الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الاحكام - الآمدي ج 4

الاحكام

الآمدي ج 4


[ 1 ]

الاخكام في اصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الآمدي علق عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الرابع

[ 2 ]

طبع باذن فضيلة الشيخ المحقق الطبعة الاولى 1387 ه‍ الرياض

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الباب الثالث في أقسام القياس وأنواعه وهي خمس قسم: القسمة الاولى: القياس ينقسم إلى ما المعنى الجامع فيه باقتضاء الحكم في الفرع أولى منه في الاصل، وإلى ما هو مساو، وإلى ما هو أدنى فالاول، كتحريم ضرب الوالدين بالنسبة إلى تحريم التأفيف لهما وما في معناه، وسواء كان قطعيا أو ظنيا، كما سبق تقريره في مسائل المفهوم. وإن كان الثاني فكما في إلحاق الامة بالعبد في تقويم نصيب الشريك على المعتق، وكما في إلحاق نجاسة الماء بصب البول فيه من كوز، بنجاسته بالبول فيه ونحوه. وإن كان الثالث، فكما في إلحاق النبيذ بالخمر في تحريم الشرب وإيجاب الحد ونحوه. غير أن هذا النوع الثالث متفق على كونه قياسا، ومختلف في النوعين الاولين كما سبق. القسمة الثانية: القياس ينقسم إلى جلي وخفي فالجلي: ما كانت العلة فيه منصوصة، أو غير منصوصة، غير أن الفارق بين الاصل والفرع مقطوع بنفي تأثيره. فالاول كإلحاق تحريم ضرب الوالدين بتحريم التأفيف لهما، بعلة كف الاذى عنهما. والثاني كإلحاق الامة بالعبد في تقويم النصيب حيث عرفنا أنه لا فارق بينهما سوى الذكورة في الاصل والانوثة في الفرع وعلمنا عدم التفات الشارع إلى ذلك في أحكام العتق خاصة. وأما الخفي: فما كانت العلة فيه مستنبطة من حكم الاصل، كقياس القتل بالمثقل على المحدد ونحوه. القسمة الثالثة: القياس ينقسم إلى مؤثر وملائم. أما المؤثر فإنه يطلق باعتبارين: الاول ما كانت العلة الجامعة فيه منصوصة بالصريح أو الايماء أو مجمعا عليها. والثاني ما أثر عين الوصف الجامع في عين الحكم، أو عينه في جنس الحكم، أو جنسه، في عين الحكم.

[ 4 ]

وأما الملائم: فما أثر جنسه في جنس الحكم كما سبق تحقيقه. ومن الناس من جعل المؤثر من هذه الاقسام ما أثر عينه في عين الحكم لا غير، والملائم ما بعده من الاقسام. القسمة الرابعة: القياس ينقسم إلى قياس علة، ودلالة، والقياس في معنى الاصل وذلك لانه لا يخلو إما أن يكون الوصف الجامع بين الاصل والفرع، قد صرح به أو لم يصرح به، فإن صرح به فلا يخلو إما أن يكون هو العلة الباعثة على الحكم في الاصل، أو لا يكون هو العلة، بل هو دليل عليها. فإن كان الاول فيسمى قياس العلة، وذلك كالجمع بين النبيذ والخمر في تحريم الشرب بواسطة الشدة المطربة، ونحوه. وإنما سمي قياس العلة للتصريح فيه بالعلة. وإن كان الثاني فيسمى قياس الدلالة، وذلك كالجمع بين النبيذ والخمر بالرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة، أو الجمع بين الاصل والفرع بأحد موجبي العلة في الاصل استدلالا به على الموجب الآخر، كما في الجمع بين قطع الجماعة ليد الواحد، وقتل الجماعة للواحد، في وجوب القصاص بواسطة الاشتراك في وجوب الدية عليهم بتقدير إيجابها. وأما إن كان الوصف الجامع لم يصرح به في القياس، كما في إلحاق الامة بالعبد في تقويم نصيب الشريك على المعتق بواسطة نفي الفارق بينهما، فيسمى القياس في معنى الاصل. القسمة الخامسة: القياس لا يخلو إما أن يكون طريق إثبات العلة المستنبطة فيه، المناسبة، أو الشبه، أو السبر والتقسيم، أو الطرد والعكس، كما سبق تحقيقه. فإن كان الاول، فيسمى قياس الاحالة. وإن كان الثاني، فيسمى قياس الشبه. وإن كان الثالث، فيسمى قياس السبر. وإن كان الرابع، فيسمى قياس الاطراد.

[ 5 ]

الباب الرابع في مواقع الخلاف في القياس وإثباته على منكريه وفيه ست مسائل. المسألة الاولى يجوز التعبد بالقياس في الشرعيات عقلا. وبه قال السلف من الصحابة والتابعين، والشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وأكثر الفقهاء والمتكلمين، وقالت الشيعة والنظام وجماعة من معتزلة بغداد، كيحيى الاسكافي وجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب بإحالة ورود التعبد به عقلا، وإن اختلفوا في مأخذ الاحالة العقلية كما سنبينه. وقال القفال من أصحاب الشافعي وأبو الحسين البصري: بأن العقل موجب لورود التعبد بالقياس.

[ 6 ]

والمختار إنما هو الجواز، ويدل على ذلك الاجمال والتفصيل: أما الاجمال: فهو أنه لا خلاف بين العقلاء أنه يحسن من الشارع أن ينص ويقول: لا يقضي القاضي وهو غضبان، لان الغضب مم يوجب اضطراب رأيه وفهمه، فقيسوا على الغضب ما كان في معناه، كالجوع والعطش والاعياء المفرط، وأن يقول: حرمت عليكم شرب الخمر، ومهما غلب على ظنونكم أن علة التحريم الشدة المطربة الصادة عن ذكر الله المفضية إلى وقوع الفتن والعدواة والبغضاء لتغطيتها على العقل، فقيسوا عليها كل ما في معناه من النبيذ وغيره، ولو كان ذلك ممتنعا عقلا لما حسن ورود الشرع بذلك. وأما من جهة التفصيل: فمن وجهين الاول: هو أن العاقل إذا صح نظره واستدلاله، أدرك بالامارات الحاضرة المدلولات الغائبة، وذلك كمن رأى جدارا مائلا منشقا، فإنه يحكم بهبوطه، أو رأى غيما رطبا وهواء باردا، حكم بنزول المطر، أو رأى إنسانا خارجا من بيت فيه قتيل، وبيده سكين مخضبة بالدم، حكم بكونه قاتلا، فإذا رأى الشارع قد أثبت حكما في صورة من الصور، ورأى ثم معنى يصلح أن يكون داعيا إلى إثبات ذلك الحكم، ولم يظهر له ما يبطله بعد البحث التام، والسبر الكامل، فإنه يغلب على ظنه أن الحكم ثبت له، وإذا وجد ذلك الوصف في صورة أخرى غير الصورة المنصوص عليها، ولم يظهر له أيضا ما يعارضه، فإنه يغلب على ظنه ثبوت الحكم به في حقنا، وقد علمنا أن مخالفة حكم الله تعالى سبب للعقاب، فالعقل يرجح فعل ما ظن فيه المصلحة ودفع المضرة على تركه، ولا معنى للجواز العقلي سوى ذلك. الثاني: أن التعبد بالقياس فيه مصلحة لا تحصل دونه، وهي ثواب المجتهد على اجتهاده وإعمال فكره وبحثه في استخراج علة الحكم المنصوص عليه لتعديته إلى محل آخر، على ما قال، عليه السلام: ثوابك على قدر نصبك وما كان طريقا إلى تحصيل مصلحة المكلف، فالعقل لا يحيله بل يجوزه.

[ 7 ]

فإن قيل: ما ذكرتموه من جواز التعبد بالقياس بناء على ظن حصول المصلحة ودفع المضرة، إنما يحسن إذا لم يكن الوصول إلى ذلك بطريق يقيني، وأما إذا أمكن فلا، وذلك لانه مهما أمكن الوصول إلى المطلوب بطريق يؤمن فيه من الخطأ، فالعقل يمنع من سلوك طريق لا يؤمن فيه الخطأ، فما لم تثبتوا أنه لم يوجد دليل شرعي قاطع يدل على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع أمة، فاتباع الظن يكون ممتنعا عقلا. سلمنا أنه لم يوجد دليل قطعي على ذلك، لكن إنما يسوغ العقل التمسك بالظن إذا لم يوجد دليل ظني راجع على ظن القياس مفض إلى حكم القياس، وإلا كان العمل بما الخطأ فيه أقرب مما ترك وهو ممتنع عقلا. سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تجويز العقل لذلك، غير أنه منقوض ومعارض. أما النقض فبصور: منها أن قول الشاهد الواحد، بل العبيد والنساء المتمحضات، في الحقوق المالية والدماء والفروج، بل الفساق، مغلب على ظن القاضي الصدق، ومع ذلك لا يجوز له العمل به، ومنها أن مدعى النبوة، إذا غلب على الظن صدقه من غير دلالة المعجزة عليه لا يجوز اتباعه والعمل بقوله، ومنها أن المصالح المرسلة وإن غلبت على الظن لا يجوز العمل بها، ومنها أنه لو اشتبهت رضيعة بعشر أجنبيات، أو ميتة بعشر مذكيات، لم يجز مد اليد إلى واحدة منها، وإن وجدت علامات مغلبة على الظن. وأما المعارضة فمن خمسة وعشرين وجها: الاول: قال النظام إن العقل يقتضي التسوية بين المتماثلات في أحكامها، والاختلاف بين المختلفات في أحكامها، والشارع قد رأيناه فرق بين المتماثلات، وجمع بين المختلفات، وهو على خلاف قضية العقل، وذلك يدل على أن القياس الشرعي غير وارد على مذاق العقل، فلا يكون العقل مجوزا له.

[ 8 ]

أما تفرقته بين المتماثلات، فإنه فرض الغسل من المني، وأبطل الصوم بإنزاله عمدا دون البول والمذي، وأوجب غسل الثوب من بول الصبية، والرش عليه من بول الغلام، ونقص من عدد الرباعية في حق المسافر الشطر دون الثنائية، وأوجب الصوم على الحائض دون الصلاة، مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها، وحرم النظر إلى العجوز القبيحة المنظر، وأباحه في حق الامة الحسناء، وقطع سارق القليل، دون غاصب الكثير، وأوجب الجلد بالقذف بالزنى دون القذف بالكفر، وقبل في القتل شاهدين دون الزنى، وجلد قاذف الحر الفاسق دون العبد العفيف، وفرق في العدة بين الموت والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما، وجعل استبراء الرحم بحيضة واحدة في حق الامة، والحرة المطلقة بثلاث حيضات، وأوجب تطهير غير الموضع الذي خرجت منه الريح، مع أن القياس كان مقتضيا للتسوية في جميع هذه الصور بل ربما كان بعض الصور التي لم يثبت فيها الحكم أولى به مما ثبت فيها. وأما تسويته بين المختلفات فإنه سوى بين قتل الصيد عمدا وخطأ في إيجاب الضمان، وسوى في إيجاب القتل بين الردة والزنى، وسوى في إيجاب الكفارة بين قتل النفس والوطئ في رمضان والظهار، مع الاختلاف، وذلك مما يبطل الاعتبار بالامثال ويوجب امتناع العمل بالقياس. الثاني: قالت الشيعة: إن القول بالتعبد بالقياس يفضي إلى الاختلاف، وذلك عند ما إذا ظهر لكل واحد من المجتهدين قياس مقتضاه نقيض حكم الآخر، والاختلاف ليس من الدين لقوله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * (النساء: 82) وقوله تعالى: * (وأن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) * (الشورى: 13) وقوله * (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) * (الانفال: 46) وقوله: * (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) * (الانعام: 159) وقوله تعالى: * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) * (آل عمران: 105) ذكر ذلك في معرض الذم، ولا ذم على ما يكون من الدين، وقد ذم الصحابة الاختلاف حتى قال عمر لا تختلفوا، فإنكم إن اختلفتم، كان من بعدكم أشد اختلافا

[ 9 ]

وأنه لما سمع ابن مسعود وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد أو الثوبين، صعد المنبر وقال: رجلان من أصحاب رسول الله (ص)، اختلفا، فعن أي فتياكم يصدر المسلمون ؟ لا أسمع اثنين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت وصنعت وقال جرير بن كليب: رأيت عمر ينهى عن المتعة وعليا يأمر بها، فقلت إن بينكما لشرا. وكتب علي إلى قضاته أيام خلافته أن اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف وأرجو أن أموت كما مات أصحابي. الثالث: أنه إذا اختلفت الاقيسة في نظر المجتهدين، فإما أن يقال بأن كل مجتهد مصيب، فيلزم منه أن يكون الشئ ونقيضه حقا، وهو محال، وإما أن يقال بأن المصيب واحد، وهو أيضا محال فإنه ليس تصويب أحد الظنين، مع استوائهما، دون الآخر أولى من العكس. الرابع: قال النبي (ص): أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكمة اختصارا فلو كان التنصيص منه على الاشياء الستة الربوية قصدا لقياس ما عداها من المطعومات عليها، مع أنه كان قادرا على ما هو أصرح منه، وللخلاف والجهل أدفع، وهو أن يقول: حرمت الربا في كل مطعوم لكان عدولا منه عن الظاهر المفهوم، إلى الخفي الموهوم، وهو غير لائق بفصاحته وحكمته، وهو خلاف نصه.

[ 10 ]

الخامس: أن الحكم في أصل القياس، إن كان ثابتا بالنص امتنع إثباته في الفرع، لعدم وجود النص في الفرع وامتناع ثبوته فيه بغير طريق حكم الاصل، وإلا لما كان تابعا للاصل ولا فرعا له وإن كان ثابتا بالعلة فهو ممتنع لوجهين: الاول أن الحكم في الاصل مقطوع، والعلة مظنونة، والمقطوع به لا يثبت بالمظنون. الثاني أن العلة في الاصل ستنبطة من حكم الاصل، ومتفرعة عليه، والمتفرع على الشئ لا يكون مثبتا لذلك الشئ، وإلا كان دورا ممتنعا. السادس: أنه لو كانت العلة منصوصة، كما لو قال: حرمت الربا في البر لكونه مطعوما فإنه لا يقتضي التحريم في غير البر فالمستنبطة أولى بعدم التعدية، وبيان أن المنصوصة لا تقتضي التحريم في غير محل النص، قصور دلالة اللفظ عن ذلك، ولهذا فإنه لو قال: أعتقت كل عبد لي أسود عتق كل السودان من عبيده، ولو قال: أعتقت عبدي سالما لسواده، أو لسوء خلقه فإنه لا يعتق غانم، وإن كان أشد سوادا من سالم، وأسوأ خلقا. السابع: أن حكم القياس إما أن يكون موافقا للبراءة الاصلية، أو مخالفا لها:

[ 11 ]

فإن كان الاول، لم يكن القياس مفيدا، لانه لو قدر عدمه كان مقتضاه متحققا بالبراءة الاصلية، وإن كان الثاني فهو ممتنع، لان البراءة الاصلية متيقنة، والقياس مظنون، واليقين تمتنع مخالفته بالظن. الثامن: أنه لو جاز التعبد بالقياس عقلا في الفروع لظن المصلحة، لجاز مثل ذلك في أصول الاقيسة، وهو محال لما فيه من التسلسل. التاسع: أن الشرعيات مصالح، فلو جاز إثباتها بالقياس، لجاز أن يتعبد بالاخبار عن كون زيد في الدار عند غلبة الظن بكونه فيها بالامارات، وهو ممتنع. العاشر: أن الرجم بالظن جهل، ولا صلاح للخلق في إقحامهم ورطة الجهل، حتى يتخبطوا فيه، ويحكموا بما يجوز أن يكون مخالفا لحكم الله تعالى. الحادي عشر: أنه لا يستقيم قياس إلا بعلة، والعلة ما توجب الحكم بذاتها، وعلل الشرع ليس كذلك، فلا قياس. الثاني عشر: أن حكم الله تعالى خبره، وذلك إنما يعرف بالتوقيف، لا بالقياس، لان القياس من فعلنا، لا من توقيف الشارع. الثالث عشر: أن جلي الاحكام الشرعية لا يعرف إلا بالنصوص، فكذلك خفيها، كالمدركات، فإن جليها وخفيها لا يدرك بغير الحس. الرابع عشر: أنه لو كان للشرعيات علل لاستحال انفكاكها عن أحكامها، كما في العلل العقلية، فإنه يستحيل انفكاك الحركة القائمة بالجسم عن كونه متحركا

[ 12 ]

لما كانت الحركة علة لكونه متحركا، وذلك يوجب ثبوت الاحكام الشرعية قبل ورود الشرع لتقدم العلل عليها، وهو محال. الخامس عشر: أنه لو كان القياس صحيحا لكان حجة مع النص وذلك ممتنع بالاجماع. السادس عشر: أن نظر القائس لا بد وأن يقع في منظور فيه، والمنظور فيه ليس سوى النص والحكم، وهو الواجب والحرام مثلا، وليس المنظور فيه هو النص، إذ هو غير متناول للفرع والحكم، فهو فعل المكلف. ويلزم من ذلك أنه إذا لم يوجد فعل المكلف أن لا يصح القياس: ويلزم من فساد الامرين فساد القياس الشرعي. السابع عشر: أنه لو جاز التعبد بتحريم شئ أو وجوبه عند ظننا أنه مشابه لاصل محرم أو واجب بناء على أمارة، لجاز أن يتعبد بذلك عند ظننا المشابهة من غير أمارة، وهو محال. الثامن عشر: أنه لو جاز التعبد بالقياس الشرعي، لكان على عليته دلالة، والدلالة عليها إما النص، والعلة المستنبطة التي فيها الخلاف غير منصوصة، وإما العادات، والعادات تكون مثبتة للاحكام الشرعية، فلا تكون مثبتة لاماراتها. التاسع عشر: لو كانت المعاني المشروعة من الاصول أدلة على ثبوب الاحكام في الفروع، لم يقف كونها أدلة على شئ سواها، كما في النصوص، والاتفاق واقع على احتياج المستنبطة إلى دليل، والمحتاج إلى الدليل لا يكون دليلا كما في الاحكام. العشرون: أنه إذا غلب على الظن تحريم ربا الفضل في البر، إما لكونه مطعوم جنس أو مكيل جنس أو قوتا أو مالا، فلا بد من رعاية المصلحة في ذلك، وأي مصلحة في تحريم بيع ما هذه صفته.

[ 13 ]

الحادي والعشرون: أنه لو صح معرفة الحكم الشرعي، مع كونه غيبيا بالقياس، لصح معرفة الامور الغيبية بالقياس، وهو محال. الثاني والعشرون: أن القياس فعل القائس، وذلك مما لا يجوز أن يتوصل به إلى معرفة المصالح. الثالث والعشرون: أن القياس لا بد فيه من علة مستنبطة من حكم الاصل، والحكم في الاصل جاز أن يكون معللا، وجاز أن لا يكون معللا: وبتقدير كونه معللا، يحتمل أن يكون الحكم ثابتا بغير ما استنبط، وبتقدير أن يكون ثابتا بما استنبط، يحتمل أن لا يكون متحققا في الفرع إذا كان وجوده فيه ظنيا. وما هذا شأنه لا يصلح للدلالة. الرابع والعشرون: أنه لو جاز التعبد بالقياس لافضى ذلك إلى تقابل الادلة وتكافئها، وأن يكون الرب تعالى موجبا للشئ ومحرما له، وهو محال على الله تعالى. وبيان ذلك أنه قد يتردد الفرع بين أصلين حكم أحدهما الحل، والآخر الحرمة. فإذا ظهر في نظر المجتهد شبه الفرع بكل واحد منهما، لزم الحكم بالحل والحرمة في شئ واحد، وذلك محال. الخامس والعشرون: أن القياس لا بد فيه من علة جامعة، والعلل الشرعية لا بد وأن تكون على وزان العلل العقلية، والعلة الشرعية يجوز عند القائلين بالقياس أن تكون ذات أوصاف، والعلة العقلية ليست كذلك، فإنها تستقل بحكمها كاستقلال الحركة بكون المحل الذي قامت به متحركا، واستقلال السواد بكون محله أسود، ونحوه. وأما من زعم أن العقل موجب للتعبد بالقياس الشرعي، فقد احتج بثلاث شبه: الاولى: أن الانبياء، عليهم السلام، مأمورون بتعميم الحكم في كل صورة، والصور لا نهاية لها، فلا تمكن إحاطة النصوص بها، فاقتضى العقل وجوب التعبد بالقياس. الثانية: أنه إذا غلب على الظن أن المصلحة في إثبات الحكم بالقياس، وأنه أنفى للضرر، فيجب اتباعه عقلا، تحصيلا للمصلحة ودفعا للمضرة، كما يجب القيام من تحت حائط ظن سقوطه لفرط ميله، وإن جاز أن تكون السلامة في القعود والهلاك في النهوض.

[ 14 ]

الثالثة: أن العلل الشرعية ومناسبتها للاحكام مدركة بالعقل، فكان العقل موجبا لورود التعبد بها، كما توجب أحكام العلل العقلية. والجواب: عن السؤال الاول أنه، إذا سلم أن القياس مغلب على الظن وجود المصلحة، فهو بيان، وهو وإن كان البيان فيه مرجوحا بالنسبة إلى البيان القاطع، فليس ذلك مما يمنع من التعبد به مع عدم الظفر بالبيان القاطع، وإن كان ممكن الوجود، وإلا لما جاز التعبد بالنصوص الظنية، وأخبار الآحاد مع إمكان أن يخلق الله تعالى لنا العلم الضروري بالاحكام، وإمكان وجود النصوص القاطعة الجلية. وعلى هذا، يخرج الجواب عن السؤال الثاني أيضا. وعن النقض بما ذكروه من الصور أن العقل يجوز ورود التعبد بكل ما هو مغلب عن الظن، غير أنه لما ورد التعبد من الشارع بامتناع العمل به، كان ذلك لمانع الشرع لا لعدم الجواز العقلي. وعن المعارضة الاولى: أن كل ما ظن فيه الجامع بين الاصل والفرع، وظهرت صلاحيته للتعليل، فالعقل لا يمنع من ورود التعبد من الشارع فيه بالالحاق، وحيث فرق الشارع في الصور المذكورة، فلم يكن ذلك لاستحالة ورود التعبد بالقياس، بل إنما كان ذلك إما لعدم صلاحية ما وقع جامعا، أو لمعارض له في الاصل، أو في الفرع، وحيث جمع بين مختلفات الصفات فإنما كان لاشتراكها في معنى جامع صالح للتعليل، أو لاختصاص كل صورة بعلة صالحة للتعليل، فإنه لا مانع، عند اختلاف الصورة، وإن اتحد نوع الحكم، أن تعلل بعلل مختلفة لا أن الحكم ثبت في الكل بالقياس. وعلى هذا نقول: ما لم يظهر تعليله وصحة القياس عليه إما لعدم صلاحية الجامع، أو لتحقق الفارق، أو لظهور دليل التعبد، فلا قياس فيه أصلا، وإنما القياس فيما ظهر كون الحكم في الاصل معللا فيه، وظهر الاشتراك في العلة وانتفى الفارق. وعن الثانية: أن ذلك وإن أفضى إلى الاختلاف بين المجتهدين، فإن ذلك غير محذور مطلقا، فإن جميع الشرائع والملل كلها من عند الله، وهي مختلفة، ولا محذور فيها، وإلا لما كانت مشروعة من عند الله،

[ 15 ]

كيف وإن الامة الاسلامية معصومة عن الخطإ، على ما عرف. فلو كان الاختلاف مذموما ومحذورا على الاطلاق، لكانت الصحابة مع اشتهار اختلافهم وتباين أقوالهم في المسائل الفقهية، مخطئة، بل الامة قاطبة، وذلك ممتنع. وعلى هذا، فيجب حمل ما ورد من ذم الاختلاف والنهي عنه، على الاختلاف في التوحيد والايمان بالله ورسوله والقيام بنصرته، وفيما المطلوب فيه القطع دون الظن، والاختلاف بعد الوفاق، واختلاف العامة ومن ليس له أهلية النظر والاجتهاد، وبالجملة كل ما لا يجوز فيه الاختلاف جمعا بين الادلة بأقصى الامكان وقوله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * (النساء: 82) إنما المراد به نفي التناقض والاضطراب والاختلاف المناقض للبلاغة عن القرآن، لا نفي الاختلاف في الاحكام الشرعية. وأما إنكار عمر على ابن مسعود وأبي بن كعب، فيجب أيضا حمله على اختلافهما فيما سبق فيه الاجماع، أو على اختلافهما بالنظر إلى مستفت واحد حذرا من تحيره. وأما قول جرير لعلي وعمر عند اختلافهما في مسألة المتعة، فيجب حمله على ما ظنه من إفضاء ذلك إلى فتنة وثوران أمر. وأما ما كتبه علي إلى قضاته، فيجب حمله أيضا على خوفه من انفتاق فتق بسبب نسبته إلى تعصب لمخالفة من سبق. وعن الثالثة: باختيار تصويب كل مجتهد بناء على أن الحكم عند الله تعالى في حق كل واحد ما أدى إليه اجتهاده وذلك مما لا يمنع من كون الشئ ونقيضه حقا

[ 16 ]

بالنسبة إلى شخصين مختلفين، كما في الصلاة وتركها بالنسبة إلى الحائض والطاهر، وكالجهات المختلفة في القبلة حال اشتباهها بالنسبة إلى شخصين، وبالنسبة إلى شخص واحد في حالتين مختلفتين، وكجواز ركوب البحر في حق من غلب على ظنه السلامة، وتحريمه في حق من غلب على ظن الهلاك. وهذا بخلاف القضايا العقلية، وما الحق فيه في نفس الامر لا يكون إلا واحدا معينا، كحدوث العالم وقدمه، ووجود الصانع وعدمه. وعن الرابعة من وجهين: الاول: أنه لو كان العدول من أصرح الطريقين وأبينهما إلى أدناهما مما يمتنع ويخل بالبلاغة، لما ساغ ورود الكتاب بالالفاظ المجملة وإرادة المعين، والعامة وإرادة الخاص، والمطلقة وإرادة المقيد، والالفاظ المحتملة، ولما ساغ أيضا مثل ذلك من الرسول مع إمكان الاتيان بألفاظ صريحة ناصة على الغرض المطلوب، وهو ممتنع خلاف الواقع. الوجه الثاني: أنه غير بعيد أن يكون الله تعالى ورسوله قد علما أن في التعبد بالقياس والاجتهاد مصلحة للمكلفين لا تحصل من التنصيص. وذلك بسبب بعث دواعيهم على الاجتهاد طلبا لزيادة الثواب الحاصل به، على ما نطق به النص في حق عائشة، حتى تبقى الشريعة مستمرة غضة طرية. وعن الخامسة: أن الحكم في الاصل، وإن كان ثابتا بالنص أو الاجماع لا بالعلة، وأن ذلك غير متحقق في الفرع، فلا نسلم وجوب ثبوت الحكم في الفرع بمثل طريق إثبات حكم الاصل، بل يمكن أن يكون إثبات الحكم في الاصل مع كونه مقطوعا

[ 17 ]

به بدليل مقطوع به، وفي الفرع بوجود ما كان قد ظهر كونه باعثا على الحكم في الاصل، ولا يلزم من كون الفرع تابعا في حكمه للاصل اتحاد الطريق المثبت للحكم فيهما، وإلا لما كان أحدهما تابعا للآخر، بل التبعية متحققة بمجرد إثبات الحكم في الفرع بما عرف كونبا عثا على الحكم في الاصل. وعن السادسة من وجهين: الاول، قال بعضهم: إن علم قطعا قصده للسواد عتق كل عبد أسود له. وقال بعضهم: لا يكفي مجرد القصد، بل لا بد مع ذلك من أن ينوي بهذا اللفظ عتق جميع السودان، فإنه كاف في عتق كل عبد له أسود، وغايته إطلاق اللفظ الخاص، وإرادة العام، وهو سائغ لغة، كما حمل قوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالهم) * على النهي عن الاتلاف العام، وكما حمل قول القائل والله لا أكلت لفلان خبزا، ولا شربت من مائه جرعة إذا قصد به دفع المنة على أخذ الدراهم وغيرها من العروض، حتى إنه يحنث بكل ذلك. وقال بعضهم: لا يكفي ذلك لان مجرد النية والارادة لذلك غير كافية في العتق، بل إن قال مع ذلك وقيسوا عليه كل أسود عتق كل عبد له أسود. وهذا هو اختيار الصيرفي من أصحاب الشافعي، وهو أقرب من الذي قبله. الثاني: أنه لا يلزم من امتناع التعدية هاهنا امتناع التعدية في العلل المستنبطة الشرعية، وذلك، لان العتق من باب التصرف في أملاك العبيد بالزوال، ولا كذلك في الاحكام الشرعية، وعند ذلك فلا يلزم من امتناع التعدية هاهنا، مبالغة في صيانة ملك العبيد مثله في الاحكام الشرعية.

[ 18 ]

ولهذا فإنه لو اجتمع في المحل الواحد حقان لله وللآدمي، وتضايق المحل عن استيفائهما، كما لو وجب القتل على شخص بالردة وبالقتل الموجب للقصاص، فإنه يقدم حق الآدمي على حق الله تعالى، ويقتل قصاصا، لا بالردة ولهذا طرد أهل اللغة مثل ذلك وعدوه فيما لا يقتضي زوال ملك الآدمي، فإنه لو قال القائل لغيره لا تأكل هذا الطعام، فأنه مسموم، ولا تشرب هذا الشراب، فأنه مسهل، ولا تجالس فلانا لسواده فإن أهل اللغة يعدونه إلى كل ما هو من جنسه مشارك له في العلة. وعلى هذا نقول إنه لو قال لوكيله بع هذا العبد لسواده أو لسوء خلقه، وكان قد قال له مهما ظهر لك رضائي بشئ من التصرفات بقرائن الاحوال دون صريح الاقوال، فافعله. وعلم أن العلة في إطلاق البيع السواد وسوء الخلق خاصة، فله بيع كل ما شاركه في تلك العلة على وزان ذلك في الشرع. وعن السابعة: أنها منقوضة بمخالفة البراءة الاصلية بالنصوص الظنية وبالاقرار والشهادة والفتوى وغير ذلك. وعن الثامنة أنه لو لم يرد النص بالحكم في أصول الاقيسة، وإلا كان التعبد بإثبات أحكامها بالقياس على أصل آخر جائزا، وإن امتنع ذلك لما فيه من التسلسل، فلا يرد به التعبد لاستحالته في نفسه. وعن التاسعة: أنه لا يمتنع في العقل أيضا ورود التعبد بإخبارنا عن كون زيد في الدار عن ظن، إذا ظهرت أمارة كونه في الدار. وعن العاشرة: أنها مبينة على فاسد أصول الخصوم في وجوب رعاية الصلاح والاصلح، وهو باطل على ما عرف من أصلنا. وإن سلمنا وجوب رعاية المصلحة، فلا يمتنع، أن يكون في التعبد بالقياس مصلحة، وقد استأثر الرب تعالى بالعلم بها كيف وإن ما ذكروه منقوض بورود التعبد بالنصوص الظنية وقبول الشهادة والاجتهاد في القبلة حالة الاشتباه، وبقبول قول العدول في قيم المتلفات وأرش الجنايات وتقدير النفقات.

[ 19 ]

وعن الحادية عشرة: أن العلة في القياس إنما هي بمعنى الامارة والعلامة على الحكم في الفرع، وذلك مما لا يمتنع التعبد باتباعه. ولهذا فإنه لو قال الشارع: مهما رأيتم وصف الشدة المطربة، فاعلموا أني قضيت بتحريم ذلك المشتد المطرب كان واجب الاتباع. وعن الثانية عشرة: أنه مهما لم يقم دليل يدل على وجوب التعبد بالقياس من نص أو إجماع، فإنا لا نثبت به الحكم، ولا ننفيه. وإن كان يجوز ورود التعبد به عقلا. فإذا قال الشارع قد تعبدتكم بالقياس، فمهما رأيتم الحكم قد ثبت في صورة وغلب على ظنونكم أنه ثبت لعلة، وأنها، وأنها متحققة في صورة أخرى،. فقيسوها كان ذلك إخبارا عن إثبات الحكم في الفرع. وإن لم يرد مثل هذا النص، فانعقاد الاجماع على ذلك يكون كافيا. وعن الثالثة عشرة: أنها قياس تمثيلي من غير جامع، فلا يصح وقد أجاب بعضهم بأن كثير الزعفران الواقع في الماء يعلم بالادراك، وخفيه إنما يعلم بإخبار من شاهده لا بنفس الادراك، وليس بحق، فإن الخبر مستند إلى المشاهدة. فإن قيل: الحكم في الفرع أيضا مستند إلى الحكم الثابت بالنص، فكان جلي الاحكام وخفيها مستندا إلى النص. قيل النص الوارد في الاصل لم يكن واردا في الفرع، ولو ورد في الفرع، لما احتيج إلى القياس. وعن الرابعة عشرة: أنا لا نسلم أن كون المتحرك متحركا يزيد على قيام الحركة بالمحل، فلا علة ولا معلول، وإن سلمنا أن المتحركية معللة بالحركة، ولكن ما ذكروه تمثيل من غير جامع، وذلك لان اسم العلة مشترك بين العلة العقلية والعلة الشرعية لان العلة العقلية مقتضية للحكم بذاتها، لا بوضع، بخلاف العلة الشرعية، فإنها بمعنى الامارة والعلامة، أو بمعنى الباعث، ولا يمتنع أن يكون الوصف علامة على الحكم في بعض الازمان دون البعض، اتباعا لوضع الشارع، ولا يمتنع أن يكون الوصف باعثا لما يختص به من المصلحة في بعض الازمان دون البعض، كما أبيحت الخمرة في زمان، وحرمت

[ 20 ]

في زمان، وجوز الصوم في زمان، وحرم في زمان. ويكون مناط معرفة ذلك اعتبار الشارع للوصف في وقت وإلغاءه في وقت آخر. وعن الخامسة عشرة: أن القياس عندنا حجة مع النص الموافق ولا يلزم أن يكون حجة مع النص المخالف الراجح، بدليل خبر الواحد، فإنه حجة، وإن لم يكن حجة مع النص المخالف الراجح. وعن السادسة عشرة: أن نظر القائس في الفرع، وإن لم يكن في دلالة النص، فهو ناظر في المعنى الجامع والدلالة على عليته وفي الحكم في الفرع، وليس الحكم هو فعل المكلف، بل الحكم إنما هو الوجوب أو التحريم المتعلق بفعله. وعن السابعة عشرة: أنه إن غلب على الظن مشابهة شئ لشئ محرم، وأمكن ذلك من غير أمارة، فالعقل يجوز ورود الشرع بالتعبد بتحريمه، وإن لم يرد الشرع به. وعن الثامنة عشرة: بمنع الحصر فيما ذكروه، وما المانع من طريق آخر يعرف كون الوصف الجامع علة، من الايماء أو غيره من طرق التخريج، كما عرف. وعن التاسعة عشرة: أن العلل المستنبطة من الاصول، وإن كانت أدلة على الاحكام في الفروع، فليست أدلة لذواتها وصفات أنفسها الذاتية، كما في العلل العقلية، بل إنما كانت أدلة بالوضع والتوقيف وجعل الشارع لها أدلة، فلذلك افتقرت في جعلها أدلة إلى غيرها. وعن العشرين: أن الكلام في هذه المسألة غير مختص بتصحيح القياس في آحاد الصور، بل إنما هو في جواز ورود التعبد بالقياس في الجملة، كيف وإن الوجه في ظهور المصلحة في التعليل بمطعوم جنس، أو مكيل جنس، أو غير ذلك مما قد تكلف بيانه في مسائل الفروع فعلى الناظر في ذلك بالاعتبار، حتى إن كل ما لم يظهر فيه وجه المصلحة، ولا دفع المفسدة من الاوصاف المستنبطة بدليله، فالقياس فيه غير جائز.

[ 21 ]

وعن الحادية والعشرين: أن كل ما هو غيب عنا، لو جعل الله عليه أمارة تدل عليه، كما جعل ذلك في الاحكام الشرعية، كان الحكم في معرفته، كما في الاحكام، وحيث لم يجعل له أمارة تدل عليه لم يكن معلوما. وعن الثانية والعشرين: لا نسلم أن التوصل إلى معرفة المصالح بفعل القائس، وإنما فعل القائس، وهو إثبات مثل حكم الاصل في الفرع، تبع لمعرفة المصلحة المأخوذة من حكم الاصل. وعن الثالثة والعشرين: أنه متى غلب على ظن القائس كون الحكم معللا، وظهرت له علة في نظره مجردة عن المعارض، وتحقق وجودها في الفرع، كان له القياس، وإلا فلا. وعن الرابعة والعشرين: أنه مهما تقابل في نظر القائس قياسان على التحليل والتحريم مثلا، فكل واحدة من العلتين غير موجبة لحكمها لذاتها، فلا يلزم من ذلك اجتماع الحكمين، وعلى هذا، إن ترجحت إحداهما على الاخرى، كان العمل بها، وإن تعارضا من كل وجه، أمكن أن يقال بالوقف إلى حين ظهور الترجيح، وأمكن أن يقال بتخيير المجتهد في العمل بأي القياسين شاء، على ما عرف من مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل. وعن الخامسة والعشرين: لا نسلم أن العلل الشرعية على وزان العلل العقلية، وإنما هي بمعنى الامارات والعلامات، وما كان بمعنى الامارة والعلامة لا يمتنع أن يكون الظن الحاصل منه، من مجموع أوصاف لا يستقل البعض بها، وذلك

[ 22 ]

كالظن الحاصل بنزول المطر، عند طلوع الغيم وتكاثفه ودنوه من الارض وهبوب الهواء البارد. وكذلك ظن سقوط الجدار بميله وانشقاقه وتخلخل أجزائه إلى غير ذلك. والجواب عن الشبهة الاولى للقائلين بكون العقل موجبا لورود التعبد بالقياس، أن الذي لا يتناهى إنما هو الجزئيات الداخلة تحت الاجناس الكلية. أما الاجناس الكلية، فلا نسلم أنها غير متناهية. وعلى هذا، فقد أمكن التنصيص على كل واحد من الاجناس بأن يقول الشارع كل مطعوم ربوي، وكل مسكر حرام، وكل قاتل عمدا عداونا مقتول، وكل سارق من حرز مثله لا شبهة له فيه مقطوع، إلى نظائره، والحكم في كل صورة من جزئيات ذلك الجنس يكون ثابتا بالنص. وإن افتقرنا فيه إلى الاجتهاد في إدراج كل واحد تحت جنسه ليتم إثبات الحكم فيه بالنص، فذلك إنما هو من باب تحقيق متعلق الحكم، لا أنه قياس. وعلى هذا، فلا حاجة إلى القياس. وإن سلمنا امتناع التعميم بغير القياس، فإنما يجب التعبد به أن لو كان النبي عليه السلام مكلفا بالتعميم، وهو غير مسلم، بل يمكن أن يقال بأنه إنما كلف بما يقدر على تبليغه بطريق المخاطبة. وما ذكروه مبني على وجوب رعاية الصلاح والاصلح، وهو غير مسلم، على ما عرفناه في الكلاميات. وعن الثانية أنها مبنية على كون العقل موجبا، وعلى وجوب رعاية المصلحة، وهو باطل، على ما عرفناه.

[ 23 ]

وإن سلمنا أن العقل موجب عند ظهور المصلحة في نظر العاقل، لكن متى إذا كان علم الله تعالى متعلقا بما ظنه العبد على وفق ما ظنه العبد، أو على خلافه ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع. وعند ذلك، فمن الجائز أن يكون الرب تعالى قد علم أنه لا مصلحة للمكلفين في القياس، وأنه مضر في حقهم على خلاف مظنون العبد. ومع ذلك، فلا يكون العقل موجبا للقياس. وإن سلمنا إيجاب ذلك مطلقا، لكن إذا أمكن إثبات الحكم في الفرع بطريق غير القياس، أو إذا لم يمكن ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. وقد بينا إمكان ذلك في دفع الشبهة التي قبلها. وعن الثالثة أنها مبينة على كون العقل موجبا، وعلى وجوب رعاية المصلحة، وعلى أنه لا طريق إلى معرفة الحكم في الفرع سوى القياس، وعلى أن الله تعالى عالم بأن المصلحة في القياس، كما ظنه العبد، وكل ذلك ممنوع، وأيضا فإن العلة الجامعة قد لا يكون طريق إثباتها المناسبة، كما سبق تعريفه. وبتقدير أن يكون لا طريق سوى المناسبة، وأنه لا طريق إلى معرفتها إلا بالعقل، فلا نسلم أنه يلزم من ذلك وجوب التعبد بها عقلا. وما ذكروه من العلل العقلية مبني على العلة والمعلول العقليين، وهو غير مسلم. وبتقدير تحقق ذلك، فالعقل إنما يقضي بملازمة معلول العلة العقلية لها، لكونها مقتضية لمعلولها بذاتها، ولا كذلك العلل الشرعية، فإنها إنما كانت عللا بمعنى الامارات والعلامات، فلا يصح القياس.

[ 24 ]

المسألة الثانية الذين اتفقوا على جواز التعبد بالقياس عقلا، اختلفوا: فمنهم من قال: لم يرد التعبد الشرعي به، بل ورد بحظره، كداود بن علي الاصفهاني وابنه القاشاني والنهرواني، ولم يقضوا بوقوع ذلك إلا فيما كانت علته منصوصة أو مومى إليها. وذهب الباقون إلى أن التعبد الشرعي به، واقع بدليل السمع، واختلفوا في وقوعه بدليل العقل، كما بيناه في المسألة المتقدمة، وأومأنا إلى إبطاله. ثم الدليل السمعي هل هو قاطع أو ظني ؟ اختلفوا فيه: فقال الكل إنه قطعي سوى أبي الحسين البصري، فإنه قال إنه ظني، وهو المختار. وقد احتج على ذلك بحجج ضعيفة لا بد من الاشارة إليها والتنبيه على ضعفها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. فمنها كتابية، وإجماعية، ومعنوية: أما الكتابية، فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم، فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) ووجه الاحتجاج به أنه أمر بطاعة الله والرسول. والمراد من ذلك إنما هو امتثال أمرهما ونهيهما، فقوله ثانيا: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) والظاهر من الرد هو القياس، ولانه لو أراد به اتباع أوامرهما ونواهيهما، لكان ذلك تكرارا، فلم يبق إلا أن يكون المراد به الرد إلى ما استنبط من الامر والنهي. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن المراد من قوله تعالى: * (فردوه) * القياس على ما أمر الله ورسوله بل يمكن أن يكون المراد البحث عن كون المتنازع فيه مأمورا أو منهيا، حتى يدخل تحت قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فالامر الاول بالطاعة للامر والنهي، والثاني بالبحث عن المتنازع فيه، هل هو مأمور أو منهي أو لا، فلا تكرار.

[ 25 ]

وإنما يمكن حمل الرد على القياس مع كونه مختلفا في الاحتجاج به أن لو تعذر حمل لفظ الرد على غيره، وليس بمتعذر. وإن سلمنا امتناع حمله على البحث عن كون المتنازع فيه مأمورا أو منهيا، أمكن أن يكون المراد بقوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فيما أمركم به ونهاكم عنه، والمراد من قوله: فإن تنازعتم في شئ أي فيما لم يسبق فيه أمر ولا نهي، فردوه إلى الله والرسول بالسؤال للرسول لينبئكم عن مقتضى ذلك في كتاب الله وسنة رسوله. فإن قيل: هذا يوجب اختصاص الآية بمن وجد في زمن النبي عليه السلام، لتعذر ذلك بالنسبة إلى من بعدهم، والاجماع منعقد على تعميم وجوب الطاعة والرد إلى الله والرسول في كل زمان. فلو كان معنى الرد السؤال للرسول، لما تصور ذلك في حق من وجد بعد النبي، عليه السلام. قلنا: وإن سلمنا أن الطاعة واجبة بالنسبة إلى كل زمان، ولكن لا نسلم أن وجوب الرد ثابت في كل زمان، لانه إن حمل الرد على القياس، فهو محل النزاع، وإن حمل على السؤال للنبي عليه السلام، فظاهر أنه غير واجب على من لم يره. فإن قيل: الضمير في المخاطب بالرد عائد إلى المخاطب بالطاعة، فإذا كان الخطاب بالطاعة عاما، فكذلك الخطاب بالرد، وإذا تعذر حمل الرد على السؤال في حق الكل، تعين أن يكون المراد به القياس. قلنا: وإن سلمنا أن الطاعة واجبة بالنسبة إلى كل زمان، ولكن لا نسلم أنها واجبة بقوله: أطيعوا الله وأطيعو الرسول لانها خطاب مشافهة، على ما سبق

[ 26 ]

تقريره في الاوامر. وإن سلمنا عموم خطاب الامر بالطاعة، فغايته أن يكون الضمير في قوله فردوه إلى الله والرسول ظاهرا في العود إلى كل من أمر بالطاعة، فعوده إلى البعض، وهو من كان في زمن النبي، عليه السلام، لضرورة حمل الرد على السؤال للنبي، عليه السلام، غايته أن يكون تخصيصا للعموم، وهو مقابل بمثله في حمل الرد على القياس، وذلك لان الآية عامة في حق كل مجتهد وعامي، ويلزم من حمل لفظ الرد على القياس تخصيص الآية بالمجتهدين دون غيرهم، وليس مخالفة أحد العمومين والتمسك بالآخر أولى من العكس، وأيضا قوله تعالى: * (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 83) والاستنباط هو القياس، وهو ضعيف أيضا. ولك، لانه إنما يجب حمل الاستنباط في الآية على القياس أن لو تعذر حمله على غيره، وليس كذلك، إذ أمكن أن يراد به استخراج الحكم من دليله، وهو أعم من القياس. ولهذا يصح أن يقال لمستخرج الحكم من دلالة النص إنه مستنبط، كيف وإن المذكور في صدر الآية إنما هو الامن والخوف بقوله تعالى * (وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف) * فيجب أن يكون الضمير في قوله أذاعوا به وفي قوله ولو ردوه وفي قوله لعلمه وفي قوله يستنبطونه عائدا إليه، لانه المذكور لا إلى غيره لكونه غير مذكور. وليس ذلك من القياس في شئ. وأيضا قوله تعالى * (إن أنتم إلا بشر مثلنا) * (إبراهيم: 10) ووجه الاحتجاج به أنهم أوردوا ذلك في معرض صدهم عما كان يعبد أباؤهم، لما بينهم من المشابهة في البشرية، ولم ينكر عليهم ذلك، وهو عين القياس، فكان حجة، وهو ضعيف أيضا لوجهين:

[ 27 ]

الاول: لا نسلم عدم النكير عليهم، فإن الآية إنما خرجت مخرج الانكار لقولهم ذلك، ولذلك قال تعالى: * (إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده) * (إبراهيم: 11). الثاني: أنه وإن كان قياسا وتشبيها في الامور الحقيقية، فلا يلزم مثله في الاحكام الشرعية إلا بطريق القياس أيضا، وهو محل النزاع. وأما الاجماعية، فمنها أنهم قالوا: الامة قد علقت من قوله تعالى: * (ولا تقل لهما أف) * (الاسراء: 23) تحريم الشتم والضرب بطريق القياس، وهو غير صحيح لامكان قول الخصم إن ذلك إنما عقل من دلالة اللفظ وفحوى الخطاب، على ما سبق، وإن كان ذلك بطريق القياس، غير أن العلة فيه معلومة بدلالة النص، وهي كف الاذى عن الوالدين، ولا يلزم مثله فيما كانت العلة فيه مستنبطة مظنونة، كما قاله النظام. ومنها أن الامة مجمعة على رجم الزاني المحصن قياسا على رجم النبي (ص) (لماعز) وهو ضعيف، وأيضا لامكان أن يقال بل إنما حكموا بذلك بناء على قوله (ص): حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ومنها أن الامة مجمعة على أن الله تعالى تعبدنا بالاستدلال بالامارات على جهة القبلة عند اشتباهها، وذلك أيضا مما لا يمكن التمسك به، لان الخصم لا يمنع من التمسك بالامارات مطلقا، بل يجوز ذلك في القبلة وفي تقويم أروش الجنايات، وقيم المتلفات وتقدير النفقات، وفيما كانت الامارات فيه خفية، ولا يلزم مثله في الامارات الشرعية والاقيسة كيف وإن من الخصوم من يمنع من صحة الاجتهاد عند اشتباه القبلة، ويوجب التوجه إلى الجهات الاربع، حتى يخرج عن العهدة بيقين. وأما الحجة المعنوية فهي أن النص والاجماع مما يقل في الحوادث ويندر. فلو لم يكن القياس حجة أفضى ذلك إلى خلو أكثر الوقائع عن الاحكام الشرعية وهو خلاف المقصود من بعثة الرسل، وذلك ممتنع، وهي ضعيفة أيضا

[ 28 ]

وذلك لان الوقائع التي خلت عن النصوص والاجماع، إنما يلزم خلوها عن الاحكام الشرعية أن لو لم يكن نفي الحكم الشرعي بعد ورود الشرع حكما شرعيا وأما إذا كان حكما شرعيا، وكان مدركه شرعيا، وهو استصحاب الحال وانتفاء المدارك الشرعية المقتضية للاحكام الاثباتية، فلا. وإن سلمنا أن انتفاء الحكم عند انتفاء النص والاجماع ليس حكما شرعيا، ولكن إنما يمتنع ذلك أن لو كنا مكلفين بإثبات الاحكام الشرعية في كل قضية، وهو غير مسلم وذلك لان الشارع كما يورد إثبات الاحكام في بعض الوقائع قد يورد نفيها في بعض آخر، على حسب اختلاف المصالح ثم يلزم على ما ذكروه أن تكون المصالح المرسلة الخلية عن الاعتبار حججا في الشريعة، وهو محال، وذلك لانه ليس كل واقعة يمكن وجود النص أو الاجماع أو القياس فيها. فلو لم تكن المصلحة المرسلة حجة، أفضى ذلك أيضا إلى خلو الوقائع عن الاحكام الشرعية، لعدم وجود النص أو الاجماع أو القياس فيها والعذر إذ ذاك يكون مشتركا

[ 29 ]

والمعتمد في المسألة الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) أمر بالاعتبار، والاعتبار هو الانتقال من الشئ إلى غيره، وذلك متحقق في القياس حيث إن فيه نقل الحكم من الاصل إلى الفرع. ولهذا، قال ابن عباس في الاسنان اعتبر حكمها بالاصابع، في أن ديتها متساوية، أطلق الاعتبار، وأراد به نقل حكم الاصابع إلى الاسنان، والاصل في الاطلاق الحقيقة وإذا ثبت أن القياس مأمور به، فالامر إما أن يكون للوجوب، أو للندب على ما سبق في الاوامر. وعلى كلا التقديرين، فالعمل بالقياس يكون مشروعا. فإن قيل لا نسلم أنه أمر بالاعتبار، وصيغة افعلوا مترددة بين الامر وغيره، كما سبق في الاوامر، وليس جعلها ظاهرة في البعض أولى من البعض، سلمنا أنها للامر، ولكن لا نسلم أن الاعتبار ما ذكرتموه، بل هو عبارة عن الاتعاظ، ويدل عليه أمران: الاول قوله تعالى: * (إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار) * (آل عمران: 13) وقوله: * (وإن لكم في الانعام لعبرة) * (النحل: 66) والمراد به الاتعاظ، إذ هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ. الثاني أن القائس في الفروع إذا أقدم على المعاصي، ولم يتفكر في أمر آخرته ، يقال إنه غير معتبر، ولو كان القياس هو الاعتبار، لما صح سلب ذلك عنه. سلمنا أن الاعتبار ظاهر في القياس، لكنه قد وجد في الآية ما يمنع من الحمل عليه ويصرفه إلى الاعتبار بمعنى الاتعاظ، وذلك قوله تعالى: * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) * (الحشر: 2) ولو كان الاعتبار بمعنى القياس لما حسن ترتيبه على ذلك، وإنما يحسن ذلك عند إرادة الاتعاظ. سلمنا أن المراد به القياس، غير أنه ليس في الآية صيغة عموم تقتضي العمل بكل قياس، فكانت الآية مطلقة، والمطلق إذا عمل به في صورة أو صور لا يبقى حجة فيما عداها، ضرورة الوفاء بالعمل بدلالته، وقد عملنا بذلك في القياس العقلي

[ 30 ]

والقياس الذي علته منصوصة أو مومى إليها، وبقياس الفروع على الاصول في امتناع إثباتها بالقياس. سلمنا العموم لكنه قد خص بما كلفنا فيه باليقين وبما كان منصوصا عليه وبما لم نعلم له أصلا، ولا وصفا جامعا، فإن القياس غير مأمور به في ذلك كله. وكذلك إذا قال لوكيله أعتق غانما لسواده فإنه لا يجوز تعدية ذلك إلى سالم وإن كان مسودا. والعام بعد التخصيص لا يبقى حجة، وإن بقي حجة ففي أقل ما يتناوله الاسم العام، على ما سبق في العموم. وإن سلمنا أنه يبقى حجة فيما عدا محل التخصيص، غير أن الآية خطاب مع الموجودين، فيختص ذلك بمن كان موجودا في وقت نزول الوحي بالآية، وإن عم جميع الازمان ولكنه أمر مطلق، فلا يكون مفيدا للفور، ولا للتكرار، وإن كان مفيدا لذلك، لكن بطريق ظني لا قطعي والمسألة قطعية لا ظنية. والجواب عن السؤال الاول أنا قد بينا أن صيغة (افعل) ظاهرة في الطلب، وأن الطلب لا يخرج عن اقتضاء الوجوب أو الندب في الاوامر، وأي الامرين قدر، كان دليلا على شرع القياس. قولهم: لا نسلم أن الاعتبار عبارة عما ذكرتموه. قلنا: دليله ما ذكرناه. قولهم: يطلق بمعنى الاتعاظ. قلنا عنه جوابان: الاول المنع، ويدل عليه قولهم: اعتبر فلان فاتعظ ولو كان الاعتبار هو الاتعاظ لما حسن هذا الكلام والترتيب، ولان ترتيب الشئ على نفسه ممتنع. الثاني أن الاعتبار بمعنى الانتقال من الشئ إلى غيره، هو مشترك بين القياس الاتعاظ اما ان الانتقال متحقق في القياس فقد سبق بيانه واما انه متحقق في الاتعاظ فذلك لان المتعظ بغيره منتقل من العلم بحال ذلك الغير إلى العلم بحال نفسه ويجب ان يكون لفظ الاعتبار حقيقة فيما وقع فيه الاشتراك نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ وإذا كان كذلك فالامر اعتبار امر القدر المشترك بين القياس والاتعاظ

[ 31 ]

وهو اما ان يكون متناولا لوحدمن الاعتبارات على سبيل الشيوع أو لكل اعتبار على جهة العموم فان كان الاول فتعلق الامر به انما كان لما يتعلق به من المصلحة وتلك المصلحة فكما تحصل من الواحد الفرد تحصل من كل واحد من الافراد ضرورة الاشتراك في ملزومها فالفظ وان لم يكنعاما بلفطه فيكون عاما بمعناه وان كان الثاني فهو المطلوب فكان مأمورا به من جهة ما فيه من الانتقال، وذلك هو القياس. وعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الآيتين. قولهم: القائس إذا كان معرضا عن أمر آخرته، يقال إنه غير معتبر. قلنا لا يصح ذلك بالنظر إلى كونه قائسا، وإنما صح ذلك بالنظر إلى أمر الآخرة، وإنما أطلق النفي بطريق المجاز نظرا إلى إخلاله بأعظم المقاصد، وهو أمر المعاد. وعن الثالث أنه إذا كان الانتقال متحققا في الاتعاظ على ما قدمناه، وذلك هو القياس، فلا نسلم امتناع ترتيب القياس على ما ذكروه. وعن الرابع أن اللفظ إن كان عاما فهو المطلوب، وإن كان مطلقا، فيجب حمله على القياس الشرعي، نظرا إلى أن الغالب من الشارع أنه إنما يخاطبنا بالامور الشرعية دون غيرها، وهو إما أن تكون العلة فيه منصوصة أو مستنبطة، والاول ليس بقياس على ما حققناه قبل. وإن كانت مستنبطة فقد سلم صحة الاحتجاج ببعض الاقيسة المختلف فيها، ويلزم من ذلك تسليم الباقي ضرورة أن لا قائل بالفرق. وعن الخامس أن العام بعد التخصيص يكون حجة فيما وراء صور التخصيص، على ما سبق في العموم. وعن قولهم إنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي، عليه السلام، فلا يعم. قلنا: لا نسلم أنه لا يعم بتقدير الوجود والفهم. وإن سلمنا أنه لا يعم بلفظه، فهو عام بمعناه نظرا إلى انعقاد الاجماع عل أن أحكام الخطاب الثابث في زمن النبي، عليه السلام، عامة في حق من بعد النبي (ص). فإذا لم يكن الخطاب عاما بلفظه،

[ 32 ]

وجب أن يكون عاما بمعناه، ضرورة انعقاد الاجماع على ذلك. وبتقدير أن لا يكون عاما لا بلفظه ولا بمعناه، فهو حجة على الخصوم في بعض صور النزاع، ويلزم من ذلك الحكم في الباقي، ضرورة أن لا قائل بالتفصيل. وبهذا الجواب، يكون الجواب عن قولهم: إن الامر المطلق لا يقتضي الفور ولا التكرار. وعن السؤال الاخير، أن المسألة ظنية غير قطعية. وأما من جهة السنة فما روي عن النبي (ص)، أنه قال لمعاذ، حين بعثه إلى اليمن قاضيا بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد، قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي والنبي (ص)، أقره على ذلك. وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله واجتهاد الرأي لا بد وأن يكون مردودا إلى أصل، وإلا كان مرسلا، والرأي المرسل غير معتبر، وذلك هو القياس.

[ 33 ]

وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال لمعاذ وأبي موسى الاشعري، وقد أنفذهما إلى اليمن بم تقضيان ؟ فقالا: إن لم نجد الحكم في الكتاب ولا السنة، قسنا الامر بالامر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به صرحوا بالعمل بالقياس والنبي (ص) أقرهما عليه، فكان حجة. وأيضا ما روي عنه عليه السلام، أنه قال لابن مسعود اقض بالكتاب والسنة، إذا وجدتهما، فإذا لم تجد الحكم فيهما، اجتهد رأيك ووجه الاحتجاج به كما تقدم في الخبر الاول. وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه لما سألته الجارية الخثعمية وقالت يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا زمنا لا يستطيع أن يحج. إن حججت عنه أينفعه ذلك ؟ فقال لها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ذلك ؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء ووجه الاحتجاج به أنه ألحق دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء ونفعه، وهو عين القياس. وما مثل هذا يميه الاصوليون التنبيه على أصل القياس، كما سبق تحقيقه.

[ 34 ]

وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال لام سلمة، وقد سئلت عن قبلة الصائم: هل أخبرته أني أقبل وأنا صائم وإنما ذكر ذلك تنبيها على قياس غيره عليه. وأيضا ما روي عنه أنه أمر سعد بن معاذ أن يحكم في بني قريظة برأيه، وأمرهم بالنزول على حكمه، فأمر بقتلهم، وسبي نسائهم، فقال عليه السلام: لقد وافق حكمه حكم الله. وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها حكم بتحريم ثمنها، باعتبار تحريم أكلها. وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه علل كثيرا من الاحكام، والتعليل موجب لاتباع العلة أين كانت، وذلك هو نفس القياس. فمن ذلك قوله عليه السلام: كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الاضاحي لاجل الدافة، فادخروها. وقوله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها تذكركم بالآخرة. ومنا قوله لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا: نعم. فقال: فلا إذا. ومنها قوله (كي لا يوكون دولة بين الاغنياء معكم). ومنها قوله في حق محرم وقصت به ناقته: لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا. ومنها قوله في حق شهداء أحد: زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يحشرون يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.

[ 35 ]

ومنها قوله في الهرة: إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات. وقوله: إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل، فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده. وقوله في الصيد: فإن وقع في الماء فلا تأكل منه، لعل الماء أعان على قتله. وأيضا قوله: أنا أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي والرأي إنما هو تشبيه شئ بشئ، وذلك هو القياس، إلى غير ذلك من الاخبار المختلف لفظها، المتحد معناها، النازل جملتها منزلة التواتر، وإن كانت آحادها آحادا. فإن قيل: أما حيث معاذ فإنه مرسل، وخبر واحد ورد في إثبات كون القياس حجة، وهو مما تعم به البلوى، والمرسل ليس بحجة عند الشافعي، وخبر الواحد، فيما تعم به البلوى ليس بحجة عند أبي حنيفة، فالاجماع من الفريقين على أنه ليس بحجة. والذي يدل على ضعفه أن النبي عليه السلام، كان قد ولاه القضاء، وذلك لا يكون إلا بعد معرفة اشتمال معاذ على معرفه ما به يقضي. فالسؤال عما علم لا معنى له. وأيضا فإنه وقف العمل بالرأي على عدم وجدان الكتاب والسنة، ووقف العمل بالسنة على عدم وجدان الكتاب. والاول على خلاف قوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38). وعلى خلاف قوله: * (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (الانعام: 59) والثاني على خلاف الدليل الدال على جواز نسخ الكتاب وتخصيصه بالسنة.

