الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




ربع قرن مع العلامة الأميني- الحاج حسين الشاكري

ربع قرن مع العلامة الأميني

الحاج حسين الشاكري


[ 1 ]

ربع قرن مع العلامة الأميني شذرات من حياته الشريفة تأليف حسين الشاكري

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الكتاب: ربع قرن مع العلامة الأميني تأليف: حسين الشاكري الناشر: المؤلف: الطبعة: الأولى - 1417 ه‍. ق العدد: 1500 نسخة الفلم والزنك: ليتوغرافي تيزهوش صف الحروف: ايمن عبيد عنوان المؤلف الجمهورية الإسلامية الايرانية / قم المقدسة زنبيل آباد 30 متري آستانه بلاك 76 - كد 37166 هاتف: 26990 - 718771 / كد 0098251

[ 3 ]

العلامة الأميني قدس سره طابع تذكاري، خمسة عشر عاما على وفاته، 1970 - 1985 م = 1390 - 1405 ه‍

[ 5 ]

المؤلف بين العلامة الأميني والعلامة السيد محمد الحيدري في 15 / 3 / 1965 م

[ 7 ]

العلامة الاميني وآية الله السيد بني صدر.

[ 9 ]

ذهب الذين احبهم وبقيت وحدي المؤلف

[ 11 ]

المقدمة: الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق اجمعين، ثم الصلاة والسلام على خير خلقه اجمعين محمد وآله الطاهرين. وبعد: وجدت لزاما علي أن أذكر جانبا من حياة العلامة الأميني (قدس سره)، بحكم مرافقتي وعلاقتي الوثيقة معه سنين طويلة، تنيف على العشرين عاما. وخوفا من أن تدركني المنية بادرت إلى سرد بعض ما أتذكره وما ثبت في ذهني ورسخ من الوقائع التي مرت، وما حدثني به نفسه (قدس سره)، أنقله بالمعنى. مع شيخي واستاذي العلامة الأميني (قدس سره): آية الله، شيخ الحفاظ والمحققين، العلامة الفذ، نادرة الزمان ويتيمة الدوران، الشيخ عبد الحسين الأميني نجل آية الله الشيخ أحمد الأميني التبريزي النجفي (رحمهما الله) أسكنهما الفسيح من جنانه وأنزل على رمسيهما شآبيب رحمته. ورد في الحديث الشريف: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يستغفر له، أو علم ينتفع به الناس، أو صدقة جارية ". والعلامة الأميني: جمع الخصال الثلاثة، وخلفها بعد رحيله إلى جوار ربه، فخلف أولادا صالحين، ومؤلفات قيمة ك‍ " الغدير "، وصدقات جارية ك‍ " مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة ".

[ 12 ]

العلامة الأميني (قدس سره) غني عن التعريف، كان عملاقا بكل ما في الكلمة من معان سامية، ولقد صانع الأميني وجها كفاه الوجوه وجعله عملاقا في كل شئ، وزاده بسطة في العلم والجسم، وصيره نبراسا ومتراسا يدافع به عن دينه، وجعل الكلمة طوع بنانه، والبيان طي لسانه، وجعل هيبته في نفس من عرفه ومن سمع به، ولمس آثاره، بل وهابه كل شئ. كان عملاقا... في فهمه، وإدراكه. كان عملاقا... في علمه، وتحقيقاته، وتتبعاته. كان عملاقا... في تفكيره، وتخطيطه، وعزمه. كان عملاقا... في تآليفه، وكتاباته، وتعليقاته. كان عملاقا... في صبره، وجلده، ومثابرته. كان عملاقا... في شجاعته، وتصميمه، وإقدامه. كان عملاقا... في جهاده، وجهوده. كان عملاقا... في جوده، وسخائه. كان عملاقا... في إخلاصه، وصدقه حتى مع نفسه. كان عملاقا... في تفانيه، وولائه. كان عملاقا... في فصاحته وبلاغته. كان عملاقا... في عبادته، وتهجده، وبكائه. كان عملاقا... في محاججاته، وحججه، وبراهينه. كان عملاقا... في خلقه، وتواضعه. كان (قدس سره) يذوب حبا وتفانيا في السادة الكرام من آل علي وفاطمة - صلوات الله عليهم - وكانت له مواقف عديدة وعديدة، مشهودة، مواقف ولفتات نادرة ذكية، قلما يدركها المعاصرون من أقرانه. ولقد أنسى الأميني بمواقفه الفذة، وأعماله الرائعة، الأفذاذ من أترابه، وأتعب المتأخرين عن إدراكه.

[ 13 ]

قال الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): " قيمة كل امرئ ما يحسنه ". ولقد أحسن الأميني وأجاد في أعماله الجبارة، ونتاجه العظيم الرائع، مما يدل على عظمته، وعلو همته. قام الأميني باعمال عظيمة، ومشاريع ضخمة كبيرة، عجز عن القيام بها عشرات الرجال الأفذاذ، على الرغم مما يتمتعون به من امكانات مالية هائلة، وتفكير صائب وهمم عالية، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مشروعين، وهما: موسوعته العلمية التاريخية " الغدير "، الذي أصبح من المصادر المعول عليها عند المحققين، والكتاب، والمؤلفين، والخطباء في السيرة، والتأريخ، والفقه، والأدب، والشعر، والثقافة العامة، والمعارف، والمناظرات، والمحاججات. والذي أصبح لابد لكل عالم متتبع، وباحث محقق وخطيب مفوه، وشاعر مصقع، وأديب بارع من الرجوع إليه والأخذ منه. وكل من جاء بعده وكتب في حقله فهو عيال عليه، منه أخذ، وبه اقتدى. المشروع الثاني: تأسيسه مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة في النجف الأشرف (1) الذي بذل من روحه ومهجته وكل ما يملك من ملكات وإمكانات حتى اظهر المكتبة من العدم إلى الوجود، وحتى جعلها صرحا شامخا ثقافيا عالميا شاخصا من الصروح التي يشار إليها بالبنان، ولسان صدق في الآخرين. وخلال السنوات العشر الأخيرة من عمره الشريف ونيف جاب أرجاء العالم الإسلامي، باحثا في أروقة المكتبات العامة والمراكز الثقافية، وبين رفوفها العديدة، وفي بطون الموسوعات والصحاح والمسانيد والسير الموسعة، مفتشا عن تراثنا التليد من المصادر الحديثة، والروايات الموثقة، والمسانيد الصحيحة التي


(1) حاولت السلطات الرسميه - حينذاك - بكل ما اوتيت من وسائل الضغط والتأثير المباشر وغير المباشر، التأثير على سماحته في تغيير اسم المكتبة الحالي إلى غيره، لكنه أصر على موقفه كالطود الشامخ أمام تلكم الضغوط، والتيارات العاتية، فكان كما أراد. (*)

[ 14 ]

كان كتابنا وباحثونا وعلماؤنا ومؤلفونا يشيرون إليها، ويستندون عليها دون أن يملكوا شيئا منها. اقول: لقد جاب (قدس سره) تلكم البلدان، والتقط من تلكم الخزائن الجواهر الثمينة الشئ الكثير، لاستنساخها بيده الشريفة، وتصوير الكثير منها على الورق الحساس " المايكروفيلم " وطبع أفلامها على الورق، ثم جلد تلكم الأوراق، حتى أصبحت كتابا يحاكي النسخة الأصلية، وجلبها إلى مكتبته العامة، وجعلها في متناول أيدي المحققين، والباحثين، والكتاب، والدارسين، والتي كانت المكتبات الشيعية - لا سيما في النجف الأشرف - تفتقر إليها. ولقد حصل لي الشرف - آنذاك - إذ كنت من المساهمين في تأسيسها، ومن المتولين عليها. وبهذه المناسبة، بودي أن أذكر لك عزيزي القارئ سبب إقدامي على تصوير تلك الكتب والمصادر، وقد ذكر ذلك نجله العلامة حجة الإسلام الشيخ رضا الأميني بكلمته الرائعة التي سوف نذكرها فيما بعد. ما أعظمك أيها الأميني، وما عساني أن أقول فيك ! !، وقد عجز القلم عن وصف صفاتك الحميدة، ومزاياك المجيدة، وفضائلك المشهودة. قضى الأميني عمره المديد المبارك في خدمة الإسلام، وتثبيت دعائم الدين، والولاء للرسول العظيم وعلي أمير المؤمنين وأهل بيته الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجميعن. الى هنا اكتفي بهذا القدر من هذه المقدمة لأدخل في صلب البحث وأترجم بعضا من معالم شخصية العلامة الأميني الفذة سائلا المولى القدير أن يتغمده برحمته الواسعة ويحشره مع من تولى من النبي وأهل بيته الطاهرين - صلوات الله عليهم أجميعن - وان يرزقنا شفاعتهم، فإنه أرحم الراحمين. حسين الشاكري

[ 15 ]

شذرات من حياة العلامة الأميني الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ نجف قلي، الملقب ب‍ " أمين الشرع " (1) ابن الشيخ عبد الله، الملقب ب‍ " سرمست "... إلى آخر آبائه (رحمهم الله). أ - ولد العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني (قدس سره) في مدينة تبريز من مدن إيران عام 1320 ه‍، ونشأ في بيت علم وتقى، وورث المجد كابرا عن كابر. توفي في طهران في ربيع الأول من سنة 1390 ه‍، وشيع جثمانه الطاهر في طهران تشييعا مهيبا قلما يشيع مثله من العظماء، وقد هبت العاصمة الإيرانية عن بكرة أبيها وأغلقت الأسواق أبوابها، ثم نقل جثمانه الزكي بالطائرة من طهران إلى بغداد، كما استقبل الجثمان في مطار بغداد إلى حرم الإمامين الجوادين في الكاظمية، ومن ثم إلى كربلاء حرم سيد الشهداء، لتجديد العهد به، وبعدها نقل إلى مثواه الأخير في النجف الأشرف بعد زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وتجديد العهد معه، ودفن في المقبرة التي أعدها في حياته، وهي جنب مكتبة الإمام امير المؤمنين العامة. ب - ولد والده المغفور له الشيخ ميرزا أحمد الأميني في " سردها " القريبة من تبريز عام 1278 ه‍، ثم هاجر إلى تبريز للتحصيل عام 1304 ه‍، وأصبح من فقهاء عصره، وفضلاء مصره، وتسنم الذروة في الزهد والأخلاق والتقى في سلوكه، وكان أحد اعلام أئمة الجماعة في تبريز عام 1360 ه‍، وقد تشرفت بزيارته عند آخر زيارة له للنجف الأشرف، وكان حينذاك أوان بلوغي.


(1) ومنه لقبت العائلة بالأميني. (*)

[ 16 ]

ج - ولد جده العلامة الشيخ " نجف قلي " في " سردها " من نواحي تبريز عام 1257 ه‍، ثم هاجر إلى تبريز واستوطنها، وكان من أجلاء أعلام زمانه، ورعا، تقيا، عابدا، جمع رداء الفضائل من اطرافه. انتقل إلى رحمة الله في تبريز عام 1340 ه‍ وأودع تربتها أمانة، ثم نقل جثمانه الطاهر إلى النجف الأشرف ودفن في وادي السلام. وقد ذكر حجة الإسلام الشيخ رضا الأميني في مقدمة الجزء الأول من كتاب " الغدير " الطبعة الرابعة في طهران سنة 1396 ه‍ = 1976 م ترجمة مفصلة عن المرحوم والده، وجده وجد أبيه، وعن حياتهم العلمية والاجتماعية، سنتناولها فيما بعد. أما ما خلف من البنين، فثلاثة أولاد - عدا البنات - من المرحومة زوجته الأولى، وهم: الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني، الذي ما انفك ولا يزال منهمكا في التحقيق والتأليف. والثاني من ولده: حجة الإسلام والمسلمين الشيخ رضا الأميني، الذي كان في خدمة والده أينما حل وارتحل، وكان ملازما له ملازمة الظل صاحبه، لاسيما في سفراته التي قام بها (قدس سره) إلى الهند، وسوريا، وتركيا، وغيرها من البلدان الإسلامية، التي شد الرحال إليها للبحث عن المصادر الإسلامية النادرة والمخطوطة في شتى العلوم التي تخص الباحثين والمحققين. وكان الشيخ رضا المدير العام لأعمال والده، في حله وترحاله (1). أما ولده الثالث المرحوم محمد صادق الأميني، فكان كاسبا منذ نعومة أظفاره، ومتفانيا في الولاء تفانيا منقطع النظير (رحمه الله). أما أولاده من زوجته الثانية - العلوية المصونة بنت السيد علي الخلخالي - فهم، ولله الحمد سائرون على هدى والدهم ونهجه القويم، يرتقون سلم المجد كابرا


(1) ذكر جانبا من رحلته الى الهند في اعداد مجلة المكتبة. (*)

[ 17 ]

عن كابر، لنيل العلوم والمعارف ودراستها، وهم الشيخ احمد والشيخ محمد الأميني. الى هنا اختتم كلمتي واحيل البقية الى نجله حجة الإسلام والمسلمين الشيخ رضا الأميني ليحدثنا عن سيرته الشريفة. كانت ولادة شيخنا الوالد - طاب ثراه - عام 1320 ه‍ بمدينة تبريز، ونشأ بها في بيت علم وتقى، وتربى على والد زاهد مولع بالعلم، مغرم بالمعارف والكمال، بين اسرة محافظة على الطقوس الدينية، مواظبة على السنن الإسلامية، ومنذ نعومة أظفاره ويانع عمره كان على جانب كبير من الشوق إلى طلب العلم، وهو يتحلى بنبوغ فكري، ويقظة ذهنية، وقوة وقادة في الحفظ. دراسته: بدأ أولياته عند والده ودرس عليه، ثم تتلمذ على آخرين بتردده إلى مدرسة الطالبية، وهي من أهم مراكز الثقافة ومعاهد العلم المعروفة بتبريز يوم ذاك، وما زالت قائمة حتى الآن. فقرأ مقدمات العلوم، وأنهى سطوح الفقه والاصول على عدد من أجلة علماء تبريز، أمثال: 1 - آية الله السيد محمد بن عبد الكريم الموسوي الشهير بمولانا. من أئمة التقليد والفتيا البارزين في تبريز، ذو أخلاق فاضلة، وملكات حميدة، تخرج عن آيات الله: الفاضل الشربياني، والشيخ هادي الطهراني، وشيخ الشريعة الاصفهاني، وتتلمذ في المعقول على آية الله الميرزا أحمد الشيرازي. ألف وصنف بحوثا هامة في التفسير والفقه والاصول. توفي في 18 جمادى الاولى 1363 ه‍. 2 - آية الله السيد مرتضى بن أحمد بن محمد الحسيني الخسروشاهي. من اساطين العلم، وجهابذة الفقه، وكبار علماء تبريز.

[ 18 ]

كان ناسكا، ورعا، تقيا، صلبا في دينه، خشنا في ذات الله. تخرج على فطاحل الفقه ونوابغ الأصول أمثال: آية ألله الميرزا حسين النائيني، وآية الله الشيخ عبد الكريم الحائري، وآية الله السيد ميرزا أبي الحسن الأنكجي. له آثار علمية ومآثر فكرية تنم عن طول باعه وسعة اطلاعه. توفي عام 1376 ه‍. 3 - آية الله الشيخ حسين بن عبد علي التوتنچي. فقيه بارز، وعالم جليل، من أساطين الفقه والأصول، واساتذة العقائد والكلام. كان على جانب كبير من الزهد والورع والاخلاق، ذو مرتبة سامية في الاوساط العلمية. ولد عام 1290 ه‍، وأمضى أولياته عند والده، ثم هاجر إلى النجف الأشرف للتزود من حوزتها المقدسة، وقضى بها أحد عشر عاما، وكان معظم تتلمذه على شيخ الشريعة الاصفهاني، وحضر على آية الله النهاوندي، وآية الله الشيخ محمد حسن المامقاني، وآية الله الشيخ محمد تقي الشيرازي. له بحوث شيقة، وتآليف ممتعة في أصول الدين، والفقه وأصوله. توفي في 16 ذي القعدة 1360 ه‍. 4 - العلامة الحجة الشيخ ميرزا علي أصغر ملكي. عالم بارع، وفقيه فاضل، نال مكانة سامية في العلم، ومرتبة رفيعة في الأدب. تلمذ على جمع من أبناء مصره، وتخرجوا عليه. كان جليل القدر، رفيع المنزلة، من أبرز بيوتات تبريز وأثراها، وكان حسن الأخلاق ورعا، تقيا، زاهدا، ثقة. عاش ردحا من عمره في مسقط رأسه، ثم هاجرها إلى النجف الأشرف واستوطنها إلى أن توفي بها.

[ 19 ]

سفره إلى النجف: وبعد أن بلغ شيخنا الوالد (رحمه الله) عند هؤلاء الفطاحل مرتبة سامية، وأنهى دراسة الدور الذي يدعى بالسطوح، وتأهل للحضور في مرحلة درس الخارج، غادر مسقط رأسه، ميمما الجامعة الإسلامية الكبرى " النجف الأشرف " فحلها، واستوطن بلدة باب مدينة علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) معتكفا على طلب العلم، ساهرا على تحصيل المعارف من فيض تلك البقعة المقدسة، جادا في بلوغ مراتب الكمال والفضيلة، فحضر على جمع من مهرة الفن، وجهابذة العصر، وتلقى الينبوع الصافي من لدن عمالقة الفقه والأصول والكلام أمثال: 1 - آية الله السيد محمد باقر الحسيني الفيروزآبادي المتوفى 1345 ه‍. من كبار علماء الإمامية، ومراجع التقليد والفتيا، ومن فحول الفقهاء، وأعاظم الاساتذة في الفقه والأصول، تتلمذ على آية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، والشيخ محمد كاظم الخراساني. وكان إلى جانب تبحره في الفقاهة زاهدا، ورعا، عابدا، له تحقيقات علمية في الفقه والأصول. وتآليف ممتعة فيهما. 2 - آية الله السيد أبو تراب بن أبي القسام الخوانساري. من فحول العلماء، وأكبار الفقهاء، عالم عامل، ومحقق مدقق، فقيه أصولي، ومحدث رجالي، جمع بين المعقول والمنقول، وتبحر في علوم شتى، كالحساب، والجغرافيا، والرياضيات، والهندسة. كان من أساطين عصره، وجهابذة قرنه، مرجعا للعام والخاص، عابدا، تقيا، زاهدا، كريم النفس، سخي الطبع، ملازما للعمل بأداء المسنونات الشرعية كالصلوات المندوبة والصيام والاعتكاف. له تآليف كثيرة في مختلف العلوم التي كان يتقنها. توفي في النجف الأشرف عام 1346 ه‍ ودفن بها. 3 - آية الله الميرزا علي بن عبد الحسين الايرواني. من أساطين الفقه، وأئمة الأصول. عالم فاضل، ومرجع زاهد، حاز منصة

[ 20 ]

التقليد والفتيا والتدريس، وتخرج من مدرسته أساتذة أفذاذ، وعباقرة، وعمالقة، كان لكل منهم دوره الفعال، وأثره البالغ، وخطواته المشرفة في تطوير الحركة الفكرية، وبث الدعوة الإسلامية، وإصلاح المجتمع بالبيان والبنان أينما حل وحيثما ارتحل. وللمترجم له (قدس سره) تحقيقات علمية، وتآليف ثمينة، تستوعب آراءه ونظرياته الفريدة في بحوث الفقه والأصول. توفي في النجف الأشرف عام 1354 ه‍. 4 - آية الله الميرزا أبو الحسن بن عبد الحسين المشكيني. من أكابر علماء العصر، وعمالقة رجال هذا القرن. فقيه نحرير، ومدرس كبير، جامع للمعقول والمنقول، ربان الفقه والأصول. كان من فحول أساتذة النجف الأشرف، وفطاحل مدرسيها، محقق مدقق. تخرج عليه امة من أساطين العلم والمعرفة، وتتلمذ عنده جمع من قادة الأصول والفقاهة، له تآليف رصينة، وتحقيقات عميقة في الفقه والأصول. توفي في الكاظمية عام 1358 ه‍، إثر مرض ألم به، ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف ودفن بها. عودته إلى تبريز: قضى شيخنا الوالد (رحمه الله) عند هؤلاء العباقرة أعواما، انتهل من فيض علومهم، وتزود من معارفهم، وتلقى منهم الفضائل والكمال، ونال درجة رفيعة من العلم، ورتبة سامية من المعرفة، وحظا وافرا من الأدب، ثم عاد إلى مسقط رأسه، وحط بها رحل المقام فترة غير قصيرة. كان له بها مجالس وعظ وارشاد في تهذيب النفوس وتوجيهها توجيها إسلاميا، وتغذية أبناء مدينته ببنات أفكاره وآرائه من المعارف الدينية، على ضوء الكتاب السماوي القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وأحاديث أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وقد تركت تلك المدارس

[ 21 ]

الإصلاحية، وتوجيهاته الدينية، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أطيب الأثر في نفوس هواة محافله ومجالسه، وأبقت له ذكرا خالدا إلى الأبد. وفي ثنايا تلك الخطوات الاصلاحية، وأداء الواجب الديني، عكف على المطالعة والتحقيق والتأليف، وخصص لها شطرا من وقته كل يوم، وكانت ثمراتها اليانعة تأليفه النفيس " تفسير فاتحة الكتاب "، وهو أول خطوة خطاها في هذا الميدان المقدس، وقد قام بتدريس بحوث كتابه هذا في المجالس التي كان يحاضر بها. توطنه النجف الأشرف: وبعد برهة رآى أن روحه التواقة للعلم، وشغفه النفسي يهفوان به إلى المزيد من الفضل والكمال، ويدفعانه إلى مركز القداسة والعظمة " النجف الأشرف "، حيث التزود من قدسية تلك المدينة الطيبة، والبقعة المشرفة التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، والاستفاضة من حلقات دروسها، والانتهال من ندواتها الزاخرة التي تتجلى فيها أنواع العلوم بأسمى حقائقها وأعمق مراحلها، لذلك عاد إليها، قاصدا توطنها، تاركا خلفه جل ما هيئ له في وطنه من رغد العيش، والمقام الرفيع والجاه والمنزلة، غير مكترث بالرئاسة الروحية التي كانت لوالده (رحمه الله)، والمنزلة التي كانت تتحلى بها اسرته. اساتذته واجتهاده: وفي هذه المرة، وبعد أن حل تلك التربة الزكية، واستوطن تلك المدينة الطيبة حضر على جمع من حجج الله وآياته، وفطاحل العلم، وجهابذة الفكر، وصيارفة العلوم، وحسنات الدهر، وأروى ظمأ قلبه من بنات أفكارهم، وبرد غليله من يانع علومهم، وبلغ بدراسته المرتبة التي كان يطلبها، وأحرز درجة عالية في الفلسفة والكلام، واجتهادا في الفقه، وتبحرا في الأصول، وألف بهما،

[ 22 ]

وجمع محاضرات أساتذته في الفقه والأصول، وعلق عليهما، شأن غيره من تلامذة تلك العاصمة الدينية، والمركز العالمي للثقافة الإسلامية، وبلغ رتبة الاجتهاد في المعقول والمنقول، وحاز على شهاداتهما ممن كانت الزعامة الشيعية منوطة بهم، وأزمة القيادة العلمية مفوضة إليهم، وعرفان مقدرة المتعلم في ذلك الصرح العلمي، ومكانته من استنباط الأحكام، ومقامه من خوض البحوث الإسلامية - بشتى صنوفها - منوط برأيهم. وقد عرف أساطين العصر، وقادة العلم في ذلك اليوم ما ناله شيخنا الوالد (قدس سره) من مراتب العلم، وما حازه من مدارج الفضيلة والكمال، ووقفوا على طول باعه، وغزير علمه، وفضله الكثير في الصنوف التي خاض غمارها، فقلد وسام الاجتهاد، ومنح استقلال الرأي والإفتاء من لدن: 1 - آية الله المرحوم السيد ميرزا علي ابن المجدد الشيرازي. من حسنات الدهر، وعباقرة العلم، وكبار علماء الإمامية، ومبرزي فقهائها. كان عابدا، ناسكا، زاهدا، تقيا، كريم النفس، سخي الطبع، حسن الاخلاق تتلمذ على أساطين عصره أمثال: الشيخ الميرزا محمذ تقي الشيرازي، والسيد محمد فشاركي، والشيخ محمد كاظم الخراساني. وتخرج عليهم، فنال رتبة عالية في الفقه والأصول، ومترتبة سامية في المعقول والمنقول، فذاع صيته في الأوساط، وطبقت شهرته الآفاق، وأصبح مرجع أمة من الشيعة في التقليد والافتاء. وإلى جانب تضلعه في الفقه والأصول، كان متبحرا في الكلام والحكمة والطب والتأريخ والفنون الأدبية. توفي في النجف الأشرف 18 ربيع الأول سنة 1355 ه‍. 2 - آية الله المرحوم الشيخ الميرزا حسين النائيني النجفي. معلم الفقهاء، واستاذ العلماء، من فحول اساطين الفقه والأصول والحكمة والكلام.

[ 23 ]

كان موصوفا بكثرة التحقيق، وعمق التدقيق، وفصاحة البيان، وحسن الخط والكتابة، وكان مرجعا للتقليد في كثير من البلاد الإسلامية. هاجر إلى العراق بعد أن حضر في اصفهان على فطاحل العلماء أمثال: الشيخ محمد باقر الاصفهاني، والميرزا أبي المعالي الكلباسي، والشيخ جهانكير خان القشقائي، والشيخ محمد تقي المعروف بآغا نجفي، والشيخ محمد حسن الهزار جريبي النجفي. وأقام في سامراء، وكربلاء، واستوطن النجف الأشرف، وتخرج على آيات الله وحججه، سادات الأمة، وشيوخ الشريعة أمثال: السيد ميرزا حسن المجدد الشيرازي، والسيد إسماعيل الصدر، والسيد محمد الفشاركي الاصفهاني. توفى في النجف الأشرف عام 1355 ه‍ ودفن بها. 3 - آية الله المرحوم الشيخ عبد الكريم بن المولى محمد جعفر اليزدي الحائري. من فحول علماء الإمامية، وفي الرعيل الأول من شيوخ العلم وأساطين الدين، ومن كبار الفقهاء وأجلائهم، له في العلوم الإسلامية قدم راسخ، وباع طويل، تنم عنها تآليفه وتصانيفه. أقام بمعاهد العلم في النجف الأشرف، وكربلاء، وسامراء، وتزود من حلقات دروسها، واعترف بمكانته وتضلعه فحول علماء عصره. انيطت به مرجعية الشيعة، والزعامة العامة، وهبط مدينة قم فنظم تلك الحوزة العلمية وأعاد مجدها الغابر، وأنشأ بها مدارس، ومكتبات، ومستشفيات، وقام بشؤون جميع المعاهد الدينية في بلاد إيران، وبذل النفس والنفيس دون نشر الثقافة الإسلامية في يومه العصيب. توفي بقم سنة 1355 ه‍ ودفن بمقبرة خاصة في روضة السيدة الطاهرة فاطمة المعصومة سلام الله عليها. 4 - آية الله المرحوم السيد أبو الحسن بن السيد محمد الموسوي الاصفهاني. شخصية فذة، ذو عبقرية نادرة، فريد دهره، ووحيد عصره، حامل لواء

[ 24 ]

الشيعة، وقطب رحى الشريعة، من فحول علماء القرن الحاضر. كان محققا، مدققا، فقيها، أصوليا، خبيرا بتراجم الرجال وسير التأريخ، بارعا في المعقول والمنقول، نابغة في الفروع والأصول. جليل القدر، عظيم المنزلة، حوى صفات الكمال وخصال الخير، فتأهل للزعامة الدينية والرئاسة الروحية، وسار حديثه في الأوساط، طبقت شهرته الآفاق، حتى انيطت به القيادة الفكرية والمرجعية العامة في التقليد، فقام بأعبائها، واستقل بإدارتها، وتكفل تسيير شؤون المعاهد العلمية وحوزات التدريس في إيران والعراق والهند وباكستان والافغان وغيرها. كان مجلس درسه ملتقى البارزين من رجال العلم وفضلاء الجامعة الإسلامية الكبرى " النجف الأشرف ". توفي ببغداد عام 1365 ه‍، وشيع جثمانه الطاهر تشييعا مهيبا الى النجف الأشرف، ودفن فيها، وكان يوما مشهودا. 5 - آية الله المرحوم الشيخ محمد حسين بن محمد حسن الاصفهاني النجفي الشهير بالكمپاني. من فلتات الدهر، ونوابغ العصر، وفلاسفة القرن. بحر العلم والكمال، عملاق الفروع والأصول، جامع المعقول والنقول. كان العلم الماثل، والدعامة الكبرى في التفسير والفقه والفلسفة والكلام... إلى غير ذلك من العلوم الإسلامية العقلية والنقلية، وله أشواط بعيدة في الأدب العربي. شاعر فحل، ذو قريحة وقادة، له قصائد وشعر كثير بالعربية والفارسية، امتاز ببراعة النثر وسلاسة النظم، ويمتاز شعره بدقة في المعاني ورقة في الأسلوب. عالم نحرير عامل، ومفكر محقق، قضى عمره في التحقيق والتأليف، جليل القدر، عظيم المنزلة، ازدهرت الجامعة الإسلامية الكبرى " النجف الأشرف " في عصره بآرائه الناضجة، وأفكاره العميقة، واستنارت ببحوثه محاضراته، استقل بالتدريس في شتى الفنون، إلا أنه امتاز بتدريس الفلسفة واشتهر بها لتسلطه

[ 25 ]

وطول باعه فيها. تخرج عليه جمع من ذوي الفكر والرأي والاجتهاد، فكان لكل منهم دوره البالغ وأثره الرفيع في تطوير الحركة الفكرية، وقيادة النهضة الثقافية، وخطوات مشرفة للجامعة الإسلامية النجف الأشرف وتقدمها، توفي في النجف عام 1361 ه‍، ودفن بها. 6 - آية الله المرحوم الشيخ محمد الحسين بن الشيخ علي آل كاشف الغطاء. علم من أعلام الشيعة، وإمام من أئمة الإصلاح، ومن فحول آيات الله وفطاحل حججه، ومن أبرز الشخصيات العالمية للطائفة في القرن الحاضر. فقيه حجة، واصولي متتبع، وفيلسوف بارع، ومحدث ثقة، وخطيب مصقع، أديب لامع، جمع بين المعقول والمنقول، وحوى الأصول والفروع، وهبه الله آيات الكمال وسمات الرفعة والجلال. غاص في بحر العلوم، وخاض ميادين التأليف والتحقيق، ونشر في صحائف تآليفه الكثيرة الضخمة بحوثا علمية، ودراسات فكرية، تتدفق جوانبها بالفلسفة والعبقرية، وغزارة العلم، وعمق النظر، وسعة الاطلاع. كان وجه الطائفة وعمادها، ومرجعا في الملمات، ومأوى جميع الطبقات، ناضل دون المبدأ ودافع عن حقه، وأعلن إلى العالم حقائقه وواقعه، وتجشم دون ذلك الشدائد والعناء، فساهم في المؤتمرات الإسلامية الدولية، ومثل أمته بها، وكشف عن معتقداتها المتخذة من القرآن الكريم والسنة النبوية، بخطبه الارتجالية البليغة، وفي كل خطبة له وقف الحاضرون أمام بحر خضم من العلم والمعرفة، فاعترفوا بفضله، وانقادوا لأمره، واستسلموا لنهجه، وأخذوا بأقواله وآرائه. توفى بكرند - من مصايف إيران - في 15 ذي القعدة 1373 ه‍ ونقل إلى النجف الأشرف، ودفن بها.

[ 26 ]

مشايخه في الرواية: تيمنا بالدخول في سلك حملة أحاديث آل الرسول صلوات الله عليه وعليهم، وتبركا بالانخراط في سلك العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، ولاتصال مروياته من الأخبار بالنبي الطاهر وأهل بيته الأطياب صلوات الله عليهم أجميعن، وصيانتها عن القطع والارسال، منح من المشايخ الأجلة وأئمة الحديث الاذن في رواية ما اثر عن المعصومين صلوات الله عليهم، ولكل من هؤلاء المشايخ والمحدثين طرقه المتعددة في رواية الحديث من فطاحل المحدثين وجهابذة الراوين إلى النبي الأعظم وأهل بيته (عليهم السلام). وقد صدرت تلكم الاجازات الرفيعة من معاقد العلم والتقى، ومعادن الزهد والورع، وهي - كسالفاتها - تشهد لشيخنا الراحل الأميني بالمكانة الرفيعة، والمقام المحمود من الثقة والأمانة والحفظ في نقل الحديث وروايته، وتنبئ عن سمو مكانته ورفيع منزلته لديهم. وقد حررت هذه الوثائق التأريخية منمقة بخطوط مصدريها وموشحة بتواقيعهم، وهم: 1 - آية الله المرحوم السيد أبو الحسن الموسوي الاصفهاني. 2 - آية الله المرحوم السيد الميزا علي الحسيني الشيرازي. 3 - آية الله المرحوم الشيخ علي أصغر ملكي التبريزي (1). 4 - آية الله المرحوم السيد آغا حسين القمي: والعلامة القمي، فقيه متضلع، واصولي بارع، وزعيم روحي معبد، من مراجع التقليد الأفذاذ. كان زاهدا، ناسكا، كثير العبادة، على درجة رفيعة من التقى. حاز الرئاسة والزعامة مع اجتنابه لها واعراضه عنها، وأحرز مكانة


(1) مر الايعاز إلى ترجمة هؤلاء الثلاثة آنفا. (*)

[ 27 ]

مرموقة في نفوس العامة، لقدسيته وورعه. جاهد دون الدين، وصمد أمام مناوئيه بكل بطولة وشجاعة، غير مكثرت بمغبة الأمور، لا تأخذه في الله لومة لائم. لم أقف على نص إجازة هذا الحجة لشيخنا الوالد في الرواية، إلا أنه (رحمه الله) ذكر في " الغدير " ج 4 / 44 ما لفظه: (قال الأميني: وأنا أروي هذا الكتاب " مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) تأليف أخطب خوارزم " عن فقيه الطائفة في علوم الشيعة آية الله الحاج آقا حسين القمي، المتوفى 14 ربيع الأول 1366 ه‍). ثم ترجم شيخنا الوالد للمجيز ترجمة ضافية ذكر فيها مكانته العلمية، وورعه وتقاه وجهاده في سبيل الحق وإعلاء كلمة الدين. 5 - الحجة المرحوم الشيخ علي بن إبراهيم القمي: من أولياء الله الأبرار، وصالح عباده الأبدال، عالم فاضل، وحجة ورع، مضطلع بالفقه والأصول، بارع في الحديث. نذر نفسه لامور الدين، وشغل اوقاته به. كان تقيا، ناسكا، كثير العبادة والزهد، شديد الورع والتقى، قسم وقته بين الكتابة - بحثا وتدريسا - وبين المحراب لإمامة الجماعة والوعظ والارشاد، وكان إرشاده بقلمه أكثر منه بكلامه، حتى اشتهر بذلك أمره، وذاع في الأوساط صيته، ومال الناس إليه، على اختلاف طبقاتهم، فكانت له محبة في القلوب، وود في الأفئدة، للخصال التي كان يتحلى بها، من علو الهمة، وكرامة النفس، وحسن الخلق، ورحابة الصدر، ونكران الذات. توفي سنة 1373 ه‍ في النجف الأشرف، ودفن بها. 6 - الشيخ محمد علي الغروي الاوردوبادي: عالم جليل، وفقيه حجة، واستاذ الحكمة والفلسفة، ومن فحول الأدباء، وفطاحل الشعراء. حضر على مشايخ الطائفة، وأساطين الجامعة الإسلامية الكبرى النجف

[ 28 ]

الأشرف، وتتلمذ على قادتها في المعقول والمنقول، فنبغ فيهما وحاز قصب السبق، واشتهر في الاوساط العلمية بنبوغه، فأكبره قادة الفكر، وبجل مقامه أئمة العلم، وتقبل آراءه الصائبة صيارفة النقد التحليل، فتوجهت إليه الأنظار، وحضر عليه جمع من فحول المؤلفين والمحققين في الفقه والتفسير والفلسفة والكلام والرجال والتأريخ، للاستفادة من نظرياته، والتزود من علمه، والاقتطاف من أدبه. له تحقيقات وتآليف تنم عن خبرته وتضلعه وضبطه للبحوث بدقة واتقان. توفي سنة 1380 ه‍ في النجف الأشرف، ودفن بها. كانت بين المترجم وشيخنا الوالد (رحمهما الله) صلة وثيقة، وعلاقة أخوية، دامت أكثر من نصف قرن. وقف خلالها على جل تآليف شيخنا الوالد، وسبرها مطالعة تحقيق وتمحيص، وسجل في مفتتح " شهداء الفضيلة " قصيدة عصماء في تقريظه، وله في مقدمة الجزء الثالث من " الغدير " كلمة عسجدية ضافية حول الكتاب. أما اجازته الروائية لشيخنا الوالد (قدس سره) فقد منحها له في اليوم العاشر من شهر رمضان سنة 1350 ه‍ وهي اجازة كبيرة تقع في 51 صفحة. تحوي فوائد أدبية، وفرائد تأريخية، ودرر رجالية. 7 - الحجة المرحوم الشيخ محمد محسن (آقا بزرگ) الطهراني: عالم محقق، وفقيه مدقق، محدث ثقة، ورجالي متتبع، مشارك في شتى العلوم. جليل القدر، عظيم المنزلة، ذو همة عالية، وعزم راسخ، وسعي متواصل. أتعب نفسه دون العلم والمعرفة، وبذل جهوده لإيحاء أخبار الماضين، وصرف طاقاته للوقوف على تراث الغابرين. اهتم بأخبار رجالات أمته ومآثرهم، حتى وفق إلى ابعد أشواطها، ونال أقصى مراحلها، فكان أوحديا لم يسبقه في ذلك السلف، ولم يضاهه الخلف. كان وحيد عصره في تحقيقه وتتبعه، مجدا في عمله، مثابرا بإيمان وإخلاص، لم يتوان في حياته من المطالعة ليل نهار، ولم يفارق الكتاب لحظة واحدة.

[ 29 ]

تحرى المكتبات العامة والخاصة في الأقطار الإسلامية دون هدفه السامي، ووقف على محتوياتها من تراث سلفنا الصالح، وعلى إثر ذلك كان هو (رحمه الله) في ذاته دائرة معارف لأخبار علماء الشيعة ومآثرهم الفكرية. تتلمذ على أساطين العصر، ومشايخ الأمة، ونال حظا وافرا، وقسطا كبيرا من العلم والمعرفة، فكان طويل الباع، واسع الاطلاع في تصانيفه غني عن وصفه وإطرائه، وفي تآليفه كفاية عن تمجيده وتعريفه. كان قوي الصلة بشيخنا الوالد (رحمهما الله)، وكانا إلفين تحابا في الله وتواصلا، واستمر ذلك طول حياتهما. عاش زاهدا، ناسكا، ورعا تقيا، سعيدا في حياته لخدماته العلمية، وخطواته الثقافية المشرقة. توفي عام 1389 ه‍، ودفن بداره في النجف الأشرف (1). اجاز شيخنا الوالد اجازة روائية كبيرة، تقع في سبعة صحائف، نمقها بخط يده المعهود في النعومة مع سطور مندمجة، أسماها: " مسند الأمين في مشايخ الرجاليين "، كتبها في شهر محرم الحرام سنة 1353 ه‍. 8 - الحجة المرحوم الشيخ الميرزا يحيى بن اسد الله الخوئي. علامة في الفقه وأصوله، وفهامة في الحديث والتأريخ، من اشهر افراد مدينة خوي، جليل الذكر، بعيد الصيت، ذو مكانة علمية مرموقة، وفضيلة رفيعة، مغرما بالأدب، معروفا بحسن الخط. تتلمذ على جمع من أعلام خوي وتبريز، وتخرج على فطاحل زعماء النجف الدينيين، أجاز جمعا في الرواية، ومنهم المرحوم شيخنا الوالد، وإجازته هذه مختصرة، تقع في صحيفتين، كتبها في شهر جمادي الأولى سنة 1308 ه‍، وذكر فيها بعض اجازاته ممن يروي عنهم، أمثال: آية الله الشيخ ميرزا حبيب الله الرشتي


(1) أوقف المرحوم الشيخ آغا بزرگ الطهراني مكتبته التحتية في حياته على مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة في النجف الأشرف إذا تعرضت الى الزوال وعدم الانتفاع بها. غير ان الورثة بعد وفاته (رحمه الله) ارتأوا أن تبقى المكتبة في داره إلى جنب رمسه، لتكون نواة لمكتبة عامة. المؤلف الشاكري (*)

[ 30 ]

المتوفى 1312 ه‍، وآية الله الشيخ محمد الكاظمي المتوفى 1308 ه‍، وآية الله الشيخ فتح الله الاصفهاني النمازي المتوفى 1339 ه‍. توفي المترجم له في طهران سنة 1364 ه‍، ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف، ودفن بها. زهده: وبعد أن بلغ شيخنا الوالد - طاب ثراه - منزلة الاجتهاد الرفيعة، ونال فيها المقام المحمود، عكف على التدريس والتصنيف والتحقيق، وقضاء أكثر ساعاته في الليل والنهار بالمطالعة، والتزود من التراث العلمي الإسلامي، حتى أضحى مرجعا للاستفسار عن معضلات العلوم الإسلامية، وصار ملجأ في حل مشكلات البحوث الفكرية، وصاحب رأي ونظر في التفسير والحديث والتاريخ وعلم الرجال، ومأوى للمنقبين عن المؤلفين والموسوعات. وفي المراحل التي قضاها - رضوان الله عليه - كان ملازما للزهد والتقى، ورعا، متعبدا، على جانب كبير من الصلابة الدينية، كريم النفس، رحب الصدر، حسن الخلق، عالي الهمة، عفيف الطبع، لم يأمل اي أنسان، متوكلا على خالقه بانقطاع، رغدا في عيشه البسيط، وحياته المتواضعة، شاكرا ما منحه الله من رزق ليومه، غير مكترث بالدنيا وما فيها، معرضا عنها، مقبلا على الآخرة، لا يبرح من ترتيل آى الذكر الحكيم في ذم هذه الحياة الفانية، مطمئن النفس بالدرجات الرفيعة الباقية في الدار الخالدة: * (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) * (1). وكان يعظ بهذا أسرته وتلامذته وصحبه والوافدين عليه.


(1) القصص: 83. (*)

[ 31 ]

عباداته: وكان (رحمه الله) ولوعا بقراءة القرآن والدعاء والصلوات المسنونة، إذا قرب الفجر قام إلى صلاة الليل وقرنها بفريضة الصبح، ثم جلس إلى قراءة القرآن حتى ينهي جزءا كاملا كل يوم، مرتلا آياته بتدبر وإمعان، متزودا من حججه وبيناته، وبعد تناول طعام الصبح يأوي إلى مكتبته الخاصة، ويعكف على المطالعة حتى يحضر عنده تلامذته للتزود من بيانه العذب، ونظرياته الصائبة، وآرائه الحرة في الفقه والاصول، ويبقى مستمرا على التدريس والبحث حتى يحين أذان الظهر، فيقوم إلى أداء الفريضة، ثم يتناول طعامه، ويأخذ من الراحة زهاء ساعة واحدة، ثم يعود للعمل في مكتبته حتى منتصف الليل. وفي فترات خاصه من النهار كان لي شرف الحضور عنده، لتلقي دروسي في المرحلة الابتدائية. وكان كثير الزيارة للحرم العلوي الشريف، يقصده في أوقات مختلفة، فإذا استأذن بالزيارات المنصوصة ودخل الحرم المطهر تنكر لكل أحد وهيمن عليه الخضوع والخشوع، والكآبة والحزن، جلس قبالة وجه الإمام سلام الله عليه، وبدأ ببعض الفاظ الزيارات المعهودة مخاطبا مولاه بكلماته، والدموع تسيل على لحيته الكريمة، لا تنقطع حتى يبارح ذلك المشهد المقدس، وكانت زيارته تستغرق ساعة من الوقت فأكثر. وكثيرا ما كان يقصد زيارة سيد شباب أهل الجنة السبط الشهيد الحسين سلام الله عليه في كربلاء راجلا، طلبا لمزيد الأجر، ومعه ثلة من صفوة المؤمنين من خلص أصدقائه، يقضي طريقه خلال ثلاثة أيام أو أكثر، وهي لا تزيد عن 78 كيلو مترا، لا يفتر فيه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعظ والارشاد، وإلقاء مواعظ وتوجيهات دينية على أهل القرى والرساتيق التي يمر بها، حتى يصل كربلاء المشرفة، وعندها لم يكن له هم سوى المثول بمشهد الإمام الشهيد، فيدخله ودموعه تنحدر على وجناته من لوعة المصاب.

[ 32 ]

وكانت زياراته في حالات تخص به، لم يعهد مثلها من غيره، كما أن حاله في مجالس الأئمة المعصومين كانت خاصة به، لكثرة بكائه وجزعه. وكان (رحمه الله) إذا حل شهر رمضان المبارك عطل جل أعماله، وتفرغ للصيام والعبادة في النجف الأشرف، أو بكربلاء المشرفة، وعند ذلك يلزم نفسه قراءة خمسة عشر ختمة من القرآن، يهدي ثواب أربعة عشر منها إلى المعصومين الأربعة عشر، ويخص والديه بواحدة، وكان دؤوبا على ذلك حتى السنوات الأخيرة من حياته. وإلى جانب هذه السيرة الإسلامية، والخلق المحمود لم ينس فروضه الاجتماعية تجاه ذوي الحاجات والمعوزين والبائسين، فكان كثير البر، وصولا لابناء نحلته، مساهما في احزانهم، لم يرد سائلا، ولم يخيب آملا، يحمل نفسه المتاعب والعناء حتى ينهي مشكلة بائس أو فقير، ويتفقد حال أرباب الحرف الضعيفة في حارته، ويستكشف همومهم، ثم يبذل جهده في رفعها ما أوتي الى ذلك سبيلا. مستنسخاته: وخلال انشغاله بالبحث والتدريس والمطالعة والتحقيق، وجد نفسه بحاجة إلى اقتناء بعض الكتب المخطوطة من تراثنا الفكري في البحوث الإسلامية، ولم يتأت ذلك بالشراء والاستعارة، فجد في القيام باستنساخ جملة من الكتب التي كان بحاجة إليها آنذاك، وبذل قصارى جهده في كتابتها بخطه الرائع الجميل، وكان مما استنسخه: 1 - " دعائم الإسلام " في معرفة الحلال والحرام والقضايا والأحكام المأثورة عن أهل البيت. تأليف القاضي نعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون المغربي المصري، المتوفى 363 ه‍.

[ 33 ]

2 - " الأمالي ". لشيخ الأمة محمد بن محمد بن النعمان، أبي عبد الله، الشيخ المفيد، المتوفى 413 ه‍. 3 - " المزار الكبير ". للشيخ ابي عبد الله محمد بن جعفر بن علي بن جعفر المشهدي الحائري. 4 - " إيضاح دفائن النواصب ". تأليف الشيخ أبي الحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان الفقيه القمي. 5 - " الطرف ". تأليف رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن طاووس الحسيني الحلي، المتوفى 446 ه‍. 6 - " اليقين في إمرة أمير المؤمنين ". تأليف رضي الدين علي بن موسى بن طاووس، أيضا. 7 - " نوادر الأثر في أن عليا خير البشر ". للشيخ الجليل ابي محمد جعفر بن أحمد بن علي القمي، نزيل الري. والكتب الأربعة الأخيرة (كتب المجموعة) كتب شيخنا الوالد (رحمه الله) بحثا ضافيا، وتحقيقا كافيا حول محتوياتها، وأسانيد أحاديثها، يقع في 18 صفحة بالقطع الكبير، جاء في أوله بعد الحمد والصلاة ما لفظه: " أما بعد، يقول العبد الحقير الغريق في بحر العصيان، الراجي من الله العفو والغفران، عبد الحسين بن أحمد بن نجف قلي، الملقب بأمين الشرع، ابن الشيخ عبد الله المدعو بسرمست، ابن الحاج محمد بن الله يار، عفى الله عنهم يوم البوار، وحشرهم مع الأئمة الأطهار: هذه مجموعة وجيزة، واطروفة عزيزة، مشتملة على كتب معتمدة لطيفة، وأسفار معتبرة شريفة... ". 8 - " خصائص الأئمة ". تأليف الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين الموسوي البغدادي،

[ 34 ]

المتوفى 406 ه‍. 9 - كتاب " السقيفة ". تأليف سليم بن قيس الهلالي العاملي الكوفي، المتوفى حدود سنة 90 ه‍. 10 - " الاجازة الكبيرة لعلماء الحويزة ". للمجيز السيد عبد الله بن السيد نور الدين بن السيد نعمة الله الجزائري، المتوفى 786 ه‍. 11 - " المسائل الأربعون الكلامية ". تأليف الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي، المستشهد عام 786 ه‍. 12 - " جذوة السلام في نظم مسائل الكلام ". للعلامة الشيخ محمد بن طاهر السماوي، المتوفى 1370 ه‍. 13 - " جمل الآداب ". نظم العلامة المرحوم الشيخ محمد بن طاهر السماوي. نظم الشاعر في قصيدته هذه كتاب عيسى بن داب - المتوفى 171 ه‍ - في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي تحتوي على سبعين منقبة، أولها: " الحمد لله العلي البادي * والصلوات في مدى الآباد " آخرها: " فان معجزاته لا تخرم * وهذه لزوم ما لا يلزم " وهناك كتب أخرى قام باستنساخها المرحوم شيخنا الوالد، يأتي الايعاز إليها عند ذكر سفره إلى الهند، ومستنسخات أخرى من مكتبة الظاهرية في دمشق الشام، لا يسعني الآن الوقوف عليها والكتابة عنها. تآليفه وتحقيقاته: وأسفرت جلادة شيخنا الوالد في المطالعة، ومثابرته في التحقيق، وجده في التمحيص، وولعه الشديد في مسامرة الكتاب ليل نهار، وقضاء أكثر أوقاته في سبر الأسفار العلمية، والوقوف على الآراء والمعتقدات في البحوث الإسلامية، عن

[ 35 ]

خطوات علمية خالدة، وتآليف فكرية غالية أتحف بها المكتبة الإسلامية العربية، وكل واحدة منها تنم عن علمه المتدفق، وفضله الكبير، واطلاعه الواسع، وما يتحلى به من طاقة وخبرة تؤهلانه لخوض هذا الميدان المقدس، واعطاء رأيه فيه بكل حزم وصلابة، وتتلخص جهوده العلمية، وجهاده الفكري في تأليف: 1 - تفسير فاتحة الكتاب: يبحث هذا الكتاب حول سورة الفاتحة في فصلين: الأول: في تفسير السورة. والثاني: في تحليل السورة، وبيان شئ من دقائقها، وتوضيح ما يستفاد منها في التوحيد، والقضاء والقدر، والجبر والتفويض، مستدلا في كل هذه البحوث بما اثر من غرر الكلم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما روي من أحاديث أهل بيته (عليهم السلام). طبع في طهران سنة 1395 ه‍. 2 - شهداء الفضيلة: كتاب تأريخي، مبتكر في موضوعه، فريد في بابه، يحوي تراجم شهداء علمائنا الأعلام من القرن الرابع الهجري إلى العصر الحاضر، وهم مائة وثلاثون شهيدا، نالوا هذه الدرجة الرفيعة والمنزلة العالية في الدفاع عن ناموس الإسلام المقدس، والذب عن حرم الدين. طبع في النجف الأشرف سنة 1355 ه‍. 3 - كامل الزيارة: تأليف فقيه الطائفة وشيخها المقدم أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه المتوفى 367 ه‍. حقق هذا الأثر القيم شيخنا الوالد، وقام بطبعه في النجف الأشرف سنة 1356 ه‍ وكتب في آخره ما لفظه: (لقد تحرينا غاية الصحة في طبع هذا الكتاب القيم بمقابلته مع نسخ عريقة في الصحة، منها: نسخة عتيقة مصححة بتصحيح العلامة ثقة الإسلام النوري،

[ 36 ]

ونسخة اخرى مكتوبة في أوائل القرن التاسع، وغيرهما من النسخ التي وقفنا عليها في العراق وإيران، ولم يقنعنا ذلك حتى راجعنا في تصحيح جميع ما في الكتاب من الأحاديث - متنا وإسنادا - الكتب المتأخرة الناقلة عن الكتاب، ك‍ " الوسائل " و " البحار " و " المستدرك "، وكتب الرجال المعتبرة لأصحابنا - رضوان الله عليهم - وعلقنا عليه ما لا غنية عنه للباحث). 4 - أدب الزائر لمن يمم الحائر: رسالة موجزة فيما يلزم أن يتحلى به زائر بقعة السبط الشهيد الحسين سلام الله عليه من الآداب المسنونة في الزيارة. مأخوذة كلها من أحاديث آل البيت الطاهر سلام الله عليهم. طبع في النجف الأشرف سنة 1362 ه‍. 5 - سيرتنا وسنتنا: هذا الكتاب جواب ضاف لسؤال وجه إلى شيخنا الوالد في حلب حول غلو الشيعة في حب آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإقامة المآتم العزائية لسيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام)، ودأبهم بالتأبين له كل يوم، والتعبد بتربته، والالتزام بالسجدة عليها. وقد ذكر المؤلف (رحمه الله) أربعة وعشرين مأتما أقامها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ريحانته في بيوت امهات المؤمنين، وفي مسجده، وفي مجتمع الصحابة، فيريهم الحسين الرضيع وتربة كربلائه في يده ويقول لهم: إن امتي يقتلون هذا، وهذه تربة كربلاء، وهو باك وعيونه تدمع. وفي الكتاب بحث في خصوص السجدة وما يصح السجود عليه، والسجدة على تربة كربلاء، وبرهان صحة ذلك. طبع في النجف الأشرف سنة 1384 ه‍، وفي طهران عام 1386 ه‍. 6 - تعاليق في أصول الفقه على كتاب " الرسائل " للشيخ الأنصاري. (خ). 7 - تعاليق في الفقه على كتاب " المكاسب " للشيخ الأنصاري. (خ). 8 - المقاصد العلية في المطالب السنية. (خ).

[ 37 ]

تحت هذا العنوان بحوث ضافية في التفسير لشيخنا الوالد. في تحليل آيات من الذكر الحكيم وهي: 1 - قوله تعالى: * (ربنا امتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين...) * (1). 2 - قوله تعالى: * (ولله الأسماء الحسنى...) * (2). 3 - قوله تعالى: * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم...) * (3). 4 - قوله تعالى: * (وكنتم أزواجا ثلاثة...) * (4). 9 - رياض الأنس (خ): يقع هذا الكتاب في جزأين: الجزء الأول: زهاء 700 صفحة، وفيه آثار فكرية من النظم والنثر، عربية وفارسية، لجمع من أعلام الشعر، وكما أن فيه ذكرا لبعض الحوادث التأريخية، وفي هذا الجزء ذكر شيخنا الوالد (رحمه الله) بعض ما قام به من العبادات المسنونة، مثل: صلاة ألف ركعة في كل ليلة من شهر رمضان، وعدد ختمه للقرآن في سنوات معلومة، وزيارة أعتاب أئمة الهدى آل بيت النبي الطاهر صلوات الله عليهم، وما قام بأدائه من عبادات فيها. والجزء الثاني: يقع في 1012 صفحة، ويحوي مقتطفات من التفسير والحديث والتأريخ والآراء والمعتقدات، وهي مذكرات كتبها لبحوث أجزاء كتابه " الغدير " خلال مطالعاته. 10 - رجال آذربيجان (خ): فيه ترجمة لمائتين وأربعة وثلاثين عالما وأديبا وشاعرا من رجال آذربايجان، مرتبا على حروف التهجي، أولهم: ميرزا إبراهيم بن ابي الفتح الزنجاني، وآخرهم: عز الدين يوسف بن الحسن التبريزي الحلاوي.


(1) غافر: 11. (2) الاعراف: 180. (3) الاعراف: 172. (4) الواقعة: 7. (*)

[ 38 ]

11 - ثمرات الأسفار: في جزأين: الأول: ويحتوي على مقتطفات من الكتب التي طالعها بمكتبات الهند العامة، والثاني: فيه منتخبات من الكتب التي وقف عليها في سوريا. 12 - العترة الطاهرة في الكتاب العزيز - أو - الآيات النازلة في العترة الطاهرة: كان المرحوم شيخنا الوالد قد حرر دراسة للآيات النازلة في آل بيت النبي (عليهم السلام)، ووضع خطوطها، فذكر الآية وأشار إلى نصوص علماء التفسير والحديث والكلام في ذلك، وتأكيدهم على نزولها في علي وعترته الغر الميامين. والموضوع هذا كان يتطلب جهدا كبيرا في المطالعة والتمحيص، وانشغال شيخنا الوالد بموسوعته الخالدة " الغدير " لم يدع له أي فراغ ومجال من الوقت، لذلك وبعد أن أفرد بحثا ضافيا في " الغدير " لتصحيح أسانيد ما اثر من المناقب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عترته الهادين في بحث " مسند المناقب ومرسلها " دمج بحوث تلك الآيات في ذلك، واستغنى عن تصنيف كتاب مستقل فيه. 13 - الغدير: الغدير الغدير، ذلك سفر * خالد في الحياة قدس سفرا دبجته يراعة الناقد الفحل * فلم تبق فيه للب قشرا أظهرت ما اختفى وأخفت عيوبا * قدست في الورث خداعا ومكرا إن يكن يصلح الخلود وساما * فالأميني، فيه أولى وأحرى (1) هذا الكتاب هو كل حياة شيخنا الراحل وجل جهوده، وهو انموذج طاقته الخلاقة، ودليل جلده في تحمل الصعاب لنيل الهدف السامي، وعنوان شخصيته العلمية، والشعلة الوضاءة لبيانه، ومعجزات بنانه. كتاب قضى عليه ليله ونهاره، به بدأ الحياة، ومن ورائه تطلع إلى بحار البحوث الإسلامية التي لا نهاية لها، وقبل إنهاء بحثه ختم سجل تاريخه، وطوى


(1) من قصيدة للمرحوم العلامة الحجة السيد محمد جمال الهاشمي. (*)

[ 39 ]

دفتر أيامه. تطلب منه تأليفه المرور بعشرات الألوف من الكتب المطبوعة والمخطوطة، ومطالعة عشرات الآلاف من المجلدات بجميع صحائفها، مطالعة تمحيص وتدقيق، فأجاب الطلب ولبى النداء بكل عزم وصلادة، ووطد نفسه للصعاب، ورضخ أمام الواقع، وكابد الموانع والحواجز فاستسلمت له وانزاحت عن طريقه، وتركت له ميدان المعركة خلوا من كل شاغل، ليصول بها ويجول، ثم يدفع أشعة عينيه، وقواه الفكرية، وطاقاته الجسميه ثمن ذلك، ويخرج من المعركة ظافرا، قد خلد في سجل التأريخ الحقيقة ناصعة وضاءة، مشرقة كالشمس. لم ينته شيخنا الوالد من طبع كتابه " شهداء الفضيلة " عام 1345 ه‍ حتى رآى أن موسوعته الخالدة " الغدير " تطلب منه التفرغ له بكله، وبذل جل جهوده في سبيله، وليتسنى له إخراجه إلى عالم الوجود. لذلك ترك البحث والتدريس، وغلق على نفسه باب التردد على الأندية والمجتمعات، وجلس في داره معتكفا بمكتبته الخاصة، متفرغا للجهاد في هذا الميدان الديني المقدس، محتما على نفسه الكتابة والمطالعة ست عشرة ساعة في الليل والنهار، وإن كانت الطريقة هذه في الحياة مجهدة وخارجة عن القدرة الفردية، كل ذلك ولها منه، وتعشقا إلى رسالته الخالدة في الدفاع عن ناموس الإسلام، ورد كيد الباغين عليه، وأداء للمسؤولية الدينية التي كان يحس بها، ولم يشعر في الحياة بخطورة أمر أكثر منها. ولم ير فرحا مستبشرا طيلة انشغاله في بحث كتابه هذا، إلا عند عثوره على مصدر من المصادر التي كان يهمه الوقوف عليها، أو إنهائه تصحيح سند من اسانيد الأحاديث النبوية التي كان يعمل فيها، أو التعرف على ترجمه صحابي أو محدث مجهول، أو إسناد حديث مرسل، وربما قضى في ترجمة رجل في سند حديث نبوي أو تصحيح لفظه أكثر من عشرة أيام يصرف عليه ليله ونهاره. وعلى إثر هذه الخطوة المجهدة والعمل المضني لم تكن حياة شيخنا الوالد

[ 40 ]

- طاب ثراه - إلا عناء، فقد أمضى نصف قرن من عمره في تأليف سفره هذا " الغدير ". مطالعته: وما إن خطا خطوته الأولى في هذا السبيل حتى أخذ طريقه إلى مكتبات النجف العامة والخاصه، وراح يقضي بها جل نهاره، ويستنسخ من نفائسها كراريس لبحثه، ثم يقوم بتنظيمها في مكتبته الخاصه، غير مكترث بالعوامل الزمنية من الحر والبرد وما شاكل ذلك. وكان هو من بين المتأخرين ممن ادركوا نفائس ما تبقى من مخطوطات المكتبة الحيدرية " الخزانه الغروية " وسبر محتوياتها، ووقف على أوراقها المبعثرة بدقة وإمعان. كما تسنى له مطالعة ما تضمه سائر مكتبات النجف الأشرف الأثرية الخاصة، وهي تحتفظ - آنذاك - في خزائنها على أنفس المخطوطات الفكرية، وأثمن التحف العلمية، التي كانت في مكتبات السلف الصالح من أساطين العلم، وجهابذة الفكر، وعمالقة تلك الجامعة الإسلامية الكبرى وغيرهم من علماء الإسلام. فقد طالع جل محتويات: مكتبة المرحوم آية الله السيد جعفر ابن السيد محمد باقر بحر العلوم النجفي، المتوفى 1377 ه‍. ومكتبة المرحوم آية الله الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء النجفي، المتوفى 1373 ه‍. ومكتبة الحجة السيد محمد صادق ابن السيد حسن بحر العلوم النجفي دام ظله. ومكتبة العلامة الشيخ محمد بن طاهر السماوي، المتوفى 1370 ه‍. ومكتبة العلامة الشيخ محمد رضا فرج الله النجفي (قدس سره). ومكتبة الحسينية التسترية.

[ 41 ]

والأخيرة هي المكتبة الوحيدة العامة في النجف يوم ذاك، وكان شيخنا الوالد (رحمه الله) يكثر التردد إليها، للاستفادة من كنوزها، ولما رآى أن من العسير عليه التزود من تراث تلك المكتبة الأثرية، لكونها في زاوية حسينية معرضة لإقامة الحفلات في المواسم الدينية، واجتماع الناس بها لتشييع الجنائز أو للتأبين في أكثر الأوقات، وهذا ما يحول بينه وبين المطالعة، فلم ير بدا سوى الذهاب إليها ليلا، فأخذ يؤمها في أول الليل ومعه قوته ويدخل المكتبة ويغلق مديرها الباب عليه، فيبقى بها طول الليل ساهرا بالمطالعة والاستنساخ، ولم يعلم بالوقت الا حين يفتح له الباب لأداء فريضة الصبح، ثم يعود إلى الدار حيث العمل بالمكتبة الخاصة. واستمر على هذا مدة حتى وقف على كل كبيرة وصغيرة من كتب تلك الخزانة القديمة. وبعد أن قضى وطره من مكتبات النجف الأشرف، أخذ يتجول في مدن العراق، فوقف في كربلاء على ما تضمه: خزانة المرحوم الشيخ عبد الحسين الطهراني. ومكتبة المرحوم الخطيب الشيخ محسن أبو الحب الحائري. ووقف على بعض المخطوطات الأثرية في البيوتات القديمة. وفي الكاظمية وبغداد إطلع على جل ما تحويه: مكتبة المرحوم آية الله السيد حسن الصدر الكاظمي، التوفى 1354 ه‍. ومكتبة المرحوم الشيخ مهدي ابن الحاج حسن كبة. ومكتبة السيد عيسى العطار. ومكتبة الوجيه الشيخ محمد رضا شالچي موسى (الخالصي). ومكتبة حسينية آل الحيدري. ووقف في سامراء على المحتويات العلمية النفيسة لمكتبة المرحوم الحجة الشيخ الميرزا محمد العسكري الطهراني، المتوفى 1371 ه‍، واطلع على التراث العلمي في غير هذه من مكتبات بغداد والحلة والبصرة العامة والخاصة. وبعد ان استوعب العلامة الأميني (قدس سره) معظم ما في المكتبات في المدن المذكورة

[ 42 ]

من الكتب، وطالعها مطالعة تحقيق وتدقيق، يمم شطر البلدان الإسلامية العريقة بتراثها الضخم، التي تدخره في خزائنها العتيدة من كنوز الكتب الخطية النادرة. مبتدئا سفره بالقارة الهندية، ومن ثم قصد البلد الشقيق سوريا، واردفه بتطوافه بمكتبات العاصمة الإسلامية السابقة القسطنطينية " تركيا " ومكتباتها العريقة في مدن استانبول، وانقرة، وازمير، وغيرها. بالرغم مما كان يعاني من الآلام المبرحة من جراء المرض العضال، الذي ألم به حتى ارداه صريعا بين براثن المنون. انا لله وانا إليه راجعون. سوف نذكر ذلك في الفصل التالي الخاص برحلاته وثمرات اسفاره.

[ 43 ]

ربع قرن مع شيخنا كان المرحوم العلامة الأميني صديقا حميما للمرحوم والدي، وقد حدثني الشئ الكثير عنه، إذ توفي والدي وأنا لم ابلغ الحلم، ولم اعرف عن خصوصياته إلا النزر اليسير، وإليك هذه الحادثة الطريفة التي حدثني بها سماحته: قال (قدس سره): في سنة 1355 ه‍ = 1935 م وفقني الله لحج بيته الحرام، وفي تلك السنة حج آية الله العظمى السيد عبد الحسين الحجة، وكان من أبرز علماء كربلاء المقدسة ومراجعها، وكان موقفنا الشرعي في الحج يختلف عن الموقف السعودي، وكان من الصعب على الحجاج الشيعة - آنذاك - أن يقفوا موقفا مخالفا لموقفهم - الموقف الاضطراري - وإذا وقف الحاج ربما يعرض نفسه للهلاك، وما يقف الموقف الاضطراري إلا الحجاج المخضرمين، الذين يعرفون كيف يسلكون بأنفسهم لنجاتهم، لأن الحكومة السعودية منعت ذلك منعا، باتا وأرسلت دوريات عسكرية تجوب المنطقة لمنع ذلك، وهي تنادي " ألا برئت الذمة ممن تخلف ". لا يزال الحديث لشيخي واستاذي العلامة الأميني (قدس سره)، قال: هرع الحجيج يوم التروية (1) إلى عرفات، وخرجنا مع من خرج، وكنت أنا شخصيا قلقا من عدم توافق الموقفين أتوكف الأخبار وأستشف الأنباء من هنا وهناك، وأسأل وأستفسر من الذين ألاقيهم من معارفي، لعلي أجد عندهم الجواب الشافي لأخرج من المأزق الحرج، ولأتخذ الموقف الصحيح.


(1) التروية يعني يوم الثامن من ذي الحجة الحرام. (*)

[ 44 ]

وكان المرجع الديني " الحجة " ثابت على موقفه المخالف للموقف السعودي، والحجاج الشيعة في بلبلة وحيرة، ولا يدرون ما يعملون، حتى حل وقت العصر من يوم عرفة وضاق الوقت، وجاء من يخبرني بأن " الحاج محمد الشاكري " - يعني المرحوم والدي - يدعي رؤية الهلال وسوف يقف مع الموقف السعودي، فقلت للذي أخبرني: إذا كان حقا ذلك فإن شهادته عندي بشهادتين، إذهب وابحث عنه لعلنا نجد عنده الجواب الشافي، فذهب يبحث عنه فلم يعثر عليه ولم يرجع المخبر، فازدادت حيرتي، واشتد قلقي، ومالت الشمس إلى المغيب، وأنا غارق في بحر تفكيري، حيران ذاهل عن التوجه والتضرع في الدعاء تلك الساعة الفريدة وأقول: إلهي ما العمل ؟ عند ذلك توجهت إلى الكعبة المشرفة، ودعوت الله سبحانه وتضرعت إليه مناجيا ربي: إلهي نحن ضيوفك هذه الليلة، ونريد أن نتفرغ لعبادتك ومناجاتك والتقرب إليك، وأنت تعلم ما في نفسي، لا تسلبني مناجاتك والتوجه إليك، إلهي أين أجد الآن " الحاج محمد الشاكري " في هذا البحر المتلاطم بأمواج الحجيج، لأسأله ؟ ! ويحلف (قدس سره) قائلا: ما إن أتممت دعائي والتفت خلفي وإذا " بالحاج الشاكري " أمامي، فتعانقنا وتصافحنا، ثم قلت له: سمعت من ينقل عنك إنك رأيت الهلال وثبت عندك الموقف مع السعودية ؟ ! ! قال: معاذ الله: ما قلت ذلك أبدا، وسوف أقف الموقف الاضطراري. واتفقنا معا، ووقفا الموقف المطلوب الصحيح. رحمهما الله تعالى. كنت معجبا بشخصية العلامة الأميني (قدس سره) الفذة منذ صباي، وقبل أن أعرف نفسي، وكنت أزوره في مكتبته، التي هي عبارة عن غرفة مستقلة من داره البسيطة المتواضعة، فأجده غارقا في بحر متلاطم من الكتب في العلوم، والمعارف، والمفاهيم الإسلامية، وغائصا في اعماق التاريخ من خلال المصادر، والأسانيد والموسوعات العظيمة المحيطة به. وكلما تقدم الزمن وعرفت نفسي انفتحت لي منافذ جديدة على شخصيته

[ 45 ]

الرائعة، وعلمه الجم، وتعمق ارتباطي الروحي به والانسجام النفسي معه. وصار مثلي الأعلى في سيرتي وسلوكي وأخلاقي، وبادلني الشعور بالمثل، فأحاطني بلطفه ورعايته، حتى أصبحت موضع سره واعتماده، فكان يبثني همومه وشكواه، ويكشف لي عوالج نفسه وكل ما كان يختزنه في وجدانه، فكنت أعيش همومه ومحنته واشاطره آلامه ومشاعره. إليك عزيزي القارئ هذه الباقة العطرة مما ثبت في ذاكرتي من شذى أحاديثه، وشذرات طيبة مما تركه في نفسي وخاطري من أحاديثه الشيقة القيمة (قدس سره)، وما عشته وشاهدته في أيامه، ومما سمعته من الآخرين في حقه. وسوف أذكر بعضها بالمعنى لا بالنص: عندما كان يتشرف سماحته بزيارة الإمامين الكاظمين (عليهما السلام) وقضاء بعض أعماله، كان يشرفني وينزل في داري ببغداد ومن معه معززا مكرما، وكان أولادي مشغوفين به، يستقبلونه كما يستقبل الأطفال جدهم الحنون، ويرحبون بقدومه ويأنسون به، ويتسابقون إلى لثم أنامله وتقبيل يديه الكريمتين، وكان بدوره يحضنهم ويضمهم إلى صدره " الحنون "، وإن ولدي عدي - وهو أصغرهم سنا - كان طفلا يأتي إليه ويأخذ يده يقبلها، ثم يمد يده الصغيرة إلى فم سماحته ليقبلها بدوره مثل ما يعمل هو، ثم يأخذه سماحته ويضمه إلى صدره. القصة الأولى: التفاتة ذكية وفقني الله لخدمة أحد المرضى المؤمنين في معالجته، وبعد شفائه قدم لي هدية جميلة تذكارية، وكان ذلك في سنة 1955 م = 1375 ه‍ ق، والهدية عبارة عن لوحة خشبية محفور عليها الآية القرآنية، التي تخص الصيام بالحروف البارزة: بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) *. كانت اللوحة جميلة ورائعة حقا، فلم أجد مكانا في جدران غرفة

[ 46 ]

الاستقبال ولا في الصالون الداخلي في الدار لأضعها، غير جدار في صدر غرفة الطعام، فوضعتها هناك دون قصد، وكان ذلك قبيل شهر الصيام المبارك بأيام. فلما شرفني في تلك الأيام سماحة العلامة الأميني، وجلس على مائدة الطعام، حانت منه إلتفاتة وشاهد اللوحة أمامه، وقبل أن يتناول طعامه قال: ما هذه اللوحة ؟ ! ! محتجا ومستفسرا، قلت ببساطة: هذه لوحة قرآنية اهديت لي توا، قال بحدة مازحا: إرفعها حالا، امتثلت للأمر فرفعتها من الجدار، ثم قلت له مستفسرا: لماذا ؟ وأنا غافل قال: كيف تريدني أن آكل وهذه الآية تأمرني بالصيام، فتبسم وتبسمت فعرفت مغزى كلامه. القصة الثانية: حدثني سماحة العلامة الأميني (قدس سره) عندما تشرف لحج بيت الله الحرام (1) بهذه الحادثة، قال: تشرفت بحج بيت الله الحرام، ولما صارت ليلة التروية خرجت من مكة المكرمة قاصدا عرفة، وبت تلك الليلة في منى، وبعد صلاة الفجر من يوم عرفة استأجرت مكاري لحمل أمتعتي، قاصدا عرفة، ولما وصلتها وجدت الموقف عاجا بالحجيج، وكلما حاولت - عبثا - أن أحصل على مكان ما ولو بمقدار نصب خيمتي فما استطعت، وصرت أدور في مكاني يمينا وشمالا، حتى حانت مني التفاتة، وشاهدت من بعيد سرادقا كبيرا أمامه فسحة واسعة مفروشة بالبحص الناعم، محاطا بالعسكر والحرس، قصدته، فلما وصلت المكان أمرت المكاري أن ينزل أمتعتي، فأعطيته أجرته وذهب، ثم باشرت في نصب خيمتي وحدي، وصاح بي العسكري وناداني من بعيد ليمنعني، فلم أعره أذني ولم أهتم به، حتى ولم ألتفت إليه، جاء العسكري حتى وصل إلى جنبي وأمسك بيدي ليمنعني من قصدي، فوقفت وقلت: ما تريد ؟ ولماذا تمنعني من نصب خيمتي ؟ متجاهلا ما حولي، قال


(1) الظاهر أن سماحته تشرف بحج بيت الله الحرام مرتين، الاولى سنة 1355 ه‍ = 1935 م، والثانية سنة 1375 ه‍ = 1955 م. (*)

[ 47 ]

العسكري: (ممنوع)، فقلت: لماذا ؟ ! مستغربا قال: ألم تر، هنا سرداق الأمير، فصحت بأعلى صوتي ليسمعني من في السرداق، مستغربا ومحتجا، وقلت: أمير ؟ ! ! قل لأميرك: " فليرحل من أرضنا " هذه أرض العبيد، " وليس للأمراء مكان هنا "، فذهل العسكري واسقط ما في يده، وذهب ليبلغ أميره كلام " العلامة الأميني "، فعرف عند ذلك الأمير أن المتكلم ليس بالرجل العادي فهابه ولم يعد لمنعه، " لأن كلام الملوك ملوك الكلام ". القصة الثالثة: وعلى ذكر الحج، في المدينة المنورة: في سنة 1955 م = 1375 ه‍ تشرفت بحج بيت الله الحرام، ومن حسن الصدف كان سماحة العلامة الأميني (قدس سره) قد تشرف هو أيضا بحج بيت الله في نفس السنة، وكان بمعيته المرحوم أخوه وولده الشيخ رضا الأميني، وقد زرت سماحته عدة مرات بالمدينة المنورة. وكان من أصدقاء المرحوم والدي في المدينة المنورة السيد عبد الرسول ابن السيد عمران الحبوبي دعاني في بيته، وعمل مأدبة عشاء فخمة، ودعا إليها بعض الأصدقاء من الحجاج العراقيين ومن أهل المدينة، ثم قال لي السيد الحبوبي ادع من شئت من أصدقائك من الحجاج ومعارفك، فقلت: ما عندي أحد غير الشيخ الأميني، وهو يتحرج من الحضور في أي مكان خشية وتقية، لأنه مؤلف كتاب " الغدير ". قال السيد الحبوبي: دلني عليه وما عليك، فذهبنا معا إلى مسكن سماحة الشيخ الأميني عصرا، وكان على وشك الخروج من البيت لزيارة الحرم النبوي المطهر، فعرفت السيد الحبوبي لسماحة الشيخ وتعانقا، ثم دعاه السيد لحضور مأدبة العشاء، فاعتذر وامتنع من إجابة الدعوة، قال السيد الحبوبي لسماحة الشيخ بدون مقدمات: ألست تدعي أنك خادم جدتي الزهراء ؟ ! قال الشيخ: بلى والله،

[ 48 ]

وأتشرف بذلك، قال: إذن أقسم عليك بجدتي الزهراء أن تلبي دعوتي، قال: سمعا وطاعة، ثم التفت إلي وقال: ما هي إلا فتنتك، فتبسم، وقبل الدعوة وكانت مأدبة عامرة بحضارها وطعامها، وامسية روحانية شيقة رائعة. القصة الرابعة: حدثني شيخي واستاذي العلامة الأميني (قدس سره) بتأريخ 1385 ه‍ = 1964 م بالنجف الأشرف، قائلا: رأيت فيما يرى النائم كأني دعيت إلى حضور حفلة استقبال عظيمة في محل عام واسع، كأنه مسجد الكوفة، ولما حضرت الاجتماع وأشرفت على محل الاحتفال، وجدت الاف المدعوين جالسين على الأرض، بعضهم في حجر بعض من شدة الزحام، وكأن على رؤوسهم الطير، ولا يمكن زحزحة أحدهم قيد أنملة. وشاهدت في صدر المجلس منصة ترتفع عن رؤوس الجالسين قليلا، وكان عليها خمسة كراسي جلس عليها خمسة أشخاص، في الوسط سيد جليل القدر مهيب الجانب يشع من وجهه نور ساطع، وإلى يمينه رجل كهل ممتلئ الجسم، مربوع القامة، كث اللحية، ذو هيبة وحيوية ووقار، وإلى جانبه شاب جميل الصورة نوراني الطلعة، وإلى يسار السيد الجليل سيدة مبرقعة الوجه متوشحة بلباسها، وإلى جانبها شاب جميل الصورة نوراني الوجه، كما رأيت خلفهم رجلا طويل القامة، أسمر الوجه، مشرب بحمرة، ذا عينين براقتين حادتين، وعلى رأسه قلنسوة هرمية كأنه لباس أهل تركستان. تصورت - عند ذلك - أن السيد الجليل هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الجالس في الوسط، والجالس إلى يمينه الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإلى جنبه الإمام الحسن (عليه السلام)، والجالسة إلى جنب السيد الجليل هي السيدة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وإلى جنبها الإمام الحسين (عليه السلام)، والواقف خلفهم هو مولاهم قنبر (1).


(1) هذا الوصف مما رسخ في ذهني وتخيلته في ذاكرتي. (*)

[ 49 ]

لا يزال الحديث لسماحة العلامة الأميني (قدس سره)، قال: فلما أشرفت على محل الحفل قام الكهل - الذي حسبته الإمام عليا (عليه السلام) - من على المنصة وأشار إلي بيده واستدعاني من دون الناس، فتوجهت إليه أتخطى رقاب الجالسين، محاذيا الجدار حتى صرت خلف المنصة، ولما أردت الصعود قامت السيدة - التي حسبتها فاطمة الزهراء - وأدارت ظهرها للجالسين واستقبلتني، رافعة البرقع من على وجهها النوراني، ولما رأيتها صعقت وأخذتني الرجفة، واستيقظت من نومي فزعا مرعوبا، وكان ذلك قبيل الفجر بقليل. الحديث لا يزال لسماحة العلامة الأميني، قال: ثم قمت من فراشي لأسبغ الوضوء استعدادا للصلاة والعبادة، ولكني مازلت ذاهلا مرتبكا من جراء الحلم، وقد أخذ مني كل مأخذ، حتى طلوع الشمس، عند ذلك ارتديت ملابسي وخرجت قاصدا أحد العلماء من أصدقائي، له اطلاع بتفسير الأحلام، فقصصت عليه ما رأيت في المنام " الحلم "، وبعد الانتهاء، من حديثي تبسم، وقال: أبشر سوف تصاهر السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وتتزوج إحدى بناتها. وفعلا تحقق الحلم، بعد فترة قصيرة سافر العلامة الأميني إلى إيران وتزوج العلوية بنت المرحوم آية الله السيد علي الخلخالي، وأنجب منها أولادا صالحين. بعد أن استمعت القصة كاملة من سماحته، قلت له مازحا ومعلقا: شيخنا الجليل، كل خدماتك التي قمت بها لا تشفع لك عند أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء (عليها السلام) حتى تصاهرهم وتتزوج ابنتهم، فتبسم سماحته وعرف مغزى تعليقي ومزاحي. القصة الخامسة: من رؤى العلامة الأميني على حوض الكوثر... حدثني شيخي واستاذي آية الله العلامة الورع السيد محمد تقي الحكيم عافاه

[ 50 ]

الله - صاحب كتاب " الاصول العامة للفقه المقارن " - في النجف الأشرف، بعد وفاة العلامة الأميني رضوان الله عليه قال: حدثني أحد علماء خوزستان الأجلاء ذكر اسمه - ولكني نسيت اسمه - قال: رأيت فيما يرى النائم، كأن القيامة قد قامت، والناس في المحشر يموج بعضهم في بعض، وهم في هلع شديد، وفي هرج ومرج، كل واحد منهم مشغول بنفسه، ذاهل عن أهله وأولاده، ويصيح: إلهي نفسي نفسي النجاة، وهم في أشد حالات العطش، ورأيت جماعة من الناس يتدافعون على غدير كبير، من الماء الزلال، تطفح ضفتاه، وكل واحد منهم يريد أن يسبق الآخر لينال شربة من الماء، كما رأيت رجلا نوراني الطلعة، مربوع الجسم، مهيب الجانب يشرف على الغدير، يقدم هذا ويسمح لذاك أن ينهل ويشرب، ويذود آخرين ويمنعهم من الورود والنهل. " الحديث لا يزال للشيخ الخوزستاني ": قال: عند ذلك علمت أن الواقف على الحوض والمشرف على الكوثر هو الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، فتقدمت وسلمت على الإمام (عليه السلام) فاستأذنت منه لأنهل من الغدير وأشرب، فأذن لي فتناولت قدحا مملوءا من الماء فشربته، ونهلت. وبينما أنا كذلك إذ أقبل العلامة الأميني (قدس سره) فاستقبله الإمام بكل حفاوة وتكريم معانقا إياه، وأخذ كأسا مملوءا بالماء وهم ان يسقيه بيده الشريفة، فامتنع الأميني في بادئ الأمر، تأدبا وهيبة، ولكن الإمام (عليه السلام) أصر على أن يسقيه بيده الكريمة، فامتثل الأميني للأمر وشرب. قال الشيخ: فلما رأيت ذلك تعجبت، وقلت: يا سيدي يا أمير المؤمنين، أراك رحبت بالشيخ الأميني، وكرمته بما لم تفعله معنا، وقد أفنينا أعمارنا في خدمتكم وتعظيم شعائركم، واتباع أوامركم ونواهيكم، وبث علومكم ؟ ! ! فالتفت إلي الإمام (عليه السلام) وقال: " الغدير غديره " فاستيقظت من نومي وقد عرفت

[ 51 ]

- حينذاك - ما للعلامة الأميني من منزلة عند الله عز وجل وعند رسوله الكريم وعند أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أجمعين. معجزة للإمام (عليه السلام) شاهدها الأميني: سمعت ممن سمع من العلامة الأميني (قدس سره) يقول: كنت في ليلة من ليالي القدر في حرم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد منتصف الليل، ولعلها كانت ليلة القدر، ليلة شهادة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكنت مشغولا بالعبادة والتهجد، إذ دخل الحرم رجل قروي حاملا ابنه الكسيح، فأنزله من على متنه وربطه بالضريح المطهر وجلس عنده برهة، ثم قال لولده باللهجة الدارجة: " بوي آني رايح آكل فرني من باب الصحن وأجيك أشوفك علي طيبك "، أي: " إني ذاهب إلى خارج الصحن لأتناول قليلا من المحلبي ثم أعود إليك لأرى أن الإمام علي (عليه السلام) قد شافاك من مرضك ". فتركه في مكانه وخرج من الحرم، يقول الشيخ الأميني: ولقد لفت نظري كلام القروي الذي قال لولده بضرس قاطع، وكأنه على موعد من الإمام (عليه السلام) في شفاء ولده الكسيح حتما، وذلك بإذن الله تعالى، لما لأمير المؤمنين من منزلة رفيعة عنده. ثم أردف الأميني قائلا: سلبني كلام هذا القروي توجهي، وأصبحت أتوقع حدثا مهما، وما أن انقضت ساعة إلا وقام الصبي الكسيح من عند الضريح على قدميه وهو يصرخ وينادي والده: " بوي إنت وين عفتني ؟ " أي: " لماذا تركتني وحدي ؟ "، وفي هذه الأثناء دخل القروي والد الكسيح إلى الحرم، وشاهد ولده واقفا على قدميه، فناداه: " ها بوي طيبك علي ؟ " أي: " يا ولدي شافاك الإمام علي (عليه السلام) ؟ "، فأمسك ولده بيده ماشيا على قدميه وخرجا من الحرم المطهر، وكأن شيئا لم يكن، وكأنه لم تحدث معجزة ولا كرامة لأمير المؤمنين (عليه السلام).

[ 52 ]

نكتة طريفة: كنت على مائدة سماحة العلامة الأميني (قدس سره) ظهر يوم من الأيام نتناول طعام الغداء، وكان يحدثني بتخطيطه للمراحل التي ما بعد إكمال بناية المكتبة، وتأثيثها، وأنا مأخوذ بأحاديثه الشيقة، استمع إليها، فجأة توقف عن حديثه وابتسم، فلفت انتباهي، وقال: احدثك هذه النكتة الطريفة: دخلت يوما الدار فوجدت الأطفال - من أحفادي وأسباطي - يلعبون في ساحة الدار ولم يشعروا بورودي، وكان بيد أحدهم " مصباح كهربائي عاطل "، وكان معتزا به، فقال له الآخر: اخفيه عن جدنا إذا حضر، ولا تدعه يراه، فقال الذي بيده المصباح لماذا ؟ ! ! قال: أخشى إن رآه عندك يأخذه منك، ويذهب به إلى المكتبة ؟ أقول: ما ترك الشيخ الأميني شيئا ذا قيمة وشأن في داره إلا وأخذه إلى المكتبة، حتى الأطفال اصبحوا يشعرون بذلك، لذلك كان الأطفال يحذر بعضهم البعض. بادرة جديرة بالذكر: حدثني العلامة الأميني (قدس سره) قال: بعدما أنهيت أعمالي اليومية خرجت إلى السوق الذي هو قريب من دار سكناي (1)، لأشتري ما أحتاجه للبيت من طعام، وكنت واقفا على محل القصاب لأشتري اللحم، وكان إلى جنب القصاب دكان بقالة لسيد ضعيف الحال، فانتهز هذا السيد وقوفي ونزل من دكانه ليحدثني في مسألة، وهم أن يتكلم في حاجته ولكن بعض الطلبة المحيطين بي حال دون ذلك فانشغلت وما استمعت لحديث السيد وطلبه. وما أن وصلت الدار تذكرت فتركت ما اشتريت من لحم وخضروات ورجعت إلى السيد مسرعا، لأستمع إلى طلبه وما يريده، فلما وصلت قام السيد


(1) وهو سوق الحويش - أحد أسواق النجف الاربع حينذاك يقع في الجنوب ينتهي إلى باب قبلة الصحن الشريف. (*)

[ 53 ]

البقال وطلب من الشيخ الأميني أن يدخل دكانه، قال الشيخ: لما صرت داخل دكانه، قام وأدار ظهره إلى السوق وفتح حزامه الذي هو حبل من ليف، وقال للشيخ: انظر ما على جسمي غير هذا الرداء المهلهل والعلويات اللواتي في بيتي لا يملكن سوى عباءة واحدة يتناوبن عليها لأداء فريضة الصلاة، وليس لهن ما يسترن أجسادهن به. يقول الشيخ - وهو الذي يذوب حبا في خدمة السادة من أولاد علي وفاطمة (عليهما السلام) قال: لما سمعت كلام السيد استشطت غضبا وقلت: أين الأغنياء وأهل الحقوق الشرعية وسهم السادة ؟ ! ! فأمسكت بيد السيد وأنزلته من دكانه وقلت: تعال معي، وقصدت به مسرعا إلى الحرم المطهر، لأشكوا إلى جده الإمام من ظلم من يأكل الحقوق الشرعية، وما ان وصلت باب الصحن الشريف، وإذا بالحاج عبد الحسين أبو الريحة " البستاني " (1) يناديني، وقد سلمني مبلغ ثلاثين دينارا - وكان يومذاك مبلغا كبيرا - وقال: إن الشيخ الفلاني - وهو من رؤساء العشائر المحيطة بالنجف الأشرف - قدم هذا المبلغ هدية لك لتستعين به على امورك، قال العلامة الأميني: أخذت المبلغ فورا وسلمته بكامله إلى السيد، وقلت له: خذ هذا المبلغ، أرسله لك جدك أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأخذ السيد المبلغ وكاد يطير فرحا وذهب مسرورا إلى داره وعياله. أقول: علما أن هذا المبلغ كبير جدا بالنسبة لذلك اليوم، وربما يكفيه لمصرف سنة كاملة، ومع ذلك لم يبق الشيخ منه شيئا لنفسه مع شدة حاجته. زيارة المكتبة: في سنة 1387 ه‍ = 1966 م زرت سماحة العلامة الأميني، في مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة بالنجف الأشرف، لأهنئه بمناسبة عيد الغدير، وكان من المهنئين


(1) المرحوم والد الدكتور محمود البستاني، والدكتور محمد جواد البستاني - الصيدلي وغيرهم في قم والدكتور عباس البستاني في كندا حاليا. (*)

[ 54 ]

صديقنا الدكتور حسين محفوظ، وبعد الانتهاء من مراسم الزيارة والتهنئة، قال لي الدكتور محفوظ: هل ترغب بزيارة الشيخ أغا بزرگ الطهراني ؟ (1) قلت: لا بأس، فإنه كان صديق المرحوم والدي، ولما دخلنا عليه قدمني الدكتور محفوظ له وعرفه بي، فرحب بي وجلست إلى جانبه، أحببت أن اعرفه بنفسي أكثر قلت له إني ابن الحاج محمد الشاكري، فلما سمع اسم المرحوم والدي قام من مجلسه " بصعوبة لعجزه " وعانقني مجددا، وقال: المرحوم والدك كان صديقا لي، وانتزع خاتما من خنصره، كان عقيقا أحمر مسطحا مكتوبا عليه اسمه ولقبه، وكان يختم به رسائله ومستنداته الشخصية، وقال: هذا الخاتم أهداه والدك لي قبل أكثر من خمسين سنة، وحفر عليه اسمي بنفسه (2)، ومنذ ذلك الوقت وللآن أنا استعمله واستفيد منه وأدعو له، فتعجب الدكتور محفوظ، بهذه العلاقة والحرفة معا. والمرحوم الشيخ آغا بزرگ الطهراني كان من أبرز المحققين والمصنفين في علم الرجال ومعرفة الكتب من بين العلماء في النجف الأشرف، وعنده مكتبة عامرة كما وكيفا وقد أوقفها في حياته إلى مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بالنجف الأشرف، لتنقل إلى المكتبة بعد وفاته (رحمه الله)، وقد قرأت الوقفية بنفسي. المبادئ الهدامة: في زمن الشاه المقبور غزت المبادئ الهدامة الوافدة منها والمتوطنة، جميع أنحاء إيران ومرافقها الرسمية وغيرها، وتغلغلت في النفوس، لا سيما الشباب منهم، وكانت لهذه الجمعيات مراكز لبث سمومها، ومحافل علنية لعقد اجتماعاتها، منتشرة في المدن الكبيرة والمناطق الحساسة، وكانت مجازة من قبل السلطات الحاكمة حينذاك رسميا. وأبرز تلك الجمعيات نشاطا وتأثيرا: الماسونية، والبهائية، ومن ثم


(1) صاحب كتاب موسوعة " الذريعة في تصنيف أعلام الشيعة ". (2) حرفة المرحوم والدي كانت الحفر على الاحجار الكريمة وتجارتها. (*)

[ 55 ]

الشيوعية، والصهيونية، وأخيرا غزا البلاد المذهب الوهابي الضال المضل، كل ذلك كان يجري تحت سمع ونظر الشاه، وبتشجيع من الوزارة التي كان يرئسها البهائي الماسوني " عباس هويدا "، وأصبح دعاة هذه المبادئ الهدامة والجمعيات بيدهم المعاول الفتاكة، لهدم وتخريب المبادئ الفاضلة، والقيم، والاخلاق التي بشر بها الإسلام، حتى تركت هذه الهجمة الشرسة، والغزو البربري المتحلل من كل القيم والأخلاق بصماته، وخلق البلبلة في نفوس الشباب المثقف منهم خاصة، وقد عجز العلماء، والخطباء، والمرشدون عن الوقوف بوجه هذا التيار، بل الإعصار الجارف المدمر. فضعفت المقاومة الإسلامية شيئا فشيئا، واعترى بعض حملة شعار الدين الضعف، وأصابهم الفتور، وتسرب إليهم الخمول، وكادت الكارثة أن تحل بعامة المسلمين، ومال بعض المثقفين إلى العلمانية وارتدوا عن الإسلام. غير أنه تصدى بعض الغيارى من العلماء والمثقفين الواعين لجهاد الملحدين، وشمروا عن ساعد الجد للوقوف بوجه العاصفة، والتصدي لحملة المبادئ الضالة المضلة، وكان في طليعتهم آية الله المجاهد العلامة الأميني رضوان الله عليه، وتسنم الصدارة في الخطابة من على منابر خراسان واصفهان (1) والمدن المهمة المحيطة بها إلى شيراز، حيث وفد المذهب الوهابي من السعودية عبر الخليج مدعوما بالأموال الطائلة. وبقي العلامة الأميني شهرين أو أكثر يصعد المنبر كل ليلة في إصفهان ولمدة ساعتين أو ثلاث، ليلقي بياناته وحججه في تثبيت دعائم الإسلام، وتفنيد المبادئ الوافدة التي بعثتها قوى الصليبية والصهيونية العالمية واتخذوا النظام الماسوني، والبهائي، والوهابي والشيوعي مخلب قط بوجه حملة الإسلام ومبادئه، كما فضح العلامة الأميني أساليبهم الملتوية الهدامة، والقوى الشريرة الملحدة، كما ورد في الحديث الشريف: " الكفر ملة واحدة " وكرر تلك الكلمة السيد الخميني (قدس سره).


(1) كانت بدعوة المرحوم السيد حسين خادمي لزيارة اصفهان. (*)

[ 56 ]

حتى استطاع - بعد هذه الجهود الجبارة المضنية - أن يمسك بيده المبادرة، ويعيد معظم الشباب المنحرف إلى جادة الصواب، وإلى التمسك بعرى دينه، وقيمه، وأخلاقه. هذا ما حدثني به سماحة العلامة الأميني، بعد عودته إلى النجف الأشرف من سفرته إلى إيران، والتي دامت أكثر من أربعة أشهر. وهذه واحدة من بطولاته في ساحات الجهاد، التي تعددت إلى عدة جبهات. من سن سنة سيئة: حدثني شيخي واستاذي العلامة الأميني (قدس سره) في داري ببغداد (1) قائلا: كان في طهران جماعة من التجار المؤمنين، الذين يتصدون لأعمال الخير، وكانت عند أحدهم قطعة أرض واسعة في مكان مهم وحساس من طهران، وكان يفكر أن يشيد على القطعة مسجدا ومحلات ومكاتب تجارية يدر ريعها على المسجد ومشاريعه. غير أن بعض أصدقائه، الذين ينظرون إلى الأمور بالمنظار المادي البحت، رجح له أن يشيد عليها دارا للسينما ومحلات ومكاتب تجارية، ثم من وارداتها يصرف على الأمور الخيرية. أخذت الفكرة منه موقع الاستحسان، بالإضافة إلى غريزة حب المال والتكاثر المتأصلة في نفس الإنسان، ووسوة الشيطان، فأقدم على تشييد دار للسينما وملحقاتها، وجنى منها أموالا طائلة. مرت السنون والأعوام، ثم توفي الرجل وترك ثروته الطائلة لورثته، ومنها دار السينما، وأسدل الستار ونسوا مورثهم. وفي يوم من الأيام دعا الورثة أحد أصدقاء والدهم من الذين يعتزون به - وهو لا يقل عن والدهم ثروة وتدينا وعطاء - دعاهم إلى داره على مائدة طعام، فلما حضروا وأكلوا ونهلوا وشبعوا، قال لهم: أتدرون لماذا دعوتكم ؟ قالوا: أنت


(1) انقل القصة بالمعنى. (*)

[ 57 ]

مثل والدنا تتلطف علينا، ثم سألهم: هل إن والدكم قصر في حقكم وفي تربيتكم، وتعليمكم، والصرف عليكم ؟، قالوا: لا، بل تفضل، ونحن دائما نذكره بالخير ونترحم عليه ثم أخذ يبين لهم حقوق الأبوين، ويحثهم على البر بهما، حيين كانا أو ميتين، وما احوجهما إليهم بعد وفاتهما إلى البر بهما. ثم قال لهم: إني رأيت والدكم قبل أيام، كما يرى النائم، أنه في حال سيئة للغاية يرثى لها ومعذب بأشد العذاب، كل ذلك بسبب بنائه دار السينما، ويقول: كل عرض فيلم يقام في دار السينما يقيمون ملائكة جهنم له حفلا مثلها، وهو الآن يستصرخكم، ويناشدكم بحق الأبوة التي له عليكم أن تنقذوه من هذا العذاب وتخلصوه من هذه الورطة، وهو يطلب منكم أن تهدموا دار السينما. وجم الورثة لما سمعوا طلب أبيهم، وصار كل واحد منهم ينظر بوجه الآخر وهم في ذهول ودهشة ! ! أخيرا طلب كبيرهم مهلة، لينظروا في أمرهم ويتشاوروا فيما بينهم، وقد مر الاسبوع والأسبوعان والثلاثة، وما حرك واحد منهم ساكنا، إلى أن دعاهم مرة ثانية، وعمل لهم وليمة فاخرة، وسألهم عما توصلوا إليه من رأي ؟ أجابه كبيرهم مستفسرا من الحاج: أليس المرحوم والدنا هو الذي بنى دار السينما ؟ قال: نعم، ولكنه ندم على غلطته وتحمل عذابه، وهو ينشدكم الله أن تنقذوه. قالوا: هو الذي غلط وهو الذي يتحمل غلطته ! ! ونتائجها ! ونحن لا يسعنا أن نهدم هذا الصرح الشامخ. تعجب الحاج وبهت من جواب الورثة، وصارت له هذه الحادثة المؤلمة درسا وعبرة، أهكذا يكون جوابهم، وهل من الوفاء أن يتركوا أباهم يعذب عدة مرات باليوم وهم يتنعمون بما خلفه لهم ! ! وبالتالي سيلحقهم العذاب مثله. فليعتبر المعتبرون ؟ ! ! " ومن سن سنة سيئة " إلى آخر الحديث.

[ 58 ]

الأميني يتحدى الظالمين: حدثني العلامة الأميني (قدس سره) في داره بالنجف الأشرف، أو في داري ببغداد سنة 1965 م، لا أتذكر ذلك أنقلها بالمعنى: قال: اجتمع بعض المعممين من رجال الدين من أبناء العامة، وبعض من الشخصيات المرموقة في أجهزة الدولة، ومن العسكريين، والقضاة حينذاك وغيرهم. اجتمعوا بالحاكم الطائفي " نور الدين النعساني " بعد أن طغى وتجبر باحكامه العرفية بالأبرياء من الشباب المؤمنين، حينذاك، وطلبوا منه إحالة " العلامة الأميني " على القضاء ومحاكمته بإثارة الطائفية، والتفرقة بين المسلمين بسبب تأليفه كتاب " الغدير "، الذي أثار الشبهات على الخلفاء الثلاثة بأحاديث الغدير وغيره. وأخذ هؤلاء النفر يحرضونه على الانتقام منه عن طريق القانون. قال الحاكم " النعساني ": آتوني كتابه حتى أقرأه ثم اجيبكم على طلبكم، فلما جاؤوه بالأجزاء المطبوعة من كتاب " الغدير " طلب منهم مهلة ليقرأه، وليجد بعض الثغرات القانونية، والمواد الجرمية، وليقدمه إلى المحاكمة ويحكم عليه بأقسى مواد القانون دون رحمة أو شفقة. مرت أيام وتبعتها أسابيع والنعساني لم يتطرق إلى كتاب " الغدير " بشئ، على الرغم من الاجتماع بهم الذي كاد يكون يوميا، ولما طال بهم الانتظار طالبه بعضهم بالجواب. قال: باستطاعتي الحكم عليه بالإعدام وتنفيذه وحرق كتبه ومصادرة أمواله وكل ممتلكاته، وإجراء أشد التنكيل به وبمن يلوذ به بشرط واحد، هل تستطيعون تحقيقه ؟ فتحمس المجتمعون وقالوا كلهم: نعم ننفذ ونحقق كلما تطلبه منا. عند ذلك قال: الشرط هو أن تحرقوا جميع مصادركم، ومسانيدكم،

[ 59 ]

وكتبكم، وصحاحكم، حتى لا تكون له الحجة علينا عند تقديمه للمحاكمة. فبهت الذين ضلوا وانحرفوا، واسقط ما في أيديهم وقالوا مستفسرين: كيف يمكن ذلك ؟ ! ! قال: لأن جميع الأحاديث والروايات التي نقلها هي من صحاحكم، ومسانيدكم، وسيركم. وأثبتها في كتابه " الغدير " في محاججاته، ومناظراته، ومناقشاته. عند ذلك اسقط ما في أيديهم ورجعوا بخفي حنين، خائبين مخزيين مخذولين - ألا لعنة الله على القوم الظالمين - والعاقبة للمتقين. ولأجل توضيح خلفيات هذه الحادثة، بودي أن أشرح لكم بعض الحيثيات والظروف والملابسات المحيطة بها، حتى تكونوا على بينة من واقع الأمر. أقول: إني - شخصيا - أعرف معظم رجال هذه العصابة المجرمة وأدوارهم في معاداتهم المؤمنين الشيعة، والوقوف بوجه تقدمهم، والحد من نشاطاتهم في كل المرافق، لا سيما في أجهزة الدولة، الذين يعتبرون أنفسهم هم وحدهم ورثة الحكم البغيض العثماني، وإليكم الموجز: كان ديدن رجال الحكم المتقاعدين، ومن في الحكم، قد أسسوا جمعية غير رسمية، منذ تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة، التي ورثوها من مخلفات الحكم الطائفي العثماني البغيض المقبور. وكان منهم عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء سابقا. كانوا يجتمعون عصر كل يوم ومساءه في بيت أحدهم (1) يسمونه " القبولي "، وفي هذه الاجتماعات يتسامرون ويلعبون الورق " القمار " أحيانا، ويستعرضون ما استجد من الأمور في أجهزة الحكم في الدولة ومؤسساتها، عسكرية كانت أو برلمانية أو إدارية في الوزارات كافة، يقدمون هذا من جماعتهم ويؤخرون ذاك


(1) معظم هولاء يسكنون الاعظمية، وهي أحدى محلات بغداد مقابل الكاظمية يفصلها عنها نهر دجلة. (*)

[ 60 ]

ممن لا يروق لهم، أو يضعون الخطط في ترسيم سياسة كل وزارة، وغيرها، حتى وصل الأمر إلى تقريرهم قبول طلاب الكليات وعدمه، ودائما يدفعون جماعتهم إلى المراكز المهمة والحساسة في الدولة، ويدفعون الشيعة عنها. وأما إذا تقدم أحد الشباب النابه في جهاز الدولة من الشيعة غفلة عنهم، عسكريا كان أو في الوزارات، أو في البرلمان، لا سيما إذا كان التعيين في مكان حساس، تقوم قيامتهم، فيقومون بخلق المشاكل والعراقيل، والتخطيط للإطاحة به، حتى لا يصل إلى مستواهم من المراكز المهمة الحساسة، حتى لو كان هذا ممن يسايرهم، كل ذلك يجري بواسطة أولادهم وذويهم المتمركزين في أجهزة الدولة، وكان الحاكم النعساني أحدهم. كما أن غلق " جامعة الكوفة " ومطاردة مؤسسيها تم عن هذا الطريق، وكاتب هذه السطور أحد الضحايا.... فإنا لله وإنا إليه راجعون. الأميني في الأعظمية: كان العلامة الأميني (قدس سره) مشغولا في تأليف موسوعته " الغدير "، وقد وصل إلى فصل مهم من فصول الكتاب - وأظنه - " نوادر الأثر في علم عمر " أو غيره من الفصول المهمة، ولغرض جمع الأحاديث وربطها مع بعضها، والتي تخص البحث الذي بيده، وصل إلى طريق مسدود، لأن الكتاب الذي فيه تتمة بحثه مفقود وتعطل البحث لفقدان الحلقة التي تربط سلسلة أحاديثه بعضها بالبعض (1). ولما عجز عن ذلك قصد حرم أمير المؤمنين، واقفا أمام الضريح المطهر شاكيا إليه معاناته في الحصول على هذا لمصدر، ولسان حاله يقول: سيدي الكتاب كتابك وقد عجزت عن الحصول على المصدر المطلوب، فإن كان لك حاجة بالكتاب هيئ لي مصدره، " وخطاب الأميني لإمامه يختلف عن خطابي أو خطاب أي رجل عادي ". وفي اليوم الثاني زاره - حسب العادة - العلماء والفضلاء، وهو بدوره يسألهم


(1) هذه واحدة من معاناته في تأليفه، في البحث عن المصادر التي ربما تأخذ منه أشهر. (*)

[ 61 ]

عن الكتاب المفقود - قال أحدهم: الكتاب الذي تبحث عنه في الأعظمية عند أحد علماء السنة - قال لي الشيخ اسمه ولكني نسيته - والذي أظنه أحد الثلاثة: إما أن يكون نجم الدين الواعظ، أو عبد الجبار الأعظمي، أو شخصا من بيت الآلوسي - على كل حال - وأردف المخبر: إن هذا الرجل متعصب جدا وناصبي، بالاضافة إلى أنه ضنين بكتابه لا يعيره لأقرب المقربين إليه، فكيف تستطيع الحصول عليه ؟ ! ! قال العلامة الأميني (قدس سره): أستعين بالله عليه. قال: في اليوم الثاني عزمت السفر إلى الكاظمية، وكان ذلك في شهر رمضان والوقت صائف وحار جدا، خرجت من النجف الأشرف فجرا قاصدا زيارة سيد الشهداء (عليه السلام) في كربلاء، وكنت صائما ثم فطرت على الماء فقط، ومن ثم قصدت الإمامين الجوادين (عليهما السلام) في الكاظمية، وبعد أداء مراسم الزيارة توجهت إلى الأعظمية، لأبحث عن الكتاب المفقود وصاحبه. وصلت الأعظمية ضحى، سألت عن دار الشيخ فدلني أحدهم عليه، فلما طرقت الباب خرج الشيخ بنفسه، وما أن رأيته سلمت عليه مصافحا وأقبلت عليه معانقا، فبهت الرجل واستوليت على كيانه ومشاعرة، وكان نحيف الجسم قصير القامة (1)، بعد ذلك قلت له: علمت أن في مكتبتك الكتاب الفلاني، وقد جئت من النجف لاطالعه وأقرأه، اخذ الرجل وبهت ولم يحر جوابا، وبحكم الهيمنة عليه ما استطاع أن يعتذر مني أو يردني، فقال: تفضل شيخي واصعد إلى المكتبة لتطلع على ما تريد، وصعد معي - والحديث لا يزال للعلامة الأميني - قال دخلت المكتبة وشاهدت الغبار يعلو جميع أجزاء المكتبة، والكتب مبعثرة هنا وهناك، وكأنها مهجورة منذ زمن بعيد ولم تمسها يد منذ أشهر وربما سنين، تركني صاحب المنزل وحدي ونزل، عند ذلك فتحت حزامي - عادة يكون من قماش - ووضعت عمامتي وقبائي فيها وغطيتها عن الغبار، وابتدأت بتنظيف الكتب، وإزالة الغبار وعزلها، وأنا أتصبب عرقا من شدة الحر والجو الخانق، لا مروحة، ولا ماء، حتى


(1) بينما كان العلامة (قدس سره) مديد القامة، عريض ما بين المنكبين، ذا هيبة وجاذبية. (*)

[ 62 ]

ولا طعام، واختلط الغبار بالعرق على رأسي ووجهي وأطرافي، وأنا مشغول في مطالعاتي واستنساخي، حتى العصر وأخذني الإعياء، ولم اصل فريضتي الظهر والعصر، ولا مر علي أحد، وقد احتجت إلى الماء لأشرب وأتطهر. عند ذلك طرقت الباب الداخلي فجاء الشيخ والنعاس في عينه فارتبك لما رآني بهذه الحالة، ثم قال: أنت لا تزال هنا ؟ ! ! وما هذا الغبار الذي يعلو رأسك ووجهك. فو الله لقد نسيت أنك لا تزال هنا بهذا الحر، ونسيتك تماما، وقد تغدينا ولم يبق عندنا شئ نقدمه لك من الطعام إلا القليل. قال الشيخ: لا بأس عليك، آتني بماء لأشرب وأتوضأ، فنزل مسرعا وجاء بالماء، وبعد أن أتم الشيخ صلاته جاءه بالطعام معتذرا لقلته، وقال: هذا الذي فضل من غدائنا - مما يدل على أن شهر الصيام لم يصل إلى دارهم بعد - وهناك كلام كثير حول هذا، ولكني أطوي عنه، روما للاختصار. وعلى أي حال فقد حصل سماحته على بغيته، واستنسخ ما يريد استنساخه بعد العمل المضني الشاق، وهكذا يكون طريق ذات الشوكة من الأولياء، والمجاهدة في سبيل تحقيق ما يصبون إليه، وهذه واحدة من المعاناة التي تحملها العلامة الأميني في تثبيت ركائز ودعائم الدين والولاء. فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء، وحشره مع المجاهدين الصابرين. زارني الليلة وهي ليلة الجمعة الخامس من شهر الصيام 1416 ه‍ في داري بقم المشرفة، العلامة المجاهد الشيخ محمد مهدي الآصفي، وجرى حديث شيق عن العلماء والكتب والكتاب والمؤلفين، كما جرى ذكر العلامة الاميني (قدس سره) فذكرت شذرات من حياته الشريفة، فانبرى سماحة الشيخ الآصفي وحدثني قصة سمعها عن المرحوم العلامة الأميني نقلا عن حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد النوري الذي كان ملازما له ومكتبته في النجف الأشرف، وقد سمع القصة منه (قدس سره) مباشرة - انقلها بالمعنى - قال العلامة الأميني: كنت في احدى ليالي الجمع زائرا حرم امير

[ 63 ]

المؤمنين (عليه السلام) مشغولا بالزيارة والدعاء، طالبا من الله سبحانه وتعالى وبشفاعة امير المؤمنين ان يهيئ لي كتاب درر السمطين النادر في حينه قبل أن يطبع لإكمال بحث مهم من فصول الغدير، وبينا كنت مشغولا بالدعاء إذ حضر قروي لزيارة الامام (عليه السلام) طالبا من حضرته ان يقضي حاجته ويشافي بقرته، وبعد اسبوع جاء القروي نفسه لزيارة الإمام (عليه السلام) ليشكره ويشكره على استجابة طلبه وقضاء حاجته. ومن حسن الصدف أني كنت حاضرا بالحرم الشريف اجدد العهد واقوم بواجب اداء الزيارة، ولما سمعت كلام القروي هزتني الحادثة، لأن الإمام (عليه السلام) قضى حاجة القروي ولم يقض حاجتي وطلبي. أخذت مني هذه الحادثة مأخذها وانفعلت، فقلت مخاطبا الإمام: استجبت طلب القروي وقضيت حاجته، ! ! وانا صار لي مدة اتوسل الى الله بحقك ان احصل على الكتاب المفقود ولم احصل عليه، وهل ان الكتاب اريده لنفسي أو لكتابك الغدير ؟ بكيت وجرت دموعي، ثم خرجت من الحرم وأنا في حالة نفسية سيئة وتلك الليلة ما اكلت شيئا من شدة تأثري واويت الى فراشي ارقا، رأيت كما يرى النائم اني تشرفت بخدمة أمير المؤمنين، قائلا لي: القروي ضعيف الايمان وما يصبر عن حاجته. نهضت من نومي وأنا فرح مستبشر وفي الصباح وانا على مائدة الافطار إذ طرق الباب جار لنا وكان شغله بناء، فلما دخل سلم وقال: شيخنا اني اشتريت دارا جديدة أوسع من هذه، ونقلت معظم فرشي فوجدت هذا الكتاب القديم وكان عندنا في زاوية الغرفة، قالت لي زوجتي: هذا الكتاب ما ينفعك ولا تقرأه، قدمه هدية الى جارنا الشيخ الأميني لعله يستفيد منه. قال الأميني اخذت الكتاب ونفضت ما عليه من غبار، وإذا به نفس الكتاب الخطي الذي كنت ابحث عنه من مدة غير قصيرة. عند ذلك سجدت لله شكرا على هذه النعمة.

[ 64 ]

لقاء بين علمين: في حديث لشيخنا الوالد - طاب ثراه - قال: وقفت في (جريدة الساعة) البغدادية الصادرة في شهر محرم عام... (1) على قصيدة عصماء للاستاذ حسين علي الأعظمي وكيل عميد كلية الحقوق ببغداد في رثاء الحسين (عليه السلام) واشار في التعليق على بعض أبياتها إلى أن له مؤلفا في حياة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) فأحببت أن اقف عن كثب على تأليفه وأسبر طريقته في ذلك. وإن وجدت لديه نظما في واقعة (الغدير) جعلته ضمن شعراء القرن الرابع عشر الهجري. فقصدت داره وكانت على مقربة من احدى سفارات الدول الغربية، فطرقت الباب فخرج الي خادمه فسألته عن الاستاذ فأجاب نعم هو موجود في الدار، فطلبت مواجهته فخرج الي الاستاذ وما أن رآني اخذ يفكر في السر الذي دعاني الى زيارته، لم قصد هذا العالم الشيعي زيارتي ؟ أهو بحاجة للتوسط في قبول ابنائه في الجامعة ؟ أم للتوسط في توظيف أحد منسوبيه في احدى الدوائر ؟ فبدأته بالسلام وقلت: أنا أخ لك في الدين، فان كنت في شك من اسلامك فأنا قبل كل شئ اعترف باسلامك وايمانك لما سبرته في قصيدتك العصماء في رثاء سيدنا السبط الشهيد أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) من نزعة دينية. وإن كنت في شك من اسلامي فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق. فخرج الاستاذ إلى خارج الدار ومد يده للمصافحة، عند ذلك بسطت له ذراعي واحتضنته فتبادلنا القبلات وسار بي الى الغرفة الخاصة باستقبال زائريه. عند ذلك افتتحت الحديث بالكلام حول قصيدته، وتطرقت الى ما اشار إليه في التعليق على بعض ابياتها وأن له مؤلفا حول الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وانني قصدته من النجف الأشرف لأشكره على قصيدته ورؤية مؤلفه. خلال بحثنا فيما عرضته عليه دخل الغرفة بكل أدب اشباله الثلاثة، وكانوا من ذوي الثقافة العالية عليهم سيماء العلم والأدب. وبعد المصافحة وتبادل عبارات


(1) لم يحضرني التاريخ بصورة دقيقة واكثر ظني أنه كان بين اعوام 65 - 1367 هجرية. (*)

[ 65 ]

الترحيب، اغتنم الاستاذ الأعظمي الفرصة واراد أن يستخبر ميزان ثقافتي وعلمي، وما أتحلى به من العلوم الاسلامية فقال: شيخنا ما رأيكم حول كتاب (عبقرية الامام) تأليف الاستاذ المصري عباس محمود العقاد ؟ ولم يكن مضى على عرض كتابه في الاسواق التجارية سوى اشهر عديدة، وقد لاقى اقبالا كبيرا بين الشباب العربي والاسلامي. قلت: لا اخال أن الاستاذ العقاد كتب ما يشفي الغليل، إذ ليس بوسعه ولا بوسع امة من امثاله عرفان شخصية الامام على حقيقتها مهما جدوا واجتهدوا في ذلك. وبهذا طرأ على الاستاذ وابنائه استغراب وتفكير، واستغرق ذلك شيئا من الوقت في جو يسوده الهدوء. فتقدمت بالكلام وقلت: تسمحون لي، قد اكون انا في كلامي اوجدت نزاعا بينكم. إذ بعد أن اترك الدار ستقوم القائمة بينكم، فتعترضون على والدكم قائلين: يا بابا ! كيف يتسنى لشخص بهذه البزة وهذا الهيكل أن يقف على الغث والسمين ويتعرف على ما جاء في كتاب (عبقرية الامام) ؟ وستكون اجابة الاستاذ إليكم: كلا يا ابنائي، ليس الأمر كما تزعمون، بل إن الرجل عالم من علماء امة من المسلمين، وعلى علم بكل شئ، الا أنه لا يروقه أن يثنى على كتاب اديب سني مخالف لنزعته الدينية، وحتى لا اكون اضرمت نار الفتنة بينكم سأقوم بحسم النزاع بعد ان اعرض على الاستاذ شواهد كلامي، وان كنت مخطئا فسيتولى مناقشتي برأيه الصائب ويقضي بالحق وهو استاذ القضاء ومربي رجالاته. عند ذلك سألت الاستاذ الأعظمي قائلا: هل يسعنا أن نقيس الاستاذ العقاد في الفكر والنظر بواحد من العلماء امثال: أبي نعيم الاصفهاني، الفخر الرازي، ابن عساكر، الكنجي الشافعي، أو أخطب خوارزم واضرابهم ممن كتبوا حول الإمام امير المؤمنين (عليه السلام) مؤلفا خاصا، أو تطرقوا الى ناحية من حياته في تآليفهم ؟ أجاب الاستاذ قائلا: شيخنا، من الجفاء بحق العلم والعلماء ان نقيس مائة من امثال العقاد بواحد ممن ذكرتم، إذ ان اولئك اساطين العلم وجهابذة الفكر

[ 66 ]

الاسلامي، ولا يتسنى لانسان أن يسبر ما كانوا عليه من مكانة سامية في الحديث والتفسير والحكمة والفلسفة وسائر العلوم الاسلامية. قلت: إذن ما السر في أن اولئك حينما يتطرقون الى ذكر الامام (عليه السلام) لم يتفوهوا في وصفه ببنت شفة بآرائهم الخاصة، بل يذكرونه بما وصفه الوحي الالهي وما روي عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقه ؟ قال الاستاذ الأعظمي: هذه نظرية مبتكرة نرجو توضيحها كي نستفيد منها ونقف على السر الكامن فيها. قلت: ألم نكن في دراستنا للمنطق قرأنا قول علمائه: يشترط في المعرف أن يكون أجلى من المعرف ؟. فالصحابة وأئمة الحديث حيث وقفوا على قول النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): " علي ممسوس بذات الله " (1). وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " يا علي ما عرف الله الا انا وانت، وما عرفني الا الله وانت، وما عرفك الا الله وأنا " (2). اهتدوا الى أن وجودا، هذا جزء يسير من خصائصه وصفاته، من العسير على الامة عرفان حقيقته الا بما وصفه المولى عز وجل به. فاعلنوا الى الملأ أن عليا من المعنيين بقوله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (3). وقوله تعالى: * (قل لا أسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى) * (4). وقوله تعالى: * (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * (5).


(1) حلية الاولياء ج 1: 68. (2) مناقب ابن شهر اشوب ج 1 باب مناقب علي (عليه السلام). (3) سورة الاحزاب: الآية 33. سنن البيهقي ج 22: 5، صحيح الترمذي ج 2: 209، مستدرك الحاكم ج 2: 416. (4) سورة الشورى: الآية 23. تفسير الطبري ج 25: 16، حلية الاولياء ج 3: 20، مستدرك الحاكم ج 3: 172، اسد الغابة ج 5: 367. (5) سورة المائدة: الآية 55. تفسير الطبري ج 6: 186، اسباب النزول ص 148، كنز العمال ج 6: 319، = (*)

[ 67 ]

وقوله تعالى: * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) * (1). وان خير معرف للامام (عليه السلام) وخصائصه الذاتية هو ما أصحر به النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله " (2). وقوله: " علي مع الحق والحق مع علي يدور الحق مع علي حيثما دار " (3). وقوله: " علي خير البشر من أبى فقد كفر " (4). وقوله: " علي مع القرآن والقرآن معه، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض " (5). ونرى الاستاذ العقاد قبل اشهر عديدة نشر كتابا حول الشاعر ابن الرومي وهو من رجال القرن الثالث الهجري، وله تراجم مسهبة في كتاب التاريخ والسير، ولم يتحل بشئ من الخصائص فوق خصائص الإنسان في حين أخذ العلماء والاساتذة عليه شطحات كثيرة، ونشروا حولها مقالات مسهبة لعدم عرفانه بسيرة الرجل وسلوكه، أو اخطائه في تحليل تاريخ حياته، أو بعده عن دراسة نفسيته، أو سوء تفهمه لفلسفة الرجل وشعره. فمؤلف هذا مبلغه من العلم في الكتابة عن انسان في شاكلته، وهذه سعة اطلاعه عمن انبرى مئات من الكتاب في الكتابة عنه، كيف يتسنى له أن يعرف بفكره ونظره شخصية ممسوسة بذات الله، وان يكتب عن قطب رحى الحق الذي يدور الحق معه حيثما دار ؟ وان كنت أنت أيها الاستاذ قد اتبعت في تأليفك طريقة العقاد فأراني في غنى


= تهذيب التهذيب ج 11: 439. (1) سورة السجدة: الآية 17. تفسير الطبري ج 21: 68، اسباب النزول ص 263، الرياض النضرة ج 2: 206. (2) الغدير ج 1: 14 - 16. (3) صحيح الترمذي ج 3: 166، تاريخ بغداد ج 14: 321. (4) تاريخ بغداد ج 7: 421، تهذيب التهذيب ج 9: 419، كنوز الحقايق ص 98. (5) المعجم الصغير للطبراني ج 1: 255. (*)

[ 68 ]

عن مطالعته، وان اتبعت في كتابك سيرة السلف واعتمدت في بحثك على كتاب الله وسنة نبيه فسأكون شاكرا لك لو سمحت لي بمطالعته. اجاب الاستاذ الاعظمي قائلا: كلا يا شيخ، انا سرت في كتابي على كتاب الله وسنة نبيه، وسأكون شاكرا لك مدى الحياة لو سبرت كتابي بدقة وأخذت علي ما فاتني مع ما افضته علي من حديثك العلمي. قلت له: هات بحثك وأظهر رؤوس عناوينه. فاوعز الى أحد انجاله بذلك فأحضر ملفا ضخما كبيرا وقال: أنا قمت بتحليل شخصية الامام شرحا وبيانا في الكلام حول اربعة أحاديث. الاول: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " علي مع الحق والحق مع علي يدور الحق معه حيثما دار ". قلت له: أترى هذه فضيلة تخص عليا سلام الله عليه ؟ قال: بلى، ولم يشاركه فيه أي ابن انثى. قلت: فما تقول في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " عمار مع الحق والحق مع عمار يدور عمار مع الحق حيثما دار " ؟ وأوعزت الى مصادر الحديث. وجم الاستاذ حينما سمع ذلك، وطأطأ برأسه وطرأ على الحفل هدوء مشفوع بتأثر مزعج، وبعد دقائق رفع الاستاذ رأسه وقال: شيخنا نسفت ربع البحث بحديثك وقضيت على الحول الذي بذلته دونه. قلت له: بل أحييت لك كتابك وأظهرت لك بالحديث الذي ذكرته ما خفي عنك وعن الصحابة قبلك السر الكامن فيه. قال: وما ذلك ؟ قلت: عندما أصحر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحديثه حول علي سلام الله عليه، لم يدرك المجتمع الاسلامي الناحية الهامة الكامنة في الحديث، لذلك أصحر بحديثه حول عمار ليدرك المجتمع مكانة علي سلام الله عليه الالهية بذلك. ففي حديث علي (عليه السلام) جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا محورا للحق وقطب رحاه، قال: " علي مع الحق والحق مع

[ 69 ]

علي يدور الحق مع علي حيثما دار علي ". وفي حديث عمار قال: " عمار مع الحق والحق مع عمار يدور عمار مع الحق حيثما دار الحق ". وبهذا اراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبين للعالم أن عليا (عليه السلام) هو قطب رحى الحق، والحق يدور معه حيثما دار هو سلام الله عليه، وكل طالب للحق عليه أن يكون على صلة في علي (عليه السلام) كي يتسنى له أن يعرف الحق ويتصل به ويسير على نهجه. هنا طرأ على الاستاذ وانجاله فرحة وسرور فقالوا بصوت عال: الله أكبر، الله أكبر، ما أحلاه من شرح وتوضيح يقام له ويقعد. الى هنا اختتم ما سمعت من حديث شيخنا الوالد - طاب ثراه - وما رسخ في بالي - ومنه سبحانه وتعالى استمد العون والتسديد. والحمد لله رب العالمين - رضا الأميني منقبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بحق العلامة الأميني حدثني آية الله السيد عباس الكاشاني، عندما تشرفت بزيارته في داره بقم المقدسة، يوم ولادة الإمام الرضا (عليه السلام) مساء الثلاثاء 11 ذي القعدة الحرام من سنة 1415 ه‍ مهنئا له، ومستفسرا عن صحته، ومستعيرا منه " معجم رجال الفكر "، لأطلع على ما كتب فيه بحق العلامة الأميني (قدس سره). وجرى الحديث عن حياة العلامة الأميني، فحدثني عن نادرتين سمعهما منه مباشرة. قال ما معناه: زرت يوما العلامة الأميني (رحمه الله) في داره بالنجف الأشرف، بمعية آية الله السيد مصطفى الكشميري، عم آية الله السيد عبد الكريم الكشميري - الموجود حاليا في قم - بحضور آية الله الشيخ محمد علي السنقري، من أجلاء علماء كربلاء. قال السيد الكاشاني: حدثني العلامة الأميني قائلا: عندما وصلت في تأليفي الى الجزء السادس من " الغدير " احتجت لبعض

[ 70 ]

الأحاديث والروايات المهمة في كتاب " ربيع الأبرار " للزمخشري، وهذا الكتاب - قبل أن يطبع وينشر - كان خطيا ونادرا ولا يوجد منه إلا ثلاث نسخ خطية، واحدة منها عند الإمام يحيى في اليمن، والثانية في المكتبة الظاهرية بدمشق، والنسخة الثالثة عند أحد الآيات العظام في النجف الأشرف، ولما توفي هذا العالم (رحمه الله)، ورث المكتبة - بما فيها هذا الكتاب - ولده. " الحديث لا يزال للعلامة الأميني (قدس سره) ". قصدته بنفسي وطلبت منه أن يعيرني كتاب " ربيع الأبرار " ثلاثة أيام، فامتنع، قلت له: أعرنيه يومين، امتنع، أو يوم واحد، امتنع. بعدها قلت له: أعرنيه ثلاث ساعات امتنع، وأخيرا قلت له: اسمح لي أن اطالعه عندك في دارك، امتنع كذلك ! ! اسقط ما في يدي، وتحيرت، ماذا أعمل، ولمن أذهب ؟ ! ! قصدت بعدها المرجع الديني الأعلى السيد أبو الحسن الأصفهاني يومذاك، ليشفع لي في إعارة الكتاب، كذلك امتنع عجيب ! ثم ذهبت الى آية الله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء لعله يعيره الكتاب، فامتنع عن إعارته. وبعد أن أصابني اليأس قصدت الحرم المطهر وشكوت أمري الى أمير المؤمنين، ثم ذهبت الى داري مهموما مغموما، وبعد سهر الليل، أخذتني سنة من النوم، فرأيت فيما يرى النائم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فشكوت إليه حالي وما عانيت بسبب الحصول على الكتاب المزبور، قال لي الإمام (عليه السلام): جواب سؤالك عند ولدي الحسين. فاستيقظت على أثر ذلك وقمت من فراشي، وأسبغت الوضوء - وكان ذلك قبيل الفجر - وارتديت لباسي قاصدا حرم سيد الشهداء في كربلاء، استأجرت سيارة من موقف السيارات، وما أن وصلت كربلاء حتى قصدت الحرم المطهر، وبعد أداء فريضة الصبح ومراسيم الزيارة شكوت للإمام أبي عبد الله الحسين حالي وما أمرني به أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

[ 71 ]

وبعد ذلك خرجت من الحرم متجها إلى حرم أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وبعد أداء مراسيم الزيارة، شكوت له حالي كما شكوت قبل ذلك الى أبيه وأخيه، لعلي أجد ضالتي، ثم خرجت الى الصحن الشريف، وكان ذلك أو ان شروق الشمس، وما أن جلست في أحد الأواوين وأنا احدث نفسي إذ أقبل إلي الخطيب المفوه الشيخ محسن أبو الحب - وهو أبرز خطيب في كربلاء في حينه - فسلم علي وعانقني مرحبا بي، ثم دعاني الى داره القريبة للاستراحة ولتناول فطور الصباح، فأجبت الدعوة وذهبت معه، وكان الوقت صائفا. فجلسنا في المكان المعد لنا في حديقة داره، وبعد استراحة قصيرة قلت له: أرني مكتبتك، قال: إن شاء الله بعد أن نتناول الفطور، قلت: إني آنس بالمكتبة والكتاب أكثر مما آنس بالجنينة وأزهارها، فامتثل الشيخ محسن أبو الحب، فرافقني الى مكتبته، وإذا بها مكتبة عامرة كما وكيفا، فصرت أجول بين الكتب: اقلب هذا، وأتفحص ذاك، واطالع الآخر، حتى عثرت على ضالتي المنشودة، ووجدت الكتاب الذي أبحث عنه " ربيع الأبرار " للزمخشري. ولما مسكته بيدي عرفت سر أمر الإمام (عليه السلام)، ثم خنقتني العبرة وأجهشت بالبكاء، فجاءني صاحب الدار مستغربا، ومستفسرا عن سر بكائي ! فحدثته عن مجريات الامور مفصلا، وقلت له: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أمرني وحولني على ابنه أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، والإمام الحسين (عليه السلام) حولني بدوره عليك. فلما سمع الشيخ محسن أبو الحب ذلك بكى ثم هزته الأريحية، فأمسك بالكتاب وقال: شيخنا الجليل، هذا الكتاب الخطي يعتبر من النوادر، وإن قاسم محمد الرجب (1) - الناشر وصاحب مكتبة المثنى ببغداد - دفع لي به مبلغ ألف دينار (2) لشرائه حتى يطبعه فما أعطيته إياه.


(1) قاسم محمد الرجب رجل من أهل السنة، وصاحب أكبر مكتبة في بغداد ومن أوائل الناشرين في العراق، ويمتلك ثروة طائلة من جراء تجارته بالكتب واحتكاره لها. أنا أعرفه شخصيا. المؤلف. (2) كانت الألف دينار في حينه مبلغا كبيرا، يمكن شراء دار محترمة به. (*)

[ 72 ]

فأخرج القلم من جيبه وكتب عليه إهداءه الى العلامة الأميني، وقال: هذا جواب حوالة سيدي الامامين أمير المؤمنين علي، والحسين (عليهما السلام). وبعد أن افتتح العلامة الأميني مكتبته العامة في النجف الأشرف " مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة " أوقفه باسمه الأول " الشيخ محسن أبو الحب " رحمهما الله (1). انتهت هذه المكرمة، ولله الحمد أولا وآخرا. القصة الثانية: التي حدثني بها سماحة السيد الكاشاني، نقلا عن العلامة الأميني (قدس سره) مباشرة " ما معناه ": قال: حدثني العلامة الأميني شخصيا بنفسه قال: ركبت مرة إحدى البواخر المتجهة الى ميناء جدة، قاصدا حج بيت الله الحرام، وكنت بزي أعرابي لابسا الكوفية - الغترة - نازعا العمامة، وقبل أن تقلع الباخرة صعدها شيخ وقور محاط بالحشم والخدم، ولما صارت الباخرة تمخر عباب البحر، قصدته مسلما عليه، وجلست عنده، فسألني: من أين الشيخ ؟ قلت له: من خدمة أهل العلم في النجف الأشرف، قال: لعلك رافضي ؟ قلت: الحمد لله على الإسلام. قال: إني أكره الرافضة أشد الكره وأمقتهم " بدون مجاملة "، لأن أول اسم للشيعي " ش "، وهو مفتاح كل شر، وشؤم، وشماتة، وغيرها من الكلام التافه. ورأيت أن اجيبه على مقدار عقله وما يحمله من الحقد، والضغينة، وعدم الأدب في اسلوب المحادثة والمجاملة.


(1) اقول: ان قصص وحوادث احتياج " العلامة الأميني " الى المصادر المهمة النادرة تكررت بالفاظ مختلفة، وبأزمان ومناسبات متعددة، طيلة سنين تأليفه " لكتاب الغدير " ولعل تكرار ذلك كان صحيحا. والله العالم. الشاكري (*)

[ 73 ]

قلت: إذا كان ذلك، فإن أول اسم السني " س " وهو مفتاح كل سوء، وسؤم، وسقر، وسم، و. و. وإلى غير ذلك، فلما سمع ذلك عجز عن الجواب، ارتعدت فرائصه، وغضب وشاط وصاح بي: قم عني أيها... ! ! وصدرت منه كلمات بذيئة يترفع عنها أهل العلم، وحتى لا تناسب العامة من الناس هكذا منطق أهل الباطل. سبب تأسيس المكتبة: كانت في النجف الأشرف مكتبات كبيرة تضم الكثير من المصادر والمخطوطات، غير أنها كانت شخصية وخاصة ببعض البيوتات العلمية، ولا يمكن الاستفادة منها بصورة عامة، لا سيما إذا كان المؤلف أو المحقق بعيدا عن الاسرة، فإنه لا يمكن أن يرى المخطوطة فضلا عن أن يطالعها أو يستنسخ منها شيئا. وفعلا فقد لاقى العلامة الشيخ الأميني (قدس سره) - عند تأليفه لسفره الخالد كتاب " الغدير " - الأمرين والعنت والجهد الجهيد في الحصول على المصادر المطلوبة فقد كان (رحمه الله) يبثني همومه وشكواه، وما يعانيه من الحصول على المصادر العلمية وغيرها، وقد ضاق بهذا الأمر ذرعا، وتحسس ما كان يعانيه المحقق أو المؤلف من مرارة البحث والتنقيب، خاصة والنجف الأشرف هو المركز العلمي والديني في العالم الإسلامي. عند ذلك انقدحت عنده فكرة تأسيس مكتبة عامة في النجف الأشرف، تضم أمهات المصادر لعلوم أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك تحقيقا لأمنيات رجال البحث والتحقيق والتأليف. فبادر - رضوان الله تعالى عليه - فور وضوح الرؤيا لديه بكل همة ونشاط، واتصل بالمؤمنين من أصحاب الإمكانات الذين يدركون أحاسيسه، وفاتحهم بمشروعه القيم وسعيه في إخراجه إلى حيز الوجود، فلقي من بعضهم الرغبة الصادقة في المساهمة بإنجاز المشروع. وأول ما ابتدأ به شراء دارين متجاورتين في محلة الحويش وفي آخر سوقه،

[ 74 ]

واستمر بشراء ما يمكنه شراؤه من الدور المجاورة، تمهيدا لتشييد مكتبة ضخمة تليق باسم النجف الأشرف ومركزه العلمي في العالم الإسلامي والشيعي، وتليق باسم صاحبها أمير المؤمنين (عليه السلام). وفي سنة 1375 ه‍ = 1955 م بوشر بحفر الأسس وبناء (السرداب) والمخازن تحت الأرض، وقد تحمل (رحمه الله) الكثير من قلة ذات اليد، ولكن الله سدد خطاه بإكمال التصميم الذي وضعه، وأصبح جهاده ذا شقين: الأول: جمع المال لإكمال البناء وشراء بقية الدور المجاورة. والثاني: الحصول على المصادر من الكتب، الخطية وغيرها، فكان يسافر كل سنة إلى إيران وغيرها من الدول الإسلامية بنفسه أو يراسل من هناك لإنجاز هذا المشروع العظيم. وبعد أن مضى على هذا العمل الدؤوب أكثر من سبع سنوات تم إنجاز المرحلة الأولى من بناء المكتبة، وتم افتتاحها في يوم الغدير، تيمنا باسم صاحب المكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد سميت باسم " مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة " ومع الأسف لم يكن في النجف من يتحسس بأحاسيسه، ويشعر بشعوره إلا القليل، على الرغم مما يضم النجف الأشرف من فطاحل العلماء والمحققين والأدباء والتجار وغيرهم. وكان (رحمه الله) يطلعني على كل شاردة وواردة من شؤون المكتبة، ويبثني همه وحزنه وشكواه، شفاها مرة وتحريرا أخرى. وكنت أعيش محنته وهمومه، وأشاركه باليسير الذي استطيع إنجازه من الناحية العمرانية والمالية. وعندما كمل البناء سجله مع الدور المجاورة التي بحوزته - والتي لم تدخل في البناء بعد - في دائرة التسجيل العقاري وفي دائرة الأوقات بالنجف الأشرف. وبما أنه إيراني الجنسية ولا يمكن أن يكون هو الواقف فقد جعل هيئة التولية والواقفين باسم عراقيين، وهم ثلاثة: عبد الحسين النجم، وكاتب الحروف (حسين الشاكري)، وهاشم عبد الباقي الطيار، وذلك لما لمسه منا - نحن الثلاثة - من

[ 75 ]

الإخلاص الصادق في إنجاز بعض شؤون المكتبة وبنائها، وتحسسنا بشعوره، كما أنه عين متولين شرعيين من المساهمين في إيران، وعددهم تسعة أشخاص، وهم: العراقيون: الحاج حسين الحاج محمد الشاكري هاشم الحاج عبد الباقي الطيار عبد الحسين الحاج علي النجم الايرانيون: الحاج اسماعيل سيگاري الحاج فرج موحدي الحاج سيد مصطفى عالي نسب الحاج محمد علي بوستي الحاج حسين عليزاده كاغذي الحاج ابراهيم رمضاني الحاج حسين كاشاني الحاج الشيخ رضا الاميني النجفي الحاج مجيد پركار وبعد افتتاح المكتبة وانتهاء مراسم التولية والتسجيل في الدوائر الرسمية بالعراق، سافر بصحبة ولده الشيخ رضا إلى الهند لزيارة معالمها الأثرية الإسلامية، لا سيما جامعاتها ومكتباتها الضخمة التي تضم عشرات الألوف من أنفس المصادر، لا سيما مكتبة جامعة علي گر، وغيرها المنتشرة في طول الهند وعرضها. وكان موضع استقبال كبير منقطع النظير، وعاد بعد ثلاثة أشهر بصيد سمين من أثمن مصادرنا ومعالمنا الدينية، سواء (بالمايكروفيلم) أو الاستنساخ باليد، وذلك سنة 1382 ه‍ = 1962 م، وثمرة السفرة هذه ألف كتابا خاصا أسماه " ثمرات الأسفار ".

[ 76 ]

وفي السنة الثانية، أو بعد أشهر من عودته من الهند سافر إلى إيران، لنفس الغرض، ومع أن تردده إلى إيران ما كان يثير انتباه أحد، غير أنه كان يعود إلى النجف محملا بالكتب والأثاث والسجاد الثمين وغيره، لأن كثيرا من أهل العلم والمال والمنصب يعرفون مقامه ومنزلته العلمية والجهادية. وفي سنة 1964 قرر السفر إلى دمشق الشام ومعه ولده الشيخ رضا، لمتابعة جولته في الاطلاع على التراث الإسلامي بين رفوف مكتباتها القديمة والأثرية، كالمكتبة الظاهرية وغيرها، فقمت بتهيئة متطلبات السفر لهما من قطع تذاكر السفر جوا إلى الشام وغير ذلك، كما اتصلت بالحاج محمود الشيرازي في دمشق هاتفيا لاستقبال العلامة الشيخ الأميني وتهيئة سكن مريح ولائق به، ليكون في خدمته بإنجاز متطلباته الأخرى، والحاج محمود هذا صديق لي وتاجر متصد لمثل هذه الامور الخيرية. وبعد فترة قصيرة سافرت إلى فرانكفورت بألمانيا الغربية لاغراض صناعية وعند عودتي لم يدر في خلدي أن أعرج على دمشق الشام وأنا في طريقي إلى بغداد، لأنه كان من الصعوبة بمكان دخول العراقي إلى سوريا، نتيجة للوضع السياسي حينذاك. غير أنني قررت فجأة ذلك، وكأن هاتفا يهتف بي أن اعرج على دمشق، وفعلا قدمت دمشق، وفور وصولي اتصلت بالعلامة الأميني وزرته في مقر إقامته وعمله، وعند اجتماعي به في الجناح المخصص له لمتابعة أعماله ومطالعاته في المكتبة الظاهرية، وجدته يواصل بحثه واثار التعب والإرهاق بادية على محياه. وعندما استقر بنا المقام اطلعني على إنجازاته العظيمة في استنساخ الكتب القيمة، والتي تعتبر من أهم مصادرنا ومراجعنا في الفقه والحديث، والتي طالما كنا نسند إليها الروايات وهي ليست في أيدينا، وكان سماحته قد استنسخ منها بيده الشريفة ما يناهز الألف وثمانمائه ورقة كبيرة (فولسكاب). كما أطلعني على قائمة كبيرة من الكتب الخطية القديمة والمطبوعة بالحجر، والتي تضم أهم معالم تراثنا وأسانيدنا، بحيث لا يمكن استنساخها باليد حتى لو

[ 77 ]

طال الأمد إلى سنين عديدة، لكثرتها، وشرح لي تفاصيل مشروعة، فأعجبت به كثيرا، وفورا أجبته بأن تكون جميع تكاليفه على حسابي الخاص، فنظر إلي وبكى وقال: الحقيقة تريد يا حاج ؟ إني كنت قد قررت تصوير كل الكتب الخطية (بالمايكروفيلم) على شكل أشرطة، ومن ثم تظهيرها على الورق الحساس وتجليدها، فتصبح بذلك كتابا يحاكي النسخ الأصلي، ولكن هذا المشروع كان يكلف مبالغ طائلة ومجهودا كبيرا، ولما لم أكن أملك المال اللازم لذلك، بقيت متحيرا لا أدري ما أفعل، وأخذت تدور في ذهني تساؤلات وتساؤلات.. هل أراسل تجار إيران وأفاتحهم بذلك ؟ هل أؤجل المشروع أم أتركه بالمرة ؟ هل أصبر حتى يفتح الله لي بابا ؟ هل ؟ هل ؟.. ولما لم أجد حلا ووصلت إلى الطريق المسدود، توجهت إلى الله بنية صادقة وتوسلت بالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد توسلي بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طالبا منهم إنجاز مشروعي هذا، وأخيرا تركت الأمر إلى تدبير الله جل وعلا.. وطالما سألته تعالى أن تكون المساهمة في هذا المشروع على يد نظيفة وخالصة لوجهه سبحانه، فها أنت نلت هذا الشرف والتوفيق، فهنيئا لك. جعل الله يدك هي العليا، ولا يجعلها السفلى. أما كمية الكتب المراد تصويرها فكانت تربوا على الربع مليون ورقة، وتكون عشرات الكتب الضخمة، غير أن التوفيق لم يستعفنا في تصويرها كلها فصورنا ما يمكن تصويره، وفعلا رصدت المبالغ اللازمة للمشروع، وبعد الاجتماع بالسيد أنيس عمار المتصدي للتصوير والاستنساخ بحضور ومعرفة الشيخ رضا الاميني، تم الاتفاق معه، فباشر بتصوير الكتب المطلوبة من يومها. وبعد سنتين أو ثلاث أصبحت الكتب جاهزة للمطالعة، وهيئت لها خزانات خاصة لحفظها، وختم على جميعها هدية الحاج حسين الشاكري إلى مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة. وتمر الأيام والمكتبة تزخر شيئا فشيئا بالكتب والمصادر. وكانت وفود علمية وأدبية أو سياسية - في بعض الأحيان - تزور العراق، وكانت الحكومة تجعل لضيوفها برنامجا لزيارات العتبات المقدسة، وفي مقدمتها النجف الأشرف، لأنها

[ 78 ]

عاصمة التشيع وإحدى أهم المدن الرئيسية العلمية، فهي كالجامع الأزهر بالقاهرة، وجامعة القرويين بتونس، وجامعة الزيتونة بفاس في المغرب، وعند زيارتهم النجف الأشرف بعد الحرم المطهر للإمام علي (عليه السلام) يزورون أهم معالمها ومن جملتها مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذات مرة كنت في اجتماع في المكتبة وإذا باتصال هاتفي - وكان المتكلم قائم مقام النجف - يخبر الشيخ رضا الأميني بوصول وفد إلى النجف الأشرف ويريد زيارة المكتبة، وعند سماعي الخبر غادرت المكتبة، لأفسح المجال للشيخ بالتوجه إليهم والاستعداد لملاقاتهم أولا، وثانيا لأني ماكنت أحب الظهور في مثل هذه المناسبات. وفي الأسبوع الثاني - عند زيارتي - حدثني فضيلة الشيخ رضا الأميني عن زيارة الوفد قائلا: كان الوفد يتألف من رئيس الجامعة العربية بالقاهرة، ورئيس جامعة ام درمان بالسودان، وممثل اليونسكو في الشرق الأوسط، وكان بمعيتهم الدكتور عبد الرزاق محيي الدين، ومدير المكتبات العام في بغداد، وقد حدثهم عن تاريخ تأسيس المكتبة وما تحتويه من الكتب القيمة والآثار النفيسة، والأشياء النادرة، ولا سيما بعد مشاهدتهم المصورات وأفلام المايكروفيلم، التفت ممثل اليونسكو إلى مدير المكتبات العام متسائلا: تقولون إن عمر المكتبة لا يتجاوز عشر سنوات وليس لها أي مورد ؟ ! فأجابه الدكتور محيي الدين: نعم. فقال رئيس الوفد: هذا مستحيل، كيف يكون ذلك مع عدم وجود الموارد الثابتة ؟ فأجابه الشيخ رضا: نعم، وهكذا معظم مشاريعنا، وبعد ذلك سأل عن اسم المتبرع لهذه المجموعة من الكتب المصورة والمثبت اسم هاديها عليها، هل هو زعيم أو شخصية علمية ومثرية كبيرة ؟ فلما أجابه بأن المهدي لهذه المجموعة من الكتب هو شخص كاسب اعتيادي، اندهش أكثر وقال: إذا كان الرجل البسيط والكاسب منكم يتحسس بهذه الأحاسيس ويتبرع بهذه المجموعة الضخمة، فكيف بالأكبر منه ؟ ! لقد ثبت عندي أن هذا الشعب حي لا يموت.

[ 79 ]

الأميني يودع الدنيا: وتمضي بنا الأيام، وأنا على ما عليه من النشاط ومواصلة العمل الدؤوب بتشعباته، حتى ابتلى العلامة الشيخ الأميني بمرضه الذي لازم بسببه الفراش ابتداء من سنة 1968 م حتى وفاته في صيف سنة 1970 م. وعلى الرغم من عرضه على عدة أطباء اختصاصيين في بغداد، وإدخاله المستشفى مرات عديدة، إلا أن ذلك لم يجد نفعا، وأخيرا سافر إلى طهران لإتمام علاجه حيث العناية والأطباء الماهرون هناك أكثر وأوفر. وبعد سنة من العلاج الطبي، وبناء على طلب أولاده سافرت إلى طهران سنة 1969 م، لزيارة مرقد الإمام الرضا (عليه السلام) أولا، وزيارته ثانيا، وعند زيارتي له في المستشفى وجدت المرض قد أثر فيه وأصبح نصف مشلول، يغشى عليه ساعة بعد ساعة، واليك تفصيل ذلك. زيارة الوداع للأميني: عصر أحد الأيام من أوائل سنة 1390 ه‍ اتصل بي هاتفيا أحد الذين يتصلون بالعلامة الأميني في داري ببغداد، وقال: وصلت توا من طهران بأمر مهم يخص العلامة لاستشارتك، وأنا الآن منتظرك في المكتب (1) قلت: خلال نصف ساعة سأكون عندكم. فلما وصلت المكتب كانوا في انتظاري، فلما استقر بي المقام سألته: خيرا إن شاء الله، ما الذي جاء بك ؟ ! قال: تعلم إن سماحة الشيخ لا يزال في إحدى مستشفيات طهران وقد تدهورت صحته، ورغب بعضنا نقله إلى بغداد وإدخاله في إحدى مستشفياتها، حتى إذا توفي يكون قريب رمسه وبجوار قبره، والبعض الآخر يعارضون ذلك، كما أن أصدقاء الشيخ يعارضون ذلك، وأخيرا تم الاتفاق على مشورتك بحضورهم


(1) وكان مكتبي حينذاك في بغداد في شارع الرشيد قرب الشورجة. (*)

[ 80 ]

جميعا أن آتيك وأستشيرك، والرأي الأخير لك فما تراه ؟ ! ! وقد وافق الجميع على هذا الاقتراح. بعدما سمعت كلامه. قلت للموفد: أسألك بعض الأسئلة، أجبني عنها بصراحة. قال: تفضل. قلت: هل إن العناية الطبية رديئة في المستشفى والإدارة مقصرة في حقه ؟ قال: لا، أما المستشفى من أرقى مستشفيات طهران، والعناية فيها فائقة جدا ومركزة، خاصة في خدمة سماحة الشيخ. قلت: هل إن القائمين بتحمل مصاريف العلاج في المستشفى شعرتم منهم بعض التباطؤ، أو الملل في الدافع ؟ قال: بل العكس إنهم يتفادونه بكل غال ونفيس، ويعارضون أشد المعارضة في إخراجه من المستشفى ونقله إلى العراق. قلت: هل تتصور إن مستوى العلاج في العراق أرقى منه في إيران ؟ قال: لا، بل مستوى العلاج في إيران أرقى بكثير ومتقدم بمراحل. قلت: إذا نقلته إلى العراق، فهل تضمن وصوله سالما أو يموت بالطريق ؟ قال: لا أضمن ذلك، والله العالم. قلت: إذا نقلته إلى مستشفيات بغداد ووصل سالما من الذي يقوم بتغطية نفقات علاجه الباهض وتكاليفه ؟ ! قال: ننقله إلى دارنا في النجف، لأننا يئسنا من شفائه، وأحب أن يموت على فراشه في النجف. قلت: إذا نقلته إلى داره بالنجف فمن يقوم بخدمته وتمريضه، هل تقوم بذلك زوجته العجوز، أو زوجات أولاده وهن في إيران أو ماذا ؟ ! ومن ؟ ! قال: ننقله إلى مستشفى الكوفة. قلت مستغربا مستشفى الكوفة ؟ ! !، وهل مستواه يساوي عشر مستوى

[ 81 ]

المستشفيات العادية ؟ أنت تعلم أن الصحيح إذا دخل مستشفى الكوفة يخرج منها مريضا. عند ذلك سكت ولم يعلق على كلامي. هنا تدخل أحد الحضور الذي جاء معه وقال: الحق مع الحاج الشاكري، وان كلامه صحيح ومنطقي. قال الموفد: إذا ما العمل ؟ وبدون أن أجيبه على قوله: أخرجت ورقة برقية وكتبت عليها العبارة التالية: سماحة الشيخ يبقى في المستشفى، وسأكون عندكم خلال يومين إن شاء الله. وقلت له: خذ هذه البرقية وأبرقها حالا إلى طهران. وخرجنا معا من مكتبي، وأوصلته إلى مركز البريد والهاتف بسيارتي وذهبت إلى داري وأنا منفعل ومتأثر جدا، وكلي قلق واضطراب. وفي اليوم الثاني أرسلت جواز سفري بيد أحد الموظفين لأخذ الويزة من السفارة الإيرانية ببغداد، وقطعت بطاقة سفر على أول طائرة متجهة إلى طهران، وحينما وصلت طهران توجهت رأسا الى المستشفى " بيمارستان آريا مهر " استقبلني نجله الشيخ رضا الأميني وشرح لي كل أبعاد القضية وما يتعلق بصحة سماحة الشيخ وخلفياتها، وما يتعلق بأمور أخرى وأبعادها. ثم صعدنا معا إلى غرفته، ووقفت أمام سريره، وكان في حالة إعياء يغمى عليه ساعة ويفيق ساعة، ودار الشيخ رضا إلى الجهة الثانية من السرير وكلم والده وأخبره بقدومي، ففتح عينه ونظر إلي، ولما شاهدني انفجر باكيا حتى اخظلت بدموعه لحيته والوسادة، ثم قال " بالفارسية " ولسانه ثقيل نسبيا: " آمدي آمدي " أي: " أتيت أخيرا أتيت "، وأنا واقف أمامه متبسما في وجهه، " ولكن والله يعلم كانت نياط قلبي تتقطع وتقطر دما وأقول في نفسي: هذا الرجل العملاق هكذا يصرعه المرض ؟ فلتخسأ الدنيا وما فيها، وبعد أن هدأ روعه قلت له بلهجة كلها حنان وعطف وبلسان لين هادئ: سيدي تعز بعزاء الله، أحدث لله شكرا على ما ابتلاك به كما ابتلى نبيه أيوب فصبر وأعطاه الله أجر الصابرين، وما هذه الامتحانات إلا لتزكية أعمالك ورفع درجاتك.

[ 82 ]

ثم بقيت عنده إلى المساء، واتصل الشيخ رضا هاتفيا ببعض أهله ومعارفه وخلص أصحابه يخبرهم بقدومي، فحضر بعضهم، وكان من بينهم أعضاء هيئه تولية مكتبة " الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) " بالنجف الأشرف: الحاج فرج موحدي، والحاج حسين كاشاني، والحاج إسماعيل سيكاري، وغيرهم من الساكنين في طهران. وبقيت مع سماحة الشيخ ثلاثة أيام تحسنت صحته خلالها تحسنا ملموسا ثم استأذنت منه لزيارة الإمام الرضا (عليه السلام) وبعد يومين رجعت لأجد صحة سماحته قد تحسنت من الأرض إلى السماء مما تعجب به الأطباء المشرفون على علاجه، وقد عزوا ذلك إلى حالته النفسية بسبب قدومي وبعثي الأمل في نفسه، وقد طلب مني بعض المتولين على المكتبة أن افاتح سماحة الشيخ باناطة إدارة المكتبة إلى المتولين في حياته، لأنهم لم يجرأوا على مفاتحته. وقبل عودتي إلى بغداد كانت صحته جيدة والبشر يطفح على وجهه، انتهزت الفرصة فقلت له: شيخنا الجليل الحمد لله الذي من عليك بالشفاء مما ألم بك، وأرجو أن تكون هذه بداية التحسن المطرد لصحتكم، وإني أرجو أصالة عن نفسي ونيابة عن اخواني المتولين بإناطة إدارة المكتبة والاعتماد علينا بحسب الخطة التي رسمتموها لنا وتحت إشرافكم عندما سمع كلامي أطلق آهة وزفرة من أعماق نفسه، كأنما نكأت الجرح، ثم قال: والله يا حاج هذا هو الهم الذي يشغل بالي وليس المرض الذي ألم بي. قلت: سنكون عند حسن ظنكم إن شاء الله. ثم اتخذ القرار بعد سفري، وتحسن صحة سماحته بأن يجمع الشيخ رضا المتولين المتواجدين في طهران بخدمة سماحته، ليخطب فيهم ثم ينيط أمر إدارة المكتبة إليهم شرعا. وفعلا اجتمعت هيئه التولية بخدمته ورسم لهم الخطة التي في نفسه لاداره المكتبة وشروطها، وبعدها اصدر كتابا في تخويل المتولين اناطة ادارتها في حياته، وأرسلت صورة من القرار لي مع ترجمتها بالعربية وقد تركتها في ارشيف مكتبي في بغداد.

[ 83 ]

ثم أمر سماحته نجله الشيخ رضا أن يقرأ عليه الجزء الثاني عشر - والذي لم يطبع بعد - لتقويم النص وتصحيح فصوله وأبوابه، وكذلك الجزأين الأخيرين الثالث عشر والرابع عشر من بعده. إلى هنا فقد ودعت سماحة العلامة الأميني مستأذنا بالعودة إلى بغداد، على أمل اللقاء به في رحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وعدت إلى بغداد، وما كان يدور في خلدي أن يكون هذا الوداع هو الوداع الأخير، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبعد أسبوعين سافرت إلى اليابان، لحضور المعرض الدولي العالمي، وبعد الانتهاء عرجت إلى هونگ كونگ، ومن ثم إلى كانتون عاصمة الصين الشعبية التجارية لحضور معرضها السنوي، ومنها إلى تايلند " سيام "، ومنها إلى البحرين ثم الكويت ثم بيروت، وبعد عودتي إلى بغداد باسبوع، انتقل إلى جوار ربه الإمام السيد محسن الحكيم الى الرفيق الأعلى في احد مستشفياتها، فارتجت العاصمة بغداد ومحافظات الوسط والجنوب بالفاجعة المؤلمة، وحصل لي شرف المساهمة في مراسيم التشييع وإقامة المآتم والفواتح. وبعد اسبوع من هذا الحدث المؤلم داهمت مكتبي ثلة من جلاوزة السلطة البعثية الصدامية واقتادوني إلى داري، وبعد تفتيش داري تفتيشا دقيقا ابلغت بحكم اعتقالي، واخذت إلى إحدى زنزانات المباحث " الأمن " تحت مجهر التحقيق الرهيب، بتهمة " النشاط الرجعي " وبقيت رهن التحقيق زهاء ثلاثة أشهر. وفي هذه الفترة لبى نداء ربه العلامة الأميني، ونقل جثمانه الطاهر من طهران إلى النجف الأشرف - وأنا منعزل عن العالم الخارجي كله، ولا علم لي بما يدور حولي خارج الزنزانة الانفرادية التي اودعت فيها نعم في هذه الفترة استدعيت للتحقيق وسئلت عن علاقتي " بالعلامة الأميني ". وبعد إطلاق سراحي علمت بوفاته وما جرى له من تشييع مهيب في طهران وبغداد والكاظمية وكربلاء والنجف إلى رمسه الأخير وحفرته المباركة - في جنب مكتبته الخالدة. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

[ 84 ]

كلمتي الأخيرة: مات الأميني، والصلاة بين شفتيه، والايمان والولاء مل ء جنبيه، غارقا في بحر الإيمان واليقين، متفكرا ومتأملا في الحكمة والبيان. قاصدا الحقيقة والعرفان. مات الأميني، بعدما حاز قصب السبق في مضمار علمه وعمله، كما بز أقرانه في كشف سبل الزيف والانحراف. ذهب الأميني، بعدما ترك لوعة في قلوب أهله وطلابه، وعارفي فضله. راح الأميني، بعدما ترك فراغا لا يملأ، وثلمة لا تسد، وكسرا لا يجبر، وحياة لا تعوض. ارتحل الأميني، وانتقل إلى جوار ربه قرير العين. بعدما جاهد كل باطل وتدليس، وصارع كل رذيلة، وكافح كل موبقة، إلا المرض الخبيث الذي هجم عليه هجوم الصاعقة، وألم به الألم فصرعه، وأرداه إلى المصير الذي لابد أن يصير إليه كل حي. فإنا لله وإنا إليه راجعون. فسلام عليه يوم ولد، ويوم درس ودرس، ويوم ألف وكتب، ويوم بلغ وجاهد، ويوم مات، ويوم يبعث حيا، ويوم يفد على ربه، ورسوله، وإمامه، ليشرب من حوض الكوثر وغديره، ويجاور ساداته في مقعد صدق عند مليك مقتدر. هذا ما كان مني وما خطر على بالي، وعند الله سبحانه احتسبه الذي لا تضيع ودائعه، ولا يضل ولا ينسى سجل أعماله، كما قال سبحانه وتعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) *. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

[ 85 ]

المكتبة والمكتبات (1) بقلم الشيخ رضا الاميني مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة: المشروع الثقافي الضخم الذي أحست الطبقات المثقفة - وفي مقدمتها الحوزة العلمية بفطاحل علمائها وأفاضل كتابها - بحاجتها الماسة إليه. وبقيت آمادا طويلة تنتظر مثل هذا المشروع المبارك بفارغ الصبر، حتى قيض الله سماحة آية الله العلامة الأميني (قدس سره) لتحقيق هذه الأمنية. وما خطا خطوته الاولى نحو تأسيس هذه المكتبة إلا وكانت يد الشاكري أول يد امتدت لمساعدة هذا المشروع، ولا غرو فالشاكري - كما عرفناه - ربيب مؤسسها - طاب ثراه - وغذي روحه، وقوة عينه، وهو قبل ذلك وبعد ابن النجف البار والمتحسس بآلامها، والغارق بأحلامها وآمالها. ولمعرفة الشيخ وثقته به واعتماده على هديه وعقله، فقد انتخبه عضوا متميزا في هيئة التولية، وكان من رعايته لهذه المؤسسة أن قام بما يلي: أ - ساهم في عمارة المكتبة الحالية. ب - وساهم في دفع قسم من رواتب العمال الذين يقومون بإدارتها. ج - كما قام بتصوير مجموعة من الكتب الخطية النفيسة والنادرة المنتقاة من كنوز المكتبات العامة في سوريا وتركيا وغيرهما، وجلبهما من خارج العراق. وبداية حديث الكتب المصورة هذه له قصة طريفة، وهي من دلائل توفيق الله وفضله على فضيلة الحاج الشاكري دام عزه.


(1) آثرنا طبع هذا الموضوع ملخصا حفظا من الضياع فانه طبع من قبل في وريقات سرعان ما يأكل الدهر عليها. (*)

[ 86 ]

ففي عام (1384 هجري قمري) عزم شيخنا الوالد (قدس سره) على السفر إلى سوريا، وكان غرضه من تلك الرحلة هو البحث عن المصادر التي لا تزال مخطوطة، ولم يقدر لها أن تخرج إلى عالم النور وتحتل مكانتها بين المطبوعات، وتعتبر من أهم الأسانيد والمصادر التي نشير إليها في مطبوعاتنا وكتبنا ونرجع إليها، وهي من نفائس آثار السلف ومن كنوز التراث الإسلامي، وتزخر بها مكتبات دمشق، كالمكتبة الظاهرية ومكتبة الأوقاف، وكان غرضه من وراء كل ذلك إنجاز سفره الخالد وموسوعته الكبرى " الغدير ". وكان الأستاذ الشاكري عمدة تهيئة متطلبات السفر وإقامة شيخنا الوالد في الشام، حيث أقام فيها زهاء أربعة اشهر، وعرضت للشاكري في تلك الفترة سفرة إلى أوربا في بعض شؤونه التجارية، وعند عودته إلى بلده عرج على دمشق بدافع رباني ليطمئن على صحة الوالد ويلبي حاجاته، وماإن هبطت الطائرة في مطار دمشق حتى أسرع توا إلى المكتبة الظاهرية، حيث يقيم الوالد في غرفة خاصة خصصت له من قبل الأساتذة الأفاضل أعضاء المجمع العلمي وأسرة المكتبة، تكريما له واعترافا بمكانته العلمية. وحينما دخل عليه في غرفته الخاصة تلك شاهد العلامة الكبير غارقا بين مئات الكتب النفيسة مشتغلا بالمطالعة، فسلم عليه وما أن رفع الوالد طرفه الكريم ليرد عليه السلام حتى قام من مكانه وضمه إلى صدره، وعانقه معانقة الوالد الولهان لولده متبسما في وجهه، وقد أولاه من عطفه الأبوي ما يملأ النفس ارتياحا. وكان يسأل عن أفراد عائلته ويتفقد أحوالهم واحدا واحدا، كما هو ديدنه في رسائله وعندما يجتمع معه. وبعد أن استقر به المجلس وتجاذبا أطراف الحديث - والحديث ذو شجون - وأراه إنتاجه الجبار الرائع، ومنه أنه (رحمه الله) استنسخ من نفائس الكتب الخطيه بيده الشريفة زهاء ألف وثمانمائة صفحة بالحجم الكبير (فولوسكاب) وطالع مئات الكتب الخطيه والمراجع والمصادر.

[ 87 ]

وبعد أن أكمل حديثه حانت من الولد البار الشاكري التفاتة إلى والده الروحي، فوجد إحدى عينيه حمراء ملتهبة كأنها علق دم من كثرة الكتابة والمطالعة، وشاهده في حالة يرثى لها من الإجهاد والانهيار والتعب، فقال له: شيخنا، الله الله في صحتك، ورفقا بحالك وحالنا، أنتم اليوم لستم ملكا لأنفسكم فحسب بل لأمير المؤمنين (عليه السلام) وللأمة الإسلامية كلها. قال له هذه الكلمات وهو ينظر إليه ويرى آيات التعب والنصب قد بدت على محياه، غير أنه (قدس سره) ذلك البطل العملاق، بل ذلك الجبل الأشم، عرفه كل من عرفه لا يعبأ بمثل هذه الأتعاب ولا تحركه العواصف، ولا يخضع إلا أمام هدفه السامي المقدس، الذي تحدوه إليه عقيدة راسخة وقدم ثابت في ميدان الولاء للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأهل بيته الأطهار (عليهم السلام). فهو شديد الولاء عميق الإيمان متفان في حب أهل البيت (عليهم السلام)، لا يبالي في تحقيق أهدافهم أن تدك السماء أو تصعد الأرض إلى السماء. فقال الشاكري لسماحته: هل لكم من عمل أقوم بإنجازه خدمة لسيدي ومولاي أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟ فرمى إليه الشيخ بطرفه الكريم وقد انفتحت أسارير وجهه، وعلته ابتسامة وتهلل فرحا وهو يقول: نحن الآن في أمس الحاجة إلى تصوير كمية من هذا التراث الإسلامي ونقله إلى جامعة النجف الأشرف، ليقف عليه الباحثون من رجالاتنا هناك. وحين أعلمه الشاكري أنه مستعد لدفع ثمن ذلك مهما كلف. استبشر الوالد وانشرح صدره وظهرت عليه آيات السرور، وكأن هما ثقيلا قد ازيح عنه، وقال: كنت قبل قليل أدعو الله وأتضرع إليه بحق سيدنا ومولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يقيض لي رجلا من مواليه ومحبيه يقوم بهذه المهمة، ولم أنته من دعائي وتضرعي إلا وأنت قائم على رأسي، فهنيئا لك، ودعا له بالتوفيق وقبول الأعمال. فقال الشاكري: ما كان بالحسبان أن أزوركم في دمشق، فإني كنت على وشك أن أعود إلى العراق، ولكن بجذب ملكوتي خطر في ذهني أن أزوركم أولا ثم

[ 88 ]

أرجع إلى بغداد، وليس هذا إلا من فضل ربي. هذا ما حدث في بدء العمل بتصوير المخطوطات التي قامت المكتبة ولا تزال مستمرة بتصويرها وجلبها من مختلف البلدان. وكان من المقرر أن يصور من هذه النفائس أكثر من نصف مليون صفحة، ولكن الظروف الصعبة حالت دون ذلك. ولا زال الشاكري الفتى المؤمن يشارك في المشاريع الخيرية والجمعيات الدينية والمحافل الثقافية، ومن كان لله كان الله له. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين النجف الأشرف الشيخ رضا الأميني 1390 ه‍ = 1969 م

[ 89 ]

مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): غير خفي ما للمكتبات العامة من الأثر البليغ والنفع الجلي في تنمية العقول والأذهان، ومالها من الفائدة المحسوسة في تعميم الثقافة ونشر العلوم والآداب بين أفراد أي مجتمع حظي بوجودها ووفق للاستفادة منها، وهذا البلد الأمين، النجف الأشرف، بلد العلم والدين والأدب قد تأسست فيه هذه المكتبة العظيمة والمعهد الثقافي الجليل - أعني بها مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة - بفضل جهود مؤسسها، والساعي لتدعيم كيانها، الحجة المجاهد شيخنا الأكبر العلامة (الأميني) دام ظله، حتى كمل بناؤها المشيد بجميع مرافقه ومشتملاته فجاءت فريدة في هندستها وآية في زخرفها. وهي لا زالت، ولم تزل، سائرة بخطى واسعة نحو التقدم وإلى الأمام في توارد هدايا الكتب إليها من جميع الاقطار الإسلامية، حتى بلغ عدد كتبها المطبوعة حتى اليوم ما ينيف على نصف مليون عنوان كتاب بما في ذلك حوالي سبعين الف عنوان كتاب خطي (1)، وكلها هدايا دعاة الفضيلة ومقدري العلم والفن والأدب، وإن الأمل وطيد في أن نفتح أبوابها للمطالعين والمستفيدين في القريب العاجل إن شاء الله، ليتسنى لهم الارتشاف من معينها الزاخر، والارتواء من زلالها العذب، ولتقر بها عيون الامة الإسلامية، راجين حسن التوفيق لمؤسسها القائم في شؤونها، والله من وراء القصد. استخلص ما جاء في صحائف المكتبة، بأعدادها الثلاثة التي صدرت في النجف الأشرف وطهران باللغتين العربية والفارسية خلال عشر سنين، ابتداء من سنة 1373 - 1385 ه‍. ومما جاء في العدد الأول من الصحيفة المذكورة الصادرة سنة 1373 ه‍ ق.. ص 36، قال مدير المكتبة: ان المتبرعين بالمال في تأسيس المكتبة وتوطيدها،


(1) مثلا كل دورة من البحار تحت عنوان واحد. (*)

[ 90 ]

وتشييد بنائها الضخم الفخم، فجلهم من ايران، وقد ذكرنا اسمائهم في الصحيفة المنشورة باللغة الفارسية كما يلي. والمساعد الوحيد من العراق الذي يعد من مؤسسي المكتبة، هو الثقافي الشهم النبيل الحاج حسين الحاج محمد الشاكري النجفي نزيل بغداد، له خطوات واسعة في مؤازرة هذا المشروع المقدس تذكر وتشكر مع الأبد. واما غيره من العراقيين فاليك اسماء اولئك ومقدار ما تبرعوا به، وللجميع الشكر المتواصل ولهم الفضل. وفي صفحة 38 باللغة الفارسية اسماء المتبرعين في الدرجة الأولى خمسة اشخاص منهم الحاج حسين الشاكري النجفي البغدادي. بسم الله الرحمن الرحيم * (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا) *. * (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آيآته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) *. نهنئ الامة المسلمة - تعالى جدها - بمبعث نبينا الأعظم، أفضل الأنبياء والرسل، أولهم ميثاقا، وآخرهم مبعثا، ونحمد الله الذي استنقذنا به من الهلكة، وهدانا به من الضلالة، ونورنا به من الظلمة، جزاه الله عنا من مبعوث أفضل ما جزى نبيا عن امته، ورسولا عمن ارسل إليه، وصلى الله عليه وآله، والسلام عليهم. مديرية المكتبة

[ 91 ]

ملخصا عن المكتبة والمكتبات بقلم العلامة المؤسس: بسم الله الرحمن الرحيم صدق الخبر الخبر، ونجز الوعد الصدق، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته، وتحققت الأنباء والبشائر الصادقة، وجاء من بعد عيسى نبي اسمه أحمد، وبعث صاحب الرسالة الخاتمة، وازدانت الدنيا بالتجلي الأعظم، بمبعث خير الوجود علة الخليقة، وجوهرة الإنسانية السامية. فهذا أسعد يوم تتباهى به الامم، تجلى فيه سر * (إني أعلم ما لا تعلمون) *، بعث فيه النبي الأقدس، رحمة للعالمين، وفي يمناه الكتاب العزيز، يدعو الناس لما يحييهم، يتلو عليهم آيات ربه، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة. فالعالم برحبه وسعته مكتب تعليمه وتربيته، وبين شرق الأرض وغربها مدرسة، وكتابه الكريم المفعم بالحقائق والدقائق الرقائق، المشحون بالغرر والدرر من المعارف والمعالم الإلهية، بمفرده يتكفل بتزكية النفوس، وإصلاح الدنيا، وكسح العراقيل عن مسير الإنسان، وبوحدته يحدو البشر على السعادة الأبديه، ويهديهم مهيع الحق، ومنهج السعد الخالد. فبالكتاب والحكمة يتأتى تتميم مكارم الأخلاق، وهو الغاية المتوخاة من البعثة الشريفة، كما جاء في حديث الصادع الكريم، وبهما يكافح كل مبدأ هدام لنواميس الشريعة، وتجتث أصول جراثيم الفساد عن صالح المجتمع العام. وبالتدبر في آي القرآن الكريم ومحكماته يعلم قيمة العلم والكتاب في سوق الاعتبار، ويبين ما للتعليم والتربية الدينية من الأهمية الكبرى في حياة الانسان الروحية والمادية، ومراحل سيره إلى الخلود، والفوز الدائم، والحياة مع الأبد. ولا منتدح عن العلم قط لأي أحد، حتى لمن لم يرد إلا الحياة الدنيا، وسعى فيها سعيها، وما أكثر من علوم يحتاج إليها الإنسان من الطبيعيات، والرياضيات، والاجتماعيات والاقتصاديات، والطبيات، والفلكيات، والنجوميات

[ 92 ]

والمنطقيات، والأدبيات، والأخلاقيات، والتأريخيات، والصناعيات.. إلى ضروب من العلوم والفنون التي يفتقر إليها المجتمع البشري، وإن لم يعتنق فضيلة الدين، ولم يأبه لحياة الآخرة، ولم يقتف أثر علومها الناجعة. فمن الضروري عندئذ: عد فكرة الكتاب والمكتبة من أكبر ما يهتم به عظماء الدنيا والدين من قديم الزمان، وأهم ما تصرف دونه همم الرجال منذ القدم، تدور عليهما عظمة الدول والحكومات العالمية، عند من يشعر بالحياة الإنسانية، عند من يتحلى بروح الثقافة الحية الشاعرة، عند من يملك عرق الفضيلة النابض. الكتاب والمكتبة رمز رقي كل ملة، وسمة تقدم كل نحلة، ومقياس رشد الامم وسادتها، بهما تتأتى طلبة الإنسان وما يتوخاه من عوامل النجاح والفلاح، والفوز في العاجل والآجل. المكتبة تؤدي رسالات الأنبياء، وتقيم الأود والعوج ببلاغات الأوصياء، وتمثل الحقائق ورجالاتها، وتصور أمثلتها نصب العين بدروس سير الأولياء، وتطهر درن القلوب بعظات الأصفياء، وتزيح علل النفوس بكلم رجال الصدق وحكمهم، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا. المكتبة دار التوجيه والإرشاد، دار الفنون والعلوم والمعلمين العالية، أينما تولي وجهك تتراءى لك في كل جناح منها جامعة، وفي كل صفح كلية، وفي جوانبها معاهد للعلوم، وصفوف للفنون، فيها بغية الطالب، ومنية المريد، وامنية المستفيد. المكتبة محتشد رهيب يحفل فيها علماء ربانيون، وحكماء محنكون، وأعلام فنيون، وفلاسفة إلهيون، وأساتذة الصنائع، ومدارس الخطابة والوعظ، وصيارفة الآداب والأخلاق، وعباقرة العلوم والفنون، وجهابذة التأليف والتصنيف، ورجال السياسة والقادة، صفا صفا كأنهم بنيان مرصوص.

[ 93 ]

المكتبة مخزن حافل، يحتوي ما انتجته الأفكار الراقية في مختلف الأمصار والأعصار، ويجمع من ولائد أنظار المفكرين في كل علم وفن كل تليد وطارف، ويضم ما جادت به الكليات العالمية في أدوارها الغابرة من فوائد وفرائد من كل علم ناجع، وما أتحفته تلكم الكليات للمجتمع البشري من الأزهار والأنوار من حدائق الفنون، وتحتفظ شوارد ما أثمرته العقول الرصينة، والأفكار الناضجة، والهمم القعساء، من اناس قضوا في سبيل الفضيلة حياتهم، ومنوا دون السعي وراء صالح الامة بكوارث وشدائد مدلهمة. المكتبة تشكل صفوف التعليم والتربية، وتمثل صنوف العلوم والفنون الحاصلة في الأدوار الخالية، وتضم ذخائر كل امة ونحلة من كل نفيس وثقل من التراث العلمي، وهي وسيط، تجمع بين القارئ وبين آلاف مؤلفة من حسنات الدهر، ورجالات العصر، في قرونه الماضية، على عدد ما يوجد فيها من التآليف والكتب والمعاجم والموسوعات والصحف المكرمة، لا لغو فيها ولا تأثيم، لا سأم فيها ولا ملل. المكتبة تمون وتمد الحياة الروحية، وتتكفل إصلاح المجتمع البشري من كل ما يدنس الغرائز، وتدعوه إلى الصالح العام، وتحدوه إلى الأمام والتقدم، إلى الإنسانية السامية، إلى المكارم والمعالم، إلى الفواضل والفضائل، إلى الخير والصلاح، وتزحزح الملأ عما يفسد النفوس، عما يبيد الملكات الفاضلة، عما يشوه النفسيات الكريمة، عما يدنس ذيل الإنسان من كل رذيلة وذميمة. المكتبة تعالج النفوس من أدواء الجهل المفضية إلى الدمار والبوار، والجهل بذرة كل شقاق وشغب، وشر ونفاق وافتراق وتفكك وتبعثر وتبدد، وجرثومة كل الميول والأهواء والشهوات والنزعات المبيدة، ومادة كل داء يميت روح الإنسانية، ويبث في الملأ عوامل الفساد، ويجر على الأمة دائرة السوء، ويسف أبناء الشعب إلى حضيض التعاسة، ويفتر الجوارح والجوانح العاملة للبقاء، ويسوق صاحبها إلى الهلاك والفناء.

[ 94 ]

المكتبة تنور الأفكار، وتحد البصائر، وتزكي الأرواح، وتطهر القلوب، وتصلح الخلائق، وتوطد للشعب جواد الصلاح، وتبلط لهم سبل الخير، وتبوئ الإنسان مقاعد الصدق، وتجعل الإنسان إنسانا، فيغدو والنور قائده، والسلام والفضيلة مهده، والحياة الروحية التي لا نفاد لها غايته ومنتهاه، فيجد في العاجل والآجل انس الاستقرار وسلامة المقام، ودعة المصير، ونجاح البداية والنهاية. المكتبة تعقم السرائر، وتزيل عنها أوساخ الغباوة، ودنس الغية، وظلم الشبه، ومعرة السدر في وادي الجهل، وتبصر الإنسان مواقع الانحطاط والتسافل، وتوجهه إلى الحياة السعيدة، والفوز مع الخلود. المكتبة شارة البلاد، وحدائق ذات بهجة لرواد الفضيلة، ونادي حفل النبلاء، ومنتدى زمرة الثقافة، ومعقل كل بحاثة إذا أعضل به البحث، ومنتجع كل ذي فن إذا أشكلت عليه المزاعم، ومكتب الصلة والتعارف بين فضض من أساتذة العلوم والفنون، ورجال البحث والتنقيب، تجمع شملهم، وتوحد صفوفهم، وتؤلف بين قلوبهم، إخوانا على سرر متقابلين، وتوقف كلا منهم على فكرة الآخرين، كل هذه تومي إلى صالح الامة، وما للشعب عنها محيص. هذه هي المكتبة، غير أن من المأسوف عليه جدا أن دروس هذا الموضوع الخطير لم تبين بعد عند المسلمين، وما درسوها دراسة كاملة، فأهملوا هذه الاثارة، وخسروا هذه البضاعة، وافتقدوا هذه الثروة الطائلة، وماقدروها حق قدرها، وما عرفت هي اليوم عند الشرقي على ما هي عليه من القيم، ولم يدر ما هي وما خطرها، ولم يقتف الخلف أثر السلف في تقديرها، والإعجاب بها، والاهتمام بشأنها. فجاء اناس بعداء آخرون عرفوا قيمة هذه الفضيلة، وعلموا من أين تؤكل الكتف، فجاسوا خلال الديار، وأغاروا على كل تراث علمي - كبقية نواميس الشرق - ووجدوها غنيمة باردة، وبذلوا دون جمعها النفس والنفيس، ومضوا على ضوء الثقافة، وشعروا وسائل رقي البلاد بلادهم، وحنكتهم الأيام، ودربتهم

[ 95 ]

بحبائل الاستعباد، فاحتنكوا الجوامح، وركبوا المصاعب، حتى خلى جيد الشرق وجسمه من الحلي والحلة، وصلفر وطابه، وراحت نفائسه وآثاره ومآثره ضحيه الجهل والغفلة والذهول، وشروها بثمن بخس دراهم معدودة، وأضاعوا ما جمعته يمنى الأولين من أعلام الامة، وقصرت يدنا مما انتجته أيدي رجالنا الفطاحل، وازدانت به مكتبات الغرب، هل هناك من تسوؤه الحالة، أو هل هناك اذن واعية ؟ والشقة اليوم في مستوى الفكرة بين الشرقي والغربي مراحل شاسعة بعد المشرقين، هذا نابه يقظان يسير ليلا ونهارا، ولا يتخذ لنفسه معرسا، وذاك هاجع راقد، إن انتبه يوما ما من رقدته فخطفة لا تدوم، وبرق خلب لا يبض حجره. هذا يركض وراء صالحه بكل مستطاع عدوا لا تدركه الطوارف، وذاك لا سهدة ولا يقظة، ولا رغبة ولا ركزة، يهدده خطر الأمر، وتحذره قلة المنة، ويقعده قصر التفكير، وضؤولة الرأى، ويفشله التواني في العزم والإرادة، وحول كل فكرة صالحة مزاعم وجلبة ولغط، ووراء كل عمل صالح ناجع مثبت صاخة وصخب، وردف كل نهضة علمية دينية اجتماعية حصائد الألسنة، وقذائف بالتهم، ومحافل سوء، والرجل العامل النابه غاص بالغصص، يغضي على القذى، ويصول بيد جذاء، ويتحرك حركة مذبوح، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هلم معي إلى الشهادة: هذه قرى الغرب هذه عدد نفوسها هذه كتب مكتباتها العامة اشفيلد 109872 , 13 يرسلفيل 760787 , 11 مانيستو 379571 , 8 كيتي 599462 , 6 هولند 700247 , 2 هذه نماذج من مكتبات القرى، وأما المكتبات العامة في المدن، فتعد كتبها

[ 96 ]

بالملايين، خذ [ واشنطن ] مقياسا، فإنها تحتوي 164 مكتبة عامة امهات شعب، منها مكتبة " الكونجرس "، فإنه بحسب الإحصائيه المنتشرة في مجلة العرب السورية تحتوي سبعة وعشرين مليون كتابا، مساحتها 662 / 162 مترا مربعا، وقس عليها مكتبات اوربا العامة، وذلك في سنة 1950 فكيف بها الآن ؟ ! هذه هي، وهذه نجفنا: لا نجف العراق فقط، ولا نجف الشيعة فحسب، بل نجف الدنيا عامة، نجف المسلمين جمعاء، نجف من يقول بالخلافة الراشدة، نجف مئات ملايين مسلمي العالم، القائلين بولاية سيد العترة، المقرونة بولاية الله وولاية رسوله في الكتاب الكريم، مرتكز تلك الخلافة ومنبثق أنوار المعالم والمعارف العالية، وعاصمة الإسلام المقدس، ومدرسته الكبرى المؤسسة منذ عشرة قرون، فأكبر مكتبة عامة شاهدنا فيها إنما هي مكتبة الششترية، وهي عبارة عن غرفة في زاوية حسينية، مساحتها 30 / 4 ب 60 / 5 بارتفاع 5 أمتار، عدد كتبها المطبوعة والمخطوطة - باحصائية اليوم - تناهز أربعة آلاف مجلد، يدير جميع شؤونها رجل واحد، هو المدير، هو الخادم، هو الناظم، هو المحاسب، هو المرتب، هو المفهرس، هو وحده وحده لا شريك له. وقس على النجف الأشرف معظم بلاد العراق الشاغرة عن الآثار العلمية، الفارغة عن مظاهر الفضيلة، الخالية عن المكتبات الراقية العامة الكبرى. هذه مجالي حياتنا الروحية، هذه مظاهر رقينا وتقدمنا بين الامم، هذه معاهدنا العلمية المعربة عن عظمتنا، هذه ثروتنا من الثقافة والانسانية السامية، هذه ذخائرنا من التراث العلمي ادخرناها للأجيال القادمة، هذه بضاعتنا من منابع العلم والفضيلة، هذه أشواطنا البعيدة وخطواتنا الواسعة وراء حياة امة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) المرحومة، هي آثارنا تدل علينا، نعم، تدل علينا، تدل على ما نحن فيه من الانحطاط والتسال، من قصر الباع، وصغر الطوية، من ضعف النفس،

[ 97 ]

وضالة التفكير، من تشتت الآراء، وكثرة الأهواء السائدة. هي آثارنا، هي جلية أمرنا، هي هي، وأين هي من دعاوينا الفارغة، وفخفختنا في الملأ بنحن نحن ؟ * (إنما فتنتم أنفسكم وغركم بالله الغرر) * * (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) * (1). المؤسس عبد الحسين الاميني النجف الأشرف 1379 ه‍ مقدمة مدير المكتبة الشيخ رضا الأميني نجل المؤسس: مرت على النجف الأشرف حقب وأعوام، وهي في أمس الحاجة إلى مكتبة عامة عامرة عالمية، تكون منتجعا لرواد العلم، ومرجعا لبغاة الفضيلة، ومنهلا لمن تورد الرافدين، ورية لحملة العلوم والفضائل، وحقلة تؤتي اكلها كل حين، وتستفاد بها آناء الليل وأطراف النهار. كما أنها تجبي إليها ثمرات الأفكار المدونة من كل حدب وصوب، فيكون فيها ريا لظمأ المعارف، ورواء لجلية الحقائق. لم تزل هذه الفكرة تنجم وتخبو بين نوايا المفكرين، وتلهج بها حملة الآراء السديدة، حبا لنشر العلم طورا، وإحياء لروح الثقافة الصادقة آونة، وإعلاء لكلمة الحق العليا حينا، وخدمة لمجتمع الإنسانية تارة، وتوجيها للناشئة الجديدة اخرى، وقبل الكل إشادة بمقام باب مدينة العلم مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). لم تكن هذه الفكرة وليدة اليوم ولا الأمس، وإنما نحن على يقين من أنها كانت عند السلف الماضين من أعلام النجف الأشرف، ورجالها الفطاحل، إذ


(1) سورة محمد: آية 38. (*)

[ 98 ]

الحاجة الماسة إليها في كل دور من أدوار الحوزة العلمية مفهومة واضحة، لا تخفى على أي أحد، بل حاجة المجتمع أمس كانت أشد وأكثر من اليوم، من ناحية كثرة تلامذة هذه المدرسة الكبرى، وضيق نطاق الطباعة والنشر يوم ذاك، وإن كان افتقار ناشئة اليوم أعظم وأكثر من نواحي كثيرة، نظرا إلى تطور العالم الحديث. غير أن الامور مرهونة بأوقاتها، ولله فيها تقادير، ولكل أمر كتاب، ولكل كتاب أجل، والله يختار لكل عمل فادح بار، وخير عظيم ناجع، اناسا من عباده الصالحين، ويمنح للمصطفين من خيرته ما شاء، ذلك تقدير العزيز العليم، فلما آن لهذه النفسية الكريمة أن تتبلج فتضئ العالم بأنوارها، فقيض المولى سبحانه لها فئة صالحة من المجتمع الديني، هم في الذروة والسنام، وحيث يتبوأ فيه المجد والشرف، من معاقد رجالات الامة، يقدمهم الساعي وراء كل صالح ديني، والعاقد لواء التقدم في مناجح الطائفة، شيخنا المجاهد، العلامة الحجه، اية الله، الأميني النجفي، صاحب كتاب " الغدير " الأغر، المعروف بعلمه الجم، وفضله الكثار، وفكرته الناضجة، وهمته القعساء، ودعوته الإصلاحية، ويده الناصعة في الحجاج، وولائه الخاص للعترة الطاهرة. فكأن هذه المنحة الكبيرة، والحركة العلمية المشكورة، كانت نصيب شيخنا الأوحد الأميني الأمين، وكان يستسهل هذه النهضة الباهظة، والعب ء الفادح، لم يك يستصعب أمرا كهذا، بل كان يستصغره من أول يومه بقوله: الله أقوى وأعظم، وكل شئ على الله سهل يسير، وكل صعب مستصعب دون ولاء سيدنا المفدى أمير المؤمنين (عليه السلام) أسهل ما يرام، وأيسر ما يتصور. ولعمر الحق يستأهل حامل هذه الروح الطاهرة، والطوية الطيبة، والنية الصالحة والإيمان الصادق، والمتفاني في ولاء أهل البيت الطاهر، أن يأخذ المولى سبحانه بعضده - وقد فعل - ويسهل له المسير، ويعززه بنصره، والله من وراء القصد * (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) *. وكأن الامة المسلمة كانت في انتظار هذه النهضة العلمية من هذا البطل

[ 99 ]

الديني العظيم، فلبى دعوته كل من قرعت سمعه عقيرته، وبادر كل ذي شعور حي عارف لصالح الأمة، إلى المساهمة والمؤازرة، دون هذا المشروع المقدس، وليست هذه كلها إلا أثر الإخلاص في العمل، وتجرد النية عن كل ما يشوبها ويشينها، وهي آية الثقة بالله، والتوكل الصحيح عليه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ومن يتق الله يجعل له من أمره مخرجا. فشمرت هذه الفئة الكريمة الصالحة للنهوض بهذا العب ء الثقيل بكل ما اوتوا من حول وطول، وأرخصوا لهذه الفكرة كل غال، وأنفقوا دونها كل نفيس، والأمل في الله جلت قدرته أن تكون هذه المكتبة نسيجة وحدها بين المكتبات العالمية بتأييد من الله سبحانه، وبما أتاح جل وعلى لمؤسسيها من التفاني في هذه الغاية الكريمة، والدأب على التقدم بهمة قصية المرمى، وإلى المولى نبتهل أن يصحبهم التوفيق للثبات على القصد، إنه ولي ذلك. ونحن على يقين من أن هذه الفكرة الميمونة كبذرة تولد في رجالات الامة العاملين النابهين، أفكارا راقية تحيى بها روح الملأ الديني، ويمضي بضوئها الشعب المسلم إلى النجاح والفلاح، والله ولي التوفيق. صورة مصغرة عن المكتبة: تحوي اليوم [ مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) ] من الكتب بشتى اللغات ما يناهز نصف مليون عنوان (1) بما في ذلك حوالي سبعين الف عنوان من الكتب الخطية. كما تمتلك عشرة دور مشتراة من سنة 1374 ه‍ شيدت المكتبة على بعض منها والباقي ارض، تنتظر توسعه البناء. وأهم ما اشترط: أن المتولين - في أي طبقة كانوا - إن عجزوا عن القيام بواجبها ولم يمكنهم إدارة شؤونها، فعليهم التقاعد عنها وتعيين آخرين من رجال


(1) العنوان - يعني كل دورة كامله تعتبر عنوانا واحدا. (*)

[ 100 ]

يسعهم النهوض بإدارتها، وإن افتقد - والعياذ بالله - من يمكنه حمل أعبائها فعليهم إحالة أمرها إلى مديرية مكتبة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وضمها إليها في التولية، والمتولي أمر تلك المكتبة له أن يقوم بإدارة هذه المكتبة، مشروطا ببقائها في النجف الأشرف، وعدم جواز حملها إلى غيرها من البلاد بأي مسوغ. تأسست المكتبة في غرة جمادى الاولى سنة 1373 الهجرية، وقال العلامة السيد محمد الحلي النجفي مؤرخا: ومكتبة قد علت رفعة * وباسم علي سمت مرتبه أراد الأميني تأسيسها * فأرخ: له تمت المكتبة " 1373 " وقال مؤرخا أيضا بالميلادي: قام الأميني لإخلاصه * وحبه للعترة الطيبه بخير مشروع تسامى علا * باسم علي صاحب المنقبه لذا غدا يصدح تاريخه: * ازدهر الغري بالمكتبة " 1958 " مضت عليها أعوام وهي في دور الإنشاء، حتى افتتحت باليمن والسعادة في يوم الغدير الثامن عشر من ذي الحجه الحرام سنة 1379، ونشر في نبأ الافتتاح والدعوة إليه من أرجاء العراق منشور هذا نصه وفصه: (1) الحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا. في هذا اليوم النير السعيد، عيد تتويج سيد العترة بيد النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بعمامته " السحاب " رمز الولاية الكبرى، في حشد من الأمة، مائة ألف أو يزيدون، نبشر رجال الثقافة، ورواد العلم والفضيلة، بافتتاح:

[ 101 ]

مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة: للمطالعة والاستفادة، والاستثمار من حقله اليانع، والاستضاءة بضوئها والاقتباس من نورها الزاهر، وذالك فضل من الله ما أكبره وما أعظمه ! ! ونرحب بالوافدين لزيارة المكتبة العامرة من ليلة 18 ذي الحجة إلى 22، لسنة 1379 خمس ليال متواليات، ومن يوم السبت 23 من الشهر يستمر الدوام إن شاء الله تعالى باليمن والسعادة، والله ولي التوفيق. فحري لكل مسلم صحيح يحمل روح الإنسانية السامية، ويشعر بعوامل الرقي والتقدم، ويبتغي الحياة السعيدة الروحية التي لا نفاد لها، أن يساهم في هذا السرور، بالحضور، ويكحل البصر بالنظر إلى جمالها البهي، ويباهي بهذا المشروع المقدس ويعتز به، ويهنئ كل فرد صاحبه بهذه المنحة الكبرى، ولوليها الحمد أولا وآخرا. ذي الحجة الحرام 1379 مديرية المكتبة الشيخ رضا الأميني صورة من طرة الباب الرئيسي، صنع إيران، من قاشاني معرق نفيس جدا، مكتوبة فيها بقلم الاستاذ الشهير الحاج ميرزا أحمد الزنجاني عدة أبيات من مقطوعة للنطاسي المفضال الأديب الشيخ ميرزا محمد الخليلي النجفي صاحب كتاب " معجم ادباء الأطباء "، أرخ بها بناية المكتبة، وإليك المقطوعة: هاهنا معهد علم شاده * رجل الحزم الذي عز قرينا معهد قد قام في إنشائه * عزم فرد قد سما علما ودينا من غدا رائده الحق وقد * فتح الله له فتحا مبينا من تفانا في ولا حيدرة * وبنيه الطيبين الطاهرينا شيخنا الحبر الأميني الذي * راح في حفظ الولا يطوي السنينا بحره أجرى غدير الفضل كي * ترتوي منه الملا عذبا معينا

[ 102 ]

رام أن يرفع للعلم الذرى * ببنا مكتبة تحوي الفنونا ورجا باسم علي أن يرى ال‍ * - عون فيها فرأى الله المعينا شادها بيتا رفيعا ساميا * خلدت فيه مساعيه قرونا فإذا ما جاءها مستفهم * عن بناها وأتاها الوافدونا باسم من قد انشئت أرخ: بلى * انشأت باسم أمير المؤمنينا " 1376 ه‍ " (1) الآن حصحص الحق من صحيفة المكتبة - بقلم العلامة الاميني المؤسس بعث نبي الإسلام، نبي العظمة، صاحب الرسالة الخاتمة، ليتم مكارم الأخلاق ويدعو الناس لما يحييهم، ويحدوهم إلى الحياة السعيدة، ويقودهم إلى سعادة الأبد، ويهديهم إلى الصراط السوي، إلى مهيع الجدد، إلى الطريق اللاحب، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة. بعث (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي يمناه كتابه الكريم، * (كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) *. * (كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) *. * (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى من رب العالمين) *. * (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) *. * (إن في ذلك لرحمة وذكرى للمؤمنين، فيه آيات بينات هن ام الكتاب واخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا اولو الألباب) *. ضم كتاب الله العزيز بين دفتيه دروسا عالية تشريعية وتكوينية فيها حياة الإنسان السامية، وسعادته الخالدة الأبدين، فيها علم البداية وعرفان النهاية، هي بغية العلماء، ومأرب الفقهاء، ونشدة الأخلاقي المحنك، وطلبة الحكماء والفلاسفة،

[ 103 ]

ومقصد رواد التأريخ الصحيح، ومرمى العارف النابه السليم، ومنتجع الخطيب المفوه، والقول الفصل: إنه مشرع المجتمع البشري، ومصحف الملأ الانساني أجمع. حث سبحانه وتعالى على السير في أرجاء الأرض والجولة في ربوع العالم، وإمعان النظر في آثار قدرته، ومجالي رحمته، ومحال كبريائه، ومظاهر عظمته، ومعالم قدسه، وعجائب صنعه، ولطائف حكمه، ودقائق ملكه، ورقائق أمره، وجوامع خلقه، ومهاد كرامته، وبدائع سلطانه، وسبحات وجهه، وعواطف رأفته، وسوابغ نعمه، ونفحات جلاله وجماله وكماله، ومجاري منحه ومننه، وبينات فضله، وآيات طوله، وطرائق إرادته، ومشاهد مجده وحمده، سبحانه وتعالى، سبحانه وتقدس. يلمس السائح النابه البصير باليد منبض الملأ، ويعرف علل انحطاط البشر وبواعث الانحلال في جامعة الإسلام المقدس، ويكون على بصيرة من أدواء المجتمع وجراثيم العيث والفساد، ويعلم ما هي عوامل سرعة السير إلى التقدم والرقي، وما هي موجبات تأخر الامم عن صالحها، وتشتت شملها، وتبدد جمعها، واستئصال شأفتها، ويطلع على مواقف العظة والعبر، ويتخذ تجربة من تدهور الآثار، وتقلبات الدول والحكومات، وتكثر الآراء والمعتقدات، فيتجرد للسعي وراء الحقيقة الراهنة، ويتفرغ لابتغاء ما فيه رشده وهداه. تفتح للسائح النبيل أبواب العلم، ويكشف عنه غطاؤه، فيغدو - وهو أوعى من كل وعي - نضيج الرأى، صالح الفكرة، راجح العقل، رخي اللب، ثابت الحصاة، حصيف النظر، بعيد الهمة، قوي الحنكة، عظيم الإرادة، حفيا محنكا حازما، يقتحم عظائم الامور، ويعرف الورد من الصدر، ويعلم من أين تؤكل الكتف. يحتفل الرحال الثقافي بجهابذة العلم، وصيارفة الكلام، ويجتمع مع رجالات الدين والفقه والتفسير والحديث والأخلاق والتأريخ، إلى أساتذة علوم وفنون لا مندوحة لإنسان عنها، إلى الحكماء والفلاسفة، إلى الساسة والقادة، إلى نوابغ،

[ 104 ]

ومداره، ومصاقع، ومهرة الخطابة والبيان والأدب والقريض، فيقتنص من العلوم شواردها، ومن الفنون فرائدها، ومن الصنائع بدائعها، ويؤوب إلى بيئته وقد ظفر بمبتغاه مهما كان بعيد المدى، ولم يجمح به مراده مهما كان قصي المرمى. عبد الحسين أحمد الأميني

[ 105 ]

رحلاته العلمية وثمرات اسفاره سفره إلى إيران: سافر إلى إيران عدة سفرات ووقف فيها على التراث الفكري المودع في خزائن تلك الدول الشيعية، وتسنى له مطالعتها مطالعة محقق مدقق لما تحويه: مكتبة مشهد الإمام الرضا (عليه السلام)، في خراسان. ومكتبة مجلس شوراي ملي (البرلمان الوطني)، في طهران. ومكتبة مدرسة سپهسالار، في طهران. ومكتبة الحاج حسين ملك، في طهران. وكتابخانه ملي (المكتبة الوطنية)، في طهران. ومكتبة الزعيم الديني المرحوم آية الله البروجردي (يوم كان في بروجرد). ومكتبة الفقية الحجة المرحوم الشيخ سردار الكابلي، المتوفى 1372 ه‍، في كرمانشاه. وحدا به الطلب دون تحقيق هدفه السامي، ونيل بغيته لاكمال بحثه، تعقيبه هواة الكتب. والسؤال عما تحويه مكاتبهم، ولا غرو إذا قلنا أن إلحاحه في الطلب من أصحاب المكتبات الخاصة، ومواصلته التردد على المكتبات العامة أوقات عملها - منذ افتتاحها وحتى آخر لحظة من دوامها - أثارت عليه أرباب الكتب وامناء المكتبات، إلا أنه لم يعر اهتماما لما كان يلاقيه من شدة وقسوة دون مأربه، لسمو هدفه ونبيل غايته، بل كان يتلقى تلكم الشدائد برحابة صدر وابتسامة، إذ لم

[ 106 ]

ير في الحياة ألذ من مسامرة الكتاب - مطالعته واستنساخه - تاركا وراءه جل لذائذ العيش، غير مكترث بصحته العامة، وحال عائلته وشؤونهم. وانقضت أعوام وأعوام وهو لا يعبأ بوقت الأكل ونوعه وكيفيته، ولم يتناول قوته اليومي إلا بعد نداء ممل ممن كانوا بانتظاره على المائدة في وجبة غداء أو عشاء، كل هذا تلهفا منه وشوقا لقضاء شوط كبير من تأليفه كل يوم. وكلما تقدم في البحث ازداد نشاطا، وتلقى العمل منه صبرا وجلادة في العزم، وشكيمة في أداء الواجب الديني. ومرت السنون بمثل هذا النضال المرير، والجهد المضني، والعمل المتواصل بكل القوى ليل نهار، حتى أصدر أحد عشر جزءا من الكتاب وفي غضونه بحوث إسلامية عالية، ودروس دينية ثمينة في التفسير، والحديث، والتأريخ، والآراء والمعتقدات، مقرونة بالتحقيق والتمحيص، والتقصي والاستقراء الشامل، مدعمة بالمصادر العلمية، بعيدة عن العصبية والتطرف. واستقبل الكتاب من لدن العلماء، وجهابذة الرأي، وأساتذة الجامعات، ورجالات الفكر، وصيارفة النقد والتحليل، وملايين المثقفين العرب والمسلمين في العالم بكل وله وشوق، واحتل الصدارة في صحف البلاد العربية والإسلامية. وكلما صدر جزء انهالت على المؤلف (قدس سره) عاصفة من رسائل التقريظ والتقدير والإعجاب والتأييد، وإبداء التلهف للوقوف على بقية أجزائه، لما في بطونها من علم غزير، وبحوث عالية، وحقائق دينية ناصعة، وكشف لأحاديث ووقائع اسدل عليها ستار الشبه، وسترتها يد الأهواء، حتى ظل يجهلها أكثر المؤرخين والباحثين، وخفيت على جميع المسلمين. وما نشر في الأجزاء المطبوعة من كلمات رصينة، وتقاريض عسجدية تنم عن أهمية الكتاب الذي احتل مكانا مرموقا في المكتبة العربية، ومدى ما تضمره الأوساط العلمية، والدينية، والثقافية من إكبار وتقدير للكتاب، وتأثير في العالم الإسلامي وتأثرها ببحوثها، وترى فيه طريقا مهيعا لجمع شمل المسلمين وتوحيد

[ 107 ]

صفوفهم، لما حققته هذه الثروة الفكرية من انتصارات ضخمة في شتى حقول الدراسات الإسلامية الجديدة التي تناولتها. وبعد أن أكمل شيخنا الوالد طبع الجزء الحادي عشر من موسوعته الأثرية، وقد طاولت زهاء نصف قرن منذ ابتدائه في تأليف الكتاب وحتى صدور هذا الجزء، وانتهى البحث فيه بذكر جمع من شعراء القرن الثاني عشر الهجري ممن نضموا هذه الاثارة التأريخية في قصائدهم، انقطع عرى البحث وذلك لكثرة ما تحويه قصائد بقية شعراء ذلك القرن، والذي يليه، والذي بعده من مناقب العترة الطاهرة صلوات الله عليهم، الصادرة فيهم من لدن صاحب الرسالة الكبرى الصادق الأمين صلوات الله عليه، وللرابطة الوثيقة بين تلكم الأحاديث والتأريخ الإسلامي في كل جوانبه من جهة، ولصلتها الوثيقة بالخلافة الإسلامية من جهة اخرى، ولأهميتها الكبرى في الملأ الإسلامي، رأى شيخنا الوالد أن من الضروري إفراد دراسة ضافية حول اسناد تلكم المناقب والماثر المبثوثة في غضون كتب التفسير، والحديث، والسير، والمعتقدات. ولم يرقه - قدس الله روحه الزكية - الركون والاعتماد على ما نقل عن الأصول المخطوطة من تراث السلف، بل أخذ على نفسه الوقوف على تلك المصادر ذاتها، قطعا للعذر، وابطالا للتشكيك. ومثل هذا العمل يعد خطوة لا تنوء به إلا العصبة أولو القوة، فالمصادر تلك قد شتتها الأحداث التأريخية المتعاقبة، وجعلتها أيدي سبأ موزعة في المكتبات العامة والخاصة في مختلف أرجاء المعمورة. إلا أن هذا لم يصد شيخنا الوالد عن تنفيذ خطته، ولم يصبه كلل في عزمه وإرادته. فشد ساعد الجد للترحال إلى أقصى البقاع والأمكنة، للوقوف على مصادر بحثه، والتزود من يانع فيض تراثنا الفكري الإسلامي الغابر.

[ 108 ]

فسيحوا في الأرض أربعة أشهر: قال الشيخ رضا الأميني: كنت أرى منذ مدة غير قريبة كثرة الخوض من قبل سماحة سيدنا ومولانا آية الله المصلح المجاهد والدنا الأجل الأميني في الحديث عن الثروات العلمية والآثار والماثر الاسلامية المودعة في الديار الهندية، وكنت أشعر منه شوقا أكيدا، ورغبة شديدة في السفر إلى تلكم البلاد المعجبة من جل نواحيها، غير أن اشتغاله بطبع كتابه " الغدير " يرجأه عن غايته المتوخاة، وكانت نهضته العلمية الدينية هذه عاقته عن أن يولي وجهه إلى تلك السفرة الميمونة الناجعة، وينتهز الفرصة، ويراه قريبا ونحن نراه بعيدا، ولينصرن الله من ينصره. وبعد انجاز تأسيس [ مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة ] في عاصمة الفقه والعلم والدين، ومرتكز لواء الخلافة الإسلامية الكبرى، ومهبط حملة الثقافة من أرجاء العالم من الحواضر الإسلامية، ومحط رحال العرب والعجم، وسروات المجد والنبل من مختلف الامم. ولدت هذه الخاطرة رحلاته المتتابعة وراء جمع مدارك كتابه " الغدير "، فقام حياه الله وبياه بأعبائها، وشمر ساعد الجد والاجتهاد لتحقيق أمله، ونيل مناه، وهو أمل المجتمع البشري، وبغية كل من أسلم وجهه لله وهو محسن، وامنية كل مثقف يحمل شعور الرقي والتقدم، ومأرب المصلح النابه الشاعر بجراثيم العيث والفساد، أحس ضرورة المكافحة عن صالح امته. ولبى دعوته رجال عاملون وجدوا تلك الفكرة السامية بذرة الحياة، فريضة الخدمة للإنسانية، وراء النهوض بذلك المشروع المقدس من الصالحات الباقيات، والمؤازرة دونه تحفظا على الحياة السعيدة، فمهدوا له السبل بكل ما اوتوا من حول وطول حتى بنيت لها بناية ضخمة فخمة عامرة، بناية زاهرة زادت تلك الساحة المقدسة بهاء وجمالا وعظمة وكرامة. فغدت هذه الهاجسة السامية الثانية بمفردها داعية قوية إلى الرحلة المباركة

[ 109 ]

نحو القطر الهندي، وكان ذلك قدرا مقدورا، فحقق الله أمله، وتأهب للسفر، وكان من عظيم ما من المولى سبحانه به علي أن اختارني لخدمة بطل دينه المدافع عن ناموس الإسلام المقدس، والناهض دون هدي العترة الطاهرة، واختصني بهذه الكرامة، وحباني بهذه النعمة السابغة، وغمرني فضل سيدي الوالد العظيم باستصحابي في سفره هذا، كما كنت أقوم بخدمته في جل رحلاته قبل، وذلك ذخري في حياتي منذ نعومة أظفاري، وبفضله اباهي وأفتخر، وما التوفيق إلا بالله، وله الحمد على ما أنعم. وقد استغرقت هذه الجولة المباركة أربعة أشهر، بدأت يوم 24 شعبان المعظم وانتهت بالخامس والعشرين من ذي الحجه الحرام 1380، ولم تمض لنا تلكم الأيام السعيدة إلا ونحن ننقب في خزائن الكتب في مختلف الأمصار، وقد طلبت امة كبيرة من بلاد العرب والعجم، وفي مقدمها الهيأة المؤسسة لمكتبة الإمام أمير المؤمنين والهيئات التي اسست في الحواضر الإسلاميه لقراءة " الغدير " والأخذ من دروسه العالية، نشر تفاصيل هذه السفرة الميمونة، ونحن وإن لم يسعنا المجال لنشرها والتوجه إلى جميع نواحيها واستقصائها والبحث عنها على ما يروم ذلك الجم الغفير، غير اننا نأخذ منها في هذه العجالة نبذة يهم الملأ الثقافي أن يقف عليها، ونحيل البحث عنها على وجه يحق أن يبحث عنها إلى تأليف مفرد يخص بها، والله ولي التوفيق. من ثمرات أسفاره عرض موجز عن الهند تعتبر الهند من أعرق البلدان ثقافة، وأوسعها أرضا بحيث تشكل شبه قارة، بالاضافة الى ثقافتها العالية، وتقدمها صناعيا، وعلميا. ففي الزمن الغابر، عندما لم تكن في بلدان العالم مدارس أو كليات أو معاهد، ولم تبزغ شمس الحضارة فيها إلا في بعض الدول المتقدمة، كانت الهند تحتوي على

[ 110 ]

كليات ومعاهد في مختلف العلوم، وكان أشهرها: 1 - كلية تاكسيلا. 2 - كلية نالاندا. 3 - كلية كانچي. 4 - كلية مادوار. 5 - كلية يكرا ماسيلا. 6 - كلية اودانتا پوري. 7 - كلية ناديا. أضف الى ذلك اشتهارها بالعلوم، الأخلاقية، والتربوية، والفنون الجميلة، والأدب، والحقوق، والفلك، وميثاق المنطق، والرياضيات، وكان العلماء يقصدونها من كل حدب وصوب، وتوسعت في كبريات مدنها، دلهي، لاهور، ورامپور، ولكهنو، وإله آباد، وجونپور، وآجمر وغيرها. فضلا عن الجامعات والكليات التي لا تحصى عددا، أشهرها: جامعة أگره، جامعة عليگر الإسلامية، وجامعة إله آباد، وغيرها، التي تربو على الأربعين جامعة وكلية. وننهي كلامنا بهذه الوجازة عن الحركة الثقافية في الهند، ونتطرق الى ما يهمنا من الثروات العلمية الإسلامية وكنوزها المحفوظة في المكتبات العامة المبثوثة في أنحاء الهند كافة، والتي زارها شيخنا الوالد، العلامة الأميني، وطالع أهم ذخائرها التي تخص بحثه، وما تحتاجه الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وما يدور في فلكه. 1 - بومبي: تجولنا في هذه المدينة العريقة، وزرنا معظم معالمها الثقافية ومكتباتها العامة، وكان يصحبنا بعض العلماء، والادباء، والباحثين في المنطقة، وأخيرا استقربنا المقام في مكتبة بومبي العامة الكبيرة. THE ASIATIC SOCIETY OF BIMBAY تحوي هذه المكتبة على مائتي ألف كتاب " 0000 / 200 " ومجلد باللغات العربية، والفارسية، والانجليزية، والفرنسية، والجرمنية، والأردية والسانسكريتية، وكانت ثلاثة بالمائة من هذه الكتب مطبوعة باللغتين العربية والفارسية.

[ 111 ]

وتقع المكتبة في بناية كبيرة متعددة الطوابق وبها قاعات واسعة متعددة، وتبلغ مساحة قاعتها الرئيسيه 16 ب 32 مترا، تربو على الخمسمائة متر مربع، منسقة تنسيقا بديعا، ويبلغ عدد مطالعيها يوميا أكثر من " 1500 " ألف وخمسمائة مطالعا. وللمكتبة صحيفة سنوية تصدر باللغتين الانجليزية، والاردية، ولها لجنة ثقافية عالية، تحيطها حدائق غناء واسعة. وللمكتبة فهرست طبع لها بمجلدين، كل مجلد يحتوي على خمسمائة صفحة. مدينة لكهنو: لكهنو التي كانت عاصمة " الأود " عام 1167 ه‍ شيدت فيها معاهد إسلامية ومدارس عديدة متنوعة، وحوت على تراث ومآثر لا تحصى، وتخرج منها علماء فطاحل، فيها مكتبة الناصرية العامة، التي تحتوي على نفائس الكتب ونوادرها الخطية، من علوم الفقه واصوله، والتفسير، والحديث، والكلام، والحكمة، والفلسفة، والأخلاق والتأريخ، واللغة، والأدب، الى معاجم وموسوعات كبيرة. مكتبة السيد محمد قلي الموسوي: كانت مكتبة الناصرية العامة نواة هذه المكتبة، والسيد محمد قلي الموسوي من أعاظم علماء الهند، وأساطين عصره، وله مؤلفات قيمة عديدة. توفي في محرم سنة 1260 ه‍، وكان أحد العلماء العظام الثلاثة الذين أسسوا هذه المكتبات. والثاني: العلامة السيد حامد حسين، صاحب موسوعة " العبقات "، بالاضافة الى تآليفه العديدة القيمة. توفي في شهر صفر سنة 1306 ه‍، ثم الحقت مكتبته بمكتبة شبله السيد ناصر حسين، وهو ثالث الثلاثة. ومكتبته التي سميت باسمه، يناهز عدد كتبها اليوم الثلاثين ألف مجلد من

[ 112 ]

نفائس تراثنا، من المطبوع والمخطوط، اسست لها بناية فخمة، في منطقة راقية هادئة. مدرسة الواعظين: وهي مدرسة دينية جليلة، ومعهد إسلامي علمي فخم، يعد من حسنات الدهر، قام بتأسيسه العلامة الأوحد السيد نجم الحسن (قدس سره) سنة 1338 ه‍. تحتوي المدرسة على بناية كبيرة، لها أجنحة متعددة من مكتبة وإدارة، بالاضافة الى أجنحة لسكن الطلبة، تخرج منها عدد لا يستهان به من العلماء والمبلغين بشتى اللغات لا سيما الانجليزية والاردية، للتبليغ في الهند وباكستان، وافريقيا، وشرقي آسيا. ولهذه المدرسة مكتبة قيمة تحتوي على عشرين ألف مجلد من الكتب الإسلامية، باللغات العربية، والفارسية، والاردية، والانجليزية، وفيها مخطوطات قيمة. كما لها مطبعة خاصة، لطبع ما تنتجه أقلام علمائها وأساتذتها، في أبحاث قيمة شيقة. سلطان المدارس: من معاهد العلم والدين، قام بتأسيسه علامة عصره، ووحيد دهره، السيد محمد باقر الرضوي الكشميري، ومن آثاره المدرسة الايمانية، والمدرسة العالية الناظمية، وآخرها المدرسة الجليلة الشهيرة " السلطانية " وله تآليف جمة قيمة في العلوم الدينية، وللمدرسة مكتبة عامرة خاصة بها تضم ما ينيف على الخمسة آلاف مجلد باللغات العربية، والفارسية، والاردية، وبعض المخطوطات. مكتبة ممتاز العلماء: أسسها العلامة الجليل السيد محمد نقي، المعروف ب‍ " ممتاز العلماء "،

[ 113 ]

ولد 1234 ه‍، وله مؤلفات عديدة وقيمة ممتعة. توفي (رحمه الله) سنة 1289 ه‍ عن 55 عاما، خلف خزانة فخمة من أنفس النوادر والآثار والكتب الخطية القيمة، ويزيد عدد مجلداتها على ثمانية عشر ألف كتاب باللغة العربية، والفارسية والاردية، وقد انشئت لها بناية حديثة. مكتبة فرنگي محل: تأسست هذه المكتبة على يد المولى قيام الدين عبد القادر الكهنوي سنة 1230 ه‍، ويقوم بإدارة شؤونها بعض العلماء، ولهم فيها حلقات لتدريس العلوم الدينية، والمعارف الإسلامية على المذاهب الأربعة. والمكتبة تحتوي على تسعة الاف مجلد، نصفها مخطوطة، ومعظم كتبها في العلوم الإسلامية باللغات الثلاثة: العربية، والفارسية، والأردية. مكتبة ندوة العلماء: تقع في وسط حدائق غناء بمساحة آلاف الامتار ضمن بناية كبيرة فخمة " لمدارس العلوم التابعة لندوة العلماء ". قام بتأسيسها جمع من رجال المذاهب الأربعة في أوائل القرن الحالي - أي ما يقارب 1320 ه‍ - ويديرها بعض مشايخ وعلماء أهل السنة من المذاهب الأربعة. وعدد طلابها يربو على الأربعمائة طالب من مختلف البلدان، من أفريقيا، وآسيا. وللمكتبة بناية فخمة جدا الى جنب المدرسة، وعدد كتبها أكثر من ستين ألف مجلد، منها: خمسة آلاف وخمسمائة كتاب خطي، في العلوم الإسلامية من تفسير، وفقه، واصول، وحديث، وحكمة، وفلسفة، وأخلاق، وأدب، وتأريخ، وجغرافيا باللغات - العربية، والفارسية، والأردية، والسانسكريتية.

[ 114 ]

مكتبة أمير الدولة پراوونشل: مكتبة عامرة فخمة في بناية كبيرة شامخة، في وسطها قاعة عظيمة، تحيطها حدائق زاهرة، قام بإنشائها الأمير محمد حسن خان راجة محمود آباد، وشاد أسسها عام 1921 م، وقدم لها مكتبته الخاصة التي كانت تحوي خمسة وخمسين ألف مجلد، وقد بلغ عدد كتبها مئة وعشرة آلاف كتاب، باللغات العربية، الفارسية، وغيرها من اللغات الاخرى. وفهرست كتبها ترتيبا جميلا على طريقة " الديوي ". وفيها قسم من المخطوطات الأثرية. وفيها قاعات كبيرة للمطالعين، أكبرها بمساحة 15 ب 30 مترا، وبارتفاع ثمانية أمتار، وقاعة لمطالعة الصحف والمجلات. يردها يوميا أربعة عشر صحيفة، ومن المجلات الشهرية والاسبوعية 246 نوعا، وقد قامت المكتبة بتجليدها وتنظيم خزنها. وما إن نشرت، الصحف الهندية الإسلامية خبر وصول العلامة الأميني الى لكهنو، حتى قدمت الوفود من كل بلد يدعونه لزيارتهم، وبعد إلحاح من عمداء الجامعات وأساتذتها وعلمائها، اضطر أن يجيب وفد كانپور ولمدة 48 ساعة فقط، وذلك لكثرة انشغاله بالمطالعة والاستنساخ. مدينة كانپور: تقع على ضفاف بحر " كنك " المقدس عند الهنود، وهي مدينة صناعية كبيرة. وعدد سكانها يربو على المليوني نسمة. وقد استقبل العلامة الأميني من قبل معظم الجمعيات الإسلامية، مختلفة الأهداف، وعملوا له حفلا عظيما، خطب فيها العلماء والادباء، كما اقيم حفل تأبيني عظيم بمناسبة ليلة القدر وشهادة سيد الموحدين أمير المؤمنين (عليه السلام). مدينة على گره: مدينة واسعة من المدن الشمالية، تقع بين كانپور ودهلي، تبعد 120 كيلومترا

[ 115 ]

من مدينة " آگره " الأثرية، واشتهرت بجامعتها العالمية الأثرية. ومن الجامعات التي أسدت الى المجتمع البشري خدمات جليلة هي " جامعة علي گره الإسلامية " التي شاد مجدها، وأنشأ كيانها عام 1875 م المرحوم أحمد خان، المتوفي سنة 1898 م، ففيها اجتمع أبطال الفكر، وأساتذة العلم ليواصلوا جهودهم لإعداد شباب ناهض مثقف ليحمل أمانة الأجيال الصاعدة. والجامعة هذه مفخرة من مفاخر العالم الإسلامي، وتقع على مساحة واسعة من الأرض، تشكل مدينة مستقلة، تبلغ دائرتها المحيطة بها أكثر من ستة آلاف كيلومتر، تشتمل على أكثر من أربعين بناية شاهقة، وسط حدائق غناء ذات بهجة من الأشجار والأزهار. وتختص كل بناية بكلية من كلياتها، من شتى العلوم، الطب، والصيدلة، والهندسة، والصناعة، والتجارة، والتأريخ، والأدب، والعلوم الدينية، والطبيعية، والرياضيات، والإدارة.. الى غير ذلك من العلوم الحديثة، أضف الى ذلك المختبرات الطبية، والتطبيقات الهندسية، والصناعية، وأجنحة عديدة تخص سكن رئيس الجامعة، والأساتذة المقيمين، والوافدين من الخارج، وقسم خاص بالسكن لطلبة الجامعة الأجانب. فيها مستشفى تطبيقي لكل الأقسام، وغيرها من الخدمات، كالبريد وغيرها. أضف الى ذلك مكتبتها العامرة العامة. مكتبة أبو الكلام ازاد العامة: لم يكن بوسع الباحث عن التراث والثروات الإسلامية حصر ما لهذه المكتبة العظيمة العامرة بالنفائس، فهي تضم بين أروقتها وخزائنها من الكتب الإسلامية ما يربو على المائة ألف كتاب باللغات الشرقية، العربية، والفارسية، والتركية، والاردية، وسائر اللغات الناطقة بها في المنطقة، وقد بلغ عدد مجلداتها المخطوطة - فقط - حوالي 12 ألف مجلد أضف الى ذلك الآثار القديمة الثمينة، كما أن فهرست كتبها في أكثر من عشرين مجلدا.

[ 116 ]

مدينة اگره: هي مدينة كبيرة من مدن الهند الشمالية، تقع على الساحل الغربي من بحيرة " جمنا "، وتبعد حوالي مائتي كيلومتر عن دهلي، أسسها أكبر شاه، أحد امراء المغول، واتخذها عاصمة لملكه. يبلغ عدد سكانها حوالي المليون نسمة، وتمتاز هذه المدينة بآثارها القديمة التي تعد من عجائب الدنيا، ومن أعظم الاثار الإسلامية في العالم مقبرة " تاج محل "، وقلعة أكبر شاه، وجامعه، وفيها مرقد البطل المجاهد، شهيد العلم والدين العلامة القاضي نور الله المرعشي التستري، مولف كتاب " إحقاق الحق ". مدينة رامپور: مدينة واسعة تقع شمال غربي الهند تبعد عن دهلي 180 كيلو مترا، وكانت عاصمة لدولة صاحب العظمة السيد محمد حامد علي خان نواب رامپور، وفيها عدة مدارس، ومكتبات عامة وجوامع، وهي تمتاز على كثير من بلاد الهند باعتدال هوائها ونظافة شوارعها وازقتها، نزلنا ضيوفا على أميرها السيد رضا علي خان، وكان يحترم سماحه الشيخ الوالد، سار بنا ليلة بسيارته الخاصة التي كان يسوقها بنفسه الى الحسينية التي شيدها فأرانا ما بها من الآثار القيمة، وذخائرها النفيسة، واثاثها.. ؟ ومن أبرز مظاهر هذه المدينة الثقافية مكتبتها العامة التي أسسها المرحوم الأمير السيد محمد حامد علي خان واشاد مجدها، وهي الآن معروفة باسمه. مكتبة الرضا العامة: في وسط القلعة العظيمة الكائنة في قلب البلد تقع عمارة المكتبة العامرة الجليلة تحف بها ساحة واسعة مزدانة بأجمل الأزهار وأعلى الأشجار، وهي من الروعة والجمال والفن المعماري بحيث يعجز الانسان عن وصفها، وفي خزائنها عدد

[ 117 ]

كبير من نفائس المخطوطات والمصاحف الأثرية، والكتب القيمة في العلوم والفنون، باللغات الشرقية، والغربية، وتبلغ كتبها أكثر من خمسة وثلاثين ألف مجلد، وتستقبل مراجعيها يوميا، للمطالعة والاستفادة منها. وتحتوي بناية المكتبة على عدة قاعات واسعة للمطالعة، ومخازن محكمة وجميلة لحفظ الكتب، وخلفها قاعة اجتماعات جليلة عظيمة تبهر الناظر، لجمال هندستها، وروعة زخرفها، وفيها الآثار النفيسة القديمة. وبعد أن واصلنا سفرنا في الهند وزرنا پاتنا، ولكهنو، ثم بومبي، وبعدها الى حيدر آباد، كما قال الشاعر: مددنا الى التوديع كفا ضعيفة * واخرى على الرمضاء فوق فؤادي فلا كان ذاك العهد آخر عهدنا * ولا كان ذا التوديع آخر زادي هذا ما كان في العدد الثاني من صحيفة المكتبة. مدينة پتنه: مدينة پتنه تقع على يمين ساحل بحر " كنك " في مقاطعة البنغال - مركز بهار، يناهز نفوسها حوالي الثلاثمائة الف نسمة، فيها جوامع إسلامية، ومعابد لمختلف الطوائف والملل والنحل - مدينة صناعية، شوارعها فسيحة متناسقة وساحاتها واسعة، وهي عامرة بالمدارس، وفيها جامعة عظيمة تحتوي على عدة كليات منها: الطب، والصيدلة، والهندسة، والجغرافيا، والتأريخ، والأدب، والحقوق، والصناعة، والتجارة.. العلوم الطبيعية، وغيرها. تخرج عدد لا يستهان به من كلياتها، تفوق غيرها بالحركة الثقافية الإسلامية، فيها نخبة من الاساتذة البارعين باللغتين: العربية والفارسية، وقد انشئت فيها مؤسسة تحقيقات باللغتين العربية والفارسية. وفي اليوم الثاني زرنا مكتبة خدا بخش.

[ 118 ]

مكتبة خدا بخش: في هذه المكتبة كتب قيمة، وآثار نفيسة، تمتاز على جميع المكتبات التي زرناها في الهند، فيها خطوط المؤلفين، والحفاظ، وأئمة الحديث، والتأريخ. تزدان بلدة پتنة بهذه المكتبة العامرة المفعمة بنفائس الكتب الخطية، والآثار القيمة مما يعجز الانسان عن وصفه. تحتوي هذه المكتبة ما يربو على خمسين ألف مجلد من الكتب المطبوعة والمخطوطة في شتى العلوم، ومختلف اللغات، العربية، والفارسية، والأردية، والفرنسية، والانجليزية، والهندية - السانسكريتية، وغيرها. وقد خصصت الحكومة الهندية ميزانية ضخمة لادارتها، كما جهزتها بأحدث آلات التصوير، وأجهزة فنية لقراءة الأفلام الفنية. وتشمل المكتبة، جناحا خاصا لحفظ المخطوطات الأثرية القديمة، وبعض النقود القديمة النادرة، والآلات الحربية، وأدوات الإسطرلاب، والأواني الخزفية القديمة الجميلة، والصور الزيتية، ومعظمها من الاثار القديمة الغالية، وقد وضعت في معارض زجاجية، وفيها كمية من المصاحف المذهبة، والدواوين، والكتب المذهبة والمطرزة، وبخطوط جميلة معروضة، حتى يخيل للمشاهد أنه في متحف عريق. عودة على بدء غادرنا پثتة في 15 ذي القعدة 1380 الى لكهنو، ومن ثم الى بمبي في سفرة متنقلة استغرقت اثني عشر يوما، وبعد اسبوع في بمبي اتجهنا الى حيدر آباد بالطائرة. مقاطعة حيدر آباد دكن الإسلامية: تبعد عن بمبي حوالي 752 كم، وهي مدينة واسعة جميلة - كانت عاصمة لمملكة دكن.

[ 119 ]

طلقة الهواء، بديعة المنظر بشوارعها الوسيعة المنسقة، وحدائقها الجميلة، وجبالها الشاهقة، ومصانعها الكثيرة المهمة. تمتاز هذه المدينة بمظاهرها الإسلامية الدينية وجامعتها العلمية، ومؤسساتها الخيرية، ومكتباتها العامة، ومدارسها الهامة، ومعاهدها المتنوعة. انشئت الجامعة العثمانية عام 1919 م، وقام ببناء مجدها الأمير عثمان علي خان، وصرف عليها ثروة طائلة، وقد شيدت على مقاطعة واسعة من أراضيه ما يقارب أربعين بناية كبيرة شاهقة، تخص كل واحدة منها بكلية لدراسة علم معين، كالطب، والصيدلة، والحقوق، والهندسة، والحساب، والزراعة، والتجارة، والصناعة ولكل كلية شعبة أو أكثر، على غرار النظام العالمي للجامعات، واثثت كلها بأفخر الاثاث والرياش، ولكل كلية مكتبتها الخاصة وأدواتها المختبرية وآلاتها وما تحتاج إليه والى جانبها بناية مكتبة الجامعة اسست مع الجامعة واشتهرت باسمها، وسرعان ما خطت خطوات واسعة في التقدم، حتى بلغت عدة ما تحويه من الكتب أكثر من مائة واثني عشر ألف مجلدا، في شتى العلوم، والفنون، وبلغات متعددة، العربية، الفارسية، الهندية، الاردية، التركية، الانجليزية، الفرنسية، السانسكريتية والجرمنية.. الى غيرها من اللغات الصينية وغيرها. وفيها أيضا كمية كبرة تناهز الستة آلاف مجلدا من روائع الآثار الإسلامية المخطوطة بشتى اللغات، وفيها قسم كبير من المصاحف الكريمة، وكتب الحديث، والتفسير، والتأريخ، بخطوط مشاهير الخطاطين، معروضة في معارض زجاجية، أمام كل وافد وسائح. وقد دعم هذه المكتبة، رجال الخير والصلاح، وبذلوا دون توطيدها الغالي والنفيس، ووقفوا مكتباتهم الخاصة عليها، بلغت أكثر من خمسين ألف مجلد خطي ومطبوع.

[ 120 ]

المكتبة الآصفية العامة: وهذه المكتبة هي واحدة من المكتبات العامة العامرة بالهند، وخزائنها المشحونة بالنوادر الخطية، وتحتوي على مائة وخمسة وعشرين ألف مجلد من مختلف العلوم والفنون، وبعدة لغات، ومن بين هذه الكتب الأثرية الخطية أكثر من ستة عشر ألف وخمسمائة مجلد من كتب الحديث والفقه، والتأريخ باللغات العربية، والفارسية، والتركية، والأردية، منها عدة نسخ ثمينة قيمة بخط الحفاظ والعلماء والخطاطين المشهورين، وفيها نسخ من القرآن الكريم بخط أبي الدر ياقوت المستعصمي في سنة احدى وستين وستمائة 661 ه‍. مكتبة سالار جنك ومتحفه: مكتبة عامرة ثمينة من المكتبات الأثرية، والمخازن الجامعة الخالدة، عظيمة البناية فخمة شامخة، تحوي مجموعة واسعة من الكتب المطبوعة والمخطوطة، يبلغ عدد مطبوعاتها ما يناهز الاثنى وخمسين ألف مجلد، ومخطوطاتها تربو على سبعة آلاف وتنقسم كتبها إلى صنوف شتى باللغات العربية، والفارسية والانجليزية والاردية، والتركية. وهناك غرفة واسعة خصصت لعرض خطوط أشهر الخطاطين، وبعض الآثار العتيقة النفيسة، ومن بينها رداءان كتب على كل منهما المصحف الكريم برمته. تلي بناية المكتبة بناية واسعة مجللة ضخمة اتخذت متحفا للمجموعة الأثرية الخالدة الثمينة مما تركه المرحوم النواب سالار جنك من الأحجار الكريمة والمعلقات والحلي من مصوغ المعدنيات، وأدوات الكتابة، والتماثيل المتنوعة المنحوتة من أجمل الأحجار، والمصنوعات القديمة التي يبهر الناظر جمال صنعها، وبهاء نضرتها، وقد صنعت على الخشب، والخزف، والنحاس، والفلز، والفولاذ، وفيها كمية من الأسلحة والأردية الحربية رصع بعضها بأثمن الأحجار.

[ 121 ]

وهذه كلها عرضت على الوافدين في معارض بديعة الشكل منسقة تنسيقا رائعا، ولا يخلو أكثر المعارض من المصاحف القديمة الأثرية وكتب الحديث والدعاء، وبعض الدواوين الشعرية، واللوحات الثمينة بخطوط أشهر الخطاطين المكتوبة في القرون الخالية. دائرة المعارف الإسلامية: وهي من مظاهر الحركة العلمية الإسلامية في [ حيدر آباد ]. مؤسسة كبرى علمية إسلامية، قام بانشائها النواب عماد الدين وثلة من رجال الخير، ولم تك غايتهم المنشودة منها إلا الإحياء للتراث الإسلامي الدفين، ونشر النسخ النادرة، وطبع آثار السلف ومآثرهم القيمة، وإبقاء ذكرهم بذلك في التأريخ، وتعميم فوائد أتحفتها يد التأليف الملأ العلمي في القرون الخالية، وأي خدمة رابية للعلم وأهله أربى وأفضل من هذه ؟ لم يكد يمضي على تأسيس هذا المشروع القيم إلا اعوام يسيرة حتى فاق غيره من المجامع ودور النشر في البلدان الشرقية بنشره الكنوز الإسلامية المتروكة في زاوية البلى، وكانت هذه أصدق وأعظم خدمة من دائرة المعارف للعالم الإسلامي والمجتمع الديني، وقد خلدت بذلك أثرا خالدا في التأريخ تذكر مع الأبد، وتشكر. لم تقتصر هذه المؤسسة على جانب خاص من العلوم، بل استطاعت أن تخوض ميادين مختلف العلوم والفنون، لطول باع المشرفين على إدارتها، فاتحفت الامة المسلمة بنشر الكتب والمعاجم الفخمة المؤلفة في الحديث والفقه والفلسفة والنجوم والطب والتأريخ والرجال والأدب إلى أمثالها مما يتعلق بالطبيعيات وغيرها من العلوم والفنون. وأنفس ما نشرته:

[ 122 ]

الجرح والتعديل - الحافظ ابن أبي حاتم الرازي، المتوفى 237 = 10 المستدرك على الصحيحين - الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، المتوفى 405: 4 السنن الكبرى الحافظ أبو بكر البيهقي، المتوفى 408: 10 شرح السير الكبير - الحافظ محمد بن أحمد السرخسي، المتوفى 483: 4 الجمع بين رجال الصحيحين - الحافظ محمد بن طاهر المقدسي، المتوفى 507: 2 صفة الصفوة - الحافظ عبد الرحمن ابن الجوزي، المتوفى 597: 4 المنتظم - الحافظ عبد الرحمن ابن الجوزي، المتوفى 597: 6 الدرر الكامنة - الحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى 852: 4 تذكرة الحفاظ - أبو عبد الله الذهبي، المتوفى 748: 4 تهذيب التهذيب - الحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى 852: 12 لسان الميزان - الحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى 852: 6 مفتاح السعادة - طاش كبرى زاده، المتوفى 962: 3 كنز العمال - علاء الدين المتقي الهندي، المتوفى 975: 8 إلى عشرات وعشرات أمثالها من منابع العلوم، والاصول القديمة والمصادر النفيسة، وهي لا زالت تثابر عملها الخالد المبرور، وجهودها الجبارة، حتى اليوم بكل رغبة ونشاط وسعي واجتهاد، باشراف هيئة من ذوي العلم والفضل والأدب. وقد وقفنا عليها عن كثب، واطلعنا على جميع شؤونها، ورأينا من رجالها الأفذاذ حسن اللقاء، وطلاقة المحيا، واقتنى سماحة شيخنا الأكبر الأميني كل ما كان يوجد من مطبوعاتها لمكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتمت هذه العملية المباركة بهمة الدكتور الشريف مير مهدي علي، وله في ذلك فضل لا ينسى وشكر متواصل غير مجذوذ. احتفاء باعظم شخصية علمية عقدت الجمعيات الدينية بحيدر آباد حفل تعارف وحفاوة وتكريم

[ 123 ]

لشخصية بارزة عالميه، هو رجل العلم والدين، شيخنا الأكبر الأميني، دعت إليه الشخصيات الإسلامية الكبيرة من مختلف الطوائف والأقوام والطبقات، وأعلنت عن ذلك بمنشور وزع في أنحاء المدينة. في الساعة الثامنة من مساء اليوم السابع من ذي الحجة ازدحم جامع بيت القائم، ذلك الجامع العظيم الواقع في قلب البلد، بالشخصيات الإسلامية البارزة من الخطباء والاساتذة والدكاترة وغيرهم، وبعد أن افتتح الحفل فضيلة الاستاذ الشريف السيد عباس شاه المنصوري بتلاوة آي من الذكر الحكيم، وتفسير موجز لتلكم الآيات الكريمة، وبعد إلقاء عدة كلمات من قبل العلماء والباحثين. تقدم الوجيه الشهم الشريف السيد مجتبى أحمد عميد الجمعيات الدينية، وشكر شيخنا الحبر العلم الأميني، ورحب بمقدمه الشريف، وأنثى عليه، وختم الحفل بالدعاء له وللحضور وللمسلمين كافة بالسعادة والنصر والعز والرقي تحت راية الوحدة والتوحيد. علمت تلكم الجمعيات بعد أيام قليلة عزيمة شيخنا الحجة مغادرة حيدر آباد إلى بمبي، فأعلنتها بنشرة دعت بها أهلها للاجتماع لتوديع ضيفهم الكريم. عودة على بدء جولة في معظم مكتبات الهند نذكر شطرا من مطالعاته واستنساخه للكتب النادرة في مكتبات: عليگره، لكهنو، حيدر آباد، رامپور، پتنة، وغيرها. أقول: ساقه عزمه الراسخ عام 1380 ه‍ للرحلة إلى الديار الهندية، للاطلاع عن كثب على ما تضمه مكتباتها الضخمة من المآثر الإسلامية، والآثار الفكرية، فقضى بها أربعة أشهر متجولا في تلك القارة يقضي بين خزائنها العلمية ليله ونهاره، باحثا وراء ضالته المنشودة، ليتخذ منها مصادر لما تبقى من أجزاء كتابه " الغدير "، ففي تلك المدة القصيرة سبر بتمحيص وتدقيق كل مخطوط تحويه:

[ 124 ]

LIBRARY THE ASIATIC SOCIETY OF BOMBAY مكتبة الناصرية العامة (مكتبة آل صاحب العبقات) لكهنو مكتبة الحسينية (مكتبة راجه محمود آباد) لكهنو مكتبة مدرسة الواعظين لكهنو مكتبة سلطان المدارس لكهنو مكتبة ممتاز العلماء لكهنو مكتبة مدرسة فرنگي محل لكهنو مكتبة مدرسة ندوة العلماء لكهنو مكتبة أمير الدولة (پراونشل لابريري) لكهنو مكتبة أبو الكلام آزاد (المكتبة المركزية لجامعة عليگره) عليگره مكتبة الرضا العامة رامپور مكتبة خدا بخش العامة پتنه مكتبة الجامعة العثمانية حيدر آباد مكتبة الآصفية العامة حيدر آباد مكتبة سالار جنگ العامة حيدر آباد مكتبة دائرة المعارف الإسلامية حيدر آباد وجند كل طاقاته، وبذل قصارى جهده في هذه الجولة المباركة حتى استطاع أن يقف على طائفة كبيرة من مآثر السلف، غير مكترث بما تؤول إليه صحته، فكان لا يبرح من مغادرة المكتبات ومفارقة كتبها إلا عند انتهاء آخر لحظة من أوقات عملها، وإذا عاد إلى مسكنه عكف على مطالعة الكتب التي كان قد جلبها من تلك المؤسسات العلمية، حيث سمحت له بذلك تقديرا لجهوده، وتكريما لجهاده، واعترافا بمكانته ومنزلته. وبمثل هذا التفاني - دون التزود من تلك المناهل الفكرية، والآثار العلمية - تسنى له أن يقتني لنفسه بعض المصادر الإسلامية التي وقف عليها باستنساخ جميع

[ 125 ]

صحائفها وهي: 1 - مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)، للفقيه علي بن محمد الجلابي الشهير بابن المغازلي، المتوفى 483 ه‍ 2 - مفتاح النجا في مناقب آل العبا، لميرزا محمد بن رستم معتمد خان الحارثي البدخشي. 3 - تحفة المحبين، لميرزا محمد الحارثي البدخشي - أيضا - 4 - الصراط السوي في مناقب آل النبي، للسيد محمود الشيخاني القادري المدني، من علماء القرن العاشر. 5 - أصول الإيمان للمولى محمد سالم الدهلوي البخاري. 6 - الإشارة في السيرة النبوية، لعلاء الدين مغلطاي بن قليچ، المتوفى 762 ه‍. 7 - تلخيص الموافقة، لجار الله محمود بن عمر الزمخشري، المتوفى 538 ه‍ 8 - مفتاح الهداية، لفتح الله محمد بن عيسى بن قاسم السندي. 9 - روضة الفردوس، لعلي بن شهاب الدين الهمداني، المتوفى 786 ه‍. أما المصادر المخطوطة الأخرى التي ظفر بها خلال استقصائه في تلك المراكز العلمية، وقام بمطالعتها من البدء حتى الختام، فقد انتخب من كل واحدة منها فرائد وفوائد مما يرتبط ببحث موسوعته في الاجزاء التاليه، وأودع تلك الغرر والدرر في مجموعة مستقلة أسماها: " ثمرات الأسفار إلى الأقطار "، وهو الجزء الأول لهذا الكتاب الثمين، يقع في 415 صفحة بالقطع الكبير، جاء في أوله ما لفظه: " الحمد لله على ما أنعم، والصلاة والسلام على نبينا الأعظم، وعلى آله المطهرين بالكتاب المكرم. قال الأميني عبد الحسين أحمد النجفي صاحب كتاب " الغدير " السائر الدائر: أتيحت لي الرحلة في سنة 1380 ه‍ إلى الديار الهندية، فأقمت بها أربعة أشهر، وزرت مكتباتها الإسلامية العامة العامرة، المكتظة بالنوادر والنفائس من التراث العلمي الإسلامي، واقطفت من ثمارها الشهية، وجمعت من علمها الناجع

[ 126 ]

لدى مطالعاتي هذه الكراريس، وألفت هذه المجموعة من شوارد ما وقفت عليه في غضون تلكم الكتب القيمة، وهذه قائمة ما طالعناه واتخذناه كمصدر لبقية أجزاء كتابنا " الغدير " من الجزء الثاني عشر، وهلم جرا ". وأما ما وقف عليه (قدس سره) في تلك الخزائن العامرة فهي: 1 - الآثار: تأليف محمد بن الحسن الشيباني الحنفي، المتوفى 189 ه‍. 2 - إتحاف إخوان الصفا: تأليف أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي، المتوفى 973. 3 - إتحاف الورى بأخبار أم القرى: تأليف عمر بن محمد بن فهد المكي، المتوفى 885 ه‍. 4 - الأربعون عن الأربعين: تأليف أحمد بن سهيل بن أحمد الحنبلي القادري. 5 - الأربعون الزاهرة: تأليف محمد بن محمد الجزري. 6 - الأربعون عن الأربعين: تأليف يوسف بن حاتم الفقيه الشافعي. 7 - الأربعون المتباينة: تأليف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. 8 - الأربعون الودعانية: تأليف الحافظ أحمد بن محمد السلفي الأصفهاني. 9 - الأسماء والصفات: تأليف الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفى 458 ه‍. 10 - استجلاب ارتقاء الغرف: تأليف الحافظ شمس الدين محمد السخاوي، المتوفى 902 ه‍. 11 - أعلام النبوة: تأليف الإمام علي بن محمد الماوردي، المتوفى 450 ه‍. 12 - الإكمال في مشتبه الأنساب والرجال: تأليف الحافظ علي بن هبة الله، الشهير بابن ماكولا. 13 - أنس المنقطعين: تأليف معافا بن إسماعيل الشيباني، المتوفى 630 ه‍. 14 - الأنوار المضية: تأليف الإمام يحيى بن حمزة اليمني، المتوفى 749 ه‍. 15 - البرهان في متشابه القرآن: تأليف الإمام محمد بن حمزة الكرماني، المتوفى بعد 500 ه‍. 16 - بهجة الأدب ومهجة الأرب: تأليف جمع من أعلام الهند الفطاحل.

[ 127 ]

17 - تجريد الكشاف: تأليف علي بن محمد بن القاسم، المتوفى 837 ه‍. 18 - تحفة الأحبا: تأليف عطاء الله بن فضل الله الحسيني الشيرازي الهروي. 19 - التحفة المرسلة إلى دار الإيمان: تأليف محمود بن محمد الشيخاني القادري الشافعي. 20 - تخريج أحاديث الكشاف: تأليف عبد الله بن يوسف الزيعلي الحنفي، المتوفى 762 ه‍. 21 - تخريج الأحاديث الواقعة في المنهاج: تأليف الحافظ زين الدين عبد الرحيم ابن الحسين العراقي. 22 - تذكرة الأصفياء في تصفية الأحياء: تأليف عبد الحق بن فضل الله البنارسي. 23 - تسديد القوس في ترتيب مسند الفردوس: تأليف الحافظ أحمد بن محمد بن حجر الهيثمي. 24 - التعرف في علم التصوف: تأليف محمد بن إبراهيم الكلاباذي البخاري، المتوفى 384 - 388 ه‍. 25 - تفسير القرآن العظيم: تأليف فخر الدين بن علي الحداد الزبيدي، المتوفى 800 ه‍. 26 - تفسير القرآن الكريم: تأليف سفيان بن سعيد الثوري، المتوفى 161 ه‍. 27 - تفسير القرآن الكريم: تأليف الإمام أبي الليث نصر بن إبراهيم السمرقندي، المتوفى 363 ه‍. 28 - تفسير القران الكريم: تأليف علي بن ناصر المكي الشافعي. 29 - التفسر الملتقط: تأليف محمد گيسودراز. 30 - تلخيص البيان: تأليف علي بن حسام الدين المتقي الهندي، المتوفى 975 ه‍. 31 - تنبيه الغافلين: تأليف الإمام أبي الليث السمرقندي، المتوفى 363 ه‍. 32 - التهذيب في التفسير: تأليف الإمام محسن بن كرامة البيهقي. 33 - جامع البيان في تفسير القرآن: تأليف معين بن صفي.

[ 128 ]

34 - الجمع بين الصحيحين: تأليف الحافظ محمد بن أبي نصر. 35 - الحرز الثمين في شرح الحصن الحصين: تأليف المولى علي بن سلطان محمد القاري الهروي. 36 - الحصن الحصين: تأليف محمد بن محمد الجزري الشافعي، المتوفى 833 ه‍. 37 - خلاصة السير: تأليف الإمام يحيى بن حمزة اليمني المتوفى 749 ه‍. 38 - الخير الجاري شرح صحيح البخاري: تأليف محمد بن يعقوب البناني، المتوفى 1098 ه‍. 39 - الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة: تأليف جلال الدين عبد الرحمن السيوطي. 40 - ذخيرة المآل في شرح عقد اللآل: تأليف أحمد بن عبد القادر بن بكري العجيلي. 41 - روضة العلماء: تأليف الحسن بن يحيى البخاري. 42 - زوائد مسند البزار على مسند أحمد والكتب الستة: تأليف الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. 43 - سداد الدين في إثبات النجاة والدرجات للوالدين: تأليف السيد محمد البرزنجي. 44 - سير السلف: تأليف الإمام إسماعيل بن محمد بن الفضل الطلحي، المتوفى 535 ه‍. 45 - شرح أسماء النبي: تأليف ابن دحية عمر بن حسين الحسيني الكوفي، المتوفى 634 ه‍. 46 - شرح الألفية (فتح المغيث): تأليف الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي، المتوفى 806 ه‍. 47 - شرح غريب الحديث: تأليف علي بن يوسف التوقاني. 48 - الصلاة على النبي وما يلتحق بها: تأليف محمود بن محمد بن إبراهيم بن جملة الشافعي.

[ 129 ]

49 - العقد النبوي والسر المصطفوي: تأليف شيخ بن عبد الله العيدروسي باعلوي. 50 - علل الحديث: تأليف الحافظ علي بن عمر الدارقطني البغدادي، المتوفى 385 ه‍. 51 - غريب الحديث: تأليف الحافظ أبي عبيد القاسم بن سلام، المتوفى 223 / 224 ه‍. 52 - فردوس الأخبار: تأليف شيرويه بن شهردار الديلمي، المتوفى 509 ه‍. 53 - الفصول الستة: تأليف محمد بن محمد البخاري. 54 - الفوائد الجليلة في مسلسلات عقيلة: تأليف محمد بن أحمد بن سعيد المعروف والده بعقيلة. 55 - قانون الموضوعات: تأليف محمد بن طاهر بن علي الفتني، المتوفى 986 ه‍. 56 - الكاف الشاف من تخريج أحاديث الكشاف: تأليف الحافظ أحمد بن علي ابن حجر القاهري، المتوفى 852 ه‍. 57 - كتاب التأريخ: تأليف الحافظ محمد بن حبان التميمي البستي. 58 - الكشف والبيان في تفسير القرآن: تأليف أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، المتوفى 427 ه‍. 59 - الكواكب الدراري في شرح البخاري: تأليف محمد بن يوسف بن علي الكرماني. 60 - الكوكب الدري المستخرج من كلام النبي العربي: تأليف محمد بن عبد الرحمن العلقمي المصري. 61 - المجتنى من السنن المأثورة: تأليف الحافظ علي بن عمر الدار قطني. 62 - المراتب في فضائل علي بن أبي طالب: إملاء إسماعيل بن أحمد البستي. 63 - مسالك الأبرار: أمالي المحسن بن محمد الجشمي البيهقي الخراساني. 64 - مسند أبي يعلى: الموصلي. 65 - مسند زيد بن علي: تأليف عبد العزيز بن إسحاق. 66 - مسند الصنعاني: تأليف الحافظ عبد الرزاق الصنعاني، المتوفى 211 ه‍. 67 - مسند فردوس الأخبار: تأليف الحافظ شهردار بن شيرويه الديلمي. 68 - مشارق الأنوار النبوية: تأليف الإمام الحسن بن محمد الصغاني أو الصنعاني.

[ 130 ]

69 - مشيخة ابن البخاري: تأليف علي بن أحمد المقدسي. 70 - المصباح المضي في كتاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): تأليف الإمام محمد بن علي الأنصاري الخزرجي. 71 - المصنف: تأليف الحافظ أبي بكر بن أبي شيبة، المتوفى 235 ه‍. 72 - المصنوع في الحديث الموضوع: تأليف علي بن سلطان محمد القاري. 73 - معارج العلي في مناقب المرتضى: تأليف محمد صدر العالم. 74 - معاني الأخبار: تأليف الإمام محمد بن إبراهيم الكلاباذي، المتوفى 380 ه‍. 75 - المفاتيح في شرح مصابيح السنة: تأليف الحسين بن محمود بن الحسن الزيداني. 76 - منازل العباد: تأليف محمد بن علي الترمذي الحكيم. 77 - مناقب الخلفاء: تأليف الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي. 78 - منتهى الكلام في تفسير كتاب الله الحي القيوم: تأليف الإمام عبد الرحمن. 79 - منهج العمال في سنن الأقوال: تأليف علي بن حسام الدين المتقي الهندي. 80 - نجوم المشكاة: تأليف محمد صديق بن شريف. 81 - نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر: تأليف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى 852 ه‍. 82 - نزهة الأبرار في الاسامي ومناقب الأخيار: تأليف الإمام عمر بن عبد المحسن الكافي الارزنجاني. 83 - النكت والعيون: تأليف علي بن محمد البصري الشافعي، المتوفى 450 ه‍. 84 - نهاية السؤول في مناقب ريحانة الرسول: تأليف عبد الوهاب بن محمد غوث الشافعي. 85 - النوادر: تأليف أحمد شاه ولي الله الدهلوي. 86 - الوسيط بين المقبوض والبسيط: تأليف علي بن أحمد الواحدي النيشابوري. وبالرغم من توصيات الاطباء، الذين كانوا يحرصون على سلامة شيخنا الوالد، ومنعهم إياه من إلقاء المحاضرات، ومحاولتهم - قبل سفره - إلزامه تجنب

[ 131 ]

طول البحث والكلام والمواظبة التامة على صحته العامة، وعدم إجهاد نفسه في الكتابة والمطالعة، إلا أنه إلى جانب عمله المضني، وسهره في المطالعة والكتابة وجد نفسه أمام مسؤولية دينية كبيرة في تلك القارة، تلزمه تسنم منبر الخطابة للوعظ والارشاد وتوجيه المسلمين ودعوتهم للتمسك بكتابهم المقدس القرآن الكريم، والسير وراء سننهم الدينية، وما جاء به النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم). ونظرا لانحراف صحته اقتصر بالحضور على مجالس عديدة، عقدت للاستماع إلى أحاديثه الشيقة، ومحاضراته البليغة، ومواعظه الحسنة الصادرة من القلب، وقد حضر في كل منها جمهور غفير من مختلف الفئات، وشتى الطبقات، يتجاوز عددهم عشرة آلاف، وكان يلقي في كل من تلك المشاهد والمحافل - وكانت تستغرق زهاء ساعتين - محاضرات دينية تحوي بحوثا عالية، ونصائح غالية، وارشادات ثمينة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، تتميز بالدعوة إلى توحيد الكلمة ووحدة الصف تحت لواء الولاية الكبرى التي أمر بها المولى في كتابه، ونص عليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبه وأحاديثه، واعتذر عن تلبية طلبات كثيرة في الأمر ذاته وجهت إليه من شتى أنحاء الجمهورية الهندية، وذلك لما كان يتطلبه هدفه السامي وغرضه النبيل في المطالعة من الوقت الكثير. خاتمة المطاف اعتزمنا الأوبة إلى وطننا العزيز، عاصمة العلم والدين - النجف الأشرف - مشهد سيد المسلمين، صنوا النبي الأعظم، أمير المؤمنين، ومرتكز خلافته، في الساعة السابعة بعد ظهر يوم 19 ذي الحجة، فغادرنا بمبي بطائرات الخطوط الجوية الايطالية إلى كراچي، ومنها - بعد استراحة ساعة - إلى طهران، ومنها - بعد وقفة سويعات - إلى بغداد، وفي الساعة التاسعة من صباح يوم 20 ذي الحجة، هبطنا مطار بغداد وتمت السفرة المباركة أربعة أشهر. كان هذا عرضا موجزا لرحلة شيخنا الأكبر، شيخ الفقاهة والتأليف،

[ 132 ]

المجاهد الأميني في الديار الهندية، للوقوف على كنوزها الإسلامية القيمة ومكتباتها العامه العامرة المشحونة بالنفائس والآثار القديمة، وقد اقتصرنا منها على هذا الوجيز اليسير، آملين أن يتاح لنا في المستقبل العاجل نشر تفاصيلها بصورة واسعة يتمتع بأبحاثها المختلفة رجال العلم والدين، ورواد الثقافة والفضيلة، والله ولي التوفيق. رضا الأميني هذا ملخص ما ذكره حجة الإسلام الشيخ محمد رضا الأميني من وقائع سفرة سماحة شيخنا العلامة الأميني إلى الهند التي دامت أربعة اشهر ابتداء من يوم 24 شعبان المعظم الى يوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام سنة 1380 ه‍، وللمزيد يمكن مراجعة صفحات مجلة المكتبة الثلاثة. سفره إلى سوريا وما أن حل ربيع عام 1384 ه‍ حتى عزم شيخنا الوالد على السفر إلى الجمهورية العربية السورية، للوقوف على ما في مكتباتها الأثرية من تراث السلف من الصحاح والمسانيد والأصول القديمة في التفسير، والحديث، والآراء والمعتقدات التي كان يسمع بها ردحا من الزمن. فسافر إلى تلك الدول الإسلامية، وقضى في ربوعها أربعة أشهر، وقف خلالها على ما تضمه خزائن صروحها العلمية، واطلع عن كثب على ثروة فكرية كبيرة يحق للعالم الإسلامي أن يفخر بها، ويعتز بمثل هذا الكيان العلمي الذي قل مثيله وعدم نظيره. فأخذ يقضي جل نهاره في مطالعة تلك الكنوز الفكرية، وينتهل من ينابيع علومها الإسلامية، فسبر بدقة غوره، ومحص مدة اقامته في دمشق وحلب مخطوطات: دار الكتب الوطنية الظاهرية في دمشق.

[ 133 ]

ومكتبة مجمع اللغة العربية بدمشق. ومكتبة الأوقاف (الأحمدية) بحلب. والمكتبة الوطنية في حلب. واطلع في هذه المراكز الثقافية على أهم مصادر بحثه، أكثر مما وقف عليه في مكتبات الهند، وانتقى من مخطوطات هذه المكتبات لآلئ ودررا أودعها مجلدا ضخما في 399 صفحة بالقطع الكبير، وجعلها جزءا ثانيا لكتابه " ثمرات الأسفار إلى الأقطار "، وكتب في مقدمته ما لفظه: " المجلد الثاني من كتابنا " ثمرات الأسفار إلى الأقطار ". هذا فهرست ما وقفنا عليه من الكتب والرسائل والأجزاء والفوائد والأمالي لرجالات العلم والفقه، وأئمة الحديث، والحفاظ الأجلة مما يوجد في مكتبات سوريا، وقد طالعنا هذه كلها، واتخذنا ما في هذا الفهرست من مصادر بقيه أجزاء كتابنا " الغدير "، من الجزء الثاني عشر فصاعدا. ثم وصف كل كتاب وقف عليه، وبعد ذكر مؤلفه سجل من فرائده منتخبات كان يهمه الوقوف عليها لأكمال بحوث ما تبقى من أجزاء سفره الخالد " الغدير "، وأهم الكتب التي وصفها واستفاد منها هي: 1 - الاجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة: محمد بن عبد الله الزركشي الشافعي. 2 - أجزاء الغيلانيات: محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي. 3 - أجزاء من فوائد: محمد بن عبد الرحمن المخلص. 4 - الأحاديث الألف السباعيات: زاهر بن طاهر الشحامي. 5 - أحاديث أبي الزبير عن غير جابر: عبد الله بن جعفر بن حبان الاصبهاني. 6 - الأحاديث الصحاح: محمد بن عبد الباقي الأنصاري. 7 - الأحاديث العوالي الصحاح: أحمد بن محمد الحلبي الظاهري. 8 - الأحاديث المختارة: محمد بن عبد الواحد المقدسي. 9 - الأحاديث المسلسلات: الحافظ إسماعيل بن محمد التميمي.

[ 134 ]

10 - أحاديث من حديث الطرثيثي القاضي أبي عبد الله الحسين بن نصير. 11 - أحد عشر جزءا في الفقه من حديث أبي العباس السراج الثقفي. 12 - اختصار إبراز الحكم من حديث رفع القلم: تقي الدين السبكي. 13 - الأربعون: إبراهيم الحمويني. 14 - الأربعون: الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري. 15 - الأربعون: الحافظ محمد بن الفضل الصاعدي. 16 - الأربعون حديثا عن أربعين شيخا: أحمد بن المقرب الكرخي. 17 - الأربعون حديثا في سورة الإخلاص: يوسف الارميوني الشافعي. 18 - الأربعين عن المشايخ الأربعين: المؤيد بن محمد الطوسي. 19 - الأربعون العوالي: الحافظ محمد بن محمد الجزري الشافعي. 20 - الأربعون في مناقب أمهات المؤمنين: عبد الرحمن بن محمد بن عساكر الدمشقي. 21 - الأربعون المخرجة: محمد بن يحيى بن منصور النيسابوري. 22 - أسرار ذكر الجهر والإسرار: أبي الوفاء بن أبي بكر الحسيني المقدسي. 23 - أسماء الصحابة: الحافظ محمد بن إسحاق بن مندة الاصفهاني، المتوفى 395 ه‍. 24 - أسماء الضعفاء من رواة الحديث: الحافظ محمد بن عمرو بن موسى العقيلي، المتوفى 332 ه‍. 25 - الأسماء المفردة من أسماء العلماء: أحمد بن هارون البردعي. 26 - الأسماء والصفات: أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفى 458 ه‍. 27 - أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل: الحافظ أحمد بن محمد بن حجر. 28 - إضاءة الدراري شرح صحيح البخاري: أحمد بن علي العثماني الطرابلسي. 29 - أمالي القاضي أبي يعلى ابن الفراء الحنبلي. 30 - أمالي عبد الرزاق الصنعاني. 31 - أمالي الحافظ أبي طاهر المخلص. 32 - أمالي علي بن محمد بن بشران المعدل.

[ 135 ]

33 - أمالي الحافظ علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر. 34 - أمالي محمد بن أحمد بن سمعون الواعظ. 35 - أمالي علي بن عمر السكري الحربي الختلي. 36 - أمالي علي بن عمر بن محمد القزويني. 37 - أمالي القاضي الحسين بن هارون الضبي. 38 - أمالي القاضي الحسين بن إسماعيل المحاملي. 39 - أمالي محمد بن عمرو بن البحتري الرزاز. 40 - أمالي أحمد بن عطا الروذ باري الصوفي. 41 - أمالي عبد الملك بن محمد بن بشران. 42 - أمالي الحسن بن علي بن محمد الجوهري. 43 - أمالي الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل. 44 - أمالي الحافظ إسحاق بن محمد بن مندة. 45 - أمالي القاضي محمد بن علي بن أحمد بن الكتاني. 46 - أمالي عبد الرحمن بن عبيد الله السمسار. 47 - أمالي عبد الله بن محمد بن هزار مرد الصريفيني. 48 - أمالي الحسن بن محمد بن الحسن الخلال. 49 - أمالي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الذكوان المعدل. 50 - أمالي علي بن يحيى بن جعفر بن عبد كوته. 51 - أمالي عمر بن أحمد بن شاهين. 52 - أمالي أحمد بن محمد العنبري الملحمي. 53 - أمالي الحافظ يحيى بن محمد بن صاعد. 54 - أمالي عثمان بن السماك. 55 - أمالي هبة الله بن محمد بن الحصين. 56 - أمالي أحمد بن محمد بن سلمة.

[ 136 ]

57 - أمالي أبي مسلم محمد بن أحمد الكاتب البغدادي. 58 - أمالي الحافظ أحمد بن موسى بن مردويه. 59 - أمالي الرئيس عيسى بن الوزير. 60 - أمالي الحسن بن علي بن إسحاق. 61 - أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب: الحافظ جلال الدين السيوطي. 62 - تاريخ الرقة ومن نزلها من الصحابة: محمد بن سعيد بن عبد الرحمن القشيري. 63 - التأريخ الكبير لمدينة دمشق: الحافظ علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي، المتوفى 571 ه‍. 64 - التجريد: الحافظ علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي. 65 - تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف: الحافظ يوسف بن زكي المزي الشافعي. 66 - التذكرة في أصول الفقه: الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، المتوفى 600 ه‍. 67 - ترجمان شعب الإيمان: أبي حفص عمر البلقيني. 68 - التصديق بالنظر إلى الله في الآخرة: محمد بن الحسين الآجري. 69 - تقييد العلم: الحافظ أحمد بن علي بن ثابت البغدادي. 70 - التمهيد في التوحيد: يوسف بن حسن بن أحمد المقدسي. 71 - جامع الأصول: المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير. 72 - جزء فيه أحاديث: انتخاب الحافظ أبي القاسم الطبراني. 73 - جزء فيه تسمية ما انتهى إليه من الرواة عن أبي نعيم الفضل بن دكين: الحافظ أبي نعيم الاصبهاني. 74 - جزء فيه ذكر ابن مندة والرواة عنه: الحسين بن عبد الملك الخلال المتوفى 532 ه‍. 75 - جزء فيه طرق حديث كعب بن عجرة في كيفية الصلاة على النبي. 76 - جزء فيه العوالي المائة من تخريج عبد الله بن محمد الصاعدي.

[ 137 ]

77 - جزء في علل الحديث ومعرفة الرجال: الإمام أحمد بن حنبل الشيباني. 78 - الجزء المعروف بألف دينار: أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي. 79 - جزء من أحاديث عبد الله بن محمد بن حيان. 80 - جزء من أحاديث عبد المؤمن الدمياطي. 81 - جزء من أحاديث عفان الصفار: تخريج الحافظ ضياء الدين المقدسي. 82 - جزء من أحاديث كتاب امارات النبوة: إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني. 83 - جزء من أحاديث مسلسلات: جمع الحافظ إسماعيل بن محمد التيمي. 84 - جزء من أمالي محمد بن علي بن عمرو النقاش. 85 - جزء من أمالي يوسف بن يعقوب الأنباري. 86 - جزء من أمالي الحافظ أبي نعيم الاصفهاني. 87 جزء من حديث العلوي الحافظ أبي عبد الله الصوري. 88 - جزء منتخب من كتاب الشعراء لأبي نعيم، رواية الحسن بن أحمد الحداد المقري. 89 - جزء من تخريج الحافظ خلف بن محمد الواسطي. 90 - جزء المنتقاة من حديث الطبراني رواية الحافظ أبي نعيم الاصفهاني. 91 - جزء من حديث هبة الله بن أحمد الأنصاري. 92 - جزء من حديث الحافظ محمد بن المظفر البغدادي. 93 - جزء من حديث الحافظ تمام بن عبد الله الرازي. 94 - جزء من حديث علي بن الحسن العبدي. 95 - جزء من حديث أحمد بن علي بن لال الفقيه. 96 - جزء من حديث الحافظ أحمد بن شعيب النسائي. 97 - جزء من حديث محمد بن مخلد العطار الدوري. 98 - جزء من حديث أبي نعيم: انتقاء أبي علي الحسن الوخشي. 99 - جزء من حديث عيسى بن سالم الشاشي.

[ 138 ]

100 - جزء من حديث محمد بن زيد الأنصاري. 101 - جزء من حديث حمزة بن القاسم الهاشمي. 102 - جزء من حديث ابن حجر من أمالي السعدي رواية الحافظ أبي بكر بن خزيمة. 103 - جزء من حديث الحافظ عبد الغني المقدسي. 104 - جزء من حديث يوسف بن يعقوب الأزرق. 105 - جزء من حديث الحوراني، تخريج تمام بن الجنيد الرازي. 106 - جزء من حديث الطبراني، رواية الحافظ أبي نعيم الاصفهاني. 107 - جزء من حديث الحافظ أبي القاسم ابن السمرقندي. 108 - جزء من حديث محمد بن القاسم بن معروف. 109 - جزء من حديث عبد الرحمن بن العباس الاطروش. 110 - جزء من حديث أبي عمر أحمد العطاردي. 111 - جزء من حديث أبي منصور محمد السواق. 112 - جزء من حديث محمد بن جعفر الأنباري بندار. 113 - جزء من حديث طالوت بن عباد الصيرفي. 114 - جزء من حديث القاسم بن موسى الأشيب. 115 - جزء من حديث عبد العزيز السهروردي المالكي. 116 - جزء من حديث عمر بن محمد بن علية الصيرفي. 117 - جزء من حديث الحافظ أحمد بن محمد السلفي. 118 - جزء من حديث الحافظ ضياء الدين محمد المقدسي. 119 - جزء من حديث أحمد بن جعفر بن محمد الختلي. 120 - جزء من حديث عفان بن مسلم الصفار. 121 - جزء من حديث محمد بن أحمد ابن الغطريف. 122 - جزء من حديث أبي حفص عمر بن زرارة.

[ 139 ]

123 - جزء من حديث محمد بن أحمد بن رزقويه. 124 - جزء من حديث يحيى بن محمد بن صاعد. 125 - جزء من حديث الحسين بن يحيى القطان. 126 - جزء من حديث أحمد بن محمد بن أحمد الهروي. 127 - جزء من حديث إسماعيل بن القاسم الحلبي. 128 - جزء من حديث القاضي عبد الله بن حنان الأزدي. 129 - جزء من حديث محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي. 130 - جزء من حديث خالد بن مرداس السراج. 131 - جزء من حديث إسماعيل بن محمد الصفار. 132 - جزء من حديث محمد بن جعفر بن محمد الأنباري. 133 - جزء من حديث الحسن بن عرفة العبدي. 134 - جزء من حديث ابن الغطريف، رواية القاضي أبي الطيب طاهر الطبري. 135 - جزء من حديث محمد بن إسحاق بن خزيمة. 136 - جزء من الزهد والرقائق: الحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي. 137 - جزء من السداسيات من حديث محمد بن الفضل الصاعدي الفراوي. 138 - جزء من عوالي حديث عبد الله بن محمد بن حيان. 139 - جزء من العوالي الصحاح من اصول يحيى بن إبراهيم بن محمد المزكي. 140 - جزء من فوائد محمد بن طلحة النعالي. 141 - جزء من فوائد محمد بن يعقوب الديباجي. 142 - جزء من فوائد عبد الله بن علي السفني الأردبيلي. 143 - جزء من فوائد الحسن بن علي بن علوية القطان. 144 - جزء من فوائد الحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي. 145 - جزء من فوائد أحمد بن يوسف النصيبي البغدادي. 146 - جزء من فوائد علي بن غنايم المالكي الخرقي.

[ 140 ]

147 - جزء من فوائد محمد بن أحمد بن الحسن الصواف. 148 - جزء من فوائد محمد بن هارون الحضرمي. 149 - جزء من الفوائد والأحاديث: أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري. 150 - جزء من فوائد المنتخبة من حديث إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي. 151 - جزء من فوائد المنتقاة العوالي: الحافظ أبي الفتح بن أبي الفوارس الزينبي. 152 - جزء من كتاب عمر بن شاهين. 153 - جزء من مجالس وأمالي طراد بن محمد بن علي الزيني. 154 - جزء من مسند الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام). 155 - جزء من النظم والنثر من حديث أبي الحسين البوشنجي. 156 - جزءان من حديث: الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان. 157 - جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد: محمد بن سليمان الفاسي المغربي. 158 - حديث عثمان بن أحمد السماك الدقاق. 159 - الدر المكنون والجمال المصون: محمد بن محمد بن محمد العامري الحسيني. 160 - الدر المنظوم من كلام المصطفى المعصوم: الحافظ مغلطاي بن قليچ البكجري، المتوفى 762 ه‍. 161 - دلائل النبوة: الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي. 162 - الرحلة في الحديث: الحافظ أحمد بن علي بن ثابت البغدادي. 163 - الرسالة الواضحة: عبد الوهاب بن عبد الواحد الأنصاري. 164 - رموز الكنوز: عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني. 165 - زاد المسير في علم التفسير: الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي. 166 - الشرح والابانة على اصول الستة والديانة: عبيد الله بن محمد العكبري، المتوفى 387 ه‍. 167 - شرف المصطفى: عبد الملك بن أبي عثمان الخركوشي.

[ 141 ]

168 - شعار أصحاب الحديث: محمد بن أحمد النيسابوري. 169 - شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح: محمد بن عبد الله بن مالك الطائي. 170 - صفات رب العالمين: محمد بن أحمد بن المحب المقدسي. 171 - صفة النفاق ونعت المنافقين: الحافظ أبو نعيم الاصفهاني. 172 - طبقات المحدثين باصبهان: عبد الله بن محمد (أبي الشيخ). 173 - عجالة الراكب في ذكر أشرف المناقب: محمد بن علاء الدين ابن الزملكاني. 174 - عروس الأجزاء: مسعود بن الحسن الثقفي. 175 - علل الحديث: الحافظ علي بن عمر الدار قطني. 176 - العلل المتناهية: الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي. 177 - عناية القاضين وكفاية الراضين: شهاب الدين الخفاجي. 178 - العوالي المستخرجة من مسند الحرث بن محمد بن اسماة. 179 - عيون التواريخ: محمد بن شاكر بن أحمد الكتبي. 180 - الفتن: حنبل بن إسحاق الشيباني. 181 - الفرج بعد الشدة: عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا. 182 - فضل الصلاة على النبي: القاضي إسماعيل بن إسحاق. 183 - فضل الصلاة على النبي: جابر بن محمد بن هاشم القرطبي. 184 - فضائل سيدة النساء فاطمة: أبو حفص عمر بن شاهين. 185 - فضائل الشام: محمد بن عبد الواحد المقدسي. 186 - فضائل الصحابة: تخريج إبراهيم بن عبد الرحمن المقدسي. 187 - فضائل الصحابة: الحافظ علي بن عمر الدار قطني. 188 - فضيلة العادلين من الولاة: الحافظ أبو نعيم الاصفهاني. 189 - فوائد إبراهيم بن محمد بن أبي ثابت. 190 - فوائد مكرم بن أحمد بن محمد القاضي.

[ 142 ]

191 - فوائد الحاكم ابي أحمد محمد النيسابوري. 192 - فوائد جعفر بن محمد بن نصير الخلدي الخواص. 193 - فوائد ابن القطان محمد بن أحمد. 194 - فوائد الرازي الحافظ تمام بن محمد الرازي. 195 - الفوائد العوالي: القاسم بن الفضل الثقفي الاصفهاني. 196 - الفوائد العوالي: أحمد بن الحسن بن خيرون المعدل. 197 - الفوائد العوالي الحسان: محمد بن أحمد الأبنوسي. 198 - الفوائد العوالي المنتقاة: أبو عبد الله الثقفي. 199 - الفوائد المنتخبة: الحافظ علي بن عمر الدارقطني. 200 - الفوائد المنتقاة: الحافظ أحمد بن محمد البرداني. 201 - الفوائد المنتقاة: محمد بن الحسن الهاشمي. 202 - الفوائد المنتقاة من رواية ابن الصلت: أحمد بن محمد السمناني. 203 - الفوائد المنتقاة الصحاح: الحسين بن محمد الحنائي. 204 - الفوائد المنتقاة عن الشيوخ الثقات: محمد بن عبد الله الدقاق. 205 - الفوائد المنتقاة عن الشيوخ العوالي: علي بن عمر السكري الختلي. 206 - الفوائد المنقاة عن الكوفيين: أبو الغنايم النرسي. 207 - الفوائد المنقاة الغرائب الحسان: محمد بن عبد الله الأبهري. 208 - الفوائد المنقاة من أمالي أحمد بن سلمان النجاد. 209 - الفوائد المنقاة من حديث عثمان بن السماك. 210 - فوائد من حديث علي بن أحمد المقري. 211 - الفيض الجاري شرح صحيح البخاري: إسماعيل بن محمد الجراحي العجلوني. 212 - قصر الأمل: عبد الله بن محمد القرشي. 213 - الكامل: الحافظ عبد الله بن عدي الجرجاني.

[ 143 ]

214 - كتاب الإيمان: محمد بن يحيى المكي البغدادي. 215 - كتاب البعث: عبد الله بن أبي داود السجستاني. 216 - كتاب تقييد العلم: الحافظ الخطيب البغدادي. 217 - كتاب التوكل على الله: عبد الله بن محمد القرشي. 218 - كتاب الجهاد: أحمد بن عمرو الشيباني. 219 - كتاب الحكايات والأخبار: القاضي أبو الحسن محمد البصري. 220 - كتاب الدعاء: يوسف بن الحسن المقدسي. 221 - كتاب الرقة: عبد الله بن أحمد المقدسي. 222 - كتاب الصمت: عبد الله بن محمد القرشي. 223 - كتاب الغرباء: محمد بن الحسين الآجري. 224 - كتاب في تحريم النرد: محمد بن الحسين الآجري. 225 - كتاب المسلسلات: الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي. 226 - كتاب المسلسلات: وعشاريات: تخريج محمد بن محمد الجزري. 227 - الكرم والجود: محمد بن الحسين البرجلاني. 228 - كنز الحق المبين: عبد الغني بن إسماعيل النابلسي. 229 - الكنى والأسماء: الحافظ مسلم القشيري صاحب الصحيح. 230 - اللباب في علوم الكتاب: عمر بن علي بن عادل الحنبلي. 231 - المجالسة: أحمد بن مروان المالكي الدينوري. 232 - المختار من مناقب الأخيار: ابن الأثير الجزري. 233 - مساوئ الأخلاق: محمد بن أحمد الخرايطي. 234 - المستخرج من الأحاديث المختارة: ضياء الدين محمد المقدسي. 235 - مسند الجوهري: علي بن الجعد الجوهري، المتوفى 230 ه‍. 236 - مسند سعد بن أبي وقاص: أحمد بن إبراهيم الدورقي. 237 - المسند الصحيح المستخرج على صحيح مسلم: الحافظ أحمد بن عبد الله

[ 144 ]

الاصفهاني. 238 - مشيخة محمد بن علي بن المهتدي بالله. 239 - مشيخة القاضي دانيال بن منكلي الكركي. 240 - مشيخة عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي. 241 - مشيخة عبد الرحمن بن محمد المقدسي. 242 - مشيخة محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي. 243 - مشيخة عبد القادر بن علي البعلبكي. 244 - مشيخة ضياء الدين محمد المقدسي. 245 - معجم الشيوخ: الحافظ علي بن الحسن بن عساكر. 246 - المعجم الكبير: الحافظ سليمان بن أحمد اللخمي الطبراني. 247 - معرفة الرجال: الحافظ يحيى بن معين البغدادي. 248 - مقتل الإمام أمير المؤمنين: عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا. 249 - المكارم وذكر الأجواد: الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني. 250 - المنتخب من فوائد الحافظ خيثمة بن سليمان الطرابلسي. 251 - المنتقى من حديث أحمد بن محمد بن إسماعيل التميمي. 252 - من تكلم فيه الدارقطني: محمد بن عبد الرحمن المقدسي. 253 - اليقين: عبد الله بن محمد القرشي. وإلى جانب هذا الجهاد العملي، والجهد المضني، لم ينقطع شيخنا الوالد (رحمه الله) عن جهاده الاجتماعي بخطبه المنبرية، وهو الخبير بأدواء امته الاجتماعية، فإنه كان يرى أن أبناء نحلته أصبحوا على مفترق الطرق، لما ظهر فيهم من دعوات مختلفة الاتجاهات، تدعو إلى الميوعة، والتحلل من الطقوس الدينية، وتسرب الفساد وانتشاره في البيئة الإسلامية، فضلا عن انتشار نزعات معادية للدين في المجتمع الإسلامي تشكك الملأ بعقيدتها، وتدفع الجمهور إلى الاباحية والفوضى. وكان يعتقد بمثل هذه الظروف أن المسؤولية الدينية تحتم عليه مكافحة تلك

[ 145 ]

التيارات إينما حل وحيثما استقر، دفاعا عن كيان الإسلام وناموسه، وحفاظا على عقيدة الامة وذاتيتها المستقلة. ويرى أنه بتسنم منبر الخطابة سيلتقي بامه من أبناء نحلته يدرسهم في خطبه التوجيهية، ومحاضراته العلمية ما يقيم بها فيهم الروح العقائدية، ويحفزهم للتمسك بشريعتهم المقدسة السمحاء، ويرشدهم إلى ما فيه سعادتهم الدينية والدنيوية. وقد تحمل دون بلوغ امنيته هذه المتاعب والعناء، غير مكترث بمغبة ذلك، معرضا بنفسه إلى مخاطر جسيمة قد تؤول إلى القضاء عليه، لحرصه الشديد على تنمية الروح الدينية وتركيز المعتقد الإسلامي وتثبيت اصوله وفروعه في النفوس كيفما تسنى له تحقيقه. لذلك فقد أقام في سفره هذا خمسة عشر يوما بحلب، تنقل في ربوعها، وألقى فيها محاضرات قيمة في شتى البحوث الإسلامية، استغرق كل واحدة منها ثلاث ساعات فأكثر، أداء لرسالته الإصلاحية، وإرشاده الديني، وخدمة لامته، وإعلاء لكلمة التوحيد، ووحدة الكلمة، وتوطيدا لعرى الاخوة الإسلامية التي دعا إليها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في ظل التمسك بولاء العترة الطاهرة صلوات الله عليهم. وقد أخذ من تلك المحاضرات أبناء الامة العربية المسلمة في تلك الربوع وأساتذتها ورجالها النبلاء دروسا عالية من علمه المتدفق، واطلاعه الواسع، وابحاثه القيمة، وايمانه الصادق، وكان أحد ثمارها الجنية كتابه الثمين " سيرتنا وسنتنا ". سفره إلى تركيا وآخر سفر من الاسفار العلمية - للمطالعة والاطلاع على المصادر القديمة - التي قام بها شيخنا الوالد (رحمه الله) كانت رحلته إلى تركيا عام 1388 ه‍ فقد وفق في سفره هذا كما في أسفاره السابقة للوقوف عن كثب على طائفة ضخمة من التراث

[ 146 ]

الفكري، واصول البحوث الإسلامية. وقد قام بهذه الجولة العلمية رغم ما كان يعاني من ألم المرض الذي حل به قبل أعوام من هذا التاريخ، إلا أنه لم يعبأ بكل ما آلت إليه صحته، فإن ولعه الشديد إلى هدفه، وولهه لاكمال رسالته الدينية، وإنهاء أثره الخالد " الغدير " كانت تحول بينه وبين كل ما من شأنه تقليص الهمة، وتثبيط العزيمة، فلم يعر أي اهتمام بالألم الذي سلب راحته واستقراره ليل نهار. حل (رحمه الله) بتركيا، وأقام في عاصمة الخلافة الإسلامية " اسلامبول " خمسة عشر يوما، ثم سافر إلى بورسة، وأقام بها عشرة أيام، وخلال هذه المدة الوجيزة بذل جهدا مريرا في مطالعة ما تحويه خزائن: 1 - مكتبة السليمانية. 2 - مكتبة طوپ قپوسراى. 3 - مكتبة جامع اياصوفيا. 4 - مكتبة كوپرلي. 5 - مكتبة جامع نور عثمانية. 6 - مكتبة حراجچي اوغلي. 7 - مكتبة اولو جامع. 8 - مكتبة حسين چلبي. 9 - مكتبة كنلون. وفي هذه المراكز العلمية، والخزائن الأثرية، اطلع على اصول في التفسير والحديث والرجال وعلم الكلام من تآليف الحفاظ، وأئمة الحديث، وأساطين العلم من السلف. ونظرا لانحراف صحته، وتغلب المرض على جسمه، وانهاكه قواه البدنية لم يسعه سبر ما وقف عليه في تلك المعاهد الثقافية بصورة مسهبة، بل أوجز في المطالعة واقتصر على تصفح كل كتاب مطالعة خاطفة، ليقف على ما في طيه من آراء وعقائد مما يرتبط ببحوث أجزاء كتابه، وأهم ما وقف عليه في تلك الفترة

[ 147 ]

الوجيزة: 1 - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم: أبو السعود بن محمد العمادي، المتوفى 982 ه‍. 2 - الارشاد في تفسير القرآن: الإمام عبد السلام عبد الرحمن بن البرجان. 3 - إعراب القرآن وبيان معانيه وتفسيره: إبراهيم بن السري الزجاج، المتوفى 355 ه‍. 4 - أعيان العصر وأعوان النصر: خليل بن ايبك الصفدي. 5 - أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى البلاذري. 6 - بحر الحقائق والمعاني: عبد الله بن محمد الأسدي (داية). 7 - تأريخ الإسلام: الحافظ شمس الدين محمد الذهبي. 8 - تبصرة الأدلة: الإمام ميمون بن محمد النسفي. 9 - التدوين في ذكر أهل العلم بقزوين: الإمام عبد الكريم بن محمد الرافعي. 10 - تذهيب التهذيب: الحافظ شمس الدين محمد الذهبي. 11 - تفسير ابن كمال: أحمد بن سليمان بن كمال الدمشقي. 12 - تفسير عين المعاني: محمد بن طيفور السجاوندي. 13 - التلخيص في التفسير: أحمد بن يوسف الكواشي الموصلي. 14 - التيسير في التفسير: عمر بن محمد النسفي. 15 - الثقات: الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البستي. 16 - جامع الأصول: مبارك بن محمد ابن الأثير الجزري. 17 - الجرح والتعديل: الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البستي. 18 - الجمع بين الصحيحين: الحافظ محمد بن فتوح الحميدي. 19 - جوامع التبيان: محمد بن عبد الرحمن الايجي. 20 - جواهر العقدين: علي بن عبد الله السمهودي. 21 - خزانة المفتين: الإمام الحسين بن محمد السمنقاني. 22 - زبدة المقال في فضائل الآل: نجم الدين محمد بن أبي طلحة.

[ 148 ]

23 - سير السلف: الحافظ إسماعيل بن محمد الطلحي. 24 - شعب الإيمان: محيي الدين محمد بن علي بن العربي. 25 - صحيح ابن حبان: الحافظ محمد بن حبان البستي. 26 - صحيح ابن خزيمة: محمد بن إسحاق النيسابوري. 27 - الضعفاء: محمد بن إسماعيل البخاري. 28 - الضعفاء: محمد بن عمرو بن موسى العقيلي. 29 - طبقات المحدثين باصبهان: الحافظ عبد الله بن محمد بن حبان. 30 - العيون والنكت: علي بن محمد البصري الماوردي. 31 - الفتن والملاحم: نعيم بن حماد الخزاعي المروزي، المتوفى 228 ه‍. 32 - الفتوح: أحمد بن علي بن أعثم الكوفي. 33 - فردوس الأخبار: شيرويه بن شهر دار بن شيرويه. 34 - الفريد في إعراب القرآن المجيد: منتجب بن رشيد الهمداني. 35 - فضائل قريش: علي بن عثمان البابا طاغي. 36 - الكامل: الحافظ عبد الله بن عدي الجرجاني. 37 - اللؤلؤ المكنون: عبد الغني النابلسي. 38 - المحرر الوجيز: عبد الله بن عطية الدمشقي. 39 - المستخرج من اسماء الرجال: أبو عبد الله محمد بن مندة. 40 - مسند أبي يعلى: أحمد بن علي الموصلي، المتوفى 307 ه‍. 41 - مسند البزاز: الحافظ أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار. 42 - المسند الصحيح: الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البستي. 43 - مسند عبد بن حميد: الإمام أبو محمد عبد بن حميد الكشي. 44 - المعجم: الحافظ أحمد بن محمد (ابن الاعرابي). 45 - معجم الصحابة: القاضي أبو الحسين عبد الباقي بن قانع. 46 - المعجم الكبير: الإمام سليمان بن أحمد الطبراني.

[ 149 ]

47 - المعجم الوسيط: الإمام سليمان بن أحمد الطبراني. 48 - المعرفة والتاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي، المتوفى 277 ه‍. 49 - معرفة الصحابة: الحافظ أبو نعيم الاصفهاني. 50 - النجم الثاقب في اشراق المناقب: حسن بن عمر بن حبيب الحلبي. 51 - نسمة السحر بذكر من تشيع وشعر: يوسف بن يحيى بن حسين اليمني، المتوفى 1121 ه‍. 52 - نصائح الذرائع: محمد بن محمود الزوزني. 53 - نظم الدرر في تناسب الآي والسور: إبراهيم بن عمر البقاعي. 54 - الوجوه والنظائر: مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي. 55 - يتيمة الدهر في فتاوى العصر: محمد بن الحنفي الترجماني، المتوفى 645 ه‍. خاتمة المطاف وبعد هذا وقف شيخنا الوالد (رحمه الله) على فهارس مكتبات تركيا، الغنية بالغرر والدرر، المليئة بمئات الالوف من المخطوطات العربية في البحوث الإسلامية، ووجد مسيس حاجة جامعته الإسلامية الكبرى " النجف الأشرف " إلى تلك الذخائر الفكرية، والثروة العلمية، ورآى من الضروري المحتم أن أقوم بتهيئة ما يتسنى لي تصويره من تلك المصادر الثمينة، وتجهيز مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة في النجف الاشرف بتلك الاصول الرئيسة للبحوث الإسلامية مصورة على أشرطة " المايكروفلم " أو الورق المحسس، لتكون مصادر بحوثه فيما تبقى من أجزاء هذا الكتاب متوفرة عند الرجوع إليها ومهيأة للاعتماد عليها، وتبقى تلك النوادر الأثرية، والفرائد الفكرية مرجعا للباحثين والمحققين، ومنهلا عذبا للمؤلفين في ذلك الصرح العلمي الإسلامي. وامتثالا لأمره بذلت قصارى جهدي في سنين عديدة ووفرت ما امكنني انجازه [ وقد قيض الله سبحانه وتعالى أحد أبناء هذه الأمة، من الأبرار في المساهمة

[ 150 ]

ماديا لإنجاز هذا المشروع الحيوي وإبرازه إلى حيز الوجود ]. فبدأ شيخنا الوالد (رحمه الله) مراجعته إليها، واستأنس بمطالعتها واتخذ منها مصدرا لأبحاث كتابه يستدل بآرائها، ويستند إلى أحاديثها. إلا أنه - وقبل أن ينهي دراسته منها - آن للمرض أن يأخذ منه مأخذه، ويتقدم في سيره، ويداهمه بخطره، ولم يبارحه حتى أرداه صريعا في الفراش، مسلوب الراحة من آلامه في كل اللحظات، غير قادر على الحركة باختياره، ومع كل هذا لم ينس جهاده في الميدان العلمي، ولم يفتر عن نضاله الفكري، ولم يتقاعس عن الذب عن ساحة الدين الحنيف، وعندها طلب إلي أن أقرأ عليه الاجزاء المخطوطة من كتابه، لتكون آخر مراجعته لها، ويحصر ما يلزم نقله إليها من المصادر الحديثة التي توفرت لديه (1). فبدأت بتنفيذ ما أمر - وقد كتب لي شرف الخدمة بجوار سريره - في المستشفى أشهرا غير قصيرة، وفي الدار مدة مديدة حتى استقصيت في القراءة ما أنهى كتابته، وأشار إلى ما يلزم مراجعته. واستمر الأمر على هذا عامين، ساعات في النهار، وأوقات من الليل، وهو في كل الأحوال متوجه إلى مصيره، وعلى علم عن مرد أمره، حتى أنهكه المرض بعد أن استفحل، واستولى على جسده، وأعيى الأطباء إنقاذه وعلاجه، وتسرب الداء الدفين حتى انتهى إلى كبده، فانحدرت صحته، وفقد لسانه القوة على النطق لشده ضعفه، ولم يستمر ذلك إلا أياما لم تتجاوز عدد الانامل. وفاته ومدفنه: وما أن بزغ فجر نهار الجمعة، الثامن والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة الف وثلاثمائة وتسعين هجرية اضطرب حاله، واشتد أمره، إلا أنه لم يفقد وعيه، بل كان مالكا لمشاعره، فطلب أن ارطب فمه الشريف بماء ممزوج بتربة الحسين (عليه السلام)،


(1) والأجزاء المراجعة لها هي الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر، حسبما علمت. (*)

[ 151 ]

ثم طلب أن أقرأ له الدعاء المعروف ب‍ " العديلة " وكان (رحمه الله) يرتله معي، وبعد إنهائها أشار علي أن ارتل عليه بعض الأدعية المأثورة عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، فأخذت أقرأ عليه منها المعروفة بمناجاة المتوسلين، والاخرى المدعوة بمناجاة المعتصمين، وهو يقرأ معي بصوته الخافت الحزين ويهمل عبراته، حتى اقترب الوقت من الزوال، وأشرف الزمن على دنو أذان الظهر بدأ يقرأ بنفسه ما شاء، وآخر الفاظ قرأها، ونهاية جمل فاه في الحياة: " اللهم هذه سكرات الموت قد حلت فأقبل إلي بوجهك الكريم، وأعني على نفسي بما تعين به الصالحين على أنفسهم... " وما أن ختم دعاءه هذا حتى لبى داعي ربه، ولفظ آخر انفاسه وفاضت روحه الشريفة إلى بارئها: " ودعته فبودي لو يودعني * صفو الحياة وأني لا اودعه " وهكذا ختم شيخ الحفاظ والمحدثين، وعملاق التأريخ والسير، وبطل التحقيق والتأليف حياته الشريفة، بعد أن أمضى نصف قرن من عمره مكبا على المطالعة والتصنيف، ساهرا على العلم والفضيلة، لم يشهد الراحة والاستقرار في خدمة العقيدة ونشر علوم آل النبي الطاهر صلوات الله عليهم، متحملا الصعاب، صابرا على الشدائد والعناء لبلوغ الهدف السامي في أداء المسؤولية الدينية. فكان لموته الأثر الهائل في الاوساط العلمية، والألم العام الشامل في الحواضر الإسلامية، هملت عليه العيون بالعبرات، وتوقدت عليه الأحشاء بالزفرات، وعقدت له المآتم، واقيمت له مجالس العزاء، إذ الامة فقدت بموته بطلا من أبطالها العلماء، ومصلحا فذا من أبنائها الصلحاء، من أنفاسه كانت تستمد النفوس، وبنفحات قلمه تنتعش الأرواح، يدرأ بلسانه وبنانه عن القلوب الشكوك، ويزيل عن الأفئدة الشبهات، وقد ترك بفقده فراغا لا يشغل، وثلم في المجتمع الإسلامي، ثلمة لا يسدها شئ. " مات به الفضل الجم، والعلم الغزير، والهدي الصالح، والارشاد الناجح، والثقافة الصحيحة، والورع الصادق، والتقوى الخالصة، ماتت به امة تهتدي به،

[ 152 ]

وشعب يستضئ بنوره " (1). توفي شيخنا الوالد (قدس سره) في طهران، ثم قمت بنقل جثمانه بعد أيام إلى النجف الأشرف، حيث اللجوء إلى فناء حامي الجار، أبي السبطين، وصي الرسول الأمين أمير المؤمنين (عليه السلام). ودفن في البقعة التي اختارها لنفسه، وأمر بإنشاء بنائها قبل وفاته بأشهر، وهو يجود بنفسه على سرير المرض. وأنا أستمد العون والتوفيق من العلي القدير لإنجاز طبع ما تبقى من أجزاء " الغدير " المخطوطة، بعد إعدادها وإكمالها، والله خير معين، وإليه المصير. رضا عبد الحسين الأميني النجفي طهران - رجب الخير 1398 ه‍


(1) جملة من كلمة سماحة العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم النجفي في تأبين الشيخ الأميني. (*)

[ 153 ]

ما تحتويه موسوعة الغدير ملخصا إتماما للفائدة، ولبيان جهود العلامة الأميني (قدس سره) وجهاده المتواصل طيلة نصف قرن، في تتبع حديث الغدير وما يدور في فلكه، وحصيلة مطالعة ثلاثين ألف كتاب، واتباعا للمنهج الذي أعددناه، وتوضيحا وبيانا لمحتويات موسوعة " الغدير " على شكل فهرست، ليطلع عليه من لم تسنح له الفرصة لمطالعة " الغدير " تجد طيا فهرست لكل جزء وما يحتويه ابتداء من جزئه الأول: الجزء الأول: 1 - أهمية الغدير في التأريخ. 2 - واقعة الغدير. 3 - العناية بحديث الغدير. 4 - رواة حديث الغدير من الصحابة، وعددهم مائة وعشرة صحابيا. 5 - رواة حديث الغدير من التابعين، وهم أربعة وثمانون تابعيا. 6 - طبقات رواة حديث الغدير، وهم ثلاثمائة وستون من العلماء، والحفاظ، وأئمة الحديث، والأساتذة في صحاحهم، ومسانيدهم، وسيرهم، وتأريخهم، إبتداء من القرن الثاني إلى القرن الرابع عشر. 7 - المؤلفون في حديث الغدير من الفريقين، وهم ستة وعشرون مؤلفا. 8 - مناشدة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) واحتجاجه بحديث الغدير يوم

[ 154 ]

الشورى، أيام عثمان، ويوم الرحبة بالكوفة سنة 35 ه‍، ويوم الجمل سنة 36 ه‍، ويوم الركبان، ويوم صفين 37 ه‍. 9 - احتجاجات ومناشدات الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء على الشيخين أبي بكر وعمر بحديث الغدير واحتجاج الإمامين الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر الطيار على معاوية بمناسبات مختلفة، كما احتج عمرو بن العاص على معاوية بحديث الغدير. كمااحتج عمار بن ياسر، وأصبغ بن نباتة في مجلس معاوية، وقيس الأنصاري، ودارمية الحجونية على معاوية بحديث الغدير، كما احتج عمر بن عبد العزيز بحديث الغدير، واحتجاج المأمون العباسي بحديث الغدير، في وقائع وقصص بأزمان مختلفة. 10 - الغدير في الكتاب المجيد. 11 - تحريف الطبري، وابن كثير الدمشقي، وفرية القرطبي، والعسقلاني والسيوطي، والآلوسي، وابن حزم الأندلسي وغيرهم، وردهم على فريتهم وأكاذيبهم وتشنيعهم على شيعة أهل البيت (عليهم السلام). 12 - حديث تهنئة الإمام علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين يوم الغدير. 13 - محاكمة سند حديث الغدير، والكلمات حولها. 14 - القرائن المعنية لحديث الغدير، وغيرها مما يطول شرحه. وقائع ومحتويات الجزء الثاني: 1 - شعراء الغدير في القرن الأول، وعددهم خمسة وهم: 1 - امير المؤمنين علي بن ابي طالب - 2 - حسان بن ثابت - 3 - قيس بن سعد بن عباده الانصاري - 4 - عمرو بن العاص بن وائل - 5 - محمد بن عبد الله الحميري. وشعراء الغدير في القرن الثاني، وعددهم ثلاثة وهم: 1 - الكميت بن زيد الأسدي - 2 - السيد اسماعيل بن محمد الحميري - 3 - العبدي سفيان بن مصعب الكوفي.

[ 155 ]

وشعراء الغدير في القرن الثالث، وعددهم اثنان وهما: 1 - أبو تمام حبيب بن أوس الطائي - 2 - دعبل الخزاعي. 2 - الآيات النازلة بشأن يوم الغدير. 3 - الأحاديث الواردة بشأن يوم الغدير. وقائع ومحتويات الجزء الثالث: 1 - بقية تراجم شعراء الغدير للقرن الثالث، وشطرا من القرن الرابع، وهم أحد عشر شاعرا. 2 - رد العلامة الأميني على أكاذيب وفرية وإتهامات ستة عشر نفرا في كتبهم، وهم: العقد الفريد - لابن عبد ربه الاندلسي. الانتصار - لأبي الحسين الخياط المعتزلي. الفرق بين الفرق - لأبي منصور البغدادي. الفصل في الملل والنحل - لابن حزم الأندلسي. الملل والنحل - للأشعري أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني. منهاج السنة - لابن تيمية الحنبلي. البداية والنهاية - لابن كثير الدمشقي. محاضرات تأريخ الامم الإسلامية - للشيخ محمد الخضري. السنة والشيعة - لمحمد رشيد رضا - صاحب " المنار ". الصراع بين الإسلام والوثنية - لعبد الله القصيمي. فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام - لأحمد أمين المصري. جولة في ربوع الشرق الأدنى - لمحمد ثابت المصري - مدرس العلوم الاجتماعية. عقيدة الشيعة - للمستشرق روايت م: رونلدسن.

[ 156 ]

الوشيعة في نقد عقائد الشيعة - لموسى جار الله. 3 - شعراء الغدير في القرن الرابع الهجري، وهم واحد وعشرون شاعرا. وقائع ومحتويات الجزء الرابع: تراجم بقية شعراء الغدير، للقرن الرابع، والقرن الخامس، وشطرا من القرن السادس، وهم واحد وثلاثون شاعرا. وقائع ومحتويات الجزء الخامس: 1 - أحاديث، وقصص، ونوادر، وشواهد متعددة، وردود دامغه على أكاذيبهم الفاضحة، وغيرها. 2 - بقية تراجم شعراء الغدير للقرن السادس، والقرن السابع، وهم اثنا عشر شاعرا. 3 - قائمة الموضوعات، والمقلوبات بالأحاديث، وهي 684 و 408 حديثا موضوعا. وقائع ومحتويات الجزء السادس: 1 - شعراء الغدير في القرن الثامن، وهم سبعة شعراء، مع القصائد الست المطولة لعلاء الدين الحلي. 2 - 134 مصدرا لحديث " أنا مدينة العلم وعلي بابها ". 3 - نوادر الأثر في علم عمر، وهي مائة نادرة. وقائع ومحتويات الجزء السابع: 1 - تراجم شعراء الغدير للقرن التاسع، وهم ثلاثة: ابن العرندس، وابن داغر، والحافظ البرسي: كلهم حليون - من أهل الحلة -.

[ 157 ]

2 - الغلو في فضائل أبي بكر وارائه وتصرفاته، ونوادر في سلوكه. 3 - أبو طالب وأشعاره المعربة عن إيمانه، ومواقفه المشهودة المشكورة. وقائع ومحتويات الجزء الثامن: 1 - بقية فضائل أبي طالب، وأبحاث قيمة، ودروس دينية وتأريخية. 2 - بقية الغلو في فضائل أبي بكر. 3 - الغلو في فضائل عمر، وأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان. 4 - الغلو في فضائل عثمان، تصرفات عثمان، أحكام عثمان، أحدوثة عثمان، تقريب عثمان لبني أمية وأبي معيط، والحكم عم عثمان وابنه مروان طريدي رسول الله، اعتداء عثمان على الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري وعبد الله بن مسعود، وتوزيع بيت المسلمين والمناصب على أقرباء عثمان من بني امية خاصة. وقائع ومحتويات الجزء التاسع: 1 - تراجم جمع من أعاظم الصحابة، وما لفقته يد الافتعال من التأريخ المزور ضدهم. 2 - بقية أعمال عثمان وتصرفاته، وآراء الصحابة العدول في عثمان. 3 - قصه الحصار الأول والثاني على عثمان، وتصرفات مروان بن الحكم حتى قتل عثمان. وقائع ومحتويات الجزء العاشر: 1 - يحتوي على مناقب الخلفاء والنظر فيها متنا وإسنادا، والمغالاة في فضائل معاوية. 2 - بقية البحث عن مناقب الخلفاء، وهي أربعون حديثا. 3 - تصرفات معاوية، وأخذ البيعة ليزيد.

[ 158 ]

4 - قتال ابن هند وعماله عليا (عليه السلام)، ودفاع ابن حجر عن معاوية. 5 - أربعون حديثا في علي (عليه السلام). وقائع ومحتويات الجزء الحادي عشر: 1 - مواقف معاوية المخزية من أبي محمد الحسن الزكي - سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - وقتله، ومثالب مختلفة لمعاوية. 2 - قتل معاوية حجر وأصحابه، وتتبع شيعة علي تحت كل حجر ومدر، وإلحاق زياد بن أبيه بأبي سفيان. 3 - الغلو الفاحش، وقصص وخرافات ملفقة، وهي مائة قصة في مناقب اناس من الصحابة، وغيرهم. 4 - تراجم جمع من أعلام الطائفة، ورجالات العلم، وصاغة القريض، وصيارفة الأدب. 5 - بقية تراجم شعراء الغدير في القرن التاسع وعددهم اثنان، والقرن العاشر وعددهم اثنان والقرن الحادي عشر وعددهم أربعة عشر، والثاني عشر وعددهم أربعة عشر. هذا خلاصة ما جاء في اجزاء الغدير المطبوعة، وأما التي قيد الطبع، فهي خمسة أجزاء كاملة جاهزة، ويليها أربعة أجزاء هي تتمة الموسوعة البالغة عشرين جزءا، مقرون أمرها إلى أن يأذن الله بطبعه. والله أسأل أن يحقق هذه الامنية، إنه سميع مجيب.

[ 159 ]

شهداء الفضيلة الذين ضحوا بكل غال ونفيس في سبيل المبدأ والدين، وفي سبيل إعلاء كلمة الحق، ورفع راية الإسلام عالية خفاقة، وإعلان الصرخة المدوية بوجه الطغاة الظالمين والمنحرفين. هؤلاء الذين ثبتوا أمام العواصف العاتية، شامخين رافعين رؤوسهم، ومقدمين رقابهم للمشانق، لتثبيت قواعد الشريعة، ودفاعا عن مذهب الحق، مذهب أهل البيت (عليهم السلام). وقد اقتطفت نخبة منهم، كنماذج حية، لترجمة حياتهم الشريفة بصورة موجزة، مستخلصا منها الدروس والعبر من كتاب " شهداء الفضيلة " للعلامة الثبت شيخ الحفاظ آية الله العلامة الأميني (قدس سره). وذلك تقديرا لجهادهم، وجهودهم، وتضحياتهم، وعرفانا بفضلهم، ووفاء لمعاناتهم. وقد رتبنا لك بحسب التسلسل الزمني لشهاداتهم، ابتداء من القرن الرابع الهجري إلى القرن الرابع عشر، وإليك الجدول المرفق، سائلا المولى القدير أن يرزقنا الشهادة وشفاعة ساداتهم، وأن يتقبل منا هذا اليسير، ويعفو عنا الكثير، فانه أرحم الراحمين.

[ 160 ]

شهداء الفضيلة - حسب القرون: القرن الرابع - ثمانية شهداء. القرن الخامس - خمسة شهداء. القرن السادس - خمسة عشر شهيدا. القرن السابع - أربعة شهداء. القرن الثامن - اثنا عشر شهيدا. القرن التاسع - شهيد واحد. القرن العاشر - ثمانية عشر شهيدا. القرن الحادي عشر - سبعة شهداء. القرن الثاني عشر - اثنان وعشرون شهيدا. القرن الثالث عشر - تسعة عشر شهيدا. القرن الرابع عشر - تسعة عشر شهيدا. أسماء شهداء الفضيلة ابتداء من القرن الرابع - ثمانية شهداء: 1 - أبو محمد الحسن... إلى: علي بن أبي طالب، الشهير بالناصر الكبير، ويعرف بالاطروش. 2 - أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني، الشهير بعلان خان. 3 - الشيخ حسن بن سليمان بن الحبر، أبو علي النافعي الأنطاكي المقري - مصر. 4 - بديع الزمان أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمداني. 5 - أبو الحسن علي بن عبد الله بن الوصيف الناشئ الأصغر البغدادي. 6 - النحوي الشاعر محمد أبو القاسم، أو أبو الحسن بن هاني الأندلسي الأزدي. 7 - أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني. 8 - أبو الحسن علي بن فرات.

[ 161 ]

القرن الخامس - خمسة شهداء: 1 - أبو الحسن التهامي: علي بن محمد الحسن بن محمد العاملي الشامي. 2 - النحوي الأديب: أبو الحسين ثابت بن أسلم بن عبد الوهاب الحلبي النحوي. 3 - الشيخ عبد الكريم بن الحسن أبو زرعة، ابن أحمد الكرجي القزويني. 4 - المحدث أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن طرخان الكندي الجرجراني، كاتب النجاشي المتوفى 450. 5 - الحسن بن مفضل بن سهلان أبو محمد الرامهرمزي. القرن السادس - خمسة عشر شهيدا: 1 - أبو المحاسن عبد الوهاب بن إسماعيل بن الروياني الطبري، الشهيد سنة 501 - 502. 2 - أبو علي محمد بن الحسن بن علي الفتال الواعظ النيشابوري، مؤلف كتاب " روضة الواعظين ". 3 - الحسين نصير الدين أبو عبد الله بن الإمام قطب الدين الراوندي. 4 - العالم الأديب الحسين مؤيد الدين أبو إسماعيل الاصبهاني، المسمى بالطغرائي من احفاد أبي الأسود الدؤلي. 5 - الأمير كيكاوس ابن دشمن ديار بن كيكاوس الديلمي الطبري. 6 - الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبري. 7 - السيد مجد الدين أحمد أبو عبد الله بن أبي الحسن علي بن أبي الغنائم الحيثي. 8 - السيد عز الدين أبو القاسم يحيى بن شرف الدين أبي الفضل، ينتهي نسبه إلى الإمام السجاد (عليه السلام). 9 - المحدث الحسن بن عبد الكريم بن الحسن، المعروف بأبي زرعة القزويني الكرجي. 10 - الشيخ خليفة بن أبي اللجيم القزويني أخو العلامة الشيخ اميركا بن أبي اللجيم، المتوفى سنة 514.

[ 162 ]

11 - الشيخ حسن بن عبد الكريم بن الشيخ الشهيد الحسن الكرجي القزويني. 12 - الشيخ زين الدين محمد بن أبي جعفر بن الفقيه أميركا بن أبي اللجيم. 13 - القاضي أبو الحسين أحمد بن القاضي الرشيد بن الزبير الغساني الأسواني. 14 - جمال الدين أحمد بن الحسين بن محمد بن حمدان الحمداني، من شهداء علمائنا. 15 - الملك الصالح فارس المسلمين: نصير الدين أبو الغارات طلايع بن زريك. القرن السابع - أربعة شهداء: 1 - الفقيه شهاب الدين الحسين بن محمد بن علي الميكالي. 2 - الحافظ العلامة محمد بن يوسف بن موسى بن أبي بكر المهلبي العرباضي المكي. 3 - الشيخ صفي بن محاسن، خال الشيخ صفي الدين الحلي، الشاعر المعروف. 4 - كمال الدين إسماعيل بن جمال الدين الاصبهاني، صاحب " الحصون المنيعة ". القرن الثامن - اثنا عشر شهيدا: 1 - السيد تاج الدين أبو الفضل محمد الآوي بن مجد الدين الحسين، ينتهي نسبه إلى الإمام السجاد (عليه السلام). 2 - السيد جمال الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن علي الأعرج. 3 - السيد بدر الدين الحسن نقيب الأشراف بحلب، ينتهي نسبه إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). 4 - الشيخ الحسن بن محمد بن أبي بكر الهمداني الدمشقي السكاكيني، من أعلام الشيعة. 5 - السيد تاج الدين - نضرة بن كمال الدين صادق بن نظام الدين - ينتهي نسبه إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). 6 - السيد غياث الدين عبد الكريم بن شمس الدين أبي طالب محمد النسابة. 7 - السيد جلال الدين علي، المكنى بأبي القاسم، الشهير بباغي ابن... الأعرج.

[ 163 ]

8 - السيد نصير الدين الحسن بن معية، المستشهد، من أجلة سادات بني معية. 9 - الحكيم السيد شاه فضل المشهدي. المتخلص بنعيمي. 10 - الشيخ محمود بن إبراهيم بن محسد الشيرازي، نزيل دمشق. 11 - الشيخ محمد بن الشيخ جمال الدين العاملي النبطي الجزيني، المستشهد سنة 786 المعروف بالشهيد الأول. 12 - وقتل من أعيان الشيعة: علي بن أبي الفضل بن محمد الحلبي، نزيل دمشق. شهداء القرن التاسع - شهيد واحد: 1 - السيد عماد الدين الشيرازي - المتخلص بنسيمي، من أجلة سادات شيراز. شهداء القرن العاشر - ثمانية عشر شهيدا: 1 - الأمير محمد الدشنكي الشيرازي، المعروف بصدر الدين الكبير، ينتهي نسبه إلى الإمام السجاد (عليه السلام). 2 - السيد عبد الباقي سبط السيد نور الدين نعمة الله الكرماني، المشهور بشاه نعمة الله. 3 - المولى البارع محمد طالب، حاز منصب الصدارة عند السلطان بديع الزمان. 4 - السيد الأمير غياث الدين محمد الهروي الرازي، ينتهي نسبه إلى الحسين الأصغر بن علي بن الحسين (عليه السلام). 5 - الأمير السيد شريف ابن الأمير تاج الدين علي. 6 - نور الدين أبو الحسن العاملي الكركي، المعروف بالشيخ العلائي، وبالمحقق الثاني. 7 - الشيخ فضل الله بن خواجه علاء الدين علي بن خواجه كمال الدين نعمة الله البرزس ابادي الطوسي. 8 - السيد خان ميرزا ابن الوزير الكبير معصوم بيك الصفوي. 9 - المولى بنائي ابن الاستاذ محمد البناء الخراساني.

[ 164 ]

10 - السيد عبد الوهاب الحسيني التبريزي، الشهيد في أعماق السجون. 11 - المحقق أحمد بن نصر الله الديبلي التنوي السندي. 12 - السيد الأمير أبو الحسن الفراهاني الشيرازي، ذكر في " رياض العلماء ". 13 - زين الدين ابن الشيخ الإمام نور الدين علي بن أحمد، تلميذ العلامة بن شرف الجبعي المعروف بالشهيد الثاني. 14 - السيد قاضي جهان الحسيني السيفي القزويني. 15 - السيد عز الدين الحسيني العاملي، ينتهي نسبه إلى إبراهيم بن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام). 16 - الشيخ فضل الله الخراساني شهيد الثورة في المشهد الرضوي. 17 - الفقيه شهاب الدين عبد الله ابن المولى محمود بن السعيد التستري الخراساني، المعروف بالشهيد الثالث. 18 - ملا أحمد الهندي التهتهني، من أعيان الشيعة في الهند، استشهد بيد أحد قواد أكبر شاه. شهداء القرن الحادي عشر - سبعة شهداء: 1 - السيد القاضي نور الله التستري المرعشي، صاحب كتاب " إحقاق الحق " 956 - 1019. 2 - الأمير زين العابدين بن نور الدين الحسيني الكاشاني، نزيل مكة، والمستشهد بها. 3 - السيد محمد المؤمن بن دوست محمد الحسيني الاسترابادي، نزيل مكة، والشهيد في حرم الله سنة 1088. 4 - العلامة الخطيب المولى سلطان حسين الواعظ الاسترابادي. 5 - الشيخ حسين بن إبراهيم الجيلاني التنكابني، في " الرياض ". 6 - الشيخ أبو الفضل بن الشيخ المبارك، من مشاهير علماء الهند. 7 - الشيخ علي بن محمد بن الحسين، ينتهي نسبه إلى الشهيد الحر الرياحي.

[ 165 ]

شهداء القرن الثاني عشر - إثنان وعشرون شهيدا: 1 - العلامة أبو الفتح السيد نصر الله بن الحسين الموسوي الحائري، المعروف بالسيد الشهيد. 2 - شيخ الإسلام السيد ميرزا مهدي النسابة الشيرازي. 3 - ميرزا إبراهيم بن ميرزا غياث الدين محمد الاصفهاني الخوزاني، قاضي أصفهان. 4 - الأمير محمد باقر الاصبهاني، الملقب بملا باشي، المعروف بخاتون آبادي. 5 - الفقيه المجاهد محمد رضا القزويني، الشهيد في فتنة الأفغان سنة 1135. 6 - العلامة السيد محمد ابن السيد محمد صالح، المنتهي إلى نقيب النقباء الأمير محمد حسين بن جلال الدين. 7 - الفقيه علي بن سودون أحد نياقد العلم. في " أمل الآمل ". 8 - العلامة علي أكبر الطالقاني، عده السيد الجزائري في إجازته الكبيرة. 9 - السيد ميرزا هاشم الهمداني. 10 - العالم الخطيب زكي بن إبراهيم الكرمانشاهي، عده السيد الجزائري في إجازته الكبيرة. 11 - العلامة محمد علي بن محمد أمين السكاكي الشيرازي. 12 - العلامة آقا محمد مهدي بن المولى محمد هادي المازندراني. 13 - آقا حسين بن آقا إبراهيم الخاتون آبادي المشهدي، عده السيد الجزائري في إجازته الكبيرة. 14 - الفقيه الشيخ محمد بن يوسف بن علي بن كنبار الضميري النعيمي البلادي مولدا ومنشأ ومسكنا. 15 - المولى علي بن محمد حسين الزنجاني، من أجله حملة العلم. 16 - العالم آقا محمد رضا بن صدر الدين المتأخر محمد بن شرف الدين بن صدر الحكماء والمتألهين المولى صدر الدين محمد - المتوفى سنة 105 ه‍ - الشيرازي.

[ 166 ]

17 - العلامة محمد حسين ابن ميرزا عبد الكريم، المشهور بپير، في " أمل الآمل ". 18 - الشيخ صادق البغدادي الشهيد في طريق كربلاء. 19 - العلامة مير محمد هاشم شاه، المشهور بجهان شاه. 20 - الفقيه يوسف الحصري، المذكور في (نشوة السلافة). 21 - العلامة الفقيه السيد هبة الله أبو البركات، ينتهي نسبه إلى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام). 22 - السيد أحمد المقدس بن هاشم - شقيق العلامة الفقيه السيد عبد الله البلادي، ينتهي نسبه إلى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام). شهداء القرن الثالث عشر - تسعة عشر شهيدا: 1 - العلامة السيد محمد ابن السيد حسن ابن السيد علي آل شكر العاملي. 2 - الشيخ زين ابن الشيخ خليل بن موسى بن يوسف الزين الأنصاري الخزرجي العاملي. 3 - الشيخ صالح ابن الشيخ محمد العسيلي، أحد أعيان جبل عامل الأتقياء. 4 - السيد ميرزا محمد مهدي ابن ميرزا هداية الله الأصفهاني، نزيل مشهد الرضا (عليه السلام). 5 - الفقيه عبد الصمد الهمداني، نزيل كربلاء، والمستشهد بها سنة 1216 ه‍. 6 - العلامة الشيخ حسين بن محمد بن أحمد بن إبراهيم المتوفى 1125 ابن أحمد المتوفى 1075. 7 - العلامة ميرزا محمد بن عنايت أحمد خان الكشميري الدهلوي. 8 - العلامة السيد محمد علي، المعروف بآقا مجتهد. 9 - العلامة السيد علي ابن السيد محمد الأمين، ينتهي نسبه إلى الحسين ذي الدمعة ابن زيد الشهيد.

[ 167 ]

10 - العلامة المولى محمد تقي بن محمد البرغاني القزويني، المعبر عنه بالشهيد الثالث أو الرابع. 11 - العلامة السيد غلام رضا الخراساني البيرجندي. 12 - العلامة الشيخ محمد حسين الأعسم، كان عالما فاضلا ذا فهم وقاد. 13 - العالم المجاهد المولى رضا الإسترآبادي المولد والمسكن والمدفن. 14 - السيد حسين بن إبراهيم صاحب القبة، المعروفة ب‍ " دهدشت). 15 - الشيخ إبراهيم ابن الشيخ نصر الله... ابن الشيخ فياض عطوة آل يحيى المخزومي العاملي. 16 - العلامة المولى محمد علي ابن العالم محمد القندهاري، أحد أعلام الدين في القرن الثالث عشر. 17 - الزعيم الكبير السيد علي نقي ابن السيد محمد تقي بن السيد رضا ابن آية الله السيد بحر العلوم، ينتهي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام). 18 - وممن فجع بهما العالم العلامة السيد هاشم تلميذ الإمام، المجدد الشيرازي، ومؤلف تقريرات استاذه في الاصول (1284 ه‍). 19 - والعلامة السيد محمد باقر المتوفى سنة 1291. شهداء القرن الرابع عشر - تسعة عشر شهيدا: 1 - العلامة محمد نقي ابن آقا باقر الهمداني. 2 - العلامة الفقيه الشيخ علي ابن الشيخ عبد الله ابن الشيخ علي السري البحراني. 3 - العلامة الأكبر ميرزا إبراهيم بن الحسين بن علي بن الغفار الدنبلي الخوئي مولدا ومسكنا - شهيد الانقلاب بدستورية فارس سنة 1325 - المتولد 1247. 4 - الشيخ جليل التبريزي المحتد السنقري الموطن والمشهد. 5 - العلامة الحكيم ميرزا محمد باقر بن عبد المحسن بن سراج الدين الاصطهباناتي الشيرازي.

[ 168 ]

6 - الشيخ فضل الله ابن المولى عباس النوري، شهيد الثورة الدستورية بطهران 1327. 7 - العالم الشيخ علي بن الشيخ عبد الله رمضان الإحسائي. 8 - العلامة الشيخ حسين الجوقيني، نسبة الى جوقين في ارباض زنجان. 9 - العلامة السيد آقا مير، الملقب ببحر العلوم. 10 - العلامة الأوحد الشيخ علي ابن العالم الزاهد المولى حسين الرشتي. 11 - العلامة الزعيم السيد عبد الله ابن السيد إسماعيل ابن السيد نصر الله المولود في بهبهان. 12 - العلامة ميرزا محمود الأميني القزويني، نزيل طهران، في " نقباء البشر ". 13 - العلامة ميرزا حسن ابن السيد اسماعيل العلوي السبزواري. 14 - السيد محمد ابن السيد غفار ابن السيد عبد الله ابن السيد محمد الخلخالي الارموي. 15 - العالم الشيخ محمود ابن المولى صالح البروجردي، نزيل طهران. 16 - الشيخ حسن البيهودي، نسبة إلى قرى قهستان. 17 - الشيخ أبو تراب ابن الشيخ حسين ابن... الشيخ سليمان البحراني الماحوزي. 18 - الشيخ عبد الغني البادكوبي. 19 - الحاج ميرزا كريم التبريزي. هذا ما ذكره العلامة الأميني من شهداء الفضيلة في كتابه المزبور ابتداء من القرن الرابع حتى الرابع عشر. أثبتنا اسماءهم مختصرا، وسوف نترجم لبعضهم ممن كان في الصدارة وترك تراثا وآثارا ضخمة. ومن الله سبحانه أستمد العون والتسديد. أبو الحسن التهامي العلامة الأديب أبو الحسن التهامي علي بن محمد بن الحسن العاملي الشامي.

[ 169 ]

في الرعيل الأول من حاملي ألوية البلاغة، وأحد شيوخ الشيعة الناهضين بنشر الأدب، وله في العلم قنن راسية، وقدم راسخ، غير أن تراجم الادباء له وتعريفهم إياه بأدبه الباهر، وقريضه الخسرواني غطت ذكره العلمي، وها نحن نقوم في ترجمته هذه بالحقلين جميعا: في " أمل الآمل ": كان فاضلا، عالما، شاعرا، أديبا، منشئا، بليغا، له ديوان شعر حسن. وفي " وفيات الأعيان " قال ابن بسام في حقة: كان مشتهر الإحسان، ذرب اللسان، مخلى بينه وبين ضروب البيان، يدل شعره على فوز القدح، ويعرب عن مكانه من العلوم إعراب الدمع عن سر الهوى المكتوم، وله ديوان شعر صغير أكثره نخب، ومن لطيف نظمه: قوله في جملة قصيدة مدح بها الوزير أبا القاسم ابن المغربي: قلت لخلي وثغور الربا * مبتسمات وثغور الملاح أيهما أحلى ترى منظرا * فقال: لا أعلم كل أقاح وله في المديح، وقد بالغ فيه: أعطى وأكثر فاستقل هباته * فاستحيت الأنواء وهي هوامل قام السحاب لديه وهو كنهدر * آل وأسماء البحور جداول إلى أن قال: وكان التهامي المذكور قد وصل إلى الديار المصرية مستخفيا، ومعه كتب كثيرة من حسان بن مفرج بن دغفل البدوي، وهو متوجه إلى بني قرة، فظفروا به، فقال: أنا من تميم، فلما انكشف حاله وعرف أنه التهامي، فاعتقل في خزانة البنود، وهو سجن بالقاهرة، وكان ذلك لأربع بقين من ربيع الآخر سنة 416 ه‍. ثم قتل سرا في سجنه في التاسع من جمادي الاولى من السنة المذكورة، رحمه الله تعالى.

[ 170 ]

وبعد موته رآه بعض أصحابه في المنام، فقال له: ما فعل الله بك ؟ فقال: غفر لي، فقال: بأي الأعمال ؟ فقال: بقولي من مرثية ولدي الصغير: جاورت أعدائي وجاور ربه * شتان بين جواره وجواري وله شعر أدق من دين الفاسق، وأرق من دمع العاشق، منها: لقد شرف الرحمن قدرك في الورى * كما في الليالي شرفت ليلة القدر وإنا لفي الدنيا كركب سفينة * نظن وقوفا والزمان بنا يجري وله الرائية الرائعة المشهورة في رثاء ولده، وقد مات صغيرا، هي غاية في الحسن والجزالة، وفخامة المعنى، وجودة السرد، والاشتمال على المعاني المتنوعة، وهي تربو على الثمانين بيتا، أقتطفت منها شذرا، مطلعها: حكم المنية في البرية جاري * ما هذه الدنيا بدار قرار بينا يرى الإنسان فيها مخبرا * حتى يرى خبرا من الأخبار طبعت على كدر وأنت تريدها * صفوا من الأقدار والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها * متطلب في الماء جذوة نار وإذا رجوت المستحيل فإنما * تبني الرجاء على شفير هار فالعيش نوم والمنية يقظة * والمرء بينهما خيال سار فاقضوا مأربكم عجالا إنما * أعماركم سفر من الأسفار إلى أن قال: يا كوكبا ما كان أقصر عمره * وكذاك عمر كواكب الأسحار وهلال أيام مضى لم يستدر * بدرا ولم يمهل لوقت سرار عجل الخسوف عليه قبل أوانه * فمحاه قبل مظنه الإبدار واستل من أترابه ولداته * كالمقلة استلت من الأشفار إلى أن قال: أبكيه ثم أقول معتذرا له * وفقت حين تركت ألأم دار

[ 171 ]

جاورت أعدائي وجاور ربه * شتان بين جواره وجواري أشكو بعادك لي وأنت بموضع * لولا الردى لسمعت فيه مزاري والشرق نحو الغرب أقرب شقه * من بعد تلك الخمسة الأشبار هيهات قد علقتك أسباب الردى * واغتال عمرك قاطع الأعمار ولقد جريت كما جريت لغاية * فبلغتها وأبوك في المضمار فإذا نطقت فأنت أول منطقي * وإذا سكت فأنت في أضماري الإمام أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الروياني الطبري، الشهيد سنة 501 ه‍ أو 502 ه‍، مولده سنة 415 ه‍ أو 416 ه‍. أحد أئمه العلم والحديث من أصحابنا، وإن كان لشدة ما التزم به من تقاة حسب أهل السنه أنه منهم وأنه شافعي المذهب، كما في " الكامل " لأبن الأثير، و " وفيات الأعيان "، و " معجم البلدان "، وذكره في " الرياض " هكذا: الشيخ الإمام أبو المحاسن القاضي فخر الإسلام الشهيد عبد الواحد. وقال بعده مفاده: أنه من أجلة علماء حلب، وكان يتقي، فظن أنه من الشافعية. وهو في ابتداء أمر الباطنية أخذ يطعن فيهم فلذلك قتلوه، وكان من مشايخ السيد فضل الله الراوندي، ولما جاء هذا الشيخ إلى قزوين أفتى بالحادهم وأمر أهلها بالتجنب عنهم في حين أنه كان بينهم وبين الباطنية اختلاط، وقال: إن وقع بينكم وبينهم اختلاط، فان فيهم قوما عندهم حيل يخدعون بعضكم، وإذا خدعوا بعضكم وقع الاختلاف والفتنة، فوقع الأمر كما أشار. فلما عاد الشيخ إلى بلدة " رويان " بعث الباطنية بعض الفدائية - كما هو من شأنهم - فقتله غيلة، وقد عاش سعيدا ومات حميدا. وقد صرح في خمسة مواضع في " الرياض " بأن المترجم من علماء الشيعة،

[ 172 ]

وإنما رمي بالشافعية لشدة تقيته. وقد ذكره فطاحل العلماء من الفريقين بالفضل والعلم والتقى، منهم ابن خلكان والحافظ أبو زكريا. أما شهادته فقد صرح بها غير واحد من المؤرخين، قال السمعاني (1) في " الأنساب ": كان من رؤوس الأئمة والأفاضل لسانا وبيانا، له الجاه العريض، والقبول التام في ديار طبرستان، وحميد المساعي والآثار، والتصلب في المذهب، والصيت المشهور في البلاد. إلى أن قال: ولد في ذي الحجة سنة 416 ه‍، وقتل شهيدا بآمل يوم الجمعة في الجامع عند ارتفاع النهار الحادي عشر من المحرم الحرام سنة 502 ه‍. وقال غيره من المؤرخين نفس المؤدى والفحوى. فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. أبو علي " الفتال " النيسابوري الشيخ الأجل العلامة السعيد أبو علي محمد بن الحسن بن علي بن أحمد بن علي الفتال الواعظ النيسابوري، صاحب كتاب " روضة الواعظين "، وكتاب " النوير في التفسير "، من مشايخ ابن شهر آشوب، وهو العلم الخفاق وهضبة الفضيلة الراسية في القرن السادس، وكان خطيبا مصقعا، واعظا بأقواله وأفعاله وقد حاز ثقة الكل، وذكره ابن داود في " الرجال "، هكذا: محمد بن أحمد بن علي الفتال النيسابوري، المعروف بابن الفارسي، متكلم، جليل القدر، فقيه عالم، زاهد ورع، قتله أبو المحاسن عبد الرزاق رئيس نيسابور، الملقب شهاب الإسلام. وصرح بشهادته وأطراه صاحب " الآمل "، والعلامة المجلسي، والنوري،


(1) وهو القاضي أبو سعيد عبد الكريم التميمي المروزي السمعاني. (*)

[ 173 ]

وغيرهم، غير إني لم أقف على تأريخ شهادته تفصيلا، عدا ما في فهرست المكتبة الرضوية من أنة قتل على التشيع. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد واستشهد، ويوم يبعث حيا. ابن الراوندي العالم الجليل الحسين نصير الدين أبو عبد الله بن الإمام قطب الدين سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي، ذو المجد والحسب، موروث الفضل، أحد الأعاظم. قال الشيخ منتخب الدين، في " الفهرست ": عالم صالح شهيد، ووصفه غيره من أجلاء المحدثين وعلماء الرجال بالعلم، والعمل، والشهادة، كما في " أمل الآمل " و " الروضات " و " رياض العلماء " و " المستدرك ". رحمة الله عليه وحشره مع النبي والأئمة الطاهرين. الطغرائي العلامة الأديب الحسين مؤيد الدين أبو إسماعيل بن علي بن محمد بن عبد الصمد الأصبهاني المنشي الشهير بالطغرائي، من أحفاد أبي الأسود الدؤلي الصحابي المعروف مؤسس علم النحو. قال صاحب " الامل ": فاضل عالم، صحيح المذهب، شاعر أديب، قتل ظلما وقد جاوز ستين سنة، وشعره في غاية الحسن، ومن جملته " لامية العجم " المشتملة على الآداب والحكم، وهي أشهر من أن تذكر، وله ديوان شعر جيد، ومن شعره: إذا ما لم تكن ملكا مطاعا * فكن عبدا لخالقه مطيعا وإن لم تملك الدنيا جميعا * كما تهواه فاتركها جميعا هما نهجان من نسك وفتك * تحلان الفتى الشرف الرفيعا

[ 174 ]

وله أيضا: يا قلب مالك والهوى من بعد ما * طاب السلو وأقصر العشاق أوما بدا لك في الإفاقة والأولى * نازعتهم كأس الغرام أفاقوا مرض النسيم وصح والداء الذي * أشكوه لا يرجى له افراق وهدى خفوق النجم والقلب الذي * ضمت عليه جوانحي خفاق وفي " الرياض ": الشيخ العميد الوزير مؤيد الدين فخر الكتاب أبو إسماعيل الحسين بن علي الاصفهاني المنشي، المعروف بالطغرائي، الإمامي الشهيد المقتول ظلما، الشاعر الفاضل الجليل المشهور، صاحب لاميه العجم (1) التي شرحها " الصفدي " بشرح كبير معروف، وكان (قدس سره) مشهورا بمعرفة علم الكيمياء، ويعتقد صحه ذلك، وله فيه تآليف، وإنما يلقب بالطغرائي لأنه كان يكتب " الطغرا " في ديباجة الأحكام السلطانية، كما هو المتعارف الآن في بلاد الروم أيضا، وفي خطب الصدور في بلاد العجم. وذكر له كتاب " مفاتيح الحكمة ومصابيح الرحمة " في علم الاكسير والكيمياء ونحوهما، نسبه إليه صاحب كتاب " المصباح في علم المفتاح ". وقال ابن خلكان: كان غزير الفضل، لطيف الطبع، فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر، ذكره أبو سعد السمعاني في نسبة المنشي من كتاب " الأنساب " وأثنى عليه، وأورد له قطعة من شعره في صفة الشمعة، وذكر انه قتل في سنة خمس عشرة وخمسمائة 515 ه‍. وقيل: إن الطغرائي كان وزيرا للسلان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل، وبعد انتصار السلطان محمود المصاف على أخيه السلطان مسعود فأول من أخذ الاستاذ - أي أبو إسماعيل الطغرائي - وزير مسعود فأخبر به وزير محمود، وهو


(1) وكان قد نظمها في بغداد سنة 505 ه‍ يصف فيها حاله ويشكو زمانه. (*)

[ 175 ]

الكمال نظام الدين أبو طالب علي بن أحمد بن حرب التسميرمي، فقال الشهاب أسعد - وكان طغرائيا في ذلك الوقت - نيابة عن النصير الكاتب: هذا الرجل ملحد - يعني الاستاذ - فقال وزير محمود: من يكن ملحدا يقتل، فقتل ظلما، وقد كانوا خافوا منه لإقبال محمود عليه لفضله، فاعتمدوا قتله بهذه الحجة. وكانت هذه الواقعة سنة اربع عشرة، وقيل: ثمانية عشرة بعد الخمسمائة. وقد جاوز عمره ستين سنة، وفي شعره ما يدل على انه بلغ سبعا وخمسين سنة: لأنه قال وقد جاءه مولود: هذا الصغير الذي وافى على كبر * أقر عيني ولكن زاد في فكري سبع وخمسون لو مرت على حجر * لبان تأثيرها في صفحة الحجر والله أعلم بما عاش بعد ذلك (رحمه الله). وكان من قصيدة له: فصبرا معين الملك إن عن حادث * فعاقبة الصبر الجميل جميل ألم تر أن الليل بعد ظلامه * عليه لإسفار الصباح دليل ومنها: فقد يعطف الدهر العسير قياده * فيشفى عليل أو يبل غليل ويرتاش مقصوص الجناحين بعدما * تساقط ريش واستطار نسيل.. إلى قوله: وصارمتها فيما أرادت صروفها * ولولاك كانت تنتحى وتصول وما أنت إلا السيف يسكن غمده * ليشقى به يوم النزال قتيل أما لك بالصديق يوسف أسوة * فتحمل وط ء الدهر وهو ثقيل فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا.

[ 176 ]

العلامة الطبرسي أمين الإسلام العلامة أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي. هو راية العلم، وآية الهدى، من زعماء الدين، وعمد المذهب، وناهيك دلالة على فضله الكثار، ومشاركته في العلوم، تفسيره " مجمع البيان " المنبثق منه بلج الحق وألق الحقيقة، ونور العلم، ووضح الوحي الإلهي، وهو كتاب لا غنى لأي أحد عنه، ويليه " جامع الجوامع "، و " إعلام الورى بأعلام الهدى "، وغيرها من مؤلفاته العديدة التي أعرضنا عن شرحها، روما للاختصار. يروي عنه ولده - رضي الدين - وابن شهر آشوب، والشيخ منتجب الدين والقطب الراوندي، وشاذان بن جبرئيل، والشيخ عبد الله الدورستي، وغيرهم. كما روى هو عن جماعة، منهم: الشيخ أبو علي بن الشيخ الطوسي، والشيخ عبد الجبار المقري الرازي فقيه الأصحاب بالري. توجد ترجمة المترجم في " معالم العلماء "، ورجال السيد المصطفى، و " اللؤلؤة "، و " رياض العلماء "، و " أمل الآمل "، و " الروضات "، و " المقاييس " للشيخ أسد الله الكاظمي، و " المستدرك "، و " الحصون المنيعة "، وغيرها. وذكروه جميعهم بالإطراء والثناء عليه، وصرح بشهادته في " الروضات ". و " الرياض "، وحكى في الأخير أنه رأى نسخة من " مجمع البيان " بخط الشيخ قطب الدين الكيدري، وقد قرأها على نصير الدين الطوسي، وعلى ظهرها أيضا بخطه هكذا: تأليف الشيخ الإمام الفاضل السعيد الشهيد. وقال العلامة النوري في " المستدرك " بعد التصريح بشهادته: لم يذكر في كلمات العلماء كيفية شهادته، ولعلها كانت بالسم، ولذا لم تشتهر شهادته. كان ذلك بسبزوار ليلة النحر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة " 548 ه‍ " وحمل نعشه إلى مشهد الرضا (عليه السلام) ودفن في مغتسله، وقبره الآن مزار معروف.

[ 177 ]

وذكر صاحب " الرياض " للمترجم قصة لوفاته، ربما تعزى إلى المولى فتح الله الكاشاني المفسر المتوفى سنة 988، وإذا لم تتحقق النسبة ضربنا عنها صفحا. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد حين تعلم وعلم، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. القاضي الأديب الرشيد أبو الحسين أحمد بن القاضي الرشيد أبي الحسن علي بن القاضي أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير الغساني الأسواني. أحد أعيان عصره، كان جم الفضائل، بارعا في فنون العلوم، متجلببا بأبراد الفصاحة والبلاغة، له كتب وشعر رائق. قال ابن خلكان: كان من أهل الفضل والنباهة والرئاسة، صنف كتبا قيمة، وله ديوان شعر، ولأخيه المهذب أبي محمد الحسن ديوان شعر أيضا، وكانا مجيدين في نظمهما ونثرهما. أما القاضي الرشيد فقد ذكره الحافظ أبو طاهر السلفي في بعض تعاليقه وقال: ولي الثغر بثغر الاسكندرية في الدواوين السلطانية بغير اختياره في سنة تسع وخمسين وخمسمائة 559 ه‍، ثم قتل ظلما وعدوانا في المحرم سنة 563 ه‍. وذكره العماد أيضا في " السيل والذيل " الذي ذيل به الخريدة فقال: الخضم الزاخر، والبحر العباب، ذكرته في الخريدة وأخاه المهذب، قتله شاور ظلما لميله إلى أسد الدين شيركوه في سنة 563، كان أسود الجلدة وسيد البلدة، أوحد عصره في علم الهندسة، والرياضيات، والعلوم، والشرعيات، والآداب الشرعية، ومما أنشدني له الأمير عضد الدين أبو الفوارس مرهف بن اسامة بن منقذ، وذكر أنه سمعها منه قوله: جلت لدي الرزايا بل جلت هممي * وهل يضر جلاء الصارم الذكر

[ 178 ]

إلى آخر الأبيات. وفي " معجم الادباء " (1): كنيته أبو الحسين، مات في سنة 562 ه‍ مخنوقا على ما نذكره، وكان كاتبا، شاعرا، فقيها، نحويا، لغويا، ناشئا، عروضيا، مؤرخا، منطقيا، مهندسا، عارفا بالطب، والموسيقى، والنجوم، متفننا. قال السلفي: أنشدني القاضي أبو الحسين أحمد بن علي الغساني الأسواني لنفسه بالثغر: سمحنا لدنيانا بما بخلت به * علينا ولم نحفل بجل امورها فياليتنا لما حرمنا سرورها * وقينا أذى آفاتها وشرورها إلى أن قال: وله تآليف ونظم، ونثر، التحق فيها بالأوائل المجيدين، قتل ظلما وعدوانا في محرم سنة 562 ه‍ وله تصانيف معروفة، وله ديوان شعر. كان مولده بأسوان وهي بلدة من صعيد مصر، وهاجر منها إلى مصر فأقام بها. إلى أن قال: أما سبب مقتله، فلميله إلى أسد الدين " شيركوه " عند دخوله البلاد ومكاتبته له، واتصل ذلك " خبره " بشاور وزير " العاضد " فطلبه فاختفى بالاسكندرية، واتفق التجاء الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى الاسكندرية ومحاصرته بها، فخرج القاضي ابن الزبير، راكبا متقلدا سيفا وقاتل بين يديه، ولم يزل معه مدة مقامه بالاسكندرية إلى أن خرج منها، فتزايد وجد شاور وحنقه عليه. وأشتد له الطلب، واتفق أن ظفر به على صفة لم تتحقق لنا، فأمر باشهاره على جمل، وعلى رأسه طرطور وورائه جلواز ينال منه، وأخبرني الشريف الأدريسي عن أبي الفضل بن أبي الفضل أنه رآه على تلك الشنيعة وهو ينشد: إن كان عندك يا زمان بقية * مما تهين بها الكرام فهاتها


(1) معجم الأدباء ج 1 ص 416. (*)

[ 179 ]

ثم جعل يهمهم شفتيه بالقرآن، وأمر به بعد إشهاره بمصر والقاهرة أن يصلب شنقا، فلما وصل به إلى الشناقة جعل يقول للمتولي ذلك منه: عجل، عجل، فلا رغبة لكريم في الحياة بعد هذا الحال، ثم صلب. روى الحاج بن المسيح الأسواني أن ابن الزبير دفن في موضع صلبه، فما مضت الأيام والليالي، حتى قتل شاور وسحب، فاتفق أن حفر له ليدفن فوجد الرشيد بن الزبير في الحفرة مدفونا فدفنا معا في موضع واحد، ثم نقل كل واحد منهما بعد إلى تربة له، بقرافة مصر والقاهرة. ومن شعره: خذوا بيدي يا آل بيت محمد * إذا زالت الأقدام في غدوة الغد أبى القلب إلا حبكم وولاءكم * وما ذاك إلا من طهارة مولدي فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين أبو الغارات " طلايع بن رزيك ". هو ممن شرفه المولى سبحانه بالدنيا والدين، وفاز بكلتا الحسنيين: الآخرة والاولى: فهو عالم ناسك، وأمير فاتك، وحبر ضليع، وشاعر مبدع، وقبل كل شئ إمامي متفان في الولاء، زار مشهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في لمة من الفقراء، وباتوا عنده فرأى السيد أبو الحسن المعصوم بن أبي الطيب أحمد، وهو سيد جليل القدر رفيع المنزلة، وهو جد الأسرة العلويه في النجف الأشرف المعروفة " بآل الخرسان " رأى ليلا في منامه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول له: قد ورد عليك الليلة وفد فقراء من شيعتنا فيهم رجل يقال له: " طلايع بن رزيك " من أكابر محبينا، فقل له: اذهب فإنا قد وليناك مصر، فلما أصبح السيد أمر من ينادي: من فيكم اسمه طلايع بن رزيك ؟ فجاء طلايع إلى السيد وسلم عليه فقص عليه رؤياه،

[ 180 ]

فرحل طلايع إلى مصر، وأخذ أمره في الرقي، فلما قتل نصر بن العباس الخليفة الظافر إسماعيل استثارت نساء القصر طلايع لأخذ ثاراته بكتاب في طيه شعورهن، فحشد طلايع الناس يريد النكبة بالوزير القاتل، فلما قرب من القاهرة فر الوزير ودخل طلايع المدينة بطمأنينة وسلام، فخلعت عليه خلع الوزارة، ولقب بالملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين، فنشر الأمن وأحسن السيرة، واستقل بالأمر لصغر الخليفة " الفائز " وقام بالأمر العاضد لدين الله ابن محمد، وكان صغيرا لم يبلغ الحلم، فعظمت شوكة طلايع، وقوى مراسه، وازداد تمكنه من الدولة، فبهض ذلك أهل القصر، فوقف رجال منهم بالدهليز - الذي يمر منه - وضربوه بأسيافهم حتى خر على وجهه، وحملوه جريحا لا يعي إلى داره، فقضى نحبه يوم الإثنين التاسع عشر 19 من شهر الصيام سنة 556 ه‍، ودفن في القاهرة بدار الوزارة، ثم نقله ولده العادل إلى القرافة الكبرى. ويروى أنه لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها، قال: هذه الليلة ضرب في مثلها الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وأمر بقراءة مقتله، واغتسل وصلى مائة وعشرين ركعة أحيا بها ليله، وخرج ليركب فعثر وسقطت عمامته، فاضطرب لذلك وجلس في دهليز دار الوزارة، فقال له أحد أصحابه: إن هذا الذي جرى يتطير منه، فإن رأى مولانا أن يؤخر الركوب فعل، فقال: الطيرة من الشيطان، وليس إلى التأخير سبيل، ثم ركب فكان من أمره ما كان. هذا خلاصة ما ذكره المقريزي من حديث قتله. وذكر ابن خلكان صورة مقاربة بلفظ آخر. وقال الفقيه أبو محمد عمارة اليمني (1) يرثيه بقصيدة هذا مطلعها: أفي أهل ذا النادي عليم اسائله * فاني لما بي ذاهب اللب ذاهله


(1) هو أبو محمد عمارة بن أبي الحسين الحكمي اليمني، نزيل مصر، ذكره ابن خلكان في تاريخه، وصاحب " نسمة السحر " وغيرهما، وفي " التأسيس " ما ملخصه: إنه كان من الإثني عشرية، وهو صاحب طلايع المذكور، قتله صلاح الدين الأيوبي على تشيعه سنة 569 ه‍ - وهو عالم جليل - له مؤلفات مهمه منها " تأريخ وزراء مصر "، وكتاب " المفيد في أخبار الملوك بزبيد "، وغيرها. (*)

[ 181 ]

سمعت حديثا أحسن الصم عنده * ويذهل واعيه ويخرس قائله إلى أن قال في ختام القصيدة: فياليت شعري بعد حسن فعاله * وقد غاب عنا ما بنا الله فاعله أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم * فيمكث أم تطوى ببيني مراحله وللمترجم مؤلفات عديدة، وديوان شعر في مجلدين يشتمل على كل فن من الشعر، وكان له منتدى بالليل يزدلف إليه رواد الأدب، ويدونون شعره، ولا يخيب أمل من يفد إليه ويقصده بحاجته، وخاصة طلاب العلم. وكان يحمل كل سنة أموالا طائلة إلى العلويين الذين هم بالمشاهد المقدسة ولأهل الحرمين من الأشراف، وكذلك الكسوة. فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. الشهيد الأول العلامة الجليل شمس الدين والملة الشيخ محمد بن الشيخ جمال الدين المكي ابن محمد بن حامد بن أحمد العاملي النبطي الجزيني. ولد رحمه الله سنة 734 ه‍ واستشهد سنة 786 ه‍ عن عمر ناهز الاثنين وخمسين سنة، المنعوت بالشهيد الأول، وهو أول من اشتهر بهذا اللقب عند الإمامية. كان كهف الشيعة وملاذها، عالما فقيها لم يزل فقهه مستقى علماء الإمامية في نظرياتهم، وكتبه مرجع فقهائهم. ذكره العلماء من الفريقين في سيرهم وتأريخهم وكتبهم. ارتحل الى العراق ودرس على فطاحل علمائه، وحاز على شهادات الاجتهاد، وقال في إجازته لابن الخازن: وأما مصنفات العامة ومروياتهم، فإني أروي عن نحو من أربعين شيخا من علمائهم بمكة، والمدينة، ودار السلام بغداد،

[ 182 ]

ومصر، ودمشق، وبيت المقدس، ومقام الخليل إبراهيم (عليه السلام). ومن تأمل في مدة عمره الشريف ومسافرته إلى تلك البلاد، وتصانيفه الرائقة في الفنون الشرعية وأنظاره الدقيقة، وتبحره في الفنون العربية والأدب والأشعار، والقصص النافعة - كما يظهر من مجاميعه - يعلم أنه من الذين اختارهم الله تعالى لتكميل عباده، وعمارة بلاده، وأن كلما قيل أو يقال في حقه فهو دون مقامه ومرتبته. أما كيفية مقتله وشهادته، فقد قال صاحب " الروضات ": نقل عن خط ولد الشهيد على ورقة إجازته لأبن الخازن الحائري ما صورته: استشهد والدي الإمام العلامة كاتب الخط الشريف " شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مكي " شهيدا حريقا بعده بالنار، يوم الخميس التاسع من جمادى الأولى سنة ست وثمانين وسبعمائة هجري 786 ه‍، وكل ذلك فعل به برحبة قلعة دمشق. وفي " اللؤلؤة ": إنه قتل بالسيف ثم صلب، ثم رجم، ثم احرق بالنار ببلدة دمشق في سلطنة " برقوق " (1) بفتوى برهان الدين المالكي وعباد بن جماعة الشافعي، وتعصب جماعة كثيرة بعد أن حبس في قلعة دمشق سنة كاملة، وكان سبب حبسه أن وشى عليه تقي الدين الجبلي ويوسف بن يحيى، وكتب يوسف محضرا يشنع فيه على الشيخ المترجم بأقاويل شنيعة وعقائد غير مرضية عزاها إليه، وشهد فيه سبعون من أهل الجبل من أقوام حناق على المترجم له، وكتب في هذا ما ينيف على الألف من أهل السواحل من رعرعة الناس وأثبتوا ذلك عند قاضي بيروت وقاضي صيدا. فأتوا بالمحضر إلى القاضي عباد بن جماعة بدمشق فأنفذه إلى القاضي المالكي، فقال له: تحكم فيه بمذهبك وإلا عزلتك، فجمع الملك " بيدمرو " الأمراء


(1) برقوق: سيف الدين المقتول سنة 801، اشتهر " ببرقوق " لجحوظ في عينيه، وهو أول ملوك الچراكسة بمصر والشام، وكان ابتداء دولتهم سنة 784 ه‍ وانقراضهم في سنة 922 وعدتهم 23 ملكا. (*)

[ 183 ]

والقضاة والشيوخ، وأحضروا شيخنا المترجم وقرئ عليه المحضر، فأنكر ذلك كله، فلم يقبل الملك قيل له: قد ثبت ذلك عندنا ولا ينتقض حكم القاضي، فقال الشيخ: الغائب على حجته فإن أتى بما يناقض الحكم جاز نقضه، وإلا فلا، وها أنا ابطل شهادات من شهد بالجرح، ولي على كل واحد حجة بينة، فلم يسمع ذلك منه ولم يقبل، فعاد الحكم إلى المالكي، فقام وتوضأ وصلى ركعتين، ثم قال: قد حكمت بإهراق دمه، فاكسوه اللباس، وفعل به ما قدمناه من القتل والصلب والرجم والإحراق. ألا لعنة الله على القوم الظالمين. وممن تعصب وساعد على إحراقه رجل يقال له: " محمد الترمذي "، وكان رجلا تاجرا يحقد على شيخنا الشهيد. وللمؤرخ أبي الفلاح عبد الحي بن العماد الجبلي المتوفى سنة 1089 ه‍ كلمة، قال في الجزء السادس من " شذرات الذهب " ص 294، ما يقضي منه العجب: قال: وفيها - يعني سنة 786 - قتل محمد بن مكي العراقي الرافضي، كان عارفا بالاصول والعربية، فشهد عليه بدمشق بانحلال العقيدة، واعتقاد مذهب النصيرية، واستحلال الخمر الصرف، وغير ذلك من القبائح، فضربت عنقه بدمشق، في جمادى الاولى وضربت عنق رفيقه " عرفة " بطرابلس، وكان على معتقده. ويشهد الله والحقيقة وكتب الفقيد الشهيد أنه براء من تلكم النسب وفي منأى عنها، غير أن المؤرخ يتحرى تبرير عمل من ارتكب تلكم الجريرة بنحت أعذار مفتعلة. هذه خلاصة ما ارتكبوه من الجرائم والفضائع في هذه الفاجعة، بحق الشهيد، وما تشبثوا به مما يبرر أعمالهم عند زبائنهم، وتنفيذ حقدهم. وكان اشدهم حنقا عليه القاضي " ابن الجماعة " منذ المناظرة التي جرت بينهما، ومن جرائها كانت تلكم الهلجات، وقام الهوس والهياج من رعاع الناس

[ 184 ]

على قدم وساق، يدفعهم بها الحكام والقضاة، وفي مقدمتهم " القاضي ابن الجماعة ". ففي " الروضات ": رأيت في بعض مؤلفات صاحب " مقامع الفضل " (1) أنه جرى يوما بين شيخنا الشهيد المترجم والقاضي ابن الجماعة كلام في بعض المسائل، وكانا متقابلين، وكانت بين يدي الشهيد محبرة، وكان ابن الجماعة رجلا بدينا، وأما الشهيد كان صغير الجسم، فقال له ابن الجماعة في أثناء المناظرة وهو يريد تحقيره: إني لا أحس إلا صوتا من وراء الدواة ولا أفهم ما يكون معناه، فأجابه الشيخ الشهيد قائلا: نعم، ابن الواحد لا يكون أعظم من هذا، فخجل ابن الجماعة من هذه المقالة كثيرا، وامتلأ منه غيظا وحقدا إلى أن فعل به ما فعل. ملخصا. ذكر غير واحد من المترجمين تفاصيل في هذا المقام، اقتصرنا منها على هذا الإجمال. أما آثاره العلمية، أو مآثره الخالدة، وغرره الوضاحة، فكثيرة مذكورة في معاجم التراجم. كما أنه روى عن فطاحل العلماء المعاصرين له، وترك أشعارا في مناسبات عديدة مما يدل على تضلعه في الأدب، فضلا عن الفنون العديدة. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد واستشهد، ويوم يبعث حيا. علي بن أبي الفضل ومن أعيان الشيعة في القرن الثامن علي بن أبي الفضل بن محمد الحلبي، نزيل دمشق، لم نعرف محله من العلم، لكن ذكره العسقلاني في كتابه " الدرر الكامنة " وعده من أعيان القرن المذكور.


(1) العلامة المتبحر آقا محمد علي ابن الوحيد المجدد البهبهاني. (*)

[ 185 ]

وقال: إنه رافضي قدم دمشق فأظهر الرفض، وظاهر به حتى دخل الجامع الأموي رافعا صوته يسب أول من ظلم آل محمد، وكان الناس حينئذ في صلاة الظهر. فأخذ واقيم بين يدي القاضي تقي السبكي، فسأله: من تلعن ؟ قال: أبا بكر، ثم رفع صوته وقال: لعن الله فلانا وفلانا، وذكر الخلفاء الثلاثة يسميهم، وعطف عليهم معاوية ويزيد، وكرر بذلك، فأمر به إلى السجن. ثم أحضره بعد وعرض عليه التوبة فامتنع، فعقد له مجلس فأمر المالكي بضربه بالسياط، فلم يرجع، وأعيد عليه ذلك مرارا، وهو يبالغ فيما هو فيه من السب واللعن الصريح، فحكم المالكي بسفك دمه. وذلك في التاسع عشر من جمادى الاولى سنة 755 ه‍، فقتل واحرق جسده وطيف برأسه - رحمة الله عليه. سيد الحكماء أبو المعالي الأمير محمد الدشتكي الشيرازي، المعروف بصدر الدين الكبير، المنتهي نسبه إلى زيد الشهيد ابن الإمام زين العابدين (عليهما السلام) وهو من أجداد السيد صاحب " سلافة العصر "، صدر من صدور الأمة. قال القاضي الشهيد في " المجالس " ما ملخصه: إنه يكنى بأبي المعالي ويلقب بصدر العلماء، وإن أسلافه كلهم من جملة حفظة السنة والحديث وحملة العلوم، إلا أنه كان الغالب على أمرهم الالتزام بالتقية. وذكر ابن المترجم الأمير غياث الدين المنصور في شرحه على كتاب " إثبات الواجب " لوالده، قال: إن والدي، ولد صبيحة يوم الثلاثاء الثاني من شهر شعبان سنة ثمان وعشرين وثمانمائة " 828 ه‍ "، واستشهد في صبيحة يوم الجمعة الثاني عشر من

[ 186 ]

شهر رمضان سنة ثلاث وتسعمائة من الهجرة " 903 ه‍ "، قتل بيد التركمان. ومن جملة آثاره: المدرسة المنصورية بشيراز، وله كتاب: " حاشية القديم والجديد على شرح التجريد ". وذكره بالإطراء والشهادة صاحب " إيجاز المقال " و " حبيب السير "، وقبره في شيراز مشهور، وفي جواره دفن ولده الأمير غياث الدين منصور. قال صاحب " المجالس " بعد إطرائه: فرغ من ضبط العلوم وهو في سن العشرين، وناظر العلامة الدواني قبل ذلك بنحو من ست سنين، وكان له منصب الصدارة للسلطان شاه طهماسب الصفوي الموسوي... الخ. وخلف نجلين جليلين، أكبرهما: الأمير شرف الدين علي، المعروف بالورع والسداد في زمانه، والثاني: الأمير محمد، المعروف بصدر الدين الثاني. له إفادات وإجازات، وأسفار، وحديث توبته النصوح وآثارها الجليلة مذكورة في " المجالس " وتجد فيه وفي " الروضات " تفاصيل من هذه التراجم. فرحمة الله عليهم أجمعين... السيد الفاضل الأمير غياث الدين محمد الهروي الرازي، وينتهي نسبه إلى الحسين الأصغر ابن علي السجاد ابن الحسين (عليهم السلام). أطراه القاضي الشهيد في " المجالس ". أصله رازي، سافر والده في أيام السلطان حسين ميرزا إلى هراة، ونشأ السيد في تلك البلاد، واشتغل بتحصيل العلوم المتداولة، على أعلام عصره، منهم: المولى حسين الهروي، وشيخ الإسلام التفتازاني، وغيرهم، ثم تقلد منصب الصدارة، والإمارة في بلدة خراسان، في زمان السلطان " صاحب قران " إلى أن حكم الأمير خان التركماني والي خراسان بقتله، بسعاية بعض من يبغي الفساد،

[ 187 ]

فاستشهد يوم الأربعاء الثامن من شهر رجب سنة سبع وعشرين وتسعمائة " 927 ه‍ ". وفي " الرياض ": السيد الجليل الفاضل الأمير غياث الدين محمد بن يوسف الرازي، الذي كان صدرا للسلطان شاه طهماسب بخراسان، وأن الأمير جمال الدين " عطاء الله " المحدث بهراة ذهب لشفاعته واستخلاصه إلى حضرة الخان، ولم ينفع التماسه، وقتل الأمير غياث الدين المذكور. وفي " حبيب السير ": كان المترجم له الجاه العريض لدى السلطان حسين ميرزا، وكان مدرسا في مقبرته ناشرا ألوية العلم والفضل، وملك أزمة القضاء في بلاد خراسان، وجمع بين منصبي الصدارة والإمارة، وكان في هراة له الأمر والنهي، وفي جميع الأمور والمهمات الشرعية، فأضرم نفوذه في تلكم الديار الحقد والعداء في خلد أمير خان، فلما حوصرت هراة بيد عبيد الله خان، عزم على قتله، فبعث يوم الثلاثاء السادس من رجب، جمعا كثيرا من خواصه إلى دار السيد فأخذوه واقتادوه إلى القلعة، ثم أغاروا على منزله ونهبوه، وبعدها أغاروا على أصحابه وملازميه، ثم بعث أمير خان جلاده قاسم مهران إلى القلعة فقتله واستشهد (رحمه الله). فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. المحقق الكركي العلامة المحقق نور الدين أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد العالي العاملي الكركي، المعروف - في زمانه - بالشيخ العلائي تارة، وبالمولى المروج طورا، وبالمحقق تارة اخرى. هو بيت القصيد شيخ الامه وزعيمها الميمون، وفقيهها الأكبر، قدم إيران بطلب من الشاه طهماسب الصفوي، فأفاض العلم، ونشر الدعوة، وبث الدين،

[ 188 ]

وأقام معالمه، وكان السلطان يشد أزره، ويقيم أمره، ويمكنه مما يتحراه من التثقيف وإقامة الأمت والأود، وبذلك كانت له الموفقية بالحصول على غايات شريفة قل من ضاهاه فيها، أو أنه اختص بها إلى عصره، وكان الشاه طهماسب يقدمه على جميع علماء عصره، وهو أهل لذلك كله، قدس الله روحيهما. وقال المؤرخ المعاصر للشيخ المترجم، الحسن بيك روملو في تأريخه ما حاصله: إنه لم يتح بعد الخواجة نصير الدين الطوسي لأحد من العلماء ما اتيح لشيخنا المروج، من إعلاء كلمة الحق، وتشييد المذهب، وكبح جماح المتهتكين، ومنعهم عن الفجور، وزجرهم، وإزالة البدع والمنكرات، وإقامة الفرائض والسنن، والمحافظة على الجمعة والجماعة... إلخ. كما قرض في كتاب " نقل الرجال " و " أمل الآمل " و " لؤلؤة البحر "، وغيرهما من كتب السير والرجال. وعن شيخنا الشهيد الثاني في إجازته الكبيرة، وصفه بالإمام المحقق نادرة الزمان، ويتيمة الأوان، وكان شيخنا المترجم من علماء عهد الشاه طهماسب الصوفي، فوض إليه امور المملكة، وكتب رقما إلى جميع الممالك بامتثال أوامر الشيخ، وأن أصل الملك إنما هو له لأنه نائب الإمام (عليه السلام)، فكان الشيخ يكتب إلى جميع البلدان كتبه ودساتيره في الخراج، وما ينبغي تدبيره في امور الرعية، حتى أنه غير القبلة في كثير بلاد إيران باعتبار مخالفتها للمعلوم عنده. وعن السيد الجزائري في شرحه " غوالي اللآلي " جاء مطابقا لما ذكر أعلاه. كما نقل في " الرياض " و " المستدرك " صورة الحكم الصادر من السلطان الشاه طهماسب الصفوي إلى جميع الممالك فيها فوائد لا يستهان بها، وكان تأريخها السادس عشر من شهر ذي الحجة سنة 939، كما همش السلطان بخطه على الفرمان (1) مؤيدا، نطوي عنها روما للاختصار.


(1) الفرمان: كلمة فارسية بمعنى الأوامر. (*)

[ 189 ]

وللمترجم تآليف عديدة، منها: " جامع المقاصد "، و " نفحات اللاهوت "، وغيرها، التي لا زالت معتمدة في الحوزات العلمية ومحلا للاستفادة منها. كما يروي (قدس سره) عن فطاحل العلماء في عصره وممن سبقه. شهادته: فقد صرح بها معاصره ابن العودي في رسالته، قال: هذا الشيخ علي بن عبد العالي الكركي، يروي عنه شيخنا بلا واسطة، توفي مسموما ثاني عشر ذي الحجة سنة خمس وأربعين وتسعمائة " 945 ه‍ " وهو في الغري على مشرفه السلام. وذكر شهادته أيضا صاحب " الرياض " في مواضع كثيرة من كتابه، نقلا عن الشيخ حسين عبد الصمد الحارثي العاملي، والد شيخنا البهائي (رحمهم الله) إنه صرح في بعض رسائله بذلك، ونقله صاحب " روضات الجنات " في موضعين من الكتاب، ونص بها العلامة النوري في " نفس الرحمان " و " المستدرك " ويؤيدهما في تأريخ ذلك العهد، من أن بعض رجال الدولة كان ينصب العداء للشيخ المروج، يتحرى الغوائل لقتله، ويتربص به الدوائر. وله مؤلفات، وإجازات، وأشعار (رحمه الله)، طوينا عنها روما للاختصار. فسلام عليه يوم ولد، ويوم ألف وعلم واستفاد وأفاد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. الشهيد الثاني العلامة الإمام شرف الإسلام زين الدين ابن الشيخ الإمام نور الدين علي ابن... الجبعي العاملي الشامي المعروف بابن الحجة، المنعوت عند فقهاء الإمامية بالشهيد الثاني، المستشهد سنة 965 وهو ابن 54 سنة. من أكبر حسنات الدهر، زين الدين والملة، وشيخ الفقهاء الأجلة، شارك

[ 190 ]

في علوم مهمة من حكمة، وكلام، وفقه، واصول، وشعر، وأدب، وطبيعي، ورياضي، وقد كفانا مؤنة التعريف به شهرته الطائلة، فما عسى أن يقول فيه المتشدق ببيانه، وكل ما يقوله دون أشواطه البعيدة، وصيته الطائر. ولد يوم الثلاثاء الثالث عشر من شهر شوال سنة 911 ه‍ وأخذ الأوليات عن والده، وبعد وفاة والده سنة 925 ه‍ هاجر إلى ميس وأقام بها ردحا من الزمن ثم قفل إلى كرك نوح سنة 933 ه‍ ورجع منها إلى جبع سنة 934 ه‍، ثم هاجر إلى دمشق سنة 937 ه‍، ثم رجع إلى جبع 938 ه‍، ثم يمم بيت المقدس سنة 948 ه‍ وأقام بها وسار بمناحيها إلى أواخر سنة 951 ه‍، ثم رجع إلى جبل عامل. تخرج المترجم في تجولاته، في البلاد دون ضالته المنشودة - العلم - وسيره الحثيث في طريق بغيته " إحياء البشر " على جمع كثير من فطاحل علماء عصره من الفريقين في علوم شتى ومتنوعة، ذكره حفيده الشيخ علي في " الدر المنثور " ملخصا. ثناء العلماء عليه: في " أمل الآمل ": أمره في الثقة، والعلم، والفضل، والزهد، والعبادة، والورع، والتحقيق، والتبحر، وجلالة القدر، وعظم الشأن، وجميع الفضائل والكمالات أشهر من أن يذكر، ومحاسنه وأوصافه الحميدة أكثر من أن تحصى وتحصر، ومصنفاته كثيرة مشهورة. إلى أن قال: وكان فقيها، محدثا، نحويا، قارئا، متكلما، حكيما، جامعا لفنون العلم، وهو أول من صنف من الإماميه في دراية الحديث. وفي " المقابس " للفقيه الأكبر الشيخ أسد الله الكاظمي قال: إنه أفضل المتأخرين، وأكمل المتبحرين، نادرة الخلق، وبقية السلف، مفتي طوائف الأمم، والمرشد إلى التي هي أقوم، قدوة الشيعة، ونور الشريعة، الذي قصرت الأكارم الأجلاء عن استقصاء مزاياه وفضائله السنية، وحارت الأعاظم

[ 191 ]

في مناقبه وفواضله العلية، الجامع في معارج الفضل والكمال والسعادة، بين مراتب العلم والعمل، والجلالة والكرامة والشهادة، المؤيد المسدد بلطف الله الخفي الجلي. وفي " روضات الجنات ": لم ألف إلى هذا الزمن - الذي هو من حدود 1263 ه‍ ثلاث وستين ومائتين بعد الألف - أحدا من العلماء الأجلة يكون بجلالة قدره، وسعة صدره، وعظم شأنه، وارتفاع مكانه، وجودة فهمه، ومتانة عزمه، وحسن سليقته، واستواء طريقته، ونظام تحصيله، وكثرة أساتيذه، وظرافة طبعه، ولطافة صنعه، ومعنوية كلامه، وتمامية تصنيفاته وتأليفاته، بل كاد أن يكون في التخلق بأخلاق الله، تاليا لتلو المعصوم... الخ. وللمترجمين في الثناء عليه، وذكر مقاماته الكريمة، وعلومه الراقية، وفضائله الجمة، كلمات تامات ضافيات، طوينا عنها روما للاختصار، وإنما نفيض القول في كيفية شهادته التي هي ضالتنا المنشودة في الكتاب. مقتله وشهادته: في " أمل الآمل ": كان سبب قتله - على ما سمعته من بعض المشايخ، ورأيته بنص بعضهم - إنه ترافع إليه رجلان، فحكم لأحدهما على الآخر، فغضب المحكوم عليه وذهب إلى قاضي صيدا واسمه " معروف " وكان الشيخ في تلك الأيام مشغولا بتأليف " شرح اللمعة "، وفي كل يوم يكتب منه - غالبا - كراسا، ويظهر من نسخة الأصل أنه ألفه في ستة أشهر وستة أيام، فأرسل القاضي إلى " جبع " من يطلبه، وكان مقيما في كرم له مدة منفردا عن البلد متفرغا للتأليف، فقال له بعض أهل البلد: قد سافر عنا مدة، فخطر على بال الشيخ أن يسافر إلى الحج، وكان قد حج مرارا، لكنه قصد الاختفاء، فسافر في محمل مغطى. فكتب قاضي صيدا إلى سلطان الروم أنه قد وجد في بلاد الشام رجل مبدع خارج عن المذاهب الأربعة، فأرسل السلطان رجلا في طلب الشيخ، وقال له:

[ 192 ]

ائتني به حيا حتى أجمع بينه وبين علماء بلادي فيبحثوا معه ويطلعوا على مذهبه فيخبروني فأحكم عليه بما يقتضيه مذهبي، فجاء الرجل فأخبر أن الشيخ توجه إلى مكة، فذهب في طلبه فاجتمع به في طريق مكة، فقال له: تكون معي حتى نحج بيت الله ثم افعل ما تريد، فرضي بذلك، فلما فرغ من الحج سافر معه إلى بلاد الروم، فلما وصل إليها رآه رجل فسأله عن الشيخ، فقال: رجل من علماء الشيعة الإمامية أريد أن اوصله إلى السلطان، فقال: أوماتخاف أن يخبر السلطان بأنك قصرت في خدمته وآذيته، وله هناك أصحاب يساعدونه فيكون سببا لهلاكك ؟ بل الرأي أن تقتله وتأخذ برأسه إلى السلطان، فقتله في مكان في ساحل البحر. وكان هناك جماعات من التركمان فرأوا في تلك الليلة أنوارا تنزل من السماء وتصعد، فدفنوه هناك، وبنوا عليه قبة، وأخذ الرجل رأس الشيخ إلى السلطان، فأنكر عليه، وقال: أمرتك أن تأتني به حيا فقتلته ؟ ! ثم أمر السلطان به فقتله به. وفي بعض مؤلفات شيخنا البهائي (رحمه الله) أنه قال: أخبرني والدي أنه دخل في صبيحة بعض الأيام على شيخنا الشهيد، فوجده متفكرا، فسأله عن سبب تفكره، فقال: يا أخي أظن أني أكون ثاني الشهيدين - وفي رواية: ثاني شيخنا الشهيد في الشهادة - لأني رأيت البارحة في المنام أن السيد المرتضى علم الهدى (رحمه الله) عمل ضيافة جمع فيها علماء الإمامية بأجمعهم في بيت، فلما دخلت عليهم قام السيد المرتضى، ورحب بي، وقال لي: يا فلان اجلس إلى جنب الشيخ الشهيد [ الأول ] فجلست بجنبه، فلما استوى بنا المجلس انتبهت من المنام، ومنامي هذا دليل ظاهر على أني اكون تاليا له في الشهادة. آثاره: وأما آثار المترجم الشهيد التي كلها مآثر، فهي تناهز السبعين مؤلفا، نقل صاحب " أمل الآمل " عن بعض الثقات أنه خلف ألفي كتاب، منها مائتا كتاب

[ 193 ]

كانت بخطه الشريف، من مؤلفاته وغيرها. كما أنه كان ضليعا بالأدب، وأشعاره كثيرة في مناسبات عديدة، ورثاؤه للأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد وألف وكتب، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. الشهيد الثالث المولى الفقيه شهاب الدين عبد الله بن المولى محمود بن سعيد التستري الخراساني، المعبر عنه بالشهيد الثالث. من أجلاء علماء دولة السلطان طهماسب الصفوي، استشهد سنة 997 ه‍ ببخارى، واحرق جسده في ميدانها. قال صاحب تاريخ " عالم آرا " ما ملخصه: إن مولده كان بتستر، وكان في أوائل أمره مشتغلا بتحصيل العلوم بشيراز، ثم غادرها إلى بلاد العرب، وقرأ على جملة من علمائها وفقهاء جبل عامل وغيرهم، فبلغ الغاية في علوم الدين، ثم توجه إلى معسكر السلطان طهماسب ودخل عليه، وتوافقا على سكنى الشيخ بخراسان، فأقام بها ردحا من الزمن مشتغلا بالإفادة والتدريس، والهداية والإرشاد، كان محمود النقيبة، سجح الأخلاق، مرضي الشيم، كان يناصح السلطان في أكثر أوقات إقامته بتلك الروضة المقدسة، وكان مكرما عنده، إلى أن تغلبت الاوزبكية على ذلك المشهد الشريف سنة 997 ه‍، فأخذوا المترجم الشهيد إلى ما وراء النهر، وجرت بينه وبين علمائها من العامة مناظرات أدت إلى قتله بالخناجر والمدى، واحرق جسده الشريف في ميدان بخارى على التشيع والولاء. وفي " الروضة الصفوية " ما ملخصه: إنه لما توجه عبد المؤمن خان ابن عبد الله خان، ملك الاوزبك إلى خراسان

[ 194 ]

مشهد الرضا (عليه السلام)، وأخذ تلك البلاد عنوة، وقتل من في تلك الأرض المقدسة، أمر بكسر باب الروضة وقتل من فيها، أخذت الاوزبكية في حوالي الروضة المولى الجليل خاتم المجتهدين المولى عبد الله التستري، فذهبوا به إلى عبد المؤمن خان، وقالوا: إن هذا هو رئيس الرافضة، فآمنه الخان، وأرسل المولى إلى ولده عبد الله خان ببخارى، وبعد ما وصل بخارى باحث مع علمائها فعجزوا عن معارضته فقالوا لعبد الله خان: إنه ليس لكم شك في حقيقة مذهبكم، فما الباعث على مناظرة هذا الرجل، ولابد أن يقتل من كان مخالفا لمذهبنا ويجتنب عن مباحثته، لئلا يصير باعثا ضلال العوام، فقتلوه وأحرقوه، (رضي الله عنه). وله مؤلفات كثيرة ومفيدة. فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. الشيخ الجليل ملا أحمد الهندي التهتهني، من أعيان الشيعة بالهند في القرن العاشر. استشهد بيد " فولادبرلاس " أحد قواد عهد أكبر شاه، قتله على التشيع بالخناجر، اغتاله ليلا، بعد أن أخرجه من داره ببعض الحيل، فمكث أياما يعاني من جراحه حتى مات في أوائل سنة 997 ه‍. وسرعان ما انتقم الله من القاتل، فأمر به السلطان فاخذ وشد برجل فيل فجر في الأزقة بلاهور حتى هلك قبل الشهيد بثلاثة أيام. وأقام الشيخ أبو الفضل المؤرخ الشهيد الآتي ذكره - أي القاضي التستري - وأخوه الشيخ فيضي حرسا على قبر المترجم خوفا من نبشه، لكن بعد أن أفاض جيش السلطان عن لاهور إلى كشمير، أخرجته زبانية الأحقاد فأحرقوا جثته. فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا.

[ 195 ]

العلامة القاضي التستري المرعشي السيد ضياء الدين القاضي نور الله ابن السيد الشريف... إلى أن ينتهي نسبه إلى الحسين الأصغر ابن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) - التستري المرعشي، صاحب كتاب " إحقاق الحق " و " مجالس المؤمنين " وغيرهما. ولد (قدس سره) 956 ه‍، واستشهد سنة 1019 ه‍ عن عمر لا يتجاوز الرابعة والستين. كان (رحمه الله) كعبة الدين ومناره، ولجة العلم وتياره، ولسانه الناطق، فلم يبرح باذلا كله في سبيل ما اختاره له ربه، حتى قضى نحبه شهيدا محتسبا، وبعين الله اهريق دمه الطاهر. هبط الديار الهندية، فنشر فيها الدعوة، وأقام حدود الله، ولعله أول داعية فيها إلى التشيع والولاء الخالص، نجد الثناء عليه عاطرا متواترا في " أمل الآمل " و " رياض العلماء " و " روضات الجنات " و " الإجازة الكبرى " لحفيد السيد الجزائري، و " نجوم السماء " و " المستدرك " و " الحصون المنيعة " وغيرها من المعاجم. كان المترجم له من أكابر علماء العهد الصفوي، معاصرا للشيخ بهاء الدين العاملي (قدس سره) قرأ في تستر على المولى عبد الوحيد التستري. ومما يدل على غزارة علمه ونبوغه فيها كتبه الثمينة، وآثاره القيمة التي بلغت سبعة وتسعين كتابا ورسالة في شتى العلوم والفنون، ومنها: موسوعة " إحقاق الحق " الذي أوجب قتله واستشهاده، وهو كتاب كبير واسع غزير المادة يتدفق العلم من جوانبه، نقد فيه القاضي الفضل بن روزبهان في رده على آية الله العلامة الحلي في كتاب " نهج الحق وكشف الصدق "، رده فيه ردا منطقيا ببيان واف غير مستعص على الأفهام (1)، وكتاب " مجالس المؤمنين " في مشاهير رجال الشيعة من علماء وملوك وادباء وشعراء وعرفاء وغيرهم، وغيرها من الكتب المفيدة.


(1) وقد علق عليه واستدركه العلامة السيد المرعشي النجفي، وزاد عليه حتى أصبح يربو على خمسة وعشرين مجلدا ضخما، كل مجلد منها يحتوي على اكثر من ستمئة صفحة بالحجم الوزيري. (*)

[ 196 ]

يمم الشهيد القاضي التستري المرعشي الهند أيام السلطان أكبر شاه " المغولي " فأعجبه فضله، ولباقته، ولياقته، وعلمه، فقلده القضاء، وجعله قاضي القضاة، وقبله السيد وشرط أن يحكم فيه بمؤدى اجتهاده، غير أنه لا يخرج فيه عن فقه المذاهب الأربعة، فقبل السلطان منه ذلك، فكان يقضي ويفتي مطبقا له في كل قضية بأحد المذاهب الأربعة، غير أنه كان مؤدى اجتهاده، لأنه لم يكن ممن يرى انسداد باب الاجتهاد، وكان هو من أعاظم المجتهدين ممن منحوا النظر وملكة الاستنباط، وإنما كان يتحرى تطبيق حكمه بأحد المذاهب حذرا من شق العصا في ظروفه المعاصرة، فاستقر له الأمر فطفق يقضي ويحكم، وينقض ويبرم، حتى قضى السلطان نحبه، وخلفه ابنه السلطان جهانگيز شاه (1) فسعى الحاسدون والوشاة إليه في أمر السيد المترجم بعدم التزامه بأحد المذاهب، فردهم السلطان بأنه شرط ذلك علينا يوم تقلد القضاء، ولا يثبت بهذا تشيعه فالتمسوا الحيلة في إثبات تشيعه. فقرر الوشاة إرسال أحد أتباعهم في أن يتتلمذ عنده ويظهر أمره الخفي، فالتزمه مدة حتى وقف على كتابه " مجالس المؤمنين " وأخذه من استاذه بإلحاح حتى استنسخه وعرضه على أصحابه، ووشوا به إلى السلطان، فلم يزل الحساد والوشاة والفتانون ينحتون له كل يوم ما يشين سمعته عند السلطان حتى تمكنوا من إثارة غضبه وأثبتوا عنده استحقاقه الحد كذبا وزورا، وأصدروا الحكم عليه بأن يجلد بالسياط بقدر محدود، ففوض ذلك إليهم، فبادر علماء السوء إلى ذلك حتى قضى المترجم السيد تحت السياط شهيدا على التشيع. في أكبر آباد عاصمة ملكه. وقيل: إن زبانية الحقد والسوء قتلوه في الطريق، إذ جردوه عن ثيابه وجلدوه بجرائد شائكة فتقطعت أعضاؤه وتناثرت به أشلاء النبوة، واريقت دماؤها، فلقي جده مضمخا بدمه.


(1) الذي بنا مقبرة تاج محل لزوجته ممتاز محل في اگرا - وقد زرت مدينة آگرا - وأكبر آباد، وغيرها من المدن الهندية، كما ذكرت تفصيل ذلك في ذكرياتي. (*)

[ 197 ]

وقبره بأكبر آباد، يزار ويتبرك به، وفي العصور الأخيرة اعيدت عمارة قبره مجددا. وله أشعار كثيرة بالفارسية والعربية. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد واستشهد، ويوم يبعث حيا. العلامة السيد محمد مؤمن ابن دوست محمد الاستر آبادي. نزيل مكة الشهيد في حرم الله ودار أمنه سنة 1088 ه‍، هو مجتمع الفضائل، وملتقى المكارم، لم يدع مأثرة إلا وحازها، ولا مفخرة إلا وهو ابن بجدتها، سبوق في حلبة العلم، لا يشق غباره، وبحر علم ضخم، وأما مقامه في التقى والورع فلا يكاد يبلغه الوصف مهما أبلغ القائل وأبدع. له رسالة في إثبات الرجعة، ورسالة في علم العروض، يروي عنه بالإجازة الشيخ أحمد بن محمد بن يوسف البحراني، والعلامة المجلسي، وله إجازة منه. ويروي هو عن السيد نور الدين علي بن الحسين العاملي الموسوي، والسيد الشهيد زين العابدين الآنف ذكره، وهو صهر المولى محمد أمين الاستر آبادي. استشهد بمكة المكرمة سنة " 1088 ه‍ " بعد ما اطلع سدنة البيت بتلويثه بالعذرة من كافر ألد، فشاع الخبر وأخذ مأخذه من الأهمية، وبلغ الاستياء من عامة الناس كل مبلغ - وحق له ذلك - وعقدت النوادي والمجتمعات للمفاوضة في الأمر، وتحرى الملحد الأكوع الذي جنت يداه الأثيمتان تلكم الجناية الفظيعة، واجتمع خاصة أهل مكة، وفيهم الشريف بركات، وقاضيها محمد ميرزا، فلم يهدهم الأخذ والرد إلى مرتكب لها، لكنما " قتل الخراصون " أوحت إليهم بواعثهم أن يقذفوا بها الإمامية من نزلاء مكه، وأظهروا الجزم به، وتقرر عندهم أن يقتل كل منهم من يصادف أي أحد من الشيعة بعد انفضاض المجلس، فدخل جماعة من الأتراك وبعض أهل مكة المسجد، فوجدوا فيه خمسة من القوم، منهم السيد

[ 198 ]

المترجم فقتلوهم، ثم قتلوا من وجدوا منهم في نواحي مكة. وكان شيخنا الحر العاملي - صاحب " الوسائل " - يومذاك بمكة وقد اطلع على هواجس القوم وسوء نيتهم قبل ذلك، فأمر أصحابه بالتزام البيوت حتى تهدأ الفورة، وإذ وقعت الواقعة خشي على نفسه والتجأ إلى السيد موسى بن سليمان أحد أشراف مكه الحسنيين، فأخرجه مع رجاله إلى اليمن. نجد تفصيل حال المترجم في غير واحد من المعاجم، ك‍ " الرياض " و " الأمل " و " خلاصة الأثر " و " نجوم السماء " و " المستدرك " و " الحصون المنيعة " و " قصص العلماء " و " وفيات الأعيان ". وهكذا تجد الاضطهاد والتعسف، يطارد شيعة آل محمد أينما حلوا وارتحلوا، منذ يوم السقيفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. العلامة المدرس أبو الفتح السيد نصر الله بن الحسين بن علي بن إسماعيل الحسيني الموسوي الحائري المعروف بالسيد الشهيد (1). ممن جمع الله سبحانه له الحسنيين، السعادة بالعلم والتقى، والشهادة دون ما يحب الله ويرضى، فهو عالم، فقيه، محدث، أديب، شاعر. وفي " الإجازة الكبرى " للسيد عبد الله حفيد السيد نعمة الله الجزائري، تقريض طويل منه: وكان يدرس " الاستبصار " في مشهد الرضا وقم المقدسة، ويجتمع في درسه جم غفير وجمع كثير من الطلبة وغيرهم، لحسن منطقه. وكان حريصا على جمع الكتب، موفقا في تحصيلها، وقال: حدثني أنه اشترى في اصفهان زيادة على ألف كتاب صفقة واحدة بثمن بخس دراهم معدودة. وقال: ولما سار المترجم إلى مشهد الرضا (عليه السلام) حصلت بينه وبين المولى رفيع


(1) ذكر غير واحد من المعاجم إن نسبه متصل إلى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام). (*)

[ 199 ]

الدين الجيلاني المقيم في مشهد منافرة انتهت إلى الهجرة والقطيعة، فرجع السيد إلى موطنه (1) ورأيته هناك عام تشرفت بالزيارة، وهو سنة ثلاث وخمسين ومائة بعد الألف " 1153 ه‍ ". ولما دخل سلطان العجم " نادر شاه " المشاهد المشرفة في المرة الثانية وتقرب إليه السيد، أرسله بهدايا وتحف إلى الكعبة، فأتى البصرة ومشى إليها من طريق نجد، وأوصل الهدايا، وأتى عليه الأمر بالشخوص سفيرا إلى سلطان الروم (2) لمصالح تتعلق بأمور الملك والملة، فلما وصل القسطنطينية وشي به إلى السلطان، بفساد المذهب، وأمور اخرى، فاحضر واستشهد، وقد تجاوز عمره الخمسين عاما رحمه الله. وله مؤلفات ومصنفات كثيرة، وفي " روض النصر " و " الروضات " و " المستدرك " و " الحصون المنيعة " و " وفيات الأعيان "، وغيرها جمل ضافية في الثناء عليه وترجمته، وفي بعضها: إن المترجم أرسله " نادر شاه " إلى السلطان محمود سنة 1154 ه‍ فقتل. وله مشايخ كثيرون، يروي بالإجازة عنهم، ذكرهم صاحب " وفيات الأعيان " مفصلا. وله ديوان شعر رائق افتتحه، بهذه الارجوزة: بسم الذي علمنا بالقلم * من علم الإنسان ما لم يعلم قال الفقير للغني القادر * نجل الحسين بن علي الحائري مدرس الطف العظيم الجاه * الموسوي العبد نصر الله إلى آخر الارجوزة. كما له مخمسات لقصيدة الفرزدق في مدح الإمام السجاد المعروفة، والتي مطلعها:


(1) الظاهر أنه الحائر الحسيني - كربلاء. (2) الحكومة العثمانية - وكان سلطانها محمود الأول 1108 - 1168. (*)

[ 200 ]

يا سائلي أين حل الجود والكرم * عندي جواب إذا طلابه قدموا هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم كما له أشعار مؤرخا فيها تذهيب القبة الشريفة المرتضوية والمنارتين، وصدر الإيوان الذهبي المقدس لحرم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما أمر السلطان " نادر شاه " بتذهيبهما. وأشعار كثيرة أعرضنا عن ذكرها روما للاختصار. كما للمترجم تلامذة علماء أفاضل، وادباء كثيرون. فسلام عليه يوم ولد وبلغ وجاهد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. الفقيه الشيخ محمد العلامة الفقيه الشيخ محمد بن يوسف بن علي بن كنبار الضميري النعيمي البلادي، مولدا ومنشأ، ومسكنا. قال صاحب " لؤلؤة البحرين ": كان هذا الشيخ فقيها، عابدا، صالحا، ملازما لمصباح الشيخ (1) والعمل بما فيه، وله ديوان شعر حسن في مراثي أهل البيت (عليهم السلام) وله مقتل الحسين (عليه السلام)، وشعره بليغ نفيس. توفى في بلدة القطيف، فانه بعد أن كان فيها مضى إلى البحرين وهي في أيدي الخوارج، لضيق المعيشة في بلدة القطيف. فاتفق وقوع فتنة بين الخوارج، وعسكر العجم، وقتل جميع العجم، وجرح هذا الشيخ جروحا باهضة، ونقل إلى القطيف فبقي فيها أياما قليلة وتوفي (رحمه الله)، ودفن في مقبرة الحناكة. وذلك في شهر ذي القعدة من سنة ثلاثين بعد المائة والألف هجري " 1130 ه‍ ".


(1) المقصود به " مصباح الكفعمي " في الأدعية والزيارات والأوردة والأذكار. (*)

[ 201 ]

المولى علي بن محمد حسين الزنجاني العلامة الفقيه علي بن محمد حسين الزنجاني. من أجلاء حملة العلم والفضل، تخرج على السيد قوام الدين القزويني، شارح " الكافي ". فآب إلى زنجان مروجا وناشرا للأحكام، سالكا نهج الهداية والإرشاد والتهذيب، حتى استشهد رحمه الله تعالى سنة 1136 ه‍، وذلك عند هجوم الأتراك العثمانيين على ايران، وتواطئهم مع الروس على تقسيم بلادها، وحكم علماء القسطنطينية بكفر الشيعة، وأن بلادهم بلاد حرب، ووجوب قتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم، على التفصيل المذكور في " المنتظم الناصري " (1). ولما اتصلت صولاتهم بنواحي زنجان خرج المترجم مع زرافات من الأهلين للدفاع، فالتقت الفئات في قرية " قمچقاي " من ارباض البلد، واحتدم القتال وانجلت الغبرة عن هذا القائد الكريم صريعا شهيدا، حمية على الدين، شهيد غيرة على المسلمين، شهيد وطنة وشهامة، شهيد نبل وزعامة. العلامة السيد هبة الله أبو البركات العلامة الفقيه السيد هبة الله أبو البركات ابن السيد صالح بن محمد بن إبراهيم حتى ينتهي نسبه إلى إبراهيم المجاب ابن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام). في " بغية الراغبين " في ترجمة والد المترجم - العلامة السيد صالح - أنه أقام في العاملة إلى أن كان من أمر الحاكم أحمد باشا - الملقب ب‍ " الجزار "، لكثرة ما أهرق من الدماء - مع أهل هذه الديار مما كان تشمئز منه النفوس، حيث لج في غوايته، وأوغل في عمايته، وعمه في طغيانه، وأولع باستئصال العلماء، واجتثاث أرومة الامراء والرؤساء، فلاقوا منه عنتا شاقا، ورهقا شديدا.


(1) المنتظم الناصري ج 2 ص 229 - 231. (*)

[ 202 ]

ونصب للسيد حبائل غيه حتى وقع في زبيته، هو وشبله الشريف أبو البركات واسمه " هبة الله "، وكان من الفقهاء المجتهدين، فلاع " الجزار " قلب أبيه بقتله نصب عينه، وارمض بذلك جوانحه، ثم أخذ بكظم السيد وضيق عليه في لو مات " عكا " حتى فرج الله عنه، بتضرعه إلى الله عز وجل وابتهاله. فخرج هاربا إلى العراق سنة الف ومائة وسبع وتسعين " 1197 " لاجئا، فاستجار بحرم جده باب الحوائج إلى الله تعالى... الخ. السيد أحمد المقدس بن هاشم الشريف الطاهر السيد أحمد المقدس بن هاشم بن علوي عتيق الحسين (عليه السلام) ابن الحسين الغريفي المعروف " بالعلامة " - إلى أن ينتهي نسبه إلى السيد إبراهيم المجاب ابن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) - وهو شقيق العلامة الفقيه " السيد عبد الله البلاذري ". أما كيفية " شهادته "، فقد يمم زورة [ زيارة ] مراقد أجداده الطاهرين بالعراق، أئمة الهدى " صلوات الله عليهم " وعارضه اللصوص وقطاع الطرق، وهم يريدون سلبه وسلب عياله، فدافع السيد عن نفسه وعياله ورحله، وشد فيهم وثبت لهم، واحتدم بينه وبينهم القتال، فقتل منهم اناسا حتى قتل هو وحليلته وابنه ودفنوا في نفس المكان، هو بشرقي " الديوانية " من مدن العراق المعروفة. وأظهر الله سبحانه على قبره الكرامات الباهرة، وعرف بشرفه القريب والبعيد، وقد تصدى في سنة 1355 ه‍ بعض أهل الخير والبر لبناء ضريح جديد على قبره. وقد أرخه الشيخ إبراهيم إطيمش النجفي بأبيات مطلعها: مقامك يابن حيدرة مقام * به الأملاك تنزل ثم تصعد تبين به المعاجز كل يوم * وضوء الشمس باد ليس يجحد

[ 203 ]

.. إلى أن قال: أضف عدد الأئمة ثم أرخ * (على أوج السماك ضريح أحمد) ويعرف المترجم اليوم على السنة العامة ب‍ " الحمزة الشرقي "، لأن في غربي الديوانية مدفن وجيه الأصحاب وثقتهم، أبي يعلى حمزة بن القاسم بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن أبي الفضل العباس بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). ولأحمد بن هاشم قبر في قرية شفائه جنوب كربلا وقبره شاخص معلوم يزار وله كرامات وما ادري هل هو ؟ ! أم غيره. العلامة الورع المولى محمد تقي بن محمد البرغاني القزويني، المعبر عنه بالشهيد الثالث طورا، وبالشهيد الرابع تارة. هو مثال الفقه والتقى، وأحد جهابذة الإسلام النابهين، وعلمائه المحققين، والأوحدي من المجاهدين. ولد في " برغان " من قرى الري، تخرج في بدء تحصيله على علماء قزوين ثم يمم قم المشرفة، وحضر فيها بحث العلامة المحقق الميرزا القمي، ثم هاجر إلى اصفهان وتخرج على علمائها، ثم هبط الحائر الحسيني، وحضر فيه بحث العلامة صاحب " الرياض " وآب بعدها إلى قزوين، وتقلد فيها الزعامة الروحية. وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خشنا في ذات الله، لا تأخذه فيه لومة لائم وكان العلماء يزدلفون إلى منبره فيكتبون ما يلقيه إليهم من عظاته البالغة، وتحقيقاته العلمية. ولم يبرح ناشرا ألوية العلم، داعيا إلى سنن الهدى، حتى اتيحت له الشهادة وهو ساجد في محرابه، منقطعا للعبادة في مسجده عن عمر ناهز الثمانين عاما، يوم

[ 204 ]

تاهت الفئة الضالة البابية " البهائية " في غلوائها، وأقصت زبانية العبث والفساد ومهملجي نهمة الأطماع، لما لهم من مكاء وتصدية، فعاثوا في البلاد الفساد، وأزهقوا النفوس المحترمة، وأراقوا الدماء الزكية، وأبدوا من الهمجية ما تقشعر منها الجلود، وكان من ضحايا ثورتهم في قزوين شيخنا المترجم، لما أبداه من الفتوى بتكفير القوم ورده على ضلالهم على رؤوس الأشهاد، وكان ذلك يبهضهم ويفت في عضدهم. ولم يزالوا يتربصون به الدوائر، حتى أنه خرج في منتصف ليلة الواقعة - على عادته الجارية - إلى المسجد آخذا فيه بأطراف العبادة والتضرع والبكاء، ولما أزف الفجر دخل عليه المسجد لمة من الطغمة البابية، وهو يبتهل إلى المولى سبحانه بقراءة المناجاة الخامسة عشرة، وهو ساجد، طعنوه بالرمح على رقبته وثنوه بطعنة اخرى، فرفع رأسه من السجود وهو يقول: لم تقتلوني ؟ فأتته طعنة ثالثة على فمه الشريف، وأثخنوه بجراحات ثمان، فبادر - مع ذلك - إلى الخروج عن المسجد، حذار تلويثه بدمه الزكي، وإذ بلغ باب المسجد سقط على الأرض مغشيا عليه. ثم حمل إلى داره وقضى نحبه، بعد يومين، لم يتسن له فيهما الكلام، لمكان الجراح في فمه ولسانه، لكنه كان يتذكر عطش الإمام الحسين (عليه السلام) قتيل الطف ويرخي له الدموع حتى استشهد على ذلك، وله اسوة حسنة بجده. وكان ذلك في سنة " 1264 ه‍ "، ودفن بجوار البقعة المعروفة " شاهزاده حسين ". ورثاه العلامة الشيخ درويش بن علي بن الحسين البغدادي: فلا غرو في قتل التقي إذا قضى * قضى وهو محمود النقيبة والأصل له اسوة بالطهر حيدرة الرضا * وقاتله ضاهى ابن ملجم بالفعل ويروي عن استاذه العلامة صاحب " الرياض " والشيخ الأكبر كاشف الغطاء، وله كتب قيمة منها: " منهاج الاجتهاد في شرح شرائع الإسلام "،

[ 205 ]

ومصنفات كثيرة غيرها. وأما ذريته الطيبة، فمنهم: الفقيه ميرزا أبو القاسم الشهيدي، كانت له الرئاسة التامة في قزوين، والشيخ آقا محمد من تلامذة صاحب الجواهر، والعالم البارع آقا عبد الله انتهت إليه الرئاسة الروحية في قزوين، وغيرهم. فسلام عليه يوم ولد ودرس ودرس وجاهد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. العلامة الشيخ محمد حسين الأعسم كان عالما فاضلا، ذا فهم وقاد، وذوق سليم، وفكر مستقيم، تتلمذ على مشايخ عصره، منهم: شيخ الطائفة المرتضى الأنصاري، وأخذ عنه جماعة، منهم: العلامة الشيخ عباس كاشف الغطاء. قتل في قرية من قرى الحله تسمى " حسكة " التي تسمى اليوم ب‍ " الدغارة " يوم عاشوراء سنة " 1288 ه‍ " وهو يقرأ " مقتل " الإمام الشهيد الحسين (عليه السلام)، قتله أحد الجنود على العهد التركي البائد، ونقلت جنازته إلى النجف ودفن بها. و " آل الأعسم " من الاسر النجفية الشهيرة، أصلهم من قبائل الحجاز، وقد حمل كثير من رجال هذه الاسرة الكريمة أعباء الفضيلة، وشاركوا في العلوم، وحصلت لهم مكانة راسية في العلم والأدب، منهم من شغل منصة الزعامة على الامة. ونقتصر بذكر زعيم هذه الاسرة وفقيهها الكبير الشيخ محمد حسين: تخرج على السيد بحر العلوم، وله الرواية عنده، وبعده على الشيخ كاشف الغطاء، وله منظومات خمسة في الفقه. ومن شعره: مخمسا أبيات العلامة الشيخ حسين نجف: يا من العقل حار فيه وتاها * حار في وصف من به الله باها

[ 206 ]

إن يلمني العذول فيك سفاها * لم ألم فيك من دعاك إلها ودعا الناس للعلو اشتباها * إلى آخر خماسياته. فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد في ذكرى يوم الشهداء، ويوم يبعث حيا. العالم البارع الشيخ إبراهيم ابن الشيخ نصر الله... ابن الشيخ فياض عطوة آل يحيى المخزومي العاملي، ويعرفون ب‍ " آل صادق ". والمترجم أحد علماء هذا البيت الرفيع وأعيانه، أديب مبدع في الشعر، خرج من قريته " الخيام " لزيارة نبي الله يوشع بن نون، وفي أثناء الطريق هجم عليه عدة من الأعراب فقتلوه ظلما وعدوانا، وذلك في سنة " 1275 "، وأخذ بثأره أمير البلاد الزعيم الوائلي محمد بك الأسعد، فقتل عدة من القوم، كان يكتفهم ويرميهم من أعلى جبل شاهق بالقرب من بلد الزعيم " الأسعد ". أبو المترجم الشيخ نصر الله عالم جليل، من أهل الفضل والأدب، له رد منظوم بليغ على النصيرية، توفي في قرية " عثرون " سنة 1183 ه‍. وجده العلامة الشيخ إبراهيم من تلامذة بحر العلوم، تلقى الأوليات من أبيه وهاجر الى اصبهان لطلب العلم، وآب عنها مزودا بإجازتي الرواية والاجتهاد، وأتت على تآليفه العلمية الجمة عادية فتنة الجزار، وفلت منها مجموع رائع يبلغ ألفي بيت في الاصولين، وهرب من الجزار إلى دمشق وتوفي فيها سنة " 1220 ه‍ ". وله شعر كثير يعد في العلياء، منه: تخميسه ميمية أبي فراس الحمداني، ومطلعها: يا للرجال لجرح ليس يلتئم * عمر الزمان وداء ليس ينحسم

[ 207 ]

حتى متى أيها الأقوام والأمم * الحق مهتضم والدين مخترم وفئ آل رسول الله مقتسم فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. شهيد الطف الزعيم الكبير الفاضل السيد علي نقي ابن السيد محمد تقي ابن آية الله السيد بحر العلوم... إلى أن ينتهي نسبه إلى إبراهيم الملقب بطباطبا ابن إسماعيل ابن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام). وللمترجم المنزلة السامية في الرئاسة والزعامة، امه كريمة العلامة السيد صاحب " الرياض "، وله أياد مشكورة على أهالي النجف الأشرف. قتل في كربلاء المشرفة في شهر رمضان سنة 1294 ه‍، فمضى شهيد الإصلاح والدعوة إلى الحق، حيث أصابه بعض الأشرار ببندقية وهو في مجلس حاشد فأرداه قتيلا، وحمل نعشه إلى النجف الأشرف، وصار يومه يوما مشهودا. وقد رثاه الشعراء والادباء، فمنهم: الشيخ محمد سعيد الاسكافي، رثاه بقصيدة مطلعها: قبة العلم من أمال بناها * والمعالي من دك طود علاها ومن ابتز من قصي هماما * قد سما من ذرى العلى أقصاها إلى ختام القصيدة: كيف أدت أجر الرسالة فيما * فتكت فيه من عظيم اجتراها ويرى فتية الفواطم حسرى * كيف تنعى من آل طه فتاها وأعقب ولدين كريمين، زعيمين كبيرين، هما السيد هادي المتوفى سنة 1322 ه‍، والسيد محمد علي المتوفى 4 محرم 1355 ه‍، وامهما كريمة صاحب " الجواهر ".

[ 208 ]

العلامة الأكبر ميرزا إبراهيم بن الحسين بن علي بن الغفار الدنبلي، الخوئي المولد والمسكن والمشهد، شهيد الثورة بدستورية فارس سنة " 1325 ه‍ " المتولد سنة 1247 ه‍. هو في طليعة الراسخين في العلم، المتضلعين في الفنون، من فقه واصول وكلام، وحديث، وحكمة، وعرفان، ورجال، وأما الأخلاق فهو قدوة لذويها، وله مصنفات ومؤلفات عديدة تدل على ولائد أفكاره. حكى سيد الطائفة السيد الميرزا علي آقا الشيرازي: إن العلامة المترجم - الشيخ الخوئي - في إحدى وفداته الى الأعتاب المقدسة بالعراق، ضمته إحدى النوادي مع والده الإمام المجدد الشيرازي، فجرت مناظرة بينهما في فرع فقهي قد أفتى السيد فيه بوجه خالفه العلامة الخوئي فيه فافترقا على ذلك، ثم قفل الشيخ الخوئي راجعا إلى الكاظمية، والإمام المجدد عطف على المسألة نظرة ثانية، كشفت لديه أن الحق مع مناظره العلامة الخوئي، وقد غادر سامراء، فأرسل من فوره إلى الكاظمية بريدا أن الحق معه، وأن السيد قد عدل عن نظرته الأولى. تخرج المترجم على شيخ الطائفة الأنصاري، وآية الله الكوهكمري، ويروي عن الشيخ مهدي النجفي، وغيرهم. لم يبرح كذلك يهب ويعطي، ويقيم عمد الدين، ويعظم شعائر الله حتى استشهد ب‍ " خوي " في 6 شعبان من سنة 1325 ه‍ وهو ابن 78 سنة، أودي بطلقات البنادق عليه في صحن داره، فمضى (رحمه الله) طاهرا من الدنس، شهيد دينه وهداه، فكان فقده الطامة الكبرى. وقد رثاه العلامة الأديب ميرزا محمد علي الاردوبادي بقوله: خطب ألم غداة جاء عظيما * فأصاب فيها الندب " إبراهيما " لله رزء هد أركان الهدى * فانصاع يرقل مقعدا ومقيما عصفت أعاصير الضلال بربعه * فالتاح تذروه الرياح هشيما

[ 209 ]

ما خلت أن الموت في لوح القضا * يمسي على كهف الأنام رقيما إلى ختام القصيدة التي تربو على الأربعين بيتا: لكنه القدر المتاح فيلتقي * ما إن ألم بهالك محتوما وسقى الحيا جدثا يقل من العلى * شخص الحقيقة والفخار سجوما وحملت جنازته بعد مدة من شهادته إلى النجف الأشرف، ودفنت في محل عينه لنفسه بمقربة من بقعة العلامة المولى علي ابن الحاج ميرزا خليل الطهراني. فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. العلامة الحكيم ميرزا محمد باقر ابن عبد المحسن بن سراج الدين الاصطباناتي الشيرازي، كان من أئمة المعقول، والفلسفة العالية، وعليه تخرج الاساتذة الفنيون فيها، له في علم الدين خطوات واسعة، وشوط بعيد. تخرج في اصفهان، فرجع إلى شيراز، ثم هاجر إلى سامراء مستفيدا من أبحاث الإمام المجدد الشيرازي، وأتم دراسته العالية، حتى قضى استاذه نحبه سنة 1312 ه‍، فيمم النجف الأشرف وأقام بها إلى سنة 1319 ه‍ مدرسا ومفيدا، يفيض على طلابه من علمه الجم. ثم عرج على شيراز واشتهر أمره، وبعد صيته. له مؤلفات قيمة، استشهد بشيراز في شهر صفر 1326 في غضون الثورة الدستورية. قال في رثائه العلامة ميرزا محمد علي الاردوبادي قصيدة، مطلعها: هم رسى بالقلب والحناجر * مذ صوت الناعي بفقد " الباقر " عفت ربوع المجد إذ أودى فلم * تجد حماه غير رسم داثر

[ 210 ]

فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. العلامة الشيخ فضل الله ابن المولى عباس النوري شهيد الثورة الدستورية بطهران في رجب سنة 1327 ه‍ في فتنة " المشروطة والمستبدة ". كان أبوه من العلماء الأفاضل، وقد رثي بهذه القصيدة، التي مطلعها: أرى الموت إن وافى فلا يقبل الرشا * فكم طلل من ذاك اصبح موحشا وغاية مسعى العالمين إلى الردى * كما إن نور الشمس غايته العشا وهي تربو على الأربعين بيتا. وذكره خاله العلامة النوري، ومدح استاذه الإمام المجدد الشيرازي. أما المترجم، فهو شيخ الإسلام والمسلمين، وعلم الدين، وزعيم روحي في طهران، كان يطفح الفضل من جوانبه، ويتدفق العلم من مجاري قلمه وكان ابن اخت العلامة النوري وصهره على كريمته. ولد سنة 1258 ه‍، وهاجر إلى النجف الأشرف، وقرأ على الفقيه الشيخ راضي ردحا من الزمن، ثم يمم سامراء مع خاله النوري بعد الإمام المجدد الشيرازي " سنة 1292 ه‍ ". حضر المترجم بحث استاذه المجدد الشيرازي سنين وكتب تقرير درسه، وفي نيف وثلاثمائة بعد الألف قفل إلى طهران راجعا. ولم يبرح بها إماما، وقائدا روحيا، وزعيما دينيا يعظم شعائر الله، وينشر مآثر دينه، ويرفع أعلام الحق وكلمته حتى حكمت عليه بواعث العيث والفساد بشنقه، بعد ما جابه الإلحاد والمنكر زمنا طويلا، فمضى شهيدا بيد الظلم والعدوان، ضحية الدعوة إلى الله، ضحية الدين، ضحية النهي عن المنكر، في 13 رجب 1327 ه‍، ودفن في بلدة قم المقدسة.

[ 211 ]

له كتب دعاء، منها: " الصحيفة المهدوية " جمع فيها أدعية الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف، وشعر رائق، وقد رثاه الادباء والشعراء، منهم السيد شهاب الدين الرضوي بقصيدة مطلعها: لا زال من فضل الإله وجوده * جود يفيض على ثراك همولا روى عظامك وابل من سيبه * يعتاد لحدك بكرة وأصيلا وختاما: صلى الإله عليك من متصلب * متخشع صعب القياد ذلولا كما رثاه العلامة ميرزا محمد علي الاردوبادي بقصيدة مطلعها: لقد أودى ب‍ " فضل الله " خطب * شديد بطشه خشن القساء وقد ضاق الثرى عن بحر علم * تضمن لجه رحب الفضاء على الأعواد ذا ملك كريم * أم الانسان يعرج للسماء إلى آخر القصيدة، التي تربو على خمسة وأربعين بيتا. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد واستشهد، ويوم يبعث حيا. العلامة السيد آقا مير الملقب ببحر العلوم، بن الحاج مير عبد الباقي الملقب بشريف العلماء الرشتي. قائد روحي، وزعيم علوي، وكان والده من أعيان علماء عصره، معروفا بحجة الاسلام، هاجر إلى النجف الأشرف، وتخرج على الشيخ حسن كاشف الغطاء وصاحب " الجواهر " وغيرهما، وأجازوه، وتوفي في بلدة قم المشرفة، ودفن فيها، وتزوج كريمة الفقيه السيد علي آل بحر العلوم صاحب كتاب " البرهان القاطع "، فأعقب منها المترجم في النجف الاشرف حدود سنة 1267 ه‍، ومن هنا عرف ببحر العلوم ولقب به، وفي صباه أخذه والده معه إلى رشت. ثم رجع المترجم إلى النجف الأشرف في حدود سنة 1281، وتزوج بكريمة

[ 212 ]

السيد حسين بحر العلوم، وقرأ المبادئ على الاستاذ الخراساني، وتخرج في الغايات على استاذه الحاج ميرزا حبيب الله الرشتي، والشيخ هادي الطهراني. ثم آب إلى رشت سنة 1311، بعد ما برع في العلوم، وصنف كثيرا من تقريرات بحث استاذه فحصلت له الزعامة الدينية، ولم يؤثر فيها عمى على هدى، حتى قادته السعادة إلى زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وتجديد العهد به، في شهر الله الحرام من سنة 1326 ه‍ فجابهته بها كوارث ملمة ألجأته إلى مغادرة النجف الأشرف قبل زيارة الغدير، فخرج منها خائفا يترقب، ميمما للأوبة إلى وطنه. فما أمهلته يد الغدر والهوى، حتى قبض عليه ليلا بمقربة من قزوين، وأودي بحياته صبيحة يوم الاحد 18 ربيع الثاني 1327 بطلقات نيران البنادق عليه، ودفن فيها، وقبره الآن معروف يزار. واستشهد معه بيد الغدر والجور والفساد نجله الأكبر السيد جواد (رحمهما الله). ورثاه العلامة الاردوبادي في قصيدة تربوا على الاربعين بيتا، ومطلعها: خطب ألم فأفجعا * الدين والدنيا معا والشر أطلع قرنه * وذري الحقيقة ضعضعا فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد واستشهد، ويوم يبعث حيا. العلامة البارع السيد محمد ابن السيد غفار ابن السيد عبد الله الخلخالي الارموي. من حاملي أعباء العلم والتقى، حاز على شرف نسبه العلوي، وثقة من أهل أرمية لا يستهان بها، ولم يأل جهدا في بث الحقائق الدينية، حتى قضى الله عليه بالشهادة. ولد في قرية " هشجين " من قرى خلخال، من أعمال " آذربيجان " سنة 1280 ه‍، فأخذ الأوليات عن والده، وكان من مبرزي علماء خلخال كوالده، ثم هاجر إلى زنجان بأمر والده، ونزل مدرسة السيد فتح الله، وقرأ الاصول والفقه ردحا على علمائها، ثم يمم طهران، وهبط مدرسة الصدر، وأكمل هناك دروسة، ثم

[ 213 ]

عرج إلى خلخال في حدود 1300 ه‍، لزيارة والده، وأقام بها مدة خمس سنوات. وفي حوالي سنة 1305 كاتبه عمه العلامة السيد الأمير جعفر من " ارمية " يطلب قدومه إليه، فلبى طلبه بإذن والده، وإذ اطمأنت به الدار لدى عمه، لقي من الأهلين ما يستحقه من الحفاوة والتبجيل، وكان يؤم الناس في مسجدها ليلا، وفي جامع البلد الكبير نهارا. وفي سنة 1336 ه‍ استولى الأرمن الاشوريون على تلك الديار، فعاثوا بها فسادا، وأهلكوا الحرث والنسل، وتركوا كثيرا من نواحيها يبابا. كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر وكان من ضحايا تلك الوقائع، سيدنا المترجم، ففي التاسع عشر من شهر رمضان، تسوروا عليه الدار، وهو في تعقيب صلاة الظهر فضربوه بعصاه ضربا عنيفا، فأوجس منهم الشر، واستمهلهم لصلاة العصر، فشرع فيها، فذبحوه في حال السجود. وبادر إلى جوار ربه من أقرب المواقف إليه " وهو في حال السجود "، ومثلوا به، وقطعوا أعضاءه، وارتكبوا فضائع لا طاقة لنا بذكرها. وأغاروا على داره، وتفرقت عائلته، وفي يوم العشرين من الشهر جاء لفيف من جيرانه مع عائلته، وجمعوا أشلاءه المقطعة الزكية ودفنوها في داره، ولم يتسن لهم إخراجها إلى الجبانة " المقبرة " لدفنه، خوفا من الأرمن. ثم بعد سنتين حملها ولده السيد عبد الله إلى قم المشرفة، ودفنها في جبانة " شيخان " قدس الله روحيهما، وجزاه عن الاسلام وأهله خيرا. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد واستشهد، ويوم يبعث حيا. ولم يطل أمر الارمن حتى قلب عليهم الدهر ظهر المجن، بعيد ذلك، فأخذوا وقتلوا تقتيلا، وأضحت ديارهم بلاقع، فلعنة الله وملائكته عليهم أجمعين.

[ 214 ]

ملخص كتاب " سيرتنا وسنتنا " المقدمة: * (ولله الحجة البالغة) * جاء في المقدمة الحديث حول العلماء ورجال الفكر والقادة من حملة العلم والفقاهة وما يعانونه من الشدائد والدواهي دون سعيهم وراء صالح الأمة، وإحيائهم لتراثها العلمي فترى أن في كل قرن توجد هناك شخصيات بارزة قيضهم الله تعالى لإعادة جدة الدين الحنيف، ومن هؤلاء العلامة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي صاحب " الغدير " الأغر، فإنه كثير الترحل الى أرجاء العالم الإسلامي، وكأنه مدرسة سيارة تحوي صنوف علوم المذهب. وفي هذا الكتاب " سيرتنا وسنتنا " حديث رحلته الى سورية سنة 1384 ه‍، وكانت مدة رحلته أربعة أشهر وقد استفاد أبناء تلك الأمة العربية الكثير من علمه المتدفق، واقيمت له حفلات تكريمية كثيرة القيت فيها الكثير من الكلمات والقصائد. ومنها قصيدة للشيخ موسى شمس الدين في حلب، مطلعها: الى (الشهباء) جئنا لا لقصد * سوى تقبيل راحات الأميني وقصيدة للشيخ جواد التي القيت بالفوعة، مطلعها: سلام في صفا الماء النمير * وفي نشر الأزاهر في البكور

[ 215 ]

ومنها قصيدة للشاعر الحاج أحمد رشيد مندو، مطلعها: أخلاي هذا اليوم عيد مؤكد * وفيه بدا طير السرور يغرد ومنها: وفي كل قطر (للأميني) منبر * وجامعة من كل علم ومعهد وجاء كتاب للعلامة الأميني من الشيخ إبراهيم الحاج حسين الضرير رئيس جمعية الإعمار والإحسان بحلب - إضافة الى كتب أخرى كثيرة - وتضمن كتاب الشيخ إبراهيم وصف العلامة الأميني والثناء عليه، بعد السلام ووصف علمه ومدى استفادة الحضور منه، ووصف تشريفه لبعض المناطق منها كفرية، الفوعة، معرة، مصرين - قرى محيط بحلب -، حلب، نبل، وختمها باسم الجمعية واسمه. " سيرتنا وسنتنا " وهذه محاضرة العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني النجفي بسورية، وجاء فيها وصفه للإستفادة من مكتبات سورية التي تضم النفائس والنوادر، والمخطوطات بخطوط حفاظ الحديث، وأئمة الفقه والتفسير والعلوم الاخرى. وعن اتصاله بأساتذة الأدب ورجالها ذوي النفسيات الطيبة، وشكره لهم. ولما دار في مكتبة دار الكتب الوطنية بحلب بينه وبين استاذ جسيم بسيم - حسب وصف الشيخ - وكان إشكال الاستاذ هو: (غلو الشيعة في حب أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفيهم علماء أمثالكم، لماذا ؟ والمسلمون كلهم عن بكرة أبيهم يحبون عليا وأولاده، ونحن أيضا نحبهم، ما هذه المآتم للعزاء، والدؤوب بالتأبين كل يوم ؟ ما سيرتهم هذه: حسين حسين ؟ ما هذا التعبد بتربته، والالتزام بالسجدة عليها ؟). وتحت عنوان " إليك البيان " تحدث الشيخ عن الحب والبغض وتواردهما

[ 216 ]

على الخواطر وإقبال النفس وإدبارها في الأشياء، وعن أصل تحققهما للبواعث والدواعي لهما الموجودة في الشئ. ووضح الذات الوحيد الذي يستأهل الحب أولا وبالذات قبل كل شئ إنما هو الله تبارك وتعالى، نظرا الى ذاته وأفعاله. ووضح - أيضا - صفات ونعم الله جل جلاله واستشهد ببعض الآيات من القرآن الكريم. ووضح كذلك اختلاف الناس في مراتب الحب لله على عدد رؤوسهم، لاختلافهم في العلم وبواعثه. ومن أجلى أفراد تلك الفئة الصالحة عباد الله المخلصين مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد عرفه بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحديث الراية الصحيح الثابت المتواتر المتفق عليه. وبين ما يترتب على التحابب إذا تم بين الله والعبد. وكذلك تناول مدى أهمية حب الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) لكل من آمن به وصدقه وأن يكون أكثر من نفس الانسان نفسه متعلقوه، كما جاء في الحديث الشريف: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". ويتلو حب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرتبة ويرادفه حب أهل بيته الطاهرين بحكم الكتاب والسنة والعقل والمنطق والاعتبار، وذكر أربعين حديثا حول ذلك. وتحت عنوان " فهلم معي واقض ما أنت قاض " أعطى بعض الأسباب التي توجب حب آل البيت (عليهم السلام) واستشهد ببعض الآيات من القرآن الكريم. ومن هذه الاسباب: 1 - انتسابه الى صاحب الرسالة الخاتمة (صلى الله عليه وآله وسلم) نسبا وصهرا. 2 - آية المودة في القربى، (سورة الشورى: 23). 3 - كونهم أعدال القرآن الكريم (حديث الثقلين). 4 - كونهم سفينة النجاة.

[ 217 ]

إضافة الى أحد عشر سببا ذكرها الشيخ. وتحت عنوان " إقرأ ثم إقرأ ": ذكر بعض الأحاديث المروية في كتب الصحاح وغيرها عن حب أهل البيت. وتحت عنوان " فذلكة القول ": بين سماحته عدم الوقوف على حقيقة ما هم عليه - أهل البيت (عليهم السلام) - من الصفات، ومثل ذلك بقوله: (هل يسع للجاهل الأمي مثلا أن يعرف العلم وحقيقته ؟..). وبين - كذلك - النسبة بيننا وبين أهل البيت (عليهم السلام) في العلم، وكذلك بالإضافة للعلم الذي توصف به العترة الطاهرة، هناك صفات أخرى وإن بلغ ما بلغ، وبالغ فيها الواصف ما بالغ، فإنما هو واقف لدى حدود الإمكان لا محالة، ولا مماثلة ولا مشاكلة قط بينها وبين صفات الواجب تعالى. فمع هذه الفوارق اللازمة لصفات الممكن لا يتصور شئ من الشرك والغلو قط. نعم يتأتى الغلو بأحد أمرين: 1 - القول باتصافهم بما لم يجعل الله لهم، مثل الاعتقاد بالتفويض والتأله بهم. 2 - القول بنفي قيود الإمكان وسلبها عما فيهم من الصفات. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ونعوذ بالله أن نكون من الجاهلين. هذا حبنا طبقا لسنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوافقها حتى قيد الشعرة، ويرادف العقل والمنطق الصحيح والعلم الناجع، ولا غلو فيه ولا تفريط، لو لم نك فرطنا منه في شئ وتحت عنوان " وأما حسيننا ومأتمه وكربلاؤه ": إن علم النبي الأقدس (صلى الله عليه وآله وسلم) بالملاحم والفتن، وما جرى على أهل بيته وعترته وذي قرباه وذويه قلة وكثرة من المصائب الهائلة وعلمه (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا من شؤون ولايته الكبرى المطلقة، وهذه الحالة تقتضي أن يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

[ 218 ]

ناظرا طيلة حياته الى كل تلكم الحوادث والرزايا والمصائب الحالة بساحة أهل بيته وأعزائه وأفلاذ كبده. فمرة يلتزم عليا سيد عترته وابن عمه وأبا ولده... " وعن ابن عباس قال: خرجت أنا والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) في حيطان المدينة، فمررنا بحديقة فقال علي (عليه السلام): ما أحسن هذه الحديقة يا رسول الله ! فقال: حديقتك في الجنة أحسن منها، ثم أومأ بيده الى رأسه ولحيته، ثم بكى حتى علا بكاؤه. قيل: ما يبكيك ؟ قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني " وجاء هذا الحديث في الفاظ أخرى. ومرة يضم (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا محمد الحسن السبط الى صدره ويقبله من فمه وسرته لما يتذكر بأن أحشاءه من فمه الى سرته ستقطع بالسم النقيع. ويضم الحسين السبط إليه ويشمه ويقبله ويقبل منه مواضع السيوف والرماح والطعون، ويخص من جوارحه بالقبلة شفتيه، علما منه بأنهما ستضربان بالقضيب أو يأخذ تربته - تربة كربلاء - ويشمها ويبكي، وفي لسانه ذكر مقتله ومصرعه وهو يقول: ريح كرب وبلاء. وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبر الصديقة الطاهرة بأنها أسرع لحوقا به من أهل بيته يسرها هذا النبأ وتأنس به، وإن هو إلا لعلمها بأن حياة آل محمد حفت بالمكاره والقوارع والطامات، ماذا تصنع الزهراء بالحياة ؟ وهي ترى اباها (صلى الله عليه وآله وسلم) طيلة حياته حليف الشجون، قد قضى حياته بعين عبرى، وقلب مكمد محزون. يقيم لحسينه السبط المأتم من لدن ولادته وهلم جرا يوم كان رضيعا وفطيما وفتيا، وقد اتخذ الله بيوت نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) دار حزن وبكاء منذ ولد ريحانة رسول الله الحسين العزيز. وقد ورد في الكتاب عدة صور لمآتم الحسين في بيوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنها: مأتم الميلاد: أقيم هذا المأتم في أول ساعة من ولادة الشهيد المفدى. عن اسماء بنت عميس قالت: " قبلت جدتك فاطمة بالحسن والحسين، فلما ولد الحسن - الحديث بطوله... الى قولها: - فلما ولد الحسين فجاءني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا أسماء هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذن في اذنه اليمنى، وأقام في

[ 219 ]

اليسرى، ثم وضعه في حجره وبكى، قالت أسماء: فقلت: فداك أبي وأمي مم بكاؤك ؟ قال على ابني هذا، قلت: إنه ولد الساعة، قال: يا أسماء تقتله الفئة الباغية لا أنالهم الله شفاعتي، ثم قال يا أسماء لا تخبري فاطمة بهذا، فإنها قريبة عهد بولادته ". وحول هذا الحديث يقول الشيخ الأميني: لعل هذا أول حفل تأبين أقيم للحسين الطهر الشهيد في الإسلام المقدس بدار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تسمع أذن الدنيا قبل هذا أن ينعقد لمولود - غير وليد الزهراء الصديقة - في بسيط الأرض مأتم حين ولدته أمه بدلا من حفل السرور والحبور والتباشير، ولم يقرع قط سمعا نبأ وليد ينعى به منذ استهلاله، بدل نشيد التهاني، ويذكر من أول ساعة في حياته حديث قتله ومقتله ومصرعه، ولم ينبئ التاريخ من لدن آدم الى الخاتم عن وليد يهدى الى أبيه عوض هدايا الأفراح تربة مذبحه حتى يتمكن من الحزن في أعماق قلبه، وحبة فؤاده، فكأن يوم ولادة الحسين له شأن خاص لدى الله العلي العظيم * (ذلك تقدير العزيز العليم) *. وجاء في أحاديث اخرى بأن جبرئيل (عليه السلام) أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن أمته ستقتل ابنه الحسين وأتاه بتربة من تربته حمراء. وكذلك ذكر في الكتاب مأتما في بيت السيدة أم سلمة أم المؤمنين بنعي جبرئيل (عليه السلام)، ومأتما آخر في بيت السيدة عائشة أم المؤمنين بنعي جبرئيل (عليه السلام)، ومآتم أخرى في بيوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وكان ما ذكر في الكتاب أكثر من عشرين مأتما أغلبها عن لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعضها عن لسان علي (عليه السلام)، عندما كان ذاهبا الى معركة صفين، وجميعها تشير الى مقتل الامام الحسين في أرض كربلاء. وتحت عنوان وظائف وسنن: بين بعض الوظائف والسنن التي يتخذها المسلم الصحيح الصادق في التسنن بسنن نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنها:

[ 220 ]

1 - عد رزية أهل البيت الطاهر أعظم وأعظم من رزايا الأهل والولد. 2 - البكاء على رزايا أهل البيت مما مر به فتيان بني هاشم من أبناء السبطين الحسنين. 3 - البكاء على الحسين السبط يوم ميلاده، ومقتله، وعلل ذلك بما معناه: إن هذه الرزايا أبكت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طيلة حياته، وأبكت أمهات المؤمنين والصحابة الأولين، ونغصت عيش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إضافة الى عدة امور أخرى ذكرها الشيخ الأميني بتوضيح موجز مثير للحزن والأسى، ومعبر عن مدى تعلق الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحسين السبط. وكان كل هذا التوضيح على سؤال الاستاذ " الجسيم البسيم " الذي ذكرنا سؤاله في مقدمة التلخيص وآخر جواب لسماحة الشيخ على الفرع الأول من السؤال " هذا حسيننا ومأتمه وتربته وكربلاؤه... ". وتحت عنوان " السجدة وما يصح السجود عليه ": بين العلامة الأميني في هذا البحث: أن الواجب على المصلي المتسالم عليه لدى جميع الأمة المسلمة عن بكرة أبيهم أن يسجد على الارض " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " كما في الحديث الشريف، وقد أخذ الصحابة الأولون حصاة المسجد عند حرارتها في الظهائر وقاموا بتبريدها وتقليبها باليد. وأما حين عدم تيسر السجود عليها والتمكن منه لحرارة قارصة، أو لإيجاب عذر آخر، فلا وازع - عندئذ - من السجود على غيرها، إذ الضرورات تبيح المحظورات. والأحاديث الواردة في الصلاة على الحصير والفحل والخمرة وأمثالها تسوغ جواز السجدة على ما ينبت من الأرض غير المأكول والملبوس. وبين الشيخ فلسفة السجود على الارض، حيث قال: والأنسب بالسجدة التي إن هي إلا التصاغر والتذلل تجاه عظمة المولى سبحانه، وتجاه كبريائه، أن تتخذ الأرض لديها مسجدا يعفر المصلي بها خده

[ 221 ]

ويرغم أنفه، ليتذكر الساجد لله طينته الوضيعة الخسيسة التي خلق منها، وإليها يعود، ومنها يعاد تارة أخرى، حتى يتعظ بها... وقد ذكر جميع ما جاء في الصحاح الست، وغيرها من أمهات المسانيد والسنن من سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الواردة فيما يصح السجود عليه، وقد قسمها الى ثلاثة اقسام: بين في القسم الأول ما يدل على السجود على الأرض، وذكر في ذلك سبع عشرة رواية. وأما القسم الثاني فذكر فيه ما يصح من السجود على غير الأرض من دون عذر، وذكر في ذلك سبع روايات. وأما القسم الثالث ففي ما يصح من السجود على غير الأرض لعذر، وذكر في ذلك روايتين. وتحت عنوان " لفت نظر " بين سماحة الشيخ فيه أن النبي كان يتقي حرارة الأرض أو برودتها أو الطين - عند المطر - بجعل شئ تحت يديه ورجليه، ولم يشر الى السجدة والجبهة واعتمد في ذلك على عدة روايات، منها لابن عباس، وأحمد، وابن ماجة، والشوكاني، وأم المؤمنين عائشة. وكذلك أكد في موجز تحت عنوان " القول الفصل " بأن القول بجواز السجود على الفرش والسجاد والالتزام بذلك، وافتراش المساجد بها للسجود عليها كما تداول عند الناس بدعة محضة، وأمر محدث غير مشرع، يخالف سنة الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم). وتحت عنوان " السجدة على تربة كربلاء ": إن الغاية المتوخاة منها للشيعة إنما هي تستند الى أصلين قويمين، وتتوقف على أمرين قيمين - حسب كلام العلامة الأميني (رحمه الله): أولهما: استحسان اتخاذ المصلي لنفسه تربة طاهرة طيبة يتيقن بطهارتها، من أي أرض أخذت، لا امتياز لإحداهن على الأخرى في جواز السجود عليها، وإن

[ 222 ]

هو إلا كرعاية المصلي طهارة جسده وملبسه ومصلاه، يتخذ المسلم لنفسه صعيدا طيبا يسجد عليه في حله وترحاله، ولا سيما في السفر، إذ الثقة بطهارة كل أرض يحل بها ويتخذها مسجدا لا تتأتى له في كل موضع من المدن والرساتيق والفنادق والخانات وغيرها. فأي وازع من أن يحتاط المسلم في دينه، ويتخذ معه تربة طاهرة يطمئن بها وبطهارتها يسجد عليها لدى صلاته، حذرا من السجدة على الرجاسة والنجاسة والأوساخ. وقد قال في الأصل الثاني: إن قاعدة الاعتبار المطردة تقتضي التفاضل بين الأراضي بعضها على بعض، وتستدعي اختلاف الآثار والشؤون والنظرات فيها، وهذا أمر طبيعي عقلي متسالم عليه، مطرد بين الأمم طرا، ألا ترى ان المستقلات والساحات والدوائر الرسمية والدور المضافة الى الحكومات وبالأخص ما ينسب منها الى البلاط الملكي، ويعرف باسم عاهل البلاد وشخصه، لها شأن خاص، وحكم ينفرد بها، يجب على الشعب رعايته، والجري على ما صدر فيها من قانون. فكذلك الأمر بالنسبة الى الاراضي والأبنية والديار المضافة المنسوبة الى الله تعالى، فإن لها شؤونا خاصة وأحكاما وطقوسا، ولوازم وروابط لا مناص ولابد لمن أسلم وجهه لله من أن يراعيها ويراقبها. وبعد شرح مفصل حول أفضلية بعض الأماكن كمساجد أو مدن أو بقاع وضح فضيلته تربة كربلاء المقدسة، ومبلغ انتسابها الى الله سبحانه وتعالى، ومدى حرمتها وحرمة صاحبها، دنوا واقترابا من العلي الأعلى، فما ظنك بحرمة تربة هي مثوى قتيل الله، وقائد جنده الأكبر المتفاني دونه بل هي مثوى حبيبه وابن حبيبه، والداعي إليه، والدال عليه، والناهض له، والباذل دون سبيله أهله ونفسه ونفيسه، والواضع دم مهجته في كفه تجاه إعلاء كلمته، ونشر توحيده، وتحكيم معالمه، وتوطيد طريقه وسبيله. فعلى هذين الأصلين نتخذ نحن من تربة كربلاء قطعا لمعا وأقراصا نسجد

[ 223 ]

عليها كما كان فقيه السلف مسروق بن الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنورة يسجد عليها، والرجل تلميذ الخلافة الراشدة، فقيه المدينة ومعلم السنه بها. وليس اتخاذ تربة كربلاء مسجدا لدى الشيعة من الفرض المحتم، ولا من واجب الشرع والدين، ولا مما ألزمه المذهب، ولا يفرق أي أحد منهم - منذ أول يومها - بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها، خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم. وإن هو عندهم إلا استحسان عقلي ليس إلا. وكانت كلمته الأخيرة هي: هذا حبنا وهذا حسيننا، وهذا مأتمه، وهذه كربلاؤه، وهذه تربته، وهي مسجدنا، والله ربنا وسنتنا وسيرتنا سيرة نبينا وسنته ولله الحمد. وختم الكتاب بهاتين الآيتين من القرآن الكريم: * (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع ان يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين) * (1). * (وليعلم الذين أوتو العلم انه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وان الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) * (2). بعض الحكم من أقوال الشيخ الأميني: - الحب والبغض حلتان تتواردان على الخواطر، يعبر بهما عن إقبال النفس وميلها إلى الشئ، وعن إدبارها عنه. - الذات الوحيد الذي يستأهل الحب أولا وبالذات قبل كل شئ إنما هو الله تبارك وتعالى، نظرا إلى ذاته وأفعاله. - ولا يتأتى ذلك - يعني الحب لله - إلا بعد ما يوجد لدى العبد أيضا بواعث ودواعي يحبه الله بها. - أليس الأمثل والأفضل اتخاذ المسجد من تربة تفجرت في صفيحها عيون دماء اصطبغت بصبغة حب الله، وصيغت على سنة الله وولائه المحض الخالص ؟ !


(1) سورة المائدة 5: 84. (2) سورة الحج 22: 54. (*)

[ 224 ]

" كامل الزيارات " (1) تأليف: شيخ الطائفة أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، المتوفى سنة 367. كتاب صحيح السند، متواتر الروايات، نقله الثقات من علمائنا حتى اسند إلى الأئمة الطاهرين - صلوات الله عليهم أجمعين - بعدة طرق، حتى بلغ أصحابها إلى ما يربو على الستمأة راو ثقة، وقد اجتاز حد التواتر. وقد حققه وصحح أسانيده، وعلق على أهم موارده سماحة العلامة الفذ الشيخ عبد الحسين الأميني، المتوفى سنة 1390 ه‍. كما قدم الكتاب العلامة الجليل الشيخ محمد علي الأردوبادي، وبين فيه ما يخص أهم جوانبه. الكتاب مبوب إلى مائة وثمانية أبواب (108)، جمع في كل باب ما يناسبه من الروايات والأحاديث الشريفة في حياة الأئمة الطاهرين، لا سيما في زيارة سيد الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام). وقد تم الفراغ منه في اليوم العاشر من شهر شعبان المعظم سنة 1356 ه‍، وختم العلامة الأميني تحقيقه بهذه الكلمة: لقد تحرينا غاية الصحة في طبع هذا الكتاب القيم، بمقابلته مع نسخ عريقة في الصحه، منها: نسخة عتيقة مصححة بتصحيح العلامة ثقة الإسلام النوري.

[ 225 ]

ونسخة اخرى مكتوبة في أوائل القرن التاسع. وغيرهما من النسخ التي وقفنا عليها في العراق وإيران. ولم يقنعنا ذلك حتى راجعنا في تصحيح جميع ما في الكتاب إلى مصادرنا المعتمدة ك‍ " الوسائل "، و " البحار " و " المستدرك "، وإلى كتب الرجال المعتبرة لأصحابنا - رضوان الله عليهم -. وعلقنا عليه ما لا غنية عنه للباحث. والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا. عبد الحسين الأميني التبريزي نزيل النجف الأشرف

[ 226 ]

ملخص تفسير فاتحة الكتاب شذرات من مقدمة الشيخ رضا الأميني للكتاب منها لم يكن بوسع اي عالم أو باحث في التعريف بكتاب الله العزيز ان يفيه حقه في البحث عن أية ناحية من نواحيه، وإن أوتي من البيان قسطه الأوفى، ومن العلوم حظه الأوفر. الى ان قال: ان كتاب الله الكريم ببلاغة بيانه، وفصاحة اسلوبه، حير عقول البلغاء وفطاحل اللغويين. " كما اخبر سبحانه وتعالى ": * (لان إجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) * (1). وبما حوى من المعارف، والعلوم، والأسرار الكونية اثبت انه كلام الله الذي لا يبلى مع الجديدين، وانه اجل من ان يحيط بكنهه وصف الواصفين. * (كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) * (2). والعترة الهادية اعلم الناس باسرار كتاب الله الحكيم بعد جدهم الطاهر وابيهم، " صلوات الله وسلامه عليهم " فهم منار الهدى وينابيع الإيمان واليقين وبيوتهم مهبط وحي الله المبين. قال ابن عباس: لقد اعطى علي بن ابي طالب تسعة اعشار العلم، وأيم الله لقد شارك الناس في العشر العاشر (3).


(1) الاسراء: 88. (2) هود 1. (3) الغدير: ج 2 ص 45. (*)

[ 227 ]

وهذا التفسير " فاتحة الكتاب " هو باكورة تصانيف شيخنا الوالد " طاب ثراه " واولى خطواته في التأليف: انتهى... اسماء فاتحة الكتاب كثيرة منها، المثاني، وسبع المثاني، وام الكتاب، وام القرآن، وغيرها. وفي الخصال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " من قرأ فاتحة الكتاب اعطاه الله عزوجل بعدد كل آية نزلت من السماء ثواب تلاوتها " (1). وقد ترك - العلامة الأميني (قدس سره)، ثروة علمية ضخمة من التآليف والتحقيق في شتى الحقول والمواضيع الإسلامية من التفسير، والحديث والتاريخ، والعقائد، وغيرها، ومن بينها كتابه هذا " تفسير فاتحة الكتاب " فهو وإن صفر حجمه إلا ان مؤلفه اودع فيه بحوثا هامة، وجعله في فصلين تطرق في الفصل الأول الى تفسير السورة وهي حسبما مدون ادناه. 1 - اسماء السور. 2 - جامعة السور للعلوم القرانية. 3 - الشفاء بالفاتحة. أ - الاستشفاء بالفاتحة في الأمل بغير الله. ب - الاستشفاء بالفاتحة في الرياء. ج - الاستشفاء بالفاتحة في العجب. د - الاستشفاء بالفاتحة في الحقد والحسد. ه‍ - الاستشفاء بالفاتحة في الشح والبخل. و - الاشتفاء بالفاتحة في الجبن. ز - الاستشفاء بالفاتحة في الأمل. واما في الفصل الثاني الى تحليل وبيان شئ من دقائق " فاتحة الكتاب " وتوضيح ما يستفاد من آياتها الكريمة، في التوحيد، والقضاء، والقدر، والجبر، والتفويض، مستفيدا مما روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته الغر الميامين، وهذه البحوث التي تطرق إليها. 1 - لا جبر ولا تفويض، 2 - الأمر بين الأمرين، 3 - صفات الذات وصفات


(1) رواه الشيخ المجلسي في البحار ج 92 ص 258 عن جامع الاخبار. (*)

[ 228 ]

الفعل، 4 - العلم الإجمالي والتفصيلي، 5 - المشيئة الأزلية والمحدثة، 6 - المشيئة والارادة المحدثة، 7 - ارادة تكوين وتشريع، 8 - ارادة حتم وارادة اختيار. واضاف ولده الشيخ رضا الأميني فصلا ثالثا استدراكا للبحث والتعليق عليه الى البحوث التالية: - احاديث السبع المثاني. - حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في شأن فاتحة الكتاب. - احاديث ام الكتاب. - احاديث ام القرآن. - تفسير سورة الفاتحة في حديث الامام العسكري (عليه السلام). - تفسير سورة فاتحة الكتاب في كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام). - الصراط المستقيم هو امير المؤمنين. - مرض القلوب في روايات المعصومين. - أحاديث الايمان وأثره في الجوارح. - حديث قدسي في صلاح العباد. - حديث الامام الصادق (عليه السلام) في اثبات الصانع. - حديث المذهب الصحيح في التوحيد. - خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخليفة. - احتجاج الإمام الرضا (عليه السلام) في التوحيد. - صفات الله في حديث الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام). - حديث الإمام الصادق (عليه السلام) في النهي عن وصف الله تعالى بصفة المخلوقين. - علم الله في احاديث المعصومين. - نفي التشبيه في حديث الإمام الرضا (عليه السلام). - بيان في الإرادة والمشيئة. هذا ملخص ما يحتويه " تفسير فاتحة الكتاب " للعلامة الاميني " طاب ثراه ".

[ 229 ]

تلخيص آداب الزائر لمن يمم الحائر قال الإمام الصادق (عليه السلام): إن الرجل منكم ليأخذ في جهازه ويتهيأ لزيارته (1)، فيتباشر به اهل السماء، فإذا خرج من باب منزله راكبا أو ماشيا وكل الله به أربعة آلاف ملك من الملائكة يصلون عليه حتى يوافي قبر الحسين (عليه السلام). وهذه مقتطفات من مقدمة الكتاب، وبعد: فان من الواضح ان كل وافد يلزمه رعاية آداب تناسب مقام من وفد إليه، وسنن تقربه منه وتزلفه لديه إذ الغاية الوحيدة من التزاور التحابب، ولا يتأتى المقصود إلا بالوقوف على اداب يحبذها المزور ويرغب فيها والتخلق بما تستدعيه شخصيته ويرتضيه، على اختلاف الاشخاص والمراتب والمقامات، فالوفود الى المولى سبحانه وتعالى بزيارة ابوابه المبتلى بها الناس لابد وان يكون على آداب يرتضيها هو سبحانه وعلى سنن يحبذها. وقد جاء في الحديث مسندا عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) تزورون (2) خير من أن لا تزورون، ولا تزورون خير من ان تزورون، قال المفضل: قطعت ظهري ؟ ! قال (عليه السلام) تالله إن احدكم ليذهب الى قبر أبيه كئيبا حزينا، وتأتونه (3) أنتم بالسفر، كلا حتى تأتونه شعثا غبرا.


(1) أي قبر الحسين (عليه السلام). (2) أي قبر الحسين (عليه السلام). (3) أي قبر الحسين (عليه السلام). (*)

[ 230 ]

وفي زيارة عاشوراء بسندها القدسي في حديث " رواه شيخ الطائفة، والسيف في مصباحيهما قال صفوان: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) تعاهد هذه الزيارة (1) وادع بهذا الدعاء (2) وزر به فاني ضامن على الله لكل من زار بهذه الزيارة ودعا بهذا الدعاء، من قريب أو بعيد ان زيارته مقبولة، وسعيه مشكور، وسلامة واصل غير محجوب وحاجته مقضية من الله تعالى بالغا ما بلغت غير محجبة، يا صفوان وجدت هذه الزيارة مضمونة بهذا الضمان عن ابي وابي عن ابيه علي بن الحسين مضمونا بهذا الضمان، عن الحسين (عليه السلام) والحسين عن اخيه الحسن (عليه السلام) مضمونا بهذا الضمان، وأمير المؤمنين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مضمونا بهذا الضمان، ورسول الله عن جبرئيل (عليه السلام) مضمونا بهذا الضمان، وجبرئيل عن الله تعالى مضمونا بهذا الضمان، وقد آلى الله [ تعالى ] على نفسه عز وجل ان من زار الحسين بهذه الزيارة من قريب أو بعيد ودعا بهذا الدعاء قبلت منه زيارته وشفعته في مسئلته بالغا ما بلغت، واعطيته سؤله ثم لا ينقلب عني خائبا، واقلبه مسرورا قريرا عينه بقضاء حاجته والفوز بالجنة والعتق من النار، وشفعته في كل من يشفع له خلا ناصب لنا اهل البيت، آلى الله تعالى بذلك على نفسه، وأشهدنا بما شهدت به ملائكته ملكوته على ذلك، ثم قال جبرئيل يا رسول الله ان الله ارسلني اليك سرورا وبشرى لعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة وشيعتكم الى يوم القيامة، فدام سرورك، وسرور علي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة وشيعتكم الى يوم البعث. ثم قال صفوان: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يا صفوان إذا حدث لك الى الله حاجة فزر بهذه الزيارة من حيث كنت وادع بهذا الدعاء وسل ربك حاجتك تأتيك من الله، والله غير مخلف وعده ورسوله بمنه، والحمد لله. هذه فضيلة زيارة عاشوراء ودعاء علقمة بضمانة الله سبحانه وتعالى وضمانة رسوله واهل بيته الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين.


(1) أي زيارة عاشوراء. (2) دعاء علقمة. (*)

[ 231 ]

وفي ختام كتابه قال العلامة الأميني (قدس سره): روى العلامة الفذ المولى شريف الشرواني في كتابه " الصدف " ج 2 ص 199 عن مشايخه الأجلة معنعنا عن الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) انه قال: من قرأ لعن زيارة عاشوراء المشهورة مرة واحدة، ثم قال: " اللهم العنهم جميعا " تسعا وتسعين مرة كان كمن قرئه مائة مرة. ومن قرأ سلامها مرة واحدة ثم قال: السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين، تسعا وتسعين مرة كان كمن قرئه مائة تامة من اولها الى آخرها. هذا ملخص ما كتبه العلامة الأميني في كتابه آداب الزائر لمن يمم الحائري. بضمان وثواب زيارة عاشوراء ودعاء العلقمي. هذا وفي الصفحات الآتية نستعرض بعض الرسائل التي كتبها العلامة الاميني بخطه الشريف ويراعه المبارك، باللغة الفارسية لبعض الشخصيات العلمية، وقد ترجمناها الى اللغة العربية، تعميما للفائدة، ونقدم أول رسالة باسم آية الله العظمى شيخنا في الرواية أبو المعالي السيد شهاب الدين المرعشي النجفي (قدس سره) يعد ذكر نبذة من حياته الرائدة.

[ 232 ]

ترجمة حياة آية الله السيد المرعشي النجفي (1) آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي " قدست نفسه الزكية ". - ولد في النجف الأشرف 20 صفر من سنة 1315 هجري. - يتصل نسبه الشريف ب‍ 33 واسطة الى مولانا الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهم السلام). - والده العلامة السيد محمود شمس الدين المرعشي، من علماء النجف الأشرف، وجده سيد الحكماء. رضوان الله عليهم. - تلقى دروسه في النجف الأشرف على فطاحل العلم والفضل امثال آية الله الشيخ ضياء الدين العراقي نال درجة الاجتهاد مبكرا، وفي طهران وقم امثال مؤسس الحوز العلمية الآية العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري. - يعد من المدرسين العظام في حوزة قم الكبرى. - طبع اول رسالة عملية له " ذخيرة المعاد " سنة 1370 ه‍. - اشتهر بالورع والزهد والتقوى، والكرم حتى اصبح يضرب به المثل. - صنف وألف أكثر من مائة كتاب ورسالة في شتى العلوم والفنون، اهمها تعليقاته على كتاب احقاق الحق الذي طبع منه 24 مجلدا. - له مشاريع اسلامية اجتماعية وثقافية، انفق عليها مبالغ طائلة في تشيد مدارس علمية واهمها واعظمها مكتبته العامة في قم المشرفة والتي تعتبر من المكتبات العامة العالمية. توفي ليلة الخميس 7 صفر سنة 1411 ه‍ عن عمر ناهز 96 سنة ودفن رضوان الله عليه بجوار مكتبته العامة. عاش سعيدا ومات حميدا، فسلام عليه يوم ولد ويوم تعلم وعلم ويوم مات، ويوم يبعث حيا.


(1) من: " قبسات من حياة سيدنا الاستاد " للسيد عادل العلوي. (*)

[ 234 ]

3 شوال سنة 1380 ه‍. ق (1) جناب سيدنا الأجل سماحة آية الله السيد شهاب الدين المرعشي المحترم. سيدي العزيز وتاج رأسي حياكم الله وبياكم (2). سلام الله عليكم أهل البيت ورحمته وبركاته. يسعدني في هذا اليوم المبارك أن اكتب اليكم وأقدم التهاني والتبريكات الى جنابكم الأنور. وقد استعدت ذكراكم العطرة بوصول رسالتكم الكريمة. وسررت كثيرا بسلامة شخصكم المقدس، مع شكري الجزيل لألطافكم ومراحمكم. ودمتم علما للعلم والدين وقدوة حسنة وأسوة لأهلهما. إني بحمد الله وببركات أنفاسكم القدسية لا زلت مشغولا بالاستفادة وجنبي الثمار من الكنوز والينابيع العلمية في هذه الديار. وكنت قرابة الشهر في لكهنو، وسأسافر الى علي گر إن شاء الله تعالى يوم الخميس، ومن هناك الى رانبو وحيدرآباد، ومن المعلوم أن هذا السفر شاق ومتعب وفيه مشاكل من جهات اخرى، لهذا أرجو منكم كبير الرجاء أن تذكرونا بالدعاء الذي هو خير رأس مال. إن صحتي جيدة والحمد لله ومزاجي طيب، واطالع واكتب ما لا يقل عن عشر ساعات يوميا، وليس عندي مجال لإطالة رسالتي أكثر من هذا. سوف احظى بزيارتكم عند عودتي الى إيران إن ابقاني الله حيا، وسوف اطلعكم على مستجدات الامور وقضايا الساعة التي لابد من الاطلاع عليها. مرة اخرى، ارجو منكم الدعاء، وإني أدعو لكم، واستودعكم الله تعالى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الأحقر عبد الحسين الأميني


(1) بياكم: بمعنى جعل الله وجهكم نورانيا - ذكر ذلك العلامة المجلس في بحاره. (*)

[ 235 ]

ترجمة حياة آية الله السيد محمد هادي الميلاني آية الله العظمى السيد محمد هادي الميلاني طاب ثراه علم من أعلام الامة ومرجع من كبار مراجع الطائفة. ولد في النجف الأشرف عام 1313 هجرية في اسرة عريقة في العلم والفضيلة، ونشأ في أجواء الفقاهة والتقى، حتى حضر عند مشاهير الاساتذة في الحوزة العلمية، كشيخ الشريعة الاصفهاني، والميرزا النائيني، والشيخ محمد حسين الاصفهاني، والشيخ ضياء الدين العراقي، والشيخ محمد جواد البلاغي، ثم استقل بالتدريس والإفتاء، ورجع إليه طوائف من المؤمنين في البلاد المختلفة في التقليد. ثم إنه انتقل إلى كربلاء المقدسة بطلب من علمائها، فكان بها ردحا من الزمن، حتى هاجر إلى مشهد المقدسة في ايران، فاستقر هناك وجدد الحوزة العلمية بها، بتأسيس مدارس ومؤسسات علمية وتحقيقية وتخرج على يديه جماعة من الفضلاء، من أشهرهم: 1 - الشيخ الوحيد الخراساني. 2 - السيد يوسف الطباطبائي الحكيم. 3 - الشيخ محمد رضا المظفر. 4 - نجله السيد نور الدين الميلاني. 5 - السيد ابراهيم علم الهدى السبزواري. وترك آثارا علمية فائقة في مختلف العلوم والمجالات، منها: 1 - محاظرات في فقه الامامية، كتاب الزكاة والخمس، وصلاة المسافر، والبيه في مجلدات كثيرة. 2 - تفسير أجزاء من القرآن الكريم، طبع منه تفسير سورتي الجمعة والتغابن.

[ 236 ]

3 - تعليقات على كتاب (الهدى الى دين المصطفى) في الرد على النصارى، لشيخه البلاغي طاب ثراه. 4 - كتاب (قداتنا كيف نعرفهم) في ثمان مجلدات، وهو موسوعة بتراجم أهل البيت (عليهم السلام) وفضائلهم ومناقبهم من كتب الفريقين. مشايخه في الحديث والرواة عنه: والسيد الميلاني يروي عن: 1 - السيد حسن الصدر، صاحب تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام. 2 - السيد عبد الحسين شرف الدين، صاحب المراجعات. 3 - الشيخ آغا برزگ الطهراني، صاحب الذريعة. 4 - السيد محم سعيد الهندي العبقاتي. 5 - الشيخ محمد تقي الجعفري التبريزي. ويروي عنه كثير من الأعلام، نذكر منهم: 1 - نجله السيد نور الدين الميلاني. 2 - الشيخ مرتضى الحائري اليزدي. 3 - السيد مرتضى العسكري. قال الشيخ حرز الدين في كتاب معارف الرجال 3 / 265: " بلغ مرحلة الاجتهاد في العقد الثالث من عمره، وكان مولعا بالتدريس في النجف، ثم هاجر الى كربلاء، ولقي بها كمال الترحيب من أهلها والاقبال من أفاضلها، ثم فتح باب التدريس هناك على مصراعيه، وتخرج عليه جمهرة من الطلاب الافاضل. وفي سنة 1373 هجرية قصد زيارة الامام الرضا (عليه السلام) والتمسه أهل خراسان بإصرار وجوهها وفضلائها للبقاء عندهم، فاستجاب لطلبهم فأقام في خراسان، وكان (رحمه الله) العالم الموجه والمدرس البارع في علمي الفقه والاصول، والمبرز من

[ 237 ]

علماء خراسان في التقليد والفتيا والمرجعية والتدريس ". وتوفي (رحمه الله) يوم الجمعة، 30 رجب سنة 1395 ه‍ عن عمر ناهز الثانية والثمانين ودفن في داخل الروضة الرضوية الطاهرة. فسلام عليه يوم ولد ويوم تعلم وعلم ويوم مات، ويوم يبعث حيا.

[ 239 ]

23 جمادي الاولى 1387 ه‍. ق (1) السلام على سيدنا الامام أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) المفدى. بسمه تعالى وله الحمد جناب المقدس المستطاب سيد الطائفة والزعيم الاوحد الفذ الحاج السيد محمد هادي الميلاني دامت بركاته السنية الشريفة. سلام مشتاق وتحية وامق ودعاء من يحمل لكم الولاء الخالص. تلقيت رسالتكم الكريمة، وسررت كثيرا لما بشرتني بسلامة وجودكم المقدس، وسألت الباري عز وجل أن يديم هذه النعمة العظيمة عليكم. إني عاجز عن وصف مقدار شوقي للثم وتقبيل العتبة الرضوية المقدسة، ولقاء سيدي المعظم، وإني متألم جدا لعدم توفيقي لهذا، وإن أملي بما لأنفاسكم القدسية من أثر في تلك الحضرة المقدسة بأن يكون التوفيق لي خير رفيق وأن أسعد بالفوز بالمرام. انني فقير إلى دعائكم بسبب انحراف صحتي، فالرجاء أن احظى بالدعوات الخالصة من تلك الذات المطهرة. ختاما، أسفي شديد وألمي لا حدود له لرحيل العالم الرباني والاخلاقي آية الله الشريف والصديق الشفيق السيد محمد جواد الطباطبائي " عنيكي " قدس الله روحه ونور ضريحه. وبهذا المناسبة أقدم أحر التعازي واسأل الله تعالى أن يلهم جميع الأحبة الصبر الكامل والاجر الجزيل. أحسن الله لكم العزاء وأجزل ثوابكم وأعظم أجركم وأدامكم الله نبراسا للعلم والدين وقدوة للصالحين. والسلام عليكم سيدنا... ورحمة الله وبركاته. عبد الحسين الأميني

[ 241 ]

مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة النجف الأشرف... العراق (1) 4 ربيع الاول 1388 ه‍. ق السلام على سيدنا الامام أبي الحسن علي بن موسى الرضا المفدى. السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته. المحضر المقدس. جناب المستطاب سيد الطائفة ومرجع الامة من العترة الطاهرة الحاج السيد محمد هادي الميلاني دامت بركاته السنية الشريفة. مع آلاف الاشواق للقائكم، ومع تقديم سلامي اليكم، اذكر خاطركم العطر عن انقطاعي عن مراسلتكم طوال المدة التي كنت في العراق. واعرب عن اسفي وشديد تألمي لذلك. وليس في اليد حيلة فذلك تقدير العزيز العليم. اود أن اخبركم عن صحتي في جواب برقيتكم، واشير إلى ان قلبي لم يسكن بعد، وأنا الآن في مقام أن اصدعكم بلساني القاصر، لأتكلم مع سيدي المعظم وابين له مدى اشتياقي الى ذلك الوجود السعيد، وإني أرجو كبير الرجاء منكم الدعاء، وأملي ورجائي ان لا احرم عن نفحاتكم القدسية، وتشملني بركات دعواتكم الصالحة، وإن منتهى أملي وعمدة مقاصدي أن يرزقني الله تعالى القوة والقدرة حتى اكمل بقية مجلدات الغدير ويتم نشره، ولا يبقى في منتصف الطريق، وتضيع اتعاب عمر كامل قضيته في تأليفه، فأجعلوني في همكم، واذكروني عند ربكم. دمتم للعلم والدين نبراسا والسلام عليكم وعلى الشبل الشريف ورحمة الله وبركاته. الأحقر عبد الحسين الأميني

[ 243 ]

بسم الله وله الحمد السلام على سيدنا الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا المفدى. سلام الله عليكم أهل البيت ورحمته وبركاته. حضرة المقدس المستطاب سيد الطائفة وفقيه العترة الهادية، الزعيم الشريف الحاج السيد محمد هادي الميلاني دامت بركاته السنية. مع تقديم السلام، اعلمكم بوصول رسالتكم الكريمة المباركة، وقد قرأتها مرات عديدة، وتنسمت رائحتها وقبلتها ووضعتها على عيني الدامعتين. كان اشتياقي للقائكم المقدس عظيما إلى الدرجة التي حينما يذكر اسمكم المقدس الذي هو زينة مجالسنا فإني لا أتمالك نفسي واجهش بالبكاء إلى أن تسكن حرقة القلب وتخمد نار الشوق. فهل يا ترى يمن الله تعالى بفضله العميم ويتلطف علي بحياة جديدة ويخلصني من فراش المرض لاجدد زيارتي لجنابكم ولازداد سرورا بلقاء ذلك السيد العزيز، وأزداد من فيض بركات الامام الرضا ثامن الحجج (عليه السلام). أود أن احيطكم علما بشديد تألمي عندما سمعت بمرضكم، وقد رفعت يدي بالدعاء إلى الله تعالى أن يشافيكم. وقد بشرني بحمد الله بعض الاخوة الذين حظوا بتقبيل اياديكم الكريمة بسلامة تلك الذات المطهرة، وعند وصول رسالتكم الشريفة اطمأننت وقر الله عيني. إن صحتي بحمد الله جيدة، وإن كان ولله الشكر قد حصل تغيير كلي في تشخيص أصل المرض إلا أن قدمي ما زالتا خارجتين عن ارادتي، إضافة إلى الآلام المستمرة التي لا زلت قابعا بسببها في زاوية من زوايا المستشفى. وإني أحمد الله تعالى وأشكره ألف مرة على توفيقه الذي جعلني قادرا على العمل عدة ساعات كل يوم في ترتيب بقية أجزاء الغدير (1)، وإني اطلب منكم


(1) وهي الأجزاء الثلاثة: الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر، وقد شاهدت ذلك بنفسي عندما كان = (*)

[ 244 ]

الدعاء الي حتى استطيع إقامة بقية اجزائه ليطبع بشكل جيد. ابلغ سلامي وأشواقي الحارة الى قرة عيني، والى جميع الاخوة والاصدقاء راجيا منهم أن يمنوا علي ويحسنوا إلي بدعائهم ولا ينسوني من دعواتهم الصالحة. إن ولدي الحاج رضا يفتخر بتقبيل اياديكم والسلام عليكم ودمتم للعلم والدين علما هاديا وأسوة وقدوة للأمة المسلمة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الأحقر عبد الحسين الأميني


= المرحوم يراجعها مع ولده الشيخ رضا وهو راقد في مستشفى آيار مهر - آنذاك - بطهران. عندما قصدت زيارته من بغداد وكانت الأخيرة. (المؤلف). (*)

[ 246 ]

(1) السلام على سيدنا الامام أبي الحسن علي بن موسى الرضا. سلام الله عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته. المحضر النوراني جناب المستطاب سيد الطائفة وزعيمها العلم الأوحد الحاج السيد محمد هادي الميلاني دامت بركاته. عرضت لمحضركم المقدس تفصيل احوالي في رسالتي السابقة، وقصدت في جواب برقية ذلك السيد المعظم أن اتحدث مرة اخرى مع ذلك الوجود اللطيف لتحيا روحي ويفرح قلبي، واظهر لكم احوالي بصورة اجمالية حتى كأن ضميركم النير يراني. لا زلت منذ قرابة العشرين يوما تحت رعاية الاطباء في لندن، ولم أجد اية نتيجة ايجابية الى الآن. ولا زلت ميت القلب مضطرب الروح اقضي عمري في زاوية أمر من السجن، حتى لقد نفذ صبري، واني عقدت كل آمالي بآثار الأدعية الصالحة لا غير. آمل أن يشملني الفضل والكرامة والرحمة الإلهية، وان اتخلص سريعا من هذا السجن القاتل، وأكون في الصيف المقبل بجوار تلك الحضرة الرضوية المقدسة ز أفديكم على الدوام، واسألكم الدعاء مقدما، وارجو إبلاغ سلامي الى الاعلام والحجج الكرام، وجميع الاحبة، سائلكم الدعاء ولا سيما عزيزي نجلكم الكبير أن لا ينساني من دعائه إن شاء الله. دمتم قدوة واسوة للعلم والدين وأهلها والسلام عليكم. عبد الحسين الأميني

[ 248 ]

وهذه رسالة العلامة الأميني (قدس سره) أرسلها من النجف الاشرف الى سماحة آية الله السيد حسين الخادمي في اصفهان، بتاريخ 10 شوال من سنة 1383 ه‍. ق (1). سلام الله عليكم أهل البيت ورحمته وبركاته. سيدنا الاجل حياكم الله وبياكم. دوما أطلب من المقام الأحدية صحة وعافيه ذلك الوجود المقدس أملي في ظل عناية وحماية وكفاية وكفالت الحق ان تصانوا من جميع البليات والعاهات وتكونوا ومن يلوذ بكم وأولادكم الكرام في سرور وفرح وصحة وسلامة. بحمد الله لا زلت متنعما بالحياة العارية وفي تمام الاوقات عند تشرفي للعتبة المقدسة بالخصوص كنت نائب الزيارة عنكم وادعو لكم ولا اتصور في تشرف واحد لم تكونوا معي ورجائي من جنابكم كذلك ان لا تحرموني عن دعواتكم ويكون لي حظ ونصيب من تلك الأدعية الصالحة وبركات الانفاس القدسية. بلغوا سلامي الى كل العائلة المجللة والاولاد الكرام واظهر دعائي في محضر الحضرات العلام والحجيج والآيات لا سيما حضرة السيد الشفتي والسيد الاردكاني والسيد طيب والسيد شمس آبادي والسيد رجائي واخوكم شمس المحترم والسيد الحاج مهدي الواعظ الشريف وابلغهم سلامي ودعائي وزيارتي دمتم للعلم والدين متع الله بكم المسلمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الاحقر عبد الحسين الأميني وهما حزبان سياسيان اسسهما الاستعمار البريطاني لتمزيق الامة الاسلامية، انطلاقا من سياسته الممقوقته " فرق تسد " ؟ ؟ ؟ الفكرة البهائية في صفوف الشيعة، والوهابية في صفوف السنة، فراجع تاريخهما لتعرف الحقيقة.


(1) وهو الذي دعا العلامة الأميني لاصفهان لالقاء محاضراته القيمة التي دامت حوالي الشهرين - بعد ان انحرف بعض شبابه الى البهائية والوهابية. (*)

[ 249 ]

من رسائل العلامة الأميني إلى المؤلف الشاكري تركت في ارشيف مكتبي في بغداد عندما غادرتها لسفرة قصيرة الى الكويت، مسانيد مهمة ورسائل عزيزة، وذكريات غالية، وردتني من شخصيات علمية وسياسية واقتصادية مرموقة، منها رسائل عديدة لسماحة آية الله العلامة الأميني... وما كان يدور في خلدي أن تطول السفرة الى هذه المدة. غير أن سماحة الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني النجل الأكبر لسماحة العلامة الأميني - كان محتفظا لي عنده بمسودة إحدى هذه الرسائل عندما كان في النجف، وها أنا أذكر نصه، إتماما للفائدة: عزيزي... الحاج حسين الشاكري... سلاما وتحية أرجو أن تكون في خير وصحة وعافية، ونحن بحمد الله في أحسن حال، وصحتي جيدة، ولعل المولى سبحانه يمن علي بالتمكن من السير وراء " الغدير " وتهيئة بقية أجزائه، للنشر والطباعة، وهذه أمنيتي الوحيدة، وضالتي المنشودة، أرجو الله أن يحققها في العاجل دون الآجل. والفت نظرك الى بناية المكتبة الحديثة، فنحن - كما تعلمون - تعبنا سنين وأخذنا من المهندسين خرائط عدة، ولسنا بعد في حاجة الى مهندس لتهيئة خريطة جديدة، وإنما نحتاج الى تعيين الركائز والسقف وكيفيتها وسمكها، ويتمكن من هذا المعمار الفني الايراني الموجود في كربلاء " لورزاده " (1)، وقد تعهد بالقيام بهذه


(1) المهندس لورزاده - مهندس القصر في ايران - ومبعوث الشاه المقبور لدراسة المياه الجوفية، تحت المراقد المطهرة للإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس بكربلاء، وذلك بين سنتي 1955 - 1956 م. (*)

[ 250 ]

الخدمة، كما يحكيه عنه الوجيه المحسن الحاج فرج موحدي (1)، الذي له يد عليا في تأسيس المكتبة، فوصى هو ولدنا الحاج الشيخ رضا، أن ينزل بكربلاء ويأتي بالمعمار حتى ينفذ ما يلزم به، واحسب أن المكتبة تستفيد جدا من خبراته. ولست أعرف سيركم بعدي وراء إنجاز العمل، وأسأل الله الخير وتقدير ما فيه الصلاح، وهو ولي التوفيق، وعليه التكلان. عبد الحسين الأميني النجفي وتأريخ الرسالة في منتصف الستينات الميلادية حوالي 1965 م = 1385 ه‍.


(1) المرحوم الحاج فرج موحدي أحد اعضاء هيئة التولية لمكتبة أمير المؤمنين العامة: تاجر وصناعي وصاحب أعمال خيرية جليلة في طهران. (*)

[ 251 ]

فصل من أقوال واطراء الشخصيات العلمية والاجتماعية كلمة الاستاذ المحامي توفيق الفكيكي البغدادي كانت جمعية الرابطة الأدبية في النجف الأشرف على أهبة الاستعداد لإقامة حفل تكريمي لسماحة العلامة الاميني (قدس سره) في حياته وذلك في سنة 1376 ه‍ = 1956 م، وقد جمعت المواد اللازمة واللائقة في حينه لهذا الغرض من نظم ونثر. غير ان حدوث بعض الظروف السياسية حالت دون ذلك. وكلمة الاستاذ الفكيكي هي واحدة من تلكم المواد. لقد جرت سنة الجمعيات الثقافية والمعاهد الجامعية والمجامع العلمية الأدبية في الغرب والشرق، على إقامة حفلات التكريم للنوابغ الأفذاذ، من عظماء الرجال الأبدال، أصحاب المواهب العلمية النادرة، والكفاءات الممتازة، والعبقريات الفائقة، إجلالا لشرف العلم والحكمة، وتمجيدا لروائع جهاد هؤلاء العباقرة، وتخليدا لمفاخر أمجادهم، وتقديرا لأعمالهم المجيدة ومآثرهم وآثارهم الخالدة. ومن وراء الجمعيات والمعاهد والجامعات، تقوم الحكومات الصالحة بدورها في المساهمة بما لديها من وسائل التمجيد والتخليد لاولئك الأبطال، من أحرار الفكر وأساطين المعرفة والفنون، فنراها تمنح المال الوفير - بكرم وسخاء - لتحقيق ما تقربه عيون العصاميين النابغين في حياتهم، ويحفزها واجب الوفاء لحرمة العلم والحكمة والنبوغ لصنع التماثيل بقصد تبجيل اللامعين النادرين ونصبها في الميادين العامة، بعد أن تخلع عليهم حلل المجد وأوسمة الفخار، اعترافا بفضلهم، ورمزا لعظمتهم الفكرية، ودرسا عمليا للاعتبار بسيرة هؤلاء الأبطال لأبناء الأجيال من بعدهم.

[ 252 ]

ولكن مهما بالغ الغرب في يقظته الفكرية ونهضته العلمية، في تكريم وتمجيد وتخليد العلماء والحكماء والادباء والشعراء وأصحاب الفنون الرائعة الخالدين، فلم يبلغ الى ما قرره الإسلام وخلفاء المسلمين وامراؤهم ورؤساؤهم، من تقديس العلماء وإعلاء شأنهم واحترام منزلتهم وتعظيم مكانتهم وتخليد سلطانهم، الى درجة كان يحسدهم ذوو التيجان وأرباب الصولجان. وقد نزل التنزيل بمدحهم، فقال تعالى: * (انما يخشى الله من عباده العلماء) *. وقد قرن شهادة أهل العلم وشهادة الملائكة المقربين بنفسه تعالى، على توحيده بالربوبية، فقال تعالى: * (شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم) *. وقد نفى الرسول الأعظم سمة الخير في غير العالم والمتعلم من امته، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا خير فيمن كان من امتي ليس بعالم ولا متعلم ". وقد جعلهم قادة الدنيا بعد الأنبياء، كما عدهم الامام الصادق (عليه السلام) من العظماء في ملكوت السماوات، " فقيل: تعلم لله واعمل لله وعلم لله ". وقال بعضهم: " إذا لم يكن العلماء أولياء الله في الأرض فليس فيها لله ولي ". وقد فسر بعض المفسرين " الزينة " في قوله تعالى: * (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) * بالأنبياء والعلماء. وعن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): " إذا مات مؤمن وترك ورقة واحدة عليها علم، تكون تلك الورقة سترا بينه وبين النار، وأعطاه الله بكل حرف عليها مدينة أوسع من الدنيا سبع مرات ". * * * كان الكسائي يؤدب ابني الرشيد، فأراد يوما النهوض من عندهما، فابتدرا الى نعله ليقدماها له، فتنازعا أيهما يقدمها له، ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما فردا منها. فلما بلغ الخبر الى الرشيد، وجه الى الكسائي، فلما دخل عليه قال له: من أعز الناس ؟ قال: لا أعلم أعز من أمير المؤمنين ! قال: بلى ! إن أعز الناس من إذا نهض تقاتل على تقديم نعله وليا عهد المسلمين، حتى يرضى كل منهما أن يقدم له فردا منها. ثم قال الرشيد: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوما وعيبا... وما

[ 253 ]

وضع ما فعلا من شرفهما، بل رفع من قدرهما وبين عن جوهرهما. وقال أبو معاوية الضرير - وكان من علماء الناس -: أكلت مع الرشيد يوما فصب على يدي الماء رجل، فقال لي: يا أبا معاوية، أتدري من صب الماء على يدك ؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين ! قال: أنا. فقلت: يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا إجلالا للعلم ؟ قال: نعم. ولهذا قيل: العلم يوطئ المساكين بسط الملوك. وقال الأحنف: كل عز لم يؤيد بعلم فإلى ذل يصير. وقال يزيد بن المهلب: كاد العلماء يكونون أربابا، أما ترون هذا المولى كيف قام له سادات العرب ؟ يقصد الحسن البصري. لقد أتينا بهذه الأدلة القرآنية الساطعة، والأحاديث النبوية الشريفة، والأخبار التأريخية، للاستشهاد على أن الاسلام قد نظر الى العلم والعلماء نظرة إكبار وتقديس. وأن المحلى بشرف العلم تحلى بأفضل فضائل الكمال، وأسمى نعوت الجمال، بل هو أجل الصفات الربوبية وأجمل السمات الالوهية، وهو سبب الوصول الى الحضرة القدسية والصعود الى افق الملائكة المقربين، وأن السعادة التامة الأبدية واللذة السرمدية لنور الله تعالى، لا يتيسران بدونه، وأن الغرائز البشرية مجبولة على تعظيم العلماء وتوقيرهم وطاعتهم واحترامهم. وفضل العلماء على الأنام بقدر فضل نفوسهم على أبدانهم، فتجب محبتهم وطاعتهم. وقد أحسن من قال: إن العالم الحكيم، والد روحاني، رب بشري، وإحسانه إحسان الى ذلك، لأنه يربي على الفضيلة التامة، ويغذي بالحكمة البالغة، ويسوق الى الحياة الأبدية في النعيم السرمدي، وهو السبب في تنشئة الوجود العقلي، لهذا استحق أعلى مراتب التعظيم والتمجيد والاحترام. * * * أيها السادة ! في هذا اليوم السعيد الأغر، عقدت " جمعية الرابطة العلمية الأدبية " هذا الاجتماع المبارك، وهو أول احتفال يقام - باعتقادي - في هذا البلد المقدس، في

[ 254 ]

سبيل الغاية الشريفة التي اعتادت الجمعيات والجامعات العلمية العالمية على تمجيدها والإشادة بماثر الموهوبين من أهل الفضل والكمال، والاعتراف بما أسدوه للمجتمع من خدمات جليلة صادقة في مجالات المعرفة والإصلاح. * * * ومن عيون العلماء الذين نتشرف الآن بتكريمه، ويسعدنا الحظ بتبجيله، هو شيخنا السعيد العلامة الحجه الكبير (الأميني)، الذي ولد وترعرع في حجر امناء الشرع والفضلاء الأبرار، ودرج في مهد التقوى والقداسة، وفطم على الذكاء والنجابة، فحمدت عزائمه قبل أن علت تمائمه، وشب مشتملا على إبراد الشمائل وحسن المخائل، وما زالت محامده تنطبق بفواضله وليدا وناشئا، ومحاسنه صغيرا ويافعا حتى استكمل أسباب قوة الفضل قبل أن يتكامل سن الكهل، فكان عين الكمال وغرة العصر ونور المحافل وزين المجالس وكوكب قومه ومصيره اللامع. ولا عجب أنه جمع الفخر من أطرافه، فإن آل أمين الشرع - الذين ينتسب إليهم شيخنا الأجل الأميني - هم معدن المحامد والمكارم، ولهم في الفضل قديم وحديث، وهو غوث الأنام، وفرسان الأدب والكلام، في خدمة حضارة الإسلام. ولا غرو أن يغمر فضله وهو نجل النوابغ، أو يغزر علمه وهو من فيض البحور الخضارم، وأن تشهد شواهد النباهة والعبقرية ل‍ " نابغة النجف الأشرف " وعلم من أعلام تبريز، بالاعجاب والتبريز. سادتي الأجلاء ! إن سيرة الجهبذة الفهامة، الشيخ الأميني، الذائع الصيت، ترشدنا الى أن همته في خدمة المعارف المحمدية وعلوم أهل البيت وفنون أصحابهم العظماء، كانت أبعد من مناط الفرقد، فقد جاب في سبيل ذلك البلاد وركب الصعب والذلول، وتجشم الحزون والسهول، وعمل نفسه على مخاوف البحر وأخطار البر، وأنفق أوقاته وبذل راحته واستنفذ ساعاته وأيامه في معاناة الدرس والاطلاع والبحث والتنقيب، لا يستريح قلمه ولا تسكن حركته، ما يؤنسه من الوحشة إلا الدفاتر، ولا تصحبه في الوحدة إلا المحابر، يحرق فحم ليله في الاستقصاء، ويقضي

[ 255 ]

بياض نهاره في غربلة الآراء والانتقاء. ومن وقف على مراجع مؤلفات من آثار العلماء والباحثين، والمجاميع والدواوين، والرسائل والمتون والشروح والحواشي والتعاليق، يرى أنه قد بلغ في ذلك حيث لم تبلغ الآمال والهمم. وما كان الحبر العلامة بالنؤوم ولا بالسؤوم، وله مع كل صباح يد كالصباح وضوحا أو كالنهار ظهورا. ولأياديه البيضاء فيما صنفه وألفه من الآثار الجليلة المفيدة أطواق في أجياد الباحثين الأحرار. لقد أوغل - حفظه الله تعالى - في البحث، وأمعن في التنقيب والتدقيق عباب العلم، وغاص على أسراره، واستقرى دقائقه، ومحص حقائقه، وأحاط بأصوله وفروعه، وهو عالم فنه ونسيج وحده فيه - غير مدافع ولا منازع - حتى استضاء طلاب المعارف بمشكاته، وهو في كل ذلك من بلغاء المنشئين، وأكابر المصنفين، ببيان ناصع، ورواية واسعة، لم يدع آبدة إلا قيدها، ولا شاردة إلا ردها. وقد نزه اسلوبه عن التعقيد والابهام والحشو والركاكة، وسلم من الناقد والحاسد، لأنه قد جمع الى الفهم الصحيح والأدب القوي القويم، الانسجام المطرد والسبك المحكم، بألفاظ درية، ومعان عسجدية المورد دانية القطوف. لقد قال الادباء: والاذن تعشق قبل العين أحيانا. وانا ممن أنعم الله - تعالى - عليهم بعشق العلامة الأمين الأميني وغمر قلبهم بحبه، فقد كنت أرتشف من منهله الصافي " شهداء الفضيلة " أو " فواضل الشهداء ". وهم شهداء العلم والحكمة والعرفان والأدب. ذلك الكتاب القيم الذي كان وقعه في نفسي كقميص يوسف في أجفان يعقوب (عليهما السلام)، وكان ظفري به كظفر المؤمنين بالنعيم. وإنه لتنسيك حلاوته حلاوة الأولاد، وطلاوته زهر الربيع وطلاوته. والحق أن كتاب " شهداء الفضيلة "، من أهم الكتب في تأريخ أحرار الفكر الإسلامي، بعد كتاب " مقاتل الطالبيين " الأبرار الذين قدموا أنفسهم الغالية

[ 256 ]

ضحايا وقرابين في سبيل المبدأ السامي وحرية العقيدة والايمان الصحيح. وفيه من الدروس الغوالي والعبر العالية، ما يغرس في النفوس الكرامة والاعتزاز وحب الموت والفناء في سبيل الله لنيل الخلود والحياة الأبدية، على أن سيرة اولئك الشهداء العظام كفيلة بإحياء أية امة قد ماتت فيها عناصر الخير وروح الفضيلة، واستكانت للذلة، واستسلمت للعبودية، بعد حياة الاستقلال والحرية، وانعدمت في نفوس أفرادها معاني الرجولة والصراحة في نصرة الحق والعدالة. أقول: إنها كفيلة بذلك، إذا ما نهجت الأمة على سيرة شهداء الفضيلة العظماء، وسارت على محجتهم البيضاء. وبذلك يكثر فيها أشياع الحق وحماته، وأنصار دين الله وذادته، وحضنة الإسلام واعضاد العدل والاصلاح الاجتماعي العام، لا يسكتهم عن الباطل ارتقاء المشانق، ولا يفل عزيمتهم الإحراق والقتل ولا السم الزعاف، ولا تقعدهم عن صيحة الحق أغلال الدهاليز والسجون والمنافي والإبعاد والتشريد، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون. أما دائرة المعارف الكبرى، وهي كتاب " الغدير " - المنقطع النظير، والذي لم تأت بمثله الأوائل والأواخر - فكان مقطع الحق ومفصل الصواب وفصل الخطاب، فقد حاز استاذنا الحجة المفضال " الأميني " قصب السبق، وأحرز فوق النصال والمنال، واستولى على الأمد، ولا يتصل بعجاج قدمه، ولا يدرك شأوه، ولا يجري فرسان العلم والأدب في مضماره. فجرى في حلبته الى أبعد الغايات وأقصى المدى. وإن الجواد على أعراقه يجري. فقد حوى هذا السفر النفيس الخالد على شتى العلوم والمعارف والفنون، من تأريخ وفقه واصول ومنطق وكلام وفلسفة وأدب وجدل ونظر، مما تفصل به الحجة من الشبهة، وتنفي الشبهة عن الحجة، وقد لخصت فيه فوائد كل علم وفن أحسن تلخيص، وحررت مسائله أبدع تحرير، سديد المنهج، واضح المعالم، يتبارى معناه ولفظه الى الفهم قبل الاسماع. كيف لا ! ومؤلفه - دامت بركاته - نادرة وقته، ومن أكابر النقاد، ومن ذوي

[ 257 ]

البصائر النافذة والرويه الثاقبة، بصير بمواضع الحق، ومن مشاهير أهل الجدل وجله أصحاب النظر، فتراه في مدونته هذه قد جادل فحول العلماء، على اختلاف فرقهم ومذاهبهم وعصورهم، وناظرهم وناقشهم وحاجهم بالحجج السواطع القواطع الملزمة، والبينات النواصع اللوامع المسكتة، واستظهر عليهم بدليل العقل والنقل، وأيد مذهب الحق بالنصوص الصريحة والبراهين السديدة، حتى أبكم الخصوم وقطعهم وقرعهم بالحق فدحض حجتهم، وزيف برهانهم، ورماهم بقاصمة الظهر، وألوى أعناقهم صاغرين. لله در القائل: ولم أر أمثال الرجال تفاوتا * الى المجد حتى عد ألف بواحد وهو في كل ذلك كان القاضي على محاكم المعقول والمنقول، وفيصل أحكامها العادل، قد حل دقائق الاشكال، وأزال علل المعضلات، برأي ثاقب، وفكر عميق، وحجة داحضة، وحكم قاطع. أما لغة الكتاب وفنونه البلاغية، فلا نغالي إذا قلنا بأنها كالروضة الأنيقة قد تفتحت أحداق وردها، أو كنسيم الحر هب على صفحات الزهر، تدفقت فيه جداول الفصاحة وغدران البلاغة، تدفق اليعبوب والغيث المنهم. والخلاصة، فهو كتاب جزيل المباحث، جم الفوائد، مشرق الدلالة، قد ارتفع عن مقام المتحدي والمستدرك. وقد بلغ ناظم دره وناثر لآلئ سمطه - بعين الإلهام والتوفيق - الغاية العليا والنهاية القصوى والغرض الأقصى، فلا غرو إذا ما ازدهت به مكتبات الدنيا، وازدانت به مجالس العلماء، وأنديتهم، وتفاخرت به خزانات الملوك وامراء البيان. أما المناهل العذاب الاخرى من مصنفات الحجه الأمين الأميني، والتي لم تشرق بعد في آفاق العلم والأدب، فلما تزل يد الأيام تبخل بها على طلاب المعرفة، وتتحكم بحرمانهم من نبراسها الساطع، ومن تلك التآليف المهمة: كتاب " الميثاق الأول " في تفسير قوله تعالى: * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم...) *.

[ 258 ]

وكتاب " انس الوحيد " في أحوال الكتب المخطوطة التي رآها في مختلف البلاد والأصقاع. وكتاب " المقاصد العلية " في تفسير عده آيات من الكتاب الكريم. وكتاب " الأسماء الحسنى " فيما سمي به أمير المؤمنين (عليه السلام) في القرآن. وكتاب " التعاليق " على " رسائل " و " مكاسب " الشيخ الامام العظيم الأنصاري قدس الله تعالى روحه الشريفة. ونرجو الله تعالى أن يوفقنا الى الارتشاف والاغتراف من هذه المناهل الصافية والينابيع النميرة، والارتواء من رحقيها المختوم. وبعد، أيها السادة، فإن سيرة الأفاضل السعداء سيرة لذيذة بنفسها، لأن أفعالهم أبدا مختارة وممدوحة، فالأفعال الفاضلة والغايات التي ينتهى إليها بالفضائل لذيذة محبوبة، فسعادة العلم ألذ من كل شئ، وقد قالت الحكماء: " إن السعداء هم الذين رزقوا القصد من الخيرات الخارجة عنهم، وفعلوا الأفعال التي تقتضيها الفضيلة ". وقال أرسطو: " ليس معرفة الفضائل كفاية، بل الكفاية في العمل بها ". ومن هذا نفهم معنى قوله تعالى: * (فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين) *. وقد رأينا كيف كانت سيرة شيخنا السعيد العلامة الأميني، فهي دائما سيرة العلماء السعداء، والحكماء الفضلاء، وأهل الكرامة النبهاء. وقد حاز - والحمد لله - مع نباهة شرفه وكرم أرومته، مزية أدبه وعلمه، وما ورث تلك المواريث الحميدة عن كلالة، ولا ظفر بالهدى عن ضلالة، بل تناول هذا الفخر العظيم، كابرا عن كابر. أدامه الله تعالى وأمثاله من المصلحين، ذخرا للإسلام والمسلمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. توفيق الفكيكي - بغداد

[ 259 ]

كلمة الاستاذ السيد حسن الأمين في تأبين العلامة الأميني (قدس سره) الهبة الكبرى إنساني لا حدود تحد بين المكبرين له إذا كان للفقيد الجليل، الشيخ عبد الحسين الأميني، مزايا عديدة جعلته موضع تقدير الناس واحترامهم، ودعت الى تخليد ذكراه والإشادة بسجاياه، وإذا احتفى به الناس كل من ناحية يراها جديرة بالحفاوة، فإنني احب أن أسجل له موقفا واحدا، هو عندي من أجل المواقف، لا في تأريخ مذهب معين أو دين معين أو بلدة معينة أو وطن معين، بل في تأريخ العلم كله وتأريخ الفكر كله... موقفا واحدا يجعل منه إنسانيا لا حدود تحد بين المكبرين له المشيدين به... هذا الموقف، هو أنه كان بطل إنشاء ما أسماه " مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة ". فمعلوم أن النجف الأشرف هي عاصمة من أكبر العواصم العلمية في العالم، التقى فيها - ولا يزال يلتقي - منذ عهد الشيخ الطوسي، ما لا يحصيه عد، من العلماء والمفكرين والشعراء والكتاب، عكفوا كلهم على العلم يتدارسونه، وعلى الفكر يناقشونه، وعلى الادب يطالعونه. وعلى توالي العصور كان يجب أن يكون في النجف خزانة كتب تتفق مع ما للنجف من أثر علمي وتراث فكري. ولم يقصر الأقدمون في ذلك، فقد حشدوا في النجف من الكتب ما وسعهم أن يحشدوا، حتى كان من ذلك مكتبة كبرى، نسبت الى " أمير المؤمنين "، كما حدثنا المحدثون الذين اطلعوا على بقايا تلك الكتب وعلى ما سلم من أيدي العابثين منها.

[ 260 ]

كان ذلك في العهود البعيدة، عهود تدوين الكتب باليد وخطها بالقلم، حيث لا طباعة ولا وسيلة لنشر الكتاب إلا أيدي الكاتبين وأقلامهم. وتتوالى العصور على النجف، تتوالى بكل أعاصيرها طورا وكل سكونها طورا، تتوالى وتتوالى معها الأيدي، حافظة تارة وعابثة أخرى - وما كان للنجف أن يصمد للعبث، ويد التخريب هي دائما أنجح من يد التعمير - حتى تمزقت المكتبة الكبيرة وذهبت، إما ركاما فوق ركام تأكلها الرطوبة ويبليها الإهمال، وإما استحلالا من المستحلين واستغلالا للمستغلين. وكان من العار أن يذهب الذاهب الى النجف، فيسأل عن مصادر العلم وموارد الكتب فلا يجد مصدرا عاما ولا موردا راهنا، لولا بقية من الحفظة العاملين، الذين أقاموا في دورهم مكتبات حافلة وخزانات عامرة، كانت لا تلبث أن تموت بموت جامعها وتتفرق ها هنا وها هنا. ولطالما عانيت حرجا حينما كان يلم بي الذاهبون الى النجف مستطلعين عن مكتبتها الكبرى، فلا أجد جوابا سوى أن احيلهم الى الأعلام من مقتني الكتب وحفاظها، فيتساءلون: أليس في النجف ما في مثيلاتها من دور الكتب ؟ ! كان ذلك قبل أن يهب شيخنا الأميني هبته الكبرى، ويطلق نداءه الصارخ... ومن العجيب أن أحدا قبله لم يفكر تفكيره القويم، ويسلك صراطه المستقيم. وعلى ما رأت النجف من أعلام، وما مر بها من عظام، لم تجد قبل الأميني مفكرا من هذا الطراز، يدرك بثاقب بصيرته حاجة النجف فيسدها. ومن هنا نستطيع أن نحس بعد نظر الأميني وعمق تفكيره وما كان له من انفتاح على شؤون الكون وحاجات الحياة، ومن هنا نستطيع أن نقول: إنه لم يكن لمذهبه ولا لدينه ولا لبلدته ولا لموطنه فحسب، بل كان إنسانيا، يستغرق بجهده أرفع ما في الإنسانية من رفيع، وعالميا يستوعب أنبل ما في العالم من نبيل. وهل يشارك العالم كله في شئ أنبل من مشاركته في تشييد نوادي الفكر وما تضمنه من علم جم وأدب ثر ؟ !

[ 261 ]

إن الشيخ الأميني يوم أقام " مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة "، إنما شارك في بناء زاوية من زوايا الحضارة العالمية، وساهم في إعلاء منارة من منارات الإنسانية، فالكتاب ملك للإنسانية حيثما كان الإنسان، وملك للحضارة أينما عاشت الحضارة. وليست مكتبة الإمام أمير المؤمنين - التي قامت بجهود الشيخ الأميني وجهاده - من هذه المكتبات المحدودة الاثر، وليست شيئا يقام مثله كل يوم، وليست مكتبة بالمفهوم الضيق لهذه الكلمة، بل هي - في واقعها - على أعلى المستويات العالمية من حيث محتوياتها ونظامها ومكانها وما اعد لها للحاضر والمستقبل. وما كان لغير الأميني أن ينجح في تشييد هذا الصرح العظيم، وأن يفوز بما فاز به من إقامة هذا النادي الكريم. وإنما نجح هو فيما نجح به وفاز بما فاز لأن الثقة الكبرى التي كان يتمتع بها كانت كفيلة بأن يسعى المخلصون للاستجابة إليه ووضع ما يريد بين يديه... وهيهات أن يكسب تلك الثقة إلا العاملون المخلصون والمجاهدون الصابرون... ولقد كان شيخنا الأميني واحدا من أبرزهم... بيروت - حسن الأمين

[ 262 ]

تقريظ وانتقاد كلمة لسليمان ظاهر، نشرتها مجلة العرفان - اللبنانية ج 5 - مجلد 33 ص 590. كتاب أصدر منه مؤلفه العلامة البحاثة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي جزأين من سبعة أجزاء، تبلغ صفحات الجزء الأول 365، والثاني 354، وهما موشيان بشروح لغوية وجيزة وبيان ما يحتاج إلى البيان. وإليك تعريفه بهذا الكتاب المصدر به مما يغنينا عن الإطالة ببيان مضامينه المفيدة، حيث يقول: " الغدير في الكتاب والسنة والأدب " كتاب ديني، علمي، فني، تأريخي، أدبي، أخلاقي، مبتكر في موضوعه، فريد في بابه، كتابا وسنة وأدبا. ويتضمن تراجم أمة كبيرة من رجالات العلم والدين والأدب من الذين نظموا هذه الإثارة من العلم وغيرهم في سبعة أجزاء. فالكتاب معلمة يأخذ منه بمقدار كل من له هوى في ناحية من النواحي المجتمعات فيه، فهو إن دل على شئ - وراء ما يقصد إليه المؤلف من إثبات النص يوم الغدير على إمامة علي (عليه السلام) - فقد دل على رغبة ملحة في الاستقصاء، وعلى جلد نادر في تتبع المظان والمصادر لكل ما يسمو بقيمة كتابه ويخرجه طرفة من طرف البحث العميق، وتحفة من تحف صبر العلماء على معاناة المباحث لتحقيق ما يهدفون إليه من غرض.

[ 263 ]

أما حديث يوم غدير خم وموقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه في حر الهاجرة بعد رجوعه من حجة الوداع خاطبا في الحجيج الزاخر كالبحر اللجي والسيل الآتي معرفا الجماهير في مكانة علي وولايته عليهم بعده، فحديث بالغ حد الاستفاضة من طريق فريقي السنة والشيعة، فلم تنفرد بروايته الشيعة، ولئن أنكره من غيرهم منكر فلم يدفع إنكاره تلك الاستفاضة وروى غير واحد ما أنشده حسان بن ثابت - شاعر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإسلام - قوله: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالنبي مناديا وقال: فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك تماميا إلهك مولانا وأنت ولينا * ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا فقال له: قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار حق مواليا ويقول أبو تمام: ويوم الغدير استوضح الحق أهله * بفيحاء ما فيها حجاب ولا سر أقام رسول الله يدعوهم بها * ليقربهم عرف وينآهم نكر يمد بضبعيه ويعلم أنه * ولي ومولاكم فهل لكم خبر ولا أدل عليه ولا على مضمونه من توقف علي عن البيعة برهة ومبايعته بعد ذلك وقد اقتضتها مصلحة الإسلام وقيام أول الخلفاء بأعباء تلك المصلحة التي لا يهدف علي والخليفة القائم إلى سواها من غرض، ولا مجال بعد هذا الوفاق والاتفاق بين علي والخليفتين على ما تدعو إليه المصلحة الإسلامية إلى إنكار حدث وقع وحديث مستفيض، وإني لأرجو أن يكون لنا من اتفاقهم - وهم قدوة المسلمين - درس بليغ لاقتفاء آثارهم في هذا الاتفاق، مراعاة للمصلحة الإسلامية والاعتصام بعروة وحدتها الوثقى، وأن لا يكون لنا غرض من وراء هذه الأبحاث إلا محض الاعتبار والاقتداء بالسلف الصالح، وأن نضرب بعرض الجدار كل ما

[ 264 ]

يدعو إلى التفريق حيث المصلحة تدعو إلى الاجتماع، وهل مني المسلمون في عصر من العصور بما منوا به في هذه الأيام من تفكيك ؟ والأمم تتداعى عليهم من كل جانب وتنصب لهم أحابيل المكائد بشتى الأساليب ومختلف الوسائل، وللمسلمين من الهند ومصر والمغرب وفلسطين والعراق ما يجب أن ينسيهم كل خلاف، وأن يصهرهم جميعا في بوتقة واحدة لا خلاف بعدها ولا نزاع في امور مذهبية، وأن يتخذ قارئ كتاب العلامة الأميني في موضوع تحري فيه الإخلاص والإنصاف مثابة للاعتبار بسيرة السلف. هذا الكتاب هو حلقة من سلسلة مؤلفات نفيسة يصدرها في جامعة الإسلام الكبرى النجف الأشرف بعد كتب أصدرها في هذا البلد العلمي، ومنها كتابه " شهداء الفضيلة " المفيد. أمتع اخ المسلمين ببقائه وأخذ بيده الى كل ما تصبو إليه نفسه الشريفة من علم نافع وعمل رافع، وهيأ لكتابه ما يستحقه من الانتشار بمنه تعالى وكرمه. سليمان ظاهر - بيروت مجلة العرفان ج 5 مجلد 33 ص 590

[ 265 ]

ترجمة الرسالة ما جاء في العدد الخاص من مجلة " رسالت " الناطقة باللغة الفارسية في عددها الصادر بتأريخ الأحد 18 ذي الحجة الحرام عام 1408 ه‍ - جاء فيها -: لقد ألف العلامة الأميني كتاب " الغدير " القيم لتوطيد أركان وأسس الإسلام الخمسة، خصوصا الركن الخامس الذي يعد الحافظ لسائر الأركان، " بني الإسلام على خمس وما نودي بشئ كما نودي بالولاية "، وللدفاع عن ساحة الثقلين المقدسة، وإثبات مصداقية أهل بيت العصمة والطهارة، وتبيين مذهب شيعة أهل البيت والطريقة الحقة للإمامية الاثني عشرية، ودفع الاتهامات الباطلة والافتراءات، والأكاذيب التي تشيعها سائر الفرق، والمذاهب الاخرى حول الطائفة الناجية. ولقد استغرق تأليف الكتاب المذكور " الغدير " مدة نصف قرن قضاها العلامة الكبير في سعي حثيث، وجهد متواصل، وإرادة راسخة، ومطالعة دقيقة مستمرة لأكثر من ثلاثين ألف كتاب من المصادر والمراجع المعتبرة التي يعترف بها ويقبلها عامة مسلمي العالم ويرتضونها، تاركا النوم والراحة، هاجرا لذائذ الحياة ونعيمها الزائل. ولهذا أثار إعجاب المراجع العليا، واستحسان علماء الدين واساتذة الحوزات من الفريقين، مما دعاهم إلى أن يدبجوا بيراعهم ويكتبوا تقاريظ كثيرة عن كتاب " الغدير ".

[ 266 ]

منها: ما كتبه الإمام الفقيه والمرجع الديني الأعلى العلامة السيد أبو الحسن الاصفهاني (قدس سره) (1284 - 1365 ه‍) الذي قال واصفا كتاب " الغدير ": حفظ الله العلامة الأمين الأميني، رجل العلم والأدب الذي ما زال يجاهد في طريق إعلاء الشيعة، ويدافع من أجل سعادة أمته. اسأل الله تعالى أن يؤيده ويعينه على جهاده في سبيل نشر مصالح الامة ومآثر الطائفة الشيعية، ويوفقه ليكون معين الشيعة والشريعة. وقال الفقيه الجليل المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد الحاج حسين القمي (1282 - 1366 ه‍) في العلامة الأميني وتقريظ كتابه ما نصه: العالم العليم، البارع المتبحر الكامل. وتحدث العلامة الشيخ محمد سعيد دحدوح - إمام جماعة أريحا في حلب الشام ما نصه: إن كتاب الغدير أرسى أمورا، وأزال، وأثبت حقائق، وبرهن أشياء كنا نجهلها. وفي مقابلة صحفية أجراها مندوب مجلة " رسالت " الناطقة باللغة الفارسية مع الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني - النجل الأكبر لشيخنا الجليل العلامة الأميني النجفي (قدس سره) - حول شخصية صاحب كتاب " الغدير ": قال مندوب المجلة: بعد الشكر الجزيل، نرجو منكم التفضل بالحديث عن حياة العلامة الأميني (رضي الله عنه). الجواب: ينبغي قبل كل شئ أن أبين حقيقة مهمة هي ان جميع ما أبديه هنا لا أبديه باعتبار البنوة والابوه التي تربطني بوالدي سماحة شيخنا الأميني، بل إن السعي والجهد الذي بذله لو كان أي شخص آخر بذله لقابلت عمله بالإجلال والإكبار، ولقبلت يديه ورجليه، تقديرا لجهاده وجهوده المخلصة. إن علاقتي بالشيخ الوالد ليست علاقة ابن بأب، بل علاقة صديق بصديقه وتلميذ بأستاذه. إن ما قام به العلامة الأميني في تأليفه كتاب " الغدير " مع العلم أنه لا يمكن

[ 267 ]

أن يقوم به واحد، بل تقوم به لجنة من المحققين والكتاب، ومع ذلك كله فقد قام بالأمر وحده ولم يعنه أحد إلا العنايات والإمدادات الغيبية التي كانت تفيض عليه من ناحية الوجود المقدس للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). للعلامة الأميني ثلاثة اخوة، أحدهم ميرزا محمود الأميني، والثاني ميرزا محسن الأميني وقد توفي شابا، والثالث ميرزا إبراهيم الأميني وكان أصغرهم، وقد توفي سنة 1405 ه‍ = 1985 م وله كتاب بعنوان " آينة ولايت " أي مرآت الولاية - باللغة الفارسية - ويقع في ثلاث مجلدات. ولد العلامة الأميني في مدينة تبريز بإيران عام 1320 ه‍ = 1904 م، وكانت له رغبة شديدة في الهجرة إلى النجف الأشرف للتحصيل منذ صغر سنه. لقد كانت جدتي، رحمها الله والدة الشيخ الوالد تقول: كلما كنت أروم إرضاع ولدي ميرزا عبد الحسين أحسست بشئ يدفعني لاسبغ الوضوء، فكنت لا أرضعه إلا وأنا على طهارة. لقد أكمل الشيخ الوالد دراسة المقدمات في تبريز وعمره خمس عشرة سنة، وفي هذا السن المبكر عزم في نفسه على الهجرة إلى النجف الأشرف لمواصلة الدراسة، وبالنظر لصغر سنه ومخاطر الهجرة والطريق واجهت رغبته هذه اعتراضا من قبل والديه وممانعة، فطلبا منه التريث ريثما يبلغ سن الرشد ومواصلة تحصيله العلمي في تبريز، وحتى يحصل من يعتمد عليه لمرافقته في السفر. وبعد مدة - عندما سنحت الفرصة - أعد المرحوم والده العدة له وجهزه بما يحتاجه من ملبس ومأكل، وزوده ببعض النقود، وأرسله مع القافلة العازمة إلى العراق والنجف الأشرف، فتوجه بكل همة ونشاط وحيوية قاصدا العتبات المقدسة في العراق، ومن ثم ليستقر في النجف الأشرف. واصل دراسته في المراحل الأولية، واستوعبها بسرعة وتفهم منقطع النظير، وبعد فترة عاد إلى تبريز لزيارة أبويه واسرته، ومكث في تبريز عدة أشهر، ثم عاد إلى النجف الأشرف لمواصلة تحصيله العلمي ودراسته، وقد أنهى

[ 268 ]

مرحلة السطوح، وباشر في مرحلة البحث الخارج خلال أربع أو خمس سنوات. ثم عاد إلى تبريز بطلب من والديه، فزاره في تبريز أحد أساتذته - وهو الميرزا محمود دوزدوزاتي - واقترح عليه أن يتوجه بلباس أهل العلم، فقبل الشيخ الوالد ذلك، وتعمم على يديه. ثم تزوج الشيخ الوالد بعد سنة من اقامته في تبريز، وفي العام الأول من زواجه، عزم على العودة إلى النجف الأشرف، لمواصلة تحصيله العلمي، ومع أول قافلة عاد شيخنا الوالد إلى النجف الأشرف تاركا زوجته في تبريز، وبعض بضعة سنين من دراسته وتحصيله أكمل البحث الخارج، وحصل على إجازة الاجتهاد واستنباط الأحكام من عدد من علماء وأساتذة ومدرسي الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وتخصص في التحقيق العلمي ودخل مرحلة التأليف والتصنيف. وفي هذه الفترة كان يتردد بين النجف وتبريز بين السنة والاخرى، وربما يبقى في تبريز مدة طويلة ليدرس، ويبلغ، ويعتلي المنابر ويخطب الناس ويرشدهم خاصة أيام الخميس والجمع، ويقيم الجماعة فيهم. سألت سماحة الشيخ الوالد ذات مره عن البواعث التي دفعته إلى الكتابة بصورة عامة، وتأليفه كتاب " الغدير " بصورة خاصة، على رغم كثرة بحوثه العلمية، لا سيما في علوم التاريخ والأدب والاجتماع، إلى جانب مواصلته في بحوث الفقه والأصول، دراسة وتدريسا. أجابني (رحمه الله) بقوله: عندما أنهيت دراستي العالية أخذت على نفسي أن لا أعيش على الحقوق الشرعية، وأن لا استلم الرواتب الشهرية التي يستلمها طلاب وأساتذة الحوزة العلمية، وأن أعمل وأعيش من مجال دراستي واختصاصي في حقلي البحث والتأليف والتحقيق، لذا توجهت إلى لثم أعتاب مرقد الإمام الطاهر أمير المؤمنين (عليه السلام). وبعد أداء مراسيم الزيارة، وقفت جانبا من الحرم المطهر، وصرت أعرض فكرتي على الإمام علي (عليه السلام) وأستلهم من مثاليته وحيويته الزخارة وهداه المستقيم...

[ 269 ]

وهناك جالت في ذاكرتي مواضيع شتى، ومشاريع متعددة، غير أني وجدتها صغيرة أو مطروقة، ورغبت أن أقوم ببحث ومشروع يخلده التاريخ، وتتشدق به الأجيال. وتستفيد منه القرون. ثم عرضت لي فكرت أن أكتب عن شخصية من رجالات العالم، وقابلتهم مع شخصية باب علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فرأيت الجميع اتجاه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ذرة أمام " طود شامخ " ولا يوجد أي نسبة قياس بينه وبينهم لأنه كان الإسلام المتحرك، والنموذج المتكامل، والمثالية الفذة في التاريخ بعد النبي الأقدس صلوات الله عليه، على الرغم من حساده وأعدائه الذين لم ينصفوه، وقابلوه بالنكران والنسيان، وما لاقاه على امتداد التأريخ، فعند ذلك شمرت عن ساعد الجد، وجندت نفسي وقواي للذب عنه وعن بيضة الإسلام، وأوصيك يا ولدي أن تكون كما أنا وتفعل كما فعلت. رغم ما لكتاب " الغدير " من الأهمية العلمية التاريخية والشهرة العالمية، إلا أن الناس لم تطلع على محتواه بالشكل الصحيح، فإن فيه بحوثا اجتماعية وسياسية وتاريخية لم يدركها عامة الناس. لقد تحمل العلامة الأميني صعوبات جمة من أجل تأليف كتابه " الغدير "، فلم تكن الكتب والمصادر في متناول يده، كما لم تكن الأموال متوفرة لديه لكي يشتري بها ما يحتاجه من الكتب، وهذه الامور وغيرها جعلته يشعر بقيمة الكتاب والمصادر التي يحتاجها المحقق والمؤلف والكاتب مما دعاه إلى تأسيس مكتبة عامة في عاصمة العلم النجف الأشرف تكون في متناول الجميع، لا سيما طلاب العلوم واساتذة الحوزة فضلا عن المحققين والكتاب والادباء، وذلك بعد ما فرغ من وضع الأساس وتهيئة جميع مواد كتابه " الغدير "، حيث ضمت هذه المكتبة الآلاف من الكتب باللغة العربية، والفارسية، المخطوطة منها والمطبوعة، وغيرها من اللغات الاخرى، كالاوردو والفرنسية والانكليزية. سؤال: كم استغرق من الزمن تأليف كتاب " الغدير "، وكيف الف ؟ الجواب: لقد أخذ كتاب الغدير من عمر شيخنا الوالد ما يقرب من أربعين

[ 270 ]

سنة، وكان (رحمه الله) يقضي الساعات الطوال في مكتبته الخاصة في داره بين الكتب التي يملكها أو يستعيرها، وكان يوصي زوجته وأطفاله أن لا ينتظروه على الطعام، وكنا كثيرا ما نضع طعامه على الموقد بغية أن يتناوله متى ما فرغ من بحثه وتحقيقه، ولما نستيقظ صباحا نجد الطعام على حاله كما وضعناه، وربما احترق بعضه، حتى أثر ذلك في جسمه وابتلي في أواخر عمره بسرطان في الفقرات، هذا ما أكده الطبيب المعالج له في طهران، قال: إن ذلك ناشئ من كثرة الانحناء والعكوف على القراءة. ومن أهداف العلامة الأميني وأمانيه أنه كان يسعى من خلال عمله أن يجعل العالم الإسلامي علويا ومدرسة لمبادئ أمير المؤمنين (عليه السلام)، من خلال ما كتب وخطب وبلغ. ولقد أوصاني والدي (رحمه الله) بأمرين في مجال التحقيق والتأليف، حيث قال: اوصيك بأمرين: الأمر الأول: يجب أن تترك كثيرا من الروابط الاجتماعية، وإلا فإنك لا تجد الوقت الكافي للكتابة والتأليف. والثاني: أن ترعى الأمانة في التأليف. فكل ما تنقله يجب أن يكون نص ما هو مكتوب، فإذا كان المكتوب: (علي كرم الله وجهه) وجب نقله كما هو وإياك والتصرف والتصحيف في التأريخ والمصادر، ويجب أن تعد نفسك - من أجل أن تبلغ هدفك بالتأليف - للمشاكل الحياتية من جوع وحرمان وتحمل، وصبر، وإلا فبعكسها لا تبلغ هدفك. سؤال: هل سافر المرحوم العلامة إلى الخارج للمطالعة والتحقيق ؟ وما هي الدول والأقطار التي سافر إليها ؟ الجواب: لقد أثار تأليف شيخنا الوالد لكتاب " الغدير " حقد وبغض كثير من مرضى القلوب، وقد كانت عدة محاولات لاغتياله، ولما شعر بذلك الخطر المحدق به، التزم الحذر وقلل سفره إلا للضرورة القصوى، ولم يكن مستعدا لأن تؤخذ له صور، خوفا من أن تقع بيد الأعداء فيعرفوه، ولم تكن كتابته تحمل إلا اسمه من دون أي صفة تميزه.

[ 271 ]

وقد وفق بأن تشرف لحج بيت الله الحرام مرتين غير فيهما زيه. وفي السنين الأخيرة من عمره الشريف سافر إلى الهند، ثم إلى سوريا، ثم إلى تركيا، وأخيرا سافر إلى لندن للعلاج، ومكث في مستشفياتها مدة شهرين عاد بعدها إلى طهران آيسا من شفائه، وبعد عودته بشهرين لبى نداء ربه في طهران، ثم نقل جثمانه الطاهر بموكب مهيب إلى النجف الأشرف واودع حفرته الأبدية إلى جنب المكتبة - مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) -. سؤال: لقد كتبت تقاريظ كثيرة على كتاب " الغدير " في الصحف اليومية والمجلات الشهرية في مصر، والعراق، وفي لبنان وسوريا وغيرها، وكل هذه التقاريظ لم تجمع - مع الأسف - من قبل المعنيين بالأمر، إلا التقاريظ التي أرسلها العلماء والادباء إلى العلامة الأميني مباشرة وبصورة شخصية، وقد أثبتها في مجلدات كتابه " الغدير " وفي مقدمتهم المراجع العليا، والفقهاء، وأهل الحل والعقد من ملوك وسلاطين ورجالات سياسية بارزة، والشعراء والادباء والمثقفين. وكان الهدف والقصد من تثبيت ذلك في مقدمات الكتاب هو الحيلولة دون منع السلطات الحاكمة من دخول الكتاب إلى بلدانهم. سؤال: هل عندكم علم ببعض الامور والإمدادات الغيبية التي شملت العلامة الأميني من جهة الأئمة الأطهار، سيما الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟ الجواب: مما لا ريب فيه أن العلامة الأميني ما كان يمكنه تأليف كتاب الغدير إلا بإمدادات غيبية من الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وكان أهلا لذلك، لما تميز به شيخنا الوالد من الإخلاص والعبادة والتهجد وتلاوة آيات القرآن المجيد. فعندما أردت العودة إلى إيران من النجف الأشرف، وذلك بعد وفاة شيخنا الوالد - تغمده الله برحمته - سنة 1390 ه‍ = 1970 م ذهبت إلى سماحة آية الله السيد محمد تقي بحر العلوم - وهو من أحفاد بحر العلوم الكبير - فعندما رآني بكى، فقلت: ما يبكيك ؟ ! قال: منذ أن توفي المرحوم والدك كنت افكر كيف سيقابل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) صنيع والدك ! حتى رأيت فيما يرى النائم في إحدى الليالي، كأن القيامة

[ 272 ]

قائمة والناس محشورون في صحراء المحشر، وأنظارهم باتجاه بناء عرفت - فيما بعد - أنه حوض الكوثر، فتقدمت نحو الحوض فوجدت الإمام عليا (عليه السلام) واقفا على الحوض يسقي من يعرفه بأقداح من البلور، فما زال الأمر كذلك حتى سمعت همهمة قد ارتفعت من القوم، فقلت: ما الخبر ؟ ! قيل: جاء الأميني، فصرت أنظر إلى الإمام (عليه السلام) كيف يواجهه وماذا يصنع به، فإذا الإمام (عليه السلام) ترك الأقداح وملأ كفيه بالماء ثم نثره على وجه الشيخ الأميني، وقال: بيض الله وجهك بيضت وجوهنا، فعرفت عند ذلك منزلة الأميني عند الإمام لتأليفه كتاب الغدير. سؤال: هل أن لشيخنا الأميني كتبا غير كتاب " الغدير " ؟ الجواب: لقد كانت لشيخنا الأميني قبل شروعه بتأليف كتاب " الغدير " كتب ورسائل وكراسات كثيرة، تركها كلها وانصرف إلى تأليف كتاب " الغدير "، فمن جملة كتبه كتاب يقع في ألفي صفحة، وهو في الحقيقة كشكول جمعه وذكر في مقدمته أنه كان يلفت نظره بعض الامور أثناء التحقيق لتأليف كتاب " الغدير " فيخشى أن تفوته فيدونها فيه، فهو في الحقيقة، وليد كتاب " الغدير "، ويتضمن امورا مختلفة وبعدة لغات، عربية، فارسية، تركية. كما أن شيخنا الأميني كان شاعرا ومتكلما بارعا، ترك أشعارا باللغتين التركية والفارسية كما ألف كتابا أسماه " السيرة " ضمن فيه عددا من خطبه في حلب ودمشق باللغة العربية، وله تفاسير وكراسات، في أكثر آيات القرآن الكريم، وذلك في الفلسفة والحكمة، وله كتاب في الأخلاق بخطه كتبه باللغة الفارسية عدا كتبه السابقة " شهداء الفضيلة "، و " كامل الزيارات " وغيرها. الى هنا انتهى حديث الشيخ محمد هادي الأميني مع مراسل مجلة الرسالة الناطقة باللغة الفارسية.

[ 273 ]

صاحب الغدير وصاحب الذريعة التقطت هذه النبذة من كتاب " سيماء الصالحين " للشيخ رضا مختاري ترجمة الشيخ حسين كوراني (1) في صفحة 126 يقول نقلا عن صاحب موسوعة الذريعة المرحوم الشيخ اغا بزرگ الطهراني: عندما اطلعت على عظمة كتاب الغدير للعلامة الأميني، طلبت من الله سبحانه وتعالى ان يهب بقية عمري لصاحب الغدير، " لينجز الغدير " وقد كتبت للعلامة الاميني هذا التقريظ الذي حررته في الثاني من شهر رمضان المبارك سنة 1371 ه‍ ق. اني قاصر عن وصف هذا الكتاب القيم، وشأنه - الغدير - اجل وأسمى من ان يوصف ويثنى عليه، إن العمل الوحيد الذي يمكنني القيام به ان أدعو الله ان يطيل عمر المؤلف وان يجعل عاقبة أمره خيرا، ولهذا فإني ادعو الله مخلصا ان يضيف بقية عمري الى عمره الشريف ليتمكن من تحقيق كل ما يصبو إليه. وفي صفحة 156 - 157 من الكتاب نفسه تحت عنوان " العلامة الامين صاحب الغدير " من خصائص العلامة الأميني الحب والولاء الكامل لآل محمد (عليهم السلام)، حبا مشهورا تتناقله الألسن، بحيث يمكن القول ان الغدير أثرا من آثار [ ذلك ] الحب العارم، ومن هنا كانت له علاقة خاصة بسماع مصائب الإمام الحسين (عليه السلام) واصحابه، والتأمل في مصابهم، وكان يبكي بصوت عالي بكاء الثكلى ومنفجعا، وكثيرا ما اتفق أن الخطباء والنائحين وسائر الحاضرين، والمستمعين كانوا يرون العلامة الأميني وتغير حاله، عند ذكر المصيبة، فيتأثرون [ بتأثره ] الشديد، ويبكون ببكائه المنفجع، حقا كان المجلس الذي يحضره العلامة الأميني، ويجري فيه ذكر مصائب آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكأن واحدا من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) موجود في ذلك المجلس، وكانت هذه الحالة تشتد وتبلغ أوجها عندما يذكر [ الخطيب ]


(1) المطبوع في دار البلاغ بيروت سنة 1413 ه‍ ق = 1992 م. (*)

[ 274 ]

قارئ المصيبة اسم الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء سلام الله عليها، عندها كان يحمر وجهه ويبكي كما يبكي من اعتدى على ناموسه، وها هم يحدثونه الآن عن ذلك، وتشعر ان عينيه تقذفان اللهب مع الدموع الغزيرة المنهمرة منهما. هذا نص ما ذكره صاحب كتاب سيماء الصالحين، نقلته بحسب أمانة النقل. حديث الشهيد المطهري وإليكم حديثا مترجما للشهيد المطهري، في تقريظ العلامة الأميني وكتابه " الغدير " قال (رحمه الله): لقد أحدث كتاب " الغدير " الشريف موجة عارمة في العالم الإسلامي، وقد تناوله العلماء من مختلف الجوانب الأدبية، والتأريخية، والكلامية، والحديثية، والتفسيرية، والاجتماعية، والموضوع الذي يمكن التعرض له من الناحية الاجتماعية هو الوحدة الإسلامية. يرى المفكرون والمصلحون الإسلاميون ان من أحوج ما يحتاجه المسلمون في عصرنا الحاضر - حيث الهجمات الشرسة المعادية التي تشن ضد الإسلام من كل مكان - هو وحدة الامم والفرق الإسلامية، والوحدة الإسلامية امر اهتم به الشارع المقدس، وعده في مقدمة مقاصده، فإن القرآن الكريم والسنة الشريفة وتأريخ الإسلام يشهد بذلك. فهل تأليف ونشر كتاب ك‍ " الغدير " يعد مانعا يحول دون تحقيق ذلك الهدف المقدس ؟ ! ينبغي أولا التعرض - من باب المقدمة - إلى إيضاح مفهوم الوحدة الإسلامية ثم توضيح ما يرتبط بكتاب " الغدير " ومؤلفه الأميني (رضي الله عنه). ليست الوحدة الإسلامية بين المذاهب تعني ترجيح أحدها على الاخرى أو حذف المفترقات وإبقاء المشتركات بين المذاهب، لينشأ من ذلك مذهب جديد يختلف عن الجميع، فإن هذا من تصوير الأعداء للوحدة الإسلامية، لكي يكون تصويرا بعيدا عن الواقع، ويواجه الفشل من أول خطوة، بل إن الوحدة الإسلامية

[ 275 ]

تعني وقوف المسلمين صفا واحدا بوجه تخرصات الأعداء وهجماتهم ضد الإسلام والمسلمين رغم ما بينهم من الاختلافات في المسائل الفقهية والدينية. فإن بين عامة المسلمين مشتركات كثيرة في الاعتقاد بالله الواحد وبنبوة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالقرأن، والقبلة، والصلاة، والصوم، والحج، والنكاح، والمعاملات، وطريقة التربية للأطفال، وليس بينهم إلا اختلافات جزئية لا تكاد تذكر فللمسلمين رصيد قوي من نقاط الالتقاء والاتفاق ولا حاجة بهم لتحقيق الوحدة إلى التنازل عن اختلافاتهم في الفروع، وبحوثهم الفقهية وغيرها. وإنما المهم عدم تعرض بعضهم إلى جرح إحساسات أهل الفرق الآخرين بالسب والشتم والتقريع، واتهامهم والافتراء عليهم بالكذب وغيرها أو السخرية ببعضهم البعض وبعبارة واحدة الالتزام بقوله تعالى: * (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) * (1). وإن اختلاف الشيعة مع السنة في اصول الدين وإن كان أكبر من الاختلاف الذي بين مذاهب أهل السنة أنفسهم لكنه لا يكون من باب (الاقل أو الاكثر الارتباطيين) بحسب تعبير الاصولين، بل من باب (الميسور لا يسقط بالمعسور)، و (ما لا يدرك كلة لا يترك كله)، فإن في علي (عليه السلام) لنا اسوة وقدوة، حيث ترك الثورة لا عن اضطرار، إذ غاية الأمر أن يقتل في سبيل الله، وقد كان " بالموت آنس من الطفل بمحالب امه "، وإنما تركها اختيارا لمصلحة الإسلام، بل قد أعان وساهم حيث قال في رسالته إلى مالك الأشتر: " فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل " (2). وقال شاكيا وموضحا استعداده للإعانة بعد أن تم تعيين عثمان بن عفان


(1) النحل: 125. (2) نهج البلاغة: الرسالة 62. (*)

[ 276 ]

خليفة بواسطة عبد الرحمن بن عوف: " لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، ووالله لأسلمن ما سلمت امور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة " (1). لقد كان العلامة الأميني من أنصار الوحدة الإسلامية، حيث يظهر ذلك منه بوضوح في امور ومواضيع متعددة من كتابه. منها قوله في مقدمة الجزء الأول: " وإنا نعد ذلك كله خدمة للدين، وإعلاء لكلمة الحق، وإحياء للأمة الاسلامية ". ومنها قوله في الجزء الثالث الصفحة - 77 - بعد نقله لأكاذيب ابن تيمية، والآلوسي، والعصيمي، حيث اتهموا فيها الشيعة بأنهم يعتبرون بعض أهل البيت من قبيل زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) أعداء تحت عنوان " نقد واصلاح " ما نصه: "... إن هذه الأكاذيب والافتراءات تزرع بذور الفساد، وتثير الإحن والفتن بين أمة المسلمين، وتفرق شمل المسلمين، وتشتت جميع الأمة، وتتعارض مع المصالح العامة للمسلمين. وفي الصفحة 268 من الجزء نفسه ينقل فرية " رشيد رضا " التي يتهم فيها الشيعة بأنهم يفرحون لكل هزيمة تصيب المسلمين حتى أنهم احتفلوا لانتصار الروس على المسلمين في إيران. ويقول: " إن هذه الأكاذيب هي من صنع امثال " محمد رشيد رضا "، وشيعة العراق وإيران هم المتهمون بذلك عادة، ولا يعرف المستشرقون، والسياح، وسفراء الدول الإسلامية وغيرهم ممن يترددون على إيران والعراق شيئا من هذا القبيل، فإن الشيعة يعتقدون بحرمة النفوس والدماء وكرامتها، ولعامة المسلمين في أي مكان ومنطقة، وكل فرقة شركاء في غمهم وحزنهم. لذلك فان الشيعة لا يعتقدون بأن الأخوة الإسلامية التي ورد التصريح بها في القرآن والسنة لا تنحصر بالعالم الشيعي، بل لا يرون فرقا بين الشيعة والسنة من هذه الناحية ".


(1) نهج البلاغة: الخطبة رقم 71. (*)

[ 277 ]

وفي نهاية الجزء الثالث، بعد توجيه النقد لعدد من كتب القدماء من قبيل " العقد الفريد " لابن عبد ربه الاندلسي، و " الانتصار " لأبي الحسين الخياط المعتزلي و " الفرق بين الفرق " لأبي المنصور البغدادي، و " الفصل " لابن حزم الاندلسي، و " الملل والنحل " لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني، و " منهاج السنة " لابن تيمية، و " البداية والنهاية " لابن كثير، وبعض كتب المتأخرين من قبيل " تاريخ الامم الإسلامية " للشيخ محمد الخضري، و " فجر الإسلام " لأحمد أمين، و " جولة في ربوع الشرق الأدنى " لمحمد ثابت المصري، و " الصراع بين الإسلام والوثنية " للقصيمي، و " الوشيعة " لموسى جار الله. يقول الأميني: " إن هدفنا من نقل ونقد هذه الكتب هو أن نبين للامة الإسلامية الخطر المحدق، وننبه المسلمين إلى أن هذه الكتب تجلب أكبر الأخطار للمجتمع الإسلامي، لأنها تهدد الوحدة الإسلامية، وتشتت صفوف المسلمين، إذ لا يوجد ما يشتت المسلمين ويهدد وحدتهم، ويخرق شملهم كهذه الكتب ". إن الدور الإيجابي الذي لعبه كتاب " الغدير " في تعميق الوحدة الإسلامية يكمن في أنه: أولا: يوضح منطق الشيعة الاستدلالي، وثبت أن اختيار ما يقرب من مئة مليون مسلم لمذهب أهل البيت " الشيعة " لم يكن كما يصوره البعض وليد الأحداث السياسية والتعصبات القومية أو غيرها، بل يستند إلى منطق قوي عماده القرآن والسنة الشريفة. وثانيا: يثبت أن بعض الافتراءات التي تطلق ضد الشيعة - من قبيل ما يقال من أن الشيعة يفضلون غير المسلمين على المسلمين من غير الشيعة، ويفرحون لهزيمة المسلمين من غير الشيعة على يد غير المسلمين، ويزورون مراقد أئمتهم بدلا من الحج، ويفعلون في صلاتهم كذا، وفي زواجهم المؤقت كذا، - كذب محض لا أساس له من الصحة. وثالثا: يعرف العالم الإسلامي على أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي كان أكثر الناس

[ 278 ]

تعرضا للظلم، وأعظم شخصية إسلامية جهلها التأريخ وهو ما يمكن أن يكون قدوة لعموم المسلمين، وكذا على ذريته الطاهرين. كان ما ذكرناه يتفق مع رأي كثير من علماء المسلمين غير المغرضين من غير الشيعة، واستنتاجهم من كتاب " الغدير ". قال محمد بن عبد الغني بن الحسن المصري في تقريظه على كتاب " الغدير " في مقدمة الجزء الأول من الطبعة الثانية ما نصه: " أسأل الله أن يجعل بركة مائك العذب هذه سببا للصلح والصفاء بين الأخوين الشيعي والسني، ليضعا يدا بيد، ليبنيا صرح الأمة الإسلامية " ويقول عادل غضبان مدير مجلة " الكتاب المصري " في مقدمة الجزء الثالث: " إن هذا الكتاب يوضح منطق الشيعة، ويمكن أهل السنة من التعرف على الشيعة بشكل صحيح، كي يكون ذلك سببا لتقارب آراء الشيعة والسنة، ويشكلون صفا واحدا ". ويقول الدكتور محمد غلاب استاذ الفلسفة في كلية اصول الدين في جامع الأزهر، في تقريظه على كتاب " الغدير " في مقدمة الجزء الرابع. ملخصا ما يلي: " فقد تسلمت كتابكم النفيس (الغدير) الذي شابه الغدير حقا في صفائه ونفعه، والذي يلقى الباحث فيه امنيته على نحو ما يجد المسافر الظامئ في الغدير ما ينقع غلته، والذي عنيتم فيه بجانب هام من جوانب التراث الإسلامي، متوخين الحقائق، متتبعين الآثار الصادقة، متعقبين مواطن الشبه بالتصحيح والنقد. ونحن على يقين من أن الشباب العصري الإسلامي سيستفيد من هذه الثمار الشهية، لا سيما أن أكثر ما يكتب اليوم غث، خفيف الوزن، تافه القيمة، وأن الحركتين العلمية والأدبية قد تحولتا إلى حركة تجارية بحتة ". كما أشار الدكتور عبد الرحمن الكيالي الحلبي في تقريظه لكتاب " الغدير " في مقدمة الجزء الرابع إلى انحطاط المسلمين في العصر الحاضر وما يكون سببا لنجاتهم، وسيأتي تقريضه ضمن التقاريض.

[ 279 ]

ويقول العلامة آية الله السيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني: الأميني فخر الشيعة الجعفرية ما أعرفه عن سيرة وأخلاق العلامة الأميني، هو أنه كان رجلا فعالا مجدا في إحياء آثار أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)، حيث وقف نفسه على جمع وحفظ الآثار الباقية من الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وتحمل كل عناء ونصب في هذا السبيل، وراح يسير المخلصين إلى كل الجهات للحصول على الكتب الخطية والمطبوعة. إن أول تأليف صدر للعلامة الأميني كان " شهداء الفضيلة " جمع فيه اسماء علماء الإسلام الذين بذلوا مهجهم من أجل نشر المعارف الإسلامية والعلوم القرآنية الحقة. ومن مؤلفاته كتاب بعنوان " شهر في أصفهان " يضم خطبه التي القاها في اصفهان لمدة شهر كامل. لا يزال الحديث للعلامة آية الله الشهرستاني. ومن شدة تعلق العلامة الأميني (رضي الله عنه) بأهل بيت العصمة تحمل الكثير في الدفاع عنهم، وعن السادة الاجلاء من أولادهم في جميع مراحل حياته، وكان يوصي أولاده: حتى لو أن سارقا سرق أثاث البيت وأمسكتموه وعرفتم أنه سيد من أولاد الزهراء (عليها السلام) فاتركوه، ولا أرضى لكم أن تؤذوه أدنى أذى أو تقدموه إلى الشرطة والمحاكم. وفي مجلس شيق ضمنا وإياه وكان منشرحا، حدثنا بقوله (رحمه الله) احتجت إلى كتاب نادر لإكمال بحثي، قصدت دار أحد الآيات العظام لأستعير الكتاب امتنع وقال: إذا شئت الكتاب تفضل في مكتبتي وطالعه هنا فإني لا اعير أي كتاب ولا يخرج من مكتبتي أبدا، وبما أن ذلك كان محرجا لنفسي ووقتي، ترتكت داره وتوجهت إلى الحرم المطهر، وشكوت حالي إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وكأن نداء طرق سمعي: عقدة كتابك يحلها ولدي الحسين (عليه السلام) ! خرجت فورا من الحرم وتوجهت فورا إلى كربلاء وبعد إتمام مراسيم زيارة سيد الشهداء الحسين (عليه السلام)

[ 280 ]

وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام)، وكان الوقت ظهرا وفي عز الصيف، وصلت قريبا من موقف السيارات المتجه إلى النجف سلم علي شاب مؤدب، لباسه " چاكيت وبنطلون " من سكان كربلاء وقال: هل تشرفت إلى الحرم وأديت مراسيم الزيارة ؟ قلت: نعم وكانت عندي حاجة عند الإمام الحسين والآن اريد العودة إلى النجف الأشرف، قال لي الشاب: شيخنا في هذا الوقت في عز الحر ! وأنت عازم قطع هذه الصحراء القاحلة هذا غير صحيح وخطر، لا سمح الله لو تعطلت السيارة في الطريق فأنت تعرض حياتك للخطر، أنا ابن فلان، فعرفته، أرجوك أن تتفضل معي وتستريح في داري، وبعد الغداء وأخذ القيلولة والراحة، ترجع سالما إلى النجف الأشرف. استجبت دعوته وذهبت معه إلى داره، وبعد أداء صلاة الظهر والعصر، قدم لي الشاب الغداء، وبعده أخذني إلى مكان آخر لآخذ قسطا من الراحة والنوم، وقبل أن يتركني جاء برزمة كتب غير مرتبة وعليها غبار متراكم وقدمها بين يدي وقال: شيخنا إني ما توفقت لاتباع منهج أجدادي وآبائي في التحصيل ودراسة العلوم الدينية، لكن والدي ترك لي هذه الرزمة من الكتب لتكون تذكارا له عندي، وهي الآن تحت تصرفكم، قال هذه الكلمة وودعني وتركني وحدي فأخذت ازيل الغبار والأتربة عن الكتب وأول كتاب أخذته كان ذلك الكتاب الذي أبحث عنه، وبمجرد أن أمسكته بيدي سجدت لله شكرا على هذه النعمة التي مدني بها عالم الخفيات والتي أرشدني إليها إمامي وسيدي أمير المؤمنين وولده الإمام الحسين (عليهما السلام). وأردف العلامة الشهرستاني: على الرغم من المخاطر المحيطة بالعلامة الأميني إلا أنه لا يترك زيارة العتبات المقدسة لا سيما حرم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان يبكي بكاء شديدا عندما يقف أمام الضريح المطهر ويتذكر مظلوميته (عليه السلام)، وكان مولعا بالزيارات الى جنب تأليفاته، وكان يستوحي من الإمام حل كل معضلة تلم به لا سيما في ما يخص تأليفاته، كالعلامة الحلي الكبير (رضي الله عنه) الذي كان

[ 281 ]

يقصد الإمام من مقره في الحلة لحل مشاكله، وكان قد تعاهد مع أبرز تلاميذه السيد الجزائري في حياتهما بأن كل من يموت قبل صاحبه يأتي الى الحي في المنام ومن عالم الآخرة يخبره ويطلعه. وقد توفي العلامة الحلي قبل صاحبه السيد الجزائري وجاءه في المنام وقال له: " لولا كتاب الألفين - وزيارة الحسين (عليه السلام)... " الى آخره، والقصة معروفة. كلمة آية الله السيد مرتضى نجومي ما نصه: ماذا أقول في رجل كان ربانيا من رأسه إلى أخمص قدميه، كان جلوسه وقيامه لله سبحانه. إني لم أر في حياتي أحدا يصلي مثله كنت إذا عاشرته أسرني، أغرق في عالم خارج عالم اولئك الذين يطوفون من حولي بما في ذلك عائلتي. علمني خير الدروس، وقد قرأت ودرست أكثر السطوح عنده. مقابلة مع حجة الإسلام الآخوندي، الوحدة في سبيل الخالق: إن مثل خصائص العلامة الأميني، تضرعه وابتهاله، قلما رأيت من العلماء من كانت له تلك الحالة من التضرع والخشوع والابتهال، كان في أيام عاشوراء والفاطمية يتغير حاله فيبكي بصوت عال قلما رأيت عالما يبكي بهذه الحالة. وكان العلامة الأميني (رضي الله عنه) كثير التعلق بحب أهل البيت (عليهم السلام) وكان يطلب العون من أرواحهم الطاهرة. وكان لا يخاف من كلمة الحق أن يقولها مهما كانت الظروف قاسية، بالرغم من ترصد الاعداء له، ولذا تقرر جعل حماية له. يحضرني أنه تشرف ليلة القدر 23 من شهر رمضان المبارك بزيارة الضريح الطاهر لمرقد الإمام الرضا (عليه السلام) في خراسان، فجلس حارسه عند باب الحرم ينتظر خروجه فخطر في بال العلامة الأميني أن يجرب ويصلي صلاة ألف ركعة المسنونة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) في ليلة القدر، ليعلم هل أن ذلك إعجاز ! أم أن باستطاعة الإنسان العادي أن يؤديها ويصليها. مما جعل حارسه ينتظره من الإفطار إلى السحر.

[ 282 ]

ومن خصائص العلامة الأميني (رضي الله عنه) أنه كان يدعو مسلمي العالم كافة إلى وحدة الكلمة ورص الصفوف من أجل إعلاء كلمة الحق وإثبات صحة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وكان يقول: " إن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه المجيد: * (قل تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) * وأنا أقول لاخوتي من أهل السنة ومسلمي العالم تعالوا إلى القرآن والأحاديث الشريفة التي أوردتموها في كتبكم والتي تقبلونها والتزموا بفضائل ومناقب الإمام علي (عليه السلام)، فإن القرآن والأحاديث الواردة متفق عليها بين جميع فرق المسلمين من الشيعة والسنة ". وكان ينهى عن إيجاد الفرقة بين المسلمين، ويعمل على ذلك بكل جهده، فلم يذكر في كتاب " الغدير " موضوعا واحدا يرفضه أهل السنة. فعلى سبيل المثال إن من فضائل الإمام علي (عليه السلام) رد الشمس له في كتبهم في موضعين، فإن هذه الرواية رواها أربعون عالما من علماء أهل السنة في مسانيدهم وصحاحهم وسيرهم فضلا عن علماء شيعة أهل البيت، كانت إحداهما في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبحضوره. والثانية عند ذهابه إلى صفين لمحاربة معاوية، وفي رواية: أثناء عودته من صفين إلى الكوفة. وكان ملزما نفسه بالعمل كل يوم ثماني عشرة ساعة حتى في أيام سفره على حد سواء. كما أن أمين مكتبة الظاهرية في سوريا على رغم سلفيته وتعصبه أعطى مفتاح المكتبة إلى الشيخ الأميني ليستفيد منها متى شاء خلال الأربع والعشرين ساعة من يومه، ليل نهار، حتى استطاع أن يستنسخ من كنوزها الخطية النفيسة بخط يده الشئ الكثير، حتى بلغ ألفي صفحة من الصفحات الكبيرة خلال مدة ثلاثة أشهر، فضلا عن مطالعته لمئات الكتب والمصادر المهمة، وما زالت تلكم الصحفات في مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة بالنجف الأشرف.

[ 283 ]

ومن الجدير بالذكر، القول بأن تأليف كتاب " الغدير "، وتأسيس مكتبة أمير المؤمنين العامة في النجف الأشرف ما كان بالإمكان تحقيقه لولا العناية الربانية والإمدادات الغيبية للنبي والأئمة الأطهار (عليهم السلام). ويحضرني أن عددا من المخالفين النواصب اشتكوا إلى رئيس وزراء العراق - آنذاك - نوري السعيد، نشر كتاب " الغدير " واستنكروا ذلك فطلب منهم أن يؤتى بالكتاب ليطالعه، فلما فرغ من مطالعته قال لهم: إن هذا الكتاب لا يضم إلا ما نقبله، كيف تطلبون مني أن أحول دون نشر كتابه، أو أن اقدم إلى المحاكمة شخصا ألف كتابا جميع مواده من مصادرنا ؟ ! ويقول العلامة الأميني. إن كتاب " الغدير " كان حصيلة مطالعة أكثر من ثلاثين ألف كتاب. وكان هدفه من تأليفه لكتاب " الغدير " بيان الحقيقة وإرشاد الناس وهدايتهم، ودعوة المسلمين كافه إلى اتباع مذهب الحق " مذهب أهل البيت (عليهم السلام) " وتوحيد كلمتهم في سبيل الله. لقد كان العلامة الأميني زاهدا لا يعبأ بالحياة المادية، وما كان يملك دارا لسكناه في النجف الاشرف على رغم أنه قضى قرابة أربعين عاما فيها وتأليفه عدة كتب، وقد عاش حياة بسيطة متواضعة، وكان بامكانه أن يعيش حياة افضل، وحتى الدار التي اشتراها أخيرا كان ثمنها مشتركا بينه وبين المكتبة. أهم مؤلفاته: كتاب " الغدير " وقد طبع منه أحد عشر مجلدا، والتسعة الباقية من المجلدات، خمسة مجلدات منها ماثلة للطبع، والبقية قيد الإعداد. ومن كتبه: كتاب " شهداء الفضيلة "، وتحقيق كتاب " كامل الزيارات " وكتاب " سيرتنا وسنتنا ".

[ 284 ]

خاطرات حسان (1) أنا لا أجد نفسي جديرا بتعريف العلامة الأميني، ولكن لرغبتكم أذكر بعض ما رسخ في ذهني من الخواطر والذكريات، لما كان يزور العلامة الأميني إيران يرتقي المنبر ليخطب في الناس ويعظهم ويرشدهم في المدينة التي يحل فيها، وذات مرة في أيام عاشوراء في مشهد الرضا (عليه السلام) بخراسان عندما انتهى من خطابه، وقف صبي صغير وألقى قصيدة حماسية يصف ليلة الحادي عشر من المحرم، ألهب الجميع وأثار أشجانهم بالبكاء والنحيب، ومنهم العلامة الأميني الذي صار ينحب ويبكي بصوت عال، وبعد أن أتم الصبي قصيدته، قال العلامة الأميني: اريد أن أتعرف على ناظم هذه القصيدة فدعيت وتشرفت بلقياه، ومنذ ذلك الوقت إلى حين وفاته كنت ملازما له في حله وترحاله عندما يكون في إيران. من أقوال العلامة الأميني (قدس سره): يجب على الشاعر المؤمن أن يتبرأ من أعداء محمد وآله محمد، وإضافة إلى مدائحهم ومراثيهم، فإن دروس التبري أعظم من دروس التولي والمودة، ولأجل هذا أنشدت " قصيدة فدك " (2). وخاطرة اخرى - والتي اعتبرها كرامة من الإمام الرضا (عليه السلام) -: في يوم من الأيام ارتقى العلامة الأميني المنبر في مشهد الرضا (عليه السلام) ليخطب بالناس ويرشدهم ويعظهم مستدلا بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، وكان الحضور كبيرا جدا بحيث اغلقت الشوارع المحيطة بالمكان الذي كان يخطب فيه، وكانت الأفكار منشدة إليه ومأخوذة بأحاديثه الشيقة في فضائل أهل البيت (عليهم السلام). وإذا بأحد الحضور يشق الصفوف متجها نحو المنبر ليخبر العلامة بأن أحد الادباء المصريين قد استبصر بسبب مطالعته كتاب " الغدير " وزار مشهد الإمام الرضا (عليه السلام) ونظم أشعارا باللغة العربية وهو يريد المثول بين يديك وزيارتك وإلقاء قصيدته. فقطع العلامة الأميني حديثه وأمر بإحضاره ليلقي أشعاره من وراء


(1) حسان: استاذ، وأديب، وكاتب وشاعر معروف في إيران. (2) انشأها باللغة الفارسية. (*)

[ 285 ]

المايكروفون، فحضر الشاعر (1) وسلم وألقى قصيدته، والأميني لا زال في مكانه، فلما أتم الأديب المصري قصيدته التفت العلامة الأميني إلي - وكنت بين يديه واقفا بازاء المنبر - وقال: حسان إقرأ أشعارك أنت أيضا. وكانت تلك مفاجأة لي، فأجبته مضطربا: لا يوجد معي، ولم استحضر أي شعر أقرأ، فإني لا أقرأ الشعر إلا من كتاب، ولكن الشيخ الأميني لم يلتفت إلى قولي وكرر طلبه ثانية. عند ذلك تذكرت أني نظمت ليلة أمس أشعارا باللغة الفارسية لم تكتمل بعد في مدح الإمام الرضا (عليه السلام) وعندما ألقيتها، وإذا بالأديب المصري يحتضنني ويقول: كيف استطعت نظم مضمون أشعاري، وبنفس القافية والروية في هذه اللحظات وباللغة الفارسية ؟ ! وقال حسان: لقد ذهبت أنا وجماعة لاستقبال العلامة الأميني، وقد توقفنا في وسط الطريق ننتظر قدومه، فلما وصل قرأت بعض الأشعار التي نظمتها في مدحه، وكنت أتوقع استحسانه وتشجيعه لي، إلا أنه نظر إلي نظرة حادة وقال: حسان لو أنك كنت مدحت الإمام صاحب الزمان - عجل الله فرجه - بدلا من مدحي لكنت حصلت على أجر معنوي أكبر ! فقلت: إنما مدحتك لأنك من خلص من قدم الخدمة للأئمة (عليهم السلام) فمدحتك مدحة لهم. ومن وصية له قبل وفاته (رحمه الله) قال ما يلي: 1 - أطلب من أولادي ورفاقي أن لا ينسوني من صالح دعائهم لي ويذكروني في مجالس العزاء والتوسل والدعاء. 2 - أن يستأجروا من ينوب عني عشر سنين في الذهاب إلى كربلاء لزيارة عاشوراء. 3 - إقامة مجلس العزاء في ايام وفاة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مدة عشر سنوات.


(1) وهو الدكتور صلاح صاوي الحائز على شهادة الدكتوراه بالأدب الفارسي. (*)

[ 286 ]

لقاء صحفي مع حجة الإسلام والمسلمين الشيخ رضا الأميني، النجل الثاني للعلامة الأميني. سؤال: نرجو التفضل بالحديث عن سبب تأليف العلامة لكتاب " الغدير ". الجواب: إن أحد أسباب ذلك هو صدور كتاب في مصر ينال من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) ويتهمهم بعدم تقديم أي شئ للإسلام، واتهامات اخرى ما أنزل الله بها من سلطان. وهذا ما حدا بشيخنا الوالد الى تأليف كتابه القيم " شهداء الفضيلة " ذكر فيه مائة وثلاثين عالما من أجلاء علماء الشيعة الذين استشهدوا، ابتداء من القرن الرابع، في سبيل نشر الإسلام والدفاع عنه، ثم صمم بعد ذلك على تأليف كتاب، بل موسوعة يعرض من خلالها الوجه الحقيقي الناصع لشيعة أهل البيت، ويبين للعالم الإسلامي حقيقتهم ويدفع عنهم التهم والافتراءات والأكاذيب الباطلة، لأجل ذلك قام بتأليف كتاب " الغدير " وقد استغرق تأليفه نصف قرن من الزمان تقريبا، وكان يستوعب كل وقته يوميا إلا خمس ساعات منها يأخذ فيها قسطا للنوم والراحة. ومع ذلك كان يرى كل عنت ومشقة وتعب في هذا الطريق هو راحة لنفسه، لأنه يوصله إلى هدفه، وما كان يتضايق من السفر مهما كان شاقا على رغم شيخوخته، إذا اقتضى الأمر للبحث عن المصادر المهمة، وقد سافر إلى الهند سنة 1380 ه‍، وقد دون خلاصة مطالعاته وما يحصل عليه من المصادر النفيسة، حتى أصبح كتابا ضخما أسماه " ثمرات الأسفار " بخط يده الشريفة، وقد جمعتها بعد وفاته وجعلتها في ثلاث مجلدات، وهي قيد الطبع. كما سافر شيخنا الوالد إلى سوريا، وقد جمعت ملاحظاته المتعلقة بسفره ودونتها، وقد طبعت في خمسة أجزاء. وكانت سفرته الأخيرة إلى تركيا، وكان يعاني من شدة وطأة المرض، فلم يتمكن من القيام بما قام به في سفرتيه السابقتين، فلم يترك شيئا مدونا، وإنما ترك

[ 287 ]

أسماء الكتب اللازمة لمكتبة الإمام أمير المؤمنين والمكتبات الموجودة فيها، كما أني سافرت إلى تركيا بعد وفاته (رحمه الله) واستنسخت في مدة ثلاث سنين ما يقرب من 700 ألف صفحة بالفلم (المايكروفيلم). سؤال: كيف كان تأثير كتاب " الغدير " في العالم الإسلامي، وعند علماء المسلمين ؟ الجواب: يحضرني أن بعض علماء أهل السنة اعترضوا على نشر الجزء الثالث والجزء السادس من كتاب " الغدير " في العراق عند رئيس الوزراء نوري السعيد، احدهم حاكم في مدينة الموصل وأحد علماء تلك المنطقة مع أربعة أشخاص متنفذين، وطلبوا منه - أي من نوري السعيد - أن يتدخل ويمنع نشر كتاب " الغدير "، والدفاع، عن الخلفاء الثلاثة، فطلب منهم مهلة لمطالعة الكتاب، وبعد فترة رفض طلبهم وقال: بأن مصادر الكتاب كله من كتبنا، ولا يتضمن إلا الأحاديث التي نقلها وكتبها علماء، أهل السنة والجماعة من كتبهم. ولقد كان بعض علمائهم وكتابهم المتعصبين، والناصبين العداء لأهل البيت (عليهم السلام)، يتهمون الشيعة بالكفر، والسجود لصورة الإمام علي (عليه السلام) [ وزواج المتعة ] وغيرها، غير أننا اليوم ندفع إليهم كتاب " الغدير " ليطالعوه ليحيى من حي عن بينة، فاهتدى كثير ممن طالعه واستبصر. ولله الحمد. كما أني بعثت كتاب " الغدير " إلى عدد كبير من العلماء والأدباء وشخصيات مهمة بارزة، فتلقوه بقبول حسن، وكتبوا عليه تقاريظ عديدة، منها ما نشر في الصحف والمجلات، ومنها ما ارسل إلى شيخنا الوالد مباشرة. وإن من بركات وآثار كتاب " الغدير " وبسببه اهتدى كثيرون لمذهب أهل البيت واستبصروا فعلى سبيل المثال، التقيت عدة مرات بنائب من مجلس النواب المصري، يدعى حسين عبد الرزاق، وكان رجلا ذكيا عارفا ومنصفا، فتحدثت معه عن الولاية وأهديت له دورة من كتاب " الغدير "، وبعد فترة وفي اللقاء الثاني أخبرني بأنه استبصر وأنه اتبع مذهب أهل البيت هو وجميع أفراد عائلته، بعد

[ 288 ]

مطالعته الجزء السادس من كتاب " الغدير ". ومثل حسين عبد الرزاق كثيرون لا سيما في تونس، والمغرب استبصروا وصاروا من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) وأصبحوا دعاة لمذهب أهل البيت. سؤال: ما هي التقاريظ التي كتبت في كتاب " الغدير " ؟ الجواب: الذين قرظوا الكتاب. هم الصدارة من فطاحل العلماء والمراجع العليا الإسلامية، منهم - على سبيل المثال - المرجع الديني آية الله العظمى السيد حسين البروجردي، وآية الله العظمى السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي، وآية الله السيد الصدر والد السيد موسى الصدر، وآية الله العظمى السيد محسن الحكيم المرجع الديني الأعلى، وآية الله الهمامي من علماء أهل السنة، والدكتور محمد عبد الغني حسن الأديب المصري وغيرهم ممن يصعب حصرهم. زياراته لمراقد الأئمة الطاهرين: كان من عادته (رحمه الله) أن يقصد الزيارة وحده، لا يرضى أن يتبعه أحد، ومعظم زياراته تكون ليلية، وعندما يدخل الحرم المطهر يتنكر للناس ولا يتحدث مع أي أحد مهما كان، وكان يحفظ زيارة الجامعة الكبيرة عن ظهر قلب، وكان يقرأ زيارة " أمين الله " باستمرار، ويرتفع صوته بالبكاء والنحيب أثناء زيارته، وكذا الدعاء، لا سيما عند زيارته لمرقد الإمام سيد الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام)، وقبل الشروع وقصد الزيارة يغتسل بالأغسال المستحبة ويتطهر بالوضوء، كما أنه لا تفوته صلاة الفريضة عن أول وقتها. مع الدكتور صلاح صاوي (1): قال الدكتور الصاوي: رأيت يوما شابا أنيقا وفي عنقه قلادة من ذهب نقش عليها صوره الإمام علي (عليه السلام)، ولما كنت محبا للإمام علي (عليه السلام) فقد وددت أن تكون


(1) الأديب الشاعر والكاتب القدير الحائز على شهادة الدكتوراه في آداب اللغة الفارسية. (*)

[ 289 ]

تلك القلادة في عنقي، لكن ذلك لا يناسبني. وفي اليوم الثاني ذهبت لزيارة العلامة الأميني (رضي الله عنه) فإذا بآية الله المحترمي (1) يدخل المجلس وكان بيده كيس فسلمه لشيخنا الأميني، فأخذ الكيس منه وأعطانيه، وقال هذا ما أردته، وكنت أرغب معرفة ما بداخله، وبعد ما انفض المجلس ودعته وخرجت، فلما ركبت السيارة فتحت الكيس لأرى ما فيه، فإذا في الكيس قلادة من مرمر منقوش عليها صوره الإمام علي (عليه السلام) يمكن تعليقها في العنق أو على الجدار، فقلت: الله اكبر، كيف الهم ذلك وعرف ما في نفسي ؟ ! فمنذ ذلك الوقت علمت أنه ليس عالما وخطيبا، وكاتبا فحسب، بل هو ملهم وصاحب كرامات، وفراسة عميقة، وفي الحديث الشريف " إحذر فراسة المؤمن، فإنها تنفذ كالسهم ". هذا ملخص ما ترجم بالمعنى من مجلة " الرسالة " في عددها الخاص عن حياة العلامة الأميني رضوان الله عليه. وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين.


(1) أحد العلماء البارزين في إيران. (*)

[ 290 ]

ترجمة دروس اسلامية ترجمة مجلة " درسهاي از مكتب إسلام " الناطقة باللغة الفارسية في رحاب رحلة العلامة الأميني: ما زالت العيون باكية على فقد مرجعها الكبير آية الله العظمى السيد محسن الحكيم، وإذا بناعية الحزن تكلم القلوب، وتدمع المحاجر مرة اخرى، لفقدها العلامة المجاهد آية الله الأميني (قدس سره). أجل إنه يوم على آل الرسول عظيم، حين فقدت الامة الإسلامية بطلا من أبطالها المجاهدين، يوم الجمعة الثامن والعشرين من ربيع الثاني سنة تسعين وثلثمائة وألف وقد ناهز السبعين من عمره المبارك. كان المغفور له العلامة الأميني من أعظم الشخصيات الإسلامية، التي دافعت عن الإسلام ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) وولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) بكل شهامة وإخلاص وفداء، وإبداع قل نظيره في العالم الإسلامي، وقد أدى رسالته حق الأداء، فكان طيلة حياته كالشمعة التي تحرق نفسها من أجل إنارة الدرب وإضاءة الطريق للآخرين. قل ما تجد من علماء الإسلام من كلا الفريقين - السنة والشيعة - من قدم عطاء كعطاء العلامة الأميني، من الخدمات العلمية الفائقة، فالكل يركع خضوعا أمام جهوده الجبارة لا سيما أمام كتابه العظيم وسفره الخالد القيم " الغدير "، فكان

[ 291 ]

إنسانا بكل معنى الكلمة، ومجاهدا حقا، ومخلصا في الولاء والوفاء. فقد انفرد في دفاعه عن الحق والحقيقة، وعرى الأقلام المأجورة من الكتاب والمؤرخين الذين انصاعوا لرغباتهم الشخصية وميولهم الخبيثة، الذين حرفوا الكلم عن مواضعه في حق بطل المسلمين أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام). فهتك أستار الجهل والضلال، ونفض غبار العصبية عن وجه الحقيقة بمنطق الحق الرصين، والبرهان الساطع المبين، لا يمكن لأحد انكاره وتجاهله، فلقد أخرج كنوز الحقائق من زوايا التاريخ. ومما لا ريب فيه أنه كان مسددا بإمدادات غيبية، يقف عليها ويلمسها كل من كان قريبا منه أو يشاهده حين مناجاته مع إمامه أمير المؤمنين (عليه السلام). ولد العلامة الأميني سنة 1320 ه‍ من اسرة عريقة بالعلم في مدينة تبريز من بلاد إيران، كان والده (رحمه الله) العلامة الشيخ ميرزا أحمد الأميني من علماء عصره في تبريز معروفا بالاخلاص والزهد والتقوى وتفانيه في الولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، وحبه المفرط لهم، وكان جده المرحوم العلامة الميرزا علي " أمين الشرع " من العلماء الأفذاذ والادباء والشعراء في تبريز. ظهرت علامات النبوغ على محيا العلامة الأميني منذ صغره، فكان يتوسم فيه العظمة كل من شاهد تلك العيون البراقة الوسيعة الجذابة، والجبين الساطع، والوجه الناصع بالازدهار وعلو الهمة، والمستقبل الباهر. ومن أدرك صباه أخبر عن ذكائه، وأنه كان يتحدث كما يتحدث المجربون من أصحاب الشيبة، وكان يفكر ويدرك كما يفكر العلماء، ولم تظهر عليه صفات الصبا من لهو ولعب، وهذا من علائم نبوغه ونضجه. أكمل العلامة الأميني المقدمات والسطوح العالية في بلدة تبريز في سن مبكر، وهاجر إلى النجف الأشرف لاكمال دراساته الحوزوية في عز شبابه. وعندما بلغ عمره الشريف اثنتين وعشرين سنة أم النجف الأشرف، ليمير من مناهل العلم والأدب بجوار أمير المؤمنين (عليه السلام)، فاقتبس من أنوارها على آية الله

[ 292 ]

السيد محمود الفيروز آبادي، وآية الله السيد أبي تراب الخوانساري وآية الله الميرزا علي الأيرواني، وآية الله الشيخ محمد حسين النائيني، قدس الله أسرارهم. إن ارتباطه المعنوي وإخلاصه الفريد وحبه المنقطع لأهل البيت (عليهم السلام)، الذي ورثه عن آبائه كابرا عن كابر، صيره أن يسبر مطامر الكتب ويغوص بحار التأريخ ليستخرج من كنوزه اللآلئ النضيدة والجواهر الفريدة حتى فاق أقرانه، وحاز قصب السبق في مضماره وأدى حبه لأهل البيت (عليهم السلام) وعشقهم إلى أن بز أقرانه. وقد أغنى المكتبة الإسلامية والعربية بسفره الخالد " الغدير " وربط مجهوده الحلقات المفقودة من التراث الإسلامي المنيف، والذي أصبح من ذخائر العصر، والمرجع الفريد للقرن الرابع عشر الهجري. أول كتاب قيم طبع له " شهداء الفضيلة " سنة 1355 ه‍ في النجف الأشرف بحث فيه وترجم حياة مائة وثلاثين شخصية علمية إسلامية نالت شرف الشهادة من أجل الدفاع عن مذهب الحق مذهب أهل البيت (عليهم السلام). وقد قرظ كتابه البارزون من علماء النجف الأشرف في عصره وغيرهم. ومما يلفت النظر إن من يطالع هذا الكتاب يجد العدد الكبير من الشخصيات الفذة ورجالات العلم والأدب والتاريخ الذين جاهدوا بكل ما اوتوا من قدرة في سبيل الدفاع عن حق أهل البيت حتى سفكت دماؤهم وزهقت أرواحهم. وقد يتصور البعض أن معظم العلماء يقبعون في زوايا مكتباتهم منهمكين في الدرس والتدريس واستخراج الأحاديث والروايات، وبعيدين كل البعد عما يدور حولهم، ولكن حينما يطالع كتاب " شهداء الفضيلة " يجد أنه ما أكثر الذين قدموا النفس والنفيس في مجاهدة المنحرفين بكل ما عندهم من إمكانات وطاقات في سبيل إحياء مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وتراثهم، وحتى سفكت دماؤهم. وأعظم كتاب صدر للعلامة الأميني موسوعة " الغدير "، وما أدراك ما الغدير ؟ فإنه وإن كان يبحث عن واقعة يوم الغدير وسرد حياة رواته، إلا أنه توسع في بحثه وضم بين دفتيه معارف، وحكم، وتاريخ، وأدب، وتتبع الوقائع،

[ 293 ]

والحوادث التأريخية وتحليلها وشرحها ومناقشتها بصورة علمية منطقية دقيقة. تنبئك عن سعة اطلاعه، والجهود المضنية التي بذلها في سبيله وتتبع الوقائع التاريخية. فقد رد في المجلد الثالث من سفره الخالد " الغدير " الشبهات التي أثارها أعداء الدين ضد شيعة أهل البيت، بهتانا وعدوانا، وفند أربعة عشر كتابا مما أملته النفوس المريضة ضد أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام). كما ذكر في الجزء الخامس عقائد مذهب أهل البيت وأتباعهم، وأقام البراهين الساطعة، والأدله القاطعة على أحقية مذهب الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام). ثم تعرض في الجزء السادس من " الغدير " لتضعيف مائة وستين راو من رواة العامه من كتبهم، وأثبت أنهم لجمع الثروات وضعوا الأحاديث الكاذبة المختلقة وكذبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في وضعها، وأن أقلامهم مأجورة. ومن يقف على ضفاف " الغدير " يجد نفسه أمام بحر زاخر متلاطم الأمواج بالعلم والأدب والمعارف الإسلامية. وخير شاهد على عظمة كتاب " الغدير " أنه انتزع إعجاب فطاحل العلماء والكتاب والأدباء والمؤرخين في شتى أنحاء العالم الإسلامي وغيره وقرظه العلماء المعاصرون ومن جاء بعدهم، وقلما حضي كتاب بتقريظ مثله. ومما قاله العلامة الفذ آية الله العظمى السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي " قدس الله نفسه " بالحرف الواحد. قال: (لو كنا غير مشاهدين جهود العلامة الأميني وحاله في تأليفه كتاب " الغدير " الذي انفرد في تصنيفه، لقلنا أنه من نتاج جماعة من العلماء قامت بتأليفه مجتمعة. ومن خدمات العلامة الأميني (قدس سره) الخالدة: تأسيسه " مكتبه الإمام أمير المؤمنين العامة " سنة 1373 ه‍ في النجف الأشرف، وتعتبر اليوم من أشهر المكتبات، وقد أجهد نفسه رضوان الله عليه في تأسيسها وجمع المصادر النادرة من البلدان الإسلامية لها، فسافر بنفسه إلى الهند، وباكستان، وسوريا، وتركيا،

[ 294 ]

لتصوير أو استنساخ كنوزها الثمينة ومصادرها النادرة. وبهذه الأعمال الجبارة المضنية التي لا يقوم بها إلا العظماء من أعلام الامة قدم الأميني للاسلام وللامة الاسلامية أجل الخدمات وأعظم المنجزات، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير جزاء المجاهدين، فإنه أرحم الراحمين. وسلام عليه يوم ولد، ويوم كتب وألف، ويوم مات، ويوم يبعث حيا. ملاحظة: ترجمت هذه المقالة من مجلة " درسهاى از مكتب اسلام " الفارسية - أي " دروس من مذهب الإسلام " العدد الثامن من السنة الحادية عشر رقم التسلسل 128 ص 14.

[ 295 ]

الغدير في التراث الإسلامي تعتبر حادثة الغدير المنعطف الخطير في تاريخ الإسلام الحضاري، وحجر الزاوية في توجيه سياسة الحكم للأجيال الصاعدة، ومن أكثر الحوادث التاريخية الإسلامية شهرة واتساعا. وتأكيد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) على تثبيت الولاية تأكيدا للمنهجية الصحيحة القويمة في السير بالأمة نحو القيادة السليمة. وعلى رغم تلكم التصريحات والتأكيدات على نصب وتعيين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أميرا للمؤمنين، وخليفة لرسول رب العالمين بأمر الله عز وجل، منذ أن صدع بالأمر في يوم الدار الذي دعا فيه أعمامه من آل عبد المطلب حرصا منه على إدامة الدعوة والتبليغ بشريعة السماء التي جاء بها (صلى الله عليه وآله وسلم). لكن السياسة الزمنية الانقلابية التي حدثت بعد ارتحال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى، والمؤامرات التي سبقتها - والتي دبرت بليل - تمخض هذا الصراع إلى قفز الخليفة الأول على سدة الحكم باسم الخلافة، وذلك بعد صراع مرير وخلاف حاد، وجدل شديد في الاجتماع العام الذي عقده الأنصار في سقيفة بني ساعدة وداهمه المهاجرون، واحتدم الصراع بين المهاجرين والأنصار كل يريد أن يسبق الآخر للتربع على كرسي الحكم والخلافة، تاركين أمير المؤمنين الخليفة الشرعي مشغولا عنهم بمصابه في فقده الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وانشغاله بتجهيزه. وبعد الصراع المرير، والمهاترات، والمنازعات، استطاع المهاجرون بدهائهم

[ 296 ]

وحنكتهم السياسية، ووحدة كلمتهم أن يشقوا صفوف الأنصار، ويفككوا وحدتهم بإثارة الأحقاد القبلية وإعادة الصراعات الجاهلية فيما بينهم - أي بين الأوس والخزرج - التي قضى عليها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأماتها ووحد صفوفهم في أول دعوته حينما قدم يثرب، وكانت من أهم خطط القوى الانقلابية - بعد تغلبهم - إقدامهم والمنتفعين من أتباعهم، على تذويب وتمييع حادثة الغدير وتناسيها بكل ما أوتوا من قوة ودهاء كما استطاعوا كم الأفواه، وشل العقول، وتقييد الإرادة، وشد الأيدي، وتحريف الواقع، وتزييف الحقيقة، والإصرار على زحزحة الأمر عن مقره، وبناء الحكم على غير أساسه، ودفع الخليفة الشرعي عن منصبه الذي نصبه الله عز وجل فيه، وتجاهل تبليغ رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نصب علي أميرا للمؤمنين وخليفة لرسول رب العالمين، وحرفه عن هدفه. وبقي حديث واقعة الغدير، وذكرياته في صدور المؤمنين من أتباع أهل البيت مكبوتة، وفي خواطرهم ثائرة، وانقضى القرن الأول والأمور تزداد سوءا، وتعقيدا، بكم الأفواه والتشديد على منع وحضر كتابة الحديث بصورة عامة، وحديث الغدير بصورة خاصة. ومن جهة اخرى أطلقت الأفواه المنتنة، والأصوات المبحوحة، والأقلام المأجورة، في بث الإعلام الكاذب وتزييف الحقائق، وتحوير الواقع، وقد خرجت بعض الاقلام المأجورة حديث الغدير بتخريجات واهية أوهى من خيوط العنكبوت، وخنقوا صوت الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) والنداء الذي أطلقه في يوم العهد المعهود في الموقع المشهود المسمى ب‍ " غدير خم " قرب الجحفة بعد رجوعه من حجة الوداع، على مفترق طرق الحجيح، وذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام في السنة العاشرة من الهجرة النبوية المباركة، رافعا عقيرته بين تلك الجموع المتداككة والتي تربو على المائة ألف من المسلمين، وفي رواية مائة وعشرين ألفا، مبلغا ما أمر الله سبحانه أن يبلغ، ومهددا بعدم تبليغ رسالته إن لم يفعل بقوله سبحانه: * (يا أيها الرسول بلع ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) * الى آخر الآية.

[ 297 ]

وقف (صلى الله عليه وآله وسلم) خطيبا بين تلكم الجموع المحتشدة المتراصة - وبعد خطبة بليغة - قائلا: " من أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ " قالوا: الله ورسوله، قال: " اللهم اشهد " عندها رفع أخاه وابن عمه علي بن أبي طالب حتى بان بياض ابطيه، ثم قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه " ثم أردف قائلا: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيثما دار ". ثم أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تفرد له خيمة يجلس فيها علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمبايعته بالخلافة وإمرة المؤمنين، وترادف عليه المسلمون يبايعونه، وكان في مقدمتهم الشيخان أبو بكر وعمر قائلين: بخ، بخ لك يابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. كان هدف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في اتخاذ كل تلكم الإجراءات السريعة والتدابير الصارمة هو تبليغ أمر السماء بالولاية لعلي والإمرة والخلافة، تثبيتا لدعائم الدين واستمرارا في حكم الإسلام ودوامه، وعلى رغم كل تلكم الإجراءات لم ينقض على هذه البيعة سوى سبعون يوما فقط حتى التحق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيع الأعلى، وانقلبت الأمة، وتحقق منطوق الآية الشريفة: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * الى آخر الآية. فنقول: خلال قرن كامل من الزمان لم يستطع أي مسلم أن يدون الحديث ولم يتمكن أي أحد ان يسجل الوقائع التأريخية، ولا يجرؤ أن يتحدث الناس حتى فيما بينهم بحديث واحد، وحتى يستشهد بحديث في حكم شرعي، إلا أن التابعي الجليل سليم بن قيس الهلالي المتوفى سنة " 76 ه‍ " استطاع ان يخترق جدار الحضر وأن يتحدى السلطان حينذاك، ويتجاوز المحاذير المفروضة وسجل الوقائع المهمة التأريخية، ودونها بصورة سرية وحذرة في كتابه المعروف باسمه " سليم بن قيس الهلالي " الذي أيده الإمام السجاد (عليه السلام) وأقره، والذي لا يزال منتشرا بين ظهرانينا خاصة، وبين المسلمين عامة في معظم المكتبات العامة والخاصة بعد ما دون الحديث خواص امير المؤمنين (عليه السلام) امثال ابي رافع وابنه.

[ 298 ]

وما ان حل القرن الثاني من الهجرة حتى دب الضعف في الحكم الأموي الجائر وخف الضغط، وانحسر الإرهاب الفكري والإرعاب التسلطي بعض الشئ عن المؤمنين والعلماء وأصحاب السير والتاريخ، وذلك بانشغال الحكم الأموي فيما بينهم، وبصراعهم المرير مع القوى الثائرة المناهضة لهم من بني العباس، الذين رفعوا شعار " الرضا من أهل البيت " زورا وبهتانا. وإليك عزيزي ما صدر من الكتب في واقعة الغدير، حسب التسلسل التاريخي، والذي حصلنا عليه من بطون الكتب ورفوف المكتبات ابتداء من القرن الثاني الهجري. في القرن الثاني: صدر كتاب واحد، وهو الأول من نوعه، للنحوي العروضي الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي البصري، واضع علم العروض المتولد سنة " 100 ه‍ " والمتوفى سنة " 175 ه‍ " ذكر فيه جزءا من خطبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم الغدير في السنة العاشرة من الهجرة. وفي القرن الثالث: صدر كتابان: 1 - " كتاب الولاية " للطاطري - لأبي الحسن علي بن الحسن الطائي الجرمي الكوفي المتوفي سنة 260 ه‍. 2 - " في حديث الغدير " للشيخ أبي جعفر البغدادي من اعلام القرن الثالث. وفي القرن الرابع: صدرت عشرة كتب منها: 1 - " كتاب الولاية " في جمع طرق حديث " من كنت مولاه فعلي مولاه " لابي جعفر بن جرير الطبري - صاحب كتاب التفسير " 224 - 310 ه‍ ". 2 - " خصائص الغدير " للشيخ الكليني البغدادي (قدس سره) مؤلف كتاب " الكافي " سنة 328 ه‍. 3 - " طرق حديث الغدير " - للحافظ الدارقطني المتوفى سنة " 385 ه‍ "، وهو من أعلام القرن الرابع ومن علماء العامة. وغيرهم ممن ألف وكتب في الغدير.

[ 299 ]

وفي القرن الخامس: صدر فيه خمسة عشر كتابا، منها: 1 - طرق حديث " من كنت مولاه فعلي مولاه " للحاكم النيشابوري الشافعي صاحب كتاب " المستدرك على الصحيحين " " 321 - 405 ه‍ ". 2 - رسالتان للشيخ المفيد (قدس سره)، إحداهما في أقسام المولى، والثانية في معنى المولى. 3 - و " عدة البصير في حجيج يوم الغدير " للشيخ الكراجكي الموفى في سنة " 449 ه‍ ". 4 - وكتاب " الدراية في حديث الغدير " حديث " من كنت مولاه فعلي مولاه " للحافظ السجستاني المتوفى " 477 ه‍ " من أفاضل علماء أهل السنة. 5 - وكتاب: " دعاء الهداة إلى أداء حق الموالاة " وهو طريق حديث الغدير " من كنت مولاه فعلي مولاه " للحاكم الحسكاني، من أعلام القرن الخامس. وغيرهم ممن كتب في الغدير من أعلام القرن الخامس، بطرقهم الخاصة وأسانيدهم الصحيحة. وفي القرن السادس: صدر كتاب واحد: وهو كتاب " في مجلس يوم الغدير " في إمامة علي بن أبي طالب (عليه السلام) للعلامة أبي طالب الفارسي العراقي الزيدي، من أعلام القرن السادس. وهو من علماء الزيدية. وفي القرن السابع: صدر كتابان: 1 - كتاب " الإيضاح والتفسير في معنى يوم الغدير " للعلامة علي بن محمد الداعي الإسماعيلي المتوفى سنة " 612 ه‍ ". 2 - وأيضا كتاب " الإيضاح والتبصرة في حديث الغدير " لمؤيد الدين الحسين بن علي بن محمد الإسماعيلي. وفي القرن الثامن: صدر كتاب واحد: وهو كتاب " طرق حديث من كنت مولاه " للحافظ شمس الدين الذهبي

[ 300 ]

الشافعي الدمشقي " 673 - 748 ه‍ " صاحب التآليف الكثيرة. وفي القرن التاسع: صدر كتاب واحد: وهو كتاب " طرق حديث من كنت مولاه فعلي مولاه " للحافظ العراقي زين الدين أبي الفضل المهراني الشافعي المصري " 725 - 806 ه‍ ". وفي القرن العاشر: صدر كتابان: 1 - كتاب " شرح حديث الغدير "، للمولى عبد الله القزويني، وهو كتاب جليل حسن الفائدة أورد فيه خطبة الغدير، ذكره شيخنا في الذريعة ج 13 ص 204، ج 25 ص 120. 2 - كتاب " طراز الكم في ما روي في غدير خم " لشمس الدين بن طولون " 880 - 953 ه‍ ". وفي القرن الحادي عشر: صدر كتابان: 1 - " الغديرية ": للمولى عبد الله بن شاه منصور، من أعلام القرن الحادي عشر. 2 - " رسالة في حديث الغدير " للسيد علي خان الموسوي المشعشعي الحويزي المتوفى سنة " 1088 ه‍ " والي الحويزة وحاكمها منذ سنة " 1066 " إلى أن توفي. وفي القرن الثاني عشر: صدر ثمانية كتب منها: 1 - كتاب " كشف المهم في طرق خبر غدير خم " للسيد هاشم البحراني المتوفى سنة 1107، مؤلف " تفسير البرهان "، و " غاية المرام ". 2 - كتاب " رسالة في الغدير " للعلامة الشيخ محمد تقي الألماسي الإصطهباناتي وهو حفيد أخ العلامة المحدث المجلسي (قدس سره) " 1089 - 1159 ". 3 - " رسالة اخرى في الغدير " للوزير الفاضل والأديب المؤرخ ميرزا مهدي خان بن ميرزا نصير الاسترابادي. وفي القرن الثالث عشر: صدرت أربعة كتب منها: 1 - كتاب " حديث الغدير " للسيد كاظم الرشتي، نزيل كربلاء، وتلميذ

[ 301 ]

الشيخ أحمد الإحسائي " 1212 - 1258 ه‍ ". 2 - موسوعة " عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار " للعلامة السيد مير حسين الهندي اللكهنوي " 1266 - 1306 ه‍ ". وفي القرن الرابع عشر: صدر اثنان وسبعون كتابا، منها: 1 - " لواء الحمد ". 2 - " الرحيق المختوم ". 3 - " الغديرية " للعلامة الجليل السيد ميرزا محمد حسين الشهرستاني المرعشي الحائري " 1255 - 1315 ه‍ ". 4 - " فيض القدير في ما يتعلق بحديث الغدير " للعلامة المحدث الشيخ عباس القمي النجفي " 1294 - 1315 ه‍ ". 5 - كتاب " الغدير " للعلامة السيد مهدي الغريفي البحراني النجفي " 1299 - 1343 ه‍ ". 6 - كتاب " الخطاب المنير في ذكرى عيد الغدير " للعلامة الشيخ حبيب آل إبراهيم العاملي " 1304 - 1384 ه‍ ". 7 - كتاب " الغدير في الإسلام " للعلامة الجليل الشيخ محمد رضا بن الشيخ طاهر فرج الله الحلفي النجفي " 1319 - 1386 ه‍ ". 8 - موسوعة " الغدير في الكتاب والسنه والأدب " لشيخنا العلامة الأميني الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني التبريزي النجفي " 1320 - 1390 ه‍ ". 9 - كتاب " رسالة في الغدير " للعلامة السيد هبة الدين الشهرستاني الحائري " 1301 - 1386 ه‍ ". 10 - " ملحمة الغدير " الشعرية للشاعر الأديب اللبناني المسيحي " بولس سلامة " قاضي المسيحيين في بيروت " 1320 - 1399 ه‍ = 1902 - 1979 م ". 11 - " حماسه غدير " باللغة الفارسية للاستاذ الفاضل المعاصر محمد رضا الحكيمي اليزدي ثم الخراساني، المتولد سنة " 1354 ه‍ ".

[ 302 ]

12 - " الغديرية " للشيخ محمد حسين شمس الدين العاملي " 1280 - 1342 ه‍ ". 13 - " عيد الغدير في عهد الفاطميين " للبحاثة المحقق الشيخ محمد هادي الأميني نجل العلامة المغفور له الأميني، المتولد " 1350 ه‍ ". 14 - " كتاب الغدير " للعلامة الورع الزاهد الشيخ محمد حسن القبيسي، المقيم في بيروت المتولد " 1333 ه‍ ". هذه أربعة عشر كتابا انتخبناها من مجموع اثنين وسبعين كتابا دبجها يراع العلماء والادباء وقرائح الشعراء. القرن الخامس عشر: صدر ثلاثة وأربعون كتابا، منها: 1 - كتاب " الغدير " للعلامة السيد محمد علي الابطحي الاصفهاني المتولد سنة " 1349 ه‍ ". 2 - " خلاصة عبقات الأنوار " للعلامة السيد علي السيد نور الدين الميلاني الحسيني التبريزي، المولود في النجف الأشرف سنة " 1367 ه‍ "، والساكن حاليا في قم المشرفة. 3 - " على ضفاف الغدير " وكذلك " أعلام الغدير "، لعدة مشايخ معاصرين، تحت إشراف السيد فاضل الحسيني الميلاني. 4 - " قصة الإسلام في عيد الغدير " للأستاذ الدكتور أسعد علي السوري المولود في اللاذقية " 1356 ه‍ 1937 م " نزيل دمشق والاستاذ في جامعتها. 5 - " على ضفاف الغدير " للشيخ عبد الأمير قبلان، مفتي لبنان الجعفري. 6 - " عيد الغدير " للسيد الخطيب محمد إبراهيم نجل المرحوم الخطيب السيد محمد كاظم القزويني - الكربلائي نزيل قم، المولود في كربلاء سنة " 1376 ه‍ ". 7 - " رسالة في الغدير " للعلامة المحقق الاستاذ الشيخ محمد رضا الجعفري الاشكوري النجفي نزيل طهران، المولود في سنة " 1342 ه‍ ". 8 - " سرود غدير " باللغة الفارسية " انشودة الغدير " وقد دون العلامة

[ 303 ]

للعلامة المحقق السيد أحمد الحسيني الاشكوري النجفي المولود بها سنة " 1350 ه‍ ". 9 - " على ضفاف الغدير " للعلامة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي اليزدي النجفي المولود بها سنة " 1348 ه‍ ". والمتوفى في 5 رمضان عام 1416 ه‍. 10 - " الغدير في التراث الإسلامي " للعلامة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي اليزدي النجفي. 11 - " في رحاب الغدير " للشيخ على اصغر مروج الخراساني. 12 - العدد الخاص بالغدير، لمجلة " تراثنا " التي تصدر من مؤسسة ال البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث في قم وبيروت يحمل رقم 21 بتاريخ 1410 ه‍، وذلك بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على واقعة الغدير في 18 ذي الحجة الحرام من السنة العاشرة للهجرة النبوية الشريفة. وفي هذا العدد الخاص جملة بحوث ومقالات مهمة تخص الغدير، ومنها: أ - كلمة التحرير، الغدير عبر التاريخ والتراث. ب - الغدير في حديث العترة الطاهرة - لسيد جواد الشبيري. ج - حديث الغدير: التبليغ الأخير لإمامة الأمير - للعلامة السيد علي الحسيني الميلاني. د - الغدير في ظل التهديدات الإلهية للمعارضة: للسيد جعفر مرتضى العاملي وغيرها من البحوث المهمة التي تخص يوم الغدير. 13 - العدد الخاص بالغدير - لمجلة " الموسم " البيروتية، في العدد السابع من المجلد الثاني لسنة 1990 م = 1411 ه‍. وهذا العدد الذي تربو صفحاته على الألف ومائة صفحة، يضم بين طياته خلاصة البحوث التي القيت في المؤتمر العام العالمي بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على واقعة الغدير الذي انعقد في لندن لمدة ثلاثة أيام من 18 - 21 ذي الحجة الحرام سنة 1410 ه‍ = 12 - 15 / 7 / 1990 م. وكان أكبر المؤتمرات والمهرجانات التي عقدت بهذه المناسبة، وذلك بأمر

[ 304 ]

من المرجع الديني الاعلى السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره) كما حضره فطاحل المفكرين الإسلاميين من أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، ضم الحضور الزعماء والرؤساء والعلماء والمفكرين والادباء من معظم أنحاء العالم. وقد تصدرت المجلة كلمات الآيات العظام المعاصرين وفي مقدمتهم السيد الخوئي، والسيد المرعشي النجفي، والسيد الگلبايگاني، رضوان الله تعالى عليهم - كما ألقى كل من الشيخ محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الأعلى الشيعي في لبنان، والدكتور أسعد علي من سوريا، والدكتور عناد غزوان من العراق، والدكتور السيد محمد علي الشهرستاني من العراق، والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، والدكتور عبد الهادي التازي من تونس، والدكتور الشاعر السيد مصطفى جمال الدين من العراق، والأديب الكاتب المسيحي جبران خليل جبران، وغيرهم. 14 - وأخيرا صدر لصديقنا العلامة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي اليزدي النجفي كتاب بعنوان " الغدير في التراث الإسلامي " الذي يضم البحث الذي نشره في مجلة " تراثنا " في عددها الخاص المرقم 21 الصادر في شوال سنة 1410 ه‍ بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على واقعة الغدير، وزاد عليه بعض المستجدات والاستدراكات التي حصلت لديه (1). ومهما حقق العلماء، وعقد الادباء، وكتب المؤلفون، ونظم الشعراء، وعقدت المؤتمرات ونشرت الصحف والمجلات - من القرن الأول والى الآن - فما استطاع أي واحد منهم مهما بلغ من جهد وعلم الوصول إلى ما وصل إليه وما بلغه العلامة الأميني رضوان الله عليه، في موسوعته " الغدير في الكتاب والسنة ". ولقد أجاد الأميني في تحقيقه وتتبع الأخبار والأحاديث واستخراجها من بطون المسانيد والصحاح، والسير، حتى أنسى الذين قبله وأتعب من جاء من بعده. فلله دره وعلى الله اجره.


(1) اقتبسنا منه محل الحاجة في هذا البحث. وقد فجعنا بارتحاله 5 رمضان سنة 1416 ه‍. (*)

[ 305 ]

" توطئة البحث " الغدير في الكتاب والسنة والأدب الغدير: هو زهرة حياة شيخنا الراحل الأميني طاب ثراه. واطروحة جهاده العلمي وثمرة نصف قرن من عمره. تحمل (رحمه الله) دون رسالته المباركة وغديره الصافي الصعاب بكل حول وطول، ووطن نفسه لمواجهة الحياة القاسية برحابة صدره. وكابد السدود والحواجز برشاده حتى استسلمت لديه، وتركت ميدان المعركة المقدسة له خلوا من كل شاغل، حتى اخذ يصول ويجول بكل فتوة متمثلا بقول الشاعر: وإني وإن كنت الأخير زمانه * لآت بما لم تستطعه الأوائل فكانت حصيلة ذلك الجلد في الدفاع عن عقيدته المقدسة، بعد أن اذاب بسخاء في سبيله اشعة عينيه، وضحى دونه جل قواه الفكرية وطاقاته الجسمية، وقضى ليله ونهاره اعواما واعواما بين قماطر المكتبات العامة والخاصة في الحواضر الإسلامية وغيرها، وتسنى له المرور بمائة الف كتاب مطبوع ومخطوط، ومطالعة عشرة آلاف كتاب مطالعة تحقيق وتمحيص. فجاء غديره الخالد بمثل ما وصفه به: كتابا علميا، فنيا، تاريخيا، ادبيا، اخلاقيا، مبتكرا في موضوعه، فريدا في بابه، يبحث في ظاهره عن حديث الغدير كتابا وسنة وادبا، ويتضمن تراجم امة من رجالات العلم والدين والادب ممن نظموا هذه المأثرة النبوية الخالدة في قصائدهم. الا أن الكتاب في واقعة دائرة معارف اسلامية ضمت بين جنبيها اهم البحوث التي لا مندوحة لمن اسلم وجه لله من الوقوف عليها والانتهال من نميرها. اوضح فيها شيخنا الأميني للعالم الحر بكل جدارة حقيقة واقعة الغدير، وأظهر تأريخه المشرق، بعد أن ازاح عنه الحواجز التي اوجدتها السياسات الممقوتة في سبيل تسنم رجالاتها سدة الحكم واستعباد الناس في نيل غاياتها الضالة واهوائها المضلة. فكان للكتاب دور بالغ في ارشاد الجاهل، وتنبيه الغافل، وهدى الضال،

[ 306 ]

واماطة اللثام عن الشبه واظهار الحقائق. واوقف كل باحث عن الحق والطالب للحقيقة على الصراط المستقيم. ونحن في الاشادة ب‍ (غديرنا) الخالد ومؤلفه طيب الله رمسه نقدم إلى قرائنا باقات عطرة من احاديث شيخنا الأميني التي افتتح بها اجزاء كتابه وهي تملي علينا دروسا عالية في اصول العقيدة، وتكشف لنا بوضوح مدى ايمان مؤلف (الغدير) بالمبدأ وعقيدته الراسخة وتفانيه في العترة الطاهرة، ونيته الخالصة في الدفاع عن سيد الامة أبي الأئمة صلوات الله عليهم اجمعين. ونردف تلك الغرر والدرر بما صدر عن اساطين الدين واعلام العلم وجهابذة الأدب في الإشادة بالكتاب وإعلاء ذكره لنكون قد ادينا بذلك جزءا مما علينا من الوفاء لشيخنا الأميني رضوان الله تعالى عليه. الشاكري

[ 307 ]

العلامة الأميني في مفتتح اجزاء الغدير مقدمة الجزء الأول: (1) بسم الله الرحمن الرحيم لا يذهب على الباحث ما عانيته من الجهود خلال سنين متمادية في سد هذا الفراغ، وما ثابرت عليه من المتاعب، واستسهلته من المشاق في تنسيق كتابي هذا، خدمة للعلم والأدب، وتشييدا للمبدأ، ونشرا لألوية لغة الضاد لغة القرآن الكريم، لغة الدين المقدس. عملت ذلك وأنا واثق بأنه سوف يقدره مني كل عربي صميم، ويشكرني عليه أي متدين واع، ويوازرني في نشره رواد العلم والأدب، ويساعدني فيه رجالات الدعاية والنشر، وحملة عب ء المعارف، غير أن الأحوال الحاضرة كانت تؤيسني عن نشر الكتاب، وتضع بيني وبين ضالتي المنشودة عراقيل، لم تزل أمثال هذه الهاجسة تتراوح على الفكر، ويتردد الأمل بين نشاط وإخفاق، وكنت اقدم رجلا واؤخر اخرى، حتى الهمت بالنجاح الباهر، وشعرت الفوز ببركة البيت الهاشمي الرفيع، وحقيق علينا أن نخاطب تلك وهذه ونقول: يا ربوع الفرات ميدي سرورا * والبسي مطرف الهناء النضيرا واستعيدي من المآثر ما قد * كان في لوحة العلى مسطورا وارفعي راية العروبة فخرا * وانثري كنز جدك الموفورا


(1) صونا لامانة النقل آثرنا درج الكلمة بما فيها. (*)

[ 308 ]

فإن صميمين من البيت الطاهر كعاهل البلاد، ووصي عرشها المعلى، لابد وأن تروقهما الإشادة بذكر سلفهما المقدس، فإن فيها توطيدا لشرفهما الباذخ، وتشييدا لمباني الإسلام، وإحكاما لعرى العروبة، وهما لا زال الإسلام بملكهما منوطا بالخلود، وورثا المكارم كابرا عن كابر، ورثا الشهامة والفضيلة، عن آباء كرام من شرفاء وملوك منذ العهد العلوي، وقد نطق عن رأينا العام فيهم شاعرنا المفلق (محمد بندر) في قصيدة له بقوله: نحن قوم نرى الولاية فيكم * هي نص لا تقبل التحويرا بيعة في غدير خم بأمر * نصب المصطفى عليا أميرا بيعة أكمل المهيمن فيها * ديننا فارتضاه للناس نورا ومن الرجس والخبائث طرا * طهر الله بيتكم تطهيرا أنجبتكم ام المعالي فحزتم * قصب السبق أولا وأخيرا وقد نيط بهم أمن البلد الأمين، وحفظ البيت الطاهر، وعمارة الحرم النبوي الأقدس، ودعة الحجيج، قرونا متطاولة، ثم فوضت إليهم ملوكية بلادنا المحبوبة، وفيها المشاهد الكريمة لأسلافهم أئمة الحكم والحكم صلوات الله عليهم، فرعوها وكلأوها عن عادية الهرج، وتمكنوا من الحصول على إنقاذ الامة واستعادة عزها ومجدها، فهي لا تزال تشكرهم على يدهم الواجبة، وبرهم المتواصل. وفي ناموس الوراثة أن يرث الأبناء ما في الآباء فبيمن هذين الهاشميين الكريمين عاد إلي الإخبات بنجاحي في نشر مشروعي هذا العائد فضله إليهما ولله الحمد أولا وأخيرا. وها أنا اقدم جزيل شكري إلى كل من آزرني في نشر مشروعي هذا، وفي مقدمهم الأستاذ الفذ السيد أحمد زكي الخياط مدير الدعاية والنشر، وأسأل المولى سبحانه له ولهم كل توفيق وسداد. الأميني النجفي

[ 309 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لوليه، والصلوة على نبيه، وآله الأئمة، وأولياء الامة * (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) * حديث النبأ العظيم في " غدير خم " حديث الدعوة الإلهية، حديث الولاية الكبرى، حديث إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب، على ما نزل به كتاب الله المبين، وتواترت به السنة النبوية، وتواصلت حلقات أسانيده منذ عهد الصحابة والتابعين إلى اليوم الحاضر، وما حوله من حقائق ناصعة تتعلق بالمتن أو الإسناد، وإرحاض ما هنالك من جلبة وتركاض، حتى يتجلى للقارئ الحق الصراح بأجلى مظاهره. وجل قصدنا من إرداف تراجم شعراء الغدير وشعرهم فيه على ترتيب القرون الهجرية إثبات شهرة الحديث وتواتره في كل جيل، وانه من أظهر ما تلوكه الأشداق نظما ونثرا، وتأتي هذه كلها في ستة عشر جزءا. وإنا نعد ذلك كله خدمة للدين، وإعلاء لكلمة الحق، وإحياء للامة الإسلامية، وإشادة بالذكر العلوي الخالد، وولاء لصاحب الولاية، وأستمد من المولى سبحانه أن يمدني بانجاز ما اعده، وتحقيق ما أضمره، وله الحمد أولا وآخرا. الأميني شكر على تقدير كان في هواجس ضميري: ان كتابي هذا سيقدره كل رجل ديني، ومن يحمل ولاء العترة الطاهرة، فصدق الخبر الخبر، وأتتنا رسائل كريمة وكتابات أنيقة من أرجاء العراق وخارجها من شتى الأقطار من الجمعيات والشخصيات البارزة في تقريظ الكتاب والإعجاب به نظما ونثرا، كل ذلك ينم عن روحية حاسة قوية في الملأ الإسلامي، وفكرة صالحة في المجتمع الديني، وشعور حي في رجالات الامة، فحيى الله العرب ودينه الحق، ومرحبا بالتابعين له بإحسان من الامم

[ 310 ]

الإسلامية، فنحن نقدم إلى الجميع شكرنا المتواصل، ونسألهم التوفيق، ونأمل الرقي والتقدم لحملة القرآن الأقدس. المؤلف الأميني مقدمة الجزء الثاني: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى نجز الجزء الأول (ولله الحمد) من هذا الكتاب بعد أن المسك باليد حقيقة ناصعة هي من أجلى الحقايق الدينية. ألا وهي: مغزى نص الغدير ومفاده، ذلك النص الجلي على إمامة مولانا أمير المؤمنين، بحيث لم يدع لقائل كلمة، ولا مجادلة شبهة في تلك الدلالة، وقد أوعزنا في تضاعيف ذلك البحث الضافي إلى أن هذا المعنى من الحديث هو الذي عرفته العرب منذ عهد الصحابة الوعاة له وفي الأجيال من بعدهم وإلى عصرنا الحاضر، فهو معنى اللفظ اللغوي المراد لا محالة قبل القراين المؤكدة له وبعدها، وقد أسلفنا نزرا من شواهد هذا المدعى، غير انه يروقنا هاهنا التبسط في ذلك بإيراد الشعر المقول فيه، مع يسير من مكانة الشاعر وتوغله في العربية، ليزداد القارئ بصيرة على بصيرته. ألا إن كلا من اولئك الشعراء الفطاحل (وقل في أكثرهم: العلماء) معدود من رواة هذا الحديث، فإن نظمهم إياه في شعرهم القصصي ليس من الصور الخيالية الفارغة، كما هو المطرد في كثير من المعاني الشعرية، ولدى سواد عظيم من الشعراء، ألم ترهم في كل واد يهيمون ؟ لكن هؤلاء نظموا قصة لها خارج، وأفرغوا ما فيها من كلم منثورة أو معان مقصودة، من غير أي تدخل للخيال فيه، فجاء قولهم كأحد الأحاديث المأثورة، فتكون تلكم القوافي المنضدة في عقودها الذهبية من جملة المؤكدات لتواتر الحديث.

[ 311 ]

ومن هنا لم نعتبر في بعض ما أوردناه أن يكون من علية الشعر، ولا لاحظنا تناسبه لأوقات نبوغ الشاعر في القوة، لما ذكرناه من أن الغاية هي روايته للحديث وفهمه المعنى المقصود منه، ولن تجد أي فصيح من الشعر والكتاب تشابهت ولائد فكرته في القوة والضعف في جميع أدواره وحالاته. عبد الحسين أحمد الأميني مقدمة الجزء الثالث: بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك اللهم يا ذا المنن السابغة على ما أنعمت به علينا من ولايتك وولاية محمد سيد رسلك، وعترته الاطهار ولاة أمرك، واسألك اللهم أن تصلي على محمد وآله، وتصلح لنا خبيئة اسرارنا وتستعملنا بحسن الإيمان، وأن تأخذ بيدي في خدمتي للمجتمع، والدعوة إلى الحق، والسير وراء الصالح العام، وإعلاء كلمة التوحيد، وبث مآثر رجالات الامة وساداتهم، وما توفيقي إلا بك، عليك توكلت، وإليك أنبت. عبد الحسين أحمد الأميني مقدمة الجزء الرابع: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما عرفنا من نفسه، وألهمنا من شكره، وفتح لنا من أبواب العلم بربوبيته، ودلنا عليه من الإخلاص في توحيده، وجنبنا الإلحاد والنفاق والشقاق والشك في أمره، ومن علينا بسيد رسله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأكرمنا بالثقلين خليفتي نبيه: كتاب الله العزيز، والعترة الطاهرة سلام الله عليهم، وأسعد حظنا بتواصل أشواطنا في السعي وراء صالح المجتمع، ووفقنا للسير في سبيل الخدمة للملأ، وفي مقدمهم رواد العلم والفضيلة، وأثبت أقدامنا في جدد الحق والحقيقة، وتعالى في

[ 312 ]

تلك الجدة جدنا، وتوالت بسعد الجد صحائف أعمالنا واثار يراعنا، ونحن نستثبت في الأمر ولا نتفوه إلا بثبت، والله ولي التوفيق، وهو نعم المولى ونعم النصير. عبد الحسين أحمد الأميني مقدمة الجزء الخامس: بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك اللهم يا من تجليت للقلوب بالعظمة، واحتجبت عن الأبصار بالعزة، واقتدرت على الأشياء بالقدرة، فلا الأبصار تثبت لرؤيتك، ولا الأوهام تبلغ كنه عظمتك، ولا العقول تدرك غاية قدرتك. حمدا لك يا سبحان، على ما مننت به علينا من النعم الجسيمة وأسبغتها، وتفضلت بالآلاء الجمة، وألحمت ما أسديت، وأجبت ما سئلت، وهي كما تقول: * (وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) *. حمدا لك يا متعال ! على ما طهرتنا به من دنس الكفر ودرن الشرك، وأوضحت به لنا سبل الهداية، ومناسك الوصول إليك، من بعث أفضل رسلك وأعظم سفرائك، وخاتم انبيائك (صلى الله عليه وآله وسلم) بكتابك العزيز، * (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) *. حمدا لك يا ذا الجلال ! على ما أتممت به نعمك، وأكملت به دين نبيك من ولاية أمير المؤمنين أخي رسولك، وأبي ذريته، وسيد عترته، وخليفته من بعده، وأنزلت فيها القرآن وقلت: * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) * حمدا لك يا عزيز ! على ما وفقتنا له من اتباع نبيك المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وخليفتيه في امته: كتابك الكريم وعترته أهل بيته، الذين فرضت علينا طاعتهم، وأمرتنا بمودتهم، وجعلتها أجر الرسالة الخاتمة وسميتها بالحسنة وقلت: * (ومن يقترف

[ 313 ]

حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور) *. * (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين) *. الأميني مقدمة الجزء السادس: بسم الله الرحمن الرحيم * (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) * * * (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة) * * * (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق) * * * (ولا يرتاب الذين اوتوا الكتاب والمؤمنون) * * * (وما اختلف الذين اوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) * * * (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين) * * * (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * * * (ذالك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن اهتدى، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله) * * * (وسلام على عباده الذين اصطفى) * * * (اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) *. الأميني مقدمة الجزء السابع: بسم الله الرحمن الرحيم * (سبحانك أنت ولينا من دونهم) * * * (واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا) * * * (يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه) * * * (ومن ضل فإنما يضل عليها) * * * (وما أنا عليكم بوكيل) * * * (وما علينا إلا البلاغ، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) * * * (ليهلك من هلك عن بينة، ويحى من حي عن بينة، ويحذركم الله نفسه وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * * * (هذا كتاب أنزلناه

[ 314 ]

مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) * * * (ولقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون) * * * (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) * * * (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) * * * (إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون، لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية، ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) * * * (الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) *. الأميني مقدمة الجزء الثامن: بسم الله الرحمن الرحيم * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولو الألباب) * * * (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا) * * * (وإذا قيل لهم إتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا) * * * (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس) * * * (ولقد جاءهم من ربهم الهدى) *. * (سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق * الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به * وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم * ما فرطنا في الكتاب من شئ * وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون * يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم * كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا * فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما انكم تنطقون * قل أي وربي إنه لحق وإنا لما سمعنا الهدى آمنا به * ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه * فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه * فماذا بعد الحق إلا الضلال * وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر * وقل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) *. الأميني

[ 315 ]

مقدمة الجزء التاسع: بسم الله الرحمن الرحيم * (سبحانك ما كان لنا أن نتخذ من دونك من أولياء * فالحق والحق أقول * حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق * من الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير * ولدينا كتاب كتاب ينطق بالحق * كتاب مصدق لسانا عربيا * إذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم * وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا * ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون * وليعلم الذين اوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به * فتخبت له قلوبهم * إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولو الألباب) *. * (يا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله * لا اسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى * وما علينا إلا البلاغ المبين * إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * فالحمد لله وسلام على المرسلين) *. الأميني مقدمة الجزء العاشر: بسم الله الرحمن الرحيم * (سبحانك نحن نسبح بحمدك ونقدس لك، وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين) *. * (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم * هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين * قد جئتكم بالحكمة ولابين لكم بعض الذي تختلفون فيه * وإنا لنعلم أن منكم مكذبين * وما تفرق الذين اوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة * خذوا ما آتيناكم بقوة * واتبعوا أحسن ما انزل إليكم من ربكم * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * نحن نقص عليك نبأهم بالحق * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا * واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا

[ 316 ]

فتفشلوا وتذهب ريحكم * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات) * * * (انهم ألفوا آباءهم ضالين * فهم على آثارهم يهرعون * ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين) * * * (يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة، فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) *. الأميني مقدمة الجزء الحادي عشر: بسم الله الرحمن الرحيم حمدا لك يا إله الخلق ! بك أستفتح وبك أستنجح، أنطقني بالهدى، والهمني التقوى، ووفقني للتي هي أزكى، واستعملني بما هو أرضى، واسلك بي الطريقة المثلى، وسيرني في أقرب الطرق للوفود إليك، واجعلني على ولايتك وولاية نبيك نبي الرحمة وعترته الطاهرة المطهرة صلواتك عليهم أجمعين أموت وأحيا، وما توفيقي إلا بك عليك توكلت. الأميني

[ 317 ]

الغدير بين نثر العلماء، ونظم الشعراء لقد ترك الأميني بصمات واضحة وثابتة، وتراثا ضخما لا يزول، وأثرا باقيا مدى العصور، وأبان للأجيال الصاعدة الحقيقة، واسفر عن وجه الواقع، وازال دياجير الظلام، حتى جذب إليه النفوس الحرة الخيرة، وانصاع كل منصف لحديث الغدير، والعهد المعهود في اليوم المشهود، والذي شهده مائة ألف صحابي جليل أو يزيدون في غدير خم، لمبايعة الإمام علي (عليه السلام) أميرا للمؤمنين، وخليفة لرسول رب العالمين. لكن السياسة الزمنية أبت عليه ذلك، وارادت ان تطفئ ذلك النور، وتطمس الحقائق وتضيع معالمه، " لأمر دبر بليل " " ولحاجة في نفس يعقوب " ! ! وبعد أربعة عشر قرنا من الزمن لبى أناس خيرون منصفون لذلك العهد، وأجابوا نداء العلامة الأميني، وتجاوبوا لصداه حينما صدع في موسوعته " واقعة الغدير ". وهذه شذرات مما دبجته يراع أولئك السادة الاجلاء نثرا ونظما في تقريض " الغدير " واطراء مؤلفه، ننشرها بفصها، ونصها، على ما وردت في اجزاء الكتاب. مشفوعة بتقدير شيخنا الاميني، واكباره لاصحابه، اليك نص الكلمة: الشاكري

[ 318 ]

(1) أمل محقق وشكر متواصل: كنا نأمل أن يكون نظر أعلام الامة والاساتذة المثقفين في كتابنا هذا نظرة بسيطة مجردة عن عوامل النقمة، معراة عن تحيزات وانحيازات، ليسهل التفاهم ويتسنى الوقوف على الحقيقة التي هي ضالتنا المنشودة، ويستتبع ذلك الوئام والسلام من أقرب طرقهما، وأوصل الوسائل إليهما، لأني لم أقصد (وشهيدي الله) غير الإصحار بالحق والدعوة إليه. وما قد يحسبه القارئ في البيان فهي (لعمر الله) صراحة في القول، وقوة في الحجة، لا قسوة في الحجاج، وقد عرف ذلك منا شاعر الاهرام أستاذ الأدب وعلم الاجتماع بكلية - البوليس - الملكية بالقاهرة محمد عبد الغني حسن وأعرب عنه بقوله من قصيدة يطري بها الكتاب ويصف مؤلفه: يشتد في سبب الخصومة لهجة * لكن يرق خليقة وطباعا وكذلك العلماء في أخلاقهم * يتباعدون ويلتقون سراعا لقد حقق الله سبحانه هذا الأمل فوجدنا قراءنا الأكارم في ظننا الحسن بهم وحسبت أنهم وجدوني في ظنهم الحسن بي - ولله الحمد - فجاء رجالات الامة حماة البيت الهاشمي الرفيع، وأركان عرشه المعلى وفي مقدمهم فخامة نوري باشا السعيد، وفخامة السيد صالح جبر، ومعالي السيد نجيب الراوي - على ما بلغنا - يدافعون عن الكتاب جلبة كل مغفل غير عارف بنفسيات المؤلف، وما انحنت عليه أضالعه من الصالح العام، فشكرا لهم ثم شكرا. وقد انهالت علينا كلمات الثناء وجمل التقريظ والإطراء من شتى النواحي، وأقاصي البلاد وأدانيها، ومن اناس مختلفين في الآراء والنزعات، ولكن ذلك الخلاف لم يسف بهم إلى هوة العصبية، ولم يزغهم عن المصارحة بالحق، والأخذ بالجامعة الدينية، والتآخي في الله وفي الدين - إنما المؤمنون إخوة - فنحن كما قال شاعر الاهرام المذكور:

[ 319 ]

إنا لتجمعنا العقيدة أمة * ويضمنا دين الهدى أتباعا ويؤلف الإسلام بين قلوبنا * مهما ذهبنا في الهوى أشياعا فمرحى بها من غرائز كريمة، ونوايا حسنة، ونفسيات نزيهة، بعثتهم إلى الألفة، والإخاء، وإن رغمت آناف دجالين يسرون على الامة حسوا في إرتغاء. وقد نشرنا في غير واحد من الأجزاء المتقدمة جملا ذهبية مما وافانا عن الملوك والساسة، والحجج والآيات من العلماء الفطاحل، والأساتذة النبلاء وصاغة الشعر المقدمين، وهناك أناس لم تنشر كلماتهم ولم تذكر أسماؤهم لضيق في نطاق الأجزاء، فها نحن نوعز إليهم مشفوعا ذلك بشكر متواصل وثناء جميل. آية الله سيدنا الحجة السيد محمد الكوهكمري " قم المشرفة ". العلامة الشريف الحجة الحاج السيد جعفر آل بحر العلوم " النجف الاشرف ". صاحب المعالي السيد عبد المهدي المنتفكي " بغداد ". العلامة الحجة الحاج السيد حسن اللواساني " غازية. سوريا ". البحاثة الكبير الاستاذ السيد علي فكري صاحب تآليف قيمة " مصر. القاهرة ". العلامة الشريف السيد محمد سعيد الحكيم " بصرة ". البحاثة الجليل السيد سبط الحسن صاحب تآليف ممتعة " محمود آباد. الهند ". العلامة الشهير السيد علي أكبر البرقعي صاحب تآليف نفيسة " قم المشرفة ". العلامة الشريف السيد محمد علي القاضي الطباطبائي " قم المشرفة ". الأستاذ محمد عبد الغني حسن مؤلف (أعلام من الشرق) " مصر. القاهرة ". الخطيب الشريف السيد صالح السيد عباس الموسوي " بصرة ".

[ 320 ]

الدكتور الشهير مصطفى جواد " بغداد ". العلامة الصالح الشيخ حسن الناصري " النجف الأشرف ". الخطيب المصقع الشيخ كاظم آل نوح مؤلف (محمد والقرآن) " الكاظمية ". الخطيب الأكبر المدره الحاج الشيخ محمد تقي الفلسفي " طهران ". البحاثة الكبير الشيخ سليمان ظاهر عضو المجمع العلمي " عاملة. نبطية ". الأستاذ القدير السيد شمس الدين الخطيب البغدادي " بغداد ". الشريف الفاضل السيد عبد الزهراء السيد حسين الخضري " خضر. العراق ". العلامة الثقة ميرزا محمد علي الچرنداني التبريزي " قم المشرفة ". الأستاذ عبد الحمزة نصر الله فتحي " ديوانية. العراق ". الأميني

[ 321 ]

تقاريظ مراجع الأمة، واعلام الدين السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي خطاب تفضل به سيدنا الشريف الأجل آية الله السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي دام علاه، نشرته يد الدعاية والنشر في عاصمة إيران - طهران - فنحن نذكره تقديرا للناشر وإكبارا لمقام السيد الأسمى وشكرا له. بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد والصلاة على نبيه وآله. من جلية الحقائق الواضحة أن الكتاب القيم - الغدير - الذي جاء به القائد الديني الفذ، والمصلح الكبير، والمعلم الأخلاقي الأوحد، حجة الإسلام الأميني النجفي من أجل ما تتباهى به مدرسة الإسلام الكبرى - النجف الأشرف - كما أنه من مفاخر المسلمين أجمع، فإنه أكبر موسوعة يضم إلى أجزائه علما جما، وأدبا كثيرا، وإحاطة واسعة، وجهودا جبارة، وحقائق ناصعة، وقد انهى فيه إلى الملأ من قومه ما في وسع رجالات العلم والدين من الفضل الكثار، والمقدرة التامة على التنقيب والبحث، والهمة القعساء لإرشاد المجتمع وهداية الامة، وقد يفتقر مثل هذا التأليف الحافل المتنوع إلى لجنة تجمع رجالا من أساتذة العلوم الدينية، ولو لم يكن

[ 322 ]

مؤلفه العلامة الأميني بين ظهرانينا، ولم نر أنه بمفرده قام بهذا العب ء الفادح لكان مجالا لحسبان أن الكتاب أثر جمعية تصدى كل من رجالها لناحية من نواحيه. فيحق على الملأ الديني أن يعرفوا للمؤلف فضله الظاهر، ويده الواجبة المسداة إليهم، وجميله الوافر، وإحسانه البليغ، وأن يعدوا الكاتب والكتاب في الطليعة من مفاخرهم، وأن يقدروا له ما عاناه في سبيل تأليف كتابه الضخم الفخم من متاعب، وما صرفه في ذلك السنن اللاحب من نقود أوقاته الثمينة، فجاء بكتاب مبين لا ريب فيه هدى للمتقين. ولا بدع إن جاء الكتاب نسيج وحده، فإن مؤلفه ذلك العلم المفرد الذي تقصر عن مجاراته الأقران، فإليك من الكتاب سلسلة حقائق ودقائق من الدين والمذهب تنضوي إليها طرف جمة من العلم والأدب. ولئن وقفت على هذه الموسوعة الكريمة تجد نفسك على ساحل عباب متدفق لا ينزف، ولا تنكفئ عنها إلا ومل ء ذاكرتك معارف إلهية، وحشو فاكرتك تعاليم قدسية، وبين عينيك مجالي قوله تعالى: * (الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) *. ولعمر الحق ان في الكتاب دروسا ضافية لكيفية البحث والنقد والإتقان فيهما والمحاكمة التاريخية بين القضايا، وتمييز الصحيح من السقيم في الفقه والتفسير والحديث والرجال، فلا أحسب من المغالاة لو قلت: إنه الحجر الأساسي لهاتيك المعالم كلها، أو أنه المدخل الواسع إلى مدينة العلم والعمل، ولا غرو فالمؤلف في كل كتابه مستمد من باب مدينة العلم أمير المؤمنين الذي يقله مشهد القداسة في النجف الأشرف صلوات الله وسلامه عليه، والغائص في البحر لا يعدم اللآلي الثمينة، فحياه الله وبياه، والسلام عليه وعلى من حذا حذوه، ورحمة الله وبركاته. الأحقر عبد الهادي الحسيني الشيرازي

[ 323 ]

السيد محسن الحكيم خطاب تفضل به سيدنا الشريف المبجل آية الله السيد محسن الحكيم " وانه لأريض للفضل " حياه الله وبياه نذكر نص خطابه شكرا لسماحته واكبارا لمقامه الاسمى. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وبعد: فإن من أعظم ما أنعم به الله جل وعز على هذه الفرقة المحقة والطائفة الحقة أن أتاح لها في كل عصر منها رجالا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن الجهاد في سبيلها والقيام بحقها، والعمل على إعلاء كلمتها، ورفع مقامها، فحققوا حقائقها، وبلغوا رسالتها، وأقاموا الحجة لها على غيرها، كل ذلك بالرغم مما منيت به من أشياء من شأنها أن تحول بينهم وبين ذلك كله لولا العناية الربانية. وإن من فحول هذه الزمرة المجاهدة مؤلف كتاب (الغدير) المحقق الفذ العلامة الأوحد الأميني دام تأييده وتسديده، وقد سرحت النظر في أجزائه المتتابعة فوجدته كما ينبغي أن يصدر من مؤلفه المعظم، وألفيته كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بتوفيق من عزيز عليم، ولقد توفق كل التوفيق في قوة حجته، وشدة عارضته، وروعة اسلوبه، وجمال محاورته. وقد ضم إلى حصافة الرأي جودة السرد، وإلى بداعة المعاني قوة المباني، وتفنن في المواضيع المختلفة فوردها سديدا وصدر عنها قويما. فجدير بالمسلم المثقف الذي يرتاد الحقيقة ويتطلب الأمر الواقع أن يقرأه ويستنير بضؤه، وحقيق بمؤلفه الموفق أن يشكر الله تعالى على توفيقه وعنايته ورعايته، وجزاه الله على عظيم خدمته خير جزاء المحسنين، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. محسن الطباطبائي الحكيم

[ 324 ]

السيد عبد الحسين شرف الدين كتاب تفضل به الشريف المصلح الأكبر آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي، وهو من عرفته الامة فشكرته على أياديه الواجبة، ومساعيه المشكورة، ودأبه المتواصل على الإصلاح والدعوة الإلهية، والنظر في منهاج المسلمين، والتفاني دون الحق المتبع. فحياه الله وجزاه عن امته خيرا. حجة الإسلام العلامة الثبت المجاهد (الاميني) أعزه الله وأعز به. تحية طيبة وسلاما كريما. أشعر أن لك علي واجبا يتجاوز حدود القول في تقريظ (الغدير) موسوعتك النادرة، والثناء عليها بوصفها مجهودا ثقافيا منقطع النظير. فالقول في هذا ونحوه أدنى ما يستقبل به جهادك، وأقل ما يوزن به تتبعك واستيعابك، أما الذي يعطيك كفاء حقك في هذه الموسوعة الفاضلة فتقدير يبلغ الأمة إنك من أبطالها الأقلين، ويدعوها من أجل هذا إلى شد أزرك وإرهافك في سبيلك النير الخير هذا، انصافا للقيم التي توشك أن تضيع فتضيع، ومتى ضاعت وأضاعت فقد خسرت الحياة " مثلها الأعلى " وعادت بعده تافهة لأنها تخلو آنذاك من حق وخير وجمال، أي تخلو مما يحبب الحياة ويرفعها، ويدل عليها أقدارها. موسوعتك (الغدير) في ميزان النقد وحكم الأدب عمل ضخم دون ريب، فهي موسوعة لو اصطلح على إبداعها عدة من العلماء وتوافروا على إتقانها بمثل هذه الإجادة لكان عملهم مجتمعين فيها كبيرا حقا. ولكني ما سقت كلمتي لأقول هذا، وإنما سقتها لاشير إلى هذه الناحية الخطيرة من حياتنا المفككة داعيا إلى التشدد، والإلتفاف حول الحفنة الباقية من رجال الفكر الإسلامي ممن يجيلون أقلامهم في علومنا وآثارنا بفقه وحب. فليس شئ عندي أخطر على هذا الفكر الولود من التفرق عن رجاله، لأن

[ 325 ]

التفرق عنهم نذير بعقم نتاجه، وقطع حلقاته، فالتفرق عنهم معناه تفريق للحواضر والبواعث التي تتصل بها حياة الحق في طبائع الأشياء وظواهر السنن. وليس أفجع لحضارة الشرق بل لحضارة الإنسان من عقم هذا النتاج وقطع هذه الحلقات. فإذا دعونا إلى موازرتك والوقوف إلى جانبك في شق الطريق بين يدي (غديرك) فإننا ندعو في واقع الأمر إلى خدمة فكرة كلية ترتفع بها شخصية الأمة كاملة، آملين أن يرى المفكرون بك مثلا يشجعهم بحياة الأمة حولك، وحسن تقديرها لك، أن يخدموا الحق الذي خدمته لوجه الحق خالص النية. أقف هنا لأقول: إن قمة (الهرم) في عملك الجاهد القيم إنما هي حبك له حبا يدفعك فيه إلى الأمام في زحمة من العوائق والمثبطات، وهي خصلة في هذا العمل الكبير تعيد إلى الذهن دأب أبطالنا من خدام أهل البيت وناشري علومهم وآثارهم، ذلك الدأب الذي أمتع الحياة بأفضل مبادئ الإنسانية من معارفهم النيرة. أما الجوانب الفنية فقد نسجتها نسج صناع، وهيأت لقلمك القوي فيها عناصر التجويد والإبداع في مادة الكتاب وصورته، وفي أدواتهما المتوفرة على سعة باع، وكثرة اطلاع، وسلامة ذوق، وقوة محاكمة، أمامك، حفظك الله وأعانك. 14 ذو الحجة 1368 عبد الحسين شرف الدين الموسوي

[ 326 ]

الشيخ محمد رضا آل ياسين كتاب مقدس القي إلينا من شيخنا الأكبر آية الله سماحة الشيخ محمد الرضا آل ياسين الكاظمي النجفي دامت أيامه وإفاضاته وإنه: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد الأحد، والصلاة والسلام علي نبيه محمد وآله، صلاة لا يحصيها عدد. كنت أتجافى عن التقريظ لما قد يوافي المطري من المجازفة في الثناء، فيتجاوز المدح حده، ويوقع صاحبه في ورطة المحاباة، لما تحدوه إليه عين الرضا، وما يجري مجراها من عوامل المغالاة، وربما قصر البيان عن القدر اللازم فيكون الإنسان قد بخس حقا من حقوق أخيه المؤمن. لكنني سبرت كتاب " الغدير " ذلك الكتاب المبين الذي لا ريب فيه هدى للمتقين، فوجدت شأوا له بعيدا لا يلحقه البيان، وللقول فيه متسعا تنبو عنه جمل الإطراء، فمهما تشدق القائل فيه وأطنب فهو دون حقيقته، وإن في السكوت عن تقريظ كتاب مثله - يرشد الجاهل، وينبه الغافل، ويهدي الضال، ويميط عن الحقائق الدينية اسدال الشبه، ويوقف الباحث على جلية الحق الواضح، تثبطا عن نصرة الحق، وقعودا عن الواجب، فتصفحته وقرأته فامتلأت نفسي إعجابا وإكبارا له حين الفيت فيه تلك الضالة المنشودة التي كان قد استأثر بها عالم الغيب طوال هذه الحقب المتمادية، فلم يخرجها إلى عالم الشهادة حتى تبرز بها هذا الحبر الأمين، المأمون على الدنيا والدين، الذي جمع الله له إلى قوة الإيمان قوة العلم وقوة البيان، فكان له من تضافر هذه القوى الثلاث قوة لا تثبت أمامها قوة، لشد ما شد بها على أباطيل فصرعها، وعلى أضاليل فقمعها، وعلى مخاريق فمزقها وصدعها. تلك لعمر الله موهبة عظمي لا ينالها إلا ذو حظ عظيم، ومن أجدر بهذه

[ 327 ]

الموهبة من هذا المجاهد الأكبر الذي وقف نفسه لمناصرة الحق ومناجزة الباطل ؟ فما فتئ دائبا ليله ونهاره، مكدودا في سره وجهره حرصا على العمل بواجبه، فبارك الله له فيه كما بارك في جهوده ومساعيه، وحسبه من الكرامة على الله جل شأنه أن ادخر له هذه المكرمة ليفيضها عليه ويجريها على يديه كما تجري المعاجز على أيدي الأنبياء. والسلام عليه أولا وأخيرا ورحمة الله وبركاته. الراجي محمد رضا آل ياسين السيد حسين الحمامي كلمة قدسية تفضل بها سيدنا الحجة آية الله السيد حسين الموسوي الحمامي النجفي دام ظله الوارف، وقد شفعها بخطاب يبدي فيه إعجابه بكتاب " الغدير " ويعرب عن نواياه الحسنة في تقدير آثار الأمة ومآثرها، وإليك نص الخطاب مشفوعا بالشكر المتواصل لسماحة السيد. بسم الله الرحمن الرحيم العلامة الحجة الأميني دام عزه وتأييده. بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: ارسل كتابي إليكم مشفوعا بكلمتي عن موسوعتكم " الغدير " وكنت قبل هذا من زمن ليس بالقريب احاول القيام بغير هذا فقط تجاه مقامك السامي ومنزلتك الرفيعة، تقديرا لخدمتك المشكورة ولكن المرء رهين المقدور، فما استطعت أن أمد باعي بما حاولت، وها أنا أبعث رسالتي إليك وملؤها الاعتذار لتقع منك موقع حسن القبول، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ونرجو من الله عز وجل أن يمد عنايته بكم ويرعاكم بألطافه لا زلتم مؤيدين. الأحقر حسين الموسوي الحمامي

[ 328 ]

ودونك الكلمة نفسها: بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي الحمد لله كما هو أهل للحمد، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وسيد رسله محمد، وعلى آله أئمة الهدى ومصابيح الدجى، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. لا يخفى على من أجال النظر وأمعن التفكير في عالم التأليف والتصنيف، وما يلاقيه ذوو العلم من المجهود على اختلاف مواضيع ما يؤلف، وسعة معرفة المؤلف ونطاق إحاطته بما اوتي من علم وفضل (يجد المنصف من نفسه) أن كتاب " الغدير " هو الجدير بالذكر والإطراء، والتقريض والثناء وانه المفرد في بابه، والوحيد في موضوعه، فكم من حقائق اسدل عليها ستار الشبه، وسترتها يد الأهواء، وأخفتها كف طالما سترت الحق طي أناملها، وزوته في بطون كتبها، فراح الحق رهين أهواء وسلطة، فجاء " الغدير " من بعد حين يميط عنها غياهب الظلم، ويكشف دون وجهها حجاب التدجيل، فأسفر الحق عن محضه، وأصحر النور لذي عينين كالشمس في رائعة النهار، فلله در كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأقول والحق يقال: إن من سبر هذا السفر الميمون والكتاب الجليل وأحاط بما اودع فيه من غزارة العلم، ومتانة التعبير وحسن الاسلوب، ورصانة البيان، وسعة التنقيب، وطول الباع، وكثرة الاطلاع يكاد يذهب إلى ما قاله البعض في حق الكتاب: إنه عمل ومجهود لا تقوم بأعباء ثقله إلا امة وجماعة قد نهض به عالم وحده. والله يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا. ولا أسهب في القول إن وصفته بهذا فحسب، وأجدني غير موف لحق المقام، غير أن الظروف لا تسع للاعراب عن كل ما يراد، وإن مؤلفنا الثقة فقيه المؤرخين ومؤرخ الفقهاء العلامة " الأميني " دام عزه ومجده وتأييده وتسديده هو من اولئك

[ 329 ]

الذين وقفوا حياتهم الثمينة وأرخصوا أوقاتهم الغالية لتشييد الدين وإعلاء كلمة الحق والجهاد في سبيل الشريعة المقدسة والصراط المستقيم والمنهج المهيع * (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) *. ونحن في الوقت الذي ندعو للمؤلف الأمين بالتأييد والتسديد، نطلب من الله تعالى شأنه من فضله وعنايته بهذه الأمة الإسلامية المحمدية والفرقة الناجية العلويه أن يكثر فيها أمثاله من الأعلام وحملة العلم والأقلام ورجالات الفضيلة، وأن يتقبل هذا المجهود العظيم منه بعين لطفه وأن يرعاه بالقبول، وأن يجمع به شمل الامة وشتات الفرقة. ومن أراد الحق وطلب سبيل الرشاد واستضاء بنور الهداية فلديه كتاب " الغدير " كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون. وفق الله الجميع لمراضيه إنه ولي التوفيق، والسلام على جميع المؤمنين ورحمة الله وبركاته. 6 / 6 / 1370 الأحقر حسين الموسوي الحمامي السيد صدر الدين الصدر كتاب كريم تفضل به سيدنا الشريف الأجل العلم الحجة آية الله سماحة الحاج السيد صدر الدين الصدر نزيل قم المشرفة ودفينها قدس الله سره ونور مضجعه. 24 ربيع الثاني 1372. بسم الله الرحمن الرحيم شيخنا الإمام العلامة فضيلة الأستاذ حضرة الحاج الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي، أدام الباري على مفارق المسلمين ظلاله، وكثر بين العلماء والأفاضل أمثاله.

[ 330 ]

أعرض لديه بعد السلام عليه: أخذت كتاب " الغدير " الجزء الأول من الطبعة الثانية، وكانت الأولى بالتقدير بعد الطبعة الأولى في النجف الأشرف، وكنت أود أن أكتب حول هذا السفر الكريم كلمة تعرب عن مبلغ ارتياحي به، ومكانته عندي، ولكنما عاقتني عوارض حالت بيني وبين امنيتي، أما الآن فقد آن أن اقدم كلمة مما لدي إلى تلك الحضرة معتذرا من التأخير. تلقيت ذلك الكتاب القيم بيد الشوق والاعجاب، فرأيته والحق يقال ما خضت بحرا إلا وأخرجت منه أبهى اللؤلؤ والمرجان، ولا جلت في مضمار إلا ولك السبق والرهان، إن بحثت عن موضوع جئت بما هو الحق والصواب، وإن أفضت في مورد ارشدت إلى الحقيقة في كل باب. كتاب " الغدير " جمع بين التتبع الوافي، والضبط والتثبت في النقل، وحسن النقد، واصالة الرأي، وقل ما اجتمعت هذه الخلال في كتاب، وإن أضفت إليها خامسة وهي: جودة السرد وحسن البيان رأيته بين أترابه كأنه علم في رأسه نار. كتاب " الغدير " دائرة معارف إسلامية تجد فيها أنواعا من الفضائل والمعارف مما خلت عنه زبر الأولين، ولا غرو فإن مؤلفه الإمام العلامة أحد مفاخر الطائفة، وحسنة من حسنات عاصمة العلم والدين " النجف الأشرف ". النجف الأشرف، وما أدراك ما النجف الأشرف ؟ مدرسة جامعة كبرى في دنيا الإسلام منذ ألف سنة تقريبا، لصاحبها وحامي حماها مولانا أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب (عليه السلام) باب مدينة العلم الإلهي، ومولانا المؤلف من أعلام متخرجيها. فلا بدع إن قلت: إن كتاب " الغدير " هو الرسالة النهائية التي يكتبها التلميذ عند انتهاء دراسته، أو اطروحة نال بها صاحبها الشهادة العالية بين خريجيها، وبالنظر إلى من اسست تحت عنايته هذه الكلية الكبرى عليه أفضل الصلاة والسلام، جعل المؤلف موضوع كتابه المقدس " حديث الغدير " على قائله والمقول فيه أزكى الصلوات والتسليمات ما كر الجديدان واختلف الملوان. وفق الله مؤلفه وإيانا لخير الدارين وسعادة النشأتين والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. قم المشرفة - السيد صدر الدين الصدر

[ 331 ]

إنا لله وإنا إليه راجعون ما كنا نحسب ان الدهر يلم بسروات المجد، وقادة الإصلاح، وصروح العلم، ومناجم التقوى، فيسير وراءها سيرا حثيثا يهدم هذا ويقلع ذاك، ويذر الملأ الإسلامي حلف الويل والثبور، وخدن الكآبة والثكل، حتى أوقفنا القدر الجاري على مصارع غير واحد من زعماء المذهب المؤثرين في الفكرة الدينية الصالحة، المتبوئين في مستوى التهذيب والثقافة الإسلامية الراقية، وأخيرهم سيدنا آية الله الشريف الأجل الصدر صاحب هذا التقريض، فرأينا لزاما أن نجدد ذكره الخالد بهذه الكلمات القصيرة تقديرا لموقفه العظيم الشامخ من العلم والدين، ونرجئ تفصيل ترجمته إلى محله من شعراء القرن الرابع عشر، توفي قدس الله سره، يوم العشرين من شهر ربيع الأول سنة 1373 ولا حول ولا قوة إلا بالله. الأميني الشيخ مرتضى آل ياسين خطاب تلقيناه من لدن شيخنا العلم العلامة الأوحد حجة الإسلام والمسلمين الشيخ مرتضى آل ياسين الكاظمي النجفي ادام الله أيام افاضاته. بسم الله الرحمن الرحيم أيها العلامة النحرير، والبحاثة الكبير. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته وتحياته. وبعد: فلئن وجد بين قرائك الأكرمين من وافاه التوفيق فاستطاع أن يعبر لك عن شعوره تجاه كتابك الأغر الموسوم ب‍ " الغدير " فإني من اولئك القراء الذين لا محيد لهم عن الاعتراف بعجزهم عن إبداء شعورهم تجاه هذا الكتاب رغم

[ 332 ]

حرصهم على إبدائه كأفضل ما يمكن أن يبدو شعور من شاعر، وليس ذاك لاستعصاء البيان عليهم فيما يريدون، وإنما لطغيان شعورهم طغيانا تجاوز في مداه مستوى البيان، فلم يعد في مقدور أحدهم أن يضبط شعوره في حدود هذه السطور مهما ذهب بعيدا أو إلى أبعد الحدود، وكم قرأت للسادة المقرضين من كلمات قيمات حول كتابك الكريم، فشكرت لهم في نفسي انصياعهم إلى تقديره جهد ما يستطيعه قلم التقدير، غير أن شيئا من تلك الكلمات المشكورة - على ما تميز بعضها من سمو المعنى المقرون بسمو الذات - لم يجار شعوري الطاغي تجاه الكاتب إلا في قليل من كثير، ولم يواكبه إلا إلى الحد الأدنى من تلك المسافات البعيدة المترامية التي لابد من قطعها قبل الوصول إلى الغاية المتوخاة، لذلك فقد رأيت غير متردد أن من الأفضل في هذا المجال تجميد البيان إلا من الاعتراف بالعجز عن البيان، وأي غضاضة في هذا الاعتراف وهو لا يعدو في واقعة أن يكون اعترافا بالعجز عن الإتيان بالمعجز، وهل استطاع الإتيان بالمعجز غير الأنبياء من الناس أو نفر ممن اصطنعهم الله لدينه ؟ فأظهر آيته على أيديهم دون أن يجعلهم من الأنبياء، كما أظهر هذا الكتاب علي يديك ليجعله آيتك الخالدة على مر الأعصار والدهور، وحقا إنه لآيتك الخالدة التي ستظل رمزا على عبقريتك الفذة ونبوغك الباهر كلما تصفحت الأجيال من كتابك الأغر صفحاته الغراء، واستجلت من خلال سطوره النيرة أياديك البيضاء، وتبينت من ثنايا جهوده الجبارة مبلغ عنائك في سبيل الحق الذي ثرت لنصرته كما يثور الفارس المغوار، والبطل الكرار، حين يثور للذب عن حرمته، والذود عن كرامته. فهنيئا لك هذا الفوز العظيم الذي جعل منك بطلا من أبطال المؤمنين، ونصيرا من أنصار هذا الدين، وأسأل الله تعالى بأحب خلقه إليه وأعزهم لديه أن يمدك بالعناية حتى النهاية، وأن يتعاهدك بالتوفيق إلى منتهى الطريق، فإنه ولي ذلك كله، وما هو عن لطفه تعالى ببعيد، والسلام عليكم أولا وأخيرا ورحمة الله وبركاته. 24 شهر رمضان 1371 مرتضى آل ياسين

[ 333 ]

المرتضى شيخنا المرتضى صاحب التقريظ هو شقيق العلمين الحجتين آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين الأنف ذكره الطيب الخالد في مفتتح الجزء الثامن، ولد (قدس سره) سنة 1297 وتوفي في 28 رجب سنة 1370، أرخ وفاته الخطيب الشهير الشيخ محمد علي اليعقوبي النجفي بقوله: رزية الدين حلت في أبي حسن * فأبنته رجال العلم والدين ام الكتاب وياسين بكت جزعا * أرخ ليوم الرضا من آل ياسين والشيخ راضي آل ياسين صاحب الكتاب القيم " صلح الحسن " الجامع لحقائق ودقايق دينية علمية تاريخية، يعرب عن مبلغ مؤلفه من العلم، وتضلعه من الفضائل وتقدمه في مضمار البيان، وبراعته في التأليف، ونبوغه في الأدب، ولد طيب الله مضجعه سنة 1314، وتوفي أواسط ذي القعدة سنة 1372. السيد محمد بن السيد مهدي الشيرازي رسالة أتتنا من العلامة الثقة المفضل السيد محمد نجل الشريف الأجل آية الله سماحة السيد مهدي الحسيني الشيرازي، سلام الله على والد وما ولد. بسم الله الرحمن الرحيم * (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) * لم افتأ تجيش نفسي بأن أكتب شكري وخالص ودادي إلى شيخي العلامة المفضال الحجة المجاهد نابغة العصر " الأميني " الأمين أعز الله به المسلمين، رافعا إليه آيات الإطراء والثناء المتواصل، فعاقني عن البدار إلى ذلك علمي بالقصور عن أداء تلك الوظيفة تلقاء بطل العلم والفضيلة.

[ 334 ]

لا يدرك الواصف المطري خصايصه * وإن يكن سابقا في كل ما وصفا لكن حداني إلى ذلك ثقتي بجميل لطفه، وكريم أخلاقه، وها أنا ذا اعالج يراعي بكل حيلة لعله يسعفني بحاجتي، واكثر استمدادي من فكرتي، فلا أراده يغني عني ويعرب عما في خلدي - رغم شوقي إليه تجاه ذلك الحبر العلم الأوحد. سيدي ! لقد سبرت سفرك الكريم القيم - الذي كلما نجم منه جزء هفت إليه القلوب، وحنت إليه الأفئدة، وانشرحت له الصدور بشوق فادح ورغبة لا يدرك مداها فيتلقى بابتهاج وارتياح - فألفيته فذا في بابه في جودة السرد، ورصافة البيان، حسن السبك، بديع الموضوع، غزير العلم الناجع، رائع الاسلوب، فائق النظام، خاليا عن التعقيد والابهام، عليه رشاش الحق، ومظاهر الصدق، أعلامه قائمة، وآياته واضحة، ومعالمه لائحة، قوي الحجة، سديد المحجة، فهو للطائفة الحق برهان الحجاج، وسناد النضال، وسلم الرقي، ووسام التقدم، وصحيفة الشرف، جئت فيه بمحكم الآيات وقيم البينات، فشدت به في العالم الإسلامي حضارة لها المكانة والخلود ما دامت السماوات والأرض، تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها، لله در يراعك الثبت درت حلوبته، ولله بلاءك في نزالك في ميادين الحق، ومناهج الرشاد، وسبل الدين الحنيف، فقد أوضحت الطريق المهيع، وأستأصلت اصول الباطل، وقطعت جزازته، وأفضحت احدوثة أهله، ووطئت صماخهم، وكذبت أنباءهم، ولا غرو من ذلك وأنت أنت، قطنت في الوادي المقدس، وعكفت على باب مدينة العلم علم الرسول الأسمى (صلى الله عليه وآله وسلم) تغدو إليه وتروح، وتستقي من منهل العلم الفضفاض النمير الذي تطفح به ضفتاه، ولا يترنق جانباه، ولا بدع ممن ضرب مراعف الخلق حتى قالوا: لا إله إلا الله، محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول الله أن يربي في مدرسته الكبرى وكليته العالمية وجامعه الأزهر من يجاهد بيراعه وشيظ النفاق حتى يشهدوا بأن عليا أمير المؤمنين ولي الله، ولا عجب ممن كان يحامي عن حرم المسلمين أن ينصب في ثغور حصنه المنيع مرابطا يناضل أهل الباطل، ويقيظ لحبالهم وعصيهم التي يخيل إليهم من سحرهم أنها تسعى من يلقف

[ 335 ]

ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى. فلله درك يا شيخنا الأجل ! وعليه جزيل أجرك، وليس ما أبدعته من الكتاب المقدس مقصورا على الدفاع عن النبي الأقدس وأهل بيت الرسالة ومهبط الوحي الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، بل دائرة معارف كبرى تحتوي علما جما وحقائق ناصعة، ودقائق ورقائق، وأدبا موصوفا، وهو موسوعة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وكان المجتمع الديني في حاجة ماسة إلى هذا الكتاب الناطق بالحق في هذا القرن المطبق جهلا وضلالا. لا زلت مؤيدا بروح القدس، داعيا إلى الصلاح، سراجا منيرا للامة المسلمة، فقد طبت نفسا وقلما، وخدمت الإسلام والمسلمين، وفقت وفاق كتابك العزيز على ماضي الكتب وحاضرها، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. غره جمادي الثانية 1373 كربلاء محمد بن مهدي الحسيني الشيرازي السيد حسين الموسوي الهندي رسالة قيمة أتتنا من العلوي الشريف العلامة السيد حسين الموسوي الهندي نزيل " خرنابات " مؤلف " الإسلام مبدأ وعقيدة " اقدم له جزيل شكري معجبا بتأليفه القيم. بسم الله الرحمن الرحيم فضيلة البحاثة المدقق والثبت المتتبع حجة الإسلام الاستاذ الكبير شيخنا الشيخ عبد الحسين الأميني دامت بركاته. سلام الله ورحمته وبركاته عليكم.

[ 336 ]

أبعث إليكم رسالة بعجز مرسلها ناطقة، وبعفوكم وقبولكم عارفة، وبفيض فضلكم مغمورة، دمتم للمؤمنين ذخرا وللمسلمين فخرا، فأريج المسك يعبق من نفحات همتكم الفياضة بالعمل النافع، وديم الفضل تغدق من سماء مجدكم الشامخ بالعلم الوفير، وضياء بدر عزيمتكم يسطع من غرر أعمالكم الخالدة، وينير في جنبات العلم بأنوار تعاليمكم ونجوم مؤلفاتكم المتألقة في آفاق الدنيا المدلهمة، هي مما جاد به يراعكم وأفاض به فكركم، كللتم تاج العصر الحاضر بما أتحفتموه من درر بيانكم وجواهر كلامكم، لا سيما في " الغدير " الذي أروى الغليل وأشفى العليل، فإنه آيات تنزل من وحي الضمير الصادق على الصدر الرحيب، وبينات من الهدى والفرقان، مقتبسات من أحاديث النبي الأمين، ومستقاة من نهج بلاغة أمير المؤمنين، وإنه آيات تصك المسامع بالحجج، وتأخذ بالمسلمين إلى الصراط السوي، وهي بنفسها حصون منيعة لسور الإيمان، وأسلاك شائكة على حمى الولاية تمنع عنها العدوان وترد الأيدي الأثيمة، فكم للمسلمين من ثغر سددتموه بمدادكم وحرستموه بعيون مؤلفكم ؟ فللغدير فصول من الثناء، وللمحاسبات التاريخية فيه أبواب من المدح سجلها لكم التاريخ بمداد البقاء على ألواح الخلود، وللردود بنود من الإطراء تتصل بالأجيال اتصال معقب لما يكتب أو يقال. وإنه لعمر الحق موسوعة جماعة كشمس ذات إشعاع متموج قرت فيها عيون، وأرمصت منها اخرى، أو هي كفواكه ذوات طعوم متنوعة وروائح شتى مما لذ وطاب، وإنها لآية الإبداع في العمل، ومعجزة الزمن الحاضر التي رفعت كلمة المستحيل من قاموس العاملين، والتي لا يحلم بها مسلم عامل ولا يفكر فيها مؤمن صفر الكف من وضر الدنيا والمساعدين، فأقدمتم والعزيمة تحفز همتكم والتصميم يوكلكم، فكانت كأحسن ما تكون موسوعة اشتركت في مواضيعها جمعية جزأتها حسب الاختصاص والكفاءات، وبرزت تبعث في القلوب بهجة وروعة، وترسل إلى الأرواح متعا وغذاء، وتوصل النفوس من كشف الغيوب إلى عالم الشهادة والسعادة، فحيا الله جدكم الذي لم يخر

[ 337 ]

أمام مشاكل ملتوية، ومرحا لسعيكم المشكور الذي لم يثنه شئ من مهمات الامور، فأمد الله إلى قوتكم قوة، وأعانكم منه على عملكم الدائب المستمر، وأخذ بناصركم إنه سميع مجيب، هذه تذكرة وذكرى، تذكرة للعاملين وذكرى لمقامكم الرفيع وقوة جهادكم لمناصرة الدين. فالحق على المؤمنين أن يفتخروا برجلهم الفذ، وواحدهم الذي غالب آحادا ممن دوخوا التاريخ بالصيت وملؤا الكتب بالشهرة، والواجب عليهم أن يقرنوا الشكر له بالدعاء في دوام البقاء، ويأخذوا بهدى آل البيت النبوي الطاهر من حامل علومهم المناضل المجاهد العالم العامل، فهو ممن منحه الله ملكة الايحاء إلى القلوب النقية، وأمكنه من إفهام الطبقات الراقية من أهل الثقافات العالية بما يزيل به عنهم درن صدورهم، ويزيح عنهم وساوس شكوكهم بالحقائق الراهنة والصراحة المحببة. فيا أيها المولى الجليل ! تحية المتفاني بالإخلاص إليكم، وسلام المغمور بفيض فضلكم، وثناء المتربع على مائدة علمكم التي دعوتم إليها القريب والبعيد. إني اجل مقامكم السامي عن المدح والثناء، لأني عي وحصور فلا أفي ببعض الواجب، ولكني سايرت القلم الملهم من يراعكم لما رأيته يحنو لعظمتكم ويهمس من هيبتكم، فليكن الرضا منكم شفيعا بالقبول، والصدر منكم رحيبا للتقصير أو القصور، ولكم الفضل أولا ويعود إليكم آخرا كما كان بولائكم متصلا. حسين الموسوي الهندي " خرنابات " 28 محرم الحرام 1371

[ 338 ]

الشيخ قلي الكابلي كتاب أتانا من شيخنا العلم الأوحد حجة الإسلام مولانا الشيخ حيدر قلي الشهير بسردار الكابلي قطين كرمانشاه صاحب التآليف الضخمة الفخمة القيمة حياه الله وبياه ذخرا للملأ العلمي، وشكرا له وألف شكر، وإليك نصه: يتشرف بتقبيل أنامل العلامة البحاثة الفهامة حجة الاسلام والمسلمين عماد المؤمنين مولانا المبرأ من كل شين الشيخ عبد الحسين الأميني دامت بركاته. بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إنني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، واصلي واسلم على سيد رسله وأشرف أنبيائه، وعلى وصيه بالصدق وخليفته بالحق، الذي نصبه يوم الغدير علما لعباده ومنارا في بلاده، وعلى بنيه الأئمة الهداة والأوصياء الولاة من بعده، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأوصيائهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة صلى الله عليهم وسلم. أما بعد: فقد أتاني رسول من عندك بغالية فيها حياة القلوب وشفاء النفوس، ألا وهي كتاب " الغدير " فرأيته بحرا متلاطما تياره، متراكما زخاره، لولا أنه سفينة مشحونة بجواهر الحقائق العوالي ولآلي الأسرار الغوالي، غير أنه شمس أشرقت من افق الغري فأضاءت الدنيا بنورها الأبهج، وأماطت غياهب الشبهات بضيائه الأبلج، بيد أنه دائرة المعارف الإلهية وسفط من العلوم الربانية، لولا أنه روضة من رياض القدس فيها ما تلذ به العين وتشتهيه النفس، فترى طيورها شادية على أفنانها، وحمامها مغردة على أغصانها بأنواع الألحان المطربة،

[ 339 ]

فتجذب القلوب الصافية والنفوس الزاكية باسلوبه المقنع، وبلاغته الواضحة، وحجته اللائحة، وديباجته المشرقة، وبراعته المعرقة، ومنطقه السديد، وبحثه المفيد، وتعبيره اللائق، وتجرده الصادق، وجهده الكبير، وعنائه الكثير ! ! ! فشكرا للعلامة " الأميني " وألف شكر. وثناء على جهده وجهاده وألف ثناء.. ومرحى لآثاره العلمية النافعة، وجزاه الله عن الإسلام ونبيه وعترة نبيه أحسن الجزاء. وليأذن لي علامتنا " الأميني " أن اسجل لديه بهذه المناسبة شكرا خاصا لمن شرفني بالتعرف على شخصية مؤلف " الغدير " الفذة، وإيمانه الراسخ، وعقيدته الصافية، وأخلاقه السمحة، ومقاصده النبيلة، ونصرته للحق وأهله بروحه وماله، ولسانه ويده، ونفسه ونفيسه، وعلمه وعمله، نسأل الله له التوفيق والتأييد والفلاح والنجاح. وليعلم مولانا " الأميني " أني عامل على الاستقاء من آثاره لأنشرها، ومن آدابه لأبثها، ومن معارفه لاذيعها في المدرسة تارة، وفي المجتمع طورا، ومن على منبر الخطابة تارة اخرى... الخ. مخلصكم في الوداد حيدر قلي الكابلي - عفي عنه السيد محمد بن العلامة السيد علي نقي الحيدري الكاظمي كتاب تلقيناه من الأستاذ الفذ السيد محمد نجل العلامة الأوحد السيد علي نقي الحيدري الكاظمي أحد علماء العاصمة العراقية - بغداد - وأئمتها، ننشره مشفوعا بشكر وتقدير. بسم الله الرحمن الرحيم سماحة العلامة الفذ والحجة المصلح الشيخ عبد الحسين الأميني دامت بركاته. السلام عليك ورحمة الله وبركاته.

[ 340 ]

وبعد: فإني اقدم لكم أطيب التهاني وأسناها على نجاحكم الباهر بإخراج كتاب (الغدير) مثلا رائعا للتأليف النزيه والتحليل الدقيق، وصورة ناطقة عن عبقرية المؤلف، وسعة اطلاعه، وكثرة تحقيقاته مما يقف لها المطالع إجلالا وإكبارا. ويعلم الله أنني كلما اكرر مطالعتي له ازداد إعجابا بجهود المؤلف الجبارة في إخراج هذا الأثر النفيس. وان القارئ ليستغرب أشد الاستغراب حينما يقلب صحائفه ويتعمق في مطالعته فهو - في أول نظرة - لا يعرف عن الكتاب إلا أنه مؤلف يبحث عن حديث الغدير كتابا وسنة وأدبا. ولكن سرعان ما تتغير نظرته للكتاب عندما يجول بين فصوله ومواضيعه، فلا يخرج منه إلا وهو قد حصل على قسط وافر من العلم والدين والأدب والأخلاق. وإذا به ليس في الغدير فحسب، بل هو موسوعة علمية كبرى، ودائرة معارف واسعة حافلة بالتحليل الدقيق، والاستنتاج الصحيح، والتحقيقات الثمينة حول يوم " الغدير " الخالد وغيره من الحقائق التي شاءت الظروف أن تخفيها عن الملأ والتي كانت ولا تزال خلف الستار لا تدركها الأبصار. فهو - إذا - ليس في موضوع خاص، بل فيه كل ما يهم الأمة الإسلامية من إحياء تراثها القديم والإشادة بمجدها الغابر، وإعلاء كلمة الحق ونشر راية القرآن، والتنقيب عما سجل التاريخ لهذه الأمة من مفاخر ومآثر كان لها أطيب الأثر في تقدم الأمم وتهذيب العقول. وحقا أنه كما قلت: كتاب علمي، فني، تاريخي، أدبي، أخلاقي، مبتكر في موضوعه، فريد في بابه، يبحث عن حديث الغدير كتابا وسنة وأدبا، ويتضمن تراجم امة كبيرة من رجالات العلم والدين والأدب من الذين نظموا هذه الآثار من العلم وغيرهم. وإني أزيد على ما تقول: بأنه خير كتاب أخرجته يد النجف الأشرف منذ حين من الدهر، مع كثرة ما أخرجته من المؤلفات الثمينة في مختلف المواضيع. وإن القارئ ليجد نفسه - عند مطالعته - في حديقة زاهرة فيها من كل

[ 341 ]

الثمرات وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. وإني أرى أن من الظلم الفاحش على العلم ومن الجناية على الحقيقة أن يخرج هذا الكتاب القيم بهذا الشكل، ولا يبادر رجال المسلمين الأغنياء إلى طبعه بالمطابع الراقية ليكون اية في الطبع والتنسيق كما هو آية في المادة والتحقيق. وكم كنت أود أن أقوم بما يجب علي وعلى كل مسلم من التقريظ والثناء منذ أول صدوره، إلا أن ما قام به الملوك والعلماء والأساتذة من الإطراء على الكتاب وعلى جهود المؤلف المشكورة مما جعلني في غنى عن المبادرة إلى إبداء شعوري نحو هذه الخدمة الجبارة والجهاد المتواصل في سبيل إحقاق الحق وإزهاق الباطل. ولكن ما إن أطل علينا الجزء الرابع وتمكنت من مطالعته مطالعة وافية حتى صرت لا أستطيع إخفاء ما يختلج في ضميري من الاعجاب والإكبار للمؤلف والمؤلف، فعذرا يا سيدي وألف عذر. ولا يسعني إلا أن اقدم تهاني القلبية على هذا التوفيق العظيم، سائلا المولى سبحانه أن يبقيكم علما للدين ورمزا للحق، ومفخرة للإسلام، وإني ابشرك بأن هذا الكتاب سوف يهدي - إنشاء الله - ثله من الناس إلى الطريق السوي، ويكشف الغطاء عن الحقائق الغامضة، ويظهر للملأ أن الحق يعلو ولا يعلى عليه. وتفضلوا بقبول فائق الإحترام 23 / ربيع الثاني / 1367 الكاظمية: محمد علي نقي الحيدري السيد محمد علي القاضي صحيفة بيضاء تلقيناها من الشريف الأوحد، العلامة الحجة السيد ميرزا محمد علي القاضي الطباطبائي، لا زال مقباسا للعلم والأدب، ونبراسا للفضيلة والحسب. بسم الله خير الأسماء سماحة علامتنا الأكبر مفخرة الطائفة، حجه الإسلام والمسلمين، آية الله

[ 342 ]

الشيخ عبد الحسين الأميني المحترم، أدام الله ظله الوارف على رؤوس المسلمين. أمامي الجزء العاشر من الأثر الخالد " الغدير " الطبعة الثانية - ذلك الكتاب القيم الذي جاءت به يراعة شيخنا العلامة، ولم يؤلف نظيره في الإسلام حتى اليوم - وبعد ما لفت نظري إليه وسبرته بنظرة التقدير والإعجاب، اندفعت اندفاعا لا يشوبه سوى حب الحق وأهله، وإكبار حماة الدين وذادته، ولا يحدوني إليه إلا أداء الواجب الديني بأن أرفع إلى سماحتكم كلمتي هذه التي تعرب عن مبلغ ابتهاجي به، وعن بعض ما يكنه ضميري ويطويه مكنوني، من إبداء شعوري تجاه هذا الكتاب الكريم، مع اعترافي بعجزي عن أداء قليل من الشكر المحتم، غير أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، فعملا بقاعدة الميسور اقدم إلى سماحتكم نزرا مما يعرب عن شعوري تجاه هذا الجهاد الدائب والنضال المتواصل مع علم متدفق، وفكر صائب، ورأي حصيف، وبيان رصين، واسلوب رائع، ونظام فائق، وحجة قوية، وأدلة قويمة، وآيات واضحة، وحجج دامغة، وبراهين مفحمة، وثقافة عالية، ونزعة دينية بنقد نزيه، وسرد معجز وتضلع من العلم. وإنما تخط بيمينك عن ولاء خالص لأهل البيت الطاهر الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأوجب مودتهم على الناس جمعاء، وجعلها أجر الرسالة الخاتمة. تخط وتؤلف مجاهرا بالدليل المقنع، صادعا بالحق الصراح، ولكن قوة الحجة، وجرأة الجنان، ورباطة الجأش، وسداد القول، ويد ناصعة في دحض الباطل، وإدحاض الشبهات، وإعلاء كلمة الحق. لقد اتحفتم الامه المسلمة، والملأ العلمي المذهبي بهذه الصفحات الغراء، والسطور النيرة، والكلمة الجامعة، مع تأليف الأمة والدعوة إلى توحيد صفوفها بالتمسك بحبل ولاء العترة، والعروة الوثقى التي لا انفصام لها، ولا تأخذكم في الله لومة لائم. وقد أظهرتم في هذا الجزء الممتع مخازي ابن اكلة الأكباد، عدو الإسلام ومبغضه، الذي عادت الخلافة الإسلامية بيده الأثيمة ملكا عضوضا، قيصرية

[ 343 ]

وكسروية، وكشفتم الستر عن خبيئة جرائمه، وأبنتم ما في صحيفة تاريخه السوداء من ضلال وبدع وأحداث وجرائر وموبقات، وأيم الله ما فشل الإسلام إلا برياسته، وما راج الجور والعدوان إلا بإمارته، وما ذلت رقاب الامة الصالحة إلا بسلطته، وما انكفأ الدين إلا بهذا الماجن المهتوك، رجل البدع والأهواء. لقد أوضحتم سفاسف الرجل وبوائقه ونفاقه وتهاونه بأمر الله ونهيه، واحتقاره نواميس الدين وشرائعه وطقوسه وتعاليمه، وخدمتم أي خدمة لأهل بيت النبوه بالدفاع عنهم، والذب عن ناموسهم، وإفضاح عدوهم النابذ كتاب الله وراء ظهره، قاتل جدي الأعلى الإمام الزكي المجتبى ريحانة الرسول وسبطه المفدى، ولكم الحق العظيم على الأمه عامه وعلى البيت الحسني - وأنا من أبنائه - خاصة، جزاكم الله عن النبي وأهله خيرا. وأنى لنا - يا شيخنا الأجل ! - أداء حق هذه الموسوعة الكريمة ؟ وهي من حسنات جامعة العلم والدين الكبرى - النجف الأشرف - وقد صدرت بعناية صاحبها الأعظم وحامي حماها مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا غرو إذن أيها العلامة الكبير أني منذ أن تلقيت مجلدات هذا الكتاب القيم، وسبرت صفحاته بتفكير وإمعان، ما عثرت على اشتباه أو سهو طفيف في سرد التاريخ والشعر والترجمة والأثر، وهذا أمر لا يستهان به، وقلما يتفق هذا في الكتب - الضخمة - المشتملة على عده مجلدات، وليس ذلك إلا بتأييد وعناية خاصة من الله تعالى بكم في هذا العمل البار الناجع، وقد عرفكم من عرفكم بهما، حفظكم الله علما للعلم والدين، وأحيا بكم الإسلام والمسلمين. 15 شعبان 1375 محمد علي القاضي الطباطبائي

[ 344 ]

السيد علي الفاني كتاب كريم تفضل به الشريف العلامة الحجة حسنة الوقت، ومفخرة علماء العصر، السيد علي الفاني الإصفهاني، أحد أساتذة النجف الأشرف الفطاحل، دام فضله ومعاليه. بسم الله الرحمن الرحيم شيخنا العلامة المجاهد الكبير الحجه الأميني دام بقاؤه. وبعد: فإن من أجلى ما تسالمت عليه العقول السليمة، ان لله تعالى حججا بالغة على خلقه في معارفة وأحكامه، كي لا يكون للناس على الله حجة بعدها، وغير خفي على من سبر هذا السفر المبارك الكريم الذي تقله يمناك - بالغدير - من أوضح مصاديق تلكم الحجج، كيف لا ؟ وقد ربيتم في مهد العلم العلوي، ودرستم في مستوى الثقافة الدينية لدى باب مدينة علم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم تزل ابن بجدتها وأبا عذرها، من الله على المسلمين عامة وعلى شيعة آل الله خاصة بأن وفقكم للاحتجاج للحق الصراح، وتفنيد ما لفقته الأقلام المستأجرة والمناطق البذيه مما تضمنته مدونات القوم بين دفتيها في القرون الماضية. وطويتم الكشح عما وصل إليكم وإلينا من سدنة الوحي، ومعادن أهل بيت النبي الطاهر ومقتفي آثارهم، حرصا على الإرشاد الناجع، والحجاج السليم، وتخفظا على الوحدة الإسلاميه، وتجنبا عن إثارة الضغائن، وخدش العواطف. فسبحان من جللكم بتلك الخلعة الإلهية التي اختصصتم بها بين الأعلام الفطاحل، الذين سبقوكم إلى النضال والحجاج دون الحق وبالغوا، وجدوا واجتهدوا، وأتعبوا أنفسهم في البحث والتنقيب، وكافحوا الباطل، وأتموا الحجة وبينوا المحجة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. نعم: لكم يا صاحب (الغدير) الفياض قدم السبق، فهنيئا لمن فاز به،

[ 345 ]

واستقى من منهله، وبوركت لكم هذه الرتبة السامية، والمنحة الراقية الخالدة التي تذكر مع الأبد وتشكر. أضف إلى ما ذكرنا ذلك الجمع الحافل للشوارد المنتشرة في الخبايا والخفايا، وترصيفها بهذا النسق الرائع، والبيان البديع، والنظم المنضد، والأسلوب المنسجم يعرف بذلك كله ما قاسيتم خلال أعوام متمادية دون الاطلاع على تلكم الدروس الراقية والاستدلال بها بوحدتك وانفرادك من دون أي عدة ولا عدد، متوكلا على الله الفرد الصمد، ومتوسلا بحجزة من عكفتم ببابه، مستمدا من قسدية جنابه " مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) ". نسأل الله أن ينصرك وينتصر بك، ويجعل صنيعك هذا علما باهرا ونورا زاهرا لمناهج الحق ومهيع الصراط المستقيم، أخذ المولى سبحانه بيدك، وشد أزرك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 15 شعبان المعظم 1375 الأحقر السيد علي الفاني الإصفهاني الشيخ محمد علي الاوردبادي كلمة قيمة بقلم العلامة الحجة شيخنا ميرزا محمد علي الأوردبادي حياه الله. بسم الله الرحمن الرحيم بين الحقايق والاوهام اللهم لك العظمة والكبرياء، ولك الجلال والجمال والبهاء، والصلاة على صفوة أنيائك وخلفائه أئمة الهدى من أصفيائك. لقد طال الحوار محتدما بين هذين الفريقين، لا بمعنى أن للوهم مثولا أمام الحقيقة، أو أن للزبرجة كيانا يقابل الواقع، لكنها جلبة وصخب من أنصار

[ 346 ]

الأوهام تناطح دعوة الحق، وقحة وصلف من سماسرة الأهواء تطاول هتاف الصلاح، فلم يبرح الحجاج قائما على ساق في قرون متطاولة، غير أن المستشف لنفس الأمر يجد نصب عينه أن للحق دولة وللباطل جولة، وأن عقيرة الجهل وإن علت احيانا فإن نور المعرفة لا يفتأ متبلجا، وعرف الحقائق الراهنة لا يزال متأرجا، فهي بين ألق وعبق تكتسح ظلمات الغي، وفتن الرعونة، وإن طال لصاحب الهلجة تركاضه. نعم: حسب أبناء حزم وتيميه والقيم وكثير وحجر ونظرائهم أن ما سبقوا إليه من القذائف والطامات ستنطلي بين الرجرجة الدهماء، وسوف تكتسي في الأجيال المقبلة رونقا يضعضع أركان المذهب، ذهب على الأغرار أن نوابغ القرون سيقفون لهم بالرمصاد، وأن المستقبل الكشاف بفضل التنقيب من رجالاته لا محالة يكشف عن سوأتهم، فيتجلى للملأ الباحث أنهم لم يردوا برهنة الهدى إلا (كما ردها يوما بسوأته عمرو). وشتان بين علال اقيمت على اسس رصينة وبين ما علي على شفا جرف هار، وهل الفرية تدحر شيئا من الصد ؟ وبالفتاوى المجردة يحاول الحجاج ؟ عبثا حاولوا تشويه سمعة الشيعة بنسب مختلقة، ورد حججهم بشبه تافهة، وفي الأمه بحاثة تميز الشعرة من الشعرة، وتضم الذرة إلى الذرة، وفي القرن الرابع عشر صاعقة عاد أو عذاب واصب، أو أن في عصر النور إعصار فيه نار تذرو ما أنبتوه رمادا. قيض المولى سبحانه للعصر الذهبي بطل النهضة العلمية، بطل الجهاد والحفاظ، بطل التحقيق والتنقيب، والمثل الأعلى من كل فضيلة، وعلم العلم الخفاق، ومنار الهدى العلامة الحجة (الأميني) الأمين، فيمم أمته في يمناه كتابه الضحم الفخم، ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه هدى للمتقين، قائلا بمل ء فمه: هاؤم أقرأوا كتابيه، ففيه البرهنة الصادقة، والحجة الدامغة، وفيه الطريق المهيع، والسبيل الجدد، وفيه حياة الحقائق، وبوار الأوهام، فإن سحب الشبه وإن أطلت

[ 347 ]

على الامة ردحا من الزمن فها أنا قيضت لأقشعها. أراها وإن طالت علينا فإنها * سحابة صيف عن قليل تقشع وإن معاثر التمويه وإن تكدست فإن ذمتي هنة باكتساحها، وكتابي هذا العلم الهادي، وضياء النادي، يوقفكم على مركز الخلافة، ومرتكزا لوائها، ومصب نصوصها، ومنبثق أنوارها، ويلمسكم الحق الصراح، مسفرا عن محياه الوضاء، بعد أن جللته ظلم التمويه. وها أنا ذا اعرف القالة من أين يؤكل الكتف، وكيف يفشل التدجيل، إن الواقف على مجلدات كتاب " الغدير " عن كثب يعلم أن هذا الوصف دون ما فيه، وأن السامع به يحسب لأول وهلة أنه مقصور على موضوعه، لكنه عند ورود منهله العذب يجد فيه البحث والتنقيب حول كثير من براهين الإمامة، والاكتساح لطوائف من الأشواك المتكدسة أمام سير السالكين، ودحض ما هنالك من قوارص تشق العصا، وتفرق الكلمة، والكشف عما وراء الأكمة من نوايا سيئة، ومعاول هدامة، والتنزيه لامته عما ألصقت بها أقلام مستأجرة من شية العار، وشوهت سمعتها سماسرة الأهواء بأساطيرهم المائنة. وهنالك مسائل جمة من فقه وكلام وتفسير وحديث وتاريخ كشف عنها الغطاء بعد تمويه متطاول، وإصفاق عليه متواصل، بعدما تصادمت عليه نزعات وأهواء، واحتدمت إحن وشحناء. ما أسفت كأسفي على عصر الثقافة والتنقيب، عصر النور والتفاهم، هذا العصر الذي تمخضت فيه الحقائق، وظهرت البواطن، وعرفت المغازي، وتمرنت الأحلام، بتحري كل صحيح، وتحكيم الاصول الثابتة، أن يحصل فيه دجالون يقتصون أثر اولئك الماضين الذين نمتهم العصور المظلمة، فطفقوا يعشون في حلك العمى، ويتخبطون في خطيات جهل دامسة، فيعثرون بكل ربوة، ويسفون إلى كل هوة، ولهم قلوب لا يفقهون بها وعيون لا تبصر ضوء الحق، وأسماع لا تصيخ إلى هتافة. وشتان بين هؤلاء واولئك، فإن قضاء الطبيعة كان يلزم من عاصرناه

[ 348 ]

بالتكهرب بمقتضيات الوقت من علم وهدى، لكن الحقد المتضرم أبى للقوم إلا أن يخلدوا إلى حمأة التعصب الشائن، وحسبوا أن لا رقيب ولا محاسب، ولا أن الحفظة الكرام يكتبون ما يتقولون، والله من ورائهم محيط. أو يحسبون أن من يقعون فيه ويتهجمون عليه إحدى الامم البائدة قد أكل عليها الدهر وشرب ؟ فلم يبق من يدافع عن كيانها، أو يناضل عن معتقداتها ويبرزها بجمالها المبهج، وجلالها المرهب، ومحياها الوضاح، وكأنهم في سنة عن العلماء والمؤلفين والبحاثة والمنقبين طيلة الحقب والأعوام، وما لهم من أقلام نزيهة حرة، ونسيج من كلم الحق، موشى بسناء الحقيقة. نعم: لم يزل القوم في غلوائهم تائهين حتى جاءهم سيل " الكتاب الغدير " الأتي، وتيار علمه الجارف، فذهب ما لفقوه جفاء، فليحي مؤلفنا المجاهد الناهض " الأميني " وبياه الله، والحمد لله على إحقاق الحق، وإدحاض معرة الباطل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين. محمد علي الغروي الاوردبادي نظرية كريمة عطف ملكي تفضل به صاحب الجلالة الملك فاروق الأول ملك مصر المحمية يعرب عن الرأي السديد في الوحدة الإسلامية، وتشجيع الدعاة إليها، وان الاراء والمعتقدات في المبادئ والمذاهب حرة لا تفصم عرى الاخوة القويمة التي جاء بها الكتاب الكريم * (انما المؤمنون أخوة) * ولو بلغ الحوار فيها بين اولئك الاخوان اشده، وقام الحجاج والجدال على ساقيهما، جريا على سيرة السلف وفي مقدمهم الصحابة والتابعون لهم باحسان، وكل حزب بما لديهم فرحون. فالمؤلف الإسلامي الحر مشكور سعيه، مقدر بخدمته آخذا بقوله تعالى: * (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) *.

[ 349 ]

نحن المؤلفون في أقطار الدنيا وارجاء العالم الإسلامي على اختلاف آرائنا في المبادئ، وتشتتنا في الفروع، يجمعنا أصل قويم وإيمان بالله ورسوله، تجمعنا روح واحدة ونزعة دينية منزهة عن الأهواء الباطلة، تجمعنا كلمة الإخلاص والتوحيد، كلمة الرقي والتقدم، كلمة الصدق والعدل، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته. نحن المؤلفون نعيش تحت راية الحق، تحت لواء الإسلام، تحت قيادة الكتاب ورسالة النبي العربي الأقدس، تحت قانون المجد والسعادة، نداؤنا: إن الدين عند الله الإسلام. وشعارنا: لا إله إلا الله. محمد رسول الله. ألا نحن حزب الله وحماة دينه، ألا إن حزب الله هم المفلحون. نحن المؤلفون دعاة الإسلام لم نتخذ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة بل نحن حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم، وولي لمن والاهم، وعدو لمن عاداهم، وعلى ذلك نحيا ونموت، وعلى ذلك نبعث حيا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الأميني

[ 350 ]

تقريض الملوك والرؤساء الملك فاروق " ملك مصر " السكرتارية الخاصة لجلالة الملك حضرة الاستاذ المفضل السيد عبد الحسين أحمد الأميني سلام الله عليكم وبركاته وبعد فإني أبادر بابلاغكم أني رفعت إلى حضرة صاحب الجلالة مولاي الملك المعظم الجزأين الثالث والرابع من مؤلفكم - الغدير - في الكتاب والسنة والأدب - فنالا حسن القبول وأني لأتشرف بإبلاغ ذلك إلى حضرتكم مع الشكر السامي. ولما كان الجزءان الأول والثاني لم يصلا إلينا فإني أرجو التكرم بتعريفي عن المكتبة التي يمكن الحصول عليهما منها. وتفضلوا بقبول خالص التحية قصر عابدين السكرتير الخاص في 28 يناير سنة 1948 حسين حسني عبد الله بن الحسين " ملك الأردن " عمان في 12 ذي القعدة 1365 الموافق 7 تشرين الأول 1946 أيها الحبر زر مقاما كريما * وابتهل لي مستغفرا عن ذنوبي وارو عني دعاء عبد فقير * يشتكي ما يمسه من لغوب

[ 351 ]

فدعاء المحب للآل ينفي * كل خطب وكل هم مريب واقر عني الإمام أسنى سلام * والثم الأرض في المقام الرهيب حضرة الحبر الجليل أما بعد، فإنني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، واصلي واسلم على محمد وآله وصحبه وأقول: إني تلقيت رسالتكم وبها تهدون إلي كتابكم القيم (الغدير) الذي تعبتم في تأليفه وجمع ما يعود إليه من أخبار صحيحة في كثير من البلدان وشتى دور الكتب، فأخرجتم به سفرا دينيا وأدبيا وتاريخيا. واحببتم أن أقرظه ليصدر الجز - الثالث من الكتاب وبه الكلمة التي طلبتموها. فشكرا لكم والثناء لله. وماذا عساي أن أقول في أثر تصدى لتأليفه عالم نحرير في حديث نبوي يتعلق بالوصي (عليه السلام)، غير تكرير الشكر والرغبة الصحيحة في أن يروج هذا الكتاب وتكثر الاستفادة منه لدى الخاص والعام. والتقريظ لغة تبادل المدح بين اثنين في أمر من الأمور، وهذا ما لا أميل إليه. بل يروقني أن أقرأ فانتقد فأحث أو انهى، ولعلي من الآن أحث الناس على الاقبال على هذه الرسالة السامية في معناها، الغالية في غايتها. فكتابكم يسر آل البيت وشيعتهم، ويسر كل مؤمن بالله ورسوله، حيث تناول فضائل حيدرة الكرار أبي السبطين، المنافح عن رسول الله في المشاهد كلها، والخارج من الدنيا في غير رغبة إليها، والذي قاتل أهل العناد كما قاتل أهل الكفر والشرك في أيامهم والجهاد. فالكتاب في كل فقرة من فقراته وصفحة من صفحاته وفي مقدمته وفي نهايته هو لله ولرسوله وللآل وشيعتهم ومحبيهم، وهذا ما طلبتم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عبد الله بن الحسين ملك الأردن الإمام يحيى عبد الحميد " ملك اليمن " حضرة العلامة الالمعي والهمام اللوذعي عبد الحسين أحمد الأميني فتح الله

[ 352 ]

امده وبارك فيه وله فيما خلده ووجه همته وقصده ؟ وشريف السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لقد سرنا ايما سرور ما ادركناه بكل الحواس من سعيكم المشكور المودع في مؤلفكم الغدير، وعرفنا من جزأيه الأول والثاني مدى الاهتمام المبذول وكنه مالحضرة المؤلف من طول الباع وسعة الاطلاع وفقاهة النفس وبلاغة النفس، وشكرناكم اتم الشكران على الاتحاف بالجزأين والعدة ببقية الاجزاء. والحق كما قلتم انه لم يؤلف في موضوعه مثله وكفى. وقد رأينا ان من المستحسن تأجيل توفية الكتاب النفيس حقه الأوفى من التقريظ إلى أن يتم لنا الوقوف على ما بقي منه، فالانفس إليه مشتاقة وإلى الوفاء بحقه تواقة ونسأل الله تعالى ان يجزيكم الجزاء الأوفى ويوردكم من معين المثوبة موردها الأصفى والسلام عليكم ورحمة الله. حرر في 25 رجب 1365 يحى بن عبد الحميد السيد محمد الصدر - رئيس الوزراء ورئيس مجلس الأعيان صحيفة بيضاء تفضل بها صاحب الفخامة، علامة الوزراء، ووزير الأعلام، رئيس الوزراء الأسبق، سيدنا المفخم سماحة السيد محمد الصدر دامت معاليه. سماحه العلامة الأوحد، والبحاثة الفذ المتتبع، الشيخ الأميني، أعز الله بك المسلمين، وأدامك نصيرا للعلم والدين. تحية مقدر لا ينفك ذاكرا لجهودك العلمية ما دام حيا. وبعد فقد أدهشني سفرك، وراقني سبرك وغورك، فوجدتني مندفعا لتسجيل إعجابي وإكباري لمجهودك القيم الخالد، الذي أينع وأزهر، وأنتج وأثمر، وآتى اكله شهيا جنيا، ولعمري فهو نتاج عبقريتك الفذة، وعصارة مواهبك الجبارة، وخلاصة جهادك ونضالك في ميادين العلم والفضيلة، ولئن حق للامم أن

[ 353 ]

تفخر بعظمائها، وتعتز بتأريخها، فما أجدرك - وأنت العالم النحرير والبحاثة المنقطع النظير - أن تشمخ بشخصية الإمام المرتضى أمير المؤمنين وسيد الوصيين تلك الشخصية المثالية الفذة التي أطلت على العالم بعظمتها، فإذا العالم خاشع لجلالها، ناطق بفضلها وإفضالها، وهل مؤلفك المبارك الكريم " الغدير " إلا أثر من آثار تلك الشخصية الإلهية التي خصها الله دون سواها بالوصاية وحباها بالإمامة والولاية، فما زالت ولم تزل نبراسا للأصلاب والأعقاب، وهدى ونورا للأجيال والاحقاب. وإني إذ أتقدم لشخصك الكريم بتهاني القلبية الحارة على عظيم موفقيتك بمشروعك الجليل الحافل، لا أشك أنها نفحة من نفحات أمير المؤمنين سلام الله عليه، شاء الله أن يمنحك إياها هبة عظيمة، إن دلت على شئ فإنما تدل على وجاهتك لديه وقربك منه، وحقا فقد برز كتابك الجليل إلى العالم ساطعا لامعا، يحمل بين دفتيه من العلم والأدب ما لا تقوى عليهما المجامع العلمية والأدبية، فكيف بك ؟ وقد صمدت له براسخ قدمك، وأنجزته بروائع فكرك وقلمك، فكان واضح النهج، قوي الحجة، متين العبارة، لطيف الإشارة، أقمت فيه الأدلة القاطعة التي أصغت إليها المسامع طائعة مختارة، وتقبلتها القلوب والأفئدة مؤمنة مذعنة، حتى لكأنك مزاج مائها، وبلسم دوائها، فجزاك الله عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه خير جزاء المحسنين، ولا زلت مصدرا للعمل الصالح، إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا. 11 رمضان سنة 1369 محمد الصدر 26 / 6 / 1950 السيد عبد المهدي المنتفكي تكرم به صاحب المعالي، الشريف الشهم البطل سيدنا المبجل السيد عبد المهدي المنتفكي المشغل منصه وزارة المعارف، والاقتصاد، والأشغال والمواصلات، دورا بعد دور. دامت فواضله. 13 رمضان سنة 28 1369 حزيران سنة 1950

[ 354 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ولله الحمد تخرج المطابع في كل يوم مئات من الكتب فلا يجد المطالع إلا في القليل النادر منها بغيته، وما يطمن رغبته من كافة النواحي وجميع الجهات، ولذلك فإن تقدير قيمة الكتاب لا تكون إلا بمقدار ما يتركه في نفس المطالع من الأثر الصالح النافع، وإن خير ما جادت به علينا القرائح، وما أتحفتنا به المطابع، فكان له في النفوس الأثر الصالح البليغ، هو كتاب " الغدير " الذي جاء سفرا جليلا جمع فأوعى، فغدا نبراسا منيرا ودليلا هاديا، سمى أن يحدد بالقيم أو يقيد بالمقاييس، إذ هو بطبيعته يعلو فوق كل نسبة، وبجليل أثره وفائدته يتعدى كل قياس، ولا غرو أن يكون " الغدير " كذلك فإنه من فيض ذلك البحر الزاخر بالمعقول والمنقول، ومن نتاج تلك القريحة الوقادة التي حبي بها العلامة الجليل شيخنا الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني أمد الله في أيامه، ومتعنا في حياته. فحسب " الغدير " من التقريظ والإطراء انه من نتاج هذه الشخصية الفذة الجليلة، وبهذه النسبة: تجاوز حد المدح حتى كأنه * بأحسن ما يثنى عليه يعاب عبد المهدي

[ 355 ]

كتب شخصيات علمية الدكتور صفاء الخلوصي كتب متواصلة إلينا من لندن لخريج جامعتها الاستاذ الشهير صفاء خلوصي، نقتطف منها ما يعرب عن تقدير تلكم الدروس العالية، وبخوعه بالحقائق التاريخية، وله منا شكر غير مجذوذ. عزيزي العلامة الكبير والبحاثة الجليل الأستاذ الأميني. تحية الشوق والمودة والإخلاص. وبعد: فمن دواعي الغبطة والسرور أن أكتب إليكم هذه البطاقة، وأستفسر عنكم راجيا أن تكونوا في أتم الصحة والهناء، وتبقوا دائما ذخرا للبحث العلمي والتفكير الغزير. أنا لا أستطيع أن أكتم إعجابي الشديد بكم، فلطالما ذكرت ذلك أمام الكثيرين من الإخوان في بغداد والمستشرقين في لندن، لأن رجلا قضى (15) عاما من حياته في تأليف كتاب لجدير بالإكبار، حري بالإعجاب، لقد أخرت تقديم اطروحتي إلى جامعة لندن إلى حين صدور كتابكم واطلاعي عليه، لأنني أود الإشارة إليه وإلى مجهودكم القيم في صلب الاطروحة، وسألفت نظر المستشرقين إلى هذه الناحية الهامة في الأدب العربي، وأرجو أن تدوم صداقتنا ورابطتنا الفكرية أبدا، وفي الختام تفضلوا بقبول أسنى تحيات المخلص وإعجابه. ويقول في كتاب آخر وقد وصلني كتابكم الجليل المجلد الأول والثاني وقد

[ 356 ]

سررت بمطالعته كل السرور، إذ وجدت فيه أشياء ممتعة هي نتيجه البحث والدراسة المتواصلين، وكان بودي أن أكتب تقريضا عن هذين الجزأين إلا أنني فكرت في الأخير أن أكتب مقالا مسهبا بعد صدور بقية الأجزاء، فأنا بانتظارها بكل شوق ولهفة، وستجدوني إن شاء الله عند حسن ظنكم دائما. هذا وتقبلوا من أخيكم ومحبكم كل شوق وتحية وإعجاب. ويقول في كتاب ثالث: لقد بحثت عن الصفحات التي أشرت علي بمطالعتها فوجدت في النهاية إني أستطيع أن أكون لي رأيا في غدير خم: إن قضية الغدير لا شك في صحتها، إذ لا يمكن أن تبنى هذه الروايات المتواترة، والقصائد الطوال على شئ غير واقع، فالثابت ان موقف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في غدير خم مما يمكن الإيمان بصحته وإثباته بنصوص كثيرة تخرج من نطاق الحصر، فها أنا الآن أقوم بكتابة فصل كامل عن " غدير خم " باللغة الإنگليزية، على أنني لا أزال بانتظار كتابكم القيم لاستعماله كمصدر أرجع إليه عند الضرورة. هذا وتفضلوا بقبول فائق أشواقي. المخلص: صفاء خلوصي الدكتور محمد غلاب خطاب تفضل به الفيلسوف الشهير الدكتور محمد غلاب مدرس الفلسفة في شعبة أصول الدين من الجامع الأزهر المصري بالقاهرة، وقد نشرته مجلة " البيان " العصماء النجفية في عددها 10 من سنتها الأولى ص 258 بعد كلمتها القيمة حول ذلك الخطاب، نتقدم بنشرهما مع تقدير للناشر وإكبار لمقام الكاتب وثناء على ما يعطيه من النصفة من نفسه في كل موضوع. بريد البيان ننشر نص الرسالة التي بعث بها الدكتور محمد غلاب من مصر إلى سماحة

[ 357 ]

العلامة الجليل الشيخ عبد الحسين الأميني حول كتابه - الغدير في الكتاب والسنة والأدب - وفيها أعرب عن حقائق ناصعة تبشر بفجر صادق يكفل لنا تقدير الآراء المذهبية الحقة، والاعتراف بالحقائق التأريخية التي قاومتها العاطفة ردحا من الزمن، وإليك نص الرسالة: تحيتي يقتادها تقديري، وسلامي يدفعه إجلالي لعلماء العراق عامة ولأهل النجف الأشرف خاصة، وفي طليعتهم المؤلفون الأماجد أمثالكم. وبعد: فقد تسلمت الجزأين: الأول والثاني من كتابكم النفيس " الغدير " الذي شابه الغدير حقا في صفائه ونفعه، والذي يلفي الباحث فيه امنيته على نحو ما يجد المسافر الظامئ في الغدير ما ينقع غلته، والذي عنيتم فيه بجانب هام من جوانب التراث الإسلامي، متوخين الحقائق، متتبعين الآثار الصادقة، متعقبين مواطن الشبه بالتصحيح والنقد. ونحن على يقين من أن الشباب العصري الإسلامي سيستفيد من هذه الثمار الشهية، لا سيما أن أكثر ما يكتب اليوم غث خفيف الوزن، تافه القيمة، وان الحركتين العلمية والأدبية قد تحولتا إلى حركة تجارية بحتة. ولقد جاءني كتاب حضرتكم في الوقت الملائم لأني عاكف على دراسة كثير من الجوانب الإسلامية وعلى التأليف فيها، ولذا يعنيني كثيرا أن تنكشف أمامي المبادئ الحقيقية، والآراء الصحيحة للشيعة الإمامية حتى لا نكبو - بازاء هذه الفرقة الجليلة - في مثل ما كبا فيه... و... (1) وأمثالهما من المحدثين المتسرعين، ولقد تسلمت أيضا قبل الآن بضعة كتب من علماء العراق في مبادئ الشيعة الإمامية وآرائهم، ونسأل الله أن يوفقنا إلى ما فيه الرشاد وأن يهدينا إلى سبيل السداد، وأن ينفع بما ينتجه الناطقون بالضاد، وتفضلوا بقبول احترامي. الدكتور محمد غلاب استاذ الفلسفة بكلية أصول الدين بالجامعة الأزهرية بالقاهرة


(1) سمى رجلين من المحدثين المتسرعين لم نذكرهما لعدم علمنا برضاه. (*)

[ 358 ]

الدكتور عبد الرحمن الكيالي مقال أتانا من الشخصية البارزة، بطل الجهاد السياسي، صاحب المعالي الدكتور عبد الرحمن الكيالي الحلبي، أحد رجالات الاسرة الكريمة " الرفاعية " بحلب الشهباء، العريقة بالمجد المؤثل، المطنبة في أرجاء العالم الإسلامي بشرف النسب والحسب والعلم والكرامة، والمقال يعرب عن تقدمه في حبك الكلام، وترصيف القول، وسبك الغرر والدرر في بوتقة البيان، كما يعرفه بدقة النظر، ورصانة الفكر، والشعور الحي، والروح الشاعرة، حياه الله وبياه، وإليك المقال: (1) صاحب الفضل والفضيلة العلامة الجليل الاستاذ الشيخ عبد الحسين أحمد الأمين المحترم. الحمد لله موحد القلوب، وباعث الهمم على جمع شمل المسلمين، والصلاة والسلام على رسوله هادي الأمم إلى يوم الدين، وعلى آله وأصحابه ومن والاهم من المؤمنين. وبعد: فإن تاريخ الإسلام هو تاريخ العرب، والعرب قصروا في دراسة تاريخهم دراسة علمية مجردة عن الغرض والهوى. والذين كتبوا التاريخ الإسلامي في عهود الأمويين والعباسيين لم يخل أكثرهم من شبهات الميل إلى العاطفة، والانحياز عن الحق، فلم يستطع المتأخرون النقادون استخراج الوقائع والحقائق، والأحداث، وربطها ببعضها البعض بسياق العبر، واستجلاء الأسباب، واظهار النتائج، وهي من أهم مقاصد التاريخ. إن العالم الإسلامي الذي لا يزال في حاجة ماسة إلى مثل هذه الدراسات يهمه ولا شك أن يعلم تطور الحكم قبل الإسلام وبعده، وأسباب الأحداث التي


(1) هذا المقال من ملحقات الطبعة الثانية. (*)

[ 359 ]

رافقت قضية الخلافة والخلفاء وما جرى في أيامهم، ويهمه أن يعلم لماذا تعددت دول الإسلام وتفرقت ؟ وماذا حدث في عصورها من حروب وأعمال ؟ وكيف زالت تلك الدول وحل محلها غيرها ؟ وماذا أدى كل منها من الخدمات إلى الحضارة الإسلامية وإلى الذين شادوا بنيانها ورفعوا منارها ؟ ويهمه أن يعلم ما هي عوامل السرعة في الفتوحات واتساعها وانتشار الإسلام بيد الامم والشعوب على اختلاف مللهم ونحلهم ؟ ولماذا بدأ الاختلاف بعد وفاة الرسول الأعظم وابعد بنو هاشم عن حقهم ؟ ويهمه أن يعلم ما هي بواعث الانحطاط والانحلال في المسلمين حتى أصبحوا على ما هم عليه ؟ وما هي الطرق المؤدية إلى وحدة كلمتهم ونهضتهم دينيا، وسياسيا، واقتصاديا، وأدبيا وعلميا ؟ وهل يمكن تدارك ما فات بالرجوع إلى ما كتبته التواريخ القديمة والاعتماد عليها ؟ أم يجب البحث والعمل والانصراف إلى التحري والاستقراء بتجرد ونزاهة ؟ حتى يمكن الاستنباط والتحقق من العلل، واستخراج الأسباب، وبيان ما يجب أن يتهيأ له الجيل الجديد، للأخذ بمقومات العلم والنهضة والتمسك بالمثل العليا التي تمثل لنا مبادئ الرسول، وسيرته وتعاليمه، وتعاليم من ساروا سيرته، وعملوا بهديه، واستناروا بنوره، وكانوا مصابيح الشريعة، وسند الحق، وكعبة الحياة السعيدة، ومثالا للزهد والتقوى. إنني لأرى - وأنا الواثق بأن مثل هذه الدراسة وهذا النهج القويم هو خير ما يجب على رجال العلم والدين والاصلاح السعي لتحقيقه وإبرازه إلى حيز الوجود - إن في كتابكم " الغدير " الذي أخرجتموه إلى العالم الإسلامي ما يثبت لنا فائدة هذه الدراسة على هذا الطراز العلمي، وفيه ما يحقق لنا حقيقة تاريخية لم ينصف المؤرخون في روايتها بإجماع كما حدثت، بل تناولها بعضهم بالإثبات وبعضهم بالنفي، وهنالك من رواها بالزيادة أو النقصان، ومنهم من نقلها محرفة، ومنهم من ذكرها دون اهتمام، كأنها قضية لا يتوقف على صحتها والعمل بها سلامة البداية وخلود النهاية، فمر بها مرور الغافل، أو الجاهل، أو المغرض.

[ 360 ]

وفي كل ما حدث بقي العالم الإسلامي بعيدا عن فهم الحقيقة، حقيقة الحدث التاريخي الذي لو عمل به صحابة العهد النبوي، ونفذ ما جاء في الوصية حسبما أراده الرسول الأمين، والمؤسس الأعظم ما وقع ما وقع، وأصاب المسلمين ما أصاب من بلاء الشقاق، وشقاء الاختلاف، ولبقيت وحدة المسلمين متماسكة الحلقات، سليمة من النوازع والرغبات، وسارت الخلافة تحفها مواكب النصر، وتظلها أعلام الهدى والرشاد في طريق القوة والإجماع، كما رسم خططها الرسول، فلا يتولاها إلا ذو استعداد، وكفاية، وعلم، وإرادة، وشجاعة، وقوة، وحزم، وثبات، وإدراكه ادراك صحيح لسياسة الشريعة، وحكمته حكمة عادلة تجمع بين الدين والدنيا، وخلقه خلق النبوة، وسيرته سيرة المصلح، وهديه هدي القرآن، وحياته حياة الزاهد في حطام الدنيا وزينتها ولذاتها، وعمله عمل الحق والرحمة والمحبة، وسيفه سيف الحكيم الخبير بمواطن الداء، وحكمه حكم القاضي الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم، ويده يد الجبار على الظالم، ويد الرحيم مع الضعيف، وعلمه الذي يقيس القضايا بمقاييس العقل والحق والصالح العام، والتجرد عن كل ما يخالف أمر الله، يريد وجهه في كل عمل وقول. أما الواقع كان خلاف ما يجب أن يكون، وحدث ما ليس في الحسبان، واضاع العرب الفرصة والزمان، وخسر المسلمون رجالاتهم وقوتهم وهم في أول نشأتهم في منابذات ومنازعات، ما أغناهم عنها ! ولولاها لدوخوا العالم، ودكوا العروش، ونشروا ألوية السلام في أقل من نصف قرن، ولبسطوا سلطانهم على العالم، وأسسوا هدى شريعتهم دون عناء. أما وقد انطوت أحداث التاريخ على ما لا يحمد وما يحمد خلال تلك القرون، فليكن لنا منها عبرة وبعث ينشطنا إلى بسط الحقائق، وربط الوقائع، وبيان العلل والأسباب، وكشف النتائج، معتمدين على منطق العلم والعقل والتجارب، ومنهج جمع الشمل، ولثم الجروح، حتى لا تشوب مباحثنا شائبة الزيغ أو التقصير أو الإهمال، فنطهر سيرة ذلك الوصي الذي عاش لله ودينه، واستشهد في سبيل إعلاء

[ 361 ]

كلمته والدفاع عن حقه، وناصر ابن عمه بروحه وجسمه وطاعته وولائه، وبذل جهده وإخلاصه ونفسه للذين تولوا امور المسلمين على أن يكونوا لدين الله ناصرين، وبكتابه عاملين، ولرعيته راعين، ولتعاليمه خافظين، ولرسالته مؤيدين، ولهديه تابعين. كان في مبادئه وأخلاقه وأعماله مثلا أعلى لما رسمه الإسلام لتابعيه، وكان سيد الفصاحة والبلاغة، وباب العلم والاجتهاد، وسيف النبي على الأعداء، وصاحب الإرادة التي لا تلين لمطمع أو غاية، والإمام الورع كرم الله وجهه وطهره وآله وعترته من الرجس وعصمهم عن الزيغ، وأوجب عباده محبتهم، ووهبهم جمال الخلق، وصفاء السريرة، وحسن الطوية، وعفة اليد واللسان، وحباهم بالصبر والثبات. أما والعالم الإسلامي اليوم لفي حاجة إلى إبراز ما منح الله تلك الشخصية الفذة من الصفات، والمزايا، والفضائل، والسياسة، والتدبير، لتكون رائد المؤمنين في حياتهم أينما كانوا وحيثما تولوا، يتبعونها بروحهم وأفكارهم، فينالهم الشفاء، وتنفحهم الهداية بنعمائهم ونفحاتها العلوية، فتنقى أرواحهم وقلوبهم من أدران المدنية الكاذبة، وتصفى عقولهم من هواجس الشك ونزوات الإلحاد. فإن كتاب " الغدير " وما فيه من: سنة، وأدب، وعلم، وفن، وتاريخ، وأخلاق، وحقائق، وتتبعات، وأقوال لجدير، بالاطلاع عليه والإحاطة به، وخليق بكل مسلم اقتناؤه، فيعلم كيف قصر المؤرخون، وأين هي الحقيقة. وبذلك نتفادى نتائج التقصير، والإهمال، وننال الأجر والثواب في إقرار الحقائق واتباع الأوامر، وجمع الكلمة، وتوحيد العقائد والمذاهب، وإجماع الرأي، لعلنا ننهض وينهض من آلمهم ما وصل إليه المسلمون، ويستيقظ الجميع وقد عاد إليهم رشدهم وعزهم وقوتهم وما ذلك على الله بعزيز. ابارك عملكم، وأشكر هديتكم، وأرجو دوام سعيكم، ولسيدي الأستاذ الجليل أن يتقبل احترام أخيه وتمنياته بدوام صحته، وأن يتفضل بإعلامه عن

[ 362 ]

وصول هذا المقال، وله من الله الجزاء الأوفر انه على كل شئ قدير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته بدءا وختاما. المخلص الدكتور عبد الرحمن الكيالي حلب في 18 محرم الحرام عام 1373 المصادف 26 أيلول عام 1953 نص كتابه الإسكندرية - ذو الحجة 1367. حضرة المحترم العلامة الجليل الأستاذ عبد الحسين أحمد الأميني حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: كان خجلي منك أن يحبس خطابي عنك، فقد قصرت في حقك أيما تقصير، وما زلت أستلهم الذرائع والأسباب التي تبرر عندك جمودي فيعوزني منها ما يقربني إلى مغفرتك، لكنني والآن أستعين بكرمك، وأتقدم إليك دون عذر اقدمه، وكفاني بهذا الكرم شفيعا لديك. تلقيت الجزء الخامس من كتابك " الغدير " وأنه في الحق لسفر خالد، ومجهود فذ جدير بأن يحسدك عليه النافس، ويغبطك الولي الحميم، وقد جرى قلمي بكلمات قليلة عنه لا تبلغ بعض حقه علي من التقدير، غير أن عذيري أنك ممن يزهدون في الإطراء... فهلا تقبلت ما كتبته عنه - وارسله الآن - فإنه خطرة سجلتها للذكرى. ولك مني تحية عبقة. وتمنيات خالصة. المخلص عبد الفتاح عبد المقصود

[ 363 ]

عبد الفتاح مقصود كتاب مشفوع بمقال تفضل به البحاثة الاستاذ الفذ عبد الفتاح عبد المقصود المصري مؤلف الكتاب القيم - الإمام علي - في أربع مجلدات يعرب مقاله عن ثقافة راقية، ودراية عالية، وروح شاعرة، وشعور حي، وعدل في القضاء، ورجاحة في الرأي، ونباهة في توحيد الكلمة، وبخوع بالحقائق التاريخية، فنحن نذكر المقال ونردفه بالكتاب شكرا للأستاذ، تقديرا ليراعه الثبت، وضميره الحر، وبصيرته النزهة عن رمص التقليد. الغدير أوشك وعيي أن يضل في عالم من المعرفة فسيح، وأنا اقلب ناظري بين سطور هذا السفر وكلماته.. أهو حقا كتاب ؟.. أهو " غدير " ؟.. بل هو " عليم " زخر بدرره، صنوفا شتى ذات الوان، تحار في حصرها النهى والخواطر، وتنبهر لها عيون البصائر، كلما وقعت منها على صدفة رأيتها انطوت على كنز تفرد في الكنوز وعز في الذخائر، يكاد يحسبه الرائي نسج وحده، ثم لا يلبث أن يقع على سواه أبهى وأثمن في صدفة اخرى مكنونة، ثم بعدها في صدفات، مختلفة، ومؤتلفة جمة العديد موفورة بقدر ما ضم غور البحر من قطرات مائه، وما غشى الشاطئ من حبات حصبائه... وكان " الأميني " هو الغواص الذي وكل بالكشف عن الفرائد الغوالي حتى لهم أن يجرد منها الأغوار !.. ثم كان الجوهري ذا اليد الصناع، يؤلف ويصنف من القلائد الخوالد ما لم يدع بعدها فتنة للأنضار !.. هذا جهد يجل عن الطاقة، لم تنؤ به همة المؤلف الجليل، ولم يقعد دون شأوه اصطباره، ولقد ظلت أعجب - وحق لي - كيف وسعه أن يخضع وقته لبحث طوف به نيفا وألفا ونصفا من الأعوام ؟ غير آيس ولا ملول، منقبا فيها عن كل هذه التحف الذهنية التي هم غبار الزمن أن يغيبها عن أعين هذا الجيل !.. ولكنه صبر

[ 364 ]

ليس ينجبه سوى إيمان للرجل وثيق بقدر عمله وجدواه، وإيمان أيضا بشخصية الإمام العظيم بلغ أعلا ذراه. ومن العسير على أي امرئ يقرأ " الغدير " أن يفيه في عجالة كهذه قصيرة، وأنا كذلك معلن قصوري بين يدي تقديري !... فليس بنصوص من روائع الأدب، ولا نظيما من عيون القيد، ولا صحائف مجتباة من بطون التاريخ.. لا ولا قصصا حيا يرد الأجيال ويرسم الرجال والأبطال، ولكنه هذه كلها وبعض سواها، عصي على من لم يتوفر عمره المديد على دراسة نواحيها أن يأتي فيه بالرأي الراشد الذي يقارب الصواب. ومن هنا بدا لنا علم " الأميني " عالما فسيحا يضل فيه وعي القراء كما يضل وعي النقاد، فلقد جاء كتابه " موسوعة " زاخرة تفيض بالممتع والمحكم، وتلم من كل فن من فنون المعارف بأطراف، حتى ليعسر على النخبة المختارة من ذوي الأقلام أن يأتوا بنظيرها إلا على حذر وبعد بحث مغرق طويل. وأدع جانبا هذا العرض الدقيق الذي أودعه الكاتب لب كتابه، وهذا السرد الرشيق للنظيم والنثير، ثم انطلق واياه في آفاقه التي أضاءها قلبه المشرق المستنير.. إنه ليستهدي التنزيل، ثم الحديث، ثم يقفي بعد هذا وذاك بنفحات الهداية التي حركت يراعات تلك الأجيال المتلاحقة من الرواة والشعراء والكتاب حتى يصل بنا إلى هذا الجيل... فإلى أي مدى استطاع أن يتخذهم جميعا جندا يدفعون جحافل الجحود والإنكار والافتراء عن " حديث الغدير " ؟.. لقد وفق الرجل في كلا العرض والدفاع، حتى فرت أمام حججه ذرائع المبطلين، ولم يكن في دفاعه مسوقا فحسب بفرط شغفه بالإمام، ولكنه كان أيضا كالحكم العدل، يزن في كفتين ثم يسجل لأيتهما كان الرجحان. ولعل نظرة عابرة يلقيها غير ذي الهوى على صفحات سفره - وخاصة تلك التي أفردها السلاسل " الوضاعين والموضوعات " - كفيلة بأن تريه " الأميني " بحاثة أمينا، يتبع في استخلاص آرائه أدق أساليب البحث المنزه الصحيح.

[ 365 ]

إن حديث الغدير لا ريب حقيقة لا يعتريها باطل، بلجاء بيضاء كوضح النهار، وإنه لنفثة من نفثات الإلهام جاشت بها نفس الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) لتقرر بها قدر ربيه وصفيه وأخيه بين امته وأصفيائه المجتبين. هو حجه لقدر الإمام " نقلية "، ولحقه الهضيم، لم يعوز " الأميني " إبرازها في سطور سفره، وإحاطتها بسياج ثابت متين من الاسناد التاريخية المنيعة على أراجيف الأهواء.. ولمن شاء أن يخدشها - ظالما أو جاهلا - بفرية، أو يدلنا أين بين أولئكم الصحابة الأبرار من يسبق إبن أبي طالب حين تذكر المزايا والأقدار ؟ ! لقد كنت، وما أزال، أجعل الخلق والمواهب ومقومات الشخصية أقيستي للعظمة الإنسانية، فما رأيت امرأ - بعد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) - جديرا أن يلحق بذيله أو يكون رديفه قبل أبي سلالته الخيرة المطهرة، ولست بهذا مدفوعا بحماس لمذهب أو تشيع، ولكنه الرأي الذي تنطق به حقائق التاريخ... إنما الإمام هو الرجل " الأمثل "... عقمت عن مثيله الحقب والعصور حتى آخر الزمان. وعندما تستروح النفوس المستهدية أنباءه يشرق لها من كل نبأ شعاع، فإن هو إلا بشر صيغ - أو كان أن يكون - من كمال، ظاهر الحق لذات الحق دون مظاهرته للنتائج المترتبة عليه، ولا من أجل الجزاء عنه، وغالب الباطل إنكارا للباطل وحبا في تبرئة الإنسانية المتعالية التي يؤمن بها من أن تتهم بالصبر على ما يجافي الحق دون أن تنهض له، كان دوما يكره الشر منذ انتبهت عينه للحياة.. كرهه في الانتقاص من تفرد الله بالقدرة، فأبى أن يعنو وجهه لأي من الأصنام التي عنت لها جباه قومه - وهو بعد طفل - لأنه رآها شرا ينال من قداسة الله في نفوس بني الإنسان... وكرهه في عدوان القوي الظالم على حرية الضعيف المظلوم، فناضل نضاله المشهود إبان البعثة عن رسول الله، لتحق كلمة الله وتذيع شرعة الهداية الكفيلة باستنقاذ البشرية الضالة من حمأة الآثام... كره الشر في الحسيات وفي المعنويات. وغالبه في العقائد الفاسدة والنفوس المفسودة... حاربه في الفقر الذي يسترخص الأبدان والأرواح، فأمن نفسه من غوائله بأن حصنها

[ 366 ]

ضد الحاجة بالنسك والزهادة.. وفي الجبن الذي يذل القلوب فارتمى على الموت أينما ثقفه في كل موطن وحين، حتى أذل دولته وهزم هيبته وغدا اسطورة الأساطير في شجاعة الشجعان. وفي الجهل الذي يميت المشاعر فعب من نبع - لبني زمنه وما تلاه من أزمان - نبراسا للمعرفة ونورا للنهى والعقول ليس كمثله نور... كان الخير في نظره مطلوبا لذاته، لا صفقة تجارية يقدر قبل عقدها الربح والخسارة !.. كان له وسيلة وغاية في آن، وسيلة تجب ما عداها من الوسائل، وغاية ليس بعدها من غاية لضمير الإنسان الكامل، إنه مطلب البشر الذي يجرد بهم نشدانه، العالم بغيره سوق ضلالة، والإنسانية مباءة جهالة !.. ثم مالي أطنب ؟ وما هذه سوى عجالة أملاها التقدير لم تملها رغبة في الترجيح أو في التقرير... إن فضل الإمام معلوم مشهور وسبقه على الأقران غير منكور. ولكنها جمحة لقلمي، عسى أن يتقبلها استاذنا " الأميني " الجليل فيتقبل خطابا هتا من " الصورة العقلية " التي استطاع جهدي المحدود أن يستخلصها لأمير المؤمنين من ثنايا التاريخ. ولنا عوض عن قصورنا: هذه " الصورة النقلية " المكتملة التي بدت لنا زاهية نضرة من خلال أسطر " الغدير "... المخلص عبد الفتاح عبد المقصود كتاب بعد كتاب أتانا من الخطيب المفوه الأستاذ محمد نجيب زهر الدين العاملي مدرس العلوم الدينية في الكلية العاملية ببيروت، بالغ بهما في الثناء على كتابنا " الغدير " ومما جاء في كتابه الأول قوله: فإني من أشد المعجبين بفضلكم، المشيدين بآثاركم ومآثركم، وأبحاثكم الطريفة المفيدة، وفوائدكم التي ظهرت واضحة جلية، وبرزت ساطعة قوية في كتابكم الجليل الخالد، ومؤلفكم العظيم النادر: " الغدير " السفر الذي بز الأسفار، والذي كشفتم به النقاب عن وجه الحق المقنع، وجلوتم به

[ 367 ]

الحقيقة سافرة رقراقة، فحياكم الله وجزاكم عن صاحب يوم الغدير خير الجزاء على هذا المجهود الجبار، الذي سوف يبقى مدى الأجيال ذكرا مذكورا، وعملا مبرورا، وسعيا مشكورا. إلى أن قال: رأيت من الواجب علي أن أرد منهل مولانا العلامة " الأميني " هذا المنهل العذب، وأروي ظمأ نفسي وعقلي من غديره الصافي، ثم أعود من هذا الورود وذلك الري بمجموعة نفيسة وتحفة غالية من درر عالمنا " الأميني " لآليه فانثرها على صهوات المنابر، ومواقف التدريس على عقول الجماهير وافكار الناشئة حكما نافعة، وحججا قاطعة، وشعلة وهاجة، وقبسا منيرا. ومن فصول كتابه الثاني المؤرخ في 8 شوال سنة 1370 قوله: و " الغدير " بعد سفر ضخم من أسفار الحقيقة والخلود، لأنه كتاب حق، وصحيفة صدق، وديوان للعلم والحكمة والأدب والتاريخ، ومنهل عذب لرواد الحديث ودرايته وفنونه، ومصدر لتتبع الحوادث الفذة واستقرائها، ومنبع فياض بالأدلة الساطعة، والبراهين القاطعة الدالة على إمامة صاحب البيعة يوم الغدير سلام الله عليه، والناطقة بفضله وفضل الأئمة من بنيه، عليه وعليهم أطيب التحيات وأزكى الصلوات. وما كان " الغدير " ليخرج للناس بهذه الحلة القشيبة والثوب النقي الفضفاض لولا بيان " الأميني " الناصع، وعلمه الناجع، واسلوبه الرائع، وأدبه الممتع، ودليله إلى مقامات الصفاء ومنازل الانس، غرستها يد الولاية الربانية العظمى والخلافة الإلهية الكبرى، فيها زرافات من الأولياء وكبار الأمة، وثلة من العلماء الأبرار والفقهاء الأخيار، وصنوف من العرفاء والحكماء، وصفوف من الامراء والشعراء وعباقرة الأدب، واقفين على باب الحضرة العلوية على مشرفها الصلاة والسلام، والعلامة " الأميني " ينزلهم في منازلهم المعلومة بأمر مولاه صلوات الله وسلامه عليه وعلى حسب درجاتهم، يتذاكرون الأحاديث النبوية على ضفة الغدير، وينشدون الأشعار الغديرية، فيطوف عليهم ولدان مخلدون

[ 368 ]

بأكواب وأباريق وكأس من معين، يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ثم يصلهم بمقامات الصلة ويخبرهم على حسب طبقاتهم وحسن طوياتهم وصفاء نياتهم بما لا عين رأت ولا اذن سمعت، فهنيئا لك أيها الأميني ولهم، وأذاقنا الله تعالى بفضله رشفة أو رشحة من ذلك الغدير العذب إنه غفور رحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله. محمد نجيب زهر الدين - بيروت إنا لله وإنا إليه راجعون فجعنا بفقد هذا العلم الشامخ، فقيد العلم والدين، صبيحة الثلاثاء رابع جمادى الاولى سنة 1372 وفد إلى ربه الكريم بعد إقامة فريضة الصبح قدس الله سره. ويوافيك تفصيل ترجمته في شعراء القرن الرابع عشر إن شاء الله تعالى. المحامي توفيق الفكيكي كلمة للبحاثة الكبير والكاتب القدير الأستاذ المحامي توفيق الفكيكي البغدادي حول كتاب " الغدير " نشرتها مجله الغري الغراء النجفية في عددها 17 من سنتها الثامنة ص 415 ونحن نذكرها مشفوعة بالشكر والتقدير للكاتب والناشر. في أواخر الصيف المنصرم وردتني هدية ثمينة غالية من فضيلة العلامة الجليل والمحقق الفاضل الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي، وهي الجزء الأول والثاني من كتابه النفيس القيم " الغدير " وكانت علة التأريخ والتقصير عن إبداء رأي في هذا الكتاب الفريد والإشادة بذكره في حينه هي استبداد المجلد في مطالعتهما واحتكاره والاستفادة من ثمراتها الشهية، وبعد أن ارتوى المجلد عفى الله عنه من منهل الغدير العذب قدمه لي، ولكن شواغل الحياة ومتاعب المحامات كل ذلك من الدواعي والأسباب أرغمتني ارغاما على أن اسرف في التقصير عن انصاف كتاب

[ 369 ]

" الغدير " النادر الطريف، إلا أن طمعي الكثير بحلم فضيلة المؤلف حفظه الله خير ضمان لعفوه الكريم وقد قيل: والعذر عند كرام الناس مقبول. وقبل أن اسجل كلمتي في تقدير قيمة الكتاب العلمية، أتقدم بجزيل الشكر لفضيلة البحاثة النحرير مؤلف الكتاب على هديته وتحفته العجيبة، وعندي أن إهداء تحف العقول النيرة، وغرر القرائح المشرقة، وعرائس الأفكار الزاهرة، هي أثمن وأغلى من زف العرائس الأبكار، بل وأفضل من تقديم الجواهر والأعلاق من كرائم الأحجار. وبعد: فقد تصفحت الجزأين من كتاب " الغدير " ووقفت على ما دونه المؤلف من الموضوعات والمضامين، ثم فحصت ما جاء فيها من البحوث الجليلة العميقة، والتدقيقات التاريخية المضنية، ومناقشة الأحاديث الغامضة. والروايات الكثيرة المتضاربة المختلفة، والمساجلات الأدبية والشعرية، وأثرها في خدمة المبادئ العلوية الشريفة. وكذلك أمعنت النظر في ما نقله صاحب " الغدير " وأحاط به من الآراء العلمية السديدة في التفسير والتأويل لنصوص الذكر الحكيم، والحكمة المحمدية العالية، تلك الآراء والنظرات الصائبة التي كشف الغطاء وزاحت الستار عن كثير من الحقائق المطموسة، والأسرار المحجوبة في شأن يوم الغدير، وقد كان فضيلته في كل ذلك موفقا أعظم التوفيق في تنبيه الأفكار، وتنوير الأذهان، وإرشاد الحائرين إلى معرفة تلك الحقائق التأريخية، وإدراك كنه الحكمة التشريعية في قصة الغدير، وما يتصل بها من مقدمات خطيرة محزنة، ونتائج كبيرة مؤلمة، لا تزال مدعاة للتأمل العميق، والعبرة البالغة في التأريخ الإسلامي وسجل القومية العربية. لم يكن العلامة مؤلف كتاب (الغدير) أول من كتب وألف في " الغدير " فقد سبقه إلى ذلك كثير من العلماء الأعلام، وجملة كبيرة من كبار الادباء وحملة الأقلام، إلا أنهم مع الاعتراف بغزارة فضلهم، وعلو كعبهم في الأدب والعلم، لم يتمكنوا من إزاحة العلة، وشفاء الغلة، ولم يتوصلوا إلى ما وصل إليه العلامة

[ 370 ]

الأميني من تحقيق وتدقيق وتمحيص نتيجة جلده الجبار في البحث والاستقصاء وصبره العتيد على التعمق في الاستقراء والاستنتاج، ومن ثم بلوغه إلى إصابة الهدف وتقرير الحقيقة، وإبرازها سافرة ناصعة، مما دل على شدة مراسيه، وعنته في جمع الادلة التاريخية القوية، وإقامة البراهين العلمية الساطعة، وسوق الحجج العقلية والنقلية والأدبية لإثبات دعم موضوعه الخطير في الغدير، وهو ذلك قد أبطل المثل الساير: - ما ترك الأوائل للأواخر من شئ - وأراد أن يثبت للقراء بأن الأواخر قد أتوا بما لا تستطيعه الاوائل من ابتكار ومعجزات في العلوم والفنون. لا اغالي في القول إذا قلت: إن كتاب " الغدير " ما هو إلا موسوعة نادرة في العلم والفن والتاريخ والتراجم، وروضة بهيجة أنيقة ساحرة بالطرف الأدبية الزاهرة، وهو فوق ذلك فإنه دائرة معارف جليلة مهمة، حافلة بكثير من الآراء الدينية السديدة، التي تطمئن إليها النفوس الزائغة الحائرة الغارقة في حنادس الجهالة، وغياهب الشك، ودياجير الضلالة. والحق فإن هذا الأثر النفيس الخالد مما يعجز عن تحقيقه وتخليده أكبر الجمعيات العلمية في عصرنا الحاضر، وعليه فإن هذا المجهود الجبار أعظم مفخرة خالدة للعلامة البحاثة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي في ميدان العلم والفن، وهو أكبر خدمة أسداها فضيلته للمكتبة العربية وهي تستحق الإعجاب والتقدير. والذي نؤاخذ به حضرة المؤلف هو عدم قيامه باكمال هذه المنة، من وضع الفهارس بأسماء الرجال والشعراء والأماكن، ولكن هذا لا ينقص من قيمة الكتاب التاريخية والعلمية والأدبية. وأعتقد أن ازمة الورق هي السبب الأول لهذا النقص في الكتاب. أما فضيلة المؤلف فقد اهدى هذه الخدمة المشكورة إلى صاحب الولاية الكبرى، وسيد الامة، وابي الأئمة، مولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه إذ لم يجد أحدا أولى بإهداء كتابه إليه من صاحب الولاية الكبرى. ايها الشيخ الفاضل إن بضاعتك المزجاة وهي صحائف ولائك الخالص لأمير المؤمنين (عليه السلام)

[ 371 ]

لأعظم صفقة رابحة في تجارتك التي لن تبور، وإني ابشرك بصك الفوز الأكبر من الفزع الأكبر فلا يمسك وأهلك الضر إن شاء الله تعالى. بغداد توفيق الفكيكي المحامي محمد سعيد العرفي - مفتي سوريا كتاب كريم أتانا من البحاثة المفضال، المفتي المصلح الشيخ محمد سعيد العرفي، وهو كما ترجمه الأستاذ الشيخ محمد سعيد دحدوح الحلبي: من خيار علماء سورية، وممن أبلى بلاء حسنا في الجهاد السياسي وعذب ونفي مرارا، وله مؤلفات كثيرة منها: سر إنحلال الأمة العربية ووهن المسلمين، وبماذا يتقدم المسلمون، وموجز الاخلاق المحمدية، ومبادئ الفقه الإسلامي، وتفسير القرآن. فنحن تقديرا لمقامه العلمي والادبي الشامخ، واعجابا بخلائقه الكريمة، ننشر الكتاب بلفظه مشفوعا بشكر غير مجذوذ. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين. سماحة الحجه العلامة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي المكرم. أما بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإني إثر عودتي من دمشق من المجلس الإسلامي الأعلى مريضا، قد أسعدني الحظ بمطالعة أجزائكم الثلاثة: الأول والثاني والرابع من كتاب " الغدير في الكتاب والسنة والأدب " ولم يصل الجزء الثالث أصلا، فلم استطع ان أكتم ما يختلج به ضميري من سرور متواصل، وسعادة غير منقطعة، لأني لا أنكر أن هذا الباب قد طرقه كثير من فطاحل

[ 372 ]

الرجال، إلا أنهم لم يوفوه حقه كما قال الحجة الأميني. فلقد دون آراء لم يستطع الأولون على أن يأتوا بمثلها، فكان كما قال أبو تمام حبيب الطائي: لا زلت من شكري في حلة * لابسها ذو سلب فاخر يقول من تقرع أسماعه * كم ترك الأول للآخر أو كما قال أبو العلاء المعري أحمد بن سليمان: وإني وإن كنت الأخير زمانه * لآت بما لم تستطعه الأوائل إذن لا لوم علي إذا قلت: إن المؤلف قد جمع في هذه الأجزاء الثلاثة من العلوم والآداب ما صير " الغدير " عيدا شاملا لكل مؤمن، لأنه يجد امنيته فيه من علم غزير، وفقه واسع، وأدب جم، فكان المجمع الأقوى لكل طالب علم مهما اختلفت آراؤهم، وتباينت عقائدهم، وتغيرت أفكارهم. فإن كل واحد منهم يجد فيه ضالته المنشودة، بحيث يعجز اللسان عن تبيان ما يدور في خلد كل واحد من أهل العلم، حتى يصلح هذا الكتاب الجسيم أن يكون مقصدا لأرباب الأفكار السامية والغايات المختلفة، بحيث يستطيع كل واحد أن يجد ضالته المنشودة حتى يكون رمزا حقيقيا للمؤمن الصادق لما يجده فيه من سرور متواصل، ونعيم لاتمكن الإحاطة به إحاطة تامة بوجود فرح تام عند قراءة تلك المواضيع السامية، بحيث يمكن أن يكون مرجعا تاما لكل طالب علم أو عالم متضلع مهما تكن آراؤه مختلفة، وعقائده متباينة، لأن ما يحصل من السرور بتلاوة ما كتبه الأفاضل في هذا الموضوع النبيل يصلح أن يكون دستورا خالدا لدى جميع الموحدين. لا ريب بأن كثيرا من فطاحل العلماء لم يدونوا أفكارهم، ولم ينشروا بين الناس ما تشتمل عليه آراؤهم، وما هي عليه من نظام وعمل ينبغي أن يتأسى به كل واحد، ولكن الاستاذ الأميني الحجة قد منحه الله فضلا واسعا حتى استطاع أن يبين ما يجيش به صدره، من حقائق ناصعة وأفكار جميلة وجليلة. ولست في مقام حمده والثناء عليه، ولكن تلك الآثار النبيلة تشهد بفضله

[ 373 ]

الرائع وآثاره القيمة، مما يجعل أهل العلم لا يستطيعون إنكار فضله مهما يكن أحدهم من أهل الفضل والنبل. إني أود أن أتكلم عن كل ما يحصل في صدري أو يختلج به فؤادي، ولكن المقام مقام إيجاز لا إطناب، فلا تلمني إذا دونت شيئا قليلا مما حصل لي من سرور بهذا الكتاب النبيل، الذي جمع علم المتقدمين وأفكار المتأخرين. فإذن لا عتب علي إذا اختزلت الكتابة وكتبت شيئا يسيرا، جزاه الله عنا أفضل الجزاء، وبلغه الحسنى وزيادة وصلى الله على سيدنا محمد وآله الأطهار وسلم تسليما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 25 ربيع الأول 1373 من الداعي محمد سعيد العرفي مفتي محافظة دير الزور، وعضو المجمع العلمي العربي بولس سلامه كتاب تلقيناه من بحاثة المسيحيين شاعر القضاة، وقاضي الشعراء، الأستاذ بولس سلامة البيروتي، يشهد له بالعدل في القضاء، والنضج في الرأي، والنصفة في الحكم، والثقافة في الترجيح، والتقدير للحقائق الإسلامية، والإخبات إلى التاريخ الصحيح، فمرحبا به، وشكرا له على نفثات قلمه الفياض بالغرر والدرر والسبائك المنضدة. ولنا أن نعده ممن استقى من نمير غديرنا العذب، فبرز في ولاء العترة الطاهرة ونظم ملحمته العربية الغراء، وزهت صحيفة تاريخه بما فيها من حقائق ورقائق ودقائق. 19 ذو القعدة 1367 حضرة صاحب الفضيلة الشيخ العليم البحاثة عبد الحسين أحمد الأميني النجفي حفظه الله. تلقيت الجزء الخامس من - الغدير - بعد أن حظيت بالأجزاء الأربعة التي تقدمته، وكان علي أن أسرع في الشكر وفاء لبعض حقك علي، بل على ادباء

[ 374 ]

العرب، بل على التاريخ، فإن المداد الذي يجري من شق يراعك الثبت يستحيل - حين تشرفه بذكر الفاطميين - ألسنة من نور ناطقة بحق آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ اليوم حتى تدول دولة القلم في آخر الدهر ويرث الله الأرض وما عليها. وإنما أعتذر إليك عن تأخيري الجواب اعتذارا يسرك، حتى لتؤثره على أداء الواجب، ذلك اني كنت في الآونة الاخيرة اختلس الفترات التي يهادنني فيها المرض لأنظم " يوم الغدير " في ملحمة تناولت فيها أهل البيت منذ الجاهلية حتى ختام مأساة كربلاء، وقد أربى عدد أبياتها على ثلاثة آلاف وخمسمائة، وجعلت عنوانها " عيد الغدير " وعما قريب سأدفعها للمطبعة (1) ومما قلته في شرح مقطع " حديث الغدير ": وعندي أن أفضل المؤمنين في الغدير وأقدرهم على جمع الوثائق الصحيحة، وأوسعهم نظرا هو العالم الفاضل الشيخ عبد الحسين الأميني النجفي، وهو آية في التنقيب، وعمق الاطلاع وطول الأناة. وهذا يا سيدي الشيخ أقل من القليل بجانب فضلك، ومقابل ما أفدت من مؤلفاتك، ولقد أشرت في الهامش إلى ما أخذته عنك عند الكلام على ابن العاص، ولو استنسبت أن آخذ عن المصادر الشيعية لجعلتك المرجع الأوحد، لأن أسفارك النفيسة ليست فقط مجمع أحاديث بل دائرة معارف يقر فيها البيان، ويطمئن التاريخ، وتنفتح آفاق المعرفة ويخضوضر الشعر، حتى لتغمر القارئ موجة من الغبطة، فلا يشعر إلا وشفتاه تهتفان بلفظتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان: الله أكبر. وقد أخذت - أكثر ما أخذت - عن الثقات من مؤرخي السنة لئلا يكون للمعترضين حجة، ويعلم الله أني لم أقل إلا حقا، فإن من يشرف قلمه بذكر أبي الحسن لأغنى الناس عن ابتداع الأساطير، وإنما يبحث عن قطرة الماء، أو يعتصر الشوك ظامئ يهيم في البيداء، ولكن جار الفراتين والنيل لا يعطش أبدا. والأدله على عظمة أمير المؤمنين - بل أمير العرب - لأجل من أن تحصى، وشأن


(1) طبعت في 317 صحيفة في بيروت في مطبعة النسر 14 كانون الثاني 1947 م. (*)

[ 375 ]

من يحاول حصرها شأن من يبغي التقاط أشعة الشمس، وإنني لأكتفي بواحد منها في هذه الرسالة وهو: أن يتلاقى على حب أهل البيت رجلان: أحدهما شيعي جليل وقف قلمه منذ خمس عشرة سنة على خدمة الحق ولما يزل وهو أنت، وثانيهما هو هذا المسيحي العاجز الذي جاء في الزمن الأخير، وعلة ذلك أن صعيد الحقيقة هو على شاطئ دجلة، وعلى ضفاف الأزرق المتوسط، وإن الحق شعلة من الضياء السماوي، وإنها لشعلة متصلة بالخلود بلا نهاية، بالله. بيروت 22 أيلول سنة 1948 المخلص بولس سلامة كتاب آخر أتانا من بحاثة المسيحيين، القاضي الحر، والشاعر النبيل، الأستاذ بولس سلامه البيروتي، صاحب الملحمة العربية الغراء الخالدة الذكر. فشكرا له ثم شكرا. حضرة صاحب الفضيلة العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني نفعنا الله بعلمه. آمين. كان علي أن أكتب إلى فضيلتكم شاكرا يوم تسلمت الجزء السادس من (الغدير) وقد شرفتموني بادراج رسالتي في المقدمة. وقد اطلعت هذا السفر النفيس فحسبت أن لآلئ البحار جميعا قد اجتمعت في غديركم هذا. أجل، يا صاحب الفضيلة ! إن هذا العمل العظيم الذي تقومون به منفردين لعب ء تنوء به الجماعة من العلماء، فكيف استطعتم النهوض به وحدكم ؟ لا ريب أن تلك الروح القدسية، روح الإمام العظيم عليه وعلى أحفاده الأطهار أشرف السلام، هي التي ذللت المصاعب، وفتحت بصيرتكم النيرة على كنوز المعرفة، تغترفون منها وتنثرون، فيبقى ذخرا للمؤرخين، ومرجعا للعلماء، ومنهلا للشعراء، يسقون منه غراس الأدب كلما لفحها الهجير. ولقد لفت نظري على الأخص ما ذكرتموه بشأن الخليفة الثاني فلله دركم،

[ 376 ]

ما أقوى حجتكم، وأسطع برهانكم ! ؟ فلو حاول بعد هذا مكابر أن يرد تلك الحجج المكينة لكان مثله مثل الوعل الذي ناطح الصخرة. حفظكم الله يا صاحب الفضيلة ! منارة تبعث أضواءها من النجف الأشرف فتنير البلاد العربية، وإني أسأل الله سبحانه أن يطيل حياتكم الثمينة بشفاعة مولانا أمير المؤمنين المرفوع اللواء في الدارين المخلد الذكر إلى الأبد. بيروت 28 ذي القعدة سنة 1368 المخلص بولس سلامة يوسف اسعد داغر كتاب تلقيناه من الاستاذ البحاثة صاحب التآليف الفخمة الناجعة، المسيحي المفضال يوسف أسعد داغر البيروتي. سيدي الأستاذ الفاضل المجتهد الكبير والحبر العلامة الحجة المجاهد عبد الحسين أحمد الأميني المحترم. تحية واحتراما وتجلة، وبعد: إنها لنعمة هبطت علي من علياء يوم جاءتني رسالتكم الكريمة تحدثني بنعمة الله فيكم، وقد كنت أعربت لفريق كريم من الإخوان في النجف الأشرف عما أحمله من تقدير لسيدي الإمام، ومن شوق شديد للتعرف إليه، فإذا بهم يبلغون الرسالة لسيدي الاستاذ، وقد حملوها من أوصافهم ومكارم أخلاقهم ما جعل سيدي يتلطف بتوجيه رقيمه الكريم، مضيفا منة جديدة فوق ماله من منن سابغات. ولم يمض سوى القليل على وصول كتابكم حتى جاءني البريد يحمل إلي ماتكرمتم من رسالة من نمير غديركم الصافي، فوصلني منه الأجزاء الستة الاولى " 1 - 6 " فتقبلتها بشئ من الإعجاب والإكبار، لما يتمثل فيها من علم وجهد وتحقيق وتدقيق، واني لأرجو أن تتموا عارفتكم هذه بالإيعاز لمن يلزم بإرسال الأجزاء الباقية مما ظهر من هذه الموسوعة، التي تمثل أصلا من اصول البحث في

[ 377 ]

تراثنا العلمي وثقافتنا الغالية. لا أستطيع هنا إلا أن أقول كلمة موجزة في هذا السفر العظيم، مع أنه لم يتح لي بعد الوقت الكافي للنظر فيه مليا، ويقتضي تصفحه والمضي فيه أكثر من نظرة عابرة ليخرج منه المرء برأي مركز مؤصل. ان كتابك " الغدير " يا سيدي ! جياش العباب، متلاطم الأمواج، جعلت منه موسوعة تدور حول الشعراء والكتاب الذين ذكروا في قصيدهم ونثرهم " الغدير " وقد استعرضتموهم قرنا فقرنا من قرون الإسلام حتى يومنا هذا، وعقدتم لهم تراجم فيها من شده الاسر والربط ما لا يستغني عنه باحث أو مؤرخ أو أديب، مؤيدين إيرادكم لهم بالوافر من المصادر، بحيث يقع القارئ منها على ذخيرة قل أن اتيح مثلها لباحث من باحثي رجال العصر. وكنت قبل اطلاعي على كتابك هذا، يا سيدي ! وعلى ما فيه من وفرة المصادر وكثرة المراجع والاصول، أعتقد بشئ من الغرور بانه قل بين المتأخرين من خدمة التاريخ الإسلامي والثقافة العربية من قاربني بكثرة الاستشهاد بمصادرهما، فإذا بي بعد أن وقع نظري على ما في سفينتكم من بحر علمكم أطرق بنظري إلى الأرض خسيا خجلا مأخوذا بما وجدت في " الغدير " من خصب وغنى وافر. نعم: هي لمحة أجلتها لماحا في " الغدير " ارتسمت معها على صفحات العين ما في غديركم من صفاء ورواء، وما في جنباته من نور ونور، فإذا به بهجة للعين، ومتعة للقلب، وغذاء للروح، يمثل كله في هذا الأثر الطيب الخالد، تتحفون به الثقافة العربية درة من دررها الغوالي. فو الله لو لم يكن للشيعة في القرن الرابع عشر الهجري غير السيد " الأميني " في " غديره " والمغفور له محسن الأمين في " أعيانه " والعلامة الكبير الشيخ آغا بزرگ في " ذريعته " لكفى من رجال الملة خدمة وهديا لقوم يعقلون. وهذا الكتاب فيما ظهر من أجزائه المتتالية لا يزال ينتظر من صبركم الجميل

[ 378 ]

وبحر علمكم الزاخر ما يمضي به إلى الغاية، فتخرجون بالكتاب على الوجه الذي يرضى عنه موزع الأقدار، وطلاب التاريخ، والعلم الصحيح. فقد جددت في كتابك هذا وراء الحقيقة الناصعة، وبحثت في شعابه عما يكشف النقاب للراغب فيها، لتبدو صبيحة الوجه، واضحة المعالم. هي كلمة سقتها على الطبيعة من لمحة خاطفة أجلتها في " الغدير " على أمر أن أتمكن فيما بعد أن أنظر فيه مليا بعد وصول الأجزاء الباقية، التي أتوقع وصولها قريبا. وسأبعث لكم اعترافا بالفشل بما تيسر من مؤلفاتي، وهي لا تذكر بالنسبة لهذه المفخرة التي قلدتم بها جيد العربية. هذا وفيما أدعو لكم بالتوفيق ودوام نعمة الله فيكم، اقبلوا سيدي ! مع شكري الجزيل فائق احترامي. يوسف أسعد داغر محمد تيسير الشامي مقال أسداه إلينا فضيلة الأستاذ الخطيب البارع الشيخ محمد تيسير المخزومي الشامي، امام الجماعة بدمشق في جامع سيدتنا رقية سلام الله عليها وعلى أبيها الطاهر. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي من علينا إذ بعث فينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آياته، ويعلمنا الكتاب والحكمة، ويزكينا وإن كنا من قبل لفي ضلال مبين، وأشكره أن جعلنا من الذين استجابوا له بالإيمان به، وللرسول باجابة دعوته واتباع سنته، وجعلنا من امة نبيه تدور مع الحق حيث ما دار، ووهب لنا من فضله علما ومعرفة واطلاعا لتصح شهادتنا على الناس، حبانا بالتزكية ليكون الرسول شاهدا علينا. والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا ومولانا محمد وآله، الذي جعل مولاه حريصا علينا، وصيره رؤوفا رحيما بنا، فجزاه الله تعالى بأفضل ما

[ 379 ]

جزى نبيا عن امته، الذي ترك فينا كتاب الله وعترته وأخبر بنجاة من تمسك بهما من امته. ورضي الله تعالى عن الأصحاب والأحباب الذين نالوا شرف رؤيته واقتفاء سيرته، وعلى من اقتدى بهديهم وسار على نهجهم. آمين ز وبعد: لما كان العلم خير ما يؤتاه المرء، وجل ما تصبوا إليه النفس، وكان التطلع والارتقاء لعلياه صعبا مضنيا، والاكتراع من مناهله خطرا مغريا، ويحتاج وارده لتوفيق إلهي أولا، وموافقة وأخذ بالأسباب ثانيا، ليميز بين الغث والسمين، والمستقيم والملتوي، ويعرف الحق من غيره ليصح الأخذ ويسلم. لذلك كان المحتم على طالبه أن يبحث ويدقق ويميز ويقارن جميع ما وصل إليه، ويتشوق لما لم يصل إليه " منهومان لا يشبعان ". ففي يوم من الأيام زارني أحدهم وأجال طرفه بمكتبتي الصغيرة فسألني: هل يوجد لديك كتاب " الغدير " ؟ فأجبته بالسلب، وقد وقع في نفسي اقتناء هذا الكتاب بعد ما سمعت عنه من الإطناب - وهو جدير - إلى أن اتحفني المؤلف حفظه الله تعالى بنسخة منه، فنظرت الكتاب وتصفحته وسبرت غور ما فيه بقدر ما اتسع ذلك عندي، وإذا بي أرى كتابا لا كالكتب، وعقل مؤلفه لا كالعقول، وأيم الله لقد أكبرت فيه كل شئ: من سعة الاطلاع، وترتيب الأبواب لحسن الانتقاء، وفصل الخطاب. من قول متزن، وقلم سيال للتدقيق، ووضوح في العبارة، وصدق في المقال. من إصابة الكشف عن الحق بأوضح دليل لقوة في رد الخصم وإنارة السبيل. فإذا بي اردد قول الله تعالى: * (ما شاء الله لا قوه إلا بالله) * ورأيت لولا التيمن والبركة بتسمية الغدير لكان خليقا أن يسمى بالأبحر السبعة وهو جدير، لأني رأيت أن من أتاه يحسبه غديرا فيرغب في وروده فإذا خاضه يجده بحرا زاخرا فيستخرج منه لحما طريا وحلية يتحلى بها، ولكن لا يأمن سالكه على نفسه إلا إذا تمسك بسفينة النجاة لتقوده لشاطئ السلامة، ألا وهي: آل المصطفى وعترته، وهم أحد الثقلين المنشودين. فهنيئا لك يامن نالتك عناية الله وتوفيقه، فحباك هذا العلم الزاخر لتبز به

[ 380 ]

المعاند والمكابر. وبارك في مجهودك، ونصبك وكلل مسعاك بالأجر والثواب، وجعلني وإياك ومن احب خدام سيدنا أبي تراب (عليه السلام) ونفع الله بغديرك قارئه، وكان الله تعالى لك ولمن آزرك فيه، والحمد لله أولا وآخرا. 20 ربيع الثاني سنة 1375 محمد تيسير المخزومي محمد عبد الغني كتاب ومقال تفضل بهما احد رجالات " مصر " وشخصياتهم البارزة، ألا وهو: الأستاذ الكبير، شاعر " الأهرام " المفلق - محمد عبد الغني حسن - المصري أحد شعراء الغدير (1) فقد ازدانت هذه الطبعة من كتاب " الغدير " بذلك المقال الكريم المعرب عن مكانة الأستاذ في الثقافة، ومبلغه من الفضائل، ومبوئه من النفسيات الكريمة، وتحليه بالشعور الحي والفكرة الحرة الصالحة، وسعيه وراء صالح الأمة، وتوحيد كلمتها العليا، وبث علمها الناجع، واخباته إلى حقائق الإسلام المقدس. ونحن نردف المقال بالكتاب في النشر، ونشفعهما بالشكر المتواصل، كل ذلك تقديرا لقلمه السيال، ويراعه الثبت، وكلمته القيمة، وإعجابا بروحه الشاعرة، حياه الله وبياه. نص الكتاب القاهرة / 7 من ربيع الأول سنة 1372 25 من نوامبر سنة 1952 سيدي الأستاذ العلامة الكبير عبد الحسين أحمد الأميني السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فلقد أسعفتني لحظات قصار من


(1) يأتي شعره وترجمته في شعراء القرن الرابع عشر إن شاء الله، وله في تقريظ كتابنا هذا قريض عسجدي نشرناه في مفتتح الجزء الثامن. (*)

[ 381 ]

الصحة التي تروح وتجئ بكلمات قليلة ضئيلة من كتابكم " الغدير " الذي يتضاءل أمامه كل كلام مهما كان. وكم كنت أود لو أمكنتني العافية المولية عني هذه الأيام من إطالة الوقوف مع غديركم حتى أستطيع أن اؤدي نحو هذا العمل العظيم ما يليق به من الدراسة والتحليل، ولكن عذري معي، ومعي - فوق ذلك - من جميل مغفرتكم ما أرجو به قبول الكلمة المرفقة بهذا تحت عنوان " في ظلال الغدير " تاركا لفضيلتكم أمر نشرها كما تشاءون. والله يجزيكم أحسن الجزاء ويوفقكم إلى إتمام هذا العمل الذي تنوء به العصبة أولو القوة. محمد عبد الغني حسن نص المقال في ظلال الغدير ليس في هذا العنوان أثر لروح شاعرية، أو جنوح إلى عاطفة من عواطف الخيال المقتنص، أو ميل إلى شوارد التعبير عما يجول في الخاطر الكليل... وإنما هي حقيقة ناصعة الوجه واليد واللسان حين نقرر أن القارئ " للغدير " يفئ منه إلى ظل ظليل، ويلتمس عنده من راحة الاطمئنان، وحلاوة القرار، ورضا الثقة ما يجده المرء حين يأوي إلى الواحة المخضرة بعد وعثاء السفر، في بيداء واسعة المتاهات، فيجد في ظلالها انس الاستقرار، وسلامة المقام، ودعة المصير. ولن أكون في هذه الكلمة جانحا إلى خيال، أو محلقا في أجواء من التصور الحالم، أو الوهم الهائم... ولكنني سأجتاز هذا " الغدير " عابرا، مفكرا، مقلبا النظر في صفحاته الرجراجة بكل فكرة، المتموجة بكل مبحث، مستخرجا من اصفى لآلئه، وأكرم عناصره ما يعينني عليه تقليب النظر في شطآنه، وإطالة الفكر بين دفتيه، وكثرة الوقوف على مباحثه، كما يقف العربي على الديار التي لم يبلها القدم... ولقد بلغ الجزء الأول من " الغدير " ما حسبت معه أن الجهد قد أوفى فيه على الغاية، واستشرف على نشر الكمال في صفحاته التي تساوي أيام السنة

[ 382 ]

الهجرية عدا... وقد كان بحسب العلامة المكب الدؤوب الجليل الأستاذ " عبد الحسين الأميني " أن يرضا منه بحث " حديث الغدير " بجزء واحد أو بجزأين أو ثلاثة يستوفي فيها الكلام عن رواة " حديث الغدير " من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وطبقات الرواة من العلماء إلى عصرنا هذا، والاحتجاج بالحديث، وتحقيق سنده وروايته، ودلالته على تأكيد الولاية للإمام علي كرم الله وجهه، سواء أكان ذلك المفهوم مشتقا من حرفية الحديث، أو مستفادا من آيات القرآن الملابسة للحديث حين نطق به الرسول الكريم على مرأى ومسمع ومشهد من الصحابة. نعم، قد كان بحسب العلامة " الأميني " هذا حين يحتج لحديث الغدير - غدير خم - وحين يحقق روايته وسنده... ولكنه ذهبت في البحث عن " الغدير " وراء كل مذهب، وجاوز في تعمق الدرس والتقصي كل حد معروف عند المؤلفين حين يؤلفون، وعند الباحثين حين يبحثون... نعم: لقد مضى " الأميني " الجليل في البحث على طريق وعر المسالك، متشعب النواحي، كثير المسائل، ولم يزده السير في الطريق إلا مواصلة في السير، كوجه البدر المنير يزيدك حسنا إذا ما زدته نظرا... ورأينا كتاب " الغدير " يمتد به الطريق إلى أجزاء تسعة ضخام، تبلغ من الصفحات بضعة آلاف... ولا يزال الكتاب ينتظر من صبر العلامة " عبد الحسين " وإكبابه وتوفره على التغيير والتنقيب ما يمضي به إلى الغاية التي يستهدفها المؤلف، حتى يتم الكتاب على الوجه الذي يرضى عنه الله، والعلم الصحيح، والضمير السليم. وقد يكون العلامة " الأميني " النجفي مشربا بحب الإمام علي وشيعته حين يبذل من ذات نفسه، وحين يبذل من ماء عينيه ما يبتغي به الوسيلة عند أهل البيت العلوي الكريم... وقد يكون في عمله هذا مستجيبا لنداء المذهب الذي يدين

[ 383 ]

به.. فإن الحب يفرض على المحب من الالتزامات والارتباطات ما يسقط به وجهه الاعتراض. ولكن الحق الذي يجب أن يجهر به: أن العلامة الاستاذ " عبد الحسين الأميني " لم يكن محبا متعصبا، ولا ذا هوى متطرف جموح، وإنما كان عالما وضع علمه بجانب محبته لعلي وشيعته، وكان باحثا وضع أمانة العلم ونزاهة البحث فوق اعتبار العاطفة.. ولا يلام المرء حين يحب فيسرف في حبه، أو حين يهوى فيشتد به الهوى.. ولكن اللوم يقع حين تميل دواعي الهوى بالمرء عن صحيح وجه الحق.. وما كان أستاذنا الجليل في شئ من هذا، وإنما كان باحثا وراء الحقيقة، كاشفا النقاب عن وجهها معنيا نفسه بالوصول إليها سافرة الوجه، واضحة المعالم. ونجد في الجزء الأول من " الغدير " رواة الحديث من الصحابة رضي الله عنهم، وقد رتبهم المؤلف وفق حروف الهجاء، فبلغوا مائة وعشرة من أجلاء أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يبتدئون بأبي هريرة، وينتهون بأبي مرازم يعلى بن مرة بن وهب الثقفي. والمؤلف هنا لا يكتفي بذكر أسماء الرواة من الصحابة، بل يذكر الكتب التي جاء فيها هذا الحديث مسندا إلى الصحابي، ثم لا يكتفي بذلك بل يذكر أجزاء الكتب، وأرقام الصفحات. هكذا يجد المتصفح " للغدير " سيلا وافرا بل بحرا زاخرا من الكتب: كاسد الغابة والإصابة، وتهذيب التهذيب، والاستيعاب، وتاريخ بغداد للخطيب، وتهذيب الكمال، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، والبداية والنهاية لابن كثير، ونخب المناقب، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجة، وعشرات من كتب الحديث والتفسير والتاريخ التي روى فيها الرواة من الصحابة حديث الغدير. فإذا فرغ المؤلف من ذكر طبقات الرواة من الصحابة انتقل إلى الرواة من التابعين، ثم من العلماء مرتبا هؤلاء الأخيرين وفق ترتيب الوفيات قرنا فقرنا،

[ 384 ]

مبتدئا بابن دينار الجمحي، ومنتهيا برواة الحديث في عصرنا الحديث. ولما كانت واقعة الغدير - غدير خم - من الحقائق الثابتة التي لا تقبل الجدل وكان الحديث - حديث الغدير - مما كاد ينعقد إجماع الأمة الإسلامية - سنة وشيعة - على صحته، فقد حدث الحجاج به ومناشدته بين الصحابة والتابعين، ولهذا عقد العلامة عبد الحسين فصلا في المناشدة والحجاج بحديث الغدير. وممن احتج به فاطمة بنت الرسول، والحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وعمر بن عبد العزيز، والخليفة المأمون العباسي. ولما كان حديث الغدير بلغ من الصحة والتواتر وقوة السند مبلغا لا يحتاج معه إلى إثبات مثبت، أو تأييد مؤيد، فقد كان المؤلف الجليل في غنى عن أن يخص صحة إسناد الحديث بفصل، فإنة لا يصح في الاذهان شئ إذا احتاج النهار إلى دليل... لكنه جرى في المنهج العلمي على سنن الجادة، واستقامة القصد فذكر في صفحة 266 وما بعدها كلمات الرواة والحفاظ حول سند الحديث. فالترمذي يقول في صحيحه إن هذا حديث حسن صحيح. والحافظ ابن عبد البر القرطبي يقول بعد ذكر حديث المؤاخاة وحديثي الراية والغدير: هذه كلها آثار ثابتة. وهكذا يمضي في هذا الفصل حتى يستوفي كلمات الحفاظ حول سند الغدير. وعلى الرغم من مقاربة الإجماع على صحة حديث الغدير، فقد نظر إليه بعض رجال المسلمين نظرة تخالف منعقد الإجماع... وهنا يظهر صاحب كتاب " الغدير " في مظهر المحب الغاضب... الغاضب على مخالفيه، فيوقفهم موقف المقاضاة، وينزلهم منزل المحاكمة، بل يعقد فصلا عنيفا عن " ابن حزم " الاندلسي الذي فتح الباب واسعا حول الشك في صحة الحديث. ولو أن كتاب " الغدير " كان احتجاجا لحديث غدير خم، وتأييدا لصحته، وتبيانا لرواته وطرق روايته على مر العصور، وإثباتا لما يستفاد منه من معنى الولاية للإمام " علي " لكان بذلك كافيا، ولكن العلامة الأستاذ " عبد الحسين

[ 385 ]

أحمد " أراد أن يجعل من " الغدير " بحرا متلاطم الأمواج، جياش العباب... وشاء أن يجعل منه موسوعة كبيرة تدور حول الكلمات الطاهرة التي نطق بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي كرم الله وجهه، فأثبت الشعراء الذين ذكروا الغدير في قصيدهم، وعطروا بذكره أنفاس أشعارهم، وصاحبهم المؤلف الدؤوب في موكب رائع الجلال من عهد النبي صلوات الله عليه إلى القرون الإسلامية قرنا فقرنا. فهو يذكر في كل قرن شعراء الغدير فيه وذكر غديرياتهم، ولا يكتفي بذلك كله، بل يترجم لهؤلاء الشعراء تراجم لا يستغنى عنها مؤرخ أو باحث أو أديب: ثم لا يكتفي بذلك، بل يذكر المصادر الكثيرة الموزعة لهؤلاء الشعراء، فيقع القارئ من هذه المصادر على ذخيرة من المعرفة بالكتب قل أن تتاح لباحث من باحثي زماننا هذا. ولست هنا مبالغا في تقدير هذه التراجم، فترجمة الشاعر " الكميت " مثلا من شعراء الغدير في القرن الثاني قد بلغت ثلاثين صفحة من الجزء الثاني، حتى كادت تصلح أن تكون في ذاتها كتابا قائما بدراسة " الكميت " وترجمة " السيد الحميري " الشاعر قد بلغت من الجزء الثاني ستين صفحة، وهي ترجمة تلم بأطراف الشاعر وتضعه في الإطار الذي يخصه بين شعراء عصره. وترجمة " ابن الرومي " في الجزء الثالث من " الغدير " تبلغ 26 صفحة. وقس على هذا بقية مواكب الشعراء. وليس العبرة في طول التراجم واتساع صفحاتها.. ولكن العبرة في هذا الصبر العجيب الذي تابع به المؤلف حياة الشعراء الذين يترجم لهم، فقد رجع علامتنا الجليل حين كتب عن " ابن الرومي " إلى عشرات من الكتب في القديم والحديث، وجمع أخباره ونوادره من مصادر لم يطلع عليها الأكثرون، ولم يكد يفوته كتاب واحد ذكر فيه " ابن الرومي " بخير أو شر... حتى مجلة الهدى العراقية، وكتاب الأستاذ عباس محمود العقاد. وعلى ذكر المراجع والمصادر نود أن نسجل للحق أن مؤلف " الغدير "

[ 386 ]

الجليل قد أحاط منها بما لا يحيط به إلا من رزقه الله قدرة وصبرا وحسن وقوع على الموارد، فهو حين يترجم مثلا لأبي تمام الشاعر في الجزء الثاني من " الغدير " يذكر اسماء الأعلام الذين شرحوا ديوان الحماسة، فيبلغون سبعة وعشرين... يبدأون بأبي عبد الله محمد بن القاسم، وينتهون بالمرحوم الشيخ سيد بن علي المرصفي من رجال الأدب في زماننا هذا، وهو حين يذكر المؤلفين من أخبار أبي تمام وترجمته يعد عشرات يبدأون بأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر من رجال القرن الثالث الهجري، ويبلغ في زماننا هذا الدكتور عمر فروخ من كتاب عصرنا الحديث. هذا هو " الغدير " في نظرة عاجلة، أعجلني بها من امر الزمان وشغل الحدثان ما كنت أود أن تطول معه الوقفة وتعمق النظرة، ولكن علامتنا الكبير الاستاذ " عبد الحسين أحمد الأميني " حري أن يغفر لصديقه السني المصري ما لم يسعفه به زمانه. واسأل الله أن يجعل من هذا الغدير الصافي صفاء لما بين أهل السنة والشيعة من اخوة إسلامية، يتجهون بها في كتلة واحدة وبناء مرصوص، إلى الحياة الحرة الكريمة التي يعتز بها الإسلام، ويعلو بها في العالم مقام. والله يوفق أستاذنا العلامة الجليل محمد عبد الغني حسن الغدير يوحد الصفوف في الملأ الإسلامي قد يرى خدن الدجل ممن خالف الحق وخابط الغي بادهان وايهان وجه الحلية في أن يرمي جهودنا الجبارة في إعلاء كلمة الحق وإصلاح المجتمع إلى تفريق الكلمة، وفصم عرى التوحيد في الشعب الديني، لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الامور، لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، ولعمر الحق نحن لا نبالي قط بالتوصيب والتصعيد ولا نصيخ إلى تلكم الجلبة واللغط، ولا نكترث لكل

[ 387 ]

دمدمة وهمهمة، من أي ابن قوال مذماذ تجاه نداء الحق الصراح، نداء كتاب الله العزيز، نداء الإسلام المقدس، نداء المشرع الأعظم، بعدما تلقاه بالقبول ملوك الإسلام أصحاب الجلالة، بعدما لبى نداءنا زعماء الدين، وأعلام الامة، وقادتها، وساستها، وامراؤها، وأستاذتها، في الحواضر الدينية، واقتفت هذا الأثر الكريم من اولئك الأفذاذ وغيرهم زرافات وامم، وأتتنا من مختلف الطبقات صفوف موحدة تحت لواء ولاء العترة الطاهرة صلوات الله عليهم، وهدوا إلى الطيب من القول، وهدوا إلى صراط الحميد، وقالوا: ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون. الغدير في مصر هذه صحف الإسلام الغراء في أرجاء العالم من المجلات والجرائد وهي ألسنة الامم الناطقة، ومقياس شعورها الحي وحسها المشترك، تجد في طياتها حول الكتاب عقودا منضدة، وجملا ضافية في الإطراء والثناء عليه، وتقدير ما فيه من الأبحاث القيمة والدروس العالية، وفي مقدم تلكم الصحف مجلة " الكتاب " البيضاء المصرية التي تمثل معارف عاصمة الشرق الأوسط " القاهرة " فمديرها الاستاذ " العادل " يسقي قراءها كأسا دهاقا من سلسل بيانه، ويعرب عن كتابنا وعن مبلغه من العلم، ومقداره من العظمة، ومحله من التحقيق في عدد بعد عدد (1). وتتلوها رسالة تلك الامة الإسلامية الراقية مجلة " الرسالة " الغراء (2) في سنتها الثامنة عشر بنشر ما جادته قريحة شاعر الأهرام المفلق الاستاذ البحاثة محمد عبد الغني حسن (3) صاحب التآليف الممتعة، من الإعراب عما في نفسه من تجليات الحق وأنوار الهداية المقتبسة من صفحات الغدير، ونحن نشكر الجميع


(1) من العدد الرابع من سنتها الأولى سنة 1364 ه‍ وهلم جرا وقد نشرنا من تلكم الكلم القيمة كلمة في الجزء الثالث ط 2. (2) العدد ال‍ 882 الصادر يوم الاثنين 11 شعبان سنة 1399 ه‍. (3) من شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته في شعراء القرن الرابع عشر ان شاء الله تعالى. (*)

[ 388 ]

ونعيد إلى قصيدة الاستاذ العصماء جدتها، وهي آية محكمة في الوحدة والوئام، تعرب عن البخوع إلى الحقائق الراهنة، وتدعو إلى توحيد الكلمة مهما اختلفت المذاهب، وإلى الإئتلاف تحت راية الإسلام وحب أهل البيت الطاهر " هي المسك ما كررته يتضوع " ألا وهي: حي الأميني الجليل وقل له * أحسنت عن آل النبي دفاعا أرهفت للدفع الكريم مناضلا * وشهرت للحق الهضيم يراعا وجمعت من طول السنين وعرضها * حججا كآيات الصباح نصاعا وأذيت من عينيك كل شعاعة * كالنور ومضا والشموس شعاعا وطويت من ميمون عمرك حقبة * تسع الزمان رحابة وذراعا ونزلت ميدان البيان مناضلا * وشأوت أبطال الكلام شجاعا ما ضقت يوما بالدليل ولم تكن * بالحجة الغراء أقصر باعا * * * لله من قلم لديك موثق * كالسيل يجري صاخبا دفاعا يجلو الحقيقة في ثياب بلاغة * ويزيح عن وجه الكلام قناعا يشتد في سبب الخصومة لهجة * لكن يرق خليقة وطباعا وكذلك العلماء في أخلاقهم * يتباعدون ويلتقون سراعا في الحق يختلفون إلا أنهم * لا يبتغون إلى الحقوق ضياعا يا أيها الثقة الأمين تحية * تجتاز نحوك بالعراق بقاعا تطوي إليك من الكنانة أربعا * ومن العروبة ادؤرا ورباعا إنا لتجمعنا العقيدة امة * ويظمنا دين الهدى أتباعا ويؤلف الإسلام بين قلوبنا * مهما ذهبنا في الهوى أشياعا ونحب أهل البيت حبا خالصا * نطوي القلوب عليه والأضلاعا يجزيك بالإحسان ربك مثلما * أحسنت عن يوم " الغدير " دفاعا هذه القصيدة نشرتها مجله البيان النجفية الغراء أيضا في عددها ال‍ 78 من

[ 389 ]

سنتها الرابعة ص 174، وشطرها النطاسي المحنك الأستاذ ميرزا محمد الخليل النجفي صاحب كتاب " معجم أدباء الأطباء " نشر مع الأصل في مجله " البيان " الغراء في عددها ال‍ 80 من سنتها الرابعة ص 223 ونحن نذكر التشطير في ترجمة الاستاذ الخليلي باذن الله تعالى. الغدير في حلب ومن نماذج ما أسلفناه من الدعوى كتاب كريم أرسله عاقد سمطه من حلب إلى العلامة الحجة الشيخ محمد الحسين المظفر النجفي، وقد أهدى إليه مجلدات الغدير فمازجت روحيات الكتاب نفسه الكريمة، وانكفأ مرتويا بزلاله العذب، واثقا بحجته القويمة، وهو إمام جمعة وجماعة في أريحا من نواحي حلب، يتدفق فضلا ويكاد يسيل لطفا، ويتقد ذكاء، وكانت أمانة شيخنا المظفر تصده عن أن يجيز لنا في نشر ذلك الخطاب على صفحات الغدير، فراسله مستجيزا، ولم يزل متريثا حتى وافاه الإذن الصريح، فإليك صورتي الإذن والكتاب المبين من فرغ سبائكه في بوتقة البيان، ألا وهو الأستاذ الناقد البصير الشيخ محمد السعيد دحدوح، ونتقدم إليه بالشكر أولا وأخيرا. صورة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي وفقنا لحب أهل وده، وغرس في قلوبنا احترام وتفضيل العترة الطاهرة والشجرة الباسقة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، والتي من أخذ بأفنانها ووصل حبله بأسبابها ارتقى من الدنيا والآخرة على غيره، وصلاة الله وسلامه على سيد الوجود محمد صلى الله عليه وآله وصحبه الطيبين، وكل مولود يتصل فرعه بأصله، ويدل فعله على قوله، لم يخالف أمرا، ولم يجترح منكرا وكان مؤيدا لوحيه (عليه السلام) وآخذا بنصحه.

[ 390 ]

سيدي المفضال ! أرسلت تخبرني بأنك رأيت أن ترسل لي الغدير الكبير بدلا من الجدول الصغير، وأعلمتني أن قيمته وإن غلت وعلت فإنني عندك أغلى وأعلى، والحقيقة هو أن ذاتك الصافية وشخصيتك المثلى تجلى نورها على مرآة نفسك الطاهرة، فانعكس ضياؤها على لوح وجودك، وتراءى لك من شعاعها ونورها ما حدثتني به وأنت الصادق، ولكن ينبوعه أنت وليس له نبراس سواك، أدامك الله لي وللناس سراجا وهاجا، وجعلني عند حسن ظنك ووفقني وحببني إلى من يحبه ويرضاه ورضي عنه. سيدي أخذت " الغدير " وقرأته وقبل أن أصل عبابه عمت فيه، وغرفت منه، وذقت طعمه، فإذا هو الغدير الأول بماء غير آسن، يفيض عذوبة أصفى من قطرات المزن، ومدامة أعبق وأطيب من شذا المسك، وألذ من كل شراب. ولولا من وضع حوله السدود، وأقام أمامه الحواجز من العصور الاولى لكان مضيئا على وجه البسيطة وينتفع به خلق الله أجمعين. وما أعظمه من غدير وقف فيه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يوصي اصحابه وامته بابن عمه ويحضهم على التمسك بهديه وراء زوج ابنته الزهراء ووالد السبطين عليهم الصلاة والسلام. ولكن، كان أمر الله قدرا مقدورا، وتلك امة قد خلت، ونحن الناشئة إن عتبنا على الأولين، فإن عتبنا على الخلف أشد وأعظم، وعلى المؤرخين الجدد من أبناء عصرنا هذا أهل السنة أوسع وأكبر. كنا نسمع من أساتذتنا أساتذة الأخذ والتأليف عفى الله عنهم إن كانوا لا يعلمون: إن قصه الغدير اسطورة صنعها الشيعة، وأيدها ملوكهم لحوائج سياسية. وهذا مبلغنا أو مبلغهم من العلم إذ ذاك، أما في زمننا هذا وبعد ما قرأت بعض فصول وأبواب وأجزاء الغدير، أراني أمامي بحر زاخر لا غدير سائل فيه اللؤلؤ والمرجان والدر الوضاء، نعم، فيه الحجة البالغة، وفيه البرهان الصريح، وفيه العلم الوافر، وفيه ما ليس في وسعي أن أحصيه واعدده، كلها تنطق: ان

[ 391 ]

الناس مهما أرادوا أن يحجبوا ضوء البدر، ومهما أتوا بسحب وعوارض تمنع إضاءته، فليس في مقدورهم، طالما خلف (المرتضى) (عليه السلام) أمثالكم شيعة باعت لذائذ الحياة وترف الزمان، وعكفت على تأييد الحق، وإظهار الصواب، وهدي التائه، وإرشاد الضال، بكل ما اوتيت من قوة. فنعم السلف والخلف، أنتم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه مرضيا عنه، ومنهم من يعمل خدمة للإسلام حتى يرى ربه بوجه طلق سجيح ويلقى هناك النبي والصدقين والشهداء والمجاهدين وحسن اولئك رفيقا. نعم: وقفت امام ثبج " الغدير " وخضت غماره، وسبحت فيه، فإذا أمامي مشاهد التاريخ، وأفلام الزمان، وأقلام المؤلفين، وفصول الكتب، ونشيد الشعر، وأريج الحديث، كلها تدلني على أن الغدير حق ليس بمختلق، وأن الناس يقولون ما لا يعلمون، إما ابتغاء للفتنة، أو تقربا للملوك الظالمين، أو جبنا عن النطق بالصواب والواقع، فجزى الله مؤلفه " عبد الحسين " وحفظه وأبقاه سيفا صارما مسلولا ومنارا للحق، وجزاك أنت يا سيدي المظفر ! على معروفك الذي لا يتناهى والذي ورثته عن آبائك الطاهرين الميامين. سيدي المظفر ! أرجوك إرسال بقية الأجزاء، وأخبرني عن ثمنها، وإن من يطلب الحسناء لم يغله المهر. وكان بوسعي ومن واجبي أن ارسل لكم الثمن قبل هذا التحرير، ولكن رأيت ان ذلك ليس بصحيح، فإن من الأشياء أنواعا لا تقدر بثمن، ولا تدخل تحت قويم أهل العرف، فكيف بغدير تغنى بمدحه الشعراء، وألف المؤلفون، وانزل فيه: * (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) *. أرجوك تبليغ الأخوين الجليلين والشبلين الكريمين سلامنا وسلام الوالد والأهل والأحباب وكل من يود أن يرانا ونراه، خصوصا صاحب " الغدير " ومؤلفه، وخبره إننا نحترم جهوده، أبقاه الله وأبقاكم للحق أنصارا، وللعلم منارا، ولآل النبوة شيعة تذبون عنهم إفك المفترين، وتظهرون فضلهم الواضح الوضاء

[ 392 ]

الذي لعبت ببعضه - إن لم أقل أكثره - أيدي العابثين، والسلام في البدء والختام من المعترف بمعروفكم ومن هو بمحمد وآله عليه وعليهم الصلاة والسلام (سعيد) في الحياتين. خادمكم محمد سعيد دحدوح 5 ربيع الأول سنة 1370 وفق 14 / 12 / 1950 صورة الإذن بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وعلي وعلى إخوانه والأنبياء وآله الأصفياء وصحابته الأتقياء وكافة المؤمنين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، لقد وصلني كتابك الكريم المؤرخ 20 ربيع الأول سنة 1370 وجزءا الغدير: الثالث والرابع. والغدير في الإسلام (1) فجزاكم الله عني وعمن سيستفيد منها خير ما جزى العالمين العاملين. سيدي المظفر ! أرسلت تخبرني ان كتيبي الذي ذكرت به " الغدير " ببعض مزاياه راق عندك وحسن لديك - وهذا من فضل ربي ومن حبك في - حتى جعلك تذهب به إلى العلامة مؤلفه أبقاه وأبقاكم الله للحق أنصارا ولآله حصنا. وهو حفظه الله كرما منه وتشجيعا ومكافأة فوق إحسانه " والبحر يمطره السماء وماؤه من مائه " طلب منك أن تسمح له بنشره، ولكنك تخبرني تواضعا منك ولا يضرني أمره وكلمه ومتنه فإنك تقدمه وهو سينشره في الجزء الثامن بنصه وفصه. وما أحلاها ذكرى ؟ وما أجملها بشرى أخبرتني بها أيها السيد ؟ وكيف لا اريد أن يسجل اسمي السعيد، بحبكم وحب آلي وآلكم آل العترة (عليهم السلام) ؟ ويبقى


(1) تأليف العلامة الفذ الشيخ محمد رضا فرج الله، مر الإيعاز إليه ج 1: 157 ط 2. (*)

[ 393 ]

كلامي الداثر في غدير زاخر، كلما شرب منه مؤمن وعاقل ارتوى إيمانا وامتلأ يقينا وعلما وصدقا، تذكر مؤلفه ومقرظه ومادحه بالخير والدعاء. وهل كان الزمان يجود لي بمثل هذه المكرمة ؟ لولا استاذي صاحب الفضل أولا وآخرا علي وعلى أولادي ومن سيخرج من أصلابنا وأهل بلدي العقلاء. ولقد ورثكم الآل (عليهم السلام) أخلاقا ما رأينا مثلها على سواكم، اللهم إلا النزر القليل من الخلص الأتقياء، ويا سيدي ! قديما كنا نسمع: أن الرجل الصادق هو الذي يدلك على الله حاله لا مقاله، ولم نكن نفهم معناها، أو لم نكن نرى صدق مبناها إلا حينما أشرقت الشهباء بطلعتكم، وعندما أرسلتم تخبرني وتستشيرني بأمر أنت المنعم به علي. وفي الختام تقبل سلام من لا يزال على العهد مقيما. تلميذك ومحبك محمد سعيد دحدوح ربيع الأول 1370 وفق 7 / 1 / 1951 كتاب كريم اتانا من الاستاذ الفذ الشيخ محمد سعيد دحدوح، أحد أئمة الجمعة والجماعة في حلب " غر الفوقاني " والكتاب كغيره مما بعثته الينا يد ولائه من ألائكه الغراء تطفح من جوانبه بينات ثقافته وحريته في الرأي الصالح، وتحلية بمكارم الأخلاق، وبخوعه بحقائق التاريخ الناصعة، وسيره، وراء العلم المرئ، وتجرده عما يشين المرء من النزعات الوبيلة، وتزحزحه عن الانكباب على بهج القول والهوى السائد. فقد زينا هذه الطبعة من " الغدير " بكتابه العزيز تقديرا لمكانته، وإعجابا بذلك الخطاب المبين، مشفوعا بشكر غير مجذوذ. الأميني

[ 394 ]

نص الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومجتباه وآله وصحبه ومن والاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سيدي العلامة الأوحد والحجة الجليل الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي حفظه الله وأبقاه. وصلني كتابك المؤرخ 23 الماضي في غرة الحاضر وقرأت وأكبرت فيك تلك الأخلاق الكريمة والسجايا، والولاء الأكيد، والحب السعيد، والنفسية الطاهرة، والشمائل الباهرة، التي نمت وربت بحب آل البيت الأطهار، وأعطت اكلها، وأظهرت نتاجها، وفاح عبير حبها، وعبيق ياسمين ودها، فأرج الأرجاء، وعم الآفاق، وجعل حديث المحبين يفوح من شذاه المسكي وريحه الطيب ندا وعبيرا. سيدي أبيت إلا أن تتحفني بتقديم " الغدير " في طبعته الجديدة، ولم ترض مني عذرا، وأنا كنت احب ان أتحف " الغدير " بغير هذه الكلمة بدراسة واسعة بعد أن تنتهي من طبعه كله، وبعد أن يطلع عليه كافة الادباء وجميع أهل الخبرة بالتاريخ وأدواره، ولكن نزولا عند رغبتك ارسل هذه الجمل وأنا العليم بعجزي الآن عن ايفاء ما للغدير من حق علي، وما لصاحبه من عمل قدمه لرواد الحقيقة وطلاب البحث الحر. الغدير كلمة عذبة، ولفظ جميل، اطلق على مؤلف ضم وجمع ما قيل عن تلك الوقفة التي وقفها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد انصرافه من حجة الوداع يعلن لذلك الجم الغفير والجمع المحتشد ما " لعلي (عليه السلام) " من مكانة عنده بعد أن رباه وأنشأه، وما هو عليه من فضائل ومحامد أهلته أن يكون وصيا، وجعلته إماما بعد الرسول وخليفة

[ 395 ]

هاديا مهديا، يأخذ بالناس إلى الطريق المستقيم والمهيع الحق. فالغدير ألف هذا، والغدير يحدث حول ما قيل في هذا البحث، وكشف للناس امورا كانوا غافلين عنها - وإن كانت في الكتب - وعن أنباء أصبحت نسيا منسيا، فأظهر صورها من كتاب الله - دامت قدسيته - وسنة نبيه الذي لا ينطق عن الهوى، وقول المحدثين والمفسرين، وكلام أهل السير والتاريخ، ونثر الادباء وقصائد الشعراء. ولم يكتف بما قيل سابقا من هذا، ولم يقنع بما سطرته أقلام القرون الاولى، حتى صال وجال وتوسع بتراجم الرجال، وامتد إلى كل بحث يمت بصلة ما إليه، وينسب بوشيجة مضارعة ومشابهة بوجه من الوجوه معه. فهو موسوعة تذكر كلام المادح والقادح والمحكم والمتشابه، ثم يدحض كل حديث مفترى، وقول مشين، واعتقاد فاسد، ولفظ دخيل، وجملة نكراء، اريد بها إلصاق تهم باطلة، وآراء فاسدة بالمرتضى علي (عليه السلام)، وبوالده شيخ الأبطح أبي طالب، وأهله، وذويه، وأبنائه، وأحفاده، وذريته، وعترته، وأشياعه، وأتباعه الأموات والأحياء، ما هم براء منها، وبين ما للإمام علي (عليه السلام) من خصائص وما للأوصياء من مزايا وفضائل بكلام مسهب، وسياق رصين، وسباق متين. هذا ما لمسته من " الغدير " حينما أرسل إلي بعض أجزائه العلامة محمد الحسين المظفر حفظه الله وأبقاه صاحب المؤلفات النافعة الدالة على رجحان عقله وقوة بيانه، والذي رأيت فيه فكر العلماء، وثقابة العرفاء، وأخلاق الخيار، وسمة الصلحاء الأبرار. وهذا الذي جعلني أمرح وأسر حينما علمت بتجديد طبع أجزائه الاول لأنني على علم بنفادها، وعلى اطلاع انها تحوي أبحاثا جمة، وعلما وافرا، وامورا كانت كأن لم تكن، ولكن بنشرها بالغدير عاد للعالم ما فاته، وللباحث ما يرجوه، وللمؤرخ ما يجهله، وللمفكر ما يستند عليه عقله، ويستنتجه من أسباب وأحوال.

[ 396 ]

فالغدير دعم امورا، وأزال أوهاما، وأقر حقائق، وأثبت اشياء كنا نجهلها، ودحض أقوالا مشينا عليها قرونا عديدة ونحن نقول: اي هكذا خلقت - لا نعلم لها مأتى ولا نفكر بأسرارها. والحوادث يجب أن تعطينا أخبارا تجعلنا نبني عليها صرحا متينا من التفكير والتعمق بما جرى وما وقع. وكل ذلك أصبح من الضروري للباحث أن يعلمه ويفقهه لا ليثير خلافا، ولا لينبش أحقادا، وإنما ليبين للناس ما هو الحق ؟ ! ومن هم شيعة المرتضى ؟ ! ومن أين أتاهم ذلك الحب للبيت الطاهر النبوي ؟ ! وما منشأ العاطفة ؟ ! وما هي الأشياء التي نسبت إليهم إفكا وزورا ؟ ! نعم للباحث أن يعلم هذا ويسير وراء الوعي ويدع العاطفة جانبا، ويأخذ من أخطاء الماضي درسا للحاضر ووصايا لأبناء هذا الجيل تكلمهم: أن الخلاف منشأ التفرقة، وأن التباغض معول يهدم الوحدة، ويقضي على الاعتصام، ويدع المسلمين لاحب بينهم ولا إخاء يجمعهم، كل يعمل لمصلحة قومه، وتدعيم آراء من يحب، ويدعون ناحية الأخلاق، ولا يقيمون لها وزنا. فبالاخلاق تعرف الامم، وبالأخلاق يكون السمو، وعليها يبنى العز، وبغيرها فلا نجاح لنا، وطالما الرسول الأعظم وآله الأطهار دعونا إليه وحضونا على التمسك بالاتحاد، والقرآن ينادي: * (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) * ويقول: * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) *. * (وتلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم) * * (ولا تزر وازرة وزر اخرى) * * (واتقوا وكونوا مع الصادقين) *. وإنني لا يسعني قبل أن يجف القلم إلا أن أقوم بما يجب علي من تقديم الشكر والثناء على جهود مؤلفه العلامة الحجة سماحة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي على ما أسداه للعصر وللأجيال مؤلفه، مما يدل على غزارة علم، ووفرة فهم، واستطلاع واسع، واستقراء بعيد المدى، وسبك بارع، فجزاه الله أحسن الجزاء، وجعل مؤلفه يدعو إلى الحقيقة وإلى الوحدة معا، وبغيته جمع الكلمة

[ 397 ]

والاعتصام بالثقلين: الكتاب الكريم والعترة الذين طهرهم الله من الرجس والآثام تطهيرا. وفي الختام تقبل سلام أخيك ومحبك 4 ربيع الاخر 1372 21 / 12 / 1952 محمد سعيد دحدوح الشيخ علاء خروفة خطاب تفضل به فضيلة الاستاذ الكبير علاء الدين خروفة خريج الأزهر بمصر، والحاكم في بعض المحاكم الشرعية في العراق: بسم الله الرحمن الرحيم سماحة العلامة الجليل الشيخ عبد الحسين الأميني حفظه الله وأطال بقاءه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأسأل الله سبحانه أن يصل إليكم كتابي هذا وأنتم في صحه جيدة وراحة تامة. أيها الاستاذ الأجل ! في غفلة من تحكم سلطان الدروس الأزهرية، وفي وقت لست أدري كيف سمح ؟ وكيف استطعت أن أتغلب عليه ؟ قرأت ستة أجزاء من كتابكم " الغدير " فاعترتني دهشة لم تزل آثارها بادية علي ولن تزال.. إذ ما كنت أظن ان عصرنا هذا يجود بمحقق علامة يستطيع أن يجرد همة قعساء، وعزيمة لها مضاء السيف، فيدفع عن مذهبه سهاما مفرية وتهما متتابعة، وجهت إليه منذ القدم. أجل: ما كنت أظن أن هذا العصر الذي طغت عليه المادة، واتسم بالسرعة في التأليف، والسطحية في البحث والتنقيب، ينهض فيه رجل كأنه امة في نفسه،

[ 398 ]

فيأتي بهذا السفر الجليل، الذي لا تأتي بمثله عصبة مجتمعة من الأعلام الراسخين في العلم. حقا ان الإعجاب بالمجهود الذي بذلمتوه في هذا الكتاب الفريد، وما حوى من تحقيق علمي رائع، وبحث في بطون الكتب، لا يزال آخذا من نفسي كل مأخذ، وان هذا الإعجاب نفسه هو الذي يحدوني إلى أن ابدي لسماحتكم بعض الملاحظات، ولن ينقص ذلك من قيمة كتابكم - ومن ألف فقد استهدف - كما اني لا اريد أن أبخسه حقه، فصوت القرآن الكريم دائما يرن في اذني هاتفا: * (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) * ولقد سجلت تلك الملاحظات حين كنت أقرأ الكتاب في القاهرة على قصاصة من الورق، غير أني لا أدري أين نسيتها، إلا أنني ابادر فاذكر لكم انها ليست لها كبير أثر، أو عظيم خطر، ما عدا واحدة لا زالت عالقة في ذهني، وهي: انكم قد عنونتم في الجزء السادس لوقائع كثيرة ب‍ " جهل عمر " والقصص التي رويتموها صحيحة غاية الصحه، وهي مدونة في كتب السنة، وقد مر علينا كثير منها، إلا أنني أرى ان العنوان كان فيه قسوة بالنسبة لشخصية يكن لها ملايين المسلمين احتراتما وإجلالا.. ولقد كان بي ظمأ شديد، وشغف زائد، وشوق لا يوصف لمعرفة فقه الشيعة وأصول مذهبهم، فلما قرأت تلك الأجزاء الستة من كتابكم ساعدتني على معرفة الحقائق التي كانت محورة في الكتب التي رددت عليها في الجزء الثالث، وكانت تلك الأجزاء خير عون لي على كتابة مقالات انتصرت فيها للشيعة ورددت فيها على مجلة الأزهر، وقد نشرت في مجلة السعد التي تصدر بالقاهرة، في صحيفة الاهرام كبرى الصحف المصرية (1) وقد لقيت بعد نشرها بعض ما يلقاه كل منصف، وكل مدافع عن الحق، أو عامل على وحدة المسلمين. هذا ومذ كان بودي أن اكتب إليكم من القاهرة مبديا إعجابي وتقديري غير


(1) تعرف هذه الجمل الملأ العلمي الديني كاتبها علاء الدين بنفسياته الكريمة، وملكاته الفاضلة، وحريته في الرأي، وفكرته الصالحة في الدفاع عن الحق، وسعيه وراء الصالح العام، وراء العلم الناجع، وراء الدعوة إلى التوحيد الصادق والوحدة الحقة، ضد فئة من كتاب محدثين متسرعين. (*)

[ 399 ]

ان زحمة الدروس حالت بيني وبين ذلك. ولعل الأيام تسمح لنا بلقائكم والتعرف على شخصكم بعد أن استفدنا من علمكم الغزير. أدامكم الله سبحانه ذخرا للعلم، ووفقكم لما فيه خير المسلمين أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. المخلص علاء الدين خروفه من علماء الأزهر 13 ربيع الأول 1357 سلمان الدواح كتاب ضاف جاءنا من الأستاذ العزيز سلمان عباس الدواح الزبيدي من ناحية الكميت، يحتوي على معان فخمة يطري بها كتاب " الغدير " ويشكر جهودنا في تأليفه، ويذكر موقف الملأ الديني تجاهها، ومن جملة قوله: فقد تصفحنا سفركم الغدير بأجزائه الثمانية فوجدناه سفرا جليلا ضم بين طياته آيات الحق الواضحة والبراهين الساطعة، التي إن دلت فإنما تدل على مدى حبكم لآل البيت وتفانيكم في سبيل إظهار الحق ومحق الباطل. سيدي ! لقد أظهرتم - ولست بمبالغ - للملأ الإسلامي خاصة سفرا عجز عن مثله السابقون وقد يعجز عنها اللاحقون، فما سعيكم طيلة حقب كثيرة مضت، وما اجتيازكم عقبات جمة صادفتموها أثناء التنقيب والتفتيش عن البراهين والحجج القوية، التي تثبت بدورها غايتكم التي تريدون إثباتها وإظهارها للملأ، ما هو إلا أن تظهروا ذلك السفر بمظهره اللائق به، وحقا فقد جاء كما أنشدكم. " الغدير " يا سيدي هو ذلك الكتاب الزاخر باللآلي الوضائة التي تكشف عن الحقائق المطمورة، وظهور تلك الحقائق بدوره يذهب كل باطل ظاهر، فكم من ضال اهتدى بنور ذلك السفر الجليل وآب إليه عقله، وكم من متحمس إلى إظهار لواء الحق إلا وقد ورفع راسه عاليا بفضل هذا الكتاب الجليل. إلخ. سلمان عباس الدواح الزبيدي 10 رمضان 1370 ه‍ ناحية الكميت 15 حزيران 1951 م

[ 400 ]

وهناك عدة كتب في تقريظ " الغدير " أتتنا من بعض الأعلام والأساتذة الأفذاذ، أرجأنا نشرها إلى آونة اخرى، نقدم للجميع شكرنا الجزير المتواصل منها: تقاريظ قيمة - 1 - أخذنا بيد التكريم كلمة طيبة مشحونة بالدرر والدراري لشيخنا الأجل بقية السلف الصالح حجة الإسلام آية الله سماحة الحاج الشيخ آغا بزرگ الطهراني حياه الله وبياه صاحب التأليف الضخم الفخم " الذريعة في تصانيف الشيعة " فشكرا له وألف شكر. - 2 - تشرفنا برسالة رائعة تفضل بها الشريف المفضال، حلف الفضيلة والصلاح، خدن الورع والتقوى السيد نور الدين الموسوي الجزائري نزيل كربلاء المشرفة، فله الشكر متواصلا غير مجذوذ. - 3 - أتانا كتاب كريم من لدن شريف فذ، نسخة الفضيلة، ومنبسق العلم والأدب ألا وهو السيد جلال الدين الموسوي الطاهري نزيل قم المشرفة، يطفح من جوانب كتابه الأدب الرائق كما تتدفق منه البلاغة والفصاحة، فشكرا على يراعه الثبت ومزبره السيال. - 4 - القي إلينا خطاب يحوي جمل الثناء من المنسجم والنظم المنضد من صاحب الفضيلة والأدب الجم، والورع الموصوف الشيخ موسى ابن العلامة الأوحد شيخنا الشيخ هادي المرندي الغروي، حيا الله الوالد وما ولد. ولعلي أتوفق لنشر هذه الكلم القيمة بنصها وفصها في مستقبل أجزاء كتابنا هذا والله ولي التوفيق وله الحمد.

[ 401 ]

المجلات الغدير في صحيفة الكتاب قرأنا في اعداد مجلة " الكتاب " الغراء المصرية الصادرة بالقاهرة تقريضا بعد تقريظ لاجزاء كتابنا هذا، تشف عن مكانة صاحبها الاستاذ الكبير عادل غضبان، ونوقف الملأ على كلمته المنشورة في عددها الخامس من السنة السابعة شعبان 1371 ه‍ - 1952 م واليك نصها. الغدير في الكتاب والسنة والأدب لا يزال مؤلف هذا الكتاب - الحجة الثبت - ماضيا في إمام بحثه عن موضوع الغدير - غدير خم - وما يتصل به من مباحث في الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، والأدب العربي، على مختلف العصور، وقد بلغ المؤلف في شعراء الغدير إلى القرن التاسع الهجري في الجزء السابع من الكتاب، وأما ثامن الأجزاء فلم يتسع لشعراء الغدير في القرون التالية، فقد ملأه المؤلف ببحوث ضافية في مسائل كثيرة من الشريعة والتاريخ، وهي تبين وجهة النظر الشيعي التي يجب على أهل السنة أن يعرفوها على وجهها الصحيح، وأن يأخذوها من منابع سليمة غير مشوهة ولا محرفة، فقد يعين هذا الفهم الصحيح لوجهات النظر المتباينة على تقريب الشقة بين المسلمين، تقريبا تقوى به كتلتهم، وتتوحد صفوفهم. والمؤلف في هذا الجزء الثامن هو بعينه في الأجزاء السابقة تمكنا من الموضوع، وإحاطة به من جميع نواحيه، وسعة اطلاع على ما صغر وكبر من المصادر، ومتابعة للمؤلفات العربية في القديم والحديث، ويقظة بالغة لكل ما ينشر في الصحف والمجلات والرسائل والكتب.

[ 402 ]

تقاريض منضدة أتانا شعر كثير في تقريظ الكتاب من الاساتذة والشعراء، نظراء: العلامة الشيخ قاسم محيي الدين، والنطاسي المحنك ميرزا محمد الخليل مؤلف كتاب - معجم ادباء الأطباء - والخطيب السيد علي الهاشمي مؤلف كتاب - محمد بن الحنفية - والفاضل الفذ الشيخ علي السماوي، والخطيب المغفور له الشيخ محسن أبي الحب الحائري طاب ثراه، والأستاذ الفاضل الشيخ أسد حيدر النجفي. ونحن نشكر الجميع ونرجئ ذكر قريضهم إلى تراجمهم الآتية في شعراء القرن الرابع عشر إن شاء الله تعالى. ونقتصر الآن - مشفوعا بالشكر - على ما جاءت به قريحة العلوي الشاعر السيد رؤوف جمال الدين، وشاعر أهل البيت المكثر الشيخ محمد رضا الخالصي، والأستاذ عبد الصاحب الدجيلي صاحب كتاب - شعراء العراق -. قال السيد آل جمال الدين: - 1 - (بنت الحقيقة في كتاب الغدير) بنت الحقيقة اسفرت عن وجهها * ما بين أسطره وشع سناها أبدت محياها الجميل وقبله * كانت غياهب باطل تغشاها تلك الحقيقة في " الغدير " فحيها * إن كنت ذا عقل وخذ بهداها كانت محجبة يشق حصولها * واليوم قد برزت لمن يهواها برزت برغم (حسودها) وضاءة * أعظم (بمن) في جهده أبداها

[ 403 ]

كم معول للحقد رام بناءها * هدما فلم يفلح بهدم بناها سبعون ألفا ضيعوا ميثاقها * تبا لهم من جهلهم معناها سدلوا عليها الستر من أحقادهم * سفها وهل تخفى ذكاء ضياها ؟ ويل التعصب كم به حق خبت * أنواره أو بدعة أحياها لا منصف يعطي الحقيقة مالها * في ذمة الوجدان أو يرضاها بنت الحقيقة في علو مقامها * جذلانة في فعل من والاها يهوى الحقيقة منصف لا ينثني * عن حبها أو يعشقن سواها مثل (ابن أحمد) من غدا متجاهرا * في نصرها لا يحذرن عداها بذل النفيس لوجهها لا ينبغي * أجرا فنال الفوز في إحياها إيها حليف الحق كم من بدعة * كانت محجبة كشفت غطاها أظهرتها بين الملا كي يعرفوا * أين الهدى ثاو وأين عماها ذاك (الغدير) وقد تضمن معجزا * يبقى مدى الأعوام لا يتناها فاهنأ بذكر لا يزول وفي غد * دار النعيم تفوز في سكناها آل جمال الدين - 2 - وقال الشيخ الخالصي: إن (الأميني) شآ من مضى * بسعيه المشكور بين الورى آيات فضل الله قد فصلت * رتلها في الناس من أبصرا عليم علم لم يزل مده * يطفح حتى أخجل الأبحرا لله مفضال بتأليفه * حاز العلى والمجد والمفخرا لا يبلغ المعشار من فضله * ما دحه ما عاش أو أكثرا ولا يوفي الكيل في مدحه * الشاعر إن عمر ما عمرا لا خيب الرحمن آماله * وكلما في القلب قد أضمرا قد أزهق الباطل إرشاده * والحق للنظار قد أسفرا * * *

[ 404 ]

غديره السادس بحر طمى * فيه من اللؤلؤ ما أبهرا سفر حوى أسرار قدس بها * اصبح منها الهدى نيرا من ذا الذي ممن قضى قبله * كمثل ما حرر قد حررا ؟ روضة آداب بأزهارها * والله (عصر النور) قد عطرا وكلما قلبت أوراقه * شممت من أوراقه عنبرا كتاب تاريخ لأهل الحجى * عن سير الماضين قد أخبرا ما سرح الطرف به كامل * إلا لعينيه به أسهرا اسأل ربي أن يريني الذي * بعد ويأتي بالهدى مشعرا وثامن الأجزاء من بعده * وما يليه بعده أن أرى وأتحف الله بنعمائه * جامعة المفضال بين الورى دامت أياديه وأيامه * مابلت السحب أديم الثرى أدامه الله لنا مرجعا * وللخفايا بيننا مظهرا لله من فذ بانواره * أشرق وجه الشرق مستبشرا أوضح للضلال نهج الهدى * وكان بالتمويه قد سترا أصدر أسفارا باصدارها * أصبح من قد ضل مستبصرا لله من مجتهد نيقد * أبدع والله بما أصدرا الشيخ محمد رضا الخالصي - 3 - وقال الأستاذ الدجيلي: ألا حييت من فذ ظليع * سديد الرأي منقطع القرين تغوص على المعاني الغر فردا * لتلقى الناس بالدر الثمين تحدثنا - وأنت بنا أمين - * لذاك دعيت بالحبر " الأميني " كتابك في الغدير (غدير خم) * تضم به البحور من الفنون وما يوم " الغدير " سوى شعاع * سرى لينير في دنيا ودين تمر به القرون وما سواه * جدير بالخلود مدى القرون

[ 405 ]

التقاريظ المنضدة لجمع من الشعراء وهذا العلامة الأديب الشاعر السيد محمد جمال الهاشمي، يمجد العلامة الأميني ويكرمه في غديره، وبمناسبة الاحتفال بيوم عيد الغدير الأغر سنة 1366 ه‍ ثم يعرج إلى يوم العهد المعهود يوم الولاية الكبرى، الذي صدع به الرسول الكريم بالتبليغ بأمر من الله سبحانه وتعالى في نصب علي بن أبي طالب أميرا للمؤمنين وخليفة لرسول رب العالمين. اقتطفنا منها محل الشاهد والحاجة، وإليك مطلعها: يحتفي الخلد فيك مجدا وفخرا * فتطاول على السماكين قدرا واقتحم ساحة الحياة بعزم * يهرب الموت منه خوفا وذعرا لك من روحك العظيمة جيش * يهزم الحادثات كرا وفرا والذي يغمر الليالي ألطافا * سيحيى في صفحة الأفق فجرا وبعد 75 بيتا عرج على يوم الغدير.... وقال: الغدير الغدير ذاك نشيد * رددته العصور سجعا وزمرا هدهدته السماء للأرض روحا * ملكيا يفيض قدسا وطهرا * * * الغدير الغدير، ذلك سفر * خالد في الحياة، قدس سفرا دبجته يراعة الناقد الفحل * فلم تبق فيه للب قشرا أظهرت ما اختفى، وأخفت عيونا * قدست في الورى خداعا ومكرا إن يكن يصلح الخلود وساما * " فالأميني " فيه أولى وأحرى السيد محمد جمال الهاشمي النجف الاشرف 18 ذي الحجة الحرام 1368

[ 406 ]

وهذه قصيدة شاعر الأهرام محمد عبد الغني حسن حي الأميني الجليل وقل له * أحسنت عن آل النبي دفاعا أرهفت للدفع الكريم مناضلا * وشهرت للحق الهضيم يراعا وجمعت من طول السنين وعرضها * حججا كآيات الصباح نصاعا وأذيت من عينيك كل شعاعة * كالنور ومضا والشموس شعاعا وطويت من ميمون عمرك حقبة * تسع الزمان رحابة وذراعا ونزلت ميدان البيان مناضلا * وشأوت ابطال الكلام شجاعا ما ضقت يوما بالدليل ولم تكن * بالحجة الغراء اقصر باعا * * * لله من قلم لديك موثق * كالسيل يجري صاخبا ودفاعا يجلو الحقيقة في ثياب بلاغة * ويزيح عن وجه الكلام قناعا يشتد في سبب الخصومة لهجة * لكن يرق خليقة وطباعا وكذلك العلماء في اخلاقهم * يتباعدون ويلتقون سراعا في الحق يختلفون إلا أنهم * لا يبتغون إلى الحقوق ضياعا * * * يا أيها الثقة الأمين تحية * تجتاز نحوك بالعراق بقاعا تطوي إليك من الكنانة أربعا * ومن العروبة أدؤرا ورباعا إنا لتجمعنا العقيدة امة * ويظمنا دين الهدى أتباعا ويؤلف الإسلام بين قلوبنا * مهما ذهبنا في الهوى أشياعا ونحب أهل البيت حبا خالصا * نطوي القلوب عليه والأضلاعا يجزيك بالإحسان ربك مثلما * أحسنت عن يوم " الغدير " دفاعا هذه القصيدة نشرتها مجلة البيان النجفية الغراء أيضا في عددها ال‍ 78 - من سنتها الرابعة ص 174، وشطرها النطاسي المحنك الاستاذ ميرزا محمد الخليلي النجفي صاحب كتاب " معجم ادباء الاطباء " نشر مع الاصل في مجلة " البيان

[ 407 ]

الغراء " في عددها ال‍ 80 من سنتها الرابعة ص 223، ونحن نذكر التشطير في ترجمة الاستاذ الخليلي باذن الله تعالى. - 2 - للخطيب الشهير الشيخ كاظم آل علي خطيب عفك: كانوا ثلاثة بالعصور الماضية * نصروا عليا نصرة متماديه غير الأولى في مالهم وسيوفهم * حفظوا الوصي كلاءة متواليه هذا الفرزدق أولا في مكة * نصر الأئمة في بيوت ساميه والثاني الأقساس في منظومة * أبياته للحشر فينا باقيه وأبو فراس نصره بقصيدة * ميمية طعن الأسنة شافيه (1) والرابع المعروف ما بين الورى * كالشمس رائعة النهار الضاحية وهو " الأميني " الأمين مؤلف * كتب " الغدير " فما لها من ثانيه كتب تقاعست الورى عن مثلها * تدع العدى أعجاز نخل خاويه روض ترى فيه مغارس للهدى * وقطوفها في كل آن دانيه كانت مآثر دونها ستر العمى * أظهرتها فينا فعادت هاديه أنت الذي أنقذتنا وتركتنا * أحلاف مجد بالحضارة راقيه أنت الذي أتعبت نفسك هاديا * بك امة المختار أضحت ناجيه يا صاحب السفر الكريم الا استمع * مدحا تهادى نحو قدسك زاهيه أولاك رب العالمين مثوبة * عن عدها زمر الخلائق نابيه كاظم آل علي - عفك - 3 - لشاعر أهل البيت المكثر الشيخ محمد رضا الخالصي الكاظمي. " الأميني " فقيه نيقد * ماله في عصرنا من مشبه


(1) الشافية اسم قصيدة أبي فراس الحمداني. (*)

[ 408 ]

زانه الله بأبراد التقى * حق أن يفتخر الشرق به كم غدير ياله بين الورى * طافح تروي الملا من عذبه له كلمات ضافية وشعر كثير في تقريظ الكتاب نذكر شطرا منها في ترجمته. محمد رضا الخالصي - الكاظمية - 4 - للاستاذ الفذ السيد شمس الدين الخطيب الموسوي البغدادي: ألفظ ؟ أم لئال ؟ أو عقود * تنظم ؟ أم هو الدر النضيد ؟ ونور ؟ أو سطور ؟ أو علوم * يميط لثامها العلم النجيد ؟ " غدير " والبحور تفيض منه * ببرهان به ؟ الجحود الى ان قال: تخير من صحابته كريما * يقوم مقامه حتى يعودوا وما من غزوة أو جمع صحب * ولم يك فيهم لهم عميد فكيف لربه يمضي ولما * يعين من تقام به الحدود ؟ وهذا النص يوم " غدير خم " * جلي لا يغطيه الجحود غداة رقى على الأحداج هاد * وحيدر دونه وهم شهود وقال لهم: الا من كنت مولى * له فعلي مولاه الرشيد ونص الذكر أوضح في بيان * لذي عقل له رأي سديد فقد جعل الولاية بعد طه * لمن صلى ويركع إذ يجود شمس الدين الخطيب - بغداد - 5 - للشاعر المكثر المجيد الحاج الشيخ محمد الشيخ بندر - عفك - أ " عبد الحسين " جمعت الغدير * بعزم يجل عن الواصف

[ 409 ]

تتبعت آثار أهل الحديث * تتبع ذي حكمة عارف ورحت بمنظارك المستنير * تميز الصحيح من الزائف فنلت بسعيك شأو الكرام * وحزت التليد مع الطارف فجاء " غدير " فصل الخطاب * ينير المحجة للعاسف هتفت به عن لسان الهدى * فبوركت للحق من هاتف فلله درك من نيقد * ولله درك من قائف (1) فإن يجحد الحق بعد (الغدير) * فلا تعجبن من الحائف (2) ولا تعجبن إذا أمعنوا * فرقص الطروب من العازف (3) فإن لكل اناس هوى * وذا ديدن الجاهد الآنف فبشراك " عبد الحسين " الأمين * بنور هدى سفرك الكاشف فأجرك عند إمام الهدى * ومثواك في ظله الوارف وبشرى لشيعته بالنجاة * فمحض ولاه حمى الخائف - 6 - للفاضل البارع الحاج الشيخ محمد الباقر الهجري نزيل النجف الأشرف: فكر من الحق المبين أضاءا * زانت به دنيا العلوم رواءا وزها به جو الحقيقة والهدى * مذ شع في افق الجلاء ضياءا منحته أو سمة الخلود عقيدة * وضعته في لوح العلا طغراءا إيه أمين الحق خلفك أمة * ترنو إليك تحاول الإصغاءا هذا " غديرك " والصواب ممازج * لنميره يشفي الصدور ظماءا يا صاحب القلم الذي بسموه * زاد البيان مكانة وعلاءا صور من الأوهام ضاق بها الفضا * زيفتها فجعلتهن جفاءا


(1) القائف: الذي يتتبع الآثار ويعرفها. (2) حاف حيفا فهو حائف: جار وظلم. (3) العازف: المغني. (*)

[ 410 ]

وكشفت عن وجه الحقائق أسدلا * بصحائف التاريخ كن سناءا وبعيني التنقيب ثم غشاوة * فكشف عنها بالحجاج غشاءا خلدت في صحف الزمان مآثرا * تبقى على مر العصور ثناءا يا صاحب القلم الذي ببيانه * قد أعجب البلغاء والفصحاء أبرزتها لهبا يجول فيرتمي * حرقا على قلب العتي عناءا وجلوتها دررا يروق سناؤها * ونظمتها فكرا يشع بهاءا ونثرتها وتروم أنت بنثرها * جمع القلوب تآخيا وصفاءا فسموت عن مدح القصائد رفعة * وفم الزمان يثيبك الإطراءا محمد باقر الهجري - نزيل النجف الأشرف - 7 - للشاعر المبدع الشيخ محمد آل حيدر النجفي مطلعها: بشرى لقلبي في ولاك إذا اهتدى * مذ لاح لي قبس ذبالته الهدى كرمت فيك (أبا الحسين) نوابغا * هصروا العقول على ولائك سؤددا وتلمسوا غيب السماء فما رأوا * إلاك بابا للحقيقة موصدا (1) الى أن قال: ايه أمين الشرق والدنيا فم * ألهمته لحن السماء فغردا وفتحته بيد أبر من الحيا * فأتاك يحمد بابتسامة اليدا ذهن تلاطفه السماء بلطفها * وتنيله مقل الكواكب موردا وتود لو رفعتك في أحضانها * روحا بأشباح الوجود تجسدا سبحانك اللهم كم من مبدع * ذابت خواطره على قبس الهدى أأخا اليراع الحر حسبك رفعة * أن قد حملت رسالة لمن اهتدى كم نابغ ملك الحياة بفكره * ومفوه سحر القلوب بما شدا


(1) ان مولانا أمير المؤمنين هو باب الله المفتوح الذي لا يسد. (*)

[ 411 ]

فلسوف تحتفل الأعاصير منك في * اقصوصة للحق شاسعة المدى ستعرف الأجيال عن لغة السما * أن كيف عاش النابغي مخلدا * * * ايه أمين الشرق ! ما حادت بك * النزعات مغرضة إلى حيث الردى كم راح يزرع في طريقك شوكة ؟ * من رحت تلبسه العلا والسؤددا الى أن قال: ويداك يحتضنان كل فضيلة * لحياته مذ حاد عنك ونددا وغرست حبتك التي قد أنبتت * في الأرض سبع سنابل كي يحصدا وقتلت نفسا لو جرى نفس الضحى * من فوقها لمشى الهوينا واهتدى لا غرو إن الشمع يقتل نفسه * طمعا لأى يحيا سواه ويخلدا محمد آل حيدر - النجفي كتب أتتنا من عفك أتانا كتاب من الشاعر الشريف السيد نعمة السيد حسون البعاج صدره بجمل الثناء الضافية على كتابنا " الغدير " وشفعها بقوله: فأي غدير جاء والبحر دونه ؟ * غديرك بحر لا يساجله البحر فإن قلت إن البحر باهى بدره * ففيه عقود لا يماثلها الدر ثم ختمه بأبيات راجيا أن تنشر في هذا الجزء ألا وهي: كتاب " الغدير " جليل خطير * وفيه لعمري بلوغ الأرب ذكاء وسرنا على ضوئها * لقصد إليه الورى تقترب أعبد الحسين ! ويا حاويا * جماع الكمال وعقد الأدب هلال الكمال بافق العراق * توارى زمانا وعنا احتجب ومذ جاءنا بالغدير البشير * بدى مشرقا بعدما قد غرب فقأت عيونا غداة به * أعدت لقوم ليالي الطرب

[ 412 ]

فهذا " الغدير " لنا منهل * لصادي الفؤاد شراب عذب فأين الجواهر منه تكون ؟ * وأين اللجين وأين الذهب ؟ فسفر هدى فاق أضرابه * هو الرأس حقا وهن الذنب وجدنا " الغدير " لنا شافيا * يزيل العناء وينفي النصب وفيه الكفاية عن غيره * ولا فقر بعد إلى من كتب فإن كنت تنوي به قربة * هنيئا فهذا أجل القرب وإن كنت تنوي به غاية * فقد نلت فيه لذاك الطلب نعمة السيد حسون البعاج - عفك كتاب آخر تلقيناه من الشاعر العلوي النبيل السيد يحيى السيد داود الشرع صدره بقوله: الحق أبلج وضاح لطالبه * كالشمس بادية في الافق للنظر والفضل يرجع في العصر الحديث لمن * بسفره قد أتى عن محكم السور ذاك (الأميني) قد لاحت معاجزه * فكان نور هدى في عالم البشر وقفاها بفصول الإطراء، وختمه بارجوزة تربو على أربعين بيتا يذكر فيها كتاب " الغدير " وبعض مصادره، ارجأنا نشرها إلى آونة اخرى. كتاب ثالث أخذناه من الشاعر المبدع يحيى صالح الحلي افتتح كتابه بقوله: أنرت بسفرك هذا الجليل * طريق الهداية للمجحف وأوضحت اكذوبة الجاحدين * فلاح لنا منك سر خفي ثم سبك عقود القريظ، وسرد كلمة منثورة في إطراء " الغدير " وتخلص منها

[ 413 ]

بأبيات على بحر رجز. فله وللشريفين الشكر المتواصل منا غير مجذوذ. كتاب رابع أتانا من الخطيب الشاعر الشيخ كاظم آل حسن الجنابي بعفك وإليك نصه نظما ونثرا: سماحة العلامة الأكبر، شيخنا المعظم الشيخ عبد الحسين الأميني المحترم بعد تقبيل أناملكم والسلام عليكم والدعاء لكم بالخير اقدم إليكم أبياتا نظمتها بدافع ديني لا اريد أن اقرظ بها كتاب (الغدير) الأغر الذي عجز عن تقريظه وإطرائه أعلام الفقه والفضيلة، وفطاحل العلماء، ولم يحط بوصفه عباقرة الكلام وصيارفة الأدب، وكيف يطيق شاعر مفلق أو ذو يراع ملهم أن يحد نعته ويحيد بكنهه ؟ وهو نسيج وحده، نسجته يد القدرة، وصاغته كف العناية، وصفحته عين اللطف، فجاء بحمد الله فريدا في بابه، بليغا في خطابه، أصاب قلب الغرض، وكشف وجه الحقيقة، وأماط عنها دياجير الظلم، وغياهب الإجحاف، فليس باستطاعتي والحالة هذه تقريظ مثل هذا الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن أنا وما قدر إمكاني يا سيدي ! حتى أتصدى لمدح (الغدير) الذي نبت عن وصفه قرائح الشعراء وأقلام الكتاب ؟ ولكني إنما أردت بأبياتي هذه - إن راقت سيدنا الأميني - أن يتفضل بنشرها لتكون لي ذكرى خالدة بخلود غديرنا الصافي. سألوني عن " الغدير " اناس * أين كان " الغدير " قبل الأميني ؟ قلت: كان الغدير في سجن غي * صفدته قيود إفك ومين وغدا في السجود من يوم خم * يوم قال الإله: أكملت ديني قد أتاه " الأميني " لما دعاه * مستعينا فياله من معين فجزاه الإله خير جزاء * أوضح الحق في كتاب مبين وإذا بالغدير بين يدينا * فيه تبيان كل شئ دفين فيه ما تشتهي النفوس وفيه * ما تلذ العيون راي العيون

[ 414 ]

فرحة الصادقين فيه وفيه * ترحت الكاذبين حق اليقين يا كتاب " الغدير " أبهجت منا * مذ تلوناك كل قلب حزين سوف تبقى بغرة الدهر نورا * خالدا في الوجود طول السنين وسلام على مؤلف سفر * فاق فضلا رجال كل القرون الشيخ كاظم آل حسن الجنابي تقاريظ منضدة لجمع من شعراء الغدير - 1 - للعلامة الجليل الشيخ محمد السماوي صاحب التآليف الممتعة: إن الأميني وافى * بروضة وغدير أدار كأس ولاء * فديته من مدير في مرتقى خم لا في * خورنق وسدير وراح يصدح فيها * بنغمة وهدير بالنص من روح وحي * من القديم القدير وقول خير نبي * أو نظم حبر جدير حتى تولى فأرخ *: ابهاج حق الغدير 1365 ولشيخنا السماوي مقال حول الكتاب ننشره في مستقبل الأجزاء مشفوعا بالشكر. - 2 - للخطيب المفوه الشيخ محمد علي اليعقوبي النجفي صاحب " البابليات ": لأحمد يوم خم في علي * نصوص جئن بالذكر المبين أتى الروح الأمين بها متونا * فأوضح شرحها قلم الأميني - 3 - للخطيب الشاعر الشيخ حسن السبتي النجفي صاحب " الكلم الطيب ":

[ 415 ]

أبدى الأميني لنا كتابا * سفرا فما الانجيل والزبور ؟ آيات فضل فيه محكمات * في حيدر عنوانها الغدير اتى بهن للنبي نص * جبريل في تبليغه بشير فضيلة من فضله براه * وفضله كعلمه غزير لنا أفاض منهلا نميرا * عذبا رويا ماله نظير أودع في أوراقه علوما * باهرة منها يشع نور - 4 - للشاعر المفلق الحاج محمد الشيخ بندر - عفك -: أعبد الحسين بلغت المنى * بتأليف هذا الغدير الأغر جمعت فأوعيت مستقصيا * فضمنته غاليات الدرر وأثبت بيعة يوم الغدير * لزوج البتول أبي المنتظر بنص النبي بآي الكتاب * بأجلى بيان وأهدى أثر فجاء كشمس الضحى مشرقا * وهل تنكر الشمس بين البشر ؟ فما عذر جاحد نص الغدير * وقد أيد النص أهل السير ؟ لئن خالفونا وهم يعلمون * فقد خالفوا الله فيما أمر - 5 - لشاعر أهل البيت المكثر الشيخ محمد رضا الخالصي الكاظمي: أيها المرتقي سنام الفخار * أنت مولاي آية الجبار أغديرا أريتنا ؟ أم محيطا * ليس فيه لساير من فرار ؟ أم رياضا تزهو بزهر نضير ؟ * أم سماء تشع فيها الدراري ؟ أم جنانا أشجارها مثقلات * بثمار من أطيب الأثمار ؟ أنت في الكون قد نشرت علوما * كن قبل (الغدير) تحت ستار أنت مهدت للأنام سبيلا * مهيعا يستنير بالأنوار

[ 416 ]

أنت ألبستنا ملابس عز * ووقار وسؤدد وافتخار أنت أودعت في غيرك درا * حسنه يزدري لآلي البحار أنت أحرى بأن تنادي بصوت * تسمع العالمين في الأمصار (تلك آثارنا تدل علينا * فانظروا بعدنا إلى الآثار) دم لك الخير بالغدير مهنا * وسيجزيك حيدر الكرار وله من كتاب تفضل به علينا: يوم الغدير لم يزل * إلى المعاد عيده في كل عام واجب * على الورى تجديده قل للذي يجحده * قد ظهرت شهوده أظهرها من قد غدا * يهدي الورى وجوده ذاك " الأميني " الذي * ليس يرى نديده عبد الحسين ذو التقى * من أشرقت سعوده من منهل أرخته * (ساغ لنا وروده) وله من كتاب آخر كتبه إلينا: قل للأميني حليف التقى * بلغك الله أمانيكا غديرك الطافح سلساله * برد أكباد محبيكا ما نظرت عيني إلى ما حوى * إلا وأكبرت أياديكا لو أنصف السابر أغواره * لحار في وصف معاليكا أوضحت للناس طريق الهدى * إذ فاضت الحكمة من فيكا دمت مدى الأيام في غبطة * وأرغم الله أعاديكا ويقول فيها بعد عشر أبيات: ويا غديرا ساغ لسلاله * أخجلت البحر لآليكا

[ 417 ]

دمت مدى الدهر لنا موردا * حيا إله الخلق منشيكا تلقينا منه رحمه الله تعالى عدة قصائد حول كتابنا تعرب عن ولائه الخالص للعترة الطاهرة صلوات الله عليهم جزاه الله عن ولائه وعنا خيرا. الرثاء العلامة الأميني واخيرا: رثاء الولد المفجوع عنوانها إلى أبي قصيدتان رثا بهما الابن المفجوع بوالده وهن " هذا ابي "، " وأبا الغدير " للدكتور الشيخ محمد هادي الأميني واليك هذين البيتين منهما: ما الشعر هذا سوى دمع اليتيم جرى * من عين مضطرم الأحشاء مضطرب * * * إن الرثاء دموع طالما هطلت * على الخدود تبث الوجد واللهبا هذا أبي (1) أورى افتقادك قلب الدين باللهب * فراح يبكي دما من شدة النوب وهد رزؤك مجد العلم واخترمت * معاقل السنه الغراء والأدب من محجر الدين سال الدمع من حزن * عليك يا من غدا للعلم خير أب نبكي على راية التأريخ تحملها * بالأمس واليوم قد لفت من الوصب وحوزة العلم تبكي فقد مرشدها * إذ راح يعصف فيها الرزء بالعطب فحل فيها الأسى لما طوى علما * أوج الخلود رقى في أرفع الرتب جرح - الحكيم - ولما ينطفي لهبا * حتى اصبنا بشيخ القادة النجب فهل درى الموت من أردى بمبضعه * ومزق القلب حتى عاد في نهب يا من أنرت سبيل العلم متضحا * للطالبين وتجلو غيهب الحجب


(1) القيت في الجامع الهندي في الفاتحة التي اقيمت بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاة الشيخ الأميني، وذلك مساء يوم الجمعة 27 جمادى الاولى 1390 ه‍. (*)

[ 418 ]

وتوهب (النجف) الأعلى وحوزتها * مجدا تسامى على الجوزاء والشهب ففيك صفق جذلانا وقد بلغت * بك النهى والمعالي قمة الطرب وتعمر العلم والأتعاب تحملها * صبرا وتستقبل الآلام بالشنب فندت زيف رجال السوء منفردا * بمقول فيه حد الفيصل الذرب أبنت للدهر حقا ضاع من سفه * ولف قسرا بأوهام من الكذب أحييت حق علي الطهر حيدرة * فعاد فينا جليا غير محتجب مزقت سترا عليه الجهل أسدله * فعاد حيا وقد أرداه بالحرب عاثت به النعرات الهوج عاصفة * كي لا يسير سفين الحق للأرب سل الليالي فكم أشجى تضرعه * في هدأة الليل قلب الناسك التعب أشدت للفكر والاسلام مكتبة * بالعز تبقى مدى الأعصار والحقب (غديرك) العذب كالفرقان معجزة * للفكر تسرج دربا حف بالريب ترن نجواك في سمعي وتبعث لي * روحا من القدس لم تأفل ولم تغب سل الصحائف كم حبرتها حكما * من البيان بعلم فاض والنقب وذي المسامع كم اسمعتها خطبا * تبث فيها الهدى من دون ما تعب كأنه الغيث في علم ومعرفة * من دونه وابل الأنواء والسحب حفت بنعشك أحبار الهدى وغدت * عليك تصهر من وجد ومن نوب كالقطب فيه رحى التفكير دائرة * - وهل تدور الرحى إلا على القطب ومن محاجرهم تجري الدموع وما * على سواك بكوا بالمدمع الترب وسائل نعش من هذا ؟ فقلت له: * هذا الذي قد رعى التبيان بالحدب هذا الذي وهب التأريخ مكرمة * فكان كالصبح في ايراده القشب هذا الذي اقتحم الهيجاء منتصرا * مسدد العزم لا يلوي إلى السرب هذا الذي جعل الأوهام باطلة * مدى الحياة بفكر ثاقب خصب هذا الذي شاد مجدا كان مخترما * عبر القرون وظنوه من الكذب هذا الذي روضة الأسفار عطرها * ومنه أزهر ربع ريع بالجدب

[ 419 ]

هذا الذي من أبي السبطين عزمته * فإن ضللنا هدانا مهيع الأرب رب البيان وشيخ الفقه قاطبة * يفيض من قلبه باللؤلؤ الرطب ما الدهر جاد بفذ في شمائله * من الأنام كذا الأيام لم تهب رقى من الشرف الموفور ذروته * ولو أراد السما ما صد بالحجب يفنى البيان ولا تفنى مناقبه * على الزمان بنظم فيه أو خطب - حسبي من الشرف السامي أرومته * أن أنتمي للأميني الفذ في حسبي هذا أبي حين يعزى سيد لأب * هيهات ما للورى يا دهر مثل أبي - مهلا أشقاء (1) في خطب بساحتنا * قد حل والعلم أمسى جد مكتئب بفقد من كان بالألطاف يغمرنا * إذا رمت يومنا الأحداث بالوصب ضاعت لنا فيه ألطاف مباركة * كانت تسيل كسيل البارد العذب إن الضياء الذي قد كان يلهمنا * عزما خبا واصيب الخصب بالجدب تكاتفوا كي تسيروا وفق منهجه * فالفوز في نهجه من غير ما ريب ففي " الغدير " لنا عز تمجده * أجيالنا حين تمليه على الحقب ولا نضيع تراثا دون محتده * أفنى الأميني عمرا كان من ذهب والصبر مرفأنا في كل نازلة * نلقي مراسي الرزايا فيه والهدب ونشكر النجف الأعلى وقادتها * وسعيهم حين واسونا على الكرب قلبي من الرزء مكلوم يؤيدني * قولي وما قلته غيض من اللهب ما الشعر هذا سوى دمع اليتيم جرى * من عين مضطرم الأحشاء مضطرب أبا الغدير ذكراك عادت فعاد الجرح ملتهبا * ومدمع العلم شجوا فيك ما نضبا عادت فأحرقت الأحشاء ثانية * تفيض فينا الأسى والحزن والنوبا وحجبت وجه صبح الحق من حمم * عليك حزنا ليقضي بعض ما وجبا


(1) أشقاء الشاعر هم: الشيخ رضا، والشيخ صادق، وأحمد، ومحمد. (*)

[ 420 ]

ففي الجوانح نيران مؤججة * ذابت فلا غرو أن فكري خبا وكبا كم دمعة سكبت من عين منصدع * يوما فقدنا بك الأقلام والكتبا سل عن بكائي خدودي وهي عالمة * تخبرك عنه إذا نور النهار خبا مرت عليها سيول الوجد محرقة * صحائف الخد دمعا وصب منسربا إذ الرثا لم يكن وزنا وقافية * شعرية تخصب الأذهان والأدبا إن الرثاء دموع طالما هطلت * على الخدود تبث الوجد واللهبا والشعر في كنهه إن كنت طالبه * ألفته أدمعا في طيه اصطحبا الأربعون من الأيام ما انصرفت * حتى أعاد الأسى في قلبنا النصبا هاج اللهيب وقد أخفى تصبرنا * لظاه فالوجد فيه ماج واضطربا مآتم الحزن قد عمت كآبتها * ولبسنا ظل دون الخطب منتهبا مرت علينا الليالي وهي باكية * من نوحنا وتعيد الشجو والندبا في هدأة الليل آهات وولولة * وزفرة لليتامى تخرق الحجبا فيفزع البدر إن ناحوا وإن سكبوا * دمعا على والد عن جمعهم ذهبا أودى فربع المعالي منه مقفرة * وحوزة العلم أضحت تشتكي الرهبا يد المنون به عاثت ومن حسد * مدت إليه يدا كي تلفظ الشهبا لم يقتصر سعيك الباني صروح هدى * في الفقه جاوز الجوزاء والشهبا وإنما كنت في التأريخ جامعة * علمية تمرع التفكير إن جدبا * * * أبا " الغدير " نصرت الحق في قلم * أزال عن وجهه الأوهام والريبا كم طاف في مكتبات الكون في شغف * منقبا يقطع البيداء والهضبا وراح ينشر سفر المجد متضحا * سر الولاية إذ أعطى لها الغلبا طوى الحياة كفاحا دون مبدئه * مثابرا ما اختشى الأحداث والنوبا ففي " الغدير " كؤوس الهدي مترعة * تروي الظماء شرابا سائغا عذبا ما شذ عن نهجه السامي ولا قعدت * به الحوادث يوما أو شكى اللغبا

[ 421 ]

أبان سيرتنا حقا وسنتنا (1) * بحجة كان في إظهارها صلبا أقام باسم أمير المؤمنين لنا * صرح المعارف يحيي الموج والعببا فقت النوابغ عرفانا ومكرمة * فتوهب العلم إما سائل طلبا كفى (الغري) بيوم الفخر أن له * مثل الأميني شيخا طاول السحبا تعنو لعمته التيجان خاضعة * يراعة يسبق الهندي إن لجبا مؤيد بإمام العصر ترقبه * عناية الله مهما قال أو كتبا يعيي المقال ولم تحصر فضائله * ويعجز الشعر مهما كان منتخبا في ذمة الله عملاقا عليه جرى * سيل العيون وأبكى العجم والعربا كنا نأمل عودا فيه تغمرنا * بفيض عطف ونجلو الهم والنصبا فعاد نعشك (2) فالأحشاء لاهبة * تلتاع بالوجد في أعماقها صخبا وشيعتك قلوب من كآبتها * كادت تذوب أسى مذ شيخها غربا ذكراك في الكون أنسام معطرة * رفت فأبهجت الأعصار والحقبا وسوف يرفعها التأريخ مفتخرا * مدى الزمان بما أعطى وما وهبا نم فالغدير لآفاق (الغري) سنى * كالشمس تخترق الآفاق والرحبا قلوبنا لم تزل تهواك والهة * تصبو لشخصك مهما شط أو قربا كأن حبك أنغام يرددها * ثغر الحياة وقد أمسى بها طربا صلاة ربي على قبر ثويت به * ما أشرق البدر في الدنيا وما غربا


(1) سيرتنا وسنتنا: من مؤلفات الشيخ الأميني. (2) توفي الشيخ في طهران، ونقل جثمانه الكريم إلى النجف الأشرف، ودفن في مقبرته الخاصة المحاذية إلى مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة. (*)

[ 422 ]

الشيخ عبد الحسين الأميني شعر: سلمان هادي الطعمة (1) عصف الوجد بما أدمى اليراعا * فندبنا الفكر والعقل المضاعا أي طود قد هوى عن برجه * فله القلب تباكى وتداعى ! ! وبدا روض العلى مكتئبا * مذ طواه الموت عملاقا شجاعا نكبة عزت على كل الورى * وكسى الحزن سهولا وبقاعا تلك شمس قد خبت أنوارها * بددا واحترق الضوء سراعا * * * فارس الحلبات روعت الحمى * بعد أن كنت أمينا ومتاعا وخلت منك النوادي أسفا * يوم مزقت على الشاطي الشراعا لست أنساك فقيها بارعا * وحكيما جهبذا سل اليراعا ذاك كنز صنته فوق السهى * سجل المجد له صيتا مذاعا تلك آثارك قد دبجتها * أسطرا صيغت من التبر شعاعا " الغدير " الجم رويت به * أنفسا عطشى شيوخا ويفاعا قيم رائعة صنفتها * توهب الأجيال رشدا وانتفاعا صفحات قد زهت مشرقة * وأحاديث ذكت عطرا مضاعا ولسان صارم في محفل * تخرس المنطق بالحق دفاعا أشتكي لله من نازلة * طوت القلب وأحلاما وساعا * * * يا سليل العلم ما كنت سوى * قبس أزهى من الفجر التماعا كنت كالبدر لأرباب الحجى * مستنيرا يعمر الافق شعاعا خطبك المفجع أعيى أمة * وسبى الدين وأورى الإلتياعا فكرك السامي تعالى شأوه * ناطح الجوزاء لم يخش النزاعا


(1) من ادباء وشعراء كربلا المعلى. (*)

[ 423 ]

لم يمت مجد منار مشرق * تاه في الدنيا افتخارا وارتفاعا والخصال الغر فيه أزهرت * تخلب الألباب شوقا واندفاعا وزهت أخلاقه بين الورى * وسما بالمثل العليا طباعا وبأفق الروض كالطير شدا * نعما يحلو لذي الساري سماعا * * * أفقيد الفكر ذكراك زهت * بالسنى الموار يزدان التماعا إنه الموت وما أقساه إذ * يغمر القلب اكتئابا وانصداعا صغت شعري قطعا من كبد * تخلق الود حنينا والتياعا وبقايا مهجة ذابلة * غاضها الحزن فلا تقوى دفاعا تلك أيام قصار طويت * كخيوط الفجر قد مرت تباعا جل خطب صدع النادي له * واكتسى مغناه بالحزن التياعا سجل التاريخ يوما حافلا * حين ودعت الورى ذاك الوداعا وسقى مثواك غيث هاطل * حيث أحيا الكون نورا وشعاعا رحيل الأميني سلمان هادي آل طعمة (1) حققت ما تصبو له أو تحلم * ولك المآثر خالدات صوم أبكيك والقلب الحزين مخضب * والشعر يغمره الظلام المبهم من أدمعي الحرى نسجت قوافيا * قم ناجها فنشيدها يتلعثم أردى شعوري اليأس حتى خلتني * من بعد فقدك مهجة تتضرم يا ثورة شمخت بأودية الفلا * وزهت على وجه البسيطة تبسم يصبو لعلمك كل فارس حلبة * تحلو الأماني في رؤاه وتنعم قم جدد الأدب الرفيع فإنه * ألق السنى متطلع متوسم


(1) من شعراء وادباء كربلا المعلى. (*)

[ 424 ]

بوركت فالإيمان يمنحك الشذى * أبدا وفكرك باللقاء منعم يا دوحة للمجد تمطر بالحيا * مزهوة في ظلها نتنعم عشت الحياة وأنت تبني عالما * تحمي الذمار وللعلى تترسم هذه القوافي قد نعتك مشيرة * أن " الغدير " بسحره يتكلم ويفيض منه على العوالم منبع * ثر ومنه اولو الفصاحة تلهم ومن البيان روائع وبدائع * كالشعب تلمع في الدجى تتوسم لك في سماء العلم أروع صورة * فيها سمات العبقرية ترسم ورسالة أديتها لذوي النهى * كيما يشع بها الجهاد الأعظم هذي رياض العلم بعدك أجدبت * ما زال يروي الأسى والعلقم ورفعت صوتك في الضحى متألقا * يجتاح أوكار الضلال ويهدم أوقدت نبراس الفضيلة للعلى * ضوءا يشع كما تشع الأنجم وأشق ما يشجي الفؤاد ويؤلم * أن الحقيقة وجهها متجهم هذي النوادي قد تكدر صفوها * مذ غاب عنها الفارس المتقدم أكبرت فيك مجاهدا لا ينثني * دوما يحث إلى العلى ويقوم ألفيت فيك مودة مل ء المدى * خصبا ورق على شواطئها الفم من غال بدرك وهو في كبد السماء * ألقا فذا افق الفضيلة مظلم ؟ يا عالما غمر الحياة بفضله * يهنا بلقياك الثرى ويتيم وقضيت عمرك بالمكارم خالدا * حتى تحداك الحمام المرغم فكأنك الفجر المندى في الضحى * وهوى بالوان المحاسن مفعم دنيا على خطواتها مبهورة * كل القلوب بسحرها تترنم ورؤى صبوت إليه يبسم زاهيا * والمستهام بطهره يتوسم كربلاء: سلمان هادي آل طعمة

[ 425 ]

وهذه قصيدة العلامة الشيخ حسن طراد في رثاء العلامة الاميني (قدس سره): بسم الله الرحمن الرحيم بدافع الحب والإخلاص والتقدير والإجلال لسماحة حجة الإسلام والمسلمين المغفور له الشيخ عبد الحسين الأميني (قدس سره) صاحب كتاب " الغدير " نظمت القصيدة التالية وألقيتها في مجلس الفاتحة الذي عقد لتأبينه واهداء ثواب تلاوة القرآن ومجلس العزاء لروحه الطاهرة في النجف الأشرف. أشرقت في افق الحياة منيرا * فجرا يبث على العقول النورا ومضيت في درب العقيدة للمنى * فطنا لما يحيي النفوس بصيرا ونهلت قطر العلم من ينبوعه * عذبا يروي الظامئين نميرا وقبست نور الفكر من نبراسه * هديا يميط على النهى الديجورا ونهضت في عب ء الرسالة داعيا * لله ترشد تائها مغرورا وغرست في حقل الجهاد صنائعا * تسدي الأنام أشعة وعطورا فبرزت في افق الجلالة كوكبا * وجريت في حقل العقول " غديرا " يسقي النفوس معارفا يغدو بها * جدب البصيرة ممرعا ونضيرا هو فيض نبع الحق يزخر بالهدى * ابدا ويجتاح الضلال مبيرا سيظل بحرا بالحقائق زاخرا * ويدوم فجرا للعقول منيرا * * * أأبا الغدير، وتلك أسمى كنية * توليك منا المدح والتقديرا فالمرء يسمو بالجهاد ويرتقي * بالخير يسديه الأنام كثيرا والمجد ما صنع الهدى لا منصب * يطغي ولا ملك يضل غرورا والخلد آثار وذكر عاطر * يطوي الفناء ويستمر عصورا وثراء أبطال الجهاد مآثر * بيضاء تخلد للعلى دستورا ولذاك آثرت النضال مضحيا * لله لا تبغي جزا وشكورا

[ 426 ]

فشهرت مرقمك المحقق صارما * للحق تدفع ناصبا وكفورا ونشرت أسفارا تألق هديها * نورا يبدد غفلة وغرورا وفتحت مكتبة الرسالة معهدا * فخما يعود به الجهول خبيرا يمضي مع الأجيال فجرا زاهرا * ويظل نبعا للعلوم غزيرا * * * يا أمة القرآن قد هز الهدى * خطب تكرر فادحا وخطيرا فقد الأنام مواهبا فياضة * وكواكبا وقادة وبدورا فأبو الذريعة (1) ما وجدت ذريعة * لبقائه قمرا ينير دهورا * * * وأبو " الحقائق " (2) لم يجد " مستمسكا " * يجلو الحمام ويدفع المحذورا وأبو " الغدير " (3) به غدرت حوادث * أردت ولم يملك هناك نصيرا تلك الكواكب قد مضت لسبيلها * لتنال أجل جهادها موفورا فتراكمت ظلم الرزية واغتدى * كل بفقد زعيمه موتورا عز العزاء لحادث هز الورى * حزنا وأضرم في القلوب سعيرا لولا الهداة السائرون بدربهم * لطغى بنا يأس يهز الطورا هم سلوة الشاكي ومشعل حكمة * الإيمان يكشف كربة وشرورا وكفاءة الأنجال تجعل يأسنا * أملا وتزرع في القلوب صبورا ستصوب في حقل الغدير سحائب * منهم وتنشر من شذاه عبيرا وتتم دائرة الهلال ويغتدي * بدرا يبث على الوجود النورا هي تلك أحلام ستصبح بالرضا * وجهاد هاد (4) واقعا منظورا


(1) المراد به حجة الإسلام المغفور له الشيخ أغا بزرك الطهراني (قدس سره). (2) المراد به آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (قدس سره). (3) المراد به واضح، فهو موضوع الرثاء بهذه القصيدة، وقد كانت وفاة هؤلاء الأعلام الثلاثة في سنة واحدة خلال فترات متقاربة. (4) المراد بالرضا وهادي نجلا الفقيد العلامتان المجاهدان الشيخ محمد رضا والدكتور الشيخ محمد هادي = (*)

[ 427 ]

بهما ستخلد للحسين مآثر * أبدا ويبقى بالثنا مذكورا 1390 ه‍ حسن طراد - بيروت رثاء الشيخ عبد الحسين الأميني شعر: خضر عباس الصالحي (للأميني) رائد الأحرار * سال دمعي سيل الغدير الجاري صعق الناس حين وافى إليهم * نبأ هز أكبد الأغيار نعيه أذهل النفوس فضجت * بالبكا كل أنفس الأخيار ورأيت الوجوم في كل وجه * جسدته مرارة التذكار ولهول المصاب طاشت عقول * وهي تصغي لأفدح الأخبار خبر في صميمه ضم رزءا * فجر الحزن في دمي الفوار فلمحت الحياة ليلا عبوسا * عصفت فيه ثورة الأكدار ليس في أفقه وميض نجوم * لا ولا بارق من الأقمار وارتدى الكون حلة الحزن لما * غاب عن ساحة أبو الأطهار فاستفاض الأنين في كل صدر * وتعالى النحيب من كل دار وهوت راية التقى حين أودت * بالأميني سطوة الأقدار * * * ليت شعري ولم أشاهده يوما * فلماذا أبكي بكاء الصغار أذرف الدمع وهو أغلى كنوزي * حينما اختاره إليه الباري وتعم الآلام كل كياني * وهي تذكو كجذوة من نار ظمأ الهم ليس تخبو لظاه * فهو في القلب لاهب كالأوار مبدئي أن أحب كل عظيم * توج الشعب بالعلى والغار والمباهاة فيه جل اهتمامي * والتغني بمجده من شعاري إن عبد الحسين كان شهيرا * قد تبنى حرية الأفكار


= الأميني حفظهما الله وأبقاهما خير خلف لخير سلف. (*)

[ 428 ]

صان دين الإسلام من كل كيد * وحماه من صولة الكفار باحت ما لشخصه من نظير * في اكتشاف الغموض والأسرار وكتاب " الغدير " أقوى دليل * عن ينابيع علمه الزخار قد أزال الشكوك عن كل نص * من نصوص التاريخ والأسفار وأماط اللثام عن كل حق * فإذا الحق مثل شمس النهار وإذا المرتضى الخليفة حقا * بعد فقدان أحمد المختار * * * ذكر (عبد الحسين) في الشعب حي * يتجلى كنجمة الأسحار لم يمت ذكر عالم عبقري * خلدته روائع الآثار خط نهج البحوث من أجل حد * لافتراءات طغمة أشرار شوهوا واقع الحقيقة لما * أمعنوا السير في طريق الدمار فأنتضى الراحل الفقيد يراعا * فعله فعل صيقل بتار شق قلب الظلام لما أضائت * منه إشراقة السنى المعطار وسعى جاهدا لنيل الأماني * وتحدى الصعاب في إصرار كان للظلم في الحياة عدوا * واقفا منه وقفة الجبار فهو ذاك المكافح الشهم دوما * ليس يعنو لخائن غدار وهو للدين كان حصنا حصينا * ذاد عنه كالفتية الثوار ولآل الرسول سرا وجهرا * كان حقا من خيرة الأنصار يتحلى بكل خلق رفيع * فهو رمز للبذل والإيثار وهو كالمصطفى صلاحا وتقوى * وهو في زهد حيدر الكرار علمه الثر روضة بات منها * يقطف الناس أينع الأثمار كلما باسمه المحافل باهت * وضعته في موضع الإكبار وإذا ما الزمان أثنى عليه * فهو قد زانه بتاج الفخار شع في غمرة الجهاد منارا * يملأ الساح بالسنى الموار

[ 429 ]

إنما الحر ليس يرضى بعيش * وهو ما بين ذلة واحتقار وحياة الكريم في الكون موت * حين يغدو ملطخا بالعار ووجدت الممات خيرا لحر * من حياة محفوفة بالشنار * * * إن هذا القريض آهات روح * مثل نار تشب في أغواري ودموع تفجرت في فؤاد * يستقي منه لحنه قيثاري ليس شعر ما صغته اليوم لكن * قطع من زناد قلبي الواري ليس شدو به ترنم ثغري * بل أنين فاضت به أوتاري وبراكين لوعة أججتها * لهب من حرائق وشرار ثورة الحزن في الدماء تلظت * فاستفزت مجامر الأشعار لم أكن غير هائم في الليالي * وسوى شاعر الأسى المحتار لم أكن غير بلبل ضيعته * في المتاهات زمرة الأطيار راح يطوي حياته مستضاما * تائها في شواطئ الأنهار وصداه المنغوم أمسى نشيجا * يتلاشى كصرخة في البراري وجراحات قلبه عمقتها * ذكريات لاحت كضوء المنار ضاع ما قد شدا من الشعر لما * منه أودى الردى بكل اصطبار وترانيم نايه الصب تاهت * في جنايا السفوح والأشجار وأضاميم زهره قد رمتها * في هجير اللظى يد الإعصار ومهيض الجناح في الأرض أمسى * حيث ألقى به النوى في القفار كوحيد في السجن قد كبلته * عصبة الشر في قيود الأسار أو شريد بغير مأوى أمين * فيه حفت كوارث الأخطار أتلوى كقارب في خضم * حطمته زوابع التيار تلك آماله الحسان سراب * وأمانيه حفنة من غبار والأناشيد واللحون توارت * بعدما أنفض مجمع السمار

[ 430 ]

أقطع الليل بالعويل المدمى * كيتيم ومدمعي في انهمار وأجوب الظلام سأمان أبكي * ما تداعى من مجدنا المنهار حيث جار الزمان فاغتال عمدا * أملا مثل نفحة الأزهار وأختفى ذلك المفكر عنا * مثلما يختفي سنى الأنوار كل منا يفديه بالعمر لكن * لا مرد للواحد القهار ألف طوبى لشيخنا الفذ أمسى * ناعما باله مع الأبرار في جوار الإله أضحى مقيما * وجوار الإله أسمى جوار بغداد خضر عباس الصالحي (1)


(1) نشرت في مجلة العرفان اللبنانية مجلد 58 ج 6 ص 744 في شهر شعبان سنة 1390 ه‍ = 1970 م. (*)

[ 431 ]

خامة المطاف شيخنا الجليل: مضى علي من الزمن ما ينيف على نصف قرن، عند اول لقاء بحضرتك حينما اتشرفت بخدمتك بصحبة المرحوم والدي. واكثر من ربع قرن عشتها بجوارك، في حضرك وسفرك، عشت همومك التي واجهتك وما تحملته من عناء وعذاب ومشاق في سبيل اداء رسالتك ومبدئك وولائك. عشت مع روحك الطاهرة، واخلاقك السامية، وعلومك الزاخرة التي استقبتها من المناهل الصافية، وانتهلت من غديرك العذب الرقراق وبحرك الزاخر المتلاطم بامواج الفضيلة، وينابيعك الفياضة، فكنت مثلي الاعلا: عشت ما عانيت في سبيل تأسيس مكتبتك، التي اصبحت الشعلة الوهاجة، تنير الدرب للسائرين على هداك، وصارت نبراسا للحق وسناها الوضاء، لا في النجف الاشرف فحسب، بل لعالم التحقيق والتأليف كافة. عشت جهادك، وورعك، وتقواك، وقلبك الزكي الطافح بالخبر والرحمة والحنان، وصدرك الذي كان وعاء لسر آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ووجودك الذي تجلى فيه الولاء الخالص المملوء بالحب لسيد الوصيين، وأمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). سيدي: لقد عشت معك ردحا من الزمن روحا وجسدا، ولازلت اعيش ذكراك الطيبة، وروحك المقدسة. في خاطري، وإن فقدك عندي كان له اعظم الأثر

[ 432 ]

من المحنة التي اتمت بي عندما كنت اسير الملحدين ورهين البعثيين. وعلى رغم من مرور ما ينيف على ربع قرن من فقدك غير اني ثابت على عهدي الذي عاهدتك، عندما جلست امام مرقدك الطاهر بعد نجاتي من سجون تنير الدرب للسائرين على هداك، وصارت نبراسا للحق وسناها الوضاء، لا في النجف الاشرف فحسب، بل لعالم التحقيق والتأليف كافة. عشت جهادك، وورعك، وتقواك، وقلبك الزكي الطافح بالخبر والرحمة والحنان، وصدرك الذي كان وعاء لسر آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ووجودك الذي تجلى فيه الولاء الخالص المملوء بالحب لسيد الوصيين، وأمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). سيدي: لقد عشت معك ردحا من الزمن روحا وجسدا، ولازلت اعيش ذكراك الطيبة، وروحك المقدسة. في خاطري، وإن فقدك عندي كان له اعظم الأثر

[ 432 ]

من المحنة التي اتمت بي عندما كنت اسير الملحدين ورهين البعثيين. وعلى رغم من مرور ما ينيف على ربع قرن من فقدك غير اني ثابت على عهدي الذي عاهدتك، عندما جلست امام مرقدك الطاهر بعد نجاتي من سجون الكفرة الملحدين وكان بمعيتي ولدك البار الشيخ رضا الأميني. وها انا ذا اقدم هذه الإضمامة العبقة من سيرتك الشريفة، وهو جهد المقل، عسى ان أؤدي ولو بجزء يسير من الوفاء وشخصك الكريم، وحقك الغالي. اسأله تعالى ان يتقبل عملك، ورسوله وإمامك وآل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، وان يسقيك من حوضه شربة لا تضمأ بعدها ابدا. ويرفع مقامك الى اعلى عليين في مقعد صدق عند مليك مقتدر. فسلام عليك يوم ولدت، ويوم درست ودرست ويوم كتبت والفت، ويوم تبعث حيا فانه ارحم الراحمين. المنتظر لشفاعتك حسين الشاكري دار الهجرة - قم المشرفة - يوم الغدير الأغر عام 1416 من الهجرة النبوية المباركة

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية