* أبو هريرة * بقلم للامام السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي
[ 2 ]
هوية الكتاب اسم الكتاب: ابو هريرة بقلم: للامام السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي الناشر: انتشارات انصاريان - ايران - قم - ص. ب 187 العدد: 3000 نسخة المطبعة: بهمن - قم - 25070 العنوان - ايران - قم - شارع الشهداء - مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر - ص. ب: 187 - تليفون 21744 - 251 - 0098
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ 5 ]
بسم الله الرحمن الرحيم هذه دراسة لحياة صحابي روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله فأكثر حتى أفرط وروت عنه صحاح الجمهور وسائر مسانيدهم فأكثرت حتى أفرطت أيضا، ولا يسعنا ازاء هذه الكثرة المزدوجة إلا أن نبحث عن مصدرها لاتصالها بحياتنا الدينية والعقلية اتصالا مباشرا ولو لا ذلك لتجاوزناها وتجاوزنا مصدرها إلى ما يغنينا عن تجشم النظر فيها وفيه. ولكن اسلات هذه الكثرة قد استفاضت في فروع الدين واصوله فاحتاج بها فقهاء الجمهور ومتكلموهم في كثير من أحكام الله عزوجل وشرائعه
ملقين إليها سلاح النظر والتفكير. ولا عجب منهم في ذلك بعد بنائهم على اصالة العدالة في الصحابة اجمعين. وحيث لا دليل على هذا الاصل (كما هو مبين في محله بايضاح) لم يكن لنا بد من البحث عن هذا المكثر نفسه وعن حديثه كما وكيفا لنكون على بصيرة فيما يتعلق من حديثه بأحكام الله فروعا واصولا وهذا ما اضطرنا إلى هذه الدراسة الممعنة في حياة هذا الصحابي (وهو أبو هريرة) وفي نواحي حديثه وقد بالغت في الفحص وأغرقت في التنقيب حتى أسفر وجه الحق في كتابي هذا وظهر فيه صبح اليقين والحمد لله رب العالمين. أما أبو هريرة نفسه فنحيلك الآن في تاريخ حياته وتحليل نفسيته على ما ستقف عليه في الكتاب، إذ مثلناه بكنهه وحقيقته من جميع نواحيه تمثيلا تاما تدركه بحواسك كلها والحمد لله على التوفيق. وأما حديثه فقد أمعنا النظر فيه كما وكيفا فلم يسعنا - شهد الله - إلا
[ 6 ]
الانكار عليه في كل منهما، وقد سبقنا إلى ذلك معاصروه كما ستقف عليه في محله (1) ان شاء الله مفصلا. وأي ذي روية متجرد متحرر يطمئن إلى هذه الكثرة لا يعادلها المجموع من كل ما حدث به الخلفاء الاربعة وأمهات المؤمنين التسع والهاشميون والهاشميات كافة كما فصلنا في الاصل (2). وكيف تسنى لامى (تأخر اسلامه فقلت صحبته) أن يعى عن رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يعه السابقون الاولون من الخاصة وأولي القربى. ونحن حين نحكم الذوق الفني والمقياس العلمي نجدهما لا يقران كثيرا مما رواه هذا المفرط في اكثاره وعجائبه.
فان للسنة في حكمتها وأساليبها وخصائصها ميزات يعرفها أولوا الالباب والاذواق الفنية وأهل الاختصاص من علماء البلاغة. فما يسمعوه أو يقرؤوه منها يجدوه متميزا في أذواقهم ومقاييسهم بوضوح واعلان ويجدوا سماته وشاراته متميزة في غير شك ولا شبهة. فالسنة أرفع من أن تحتضن اعشابا شائكة وخز بها أبو هريرة ضمائر الاذواق الفنية، وأدمى بها تفكير المقاييس العلمية قبل أن يشوه بها السنة المنزهة ويسئ إلى النبي وأمته صلى الله عليه وآله. وبالجملة: فان السنة منهاج الاسلام، ودستور الحياة اللا حب في كل ما يجب أن تصاغ الحياة على مثاله في الاخلاق والعقائد والاجتماع والعلم والآداب، فلا يصح في منطق أن نسكت عن هذا الدخل الشائن لجوهر الاسلام وروحه الرفيعة المنادية بالتحرر والانعتاق من كبول العقائد السخيفة والخرافات التي يسبق إلى الذهن استنكارها. * هامش * (1) - في الفصل 14. (2) - راجع منه الفصل 10. (*)
[ 7 ]
وأذن فالواجب تطهير الصحاح والمسانيد من كل ما لا يحتمله العقل من حديث هذا المكثار. أقول هذا وأنا أرى وجوها تنقبض دوني، ونفوسا تتقبض مزورة عني، وقد يكون لها بسبب الوراثة والتربية والبيئة أن تنقبض وتتقبض أمام حقيقة وضعها البحث على غير ما الفت من احترام الصحابة واعتقاد عدالتهم أجمعين أكتعين أبصعين من غير أن تزن أعمالهم وأقوالهم بالموازين التي أخذ
النبي صلى الله عليه وآله بها أمته، لان الصحبة عندهم بمجردها حرم لا تنال من اعتصم به معرة ولا يمس بجرح وان فعل ما فعل وهذا شطط على المنطق، وتمرد على الادلة وبعد عن الصواب. والحق أن الصحبة بما هي فضيلة جليلة، لكنها غير عاصمة، والصحابة فيهم العدول وفيهم الاولياء والاصفياء والصديقون وهم علماؤهم وعظماؤهم وفهيم مجهول الحال، وفيهم المنافقون من أهل الجرائم والعظائم، والكتاب الحكيم يعلن ذلك بصراحة (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) فعدولهم حجة ومجهول الحال نتبين أمره، وأهل الجرائم لا وزن لهم ولا لحديثم. هذا رأينا في حملة الحديث من الصحابة وغيرهم والكتاب والسنة بينتنا على هذا الرأي (1) فالوضاعون لا نعفيهم من الحرج وان اطلق عليهم لفظ الصحابة، لان في اعفائهم خيانة لله عزوجل ولرسوله ولعباده، ونحن في غنى * هامش * (1) - لكن الجمهور بالغوا في تقديس كل من يسمونه صحابيا حتى خرجوا عن الاعتدال فاحتجوا بالغث منهم والسمين وافتدوا بالطلقاء وأمثالهم ممن سمع النبي أو رآه اقتداء أعمى وانكروا على من يخالفهم في هذا الغلو وخرجوا في الانكار عن كل حد من الحدود كما بيناه على سبيل التفصيل في ص 11 إلى منتهى ص 15 من أجوبة موسى جار الله وفي الفصل الذي عقدناه في ص 23 منها فراجع (*)
[ 8 ]
بالعلماء. والعظماء. والصديقين، والصالحين، من أصحابه صلى الله عليه وآله ومن عترته التي أنزلها منزلة الكتاب وجعلها قدوة لاولي الالباب.
وعلى هذا فقد اتفقنا في النتيجة وان قضى الالتواء في المقدمات شيئا من الخلاف، فان الجمهور إنما يعفون أبا هريرة، وسمرة بن جندب، والمغيرة، ومعاوية، وابن العاص، ومروان، وأمثالهم تقديسا لرسول الله ولسنته صلى الله عليه وآله شأن الاحرار في عقولهم ممن فهم الحقيقة من التقديس والتعظيم. وبديهي - بعد - أن تكذيب كل من يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا خارجا عن طاقة التصديق أولى بتعظيم النبي وتنزيهه وأجرى مع المنطق العلمي الذي يريده صلى الله عليه وآله لرواد الشريعة ورواد العلم من أمته. وقد أنذر صلى الله عليه وآله بكثرة الكذابة عليه وتوعدهم بتبوء مقاعدهم من النار فاطلق القول بالوعيد. وإني أنشر هذه الدراسة في كتابي هذا - أبو هريرة - مخلصا للحق في تمحيص السنة وتنزيهها في ذاتها المقدسة وفي نسبتها لقدسي النبي الحكيم العظيم (وما ينطق عن الهوى). وللحق في سلامة التفكير وصدق النظر. وللحق في قواعد العلم والعقل التي تأبى احترام كذاب على رسول الله صلى الله عليه وآله فتعفيه من الجرح لانه صحب رسول الله ! ! وتأبى كل الاباء ان تخضع لروايته (مغلولين مفلولين) فيما يمس السنة النبوية وهي أولى بالتنزيه والتقديس لانها رسالته إلى العالمين وبقيته الباقية إلى يوم الدين. وليس لاحد أن يتقبض أو تنقبض نفسه بعد أن نقدم له كتابنا هذا وفيه صفايا ما عندنا من هذه الدراسة، ونحن نكرم الفكر نفسه ونرفعه عن ان يهون فيسف إلى حياطة الخرافة واحاطتها بسور من قدس موهوم (له باب ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب).
[ 9 ]
ولا زيد لوجه أن يتقبض ولا لنفس أن تنقبض، بل نريد لمن تمر به
هذه السحابة المركومة من التقاليد أن يتحرر منها ثم يمعن في الكتاب امعان إولي الالباب (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الالباب). لا نفصد بهذا الكتاب - شهد الله - أن نصدع هذه الوحدة المتواكبة المتراكمة في هذه اللحظة المستيقظة، بل نقصد تعزيز هذه الوحدة واقامتها على حدية الرأي والمعتقد، لتكون الوحدة على هذا الضوء أهدى للغاية وادل على القصد، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب. والكرامة العقلية أسمى الكرامات التي يسعى إليها أولوا الالباب باغلى ما لديهم من أموال وأنفس ودماء، لانها السلم إلى المجد والجسر إلى الاتحاد. أما إذا شاء بعض اخواننا في الدين الاسلامي أن يصغر خده محمرا أو مصفرا فليصغ إلى هذه الملاحظات المتواضعة، وليفتنا بعدها يجدنا إن شاء الله تعالى أقرب إلى تأليف الكلمة وتوحيد الصفوف بالرغم عن هذا الشوك الذي يقض المضجع، ويخز الفكر، ويدمي الضمير، ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم. بين أيدينا الآن من هذه الملاحظات ألوان: بعضها يمس الطبائع في نواميسها وفطراتها، وبعضها متناقض متداحض، وبعضها خارج على قواعد العلم المشتقة من صلب الدين، وكثير منها تزلف إلى بني أمية أو إلى الرأي العام في تلك الايام، وبعضها خيال أو خبال، وهي بجملتها خروج على أصول الصحة في كل معانيها. فمن بلاياه أن ملك الموت كان قبل موسى يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى فلطمه موسى ففقا عينه ! وأرجعه على حافرته إلى ربه أعور ! فكان بعد هذه الحادثة يأتي الناس خفيا !.
[ 10 ]
ومنها: تلك المسابقة الطريفة بين الحجر وموسى، أو بين موسى والحجر إذ وضع موسى ثيابه عليه ليغتسل في ناحية عن الناس ففر الحجر بثياب موسى ليستدرجه إلى لحاقه عاريا ! كي ينفي الشائعة عن فتق موسى بمروره على الملا من بني اسرائيل مكشوفا كما خلق يشتد خلف الحجر يناديه بأعلى صوته ثوبي حجر ثوبي حجر حتى وقف الحجر إذ انتهت مهمته فطفق موسى يضربه بعصاه ضربا أثر فيه ندوبا أي جروحا قال أبو هريرة: إن في الحجر ندبا ستة أو سبعا وأطراف ما في هذه الاسطورة هذا التردد من أبي هريرة في ندوب الحجر فان ورعه في الحديث كان يفرض عليه أن لا يحدث عن شئ حتى يكون منه على مثل ضوء الشمس. ومنها: ذلك الجراد الذهبي المتراكم يتساقط على أيوب عليه السلام وهو يغتسل فجعل يحثى منه في ثوبه. ومنها: ان مولدين تكلما برشد وعقل وعلم بالعواقب الغيبية حيث لا مقتضى لخرق العادة ونواميس الطبيعة. ومنها: ان بقرة وذئبا يتكلمان بلسان عربي مبين، يدل على عقل وحكمة وعلم الغيب، حيث لا مقتضى للتحدي والاعجاز، في حديث حدث به في فضل الخليفتين. ومنها: مجئ الشيطان إليه في صورة رجل في ثلاث ليالي متوالية ليسرق لعياله وأطفاله الجوعى من طعام كان أبو هريرة موكولا إليه حفظه في خرافة عجيبة. ومنها: ان أمة من بني اسرائيل فقدت، وبعد البحث عنها تبين أنها الفأر بدليل أن الفأر إذا وضع لها البان الابل لم تشرب ! وإذا وضع لها البان الشاة شربت ومنها: حديثه إذ كان - فيما زعم - مع العلاء في أربعة آلاف
فأتوا خليجا من البحر ما خاضه أحد قبلهم ! ولا يخوضه أحد بعدهم ! فأخذ
[ 11 ]
العلاء بعنان فرسه فسسار على وجه الماء ! وسار الجيش وراءه (قال أبو هريرة) فوالله ما ابتل لنا قدم ولا خف ولا حافر ! ومنها: حديثه عن مزودة المبارك إذ كان فيه تميرات طعم منها الجيش كله حتى شبع والتميرات على حالها فكانت معاشه مدة أيامه على عهد النبي صلى الله عليه وآله وابي بكر وعمر وعثمان، حتى كانت مأساة هذا المزود الكريم في طي مأساة عثمان، إذا انتهب مع ما انتهب في تلك المحنة ومنها: حديثه عن داود إذ خفف القرآن عليه فكان يقرؤه كله في وقت لا يسع قراءته كان - فيما زعم أبو هريرة يأمر بدابته فتسرح فيقراء القرآن قبل أن تسرج، فهل هذا إلا كقول القائل: كان يضع الدنيا على سعتها في البيضة على ضيقها ؟ * * * ومنها: أحاديث تناول فيها الحق تبارك وتعالى فصوره في اشكال تعالى الله عزوجل عنها علوا كبيرا. كحديثه في ان الله خلق آدم على صورته، طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع عرضا. وقد تطور فيه. فتارة رواه كما سمعت. وتارة بلفظ: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فان الله خلق آدم على صورته. ومرة بلفظ: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه ولا يقل قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فان الله خلق آدم على صورته، ومرة رواه بلفظ: خلق آدم على صورة الرحمان. وهذا افتتان في خيال طريف في تصوير الله تعالى وآدم ضمنه أدبا بارعا وتعاليم إن ننسبها إلى الدين الاسلامي نجد فيها إغرابا يثير فينا الضحك والبكاء في آن واحد.
وحديثه في أن الله تعالى يأتي هذه الامة يوم القيامة في الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا
[ 12 ]
فإذا أتانا عرفنا فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم ! فيقولون أنت ربنا فيتبعونه، في قصة طويلة مظلمة باردة ذات خيال شرود آبد يعرض الله في اشكال يتنكر في بعضها ! ويغدو على عباده ! ويروح في ملابسات فيها النكتة وفيها الحوار وفيها المخادعة ! وفيها الضحك من الله في غير عجب ! على نحو لا يقتصر الاصطدام فيه بالعقائد الاسلامية والمستقلات العقلية فحسب. بل يصطدم إلى ذلك باللياقات الملكية إذا ماشينا - والعياذ بالله - فكرة التجسيم حاشا لله وتعالى الله وتقدست اسماؤه. وحديثه في أن جهنم لا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها ! في خرافة فيها افتخار النار بالمتكبرين واستكانة الجنة بدخول سقطة الناس إليها. وحديثه في أن ربه - تعالى الله ربنا - ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا يقول من يدعوني فاستجيب له. إلى غير ذلك من الاحاديث التي كانت مصدرا لمذهب التجسيم في الاسلام كما ظهر في عصر التعقيد الفكري، فظهر بسببها أنواع من البدع والاضاليل. * * * وله أحاديث عنى فيها بالانبياء عليهم السلام، فوصفهم بما تجب عصمتهم منه، وحسبك منها حديثه إذ وصف أهوال القيامة فصور الناس يفزعون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى ابراهيم ثم إلى موسى ثم إلى عيسى عليهم السلام في لجلجة لم تعد عليهم بطائل لان هؤلاء الانبياء " ع " حجبت - على زعم أبي هريرة - شفاعتهم بما فرض لهم هذا الرجل من الذنوب التي غضب الله بها عليهم غضبا بكرا فذا ما غضب مثله
قبله ولن يغضب مثله بعده وأخيرا كانت الشفاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وى. كأن أبا هريرة لم يجد سبيلا إلى تفضيل النبي صلى الله عليه وآله إلا بالغض من سلفه أولى العزم عليهم السلام. وحديثه المتضمن نسبة الشك إلى خليل الله ابراهيم عليه السلام إذ قال: رب
[ 13 ]
أرني كيف تحيي الموتى في كلام جعل رسول الله صلى الله عليه وآله أحق بالشك من ابراهيم وجعل يوسف أفضل من النبي بالصبر والاناة ولم يسلم فيه لوط من التفنيد إذ قال: أو آوى إلى ركن شديد. وحديثه المشتل على نقض سليمان حكم أبيه ! في اسطورة مثلت متداعيتين على ولد قضى به داود للكبرى فقال سليمان: ائتوني بالسكين أشقه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل هو ابنها فقضى به للصغرى والتناقض بين نبيين في حكم خاص من احكام الله تعالى لا يتفق ومباني العقائد الاسلامية الصحيحة واطرف ما في هذه الاسطورة حلف أبي هريرة انه لم يكن سمع في حياته بالسكين إلا يومئذ وانهم ما كانوا يقولون إلا المدية. وحديثه عن سليمان إذ قال: لاطوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله فقال له الملك: قل إن شاء الله فلم يقل فأطاف بهن ! فلم تلد منهن إلا امرأة نصف انسان. وحديثه في نملة قرصت موسى فامر بقرية النمل فاحرقت فأوحى الله إليه قرصتك نملة فاحرقت أمة من الامم تسبح لله تعالى. وحديثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه كان يؤذي ويسب ويلعن ويجلد على الغضب من لا يستحق ذلك فيكون ايذاؤه وجلده وسبه ولعنه كفارة لذنوب من يتعرض منه لهذا الشر.
ولو نسب هذا إلى فرعون لاساء إلى أخلاقه. على أن ناسا لعنهم رسول الله صلى الله عليه وآله لا يستحقون المغفرة فهل يلزمنا أبو هريرة بحبهم واحترامهم ورفعهم كما ترفع البررة الصالحون ؟ وما هي المقاييس الصحيحة بعد هذا المقياس الهريري الطريف ؟ وحديثه في عروض الشيطان لرسول الله صلى الله عليه وآله ليقطع عليه صلاته فذعته أي خنقه - وهم أن يوثقه إلى سارية لينظر الناس إليه مكتوفا لكنه صلى الله عليه وآله
[ 14 ]
ذكر قول سليمان. رب هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي. فخلى سبيله. وحديثه في نوم النبي صلى الله عليه وآله عن صلاة الصبح. إلى غير ذلك من أحاديثه التي فتحت الباب للقول بعدم عصمة الانبياء وعريضهم للخطأ والزلل في رأي معوج لا يستقيم عليه معنى النبوة في حقيقته وواقعه. * * * وهنالك لون آخر في حديثه يريك التناقض بأجلى مظاهره فانظر إلى حديثي أبو سلمة قائلا له: يا أبا هريرة ألم تحدث انه لا عدوى ؟ فانكر حديثه الاول ورطن بالحبشية. وانظر إلى حديثه عن طواف سليمان - على زعمه - بنسائه تجده متعارضا متناقضة فتارة روى انهن مائة، وأخرى روى انهن سبعون. ومرة روى انهن سبعون وأخرى انهن ستون ! وكل ذلك ثابت عنه في الصحاح. وانظر إلى أحاديثه في هجرته تجدها صريحة بأنه انما هاجر مسكينا حافيا طاويا خادما يخدم هذا وهذه يشبع بطنه فمن اين له الغلام الذي حدث عنه في الشام ؟ إذ قال (على عهد معاوية): لما قدمت على النبي صلى الله عليه وآله ابق غلام لي في
الطريق، فبينما أنا عند رسول الله أبايعه إذ طلع الغلام فقال لي النبي: يا أبا هريرة هذا غلامك ؟ فقلت: هو لوجه الله فاعتقته. وأنظر إلى احاديثه عن نفسه وهو في الصفة تجدها صريحة بانه انما كان من مساكينها المعدمين وقد استوطنها طيلة عمر النبي صلى الله عليه وآله فكانت مثواه ليلا ونهارا إذ لم يكن له في المدينة عشيرة ولا منزل سواها ولم يكن عليه إلا نمرة يدب القمل عليها كان يربطها في عنقه فتبلغ ساقيه فيجمعها بيده لئلا تبدو عورته. وكان يصرعه الجوع فيخر مغشيا عليه بين المنبر والحجرة فمن اين له
[ 15 ]
الدار التي ادعاها اواخر حياته ؟ في حديث حدث به في الشام عن نفسه وعن أمه إذ أسلمت بدعاء النبي صلى الله عليه وآله لها وله - فبما زعم -. وانظر إلى احتجاجه على مستنكري حديثه تجده متعارضا متساقطا كما فصلناه في الاصل على انه في نفسه مما تنبو عنه الاسماع لسخافته وتفيه العقول لسقمه - كما بيناه ثمة - وقد جاء فيه: ان أبا هريرة بسط نمرته لرسول الله فطفق صلى الله عليه وآله يغرف العلم بيديه فيكيله في النمرة ثم يقول ضمه يا أبا هريرة فيضمه إلى صدره فيعصم بذلك من النسيان ويكون به احفظ الصحابة واعلمهم بالسنة. هذه حجته على مستنكري حديثه سخره الله بها حجة لخوصمه عليه وبرهانا قاطعا على صحة ما نسبوه إليه وشوارد احاديثه التي كان يكيلها جزافا ويحدث بها متنافرة متنا كرة كثيرة إلى الغاية لكن هذا القدر كاف لما اردناه ولاحول ولاقوة إلا بالله. وحسبك في أبي هريرة انه كان يحدث بما لم يره ولم يسمع ويدعي مع ذلك الرؤية والسماع كما ستسمعه في فصله الخاص به من الكتاب، واليك الآن نموذجا من ذلك تقيس عليه ما سواه.
قال أبو هريرة فيما صح عنه بالاجماع: دخلت على رقية بنت رسول الله زوجة عثمان وبيدها مشط فقالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من عندي آنفا رجلت شعره الحديث. ومن المعلوم اجماعا وقولا واحدا أن رقية انما ماتت سنة ثلاث بعد فتح بدر، وأبو هريرة انما أسلم سنة سبع بعد فتح خيبر فأين كان عن رقية ومشطها يا أولي الالباب ؟. * * * واليك نموذجا من حديثه الخارج على قواعد العلم المشتقة من صلب الدين ألا وهو قوله: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله في بعث فقال: أن وجدتم فلانا وفلانا
[ 16 ]
فاحرقوهما بالنار (قال) ثم قال لنا حين أردنا الخروج: أني أمرتكم أن تحرقوهما وان النار لا يعذب بها إلا الله تعالى فان وجدتموهما فاقتلوهما أه. وهذا من النسخ قبل حضور وقت العمل، وهو محال على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله. ورب حديث له خارج على العقل كحديثه عن داود وقراءته القرآن بأجمعه في لحظة لا تسع اسراج الدابة كما سمعت. وله أحاديث خيالية أوردنا منها ستة في ختام الاربعين من حديثه في الفصل 11 لتكون نموذجا لسائر ما كان من نوعها. * * * أما ما تزلف به إلى بني أمية وأعوانهم أو إلى الرأي العام في تلك الايام فكثير أوردنا منه طائفة في الفصل 5 والفصل 7 والفصل 9 وستجدها على أنواعها مختلفة، فأمعن فيها متحررا متجردا تجده جائعا يريد أن يشبع من
الحديث، ويريد أن يشبع خياله من الحياة كما يراها الرجل الجائع وهو - بعدئذ - يعترف انه موطئ الاقدام في عصر حقره وأجاعه، ثم قذفه إلى عصر أشبعه من أجل صناعة الاحاديث، أفيجوز أن نجعله بعد كل هذا حجة ؟ نلقي إليه بازمة عقولنا وعقائدنا من غير نظر نختاره لهذه العقول والعقائد ؟ فان صح هذا عقلا وشرعا فليمض أبو هريرة ومن إليه في حرمهم الذي بنته السياسة ووضعته بين التقاليد والمواريث. وان صح عماية التقاليد والمواريث منشأ لفرقة، أو مثارا لخلاف فلتبق حتى يأذن الصبح، إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب.
[ 17 ]
* بسم الله الرحمن الرحيم * * أبو هريرة * حدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأكثر، وروت عنه الصحاح الستة وسائر مسانيد الجمهور فأكثرت. فلم يسعنا ازاء هذه الكثرة المزدوجة إلا أن نبحث عن مصدرها، لاتصالها بحياتنا الدينية والعقلية اتصالا مباشرا. ولولا ذلك لتجاوزناها وتجاوزنا مصدرها إلى ما يغنينا عن تجشم النظر فيها وفيه. لكن آسلات هذه الكثرة قد استفاضت في فروع الدين وأصوله فاحتج بها أهل المذاهب الاربعة ومتكلموهم من الاشاعرة وغيرهم في كثير من أحكام الله وشرائعه عزوجل ملقين إليها سلاح النظر والتفكير لذلك لم يكن بد من البحث عن هذا المكثر نفسه. وعن حديثه كما وكيفا لنكون على بصيرة فيما يتعلق من حديثه باحكام الله عزوجل.
[ 18 ]
* إسمه ونسبه * كان أبو هريرة غامض الحسب، مغمور النسب، فاختلف الناس في اسمه واسم ابيه اختلافا كثيرا. لا يحاط به ولا يضبط في الجاهلية والاسلام (1) وانما يعرف بكنيته. وينسب إلى دوس. وهي قبيلة يمانية تفرعت عن دوس ابن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن النضر بن الازد بن الغوث. أما أبوه: فقد قيل (2) ان اسمه عمير وانه ابن عامر بن عبد ذي الشرى
(*) - بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد: فيقول أضعف المومنين عملا، وأقواهم بعفو الله أملا، عبد الحسين بن شرف الدين الموسوي العاملي: هذه تعليقة تضمن بيان مصادر الكتاب. ولا ندع شاردة عنه إلا ردتها إليه، فما أولى البحث والتدقيق بتتبعها، والله سبحانه هو المرجو أن ينفع بها وبأصلها ويجعلهما خالصين لوجهه الكريم إنه أرحم الراحمين. (1) - نص على هذا بعين لفظه أبو عمر بن عبد البر في ترجمة أبي هريرة من استيعابه ومن راجع ترجمته في معاجم التراجم كالاستيعاب والاصابة وأسد الغابة وطبقات ابن سعد وغيرها يجد غموض حسبه ونسبه محسوسا. (2) - القائل بهذا محمد بن هشام بن السائب الكلبي فيما نقله عنه ابن سعد في ترجمة أبي هريرة من طبقاته وقواه أبو أحمد الدمياطي فيما نقله عنه ابن حجر في ترجمة أبي هريرة من اصابته.
[ 19 ]
ابن طريف بن غياث بن أبي صعب بن هنية بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس. وأمه أميمة ابنة صفيح بن الحارث بن شابي بن أبي صعب بن هنية بن سعد ابن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس (1). وكنى أبا هريرة بهرة صغيرة كان مغرما بها (2) ولعل من غرامه بها حدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ان امرأة دخلت النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الارض (3) وردت عليه عائشة إذ بلغها حديثه هذا - كما ستسمعه إن شاء الله تعالى في محله من هذا الكتاب -. (1) - هكذا ساق نسبها محمد بن سعد في ترجمة أبي هريرة: وهي في ص 52 وما بعدها من القسم الثاني من الجزء الرابع من طبقاته. (2) - روى ابن قتيبة الدينوري (في ترجمة أبي هريرة ص 93 من كتابه المعارف) ان أبا هريرة كان يقول: وكنيت بابي هريرة بهرة صغيرة كنت ألعب بها. وأخرج ابن سعد في ترجمة أبي هريرة من الطبقات بالاسناد إليه قال كنت أرعى غنما وكانت لي هرة صغيرة فكنت إذا كان الليل وضعتها في شجرة فإذا أصبحت أخذتها فلعبت بها فكنوني أبا هريرة وكل من ترجم ذكر هذا أو نحوه واستمر في الاسلام على غرامه بالهرة والعبث بها حتى رآه النبي صلى الله عليه وآله يحملها في كمه كما ذكره الفيروز آبادي في مادة الهرة من قاموسه المحيط. (3) - أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق ص 149 من الجزء الثاني من صحيحه. وأخرجه أحمد بن حنبل من حديث أبي هريرة ص 261 من الجزء الثاني من مسنده.
[ 20 ]
* نشأته وإسلامه وصحبته * نشأ في مسقط رأسه (اليمن) وشب ثمة حتى أناف على الثلاثين (1) جاهليا لا يستضئ بنور بصيرة ولا يقدح بزناد فهم، صعلوكا قد أخمله الدهر ويتيما أزرى به الفقر. يخدم هذا وذاك وتي وتلك مؤجرا نفسه بطعام بطنه (2) حافيا عاريا. راضيا بهذا الهوان، مطمئنا إليه كل الاطمئنان. لكن لما أظهر الله أمر نبيه صلى الله عليه وآله في المدينة الطيبة بعد بدر وأحد والاحراب وبعد اللتيا والتي. لم يكن لهذا البائس المسكين حينئذ مذهب عن باب رسول الله صلى الله عليه وآله فهاجر إليه بعد فتح خيبر فبايعه على الاسلام وكان ذلك سنة سبع للهجرة باتفاق أهل الاخبار. أما صحبته فقد صرح أبو هريرة - في حديث أخرجه البخاري (3) - بأنها انما كانت ثلاث سنين. (* هامش *) (1) - قال أبو هريرة من حديث تجده في ترجمته من الاصابة وغيرها قدمت ورسول الله بخيبر وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين. (2) - كان أبو هريرة يحدث عن نفسه فيقول كما في ترجمته من الطبقات والاصابة وحلية الاولياء وغيرها -: كنت أجيرا لابن عفان وابنة غزوان بطعام بطني اسوق بهم إذا ركبوا وأخدمهم إذا نزلوا. وله كلام في هذا المعنى كثير سنورده في محله من الاصل. (3) - في باب علامات النبوة في الاسلام ص 182 من الجزء الثاني من صحيحه. وهو موجود في ترجمة أبي هريرة من الاصابة والطبقات.
[ 21 ]
* على عهد النبي صلى الله عليه وآله *
لما أسلم أبو هريرة انضوى باسلامه إلى مساكين الصفة (1) وهم - كما قال أبو الفداء في تاريخه المختصر: أناس فقراء لا منازل لهم ولا عشائر ينامون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد ويظلون فيه. وكانت صفة المسجد مثواهم فنسبوا إليها. وكان إذا تعشى رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو منهم طائفة يتعشون معه، ويفرق منهم طائفة على الصحابة ليعشوهم. قال: ومن مشاهيرهم أبو هريرة إلى آخر كلامه (2). وكان أبو هريرة - كما نص عليه أبو نعيم الاصفهاني في حلية الاولياء (3) أشهر من سكن الصفة واستوطنها طول عمر النبي صلى الله عليه وآله ولم ينتقل عنها. وكان عريف من سكن الصفة من القاطنين ومن نزلها من الطارقين إلى آخر كلامه. وصف أبو هريرة نفسه فقال - كما في أول البيوع من صحيح البخاري: وكنت مسكينا من مساكين الصفة، الحديث وهو طويل (4). قال - كما في باب نوم الرجال في المسجد من كتاب الصلاة من صحيح * هامش * (1) - قال ابن الاثير في مادة صفف من النهاية: أهل الصفة هم فقراء المهاجرين ومن لم يكن له منزل يسكنه وكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه. (2) - فراجعه في آخر حياة النبي عند ذكر أصحابه. (3) - ص 376 من جزئها الاول حيث ترجم أبا هريرة. (4) - فراجعه في الصفحة الاولى من الجزء الثاني من الصحيح.
[ 22 ]
البخاري (1): رأيت سبعين من أصحاب الصفة (2) ما منهم رجل عليه رداء وانما عليه أما أزار واما كساء ربطوه في اعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين.
يومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته اه. وفي صحيح البخاري من حديث طويل (3) عن أبي هريرة قال فيه: وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وآله بشبع بطنه. وفيه أيضا من طريق ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة من حديث (4) قال فيه: وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وآله على ملئ البطن. وحدث عن نفسه في مقام آخر فقال (5): كنت من أصحاب الصفة فظللت صائما فامسيت وأنا أشتكي بطني فانطلقت لاقضي حاجتي فجئت وقد أوكل الطعام. وكان أغنياء قريش يبعثون بالطعام لاهل الصفة فقلت: إلى من أذهب ؟ فقيل لي: إلى عمر بن الخطاب فاتيته وهو يسبح بعد الصلاة فانتظرته فلما انصرف دنوت منه: فقلت: أقرئني وما أريد إلا الطعام، قال: فاقرأني * هامش * (1) - ص 60 من جزئه الاول. (2) - السبعون من اصحاب الصفة قد استشهدوا باجمعهم يوم بئر معونة قبل إسلام أبي هريرة، وهذا الحديث نظير حديثه إذ قال: دخلت على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وفي يدها مشط مع ان رقية قد ماتت قبل مجئ أبي هريرة إلى المدينة بزمان وكم له من نظير هذا كما ستسمعه في محله من الاصل. (3) - تجده في باب حفظ العلم من كتاب العلم ص 24 من جزئه الاول وأخرجه ايضا غير واحد من حفظة الاثار كأبي نعيم في حليته. (4) - هو الحديث الاول من كتاب البيوع في الصفحة الاولى من جزئه الثاني. (5) - فيما أخرجه أبو نعيم في ترجمة أبي هريرة من الحلية ص 378 من جزئها الاول.
[ 23 ]
آيات من سورة آل عمران، فلما بلغ أهله دخل وتركني على الباب فأبطأ، فقلت: ينزع ثيابه، ثم يأمر لي بطعام، فلم أر شيئا، فلما طال على قمت فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وآله فانطلقت معه حتى أتى بيته فدعا جارية له سوداء (1) فقال: آتينا بتلك القصعة. قال: فأتتنا بقصعة فيها وضر (2) من طعام اراه شعيرا قد اكل وبقى في جوانبها بعضه وهو يسير فأكلت حتى شبعت اه. وكثيرا ما كان يصف نفسه فيقول (3): والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لاعتمد بكبدي على الارض من الجوع وإن كنت لاشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه من المسجد - فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل ثم مر عمر بي فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر فلم يفعل. ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وآله فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي. ثم قال: أبا هر قلت: لبيك يارسول الله، قال: إلحق ومضى فتبعته فدخل فأذن لي فدخلت فوجدنا لبنا في قدح، فقال صلى الله عليه وآله: من اين هذا اللبن ؟ قالوا أهداه لك فلان أو فلانة، قال: أبا هر، قلت: لبيك، قال: إلحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة اضياف الاسلام لا يأوون إلى أهل ولا على أحد، وكان صلى الله عليه وآله إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا. وإذا أتته هدية أشركهم فيها، قال فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة ؟ كنت أنا أحق ان أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاؤا أمرني أن * هامش * (1) - ما عهدنا ولا سمعنا ان في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله جارية سوداء. (2) - في النهاية وضر الصحفة دسمها وأثر الطعام فيها.
(3) - كما في باب كيف كان يعيش النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه من كتاب الرقاق ص 81 من الجزء الرابع من صحيح البخاري. وأخرجه أبو نعيم مختصرا في ترجمة أبي هريرة من حلية الاولياء.
[ 24 ]
أعطيهم، وما عسى ان يبلغني من هذا اللبن ؟ ولم يكن من طاعة الله ورسوله بد فأتيتهم فدعوتهم فاقبلوا فاستأذنوا فاذن لهم واخذوا مجالسهم فقال صلى الله عليه وآله يا أبا هريرة خذ فاعطهم، فاخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد على القدح فاعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرده على فاعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، ولم ازل حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وآله وقد روى القوم كلهم فاخذ القدح وتبسم الي فقال: أبا هر بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يارسول الله قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، قال: اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب، حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما اجد له مسلكا قال: فأرنيه. فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة (1). وفي صحيح البخاري (2) عن أبي هريرة قال: رأيتني واني لاخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حجرة عائشة مغشيا علي فجئ الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى اني مجنون وما بي من جنون ما بي إلا الجوع اه. وكان ذو الجناحين جعفر بن أبي طالب عليهما السلام كثير البر والاحسان والصدقة والعطف على البائسين. فكان يطعم أبا هريرة من جوع فوالاه * هامش * (1) - هذا الحديث اخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه وهو من أعلام النبوة - لو صح فما ندري لم لم يروه غير أبي هريرة ؟ وهلا حدث بهذه الآية شركاء أبي هريرة في اللبن على الاقل ؟ وما ندري هل كان ثمة مقتض
للتحدي والاعجاز ؟ وموجب لخرق العادات ؟ فان مثل هذه الآية لا تكون إلا عند الاقتضاء ونحن نؤمن بآيات الله تعالى ومعجزات رسله ومع ذلك فان الظاهر ان هذا الحديث مما نزلف به أبا هريرة إلى غوغاء الناس وعوامهم بعد وفاة كبراء الصحابة حيث لم يبق منهم من يخشاه. (2) - راجع من جزئه الرابع ص 175 تجده في أواخر كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة.
[ 25 ]
أبو هريرة وفضله - كما في ترجمة جعفر من الاصابة - على الناس بعد النبي كافة. وقد روى البخاري (1) بالاسناد إلى أبي هريرة قال: إن الناس يقولون اكثر أبو هريرة على رسول الله صلى الله عليه وآله واني كنت ألزمه بشبع بطني حتى لا أكل الخمير ولا ألبس الحبير ولا يخدمني فلان وفلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وكنت استقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني، وكان اخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته الحديث (2). وأخرج البغوي من طريق المقبري - كما في ترجمة جعفر من الاصابة - قال: كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويجلس إليهم ويخدمهم ويخدمونه ويحدثهم ويحدثونه فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يكنيه أبا المساكين (3). وأخرج الترمذي والنسائي الصحيح كما في ترجمة جعفر من الاصابة أيضا عن أبي هريرة قال: ما احتذي النعال ولا اركب المطايا ولا وطأ التراب بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل من جعفر بن أبي طالب (4). * هامش * (1) في ص 197 من الجزء الثاني من صحيحه في باب مناقب جعفر وأخرج
نحوه أبو نعيم في ترجمة جعفر 117 من الجزء الاول من حليته. (2) ونقل ابن عبد ربه الاندلسي - في فصل الجود مع الاقلال من الجزء الاول من عقده الفريد - عن أبي هريرة انه قال: تبعت جعفر بن أبي طالب ذات يوم وانا جائع فلما بلغ الباب التفت فرآني فقال لي: أدخل فدخلت ففكر حينا فما وجد في بيته شيئا إلا نحيا كان فيه سمن مرة، فانزله من رف لهم، فشقه بين أيدينا، فجعلنا نلعق ما كان فيه من السمن والزيت وهو يقول: ما كلف الله نفسا فوق طاقتها * ولا تجود يد إلا بما تجد (3) وهذا الحديث أخرجه أبو نعيم في ترجمة جعفر من حلية الاولياء ص 117 من جزئها الاول من طريق المقبري عن أبي هريرة ايضا. (4) وهذا الحديث أورده ابن عبد البر في ترجمة جعفر من الاستيعاب
[ 26 ]
وما زالت الصفة موطن أبي هريرة الذي يطمئن إليه ليلا ونهارا، لا يأوي إلى ما سواها حتى ارتحل النبي صلى الله عليه وآله من هذه الدار الفانية ولحق بالرفيق الاعلى وقبل ذلك لم يقم أبو هريرة بشئ يعود عليه بشبع بطنه سوى القعود في طريق المارة ينزع إليهم بجوعه. لا تخفزه مهمة. ولا يذكر في حرب ولا في سلم، بلى ذكروا أنه فر من الزحف يوم مؤتة (1). وزعم أنه كان في البعث الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله مع علي ببراءة إلى مكة وأنه نادى يوم الحج الاكبر حتى صحل صوته، وله في ذلك حديثان متناقضان متساقطان كما ستقف عليه في محله إن شاء الله تعالى. وزعم أن النبي صلى الله عليه وآله وكله بحفظ زكاة رمضان في حديث طويل (2) سنورده في الاباطيل. 4 - * على عهد الخليفتين * ألممنا بأخبار الخليفتين، واستقرأنا ما كان على عهدهما، فلم نجد لابي
هريرة ثمة أثرا يذكر، سوى ان عمر بعثه واليا على البحرين سنة إحدى وعشرين (3). فلما كانت سنة ثلاث وعشرين وعزله وولى عثمان بن أبي العاص
(1) راجع ص 42 من الجزء الثالث من المستدرك تجد أبا هريرة يعير بذلك فلا يدري أي شئ يقول لمن عيره. (2) أخرجه البخاري في كتاب الوكالة ص 29 من الجزء الثاني من صحيحه. (3) حين مات الوالي عليها من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وابي بكر وعمر وهو العلاء ابن الحضرمي.
[ 27 ]
الثقفي (1)، ولم يكتف بعزله حتى استنقذ منه لبيت المال عشرة الآف زعم انه سرقها من مال الله في قضية مستفيضة، وحسبك منها ما ذكره ابن عبد ربه المالكي (فيما يأخذ به السلطان من الحزم والعزم من أوائل الجزء الاول من عقده الفريد) إذ قال - وقد ذكر عمر: ثم دعا أبا هريرة. فقال له: علمت اني استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين. ثم بلغني انك ابتعت افراسا بألف دينار وستمائة دينار. قال: كانت لنا أفراس تناجت وعطايا تلاحقت. قال: حسبت لك رزقك ومؤنتك وهذا أفضل فأده قال: ليس ذلك. قال: بلا والله وأوجع ظهرك ثم قام إليه بالدرة فضربه حتى أدماه ثم قال: ائت بها، قال: احتسبها عند الله قال: ذلك لو أخذتها من حلال وأديتها طائعا، أجئت من أقصى حجر البحرين يجبى الناس لك لا لله ولا للمسلمين ؟ ما رجعت (2) بك أمسية إلا لرعية الحمر. قال ابن عبد ربه: وفي حديث أبي هريرة: لما عزلني عمر عن البحرين قال لي: يا عدو الله وعدو كتابه سرقت مال الله ؟ قال فقلت: ما أنا عدو الله وعدو كتابه ولكني عدو من عاداك وما سرقت مال الله، قال: فمن أين اجتمعت
لك عشرة آلاف ؟ قال فقلت: خيل تناتجت، وعطايا تلاحقت، وسهام تتابعت قال: فقبضها مني فلما صليت الصبح استغفرت لامير المؤمنين الحديث، وقد أورده ابن أبي الحديد إذ ألم بشئ من سيرة عمر في المجلد الثالث من شرح النهج (3)
(1) كما هو ثابت لدى أهل الاخبار ومصرح به في عدة حوادث تلك السنة من تاريخ ابن الاثير وغيره. (2) الرجع والرجيع العذرة والروث سميا رجيعا لانهما رجعا من حالتهما الاولى بعد ان كانا طعاما وعلفا، واميمة ام ابي هريرة، وكلمة الخليفة هذه من افظع كلمات الشتم. (3) ص 104 طبع مصر.
[ 28 ]
وأخرجه ابن سعد في ترجمة أبي هريرة من طبقاته الكبرى (1) من طريق محمد ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال لي عمر: يا عدو الله وعدو كتابه أسرقت مال الله إلى آخر الحديث. وأورده ابن حجر العسقلاني في ترجمة أبي هريرة من أصابته فحوره عطفا على على أبي هريرة تحويرا خالف فيه الحقيقة الثابتة باتفاق أهل العلم، وذهل عما يستلزمه ذلك التحرير من الطعن بمن ضرب ظهره فأدماه وأخذ ماله وعزله. 5. * على عهد عثمان * أخلص أبو هريرة لآل أبي العاص وسائر بني أمية على عهد غثمان واتصل بمروان وتزلف إلى آل أبي معيط، فكان له بسبب ذلك شأن، ولا سيما بعد يوم الدار إذ حوصر عثمان فكان أبو هريرة معه. وبهذا نال نضارة بعد الذبول ونباهة بعد الخمول.
سنحت له في تلك الفتنة فرصة الانضواء إلى الدار فأسدى بها إلى آل أبي العاص وغيرهم من الامويين يدا كان لها أثرها عندهم وعند أعوانهم ومقوبة سلطانهم، فنضوا عنه دثار الخمول وشادوا بذكره، على أنه لم يخف عليهم كونه ما استسلم إلى الحصار ولا دخل الدار إلا بعد أن كف الخليفة أيدي أوليائه عن القتال وأمرهم بالسكينة. كما قال بعض معاصريه في رثائه ! فكف يديه ثم أغلق بابه * وأيقن أن الله ليس بغافل وقال لاهل الدار لا تقتلوهم * عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل وانما فعل ذلك احتياطا على نفسه واحتفاظا بأصحابه. وكان أبو هريرة
(3) ص 90 من قسمها الثاني من جزئها الرابع (*)
[ 29 ]
على علم بأن الثائرين لا يطلبون إلا عثمان ومروان. وهذا ما شجعه على أن يكون في المحصورين. ومهما يكن فقد أختلس الرجل هذه الفرصة فربحت صفقته وراجت سلعته، وأكب بعدها بنو أمية وأولياؤهم على السماع منه. فلم يألوا جهدا في نشر حديثه، والاحتجاج به. وكان ينزل فيه على ما يرغبون. وكان مما حدثهم به عن رسول الله صلى الله عليه وآله إن لكل نبي خليلا من أمته وان خليلي عثمان (1). وقال (2): سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: عثمان حبي تستحي منه الملائكة. ورووا عنه مرفوعا: لكل نبي رفيق في الجنة ورفيقي فيها عثمان (3). ورووا عنه مرفوعا أيضا: أتاني جبرئيل فقال لي: إن الله يأمرك أن تزوج عثمان أم كلثوم على مثل صداق رقية الحديث (4).
(1) أهل العلم كافة متصافقون على بطلان هذا الحديث، لكن أولياء أبي هريرة يحيلون الآفة به على اسحاق بن نجيع الملطي أحد رجال سنده إلى أبي هريرة، وقد أورده الذهبي في ترجمة اسحاق من ميزان الاعتدال جازما ببطلانه (2) فيما أخرجه ابن كثير عند ذكر فضائل عثمان في حوادث سنة 35 ص 203 من الجزء السابع من كتابه " البداية والنهاية " (3) هذا الحديث باطل بالاجماع، وأولياء أبي هريرة يحيلون الآفة فيه على عثمان بن خالد بن عمر بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان أحد سلسلة سنده المتصلة بأبي هريرة، وقد أورده الذهبي في ترجمة عثمان بن خالد المذكور من ميزان الاعتدال وعده من منكراته. (4) اخرجه ابن منده وقال: غريب تفرد به محمد بن عثمان بن خالد العثماني اه " قلت ": وقد نقل هذا الحديث ابن حجر العسقلاني في آخر ترجمة السيدة ام كلثوم عليها السلام من الجزء الرابع من الاصابة، وذكر انه غريب، وانه تفرد به محمد بن عثمان بن خالد العثماني فراجع (*)
[ 30 ]
وقال: دخلت على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أمرأة عثمان وبيدها مشط فقالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من عندي آنفا رجلت شعره، فقال لي: كيف تجدين أبا عبد الله (عثمان) ؟ قلت: بخير. قال أكرميه، فانه من اشبه أصحابي بي خلقا (1). وربما حرف الكلم عن مواضعه، كما فعل في الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله: ستكون بعدي فتنة واختلاف. قالوا فما تأمرنا عند ذلك يارسول الله ؟ قال صلى الله عليه وآله - وقد أشار إلى علي -: عليكم بالامير وأصحابه. لكن أبا هريرة آثر التزلف إلى آل أبي العاص وآل معيط وآل أبي
سفيان فروى لهم ان النبي صلى الله عليه وآله أشار في هذا الحديث إلى عثمان (2) وقد حفظوا له هذا الصنع. كما ستقف عليه في الفصل 8 من هذا الاملاء أن شاء الله تعالى. - 6 - * على عهد علي * خفت صوت أبي هريرة على عهد أمير المؤمنين. واحتبى برد الخمول وكاد إن يرجع إلى سيرته الاولى. حيث كان هيان بن بيان وصلعمة بن قلعمة قعد
(1) سنورد هذا الحديث في أول الفصل 13 فراجعه ثمة واعجب (2) ولذا أخرجه الحاكم عن أبي هريرة في فضائل عثمان اول ص 99 من الجزء 3 من المستدرك. والحق يوجب ذكره في فضائل علي، نظير قول النبي صلى الله عليه وآله: تكون بين الناس فرقة واختلاف فيكون هذا واصحابه على الحق، واشار إلى علي، أخرجه الطبراني عن كعب بن عجرة، وهو الحديث 2635 من الجزء 6 من كنز العمال، وقوله صلى الله عليه وآله - ستكون بعدي فتنة فالزموا فيها علي بن أبي طالب فانه اول من آمن بي واول من -
[ 31 ]
عن نصرة أمير المؤمنين فلم ينضو إلى لوائه، بل كان وچهه ونصيحته إلى أعدائه
- يصافحني يوم القيامة وهو الصديق الاكبر وهو فاروق هذه الامة الحديث، أخرجه ابو احمد وابن مندة وغيرهما عن ابي ليلى الغفاري، ونقله في ترجمة ابي ليلى كل من ابن عبد البر في استيعابه وابن حجر في اصابته وغيرهما، وقوله صلى الله عليه وآله: يا عمار إن رايت عليا قد سلك واديا وسلك الناس في واديا غيره فاسلك مع علي ودع الناس إنه لن يدلك على ردى ولن يخرجك من الهدى الحديث، أخرجه الديلمي عن كل من عمار وأبي أيوب وهو الحديث 259 في آخر ص 155 من الجزء 6 من كنز العمال
وقوله صلى الله عليه وآله: يا أبا رافع سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا حق على الله جهادهم الحديث أخرجه الطبراني في الكبير عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن ابيه عن جده وهو الحديث 2589 من الجزء 6 من الكنز إلى كثير من امثال هذه النصوص التي لا يسعنا الآن استقصاؤها، وحسبك قوله صلى الله عليه وآله: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فاستشرف لها القوم وفيهم ابو بكر وعمر، فقال ابو بكر انا هو ؟ قال لا، قال عمر: انا هو ؟ قال: لا ولكنه خاصف النعل الحديث، أخرجه الحاكم في آخر ص 122 من الجزء 3 من المستدرك وصححه على شرط الشيخين واورده الذهبي في تلخيصه معترفا بصحته على شرطهما واخرجه أحمد من الحديث ابي سعيد في ص 33 وص 82 من الجزء 3 من المسند ورواه الحافظ ابو نعيم في ترجمة على ص 67 من الجزء الاول من حليته واخرجه ابو يعلى في السنن وسعيد بن منصور في سننه وهو الحديث 2585 في ص 155 من الجزء 6 من الكنز، والاحاديث في وجوب قتال الناكثين والقاسطين والمارقين متظافرة، واخباره صلى الله عليه وآله بوقوع الفتن من بعده متواترة وهي من اعلام النبوة وكلها صريح بوجوب اتباع علي، فحديث أبي هريرة الذي اخرجه الحاكم من جملتها بلا ريب، ويؤيد ذلك ان النبي صلى الله عليه وآله لم يطلق الامير على غير علي أبدا، اما علي فقد نال منه هذا الوسام، وحسبك قوله صلى الله عليه وآله لانس اول من يدخل عليك من هذا الباب امير المؤمنين وسيد الوصيين، الحديث، اخرجه الحافظ الاصفهاني في ترجمة علي من الجزء الاول من حلية الاولياء، وقد أمر صلى الله عليه وآله ان يسلموا على علي بالامرة كما هو ثابت من طرق العترة الطاهرة، والمقام لا يسع التفصيل. (*)
[ 32 ]
وقد أرسله معاوية مع النعمان بن بشير - وكانا عنده في الشام - إلى علي عليه السلام يسألانه أن يدفع قتلة عثمان إلى معاوية ليقيدهم بعثمان، وقد أراد معاوية بهذا
أن يرجعا من عند علي إلى الشام وهما لمعاوية عاذران ولعلي لائمان، علما من معاوية أن عليا لا يدفع قتلة عثمان إليه، فاراد أن يكون النعمان وأبو هريرة شاهدين له عند أهل الشام بذلك، وان يظهرا للناس عذر معاوية في قتال علي. فقال لهما ائتينا علي فانشدناه الله لما دفع الينا قتلة عثمان، فانه قد آواهم، ثم لا حرب بيننا وبينه، فان ابى فكونوا شهداء الله عليه، واقبلا على الناس فاعلماهم بذلك. فأتينا عليا فدخلا عليه، فقال له أبو هريرة: يا أبا الحسن ان الله قد جعل لك في الاسلام فضلا وشرفا، فأنت ابن عم محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وقد بعثنا اليك ابن عمك يسألك امرا تسكن به هذه الحرب، ويصلح الله به ذات البين ان تدفع إليه قتلة ابن عمه عثمان فيقتلهم به ويجمع الله تعالى امرك وامره ويصلح بينكم وتسلم هذه الامة من الفتنة والفرقة، ثم تكلم النعمان بنحو من هذا فقال لهما: دعا الكلام في هذا، حدثني عنك يا نعمان، هل أنت أهدى قومك سبيلا ؟ - يعني الانصار - قال: لا. قال فكل قومك قد اتبعني الا شذاذ منهم ثلاثة أو أربعة افتكون أنت من الشذاذ ؟ قال النعمان: اصلحك الله انما جئت لاكون معك والزمك، وقد كان معاوية سألني ان اؤدي هذا الكلام. ورجوت ان لي موقف اجتمع فيه معك. وطمعت ان يجري الله تعالى بينكما صلحا فإذا كان رأيك غير ذلك فانا ملازمك وكائن معك. قال حفظة الآثار: أما أبو هريرة فلم يكلمه أمير المؤمنين فانصرف إلى الشام فاخبر معاوية بالخبر فأمره معاوية ان يعلم الناس ففعل ذلك وعمل اعمالا ترضى معاوية. واقام النعمان بعده عند علي ثم خرج فارا إلى الشام فأخبر أهلها بما لقي
[ 33 ]
إلى آخر ما كان من هذه الواقعة (1).
وحين جد الجد، وحمى وطيس الحرب، ورد على أبي هريرة من الهول ما هزم فؤاده وزلزل اقدامه، وكان في أول تلك الفتنة لا يشك بأن العاقبة ستكون لعلي. فضرب الارض بذقنه، قابعا في زوايا الخمول يثبط الناس عن نصرة أمير المؤمنين بما يحدثهم به سرا وكان مما قاله يومئذ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به (2). ولم يزل كذلك حتى خرجت الخوارج على أمير المؤنين واختلف الناس عليه في العراق واستفحل أمر معاوية باستيلائه على مصر وقتله محمد بن أبي بكر وعبثه في بلاد أمير المؤمنين، وشنه الغارات عليها، وبعثه بسرا في ثلاثة آلاف إلى الحجاز واليمن عبثا في الارض وفسادا، وتنكيلا بعباد الله وتقتيلا، وتحريفا لهم وتمزيقا، وانتهاكا لحرمات الله. وهتكا لامائه وسبيا لذراى المؤمنين من عباده، وعبرة للناظرين، ومثلا واحدوثة في الغابرين.
(1) وقد ذكرها ابراهيم بن هلال الثقفي في كتاب الغارات، ونقلها البحاثة المعتزلي في ص 213 من المجلد الاول من شرح نهج البلاغة فليراجعها من أراد التفصيل ليعرف سوء نوايا معاوية وسوء منقلب النعمان في هذه الواقعة وانما أعرض أمير المؤمنين عن أبي هريرة فلم يكلمه لكونه لم يره لهلا لتزلفه بدينه إلى معاوية، وعلم أمير المؤمنين ما أراده معاوية من المكائد إذ ارسلهما إليه يطلبان منه قتلة عثمان فلم يجبهما بشئ لا سلبا ولا إيجابا بل أعرض عن طلبهما، وتكلم مع النعمان في موضوع آخر وهذا من قوته في سياسته عليه السلام. (2) اخرجه أحمد بن حنبل من حديث أبي هريرة في ص 282 من الجزء الثاني من مسنده. وهو من الاباطيل بدليل قوله تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله).
[ 34 ]
وفي ختام هذه الفظائع أخذ البيعة لمعاوية من أهل الحجاز واليمن عامة (1) فعندها باح أبو هريرة بما في صدره، واستراح إلى بسر بن ارطاة بمكنون سره فوجد بسر منه اخلاصا لمعاوية، ونصحا في أخذ البيعة له من الناس. فولاه على المدينة (2) حين أنصرف عنها وامر أهلها بطاعته ولم يزل بعدها يصلى بهم ويرى لنفسه الولاية عليهم حتى جاءهم جارية بن قدامة السعدي من قبل أمير المؤمنين في الفي فارس وأبو هريرة يصلي في الناس، فهرب من وجهه، فقال جارية (3) لو وجدت أبا سنور لقتلته. وبلغ جارية - وهو في الحجاز - استشهاد أمير المؤمنين في الكوفة فأخذ البيعة من أهل المدينة للامام السبط أبي محمد الحسن الزكي المجتبى عليه السلام ثم عاد إلى الكوفة فرجع أبو هريرة يصلي بالناس (4) واستفحل بعدها امره حيث انتهى الامر إلى معاوية. - 7 - * على عهد معاوية * نزل أبو هريرة أيام معاوية إلى جناب مريع، وانزل آماله منه منزل صدق
(1) من أراد الوقوف على تفصيل هذه الفظائع والفجائع فعليه بص 116 حتى ص 121 من المجلد الاول من شرح النهج الحميدي على ان كل من ارخ حوادث سنة الاربعين ذكرها كابن جرير وابن الاثير وغيرهما وهي من القضايا الثابتة من افعال معاوية ثبوت وقعتي الحرة والطف من ولده يزيد. (2) كما نص عليه ابراهيم بن هلال الثقفي في كتاب الغارات، ونقله ابن ابي الحديد في أواخر صفحة: 128 من المجلد الاول من شرح النهج. (3) كما نص عليه ابن الاثير عند ذكر سرية إلى الحجاز واليمن سنة 40
فراجع ص 153 من الجزء الثالث من تاريخه الكامل. (4) كما في الصفحة المتقدمة الذكر من كامل ابن الاثير. (*)
[ 35 ]
لذلك نزل في كثير من الحديث على رغائبه، فحدث الناس في فضل معاوية وغير، أحاديث عجيبة. وقد كثر وضع الحديث في تلك الدولة حسبما اقتضته دعايتها، واوجبته سياستها في نكاية الهاشميين، وكثرت الكذابة يومئذ على رسول الله كما أنذر به صلى الله عليه وآله وتطوروا فيما اختلقوه من الحديث حسبما أوحى إليهم وكان أبو هريرة في الرعيل الاول من هؤلاء، فحدث الناس في الفضائل احاديث منكرة، فمنها ما أخرجه ابن عساكر بطريقين ومحمد بن عائذ بطريق خامس ومحمد بن عبد السمرقندي بطريق سادس ومحمد بن مبارك الصوري بطريق سابع والخطيب البغدادي بطريق ثامن كلهم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول أن الله ائتمن على وحيه ثلاثة أنا وجبرئيل ومعاوية ؟ ! ومنها: ما أخرجه الخطيب بالاسناد إلى أبي هريرة قال: ناول النبي صلى الله عليه وآله معاوية سهما فقال: خذ هذا السهم حتى تلقاني به في الجنة ! ومنها: ما أخرجه أبو العباس الوليد بن أحمد الزوزني في كتابه شجرة العقل - من طريقين إلى أبي هريرة قال ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول أن لابي بكر قبة من درة بيضاء لها أربعة أبواب تخترقها رياح الرحمة ظاهرها عفو الله وباطنها رضوان الله كلما اشتاق إلى الله انفتح له مصراع ينظر منه إلى الله عزوجل. ومنها: ما أخرجه ابن حيان بالاسناد إلى أبي هريرة قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله من الغار يريد المدينة أخذ أبو بكر بغرزه فقال: ألا أبشرك
يا أبا بكر ؟ ان الله تعالى يتجلى للخلائق يوم القيامة عامة ويتجلي لك خاصة !. ومنها: ما أخرجه ابن حبان أيضا بالاسناد إلى أبي هريرة قال: بينا جبرئيل مع النبي صلى الله عليه وآله إذ مر بهما أبو بكر فقال جبرئيل: هذا أبو بكر الصديق قال رسول الله صلى الله عليه وآله أتعرفه يا جبرئيل ؟ ! قال: نعم انه في السماء لاشهر منه
[ 36 ]
في الارض، وان الملائكة لتسميه حليم قريش وانه وزيرك في حياتك وخليفتك بعد مماتك. ومنها: ما أخرجه الخطيب بالاسناد إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله تباشرت الملائكة يوم ولد أبو بكر الصديق واطلع الله إلى جنة عدن فقال وعزتي وجلالي لا أدخلها إلا من أحب هذا المولود. ومنها: ما أخرجه ابن عدي بالاسناد إلى أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: عرج بي إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت مكتوبا فيها محمد رسول الله أبو بكر الصديق الحديث (1). ومنها ما أخرجه أبو الفرج ابن الجوزي بالاسناد إلى أبي هريرة قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله بان الجنة وانار تفاخرتا فقالت النار للجنة أنا أعظم منك قدرا، لان في الفراعنة والجبابرة والملوك وابناؤهم، فأوحى الله إلى الجنة أن قولي: بل لي الفضل إذ زينني الله لابي بكر. ومنها ما أخرجه الخطيب بالاسناد إلى أبي هريرة قال: خرج النبي صلى الله اعليه وآله متكئا على علي بن أبي طالب فاستقبله أبو بكر وعمر فقال يا علي أبحب هذين الشيخين ؟ قال: نعم، قال أحببهما تدخل الجنة !. ومنها: ما أخرجه الخطيب أيضا في تاريخ بغداد وابن شاهين في سننه من طريقين إلى أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: ان في السماء الدنيا
ثمانين الف ملك نستغفرون لمن أحب أبا بكر وعمر، وفي السماء الثانية ثمانين الف ملك يلعنون من أبغض أبا بكر وعمر. ومنها: ما أخرجه الخطيب بالاسناد إلى أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ان لله تعالى في السماء سبعين الف ملك يلعنون من شتم أبا بكر وعمر.
(1) واخرجه الخطيب في ترجمة محمد بن عبد الله المهري ص 445 من المجلد الخامس من تاريخ بغداد. (*)
[ 37 ]
وهذه الاحاديث كلها باطلة اجماعا وقولا واحدا صرح بذلك كل من اخرجها ممن ذكرناهم. والسيوطي نظمها باسانيدهما ومتونها في سلك الاحاديث الموضوعة من لآليه المصنوعة غير أنهم لم يجعلوا الآفة فيها من أبي هريرة نفسه وانما جعلوها ممن نقلها عنه عملا برأيهم في كل من رأى النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه من المسلمين، وكذلك فعلوا في سائر ما صنعته يدا أبي هريرة مما ضاق به ذرعهم نحو قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: هذا جبرئيل يخبرني عن الله ما أحب أبا بكر وعمر الا مؤمن تقي ولا أبغضهما إلا منافق شقي (1). وقوله: قال رسول الله صلى الله عليه وآله خلقني الله من نوره وخلق أبا بكر من نوري وخلق عمر من نور أبي بكر وخلق أمتي من نور عمر وعمر سراج أهل الجنة (2). وقوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أبو بكر وعمر خير الاولين والآخرين (3). وقوله: ان النبي صلى الله عليه وآله كان يقول: أصحابي كالنجوم من اقتدى بشئ
(1) ان هذا الحديث معدود في الاباطيل باجماع اهل العلم وقد ذكره الذهبي في
ترجمة ابراهيم بن مالك الانصاري من ميزان الاعتدال فابطله وخسرت صفقة من اراد ان يعارض الحق بالباطل. (2) وهذا كسابقه باطل بالاجماع، وقد ذكره الذهبي في ترجمة احمد السمرقندي من الميزان. فراجعه تعلم انه باطل مخالف لكتاب الله وخسر هنالك المبطلون الذين يريدون معارضة الحق الواضح بالباطل الفاضح. (3) وهذا كسابقيه في البطلان. وقد ذكره الذهبي في ترجمة جيرون بن واقد الافريقي فارسل بطلانه ارسال المسلمات. (*)
[ 38 ]
منها أهتدى (1). وقوله: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: انزل في الانجيل نعتي ونعت أصحابي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي كزرع أخرج شطأه الآية (2). إلى آخر ما كان يسترسل به من هذه المختلقات، وله في صحيحي البخاري ومسلم احاديث افرغها على هذا القالب. وحاكها على هذا المنوال فراجعها في الفصل 11 من هذا الاملاء. - 8 - * أيادي بني أمية عليه * تتمثل لك نعمهم عليه إذا انعمت النظر في حاليه، حاله قبل دولتهم حيث كان ذليلا مهينا ينظر إلى القمل يدب على نمرته (3) وحاله على عهدهم حيث اخذوا بضبعيه واطلقوا عنه ربقة الخمول فكسوه الخز (4) والساج وجعلوه
(1) نقله الذهبي في ترجمة جعفر بن عبد الواحد القاضي من ميزانه ونص ثمة على انه من بلاياه.
(2) تجد هذا الحديث في ترجمة محمد بن موسى بن عطاء الدمياطي من ميزان الذهبي وتجد ثمة بطلانه لكن الجمهور يحيلون البلاء في اباطيل ابي هريرة على الرواة عنه (3) هذا مأخوذ من قول ابي هريرة: فنزعت نمرة على ظهري فبسطتها بيني وبينه صلى الله عليه وآله حتى كأني انظر إلى القمل يدب عليها الحديث اخرجه ابو نعيم في احوال ابي هريرة ص 381 من الجزء الاول من حليته. (4) اخرج ابن سعد في ترجمة ابي هريرة من طبقاته عن وهب بن كيسان وعن قتادة والمغيرة ان ابا هريرة كان يلبس الخز. (*)
[ 39 ]
يزر ازراره بالديباج (1) والبسوه الكتان المشيق (2) وبنوا له القصر في العقيق (3) وطوقوه ببرهم، وناطوا نعمهم قلائد في عنقه واذاعوا ذكره، ونوهوا باسمه، وولوه على المدينة الطيبة مدينة النبي (4) وانكحوه ايام ولايته عليها بسرة بنت غزوان بن جابر بن وهب المازنية اخت الامير عتبة بن غزوان (5) وما كان ليحلم بذلك، ولا ليسنح في امانيه، وقد كان يخدمها بطعام بطنه، ويكدح في خدمتها حافيا:
(1) هو الطليلسان الاخضر، وقيل الاسود، وقيل المقور ينسج كذلك، وفي الاساس لبسوا السيجان وهي الطيالسة المدورة الواسعة، وقد جاء في ترجمة ابي هريرة من طبقات ابن سعد عن سعيد قال: رأيت على ابي هريرة ساجا مزرورا بديباج. (2) اخرج البخاري في صفحة 175 من الجزء الرابع من صحيحه في اواخر كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة عن محمد بن سيرين قال: كنا عند ابي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان. (3) وفيه مات كما هو منصوص عليه في كل من اصابة ابن حجر ومعارف ابن قتيبة وطبقات ابن سعد اثناء ترجمتهم اياه.
(4) فيما اخرجه الامام احمد في ص 430 من الجزء الثاني من مسنده عن محمد ابن زياد واخرجه ابن قتيبة في ترجمة ابي هريرة من معارفه عن ابي رافع. واورده الامام ابو جعفر الاسكافي كما في ص 359 من المجلد الاول من شرح النهج الحميدي طبع مصر. (5) هو حليف بني عبد شمس الذي ولاه عمر (رض) في الفتوح فاختلط البصرة وكان اميرها، وفتح فتوحا وهو من مشاهير الصحابة والابطال مات على عهد عمر، وإنما تزوج ابو هريرة اخته بعد موته بزمان، وقد ذكر ابن حجر العسقلاني بسرة هذه في القسم الاول من الاصابة وذكر قصة ابي هريرة معها فقال: وكانت قد استأجرته في العهد النبوي ثم تزوجها بعد ذلك لما كان مروان يستخلفه في امرة المدينة على عهد معاوية. (*)
[ 40 ]
قال مضارب بن جزء (1): كنت اسير في الليل فإذا رجل يكبر فلحقته فإذا هو أبو هريرة، فقلت: ماهذا ؟ قال: اشكر الله على ان كنت اجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني، فكنت إذا ركبوا سقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم والآن تزوجتها فأنا الآن اركب، فإذا نزلت خدمتني " قال " وكانت إذا اتيت على نحو من مكانها قلت لها: لا اريم حتى تجعل لي عصيدة، فها انا ذا إذ اتيت على نحو من مكانها قلت لها: لا اريم حتى تجعلي لي عصيدة (2). وكان كثيرا ما يقول وهو أمير المدينة -: نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لبسرة بن غزوان بطعام بطني، وعقبة رجلي قال: فكانت تكلفني ان اركب قائما، واورد حافيا، فلما كان بعد ذلك زوجنيها الله فكلفتها ان تركب قائمة وان تورد حافية (4) ! ! وصلى بالناس يوما فلما سلم رفع صوته فقال: الحمد لله الذي جعل الدين
قواما، وجعل أبا هريرة اماما، بعد ان كان اجيرا لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجله (5).
(1) فيما اخرجه أبو العباس السراج في تاريخه بسند صحيح ونقله العسقلاني في ترجمة أبي هريرة من اصابته. (2) اخرجه ابن خزيمة، ونقله ابن حجر في ترجمة أبي هريرة من الاصابة. (3) أخرجه ابن سعد في أوائل ترجمة أبي هريرة ص 53 من القسم الثاني من الجزء الرابع من الطبقات. (4) أخرج ابن سعد هذا الحديث في أوائل الصفحة الآنفة الذكر. (5) أخرجه أبو نعيم الاصفهاني في ترجمة أبي هريرة آخر ص 379 من الجزء الاول من حليته. (*)
[ 41 ]
وقام مرة على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وهو أمير المدينة فقال: الحمد لله الذي اطعمني الخمير، وألبسني الحرير، وزوجني بنت غزوان بعدما كنت أجيرا لها بطعام بطني، فأرحلتني فأرحلتها كما ارحلتني الحديث. (1). * تطوره في شكر أياديهم * استعبد بنو أمية أبا هريرة ببرهم، فملكوا قيادة. واحتلوا سمعه وبصره وفؤاده، فإذا هو لسان دعايتهم في سياستهم، يتطور فيها على ما تقتضيه اهواؤهم فتارة يفتئت الاحاديث في فضائلهم، كما سمعته في الفصل الخامس والفصل السابع (2) من هذا الاملاء. وتارة يلفق احاديث في فضائل الخليفتين نزولا على رغائب معاوية وفئته الباغية. إذ كانت لهم مقاصد سياسية ضد الوصي وآل النبي لا تتسق لهم - فيما كانوا يظنون - إلا بالاشادة بتفضيل الخليفتين، فافتأت في ذلك احاديث اوردنا
بعضها في الفصل السابع من املائنا هذا. وحسبك مما لم نورده ثمة حديثه في تأمير أبي بكر على الحج سنة براءة - وهي سنة تسع للهجرة - وحديثه في أن عمر كان محدثا تكلمه الملائكة. وقد اقتضت سياسة الامويين في نكابة الهاشميين تثبيت هذين الحديثين واذاعتهما بكل ما لمعاوية وأعوانه. ومقوية سلطانه من وسيلة أو حيلة، فبلغوا
(1) أخرجه أبو نعيم في أحوال أبي هريرة ص 384 من الجزء الاول من الحلية. (2) الفصل الخامس يتعلق باحواله على عهد عثمان، والسابع يتعلق باحواله على عهد معاوية. (*)
[ 42 ]
في ذلك ما شاء حولهم وطولهم حتى أخرجتهما الصحاح، وستسمعهما في الفصل 11 حيث نوردهما ونبسط القول فيهما على ما يوجبه العلم، وتقتضيه قواعده ان شاء الله تعالى. وتارة يقتضب أحاديث ضد أمير المؤمنين جريا على مقتضى تلك السياسة كقوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لم تحبس الشمس أو ترد لاحد إلا ليوشع ابن نون ليالي سار إلى بيت المقدس اه (1) وقوله: قام رسول الله صلى الله عليه وآله حين أنزل الله عليه: (وأنذر عشيرتك الاقربين) فقال: يا معشر قريش الحديث، بتره أبو هريرة فلم يعج على نصه الصريح تحريفا للكلم عن مواضعه جريا على مقتضيات السياسة الاموية ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقوله: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا يقتسم ورثتي ما تركت. الحديث. وقوله: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمه أبي طالب: قل لا إله إلا الله الحديث وآخره فأنزل الله تعالى (انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من
يشاء) (2) إلى كثير من المختلقات التي أريد بها نكابة الوصي وأهل بيت النبي. قال الامام أبو جعفر الاسكافي (3): إن معاوية حمل قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في على تقتضي الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا له ما أرضاه. منهم أبو هريرة وعمر بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير إلى آخر كلامه.
(1) أخرجه الخطيب في ترجمة أسود بن عامر ص 35 من المجلد السابع من تاريخ بغداد، وفي ترجمة سعيد بن عثمان الحناط ص 99 من المجلد التاسع عن أبي هريرة (2) سنفصل القول في هذه الاحاديث الثلاثة، حيث نوردها في الفصل 11 من هذا الاملاء فراجع. (3) كما في صفحة 358 من المجلد الاول من شرح نهج البلاغة الحميدي. (*)
[ 43 ]
وقال (1): لما تقدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مرارا ! وقال: يا أهل العراق أتزعمون اني اكذب على الله ورسوله واحرق نفسي بالنار ؟ والله سمعت رسول الله يقول: ان لكل نبي حرما وان المدينة حرمي فمن احدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " قال " واشهد بالله ان عليا احدث فيها ! ! فلما بلغ معاوية قوله أجازه واكرمه وولاه امارة المدينة اه ! (2). وتارة يرتجل أحاديث يدافع بها عن منافقي بني أمية الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وآله في كثير من مواقفه ليسجل عليهم بذلك خزيا يأمن به على الدين من نفاقهم وعلى الامة من عبثهم (وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى).
لكن أبا هريرة تزلف إلى مروان ومعاوية وأوليائهما فأنشأ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: اللهم انما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعل ذلك كفارة له وقربة تقربه بها اليك يوم القيامة. وقد عمل مروان وبنوه في تعداد أسانيده وتكثير طرقه اعمالا جبارة لم يألوا فيها جهدا، ولم يدخروا وسعا، حتى أخرجه أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد.
(1) كما في ص 359 من المجلد المذكور من شرح النهج. (2) وروى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن قاسم عن عمر بن عبد الغفار ان أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية كان يجلس بالعشيات بباب كندة ويجلس الناس إليه فجاءه شاب من الكوفة لعله الاصبغ بن نباتة فجلس إليه فقال: يا أبا هريرة أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي بن أبي طالب: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ؟ فقال: اللهم نعم قال: فأشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت وليه ثم قام عنه وانصرف. (*)
[ 44 ]
ولمروان وبنيه في رفع مستوى أبي هريرة وتفضيله على من سواه في الحفظ والضبط والاتقان والورع أعمال كان لها أثرها إلى يومنا هذا. فمنها: أن مروان كان يزعم انه أجلس كاتبه في مكان لا يراه فيه أحد، ثم دعا أبا هريرة فجعل يسأله عن أشياء واكثر في سؤاله وأبو هريرة يحدثه في الجواب عن رسول الله وكاتب مروان - واسمه زعيزعة (1) - يكتب من حيث لا يشعر به أحد أبدا فكتب أحاديث جمة هم أمهله مروان حولا كاملا فسأله تلك المسائل كلها، فأجابه أبو هريرة تلك الاجوبة بألفاظها لم ينقص ولم يزد
حتى أخرجها الحاكم في أحوال أبي هريرة من مستدركه (2). ومنها: أن مروان لما أراد أن يجلب على بني هاشم بخيله ورجله ليمنعهم من دفن الامام أبي محمد الحسن المجتبى - عند جده رسول الله صلى الله عليه وآله أوعز إلى أبي هريرة - من تدجيله - إن يعارضه ويغلظ له القول في ذلك علانية، تمويها على العامة وسواد الناس بأن له منزلة الصديقين لا تأخذه في الله ورسوله سطوة ولا تمنعه عن الانتصار لهما قوة. وحين قام أبو هريرة بهذه المعارضة، أظهر مروان الغضب منه، فكان بينهما صحب رياء، وغيظ تصنع، اشتد أبو هريرة فيهما احتجاجا على مروان بمنزلته من رسول الله صلى الله عليه وآله (3) التي لم تكن لخاصة أصحابه وذويه وبوعيه عنه صلى الله عليه وآله وحفظه الذي فاق به السابقين الاولين كعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير
(1) وكنيته ابو زعبره. (2) 510 من جزئه الثالث. (3) في حديث اخرجه ابن سعد من طريق الوليد بن رباح، ونقله ابن حجر في ترجمة ابي هريرة من اصابته، وسنورده بالفاظه في فضائله من هذا الاملاء معلقين عليه مالا يسعنا اغفاله.
[ 45 ]
وأمثالهم. واسترسل في خصائصه التي توجب له أسمى منازل المقربين، فانتهت الخصومة بينهما ببخوع مروان لمنزلة أبي هريرة في الاسلام، ومكانته في العلم بالسنن، برأئى الناس ببخوعه لفضل أبي هريرة ترويجا لسلعته التي كان مروان ومعاوية وبنوهما يحاربون بها الحسن والحسين واباهما وبنيهما. وكانت من أنجح الدعايات في تلك السياسات (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما
يكسبون). - 10 - * كمية حديثه * أجمع أهل الحديث - كما في ترجمته من (الاصابة) (1) وغيرها - على انه اكثر الصحابة حديثا، وقد ضبط الجهابذة من الحفظة الاثبات حديثه، فكان خمسة الآف وثلاثمائة واربعة وسبعين مسندا. وله في البخاري فقط اربعمائة وستة واربعين حديثا (2). وقد نطرنا في مجموع ما روى من الحديث عن الخلفاء الاربعة فوجدناه
(1) راجع السطر الاخير ص 240 من الجزء الرابع من الاصابة المطبوع في هامشها كتاب الاستيعاب. (2) راجع من إرشاد السارى شرح أول حديث لابي هريرة أخرجه البخاري في صحيحه وهو في باب امور الايمان من كتاب الايمان ص 212 من الجزء الاول من الارشاد للشارح القسطلاني تجد النص ثمة على أن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وآله 5374 حديثا وان له في صحيح البخاري فقط اربعمائة وستة واربعين حديثا وضبط ابن حزم ايضا مجموع ما حدث به أبو هريرة فكان كما سمعت 5374 مسندا فراجع ص 138 من الجزء الرابع من فصل ابن حزم أثناء كلامه في وجوه المفاضلة. (*)
[ 46 ]
بالنسبة إلى حديث أبي هريرة وحدة أقل من السبعة والعشرين في المائة، لان جميع ما روى عن أبي بكر انما هو مائة واثنان واربعون حديثا (1) وكل ما اسند إلى عمر انما هو خمسمائة وسبعة وثلاثين حديثا (2) وكل ما لعثمان مائة وستة واربعين حديثا (3) وكلما رووه عن علي خمسمائة وستة وثمانين مسندا (4) فهذه الف واربعمائة واحد عشر حديثا، فإذا نسبتها إلى حديث أبي
هريرة وحده - وقد عرفت انه 5374 - تجد الامر كما قلناه. فلينظر ناظر بعقله في أبي هريرة، وتأخره في اسلامه، وخموله في حسبه وأميته، وما إلى ذلك مما يوجب اقلاله. ثم لينظر إلى الخلفاء الاربعة وسبقهم واختصاصهم، وحضورهم تشريع الاحكام، وحسن بلائهم في اثنين وخمسين سنة، ثلاث وعشرين كانت بخدمة رسول الله صلى الله عليه وآله وتسعة وعشرين من بعده ساسوا فيها الامة وسادوا الامم، وفتح الله لهم ملك كسرى وقيصر، فمدنوا المدن، ومصروا الامصار، ونشروا دعوة الاسلام وصدعوا بأحكامه،
(1) ضبطها الجهابذة، فكانت بهذا العدد، وممن صرح بعدتها جلال الدين السيوطي في أحوال أبي بكر من كتابه (تاريخ الخلفاء) وقد أوردها ثمة باجمعها في فصل افرده لها. وضبطها أيضا العلامة النووي في التهذيب وابن حزم الظاهري في ص 137 من الجزء الرابع من الفصل في الملل والنحل فنص على انها بهذا العدد، والذهبي صرح (في ترجمة ابراهيم بن سعيد الجوهري من ميزان الاعتدال): بانه لا يصح لابي بكر عشرون حديثا. (2) قال السيوطي في أوائل ترجمة عمر من تاريخ الخلفاء: وروى له عن رسول الله صلى الله عليه وآله خمسمائة حديث وتسعة وثلاثين حديثا، وضبطها ابن حزم بهذا العدد في ص 138 من الجزء الرابع من فصله وقال: إنما يصح منها نحو خمسين (3) نص على ذلك جلال الدين السيوطي في أوائل احوال عثمان من تاريخ الخلفاء (4) كما نص عليه السيوطي في أوائل ترجمة على من تاريخ الخلفاء وصرح به ابن حزم في 137 من الجزء الرابع من فصله. (*)
[ 47 ]
وأذاعوا السنن، ينحدر عنهم السيل، ولا ير في إليهم الطير، فكيف يمكن والحال هذه أن يكون المأثور عن أبي هريرة وحده أضعاف المأثور عنهم جميعا
افتونا يا اولي الالباب ؟ !. وليس أبو هريرة كعائشة وان أكثرت أيضا، فقد تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله قبل إسلام أبي هريرة بعشر سنين (1) فكانت في مهبط الوحي والتنزيل ومختلف جبرائيل وميكائيل أربعة عشر عاما، وماتت قبل موت أبي هريرة بيسير (2). وشتان بين الصحبتين وبين الفطنتين، اما امر الصحبتين فمعلوم، واما الفطنتان فقد كان فهم عائشة يمارى سمعها. وقلبها يسبق شعرا، وعن عروة ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة. وعن مسروق رأيت مشيخة من اكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض. على انها اضطرت إلى نشر حديثها إذ بثت دعاتها في الامصار، وقادت إلى البصرة ذلك العسكر الجرار. ومع هذا فان جميع ما روى عنها انما هو عشرة
(1) اخرج ابن عبد البر في أحوال عائشة من الاستيعاب عن ابن شهاب ان رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج عائشة في شوال سنة عشر من النبوة قبل الهجرة بثلاث سنين وعرس بها في المدينة في شوال على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجرته إلى المدينة اه فيكون زواجها قبل إسلام أبي هريرة بعشر سنين، إذ لا ريب في ان اسلامه انما كان سنة سبع. (2) توفيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة سبع وخمسين أو ثمان وخمسين قبيل وفاة أبي هريرة بيسير، وهو الذي صلى عليها بامر الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان واليا على المدينة من قبل عمه معاوية ارادا كرام أبي هريرة فامر بالصلاة عليها ودفنت بالبقيع. (*)
[ 48 ]
مسانيد ومائتا مسند (1) فحديثها كله أقل من نصف حديث أبي هريرة
ولو ضممت حديثها وحديث أم سلمة مع بقائها إلى ما بعد وقعة الطف، وجمعت ذلك كله إلى حديث البقية من أمهات المؤمنين، وحديث سيدي شباب أهل الجنة وسيدة نساء العالمين وحديث الاربعة من خلفاء المسلمين ما كان كله إلا دون حديث أبي هريرة وحده ! وهذا أمر مهول الفت إليه ارباب العقول. * * * على انه كان مع ذلك يزعم ان النبي صلى الله عليه وآله أفضى إليه بأحاديث لن يميط حجابها لاحد ولا ينالها منه متسقط (2) فهي دخلة ضميره ودفينة صدره وأبو هريرة حصين الصدر: بعيد غور الضمير ! كما تعلمون: ولذا قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعاءين فأما أحدهما فبثثته، واما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم (3). وقال: لو أنبأتكم بكل ما أعلم لرماني الناس بالخزف، وقالوا: أبو هريرة مجنون. وقال: لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر. وقال: يقولون أكثرت يا أبا هريرة والذي نفسي بيده لو حدثتكم بكل
(1) فيما ضبطه ابن حزم الظاهري في ص 138 من الجزء الرابع من فصله وغير واحد من الحفظة وأهل الضبط، واما قول القائل: حفظت أربعين الف حديث * ومن الذكر آية تنساها فليس على حقيقته وانما هو كناية عن كثرة حفظها. (2) يقال، تسقطه عن سره، أي أحتال له حتى اباح به. (3) أخرجه البخاري في باب حفظ العلم من كتاب العلم ص 24 من الجزء الاول من صحيحه. (*)
[ 49 ]
شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله لرميتموني بالقشع - يعني المزابل - ثم ما ناظرتموني (1). وقال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله أحاديث ما حدثتكم بها ولو حدثتكم بحديث منها لرجمتموني بالاحجار (2). قال: حفظت من رسول الله خمسة جرب فأخرجت منها جرابين ولو أخرجت الثالث لرجمتموني بالحجارة (3). قلت: إن أبا هريرة لم يكن من رسول الله صلى الله عليه وآله ولي عهده، ولا خليفته من بعده، ليؤثره باسراره، ويفضى إليه من العلوم ما لم يفض بها إلى أحد من خاصته. وما الفائدة بافضاء تلك الاسرار إليه ؟ ! وهو رجل ضعيف ذو مهانة تمنعه عن أن ينبس في شئ منها ببنت شفة. فإذا نبس رجم بالحجارة ورمى بالبعر وبالمزابل. وإذا حدث بشئ من تلك العلوم قطعوا منه البلعوم. وهلا أفضى بها إلى الخلفاء من بعده، الغزاة الفاتحين الذين عنت لهم وجوه الامم، وخضعت لاقوالهم رقاب العرب والعجم، وساقوا الناس إلى ما أرادوا بعصا واحدة، فانهم أولى بما يدعيه أبو هريرة، إذ لو كانت عندهم تلك الاسرار لا نتشرت انتشار الشمس في الاقطار، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يفعل عبثا
هذه الاحاديث الثلاثة ذوات الخزف والبعر والقشع أخرجها بالاسناد إليه ابن سعد في ترجمته ص 57 من القسم الثاني من الجزء الرابع من الطبقات. (2) أخرجه الحاكم في ترجمة أبي هريرة من المستدرك، فراجع ص 509 من جزئه الثالث وقد صححه، وكذلك فعل الذهبي في تلخيصه وما أعز نفس أبي هريرة عليه إذ يقول: لرجمتموني بالاحجار بالخزف بالبعر بالمزابل. وكذلك حين يحدث
عن نفسه فيقول: يجئ الجائي فيضع رجله على عنقي. وحين يحدث عن بطنه وقمله وسائر شؤونه. (3) أخرجه أبو نعيم في أحوال أبي هريرة ص 381 من حليته. (*)
[ 50 ]
فيودعها حيث تضيع سدى لا ينتفع بها أحدا أبدا، ومن هو أبو هريرة ؟ !. ليختص بهذه الحيوة دون السابقين الاولين (والسابقون السابقون أولئك المقربون). على أن أبا هريرة كان كثيرا ما يقول: إن أبا هريرة لا يكتم ولا يكتب (1) فكيف يجتمع هذا القول منه مع قوله: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعاءين: فاما أحمدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. إلى آخر أقواله في هذا المعنى الصريحة بأنه كان يكتم ! ؟. ولنسأل أولى البحث عن الاسرار الالهية التي أفضاها صلى الله عليه وآله إلى أبي هريرة فكان يكتمها خوفا على حياته، أو اشفاقا على كرامته، فهل كانت من سنخ الاسرار التي عهد بها رسول الله صلى الله عليه وآله إلى وليه ووصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أمورا تتعلق بالخلافة وتختص بالخلفاء من بعده ؟ ! أم كانت من سنخ أخر ؟. فان كانت من السنخ الاول فلماذا كان منصرفا عنها كل الانصراف مخالفا لمقتضياتها كل الخلاف ؟ وكان رأيه فيما هنالك رأي الجمهور، مسترسلا معهم في كل الامور. وإن كانت النسخ الثاني فلا خوف عليه وان حدث بالطامات أو جاء بالمخزيات !. ألم يحدث بنوم النبي عن صلاة الصبح ؟ وعروض الشيطان له صلى الله عليه وآله وهو في الصلاة ليقطعها عليه ؟ !. ألم يرو انه سهى فصلى الرباعية ثنائية ! فقيل له: انسيت أم قصرت الصلاة
فقال: لم انس ولم نقصر ؟. ألم يخبر أنه كان صلى الله عليه وآله يؤذي ويسب ويلعن ويجلد على الغضب من لا يستحق ذلك ؟.
(1) أخرجه ابن سعد في ص 119 من القسم الثاني من الجزء الثاني من طبقاته عند ذكر أبي هريرة في باب أهل العلم والفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)
[ 51 ]
ألم يصم الانبياء بما لا يجوزه عليهم شرع ولا عقل ؟ حتى روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: نحن أحق بالشك من ابراهيم، وروى عن لوط ما يستلزم ضعف ثقته بالله تعالى. ألم يتسور على آدم، ونوح، وابراهيم، وموسى، وعيسى بما يجب تنزيههم عنه ؟. ألم ينسب إلى كليم الله ونجيبه موسى عليه السلام: انه لطم ملك الموت ففقأ عينه وانه اشتد يركض مرة وهو عريان فمر على بني اسرائيل فنظروا إلى سوأته ؟ ألم يحدث عن الله عزوجل بما لا يجوز عليه شرعا ولا عقلا ؟ كقوله ؟ لا تمتلئ جهنم حتى يضع الله رجله فيها ؟ وكقوله في حديث أهل المحشر: فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك ثم يأتيهم في الصورة التي يعرفون ! فيقولون: أنت ربنا ؟ وكقوله: خلق آدم على صورة الرحمن ! وقوله: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا في سبعة اذرع عرضا ؟ إلى كثير مما ستسمعه في الفصل الآتي من هذه الفظائع التي تقطع البلعوم فما باله يحدث بها مطمئنا كل الاطمئنان ؟. بل ممتنا بها على الامة كل الامتنان وقد حدث بالخرافات، فلم يرجم يحجر، ولم يرم بقشع ولا بعر كما يعلمه من
ألم بأحواله، ولكن منينا بقوم لا ينصفون، فانا لله وانا إليه راجعون. * * * ومما نلفت إليه أولى النظر من كل بحاثة: ان أبا هريرة كان يقول (1):
(1) فيما حدث به وهب بن منبه عن اخيه همام عن ابي هريرة، واخرجه البخاري في باب كتابة العلم من كتاب العلم ص 22 من الجزء الاول من صحيحه. (*)
[ 52 ]
ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله احدا اكثر حديثا عنه مني الا ماكان من عبد الله بن عمرو (بن العاص) فانه كان يكتب ولا اكتب اه. يعترف أن عبد الله هذا كان اكثر منه حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما ترى، وقد بحثنا عن حديث عبد الله بن عمرو فوجدناه سبعمائة مسند لا يزيد على هذا العدد شيئا (1). فهو دون السبع من حديث أبي هريرة كما لا يخفى. وقد أرتج على العلماء الاعلام باب الاعتذار عن أبي هريرة في هذا التهافت، لكن ابن حجر القسطلاني والشيخ زكريا الانصاري قد اعتذرا عند انتهائهما إلى هذا الحديث في شرحيهما (2) بأن عبد الله بن عمرو بن العاص سكن مصر، وكان الواردون إليها قليلا فقلت روايته، بخلاف أبي هريرة، فانه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة، فكثرت روايته. وأنت تعلم ان كلام أبي هريرة بظاهره، بل بصريحه يحبط هذا الاعتذار الا تراه يقول: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثا عنه مني الا ما كان من عبد الله بن عمرو، فان معناه - كما في ارشاد الساري وفي تحفة الباري كليهما - ما أحد من أصحاب النبي حديثه اكثر من حديثي الا أحاديث حصلت من عبد الله فانها اكثر من حديثي. وإذا كان الرجل يعترف بأن الاحاديث التي حصلت من عبد الله أكثر من حديثه فأي وجه لما اعتذر به الشارحان ؟.
على أن مقام عبد الله في مصر كان ادعى لكثرة روايته إذ كان له ثمة
(1) وقد ضبطه القسطلاني في شرح هذا الحديث من كتابه - ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري ص 373 من جزئه الاول - فكان بهذا العدد. (2) وهما ارشاد الساري القسطلاني وتحفة الباري لزكريا الانصاري وقد طبعا معا في اثني عشر جزءا. ووضع بالهامش متن صحيح مسلم وشرحه النووي والعذر المذكور تجده في ص 373 من الجزء الاول.
[ 53 ]
المكانة العالية والمنزلة السامية. حيث لم يكن هناك سواه ممن تعرفهم الناس من الصحابة إلا نزر يسير، أو عابر سبيل، لذلك تبوأ مقام المرجع الوحيد في شرائع الاسلام وعلوم الكتاب والسنة. وشتان بين مقامه في مصر، ومقام أبي هريرة في المدينة، إذ كان لعبد الله في نفوس أهل مصر منزلة العالم المرشد الصدوق وعز ابن الحاكم الفاتح عنوة، أما أبو هريرة في المدينة، فقد كان كواحد من الوف الصحابة وأبو هريرة لم يكن منهم، على انه كان متهما عندهم وكثيرا ما كانوا ينقمون عليه اكثاره على رسول الله صلى الله عليه وآله فيقولون: ان أبا هريرة يكثر الحديث، ويقولون: ما للمهاجرين والانصار لا يحدثون مثل أحاديثه (1) فمقامه في المدينة والحال هذه كان أدعى لقلة روايته. فمن الغريب أن يكون حديثه اكثر من حديث عبد الله، وخصوصا بعد اعترافه له. وبعد العلم بأن عبد الله عمر بعد أبي هريرة زمنا ليس بالقصير (2). والحق ان أبا هريرة إنما اعترف لعبد الله في اوائل امره بعد رسول الله صلى الله عليه وآله حين لم يكن مفرطا هذا الافراط الفاحش، فانه انما تفاقم افراطه، وطغى فيه على عهد معاوية، حيث لا أبو بكر ولا عمر ولا علي. ولا غيرهم من شيوخ الصحابة الذين كان يخشاهم أبو هريرة كما أشرنا إليه وسنوضحه في محله من هذا
الاملاء ان شاء الله تعالى.
(1) كان أبو هريرة يتذمر منهم ويشكوهم إلى الله فيما أخرجه البخاري عنه في آخر المزارعة من الجزء الثاني من صحيحه. (2) لان أبا هريرة توفي - كما في آخر ترجمة من الاصابة - سنة سبع وخمسين وقيل سنة ثمان وخمسين. وقيل سنة تسع وخمسين، أما عبد الله به عمرو بن العاص فقد مات - كما في ترجمة من الاصابة - سنة خمسين وستين، وقيل سنة ثمان وستين وقيل سنة تسع وستين، وقيل - كما في ترجمة من كتاب القيسراني في رجال الصحيحين - مات سنة اثنين وتسعين، والله تعالى أعلم. (*)
[ 54 ]
* كيفية حديثه * الاذواق الفنية لا تسيغ كثيرا من أساليب أبي هريرة في حديثه والمقاييس العلمية عقلية ونقلية لا تقرها. وحسبك عنوانا لهذه الحقيقة اربعون حديثا صحت عنه. اتلوها الآن عليك لتمعن فيها وفيما علقناه عليها متحررا متجردا، ولك بعد ذلك رأيك: - * 1 - خلق الله آدم على صورته * أخرج الشيخان البخاري وملسم (1) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا، وزاد أحمد (2) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا: في سبعة اذرع عرضا، قال: فلما خلقه قال اذهب فسلم على اولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فانها تحيتك وتحية ذريتك. قال: فذهب فقال: السلام عليكم. فقالوا السلام عليك ورحمة الله، قال: فزادوه ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله
ستون ذراعا، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن اه.
(1) راجع من البخاري الحديث الاول من كتاب الاستئذان في ص 57 من حزئه الرابع. ومن صحيح مسلم باب يدخل الجنة اقوام افئدتهم مثل افئدة الطير من كتاب الجنة وصفة نعيمها ص 481 من جزئه الثاني. واخرجه الامام احمد من حديث أبي هريرة في 315 من الجزء الثاني من مسنده من حديث طويل يشتمل على امور كثيرة. (2) كما في آخر ص 90 من الجزء السابع من ارشاد الساري في باب خلق آدم وذريته من كتاب بدء الخلق. (*)
[ 55 ]
وهذا مما لا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وآله ولا على غيره من الانبياء ولا على أوصيائهم عليهم السلام. ولعل أبا هريرة انما اخذه عن اليهود (1) بواسطة صديقه كعب الاحبار أو غيره، فان مضمون هذا الحديث إنما هو عين الفقرة السابعة والعشرين من الاصحاح الاول من اصحاحات التكوين من كتاب اليهود - العهد القديم - واليك نصها بعين لفظة قال: فخلق الله الانسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكرا وانثى خلقهم اه. تقدس الله عن الصورة والكيفية والشبيه. وتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وربما تأولوا الحديث فارجعوا ضمير صورته إلى آدم نفسه لا إلى الله تبارك وتعالى فيكون المعنى ان الله عز وعلا خلقه في الجنة على صورته التي كان عليها بعد هبوطه منها إذ انشأه تاما مستويا طوله ستون ذراعا وعرضه سبعة اذرع لم يتغير من حال إلى حال. ولم يتطور أطوارا مختلفة كذريته فلم يكن نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما كسيت لحما ثم جنينا ثم رضيعا ثم فطيما
ثم مراهقا ثم رجلا حتى تم طوله وعرضه. بل خلقه دفعة واحدة على صورته التي رآه عليها بنوه في الارض. هذا غاية ما يمكن أن يقوله أهل التنزيه في تأويل هذا الحديث لولا وروده عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: خلق آدم على صورة الرحمن (2) ومجيؤه من
(1) وكان في كثير من حديثه عيالا على اليهود، الا تراه يرسل قوله: ان سيحان وجيحان والفرات ونيل مصر كلها من الجنة، أخرج هذا عنه الخطيب في ترجمة محمد بن الحسين المطبخي في ص 235 من المجلد الثاني من تاريخ بغداد وهذا مأخوذ عن العهد القديم. (2) هذا الحديث بهذا اللفظ مستفيض عن ابي هريرة وقد جعله القسطلاني قرينة على ان الهاء من (صورته) في قول ابي هريرة: خلق الله آدم على صورته انما هي لله تعالى لا لآدم فراجع ص 491 من الجزء العاشر من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري. (*)
[ 56 ]
طريق الجمهور بسند آخر مرفوعا أيضا بلفظ: ان موسى " ع " ضرب الحجر لبني اسرائيل فتفجر وقال: اشربوا يا حمير فأوحى الله تعالى إليه عمدت إلى خلق خلقتهم على صورتي فشبهتهم بالحمير الحديث. (1) وهذا ما أخرج الجمهور ولم يبق لمدافعتهم عن أبي هريرة بالتأويل الذي قلناه محلا، ولذا أسلموا باعادة الضمير في صورته إلى الله تعالى متأولين تأولا آخر. وحاصله ان المراد من قوله: خلق الله آدم على صورته، وقوله: خلق آدم على صورة الرحمن، وقوله في الحديث الاخير: خلقتهم على صورتي: أنه تعالى خلق آدم وبنيه على صفة الله. فان الله عزوجل حي سميع بصير متكلم
عالم مريد كاره وكذلك آدم وبنوه. وأنت تعلم انهم وقعوا فيما فروا منه لان صفة الله عزوجل تنزهت عن التشبيه باجماع أهل التنزيه ولا سيما على قولنا بأن صفاته عين ذاته، وهو الحق يحكم العقل والنقل كما هو مقرر في محله من أصولنا. على أن أبا هريرة قد تطور في هذا الحديث كما هي عادته فتارة رواه كما سمعت، وتارة رواه بلفظ: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فان الله خلق آدم على صورته (2)، ومرة رواه بلفظ: إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ولا يقل: قبح الله وجهك ووجه من اشبه وجهك فان الله خلق آدم على صورته اه (3).
(1) أورده ابن قتيبة في ص 280 من كتابه تأويل مختلف الحديث وجعله دليلا على ان ضمير صورته في قوله: خلق الله آدم على صورته راجع إلى الله لا إلى آدم. (2) اخرجه بهذه الالفاظ عن ابي هريرة بطرق إليه كثيرة غير واحد من حفظة الآثار، فراجع ص 397 من الجزء الثاني من صحيح مسلم في باب النهي عن ضرب الوجه تجده بعين لفظه. (3) أخرجه البخاري في الادب المفرد ورواه احمد بالطرق الصحيحة عن ابي هيريرة ص 434 من الجزء الثاني من مسنده. (*)
[ 57 ]
ولا يخفى انه قطع بهذا على اوليائه خط الرجعة إلى كل من التأويلين فانك تعلم انه لا يصح ارجاع الضمير في صورته إلى آدم في كل من الروايتين بل لا بد من ارجاعه إلى الله عزوجل ليستقم الكلام، ويصح تعليل النهي عن ضرب الوجه وتقبيحه (1) وتعلم أيضا ان خلق آدم حيا سميعا بصيرا متكلما عالما مريدا كارها لا يوجب اختصاص الوجه بالصون دون باقي الجوارح، فحمل تينك الروايتين على واحد من ذينك التأويلين مما لا وجه له بل لا يكون للروايتين معنى
إلا إذا اريد بهما صون وجه الانسان، لكونه يشبه وجه الله. تعالى الله وتقدست ذاته وصفاته وأسماؤه. ولذلك تحير المحققون من أهل التنزيه من الجمهور، وتوقفوا في معاني هذه الاحاديث كلها. واحالوا العلم بالمراد منها إلى الله تعالى الذي احاط بكل شئ علما، كما صرح به شارحوا الصحيحين عند انتهائهم إلى هذا الحديث من شروحهم فراجع (2). * تنبيهان * (أحدهما): انه إذا كان طول آدم ستين ذراعا يجب مع تناسب اعضائه
(1) ليت ابا هريرة علل النهي عن ضرب الوجه بلطفه وجماله وجمعه للاعضاء النفيسة من السمع والبصر والانف والفم والشفتين والاسنان والحاجبين والجبهة وغيرها فان أكثر الادراك انما يكون بها فقد يعطلها الضرب أو ينقصها وقد يشوه الوجه وتشويه الوجه فاحش لكونه بارزا لا يمكن ستره لكن أبا هريرة انما يؤثر التحريف من حيث يدري اولياؤه أو لا يدرون فانا لله وانا إليه راجعون. (2) قال الامام النووي: وان من العلماء من يمسك عن تأويل هذه الاحاديث كلها ويقول: نؤمن بانها حق وان ظاهرها غير مراد ولها معان تليق بها قال: وهذا مذهب جمهور السلف وهو أحوط وأسلم إلى آخر كلامه. فراجعه في شرح صحيح مسلم وهو مطبوع في هامش شرحي البخاري وما نقلناه عنه هنا موجود في ص 18 - (*)
[ 58 ]
أن يكون عرضه سبعة عشر ذراعا وسبع الذراع، وإذا كان عرضه سبعة اذرع يجب ان يكون طوله اربعة وعشرين ذراعا ونصف الذراع لان عرض الانسان مع استواء خلقه بقدر سبعي طوله فما بال أبي هريرة يقول طوله ستون ذراعا في سبعة اذرع عرضا ؟ فهل كان آدم غير متناسب في خلقته مشوها في تركيبه ؟
كلا ! بل قال الله تعالى وهو اصدق القائلين (لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم) (ثانيهما): ان تحية السلام انما شرعت في دين الاسلام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله (1): ما حسدكم اليهود على شئ كما حسدوكم على السلام، فلولا اختصاصه بهذه الامة ما اختصوهم بالحسد عليه فما بال أبي هريرة يقول في هذا الحديث: فلما خلق الله آدم قال اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة فاستمع ما يحيونك فانها تحيتك وتحية ذريتك ؟. وما أرى أولى النظر في هذا الخبر ! ؟ وماذا يقولون في قول أبي هريرة: فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن ؟ !. * 2 - رؤية الله يوم القيامة بالعين الباصرة في صورة مختلفة * أخرج الشيخان (2) بالاسناد إلى أبي هريرة قال: قال أناس: يا رسول الله
- من الجزء 12 من الشرح في باب النهي عن ضرب الوجه، ونقل القسطلاني نحوه في ص 491 من الجزء العاشر من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري. ثم قال: وهذ أسلم قلت: هذا بناء منهم على صحة هذه الاحاديث وهيهات ذلك - وان اوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون -. (1) فيما أخرجه ابن ماجة في صحيحه وصححه ابن خزيمة بالاسناد إلى عائشة مرفوعا ونقله القسطلاني في صفحة 492 من الجزء العاشر من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري أثناء شرح حديث أبي هريرة هذا. (2) أما البخاري فأخرجه في آخر ص 92 من الجزء الرابع من صحيحه في باب الصراط جسر جهنم من كتاب الرقاق، وأخرجه أيضا في ص 100 من الجزء الاول من صحيحه في باب فضل السجود من كتاب الاذان - وأما مسلم فأخرجه - (*)
[ 59 ]
هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا: لا يارسول الله، قال، فانكم ترونه يوم القيامة كذلك. يجمع الله الناس
فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت. وتبقى هذه الامة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون ! فيقول انا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك ! هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون ! فيقول أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ! ويضرب جسر جهنم (قال): قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فأكون أول من يجيز (1) ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان أما رأيتم شوك السعدان ؟ قالوا: بلى قال: فانها مثل شوك السعدان غير أنها لا يعلم قدر عظمتها إلا الله فتخطف الناس باعمالهم منهم الموبق بعمله، ومنهم المخردل ثم ينجو حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة إن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود فيخرجونهم قد امتحشوا فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحية في حميل السيل، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، فيقول: يا ربي قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فاصرف وجهي عن النار فلا يزال يدعو الله، فيقول: لعلك إن اعطيتك ان تسألني غيره، فيقول: لا وعزتك لا اسألك غيره، فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا ربي قربني الجنة، فيقول: أليس قد زعمت ان لا تسألني غيره ؟ ويلك يابن آدم ما اغدرك، فلا
- في ص 86 من الجزء الاول من صحيحه في باب اثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة وأخرجه أحمد في ص 275 من الجزء الثاني من مسنده. (1) يجيز لغة في يجوز يقال: جاز واجاز بمعنى واحد، كذا قال في النهاية الاثيرية. (*)
[ 60 ]
يزال يدعوا فيقول: لعلي ان اعطيتك ذلك تسألني غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره فيعطى الله من عهود ومواثيق ان لا يسأله غيره فيقربه إلى باب الجنة فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله ان يسكت ثم يقول: ربي أدخلني الجنة فيقول له: أو ليس قد زعمت ان لا تسألني غيره ؟ ويلك يابن آدم ما اغدرك فيقول: يا ربي لا تجعلني اشقى خلقك فلا يزال يدعو حتى يضحك (الله) ! ؟ فإذا ضحك منه اذن له بالدخول فيها فإذا دخل قيل تمن من كذا فيتمنى. ثم يقال له: تمن من كذا فيتمنى حتى تنقطع به الاماني فيقول له هذا لك ومثله معه. الحديث. وقد أخرجه مسلم بسند آخر (1) ومما جاء فيه عنده: ان الله عزوجل يأتي يوم القيامة هذه الامة وفيها البر والفاجر وهو في ادنى صورة من التي رأوه فيها فيقول لهم: انا ربكم، فيقولون نعوذ بالله منك ! فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها ؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساق ! فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاه نفسه الا إذن الله له بالسجود ولا يبقى من يسجد اتقاء ورئاء الا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما اراد ان يسجد خر على قفاء ثم يرفعون رؤوسهم فيرون الله وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فقال: انا ربكم ! فيقولون: أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم الحديث، وهو وقد اختصره البخاري في تفسير سورة نون من صحيحه (2) ولفظه ثمة: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: يكشف ربنا عن ساقه ! فيسجد له كل مومن ومؤمنة ويبقى من يسجد في الدنيا رئاء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا اه. وهذا حديث مهول الفت إليه ارباب العقول فهل يجوز عندهم ان تكون
(1) في ص 88 والتي بعدها من الجزء الاول من صحيحه في باب إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة من أواخر كتاب الايمان.
(2) ص 138 من جزئه الثاني. (*)
[ 61 ]
لله صور مختلفة ينكرون بعضها ويعرفون البعض الآخر ؟ وهل يرون ان لله ساقا تكون آية له وعلامة عليه ؟ وبأي شئ كانت ساقه علامة دون غيرها من الاعضاء ؟ وهل تجوز عليه الحركة والانتقال فيأتيهم اولا وثانيا وهل يجوز عليه الضحك ؟ واي وزن لهذا الكلام ؟ وهل يشبه كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ لا والذي بعثه بالحق (رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين). * كلمة في الرؤية * أما رؤية الله عزوجل بالعين الباصرة فقد أجمع الجمهور على امكانها في الدنيا الآخرة، وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة، وان المؤمنين والمؤمنات سيرونه يوم القيامة بأبصارهم، وان الكافرين والكافرات لا يرونه أبدا، واكثر هؤلاء على أن الرؤية لا تقع في الدنيا، وربما قال بعضهم بوقوعها أيضا، ثم ان المجسمة ماثلا أمامهم فينظرون إليه كما ينظر بعضهم إلى بعض لا يمارون فيه كما لا يمارون في الشمس والقمر ليس دونهما سحاب على ما يقتضيه حديث أبي هريرة وقد خالف هؤلاء حكم العقل والنقل، وخرقوا اجماع الامة بأسرها، وخرجوا عليها. ومرقوا من الدين، وخالفوا ما علم منه بحكم الضرورة الاسلامية. فلا كلام لنا معهم. وأما غيرهم من الجمهور وهم المنزهون من الاشعرية فقد قالوا بأن الرؤية قوة سيجعلها الله تعالى يوم القيامة بابصار المؤمنين والمؤمنات خاصة لا تكون باتصال الاشعة، ولا بمقابلة المرئي ولا بتحيزه ولا بتكيفه، ولا، ولا فهي على غير الرؤية المعهودة للناس، بل هي رؤية خاصة تقع من أبصار المؤمنين والمؤمنات
على الله عزوجل لا كيف فيها ولا جهة من الجهات الست.
[ 62 ]
وهذا محال لا يعقل، ولا يمكن أن يتصور متصور إلا إذا اختص الله المؤمنين في الدار الآخرة ببصر آخر لا تكون فيه خواص الابصار المعهودة في الحياة الدنيا على وجه تكون فيه الرؤية البصيرة كالرؤية القلبية وهذا خروج عن محل النزاع في ظاهر الحال، ولعل النزاع بيننا وبينهم في الواقع ونفس الامر لفظي. * 3 - لا تمتلئ النار حتى يضع الله تعالى رجله فيها * أخرج الشيخان من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أو ثرت بالمتكبرين والمتجبرين !. وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطتهم قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار إنما أنت عذاب اعذب بك من أشاء من عبادي. ولكل واحدة منهما ملؤها فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول قط قط فهناك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض الحديث (1). إن أبا هريرة كلما أزداد مثالة زاده الله رعالة (2) رأى ان جهنم أوسع من أن تمتلئ بالعصاة وان الله عزوجل أخبر بامتلائها إذ قال (فالحق والحق أقول لاملان جهنم) فوقف أبو هريرة أمام هذين الامرين قفة الحائر يفكر في الجمع بينهما حتى انتهى به الفكر إلى حل المشكلة بادخال رجل الله في جهنم لان رجل الله تعالى - على رأي أبي هريرة - لا بد أن تكون أفخم وأعظم من جهنم
(1) أخرجه البخاري في تفسير سورة ق ص 127 من الجزء الثالث من صحيحه وأخرجه مسلم في ص 482 من الجزء الثاني من صحيحه في باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء أخرجه من خمسة طرق عن أبي هريرة، وأخرجه أحمد من
حديث أبي هريرة آخر ص 314 من الجزء الثاني من مسنده. (2) مثل يضرب لمن كان كلما أزداد رزقا زاده الله حمقا. (*)
[ 63 ]
مهما كانت جهنم متسعة الا كناف، ومهما كانت متباعدة الاطراف، وأبو هريرة كيس ثقف لقف، فلا غرو ان جمع بين المتناقضات، لكن فاته تدبر قوله تعالى إذ (قال فالحق (1) والحق أقول لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) ولو تدبر الآية لاعتقل لسانه وانصرف يتعثر بنمرته، فانها نص في أن امتلاءها لا يكون الا منه، أي من جنسه وهم الشياطين وممن تبعه من الناس كافة. وعلى كل: فان هذا الحديث محال ممتنع بحكم العقل والشرع، وهل يؤمن مسلم ينزه الله تعالى بأن لله رجلا ؟. وهل يصدق عاقل بأنه يضعها في جهنم لتمتلئ بها ؟ ! وما الحكمة بذلك ؟ ! وأي وزن لهذا الكلام البارد ! ؟ وبأي لسان تتحاج النار والجنة ؟ وباي حواسهما ادركتا ما ادركتاه وعرفتا من دخلهما وأي فضل للمتجبرين والمتكبرين لتفخر بهم النار وهم يومئذ في اسفل سافلين ؟ وكيف تظن الجنة ان الفائزين بها من سقطة الناس وهم من الذين انعم الله عليهم بين نبي وصديق وشهيد وصالح ما أظن الجنة والنار قد بلغ بهما الجهل والحمق والخرف إلى هذه الغاية ؟. * 4 - نزول ربه كل ليلة إلى سماء الدنيا تعالى الله * أخرج الشيخان من طريق ابن شهاب عن أبي عبد الله الاغر وأبي سلمة ابن عبد الرحمان عن أبي هريرة مرفوعا قال: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى الثلث الاخير يقول: من يدعوني فأستجب له الحديث (2). تعالى الله عن النزول والصعود والمجئ والذهاب والحركة والانتقال
(1) فالحق مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: فالحق قسمي أو يميني لاملان جهنم والحق أقول اعتراض بين المقسم به والمقسم عليه معناه: لا أقول إلا الحق. (2) أخرجه البخاري في باب الدعاء نصف الليل ص 68 من الجزء الرابع من - (*)
[ 64 ]
وسائر العوارض والحوادث، وقد كان هذا الحديث والثلاثة التي قبله مصدرا للتجسيم في الاسلام، كما ظهر في عصر التعقيد الفكري. وكان من الحنابلة بسببها انواع من البدع والاضاليل، ولا سيما ابن تيمية الذي قام على منبر الجامع الاموي في دمشق يوم الجمعة خطيبا، فقال اثناء اضاليله: ان الله ينزل إلى سماء الدنيا كنز ولي هذا ونزل درجة من درج المنبر يريهم نزول الله تعالى نزولا حقيقيا بكل ما للنزول من لوازم كالحركة والانتقال من العالي إلى السافل، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وانكر عليه ما قال، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالايدي والنعال ضربا كثيرا فسقطت عمامته واحتملوه إلى قاضي الحنابلة يومئذ في دمشق واسمه عز الدين ابن مسلم، فأمر بسجنه، وعزره بعد ذلك، إلى آخر ما كان في هذه الواقعة (1). * 5 - نقض سليمان حكم أبيه داود * أخرج الشيخان (2) بالاسناد إلى أبي هريرة مرفوعا قال: كانت امرأتان
- صحيحة في كتاب الدعوات، وأخرجه أيضا في آخر ص 136 من الجزء الاول من صحيحه في باب الدعاء والصلاة من آخر الليل في كتاب الكسوف، وأخرجه مسلم في 283 من الجزء الاول من صحيحه في باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل واخرجه احمد بن حنبل من حديث أبي هريرة في ص 258 من الجزء الثاني من مسنده. (1) التي حضرها الرحالة ابن بطوطة بنفسه ورآها بعينه وسجلها في ص 57 من
الجزء الاول من رحلته عند ذكره قضاة دمشق فراجع. (2) أما البخاري فقد أخرجه في اول ص 166 من الجزء الثاني من صحيحه في باب قوله تعالى: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد انه أواب) من كتاب بدء الخلق واما مسلم فاخرجه في ص 57 من الجزء الثاني من صحيحه في باب بيان اختلاف المجتهدين من كتاب الاقضية، واخرجه احمد بن حنبل من حديث ابي هريرة في ص 322 من الجزء الثاني من مسنده. (*)
[ 65 ]
معهما ابنهاهما جاء الذئب فذهب بابن أحداهما فقالت صاحبتها: انما دهب بابنك وقالت الاخرى: انما ذهب بابنك، فتحا كمتا إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود عليه السلام فأخبرتاه فقال ائتوني بالسكين اشقه بينهما فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى، قال أبو هريرة والله ان سمعت بالسكين الا يومئذ وما كنا نقول الا المدينة اه في هذا الحديث نظر من وجوه ! (أحدهما): ان داود عليه السلام خليفة الله في أرضه، ونبيه المرسل إلى عباده وقد أمر الله ان يحكم بين الناس بالحق فقال عز من قائل (يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق) وقد أثنى عليه في الذكر الحكيم والفرقان العظيم فقال عز من قائل (واذكر عبدنا داود ذا الايد انه اواب انا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق والطير محشورة كل له اواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) إلى ان قال عز سلطانه (وان له عندنا لزلفى وحسن مآب) وقال عز وعلا (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا) فداود ممن فضله الله بزبوره فهو معصوم من الخطأ ولا سيما في القضاء والحكم بما انزل الله تعالى (ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك
هم الظالمون) وولده سليمان وارث علمه وحكمه، وهو نبي معصوم ايضا فكيف يقض حكم أبيه وهو أعرف الناس بعصمته ؟ ولو ان حاكما في هذه الايام من قضاة الشرع جامعا لشرائط الحكومة الشرعية حكم بين اثنين ترافعا إليه لوجب على سائر حكام الشرع اعتبار حكمه بدون توقف الا مع العلم بخطئه والخطأ هنا مأمون لوجوب عصمة الانبياء، فلا يجوز على سليمان وهو من انبياء الله ان ينقض حكم أبيه الذي ارتضاه الله رسولا لعباده وحاكما بينهم لان نقضه رد على الله تعالى وسوء ادب مع أبيه بل عقوق له. (ثانيهما): ان هذا الحديث صريح يتناقض الحكمين الصادرين من هذين
[ 66 ]
النبيين وذلك مما يوجب القطع بخطأ احداهما لو كان الحديث صحيحا والخطأ ممتنع على الانبياء ولا سيما في مقام الحكم بما أنزل الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون). (ثالثهما): ظاهر هذا الحديث ان داود عليه السلام حكم بالولد للكبرى بدون بينة ولا مستند غير أنها كبرى وهذا لا يصدر إلا من جاهل بالموازين الشرعية بعيد عن قوانين المحاكمات تعالى الله وتنزهت انبياؤه عن ذلك. (رابعا): ان هذا الحديث صريح في ان سليمان انما حكم به للصغرى بمجرد اشفاقها عليه من الشق بالسكين وهذا بمجرده لا يكون ميزانا لحكمه، ولا سيما بعد اقرارها به للكبرى، وبعد حكم أبيه بذلك. (خامسها): لا ينقضى والله عجبي ممن يسعه تصديق أبي هريرة في قوله: والله ان سمعت بالسكين الا يومئذ وما كنا نقول الا المدية، وي أن السكين اكثر دورانا في كلام العرب من المدية بكثير ! وما أظن احدا منهم يجهل معنى السكين بخلاف المدية، فان اكثر العامة لا يعرفونها وي كأن أبا هريرة لم يقرأ
ولم يسمع قوله تعالى في سورة يوسف وهي مكية (وآتت كل واحدة منهن سكينا) (1). وكأنه لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين (2).
(1) سورة يوسف كلها نزلت في مكة إلا اربع آيات منها نزلت في المدينة ثلاث من اولها والرابعة: (لقد كان في بوسف وأخوته آيات للسائلين) وأبو هريرة إنما اسلم بعد نزولها بأكثر من سبع سنين وكانت محفوظة يرتلها المسلمون آناء الليل واطراف النهار، وقد سمعهم يقرؤونها في صلواتهم وخلواتهم وفي كثير من اوقاتهم. (2) بلى قد رواه وأخرجه عنه الامام احمد في ص 230 من الجزء الثاني من مسنده من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن العلاء عن ابيه عن ابي هريرة مرفوعا. (*)
[ 67 ]
* تنبيه * ظن أبو هريرة أن داود وسليمان (إذ يحكمان في الحرث) كانا متناقضين في الحكم فهان عليه تزوير تلك القصة الخيالية ولم يدر أنهما انما كانا على الصواب وان حكم كل منهما وعلمه انما كان من لدن رب الارباب. ومجمل قضيتهما أن غنما أصابت في الليل حرثا وكان كرما قد بدت عناقيده (1) فاكلته فترافع صاحب الحرث وأصحاب الغنم إلى داود عليه السلام فكان بمقتضى شرعه الموحى إليه من الله تعالى أن يحكم بالغنم لصاحب الحرث لان قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث، فلما أراد أن يحكم بذلك نسخة الله تعالى على لسان سليمان وكان شريكه في النبوة فأفهمه الله أن الحكم أصبح في مثل تلك الواقعة أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأصوافها ويدفع الحرث إلى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود كهيئته قبل عبث الغنم فيه ثم يترادان.
جعل الله في هذا الحكم انتفاع صاحب الحرث بالغنم بازاء ما فاته من الانتفاع بحرثه من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم واوجب على أصحاب الغنم أن يعملوا في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان، فلما أفهم الله عزوجل سليمان ذلك رفعه إلى أبيه فعزم أبوه عليه ليحكمن بما أنزل الله عليه فحكم به. هذا ملخص ما كان يومئذ بينهما لا تناقض فيه ولا اختلاف شأن كل حكمين عن الله تعالى نسخ ثانيهما الاول. وأنا أتلو عليك من محكمات الفرقان ما يلمسك هذه الحقيقة قال تبارك وتعالى (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت (2) فيه غنم القوم وكنا
(1) فيما روى عن الامامين الباقرين الصادقين أبي جعفر وأبي عبد الله " ع " (2) النفش هو الانتشار في الليل. (*)
[ 68 ]
لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان (1) وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين) فأنظر إلى قوله عز اسمه وكلا آتينا حكما وعلما تجده نصا في انهما كانا جميعا على الصواب، وان حكم كل منهما وعلمه انما هو من لدن رب الارباب. لكن من رأى أبي هريرة ان أنبياء الله يجوز عليهم الحكم بمجرد الاجتهاد لذلك جوز عليهم الخطأ فيما يحكمون به كسائر المجتهدين. (ما قدروا الله حق قدره) إذ جوزوا الاجتهاد والعمل بالظن على مهابط وحي الله، ومختلف ملائكته، وجوزوا الخطأ عليهم حتى في القضاء الشرعي والحكم عن الله عزوجل (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون). ولو ثابت إليهم أحلامهم لعلموا أن العمل بالاجتهاد واستفراغ الواسع
محال على الانبياء لانه لا يوصل غالبا إلا إلى الظن، والانبياء لا يعولون عليه لتمكنهم من العلم بسبب الوحي، وانما يجوز ذلك لمجتهدي الامة لانه أقصى ما يتمكنون منه. ولو جاز الاجتهاد على الانبياء لجاز لغيرهم من المجتهدين أن يعارضوهم فيما يصدعون به من أحكام الله وحينئذ لا تبقى للنبوة منزلتها، ولا للنبيين الشأو لا يلحقه لاحق ولا يطمع من غيررهم فيه طامع، وهل يجرأ مومن من المجتهدين أن يعارض النبي وينقض حكمه صلى الله عليه وآله كلا ! انه الكفر بالاجماع. على أن القرآن العظيم والذكر الحكيم صريح بأن النبي صلى الله عليه وآله إنما يعمل بالوحي (وما ينطق عل الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وهكذا سائر الانبياء والمرسلين صليوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
(1) أي ففهمنا هذه الحكومة سليمان فكانت ناسخة للحكومة التي كان الله من ذي قبل فهمها داود عليهما السلام. (*)
[ 69 ]
* (6 - طواف سليمان بمائة امرأة في ليلة) * أخرج الشيخان بالاسناد إلى أبي هريرة مرفوعا قال: قال سليمان ابن داود لاطوفن الليلة بمائة أمرأة ! تلد كل امرأة غلاما ! يقاتل في سبيل الله ! فقال له الملك: قل إن شاء الله فلم يقل ! فأطاف بهن ! فلم تلد منهن إلا امرأة نصف انسان ! (قال أبو هريرة): قال النبي صلى الله عليه وآله لو قال ان شاء الله لم يحنث وكان أرجى لحاجته. (قلت): وفي هذا أيضا نظر من وجوه: - (أحدهما): ان القوة البشرية لتضعف عن الطواف بهن في ليلة واحدة مهما كان الانسان قويا، فما ذكره أبو هريرة من طواف سليمان عليه السلام بهن
مخالف لنواميس الطبيعة لا يمكن عادة وقوعه ابدا. (ثانيهما): انه لا يجوز على نبي الله تعالى سليمان عليه السلام أن يترك التعليق على المشيئة، ولا سيما بعد تنبيه الملك إياه إلى ذلك. وما يمنعه من قول ان شاء الله ؟ وهو من الدعاة إلى الله والادلاء عليه، وانما يتركها الغافلون عن الله عزوجل، الجاهلون بأن الامور كلها بيده. فما شاء منها كان وما لم يشأ لم يكن، وحاشا أنبياء الله عن غفلة الجاهلين إنهم عليهم السلام لفوق ما يظن المخرفون. (ثالثهما): أن أبا هريرة قد اضطرب في عدة نساء سليمان، فتارة روى انهن مائة كما سمعت (1)، وتارة روى انهن تسعون (2)، وتارة روى انهن
(1) وقد أخرجه البخاري في باب قول الرجل: لاطوفن الليلة على نسائي في آخر ص 176 من الجزء الثالث من صحيحه في الورقة الاخيرة من كتاب النكاح، وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة ص 229 وص 270 من الجزء الثاني من مسنده. (2) كما أخرجه البخاري عنه في ص 107 من الجزء الرابع من صحيحه في باب الاستثناء في الايمان من كتاب الايمان والنذور. (*)
[ 70 ]
سبعون (1)، وتارة روى أنهن ستون (2) وهذه الروايات كلها في صحيحي البخاري ومسلم ومسند أحمد فما أدرى ما يقوله فيها المعتذرون عن هذا الرجل ؟ أيقولون ان هذه الحادثة تكررت من سليمان مع زوجاته ؟ وكن مرة مائة ومرة كن تسعين ومرة سبعين وأخرى ستين ! وفي كل مرة ينبهه الملك فلا يقول: ما اظنهم يقولون بهذا ولو قالوا قد اتسع الخرق على الراقع، لكان أولى بهم وفي المثل السائر، ليس لكذوب حافظة. * (7 - لطم موسى عين ملك الموت) * أخرج الشيخان في صحيحيهما بالاسناد إلى أبي هريرة قال: جاء ملك الموت إلى موسى عليهما السلام فقال له: أجب ربك. قال فلطم موسى عين ملك
الموت ففقأها: قال: فرجع الملك إلى الله تعالى فقال: أنك ارسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ففقأ عيني. قال فرد الله إليه عينه وقال ارجع إلى عبدي فقل: الحياة تريد فان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور: فما توارت بيدك من شعرة فانك تعيش بها سنة الحديث. (3).
(1) كما أخرجه البخاري بالاسناد إليه في ص 165 من الجزء الثاني من صحيحه في باب قوله تعالى (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد انه أواب) من كتاب بدء الخلق (2) كما أخرجه مسلم بالاسناد إليه في باب الاستثناء من كتاب الايمان - ص 23 من الجزء الثاني من صحيحه، وأخرج مسلم ايضا في ذلك الباب نفسه حديثا من طريق آخر عن ابي هريرة انهن سبعون واخرج فيه من طريق ثالث انهن تسعون فراجع. (3) اوردناه بلفظ مسلم وقد اخرجه - عن ابي هريرة بطرق كثيرة - في باب فضائل موسى من كتاب الفضائل من صحيحه ص 309 من جزئه الثاني، واخرجه البخاري في باب وفاة موسى من كتاب بدء الخلق بعد حديث الخضر بأقل من صفحتين من صحيحه فراجع ص 163 من جزئه الثاني واخرجه ايضا في باب من احب الدفن في الارض المقدسة من ابواب الجنائز من صحيحه فراجع ص 158 من جزئه الاول. (*)
[ 71 ]
وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة في مسنده (1) وفيه: أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا: قال: فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه الحديث، وأخرجه ابن جرير الطبري في الجزء الاول من تاريخه (2) عن أبي هريرة ولفظه عنده: أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه وفي آخره ان ملك الموت جاء إلى الناس خفيا بعد موت موسى (3). وأنت ترى ما فيه مما لا يجوز على الله تعالى، ولا على انبيائه. ولا على ملائكته، أيليق بالحق تبارك وتعالى ان يصطفي من عباده من يبطش على الغضب
بطش الجبارين ؟. ويوقع بأسه حتى في ملائكة الله المقربين ويعمل عمل المتمردين ؟: ويكره الموت كراهة الجاهلين ؟: وكيف يجوز ذلك على موسى ؟ وقد اختاره الله لرسالته، وائتمنه على وحيه، وآثره بمناجاته، وجعله من سادة رسله، وكيف يكره الموت هذا الكره مع شرف مقامه ؟ ورغبته في القرب من الله تعالى والفوز بلقائه ؟ وما ذنب ملك الموت عليه السلام ؟ وانما هو رسول الله إليه. وبما استحق الضرب والمثلة فيه بقلع عينه ؟ وما جاء إلا عن الله وما قال له: سوى أجب ربك أيجوز على أولي العزم من الرسل اهانة الكروبيين من الملائكة ؟ وضربهم حين يبلغونهم رسالات الله وأوامره عزوجل ؟. تعالى الله وتعالت انبياؤه وملائكته عن ذلك علوا كبيرا. ونحن لم يرئنا من أصحاب الرس، وفرعون موسى، وأبي جهل، وأمثالهم ولعناهم بكرة وأصيلا ؟. أليس ذلك لانهم آذوا رسل الله حين جاؤوهم بأوامره
(1) ص 315 من جزئه الثاني. (2) وذلك حيث ذكره وفاة موسى في كتابه تاريخ الامم والملوك. (3) لو ان ملك الموت كان يأتي عيانا قبل وفاة موسى لطفحت به الاخبار واشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار فما بال المحدثين المؤرخين واهل الاخبار من جميع الامم اغفلوا هذا الخبر لو كان له اثر، وما بال القصاصين والمخرفين ما حام خيالهم حوله، فهل تركوا الامتياز به لابي هريرة ؟ (*)
[ 72 ]
فكيف نجوز مثل فعلهم على انبياء الله وصفوته من عباده ؟ ! حاشا لله ان هذا لبهتان عظيم. ثم إن من المعلوم أن قوة البشر بأسرهم، بل قوة جميع الحيوانات منذ خلقها الله تعالى إلى يوم القيامة لا تثبت امام قوة ملك الموت فكيف - والحال
هذه - تمكن موسى " ع " من الوقية فيه ؟ وهلا دفعه الملك عن نفسه ؟ مع قدرته على ازهاق روحه، وكونه مأمورا عن الله تعالى بذلك. ومتى كان للملك عين يجوز أن تفقأ ؟ !. ولا تنس تضييع حق الملك وذهاب عينه. ولطمته هدرا، إذ لم يؤمر الملك من الله بأن يقتص من موسى صاحب التوراة التي كتب الله فيها (ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص) (1) ولم يعاقب الله موسى على فعله هذا بل اكرمه إذ خيره بسببه بين الموت والحياة سنين كثيرة بقدر ما تواريه يده من شعر الثور. وما ادري والله ما الحكمة في ذكره شعر الثور بالخصوص ؟ !. أما وعزة الحق، وشرف الصدق، وعلوهما على الباطل والافك لقد حمل هذا الرجل اولياءه ما لا طاقة لهم به. وكلفهم باحاديثه هذه بما لا تحتمله عقولهم ابدا ولا سيما قوله في هذا الحديث: إن ملك الموت قبل وفاة موسى كان يأتي الناس عيانا وانما جاءهم خفيا بعد موت موسى نعوذ بالله من سبات العقل وخطل القول والفعل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(1) إشارة إلى الآية 45 من سورة المائدة، وقد وجدنا في الفقرة 23 من الاصحاح 21 من اصحاحات الخروج، من التوراة الموجودة في ايدي اليهود والنصارى في هذه الايام ماهذا لفظه: ان حصلت اذية تعطى نفسا بنفس وعينا بعين وسنا بسن ويدا بيد ورجلا برجل وكيا بكي وجرحا بجرح ورضا برض. (*)
[ 73 ]
* (8 - فرار الحجر بثياب موسى وعدو موسى خلفه ونظر بني اسرائيل إليه مكشوفا) * أخرج الشيخان في صحيحيهما بالاسناد إلى أبي هريرة قال: كان بنو
اسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع ان يغتسل معنا إلا أنه آدر (أي ذو فتق) قال فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه ! فجمح موسى بأثره يقول: ثوبي حجر ! ثوبي حجر ! حتى نظر بنو اسرائيل إلى سوأة موسى فقالوا: والله ما بموسى من بأس فقام الحجر بعد حتى نظر إليه فأخذ موسى ثوبه فطفق بالحجر ضربا ؟ فوالله ان بالحجر ندبا (1) ستة أو سبعة الحديث (2). وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن هذه الواقعة هي التي أشار الله إليها بقوله عز من قائل (يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها) اه. وأنت ترى ما في هذا الحديث من المحال الممتنع عقلا فانه لا يجوز تشهير كليم الله " ع " بابداء سوأته على رؤوس الاشهاد من قومه لان ذلك ينقصه ويسقط من مقامه، ولا سيما إذا رأوه يشتد عاريا ينادي الحجر وهو لا يسمع ولا يبصر: ثوبي حجر ثوبي حجر ثم يقف عليه وهو عاري أمام الناس فيضربه
(1) الندب بوزن جمل اثر الجراح إذا لم يرتفع عن الجلد. (2) اوردناه بلفظ مسلم إذ اخرجه عن ابي هريرة بطرق كثيرة فراجع باب فضائل موسى ص 308 من الجزء الثاني من صحيحه واخرجه البخاري في باب الذي هو بعد حديث الخضر من صحيحه ص 162 من جزئه الثاني وفي ص 42 من جزئه الاول في باب من اغتسل عريانا من كتاب الغسل، واخرجه احمد من حديث ابي هريرة من طرق كثيرة فراجع ص 315 من الجزء الثاني من مسنده. (*)
[ 74 ]
والناس تنظر إليه مكشوف العورة كالمجنون ! وهذه الحركة لو صحت فانما هي من فعل الله تعالى فكيف يغضب منها
كليم الله فيعاقب الحجر عليها ؟ ! وما هو إلا مقسور على الحركة وأي أثر لعقوبة الحجر ؟. ثم ان هربه بثياب موسى عليه السلام لا يبيح له ابداء عورته، وهتك نفسه بذلك وقد كان في امكانه أن يبقى في مكانه حتى يؤتي بثيابه أو بساتر غيرها كما يفعله كل ذي لب إذا ابتلى بمثل هذه القصة. على أن هرب الحجر من المعجزات وخوارق العادات التي لا تكون الا في مقام التحدي كمقام انتقال الشجرة في مكة المعظمة لرسول الله صلى الله عليه وآله حين اقترح عليه المشركون ذلك فنقلها الله عزوجل من مكانها تصديقا لدعوته وتثبيتا لنبوته صلى الله عليه وآله ومن المعلوم أن مقام موسى عليه السلام وهو يغتسل لم يكن مقام تحد وتعجيز فلا تقع فيه المعجزات وخوارق العادات ولا سيما إذا ترتب عليها فضيحة نبي الله بأبداء سوأته للملا من قومه على وجه يستخف به كل من رآه وكل من سمع بخبره هذا واما براءته من الادرة فليست من الامور التي يباح في سبيلها هتكه وتشهيره ولاهي من المهمات التي تصدر بسببها الآيات إذ يمكن العلم ببراءته منها بسبب اطلاع نسائه عليه، واخبارهن بحقيقة حاله. ولو فرض ابتلاؤه بالادرة فأي بأس عليه بذلك ؟. وقد اصيب شعيب عليه السلام ببصره وايوب عليه السلام بجسمه وانبياء الله كافة تمرضوا وماتوا، ولا يجب انتفاء مثل هذه العوارض عن انبياء الله ورسله، ولا سيما إذا كانت مستورة عن الناس كالادرة، نعم لا يجوز عليهم ما يوجب نقصا في مداركهم أو في مروءتهم أو يوجب نفرة الناس عنهم واستخفافهم بهم والادرة ليست في شئ من ذلك. على ان القول بأن بني اسرائيل كانوا يظنون ان في موسى ادرة لم ينقل الا عن ابي هريرة.
[ 75 ]
أما الواقعة التي أشار الله إليها بقوله عز من قائل (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا) فالمروي عن أمير المؤمنين " ع " وابن عباس أنها قضية إتهامهم إياه بقتل هارون. وهو الذي اختاره الجبائي وقيل هي قضية المومسة التي اغراها قارون بقذف موسى " ع " بنفسها فبرأه الله تعالى إذ انطقها بالحق، وقيل آذوه من حيث نسبوه إلى السحر والكذب والجنون بعد ما رأوا الايات. واني لاعجب من الشيخين يخرجان هذا الحديث والذي قبله في فضائل موسى وما أدري أي فضلية بضرب ملائكة الله المقربين وفق ء عيونهم عند أرادتهم تنفيذ أوامر الله عزوجل ؟ وأي منقبة بابداء العورة للناظرين وأي وزن لهذه السخافات ؟ ان كليم الله ونجيبه ونبيه لاكبر من هذا، وحسبه ما صدع به الذكر الحكيم والفرقان العظيم، من خصائصه الحسنى عليه السلام. * (9 - فزع الناس يوم القيامة إلى آدم فنوح فابراهيم فموسى فعيسى رجاء شفاعتهم فإذا هم في أمرهم مبلسون) * أخرج الشيخان بالاسناد إلى أبي هريرة حديثا (من أحاديثه الطويلة) مرفوعا جاء فيه ما هذا نصه: يجمع الله الناس الاولين منهم والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يتحملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ؟. فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم فيأتون آدم " ع " فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحهه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا ؟ فيقول آدم: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ! ولن يغضب بعده مثله ! وانه نهاني عن الشجرة
[ 76 ]
فعصيته نفسي نفسي ! ! أذهبوا إلى غيري إذهبوا إلى نوح (قال) فيأتون نوحا عليه السلام فيقولون: يا نوح انك أنت أول الرسل إلى أهل الارض وقد سماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ! وانه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي ! نفسي نفسي نفسي ! ! اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى ابراهيم (قال): فيأتون ابراهيم عليه السلام فيقولون: يا ابراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الارض اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله: ولن يغضب بعده مثله ! واني قد كنت كذبت ثلاث كذبات ! نفسي نفسي نفسي،،، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى عليه السلام (قال): فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الل فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك أترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، واني قد قتلت نفسا لم اؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي،،، أذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى عليه السلام (قال): فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته التي القاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد صبيا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ (قال): فيقول عيسى عليه السلام ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ! ولن يغضب بعده مثله، - ولم يذكر ذنبا - نفسي نفسي نفسي،،، اذهبوا إلى محمد، قال فيأتون محمدا صلى الله عليه وآله فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الانبياء وقد غفر الله لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فانطلق فأتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي عزوجل ثم يفتح الله على من محمامده
وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول: امتي يا رب أمتي يا رب فيقال
[ 77 ]
يا محمد ادخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الايمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الابواب الحديث. (1). وفيه من التسور على مقام أولى العزم من أنبياء الله وأصفيائه ما تبرأ منه السنن وتتنزه عن خطله فان للسنن المقدسة (سنن نبينا صلى الله عليه وآله) في تعظيم الانبياء غاية تملا الصدور هيبة واجلالا وتعنوا لها الجباه بخوعا وقد ملات مسامع الدهر بحمدهم ونظمت حاشيتي البر والبحر بمجدهم، فكل ما عرفته الامم لهم من جلالة تخشع امامها العيون ومهابة تتطامن لديها المفارق وعظمة تتصاغر عندها الهمم وينخفض لها جناح الضعة فانما هو من آثاره صلى الله عليه وآله ولو لا فرقانه العظيم، وقرآنه الحكيم، وسنته المعصومة ما عرفهم ممن تأخر عنهم احد إذ ليس (غير الكتاب والسنة) في ايدي الناس برهان قاطع ولا حجة بالغة، بل لا خبر مسند ولا رواية تليق بالعقول، فرسول الله صلى الله عليه وآله حفظ بسنته وكتاب ربه عزوجل خصائص الانبياء وسننهم، وخلد مجدهم وحمدهم، ومثل اخلاصهم لله بالعبادة، واخلاصهم للعباد بالنصح والارشاد والافادة، كما حفظ بهما تاريخ الامم الماضية، والقرون الخالية، وتمم بهما مكارم الاخلاق، ومحامد الصفات والآداب، وشرع بهما عن الله تعالى تلك الانظمة الحكيمة، والقوانين القويمة، شرائع تضمن للبشر كافة سعادة الدنيا والآخرة وجمع فيهما العلم والحكمة والسياسة وشرف المعاش والمعاد، وحفظ بهما لغة الضاد إلى يوم التناد.
(1) أوردناه بلفظ البخاري في صفحة 100 من الجزء الثالث من صحيحه في
باب ذرية من حملنا مع نوح من تفسير سورة بني اسرائيل، وأخرجه مسلم في ص 97 من الجزء الاول من صحيحه في أواخر باب اثبات الشفاعة وهو في أواخر كتاب الايمان، وأخرجه احمد من حديث أبي هريرة بطرق إليه كثيرة في الجزء الثاني من مسنده. (*)
[ 78 ]
فحديث أبي هريرة هذا - بهرائه وهذره (1) - أجنبي عن كلام رسول الله صلى الله عليه وآله مباين سننه كل المباينة. ومعاذ الله ان ينسب إلى انبياء الله ما اشتمل عليه هذا الحديث الغث التفه (2) وحاشا آدم من المعصية بارتكاب المحرم الذي يوجب غضب الله، وانما كان منهيا عن الشجرة نهي تنبيه وارشاد، وتقدس نوح من الدعاء إلا على اعداء الله تقربا إليه عز سلطانه ؟ وتنزه ابراهيم عن الكذب وعن كل قول أو فعل يغضب الله عزوجل أو يخالف الحكمة ومعاذ الله أن يقتل موسى نفسا يغضب الله لقتلها وإنما يقتل من لا حرمة له عند الله تعالى ولا وزن له عند أولي الالباب، وتعالى الله عن أن يعاملهم إلا بالحسنى كما قال عز من قائل (هل جزاء الاحسان إلا الاحسان) وأنبياء الله اجل من ان يتوهموا بربهم تبارك وتعالى انه قد غضب عليهم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ويمتنع على رسول الله ان يذكرهم إلا بما هم أهله. ثم كيف يتسنى لاهل المحشران يشتوروا ويأتمروا ؟ وهم بحيث: (تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حلمها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)، (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه). وأنى لهم بالوصول إلى الانبياء في ذلك الموقف والانبياء يومئذ على الاعراف، وهل يصل أهل الارض إلى السماء ؟ وما الذي منعهم من التوسل
توا برسول الله ؟ فانه صلى الله عليه وآله صاحب المقام المحمود والجاه العظيم والشفاعة المقبولة لا يجهله يومئذ احد من الناس، ولو لم يرجعهم إليه آدم ولا نوح ولا ابراهيم ولا موسى ؟ وهلا اراحوا اولئك المساكين بدلالتهم من أول الامر على ولي الامر في ذلك الحشر ؟ ! أكانوا يجهلون مقامه المحمود في اليوم الموعود
(1) الهراء المنطق الفاسد لانظام له، والهذر هو الاكثار من الخطأ والباطل (2) الذي لا طعم له. (*)
[ 79 ]
أم كانوا يؤثرون عناء اولئك المؤمنين المستغيثين. ولنا ان نسأل أبا هريرة عن هؤلاء المساكين أمن أمة محمد هم ؟ أم من أمة غيره ؟ فان كانوا من أمته فما الذي صرفهم عنه إلى غيره ؟ وان كانوا من امة غيره فمن الطبيعي له ان لا يحبط مساعيهم. ولا يخيب آمالهم فكيف اختص أمته بالشفاعة دونهم ؟ ومع ما فطر عليه من الرحمة الواسعة ومع ما آتاه الله يومئذ من الشفاعة والوسيلة معاذ الله ان يخيبهم وهو أمل الراغب الراجي وامن الخائف اللاجئ يجيب لسان العافي بلسان نداه ويروي صدى اللهيف قبل رجع صداه صلى الله عليه وآله: * (10 - شك الانبياء والتنديد بلوط وتفضيل يوسف على رسول الله صلى الله عليه وآله بصبره) * أخرج الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا قال: نحن احق بالشك من ابراهيم إذ قال: ربي ارني كيف تحيي الموتى، قال: أولم تؤمن ؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لا جبت الداعي اه. وهذا الحديث (1) ممتنع من وجوه: -
(احداها): انه اثبت الشك لخليل الله ابراهيم عليه السلام، وقد قال الله عز من قائل (ولقد آتينا ابراهيم رشده من قبل) وقال جل سلطانه (وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين) والايقان اسمى مراتب العلم والموقن بالشئ لا يمكن ان يكون شاكا فيه، والعقل بمجرده
(1) أخرجه البخاري في ص 158 من الجزء الثاني من صحيحه في باب ونبئهم عن ضيف ابراهيم إذ دخلوا عليه من كتاب بدء الخلق، واخرجه مسلم في ص 71 من الجزء الاول من صحيحه في باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الادلة من كتاب الايمان. واخرجه الامام احمد من حديث ابي هريرة في الجزء الثاني من مسنده. (*)
[ 80 ]
يحيل وقوع الشك من الانبياء عليهم السلام كافة، وهذا من الامور المسلمة. اما قوله تعالى (وإذ قال ابراهيم ربي ارني كيف تحيي الموتى) فظاهر في ان ابراهيم " ع " انما سأل ربه عن كيفية الاحياء لا عن الاحياء نفسه، وهذا لا يتأتي الا إذا كان نفس الاحياء محققا معلوما لدى ابراهيم. وبعبارة اوضح الاستفهام بكيف انما هو سؤال عن حال شئ موجود معلوم الوجود لدى السائل والمسؤول نحو: كيف زيد، يعنى اصحيح هو مثلا أم مريض ؟ وكيف فعل زيد أي احسانا فعل مثلا أم قبيحا ؟ وكيف وقعت القضية أو كيف تقع يعني أعلى ما نريد مثلا أم على خلاف ما نريد ؟ وعلى هذا فقوله: ارني كيف تحيي الموتى. انما هو طلب لان يريه كيفية ما قد علمه وتقرر لديه من أحياء الموتى. لكن لما كان مثل هذا الطلب قد يكون ناشئا عن الشك في القدرة على الاحياء، وربما يتوهم من يبلغه هذا الطلب ممن لا يعرف مقام ابراهيم انه " ع " قد شك في القدرة اراد الله تعالى بسبب ذلك ان يرفع هذا التوهم ببيان منشأ طلبه
فقال له: أولم تؤمن ؟ قال: بلى، أي: أنا مؤمن بالقدرة ولكني انما طلبت ذلك ليطمئن قلبي بسبب رؤية الكيفية التي تحيي بها الموتى بعد تفرق اجزائها في مضامين القبور وأوجار الطيور وبطون السباع، ومطارح المهالك من البر والبحر، وكأن قلبه عليه السلام قد ولع برؤية الكيفية فقال: ليطمئن قلبي، أي لتبرد غلة شوقه برؤيتها. هذا هو المراد من الآية الكريمة، ومن نسب الشك إليه صلوات الله وسلامه عليه فقد ضل ضلالا مبينا. (ثانيها) ان الظاهر من قوله: نحن أولى بالشك من ابراهيم ثبوت الشك لرسول الله صلى الله عليه وآله ولسائر الانبياء، وانهم جميعا أولى به من ابراهيم. ولو فرض عدم ارادة الانبياء جميعا فارادة رسول الله صلى الله عليه وآله مما لابد
[ 81 ]
منها، والحديث نص صريح في أنه أولى بالشك (سبحانك هذا بهتان عظيم) قد انعقد الاجماع على بطلانه، وتصافق العقل والنقل على امتناعه. وما ندري والله لم كان صلى الله عليه وآله أولى بالشك من ابراهيم " ع " مع ما آتاه الله مما لم يؤت ابراهيم وغيره من الانبياء والمرسلين والملائكة المقربين. ووصية أمير المؤمنين عليه السلام انما كان الباب من مدينة علمه وانما هو منه بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بنبي، وقد قال " ع " لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا (1) فما الظن بسيد المرسلين، وخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم أجمعين. (ثالها): ان قوله: ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد تنديد بلوط ورد عليه، وتهمة له بما لا يليق بمنزلة من الله عزوجل وحاشاه أن يكون قليل الثقة بالله وانما أراد أن يستفز عشيرته وذويه، ويستظهر بفصيلته
التي تؤويه نصحا منه لله عزوجل في أمر عباده بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وآله ان يندد بلوط أو يفند قوله ومعاذ الله أن يظن به إلا ما هو أهله ولكنه صلى الله عليه وآله انذر بكثرة الكذابة عليه. (رابعا): ان قوله: ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لاجبت الداعي ظاهر في تفصيل يوسف على رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا خلاف ما اجمعت عليه الامة وتواترت به الصحاح الصريحة وثبت بحكم الضرورة بين المسلمين. فان قلت: انما كان هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله تواضعا ليوسف واعجابا بحزمه وصبره وحكمته في اثبات برائته حتى حصحص الحق قبل خروجه من السجن.
(1) هذه الكلمة مستفيضة عنه " ع " وقد اشار إليها البوصيري في همزيته إذ يقول: ووزير ابن عمه في المعالي * ومن الاهل تسعد الوزراء لم يزده كشف الغطاء يقينا * بل هو الشمس ما عليه غطاء (*)
[ 82 ]
(قلنا) لا يجوز مثل هذا الكلام على رسول الله صلى الله عليه وآله ولو كان على سبيل التواضع، لاشتماله على خبر غير مطابق للواقع، لانه لو ابتلى بما ابتلى به يوسف لكان اصبر من يوسف وأولى منه بالحزم والحكمة، وبكل ما يتحصحص به الحق، وهيهات أن يجيب الداعي بمجرد أن يدعوه إلى الخروج فتفوته الحكمة التي آثرها يوسف إذ قال لرسول الملك حين أخلي سبيله: ارجع إلى ربك - أي صاحبك - فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن أن ربي بكيدهن عليم، قال - يعني الملك -: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه، قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق
أنا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين. فما خرج من السجن حتى تجلت براءته كالشمس الضاحية ليس دونها سحاب ولئن اخذ يوسف بالحزم فلم يسرع بالخروج من السجن حتى تم له ما أراد، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد مثل الصبر والاناة والحلم والحزم والعزم والحكمة والعصمة في كل أفعاله وأقواله وهو الذي لو وضعوا اشمس في يمينه والقمر في شماله على ان يترك الامر ما تركه. وكان الاولى أن يقول أبو هريرة في هذا المقام: ولو لبث رسول الله صلى الله عليه وآله في السجن أضعاف اضعاف ما لبث فيه يوسف ما توسل إلى خروجه منه بما توسل إليه يوسف إذ قال الذي ظن انه ناج من صاحبي السجن - اذكرني عند ربك - أي صفني عند الملك بصفاتي وقص عليه قصتي لعله يرحمني ويتداركني من هذه الورطة (فأنساه الشيطان ذكر ربه) أي ان الشيطان أنسى الرجل أن يذكر يوسف لربه - أعني الملك - (فلبث في السجن بضع سنين) وكان نسيان الرجل ولبث يوسف في السجن بضع سنين انما كانا تنبيها له إلى انه قد فعل غير الاولى إذ كان الاولى به أن لا يتوسل إلى رحمة الله بغير الله عزوجل كما هو المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وقد مني صلى الله عليه وآله بما هو أعظم محنة من سجن يوسف
[ 83 ]
وابتلى بما هو اكثر ضررا واكبر خطرا من كل ما قاساه آل يعقوب عليه السلام فما وهن ولا استكان ولا استعان إلا بالله وقد حوصر وجميع عشيرته في الشعب سنين، فكانوا في منتهى الضائقة واوذي في نفسه وعشيرته والمؤمنين به بما لم يؤذ به نبي قبله واجلبوا عليه بما لديهم من حول وطول، فاتل ان شئت: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليقتلوك أو يثبتوك أو يخرجوك) واقرأ (ان لا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ
يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) وأمعن في قوله عز أسمه: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) وتدبر قوله عز سلطانه (إذ تصدعون ولا تلوون على احد والرسول يدعوكم في اخراكم فأثابكم غما بغم) وانعم النظر في قوله عن الاحزاب (إذ جاؤوكم من فوقكم ومن اسفل منكم واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا) واوغل في البحث عن وقعة هوازن وحسبك منها (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) إلى كثير من مواقفه الكريمة التي خاض فيها الاهوال فكان فيها أرسى من الجبال يتلقى شدائدها برحب صدره وثبات جنانه فتنزل منه في بال واسع وخلق وادع لم يتوسل في الخروج من عسر إلى يسر إلا بالله وحده ولم يتذرع إلى شئ مامن شؤؤنه إلا بالصبر والتوكل على الله تعالى فأين من عزائمه في صبره وحلمه وحكمه عزائم يوسف ويعقوب ؟ واسحاق وابراهيم وسائر النبيين والمرسلين صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين.
[ 84 ]
* (11 - جراد الذهب المتساقط على أيوب وهو يغتسل ومعاتبة الله إياه على ما حشاه منه في ثوبه) * أخرج الشيخان بطرق متعددة (1) عن أبي هريرة مرفوعا قال: بينما أيوب يغتسل عريانا فخر عليه (2) جراد من ذهب فجعل أيوب يحتثي في ثوبه فناداه ربه ألم اكن أغنيك عما ترى ؟ قال: بلى وعزتك ولكن لا غنى بي عن بركتك. (قلت): لا بركن إلى هذا الحديث إلا أغشى البصيرة، مظلم الحس،
فان خلق الجراد من ذهب آية من الآيات، وخوارق العادات وسنة الله عزوجل في خلقه ان لا يخلق مثلها إلا عند الضرورة كما لو توقف ثبوت النبوة عليها فتأتي حينئذ برهانا على النبوة ودليلا على الرسالة وما كان الله ليخلقها عبثا وجزافا فتخر على أيوب " ع " وهو منفرد بنفسه يغتسل عريانا كما يزعم أبو هريرة. ولو خرت عليه فجعل يحتثى في ثوبه لكان ذلك في محله لانها نعمة من الله خارقة لم يحتسبها فيقتضى شكرها بتعظيم شأنها وتلقيها بكل قبول ولا يحسن منه الاعراض عنها والاستخفاف بها، وقد اختصه الله فيها لان فيه من كفران النعمة ما يجب تنزيه الانبياء عنه. والانبياء إذ اجمعوا المال فانما يجمعونه لينفقوه في سبيل الله وابتغاء مرضاته وليستعينوا به على مشاريعهم الاصلاحية والله عزوجل خبير بهم عليم بنواياهم فلا يعاتبهم على جمعه ابدا.
(1) راجع من البخاري ص 42 من الجزء الاول من صحيحه قبل كتاب الحيض بأقل من صفحتين وص 60 من جزئه الثاني قبل حديث الخضر مع موسى بأقل من صفحتين. (2) هكذا في صحيح البخاري والاصح إذ خر عليه. (*)
[ 85 ]
* (12 - التنديد بموسى إذ قرصته نملة فاحرق قريتها ! !) * أخرج الشيخان بالاسناد إلى أبي هريرة مرفوعا قال: قرصت نملة نبيا من الانبياء - هو موسى بن عمران فيما نص عليه الترمذي (1) - فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه ان قرصتك نملة احرقت أمة من الامم تسبح الله ! ؟ (2). إن أبا هريرة مولع بالانبياء عليهم السلام هائم بكل مصيبة غريبة تقذى بها الابصار وتصتك منها المسامع وان انبياء الله لاعظم صبرا وأوسع صدرا،
وأعلى قدرا، مما يحدث عنهم المخرفون. وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول في خطبة له (3): والله لو أعطيت الاقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصى الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلت وان دنياكم عندي لاهون من ورقة فم جرادة تقضمها، ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى. وعلي عليه السلام ماكان نبيا وانما هو وصي وصديق وهذه حالة تمثل عصمة الانبياء عما ينسبه الجاهلون إليهم، وما كان الله ليصطفي لرسالاته ويختص بمناجاته من لا يتنزه عن ذلك، تعالى الله وتعالت رسله عما يقوله المخرفون علوا كبيرا.
(1) كما نص القسطلاني في شرح هذا الحديث من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري ص 288 من جزئه السادس. (2) أخرجه البخاري في آخر ص 114 من الجزء الثاني في أواخر كتاب الجهاد والسير من صحيحه، وأخرجه مسلم في باب النهي عن قتل النمل ص 267 من الجزء الثاني من صحيحه في كتاب قتل الحيات وغيرها وأخرجه أبو داود في الادب وابن ماجة والنسائي في الصيد، وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة في مسنده. (3) خطبها في تهويل الظلم وتبرئه منه وبيان صغر الدنيا في نظره والخطبة في نهج البلاغة أولها والله لئن ابيت على حسبك السعدان مسهدا. (*)
[ 86 ]
وما أدري والله ماذا يقول مصححوا هذا الحديث فيما فعله هذا النبي من تعذيب النمل بالنار ؟ مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يعذب بالنار إلا الله وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الاحراق بالنار للحيوان مطلقا إلا إذا احرق انسان انسانا فمات بالاحراق فلو ليه الاقتصاص باحراق الجاني وسواء في منع الاحراق
بالنار النمل وغيره من سائر الحيوانات للحديث المشهور (لا يعذب بالنار إلا الله) (1). وأخرج أبو داود باسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد. * (13 - سهو النبي عن ركعتين) * أخرج الشيخان فيما جاء في السهو من صحيحيهما عن أبي هريرة قال صلى النبي أحدى صلاتي العشي واكثر ظني العصر (2) ركعتين ثم سلم ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها (3) وفيهم أبو بكر وعمر فهابا ان يكلماه وخرج سرعان الناس فقالوا: أقصرت الصلاة ؟ ورجل يدعوه النبي ذو اليدين (4) فقال: انسيت أم قصرت ؟ فقال: لم انس ولم تقصر ! قال: بلى
(1) نقله النووي في شرح هذا الحديث ص 6 من الجزء 11 من شرح صحيح مسلم المطبوع في هامش شرح صحيح البخاري. (2) ما اروع ابا هريرة ! واحوطه في حديثه، الا تراه كيف لم يجزم انها العصر ولم يعول على ظنه !. (3) ورع ابي هريرة في حديثه يتمثل للناظرين بذكر هذه الخشبة ووضع النبي يده عليها إذ لا دخل لهما في موضوع هذا الكلام ولا في حكمه وانما دعاه إلى ذكرها الاحتياط بنقل الوقائع بجميع حذافيرها ؟. (4) كذا في صحيح البخاري ولعل الصواب ذا اليدين. (*)
[ 87 ]
نسيت ! فصل ركعتين ! ثم سلم ثم كبر ! فسجد الحديث، (1). وفيه كيفية سجود السهو، وأنت ترى ما فيه من الوجوه الحاكمة بامتناعه. احدها: ان مثل هذا السهو الفاحش لا يكون ممن فرغ للصلاة شيئا من
قلبه، أو أقبل عليها بشئ من لبه، وانما يكون من الساهين عن صلاتهم، اللاهين عن مناجاتهم، وحاشا انبياء الله من احوال الغافلين، وتقدسوا عن اقوال الجاهلين، فان انبياء الله عزوجل ولا سيما سيدهم وخاتمهم أفضل مما يظنون على أنه لم يبلغنا مثل هذا السهو عن أحد ولا أظن وقوعه الا ممن يمثل حال القائل: أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها * أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا ؟ وأما سيد النبيين. وتقلبه في الساجدين، ان مثل هذا السهو لو صدر مني لاستولى على الحياء واخذني الخجل واستخف المؤمتون بي وبعبادتي ومثل هذا لا يجوز على انبياء الله ابدا. الثاني ان الحديث قد اشتمل على ان النبي صلى الله عليه وآله قال لم أنس ولم تقصر فكيف يمكن أن يكون قد نسى بعد هذا ؟ ولو فرضنا عدم وجوب عصمته عن مثل هذا ال