[ 36 ]

سلمنا صحته وأنه حجة، غير أن اجتهاد الرأي أعم من القياس، وذلك لان اجتهاد الرأي، كما يكون بالقياس، قد يكون بالاجتهاد في الاستدلال بخفي النصوص من الكتاب والسنة، وطلب الحكم فيهما، على التمسك بالبراءة الاصلية، ولفظه غير عام في كل رأي، فلا يكون حمله على اجتهاد الرأي بالقياس أولى من غيره. سلمنا أن المراد به اجتهاد الرأي بالقياس، غير أن القياس ينقسم إلى ما علته منصوصة أو مومى إليها، وإلى ما علته مستنبطة بالرأي، واللفظ أيضا مطلق، وقد عملنا به في القياس الذي علته منصوصة على ما قاله النظام. سلمنا أنه حجة مطلقا في كل قياس، ولكن قبل إكمال الدين أو بعده ؟ على ما قال تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * (المائدة: 3) الاول مسلم، والثاني ممنوع. وذلك أن إكمال الدين إنما يكون باشتمال الكتاب والسنة على تعريف كل ما لا بد من معرفته وعلى هذا فالقياس لا حاجة إليه بعد ذلك. وبتقدير كونه حجة مطلقا، لكن فيما تعبد في إثباته بالظن لا باليقين. والقياس ليس من هذا الباب. وبهذا يكون الاعتراض على حديث ابن مسعود أيضا. وأما حديث الجارية الخثعمية، فالورود عليه من جملة الاسئلة الواردة على حديث معاذ، أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى، وأنه ظني فلا يتمسك به في مسائل الاصول، وهما عامان في جميع ما ذكر من الاخبار ويخصه أن النبي (ص)، إنما ذكر دين الآدمي بطريق التقريب إلى فهم الجارية في حصول نفع القضاء. أما أن يكون ذلك بطريق القياس، فلا. وأما حديث أم سلمة فيدل على أن فعل النبي (ص) حجة متبعة، أما أن يكون ذلك بطريق القياس على فعل النبي (ص)، فلا. وأما حديث سعد بن معاذ، فليس فيه أيضا ما يدل على صحة القياس فإن أمره له بأن يحكم في بني قريظة برأيه لا يخص القياس، لما تقدم من أن اجتهاد الرأي أعم من القياس، فلعله أمره أن يحكم باجتهاد رأيه في الاستدلال بخفي النصوص

[ 37 ]

من الكتاب والسنة، ولذلك، قال، عليه السلام: لقد وافق حكمه حكم الله ورسوله. وأما خبر تحريم الشحوم على اليهود فليس فيه ما يدل على تحريم البيع، بالقياس على تحريم الاكل، فإن تحريم الشئ أعم من تحريم أكله، فإن تحريم الشئ تحريم للتصرف فيه مطلقا. وبتقدير أن يكون تحريم الاكل مصرحا به، فالمراد به تحريم التصرف مطلقا، بدليل قوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (البقرة: 188) وقوله: * (ولا تأكلوا مال اليتيم) *. وقوله: * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) * (النساء: 2) والمراد به المنع من التصرف في ذلك بغير حق. وأما الاخبار الدالة على تعليل الاحكام، فليس يلزم من تعليل الحكم المنصوص عليه بعلة، إلحاق غير المنصوص، به لاشتراكهما في تلك العلة، إذ هو محل النزاع وليس في الاخبار ما يدل على الالحاق، بل التعليل إنما كان لتعريف الباعث على الحكم، ليكون أقرب إلى الانقياد، وأدعى إلى القبول. ولهذا أمكن التنصيص على العلة القاصرة، ولا قياس عنها. وبتقدير دلالتها على الالحاق. فالعلل فيها منصوصة ومومى إليها. ونحن نقول بهذا النوع من القياس، كما قاله النظام، وقوله عليه السلام: إني أحكم بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي فهو على خلاف قوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * (النجم: 3) وبتقدير أن يكون حكمه بالرأي، فلا يلزم أن يكون ذلك بالقياس لما تقدم. وبتقدير أن يكون بالقياس، فلا يلزم من جواز التمسك بالقياس للنبي عليه السلام، مع كونه معصوما عن الخطإ، مسددا في أحكامه، جواز ذلك لغيره. والجواب عن السؤال الاول على خبر معاذ أنا قد بينا أن المرسل وخبر الواحد فيما تعم به البلوى حجة. وأما سؤال معاذ عما به يقضي، فإنما كان قبل توليه القضاء، ليعلم صلاحيته لذلك وإن كان ذلك بعد توليه القضاء، فإنما كان ذلك بطريق التأكيد، أو بأعلام الغير بأهليته للقضاء،

[ 38 ]

وأما توقيفه للعمل بالرأي على عدم وجدان الكتاب والسنة فغير مخالف لقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38) إذ المراد منه إنما هو عدم التفريط فيما ورد من الكتاب، لا أن المراد به بيان كل شئ، فإنا نعلم عدم اشتماله على بيان العلوم العقلية من الهندسية والحسابية وكثير من الاحكام الشرعية، وبتقدير أن يكون المراد به بيان كل شئ، لكن لا بطريق الصريح، بل بمعنى أنه أصل لبيان كل شئ. فإنه أصل لبيان صدق الرسول في قوله، وقوله بيان للقياس وغيره: وبه يخرج الجواب عن الآية الاخرى، وأما توقيفه العمل بالسنة على عدم الكتاب، فالمراد به الكتاب الذي لا معارض له ولا ناسخ، ويجب تنزيله على ذلك، ضرورة الجمع بين تقرير النبي عليه السلام، له على ذلك، وبين الدليل الدال على نسخ الكتاب وتخصيصه بالسنة. وعن السؤال الثاني أنه يمتنع حمل اجتهاد الرأي على الاجتهاد في الاستدلال بخفي نصوص الكتاب والسنة، لان قوله فإن لم تجد عام في الجلي والخفي، بدليل صحة الاستثناء وورود الاستفهام. فتخصيص ذلك بالجلي دون الخفي من غير دليل ممتنع، والتمسك بالبراءة الاصلية في نفي الاحكام الشرعية، ليس بحجة على ما يأتي. فلا يكون اجتهاد الرأي فيه مستندا للحكم. وبتقدير أن يكون حجة، فذلك معلوم لكل عاقل، فلا يكون مفتقرا إلى اجتهاد الرأي. وعن السؤال الثالث أنا لا نسلم أن ما كانت علته منصوصة يكون قياس على ما سيأتي. وإن سلمنا أنه قياس فما ذكرناه، وإن لم يكن حجة على النظام، فهو حجة على غيره. وعن الرابع أن إكمال الدين، إنما يكون ببيان كل شئ، إما بلا واسطة، أو

[ 39 ]

بواسطة، على ما بيناه. وعلى هذا فلا يمتنع العمل بالقياس بعد إكمال الدين، لكونه من جملة الوسائط. وعن الخامس ما سبق من أن المسألة ظنية غير قطعية. وعلى هذا فلا يخفى الجواب عما يعترض به على خبر ابن مسعود. وكذلك جواب كل ما يعترض به من هذه الاسئلة على باقي الاخبار. وما ذكروه على خبر الجارية الخثعمية فبعيد أيضا، فإنه لو لم يكن مدرك الحكم فيما سألت عنه القياس على دين الآدمي، لما كان التعرض لذكره مفيدا، بل كان يجب الاقتصار على قوله نعم. وما ذكروه على حديث أم سلمة، فغير صحيح. وذلك، لانه لو لم يكن اتباعنا له في فعله، بطريق التأسي به، لما كان حكم فعله ثابتا في حقنا، ولا معنى للقياس سوى ذلك. وما ذكروه على حديث سعد بن معاذ، باطل أيضا، لان حكمه لو كان مستندا إلى الكتاب أو السنة، لما كان ذلك برأيه، وقد قال: أحكم فيهم برأيك وقوله عليه السلام: لقد وافق حكمه حكم الله ورسوله لا منافاة بينه وبين الحكم بالقياس فإنه إذا كان القياس من طرق الشرع، فالحكم المستند إليه يكون حكما لله ولرسوله. وما ذكروه على خبر الشحوم، مندفع من حيث إن الظاهر من إضافة التحريم إلى المأكول إنما هو تحريم الاكل. وكذلك التحريم المضاف إلى النساء إما هو تحريم الوطئ، وإلى الدابة تحريم الركوب، وإلى الدار تحريم السكنى. وكذلك في كل شئ على حسبه، وهو المتبادر إلى الفهم عند إطلاقه. فتحريم

[ 40 ]

البيع لا يكون مأخوذا من مطلق التحريم المضاف إلى أكل الشحوم، فلم يبق إلا أن يكون بطريق الالحاق به، وهو معنى القياس. وما ذكروه على الاخبار الدالة على التعليل بالعلل المذكورة من أن ذلك لا يدل على التعدية، فحق. غير أن ما ذكروه بتقدير تسليم التعدية على مذهب النظام، فقد سبق جوابه. وأما الاجماع، وهو أقوى الحجج في هذه المسألة، فهو أن الصحابة اتفقوا على استعمال القياس في الوقائع التي لا نص فيها من غير نكير من أحد منهم فمن ذلك رجوع الصحابة إلى اجتهاد أبي بكر رضي الله عنه في أخذ الزكاة من بني حنيفة وقتالهم على ذلك،

[ 41 ]

وقياس خليفة رسول الله على الرسول في ذلك بوساطة أخذ الزكاة للفقراء وأرباب المصارف. ومن ذلك قول أبي بكر لما سئل عن الكلالة أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن صوابا، فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة ما عدا الوالد والولد. ومن ذلك أن أبا بكر ورث أم الام دون أم الاب، فقال له بعض الانصار لقد ورثت امرأة من ميت، لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة، لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت فرجع إلى التشريك بينهما في السدس. ومن ذلك حكم أبي بكر بالرأي في التسوية في العطاء حتى قال له عمر كيف تجعل من ترك دياره وأمواله، وهاجر إلى رسول الله، كمن دخل في الاسلام كرها، فقال أبو بكر: إنما أسلموا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ وحيث انتهت

[ 42 ]

النوبة إلى عمر فرق بينهم. ومن ذلك قياس أبي بكر تعيين الامام بالعهد على تعيينه بعقد البيعة، حتى إنه عهد إلى عمر بالخلافة، ووافقه على ذلك الصحابة. ومن ذلك ما روي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الاشعري اعرف الاشباه والامثال، ثم قس الامور برأيك. ومن ذلك قول عمر أقضي في الجد برائي، وأقول فيه برائي وقضى فيه بآراء مختلفة. ومن ذلك قوله لما سمع حديث الجنين لولا هذا لقضينا فيه برأينا.

[ 43 ]

ومن ذلك أنه لما قيل له في مسألة المشركة هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا من أم واحدة فشرك بينهم. ومن ذلك أنه لما قيل لعمر إن سمرة قد أخذ الخمر من تجار اليهود في العشور، وخللها وباعها، قال: قاتل الله سمرة أما علم أن رسول الله، (ص)، قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها قاس الخمر على الشحم، وأن تحريمها تحريم لثمنها. ومن ذلك أنه جلد أبا بكرة حيث لم يكمل نصاب الشهادة، بالقياس على القاذف، وإن كان شاهدا لا قاذفا. ومن ذلك قول عثمان لعمر في واقعة إن تتبع رأيك، فرأيك أسد، وإن تتبع رأي من قبلك، فنعم ذلك الرأي كان ولو كان فيه دليل قاطع على أحدهما لم يجز تصويبهما. ومن ذلك أنه ورث المبتوتة بالرأي. ومن ذلك قول علي عليه السلام في حد شارب الخمر: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفترين قاس حد الشارب على القاذف. ومن ذلك أن عمر كان يشك في قود القتيل الذي اشترك في قتله سبعة، فقال له علي يا أمير المؤمنين، أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة، أكنت تقطعهم ؟ قال: نعم. قال: فكذلك وهو قياس للقتل على السرقة. ومن ذلك ما روي عن علي أنه قال في أمهات الاولاد اتفق رأيي ورأي عمر على أن لا يبعن، وقد رأيت الآن بيعهن حتى قال له عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك.

[ 44 ]

ومن ذلك قول علي في المرأة التي أجهضت بفزعها، بإرسال عمر إليها، أم المأثم فأرجو أن يكون منحطا عنك، ورأى عليك الدية، فقال له: عزمت عليك أن لا تبرح حتى تضربها على بني عدي، يعني قومه، وألحقه عثمان و عبد الرحمن بن عوف بالمؤدب وقالا: إنما أنت مؤدب، ولا شئ عليك. ومن ذلك قول ابن عباس، لما ورث زيد ثلث ما بقي في مسألة زوج وأبوين، أين وجدت في كتاب الله ثلث ما بقي ؟ فقال له زيد: أقول برأيي، وتقول برأيك. ومن ذلك قوله في مسألة الجد ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أبا الاب أبا. ومن ذلك قول ابن مسعود في المفوضة، برأيه بعد أن استمهل شهرا، وأنه كان يوصي من يلي القضاء بالرأي ويقول لا ضير في القضاء بالكتاب والسنة وقضايا الصالحين، فإن لم تجد شيئا من ذلك، فاجتهد رأيك. ومن ذلك اختلاف الصحابة في الجد حتى ألحقه بعضهم بالاب في إسقاط الاخوة، وألحقه بعضهم بالاخوة.

[ 45 ]

ومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لزوجته أنت علي حرام حتى قال أبو بكر وعمر: هو يمين. وقال علي وزيد: هو طلاق ثلاث. وقال ابن مسعود: هو طلقة واحدة. وقال ابن عباس هو ظهار، إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى، وذلك يدل على أن الصحابة مثلوا الوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وأنه ما من واحد من أهل النظر والاجتهاد منهم، إلا وقد قال بالرأي والقياس. ومن لم يوجد منه الحكم بذلك، فلم يوجد منه في ذلك إنكار، فكان إجماعا سكوتيا، وهو حجة مغلبة على الظن، لما سبق تقريره في مسائل الاجماع. وإنما قلنا إنهم قالوا بالرأي والقياس في جميع هذه الصور، وذلك لا بد لهم فيها من مستند، وإلا كانت أحكامهم بمحض التشهي والتحكم في دين الله من غير دليل، وهو ممتنع، وذلك المستند يمتنع أن يكون نصا، وإلا لاظهر كل واحد ما اعتمد عليه من النص، إقامة لعذره وردا لغيره عن الخطإ بمخالفته على ما اقتضته العادة الجارية بين النظار، ولان العادة تحيل على الجمع الكثير كتمان نص دعت الحاجة إلى إظهاره في محل الخلاف. وهذا بخلاف ما إذا أجمعوا على حكم في واقعة بناء على نص، فإنه لا يمتنع اتفاقهم على عدم نقله، بناء على الاكتفاء في ذلك الحكم بإجماعهم، ولو أظهروا تلك النصوص، واحتجوا بها، لكانت العادة تحيل عدم نقلها، فحيث لم تنقل، دل على عدمها، وإذا لم يكن نصا، تعين أن يكون قياسا واستنباطا. فإن قيل: لا نسلم أن أحدا من الصحابة عمل بالقياس، وما نقل عنهم من الاجتهاد في الوقائع المذكورة والعمل بالرأي، فلعلهم إنما استندوا فيه إلى الاجتهاد في دلالات النصوص الخفية من الكتاب والسنة، كحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، وترجيح أحد النصين على الآخر، والنظر في تقرير النفي الاصلي، ودلالة الاقتضاء، والاشارة، والتنبيه، والايماء، وأدلة الخطاب، وتحقيق المناط، وغير ذلك من الاجتهادات المتعلقة بالادلة النصية.

[ 46 ]

قولكم: لو كان ثم نص لظهر - قلنا: ولو كانوا قائسين لتلك الصور على غيرها، لاظهروا العلل الجامعة فيها، وصرحوا بها كما في النصوص، ولو أظهروها واحتجوا بها، لنقلت أيضا، فعدم نقلها يدل على عدمها. وإذا لم يكن قياس واستنباط، تعين أن يكون المستند إنما هو النص، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. وما نقل عن الصحابة من التصريح بالعمل بالرأي في الوقائع المذكورة، لا يلزم أن يكون قياسا، فإن اجتهاد الرأي أعم من اجتهاد الرأي بالقياس، على ما تقرر، ولا يلزم من وجود الاعم وجود الاخص. سلمنا أنهم عملوا بالقياس، غير أنا لا نسلم عمل الكل به، فإنه لم ينقل ذلك إلا عن جماعة يسيرة لا تقوم الحجة بقولهم. قولكم إنه لم يوجد من غيرهم نكير عليهم - لا نسلم ذلك. وبيان وجود الانكار ما روي عن أبي بكر أنه لما سئل عن الكلالة قال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي وأيضا ما روي عن عمر أنه قال إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء الدين، أعيتهم الاحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا وقال إياكم والمكايلة فسئل عن ذلك، فقال المقايسة وروي عن شريح أنه قال كتب إلي عمر اقض بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، فاقض بما في سنة رسول الله، فإن جاءك ما ليس في سنة رسول الله فاقض بما أجمع عليه أهل العلم، فإن لم تجد، فلا عليك أن لا تقضي وأيضا ما روي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال لعمر في مسألة الجنين إن اجتهدوا فقد أخطؤوا، وإن لم يجتهدوا، فقد غشوك

[ 47 ]

وروي عن عثمان وعلي أنهما قالا لو كان الدين بالقياس، لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره وروي عن ابن عباس أنه قال إن الله تعالى قال لنبيه (ص) * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * (المائدة: 49) ولم يقل بما رأيت ولو جعل لاحد أن يحكم برأيه، لجعل ذلك لرسول الله وقال إياكم والمقاييس، فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس وقال إن الله لم يجعل لاحد أن يحكم في دينه برأيه وروي عن ابن عمر أنه قال: السنة ما سنة رسول الله، لا تجعلوا الرأي سنة وقال أيضا إن قوما يفتون بآرائهم، لو نزل القرآن، لنزل بخلاف ما يفتون وقال أيضا اتهموا الرأي على الدين، فإنه منا تكلف وظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا وروي عن ابن مسعود أنه قال: إذا قلتم في دينكم بالقياس، أحللتم كثيرا مما حرم الله، وحرمتم كثيرا مما حلل الله، وقال أيضا: قراؤكم صلحاؤكم، يذهبون ويتخذ الناس رؤوسا جهالا، يقيسون ما لم يكن بما كان وقالت عائشة أخبروا زيد بن أرقم أنه أحبط جهاده مع رسول الله بفتواه بالرأي في مسألة العينة وقد أنكر التابعون ذلك أيضا، حتى قال الشعبي: ما أخبروك عن أصحاب محمد، فاقبله، وما أخبروك عن رأيهم فألقه في الحش وقال مسروق لا أقيس شيئا بشئ، أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها وكان ابن سيرين يذم المقاييس ويقول أول من قاس إبليس. ومع هذه الانكارات من الصحابة والتابعين فلا إجماع. سلمنا أنه لم يظهر النكير في ذلك، لكن لا يلزم منه أن يكون سكوت الباقين عن موافقة، لما ذكر في الاجماع.

[ 48 ]

سلمنا أنه عن موافقة، لكنه لا حجة في إجماع الصحابة. وكيف يقال بذلك وقد عدلوا عما أمروا به، ونهوا عنه، وتجبروا وتآمروا وجعلوا الخلاف طريقا إلى أغراضهم الفاسدة. حتى جرى بينهم ما جرى من الفتن والحروب، وتألبوا على أهل البيت، وكتموا النص على علي، رضي الله عنه، غصبوه الخلافة، ومنعوا فاطمة إرثها من أبيها، المنصوص عليه في كتاب الله، برواية انفرد بها أبو بكر، وعدلوا عن طاعة الامام المعصوم، المحيط بجميع النصوص الدالة على جميع الاحكام الشرعية، إلى غير ذلك من الامور التي لا يجوز معها الاحتجاج بأقوالهم. وهذا السؤال مما أورده الرافضة. سلمنا أن قول البعض بالقياس، وسكوت الباقين حجة، لكنها حجة ظنية، على ما سبق في الاجماع. وكون القياس حجة أمر قد تعبدنا فيه بالعلم، فلا يكون مستفادا من الدليل الظني. سلمنا صحة الاحتجاج به، ولكن ما المانع أن يكون عملهم بالقياس المنصوص على علته، ونحن نقول به، كما قاله النظام والقاشاني والنهرواني. سلمنا عملهم بكل قياس، لكن لم قلتم إنه إذا جاز العمل بالقياس للصحابة، جاز ذلك لمن بعدهم، وذلك لان الصحابة، لما كانوا عليه من شدة اليقين، والصلابة في الدين ومشاهدة الوحي والتنزيل، وكثرة التحفظ في أمور دينهم، حتى نقل عنهم قتل الاباء والابناء، وبذل الانفس والاموال، ومهاجرة الاهل والاوطان في نصرة الدين، حتى ورد في حقهم من التفضيل والتعظيم في الكتاب والسنة ما لم يرد مثله في حق غيرهم، على ما ذكر في الاجماع. وعند ذلك، فلا يلزم من جواز عملهم بالقياس، جوازه لغيرهم. سلمنا دلالة ما ذكرتموه على صحة القياس، وأنا متعبدون به، لكنه معارض بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * (الحجرات: 1) والحكم بالقياس تقدم بين يدي الله ورسوله، لانه حكم بغير قوليهما. وقوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (البقرة: 169) وقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (الاسراء: 36) والحكم بالقياس قول بما لا يعلم.

[ 49 ]

وقوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (النجم: 28) وقوله تعالى: * (إن بعض الظن إثم) * (الحجرات: 12) وقوله تعالى: * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * (المائدة: 49) والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله. وقوله تعالى: * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: 10) وقوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) والحكم بالقياس لا يكون حكما لله، ولا مردودا إليه. وقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38) وقوله تعالى: * (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (الانعام: 59) وذلك يدل على أنه لا حاجة إلى القياس. وأما من جهة السنة فما روى عمر عن النبي (ص)، قال ستفترق أمتي فرقا أعظمها فتنة، الذين يقيسون الامور بالرأي وأيضا ما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، عن النبي (ص). أنه قال: تعمل هذه الامة برهة بكتاب الله، وبرهة بسنة رسول الله، وبرهة بالرأي، فإذا فعلوا ذلك ضلوا وأضلوا وذلك يدل على أن القياس والعمل بالرأي غير صحيح. والجواب: قولهم لا نسلم أن أحدا من الصحابة عمل بالقياس قلنا: دليله ما ذكرناه. قولهم: يحتمل أن يكون عملهم بدلالات النصوص الخفية قلنا: لو كان كذلك لظهر المستند واشتهر، على ما قررناه. قولهم: ولو كان ذلك لمحض القياس، لاظهروا العلل الجامعة، وصرحوا بها كما في النصوص - قلنا: منهم من صرح، كتصريح أبي بكر في التسوية في العطاء بين المهاجرين وغيرهم، وهو قوله إنما الدنيا بلاغ وتصريح علي في قياسه حد شارب الخمر على حد القاذف، بواسطة الاشتراك في الافتراء، وتصريح عثمان و عبد الرحمن بن عوف في إلحاقهم عمر في صورة المرأة التي أجهضت الجنين بالمؤدب، بواسطة التأديب. ومنهم من اعتمد في التنبيه عليها بفتواه، وجري العادة بفهم المستمع وجه المأخذ والشبه بين محل النزاع ومحل الاجماع. ولهذا فإن العادة جارية من بعض

[ 50 ]

الملوك بقتل الجاسوس إذا ظفر به، زجرا له ولغيره عن التجسس عليه، وعادة البعض الاحسان إليه، لاستمالته له، حتى يدله على أحوال عدوه، فإذا رأينا ملكا قد قتل جاسوسا، أو أحسن إليه، ولم نعهد من عادته قبل ذلك شيئا، كان ذلك كافيا في التنبيه على رعاية العلة الموجبة للقتل، أو الاحسان، في محل الوفاق، ولا كذلك النصوص، فإن الاذهان غير مستقلة بمعرفتها، فدعت الحاجة إلى التصريح بها. وعلى هذا، فمن قال منهم في قوله: أنت علي حرام، إنه طلاق ثلاث، نبه على أن مطلق التحريم يقتضي نهاية التحريم، وذلك مشترك بينه وبين الطلاق الثلاث، فلذلك عدى الطلاق الثلاث إليه. ومن جعله طلقة واحدة، نبه على أنه اعتبر فيه أقل ما يثبت معه التحريم، فلذلك ألحقه بالطلقة الواحدة، ومن جعله ظهارا، ألحقه بالظهار، من حيث إنه يفيد التحريم بلفظ ليس هو لفظ الطلاق، ولا لفظ الايلاء. ومن شرك بين الجد وابن الابن نبه على أن العلة في ذلك استواؤهما في الادلاء إلى الميت في طرفي العلو والسفل، ولهذا شبههما بغصني شجرة، وجدولي نهر ومن ذلك تنبيه عمر في قياسه الخمور على الشحوم، على أن العلة في تحريم أثمانها تحريمها. ومن ذلك التنبيه في التشريك بين الاخوة من الاب والام والاخوة من الام، على أن العلة الاشتراك في جهة الامومة إلى غير ذلك من التنبيهات. ويدل على ما ذكرناه تصريح أكثر الصحابة فيما عملوا به بالرأي. قولهم: اجتهاد الرأي أعم من القياس - قلنا: وإن كان الامر على ما قيل، غير أنا قد بينا أنه لم يكن ذلك مستندا إلى النصوص، فتعين استناده إلى القياس والاستنباط. قولهم: لا نسلم عمل الكل بالقياس -

[ 51 ]

قلنا: وإن عمل به البعض، فقد بينا أنه لم يوجد من الباقين في ذلك نكير، فكان إجماعا. قولهم: قد وجد الانكار - لا نسلم ذلك. وما ذكروه من صور الانكار، فهي منقولة عمن نقلنا عنهم القول بالرأي والقياس، فلا بد من التوفيق بين النقلين لاستحالة الجمع بينهما والعمل بأحدهما من غير أولوية، وعند ذلك، فيجب حمل ما نقل عنهم من إنكار العمل بالرأي والقياس على ما كان من ذلك صادرا عن الجهال، ومن ليس له رتبة الاجتهاد، وما كان مخالفا للنص، وما ليس له أصل يشهد له بالاعتبار، وما كان على خلاف القواعد الشرعية، وما استعمل من ذلك فيما تعبدنا فيه بالعلم دون الظن جمعا بين النقلين. هذا من جهة الاجمال، وأما من جهة التفصيل: أما قول أبي بكر أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي فإنما أراد به قوله في تفسير القرآن، ولا شك أن ذلك مما لا مجال للرأي فيه، لكونه مستندا إلى محض السمع عن النبي (ص)، وأهل اللغة، بخلاف الفروع الشرعية. وأما قول عمر إياكم وأصحاب الرأي الخبر إلى آخره - فإنما قصد به ذم من ترك الاحاديث، وحفظ ما وجد منها، وعدل إلى الرأي، مع أن العمل مشروط بعدم النصوص. وقوله إياكم والمكايلة أي المقايسة فالمراد به المقايسة الباطلة لما ذكرناه. وأما قوله لابي موسى الاشعري فإنما يفيد أن لو لم يكن القياس مما أجمع عليه أهل العلم، وإلا فبتقدير أن يكون واجدا له، فلا.

[ 52 ]

وقول علي لعمر في مسألة الجنين، لا يدل على أن كل اجتهاد خطأ، ونحن لا ننكر الخطأ في بعض الاجتهادات، كما سبق تعريفه. وأما قول عثمان وعلي لو كان الدين بالقياس... الخبر. فيجب حمله على أنه لو كان جميع الدين بالقياس، لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره، ويكون المقصود منه أنه ليس كل ما أتت به السنن على ما يقتضيه القياس. وأما قول ابن عباس إن الله قال لنبيه، الخبر، ليس فيه ما يدل على عدم الحكم بالقياس إلا بمفهومه، وليس بحجة على ما سبق بيانه. وقوله: إياكم والمقاييس يجب حمله على المقاييس الفاسدة، كالمقاييس التي عبدت بها الشمس والقمر، وغير ذلك مما بيناه لما سلف من الجمع بين النقلين. وقوله: إن الله لم يجعل لاحد أن يحكم في دينه برأيه يجب حمله على الرأي المجرد عن اعتبار الشارع له، لما سبق. وأما قول ابن عمر السنة ما سنه رسول الله (ص) فإنما ينفع، أن لو كان القياس ليس مما سنه الرسول. وقوله لا تجعلوا الرأي سنة أراد به الرأي الذي لا اعتبار له، وإلا فالرأي المعتبر من السنة، لا يكون خارجا عن السنة. وقوله: إن قوما يفتون بآرائهم... الخبر. ليس فيه ما يدل على أن كل من أفتى برأيه يكون كذلك. ونحن لا ننكر أن بعض الآراء باطل. وقوله: اتهموا الرأي على الدين غايته الدلالة على احتمال الخطإ فيه، وليس فيه ما يدل على إبطاله. وقوله: وإن الظن لا يغني من الحق شيئا المراد به استعمال الظن في مواضع اليقين، لا أن المراد به إبطال الظن بدليل صحة العمل بظواهر الكتاب والسنة. وأما قول ابن مسعود إذا قلتم في دينكم بالقياس... الخبر، يجب حمله على القياس الفاسد لما سبق. وقوله: ويتخذ الناس رؤوسا جهالا... إلى آخره، فالمراد

[ 53 ]

به أيضا القياس الباطل، ولهذا وصفهم بكونهم جهالا. وعلى ذلك يجب حمل قول عائشة في حق زيد بن أرقم، وكذلك قول الشعبي ومسروق وابن سيرين، جميعا بين النقلين، كما سبق تقريره. قولهم: لا نسلم أن السكوت يدل على الموافقة - قلنا: دليله ما سبق في مسائل الاجماع. قولهم: لا نسلم أن إجماع الصحابة حجة - قد دللنا عليه في مسائل الاجماع أيضا. وما ذكروه من القوادح في الصحابة فمن أقوال المبتدعة الزائغين كالنظام ومن تابعه من الرافضة. الضلال، وقد أبطلنا ذلك كله في كتاب أبكار الافكار في المواضع اللائقة بذلك. قولهم: إنه حجة ظنية - قلنا: والمسألة أيضا عندنا ظنية. قولهم: ما المانع أن يكون عملهم بالاقيسة المنصوص على عللها - عنه أجوبة ثلاثة: الاول: أنه لو كان ثم نص لنقل، كما ذكرناه في النصوص الدالة على الاحكام. الثاني: أنه إذا كانت العلة منصوصة، فإن لم يرد التعبد بإثبات الحكم بها في غير محل النص، فيمتنع إثباته، لما يأتي في المسألة التي بعدها، وإن ورد الشرع بذلك، فالحكم يكون في الفرع ثابتا بالاستدلال، أي بعلة منصوصة، لا بالقياس، على ما يأتي تقريره. وعلى هذا فلا يكونون عاملين بالقياس. الثالث: أن ذلك يكون حجة على من أنكر القياس مطلقا، وإن لم يكن حجة على النظام والقائلين بقوله. قولهم: لا يلزم أن يكون القياس حجة بالنسبة إلى غير الصحابة - قلنا: القائل قائلان: قائل يقول بالقياس مطلقا بالنسبة إلى الكل وقائل بنفيه مطلقا بالنسبة إلى الكل. وقد اتفق الفريقان على نفي التفصيل، كيف وإنه حجة على من قال بنفيه مطلقا.

[ 54 ]

وما ذكروه من المعارضة، أما الآية الاولى، فإنما تفيد أن لو لم يكن القياس مما عرف التعبد به من الله تعالى ورسوله، وعند ذلك فيتوقف كون العمل بالقياس تقدما بين يدي الله ورسوله على كون الحكم به غير مستفاد من الله ورسوله، وذلك متوقف على كون الحكم به تقدما بين يدي الله ورسوله، فلا يكون حجة. وأما الآية الثانية والثالثة فجوابهما من ثلاثة أوجه: الاول: أنا نقول بموجب الآيتين، وذلك لانا إذا حكمنا بمقتضى القياس عند ظننا به، فحكمنا به يكون معلوم الوجوب لنا بالاجماع، لا أنه غير معلوم. الثاني: أنه يجب حمل الآيتين على النهي عن القول بما ليس بمعلوم على ما تعبدنا فيه بالعلم، جمعا بينهما، وبين ما ذكرناه من الادلة. الثالث: أن الآيتين حجة على الخصوم في القول بإبطال القياس، إذا هو غير معلوم لهم لكون المسألة غير علمية، فكانت مشتركة الدلالة. وبمثل هذه الاجوبة يكون الجواب عن قوله تعالى: * (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (يونس: 36) وقوله: * (إن بعض الظن إثم) * (الحجرات: 12). وأما قوله تعالى: * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * (المائدة: 49) فنحن نقول بموجبه، فإن من حكم بما هو مستنبط من المنزل، فقد حكم بالمنزل، كيف وأن ذلك خطاب مع الرسول، ولا يلزم من امتناع ذلك في حق الرسول، لامكان تعرفه أحكام الوقائع بالوحي، امتناع ذلك في حق غيره. وقوله تعالى: * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: 10) وقوله: * (فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) غير مانع من القياس، لان العمل بالمستنبط من قول الله وقول الرسول حكم من الله ورد إليه وإلى الرسول. وأما من قال بإبطال القياس، فلم يعمل بقول الله وقول الرسول، ولا بما استنبط منهما، فكان ذلك حجة عليه لا له. وقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38)

[ 55 ]

وقوله: * (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (الانعام: 38) فالمراد به أن الكتاب بيان لكل شئ، إما بدلائل ألفاظه من غير واسطة، وإما بواسطة الاستنباط منه، أو دلالته على السنة والاجماع الدالين على اعتبار القياس، فالعمل بالقياس يكون عملا بما بينه الكتاب لا أنه خارج عنه، كيف وإنه مخصوص بالاجماع، فإنا نعلم عدم اشتماله على تعريف العلوم الرياضية من الهندسية والحسابية، بل وكثير من الاحكام الشرعية، كمسائل الجد والاخوة، وأنت علي حرام، والمفوضة، ومسائل العول ونحوه. وعند ذلك فيجب حمله على أن ما اشتمل عليه الكتاب من الاحكام المبينة به لا تفريط فيها، حذرا من مخالفة عموم اللفظ. وأما ما ذكروه من السنة في ذم الرأي فيجب حمله على الرأي الباطل، كما ذكرناه، جمعا بين الادلة. المسألة الثالثة إذا نص الشارع على علة الحكم، هل يكفي ذلك في تعدية الحكم بها إلى غير محل الحكم المنصوص، دون ورود التعبد بالقياس بها ؟ اختلفوا فيه: فقال أبو إسحاق الاسفرايني وأكثر أصحاب الشافعي وجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب وبعض أهل الظاهر: لا يكفي ذلك. وقال أحمد بن حنبل والنظام والقاشاني والنهرواني وأبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة والكرخي: يكفي ذلك في إثبات الحكم بها أين وجدت، وإن لم يتعبد بالقياس بها. وقال أبو عبد الله البصري: إن كانت العلة المنصوص عليها علة للتحريم وترك الفعل كان التنصيص عليها كافيا في تحريم الفعل بها أين وجدت، وإن كانت علة لوجوب الفعل أو ندبه، لم يكن ذلك كافيا في إيجاب الفعل بها ولا في ندبه أين وجدت دون ورود التعبد بالقياس، لان من تصدق على فقير لفقره بدرهم، لا يجب أن يتصدق على كل فقير، ومن أكل شيئا من السكر، لانه حلو

[ 56 ]

لا يجب عليه أن يأكل كل سكر، وهذا بخلاف من ترك أكل رمانة لحموضتها، فإنه يجب عليه أن يترك كل رمانة حامضة. والمختار هو القول الاول لانه إذا قال الشارع: حرمت الخمر، لانه مسكر، ولم يرد التعبد بإثبات التحريم بالمسكر في غير الخمر، فالقضاء بالتحريم في غير الخمر كالنبيذ، إما أن يكون ذلك لان اللفظ اقتضى بعمومه تحريم كل مسكر، وأن قوله: حرمت الخمر لانه مسكر، نازل منزلة قوله: حرمت كل مسكر، كما قاله النظام ومن قال بمقالته، وإما لوجود العلة في غير الخمر لعدم إمكان قسم ثالث. فإن كان الاول، فهو ممتنع من حيث إن قوله: حرمت الخمر لاسكاره، لا دلالة له من جهة اللغة على تحريم كل مسكر، كدلالة قوله: حرمت كل مسكر، ولهذا فإنه لو قال: أعتقت عبيدي السودان، عتق كل عبد أسود له، ولو قال: أعتقت سالما لسواده، فإنه لا يعتق كل عبد له أسود، وإن كان أشد سوادا من سالم، وكذلك إذا قال لوكيله: بع سالما لسوء خلقه، لم يكن له التصرف في غيره من العبيد بالبيع، وإن كان أسوأ خلقا من سالم. وإن كان الثاني فهو ممتنع لوجهين: الاول أنه لو كان وجود ما نص على عليته كافيا في إثبات الحكم أينما وجدت العلة دون التعبد بالقياس، للزم من قوله: أعتقت سالما لسواده، عتق غانم، إذا كان مشاركا له في السواد، وهو ممتنع. الثاني أنه من الجائز أن يكون ما وقع التنصيص، عليه هو عموم الاسكار، ومن الجائز أن يكون خصوص إسكار الخمر، لما علم الله فيه من المفسدة الخاصة به، التي لا وجود لها في غير الخمر. وإذا احتمل واحتمل فالتعدية به تكون ممتنعة، إلا أن يرد التعبد بالتعدية. فإن قيل: لم قلتم إن اللفظ لا يقتضي بعمومه تحريم كل مسكر، وقوله: أعتقت عبدي سالما لسواده، دال على عتق غانم أيضا، إذا كان أسود ولهذا فإن أهل اللسان وكل عاقل يناقضه في ذلك عند عدم إعتاقه، ويقول له: فغانم أيضا أسود، فلم خصصت سالما بالعتق ؟

[ 57 ]

وكذلك القول في قوله لوكيله: بع سالما لسواده. هذا بالنظر إلى المفهوم من اللفظة لغة، وحيث لم يقع العتق بغير سالم، ولا جاز بيعه شرعا، فإنما كان لان اللفظ وإن كان له على ذلك دلالة، لكنها غير صريحة، فالشارع قيد التصرف في أملاك العبيد بصريح القول، نظرا لهم في عاقبة الامر، لجواز طرو الندم والبداء عليهم، بخلاف تصرف الشارع في الاحكام الشرعية. ولهذا، فإنه لو قال الشارع: حرمت الخمر لاسكاره، وقيسوا عليه كل مسكر، لزم منه تحريم كل مسكر. ولو قال لوكيله: بع سالما لسواده، وقس عليه كل أسود، فإنه لا ينفذ تصرفه بذلك. وإن سلمنا أنه لا عموم في اللفظ، ولكن لم قلتم إنه يمتنع إثبات الحكم لوجود العلة ؟ وما ذكرتموه من الوجه الاول، فالعذر عنه ما ذكرناه من تقييد الشارع التصرف في أملاك العبيد بصريح القول دون غيره وما ذكرتموه من الوجه الثاني، فغير صحيح لستة أوجه: الاول: أن العرف شاهد بأن الاب إذا قال لولده: لا تأكل هذا، فإنه مسموم، وكل هذا، لانه غذاء نافع، فإنه يفهم منه المنع من أكل كل طعام مسموم، وجواز أكل كل غذاء نافع، ولو أمكن أن يكون لخصوص الاضافة تأثير، أو احتمل أن تكون داخلة في التعليل، لما تبادر إلى الفهم التعميم من ذلك، والاصل تنزيل التصرفات الشرعية على وفق التصرفات العرفية. الثاني: أن الغالب من العلة المنصوص عليها أن تكون مناسبة للحكم حتى تخرج عن التعبد، ولا مناسبة في خصوص إضافة الاسكار إلى الخمر، بل المناسبة في كونه مسكرا لا غير. الثالث: أنه لو لم يكن الوصف المنصوص عليه علة بعمومه، بحيث يثبت به الحكم في موضع آخر، بل العلة خصوص إضافة ذلك الوصف إلى محله، لم يكن للتنصيص عليه فائدة، وذلك لان اختصاص الخمر بوصف الاسكار ملازم له غير مفارق، فكان يكفيه أن يقول: حرمت الخمر، لا غير. الرابع: أن أخذ خصوص إضافة الوصف المنصوص على عليته في التعليل، على خلاف الظاهر في جميع التعاليل، ولهذا فإن عقلاء العرب ما نطقوا بعلة إلا وطردوها

[ 58 ]

في غير المحل الذي أضافوها إليه، ولهذا فإنهم إذا قالوا: اضرب هذا الاسود لكونه سارقا، فإنهم يلغون خصوص إضافة السرقة إلى الاسود، حتى إن السرقة لو وجدت من أبيض كانت مقتضية لضربه. الخامس: أنه لو أمكن أخذ خصوص إضافة الصفة إلى محلها في التعليل، لما صح قياس أصلا. وذلك ممتنع. السادس: أنه إذا قال الشارع: حرمت التأفيف للوالدين، فإنه يفهم منه كل عاقل تحريم ضربهما لما كان الشارع موميا إلى العلة، وهي كف الاذى عنهما، فإذا صرح بالعلة ونص عليها، كان ذلك أولى بالتعدية، ولو كان لخصوص الاذى بالتأفيف مدخل في التعليل، لما فهم تحريم الضرب. سلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع التعدية فيما إذا قال: حرمت الخمر لكونها مسكرة، لكنه غير مطرد، فيما إذا قال: علة تحريم الخمر الاسكار، حيث إنه لا إضافة. والجواب: قولهم: لم قلتم إن اللفظ بعمومه لا يقتضي ذلك قلنا: لما ذكرناه. قولهم: إن قوله: أعتقت سالما لسواده، مقتض بلفظه عتق غيره من العبيد السودان، غير صحيح، فإن اللفظ الدال على العتق إنما هو قوله: أعتقت سالما، وذلك لا دلالة له على غيره. وإن قيل إنه يدل عليه من جهة التعليل، فهو عود إلى الوجه الثاني. قولهم إن العقلاء يناقضونه في ذلك بغانم. قلنا: ليس ذلك بناء على عموم لفظ العتق لهما، وإنما ذلك منهم طلبا لفائدة التخصيص لسالم بالعتق، مع ظنهم عموم العلة التي علل بها. وإذا بطل القول بتعميم اللفظ، فالعتق يكون منتفيا في غانم لعدم دلالة اللفظ على عتقه، لا لما ذكروه،

[ 59 ]

كيف وإنه يجب اعتقاد ذلك حتى لا يلزم منه نفي العتق مع وجود دليله في حق غانم، لانه لو دل اللفظ عليه، لكان الاصل اعتبار لفظه في مدلوله نظرا إلى تحصيل مصلحة العاقل، التي دل لفظه عليها. قولهم إنه لو قال لوكيله: بع سالما لسواده، وقس عليه كل أسود من عبيدي، لا ينفذ تصرفه في غير سالم. لا نسلم ذلك، فإنه لو قال له: مهما ظهر لك من إرادتي ورضائي بشئ بالاستدلال دون صريح المقال، فافعله، فله فعله. فإذا قال له: أعتق سالما لسواده، وقس عليه غيره، فإذا ظهر أن العلة السواد الجامع بين سالم وغانم، وأنه لا فارق بينهما، فقد ظهر له إرادته لعتق غانم، فكان له عتقه. قولهم: لم قلتم بامتناع الحكم لوجود العلة ؟ قلنا: لما ذكرناه من الوجهين، وما ذكروه على الوجه الاول، فإنما يصح أن لو كان ما ذكروه من العلة موجبا للحكم في غير محل النص، ويجب اعتقاد انتفاء الحكم لانتفاء العلة، حذرا من التعارض، فإنه على خلاف الاصل. والجواب عما ذكروه على الوجه الثاني من الاشكال الاول، أنا إنما قضينا فيما ذكروه، بالتعميم، نظرا إلى قرينة حال الآباء مع الابناء، وأنهم لا يفرقون في حقهم بين سم وسم، وغذاء نافع وما في معناه من الاغذية النافعة، وهذا بخلاف ما إذا حرم الله شيئا أو أوجبه، فإن العادة الشرعية مطردة بإباحة مثل ما حرم، وتحريم مثل ما أوجب، حتى أنه يوجب الصوم في نهار رمضان، ويحرمه في يوم العيد، ويبيح شرب الخمر في زمان، ويحرمه في زمان، ويوجب الغسل من بول الصبية والرش من بول الغلام، ويوجب الغسل من المني دون البول والمذي، مع اتحاد مخرجهما، ويوجب الحائض قضاء الصوم دون الصلاة، ويبيح النظر إلى وجه الرقيقة الحسناء، دون الحرة العجوز الشوهاء، إلى غير ذلك، مما ذكرناه فيما تقدم من التفرقة بين المتماثلات، وعلى عكسه الجمع بين المختلفات،

[ 60 ]

وذلك لما علمه الله تعالى من اختصاص أحد المثلين بمصلحة مقارنة لزمانه، لا وجود لها في مثله، إذ ليست المصالح والمفاسد من الامور التابعة لذوات الاوصاف وطباعها، حتى تكون لازمة لها، بل ذلك مختلف باختلاف الاوقات. هذا كله إن قلنا بوجوب رعاية المصالح، وإلا فلله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وعن الاشكال الثاني، أن النظر في التعليل إلى مناسبة القدر المشترك، وإلغاء ما به الافتراق من الخصوصية، إما أن يكون دالا على وجوب الاشتراك بين الاصل والفرع، أو لا يكون موجبا له: فإن كان موجبا فهو دليل التعبد بالقياس، والتنصيص على العلة دونه لا يكون كافيا في تعدية الحكم، وهو المطلوب، وإن لم يكن موجبا للتعدية، فلا أثر لايراده. وعن الاشكال الثالث: بأن فائدة التنصيص على العلة أن تعلم، حتى يكون الحكم معقول المعنى، إن كان الوصف مناسبا للحكم، فإنه يكون أسرع في الانقياد

[ 61 ]

وأدعى إلى القبول، وأن ينتفي الحكم في محل التنصيص عند انتفائها، ولمثل هذه الفائدة يكون التنصيص على الوصف، وإن لم يكن مناسبا للحكم. وعن الاشكال الرابع: ما ذكرناه في حل الاشكال الاول. وعن الاشكال الخامس: أنه لا يلزم من إمكان أخذ خصوص المحل في التعليل إبطال القياس، لجواز أن يقوم الدليل على إبطال أخذه في التعليل في آحاد الصور ومهما لم يقم الدليل على ذلك، فالقياس يكون متعذرا. وعن السادس: أنه إنما فهم تحريم ضرب الوالدين من تحريم التأفيف لهما، نظرا إلى القرينة الدالة على ذلك من إنشاء الكلام وسياقه، لقصد إكرام الوالدين، ودفع الاذى عنهما. ولا يخفى أن اقتضاء ذلك لتحريم الضرب أشد منه لتحريم التأفيف، ولذلك كان سابقا إلى الفهم من تحريم التأفيف، والتنبيه بالادنى على الاعلى. أما أن يكون ذلك مستفادا من نفس اللفظ والتنصيص على العلة بمجرده، فلا. وعن الاشكال الاخير أنه مهما قال: جعلت شرب المسكر علة للتحريم، فالحكم يكون ثابتا في كل صورة وجد فيها شرب المسكر بالعلة المنصوص عليها بجهة العموم، حتى في الخمر، وذلك من باب الاستدلال، لا من باب القياس، فإنه ليس قياس بعض المسكر هاهنا على البعض، أولى من العكس، لتساوي نسبة العلة المنصوصة إلى الكل، ولا كذلك فيما نحن فيه. وعلى هذا فلا معنى لما ذكره أبو عبد الله البصري من التفصيل بين الفعل والترك، وذلك لانه لا مانع ولا بعد في تحريم الخمر لشدة الخمر خاصة، دون غيره من المسكرات، ولعلم الله باختصاصه بالحكمة الداعية إلى التحريم، وأن يشرك بين المتماثلات في إيجاب الفعل، أو تركه، أو ندبه، لعلمه باشتراكها في الحكمة الداعية إلى الايجاب والندب. وأما من أكل سكرا، فلم يأكله لمجرد حلاوته، بل لحلاوته وصدق شهوته عند فراغ معدته، فإذا زالت الشهوة بالاكل، وامتلات المعدة، وتبدلت الحالة الاولى إلى مقابلها، امتنع لزوم الاكل لكل سكر مرة بعد مرة، حتى إنه لو لم تتبدل الحال، لعم ذلك كل سكر وحلو.

[ 62 ]

المسألة الرابعة مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر الناس جواز إثبات الحدود والكفارات بالقياس، خلافا لاصحاب أبي حنيفة. ودليل ذلك النص، والاجماع، والمعقول. أما النص فتقرير النبي (ص)، لمعاذ في قوله اجتهد رأيي مطلقا من غير تفصيل وهو دليل الجواز، وإلا لوجب التفصيل، لانه في مظنة الحاجة إليه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. وأما الاجماع فهو أن الصحابة لما اشتوروا في حد شارب الخمر، قال علي رضي الله عنه: (إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفتري). قاسه على حد المفتري، ولم ينقل عن أحد من الصحابة في ذلك نكير، فكان إجماعا. وأما المعقول، فهو أنه مغلب على الظن، فجاز إثبات الحد والكفارة به لقوله، عليه السلام: نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر وقياسا على خبر الواحد. فإن قيل: ما ذكرتموه من الدلائل ظنية، والمسألة أصولية قطعية، فلا يسوغ التمسك بالظن فيها - سلمنا دلالة ما ذكرتموه على المطلوب، ولكنه معارض بما يدل على عدمه، وذلك من ثلاثة أوجه: الاول: أن الحدود والكفارات من الامور المقدرة التي لا يمكن تعقل المعنى الموجب تقديرها، والقياس فرع تعقل علة حكم الاصل، فما لا تعقل له من الاحكام علة، فالقياس فيه متعذر، كما في أعداد الركعات وأنصبة الزكاة ونحوها. الثاني: أن الحدود عقوبات، وكذلك الكفارات فيها شائبة العقوبة، والقياس

[ 63 ]

مما يدخله احتمال الخطإ، وذلك شبهة، والعقوبات مما تدرأ بالشبهات، لقوله، عليه السلام ادرؤوا الحدود بالشبهات. الثالث: أن الشارع قد أوجب حد القطع بالسرقة، ولم يوجبه بمكاتبة الكفار، مع أنه أولى بالقطع، وأوجب الكفارة بالظهار لكونه منكرا وزورا ولم يوجبها في الردة، مع أنها أشد في المنكر وقول الزور، فحيث لم يوجب ذلك فيما هو أولى، دل على امتناع جريان القياس فيه. والجواب عن الاول: لا نسلم أن المسألة قطعية. وعن المعارضة الاولى أن الحكم المعدى من الاصل إلى الفرع إنما هو وجوب الحد والكفارة من حيث هو وجوب، وذلك معقول بما علم في مسائل الخلاف، لا أنه مجهول. وعن الثانية: لا نسلم احتمال الخطإ في القياس على قولنا إن كل مجتهد مصيب، وإن سلمنا احتمال الخطإ فيه، لكن لا نسلم أن ذلك يكون شبهة مع ظهور الظن الغالب، بدليل جواز إثبات الحدود والكفارات بخبر الواحد، مع احتمال الخطإ فيه لما كان الظن فيه غالبا. وعن الثالثة من وجهين: الاول أن غاية ما يقدر أن الشارع قد منع من إجراء القياس في بعض صور وجوب الحد والكفارة، وذلك لا يدل على المنع مطلقا، بل يجب اعتقاد اختصاص تلك الصور بمعنى لا وجود له في غيرها، تقليلا لمخالفة ما ذكرناه من الادلة.

[ 64 ]

الثاني، الفرق. وذلك: أما بين السرقة ومكاتبة الكفار فلان داعية الاراذل، وهم الاكثرون، متحققة بالنسبة إليها، فلولا شرع القطع، لكانت مفسدة السرقة، مما تقع غالبا، ولا كذلك في مكاتبة الكفار. وأما بين الظهار والردة، فهو أن الحاجة إلى شرع الكفارة في الردة دون الحاجة إلى شرعها في الظهار، وذلك لما ترتب على الردة من شرع القتل الوازع عنها بخلاف الظهار، وربما أورد الاصحاب مناقضة على أصحاب أبي حنيفة في منعهم من إيجاب الكفارة بالقياس، بإيجاب الكفارة بالاكل والشر ب في نهار رمضان، بالقياس على المجامع، وهو غير لازم على من قال منهم بذلك، وذلك لان العلة عندهم في حق المجامع لايجاب الكفارة مومى إليها في قصة الاعرابي، وهي عموم الافساد، فالحكم في الاكل والشرب يكون ثابتا بالاستدلال، أي بعلة مومى إليها، لا بالقياس، وذلك لان القياس لا بد فيه من النظر إلى حكم الاصل، إذ هو أحد أركان القياس، لضرورة اعتبار العلة الجامعة والعلة إذا كانت منصوصة أو مومى إليها، فقد ثبت اعتبارها بالنص، لا بحكم الاصل، ومهما كان الحكم في الاصل غير ملتفت إليه في اعتبار العلة، لاستقلال النص باعتبارها، فلا يكون الحكم في الفرع ثابتا بالقياس، لان العمل بالقياس لا بد فيه من النظر إلى حكم لاصل. وقد قيل إنه لا نظر إليه، بل غايته أن النص قد دل في الوقاع على الحكم وعلى العلة، فالحكم في الفرع إذا كان ثابتا بالعلة المنصوصة، لا يكون حكما بالقياس ولا بالنص، لعدم دلالة النص عليه، وإن دل على العلة ولا إجماع، لوقوع الخلاف فيه، وما كان ثابتا لا بنص ولا إجماع ولا قياس، فالذي ثبت به هو المعبر عنه بالاستدلال.

[ 65 ]

المسألة الخامسة ذهب أكثر أصحاب الشافعي إلى جواز إجراء القياس في الاسباب، ومنع من ذلك أبو زيد الدبوسي وأصحاب أبي حنيفة، وهو المختار. وصورته إثبات كون اللواط سببا للحد، بالقياس على الزنا. ودليل ذلك أن الحكمة وهي كونه إيلاج فرج في فرج محرم مشتهى طبعا التي يكون الوصف سببا بها، وهي الحكمة التي لاجلها يكون الحكم المرتب على الوصف ثابتا، وعند ذلك فقياس أحد الوصفين على الآخر في حكم السببية لا بد وأن يكون لاشتراكهما في حكمة الحكم بالسببية. وتلك الحكمة إما أن تكون منضبطة بنفسها ظاهرة جلية غير مضطربة، وإما أن تكون خفية مضطربة. فإن كان الاول، فلا يخلو إما أن يقال بأن الحكمة إذا كانت منضبطة بنفسها يصح تعليل الحكم بها أو لا يصح ؟ إذ الاختلاف في ذلك واقع: فإن قيل بالاول كانت مستقلة بإثبات الحكم (وهو الحد) المرتب على الوصف، ولا حاجة إلى الوصف المحكوم عليه بكونه سببا، للاستغناء عنه وإن كان الثاني، فقد امتنع التعليل والجمع بين الاصل والفرع بها. وأما إن كانت خفية مضطربة، فإما أن تكون مضبوطة بضابط أو لا، فإن كانت مضبوطة بضابط فذلك الضابط لها، هو السبب، وهو القدر المشترك بين الاصل والفرع، ولا حاجة إلى النظر إلى خصوص كل واحد من الوصفين المختلفين، وهما الزنى واللواط هنا المقتضي على أحدهما بالاصالة، والآخر بالفرعية. وإن لم تكن مضبوطة بضابط، فالجمع بها يكون ممتنعا إجماعا، لاحتمال التفاوت فيها بين الاصل والفرع، فإن الحكم مما يختلف باختلاف الصور والاشخاص والازمان والاحوال. فإن قيل: ما المانع أن يكون الوصف الجامع بينهما هو الحكمة ؟ وما ذكرتموه من كون الحكمة إذا كانت خفية مضطربة يمتنع الجمع بها، لاحتمال التفاوت فيها.

[ 66 ]

قلنا: احتمال التفاوت وإن كان قائما، غير أن احتمال التساوي راجح، وذلك لانه يحتمل أن تكون الحكمة التي في الفرع مساوية لما في الاصل، ويحتمل أن تكون راجحة، ويحتمل أن تكون مرجوحة وعلى التقديرين الاولين، فالمساواة حاصلة، وزيادة على التقدير الثاني منهما وإنما تكون مرجوحة على التقدير الثالث، وهو احتمال واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب وقوعا من احتمال واحد بعينه، فكان الجمع أولى، ثم كيف وقد جعلتم القتل بالمثقل سببا لوجوب القصاص، بالقياس على القتل بالمحدد، وجعلتم اللواط سببا للحد، بالقياس على الزنى، وجعلتم النية في الوضوء شرطا لصحة الصلاة، بالقياس على نية التيمم. والجواب: أما ما ذكروه من دليل ظهور التساوي في الحكمة، فلا يخلو إما أن يكون ذلك كافيا في الجمع، أو لا يكون كافيا: فإن كان كافيا، فليجمع بين الاصل والفرع في الحكم المرتب على السبب، ولا حاجة إلى الجمع بالسبب، وإن لم يكن ذلك كافيا، فهو المطلوب. وما ذكروه من الالزامات، فلا وجه لها. أما قياس القتل بالثقل على المحدد، فلم يكن ذلك في السببية، وإنما ذلك في إيجاب القصاص بجامع القتل العمد العدوان، وهو السبب لا غير. وأما قياس اللواط على الزنى، فإنما كان ذلك في وجوب الحد بجامع إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا، محرم شرعا، وذلك هو السبب، مع قطع النظر عن خصوصية الزنى واللواط. وأما قياس الضوء على التيمم فإنما هو في اعتبار النية بجامع الطهارة المقصودة للصلاة، وذلك هو السبب، لا أن القياس في الاشتراط. وعلى هذا النحو كل ما يرد من هذا القبيل.

[ 67 ]

المسألة السادسة اختلفوا في جواز إجراء القياس في جميع الاحكام الشرعية: فأثبته بعض الشذوذ، مصيرا منه إلى أن جميع الاحكام الشرعية من جنس واحد، ولهذا تدخل جميعها تحت حد واحد، وهو حد الحكم الشرعي، وتشترك فيه، وقد جاز على بعضها أن يكون ثابتا بالقياس، وما جاز على بعض المتماثلات، كان جائزا على الباقي، وهو غير صحيح. وذلك أنه وإن دخلت جميع الاحكام الشرعية تحت حد الحكم الشرعي، وكان الحكم الشرعي من حيث هو حكم شرعي جنسا لها، غير أنها متنوعة ومتمايزة بأمور موجبة لتنوعها. وعلى هذا، فلا مانع أن يكون ما جاز على بعضها وثبت له، أن يكون ذلك له باعتبار خصوصيته وتعينه، لا باعتبار ما به الاشتراك وهو عام لها. كيف وإن ذلك مما يمتنع لثلاثة أوجه. الاول: أنا قد بينا امتناع إجراء القياس في الاسباب والشروط، وبينا أن حكم الشارع على الوصف بكونه سببا وشرطا حكم شرعي. الثاني: أن ذلك مما يفضي إلى أمر ممتنع، فكان ممتنعا، وبيان لزوم ذلك أن كل قياس لا بد له من أصل يستند إليه، على ما علم، فلو كان كل حكم يثبت بالقياس، لكان حكم أصل القياس ثابتا بالقياس، وكذلك حكم أصل أصله، فإن تسلسل الامر إلى غير النهاية امتنع وجود قياس ما، لتوقفه على أصول لا نهاية لها، وإن انتهى إلى أصل لا يتوقف على القياس على أصل آخر، فهو خلاف الفرض. الثالث: أن من الاحكام ما ثبت غير معقول المعنى، كضرب الدية على العاقلة ونحوه، وما كان كذلك، فإجراء القياس فيه متعذر، وذلك لان القياس فرع تعقل علة حكم الاصل وتعديتها إلى الفرع، فما لا يعقل له علة، فإثباته بالقياس يكون ممتنعا.

[ 68 ]

خاتمة لهذا الباب القياس مأمور به لقوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) كما سبق تقريره وهو منقسم إلى واجب، ومندوب. والواجب: منه منقسم إلى ما هو واجب على بعض الاعيان، وذلك في حق كل من نزلت به نازلة من القضاة والمجتهدين، ولا يقوم غيره فيها مقامه مع ضيق الوقت، وإلى ما هو واجب على الكفاية، وذلك بأن يكون كل واحد من المجتهدين يقوم مقام غيره في تعريف حكم ما حدث من الواقعة بالقياس. وأما المندوب، وهو القياس فيما يجوز حدوثه من الوقائع، ولم يحدث بعد، فإن المكلف قد يندب إليه ليكون حكمه معدا لوقت الحاجة، وهل يوصف القياس بكونه دينا لله تعالى، فذلك مما وصفه به القاضي عبد الجبار مطلقا، ومنع منه أبو الهذيل، وفصل الجبائي بين الواجب والمندوب منه فوصف الواجب بذلك دون المندوب. والمختار أن يقال: إن عني بالدين ما كان من الاحكام المقصودة بحكم الاصالة، كوجوب الفعل وحرمته ونحوه، فالقياس واعتباره ليس بدين، فإنه غير مقصود لنفسه، بل لغيره. وإن عني بالدين ما تعبدنا به، كان مقصودا أصليا أو تابعا، فالقياس من الدين لانا متعبدون به على ما سبق. وبالجملة فالمسألة لفظية

[ 69 ]

الباب الخامس في الاعتراضات الواردة على القياس وجهات الانفصال عنها. أما الاعتراضات الواردة على قياس العلة فخمسة وعشرون اعتراضا. الاعتراض الاول - الاستفسار وهو طلب شرح دلالة اللفظ المذكور، وإنما يحسن ذلك إذا كان اللفظ مجمل مترددا بين محامل على السوية، أو غريبا لا يعرفه السامع المخاطب، فعلى السائل بيان كونه مجملا أو غريبا لان الاستفسار عن الواضح عناد أو جهل. ولهذا قال القاضي أبو بكر: ما ثبت فيه الاستبهام، صح عنه الاستفهام، ولذلك وجب أن يكون سؤال الاستفسار أولا، وما سواه متأخرا عنه، لكونه فرعا على فهم معنى اللفظ: وصيغه متعددة:

[ 70 ]

فمنها (الهمزة)، كقوله أعندك زيد ؟ وهي الاصل في الاستفسار، إذ لا ترد لغيره، بخلاف غيرها من الاسئلة، فإنها قد ترد لغير الاستفهام. فمن ذلك (هل) وهي تلي الهمزة في الرتبة، إذ هي أصل في الاستفهام، كقولك هل زيد موجود ؟ ولكنها قد ترد نادرا للتأكيد، كقوله تعالى: * (هل أتى على الانسان حين من الدهر) * (الانسان: 1) والمراد به: قد أتى. ومن ذلك (ما) فإنها قد ترد بمعنى الاستفهام، كقولك ما عندك ؟ ولكنها قد ترد للنفي، كقولك ما رأيت أحدا وللتعجب، كقولك ما أحسن زيدا إلى معان أخر، ولذلك، كانت متأخرة في الرتبة عن (هل). ومن ذلك (من) وهي قد ترد بمعنى الاستفهام، كقولك من عندك ؟ وقد ترد بمعنى الشرط والجزاء، كقوله عليه السلام من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن وقد ترد بمعنى الخبر، كقولك جاءني من أحبه وهي مختصة بمن يعقل، دون ما لا يعقل، وهي متأخرة في الرتبة عن (ما) لان (ما) قد ترد لما لا يعقل ولمن يعقل كقوله تعالى: * (والسماء وما بناها) * أي: ومن بناها. ومن ذلك (أين) وهي سؤال عن المكان. و (متى) عن الزمان. و (كيف) عن الكيفية. و (كم) عن الكمية. و (أي) عن التمييز. والهمزة تقوم مقام الكل في السؤال. وإذا ثبت أن شرط قبول الاستفسار كون اللفظ مجملا أو غريبا، فيجب على السائل بيان ذلك لصحة سؤاله. فإن قيل: لا خفاء بأن ظهور الدليل شرط في صحة الدليل، كما سبق، وإنما يتم الظهور، أن لو لم يكن اللفظ مجملا، فنفي الاجمال إذا شرط في الدليل، وبيان شرط الدليل على المستدل لا على المعترض. قلنا: ظهور الدليل، وإن كان متوقفا على نفي الاجمال، غير أن الاصل عدم الاجمال.

[ 71 ]

وسؤال الاستفسار يستدعي الاجمال المخالف للاصل، فكان بيانه على المستفهم، ولا تقبل منه دعوى الاجمال بجهة الاشتراك أو الغرابة، بناء على أنه لم يفهم منه شيئا فيما كان ظاهرا مشهورا في ألسنة أهل اللغة والشرع، لانتسابه إلى العناد، لعدم خفائه عليه في الغالب، لكن إن بين الاجمال بجهة الغرابة بطريقة أو بجهة الاشتراك بسبب تردده بين احتمالين، كفاه ذلك من غير احتياج إلى بيان التسوية بينهما، لان الاصل عدم الترجيح، ولعدم قدرته على بيان التسوية وقدرة المستدل على الترجيح، وطريق المستدل في جواب دفع الاجمال بجهة الغرابة، التفسير إن عجز عن إبطال غرابته، وفي جواب دفع الاجمال بجهة الاشتراك، منع تعدد محامل اللفظ إن أمكن، أو بيان الظهور في أحد الاحتمالين، وله فيه طريق تفصيلي بالنقل عن أهل الوضع أو الشرع أو ببيان أنه مشهور فيه، والشهرة دليل الظهور والحقيقة غالبا، وطريق إجمالي، وهو أن يقول: الاجمال على خلاف الاصل لاخلاله بالتفاهم، فيجب اعتقاد ظهوره في أحد الاحتمالين نفيا للاجمال عن الكلام، وهو وإن لزم منه التجوز في أحدهما، وهو خلاف الاصل أيضا، غير أن محذور الاشتراك أعظم من محذور التجوز، كما سبق تقريره. وإن تعذر عليه بيان ذلك فقد يقدر على دفع الاجمال أيضا بدعوى كون اللفظ متواطئا فيهما لموافقته لنفي الاجمال والتجوز، أو أن يفسر لفظه بما أراد منهما.

[ 72 ]

الاعتراض الثاني فساد الاعتبار ومعناه أن ما ذكرته من القياس لا يمكن اعتباره في بناء الحكم عليه، لا لفساد في وضع القياس وتركيبه، وذلك كما إذا كان القياس مخالفا للنص، فهو فاسد الاعتبار لعدم صحة الاحتجاج به مع النص المخالف له. وقد مثل ذلك أيضا بقياس الكافر على المسلم في صحة الظهارة، وبقياس الحي على الميت في المضمضة وقياس الصبي على البالغ في إيجاب الزكاة، من جهة الظهور الفرق بين الاصل والفرع. وعلى هذا النحو كل قياس ظهر الفارق في بين الاصل والفرع. وأقرب هذه الامثلة إنما هو المثال الاول: لانه مهما ثبت أن القياس مخالف للنص، كان باطلا لما سبق تقريره. وأما باقي الامثلة، فحاصلها يرجع إلى إبداء الفرق بين الاصل والفرع، وهو سؤال آخر غير سؤال فساد الاعتبار، وسيأتي الكلام عليه. وجوابه إما بالطعن في سند النص إن أمكن، أو بمنع الظهور أو التأويل أو القول بالموجب أو المعارضة بنص آخر، ليسلم له القياس، أو أن يبين أن القياس من قبيل ما يجب ترجيحه على النص المعارض له بوجه من وجوه الترجيحات المساعدة له

[ 73 ]

. الاعتراض الثالث فساد الوضع واعلم أن صحة وضع القياس أن يكون على هيئة صالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه وفساد الوضع لا يكون على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه. وقد مثله الفقهاء بما تلقي الحكم فيه من مقابله، كتلقي التضييق من التوسيع، والتخفيف من التغليظ، والاثبات من النفي، وبالعكس وأن يكون ما جعله علة للحكم مشعرا بنقيض الحكم المرتب عليه، وذلك كقولهم في النكاح بلفظ الهبة: لفظ ينعقد به غير النكاح، فلا ينعقد به فإنه من حيث إنه ينعقد به غير النكاح يقتضي انعقاد النكاح به، لا عدم الانعقاد، لان الاعتبار يقتضي الاعتبار، لا عدم الاعتبار. ومن هذا فكل فاسد الوضع فاسد الاعتبار وليس كل فاسد الاعتبار يكون فاسد الوضع، لان القياس قد يكون صحيح الوضع، وإن كان اعتباره فاسدا بالنظر إلى أمر خارج، كما سبق تقريره. ولهذا، وجب تقديم سؤال فساد الاعتبار على سؤال فساد الوضع، لان النظر في الاعم يجب أن يتقدم على النظر في الاخص، لكون الاخص مشتملا على ما اشتمل عليه الاعم وزيادة. وإذا عرف ما قررناه في سؤال فساد الوضع، فلقائل أن يقول: اقتضاء الوصف لنقيض الحكم المرتب عليه: اما يدعي انه يراد به اقتضاؤه له مناسب نقيض الحكم على ما هو اشعار اللفظ واما اعتبار الوصف في نقض الحكم في صوره كما قاله بعض المتأخين فان كان الاول فاما أن يدعي أنه مناسب لنقيض الحكم من الجهة التي تمسك بها المستدل، أو من جهة أخرى،

[ 74 ]

فإن كان ذلك من الجهة التي تمسك بها المستدل فيلزم منه أن يكون وصف المستدل غير مناسب لحكمه، ضرورة أن الوصف الواحد لا يناسب حكمين متقابلين من جهة واحدة، ولكن يرجع حاصله إلى القدح في المناسبة وعدم التأثير، لاأنه سؤال آخر. وإن كان ذلك من جهة أخرى، فلا يمتنع مناسبة وصف المستدل لحكمه من الجهة التي تمسك بها، ويرجع حاصله إلى سؤال الاشتراك في الدلالة وهو حقيقة العارضة لانه سؤال آخر وان اريد باقتضائه لنقيض الحكم اعتباره في نقيض الحكم فلا يخلوا اما ان يكون معتبرا في نقيض الحكم من الجهة التي تمسك بها المستدل من جهة اخرى فان كان من جهة اخرى فلا يقدح في اعتباره في حكم المستدل من جهته فانه جاز ان يعتبر الوصف الواحد في حكمين متقابلين يكون من جهتين كالصلاة في الدار المغصوبة وان كان معتبرا في نقيض الحكم من الجهة التى تمسك بها المستدل فانه وان منع اعتباره في حكم المستدل ضرورة امتناع اعتباره من جهة واحدة في حمين متقابيلن، غير ان حاصله يرجع إلى سؤال القلب كما ياتي تحقيقه وسواء كان اعتباره في نقيض الحكم متفقا عليه أو ثلبتا بالدليل لانه سؤال آخر وقد يشبه بسؤال النقض من وجه آخر من حيث انا وجدنا العلة في صورة مع انتفاء الحكم لكن مع مزيد وهو كون العلة في صورة النقض هو علة النقض وجوابه من وجهين الاول مع اقتضاء الوصف لنقض الحكم والقدح فيما ابداه المعترض الثاني ان نسلم ذلك ونبين انه يقتضي الحكم الذي قصده من جهة اخرى ثم لا يخلو: إما أن تكون جهة المناسبة لنقيض الحكم معتبرة في صوره، أو غير معتبرة، فإن لم تكن معتبرة، كان ما يبديه المستدل من جهة المناسبة كافيا في دفع السؤال، ضرورة كونها معتبرة، ومناسبة المعترض غير معتبرة. وإن كانت مناسبة المعترض معتبرة، فإن أورد المعترض ما ذكره في معرض المعارضة، فقد انتقل عن سؤاله الاول إلى سؤال المعارضة، ووجب على المستدل الترجيح لما ذكره، ضرورة التساوي في المناسبة والاعتبار، وإن لم يورد ذلك في معرض المعارضة وبقي مصرا على السؤال الاول فلا يحتاج المستدل إلى الترجيح لكونه خاصا بالمعارضة. وهذا من مستحسنات صناعة الجدل، فليتأمل.

[ 75 ]

الاعتراض الرابع منع حكم الاصل ولما كان منع حكم الاصل من قبيل النظر في تفصيل القياس، كان متأخرا عما قبله، لكون ما قبله نظرا في القياس من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل. والنظر في الجملة يتقدم على النظر في التفصيل. ومثاله ما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة مثلا: مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل حكم النجاسة، كالدهن. فقال الحنفي: لا أسلم الحكم في الاصل، فإن الدهن عندي مزيل لحكم النجاسة. وقد اختلف الفقهاء في انقطاع المستدل بتوجيه منع حكم الاصل عليه: فمنهم من قال بانقطاعه، لانه أنشأ الكلام للدلالة على حكم الفرع، لا على حكم الاصل، فإذا منع حكم الاصل، فإما أن يشرع في الدلالة عليه، أو لا يشرع: فإن لم يشرع في الدلالة عليه لم يتم دليله على مقصوده، وهو انقطاع، وإن شرع في الدلالة عليه، فقد ترك ما كان بصدد الدلالة عليه أولا، وعدل عما أنشأه من الدليل على حكم الفرع إلى الدلالة على حكم الاصل، ولا معنى للانقطاع سوى هذا. ومنهم من قال: لا يكون منقطعا، لانه إنما أنشأ الدليل على حكم الفرع إنشاء من يحاول تمشيته وتقريره، وبالدلالة على حكم الاصل يحصل هذا المقصود، لا أنه تارك لما شرع فيه أولا، ولا منع من ذلك، فإن الحكم في الفرع، كما يتوقف على وجود علة الاصل في الاصل، وكونها علة فيه، وعلى وجودها في الفرع، يتوقف علي ثبوت حكم الاصل، وكل ذلك من أركان القياس، ولم يمنع أحد من محاولة تقرير القياس عند منع وجود علة الاصل ومنع كونها علة فيه، ومنع وجودها في الفرع من الدلالة على محل المنع، فكذلك حكم الاصل، ضرورة التساوي بين الكل في افتقار صحة القياس إليه. ومنهم من فصل بين أن يكون المنع خفيا، وبين أن يكون ظاهرا، فحكم بانقطاعه عند ظهور المنع، وبعدم انقطاعه عند خفائه، لظهور عذره.

[ 76 ]

وهذا هو اختيار الاستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني. ومنهم من قال: يجب اتباع عرف المكان الذي هو فيه ومصطلح أهله في ذلك. وهذا هو اختيار الغزالي. والمختار أنه لا يعد منقطعا إذا دل على موقع المنع، لما قررناه فيما تقدم. وقد بينا شرط الدلالة على حكم الاصل، في أركان القياس. وقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: لا يفتقر إلى الدلالة على محل المنع، بل له أن يقول: إنما قست على أصلي ولا وجه لذلك، فإنه إن قصد إثبات الحكم على أصل نفسه، فالخصم غير منازع له في ثبوت حكم الفرع على أصله، ولا وجه للمناظرة بينهما في ذلك. وإن قصد إثبات الحكم في الفرع بالنسبة إلى الخصم بحيث يوجب الانقياد إليه، فذلك متعذر مع منع حكم الاصل، وعدم ثبوته بالدلالة. وإنما يتصور الاستغناء عن الدلالة على حكم الاصل، إذا كان اللفظ الدال على حكم الاصل عاما، وهو منقسم إلى ممنوع وغير ممنوع، كالدهن، فإنه وإن منع الحكم في الطاهر منه، فهو غير ممنوع في الدهن النجس، وعند ذلك فله أن يقول: إنما قست على الدهن النجس دون الطاهر، وإن كان قياسي عليهما، فغايته القياس على أصلين وقد بطل التمسك بأحدهما، فيبقى التمسك بالآخر. وإذا ذكر الدليل على موقع المنع، فمنهم من حكم بانقطاع المعترض لتبين فساد المنع وتعذر الاعتراض منه على دليل المستدل لافضائه إلى التطويل فيما هو خارج عن المقصود الاصلي في أول النظر. ومنهم من قال: لا يعد منقطعا، ولا يمنع من الاعتراض على دليل المنع، ولا يكتفي من المستدل بما يدعيه دليلا، وإلا لما كان لقبول المنع معنى، بل الانقطاع إنما يتحقق في حق كل واحد بعجزه عما يحاوله نفيا وإثباتا، وهذا هو المختار.

[ 77 ]

الاعتراض الخامس التقسيم وهو في عرف الفقهاء: عبارة عن ترديد اللفظ بين احتمالين، أحدهما ممنوع، والآخر مسلم، غير أن المطالبة متوجهة ببناء الغرض عليه، إما أنه لا بد من ترديده بين احتمالين، لانه لو لم يكن محتملا لامرين، لم يكن للترديد والتقسيم معنى، بل كان يجب حمل اللفظ على ما هو دليل عليه، وإما أنه لا بد وأن يكون احتمال اللفظ لهما على السوية، لانه لو كان ظاهرا في أحدهما، لم يكن للتقسيم أيضا وجه، بل كان يجب تنزيل اللفظ على ما هو ظاهر فيه، كان ممنوعا أو مسلما. وذلك كما لو قال المستدل في البيع بشرط الخيار، وجد سبب ثبوت الملك للمشتري، فوجب أن يثبت، وبين وجود السبب بالبيع الصادر من الاهل من المحل، فقال المعترض: السبب هو مطلق بيع أو البيع المطلق، أي الذي لا شرط فيه: الاول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لم قلت بوجوده. ولقائل أن يقول: التقسيم وإن كان من شرطه تردد اللفظ بين احتمالين على السوية، فليس من شرطه أن يكون أحد الاحتمالين ممنوعا، والآخر مسلما، بل كما يجوز أن يكون كذلك، يجوز أن يشترك الاحتمالان في التسليم، ولكن بشرط أن يختلفا باعتبار ما يرد على كل واحد منهما من الاعتراضات القادحة فيه، وإلا فلو اتحدا فيما يرد عليهما من الاعتراضات، مع التساوي في التسليم، لم يكن للتقسيم معنى، بل كان يجب تسليم المدلول وإيراد ما يختص به. ولا خلاف أنهما لو اشتركا في المنع أن التقسيم لا يكون مفيدا.

[ 78 ]

وعلى هذا فلو أراد المعترض تصحيح تقسيمه، فيكفيه بيان إطلاق اللفظ بإزاء الاحتمالين من غير تكليف ببيان التساوي بينهما في دلالة اللفظ عليهما بجهة التفصيل، لان ذلك مما يعسر من جهة أن ما من وجه يبين التساوي فيه إلا وللمستدل أن يقول: ولم قلت بعدم التفاوت من وجه آخر ؟ بلى لو قيل إنه يكلف التساوي بينهما من جهة الاجمال، وهو أن يقول: التفاوت يستدعي ترجح أحدهما على الآخر وزيادته عليه، والاصل عدم تلك الزيادة، لم يكن ذلك شاقا، وكان وافيا بالدلالة على شرط التقسيم. ولو ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ المستدل عليهما، وأورد الاعتراض عليهما، كما لو قال المستدل في مسألة الالتجاء إلى الحرم: وجد سبب استيفاء القصاص، فيجب استيفاؤه. وبين وجود السبب بالقتل العمل العدوان، فقال المعترض: متى يمكن القول بالاستيفاء إذا وجد المانع، أو إذا لم يوجد ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. ولكن، لم قلت إنه لم يوجد، وبيان وجوده أن الحرم مانع، وبينه بطريقة لم يخل إما أن يورد ذلك بناء على أن لفظ المستدل متردد بين الاحتمالين المذكورين، أو على دعواه الملازمة بين الحكم ودليله: فإن كان الاول فهو باطل لعدم تردد لفظ السبب بين ما ذكر من الاحتمالين، وإن كان الثاني، فإن اقتصر على المطالبة ببيان انتفاء المانع، فهو غير مقبول، لما تقرر في الاصطلاح من حط مؤنة ذلك عن المناظر في الموانع والمعارضات المختلف فيها، وإن أضاف إلى ذلك الدلالة على وجود المعارض، فحاصل السؤال يرجع إلى المعارضة، ولا حاجة إلى التقسيم وإذا اتجه سؤال التقسيم على التفسير الاول. فجوابه من جهة الجدل من ستة أوجه: الاول: أن يعين المستدل بعض محامل لفظه، ويبين أن اللفظ موضوع بإزائه حقيقة في لغة العرب، إما بالنفل عن أهل الوضع، أو الشارع الصادق،

[ 79 ]

أو ببيان كونه مشهورا به في الاستعمال، فيكون حقيقة، لانه الغالب، وبما يساعد من الادلة، ومع بيان ذلك، فالتقسيم يكون مردودا، لتبين فوات شرطه من التساوي في الدلالة. الثاني: أن يقول إنه، وإن لم يكن ظاهرا بحكم الوضع فيما عينته من الاحتمال، غير أنه ظاهر بعرف الاستعمال، كما في لفظ الغائط ونحوه. الثالث: أنه، وإن لم يكن ظاهرا بالامرين، إلا أنه ظاهر في عرف الشرع، كلفظ الصلاة والصوم ونحوه. الرابع: أنه، وإن تعذر كونه ظاهرا بأحد الانحاء المذكورة، لكنه ظاهر بحكم ما اقترن به من القرائن المساعدة له في كل مسألة. الخامس: أنه، وإن تعذر بيان الظهورية بأحد الطرق المفصلة، فله دفع التقسيم بوجه إجمالي، وهو أن يقول: الاجمال على خلاف الاصل، فيجب اعتقاد ظهور اللفظ في بعض احتمالاته، ضرورة نفي الاجمال عن اللفظ. ومع ذلك فالتقسيم لا يكون واردا. وقد يقدر على بيان كون اللفظ ظاهرا فيما عينه بهذا الطريق الاجمالي، وهو أن يقول: إذا ثبت أنه لا بد وأن يكون اللفظ ظاهرا في بعض محامله، نفيا للاجمال عن الكلام، فيجب اعتقاد ظهوره فيما عينه المستدل، ضرورة الاتفاق على عدم ظهوره فيما عداه، أما عند المعترض، فلضرورة دعواه الاجمال في اللفظ. وأما عند المستدل، فلضرورة دعواه أنه ظاهر فيما ادعاه دون غيره. السادس: أن يبين أن اللفظ له احتمال آخر غير ما تعرض له المعترض بالمنع والتسليم، وأنه مراده، إلا أن يحترز المعترض عن ذلك بأن يعين مجملا، ويقول: إن أردت هذا، فمسلم. ولكن لم قلت ببناء الغرض عليه. وإن أردت ما عداه، فممنوع. فما مثل هذا الجواب لا يكون متجها، وإن أراد المستدل الجواب الفقهي، فإن كان قادرا على تنزيل كلامه على أحد القسمين، فالاولى في الاصطلاح تنزيله على أحدهما، حذرا من التطويل، وليكن منزلا على أسهلهما في التمشية والقرب إلى المقصود إن أمكن، وإن كان الجمع جائزا شرعا. وإن لم يقدر على شئ من ذلك، كان منقطعا.

[ 80 ]

وأما موقع سؤال التقسيم، فيجب أن يكون بعد منع حكم الاصل، لكونه متعلقا بالوصف المتفرع عن حكم الاصل، وأن يكون مقدما على منع وجود الوصف لدلالة منع الوجود على تعيين الوصف والتقسيم على الترديد وإن يكون مقدما على سؤال المطالبة بتأثير الوصف المدعي علة لكونه مشعرا بترديد لفظ المستدل بين أمرين والمطالبة بتأثير الوصف مشعرة بتسليم كونه مدلولا للفظ لا غير، ضرورة تخصيصه بالكلام عليه، وإلا كان التخصيص به غير مفيد، وإيراد ما يشعر بالترديد بعد ما يشعر بتسليم اتحاد المدلول يكون متناقضا. وقد علل ذلك بعض أرباب الاصطلاح بأن المطالبة بتأثير الوصف تستدعي تسليم وجود الوصف. والتقسيم مشتمل على منع الوجود، ومنع الوجود بعد تسليم الوجود لا يكون مقبولا، لما فيه من التناقض، وهو غير صحيح لوجهين: الاول أن ما ذكره إنما هو مبني على أن أحد القسمين لا بد وأن يكون ممنوع الوجود، وليس كذلك لما سبق في مبدأ السؤال وبتقدير أن يكون أحد القسمين ممنوع الوجود فإنما يلزم التناقض والمنع بعد التسليم، أن لو كان ما أورد عليه سؤال المطالبة أو لا هو نفس القسم الذي منع وجوده في التقسيم، وبتقدير أن يكون غيره، فلا. وبالجملة فيمتنع أيضا قبول سؤال التقسيم بعد سؤال الاستفسار لان المسؤول إن كان قد دفع سؤال الاستفسار جدلا بنفي الاجمال فالتقسيم بعده لا يرد، ضرورة توقفه على الاجمال، وقد انتفى. وإن أجاب عنه بتعيين ما قصده بكلامه، فبعد التعيين لا حاجة إلى التقسيم، بل يجب ورود الاعتراض على عينه دون غيره.

[ 81 ]

الاعتراض السادس منع وجود العلة في الاصل ولكون النظر في علة الاصل متفرعا عن حكم الاصل، وجب تأخيره عن النظر في حكم الاصل، وعن التقسيم، لما ذكرناه في السؤال الذي قبله. ومثاله ما لو قال الشافعي في مسألة جلد الكلب مثلا: حيوان يغسل الاناء من ولوغه سبعا، فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير، فيقول الخصم: لا أسلم وجوب غسل الاناء من ولوغ الخنزير سبعا. وجوابه بذكر ما يدل على وجوده من العقل أو الحس أو الشرع، على حسب حال الوصف في كل مسألة، أو أن يفسر لفظه بما لا يمكن الخصم منعه، وإن كان احتمال اللفظ له بعيدا. وذلك كما لو قال في المثال المذكور أعني به ما إذا لم يغلب على ظنه الطهارة وإن فسر لفظه بما له وجود في الاصل، غير أن لفظه لا يحتمله لغة فالمختار أنه لا يقبل، وإن ذهب إلى قبوله بعض المتأخرين، وذلك، لان وضع اللفظ إنما كان لقصد تحصيل المعنى منه وأن يعرف كل أحد ما في ضميره لغيره بواسطة اللفظ المستعمل، وذلك مشروط بضبط الوضع ضبطا يمتنع معه دخول الزيادة والنقصان. وإذا قبل من كل أحد تفسير لفظه بما لا يحتمله لغة، حالة عجزه عن تقرير كلامه، أفضى ذلك إلى اضطراب اللغة وإبطال فائدة وضعها، كيف وإن إطلاقه لذلك اللفظ دليل ظاهر على إرادة مدلوله، وعدوله عند المنع مشعر بالانقطاع في تقريره.

[ 82 ]

الاعتراض السابع منع كون الوصف المدعى علة ولما كانت العلية صفة للوصف المذكور ومتوقفة على وجوده، وجب أن يكون النظر فيها نفيا وإثباتا، متأخرا عن النظر في وجود الوصف. وهذا هو أعظم الاسئلة الواردة على القياس، لعموم وروده على كل ما يدعى كونه علة، واتساع طرق إثباته، وتشعب مسالكه، كما تقدم تقريره. وقد اختلف العلماء في قبوله نفيا وإثباتا والمختار لزوم قبوله. وذلك، لان إثبات الحكم في الفرع مما لا يمكن إسناده إلى مجرد إثبات حكم الاصل دون جامع بينهما. والجامع يجب أن يكون في الاصل بمعنى الباعث، لا بمعنى الامارة، على ما سبق تقريره. والوصف الطردي لا يصلح أن يكون باعثا، فيمتنع التمسك به في القياس، فلو لم يقبل منع تأثير الوصف والمطالبة بتأثيره، أفضى ذلك إلى التمسك بالاوصاف الطردية، ثقة من المتكلم بامتناع مطالبته بالتأثير. ولا يخفى وجه فساده. وأيضا، فإن الاصل عدم الدليل الدال على جواز التمسك بالقياس، غير أنا استثنينا منه ما كانت علة القياس فيه مخيلة، أو شبهية لاجماع الصحابة عليه، ولم ينقل عنهم أنهم تمسكوا بقياس علته طردية، فبقينا فيه على حكم الاصل. فلذلك وجب قبول سؤال منع التأثير وبيان كون الوصف مؤثرا. وعند هذا، فلا بد من ذكر شبه الرادين له وتحقيق جوابها. وقد احتجوا بشبه. الاولى: أنه لو قبل سؤال منع التأثير، فما من دليل يذكره المستدل على كون الوصف علة إلا وهذا السؤال وارد عليه، إلى ما لا يتناهى، فيجب رده حفظا للكلام عن الخبط والنشر.

[ 83 ]

الثانية: أنه لا معنى للقياس سوى رد الفرع إلى الاصل بجامع، وقد أتى به المستدل، وخرج عن وظيفته، فعلى المعترض القدح فيه. الثالثة: أن الاصل أن كل ما ثبت الحكم عقيبه في الاصل أن يكون علة، فمن ادعى أن الوصف الجامع ليس بعلة، احتاج إلى بيانه. الرابعة: أنا بحثنا فلم نجد سوى هذه العلة، فعلى المعترض القدح فيها، أو إبداء غيرها. الخامسة: أنهم قالوا: عجز المعترض عن الاعتراض على الوصف المذكور دليل صحته كالمعجزة، فالمنع من الصحة مع وجود دليل الصحة لا يكون مقبولا. السادسة: قولهم حاصل هذا السؤال يرجع إلى المنازعة في علة الاصل، ويجب أن يكون متنازعا فيها، ليتصور الخلاف في الفرع. السابعة: أن حاصل القياس يرجع إلى تشبيه الفرع بالاصل، والشبه حجة. وقد تحقق ذلك بما ذكر من الوصف الجامع، فلا حاجة إلى إبداء غيره. الثامنة: قولهم: هذا الوصف مطرد لم يتخلف حكمه عنه في صورة، فكان صحيحا. والجواب عن الاولى: أن التسلسل منقطع بذكر ما يفيد أدنى ظن بالتعليل من الطرق التي بيناها قبل، فإن المطالبة بعلية ما غلب على الظن كونه علة بعد ذلك يكون عنادا، وهو مردود إجماعا. وعن الثانية: بمنع تحقق القياس بجامع لا يغلب على الظن كونه علة. وعن الثالثة: بمنع أن الاصل علية كل ما ثبت الحكم معه من الاوصاف. وعن الرابعة: أن البحث مع عدم الاطلاع على غير الوصف المذكور طريق من طرق إثبات العلة، كما سبق، فكان ذلك جوابا عن سؤال المطالبة وقبولا له، لا أنه رد له.

[ 84 ]

وعن الخامسة: أنه لو كان عجز المعترض عن الاعتراض دليل صحة العلة، لكان عجز المستدل عن تصحيح العلة دليل فسادها، ولا أولوية، ولكان عجز المعترض عن الاعتراض على إبطال ما ادعى من الحكم في الفتوى دليلا على ثبوت الحكم، ولم يقل به قائل. وعن السادسة: أن علة الاصل، وإن كانت متنازعا فيها، فلا بد من دليل ظني يدل على كونها علة كما في الحكم المختلف فيه. وعن السابعة: أن إثبات الحكم في الفرع متوقف على ظن إثباته، ولا نسلم أن مطلق المشابهة بين الاصل والفرع في مطلق وصف، مفيد للظن. وعن الثامنة: أن حاصلها يرجع إلى الاكتفاء بالوصف الطردي، لكونه غير منتقض، وهو باطل بما سبق في طرق إثبات العلة. وإذا علم أنه لا بد من قبول سؤال المطالبة بالتأثير، وأنه لا بد من الدلالة على كون الوصف علة، وطريق إثبات ذلك ما يساعد من الادلة التي قررناها قبل.

[ 85 ]

الاعتراض الثامن سؤال عدم التأثير وهو إبداء وصف في الدليل مستغنى عنه في إثبات الحكم أو نفيه. وقد قسمه الجدليون أربعة أقسام: الاول: عدم التأثير في الوصف، وذلك بأن يكون الوصف المأخوذ في الدليل طرديا، لا مناسبة فيه ولا شبه، وذلك كما يقال في صلاة الصبح صلاة لا يجوز قصرها، فلا تقدم في الاداء على وقتها كالمغرب، فإن عدم القصر وصف طردي بالنسبة إلى الحكم المذكور. الثاني: عدم التأثير في الاصل، وهو أن يكون الوصف قد استغني عنه في إثبات الحكم في الاصل المقيس عليه بغيره، وذلك كما إذا قال المستدل في بيع الغائب، مبيع غير مرئي، فلا يصح بيعه، كالطير في الهواء، والسمك في الماء، فإن ما وجد في الاصل من العجز عن التسليم مستقل بالحكم. وهذا النوع مما اختلف فيه، فرده الاستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني ومن تابعه، مصيرا منهم إلى أنه إشارة إلى علة أخرى في الاصل، ولا يمتنع تعليل الحكم الواحد في محل واحد بعلتين. ومنهم من قبله، مصيرا منهم إلى امتناع تعليل الحكم بعلتين، وقد سبق تقرير كل واحد من المأخذين، وما هو المختار منهما. الثالث: عدم التأثير في الحكم، وهو أن يذكر في الدليل وصفا لا تأثير له في الحكم المعلل، وذلك، كما لو قال المستدل في مسألة المرتدين إذا أتلفوا أموالنا: طائفة مشركة، فلا يجب عليهم الضمان بتلف أموالنا في دار الحرب كأهل الحرب، فإن الاتلاف في دار الحرب لا تأثير له في نفي الضمان، ضرورة الاستواء في الحكم عندهم بين الاتلاف في دار الحرب ودار الاسلام.

[ 86 ]

وحاصل هذا القسم يرجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم المذكور إن كان طرديا، أو إلى سؤال الالغاء إن كان مؤثرا. الرابع: عدم التأثير في محل النزاع، وهو أن يكون الوصف المذكور في الدليل لا يطرد في جميع صور النزاع، وإن كان مناسبا. وذلك كما لو قال المستدل في مسألة ولاية المرأة: زوجت نفسها من غير كف، فلا يصح نكاحها. وذلك من حيث إن النزاع واقع فيما إذا زوجت نفسها من الكفء وغير الكفء. وهذا أيضا مما اختلف في قبوله، فرده قوم، مصيرا منهم إلى منع جواز الفرض في الدليل، وقبله من لم يمنع من ذلك، وهو المختار على ما عرفناه في كتاب الجدل. وإذا بطل القسم الرابع، وهو عدم التأثير في محل النزاع، ورجع حاصل القسم الثالث، وهو عدم التأثير في الحكم، إلى عدم التأثير في الوصف أو الالغاء، فلم يبق غير عدم التأثير في الوصف وعدم التأثير في الاصل. وعدم التأثير في الوصف راجع إلى بيان انتفاء مناسبة الوصف، وسؤال المطالبة يغني عنه، وجوابه جوابه فلا يجتمعان، وعدم التأثير في الاصل، فحاصله يرجع إلى المعارضة في الاصل، لا أنه غيره. وجوابه جوابه كما يأتي. ومع ذلك كله، فقد يكون أخذ الوصف الذي لا يناسب الحكم في الدليل مفيدا بأن يكون مشيرا إلى نفي المانع الموجود في صورة النقض، أو وجود الشرط الفائت فيها، لقصد دفع النقض، أو مشيرا إلى قصد الفرض في الدليل في بعض صور النزاع، كما ذكر من مثال أخذ الاتلاف في دار الحرب في مسألة المرتدين، ولا يكون عديم التأثير، إذ هو غير مستغنى عنه في إثبات الحكم، إما لقصد دفع النقض، أو لقصد الفرض.

[ 87 ]

الاعتراض التاسع القدح في مناسبة الوصف المعلل به وذلك بما يلزم من ترتيب الحكم على وفقه لتحصيل المصلحة المطلوبة منه وجود مفسدة مساوية لها، أو راجحة عليها. وقد بينا وجه الاختلاف فيه، وأن المختار إبطاله، لا أن يبين ترجيح المصلحة على المفسدة، إما بطريق إجمالي أو تفصيلي، كما بيناه فيما سبق. الاعتراض العاشر القدح في صلاحية إفضاء الحكم إلى ما علل به من المقصود وذلك كما لو عللت حرمة المصاهرة على التأبيد في حق المحارم بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب بين الرجال والنساء إلى سد باب الفجور بالحرمة المؤبدة، وعلم الرجل بامتناع وصوله إلى الانثى على الوجه المشروع حتى ينسد عليه باب الطمع في مقدمات الهم بها والنظر إليها، فإن للمعترض أن يقول: هذا الحكم غير صالح لافضائه إلى هذا المقصود من حيث إن سد باب النكاح أدعى إلى محذور الوقوع في الزنى. وجوابه أن الحرمة المؤبدة، مما تمنع من النظر إلى المرأة بشهوة عادة، والامتناع العادي على مر الزمان يلتحق بالامتناع الطبعي، وبه يتحقق انسداد باب الفجور.

[ 88 ]

الاعتراض الحادي عشر أن يكون الوصف المعلل به باطنا خفيا وذلك لو علل بالرضا أو القصد، فإنه قد يقال القصد والرضا من الاوصاف الباطنة الخفية التي لا يطلع عليها بأنفسها فلا تكون علة للحكم الشرعي الخفي، ولا معرفة له. وجوابه أن يبين ضبط الرضا بما يدل عليه من الصيغ الظاهرة وضبط القصد بما يدل عليه من الافعال الظاهرة. وكل ذلك معلوم في الخلافيات. الاعتراض الثاني عشر أن يكون الوصف المعلل به مضطربا، غير منضبط كالتعليل بالحكم والمقاصد، مثل التعليل بالحرج والمشقة والزجر والردع ونحوه. فإنه قد يقال: مثل هذه الاوصاف مما تضطرب وتختلف باختلاف الاشخاص والازمان والاحوال. وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعا للعسر والحرج عن الناس في البحث عنها، ومنعا للاضطراب في الاحكام عند اختلاف الصور بسبب الاختلاف في هذه الاوصاف بالزيادة والنقصان. وجوابه إما ببيان كون ما علل به مضبوطا بنفسه أو بضابطه، كضبط الحرج والمشقة بالسفر ونحوه.

[ 89 ]

الاعتراض الثالث عشر - النقض وهو عبارة عن تخلف الحكم مع وجود ما ادعى كونه علة له، وقد أومأنا في مسألة تخصيص العلة إلى وجه دلالة ذلك على إبطالها ووجه الانفصال عنه فيما إذا كانت العلة منصوصة، أو مجمعا عليها، أو مستنبطة، وفي صورة النقض مانع أو فوات شرط، بالاستقصاء التام المفصل، والذي يختص بما نحن فيه هاهنا وجوه أخر في الجواب الاول منع وجود العلة في صورة النقض، إن أمكن. وذلك، كما لو قال الشافعي في مسألة زكاة الحلي مال غير نام، فلا تجب فيه الزكاة كثياب البذلة. فقال المعترض: هذا ينتقض بالحلي المحظور، فإنه غير نام، ومع ذلك فإن الزكاة تجب فيه. فقال المستدل: لا أسلم أن الحلي المحظور غير نام، وإنما كان منع وجود العلة في صورة النقض، دافعا للنقض لان النقض وجود العلة ولا حكم فإذا لم توجد العلة في صورة النقض فلا نقض، لكن اختلفوا في المعترض، هل له الدلالة على وجود العلة في صورة النقض، عند منع المستدل لوجودها ؟ فمنهم من قال: له ذلك، إذ به يتحقق انتقاضها وهدم كلا المستدل، فكان له ذلك كغيره من الاعتراضات. ومنهم من منع من ذلك، لما فيه من قلب القاعدة بانقلاب المستدل معترضا، والمعترض مستدلا. والواجب إنما هو التفصيل، وهو أنه إن تعين ذلك طريقا للمعترض في هدم كلام المستدل، وجب قبوله منه، تحققا لفائدة المناظرة، وإن أمكنه القدح بطريق آخر هو أفضى إلى المقصود فلا، نعم لو كان المستدل قد دل على وجود العلة في محل التعليل بدليل هو موجود في صورة النقض، فإذا منع وجود العلة،

[ 90 ]

فإن قال المعترض فقد انتقض الدليل الذي دللت به على وجود العلة، لا يكون مسموعا لكونه انتقالا من النقض على نفس العلة إلى النقض على دليلها. وذلك، كما لو قال الحنفي في مسألة تبييت النية وتعيينها، أي بمسمى الصوم، فوجب أن يصح كما في محل الوفاق، ودل على وجود الصوم، بقوله: إن الصوم عبارة في الامساك مع النية، وهو موجود فيما نحن فيه. فقال المعترض: هذا منتقض بما إذا نوى بعد الزوال. وإن قال المعترض للمستدل: ابتداء أمرك لا يخلو من حالين، إما أن تعتقد وجود الصوم في صورة النقض، أو لا تعتقده. فإن كان الاول، فقد انتقضت علتك، وإن كان الثاني فقد انتقض ما ذكرته من الدليل على وجود العلة، كان متجها. وإن أورد ذلك، لا في معرض نقض دليل وجود العلة، بل في معرض الدلالة به على وجود العلة ي صورة النقض، فالحكم فيه على ما سبق في الدلالة على نفي الحكم في صورة النقض، فهو غير مسموع على ما يأتي: الثاني: منع تخلف الحكم وإنما كان ذلك دافعا للنقض لما ذكرناه في منع وجود العلة، وذلك، كما لو قال الشافعي في مسألة الثيب الصغيرة ثيب فلا يجوز إخبارها كالثيب البالغ، فقال المعترض: هذا منقوض بالثييب المجنونة، فإنه يجوز إجبارها. فقال المستدل: لا نسلم صحة إجبار الثيب المجنونة. والكلام في تمكين المعترض من الاستدلال على تخلف الحكم في صورة النقض، كالكلام في دلالته على وجود العلة، وقد عرف ما فيه. الثالث: أن يكون النقض على أصل المستدل خاصة، وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة الرطب بالتمر: باع مال الربا بجنسه متفاضلا، فلا يصح كما لو باع صاعا بصاعين،

[ 91 ]

فقال الحنفي: هذا منتقض على أصلك بالعرايا، فإنه يصح، وإن باع مال الربا بجنسه متفاضلا. وجوابه من ثلاثة أوجه: الاول: أن يبين في صورة النقض مناسبا يقتضي النفي، من مانع أو فوات شرط، مع قران الحكم به على أصله. الثاني: أن يقول: النقض إنما هو من قبيل المعارض لدليل العلة، فتخلف الحكم عن العلة إنما هو على مذهب أحد الفريقين، وثبوت الحكم على وفق العلة المعلل بها بالاتفاق، ولا مساواة بين المتفق عليه والمختلف فيه، فلا يقع في معارضة دليل العلة. الثالث: أن يبين أن تخلف الحكم عن العلة في معرض الاستثناء، والمستثنى لا يقاس عليه ولا يناقض به، كما في صورة العرايا المذكورة. الرابع: أن يكون إبداء النقض على أصل المعترض لا غير، وتوجيهه أن يقول المعترض: هذا الوصف مما لم يطرد على أصلي، فلا يلزمني الانقياد إليه. وجوابه أن يقول المستدل: ما ذكرته حجة عليك في الصورتين، إذ هي محل النزاع، ومذهبك في صورة النقض لا يكون حجة في درء الاحتجاج، وإلا كان حجة في محل النزاع، وهو محال. وهل يجب على المستدل الاحتراز في دليله عن النقض ؟ اختلفوا: فمنهم من قال بوجوبه، لقربه من الضبط، وبعده عن النشر والخبط، ولان ما أشار إليه المستدل من الوصف المعلل به إذا كان منتقضا، فإما أن يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لا لمعارض، أو لمعارض: فإن كان الاول، فلا يكون الوصف علة، لما سبق تقريره في مسألة تخصيص العلة. وإن كان الثاني، فقد ثبت أن للعلة معارضا متفقا عليه، فلا بد من نفيه في الدليل، لان المناظر تلو الناظر، وليس للناظر الجزم بالحكم عند ظهور سببه دون ظهور انتفاء معارضه، فكذلك المناظر، غير أنا أسقطنا عنه كلفة نفي المعارض المختلف فيه لعسر نفيه فبقينا فيما عداه على حكم الاصل. ومنهم من لم يوجبه، تمسكا منه بأن ما يقع به الاحتراز عن النقض إما أن يكون من جملة أجزاء العلة، أو خارجا عنها:

[ 92 ]

فإن كان الاول، فالعلة لا تكون علة دونه، وما مثل هذا لا خلاف في وجوب ذكره في العلة، لعدم تمام العلة دونه، ومن نازع فيه فقد نازع في أنه: هل يجب على المستدل ذكر العلة أو لا، وإن كان الثاني فلا يخلو إما أن يكون مشيرا إلى نفي المعارض أو لا يكون كذلك، فإن كان الاول. فقد تعرض لما لم يسأل عنه، لكونه مسؤولا بعد الفتوى عن الدليل المقتضي للحكم، وانتفاء المعارض ليس من الدليل، ولو قيل إنه من الدليل كان خلاف الغرض في هذا القسم. وإن كان الثاني، فالنقض غير مندفع به، لان النقض عبارة عن وجود العلة، ولا حكم، فإذا كان المذكور خارجا عن العلة، ولا فيه إشارة إلى نفي المعارض، فالعلة ما دونه، وقد وجدت في صورة النقض، ولا معارض فكان النقض متجها. وإن قيل إن الوصف المأخوذ للاحتراز من جملة العلة لتعلق فائدة دفع النقض به، وإن لم يكن مناسبا، فقد سبق إبطاله في تخصيص العلة. الاعتراض الرابع عشر الكسر وهو النقض على المعنى. وقد ذكرنا طريق إيراده ووجه الانفصال عنه، في شروط العلة. ويخصه من الاجوبة هاهنا منع وجود المعنى المشار إليه في صورة النقض، ومنع تخلف الحكم عنه، وباقي الاجوبة التي أوردناها في سؤال النقض قبله.

[ 93 ]

الاعتراض الخامس عشر المعارضة في الاصل بمعنى وراء ما علل به المستدل، وسواء كان مستقلا بالتعليل، كمعارضة من علل تحريم ربا الفضل في البر بالطعم أو بالكيل أو بالقوت، أو غير مستقل بالتعليل على وجه يكون داخلا في التعليل وجزءا من العلة، وذلك كمعارضة من علل وجوب القصاص في القتل بالمثقل بالقتل العمد العدوان بالجارح، في الاصل ونحوه. وقد اختلف الجدليون في قبوله فمنهم من رده بناء منه على أنه لا يمتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين، كما سبق تقريره، ولهذا، فإنا لو قدرنا انفراد ما ذكر المستدل مجردا عن المعارض، صح التعليل به إجماعا، وإنما صح التعليل به، لصلاحية فيه، لا لعدم المعارض، فإن العدم لا يكون علة، ولا داخلا فيها لما سبق تقريره. فإذا صح التعليل به مع عدم المعارض، صح مع وجوده، ولانه لا معنى للعلة إلا ما يثبت الحكم عقيبها، وهذا المعنى موجود في الوصفين، فكان كل واحد علة. ومنهم من قبله وأوجب جوابه على المستدل، وهو المختار. وذلك لانه إذا وجد في الاصل وصفان. فإما أن يكون كل واحد علة مستقلة، أو لا يكون كذلك لا جائز أن يكون كل واحد علة مستقلة، لما سبق تقريره في امتناع ذلك، سواء كانت العلة بمعنى الامارة أو الباعث.

[ 94 ]

وإن كان القسم الثاني، فإما أن يكون الحكم ثابتا لما ذكره المستدل لا غير، أو لما ذكره المعترض لا غير، أو لهما جميعا بحيث تكون العلة مجموع الوصفين، وكل واحد منهما جزؤها. لا جائز أن يقال بالاول، ولا بالثاني. فإنه ليس تعيين أحدهما للتعليل وإلغاء الآخر مع تساويهما في الاقتضاء أولى من الآخر، فلم يبق غير الثالث. ويلزم منه امتناع تعدية الحكم من الاصل إلى الفرع. وبتقدير تساوي الاحتمالات الثلاثة، فلا يخفى أن التعدية تمتنع بتقدير أن تكون العلة ما ذكره المعترض. وبتقدير أن تكون العلة هي الهيئة الاجتماعية من الوصفين. وإنما يصح بتقدير التعليل بما ذكره المستدل لا غير. ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه. ومع ذلك فالتعدية تكون ممتنعة، لكن بشرط أن يكون ما أبداه المعترض صالحا للتعليل، أو لدخوله فيه عند كون ما أبداه المستدل صالحا، وإلا فلا معارضة وهل يجب على المعترض نفي ما أبداه معارضا في الاصل في الفرع ؟ اختفوا فيه: فمنهم من قال: لا يجب عليه ذلك، فإنه إن كان موجودا في الفرع، فيفتقر المستدل إلى بيان وجوده فيه ليصح الالحاق. وإن لم يبين ذلك، فقد انقطع الجمع. ومنهم من قال: لا بد له من نفيه عن الفرع، لان مقصوده الفرق. وذلك لا يتم دون نفيه عن الفرع. والمختار أنه إن قصد المعترض الفرق، فلا بد له من نفيه، وإن لم يقصد الفرق بأن يقول: هذا الوصف قد ثبت أنه لا بد من إدراجه في التعليل لما دل عليه من الدليل، فإن كان غير موجود في الفرع، فقد ثبت الفرق، وإن كان موجودا في الفرع، فالحكم يكون ثابتا في الفرع بمجموع الوصفين، ونتبين أن المستدل لم يكن ذاكرا للعلة في الابتداء، بل لبعضها وأي الامرين قدر، فالاشكال لازم.

[ 95 ]

هذا كله فيما إذا كان المقيس عليه أصلا واحدا. وإن كان المقيس عليه أصولا متعددة، فمنهم من منع من ذلك لافضائه إلى النشر مع إمكان حصول المقصود بالواحد منها، ومنهم من جوز ذلك لكونه أقوى في إفادة الظن. ومن جوز ذلك، اختلفوا في جواز الاقتصار في المعارضة في الاصل على أصل واحد: فمنهم من جوزه، لان المستدل قصد إلحاق الفرع بجميع الاصول، فإذا وقع الفرق بين الفرع وبعض الاصول، فقد تم مقصود المعترض من إبطال غرض المستدل، ومنهم من قال: لا بد من المعارضة في كل أصل، لانه إذا عارض في البعض دون البعض، فقد بقي قياس المستدل صحيحا على الاصل الذي لم يعارض فيه، وبه يتم المقصود من إثبات الحكم أو نفيه والذين أوجبوا المعارضة في جميع الاصول. منهم من أوجب اتحاد المعارض في الكل، دفعا لانتشار الكلام ولان يكون مقابلا في اتحاده لاتحاد وصف المستدل، ومنهم من جوز المعارضة في كل أصل بغير ما في الاصل الآخر، لجواز أن لا يساعده في الكل علة واحدة. ثم اختلف هؤلاء: فمنهم من قال يجوز للمستدل الاقتصار في الجواب على أصل واحد، إذ به يتم مقصوده، ومنهم من لم يجوز ذلك، حيث إن المستدل التزم صحة القياس على الكل، وعلى هذا يقع الخلاف فيما لو عارض في بعض الاصول، هل يجب على المستدل الجواب أو لا ؟ والوجه في الجواب من ستة أوجه: الاول: منع وجود الوصف المعارض به في الاصل. الثاني: المطالبة بتأثير الوصف، إن كان طريق إثبات العلة من جانب المستدل، المناسبة أو الشبه، دون السبر والتقسيم.

[ 96 ]

الثالث: أن يبين كونه ملغى في جنس الاحكام كالطول والقصر ونحوه. الرابع: أن يبين أنه ملغى في جنس الحكم المعلل، وإن كان مناسبا، وذلك كالذكورة في باب العتق. الخامس: أن يبين أنه قد استقل بالحكم في صورة دون الوصف المعارض به، وعند ذلك، فيمتنع أن يكون علة مستقلة في محل التعليل، لما فيه من إلغاء المستقل واعتبار غير المستقل، ويمتنع أن يكون داخلا في التعليل لما فيه من إلغاء ما علل به المستدل في الفرع مع استقلاله لفوات ما لم يثبت استقلاله، وهو ممتنع. فإن عارض المعترض في صورة الالغاء بوصف آخر غير ما عارض به في الاصل، فلا بد من إبطاله، وإلا فالقياس متعذر، ولا يمكن أن يقال في جوابه إن كل وصف اختص بصورة، فهو ملغى بالصورة الاخرى. وهذا هو المسمى في الاصطلاح بتعدد الوضع. فإن للمعترض أن يقول: العكس غير لازم في العلل الشرعية لجواز ثبوت الحكم في كل صورة بعلة غير علة الصورة الاخرى، وإذا جاز ثبوت الحكم في صورتين بعلتين مختلفتين، فلا يلزم من إثبات الحكم في كل صورة بعلة مع عدم علة الصورة الاخرى فيها، إلغاء ما وجد في تلك الصورة. السادس: أن يبين رجحان ما ذكره على ما عارض به المعترض بوجه من وجوه الترجيحات التي يأتي ذكرها. وعند ذلك فيمتنع جعل ما عارض به المعترض علة مستقلة في محل التعليل، لما فيه من إهمال الراجح واعتبار المرجوح،

[ 97 ]

ويمتنع أن يكون داخلا في التعليل لما فيه من إلغاء ما علل به المستدل في الفرع بتخلف الحكم عنه مع رجحانه، ضرورة إنتفاء الوصف المرجوح. وها هنا ترجيح آخر، وهو أن يكون أحد الوصفين في الاصل المستنبط منه متعديا، والآخر قاصرا، وذلك لا يخلو إما أن يكون في طرف الاثبات، أو النفي: فإن كان في طرف الاثبات، فلا يخلو إما أن يكون الوصف المتعدي جزءا من العلة، أو خارجا عنها، بأن يكون المعارض في الاصل بالوصف القاصر لا غير: فإن كان خارجا عنها، فلا يخلو إما أن يكون الوصف المتعدي مساويا للقاصر في جهة اقتضائه، أو أن الترجيح لاحدهما، فإن كان مساويا للقاصر من جهة الاقتضاء، فالتعليل بالمتعدي أولى، وبيانه من جهة الاجمال والتفصيل. أما الاجمال: فهو أن التعليل بالمتعدي متفق عليه، بخلاف التعليل بالقاصر، والتعليل، بالمتفق عليه أولى. وأما التفصيل: فهو أن فائدة المتعدي أكثر من القاصر، لان فائدة القاصر إنما هي في ظهور الحكمة الباعثة في الاصل لسرعة الانقياد، وسهولة القبول، والمتعدي مشارك للقاصر في هذا المعنى وزيادة التعريف للحكم في الفرع، وهو أعظم فوائد العلة عند الاكثرين، وهو وإن لزم من التعليل به إهمال المناسب القاصر فمقابل بمثله، حيث إنه يلزم من التعليل بالقاصر إهمال المناسب المتعدي، مع كونه راجحا. والتعليل بالقاصر وإن كان على وفق النفي الاصلي في الفرع، والتعليل بالمتعدي على خلافه، إلا أنه مخالفة لما وقعت مخالفته في الاصل بما لم تظهر مخالفته، ولو عملنا بالقاصر لموافقة النفي الاصلي، لكان فيه العمل بموافقة ما وقع الاتفاق على مخالفته، ومخالفة ما لم يقع الاتفاق على مخالفته، وهو الوصف المتعدي، فكان مرجوحا. فإن قيل: إلا أن التعليل بالوصف المتعدي يلزم منه مخالفة ما لم يتفق على مخالفته من الوصف القاصر، وما اتفق على مخالفته من النفي الاصلي، فكان فيه مخالفة ظاهرين:

[ 98 ]

أحدهما متفق على مخالفته، والآخر عير متفق على مخالفته، والتعليل بالوصف القاصر يلزم منه العمل بهذين الظاهرين، ومخالفة ظاهر واحد، وهو الوصف المعتدي. قلنا: هذا مقابل بمثله، فإنه بعد أن ثبت الحكم في الاصل لمعنى، وإن كان قاصرا، فالاصل أن يثبت في الفرع بما وجد مساويا لوصف الاصل في الاقتضاء، نظرا إلى تماثل مقصود الشارع، والمحافظة على هذا الاصل أولى من المحافظة على النفي الاصلي، لكون النفي الاصلي مخالفا في الاصل بمثل ما قيل باقتضائه للحكم في الفرع. وعند ذلك فيترجح ما ذكرناه من جهة أن العمل بالوصف المتعدي عمل به وبأصل مترجح على النفي الاصلي، والعمل بالقاصر عمل به وبأصل مرجوح بالنظر إلى الاصل المعمول به من جانبنا، فكان ما ذكرناه أولى. فإن قيل ربما كان المانع للحكم قائما مطلقا، وعند ذلك فالتعليل بالقاصر أولى، لما فيه من موافقة الدليل الشرعي النافي، وموافقة النفي الاصل، بخلاف المتعدي. قلنا: المانع في الفرع بستدعي وجود المقتضي، وإلا فالحكم يكون فيه منتفيا، لانتفاء ما يقتضيه، لا لوجود منافيه، فدعوى وجود المانع في الفرع مع وجوب قصور العلة المقتضية للاثبات على الاصل، تناقض لا حاصل له، كيف وإن ما مثل هذا المانع مرجوح عند الخصم بالنسبة إلى الوصف القاصر، والمتعدي على ما وقع به الفرض في ابتداء الكلام مساو للقاصر في المقصود، فكان مرجوحا بالنسبة إلى المتعدي أيضا، فكان المتعدي أولى كما بيناه في النفي الاصلي. فإن قيل: كما أن المتعدية قد تعرف إثبات الحكم في الفرع، فالقاصرة تعرف نفيه عن الفرع، وكما أن معرفة ثبوت الحكم في الفرع مقصود للشارع، فمعرفة انتفائه أيضا عنه مقصود له. قلنا:: هذا إنما يستقيم أن لو لم يوجد في الفرع ما هو مساو للعلة القاصرة في الاصل، فيما يرجع إلى جهة الاقتضاء. والمقصود المطلوب للشارع من إثبات الحكم، لان تعريف العلة القاصرة لنفي الحكم في الفرع، إنما هو بناء على انتفاء مقصود الحكم، ولن يتصور ذلك مع وجود ما هو مساو في الطلب والاقتضاء لما هو المقصود في الاصل، فلا ينتهض الوصف القاصر في الاصل علامة على انتفاء الحكم في الفرع، مع وجود الوصف المتعدى فيه، ومساواته للقاصر في الاقتضاء على ما وقع به الفرض،

[ 99 ]

كيف وإن العلة القاصرة غير مستقلة بتعريف انتفاء الحكم في الفرع، إلا مع ضميمة انتفاء علة غيرها، وانتفاء النص والاجماع بخلاف العلة المتعدية في طرف الاثبات، فما استقل بالتعريف يكون أولى مما لا يستقل. نعم قد يتوقف العمل بالعلة المثبتة على انتفاء المعارض، لا أن انتفاء المعارض من جملة المعرف، ولا الداعي، بخلاف ما تتوقف عليه العلة القاصرة في تعريفها نفي الحكم في الفرع. والعمل بما هو معرف بنفسه من غير توقف في تعريفه على غيره أولى. وعلى هذا يكون الحكم إن كان الوصف المتعدي راجحا في جهة اقتضائه أولى، والوصف المتعدي وإن توقف استقلاله على إخراج القاصر عن التعليل، فليس إخراج القاصر موقوفا على استقلال المتعدي، ليلزم الدور، لجواز اتفاقهما في إخراجهما عن التعليل، كيف وإنه مقابل بدور آخر حيث إنه يتوقف إدخال القاصر في التعليل على عدم استقلال المتعدي، وكذلك بالعكس. وأما إن كان المتعدي مرجوحا في جهة اقتضائه بالنسبة إلى الوصف القاصر، فالوصف القاصر أولى، نظرا إلى المحافظة على زيادة المناسبة المعتبرة بثبوت الحكم على وفقها، والنظر إليها، وإن أوجب إهمال فائدة المتعدية، أولى، لما فيه من زيادة المصلحة وصلاح المكلف وما يتعلق به من زيادة التعقل وسرعة الانقياد في ابتداء ثبوت الحكم، لانه الاصل في كون الحكم معللا. وفائدة التعدية إنما تعرف بعد تعرف تعليل الحكم بما علل به، بنظر ثان متأخر عن النظر فيما علل به الحكم في الاصل، ولا شك أن ما هو أشد مناسبة للحكم يكون أسبق إلى الفهم بالتعليل للحكم الثابت في الاصل، فكان التعليل به أولى. وإن كانت جهة التساوي والارجحية غير معلومة ولا ظاهرة، فالتعليل بالمتعدي أولى، نظرا إلى أن العمل به أولى على تقدير أن يكون مساويا، وعلى تقدير أن يكون راجحا. وإنما يمتنع العمل به على تقدير أن يكون مرجوحا في نفس الامر. ولا يخفى أن العمل بما العمل به يتم على تقدير من التقديرين أولى مما لا يتم العمل به إلا على تقدير واحد بعينه.

[ 100 ]

وعلى ما فصلناه في طرف الاثبات يكون الحكم في طرف النفي هذا كله إن كان الوصف المتعدي خارجا عن العلة القاصرة وأما إن كان داخلا فيها بأن كان المعارض معللا بمجموع الوصفين: الوصف القاصر والمتعدي معا، فالقاصر أولى، وسواء كان ذلك في طرف الاثبات أو النفي، وسواء كان المتعدي راجحا على القاصر، أو مرجوحا، أو مساويا. أما في طرف الاثبات، فلان التعليل بالعلة المتعدية يلزم منه إهمال الوصف القاصر وتعطيله، ولا كذلك بالعكس. ولا يخفى أن الجمع أولى من التعطيل. فإن قيل: إلا أنه على تقدير أن يكون الوصف المتعدي راجحا، لو جعلنا الوصف القاصر داخلا في التعليل، فيلزم منه أن يتخلف الحكم في الفرع عن الوصف المتعدي الراجح، رعاية لما فات من الوصف المرجوح، وهو ممتنع. قلنا: هذا إنما يستقيم علي تقدير أن يكون رجحانه ظاهرا ولا يستقيم على تقدير أن يكون مرجوحا، أو مساويا. ولا يخفى أن احتمال وقوع العمل بما يتم على تقدير من تقديرين أولى من العمل بما لا يتم العمل به إلا على تقدير واحد بعينه. كيف وإن العمل بالقاصر، وإن كان يفضي إلى إهمال الوصف المتعدي في الفرع، إلا إنه لا يلزم منه إهماله مطلقا، إذ هو داخل في العلة، ولو عملنا بالوصف المتعدي فقط يلزم منه إهمال القاصر وتعطيله مطلقا، فالعمل بالقاصر يكون أولى، وعلى هذا يكون الحكم، إن كان ذلك في طرف النفي أيضا، بل أولى لما فيه من تقليل مخالفة المقتضي للاثبات. هذا إن ظهر الترجيح، وأما إن تحققت المعارضة من غير ترجيح بعد البحث التام، فعلى مقتضى ما أسلفناه من القول بالتخيير عند التعارض مع التنافي، فلا مانع من الجري على تلك القاعدة هاهنا. الاعتراض السادس عشر سؤال التركيب وهو الوارد على القياس المركب. وقد بينا معنى القياس المركب وأقسامه ووجه تسميته بذلك، والسؤال الوارد عليه وجوابه في شرط حكم الاصل.

[ 101 ]

الاعتراض السابع عشر سؤال التعدية وهو أن يعين المعترض في الاصل معنى ويعارض به، ثم يقول للمستدل: ما عللت به وإن تعدى إلى فرع مختلف فيه، فالذي عللت به أيضا قد تعدى إلى فرع مختلف فيه، وليس أحدهما أولى من الآخر. وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة إجبار البكر البالغ: بكر، فجاز إجبارها كالبكر الصغيرة، فعارضه الحنفي بالصغر، وقال: البكارة، وإن تعدت إلى البكر البالغة، فالصغر متعد إلى الثيب الصغيرة. وهذا أيضا مما اختلف فيه والحق أنه لا يخرج عن سؤال المعارضة في الاصل مع زيادة التسوية في التعدية. وجوابه بإبطال ما عارض به المعترض وحذفه عن درجة الاعتبار بما أسلفناه في سؤال المعارضة في الاصل. ومهما حقق شئ من تلك الطرق فقد اندفع، ولا أثر لما أشير إليه من التسوية، خلافا للداركي. الاعتراض الثامن عشر منع وجود الوصف المعلل به في الفرع وجوابه كجواب منع وجوده في الاصل، وقد عرف. الاعتراض التاسع عشر المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض حكم المستدل، إما بنص، أو إجماع ظاهر، أو بوجود مانع الحكم، أو بفوات شرط الحكم. ولا بد من بيان تحققه وطريق كونه مانعا أو شرطا على نحو طريق إثبات المستدل كون الوصف الذي علل به من التأثير أو الاستنباط. وقد اختلف في قبوله فمنع منه قوم تمسكا منهم بأن المعارضة استدلال وبناء، وحق المعترض أن يكون هادما، لا بانيا.

[ 102 ]

وقبله الاكثرون، وهو المختار، إذ يلزم منه هدم ما بناه المستدل، لمقاومة دليله لدليله، ولا حجر عليه في سلوك طرق الهدم، ولا سيما إذا تعين ذلك طريقا في الهدم، بأن لم يكن له هادم سواه، فلو لم يقبل منه، لبطل مقصود المناظرة، واختلت فائدة البحث والاجتهاد. والوجه في جوابه عند توجهه أن يقدح فيه المستدل بكل ما للمعترض أن يقدح به فيه، أن لو كان المستدل متمسكا به وإن عجز عن جميع ذلك، فقد اختلفوا في جواز دفعه بالترجيح: فمنهم من لم يجوز ذلك، اعتمادا منهم على أن ما ذكره المعترض، وإن كان مرجوحا بالنسبة إلى ما ذكره المستدل، فلا يخرج بذلك عن كونه اعتراضا. ومنهم من جوزه، وهو المختار، لانه مهما ترجح ما ذكره المستدل بوجه من وجوه الترجيحات الآتية، كان العمل به متعينا. وهل يجب على المستدل أن يذكر في دليله ما يومئ إلى الترجيح ؟ منهم من أوجبه، لتوقف العمل بالدليل عليه فكان من الدليل، فلو لم يذكره، لم يكن ذاكرا للدليل أولا، بل لبعضه، ومنهم من لم يوجبه، لما في التكليف به من الحرج والمشقة. والمختار أن يقال: إما أن يكون ما به الترجيح يرجع إلى العلة بأن يكون وصفا من أوصافها، أو لا يكون كذلك: فإن كان الاول، فلا بد من ذكره في الدليل أولا، ليكون ذاكرا للدليل. وإن كان الثاني، فلا، لانه مسؤول عن الدليل وقد أتى بمسماه حقيقة، والترجيح بأمر خارج عن الدليل إنما هو من توابع ورود المعارضة، فذكره بعد المعارضة، وإن توقف عليه إعمال الدليل بدفع المعارض، لا يوجب أن يكون داخلا في مسمى الدليل، حتى يقال إنه لم يكن ذاكرا للدليل أولا.

[ 103 ]

الاعتراض العشرون الفرق واعلم أن سؤال الفرق عند أبناء زماننا لا يخرج عن المعارضة في الاصل أو الفرع، إلا أنه عند بعض المتقدمين عبارة عن مجموع الامرين، حتى إنه لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقا. ولهذا اختلفوا فمنهم من قال: إنه غير مقبول، لما فيه من الجمع بين أسئلة مختلفة، وهي المعارضة في الاصل والمعارضة في الفرع. ومنهم من قال بقبوله، واختلفوا مع ذلك في كونه سؤالين أو سؤالا واحدا. فقال ابن سريج إنه سؤالان، جوز الجمع بينهما لكونه أدل على الفرق. وقال غيره: بل هو سؤال واحد لاتحاد مقصوده، وهو الفرق، وإن اختلفت صيغته. ومن المتقدمين من قال: ليس سؤال الفرق هو هذا، وإنما هو عبارة عن بيان معنى في الاصل له مدخل في التعليل، ولا وجود له في الفرع، فيرجع حاصله إلى بيان انتفاء علة الاصل في الفرع، وبه ينقطع الجمع. وجوابه على كل تقدير لا يخرج عما ذكرناه في جواب المعارضة في الاصل والفرع. الاعتراض الحادي والعشرون إذا اختلف الضابط بين الاصل والفرع، واتحدت الحكمة كما لو قيل في شهود القصاص: تسببوا في القتل عمدا عدوانا، فلزمهم القصاص، زجرا لهم عن التسبب، كالمكره. فللمعترض أن يقول: ضابط الحكمة في الاصل إنما هو الاكراه، وفي الفرع الشهادة، والمقصود منهما، وإن كان متحدا وهو الزجر، فلا يمكن تعدية الحكم به وحده، وما جعل ضابطا له في الاصل غير موجود في الفرع، والضابط في الفرع يحتمل أن لا يكون مساويا لضابط الاصل في الافضاء إلى المقصود، فامتنع الالحاق. وجوابه إما بأن يبين أن التعليل إنما هو بعموم ما اشترك فيه الضابط من التسبب المضبوط عرفا، أو بأن يبين أن إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود أكثر من إفضاء ضابط الاصل، فكان أولى بالثبوت.

[ 104 ]

وذلك كما لو كان أصله في مثل هذه المسألة (المغرى للحيوان) من حيث إن انبعاث الولي للتشفي والانتقام في الفرع لغلبة إقدام المكره بالاكراه على القتل، طلبا لخلاص نفسه، أغلب من إقدام الحيوان بالاغراء على الآدمي بسبب غلبة نفرته عنه. وبالجملة، فيبين الغلبة بما يساعد في آحاد المسائل. الاعتراض الثاني والعشرون إذا اتحد الضابط بين الاصل والفرع، واختلف جنس المصلحة كما لو قال الشافعي في مسألة اللواط: أولج فرجا في فرج مشتهى طبعا، محرم شرعا، فوجب به الحد كالزنى. فللمعترض أن يقول: الضابط وإن كان متحدا، غير أن الحكمة التي في الفرع، وهي صيانة النفس عن رذيلة اللياطة، مخالفة لحكمة الاصل، وهي دفع محذور اختلاط المياه واشتباه الانساب المفضي إلى تضييع المولود وانقطاع نسل جنس الانسان. وعند ذلك فلا يلزم من اعتبار الضابط في الاصل لما لزمه من الحكمة، اعتباره في الفرع لغير تلك الحكمة، لجواز أن لا تكون قائمة مقامها في نظر الشارع. وجوابه أن يقال: التعليل إنما وقع بالضابط المشترك المستلزم لدفع المحذور اللازم من عموم الجماع، والتعرض لحذف خصوص ما اختص به الاصل من الزنى ومقصوده اللازم عنه وحذفه بطريق من طرق الحذف التي سبق بيانها في السبر والتقسيم الاعتراض الثالث والعشرون أن يقال: حكم الفرع مخالف الاصل، فلا قياس، لان القياس عبارة عن تعدية حكم الاصل إلى الفرع بواسطة الجامع بينهما، ومع اختلاف الحكم، فحكم الاصل لا يكون متعديا إلى الفرع، فلا قياس. وجوابه ببيان اتحاد الحكم، إما عينا، وذلك كما في قياس وجوب الصوم على وجوب الصلاة، وقياس صحة البيع على صحة النكاح، وأن الاختلاف إنما هو عائد إلى المحل، وهو غير قادح

[ 105 ]

في صحة القياس لكونه شرطا فيه، وإما جنسا، كما في قياس وجوب قطع الايدي باليد الواحدة، على وجوب قتل الانفس بالنفس الواحدة، وأن الاختلاف إنما هو في عين الحكم، فكان، إما ملائما، إن كان الاشتراك في جنس العلة، أو مؤثرا إن كان الاشتراك في عينها، على ما سبق تحقيقه. وذلك غير مبطل للقياس عند القائلين به. وأما إن كان الحكم مختلفا جنسا ونوعا، كما في إلحاق الاثبات بالنفي، أو الوجوب بالتحريم، وبالعكس، فقد بينا وجه الاختلاف في صحته، وأن المختار إبطاله. الاعتراض الرابع والعشرون سؤال القلب وهو قسمان: الاول قلب الدعوى، والآخر قلب الدليل. أما قلب الدعوى: فضربان، وذلك لان الدعوى إما أن يكون الدليل مضمرا فيها، أو لا يكون كذلك: فإن كان الاول، فهو كما لو قال الاشعري: أعلم بالضرورة أن كل موجود مرئي. فهذه دعوى فيها إضمار الدليل، وتقديره، لانه موجود، إذ الوجود هو المصحح للرؤية عنده. فقال المعتزلي: أعلم بالضرورة أن كل ما ليس في جهة لا يكون مرئيا. فهذه الدعوى مقابلة للاولى، من جهة أن الموجود ينقسم إلى ما هو في جهة، وإلى ما ليس

[ 106 ]

فالقول بأن ما ليس في جهة لا يكون مرئيا، يقابل قول القائل: كل موجود مرئي. ودليلها مضمر فيها، وتقديره أن انتفاء الجهة مانع من الرؤية. وأما إن لم يكن الدليل مضمرا فيها، فكما لو قال القائل في مسألة إفضاء النظر إلى العلم، أو في مسألة التحسين والتقبيح مثلا: أعلم بالضرورة أن النظر لا يفضي إلى العلم، وأن الكفر قبيح لعينه، والشكر حسن لعينه. فقال المعترض أعلم بالضرورة أن النظر يفضي إلى العلم، وأن الكفر ليس قبيحا لعينه، ولا الشكر حسنا لعينه. وهذا هو عين مقابلة بالفاسد، والمقصود منه استنطاق المدعي باستحالة دعوى الضرورة من خصمه في محل الخلاف، فيقال: وهذا لازم لك أيضا. وقد أورد الجدليون في هذا الباب قلب الاستبعاد في الدعوى، وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة إلحاق الولد بأحد الابوين المدعيين، تحكيم الولد في ذلك تحكم بلا دليل، فقال الحنفي: وتحكيم القائف في ذلك أيضا تحكم بلا دليل.

[ 107 ]

قالوا والمقصود منه أيضا استنطاق المدعي بأن ما ذكره ليس بتحكم، بل له مأخذ صحيح، فيقول المعترض: وكذلك ما ذكرته. وهو في غاية البعد، فإنه إما أن يعترف المدعى بأن ما ذهب إليه تحكم، أو أن يبين مأخذه فيه، فإن كان تحكما فلا تغني معارضته بتحكمه في مذهبه في إبطال دعواه التحكم في مذهب خصمه، وإن بين له مأخذا، فلا يلزم منه أن يكون ما استبعده من مذهب خصمه كذلك. وإن تعرض المعترض لبيان المأخذ فيما استبعده المدعي، فهو الجواب، ولا حاجة إلى القلب. وأما قلب الدليل، وهو عبارة عن بيان كون ما ذكره المستدل يدل عليه، ثم لا يخلو إما أن يسلم المعترض أن ما ذكره المستدل من الدليل يدل له من وجه، أو يبين أنه لا دلالة له على مذهب المستدل ولا من وجه، فإن بين أن ما ذكره لا يدل له، وهو دليل عليه، فهذا قلما يوجد له مثال في غير النصوص وذلك كما لو استدل في توريث الخال بقوله عليه السلام الخال وارث من لا وارث له فقال المعترض: المراد به نفي توريث الخال بطريق المبالغة، كما يقال: الجوع زاد من لا زاد له، والصبر حيلة من لا حيلة له، معناه نفي كون الجوع زادا، والصبر حيلة. ويدل على إرادة هذا الاحتمال أنه لا يخلو: إما أن يكون المراد من قوله: لا وارث له نفي كل وارث، فتوريث الخال لا يتوقف عند من يراه وارثا على نفي جميع الوراث، لارثه مع الزوج والزوجة، وإما نفي من عداه من الوراث بجهة العصوبة فتخصيص الخال بالذكر لا يكون مفيدا، لان من عداه من ذوي الارحام كذلك.

[ 108 ]

وهذا النوع من القلب، وإن دل على مذهب المعترض، فهو شبيه بفساد الوضع، من حيث إنه لا يدل على مذهب المستدل. وإن سلم أن ما ذكره المستدل يدل له من وجه فهذا النوع من القلب ثلاثة أقسام، وذلك لان المعترض إما أن يتعرض في القلب لتصحيح مذهبه، أو لابطال مذهب المستدل: وإن تعرض لابطال مذهب المستدل، فإما أن يتعرض له صريحا بأن يجعله حكما للدليل بلا واسطة، أو لا بصريحه، بل بطريق الالتزام، بأن يرتب على الدليل حكما يلزم منه إبطال مذهب المستدل. فإن كان من القسم الاول، فهو كما لو قال الحنفي مثلا في مسألة الاعتكاف: لبث محض، فلا يكون قربة بنفسه، كالوقوف بعرفة، فقال المعترض: لبث محض، فلا يشترط الصوم في صحته، كالوقوف بعرفة، فكل واحد منهما قد تعرض في دليله لتصحيح مذهبه، غير أن المستدل أشار بعلته إلى اشتراط الصوم بطريق الالتزام، والمعترض أشار إلى نفي اشتراطه صريحا. وعند التحقيق، فتعليل المستدل في هذا المثال لنفي القربة ليس تعليلا بمناسب يقتضي نفي القربة، بل بانتفاء المناسب من حيث إن اللبث المحض لا يناسب ولا يشم منه رائحة المناسبة للقرابة. وتعليل المعترض بأمر طردي، فإنه لا مناسبة في اللبث المحض لنفي اشتراط الصوم. وقد يتفق أن يكون المستدل قد تعرض لتصحيح مذهبه صريحا، والمعترض كذلك، كما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة: طهارة تراد لاجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فقال المعترض: طهارة تراد لاجل الصلاة فتصبح بغير الماء كطهارة الحدث، فكل واحد منهما متعرض في الدليل لتصحيح مذهبه صريحا، والعلة في الطرفين شبهية. وإن كان من القسم الثاني، وهو أن يتعرض المعترض في القلب لابطال مذهب المستدل صريحا، فمثاله ما لو قال الحنفي في مسألة مسح الرأس: عضو من أعضاء الوضوء. فلا يكتفي فيه بأقل ما ينطلق عليه الاسم كسائر الاعضاء.

[ 109 ]

فقال الشافعي: عضو من أعضاء الوضوء، فلا يتقدر بالربع كسائر الاعضاء، فكل واحد منهما قد صرح في دليله بإبطال مذهب خصمه، وليس في ذلك ما يدل على تصحيح مذهب أحدهما، فإنه ليس يلزم من إبطال مذهب كل واحد منهما تصحيح مذهب الآخر، لجواز أن يكون الصحيح هو مذهب مالك، وهو وجوب الاستيعاب. نعم لو كان القائل في المسألة قائلان، والاتفاق منهما واقع على نفي قول ثالث، فإنه يلزم من تعرض كل واحد منهما لابطال مذهب الآخر تصحيح مذهبه، ضرورة الاجتماع على إبطال قول ثالث. وذلك كالحكم بالاولوية في مسألة التخلي للعبادة. وإن كان من القسم الثالث، فهو كما لو قال الحنفي في مسألة بيع الغائب: عقد معارضة، فيصح مع الجهل بالمعوض، كالنكاح، فقال الشافعي: عقد معاوضة فلا يشترط فيه خيار الرؤية كالنكاح. فإن المعترض في هذا المثال لم يتعرض لابطال مذهب المستدل في القول بالصحة صريحا، بل بطريق الالتزام. وذلك أن من قال بالصحة، فقد قال بخيار الرؤية. فخيار الرؤية لازم الصحة. فإذا بطل خيار الرؤية، فقد انتفى اللازم، ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم. ويلتحق بأذيال هذا القسم الثالث قلب التسوية، ومثاله قول الحنفي في مسألة إزالة النجاسة بالخل: مائع طاهر مزيل للعين والاثر، فتحصل به الطهارة كالماء، فيقول الشافعي: مائع طاهر مزيل للعين والاثر فتستوي فيه طهارة الحدث والخبث كالماء، فإنه يلزم من القول بالتسوية في الخل بين طهارة الحدث والخبث عدم حصول الطهارة بالخل في الخبث لعدم حصولها به في الحدث، والحكم بالتسوية. واعلم أن أعلى مراتب أنواع القلب ما بين فيه أنه يدل على المستدل، ولا يدل له، ثم يليه النوع الثاني، وهو ما بين فيه أنه يدل له وعليه، وأعلى مراتب هذا النوع ما صرح فيه بإثبات مذهب المعترض، وهو القسم الاول منه، ثم ما صرح فيه بإبطال مذهب المستدل فإنه دون ما قبله من حيث إنه لا يلزم منه تصحيح مذهبه على ما تقدم، وهو القسم الثاني منه، ثم القسم الثالث، فإنه وإن شارك ما قبله من القسم الثاني في إبطال مذهب المستدل، إلا أنه يدل عليه بطريق الالتزام، وما قبله بصريحه،

[ 110 ]

وهذا النوع من القلب لا تعرض فيه لدلالة المستدل بالقدح، بل غايته بيان دلالة أخرى منه تدل على نقيض مطلوبه، فكان شبيها بالمعارضة، وإن فارقها من جهة أنه معارضة نشأت من نفس دليل المستدل. وإذا أتينا على ما أردناه من تحقيق معنى القلب، وأقسامه، فقد اختلف في قبوله: فقبله قوم من حيث إنه يشير إلى ضعف الدليل، لدلالته على نقيض مذهب المستدل، ورده آخرون من حيث إن المعترض إما أن يتعرض في دليله لنقيض حكم المستدل، أو إلى غيره: فإن كان الاول، فقد تعذر عليه القياس على أصل المستدل، لاستحالة اجتماع حكمين متقابلين مجمع عليهما في صورة واحدة. وإن كان الثاني، فلا يكون ذلك اعتراضا على الدليل. والحق في ذلك أنه وإن تعرض في الدليل لحكم يقابل حكم المستدل صريحا، فقد لا يمتنع الجمع بينهما في أصل واحد، كما ذكرناه من مثال إزالة النجاسة في القسم الاول. وإن تعرض لغيره، فيصح القلب إذا كان ذلك لازما عما ذكره المعترض، كما ذكرناه المعترض كما ذكرناه من المثال في القسم الثاني من النوع الثاني من التمثيل في مسألة بيع الغائب، ومن التمثيل بقلب التسوية في إزالة النجاسة. وإنما يمتنع قبوله لان ما ذكره المستدل إما أن يكون مقصود الشارع من الحكم المرتب عليه ملازما له، أو لا يكون فإن كان الاول فتعليل المعترض به لمقابل حكم المستدل إما أن يكون بحيث يلزمه مقصود من مقابل الحكم، أو لا يكون كذلك: فإن كان الاول، فإما أن يكون ذلك من جهة ما علل به المستدل، أو من غيرها: فإن كان الاول فمحال أن يكون الوصف الواحد من جهة واحدة يناسب الحكم ومقابله، وإن كان الثاني، فما ذكره ليس بقلب، إذ القلب لا بد فيه من اتحاد العلة في القياسين، بل هو معارضة بدليل آخر، وإن كان بحيث لا يلازمه المقصود، فهو بالنسبة إلى حكم المعترض طردي، ووصف المستدل مناسب أو شبهي، فلا يكون قادحا وإن كان ما ذكره المستدل طرديا بالنسبة إلى ما رتبه عليه، فهو باطل في نفسه، لتعذر التعليل بالطردي المحض، ولا حاجة إلى شئ من الاعتراضات.

[ 111 ]

الاعتراض الخامس والعشرون - سؤال القول بالموجب وحاصله يرجع إلى تسليم ما اتخذه المستدل حكما لدليله على وجه لا يلزم منه تسليم الحكم المتنازع فيه. ومهما توجه على هذا الوجه، كان المستدل منقطعا، لتبين أن ما نصه من الدليل لم يكن متعلقا بمحل النزاع، وهو منحصر في قسمين. وذلك لان المستدل إما أن ينصب دليل على تحقيق مذهبه، وما نقل عن إمامه من الحكم، أو على إبطال ما يظنه مدركا لمذهب خصمه. فإن كان الاول، فهو كما لو قال الشافعي في الملتجئ إلى الحرم وجد سبب جواز استيفاء القصاص، فكان استيفاؤه جائزا. فقال الخصم: أقول بموجب هذا الدليل، فإن استيفاء القصاص عندي جائز. وإنما النزاع في جواز هتك حرمة الحرم. وإن كان الثاني، فهو كما لو قال الشافعي في مسألة استيلاد الاب جارية ابنه: وجوب القيمة لا يمنع من إيجاب المهر كاستيلاد أحد الشريكين، أو قال في مسألة القتل بالمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه. فقال الخصم: أقول بموجب هذا الدليل، وأن وجوب القيمة لا يمنع من وجوب المهر، والتفاوت في الوسيلة لا يمنع من التفاوت في المتوسل إليه. والنزاع إنما هو في وجوب المهر ووجوب القصاص، ولا يلزم من إبطال ما ذكر من الموانع إثبات وجوب المهر والقصاص، لجواز انتفاء المقتضي لذلك أو وجود مانع آخر، أو فوات شرط. وورود هذا النوع من القول بالموجب أغلب في المناظرات من ورود النوع الاول، من جهة أن خفاء المدارك أغلب من خفاء الاحكام، لكثرة المدارك وتشعبها وعدم الوقوف على ما هو معتمد الخصم من جملتها، بخلاف الاحكام، فإنه قلما يتفق الذهول عنها. ولهذا قد يشترك في معرفة الحكم المنقول عن الامام الخواص والعوام، دون معرفة المدارك، فكان احتمال الخطإ في اعتقاد كون المدرك المعين هو مدرك الامام أقرب من احتمال الخطإ فيما ينسب إلى الامام من الحكم المدلول عليه.

[ 112 ]

وقد اختلف الجدليون في وجوب تكليف المعترض إبداء مستند القول بالموجب في هذا النوع. فقال بعضهم: لا بد من تكليفه بذلك لاحتمال أن يكون هذا هو المأخذ عنده، فإذا علم أنه لا يكلف بإبداء المأخذ عند إيراد القول بالموجب، فقد يقول بذلك عنادا، قصدا لايقاف كلام خصمه، ولا كذلك إذا وظف عليه بيان المأخذ فكان أفضى إلى صيانة الكلام عن الخبط والعناد، فكان أولى. وقال آخرون: لا وجه لتكليفه بذلك بعد وفائه بشرط القول بالموجب، وهو استبقاء محل النزاع، وهو الاظهر، لانه عاقل متدين، وهو أعرف بمأخذ إمامه، فكان الظاهر من حاله الصدق فيما ادعاه، فوجب تصديقه، كيف وإنا لو أوجبنا عليه إبداء المأخذ، فإن مكنا المستدل من إبطاله والاعتراض عليه، يلزم منه قلب المستدل معترضا، والمعترض مستدلا، ولا يخفى ما فيه من الخبط. وإن لم يمكن من ذلك، فلا فائدة في إبداء المأخذ، لامكان ادعائه ما يصلح للتعليل ترويحا لكلامه، ثقة منه بامتناع ورود الاعتراض عليه. وللمستدل في دفع القول بالموجب بالاعتبار الاول طرق. الاول:: أن يقول: المسألة مشهورة بالخلاف فيما فرض فيه الكلام إن أمكن، والشهرة بذلك دليل وقوع الخلاف فيه. الثاني: أن يبين أن محل النزاع لازم فيما فرض الكلام فيه، وذلك كما لو كان حكم دليله أنه لا يجوز قتل المسلم بالذمي، فقال المعترض: هو عندي غير جائز، بل واجب. فيقول المستدل المعنى بعدم الجواز لزوم التبعة بفعله، ويلزم من ذلك نفي الوجوب لاستحالة لزوم التبعة بفعل الواجب. الثالث: أن يقول المستدل القول بالموجب فيه تغيير كلامي عن ظاهره، فلا يكون قولا بموجبه،

[ 113 ]

وذلك كما لو كان المستدل قد قال في زكاة الخيل: حيوان تجوز المسابقة عليه، فوجبت فيه الزكاة قياسا على الابل. فقال المعترض: عندي تجب فيه زكاة التجارة. والنزاع إنما هو في زكاة العين. فيقول المستدل: إذ كان النزاع في زكاة العين. فظاهر كلامي منصرف إليها لقرينة الحال، ولظهور عود الالف واللام في الزكاة إلى المعهود، وأيضا فإن لفظ الزكاة يعم زكاة العين والتجارة، فالقول به في زكاة التجارة قول بالموجب في صورة واحدة، وهو غير متجه، لان موجب الدليل التعميم، فالقول ببعض الموجب لا يكون قولا بالموجب، بل ببعضه. وكذلك إذا قال في مسألة إزالة النجاسة: مائع لا يزيل الحدث، فلا يزيل الخبث، كالمرقة، فقال المعترض: أقول به، فإن الخل النجس لا يزيل الحدث ولا الخبث، فيقول المستدل: ظاهر كلامي إنما هو الخل الطاهر، ضرورة وقوع النزاع فيه، وإيراد القول بالموجب على وجه يلزم منه تغيير كلام المستدل عن ظاهره، لا يكون قولا بمدلوله وموجبه، بل بغيره، فلا يكون مقبولا، وله في دفع القول بالموجب بالاعتبار الثاني أيضا طرق: الاول: أن يكون المستدل قد أفتى بما وقع مدلولا لدليله وفرض المعترض الكلام معه فيه، وطالبه بالدليل عليه، فإذا قال بالموجب بعد ذلك، فقد سلم ما وقع النزاع فيه، وأفسد على نفسه القول بالموجب، بالمطالبة بالدليل عليه أولا. وبمثل هذا يمكن أن يجاب عن القول بالاعتبار الاول أيضا. الثاني: أن يبين لقب المسألة مشهور بذلك بين النظار كما سبق تقريره أولا. الثالث: أن يبين أن محل النزاع لازم من مدلول دليله، إن أمكن،

[ 114 ]

وذلك بأن يكون المعترض قد ساعد على وجود المقتضي لوجوب القصاص، وكانت الموانع التي يوافق المستدل عليها منتفية، والشروط متحققة. فإذا أبطل كون المانع المذكور مانعا، فيلزم منه الحكم المتنازع فيه ظاهرا. وأما قياس الدلالة، والقياس في معنى الاصل، فيرد عليهما كل ما كان واردا على قياس العلة، سوى الاسئلة المتعلقة بمناسبة الوصف الجامع. فإنها لا ترد عليهما، أما قياس الدلالة، فلان الوصف الجامع فيه ليس بعلة، وأما القياس في معنى الاصل فلعدم ذكر الجامع فيه. والاسئلة الواردة على نفس الوصف الجامع لا ترد على القياس في معنى الاصل، لعدم ذكر الجامع فيه. ويختص قياس الدلالة بسؤال آخر، وهو عند ما إذا كان الجامع بين الاصل والفرع أحد موجبي الاصل، كما إذا قال القائل في مسألة الايدي باليد الواحدة أحد موجبي الاصل، فالطرف المعصوم يساوي النفس فيه دليله الموجب الثاني، وقرره بأن الدية أحد الموجبين في الاصل، وهي واجبة في الفرع على الكل، ويلزم من وجود أحد الموجبين في الفرع وجود الموجب الآخر وذلك لان علة الموجبين في الاصل إما أن تكون واحدة، أو متعددة: فإن كانت واحدة، فيلزم من وجود أحد موجبيها في الفرع وجودها فيه، ومن وجودها فيه وجود الموجب الآخر وهو القصاص، على الكل. وإن كانت متعددة، فتلازم الحكمين في الاصل دليل تلازم العلتين، وعند ذلك فيلزم من وجود أحد الحكمين في الفرع وجود علته التي وجد بها في الاصل، ويلزم من وجود علته وجود علة الحكم الآخر. والسؤال الوارد عليه أن يقال: لا يلزم من وجود أحد حكمي الاصل في الفرع وجود الحكم الآخر، سواء اتحدت علتهما في الاصل، أو تعددت.

[ 115 ]

أما إذا اتحدت، فلانه لا يمتنع عند تعدد المحال وإن اتحد نوع الحكم، أن يكون الحكم الثابت في الفرع ثابتا بغير علة الاصل، وهو الاولى، لما فيه من تكثير مدارك الحكم، فإنه أفضى إلى اقتناص مقصود الشارع من الحكم، مما إذا اتحد المدرك، وإذا كان كذلك، فلا يلزم منه وجود الحكم الآخر، لجواز أن لا تكون علة الفرع مستقلة بإثبات الحكم الآخر، كاستقلال علة الاصل. وأما إذا تعددت العلة، فإن وقع التلازم بينهما، فلجواز أن تكون علة الحكم الثابت في الفرع غير علته في الاصل، لما ذكرناه، وعند ذلك، فلا يلزم منها وجود العلة الاخرى في الفرع، فإنه لا يلزم من التلازم بين علة ذلك الحكم وعلة الحكم الآخر في الاصل التلازم بين علته في الفرع، وعلة الحكم الآخر. وعلى هذا، لا يكون الحكم الآخر لازما في الفرع. وجوابه أن يقال: ثبوت أحد الحكمين في الفرع يدل ظاهرا على وجود علته التي ثبت بها في الاصل، وإن جاز ثبوته في الفرع بغيرها، لان الاصل عدم وجود علة أخرى غير علته في الاصل. والقول بأن تعدد المدارك أولى معارض بأن الاتحاد أولى لما فيه من التعليل بعلة مطردة منعكسة، وما ذكروه، وإن كانت العلة فيه مطردة، إلا أنها غير منعكسة. والتعليل بالعلة المطردة المنعكسة متفق عليه، بخلاف غير المنعكسة، فكانت أولى. فإن قيل: وكما أن الاصل عدم علة أخرى في الفرع غير علة الاصل، فالاصل عدم علة الاصل في الفرع، وليس العمل بأحد الاصلين أولى من الآخر. قلنا: بل العمل بما ذكرناه أولى، لان العلة فيه تكون متعدية، وهي متفق على صحة التعليل بها. وما ذكروه يلزم منه أن تكون العلة في الاصل قاصرة، لان الاصل عدم وجودها في صورة أخرى، وهي مختلف في صحة التعليل بها، فكان ما ذكرناه أولى.

[ 116 ]

خاتمة لهذا الباب في ترتيب الاسئلة الواردة على القياس والاعتراضات الواردة على القياس أما أن تكون من جنس واحد، كالنقوض، أو المعارضات في الاصل أو في الفرع، وإما أن تكون من أجناس مختلفة، كالمنع والمطالبة، والنقض، والمعارضة ونحوها. فإن كان الاول، فقد اتفق الجدليون على جواز إيرادها معا، إذ لا يلزم منها تناقض، ولا نزول عن سؤال إلى سؤال. وإن كان الثاني، فلا يخلو: إما أن تكون الاسئلة غير مرتبة أو مرتبة: فإن كانت غير مرتبة، فقد أجمع الجدليون على جواز الجمع بينهما، سوى أهل سمرقند، فإنهم أوجبوا الاقتصار على سؤال واحد، لقربه إلى الضبط، وبعده عن الخبط. ويلزمهم على ذلك ما كان من الاسئلة المتعددة من جنس واحد، فإنها، وإن أفضت إلى النشر، فالجمع بينها مقبول من غير خلاف بين الجدليين. وإن كانت مرتبة، فقد منع منه أكثر الجدليين من حيث إن المطالبة بتأثير الوصف بعد منع وجوده نزول عن المنع، ومشعر بتسليم وجوده، لانه لو بقي مصرا على منع وجود الوصف، فالمطالبة بتأثير ما لا وجود له محال. وعند ذلك فلا يستحق المعترض غير جواب الاخير من الاسئلة. ومنهم من لم يمنع منه، وذلك بأن يورد المطالبة بتأثير الوصف، بعد منع وجود الوصف مقدرا لتسليم وجود الوصف. وذلك بأن يقول: وإن سلم عن المنع تقديرا، فلا يسلم عن المطالبة وغيرها، ولا شك أنه أولى، لعدم إشعاره بالمناقضة والعود إلى منع ما سلم وجوده أولا، كمنع وجود الوصف بعد المطالبة بتأثيره المشعر بتسليم وجوده. وهذا هو اختيار الاستاذ أبي إسحاق، وهو المختار. وإذا كان لا بد من رعاية الترتيب في الاسئلة، فأول ما تجب البداية به سؤال الاستفسار، لان من لا يعرف مدلول اللفظ، لا يعرف ما يتجه عليه.

[ 117 ]

ثم بعده سؤال فساد الاعتبار، لانه نظر في فساده من جهة الجملة قبل النظر في تفصيله، ثم سؤال فساد الوضع لانه أخص من سؤال فساد الاعتبار كما سبق تقريره، والنظر في الاعم يجب أن يكون قبل النظر في الاخص. ثم بعده منع الحكم في الاصل، ويجب أن يكون مقدما على ما يتعلق بالنظر في العلة، لان العلة مستنبطة من حكم الاصل فهي فرع عليه، والكلام في الفرع يجب تأخيره عن الكلام في أصله، ثم بعده منع وجود العلة في الاصل. ثم بعده النظر فيما يتعلق بعلية الوصف، كالمطالبة، وعدم التأثير، والقدح في المناسبة، والتقسيم، وكون الوصف غير ظاهر ولا منضبط، وكون الحكم غير صالح لافضائه إلى المقصود منه. ثم بعده النقض والكسر، لكونه معارضا لدليل العلية، ثم بعده المعارضة في الاصل، لانه معارضة لنفس العلة، فكان متأخرا عن المعارض لدليل العلية، والتعدية والتركيب، لان حاصلهما يرجع إلى المعارضة في الاصل، كما سبق تقريره، ثم بعده ما يتعلق بالفرع كمنع وجود العلة في الفرع، ومخالفة حكمه لحكم الاصل، ومخالفته للاصل في الضابط والحكمة والمعارضة في الفرع وسؤال القلب، ثم بعد ذلك القول بالموجب، لتضمنه تسليم كل ما يتعلق بالدليل المثمر له من تحقيق شروطه وانتفاء القوادح فيه. وهذا آخر الاصل الخامس.

[ 118 ]

الاصل السادس في معنى الاستدلال، وأنواعه أما معناه في اللغة فهو استفعال من طلب الدليل والطريق المرشد إلى المطلوب. وأما في اصطلاح الفقهاء، فإنه يطلق تارة بمعنى ذكر الدليل، وسواء كان الدليل نصا أو إجماعا أو قياسا أو غيره، ويطلق تارة على نوع خاص من أنواع الادلة، وهذا هو المطلوب بيانه هاهنا. وهي عبارة عن دليل لا يكون نصا ولا إجماعا ولا قياسا فإن قيل: تعريف الاستدلال بسلب غيره من الادلة عنه ليس أولى من تعريف غيره من الادلة بسب حقيقة الاستدلال عنه. قلنا: إنما كان تعريف الاستدلال بما ذكرناه أولى، بسبب سبق التعريف لحقيقة ما عداه من الادلة دون تعريف الاستدلال كما سبق. وتعريف الاخفى بالاظهر جائز دون العكس. وإذا عرف معنى الاستدلال، فهو على أنواع، منها قولهم: وجد السبب، فثبت الحكم، ووجد المانع وفات الشرط فينتفي الحكم فإنه دليل من حيث إن الدليل ما يلزم من ثبوته لزوم المطلوب قطعا، أو ظاهرا، ولا يخفى لزوم المطلوب من ثبوت ما ذكرناه، فكان دليلا، وليس هو نصا ولا إجماعا ولا قياسا فكان استدلالا. فإن قيل: تعريف الدليل بما يلزم من إثباته الحكم المطلوب، تعريف للدليل بالمدلول، والمدلول لا يعرف إلا بدليله، فكان دورا ممتنعا. وإن سلمنا صحة الحد، ولكن لا نسلم أن المذكور ليس بقياس، فإنه إذا آل الامر إلى إثبات المدعى، كان مفتقرا إلى المناسبة والاعتبار، ولا معنى للقياس سوى هذا. قلنا: أما الدور فإنما يلزم أن لو اتحدت جهة التوقف، وليس كذلك، وذلك لان المطلوب إنما يتوقف على الدليل من جهة وجوده في آحاد الصور، لا من جهة حقيقته، لانا نعرف حقيقة الحكم من حيث هو حكم، وإن جهلنا دليل وجوده. والدليل إنما يتوقف على لزوم المطلوب له من جهة حقيقته لا من جهة وجوده في آحاد الصور. وإذا اختلفت الجهة فلا دور. وما ذكروه في تحقيق

[ 119 ]

كونه قياسا، فإنما يلزم أن لو كان تقرير السببية والمانعية والشرطية لا يكون إلا بما ذكروه، وليس ذلك بلازم لامكان تقريره بنص يدل عليه أو إجماع. والثابت بالنص أو الاجماع لا يكون نصا ولا إجماعا، كما تقرر قبل والاعتراضات الواردة على طريق تقريره، ووجوه الانفصال عنها غير خافية. ومنها نفي الحكم لانتفاء مداركه، كقولهم: الحكم يستدعي دليلا، ولا دليل، فلا حكم. أما أنه يستدعي دليلا، فبالضرورة، وأما أنه لا دليل، فلا يدل عليه سوى البحث والسبر، وإن الاصل في الاشياء كلها العدم، وطريق الاعتراض، بإبداء ما يصلح دليلا من نص أو إجماع أو قياس أو استدلال. وجوابه بالقدح في الدليل المذكور بما يساعد في موضع على حسبه، ولا يخفى. وقد ترد عليه أسئلة كثيرة أوردناها في كتاب المؤاخذات وقررناها اعتراضا وانفصالا، فعليك بالالتفات إليها. ومنها الدليل المؤلف من أقوال يلزم من تسليمها لذاتها تسليم قول آخر. وذلك القول اللازم إما أن لا يكون ولا نقيضه مذكورا فيما لزم عنه بالفعل، أو هو مذكور فيه. فإن كان الاول، فيسمى اقترانيا، وأقل ما يتركب من مقدمتين، ولا يزيد عليهما. وكل مقدمة تشتمل على مفردين، الواحد منهما مكرر في المقدمتين، ويسمى حدا أوسط، والمفردان الآخران اللذان بهما افتراق المقدمتين، منهما يكون المطلوب اللازم، ويسمى أحدهما، وهو ما كان محكوم به في المطلوب، حدا أكبر، وما كان منهما محكوما عليه في المطلوب يسمى حدا أصغر والمقدمة التي فيها الحد الاكبر كبرى والتي فيها الحد الاصغر صغرى. ثم هيئة الحد الاوسط في نسبته إلى الحدين المختلفين تسمى شكلا

[ 120 ]

وهيئته في النسبة إما بكونه محمولا على الحد الاصغر، وموضوعا للحد الاكبر ويسمى الشكل الاول، وإما بكونه محمولا عليهما ويسمى الشكل الثاني، وإما بكونه موضوعا لهما ويسمى الشكل الثالث وإما بكونه موضوعا للاصغر ومحمولا على الاكبر، ويسمى الشكل الرابع. وهو بعيد عن الطباع ومستغنى عنه بباقي الاشكال فلنقتصر على ذكر ما قبله من الاشكال الثلاثة. أما الشكل الاول منها، فهو أبينها، وما بعده فمتوقف في معرفة ضروبه عليه، وهو منتج للمطالب الاربعة: الكلي موجبا وسالبا، والجزئي موجبا وسالبا. وشرطه في الانتاج إيجاب صغراه، وأن تكون في حكم الموجبة، وكلية كبراه. وضروبه المنتجة أربعة: الضرب الاول: من كليتين موجبتين، كقولنا: كل وضوء. عبادة، وكل عبادة تفتقر إلى النية، واللازم كل وضوء يفتقر إلى النية. الضرب الثاني: من كلية صغرى موجبة، كلية كبرى سالبة، كقولنا: كل وضوء عبادة، ولا شئ من العبادة يصح بدون النية، واللازم لا شئ من الوضوء يصح بدون النية.

[ 121 ]

الضرب الثالث: بعض الوضوء عبادة، وكل عبادة تفتقر إلى النية، واللازم بعض الوضوء يفتقر إلى النية. الضرب الرابع: بعض الوضوء عبادة، ولا شئ من العبادة يصح بدون النية واللازم بعض الوضوء لا يصح بدون النية. الشكل الثاني: وشروطه في الانتاج اختلاف مقدمتيه في الكيفية، وكلية كبراه. وضروبه المنتجة أربعة: الضرب الاول: من كليتين، الصغرى موجبة، والكبرى سالبة، كقولنا: كل بيع غائب فصفات المبيع فيه مجهولة، ولا شئ مما يصح بيعه صفات المبيع فيه مجهولة، واللازم لا شئ من بيع الغائب صحيح. الضرب الثاني: من كلية صغرى سالبة، وكلية كبرى موجبة، كقولنا: لا شئ من بيع الغائب معلوم الصفات، وكل بيع صحيح فمعلوم الصفات، واللازم كالذي قبله. الضرب الثالث: من جزئية صغرى موجبة، وكلية كبرى سالبة كقولنا: بعض بيع الغائب مجهول الصفات، ولا شئ مما يصح بيعه مجهول الصفات، ولازمه بعض بيع الغائب لا يصح. الضرب الرابع: من جزئية صغرى سالبة، وكلية كبرى موجبة، كقولنا: ليس

[ 122 ]

كل بيع غائب معلوم الصفات، وكل بيع صحيح معلوم الصفات، ولازمه كلازم الذي قبله. والانتاج في هذا الشكل غير بين بنفسه، بل هو مفتقر إلى بيان، وذلك بأن تعكس الكبرى من الاول، وتبقيها كبرى بحالها، فإنه يعود إلى الضرب الثاني من الشكل الاول ناتجا عين المطلوب، وتعكس الصغرى من الثاني فتجعلها كبرى ثم تستنتج وتعكس النتيجة فيعود إلى عين المطلوب وأن تعكس الكبرى من الثالث وتبقيها كبرى بحالها فأنه يعود إلى الضرب الرابع من الشكل الاول ناتجا عين المطلوب والضرب الرابع منه لا يتبين بالعكس، لانك إن عكست

[ 123 ]

الكبرى منه، عادت جزئية، ولا قياس عن جزئيتين، والصغرى فلا عكس لها وإن شئت بينت الانتاج بالخلف، وهو أن تأخذ نقيض النتيجة من كل ضرب منه، وتجعله صغرى للمقدمة الكبرى من ذلك الضرب، فإنه ينتج نقيض المقدمة الصغرى الصادقة وهو محال، وليس لزوم المحال عن نفس الصورة القياسية لتحقق شروطها، ولا عن نفس المقدمة الكبرى، لكونها صادقة فكان لازما عن نقيض المطلوب، فكان محالا، وإلا لما لزم عنه المحال. وإذا كان نقيض المطلوب محالا، كان المطلوب الاول هو الصادق.

[ 124 ]

الشكل الثالث: وشرط إنتاجه إيجاب صغراه، أو أن تكون في حكم الموجبة، وكلية إحدى مقدميته، ولا ينتج غير الجزئي الموجب والسالب. وضروبه المنتجة ستة: الضرب الاول: من كليتين موجبتين، كقولنا: كل بر مطعوم، وكل بر ربوي، ولازمه بعض المطعوم ربوي. الضرب الثاني: من جزئية صغرى موجبة، وكلية موجبة كبرى، كقولنا: بعض البر مطعوم، وكل بر ربوي، ولازمه كلازم ما قبله. الضرب الثالث: من كلية موجبة صغرى، وجزئية موجبة كبرى، كقولنا: كل بر مطعوم، وبعض البر ربوي ولازمه كلازم ما قبله. الضرب الرابع: من كلية موجبة صغرى، وكلية سالبة كبرى، كقولنا: كل بر مطعوم، ولا شئ من البر يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه لا شئ من المطعوم يصح بيعه يجنسه متفاضلا. الضرب الخامس: من جزئية موجبة صغرى، وكلية سالبة كبرى، كقولنا بعض البر ربوي، ولا شئ من البر يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه كلازم ما قبله. الضرب السادس: من كلية موجبة صغرى، وجزئية سالبة كبرى، كقولنا: كل بر مطعوم، وبعض البر لا يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه كلازم ما قبله. وإنتاج هذا الشكل غير بين بنفسه دون بيان، وهو أن تعكس الصغرى من الاول والثاني، وتبقيها صغرى بحالها، فإنه يعود إلى الضرب الثالث من الشكل الاول ناتجا عين المطلوب، وتعكس الصغرى من الرابع والخامس، وتبقيها صغرى بحالها فإنه يعود إلى الضرب الرابع من الشكل الاول، ناتجا عين المطلوب وتعكس الكبرى من الثالث وتجعلها صغرى للصغرى، ثم تعكس النتيجة، فتعود إلى عين المطلوب. وأما السادس منه فلا يتبين بالعكس، لانك إن عكست الصغرى، عادت جزئية، ولا قياس عن جزيئتين، والكبرى فلا عكس لها. وإن شئت بينت بالخلف، وهو أن تأخذ نقيض النتيجة، وتجعله كبرى للصغرى في جميع ضروبه، فإنه ينتج نقيض المقدمة الكبرى الصادقة، ويلزم من

[ 125 ]

ذلك كذب النقيض، لما بيناه في الشكل الثاني. ويلزمه صدق المطلوب الاول. وأما إن كان القسم الثاني، وهو أن يكون اللازم أو نقيضه مذكورا فيما لزم عنه بالفعل، فيسمى استثنائيا. ولا بد فيه من قضيتين إحداهما استثنائية لعين أحد جزئي القضية الاخرى أو نقيضه، ثم القضية المستثنى منها لا بد فيها من جزئين بينهما نسبة بإيجاب أو سلب. والنسبة الايجابية بينهما إما أن تكون باللزوم والاتصال، وفي حالة السلب برفعه، أو بالعناد والانفصال، وفي حالة السلب برفعه. فإن كان الاول، فتسمى تلك القضية شرطية متصلة، وأحد جزئيها، وهو ما دخل عليه حرف الشرط (مقدما) والثاني، وهو ما دخل عليه حرف الجزاء (تاليا) وما هي مقدمة فيه يسمى قياسا شرطيا متصلا. وإن كان الثاني، فتسمى منفصلة وما هي مقدمة فيه يسمى قياسا منفصلا. أما الشرطي: المتصل، فشرط إنتاجه أن تكون النسبة بين المقدم والتالي كلية، أي دائمة، وأن يكون الاستثناء إما بعين المقدم منها، أو نقيض التالي، وذلك لان التالي إما أن يكون أعم من المقدم، أو مساويا له. ولا يجوز أن يكون أخص منه، وإلا كانت القضية كاذبة. وعند ذلك، فاستثناء عين المقدم يلزم منه عين التالي، سواء كان التالي أعم من المقدم أو مساويا له. واستثناء نقيض التالي يلزم منه نقيض المقدم. وأما استثناء نقيض المقدم وعين التالي، فلا يلزم منه شئ، لجواز أن يكون التالي أعم من المقدم، فلا يلزم من نفي الاخص نفي الاعم، ولامن وجود الاعم وجود الاخص. وإن لزم ذلك، فإنما يكون عند التساوي بينهما، فلا يكون الانتاج لازما لنفس صورة الدليل، بل لخصوص المادة، وذلك كما في قولنا: دائما إن كان هذا الشئ إنسانا، فهو حيوان، لكنه إنسان، فيلزمه أنه حيوان، أو لكنه ليس بحيوان فيلزمه أنه ليس إنسانا. وأما المنفصل: فالمنفصلة منه إما أن تكون مانعة الجمع بين الجزأين والخلو معا، أو مانعة الجمع دون الخلو، أو مانعة الخلو دون الجمع: فإن كان الاول، فيلزم من استثناء عين كل واحد من الجزئين نقيض الآخر، ومن استثناء نقيضه عين الآخر، وذلك كما في قولنا: دائما إما أن يكون العدد

[ 126 ]

زوجا، وإما أن يكون فردا، لكنه زوج فليس بفرد أو لكنه فرد ليس بزوج أو لكنه ليس بزوج فهو فرد أو لكنه ليس بفرد فهو زوج. وإن كان الثاني، فاستثناء عين أحدهما يلزمه نقيض الجزء الآخر، ولا يلزم من استثناء نقيض أحدهما عين الآخر ولا نقيضه وذلك كقولنا: دائما إما أن يكون الجسم جمادا وإما حيوانا لكنه حيوان فليس بجماد أو لكنه جماد فليس بحيوان ولا يلزم من استثناء نقيض أحدهما عين الآخر ولا نقيضه. وإن كان الثالث، فاستثناء نقيض كل واحد منهما يلزم منه عين الآخر، ولا يلزم من استثناء عين أحدهما عين الآخر، ولا نقيضه، وذلك كما إذا قلنا: دائما إما أن يكون المحل لا أسود، وإما لا أبيض. فاستثناء نقيض أحدهما يلزمه عين الآخر، ولا يلزم من استثناء عين أحدهما عين الآخر ولا نقيضه. فهذه جملة ضروب هذا النوع من الاستدلال لخصناها في أوجز عبارة. ومن أراد الاطلاع على ذلك بطريق الكمال والتمام فعليه بمراجعة كتبنا المخصوصة بهذا الفن. ولا يخفى ما يرد عليها من الاعتراضات من منع المقدمات والقوادح في الادلة الدالة عليها، على اختلاف أنواعها، وكذلك الجواب عنها. ومن أنواع الاستدلال استصحاب الحال وفيه مسألتان:

[ 127 ]

المسألة الاولى في الاستدلال باستصحاب الحال وقد اختلف فيه: فذهب أكثر الحنفية وجماعة من المتكلمين، كأبي الحسين البصري وغيره، إلى بطلانه. ومن هؤلاء من جوز به الترجيح لا غير. وذهب جماعة من أصحاب الشافعي، كالمزني والصيرفي والغزالي وغيرهم من المحققين، إلى صحة الاحتجاج به، وهو المختار، وسواء كان ذلك الاستصحاب لامر وجودي أو عدمي، أو عقلي أو شرعي، وذلك لان ما تحقق وجوده أو عدمه في حالة من الاحوال، فإنه يستلزم ظن بقائه، والظن حجة متبعة في الشرعيات، على ما سبق تحقيقه. وإنما قلنا إنه يستلزم ظن بقائه لاربعة أوجه. الاول أن الاجماع منعقد على أن الانسان لو شك في وجود الطهارة ابتداء، لا تجوز له الصلاة، ولو شك في بقائها جازت له الصلاة، ولو لم يكن الاصل في كل متحققا دوامه، للزم إما جواز الصلاة في الصورة الاولى، أو عدم الجواز في الصورة الثانية، وهو خلاف الاجماع.

[ 128 ]

وإنما قلنا ذلك، لانه لو لم يكن الراجح هو الاستصحاب، لم يخل: إما أن يكون الراجح عدم الاستصحاب، أو أن الاستصحاب، وعدمه سيان: فإن كان الاول فيلزم منه امتناع جواز الصلاة في الصورة الثانية لظن فوات الطهارة، وإن كان الثاني، فلا يخلو: إما أن يكون استواء الطرفين مما تجوز معه الصلاة أو لا تجوز فإن كان الاول فيلزم منه جواز الصلاة في الصورة الاولى، وإن كان الثاني فيلزمه عدم جواز الصلاة في الصورة الثانية. وكل ذلك ممتنع. الوجه الثاني أن العقلاء وأهل العرف إذا تحققوا وجود شئ أو عدمه وله أحكام خاصة به، فإنهم يسوغون القضاء والحكم بها في المستقبل من زمان ذلك الوجود أو العدم، حتى إنهم يجيزون مراسلة من عرفوا وجوده قبل ذلك بمدد متطاولة، وإنفاذ الودائع إليه، ويشهدون في الحالة الراهنة بالدين على من أقر به قبل تلك الحالة. ولولا أن الاصل بقاء ما كان على على ما كان، لما ساغ لهم ذلك الثالث أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير، وذلك لان الباقي لا يتوقف على أكثر من وجود الزمان المستقبل ومقابل ذلك الباقي له كان وجودا أو عدما. وأما التغير فمتوقف على ثلاثة أمور: وجود الزمان المستقبل، وتبدل الوجود بالعدم أو العدم بالوجود، ومقارنة ذلك الوجود أو العدم لذلك الزمان. ولا يخفى أن تحقق ما يتوقف على أمرين لا غير أغلب مما يتوقف على ذينك الامرين وثالث غيرهما. الوجه الرابع إذا وقع العرض فيما هو باق بنفسه، الجوهر، فقد يقال: غلبة الظن بدوامه أكثر من تغيره، فكان دوامه أولى. وذلك لان بقاءه مستغن عن المؤثر حالة بقائه، لانه لو افتقر إلى المؤثر، فإما أن يصدر عن ذلك المؤثر أثر، أو لا يصدر عنه أثر: فإن صدر عنه أثر، فإما أن يكون هو عين ما كان ثابتا أو شيئا متجددا: الاول محال، لما فيه من تحصيل الحاصل، والثاني فعلى خلاف الفرض. وإن لم يصدر عنه أثر، فلا معنى لكونه مؤثرا وإذا كان مستغنيا في بقائه

[ 129 ]

عن المؤثر فتغيره لا بد وأن يكون بمؤثر وإلا كان منعدما بنفسه، وهو محال وإلا لما بقي، وإذا كان البقاء غير مفتقر إلى مؤثر، وتغيره مفتقر إلى المؤثر فعدم الباقي لا يكون إلا بمانع يمنع منه. وأما المتجدد سواء كان عدما أو وجودا، فإنه قد ينتفي تارة لعدم مقتضيه، وتارة لمانعه، وما يكون عدمه بأمرين يكون أغلب مما عدمه بأمر واحد. وعلى هذا فالاصل في جميع الاحكام الشرعية إنما هو العدم وبقاء ما كان على ما كان، إلا ما ورد الشارع. بخالفته، فإنا نحكم به ونبقى فيما عداه عاملين بقضية النفي الاصلي، كوجوب صوم شوال، وصلاة سادسة ونحوه. فإن قيل: لا نسلم أن كل ما تحقق وجوده في حالة من الاحوال، أو عدمه، فهو مظنون البقاء وما ذكرتموه من الوجه الاول، فالاعتراض عليه من وجوه. الاول أنا نسلم انعقاد الاجماع على الفرق في الحكم فيما ذكرتموه من الصورتين، فإن مذهب مالك وجماعة من الفقهاء إنما هو التسوية بينهما في عدم الصحة، وإن سلمنا ذلك وسلمنا أنه لو لم يكن الاصل البقاء في كل متحقق، للزم رجحان الطهارة أو المساواة في الصورة الاولى، ورجحان الحدث أو المساواة في الصورة الثانية. ولكن لا يلزم من رجحان الطهارة في الصورة الاولى جوز الصلاة، بدليل امتناع الصلاة بعد النوم والاغماء والمس، على الطهارة، وإن كان وجود الطهارة راجحا. ولامتناع الصلاة مع ظن الحدث في الصورة الثانية، حيث قلتم بأن ظن الحدث لا يلحق بتيقين الحدث. سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الاصل في الطهارة والحدث البقاء، ولكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك الطهارة والحدث أن يكون الاصل في كل متحقق سواهما البقاء، لا بد لهذا من دليل.

[ 130 ]

سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الاصل البقاء في كل شئ. لكنه منقوض بالزمان والحركات من حيث إن الاصل فيهما التقضي دون البقاء والاستمرار. وما ذكرتموه من الوجه الثاني فليس فيه ما يدل على ظن البقاء بل إنما كان ذلك مجوزا منهم لاحتمال إصابة الغرض فيما فعلوه، وذلك كاستحسان الرمي إلى الغرض لقصد الاصابة، لاحتمال وقوعها، وإن لم تكن الاصابة ظاهرة، بل مرجوحة أو مساوية. وما ذكرتموه من الوجه الثالث لا نسلم أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير. وما ذكرتموه من زيادة توقف التغير على تبدل الوجود بالعدم أو بالعكس، معارض بما يتوقف عليه البقاء من تجدد مثل السابق وإن سلمنا أن ما يتوقف عليه التغير أكثر، لكن لا نسلم أنه يدل على غلبة البقاء على التغير، لجواز أن تكون الاشياء المتعددة التي يتوقف عليها التغير أغلب في الوجود من الاعداد القليلة التي يتوقف عليها البقاء، أو مساوية لها. وإن سلمنا أن البقاء أغلب من التغير، ولكن لا نسلم كونه غالبا على الظن، لجواز أن يكون الشئ أغلب من غيره، وإن غلب على الظن عدمه في نفسه. سلمنا دلالة ذلك على الاغلبية، لكن فيما هو قابل للبقاء أو فيما ليس قابلا له ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع. فلم قلتم بأن الاعراض التي وقع النزاع في بقائها قابلة للبقاء ؟ كيف وإنها غير قابلة، لما علم في الكلاميات. وما ذكرتموه من الوجه الرابع لا نسلم أن الباقي لا يفتقر إلى مؤثر. وما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وذلك لان الباقي في حالة بقائه إما أن يكون واجبا لذاته، أو ممكنا لذاته: الاول محال، وإلا لما تصور عليه العدم، وإن كان ممكنا، فلا بد له من مؤثر، وإلا لانسد علينا باب إثبات واجب الوجود. سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الاصل في كل متحقق دوامه، لكنه معارض بما يدل على عدمه، وبيانه من ثلاثة أوجه. الاول: أنه لو كان الاصل في كل شئ استمراره ودوامه، لكان حدوث جميع الحوادث على خلاف الدليل المقتضي لاستمرار عدمها، وهو خلاف الاصل.

[ 131 ]

الثاني: أن الاجماع منعقد على أن بينة الاثبات تقدم على بينة النفي، ولو كان الاصل في كل متحقق دوامه، لكانت بينة النفي لاعتضادها بهذا الاصل أولى بالتقدم. الثالث: أن مذهب الشافعي أنه لا يجزي عتق العبد الذي انقطع خبره، عن الكفارة، ولو كان الاصل بقاءه لاجزأ. سلمنا أالاصل هو البقاء والاستمرار، ولكن متى يمكن التمسك به في الاحكام الشرعية، إذا كان محصلا لاصل الظن، أو غلبة الظن ؟ الاول ممتنع، وإلا كانت شهادة العبيد والنساء المتمحضات، والفساق مقبولة، لحصول أصل الظن بها. والثاني مسلم، ولكن لا نسلم أن مثل هذا الاصل يفيد غلبة الظن، وذلك لان الاصل عدم هذه الزيادة بنفس ما ذكرتم. سلمنا كون ذلك مغلبا على الظن، لكن قبل ورود الشرع، أو بعده ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع. وبيانه أن قبل ورود الشرع قد أمنا الدليل المغير، فكان الاستصحاب لذلك مغلبا، على الظن وبعد ورود الشرع لم نأمن التغير وورود الدليل المغير، فلا يبقى مغلبا، على الظن. والجواب عن منع الاجماع على التفرقة فيما ذكرناه من الصورتين، أن المراد به إنما هو الاجماع بين الشافعي وأبي حنيفة وأكثر الائمة، فكان ما ذكرناه حجة على الموافق دون المخالف. وعن السؤال الاول على الوجه الاول، أنه يلزم من رجحان الطهارة في الصورة الاولى صحة الصلاة، تحصيلا لمصلحة الصلاة مع ظن الطهارة، كالصورة الثانية. وأما النوم فإنما امتنعت معه الصلاة لكونه سببا ظاهرا لوجود الخارج الناقض للطهارة، لتيسر خروج الخارج معه باسترخاء المفاصل، على ما قال عليه السلام: العينان وكاء السته.

[ 132 ]

وقال: إذا نامت العينان، انطلق الوكاء وإذا كان النوم مظنة الخارج المحتمل، وجب إدارة الحكم عليه، كما هو الغالب من تصرفات الشارع، لا على حقيقه الخروج، دفعا للعسر والحرج عن المكلفين. وبه يقع الجواب عن الاغماء والمس. ويلزم من رجحان الحدث في الصورة الثانية امتناع صحة الصلاة، زجرا له عن التقرب إلى الله تعالى والوقوف بين يديه، مع ظن الحدث، فإنه قبيح عقلا وشرعا، ولذلك نهي عنه. والشاهد له بالاعتبار الصورة الاولى. قولهم إنه لا تأثير للحدث المظنون عندكم - قلنا: إنما لا يكون مؤثرا بتقدير أن لا نقول باستصحاب الحال، كالتقدير الذي نحن فيه، وإلا فلا. وعن السؤال الثاني أنه لو لم يكن الاستصحاب والاستمرار مقتضى الدليل في كل متحقق، لكان الاستمرار في هاتين الصورتين على خلاف حكم الاعم أغلب، إن كان عدم الاستمرار هو الاغلب، وهو على خلاف الاصل أو أن يكون عدم الاستمرار على خلاف الغالب إن كان الاستمرار هو الاغلب، وإن تساوى الطرفان، فهو احتمال من ثلاثة احتمالات، ووقوع احتمال من احتمالين أغلب من احتمال واحد بعينه. وعن السؤال الثالث أنا إنما ندعي أن الاصل البقاء فيما يمكن بقاؤه، إما بنفسه، كالجواهر، أو بتجدد أمثاله كالاعراض، وعليه بناء الادلة المذكورة، وعلى هذا، فالاصل في الزمان بقاؤه بتجدد أمثاله. وأما الحركات فإما أن تكون من قبيل ما يمكن بقاؤه واستمراره، أو لا من هذا القبيل: فإن كان الاول، فهو من جملة صور النزاع، وإن كان الثاني، فالنقض به يكون مندفعا

[ 133 ]

وعما ذكروه على الوجه الثاني أن الاقدام على الفعل لغرض موهوم غير ظاهر إنما يكون فيما لا خطر في فعله ولا مشقة كما ذكروه من المثال. وأما ما يلزم الخطر والمشقة في فعله، فلا بد وأن يكون لغرض ظاهر راجح على خطر ذلك الفعل ومشقته، على ما تشهد به تصرفات العقلاء وأهل العرف، من ركوب البحار ومعاناة المشاق من الاسفار، فإنهم لا يرتكبون ذلك إلا مع ظهور المصلحة لهم في ذلك ومن فعل ذلك لا مع ظهور المصلحة في نظره عد سفيها مخبطا في عقله، وما وقع به الاستشهاد من تنفيذ الودائع وإرسال الرسل إلى من بعدت مدة غيبته، والشهادة بالدين على من تقدم إفراره، من هذا القبيل، فكان الاستصحاب فيه ظاهرا. وعما ذكروه على الوجه الثالث أولا فجوابه بزيادة افتقار التغير إلى تجدد علة موجبة للتغير بخلاف البقاء، لامكان اتحاد علة المتجددات. وما ذكروه ثانيا فجوابه من وجهين. الاول أن الشئ إذا كان موقوفا على شئ واحد، والآخر على شيئين، فما يتوقف على شئ واحد لا يتحقق عدمه إلا بتقدير عدم ذلك الشئ، وما يتوقف تحققه على أمرين يتم عدمه بعدم كل واحد من ذينك الامرين. ولا يخفى أن ما يقع عدمه على تقديرين يكون عدمه أغلب من عدم ما لا يتحقق عدمه إلا بتقدير واحد. وما كان عدمه أغلب، كان تحققه أندر، وبالعكس مقابله. فإن قيل: عدم الواحد المعين إما أن يكون مساويا في الوقوع لعدم الواحد من الشيئين، أو غالبا، أو مغلوبا، ولا تتحقق غلبة الظن فيما ذكرتموه بتقدير غلبة الواحد المعين ومساواته وإنما يتحقق ذلك بتقدير كونه مغلوبا. ولا يخفى أن وقوع أحد أمرين لا بعينه أغلب من وقوع الواحد المعين كما ذكرتموه. قلنا: إذا نسبنا أحد الشيئين لا بعينه إلى ذلك الواحد المعين فإما أن يكون عدمه أغلب من ذلك المعين، أو مساويا له، أو مغلوبا، فإن كان الاول لزم ما ذكرناه، وإن كان الثاني، فكذلك أيضا، لترجحه بضم عدم الوصف الآخر إليه، وإن كان

[ 134 ]

مغلوبا فنسبة الوصف الآخر إليه لا تخلو من الاقسام الثلاثة، ويترجح ما ذكرناه بتقديرين آخرين منها، وإنما لا يترجح ما ذكرناه بتقدير أن يكون كل واحد من الوصفين مرجوحا، فإذا ما ذكرناه يتم على تقديرات أربعة، ولا يتم على تقدير واحد، وفيه دقة، فليتأمل. الوجه الثاني أن العاقل إذا عن له مقصودان متساويان، وكانت المقدمات الموصلة إلى أحدهما أكثر من مقدمات الآخر، فإنه يبادر إلى مقدماته أقل، ولولا أن ذلك أفضى إلى مقصوده وأغلب، لما كان إقدامه عليه أغلب، لخلوه عن الفائدة المطلوبة من تصرفات العقلاء. قولهم: وإن كان البقاء أغلب من التغير فلا يلزم أن يكون غالبا على الظن، قلنا: إذا كان البقاء أغلب من مقابله فهو أغلب على الظن منه، ويجب المصير إليه، نظرا إلى أن المجتهد مؤاخد بما هو الاظهر عنده. قولهم: إنما يدل ما ذكرتموه على غلبة الظن فيما هو قابل للبقاء. قلنا: الاعراض إن كانت باقية، فلا إشكال، وإن لم تكن باقية بأنفسها، فممكنة البقاء بطريق التجدد، كسواد الغراب وبياض الثلج. وعلى كل تقدير فالكلام إنما هو واقع فيما هو ممكن التجدد من الاعراض، لا فيما هو غير ممكن. وعما ذكروه على الوجه الرابع أن يقال: مجرد الامكان غير محوج إلى المؤثر، بل المحوج إليه إنما هو الامكان المشروط بالحدوث أو الحدوث المشروط بالامكان. وعن المعارضات، أما الحوادث فإنما خالفنا فيها الاصل، لوجود السبب الموجب للحدوث ونفي حكم الدليل مع وجوده لمعارض، أولى من إخراجه عن الدلالة وإبطاله بالكلية، مع ظهور دلالته. وأما تقديم الشهادة المثبتة على النافية، وإن كانت معتضدة بأصل براءة الذمة، فإنما كان لاطلاع المثبت على السبب الموجب لمخالفة براءة الذمة وعدم اطلاع النافي عليه، لامكان حدوثه حالة غيبة النافي عن المنكر، وتعذر صحبته له واطلاعه

[ 135 ]

على أحواله في سائر الاوقات. وأما مسألة العبد فهي ممنوعة، وبتقدير تسليمها، فلان الذمة مشغولة بالكفارة يقينا، ولا تحصل البراءة منها إلا بيقين وجود العبد، ولا يقين. فمن ادعى وجود مثل ذلك فيما نحن فيه فعليه الدليل. قولهم: إنما يمكن التمسك به في الاحكام الشرعية، إذا كان مفيدا لغلبة الظن - لا نسلم ذلك، بل أصل الظن كاف، وبه يظهر الشئ على مقابله وأما رد الشهادة في الصور المذكورة، فلم يكن لعدم صلاحيتها، بل لعدم اعتبارها في الشرع، بخلاف ما نحن فيه من استصحاب الحال، فإنه معتبر، بدليل ما ذكرناه من صورة الشاك في الطهارة والحدث. قولهم إنه مغلب على الظن قبل ورود الشرع لا بعده، ليس كذلك، فإنا بعد ورود الشرع، إذا لم نظفر بدليل يخالف الاصل بقي ذلك الاصل مغلبا على الظن. نعم غايته أنه قبل ورود الشرع أغلب على الظن لتيقن عدم المعارض منه بعد ورود الشرع لظن عدم المعارض.

[ 136 ]

المسألة الثانية اختلفوا في جواز استصحاب حكم الاجماع في محل الخلاف: فنفاه جماعة من الاصوليين، كالغزالي وغيره، وأثبته آخرون وهو المختار. وصورته ما لو قال الشافعي مثلا في مسألة الخارج النجس من غير السبيلين: إذا تطهر، ثم خرج منه خارج من غير السبيلين فهو بعد الخروج متطهر ولو صلى فصلاته صحيحة، لان الاجماع منعقد على هذين الحكمين قبل الخارج، والاصل في كل متحقق دوامه لما تحقق في المسألة التي قبلها، إلا أن يوجد المعارض النافي، والاصل عدمه، فمن ادعاه يحتاج إلى الدليل. فإن قيل القول بثبوت الطهارة وصحة الصلاة في محل النزاع إما أن يكون لدليل، أو لا لدليل: لا جائز أن يكون لا لدليل، فإنه خلاف الاجماع، وإن كان لدليل، فإما نص أو قياس أو إجماع: فإن كان بنص أو قياس، فلا بد من إظهاره، ولو ظهر لم يكن إثبات الحكم في محل الخلاف بناء على الاستصحاب، بل بناء على ما ظهر من النص أو القياس. وإن كان بالاجماع، فلا إجماع في محل الخلاف، وإن كان الاجماع قبل خروج الخارج ثابتا. قلنا: متى يفتقر الحكم في بقائه إلى دليل، إذا قيل بنزوله منزلة الجواهر، أو الاعراض ؟ الاول ممنوع، بل هو باق بعد ثبوته بالاجماع لا بدليل، لما سبق تقريره في المسألة المتقدمة، والثاني مسلم، ولكن لم قلتم إنه نازل منزلة الاعراض ؟ سلمنا أنه نازل منزلة الاعراض، وأنه لا بد له من دليل، ولكن لا نسلم انحصار الدليل المبقى فيما ذكروه من النص والاجماع والقياس، إلا أن يبينوا أن الاستصحاب ليس بدليل، وهو موضوع النزاع. سلمنا أن الاستصحاب بنفسه لا يكون دليلا على الحكم الباقي بنفسه، ولكنه دليل الدليل على الحكم، وذلك لانا بينا في المسألة المتقدمة وجود غلبة الظن ببقاء كل ما كان متحققا على حاله، وذلك يدل من جهة الاجمال على دليل موجب لذلك الظن.

[ 137 ]

القسم الثاني فيما ظن أنه دليل صحيح، وليس كذلك وهو أربعة أنواع. النوع الاول - شرع من قبلنا. وفيه مسألتان. المسألة الاولى اختلفوا في النبي عليه السلام قبل بعثته، هل كان متعبدا بشرع أحد من الانبياء قبله ؟ فمنهم من نفى ذلك، كأبي الحسين البصري وغيره، ومنهم من أثبته، ثم اختلف المثبتون: فمنهم من نسبه إلى شرع نوح، ومنهم من نسبه إلى شرع ابراهيم، ومنهم من نسبه إلى موسى، ومنهم من نسبه إلى عيسى. ومن الاصوليين. من قضى بالجواز، وتوقف في الوقوع، كالغزالي والقاضي عبد الجبار وغيرهما من المحققين، وهو المختار. أما الجواز فثابت، وذلك لانه لو امتنع، إما أن يمتنع لذاته، أو لعدم المصلحة في ذلك، أو لمعنى آخر: الاول ممتنع، فإنا لو فرضنا وقوعه، لم يلزم عنه لذاته في العقل محال. والثاني فمبني على وجوب رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه في كتبنا الكلامية، وبتقدير رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى فغير بعيد أن يعلم الله تعالى أن مصلحة الشخص قبل نبوته في تكليفه بشريعة من قبله. والثالث فلا بد من إثباته، إذ الاصل عدمه.

[ 138 ]

وأما الوقوع فيستدعي دليلا، والاصل عدمه، وما يتخيل من الادلة الدالة على الوقوع وعدمه، فمع عدم دلالتها في أنفسها، متعارضة كما يأتي، وليس التمسك بالبعض منها أولى من البعض. فإن قيل: الدليل على أنه لم يكن قبل البعثة متعبدا بشريعة أحد قبله أنه لو كان متعبدا بشريعة من الشرائع السالفة، لنقل عنه فعل ما تعبد به واشتهر تلبسه بتلك الشريعة ومخالطة أهلها، كما هو الجاري من عادة كل متشرع بشريعة، وقد عرفت أحواله قبل البعثة، ولم ينقل عنه شئ من ذلك. وأيضا فإنه لو كان متعبدا ببعض الشرائع السالفة، لافتخر أهل تلك الشريعة بعد بعثته واشتهاره وعلو شأنه بنسبته إليهم وإلى شرعهم. ولم ينقل شئ من ذلك. سلمنا أنه لا دليل يدل على عدم تعبده بشرع من قبله، ولكن لا نسلم عدم الدليل الدال على تعبده بشرع من قبله. ويدل على ذلك أمران. الاول: أن كل من سبق من المرسلين كان داعيا إلى اتباع شرعه كل المكلفين، وكان النبي عليه السلام، داخلا في ذلك العموم. الثاني: أنه، عليه السلام، قبل البعثة كان يصلي، ويحج، ويعتمر ويطوف بالبيت ويعظمه، ويذكي، ويأكل اللحم، ويركب البهائم ويستسخرها، ويتجنب الميتة، وذلك كله مما لا يرشد إليه العقل، ولا يحسن بغير الشرع. والجواب عن الاعتراض الاول أنه مقابل، بأنه لو لم يكن على شريعة من الشرائع، ولا متعبدا بشئ منها، لظهر منه التلبس بخلاف ما أهل تلك الشرائع متلبسون به. واشتهرت مخالفته لهم في ذلك وكانت الدواعي متوفرة على نقله، ولم ينقل عنه شئ من ذلك، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.

[ 139 ]

وعن الاعتراض الاول للمذهب الثاني بمنع دعوة من سبق من الانبياء لكافة المكلفين إلى اتباعه، فإنه لم ينقل في ذلك لفظ يدل على التعميم، ليحكم به. وبتقدير نقله فيحتمل أن يكون زمان نبينا، عليه السلام، زمان اندراس الشرائع المتقدمة وتعذر التكليف بها، لعدم نقلها وتفصيلها، ولذلك بعث في ذلك الزمان. وعن الاعتراض الثاني أنا لا نسلم ثبوت شئ مما ذكروه بنقل يوثق به، وبتقدير ثبوته لا يدل ذلك على أنه كان متعبدا به شرعا، لاحتمال أن تكون صلاته وحجته وعمرته وتعظيمه للبيت بطريق التبرك بفعل مثل ما نقل جملته عن أفعال الانبياء المتقدمين، واندرس تفصيله. وأما أكل اللحم وذبح الحيوان واستسخاره للبهائم، فإنما كان بناء منه على أنه لا تحريم قبل ورود الشرع. وأما تركه للميتة بناء على عيافة نفسه لها، كعيافته لحم الضب، أما أن يكون متعبدا بذلك شرعا، فلا.

[ 140 ]

المسألة الثانية اختلفوا في النبي، عليه السلام وأمته، بعد البعث، هل هم متعبدون بشرع من تقدم ؟ فنقل عن أصحاب أبي حنيفة، وعن أحمد في إحدى الراويتين عنه، وعن بعض أصحاب الشافعي أن النبي عليه السلام، كان متعبدا بما صح من شرائع من قبله بطريق الوحي إليه، لا من جهة كتبهم المبدلة ونقل أربابها. ومذهب الاشاعرة والمعتزلة المنع من ذلك، وهو المختار ويدل على ذلك أمور أربعة. الاول: أن النبي، عليه السلام، لما بعث معاذا إلى اليمن قاضيا قال له بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد ؟ قال: أجتهد رأيي ولم يذكر شيئا من كتب الانبياء الاولين وسننهم، والنبي، عليه السلام، أقره على ذلك، ودعا له، وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله ولو كانت من مدارك الاحكام الشرعية لجرت مجرى الكتاب والسنة في وجوب الرجوع إليها، ولم يجز العدول عنها إلى اجتهاد الرأي إلا بعد البحث عنها واليأس من معرفتها. الثاني: أنه لو كان النبي عليه السلام متعبدا بشريعة من قبله، وكذلك أمته، لكان تعلمها من فروض الكفايات، كالقرآن والاخبار، ولوجب على النبي عليه السلام، مراجعتها، وأن لا يتوقف على نزول الوحي في أحكام الوقائع التي لا خلو للشرائع الماضية عنها، ولوجب أيضا على الصحابة بعد النبي، عليه السلام، مراجعتها والبحث عنها والسؤال لناقليها عند حدوث الوقائع المختلف فيها فيما بينهم، كمسألة الجد والعول وبيع أم الولد والمفوضة وحد الشرب وغير ذلك، على نحو بحثهم عن الاخبار النبوية في ذلك، وحيث لم ينقل شئ من ذلك، علم أن شريعة من تقدم غير متعبد بها لهم.

[ 141 ]

الثالث: أنه لو كان متعبدا باتباع شرع من قبله إما في الكل أو البعض، لما نسب شئ من شرعنا إليه، على التقدير الاول، ولا كل الشرع إليه، على التقدير الثاني، كما لا ينسب شرعه، عليه السلام، إلى من هو متعبد بشرعه من أمته، وهو خلاف الاجماع من المسلمين. الرابع: أن إجماع المسلمين على أن شريعة النبي، عليه السلام، ناسخة لشريعة من تقدم، فلو كان متعبدا بها، لكان مقررا لها ومخبرا عنها، لا ناسخا لها، ولا مشرعا، وهو محال. فإن قيل على الحجة الاولى: إنما لم يتعرض معاذ لذكر التوراة والانجيل، إكتفاء منه بآيات في الكتاب تدل على اتباعهما، على ما يأتي، ولان اسم الكتاب يدخل تحته التوراة والانجيل، لكونهما من الكتب المنزلة. وأما الحجة الثانية، لا نسلم أن تعلم ما قيل بالتعبد به من الشرائع ليس من فروض الكفايات، ولا نسلم عدم مراجعة النبي، عليه السلام، لها. ولهذا نقل عنه مراجعة التوارة في مسألة الرجم، وما لم يراجع فيه شرع من تقدم، إما لان تلك الشرائع لم تكن مبينة له، أو لانه ما كان متعبدا باتباع الشريعة السالفة الا بطريق الوحي، ولم يوح إليه به. وأما عدم بحث الصحابة عنها، فإنما كان لان ما تواتر منها كان معلوما لهم وغير محتاج إلى بحث عنه، وما كان منها منقولا على لسان الآحاد من الكفار لم يكونوا متعبدين به. وأما الحجة الثالثة فإنما ينسب إليه ما كان متعبدا به من الشرائع بأنه من شرعه بطريق التجوز، لكونه معلوما لنا بواسطته وإن لم يكن هو الشارع له. وأما الحجة الرابعة فنحن نقول بها، وأن ما كان من شرعه مخالفا لشرع من تقدم فهو ناسخ له، وما لم يكن من شرعه بل هو متعبد فيه باتباع شرع من تقدم، فلا. 1 - الاحتمال الثاني هو الذي يتفق مع تحرير محل النزاع ومع ما قال به اصحاب المذهب الاول 2 - الظاهر لهم لم يتركوا ذلك الا لا نهم لم يكلفوا بالبحث عن شئ من شرائعهم في غير ما ثبت لديهم في الكتاب والسنة كما تقدم

[ 142 ]

ولهذا فإنه لا يوصف شرعه بأنه ناسخ لبعض ما كان مشروعا قبله، كوجوب الايمان، وتحريم الكفران، والزنى، والقتل، والسرقة، وغير ذلك مما شرعنا فيه موافق لشرع من تقدم. سلمنا دلالة ما ذكرتموه على مطلوبكم، لكنه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من جهة الكتاب والسنة. أما من جهة الكتاب فآيات. الاولى قوله تعالى في حق الانبياء * (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) * (الانعام: 90) أمره باقتدائه بهداهم، وشرعهم من هداهم، فوجب عليه اتباعه. الثانية قوله تعالى * (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح) * (النساء: 163) وقوله تعالى * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) * (الشورى: 13) فدل على وجوب اتباعه لشريعة نوح. الثالثة قوله تعالى * (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم) * (النحل: 123) أمره باتباع ملة ابراهيم، والامر للوجوب. الرابعة قوله تعالى * (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون) * (المائدة: 44) والنبي عليه السلام، من جملة النبيين، فوجب عليه الحكم بها. وأما السنة، فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه رجع إلى التوراة في رجم اليهودي. وأيضا ما روي عنه عندما طلب منه القصاص في سن كسرت، فقال كتاب الله

[ 143 ]

يقضي بالقصاص وليس في الكتب ما يقضي بالقصاص في السن سوى التوراة، وهو قوله تعالى فيها * (السن بالسن) * (المائدة: 45) وأيضا ما روي عنه أنه قال من نام عن صلاة أو أنسيها، فليصلها إذا ذكرها وتلا قوله تعالى * (أقم الصلاة لذكري) * (طه: 14) وهو خطاب مع موسى، عليه السلام. والجواب قولهم (إنما لم يذكر معاذ التوراة والانجيل، لدلالة القرآن عليهما) لا نسلم ذلك، وما يذكرونه في ذلك، فسيأتي الكلام عليه. وإن سلمنا ذلك، لكن لا يكون ذلك كافيا عن ذكرهما، كما لو لم يكن ما في القرآن من ذكر السنة والقياس على ما بيناه، كافيا عن ذكرهما، أو أن لا يكون إلى ذكر السنة والقياس في خبر معاذ حاجة، وكل واحد من الامرين على خلاف الاصل. قولهم (إن الكتب السالفة مندرجة في لفظ الكتاب) ليس كذلك، لان المتبادر من إطلاق لفظ الكتاب في شرعنا عند قول القائل قرأت كتاب الله، وحكمت بكتاب الله ليس غير القرآن. وذلك لما علم من معاناة المسلمين لحفظ القرآن ودراسته والعمل بموجباته، دون غيره من الكتب السالفة. قولهم: لا نسلم أن تعلم ما تعبد به من الشرائع الماضية ليس فرضا على الكفاية - قلنا: لان إجماع المسلمين قبل ظهور المخالفين، على أنه لا تأثيم بترك النظر على كافة المجتهدين في ذلك.

[ 144 ]

وأما مراجعة النبي عليه السلام، التوراة فإنما كان لاظهار صدقه فيما كان قد أخبر به من أن الرجم مذكور في التوراة وإنكاره اليهود ذلك، لا لان يستفيد حكم الرجم منها، ولذلك فإنه لم يرجع إليها فيما سوى ذلك. وما ذكروه في امتناع بحث الصحابة عن ذلك فغير صحيح، لان ما نقل من ذلك متواترا، إنما يعرفه من خالط النقلة له، وكان فاحصا عنه، ولم ينقل عن أحد من الصحابة شئ من ذلك، كيف وإنه قد كان يمكن معرفة ذلك ممن أسلم من أحبار اليهود، وهو ثقة مأمون، كعبد الله بن سلام وكعب الاحبار وغيرهما، ولم ينقل عن النبي عليه السلام، ولا عن أحد من الامة السؤال لهم عن ذلك. وما ذكروه على الحجة الثالثة فترك للظاهر المشهور المتبادر إلى الفهم من غير دليل، فلا يسمع. وما ذكروه على الحجة الرابعة فمندفع، وذلك لان إطلاق الامة أن شرع النبي عليه السلام، ناسخ للشرائع السالفة بينهم، يفهم منه أمران: أحدهما رفع أحكامها، والثاني أنه غير متعبد بها. فما لم يثبت رفعه من تلك الاحكام بشرعه ضرورة استمراره، فلا يكون ناسخا له، فيبقى المفهوم الآخر، وهو عدم تعبده به. ولا يلزم من مخالفة دلالة الدليل على أحد مدلوليه مخالفته بالنظر إلى المدلول الآخر. والجواب عن المعارضة بالآية الاولى أنه إنما أمره باتباع هدى مضاف إلى جميعهم، مشترك بينهم، دون ما وقع به الخلاف فيما بينهم، والناسخ والمنسوخ منه، لاستحالة اتباعه وامتثاله، والهدى المشترك فيما بينهم، إنما هو التوحيد، والادلة

[ 145 ]

العقلية، الهادية إليه، وليس ذلك من شرعهم في شئ. ولهذا قال فبهداهم اقتده ولم يقل بهم وبتقدير أن يكون المراد من الهدي المشترك، ما اتفقوا فيه من الشرائع دون ما اختلفوا فيه، فاتباعه له إنما كان بوحي إليه وأمر مجدد، لا أنه بطريق الاقتداء بهم. وعن قوله تعالى * (إنا أوحينا إليك، كما أوحينا إلى نوح) * (النساء: 163) أنه لا دلالة له على أنه موحى إليه بعين ما أوحي به إلى نوح والنبيين من بعده، حتى يقال باتباعه لشريعتهم، بل غايته أنه أوحى إليه، كما أوحى إلى غيره من النبيين، قطعا لاستبعاد ذلك، وإنكاره. وبتقدير أن يكون المراد به أنه أوحى إليه بما أوحى به إلى غيره من النبيين، فغايته أنه أوحى إليه بمثل شريعة من قبله بوحي مبتدإ، لا بطريق الاتباع لغيره. وعن قوله تعالى * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) * (الشورى: 13) أن المراد من الدين إنما هو أصل التوحيد، لا ما اندرس من شريعته. ولهذا لم ينقل عن النبي عليه السلام، البحث عن شريعة نوح، وذلك مع التعبد بها في حقه ممتنع، وحيث خصص

[ 146 ]

نوحا بالذكر، مع اشتراك جميع الانبياء في الوصية بالتوحيد، كان تشريفا له وتكريما، كما خصص روح عيسى بالاضافة إليه، والمؤمنين بلفظ العباد، وعن قوله تعالى: * (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم) * (النحل: 123) أن المراد بلفظ الملة، إنما هو أصول التوحيد وإجلال الله تعالى بالعبادة دون الفروع الشرعية، ويدل على ذلك أربعة أوجه، الاول أن لفظ الملة لا يطلق على الفروع الشرعية، بدليل أنه لا يقال ملة الشافعي وملة أبي حنيفة، لمذهبيهما في الفروع الشرعية. الثاني: أنه قال عقيب ذلك * (وما كان من المشركين) * (النحل: 123)، ذكر ذلك في مقابلة الدين، ومقابل الشرك إنما هو التوحيد. الثالث: أنه قال * (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) * (البقرة: 130) ولو كان المراد من الدين الاحكام الفرعية، لكان من خالفه فيها من الانبياء سفيها، وهو محال. الرابع: أنه لو كان المراد من الدين فروع الشريعة، لوجب على النبي عليه السلام، البحث عنها لكونه مأمورا بها، وذلك مع اندراسها ممتنع. ثم وإن سلمنا أن المراد بالملة الفروع الشرعية، غير أنه إنما وجب عليه اتباعها بما أوحى. ولهذا قال: ثم أوحينا إليك. وعن قوله تعالى * (إنا أنزلنا التوراة) * (المائدة: 44) الاية، أن قوله * (يحكم بها النبيون) * (المائدة: 44) صيغة إخبار، لا صيغة أمر، وذلك لا يدل على وجوب اتباعها. وبتقدير أن يكون ذلك أمرا، فيجب حمله على ما هو مشترك الوجوب بين جميع الانبياء، وهو التوحيد،

[ 147 ]

دون الفروع الشرعية المختلف فيها فيما بينهم، لامكان تنزيل لفظ النبيين على عمومه، بخلاف التنزيل على الفروع الشرعية. كيف وإن هذه الآيات متعارضة، والعمل بجميعها ممتنع، وليس العمل بالبعض أولى من البعض. وعن الخبر الاول، وهو رجوع النبي عليه السلام، إلى التوراة في رجم اليهودي ما سبق. وعن الخبر الثاني، لا نسلم أن كتابنا غير مشتمل على قصاص السن بالسن، ودليله قوله تعالى * (فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (البقرة: 194) وهو عام في السن وغيره. وعن الخبر الثالث أنه لم يذكر الخطاب مع موسى، لكونه موجبا لقضاء الصلاة عند النوم والنسيان، وإنما أوجب ذلك بما أوحى إليه، ونبه على أن أمته مأمورة بذلك، كما أمر موسى عليه السلام. ثم ما ذكرتموه من النقل معارض بقوله عليه السلام بعثت إلى الاحمر والاسود وكل نبي بعث إلى قومه، والنبي عليه السلام، لم يكن من أقوام الانبياء المتقدمين، فلا يكون متعبدا بشرعهم وبما روي عنه عليه السلام، أنه رأى مع عمر بن الخطاب

[ 148 ]

قطعة من التوراة ينظر فيها، فغضب وقال ألم آت بها بيضاء نقية، لو أدركني أخي موسى لما وسعه إلا اتباعي أخبر بأن موسى، لو كان حيا، لما وسعه إلا اتباعه، فلان لا يكون النبي، عليه السلام، متبعا لموسى بعد موته أولى. وربما عورض أيضا بقوله تعالى * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) * (المائدة: 48) والشرعة، الشريعة والمنهاج الطريق، وذلك يدل على عدم اتباع الاخير لمن تقدم من الانبياء، لان الشريعة لا تضاف إلا إلى من اختص بها، دون التابع لها، ولا حجة فيه، فإن الشرائع، وإن اشتركت في شئ، فمختلفة في أشياء. وباعتبار ما به الاختلاف بينها كانت شرائع مختلفة، وذلك كما يقال: لكل إمام مذهب، باعتبار اختلاف الائمة في بعض الاحكام، وإن وقع الاتفاق بينهم في كثير منها. وربما أورد النفاة في ذلك طرقا أخرى شتى ضعيفة، آثرنا الاعراض عن ذكرها. وكما أن النبي عليه السلام، لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم إلا بوحي مجدد، لم يكن قبل بعثته على ما كان قومه عليه، بل كان متجنبا لاصنامهم، معرضا عن أزلامهم، ولا يأكل من ذبائحهم على النصب. هذا هو مذهب أصحاب الشافعي وأئمة المسلمين. ومن الاصوليين من قال بالوقف، وهو بعيد.

[ 149 ]

النوع الثاني مذهب الصحابي، وفيه مسألتان: المسألة الاولى اتفق الكل على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماما كان أو حاكما أو مفتيا. واختلفوا في كونه حجة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين: فذهبت الاشاعرة والمعتزلة والشافعي في أحد قوليه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، والكرخي إلى أنه ليس بحجة، وذهب مالك بن انس والرازي والبرذعي من أصحاب أبي حنيفة والشافعي في قول له وأحمد بن حنبل في رواية له إلى أنه حجة مقدمة على القياس، وذهب قوم إلى أنه إن خالف القياس، فهو حجة، وإلا، فلا، وذهب قوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر دون غيرهما. والمختار أنه ليس بحجة مطلقا. وقد احتج النافون بحجج ضعيفة، لا بد من ذكرها والاشارة إلى وجه ضعفها، قبل ذكر ما هو المختار في ذلك. الحجة الاولى قوله تعالى * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) أوجب الرد عند الاختلاف إلى الله والرسول، فالرد إلى مذهب الصحابي يكون تركا للواجب، وهو ممتنع. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله تعالى * (فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) يدل على الوجوب، على ما سبق تقريره. فالرد إلى مذهب الصحابي لا يكون تركا للواجب. وإن سلمنا أنه للوجوب، ولكن عند إمكان الرد، وهو أن يكون حكم المختلف فيه مبينا في الكتاب أو السنة، وأما بتقدير أن لا يكون مبينا فيهما، فلا.

[ 150 ]

ونحن إنما نقول باتباع مذهب الصحابي مع عدم الظفر بما يدل على حكم الواقعة من الكتاب والسنة. الحجة الثانية قالوا: أجمعت الصحابة على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة المجتهدين للآخر. ولو كان مذهب الصحابي حجة لما كان كذلك، وكان يجب على كل واحد منهم اتباع الآخر، وهو محال. ولقائل أن يقول: الخلاف إنما هو في كون مذهب الصحابي حجة على من بعده من مجتهدة التابعين ومن بعدهم، لا مجتهدة الصحابة، فلم يكن الاجماع دليلا على محل النزاع. الحجة الثالثة أن الصحابي من أهل الاجتهاد، والخطأ ممكن عليه، فلا يجب على التابع المجتهد العمل بمذهبه كالصحابيين والتابعيين. ولقائل أن يقول: لا يلزم من امتناع وجوب العمل بمذهب الصحابي على صحابي مثله، وامتناع وجوب العمل بمذهب التابعي على تابعي مثله، امتناع وجوب عمل التابعي بمذهب الصحابي مع تفاوتهما، على ما قال عليه السلام خير القرون القرن الذي أنا فيه وقال عليه السلام أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم ولم يرد مثل ذلك في حق غيرهم.

[ 151 ]

الحجة الرابعة: أن الصحابة قد اختلفوا في مسائل، وذهب كل واحد إلى خلاف مذهب الآخر، كما في مسائل الجد مع الاخوة وقوله أنت علي حرام كما سبق تعريفه، فلو كان مذهب الصحابي حجة على غيره من التابعين، لكانت حجج الله تعالى مختلفة متناقضة، ولم يكن اتباع التابعي للبعض أولى من البعض. ولقائل أن يقول: اختلاف مذاهب الصحابة لا يخرجها عن كونها حججا في أنفسها، كأخبار الآحاد، والنصوص الظاهرة، ويكون العمل بالواحد منها متوققا على الترجيح، ومع عدم الوقوف على الترجيح، فالواجب الوقف، أو التخيير، كما عرف فيما تقدم. الحجة الخامسة: أن قول الصحابي عن اجتهاد مما يجوز عليه الخطأ، فلا يقدم على القياس، كالتابعي. ولقائل أن يقول: اجتهاد الصحابي، وإن جاز عليه الخطأ فلا يمنع ذلك من تقديمه على القياس، كخبر الواحد، ولا يلزم من امتناع تقديم مذهب التابعي على القياس، امتناع ذلك في مذهب الصحابي، لما بيناه من الفرق بينهما.

[ 152 ]

الحجة السادسة: أن التابعي المجتهد متمكن من تحصيل الحكم بطريقه، فلا يجوز له التقليد فيه، كالاصول. ولقائل أن يقول: اتباع مذهب الصحابي إنما يكون تقليدا له إن لو لم يكن قوله حجة متبعة، وهو محل النزاع، وخرج عليه الاصول، فإن القطع واليقين معتبر فيها، ومذهب الغير من أهل الاجتهاد فيها ليس بحجة قاطعة، فكان اتباعه في مذهبه تقليدا من غير دليل، وذلك لا يجوز. والمعتمد في ذلك الاحتجاج بقوله تعالى * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) أوجب الاعتبار، وأراد به القياس، كما سبق تقريره في إثبات كون القياس حجة. وذلك ينافي وجوب اتباع مذهب الصحابي وتقديمه على القياس. فإن قيل: لا نسلم دلالة على وجوب اتباع القياس، وقد سبق تقريره من وجوه، سلمنا دلالته على ذلك، لكنه معارض من جهة الكتاب، والسنة، والاجماع، والمعقول. أما الكتاب، فقوله تعالى * (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف) * (آل عمران: 110) وهو خطاب مع الصحابة بأن ما يأمرون به معروف، والامر بالمعروف واجب القبول. وأما السنة فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقوله عليه السلام اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ولا يمكن

[ 153 ]

حمل ذلك على مخاطبة العامة والمقلدين لهم، لما فيه من تخصيص العموم من غير دليل، ولما فيه من إبطال فائدة تخصيص الصحابة بذلك، من جهة وقوع الاتفاق على جواز تقليد العامة لغير الصحابة من المجتهدين، فلم يبق إلا أن يكون المراد به وجوب اتباع مذاهبهم. وأما الاجماع فهو أن عبد الرحمن بن عوف ولى عليا، رضي الله عنه، الخلافة بشرط الاقتداء بالشيخين، فأبى، وولى عثمان، فقبل، ولم ينكر عليه منكر، فصار إجماعا. وأما المعقول فمن وجوه. الاول: أن الصحابي إذا قال قولا يخالف القياس، فإما أن لا يكون له فيما قال

[ 154 ]

مستند، أو يكون: لا جائز أن يقال بالاول، وإلا كان قائلا في الشريعة بحكم لا دليل عليه، وهو محرم، وحال الصحابي العدل ينافي ذلك. وإن كان الثاني فلا مستند وراء القياس سوى النقل، فكان حجة متبعة الثاني: أن قول الصحابي إذا انتشر، ولم ينكر عليه منكر، كان حجة، فكان حجة مع عدم الانتشار، كقول النبي عليه السلام. الثالث: أن مذهب الصحابي إما أن يكون عن نقل أو اجتهاد: فإن كان الاول، كان حجة، وإن كان الثاني، فاجتهاد الصحابي مرجح على اجتهاد التابعي ومن بعده، لترجحه بمشاهدة التنزيل، ومعرفة التأويل، ووقوفه من أحوال النبي عليه السلام، ومراده من كلامه، على ما لم يقف عليه غيره، فكان حال التابعي إليه كحال العامي بالنسبة إلى المجتهد التابعي، فوجب اتباعه له. والجواب عن منع دلالة الآية ما ذكرناه. وعن القوادح ما سبق. وعن المعارضة بالكتاب، أنه لا دلالة فيه، لما سبق في إثبات الاجماع. وإن كان دالا فهو خطاب مع جملة الصحابة، ولا يلزم من كون ما أجمعوا عليه حجة أن يكون قول الواحد والاثنين حجة. وعن السنة أنه لا دلالة فيها أيضا، لما سبق في الاجماع، ولان الخبر الاول وإن كان عاما في أشخاص الصحابة، فلا دلالة فيه على عموم الاقتداء في كل ما يقتدى فيه. وعند ذلك، فقد أمكن حمله على الاقتداء بهم فيما يرونه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس الحمل على غيره أولى من الحمل عليه، وبه يظهر فساد التمسك بالخبر الثاني. وعن الاجماع، أنه إنما لم ينكر أحد من الصحابة على عبد الرحمن وعثمان ذلك، لانهم حملوا لفظ الاقتداء على المتابعة في السيرة والسياسة، دون المتابعة في المذهب، بدليل الاجماع على أن مذهب الصحابي ليس حجة على غيره من الصحابي المجتهدين، كيف وإنه لو كان المراد بشرط الاقتداء بهما المتابعة في مذهبهما فالقائل بأن مذهب الصحابي حجة قائل بوجوب اتباعه، والقائل أنه ليس بحجة قائل بتحريم اتباعه على غيره من المجتهدين، ويلزم من ذلك الخطأ بسكوت الصحابة عن الانكار

[ 155 ]

إما على علي حيث امتنع من الاقتداء، إن كان ذلك واجبا، وإما على عثمان و عبد الرحمن بن عوف، إن كان الاقتداء بالشيخين محرما. وذلك ممتنع وعن المعارضة الاولى من المعقول أنها منتقضة بمذهب التابعي، فإن ما ذكروه بعينه ثابت فيه، وليس بحجة بالاتفاق. وعن الثانية أنه لا يخلو إما أن يقول بأن قول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر عليه منكر، أيكون ذلك إجماعا، أم لا يكون إجماعا ؟ فإن كان الاول، فالحجة في الاجماع، لا في مذهب الصحابي، وذلك غير متحقق فيما إذا لم ينتشر، وإن كان الثاني، فلا حجة فيه مطلقا، كيف وإن ما ذكروه منتقض بمذهب التابعي، فإنه إذا انتشر في عصره، ولم يوجد له نكير كان حجة، ولا يكون حجة بتقدير عدم انتشاره إجماعا. وعن الثالثة: لا نسلم أن مستنده النقل، لانه لو كان معه نقل لابداه ورواه، لانه من العلوم النافعة. وقد قال عليه السلام من كتم علما نافعا ألجمه الله بلجام من نار وذلك خلاف الظاهر من حال الصحابي، فلم يبق إلا أن يكون عن رأي واجتهاد، وعند ذلك فلا يكون حجة على غيره من المجتهدين بعده، لجواز أن يكون دون غيره في الاجتهاد، وإن كان متميزا بما ذكروه من الصحبة ولوازمها. ولهذا قال عليه السلام فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثم هو منتقض بمذهب التابعي فإنه ليس بحجة على من بعده من تابعي التابعين، وإن كانت نسبته إلى تابعي التابعين كنسبة الصحابي إليه.

[ 156 ]

المسألة الثانية إذا ثبت أن مذهب الصحابي ليس بحجة واجبة الاتباع، فهل يجوز لغيره تقليده ؟ أما العامي فيجوز له ذلك من غير خلاف، وأما المجتهد من التابعين ومن بعدهم، فيجوز له تقليده إن جوزنا تقليد العالم للعالم، وإن لم نجوز ذلك فقد اختلف قول الشافعي في جواز تقليد العالم من التابعين للعالم من الصحابة فمنع من ذلك في الجديد، وجوزه في القديم. غير أنه اشترط انتشار مذهبه تارة، ولم يشترطه تارة. والمختار امتناع ذلك مطلقا، لما يأتي في قاعدة الاجتهاد ان شاء الله تعالى. النوع الثالث الاستحسان وقد اختلف فيه فقال به أصحاب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل، وأنكره الباقون، حتى نقل عن الشافعي أنه قال من استحسن، فقد شرع. ولا بد قبل النظر في الحجاج من تلخيص محل النزاع، ليكون التوارد بالنفي والاثبات على محز واحد، فنقول. الخلاف ليس في نفس إطلاق لفظ الاستحسان جوازا وامتناعا، لوروده في الكتاب والسنة وإطلاق أهل اللغة. أما الكتاب فقوله تعالى * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) * (الزمر: 18) وقوله تعالى * (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) * (الاعراف: 145). وأما السنة فقوله عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.

[ 157 ]

وأما الاطلاق فما نقل عن الائمة من استحسان دخول الحمام من غير تقدير عوض للماء المستعمل، ولا تقدير مدة السكون فيها، وتقدير أجرته، واستحسان شرب الماء من أيدي السقائين من غير تقدير في الماء وعوضه. وقد نقل عن الشافعي أنه قال: أستحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما، وأستحسن ثبوت الشفعة للشفيع إلى ثلاثة أيام، وأستحسن ترك شئ للمكاتب من نجوم الكتابة. وقال في السارق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى، فقطعت: القياس أن تقطع يمناه، والاستحسان أن لا تقطع. فلم يبق الخلاف إلا في معنى الاستحسان وحقيقته، ولا شك أن الاستحسان قد يطلق على ما يميل إليه الانسان ويهواه من الصور والمعاني، وإن كان مستقبحا عند غيره، وهو في اللغة استفعال من الحسن، وليس ذلك هو محز الخلاف لاتفاق الامة قبل ظهور المخالفين على امتناع حكالمجتهد في شرع الله تعالى بشهواته وهواه، من غير دليل شرعي، وأنه لا فرق في ذلك بين المجتهد والعامي، وإنما محز الخلاف فيما وراء ذلك. وقد اختلف أصحاب أبي حنيفة في تعريفه بحده: فمنهم من قال إنه عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على إظهاره لعدم مساعدة العبارة عنه. والوجه في الكلام عليه أنه إن تردد فيه بين أن يكون دليلا محققا، ووهما فاسدا، فلا خلاف في امتناع التمسك به وإن تحقق أنه دليل من الادلة الشرعية فلا نزاع في جواز التمسك به أيضا، وإن كان ذلك في غاية البعد، وإنما النزاع في تخصيصه باسم الاستحسان عند العجز عن التعبير عند دون حالة إمكان التعبير عنه، ولا حاصل للنزاع اللفظي. ومنهم من قال إنه عبارة عن العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، ويخرج منه الاستحسان عندهم بالعدول عن موجب القياس إلى النص من الكتاب أو السنة أو العادة.

[ 158 ]

أما الكتاب فكما في قول القائل: مالي صدقة، فإن القياس لزوم التصدق بكل مال له، وقد استحسن تخصيص ذلك بمال الزكاة كما في قوله تعالى * (خذ من أموالهم صدقة) * (التوبة: 9) ولم يرد به سوى مال الزكاة. وأما السنة فكاستحسانهم أن لا قضاء على من أكل ناسيا في نهار رمضان، والعدول عن حكم القياس إلى قوله، عليه السلام، لمن أكل ناسيا ألله أطعمك وسقاك. وأما العادة فكالعدول عن موجب الاجارات في ترك تقدير الماء المستعمل في الحمام، وتقدير السكنى فيها، ومقدار الاجرة، كما ذكرناه فيما تقدم، للعادة في ترك المضايقة في ذلك. ومنهم من قال إنه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه، وحاصله يرجع إلى تخصيص العلة، وقد عرف ما فيه. وقال الكرخي: الاستحسان هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه، لوجه هو أقوى، ويدخل فيه العدول عن حكم العموم إلى مقابله للدليل المخصص، والعدول عن حكم الدليل المنسوخ إلى مقابله للدليل الناسخ، وليس باستحسان عندهم. وقال أبو الحسين البصري: هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الالفاظ، لوجه هو أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الاول، وقصد بقوله (غير شامل شمول الالفاظ) الاحتراز عن العدول عن العموم إلى القياس، لكونه لفظا شاملا، وبقوله (وهو في حكم الطارئ) الاحتراز عن قولهم: تركنا الاستحسان بالقياس، فإنه ليس استحسانا، من حيث إن القياس الذي ترك له الاستحسان ليس في حكم الطارئ، بل هو الاصل، وذلك كما لو قرأ أية سجدة في آخر سورة، فالاستحسان أن يسجد لها، ولا يجتزئ بالركوع، ومقتضى القياس أن يجتزئ بالركوع، فإنهم قالوا بالعدول ها هنا عن الاستحسان إلى القياس. وهذا الحد وإن كان أقرب مما تقدم لكونه جامعا مانعا، غير أن حاصله يرجع إلى تفسير الاستحسان بالرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابله بدليل طارئ

[ 159 ]

عليه أقوى منه، من نص أو إجماع أو غيره، ولا نزاع في صحة الاحتجاج به. وإن نوزع في تلقيبه بالاستحسان، فحاصل النزاع راجع فيه إلى الاطلاقات اللفظية، ولا حاصل له، وإنما النزاع في إطلاقهم الاستحسان على العدول عن حكم الدليل إلى العادة، وهو أن يقال: إن أردتم بالعادة ما اتفق عليه الامة من أهل الحل والعقد، فهو حق، وحاصله راجع إلى الاستدلال بالاجماع. وإن أريد به عادة من لا يحتج بعادته، كالعادات المستحدثة للعامة فيما بينهم، فذلك مما يمتنع ترك الدليل الشرعي به. وإذا تحقق المطلوب في هذه المسألة، فلا بد من الاشارة إلى شبه تمسك بها القائلون بالاستحسان في بيان كون المفهوم منه حجة مع قطع النظر عن تفصيل القول فيه، والاشارة إلى جهة ضعفها. وقد تمسكوا في ذلك بالكتاب، والسنة، وإجماع الامة. أما الكتاب فقوله تعالى * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) * (الزمر: 18) وقوله تعالى * (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) * (الزمر: 55). ووجه الاحتجاج بالآية الاولى ورودها في معرض الثناء والمدح لمتبع أحسن القول، وبالآية الثانية من جهة أنه أمر باتباع أحسن ما أنزل، ولولا أنه حجة لما كان كذلك. وأما السنة فقوله، عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن ولولا أنه حجة لما كان عند الله حسنا. وأما إجماع الامة فما ذكر من استحسانهم دخول الحمام وشرب الماء من أيدي السقائين من غير تقدير لزمان السكون وتقدير الماء والاجرة. والجواب عن الآية الاولى أنه لا دلالة له فيها على وجوب اتباع أحسن القول، وهو محل النزاع. وعن الآية الثانية أنه لا دلالة أيضا فيها على أن ما صاروا إليه دليل منزل، فضلا عن كونه أحسن ما أنزل. وعن الخبر كذلك أيضا، فإن قوله ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن إشارة إلى إجماع المسلمين، والاجماع حجة ولا يكون الا عن دليل، وليس فيه

[ 160 ]

دلالة على أن ما رآه آحاد المسلمين حسنا أنه حسن عند الله، وإلا كان ما رآه آحاد العوام من المسلمين حسنا أن يكون حسنا عند الله، وهو ممتنع. وعن الاجماع على استحسان ما ذكروه، لا نسلم أن استحسانهم لذلك هو الدليل على صحته، بل الدليل ما دل على استحسانهم له، وهو جريان ذلك في زمن النبي عليه السلام، مع علمه به وتقريره لهم عليه أو غير ذلك النوع الرابع - المصالح المرسلة وقد بينا في القياس حقيقة المصلحة وأقسامها في ذاتها وانقسامها باعتبار شهادة الشارع لها إلى معتبرة وملغاة، وإلى ما لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا إلغاء، وبينا ما يتعلق بالقسمين الاولين، ولم يبق غير القسم الثالث، وهو المعبر عنه بالمناسب المرسل، وهذا أوان النظر فيه. وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به، وهو الحق، إلا ما نقل عن مالك أنه يقول به، مع إنكار أصحابه لذلك عنه، ولعل النقل إن صح عنه فالاشبه أنه لم يقل بذلك في كل مصلحة، بل فيما كان من المصالح الضرورية الكلية الحاصلة قطعا، لا فيما كان من المصالح غير ضروري، ولا كلي، ولا وقوعه قطعي، وذلك كما لو تترس الكفار بجماعة من المسلمين، بحيث لو كففنا عنهم، لغلب الكفار على دار الاسلام، واستأصلوا شأفة المسلمين، ولو رمينا الترس وقتلناهم، اندفعت المفسدة عن كافة المسلمين قطعا، غير أنه يلزم منه قتل مسلم لا جريمة له. فهذا القتل وإن كان مناسبا في هذه الصورة، والمصلحة ضرورية كلية قطعية، غير أنه لم يظهر من الشارع اعتبارها ولا إلغاؤها في صورة.

[ 161 ]

وإذا عرف ذلك، فالمصالح على ما بينا منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتبارها، وإلى ما عهد منه إلغاؤها. وهذا القسم متردد بين ذينك القسمين، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار، يعرف أنه من قبيل المعتبر دون الملغى. فإن قيل: ما ذكرتموه فرع تصور وجود المناسب المرسل، وهو غير متصور، وذلك لانا أجمعنا على أن ثم مصالح معتبرة في نظر الشارع في بعض الاحكام، وأي وصف قدر من الاوصاف المصلحية فهو من جنس ما اعتبر وكان من قبيل الملائم الذي أثر جنسه في جنس الحكم، وقد قلتم به، قلنا وكما أنه من جنس المصالح المعتبرة فهو من جنس المصالح الملغاة، فإن كان يلزم من كونه من جنس ما اعتبر من المصالح أن يكون معتبرا، فيلزم أن يكون ملغى ضرورة كونه من جنس المصالح الملغاة، وذلك يؤدي إلى أن يكون الوصف الواحد معتبرا ملغى بالنظر إلى حكم واحد، وهو محال. وإذا كان كذلك، فلا بد من بيان كونه معتبرا بالجنس القريب منه لنأمن إلغاءه، والكلام فيما إذا لم يكن كذلك.

[ 162 ]

القاعدة الثالثة في المجتهدين وأحوال المفتين والمستفتين وتشتمل على بابين الباب الاول في المجتهدين ويشتمل على مقدمة ومسائل. أما المقدمة ففي تعريف معنى الاجتهاد والمجتهد، والمجتهد فيه. أما (الاجتهاد) فهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الامور مسلتزم للكلفة والمشقة. ولهذا يقال اجتهد فلان في حمل حجر البزارة، ولا يقال اجتهد في حمل خردلة. وأما في اصطلاح الاصوليين فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشئ من الاحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه فقولنا (استفراغ الوسع) كالجنس للمعنى اللغوي والاصولي، وما وراءه خواص مميزة للاجتهاد بالمعنى الاصولي. وقولنا (في طلب الظن) احتراز عن الاحكام القطعية وقولنا (بشئ من الاحكام الشرعية) ليخرج عنه الاجتهاد في المعقولات والمحسات وغيرها. وقولنا (بحيث يحس من النفس العجز عن المزيد فيه) ليخرج عنه اجتهاد المقصر في اجتهاده مع إمكان الزيادة عليه، فإنه لا يعد في اصطلاح الاصوليين اجتهادا معتبرا. وأما (المجتهد) فكل من اتصف بصفة الاجتهاد، وله شرطان: الشرط الاول أن يعلم وجود الرب تعالى، وما يجب له من الصفات، ويستحقه من الكمالات، وأنه واجب الوجود لذاته، حي، عالم، قادر، مريد، متكلم، حتى يتصور منه التكليف، وأن يكون مصدقا بالرسول، وما جاء به من الشرع

[ 163 ]

المنقول، بما ظهر على يده من المعجزات، والآيات الباهرات، ليكون فيما يسنده إليه من الاقوال والاحكام محققا. ولا يشترط أن يكون عارفا بدقائق علم الكلام، متبحرا فيه، كالمشاهير من المتكلمين، بل أن يكون عارفا بما يتوقف عليه الايمان، مما ذكرناه، ولا يشترط أن يكون مستند علمه في ذلك الدليل المفصل، بحيث يكون قادرا على تقريره وتحريره ودفع الشبه عنه، كالجاري من عادة الفحول، من أهل الاصول، بل أن يكون عالما بأدلة هذه الامور من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل. الشرط الثاني أن يكون عالما عارفا بمدارك الاحكام الشرعية وأقسامها، وطرق إثباتها، ووجوه دلالاتها على مدلولاتها، واختلاف مراتبها، والشروط المعتبرة فيها، على ما بيناه، وأن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها، وكيفية استثمار الاحكام منها، قادرا على تحريرها وتقريرها، والانفصال عن الاعتراضات الواردة عليها. وإنما يتم ذلك بأن يكون عارفا بالرواة وطرق الجرح والتعديل، والصحيح والسقيم، كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وأن يكون عارفا بأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ في النصوص الاحكامية، عالما باللغة والنحو، ولا يشترط أن يكون في اللغة كالاصمعي، وفي النحو كسيبويه والخليل، بل أن يكون قد حصل من ذلك على ما يعرف به أوضاع العرب والجاري من عاداتهم في المخاطبات، بحيث يميز بين دلالات الالفاظ من المطابقة، والتضمين، والالتزام، والمفرد والمركب، والكلي منها والجزئي، والحقيقة والمجاز، والتواطئ والاشتراك، والترادف والتباين، والنص والظاهر، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمنطوق

[ 164 ]

والمفهوم، والاقتضاء والاشارة، والتنبيه والايماء، ونحو ذلك مما فصلناه. ويتوقف عليه استثمار الحكم من دليله. وذلك كله أيضا إنما يشترط في حق المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في جميع مسائل الفقه. وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل، فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق بتلك المسألة، وما لا بد منه فيها ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق له بها، مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية، كما أن المجتهد المطلق قد يكون مجتهدا في المسائل المتكثرة، بالغا رتبة الاجتهاد فيها وإن كان جاهلا ببعض المسائل الخارجة عنها، فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام المسائل ومداركها. فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر ولهذا نقل عن مالك أنه سئل عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها لا أدري. وأما ما فيه الاجتهاد: فما كان من الاحكام الشرعية دليله ظني. فقولنا (من الاحكام الشرعية) تمييز له عما كان من القضايا العقلية، واللغوية، وغيرها. وقولنا (دليله ظني) تمييز له عما كان دليله منها قطعيا، كالعبادات الخمس، ونحوها، فإنها ليست محلا للاجتهاد فيها، لان المخطئ فيها يعد آثما والمسائل الاجتهادية، ما لا يعد المخطئ فيها باجتهاده آثما. هذا ما أردناه من بيان المقدمة. وأما المسائل فاثنتا عشرة مسألة.

[ 165 ]

المسألة الاولى اختلفوا في أن النبي عليه السلام، هل كان متعبدا بالاجتهاد فيما لا نص فيه ؟ فقال أحمد بن حنبل والقاضي أبو يوسف إنه كان متعبدا به وقال أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم إنه لم يكن متعبدا به. وجوز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع، وبه قال بعض أصحاب الشافعي والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري. ومن الناس من قال إنه كان له الاجتهاد في أمور الحروب، دون الاحكام الشرعية. والمختار جواز ذلك عقلا ووقوعه سمعا. أما الجواز العقلي، فلانا لو فرضنا أن الله تعالى تعبده بذلك، وقال له حكمي عليك أن تجتهد وتقيس لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، ولا معنى للجواز العقلي سوى ذلك. وأما الوقوع السمعي فيدل عليه الكتاب، والسنة، والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) أمر بالاعتبار على العموم لاهل البصائر، والنبي عليه السلام، أجلهم في ذلك، فكان داخلا في العموم، وهو دليل التعبد بالاجتهاد والقياس، على ما سبق تقريره في إثبات القياس على منكريه وأيضا قوله تعالى * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) * (النساء: 15)

[ 166 ]

وما أراه يعم الحكم بالنص، والاستنباط من النصوص، وأيضا قوله تعالى * (وشاورهم في الامر) * (آل عمران: 159) والمشاورة إنما تكون فيما يحكم فيه بطريق الاجتهاد لا فيما يحكم فيه بطريق الوحي. وأيضا قوله تعالى بطريق العتاب للنبي عليه السلام، في أسارى بدر، وقد أطلقهم * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض) * (الانفال: 67) فقال عليه السلام لو نزل من السماء إلى الارض عذاب، ما نجا منه إلا عمر لانه كان قد أشار بقتلهم، وذلك يدل على أن ذلك كان بالاجتهاد، لا بالوحي. وأيضا قوله تعالى * (عفا الله عنك لم أذنت لهم) * (التوبة: 43) عاتبه على ذلك ونسبه إلى الخطإ، وذلك لا يكون فيما حكم فيه بالوحي، فلم يبق سوى الاجتهاد، وليس ذلك خاصا بالنبي عليه السلام، بل كان غيره أيضا من الانبياء متعبدا بذلك. ويدل عليه قوله تعالى * (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) * (الانبياء: 78) الآية، وقوله * (ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما) * (الانبياء: 79) وما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد لا بطريق الوحي. وأما السنة فما روى الشعبي أنه كان رسول الله، (ص)، يقضي القضية وينزل القرآن بعد ذلك بغير ماكان قضى به، فيترك ما قضى به على حاله، ويستقبل ما نزل به

[ 167 ]

القرآن، والحكم بغير القرآن لا يكون إلا باجتهاد. وأيضا ما روي عنه أنه قال في مكة لا يختلا خلاها، ولا يعضد شجرها. فقال العباس: إلا الاذخر. فقال عليه السلام إلا الاذخر ومعلوم أن الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة، فكان الاستثناء بالاجتهاد. وأيضا ما روى عنه عليه السلام أنه قال العلماء ورثة الانبياء وذلك يدل على أنه كان متعبدا بالاجتهاد، والا لما كانت علماء أمته وارثة لذلك عنه، وهو خلاف الخبر. وأما المعقول فمن وجهين: الاول: أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بدلالة النص لظهوره، وزيادة المشقة سبب لزيادة الثواب، لقوله عليه السلام، لعائشة ثوابك على قدر نصبك وقوله عليه السلام، أفضل العبادات أحمذها أي أشقها، فلو لم يكن النبي عليه السلام عاملا بالاجتهاد مع عمل أمته به. لزم اختصاصهم بفضيلة لم توجد له، وهو ممتنع، فإن آحاد أمة النبي (ص) لا يكون أفضل من النبي في شئ أصلا.

[ 168 ]

الثاني: أن القياس هو النظر في ملاحظة المعنى المستنبط من الحكم المنصوص عليه، وإلحاق نظير المنصوص به، بواسطة المعنى المستبنط، والنبي عليه السلام، أولى بمعرفة ذلك من غيره لسلامة نظره، وبعده عن الخطإ، والاقرار عليه. وإذا عرف ذلك فقد ترجح في نظره إثبات الحكم في الفرع ضرورة، فلو لم يقض به، لكان تاركا لما ظنه حكما لله تعالى على بصيرة منه، وهو حرام بالاجماع. فإن قيل: ما ذكرتموه في بيان الجواز العقلي، فالاعتراض عليه يأتي فيما نذكره من المعقول. وأما الآية الاولى، فقد سبق الاعتراض عليها فيما تقدم. وأما قوله تعالى * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، لتحكم بين الناس بما أراك الله) * (النساء: 105) أي بما أنزل اليك. وأما الآية الثالثة، فالمراد منها المشاورة في أمور الحروب والدنيا، وكذلك العتاب في قوله تعالى * (عفا الله عنك لم أذنت لهم) * (التوبة: 43). وأما عتابه في أسارى بدر فلعله كان مخيرا بالوحي بين قتل الكل، أو إطلاق الكل، أو فداء الكل، فأشار بعض الاصحاب بإطلاق البعض دون البعض، فنزل العتاب للذين عينوا، لا لرسول الله (ص) غير أنه ورد بصيغة الجمع في قوله تريدون عرض الدنيا والمراد به أولئك خاصة. وأما الخبر الاول: فهو مرسل ولا حجة في المراسيل، كما سبق. وإن كان حجة، غير أنه يحتمل أنه كان يقضي بالوحي، والوحي الثاني يكون ناسخا للاول. وأما الخبر الثاني: فيحتمل أن النبي (ص)، كان مريدا لاستثناء الاذخر، فسبقه به العباس. وأما الخبر الثالث، فيدل على أن العلماء ورثة الانبياء فيما كان للانبياء. ولا نسلم أن الاجتهاد كان للانبياء حتى يكون موروثا عنهم،

[ 169 ]

كيف ويحتمل أنه أراد به الارث في تبليغ أحكام الشرع إلى العامة، كما كان الانبياء مبلغين للمبعوث إليهم، ويحتمل أنه أراد به الارث فيما كان للانبياء في حفظ قواعد الشريعة. وأما الوجه الاول من المعقول، فالثواب فيما عظمت مشقته وإن كان أكثر، ولكن لا يلزم منه ثبوته للنبي عليه السلام، وإلا لما ساغ له الحكم إلا بالاجتهاد، تحصيلا لزيادة الثواب، وهو ممتنع، واختصاص علماء الامة بذلك دون النبي عليه السلام، لا يوجب كونهم أفضل من النبي (ص) مع اختصاصه بمنصب الرسالة، ورتبة النبؤة، وتشريفه بالبعثة، وهداية الخلق بعد الضلالة على جهة العموم. وأما الوجه الثاني، وإن كان النبي عليه السلام، أشد علما من غيره بمعرفة القياس، وجهات الاستنباط، إلا أن وجوب العمل به في حقه مشروط بعدم معرفة الحكم بالوحي. وهذا الشرط مما لم يتبين في حقه، عليه السلام، فلا مشروط، وهذا بخلاف علماء أمته، فافترقا. وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تعبده بالقياس والاجتهاد، غير أنه معارض بما يدل على عدمه. وبيانه من جهة الكتاب والمعقول، أما الكتاب فقوله تعالى * (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * (النجم: 3 - 4) وقوله تعالى * (ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * (يونس: 15) وذلك ينفي أن يكون الحكم الصادر عنه بالاجتهاد. وأما المعقول فمن عشرة أوجه: الاول أن النبي عليه السلام، نزل منزلا، فقيل له إن كان ذلك عن وحي، فالسمع والطاعة، وإن كان ذلك عن رأي، فليس ذلك منزل مكيدة. فقال: بل هو بالرأي فدل على أنه تجوز مراجعته في الرأي، وقد علم أنه لا تجوز مراجعته

[ 170 ]

في الاحكام الشرعية، فلا تكون عن رأي. الثاني: أنه لو كان في الاحكام الصادرة عنه ما يكون عن اجتهاد لجاز أن لا يجعل أصلا لغيره، وأن يخالف فيه، وأن لا يكفر مخالفه، لان جميع ذلك من لوازم الاحكام الثابتة بالاجتهاد. الثالث: لو كان متعبدا بالاجتهاد لاظهره، ولما توقف على الوحي فيما كان يتوفق فيه في بعض الوقائع، لما فيه من ترك ما وجب عليه من الاجتهاد، واللازم ممتنع. الرابع: أن الاجتهاد لا يفيد سوى الظن، والنبي عليه السلام كان قادرا على تلقي الاحكام من الوحي القاطع، والقادر على تحصيل اليقين لا يجوز له المصير إلى الظن، كالمعاين للقبلة لا يجوز له الاجتهاد فيها. الخامس: أن الامور الشرعية مبنية على المصالح التي لا علم للخلق بها. فلو قيل للنبي عليه السلام، احكم بما ترى كان ذلك تفويضا إلى من لا علم له بالاصلح، وذلك مما يوجب اختلال المصالح الدينية والاحكام الشرعية. السادس: أن لنا صوابا في الرأي وصدقا في الخبر، وقد أجمعنا على أن النبي عليه السلام، ليس له أن يخبر بما لا يعلم كونه صدقا، فكذلك لا يجوز له الحكم بما لا علم له بصوابه. السابع: أنه لو جاز أن يكون متعبدا بالاجتهاد لجاز أن يرسل الله رسولا، ويجعل له أن يشرع شريعة برأيه، وأن ينسخ ما تقدمه من الشرائع المنزلة من الله تعالى، وأن ينسخ أحكاما أنزلها الله تعالى عليه برأيه، وذلك ممتنع. الثامن: أنه لو جاز صدور الاحكام الشرعية عن رأيه واجتهاده فربما أورث ذلك تهمة في حقه، وأنه هو الواضع للشريعة من تلقاء نفسه، وذلك مما يخل بمقصود البعثة، وهو ممتنع. التاسع: أن الاجتهاد عرضة للخطإ فوجب صيانة النبي عليه السلام، عنه. العاشر: أن الاجتهاد مشروط بعدم النص، وهذا الشرط غير متحقق في حق النبي عليه السلام، لان الوحي متوقع في حقه في كل حالة. والجواب عما ذكروه على الآية الاولى، قد سبق فيما تقدم أيضا وعما ذكروه على الآية الثانية من وجهين.

[ 171 ]

الاول: أن الحكم بما استنبط من المنزل يكون حكما بالمنزل لانه حكم بمعناه. ولهذا قال في آخر الآية * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2). الثاني: أن حكمه بالاجتهاد. حكم بما أراه الله، فتقييده بالمنزل خلاف الاطلاق. وعما ذكروه على الآية الثالثة، أنه إنما أمر بالمشاورة في أمر الفداء وهو من أحكام الدين لتعلقه بأعظم مصالح العبادات، وبتقدير أن يكون كما ذكروه، فهو حجة على من خالف فيه وبه دفع ما ذكروا على الآية الرابعة. وعما ذكروه على العتاب في أسارى بدر، فهو على خلاف عموم الخطاب الوارد في الآية، وتخصيص من غير دليل، فلا يصح. وعما ذكروه على الخبر الاول من السنة بما بيناه فيما سبق من أن المرسل حجة. وقولهم: يحتمل أنه كان يحكم بالوحي، والوحي الثاني ناسخ له. قلنا: النسخ خلاف الاصل، لما فيه من تعطليل الدليل المنسوخ، وذلك وإن كان نسخا لما حكم به النبي عليه السلام، غير أن تعطيل دليل الاجتهاد بنسخ حكمه أولى من تعطيل القرآن. وعما ذكروه على الخبر الثاني أنه لو كان الاذخر مستثنى فيما نزل إليه، لكان تأخيره إلى ما بعد قول العباس تأخيرا للاستثناء عن المستثنى منه مع دعو الحاجة إلى اتصاله به حذرا من التلبيس خلاف الاصل. وعما ذكروه على الخبر الثالث أن الظاهر من قوله العلماء ورثة الانبياء فيما اختصوا به من العلم مطلقا، فلو لم تكن علومهم الاجتهادية موروثة عن الانبياء، لكان ذلك تقييدا للمطلق، وتخصيصا للعام، من غير ضرورة، وهو ممتنع. وبه يبطل ما ذكروه من التأويلات.

[ 172 ]

وعما ذكروه على الوجه الاول من المعقول إنما يصح أن لو كان ذلك ممكنا في جميع الاحكام، وليس كذلك، فان الاجتهاد بالقياس يستدعي أصلا ثابتا لا بالاجتهاد، قطعا للتسلسل. قولهم: إنه قداختص بمنصب الرسالة، فلا يكون أحد أفضل منه قلنا: وإن كان كذلك، غير أن زيادة الثواب بزيادة المشقة نوع فضيلة، فيبعد اختصاص أحد من أمته بفضيلة لا تكون موجودة في حق النبي عليه السلام، وإلا كان أفضل منه من تلك الجهة، وهو بعيد. وعما ذكروه على الثاني من المعقول أنه باطل باجتهاد أهل عصره، فإنه كان واقعا، بدليل تقريره لمعاذ على قوله أجتهد رأيي ولم يكن احتمال معرفة الحكم بورود الوحي إلى النبي عليه السلام، مانعا من الاجتهاد في حقه، وإنما المانع وجود النص، لاحتمال وجوده. وعن المعارضة بالآية الاولى أنها إنما تتناول ما ينطق به، واجتهاده من فعله لا من نطقه، والخلاف إنما هو في الاجتهاد لا في النطق. فإن قيل فإذا اجتهد فلا بد وأن ينطق بحكم اجتهاده والاخبار عما ظنه من الحكم، فتكون الآية متناولة له ومن المعلوم أن ما ينطق به إذا كان مستنده الاجتهاد، فليس عن وحي، وإن لم يكن عن هوى. قلنا: إذا كان متعبدا بالاجتهاد من قبل الشارع، وقيل له: مهما ظننت باجتهادك حكما، فهو حكم الشرع، فنطقه بذلك يكون عن وحي لا عن هوى.

[ 173 ]

وعن الآية الثانية أنها إنما تدل على أن تبديله للقرآن ليس من تلقاء نفسه، وإنما هو بالوحي، والنزاع إنما وقع في الاجتهاد، والاجتهاد وإن وقع في دلالة القرآن، فذلك تأويل لا تبديل. وعن المعارضة الاولى من جهة المعقول أن المراجعة إنما كانت في أمر دنيوي متعلق بالحروب، وليس ذلك من المراجعة في أحكام الشرع في شئ. وعن الثانية، لا نسلم أن ما ذكروه من لوازم الاحكام الثابتة بالاجتهاد، بدليل إجماع الامة على الاجتهاد، واجتهاد النبي عليه السلام، لا يتقاصر عن اجتهاد الامة الذين ثبتت عصمتهم بقول الرسول، إن لم يكن مترجحا عليه وعن الثالثة: أنه لا مانع أن يكون متعبدا بالاجتهاد، وإن لم يظهره صريحا، لمعرفة ذلك لما ذكرناه من الادلة. وأما تأخره عن جواب بعض ما كان يسأل عنه فلاحتمال انتظار النص الذي لا يجوز معه الاجتهاد إلى حين اليأس منه، أو لانه كان في مهلة النظر في الاجتهاد فيما سئل عنه، فأن زمان الاجتهاد في الاحكام الشرعية غير مقدر. وعن الرابعة: النقض بما وقع الاجماع عليه من تعبد النبي عليه السلام، بالحكم بقول الشهود حتى قال إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض مع إمكان انتظاره في ذلك لنزول الوحي الذي لا ريب فيه.

[ 174 ]

وعن الخامسة: أنها مبنية على وجوب اعتبار المصالح، وهو غير مسلم، على ما عرفناه في علم الكلام. وإن سلمنا ذلك فلا مانع من إلهام الله تعالى له بالصواب فيما يجتهد فيه من الحوادث كيف وإن ما ذكروه منتقض بتعبد غيره بالاجتهاد. وعن السادسة: من ثلاثة أوجه. الاول: أنها تمثيل من غير جامع صحيح، فلا تكون حجة. الثاني: الفرق، وهو أن الاخبار بما لا يعلم كونه صادقا قد لا نأمن فيه الكذب، وهو الاخبار عن الشئ على خلاف ما هو عليه، وذلك مما لا يجوز لاحد الاقدام عليه. وأما الاجتهاد فعلى قولنا بأن كل مجتهد مصيب، فالنبي أولى أن يكون مصيبا في اجتهاده، والخطأ في الاجتهاد مبني على أن الحكم عند الله تعالى واحد في كل واقعة في نفس الامر، وليس كذلك، بل الحكم عند الله في كل واقعة ما أدى إليه نظر المجتهد، على ما يأتي تقريره. الثالث: أن ما ذكروه منتقض بإجماع الامة، إذ كان عن اجتهاد. وعن السابعة: أنها أيضا تمثيل من غير جامع صحيح كيف وإنا لا نمنع من إرسال رسول بما وصفوه، لا عقلا ولا شرعا، فإن لله تعالى أن يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد، ولا سيما إذا قلنا بأن المصالح غير معتبرة في أفعاله تعالى. وإن قلنا إنها معتبرة فلا يبعد أن يعلم الله تعالى المصلحة للمكلفين في إرسال رسول بهذه المثابة، ويعصمه عن الخطإ في اجتهاده، كما في إجماع الامة. وعن الثامنة أن التهمة منفية عنه في وضع الشريعة برأيه بما دل على صدقه فيما يدعيه من تبليغ الاحكام بجهة الرسالة، من المعجزة القاطعة. وعن التاسعة: أنا لا نسلم أن كل اجتهاد في الاحكام الشرعية عرضة للخطإ،

[ 175 ]

بدليل إجماع الصحابة على الاجتهاد. واجتهاد النبي عليه السلام، غير متقاصر عن اجتهاد أهل الاجماع، فكان معصوما فيه عن الخطإ. وعن العاشرة: أن المانع من الاجتهاد دائما هو وجود النص لا إمكان وجود النص، ثم ما ذكروه منتقض باجتهاد الصحابة في زمن النبي عليه السلام. المسألة الثانية اتفقوا على جواز الاجتهاد بعد النبي عليه السلام، واختلفوا في جواز الاجتهاد لمن عاصره. فذهب الاكثرون إلى جوازه عقلا، ومنع منه الاقلون ثم اختلف القائلون بالجواز في ثلاثة أمور: الاول: منهم من جوز ذلك للقضاة والولاة في غيبته، دون حضوره، ومنهم من جوزه مطلقا. الثاني: أن منهم من قال بجواز ذلك مطلقا إذا لم يوجد من ذلك منع، ومنهم من قال: لا يكتفي في ذلك بمجرد عدم المنع، بل لا بد من الاذن في ذلك، ومنهم من قال: السكوت عنه مع العلم بوقوعه كاف. الثالث: اختلفوا في وقوع التعبد به سمعا: فمنهم من قال إنه كان متعبدا به، ومنهم من توقف في ذلك مطلقا، كالجبائي، ومنهم من توقف في حق من حضر، دون من غاب، كالقاضي عبد الجبار. والمختار جواز ذلك مطلقا وأن ذلك مما وقع مع حضوره وغيبته ظنا لا قطعا.

[ 176 ]

أما الجواز العقلي فيدل عليه ما دللنا به على جواز ذلك في حق النبي عليه السلام، في المسألة المتقدمة. وأما بيان الوقوع: أما في حضرته فيدل عليه قول أبي بكر رضي الله عنه في حق أبي قتادة حيث قتل رجلا من المشركين، فأخذ سلبه غيره لا نقصد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلبه. فقال النبي عليه السلام صدق وصدق في فتواه ولم يكن قال ذلك بغير الرأي والاجتهاد. وأيضا ما روي عن النبي عليه السلام، أنه حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم، بالرأي، فقال عليه السلام لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه أمر عمرو بن العاص وعقبة بن عامر الجهني أن يحكما بين خصمين، وقال لهما إن أصبتما، فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما، فلكما حسنة واحدة. وأما في غيبته، فيدل عليه قصة معاذ وعتاب بن أسيد حين بعثهما قاضيين إلى اليمن.

[ 177 ]

فإن قيل: الموجود في عصر النبي عليه السلام قادر على معرفة الحكم بالنص وبالرسول عليه السلام. والقادر على التوصل إلى الحكم على وجه يؤمن فيه الخطأ، إذا عدل إلى الاجتهاد الذي لا يؤمن فيه الخطأ، كان قبيحا، والقبيح لا يكون جائزا. وأيضا فإن الحكم بالرأي في حضرة النبي عليه السلام، من باب التعاطي والافتيات على النبي عليه السلام، وهو قبيح، فلا يكون جائزا. وهذا بخلاف ما بعد النبي عليه السلام. وأيضا فإن الصحابة كانوا يرجعون عند وقوع الحوادث إلى النبي عليه السلام، ولو كان الاجتهاد جائزا لهم لم يرجعوا إليه. وأما ما ذكرتموه من أدلة الوقوع فهي أخبار آحاد لا تقوم الحجة بها في المسائل القطعية، وبتقدير أن تكون حجة، فلعلها خاصة بمن وردت في حقه غير عامة. والجواب عن السؤال الاول ما مر في جواز اجتهاد النبي عليه السلام وعن الثاني أن ذلك، إذا كان بأمر رسول الله وإذنه، فيكون ذلك من باب امتثال أمره، لا من باب التعاطي والافتيات عليه. وعن قولهم (إن الصحابة كانوا يرجعون في أحكام الوقائع إلى النبي عليه السلام) يمكن أن يكون ذلك فيما لم يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد، وإن ظهر، غير أن القادر على التوصل إلى مقصوده بأحد طريقين لا يمتنع عليه العدول عن أحدهما إلى الآخر، ولا يخفى أنه إذا كان الاجتهاد طريقا يتوصل به إلى الحكم، فالرجوع إلى النبي عليه السلام، أيضا طريق آخر. وما ذكروه من أن الاخبار المذكورة في ذلك أخبار آحاد، فهو كذلك، غير أن المدعي إنما هو حصول الظن بذلك دون القطع. قولهم يحتمل أن يكون ذلك خاصا بمن وردت تلك الاخبار في حقه - قلنا: المقصود من الاخبار المذكورة إنما هو الدلالة على وقوع الاجتهاد في زمن النبي عليه السلام، ممن عاصره لا بيان وقوع الاجتهاد من كل من عاصره.

[ 178 ]

المسألة الثالثة مذهب الجمهور من المسلمين أنه ليس كل مجتهد في العقليات مصيبا، وأن الاثم غير محطوط عن مخالف ملة الاسلام، سواء نظر وعجز عن معرفة الحق، أم لم ينظر. وقال الجاحظ وعبيد الله بن الحسن العنبري من المعتزلة بحط الاثم عن مخالف ملة الاسلام إذا نظر واجتهد فأداه اجتهاده إلى معتقده، وأنه معذور، بخلاف المعاند. وزاد عبيد الله بن الحسن العنبري بأن قال: كل مجتهد في العقليات مصيب، وهو إن أراد بالاصابة موافقة الاعتقاد للمعتقد، فقد أحال، وخرج عن المعقول، وإلا كان يلزم من ذلك أن يكون حدوث العالم وقدمه في نفس الامر حقا عند اختلاف الاجتهاد، وكذلك في كل قضية عقلية اعتقد فيها النفي والاثبات، بناء على ما أدى إليه من الاجتهاد، وهو من أمحل المحالات، وما أظن عاقلا يذهب إلى ذلك. وإن أراد بالاصابة أنه أتى بما كلف به مما هو داخل تحت وسعه وقدرته من الاجتهاد، وأنه معذور في المخالفة، غير آثم، فهو ما ذهب إليه الجاحظ، وهو أبعد عن الاول في القبح. ولا شك أنه غير محال عقلا، وإنما النزاع في إحالة ذلك وجوازه شرعا. وقد احتج الجمهور على مذهبهم بالكتاب، والسنة، وإجماع الامة. أما الكتاب فقوله تعالى * (ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار) * (ص: 27) وقوله * (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم) * (فصلت: 23) وقوله تعالى * (ويحسبون أنهم على شئ، ألا إنهم هم الكاذبون) * (المجادلة: 18). ووجه الاحتجاج بهذه الآيات أنه ذمهم على معتقدهم وتوعدهم بالعقاب عليه ولو كانوا معذورين فيه لما كان كذلك. وأما السنة فما علم منه عليه السلام، علما لا مراء فيه تكليفه للكفار من اليهود والنصاري بتصديقه واعتقاد رسالته وذمهم على معتقداتهم وقتله لمن ظفر به منهم

[ 179 ]

وتعذيبه على ذلك منهم مع العلم الضروري بأن كل من قاتله وقتله لم يكن معاندا بعد ظهور الحق له بدليله، فان ذلك مما تحيله العادة. ولو كانوا معذورين في اعتقاداتهم، وقد أتوا بما كلفوا به، لما ساغ ذلك منه. وأما الاجماع فهو أن الامة من السلف قبل ظهور المخالفين اتفقوا أيضا على قتال الكفار وذمهم ومهاجرتهم على اعتقاداتهم، ولو كانوا معذورين في ذلك، لما ساغ ذلك من الامة المعصومة عن الخطإ. فإن قيل: أما الآية الاولى فغاية ما فيها ذم الكفار، وذلك غير متحقق في محل النزاع، لان الكفر في اللغة مأخوذ من الستر والتغطية، ومنه يقال: لليل كافر، لانه ساتر للحوادث، وللحارث كافر، لسترة الحب، وذلك غير متصور إلا في حق المعاند العارف بالدليل، مع إنكاره لمقتضاه، كيف وإنه يجب حمل هذه الآية، والآيتين بعدها على المعاند دون غيره، جمعا بينه وبين ما سنذكره من الدليل. وأما ما ذكرتموه من قتل النبي عليه السلام الكفار، فلا نسلم أنه كان على ما اعتقدوه عن اجتهادهم، بل على إصرارهم على ذلك، وإهمالهم لترك البحث عما دعوا إليه والكشف عنه مع إمكانه. وأما الاجماع فلا يمكن الاستدلال به في محل الخلاف، كيف وإنه يمكن حمل فعل أهل الاجماع على ما حمل عليه فعل النبي عليه السلام. ودليل هذه التأويلات أن تكليفهم باعتقاد نقيض معتقدهم الذي أدى إليه اجتهادهم، واستفرغوا الوسع فيه، تكليف بما لا يطاق، وهو ممتنع، للنص والمعقول. أما النص، فقوله تعالى * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (البقرة: 286).

[ 180 ]

وأما المعقول فهو أن الله تعالى رؤوف بعباده، رحيم لهم، فلا يليق به تعذيبهم على ما لا قدرة لهم عليه. ولهذا كان الاثم مرتفعا عن المجتهدين في الاحكام الشرعية مع اختلاف اعتقاداتهم فيها، بناء على اجتهاداتهم المؤدية إليها، كيف وقد نقل عن بعض المعتزلة أنهم أولوا قول الجاحظ وابن العنبري، بالحمل على المسائل الكلامية المختلف فيها بين المسلمين، ولا تكفير فيها، كمسألة الرؤية، وخلق الاعمال، وخلق القرآن، ونحو ذلك، لان الادلة فيها ظنية متعارضة. الجواب عما ذكروه على الآية أنه خلاف الاجماع في صحة إطلاق اسم الكافر على من اعتقد نقيض الحق، وإن كان عن اجتهاد. وقولهم إن الكفر في اللغة مأخوذ من التغطية مسلم، ولكن لا نسلم انتفاء التغطية فيما نحن فيه: وذلك لانه باعتقاده لنقيض الحق بناء على اجتهاده، مغط للحق، وهو غير متوقف على علمه بذلك. وما ذكروه من التأويل، ففيه ترك الظاهر من غير دليل، وما يذكرونه من الدليل، فسيأتي الكلام عليه. وما ذكروه على السنة، فبعيد أيضا، وذلك لانه إن تعذر قتلهم وذمهم على ما كانوا قد اعتقدوه عن اجتهاد هم واستفراغ وسعهم، فهو لازم أيضا على تعذر قتلهم وذمهم، على عدم تصديقه فيما دعاهم إليه، لان الكلام إنما هو مفروض فيمن أفرغ وسعه وبذل جهده في التوصل إلى معرفة ما دعاه النبي (ص)، إليه، وتعذر عليه الوصول إليه. وما ذكروه في امتناع التمسك بالاجماع في محل الخلاف، إنما يصح فيما كان من الاجماع بعد الخلاف، أو حالة الخلاف. وأما الاجماع السابق على الخلاف، فهو حجة على المخالف وقد بينا سبقه. وما ذكروه من التأويل، فجوابه كما تقدم. قولهم إن ذلك يفضي إلى التكليف بما لا يطاق، لا نسلم ذلك، فإن الوصول

[ 181 ]

إلى معرفة الحق ممكن بالادلة المنصوبة عليه، ووجود العقل الهادي، وغايته امتناع الوقو باعتبار أمر خارج، وذلك لا يمنع من التكليف به، وإنما يمتنع التكليف بما لا يكون ممكنا في نفسه، كما سبق تقريره في موضعه. وما ذكروه فقد سبق تخريجه أيضا في مسألة تكليف ما لا يطاق. وأما رفع الاثم في المجتهدات الفقهية، فإنما كان لان المقصود منها إنما هو الظن بها، وقد حصل، بخلاف ما نحن فيه، فإن المطلوب فيها ليس هو الظن، بل العلم، ولم يحصل. وما ذكروه من التأويل إن صح أنه المراد من كلام الجاحظ وابن العنبري، ففيه رفع الخلاف، والعود إلى الحق، ولا نزاع فيه.

[ 182 ]

المسألة الرابعة اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الاثم محطوط عن المجتهدين في الاحكام الشرعية، وذهب بشر المريسي وابن علية وأبو بكر الاصم ونفاة القياس، كالظاهرية والامامية، إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها متعين، وعليه دليل قاطع، فمن أخطأه، فهو آثم غير كافر، ولا فاسق. وحجة أهل الحق في ذلك، ما نقل نقلا متواترا لا يدخله ريبة ولا شك، وعلم علما ضروريا من اختلاف الصحابة فيما بينهم في المسائل الفقهية، كما بيناه فيما تقدم مع استمرارهم على الاختلاف إلى انقراض عصرهم، ولم يصدر من أحد منهم نكير، ولا تأثيم لاحد، لا على سبيل الابهام ولا التعيين، مع علمنا بأنه لو خالف أحد في وجوب العبادات الخمس وتحريم الزنى والقتل، لبادروا إلى تخطئته وتأثيمه. فلو كانت المسائل الاجتهادية نازلة منزلة هذه المسائل في كونها قطعية ومأثوما على المخالفة فيها، لبالغوا في الانكار والتأثيم، حسب مبالغتهم في الانكار على من خالف في وجوب العبادات الخمس وفي تأثيمه، لاستحالة تواطئهم على الخطإ، ودلالة النصوص النازلة منزلة التواتر على عصمتهم عنه، كما سبق تقريره في مسائل الاجماع. فإن قيل: فقد وقع الانكار من بعضهم على بعض في العمل بالرأي والاجتهاد في المسائل الفقهية، كما ذكرناه في إثبات القياس على منكريه، ومع الانكار فلا إجماع. وإن سلمنا عدم نقل إنكارهم لذلك، فيحتمل أنهم أنكرو اولم ينقل إلينا. وبتقدير عدم صدور الانكار منهم ظاهرا، فيحتمل أنهم أضمروا الا نكار والتأثيم تقية وخوفا من ثوران فتنة وهجوم آفة. قلنا: أما السؤال الاول فقد أجبنا عنه فيما تقدم. وأما الثاني فهو خلاف مقتضى العادة، فإنه لو وجد الا نكار، لتوفرت الدواعي على نقله، واستحال في العادة كتمانه، كما نقل عنهم الا نكار على الخوارج ومانعي الزكاة وغير ذلك. وبمثل هذا يندفع أيضا ما ذكروه من السؤال الثالث.

[ 183 ]

المسألة الخامسة المسألة الظنية من الفقهيات إما أن يكون فيها نص، أو لا يكون: فإن لم يكن فيها نص فقد اختلفوا فيها: فقال قوم: كل مجتهد فيها مصيب، وإن حكم الله فيها لا يكون واحدا بل هو تابع لظن المجتهد، فحكم الله في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده، وغلب على ظنه، وهو قول القاضي أبي بكر وأبي الهذيل والجبائي وابنه. وقال آخرون: المصيب فيها واحد، ومن عداه مخطئ، لان الحكم في كل واقعة لا يكون إلا معينا، لان الطالب‍ يستدعي مطلوبا، وذلك المطلوب هو الاشبه عند الله في نفس الامر بحيث لو نزل نص، لكان نصا عليه. لكن منهم من قال بأنه لا دليل عليه، وإنما هو مثل دفين يظفر به حالة الاجتهاد بحكم الاتفاق، فمن ظفر به، فهو مصيب ومن لم يصبه فهو مخطئ. ومنهم من قال: عليه دليل، لكن اختلف هؤلاء،: فمنهم من قال إنه قطعي، ثم اختلف هؤلاء: فمنهم من قال بتأثيم المجتهد بتقدير عدم الظفر به ونقض حكمه، كأبي بكر الاصم وابن علية وبشر المريسي، ومنهم من قال بعدم التأثيم لخفاء الدليل وغموضه، فكان معذورا، ومنهم من قال إنه ظني، فمن ظفر به، فهو مصيب، وله أجران، ومن لم يصبه، فهو مخطئ، وله أجر واحد. وهذا هو مذهب ابن فورك والاستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني.

[ 184 ]

ومنهم من نقل عنه القولان التخطئة والتصويب، كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والاشعري. وأما إن كان في المسألة نص، فإن قصر في طلبه، فهو مخطئ آثم لتقصيره فيما كلف به من الطلب. وإن لم يقصر فيه، وأفرغ الوسع في طلبه، لكن تعذر عليه الوصول إليه، إما لبعد المسافة، أو لاخفاء الراوي له وعدم تبليغه، فلا إثم، لعدم تقصيره، وهل هو مخطئ أو مصيب ؟ ففيه من الخلاف ما سبق. والمختار إنما هو امتناع التصويب لكل مجتهد، غير أن القائلين بذلك قد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من الاشارة إليها والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. الحجة الاولى من جهة الكتاب قوله تعالى * (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان) * (الانبياء: 78) ووجه الاحتجاج به أنه خصص سليمان بفهم الحق في الواقعة، وذلك يدل على عدم فهم (داود) له، وإلا لما كان التخصيص مفيدا، وهو دليل اتحاد حكم الله في الواقعة، وأن المصيب واحد. وأيضا قوله تعالى * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 83) وقوله تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران: 7) ولولا أن في محل الاستنباط حكما معينا، لما كان كذلك وأيضا قوله تعالى * (ولا تفرقوا فيه) * (الشورى: 13) * (ولا تنازعوا فتفشلوا) * (الانفال: 46) * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) * (آل عمران: 105) وذلك أيضا يدل على اتحاد الحق في كل واقعة. ولقائل أن يقول على الآية الاولى: غاية ما فيها تخصيص سليمان بالفهم، ولا دلالة له على عدم ذلك في حق (داود) إلا بطريق المفهوم، وليس بحجة، على ما تقرر في مسائل المفهوم. وان سلمنا أنه حجة، غير أنه قد روي أنهما حكما في تلك

[ 185 ]

القضية بالنص حكما واحدا، ثم نسخ الله الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل، وعلم (سليمان) بالنص الناسخ دون (داود) فكان هذا هو الفهم الذي أضيف إليه. والذي يدل عى هذا قوله تعالى * (وكلا آتينا حكما وعلما) * () ولو كان أحدهما مخطئا لما كان قد أتي في تلك الواقعة حكما وعلما. وإن سلمنا أن حكمهما كان مختلفا، لكن يحتمل أنهما حكما بالاجتهاد مع الاذن فيه، وكانا محقين في الحكم، إلا أنه نزل الوحي على وفق ما حكم به سليمان، فصار ما حكم به حقا متعينا بنزول الوحي به، ونسب التفهيم إلى سليمان بسبب ذلك. وإن سلمنا أن داود كان مخطئا في تلك الواقعة، غير أنه يحتمل أنه كان فيها نص اطلع عليه سليمان دون داود، ونحن نسلم الخطأ في مثل هذه الصورة، وإنما النزاع فيما إذا حكما بالاجتهاد، وليس في الواقعة نص. وعلى الآية الثانية والثالثة أنه يجب حملهما على الامور القطعية دون الاجتهادية. ودليله قوله تعالى * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 83) وقوله تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران: 7) والقضايا الاجتهادية لا علم فيها، وإن سلمنا أن المراد بهما القضايا الاجتهادية، فقوله تعالى * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 83) وقوله تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران: 7) يدل على تصويب المستنبطين والراسخين في العلم، وليس فيه ما يدل على تصويب البعض منهم دون البعض، بل غايته الدلالة بمفهومه على عدم ذلك في حق العوام ومن ليس من أهل الاستنباط والرسوخ في العلم. وعلى الآيات الدالة على النهي عن التفرق، أن المراد منها إنما هو التفرق في أصل الدين والتوحيد، وما يطلب فيه القطع دون الظن. ويدل على ذلك أن القائلين بجواز الاجتهاد، مجمعون على أن كل واحد من المجتهدين مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، ومنهي عن مخالفته، وهو أمر بالاختلاف،

[ 186 ]

ونهي عن الاتفاق في المجتهدات. الحجة الثانية: من جهة السنة قوله عليه السلام إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر واحد وذلك صريح في انقسام الاجتهاد إلى خطإ وصواب. ولقائل أن يقول: نحن نقول بموجب الخبر، وأن الحاكم إذا أخطأ في اجتهاده، فله أجر واحد، غير أن الخطأ عندنا في ذلك إنما يتصور فيما إذا كان في المسألة نص، أو إجماع، أو قياس جلى، وخفي عليه بعل لبحث التام عنه، وذلك غير متحقق في محل النزاع، أو فيما إذا أخطأ في مطلوب من رد المال إلى مستحقه بسبب ظنه صدق الشهود، وهم كاذبون، أو مغالطة الخصم، لكونه أخصم من خصمه، وألحن بحجته، لا فيما وجب عليه من حكم الله تعالى. ولهذا قال عليه السلام إنما أحكم بالظاهر، وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم ألحن بمجته من صاحبه فمن حكمت له بشئ من مال أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار. الحجة الثالثة: من جهة الاجماع أن الصحابة أجمعوا على إطلاق لفظ الخطإ في الاجتهاد:

[ 187 ]

فمن ذلك ما روى عن أبي بكر أنه قال أقول في ا لكلالة برأيي، فإن يكن صوابا، فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان ومن ذلك ما روي عن عمر أنه حكم بحكم، فقال رجل حضره هذا، والله الحق. فقال عمر: أن عمر لا يدري أنه أصاب الحق، لكنه لم يأل جهدا وروي عنه أنه قال لكاتبه اكتب هذا ما رأى عمر، فإن يكن خطأ فمنه، وإن يكن صوابا، فمن الله وأيضا قوله في جواب المرأة التي ردت عليه النهي عن المبالغة في المهر أصابت امرأة، وأخطأ عمر ومن ذلك ما روي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال في المرأة التي استحضرها عمر فأجهضت ما في بطنها، وقد قال له عثمان و عبد الرحمن بن عوف: إنما أنت مؤدب، لا نرى عليك شيئا، إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ، وإن لم يجتهدا، فقد غشاك، أرى عليك الدية ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال في المفوضة أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا، فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ، فمني ومن الشيطان

[ 188 ]

ومن ذلك ما روي أن عليا وابن مسعود وزيدا، رضي الله عنهم، خطؤوا ابن عباس في ترك القول بالعول، وأنكر عليهم ابن عباس قولهم بالعول بقوله من شاء أن يباهلني باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج عددا، لم يجعل في مال واحد نصفا ونصفا وثلثا، هذان نصفان ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث ؟ ومن ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أبا الاب أبا إلى غير ذلك من الوقائع، ولم ينكر بعضهم على بعض في التخطئة، فكان ذلك إجماعا على أن الحق من أقاويلهم ليس إلا واحدا. ولقائل أن يقول: نحن لا ننكر وقوع الخطإ في الاجتهاد، لكن فيما إذا لم يكن المجتهد أهلا للاجتهاد، أو كان أهلا، لكنه قصر في اجتهاده، أو إن لم يقصر لكنه خالف النص أو الاجماع أو القياس الجلي، أو في مطلوبه دون ما وجب عليه من حكم الله، كما سبق تقريره في جواب السنة. وأما ما تم فيه الاجتهاد من أهله، ولم يوجد له معارض مبطل، فليس فيما ذكروه من قضايا الصحابة ما يدل على وقوع الخطإ فيه.

[ 189 ]

الحجة الرابعة: من جهة المعقول من ستة أوجه. الاول أن الاجتهاد مكلف به بالاجماع، فعند اختلاف المجتهدين في حكم الحادثة، ومصير كل واحد إلى مناقضة الآخر إما أن يكون اجتهاد كل واحد منهما مستندا إلى دليل، أو لا دليل لواحد منهما، أو أن الدليل مستند أحدهما دون الآخر فإن كان الاول، فالدليلان المتقابلان إما أن يكون أحدهما راجحا على الآخر، أو هما متساويان: فإن كان أحدهما راجحا، فالذاهب إليه مصيب، ومخالفه مخطئ. وإن كان الثاني، فمقتضاهما التخيير أو الوقف، فالجازم بالنفي أو الاثبات يكون مخطئا. وإن كان لا دليل لواحد منهما، فهما مخطئان. وإن كان الدليل لاحدهما دون الآخر فأحدهما مصيب، والآخر مخطئ لا محالة. الثاني: أن القول بتصويب المجتهدين يفضي عند اختلاف المجتهدين بالنفي والاثبات، أو الحل والحرمة، في مسألة واحدة، إلى الجمع بين النقيضين، وهو محال، وما أفضى إلى المحال يكون محالا. الثالث: أن الامة مجمعة على تجويز المناظرة بين المجتهدين، ولو كان كل واحد مصيبا فيما ذهب إليه، لم يكن للمناظرة معنى ولا فائدة، وذلك لان كل واحد يعتقد أن ما صار إليه مخالفه حق، وأنه مصيب فيه والمناظرة إما لمعرفة أن ما صار إليه خصمه صواب، أو لرده عنه: فإن كان الاول، ففيه تحصيل الحاصل. وإن كان الثاني، فقصد كل واحد لرد صاحبه عما هو عليه، مع اعتقاده أنه صواب يكون حراما. الرابع: أن المجتهد في حال اجتهاده، إما أن يكون له مطلوب، أو يكون: فإن كان الاول، فهو محال، إذ المجتهد طالب، وطالب لا مطلوب له محال. وإن كان الثاني، فمطلوبه متقدم على اجتهاده ونظره، وذلك مع عدم تعين المطلوب في نفسه محال. الخامس: أنه لو صح تصويب كل واحد من المجتهدين، لوجب عند الاختلاف

[ 190 ]

في الآنية بالطهارة والنجاسة أن يقضى بصحة اقتداء كل واحد من المجتهدين، بالآخر، لاعتقاد المأموم صحة صلاة إمامه. السادس: أن القول بتصويب المجتهدين يلزم منه أمور ممتنعة فيمتنع. الاول: أنه إذا تزوج شافعي بحنفية، وكانا مجتهدين، وقال لها أنت بائن فإنه بالنظر إلى ما يعتقده الزوج من جواز الرجعة تجوز له المراجعة، والمرأة بالنظر إلى ما تعتقده من امتناع الرجعة يحرم عليها تسليم نفسها إليه، وذلك مما يفضي إلى منازعة بينهما لا سبيل إلى رفعها شرعا، وهو محال. الثاني: أنه إذا نكح واحد امرأة بغير ولي، ونكحها آخر بعده بولي، فيلزم من صحة المذهبين حل الزوجة للزوجين، وهو محال. الثالث: أن العامي إذا استفتى مجتهدين، واختلفا في الحكم، فإما أن يعمل بقوليهما، وهو محال، أو بقول أحدهما، ولا أو لوية، وإما لا بقول واحد منهما، فيكون متحيرا، وهو ممتنع ولقائل أن يقول على الوجه الاول: إن المختار إنما هو القسم الاول من أقسامه. قولهم: الدليلان إما أن يتساويا، أو يترجح أحدهما على الآخر - قلنا: في نفس الامر أو في نظر الناظر ؟ الاول ممنوع، وذلك لان الادلة في مسائل الظنون ليست أدلة لذواتها وصفات أنفسها، حتى تكون في نفس الامر متساوية في جهة دلالتها، أو متفاوتة، وإن كان في نظر الناظر، فلا نسلم صحة هذه القسمة، بل كل واحد منهما راجح في نظر الناظر الذي صار إليه، وذلك لان الادلة الظنية مما تختلف باختلاف الظنون، فهي أمور إضافية غير حقيقية، كما أن ما وافق غرض زيد، فهو حسن بالنسبة إليه، وإن كان قبيحا بالنسبة إلى من خالف غرضه. وعلى هذا، فلا تخطئة على ما ذكروه وإن سلمنا أن الدليلين في نفسيهما لا يخرجان عن المساواة أو الترجيح لاحدهما على الآخر، غير أن النزاع إنما هو في الخطإ بمعنى عدم الاصابة لحكم الله في الواقعة، لا بمعنى عدم الظفر بالدليل الراجح، ولا يلزم من عدم الظفر بالدليل الراجح عدم

[ 191 ]

الظفر بحكم الله في الواقعة، لان حكم الله تعالى عندنا عبارة عما أدى إليه نظر المجتهد وظنه، لا ما أدى إليه الدليل الراجح في نفس الامر. وعلى الوجه الثاني: أن التناقض إنما يلزم أن لو اجتمع النفي والاثبات، والحل والحرمة، في حق شخص واحد، من جهة واحدة، أما بالنظر إلى شخصين، فلا ولهذا، فإن الميتة تحل للمضطر، وتحرم على غيره، وإفطار رمضان مباح للمريض والمسافر، ومن له عذر، دون غيره. وفيما نحن فيه كذلك: فأن من وجب عليه الحكم بالحل الذي أداه نظره إليه، غير من وجب عليه الحكم بالتحريم الذي أداه نظره إليه. ثم لو كان ذلك ممتنعا، لما وجب على كل واحد من المجتهدين في القبلة، إذا أدى اجتهاده إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الآخر، التوجه إلى الجهة التي غلب على ظنه أنها جهة القبلة، كتحريم التوجه إليها بالنسبة إلى الآخر، ولما حرم على كل واحد ما وجب على الآخر، وهو ممتنع. وعلى الثالث أن فائدة المناظرة غير منحصرة فيما ذكروه، بل لها فوائد أخر تجب المناظرة لها، أو تستحب. فالاولى كالمناظرة لتعرف انتفاء الدليل القاطع الذي لا يجوز معه الاجتهاد، أو لطلب تعرف الترجيح عند تساوي الدليلين في نظر المجتهد، حتى يجزم بالنفي أو الاثبات، أو يحل له الوقف أو التخيير لكونه مشروطا بعدم الترجيح. والثانية، كالمناظرة التي يطلب بها تذليل طرق الاجتهاد والقوة على استثمار الاحكام من الادلة واستنباطها منها، وشحذ الخاطر وتنبيه المستمعين على مدارك الاحكام ومآخذها، لتحريك دواعيهم إلى طلب رتبة الاجتهاد، لنيل الثواب الجزيل وحفظ قواعد الشريعة. وعلى الرابع أن مطلوب المجتهد ما يؤدي إليه نظره واجتهاده لا غير. وذلك غير معين، لا عنده ولا عند الله تعالى. وعلى الخامس أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كان القضاء بصحة صلاة المأموم مطلقا، وليس كذلك. وإنما هي صحيحة بالنسبة إليه، غير صحيحة بالنسبة إلى مخالفه. وشرط صحة اقتداء المأموم بالامام اعتقاد صحة صلاة إمامه بالنسبة إليه.

[ 192 ]

وعلى السادس أما الالزام الاول، فلا نسلم إفضاء ذلك إلى منازعة لا ترتفع، لانه يمكن رفعها فيما فرضوه من الصورة برفع الامر إلى حاكم من حكام المسلمين، أو محكم منهم، فما حكم به وجب اتباعه، كيف وإن ما ذكروه لم يكن لازما من القول بتصويب المجتهدين، بل إنما كان لازما من القول بأنه يجب على كل مجتهد اتباع ما أوجبه ظنه، وسواء كان مخطئا أو مصيبا، لان المصيب غير معين، وذلك متفق عليه، فما هو جواب لهم ها هنا فهو جواب الخصم في قوله بالتصويب. وإما الالزام الثاني فنقول أي النكاحين وجد من معتقد صحته أولا فهو صحيح، والنكاح الثاني باطل، لكونه نكاحا لزوجة الغير، وإن صدر الاول ممن لا يعتقد صحته، كالنكاح بلا ولي من الشافعي فهو باطل، والثاني صحيح. وأما الالزام الثالث، فنقول: حكم العامي عند تعارض الفتاوى في حقه حكم تعارض الدليلين في حق المجتهد من غير ترجيح. وحكم المجتهد في ذلك إما التوقف أو التخيير، على ما يأتي والاقرب في ذلك أن يقال الاصل عدم التصويب، والاصل في كل متحقق دوامه، إلا ما دل الدليل على مخالفته. والاصل عدم الدليل المخالف فيما نحن فيه، فيبقى فيه على حكم الاصل. غير أنا خالفناه في تصويب واحد غير معين للاجماع، ولا إجماع يما نحن فيه، فوجب القضاء بنفيه. فإن قيل: وإن كان الاصل عدم الدليل المخالف للنفي الاصلي إلا أنه قد وجد، ودليله من جهة الكتاب، والسنة،، والاجماع، والمعقول. أما الكتاب فقوله تعالى في حق داود وسليمان * (وكلا آتينا حكما وعلما) * (الانبياء: 79) ولو كان أحدهما مخطئا لما كان ما صار إليه حكما لله، ولا علما.

[ 193 ]

وأما السنة فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ووجه الاحتجاج به أنه عليه السلام، جعل الاقتداء بكل واحد من الصحابة هدى، مع اختلافهم في الاحكام نفيا وإثباتا، كما بيناه قبل. فلو كان فيهم مخطئ، لما كان الاقتداء به هدى، بل ضلالة. وأما الاجماع فهو أن الصحابة اتفقوا على تسويغ خلاف بعضهم لبعض، من غير نكير منهم على ذلك، بل ونعلم أن الخلفاء منهم كانوا يولون القضاة والحكام مع علمهم بمخالفتهم لهم في الاحكام، ولم ينكر عليهم منكر. ولو تصور الخطأ في الاجتهاد، لما ساغ ذلك من الصحابة، كما لم يسوغوا ترك الانكار على مانعي الزكاة، وكل منكر أنكروه. وأما من جهة المعقول، فمن سبعة أوجه. الاول أنه لو كان الحق متعينا في باب الاجتهاد في كل مسألة لنصب الله تعالى عليه دليلا قاطعا، دفعا للاشكال، وقطعا لحجة المحتج، كما هو المألوف من عادة الشارع في كل ما دعا إليه، ومنه قوله تعالى * (رسلا مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * (النساء: 165) وقوله تعالى * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) * (إبراهيم: 4) وقوله تعالى * (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا) * (طه: 134) ولو كان عليه دليل قاطع، لوجب الحكم على مخالفه بالفسق والتأثيم، كالمخالف في العقليات. الثاني: أنه لو كان الحق في جهة واحدة، لما ساغ لاحد من العامة تقليد أحد من العلماء، إلا بعد الاجتهاد والتحري فيمن يقلده، وليس كذلك. وحيث خير في التقليد دل على التساوي بين المجتهدين، فإن الشرع لا يخير إلا في حالة التساوي. الثالث: أنه لو كان الحق في جهة واحدة، لوجب نقض كل حكم خالفه، كما قاله بشر المريسي والاصم. وحيث لم ينقض دل على التساوي.

[ 194 ]

الرابع: أنه لو كان الحق في جهة واحدة، لما وجب على كل واحد من المجتهدين اتباع ما أوجبه ظنه، ولا كان مأمورا به، لان الشارع لا يأمر بالخطإ، وحيث كان مأمورا باتباعه، دل. على كونه صوابا. الخامس: أنه لا خلاف في ترجيح الادلة المتقابلة في المجتهدات بما لا يستقل بإثبات أصل الحكم ولا نفيه، فدل على أن الدليل من الجانبين ما هو خارج عن الترجيح، فالدليل على كل واحد من الحكمين قائم، فكان حقا. السادس: أن حصر الحق في جهة واحدة مما يفضي إلى الضيق والحرج، وهو منفي بقوله تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (الحج: 78) وقوله تعالى * (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر) * (البقرة: 185). السابع: أنه لو كان المجتهد مخطئا، لما علم كونه مغفورا له، واللازم ممتنع. وبيان الملازمة أنه لو كان مخطئا، فلا يخلو: إما أن لا يجوز كونه مخطئا، أو يجوز كونه مخطئا: الاول محال، فإن من قال بالتخطئة لم يعين الخطأ في واحد، بل أمكن أن يكون قائلا بالنفي أو الاثبات. والثاني فلا يخلو: إما أن يعلم مع تجويز كونه مخطئا، أنه قد انتهى في النظر إلى الرتبة التي يغفر له بترك ما بعدها، أو لا يعلم ذلك: الاول محال، فإن المجتهد لا يميز ما بين الرتبتين. وإن كان الثاني، فهو مجوز لترك النظر الذي إذا أخل به بعد النظر الذي انتهى إليه لا يكون مغفورا له، وذلك ممتنع مخالف لاجماع الامة على ثواب كل مجتهد وغفران ما أخل به من النظر. والجواب عن الآية أن غايتها الدلالة على أن كل واحد منهما أوتي حكما وعلما، وهو نكرة في سياق الاثبات، فيخص، وليس فيه ما يدل على أنه أوتي حكما وعلما فيما حكم به. وقد أمكن حمل ذلك على أنه أوتي حكما وعلما بمعرفة دلالات الادلة على مدلولاتها، وطرق الاستنباط، فلا يبقى حجة في غيره.

[ 195 ]

وعن السنة أن الخبر، وإن كان عاما في الاصحاب والمقتدين بهم، غير أن ما فيه الاقتداء غير عام، ولا يلزم من العموم في الاشخاص، العموم في الاحوال. وعلى هذا، فقد أمكن حمله على الاقتداء في الرواية عن النبي عليه السلام، لا في الرأي والاجتهاد. وقد عمل به فيه، فلا يبقى حجة فيما عداه، ضرورة إطلاقه. وعن الاجماع أنه إنما لم ينكر بعض الصحابة على بعض المخالفة، لان المخطئ غير معين، ومع ذلك، فهو مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، ومثاب عليه. والذي يجب إنكاره من الخطإ ما كان مخطئه معينا، وهو منهي عنه. وما نحن فيه ليس كذلك. وعن الشبهة الاولى من المعقول: لا نسلم أنه لو كان الحكم في الواقعة معينا لنصب الله عليه دليلا قاطعا، إذ هو مبني على وجوب رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه في كتبنا الكلامية. وإن سلمنا وجوب رعاية الحكمة، ولكن لا مانع أن تكون الحكمة طلب الظن بذلك الحكم، بناء على الادلة الظنية، لا طلب العلم به لنيل ثواب النظر والاجتهاد. فإن ثوابه لزيادة المشقة فيه أزيد، على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر نصبك وإن لم تظهر فيه حكمة، فلا مانع من اختصاصه بحكمة لا يعلمها سوى الرب تعالى. وعن الثانية أنه إنما خير العامي في التقليد لمن شاء، لكونه لا يقدر على معرفة الا علم دون معرفة مأخذ المجتهدين، ووجه الترجيج فيه. وذلك مما يخرجه عن العامية، ويمنعه من جواز الاستفتاء، بل غاية ما يقدر على معرفته كون كل واحد منهما عالما أهلا للاجتهاد، ومن هذه الجهة قد استويا في نظره، فلذلك كان مخيرا حتى إنه لو قدر على معرفة الاعلم ولو بإخبار العلماء بذلك، لم يجز له تقليد غيره. وعن الثالثة أنه إنما امتنع نقض ما خالف الصواب لعدم معرفة الصواب من الخطإ. وعن الرابعة أنها منقوضة بما إذا كان في المسألة نص أو إجماع ولم يعلم به المجتهد بعد البحث التام فان الحكم فيها معين، ومع ذلك فالمجتهد مأمور باتباع ما أوجبه ظنه.

[ 196 ]

وعن الخامسة: أنا وإن سلمنا أن الترجيح قد يكون بما لا يستقل بالحكم، فلا يمنع ذلك من اعتباره جزءا من الدليل. وعلى هذا فالمرجوح لا يكون دليلا، وإن كان دليلا، لكن لا نسلم جواز ترتب الحكم على المرجوح مع وجود الراجح في نفس الامر. وعن السادسة: أن الحرج إنما يلزم من تعيين الحق أن لو وجب على المجتهدين اتباعه قطعا. أما إذا كان ذلك مفوضا إلى ظنونهم واجتهاداتهم، فلا. كيف ويلزم على ما ذكروه ما إذا كان في المسألة نص أو إجماع، فإن الحكم فيها يكون معينا، وإن لزم منه الحرج. وعن السابعة: بمنع ما ذكروه من الملازمة، وذلك لان الكلام إنما هو مفروض فيما إذا علم المجتهد من نفسه انتهاءه في الاجتهاد واستفراغ الوسع إلى حد يقطع بانتفاء قدرته على المزيد عليه، وذلك هو ضابط العلم بكونه مغفورا له ما وراءه.

[ 197 ]

المسألة السادسة اتفقوا في الادلة العقلية المتقابلة بالنفي والاثبات، على استحالة التعادل بينها. وذلك، لان دلالة الدليل العقلي يجب أن يكون مدلولها حاصلا، فلو تعادل الدليلان في نفسيهما لزم من ذلك حصول مدلوليهما، كالدليل الدال على حدوث العالم، والدال على قدمه، ويلزم من ذلك اجتماع النقيضين، وهو محال. واختلفوا في تعادل الامارات الظنية. فذهب أحمد بن حنبل والكرخي إلى المنع من ذلك، وذهب القاضي أبو بكر والجبائي وابنه وأكثر الفقهاء إلى جوازه، وهو المختار. وذلك، لانه لو استحال تعادل الامارتين في نفسيهما، فإما أن يكون ذلك محالا في ذاته، أو لدليل خارج: الاول ممتنع، فإنا لو قدرنا ذلك، لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، وإن كان الدليل من خارج، عقليا كان أو شرعيا، فالاصل عدمه. وعلى مدعيه بيانه

[ 198 ]

. فإن قيل: إذا قيل بتعادل الامارتين، فإما أن يعمل بكل واحدة منهما، أو بأحديهما دون الاخرى، أو لا يعمل ولا بواحدة منهما: الاول محال، لما فيه من الجمع بين النقيضين، والثاني محال، لانه إما أن يعمل بواحدة منهما على طريق التعيين أو الابهام: فإن كان على طريق التعيين، فلا أولوية مع التساوي وإن كان على سبيل التخيير، فهو ممتنع لوجوه ثلاثة: الاول: أن الامة مجمعة على امتناع تخيير المكلفين في مسائل الاجتهاد. الثاني: أن التخيير إباحة للفعل والترك، وهو عمل بأمارة الاباحة، وهو ممتنع. لما سبق. الثالث: أنه يلزم منه جواز تخيير الحاكم للمتخاصمين، وكذلك المفتي للعامي، بين الحكم ونقيضه، وأن يحكم لزيد بحكم، ولعمرو بنقيضه، وأن يحكم في يوم بحكم، وفي الغد بنقيضه، وذلك محال، والثالث أيضا محال، لما فيه من الجمع بين النقيضين، ولان وضع الامارتين يكون عبثا، والعبث في تصرفات الشارع ممتنع. وأيضا فإن الحكم عند الله تعالى في الواقعة لا يكون إلا واحدا، على ما سبق تقريره في المسألة المتقدمة، وهو الذي وقع عليه اختياركم، فلو تعادلت الامارتان، لزم من ذلك التضليل والحيرة في إصابة الحق، وهو ممتنع على الشارع الحكيم. والجواب عن الشبهة الاولى بمنع الحصر فيما ذكروه، إذ قد أمكن قسم ثالث، وهو العمل بمجموعهما، بأن يكونا كالدليل الواحد، ومقتضاهما الوقف أو التخيير.

[ 199 ]

وإن سلمنا امتناع ذلك، فما المانع من العمل بإحداهما على طريق التخيير بأن يعمل المكلف بما شاء منهما، إن شاء أثبت، وإن شاء نفي. قولهم: إن الامة مجمعة على امتناع تخيير المكلف في مسائل الاجتهاد. قلنا: متى إذا ترجح في نظره إحدى الامارتين، أو إذا تعادلتا ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع، ولا بعد في التخيير عند التعارض مع التساوي، نازلا منزلة ورود التخيير من الشارع بلفظ التخيير، كما في خصال الكفا رة، أو كما في التخيير بين إخراج الحقاق، وبنات اللبون، عندما إذا اجتمع في ماله مائتان من الابل بقوله عليه السلام في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حق فإنه إن أخرج أربع حقاق، فقد عمل بالنص، وإن أخرج خمس بنات لبون، فقد عمل بالنص. قولهم: إن التخيير إباحة للفعل والترك، وهو عمل بأمارة الاباحة، وترك للامارة الوجوب - قلنا: إنما يلزم ذلك أن لو كان التخيير بين الفعل والترك مطلقا، وليس كذلك. وإنما هو تخيير في العمل بأحد الحكمين، مشروطا بقصد العمل بدليله، كما في التخيير بين القصر في السفر والاتمام، بشرط قصد العمل بدليل الرخصة، أو دليل الاتمام. قولهم إنه يلزم منه جواز تخيير الحاكم للخصمين، والمفتي للعامي، بين الحكمين المتناقضين، ليس كذلك، بل التخيير إنما هو للحاكم والمفتي في العمل بإحدى الامارتين عند الحكم والفتوى، فلا بد من تعين ما اختاره، دفعا للنزاع بين الخصوم، وللتحير عن المستفتى. وأما حكمه لزيد بحكم ولعمرو بنقيضه، فغير ممتنع، كما لو تغير اجتهاده. وكذلك الحكم في يوم وبنقيضه في الغد، وإنما يمتنع ذلك أن لو كان المحكوم عليه واحدا، لما فيه من إضرار المحكوم عليه بالحكم له بحل النكاح و الانتفاع بالملك في وقت، وتحريمه عليه في وقت آخر. وإن سلمنا امتناع التخيير، فما المانع من ترك العمل بهما، والقول بتساقطهما. قولهم إنه يلزم منه الجمع بين النقيضين. إنما يلزم ذلك أن لو اعتقد نفي الحل والاباحة. وأما إذا لم يعتقد شيئا من ذلك، فلا.

[ 200 ]

قولهم إن وضع الامارتين يكون عبثا، فهو مبني على وجوب رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه في مواضعه. وبتقدير التسليم، فلا يمتنع استلزام ذلك لحكمة استأثر الله تعالى بالعلم بها دون المخلوقين. كيف وقد أمكن أن تكون الحكمة فيه إيقاف المجتهد عن الجزم بالنفي أو الاثبات. وعن الشبهة الثانية أنا وإن سلمنا أن الحكم في المسألة لا يكون إلا واحدا، ولكن ما المانع من تعادل الامارات. قولهم: يلزم منه التحير والتضليل، إنما يلزم ذلك أن لو كان مكلفا بإصابة ما هو الحكم عند الله تعالى، وليس كذلك. وإنما هو مكلف بما أوجبه ظنه، على ما سبق. فإن لم يغلب على ظنه شئ، ضرورة التعادل، كان الواجب التخيير أو التوقف أو التساقط. المسألة السابعة فيما يصح نسبته من الاقوال إلى المجتهد، وما لا يصح ولا خلاف في صحة اعتقاد الوجوب والتحريم، أو النفي والاثبات معا، في مسألتين مختلفتين، كوجوب الصلاة وتحريم الزنى، وفي اعتقاد الجمع بين الاحكام المختلفة التي لا تقابل بينها في شئ واحد، كالتحريم ووجوب الحد، ونحوه، وفي اعتقاد وجوب فعلين متضادين على البدل، كالاعتداد بالاطهار والحيض أو فعلين غير متضادين كخصال الكفارة. وأما اعتقاد حكمين متقابلين في شئ واحد على سبيل البدل، فقد اختلفوا فيه، وبينا مأخذ القولين في المسألة المتقدمة، وما هو المختار في ذلك

[ 201 ]

وأما ما يقال في هذه المسألة: للمجتهد الفلاني قولان، فلا يخلو إما أن يكونا منصوصين في تلك المسألة، أو أحدهما منصوص عليه والآخر منقول، فإن كان الاول فلا يخلو إما أن يكون التنصيص عليهما في وقتين، أو في وقت واحد فإن كان ذلك في وقتين، فلا يخلو إما أن يكون التاريخ معلوما أو غير معلوم: فإن كان الاول، فالقول الثاني ناسخ للاول، وهو الذي يجب إسناده إليه، دون الاول، لكونه مرجوعا عنه. وإن قيل إن الاول قوله، فليس إلا بمعنى أنه كان قولا له، لا بمعنى انه الآن قوله ومعتقده، وإن كان الثاني، فيجب اعتقاد نسبة أحدهما إليه والرجوع عن الآخر، وإن لم يكن ذلك معلوما ولا معينا. وعلى هذا، فيمتنع العمل بأحدهما قبل التبيين، لاحتمال أن يكون ما عمل به هو المرجوع عنه. وهذا، كما إذا وجدنا نصين، وعلمنا أن أحدهما ناسخ للآخر، ولم يتبين لنا الناسخ من المنسوخ، فإنه يمتنع العمل بكل واحد منهما، لاحتمال أن يكون ما عمل به هو المنسوخ. وكذلك الراوي، فإنه إذا سمع كتابا من الاخبار سوى خبر واحد منه، وأشكل عليه ما سمعه عن غيره، فإنه لا يجوز له رواية شئ منه، لاحتمال أن يكون ذلك ما لم يروه. وأما إن كان التنصيص عليهما في وقت واحد، فإما أن ينص على الراجح منهما بأن يقول: وهذا القول أولى، أو يفرع عليه دون الآخر، فيظهر من ذلك أن قوله وما يجب أن يكون معتقدا له هو الراجح دون المرجوح. وأما أن لا يوجد منه ما يدل على الترجيح، كما نقل عن الشافعي ذلك في سبع عشرة مسألة، فلا يخلو إما أنه ذكر ذلك بطريق الحكاية لاقوال من تقدم، فلا تكون أقوالا له. وإما أن يكون ذلك بمعنى اعتقاده للقولين، وهو محال. وذلك لان دليلي القولين إما أن يكون أحدهما راجحا على الآخر في نظره، أو هما متساويان.

[ 202 ]

فإن كان الاول فاعتقاده لحكم الدليل المرجوح ممتنع. وإن كان الثاني، فاعتقاده للتحريم والاباحة معا، في شئ واحد من جهة واحدة محال. وإن كان معنى القولين التخيير بين الحكمين أو التردد والشك، كتردد الشافعي في التسمية، هل هي آية من أول كل سورة ؟ فذلك مما لا يصح معه نسبة القولين إليه. ولهذا فإن من قال بالتخيير بين خصال الكفارة لا يقال إن له في الكفارة أقوالا. وكذلك من شك في شئ وتردد فيه، لا يقال: له فيه أقوال، وإنما يمكن تصحيح ذلك بأن يحمل قوله (في المسألة قولان) على أنه قد وجد فيها دليلين متعارضين، ولا موجود سواهما، إما نصان، أو استصحابان، كما إذا أعتق عن كفارته عبدا غائبا منقطع الخبر. فإن الاصل بقاء حياته، والاصل بقاء اشتغال الذمة، أو أصلان مختلفان، والمسألة مشابهة لكل واحد من الاصلين على السوية، ويمكن أن يقول بكل واحد منهما قائل، فقوله بوجود هذا الاحتمال، وهذا الاحتمال، قولان، لكنه ليس قولا بحكم شرعي. وأما إن كان منصوصا عليه والآخر منقولا، فذلك إنما يتصور في صورتين متناظرتين، وعند ذلك، فلا يخلو إما أن يظهر بين الصورتين فارق، أو لا يظهر: فإن ظهر بينهما فارق، فالنقل يكون ممتنعا. وإن لم يظهر بينهما فارق، وكان الامام قد نص على حكم الصورتين، فلا يخلو إما أن يكون قد نص عليهما في وقتين، أو في وقت واحد. فإن كان في وقتين: فإما أن يكون التاريخ معلوما، أو غير معلوم، فإن كان معلوما، فتنصيصه على الحكم الاخير، يستلزم ثبوت مثله في الصورة المنصوص عليها، أولا، ضرورة عدم الفرق، ويلزم من ذلك رجوعه عن الحكم المنصوص عليه أولا. وإن لم يكن التاريخ معلوما، فيجب اعتقاد اشتراك الصورتين في أحد الحكمين، وهو ما نص عليه آخرا، وإن لم يكن معلوما بعينه. وعلى هذا، فلا يمكن العمل بأحدهما على سبيل التعيين، لجواز أن يكون هو المرجوع عنه، كما أسلفناه، وأما إن نص على حكمي الصورتين في وقت واحد، فهو كما لو نص عليهما في صورة واحدة، وقد عرف ما فيه.

[ 203 ]

المسألة الثامنة اتفقوا على أن حكم الحاكم لا يجوز نقضه في المسائل الاجتهادية لمصلحة الحكم، فإنه لو جاز نقض حكمه إما بتغيير اجتهاده، أو بحكم حاكم آخر، لامكن نقض الحكم بالنقض، ونقض نقض النقض، إلى غير النهاية. ويلزم من ذلك اضطراب الاحكام، وعدم الوثوق بحكم الحاكم، وهو خلاف المصلحة التي نصب الحاكم لها. وإنما يمكن نقضه بأن يكون حكمه مخالفا لدليل قاطع، من نص أو إجماع أو قياس جلي، وهو ما كانت العلة فيه منصوصة، أو كان قد قطع فيه بنفي الفارق بين الاصل والفرع، كما سبق تحقيقه. ولو كان حكمه مخالفا لدليل طني من نص أو غيره، فلا ينقض ما حكم به بالظن، لتساويهما في الرتبة ولو حكم على خلاف اجتهاده، مقلدا لمجتهد آخر، فقد اتفقوا على امتناعه، وإبطال حكمه، ولو كان الحاكم مقلدا لامام، وحكم بحكم يخالف مذهب إمامه، فإن قضينا بصحة حكم المقلد ضرورة عدم المجتهد في زماننا، فنقض حكمه مبني على الخلاف في أنه هل يجوز له تقليد غير إمامه ؟ فإن منعنا من ذلك، نقض، وإلا فلا. وأما المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى حكم في حق نفسه، كتجويز نكاح المرأة بلا ولي. ثم تغير اجتهاده، فإما أن يتصل بذلك حكم حاكم آخر، أو لا يتصل: فإن كان الاول لم ينقض الاجتهاد السابق، نظرا إلى المحافظة على حكم الحاكم ومصلحته. وإن كان الثاني، لزمه مفارقة الزوجة، وإلا كان مستديما لحل الاستمتاع بها على خلاف معتقده، وهو خلاف الاجماع. وأما إن كان قد أفتى بذلك لغيره، وعمل ذلك الغى بفتواه. ثم تغير اجتهاده، فقد اختلفوا في أن المقلد هل يجب عليه مفارقة الزو جة، لتغير اجتهاد مفتيه. والحق وجوبه، كما لو قلد من ليس له أهلية الاجتهاد في القبلة، من هو من أهل الاجتهاد فيها، ثم تغير اجتهاده إلى جهة أخرى في أثناء صلاة المقلد له، فإنه يجب عليه التحول إلى الجهة الاخرى، كما لو تغير اجتهاد ه هو في نفسه.

[ 204 ]

المسألة التاسعة المكلف إذا كان قد حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل، فإن اجتهد فيها، وأداه اجتهاده إلى حكم فيها، فقد اتفق الكل على أنه لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين، في خلاف ما أوجبه ظنه، وترك ظنه. وإن لم يكن قد اجتهد فيها، فقد اختلفوا فيه. فقال أبو علي الجبائي: الاولى له أن يجتهد، وإن لم يجتهد وترك الاولى، جاز له تقليد الواحد من الصحابة، إذا كان مترجحا في نظره على غيره ممن خالفه، وإن استووا في نظره يخير في تقليد من شاء منهم، ولا يجوز له تقليد من عداهم. وبه قال الشافعي في رسالته القديمة. ومن الناس من قال: يجوز له تقليد الواحد من الصحابة أو التابعين، دون من عداهم، قال محمد بن الحسن: يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه، ولا يقلد من هو مثله أو دونه، وسواء كان من الصحابة أو غيرهم، وقال ابن سريج: يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه إذا تعذر عليه وجه الاجتهاد. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وسفيان الثوري يجوز تقليد العالم للعالم مطلقا. وعن أبي حنيفة في ذلك روايتان. وقال بعض أهل العراق: يجوز تقليد العالم فيما يفتي به، وفيما يخصه. ومنهم من قال بجواز ذلك فيما يخصه دون ما يفتى به. ومن هؤلاء من خصص ذلك بما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد. وذهب القاضي أبو بكر وأكثر الفقهاء إلى منع تقليد العالم للعالم، سواء كان أعلم منه، أو لم يكن. وهو المختار. إلا أن القائلين بذلك قد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها والتنبيه على ضعفها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. الحجة الاولى: أن من له أهلية الاجتهاد متمكن من الاجتهاد، فلا يجوز مع ذلك مصيره إلى قول غيره، كما في العقليات.

[ 205 ]

الثانية: أنه لو كان قد اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم من الاحكام، لم يجز له تقليد غيره، وترك ما أدى إليه اجتهاده، فكذا لا يجوز له تقليده قبل الاجتهاد لامكان أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف رأي من قلده. الثالثة: أنه لو جاز لغير الصحابة تقليد الصحابة مع تمكنه من الا جتهاد لجاز لبعض الصحابة من المجتهدين تقليد البعض، ولو جاز ذلك، لما كان لمناظراتهم فيما وقع بينهم من المسائل الخلافية معنى. الرابعة: أن الصحابة كانت تترك ما رأته باجتهادها لما تسمعه من الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عمل غيرهم بالخبر وترك العمل برأيهم، أولى. ولقائل أن يقول على الحجة الاولى: إنما لم يجز التقليد العقليات، ضرورة أن المطلوب فيها هو العلم، وهذا غير حاصل بالتقليد، بخلاف مسائل الاجتهاد، فإن المطلوب فيها هو الظن، وهو حاصل بالتقليد فافترقا. وعلى الثانية أنه إذا اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم من الاحكام، فوثوقه به أتم من وثوقه بما يقلد فيه الغير، لانه مع مساوا ة اجتهاده لاجتهاد الغير، يحتمل أن لا يكون الغير صادقا فيما أخبر به عن اجتهاده والمجتهد لا يكابر نفسه فيما أدى إليه اجتهاده. وقبل أن يجتهد لم يحصل له الوثوق بحكم ما، فلا يلزم من امتناع التقليد مع الاجتهاد امتناعه مع عدمه. وعلى الثالثة أن من المخالفين في هذه المسألة من يجوز تقليد الصحابة بعضهم لبعض، إذا كان المقلد أعلم، كما سبق في تفصيل المذاهب في أول المسألة. وبتقدير التسليم، فلا يخفى أن الوثوق باجتهاد الصحابي لمشاهدة الوحي والتنزيل، ومعرفة التأويل، والاطلاع على أحوال النبي، (ص) وزيادة اختصاص الصحابة بالتشدد في البحث عن قواعد الدين، وتأسيس الشريعة، وعدم تسامحهم فيها،

[ 206 ]

أشد من غيرهم، على ما قال عليه السلام خير القرون القرن الذي أنا فيه أتم من الوثوق باجتهاد غير الصحابي. وما مثل هذا التفاوت فغير واقع بين الصحابة. وعلى هذا، فلا يلزم من جواز تقليد غير الصحابي للصحابي، تقليد الصحابي للصحابي. وعن الرابعة أن الخبر لا يخلو إما أن يكون صريحا في مناقضة مذهب الصحابي، أو لا يكون صريحا، بل دلالته على ذلك ظنية اجتهادية: فإن كان الاول، فلا خفاء في امتناع تقليد الصحابي معه، كما يمتنع على الصحابي العمل برأيه مع ذلك الخبر. وإن كان الثاني، فلا نسلم أنه يجب على الصحابي الرجوع إليه مع استمراره على اعتقاد ما رآه أولا وترجيح ما أداه إليه اجتهاده على ذلك الخبر. وعلى ذلك، فلا يمتنع تقليد الصحابي مع وجود ذلك الخبر. والمعتمد في المسألة أن يقال: القول بجواز التقليد حكم شرعي، ولا بد له من دليل، والاصل عدم ذلك الدليل، فمن ادعاه يحتاج إلى بيانه، ولا يلزم من جواز ذلك في حق العامي العاجز عن التوصل إلى تحصيل مطلوبه من الحكم، جواز ذلك في حق من له أهلية التوصل إلى الحكم، وهو قادر عليه، ووثوقه به أتم مما هو مقلد فيه، لما سبق. فإن قيل: دليل جواز التقليد في حق من لم يجتهد، وإن كانت له أهلية الاجتهاد، الكتاب والسنة، والاجماع، والمعقول. أما الكتاب فقوله تعالى * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (النحل: 43) أمر بالسؤال، وأدنى درجاته جواز اتباع المسؤول واعتقاد قوله، وليس المراد به من لم يعلم شيئا أصلا، بل من لم يعلم تلك المسألة، ومن لم يجتهد في المسألة، وإن كانت له أهلية الاجتهاد فيها، غير عالم بها، فكان داخلا تحت عموم الآية وأيضا قوله تعالى * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * () والمراد (بأولي الامر) العلماء، أمر غير العالم بطاعة العالم، وأدنى درجاته جواز اتباعه فيما هو مذهبه. وأما السنة، فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم

[ 207 ]

وقوله (ص) عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وقوله عليه السلام اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. وأما الاجماع، فهو أن عمر رجع إلى قول علي، رضي الله عنه، وإلى قول معاذ، وبايع عبد الرحمن بن عوف عثمان على اتباع سنة الشيخين أبي بكر وعمر، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة، مع أن المقلد كان أهلا للاجتهاد، فصار ذلك إجماعا. و أما المعقول، فهو أنه لا يقدر باجتهاده على غير الظن واتباع المجتهد فيما ذهب إليه، مفيد للظن، والظن معمول به في الشرعيات، على ما سبق تقريره، فكان اتباعه فيه جائزا. والجواب عن الآية الاولى أن المراد بأهل الذكر أهل العلم، أي المتمكن من تحصيل العلم بأهليته فيما يسأل عنه، لا من العلم بالمسألة المسؤول عنها حاضر عتيد لديه. فإن أهل الشئ. من هو متأهل لذلك الشئ، لا من حصل له ذلك الشئ. والاصل تنزيل اللفظ على ما هو حقيقة فيه. وعلى هذا، فتخص الآية بسؤال من ليس من أهل العلم، كالعامي، لمن هو أهل له. وما نحن فيه فهو من أهل العلم بالتفسير المذكور، فلا يكون داخلا تحت الآية، لان الآية لا دلالة لها على

[ 208 ]

أمر أهل العلم بسؤال أهل العلم، فإنه ليس السائل أولى بذلك من المسؤول. وعن الآية الثانية أن المراد (بأولي الامر) الولاة بالنسبة إلى الرعية، والمجتهد ين بالنسبة إلى العوام، بدليل أنه أوجب الطاعة لهم. واتباع المجتهد للمجتهد، وإن جاز عند الخصوم، فغير واجب بالاجماع، فلا يكون داخلا تحت عموم الآية. وعن السنة ما سبق في مسألة مذهب الصحابي هل هو حجة أو لا ؟ وعن الاجماع: أما عمر فإنه لم يكن مقدا لعلي ولمعاذ فيما ذهبا إليه، بل لانه اطلع من قوليهما على دليل أوجب رجوعه إليه وأما قصة عبد الرحمن بن عوف، فقد سبق جوابها في المسائل المتقدمة. وعن المعقول أنه لو اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم، لم يجز له تقليد غيره في خلاف ما أدى إليه اجتهاده، إجماعا، فلو جاز له التقليد مع عدم الاجتهاد، لكان ذلك بدلا عن اجتهاده، والبدل دون المبدل، والاصل أن لا يجوز العدول إلى البدل مع إمكان تحصيل المبدل، مبالغة في تحصيل الزيادة من مقصوده، اللهم إلا أن يرد نص بالتخيير يوجب إلغاء الزيادة من مقصود المبدل، أو نص بأنه بدل عند العدم لا عند الوجود، كما في بنت مخاض وابن لبون عن خمس وعشرين من الابل، فإن وجود بنت مخاض يمنع من أداء ابن لبون، ولا يمتنع ذلك عند عدمها. والاصل عدم ذلك النص، كيف وإن ما ذكروه معارض بقوله تعالى * (فا عتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) وقوله تعالى * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: 10) وقوله تعالى * (واتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) * (الاعراف: 3) وقوله تعالى * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (الاسراء: 36)

[ 209 ]

وبقوله عليه السلام اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له وتقليد العالم للعالم يلزم منه ترك الاعتبار، وترك العمل بحكم الله ورسوله، وترك ما أنزل، واقتفاء ما ليس له به علم، وترك الاجتهاد المأمور به، وهو خلاف ظاهر النص. وإذا تعارضت الادلة، سلم لنا ما ذكرناه أولا. المسألة العاشرة اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقال للمجتهد: احكم، فإنك لا تحكم إلا بالصواب. فأجاز ذلك قوم، لكن اختلفوا: فقال موسى بن عمران بجواز ذلك مطلقا، للنبي وغيره من العلماء. وقال أبو علي الجبائي بجواز ذلك للنبي خاصة، في أحد قوليه. وقد نقل عن الشافعي في كتاب الرسالة ما يدل على التردد بين الجواز والمنع ومنع من ذلك الباقون. والمختار جوازه دون وقوعه، لكن لا بد من الاشارة إلى حجج عول عليها المجوزون، بعضها يدل على الجواز، وبعضها يدل على الوقوع، والتنبيه على ضعفها كالجاري من

[ 210 ]

عادتنا، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المعتمد في هذه المسألة. وقد احتجوا بالنص، والاجماع، والمعقول. أما النص فمن جهة الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى * (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم اسرائيل على نفسه) * (آل عمران: 93) أضاف التحريم إليه، فدل على كونه مفوضا إليه، وأما السنة فمن وجوه. منها ما روي عن النبي عليه السلام، أنه لما قال في مكة لا يختلي خلاها ولا يعضد شجرها قال له العباس: إلا الاذخر فقال النبي عليه السلام إلا الاذخر ومعلوم أن ذلك لم يكن إلا من تلقاء نفسه، لعلمنا بأن الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة ولولا أن الحكم مفوض إليه، لما ساغ ذلك. ومنها قوله عليه السلام لولا أن أشق على أمتي، لامرتهم بالسواك عند كل صلاة. ومنها قوله عليه السلام عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق. ومنها ما روي أنه لما قيل له: أحجنا هذا لعامنا، أم للابد ؟ فقال بل للابد ولو قلت نعم لوجب أضاف الوجوب والعفو إلى أمره وفعله، ولولا أنه مفوض إلى أختياره، لما جاز.

[ 211 ]

ومنها ما روي عنه، عليه السلام، أنه أمر مناديا يوم فتح مكة أن اقتلوا ابن حبابة وابن أبي سرح، ولو كانا متعلقين بأستار الكعبة ثم عفا عن ابن أبي سرح بشفاعة عثمان، ولو كان قد أمر بقتله بوحي، لما خالفه بشفاعة عثمان. ومنها ما روي عنه عليه السلام، أنه لما قتل النضر بن الحارث، جاءته بنت النضر، فأنشدته. ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق فقال عليه السلام أما إني لو كنت سمعت شعرها ما قتلته ولو كان قتله بأمر من الله، لما خالفه، وإن سمع شعرها. ومنها ما روي عنه عليه السلام، أنه لما قيل له إن ماعزا رجم، فقال لو كنتم تركتموه حتى أنظر في أمره وذلك يدل على أن حكم الرجم كان مفوضا إلى رأيه. ومنها قوله عليه السلام كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها،

[ 212 ]

وعن لحوم الاضاحي، ألا فانتفعوا بها وذلك يدل على تفويض الحل والحرمة في ذلك إليه. وأما الاجماع فما نقل عن آحاد الصحابة فيما حكم به إن كان صوابا فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ، فمني ومن الشيطان أضاف الحكم إلى نفسه، ولم ينكر عليه منكر، فصار ذلك إجماعا ومن ذلك ما شاع وذاع من رجوع آحاد الصحابة عما حكم به أولا، من غير نكير عليه، ولو لم يكن ذلك من تلقاء نفسه، بل عن دليل من الشارع، لما شاع ذلك‍ منه، ولما جاز تطابق الصحابة على عدم الانكار عليه. وأما المعقول فمن وجوه. الاول: أنه إذا جاز تفويض الشارع إلى المكلف اختيار واحدة من خصال الكفارة، جاز مثله في الاحكام. الثاني: أنه إذا جاز أن يفوض إلى العامي العمل بما شاء من فتوى أي المجتهدين شاء من غير دليل، جاز مثله في الاحكام الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين الثالث: أنه إذا جاز الحكم بالامارة الظنية مع جواز ا لخطإ فيها عن الصواب، جاز الحكم بما يختاره المجتهد من غير دليل، وإن جاز عدو له عن جهة الصواب. ولقائل أن يجيب عن الآية: بأن إسرائيل لم يكن من جملة بنيه حتى يكون داخلا في عموم الآية، وعند ذلك فيحتمل أن إسرائيل حرم ما حرم على نفسه، بالاجتهاد، مستندا إلى دليل ظني، لا أنه عن غير دليل. وعن الخبر الاول أنه قد قيل إن الاذخر ليس من الخلا، فلا يكون داخلا فيما حرم. وعلى هذا، فإباحته تكون بناء على استصحاب الحال، والاستثناء من العباس والنبي عليه السلام، كان تأكيدا.

[ 213 ]

وبتقدير أن يكون مستثنى حقيقة مما حرم بطريق التأسيس، لكن من المحتمل أن يكون ذلك بوحي سابق، وهو الاولى لقوله تعالى في حق رسوله * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * (النجم: 3) أما أن يكون ذلك من تلقاء نفسه من غير دليل، فلا. وعن الخبر الثاني أنه من الجائز أن الوحي نزل بتخييره في أمرهم بالسواك الشاق عند كل صلاة، وعدم أمرهم بذلك، لا أن أمره لهم بالسواك يكون من تلقاء نفسه، ويجب اعتقاد ذلك، لما سبق في الآية. وعن الخبر الثالث أنه إنما أضاف العفو إلى نفسه، بمعنى أنه لم يأخذ صدقة الخيل والرقيق منهم، لا بمعنى أنه المسقط لها. ودليله ما سبق في الآية. وعن الخبر الرابع أن قوله ولو قلت نعم لوجب لا يدل على أن الوجوب مستند إلى قوله نعم من تلقاء نفسه، بل لانه لا يقول ما يقول إلا بوحي، لما سبق في الآية. وعن الخامس أنه يجوز أن يكون قد أبيح القتل وتركه بالوحي بدليل ما سبق في الآية. وهو الجواب عن قصة النضر بن الحارث وماعز. وعن الخبر الاخير أنه إنما نهى، وأباح بعد النهي، بطريق الوحي، لا أن ذلك من تلقاء نفسه. وعن الاجماع. أما إضافة الخطإ إلى أنفسهم، فلا يدل على أن من حكم منهم أنه حكم من غير دليل، بل يمكن أن يكون حكمه بناء على ما ظنه دليلا، وهو مخطئ فيه، ولو كان ذلك عن اختيار قد أبيح لهم العمل به، لما شكوا في كونه صوابا. وأما رجوع آحاد الصحابة عما حكم به إلى غيره، فإنما كان ذلك لظهور الخطإ له فيما ظنه دليلا على الحكم أولا، وقد سوغ له الحكم به. أما أن يكون ذلك من غير دليل، فلا. وعن الوجه الاول من المعقول أنه لا يلزم من التخيير في خصال الكفارة من غير اجتهاد، جواز ذلك في الاحكام الشرعية، بدليل أن العامي له أن يتخير في خصال الكفارة. ومن قال بجواز التخيير في الاحكام الشرعية، لم يقض بجوازه لغير المجتهد، ولو وقع التساوي بين الصورتين، لجاز ذلك للعامي، وهو ممتنع بالاجماع. وبمثله يخرج الجواب عن الوجه الثاني. وعن الوجه الثالث أنه لا يلزم من جواز العمل بالامارة مع كونها مفيدة

[ 214 ]

للظن العمل بالاختيار من غير ظن مفيد للحكم. والمعتمد في المسألة أن يقال: لو امتنع ذلك، إما أن يمتنع لذاته، أو لمانع من خارج، الاول محال فأنا إذا قدرناه لم يلزم عنه لذاته محال في العقل وإن كان لمانع من خارج فالاصل عدمه، وعلى من يدعيه بيانه. فإن قيل: يمتنع ذلك لان الباري تعالى إنما شرع الشرائع لمصالح العباد، فلو فوض ذلك إلى اختيار العبد، فاختيار العبد متردد بين أن يكون مصلحة، وبين أن يكون مفسدة، فلا نأمن من اختياره للمفسدة، وذلك خلاف ما وضعت له الشريعة. والجواب عن هذا الاشكال أنه مبني على رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه في موضع‍، وإن سلمنا اعتبار ذلك في أفعاله تعالى، ولكن قد أمنا في ذلك من اختيار المفسدة لقول الله اختر، فإنك لا تختار إلا الصواب. فإن قيل: يمتنع على الشارع قول ذلك، لاستحالة استمرار المكلف على اختيار الصلاح دون الفساد، كما لا يجوز اتفاق الافعال الكثيرة المحكمة من غير علم، ثم لو جاز ذلك في حق المجتهد، لجاز مثله في حق العامي، وليس كذلك. قلنا: دليل جواز ذلك من الشارع، أنا لو قدرنا وروده منه، لم يلزم عنه لذاته محال. قولهم: إنه لا يتفق اختيار الصلاح في الافعال الكثيرة - قلنا: متى إذا أخبر الصادق بذلك، أو إذا لم يخبر ؟ الاول ممنوع. والثاني مسلم. وعلى هذا، فلو قال للعامي مثل ذلك، كان جائزا عقلا. ثم وإن سلمنا أنه لا يتفق اختيار المصلحة في الافعال الكثيرة، لكن متى إذا كانت المصلحة خارجة عن الفعل المختار، أو إذا كانت المصلحة هي نفس الفعل المختار ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع.

[ 215 ]

فإن قيل: فيلزم من ذلك الاباحة وإسقاط التكليف - قلنا: ليس كذلك، بل هو إيجاب التخيير، وإيجاب التخيير تكليف، لا أنه إباحة وإسقاط للتكليف. فإن قيل إنما يحسن إيجاب ما يمكن الخلو منه، ويمتنع الخلو من الفعل والترك، فلا يحسن إيجابه، قلنا هذا وإن استمر في إيجاب الفعل وتركه، فلا يستمر في التخيير بين الاحكام التي يتصور الخلو منها، كالتخيير بين أن يكون الفعل محرما أو واجبا. وذلك بأن يقال له: اختر إما التحريم وإما الوجوب، وأيهما اخترت، فلا تختر إلا ما المصلحة فيه. ولا يخفى جواز الخلو منهما بالاباحة. وإن سلمنا أن المصلحة خارجة عن نفس الفعل المختار، وأنه يمتنع اختيار المصلحة في الافعال الكثيرة، ولكن ما المانع من ذلك في الافعال القليلة. فإن قيل: إنه إما أن يكون قد أوجب عليه اختيار ما المصلحة فيه، أو خيره بين المصلحة والمفسدة، فإن كان الاول، فقد كلفه ما لا يطاق، حيث أوجب عليه اختيار المصلحة من غير دليل، وإن كان الثاني، فهو محال على الشارع، لما فيه من الاذن منه في فعل المفسدة، وهو خارج عن العدل. قلنا: إن أوجب عليه اختيار المصلحة، وإن كان تكليفا بما لا يطاق، فهو جائز على ما سبق تقريره. وإن خيره بين أمرين، فلا يمتنع ذلك، كما أنه يوجب عليه الحكم بما أوجبه ظنه من الامارة الظنية، وإن كان مخطئا مرتكبا للمفسدة، كما تقرر قبل. وإذا جاز إيجاب فعل ما هو مفسدة مع عدم علم المكلف به جاز التخيير بين المصلحة والمفسدة، مع عدم علم المكلف بذلك.

[ 216 ]

المسألة الحادية عشرة القائلون بجواز الاجتهاد للنبي عليه السلام: اختلفوا في جواز الخطإ عليه في اجتهاده. فذهب بعض أصحابنا إلى المنع من ذلك وذهب أكثر أصحابنا والحنابلة وأصحاب الحديث والجبائي وجماعة من المعتزلة إلى جوازه، لكن بشرط أن لا يقر عليه، وهو المختار، ودليله المنقول والمعقول. أما المنقول فمن جهة الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى * (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) * (التوبة: 43) وذلك يدل على خطئه في إذنه لهم. وقوله تعالى في المفاداة في يوم بدر * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض) * (الانفال: 67) إلى قوله تعالى * (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) * (الانفال: 68) حتى قال النبي عليه السلام لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه إلا عمر لانه كان قد أشار بقتلهم ونهى عن المفاداة، وذلك دليل على خطئه في المفاداة. وقوله تعالى * (إنما أنا بشر مثلكم) * (الكهف: 110) أثبت المماثلة بينه وبين غيره، وقد جاز الخطأ على غيره، فكان جائزا عليه، لان ما جاز على أحد المثلين يكون جائزا على الآخر. وأما السنة فما روي عن النبي عليه السلام، أنه قال إنما أحكم بالظاهر، وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشئ من

[ 217 ]

مال أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار وذلك يدل على أنه قد يقضي بما لا يكون حقا في نفس الامر. وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني. وأيضا ما اشتهر عنه عليه السلام، من نسيانه في الصلاة وتحلله عن ركعتين في الرباعية في قصة ذي اليدين، وقول ذي اليدين أقصرت الصلاة أم سهوت ؟ فقال النبي عليه السلام: أحق ما يقول ذو اليدين ؟ فقالوا: نعم. وأما المعقول فإنه لو امتنع وقوع الخطإ منه في اجتهاده، فإما أن يكون ذلك لذاته، أو لامر من خارج: لا جائز أن يقال بالاول، فإنا لو فرضناه، لم يلزم عنه المحال لذاته عقلا. وإن كان لامر خارج، فالاصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من ثلاثة أوجه. الاول: أنا قد أمرنا باتباع حكمه، على ما قال تعالى * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما) * (النساء: 65) فلو جاز عليه الخطأ في حكمه، لكنا، قد أمرنا باتباع الخطإ، والشارع لا يأمر بالخطإ. الثاني: أن الامة إذا أجمعت على حكم مجتهد فيه، كان إجماعهم معصوما عن الخطإ، كما سبق بيانه. ولو جاز على النبي الخطأ في اجتهاده، لكانت الامة أعلى رتبة منه، وذلك محال.

[ 218 ]

الثالث: أن المقصود من البعثة وإظهار المعجزة اتباع النبي عليه السلام، في الاحكام الشرعية، إقامة لمصالح الخلق، فلو جاز عليه الخطأ في حكمه، لاوجب ذلك التردد في قوله والشك في حكمه، وذلك مما يخل بمقصود البعثة، وهو محال. والجواب عن الاشكال الاول أنه يلزم على ما ذكروأمر الشارع للعامي باتباع قول المفتي مع جواز خطئه. فما هو جواب لهم في صور الالزام، فهو جواب لنا في محل النزاع. وعن الاشكال الثاني أن من الناس من منمن تصور انعقاد الاجماع عن الاجتهاد، فضلا عن وقوعه وامتناع الخطأ فيه. ومنهم من جوزه، وجوز مع ذلك مخالفته لامكان الخطإ فيه، كما سبق ذكره في مسائل الاجماع. وبتقدير التسليم لانعقاد الاجماع عن الاجتهاد، وامتناع الخطإ فيه، فلا مانع منه، ولا يلزم من ذلك علو رتبة الامة على رتبة النبي عليه السلام، مع اختصاصه بالرسالة، وكون عصمة الاجماع مستفادة من قوله، وأنه الشارع المتبع، وأهل الاجماع متبعون له، ومأمورون بأوامره، ومنهيون بنواهيه. ولا كذلك بالعكس. وعن الثالث: أن المقصود من البعثة إنما هو تبليغه عن الله تعالى أو امره ونواهيه. والمقصود من إظهار المعجزات إظهار صدقه فيما يدعيه من الرسالة والتبليغ عن الله تعالى، وذلك مما لا يتصور خطؤه فيه بالاجماع. ولا كذلك ما يحكم به عن اجتهاده، فإنه لا يقول ما يقوله فيه عن وحي، ولا بطريق التبليغ، بل حكمه فيه حكم غيره من المجتهدين، فتطرق الخطإ إليه في ذلك لا يوجب الاخلال بمعنى البعثة والرسالة.

[ 219 ]

المسألة الثانية عشرة اختلفوا في النافي، هل عليه دليل أو لا ؟ منهم من قال: لا دليل عليه، وسواء كان ذلك من القضايا العقلية أو الشرعية. ومنهم من أوجب ذلك عليه في الموضعين، ومنهم من أوجبه عليه في القضايا العقلية، دون الشرعية والمختار إنما هو التفصيل. وهو أن النافي إما أن يكون نافيا بمعنى ادعائه عدم علمه بذلك وظنه، أو مدعيا للعمل، أو الظن بالنفي: فإن كان الاول، فالجاهل لا يطالب بالدليل على جهله، ولا يلزمه ذلك، كما لا يطالب على دعواه: أني لست أجد ألما، ولا جوعا، ولا حرا، ولا بردا، إلى غير ذلك. وإن كان الثاني، فلا يخلو إما أن يدعي العلم بنفي ما نفاه ضرورة، أو لا بطريق الضرورة: فإن كان الاول، فلا دليل عليه أيضا، لانه إن كان صادقا في دعوى الضرورة، فالضروري لا يطالب بالدليل عليه. وإن لم يكن صادقا في دعواه الضرورة، فلا يطالب بالدليل عليه أيضا، فإنه ما ادعى حصوله له عن نظر. ويكفي المنع في انقطاعه، حيث إنه لا يقدر على تحقيق الضرورة في ذلك، والنظر غير مدعى له، وإن ادعى العلم بنفيه لا بطريق الضرورة، فلا يخلو إما أن لا يكون قد حصل له بطريق مفض إليه، أو يكون بطريق مفض إليه: لا جائز أن يقال بالاول، لان حصول علم غير ضروري من غير طريق يفضي إليه، محال. وإن كان الثاني، فلا بد عند الدعوى والمطالبة بدليلها من ذكره وكشفه لينظر فيه. وإلا كان قد كتم علما نافعا مست الحاجة إلى إظهاره، ودخل تحت قوله، عليه السلام من كتم علما نافعا فقد تبوأ مقعده من النار ولانه لا فرق في ذلك في دعوى الاثبات والنفي، وقد وجب على مدعي الاثبات ذكر الدليل، فكذلك في دعوى النفي، كيف وإن الاجماع منعقد على أن من ادعى الوحدانية لله تعالى وقدمه

[ 220 ]

أنه يجب عليه إقامة الدليل، وإن كان حاصل دعوى الوحدانية نفي الشريك، وحاصل دعوى القدم نفي الحدوث والاولية. ولهذا، نبه الله تعالى على نفي آلهة غير الله على الدليل في قوله تعالى * (لو كان فيهما آلهة إلا الله، لفسدتا) * الآية. فإن قيل: فماذا تقولون فيما إذا ادعى رجل أنه نبي، ولم تقم على دعواه بينة ؟ هل يلزم المكرين لنبوته إقامة الدليل على أنه ليس بنبي، أو لا يلزم ؟ وكذلك من أنكر وجوب صلاة سادسة أو صوم شوال، أو المدعى عليه بحق، إذا أنكر ما ادعي عليه به، هل يلزمه إقامة الدليل على ما نفاه أو لا ؟ إن قلتم بالاول، فهو خلاف الاجماع، وإن قلتم بالثاني مع كونه نافيا في قضية غير ضرورية، فقد سلمتم محل النزاع. قلنا: النفي في جميع هذه الصور لم يخل عن دليل يدل على النفي. غير أنه قد يكتفي بظهوره عن ذكره، وهو البقاء على النفي الاصلي، واستصحاب الحال مع عدم القاطع له، وهو ما يدل على النبوة، وما يدل على وجوب صلاة سادسة، وعلى وجوب صوم شوال، وشغل الذمة. وإذا قيل إن النافي عليه دليل، فالدليل المساعد في ذلك إما نص وارد من الشارع يدل على النفي، أو إجماع من الامة، وإما التمسك باستصاحب النفي الاصلي، وعدم الدليل المغير القاطع، وإما الاستدلال بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم. وهل يمكن الاستدلال على النفي بالقياس الشرعي ؟ اختلفوا فيه، بناء على الاختلاف في جواز تخصيص العلة، ولا فرق في ذلك بين قياس العلة، والدلالة، والقياس في معنى الاصل.

[ 221 ]

الباب الثاني في التقليد، والمفتي، والمستفتي، وما فيه الاستفتاء. وما يتشعب عن ذلك من المسائل أما (التقليد) فعبارة عن العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة، وهو مأخوذ من تقليده بالقلادة وجعلها في عنقه، وذلك كالاخذ بقول العامي، وأخذ المجتهد بقول من هو مثله. وعلى هذا، فالرجوع إلى قول النبي عليه السلام، وإلى ما أجمع عليه أهل العصر من المجتهدين، ورجوع العامي إلى قول المفتي، وكذلك عمل القاضي بقول العدول، لا يكون تقليدا، لعدم عروه عن الحجة الملزمة. أما في قبول قول الرسول، فما دل على وجوب تصديقه من المعجزة، ووجوب قبول قول الاجماع قول الرسول، ووجوب قبول قول المفتي والشاهدين، الاجماع على ذلك، وإن سمي ذلك تقليدا بعرف الاستعمال، فلا مشاحة في اللفظ.

[ 222 ]

وأما (المفتي) فلا بد وأن يكون من أهل الاجتهاد، وإنما يكون كذلك بأن يكون عارفا بالادلة العقلية، كأدلة حدوث العالم، وأن له صانعا، وأنه واحد متصف بما يجب له من صفات الكمال والجلال، منزه عن صفات النقص والخلل، وأنه أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وأيده بالمعجزات الدالة على صدقه في رسالته، وتبليغه للاحكام الشرعية، وأن يكون مع ذلك عارفا بالادلة السمعية وأنواعها، واختلاف مراتبها في جهات دلالاتها، والناسخ والمنسوخ منها، والمتعارضات، وجهات الترجيح فيها، وكيفية استثمار الاحكام منها، على ما سبق تعريفه، وأن يكون عدلا ثقة حتى يوثق به فيما يخبر عنه من الاحكام الشرعية، ويستحب له أن يكون قاصدا للارشاد وهداية العامة إلى معرفة الاحكام الشرعية، لا بجهة الرياء والسمعة، متصفا بالسكينة والوقار، ليرغب المستمع في قبول ما يقول، كافا نفسه عما في أيدي الناس، حذرا من التنفير عنه. وأما (المستفتي) فلا يخلو إما أن يكون عالما قد بلغ رتبة الاجتهاد، أو لم يكن كذلك: فإن كان الاول قد اجتهد في المسألة وأداه اجتهاده إلى حكم من الاحكام، فلا خلاف في امتناع اتباعه لغيره في خلاف ما أداه إليه اجتهاده، وإن لم يكن قد اجتهد فيها فقد اختلفوا في جواز اتباعه لغيره من المجتهدين فيما أدى إليه اجتهاده وقد سبق الكلام فيه بجهة التفصيل، وما هو المختار. وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا يخلو إما أن يكون عاميا صرفا، لم يحصل له شئ من العلوم التي يترقى بها إلى رتبة الاجتهاد، أو أنه قد ترقى عن رتبة العامة بتحصيل بعض العلوم المعتبرة في رتبة الاجتهاد: فإن كان الاول، فقد اختلف في جواز اتباعه لقول المفتي، والصحيح أن وظيفته اتباع قول المفتي على ما يأتي. وإن كان الثاني، فقد تردد أيضا فيه، والصحيح أن حكمه حكم العامي. وأما ما فيه (الاستفتاء) فلا يخلو إما أن يكون من القضايا العلمية، أو الظنية الاجتهادية: فإن كان الاول، فقد اختلف أيضا في جواز اتباع قول الغير فيه، والحق امتناعه، كما يأتي. وإن كان الثاني، فهو المخصوص بجواز الاستفتاء عنه ووجوب اتباع قول المفتي. وإذ أتينا على ما حققناه فلنرجع إلى المسائل المتشعبة عنه وهي ثمان.

[ 223 ]

المسألة الاولى اختلفوا في جواز التقليد في المسائل الاصولية المتعلقة بالاعتقاد في وجود الله تعالى، وما يجوز عليه، وما لا يجوز عليه، وما يجب له، وما يستحيل عليه. فذهب عبيد الله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية إلى جوازه. وربما قال بعضهم إنه الواجب على المكلف، وإن النظر في ذلك والاجتهاد فيه حرام. وذهب الباقون إلى المنع منه، وهو المختار لوجوه. الاول أن النظر واجب، وفي التقليد ترك الواجب، فلا يجوز. ودليل وجوبه أنه لما نزل قوله تعالى * (إن في خلق السماوات والارض) * (البقرة: 164) الآية، قال عليه السلام ويل لمن لاكها بين لحييه، ولم يتفكر فيها توعد على ترك النظر والتفكر فيها، فدل على وجوبه. الثاني أن الاجماع من السلف منعقد على وجوب معرفة الله تعالى، وما يجوز عليه، وما لا يجوز، فالتقليد إما أن يقال إنه محصل للمعرفة، أو غير محصل لها: القول بأنه محصل للمعرفة ممتنع لوجوه: الاول أن المفتي بذلك غير معصوم، ومن لا يكون معصوما، ولا يكون خبره واجب الصدق، وما لا يكون واجب الصدق، فخبره لا يفيد العلم. الثاني أنه لو كان التقليد يفيد العلم، لكان العلم حاصلا لمن قلد في حدوث

[ 224 ]

العالم، ولمن قلد في قدمه، وهو محال، لافضائه إلى الجمع بين كون العالم حادثا وقديما. الثالث أنه لو كان التقليد مفيدا للعمل، فالعلم بذلك إما أن يكون ضروريا، أو نظريا: لا جائز أن يكون ضروريا، وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء، ولانه لو خلا الانسان ودواعي نفسه من مبدإ نشئه لم يجد ذلك من نفسه أصلا، والاصل عدم الدليل المفضي إليه، فمن ادعاه لا بد له من بيانه. الوجه الثالث من الوجوه الاول أن التقليد مذموم شرعا، فلا يكون جائزا، غير أنا خالفنا ذلك في وجوب اتباع العامي المجتهد، وفيما ذكرناه من الصور فيما سبق، لقيام الدليل على ذلك، والاصل عدم الدليل الموجب للاتباع فيما نحن فيه، فنبقي على مقتضي الاصل. وبيان ذم التقليد قوله تعالى حكاية عن قوم * (إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون) * () ذكر ذلك في معرض الذم لهم. فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من وجوه: الاول أن النظر غير واجب لوجوه. الاول أنه منهي عنه، ودليل النهي عنه الكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى * (وما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) * (غافر: 4) والنظر يفضي إلى فتح باب الجدال، فكان منهيا عنه. وأما السنة فما روي عن النبي عليه السلام، أنه نهى الصحابة لما رأهم يتكلمون في مسألة القدر، وقال إنما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا وقاعليه السلام عليكم بدين العجائز وهو ترك النظر، ولو كان النظر واجبا لما كان منهيا عنه.

[ 225 ]

الثاني أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة الخوض والنظر في المسائل الكلامية مطلقا، ولو وجد ذلك منهم، لنقل، كما نقل عنهم النظر في المسائل الفقهية، ولو كان النظر في ذلك واجبا، لكانوا أولى بالمحافظة عليه. الثالث أنه لم ينقل عن النبي عليه السلام، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين إلى زمننا هذا الانكار على من كان في زمانهم من العوام، ومن ليس له أهلية النظر على ترك النظر، مع أنهم أكثر الخلق، بل كانوا حاكمين بإسلامهم، مقرين لهم على ما هم عليه. الرابع لو كان النظر في معرفة الله تعالى واجبا، فإما أن يجب على العارف، أو على غير العارف: الاول محال، لما فيه من تحصيل الحاصل، والثاني يلزم منه أن يكون الجهل بالله تعالى واجبا ضرورة توقف النظر الواجب عليه، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولانه يلزم منه توقف معرفة إيجاب الله تعالى على معرفة ذاته، ومعرفة ذاته على النظر المتوقف على إيجابه، وهو دور. المعارضة الثانية أن النظر مظنة الوقوع في الشبهات واضطرا ب الآراء والخروج إلى الضلال، بخلاف التقليد، فكان سلوك ما هو أقرب إلى السلامة أولى. ولهذا، صادفنا أكثر الخلق على ذلك، فكان أولى بالاتباع. الثالثة أن أدلة الاصول فيما يرجع إلى الغموض والخفاء أشد من أدلة الفروع، فإذا جاز التقليد في الفروع مع سهولة أدلتها، دفعا للحرج، فلان يجوز ذلك في الاصول أولى. الرابعة أن الاصول والفروع قد استويا في التكليف بهما، وقد جاز التقليد في الفروع، فكذلك في الاصول. والجواب عن المعارضة الاولى بمنع النهي عن النظر، وأما الآية، فالمراد بهما إنما هو الجدال بالباطل على ما قال تعالى * (وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق) * (غافر: 5) دون الجدال بالحق، ودليله قوله تعالى * (وجادلهم بالتي هي أحسن) * (النحل: 125) وقوله تعالى * (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) * (العنكبوت: 46)

[ 226 ]

ولو كان الجدال بالحق منهيا عنه، لما كان مأمورا به، ثم كيف يكون النظر منهيا عنه، وقد أثنى الله تعالى على الناظرين بقوله تعالى * (ويتفكرون في خلق السموات والارض) * (آل عمران: 191) أورد ذلك في معرض الثناء والمدح، والمنهي عنه لا يكون ممدوحا عليه. وبه يخرج الجواب عن نهيه عن النظر في القدر. وقوله عليه السلام عليكم بدين العجائز لم يثبت ولم يصح. وإن صح، فيجب حمله على التفويض إلى الله تعالى فيما قضاه وأمضاه، جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الادلة. قولهم (لم ينقل عن أحد من الصحابة النظر في ذلك) يلزم منه نسبة الصحابة إلى الجهل بمعرفة الله تعالى، مع كون الواحد منا عالما بذلك، وهو محال. وإذا كانوا عالمين بذلك، فليس العلم بذلك من الضروريات، فتعين إسناده إلى النظر والدليل، وإنما لم تنقل عنهم المناظرة في ذلك لصفاء أذهانهم، وصحة عقائدهم، وعدم من يحوجهم إلى ذلك. وحيث نقل عنهم ذلك في مسائل الفروع، فلكونها اجتهادية، والظنون فيها متفاوتة، بخلاف المسائل القطعية. قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم ينكروا على العامة ترك النظر.

[ 227 ]

قلنا: إنما لم ينكروا ذلك لان المعرفة الواجبة كانت حاصلة لهم، وهي المعرفة بالدليل من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل. قولهم (إن وجوب النظر يلزم منه وجوب الجهل بالله تعالى) إنما يلزم ذلك أن لو كان الجهل مقدورا للعبد، وهو غير مسلم. قولهم (يلزم منه الدور) لا نسلم ذلك، فإن الواجب الشرعي عندنا غير متوقف على النظر، كما سبق في مسألة شكر المنعم. قولهم (إن النظر مظنة الوقوع في الشبهات والتردي في الضلالات) قلنا: فاعتقاد من يقلده إما أن يكون عن تقليد، أو نظر، ضرورة امتناع كونه ضروريا: فإن كان الاول، فالكلام فيمن قلده كالكلام فيه، وهو تسلسل ممتنع، وإن كان الثاني فالمحذور اللازم من النظر لازم في التقليد مع زيادة، وهو احتمال كذب من قلده فيما أخبره به، بخلاف الناظر مع نفسه، فإنه لا يكابر نفسه فيما أدى إليه نظره. قولهم إن التقليد عليه الاكثر والسواد الاعظم. قلنا: ذلك لا يدل على أنه أقرب إلى السلامة، لان التقليد في العقائد المضلة أكثر من الصحيحة، على ما قال تعالى * (وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله) * (الانعام: 116) وقال تعالى * (وقليل ما هم) * (ص: 24) وقال عليه السلام تفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة: واحدة ناجية، والباقي في النار وإنما كان ذلك، لان أدلة الحق دقيقة غامضة، لا يطلع عليها سوى أصحاب الاذهان الصافية والعقول الراجحة، مع المبالغة في الجد والاجتهاد، وذلك مما يندر ويقل وقوعه.

[ 228 ]

قولهم (ان أدلة الاصول أخفى، فكان التقليد فيها أولى من الفروع) ليس كذلك فإن المطلوب في الاصول القطع واليقين، بخلاف الفروع فإن المطلوب فيها الظن، وهو حاصل من التقليد، فلا يلزم من جواز التقليد في الفروع جوازه في الاصول. وبه يكون الجواب عن المعارضة الاخيرة أيضا. المسألة الثانية العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد، وان كان محصلا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد، يلزمه اتباع قول المجتهدين والاخذ بفتواه، عند المحققين من الاصوليين. ومنع من ذلك بعض معتزل البغداديين وقالوا: لا يجوز ذلك الا بعد أن يتبين له صحة اجتهاده بدليله. ونقل عن الجبائي أنه أباح ذلك في مسائل الاجتهاد دون غيرها، كالعبادات الخمس. والمختار إنما هو المذهب الاول. ويدل عليه النص، والاجماع، والمعقول. أما النص فقوله تعالى * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (النحل: 43) وهو عام لكل المخاطبين، ويجب أن يكون عاما في السؤال عن كل ما لا يعلم، بحيث يدخل فيه محل النزاع، وإلا كان متناولا لبعض ما لا يعلم بعينه، أو لا بعينه: والاول غير مأخوذ من دلالة اللفظ، والثاني يلزم منه تخصيص ما فهم من معنى الامر بالسؤال، وهو طلب الفائدة ببعض الصور، دون البعض، وهو خلاف الاصل. وإذا كان عاما في الاشخاص وفي كل ما ليس بمعلوم، فأدنى درجات قوله (فاسألوا) الجواز، وهو خلاف مذهب الخصوم.

[ 229 ]

وأما الاجماع فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث المخالفين يستفتون المجتهدين، ويتبعونهم في الاحكام الشرعية، والعلماء منهم يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير، فكان إجماعا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا. وأما المعقول فهو أن من ليس له أهلية الاجتهاد، إذا حدثت به حادثة فرعية، إما أن لا يكون متعبدا بشئ، وهو خلاف الاجماع من الفريقين، وإن كان متعبدا بشئ فإما بالنظر في الدليل المثبت للحكم، أو بالتقليد: الاول ممتنع، لان ذلك مما يفضي في حقه وفي حق الخلق أجمع إلى النظر في أدلة الحوادث، والاشتغال عن المعايش، وتعطيل الصنائع والحرف، وخراب الدنيا، وتعطيل الحرث والنسل، ورفع الاجتهاد والتقليد رأسا، وهو من الحرج والاضرار المنفي بقوله تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وبقوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام وهو عام في كل حرج وضرار، ضرورة كونه نكرة في سياق النفي. غير أنا خالفناه في امتناع التقليد، في أصول الدين لما بيناه من الفرق في مسألة امتناع التقليد في أصول الدين، ولان الوقائع الحادثة الفقهية أكثر بأضعاف كثيرة من المسائل الاصولية التي قيل فيها بامتناع التقليد فكان الحرج في إيجاب الاجتهاد فيها أكثر، فبقينا فيما عدا ذلك عاملين بقضية الدليل، وهو عام في المسائل الاجتهادية وغيرها. فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالكتاب، والسنة، والمعقول: أما الكتاب، فقوله تعالى * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (البقرة: 169) والقول بالتقليد قول بما ليس بمعلوم، فكان منهيا عنه.

[ 230 ]

وأيضا. قوله تعالى حكاية عن قوم * (إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون) * (الزخرف: 23) ذكر ذلك في معرض الذم للتقليد، والمذموم لا يكون جائزا. وأما السنة فقوله عليه السلام طلب العلم فريضة على كل مسلم وقوله عليه السلام اجتهدوا، فكل ميسر لما خلق له والنصان عامان في الاشخاص وفي كل علم، وهما يدلان على وجوب النظر. وأما المعقول فمن وجهين: الاول: أن العامي لو كان مأمورا بالتقليد، فلا يأمن أن يكون من قلده مخطئا في اجتهاده، وأنه كاذب فيما أخبره به، فيكون العامي مأمورا باتباع الخطإ والكذب، وذلك على الشارع ممتنع. الثاني: أن الفروع والاصول مشتركة في التكليف بها، فلو جاز التقليد في الفروع لمن ظهر صدقه فيما أخبر به، لجاز ذلك في الاصول. والجواب عن الآية الاولى أنها مشتركة الدلالة، فإن النظر أيضا والاجتهاد في المسائل الاجتهادية قول بما ليس بمعلوم ولا بد من سلوك أحد الامرين. وليس في الآية دليل على تعيين امتناع أحدهما كيف ويجب حملها على ما لا يعلم فيما يشترط فيه العلم تقليلا لتخصيص العموم، ولما فيه من موافقة ما ذكرناه من الادلة.

[ 231 ]

وعن الآية الثانية بوجوب حملها على ذم التقليد فيما يطلب فيه العلم، جمعا بينها وبين ما ذكرناه من الادلة. وعن الخبر الاول أنه متروك بالاجماع، في محل النزاع، فإن القائل فيه قائلان: قائل بأن الواجب التقليد، وقائل إن الواجب إنما هو النظر، والعلم غير مطلوب فيهما إجماعا. وعن الثاني لا نسلم دلالته على الوجوب، على ما سبق تعريفه، وإن دل على وجوب الاجتهاد، لكنه لا عموم له بالنسبة إلى كل مطلوب، حتى يدخل فيه محل النزاع، وإن كان عاما بلفظه، لكن يجب حمله على من له أهلية الاجتهاد، جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الادلة. وعن الوجه الاول من المعقول أنه، وإن اجتهد العامي، فلا نأمن من وقوع الخطإ منه، بل هو أقرب إلى الخطإ، لعدم أهليته، والمحذور يكون مشتركا. وعن الوجه الثاني ما سبق من الفرق.

[ 232 ]

المسألة الثالثة القائلون بوجوب الاستفتاء على العامي، اتفقوا على جواز استفتائه لمن عرفه بالعلم، وأهلية الاجتهاد، والعدالة، بأن يراه منتصبا للفتوى، والناس متفقون على سؤاله والاعتقاد فيه، وعلى امتناعه فيمن عرفه بالضد من ذلك. واختلفوا في جواز استفتاء من لم يعرفه بعلم ولا جهالة. والحق امتناعه على مذهب الجمهور، وذلك لانه لا نأمن أن يكون حال المسؤول كحال السائل في العامية المانعة من قبول القول. ولا يخفى أن احتمال العامية قائم، بل هو أرجح من احتمال صفة العلم والاجتهاد، نظرا إلى أن الاصل عدم ذلك، وإلى أن الغالب إنما هو العوام، وأن اندراج من جهلنا حالة تحت الاغلب، أغلب على الظن. ولهذا، امتنع قبول قول مدعي الرسالة وقبول قول الراوي والشاهد إذا لم يقم دليل على صدقه. فإن قيل إذا لم يعرف العامي السائل عدالة المفتي، فلا يخلو: إما أن يقال إنه يجب عليه البحث عن عدالته، أو لا يجب: فإن قيل بالاول، فهو خلاف ما الناس عليه في العادة من غير نكير. وإن قيل بالثاني، فلا يخفى أن احتمال عدم العدالة مقاوم لاحتمال العدالة، وعند ذلك، فاحتمال صدقه فيما يخبر به مقاوم لاحتمال كذبه. وعند ذلك إما أن يلزم من جواز الاستفتاء مع الجهل بالعدالة جوازه مع الجهل بالعلم، أو لا يلزم: فإن لم يلزم، فما الفرق ؟ وإن لزم فهو المطلوب. قلنا: لا نسلم جريان العادة بما ذكروه عند إرادة الاستفتاء وعلى هذا، فلا بد من السؤال عن العدالة بما يغلب على الظن من قول عدل أو عدلين. وإن سلمنا أنه لا يحتاج إلى البحث عن ذلك، فالفرق ظاهر، وذلك لان الغالب من حال المسلم، ولا سيما المشهور بالعلم والاجتهاد، إنما هو العدالة، وهو كاف في إفادة الظن، ولا كذلك في العلم، لانه ليس الاصل في كل إنسان أن يكون عالما مجتهدا، ولا الغالب ذلك.

[ 233 ]

المسألة الرابعة إذا استفتى العامي عالما في مسألة، فأفتاه، ثم حدث مثل تلك الواقعة، فهل يجب على المفتي أن يجتهد لها ثانيا، ولا يعتمد على الاجتهاد الاول اختلفوا فيه: فمنهم من قال: لا بد من الاجتهاد ثانيا، لاحتمال أن يتغير اجتهاده، ويطلع على ما لم يكن اطلع عليه أولا. ومنهم من قال: لا حاجة إلى اجتهاد آخر، لان الاصل عدم اطلاعه على ما لم يطلع عليه أولا. والمختار إنما هو التفصيل، وهو أنه إما أن يكون ذاكرا للاجتهاد الاول، أو غير ذاكر له، فإن كان الاول، فلا حاجة إلى اجتهاد آخر، كما لو اجتهد في الحال. وإن كان الثاني، فلا بد من الاجتهاد لانه في حكم من لم يجتهد. المسألة الخامسة اختلفوا في أنه هل يجوز خلو عصر من الاعصار عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه ؟ فمنع منه قوم، كالحنابلة وغيرهم، وجوزه آخرون وهو المختار. وذلك، لانه لو امتنع، لامتنع إما لذاته، أو لامر من خارج: الاول محال، فإنا لو فرضنا وقوعه لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، وإن كان الثاني، فالاصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه.

[ 234 ]

فإن قيل: دليل امتناعه النص، والمعقول. أما النص فقوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق، حتى يأتي أمر الله، وحتى يظهر الدجال وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال واشوقاه إلى إخواني قالوا يا رسول الله، ألسنا إخوانك ؟ فقال: أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد الناس وأيضا قوله عليه السلام العلماء ورثة الانبياء وأحق الامم بالوراثة هذه الامة، وأحق الانبياء بإرث العلم عنه. نبي هذه الامة. وأما المعقول فمن وجهين: الاول: أن التفقه في الدين والاجتهاد فيه، فرض على الكفاية، بحيث إذا اتفق الكل على تركه أثموا. فلو جاز خلو العصر عمن يقوم به، لزم منه اتفاق أهل العصر على الخطإ والضلالة، وهو ممتنع لما سبق. الثاني: أن طريق معرفة الاحكام الشرعية إنما هو الاجتهاد فلو خلا العصر عن مجتهد يمكن الاستناد إليه في معرفة الاحكام أفضى إلى تعطيل الشريعة واندراس الاحكام، وذلك ممتنع، لانه على خلاف عموم ما سبق من النصوص.

[ 235 ]

والجواب عما ذكروه من النصوص أنها معارضة بما يدل على نقيضها، فمن ذلك قوله عليه السلام بدئ الاسلام غريبا وسيعود كما بدأ وقوله عليه السلام إن الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا وقوله عليه السلام تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإنها أول ما ينسى وقوله عليه السلام لتركبن سنن من كان قبلكم، حذوا القذة بالقذة وقوله (ص) خير القرون القرن الذي أنا فيه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم تبقى حثالة كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم وإذا تعارضت النصوص سلم لنا ما ذكرناه من الدليل أولا. وما ذكروه من الوجه الاول من المعقول، فجوابه أن يقال: متى يكون التفقه

[ 236 ]

في الدين والتأهل للاجتهاد فرضا على الكفاية في كل عصر ؟ إذا أمكن اعتماد العوام على الاحكام المنقولة إليهم في كل عصر عمن سبق من المجتهدين في العصر الاول بالنقل المغلب على الظن، أو إذا لم يمكن ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لا نسلم امتناع ذلك. وهذا هو الجواب عن الوجه الثاني من المعقول أيضا. المسألة السادسة من ليس بمجتهد، هل تجوز له الفتوى بمذهب غيره من المجتهدين، كما هو المعتاد في زمننا هذا ؟ اختلفوا فيه: فذهب أبو الحسين البصري وجماعة من الاصوليين إلى المنع من ذلك، لانه إنما يسأل عما عنده لا عما عند غيره، ولانه لو جازت الفتوى بطريق الحكاية عن مذهب الغير، لجاز ذلك للعامي، وهو محال، مخالف للاجماع. ومنهم من جوزه إذ ثبت ذلك عنده بنقل من يوثق بقوله. والمختار أنه إذا كان مجتهدا في المذهب بحيث يكون مطلعا على مأخذ المجتهد المطلق الذي يقلده، وهو قادر على التفريع على قواعد إمامه وأقواله، متمكن من من الفرق والجمع، والنظر والمناظرة في ذلك، كان له الفتوى. تمييزا له عن العامي، ودليله انقطاع الاجماع من أهل كل عصر على قبول مثل هذا النوع من الفتوى وإن لم يكن كذلك، فلا.

[ 237 ]

المسألة السابعة إذا حدثت للعامي حادثة، وأراد الاستفتاء عن حكمها، فإما أن يكون في البلد مفت واحد، أو أكثر: فإن كان الاول، وجب عليه الرجوع إليه، والاخذ بقوله، وإن كان الثاني، فقد اختلف الاصوليون: فمنهم من قال لا يتخير بينهم، حتى يأخذ بقول من شاء منهم، بل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين من الاورع والادين والاعلم، وهو مذهب أحمد بن حنبل وابن سريج والقفال من أصحاب الشافعي وجماعة من الفقهاء والاصوليين، مصيرا منهم إلى أن قول المفتيين في حق العامي ينزل منزلة الدليلين المتعارضين في حق المجتهد، وكما يجب على المجتهد الترجيح بين الدليلين، فيجب على العامي الترجيح بين المفتيين، إما بأن يتحفظ من كل باب من الفقه مسائل، ويتعرف أجوبتها ويسأل عنها، فمن أجابه، أو كان أكثر إصابة، اتبعه، أو بأن يظهر له ذلك بالشهرة والتسامع، ولان طريق معرفة هذه الاحكام إنما هو الظن، والظن في تقليد الاعلم والادين أقوى، فكان المصير إليه أولى. وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الاصوليين والفقهاء إلى التخيير والسؤال لمن شاء من العلماء، وسواء تساووا أو تفاضلوا، وهو المختار. ويدل على ذلك أن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين. فإن الخلفاء الاربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وقال عليه السلام: أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وكان فيهم العوام ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والاخذ بقولهم

[ 238 ]

لا غير. ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد في أعيان المجتهدين، ولا أنكر أحد منهم اتباع المفضول والاستفتاء له، مع وجود الافضل، ولو كان ذلك غير جائز، لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره والمنع منه ويتأيد ذلك، بقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولولا إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب الخصوم أولى. المسألة الثامنة إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث، وعمل بقوله فيها، اتفقوا على أنه ليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك إلى غيره. وهل له اتباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر ؟ اختلفوا فيه: فمنهم من منع منه، ومنهم من أجازه، وهو الحق نظرا إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وأنه لم ينقل عن أحد من السلف الحجر على العامة في ذلك، ولو كان ذلك ممتنعا، لما جاز من الصحابة إهماله، والسكوت عن الانكار عليه، ولان كل مسألة لها حكم نفسها، فكما لم يتعين الاول للاتباع في المسألة الاولى إلا بعد سؤاله فكذلك في المسألة الاخرى. وأما إذا عين العامي مذهبا معينا، كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو غيره، وقال: أنا على مذهبه، وملتزم له، فهل له الرجوع إلى الاخذ بقول غيره في مسألة من المسائل ؟ اختلفوا فيه: فجوزه قوم نظرا إلى أن التزامه لمذهب معين غير ملزم له، ومنع من ذلك آخرون، لانه بالتزامه المذهب صار لازما له، كما لو التزم مذهبه في حكم حادثة معينة. والمختار إنما هو التفصيل، وهو أن كل مسألة من مذهب الاول اتصل عمله بها، فليس له تقليد الغير فيها، وما لم يتصل عمله بها، فلا مانع من اتباع غيره فيها

[ 239 ]

القاعدة الرابعة في الترجيحات وتشتمل على مقدمة وبابين. أما المقدمة ففي بيان معنى الترجيح، ووجوب العمل بالراجح، وما فيه الترجيح. أما الترجيح فعبارة عن اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب، مع تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر. فقولنا (اقتران أحد الصالحين) احتراز عما ليسا بصالحين للدلالة، أو أحدهما صالح، والآخر ليس بصالح، فإن الترجيح إنما يكون مع تحقق التعارض، ولا تعارض مع عدم الصلاحية للامرين أو أحدهما. وقولنا (مع تعارضهما) احتراز عن الصالحين اللذين لا تعارض بينهما، فإن الترجيح إنما يطلب عند التعارض، لا مع عدمه، وهو عام للمتعارضين مع التوافق في الاقتضاء كالعلل المتعارضة في أصل القياس، كما يأتي، وللمتعارضين مع التنافي في الاقتضاء، كالادلة المتعارضة في الصور المختلف فيها نفيا وإثباتا. وقولنا (بما يوجب العمل بأحدهما وإهمال الآخر). احتراز عما اختص به أحد الدليلين عن الآخر من الصفات الذاتية أو العرضية، ولا مدخل له في التقوية والترجيح. وأما أن العمل بالدليل الراحح واجب، فيدل عليه ما نقل وعلم من إجماع الصحابة والسلف في الوقائع المختفلة على وجوب تقديم الراجح من الظنين، وذلك كتقديمهم خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين على خبر أبي هريرة

[ 240 ]

في قوله إنما الماء من الماء وما روت عن النبي عليه السلام، أنه كان يصبح جنبا، وهو صائم، على ما رواه أبو هريرة من قوله عليه السلام من أصبح جنبا، فلا صوم له لكونها أعرف بحال النبي عليه السلام. وكانوا لا يعدلون إلى الآراء والاقيسة إلا بعد البحث عن النصوص واليأس منها، ومن فتش عن أحوالهم ونظر في وقائع اجتهاداتهم علم علما لا يشوبه ريب، أنهم كانوا يوجبون العمل بالراجح من الظنين، دون أضعفهما. ويدل على ذلك أيضا تقرير النبي عليه السلام، لمعاذ، حين بعثه إلى اليمن قاضيا، على ترتيب الادلة وتقديم بعضها على بعض، كما سبق تقريره غير مرة. ولانه إذا كان أحد الدليلين راجحا، فالعقلاء يوجبون بعقولهم العمل بالراحج. والاصل تنزيل التصرفات الشرعية منزلة التصرفات العرفية. ولهذا قال عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول. أما النص فقوله تعالى * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) أمر بالاعتبار مطلقا من غير تفصيل.

[ 241 ]

وأيضا قوله عليه السلام نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر والدليل المرجوح ظاهر، فجاز العمل به. وأما المعقول فهو أن الامارات الظنية المتعارضة لا تزيد على البينات المتعارضة، والترجيح غير معتبر في البينات، حتى إنه لا تقدم شهادة الاربعة على شهادة الاثنين. قلنا: أما الآية فغايتها الامر بالنظر والاعتبار، وليس فيها ما ينافي القول بوجوب العمل بالترجيح، فإن إيجاب أحد الامرين لا ينافي إيجاب غيره. وأما الخبر فيدل على جواز العمل بالظاهر، والظاهر هو ما ترجح أحد طرفيه على الآخر، ومع وجود الدليل الراجح فالمرجوح المخالف له لا يكون راجحا من جهة مخالفته للراجح، فلا يكون ظاهرا فيه. وأما المعقول فلا نسلم امتناع الترجيح في باب الشهادة، بل عندنا يقدم قول الاربعة على قول الاثنين، على رأي لنا. وإن سلمنا أنه لا اعتبار بالترجيح في باب الشهادة، فإنما كان لان المتبع في ذلك إنما هو إجماع الصحابة. وقد ألف منهم اعتبار ذلك في باب تعارض الادلة، دون باب الشهادة. وأما ما فيه الترجيح فهي الطرق الموصلة إلى المطلوبات. وهي تنقسم إلى قطعي وظني. أما القطعي فلا ترجيح فيه، لان الترجيح لا بد وأن يكون موجبا لتقوية أحد الطريقين المتعارضين على الآخر. والمعلوم المقطوع به غير قابل للزيادة والنقصان، فلا يطلب فيه الترجيح، ولان الترجيح إنما يكون بين متعارضين، وذلك غير متصور في القطعي، لانه إما أن يعارضه قطعي أو ظني: الاول محال، لانه يلزم منه إما العمل بهما، وهو جمع بين النقيضين في الاثبات، أو امتناع العمل بهما، وهو جمع بين النقيضين في النفي، أو العمل بأحدهما دون الآخر، ولا أولوية مع التساوي. والثاني أيضا محال لامتناع ترجح الظني على القاطع، وامتناع طلب الترجيح في القاطع. كيف وإن الدليل القاطع لا يكون في مقابلته دليل صحيح، فلم يبق سوى الطرق الظنية.

[ 242 ]

والطرق الظنية منقسمة إلى شرعية وعقلية، وليس من غرضنا بيان العقلية، بل الشرعية. وهي إما أن تكون موصلة إلى الظن بأمر مفرد، وهي الحدود، أو الظن بأمر مركب، وهي الادلة الشرعية من الكتاب والسنة والاجماع والقياس والاستدلال كما سبق تحقيقه. فلنرسم في ترجيحات كل واجد من الطريقين بابا: الباب الاول في ترجيحات الطرق الموصلة إلى التصديقات الشرعية. والتعارض إما أن يكون بين منقولين، أو معقولين، أو منقول ومعقول. فلنرسم في كل واحد قسما. القسم الاول في التعارض الواقع بين منقولين والترجيح بينهما منه ما يعود إلى السند، ومنه ما يعود إلى المتن، ومنه ما يعود إلى المدلول، ومنه ما يعود إلى أمر من خارج. فأما ما يعود إلى السند، فمنه ما يعود إلى الراوي ومنه ما يعود إلى نفس الرواية، ومنه ما يعود إلى المروي، ومنه ما يعود إلى المروي عنه. فأما ما يعود إلى الراوي فمنه ما يعود إلى نفسه، ومنه ما يعود إلى تزكيته. فأما ما يعود إلى نفس الراوي فترجيحات. الاول: أن تكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر، فما رواته أكثر يكون مرجحا، خلافا للكرخي، لانه يكون أغلب على الظن، من جهة أن احتمال وقوع الغلط والكذب على العدد الاكثر أبعد من احتمال وقوعه في العدد الاقل، ولان خبر كل واحد من الجماعة يفيد الظن. ولا يخفى أن الظنون المجتمعة كلما كانت أكثر كانت أغلب على الظن حتى ينتهي إلى القطع. ولهذا فإنه لما كان الحد الواجب بالزنى من أكبر الحدود وآكدها جعلت الشهادة عليه أكثر عددا من غيره، وأن النبي، عليه السلام، لم يعمل بقول ذي اليدين قصرت الصلاة أم نسيت حتى أخبره بذلك أبو بكر وعمر. ولم يعمل أبو بكر بخبر المغيرة

[ 243 ]

أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أطعم الجدة السدس، حتى اعتضد بخبر محمد بن مسلمة. ولم يعمل عمر بخبر أبي موسى، حتى اعتضد بخبر أبي سعيد الخدري. الثاني: أن يكون راوي أحد الحديثين مشهورا بالعدالة والثقة، بخلاف الآخر، أو أنه أشهر بذلك، فروايته مرجحة، لان سكون النفس إليه أشد، والظن بقوله أقوى. الثالث: أن يكون أحد الراويين أعلم وأضبط من الآخر، أو أورع وأتقى، فروايته أرجح، لانها أغلب على الظن. الرابع: أن يكون أحد الراويين، حالة روايته، ذاكرا للرواية عن شيخه غير معتمد في ذلك على نسخة سماعه أو خط نفسه، بخلاف الآخر، فهو أرجح، لانه يكون أبعد من السهو والغلط. الخامس: أن يكون أحد الراويين قد عمل بما روى، والآخر خالف ما روى، فمن لم يخالف روايته أولى، لكونه أبعد عن الكذب، بل هو أولى من رواية من لم يظهر منه العمل بروايته. السادس: أن يكونا مرسلين، وقد عرف من حال أحد الراويين أنه لا يروي عن غير العدل، كابن المسيب ونحوه، بخلاف الآخر، فرواية الاول تكون أولى. السابع: أن يكون راوي أحد الخبرين مباشرا لما رواه، والآخر غير مباشر، فرواية المباشر تكون أولى، لكونه أعرف بما روى، وذلك كرواية أبي رافع أن النبي عليه السلام، نكح ميمونة، وهو حلال، فإنه يرجح على رواية ابن عباس أنه نكحها وهو حرام، لان أبا رافع كان هو السفير بينهما والقابل لنكاحها عن رسول الله. الثامن: أن يكون أحد الراويين هو صاحب القصة، كما روت ميمونة أنها قالت تزوجني رسول الله ونحن حلالان فإنها تقدم على رواية ابن عباس، لكونها

[ 244 ]

أعرف بحال العقد من غيرها، لشدة اهتمامها، خلافا للجرجاني من أصحاب أبي حنيفة. التاسع: أن يكون أحد الراويين أقرب إلى النبي عليه السلام حال سماعه من الآخر، فروايته تكون أولى، وذلك كرواية ابن عمر إفراد النبي عليه السلام، فإنها مقدمة على من روى أنه قرن لانه ذكر أنه كان تحت ناقته حين لبى النبي عليه السلام، وأنه سمع إحرامه بالافراد العاشر: إذا كان أحد الراويين من كبار الصحابة، والآخر من صغارهم، فرواية الاكبر أرجح لان الغالب أنه يكون أقرب إلى النبي عليه السلام، حالة السماع لقوله عليه السلام ليليني منكم أولوا الاحلام والنهى ولان محافظته على منصبه مما يوجب التحرز عن الكذب أكثر من الصغير. الحادي عشر: إذا كان أحد الراويين متقدم الاسلام على الراوي الآخر، فروايته أولى، إذ هي أغلب على الظن، لزيادة أصالته في الاسلام وتحريره فيه. الثاني عشر: أن يكون أحد الراويين فقيها والآخر غير فقيه، أو هو أفقه وأعلم بالعربية، فخبره يكون مرجحا، لكونه أعرف بما يرويه لتمييزه بين ما يجوز وما لا يجوز. الثالث عشر: أن يكون أحد الراويين أفطن وأذكى وأكثر تيقظا من الآخر، فروايته أولى لكثرة ضبطه. الرابع عشر: أن يكون أحد الراويين روايته عن حفظ، والآخر عن كتاب، فالراوي عن الحفظ أولى لكثرة ضبطه. الخامس عشر: إن كان أحد الراويين مشهور النسب بخلاف الآخر، فروايته أولى، لان احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة يكون أكثر. السادس عشر: إذا كان في رواة أحد الخبرين من يلتبس اسمه باسم بعض الضعفاء بخلاف الآخر، فالذي لا يلتبس اسمه أولى لانه أغلب على الظن.

[ 245 ]

السابع عشر: أن يكون أحد الراويين قد تحمل الرواية في زمن الصبى، والآخر في زمن بلوغه، فرواية البالغ أولى لكثرة ضبطه. وأما ما يعود إلى التزكية، فترجيحات. الاول: أن يكون المزكي لاحد الراويين أكثر من الآخر، أو أن يكون المزكى له أعدل وأوثق، فروايته مرجحة، لانها أغلب على الظن. الثاني: أن تكون تزكية أحدهما بصريح المقال، والآخر بالرواية عنه، أو بالعمل بروايته، أو الحكم بشهادته، فرواية من تزكيته بصريح المقال مرجحة على غيرها، لان الرواية قد تكون عمن ليس بعدل، وكذلك العمل بما يوافق الرواية، والشهادة قد تكون بغيرها وهو موافق لها، ولا يكون ذلك بهما، ولا كذلك التزكية بصريح المقال. الثالث: تزكية أحد الراويين بالحكم بشهادته، والآخر بالرواية عنه فرواية المعمول بشهادته أولى، لان الاحتياط في الشهادة فيما يرجع إلى أحكام الجرح والتعديل أكثر منه في الرواية والعمل بها. ولهذا قبلت رواية الواحد والمرأة، دون شهادتهما، وقبلت رواية الفرع مع إنكار الاصل لها، على بعض الآراء، ومن غير ذكر الاصل، بخلاف الشهادة الرابع: أن تكون تزكية أحدهما بالعمل بروايته، والآخر بالرواية عنه، فالاول أرجح، لان الغالب من العدل أنه لا يعمل برواية غير العدل، ولا كذلك في الرواية لان كثيرا ما يروي العدل عمن لو سئل عنه لجرحه أو توقف في حاله. وبالجملة فاحتمال العمل برواية غير العدل أقل من احتمال الرواية عن غير العدل. واحتمال العمل بدليل غيره، وإن كان قائما إلا أنه بعيد عن البحث التام مع عدم الاطلاع عليه. وأما ما يعود إلى نفس الرواية فترجيحات. الاول: أن يكون أحد الخبرين متواترا، والآخر آحادا، فالمتواتر لتيقنه أرجح من الآحاد، لكون مظنونا. الثاني: أن يكون أحد الخبرين مسندا، والآخر مرسلا، فالمسند أولى لتحقق

[ 246 ]

المعرفة براويه، والجهالة براوي الآخر. ولهذا، تقبل شهادة الفرع إذا عرف شاهد الاصل، ولا تقبل إذا شهد مرسلا. فإن قيل: الراوي إذا كان عدلا ثقة وأرسل الخبر، فالغالب أن لا يكون إلا مع الجزم بتعديل من روي عنه، وإلا كان ذلك تلبيسا على المسلمين، وهو بعيد في حقه، وهذا بخلاف ما إذا ذكر المروي عنه، فإنه غير جازم بتعديله، فكان المرسل أولى قلنا: التلبيس إنما يلزم بروايته عمن لم يذكره إذا لم يكن لي نفس الامر عدلا، أن لو وجب اتباعه في قوله. وإنما يجب اتباعه في قوله، أن لو ظهرت عدالة الاصل وهو دور، كيف وإنه لو كان ذلك تعديلا منه فهو غير مقبول، لكونه تعديلا مطلقا، وإن كان مقبولا، فإنما يقبل إذا كان مضافا إلى شخص معين لم يعرف بفسق. وأما إذا كان غير معين فلا، لاحتمال أن يكون بحيث لو عينه، لاطلعنا من حاله على فسق قد جهله الراوي. ثم ولو كان تعديلا مقبولا، إلا أنه إذا كان مذكورا مشهور الحال، وقد عدل بمثل ذلك التعديل أو أعلى منه، كان قبول قوله أولى وأغلب على الظن، وعدم جزم الراوي بعدالة المروي عنه إذا كان مصرحا به، وجزمه بعدالة من سكت عن ذكره، بعد أن ظهر تعديل المذكور بتعديل غيره، لا يكون موجبا للترجيح، بل من ظهرت عدالته بطريق متفق عليه يكون أولى ممن ظهرت عدالته بطريق مختلف فيه. الثالث: أن يكون أحد الخبرين من مراسيل التابعين، والآخر من مراسيل تابعي التابعين، فما هو من مراسيل التابعين أولى، لان الظاهر من التابعي أنه لا يروي عن غير الصحابي، وعدالة الصحابة، بما ثبت من ثناء النبي عليه السلام، وتزكيته لهم في ظواهر الكتاب والسنة، أغلب على الظن من العدالة في حق غيرهم من المتأخرين. ولهذا قال عليه السلام خير القرون القرن الذي أنا فيه وقال عليه السلام أصحابي كالنجوم

[ 247 ]

بأيهم اقتديتم اهتديتم ولم يرو مثل ذلك في حق غيرهم. الرابع: أن يكون أحدهما معنعنا، وطريق ثبوت الآخر الشهرة مع عدم النكير، أو الاسناد إلى كتاب من كتب المحدثين، فالمعنعن أولى، لانه أغلب على الظن، أما بالنسبة إلى الطريق الاول فلمساواته له في عدم النكير وزيادته عليه برواية العدل عن العدل، وأما بالنسبة إلى الطريق الثاني، فلانه أسلم من الغلط والتلبيس، وأبعد عن التبديل والتصحيف. الخامس: أن يكون أحدهما ثابتا بطريق الشهرة، والآخر بالاسناد إلى كتاب من كتب المحدثين، فالمسند إلى كتب المحدثين أولى، من جهة أن احتمال تطرق الكذب إلى ما دخل في صنعة المحدثين وإن لم يكن من كتبهم المشهورة بهم، والمنسوبة إليهم، أبعد من احتمال تطرقه إلى ما اشتهر، وهو غير منسوب إليهم. ولهذا، فإن كثيرا ما اشتهر مع كذبه ورد المحدثين له. السادس: أن يكون أحدهما مسندا إلى كتاب موثوق بصحته، كمسلم والبخاري، والآخر مسندا إلى كتاب غير مشهور بالصحة ولا بالسقم، كسنن أبي داود ونحوها، فالمسند إلى الكتاب المشهور بالصحة أولى. السابع: أن تكون رواية أحدهما بقراءة الشيخ عليه، والآخر بقراءته هو على الشيخ، أو بإجازته، أو مناولته له، أو بخط رآه في كتاب. فما الرواية فيه بقراءة الشيخ أرجح، لانه أبعد عن غفلة الشيخ عما يرويه. الثامن: أن تكون رواية أحدهما بالمناولة، والآخر بالاجازة، فالمناولة أولى، لان الاجازة غير كافية، وهو أن يقول خذ هذا الكتاب وحدث به عني، فقد سمعته من فلان، وعند ذلك، فتكون إجازة وزيادة. والاجازة تكون راجحة على رؤية الخط في الكتاب، لان الخطوط مما تشتبه، ولا احتمال في نسبة لفظه إليه بالاجازة. وكذلك لو قال الشيخ هذا خطي، فالاجازة تكون أولى، لان دلالة لفظ الشيخ على الرواية عمن روى عن أظهر من دلالة خطه عليها.

[ 248 ]

وإذا كانت الاجازة أولى من الرواية عن الخط، والمناولة أولى من الاجازة، كانت المناولة أولى من الرواية عن الخط. التاسع: أن يكون أحد الخبرين أعلى إسنادا من الآخر، فيكون أولى، لانه كلما قلت الرواة كان أبعد عن احتمال الغلط والكذب. العاشر: أن يكون أحد الخبرين قد اختلف في كونه موقوفا على الراوي، والآخر متفق على رفعه إلى النبي عليه السلام، فالمتفق على رفعه أولى، لانه أغلب على الظن. الحادي عشر: أن تكون رواية أحد الخبرين بلفظ النبي، والآخر بمعناه، فرواية اللفظ أولى، لكونها أضبط وأغلب على الظن بقول الرسول. الثاني عشر: أن تكون إحدى الروايتين بسماع من غير حجاب، والاخرى مع الحجاب، وذلك كرواية القاسم بن محمد عن عائشة من غير حجاب، لكونها عمة له، أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدا، فإنها تقدم على رواية أسود عنها أن زوجها كان حرا، لسماعه عنها مع الحجاب، لان الرواية من غير حجاب شاركت الرواية مع الحجاب في السماع، وزادت تيقن عين المسموع منه. الثالث عشر: إذا كانت إحدى الروايتين قد اختلفت دون الاخرى، فالتي لا اختلاف فيها أولى، لبعدها عن الاضطراب. وأما ما يعود إلى المروي فترجيحات. الاول: أن تكون رواية أحد الخبرين عن سماع من النبي عليه السلام، والرواية الاخرى عن كتاب فرواية السماع أولى، لبعدها عن تطرق التصحيف والغلط. الثاني: أن تكون إحدى الروايتين عن سماع من النبي عليه السلام، والاخرى عما جرى في مجلسه أو زمانه، وسكت عنه، فرواية السماع أولى، لكونها أبعد عن غفلة النبي عليه السلام، وذهوله، بخلاف الرواية عما جرى في مجلسه، وسكت عنه، فرواية السماع أولى مما جرى في زمانه خارجا عن مجلسه.

[ 249 ]

الثالث: أن تكون إحدى الروايتين عما خطره مع السكوت عنه أعظم من خطر المسكوت عنه في الرواية الاخرى، فما خطره أعظم يكون أرجح، لكون السكوت عنه أغلب على الظن في تقريره. الرابع: أن تكون إحدى الروايتين عن صيغة النبي عليه السلام، والاخرى عن فعله، فرواية الصيغة تكون راجحة لقوة دلالتها وضعف الفعل. ولهذا أن من خالف في دلالة الفعل وجواز الاحتجاج به، لم يخالف في الصيغ، لان ما يفعله النبي عليه السلام، إلى الاختصاص به أقرب من اختصاصه بمدلول الصيغة، ولان تطرق الغفلة إلى الانسان في فعله أكثر منها في كلامه، ولهذا قلما يتكلم الانسان غافلا، بخلاف الفعل. الخامس: أن يكون أحدهما خبر واحد ورد فيما تعم به البلوى، بخلاف الآخر فما لا تعم به البلوى أولى، لكونه أبعد عن الكذب، من جهة أن تفرد الواحد بنقل ما تعم به البلوى مع توفر الدواعي على نقله قريب من الكذب، وذلك كمن تفرد بنقل قتل الملك في وسط السوق بمشهد من الخلق. ولهذا كان مختلفا فيه، ومتفقا على مقابله. وأما ما يعود إلى المروي عنه، فترجيحات. الاول: أن يكون أحد الراويين قد روى عمن أنكر روايته عنه، كما في حديث الزهري، بخلاف الراوي الآخر، فما لم يقع فيه إنكار المروي عنه يكون أرحج لكونه أغلب على الظن. الثاني: أن يكون الاصل في أحد الخبرين قد أنكر رواية الفرع عنه إنكار نسيان ووقوف، والآخر إنكار تكذيب وجحود، فالاول أولى، لان غلبة الظن بالرواية عنه أكثر من غلبة الظن بالثاني. وأما الترجيحات العائدة إلى المتن.

[ 250 ]

الاول: منها أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا، فالنهي من حيث هو نهي مرجح على الامر لثلاثة أوجه. الاول أن الطلب فيه الترك أشد. ولهذا لو قدر كون كل واحد منهما مطلقا، فإن أكثر من قال بالخروج عن عهدة الامر بالفعل مرة واحدة، نازع في النهي. الثاني: أن محامل النهي، وهي تردده بين التحريم والكراهة لا غير، أقل من محامل الامر لتردده بين الوجوب والندب والاباحة على بعض الآراء. الثالث: أن الغالب من النهي طلب دفع المفسدة، ومن الامر طلب تحصيل المصلحة، واهتمام العقلاء بدفع المفاسد أكثر من اهتمامهم بتحصيل المصالح. الترجيح الثاني: أن يكون أحدهما آمرا، والآخر مبيحا، فالآمر وإن ترجح على المبيح، نظرا إلى أنه إن عمل به لا يصير مخالفا للمبيح، ولا كذلك بالعكس، لاستواء طرفي المباح وترجح جانب المأمور به، إلا أن المبيح يترجح على الآمر من أربعة أوجه: الاول: أن مدلول المبيح متحد، ومدلول الآخر متعدد، كما سبق تعريفه، فكان أولى. الثاني: أن غاية ما يلزم من العمل بالمبيح تأويل الآخر بصرفه عن محمله الظاهر إلى المحمل البعيد، والعمل بالآمر يلزم منه تعطيل المبيح، بالكلية، والتأويل أولى من التعطيل. الثالث: أن المبيح قد يمكن العمل بمقتضاه على تقديرين على تقدير مساواته للآمر ورجحانه والعمل بمقتضى الآمر متوقف على الترجيح وما يتم العمل به على تقديرين يكون أولى مما لا يتم العمل به الا على تقدير واحد. الرابع: أن العمل بالمبيح بتقدير أن يكون الفعل مقصودا للمكلف لا يختل لكونه مقدورا له، والعمل بالآخر يوجب الاخلال بمقصود الترك، بتقدير كون الترك مقصودا الترجيح الثالث: أن يكون أحدهما أمرا، والآخر خبرا، فالخبر يكون راجحا لثلاثة أوجه. الاول: أن مدلول الخبر متحد بخلاف الامر على ما سبق، فكان أولى لبعده عن الاضطراب. الثاني: أن الخبر أقوى في الدلالة، ولهذا امتنع نسخه على بعض الآراء، بخلاف الامر.

[ 251 ]

الثالث: أن العمل يلزمه محذور الكذب في الخبر من كلام الشارع، وهو فوق المحذور اللازم من فوات مقصود الامر، فكان الخبر أولى. الترجيح الرابع: أن يكون أحدهما ناهيا، والآخر مبيحا، فالمبيح يكون مقدما على ما عرف في الامر. الخامس: أن يكون أحدهما نهيا، والآخر خبرا، فالخبر مقدم على النهي على ما عرف في الامر أيضا. السادس: أن يكون أحدهما مبيحا، والآخر خبرا، فالخبر مقدم لما سبق في الوجه الثاني والثالث في الامر إذا عارض الخبر. السابع: أن يكون أحدهما مشتركا، والآخر غير مشترك، بل متحد المدلول، فما اتحد مدلوله أولى، لبعده عن الخلل. الثامن: أن يكون مدلول أحدهما حقيقيا، والآخر مجازيا، فالحقيقي أولى لعدم افتقاره إلى القرنية المخلة بالتفاهم. التاسع: أن يكونا مشتركين، إلا أن مدلولات أحدهما أقل من مدلولات الآخر، فالاول أولى لقلة اضطرابه وقرب استعماله فيما هو المقصود منه. العاشر: أن يكونا مجازين، إلا أن أحدهما منقول مشهور في محل التجوز، كلفظ الغائط، بخلاف الآخر، فالمنقول أولى لعدم افتقاره إلى القرنية. الحادي عشر: أن يكون المصحح للتجوز في أحدهما أظهر وأشهر من الآخر، فهو أولى. الثاني عشر: أن يكون لفظ أحدهما مشتركا، والآخر مجازا غير منقول. وقد ذكرنا ما يستحقه كل واحد منهما من الترجيح في الامر بطريق الاستقصاء، فعليك باعتباره والالتفات إليه. الثالث عشر: أن يكونا حقيقيين، الا أن أحدهما أظهر وأشهر، فالاظهر مرجح. الرابع عشر: أن تكون إحدى الحقيقتين متفقا عليها، والاخرى مختلفا فيها فالمتفق عليه أولى، لانه أغلب على الظن.

[ 252 ]

الخامس عشر: أن تكون دلالة أحدهما غير محتاجة إلى إضمار ولا حذف، بخلاف الاخرى، فالذي لا يحتاج إلى ذلك أولى لقلة اضطرابه. السادس عشر: أن يكون أحدهما يدل على مدلوله بالوضع الشرعي، والآخر بالوضع اللغوي، وكل واحد منهما مستعمل في الشرع، فها هنا يظهر أن العمل باللفظ اللغوي يكون أولى، لانه من لسان الشارع مع كونه مقررا لوضع اللغة، وما هو عرفه ومصطلحه، وإن كان من لسانه، إلا أنه مغير للوضع اللغوي، ولا يخفى أن العمل بما هو من لسان الشارع من غير تغيير أولى من العمل بما هو من لسانه مع التغيير، ولانه أبعد عن الخلاف، وهذا بخلاف ما إذا أطلق لفظا واحدا، وكان له مدلول لغوي، وقد استعاره الشارع في معنى آخر، وصار عرفا له، فإنه مهما أطلق الشارع ذلك اللفظ، فيجب تنزيله على عرفه الشرعي دون اللغوي، لان الغالب من الشارع أنه إذا أطلق لفظا، وله موضوع في عرفه، أنه لا يريد به غيره. السابع عشر: أن يكون العمل بأحدهما يلزم منه الجمع بين مجازين، والآخر لا يلزم منه غير مجاز واحد، فالذي فيه مجاز واحد أولى، لانه أبعد عن الاضطراب، وأقرب إلى الاصل. الثامن عشر: أن يكون أحدهما دالا على مطلوبه من وجهين أو أكثر، والآخر لا يدل إلا من جهة واحدة، فالذي كثرت جهة دلالته أولى لانه أغلب على الظن. التاسع عشر: أن تكون دلالة أحدهما مؤكدة دون الاخرى فالمؤكدة أولى، لانه أقوى دلالة، وأغلب على الظن، وذلك كما في قوله عليه السلام فنكاحها باطل باطل باطل.

[ 253 ]

العشرون: أن تكون دلالة أحدهما على مدلوله بطريق المطابقة، والآخر بدلالة الالتزام، فدلالة المطابقة أولى لانها أضب‍. الحادي والعشرون: أن يكونا دالين بجهة الاقتضاء، إلا أن العمل بأحدهما في مدلوله، ضرورة صدق المتكلم، أو لضرورة وقوع الملفوظ به عقلا، والآخر لضرورة وقوع الملفوظ به شرعا، كما سبق تعريفه، فما يتوقف عيله صدق المتكلم، فوقوع الملفوظ به عقلا أولى، نظرا إلى بعد الخلف في كلام الشارع، وامتناع مخالفة المعقول، وقرب المخالفة في المشروع. الثاني والعشرون: أن يكونا دالين بجهة التنبيه والايماء إلى أن أحدهما لو لم يقدر كون المذكور فيه علة للحكم المذكور معه كان ذكره عبثا وحشوا، والآخر من قبيل ما رتب فيه الحكم على الوصف بفاء التعقيب، فالذي لو لم يقدر فيه التعليل كان ذكره عبثا، أولى من الآخر، نظرا إلى محذور العبث في كلام الشارع، وإلغاؤه أتم من محذور المخالفة الدلالة حرف الفاء على التعليل، وإمكان تأويلها بغير السببية، بل وهو أولى من سائر أنواع التنبيه والايماء لما ذكرناه من زيادة المحذور، وما دل على العلية بفاء التعقيب لظهورها، مقدم على ما عداه من باقي أقسام التنبيه والايماء. الثالث والعشرون أن يكونا دالين بجهة المفهوم، إلا أن أحدهما من قبيل مفهوم المخالفة، والآخر من قبيل مفهوم الموافقة، فقد يمكن ترجيح مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة من جهة أنه متفق عليه، ومختلف في مقابله، وقد يمكن ترجيح مفهوم المخالفة عليه من وجهين: الاول: أن فائدة مفهوم المخالفة التأسيس، وفائدة مفهوم الموافقة التأكيد، والتأسيس أصل، والتأكيد فرع، فكان مفهوم المخالفة أولى، الثاني: أن مفهوم الموافقة لا يتم إلا بتقدير فهم المقصود من الحكم في محل النطق، وبيان وجوده في محل السكوت، وأن اقتضاءه للحكم في محل السكوت أشد.

[ 254 ]

وأما مفهوم المخالفة فإنه يتم بتقدير عدم فهم المقصود من الحكم في محل النطق، وبتقدير كونه غير متحقق في محل السكوت، وبتقدير أن يكون له معارض في محل السكوت وبتقدير ان يكون له معارض في محل السكوت ولا يخفى أن ما يتم على تقديرات أربعة أولى مما لا يتم إلا على تقدير واحد. الرابع والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء، ودلالة الآخر من قبيل دلالة الاشارة، فدلالة الاقتضاء أولى لترجحها بقصد المتكلم لها، بخلاف دلالة الاشارة. الخامس والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء، والآخر من قبيل دلالة التنبيه والايماء، فدلالة الاقتضاء أولى، لتوقف صدق المتكلم أو مدلول منطوقه عليه، بخلاف دلالة التنبيه والايماء. السادس والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء، والآخر من قبيل دلالة المفهوم، فدلالة الاقتضاء أولى لوقوع الاتفاق عليها، ووقوع الخلاف في مقابلها، ولان ما يعترض دلالة الاقتضاء من المبطلات، أقل مما يعترض المفهوم، وبهذا كان ما كان من قبيل دلالة التنبيه والايماء مقدما على دلالة المفهوم. السابع والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل المنطوق، والآخر من قبيل دلالة غير المنطوق، فالمنطوق أولى، لظهور دلالته وبعده عن الالتباس، بخلاف مقابله. الثامن والعشرون: أن يكون أحدهما عاما، والآخر خاصا، فالخاص مقدم مقدم على العام لثلاثة أوجه: الاول أنه أقوى في الدلالة وأخص بالمطلوب، الثاني أن العمل بالعام يلزم منه إبطال دلالة الخاص وتعطيله، ولا يلزم من العمل بالخاص تعطيل العام، بل تأويله وتخصيصه، ولا يخفى أن محذور التعطيل فوق محذور التأويل. الثالث: أن ضعف العموم بسبب تطرق التخصيص إليه وضعف الخصوص بسبب تأويله وصرفه عن ظاهره إلى مجازه، ولا يخفى أن تطرق التخصيص إلى

[ 255 ]

العمومات أكثر من تطرق التأويل، إلى الخاص، ولهذا كانت أكثر العمومات مخصصة، وأكثر الظواهر الخاصة مقررة، وبهذا يكون المطلق الدال على واحد لا بعينه مرجحا على العام. التاسع والعشرون: أن يكون أحدهما عاما مخصصا، والآخر غير مخصص، فالذي لم يدخله التخصيص أولى لعدم تطرق الضعف إليه: وعلى هذا، فما كان عاما من وجه وخاصا من وجه يكون مرجحا على ما هو عام من كل وجه، وكذلك المطلق من وجه، والمقيد من وجه مرجح على ما هو مطلق من كل وجه، وما هو منطوق من كل وجه مقدم على ما هو حقيقي من وجه دون وجه. الثلاثون: أن يكونا عامين، إلا أن أحدهما من قبيل الشرط والجزاء، والآخر من قبيل النكرة المنفية، فقد يمكن ترجح دلالة الشرط والجزاء، لكون الحكم فيه معللا بخلاف النكرة المنفية، والمعلل أولى من غير المعلل، وقد يمكن ترجح دلالة نفي النكرة بأن دلالته أقوى. ولهذا كان خروج الواحد منه يعد خلفا في الكلام، عند ما إذا قال لا رجل في الدار وكان فيها رجل، بخلاف مقابله، وبهذا تكون دلالة النكرة المنفية أولى من جميع أقسام العموم. الحادي والثلاثون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الشرط والجزاء، والآخر من قبيل أسماء الجموع، فالاول أولى لان أكثر من خالف في صيغ العموم وافق على صيغة الشرط والجزاء، ولان الدلالة فيه مشيرة إلى الحكم والعلة، بخلاف مقابله، وبهذا يكون أولى من باقي أقسام العموم. الثاني والثلاثون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل الجمع المعرف، والآخر جمع منكر، فالمعرف أولى لوجهين: الاول أن بعض من وافق على عموم الجمع المعرف خالف في المنكر، فكان أقوى لقربه إلى الوفاق. الثاني أنه لا يدخله الابهام بخلاف المنكر، فكان أولى، وربما رجح المنكر بكونه دالا على عدد أقل من الجمع المعرف، فكان أقرب إلى الخصوص، فكان أولى.

[ 256 ]

الثالث والثلاثون: أن يكون أحدهما اسم جمع معرف، والآخر اسم جنس دخله الالف واللام، فاسم الجمع أولى، لامكان حمل اسم الجنس على الواحد المعهود، بخلاف الجمع المعرف، فكان أقوى عموما، يكون مقدما على (من) و (ما) الرابع والثلاثون: إذا كان احدهما من قبيل الاسم الجنس المعرووف واخر من قبيل من وما ونما او ليلعدم احتمالهما للعهد واحتمال ما قابلهنا الخامس والثلاثون: ان يكون احد الطاهرين مضطربا في لفطه بخلاف الخر فغير المطرب اولى لانه لدل عى لبحفط والضبط السادس والثلاثون: أن يكون أحدهما قد دل على الحكم وعلته، والآخر دل على الحكم دون علته فالدال على العلة أولى، لانه أقرب إلى الايضاح والبيان. السابع والثلاثون: أن يكون أحدهما قولا، والآخر فعلا، فالقول أولى لانه أبلغ في البيان من الفعل، وإن كان أحدهما قولا وفعلا، والآخر قول فقط، فالقول والفعل أولى، لانه أقوى في البيان. الثامن والثلاثون: أن يكون أحدهما مشتملا على زيادة لم يتعرض الآخر لها، كرواية من روى أنه عليه السلام كبر في صلاة العيد سبعا، فإنها مقدمة على رواية من روى أربعا، لاشتمالها على زيادة علم خفي على الآخر.

[ 257 ]

التاسع‍ والثلاثون: أن يكون أحد المنقولين الظاهرين إجماعا والآخر نصا، وسواء كان من الكتاب أو السنة، فالاجماع مرجح، لان النسخ مأمون فيه بخلاف النص. الاربعون: أن يكونا إجماعين ظاهرين إلا أن أحدهما قد دخل فيه جميع أهل العصر، والآخر لم يدخل فيه سوى أهل الحل والعقد: فالذي دخل فيه الجميع أولى، لانه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف فيه. الحادي ولاربعون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه مع أهل الحل والعقد الفقهاء الذين ليسوا أصوليين، والاصوليون الذين ليسوا فقهاء، وخرج عنه العوام، والآخر بالعكس، فالاول أولى لقربهم من المعرفة والاحاطة بأحكام الشرع واستنباطها من مداركها، وبهذا المعنى يكون أيضا ما دخل فيه الاصولي الذي ليس بفقيه، ولم يدخل فيه الفقيه، أولى مما هو بالعكس، لان الاصولي أعرف بمدارك الاحكام وكيفية تلقي الاحكام من المنطوق والمفهوم والامر والنهي وغيره. الثاني والاربعون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه المجتهد المبتدع الذي ليس بكافر، بخلاف الآخر، فما دخل فيه المجتهد المبتدع أولى، لان الظاهر من حاله الصدق، ولانه أبعد عن الخلاف. الثالث والاربعون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه المجتهد المبتدع، دون العوام والفروعيين الذين ليسوا أصوليين، والاصوليون الذين ليسوا فروعيين، والآخر بعكسه، فما دخل فيه المجتهد المبتدع أولى، إذ الخلل في قوله إنما هو من جهة كذبه فيما يقول، والخلل في قول من عداه من المذكورين إنما هو من جهله وعدم إحاطته وعدم كماله. ولا يخفى أن احتمال وقوع الخلل بجهة الكذب من الفاسق لحرمته وتعلق الاثم به أنذر من الخلل الناشئ بسبب الجهل وعدم الاحاطة.

[ 258 ]

الرابع والاربعون: أن يكون أحد الاجماعين من الصحابة، والآخر من التابعين، فإجماع الصحابة أولى للثقة بعدالتهم وبعد تقاعدهم عن تحقيق الحق وإبطال الباطل وغلبة جدهم وكثرة اجتهادهم في تمهيد أحكام الشريعة، ولانه أبعد عن خلاف من خالف في إجماع غير الصحابة. وعلى هذا فإجماع التابعين يكون مقدما على إجماع من بعدهم لقربهم من العصر الاول، ولقوله عليه السلام: خير القرون القرن الذي أنا فيه، ثم الذي يليه فإجماعهم يكون أغلب على الظن. الخامس والاربعون: أن يكون أحد الاجماعين قد انقرض عصره، بخلاف الآخر، فما انقرض عصره يكون أولى لاستقراره وبعده عن الخلاف. السادس والاربعون: أن يكون أحدهما مأخوذا عن انقسام الامة في مسألة من المسائل على قولين في أنه إجماع على نفي قول ثالث، والاجماع الآخر على إثبات القول الثالث، فالاجماع على إثباته أولى، لانه أبعد عن اللبس وعما يقوله المنازع في الاول من وجوه القدح، ويبديه من الاحتمالات. السابع والاربعون: أن يكون أحدهما مسبوقا بالمخالفة، بخلاف الآخر، فالذي لم يسبق بالمخالفة أولى لانه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف. الثامن والاربعون: أن يكون أحدهما قد رجع بعض المجتهدين فيه عما حكم به، موافقا للباقين لدليل ظهر له، بخلاف الآخر، فما لم يرجع فيه بعض المجتهدين أولى، لبعده عن المناقضة والخلاف فيه. التاسع والاربعون: أن كون أحدهما إجماع الصحابة، إلا أنه لم يدخل فيه غير المجتهدين، والآخر من إجماع التابعين إلا أنه قد دخل فيه جميع أهل عصرهم، فإجماع الصحابة أولى للوثوق بعدالتهم وزيادة جدهم، كما سبق تقريره، وفي معنى هذا يكون قد رجع واحد من الصحابة عن الواقعة، بخلاف التابعين. الخمسون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه جميع أهل العصر إلا أنه لم ينقرض عصرهم، والآخر بالعكس، فما دخل فيه جميع أهل العصر أولى، لان غلبة الظن فيه متيقنة، واحتمال الرجوع بسبب عدم انقراض العصر موهوم، وفي معناه أن يكون

[ 259 ]

ما لم ينقرض عصره قد دخل فيه المجتهد المبتدع، أو الاصولي الذي ليس فروعيا، أو الفروعي الذي ليس بأصولي، والآخر بخلافه. الحادي والخمسون: أن يكون أحدهما غير مأخوذ من انقسام الامة على قولين، كما سبق، إلا أنه ينقرض عصره، والآخر بعكسه، فالاول أولى، نظرا إلى أن جهة الاجماع فيه أقوى بيقين، أو رجوع الواحد عنه قبل انقراض العصر موهوم، وفي معناه ما إذا كان أحد الاجماعين قد انقرض عصره إلا أنه مسبوق بالمخالفة، والآخر بعكسه. الثاني والخمسون: أن يكون أحد الاجماعين مأخوذا من انقسام الامة على قولين إلا أنه غير مسبوق بمخالفة بعض المتقدمين، والآخر بعكسه، فالذي لم يكن مأخوذا من انقسام الامة على قولين أولى، لقوة الاجماع فيه. وأما الترجيحات العائدة إلى المدلول. الاول: منها أن يكون حكم أحدهما الحظر، والآخر الاباحة، وهذا مما اختلف فيه: فذهب الاكثر كأصحابنا وأحمد بن حنبل والكرخي والرازي من أصحاب أبي حنيفة إلى أن الحاظر أولى، وذهب أبو هاشم وعيسى بن أبان، إلى التساوي والتساقط. والوجه في ترجيح ما مقتضاه الحظر أن ملابسة الحرام موجبة للمأثم بخلاف المباح، فكان أولى بالاحتياط. ولهذا فإنه لو اجتمع في العين الواحدة حظر وإباحة، كالمتولد بين ما يؤكل وما لا يؤكل، قدم التحريم على الاباحة، وكذلك إذا طلق بعض نسائه بعينها، ثم أنسيها، حرم وطئ الجميع، تقديما للحرمة على الاباحة وإليه الاشاره بقوله عليه السلام ما اجتمع الحلال والحرام، إلا غلب الحرام الحلال وقال عليه السلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك غير أنه قد يمكن ترجيح ما مقتضاه

[ 260 ]

الاباحة من جهة أخرى، وهي أنا لو عملنا بما مقتضاه التحريم لزم منه فوات مقصود الاباحة من الترك مطلقا. ولو عملنا بما مقتضاه الاباحة، فقد لا يلزم منه فوات مقصود الحظر لان الغالب أنه إذا كان حراما فلا بد وأن تكون المفسدة ظاهرة، وعند ذلك، فالغالب أن الملكف يكون عالما بها، وقادرا على دفعها، لعلمه بعدم لزوم المحذور من ترك المباح، ولان المباح مستفاد من التخيير قطعا، بخلاف استفادة الحرمة من النهي لتردده بين الحرمة والكراهة فكان أولى، وعلى هذا فلا يخفى وجه الترجيح بين ما مقتضاه الحرمة، وما مقتضاه الندب. الثاني: أن يكون مدلول أحدهما الحظر، والآخر الوجوب، فما مقتضاه التحريم أولى لوجهين: الاول هو أن الغالب من الحرمة إنما هو دفع مفسدة ملازمة للفعل أو تقليلها، وفي الوجوب تحصيل مصلحة ملازمة للفعل أو تكميلها، واهتمام الشارع والعقلاء بدفع المفاسد أتم من اهتمامهم بتحصيل المصالح. ولهذا فإن من أراد فعلا لتحصيل مصلحة ينفر عنه إذا عارضه في نظرة لزوم مفسدة مساوية للمصلحة، كمن رام تحصيل درهم على وجه يلزم منه فوات مثله، وإذا كان ما هو المقصود من التحريم أشد وآكد منه في الواجب كانت المحافظة عليه أولى. ولهذا كان ما شرعت العقوبات فيه من فعل المحرمات أكثر من ترك الواجبات وأشد، كالرجم المشروع في زنى المحصن. الوجه الثاني أن إفضاء الحرمة إلى مقصودها أتم من إفضاء الوجوب إلى مقصوده، فكانت المحافظة عليه أولى. وذلك، لان مقصود الحرمة يتأتى بالترك، وذلك كاف مع القصد له أو مع الغفلة عنه ولا كذلك فعل الواجب. وأيضا فإن ترك الواجب وفعل المحرم إذا تساويا في داعية الطبع إليهما، فالترك يكون أيسر وأسهل من الفعل لتضمن الفعل مشقة الحركة وعدم المشقة في الترك. وما يكون حصول مقصوده أوقع، يكون أولى بالمحافظة عليه. الثالث: أن يكون حكم أحدهما الحرمة، والآخر الكراهة، فالحظر أولى، لمساواته الكراهة في طلب الترك وزيادته عليه بما يدل على اللوم عند الفعل، ولان المقصود

[ 261 ]

منهما إنما هو الترك لما يلزمه من دفع المفسدة الملازمة للفعل، والحرمة أوفى لتحصيل ذلك المقصود، فكانت أولى بالمحافظة. وأيضا فإن العمل بالمحرم لا يلزم منه إبطال دلالة المقتضي للكراهة وهو طلب الترك العمل بالمقتضي للكراهة مما يجوز معه الفعل، وفيه إبطال دلالة المحرم. ولا يخفى أن العمل بما لا يفضي إلى الابطال يكون أولى، وبما حققناه في ترجيح المحرم على المقتضي للكراهة يكون ترجيح الموجب على المقتضي للندب. الرابع: أن يكون حكم أحدهما إثباتا، والآخر نفيا، وذلك كخبر بلال بأن النبي عليه السلام، دخل البيت وصلى، وخبر أسامة أنه دخل ولم يصل فالنافي مرجح على المثبت، خلافا للقاضي عبد الجبار في قوله إنهما سواء. والمثبت، وإن كان مترجحا على النافي لاشتماله على زيادة علم، غير أن النافي لو قدرنا تقدمه على المثبت، كانت فائدته التأكيد، ولو قدرنا تأخره، كانت فائدته التأسيس، وفائدة التأسيس أولى، لما سبق تقريره، فكان القضاء بتأخيره أولى. فإن قيل: إلا أنه يلزم من تأخره مخالفة الدليل المثبت ورفع حكمه دون تقدمه. قلنا: هو معارض بمثله، فإنا لو قدرنا تقدم النافي، فالمثبت بعده يكون نافيا لحكمه ورافعا له. فإن قيل: المثبت، وإن كان رافعا لحكم النافي على تقدير تأخره عنه، فرافع لما فائدته التأكيد، ولو قدرنا تأخر النافي كان مبطلا لما فائدته التأسيس، فكان فرض تأخر المثبت أولى.

[ 262 ]

قلنا: إلا أنه وإن كانت فائدة النافي التأكيد على تقدير تقدمه، فالمثبت يكون رافعا لحكم تأسيسي، وهو الباقي على الحال الاصلي وزيادة ما حصل من النافي من التأكيد ولا كذلك ما لو كان النافي متأخرا، فإنه لا يرفع غير التأسيس، وما لا يفضي إلى رفع التأسيس مع التأكيد يكون أولى مما يفضي إلى رفع الامرين معا، وما يقال من أن المثبت مفيد لما هو حكم شرعي بالاتفاق، والنافي غير مجمع على إفادته لحكم شرعي. والغالب من الشارع أنه لا يتولى بيان غير الشرعي، فمع أنه غير سديد من جهة أن الحكم الشرعي غير مقصود لذاته، وإنما هو مقصود لحكمته، لكونه وسيلة إليها وحكمة الاثبات، وإن كانت مقصودة، فكذلك حكمة النفي، فهو معارض من جهة أن الغالب من الشارع على ما هو المألوف منه إنما هو التقرير لا التغيير، وعلى هذا، فالحكم للنفي الاصلي يكون أولى من المغير. الخامس: أن يكون حكم أحدهما معقولا، والآخر غير معقول، فما حكمه غير معقول، وإن كان الثواب بتلقيه أكثر لزيادة مشقته كما نطق به الحديث، إلا أن مقصود الشارع بشرع ما هو معقول أتم مما ليس بمعقول، نظرا إلى سهولة الانقياد وسرعة القبول، وما شرعه أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع يكون أولى. ولهذا، كان شرع المعقول أغلب من شرع غير المعقول، حتى إنه قد قيل إنه لا حكم إلا وهو معقول، حتى في ضرب الدية على العاقلة ونحوه مما ظن أنه غير معقول، ولان ما يتعلق بالمعقول من الفائدة بالنظر إلى محل النص بالتعدية والالحاق أكثر منه في غير المعقول، فكان أولى وما كانت جهة تعقله أقوى كما يأتي وجه التفصيل فيه في العلل، فهو أولى. السادس: أن يكون أحدهما مشتملا على زيادة لا وجود لها في الآخر، كموجب الجلد مع الموجب للجلد والتغريب، فالموجب للزيادة يكون أولى، لان العمل بالزيادة غير موجب لابطال منطوق الآخر فيما دل عليه من وجوب الجلد وإجزائه عن نفسه والعمل بالموجب للجلد فقط موجب لابطال المنطوق في الدلالة على وجوب الزيادة، وما لا يفضي إلى إبطال حكم الدليل، أولى مما يفضي إلى الابطال، ولان دلالة الموجب للجلد على نفي الزيادة غير مأخوذة من منطوق اللفظ، ووجوب

[ 263 ]

الزيادة مأخوذ من منطوق اللفظ، ومخالفة ما ليس بمنطوق بالمنطوق أولى من العكس لما تقدم. السابع: أن يكون موجب أحدهما الجلد، والآخر الدرء، فالدارئ يكون أولى، نظرا إلى ما حققناه في ترجيح ما حكمه النفي على ما حكمه الاثبات، ولان الخطأ في نفي العقوبة أولى من الخطإ في تحقيقها، على ما قال عليه السلام لان يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ولان ما يعترض الحد من المبطلات أكثر مما يعترض الدرء، فكان أولى لبعده عن الخلل وقربه إلى المقصود، ولانه على خلاف الدليل النافي للحد والعقوبة. الثامن: أن يكون حكم أحدهما وقوع الطلاق أو العتق، وحكم الآخر نفيه، قال الكرخي: ما حكمه الوقوع أولى، لانه على وفق الدليل النافي لملك البضع وملك اليمين، والنافي لهما على خلافه، ويمكن أن يقال بل النافي لهما أولى، لانه على وفق الدليل المقتضي لصحة النكاح وإثبات ملك اليمين المترجح على النفي له. التاسع: أن يكون حكم أحدهما تكليفيا، وحكم الآخر وضعيا، فالتكليفي، وإن اشتمل على زيادة الثواب المرتبط بالتكليف، وكان لاجله راجحا، فالوضعي من جهة أنه لا يتوقف على ما يتوقف عليه الحكم التكليفي من أهلية المخاطب وفهمه وتمكنه من الفعل يكون مترجحا. العاشر: أن يكون حكم أحدهما أخف من الآخر، فقد قيل إن الاخف أولى، لان الشريعة مبناها على التخفيف على ما قال الله تعالى * (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر) * (البقرة: 185) وقال تعالى * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * (الحج: 78) وقال عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام وقيل إن الاثقل أولى، نظرا إلى الشرعية،

[ 264 ]

إنما يقصد بها مصالح المكلفين، والمصلحة في الفعل الاشق أعظم منها في الفعل الاخف، على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر نصبك ولان الغالب على الظن إنما هو تأخره عن الاخف، نظرا إلى المألوف من أحوال العقلاء، فإن من قصد تحصيل مقصود بفعل من الافعال ولم يحصل به لا يقصد تحصيله بما هو أخف منه بل بما هو أعلى منه، فبتقدير تقدم الاخف على الاثقل يكون موافقا لنظر أهل العرف، فكان أولى، ولان زيادة ثقله تدل على تأكد المقصود منه على مقصود الاخف، فالمحافظة عليه تكون أولى. الحادي عشر: أن يكون كل واحد من الخبرين خبرا واحدا إلا أن حكم أحدهما مما تعم به البلوى بخلاف حكم الآخر فما لا تعم به البلوى أولى، لكونه أبعد عن الكذب من جهة أن تفرد الواحد بنقل ما تعم به البلوى مع توفر الدواعي على نقله أقرب إلى الكذب كما تقرر قبل، ولهذا كان مختلفا فيه، ومتفقا على مقابله. وأما الترجيحات العائدة إلى أمر خارج. الاول: منها أن يكون أحد الدليلين موافقا لدليل آخر، من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو عقل أو حس، والآخر على خلافه، فما هو على وفق الدليل الخارج أولى، لتأكد غلبة الظن بقصد مدلوله، ولان العمل به، وإن أفضى إلى مخالفة مقابله وهو دليل واحد، فالعمل بمقابله يلزم منه مخالفة دليلين والعمل بما يلزم معه مخالفة دليل واحد أولى مما يلزم منه مخالفة دليلين. الثاني: أن يكون أحدهما قد عمل بمقتضاه علماء المدينة، أو الائمة الاربعة أو بعض الامة بخلاف الآخر، فما عمل به يكون أولى، أما ما عمل به أهل المدينة فلانهم أعرف بالتنزيل وأخبر بمواقع الوحي والتأويل، وكذلك الائمة والخلفاء الراشدون، لحث النبي عليه السلام على متابعتهم والاقتداء بهم على ما سبق تعريفه وذلك يغلب على الظن قوته في الدلالة وسلامته عن المعارض، وعلى هذا أيضا ما عمل بمقتضاه بعض الامة يكون أغلب على الظن، فكان أولى

[ 265 ]

وفي معنى هذا أن يعتضد كل واحد منهما بدليل، غير أن ما عضد أحدهما راجح على الآخر ما عضد الآخر، أو أن يعمل بكل واحد منهما بعض الامة، غير أن من عمل بأحدهما أعرف بمواقع الوحي والتنزيل، فيكون أولى. الثالث: أن يكون كل واحد منهما مؤولا، إلا أن دليل التأويل في أحدهما أرجح من دليل التأويل في الآخر، فهو أولى، لكونه أغلب على الظن. الرابع: أن يكون أحدهما دالا على الحكم والعلة، والآخر على الحكم دون العلة، فما يدل على العلة يكون أولى، لقربه إلى المقصود بسبب سرعة الانقياد وسهولة القبول، ولدلالته على الحكم من جهة لفظه ومن جهة دلالته عليه بواسطة دلالته على العلة، وما دل على الحكم بجهتين يكون أولى، ولان العمل به يلزمه مخالفة ما قابله من جهة واحدة، والعمل بالمقابل يلزم منه مخالفة الدليل الآخر على الحكم من جهتين، فكان أولى، وربما رجح ما لم يدل على العلة من جهة أن المشقة في قبوله أشد والثواب عليه أعظم، إلا أنه مرجوح بالنظر إلى مقصود التعقل، ولذلك كان هو الاغلب. الخامس: أن يدل كل واحد منهما على الحكم والعلة، إلا أن دلالة أحدهما على العلية أقوى من دلالة الآخر عليها كما بيناه فيما تقدم، فالاقوى يكون أولى، لكونه أغلب على الظن. السادس: أن يكونا عامين، إلا أن أحدهما ورد على سبب خاص بخلاف الآخر، وعند ذلك فتعارضهما إما أن يكون بالنسبة إلى ذلك السبب الخاص، أو بالنسبة إلى غير ه: فإن كان الاول، فالوارد على ذلك السبب يكون أولى، لكونه أمر به، ولان محذور المخالفة فيه، نظرا إلى أن تأخير البيان عما دعت الحاجة إليه يكون أتم من المحذور اللازم من المخالفة في الآخر، لكونه غير وارد فيها. وإن كان الثاني، فالعام المطلق يكون أولى لان عمومه أقوى من عموم مقابله لاستوائهما في صيغة العموم وغلبة الظن بتخصيص ما ورد على الواقعة بها، نظرا إلى بيان ما دعت الحاجة إليه، وإلى أن الاصل إنما هو مطابقة ما ورد في معرض البيان لما مست إليه الحاجة، ولان ما ورد على السبب الخاص مختلف في تعميمه عند القائلين بالعموم، بخلاف مقابله، وعلى هذا فمحذور المخالفة في العام المطلق يكون أشد.

[ 266 ]

السابع: أن يكون أحدهما قد وردت به المخاطبة على سبيل الاخبار بالوجوب أو التحريم أو غيره، كما في قوله تعالى * (والذين يظاهرون منكم من نسائهم) * (المجادلة: 2) أو في معرض الشرط والجزاء، كما في قوله تعالى * (ومن دخله كان آمنا) * (آل عمران: 97) والآخر وردت المخاطبة به شفاها، كما في قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) * (البقرة: 183) فإن تقابلا في حق من وردت المخاطبة إليه شفاها، فخطاب المشافهة أولى، وإن كان ذلك بالنظر إلى غير من وردت المخاطبة إليه شفاها، كان الآخر أولى، لما حققناه في معارضة العام المطلق والوارد على السبب المعين، ولان الخطاب شفاها إنما يكون للحاضر من الموجودين، وتعميمه بالنسبة إلى غيرهم إنما يكون بالنظر إلى دليل آخر: إما من إجماع الامة على أنه لا تفرقة، أو من قوله عليه السلام حكمي على الواحد حكمي على الجماعة. الثامن: أن يكون أحدهما مما يجوز تطرق النسخ إليه أو قد اختلف في تطرق النسخ إليه، بخلاف الآخر، فالذي لا يقبل النسخ يكون أولى لقلة تطرق الاسباب الموهية إليه. التاسع: أن يكونا عامين، إلا أن أحدهما قد اتفق على العمل به في صورة، بخلاف الآخر، فما اتفق على العمل به، وإن كان قد يغلب على الظن زيادة اعتباره، إلا أن العمل بما لم يعمل به في صورة متفق عليها أولى، إذ العمل به مما لا يفضي إلى تعطيل الآخر، لكونه قد عمل به في الجملة، والعمل بما عمل به يفضي إلى تعطيل ما لم يعمل به، وما يفضي إلى التأويل أولى مما يفضي إلى التعطيل. وما عمل به في الصورة المتفق عليها، وإن لزم أن يكون فيها راجحا على العام المقابل، إلا أنه يحتمل أن يكون الترجيح له لامر خارج لا وجود له في محل النزاع، وهو وإن كان المرجح الخارج بعيد الوجود، لكن يجب اعتقاد وجوده، نفيا لاهمال العام الآخر. فإن قيل: لو كان له مرجح من خارج لوقفنا عليه بعد البحث التام، وقد بحثنا فلم نجد شيئا من ذلك، واحتمال مخالفة السبر أيضا بعيد، فهو معارض بمثله، فإنه لو كان رجحانه لمعنى يعود إلى نفسه، لوقفنا عليه بعد البحث، وقد بحثنا فلم نجده. وعند ذلك، فيتقاوم الكلامان، وقد يسلم لنا ما ذكرناه أو لا. العاشر: أن يكون أحدهما قد قصد به بيان الحكم المختلف فيه، بخلاف الآخر، فالذي قصد به البيان للحكم يكون أولى، لانه يكون أمس بالمقصود،

[ 267 ]

وكما في قوله تعالى * (وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف) * (النساء: 23) فإنه قصد به بيان تحريم الجمع بين الاختين في الوطئ بملك اليمين، فإنه مقدم على قوله تعالى * (أو ما ملكت أيمانكم) * (النساء: 3) حيث لم يقصد به بيان الجمع. الحادي عشر: أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط وبراءة الذمة، بخلاف الآخر، الاقرب إلى الاحتياط يكون مقدما لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة ودفع المضرة. الثاني عشر: أن يكون أحدهما يستلزم نقص الصحابي، كحديث القهقهة في الصلاة، بخلاف الآخر، فالذي لا يستلزم ذلك أولى لكونه أقرب إلى الظاهر الموافق لحال الصحابي ووصف الله له بالعدالة، على ما قال تعالى * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (البقرة: 143) أي عدولا. الثالث عشر: أن يقترن بأحد الخبرين تفسير الراوي بفعله أو قوله، فإنه يكون مرجحا على ما ليس كذلك، لان الراوي للخبر يكون أعرف وأعلم بما رواه الرابع عشر: أن يذكر أحد الراويين سبب ورود ذلك النص بخلاف الآخر، فالذاكر للسبب أولى، لان ذلك يدل على زيادة اهتمامه بما رواه. الخامس عشر: أن يكون قد اقترن بأحد الخبرين ما يدل على تأخيره عن الآخر، كالخبر الذي ظهر بعد استظهار النبي عليه السلام وقوة شوكته بخلاف الآخر، فالظاهر بعد قوة شوكة النبي عليه السلام أولى، لان احتمال ظهور مقابله قبل قوة الشوكة أكثر من احتمال وقوع ما ظهر بعد قوة الشوكة، فكان تأخيره أغلب على الظن فكان أولى. وفي معناه أن يكون أحد الراويين متأخر الاسلام عن الآخر، فالغالب أن ما رواه عن النبي عليه السلام بعد إسلامه، فروايته أولى، لان رواية الآخر يحتمل أن تكون قبل إسلام المتأخر، ويحتمل أن تكون بعد إسلامه، فكان تأخير ما رواه متأخر الاسلام أغلب على الظن وفي معناه أن يعلم أن موت متقدم الاسلام كان متقدما على إسلام المتأخر، وكذلك إذا علمنا أن غالب رواية أحد الراويين قبل الغالب من رواية الآخر، فروايته تكون مرجوحة، لان الغالب تقدم ما رواه،

[ 268 ]

وكذلك إذا كانت رواية أحدهما مؤرخة بتاريخ مضيق دون الآخر، فاحتمال تقدم غير المؤرخة يكون أغلب، وكذلك إذا كان أحد الخبرين يدل على التخفيف، والآخر على التشديد، فاحتمال تأخر التشديد أظهر لان الغالب منه عليه السلام أنه ما كان يشدد إلا بحسب علو شأنه واستيلائه وقهره، ولهذا أوجب العبادات شيئا فشيئا، وحرم المحرمات شيئا فشيئا. القسم الثاني في التعارض الواقع بين معقولين والمعقولان، إما قياسان، أو استدلالان، أو قياس واستدلال فإن كان التعارض بين قياسين، فالترجيح بينهما قد يكون بما يعود إلى أصل القياس، وقد يكون بما يعود إلى فرعه، وقد يكون بما يعود إلى مدلوله، وقد يكون بما يعود إلى أمر خارج. فأما ما يعود إلى الاصل فمنه ما يعود إلى حكمه، ومنه ما يعود إلى علته، فأما ما يعود إلى حكم الاصل فترجيحات. الاول: أن يكون الحكم في أصل أحدهما قطعيا، وفي الآخر ظنيا، فما حكم أصله قطعي أولى، لان ما يتطرق إليه من الخلل بسبب حكم الاصل منفي، ولا كذلك الآخر، فكان أغلب على الظن. وفي معنى هذا ما يكون الحكم في أصل أحدهما ممنوعا، وفي الآخر غير ممنوع، فغير الممنوع يكون أولى. الثاني: أن يكون حكم الاصل فيهما ظنيا، غير أن الدليل المثبت لاحدهما أرجح من المثبت للآخر، فيكون أولى الثالث: أن يكون حكم الاصل في أحدهما مما اختلف في نسخه، بخلاف الآخر فالذي لم يختلف في نسخه أولى، لبعده عن الخلل. الرابع: أن يكون الحكم في أصل أحدهما غير معدول به عن سنن القياس كما ذكرناه فيما تقدم، بخلاف الآخر، فما لم يعدل به عن سنن القياس أولى، لكونه أبعد عن التعبد وأقرب إلى المعقول وموافقة الدليل.

[ 269 ]

الخامس: أن يكون حكم الاصل في أحدهما قد قام دليل خاص على وجوب تعليله، وجواز القياس عليه، ولا كذلك الآخر، فما قام الدليل فيه على وجوب تعليله وجواز القياس عليه أولى، وإن لم يكون ذلك شرطا في صحته كما سبق، لما فيه من الامن من غائلة التعبد والقصور على الاصل ولبعده عن الخلاف. السادس: أن يكون حكم أحد الاصلين مما اتفق القياسون على تعليله، والآخر مختلف فيه، فما اتفق على تعليله أولى، إذ هو أبعد عن الالتباس، وأغلب على الظن. السابع: أن يكون حكم أحد الاصلين قطعيا، لكنه معدول به عن سنن القياس، والآخر ظني، لكنه غير معدول به عن سنن القياس، فالظني الموافق لسنن القياس أولى، لكونه موافقا للدليل وأبعد عن التعبد. الثامن: أن يكون حكم أحدهما في الاصل قطعيا، إلا أنه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله، وعلى جواز القياس عليه، وحكم الآخر ظني إلا أنه قد قام الدليل على وجوب تعليله وعلى جواز القياس عليه، فما حكمه قطعي أولى، لان ما يتطرق إليه من الخلل إنما هو بسبب قربه من احتمال التعبد والقصور على الاصل المعين، وما يتطرق إلى الظني من الخلل، فمن جهة أن يكون الامر في نفسه خلاف ما ظهر، واحتمال التعبد والقصور على ما ورد الشرع فيه بالحكم أبعد من احتمال ظن الظهور لما ليس بظاهر والترك للعمل بما هو ظاهر. التاسع: أن يكون حكم أصل أحدهما قطعيا، إلا أنه لم يتفق على تعليله، وحكم الآخر ظني إلا أنه متفق على تعليله، فالظني المتفق على تعليله أولى، لان تعدية الحكم من الاصل إلى الفرع إنما هو فرع تعقل العلة في الاصل، وتحقق وجودها في الفرع، واحتمال معرفة ذلك فيما هو متفق عليه أغلب، واحتمال الخلل بالنظر إلى الحكم الظني، وإن كان قائما ومأمونا في جانب الحكم القطعي، إلا أن احتمال قطع القياس فيما لم يتفق على تعليله لعدم الاطلاع على ما هو المقصود من حكم الاصل، أغلب من احتمال انقطاع القياس لخلل ملتحق بالظاهر الدال على حكم الاصل، مع ظهور دليله وعدم الاطلاع عليه بعد البحث التام فيه. العاشر: أن يكون دليل ثبوت الحكم في أصل أحدهما أرحج من الآخر، إلا أنه مختلف في نسخه بخلاف الآخر، فما دليله راجح أولى، لان الاصل عدم النسخ، وقول النسخ معارض بقول عدم النسخ، فكان احتمال عدم النسخ أرجح.

[ 270 ]

الحادي عشر: أن يكون دليل ثبوت الحكم في أحدهما راجحا على دليل حكم أصل الآخر، إلا أنه معدول به عن سنن القياس والقاعدة العامة، بخلاف الآخر، فما لم يعدل به عن القاعدة أولى، لانه يلزم من العمل به الجري على وفق القاعدة العامة التي ورد الحكم في القياس الآخر على خلافها، غير أنه يلزم منه إهمال جانب الترجيح في الآخر، وما يلزم من العمل بالآخر، فإنما هو اعتبار ظهور الترجيح، لكن مع مخالفة القاعدة المتفق عليها، واحتمال مخالفة القواعد العامة المتفق عليها أبعد من احتمال مخالفة الشذوذ من ظواهر الادلة، كيف وإن العمل بما دليل ثبوت حكم أصله ظني، محافظة على أصل الدليل الظني والقاعدة العامة، والعمل بما ظهر الترجيح في دليل ثبوت حكمه فيه الموافقة، لما ظهر من الترجيح ومخالفة القاعدة وأصل الدليل الآخر. ولا يخفى أن العمل بما يلزم منه موافقة ظاهرين ومخالفة ظاهر واحد، أولى من العكس. الثاني عشر: أن يكون دليل ثبوت حكم أصل أحدهما راجحا على دليل الآخر، إلا أنه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله وعلى جواز القياس عليه، بخلاف الآخر، فما ظهر الترجيح في دليله أولى، لما ذكرناه فيما إذا كان الحكم قطعيا. الثالث عشر: أن يكون دليل ثبوت حكم أصل أحدهما أرجح من دليل الآخر إلا أنه غير متفق على تعليله، بخلاف الآخر، فما اتفق على تعليله أولى، لما ذكرناه فيما إذا كان حكم الاصل في أحدهما قطعيا، والآخر ظنيا. الرابع عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما مما اتفق على عدم نسخه، إلا أنه معدول به عن القاعدة العامة، بخلاف الآخر، فما لم يعدل به عن القاعدة أولى، لما سبق تحقيقه. الخامس عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما غير معدول به عن القاعدة العامة، إلا أنه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله وجواز القياس عليه، بخلاف الآخر،

[ 271 ]

فما هو على وفق القاعدة العامة أولى، لان العمل به عمل بأغلب ما يرد به الشرع، والعمل بمقابله بالعكس، ولان أكثر من قال باشتراط كون الحكم في الاصل غير معدول به عن القاعدة العامة، خالف في اشتراط قيام الدليل على وجوب تعليل الحكم وجواز القياس عليه، ولم يشترط غير الشذوذ، فكونه غير معدول به عن القاعدة العامة أمس بالقياس. السادس عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما غير معدول به عن القاعدة العامة، إلا أنه لم يتفق على تعليله، والآخر بعكسه، فما اتفق على تعليه أولى، لان كل واحد من القياسين، وإن كان مختلفا فيه، إلا أن احتمال وقوع التعبد في القياس يبطله قطعا، ومخالفة القاعدة العامة غير مبطلة للقياس قطعا، وما يبطل القياس قطعا بتقدير وقوعه يكون مرجوحا بالنسبة إلى ما لا يبطله قطعا. وأما الترجيحات العائدة إلى علة حكم الاصل، فمنها ما يرجع إلى طريق إثباتها، ومنها ما يرجع إلى صفتها. أما الترجيحات العائدة إلى طرق إثباتها. فالاول منها أن يكون وجود علة أحد القياسين مقطوعا به في أصله، بخلاف علة الآخر، فما وجود علته في أصله قطعي أولى، وسواء كان وجودها معقولا أو محسا، مدلولا عليه أو غير مدلول، لكونه أغلب على الظن. وفي معنى هذا أن يكون وجود العلتين مظنونا، غير أن ظن وجود إحداهما أرجح من الاخرى، فقياسها أولى، لانها أغلب على الظن. الثاني: أن يكون دليل علية الوصف في أحد القياسين قطعيا، وفي الآخر ظنيا، فيكون أولى، لانه أغلب على الظن. الثالث: أن يكون دليل العلتين ظنيا، غير أن دليل إحدى العلتين أرجح من دليل الاخرى، فما دليلها أرجح فقياسها أولى، لانه أغلب على الظن.

[ 272 ]

الرابع: أن يكون طريق علية الوصف فيهما الاستنباط، إلا أن دليل إحدى العلتين السبر والتقسيم، والاخرى المناسبة، فما طريق ثبوت العلية فيه السبر والتقسيم يكون أولى، لان الحكم في الفرع، كما يتوفف على تحقق مقتضيه في الاصل يتوقف على انتفاء معارضه في الاصل، والسبر والتقسيم فيه التعرض لبيان المقتضي وإبطال المعارض، بخلاف إثبات العلة بالاحالة، فكان السبر والتقسيم أولى. فإن قيل: وصف العلة لا بد وأن يكون مناسبا في نفس الامر أو شبهيا لامتناع التعليل بالوصف الطروي، ولا يخفى أن احتمال عدم المناسبة بعد إظهارها بالطريق التفصيلي أبعد من احتمال عدمها في السبر والتقسيم، حيث لم يتعرض فيه لبيانها تفصيلا، فكان طريق المناسبة أولى قلنا: إلا أن التعرض لمناسبة الوصف لا دلالة له بوجه على نفي المعارض في الاصل، فإنه لامتناع من اجتماع مناسبين في محل واحد على حكم واحد، ودلالة البحث والسبرعلى مناسب في الاصل غير الوصف المشترك، مع أن الاصل أن يكون الحكم معقول المعنى وأن يدل على أن الوصف المشترك مناسب، ولا يخفى أن ما يدل على مناسبة العلة وعلى انتفاء معارضها أولى مما يدل على مناسبتها ولا يدل على انتفاء معارضها. فإن قيل: إلا أن طريق إثبات العلة بالمناسبة أو الشبه أدل على مناسبة الوصف بعد إظهارها من دلالة السبر والتقسيم على انتفاء وصف آخر، لاحتمال أن يصدق الناظر في قوله، وأن يكذب، وبتقدير صدقه فظهور ذلك مختص به دون غيره، بخلاف طريق المناسبة، فإنه ظاهر بالنظر إلى الخصمين. قلنا: بل العكس أولى، وذلك لان الخلل العائد إلى دليل نفي المعارض إنما هو بالكذب أو الغلط، لعدم الظفر بالوصف، ولا يخفى أن وقوع الغلط مع كون الوصف المبحوث عنه ظاهرا جليا، ووقوع الكذب مع كون الباحث عدلا، أبعد من احتمال وقوع الغلط فيما أبدى من المناسبة مع كونها خفية مضطربة.

[ 273 ]

الخامس: أن يكون نفي الفارق في أصل أحد القياسين مقطوعا به، وفي الآخر مظنونا، فما قطع فيه بنفي الفارق يكون أولى، لكونه أغلب على الظن. السادس: أن يكون طريق ثبوت إحدى العلتين السبر والتقسيم، والاخرى الطرد والعكس، فما طريق ثبوته السبر والتقسيم أولى، إذ هو دليل ظاهر على كون الوصف علة، وما دار الحكم معه وجودا وعدما غير ظاهر العلية، لان الحكم قد يدور مع الاوصاف الطردية، كما في الرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة الدائرة مع تحريم الشرب وجودا وعدما، مع أنها ليست علة، لان العلة لا بد وأن تكون في الاصل بمعنى الباعث، لا بمعنى الامارة، كما سبق تقريره. والرائحة الفائحة ليست باعثة، إذ لا يشم منها رائحة المناسبة، وكما أنه غير ظاهر في الدلالة على علية الوصف، فلا دلالة له على ملازمة العلة، لما قدمناه في إبطال الطرد والعكس. وبهذا يكون القياس الذي طريق إثبات العلية فيه المناسبة أولى مما طريق إثباتها فيه الطرد والعكس. وأما الترجيحات العائدة إلى صفة العلة. فالاول: منها أنه إذا كانت علة الاصل في أحد القياسين حكما شرعيا، وفي الآخر وصفا حقيقيا، فما علته وصف حقيقي أولى، لوقوع الاتفاق عليه، ووقوع الخلاف في مقابله، فكانت أغلب على الظن. الثاني: أن تكون علة الحكم الثبوتي في أحدهما وصفا وجوديا، وفي الآخر وصفا عدميا، فما علته ثبوتية أولى للاتفاق عليه ووقوع الخلاف في مقابله. الثالث: أن تكون علة أحدهما بمعنى الباعث، وفي الآخر بمعنى الامارة، فما علته باعثة أولى، للاتفاق عليه. الرابع: أن تكون علة أحدهما وصفا ظا هرا منضبطا، وفي الآخر بخلافه، فما علته مضبوطة أولى، لانه أغلب على الظن لظهوره، ولبعده عن الخلاف. ا الخامس: أن تكون علة أحدهما وصفا متحدا، وفي الآخر ذات أوصاف، فما علته ذات وصف واحد أولى، لانه أقرب إلى الضبط، وأبعد عن الخلاف. السادس: أن تكون علة أحدهما أكثر تعدية من علة الآخر، فهو أولى لكثرة فائدته.

[ 274 ]

السابع: أن تكون علة أحدهما مطردة بخلاف الآخر، فما علته مطردة أولى، لسلامتها عن المفسد وبعدها عن الخلاف. وفي معنى هذا أن تكون علة أحدهما غير منكسرة، بخلاف علة الآخر، فما علته غير منكسرة أولى، لبعدها عن الخلاف. الثامن: أن تكون علة أحدهما منعكسة بخلاف علة الآخر فما علته منعكسة أولى، لانها أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف. التاسع: أن تكون علة أحدهما غير متأخرة عن الحكم بخلاف الآخر، فما علته غير متأخرة أولى، لبعده عن الخلاف. العاشر: أن تكون علة أحدهما مطردة غير منعكسة، وعلة الآخر منعكسة غير مطردة، فالمطردة أولى، لما بيناه من اشتراط الاطراد، وعدم اشتراط الانعكاس، ولهذا فإن من سلم اشتراط الاطراد خالف في اشتراط الانعكاس. الحادي عشر: أن يكون ضابط الحكمة في علة أحد القياسين جامعا للحكمة مانعا لها، بخلاف ضابط حكمة العلة في القياس الآخر، كما بيناه، فالجامع المانع أولى، لزيادة ضبطه وبعده عن الخلاف. الثاني عشر: أن تكون العلة في أحدهما غير راجعة على الحكم الذي استنبطت منه برفعه، أو رفع بعضه، بخلاف الآخر، فهو أولى لسلامة علته عما يوهيها، وبعدها عن الخلاف. الثالث عشر: أن تكون علة أحد القياسين مناسبة، وعلة الآخر شبهية، فما علته مناسبة أولى، لزيادة غلبة الظن بها، وزيادة مصلحتها، وبعدها عن الخلاف. الرابع عشر: أن يكون المقصود من إحدى العلتين من المقاصد الضرورية كما بيناه من قبل، والمقصود من العلة الاخرى غير ضروري، فما مقصوده من الحاجات الضرورية أولى، لزيادة مصلحته وغلبة الظن به، ولهذا فإنه لم تخل شريعة عن مراعاته، وبولغ في حفظه، بشرع أبلغ العقوبات. الخامس عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين من الحاجات الزائدة، ومقصود الاخرى من باب التحسينات والتزيينات، فما مقصوده من باب الحاجات الزائدة أولى، لتعلق الحاجة به دون مقابله.

[ 275 ]

السادس عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين من مكملات المصالح الضرورية، ومقصود الاخرى من أصول الحاجات الزائدة، فما مقصوده من مكملات الضروريات، وإن كان تابعا لها ومقابله أصل في نفسه، يكون أولى، ولهذا أعطى حكم أصله حتى شرع في شرب قليل الخمر ما شرع في كثيره. السابع عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين حفظ أصل الدين، ومقصود الاخرى ما سواه من المقاصد الضرورية، فما مقصوده حفظ أصل الدين يكون أولى، نظرا إلى مقصوده وثمرته، من نيل السعادة الابدية في جوار رب العالمين، وما سواه من حفظ الانفس والعقل والمال وغيره، فإنما كان مقصودا من أجله، على ما قال تعالى * (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) * (). فإن قيل: بل ما يفضي إلى حفظ مقصود النفس أولى وأرجح، وذلك لان مقصود الدين حق الله تعالى، ومقصود غيره حق للآدمي، وحق الآدمي مرجح على حقوق الله تعالى مبني على الشح والمضايقة، وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة، من جهة أن الله تعالى لا يتضرر بفوات حقه، فالمحافظة عليه أولى من المحافظة على حق لا يتضرر مستحقه بفواته، ولهذا رجحنا حقوق الآدمي على حق الله تعالى، بدليل أنه لو ازدحم حق الله تعالى وحق الآدمي في محل واحد، وضاق عن استيفائهما بأن يكون قد كفر وقتل عمدا عدوانا، فإنا نقتله قصاصا لا بكفره. وأيضا فإنا قد رجحنا مصلحة النفس على مصلحة الدين، حيث خففنا عن المسافر بإسقاط الركعتين، وأداء الصوم، وعن المريض بترك الصلاة قائما وترك أداء الصوم، وقدمنا مصلحة النفس على مصلحة الصلاة في صورة إنجاء الغريق وأبلغ من ذلك أنا رجحنا مصلحة المال على مصلحة الدين، حيث جوزنا ترك الجمعة والجماعة، ضرورة حفظ أدنى شئ من المال، ورجحنا مصالح المسلمين المتعلقة ببقاء الذمي بين أظهرهم على مصلحة الدين، حتى عصمنا دمه وماله مع وجود الكفر المبيح. قلنا: أما النفس فكما هي متعلق حق الآدمي بالنظر إلى بعض الاحكام، فهي متعلق حق الله تعالى بالنظر إلى أحكام أخر، ولهذا يحرم عليه قتل نفسه والتصرف

[ 276 ]

بما يفضي إلى تفويتها، فالتقديم إنما هو لمتعلق الحقين، ولا يمتنع تقديم حق الله وحق الآدمي على ما تمحض حقا لله، كيف وإن مقصود الدين متحقق بأصل شرعية القتل، وقد تحقق، والقتل انما هو لتحقيق الوعيد به، والمقصود بالقصاص إنما هو التشفي والانتقام، ولا يحصل ذلك للوارث بشرع القتل، دون القتل بالفعل، على ما يشهد به العرف، فكان الجمع بين الحقين أولى من تضييع أحدهما، كيف وإن تقديم حق الآدمي ها هنا لا يفضي إلى تفويت حق الله فيما يتعلق بالعقوبة البدنية مطلقا، لبقاء العقوبة الاخروية، وتقديم حق الله مما يفضي إلى فوات حق الآدمي من العقوبة البدنية مطلقا، فكان ذلك أولى. وأما التخفيف عن المسافر والمريض فليس تقديما لمقصود النفس على مقصود أصل الدين، بل على فروعه، وفروع الشئ غير أصل الشئ، ثم وإن كان، فمشقة الركعتين في السفر تقوم مقام مشقة الاربع في الحضر، وكذلك صلاة المريض قاعدا بالنسبة إلى صلاته قائما وهو صحيح، فالمقصود لا يختلف. وأما أداء الصوم، فلانه لا يفوت مطلقا، بل يفوت إلى خلف، وهو القضاء، وبه يندفع ما ذكروه من صورة إنقاذ الغريق وترك الجمعة والجماعة لحفظ المال أيضا، وبقاء الذمي بين أظهر المسلمين معصوم الدم والمال ليس لمصلحة المسلمين، بل لاجل اطلاعه على محاسن الشريعة وقواعد الدين، ليسهل انقياده ويتيسر استرشاده، وذلك من مصلحة الدين، لا من مصلحة غيره، وكما أن مقصود الدين مقدم على غيره من مقاصد الضروريات، فكذلك ما يتعلق من مقصود النفس يكون مقدما على غيره من المقاصد الضرورية، أما بالنظر إلى حفظ النسب، فلان حفظ النسب إنما كان مقصودا لاجل حفظ الولد، حتى لا يبقى ضائعا لا مربي له، فلم يكن مطلوبا لعينه بل لافضائه إلى بقاء النفس واما بالنأر إلى المال فلهئا المعنى ايضا فانه لم يكن بقاؤه مطلوبا لعينه وذاته، بل لاجل بقاء النفس مرفهة منعمة، حتى تأتي بوظائف التكاليف وأعباء العبادات. وأما بالنظر إلى حفظ العقل، فمن جهة أن النفس أصل، والعقل تبع، فالمحافظة على الاصل أولى، ولان ما يفضي إلى فوات النفس على تقدير أفضليته يفوتها مطلقا، وما يفضي إلى تفويت العقل كشرب المسكر لا يفضي إلى فواته مطلقا،

[ 277 ]

فالمحافظة بالمنع مما يفضي إلى الفوات مطلقا أولى. وعلى هذا أيضا يكون المقصود في حفظ النسب أولى من المقصود في حفظ العقل والمال ولكونه عائدا إلى حفظ النفس وما يفضي إلى حفظ العقل ومقدم على ما يفضي إلى حفظ المال، لكونه مركب الامانة وملاك التكليف ومطلوبا للعبادة بنفسه من غير واسطة، ولا كذلك المال، ولهذا كانت هذه الرتب مختلفة في العقوبات المرتبة عليها، على نحو اختلافها في أنفسها. وبمثل تفاوت هذه الرتب يكون التفاوت بين مكملاتها. الثامن عشر: أن يكون الوصف الجامع في أحد القياسين نفس علة حكم الاصل، والآخر دليل علة الاصل وملازمها، فالذي فيه الجامع نفس العلة أولى، لظهورها وركون النفس إليها. التاسع عشر: أن تكون علة الاصل في أحد القياسين ملائمة، وعلة الآخر غريبة، فما علته ملائمة أولى، لانها أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف. العشرون: أن تكون علة الاصلين منقوضة، إلا أنه قد ظهر في صورة النقض في أحدهما ما يمكن إحالة النقض عليه، من وجود مانع أو فوات شرط، بخلاف الاخرى، فهي أولى لانها أغلب على الظن. الحادي والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين قد يتخلف عنها مدلولها في صورة بطريق الاستثناء على خلاف القاعدة العامة، والاخرى يتخلف عنها حكمها لا على جهة الاستثناء، فالتي يتخلف عنها حكمها بجهة الاستثناء تكون أولى، لقربها إلى الصحة وبعدها عن الخلاف. الثاني والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين قد خلفها في صورة النقض ما هو أليق بها لكون مناسبتها فيها أشد، كما ذكرناه فيما تقدم، بخلاف الاخرى فهي أولى لتبين عدم إلغائها بخلاف الاخرى. الثالث والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين لا مزاحم لها في أصلها، بخلاف الاخرى، فالتي لا مزاحم لها أولى، لانها أغلب على الظن وأقرب إلى التعدية. وعلى هذا، يكون ما رجحانها على مزاحمها أكثر مقدمة أيضا.

[ 278 ]

الرابع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين مقتضية للاثبات، والاخرى مقتضية للنفي، فالنافية تكون أولى، لان مقتضاها يتم على تقدير رجحانها، وعلى تقدير مساواتها، ومقتضى المثبتة لا يتم إلا على تقدير رجحانها، وما يتم مطلوبه على تقدير من تقديرين يكون أغلب على الظن مما لا يتم مطلوبه إلا على تقدير واحد معين. فإن قيل: الا أن العلة المثبتة مقتضاها حكم شرعي بالاتفاق، بخلاف النافية، وما فائدتها شرعية بالاتفاق تكون أولى، وأيضا فإنه يجب اعتقاد اختصاص أصل النافية بمعنى لا وجود له في الفرع، تقليلا لمخالفة الدليل، كيف وإن ما ذكرتموه من الترجيح للنافية غير مستقيم على رأي من يعتقد التخيير عند تساوي الدليلين المتعارضين، وعلى هذا فيتساوى القدمان. قلنا: أما كون حكم إحدى العلتين شرعي، فلا يرجح به، لان الحكم إنما كان مطلوبا لا لنفسه، بل لما يفضي إليه من الحكم به، والشارع كما يود تحصيل الحكمة بواسطة ثبوت الحكم، يود تحصيلها بواسطة نفيه، كيف وإن العلة النافية متأيدة بالنفي الاصلي، والمثبتة على خلافه، فكانت أولى. وما قيل من وجوب اعتقاد اختصاص النافية بمعنى في الاصل لا وجود له في الفرع، فهو معارض بمثله في المثبتة، وأنه يجب اعتقاد اختصاص أصلها بمعنى لا وجود له في الفرع، تقليلا لمخالفة الدليل النافي، وليس أحدهما أولى من الآخر، والتخيير وإن كان مقولا به عند تعارض الدليلين مع التساوي من كل وجه، فليس إلا على بعض الآراء الشاذة بالنسبة إلى ما قابله، كيف وإن الحكم إنما يثبت لما يصلح أو يكون مقصودا، وإثبات الحكم عند التعارض من كل وجه لتحصيل مصلحة على وجه يلزم منه مفسدة مساويه لا يصلح أن يكون مقصودا، فالحكم يكون منتفيا لانتفاء مقصوده.

[ 279 ]

الخامس والعشرون: أن تكون حكمة إحدى العلتين قد اختلت، احتمالا لمانع أخل بها دون الاخرى، فالتي لا يختل حكمها احتمالا، أولى، لقربها إلى الظن وبعدها عن الخلل والخلاف. السادس والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين أفضى إلى تحصيل مقصودها من الاخرى، فتكون أولى، لزيادة مناسبتها بسبب ذلك. السابع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين مشيرة إلى نقيض المطلوب ومناسبة له من وجه، بخلاف الاخرى، فما لا تكون مناسبة لنقيض المطلوب تكون أولى، لكونها أظهر في إفضائها إلى حكمها، وأغلب على الظن، وأبعد عن الاضطراب. الثامن والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين متضمنة لمقصود يعم جميع المكلفين، والاخرى متضمنة لمقصود يرجع إلى آحادهم، فالاولى أولى، لعموم فائدتها. التاسع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين أكثر شمولا لمواقع الخلاف من الاخرى، فتكون أولى لعموم فائدتها. وأما الترجيحات العائدة إلى الفرع فأربعة: الاول: أن يكون فرع أحد القياسين مشاركا لاصله في عين الحكم وعين العلة، وفرع الآخر مشاركا لاصله في جنس الحكم وجنس العلة، أو جنس الحكم وعين العلة، أو بالعكس، فما المشاركة فيه في عين العلة وعين الحكم أولى، لان التعدية باعتبار الاشتراك في المعنى الاخص والاعم، أغلب على الظن من الاشتراك في المعنى الاعم. وعلى هذا، فما المشاركة فيه بين الاصل والفرع عين أحد الامرين: إما الحكم أو العلة، تكون أولى، مما المشاركة فيه بين أصله وفرعه في جنس الامرين، وإن كان فرع أحدهما مشاركا لاصله في عين العلة وجنس الحكم، والآخر بعكسه، فما المشاركة فيه في عين العلة وجنس الحكم أولى، لان تعدية الحكم من الاصل إلى الفرع إنما هي فرع تعدية العلة، فهي الاصل في التعدية وعليها المدار. الثاني: أن يكون الفرع في أحد القياسين متأخرا عن أصله، وفي الآخر متقدما، فما الفرع فيه متأخر أولى، لسلامته عن الاضطراب، وبعده عن الخلاف، وعلمنا بثبوت الحكم فيه بما استنبط من الاصل.

[ 280 ]

الثالث: أن يكون وجود العلة في أحد الفرعين قطعيا، وفي الآخر ظنيا، فما وجود العلة فيه قطعي أولى، لان أغلب على الظن، وأبعد عن احتمال القادح فيه. الرابع: أن يكون حكم الفرع في أحدهما قد ثبت بالنص جملة لا تفصيلا، بخلاف الآخر، فإنه يكون أولى، لانه أغلب على الظن، وأبعد عن الخلاف. وأما الترجيحات العائدة إلى حكم الفرع وإلى أمر خارج، فعلى ما أسلفناه في المنقولات. وقد يتركب مما ذكرناه من الترجيحات ومقابلات بعضها لبعض ترجيحات أخر خارجة عن الحصر لا يخفى إيجادها في مواضعها على من أخذت الفطانة بيده. وقد أشرنا إلى جملة منها في كتابنا الموسوم بمنتهى المسالك في رتب السالك فعليك بمراجعته. وعلى هذا فلا يخفى الترجيح المتعلق بالاستدلالات المتعارضة بالنظر إلى ذواتها وطرق إثباتها. وأما التعارض الواقع بين المنقول والمعقول، فالمنقول إما أن يكون خاصا، وإما عاما. فإن كان خاصا، فإما أن يكون دالا بمنظومه، أو لا بمنظومه. فإن كان الاول، فهو أولى، لكونه أصلا بالنسبة إلى الرأي، وقلة تطرق الخلل إليه. وإن كان الثاني فمنه ما هو ضعيف جدا، ومنه ما هو قوي جدا، ومنه ما هو متوسط بين الرتبتين. والترجيح إذ ذاك يكون على حسب ما يقع في نفس المجتهد من قوة الدلالة وضعفها، وذلك مما لا ينضبط ولا حاصر له، بحيث تمكن الاشارة إليه في هذا الكتاب، وإنما هو موكول إلى الناظرين في آحاد الصور التي لا حصر لها. وأما إن كان المنقول عاما، فقد قيل بتقدم القياس عليه، وقيل بتقدم العموم، وقيل بالتوقف، وقيل يتقدم على جلي القياس دون خفيه، وقيل يتقدم القياس على ما دخله التخصيص دون ما لم يدخله. والمختار إنما هو تقديم القياس، وسواء كان جليا أو خفيا، لانه يلزم من العمل بعموم العام إبطال دلالة القياس مطلقا، ولا يلزم من العمل بالقياس إبطال العام مطلقا، بل غاية ما يلزم منه تخصيصه وتأويله.

[ 281 ]

ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين على وجه يلزم منه تأويل أحدهما أولى من العمل بأحدهما وإبطال الآخر، ولان القياس يتناول المتنازع فيه بخصوصه، والمنقول يتناوله بعمومه، والخاص أقوى من العام. فإن قيل: إلا أن العموم أصل، والقياس فرع، والاصل مقدم على الفرع، وأيضا فإن تطرق الخلل إلى العموم أقل من تطرقه إلى القياس على ما سبق تقريره، فكان أولى. قلنا: أما الاول فإنما يلزم أن لو كان ما قيل بتقديم القياس عليه هو أصل ذلك القياس، وليس كذلك، بل جاز أن يكون فرعا لغيره. فإن قيل: وإن لم يكن فرعا لذلك العام بعينه، فهو فرع بالنسبة إلى ما هو من جنسه. قلنا: إلا أن ذلك لا يمنع من تخصيص العموم بالقياس، وإلا لما جاز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد لكونه فرعا بالنسبة إلى ما هو من جنسه، وهو ممتنع على ما سبق. وما ذكروه من الترجيح الثاني، فهو معارض بمثله، فإن العام، يحتمل ان يكون غير ظاهر في العموم، وإن كان ظاهرا، فيحتمل الخصوص، واحتمال ذلك في الشرع أغلب من احتمال الغلط من المجتهد المتبحر، على ما لا يخفى. ولهذا، قيل إنه ما من عام، إلا وهو مخصوص إلا في قوله تعالى * (والله بكل شئ عليم) * ولا كذلك القياس.

[ 282 ]

الباب الثاني في الترجيحات الواقعة بين الحدود الموصلة إلى المعاني المفردة التصورية واعلم أن الحدود على اختلاف أنواعها منقسمة إلى عقلية وسمعية كانقسام الحجج. غير أن ما هو متعلق غرضنا ها هنا إنما هو السمعية، ومن السمعية ما كان ظنيا. وعند تعارض الحدين السمعيين، فقد يقع الترجيح بينهما من وجوه. الاول: أن يكون أحدهما مشتملا على ألفاظ صريحة ناصة على الغرض المطلوب من غير تجوز ولا استعادة ولا اشتراك ولا غرابة ولا اضطراب ولا ملازمة، بل بطريق المطابقة أو التضمن، بخلاف الآخر، فهو أولى لكونه أقرب إلى الفهم، وأبعد عن الخلل والاضطراب. الثاني: أن يكون المعرف في أحدهما أعرف من المعرف في الآخر، فهو أولى لكونه أفضى إلى التعريف. الثالث: أن يكون أحدهما معرفا بالامور الذاتية، والآخر بالامور العرضية، فالمعرف بالامور الذاتية أولى، لانه مشارك للمعرف بالامور العرضية في التمييز، ومرجح عليه بتصوير معنى المحدود. الرابع: أن يكون أحد الحدين أعم من الآخر، فقد يمكن أن يقال الاعم أولى، لتناوله محدود الآخر وزيادة، وما كان أكثر فائدة فقد يمكن أن يقال بأن الاخص أولى، نظرا إلى أن مدلوله متفق عليه، ومدلول الآخر من الزيادة مختلف فيه، وما مدلوله متفق عليه أولى.

[ 283 ]

الخامس: أن يكون أحدهما قد أتي فيه بجميع ذاتياته، والآخر ببعضها مع التمييز، فالاول يكون أولى لانه أشد تعريفا. السادس: أن يكون أحدهما على وفق النقل السمعي، والآخر على خلافه، فالموافق يكون أولى لبعده عن الخلل، ولانه أغلب على الظن. السابع: أن يكون طريق اكتساب أحدهما أرجح من طريق اكتساب الآخر فهو أولى، لانه أغلب على الظن. الثامن: أن يكون أحدهما موافقا للوضع اللغوي، والآخر على خلافه، أو أنه أقرب إلى موافقته، والآخر أبعد، فالموافق، أو ما هو أكثر موافقة للوضع اللغوي، يكون أولى، لان الاصل إنما هو التقرير دون التغيير، لكونه أقرب إلى الفهم، وأسرع إلى الانقياد. ولهذا، كان التقرير هو الغالب، وكان متفقا عليه، بخلاف التغيير، فكان أولى. التاسع: أن يكون أحدهما مما قد ذهب إلى العمل به أهل المدينة، أو الخلفاء الراشدون، أو جماعة من الامة، أو واحد من المشاهير، بالاجتهاد والعدالة والثقة بما يقول، بخلاف الآخر، فهو أولى، لكونه أغلب على الظن وأقرب إلى الانقياد. العاشر: أن يلزم من العمل بأحدهما تقرير حكم الحظر، والآخر تقرير الوجوب، أو الكراهة، أو الندب، فما يلزم منه تقرير الحظر أولى لما قدمناه في الحجج. الحادي عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم النفي، والآخر الاثبات، فالمقرر للنفي أولى، لما سبق في الحجج. الثاني عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم معقول، ومن الآخر حكم غير معقول، فما يلزم منه تقرير حكم معقول أولى لما سبق في الحجج. التاسع: أن يكون أحدهما مما قد ذهب إلى العمل به أهل المدينة، أو الخلفاء الراشدون، أو جماعة من الامة، أو واحد من المشاهير، بالاجتهاد والعدالة والثقة بما يقول، بخلاف الآخر، فهو أولى، لكونه أغلب على الظن وأقرب إلى الانقياد. العاشر: أن يلزم من العمل بأحدهما تقرير حكم الحظر، والآخر تقرير الوجوب، أو الكراهة، أو الندب، فما يلزم منه تقرير الحظر أولى لما قدمناه في الحجج. الحادي عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم النفي، والآخر الاثبات، فالمقرر للنفي أولى، لما سبق في الحجج. الثاني عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم معقول، ومن الآخر حكم غير معقول، فما يلزم منه تقرير حكم معقول أولى لما سبق في الحجج. الثالث عشر: أن يلزم من أحدهما درء الحد والعقوبة، ومن الآخر إثباته، فالدارئ للحد أولى، لما سبق أيضا.

[ 284 ]

الرابع عشر: أن يكون أحدهما يلازمه الحرية أو الطلاق، والآخر يلازمه الرق أو إبقاء النكاح، فالحكم فيه ما سبق في الحجج. وقد يتشعب من تقابل هذه الترجيحات ترجيحات أخرى كثيرة خارجة عن الحصر، لا تخفى على متأملها. وهذا آخر ما أردناه، ونهاية ما رتبناه. اللهم ! فكما ألهمت بإنشائه، وأعنت على إنهائه، ف يكون أحدهما يلازمه الحرية أو الطلاق، والآخر يلازمه الرق أو إبقاء النكاح، فالحكم فيه ما سبق في الحجج. وقد يتشعب من تقابل هذه الترجيحات ترجيحات أخرى كثيرة خارجة عن الحصر، لا تخفى على متأملها. وهذا آخر ما أردناه، ونهاية ما رتبناه. اللهم ! فكما ألهمت بإنشائه، وأعنت على إنهائه، فاجعله نافعا في الدنيا، وذخيرة صالحة في الاخرى، واختم بالسعادة آجالنا، وحقق بالزيادة آمالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى حصنك مصيرنا ومآلنا، وتقبل بفضلك أعمالنا، إنك مجيب الدعوات. ومفيض الخيرات، والحمد الله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم، إلى يوم الدين

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية