وصارت التي تليها لعيسى بن طلحة، وصارت الاخرى لابراهيم بن محمد بن طلحة، وهي جميعا بأيديهم إلى اليوم. * واتخذت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها دارها إلى جنب دار عائشة رضي الله عنها، وهي وجاه زاوية دار عبد الله بن أبي ربيعة (2)، فتصدقت بها على ولدها من الزبير بن العوام، فهي بأيديهم إلى اليوم. * واتخذ صهيب بن سنان، حليف بني تيم، دارا هي اليوم بين دار عيسى بن موسى بن محمد بن علي، وبين دار كرز بن حبيب، مولى الحكم بن أبي العاص، وكانت قبله لام سلمة بنت أبي أمية، فوهبتها له. (دور بني مخزوم) * اتخذ خالد بن الوليد بن المغيرة رضي الله عنه داره التي كانت


(1) العبارة في الاصل لا تقرأ، والمثبت من وفاء الوفا 1: 524 ط. الآداب. (2) ورد في هامش لوحة 77 أمام قوله: زاوية دار عبد الله بن أبي ربيعة " لم أر ذكر دار عبد الله بن أبي ربيعة " والذي تقدم ذكره في دار عائشة هو عباس بن أبي ربيعة، فهي غيرها. (*)

[ 244 ]

بالبطيحاء. وهي اليوم الدار التي بين دار أسماء بنت حسين، وبين الخط الذي في دار عمرو بن العاص، وهي بأيدي بني أيوب بن سلمة من ولد الوليد بن المغيرة. * قال، فأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: شكا (1) خالد بن الوليد رضي الله عنه ضيق منزله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " اتسع في السماء ". قال، وقال الواقدي، عن يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن ابن الحارث، عن أبيه: أن خالد بن الوليد رضي الله عنه حبس داره بالمدينة لا تباع ولا توهب (2). * قال: واتخذ هشام بن العاص بن هشام بن المغيرة داره التي بين دار عبد الله بن عوف الزهري التي بالبلاط، وبين دار عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، فهي بأيدي ولده إلى اليوم، صدقة عليهم. * واتخذ عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة داره التي في بني غنم، بين دار أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق (3)، وبين الخط الذي


(1) انظر وفاء الوفا 2: 730، 731 محيي الدين. (2) المرجع السابق. (3) ورد في هامش لوحة 78 " لم يذكر في دور بني تيم دار أم كلثوم، مع أنه قدم في دور أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن من دور عائشة دارا عند دار عياش بن أبي ربيعة المخزومي " فلعل الصواب على ما سنذكره، لكنه سيذكر في منازل مزينة ومن حل معها أن بني أوس بن مزينة نزلوا بطرف الصورين ما بين دار أم كلثوم بنت أبي بكر إلى مفضى الصورين فيحتمل أن كلا من عائشة وأم كلثوم كان لهما دار هناك، وأن دار أم كلثوم لم تتخذها هي فلذلك لم تذكر في منازل بني تيم - أو أن دار عائشة سكنتها أختها فاشتهرت بها. والخبر بنصه في وفاء الوفا 2: 55 ط. الآداب. (*)

[ 245 ]

يخرجك إلى بقيع الزبير، فهي بأيدي ولده صدقة عليهم. * واتخذ الارقم بن أبي الارقم بن أسد بن عبد الله بن مخزوم رضي الله عنه داره التي في (بني (1)) زريق، وهي ما بين دار أم كلاب الشارعة على الزقاق (2) إلى دار رفاعة بن رافع الانصاري، قبالة مسجد بني زريق، فبعضها بأيدي ولده، وقد خرجت منها طائفة إلى غير واحد. * واتخذ عمار بن ياسر رضي الله عنه داره التي في (بني (1)) زريق، وكانت من دور أم سلمة (2) زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وبابها وجاه دار عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكانت أم سلمة أعطته إياها، ولها خوخة شارعة في كتاب عروة، وهي خوخة عمار نفسه. ونصف داره اليوم بأيدي نفر من ولده، وكان نصفها لعثمان بن عمار، فباعه - حين سرق من بيته عطاء بني مخزوم - من خالد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فباع ولد خالد ذلك النصف من عبد الله بن أبي عروة، ثم صار للفضل بن الربيع، والبعض الآخر بأيدي ولد خالد بن عبد الرحمن اليوم. * وكان عبيد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار يذكر: أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فقد عمار بن ياسر رضي الله عنهما فجاءه في منزله وهو يبني داره، فوجده ينقل طينا ولبنا، فنقل عمر رضي الله عنه معه بنفسه طينا ولبنا. * وكان ابن أبي يحيى يحدث: أن عمارا رضي الله عنه خرج إلى


(1) الاضافات عن وفاء الوفا 2: 742 محيي الدين. (2) ورد في هامش اللوحة " أنه ذكر في موضع آخر أن دارهما شارعة على المصلى " وهذا الهامش يطابق ما في وفاء الوفا 2: 742 محيي الدين. (*)

[ 246 ]

الشام مجاهدا، فنزل بحمص، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يذكر له: أنه يريد الحج، وسأله أن يبني له داره بالمدينة قبل قدومه، فبناها، وباشر عمر رضي الله عنه بناءها بنفسه، وربما ناول عمالها مكاتل الطين بيده، فقدم عمار رضي الله عنه وقد فرغ من بنائها، فتعاظمها واستوسعها وقال: إنما كنت أريد ما يظل رأسي، وأقيد فيه راحلتي حتى أرجع إلى مرابطي. * قال ابن أبي يحيى: وكان لعمار رضي الله عنه دار أخرى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلت في المسجد، وكان موضعها عند الاسطوان المربعة اليمانية الغربية، وكانت حديدة دار أبي سيدة ابن أبي رهم، فدخلتا جميعا في المسجد. * حدثنا أبو بكر بن خلاد قال، حدثنا عبد الله بن داود قال، حدثنا فطر بن خليفة، عن أبيه قال: سمعت عمرو بن حريث رضي الله عنه يقول: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي، فأقطعني دارا بالمدينة. وقال: " أزيدك، أزيدك ؟ ". ثم مررنا معه صلى الله عليه وسلم فأتى على صبيان قد جمعوا شيئا يبيعونه كما يبيع الصبيان فقال لعبد الله بن جعفر رضي الله عنه: " اللهم بارك له في صفقته ". * واتخذ خراش بن أمية الكعبي - حليف بني مخزوم - دارا بين دار إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص، وبين الزقاق الذي بين دار المغيرة بن الاخنس التي عند الصفارين وتتبعها، وبابها شارع في سوق الخبازين قبالة شرقي دار هند بنت سهيل بن عمرو العامري، وهي صدقة بأيدي ولده.

[ 247 ]

* واتخذ أبو شريح الخزاعي - حليف بني مخزوم - دارا غربيها شارع على بطحان، وشاميها شارع إلى الزقاق الذي يدعى " زقاق بني ليث " وشرقيها دار ساق الفروين (1)، تركها ميراثا. (دور بني عدي بن كعب) واتخذ عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما داره التي في بني عمرو بن مبذول التي يقال لها دار الجنابذ، بابها شارع في بني عمرو بن مبذول، على يمين الذاهب إلى مسجدهم، توفي عبد الله رضي الله عنه وتركها ميراثا، فتجاوزها ولده من بعده، فباع بعضهم وأمسك بعض. * واتخذ النحام، نعيم بن عبد الله، داره التي بابها وجاه زاوية رحبة دار القضاء (2)، وشرقيها الدار التي قبضت عن جعفر بن يحيى ابن خالد بن برمك، التي كانت بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فهي بأيدي ولده على حوز الصدقة. وقد أخبرني مخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم حازها له قطيعة منه له (3). ويقال إنه كان للنحام دار هي موضع القبة في دار مروان. * واتخذ النعمان بن عدي بن عبد الله بن أداه، داره التي صارت لمحمد بن خالد بن برمك، فبناها، وهي الشارعة عند الخياطين


(1) ساق الفروين ويقال ساق الفرو: جبل بأرض بني أسد كأنه قرن ظبي. وأنشد الحفصي: أقفر من خولة ساق فروين * فالحضر فالركن من أبانين مراصد الاطلاع 2: 683، تاج العروس 6: 386. (2) بياض بالاصل والمثبت عن وفاء الوفا 2: 725 محيي الدين. (3) في الاصل كلمة لا تقرأ ولعل الصواب. ما أثبته. (*)

[ 248 ]

بالبلاط، عند أصحاب الفاكهة، ابتاعها من آل النحام وآل أبي جهم، وكانت صارت لهم مواريث وتورثنها (1). قال وقال لي بعض أصحاب النسب: هو النعمان بن عدي بن فضلة بن عمرو (2). * واتخذ مطيع بن الاسود داره التي بالبلاط، التي يقال لها دار أبي مطيع (2)، عند أصحاب الفاكهة، ناقل بها العباس بن عبد المطلب إلى دار أويس، وكانت له. قال: وأخبرني مخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قطعها لمطيع. وبلغنا أنها كانت لعبد الله بن مطيع، وأن حكيم بن حزام الاسدي ابتاعها هي وداره التي من ورائها بمائة ألف درهم، فشركه ابن مطيع، فقاومه حكيم، وأخذ ابن مطيع داره بالثمن كله، وبقيت دار حكيم في يده ربحا، فقيل لحكيم: خدعك. فقال: دار بدار ومائة ألف درهم. وكان يقال لدار أبي مطيع " العنقاء " (3). قال لها الشاعر: " إلى العنقاء دار أبي مطيع ". * واتخذت الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس بن خلف (4) بن صداد


(1) (يتورثنها) في الاصل كلمة لا تقرأ، ولعلها ما أثبتناه وقد أهملها السمهودي في روايته عن ابن شبة في وفاء الوفا. (2) النعمان بن عدي بن نضله بن عمرو، كذلك نسبه في طبقات ابن سعد 4: 140. (3) في الاصل " ابن مطيع " والتصويب عن وفاء الوفا 2: 722 محيي الدين من رواية ابن شبة. (4) الاضافة عن أسد الغابة 5: 486، وهي الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس بن خلف بن صداد بن عبد الله بن قرط بن رذاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشية العدوية، أم سليمان بن أبي حثمة، قيل اسمها ليلى، أسلمت قديما، وهي من المبايعات ومن = (*)

[ 249 ]

دارها في الحكاكين الشارعة في الخط، فخرجت طائفة من أيدي ولدها، وهم بنو سليمان بن أبي حثمة العدوي فصارت للفضل بن الربيع، وبقيت بأيديهم منها طائفة. * واتخذ أبو الجهم داره التي بين دار سعيد بن العاص التي يقال لها " دار ابن عتبة، وبين دار نوفل بن عدي، بابها شارع في البلاط بوجاه غربي دار أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص، فباع بعض ولده طائفة منها، فصارت لعيسى بن موسى، وبقيت طائفة بأيدي بعض ولده. * واتخذ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل داره التي بين دار حويطب ابن عبد العزى، وبين خط الخمارين في (بني) (1) زريق، الذاهب إلى دار أبي عتبة، فخرج بعضها من أيدي ولده إلى غير واحد، وبقي بعضها. * واتخذ رويشد الثقفي (2) - وهو في بيت بني عدي لصهر له فيهم - دارا يقال لها " القمقم " التي في كتاب ابن زيان التي شرقيها الطريق


= المهاجرات الاول، وكانت من عقلاء النساء وفضلائهن. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيل عندها، واتخذت له فراشا وإزارا ينام فيه، فلم يزل كذلك عندها حتى أخذه منها مروان، وأقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم دارا عند الحكاكين، فنزلتها مع ابنها سليمان، وكان عمر رضي الله عنه يقدمها في الرأي ويرضاها. (1) الاضافة عن وفاء الوفا 1: 534 ط. الآداب، ويؤخذ من رواية ابن شبة فيه أن زقاق الخمارين كان في قبلة البيوت التي بالمصلى، والبيوت التي في قبلة البلاط ببني زريق. (2) في الاصابة 1: 507 قال ابن حجر: رويشد - بمعجمة مصغرا - الثقفي، صهر بني عدي بن نوفل بن عبد مناف. قال ابن حجر: ذكره عمر بن شبة في أخبار المدينة، وأنه اتخذ دارا بالمدينة في جملة من اختط بها من بني عدي، قال: وأحرق عمر ابن الخطاب بيت رويشد الثقفي حتى كأنه جمرة أو حممة، وكان حانوتا يبيع فيه الخمر. (*)

[ 250 ]

بينها وبين بيوت آل مصبح، وغربيها أدنى دار علي بن عبد الله ابن أبي فروة، ويمانيها دار الاويسيين التي لسكن خالد بن عبد الله الاويسي، وشاميها قبلة بيوت آل مصبح التي بينها وبين دار موسى ابن عيسى، ودار رويشد هذه التي حرقها عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الشراب. * قال، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن ابن أبي ذئب، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: حرق عمر ابن الخطاب دار رويشد الثقفي في الشراب، وكان لرويشد حانوت شراب، فرأيتها تقطر وبأركانها خمرة، ودار رويشد اليوم مشتركة لغير واحد. قال أبو زيد بن شبة: وكان رويشد خمارا. دون بني جمح * اتخذ عمير بن وهب داره التي في الصفارين، وهي دار المغيرة ابن الاخنس، ثم ناقل بها عمير المغيرة إلى الدار التي للمغيرة بالمصلى، التي تدعى اليوم " دار ابن صفوان " فهي اليوم بأيدي آل صفوان ابن أمية بن خلف. * واتخذ محمد بن حاطب الدار التي تدعى " دار قدامة " في بني زريق، شرقيها الدار التي يقال لها " دار الاعراب "، وغربيها " دار الفجير " ويمانيها دار سعيد بن العاص (1) التي هي اليوم صحن المدينة،


(1) جاء في هامش الاصل لوحة 80 " وردت في دور بني عبد شمس أن الدار التي يقال لها دار سعيد بن العاص الاصغر بن سعيد بن العاص التي فيها البلاط يقال لها دار عتبة، ورثها عبد الله بن عتبة من عمه خالد بن سعيد " وإذا كانت بالبلاط فكيف تكون في دار بني زريق، فلعل المراد غيرها والله أعلم. (*)

[ 251 ]

وشاميها الخط، وفيه بابها، فتصدق بها على ابنه إبراهيم بن محمد ابن حاطب وعلى عقبه من الرجال، ليس للنساء فيها مدخل، فهي بأيدي ولده على ذلك. * واتخذ قدامة بن مظعون الدار التي فيها المجزرة على فوهة سكة بني ضمرة، ودبر دار آل أبي ذيب، على يمينك وأنت ذاهب إلى بني ضمرة. وكان قدامة تصدق بها على ثلاثين من مواليه. فباعها بنوه وأرضوا مواليه من ثمنها. (دور بني سهم) * اتخذ عمرو بن العاص رضي الله عنه داره التي بالبلاط. بين دار خالد بن الوليد، وبين الكتاب الذي يقال له " كتاب ابن الخصيب " فتصدق بها على ولده، فهي بأيديهم صدقة. وقد كان بعض ولده عمر فيها حدث عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن ابن (أبي) (1) فديك أنها بأيدي ولده بالعمارة والنفقة صدقة من عمرو بن العاص. (دور بني عامر بن لؤي) * اتخذ عبد الله بن مخرمة (2) داره التي بالبلاط الشارع بابها قبالة دار عبد الله بن عوف التي فيها بنو نوفل بن مساحق بن عبد الله بن


(1) إضافة على الاصل. (2) هو عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبدود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري، قال ابن حجر: ذكر عمر بن شبة عن أبي غسان المدني أن عبد الله بن مخرمة العامري بنى داره التي بالبلاط قبالة دار عبد الله بن عوف، قال ابن إسحق: هاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب، ثم هاجر إلى المدينة واستشهد يوم اليمامة وله ثلاثون سنة. (الاصابة 2: 358). (*)

[ 252 ]

مخرمة فبأيدي ولده بعضها، وقد خرج منهم بعضها، والذي خرج بأيدي ورثة عمر بن بزيع مولى أمير المؤمنين. * واتخذ عبد الله بن أبي سرح دار أويس التي بالبلاط الشارع بابها على دار يزيد بن عبد الملك، ابتاعها عبد الله بن أبي سرح من العباس ابن عبد المطلب رضي الله عنه بثلاثين ألف درهم، فبعضها اليوم بأيدي آل أويس بن أخي عبد الله بن أبي سرح، وقد خرج منهم بعضها. * واتخذ عبد الله بن أبي سرح رضي الله عنه أيضا داره التي بجيزة بطحان العرف التي يقال لها " دار مبيض " التي وجاه دار الوليد السمان، فبعضها اليوم بأيدي ولد أويس، وقد خرج منهم كثير منها. * واتخذ حويطب بن عبد العزى داره التي بين دار عامر بن أبي وقاص وعتبة بن أبي وقاص بالبلاط، منها البيت الشارع على خاتمة البلاط، وبين الزقاق الذي في دار آمنة بنت سعد (1)، وبين دار الربيع مولى أمير المؤمنين، وهي صدقة منه على ولده، فهي بأيديهم. * واتخذ حويطب أيضا داره التي بين دار عبد الله بن أبي أمية ابن المغيرة التي كانت لام سلمة، وبين دار سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل، بابها وجاه دار محرز، مولى الحكم بن أبي العاص، وهي صدقة منه على ولده، فهي بأيديهم. * واتخذ حويطب أيضا داره التي يقال لها " دار صبح "، وهي


(1) كذا في الاصل وفي وفاء الوفا 2: 536 " بين الزقاق الذي إلى دار آمنة بنت سعد بن أبي سرح ". (*)

[ 253 ]

الدار التي حدها من القبلة رحبة الحكم، وحدها الشامي الزقاق الذي يخرجك إلى دار المطلب، وحدها الشرقي دار المطلب، وحدها الغربي، وفيه بابها، الطريق إلى مجلس الحكم. وهي صدقة منه على ولده، فهي بأيديهم. * قال، وقال ابن أبي يحيى: كانت لابن سبرة بن أبي رهم دار موضعها عند الاسطوانة المربعة التي في المسجد اليمانية الغربية، وكانت حديدة دار كانت هناك لعمار بن ياسر، فأدخلتا في المسجد. * قال: واتخذ عبد بن زمعة داره التي في " كتاب عروة " - وعروة رجل من أهل اليمن كان يعلم - إلى حدها الشامي دار حفصة، وحدها اليماني دار ابن مشنو، بابها لازق في " كتاب عروة " وهي بأيدي ولدهم صدقة عليهم. * واتخذ عبد الرحمن بن مشنو داره التي في " كتاب عروة " حدها من القبلة دبر دار عمار بن ياسر، وحدها من الشام دار عبد بن زمعة، وحدها من الشرق " كتاب إسحاق الاعرج " بابها لائط (1) في " كتاب عروة ". وهي صدقة منه بأيدي بني عمرو بن سهل، وآل عبد بن زمعة يخاصمونهم فيها. * واتخذ ابن أم مكتوم (2) وهو عمرو أو عبد الله، أحد بني عدي


(1) لائط - لاصق. " وفي وفاء الوفا 1: 535 ط. الآداب " وبابها لاصق في كتاب عروة " (النهاية في غريب الحديث 4: 277). (2) ابن أم مكتوم - عبد الله بن شريح وقيل عمرو من بني عبد غنم بن عامر بن لؤي قدم المدينة مهاجرا بعد بدر بسنتين وكان قد ذهب بصره وشهد القادسية ومعه الراية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستخلفه على المدينة في بعض غزواته، قيل قتل بالقادسية = (*)

[ 254 ]

ابن معيص - دارا هي بيوت التي للمصبحين (1) من دار آل زمعة ابن الاسود، وبين شرقي " دار القمقم ". (دور بني محارب بن فهر) * اتخذت فاطمة بنت قيس بن وهب بن خالد بن وائلة بن ثعلبة ابن سفيان بن محارب بن فهر، أخت الضحاك بن قيس، دارا بين دار أنس بن مالك، وبين زقاق جمل، باعها ورثتها، فهي اليوم بيد إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر مشترى. * واتخذ معمر بن عبد الله بن عامر بن إياس بن أمية بن حرب ابن الحارث بن فهر، دارا في بني زريق يقال لها دار الكتبة، بين الدار التي يقال لها دار مدراقيس الطبيب، ودار أم حسان التي صارت لمعمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله العمري، وهي صدقة بأيدي ولد معمر ثم عند ذريتة (2). (دور إحلاف قريش) * اتخذ أبو هريرة الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنه. دارا بالبلاط بين الزقاق الذي فيه دار عبد الرحمن


= شهيدا، وقال الواقدي: رجع من القادسية إلى المدينة فمات، وقد اختلف في اسمه والاكثر أنه عمرو بن قيس بن زائدة بن الاصم بن هرم بن رواحة بن حجر بن عدي بن معيص ابن عامر بن لؤي القرشي العامري (أسد الغابة 3: 183، 4: 137، الاصابة 2: 316). (1) في الاصل كلمة لا تقرأ والمثبت عن وفاء الوفا 2: 548 ط. الآداب. ويراد بالمصبحين آل مصبح وبيوتهم في دور بني عامر بن لؤي في دور النبي صلى الله عليه وسلم ". (2) والخبر عن ابن شبة في وفاء الوفا 1: 500 ط. الآداب. (*)

[ 255 ]

ابن الحارث بن هشام، وبين خط البلاط الاعظم، فباعها ولده من عمر بن بزيع، وكان يسكنها موالي أبي هريرة فخرجوا منها وأرضاهم ابن بزيغ، وبناها اليوم (1). * وقال الواقدي، عن يعقوب بن محمد الانصاري، عن معمر بن محمد الانصاري، عن نعيم (2) بن عبد الله قال: شهدت أبا هريرة رضي الله عنه تصدق بداره حبيسا. * قال أبو غسان، وحدثني محدث قال: كانت الدار التي بالبلاط قبالة دار الربيع يقال لها " دار حفصة " قطيعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه، فابتاعها من ولده معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وكانت معها لعثمان رضي الله عنه أيضا دار آل خرش، من بني عامر بن لؤي إلى جنبها ويقال إن الدار دبر دار سعد بن أبي وقاص التي كانت فيها آل مسمار موالي سعد. ويقال إن دار آل خراش تلك مما ابتنى عثمان بن أبي العاص في قطيعة النبي صلى الله عليه وسلم إياه، وإن ابن خراش كان على شرط هشام بن إسماعيل بن هشام المخزومي، إذ كان على المدينة لعبد الملك بن مروان. وابتاع هشام بن إسماعيل تلك الدار فأسكنها ابن خراش حين استقبله على الشرط، فصلى هو وأهل بيته


(1) ورد في هامش لوحة 81 من الاصل " أن دار أبي هريرة لها ذكر في المصلى ". (2) هو نعيم بن عبد الله المجمر - بفتح الجيم وتشديد الميم الثانية المكسورة، وقيل له ذلك لانه كان يجمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو مولى آل عمر - أبو عبد الله المدني، روى عن أبي هريرة وجابر وجماعة، وروى عنه ابن عجلان وهشام اين سعد وطائفة، وثقه أبو حاتم وابن معين والنسائي وابن سعد. (الخلاصة للخزرجي 403) (*)

[ 256 ]

عليها. - قال أبو غسان، وقال عبد العزيز: بل ابتاعها خراش من آل عثمان بن أبي العاص. فأما " حفصة " التي نسبت إليها، دار حفصة، فهي مولاة لمعاوية بن أبي سفيان، كانت تسكن تلك الدار. فنسبت إليها. ودار مسمار في الصوافي اليوم. (ذكر الدور الشوارع على مسجد النبي صلى الله عليه وسلم اليوم) * منها دار عبد الله (1) بن مكمل الشارعة في رحبة القضاء، وهي مما يتشاءم (2) به وذلك مما نشأ عن بنائها. * ومن تلك الدور دار عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في القبلة، وقد ذكرنا لها قصة في دور بني عدي. * ثم دار مروان (بن الحكم) (3) التي ينزلها ولاة المدينة، التي إلى جنبها دار يزيد بن عبد الملك، وهي اليوم صافية دخلت فيها دار كانت لابي سفيان كانت شرقية البناء (4) ذاهبة في السماء. * ودار كانت لآل أبي أمية بن المغيرة، فابتاعها يزيد (بن عبد الملك) (5) وأدخلها في داره،، وكان بعض أهل المدينة وفد على يزيد فسأله عن داره فقال: ما أعرف لك بالمدينة دارا. فثقل ذلك على يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين إنها ليست بدار، وإنما هي مدينة.


(1) الاضافة عن وفاء الوفا 1: 523 ط. الآداب. (2) في وفاء الوفا 1: 523 ط. الآداب. ذكر السمهودي أنها كانت لعبد الرحمن ابن عوف وهبها لابن مكمل فباعها أهله من المهدي فهي بأيدي ولده اليوم خراب إلى جنب المسجد قبل أن تبنى رحبة القضاء، ويقولون إن أهلها قالوا يا رسول الله اشتريناها ونحن جميع فتفرقنا، وأغنياء فافتقرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اتركوها فهي ذميمة ". (3) الاضافة عن وفاء الوفا 1: 520 ط. الآداب. (4) شرفية البناء: أي أشرف دار في المدينة بناء (وفاء الوفا 1: 521 ط. الآداب.) (5) الاضافة عن وفاء الوفا 1: 521 ط. الآداب. (*)

[ 257 ]

* ثم وجاه دار يزيد دار أويس (بن سعد بن) (1) أبي سرح، ثم إلى جنبها دار مطيع بن الاسود العدوي، وبين دار مطيع أبيات ليزيد ابن عبد الملك فيها الغسالون، يقال: إن يزيد كان يستام (2) آل مطيع بدراهم فأبوا أن يبيعوها، فأحدث عليهم تلك البيوت فسد وجه دارهم، فهي تدعى أبيات الضرار، وهي مما صار للخيزران. * وفي غربي المسجد دار ابن مكمل التي ذكرنا أول، ودار النحام (3) العدوي، الطريق بينهما قدر ست أذرع، ثم إلى جنب دار النحام الدار التي (قبضت عن (4)) جعفر بن يحيى بن خالد (ابن برمك (4)) التي دخل فيها بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية،


(1) الاضافة عن المرجع السابق. (2) في وفاء الوفا 1: 522 ط. الآداب. قال السمهودي: يقال إن يزيد كان ساوم آل مطيع بدراهم فأبوا أن يبيعوها، وفي أقرب الموارد 1: 560 استام بالسلعة وعليها استياما أي غالى. (3) نعيم بن عبد الله النحام: هو نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبد عوف بن عبيد ابن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي المعروف بالنحام إنما سمي النحام لان النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " دخلت الجنة فسمعت نحمة من نعيم فيها " والنحمة: السعلة وقيل النحنحة الممدود آخرها. أسلم قديما، وقيل أسلم بعد عشرة أنفس، وقيل أسلم بعد ثمانية وثلاثين إنسانا قبل إسلام عمر بن الخطاب، وكان يكتم إسلامه، ومنعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة لانه كان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم ويمونهم، قالوا له: أقم عندنا على أي دين شئت فو الله لا يتعرض إليك أحدا إلا ذهبت أنفسنا جميعا دونك، هاجر إلى المدينة عام الحديبية، ثم شهد ما بعدها من المشاهد، قيل قتل يوم اليرموك شهيدا سنة خمس عشرة في خلافة عمر، وقيل استشهد بأجنادين سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر، وقال ابن حجر في الاصابة 3: 538 ذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة عن أبي عبيد المدني قال: ابتاع مروان من النحام داره بثلاثمائة ألف درهم فأدخلها في داره، فهو محمول على أن المراد به إبراهيم بن نعيم لانه كان يقال له أيضا النحام (الاصابة 1: 538، أسد الغابة 5: 32). (4) الاضافات عن وفاء الوفا 1: 523 ط. الآداب. (*)

[ 258 ]

وأطم حسان بن ثابت التي يقال لها " فارع "، ثم إلى جنب دار جعفر دار معين (1) مولى المهدي، وكانت منزلا لسكينة بنت حسين ابن علي، ثم إلى جنبها الطريق إلى دور طلحة بن عبيد الله - ست أذرع - ثم إلى جنب الطريق دار منيرة مولاة أم موسى، كانت لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ثم إلى جنبها خوخة لآل يحيى ابن طلحة بن عبيد الله، هي لهم اليوم، ثم إلى جنبها حش طلحة (2) ابن أبي طلحة الانصاري، وهو اليوم خراب صوافي (3) عن آل برمك. ثم إلى جنب الطريق خمس أذرع، ثم إلى جنب الطريق أبيات كانت لخالصة مولاة أمير المؤمنين، باعتها من ابني حرملة الاسود الغزي، مولى هارون أمير المؤمنين، كانت تلك الابيات من دار حباب مولى عتبة بن غزوان، ثم إلى جنبها دار أبي الغيث بن المغيرة بن حميد ابن عبد الرحمن بن عوف، وهي صدقة بأيدي بني عذير، ثم إلى جنبها بقية دار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كانت لجعفر ابن يحيى، وقد قبضت صافية (عنه (4)). ثم من الشرق دار موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة (بن المغيرة (4)) المخزومي كان ابتاعها هو وعبد الله بن حسين بن علي بن حسين بن علي (بن أبي طالب رضي الله عنهم) (4) فتقاوماها، فظن عبيد الله أن موسى


(1) في وفاء الوفا 1: 524 ط. الآداب " ثم إلى دار جعفر بن يحيي دار نصير صاحب المصلى، كان بيتا لسكينة بنت الحسين بن علي رضي الله عنه ". (2) الحش: نخل صغار لا يسقى. (وفاء الوفا 1: 518 ط. الآداب) وقيل الحش النخل الناقص القصير ليس بمبقى ولا معمور والجمع حشان (أقرب الموارد). (3) في الاصل " خراب أصفى " والمثبت عن وفاء الوفا 1: 525 ط. الآداب. (4) الاضافات عن وفاء الوفا 1: 526، 527 ط. الآداب. (*)

[ 259 ]

لا يريد إلا الربح فأسلمها عبيد الله، فصارت له (1) والمسجد من ناحية دار موسي (بن (1) مغيرة، وكان خازم مولى جعفر بن سليمان يقوم على المسجد، وكان مملوكا لموسى بن إبراهيم، فكان إن أقام الظهر دخل بعض الدار في المسجد فلم يقمه. ثم إلى جنبها أبيات قهطم، بين دار موسى ودار عمرو بن العاص، وهي في صدقة من عمرو، وهي اليوم صوافي - أي أبيات قهطم - ثم إلى جنب دار عمرو دار خالد ابن الوليد رضي الله عنه. ثم إلى جنبها دار أسماء بنت حسين بن عبد الله (بن عبيد الله (2)) بن العباس (بن المطلب (1)) وكانت من دار دار جبلة (بن عمر الساعدي (2) ثم صارت لسعيد بن خالد بن عمرو ابن عثمان، ثم صارت لاسماء، ثم إلى جنبها دار ربطة بنت أبي العباس، وهي اليوم لولدها. ثم الطريق بينها وبين دار عثمان بن عفان رضي الله عنه خمس أذرع. ثم دار عثمان رضي الله عنه، ثم الطريق بعد دار عثمان رضي الله عنه (في القبلة خمس أذرع، ثم (2) منزل أبي أيوب الانصاري رضي الله عنه (الذي (2)) نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابتاعه المغيرة بن عبد الرحمن (بن الحارث بن هشام، وجعل فيه ماءه الذي يسقي في المسجد (2)) ثم إلى جنبه دار جعفر بن محمد بن علي (3) وكانت لحارثة بن النعمان الانصاري، وقبالتها


(1) صارت له: أي فصارت لموسى (وفاء الوفا 1: 526 ط. الآداب). (2) الاضافات عن وفاء الوفا 1: 527، 529، 530 ط. الآداب. (3) جعفر بن محمد بن علي هو جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني الامام أحد الاعلام، روى الحديث عن أبيه وجده أبي أمه القاسم بن محمد، وكذا روى عن عروة وخلق، وروى عنه ابنه موسى وشعبة والسفيانان ومالك، قال الشافعي وابن معين وأبو حاتم: ثقة، مات سنة ثمان = (*)

[ 260 ]

دار حسن بن زيد بن حسن (بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه (1)، وهو أطم كان حسن ابتاعه، فخاصمه فيه أبو عوف النجاري، فهدمه حسن فجعله دارا، والطريق بينها وبين دار فرج أبي مسلم الخصي مولى أمير المؤمنين، خمس أذرع، وكانت دار فرج من دور إبراهيم بن هشام، وهي قبلة الجنائز، كان فيها سرب تحت الارض يسلكه إبراهيم إلى داره " دار التماثيل " (2) التي (كان (3)) ينزل بها يحيى بن حسين بن زيد بن علي. ثم إلى جنبها بيت عامر بن عبد الله بن الزبير (بن العوام (1). ثم يرجع إلى دار عبد الله بن عمر. (محال القبائل من المهاجرين) * نزل بنو غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر (بن عبد مناف بن كنانة (3)) القطيعة التي قطع لها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ما بين دار كثير بن الصلت التي تعرف بدار الحجارة بالسوق، إلى زقاق ابن حبين (4)، إلى دار أبي سبرة التي صارت لخالد مولى عبيد الله ابن عيسى بن موسى، إلى منازل آل الماجشون بن أبي سلمة. ثم


= وأربعين ومائة عن ثمان وستين سنة (الخلاصة للخزرجي ص 63 ص. بولاق. وفاء الوفا 1: 529). (1) الاضافات عن وفاء الوفا 1: 527، 529، 530 ط. الآداب. (2) دار التماثيل: ذكر السمهودي في كتابه وفاء الوفا 1: 526 ط. الآداب. " أن دار التماثيل التي كان يتوصل إليها ابن هشام بالسرب المذكور لم يبينها ابن زبالة ولا ابن شبة، غير أن شخصا شرع في عمارة الميضأة التي بباب السلام فوجد سربا تحت الارض مقبوا عن ركنها القبلي قال: فدخلت فيه قبل هدمه فرأيت صناعة غريبة في البناء من صناعات الاقدمين، فترجح عندي بقرينة وجود السرب عندها ووجود ذلك بها أنها المرادة بدار التماثيل، والله أعلم ". (3) الاضافة عن وفاء الوفا 1: 547 ط. الآداب. (4) في وفاء الوفا 1: 547 أن ابن حبين كان مولى للعباس بن عبد المطلب. (*)

[ 261 ]

ابتاع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه من بني غفار تلك الخطة إلا وقوفا كانت فيها من بعضهم، فتلك الوقوف بعد بأيديهم. ولبني غفار مسجد في هذه الخطة خارجا من منزل أبي رهم بن الحصين الغفاري، صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم. * واتخذ سباع بن عرفطة الغفاري (1) خطة بالمصلى، وهي اليوم الدار التي يقال لها " دار عبد الملك بن مروان " بالمصلى، وجهها شارع قبالة الحجامين * ونزل سائر بني غفار محلتهم بالمدينة وهي السائلة (2) من جبل جهينة (3) إلى بطحان، ما بين خط دار كثير بن الصلت ببطحان، إلى بني غفار. فنزلت بنو مبشر في غفار، وهم رهط آل عراك بن مالك، منزلهم من خط دار كثير إلى أن يفضي إلى جهينة. * ونزل بنو أبي عمرو بن نعيم بن مهان، وهم من بني عبد الله ابن غفار شامي وغربي بني مبشر بن غفار (4) ومعهم بنو خفاجة بن غفار وهم رهط معن بن معن.


(1) هو سباع بن عرفطة الغفاري ويقال له الكناني استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة لما خرج إلى خيبر وإلى دومة الجندل، وكان من مشاهير الصحابة (أسد الغابة 2: 259، الاصابة 2: 13). والخبر من وفاء الوفا 2: 758 محيي الدين. (2) سميت بالسائلة حيث أن هناك سائلة تسيل من سلع إذا نزل المطر (وفاء الوفا 2: 758 محيي الدين). (3) يقول السمهودي: وجبل جهينة لم أعرفه، فإما أن يكون أراد به جبيل سلع في مقابلة المصلى ونسبه إلى جهينة لنزولهم عنده وهناك سائلة تسيل من سلع إذا حصل المطر وإما أن يكون أراد به أحد الجبلين اللذين في غربي مساجد الفتح (وفاء الوفا 2: 758 محيي الدين.) (4) هذه الكلمة جاءت في الاصل في نهاية الخبر. ونقلت إلى هنا وفقا لرواية السمهودي عن ابن شبة. في وفاء الوفا 2: 759 محيي الدين. (*)

[ 262 ]

* ونزل بنو ليث بن بكر ما بين خط بني مبشر بن غفار إلى خط بني كعب بن عمرو بن خزاعة الذي يسلكك إلى دور الغطفانيين. * ونزل بنو أحمر بن يعمر (بن ليث (1) ما بين مسجدهم إلى سوق التمارين، واتخذوا المسجد الذي في محلتهم يدعى " مسجد بني أحمر ". * ونزل بنو عمر بن يعمر بن ليث ما بين مسجدهم الذي يدعى " مسجد بني كدل (2) " إلى بطحان، إلى منزل بني مبشر بن غفار، إلى زقاق الجلادين (3) الذي فيه دار الماجشون إلى دار أبي سبرة بن خلف إلى التمارين. * ونزل آل قسيط بن يعمر بن ليث ما بين شامي بني كعب من منازل آل نضلة بن عبيد الله بن خراش إلى كتاب النصر إلى الشارع (4) إلى المصلى إلى بطحان. * ونزل بنو رجيل (5) بن نعيم، وهم رهط آل عروة بن أذينه وحواس بطرف المصلى، بين غربي دار كثير بن الصلت إلى دار (آل (6)) قليع الاسديين الشارعة على بطحان. * ونزل بنو عتوارة بن ليث، وهم بنو عضيدة، ما بين طرف دار الوليد بن عقبة اليماني ببطحان، إلى الحرة، إلى زقاق القاسم ابن غنام، من قبل دار الوليد بن عقبة.


(1) الاضافة عن المرجع السابق. (2) في الاصل " كدر " والمثبت عن وفاء الوفا 2: 759 محيي الدين. (3) ذكر في هامش لوحة 83 أمام لفظ الجلادين " سنذكر في منازل بني كعب أن زقاق الجلادين شارع على المصلى ". (4) كذا في الاصل وهو موافق لوفاء الوفا 1: 548 ط. الآداب. (5) في الاصل " بنو رجل " والمثبت عن وفاء الوفا 1: 548 ط. الآداب 2: 759 محيي الدين. (6) الاضافة عن وفاء الوفا 1: 548 ط. الآداب. (*)

[ 263 ]

* ونزل بنو ضمرة بن بكر - إلا بني غفار - محلتهم التي يقال لها بنو ضمرة، وهي شرقي ما بين دار (1) عبد الرحمن بن طلحة بن عمر ابن عبيد الله بن معمر بالثنية، إلى محلة بني الديل بن بكر إلى سوق الغنم الشارع إلى دار ابن أبي ذئب العامري، واتخذوا في محلتهم مسجدا. * ونزل بنو الديل بن بكر في محلتهم اليوم، وهي ما بين بني ضمرة إلى الدار التي يقال لها " دار الخرق " حدها زقاق الحضارمة (2)، ويدعى الخط العظيم لها (3) إلى بني ضمرة، إلى جبل في مربد أبي عمار بن عبيس من بني الديل، يقال (له (4)) " المستندر " إلى دار الصلت بن نوفل النوفلي التي بالجبانة. * ونزل أبو نمر بن عويف، من بني الحارث بن عبد مناف (5) ابن كنانة على بني ليث بن بكر، فاتخذ الدار التي يقال لها " دار آل أبي نمر " وهي في خط بني أحمر بن ليث.


(1) في الاصل " جار عبد الرحمن بن طلحة " والمثبت عن وفاء الوفا 1: 548 ط. الآداب (2: 760 محيي الدين). (2) في الاصل " الخضارمة " والمثبت عن وفاء الوفا 1: 549 ط. الآداب (2: 260 محيي الدين). وفي جهة زقاق الحضارمة اليوم حديقة تعرف الحضرمية شامي سوق المدينة وفي شاميها جهة زقاق القنبلة. (3) في الاصل ويدعى الحظ العظيم لها بني ضمرة. ولعل الصواب ما أثبت من إضافة. (4) الاضافة عن وفاء الوفا 1: 549 ط. الآداب (2: 760 محيي الدين) والمستندر هو الجبل الصغير الذي في شرقي مشهد النفس الزكية بمنزلة الحاج الشامي لانطباق الوصف المذكور عليه. (5) في الاصل " عبد مناة " والمثبت عن وفاء الوفا 1: 549 ط. الآداب. (*)

[ 264 ]

(منازل أسلم ومالك ابني أفصى) * نزل بنو أسلم ومالك ابني أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر منزلين: فنزلت بنو مالك بن أفصى وأمية وسهم ابني أسلم، ما بين خط زقاق ابن حبين، مولى العباس بن عبد المطلب، الشامي من زاوية يقصان التي بالسوق إلى خط جهينة، إلى شامي ثنية عثعت (1). * ونزلت سائر أسلم وهم آل بريدة بن الخصيب وآل سفيان ما بين زقاق الحضارمة إلى زقاق القنبلة. * ونزلت هذيل بن مدركة ما بين شامي سائلة أشجع، زاوية دور يحيى بن عبد الله بن أبي مريم، إلى دار آل حرام بن مزيلة بن أسد ابن عبد العزى بالثنية، زاويتها اليمانية، وذلك مجتمعها ومجتمع أسلم. (منازل مزينة ومن حل معها من قيس) * ونزل بنو هدبة بن لاطم بن عثمان بن عمرو إلا (2) بني عامر ابن ثور بن ثعلبة بن لاطم بن عثمان، وعثمان نفسه الذي يقال له مزينة، وهي أم مزنة بنت خالد بن خالد بن وبرة - ما بين زاوية بيت القروي المطل على بطحان الغربية، إلى زاوية بيت أبي هبار الاسدي - الذي صار لبني سمعان - الشرقية، إلى خط بني زريق، إلى دار الطائفي التي بشق بطحان الشرقي.


(1) ثنية عثعث: منسوبة إلى جبل يقال له سليع عليه بيوت أسلم بن أقصى، وهذه الثنية هي التي عند الجبل الذي عليه حصن أمير المؤمنين اليوم، والمراد من بيوت أسلم منزل هؤلاء (وفاء الوفا 1: 549 ط. الآداب 2: 760، 761). (2) في الاصل " إلى " والمثبت عن وفاء الوفا 2: 761 محيي الدين. (*)

[ 265 ]

* ونزل معها في هذه المحلة بنو شيطان بين بربوع، من بني نصر ابن معاوية (1)، وبنو سليم بن منصور، وعدوان بن عمرو بن قيس، وعن شرقي خطة مزينة وهذه سليم بن منصور أيضا، وسعد بن بكر ابن هوازن بن منصور إلى دار خلدة بن مخلد الزرقي. وأدنى دار أم عمرو بنت عثمان بن عفان،، إلى بيوت نفيس بن محمد، مولى بني المعلى في بنى زريق من الانصار، إلى أن تلقى بني مازن بن عدي ابن النجار، فهؤلاء الذين نزلوا مع مزينة، ودخل بعضهم في بعض. وإنما نزلوا جميعا لان دارهم في البادية واحدة (2). * وقد نزلت بنو ذكوان من بني سليم مع أهل راتج من اليهود، فيما بين دار قدامة (3)، إلى دار حسن بن زيد بالجبانة. * ونزل بنو أوس بن عثمان بن مزينة بطرف السورين (4)، ما بين دار أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، إلى مفضى السورين، إلى الحماريين (5)، الزقاق الذي فيه قصر بني يوسف مولى آل عثمان، إلى البقال. وليس بتلك المحلة منهم اليوم أحد (6).


(1) في وفاء الوفا 1: 549 " بنو نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور ابن عكرمة بن حفصة بن قيس ". (2) يقول السمهودي بعد هذا الخبر: قلت فمنازل مزينة ومن حل معها في غربي مصلى العيد اليوم إلى عدوة بطحان الشرقية ثم في قبلة الدور التي بالمصلى، ثم في قبلة بني زريق إلى بني مازن بن النجار (وفاء الوفا 2: 762 محيى الدين). (3) يقول السمهودي: قلت ودار قدامة هي المرادة بقول ابن شبة في دور بني جمع " واتخذ قدامة بن مظعون الدار التي فيها المجزرة على فوهة سكة بني ضمرة، ودير دار آل أبي ذئب على يمينك وأنت ذاهب إلى بني ضمرة " والله أعلم (المرجع السابق 2: 762 محيى الدين). (4) في الاصل الصورين والمثبت عن وفاء الوفا 1: 560 (2: 762 محيى الدين). (5) في الاصل " الحفارين " والمثبت عن وفاء الوفا 1: 550 (2: 762 محيى الدين). (6) يقول السمهودي في كتابه وفاء الوفا 1: 550 " وهذه الامور بقرب البقيع ". (*)

[ 266 ]

* نزلت بنو عامر بن ثور بن ثعلبة بن هدبة (1) بن لاطم، ما بين بيت ابن أم كلاب (2) الذي في خط بني زريق (الشارع على المصلى، إلى (3)) دار مدراقيس الطبيب إلى دار عمر بن عبد الرحمن بن عوف، ودار عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ودار هشام بن العاص المخزومي. (منازل جهينة وبلي) * نزلت جهينة بن زيد بن السود بن أسلم بن الحارث بن قضاعة، وبلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، ما بين خط أسلم الذي بين أسلم وجهينة، إلى دار حرام بن عثمان السلمي الانصاري التي في بني سلمة، إلى الجبل الذي يقال به جبل جهينة (4)، إلى يماني ثنية عثعث التي عليها دار ابن أبي حكيم الطيب (5). وسمعت من يقول: إنما المسجد الذي لجهينة لبلي. * قال وحدثنا ابن أبي نجيح، عمن سمع معاذ (6) بن عبد الله بن


(1) في الاصل " هدمه " والتصويب عن وفاء الوفا 1: 550 (2: 762 محيي الدين)، (2) كذا في الاصل وفي وفاء الوفاء 2: 762 " ما بين دار أم كلاب ". (3) الاضافة عن المرجع السابق. (4) يقول السمهودي: قلت ذكر دار حرام بن عثمان في بني سلمة يرجح أن المراد بجبل جهينة أحد الجبلين اللذين في غربي مساجد الفتح، وهناك منازل بني حرام من بني سلمة (وفاء الوفا 2: 763 محيي الدين). (5) في الاصل " أبو حكيم الصيب " والمثبت عن وفاء الوفا 2: 763 محيي الدين. (6) في الاصل " معاوية بن عبد الله بن حبيب " والصواب ما أثبته فهو معاذ بن عبد الله بن خبيب يروي عن جابر بن أسامة الجهنى، ومن مروياته عنه أنه قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوق في أصحابه فسألته أين تريدون ؟ قالوا نخط لقومك مسجدا. فرجعت فإذا قومي قيام، فقلت ما لكم فقالوا: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجدا، وغرز لنا في القبلة خشبة فأقامها فيها. أخرجه الثلاثة (أسد الغابة 1: 252، الخلاصة للخزرجي ص 380 ط. بولاق). (*)

[ 267 ]

خبيب يحدث، عن جابر بن أسامة (الجهني (1) قال: خط النبي صلى الله عليه وسلم مسجد جهينة لبلي. (منازل قيس (بن عيلان) (2)) * نزلت أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن غيلان الشعب الذي يقال له " شعب أشجع "، وهو ما بين سائلة أشجع، إلى ثنية الوداع، إلى جوف شعب سلع، وخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بأحمال التمر فنثره لهم (3). * قال أبو غسان، فأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن زيد بن أسامة الجهني - هكذا قال أبو غسان - عن ابن شهاب، عن عروة ابن الزبير قال: قدمت أشجع في سبعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة، فنزلوا شعبهم، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحمال التمر فقال: يا معشر أشجع، ما جاء بكم ؟ قالوا: يا رسول الله، جئناك لقرب ديارنا منك، وكرهنا حربك، وكرهنا حرب قومنا لقلتنا فيهم، فأنزل الله عزوجل على نبيه صلى الله عليه وسلم: " أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم " إلى قوله " سبيلا " (4) الآية. واتخذت أشجع في محلتها مسجدا. * قال أبو غسان: ونزلت بنو جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن (ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس (5)) محلتها التي يقال لها


(1) الاضافة عن أسد الغابة 1: 252. (2) العنوان في الاصل " منازل قيس " والتكملة من وفاء الوفا 2: 763 محيي الدين). (3) أضافت رواية السمهودي بعد ذلك. " واتخذت أشجع في محلتها مسجدا " ولم ترد في نهاية الخبر القادم كما هنا، وفاء الوفا 2: 763 محيي الدين. (4) سورة النساء آية 90. (5) ما بين الحاصرتين من وفاء الوفا 1: 552 ط. الآداب. (*)

[ 268 ]

" بنو جشم "، وهي ما بين الزقاق الذي يقال له " زقاق سفيان "، إلى الاساس الذي يقال له " أساس إسماعيل بن الوليد "، إلى خوخة الاعراب، إلى دار زكوان مولى مروان بن الحكم. * ونزل بنو مالك بن حماد وبنو زنيم (1) وبنو سكين من فزارة ابن ذبيان بن بغيض بن ريث (2) بن غطفان، المحلة التي يقال لها " بنو فزارة "، وهي قبالة خشرم، إلى حمام الصعبة، إلى سوق الحطابين الذي بالجبانة، ولم ينزلها أحد من بني عدي بن فزارة. (منازل بني كعب بن عمرو وإخوانهم من بني المصطلق) * ونزل بنو كعب بن عمرو بن عدي بن عمرو بن عامر، ما بين يماني بني ليث بن بكر، إلى دار شريح العدوي - عدي بن عمرو - إلى موضع التمارين بالسوق، إلى (زقاق الجلادين) الشارع على المصلى يمنة ويسرة إلى بطحان، إلى زقاق كدام - وكدام سقاط كان هناك - إلى دار ابن أبي سليم الشارعة على شامي المصلى التي يقال لها " دار التنوير ". * ونزلت بنو المصطلق بن سعد بن عمرو وأخوه كعب بن عمرو رهط جويرية بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ظاهرة حرة بني عضيدة (3)، إلى أدنى دار عمر بن عبد العزيز بالحرة، إلى الدار التي يقال لها " دار الخرازين ".


(1) في الاصل " بنو رين " والمثبت عن وفاء الوفا 1: 552. (2) في الاصل " بغيض بن ذئب " وكذا في وفاء الوفا 1: 552، والمثبت عن أسد الغابة 4: 166 ترجمة عيينة بن حصن الفزاري، والعقد الفريد 3: 351. (3) حرة بني عضيدة. بضم العين وفتح الضاد: غربي وادي بطحان (وفاء الوفا 4: 1187 محيي الدين). (*)

[ 269 ]

(ما جاء في ثنية الوداع وسبب ما سميت به (1) * قال أبو غسان، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن عامر عن جابر قال: كان لا يدخل المدينة أحد إلا عن طريق واحد من ثنية الوداع، فإن لم يعشر (2) بها مات قبل أن يخرج منها، فإذا وقف على الثنية قيل " قد ودع " فسميت ثنية الوداع، حتى قدم عروة بن الورد العبسي فقيل له: عشر بها (فلم يعشر (3)، ثم أنشأ يقول: لعمري لئن عشرت من خشية الردى * نهاق الحمير إنني لجزوع ثم دخل، فقال: يا معشر اليهود، ما لكم وللتعشير ؟ قالوا: إنه لا يدخلها أحد من غير أهلها فلم يعشر بها إلا مات، ولا يدخلها أحد من غير ثنية الوداع إلا قتله الهزال. فلما ترك عروة التعشير تركه الناس، ودخلوا من كل ناحية. * قال أبو غسان، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن أيوب ابن سيار، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله


(1) ثنية الوداع: في مراصد الاطلاع 1: 301 " بفتح الواو، وهو اسم موضع ثنية مشرقة على المدينة يطؤها من يريد مكة ". وفي خلاصة الوفاء ص 361. حاشية رقم 2 قال السمهودي: هي الموضع الذي عليه القرين، ويقال له اليوم القرين التحتاني، ويقال له أيضا كشك يوسف باشا، لانه هو الذي نقر الثنية ومهد طريقها سنة 1914 م وفي سبب تسميتها ما روي عن جابر قال: أنه كان لا يدخل أحد المدينة إلا من ثنية الوداع، فإن لم يعشر بها مات قبل أن يخرج، فإذا وقف على الثنية قيل قد ودع، فسميت ثنية الوداع. وعن عياض سميت بذلك لتوديع النساء اللاتي استمعتوا بهن عند رجوعهم من خيبر (وفاء الوفا 2: 275، خلاصة الوفاء ص 361). (2) يعشر: ينهق عشرة أصوات في طلق واحد (وفاء الوفا 2: 559). (3) سقط في الاصل والاضافة عن (وفاء الوفا 2: 275 ط. الآداب). (*)

[ 270 ]

رضي الله عنه قال: إنما سميت " ثنية الوداع "، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل من خيبر ومعه المسلمون قد نكحوا النساء نكاح المتعة، فلما كان بالمدينة قال لهم: دعوا ما في أيديكم من نساء المتعة. فأرسلوهن، فسميت " ثنية الوداع ". (ذكر دار هشام بن عبد الملك التى كان بنى، وقصر خل (1)، وقصر بني جديلة) * قال أبو غسان: كان الذي هاج هشام بن عبد الملك على بناء داره التي كانت بالسوق، أن إبراهيم بن هشام بن إسماعيل كان خال هشام بن عبد الملك، وكان ولاه المدينة، فكتب إليه إبراهيم فذكر أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بنى دارين بسوق المدينة، يقال لاحداهما " دار القطران " والاخرى " دار النقصان " وضرب عليهما الخراج، وأشار (2) عليه أن يبني دارا يدخل فيها سوق المدينة، فقبل ذلك هشام وبناها، وأخذ بها السوق كله. وجعل لها بابا شاميا خلف شامي زاوية دار عمر بن عبد العزيز بالثنية ثم جعل بينها وبين دار عمر بن عبد العزيز عرضا ثلاث أذرع، ثم وضع جدارا آخر وجاه هذا الجدار، ثم زاد الاساس بينه وبين الدور كلها ثلاثة أذرع، حتى الزقاق الذي يقال له زقاق ابن حبين، جعل عليه بابا، وجعل على الزقاق - الذي يقال له زقاق بني ضمرة، عند دار آل أبي ذئب - بابا، ثم جعل على الزوراء خاتم البلاط (بابا) (3)، ثم مد الجدار حتى جاء به على طيقان دار القطران الاخرى الغربي،


(1) في الاصل " قصر خلي " والمثبت عن وفاء الوفا 2: 360. (2) في الاصل " أشير " والتصويب عن وفاء الوفا 2: 750 محيي الدين. (3) إضافة عن وفاء الوفا 2: 751 محيي الدين. (*)

[ 271 ]

حتى جاء بها إلى دار ابن سباع بالمصلى التي هي اليوم لخالصة، فوضع ثم بابا، ثم بنى ذلك كله بيوتا، فجعل فيه الاسواق كلها، فكان الذي ولى ابن هشام سعد بن عمرو الزرقي من الانصار، فتم بناؤها إلا شيئا من بابها الذي بالمصلى، ونقلت أبوابها إليها معمولة من الشام، وأكثرها من البلقاء، فلم تزل على ذلك حياة هشام ابن عبد الملك، وفيها التجار، فيؤخذ منهم الكراء حتى توفي هشام فقدم بوفاته ابن مكدم (1) الثقفي، فلما استوى على رأس ثنية الوداع صاح: " مات الاحول، واستخلف أمير المؤمنين الوليد بن يزيد ". فلما دخل دار هشام تلك، صاح به الناس ما تقول في الدار ؟ قال: اهدموها. فوقع الناس فهدموها، وانتهبت أبوابها وخشبها وجريدها، فلم يمض ثالثة حتى وضعت إلى الارض، فقال أبو معروف، أحد بني عمرو بن تميم. ما كان في هدم دار السوق إذ هدمت * سوق المدينة من ظلم ولا حيف قام الرجال عليها يضربون معا * ضربا يفرق بين السور والنجف (2) ينحط منها ويهوي من مناكبها * صخر تقلب في الاسواق كالحلف * وأما قصر خل الذي بظاهر الحرة على طريق دومة فإن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه أمر النعمان بن بشير رضي الله عنهما ببنائه، ليكون حصنا لاهل المدينة. ويقال: بل أمر به معاوية مروان بن الحكم وهو بالمدينة، فولاه مروان النعمان بن بشير، وفيه


(1) في وفاء الوفا 2: 753 محيي الدين " ابن مكرم الثقفي ". (2) النجف: ما بنى ناتئا على الابواب (أقرب الموارد نجف)، وفي وفاء الوفا 2: 753 محيي الدين " والتحف ". (*)

[ 272 ]

حجر منقوش فيه: لعبد الله معاوية أمير المؤمنين، مما عمل النعمان ابن بشير، وإنما سمي قصر خل لانه على الطريق، وكل طريق في حرة أو رمل يقال له الخل (1). * وأما قصر بني جديلة، فإن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، إنما بناه ليكون حصنا، وله بابان: باب شارع على خط بني جديلة، وباب في الزاوية الشرقية اليمانية، عند دار محمد بن طلحة التيمي، وهو اليوم لعبد الله بن مالك الخزاعي قطيعة. وكان الذي ولي بناءه لمعاوية الطفيل بن أبي كعب الانصاري، وفي وسطه بير حاء. * حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا العطاف بن خالد قال: كان حسان بن ثابت رضي الله عنه يجلس في أطمه " فارع " ويجلس معه أصحاب له، ويضع لهم بساطا يجلسون عليه، فقال يوما، وهو يرى كثرة من يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب يسلمون. أرى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا * وابن الفريعة أمسى بيضة البلد (2) فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من لي من أصحاب البساط ؟ فقال صفوان بن المعطل: أنا لك يا رسول الله منهم. فخرج


(1) في وفاء الوفا 2: 361، 4: 1289 محيي الدين. سمي قصر خل لانه على الطريق، وكل طريق في حرة أو رمل يقال له خل، وعن ابن زبالة في نفس المرجع: أن معاوية بنى قصر خل ليكون حصنا لما كان يحدث أنه يصيب بني أمية، وإنما سمي قصر خل لانه بني على خل من الحرة. وكان قصر خل في بعض السنين سجنا ". (2) بيضة البلد: في معجم ما استعجم: كان المنافقون يسمون المهاجرين بالجلابيب ويعني حسان بأنه أمسى بيضة البلد أنه أصبح كبيضة النعامة حين تتركها بالفلاة ولا تخضنها (ديوان حسان بن ثابت ص 160 تحقيق د. سيد حنفي حسنين). (*)

[ 273 ]

إليهم واخترط سيفه، فلما رأوه مقبلا عرفوا في وجهه الشر، ففروا وتبددوا، وأدرك حسانا داخلا بيته، فضربه، فغلق بيته. فضربه ففلق أليتيه، فبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم عوضه وأعطاه حائطا فباعه من معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بعد ذلك بمال كثير فبناه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قصرا، وهو الذي يقال له بالمدينة " قصر الداريين ". (ما جاء فيما يخرج أهل المدينة منها) * حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن ابن شقيق، عن رجاء بن أبي رجاء الباهلي قال: دخل محجن (1) المسجد فرأى بريدة (2) رضي الله عنه عند باب المسجد، فقال: مالك لا تصلي كما يصلي سكبة (3) - رجل من خزاعة - قال شعبة: يمازحه - فقال: " إن


(1) هو محجن بن الادرع الاسلمي، من ولد أسلم بن أفصى، كان قديم الاسلام. قال أبو أحمد العسكري: إنه سلمي، وقيل أسلمي، سكن البصرة واختلط مسجدها وعمر طويلا، روى عنه حنظلة بن علي ورجاء بن أبي رجاء، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارموا وأنا مع ابن الادرع. وانظر حديثه مع هذه الترجمة في أسد الغابة 4: 305. (2) بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الاعرج بن سعد الاسلمي، يكنى أبا عبد الله، وقيل أبا سهل، وقيل أبا الحصيب، قدم على الرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد فشهد معه مشاهده، وشهد الحديبية وبيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان من ساكني المدينة ثم تحول إلى البصرة وابتنى بها دارا، ثم خرج منها غازيا إلى خراسان، فأقام بمرو حتى مات ودفن بها في خلافة يزيد بن معاوية. قال ابن سعد: مات سنة ثلاث وستين (أسد الغابة 1: 175، الاصابة ص 150). (3) سكبة بن الحارث الاسلمي، له صحبة، روى عبد الله بن شقيق عن رجاء الاسلمي قال: أخذ محجن بيدي حتى انتهينا إلى مسجد البصرة، فوجدنا بريدة الاسلمي قاعدا على باب من أبواب المسجد، ورجل في المسجد يقال له سكبة يطيل الصلاة، = (*)

[ 274 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي فصعدنا أحدا فلما أشرف على المدينة قال: " ويح أمها قرية (1)، يدعها أهلها كخير ما تكون " - أو كأعمر ما تكون - ثم نزلنا فأتينا المسجد، فرأى رجلا يصلي فقال: من هذا ؟ فقلت: فلان، هذا كذا وكذا، فأثنيت عليه، قال: لا يسمعه فيهلكه، فلما دنا من حجر نسائه نزع من يدي وقال: " أن خير دينكم أيسره ". * حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا كهمس، عن عبد الله بن شقيق (2)، عن محجن بن الادرع قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم لحاجة، ثم لقيني وأنا خارج من بعض طرق المدينة فأخذ بيدي (فانطلقنا (3)) حتى أتينا أحدا، ثم أقبل على المدينة فقال لها قولا، فكان فيما قال لها: " ويل أمها قرية، يوم يدعها أهلها كأينع ما تكون " قلت: يا رسول الله،، من يأكل ثمرها ؟ قال: " عافية الطير والسباع ". * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن محجن بن الادرع قال:


= وكان في بريدة مزاحة فقال بريدة: يا محجن ألا تصلي كما يصلى سكبة ؟ فلم يرد عليه محجن. رواه أبو داود الطيالسي عن أبي عوانة عن أبي بشر عن رجاء، وأخرجه الثلاثة. (أسد الغابة 2: 324). (1) في الاصل " ويح أمه قرية " والمثبت عن وفاء الوفا 2: 122 ط. الآداب، وفي الاصابة لابن حجر بنفس السند 2: 57 " يا ويحها قرية ". (2) في الاصل " عبيد الله بن شقيق " والمثبت عن الاصابة لابن حجر 2: 57 ويؤيده ما بعده من الاسانيد. (3) سقط في الاصل، والمثبت عن مجمع الزوائد 3: 310، ورد الحديث بمعناه في مجمع الزوائد 3: 310. (*)

[ 275 ]

بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى حاشي المدينة في حاجة، فلما جئت ذهبت معه حتى صعد أحدا، فأشرف على المدينة فقال: ويل أمك من قرية، كيف يدعك أهلك وأنت خير ما تكونين ؟ ! * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا جرير، عن الاعمش، عن جعفر بن إياس اليشكري، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: إني لامشي مع عمران بن حصين رضي الله عنه الله عنه، فانتهينا إلى مسجد البصرة، فإذا بريدة رضي الله عنه جالس فيه، و " سكبة " - رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي الضحى، فقال: بريدة رضي الله عنه: يا عمران، أما تستطيع أن تصلي كما يصلي سكبة ؟ وإنما يقول ذلك كأنه يعنيه به، قال: فسكت عمران ومضينا، فقال عمران رضي الله عنه: إني لامشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استقبلنا أحد فصعدنا عليه، وأشرف على المدينة فقال صلى الله عليه وسلم: " ويل أمها من قرية، يتركها أهلها أحسن ما كانت ! ! - حتى قالها ثلاثا - يأتيها الدجال فلا يستطيع أن يدخلها، يجد على كل فج منها ملكا مصلتا السيف قال: ثم نزلنا، فأتينا المسجد، فإذا برجل يصلي فقال: من هذا ؟ فقلت فلان، ومن أمر (1)، فجعلت أثني عليه، فقال: لا تسمعه فتقطع ظهره. قال: ثم رفع يدي فقال: إن (خير (2) دينكم أيسره.


(1) كلمة لا تقرأ في الاصل، والمثبت عن مجمع الزوائد 3: 309. (2) سقط في الاصل والاثبات عن الاصابة 2: 57، وأسد الغابة 4: 305، ومجمع الزوائد 3: 308 " فنفض يده من يدي وقال: إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره. وهذه رواية الامام عن محجن. (*)

[ 276 ]

* حدثنا عبد الله بن نافع الزبيري قال، حدثنا مالك بن أنس، عن يوسف بن يونس بن حماس، عن عمه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتتركن المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الكلب والذئب فيغدي (1) على سواري المسجد - أو على المنبر - فقالوا: يا رسول الله، فلمن تكون الثمار ذلك الزمان ؟ قال: للعوافي: الطير والسباع. * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا هارون بن المغيرة، عن صالح بن أبي الاخضر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لتتركنها مذللة أحسن ما كانت للطير والهوام. * حدثنا ميمون بن الاصبع قال، حدثنا الحكم بن نافع، عن شعيب بن أبي (2) حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد ابن المسيب: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تتركون المدنية على خير ما كانت، مذللة، لا يغشاها إلا العوافي - يريد عوافي السباع - وآخر من يحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحوشا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما (3).


(1) يغدي: أي يبول عليها دفعة واحدة. وانظر الحديث سندا ومتنا في وفاء الوفا 1: 85 ط. الآداب. (2) شعيب بن أبي حمزة الاموي - مولاهم - أبو بشر الحمصي، أحد الاثبات المشهورين، عن مانع وابن المنكدر والزهري، وعنه أبو إيمان الفزاري. قال ابن معين: هو أثبت في الزهري، مات سنة ثلاث وسبعين ومائة (خلاصة التهذيب ص 141). (3)... الحديث رواه السمهودي في وفاء الوفا 1: 85 قال " وفي الصحيحين " لتتركن المدينة ". (*)

[ 277 ]

* حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا الحزامي، عن عيسى ابن المغيرة، وعثمان بن طلحة قالا، حدثنا ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد مولى عمرو بن خراش، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " المدينة يخرج منها أهلها خير ما كانت ". فقال أبو الوليد: وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يرد عليه. * قال محمد بن مساحق بن عمرو بن خراش: أنه كان جالسا عند ابن عمر رضي الله عنهما، فجاء أبو هريرة رضي الله عنه فقال: لم ترد علي، فوالله لقد كنت أنا وأنت في بيت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يخرج منها أهلها خير ما كانت " ؟ فقال ابن عمر رضي الله عنهما: أجل، قد كنت أنا وأنت في بيت ولكن لم يقله (1)، إنما قال: " عمر ما كانت "، ولو قال " خير ما كانت "، لكان ذلك وهو حي وأصحابه. فقال أبو هريرة رضي الله عنه صدقت، والذي نفسي بيده (2). * حدثنا أبو داود قال، حدثنا حرب، وأبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير قال، حدثني أبو جعفر: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: ليخرجن أهل المدينة من المدينة خير ما كانت،


(1) في الاصل " لم تقل " والصواب ما أثبت. (2) انظر الحديث في وفاء الوفا 1: 84 وفيه " عن أبي هريرة مرفوعا نحوه، وأن عبد الله بن عمر كان يرد عليه فقال له أبو هريرة لم ترد علي ؟ فوالله لقد كنت أنا وأنت في بيت حي قال النبي صلى الله عليه وسلم يخرج منها أهلها خير ما كانت. قال ابن عمر: أجل لقد كنت أنا وأنت في بيت، ولكن لم يقله إنما قال: أعمر ما كانت. (*)

[ 278 ]

نصفا زهوا، ونصفا رطبا. قيل: من يخرجهم منها يا أبا هريرة ؟ قال امراء السوء (1). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد، عن أبي المهزم (2) قال، سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: ليدعن أهل المدينة المدينة وهي خير ما كانت، مرطبة مونعة قيل: فمن يأكلها ؟ قال: الطير والسباع. * حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب (3)، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يدع أهل المدينة المدينة والنخل مرطب (4). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ليجيئن الثعلب حتى يقيل في ظل المنبر ثم يروح، لا ينهنهه أحد (5). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد، عن عطاء ابن السائب عن رجل من أشجع، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:


(1)... الحديث... رواه السمهودي في كتابه وفاء الوفا 1: 84 قال عن ابن شبة عن أبي هريرة " وليخرجن أهل المدينة ". الحديث " ليدعن أهل المدينة " روى بمعناه في وفاء الوفا 1: 84. (2) في الاصل " أبي الهرم " والتصويب عن ميزان الاعتدال 3: 312 وهو يزيد بن سفيان، أبو المهزم، صاحب أبي هريرة، وهو بكنيته أشهر. (3) شوذب: هو عبد الله بن شوذب البلخي، أبو عبد الرحمن، نزيل الشام، روى عن الحسن وابن سيرين ومكحول، وعنه أبو إسحاق الفزاري وابن المبارك، وثقة أحمد وابن معين، قال ضمرة: مات سنة ست وخمسين ومائة (الخلاصة للخزرجي ص 201). (4) انظر الحديث بمعناه في وفاء الوفاء 1: 85. (5) انظر الحديث في وفاء الوفا 1: 85. (*)

[ 279 ]

آخر من يحشر رجلان: رجل من جهينة، وآخر من مزينة، فيقولان: أين الناس ؟ فيأتيان المسجد فلا يريان إلا الثعلب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس (1). * حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا عمران القطان، عن يزيد بن سفيان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لا تقوم الساعة حتى يجئ الثعلب فيربض على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهنهه أحد (2). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد قال، حدثنا أبو المهزم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يجئ جيش من قبل الشام حتى يدخل المدينة، فيقتلون المقاتلة ويبقرون بطون (النساء (3)) ويقولون للحبلى في البطن: اقتلوا صبابة السوء، فإذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم، فلا يدرك أسفلهم أعلاهم ولا أعلاهم أسفلهم. قال أبو المهزم: فلما جاء جيش (حبيش (4)) بن دلجة قلنا: هم، فلم يكونوا هم.


(1) انظر الحديث في وفاء الوفا 1: 86 عن أبي هريرة رضي الله عنه. (2) ورد أيضا هذا الحديث بنصه عن أبي هريرة في وفاء الوفاء 1: 85. (3) في الاصل: " حتى يقبل القابل ويبقر بطون " والتصويب والاضافة عن وفاء الوفا 1: 96 ط. الآداب. (4) في الاصل " ابن دبحة " وكذا في وفاء الوفاء 1: 137 ط محيي الدين. والتصويب والاضافة عن تاريخ الطبري ق 2 / 7: 578، ق 2 / 8: 642، ووفاء الوفا 2: 64 ط. الآداب، وهو حبيش بن دلجة القيني الذي بعثه مروان بن الحكم الاموي على رأس جيش للمدينة لمقاتلة عبد الله بن الزبير حينما استولى عليها. والحديث من رواية ابن شبة وفاء الوفا 1: 137 محيي الدين. (*)

[ 280 ]

* حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: والذي نفسي بيده، ليكونن بالمدينة ملحمة يقال لها " الحالقة "، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين، فاخرجوا من المدينة ولو على قدر بريد (1). * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن الاعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث البكري، عن حبيب بن حماد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزل منزلا، فتعجل ناس من أصحابه إلى المدينة، فتفقدمهم، فقلنا: تعجلوا إلى المدينة. فقال: ليتركنها أحسن ما كانت ! ليت شعري متى تخرج نار من جبل الوراق، يضئ لها أعناق الابل ببصرى كضوء النهار (2). * حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرف على أطم من آطام المدينة فقال: هل ترون ما أرى ؟ إني لارى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد قال، حدثنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:


(1) الحديث ورد بنصه في وفاء الوفا 1: 87 عن أبي هريرة. (2) في الاصل " مدركا كضوء النار " والتصويب عن وفاء الوفا 1: 98 ط. الآداب، حيث ورد به الحديث من رواية ابن شبة وكذلك رواية أخرى أسندها للامام أحمد بن حنبل ". (*)

[ 281 ]

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليخرجن أهل المدينة من المدينة ثم ليعودن إليها، ثم ليخرجن منها ثم لا يعودون إليها، وليدعنها وهي خير ما تكون مونعة (1). قيل: فمن يأكلها ؟ قال: الطير والسباع. * حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة قال، أخبرني عدي ابن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن حذيفة رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرنا بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، غير أني لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة من المدينة (2) ؟ * حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن حاتم بن أبي كريب، عن كثير بن مرة، عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ثم نظر إلينا فقال: أم والله لتدعنها مذللة أربعين عاما للعوافي.. أتدرون ما العوافي ؟ الطير والسباع (3). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبان بن يزيد، عن يحيى - يعني ابن أبي كثير - قال، ذكر لي عن عوف بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أم والله يا أهل المدينة لتتركنها قبل يوم القيامة أربعين - وقال كعب:


(1) مونعة: اسم فاعل من أينع الزرع إذا أدرك وطاب وحان قطافه (وفاء الوفا 1: 123 تحقيق محمد محيي الذين). (2) أخرجه مسلم من حديث حذيفة (وفاء الوفا 1: 124 محيي الدين). (3) أورد السمهودي من رواية ابن شبة وابن زبالة (وفاء الوفا 1: 85 ط. الآداب). (*)

[ 282 ]

ستخرب الارض قبل الشام أربعين سنة -، وليهاجرن الرعد والبرق إلى الشام حتى لا تكون رعدة ولا برقة إلا ما بين العريش والفرات، قال: فظننا أنها أربعون سنة. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا أبو اليمان الحكم ابن نافع، عن صفوان بن عمرو، عن الاشياخ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليتركن المدينة أهلها، وإنها لمرطبة لا يأكلها إلا العوافي، الطير والسباع. * قال، وحدثنا صفوان، عن شريح بن عبيد الله: أنه قرأ كتابا لكعب وليغشين أهل المدينة أمر يفزعهم حتى يتركوها وهي مذللة حتي يبول السنانير على قطائف الخز، ما يروعها شئ وحتى يخرق الثعالب في أسواقها ما يروعها شئ (1). * حدثنا أبو داود قال،، حدثنا المسعودي قال، أخبرني فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد قال: آخر الناس محشرا رجلان من مزينة، يفقدان الناس فيقول أحدهما لصاحبه: قد فقدنا الناس منذ حين، انطلق بنا إلى شخص من بني فلان. فينطلقان، فلا يجدان بها أحدا. ثم يقول: انطلق بنا إلى المدينة فينطلقان، فلا يجدان بها أحداثهم يقول: انطلق بنا إلى منازل قريش ببقيع الغرقد، فينطلقان فلا يريان إلا السباع والثعالب، فيوجهان نحو البيت الحرام (2).


(1) في هامش لوحة 90 من الاصل أمام هذا الحديث " نقل القرطبي هذا الخبر عن ابن شبة صاحب هذا الكتاب، وأورده بلفظ ما يردعها شئ، وانظر الحديث في وفاء الوفا 1: 85 ط. الآداب (2) رواه السمهودي في وفاء الوفا 1: 86 ط. الآداب، 1: 123 محيي الدين، عن حذيفة بن أسد بمتنه. (*)

[ 283 ]

* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سلام بن مسكين، عن عمران بن عبد الله بن طلحة قال، قال أبو هريرة رضي الله عنه: ليأتين على هذا المنبر يوم يستظل في ظله - أراه قال " الثعلب " - لا يروعه أحد من الناس (1). * وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليدعن أهل المدينة المدينة مرطبة قالوا: يا رسول الله، من يأكله ؟ قال: السباع والطير (2). * حدثنا سليم بن أحمد قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر: أنه سمع عمر بن الخطاب على المنبر يقول: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج أهل المدينة منها ثم يعودون إليها، فيعمرونها حتى تمتلئ وتبنى، ثم يخرجون منها فلا يعودون إليها أبدا (3). قال جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لينزلن راكب في جنب وادي المدينة فيقول: كان في هذه حاضر من المؤمنين كثير (4). (ما قيل في المدينة من الشعر يتشوق إليها وغير ذلك) * قال عبد الله بن عامر بن كريز، وركب البحر غائبا، فاشتاق رفيق له إلى المدينة فقال:


(1) ورد في وفاء الوفا 1: 85 ط. الآداب من رواية أبي هريرة. (2) ورد الحديث في وفاء الوفا للسمهودي (1: 122 محيي الدين) مع اختلاف في بعض الالفاظ). (3) ورد من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وفاء الوفا 1: 123 محيي الدين. (4) ورد في المرجع السابق 1: 122 محيي الدين. (*)

[ 284 ]

بكى صاحبي لما رأى الفلك قد مضت * تهادى بنا فوق ذي لجج خضر وحن إلى أهل المدينة حنه * لمصر وهيهات المدينة من مصر فقلت له لا تبك عينك إنما * تقرا قرارا من جهنم في البحر وقال نفيلة بن المنهال الاشعار، وكان ممن شهد القادسية مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه - ومن الناس من يقول بقيلة - وقد وجدت هذه القصيدة في بعض الكتب تنسب إلى أبي المنهال الاشجعي (1) الاصغر، وزاد فيها أبياتا في أولها وفي أحقافها فما زاد في أولها: أرقت وغاب عني من يلوم * ولكن لم أنم أنا والهموم كأني من تذكر ما ألاقي * إذا ما أظلم الليل البهيم سقيم مل منه أقربوه * وأسلمه المداوي والحميم هذه الزيادة، فأما الصحيح فقوله: ولما (أن (2) دنا منا ارتحال * وقرب ناجيات (3) السير كوم (4) تحاسر واضحات اللون زهر * على ديباج أوجهها النعيم وقائلة ومثنية علينا * تقول وما لها فينا حميم متى تر غفلة الواشين عنها * تجد بدموعها العين السجوم


(1) ذكر الزبير بن بكار أن هذا الشعر كله لابي المنهال نفيلة الاشجعي قال: وسمعت بعض أصحابنا يقول: إنه لمعمر بن العنبر الهذلي، والصحيح من القول أن بعض هذه الابيات لابن هرمة يمدح بها عبد الواحد بن سليمان (الاغاني 6: 114 ط. دار الكتب). (2) سقط في الاصل والاثبات عن الاغاني 6: 113 ط. دار الكتب. (3) والناجيات: النوق السريعة تنجو بمن ركبها. (4) الكوم: النوق الضخمة السنام. (*)

[ 285 ]

تعد لنا الشهور (1) وتحتصيها * متى هو حائن منه قدوم فإن يكتب لنا الرحمن أوبا * ويقدر ذلك الملك الحكيم فكم من حرة بين المنقى * إلى أحد إلى ما حاز ريم (2) إلى الجماء من خد أسيل * نقي اللون ليس به كلوم (3) ومن الزيادة: أتين مودعات والمطايا * لدى أكوارها خوص (4) هجوم (5) مشيعة الفؤاد ترى هواها * وقرة عينها فيمن يقيم وأخرى لبها معنا ولكن * تصبر فهي واجمة كظوم (6)


(1) في الاغاني 6: 113 الليالي. (2) روى بالاصل: فكم من نجوة بين المصلى * إلي أحد إلى ما جاز ريم والمثبت عن الاغاني 6: 114، 117، والمنقى: طريق بين أحد والمدينة. (3) في الاصل: إلى الجماء من وجه أسيل. والمثبت عن الاغاني 6: 114 ط. دار الكتب. والجماء: جبيل بالمدينة على ثلاثة أميال من ناحية العقيق إلى الجرف وقيل إحدى هضبتين عن يمين الطريق للخارج من المدينة إلى مكة، الاغاني 6: 114. (4) في الاصل: أتين مودعات والمطايا * بأكوار على حرض هجوم والمثبت عن الاغاني 6: 114 ط. دار الكتب. (5) خوص: جمع أخوص وخوصاء: ضيق العين وصغرها وغورها، وهجمت العين هجوما: غارت ودخلت في موضعها - المصدر السابق. (6) في الاصل: وأخرى قلبها معنا ولكن * تستر وهي واجمة كظوم والمثبت عن الاغاني 6: 116 ط. دار الكتب. (*)

[ 286 ]

حدثني هارون بن عبد الله قال: أنشدني ابن ثابت قول ابن أبي عاصية السلمي، يتشوق إلى المدينة وهو باليمن عند معن ابن زائدة. أهل ناظر من خلف غمدان مبصر * ذرى أحد رمت المدى المتراخيا فلو أن داء اليأس بي وأعانني * طبيب بأرواح العقيق شفانيا قال ابن أبي ثابت: يعني إلياس بن مضر، كان أصابه السل، فكانت العرب تدعو السل " داء إلياس ". * قال أبويحيى، وقال ابن أبي عاصية يتشوق إلى المدينة، وهو بالعراق: تطاول ليلي بالعراق ولم يكن * علي بأكناف الحجاز يطول فهل لي إلى أرض الحجاز ومن به * بعاقبة قبل الفوات سبيل فتشفى حزازات وتنقع أنفس * ويشفى جوى بين الضلوع دخيل إذا لم يكن بيني وبينك مرسل * فريح الصبا مني إليك رسول * قال أبويحيى، حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز قال، قال عبد الملك بن مروان لفتى من فتيانهم: أتجدك تشتاق المدينة ؟ قال: لا. قال: أم والله لو حبست في مؤخر المسجد بعد عتمة في ليلة مقمرة من ليالي الصيف، قد توسدت طرف ردائك مع لمة أصحابك ينازعونك الحديث، لاشتقتها. * حدثني عيسى بن عبد الله قال، لما ولي الوليد بن يزيد كتب إلى المدينة: محرمكم ديوانكم وعطاؤكم * به يكتب الكتاب والكتب تطبع

[ 287 ]

ضمنت لكم إن لن تصابوا بمهجتي * بأن سماء الضر عنكم ستقلع (1) * وقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص لابان - وكان نازلا بأيلة - يعيب عليه نزوله بأيلة وتركه النزول بالمدينة: أتركت طيبة رغبة عن أهلها * ونزلت منتبذا بدير القعنذ فقال أبان: أنزلت أرضا برها كترابها * والفقر مضربه بقصر الجنبذ * حدثني أبو غسان قال: أصاب الناس بمرض بالمدينة، فخرجت أعرابية بولدها وجعلت تقول: [ يا رب باعد عني من ضرار ] (2) * من مسجد الرسول ذي المنار * قال وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن محرز بن جعفر قال: وفد حسان بن ثابت رضي الله عنه على الحارث بن عمرو ابن أبي شمر فأكرمه وحباه وأصاب عيشا فقال: يغدى علي بإبريق ومسمعة * إن الحجاز حليف الجوع والبؤس * قال، وحدثني عبد العزيز بن عمران قال: قدم لبيد إلى المدينة، فأقام بها سنة في بني النضير، فخرج كأنه نصل قدح، فقال له بنو جعفر: يا لبيد، خرجت من عندنا كالجمل الحجون ورجعت إلينا كالقدح السفون فأنشأ يقول: يقول بنو أم البنين، وقد بدا * لهم زور جنبي من قميصي ومن جلدي دفعناك في أرض الحجاز كأنما * دفعناك فحلا فوقه قزع اللبد


(1) في الاصل تحريف نسخ وسقط في هذا البيت، والمثبت عن الاغاني 6: 111. (2) هكذا ورد. (*)

[ 288 ]

فصافحت حماه وداء ضلوعه * وخالطت عيشا مسه طرف الحصد فأبت ولم نعرفك لا توهما * كأنك نضو من مزينة أو نهد * حدثني مصعب بن عبد الله بن مصعب قال، قالت امرأة لجبهاء (1) الاشجعي: يا جبهاء، انطلق بنا ننزل المدينة حتى تفرض وتقيم بها. فأقبل بولده وبإبله ليبيعها ويقدم المدينة، فلما أوفى على الحرة (2) وأشرف على المدينة تذكرت إبله أوطانها فكرت راجعة، فجعل يدورها نحو المدينة وتأبى، فأقبل على امرأته فقال: ما جعل هذه الابل أنزع إلى أوطانها منا ؟ ونحن أحق بالحنين منها - أنت طالق إن لم ترجعي، وفعل الله بك وردها (3) ثم خلف بأقتابها يزجرها نحو نحو بلاده وأنشأ يقول: قالت أنيسة بع بلادك والتمس * دارا بيثرب ربة الاجسام تكتب عيالك في العطاء وتفترض * وكذلك يفعل حازم الاقوام فهممت ثم ذكرت ليل لقاحنا * بلوى عنيزة أو بقف بشام إذ هن عن حسبي مذاود كلما * نزل الظلام بعصبة أعتام إن المدينة، لا مدينة، فالزمي * حقف الستار وقبة الارحام يجلب لك اللبن الغريض وينتزع * بالعيس من يمن إليك وشام


(1) جبهاء الاشجعي: يزيد بن عبيد، ويقال يزيد بن حميمة بن عبيد بن عقيلة ابن قيس الاشجعي، شاعر بدوي من مخاليف الحجاز، نشأ وتوفي في أيام بني أمية، وليس ممن انتجع الخلفاء بشعره ومدحهم فاشتهر، وهو مقل وليس من معدودي الفحول (الاغاني 16: 146 ط. بولاق). (2) في الاغاني 16: 147: حتى إذا كان بحرة واقم من شرقي المدينة شرعها بحوض وأقسم ليسقيها فحنت ناقة منها ثم نزعت وتبعتها الابل. (3) الاضافة عن المرجع السابق. (*)

[ 289 ]

* حدثني أحمد بن معاوية، عن رجل من قريش، عن ابن غزية قال: كانت لبني قينقاع سوق في الجاهلية تقوم في السنة مرارا، وكانت عند مسجد الذبح (1) إلى الآطام التي خلف النخل، فهبط إليها نابغة بني ذبيان يريدها، فأدرك الربيع بن أبي حقيق هابطا من قريته يريدها، فتسايرا، فلما أشرفا على السوق سمعا الضجة، وكانت سوقا عظيمة يتفاخر الناس بها، ويتناشدون الاشعار، فحاصت ناقة النابغة حين سمعت الصوت، فزجرها وأنشأ يقول: كادت تهد من الاصوات راحلتي.. أجز يا ربيع. فقال: والثغر منها إذا ما أوجست خلق فقال النابغة: لولا أنهنهها بالسوط لانتزعت.. أجز يا ربيع. فقال: مني الزمام وإني راكب لبق فقال النابغة: قد ملت الحبس بالآطام واشتعفت أجز يا ربيع. فقال: تريغ أوطانها لو أنها علق فقال: لا تعجل، تهبط السوق وتلقى أهلها، فإنك ستسمع شعرا لا تقدم عليه شعرا. فقال: شعر من ؟ قال: حسان بن ثابت.


(1) مسجد الذبح: علق عليه في الهامش لوحة 39 من الاصل ليس في المساجد ما هو مسمى بذلك ولعله مسجد الشيخ، إذ هو في جهة بني قينقاع وهو أقرب شئ. (*)

[ 290 ]

قال: فقدم النابغة السوق، فنزل عن راحلته، وجثا على ركبتيه، واعتمد على يديه وأنشد: عرفت منازلا بعريقنات (1) * فأعلى الجزع للحي المبن (2) قال حسان: فقلت في نفسي: هلك الشيخ، ركب قافية صعبة قال: فو الله ما زال يحسن حتى أتى على آخرها، ثم نادى: ألا رجل ينشد ؟ قال: فتقدم قيس بن الخطيم (2) بين يديه فأنشد: أتعرف رسما كاطراد المذاهب * لعمرة وحشا غير موقف راكب (4) حتى أتى على آخرها، فقال له النابغة: أنت أشعر الناس يا ابن أخي قال حسان: فدخلني بعض الفرق، وأني لاجد على ذلك في نفسي قوة، فتقدمت، فجلست بين يديه فقال: أنشد فوالله إنك لشاعر قبل أن تتكلم. فأنشدته:


(1) عريقنات: قال أبو عبيدة: ماء بعرفه، وقال نصر: عرفة من عرفة. (تاج العروس 9: 278). (2) المبن: المقيم بهذه المنازل المرتفعة (النابغة الذبياني حياته وشعره، فارس صويتي 43، 145). (3) وهو أبو يزيد قيس الخطيم، واسم الخطيم ثابت بن عدي بن عمرو بن سواد ابن ظفر الاوسي، عاش قيس في الجاهلية وأدرك الاسلام لم يسلم، وقتل قبل الهجرة، قتله الخزرج، وروي أن قيسا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فعرض عليه الاسلام فقال: إني لاعلم أن الذي تأمرني به خير من الذي تأمرني به نفسي، وفيها بقية من ذاك، فاذهب واستمتع من النساء والخمر، وتقدم بلدنا فأتبعك (ديوان قيس ابن الخطيم ج‍ 2 ط. العروبة، الاغاني 3: 11). (4) كذا في الاصل، وفي جمهرة أشعار العرب، والخزانة، ووفاء الوفا " كالطراز المذهب ". (*)

[ 291 ]

أسألت رسم الدار أم لم تسأل * (بين الجوابي فالبضيع فحومل (1) فقال: حسبك يا ابن أخي. وفي اجتماع حسان والنابغة غير حديث، منها: أن الاصمعي ذكر فيما حدثني عنه من أثق به: أنه كان يضرب للنابغة بسوق عكاظ قبة، فيجتمع إليه الشعراء فيها، فخرج إليه حسان والاعشى وخنساء بنت عمرو بن الشريد، فأنشدوه أشعارهم، فلما أنشدته خنساء: وإن صخرا لتأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار قال: يا خنيس، والله لولا أن أبا بصير أنشدني آنفا لقلت: " إني لم أسمع مثل شعرك " وما بها ذات مثانة (2) أشعر منك. قالت: لا والله، ولا ذو خصيين، فغضب حسان. فقال: والله لانا أشعر منك ومن أبيك. فقال له النابغة: يا ابن أخي، أنت لا تحسن أن تقول: فإنك كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع * حدثني هارون بن عبد الله قال، أخبرني يوسف بن عبد العزيز الماجشون، عن أبيه قال: قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: أتيت جبلة بن الايهم الغساني وقد مدحته، فأذن لي عليه، وعن يمينه رجل


(1) التكملة من ديوان حسان بن ثابت 121 ط. الهيئة العامة للكتاب. أراد بين الجوابي: جابية الجولان بين دمشق والاردن. والبضيع من ناتئة كالجزيرة بدمشق، وقال الازهري جبل قصير أسود بالشام قريبا من دمشق. حومل موضع أيضا (ديوان حسان بن ثابت 121 ط. الهيئة العامة للكتاب). (2) ذات مثانة: المثانة موضع الولد في بطن أمه. (*)

[ 292 ]

ذو ضفيرتين، وهو النابغة، وعن يساره رجل لا أعرفه، فجلست بين يديه فقال: أتعرف هذين ؟ فقلت: أما هذا فأعرفه، هو النابغة، وأما هذا فلا أعرفه. فقال: هو علقمة بن عبدة (1)، إن شئت استنشدتهما وسمعت، وإن شئت أن تنشد بعدهما أنشدت، وإن أحببت سكت. قال قلت: وذاك:، فاستنشد النابغة، فأنشده: كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطئ الكواكب (2) قال: فذهب يصغي. ثم قال لعلقمة: أنشد، فأنشد: طحا بك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب (3) قال: فذهب يصغي (إلى) (4) الآخر. ثم قال لي: أنت الآن أعلم، إن أحببت أن تنشدنا بعد ما سمعت فأنشد، وإن أحببت أن تمسك فأمسك. قال: فتشددت وقلت: لانشد قال: هات، فأنشدته القصيدة التي أقول فيها: أبناء جفنة حول قبر أبيهم * قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم * لا يسألون عن السواد المقبل


(1) هو علقمة بن النعمان التميمي من نجد وسادات تميم وشعرائهم المشهورين، شب وترعرع في بادية نجد فأرهفت حسه، وجلت قريحته، وألهمته الشعر الرصين الذي يمتلك المشاعر ويستلب الحواس، ولقب لذلك بعلقمة الفحل. توفي سنة 561 ميلادية (شرح ديوان علقمة ط. الفكر للجميع ببيروت). (2) كليني: دعيني، أميمة: من بنات الشاعر، ناصب: متعب، بطئ الكواكب: نجومه لا تغيب بسرعة. وقد قال هذا البيت من قصيدة يمدح بها عمرو بن الحارث الغساني حين نزل به في الشام (النابغة الذبياني - حياته وشعره 3، 48 ط. دمشق). (3) البيت: من قصيدة يمدح بها الحارث بن أبي شمر الغساني. طحابك: اتسع وذهب في كل مذهب. الطرب: خفة تصيب الرجل لشدة الفرح أو لشدة الحزن. (4) إضافة يقتضيها السياق. (*)

[ 293 ]

بيض الوجوه كريمة أحسابهم * شم الانوف من الطراز الاول (1) قال: أدنه، أدنه، لعمري ما أنت بدونهما، ثم أمر لي بثلاثمائة دينار وبعشرة أقمصة لها جيب واحد، وقال: هذا لك عندنا في كل عام. * قال محمد بن عبد الملك الفقعسي، من بني أسد بن خزيمة: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * بسلع، ولم تغلق علي دروب وهل أحد باد لنا، وكأنه * حصان أمام المقربات جنيب يخب السراب الضحل بيني وبينه * فيبدو لعيني تارة ويغيب فإن شفائي نظرة إن نظرتها * إلى أحد والحرتان قريب وإني لارعي النجم حتى كأنني * على كل نجم في السماء رقيب (2) وأشتاق للبرق اليماني إن بدا * وأزداد شوقا أن تهب جنوب * كان ابن نمير الحضرمي شاعرا مسنا، وكان نازلا ببلاد قومه، ثم نزل المدينة يسيرا من دهره، ثم حن فرجع إلى بلاده نكرا منه في معيشته، فلامته على ذلك زوجته، فقال يعتذر لخروجه عن المدينة: ألا قالت أمامة بعد دهر * وحلو العيش يذكر في السنين سكنت مخايلا وتركت سلعا * شقاء في المعيشة بعد لين فقلت لها ذببت الدين عني * ببعض العيش ويحك فاعذريني


(1) انظر الابيات في ديوان حسان بن ثابت 247 ط. السعادة. (2) هذا البيت إضافة من معجم البلدان لياقوت 1: 145 ط. طهران. (*)

[ 294 ]

أرجي في المعاش على خضم * فيكفيني وأحسن في الدرين وغرب الارض أرض به معاشا * يكف الوجه عن باب الضنين * وقال محمد بن عبد الملك بن حبيب الاسدي ثم الفقعسي: نفى النوم عني فالفؤاد كئيب * نوائب هم ما تزال تنوب وأحراض (1) أمراض ببغداد جمعت * علي وأنهار لهن قسيب فظلت دموع العين تمري غروبها * من الماء درات لهن شعوب وما جزع من خشية الموت أخضلت * دموعي ولكن الغريب غريب ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * بسلع ولم تغلق علي دروب وهل أحد باد لنا وكأنه * حصان أمام المقربات جنيب يخب السراب الضحل بيني وبينه * فيبدو لعيني تارة ويغيب فإن شفائي نظرة إن نظرتها * إلى أحد والحرتان قريب (2) وإني لارعى النجم حتى كأنني * على كل نجم في السماء رقيب وأشتاق للبرق اليماني إن بدا * وأزداد شوقا أن تهب جنوب * وقال أبو قطيفة (3) عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو ابن أمية، حين أخرج عبد الله بن الزبير بني أمية من الحجاز إلى الشام: ألا ليت شعري هل تغير بعدنا * جبوب المصلى أم كعهدي القرائن (4)


(1) في الاصل " وأعرافن " والمثبت عن ياقوت 1: 145 ط. طهران. (2) في الاصل " نظرة لو نظرتها " والمثبت عن معجم البلدان 1: 145. (3) وسمى أبو قطيفة لانه كان كثير شعر الراس ثائره، عظيم اللحية (الاغاني 1: 30، أنساب الاشراف 5: 127). (4) الجبوب: الحجارة والارض الصلبة. والقرائن: ثلاث دور اثخذها عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه، فدخلت في المسجد. وقيل ثلاث جنابذ " قباب " (وفاء الوفا 4: 1288). (*)

[ 295 ]

أم الدور أكناف البلاط عوامر * كما كن أم هل بالمدينة ساكن (1) أحن إلى تلك البلاد صبابة * كأني أسير في السلاسل راهن إذا برقت نحو الحجاز غمامة * دعا الشوق مني برقها المتيامن (2) وما أخرجتنا رغبة عن بلادنا * ولكنه ما قدر الله كائن (3) ولكن دعا للحرب داع وعاقنا * معائب كانت بيننا وضغائن لعل قريشا أن تئوب حلومها * ويزجر بعد الشوم طير أيامن وتطفأ نار الحرب بعد وقودها * ويرجع ناء في المحلة شاطن فما يستوي من بالجزيرة داره * ومن هو مسرور بطيبة قاطن وقال: ليت شعري وأين مني ليت * أعلى العهد يلبن فبرام (4) أن كعهدي العقيق أم غيرته * بعدي الحادثات والايام (5) منزل كنت أشتهي أن أراه * ما إليه لمن بحمص مرام حال من دون أن أحل به النأ * ي وصرف الهوى وحرب عقام


(1) هذا البيت في الاغاني 1: 30 ط. دار الكتب. وهل أدؤر حول البلاط عوامر * من الحي أم هل بالمدينة ساكن (2) هذا البيت في الاغاني 1: 30 ط. دار الكتب. إذا برقت نحو الحجاز سحابة * دعا الشوق مني برقها المتيامن (3) هذا البيت في الاغاني 1: 30 ط. دار الكتب. فلم أتركنها رغبة عن بلادنا * ولكنه ما قدر الله كائن (4) يلبن: جبل قرب المدينة. برام - بفتح أوله وكسره والفتح أكثر - جبل في بلاده بني سليم عند الحرة من ناحية البقيع. (5) في الاصل: أم كعهدي البقيع. والمثبت عن الاغاني 1: 28 ط. دار الكتب. (*)

[ 296 ]

وتبدلت من مساكن قومي * والقصور التي بها الآطام (1) كل قصر مشيد ذي أواس * تتغنى على ذراه الحمام (2) وبأهلي بدلت لخما وعكا * وجذاما وأين مني جذام (3) أقطع الليل كله باكتئاب * وزفير فما أكاد أنام (4) نحو قومي إذ فرقت بيننا الدا * ر وحادت عن قصدها الاحلام حذرا أن يصيبهم عنت الده‍ * ر وحرب يشيب منها الغلام (5) ولقد حان أن يكون لهذا الد * هر عنا تباعد وانصرام ولحي بين العريض وسيع * حيث أرسى أوتاده الاسلام كان أشهى إلي قرب جوار * من نصارى (في) دورها الاصنام (5) يضربون الناقوس في كل فجر * في بلاد تنتابها الاسقام


(1) الشطر الثاني من هذا البيت مضطرب في الاصل. والاثبات عن الاغاني 1: 28 - الآطام: جمع أطم، وهي القصور والحصون، وقال الاصمعي: الآطام: الدور المسطحة السقوف. (2) في الاصل " تتداعى على ذراه الحمام... والمثبت عن الاغاني 1: 28 ط. دار الكتب. وفي رواية لابن عمار ذي أواش بالشين المعجمة كأنه أراد به أن هذه القصور موشاة أي منقوشة. و " أواس " رواية ابن إسحاق، واحدها آس وهو الاصل. (3) في الاصل " وبقومي بدلت لحما وعكا " والشطر الثاني مضطرب والاثبات عن الاغاني 1: 28 - عك - بفتح أوله - قبيلة يضاف إليها مخلاف باليمن - لخم وجذام: قبيلتان معروفتان (الاغاني 1: 28 حاشية رقم 1). (4) في الاصل " أقطع الليل كله ذكريات ". واشتياقا فما أكاد أنام. وما أثبتناه عن الاغاني 1: 29 ط. دار الكتب. (5) في الاغاني ط ص 29 " خشية أن يصيبهم عنت الدهر وحرب يشيب منها الغلام. (6) إضافة يستقيم بها الوزن. (*)

[ 297 ]

ففؤادي من ذكر قومي حزين * ودموعي على الذرى سجام أقر قومي السلام إن جئت قومي * وقليل مني لقومي السلام وقال: سقى الله أكناف المدينة مسبلا * ثقيل التوالي من معين الاوائل أحس كأن البرق في حجزاته * سيوف ملوك في أكف الصياقل ويا ليت شعري هل تغير بعدنا * بقيع المصلى أم بطون المسابل أم الدور أكناف البلاط كعهدنا * ليالي لاطتنا بوشك التزايل يجد لي البرق اليماني صبابة * تذكر أيام الصبا والخلائل فإن تك دار غربت عن ديارنا * فقد أبقت الاشجان صفو الوسائل وقال: إن ردي نحو المدينة طرفي * حين أيقنت أنه التوديع زادني ذاك عبرة واشتياقا * نحو قومي والدهر قدما ولوع كلما أسهلت بنا العيس بينا * وبدا من أمامهن مليع ذكر ما تزال تتبع قومي * ففؤادي به لذاك صدوع وقال: بكى أحد لما تحمل أهله * فسلع فبيت العز عنه تصدعوا (1) ونرحل نحو الشام ليست بأرضنا * ولا بد منها والانوف تجدع على أثر البيض الذين تحملوا * لمقليهم منا جميعا فودعوا


(1) في الاغاني 1: 27: بكى أحد لما تحمل أهله * فسلع فدار المال أمست تصدع وبالشام إخواني وجل عشيرتي * فقد جعلت نفسي إليهم تطلع (*)

[ 298 ]

وقال: القصر فالنخل فالجماء بينهما * أشهى إلى القلب من أبواب جيرون (1) إلى البلاط فما حازت قرائنه * دور نزحن عن الفحشاء والهون (2) قد يكتم الناس أسرارا فأعلمها * ولا ينالون حتى الموت مكنوني (3) (إني مررت لما زال منا في شبيبتنا) * مع الرجاء لعل الدهر يدنيني (4) وقال: بكى أحد إذ فارق النوم أهله * فكيف بذي وجد من القوم آلف من اجل أبي بكر جلت عن بلادنا * أمية، والايام ذات تصارف وقال: أيها الراكب المقحم في السي‍ * ر إذا جئت يلبنا فبراما أبلغيه عني وإن شطت الدا * ر بنا عن هوى الحبيب السلاما ما أرى إن سألت إن إليه * يا خليلي لمن بحمص مراما تلك دار الحبيب في سالف الده‍ * ر سقاها الاله ربي الغماما زانها الله واستهل بها المز * ن ولج السحاب فيها وداما ربما قد رأيت فيها حسانا * كالتماثيل آنسات كراما


(1) البيت مضطرب النسخ. والمثبت عن الاغاني 1: 11 ط. دار الكتب. والقصر الذي عناه في هذا الشعر قصر سعيد بن العاص بالعرصة، والنخل الذي عناه نخل كان لسعيد هناك بين قصره وبين الجماء، وهي أرض كانت له كذلك. وأبواب جيرون بدمشق. (2) ويروى فيه " حاذت قرائته ": من المحاذاة. والقرائن: دور كانت لبني سعيد ابن العاص متلاصقة " سميت بذلك لاقترانها (2) نزحن: بعدن. الهون: الهوان. (3) في الاصل: قد يكتم الناس أسرارا وأعلمها * فلا ينال طوال الدهر مكنون والمثبت عن الاغاني 1: 11. والمكنون: المستور الخفي وهو مأخوذ من الكن. (4) هذا البيت مضطرب الوزن، وقد أثبتناه كما ورد في الاصل (المدقق). (*)

[ 299 ]

خصرات من البهاليل من عب‍ * د مناف معلقات وساما وعشارا من المهاري رقاقا * وعتاقا من الخيول صياما وإذا ما ذكرت دهرا تولى * فاض دمعي على ردائي سجاما وقال الوليد بن عقبة: طرب الفؤاد إلى المدينة بعدما * نزل المشيب محل غصن شباب ودعى الهوى سدل فداعى ساجعا * فانهل دمعي واكف الاتراب سيلا كما ارفض الجمان أساله * أحزانه في إثر حب رباب ذكر الفؤاد مها برملة حرة * في مونق جعد الثرى معشاب نزحت بيثرب أن تزار ودونها * بلد يقل مناطق الاصحاب [ ولقد عمرنا ما كان تفرقا ] * قبل السبات وفرقة الاحباب (1) لا يرجع الحزن الممر سفاهه * زمن العقيق ومسجد الاحزاب وقال الوليد بن عقبة: إذا البرق من نحو الحجاز تعرضت * مخايله هاج الفؤاد المتيما وهيج أياما خلت وملاعبا * بأكناف سلع فالبلاط المكرما وذكر بيضا كن لا أهل ريبة * يمرون لا يأتين من كان محرما ويبدين حق الود للكفء ذي الحجى * ويأبين إلا عفة وتكرما ذكر حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا يحيى بن سعيد، أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث، أن عائشة رضي الله عنها كانت تحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهر ذات ليلة


(1) هذا البيت مضطرب. وقد أثبتناه كما ورد في الاصل (المدقق). (*)

[ 300 ]

وهي إلى جنبه، قالت فقلت: مالك يا رسول الله ؟ قال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة، قالت: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوت السلاح فقال: من هذا ؟ قال: أنا سعد بن مالك (1). فقال: ما شأنك ؟ فقال: جئت لاحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه. * حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن أبي سليمان. عن عطاء، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه ذكر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، قال جابر رضي الله عنه: كما يفعل حرسكم هؤلاء لامرائهم. * حدثنا حرمى بن عمارة (2)، عن محمد بن إبراهيم الهاشمي، عن إدريس الاودي، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى في الحجر قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رأسه بالسيف. * حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا عبد الاعلى (بن


(1) في الاصل سعد بن مالك وهو سعد بن أبي وقاص واسم أبي وقاص: مالك ابن وهيب وقيل أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن حرب بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهر بن النضر بن كنانة القرشي الزهري. أسلم بعد سنة، وقيل بعد أربعة، وهو أحد الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى... قال علي رضي الله عنه: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه وأمه لاحد إلا لسعد بن أبي وقاص قال له يوم أحد: ارم فداك أبي وأمي. ارم أيها الغلام الخرور (أسد الغابة 2: 293). (2) حرمي بن عمارة العتكي، قال ابن معين: صدوق (الخلاصة للخزرجي 65). (*)

[ 301 ]

عبد الاعلى (1) السامي قال، حدثنا سعيد الجريري (2)، عن عبد الله بن شقيق رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرسه أصحابه حتى نزلت هذه الآية: " والله يعصمك من الناس " (3) فخرج إلى الناس فقال: أيها الناس الحقوا بملاحقكم، فإن الله عزوجل قد عصمني من الناس. * حدثنا عثمان بن عبد الوهاب قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن عاصم بن محمد بن زيد، عن محمد بن كعب القرظي قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحرس، فنزلت: (والله يعصمك من الناس "، فترك الحرس. * حدثنا محمد بن مسلم، قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن الحارث بن حسان البكري قال: قدمت المدينة فإذا النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، وإذا بلال متقلد بالسيف، وإذا رايات سود، فقلت: ما هذه الرايات ؟ قالوا: هذا عمرو بن العاص قدم من غزوة ذات السلاسل (4).


(1) ما بين الحاصرتين عن الخلاصة للخزرجي ص 186 وهو عبد الاعلى بن عبد الاعلى السامي أبو محمد البصري روى عن يونس والجريري، وثقه ابن معين. (2) الجريري: سعيد بن إياس الجريري - بضم الجيم - أبو مسعود البصري روى عن أبي الطفيل وأبي عثمان المهدي وأبي نضرة، وعنه شعبة والنوري قال ابن سعد مات سنة أربع وأربعين ومائة (الخلاصة للخزرجي ص 115). (3) سورة المائدة آية رقم 67. (4) غزوة ذات السلاسل: وكان من شأنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن جمعا من قضاعة قد تجمعوا يريدون المدينة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه - وذلك بعد إسلامه بسنة - وعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء، في ثلاثمائة من المهاجرين والانصار، ومعهم ثلاثون فرسا، ثم = (*)

[ 302 ]

* حدثنا الحسين بن إبراهيم بن الحر (1) قال حدثنا سيف ابن هارون البرجمي، عن عصمة بن بشير (2) قال، أخبرني الفرع عن النفيع (3) قال خاض الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم باعث خالد بن الوليد إلى رقيق مصر يعتقهم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقة له، ومعه أسود قائم ما رأيت أحدا من الناس أطول منه، قد حاذى رأسه برأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دنوت إليه، أهوى إلي، فكفه رسول الله صلى الله عليه وسلم. * حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا هشيم، عن يحيى ابن سعيد، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: صلى


= أمدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين من سراة المهاجرين والانصار، منهم أبو بكر وعمر، وسميت ذات السلاسل لانها أرض بها ماء يقال له السلاسل، وقال ابن حجر: المشهور أنها بفتح الاولى، وقيل سمي المكان بذلك لانه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، وقيل لان المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يغزوا والمكان وراء ذات القرى أو وادي القرى من المدينة على عشرة أيام، وكانت في جمادي الآخرة سنة ثمان على الخلاف (انظر شرح المواهب للزرقاني 2: 277 - 280 والسيرة الحلبية 2: 313 وحاشيته). (1) في الاصل الحسين بن إبراهيم بن الرفا. والمثبت عن خلاصة التذهيب ص 82 وهو الحسين بن إبراهيم بن الحر العامري أبو علي البغدادي، لقبه أشكاب، يروي عن فليح، وعنه ابنه محمد قال ابن سعد: مات سنة ست عشرة ومائتين وقيل في التهذيب ست ومائتين. (2) عصمة بن بشير، يروي عن الفرع قال الدارقطني: هما مجهولان (ميزان الاعتدال 2: 196). (3) نفيع بن الحارث أبو داود النخعي الكوفي الهمداني الاعمى، يروي عن أنس بن مالك وابن عباس وزيد بن أرقم، ويروي عنه سفيان وشريك وهمام، قال العقيلي كان يغلو في الرفض، وقال البخاري: يتكلمون فيه، وقال ابن معين وأبو زرعة: ليس بشئ (انظر ميزان الاعتدال 3: 242). (*)

[ 303 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرته والناس قائمون من وراء الحجرة يصلون بصلاته. * حدثنا عبد الله بن رجاء قال: حدثنا المسعودي، عن القاسم قال: كان عبد الله (1) رضي الله عنه يلبس النبي صلى الله عليه وسلم نعليه، ثم يأخذ العصا فيمشي أمامه، حتى إذا جلس أعطاه العصا، ونزع نعليه فجعلهما في ذراعيه، ثم استقبله بوجهه. فإذا أراد أن يقوم ألبسه نعليه، ثم أخذ العصا فمشى قدامه، حتى يلج الحجرة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم. * حدثنا الصلت بن مسعود، وسليمان بن أحمد قالا، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم


(1) المراد هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب أبو عبد الرحمن الهذلي، حليف بني زهرة، أسلم قديما، ويقال كان ثالث ستة ما على ظهر الارض غيرهم مسلما، هاجر الهجرتين، وصلى القبلتين، وشهد بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد مع رسول الله، وشهد اليرموك بعد النبي صلى الله عليه وسلم، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورى عنه ابن عباس وابن عمر وأبو موسى وجابر وأنس وأبو هريرة وأبو رافع وروى عنه من التابعين علقمة وأبو وائل والاسود وقيس ابن أبي حازم، ولما أسلم رضي الله عنه أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يخدمه، وقال له: آذنك على أن تسمع سوادي وترفع الحجاب، فكان يلج عليه ويلبسه نعليه ويمشي معه وأمامه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وكان يعرف في الصحابة بصاحب السواد والسواك. وتوفي ابن مسعود سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان، وقيل صلى عليه عمار بن ياسر، ولما مات نعي إلى أبي الدرداء فقال: ما ترك بعده مثله (أسد الغابة 3: 256، وشرح المواهب للزرقاني 3: 297 - 298 " الحديث هناك عن الحارث وابن أبي عمر من مرسل القاسم بن عبد الرحمن "). (*)

[ 304 ]

سائرا إلى منى يقدم موكبه، إلى جانبه بلال في يده عود وعليه ثوب، يستر النبي صلى الله عليه وسلم من الشمس. * حدثنا أحمد بن يونس، عن عاصم بن محمد، عن محمد بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحارسه فأنزل الله " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " (1)، فترك الحرس حين أخبره أنه سيعصمه من الناس. (ذكر أسواق المدينة في الجاهلية والاسلام وذكر أحجار الزيت) * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا إسحاق بن جعفر ابن محمد قال، حدثنا عبد الله بن جعفر بن المسور، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل للمدينة سوقا أتى سوق بني قينقاع، ثم جاء سوق المدينة فضربه برجله وقال: " هذا سوقكم، فلا يضيق، ولا يؤخذ فيه خراج " (2). * حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال، حدثنا عبد الله ابن جعفر، عن محمد بن عبد الله بن حسن قال: تصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين بأسواقهم (3).


(1) سورة المائدة آية رقم 67. (2) رواه السمهودي في كتابه وفاء الوفا 1: 539 ط. الآداب عن عمر بن شبة عن عطاء بن يسار. (3) رواه السمهودي في وفاء الوفا 1: 540. قال روى ابن شبة وابن زبالة عن محمد بن عبد الله بن حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدق على المسلمين بأسواقهم. (*)

[ 305 ]

* حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد الله بن أبي عبيد مولى أبي رهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ببقعة فقال: رب يمين ها هنا لا تصعد إلى الله قال:: فرأيت فيه النخاسين بعد. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا أبو ضمرة، عن عبد الرحمن بن الحارث. بن عبيد، عن جده قال: خرجت مع أبي هريرة رضي الله عنه، حتى إذا كنا عند دار ابن مسعود قال: يا أبا الحارث، إن حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم أخبرني: أن رب يمين بهذه البقعة لا تصعد إلى الله، قال: قلت له: أني ذلك يا أبا هريرة ؟ قال: أما أني أشهد ما كذبت. قلت: وأنا أشهد (1). * حدثنا محمد بن يحيى، عن ابن أبي فديك قال، أخبرني ابن أبي ذئب، عمن سمع أبا المغيث يحدث، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه كان يقول: لا يذهب الليل والنهار حتى يخسف برجل بصحن هذا السوق، قال ابن أبي فديك: وكنت أسمع من المشائخ أنه قال: والله أعلم: أن ذلك يكون على باب بيت البرادين. ويقال: هو بفناء دار ابن مسعود (2). * قال أبو غسان: وكان بالمدينة في الجاهلية سوق بزبالة


(1) أورده وفاء الوفا 2: 756 من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد عن جده قال: خرجت مع أبي هريرة حتى إذا كنا عند دار ابن مسعود قال يا أبا الحارث إن حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم أخبرني.. وساق الحديث. (2) في وفاء الوفا 1: 546 ط. الآداب روى ابن شبة عن أبي هريرة رضي الله عنهما كان يقول: لا يذهب الليل والنهار حتى يخسف برجل بصحن هذا السوق... الحديث. (*)

[ 306 ]

من الناحية التي تدعى يثرب، وسوق بالجسر في بني قينقاع، وبالصفاصف بالعصبة (1) سوق، وسوق يقوم في موضع زقاق ابن حبين كانت تقوم في الجاهلية وأول الاسلام، وكان يقال لذلك الموضع " مزاحم " (2). * حدثنا أبو غسان قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن سمعان، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها في حديث ساقه قال: كان يقال لسوق المدينة " بقيع الخيل " (3). * حدثنا أبو غسان، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، قال، أخبرني يحيى بن محمد بن الحكم بن ميناء قال: أدركت سوقا بالزوراء يقال له " سوق الحرص " (4) كان الناس ينزلون إليها بدرج.


(1) العصبة: بفتح العين وضمها وإسكان الصاد، وقيل بفتح الحرفين - منزل بني جحجبي غربي مسجد قباء، وفي البخاري عن ابن عمر " لما قدم المهاجرون الاولون العصبة - موضع بقباء الخ " وانظر وفاء الوفا 4: 1267 محيي الدين. (2) مزاحم: أطم كان بين ظهراني بيوت بني الحبلى، وكان بزقاق ابن حبين سوق يقوم في الجاهلية وأول الاسلام (وفاء الوفا 4: 1306 محيي الدين) والخبر بطوله في نفس المصدر 2: 747. (3) بقيع الخيل: قال السمهودي في وفاء الوفاء 1: 544 ط. الآداب (2: 754 محيي الدين). رأيت الام للشافعي رضي الله تعالى عنه ما يقتضي تسمية سوق المدينة بالبطحاء فإنه روى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة وكان لهم سوق يقال لها البطحاء كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل والابل والغنم والسمن، وروى ابن شبة من طريق عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت في حديث ساقه، كان يقال لسوق المدينة بقيع الخيل، والبقيع هنا هو المراد بقول ابن عمر في حديثه الذي رواه الاربعة والحاكم: " إني أبيع الابل بالبقيع بالدنانير وآخذ مكانها الدراهم ". وفي مراصد الاطلاع 1: 123 أن بقيع الخيل بالمدينة عند دار زيد بن ثابت. (4) سوق الحرص: انظر الخبر عنه في وفاء الوفا 1: 544 = 2: 754 محيي الدين، حيث ذكر السمهودي أن ابن شبة روى عن بعضهم قال أدركت سوقا بالزوراء يقال له سوق الحرص كان الناس ينزلون إليها بدرج. (*)

[ 307 ]

(ذكر أحجار الزيت) * حدثنا خلاد بن يزيد قال، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوفي، عن المشعث بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا ذر " قلت: لبيك وسعديك، يا رسول الله قال " كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت في الدم ؟ " قال قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: " عليك بمن أنت معه " (1). * حدثنا محمد بن يحيى، عن ابن أبي فديك قال: أدركت أحجار الزيت ثلاثة مواجهة بيت ابن أم كلاب، وهو اليوم يعرف ببيت بني أسد. فعلا الكبس (2) الحجارة فاندفنت. * حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني أبو ضمرة الليثي، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد، عن هلال بن طلحة الفهري: أن حبيب بن مسلمة الفهري كتب إليه: أن كعبا سألني أن أكتب له إلى رجل من قومه عالم بالارض. فلما قدم كعب المدينة جاءني كتابه ذلك، فقال: أعالم أنت بالارض ؟ قلت: نعم. قال: إذا كان بالغداة فاغد علي. قال: فجئته حين أضحت (3)، فقال: أتعرف موضع أحجار الزيت ؟ قلت: نعم - وكانت أحجارا بالزوراء يضع عليها الزياتون رواياهم - فأقبلت حتى جئتها فقلت: هذه أحجار الزيت. فقال كعب: لا والله ما هذه صفتها في كتاب الله،


(1) ورد هذا الحديث في وفاء الوفا 4: 1122 محيي الدين. (2) أي طمهما التراب فاندفنت " أقرب الموارد 2: 1062 " والخبر في وفاء الوفا 4: 1121، 1122 محيي الدين ". (3) أضحت في وفاء الوفا 4: 1122 محيي الدين " أصبحت " حيث ورد الخبر. (*)

[ 308 ]

انطلق أمامي، فإنك أهدى بالطريق مني. فانطلقنا حتى جئنا بني عبد الاشهل. فقال: يا هلال، إني أجد هنا أحجار الزيت في كتاب الله، فسل القوم عنها - وهم يومئذ وافرون - فسألتهم عن أحجار الزيت، وقال: إنها ستكون بالمدينة ملحمة عندها (1). (ذكر البيداء، بيداء المدينة) * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا أبو ضمرة الليثي، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد، عن هلال بن طلحة الفهري قال، قال كعب الاحبار: تجهز يا هلال: قال: فخرجنا حتى إذا كنا بالعقيق ببطن السيل دون الشجرة - والشجرة يومئذ قائمة - فقال: يا هلال، إني أجد صفة الشجرة في كتاب الله. قلت: هذه الشجرة. قال: فنزلنا فصلينا تحتها، ثم ركبنا حتى استوينا على ظاهر البيداء قلت: أنت عليها، قال: والذي نفسي بيده إن في كتاب الله أن جيشا يؤمون البيت الحرام فإذا استووا عليها نادى آخرهم أولهم: " ادفعوا "، فخسف بهم وبأمتعتهم وأموالهم وذراريهم إلى يوم القيامة. ثم خرجنا حتي إذا انهبطت رواحلنا قال: يا هلال، إني أجد صفة الروحاء، قال، قلت: الآن دخلنا الروحاء.


(1) بعد أن روى السمهودي كل الاحاديث والاخبار التي جاءت في أحجار الزيت قال: فأحجار الزيت موضعان. فالاول هو المراد بحديث أبي داود واللفظ له والترمذي والحاكم وابن حبان في صحيحه عن عمير مولى أبي اللحم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء قائما يدعو يستسقي رافعا يديه قبل وجهه.. والموضع الثاني الذي عنى كعب الاحبار بمنازل بني عبد الاشهل بالحرة. وبه كانت واقعة الحرة. ولعله المراد بحديث: يا أبا ذر كيف بك. الخ. وانظر (وفاء الوفا 4: 1122 محيي الدين). (*)

[ 309 ]

* حدثنا عفان قال، حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يبايع لرجل بين الركن والمقام عدة أهل بدر، فتأتيه عصائب أهل العراق وأبدال أهل الشام. فيغزوهم جيش من أهل الشام، فإذا كانوا بالبيد خسف بهم، ثم يغزوهم رجل من قريش أخواله كلب، فيلتقون فيهزمهم الله، فالخائب من خاب من غنيمة كلب (1). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا أبو المهزم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يجئ جيش من قبل الشام حتى يدخل المدينة، فيقتلون المقاتلة، ويبقرون بطون النساء، ويقولون للحبلى في البطن: " اقتلوا صبابة الشر "، فإذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم، فلا يدرك أسفلهم أعلاهم ولا أعلاهم أسفلهم - قال أبو المهزم: فلما جاء جيش (حبيش) (2) ابن دلجة قلنا: هم، فلم يكونوا هم. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أنبأنا علي بن زيد، عن الحسن، عن أم سلمة رضي الله


(1) روي هذا الحديث في مسند الامام أحمد بن حنبل 6: 316 وعن هشام عن قتادة عن أبي الجليل عن صاحب له عن أم سلمة بمعناه مع زيادة في متنه. وقد ورد في وفاء الوفا 4: 1158 محيي الدين عن رواية عمر بن شبة من حديث أم سلمة. (2) في الاصل ابن دبحة، والمثبت والاضافة عن تاريخ الطبري ق 2، 7: 578 وق 2، 8: 642 وكذا وفاء الوفا 1: 64 ط. الآداب: وحبيش بن دلجة القيني هو الذي بعثه مروان بن الحكم بن أبي العاص الاموي إلى المدينة لمقاتلة عبد الله بن الزبير حين استولى عليها. وانظر الحديث أيضا في وفاء الوفا 4: 1158 محيي الدين. (*)

[ 310 ]

عنهما قالت: بينما النبي صلى الله عليه وسلم مضطجع في بيته إذ احتفز جالسا فجعل يتوجع، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، مالك توجع ؟ قال: جيش من أمتي يجوز من قبل الشام يؤمون البيت لرجل منعه الله منهم، حتى إذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم، ومصادرهم شتى. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، كيف يخسف بهم جميعا ومصادرهم شتى ؟ قال: " إن منهم من جبر " (من يكرهه فيجئ مكرها (1). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد، عن أبي عمران الجوني، عن يوسف بن سعد، عن عائشة رضي الله عنها بمثله. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب، قال، حدثني ابن لهيعة، عن بسر بن لخم المعافري قال سمعت، أبا فراس (2) يقول، سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا خسف بالجيش بالبيداء فهو علامة خروج المهدي.


(1) أخرجه أحمد في مسنده 6: 316 عن علي بن زيد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة - بمعناه مع زيادة في متنه. والحديث في وفاء الوفا 4: 1158 محيي الدين. (2) أبو فراس هو الربيع بن زيادة النهدي، روى عن عمر وروى عنه أبو نضرة العبدي، وقال الحاكم أبو أحمد: إن كان إسحق بن إبراهيم حفظ اسم أبي فراس الراوي عن عمر أنه الربيع بن زياد ولم يقله من ذات نفسه فهما اثنان، وإن لم يحفظه فهو على ما قاله البخاري. والربيع بن زياد جاء في كتابه خليفة بن خياط: أبو عبد الرحمن، ولا يبعد أن إسحق سماه من ذات نفسه واشتبه عليه، ولا أعرف أبا نضرة روى عن الربيع ابن زياد شيئا، إنما روى عن أبي مجلز وقتادة. وأبو فراس الذي روى عنه أبو نضرة هو نهدي آخر غير ما ذكره البخاري. (الخلاصة للخزرجي ص 393 ط. الخيرية). (*)

[ 311 ]

(خبر أصحاب الافك) * حدثنا الحسين بن إبراهيم قال، حدثنا فليح بن سليمان الاسلمي، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها حين قال لها أهل الافك ما قالوا، فبرأها الله منه، قال الزهري: وكلهم حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم أوعى له من بعض، وأثبت له اقتصاصا (1) وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة رضي الله عنها، وبعض حديثهم يصدق حديث بعض: ذكروا أن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، قالت: فأقرع بيننا في غزوة (2) غزاها فخرج سهمي، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل (3) في هودج وأنزل فيه، فسرنا (4) حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل فلمست صدري، فإذا عقد من جزع قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلونني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت


(1) في الاصل كلمة لا تقرأ والاثبات عن تفسير ابن كثير 6: 68. (2) هي غزوة بني المصطلق. (3) في الاصل " أتحمل " والتصويب عن المصدر السابق. (4) في الاصل " فنزلنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم " والاثبات عن المصدر السابق. (*)

[ 312 ]

أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام (1)، فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة (2) الهودج فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم (3) وليس فيها أحد، فأقمت بمنزلي الذي كنت فيه، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان ابن المعطل السلمي ثم الذكواني (قد عرس) (4) من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه (5) حين أناخ راحلته فوطئ (على) (6) يدها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة (7) حتى أتيت الجيش بعد ما نزلوا في نحر الظهيرة، فهلك في من هلك، وكان الذي تولى كبر الافك عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا (والناس) (8) يفيضون في قول أصحاب الافك لا أشعر بشئ من ذلك، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من


(1) العلقة: أي القليل - والمراد من هذا عذر من حملوا هودجها. (2) في الاصل " ثقل الهودج " والتصويب عن التاج ج‍ 4 ص 187، وكذا تفسير ابن كثير 6: 69. (3) في الاصل " منزلهم " والتصويب عن المراجع السابقة. (4) الاضافة عن تفسير ابن كثير 6: 69. (5) أي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون. (6) الاضافة عن التاج 4: 187 وكذا تفسير ابن كثير 6: 69. (7) في الاصل " فانطلقت تقودني " والمثبت عن المرجع السابق. (8) الاضافات عن التاج 4: 187، 188، 189، وتفسير ابن كثير 6: 69، 70. (*)

[ 313 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللطف) (1) الذي كنت أرى منه حين أمرض (2) إنما يدخل (علي (1) فيسلم ثم يقول كيف تيكم ؟ (3) فذاك (الذي (1)) يريبني، ولا أشعر حتي نقهت، فخرجت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي فعثرت في مرطها (4)، فقالت: تعس مسطح (5)، فقلت: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا ؟ قالت: يا هنتاه (6)، أو لم تسمعي ما قالوا ؟ فقلت: وما قالوا ؟ فأخبرتني بقول أهل الافك، فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم، ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلت له: ائذن لي آتي أبوي. قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر (من قبلهما (1) فأذن لي، فأتيت (7) أبوي فقلت لامي: ما يتحدث الناس ؟ قالت: يا بنية هوني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها القول: فقلت: سبحان الله ! ولقد


(1) الاضافات عن التاج 4: 187، 188، 189، وتفسير ابن كثير 6: 69، 70 (2) في التاج وابن كثير حين اشتكى. (3) إشارة إلى الانثى، أي كيف هذه المريضة، فكانت تجيبه أم عائشة التي كانت تمرضها في بيت النبي صلى الله عليه وسلم - وانظر التاج 4: 188. (4) عثرت في مرطها: أي في كسائها. (5) هو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي، يكني أبا عباد، وقيل أبو عبد الله، وأمه أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف - شهد مسطح بدرا، وجلده النبي صلى الله عليه وسلم فيمن جلد عند خوضهم في هذا الحديث.. الخ. توفي سنة أربع وثلاثين وهو ابن ست وخمسين سنة، وقيل شهد صفين مع علي، ومات سنة سبع وثلاثين (أسد الغابة 4: 354). (6) يا هنتاه: أي يا هذه أما سمعت ما قال. (7) في التاج وابن كثير " فجئت " (التاج 4: 188 وابن كثير 6: 70). (*)

[ 314 ]

تحدث الناس بهذا ؟، قالت: فبت تلك الليلة حتي أصبحت لا يرقأ (1) لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبح (2)، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث عليه الوحي حتى يستشيرهما (3) في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلمه من براءة أهله، وبالذي يعلمه في نفسه من الود لهن، فقال: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي رضي الله عنه فقال: لم يضيق (الله) (1) عليك يا رسول الله، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: " يا بريرة هل رأيت منها شيئا يريبك ؟ " قالت: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرا أعمضه (4) عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين (أهلها (1) فيأتي الداجن فيأكله (5)، قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله ابن أبي بن سلول، فقال: " من يعذرني (6) من رجل (قد (1)) بلغني أذاه في أهلي ؟ فوالله ما علمت من أهلي إلا خيرا وقد ذكروا


(1) يرقأ - أي لا يجف لي دمع (أقرب الموارد). (2) في التاج 4: 189 " حتى أصبحت فدعا ". (3) في المرجع السابق " حتى يستأمرهما " والاصل متفق مع ابن كثير في النص. (4) أغمضه عليها: أي أعيبه عليها. (5) في الاصل " تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكلها " والمثبت عن ابن كثير. 6: 70، والتاج 4: 189 أي أنها أنثى صغيرة تنام عن العجين فتأتي الداجن أي الشاة التي في البيت فتأكله، فهذا عيبها إن كان عيبا. (6) من يعذرني: أي يقيم عذري وينصرني من رجل - هو ابن سلول - بلغني أذاه أي طعنه في أهلي.

(1) انظر الملاحظة رقم (1) في الصفحة السابقة. (*)

[ 315 ]

رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي " قالت فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، إن كان من الاوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا (من) (1) الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية على أن قال: كذبت لعمر الله، ما تقتله ولا تقدر على قتله، فقال أسيد بن حضير: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تماري (2) عن المنافقين، قال فتثاور (3) الحيان الاوس والخزرج حتى هموا (أن يقتتلوا) (1) ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر - قال: فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت، قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلة ويوما حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الانصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، قالت: بينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس - ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني - قالت: فتشهد ثم قال: " أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسوف يبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته


(1) الاضافة عن التاج 4: 190. (2) يماري: أي يجادل، كما في رواية التاج 4: 190، تفسير ابن كثير 6: 71. (3) في الاصل: " فثار الحيان " والمثبت عن المراجع السابقة. (*)

[ 316 ]

قلص دمعي (1) حتى ما أحس منه قطرة، وقلت لابي: أجب عني فيما قال، فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لامي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وأنا جارية حديثة السن، وأني لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقلت إني والله لقد علمت أنكم قد سمعتم ما تحدث به ووقر في أنفسكم وصدقتم به، وإن قلت لكم إني بريئة - والله يعلم أني لبريئة - لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (2) قالت: ثم تحولت (فاضطجعت) (3) على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني الله ببرأتي ولكني ما ظننت أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولانا أحقر في نفسي من أن يتكلم القرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يري الله رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام رؤيا تبرئني، قالت: فوالله ما رام (4) مجلسه ولا خرج (أحد) (5) من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء (6) حتى إنه ليتحدر


(1) قلص دمعي: أي انقطع، لان الحزن إذا اشتد فقد الدمع لشدة المصبية (التاج: 4: 190). (2) سورة يوسف آية 18. (3) الاضافة عن مغازي الواقدي 2: 433، والتاج 4: 191، وابن كثير 6: 72 (4) ما رام مجلسه: أي ما فارق مجلسه. (5) سقط في الاصل: والاثبات عن التاج 4: 191، وابن كثير 6: 72. (6) فأخذه من البرجاء: أي شدة الوحي حتى إنه ليتساقط عرقه. (*)

[ 317 ]

منه مثل الجمان من العرق في يوم شات، قالت: فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك كان أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة احمدي الله فقد برأك الله. قالت: فقالت: لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، وأنزل الله: " إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم " (1) إلى آخر الآيات كلها، فلما أنزل الله (هذا) (2) في براءتي قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابة منه - والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله هذه الآية " ولا يأتل أولو الفضل منكم " (3) " إلى آخرها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بلى والله إني لاحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: " يا زينب ما علمت وما رأيت ؟ " فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ما رأيت عليها إلا خيرا، قالت عائشة رضي الله عنها: وهي التي كانت تساميني (4) من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع. * وحدثنا فليح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، و عبد الله ابن الزبير رضي الله عنهم بمثله.


(1) سورة النور آية 11. (2) الاضافة عن التاج 4: 192، وتفسير ابن كثير 6: 72. (3) سورة النور آية 22. (4) تساميني: أي تطلب من العلو والرفعة والحظوة عند النبي صلى الله عليه وسلم ما أطلب، أو تعتقد أن لها مثل ما كان لي عند النبي صلى الله عليه وسلم. (*)

[ 318 ]

* حدثنا فليح عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد بمثله. * قال فليح وسمعت ناسا من أهل العلم يقولون: إن أصحاب الافك جلدوا الحد (1)، ولا نعلم ذلك. * حدثنا عمرو بن قسط قال، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن راشد بإسناده وألفاظه بمثله، إلا حروفا منها: من جزع أظفار، ومنها لم يثقلهن ولم يهبلهن (2) اللحم، ومنها: وكان صفوان من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي، ومنها: فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي كليا، والله ما تكلم بكلمة وما سمعت منه كلمة غير استرجاعه، ومنها: حتى أتيت الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، ومنها: أم مسطح وهي بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف. * حدثنا سويد بن سعيد (3) قال، حدثنا الوليد بن محمد الموقري، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت:


(1) ويوافق هذا ما جاء في التاج 4: 192 عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم. رواه الترمذي بسند صحيح. * والرجلان: هما حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، والمرأة هي حمنة بنت جحش، حدوا حد القذف، ثم تابوا وصاروا من أحسن المسلمين رضي الله عنهم. (2) لم يهبلهن: أي لم يكثر عليهن اللحم والشحم (اللسان 14: 212). (3) هو سويد بن سعيد الهروي أبو محمد الانباري، روى عن حفصة بن ميسرة وحماد بن زيد، قال أحمد: أرجو أن يكون صادقا، وقال أبو زرعة: كتبه صحاح، قد كان ذا رحلة ومعرفة، مات سنة أربعين ومائتين. (الخلاصة للخزرجي ص 135). (*)

[ 319 ]

غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بني المصطلق، وسبا يومئذ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وكان من شأن عائشة رضي الله عنها. بلغنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم ساهم بين نسائه في غزوة بني المصطلق أيتهن تخرج معه. فخرج سهم عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، فخرج بهما معه، فلما قفلوا من غزاتهم، وكان بينهم وبين المدينة ليلتان، مال رحل أم سلمة فأناخوا بعيرها ليصلحوا رحلها (1)، ثم جعل الهودج فيوضع على البعير ثم يشد عليه، فلما غيروا رحل أم سلمة نزلت عائشة لحاجة كانت لها، فسقطت قلادة كانت في عنقها من جزع أظفار يمانية، فرجعت تلتمسها فوجدت القوم قد ذهبوا، وظنوا أنها في الهودج، قالت عائشة: فقلت في نفسي: لو اضطجعت في مكاني لعلهم يفقدوني فيلتمسوني، فمر بها رجل من قريش يقال له صفوان بن المعطل، وكان في ساقة القوم، فنادى بها: أيها النائم - وهو يحسبني رجلا - فرفعت رأسي - وقد كان رآني قبل الحجاب - فاسترجع، ثم أناخ بعيره فعقل يديه جميعا، ثم قال يا أمه إذا استويت عليه فآذنيني، فلما استويت عليه آذنته، فأخذ برأس الجمل، ولم يكلمني حتى جاء بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما ارتفع النهار، فقال عبد الله ابن أبي بن سلول: ما تخلفت إلا لكذا وكذا، وأعانه على قول مسطح ابن أثاثة وحسان بن ثابت وامرأة أخرى (2). قالت عائشة رضي الله عنها: وقدمنا المدينة فكثر القول في الناس في شأني، وكان رجلان


(1) سقط في الاصل والاثبات عن مجمع الزوائد 9: 237. (2) هي حمنة بنت جحش (التاج 4: 192، ومجمع الزوائد 9: 237، ومعالم التنزيل 6: 70). (*)

[ 320 ]

من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما زيد بن حارثة، والثاني (1) أبو أيوب الانصاري يقولان إذا سمعا شيئا من ذلك: سبحانك هذا بهتان عظيم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله عنها: ورابني منه أني كنت أعرف من وده ما أعرف، ثم استكتم فما يريد إلا أن يقول كيف تيكم، فرابني ذلك منه، ولم أعلم شيئا مما قال الناس، فقالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رجلين من أصحابه كانا من أهله، علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، فقال: " ما تريان في عائشة ؟ " فقال علي رضي الله عنه: النساء كثير، وقد أحل الله لك وأطاب، طلق وانكح غيرها، وإن تسأل عنها أم مسطح تصدقك. فقال أسامة بن زيد رضي الله عنهما: يا رسول الله ما علمت على هلك إلا خيرا، إن الناس ليكثرون ويكذبون، وإن تسأل عنها أم مسطح تخبرك، فأرسل إلى أم مسطح فقال: " أي امرأة تقولين في عائشة ؟ (2) " قالت: ما علمنا منها إلا خيرا، على أنها امرأة رقود، ترقد حتى تأتي الشاة فتأكل عجين أهلها، إنها لاطيب من طيب الذهب، وإن كانت كما يقول الناس لتخبرنك فعجب الناس لقولها، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: " من يعذرني ممن يؤذيني في أهلي ؟ والله إنهم ليقولون في رجل ما دخل بيتي إلا معي، ولا أسافر سفرا إلا سافر معي، فلما أمسوا من ذلك اليوم - ولم أعلم ما كان في المسجد - خرجت إلى ما يخرج إليه النساء من الحاجة،


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) سقط في الاصل. (*)

[ 321 ]

ومعي أم مسطح معها سحبل (1) ماء فعثرت فعقلها إزارها فقالت: تعس مسطح، فقالت عائشة: سبحان الله سببت رجلا من المهاجرين شهد بدرا وهو ابنك ! ! قالت أو ما تدرين ما قال لك ؟ قالت: وما قال لي ؟ قالت: زال بك السيل وما تدرين ؟ إنه قال كذا وكذا، قالت عائشة: فرجعت إلى بيتي قد تقلص ذلك مني ما قدرت على قضاء حاجة، فبكيت من العشاء حتى أصبحت ما دخل في عيني نوم ولا جفت لي عين، ثم بكيت من بكرة حتى الليل ما جفت لي عين ولا دخل في عيني نوم، فلما أمسيت قلت: يا رسول الله ائذن لي أن آتي أبوي، قال " نعم إن شئت " قالت فجئت إلى أبوي فقلت لهما: ألا خبرتماني حتى أعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لها أبو بكر رضي الله عنه: والله لوددت أني لم أرك قط، وددت أن لو كنت حيضة، والله ما قيل ذلك في الجاهلية فكيف في الاسلام، قالت: والله لا يخزيك الله أبدا، فقالت أمها أم رومان: يا بنية اخفضي عليك شأنك، والله ما كانت امرأة قط يحبها زوجها ولها ضرائر إلا يبغينها شرا، قالت: فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فرأى في وجوههم من الحزن ما رأى، فقال: " يا عائشة إن كنت فعلت شيئا مما قالوا فأخبريني حتى أستغفر الله لك، فقالت لابويها: أجيبا رسول الله صلى الله عليه وسلم عني، قال أبو بكر رضي الله الله عنه: والله ما أدري ما أجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أدري ماذا أقول، قالت عائشة: والله لا أستغفر الله من هذا الذنب


(1) ما في الاصل " يقرأ سحبل أو سجل " والسحبل: الضخم من الاسقية، والسجل: الدلو الكبير (أقرب الموارد). (*)

[ 322 ]

أبدا، وإن كنت فعلت فلا غفر الله لي، وما أجد مثلي ومثلكم إلا مثل أبي يوسف حين قال " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " (1)، وما (أذكر) (2) اسم يعقوب من الاسف، قالت: وبكيت، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كهيئة ما يعتريه، قال أبو بكر رضي الله عنه: ادني من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت والله لا أمسه، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فقال لها أبشري (3) إن الله قد أنزل براءتك ؟ قالت: " بحمد الله لا بحمدك وحمد صاحبيك فقال: أبو بكر رضي الله عنه: والله لا أنفع مسطحا أبدا، افترى على ابنتي فأنزل الله: " ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم " (4) فكفر أبو بكر رضي الله عنه عن يمينه، وأحسن إلى مسطح بعد وزاده على ما كان يصنع إليه، ونزل في عائشة رضي الله عنها في سورة النور بعد الفتنة " إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحبسوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم " إلى قوله " لهم مغفرة ورزق كريم " (5).


(1) سورة يوسف آية 18. (2) سقط في الاصل والاثبات عن سيرة ابن هشام 2: 302. (3) في الاصل " أشعرت " والتصويب عن معالم التنزيل 6: 75، وابن هشام 2: 302. (4) سورة النور آية 22. (5) سورة النور الآيات من 11 - 26. (*)

[ 323 ]

* حدثنا أبوعمران الرازي حفص بن عمر قال، حدثنا صالح ابن أبي الاخضر، عن الزهري قال، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعروة بن الزبير (وعلقمة بن (1) وقاص) حديث عائشة حين قال لها أهل الافك ما قالوا، وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أثبت لحديثها من بعض وأحسن له قصصا عن عائشة، فذكر نحو حديث فليح، ولم يقل: بني المصطلق، إلا أنه قال: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فذكر نحوه. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن هشيم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت علي أم مسطح فخرجت إلى حين لحاجة فوطئت أم مسطح على عظم - أو شوكة - فقالت: تعس مسطح، فقلت: بئس ما قلت، ابنك، ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ! ! فقالت: أشهد أنك من الغافلات المؤمنات، أتدرين ما قد طار عليك ؟ قلت: لا والله، قالت: متى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بك ؟ فقالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم (يصنع) (2) في أزواجه ما أحب، يدني من أحب منهن ويرجي من أحب (منهن) (2) قالت: فإنه قد طار عليك كذا وكذا، قالت: فخررت مغشية علي، فبلغ أمري أمي، فلما بلغها أن عائشة قد بلغها الامر أتتني فحملتني فذهبت بي إلى بيتها، فبلغ رسول الله


(1) سقط في الاصل والاثبات عن السيرة لابن هشام 2: 297، وإرشاد الساري بشرح صحيح البخاري. 6: 338. (2) سقط في الاصل والاثبات عن مجمع الزوائد 9: 229، والبداية والنهاية 6: 73. (*)

[ 324 ]

صلى الله عليه وسلم أن عائشة قد بلغها الامر، فجاء إليها فدخل عليها وجلس عندها، وقال: " يا عائشة إن الله قد وسع التوبة " قالت: فازددت شرا إلى ما بي، فبينا نحن كذلك إذ جاء أبو بكر فدخل (علي) (1) فقال: يا رسول الله ما تنتظر بهذه التي قد خانتك وفضحتني ؟ قالت: فازددت شرا إلى شر، قالت: فأرسل إلى علي رضي الله عنه فقال " يا علي، ما ترى في عائشة ؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: " لتخبرني ما ترى فيها " قال: قد وسع الله في النساء، فأرسل إلى بريرة جاريتها فسلها فعسى أن تكون قد اطلعت على شئ من أمرها، فأرسل إلى بريرة فجاءت، فقال لها: " أتشهدين أني رسول الله ؟ " قالت: نعم، قال: " فإني سائلك عن شئ فلا تكتميني " قالت: يا رسول الله ما شئ تسألني عنه إلا أخبرتك، ولا أكتمك إن شاء الله شيئا، قال: " هل رأيت منها شيئا تكرهينه ؟ " قالت: لا والذي بعثك بالنبوة، ما رأيت منها (2) منذ كنت عندها إلا خلة، قال: " ما هي " قالت، عجنت عجينة لي فقلت يا عائشة احفظي هذه العجينة حتى أقتبس نارا فأختبز، فقامت تصلي، فغفلت عن العجينة فجاءت الشاة فأكلتها. قالت: فأرسل إلى أسامة فقال " يا أسامة ما ترى في عائشة ؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال " لتخبرني ما ترى فيها " قال: فإني أرى أن تسكت عنها حتى يحدث الله إليك فيها، قالت: فما كان إلا يسيرا حتى نزل الوحي، فلما نزل فرئي في وجه


(1) سقط في الاصل والاثبات عن مجمع الزوائد 9: 229، والبداية والنهاية 6: 73. (2) في الاصل: " عندها " والمثبت عن مجمع الزوائد 9: 229، وفي إرشاد الساري 6: 341 ومعالم التنزيل 6: 72 وتفسير ابن كثير 6: 70 والتاج 4: 189 " ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها ". (*)

[ 325 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم السرور، وجاء عذرها من الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبشري يا عائشة - ثلاث مرار - فقد أتاك الله بعذرك " قالت فقلت: بغير حمدك وحمد صاحبك، قالت: فعند ذلك تكلمت، قالت: وكان إذا أتاها قال: كيف تيكم ؟ * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أن عائشة رضي الله عنها قالت: لقد تحدث الناس بهذا الامر، وشاع فيهم، فقام فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا، وما أشعر به، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه على جارية لي نوبية فقال: " يا فلانة، ما تعلمين عن عائشة ؟ " فقالت: والله ما أعلم منها عيبا إلا أنها تنام فتدخل الشاة فتأكل خميرتها. فقال " ليس غير هذا، أسألك " فقالت: نعم فسلني، فلما فطنت لما يريد قالت: سبحان الله ! ! ولا علمت من عائشة إلا ما يعلم الصايغ من التبر الاحمر. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد، فأشيروا علي معشر المسلمين في قوم آبنوا (1) أهلي وما علمت عليهم من سوء قط، آبنوهم بمن والله ما علمت (عليه) (2) من سوء قط، ما بقيت إلا وهو معي، ولا دخل بيتي إلا وأنا شاهد " فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله أرى أن تضرب أعناقهم، فقال رجل من الخزرج (3): كذبت والله، أم والله لو كان من رهطك ما أمرت


(1) آبنوا، آبنه: اتهمه وعابه، والنص موافق لما جاء في تفسير ابن كثير 6: 73. (2) سقط في الاصل والاثبات عن ابن كثير 6: 73. (3) هو سعد بن عبادة. (التاج 4: 190، مجمع الزوائد 9: 233). (*)

[ 326 ]

بقتلهم. حتى كاد أن يكون بين الخزرج والاوس كون (1)، وكان ممن تولى كبره حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في آخرين لا يسمون، وكان يتحدث به عند عبد الله بن أبي ويذيعه. * قالت عائشة رضي الله عنها: فخرجت ذات ليلة معي أم مسطح لحاجتي، فبينا هي تمشي إذ عثرت فقالت: تعس مسطح. فقلت: سبحان الله، علام تسبين ابنك وهو من المهاجرين الاولين، وقد شهد بدرا ؟ ! ثم مشت أيضا فعثرت، فقالت: تعس مسطح، فقلت علام تسبين ابنك وهو من المهاجرين الاولين وقد شهد بدرا ؟ ! ثم مشت أيضا فعثرت، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها مثل ذلك. فقالت: والله ما أسبه إلا فيك، فقلت: وما شأني ؟ فأخبرتني، فذهبت حاجتي فما أجد منها شيئا، فرجعت فحممت فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " ما شأنك يا عائشة ؟ " فقلت: حممت يا رسول الله فأذن لي فلآتي أبوي، فأذن لي، فذهبت فإذا أمي أسفل وإذا أبي فوق البيت يصلي، فقالت أمي: ما جاء بك ؟ فقلت: أخبرتني أم مسطح بكذا وكذا، قالت: وما سمعته إلا الآن ؟ قلت: لا، قالت: فبكت وبكيت، وسمع أبي بكاءنا فنزل فقال: ما شأن ابنتي ؟ فقالت: إنها سمعت بذاك الخبر الآن، قال: أي بنية ارجعي إلى بيتك حتى نغدو عليك غدا، فلما كان الغد جاء وعند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من الانصار، فما منع النبي صلى الله عليه وسلم مكانها أن يتكلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال " أما بعد


(1) كذا في الاصل. والكون: الحدث (اللسان) وفي تفسير ابن كثير 6: 73 " شر ". (*)

[ 327 ]

يا عائشة فإن كنت أسأت وأخطأت فاستغفري ربك وتوبي إليه " فقلت لابي: تكلم، فقال لم أتكلم ؟ فقلت لامي تكلمي. فقالت لم أتكلم ؟، فحمدت الله تعالى وأثنيت عليه، ثم قلت: أما بعد فوالله لئن قلت لكم فعلت والله يعلم ما فعلت لتقولن قد أقرت، ولئن قلت ما فعلت لتقولن كذبت، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا ما قال العبد الصالح " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " (1) ونزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما سري عنه حتى رأيت السرور بين عينيه، ثم قال " يا عائشة أبشري فإن الله عز وجل قد أنزل عذرك " وقرأ عليها القرآن: " سورة أنزلناها وفرضناها " (2) حتى أتى على هذه الآيات، فقال أبواي: قومي فقبلي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت أحمد الله لا إياكما. وقال الرجل الذي قيل له ما قيل: سبحان الله، والله إن كشفت كنف أنثى (3) قط. فقتل شهيدا في سبيل الله، قالت: وكان مسطح قريبا لابي بكر، وكان يتيما في حجره، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، فأنزل الله عزوجل " ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة " إلى قوله " ألا تحبون أن يغفر الله لكم " وكان حسان بن ثابت رضي الله عنه إذا سب عند عائشة رضي الله عنها قالت: لا تسبوه فإنه كان


(1) سورة يوسف آية 18. (2) سورة النور آية 1. (3) كذا في الاصل، وفي تفسير ابن كثير 6: 74 " ما كشف كنف أنثى قط ". (4) سورة النور آية 22. (*)

[ 328 ]

ينافح (1) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: أي عذاب أعظم من ذهاب عينيه. * حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن محمد بن إسحاق قال، حدثني الزهري عن علقمة بن وقاص، وعن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عبد الله، فكل حدثني هذا الحديث، وبعض القوم أوعى له من بعض، وقد جمعت لك كل الذي حدثني القوم. * قال محمد بن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها. وعبد الله بن أبي بكر ابن محمد بن حزم الانصاري، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها فكل قد اجتمع حديثه في قصة خبر عائشة رضي الله عنها عن نفسها حين قال لها أهل الافك ما قالوا، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا قرع بين نسائه (فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه) (2) كما كان


(1) النفح: الذب عن الرجل، وفي الحديث " إن جبريل مع حسان ما نافح عني " أي دافع عني. (اللسان 3: 463) وفي تفسير ابن كثير 6: 78 " قال ابن جرير: حدثنا الحسن بن قذعة حدثنا سلمة بن علقمة حدثنا داود عن عامر عن عائشة أنها قالت: ما سمعت من شعر أحسن من شعر حسان ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة، وذاك قوله لابي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب: هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه * وبحري لا تكدره الدلاء (2) سقط في الاصل والاثبات عن سيرة ابن هشام 2: 297. (*)

[ 329 ]

يصنع، فخرج سهمي عليهن، فخرج بي معه قالت: قال وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق فلم يهجهن (1) اللحم فيثقلن، وكنت إذا رحل لي بعيري جلست في هودجي، ثم يأتيني القوم ويحملونني (2)، فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك وجه قافلا، حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل، ثم أذن في الناس بالرحيل فارتحل الناس، وخرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد فيه جزع ظفار (3) فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدري، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمس ما في عنقي فلم أجده - وقد أخذ الناس في الرحيل - فرجعت إلى مكاني فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافي - الذين كانوا يرحلون بي البعير وقد فرغوا من رحلته - فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أني فيه، ثم أخذوا برأس البعير فساروا به، فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب، فانطلق الناس. قالت: فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني، وعرفت أني لو افتقدت قد يرجع


(1) يهجهن اللحم: أي يكثر عليهن ويكون كالورم في الجسم (السيرة لابن هشام 2: 297). (2) في الاصل " يحملوني " والتصويب عن سيرة ابن هشام 2: 297. (3) في الاصل " جزع أظفار " بالهمز وهي رواية لابي ذر عن المستملي، والمثبت عن ابن هشام 2: 298، وإرشاد الساري بشرح صحيح البخاري 6: 338 حيث ورد فيه " وقد صوب الخطابي أظفار بحذف الهمزة وكسر الراء مبنيا كحضار مدينة باليمن " والجزع خرز يمني، وظفار مدينة باليمن قرب صنعاء، وفي رواية عروة عنها في الصحيح: أنها استعارتها من أسماء أختها (شرح المواهب للزرقاني 2: 101). (*)

[ 330 ]

إلي، فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي - وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس - فرأى سوادي فأقبل حتى وقف علي - وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب - فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأنا متلففة في ثيابي - فقال: ما خلفك يرحمك الله ؟ قالت: فما كلمته، قالت: ثم قرب البعير فقال: اركبي، واستأخر عني، فركبت، فأخذ برأس البعير وانطلق سريعا يطلب الناس، فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت (2) حتي أصبحت، ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي، فقال أهل الافك ما قالوا، فارتجف (3) العسكر، ووالله ما أعلم بشئ من ذلك، ثم قدمنا المدينة فلم أمكث أن اشتكيت شكوى شديدة ولا يبلغني من ذلك شئ، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبوي، ولا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا، إلا أني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض لطفه بي، كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك (بي) (4) في شكواي تلك، فقد أنكرت ذلك منه، كان إذا دخل وعندي أمي تمرضني قال " كيف تيكم ؟ " لا يزيد على ذلك، حتى وجدت في نفسي، فقلت يا رسول الله - حين رأيت ما رأيت من جفائه لي - لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني ؟


(1) الظعينة: تطلق الظعينة على الزوجة، تقول " هي ظعينة فلان أي امرأته، لان الرجل يظعن بها أي يرتحل. (2) في الاصل " وفقدت " والمثبت عن السيرة لابن هشام 2: 298. (3) كذا في الاصل وفي ابن هشام 2: 298، فارتج العسكر، أي تحرك واضطرب، (4) الاضافة عن ابن هشام 2: 298. (*)

[ 331 ]

فقال " لا عليك " قالت: فانتقلت إلى أمي، ولا أعلم بشئ مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة، وكنا قوما لا نتخذ الكنف (1) في بيوتنا التي يتخذها الاعاجم، نعافها ونكرهها. إنا كنا نذهب في فسح المدينة، وإنما كانت النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن، فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي ام مسطح بنت أبي رهم ابن عبد المطلب بن عبد مناف، وكانت أمها بنت صخر (2) بن عامر ابن كعب بن سعد بن تيم، خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قالت: فو الله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها (3) فقالت: تعس مسطح. قالت فقلت: بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا. قالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ؟ قالت (قلت) (5) وما الخبر ؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الافك، قلت: أو قد كان هذا ؟ قالت: نعم، والله لقد كان. قالت: فو الله ما قدرت (على) (4) أن أقضي حاجة، ورجعت، فو الله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي، وقلت لامي: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا له ولا تذكرين لي شيئا من ذلك، قالت: أي بنية خفضي عليك (الشأن) (4) فو الله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن وأكثر الناس عليها (4). قالت: وقد


(1) جمع كنيف: وهو السترة أو الساتر، ويطلق على المرحاض فإنه يستر قاضي الحاجة (أقرب الموارد). (2) في الاصل " أم صخر بنت صخر بن عامر " والمثبت عن أسد الغابة 5: 618، وابن هشام 2: 299، وهي سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. (3) المرط: الكساء (السيرة لابن هشام 2: 299). (4) الاضافات عن السيرة النبوية لابن هشام 2: 299، 300. في السيرة النبوية لابن هشام 2: 300 " إلا كثرن وكثر الناس ". (*)

[ 332 ]

قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبا ولا أعلم بذلك (فحمد الله وأثنى عليه) (1) ثم قال: " يا أيها الناس، ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق ؟ فو الله ما علمت منهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، ولا دخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي " قالت: وكان كبر (2) ذلك عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن من نسائه امرأة كانت تناصيني (3) في المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا، وأما أختها حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادني لاختها فشقيت بذلك، فلما أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة قال أسيد بن حضير أحد بني عبد الاشهل: يا رسول الله إن يكونوا من الاوس نكفيكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك فو الله إنهم لاهل أن تضرب أعناقهم، (قالت) (4) فتكلم سعد بن عبادة - وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا - فقال: كذبت لعمر الله، لا تضرب أعناقهم، أم والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك تعرف أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا فقال أسيد بن حضير: كذبت لعمر الله، ولكنك منافق تجادل عن


(1) الهامش رقم 4 بالصفحة السابقة. (2) الكبر: بالضم والكسر: الاثم ومعظم الشئ (السيرة لابن هشام 2: 300). (3) وتناصيني: من المناصاة وهي المساواة (السيرة لابن هشام 2: 300 حاشية رقم 2). (4) الاضافة عن السيرة لابن هشام 2: 300، 301. (*)

[ 333 ]

المنافقين (قالت) (1) وتساور (2) الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الاوس والخزرج شر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل علي (3)، فدعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى خيرا وقاله، ثم قال: يا رسول الله أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل. وأما علي فإنه قال: يا رسول الله إن النساء كثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ليسألها، فقام إليها علي فضربها ضربا شديدا وقال اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أني كنت أعجن عجيني فأمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله، قالت: ثم دخل (علي) (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أبواي وعندي امرأة من الانصار وأنا أبكي وهي تبكي معي، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس، فاتقي الله، فإن كنت قارفت سوءا (4) مما يقول الناس فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده " قالت: (فو الله) (1) إن هو إلا أن قال لي ذلك فقلص (5) دمعي حتى ما أحس منه شيئا. وانتظرت أبوي أن يجيبا عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم


(1) الاضافات عن السيرة لابن هشام 2: 300، 301. (2) وتساور الناس: قام بعضهم إلى بعض. وفي بعض النسخ من سيرة ابن هشام " تثاوروا " وانظر ابن هشام 2: 300 حاشية رقم 3. (3) كذا في الاصل، ولعل العبارة زائدة. (4) قارفت سوءا: أي دخلت فيه (السيرة لابن هشام 2: 301 حاشية 2). (5) قلص دمعي: ارتفع دمعي (عن المصدر السابق حاشية 3). (*)

[ 334 ]

يتكلما، قالت: وأيم الله لانا كنت أحقر في نفسي (وأصغر شأنا) (1) من أن ينزل الله في قرآنا يقرأ به في المساجد ويصلى به، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه شيئا يكذب الله به عني، لما يعلم من براءتي أو يخبر خبرا، فأما قرآن ينزل في فو الله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك، قالت: فلما لم أر أبوي يتكلمان قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالا: والله ما ندري بماذا نجيبه، قالت وأيم الله لا أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الايام (قالت) (1): فلما استعجما علي استعبرت (فبكيت) (1) ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا والله يعلم أني منه بريئة - لاقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني، قالت: ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره، قلت ولكني سأقول كما قال أبو يوسف " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " (2) قالت: فو الله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم من مجلسه ذلك حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه فسجي (3) بثوبه، و (وضعت له) (1) وسادة (من) (1) أدم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت ما فزعت كثيرا ولا باليت، قد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فو الذي نفس عائشة بيده ما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت أن أنفسهما ستخرج فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس، قالت: ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) سقط في الاصل. والاثبات عن السيرة لابن هشام 2: 301، 302. (2) سورة يوسف الآية رقم 3. (3) في الاصل " فتسجى " والمثبت عن ابن هشام 2: 302. (*)

[ 335 ]

فجلس وإنه ليتحدر منه (مثل) الجمان (1) في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول:: " أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك " قالت: فقلت بحمد الله دونكم، ثم خرج إلى الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله في القرآن في، ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش - وكانوا ممن أفصح بالفاحشة - فضربوا حدهم. * قال محمد بن إسحاق، حدثني ابن إسحاق بن يسار، عن بعض رجال بني النجار، أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك ؟ قالت: لا والله ما كنت أفعله، قال: فعائشة خير منك، قالت: فلما أنزل الله القرآن ذكر الله من قال من (أهل) الفاحشة ما قال ومن أهل الافك، فقال: " إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (2) "، وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال: " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا " (3) أي فقالوا كما قال أبو أيوب وصاحبته، ثم قال: " إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به


(1) وفي السيرة الحلبية 2: 85 " فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سرى عنه وهو يضحك، وإنه لينحدر منه العرق كالجمان " والجمان: حبوب مدحرجة تجعل من الفضة أمثال اللؤلؤ. (2) سورة النور آية رقم 11. (3) سورة النور آية رقم 12. (*)

[ 336 ]

علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم " (1) فلما نزل هذا في عائشة رضي الله عنها، وفي من قال لها ما قال، قال أبو بكر رضي الله عنه - وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا ولا أنفعه بنافعة أبدا بعد إذ قال لعائشة وأدخل عليها ما أدخل. فأنزل الله في ذلك: " ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم " (2) قال أبو بكر: بلى والله والله إني لاحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها أبدا. * حدثنا أبو حديفة قال، حدثنا سفيان في قوله: " ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة " (2) قال كانت أم مسطح عند عائشة رضي الله عنها فقالت أم مسطح: تعس مسطح. فقالت عائشة: لم تقولين هذا لرجل من المهاجرين ؟ قالت: أو ما تعلمين ما قد قيل ؟ وكان مسطح فيمن قال لعائشة، وكان يتيما في حجر أبي بكر، فقال أبو بكر: لا أنفعه بقليل أو لا كثير، قال أبو بكر رضي الله عنه: فأنزل الله: " ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله " (2) إلا أنه قال رضي الله عنه: لاكونن لليتيم خير ما كنت. * حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا مالك بن معول، عن أبي حصين عن مجاهد قال: لما نزل عذر عائشة رضي الله عنها قام إليها


(1) سورة النور آية رقم 15. (2) سورة النور آية رقم 22. (*)

[ 337 ]

أبو بكر رضي الله عنه فقبل رأسها، فقالت بحمد الله لا بحمدك. فهلا عذرتني يا أبه ؟ قال: وكيف أعذرك يا بنية بما لا أعلم ؟ وأي أرض تقلني وأي سماء تظلني يوم أقول بما لا أعلم ؟ * حدثنا هارون بن عبد الله قال، حدثنا عبد الرزاق بن همام، عن معمر، عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: فقال: " الذي تولى كبره " علي بن أبي طالب، فقلت: كلا يا أمير المؤمنين، أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، وعلقمة بن وقاص، عن عائشة رضي الله عنها قالت: " الذي تولى كبره عبد الله بن أبي. قال: فما كان جرمه ؟ قلت: أخبرني رجال من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان مسيئا في أمري. * حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة يضربوا حدهم. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد، عن الكلبي، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قالوا لعائشة رضي الله عنها ما قالوا: ثمانين ثمانين: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش. * حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن أشعث بن إسحاق القمني، قال: الذين قذفوا عائشة رضي الله عنها حسان بن ثابت،

[ 338 ]

وعبد الله بن أبي، وحمنة بنت جحش، ومسطح بن أثاثة فجلدهم النبي صلى الله عليه وسلم. * حدثنا أبو عاصم النبيل (1) قال، حدثنا الحسن بن زيد العلوي، عن عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب حسانا ومسطحا - قال أبو عاصم: فقلت له: والمرأة ؟ فقال: والمرأة الحد. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن حصيف، عن سعيد " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات " (2)، قال: (نزلت (3)) في عائشة رضي الله عنها خاصة. * حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن حصيف قال: قلت لسعيد بن جبير " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات " فيمن نزلت ؟ قال ؟ في عائشة رضي الله عنها خاصة. * حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك قال: نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا هشيم، عن العوام، عن شيخ من بني أسد، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه فسر سورة


(1) هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري الحافظ، روى عن بهز بن حكيم والاوزاعي وابن عجلان وخلق، وعنه ابن المديني، وإسحاق ابن راهويه، قال ابن شيبة: " والله ما رأيت مثله " قال أبو عاصم: من طلب الحديث فقد طلب أعلى الامور، فيجب أن يكون خير الناس. ولد أبو عاصم سنة اثنتين وعشرين ومائة، قال خليفة: مات سنة اثنتي عشرة، وقال ابن سعد: سنة أربع عشرة ومائتين (الخلاصة للخزرجي ص 159). (2) سورة النور آية رقم 23. (3) الاضافة عن تفسير ابن كثير 6: 85. (*)

[ 339 ]

النور، فلما انتهى إلى هذه الآية " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة " (1). قال: هذا في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي منهن،، وليس لهم توبة " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا " (2) قال: فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لمن قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توبة، قال فهم بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن ما فسر هذه السورة. * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا علي بن مجاهد، عن الشعبي عن أبي معشر، عن أفلح بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة بن وقاص، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان زيد بن حارثة وأبو أيوب إذا سمعا من ذلك شيئا قالا: سبحانك هذا بهتان عظيم. * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: " كيف ترون في رجل يخاذل بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسئ القول لاهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد برأهم الله، ثم قرأ ما أنزل الله في براءة عائشة، قال سعد بن معاذ: إن كان منا قتلناه، وإن كان من غيرنا جاهدناه،، قال سعد بن عبادة: أما والله ما تقدر على ذلك ولا


(1) سورة النور آية 23. (2) سورة النور الآيتان 4، 5. (*)

[ 340 ]

تستطيعه، وقال محمد بن سلمة: " أتتكلم دون منافق عدو لله ؟ فقال أسيد بن حضير: فيم تكثرون ؟ دعونا من هذا، بيننا وبينه أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لننظر هل يمنعه. فلم تبرح القالة حتى تداعوا بالاوس والخزرج، فنزل القرآن في ذلك: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله " (1) فلم يكن بعد الآية تبصرة ولا يتكلم فيه أحدا. لقد كان رجل من بني ثعلبة يأتيه وهو جالس في المسجد فيأخذ بلحيته فيقول: أخرج منا فقد أختيتنا (2). فيقول: ما أحد ينصرني من أسود بني ثعلبة هذا ؟ فما يتكلم فيه أحد. * حدثنا القعنبي قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد ابن زيد بن أسلم، عن ابن سعد بن رفعة: وأن هذه الآية نزلت " فما لكم في المنافقين فئتين " (1) قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس فقال " من لي ممن يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني ؟ فقام سعد بن معاذ فقال: إن كان منا يا رسول الله قتلته، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فأطعناك، فقام سعد بن عبادة فقال: فإنك طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بن معاذ ولقد عرفت ما هو منك، فقال أسيد بن حضير: انك يا بن عبادة منافق تحب المنافقين. فقام محمد بن مسلمة فقال: اسكتوا أيها الناس فإن فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يأمرنا فيعقد أمره، فأنزل الله " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله " (1).


(1) سورة النساء آية رقم 88. (2) أختيتنا: أي أنقصتنا (أقرب الموارد 1: 256). (*)

[ 341 ]

* حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن محمد بن إسحاق قال: ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بالسيف حين بلغه ما كان يقول فيه - وقد كان حسان قال شعرا في ذلك يعرض بابن المعطل فيه وبمن أسلم من العرب من مضر فقال: أمسى الجلابيب (1) قد عزوا وقد كثروا وابن الفريعة (2) أمسى بيضة البلد (3) ما البحر حين تهب الريح شامية * فيغطئل ويرمي العبر بالزبد (4) يوما بأغلب مني حين تبصرني * أفري من الغيظ فري العارض البرد (5)


(1) في ديوان حسان بن ثابت تحقيق د. سيد حنفي ص 160 " أمسى الخلاييس " والجلابيب هم الغرباء، والخلابيس: الذين يأتون من ها هنا ومن ها هنا. (2) الفريعة: فريعة بنت عمرو بن خنيس بن لوذان بن عبد ود، وهي أم حسان ابن ثابت الانصاري الشاعر - (أسد الغابة 5: 529). (3) بيضة البلد: أي منفردا لا يدانيه أحد، قال أبو ذر: " وهو في هذا الموضع مدح، وقد يكون ذما وذلك إذا أريد أنه ذليل ليس معه غيره، وفي المثل، هو أذل من بيضة البلد، أي من بيضة النعامة حين تتركها بالفلاة ولا تحتضنها (السيرة لابن هشام 2: 304، ولسان العرب 8: 394، وديوان حسان بن ثابت تحقيق د. سيد حنفي). (4) يغضئل: يجول ويتحرك، والعبر: جانب النهر أو البحر، وفي ديوان حسان ابن ثابت تحقيق د. سيد حنفي. ما البحر حين تهب الريح شاملة * فيغطثل ويرمي العبر بالزبد (5) في الاصل. والديوان تحقيق د. سيد حنفي. * ملغيظ أفري كفري العارض البرد * وفي الاغاني 4: 157. * كالسيف أفرى كفري العارض البرد * والمثبت عن السيرة لابن هشام 2: 305. ويقال فلان يفري الفري إذا كان يأتي بالعجب من كلام أو عمل، والسماء تفري إذا جاءت بمطر كثير يتعجب منه. (*)

[ 342 ]

أما قريش فإني لن أسالمهم * حتى ينيبوا من الغيات للرشد (1) ويتركوا اللات والعزى بمعزلة * ويسجدوا كلهم للواحد الصمد (2) ويشهدوا أن ما قال الرسول لهم * حق ويوفوا بعهد الله والوكد (3) أبلغ عبيدا بأني قد تركت له * من خير ما يترك الآباء للولد (4) الدار واسطة والنخل شارعة * والبيض ترفل في الثني كالبرد (5) قال فاعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف، ثم قال: - كما حدثني يعقوب بن عتبة: - تلق ذباب السيف عني فإنني * غلام إذا هوجيت لست بشاعر (6) قال أبو زيد بن شبة: وفيها مما ليس في رواية إسماعيل:


(1) في الاصل: " لن أسالمها " وما أثبت عن ابن هشام 2: 305 وينيب: يرجع، الغيات: جمع غية من الغي وهو خلاف الرشد. وفي ديوان حسان تحقيق د. سيد حنفي. أما قريش فإني غير تاركهم: وفي الاغاني 4: 159: أما قريش فإني لست تاركهم. (2) في ديوان حسان ص 161 ط الهيئة..: ويسجدوا كلهم للخالق الصمد. (3) في الاصل: حق ويوفوا بعهد الله والوعد - وما أثبتناه عن ابن هشام 2: 305 وفي ديوان حسان ط. الهيئة.. حق ويوفوا بعهد الواحد الاحد. وفي الاغاني 4: 149... حتى ويوفوا بعهد الله في سدد. والوكد: العهود المؤكدة. (4) يريد بعبيد ابنه عبد الرحمن. (5) كذا بالاصل والثني: معطف الثوب، ومنه حديث أبي هريرة " كان يثنيه عليه أثناء من سعته (تاج العروس 10: 63). وفي ديوان حسان ص 161... والبيض يرفلن في القسى كالبرد... وذكر أن القسي: ثياب بيض يخالطها حرير يؤتى به من مصر. (6) أضاف أسد الغابة 3: 26 إلى هذا البيت بيتا آخر هو: ولكني أحمي حماي وأشتفي * من الباهت الرامي البداء الطواهر (*)

[ 343 ]

جاءت مزينة من عمق لتخرجني * أخسا مزين ففي أعناقكم قدر (1) ما للقتيل الذي أعدوا فاخذه * من دية فيه يعطاها ولا قدد (2) وقال: جاءت مزينة من عمق لتنصرهم * أخسا مزين وفي أستاهك الفتل (3) فكل شئ سوى أن يدركوا أمرا * أو تدركوا شرفا من شأنكم جلل (4) قوم مدانيس لا يمشي بعقوتهم * جار وليس لهم في موطن باطل (5)


(1) في الاصل " إخسأ مزين ففي أستاهكم قذر " وهو يختلف مع تاليه في القافية، والمثبت من ديوان حسان تحقيق د. سيد حنفي 160. والقدد: جمع قد وهو سير يقد من جلد غير مدبوغ، شببههم بالكلاب وفي أعناقهم تلك السيور. (2) أي يقول في كل هذا: ليس للقتيل الذي أقتله دية يعطاها ولا قود. وفي ديوان حسان تحقيق د. سيد حنفي ص 296: جاءت مزينة من عمق لتنصرهم * أنجى مزينة في أستاهك الفتل (3) وروى للبكري في الديوان ص 295: جاءت مزينة من عمق لتفرعنا * فرى مزين وفي أستاهك الفتل بهذا البيت يهجو حسان مزينة: وكانت مزينة أعانت الاحزاب، ومزينة أمهم وهي بنت وبرة أخت كعب بن وبرة من قضاعة. وعمق اسم مكان، والفتل: ما بين المرفقين عن جنبي البعير - انظر الديوان ص 295، 296 واللسان 14: 29. (4) في الديوان ص 296. فكل شئ سوى أن تذكروا حسنا * أو تبلغوا حسبا في شأنكم جلل (5) مدانيس: جمع دنس، والدنس المتسخ، يقال " فلان دنس الثياب، وهو دنس المروءة، ودنس عرضه: فعل ما يشينه (أقرب الموارد 1: 352). والعقوة: ما حول الدار والساحة والمحلة ويقال " ما يطور بعقوته أحد " وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه " المؤمن الذي يؤمن من أمسى بعقوته " أي حول داره وقريبا منها " (أقرب الموارد، لسان العرب) وفي الاصل: وليس لهم في معرك بطل. والمثبت من الديوان. (*)

[ 344 ]

* حدثنا أحمد بن عيسى قال، وحدثنا عبد الله بن وهب، عن يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن صفوان ابن المعطل ضرب حسان بن الفريعة بالسيف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في هجاء هجاه حسان، فلم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم يده. قال حسان حين برئ: القود. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيده وقال " إنك قلت قولا شينا " وعقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جرحه ذلك. * حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن محمد بن إسحاق قال، وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: أن ثابت بن قيس بن شماس أخا بني الحارث بن الخزرج وثب على صفوان حين ضرب حسان، فجمع يده إلى عنقه بحبل، ثم انطلق إلى دار الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا ؟ قال: ما أعجبك ضرب حسان بالسيف، فو الله ما أراه إلا قد قتله، فقال له عبد الله: هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما صنعت ؟ قال: لا، قال: والله لقد اجترأت، ثم قال: أطلق الرجل، فأطلقه، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فدعا حسان وابن المعطل، فقال ابن المعطل: يار سول الله، آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: " يا حسان أتشوهت (1) على قومي أن هداهم الله للاسلام ؟ " ثم قال " أحسن يا حسان في الذي أصابك " قال: هي لك يا رسول الله. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوضا منها


(1) أتشوهت على قومي: أي أقبحت ذلك من فعلهم حتى سميتهم بالجلابيب من أجل هجرتهم إلى الله ورسوله - السيرة لابن هشام 2: 305. (*)

[ 345 ]

ببرحاء (1) وهي قصر بني حديلة اليوم بالمدينة، كانت مالا لابي طلحة ابن سهل تصدق بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاها حسان في ضربته، وأعطاه سيرين: أمة قبطية، فولدت له عبد الرحمن ابن حسان. * وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لقد سئل عن ابن المعطل فوجدوه رجلا حصورا ما يأتي النساء، ثم قتل بعد ذلك شهيدا. * وقال: حسان بن ثابت رضي الله عنه يعتذر من الذي كان قال في شأن عائشة رضي الله عنها: حصان رزان ما تزن بربية * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل (2)


(1) في السيرة لابن هشام 2: 306 " ببرحاء " بكسر الباء بإضافة البئر إلى حاء اسم رجل، وفي وفاء الوفا 2: 133 ما نصه: " روي في البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاريي المدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء طيب. قال أنس فلما نزلت آية (" لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله عزوجل يقول " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " وإن أحب أموالي إلي " بيرحاء " وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بخ ذلك ما رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الاقربين " فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه - وفي رواية - فجعلها لابي وحسان وكانا أقرب إليه (وفاء الوفا 2: 133 ط. الآداب). (2) بعد هذا البيت جاءت الابيات التالية في السيرة لابن هشام 2: 306، والتاريخ الكبير للذهبي 1: 248 ط. الهيئة العامة للكتاب، والاستيعاب 2: 766: عقيلة حي من لؤي بن غالب * كرام المساعي مجدهم غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها * وطهرها من كل سوء وباطل وروي هذا البيت في الاستيعاب: مهذبة قد طهر الله خيمها * وطهرها من كل بغي وباطل = (*)

[ 346 ]

فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم * فلا رفعت سوطي إلي أناملي (1) فكيف وودي ما حييت ونصرتي * لآل رسول الله زين المحافل (2) فإن الذي قد قيل ليس بلائط * ولكنه قول امرئ بي ما حل (3)


= حصان: عفيفة، رزان: ذات وقار وثبات الملازمة موضعها. ما تزن: ما تتهم. غرثى: جائعة. الغوافل: جمع غافلة ويعني بها الغافلة القلب عن الشر كما قال تعالى: " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات " 24: 23. جعلهن غافلات لان الذين يرمون به من الشر لم يهممن به قط، وهذا أبلغ ما يكون من الوصف بالعفاف ويريد بقوله " وتصبح غرثى من لحوم الغوافل " خميصة البطن من لحوم الناس، أي أنها لا ترتع في أعراض الناس ولا تغتابهم. (1) روي هذا البيت في ديوان حسان بن ثابت. ط. الهيئة. فإن كنت أهجوكم كما قد زعمتم * فلا رفعت صوتي إلى أناملي وما ورد في ابن هشام 2: 306 والاغاني 4: 162 موافق للاصل. وأما الاستيعاب 1: 130، 2: 766: فإن كان ما قد قيل عني قتله. وفي التاريخ الكبير للذهبي 1: 248 ط. مركز تحقيق التراث بالهيئة: فإن كنت أهجوكم كما بلغوكم * فلا رفعت سوطي إلي أناملي (2) روي هذا البيت في ديوان حسان بن ثابت تحقيق د. سيد حنفي: وكيف وودي ما حييت ونصرتي * لآل نبي الله زين المحافل وما في ابن هشام والاستيعاب موافق للاصل، أما الاغاني 4: 162: وكيف وودي من قديم ونصرتي.. (3) روي هذا البيت في ديوان حسان: فإن الذي قد قيل ليس بلائط * بك الدهر بل سعي امرئ بك ماحل وفي التاريخ الكبير للذهبي 1: 248. وإن الذي قد قيل ليس بلائط * بك الدهر بل قيل امرئ متحايل وفي الاستيعاب 2: 776. وإن الذي قد قيل ليس بلائط * بها الدهر بل قول امرئ متماحل وديوان حسان ص 258 ط. السعادة. فإن الذي قد قيل ليس بلائط * بها الدهر بل قول امرئ لي ما حل لائط: لاصق، والماحل: الماشي بالنميمة. (*)

[ 347 ]

* قال: وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه من فريتهم عليها: لقد ذاق حسان الذي كان أهله * وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح (1) تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم * وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا (2) وآذوا رسول الله فيها فجللوا * مخازي تبقى عمموها وفضحوا وصبت عليهم محصدات كأنها * شآبيب قطر من ذرا المزن تسفح (3) * وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لمسطح وكان اسمه " عوف " ومسطح: لقب: يا عوف ويحك هلا قلت عارفة * من الكلام ولم تتبع بها طمعا وأدركتك حميا معشر أنف * ولم يكن قاطعا يا عوف من قطعا أما حديث من الاقوام إذ حشدوا * فلا تقول ولو عاينته قذعا لما رأيت حصانا غير مقرفة * أمينة الجيب لم يعلم لها خمعا (4) في من رماها وكنتم معشرا أفكا * في سئ القول من لفظ الخنى شرعا فأنزل الله عذرا في براءتها * وبين عوف وبين الله ما صنعا فإن أعش أجز عوفا عن مقالته * شر الجزاء بما ألفيته صنعا


(1) الهجير: الهجر وقول الفاحش القبيح. (2) الرجم: الظن، وأترحوا: أحزنوا وهو من الترح وهو الحزن. ويروى " فابرحوا " بالباء وهو من البرح، أي المشقة والشدة. (3) محصدات: يعني سياطا محكمة الفتل شديدات، والشآبيب: جمع شؤبوب وهو الدفعة من المطر، والذرا: الاعالي، والمزن: السحاب، وتسفح: تسيل (السيرة لابن هشام 2: 307). (4) الخمع بالكسر: اللمس، أي أمينة الجيب ليس لها لصوصية، كناية من طهارتها. (*)

[ 348 ]

* حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، وعلي بن مجاهد وإبراهيم بن المختار (1)، عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الافك ما قالوا، وخرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة أخرى سقط أيضا عني عقدي، فحبس على التماسه وطلع الفجر، فلقيت من أبي بكر ما شاء الله، وقال: في كل سفرة تكونين بلاء وعناء، وليس مع الناس ماء، فأنزل الله عزوجل الرخصة بالتيمم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أم والله يا بنية إنك لما علمت لمباركة. * حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبه، أن عمار بن ياسر كان يحدث: أن الرخصة التي أنزل الله في الصعيد إنما نزلت في ليلة حبست عائشة الناس - هي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - عن الرحيل من أجل عقد لها من جزع أظفار حبسته في ابتغائه حتى ذهب من الليل ما شاء الله، وليس مع الناس ما يتوضأون (به) (2) للصلاة، فأتى أبو بكر عائشة رضي الله عنها فتغيظ عليها، وقال: حبست الناس وليس معهم ما يتوضأون للصلاة، فأنزل الله عزوجل الرخصة في التيمم بالمسح بالصعيد الطيب، فقال حين أنزلت: يا بنية إنك ما علمت لمباركة.


(1) إبراهيم بن المختار التميمي، أبو إسماعيل الرازي حبويه - بفتح المهملة وضم الموحدة - قال أبو حاتم: صالح حديث، وقال أبو داود: لا بأس به، وقال البخاري: فيه نظر، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة. (الخلاصة للخزرجي ص 18). (2) إضافة يقتضيها السياق. (*)

[ 349 ]

* حدثنا أبوعمران الداري قال، حدثنا معتمر بن، ميسرة ابن إسحاق، عن سعيد بن جبير، قال: ذكر حسان عند عائشة رضي الله عنها فتناولوه، فقالت: لا تسبوا حسانا، فقالوا: يا أم المؤمنين أو ليس من الذين قال الله تبارك وتعالى: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم، قالت: أو ليس من العذاب الاليم ذهاب بصره. " خبر عبد الله بن أبي بن سلول " * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: خرج عبد الله بن أبي في عصابة من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فلما رأى كأن الله قد نصر رسوله وأصحابه أظهروا قولا سيئا في منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له جعال (2) - وهم زعموا - أحد بني ثعلبة، ورجل من بني غفار يقال له


(1) سورة النور آية 19. (2) جعال أو جعيل بن سراقة الضمري - أو الغفاري أو الثعلبي، وقد ذكر موسى ابن عقبة في المغازي في غزوة بني المصطلق - " وكان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له جعال... الخ. (الاصابة لابن حجر ص 237). ذكر الواقدي رواية أخرى عن ابن رومان وعاصم وغيرهم أن الذي تنازع مع جهجاه هو جعيل بن سراقة. تصغير جعال - مغازي الواقدي 2: 435 ط. أكسفورد. (*)

[ 350 ]

جهجاه (1) فعلت أصواتهما واشتد (جهجاه) (2) على المنافقين ورد عليهم، وزعموا أن جهجاه خرج بفرس لعمر رضي الله عنه يسقيه - وكان أجيرا لعمر رضي الله عنه - ومع جعال فرس لعبد الله بن أبي، فأوردوهما الماء فتنازعوا على الماء واقتتلوا، فقال عبد الله بن أبي: هذا ما جازونا به، آويناهم ومنعناهم ثم هؤلاء يقاتلون. وبلغ حسان بن ثابت الذي كان بين جهجاه الغفاري وبين الفتية الانصاريين فغضب وقال - وهو يريد المهاجرين من القبائل الذين يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم للاسلام -: أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا وابن الفريعة أمسى بيضة البلد فخرج رجل من بني سليم مغضبا من قول حسان رضي الله عنه، فلما خرج ضربه حتى قيل قتله، ولا يراه إلا صفوان بن المعطل، فإنه بلغنا أنه ضرب حسان بالسيف، فلم يقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده - لضرب السلمي حسان - فقال: خذوه،


(1) في الاصابة 1: 254 - جهجاه بن سعيد، وقيل ابن قيس، وقيل ابن مسعود ابن سعد بن حرام بن غفار الغفاري، من أهل المدينة، شهد بيعة الرضوان بالحديبية، وقد روى الشيخان من حديث جابر " كنا في غزوة بني المصطلق فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الانصار، فقال الانصاري: يا للانصار، وقال المهاجرى: يا للمهاجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال دعوى الجاهلية ؟ دعوها فإنها منتنة " فذكر ابن عبد البر أن المهاجري هو جهجاه، وأن الانصاري هو سنان بن يزيد، وقيل ابن وبرة وقيل ابن فروة الجهني، وقيل ابن تيم الجهني (أسد الغابة 1: 309، 2: 359 وتفسير ابن كثير 8: 367، معالم التنزيل للبغوي 8: 366، والسيرة الحلبية 2: 76، والاصابة 2: 83، والبداية والنهاية 4: 157 ومغازي الواقدي 2: 415). (2) سقط في الاصل والاثبات عن أسد الغابة 1: 309. (*)

[ 351 ]

فإن هلك حسان فاقتلوه، فأخذوه، فأسروه، وأوثقوه، وبلغ ذلك سعد بن عبادة فخرج في يومه فقال: أرسلوا الرجل: فأبوا عليه، فقال عمر رضي الله عنه أثم إلى قوم رسول الله تشتمون وتؤذونهم وقد زعمتم أنكم نصرتموهم ؟ ! فغضب سعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولقومه فنصرهم، وقال: أرسلوا الرجل. وأبوا عليه حتى كاد يكون بينهم قتال، ثم أرسلوه، فخرج به سعد إلى أهله فكساه حلة ثم أرسله (1) فبلغنا أن السلمي دخل المسجد ليصلي فيه فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من كساك كساه الله من ثياب الجنة " قال: كساني سعد بن عبادة. وقال عبد الله بن أبي: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذين ليس لهم شئ إلا ما ركبوا رقابكم، وما خرج معهم رجل واحد منهم، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولو أنا قد رجعنا إلى المدينة لقد أخرج الاعز منها الاذل، فأحصى الله عزوجل عليه ما قال، وسمع زيد بن أرقم - رجل من بني الحارث بن الخزرج - قول عبد الله بن أبي فأخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هل لك في ابن أبي فإنه يقول آنفا: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذين ليس لهم شئ إلا ما ركبوا رقابكم وما اتبعه منهم رجل، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل. أخبرني زيد بن أرقم أنه سمع هذا منه، فابعث إليه يا رسول الله عباد بن بشر أخا بني عبد الاشهل أو معاذ


(1) في الاصل " ثم أرسلنا " والصواب ما أثبت. (*)

[ 352 ]

ابن عمرو بن الجموح فليقتله، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، فلما رأى ذلك عمر رضي الله عنه سكت، وتحدث أهل عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة عبد الله بن أبي وأفاضوا فيها، فأذن مكانه بالرحيل ولم يتقار في منزله، ولم يكن إلا أن نزل فارتحل (1)، فلما استقل الناس قالوا: ما شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتقار في منزله، لقد جاءه خبر، لعله أغير على المدينة وما فيها ؟ فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن أبي فسأله عما تكلم به، فحلف بالله ما قال من ذلك شيئا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن كان سبق منك قول شئ فتب " فجحد وحلف، فوقع رجال بزيد بن أرقم وقالوا: أسأت بابن عمك وظلمته، ولم يصدقك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هم يسيرون رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه، فلما قضى الله قضاءه في موطنه وسري عنه نظر فإذا هو بزيد بن أرقم، فأخذ بأذنه فعصرها (2) حتى استشرف القوم بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما شأنه، فقال: " أبشر فقد صدق الله حديثك " فقرأ عليه سورة المنافقين حتى بلغ ما أنزل الله في ابن أبي " هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا " إلى قوله


(1) في معالم التنزيل 8: 367 " أذن للرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها فارتحل الناس. (2) في السيرة الحلبية 2: 81 " فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بأذني وأنا على راحلتي يرفعها إلى السماء حتى ارتفعت عن مقعدي، وهو يقول: وعت أذنك يا غلام، وصدق الله حديثك، وكذب المنافقين، فكان يقال لزيد بن الارقم رضي الله عنه " ذو الاذن الواعية ". (*)

[ 353 ]

" ولكن المنافقين لا يعلمون " (1) فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء (2) من طريق عمق سرح الناس ظهرهم، وأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق، وقال الناس: يا رسول الله ما شأن هذه الريح ؟ فزعموا أنه قال " مات اليوم منافق عظيم النفاق (3) ولذلك عصفت، وليس عليكم منها بأس إن شاء الله " وكان موته غائظا للمنافقين - قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقا عظيم النفاق مات يومئذ - وسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهرهم، وفقدت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الابل، فسعى لها الرجال يلتمسونها، فقال رجل من المنافقين كان في رفقة من الانصار: أين يسعى هؤلاء الرجال ؟ قال أصحابه: يلتمسون راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المنافق: ألا يحدثه الله بمكان راحلته ؟ فأنكر عليه أصحابه ما قال، وقالوا: قاتلك الله، نافقت، فلم خرجت وهذا في نفسك ؟ لا صحبتنا ساعة. فمكث المنافق معهم شيئا، ثم قام وتركهم، فعمد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع الحديث، فوجد الله قد


(1) سورة المنافقون الآيتان 7، 8. (2) وفي معالم التنزيل 6: 369 " ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع - قالوا له بقعاء - فهاجت ريح شديدة.. ". (3) المنافق الذي هاجت الريح بسببه هو: رفاعة بن زيد بن التابوت، مات ذلك اليوم، وكان من عظماء يهود بني قينقاع وكهفا للمنافقين، وكان ممن أسلم ظاهرا، وقد أشار إلى ذلك الامام السبكي في تائيته بقوله: وقد عصفت ريح فأخبرت أنها * لموت عظيم في اليهود بطيبة (معالم التنزيل للبغوي 8: 370، وتفسير ابن كثير 4: 158، والسيرة الحلبية 2: 79). (*)

[ 354 ]

حدثه حديثه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنافق يسمع " إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله، وقال ألا يحدثه الله بمكان ناقته، وإن الله قد أخبرني بمكانها، ولا يعلم الغيب إلا الله، وإنها في الشعب المقابل لكم، قد تعلق زمامها بشجرة " فعمدوا إليها فجاءوا بها، وأقبل المنافق سريعا حتى أتى الذين قال عندهم ما قال، فإذا هم جلوس مكانهم لم يقم منهم من مجلسه، فقال أنشدكم بالله هل أتى منكم أحد محمدا فأخبره بالذي قلت ؟ قالوا: اللهم لا، ولا قمنا من مجلسنا هذا بعد، قال: فإني قد وجدت عند القوم حديثي، والله لكأني لم أسلم إلا اليوم، وإن كنت لفي شك من شأنه، فأشهد أنه رسول الله، فقال له أصحابه: فاذهب إليه فليستغفر لك، فزعموا أنه ذهب إليه فاعترف بذنبه، فاستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويزعمون أنه ابن اللصيت (1)، ولم يزل - زعموا - يفسل (2) حتى مات. * حدثنا إبراهيم، قال محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة قال: حدثنا عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه - وقد سئل عن زيد بن أرقم - فقال: هو الذي يقول النبي صلى الله


(1) هو زيد بن اللصيت تصغير لصت، ويقال النصيب القينقاعي، من اليهود الذين دخلوا الاسلام نفاقا، وهو الذي قاتل عمر بن الخطاب بسوق بني قينقاع، وزعم بعضهم أن زيدا تاب بعد ذلك، وقال بعضهم: لم يزل متهما بشر حتى هلك، وهو قول خارجة ابن زيد بن ثابت حيث أنه أنكر توبته وقال: لم يزل فسلا حتى مات. والفسل: الضعيف الذي لا مروءة له ولا جلد. أو المتهم كما في الرواية الاخرى. (نهاية الارب 16: 358، 359، شرح المواهب للزرقاني 3: 75، السيرة الحلبية 2: 79، أسد الغابة 2: 239، مغازي الواقدي 3: 1010). (2) يفسل: كذا في الاصل وانظر التعليق السابق. (*)

[ 355 ]

عليه وسلم: هو الذي أوفى الله بأذنه، سمع رجلا من المنافقين يقول - والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب - لئن كان هذا صادقا لنحن شر من الحمير، فقال زيد بن أرقم: فقد والله صدق، ولانت شر من الحمير، ثم رفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجحده القائل، فأنزل الله على رسوله (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم) (1) وكان ما أنزل الله من هذه الآية تصديقا لزيد. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا عباد بن عباد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن جلاس بن سويد (2) قال: لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير، فقال عمير بن سعد وكان ربيبه في حجره (3): والله إن الذي يقول حق، وإنك لشر من الحمار، ورفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه جلاس فرد قوله وكذبه وقال: والله ما قلت ذاك ولقد كذب علي فأنزل الله " يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم " الآية. قال جلاس: صدق يا رسول الله، لقد قلت ذاك،


(1) سورة التوبة الآية 74. (2) في الاصل " جلاس بن عبيد " والتصويب من نهاية الارب 16: 352، والمغازي للواقدي 3: 1003، وأسد الغابة 1: 291، وابن هشام 2: 262 وهو جلاس بن سويد بن الصامت بن خالد بن عطية بن خوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي، كان منافقا فتاب وحسنت توبته، وقصته مع عمير بن سعد هذا مشهورة في التفاسير. (3) في أسد الغابة 1: 292 " وكانت أم عمير بن سعد تحته، وكان عمير يتيما في حجرة لا مال له، وكان يكفله ويحسن إليه، ولم ينزع عن خير كان يصنعه إلى عمير، فكان ذلك مما عرفت به توبته ". (*)

[ 356 ]

وقد عرض الله علي التوبة وإني أستغفر الله وأتوب إليه مما قلت: وكان حمل حمالة، أو عليه دين فأداه النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله " وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله " (1) فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمير (وفت أذنك وصدقك ربك) وقال عمير لجلاس: أم والله لولا أني خشيت أن ينزل في كتاب أو وحي بكتماني عليك لكتمت عليك. * حدثنا ميمون بن الاصبغ قال، حدثنا الحكم بن نافع قال، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال، أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد رضي الله عنه أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على إكاف (2) فوقه قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعه بدر، فسار حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول - وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي - فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين وعبدة الاوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشت المجلس عجاجة الدابة خمر ابن أبي أنفة بردائه، ثم قال: لا تغيروا علينا، فسلم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه (لا أحسن من حديثك (3) هذا إن كان حقا) فلا تؤذنا في مجلسنا،


(1) سورة التوبة آية 74. (2) في الاصل " على إكاف " والمثبت عن ابن هشام 2: 224 تحقيق محيي الدين، ونهاية الارب 16: 357. (3) في الاصل: " لاحسن مما تقول " والمثبت عن السيرة لابن هشام 2: 425 تحقيق محيي الدين، ونهاية الارب 16: 357. (*)

[ 357 ]

ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال (يا سعد ألا تسمع إلى ما قال أبو حباب) (1) - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا " فقال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فوالذي نزل الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة (2) على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرفه فذلك فعل به ما رأيت، فعفى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الاذى قال (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذينن أشركوا أذى كثيرا " (3) الآية، وقال الله " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا " (4) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم فلما غزا النبي صلى الله


(1) في الاصل بلغت هذا لا تسمع إلى ما قال ابن حبان " والاثبات عن مغازي الواقدي 1: 177 - 179. (2) البحرة: مستنقع الماء والبلدة، والعرب تقول لكل قرية: هذه بحرتنا أي بلدتنا (أقرب الموارد ص 31). (3) سورة آل عمران آية 186. (4) سورة البقرة آية 109. (*)

[ 358 ]

عليه وسلم بدرا فقتل الله به من قتل (من) (1) صناديد كفار قريش قال ابن أبي بن سلول ومن معه من المشركين عبدة الاوثان: هذا أمر قد توجه له، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاسلام وأسلموا. * حدثنا أحمد بن عبد الرحمن القرشي قال، حدثنا الوليد ابن مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، وغيره من شيوخ أهل دمشق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: ركب النبي صلى الله عليه وسلم يوما حمارا بإكاف عليه قطيفة فدكية (2) وردفه أسامة بن زيد يعود سعد بن عبادة في بني الحارث ابن الخزرج، فذكر مثله إلى قوله فرد الله ذلك بالحق الذي أنزل عليك (3). * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر ابن عياش، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " (4) قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار له يسير حتى وقف على عبد الله بن أبي بن سلول أخي بني الحبلى فراث الحمار فأمسك عبد الله على أنفه فقال: إليك حمارك عن وجه الريح


(1) الاصافة للسياق. (2) في الاصل كلمة لا تقرأ والاثبات عن السيرة لابن هشام 2: 224، ونهاية الارب 16: 357. (3) في الاصل: " أنزل عليه " والتصويب عن المرجع السابق. (4) سورة الحجرات آية 1 (*)

[ 359 ]

هكذا، فوالله لقد أنتنتني. فقال عبد الله بن رواحة: الحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول هذا ؟ فوالله لهو أطيب عرضا (1) منك قال: ألي تقول هذا يا ابن رواحة ؟ فقال: إي والله، ومن أبيك. فلم يزل الامر بينهما حتى جاءت عشيرة هذا وعشيرة هذا، فكان بينهم وحي (2) باللطام والنعال فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحجز بينهم حتى نزلت: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " إلى قوله " حتى تفئ إلى أمر الله " (3) فلما نزلت عرفوا أنها الهاجرة، فكفوا، وأقبل بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير - وكان من رهط ابن رواحة - متقلد السيف، فلما انتهي إلى القوم وقد تحاجزوا قال: أين أبي يا ابن أبي سعد أعلي تحمل السيف ؟ فقال: والله لو أدركتكم قبل الصلح لضربتك به. * حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، أخبرني عروة ابن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وناب (4) ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان رجل من المهاجرين لعابا فكسع (5) أنصاريا، فغضب الانصار غضبا شديدا حتى تداعوا، فقال الانصاري: يا للانصار


(1) العرض: النفس وقيل الجلد (أقرب الموارد). (2) الوحي: كل ما ألقيته إلى غيرك، وكذا الصوت يكون في الناس وغيرهم (تاج العروس 10: 385). (3) سورة الحجرات آية 9. (4) ناب: يعني أقبل (لسان العرب " نوب "). (5) الكسع: أن تضرب بيدك أو برجلك على دبر إنسان أو شئ ما، وفي حديث زيد بن أرقم: أن رجلا كسع رجلا من الانصار أي ضرب دبره بيده (لسان العرب 10: 184). (*)

[ 360 ]

يا للانصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين يا للمهاجرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما بال دعوة الجاهلية فقال: ما شأنهم " فأخبره بكسعة المهاجري الانصاري، فقال " دعوها فإنها خبيثة (1) فقال عبد الله بن أبي بن سلول: قد تداعوا، إن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل، فقال عمر: يا نبي الله ألا تقتل هذا الخبيث ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه " (2). * وقد أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر رضي الله عنه يذكر هذا، وزاد فيه " يا معشر المهاجرين قد ابتلي بكم الانصار ففعلوا ما قد علمتم، فآووا ونصروا، وأنتم مبتلون بهم فانظروا كيف تفعلون ". * حدثنا غندر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن محمد بن كعب القرظي، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فقال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فحلف عبد الله بن أبي أنه لم يكن شئ من ذلك. فلامني قومي وقالوا: ما أردت إلى هذا ؟ قال: فانطلقت فقمت كئيبا أو حزينا، فأرسل إلي نبي الله صلى الله عليه وسلم - أو فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال: إن الله عزوجل قد أنزل عذرك


(1) في أسد الغابة 1: 309 وكذا في تفسير ابن كثير 8: 368 " قال: دعوها فإنها منتنة ". (2) انظر الخبر في السيرة الحلبية 2: 77 وتفسير ابن كثير 8: 368، ومعالم التنزيل 8: 367. (*)

[ 361 ]

وصدقك " قال فنزلت هذه الآية " هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا " إلى قوله " منها الاذل " (1). * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا شجاع بن الوليد، عن زهير، عن ابن إسحاق، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه: أنه سمعه يقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبي لاصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: " لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الاعز منها الاذل. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل. فقالوا: كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تبارك وتعالى يصدقني في " إذا جاءك المنافقون " (2) قال: ووافاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم. وقوله: " كأنهم خشب مسندة " (3) قالوا: كانوا رجالا أجمل شئ. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس بن محمد، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة في قوله: " سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم " (4) قال: نزلت في عبد الله ابن أبي سلول، أن غلاما (5) من قرابته انطلق إلى نبي الله صلى الله


(1) سورة المنافقون الآيتان 7، 8. (2) سورة المنافقون آية 1. (3) سورة المنافقون آية 40. (4) سورة المنافقون آية 6. (5) في معالم التنزيل للبغوي 8: 367 وتفسير ابن كثير 8: 368: أن هذا = (*)

[ 362 ]

عليه وسلم بحديث وتكذيب عنه شديد، فدعاه نبي الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يحلف ويبرأ من ذلك، وأقبلت الانصار على الغلام فلاموه وعزروه (1)، فقيل لعبد الله: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لك، فجعل يلوي رأسه ويقول: لست فاعلا، وكذب علي. فأنزل الله ما تسمعون: " هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا " إلى قوله " لا يفقهون " (2) قال: هذا قوله لا تنفقوا على محمد وأصحابه حتى يدعوه، فإنكم لولا أنتم تنفقون عليهم لتركوه ورحلوا عنه. * حدثنا عفان قال، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد ابن جبير قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا على منقلة أو منقلتين فأقبل رجلان، رجل من المهاجرين ورجل من الانصار، جهجاه (3) بن قيس الغفاري، وسنان بن وبرة الجهني حليف بني الخزرج، قال فظهر الله جهجاه (4) على الجهني، وكان لعمر بن


= الغلام هو زيد بن أرقم الخزرجي الانصاري، وفي رواية أخرى عند ابن كثير 8: 370 عن عبد الله بن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير في المغازي، وكذا ذكر موسى ابن عقبة في مغازيه: أن الذي بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام عبد الله بن أبي ابن سلول إنما هو أوس بن أقرم من بني الحارث بن الخزرج فلعله مبلغ آخر، أو تصحيف من جهة السمع. والله أعلم. (1) في تفسير ابن كثير 8: 366 " وأقبلت الانصار على الغلام فلاموه وعزلوه ". (2) سورة المنافقون آية 7. (3) في الاصل " جهجاه الجهني وسنان بن أبير " والمثبت عن أسد الغابة 1: 309، 2: 359، والبداية والنهاية 4: 157، والاصابة لابن حجر 1: 254، 2: 83 وسيصير تصويب أبير في المواطن مستقبلا دون الاشارة إلى ذلك. (4) وفي تفسير ابن كثير 8: 366 في قصة غزوة بني المصطلق " فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم هناك اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري - وكان اجيرا = (*)

[ 363 ]

الخطاب رضي الله عنه عسيف (1) إذا نزل القوم انطلق يخنس (2) لفرسه فانطلق العسيف فوجدهما يقتتلان، قال وظهر عليه جهجاه، فاستصرخ ابن وبرة بقومه حتى نادوا: يا أبا الحباب - لعبد الله بن أبي -، فجاء عبد الله بن أبي وقد أخذ بيد الرجلين - فنظر في وجوه القوم فلم ير إلا قومه فقال: هنيئا لكم يا آل الاوس، ضممتم إليكم سراق الحجيج من مزينة وغفار، يأكلون ثماركم ويقهرونكم في دياركم، أم والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل، ولنمسكن بأيدينا عن أثمارنا حتى يجوعوا فينفضوا من حول صاحبهم، قال: فرجع عسيف عمر ولم يخنس لفرسه، فقال له عمر رضي الله عنه: ما شأنك لم تخنس لفرسي ؟ قال: العجب، مررت بجهجاه وابن وبرة يقتتلان فظهر عليه جهجاه، فاستصرخ ابن وبرة بقومه، فجاء ابن أبي وقد أخذ بين الرجلين، فنظر في وجوه القوم فلم ير إلا قومه، فقال: هنيئا لكم يا آل الاوس، ضممتم إليكم سراق المخيم من مزينة وغفار، يأكلون ثماركم ويقهرونكم في دياركم، أم والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل، ولنمسكن


= لعمر بن الخطاب - وسنان بن يزيد، وفي معالم التنزيل للبغوي 8: 366 فبينما الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يقود له فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الانصار، وصرخ الغفاري يا معشر المهاجرين... الحديث. (1) العسيف: الاجير، وقيل المملوك المستهان به، والجمع عسفاء (أقرب الموارد). (2) فرس خنوس: هو الذي يعدل في حضره ذات اليمين وذات الشمال، وفي اللسان يستقيم في حضره ثم يخنس كأنه يرجع القهقري. وكأن المراد يعد له في مربطة وحضره. (تاج العروس 4: 143 واللسان). (*)

[ 364 ]

بأيدينا من ثمارها حتى يجوعوا فينفضوا من حول صاحبهم، قال: قد سمعت. قال: فاندفع عمر رضي الله عنه من مكانه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا نزل بهم منزلا صلى بهم صلاة المغرب لم يرتحل منه حتى يصلي بهم صلاة العشاء الآخرة، قال: فاستأذن عمر رضي الله عنه وكان ممن يتوسد رداءه مكانه أو ذراعه حتى يصلي صلاة العشاء الآخرة، فاستأذن عمر رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ادعه " وقال يا رسول الله، إن لي عسيفا أبعثه يخنس لفرسي إذا نزل القوم، وإنه انطلق يخنس فوجد جهجاه وابن وبرة يقتتلان، فقص عليه القصة وما قال ابن أبي: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو قد قيلت " فأمر فنودي في الناس بالرحيل، فارتحلوا حتى قدموا المدينة، وتحدث الناس: لم يرحل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مرتحله الذي كان يرتحل إلا شئ خافه أو شئ أتاه. فأراد أن ينتهزه. قال - حتى أصبح الناس وهم يتحدثون بحديثه، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك من قول الناس، فقام فخطب فقال: " إنما عاقنا عن مرتحلنا الذي كنا نرحل له قول رجل منكم - عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا " قال فوثب ورقة فقال: يا رسول الله ما أظعنك عن مرتحلك الذي كنت ترتحل إلا قول رجل منا ؟ فو الله الذي أنزل عليك الكتاب لئن شئت لآتينك أوله من رأسه أضعه بين يديك، قال: وقد كان ورقة ابن عم لعبد الله فقال: فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال " لا أحل "، ولكن انطلقوا فأتوني به " قال: فاندفعوا حتى دخلوا على ابن أبي قالوا: يا ابن أبي، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه عنك قول (*)

[ 365 ]

فوجد عليك في نفسه، فإذا أنت أتيته فاعتذر إليه مما قلت، ومره فليستغفر لك، فإنك ستجده رحيما، قال: وما بي، ألست أغزو معكم إذا غزوتم، وأنفق معكم إذا أنفقتم ؟ فخرج معهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون له ذلك وهو يلوي رأسه إلى أصحابه جنبيه، ويقول: مالي، ألست أغزو معكم إذا غزوتم وأنفق معكم إذا أنفقتم ؟ حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا ابن أبي، أنت الذي تقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل، أفأنت أعز مني ؟ " قال: يا رسول الله، بل أنت أعز وأكرم، ما ركبنا حتى ركبت وما قاتلنا حتى كنت أول. قال " فأنت الذي تقول لنمسكن ما بأيدينا من ثمرنا حتى يجوعوا فينفضوا عن صاحبهم ؟ أي أنك تنفق علينا ؟ " قال: والذي تحلف به ما قلت. ونزلت: " إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " إلى قوله: " ولكن المنافقين لا يعلمون " (1). * حدثنا حارثة قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي قال: يا رسول الله أقتل أبي ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " لا تقتل أباك ". * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس، عن شيبان، عن قتادة في قوله: " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل " (2)


(1) سورة المنافقون الآيات من 1 - 8. (2) سورة المنافقون آية 8. (*)

[ 366 ]

قال: قد قالها منافق عظيم النفاق في رجلين اقتتلا: أحدهما غفاري والآخر جهني، فظهر الغفاري على الجهني، وكان بين جهينة والانصار حلف، فقال رجل من المنافقين، وهو عبد الله بن أبي: يا بني الاوس يا بني الخزرج، عليكم صاحبكم وحليفكم. ثم قال: والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل. فسعى بها بعضهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: يا نبي الله، مر معاذا يضرب عنق هذا المنافق، فقال: " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ". * حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا عقبة بن أبي الصهباء قال، سمعت محمد بن سيرين يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم، معتكرا (1)، وكان بين رجل من الانصار وبين رجل من قريش كلام حتى اشتد بينهما، واجتمع إلى كل واحد منهما ناس من أصحابه، فبلغ عبد الله بن أبي فنادى: غلبني على قومي من لا قوم له، أم والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل. فبلغ ذلك عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فأخذ سيفه ثم خرج يسعى، ثم ذكر هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " (2) ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما لك يا عمر: كأنك مغضب ؟ " فقال: لا، إلا أن هذا المنافق ينادي: غلبني على قومي من لا قوم له، لئن رجعنا إلى المدينة


(1) معتكرا: أي منصرفا (اللسان، تاج العروس " عكر "). (2) سورة الحجرات آية 1. (*)

[ 367 ]

ليخرجن الاعز منها الاذل. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " فأردت ماذا يا عمر ؟ " قال: أردت أن أعلوه بسيفي حتى يسكت. قال لا تفعل ولكن ناد في الناس بالرحيل ". قال: ترحلوا وسيروا. حتى إذا كان بينه وبين المدينة يوم تعجل عبد الله بن عبد الله بن أبي حتى أناخ على مجامع طرق المدينة، وجاء الناس يدخلون وتشعبوا في الطريق حتى جاء عبد الله بن أبي فقال له ابنه: لا والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعلم اليوم من الاعز من الاذل، فقال له: أنت من بين الناس ؟ فقال: نعم أنا من بين الناس. فانصرف عبد الله حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتكى إليه ما صنع به ابنه، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابنه أن خل عنه، فدخل فلبث ما شاء الله أن يلبث. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني ثابت بن عمرو الانصاري: أنه أسر رجل يوم بدر من قريش وهو كافر، فكان أسيرا عند عبد الله بن أبي بن سلول، وكان عبد الله كافرا ثم أسلم فنافق، فطفق ذلك الاسير يريد وليدة مسلمة تسمى معاذة لعبد الله بن أبي فتمتنع الوليدة - من أجل إسلامها - من الاسير القرشي، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ضربها ليكرهها على البغاء رجاء أن تحمل من القرشي رغبة في فداء ولده، فأنزل الله عزوجل: " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء " (1) الآية. * حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا زكريا، عن عامر قال: التي


(1) سورة النور آية 33. (*)

[ 368 ]

جادلت في زوجها خولة بنت الصامت، وأمها معاذة التي قال الله: " ولا تكرهوا فتيانكم على البغاء إن أردن تحصنا " (1) قال كانت أمة لعبد الله بن أبي المنافق، فكان يكرهها على البغاء، فكانت التوبة لها دونه. * حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن زكريا، عن عامر في التي جادلت في زوجها: خولة بنت حكيم، وأمها معاذة، وكانت أمة لعبد الله بن أبي بن سلول، وكان يكرهها على البغاء، وكانت التوبة لها دونه خاصة، يعني: " فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم " (1). * حدثنا أبي بن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة قال: كانت مسلمة جارية (2) لعبد الله بن أبي، وكان يكرهها على البغاء، فقالت: إن كان خيرا فقد استكثرت منه، وإن كان غير ذلك فقد آن لي أن أدعه، فنزلت: " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء " (1). * حدثنا حبان قال، حدثنا يزيد - يعني ابن زريع - قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمر بن ثابت قال: كانت معاذة جارية لعبد الله بن أبي، وكانت مسلمة، فكان يستكرهها على البغاء، فأنزل الله: " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء " (1) الآية. * حدثنا حبان قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، سمعت الاعمش قال، حدثني أبو سفيان، عن جابر رضي الله عنه في قوله:


(1) سورة النور آية 33. (2) كذا في الاصل. وفي أسد الغابة 5: 546، والاصابة 4: 394 " مسيكة " وانظر قصتها وقصة معاذة بنفس المصادر والاضافة عنها (*)

[ 369 ]

" ولا تكرهوا فيتاتكم على البغاء " قال: كانت جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة، وكان يكرهها على الزنا، فأنزل الله: " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم " (1)، هكذا يقرؤها. (وفاة عبد الله بن أبي بن سلول) * حدثنا سلمة بن إبراهيم قال، حدثنا عتبة بن أبي الصهباء، قال، سمعت محمد بن سيرين يقول: مرض عبد الله بن أبي فاشتد مرضه فقال لابنه: إنى قد اشتهيت أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت إن شئت جئت به. فانطلق ابنه فقال: يا رسول الله إن عبد الله بن أبي وجع شديد الوجع، ولا أظنه إلا لمآبه، وقد اشتهى أن يلقاك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم وكرامة " فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم وانطلق معه نفر من أصحابه حتى دخلوا على عبد الله بن أبي فقال: أجلسوني، فأجلسوه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا عبد الله، جزعا " فقال يا رسول الله إني لم أدعك لتؤنبني، ولكني دعوتك لترحمني. فاغرورقت عين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: " حاجتك ؟ " قال حاجتي إذا أنا مت أن تشهد علي وتكفنني بثلاثة أثواب من ثيابك، وتمشي مع جنازتي وتصلي علي، قال: فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كله، غير أني لا أدري أصلى أم دخل القبر أم لم يدخله. ثم إن هذه الآية


(3) سورة النور آية 33، ولقد سقط من ناسخ الاصل قوله تعالى: " لتبتغوا عرض الحياة الدنيا "، فأثبتناه. (*)

[ 370 ]

نزلت: " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا، ولا تقم على قبره " (1). * حدثنا غندر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد عبد الله بن أبي فقال: " يا أبا الحباب، ما أغنى عنك حب اليهود ؟ " فقال عبد الله: قد كان ورقة يحبهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ورقة كان يحب الله ورسوله، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أعطني ثوبا من ثيابك، فأعطاه ثوبا، قال أعطني قميصك الذي يمس جلدك، فأعطاه. * حدثنا مسلمة بن إبراهيم قال، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن: أن عبد الله بن أبي سأل النبي صلى الله عليه وسلم قميصه فأعطاه إياه، فقيل يا رسول الله: أعطيت عبد الله بن أبي قميصك ؟ فقال: " وما يدريكم لعل الله سيدخل في الاسلام من بني الخزرج كذا وكذا عدة كثيرة ". * حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا أبي قال، سمعت الحسن يقول: سأل عبد الله بن أبي النبي صلى الله عليه وسلم قميصه أن يكفن فيه إياه. فأعطاه إياه. فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، أتعطي هذا المنافق قميصك يكفن فيه ؟ فقال: " ويحك يا ابن الخطاب ! ! وما علي أن أتألف بني النجار بقميصي " ؟. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا هشيم، عن المغيرة، عن الشعبي قال: لما ثقل عبد الله بن أبي انطلق ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن عبد الله قد احتضر، وأحب أن تشهده وأن تصلي


(1) سورة التوبة آية 84. (*)

[ 371 ]

عليه. فانطلق معه حتى شهده، وألبسه قميصه - وهو عرق - وصلى عليه، فقيل له: أتصلي عليه يا رسول الله ؟ فقال: " إن الله قال: " إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم (1) " لاستغفرن له سبعين وسبعين " - قال أبو معاوية: وأشك في الثالثة - فلما انتهى إليه ابنه قال له: النبي صلى الله عليه وسلم، قال: الحباب، قال: بل أنت عبد الله بن عبد الله، الحباب: اسم شيطان. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي، وأعطاه قميصا من قمصه. فقيل له: يا رسول الله تصلي على هذا المنافق وتلبسه قميصك ؟ فقال: " إني لارجو أن يسلم بقميصي ألف من بني النجار " قال قتادة: ثم أنزل " ولا تصلي على أحد منهم مات أبدا (2). * حدثنا ابن أبي الوزير، قال سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته، فأمر به فأخرج ووضعه على ركبتيه، وألبسه قميصه، ونفث عليه من ريقه، فالله أعلم (3).


(1) سورة التوبة آية 80. (2) سورة التوبة آية 84. (3) وفي تفسير ابن كثير 4: 219 عن جابر قال: لما مات عبد الله بن أبي أتى ابنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنك أن لم تأته لم نزل نعير بهذا، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فوجده قد أدخل في حفرته. فقال: " أفلا قبل أن تدخلوه " ؟ فأخرج من حفرته وتفل عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه وألبسه قميصه. رواه النسائي أيضا عن أبي داود الحراني عن يعلى بن عبيد. (*)

[ 372 ]

* حدثنا زكريا بن أبي خالد قال، حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر رضي الله عنه بمثله. * قال وحدثنا سفيان، عن أبي هارون المدني: أن النبي صلى الله عليه وسلم ألبسه قميصه كان يلي جلده، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم قميصان. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال قال: حدثنا محمد (1): أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على عبد الله المنافق - قال: ثم إن عمر رضي الله عنه لام نفسه وقال: رسول الله يترحم على أصحابه وأنا أمنعه ؟ * حدثنا حازم قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن يسار ابن السائب، عن عامر الشعبي: أن عمر رضي الله عنه قال: لقد أصبت في الاسلام هفوة ما هفوت مثلها قط، إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي فأخذت بثوبه فقلت: ما أمرك الله بهذا. قال الله: " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم " (2) قال: (قد خيرني


(1) هو محمد بن بشار بن عثمان العبدي أبو بكر البصري الحافظ، بندار، أحد أوعية السنة، قال الخطيب: كان يحفظ حديثه، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي لا بأس به، وقال الذهبي: انعقد الاجماع على الاحتجاج ببندار، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ويؤيد هذا ما جاء في أسد الغابة 3: 197 والاستيعاب 2: 228 في الاحاديث التي رويت بالمعنى في هذا الموضوع عن محمد بن بشار. (الخلاصة للخزرجي ض 280). (2) سورة التوبة آية 80. (*)

[ 373 ]

ربي فقال افعل أو لا تفعل) (1) قال: وقعد النبي صلى الله عليه وسلم على شفير البئر فجعل الناس يقولون لابنه: يا حباب افعل كذا يا حباب افعل كذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحباب شيطان) وسماه: عبد الله. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا الحزامي قال، حدثنا أبو ضمرة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد الله فأعطاء قميصه، وأمره أن يكفنه (فيه) (2) ثم قام ليصلي عليه، فأخذ عمر رضي الله عنه بيده وقال: أتصلي عليه وهو منافق وقد نهاك الله أن تستغفر له ؟ فقال إنما قال " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم (3) قال فسأزيد على سبعين " قال: فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصلينا معه، ثم أنزل الله " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله " (3) الآية. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني الليث بن سعد، عن عمر مولى عفرة، وغيره: أن الذي أنزل في قول عبد الله بن أبي كان في غزوة بني المصطلق - بطن من خزاعة - وهاج ذلك أن المهاجرين والانصار وردت سقاتهم الماء فقل عليهم، فتنازعوا فغلب المهاجرون الانصار على


(1) انظر الخبر في تفسير ابن كثير 4: 218، وكذا معالم التنزيل للبغوي 4: 218. (2) الاضافة عن الاستيعاب 2: 328. (3) سورة التوبة آية 84. (*)

[ 374 ]

الماء، فغضب ناس منهم، فأتوا ابن أبي فذكروا ذلك فقال: هو عملكم، لولا أنكم تنفقون على من معه لتفرقوا عنه، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمر أن يؤذن في الناس بالرحيل ليشتغل بعضهم عن بعض، فأقبل الناس على الرحيل وتركوا الماء، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد الله ابن أبي - وكان رجلا صالحا إن شاء الله - فقال له: " ألم تعلم ما بلغني عن أبيك ؟ إنه قال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل " فقال: صدق يا رسول الله. وهو كاذب: أنت الاعز وهو الاذل، فإن شئت جئتك برأسه، وقد علمت الانصار ما ولد ولد قط أبر به مني حتى إني لاستحيت أن أنظر في وجهه (1)، فأما فيك فإن أمرتني قتلته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا نأمرك بعقوق أبيك " ثم أنذره، فأنزل الله " إذا جاءك المنافقون " (2). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة عن، عطاء بن السائب، عن الشعبي: أن الحباب بن عبد الله بن أبي دخل القبر والنبي صلى الله عليه وسلم على شفيره فجعلوا يقولون (3) يا حباب اصنع كذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " حباب شيطان، أنت عبد الله ". * حدثنا إبراهيم بن المنذر، عن أبي وهب قال، قال الليث: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنه: " ما اسمك ؟ " قال:


(1) في الاصل " في وجهك " والمثبت يقتضيه السياق. (2) سورة المنافقون آية 1. (3) في الاصل " فجعل يقول " والصواب ما أثبت لما مر من السياق. (*)

[ 375 ]

حباب، قال " حباب اسم شيطان، اسمك عبد الله " فلما دنوا من المدينة أخذ عبد الله بزمام راحلة عبد الله بن أبي. فقال: لا والله لا تدخل المدينة حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تعلم أنه الاعز وأنت الاذل، فجعل الناس يقبلون فيقفون حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما هذه الجماعة ؟ " فأخبروه، فقال " مروه فليخل سبيله " قال: فلما دخلوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا بلال قم فجأ في أقفية المنافقين حتى تخرجهم من المسجد، قال: بلى يا رسول الله، قال: ابن أبي بن سلول وفلان وفلان. ففعل بلال، فوجأ في رقبة ابن أبي حتى أخرجه من المسجد، فلقيه عمر رضي الله عنه وهو خارج من المسجد متغير اللون والحال، فقال: ما بك يا عبد الله بن أبي ؟ قال: ما أدري ما لنا ولكم، إنا لنصلي كما تصلون ونقرأ كما تقرأون، وننفق كما تنفقون. ! ! فقال عمر رضي الله عنه: وما ذاك ؟ قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم فوجأ في رقبتي حتى أخرجني من المسجد. حباب، قال " حباب اسم شيطان، اسمك عبد الله " فلما دنوا من المدينة أخذ عبد الله بزمام راحلة عبد الله بن أبي. فقال: لا والله لا تدخل المدينة حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تعلم أنه الاعز وأنت الاذل، فجعل الناس يقبلون فيقفون حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما هذه الجماعة ؟ " فأخبروه، فقال " مروه فليخل سبيله " قال: فلما دخلوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا بلال قم فجأ في أقفية المنافقين حتى تخرجهم من المسجد، قال: بلى يا رسول الله، قال: ابن أبي بن سلول وفلان وفلان. ففعل بلال، فوجأ في رقبة ابن أبي حتى أخرجه من المسجد، فلقيه عمر رضي الله عنه وهو خارج من المسجد متغير اللون والحال، فقال: ما بك يا عبد الله بن أبي ؟ قال: ما أدري ما لنا ولكم، إنا لنصلي كما تصلون ونقرأ كما تقرأون، وننفق كما تنفقون. ! ! فقال عمر رضي الله عنه: وما ذاك ؟ قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم فوجأ في رقبتي حتى أخرجني من المسجد. فقال عمر رضي الله عنه: فارجع حتى يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلوى عنقه (وقال) (1) واعجبا مم يستغفر لي ؟ أقلت هجوا يستغفر لي منه ؟ وأنزل الله " وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم " (2) حتى تنقضي الآيات كلها. انتهى الجزء الاول وسيبدأ الجزء الثاني - باذن الله - بعنوان (ذكر اللعان).


(1) إضافة يقتضيها السياق. (2) سورة المنافقون آية 5. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية