الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الاحكام - الآمدي ج 3

الاحكام

الآمدي ج 3


[ 1 ]

الاحكام في اصول الاحكام تأليف الامام العلامة على بن محمد الآمدي علق عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الثالث المكتب الاسلامي

[ 2 ]

طبع باذن فضيلة الشيخ المحقق الطبعة الا. لى 1387 ه‍ الرياض

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الصنف السادس في المطلق والمقيد أما المطلق: فعبارة عن النكرة في سياق الاثبات فقولنا: (نكرة) احتراز عن أسماء المعارف وما مدلوله واحد معين أو عام مستغرق وقولنا: (في سياق الاثبات) احتراز عن النكرة في سياق النفي، فإنها تعم جميع ما هو من جنسها، وتخرج بذلك عن التنكير لدلالة اللفظ على الاستغراق وذلك كقولك في معرض الامر اعتق رقبة أو مصدر الامر كقوله * (فتحرير رقبة) * (4) النساء: 92) أو الاخبار عن المستقبل كقوله (سأعتق رقبة) ولا يتصور الاطلاق في معرض الخبر المتعلق بالماضي، كقوله رأيت رجلا ضرورة تعينه من إسناد الرؤية إليه (2). وإن شئت قلت هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه (3). فقولنا: (لفظ) كالجنس للمطلق وغيره وقولنا: (دال) احتراز عن الالفاظ المهملة وقولنا: (على مدلول) ليعم الوجود والعدم


1 - هل الامر بمطلق الماهيه امر بجزئي من جزئيتيها، ضرورة انها كلي ولا وجود للكي خارج الاذهان الا في الجزئيات، أو امر بكل جزئي من جزئياتها، لاشعار عدم التقييد بالتعمييم، أو اذن وتخيير في فعل كل جزئي من جزئيات الماهية ويخرج المكلف بفعل واحد منها كا الواجب المخير، في ذلك خلاف. 2 - انظر تقيد صاحب جميع الجوامع وشارحه للتعريفين ورد العطار في حاشيته عليهما وما نقله عن العلامة طاش كبري مما يوضح هذا المومضوع. 3 - وقيل: المطلق ما دل على الماهية بلا قيد أي من غير اعتبار قيد سواء وجد ولم يعتبر ام لم يوجد فعلى التعريفين الاول والثاني لا يسمى اللفظ باعتبار دلالته على الماهية دون نظر إلى القيد مطلقا وعلى الثالث مطلقا. (*)

[ 4 ]

وقولنا: (شائع في جنسه) احتراز عن أسماء الاعلام، وما مدلوله معين أو مستغرق. وأما المقيد فإنه يطلق باعتبارين. الاول: ما كان من الالفاظ الدالة على مدلول معين، كزيد وعمرو وهذا الرجل ونحوه الثاني: ما كان من الالفاظ دالا على وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة عليه كقولك دينار مصري، ودرهم مكي وهذا النوع من المقيد، وإن كان مطلقا في جنسه من حيث هو دينار مصري ودرهم مكي، غير أنه مقيد بالنسبة إلى مطلق الدينار والدرهم، فهو مطلق من وجه، ومقيد من وجه وإذا عرف معنى المطلق والمقيد، فكل ما ذكرناه في مخصصات العموم من المتفق عليه، والمختلف فيه، والمزيف، والمختار، فهو بعينه جار في تقييد المطلق، فعليك باعتباره ونقله إلى ههنا. ونزيد مسألة أخرى، وهي أنه إذا ورد مطلق ومقيد، فلا يخلو. إما أن يختلف حكمهما، أو لا يختلف: فإن اختلف حكمهما. فلا خلاف في امتناع حمل أحدهما على الآخر، وسواء كانا مأمورين أو منهيين، أو أحدهما مأمورا والآخر منهيا، وسواء اتحد سببهما أو اختلف، لعدم المنافاة في الجمع بينهما إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا قال مثلا في كفار ة الظهار أعتقوا رقبة ثم قال لا تعتقوا رقبة كافرة فإنه لا خلاف في مثل هذه الصورة أن المقيد يوجب تقييد الرقبة المطلقة بالرقبة المسلمة. وعليك باعتبار أمثلة هذه الاقسام، فإنها سهلة وأما إن لم يختلف حكمهما، فلا يخلو إما أن يتحد سببهما، أو لا يتحد: فإن اتحد سببهما، فإما أن يكون اللفظ دالا على إثباتهما أو نفيهما، فإن كان الاول كما لو قال في الظهار اعتقوا رقبة ثم قال اعتقوا رقبة مسلمة فلا نعرف خلافا في حمل المطلق على المقيد ههنا، وإنما كان كذلك، لان من عمل بالمقيد فقد وفى بالعمل بدلالة المطلق، ومن عمل بالمطلق لم يف بالعمل بدلالة المقيد، فكان الجمع هو الواجب والاولى.

[ 5 ]

فإن قيل بطريقه الشبهة إذا كان حكم المطلق إمكان الخروج عن عهدته بما شاء المكلف من ذلك الجنس، فالعمل بالمقيد مما ينافي مقتضى المطلق، وليس مخالفة المطلق، وإجراء المقيد على ظاهره أولى من تأويل المقيد بحمله على الندب وإجراء المطلق على إطلاقه قلنا: بل التقييد أولى من التأويل لثلاثة أوجه الاول: أنه يلزم منه الخروج عن العهدة بيقين، ولا كذلك في التأويل الثاني: أن المطلق إذا حمل على المقيد، فالعمل به فيه لا يخرج عن كونه موفيا للعمل باللفظ المطلق في حقيقته، ولهذا لو أداه قبل ورود التقييد، كان قد عمل باللفظ في حقيقته، ولا كذلك في تأويل المقيد وصرفه عن جهة حقيقته إلى مجازه الثالث: أن الخروج عن العهدة بفعل أي واحد كان من الآحاد الداخلة تحت اللفظ المطلق لم يكن اللفظ دالا عليه بوضعه لغة، بخلاف ما دل عليه المقيد من صفة التقييد. ولا يخفى أن المحذور في صرف اللفظ عما دل عليه اللفظ لغة أعظم من صرفه عما لم يدل عليه بلفظه لغة وأما إن كان دالا على نفيهما أو نهى عنهما، كما لو قال مثلا في كفارة الظهار لا تعتق مكاتبا كافرا فهذا أيضا مما لا خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما في النفي، إذ لا تعذر فيه وأما إن كان سببهما مختلفا، كقوله تعالى في كفارة الظهار * (والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا، فتحرير رقبة) * (4) النساء: 92) وقوله تعالى في القتل الخطإ * (ومن قتل مؤمنا خطأ، فتحرير رقبة مؤمنة) * فهذا مما اختلف فيه فنقل عن الشافعي، (رضي الله عنه) تنزيل المطلق على المقيد في هذه الصورة لكن اختلف الاصحاب في تأويله فمنهم من حمله على التقييد مطلقا من غير حاجة إلى دليل آخر ومنهم من حمله على ما إذا وجد بينهما علة جامعة مقتضية للالحاق وهو الاظهر من مذهبه وأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم منعوا من ذلك مطلقا

[ 6 ]

ولنذكر حجة كل فريق، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار أما حجة من قال بالتقييد من غير دليل، فهي أن كلام الله تعالى متحد في ذاته لا تعدد فيه، فإذا نص على اشتراط الايمان في كفارة القتل، كان ذلك تنصيصا على اشتراطه في كفارة الظهار، ولهذا حمل قوله تعالى: * (والذاكرات) * (33) الاحزاب: 35) على قوله في أول الآية: * (والذاكرين الله كثيرا) * (33) الاحزاب: 35) من غير دليل خارج. وهذا مما لا اتجاه له، فإن كلام الله تعالى إما أن يراد به المعنى القائم بالنفس، أو العبارات الدالة عليه. والاول وإن كان واحدا لا تعدد فيه، غير أن تعلقه بالمتعلقات مختلف باختلاف المتعلق ولا يلزم من تعلقه بأحد المختلفين بالاطلاق والتقييد، أو العموم والخصوص، أو غير ذلك، أن يكون متعلقا بالآخر، وإلا كان أمره ونهيه ببعض المختلفات أمرا ونهيا بباقي المختلفات، وهو محال متناقض، بل وكان يلزم من تعلقه بالصوم المقيد في الحج بالتفريق، حيث قال تعالى: * (فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم) * (2) البقرة: (196) وبالتتابع في الظهار حيث قال * (فصيام شهرين متتابعين) * (4) النساء (92) أن يتقيد الصوم المطلق في اليمين، إما بالتتابع أو التفريق، وهو محال أو بأحدهما دون الآخر، ولا أولوية كيف وإنه يلزم من تقييده بأحدهما دون الآخر، إبطال ما ذكروه من أن التنصيص على أحد المختلفين يكون تنصيصا على الآخر وإن أريد به العبارة الدالة، فهي متعددة غير متحدة، ولا يلزم من دلالة بعضها على بعض الاشياء المختلفة، دلالته على غيره، وإلا لزم من ذلك المحال الذي قدمنا لزومه في الكلام النفساني (1) وأما ما ذكروه من حمل الذاكرات على الذاكرين الله كثيرا فلا نسلم أن ذلك من غير دليل ودليله أن قوله تعالى * (والذاكرات) * (33) الاحزاب: 35) معطوف على قوله: * (والذاكرين الله كثيرا) * (33) الاحزاب: 35)


1 - انظر التعليق ص 153 ج 1 (*)

[ 7 ]

ولا استقلال له بنفسه، فوجب رده إلى ما هو معطوف عليه ومشارك له في حكمه وأما حجة أصحاب أبي حنيفة، فإنهم قالوا: إذا امتنع التقييد من غير دليل لما سبق، فلا بد من دليل، ولا نص من كتاب أو سنة يدل على ذلك، والقياس يلزم منه رفع ما اقتضاه المطلق من الخروج عن العهدة بأي شئ كان، مما هو داخل تحت اللفظ المطلق، كما سبق تقريره، فيكون نسخا، ونسخ النص لا يكون بالقياس ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من القياس نسخ النص المطلق، بل تقييده ببعض مسمياته، وذلك لا يزيد على تخصيص العام بالقياس عندكم، فكذلك التقييد كيف وإن لفظ (الرقبة) مطلق بالنسبة إلى السليمة والمعيبة، وقد كان مقتضى ذلك أيضا الخروج عن العهدة بالمعيبة، وقد شرطتم صفة السلامة، ولم يدل عليه نص من كتاب أو سنة وإن كان بالقياس، فإما أن يكون نسخا، أو لا يكون نسخا: فإن كان الاول فقد بطل قولكم إن النسخ لا يكون بالقياس، وإن لم يكن نسخا، فقد بطل قولكم إن رفع حكم المطلق بالقياس يكون نسخا وأما حجة من قال بالتقييد، بناء على القياس، فالوجه في ضعفه ما سبق في تخصيص العام بالقياس، فعليك بنقله إلى ههنا والمختار أنه إن كان الوصف الجامع بين المطلق والمقيد مؤثرا أي ثابتا بنص أو إجماع، وجب القضاء بالتقييد، بناء عليه، وإن كان مستنبطا من الحكم المقيد، فلا، كما ذكرناه في تخصيص العموم

[ 8 ]

الصنف السابع في المجمل ويشتمل على مقدمة ومسائل أما المقدمة: ففي معنى المجمل. وهو في اللغة مأخوذ من الجمع ومنه يقال أجمل الحساب إذا جمعه ورفع تفاصيله وقيل هو المحصل، ومنه يقال جملت الشئ إذا حصلته هكذا ذكره صاحب المجمل في اللغة وأما في اصطلاح الاصوليين، فقال بعض أصحابنا: هو اللفظ الذي لا يفهم منه عند الاطلاق شئ، وهو فاسد، فإنه ليس يمانع ولا جامع أما أنه ليس بمانع: فلانه يدخل فيه اللفظ المهمل، فإنه لا يفهم منه شئ عند إطلاقه، وليس بمجمل، لان الاجمال والبيان من صفات الالفاظ الدالة، والمهمل لا دلالة له، ويدخل فيه قولنا مستحيل، فإنه ليس بمجمل مع أنه لا يفهم منه شئ عند إطلاقه، لان مدلوله ليس بشئ بالاتفاق وأما أنه ليس بجامع: فلان اللفظ المجمل المتردد بين محامل، قد يفهم منه شئ وهو انحصار المراد منه في بعضها، وإن لم يكن معينا. وكذلك ما هو مجمل من وجه، ومبين من وجه، كقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (6) الانعام: 141) فإنه مجمل وإن كان يفهم منه شئ فإن قيل: المراد منه أنه الذي لا يفهم منه شئ عند إطلاقه من جهة ما هو مجمل ففيه تعريف المجمل بالمجمل، وتعريف الشئ بنفسه ممتنع كيف وإن الاجمال كما أنه قد يكون في دلالة الالفاظ، فقد يكون في دلالة الافعال، وذلك كما لو قام النبي (ص)، من الركعة الثانية، ولم يجلس جلسة التشهد الوسط، فإنه متردد بين السهو الذي لا دلالة له على جواز ترك الجلسة، وبين التعمد الدال على جواز تركها. وإذا كان الاجمال قد يعم الاقوال والافعال،

[ 9 ]

فتقييد حد المجمل باللفظ يخرجه عن كونه جامعا، وبهذا يبطل ما ذكره الغزالي في حد المجمل من أنه اللفظ الصالح لاحد معنيين الذي لا يتعين معناه لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال وذكر أبو الحسين البصري فيه حدين آخرين الاول: أنه (الذي لا يمكن معرفة المراد منه) ويبطل بالالفاظ المهملة، وباللفظ الذي هو حقيقة في شئ، فإنه إذا أريد به جهة مجازه، فإنه لا يفهم المراد منه وليس بمجمل الثاني قال (هو ما أفاد شيئا من جملة أشياء هو متعين في نفسه، واللفظ لا بعينه)، قال وهذا بخلاف قولك (اضرب رجلا) فإن مدلوله واحد غير معين في نفسه، وأي رجل ضربته جاز، ولا كذلك لفظ القرء فإن مدلوله واحد متعين في نفسه من الطهر أو الحيض، وفيه إشعار بتقييد الحد باللفظ حيث قال (واللفظ لا بعينه) فلا يكون جامعا بخروج الاجمال في دلالة الفعل عنه، كما حققناه، وإنما يصح التقييد باللفظ، لو أريد تحديد المجمل اللفظي خاصة. والحق في ذلك أن يقال: (المجمل هو ماله دلالة على أحد أمرين لامزية لاحدهما على الآخر بالنسبة إليه) فقولنا: (ما له دلالة) ليعم الاقوال والافعال وغير ذلك من الادلة المجملة وقولنا: (على أحد أمرين) احتراز عما لادلالة له إلا على معنى واحد. وقولنا: (لا مزية لاحدهما على الآخر بالنسبة إليه) احتراز عن اللفظ الذي هو ظاهر في معنى وبعيد في غيره، كاللفظ الذي هو حقيقة في شئ ومجاز في شئ على ما عرف فيما تقدم. وقد يكون ذلك في لفظ مفرد مشترك عند القائلين بامتناع تعميمه، وذلك إما بين مختلفين، كالعين، للذهب والشمس، والمختار للفاعل والمفعول، أو ضدين كالقرء، للطهر والحيض (1).


1 - انظر الفرق بين المختلفين والضدين في التعليق ص 173 - 174 ج 2. (*)

[ 10 ]

وقد يكون في لفظ مركب، كقوله تعالى: * (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) * (2) البقرة: 237) فإن هذه متردة بين الزوج والولي وقد يكون ذلك بسبب التردد في عود الضمير إلى ما تقدمه كقولك: كل ما علمه الفقيه فهو كما علمه فإن الضمير في (هو) متردد بين العود إلى الفقيه وإلى معلوم الفقيه، والمعنى يكون مختلفا، حتى أنه إذا قيل بعوده إلى الفقيه كان معناه في الفقيه كمعلومه، وإن عاد إلى معلومه، كان معناه: فمعلومه على الوجه الذي علم. وقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين جمع الاجزاء وجمع الصفات، كقولك (الخمسة زوج وفرد) والمعنى مختلف، حتى أنه إن أريد به جمع الاجزاء، كان صادقا، وإن أريد به جمع الصفات، كان كاذبا. وقد يكون ذلك بسبب الوقف والابتداء، كما في قوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (3) آل عمران: 7) فالواو في قوله (والراسخون) مترددة بين العطف والابتداء، والمعنى يكون مختلفا (1). وقد يكون ذلك بسبب تردد الصفة (2) وذلك كما لو كان زيد طبيبا غير ماهر


1 - الاختلاف بالوقف والابتداء في الآية فرع الاختلاف في المراد بالمتشابه وبتأويله، والجميع من اختلاف التنوع لا التضاد، فان اريد بالمتشابه حقيقة الله وكنه صفاته وكنه الروح ونعيم الجنة، إلى امثال ذلك مم اختص الله بعلمه، كان تأويله بمعنى مآله وحقيقته التي لا يعلمها الا الله، وعليه يكون الوقوف على لفظ الجلالة، وتكون الوالو للاستئناف والجملة بعدها اسمية. وان اريد بالمتشابه ما اشتبه معناه وخفى على بعض الناس، كان تأويله بمعنى تفسيره. وعليه يكون الوقف على لفظ العلم، وتكون الواو عاطفة وجملة يقولون حال من قوله والراسخون والتقدير: وما يعلم المعنى المراد من الآيات المتشابهة الا من انزلها والا الراسسخون في العلم قائلين آمنا به كل من المحكم والمتشابه من عند ربنا فليس في الآية تردد يوجب الاجمال ويمنع من اعتقاد ما دلت عليه، والعمل به كما هو الشأن في الاجمال، بل التخيير بين قراءتين لكل منهما معنى صحيح. 2 - معناه تردد اللفظبين ان يكون نعتا وخبرا كما في المثال. (*)

[ 11 ]

في الطب وهو ماهر في غيره، فقلت (زيد طبيب ماهر) فإن قولك (ماهر) متردد بين أن يراد به كونه ماهرا في الطب فيكون كاذبا، وبين أن يراد به غيره، فيكون صادقا. وقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين مجازاته المتعددة عند تعذر حمله على حقيقته، وقد يكون بسببه تخصيص العموم بصور مجهولة، كما لو قال اقتلوا المشركين ثم قال بعد ذلك بعضهم غير مراد لي من لفظي (1) فإن قوله (اقتلوا المشركين) بعد ذلك يكون مجملا غير معلوم، أو بصفة مجهولة كقوله تعالى * (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين) * (4) النساء: 24) فإن تقييد الحل بالاحصان، مع الجهل بما هو الاحصان، يوجب الاجمال فيما أحل (2) أو باستثناء مجهول كقوله: * (أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم) (3) * (5) المائدة: 1) فإنه مهما كان المستثنى مجملا، فالمستثنى منه كذلك، وكذلك الكلام في تقييد المطلق وقد يكون ذلك بسبب إخراج اللفظ في عرف الشرع عما وضع له في اللغة عند القائلين بذلك، قبل بيانه لنا، كقوله: * (أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (3) آل عمران: 97) فإنه يكون مجملا لعدم إشعار اللفظ بما هو المراد منه بعينه من الافعال المخصوصة، لانه (4) مجمل بالنسبة إلى الوجوب


1 - هذا مثال فرضي لا يقع مثله في التكليف. 2 - الاحصان والسفاح وان كان كل منهما يطلق على معان في اللغة الا ان الاحصان هنا بمعنى العفة، والسفاح بمعنى الزنا. فمعنى محصنين غير مسافحين أعفاء بنكاح ما احل الله لكم غير زناه، كما يدل على ذلك سياق الكلام وعرف الاستعمال، فلا خفاء في المعنى ولا اجمال في الآية. 3 - (الا ما يتلى عليكم) قد بين الله المستثنى في آية (حرمت عليكم الميتة). من سورة المائدة، وآية (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) وغيرها من سورة الانعام، وآية (انما حرم عليكم الميتة) من سورة النحل وهما قبل سورة المائدة نزولا. وبذلك لم يكون المستثنى مجهولا منه مجملا. ضر. رة ان ما ينلى من المحرمات قد سبق بيانه في القرآن قبل نزول هذه الآية. 4 - لانه - فيه تحريف. والصواب: لانه، بحرف النفي لا بحرف التعليل. (*)

[ 12 ]

هذا كله في الاقوال وقد يكون ذلك في الافعال، كما ذكرناه أولا وتمام كشف الغطاء عن ذلك بمسائل، وهي ثمان المسألة الاولى الذي صار إليه أصحابنا وجماعة من المعتزلة، كالقاضي عبد الجبار والجبائي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري، أن التحليل والتحريم المضافين إلى الاعيان كقوله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم) * (4) النساء: 23) * (وحرمت عليكم الميتة) * (المائدة: 3) لا إجمال فيه، خلافا للكرخي وأبي عبد الله البصري. احتج القائلون بالاجمال بأن التحليل والتحريم إنما يتعلق بالافعال المقدورة، والاعيان التي أضيف إليها التحليل والتحريم غير مقدورة لنا، فلا تكون هي متعلق التحليل والتحريم، فلا بد من إضمار فعل يكون هو متعلق ذلك، حذرا من إهمال الخطاب بالكلية، ويجب أن يكون ذلك بقدر ما تندفع به الضرورة تقليلا للاضمار المخالف للاصل. وعلى هذا، فيمتنع إضمار كل ما يمكن تعلقه بالعين، من الافعال وليس إضمار البعض أولى من البعض، لعدم دلالة الدليل على تعيينه، ولانه لو دل على تعيين بعض الافعال، لكان ذلك متعينا من تعلق التحريم بأي عين كانت، وهو محال قال النافون: وإن سلمنا امتناع تعلق التحليل والتحريم بنفس العين، ولكن متى يحتاج إلى الاضمار، إذا كان اللفظ ظاهرا بعرف الاستعمال في الفعل المقصود من تلك العين، أو إذا لم يكن ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. وبيانه: أن كل من اطلع على عرف أهل اللغة، ومارس ألفاظ العرب لا يتبادر إلى فهمه عند قول القائل لغيره (حرمت عليك الطعام والشراب، وحرمت عليك النساء (سوى تحريم الاكل والشرب من الطعام والشراب، وتحريم وطئ النساء. والاصل في كل ما يتبادر إلى الفهم أن يكون حقيقة، إما بالوضع الاصلي، أو بعرف الاستعمال، والاجمال منتف بكل واحد منهما ولهذا، كان الاجمال منتفيا عند قول القائل (رأيت دابة) لما كان المتبادر إلى الفهم ذوات الاربع بعرف الاستعمال، وإن كان على خلاف الوضع الاصلي. وعلى هذا، فقد خرج الجواب عما ذكروه من الوجه الثاني أيضا.

[ 13 ]

سلمنا أنه لا بد من الاضمار، ولكن ما المانع من إضمار جميع التصرفات المتعلقة بالعين، المضاف إليها التحليل والتحريم. قولهم: إن زيادة الاضمار على خلاف الاصل.. قلنا: فإضمار البعض إما أن يفضي إلى الاجمال، أو لا يفضي إليه، فإن كان الثاني، فقد بطل مذهبكم، وإن كان يفضي إلى الاجمال، فلا بد من إضمار الكل، حذرا من تعطيل دلالة اللفظ. فلئن قالوا: إضمار البعض، وإن أفضى إلى الاجمال، فليس في ذلك ما يفضي إلى تعطيل دلالة اللفظ مطلقا، لامكان معرفة تعيين مدلوله بدليل آخر وأما محذور إضمار كل التصرفات فلازم مطلقا. ولا يخفى أن التزام المحذور الدائم أعظم من التزام المحذور الذي لا يدوم. قلنا: بل التزام محذور إضمار جميع الافعال أولى من التزام محذور الاجمال في اللفظ لثلاثة أوجه. الاول: أن الاضمار في اللغة أكثر استعمالا من استعمال الالفاظ المجملة، ولولا أن المحذور في الاضمار أقل، لما كان استعماله أكثر. الثاني: أنه انعقد الاجماع على وجود الاضمار في اللغة والقرآن واختلف في وجود الاجمال فيهما، وذلك يدل على أن محذور الاضمار أقل. الثالث: أنه قال (ص): لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها وباعوها (وكانوا أثمانها) (1) وذلك يدل على إضمار جميع التصرفات المتعلقة بالشحوم وإلا، لما لحقهم اللعن ببيعها. ولو كان الاجمال أولى من إضمار الكل، لكان ذلك على خلاف الاولى.


الحديث رواه احمد وابو داود بلفظ (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها واكلو اثمانها، (وان الله إذا حرم على قوم اكل شئ حرم عليهم ثمنها) وقد رواه الستة ضمن حديث طويل. وفيه (قاتل الله اليهود ان الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه (*)

[ 14 ]

المسألة الثانية ذهب بعض الحنفية إلى أن قوله تعالى: * (وامسحوا برؤوسكم) * (5) المائدة: 6) مجمل لانه يحتمل مسح جميع الرأس، ويحتمل مسح بعضه، وليس أحدهما أولى من الآخر، فكان مجملا قالوا: وما روي عنه (ص)، أنه مسح بناصيته، فهو بيان لمجمل الآية واتفق النافون على نفي الاجمال، لكن منهم من قال إنه بحكم وضع اللغة ظاهر في مسح جميع الرأس، وهو مذهب مالك والقاضي عبد الجبار وابن جني مصيرا منهم إلى أن (الباء) في اللغة أصل في الالصاق، كما سبق تعريفه، وقد دخلت على المسح وقرنته بالرأس، واسم الرأس حقيقة في كله لا بعضه، ولهذا، لا يقال لبعض الرأس رأس، فكان ذلك مقتضيا لمسح جميعه لغة، وهذا، وإن كان هو الحق بالنظر إلى أصل وضع اللغة، غير أن عرف استعمال أهل اللغة الطارئ على الوضع الاصلي حاكم عليه، والعرف من أهل اللغة في اطراد الاعتبار جار باقتضاء إلصاق المسح بالرأس فقط، مع قطع النظر عن الكل والبعض، ولهذا، فإنه إذا قال القائل لغيره امسح يدك بالمنديل لا يفهم منه أحد من أهل اللغة أنه أوجب عليه إلصاق يده بجميع المنديل، بل إن شاء بكله، وإن شاء ببعضه. ولهذا، فإنه يخرج عن العهدة بكل واحد منهما. وكذلك إذا قال: مسحت يدي بالمنديل فالسامعون يجوزون أنه مسح بكله وببعضه، غير فاهمين لزوم وقوع المسح بالكل أو البعض، بل بالقدر المشترك بين الكل والبعض، وهو مطلق مسح (1) ويجب أن يكون كذلك، نفيا للتجوز والاشتراك في العرف. وهذا هو مذهب الشافعي، رضي الله عنه، واختيار القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري. وعلى كل تقدير، فلا وجه للقول بالاجمال، لا بالنظر إلى الوضع اللغوي الاصلي، ولا بالنظر إلى عرف الاستعمال.


1 - يظهر لى فرق بين قوله تهالى (وامسحوا برؤسكم) وقول القائل: امسح يدك بالمنديل، ومسحت يدي بالمنديل، فان عرف الاستعمال يدل على ان = (*)

[ 15 ]

المسألة الثالثة مذهب الجمهور أنه لا إجمال في قوله (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان (1) وقال أبو الحسين البصري وأبو عبد الله البصري وغيرهما إنه مجمل، مصيرا منهم إلى أن اللفظ بوضعه لغة يقتضي رفع الخطإ والنسيان في نفسه، وهو محال مع فرض وقوعه فيجل منصب النبي عن نفيه. وعند ذلك، فإما أن يضمر نفي جميع أحكامه أو بعضها، لا سبيل إلى الاول، لان الاضمار على خلاف الاصل، وإنما يصار إليه لدفع الضرورة اللازمة من تعطيل العمل باللفظ، فيجب الاقتصار فيه على أقل ما تندفع به الضرورة، وهو بعض الاحكام. كيف وأنه يمتنع إضمار نفي جميع الاحكام، لان من جملتها لزوم الضمان وقضاء العبادة، وهو غير منفي بالاجماع. ثم ذلك الحكم المضمر لا يمكن القول بتعينه لعدم دلالة اللفظ عليه، فلم يبق إلا أن يكون غير معين، ويلزم منه الاجمال. قال النافون للاجمال: وإن تعذر حمل اللفظ على رفع عين الخطإ والنسيان، فإنما يلزم الاضمار إن لو لم يكن اللفظ ظاهرا بعرف استعمال أهل اللغة في نفي المؤاخذة والعقاب قبل ورود الشرع، وليس كذلك. ولهذا فإن كل من عرف عرف أهل اللغة لا يتشكك ولا يتردد عند سماعه قول السيد لعبده رفعت عنك الخطأ والنسيان في أن مراده من ذلك رفع المؤاخذة والعقاب. والاصل أن كل ما يتبادر إلى الفهم من اللفظ أن يكون حقيقة فيه، إما بالوضع الاصلي، أو العرف الاستعمالي. وذلك لا إجمال فيه ولا تردد.


= القصد بالخطاب في الآية إلى مسح االرأس، والعضو الماسح وسيلة وان القصد في طلب مسح اليد بالمنديل والاخبار بذلك إلى مسح اليد، والمنديل وسيلة فالمنديل نظير العضو الماسح، كلاهما آلة للمسح لم تقصد به لنفسها واليد في المثالين نظير الرأس في الآية وكلاهما مقصود بالمسح، وكل من وضع اللغة وعرف الاستعمال يدل ظاهرا على تعميمهما به. 1 - رواه الطبراني في الكبير عن ثوبان بلفظ (رفع عن امتي الخطأ والنسيان وماستكرهوا عليه) ورمز له السيوطي في الجامع الصغير براموز الصحة. (*)

[ 16 ]

فإن قيل: لو كان عرف الاستعمال كما ذكرتموه لارتفع عنه الضمان لكونه من جملة المؤاخذات والعقوبات. قلنا: عنه جوابان الاول: أنا نسلم أن الضمان، من حيث هو ضمان، عقوبة ولهذا يجب في مال الصبي والمجنون، وليسا أهلا للعقوبة، وكذلك يجب على المضطر في المخمصة إذا أكل مال غيره، مع أن الاكل واجب عليه حفظا لنفسه، والواجب لا عقوبة على فعله، وكذلك يجب الضمان على من رمى إلى صف الكفار فأصاب مسلما، مع أنه مأمور بالرمي، وهو مثاب عليه. الثاني: وإن سلمنا أنه عقاب، لكن غايته لزوم تخصيص عموم اللفظ الدال على نفي كل عقاب، وذلك أسهل من القول بالاجمال. المسألة الرابعة اختلفوا في قوله (ص): لا صلاة إلا بطهور، (1) ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، (2) ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل (3)، ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل (4) ونحوه.


1 - رواه الطبراني في الاوسط من حديث ابن عمر بلفظ (لا صلاة لمن لا طهور له) وفي معناه ما رواه مسلم بلفظ (لا يقبل صلاة بغير طهور). 2 - رواه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت بلفظ (لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب). 3 - رواه الخمسة من طريق ابن عمر عن حفصة (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) وقد اختلف في وقفه ورفعه: فقال أبو داود: لا يصح رفعه وقال الترمذي الموقوف اصح ونقل في العلل عن البخاري أنه قال: هو خطأ: وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف، وقال النسائي: الصواب عندي أنه موقوف ولا يصح رفعه. 4 - رواه ابن حبان من حديث عائشة مرفوعا ورجح الترمذي وقفه. (*)

[ 17 ]

فمذهب الكل أنه لا إجمال فيه، خلافا للقاضي أبي بكر وأبي عبد الله البصري، فإنهما قالا بإجماله، لان حرف النفي دخل على هذه المسميات مع تحققها، فلا بد من إضمار حكم يلحق، وتمام تقريره كما مر في المسألة المتقدمة. والمختار: أنه لا إجمال في هذه الصور، لانه لا يخلو إما أن يقال بأن الشارع له في هذه الاسماء عرف، أو لا عرف له فيها، بل هي منزلة على الوضع اللغوي. فإن قيل بالاول، فيجب تنزيل كلام الشارع على عرفه، إذ الغالب منه أنه إنما يناطقنا فيما له فيه عرف بعرفه، فيكون لفظه منزلا على نفي الحقيقة الشرعية من هذه الامور، ونفي الحقيقة الشرعية ممكن. والاصل حمل الكلام على ما هو حقيقة فيه. وعلى هذا، فلا إجمال، وإن كان مسمى هذه الامور بالوضع اللغوي غير منفي. وإن قيل بالثاني، فالاجمال أيضا إنما يتحقق إن لو لم يكن اللفظ ظاهرا بعرف استعمال أهل اللغة قبل ورود الشرع في مثل هذه الالفاظ في نفي الفائدة والجدوى وليس كذلك. وبيانه أن المتبادر إلى الفهم من نفي كل فعل كان متحقق الوجود إنما هو نفي فائدته وجدواه. ومنه قولهم لاعلم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، ولا حكم إلا لله، ولا طاعة إلا له، ولا بلد إلا بسلطان إلى غير ذلك. وإذا كان النفي محمولا على نفي الفائدة والجدوى، فلا إجمال فيه. وإن سلمنا أنه لا عرف للشارع، ولا لاهل اللغة في ذلك، وأنه لا بد من الاضمار غير أن الاتفاق واقع على أنه لا خروج للمضمر ها هنا عن الصحة. والكمال وعند ذلك، فيجب اعتقاد ظهوره في نفي الصحة والكمال لوجهين: الاول: أنه أقرب إلى موافقة دلالة اللفظ على النفي، لانه إذا قال: لا صلاة، لا صوم إلا بكذا فقد دل على نفي أصل الفعل بدلالة المطابقة، وعلى صفاته بدلالة الالتزام، فإذا تعذر العمل بدلالة المطابقة، تعين العمل بدلالة الالتزام تقليلا لمخالفة الدليل.

[ 18 ]

الثاني: أنه إذا كان اللفظ قد دل على نفي العمل وعدمه، فيجب عند تعذر حمل اللفظ على حقيقته، حمله على أقرب المجازات الشبيهة به، ولا يخفى أن مشابهة الفعل الذي ليس بصحيح ولا كامل للفعل المعدوم أكثر من مشابهة الفعل الذي نفي عنه أحد الامرين دون الآخر، فكان الحمل عليه أولى. فإن قيل ما ذكرتموه معارض من وجهين: الاول: أنه يلزم منه الزيادة في الاضمار والتجوز المخالف للاصل، الثاني: أن حمله على نفي الكمال دون الصحة مستيقن، من حيث إنه يلزم من نفي الصحة نفي الكمال، ولا عكس، وإذا تقابلت الاحتمالات لزم الاجمال. قلنا: بل الترجيح لما ذكرناه، لانه لا يلزم منه تعطيل دلالة اللفظ، بخلاف ما ذكرتموه، ولانه على وفق النفي الاصلي، وما ذكرتموه على خلافه، فكان ما ذكرناه أولى. وعلى هذا، فقوله (ص): لا عمل إلا بنية، وإنما الاعمال بالنيات وإن لم يكن للشارع فيه عرف، كما في الصلاة والصوم ونحوهما، فعرف أهل اللغة في نفيه نفي الفائدة والجدوى، كما قررناه فيما تقدم، فلا إجمال فيه أيضا، خلافا لابي الحسين البصري وأبي عبد الله البصري وغيرهما من المعتزلة. ردر

[ 19 ]

المسألة الخوامسة اختلفوا في قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) فقال بعض الاصوليين إن لفظ القطع واليد مجمل. أما الاجمال في القطع، فلانه يصدق إطلاقه على بينونة العضو من العضو، وعلى شق الجلد الظاهر من العضو بالجرح، من غير إبانة للعضو. ولذلك يقال عندما إذا جرح يده في بعض الاعمال، كبري القلم وغيره قطع يده وأما الاجمال في اليد، فلان لفظ اليد يطلق على جملتها إلى المنكب، وعليها إلى المرفق، وعليها إلى الكوع، وليس أحد هذه الاحتمالات أظهر من الآخر، فكان لفظ اليد والقطع، مجملا. وذهب الباقون إلى خلافه متمسكين في ذلك بالاجمال والتفصيل: أما الاجمال: فهو أن إطلاق لفظ اليد على ما ذكر من المحامل، وكذلك إطلاق لفظ القطع، إما أن يكون حقيقة في الكل أو هو حقيقة في البعض مجاز في البعض، فإن كان حقيقة في الكل، فإما أن يكون مشتركا، أو متواطئا: القول بالاشتراك يلزم منه الاجمال في الكلام، وهو على خلاف الاصل. وإن كان الثاني والثالث، فليس بمجمل. كيف وإنه وإن كان الاشتراك على وفق الاصل إلا أن الاحتمالات ثلاثة كما ذكرناه، ولا إجمال فيه على تقديرين منها، وهما حالة التواطؤ والتجوز في أحدهما، وإنما يتحقق الاجمال على تقدير الاشتراك، وهو متحد، ووقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه. وإذا كان حقيقة في أحدهما دون الآخر، فيجب اعتقاد كونه ظاهرا في كل العضو ضرورة الاتفاق على عدم ظهوره فيما سواه، أما عند الخصم، فلدعواه الاجمال، وأما عندنا فلمصيرنا إلى نفي الظهور عنه وانحصاره في جملة مسمى العضو

[ 20 ]

. وأما التفصيل: فهو أن لفظ اليد، وإن أطلق على ما ذكروه من الاحتمالات إلا أنه حقيقة في جملة العضو إلى المنكب، ومجاز فيما عداه. ودليله أنه يصح أن يقال، إذا أبينت اليد من المرفق أو من الكوع: هذا بعض اليد لا كلها. وذلك يدل على أنه ليس حقيقة من وجهين: الاول: أن مسمى اليد حقيقة لا يصدق عليه أنه بعض اليد والثاني: صحة القول بأنه ليس كل اليد، ولو كان مسمى اليد حقيقة، لما صح نفيه وأما لفظ القطع فحقيقة في إبانة الشئ عما كان متصلا به. فإذا أضيف القطع إلى اليد، وكان مسمى اليد حقيقة في جملتها إلى الكوع، وجب حمله على إبانة مسمى اليد، وهو جملتها، وحيث أطلق قطع اليد عند إبانة بعض أجزائها عن بعض لا يكون حقيقة، بل تجوزا. فإن قيل: لو كان الامر على ما ذكرتموه لما وجب الاقتصار في قطع يد السارق على قطعه من الكوع، لما فيه من مخالفة الظاهر. قلنا: وإن لزم منه مخالفة الظاهر إلا إنه أولى من القول بالاجمال في كلام الشارع، فكان إدراج ما نحن فيه تحت الاغلب أغلب. الثاني أن القول بالاجمال: مما يفضي إلى تعطيل اللفظ عن الاعمال في الحال، إلى حين قيام الدليل المرجح، ولا كذلك في الحمل على المجاز: فإنه إن لم يظهر دليل التجوز عمل باللفظ في حقيقته، وإن ظهر عمل به في مجازه، من غير تعطيل اللفظ في الحال ولا في ثاني الحال.

[ 21 ]

المسألة السادسة اللفظ الوارد إذا أمكن حمله على ما يفيد معنى واحدا، وعلى ما يفيد معنيين، قال الغزالي وجماعة من الاصوليين: هو مجمل لتردده بين هذين الاحتمالين. والذي عليه الاكثر أنه ليس بمجمل، بل هو ظاهر فيما يفيد معنيين. وهذا هو المختار وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من تلخيص محل النزاع فنقول: اللفظ الوارد إما أن يظهر كونه حقيقة فيما قيل من المحملين مع اختلافهما أو كونه حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر، أو لم يظهر أحد الامرين: فإن كان من القسم الاول أو الثاني، فلا معنى للخلاف فيه أما الاول فلتحقق إجماله وأما الثاني فلتحقق الظهور في أحد المحملين: وإنما النزاع في القسم الثالث ويجب اعتقاد نفي الاجمال فيه للاجمال والتفصيل: أما الاجمال فما تقدم في المسألة المتقدمة. وأما التفصيل فهو أن الكلام إنما وضع للافادة، ولا سيما كلام الشارع. ولا يخفى أن ما يفيد معنيين أكثر في الفائدة، فيجب اعتقاد كون اللفظ ظاهرا فيه. فإن قيل: هذا الترجيح معارض بترجيح آخر، وهو إن الغالب من الالفاظ الواردة هي المفيدة لمعنى واحد، بخلاف المفيد لمعنيين. وعند ذلك فاعتقاد أدراج ما نحن فيه تحت الاعم الاغلب أغلب. قلنا: يجب اعتقاد الترجيح فيما ذكرناه، وذلك لانه لا يخلو إما أن يقال بالتساوي بين الاحتمالين أو التفاوت. القول بالتساوي يلزم منه تعطيل دلالة اللفظ وامتناع العمل به مطلقا، إلى حين قيام الدليل، وذلك على خلاف الاصل. وإن قبل بالتفاوت والترجيح، فإما أن يكون فيما يفيد معنى واحدا، أو فيما يفيد معنيين: لا سبيل إلى الاول، إذ القائل قائلان: قائل يقول بالاجمال، ففيه نفي الترجيح عن المعنيين، وقائل يقول بأنه ظاهر راجح فيما يفيد معنيين دون ما يفيد معنى واحدا، فقد وقع الاتفاق على نفي الترجيح فيما يفيد معنى واحدا، فتعين الترجيح لما يفيد معنيين.

[ 22 ]

المسألة السابعة اللفظ الوارد من جهة الشارع إذا أمكن حمله على حكم شرعي مجدد، وأمكن حمله على الموضوع اللغوي: اختلفوا فيه. فذهب الغزالي إلى أنه مجمل لتردده بين الاحتمالين من غير مزية، وذهب غيره إلى أنه ظاهر في الحكم الشرعي، وهو المختار. وذلك مثل قوله (ص): الطواف بالبيت صلاة (1) فإنه يحتمل أنه أراد به أنه كالصلاة حكما، في الافتقار إلى الطهارة. ويحتمل أنه أراد به أنه مشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة. وكقوله (ص): الاثنان فما فوقهما جماعة (2) فإنه يحتمل أنه أراد به أنهما جماعة حقيقة. ويحتمل أنه أراد به انعقاد الجماعة بهما وحصول فضيلتها، وإنما قلنا بكونه ظاهرا في الحكم الشرعي للاجمال والتفصيل: أما الاجمال فما ذكرناه فيما تقدم. وأما التفصيل: فهو أنه (ص)، إنما بعث لتعريف الاحكام الشرعية، التي لا تعرف إلا من جهته لا لتعريف ما هو معروف لاهل اللغة، فوجب حمل اللفظ عليه لما فيه من موافقة مقصود البعثة.


1 - رواه التر. ذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس بلفظ الطواف بالبيت صلاة الا أن الله أباح فيه الكلام وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان، وقال الترمذي: رواه مرفوعا وموقوفا ولا نعرفه مرفوعا الامن حديث عطاء بن السائب، ورجح النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري وقفه (عطاء بن السائب اختلط بآخرة). 2 - تقدم الكلام عليه تعليقا ص 223 ج 2. (*)

[ 23 ]

فإن قيل: ما ذكرتموه من الترجيح مقابل بمثله، وبيانه أن حمل اللفظ على الحكم الشرعي، المجدد مخالف للنفي الاصلي، بخلاف الحمل على الموضوع الاصلي. قلنا: إلا أنا لو حملناه على تعريف الموضوع اللغوي، كانت فائدة لفظ الشارع التأكيد بتعريف ما هو معروف لنا ولو حملناه على تعريف الحكم الشرعي. كانت فائدته التأسيس وتعريف ما ليس معروفا لنا، وفائدة التأسيس أصل، وفائدة التأكيد تبع، فكان حمله على التأسيس أولى. المسألة الثامنة إذا ورد لفظ الشارع، وله مسمى لغوي، ومسمى شرعي عند المعترف بالاسماء الشرعية، قال القاضي أبو بكر تفريعا على القول بالاسماء الشرعية إنه مجمل. وقال بعض أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة إنه محمول على المسمى الشرعي. وفصل الغزالي، وقال: ما ورد في الاثبات، فهو للحكم الشرعي، وما ورد في النهي، فهو مجمل، ومثال ذلك في طرف الاثبات قوله (ص)، حين دخل على عائشة، فقال لها: أعندك شئ ؟ - فقالت: لا - قال: إني إذا أصوم (1) فهو إن حمل على الصوم الشرعي دل على صحة الصوم بنية من النهار بخلاف حمله على الصوم اللغوي، ومثاله في طرف النهي نهيه عليه السلام عن صوم يوم النحر، (2) فإنه إن حمل على الصوم الشرعي، دل على تصور وقوعه لاستحالة النهي عما لا تصور لوقوعه، بخلاف ما إذا حمل على الصوم اللغوي. والمختار ظهوره في المسمى الشرعي في طرف الاثبات، وظهوره في المسمى اللغوي في طرف الترك (3).


1 - جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه من طريق عائشة قالت دخل على النبي (ص) ذات يوم فقال هل عندكم شئ فقلنا لا (قال فاني إذا صائم) الحديث 2 - روي مسلم في صحيحه من طريق أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن صيام يومين (يوم الاضى ويوم الفطر) ورواه ايضا من طريق عمر وابي سعيد وعائشة بمعناه. 3 - الترك يعني به النفي والنهي. (*)

[ 24 ]

أما الاول: فبيانه بما تقدم في المسألة التي قبلها، ويزيد ها هنا وجه آخر في الترجيح، وهو أن الشارع، مهما ثبت له عرف، وإن كانت مناطقته لنا بالامور اللغوية غالبا، غير أن مناطقته لنا بعرفه، في موضع له فيه عرف، أغلب: وأما إذا ورد في طرف الترك، كقوله (ص): دعي الصلاة أيام أقرائك (1) وكنهيه عن بيع الحر والخمر وحبل الحبلة والملاقيح والمضامين، فإنه لو كان اللفظ ظاهرا في الصلاة الشرعية والبيع الشرعي، لزم أن يكون ذلك متصورا لاستحالة النهي عما لا تصور له، وهو خلاف الاجماع، وأن يكون الشارع (2) قد نهى عن التصرف الشرعي، وذلك ممتنع لما فيه من إهمال المصلحة المعتبرة المرعية في التصرف الشرعي (3)، أو أن يقال مع ظهوره في المسمى الشرعي بتأويله وصرفه إلى المسمى اللغوي، وهو على خلاف الاصل، ولا يلزم من اطراده عرف الشرع في هذه المسميات في طرف الاثبات، مثله في طرف النهي أو النفي، وعلى ما حققناه من تقديم عرف الشرع في خطابه، على وضع اللغة، فيقدم ما اشتهر من المجاز الذي صار لا يفهم من اللفظ غيره، على الوضع الاصلي الحقيقي، وسواء كان ذلك التجوز بطريق نقل الكلام من محل الحقيقة إلى ما هو خارج عنه كلفظ الغائط، أو بطريق تخصيصه ببعض مسمياته في الحقيقة، كلفظ الدابة لان العرف الطارئ $ الب للوضع الاصلي، ولا إجمال فيه.


1 - هذا معنى جزء من حديث رواه أبو داود والنسائي من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها شكت إلى رسول الله (ص) فقال لها انما ذلك عرق فانتظري، إذا أتى قرؤك تصلي فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي مابين القرء إلى القرء، وقريب منه ما ذكرت عائشة ان النبي (ص) ام رام حبيبة ان تدع الصلاة ايام اقرائها. 2 - وان يكون - معطوف على فاعل لزم. 3 - اجيب بأنه ليس المراد بالشرعي الصحيح شرعا حتى ما قيل، بل المراد ما يسميه الشرع بذلك الاسم من الهيئات المخصوصة حيث يقول هذه صلاة صحيحة وهذه صلاة فاسده، والالزم في قوله (ودعي الصلاة ايام أقرائك) ان يكون مجملا = (*)

[ 25 ]

الصنف الثامن في البيان والمبين ويشتمل على مقدمة ومسائل أما المقدمة، ففي تحقيق معنى البيان والمبين واختلاف الناس في العبارات الدالة عليهما، وما هو المختار في ذلك. أما البيان: فاعلم أنه لما كان متعلقا بالتعريف والاعلام بما ليس بمعروف ولا معلوم، وكان ذلك مما يتوقف على الدليل، والدليل مرشد إلى المطلوب، وهو العلم أو الظن الحاصل عن الدليل، ولم يخرج البيان عن التعريف والدليل، والمطلوب الحاصل من الدليل، لعدم معنى رابع يفسر به البيان، فلا جرم اختلف الناس. فقال أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي وغيره، إن البيان هو التعريف وعبر عنه بأنه إخراج الشئ من حيز الاشكال إلى حيز الوضوح والتجلي. وذهب أبو عبد الله البصري وغيره إلى أن البيان هو العلم الحاصل من الدليل. وذهب القاضي أبو بكر والغزالي وأكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة، كالجبائي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وغيرهم، إلى أن البيان هو الدليل، وهو المختار. ويدل على صحة تفسيره بذلك أن من ذكر دليلا لغيره، وأوضحه غاية الايضاح يصح لغة وعرفا أن يقال، تم بيانه، وهو بيان حسن، إشارة إلى الدليل المذكور. وإن لم يحصل منه المعرفة بالمطلوب للسامع، ولا حصل به تعريفه، ولا إخراج المطلوب من حيز الاشكال إلى حيز الوضوح والتجلي. والاصل في الاطلاق الحقيقة، والذي يخص كل واحد من التعريفين الآخرين. أما الاول: فلانه غير جامع، لان ما يدل على الحكم بديا من غير سابقة إجمال بيان، وهو غير داخل في الحد، وشرط الحد أن يكون جامعا مانعا. كيف وفيه تجوز وزيادة. أما التجوز ففي لفظ الحيز، فإنه حقيقة في الجوهر دون غيره. وأما الزيادة فما فيه من الجمع بين الوضوح والتجلي، وأحدهما كاف عن الآخر، والحد مما يجب صيانته عن التجوز والزيادة.


= بين الصلاة في عرف الشرع والدعاء، أو يكون ظاهرا في الدعاء، واللازم باطل، لظهوره في المعنى الشرعي انظر المسألة في مختصر ابن الحاجب وشرحه. (*)

[ 26 ]

وأما التعريف الثاني: فلان حصول العلم عن الدليل يسمى تبينا، والاصل في الاطلاق الحقيقة. فلو كان هو البيان أيضا حقيقة، لزم منه الترادف. والاصل عند تعدد الاسماء، تعدد المسميات، تكثيرا للفائدة، ولان الحاصل عن الدليل قد يكون علما، وقد يكون ظنا. وعند ذلك فتخصيص اسم البيان بالعلم، دون الظن لا معنى له، مع أن اسم البيان يعم الحالتين، وإذا كان النزاع إنما هو في إطلاق أمر لفظي، فأولى ما اتبع، ما كان موافقا للاطلاق اللغوي، وأبعد عن الاضطراب ومخالفة الاصول وإذا عرف أن البيان هو الدليل المذكور فحد البيان ما هو حد الدليل، على ما سبق في تحريره (1) ويعم ذلك كل ما يقال له دليل، كان مفيدا للقطع أو الظن وسواه كان عقليا أو حسيا، أو شرعيا أو عرفيا، أو قولا أو سكوتا، أو فعلا أو ترك فعل إلى غير ذلك. وأما المبين: فقد يطلق، ويراد به ما كان من الخطاب المبتدإ المستغنى بنفسه عن بيان، وقد يراد به ما كان محتاجا إلى البيان، وقد ورد عليه بيانه، وذلك كاللفظ المجمل إذا بين المراد منه، والعام بعد التخصيص، والمطلق بعد التقييد، والفعل إذا اقترن به ما يدل على الوجه الذي قصد منه إلى غير ذلك. وأما المسائل فثمان.


1 - سبق شرح الدليل في المبادئ الكلامية. (*)

[ 27 ]

المسألة الاولى مذهب الاكثرين أن الفعل يكون بيانا، خلافا لطائفة شاذة. ويدل على ذلك النقل والعقل. أما النقل: فما روي عنه (ص)، أنه عرف الصلاة والحج بفعله حيث قال: صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم. وأما العقل: فهو أن الاجماع منعقد على كون القول بيانا، والاتيان بأفعال الصلاة والحج، لكونها مشاهدة، أدل على معرفة تفصيلها من الاخبار عنها بالقول فإنه ليس الخبر كالمعاينة (1) ولهذا كانت مشاهدة زيد في الدار أدل على معرفة كونه فيها من الاخبار عنه بذلك. وإذا كان القول بيانا، مع قصوره في الدلالة عن الفعل المشاهد، فكون الفعل بيانا أولى. فإن قيل: أما النقل فالبيان فيه إنما وقع بالقول لا بالفعل، وهو قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم وأما المعقول فهو أن الفعل، وإن كان مشاهدا، غير أن زمان البيان به مما يطول، ويلزم من ذلك تأخير البيان مع إمكانه بما هو أفضى إليه، وهو القول، وذلك ممتنع. قلنا: أما القول بأن البيان إنما حصل بالقول ليس كذلك فإنه لم يتضمن تعريف شئ من أفعال الصلاة والحج، بل غايته تعريف أن الفعل هو البيان لذلك. وأما القول بأن البيان بالفعل مما يفضي إلى تأخير البيان مع إمكان تقدمه بالقول فهو غير مسلم، بل التعريف بالقول، وذكر كل فعل بصفته وهيئته وما يتعلق به أبعد عن التشبث بالذهن من الفعل المشاهد، وربما احتيج في ذلك إلى تكرير في أزمنة تزيد على زمان وقوع الفعل بأزمنة كثيرة، على ما يشهد به العرف والعادة. وإن سلمنا أن زمان التعريف بالفعل يكون أطول، فليس في ذلك ما يدل على كونه غير صالح للبيان والتعريف والخلاف إنما هو في ذلك، وقد بينا أنه مع صلاحيته للتعريف أدل من القول.


1 - جزء من حديث انظر طرقه ومن خرجه والكلام على متنه واسانيده في كشف الخفاء (*)

[ 28 ]

قولهم إنه يفضي إلى تأخير البيان، مع إمكان تقديمه بالقول. قلنا: لا يخلو إما أن لا تكون الحاجة قد دعت إلى البيان في الحال، أودعت إليه: فإن كان الاول، فلا محذور في التأخير مع حصول البيان بما هو أدل من القول وإن كان الثاني، فلا نسلم امتناع التأخير على قولنا بجواز التكليف بما لا يطاق على ما قررناه. وبتقدير امتناعه، فإنما نسلم ذلك فيما إذا كان التأخير لا لفائدة وأما إذا كان لفائدة، فلا. وقد بينا الفائدة في البيان بالفعل من جهة كونه أدل على المقصود. المسألة الثانية إذا ورد بعد اللفظ المجمل قول وفعل، وكل واحد منهما صالح للبيان، فالبيان بماذا منهما ؟ والحق في ذلك أنه لا يخلو إما أن يتوافقا في البيان أو يختلفا: فإن توافقا فإن علم تقدم أحدهما فهو البيان لحصول المقصود به، والثاني يكون تأكيدا، إلا إذا كان دون الاول في الدلالة، لاستحالة تأكيد الشئ بما هو دونه في الدلالة. وإن جهل ذلك، فلا يخلو إما أن يكونا متساويين في الدلالة، أو أحدهما أرجح من الآخر على حسب اختلاف الوقائع والاقوال والافعال: فإن كان الاول فأحدهما هو البيان، والآخر مؤكد من غير تعيين وإن كان الثاني، فالاشبه أن المرجوح هو المتقدم لانا فرضنا تأخر المرجوح امتنع أن يكون مؤكدا للراجح، إذ الشئ لا يؤكد بما هو دونه في الدلالة، والبيان حاصل دونه، فكان الاتيان به غير مفيد، ومنصب الشارع منزه عن الاتيان بما لا يفيد ولا كذلك فيما إذا جعلنا المرجوح مقدما، فإن الاتيان بالراجح بعده يكون مفيدا للتأكيد، ولا يكون معطلا. وأما إن لم يتوافقا في البيان، كما روي عنه (ص)، أنه بعد آية الحج قال: من قرن حجا إلى عمرة فليطف طوافا واحدا، ويسعى سعيا واحدا (1)


1 - الحديث في مسند أحمد من طريق، بن عمر بلفظ (من قرن بين حجة وعمرته أجزاه لهما طواف واحد) ورمز له السيوطي في الجامع الصغير براموز الحسن. (*)

[ 29 ]

وروى عنه (ص) أنه قرن فطاف طوافين، وسعى سعيين (1) فلا يخلو إما أن يعرف تقدم أحدهما، أو يجهل. فإن علم التقدم قال أبو الحسين البصري: المتقدم هو البيان. فإن تقدم الفعل كان الطواف الثاني واجبا. وإن تقدم القول كان الطواف الثاني غير واجب، وليس بحق، بل الحق أن يقال: إن كان القول متقدما، فالطواف الثاني غير واجب، وفعل النبي (ص) له يجب أن يحمل على كونه مندوبا، وإلا فلو كان فعله له، دليل الوجوب، كان ناسخا لما دل عليه القول. ولا يخفى أن الجمع أولى من التعطيل، وفعله للطواف الاول يكون تأكيدا للقول، وإن كان الفعل متقدما، فهو، وإن دل على وجوب الطواف الثاني: إلا أن القول بعده يدل على عدم وجوبه، والقول بإهمال دلالة القول ممتنع، فلم يبق إلا أن يكون ناسخا لوجوب الطواف الثاني الذي دل عليه الفعل أو أن يحمل فعله على بيان وجوب الطواف الثاني في حقه دون أمته، وأن يحمل قوله على بيان وجوب الاول دون الثاني في حق أمته دونه، والاشبه إنما هو الاحتمال الثاني دون الاول، لما فيه من الجمع بين البيانين من غير نسخ ولا تعطيل (2). وأما إن جهل المتقدم منهما، فالاولى إنما هو تقدير تقدم القول وجعله بيانا لوجهين


1 - ذكر ابن حجر في كتاب الدراية في تخريج احاديث الهداية ان عليا جمع بين الحج والعمرة فطاف طوافين وسعى سعيين وحدث ان النبي (ص) فعل ذلك رواه النسائي في مسند على ورواته موثوقون، واخرجه محمد بن الحسن من قول على موقوفا بلفظ الامر وفي اسناده راو مجهول. 2 - قد يقال الاشبه انما هو الاحتمال الاول لما سيحئ له بعد قليق من أن التشريك بين النبي (ص) وأمته في التشريع هو الغالب فلا يعدل عنه إلى التفريق بينهما في الحكم الا لدليل، ولا دليل، ودعوى أن الاول يلزمه اما اهمال دلال القول وهو ممتنع، واما نسخ الفعل بالقول غير صحيحة إذ يمكن ان يقال ان القول بعد الفعل المعارض له بين حمل الفعل على الندب من اول الامر فلا نسخ للفعل ولا تعطيل للقول. (*)

[ 30 ]

الاول: أنه مستقل بنفسه في الدلالة بخلاف الفعل، فإنه لا يتم كونه بيانا دون اقتران العلم الضروري بقصد النبي (ص)، البيان به، أو قول منه يدل على ذلك وذلك مما لا ضرورة تدعو إليه (1). الثاني: أنا إذا قدرنا تقدم القول أمكن حمل الفعل بعده على ندبية الطواف الثاني كما تقدم تعريفه. ولو قدرنا تقدم الفعل يلزم منه إما إهمال دلالة القول، أو كونه ناسخا لحكم الفعل، أو أن يكون الفعل بيانا لوجوب الطواف الثاني في حق النبي (ص) دون أمته، والقول دليل عدم وجوبه في حق أمته دونه، والاهمال والنسخ على خلاف الاصل، والافتراق بين النبي (ص) والامة في وجوب الطواف الثاني مرجوح بالنظر إلى ما ذكرناه من التشريك، لكون التشريك هو الغالب دون الافتراق (2).


1 - الاصل في فعله (ص) التشريع لنفسه ولامته حتى يصرفه عن ذلك دليل فهو دليل مستقل بنفسه كالقول. 2 - تقدم أنه يمكن بحمل الفعل السابق على الندب والقول المعارض له على نفي الوجوب فلا اهمال للقول ولا نسخ للفعل ولا افتراق بينه وبين الامة. (*)

[ 31 ]

المسألة الثالثة هل يجب أن يكون البيان مساويا للمبين في القوة، أو يجوز أن يكون أدنى منه. قال الكرخي: لا بد من المساواة، وقال أبو الحسين البصري: يجوز أن يكون أدنى منه. وهل يجب أن يكون مساويا للمبين في الحكم ؟ فمنهم من قال به، ومنهم من نفاه. والمختار في ذلك أن يقال: أما المساواة في القوة، فالواجب أن يقال: إن كان المبين مجملا، كفى في تعيين أحده احتماليه أدنى ما يفيد الترجيح، وإن كان عاما أو مطلقا، فلا بد وأن يكون المخصص والمقيد في دلالته أقوى من دلالة العام على صورة التخصيص، ودلالة المطلق على صورة التقييد، وإلا فلو كان مساويا لزم الوقف (1) ولو كان مرجوحا لزم منه إلغاء الراجح بالمرجوح، وهو ممتنع. وأما المساواة بينهما في الحكم فغير واجب، وذلك لانه لو كان ما دل عليه البيان من الحكم هو ما دل عليه المبين، لم يكن أحدهما بيانا للآخر. وإنما يكون أحد الامرين بيانا للآخر إذا كان دالا على صفة مدلول الآخر، لا على مدلوله ومع ذلك، فلا اتحاد في الحكم. فإن قيل: المراد من الاتحاد في الحكم أنه إن كان حكم المبين واجبا، كان بيانه واجبا، وإن لم يكن واجبا، لم يكن البيان واجبا. قلنا: لا يخلو إما أن لا تكون الحاجة داعية إلى البيان في الحال، أو هي داعية فإن كان الاول فالبيان غير واجب، على ما سيأتي، وسواء كان حكم المبين واجبا أو لم يكن. وإن كان الثاني، فعلى قولنا بجواز التكليف بما لا يطاق على ما تقرر (2) فالبيان أيضا لا يكون واجبا، وإن كان الحكم المبين واجبا.


1 - ان تخصيص العام وتقييد حال المساواة في قوة لدلالة اولى، لما في ذلك من اعمال الدليلين، بخلاف القول بالوقف فانه تعطيل للدليلين، وبخلاف القول بالغاء البيان فان فيه العمل باحد الدليلين دون الآخر. 2 - أنظر المسألة الاولى من مسائل الاصل الثالث في المحكوم فيه - ج 1. (*)

[ 32 ]

وأما إذا قلنا بامتناع التكليف بما لا يطاق، فالحق ما قالوه، وذلك لانه إذا كان المبين واجبا، فلو لم يكن البيان واجبا، لجاز تركه، ويلزم من ذلك التكليف بما لا يطاق، وهو خلاف الفرض. وإذا كان المبين غير واجب، فالقول بعدم إيجاب البيان لا يفضي إلى التكليف بما لا يطاق، إذ لا تكليف فيما ليس بواجب، لان ما لا يكون واجب الفعل، ولا واجب الترك، فهو إما مندوب، أو مباح، أو مكروه. وكل واحد من هذه الاقسام الثلاثة لا تكليف فيه على ما تقدم (1) ولا يلزم من القول بالوجوب حذرا من تكليف ما لا يطاق الوجوب مع عدم التكليف أصلا، اللهم إلا أن ينظر إلى التكليف بوجوب اعتقاده، على ما هو عليه من إباحة أو ندب أو كراهة، فيكون من القسم الاول. المسألة الرابعة في جواز تأخير البيان: أما عن وقت الحاجة، فقد اتفق الكل على امتناعه سوى القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق، ومدار الكلام من الجانبين فقد عرف فيما تقدم. وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، ففيه مذاهب: فذهب أكثر أصحابنا وجماعة من أصحاب أبي حنيفة إلى جوازه، وذهب بعض أصحابنا، كأبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي، وبعض أصحاب أبي حنيفة والظاهرية، إلى امتناعه، وذهب الكرخي وجماعة من الفقهاء إلى جواز تأخير بيان المجمل دون غيره، وذهب بعضهم إلى جواز تأخير بيان الامر دون الخبر (2) وذهب الجبائي وابنه والقاضي عبد الجبار إلى جواز تأخير بيان النسخ دون غيره وذهب أبو الحسين البصري إلى جواز تأخير بيان ما ليس له ظاهر كالمجمل، وأما ماله ظاهر وقد استعمل في غير ظاهره، كالعام والمطلق والمنسوخ ونحوه، فقال يجوز تأخير بيانه التفصيلي، ولا يجوز تأخير بيانه الاجمالي، وهو أن يقول وقت الخطاب: هذا العموم مخصوص، وهذا المطلق مقيد، وهذا الحكم سينسخ.


1 - تقدم في مسائل المندوب والمكروه والمباح آخر الكلام على اقسام الحكم الشرعي - ج 1. 2 - وذهب بعضهم أيضا إلى جواز تأخير بيان الخبر دون الامر والنهي كالامر في الرأيين. (*)

[ 33 ]

(1) وإذا عرف تفصيل المذاهب فقد احتج أصحابنا القائلون بجواز التأخير مطلقا بحجج نقلية، وعقلية. إما النقلية: فالحجة الاولى منها قوله تعالى: * (إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه) * (75) القيامة: 17 - 19) ووجه الاحتجاج به أنه قال * (فإذا قرأناه) * معناه أنزلناه، ويدل على ذلك قوله تعالى: * (فاتبع قرآنه) * أمر النبي (ص)، بالاتباع بفاء التعقيب، لقوله: * (فإذا قرأناه) * ولا يتصور ذلك قبل الانزال لعدم معرفته به وإنما يكون بعد الانزال. وإذا كان المراد بقوله * (قرأناه) * الانزال، فقوله: * (ثم إن علينا بيانه) * يدل على تأخير البيان عن وقت الانزال، لان * (ثم) * للمهلة والتراخي على ما سبق تقريره (2). ولقائل أن يقول: وإن كان المراد من قوله تعالى: * (فإذا قرأناه) * الانزال، ولكن لا نسلم أن المراد من قوله * (ثم إن علينا بيانه) * بيان مجمله وخصوصه وتقييده ومنسوخه، بل المراد منه إظهاره وإشهاره، وهو على وفق الظاهر، لان البيان هو الاظهار في اللغة، ومنه يقال: بان لنا الكوكب الفلاني، وبان لنا سور المدينة إذا ظهر، ويقال: بين فلان الامر الفلاني إذا أظهره وعند ذلك، فليس حمله على ما ذكر من بيان المراد من المجمل والعام والمطلق أولى مما ذكرناه (3). كيف وإن الترجيح لهذا المعنى من جهة أن المراد من قوله تعالى: * (إن علينا جمعه وقرآنه) * (75) القيامة: 17) إنما هو جميع القرآن فإنه ليس اختصاص بعضه بذلك أولى من بعض


1 - هذا الكلام مجرد فرض وخيال ليس له واقع في التشريع. 2 - فسرت القراءة في الآية بالانزال وبتلاوة جبريل على الرسول (ص) وفسر الاتباع فيها بالاستماع للتلاوة، وبالاتباع عقيدة وعملا، وهذا مناختلاف التنوع فالقرآن منزل مقروء على النبي (ص) وهو مأمور بالاستماع له، واعتقاده، والعمل به، فلا يضر هذا الاختلاف في الاستدلال بالآية على المظلوم. 3 - قيل معنى بيان القرآن اظهاره واشهاره، وقيل اظهاره على لسان النبي (ص) تلاوة بعد جمعه في صدره وتثبيته في قلبه، وعليها لا يتم للمستدل الاحتجاج بالآية = (*)

[ 34 ]

وأيضا فإنه أمر النبي (ص)، بالاتباع بقوله: * (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) * (75) القيامة: 18) والامر بذلك غير خاص ببعض القرآن دون البعض إجماعا، ولانه لا أولوية للبعض دون البعض ولانه لو حمل ذلك على البعض دون البعض، مع كونه غير معين في اللفظ، كان مجملا وتكليفا له بما ليس بمعلوم له، وهو خلاف الاصل. وإذا ثبت أن المراد من قوله من أول الآية إنما هو جميع القرآن فالظاهر أن يكون الضمير في قوله تعالى: * (ثم إن علينا بيانه) * (75) القيامة: 19) عائد إلى جميع المذكور السابق، وهو جملة القرآن، لا إلى بعضه، لعدم الاولوية. وإنما يمكن ذلك بحمل البيان على ما ذكرناه، لا على ما ذكروه لاستحالة افتقار كل القرآن إلى البيان بالمعنى الذي ذكروه، فإنه ليس كل القرآن مجملا ولا ظاهرا في معنى وقد استعمل في غيره، فكان ما ذكرناه أولى. وهذا إشكال مشكل، وفي تحريره وتقريره على هذا الوجه يتبين للناظر المتبحر فيه إبطال كل ما يخبط به بعض المخبطين (1). وإن سلمنا أن المراد به إنما هو بيان المراد من الظاهر الذي استعمل في غير ما هو الظاهر منه، لكن ما المانع أن يكون المراد به البيان التفصيلي، كما قاله أبو الحسين البصري ؟


= على مطلوبه، وقيل معنى بيانه ايضاح مجمله وتحديد المراد ن عامه ومطلقه والدلالة على منسوخه وعليه يتم الاستدلال بالآية على المطلوب، والذي يظهر لى أن البيان عام لانه اسم جنس مضاف فيشمل كل ما ذكر، فالله تكفل لرسوله (ص) بحفظ القرآن ونشره واشهاره وتيسير تلاوته، وتكفل بايضاح متشابه بمحكمه والدلالة على المراد بعامه ومطلقه وبذلك يتم الاستدلال بالآية على المطلوب. 1 - استحالة افتقار كل القرآن إلى بيان بالمعنى الذي ذكره المستدل ضرورة انه منه المجمل وغير المجمل قرينة على ارادة البيان لما يحتاج إلى البيان، كما ان استحالة ابلاغ القرآن واحكام الشريعة لكل فرد من بني آدم ضرورة ان فيهم من ليس اهلا للتكليف قرينة على ارادة البيان بالمعنى الذي ذكره المعترض لمن هو اهل للتكليف دون غيره. فعموم البيان لجميع القرآن محمول على الخصوص على التفسيرين فلا اولوية لتفسير المعترض ولا المستدل، والاختلاف بينهما اختلاف تنوع فيجب حمل الآية على الجميع كما تقدم وعليه فلا اشكال. (*)

[ 35 ]

فإن قيل: لا يمكن ذلك، لان لفظ البيان مطلق (1) فحمله على البيان التفصيلي يكون تقييدا له، وتقييد المطلق من غير دليل ممتنع. قلنا: وإذا كان مطلقا، فالمطلق لا يمكن حمله على جميع صوره، وإلا كان عاما لا مطلقا، بل غايته أنه إذا عمل به في صورة، فقد وفى بالعمل بدلالته. وعند ذلك، فلا يخفى أن تنزيل البيان في الآية على الاجمالي دون التفصيلي يكون تقييدا للمطلق، وهو ممتنع من غير دليل. وإن لم يقل بتنزيله عليه، فلا حجة فيه. وإن سلمنا أن المراد به البيان الاجمالي والتفصيلي، غير أنه قد تعذر العمل بظاهر (ثم) من حيث إنها تدل على وجوب تأخير بيان كل القرآن ضرورة عود الضمير إلى الكل (2) على ما سبق. وذلك خلاف الاجماع. وإذا تعذر العمل بظاهرها وجب العمل بها في مجازها، وهو حملها على معنى (الواو) كما في قوله تعالى: * (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون) * (10) يونس: 46) فإن * (ثم) * ها هنا بمعنى (الواو) ولاستحالة كون الرب شاهدا، بعد أن لم يكن شاهدا. الحجة الثانية: قوله تعالى: * (آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت) * (11) هود: 1) و (ثم) للتأخير ولقائل أن يقول: لا نسلم أن المراد من التفصيل بيان المراد من المجمل والظاهر والمستعمل في غير ما هو ظاهر فيه، بل المراد من قوله: أحكمت أي في اللوح المحفوظ وفصلت في الانزال. الحجة الثالثة: قوله تعالى: * (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) * (20) طه: 114) وأراد به بيانه للناس.


1 - تقدم لفظ البيان في الآية عام لا مطلق، لانه اسم حنس مضاف، وعليه فلا يصح ما ذكره الآمدي في الجواب لبنائه على لفظ البيان في الآية مطلق. 2 - القرآن نزل منجما وكلما نزل منه نجم بينه الله بعد نزوله انجاز الوعده وهذا ما دلت عليه ثم من الترتيب. ولم تدل على وجوب تأخير بيان كل القرآن حتى يتم نزوله، وبذلك يتعذر حملها على ظاهرها كما قال الآمدي. (*)

[ 36 ]

ولقائل أن يقول: ظاهر ذلك للمنع من تعجيل نفس القرآن، لا بيان ما هو المراد منه، لما فيه من الاضمار المخالف للاصل، وإنما منعه من تعجيل القرآن أي من تعجيل أدائه عقيب سماعه، حتى لا يختلط عليه السماع بالاداء، وإلا فلو أراد به البيان، لما منعه عنه بالنهي للاتفاق على أن تعجيل البيان بعد الاداء غير منهي عنه. الحجة الرابعة: أنه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة معينة غير منكرة بقوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) * (2) البقرة: 67) ولم يعينها إلا بعد سؤالهم. ودليل كون المأمور به معينا أمران: الاول أنهم سألوا تعيينها بقولهم له: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي (2) البقرة: 68) * (وما لونها) * (2) البقرة: 69) ولو كانت منكرة، لما احتيج إلى ذلك للخروج عن العهدة بأي بقرة كانت الثاني أن قوله تعالى: * (إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر) * (2) البقرة: 68)، و * (إنها بقرة صفراء) * (2) البقرة: 69)، و * (إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث) * (2) البقرة: 71) والضمير في هذه جميع الكنايات (1) يجب صرفه إلى ما أمروا به أولا. وبيانه من وجهين: الاول أنه لو لم يكن كذلك، لكان تكليفا بأمور مجددة غير ما أمروا به أولا، ولو كان كذلك لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا دون ما ذكر أولا، وهو خلاف الاجماع على أن المأمور به كان متصفا بجميع الصفات المذكورة. الثاني أنه لو لم يكن كذلك للزم منه أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال، وهو خلاف الاصل. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن البقرة المأمور بها كانت معينة في نفس الامر، بل منكرة مطلقا، فلا تكون محتاجة إلى البيان لامكان الخروج عن العهدة بذبح أي بقرة اتفقت، ولا يكون ذلك من صور النزاع. قولهم إنهم سألوا عن تعيينها، ولو أمروا بمنكر، لما سألوا عن تعيينه.


1 - في هذه جميع - فيه تحريف والصواب في جميع هذه. (*)

[ 37 ]

قلنا: ظاهر الامر يدل على التنكير، حيث قال: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) * (2) البقرة: 67). والقول بالتعيين مخالف للتنكير المفهوم من اللفظ، وليس الحمل على التعيين ضرورة تصحيح سؤالهم ومخالفة ظاهر النص أولى من العكس، بل موافقة ظاهر لنص أولى. قولكم في الوجه الثاني إن الضمير في جميع الكنايات عائد إلى المأمور به أولا، لا نسلم ذلك. قولهم لو لم يكن كذلك، لكان ذلك تكليفا بأمور مجددة مسلم، وما المانع منه ؟ قولكم: لو كان كذلك، لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا دون ما ذكر أولا، لا نسلم ذلك. وما المانع أن يكون قد أوجب عليهم بعد السؤال الاول ذبح بقرة متصفة بالصفات المذكورة أولا، ثم أوجب بعد ذلك اعتبار الصفات المذكورة ثانيا، ولا منافاة بين الحالتين. قولكم: لو كان كذلك، لما كان الجواب مطابقا للسؤال، وهو خلاف الاصل فهو معارض بما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أنه قال: لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لاجزأتهم، لكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم (1). وهذا يدل على أن ذلك كان ابتداء إيجاب لا بيانا، لان البيان ليس بتشديد بل تعيين ما هو الواجب. ولا يخفى أن موافقة ظاهر النص الدال على تنكير البقرة وظاهر قول ابن عباس أولى من موافقة ما ذكروه من لزوم مطابقة الجواب للسؤال، لما فيه من موافقة الاصلين، ومخالفة أصل واحد، وما ذكروه بالعكس. ثم وإن سلمنا أن المأمور به كان بقرة معينة في نفس الامر، غير أنهم سألوا البيان الاجمالي أو التفصيلي ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. ولا يلزم من جواز تأخير البيان التفصيلي، تأخير البيان الاجمالي، كما هو مذهب أبي الحسين البصري. وليس تقييد سؤالهم بطلب البيان مع إطلاقه، بالاجمالي، أولى من التفصيلي، ولا محيص عنه. وربما أورد على هذا الاحتجاج ما لا اتجاه له، كقولهم: ما المانع أن يكون البيان مقارنا للمبين غير أنهم لم يتبينوا أن الامر بالذبح كان ناجزا، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.


1 - انظر تعليق ابن جرير في تفسيره على الاثر وما روى بمعناه. (*)

[ 38 ]

أما أولا فلانه لو كان البيان حاصلا، لفهموه ظاهرا، ولما سألوا عنه وأما ثانيا فلان الامر بالذبح كان مطلقا، والامر المطلق على التراخي عند صاحب هذه الحجة على ما سبق تقريره. ولو كان على الفور فتأخير بيانه عنه أيضا غير ممتنع على أصله، لكونه قائلا بجواز التكليف بما لا يطاق، كما سبق تحقيقه. الحجة الخامسة: أنه لما نزل قوله تعالى: * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم، أنتم لها واردون) * (21) الانبياء: 98) قال عبد الله بن الزبعرى فقد عبد ت الملائكة والمسيح أفتراهم يعذبون والنبي (ص)، لم ينكر عليه، بل سكت إلى حين ما نزل عليه بيان ذلك بعد حين، وهو قوله: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) * (الانبياء: 101) (1) وذلك يدل على جواز التأخير. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الآية لم تكن بينة حتى أنها تحتاج إلى بيان، فإن الملائكة والمسيح إنما يمكن القول بدخولهم في عموم الآية، إذ لو كانت (ما) تتناول من يعلم ويعقل، وهو غير مسلم، وإذا لم تكن متناولة لهم، فلا حاجة إلى إخراج ما لا دخول له في الآية عنها. فإن قيل: دليل تناول (ما) لمن يعلم ويعقل النص والاطلاق والمعنى. أما النص فقوله تعالى: * (وما خلق الذكر والانثى) * (92) الليل: 3)، وقوله تعالى: * (والسماء وما بناها) * (91) الشمس: 5) وقوله تعالى: * (ولا أنتم عابدون ما أعبد) * (109) الكافرون: 3) وأما الاطلاق فمن وجهين: الاول أن (ما) قد تطلق بمعنى (الذي) باتفاق أهل اللغة، و (الذي) يصح إطلاقها على من يعقل بدليل قولهم: الذي جاء زيد فما كذلك. الثاني أنه يصح أن يقال: ما في داري من العبيد أحرار. وأما المعنى فمن وجهين: الاول هو أن ابن الزبعرى كان من فصحاء العرب، وقد فهم تناول (ما) لمن يعقل، والنبي (ص)، لم ينكر عليه ذلك.

[ 39 ]

الثاني أن (ما) لو كانت مختصة بمن لا يعلم، لما احتيج إلى قوله من دون الله وحيث كانت بعمومها متناولة لله تعالى احتاج إلى التقييد بقوله: من دون الله. قلنا: أما ما ذكروه من النصوص والاطلاقات فغايتها جواز إطلاق (ما) على من يعقل ويعلم، ولا يلزم من ذلك أن تكون ظاهرة فيه، بل هي ظاهرة فيمن لا يعقل. ودليل ذلك قول النبي (ص)، لابن الزبعرى لما ذكر ما ذكر (1) رادا عليه بقوله: ما أجهلك بلغة قومك، أما علمت أن (ما) لما لا يعقل و (من) لمن يعقل. ولا يخفى أن الجمع بين الامرين والتوفيق بين الادلة أولى من تعطيل قول النبي (ص) والعمل بما ذكروه. وإذا كانت * (ما) * ظاهرة في من لا يعقل دون من يعقل، وجب تنزيلها على ما هي ظاهرة فيه. وما ذكروه من الوجه الاول في المعنى فهو باطل بما ذكرناه من إنكار النبي (ص) ولا يخفى أن اتباع قول النبي أولى من اتباع ما ظنه ابن الزبعرى. وما ذكروه في الوجه الثاني من عدم الاحتياج إلى قوله * (من دون الله) * (2) البقرة: 23) إنما يصح أن لو لم يكن فيه فائدة، وفائدته التأكيد، وحمل الكلام على فائدة التأسيس، وإن كان هو الاصل، غير أنه يلزم من حمله على فائدة التأسيس مخالفة ظاهر قول النبي (ص) والجمع أولى من التعطيل. وإن سلمنا أن * (ما) * حقيقة في من يعقل، غير أنا لا نسلم أن بيان التخصيص لم يكن مقارنا للآية. وبيان المقارنة أن دليل العقل صالح للتخصيص على ما سبق. والعقل قد دل على امتناع تعذيب أحد بجرم صادر من غيره، اللهم إلا أن يكون راضيا بجرم ذلك الغير، واحد من العقلاء لم يخطر بباله رضا الملائكة والمسيح بعبادة من عبد هم و * (ما) * مثل هذا الدليل العقلي، فلا نسلم عدم مقارنته للآية. وأما نزول قوله تعالى: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) * (21) الانبياء: 101) الآية، فإنما ورد تأكيدا بضم الدليل الشرعي، إلى الدليل العقلي، مع الاستغناء عن أصله، أما أن يكون هو المستقل بالبيان، فلا. الحجة السادسة: قول الملائكة لابراهيم * (إنا مهلكو أهل هذه القرية، إن أهلها كانوا ظالمين) * (29) العنكبوت: 31) ولم يبينوا إخراج لوط ومن معه من المؤمنين عن الهلاك بقولهم * (نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله) * (29) العنكبوت: 32) إلا بعد سؤال إبراهيم وقوله: * (إن فيها لوطا) * (29) العنكبوت: 32)


1 - انظر التعليق ص 201 ج 2. (*)

[ 40 ]

ولقائل أن يقول: لا نسلم تأخر البيان عن هذه الآية، بل هو مقترن بها. ودليله قول الملائكة في تعليل الهلاك، إن أهلها كانوا ظالمين، وذلك لا يدخل فيها إلا من كان ظالما كيف وإنه لم يتخلل بين قول الملائكة غير سؤال إبراهيم، وهو قوله: * (إن فيها لوطا) * (29) العنكبوت: 32) وما مثل هذا لا يعد تأخيرا للبيان، فإن مثل ذلك قد يجري إما بسبب انقطاع نفسه أو سعال فيما بين البيان والمبين، ولا يعد ذلك من المبين تأخيرا. ومبادرة إبراهيم إلى السؤال، ومنعهم (1) من اقتران البيان بالمبين نازل منزلة انقطاع النفس والسعال، حتى أنه لو لم يبادر بالسؤال، لبادروا بالبيان. الحجة السابعة: أن النبي (ص)، أنفذ معاذا إلى اليمن ليعلمهم الزكاة وغيرها فسألوه عن الوقص، فقال: ما سمعت فيه شيئا من رسول الله (ص)، حتى أرجع إليه فاسأله (2) وذلك دليل على أن بيانه لم يتقدم. ولقائل أن يقول كون معاذ لم يسمع البيان ولم يعرفه لا يدل على عدم مقارنة البيان للمبين، كيف ويمكن أن يقال الاصل عدم وجوب الزكاة في الاوقاص وغيرها. غير أن الشارع أوجب فيما أوجب، وبقي الباقي على حكم العقل، وذلك صالح للبيان والتخصيص. هذا ما يتعلق بالمنقول، وأما الحجج العقلية. فأولها: أنه لو كان تأخير البيان ممتنعا، فإما أن يكون امتناعه لذاته، أو لغيره، وذلك إما أن يعرف بضرورة العقل أو نظره، وكل واحد من الامرين منتف، فلا امتناع. ولقائل أن يقول: ولو كان جائزا، فإما أن يعرف بضرورة العقل أو نظره وكل واحد من الامرين منتف، فلا جواز، وليس أحد الامرين أولى من الآخر وكل ما هو جواب له ها هنا فهو جوابه فيما ذكر. الحجة الثانية: أنه لو امتنع تأخير البيان، لامتنع تأخيره في الزمن القصير وامتنع عطف الجمل المتعددة إذا كان بيان الاولى متأخرا عن الجمل المعطوف عليها، ولما جاز البيان بالكلام الطويل، واللازم ممتنع.


1 - ومنعهم من اضافة المصدر للمفعول والمعنى ومنع ابراهيم اياهم. 2 - حديث معاذ روى مني رق لم تخل من مقال فارجع إلى تخليص احبير لتعرف طرق الحديث وما كل منها من المقال. (*)

[ 41 ]

ولقائل أن يقول: إنما يجوز تأخير البيان في الزمان القصير إذا كان مع قصره لا يعد المتكلم معرضا عن كلامه الاول، فإن كلامه الثاني مع الاول معدود كالجملة الواحدة، وذلك لا يعد تأخيرا للبيان. وهذا بخلاف ما إذا تطاول الزمان تطاولا يعد به المتكلم بالكلام الاول معرضا عن كلامه، ولهذا فإنه يجوز لغة وعرفا أن يتكلم الانسان بكلام يقصر فهم السامع عنه، ويبينه بعد الزمان القصير من غير استهجان بخلاف ما إذا بينه بعد الزمان المتطاول، فلا يلزم من التأخير ثم، التأخير ها هنا وأما الجمل المعطوفة فنازلة منزلة الجملة الواحدة، فالبيان المتعقب للجمل المعطوفة ينزله منزلة تعقبه للجملة الواحدة. وأما البيان بالكلام الطويل فإنما يجوزه الخصم إذا لم يكن (1) حصول البيان إلا به، أو كانت المصلحة فيه أتم من الكلام القصير، وإلا فلا. الحجة الثالثة: أنه لو قبح تأخير البيان، لكان ذلك لعدم تبين المكلف، وذلك يقتضي قبح الخطاب إذا بين له، ولم يتبين، فإنه لا فرق في ذلك بين ما امتنع بأمر يرجع إلى نفسه أو إلى غيره. ولهذا يسقط تكليف الانسان إذا مات، سواء قتل هو نفسه، أو قتله غيره واللازم ممتنع. ولقائل أن يقول نسلم أن قبح تأخير البيان لما فيه من فقد التبين المنسوب إلى المخاطب، ولا يلزم من ذلك قبحه عند عدم تبين المكلف إذا بين له، لكونه منسوبا إلى تقصير المكلف، لا إلى المخاطب، وسقوط التكليف عن الميت إنما كان لعدم تمكنه المشروط في التكليف، وذلك لا يفترق بأن يكون قد فات بفعله أو بفعل غيره. والمختار في ذلك: أما من جهة النقل فقوله تعالى: * (واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) * (8) الانفال: 41) إلى قوله: * (ولذي القربى) * (8) الانفال: 41) ثم بين بعد ذلك أن السلب للقاتل وأن المراد بذوي القربى بنو هاشم وبنو المطلب دون بني أمية وبني نوفل، بمنعه لهم من ذلك حتى أنه لما سئل عن ذلك قال: إنا وبنو هاشم والمطلب لم نفترق في


لم يكن - لعلة لم يكن. (*)

[ 42 ]

جاهلية ولا إسلام، ولم نزل هكذا، وشبك بين أصابعه (1). فإن قيل: المتأخر إنما هو البيان المفصل، ونحن لا نمنع من ذلك، وإنما نمنع من تأخير البيان المجمل (2)، ولا دلالة لما ذكرتموه على تأخيره. قلنا: إذا سلم عدم اقتران البيان التفصيلي بهذه الآية، فهو حجة على من نازع فيه، وهي حجة على من نازع في تأخير البيان الاجمالي، حيث إنها ظاهرة في العموم لكل ذوي القربى ولم ينقل أحد من أهل النقل وأرباب الاخبار ما يشير إلى البيان الاجمالي أيضا، مع أن الاصل عدمه، ولو كان، لما أهمل نقله غالبا وأيضا ما روي أن جبريل، عليه السلام، قال للنبي (ص): أقرأ - قال: وما أقرأ ؟ كرر عليه ذلك ثلاث مرات ثم قال له: * (اقرأ باسم ربك الذي خلق) * (96) العلق: 1) (3) أخر بيان ما أمره به أولا من إجماله إلى ما بعد ثلاث مرات من أمر جبريل، وسؤال النبي، مع إمكان بيانه أولا. وذلك دليل جواز التأخير. فإن قيل: أمره له بالقراءة مطلق، وذلك إما أن يكون مقتضاه الوجوب على الفور، أو التراخي: فإن كان الاول، فقد أخر البيان عن وقت الحاجة، وإن كان الثاني، فلا شك في إفادته جواز الفعل في الزمن الثاني من وقت الامر، وتأخير البيان عنه تأخير له عن وقت الحاجة، وذلك ممتنع بالاجماع. فترك الظاهر لازم لنا ولكم، والخلاف إنما وقع في تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وليس فيما ذكرتموه دلالة عليه. قلنا: أما أن الامر ليس مقتضاه الوجوب على الفور، فقد تقدم، وإذا كان على التراخي، فلا نسلم لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة. قولكم إنه يفيد جواز الفعل في الزمان الثاني من وقت الامر.


1 - هذا جزء من حديث رواه أحمد والبخاري وابو داود والنسائي من طريق جبير بن مطعم مطولا بالفاظ مختلفة فاقتصر الآمدي منه على موضع الشاهد وتصرف في العباره فأرجع إليه في دواوين السنة المذكورة. 2 - انظر التعليق 1 - ص 33 - (3). 3 - الحديث معروف وقد رواه البخاري في باب بدء الوحي عن عائشة مطولا فاقتصر المؤلف منه على موضع الشاهد في العلبارة. (*)

[ 43 ]

قلنا: متى، إذا كان الفعل المأمور به مبينا، أو إذا لم يكن مبينا ؟ الاول مسلم والثاني ممنوع. وإن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم أن الحاجة داعية إلى معرفته مع قطع النظر عن وجوبه وعدم المؤاخذة بتركه، بدليل ما قبل الامر. وأيضا فإنه لما نزل قوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * مع أنه لم يرد بها مطلق الدعاء إجماعا لم يتقرن بها البيان، بل أخر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها إلى أن بين ذلك جبريل للنبي (ص)، بعد ذلك، وبين النبي (ص)، ذلك لغيره بعد بيان جبريل له. وكذلك نزل قوله تعالى * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) مطلقا، ثم بين النبي (ص)، بعد ذلك مقدار الواجب وصفته في النقود والمواشي وغيرها من أموال الزكاة شيئا فشيئا. وكذلك نزل قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) ثم بين بعد ذلك ما يجب القطع بسرقته في مقداره وصفته على التدريج. وكذلك نزل قوله تعالى: * (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) * (9) التوبة: 41) ثم نزل تخصيصه بقوله تعالى: * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) * (9) التوبة: 91) إلى غير ذلك من الاوامر العامة التي لم تبين تفاصيلها إلا بعد مدد. فإن قيل: المؤخر في جميع هذه الاوامر إنما هو البيان التفصيلي، وليس فيها ما يدل على تأخير البيان الاجمالي. كيف وإن الامر إما أن يكون على الفور، أو التراخي، وتمام الاشكال ما سبق. قلنا: وجواب الاشكالين أيضا ما سبق. وأيضا فإن العمومات الواردة في البيع والنكاح والارث وردت مطلقة، والنبي (ص)، بين بعد ذلك على التدريج ما يصح بيعه وما لا يصح، ومن يحل نكاحها ومن لا يحل، وصفات العقود وشروطها، ومن يرث ومن لا يرث، ومقادير المواريث شيئا فشيئا. ومن نظر في جميع عمومات القرآن والسنة وجدها كذلك. وأيضا فإنه لما نهى النبي (ص)، عن المزابنة، وشكا الانصار إليه بعد ذلك، رخص لهم في العرايا، وهي نوع من المزابنة، مع أنه لم ينقل أنه اقترن بنهيه عن ذلك بيان مجمل ولا مفصل، وهو لا يخلو إما أن يكون ذلك نسخا أو تخصيصا وعلى كلا التقديرين فهو حجة على المخالف فيه.

[ 44 ]

وأما من جهة المعقول فهو أنه لو امتنع تأخير البيان، لم يخل إما أن يكون ذلك ممتنعا لذاته أو لامر من خارج. لا جائز أن يكون لذاته، فإنا لو فرضناه واقعا، لا يلزم عنه المحال لذاته وإن كان لامر خارج، فلا يخفى أنه لا فارق بين حالة وجود البيان وعدمه سوى علم المكلف بالمراد من الكلام، حالة وجود البيان، وجهله به حالة عدمه. فلو امتنع تأخير البيان، لكان لما قارنه من جهل المكلف بالمراد، ولو كان كذلك لامتنع تأخير بيان النسخ، لما فيه من الجهل بمراد الكلام الدال بوضعه على تكرر الفعل على الدوام، واللازم ممتنع فالملزوم ممتنع. وهذه الطريقة لازمة على كل من منع من تأخير بيان المجمل والعام والمقيد وكل ما أريد به غير ما هو ظاهر فيه. وجوزه في النسخ، كالجبائي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار وغيرهم. اعترض القاضي عبد الجبار، وقال الفرق بين تأخير بيان النسخ وتأخير بيان المجمل هو أن تأخير بيان النسخ مما لا يخل بالتمكن من الفعل في وقته، بخلاف بيان صفة العبادة، فإنه لا يتأتى معه فعل العبادة في وقتها للجهل بصفتها والفرق بين تأخير بيان تخصيص العموم وتأخير بيان النسخ من وجهين. الاول: أن الخطاب المطلق الذي أريد نسخه معلوم أن حكمه، مرتفع لعلمنا بانقطاع التكليف، ولا كذلك المخصوص. الثاني: أن تأخير بيان تخصيص العموم، مع تجويز إخراج بعض الاشخاص منه من غير تعيين، مما يوجب الشك في كل واحد من أشخاص المكلفين، هل هو مراد بالخطاب أم لا. ولا كذلك في تأخير بيان النسخ. وجواب الفرق بين الاجمال والنسخ أن وقت العبادة إنما هو وقت دعو الحاجة إليها، لا قبل ذلك، ووقت الحاجة إليها فالبيان لا يكون متأخرا عنه، فلا يلزم من تأخير بيان صفة العبادة عنها في غير وقتها، ووجوده في وقتها تعذر الاتيان بالعبادة في وقتها. وجواب الفرق الاول: بين العموم والنسخ هو أن حكم الخطاب المطلق، وإن علم ارتفاعه بانقطاع التكليف، فذلك مما يعم التخصيص والنسخ، لعلمنا بانقطاع

[ 45 ]

التكليف بالموت في الحالتين. وإنما الخلاف فيما قبل حالة الموت، مع وجود الدليل الظاهر المتناول لكل الاشخاص واللفظ الظاهر المتناول لجميع أوقات الحياة. وعند ذلك، إذا جاز رفع حكم الخطاب الظاهر المتناول لجميع الاوقات، مع فرض الحياة والتمكن منه من غير دليل مبين في الحال، جاز تخصيص بعض من تناوله اللفظ بظهوره مع التمكن من غير دليل مبين في الحال أيضا، لتعذر الفرق بين الحالتين. وجواب الفرق الثاني: أن تأخير بيان التخصيص، وإن أوجب التردد في كل واحد من أشخاص المكلفين أنه داخل تحت الخطاب أم لا، فتأخير بيان النسخ عندما إذا أمر بعبادة متكررة في كل يوم مما يوجب التردد في أن العبادة في كل يوم عدا اليوم الاول، هل هي داخلة تحت الخطاب العام لجميع الايام أم لا. وإذا جاز ذلك في أحد الطرفين، جاز في الطرف الآخر ضرورة تعذر الفرق. وكذلك أيضا فإنه إذا أمر بعبادة في وقت مستقبل أمرا عاما، فإن من شخص إلا ويحتمل احترامه قبل دخول ذلك الوقت، ويخرج بذلك عن دخوله تحت الخطاب العام. وذلك مما يوجب التردد في كل واحد واحد من الاشخاص هل هو داخل تحت ذلك الخطاب إذا لم يرد البيان به، ومع ذلك فإنه غير ممتنع إجماعا. شبه المخالفين، منها ما يختص بتأخير بيان المجمل، ومنها ما يختص بتأخير بيان ماله ظاهر أريد به غير ما هو ظاهر فيه. أما الشبه الخاصة بالمجمل فشبهتان: الاولى: أنه لا فرق بين الخطاب باللفظ المجمل الذي لا يعرف له مدلول من غير بيان، وبين الخطاب بلغة يضعها المخاطب مع نفسه من غير بيان. وعند ذلك فإما أن يقال بحسن المخاطبة بهما، أو بأحدهما دون الآخر، أو لا بواحد منهما: الاول يلزم منه حسن المخاطبة بما وضعه مع نفسه من غير بيان، وهو في غاية الجهالة والثاني أيضا ممتنع لعدم الاولوية، والثالث هو المطلوب. الشبهة الثانية: أن المقصود من الخطاب إنما هو التفاهم والمجمل الذي لا يعرف مدلوله من غير بيان له في الحال لا يحصل منه التفاهم، فلا يكون مفيدا، وما لا فائدة فيه لا تحسن المخاطبة به، لكونه لغوا، وهو قبيح من الشارع، كما لو خاطب بكلمات مهملة لم توضع في لغة من اللغات لمعنى على أن يبين المراد منها بعد ذلك.

[ 46 ]

وأما الشبه الخاصة بما استعمل من الظواهر في غير ما هو ظاهر فيه، فثلاث شبه: الاولى: إنه إن جاز الخطاب بمثل ذلك من غير بيان له في الحال، فإما أن يقال بجواز تأخير بيانه إلى مدة معينة، فهو تحكم لم يقل به قائل. وإن كان ذلك إلى غير نهاية، فيلزم منه بقاء المكلف عاملا أبدا بعموم قد أريد به الخصوص، وهو في غاية التجهيل. الثانية: أنه إذا خاطب الشارع بما يريد به غير ظاهره، فإما أن لا يكون مخاطبا لنا في الحال، أو يكون مخاطبا لنا به حالا: الاول خلاف الاجماع، وإن كان الثاني، فلا بد وأن يكون قاصدا لتفهيمنا بخطابه حالا، وإلا خرج عن كونه مخاطبا لنا حالا، وهو خلاف الفرض وبيان لزوم ذلك أن المعقول من قول القائل خاطب فلان فلانا أنه قصد تفهيمه كلامه له. وإذا كان قاصدا للتفهيم في الحال، فإن قصد تفهيم ما هو الظاهر من كلامه، فقد قصد تجهيلنا، وهو قبيح، وإن قصد تفهيم ما هو المراد منه، فقد قصد ما لا سبيل لنا إليه دون البيان، وهو أيضا قبيح. الثالثة: أنه لو جاز أن يخاطبنا بالعموم ويريد به الخصوص من غير بيان له في الحال، لتعذر معرفة المراد من كلامه مطلقا، وذلك لان ما من لفظ يبين به المراد إلا ويجوز أن يكون قد أراد به غير ما هو الظاهر منه ولم يبينه لنا، وذلك مما يخل بمقصود الخطاب مطلقا، وهو ممتنع. والجواب عن الشبهة الاولى بالفرق، وهو أن اللفظ المجمل، وإن لم يعلم منه المراد بعينه، فقد علم المكلف أنه مخاطب بأحد مدلولاته المعينة المفهومة له وبذلك يتحقق اعتقاده للوجوب والعزم على الفعل بتقدير البيان والتعيين، فكان مفيدا بخلاف الخطاب، بما لا يفهم منه شئ أصلا كما فرضوه. وبهذا يكون جواب الشبهة الثانية. وعن الشبهة الثالثة: أن تأخير البيان إنما يجوز إلى الوقت الذي تدعو الحاجة فيه إلى البيان، وذلك لا يكون إلا معينا في علم الله تعالى: ويجوز أن يكون معلوما للرسول بإعلام الله تعالى له. وعند ذلك، فأي وقت وجب على المكلف العمل

[ 47 ]

بمدلول اللفظ فيه، فذلك هو وقت الحاجة إلى البيان، والبيان لا يكون إذ ذاك متأخرا لما فيه من تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقبل وقت الوجوب، فلا عمل للمكلف، حتى يقال بأنه عامل بعموم أريد به الخصوص، بل غايته أنه يعتقد ذلك ولا امتناع فيه، كما لو أمر بعبادة متكررة كل يوم، فإنه لا يمتنع اعتقاده لعموم ذلك في جميع الايام، مع جواز نسخها في المستقبل وإن لم يرد بذلك بيان، وكل ما يعتذر به في النسخ فهو عذر لنا ها هنا. وعن الشبهة الرابعة من وجهين: الاول: أنه، وإن لزم من كونه مخاطبا لنا أن يكون قاصدا لتفهيمنا في الحال، لكن لا لنفس ما هو الظاهر من كلامه فقط، ولا لنفس مراده من كلامه فقط، بل يفهم ما هو الظاهر من كلامه مع تجويز تخصيصه، وليس في ذلك تجهيل ولا إحالة وذلك مما لا يمنع ورود المخصص بعد ذلك، وإلا لما كان مجوز التخصيص، وهو خلاف الفرض. الثاني: أنه يلزم على ما ذكروه، الخطاب مما علم الله أنه سينسخه، فإن جميع ما ذكر من الاقسام بعينها متحققة فيه، ومع ذلك جاز الخطاب به مع تأخير بيانه. وعن الخامسة من وجهين: الاول: أنه لا يمتنع أن يكون البيان: إما بدليل قاطع لا يسوغ فيه احتمال التأويل أو ظني اقترن به من القرائن ما أوجب العلم بمدلول كلامه. الثاني: أنه يلزم على ما ذكروه، الخطاب الوارد الذي علم الله نسخ حكمه مع تأخير البيان عنه، والجواب يكون متحدا.

[ 48 ]

المسألة الخامسة الذين منعوا من تأخير بيان المراد من الخطاب عن وقت الخطاب اختلفوا في جواز تأخير تبليغ ما أوحي به إلى النبي (ص)، من الاحكام والعبادات إلى وقت الحاجة إليه وأكثر المحققين على جوازه، وهو الحق لانه لو امتنع، لم يخل. إما أن يمتنع لذاته، أو لمعنى من خارج: الاول محال، فإنه لا يلزمه من فرض وقوعه لذاته محال، وإن كان ذلك لامر من خارج، فالاصل عدمه كيف وإن تأخيره يحتمل أن يكون فيه مصلحة في علم الله تقتضي التأخير. ولهذا لو صرح الشارع بذلك، لما كان ممتنعا ويحتمل أن يكون فيه مفسدة مانعة من التأخير، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. فإن قيل: الامتناع من التأخير إنما هو لمعنى خارج عن ذاته، وهو قوله تعالى: * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) * (5) المائدة: 67) وظاهر الامر للوجوب. قولكم: يحتمل وجود مفسدة في التقديم، ومصلحة في التأخير، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. قلنا: فهذا كما لا يمكن معه الجزم بامتناع التأخير، فلا يمكن معه الجزم بجواز التأخير الذي هو مذهبكم. وجواب الاول: أنا، وإن سلمنا أن قوله تعالى * (بلغ) * أمر، ولكن لا نسلم أنه للوجوب (1) وإن سلمنا أنه للوجوب، ولكن لا نسلم أن مطلق الامر يقتضي الفور، على ما تقدم تقريره. وإن سلمنا أنه على الفور، غير أنا لا نسلم أنه يتناول تبليغ الاحكام التي وقع الخلاف فيها، وإنما هو دال على تبليغ ما أنزل من لفظ القرآن، إذ هو المفهوم من لفظ المنزل. وجواب الثاني: أنه إذا وقع التردد بين المصلحة والمفسدة، تساقطا، وبقينا على أصل الجواز العقلي.


1 - الامر في هذه الآية للوجوب قطعا وليس من النزاع فيما تقتضيه صيغة الامر إذ محله الامر المجرد من القرائن وهو في الاية قد اقترن بالتهديد على الترك في قوله (وان لم تفعل فما بلغت رسالته). (*)

[ 49 ]

المسألة السادسة الذين اتفقوا على امتناع تأخير البيان إلى وقت الحاجة، اختلفوا في جواز إسماع الله تعالى للمكلف العام دون إسماعه للدليل المخصص له (1). فذهب الجبائي وأبو الهذيل (2) إلى امتناع ذلك في الدليل المخصص السمعي، وأجازا أن يسمعه العام المخصص بدليل العقل، وإن لم يعلم السامع دلالته على التخصيص. وذهب أبو هاشم والنظام وأبو الحسين البصري إلى جواز إسماع العام من لم يعرف الدليل المخصص له، وسواء كان المخصص سمعيا أو عقليا. وهو الحق لوجهين: الاول: إنا قد بينا جواز تأخير المخصص عن الخطاب، إذا كان سمعيا، مع أن عدم سماعه لعدمه في نفسه، أتم من عدم سماعه مع وجوده في نفسه. فإذا جاز تأخير المخصص، فجواز تأخير إسماعه مع وجوده أولى. الثاني: هو أن وقوع ذلك يدل على جوازه، ودليله إسماع فاطمة قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) * (4) النساء: 11) مع أنها لم تسمع بقوله: نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة إلا بعد حين. وكذلك أسمعت الصحابة قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) ولم يسمع أكثرهم الدليل المخصص للمجوس، وهو قوله (ص): سنوا بهم سنة أهل الكتاب إلا بعد حين، إلى وقائع كثيرة غير محصورة. وكل ما يتشبث به الخصوم في المنع من ذلك فغير خارج عما ذكرناه لهم من الشبه في المسألة المتقدمة، وجوابها ما سبق مع أنه منتقض بجواز إسماعه العام مع عدم معرفته بالدليل المخصص، إذا كان عقليا. المسألة السابعة اختلف المجوزون لتأخير البيان عن وقت الخطاب العام في جواز التدريج في البيان: فمنع منه قوم، مصيرا منهم إلى أن تخصيص البعض بالتنصيص على إخراجه دون غيره يوهم وجوب استعمال اللفظ في الباقي، وامتناع التخصيص بشئ آخر وهو


1 - خلافهم في جواز اسماع الله للمكلف العام دون اسماع، الدليل المخصص له خلاف لا جدوى له بعد انقطاع الوحي فلا ينبغي الاشتغال بمثله. 2 - أبو الهذيل هو محمد بن الهذيل بن عبد الله المعروف بالعلاف رأس في الاعتزال مات 235 أو 236 أو 237. (*)

[ 50 ]

تجهيل للمكلف، وإنما ينتفي هذا التجهيل بالتنصيص على كل ما هو خارج عن العموم. ومذهب المحققين منهم خلاف ذلك. ودليل جوازه، وقوعه وبيان وقوعه، قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) فإنه عام في كل سارق. ومع ذلك فإن تخصيصه بما خصص به من ذكر نصاب السرقة أولا، وعدم الشبهة ثانيا، وقع على التدريج وكذلك قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (3) آل عمران: 97) خصص أولا بتفسير الاستطاعة بذكر الزاد والراحلة، ثم بذكر الامن في الطريق والسلامة من طلب الخفارة ثانيا. وكذلك قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) أخرج منه أهل الذمة أولا، ثم العسيف والمرأة ثانيا. وكذلك آية الميراث أخرج منها ميراث النبي (ص)، والقاتل والكافر، وكل ذلك على التدريج، إلى غير ذلك من العمومات المخصصة. ولولا جوازه لما وقع. والقول بأن تخصيص البعض بالذكر يوهم نفي تخصيصه بشئ آخر ليس كذلك فإن الاقتصار على الخطاب العام دون ذكر المخصص، مع كونه ظاهرا في التعميم بلفظه، إذا لم يوهم المنع من التخصيص، فإخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه، مع أنه لا دلالة له على إثبات غير ذلك البعض بلفظه، أولى أن لا يكون موهما لمنع التخصيص. المسألة الثامنة إذا ورد لفظ عام بعبادة أو غيرها، قبل دخول وقت العمل به قال أبو بكر الصيرفي: يجب اعتقاد عمومه جزما قبل ظهور المخصص، وإذا ظهر المخصص، تغير ذلك الاعتقاد، وهو خطأ: فإن احتمال إرادة الخصوص به قائم، ولهذا، لو ظهر المخصص، لما كان ذلك ممتنعا، ووجب اعتقاد الخصوص. وما هذا شأنه فاعتقاد عمومه جزما قبل الاستقصاء في البحث عن مخصصه وعدم الظفر به على وجه تركن النفس إلى عدمه، يكون ممتنعا، فإذا لا بد في الجزم باعتقاد عمومه من اعتقاد انتفاء مخصصه بطريقه، ومع ذلك لا نعرف خلافا بين الاصوليين في امتناع العمل بموجب اللفظ العام قبل البحث عن المخصص، وعدم الظفر به، لكن اختلفوا: فذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الاصوليين إلى امتناع العمل به واعتقاد

[ 51 ]

عمومه إلا بعد القطع بانتفاء المخصص، وإلا فالجزم بعمومه، والعمل به مع احتمال وجود المعارض ممتنع. قال: ومعرفة انتفاء المخصص بطريق القطع ممكن، وذلك بأن تكون المسألة المتمسك بالعموم فيها مما كثر الخلاف فيها بين العلماء، وطال النزاع فيما بينهم فيها، ولم يطلع أحد منهم على موجب للتخصيص، مع كثرة بحثهم واستقصائهم. ولو كان ثم شئ، لاستحال أن لا يعرف عادة، ولانه لو كان المراد بالعموم الخصوص، لاستحال أن لا ينصب الله تعالى عليه دليلا، ويبلغه للكلفين. وذهب ابن سريج وإمام الحرمين والغزالي وأكثر الاصوليين إلى امتناع اشتراط القطع في ذلك، وهو المختار. وذلك، لانه لا طريق إلى معرفة ذلك بغير البحث والسبر، وهو غير يقيني، والقول بأنه لو كان ثم مخصص لاطلع عليه العلماء غير يقيني، لجواز وجوده مع عدم اطلاع أحد من العلماء عليه (1) وبتقدير اطلاع بعضهم عليه، فنقله له أيضا غير قاطع، بل غايته أن يكون ظنيا. كيف وإنه ليس كل ما ورد فيه العام مما كثر خوض العلماء فيه وبحثهم عنه ليصح ما قيل. والقول بأنه لو كان المراد بالعام الخصوص، لنصب الله تعالى عليه دليلا، غير مسلم (2) وبتقدير نصبه للدليل، لا نسلم لزوم اطلاع المكلفين عليه. وبتقدير ذلك، لا نسلم لزوم نقلهم له، (3) وإذا لم يكن إلى القطع بذلك طريق، فلو شرط ذلك في العمل بالعموم لتعطلت العمومات بأسرها وإذا عرف، أنه لا بد من الظن بانتفاء المخصص، فالحد الذي يجب العمل بالعموم عنده أن يبحث عن المخصص بحثا يغلب على ظنه عدمه، وأنه لو بحث عنه ثانيا وثالثا، كان بحثه غير مفيد. وعلى هذا، يكون الكلام في العمل بكل دليل مع معارضه.


- 1 جواز وجود المخصص للعام مع عدم اطلاع احد من الامة عليه ينافي عصمة الامة في اجماعها ويرده ايضا حديث: (لا تزال طائفة من امتي قائمة على الحق) الحديث 2 - يجاب عن منع الملازمة بأن نصب الادلة على المراد مما اريد به غير ظاهره هو مقتضى الحكمة فان اراده الخصوص من الفظ العام دون دليل تلبيس ينافي حكمة الله وعدله ورحمته بعباده. 3 - لزوم الاطلاع على المخصص ونقله ولو من احد آحاد المكلفين هو مقتضى عصمة الامة والاحاديث الدالة على العصمة. (*)

[ 52 ]

الصنف التاسع - في الظاهر وتأويله ويشتمل على مقدمة ومسائل. أما المقدمة، ففي تحقيق معنى الظاهر والتأويل. أما الظاهر: فهو في اللغة عبارة عن الواضح المنكشف ومنه يقال: ظهر الامر الفلاني، إذا اتضح وانكشف، وفي لسان المتشرعة، قال الغزالي: اللفظ الظاهر هو الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع، وهو غير جامع مع اشتماله على زيادة مستغنى عنها. أما أنه غير جامع، فلانه يخرج منه ما فيه أصل الظن دون غلبة الظن مع كونه ظاهرا. ولهذا، يفرق بين قول القائل: ظن، وغلبة ظن، ولان غلبة الظن ما فيه أصل الظن وزيادة. وأما اشتماله على الزيادة المستغنى عنها فهي قوله: من غير قطع فإن من ضرورة كونه مفيدا للظن أن لا يكون قطعيا. والحق في ذلك أن يقال: اللفظ الظاهر ما دل على معنى بالوضع الاصلي أو العرفي ويحتمل غيره احتمالا مرجوحا. وإنما قلنا: (ما دل على معنى بالوضع الاصلي أو العرفي) احترازا عن دلالته على المعنى الثاني، إذا لم يصر عرفيا، كلفظ الاسد في الانسان وغيره. وقولنا: (ويحتمل غيره) احتراز عن القاطع الذي لا يحتمل التأويل. وقولنا: (احتمالا مرجوحا) احتراز عن الالفاظ المشتركة. وهو منقسم إلى ما هو ظاهر بحكم الوضع الاصلي، كإطلاق لفظ الاسد بإزاء الحيوان المخصوص، وإلى ما هو ظاهر بحكم عرف الاستعمال، كإطلاق لفظ الغائط بإزاء الخارج المخصوص من الانسان. وأما التأويل: ففي اللغة مأخوذ من آل يؤل، أي رجع، ومنه قوله تعالى: * (ابتغاء تأويله) * (3) آل عمران: 7) أي ما يؤول إليه، ومنه يقال: تأول فلان الآية الفلانية، أي نظر إلى ما يؤول إليه معناها. وأما في اصطلاح المتشرعة، قال الغزالي: التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر، وهو غير صحيح

[ 53 ]

أما أولا، فلان التأويل ليس هو نفس الاحتمال الذي حمل اللفظ عليه بل هو نفس حمل اللفظ عليه، وفرق بين الامرين وأما ثانيا، فلانه غير جامع، فإنه يخرج منه التأويل بصرف اللفظ عما هو ظاهر فيه إلى غيره بدليل قاطع غير ظني، حيث قال: يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر وأما ثالثا، فلانه أخذ في حد التأويل من حيث هو تأويل، وهو أعم من التأويل بدليل، ولهذا يقال: تأويل بدليل، وتأويل من غير دليل. فتعريف التأويل على وجه يوجد معه الاعتضاد بالدليل لا يكون تعريفا للتأويل المطلق، اللهم إلا أن يقال: إنما أراد تعريف التأويل الصحيح دون غيره. والحق في ذلك أن يقال، أما التأويل، من حيث هو تأويل مع قطع النظر عن الصحة والبطلان، هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، مع احتماله له. وأما التأويل المقبول الصحيح فهو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله له بدليل يعضده. وإنما قلنا: (حمل اللفظ على غير مدلوله) احترازا عن حمله على نفس مدلوله. وقولنا: (الظاهر منه) احتراز عن صرف اللفظ المشترك من أحد مدلوليه إلى الآخر، فإنه لا يسمى تأويلا. وقولنا: (مع احتماله له) احتراز عما إذا صرف اللفظ عن مدلوله الظاهر إلى ما لا يحتمله أصلا، فإنه لا يكون تأويلا صحيحا. وقولنا: (بدليل يعضده) احترازا عن التأويل من غير دليل، فإنه لا يكون تأويلا صحيحا أيضا. وقولنا: (بدليل يعم القاطع والظني) وعلى هذا فالتأويل لا يتطرق إلى النص ولا إلى المجمل، وإنما يتطرق إلى ما كان ظاهرا لا غير (1). وإذا عرف معنى التأويل فهو مقبول معمول به، إذا تحقق مع شروطه، ولم يزل علماء الامصار في كل عصر من عهد الصحابة إلى زمننا عاملين به من غير نكير.


1 - ذكر ابن تيمية للتأويل ثلاثة معان، واوضح كلا منه بالامثلة فانظرها في الدمرية والحموية وغيرهما من كتبه (*)

[ 54 ]

وشروطه أن يكون الناظر المتأول أهلا لذلك، وأن يكون اللفظ قابلا للتأويل بأن يكون اللفظ ظاهرا فيما صرف عنه محتملا لما صرف إليه، وأن يكون الدليل الصارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحا على ظهور اللفظ في مدلوله، ليتحقق صرفه عنه إلى غيره، وإلا فبتقدير أن يكون مرجوحا، لا يكون صارفا ولا معمولا به اتفاقا وإن كان مساويا لظهور اللفظ في الدلالة من غير ترجيح، فغايته إيجاب التردد بين الاحتمالين على السوية، ولا يكون ذلك تأويلا، غير أنه يكتفى بذلك من المعترض إذا كان قصده إيقاف دلالة المستدل، ولا يكتفى به من المتسدل دون ظهوره، وعلى حسب قوة الظهور وضعفه وتوسطه، يجب أن يكون التأويل وتمام كشف ذلك بمسائل ثمان: المسألة الاولى قوله (ص) لغيلان، وقد أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا، وفارق سائرهن (1) وقوله لفيروز الديلمي، وقد أسلم على أختين: أمسك أيتهما شئت، وفارق الاخرى (2) أمر بالامساك، وهو ظاهر في استصحاب النكاح، وقد تأوله أصحاب أبي حنيفة بثلاث تأويلات: الاول: أنهم قالوا: يحتمل أنه أراد بالامساك ابتداء النكاح، ويكون معنى قوله: أمسك أربعا أي انكح منهن أربعا وأراد بقوله: وفارق سائرهن لا تنكحهن.


1 - رواه احمد والترمذي وابن ماجه من ي ريق عبد الله بن عمر بلفظ (اسلم غيلان الثقفي وتحته عشرة نسوة في الجاهللية فأسلمن معه فأمره النبي (ص) أن يختار منهن أربعا. قال البخاري هذا الحديث غير محفوظ وحكم أبو حاتم وأبو زرعة بأن المرسل أصح وصححه الحاكم وابن حبان. انظر الكلام عليه في تخليص الحبير 2 - رواه الشافعي وأحمد وابو داود وابن ماجه والترمذي من طريق الضحاك ابن فيروز الديلمي عن ابيه، أنه قال اسلمت وعندي امرأتان أختان فأمرني النبي (ص) إن اطلق احدهما. وفي لفظ للترمذي اختر ايتهما شئت) صححه ابن حبان والدارقطني والبيهقي وحسنه الترمذي واعله البخاري والعقيلي. انظر تلخيص الحبير (*)

[ 55 ]

الثاني: أنهم قالوا: يحتمل أن النكاح في الصورتين كان واقعا في ابتداء الاسلام قبل حصر عدد النساء في أربع وتحريم نكاح الاختين، فكان ذلك واقعا على وجه الصحة، والباطل من أنكحة الكفار ليس إلا ما كان مخالفا لما ورد به الشرع حال وقوعها. الثالث: أنهم قالوا: يحتمل أنه أمر الزوج باختيار أوائل النساء وهذه التأويلات، وإن كانت منقدحة عقلا، غير أن ما اقترن بلفظ الامساك من القرائن دارئة لها. أما التأويل الاول فمن وجوه: الاول: أن المتبادر إلى الفهم من لفظ (الامساك) إنما هو الاستدامة دون التجديد. الثاني أنه فوض الامساك والفراق إلى خيرة الزوج، وهما غير واقعين بخيرته عندهم، لوقوع الفراق بنفس الاسلام وتوقف النكاح على رضا الزوجة. الثالث: أنه لم يذكر شروط النكاح مع دعو الحاجة إلى معرفة ذلك لقرب عهدهم بالاسلام. الرابع: أنه أمر الزوج بإمساك أربع من العشر، وواحدة من الاختين، وبمفارقة الباقي، والامر إما للوجوب، أو الندب ظاهرا على ما تقدم، وحصر التزويج في العشرة وفي الاختين ليس واجبا ولا مندوبا، والمفارقة ليست من فعل الزوج، حتى يكون الامر متعلقا بها. الخامس: هو أن الظاهر من الزوج المأمور إنما هو امتثال أمر النبي (ص)، بالامساك، ولم ينقل أحد من الرواة تجديد النكاح في الصور المذكورة. السادس: هو أن الزوج إنما سأل عن الامساك بمنى الاستدامة، لا بمعنى تجديد النكاح وعن الفراق بمعنى انقطاع النكاح. والاصل في جواب الرسول (ص) أن يكون مطابقا للسؤال. وأما التأويل الثاني فبعيد أيضا، لانه لو لم يكن الحصر ثابتا في ابتداء الاسلام لما خلا ابتداء الاسلام عن الزيادة على الاربع عادة، وعن الجمع بين الاختين، ولم ينقل عن أحد من الصحابة ذلك في ابتداء الاسلام، ولو وقع، لنقل. وقوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف) * (4) النساء: 23) قال أهل التفسير: المراد به ما سلف في الجاهلية قبل بعثة النبي (ص). ولهذا قال: * (إنه كان فاحشة ومقتا، وساء سبيلا) * (4) النساء: 22).

[ 56 ]

وأما التأويل الثالث فيدرؤه قوله (ص)، لزوج الاختين: أمسك أيتهما شئت، وفارق الاخرى وقوله لواحد كان قد أسلم على خمس نسوة: إختر منهن أربعا وفارق واحدة (1) قال المأمور بذلك: فعمدت إلى أقدمهن عندي، ففارقتها. المسألة الثانية ومن جملة التأويلات البعيدة ما يقوله أصحاب أبي حنيفة في قوله (ص): في أربعين شاة شاة (2) من أن المراد به مقدار قيمة الشاة، وذلك لان قوله: في أربعين شاة شاة قوي الظهور في وجوب الشاة عينا، حيث إنه خصصها بالذكر، ولا بد في ذلك من إضمار حكم، وهو إما الندب أو الوجوب، وإضمار الندب ممتنع لعدم اختصاص الشاة الواحدة من النصاب به، فلم يبق غير الواجب. ولا يخفى أنه يلزم من تأويل ذلك بالحمل على وجوب مقدار قيمة الشاة بناء على أن المقصود إنما هو دفع حاجات الفقراء وسد خلاتهم جواز دفع القيمة، وفيه رفع الحكم، وهو وجوب الشاة بما استنبط منه من العلة، وهي دفع حاجات الفقراء واستنباط العلة من الحكم (3) إذا كانت موجبة لرفعه، كانت باطلة. ومما يلتحق من التأويلات بهذا التأويل (4) ما يقوله بعض الناس في قوله تعالى: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * (9) التوبة: 60) الآية، من جواز الاقتصار على البعض نظرا إلى أن المقصود من الآية إنما هو دفع الحاجة في جهة من الجهات المذكورة، لا دفع


1 - الحديث عند الشافعي عن نوفل بن معاويه أنه اسلم وتحته خمس نسوة فقال له النبي (ص) امسك اربعا وفارق الاخرى وفي سنده رجل مجهول. 2 - هذا معنى جزء من حديث رواه أحمد والبخاري وابو داود والنسائي من طريق أنس أن ابا بكر كتب لهم ان هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله (ص) الحديث. 3 - واستنباط العلة من الحكم - هذا من اضافة الصفة إلى الموصوف والتقدير والعلة المستنبطة من الحكم - ولو عبر بهذا لكان انسب لما ذكر بعد. 4 - إي في البعد. (*)

[ 57 ]

الحاجة عن الكل، لان الآية (1) ظاهرة في استحقاق جميع الاصناف المذكورة للصدقة، حيث إنه أضافها إليهم بلام التمليك في عطف البعض على البعض بواو التشريك، وما استنبط من هذا الحكم من العلة يكون رافعا لحكم المستنبط من هذا الحكم من العلة يكون رافعا لحكم المستنبط من، فلا يكون صحيحا. وما يقال من أن مقصود الآية إنما هو بيان مصارف الزكاة وشروط الاستحقاق، فنحن، وإن سلمنا كون ذلك مقصودا من الآية، فلا نسلم أنه لا مقصود منها سواه، ولا منافاة بين كون ذلك مقصودا، وكون الاستحقاق بصفة التشريك مقصودا وهو الاولى موافقة لظاهر الاضافة بلام التمليك، والعطف بواو التشريك. ويقرب من هذا التأويل أيضا ما يقوله أصحاب أبي حنيفة في قوله تعالى: * (فإطعام ستين مسكينا) * (58) المجادلة: 4) من أن المراد به إطعام طعام ستين مسكينا، مصيرا منهم إلى أن المقصود إنما هو دفع الحاجة، ولا فرق في ذلك بين دفع حاجة ستين مسكينا ودفع حاجة مسكين واحد في ستين يوما، وهو بعيد أيضا، وذلك لان قوله تعالى: * (فإطعام) * (58) المجادلة: 4) فعل لا بد له من مفعول يتعدى إليه. وقوله: * (ستين مسكينا) * (58) المجادلة: 4) صالح أن يكون مفعول الاطعام، وهو مما يمكن الاستغناء به مع ظهوره، والطعام، وإن كان صالحا أن يكون هو مفعول الاطعام، إلا أنه غير ظاهر ومسكوت عنه، فتقدير حذف المظهر، وإظهار المفعول المسكوت عنه بعيد في اللغة، والواجب عكسه. وإذا كان ذلك ظاهرا في وجوب رعاية العدد فيما استنبط منه يكون موجبا لرفعه فكان ممتنعا، كيف وانه لا يبعد ان يقصد الشارع مع ذلك رعاية العدد دفعا لحاجة ستين مسكينا، نظرا للمكفر بما يناله من دعائهم له، واغتنامه لبركتهم (2). وقلما يخلو جمع من المسلمين عن ولي من أولياء الله تعالى يكون مستجاب الدعوة، مغتنم الهمة. وذلك في الواحد المعين مما يندر.


1 - لان الآية - الخ تعليل لبعد هذا التأويل. 2 - واغتنامه لبركتهم، أي لبركة دعائهم له من أجل مواساته لهم. (*)

[ 58 ]

المسألة الثالثة قوله (ص): أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل باطل باطل (1)، صدر الكلام (بأي وما) في معرض الشرط والجزاء وذلك من أبلغ أدوات العموم عند القائلين به، وأكده بالبطلان مرة بعد مرة ثلاث مرات، وهو من أبلغ ما يدل به الفصيح المصقع على التعميم والبطلان. وقد طرق إليه أصحاب أبي حنيفة ثلاث تأويلات الاول: أنه يحتمل أنه أراد بالمرأة، الصغيرة. الثاني: أنه وإن أراد بها الكبيرة، فيحتمل أنه أراد بها الامة والمكاتبة. الثالث: أنه يحتمل أنه أراد ببطلان النكاح، مصيره إلى البطلان غالبا، بتقدير اعتراض الاولياء عليها، إذا زوجت نفسها من غير كفوء. وهذه التأويلات مما لا يمكن المصير إليها في صرف هذا العموم القوي المقارب للقطع، عن ظاهره. أما الحمل على الصغيرة فمن جهة أنها لا تسمى امرأة في وضع اللسان، ولان النبي (ص)، حكم بالبطلان ونكاح الصغيرة لنفسها دون إذن وليها، صحيح عندهم، موقوف على إجازة الولي. وأما الحمل على الامة، فيدرأه قوله (ص): فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها ومهر الامة ليس لها بل لسيدها. وأما الحمل على المكاتبة فبعيد أيضا من جهة أنها بالنسبة إلى جنس النساء نادرة، واللفظ المذكور من أقوى مراتب العموم وليس من الكلام العربي إطلاق ما هذا شأنه، وإرادة ما هو في غاية الندرة والشذوذ، ولهذا فإنه لو قال السيد لعبده: أيما امرأة لقيتها اليوم فأعطها درهما وقال: إنما أردت به المكاتبة كان منسوبا إلى الالغاز في القول وهجر الكلام. وعلى هذا، فلا نسلم صحة الاستثناء بحيث لا يبقى غير الاقل النادر من المستثنى منه، كما سبق تقريره، ولا فرق بين البابين.


1 - جزء من حديث رواه داود الطيالسي وابو عوانه وابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي، وأعل بالارسال، وقول ابن جريح ثم الفيت الزهري فسألته عنه فانكره. (*)

[ 59 ]

وأما حمل بطلان النكاح على مصيره إلى البطلان، فبعيد من وجهين: الاول أن مصير العقد إلى البطلان، من أندر ما يقع، والتعبير باسم الشئ عما يؤول إليه، إنما يصح فيما إذا كان المآل إليه قطعا، كما في قوله تعالى: * (إنك ميت، وإنهم ميتون) * (39) الزمر: 30) أو غالبا كما فتسمية العصير خمرا في قوله تعالى: * (أراني أعصر خمرا) * (12) يوسف: 36) الثاني قوله: فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها ولو كان العقد واقعا صحيحا، لكان المهر لها بالعقد لا بالاستحلال. المسألة الرابعة ومن التأويلات البعيدة قول أصحاب أبي حنيفة في قوله (ص): لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل إن المراد به صوم القضاء والنذر، من حيث (1) إن الصوم نكرة، وقد دخل عليه حرف النفي، فكان ظاهره العموم في كل صوم. والمتبادر إلى الفهم من لفظ الصوم إنما هو الصوم الاصلي المتخاطب به في اللغات، وهو الفرض والتطوع (2) دون ما وجوبه بعارض، ووقوعه نادر، وهو القضاء والنذر. ولا يخفى أن إطلاق ما هو قوي في العموم، وإرادة ما هو العارض البعيد النادر وإخراج الاصل الغالب منه، إلغاز في القول. ولهذا، فإنه لو قال السيد لعبده من دخل داري من أقاربي أكرمه وقال: إنما أردت قرابة السبب دون النسب، أو ذوات الارحام البعيدة، دون العصبات القريبة، كان قوله منكرا مستبعدا، لكنه مع ذلك لا ينتهض في البعد إلى بعد التأويل في حمل الخبر السابق على الامة والمكاتبة.


1 - من حيث. الخ تعليل لبعد ما تقدم من تأويل اصحاب ابي حنيفه للحديث. 2 - لكن دل حديث عائشة الذي رواه الجماعة الا البخاري على استثناء صيام التطوع فلا يجب تبييت النية. (*)

[ 60 ]

المسألة الخامسة ومن التأويلات البعيدة أيضا تأويل قوله (ص): من ملك ذا رحم محرم عتق عليه (1) فإن ظهور وروده لتأسيس قاعدة، وتمهيد أصل، في سياق الشرط والجزاء، والتنبيه على حرمة الرحم المحرم، وصلته، قوي الظهور في قصد التعميم لكل ذي رحم محرم، وذلك مما يمتنع معه التأويل بالحمل على الاصول والفصول، دون غيرهم، لانهم قد امتازوا بكونهم على عمود النسب عن غيرهم ممن هو على حواشيه من الارحام، وذلك موجب لاختصاصهم بالتنصيص عليهم، إظهارا لشرف قربهم ونسابتهم، فلو كان القصد متعلقا بهم دون غيرهم بالذكر، لما عدل عن التنصيص عليهم إلى ما يعم، لما فيه من إسقاط حرمتهم، وإهمال خاصيتهم، ولذلك، فإنه لو قال السيد لعبده: أكرم الناس قاصدا لاكرام أبو يه لا غير، كان ذلك من الاقوال المهجورة المستبعدة. المسألة السادسة ومن التأويلات البعيدة تأويل أبي حنيفة في قوله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ، فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * (8) الانفال: 41) حيث إنه قال باعتبار الحاجة مع القرابة وحرمان من ليس بمحتاج من ذوي القربى، وهو بعيد جدا، لان الآية ظاهرة في إضافة الخمس إلى كل ذوي القربى، بلام التمليك والاستحقاق مومئة إلى أن مناط الاستحقاق هو القرابة (2) فإنها مناسبة للاستحقاق، إظهارا لشرفها وإبانة لخطرها، وحيث رتب الاستحقاق على ذكرها في الآية، كان ذلك إيماء إلى التعليل بها، فالمصير بعد ذلك إلى اعتبار الحاجة يكون تخصيصا للعموم، وتركا لما ظهر كونه علة مومى إليها في الآية، وهو صفة القرابة، وتعليلا بالحاجة المسكوت عنها، وهو في غاية البعد.


1 - رواه احمد وابو داود والترمذي وابن ماجه من طريق الحسن عن سمرة، وطعن فيه بما في سماع الحسن من سمرة من الخلاف، وبان شعبة رواه عن قتادة عن الحسن مرسلا وحماد هو الذي رواه عن قتادة عن الحسن عن سمرة متصلا وشعبة احفظ من حماد، وايضا بقول ابن المديني فيه انه حديث منكر وقول البخاري فيه لا يصح. 2 - لكن خصها الحديث ببني هاشم وبني المطلب دون بني نوفل وبني عبد شمس. (*)

[ 61 ]

فإن قيل: ما ذكرتموه بعينه لازم على قول الشافعي، باعتبار الحاجة مع اليتم في سياق الآية. قلنا: المختار من قول الشافعي إنما هو عدم اعتبار الحاجة مع اليتم، وبتقدير القول بذلك، فاعتبار الحاجة إنما كان لان لفظ اليتم مع قرينة إعطاء المال مشعر بها، فاعتبارها يكون اعتبارا لما دل عليه لفظ الآية، لانه إلغاء له واليتم بمجرده عن اقتران الحاجة به، غير صالح للتعليل، بخلاف القرابة، فإن القرابة بمجردها مناسبة للاكرام باستحقاق خمس الخمس (1) كما ذكرناه، فاعتبار الحاجة معها يكون تركا للعمل بما ظهر كونه علة وعمل بغيره، وهو مناقضة لا تأويل. المسألة السابعة ومن التأويلات البعيدة أيضا مصير قوم إلى أن قوله (ص): فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر (2) ليس بحجة في إيجاب العشر ونصف العشر في الخضروات، لان المقصود الذي سيق الكلام لاجله إنما هو الفرق بين العشر ونصف العشر، لا بيان ما يجب فيه العشر ونصف العشر، وهو بعيد أيضا، لان اللفظ عام في كل ما سقت السماء، وسقي بنضح أو دالية بوضع اللغة عند القائلين به، وكون ذلك مما يقصد به الفرق بين العشر ونصف العشر غير مانع من قصد التعميم، إذ لا منافاة بينهما، اللهم إلا أن يبين أن الخبر لم يرد إلا لقصد الفرق وذلك مما لا سبيل إليه.


1 - اما ان القرابة مناسبة بمجردها للعطاء من الخمس فمسلم، واما ان قدر الاستحقاق خمس الخمس فيحتاج إلى دليل آخر سوى مجرد القرابة. 2 - رواه الجماعة الا مسلما من طريق ابن عمر بلفظ (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر) ورواه احمد ومسلم. والنسائي وابو داود من طريق جابر بمعناه (*)

[ 62 ]

المسألة الثامنة ومن أبعد التأويلات ما يقوله القائلون بوجوب غسل الرجلين في الوضوء في قوله تعالى: * (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * (5) المائدة: 6) من أن المراد به الغسل، وهو في غاية البعد (1) لما فيه من ترك العمل بما اقتضاه ظاهر العطف من التشريك بين الرؤوس والارجل في المسح من غير ضرورة. فإن قيل: العطف إنما هو على الوجوه واليدين في أول الآية، وذلك موجب للتشريك في الغسل، وبيان ذلك من وجهين: الاول: قوله تعالى: * (إلى الكعبين) * قدر المأمور به إلى الكعبين كما قدر غسل اليدين إلى المرفقين، ولو كان الواجب هو المسح لما كان مقدرا كمسح الرأس. الثاني: ما ورد من القراءة بالنصب من قوله تعالى: * (وأرجلكم) * (5) المائدة: 6) وذلك يدل على العطف على الايدي دون الرؤوس. وأما الكسر فإنما كان بسبب المجاورة، فإنها موجبة لاستتباع المجاور، ومنه قول امرئ القيس: كأن ثبيرا في عرانين ويله * كبير أناس في بجاد مزمل كسر (مزمل) استتباعا لما قبله، وإلا فحقه أن يكون مرفوعا لكونه وصف (كبير) إن سلمنا أن الارجل معطوفة على الرؤوس غير أنه ليس من شرط العطف الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في تفاصيل حكم المعطوف عليه، بل في أصله، كما سبق تقريره، وذلك مما قد وقع الاشتراك فيه، فإن الغسل والمسح قد اشتركا في أن كل واحد منهما فيه إمساس العضو بالماء، وإن افترقا في خصوص المسح والغسل وذلك كاف في صحة العطف، ودليله قول الشاعر: ولقد رأيتك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا عطف الرمح على التقلد بالسيف، وإن كان الرمح لا يتقلد وإنما يعتقل به، لاشتراكهما في أصل الحمل.


1 - انظر ما ذكره ابن جرير وابن كثير في تفسيريهما لقوله تعالى (وامسحوا برؤسكم وارجلكم) وكلام شارع الطحاوية عند ذكر الادلة مشروعية المسح على الخفين. (*)

[ 63 ]

وكذلك عطف الشاعر الماء على التبن في قوله: (وعلفتها تبنا وماء باردا) (1) والماء لا يعلف لاشتراكهما في أصل التناول. والجواب، قولهم إن العطف إنما هو على الايدي، فأبعد من كل بعيد، لما فيه من ترك العطف على ما يلي المعطوف إلى ما لا يليه. وأما التقدير بالكعبين فمما لا يمنع من العطف على الرؤوس الممسوحة، وإن لم يكن مسح الرؤوس مقدرا في الآية كما عطف الايدي على الوجوه في حكم الغسل، وإن كان غسل اليدين مقدرا وغسل الوجوه غير مقدر. وأما القراءة بالنصب، فإنما كان ذلك عطفا على الموضع، وذلك لان الرؤوس في موضع النصب، بوقوع الفعل عليها، غير أنه لما دخل الخافض على الرؤوس، أوجب الكسر، ومنه قول الشاعر: معاوي إننا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا عطف (الحديد) على موضع (الجبال) إذ هي في موضع نصب، غير أنها خفضت بدخول الجار عليها. قولهم إن الكسر بسبب المجاورة إنما يصح إذا لم يكن بين المتجاورين فاصل كما ذكروه من الشعر، وأما إذا فصل بينهما حرف العطف فلا. وإن سلمنا جوازه غير أنه مما لا يتحمل إلا لضرورة الشعر، فلا ينتهض موجبا لاتباعه، وترك ما أوجبه العطف. ومثل ذلك، وإن ورد في النثر، كما في قولهم جحر ضب خرب وماء شن بارد فمن النوادر الشاذة التي لا يقاس عليها. قولهم: إن العطف وإن وقع على الرؤوس، فذلك غير موجب للاشتراك في تفاصيل حكم المعطوف عليه. قلنا: هذا هو الاصل، وإنما يصار إلى خلافه لدليل، ولا دليل، وإنما ذكرنا هذه النبذة من مسائل التأويلات لتدرب المبتدئين بالنظر في أمثالها. وبالجملة، فالمتبع في ذلك إنما هو نظر المجتهد في كل مسألة فعليه اتباع ما أوجبه ظنه.


1 - تمامه (حتى شتتت همالة عيناها) انظر هذا البيت وما معه من الابيلت في باب الحذف والاختصار من تأويل مشكل القران لابن قتيبه. (*)

[ 64 ]

القسم الثاني في دلالة غير المنظوم وهو ما دلالته لا بصريح صيغته ووضعه، وذلك لا يخلو إما أن يكون مدلوله مقصودا للمتكلم، أو غير مقصود: فإن كان مقصودا، فلا يخلو إما أن يتوقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به عليه، أو لا يتوقف: فإن توقف، فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة الاقتضاء، وإن لم يتوقف فلا يخلو إما أن يكون مفهوما في محل تناوله اللفظ نطقا، أو لا فيه. فإن كان الاول، فتسمى دلالته دلالة التنبيه والايماء، وإن كان الثاني: فتسمى دلالته دلالة المفهوم. وأما إن كان مدلوله غير مقصود للمتكلم، فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة الاشارة. فهذه أربعة أنواع: النوع الاول - دلالة الاقتضاء وهي ما كان المدلول فيه مضمرا، إما لضرورة صدق المتكلم، وإما لصحة وقوع الملفوظ به. فإن كان الاول، فهو كقوله (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وقوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل وقوله عليه السلام: لا عمل إلا بنية (1) فإن رفع الصوم والخطإ والعمل مع تحققه ممتنع، فلا بد من إضمار نفي حكم يمكن نفيه، كنفي المؤاخذة والعقاب في الخبر الاول، ونفي الصحة أو الكمال في الخبر الثاني، ونفي الفائدة والجدوى في الخبر الثالث ضرورة صدق الخبر.


1 - الحديث معناه صحيح وقد روى بالفاظ عدة منه انما الاعمال بالنيات: (والاعمال بالنيات) (والاعمال بالنية) وقد ذكر كثيرا منها ابن حجر في فتح الباري وليس من بينها (لا عمل الا بنية) (*)

[ 65 ]

وإما إن كان لصحة الملفوظ به فإما ان تتوقف صحته عليه عقلا أو شرعا. فإن كان الاول، فكقوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82) فإنه لا بد من إضمار أهل القرية لصحة الملفوظ به عقلا (1). وإن كان الثاني، فكقول القائل لغيره: أعتق عبد ك عني على ألف فإنه يستدعي تقدير سابقة انتقال الملك إليه ضرورة توقف العتق الشرعي عليه. النوع الثاني - دلالة التنبيه والايماء وهي خمسة أصناف، وسيأتي ذكرها في القياس. النوع الثالث - دلالة الاشارة وذلك كما في قوله (ص)، في حق النساء النساء ناقصات عقل ودين فقيل له: يا رسول الله، ما نقصان دينهن ؟ - قال: تمكث إحداهن في قعر بيتها شطر دهرها لا تصلي، ولا تصوم (2) فهذا الخبر إنما سيق لبيان نقصان دينهن، لا لبيان أكثر الحيض وأقل الطهر، ومع ذلك لزم منه أن يكون أكثر الحيض خمسة عشر يوما، وأقل الطهر كذلك، لانه ذكر شطر الدهر مبالغة في بيان نقصان دينهن، ولو كان الحيض يزيد على خمسة عشر يوما لذكره وكذلك دلالة مجموع قوله تعالى: * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * (46) الاحقاف: 15) وقوله تعالى: * (وفصاله في عامين) * (31) لقمان: 14) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وإن لم يكن ذلك مقصودا من اللفظ. وكذلك قوله تعالى: * (فالآن باشروهن) * (2) البقرة: 187) أباح المباشرة ممتدة إلى طلوع الفجر بقوله: * (حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود) * (2) البقرة: 187) وكان بيان ذلك هو المقصود، ومع ذلك لزم منه أن من جامع في ليل رمضان، وأصبح جنبا لم يفسد صومه، لان من جامع في آخر الليل، لا بد من تأخر غسله إلى النهار، فلو كان ذلك مما يفسد الصوم لما أبيح الجماع في آخر جزء من الليل. ومع ذلك فإنه لم يقع مقصودا من الكلام، إلى نظائره.


1 - واسال القرية - انظر 45 ج 1. 2 - الحديث مثل به الاصول لما يدل على معان ثانوية،. استدل به الفقهاء على اكثر مدة الحيض واقل مدة الطهر، وقد انكره غير واحد وقال لا اصل له انظر تلخيص الحبير، وكشف الخفا. (*)

[ 66 ]

النوع الرابع المفهوم ولا بد من النظر في معناه وأصنافه قبل الحجاج في نفيه وإثباته أما معناه، فاعلم أن المفهوم مقابل للمنطوق، والمنطوق أصل للمفهوم، فلا بد من تحقيقه أولا، ثم العود إلى تحقيق، معنى المفهوم ثانيا. فنقول أما المنطوق، فقد قال بعضهم هو ما فهم من اللفظ في محل النطق، وليس بصحيح، فإن الاحكام المضمرة في دلالة الاقتضاء مفهومة من اللفظ في محل النطق، ولا يقال لشئ من ذلك منطوق اللفظ، فالواجب أن يقال: المنطوق ما فهم من دلالة اللفظ قطعا في محل النطق وذلك كما في وجوب الزكاة المفهوم من قوله (ص): في الغنم السائمة زكاة وكتحريم التأفيف للوالدين من قوله تعالى: * (ولا تقل لهما أف) * (17) الاسراء: 23) إلى نظائره. وأما المفهوم فهو ما فهم من اللفظ في غيره محل النطق، والمنطوق، وإن كان مفهوما من اللفظ، غير أنه لما كان مفهوما من دلالة اللفظ نطقا، خص باسم المنطوق، وبقي ما عداه معرفا بالمعنى العام المشترك، تمييزا بين الامرين. وإذا عرف معنى المفهوم، فهو ينقسم إلى ما يسمى مفهوم الموافقة وإلى ما يسمى مفهوم المخالفة. أما مفهوم الموافقة فما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقا لمدلوله في محل النطق، ويسمى أيضا فحوى الخطاب ولحن الخطاب، والمراد به معنى الخطاب ومنه قوله تعالى: * (ولتعرفنهم في لحن القول) * (47) محمد: 30) أي في معناه. وقد يطلق اللحن ويراد به اللغة، ومنه يقال: لحن فلان بلحنه إذا تكلم بلغته وقد يطلق ويراد به الفطنة، ومنه قوله (ص): (ولعل بعضكم الحن بحجته من بعض) أي أفطن. وقد يطلق ويراد به الخروج عن ناحية الصواب، ويدخل فيه إزالة الاعراب عن جهة الصواب.

[ 67 ]

ومثاله تحريم شتم الوالدين وضربهما من دلالة قوله تعالى: * (ولا تقل لهما أف) * (17) الاسراء: 23) فإن الحكم المفهوم من اللفظ في محل في محل السكوت موافق للحكم المفهوم في محل النطق. وكذلك دلالة قوله تعالى: * (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) * (4) النساء: 10) على تحريم إتلاف أموالهم، وكدلالة قوله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * (99) الزلزلة: 7 - 8) على المقابلة فيما زاد على ذلك وكدلالة قوله تعالى: * (ومنهم من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) * (3) آل عمران: 75) على تأدية ما دون القنطار، وعدم تأدية ما فوق الدينار، إلى غير ذلك من النظائر. والدلالة في جميع هذه الاقسام لا تخرج من قبيل التنبيه بالادنى على الاعلى، وبالاعلى على الادنى، ويكون الحكم في محل السكوت أولى منه في محل النطق، وإنما يكون كذلك إن لو عرف المقصود من الحكم في محل النطق من سياق الكلام وعرف أنه أشد مناسبة واقتضاء للحكم في محل السكوت من اقتضائه له في محل النطق، وذلك كما عرفنا من سياق الآية المحرمة للتأفيف أن المقصود إنما هو كف الاذى عن الوالدين، وأن الاذى في الشتم والضرب أشد من التأفيف، فكان بالتحريم أولى. وإلا فلو قطعنا النظر عن ذلك، لما لزم من تحريم التأفيف تحريم الضرب العنيف، ولهذا فإنه يتنظم من الملك أن يأمر الجلاد بقتل والده إذا استيقن منازعته له في ملكه، وينهاه عن التأفيف، حيث كان المقصود من الامر بالقتل إنما هو دفع محذور المنازعة في الملك، وإن كان القتل أشد في دفعه من التأفيف، ولذلك لم يلزم من إباحة أعلى المحذورين إباحة أدناهما، ولا من تحريم أدناهما تحريم أعلاهما. وهذا مما اتفق أهل العلم على صحة الاحتجاج به إلا ما نقل عن داود الظاهري أنه قال إنه ليس بحجة، ودليل كونه حجة أنه إذا قال السيد لعبده، لا تعط زيدا حبة، ولا تقل له أف، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه فإنه يتبادر إلى الفهم من ذلك امتناع إعطاء ما فوق الحبة، وامتناع الشتم والضرب، وامتناع الظلم بالدينار

[ 68 ]

وما زاد، وامتناع أذيته بما فوق التعبيس من هجر الكلام وغيره، ولذلك كان المفهوم من قول النبي (ص): احفظ عفاصها ووكاءها حفظ ما التقط من الدنانير ومن قوله (ص)، في الغنيمة: أدوا الخيط والمخيط أداء الرحال والنقود وغيرها، ومن قوله: من سرق عصا مسلم، فعليه ردها رد ما زاد على ذلك. وكذلك لو حلف أنه لا يأكل لفلان لقمة، ولا يشرب من مائه جرعة، كان ذلك موجبا لامتناعه من أكل ما زاد على اللقمة كالرغيف وشرب ما زاد على الجرعة، إلى نظائره. غير أن الخلاف واقع في أن مستند الحكم في محل السكوت، هل هو فحوى الدلالة اللفظية، أو الدلالة القياسية. وقد احتج القائلون بالفحوى بأن العرب إنما وضعت هذه الالفاظ للمبالغة في التأكيد للحكم في محل السكوت. وأنها أفصح من التصريح بالحكم في محل السكوت. ولهذا، فإنهم إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفرسين سابقا للآخر، قالوا هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس وكان ذلك عندهم أبلغ من قولهم هذا الفرس سابق لهذا الفرس وكذلك إذا قالوا فلان يأسف بشم رائحة مطبخه فإنه أفصح عندهم وأبلغ من قولهم فلان لا يطعم ولا يسقي. واحتج القائلون بكونه قياسا أنا لو قطعنا النظر عن المعنى الذي سيق له الكلام من كف الاذى عن الوالدين، وعن كونه في الشتم والضرب، أشد منه في التأفيف، لما قضى بتحريم الشتم والضرب إجماعا، ولما سبق من جواز أمر الملك للجلاد بقتل والده، والنهي عن التأفيف له، فالتأفيف أصل، والشتم والضرب فرع، ودفع الاذى علة، والتحريم حكم، ولا معنى للقياس إلا هذا. وسموا ذلك قياسا جليا نظرا إلى أن الوصف الجامع بين الاصل والفرع ثابت بالتأثير. والاشبه إنما هو المذهب الاول، وهو الاسناد إلى فحوى الدلالة اللفظية. وما قيل من أنه لا بد من فهم المعنى، وكونه في محل السكوت أولى بالحكم في محل النطق. فهو شرط تحقق الفحوى، ولا مناقضة بينه وبين الفحوى، ويدل على أنه ثابت بالفحوى لا بالقياس أمران

[ 69 ]

: الاول: أن القياس لا يشترط فيه أن يكون المعنى المناسب للحكم في الفرع أشد مناسبة له من حكم الاصل إجماعا، وهذا النوع من الاستدلال لا يتم دونه، فلا يكون قياسا. الثاني: أن الاصل في القياس لا يكون مندرجا في الفرع وجزءا منه إجماعا. وهذا النوع من الاستدلال قد يكون ما تخيل أصلا فيه جزءا مما تخيل فرعا، وذلك كما لو قال السيد لعبده لا تعط لفلان حبة فإنه يدل على امتناع إعطاء الدينار وما زاد عليه، والحبة المنصوصة تكون داخلة فيه. وكذلك قوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (99) الزلزلة: 7 - 8) فإنه يدل على روية ما زاد على الذرة، والذرة تكون داخلة فيه، إلى نظائره. ولهذا، فإن كل من خالف في القياس مطلقا وافق على هذا النوع، من الدلالة، سوى أهل الظاهر، ولو كان قياسا، لما كان كذلك. وعلى كل تقدير، فهو منقسم إلى قطعي وظني. أما القطعي: فكما ذكرناه من آية التأفيف حيث إنا علمنا من سياق الآية أن حكمة تحريم التأفيف إنما هو دفع الاذى عن الوالدين، وأن الاذى في الشتم والضرب أشد. وأما الظني: فكما في قوله تعالى: * (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) * (4) النساء: 92) فإنه وإن دل على وجوب الكفارة في القتل العمد، لكونه أولى بالمؤاخذة، كما يقوله الشافعي، غير أنه ليس بقطعي لامكان أن لا تكون الكفارة في القتل الخطأ موجبة بطريق المؤاخذة لقوله (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان والمراد به رفع المؤاخذة، بل نظرا للخاطئ بإيجاب ما يكفر ذنبه في تقصيره، ومن ذلك سميت كفارة، وجناية المتعمد فوق جناية الخاطئ. وعند ذلك، فلا يلزم من كون الكفارة رافعة لاثم أدنى الجنايتين أن تكون رافعة لاثم أعلاهما. وأما مفهوم المخالفة فهو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفا لمدلوله في محل النطق، ويسمى دليل الخطاب أيضا، وهو عند القائلين به منقسم إلى عشرة أصناف متفاوتة في القوة والضعف.

[ 70 ]

الصنف الاول: منها ذكر الاسم العام مقترنا بصفة خاصة، كقوله (ص): في الغنم السائمة زكاة. الصنف الثاني: مفهوم الشرط والجزاء كقوله تعالى: * وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن) * (65) الطلاق: 6) وقوله (ص): إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه (1). الصنف الثالث: مفهوم الغاية كقوله تعالى: * (فلا تحل له من بعد، حتى تنكح زوجا غيره) * (2) البقرة: 230) وقوله تعالى: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (2) البقرة: 222) * (وحتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * (9) التوبة: 29). الصنف الرابع: مفهوم إنما كقوله (ص): إنما الاعمال بالنيات. وإنما الربا في النسيئة. وإنما الولاء لمن أعتق. وإنما الشفعة فيما لم يقسم إلى نظائره. الصنف الخامس: التخصيص بالاوصاف التي تطرأ وتزول بالذكر كقوله (ص): الثيب أحق بنفسها من وليها. وقوله عليه الصلاة والسلام: (في السائمة زكاة). الصنف السادس: مفهوم اللقب، وذلك كتخصيص الاشياء الستة في الذكر بتحريم الربا (2). الصنف السابع: مفهوم الاسم المتشق الدال على الجنس، كقوله (ص)، لا تبيعوا الطعام بالطعام وهو قريب من مفهوم اللقب لكون الطعام لقبا لجنس. الصنف الثامن: مفهوم الاستثناء، كقوله تعالى: * (لا إله إلا الله) * (37) الصافات: 35) وقول القائل (لا عالم في البلد إلا زيد). الصنف التاسع: تعليق الحكم بعدد خاص، كتخصيص حد القذف بثمانين. الصنف العاشر: مفهوم حصر المبتدإ في الخبر كقوله (العالم زيد وصديقي عمرو) (3).


1 - حديث (إذ اتاكم كريم قوم فأكرموه) روى من عدة طرق كلها ضعيفة بل حكم بعض العلماء بوضعه ولكن عابه في ذلك ابن حجر وشيخه العراقي لكثرة طرقه التى يقوى بعضها بعضا. 2 - في الذكر بتحريم الربا، لعله بالذكر في تحريم الربا. 3 - الظاهر ان الحصر في قوله العالم زيد من حصر الخبر في المبتدأ فان المعنى على = (*)

[ 71 ]

وإذا عرف المفهوم بحده وأصنافه فيجب أن تعلم قبل الخوض في الحجاج في هذه الاصناف أن مستند فهم الحكم في محل السكوت عند القائلين به إنما هو النظر إلى فائدة تخصيص محل النطق بالذكر دون غيره، وسواء كان ذلك من قبيل مفهوم الموافقة أو المخالفة، وإن افترقا من جهة أن فائدة التخصيص بالذكر في مفهوم الموافقة إنما هو تأكيد مثل حكم المنطوق في محل المسكوت عنه وفائدة التخصيص بالذكره في مفهوم المخالفة إنما هو نفي مثل حكم المنطوق في محل السكوت وذلك مما لا يعلم من مجرد تخصيص محل النطق بالذكر دون نظر عقلي يتحقق به أن التخصيص للتأكيد أو النفي، وذلك بأن ينظر إلى حكمة الحكم المنطوق به فإن عرفت وعرف تحققها في المحل المسكوت عنه وأنها أولى باقتضائها الحكم فيه من الحكم في محل النطق، علم أن فائدة التخصيص التأكيد وأن المفهوم مفهوم الموافقة (1) وإن لم يعلم حكمة الحكم المنطوق به، أو علمت غير أنها لم تكن متحققة في محل السكوت أو كانت متحققة فيه لكنها ليست أولى باقتضاء الحكم فيه (2) علم أن فائدة التخصيص إنما هي النفي (3) وأن المفهوم مفهوم المخالفة. وإذا أتينا على تحقيق المفهوم وأصنافه، فلنرجع إلى المقصود من الحجاج في نفيه وإثباته، وما هو المختار في كل واحد من أصنافه، فنقول: أما مفهوم الموافقة فقد اتفق الكل على صحة الاحتجاج به سوى الظاهرية، وإن اختلفوا في دلالته، هل هي لفظية أو قياسية، على ما سبق. والمتفقون على صحة مفهوم الموافقة اختلفوا في صحة الاحتجاج بمفهوم المخالفة، فيجب الخوض فيما يتعلق به من المسائل، وهي تسع مسائل


= الحكم بالعلم لزيد والمحكوم له أو عليه هو المبتدأ والمتضمن للحكم هو الخبر. وكذلك القول في جملة صديقي عمرو فهو من قصر صداقة المتكلم المفهومة من الخبر على عمرو المحكوم عليه. 1 - ومثل ذلك ما إذا علم ان اقتضاءها للحكم في المسكوت مساو لاقتضائها اياه في محل النطق فيسمى ايضا مفهوم الموافقة، أو القياس الجلي. 2 - وليست مساوية أيضا كما تقدم. 3 - انما هي النفي، يعني ان التخصيص في المنطوق فيما يسمى مفهوم = (*)

[ 72 ]

المسألة الاولى اختلفوا في الخطاب الدال على حكم مرتبط باسم عام مقيد بصفة خاصة كقوله (ص): في الغنم السائمة زكاة (1) هل يدل على نفي الزكاة عن غير السائمة، أو لا ؟ فأثبته الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والاشعري وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وأبو عبيد (2) وجماعة من أهل العربية ونفاه أبو حنيفة وأصحابه والقاضي أبو بكر وابن سريج والقفال والشاشي وجماهير المعتزلة. وفرق أبو عبد الله البصري من المعتزلة، وقال: الخطاب المتعلق بالصفة دال على النفي عما عداها في أحد أحوال ثلاث، وهي: أن يكون الخطاب قد ورد للبيان، كما في قوله (ص): في الغنم السائمة زكاة أو التعليم، كما في خبر التحالف عند التخالف والسلعة قائمة (3) أو يكون ما عدا الصفة داخلا تحتها، كالحكم بالشاهدين، فإنه يدل على نفيه عن الشاهد الواحد لدخوله في الشاهدين، ولا يدل على النفي فيما سوى ذلك.


= الموافقة يدل على انه لا يحكم في المسكوت بمثل ما حكم بهفي المنطوق، اما ان يدل على ثبوت حكم في المسكوت مخالف لحكم المنطوق فهذا محل نظر واختلاف بين العلماء على ما سيجئ: وقالت الظاهرية ان التخصيص في المنطوق لا دلاله له على اثبات حكم ما في المسكوت ولا نفيه. 1 - هذا معنى جزء من حديث رواه البخاري من طريق انس بن مالك بلفظ في صدقة الغنم اربعين إلى عشرين ومائة شاة فاقتصر المؤلف على موضع الشاهد وتصرف في العبارة. 2 - أبو عبيد هو القاسم بن سلام، البغدادي مات بمكة عام 224 ه‍ عن 76 سنة 3 - يشير إلى ما رواه عبد الله بن احمد في زيادات المسند من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن جده بلفظ (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لاحدهما تحالفا)، وقد روي الحديث عن عبد الله بن مسعود من طرق بألفاظ مختلفة كل منها لم يخل من مقال، قد جزم الشافعي بأن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شئ موصول. (*)

[ 73 ]

وإذ أتينا على تفصيل المذاهب من الجانبين، فلا بد من ذكر حجج الفريقين والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. أما القائلون بالاثبات فقد احتجوا بحجج نقلية وعقلية أما الحجج النقلية فست حجج. الحجة الاولى: أنهم قالوا إن أبا عبيد القاسم بن سلام من أهل اللغة، وقد قال بدليل الخطاب في قوله (ص): لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (1) حيث قال إنه أراد به أن من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته والواجد هو الغني وليه مطله ومعنى إحلال عرضه مطالبته، وعقوبته حبسه. وقال في قوله (ص): مطل الغنى ظلم، مطل غير الغنى ليس بظلم، وقال عليه السلام (لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا) (2) وقد قيل له إن: النبي (ص)، إنما أراد الهجاء من الشعراء أو هجاء الرسول، فقال: لو كان ذلك هو المراد، لم يكن لتعليق ذلك بالكثرة وامتلاء الجوف منه معنى لان ما دون ملء الجوف من ذلك ككثيره. ووجه الاحتجاج به أنه فهم أن تعليق الذم على امتلاء الجوف من ذلك مخالف لما دونه. ولقائل أن يقول: حكم أبي عبيد بذلك إن ادعيتم أنه كان نقلا عن العرب، فهو غير مسلم، وليس في لفظه ما يدل على النقل. وإن قلتم إن ذلك كان بناء على مذهبه واجتهاده، فغايته أنه مجتهد فيه، فلا يكون ذلك حجة على غيره من المجتهدين المخالفين له في ذلك كيف وإنه لو ذكر ذلك نقلا، فلا نسلم كونه حجة في مثل هذه القاعدة اللغوية لكونه من أخبار الآحاد، ثم هو معارض بمذهب الاخفش (3)


1 - رواه احمد وابو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم من طريق الشريد بن سويد. 2 - رواه الجماعة. 3 - الاخفش - الاخافش في النحو ثلاثة أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد مولى قيس بن ثعلبة توفي عام 177 ه‍ المعروف بالخفش الاكبر. 3 إبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء البلخي ثم البصري المعروف بالاخفش الاوسط توفي عام 215 ه‍ 3 أبو المحاسن علي بن سلمان بن الفضل المعروف بالاخفش الاصغر توفي ببغداد عام 315 ه‍ عن ثمانين سنة. (*)

[ 74 ]

فإنه من أهل اللغة، ولم يقل بدليل الخطاب على ما نقل عنه، على أنه يمكن أن يكون حكمه بذلك مستندا إلى النفي الاصلي وعدم دلالة الدليل على مخالفته، وهو أولى جمعا بين المذاهب. الحجة الثانية: ما روى قتادة أنه قال: لما نزل قوله تعالى: * (استغفر لهم أو لا تستغفر لم، إن تستغفر لهم سبعين مرة، فلن يغفر الله لهم) * (9) التوبة: 80) قال النبي (ص): قد خيرني ربي، فوالله لا زيدن على السبعين فعقل أن ما زاد على السبعين بخلافه لقائل أن يقول: ما ذكرتموه من أخبار الآحاد، لا نسلم كونه حجة في مثل هذه القاعدة. وإن سلمنا أنه حجة، ولكن يمتنع التمسك به لوجهين: الاول: أن زيادة النبي (ص)، على السبعين في الاستغفار ليس فيه ما يدل على فهمه وقوع المغفرة لهم باستغفاره زيادة على السبعين، وليس في لفظه ما يدل عليه، فيحتمل أنه قصد بذلك استمالة قلوب الاحياء منهم ترغيبا لهم في الدين، لا لوقوع المغفرة، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل ربما كان احتمال الاستمالة أولى من فهمه وقوع المغفرة بالزيادة على السبعين في الاستغفار من الآية، لما فيه من دفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: * (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، لن يغفر الله لهم) * (9) التوبة: 80). الوجه الثاني: أن تخصيص نفي المغفرة بالسبعين يدل على انتفاء المغفرة بالسبعين قطعا ضرورة صدق الله تعالى في خبره. ومن قال بدليل الخطاب فهو قائل بأنه يدل على نقيض حكم المنطوق في محل السكوت، وعند ذلك فلو دل اختصاص السبعين بنفي المغفرة قطعا، على نقيضه في محل السكوت، لكان دالا على وقوع المغفرة بعد السبعين، وذلك إما أن يكون قطعا أو ظنا: الاول: خلاف الاجماع وخلاف ما ذكرناه من الآية الدالة على امتناع المغفرة بعد السبعين والثاني: فليس نقيضا لنفي المغفرة قطعا، بل هو مقابل، والمقابل أعم من النقيض، فلا يكون ذلك من باب دليل الخطاب، وفيه دقة فليتأمل.

[ 75 ]

الحجة الثالثة: مصير ابن عباس، رضي الله عنهما، إلى منع توريث الاخت مع البنت، استدلالا بقوله تعالى: * (إن امرؤ هلك ليس له ولد، وله أخت، فلها نصف ما ترك) * (4) النساء: 176) حيث إنه فهم من توريث الاخت مع عدم الولد امتناع توريثها مع البنت لانها ولد، وهو من فصحاء العرب وترجمان القرآن. وجواب هذه الحجة ما سبق في دفع الحجة التي قبلها كيف وإنه يحتمل أنه ورث الاخت عند عدم الولد بالآية، وعند وجود البنت لم يورثها بناء على استصحاب النفي الاصلي، لا بناء على دليل الخطاب، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. الحجة الرابعة: أن الصحابة اتفقوا على أن قوله (ص): إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل (1) ناسخ لقوله (ص): الماء من الماء (2) ولولا أن قوله: الماء من الماء يدل على نفي الغسل من غير إنزال لما كان نسخا له. ولقائل أن يقول: لا نسلم صحة الاحتجاج بخبر الواحد في اللغات، وإن سلمنا، ولكن لا نسلم أن جلة الصحابة اتفقوا على ذلك. وقول البعض لا يكون حجة على غيره، وإن سلمنا اتفاق الصحابة على ذلك، ولكن إنما حكموا بكونه ناسخا لا لمدلول دليل الخطاب، بل يحتمل أنهم فهموا من قوله (ص) الماء من الماء كل غسل من إنزال الماء، ويدل على تأكد هذا الاحتمال قوله (ص): لا ماء إلا من الماء فكان قوله: إذا التقى الختانان، وجب الغسل ناسخا لمدلول عموم الاول، لا لمدلول دليل الخطاب وليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل حمله على ما ذكرناه أولى، لكونه متفقا عليه، ومختلفا فيما ذكروه.


1 - رواه الشافعي في الام وابن ماجه من طريق عائشة وصححه ابن حبان واعله البخاري بأن الاوزاعي اخطأ فيه ورواه غيره عن عبد الرحمن ابن القاسم مرسلا ورواه الترمذي بلفظ (إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل) وصححه. 2 - جزء من حديث رواه احمد وابو داود والترمذي وصححه.

[ 76 ]

الحجة الخامسة: ما روي أن يعلى بن أمية قال لعمر: ما بالنا نقصر، وقد أمنا وقد قال الله تعالى: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) * (4) النساء: 101) ووجه الاحتجاج به أنه فهم من تخصيص القصر بحالة الخوف عدم القصر عند عدم الخوف، ولم ينكر عليه عمر، بل قال: لقد عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي (ص) عن ذلك، فقال لي: هي صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته ويعلى بن أمية وعمر من فصحاء العرب، وقد فهما ذلك. والنبي (ص)، أقرهما عليه. ولقائل أن يقول: لا نسلم صحة الاحتجاج بخبر الواحد ها هنا، وإن سلمنا لكن يحتمل أن يعلى وعمر بنيا عدم القصر على استصحاب الحال في حالة الامن، لا على دليل الخطاب، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل البناء على الاستصحاب أولى، دفعا للتعارض بين الدليل المجوز للقصر حالة الامن، والدليل النافي له. الحجة السادسة: أنه إذا قال العربي لوكيله اشتر لي عبد ا أسود فهم منه عدم الشراء للابيض، حتى إنه لو اشترى أبيض لم يكن ممتثلا، وكذلك إذا قال الرجل لزوجته أنت طالق إن دخلت الدار فهم منه انتفاء الطلاق عند عدم الدخول. ولقائل أن يقول: ليس ذلك مفهوما من دليل الخطاب بل عدم شراء الابيض وعدم وقوع الطلاق قبل دخول الدار إنما كان مستندا إلى النفي الاصلي ولهذا فإنه لو قال له لا تشتر لي عبد ا أسود وقال لزوجته إن دخلت الدار، فلست طالقة فإنه لا يصح شراؤه لعبد غير أسود، ولا يقع بالزوجة الطلاق بتقدير عدم دخول الدار لبقاء ذلك على النفي الاصلي، ولو كان نفي الحكم في محل السكوت مما يدل عليه ذكر الحكم في محل النطق، لصح شراء عبد ليس بأسود، وطلقت الزوجة بتقدير عدم دخول الدار. وعلى هذا فكل خطاب ورد في الشرع أو اللغة بحكم مخصص بصفة، وهو منفى عما عدا تلك الصفة، فهو مبني على استصحاب الحال، لا على دليل الخطاب. وأما الحجج العقلية فخمس حجج.

[ 77 ]

الحجة الاولى: أنه لو كان حكم السائمة والمعلوفة، سواء في وجوب الزكاة لما كان لتخصيص السائمة بالذكر فائدة، بل كان ملغزا بذكر ما يوهم في الزكاة في المعلوفة، ومقصرا في البيان مع دعو الحاجة إليه. وذلك على خلاف الاصل. وحيث امتنع ذلك دل على أن فائدة التخصيص بذكر السائمة نفي الزكاة عن المعلوفة. ولقائل أن يقول: ما ذكرتموه في إثبات دليل الخطاب يرجع إلى إثبات الوضع بما فيه من الفائدة، ولا نسلم إمكان إثبات الوضع بذلك (1) سلمنا إمكان ذلك ولكن لا نسلم أنه لا فائدة في تخصيص الصفة بالذكر سوى نفي الحكم المعلق بها عند عدمها. وبيانه من وجهين: الاول أنه لو لم يكن له فائدة سوى نفي الحكم في محل السكوت لامتنع ورود نص خاص يدل على إثبات الحكم في محل السكوت لما فيه من إبطال فائدة التخصيص بالذكر لمحل النطق لما يلزم من اللغو في كلام الحكيم، وهو ممتنع. فإن قيل: فإذا ثبت مثل ذلك الحكم في محل السكوت لم يكن مخصصا للصفة بالحكم، حتى يقال بأن التخصيص يكون لغوا. قلنا: فإذا مجرد تخصيص الصفة بالذكر لا يكون دليلا على نفي الحكم عند عدمها دون البحث عما يدل على إثبات الحكم في محل السكوت مع عدم الظفر به، وليس كذلك عندكم، لكن نفس التخصيص دليل، ووجود ما يدل على ثبات الحكم في صورة السكوت يكون معارضا له، بل أمكن (2) وجود فائدة أخرى دعت إلى التخصيص بالذكر، وهي إما عموم وقوع المذكور، كما في قوله تعالى: * (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) * (4) النساء: 23) وإما لسؤال سائل سأل عن ذلك، أو لحدوث واقعة وقعت كذلك. وإن لم يكن شئ من ذلك فأمكن أن يكون ذلك لرفع وهم من توهم أن حكم الصفة بتقدير تعميم اللفظ يكون مخالفا لحكم العموم


1 - وذلك لان مدار اثبات الوضع النقل لا التعليل والعقل، إذا العقل لا مدخل له في اثبات اللغات. 2 - لم يتميز بدء (الوجه الثاني) ولعله يبدأ بقوله بل أمكن وجود فوائد اخرى دعت إلى التخصيص بالذكر الخ. (*)

[ 78 ]

ويكون بذلك منبها على إثبات الحكم فيما عدا الصفة بطريق الاولى، وذلك كما لو قال: ضحوا بشاة فإنه قد يتوهم متوهم أنه لا يجوز التضحية بشاة عوراء، فإذا قال: ضحوا بشاة عوراء كان ذلك أدل على التضحية بما ليست عوراء، وكذلك لو قال: ولا تقتلوا أولادكم (17) الاسراء: 31) على العموم فقد يتوهم أنه لم يرد النهي عن قتلهم عند خشية الاملاق، فإذا قال: * (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) * (17) الاسراء: 31) كان أدل على النهي في غير حالة الخشية، وإن لم يكن كذلك أمكن أن يكون لفائدة تعريف حكم المنطوق والمسكوت بنصين مختلفين، إذ هو أدل على المقصود من التعميم لوقوع الخلاف فيه، وإمكان تطرق التخصيص بالاجتهاد إلى محل الصفة وغيرها، وليس مرادا للتخصيص، وإن لم يكن كذلك، أمكن أن يكون ذلك لفائدة التوصل إلى معرفة الحكم في المسكوت عنه بطريق الاجتهاد، لينال المكلف ثواب الاجتهاد، حين توفر دواعي المجتهدين على النظر والاستدلال والبحث عن الاحكام الشرعية، فتبقى غضة طرية، كما هي في سائر الاصول المنصوص عليها مع وقوعها في الاقيسة وإن لم يكن كذلك أمكن أن يكون حكم الصفة جاريا على حكم العقل الاصلي، وتكون المصلحة في نظر الشارع تعريف ذلك الحكم عند وجود الصفة بالنص، وعند عدمها بالبقاء على الحكم الاصلي، كما لو قال: لا زكاة في الغنم السائمة وإن لم يكن كذلك، وكان الحكم في محل السكوت مخالفا للحكم في محل النطق، فأمكن أن يكون ثبوت الحكم على خلاف حكم العقل، كما في إيجاب الزكاة، وتكون فائدة التنصيص على محل الصفة اختصاصه بالحكم، فإنه لولا النص، لما ثبت، ويكون الحكم في محل السكوت، منتفيا بناء على حكم العقل الاصلي. فإن قيل: فإذا سلمتم انتفاء الحكم في محل السكوت، فقد وافقتم على المطلوب. قلنا: ليس كذلك، فإن النزاع إنما وقع في إسناد النفي في محل السكوت إلى دليل الخطاب لا إلى النفي الاصلي،

[ 79 ]

وإن سلمنا أنه لا فائدة في التخصيص سوى ما ذكرتموه، لكن يلزم على ما ذكرتموه مفهوم اللقب الذي لم يقل به محصل على ما يأتي تقريره، فكل ما هو جواب لكم ثم فهو جواب لنا ها هنا. الحجة الثانية: إن أهل اللغة فرقوا بين الخطاب المطلق والمقيد بالصفة، كما فرقوا بين الخطاب المرسل وبين المقيد بالاستثناء، والاستثناء يدل على أن حكم المستثنى على خلاف حكم المستثنى منه، فكذلك الصفة ولقائل أن يقول: نحن لا ننكر الفرق بين حكم الخطاب المطلق، وبين حكم الخطاب المقيد بالصفة، فإن حكم المطلق العلم أو الظن بثبوت حكمه مطلقا، وحكم الخطاب المقيد بالصفة ثبوته في محل التنصيص، قطعا أو ظنا وفي غير محل الصفة مشكوك في إثباته ونفيه، فقد افترقا، كما وقع الافتراق بين الخطاب المطلق والخطاب المستثنى منه، غير أن المطلق يقتضي إثبات الحكم أو نفيه مطلقا والخطاب المستثنى منه يقتضي نفي الحكم في صورة الاستثناء جزما. وعلى هذا، فإن قيل بأن العرب سوت من كل وجه، فهو ممتنع. وإن قيل بوجوب التسوية بينهما من جهة أنه لا بد من الافتراق بين المطلق والمقيد بالصفة في الجملة كما وقع الافتراق بين المطلق والمستثنى منه في الجملة، فهو واقع لا محالة. الحجة الثالثة: أنه إذا كان التخصيص بذكر الصفة يدل على الحكم في محل التنصيص، وعلى نفيه في محل السكوت، كانت الفائدة فيه أكثر مما إذا لم يدل، فوجب جعله دليلا عليه. ولقائل أن يقول: ما ذكرتموه وإن كان من جملة الفوائد، غير أن إثبات الحكم أو نفيه مأخوذا من دليله، فرع دلالة ذلك الدليل عليه. فلو قيل بكونه دليلا عليه لكون الحكم يكون داخلا فيه كان دورا. كيف وإنه ليس القول بكون التخصيص دالا على نفي الحكم في محل السكوت، تكثيرا للفائدة، وإبطال ما ذكرناه من الفوائد التي سبقت، أولى من العكس.

[ 80 ]

الحجة الرابعة: أن التعليق بالصفة كالتعليق بالعلة، والتعليق بالعلة يوجب نفي الحكم لانتفاء العلة، فكذلك الصفة. ولقائل أن يقول لا نسلم لزوم انتفاء الحكم مع انتفاء العلة، حتى يقال مثله في الصفة اللهم إلا أن يقال باتحاد العلة فإنه يلزم من نفيها نفي الحكم، ولكن لا نسلم أنه يلزم مثله في الصفة ضرورة أنه يلزم من تعدد أصناف النوع وأشخاصه تعدد صفاته وإلا لما تعدد، بل كان متحدا من كل وجه. الحجة الخامسة: أنه قال (ص) طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا فلو لم يدل على عدم الطهارة فيما دون السبع، وإلا لما طهر بالسبع، لان السابعة تكون واردة على محل طاهر، فلا يكون طهوره بالسبع، ويلزم من ذلك إبطال دلالة المنطوق. وكذلك إذا قال يحرم من الرضاع خمس رضعات لو لم يدل على أن ما دون ذلك لا يحرم لما كانت الخمس رضعات محرمة لما عرف في الغسلات. ولقائل أن يقول لا يلزم من كون الغسلات السبع غير دالة على نفي الطهارة فيما دون السبع، ومن كون الرضعات الخمس غير دالة على نفي الحرمة فيما دونها أن يكون المحل قبل السابعة طاهرا ولا أن يكون ما دون الخمس من الرضاع محرما لجواز ثبوت النجاسة قبل السبع بدليل آخر غير دليل الخطاب. وكذلك جاز أن يكون ما دون الرضعات الخمس غير محرمة بدليل غير دليل الخطاب. وإذ أتينا على حجج القائلين بدليل الخطاب وتتبع ما فيها فلا بد من ذكر حجج عول عليها القائلون بإبطال دليل الخطاب والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. الحجة الاولى: أن تقييد الحكم بالصفة، لو دل على نفيه عند نفيها، إما أن يعرف ذلك بالعقل أو النقل، والعقل لا مجال له في اللغات، والنقل إما متواتر وآحاد ولا سبيل إلى التواتر والآحاد لا تفيد غير الظن، وهو غير معتبر في إثبات اللغات لان الحكم على لغة ينزل عليها كلام الله تعالى ورسوله (ص)، بقول الآحاد مع جواز الخطأ والغلط عليه يكون ممتنعا.

[ 81 ]

ولقائل أن يقول: إن سلمنا أن ذلك لا يعرف إلا بالنقل ولكن لا نسلم امتناع إثبات ذلك بالآحاد إذ المسألة عندنا غير قطعية، بل ظنية مجتهد فيها بنفي أو إثبات، بل غلبة ظن تجري فيها التخطئة الظنية، دون القطعية، كما في سائر مسائل الفروع الاجتهادية كيف وإن اشتراط التواتر في إثبات اللغات إما أن يكون في كل كلمة ترد عن أهل اللغة أو في البعض دون البعض، القول بالتفصيل تحكم غير معقول كيف وأنه لا قائل به وإن كان ذلك شرطا في الكل فذلك مما يفضي إلى تعطيل التمسك بأكثر اللغة لتعذر التواتر فيها، ويلزم من ذلك تعطيل العمل بأكثر ألفاظ الكتاب والسنة والاحكام الشرعية، والمحذور في ذلك فوق المحذور في قبول خبر الواحد المعروف بالعدالة والضبط والمعرفة، وهو تطرق الكذب أو الخطأ عليه مع أن الغالب صدقه وصحه نقله. ولهذا كان العلماء في كل عصر وإلى زمننا هذا يكتفون في إثبات الاحكام الشرعية المستندة إلى الالفاظ اللغوية بنقل الآحاد المعروفين بالثقة والمعرفة، كالاصمعي والخليل وأبي عبيدة وأمثالهم (1). الحجة الثانية: أنه لو كان تقييد الحكم بالصفة يدل على نفيه عند عدمها لما حسن الاستفهام عن الحكم في حال نفيها لا عن نفيه ولا عن إثباته، لكونه استفهاما عما دل عليه اللفظ، كما لو قال له: لا تقل لزيد أف فإنه دل على امتناع ضربه فإنه لا يحسن أن يقال فهل أضربه ولا شك في حسنه، لو قال أد الزكاة عن غنمك السائمة فإنه يحسن أن يقال وهل أؤديها عن المعلوفة ؟ ولقائل أن يقول: حسن الاستفهام إنما كان لطلب الاجلى والاوضح لكون دلالة الخطاب ظاهرة ظنية غير قطعية، ولهذا فإنهم لم يستقبحوا الاستفهام ممن


1 - هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن على بن اصمع الباهلي الاصمعي البصري مات بالبصرة عام 213 - 217 عن 88 سنة. والخليل هو ابن احمد الازدي الفراهيدي أبو عبد الرحمن البصري صاحب العروض وكتاب العين في اللغة مات عام 170 - 175 ه‍ وابو عبيدة النحوي معمر بن المثنى التيمي بالولاء البصري من ائمة العلم والادب واللغة ولد عام 110 ه‍ وتوفي عام 209 ه‍ فان كان المذكور أبا عبيد بلا تاء فقد سبقت ترجمه في ص 72 (*)

[ 82 ]

قال رأيت أسدا أو بحرا، أو دخل السلطان البلد بأن يقال هل رأيت الحيوان المخصوص أو إنسانا شجاعا ؟ وهل رأيت البحر الذي هو الماء المخصوص أو إنسانا كريما ؟ وهل رأيت السلطان نفسه أو عسكره ؟ مع أن لفظه ظاهر في أحد المعنيين دون الآخر. الحجة الثالثة: لو كان تعليق الحكم على الصفة يدل على نفيه عن غير المتصف بها لكان في الخبر كذلك ضرورة اشتراك الامر والخبر في التخصيص بالصفة، واللازم ممتنع. ولهذا، فإنه لو قال رأيت الغنم السائمة ترعى فإنه لا يدل على عدم رؤية المعلوفة منها. ولقائل أن يقول. الاستشهاد بالخبر، وإن كان كثيرا ما يستروح إليه المنكرون لدليل الخطاب، إلا أنه ممنوع عند القائلين بدليل الخطاب، ولا فرق عندهم في تعليق الحكم بالصفة بين الامر والخبر. ولهذا، فإنه لو قال القائل الفقهاء الشافعية فضلاء أئمة فإن سامعه من فقهاء الحنفية وغيرهم تشمئز نفسه من ذلك، وتكبر عن سماعه، لا لوصفه لهم بذلك، بل لما فيه من الاشعار بسلب ذلك عمن ليس بشافعي. وهذا الشعور مما لا يختلف فيه الامر والخبر عندهم، وإن سلم امتناع ذلك في الخبر، فحاصل ما ذكروه يرجع إلى القياس في اللغة وهو ممتنع لما سبق. وبتقدير صحة القياس في اللغة فالفرق بين الخبر والامر ظاهر، وذلك أنه إذا أخبر وقال رأيت خبزا سميذا، ولحما طريا، ورطبا جنيا إنما يخبر عما شاهده وعلمه، ولا يلزم من مشاهدته لذلك أن لا يكون قد شاهد ما ليس على هذه الصفة. وإذا قال لعبده اشتر خبزا سميذا، ولحما طريا ورطبا جنيا مع علمه بأن الخبز الخشكار، واللحم والرطب البايت، مما يباع في السوق، فقوله ذلك إنما يقصد به البيان، وتمييز ما يشترى عما لا يشترى، فكان النفي ملازما للاثبات. الحجة الرابعة: أن أهل اللغة فرقوا بين العطف والنقض فقالوا: قول القائل: اضرب الرجال الطوال والقصار فالقصار عطف، وليس بنقض للاول، ولو كان قوله اضرب الرجال الطوال مقتضيا لنفي الضرب عن القصار، لكان نقضا لا عطفا.

[ 83 ]

وهي بعيدة عن التحقيق. وذلك أن قول القائل اضرب الرجال الطوال إنما يدل على امتناع ضرب القصار بتقدير اختصاص الطوال بالذكر، وإذا عطف عليه القصار، فلا يكون مخصصا للطوال بالذكر، فلا يدل على نفي الضرب عن القصار، ثم هو منتقض بالتخصيص بالغاية، كما لو قال القائل لغيره صم إلى غروب الشمس فإنه يدل على أن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، ومع ذلك فإنه لو قال له صم إلى غروب الشمس وإلى نصف الليل فإنه لا يكون نقضا. الحجة الخامسة: أنه لو كان تعليق الحكم بالصفة دالا على نفيه عن غير الموصوف بها لما حسن الجمع بين قوله أد زكاة السائمة وبين قوله والمعلوفة لما بينهما من التناقض، كما لا يحسن أن يقول له لا تقل لزيد أف، واضربه. ولقائل أن يقول: إنما لا يحسن ذلك أن لو قيل بالمناقضة، وليس كذلك على ما سبق في الحجة التي قبلها. هذا إذا كان بطريق العطف، وأما إن قال بعد ذلك أد زكاة المعلوفة فإنما لم يمتنع، لان غايته أن صريح قوله: أد زكاة الغنم المعلوفة وقع معارضا لدليل الخطاب والمعارضة غير ممتنعة. ولا يلزم من عدم جواز مثل ذلك في فحوى الخطاب امتناعه في دليل الخطاب، إذ هو قياس في اللغة وهو ممتنع لما سبق. وبتقدير صحة القياس في اللغة، فالفرق ظاهر، وذلك لان امتناع ذلك في فحوى الخطاب إنما كان فيما علم، لا فيما ظن على ما سبق. ودليل الخطاب مظنون، ولا يلزم من امتناع معارضه المقطوع امتناع معارضة المظنون. ثم يلزم عليه التخصيص بالغاية كما سبق. الحجة السادسة: ذكرها أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار، وهي أن المقصود من الصفة إنما هو تمييز الموصوف بها عما سواه. وكذلك المقصود من الاسم إنما هو تمييز المسمى عن غيره، وتعليق الحكم بالاسم، كما لو قال: زيد عالم لا يدل على نفي العلم عمن لم يسم باسم زيد فكذلك تعليق الحكم بالصفة. ولقائل أن يقول: قياس التخصيص بالصفة على التخصيص بالاسم قياس في اللغة، فلا يصح، وإن صح، فلا نسلم أن تعليق الحكم بالاسم لا يدل على نفي الحكم عما سواه، كما يأتي. وإن سلم عدم دلالته على ذلك، فإنما يلزم مشاركة التعليق

[ 84 ]

بالصفة له في ذلك، أن لو بين أن مناط عدم دلالة التعليق بالاسم كونه موضوعا للتمييز، وهو غير مسلم. ثم الفرق بينهما أن شعور المتكلم بالاسم العام المقيد بالصفة الخاصة بما ليس له تلك الصفة (1) أتم من شعور المتكلم باسم أحد الجنسين بالجنس الآخر. وعند ذلك، فلا يلزم من عدم دلالة التخصيص بالاسم مثله في الصفة. كيف وهو منقوض بالتخصيص بالغاية، فإنها مقصودة للتمييز. ومع ذلك، فهو دال على أن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها. الحجة السابعة: أن تعليق الحكم بالصفة لا يدل على نفيه عن غير الموصوف بها، لانه يصح أن يقال: في الغنم السائمة زكاة، ولا زكاة في المعلوفة منها. ولو كان قوله: في الغنم السائمة زكاة يدل على نفيها عن المعلوفة، لما احتيج إلى العبارة الاخرى لعدم فائدتها. ولقائل أن يقول: كون الحكم في محل السكوت مستفادا من دليل الخطاب لا يمنع من وضع عبارة خاصة إذ هو أبلغ في الدلالة وأقرب إلى حصول المقصود كما لا يمتنع ذلك في التقييد بالغاية كما تقدم ذكره. الحجة الثامنة: أن القول في الغنم السائمة زكاة له دلالة بمنطوقه على وجوب زكاة السائمة، فلو كان له دلالة مفهوم، لجاز أن يبطل حكم المنطوق، ويبقى حكم دلالة المفهوم، كما يجوز أن يبطل حكم دليل الخطاب، ويبقى حكم صريح الخطاب وهو ممتنع. ولقائل أن يقول: دليل الخطاب إنما هو متفرع من تخصيص الحكم بالصفة فإذا بطل حكم الصفة، فلا تخصيص، ومع عدم التخصيص، فلا دلالة لدليل الخطاب، ثم هو منقوض بالتخصيص بالغاية. الحجة التاسعة: أنه ليس في لغة العرب كلمة تدل على المتضادين معا. فلو كان قوله في الغنم السائمة زكاة دالا على نفي الزكاة عن المعلوفة، لكان اللفظ الواحد دالا على الضدين معا، وهو ممتنع.


1 - بما ليس له تلك الصفة متعلق بشعور. (*)

[ 85 ]

ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه ليس في اللغة لفظ يدل على المتضادين معا بدليل ما ذكرناه من دلالة الاسماء المشتركة على المسميات المتعددة معا، كانت أضدادا أو لم تكن. سلمنا امتناع ذلك، ولكن إنما يمتنع ذلك بالنظر إلى جهة واحدة من دلالة اللفظ. وأما من جهتين فلا نسلم ذلك، وها هنا الدال على وجوب الزكاة في السائمة صريح الخطاب، والدال على نفي الزكاة عن المعلوفة دليل الخطاب، وهما غيران، ثم ما ذكرتموه منتقض بالتخصيص بالغاية. الحجة العاشرة: أن صورة الغنم السائمة خالفة لصورة الغنم التي ليست بسائمة، وعند اختلاف الصورتين، لا يلزم من ثبوت الحكم في أحديهما ثبوته في الاخرى ولا عدمه، لجواز اشتراك الصور المختلفة في أحكام وافتراقها في أحكام. وإذا لم يكن ذلك لازما، لم يلزم من الاخبار عن حكم في إحدى الصورتين الاخبار عنه في الصورة الاخرى، لا وجودا ولا عدما. ولقائل أن يقول: متى لا يلزم من ثبوت الحكم في إحدى الصورتين نفيه في الصورة الاخرى إذا كان ذلك الحكم قد علق ثبوته بالاسم العام الموصوف بصفة خاصة، أو إذا لم يكن ؟ الاول ممنوع، ودعواه دعوى محل النزاع، والثاني مسلم. وعلى هذا، فالقول بأنه لا يلزم من الاخبار عن حكم إحدى الصورتين المختلفتين الاخبار عن الصورة الاخرى مطلقا لا يكون صحيحا، ثم إنه منتقض بفحوى الخطاب، فإن صورة المنطوق بالحكم فيها مخالفة للصورة المسكوت عنها، ومع ذلك فإن الحكم الثابت في صورة النطق لازم ثبوته في صورة السكوت، والاخبار عنه في إحداهما إخبار عنه في الصورة الاخرى. وإذ أتينا على ما أردناه من التنبيه على إبطال الحجج الواهية، فلا بد من الاشارة إلى ما هو المختار في ذلك، وأقرب ما يقال فيه مسلكان: المسلك الاول: إنه لو كان تعليق الحكم على الصفة موجبا لنفيه عند عدمها لما كان ثابتا عند عدمها، لما يلزمه من مخالفة الدليل. وهو على خلاف الاصل، لكنه ثابت مع عدمها. ودليله قوله تعالى: * (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) * (17) الاسراء: 31) فإن النهي عن قتل الاولاد وقع معلقا بخشية الاملاق، وهو منهي عنه أيضا في حالة عدم خشية الاملاق.

[ 86 ]

فإن قيل: تعليق الحكم بالصفة عندنا إنما يكون دليلا على نفيه حالة عدم الصفة إذا لم يكن حالة عدم الصفة أولى بإثبات حكم الصفة، كما ذكرناه من حكم زكاة السائمة والمعلوفة. وأما إذا كان الحكم في حالة عدم الصفة أولى بالاثبات من حالة وجود الصفة فلا وها هنا تحريم القتل حالة عدم خشية الاملاق أولى من التحريم حالة خشية الاملاق. فكان التنصيص على تحريم القتل حالة خشية الاملاق محرما له حالة عدم الخشية بطريق الاولى، وكان ذلك من باب فحوى الخطاب، لا من باب دليل الخطاب. قلنا: هذا، وإن استمر لكم في هذه الصورة، فلا يستمر في قوله تعالى: * (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) * (3) آل عمران: 130) وفي قوله * (ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا) * (4) النساء: 6) وفي قوله تعالى: * (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) * (24) النور: 33) فإن النهي في جميع هذه الصور ليس هو أولى من صور السكوت (1)، فإن النهي. عن أكل قليل الربا ليس أولى من كثيره، ولا النهي عن أكل مال اليتيم من غير إسراف أولى من الاسراف، ولا النهي عن الاكراه على الزنا حالة إرادة التحصن أولى من حالة إرادة الزنا (2) ومع ذلك، فالحكم في الكل مشترك. فإن قيل مخالفة دليل الخطاب في هذه الصور إنما كانت لمعارض، ولا يلزم مخالفته عند عدم المعارض. قلنا: وإن كان ثبوت الحكم في صورة السكوت على نحو ثبوته في صورة النطق لدليل، ولكن يجب أن يعتقد أنه من غير مخالفة دليل لما فيه من دفع محذور المعارضة. ولو كان دليل الخطاب دليلا، لزم من ذلك التعارض، وهو خلاف الاصل. المسلك الثاني: إن تعليق الحكم بالصفة، لو كان مما يستفاد منه نفي الحكم عند عدم الصفة، لم يخل


1 - من صور السكوت - فيه تحريف والصواب في صور السكوت. 2 - ولا النهي عن الاكراه على الزنا حالة ارادة التحصن أولى من حالة ارادة الزنا في العبارة قبى والصواب - ولا النهي عن الاكراه على الزنا حالة ارادة الزنا أولى من حالة التحصن. (*)

[ 87 ]

إما أن يكون ذلك مستفادا من صريح الخطاب أو من جهة أن تعليق الحكم بالصفة يستدعي فائدة، ولا فائدة سوى نفي الحكم عند عدم الصفة. أو من جهة أخرى: الاول محال، فإن صريح الخطاب بوجوب الزكاة في السائمة غير صريح بوجوبها في المعلوفة كيف وإن ذلك مما لا قائل به. والثاني أيضا ممتنع لما ذكرناه من الوجوه الكثيرة في إبطال الحجة الاولى من المعقول للقائلين بدليل الخطاب. والثالث فالاصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه، ويلتحق بهذه المسألة تخصيص الاوصاف التي تطرأ وتزول كقوله السائمة تجب فيها الزكاة والحكم كالحكم نفيا وإثباتا، والمأخذ من الطرفين، فعلى ما عرف، والمختار فيها كالمختار ثم.

[ 88 ]

المسألة الثانية اختلفوا في الحكم المعلق على شئ بكلمة (إن) هل الحكم على العدم عند عدم ذلك الشئ أولا: فذهب ابن سريج والهراسي من أصحاب الشافعي والكرخي وأبو الحسين البصري إلى أن الحكم على العدم مع عدم ذلك الشرط، وذهب القاضي عبد الجبار وأبو عبد الله البصري إلى أن الحكم لا يكون على العدم عند عدم الشرط، وهو المختار. وبيانه أن ما علق عليه الحكم بكلمة (إن) إما أن لا يكون شرطا للحكم أو يكون شرطا: فإن كان الاول، فلا يلزم من نفيه نفي الحكم، وإن كان شرطا فلا يخلو إما أن يكون من لوازم الشرط انتفاء الحكم المعلق عليه مطلقا عند انتفائه، ولا يكون لازما له: الاول محال، وإلا لامتنع وجود القصر المعلق على الخوف بكلمة (إن) في قوله تعالى: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) * (4) النساء: 101) وهو خلاف الاجماع، وإن كان الثاني فهو المطلوب. فإن قيل: هو من لوزامه بتقدير عدم المعارض وليس من لوازمه بتقدير المعارض ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه أن كلمة (إن) مسماة في اصطلاح أهل اللغة بالشرط، والاصل في الاطلاق الحقيقة، ولان قول القائل لغيره إن دخل زيد الدار فأكرمه في معنى قوله دخول زيد الدار شرط في إكرامه، فكان ما دخلت عليه كلمة (إن) شرطا في الحكم، وإذا كان شرطا لزم من عدمه عدم المشروط. ويدل عليه ثلاثة أمور: الاول: أن يعلي بن أمية فهم من تعليق القصر على الخوف بكلمة * (ان) * عدم القصر عند عدم الخوف حيث سأل عمر قال: ما بالنا نقصر وقد أمنا، وقد قال تعالى: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) * (4) النساء: 101) وأقره عمر على ذلك، وقال له: لقد عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي (ص) عن ذلك فقال: صدقة


1 - الهراسي على بن محمد بن علي أبو الحسن الطبري الشافعي الملقب بعماد الدين المعروف بالكيا الهراسي ولد عام 450 وتوفي 504 ه‍. (*)

[ 89 ]

تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته (1). وفهم عمر ويعلي ذلك مع تقرير النبي (ص) لهما على ما فهماه دليل ظاهر على العدم عند العدم. الثاني: أن الامة متفقة على أن الحياة شرط لوجود العلم والقدرة والارادة ونحو ذلك، وإن الحول شرط لوجوب الزكاة، وحكموا بانتفاء العلم والقدرة عند عدم الحياة، وبانتفاء وجوب الزكاة عند عدم الحول، ولولا أن ذلك مقتضى الشرط لما كان كذلك. الثالث: أنه إذا كان الشرط مما يثبت الحكم مع عدمه على كل حال، وهو لا يلزم من وجوده وجود الحكم، فيلزم أن يكون كل أمرين مختلفين لا يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من عدمه عدمه شرطا، وهو محال متفق عليه. والجواب: قولهم انه من لوازمه بتقدير عدم المعارض. قلنا: يجب أن لا يكون مقتضيا لذلك، حذرا من التعارض بتقدير وجود المعارض. وما ذكروه ثانيا، إنا وإن سلمنا أن ما دخلت عليه كلمة (إن) شرط ولكن لا نسلم أنه يلزم من عدمه عدم المشروط. وأما الاستدلال بقضية يعلي بن أمية فليس فيه ما يدل على أن عدم الخوف مانع من ثبوت القصر دونه، بل لعله فهم أن الاصل عدم القصر، وحيث ورد القصر حالة الخوف بقوله * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) * ولم يوجد ما يدل على القصر حالة عدم الخوف، فيبقى على حكم الاصل فإن قيل: ما ذكرتموه من الاحتمال إنما يصح أن لو كان الاصل في الصلاة الاتمام، وليس كذلك، بل الاصل في الصلاة عدم الاتمام، ودليله ما روي عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كانت الصلاة في السفر والحضر ركعتين، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر (2) فلم يبق للتعجب وجه سوى دلالة اشتراط الخوف وعدم القصر عند عدمه. قلنا: الصلاة المشروعة بديا ركعتين لا تسمى مقصورة، كصلاة الصبح، ولا فعلها قصرا، وإنما المقصورة اسم لما جوز الاقتصار عليه من ركعتين في الرباعية


1 - حديث يعلى بن أمية رواه الجماعة الا البخاري. 2 - رواه البخاري ومسلم. (*)

[ 90 ]

ولفظ القصر لنفس الاقتصار على الركعتين من الرباعية، فإطلاق لفظ القصر في الآية مشعر بسابقة وجوب الاتمام لا محالة. وإذا كان الاتمام هو الاصل السابق على القصر، فقد بطل ما ذكروه، كيف وإن ما ذكرناه من الاحتمال هو الاولى، وإلا، فلو كان اشتراط الخوف في القصر مانعا من القصر مع عدمه، لما جاز القصر مع عدم الخوف، أو كان القصر على خلاف الدليل، وهو ممتنع من غير ضرورة وأما (1) عدم العلم والقدرة، وعدم وجوب الزكاة عند عدم الحياة وعدم الحول، فليس في ذلك ما يدل على أن عدم الشرط مانع من وجود الحكم مع عدمه ولا بد، بل غايته أن الحكم قد ينتفي في بعض صور نفي الشرط، ولا نزاع فيه وإنما النزاع في لزوم انتفائه من انتفاء شرطه ولا بد. وأما الوجه الثالث فالوجه في جوابه أن يقال: لا يلزم من كونه الشرط لا يلزم من ثبوته ثبوت الحكم، ولا من نفيه نفيه، إذا كان غير الشرط مشاركا له في هذه الصفة، أن يكون شرطا، لانه لا يمتنع اشتراك المختلفات في عارض عام لها كيف وإن معنى كون الشئ شرطا لغيره أنه مؤكد لحال المشروط، بمعنى أنه إذا تحقق الشرط لا يجوز نفي المشروط عند تحقق مقتضيه دفعا لوهم من توهم أن الخطاب لو ورد مطلقا لجاز أن لا يكون المشروط بذلك الشرط مرادا وذلك كما لو قال القائل ضح بالشاة وإن كانت عوراء فإنه لو قال ضحوا بالشاة مطلقا لجاز أن يتوهم متوهم أنه لا يجوز التضحية بالعوراء، فكان ذكر الشرط لدفع هذا الوهم. وعلى هذا فلا يلزم أن يكون كل شئ شرطا لكل شئ، كما قالوه، إلا أن يكون الشرط على هذا النحو الذي ذكرناه، وليس كذلك. وإن سلمنا أن الشرط يمنع من وجود المشروط دونه، ولكن متى إذا أمكن قيام شرط مقام ذلك اشرط، أو إذا لم يقم مقامه شرط آخر ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. وهذا هو مذهب القاضي عبد الجبار وأبي عبد الله البصري. وعلى


1 - جواب عن الدليل الثاني من الادلة التي ذكرت لتأييد المعارضة. (*)

[ 91 ]

هذا، فكونه شرطا يتحقق بانتفاء الحكم عند انتفائه، إذا لم يقم غيره مقامه وإن لم يثبت إذا قام غيره مقامه، فلم قلتم إن غيره لم يقم مقامه في الشرطية مع أن لفظ الاشتراط لا يدل على وجود شرط آخر، ولا على عدمه. فإن قيل: إذا قال القائل لغيره إن دخل زيد الدار فأعطه درهما معناه أن الشرط هو دخول الدار في عطيتك له، وذلك يقتضي أن يكون كمال الشرط هو دخول الدار، لان لام الجنس تقتضي العموم، ولان قوله إن دخل الدار فأعطه درهما يقتضي عدم الاعطاء عند عدم الدخول، فلو قام شرط آخر مقامه لزم منه جواز الاعطاء مع عدم الدخول، فيقتضي الشرط الاول امتناع وجود شرط آخر يقوم مقامه، لما فيه من إخراج الشرط الاول عن كونه شرطا. قلنا: جواب الاول أنا لا نسلم أن معنى قوله: (إن دخل الدار) هو شرط، بل هو شرط، وذلك لا يمنع من شرط آخر. وتقدير لام الجنس ها هنا، زيادة لم يدل عليها دليل، فلا يصار إليها. وجواب الثاني أنا نسلم أن قوله: إن دخل الدار يقتضي عدم الاعطاء عند عدم الدخول مطلقا، بل إذا لم يقم غيره مقامه، لكن قد يمكن أن يقال ههنا إذا سلم أنه إذا لم يقم غيره مقامه إن عدمه يقتضي العدم، فالاصل عدم قيام غيره مقامه، فاقتضى عدمه العدم. وربما احتج القاضي عبد الجبار وأبو عبد الله البصري بأنه لو منع الشرط من ثبوت الحكم عند عدمه، لكان قوله تعالى: * (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) * (24) النور: 33) يمنع من تحريم الاكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن، وهو محال مخالف للاجماع. ولقائل أن يقول: ذكر إرادة التحصن إنما كان لكونه شرطا في الاكراه لاستحالة تحقق الاكراه على الزنا في حق من هو مريد له غير مريد للتحصن. لا لانه شرط في تحريم الاكراه على الزنا: والله أعلم.

[ 92 ]

المسألة الثالثة اختلفوا في الخطاب إذا قيد الحكم بغاية، كما في قوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: 187) وقوله تعالى: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (2) البقرة: 222) وقوله: * (فلا تحل له من بعد، حتى تنكح زوجا غيره) * (2) البقرة: 230) وقوله: * (حتى يعطوا الجزية) * فذهب أكثر الفقهاء وجماعة من المتكلمين، كالقاضي أبي بكر والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري وغيرهم، إلى أن ذلك يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية وخالف في ذلك أصحاب أبي حنيفة وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وهو المختار وذلك لانه لو دل تقييد الحكم بالغاية المحدودة على نفي الحكم فيما بعد الغاية لم يخل إما أن يدل عليه بصريح لفظه أو بأنه لو لم يكن دالا على نفي الحكم فيما بعد الغاية، لما كان التقييد بالغاية مفيدا أو من جهة أخرى الاول محال، لان اللفظ بصريحه لم يدل على نفي الحكم بعد الغاية، والثاني إنما يلزم أن لو لم يكن للتقييد فائدة سوى ما ذكروه، وليس كذلك، بل جاز أن تكون فائدة التقييد تعريف بقاء ما بعد الغاية على ما كان قبل الخطاب أي أنه متعرض فيه لاثبات الحكم ولا نفيه. وإن كان الثالث، فالاصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه. وأيضا فإنه لا مانع من ورود الخطاب فيما بعد الغاية بمثل الحكم السابق قبل الغاية بالاجماع. وعند ذلك، إما أن يكون تقييد الحكم بالغاية نافيا للحكم فيما بعدها، أو لا يكون: والاول يلزم منه إثبات الحكم مع تحقق ما ينفيه، وهو خلاف الاصل. وإن كان الثاني، فهو المطلوب. فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه وبيانه أن كلمة (حتى) و (إلى) لانتهاء الغاية، وهي جارية مجرى قوله صوموا صوما أخره الليل ولو قال ذلك لمنع من وجوب الصوم بعد مجئ

[ 93 ]

الليل، لانه لو وجب الصوم بعد ذلك لصارت الغاية وسطا، وهو محال. ولهذا فإنه لو قال القائل لعبده لا تعط زيدا درهما حتى يقوم، واضرب عمرا حتى يتوب فإنه لا يحسن الاستفهام بعد ذلك، وأن يقال فهل أعطيه إذا قام، وهل أضربه إذا تاب ؟ ولولا أن التقييد بالغاية يدل على عدم الحكم بعدها لما كان كذلك. قلنا: لا ننكر أن (حتى) و (إلى) لانتهاء الغاية وأنها جارية مجرى قوله صوموا صياما آخره الليل غير أن الخلاف إنما هو في أن تقييد الحكم بالغاية هل يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية، وذلك غير لازم من التقييد بالغاية، بل غايته أن دلالة التقييد بالغاية، على أن ما بعدها غير متعرض فيه بالخطاب الاول لا بنفي ولا إثبات، ولا يلزم من وجود صوم بعد الغاية أن تصير الغاية وسطا، بل هي غاية للصوم المأمور به أولا، وإنما تصير وسطا أن لو كان الصوم فيما بعد الغاية مستندا إلى الخطاب الذي قبل الغاية، وليس كذلك. وأما أنه لا يحسن الاستفهام عند قوله لا تعط زيدا درهما حتى يقوم، واضرب عمرا حتى يتوب لان ما بعد الغاية مسكوت عنه غير متعرض له بنفي ولا إثبات فلا يحسن الاستفهام فيما لا دلالة للفظ عليه، كما قبل الامر بالاعطاء والضرب.

[ 94 ]

المسألة الرابعة اختلفوا في تقييد الحكم بعدد مخصوص هل يدل على أن ما عدا ذلك العدد بخلافه أو لا ؟ والحق في ذلك إنما هو التفصيل، وهو أن الحكم إذا قيد بعدد مخصوص. فمنه ما يدل على ثبوت ذلك الحكم فيما زاد على ذلك العدد بطريق الاولى، وذلك كما لو حرم الله جلد الزاني مائة، وقال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا، فإنه يدل على تحريم ما زاد على القلتين لا يحمل خبثا بطريق الاولى (7) ولان ما زاد على المائة وعلى القلتين ففيه المائة والقلتان وزيادة. وهل يدل ذلك على أن الحكم فيما دون المائة ودون القلتين على خلاف الحكم في المائة، والقلتين ؟ هذا موضع الخلاف. ومنه ما لا يدل على ثبوت الحكم فيما زاد على العدد المخصوص بطريق الاولى. وذلك كما إذا أوجب جلد الزاني مائة أو أباحه، فإنه لا يدل على الوجوب والاباحة فيما زاد على ذلك بطريق الاولى، بل هو مسكوت عنه ومختلف في دلالته على نفي الوجوب والاباحة فيما زاد ومتفق على أن حكم ما نقص كحكم المائة لدخوله تحتها، لكن لا يمنع من الاقتصار عليه (1). والمختار فيما كان مسكوتا عنه، ولم يكن الحكم فيه ثابتا بطريق الاولى من هذه الصور أن تخصيص الحكم بالعدد لا يدل على انتفاء الحكم فيه لما ذكرناه في المسائل المتقدمة. ومن نازع في ذلك فلا يخرج في احتجاجه على مذهبه عما ذكرناه فيما تقدم، وقد عرف ما فيه.


1 - لكن لا يمنع من الاقتصار عليه فيه تحريف والصواب لكن الاقتصار عليهما. (*)

[ 95 ]

المسألة الخامسة اتفق الكل على أن مفهوم اللقب ليس بحجة خلافا للدقاق وأصحاب الامام أحمد بن حنبل، رحمه الله. وصورته أن يعلن الحكم إما باسم جنس، كالتنصيص على الاشياء الستة بتحريم الربا، أو باسم علم، كقول القائل: زيد قائم أو قام. والمختار إنما هو مذهب الجمهور، لكن قد احتج بعض القائلين بإبطاله بحجج لا بد من الاشارة إليها والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. الحجة الاولى: لو كان مفهوم اللقب حجة، لبطل القياس، وذلك ممتنع. وبيان لزوم ذلك أن القياس لا بد فيه من أصل، وحكم الاصل إما أن يكون منصوصا أو مجمعا عليه: فلو كان النص على الحكم في الاصل أو الاجماع عليه يدل على نفي الحكم عن الفرع، فالحكم في الفرع إن ثبت بالنص أو الاجماع، فلا قياس. وإن ثبت بالقياس على الاصل، فهو ممتنع لما فيه من مخالفة النص أو الاجماع الدال على نفي الحكم في الفرع. ولقائل أن يقول: النص الوارد في الاصل، وإن دل على نفي الحكم في الفرع فليس بصريحه، بل بمفهومه، وذلك مما لا يمنع عند القائلين به من إثبات الحكم بمعقول النص، وهو القياس، فلا يفضي إلى إبطال القياس، وغايته التعارض، لا الابطال. الحجة الثانية: أنه لو كان مفهوم اللقب حجة ودليلا، لكان القائل إذا قال عيسى رسول الله فكأنه قال محمد ليس برسول الله وكذلك إذا قال زيد موجود فكأنه قال الاله ليس بموجود وهو كفر صراح، ولم يقل بذلك قائل ولقائل أن يقول من الخصوم إنما لا يكون المتكلم بذلك كافرا إذا لم يكن متنبها لدلالة اللفظ، أو كان متنبها لها، غير أنه لم يرد بلفظه ما دل عليه مفهومه، وأما إذا كان متنبها لدلالة لفظه وهو مريد لمدلولها، فإنه يكون كافرا.

[ 96 ]

الحجة الثالثة: أنهم قالوا: إذا قال القائل زيد يأكل لا يفهم منه أن عمرا لا يأكل ولقائل أن يقول: لا يفهم منه ذلك من يعتقد دلالة مفهوم اللقب، أو من لا يعتقده الاول ممنوع، والثاني مسلم. وعدم فهم ذلك بالنسبة إلى من لا يعتقد دلالته لا يدل على عدم دلالته في نفسه. الحجة الرابعة: أنه لو كان مفهوم اللقب دليلا، لما حسن من الانسان أن يخبر أن زيدا يأكل، إلا بعد علمه أن غيره لم يأكل، وإلا كان مخبرا بما يعلم أنه كاذب فيه، أو بما لا يأمن فيه من الكذب، وحيث استحسن العقلاء ذلك مع عدم علمه بذلك، دل على عدم دلالته على نفي الاكل عن غير زيد. ولقائل أن يقول: إذا أخبر بذلك، فلا يخلو إما أن يكون عالما بأن غير زيد يأكل، أو غير عالم بذلك. وعلى كلا التقديرين إنما لم يستقبح منه ذلك لظهور القرينة الدالة على أنه لم يرد سوى مدلول صريح لفظه دون مفهومه، لعدم علمه بذلك في إحدى الحالتين، وعلمه بوقوع الاكل من غير زيد في الحالة الاخرى، فإن الظاهر من حال العاقل أنه لا يخبر عن نفي ما لم يعلمه ولا نفي ما علم وقوعه حتى إنه لو ظهر منه ما يدل على إرادته لنفي ما دل عليه لفظه عند القائلين به لكان مستقبحا. والمختار في إبطال ما سبق في المسائل المتقدمة. وأما حجج الخصوم وجوابها، فعلى ما سبق في مفهوم التقييد بالصفة. وربما احتجوا في خصوص هذه المسألة بحجج أخرى، وهو أنه لو تخاصم شخصان، فقال أحدهما للآخر. أما أنا فليس لي أم ولا أخت ولا امرأة زانية فإنه يتبادر إلى الفهم نسبة الزنا منه إلى زوجة خصمه وأمه وأخته. ولهذا قال أصحاب أحمد بن حنبل ومالك بوجوب حد القذف عليه. وجوابه أن ذلك إن فهم منه، فإنما يفهم من قرينة حاله لا من دلالة مقاله، بدليل ما أسلفناه. ولذلك لم يكن حد القذف عندنا واجبا بذلك، وعلى هذا يكون الحكم في مفهوم الاسم العام المشتق، كقوله: لا تبيعوا الطعام بالطعام.

[ 97 ]

المسألة السادسة اختلفوا في تقييد الحكم بإنما كقوله (ص): إنما الشفعة فيما لم يقسم، وإنما الاعمال بالنيات، وإنما الولاء لمن أعتق، وإنما الربا في النسيئة هل يدل على الحصر أو لا ؟ فذهب القاضي أبو بكر والغزالي والهراسي وجماعة من الفقهاء إلى أنه ظاهر في الحصر، محتمل للتأكيد. وذهب أصحاب أبي حنيفة وجماعة ممن أنكر دليل الخطاب إلى أنه لتأكيد الاثبات، ولا دلالة له على الحصر وهو المختار. وذلك لان كلمة * (إنما) * قد ترد ولا حصر كقوله: إنما الربا في النسيئة وهو غير منحصر في النسيئة لانعقاد الاجماع على تحريم ربا الفضل، فإنه لم يخالف فيه سوى ابن عباس، ثم رجع عنه. وقد ترد والمراد بها الحصر كقوله تعالى: * (إنما أنا بشر مثلكم) * (18) الكهف: 110) (1) وعند ذلك فيجب اعتقاد كونها حقيقة في القدر المشترك بين الصورتين، وهو تأكيد إثبات الخبر للمبتدإ، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ لكونه (2) على خلاف الاصل، ولان كلمة (إنما) لو كانت للحصر لكان ورودها في غير الحصر على خلاف الاصل. فإن قيل: ولو لم تكن للحصر، لكان فهم الحصر في صورة الحصر من غير دليل، وهو خلاف الاصل: قلنا إنما يكون فهم ذلك من غير دليل أن لو كان دليل الحصر منحصرا في كلمة (إنما) وليس كذلك.


1 - المعنى انا بشر لا ملك فالحصر في الجملة اضافي لا حقيقي، إذ للرسول (ص) صفات اخرى سوى البشرية. 2 - لكونه - الصواب - لكونهما أي التجوز والاشتراك.

[ 98 ]

المسألة السابعة اختلفوا في قوله (ص): الاعمال بالنيات وفي قول القائل: العالم زيد: وصديقي زيد هل يدل على حصر الاعمال فيما كان منويا، وعلى حصر العالم والصديق في زيد. فذهبت الحنيفة والقاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين إلى أنه لا يدل على الحصر وذهب الغزالي والهراسي وجماعة من الفقهاء إلى أنه يدل على الحصر. والمختار أنه لا يدل لما سبق في المسائل المتقدمة. فإن قيل: لو لم يكن ذلك دالا على حصر الاعمال في المنوي، والعالم والصديق في زيد، لكان المبتدأ أعم من خبره، وكان ذلك كذبا، كما لو قال: الحيوان إنسان، والانسان زيد. قلنا: إنما يلزم الكذب أن لو كانت (الالف واللام) في الاعمال للعموم فإنها تنزل منزلة قوله: كل عمل منوى وهو كاذب، كما في قوله كل حيوان إنسان وليس كذلك، بل هي ظاهرة في البعض، فكأنه قال بعض الاعمال بالنيات وذلك صادق غير كاذب. وكذلك الحكم في قوله العالم زيد وكذلك قوله صديقي زيد ليس عاما في كل صديق، بل كأنه قال بعض أصدقائي زيد حتى إنه لو ثبت أن (الالف واللام) إذا دخلت على اسم الجنس تكون عامة، وكان المتكلم مريدا للتعميم، فإنه يكون كاذبا بتقدير ظهور عالم آخر وصديق آخر له، وكان قوله دالا على الحصر لا محالة (1) وربما قيل في إبطال القول بالحصر إنه لو كان قوله العالم زيد وصديقي زيد يدل على حصر العالم والصديق في زيد، لكان إذا قال العالم زيد وعمرو، وصديقي زيد وعمرو متناقضا، وليس كذلك باتفاق أهل اللغة، وليس بحق، فإن للخصم أن يقول إنما يكون ذلك مناقضا بشرط أن يتجرد قوله الاول عما يغيره


1 - الظاهر قصر الاعمال المعتبرة شرعا على ما صحبته النية، وقصر العلم والصداقة. في المثالين الاخرين على زيد قصرا حقيقيا ان لم يكن ثم عالم من الخلق وقت التكلم سوى زيد ولا صديق للمتكلم في الواقع سواه والا فالقصر ادعائي ولا كذب في الحالين. (*)

[ 99 ]

وأما إذ عطف عليه قوله وعمرو صار الكل كالجملة الواحدة، وكان قوله العالم زيد مع الانفراد مغايرا في دلالته لقوله العالم زيد وعمرو وهذا كما لو قال له علي عشرة ثم بعد حين قال: إلا خمسة فإنه لا يقبل لما فيه من مناقضة لفظه الاول: ولو قال له علي عشرة إلا خمسة على الاتصال كان مقبولا لعدم تناقضه ولولا اختلاف الدلالة لما اختلف الحال، بل كان الواجب أن لا يقبل استثناؤه في الصورتين، أو يقبل فيهما، وهو محال. المسألة الثامنة اختلفوا في قوله لا عالم في البلد إلا زيد فالذي عليه الجمهور وأكثر منكري المفهوم أنه يدل على نفي كل عالم سوى زيد، وإثبات كون زيد عالما. وذهب بعض منكري المفهوم إلى أن ذلك لا يدل على كون زيد عالما، بل هو نطق بالمستثنى منه، وسكوت عن المستثنى. ومعنى خروج المستثنى عن المستثنى منه أنه لم يدخل في عموم المستثنى منه، وأنه لم يتعرض فيه لكون زيد عالما، لا نفيا ولا إثباتا. والحق إنما هو المذهب الجمهوري ودليله ما بيناه فيما تقدم من أن الاستثناء من النفي إثبات، وأن قول القائل لا إله إلا الله ناف للالوهية عن غير الله تعالى ومثبت لصفة الالوهية لله تعالى، وقررناه أحسن تقرير، وحققنا وجه الانفصال عن كل ما ورد عليه من الاشكالات، فعليك بالالتفات إليه ونقله إلى هاهنا.

[ 100 ]

المسألة التاسعة اتفق القائلون بالمفهوم على أن كل خطاب خصص محل النطق بالذكر لخروجه مخرج الاعم بالاغلب، لا مفهوم له، وذلك كقوله تعالى: * (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) * (4) النساء: 23) وقوله: * (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) * (4) النساء: 35) (1) وقوله (ص): أيما امرأة نكحت نفسها بغير أذن وليها، فنكاحها باطل وقوله (ص): فليستنج بثلاثة أحجار فإن تخصيصه بالذكر لمحل النطق في جميع هذه الصور إنما كان لانه الغالب إذ الغالب أن الربيبة إنما تكون في الحجر وإن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق، وإن المرأة لا تزوج نفسها إلا عند عدم إذن الولي لها وإبائه من تزويجها، وإن الاستنجاء لا يكون إلا بالحجارة، وكذلك الحكم في كل ما ظهر سبب تخصيصه بالذكر، كسؤال سائل أو حدوث حادثة أو غير ذلك مما سبق ذكره من أسباب التخصيص. وعلى هذا فلو لم يظهر سبب يوجب تخصيص محل النطق بالذكر دون محل السكوت، بل كانت الحاجة إليهما وإلى ذكرهما مع العلم بهما مستوية، ولم يكن الحكم في محل السكوت أولى بالثبوت، وبالجملة لو لم يظهر سبب من الاسباب الموجبة للتخصيص سوى نفي الحكم في محل السكوت، فهل يجب القول بنفي الحكم في محل السكوت تحقيقا لفائدة التخصيص، أو لا يجب: إن قلنا إنه لا يجب، كان التخصيص بالذكر عبثا خليا عن الفائدة، وذلك مما ينزه عنه منصب آحاد البلغاء، فضلا عن كلام الله تعالى ورسوله. وإن قلنا بوجوب نفي الحكم، لزم القول بدلالة المفهوم في هذه الصورة.


1 - المناسب لذكر الخلع ان يمثل بقوله تعالى (فان خفتم ان لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) فان آية بعث الحكمين ليس فيها اشعار بخلع. (*)

[ 101 ]

والوجه في حله أن يقال: إذا لم يظهر السبب المخصص، فلا يخلو إما أن يكون مع عدم ظهوره محتمل الوجود والعدم على السواء، أو أن عدمه أظهر من وجوده: فإن كان الاول، فليس القول بالنفي أولى من القول بالاثبات، وعلى هذا فلا مفهوم، وإن كان الثاني، فإنما يلزم من ذلك نفي الحكم في محل السكوت، أن لو كان نفي الحكم فيه من جملة الفوائد الموجبة لتخصيص محل النطق بالذكر، وليس كذلك. وذلك لان نفي الحكم في محل السكوت عند القائلين بمفهوم المخالفة إنما هو فرع دلالة اللفظ في محل النطق عليه، فلو كانت دلالة اللفظ في محل النطق عل نفي الحكم في محل السكوت متوقفة عليه بوجه من الوجوه كان دورا ممتنعا (1). وإلى ها هنا تم الكلام في أصناف دلالة غير المنظوم. هذا ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والاجماع. وأما ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه الكتاب والسنة دون غيرهما من الادلة، فهو النظر في النسخ، ويشتمل على مقدمة ومسائل. أما المقدمة فتشتمل على أربعة فصول


1 - انطر مختصر المنتهى لابن الحاجب وشرحه للعضد فانه أجاب عن الكثير من أدلة الآمدي واعتراضاته في هذه المسألة.

[ 102 ]

الفصل الاول في تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ أما النسخ فهو في اللغة قد يطلق بمعنى الازالة، ومنه يقال نسخت الشمس الظل، أي أزالته، ونسخت الريح أثر المشي، أي أزالته. ونسخ الشيب الشباب، إذا أزاله، ومنه تناسخ القرون والازمنة. والازالة هي الاعدام، ولهذا يقال: زال عنه المرض والالم وزالت النعمة عن فلان، ويراد به الانعدام في هذه الاشياء كلها. وقد يطلق بمعنى نقل الشئ وتحويله من حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه. قال السجستاني من أهل اللغة: والنسخ أن تحول ما في الخلية من النحل والعسل إلى أخرى ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم، وتناسخ الانفس بانتقالها من بدن إلى غيره عند القائلين بذلك. ومنه نسخ الكتاب بما فيه من مشابهة النقل، وإليه الاشارة بقوله تعالى: * (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) * (45) الجاثية: 29) والمراد به نقل الاعمال إلى الصحف، أو من الصحف إلى غيرها. اختلف الاصوليون: فذهب القاضي أبو بكر ومن تابعه، كالغزالي وغيره إلى أن اسم النسخ مشترك بين هذين المعنيين. وذهب أبو الحسين البصري وغيره إلى أنه حقيقة في الازالة، مجاز في النقل. وذهب القفال من أصحاب الشافعي إلى أنه حقيقة في النقل والتحويل. وقد احتج أبو الحسين البصري بأن إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم نسخت الكتاب مجاز، لان ما في الكتاب لم ينقل حقيقة. وإذا كان اسم النسخ مجاز في النقل، لزم أن يكون حقيقة في الازالة، لانه غير مستعمل فيما سواهما. وإذا بطل كونه حقيقة في أحدهما تعين أن يكون حقيقة في الآخر. وقد قرر ذلك بعضهم من وجه آخر، فقال: إطلاق اسم النسخ بمعنى الازالة والاعدام واقع كما سبق، والاصل في الاطلاق الحقيقة، ويلزم أن لا يكون حقيقة في النقل، دفعا للاشتراك عن اللفظ.

[ 103 ]

ولقائل أن يقول على الوجه الاول إن إطلاق اسم النسخ على الكتاب إما أن يكون حقيقة، أو تجوزا: فإن كان حقيقة فهو المطلوب، وبطل ما ذكروه، وإن كان مجازا، ضرورة أن ما في الكتاب لم ينقل على الحقيقة، فيمتنع أن يكون التجوز به مستعارا من الازالة، فإنه غير مزال، ولا يشبه الازالة، فلا بد من استعارته من معنى آخر، والاجماع منعقد على امتناع إطلاق اسم النسخ حقيقة في الازالة والنقل، فإذا تعذرت استعارته من الازالة، تعين أن يكون مستعارا من النقل. ووجه استعارته منه أن تحصيل ما في أحد الكتابين في الآخر، تجري مجرى نقله وتحويله إليه، فكان، منه بسبب من أسباب التجوز. وإذا كان مستعارا من النقل وجب أن يكون اسم النسخ حقيقة في النقل إذ المجاز لا يتجوز به في غيره بإجماع أهل اللغة. ثم وإن كان ذلك مجازا في نسخ الكتاب، فما الاعتذار عن اطلاق اسم التناسخ في المواريث، مع كونها منتقلة حقيقة، وإطلاق اسم النسخ على تحويل النحل والعسل من خلية إلى أخرى. فإن ما ذكروه في تقرير التجوز في نسخ الكتاب غير متصور ها هنا. وأما الوجه الثاني فمقابل بمثله، وهو أن يقال: اسم النسخ قد أطلق بمعنى النقل على ما سبق. والاصل في الاطلاق الحقيقة، ويلزم من كونه حقيقة فيه أن لا يكون حقيقة في الازالة، دفعا للاشتراك عن اللفظ، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، فإن قبل الترجيح لكونه حقيقة في الازالة، وذلك لان الازالة مطلق إعدام، والنقل أخص من الازالة، لانه يستلزم إعدام الصفة وحدوث أخرى، والاعدام المستلزم حدوث شئ آخر، أخص من الاعدام الذي لا يستلزم ذلك، وإذا كانت الازالة أعم، فجعل النسخ حقيقة فيها أولى، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ. قلنا: لا نسلم أن الازالة أعم من النقل والتحويل وإن كان يستلزم إعدام صفة وتجدد أخرى، فكل إزالة هكذا، لان الازالة على ما قيل هي الاعدام، والاعدام يستلزم زوال الصفة، وهي الوجود وتجدد أخرى، وهي صفة العدم، وهما صفتان متقابلتان، مهما انتفت إحداهما تحققت الاخرى، وإذا تساويا عموما وخصوصا

[ 104 ]

فليس جعل اسم النسخ حقيقة في أحدهما أولى من الآخر. وإذا تعذر ترجيح أحد الامرين مع صحة الاطلاق فيهما، كان القول بالاشتراك أشبه، اللهم إلا أن يوجد في حقيقة النقل خصوص تبدل الصفة الوجودية بصفة وجودية، فيكون النقل أخص. ومع هذا كله، فالنزاع في هذا لفظي لا معنوي. وأما معناه في اصطلاح الاصوليين، فقد اختلف فيه فقال أبو الحسين البصري: هو إزالة مثل الحكم الثابت بقول منقول عن الله تعالى أو عن رسوله، مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا وهو فاسد من وجهين: الاول: هو أن إزالة المثل إما أن تكون قبل وجود ذلك المثل أو بعد عدمه، أو في حالة وجوده: الاول محال، فإن ما لم يوجد، لا يقال إنه أزيل والثاني أيضا محال، فإن إزالة ما عدم بعد وجوده ممتنع. والثالث أيضا محال، لان الازالة هي الاعدام، وإعدام الشئ حال وجوده محال (1) الوجه الثاني: أنه غير مانع إذ يدخل فيه إزالة مثل ما كان ثابتا من الاحكام العقلية قبل ورود الشرع بخطاب الشارع المتراخي على وجه لولا خطاب الشارع المغير لكان ذلك الحكم مستمرا، وليس بنسخ في مصطلح المتشرعين إجماعا. ومنهم من قال: هو إزالة الحكم بعد استقراره، ويبطل بالوجهين السابقين، وبما لو زال الحكم بعد استقراره بمرض أو جنون أو موت، فإنه داخل فيما قيل، وليس بنسخ إجماعا. ومنهم من قال: هو نقل الحكم إلى خلافه، ويبطل بما بطل به الحد الذي قبله وبما لو نقل الحكم إلى خلافه بالغاية، كما في قوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: 187) فإن الحكم فيما قبل الغاية قد قلب إلى خلافه فيما بعد الغاية، وليس بنسخ، وبه يبطل قول من قال في حده إنه بيان مدة الحكم.


1 - سيأتي مثل هذا الترديد في ادلة المانعين للنسخ عقلا وجواب الآمدي عنه. وبذلك تعرف لونا من جدل الآمدي في نقاشه ودفاعه. (*)

[ 105 ]

وقال القاضي أبو بكر: إنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا، مع تراخيه عنه، وهو اختيار الغزالي أيضا، وقصد بالقيد الاول تعميم كل خطاب كان من باب المنظوم أو غيره، والاحتراز عن الموت والمرض والجنون وجميع الاعذار الدالة على ارتفاع الاحكام الزائلة بها مع تراخيها، ولولاها لكانت الاحكام الزائلة بها مستمرة، وبالقيد الثاني، وهو الخطاب المتقدم، الاحتراز عن الخطاب الدال على ارتفاع الاحكام العقلية قبل ورود الشرع، وبالقيد الثالث، وهو على وجه لولاه لكان مستمرا، الاحتراز عما إذا ورد الخطاب بحكم موقت، ثم ورد الخطاب عند تصرم ذلك الوقت بحكم مناقض للاول، كما لو ورد قوله عند غروب الشمس كلوا بعد قوله: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: 187) فإنه لا يكون نسخا لحكم الخطاب الاول، حيث إنه لو قدرنا عدم الخطاب الثاني، لم يكن حكم الخطاب الاول مستمرا، بل منتهيا بالغروب، وبالقيد الرابع الاحتراز عن الخطاب المتصل، كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية، فإنه يكون بيانا لا نسخا ويرد عليه إشكالات: الاشكال الاول: أن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت هو الناسخ والنسخ هو نفس الارتفاع، فلا يكون الناسخ هو النسخ. الثاني: وهو ما أورده أبو الحسين البصري أنه قال إنه ليس بجامع ولا مانع: أما أنه ليس بجامع، فلانه يخرج منه النسخ بفعل الرسول، مع أنه ليس بخطاب، ويخرج منه نسخ ما ثبت بفعل الرسول وليس فيه ارتفاع حكم ثبت بالخطاب. وأما أنه ليس بمانع، فلانه لو اختلفت الامة في الواقعة على قولين، وأجمعوا بخطابهم على تسويغ الاخذ بكل واحد من القولين للمقلد، ثم أجمعوا بأقوالهم على أحد القولين، فإن حكم خطاب الاجماع الثاني دل على ارتفاع حكم خطاب الاجماع الاول، وليس بنسخ إذ الاجماع لا ينسخ به

[ 106 ]

الثالث: هو أن تحديد النسخ بارتفاع الحكم الثاني تحديد له، بما ليس بمتصور، لوجوه يأتي ذكرها في مسألة إثبات النسخ. الرابع: أن فيه زيادة لا حاجة إليها، وهي قوله (متراخ عنه) وقوله (على وجه لولاه لكان مستمرا ثابتا) فإن ذكر التراخي إنما وقع احترازا عن الخطاب المتصل كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية، وفي الحد ما يدرأ النقض بذلك، وهو ارتفاع الحكم، والخطاب المتصل بالخطاب الاول في هذه الصور، ليس رافعا لحكم الخطاب المتقدم في الذكر، بل هو مبين أن الخطاب المتقدم لم يرد الحكم فيما استثنى، وفيما خرج عن الشرط والغاية، وبالتقييد بالرفع يدرأ النقض بالخطاب الوارد بما يخالف حكم الخطاب المتقدم إذا كان حكمه، موقتا من حيث إن الخطاب الثاني لا يدل على ارتفاع حكم الخطاب الاول لانتهائه بانتهاء وقته. والجواب عن الاشكال الاول: لا نسلم أن النسخ هو ارتفاع الحكم، بل النسخ نفس الرفع المستلزم للارتفاع، والرفع هو الخطاب الدال على الارتفاع، وذلك لان النسخ يستدعى ناسخا ومنسوخا، والناسخ هو الرافع أي الفاعل، والمنسوخ هو المرفوع أي المفعول، والرافع والمرفوع، أي الفاعل والمفعول، يستدعي رفعا وارتفاعا، أي فعلا وانفعالا، والرافع هو الله تعالى على الحقيقة، وإن سمي الخطاب ناسخا، فإنما هو بطريق التجوز، كما يأتي تحقيقه، والمرفوع هو الحكم، والرفع الذي هو الفعل صفة الرافع، وذلك هو الخطاب، والارتفاع الذي هو نفس الانفعال صفة المرفوع المفعول. وذلك على نحو فسخ العقد، فإن الفاسخ هو العاقد، والمفسوخ هو العقد، والفسخ صفة العاقد، وهو قوله فسخت والانفساخ صفة العقد، وهو انحلاله بعد انبرامه. وأما النسخ بفعل الرسول، فلا نسلم أن فعل الرسول ناسخ حقيقة، إذ ليس للرسول ولاية إثبات الاحكام الشرعية، ورفعها من تلقاء نفسه، وإنما هو رسول ومبلغ عن الله تعالى ما يشرعه من الاحكام، ويرفعه، ففعله، إن كان ولا بد، فإنما هو

[ 107 ]

دليل على الخطاب الدال على ارتفاع الحكم، لا أن نفس الفعل هو الدال على الارتفاع. وأما الاشكال بالاجماع ففيه جوابان الاول: أنه مهما اجتمعت الامة على تسويغ الخلاف في حكم مسألة معينة، وكان إجماعهم قاطعا، فلا نسلم تصور إجماعهم على مناقضة ما أجمعوا عليه أولا ليصح ما قيل الثاني: أنه، وإن صح ذلك، فلا نسلم أن الحكم نفيا وإثباتا مستند إلى قول أهل الاجماع، وإنما هو مستند إلى الدليل السمعي الموجب لاجماعهم على ذلك الحكم وعلى هذا، فيكون إجماعهم دليلا على وجود الخطاب الذي هو النسخ، لا أن خطابهم نسخ. وما وعدوا به في الوجه الثالث فسيأتي الجواب عنه أيضا. وأما ما ذكروه من الزيادات، فهي غير مخلة بصحة الحد، وفائدتها الميز بين النسخ والصور المذكورة، مبالغة في تحصيل الفائدة. ومع ذلك، فالمختار في تحديده أن يقال: النسخ عبارة عن خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق. ولا يخفى ما فيه من الاحتراز من غير حاجة إلى التقييد بالتراخي، ولا بقولنا (لولاه لكان مستمرا ثابتا) لما سبق تقريره


1 - هذا تعاريف للنسخ في اصطلاح المتأخرين، وأما النسخ عند المتقدمين فيشمل مع ما ذكر تقييد المطلق، وتخصيص العام، وبيان المجمل، ورفع ما توهم المكلف ارادته من النصوص وهو غير مراد منها - انظر تفسير قوله تعالى: (وان تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) الآيات في مجموع الفتاوى لابن تيمية ج 14 وص 397 ج 20 من مجموع الفتاوى، والمسألة الثالثة من مسائل النسخ في الموقوفات لشاطبي واعلام المقعين لابن القيم (*)

[ 108 ]

وأما الناسخ، فإنه قد يطلق على الله تعالى، فيقال: نسخ فهو ناسخ. ومنه قوله تعالى * (ما ننسخ من آية) * (2) البقرة: 106) وقوله تعالى * (فينسخ الله ما يلقى الشيطان) * (22) الحج: 52) وقد يطلق على الآية أنها ناسخة، فيقال: آية السيف نسخت كذا فهي ناسخة. وكذلك على طريق يعرف به نسخ الحكم من خبر الرسول وفعله وتقريره وإجماع الامة وعلى الحكم فيقال وجوب صوم رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء، فهو ناسخ، وعلى المعتقد لنسخ الحكم، فيقال: فلان ينسخ القرآن بالسنة، أي يعتقد ذلك، فهو ناسخ. غير أن الاجماع منعقد على أن إطلاق اسم ناسخ على الحكم وعلى المعتقد للنسخ مجاز، وإنما الخلاف بننا وبين المعتزلة في أنه حقيقة في الله تعالى أو في الطريق المعرف لارتفاع الحكم. فعندهم الناسخ في الحقيقة هو الطريق، حتى قالوا في حده: إن الناسخ هو قول صادر عن الله تعالى أو عن رسوله أو فعل منقول عن رسوله، يفيد إزالة مثل الحكم الثابت بنص صادر عن الله تعالى أو بنص أو فعل منقول عن رسوله، مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا. وأما نحن فمعتقدنا أن الناسخ في الحقيقة إنما هو الله تعالى، وأن خطابه الدال على ارتفاع الحكم هو النسخ، وإن سمي ناسخا، فمجاز. وحاصل النزاع في ذلك آيل إلى اللفظ. وأما المنسوخ فهو الحكم المرتفع كالمرتفع من وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجات النبي (ص)، وحكم الوصية للوالدين والاقربين، وحكم التربص حولا كاملا عن المتوفى عنها زوجها إلى غير ذلك.

[ 109 ]

الفصل الثاني في الفرق بين النسخ والبداء واعلم أن البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء. ومنه يقال: بدا لنا سور المدينة بعد خفائه، وبدا لنا الامر الفلاني، أي ظهر بعد خفائه. وإليه الاشارة بقوله تعالى: * (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) * (39) الزمر: 47) * (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) * (6) الانعام: 28) * (وبدا لهم سيئات ما عملوا) * (45) الجاثية: 33) وحيث كان فإن النسخ يتضمن الامر بما نهى عنه، والنهي عما أمر به على حده وظن أن الفعل لا يخرج عن كونه مستلزما لمصلحة أو مفسدة فإن كان مستلزما لمصحلة، فالامر به بعد النهي عنه على الحد الذي نهى عنه إنما يكون لظهور ما كان قد خفي من المصلحة. وإن كان مستلزما لمفسدة، فالنهي عنه بعد الامر به على الحد الذي أمر به، إنما يكون لظهور ما كان قد خفي من المفسدة، وذلك عين البداء. ولما خفي الفرق بين البداء والنسخ على اليهود والرافضة، منعت اليهود من النسخ في حق الله تعالى وجوزت الروافض البداء عليه لاعتقادهم جواز النسخ على الله تعالى مع تعذر الفرق عليهم بين النسخ والبداء (1) واعتضدوا في ذلك بما نقلوه


1 - اعتذر الآمدي عن اليهود والرافضة في انتقاصهم لله وطعنهم في افعاله وشرائعه بخفاء الفرق بين النسخ والبداء، وتعذر الفصل بينهما عليهم، فمنعت اليهود النسخ حماية لجناب الله في زعمهم، وجهلت الرافضة ربها فحكمت بأن الله يبدو له من المصالح والمفاسد ما كان خفيا عليه فينقض ما ابرمه (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ومن تبين امر اليهود وحسدهم لم بعد موسى من الانبياء وكيدهم لشرائع الاسلام وتبين حال الرافضة ووقف على فساد دخيلتهم وزندقتهم بإبطان الكفر وإظهار الاسلام وانهم ورثوا مبادئهم عن اليهود ونهجوا في الكيد للاسلام منهجهم علم أن ما قالوه من الزور والبهتام أنما كان عن قصد سئ وحسد للحق واهله وعصبية = (*)

[ 110 ]

عن علي رضي الله عنه، أنه قال: لولا البداء لحدثتكم بما هو كائن إلى يوم القيامة. ونقلوا عن جعفر الصادق، رضي الله عنه، أنه قال: ما بدا لله تعالى في شئ كما بدا له في إسماعيل، أي في أمره بذبحه. ونقلوا عن موسى (1) بن جعفر أنه قال: البداء ديننا ودين آبائنا في الجاهلية. وتمسكوا أيضا بقوله تعالى: * (يمحو الله ما يشاء، ويثبت) * (13) الرعد: 39) وفي ذلك قال شاعرهم: ولولا البداء سميته غير هائب * وذكر البدا نعت لمن يتقلب - ولولا البدا ما كان فيه تصرف * وكان كنار دهره يتلهب - وكان كضوء مشرق بطبيعة * وبالله عن ذكر الطبائع يرغب فلزم اليهود على ذلك إنكار تبدل الشرائع، ولزم الروافض على ذلك وصف الباري تعالى بالجهل مع النصوص القطعية والادلة العقلية الدالة على استحالة ذلك في حقه. وانه لا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء. أما النصوص الكتابية، فكقوله تعالى: * (وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد: 3) وقوله تعالى: * (عالم الغيب والشهادة) * (13) الرعد: 9) وقوله: * (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (6) الانعام: 59) وقوله: * (ما أصاب من مصيبة في الارض، ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) * (57) الحديد: 22) إلى غير ذلك من الآيات. وأما الادلة العقلية، فما استقصيناه في كتبنا الكلامية وما نقلوه عن علي وعن أهل بيته، فمن الاحاديث التي انتحلها الكذاب الثقفي (2)


= ممقوتة دفعتهم إلى ادس والخدع واعمال معاول الهدم سرا وعلنا للشرائع ودولها القائمة عليها، ومن قرأ آيات القرآن وتاريخ الفريقين ظهر له ما هم عليه من الدخل والمكر السئ. 2 - هو موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن على بن ابي طالب الهاشمي. 2 - الكذاب الثقفي - هو المختار بن أبي عبيد، كان خارجيا ثم زبيريا ثم شيعيا وكيسانيا واليه تنسب المختارية من فرق الشيعة، ومن مذهبه جواز البداء على الله = (*)

[ 111 ]

على أهل البيت، فإنه كان يدعي العصمة لنفسه، ويخبر بأشياء، فإذا ظهر كذبه فيها، قال إن الله وعدني بذلك، غير أنه بدا له منه، وأسند ذلك إلى أهل البيت مبالغة في ترويج أكاذيبه. وأما الآية فالمراد بها إنما هو محو المنسوخ وإثبات الناسخ ومحو السيئات بالحسنات، كما قال تعالى: * (إن الحسنات يذهبن السيئات) * (11) هود: 114) ومحو الحسنات بالردة على ما قال تعالى: * (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم) * (2) البقرة: 217) أو محو المباحات وإثبات الطاعات، على ما قاله أهل التفسير، أو محو ما يشاء من الآجال أو الارزاق، وإثبات غيرها. ويجب الحمل على ذلك جمعا بينه وبين الادلة القاطعة الدالة على امتناع الجهل في حق الله تعالى (1). وكشف الغطاء عن ذلك يتحقق بالفرق بين النسخ والبداء فنقول: إذا عرف معنى البداء، وأنه مستلزم للعلم بعد الجهل والظهور بعد الخفاء، وأن ذلك مستحيل في حق الله تعالى على ما بيناه، في كتبنا الكلامية، فالنسخ ليس كذلك، فإنه لا يبعد أن يعلم الله تعالى في الازل استلزام الامر بفعل من الافعال للمصلحة في وقت معين، واستلزام نسخه للمصلحة في وقت آخر، فإذا نسخه في الوقت الذي علم نسخه فيه فلا يلزم من ذلك أن يكون قد ظهر له ما كان خفيا عنه، ولا أن يكون قد أمر بما فيه مفسدة، ولا نهى عما فيه مصلحة، وذلك كإباحته الاكل في الليل من رمضان، وتحريمه في نهاره.


= تعالى، انظر ترجمته في الملل للشهرستاني، والفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي قتل في موقعة بينه وبين مصعب بن الزبير بح وراء عام 67 ه‍. 1 - بين (تعالى في آخر الآيه أن كل ما يكون منه من محو واثبات وتبديل وتغيير واقع فعلا كونيا أو تشريعا ومسطور عنده بي ام الكتاب، جرى به القلم فكتب ما هو كائن من ناسخ ومنسوخ وسعادة وشقاوة وسائر ما يكون من التغيير والتبديل كلمنه في وقته الذي حدد له في عمله (تعالى) وكتابه ورهين بأسبابه حسب ما تقتضيه الحكمة، وبذلك يتبين أنه لا يلزم من المحو والاثبات عموما ان يكون بدا لله أمر كان خفيا عليه، بل ما كان وما سيكون من فعل أو تشريع تفسير عملي وتطبيق واقعي دقيق موافق لسابق علمه وما جرى به قلمه في كتابه. (*)

[ 112 ]

فإن قيل: لا يخلو إما أن يكون الباري تعالى قد علم استمرار أمره بالفعل المعين أبدا، أو إلى وقت معين، وعلم أنه لا يكون مأمورا بعد ذلك الوقت فإن كان الاول، استحال نسخه لما فيه من انقلاب علمه جهلا وإن كان الثاني، فالحكم يكون منتهيا بنفسه في ذلك الوقت، فلا يتصور بقاؤه بعده، وإلا لانقلب علم الباري جهلا، وإذا كان منتهيا بنفسه فالنسخ لا يكون مؤثرا فيه لا في حالة علم الله تعالى أنه يكون الفعل مأمورا فيها، ولا في حالة علم الله أنه لا يكون مأمورا فيها، لما فيه من انقلاب علمه إلى الجهل، وإذا لم يكن الناسخ مؤثرا فيه، فلا يتصور نسخه. قلنا: الامر مطلق، والباري علم أن الامر بالفعل ينتهي بالناسخ في الوقت الذي علم أن النسخ يقع فيه، لا أنه علم أنتهاءه إلى ذلك الوقت مطلقا، بل علم انتهاءه بالنسخ، فلو لم يكن منتهيا بالنسخ لانقلب علمه جهلا. وعلى هذا، فلا يلزم من انتهاء الامر في ذلك الوقت بالنسخ، أن لا يكون الامر منسوخا.

[ 113 ]

الفصل الثالث في الفرق بين التخصيص والنسخ نقول إن التخصيص والنسخ وإن اشتركا من جهة أن كل واحد منهما قد يوجب تخصيص الحكم ببعض ما تناوله اللفظ لغة، غير أنهما يفترقان من عشرة أوجه: الاول: أن التخصيص يبين أن ما خرج عن العموم لم يكن المتكلم قد أراد بلفظه الدلالة عليه، والنسخ يبين أن ما خرج لم يرد التكليف به، وإن كان قد أراد بلفظه الدلالة عليه. الثاني: أن التخصيص لا يرد على الامر بمأمور واحد، والنسخ قد يرد على الامر بمأمور واحد. الثالث: أن النسخ لا يكون في نفس الامر إلا بخطاب من الشارع، بخلاف التخصيص، فإنه يجوز بالقياس وبغيره من الادلة العقلية والسمعية. الرابع: أن الناسخ لا بد وأن يكون متراخيا عن المنسوخ، بخلاف المخصص فإنه يجوز أن يكون متقدما على المخصص ومتأخرا عنه، كما سبق تحقيقه. الخامس: أن التخصيص لا يخرج العام عن الاحتجاج به مطلقا في مستقبل الزمان فإنه يبقى معمولا به فيما عدا صورة التخصيص، بخلاف النسخ، فإنه قد يخرج الدليل المنسوخ حكمه عن العمل به في مستقبل الزمان بالكلية، وذلك عند ما إذا ورد النسخ على الامر بمأمور واحد. السادس: أنه يجوز التخصيص بالقياس، ولا يجوز به النسخ. السابع: أن النسخ رفع الحكم بعد أن ثبت، بخلاف التخصيص. الثامن: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعة، ولا يجوز تخصيص شريعة بأخرى. التاسع: أن العام يجوز نسخ حكمه حتى لا يبقى منه شئ، بخلاف التخصيص. العاشر: وهو ما ذكره بعض المعتزلة، أن التخصيص أعم من النسخ، وأن كل نسخ تخصيص، وليس كل تخصيص نسخا، إذ النسخ لا يكون إلا بتخصيص الحكم ببعض الازمان، والتخصيص يعم تخصيص الحكم ببعض الاشخاص وبعض الاحوال وبعض الازمان، وفيه نظر،

[ 114 ]

وذلك أنه إن ثبت أن ما ذكر من صفات التخصيص الفارقة بينه وبين النسخ داخلة في مفهوم التخصيص، أو ملازمة خارجة، فلا وجود لها في النسخ، فلا يكون التخصيص أعم من النسخ، لان الاعم لا بد وأن يصدق الحكم به مع جميع صفاته اللازمة لذاته، على الاخص، وذلك مما لا يصدق على النسخ، فلا يكون النسخ تخصيصا. وإلا فلقائل (1) أن يقول: ما ذكر من الصفات الفارقة بين التخصيص والنسخ إنما هي فروق بين أنواع التخصيص، وليست من لوازم مفهوم التخصيص بل التخصيص أعم من النسخ، ومن جميع الصور المذكورة، وهو قادح لا غبار عليه اللهم إلا أن يرجع إلى الاصطلاح، وإطلاق اسم التخصيص على بعض هذه الانواع، والنسخ على البعض الآخر فحاصل النزاع يرجع إلى الاطلاق اللفظي، ولا منازعة فيه بعد فهم عوز المعنى. الفصل الرابع في شروط النسخ الشرعي وهي منقسمة إلى متفق عليه ومختلف فيه. أما المتفق عليه: فأن يكون الحكم المنسوخ شرعيا، وأن يكون الدليل الدال على ارتفاع الحكم شرعيا متراخيا عن الخطاب المنسوخ حكمه، وأن لا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت معين. وأما الشروط المختلف فيها، فأن يكون قد ورد الخطاب الدال على ارتفاع الحكم بعد دخول وقت التمكن من الامتثال، وأن يكون الخطاب المنسوخ حكمه مما لا يدخله الاستثناء والتخصيص، وأن يكون نسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وأن يكون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين، وأن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ مقابلة الامر بالنهي، والمضيق بالموسع، وأن يكون النسخ ببدل. فإن ذلك كله مختلف فيه. والحق أن هذه الامور غير معتبرة كما يأتي، وإذ أتينا على ما أردناه من المقدمة فلا بد من العود إلى المسائل المتشعبة عن النسخ، وهي عشرون مسألة.


1 - والافلقائل - كان فيه تحريفا ولعل الاصل ولقائل ويكون جوابا عن النظر المتقدم (*)

[ 115 ]

المسألة الاولى في إثبات النسخ على منكريه وقد اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلا، وعلى وقوعه شرعا، ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم الاصفهاني (1) فإنه منع من ذلك شرعا، وجوزه عقلا، ومن أرباب الشرائع سوى اليهود، فإنهم انقسموا ثلاث فرق: فذهبت الشمعنية إلى امتناعه عقلا وسمعا وذهبت العنانية منهم إلى امتناعه سمعا لا عقلا وذهبت العيسوية إلى جوازه عقلا، ووقوعه سمعا، واعترفوا بنبوة محمد (ص) لكن إلى العرب خاصة لا إلى الامم كافة. والدليل على الجواز العقلي العقل والسمع (2). أما العقل: فهو أن المخالف لا يخلو إما أن يكون ممن يوافق على أن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير نظر إلى حكمة وغرض، وإما أن يكون ممن يعتبر الحكمة والغرض في أفعاله تعالى: فإن كان الاول، فلا يمتنع عليه تعالى أن يأمر بالفعل في وقت، وينهى عنه في وقت، كما أمر بالصيام في نهار رمضان، ونهى عنه في يوم العيد، وإن كان الثاني، فمع بطلانه (3) على ما عرفناه في كتب الكلام، فلا يمتنع أن يعلم الله استلزام الامر بالفعل في وقت معين للمصلحة واستلزام


1 - أبو مسلم الاصفهاني: هو محمد بن بحر المعتزلي من كتبه: (جامع التأويل). ولد عام 254 ه‍ ومات عام 322 ه‍. 2 - العنانية فرقة من اليهود تنسب إلى رجل يقال له عنان بن داود ومن مذهبهم الاعتراف بولاية عيسى عليه السلام وانكار نبوته والعيسوية فرقة من اليهود تنتسب إلى ابي عيسى اسحاق بن يعقوب الاصفهاني ادعى النبوة وبدأ دعوته زمن مروان بن محمد الحمار، وحارب اصحاب المنصور بالري - انظر تراجمهم ومذاهبهم في كتاب الملل للشهرستاني، والفصل لابن حزم. 3 - انظر ما سبق تعليقا ص 91 - 94 - 104. (*)

[ 116 ]

النهي عنه للمصلحة في وقت آخر، فإن المصالح مما يختلف باختلاف الاشخاص والاحوال حتى إن مصلحة بعض الاشخاص في الغنى أو الصحة أو التكليف، ومصلحة الآخر في نقيضه، فكذلك جاز أن تختلف المصلحة باختلاف الازمان حتى أن مصلحة بعض أهل الازمان في المداراة والمساهلة، ومصلحة أهل زمان آخر في الشدة والغلظة عليهم، إلى غير ذلك من الاحوال. وإذا عرف جواز اختلاف المصلحة باختلاف الازمان، فلا يمتنع أن يأمر الله تعالى المكلف بالفعل في زمان لعلمه بمصلحته فيه، وينهاه عنه في زمن آخر لعلمه بمصلحته فيه، كما يفعل الطبيب بالمريض، حيث يأمره باستعمال دواء خاص في بعض الازمنة وينهاه عنه في زمن آخر بسبب اختلاف مصلحته عند اختلاف مزاجه، وكما يفعل الوالد بولده من التأديب له وضربه في زمان، واللين له والرفق به في زمان آخر على حسب ما يتراءى له من المصلحة. ولهذا خص الشارع كل زمان بعبادة غير عبادة الزمن الآخر، كأوقات الصلوات والحج والصيام، ولولا اختلاف المصالح باختلاف الازمنة لما كان كذلك. ومع جواز اختلاف المصالح باختلاف الازمنة لا يكون النسخ ممتنعا. هذا ما يدل على الجواز العقلي من جهة العقل. وأما من جهة السمع: فقوله تعالى * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها، ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * (2) البقرة: 106) فهذه الآية تدل على جواز النسخ على الله تعالى شرعا. أما بالنسبة إلى من خالف في ذلك من المسلمين فظاهر لموافقته على أن الآية من كلام الله تعالى، وأن كلامه صدق. وأما بالنسبة إلى اليهود، فلانه إذا ثبت أن محمدا رسول الله بما أثبتناه من الادلة القاطعة في علم الكلام، وأنه صادق فيما يدعيه من الوحي إليه من الله تعالى، فقد ادعى كون هذه الآية من كلام الله، فكان صادقا في ذلك، وكانت الآية حجة على جواز النسخ.

[ 117 ]

وأما ما يدل على وقوع النسخ في الشرع إما بالنسبة إلى من خالف من المسلمين في ذلك فهو أن الصحابة والسلف أجمعوا على أن شريعة محمد (ص)، ناسخة لجميع الشرائع السالفة، وأجمعوا على نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة، وعلى نسخ الوصية للوالدين والاقربين بآية المواريث، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، ونسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص)، ووجوب التربص حولا كاملا عن المتوفى عنها زوجها، ووجوب ثبات الواحد للعشرة، المستفاد من قوله تعالى: * (إن يكن منكم عشرون صابرون) * (8) الانفال: 65) الآية، بقوله: * (الآن خفف الله عنكم) * (8) الانفال: 66) الآية، إلى غير ذلك من الاحكام المتعددة (1). وأما بالنسبة إلى منكر ذلك من اليهود فيدل عليه أنه ورد في التورية أن الله تعالى أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك في شريعة من بعده، وأيضا فإن الله تعالى قال لنوح عند خروجه من الفلك إني جعلت لك كل دابة مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه وقد حرم كثيرا من الدواب على ما بعده من أرباب الشرائع، وهو عين النسخ (2). فإن قيل: يحتمل أن أمر آدم والاباحة لنوح وذريته كان مقيدا بظهور شريعة من بعده، فتحريم ذلك على من بعده لا يكون نسخا لانتهاء مدة الحكم الاول لكونه كان مقيدا بظهور شريعة من بعده. قلنا: الامر لآدم والاباحة لنوح كان مطلقا. والاصل عدم التقييد. وإن قيل إنه كان ذلك مقيدا في علم الله تعالى بظهور شريعة أخرى. قلنا: فهذا هو عين النسخ، فإن الله تعالى إذا أمر بالفعل مطلقا، فهو عالم بأنه سينسخه، ويعلم وقت نسخه، فتقييده في علمه لا يخرجه عن حقيقة النسخ.


1 - سيأتي الكلالم على هذه النصوص في مواضعها (من مسائل النسخ) ان شاء الله تعالى 2 - الاحتجاج على اليهود بما في كتبهم من باب الالزام فقط فانها قد دخلها التحريف والتبديل فلا يصلح ما فيها حجة لاثبات حق الا ما ذكر منه في القرآن أو روي من طريق صحيح عن الرسول (ص)، مع تقريره أو السكوت عنه. (*)

[ 118 ]

وقد احتج عليهم بإلزامات أخر. منها أن العمل كان مباحا في يوم السبت، ثم حرم على موسى وقومه. ومنها أن الختان كان في شرع إبراهيم جائزا بعد الكبر، وقد أوجبه موسى يوم ولادة الطفل ومنها أن الجمع بين الاختين كان مباحا في شريعة يعقوب، وقد حرم ذلك في شريعة من بعده. ولقائل أن يقول: العمل في يوم السبت، وكذلك الختان في حالة الكبر، وكذلك الجمع بين الاختين كان مباحا بحكم الاصل، ورفع ما كان ثابتا بحكم الاصل العقلي لا يكون نسخا كما علم فيما تقدم. فإن قيل: لو كان النسخ جائزا عقلا، لم يخل نسخ ما أمر به إما أن يكون لحكمة ظهرت لم تكن ظاهرة حالة الامر، أو لا يكون كذلك: فإن لم يكن لحكمة ظهرت له، كان عابثا، والعبث على الحكيم محال. وإن كان الاول: فقد بدا له ما لم يكن، والبداء على الله تعالى محال. وأيضا فإنه لو جاز نسخ الاحكام الشرعية لكون التكليف بها مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت، لجاز نسخ ما وجب من الاعتقادات في التوحيد وما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز، وهو محال. وأيضا فإن الخطاب المنسوخ حكمه. إما أن يكون موقتا بوقت، أو هو دال على التأبيد. فإن كان الاول، فهو غير قابل للنسخ لانتهائه بانتهاء ذلك الوقت. وإن كان الثاني، فهو محال من أربعة أوجه: الاول: إنه من ذلك اعتقاد المكلف دوام الحكم وتأييده، وهو جهل قبيح، وما لزم منه القبيح فهو قبيح. الثاني: أنه يلزم منه أن لا يبقى لنا طريق إلى معرفة التأبيد بتقدير إرادة التأبيد وذلك مما يوجب إعجاز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد، وهو محال.

[ 119 ]

الثالث: أنه لو جاز النسخ مع أن اللفظ للتأبيد، لما بقي لنا وثوق بوعد الله تعالى ووعيده، ولا بشئ من الظواهر اللفظية، ولا يخفى ما في ذلك من اختلال الشرائع واتجاه قول الباطنية. الرابع: أنه يلزمكم على هذا جواز نسخ شريعتكم، ولم تقولوا به وأيضا فإنه لو جاز رفع الحكم بعد وقوعه، فإما أن يكون رفعه قبل وجوده أو بعد عدمه، أو في حال وجوده: الاول محال، لان رفع ما لم يوجد غير متصور. والثاني محال، لان رفع المعدوم ممتنع. والثالث يلزم منه أن يكون الشئ حالة وجوده مرتفعا، وذلك أيضا ممتنع. وأيضا فإن الفعل المأمور به إما أن يكون حسنا أو قبيحا: فإن كان الاول فقد نهى عن الحسن، وإن كان الثاني، فقد أمر بالقبيح. وأيضا فإنه إما أن يكون طاعة أو معصية: فإن كان طاعة، فقد نهى عن الطاعة، وإن كان معصية، فقد أمر بالمعصية. وأيضا فإما أن يكون مرادا أو مكروها: فإن كان مرادا، فقد صار بالنهي مكروها، وإن كان مكروها، فقد صار بالامر مرادا. وأما ما ذكرتموه من الدليل السمعي على الجواز العقلي، فلا وجه له. أما قوله تعالى * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) * (2) البقرة: 106) فالمراد بالنسخ الازالة، ونسخ الآية بإزالتها عن اللوح المحفوظ. وأما ما ذكرتموه على الوقوع الشرعي، فلا نسلم أن شريعة محمد ناسخة لشرائع من تقدم على ما يأتي تقريره. وأما وجوب استقبال بيت المقدس، فإنه لم يزل بالكلية، لجواز التوجه إليه عند الاشكال ومع العذر، فكان ذلك تخصيصا لا نسخا. وأما تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص)، فإنما زالت لزوال سببها، وهو امتياز المنافقين من حيث إنهم لا يتصدقون على المؤمنين.

[ 120 ]

ووجوب التربص حولا كاملا لم يزل بالكلية لبقائه عندما إذا كانت مدة حملها سنة فكان ذلك أيضا من باب التخصيص، لا من باب النسخ. سلمنا الجواز العقلي، ولكن لا نسلم الجواز الشرعي، وبيانه من وجهين: الاول: قوله تعالى في صفة القرآن * (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) * (41) فصلت: 42) فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل، وهذه حجة من منع جواز نسخ القرآن مطلقا. الثاني: أن موسى الكليم كان نبيا حقا بالاجماع منا ومنكم وبالدلائل الدالة على صدقه في رسالته، وقد نقل عنه نقلا متواترا أنه قال هذه الشريعة مؤبدة عليكم ما دامت السموات والارض وروي عنه أنه قال الزموا يوم السبت أبدا فقد كذب بذلك من ادعى نسخ شريعته، فلو قيل بجواز نسخ شريعته لزم منه أن يكون كاذبا، وهو محال. والجواب عن الاشكال الاول: أن النسخ لم يكن لحكمة ظهرت له بعد أن لم تكن ظاهرة بل إن قلنا برعاية الحكمة لحكمة، كان عالما بها على ما سبق في الفرق بين النسخ والبداء. وعن الاشكال الثاني: أن اعتقاد التوحيد وكل ما مستند معرفته دليل العقل لا يخلو إما أن يقال بأن وجوبه (1) ثابت بالعقل، كما قاله المعتزلة، أو بالشرع كما نقوله نحن: فإن كان الاول، فلا يخفى إحالة نسخ ما ثبت وجوبه عقلا، لان الشارع لا يأتي بما يخالف العقل. وإن كان الثاني، فالعقل يجوز أن لا يرد الشرع بوجوبه ابتداء، فضلا عن نسخه بعد وجوبه. وعن الثالث: قولهم إن الخطاب إن كان موقتا، فلا يكون قابلا للنسخ، لا نسلم ذلك، فإنه لو قال في رمضان حجوا في هذه السنة، ثم قال قبل يوم عرفة لا تحجوا، فإنه يكون جائزا عندنا، على ما يأتي في جواز نسخ الامر قبل التمكن من الامتثال. قولهم: وإن كان دالا على التأبيد فهو محال، لا نسلم ذلك.


1 - اي وجوب اعتقاد التوحيد وما في حكمه على المكلف. (*)

[ 121 ]

قولهم في الوجه الاول إنه يلزم منه جهل المكلف باعتقاد التأبيد. فقد أجاب عنه أبو الحسين البصري بأنه إنما يفضي إلى ذلك إن لو لم يكن قد اقترن بالخطاب المنسوخ ما يشعر بنسخه، وليس كذلك. وقد بينا إبطال ما ذهب إليه في تأخير البيان إلى وقت الحاجة (1). والوجه في الجواب أن نقول: دلالة الخطاب على التأبيد لا يلزمها التأبيد مع القول بجواز النسخ، فإذا اعتقد المكلف التأبيد فالجهل إنما جاءه من قبل نفسه، لا من قبل ما اقتضاه الخطاب، بل الواجب أن يعتقد التأبيد بشرط عدم الناسخ ثم، وان أفضى ذلك إلى الجهل في حق العبد، فالقول بقبح ذلك من الله تعالى مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه فيما تقدم (2). ثم متى يكون ذلك قبيحا إذا استلزم مصلحة تربو على مفسدة جهله، أو إذا لم يكن كذلك، الاول ممنوع، والثاني مسلم. وبيان لزوم المصلحة الزائدة هنا ما فيه من زيادة الثواب باعتقاده دوام ما أمر به والعزم على فعله والانقياد لقضاء الله وحكمه في الامر والنهي. كيف وإن ما ذكروه منتقض بما يحدثه الله تعالى للعبد من الغنى والصحة، فإن ذلك مما يوجب اعتقاد دوامه له مع جواز إزالته بالفقر والمرض. قولهم في الوجه الثاني إنه يفضي إلى تعجيز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد، ليس كذلك، لجواز أن يخلق لنا العلم الضروري بذلك. وما ذكروه في الوجه الثالث فمندفع، فإنه إن كان اللفظ الوارد في الخطاب مما لا يحتمل التأويل، فالوثوق به حاصل لا محالة، وإن كان مما يحتمل التأويل، فيجب أن يكون الوثوق به على حسب ما اقتضاه الظاهر لا قطعا وذلك غير مستحيل. وما ذكروه في الوجه الرابع فغير صحيح، فإنا لا نمنع من جواز نسخ شرعنا


1 - انظر راي ابي الحسين البصري والرد عليه في المسألة الرابعة من مسائل البيان والمبين. 2 - تقدم ايضا ما فيه تعليقا على المسألة الاولى من الاصل الاول في الحاكم. (*)

[ 122 ]

عقلا، وإنما نمنع منه شرعا لورود خبر الصادق بذلك عندنا، وهو قوله تعالى: * (وخاتم النبيين) * (33) الاحزاب: 40) وقوله (ص) الا انه لا نبي بعدي (1) والخلف خبر الصادق محال. ومع ذلك فإنا لا نحمل عقلا أن يكون ذلك الخبر مشروطا بقيد. قولهم: لو جاز رفع الحكم، ينظر الاصل ان يكون قبل وقوعه، فمندفع. فإنا وإن أطلقنا لفظة الرفع في النسخ إنما نريد به امتناع استمرار المنسوخ، وأنه لولا الخطاب الدال على الانقطاع لاستمر، وذلك لا يلزم عليه شئ مما قيل (2). قولهم: الفعل المأمور به إما أن يكون حسنا، أو قبيحا، فهو مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه. قولهم: إما أن يكون طاعة أو معصية، قلنا هو طاعة حالة كونه مأمورا، ومعصية حالة كونه منهيا، فالطاعة والمعصية ليست من صفات الافعال، بل تابعة للامر والنهي. قولهم: إما أن يكون مرادا أو مكروها، لا نسلم الحصر لجواز أن لا يكون مرادا ولا مكروها، إذ الارادة والكراهة عندنا غير لازمة للامر والنهي (3).


1 - في معناه ما رواه الامام احمد والترمذي والحاكم من طريق أنس، قال (ص) ان الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي، الحديث وفي آخر عند احمد بلفظ لانبوة بعدي الا المبشرات) الحديث وقد صح في ذلك المعنى آحاديث بلغت درجة التواتر، وفيها الرد على القاديانية ومن ذهب مذهبهم في عدم ختم النبوة انظر تفسير ابن كثير لقوله تعالى (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (الاحزاب) 2 - انظر ما تقدم - ص 104 ج 3. 3 - ان قصد المستدل بالآرادة، الارادة الكونية وبالامر الامر الشرعي فلا تلازم بينهما، وكذلك ان قصد بالكراهة الكراهة الكونية فلا تلازم بينها وبين النهي كما قال الآمدي، فان الله قد اراد كونا كفر بعض المكلفين كأبي لهب وامره بالايمان وكره كراهة كونية قدرية ايمان ابي جهل ولم ينهه عنه بل امره به، وان قصد المستدل بالارادة في دليله الارادة الشرعية وبالكراهة الكراهة الشرعية فالتلازم بين الارادة والامر الشرعيين حق، وكذلك التلازم بين الكراهة والنهي = (*)

[ 123 ]

وبتقدير أن يكون ما أمر به مرادا، جاز أن يكون مرادا حالة الامر دون حالة النهي. قولهم: المراد من نسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ، ليس كذلك. فإنه قال تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * (2) البقرة: 106) والقرآن خير كله من غير تفاوت فيه، فلو كان المراد من نسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ وكتابة أخرى بدلها، لما تحقق هذا الوصف، وإنما يتحقق الخيرية بالنسبة إلينا فيما يرجع إلى أحكام الآيات المرفوعة عنا والموضوعة علينا، من حيث إن البعض قد يكون أخف من البعض فيما يرجع إلى تحمل المشقة، أو أن ثواب البعض أجزل من ثواب البعض على اختلاف المذاهب، فوجب حمل النسخ على نسخ أحكام الآيات لا على ما ذكروه (1). وأما منع كون شريعة محمد (ص) ناسخة لشرع من تقدم فمخالف لاجماع السلف قاطبة. والكلام في هذا المقام إنما هو مع منكر النسخ من الاسلاميين. وما يذكرونه في تقدير ذلك فسيأتي الجواب عنه أيضا. وأما ما ذكروه على باقي صور النسخ فهو أيضا خلاف إجماع السلف. كيف وإن ما ذكروه من التخريج لا وجه له. قولهم إن التوجه إلى بيت المقدس لم يزل بالكلية. قلنا: لا خلاف أنه كان يجب التوجه إليه حالة عدم الاشكال والعذر، وقد زال ذلك بالكلية، فكان نسخا. قولهم إن وجوب تقديم الصدقة إنما زال لزوال سببه. قلنا: الاصل بقاء السبب، وما ذكروه من السبب يلزم منه أن كل من لم يتصدق من الصحابة أن يكون منافقا، ولم يتصدق أحد منهم سوى علي عليه السلام، على ما نقله الرواة، وذلك ممتنع.


= الشرعيين، والجواب هو ما ذكره الآمدي بعد قوله (وبتقدير إلى آخره) وقد مر نظيره في الاجابة عن الدليل الذي قبله. 1 - انظر الكلام على هذه الاية في كتاب، جواب أهل العلم والايمان في أن قل هو الله احد تعدل ثلث القرآن (*)

[ 124 ]

قولهم إن وجوب التربص لم يزل بالكلية. قلنا لا خلاف بين أهل الملة في أنه كان التربص حولا كاملا واجبا، سواء كانت مدة الحمل سنة، أو لم تكن، وذلك مما رفع بالكلية. وما ذكروه من امتناع نسخ القرآن بقوله * (لا يأتيه الباطل) * (41) فصلت: 42) الآية، فليس فيه ما يدل على امتناع النسخ، إلا أن يكون النسخ إبطالا له، وليس كذلك. وبيانه أن النسخ لا معنى له سوى قطع الحكم الذي دل عليه اللفظ، مع كون المخاطب مريدا لقطعة على ما سبق، وذلك لا يكون إبطالا له بل تحقيقا لمقصوده. وما ذكروه من قول موسى، فمختلق لم تثبت صحته عن موسى عليه السلام. وقد قيل إن أول من وضع ذلك لهم ابن الراوندي (1) ليعارض به دعوى الرسالة من محمد (ص)، لما ظهر من تسمحه في الدين. ويدل على ذلك أن أحبارهم ككعب الاحبار، وابن سلام، ووهب ابن منبه (2) وغيرهم كانوا أعرف من غيرهم بما في التوراة، وقد أسلموا ولم يذكروا شيئا من ذلك: ولو كان ذلك صحيحا لكان من أقوى ما يتمسك به اليهود في زمن النبي (ص)، في معارضته، ولم ينقل عنهم شئ من ذلك ثم أنهم مختلفون في نفس متن الحديث، فإن منهم من قال الحديث إن أطعتموني لما أمرتكم به، ونهيتكم عنه، ثبت ملككم، كما ثبتت السموات والارض، وليس في ذلك ما يدل على إحالة النسخ. وإن سلمنا صحة ما نقلوه، فيحتمل أنه أراد بالشريعة، التوحيد ويحتمل أنه أراد بقوله مؤبدة ما لم تنسخ بشريعة نبي آخر.


1 - ابن الراوندي هو أبو الحسن احمد بن يحيى بن اسحاق كان من المعتزلة اشتهر بالزندقة والالحاد واليه تنسب الراوندية إحدى فرق المعتزلة توفي عام 798 ه‍ 2 - كعب الاحبار بن ماتع أبو اسحاق الحميري أسلم أيام ابي بكر أو عمر وتوفي في خلافة عثمان عام 32 ه‍ عن 104 سنة وابن الاسلام هو عبد الله بن سلام أبو يوسف الاسرائيلي صحابي جليل مات بالمدينة عام 43 ه‍ ووهب هو ابن منبه بن كامل اليماني الصنعاني أبو عبد الله الا بناوي ولد عام 34 ه‍ ومات عام 110 أو 116 (*)

[ 125 ]

ومع احتمال هذه التأويلات، فلا يعارض قوله ما ظهر على يد النبي (ص)، من المعجزات القاطعة الدالة على صدقه في دعواه الرسالة ونسخ شريعة من تقدم. كيف وإن لفظ التأبيد قد ورد في التوراة، ولم يرد به الدوام، كقوله إن العبد يستخدم ست سنين، ثم يعتق في السابعة، فإن أبي العتق، فلتثقب أذنه ويستخدم أبدا وكقوله في البقرة التي أمروا بذبحها هذه سنة لكم أبدا وكقوله قربوا كل يوم خروفين قربانا دائما. وأما العيسوية، فيمتنع عليهم بعد التسليم بصحة رسالته وصدقه في دعواه بما اقترن بها من المعجزة القاطعة تكذيبه فيما ورد به التواتر القاطع عنه بدعوى البعثة إلى الامم كافة ونزول القرآن بذلك. وهو قوله تعالى: * (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) * (7) الاعراف: 158) وقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * (34) سبأ: 28) وقال في وصف ما أنزل عليه هذا هدى للناس ومن ذلك قوله (ص): بعثت إلى الاحمر والاسود وقوله: بعثت إلى الناس كافة (1) وقوله: لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ويدل على ذلك ما اشتهر عنه، وتواتر من دعائه لطوائف الجبابرة والاكاسرة. وتنفيذه إلى أقاصي البلاد، وطلب الدخول في ملته والقتال لمن جاحده من العرب وغيرهم في نبوته، والله أعلم.


1 - انظر ما تقدم تعليقا ص 275 ج 2 (*)

[ 126 ]

المسألة الثانية اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج وقته واختلفوا في جواز ذلك قبل دخول الوقت. وذلك كما لو قال الشارع في رمضان حجوا في هذه السنة، ثم قال قبل يوم عرفة لا تحجوا. فذهبت الاشاعرة وأكثر أصحاب الشافعي، وأكثر الفقهاء إلى جوازه. ومنع من ذلك جماهير المعتزلة وأبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، وبعض أصحاب الامام أحمد بن حنبل. والمختار جوازه. وقد احتج الاصحاب بحجج ضعيفة. الحجة الاولى قوله تعالى: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) * (13) الرعد: 39) دل على أنه يمحو كل ما يشاء محوه على كل وجه، فيدخل فيه محو العبادة قبل دخول وقتها، ولا دلالة فيه، لان الآية إنما تدل على محو كل ما يشاء محوه، وليس فيها ما يدل على أنه يشاء محو العبادة قبل دخول وقتها، مع كون ذلك ممتنعا عند الخصم، وإن بين إمكان مشيئة ذلك بغير الآية، ففيه ترك الاستدلال بالآية كيف وإنه قد أمكن حمل المحو على ما هو حقيقة فيه، وهو محو الكتابة مما يكتبه الملكان من المباحات، وتبقيه المعاصي والطاعات. ومنهم من احتج بقصة إبراهيم، عليه السلام، وأمر الله له بذبح ولده، ونسخه عنه بذبح الفداء، ودليل أمره بذلك انه قد روي انه تعالى قال لابراهيم * (اذبح ولدك) * وروي * (واحدك) * والقرآن دل عليه بقوله * (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى. قال يا أبت افعل ما تؤمر) * (الصافات: 102) وانه نسخ بذبح الفدا بقوله * (وفديناه بذبح عظيم) * (37) الصافات: 107) وهذا أيضا مما يضعف الاحتجاج به جدا. غير أنه قد وجه الخصوم على هذه الحجة اعتراضات واهية لا بد من ذكرها والاشارة إلى الانفصال عنها تكثيرا للفائدة

[ 127 ]

ثم نذكر بعد ذلك وجه الضعيف في الآية المذكورة (1). أما الاسئلة فأولها أنهم قالوا إن ذلك إنما كان مناما لا أصل له، فلا يثبت به الامر، ولهذا قال: إني أرى في المنام. سلمنا أن منامه أصل يعتمد عليه، ولكن لا نسلم أنه كان قد أمر. وقول ولده افعل ما تؤمر، ليس فيه دلالة على أنه كان قد أمر ولهذا علقه على المستقبل. ومعناه: افعل ما يتحقق من الامر في المستقبل. سلمنا أنه كان مأمورا. لكن لا نسلم أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة، بل بالعزم على الذبح امتحانا له بالصبر على العزم، وذلك بلاء عظيم، والفداء إنما كان عما يتوقعه من الامر بالذبح لا عن نفس وقوع الامر بالذبح أو بمقدمات الذبح من إخراجه إلى الصحراء وأخذ المدية والحبل وتله للجبين، فاستشعر إبراهيم أنه مأمور بالذبح، ولذلك قال تعالى: * (قد صدقت الرؤيا) * (37) الصافات: 105) سلمنا أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة، إلا أنه قد وجد منه، فإن قد روي أنه كان كلما قطع جزءا عاد ملتحما إلى آخر الذبح، ولهذا قال الله تعالى: * (قد صدقت الرؤيا) * (37) الصافات: 105) وإذا كان ما أمر به من الذبح قد وقع، فالفداء لا يكون نسخا. سلمنا أن الذبح حقيقة لم يوجد، لكن قد روي أن الله تعالى منعه من الذبح بأن جعل على عنق ولده صفيحة من نحاس أو حديد مانعة من الذبح، لا أن ذلك كان بطريق النسخ. والجواب عن الاول أن منام الانبياء فيما يتعلق بالاوامر والناهي، وحي معمول به، وأكثر وحي الانبياء كان بطريق المنام، وقد روي عن النبي (ص) أن وحيه كان ستة أشهر بالمنام ولهذا قال عليه السلام: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة (2) فكانت نسبة الستة أشهر من ثلاثة وعشرين سنة من نبوته،


1 - إي وجه الضعف في الاستدلال بالآية. 2 - رواه البخاري من طريق ابي سعيد الخدري ومسلم من طريق ابن عمر وابي هريرة واحمد وابن ماجه من طريق أبي رزين (*)

[ 128 ]

كذلك، ويدل على ذلك قوله (ص): ما احتلم نبي قط (1) يعني ما تشكل له الشيطان في المنام على الوجه الذي يتشكل لاهل الاحتلام. كيف وإنه لو كان ذلك خيالا، لا وحيا، لما جاز لابراهيم العزم على الذبح المحرم بمنام لا أصل له، ولما سماه بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء. وعن الثاني أن قوله * (افعل ما تؤمر) * (37) الصافات: 102) وإن لم يكن ظاهرا في الماضي، لكنه قد يرد ويراد به الماضي. ولهذا فإنه لو قال القائل قد أمرني السلطان بكذا فإنه يصح أن يقال له افعل ما تؤمر أي ما أمرت به، وأنت مأمور. ويجب الحمل عليه ضرورة حمل الولد على إخراجه إلى الصحراء وأخذ آلات الذبح وترويع الولد، فإن ذلك كله، مما يحرم من غير أمر ولا إذن في ذلك. وعن الثالث أن حمل الامر على العزم أو على مقدمات الذبح على خلاف قوله * (إني أرى في المنام أني أذبحك) * (37) الصافات: 102) ثم لو كان مأمورا بالعزم على الذبح ومقدمات الذبح لا غير لما سماه بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء، لكون المأمور به مما وقع، ولما قال الذبيح * (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) * (37) الصافات: 102) فإن ذلك مما لا ضرر عليه فيه. وقوله: * (قد صدقت الرؤيا) * (37) الصافات: 105) معناه أنك عملت في المقدمات عمل مصدق للرؤيا بقلبه. لكن لقائل أن يقول: إذا كان قد أمر بإخراج الولد إلى الصحراء وأخذ المدية والحبل وتله للجبين، مع إبهام عاقبة الامر عليه وعلى ولده، فإنه يظهر من ذلك لهما أن عاقبة الامر إنما هي الذبح، وذلك عين البلاء، به يتحقق قول الذبيح * (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) * (37) الصافات: 102) وأما تسمية الكبش فداء، فإنما كان عن الامر المتوقع، لا عن الامر الواقع، غير أن هذا مما لا يستقيم على أصل أبي الحسين البصري (2) لما فيه من توريط المكلف في الجهل، حيث أوجب عليه ما يظهر منه الامر بالذبح، ولا أمر.


1 - ذكره السيوطي في الخصائص الكبرى من قول ابن عباس بلفظ ما احتلم نبي قط وانما الاحتلام من الشيطان ونسبه إلى الطبراني والدينوري في المجالسة. 2 - انظر رأيه والرد عليه في المسألة الرابعة من مسائل البيان المبين. (*)

[ 129 ]

وعن الرابع: أنه لو كان قد أتى بما أمر به من الذبح، لما احتاج إلى الفداء ولا اشتهر ذلك وظهر، لانه من أكبر الآيات الباهرات، وحيث لم ينقله سوى بعض الخصوم دل على ضعفه. وعن الخامس: أن ذلك من المعتزلة لا يصح لانهم لا يرون التكليف بما لا يطاق. وهذا تكليف بما لا يطاق، كيف وإنه لو كان كما ذكروه لنقل أيضا واشتهر، لكونه من المعجزات العظيمة. هذا ما في هذه الاسئلة والاجوبة. وأما وجه الضعف في الاحتجاج بقصة إبراهيم فمن جهة أن لقائل أن يقول: وإن سلمنا أنه نسخ عنه الامر بالذبح، لكن لا نسلم أنه نسخ قبل التمكن من الامتثال. بل إنما كان ذلك بعد التمكن من الامتثال، والخلاف إنما هو فيما قبل التمكن لا بعده. ولا سبيل إلى بيان أنه نسخ قبل التمكن من الامتثال إلا بعد بيان أن مطلق الامر يقتضي الوجوب على الفور، أو أن وقت الامر كان مضيقا لا يجوز التأخير عنه للنبي عليه السلام، وأن النبي عليه السلام، لا يجوز عليه صغائر المعاصي، والكل ممنوع على ما عرف. الحجة الثانية أن الله تعالى نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص)، قبل فعلها. وأيضا فإن النبي (ص)، صالح قريشا يوم الحديبية على رد من هاجر إليه، ثم نسخ ذلك قبل الرد بقوله تعالى: * (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) * (60) الممتحنة: 10) وأيضا فإن الاجماع من الخصوم واقع على أن الله تعالى لو أمرنا بالمواصلة في الصوم سنة، جاز أن ينسخه عنا بعد شهر منها، وذلك نسخ للصوم فيما بقي من السنة قبل حضور وقته. وأيضا فإن النبي (ص)، قال: أحلت لي مكة ساعة من نهار ومع ذلك منع من القتال فيها، وهو نسخ قبل وقت الفعل. وهذه الحجج أيضا ضعيفة. أما الاولى، فلان لقائل أن يقول: لا نسلم أن نسخ تقديم الصدقة كان قبل التمكن من الوقت، ويدل عليه أمران: الاول عتاب الله لهم بقوله * (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقة، فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم) * الآية ولو لم يكن وقت الفعل قد حضر لما حسن ذلك.

[ 130 ]

الثاني أن عليا رضي الله عنه، ناجى بعد تقديم الصدقة (1) وذلك يدل على حضور وقت الفعل. وأما الثانية فلانه لا يمتنع أن يكون ذلك بعد مضي وقت تمكن المهاجرة فيه إليه مع ردهن، ولا دليل على وقوع نسخ ذلك قبل دخول وقت الفعل، فلا يكون حجة. وأما الثالثة، فلان النسخ ورد على بعض ما تناوله اللفظ، فكان بيانا أن مراده من اللفظ إنما هو بعض السنة، ويكون النهي متناولا لغير ما تناوله الامر، وذلك غير ممتنع، وهذا بخلاف ما إذا نسخ قبل دخول شئ من الوقت، لان النهي يكون متناولا لغير ما تناوله الامر، ولا يلزم من جواز ذلك ثم جوازه هاهنا. وأما الرابعة فلان إباحة القتال في تلك الساعة لا يقتضي وقوع القتال ولا بد وعلى هذا، فلا يمتنع أن يكون النهي عن القتال بعد مضي تلك الساعة، ولا دليل يدل على وقوع النسخ قبل دخول الوقت. كيف وأنه لا دلالة في قوله أحلت لي مكة ساعة على إباحة القتال، بل لعله أراد بذلك إباحة قتل أناس معينين، كابن خطل وغيره، فالنهي عن القتال لا يكون نسخا لاباحة القتال. والاقرب في ذلك حجتان: الحجة الاولى التمسك بقصة الاسراء، وهو ما صح بالرواية أن الله تعالى فرض ليلة الاسراء على نبيه وعلى أمته خمسين صلاة، فأشار عليه موسى بالرجوع، وقال له أمتك ضعفاء لا يطيقون ذلك، فاستنقص الله ينقصك وأنه قبل ما أشار عليه، وسأل الله في ذلك، فنسخ الخمسين إلى أن بقي خمس صلوات. وذلك نسخ لحكم الفعل قبل دخول وقته. الحجة الثانية أنه يجوز أن يأمر الله تعالى زيدا بفعل في الغد، ويمنعه منه بمانع عائق له عنه قبل الغد، فيكون مأمورا بالفعل في الغد بشرط انتفاء المانع. وإذا جاز الامر بالفعل بشرط انتفاء الناسخ مع تعقيبه بالنسخ، إذ الفعل لا يفرق بين الحالتين، وهو إلزام ملزم.


1 - ذكر ابن كثير في تفسيره مناجاة علي رسول الله بعد تقديمه الصدقة من طريق ابن أبي نجيح وليث ابن أبي سليم عن مجاهد فارجع إلى تفصيل القصة فيه وفي تفسير ابن جرير. (*)

[ 131 ]

فإن قيل أما قصة الاسراء فهي خبر واحد، فلا يمكن إثبات مثل هذه المسألة به. وإن كان حجة، إلا أنه يقتضي نسخ حكم الفعل قبل التمكن، وقبل تمكن المكلف من العلم به لنسخه قبل الانزال، وذلك مما لا يحصل معه الثواب بالعزم على الادواء والاعتقاد لوجوبه، ولم يقولوا به. وأما الحجة الثانية فلا نسلم أنه يجوز أن يأمر زيدا في الغد ويمنعه منه قبل الغد لانه لا يخلو إما أن يأمره مطلقا ويريد منه الفعل، أو بشرط زوال المانع. فإن كان الاول، فمنعه منه بعد ذلك يكون تكليفا بما لا يطاق، وهو محال. وإن كان الثاني، فالامر بالشرط مما لا يجوز وقوعه من العالم بعواقب الامور على ما سبق تقريره في الاوامر، وهذا بخلاف ما إذا أمر جماعة بفعل في الغد فإنه يجوز أن يمنع بعضهم من الفعل، لان ذلك يدل على أنه لم يرد بخطابه من علم منعه، وإذا لم يجز في المنع، فكذلك في النسخ. ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من وجوه: الاول أنه إذا نهى المكلف عن الفعل الذي أمر به قبل دخول وقته، فالامر والنهي قد تواردا على شئ واحد من جهة واحدة في وقت واحد، وهو محال وذلك لان الفعل في نفسه في ذلك الوقت إما أن يكون حسنا أو قبيحا. وعند ذلك، فلا يخلو الباري تعالى عند الامر بالفعل إما أن يكون عالما بما هو عليه الفعل من الحسن والقبح، وكذلك في حالة النهي، أو لا يكون عالما به أصلا، أو هو عالم به في حالة النهي، دون حالة الامر، أو في حالة الامر، دون حالة النهي: فإن كان الاول، فإن كان الفعل حسنا، فقد نهى عن الحسن مع علمه به، وإن كان قبيحا، فقد أمر بالقبيح مع علمه به، وهو قبيح، وإن كان الثاني فهو محال. لما يلزمه من الجهل في حق الله تعالى، وكذلك إن كان الثالث أو الرابع. كيف وإنه إذا ظهر له في حالة النهي ما لم يكن قد ظهر له في حالة الامر فهو عين البداء، والبداء على الله محال.

[ 132 ]

الوجه الثاني أنه إذا أمر بالفعل في وقت معين، ثم نهى عنه، فقد بان أنه لم يرد إيقاعه، ويكون قد أمر بما لم يرده، ولو جاز ذلك، لما بقي لنا وثوق بقول من أقوال الشارع لجواز أن يكون المراد بذلك القول ضد ما هو دال على إرادته، وذلك محال. الثالث أن ذلك مما يفضي إلى أن يكون الفعل الواحد مأمورا منهيا، والامر والنهي عندكم كلام الله، وكلامه صفة واحدة، فيكون الكلام الواحد أمرا نهيا بشئ واحد في وقت واحد، وذلك محال. والجواب: قولهم في قصة الاسراء إنها خبر واحد. قلنا: والمسألة عندنا من مسائل الاجتهاد، ولذلك لا يكفر المخالف فيها، ولا يبدع. قولهم إنه نسخ عن المكلفين قبل علمهم به. قلنا: فقد نسخ عن النبي (ص) بعد علمه، وإن سلمنا أنه نسخ عن المكلفين قبل علمهم به، ولكن لم قالوا بامتناعه. قولهم إنه لا يتعلق به فائدة الثواب باعتقاد الوجوب والعزم على الفعل، فهو مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو ممنوع على ما عرف من أصلنا. قولهم على الحجة الثانية إنا لا نسلم الامر مع المنع. قلنا: قد سبق تقريره في الاوامر. قولهم: إن أراد منه الفعل، فهو تكليف بما لا يطاق. قلنا: وإن كان كذلك، فهو جائز عندنا على ما تقرر قبل. قولهم: وإن لم يكن مريدا له، فهو أمر بشرط عدم المنع من العالم بعواقب الامور، وذلك محال لما سبق. قلنا: وقد سبق أيضا في الاوامر جواز ذلك، وإبطال كل ما تخيلوه مانعا. قولهم في المعارضة الاولى إنه يلزم من ذلك أن يكون الرب تعالى آمرا وناهيا عن فعل واحد في وقت واحد، وهو محال، لا نسلم إحالته. قولهم: إما أن يكون حسنا أو قبيحا، فهو مبني على الحسن والقبح العقلي، وهو باطل لما سبق. فلئن قالوا: وإن لم يكن حسنا ولا قبيحا، فلا يخلو إما أن يكون مشتملا على مصلحة أو مفسدة. فإن كان الاول، فقد نهى عما فيه مصلحة، وإن كان الثاني، فقد أمر بما فيه مفسدة.

[ 133 ]

قلنا: وهذا ايضا مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو باطل، لما عرف من أصلنا، بل جاز أن يكون الامر والنهي، لا لمصلحة ولا لمفسدة. وإن سلم عدم خلوه عن المصلحة والمفسدة، ولكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك الامر بالمفسدة والنهي عن المصلحة، بل جاز أن يقال إنه مشتمل على المصلحة حالة الامر، ومشتمل على المفسدة حالة النهي، ولا مفسدة حالة الامر، ولا مصلحة حالة النهي، على ما تقرر قبل. ولا يلزم من ذلك الجهل في حق الله تعالى ولا البداء، لعلمه حالة الامر بما الفعل مشتمل عليه من المصلحة، وانه سينسخه في ثاني الحال، لما يلازمه من المفسدة المقتضية للنسخ حالة النسخ، كما علم. قولهم في المعارضة الثانية: إذا أمر بالفعل، ثم نهى عنه، فتبين أنه أمر بما لم يرد، مسلم. وعندنا ليس من شرط الامر إرادة المأمور به كما سبق تعريفه. قولهم يلزم من ذلك عدم الوثوق بجميع أقوال الشارع، إن أرادوا بذلك أنه إذا خاطب بما يحتمل التأويل أنا لا نقطع بإرادته لما هو الظاهر من كلامه، فمسلم ولكن لا نسلم امتناع ذلك، وهذا هو أول المسألة، وإن أرادوا به أنه لا يمكن الاعتماد على ظاهره مع احتمال إرادة غيره من الاحتمالات البعيدة، فغير مسلم وإن أرادوا غير ذلك، فلا نسلم تصوره. قولهم في المعارضة الثالثة إنه يلزم منه أن يكون الفعل الواحد في وقت واحد مأمورا منهيا. قلنا: مأمور منهي معا، أو لا معا ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. قولهم إن كلام الله عندكم صفة واحدة لا نسلم ذلك، إن سلكنا مذهب عبد الله بن سعد من أصحابنا، وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن فلم قالوا بالاحالة. قولهم يلزم منه أن تكون الصفة الواحدة أمرا نهيا. قلنا: إنما تسمى الصفة الواحدة بهذه الاسماء بسبب اختلاف تعلقاتها ومتعلقاتها فإن تعلقت بالفعل سميت أمرا، وإن تعلقت بالترك سميت نهيا، وذلك إنما يمتنع أن لو اتحد زمان التعلق بالفعل والترك. وأما إذا كان زمان التعلق مختلفا، فلا. والمأمور والمنهي، وإن كان زمانه متحدا لكن تعلق الامر به غير زمان تعلق النهي به، ومع التغاير فلا امتناع.

[ 134 ]

المسألة الثالثة اتفق الجمهور على جواز نسخ حكم الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد، كقوله صوموا أبدا خلافا لشذوذ من الاصوليين. ودليل جوازه أن الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد غايته أن يكون دالا على ثبوت الحكم في جميع الازمان بعمومه، ولا يمتنع مع ذلك أن يكون المخاطب مريدا لثبوت الحكم في بعض الازمان دون البعض، كما في الالفاظ العامة لجميع الاشخاص. وإذا يكن ذلك ممتنعا، فلا يمتنع ورود الناسخ المعرف لارادة المخاطب لذلك. ولو فرضنا ذلك، لما لزم عنه المحال، وكان جائزا. فإن قيل: لفظ التأبيد جار مجرى التنصيص على كل وقت من أوقات الزمان بخصوصه، والتنصيص على وجوب الفعل في الوقت المعين بخصوص لا يجوز نسخه، فكذلك هذا. وأيضا فإنا لو أمرنا بالعبادة بلفظ يقتضي الاستمرار، جاز النسخ، فلو جاز ذلك مع التقييد بلفظ التأبيد، لم يكن للتقييد معنى. وأيضا فإنه لو جاز نسخ ما ورد بلفظ التأبيد، لما بقي لنا طريق إلى العلم بدوام العبادة في زمان إرادة التكليف. وأيضا، فإن المخاطب إذا أخبر بلفظ التأبيد لم يجز نسخه، فكذلك في غير الخبر. والجواب عن الاول: لا نسلم أن لفظ التأبيد ينزل منزلة التنصيص على كل وقت بعينه، بل هو في العرف قد يطلق للمبالغة، كما في قول القائل: لازم فلانا أبدا وفلان أبدا يكرم الضيف، وأدام الله ملك الامير أبدا. وإن سلمنا أنه ينزل منزلة التنصيص على الاوقات المعينة، فعندنا لا يمتنع نسخ حكم الخطاب، إذا كان مقيدا بوقت معين، كما إذا قال صل وقت زوال الشمس ركعتين فإنه يجوز نسخه بعد دخول الوقت وقبله على ما عرف من أصلنا. وعن الثاني أن فائدة التأبيد تأكيد الاستمرار، فإذا ورد النسخ، كانت فائدة تأكيد المبالغة في الاستمرار، لا نفس الاستمرار. ثم يلزمهم على ما ذكروه

[ 135 ]

ما إذا أتى بلفظ عام، كما لو قال كل من دخل داري فأكرمه فإنه يجوز تخصيصه مع تأكيده بكل وجميع، فما هو جوابهم في التخصيص فهو جواب لنا في النسخ. وعن الثالث أن ما ذكروه إنما يصح إن لو كان لفظ التأبيد يفيد العلم، ولا طريق يفيده سواه، والامران ممنوعان: أما الاول، فلما سبق، وأما الثاني فلجواز أن يخلق الله تعالى العلم الضرروي بذلك أو بما يقترن باللفظ من القرائن المفيدة لليقين، كما في القرائن المقترنة بخبر التواتر، ثم ما ذكروه لازم عليهم في تخصيص العام المؤكد، فإنه جائز مع توجه ما ذكروه في النسخ بعينه عليه. والجواب أن ذلك يكون متحدا. وعن الرابع بمنع ذلك في الخبر أيضا. المسألة الرابعة مذهب الجميع جواز نسخ حكم الخطاب لا إلى بدل، خلافا لبعض الشذوذ ودليله أمران: الاول ما يدل على الجواز العقلي، وهو أنا لو فرضنا وقوع ذلك لم يلزم عنه لذاته محال في العقل، ولا معنى للجائز عقلا سوى هذا، ولانه لا يحلو إما أن لا يقال برعاية الحكمة في أفعال الله تعالى (1) أو يقال بذلك: فإن كان الاول، فرفع حكم الخطاب بعد ثبوته لا يكون ممتنعا، لان الله تعالى له أن يفعل ما يشاء. وإن كان الثاني، فلا يمتنع في العقل أن تكون المصلحة في نسخ الحكم دون بدله. الثاني ما يدل على الجواز الشرعي، وهو أن ذلك مما وقع في الشرعي كنسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص) (2) ونسخ الاعتداد بحول كامل في حق المتوفى عنها زوجها، ونسخ وجوب ثبات الرجل لعشرة، ونسخ وجوب الامساك بعد


1 - سبق تعليقا الرد على القول بعدم رعاية الحكمة في افعال الله ئتشريعه فتعين الشق الثاني من الترديد المذكور. 2 - انظر ما تقدم تعليقا ص 130 ج 3. (*)

[ 136 ]

الفطر في الليل (1) ونسخ تحريم ادخار لحوم الاضاحي (2) وكل ذلك من غير بدل إلى غير ذلك من الاحكام التي نسخت لا إلى بدل. والوقوع في الشرع أدل الدلائل على الجواز الشرعي. فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وهو قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * أخبر أنه لا ينسخ إلا ببدل، والخلف في خبر الصادق محال. قلنا: ما ذكروه إنما هو دليل لزوم البدل في نسخ لفظ الآية، وليس فيه دلالة على نسخ حكمها، وذلك هو موضع الخلاف سلمنا دلالة ما ذكروه على نسخ الحكم، لكن لا نسلم العموم في كل حكم وإن سلمنا، ولكنه مخصص بما ذكرناه من الصور. سلمنا أنه غير مخصص، لكن ما المانع أن يكون رفع الحكم بدل إثباته، وهو خير منه في الوقت الذي نسخ فيه، لكون المصلحة في الرفع دون الاثبات، وإن سلم امتناع وقوع ذلك شرعا، لكنه لا يدل على عدم الجواز العقلي.


1 - يعني وجوب الامساك عن الجماع بعد الفطر ليلية الصيام. 2 - يشير إلى ما رواه أحمد والبخاري ومسلم، من طريق عائشة قالت: دف أهل أبيات من اهل البادية حضرة الاضحى زمان رسول الله (ص) فقال ادخروا ثلاثا ثم تصدقوا بما بقى: فلما كان بعد ذلك قالوا يا رسول الله ان الناس يتخذون الاسقية من ضحاياهم ويجملون فيها الودك: فقال: وما ذاك قالوا: نهيت ان تؤكل لحوم الاضاحي بعد ثلاث، فقال: انما نهيتكم من اجل الدافة، فكلوا وادخروا وتصدقوا، وقد روى الحديث من طرق بالفاظ مختلفة يفسر بعضها بعضا وفي بعضها زيادات.. يرى بعض العلماء ان الحكم اختلف في الحالين لاختلاف مقتضيه وليس من النسخ فلو دعت الحاجة إلى منع ولى الامر رعيته من ادخار لحوم ضحاياهم كان له ذلك دفعا للحاجة ثم يعود الحل بعد ذهابها ويكون ذلك من التصرفات التي لولى الامر في رعيته. (*)

[ 137 ]

المسألة الخامسة وكما يجوز نسخ حكم الخطاب من غير بدل كما بيناه، يجوز نسخه إلى بدل أخف منه كنسخ تحريم الاكل بعد النوم في ليل رمضان إلى حله وإلى بدل مماثل، كنسخ وجوب التوجه إلى القدس، بالتوجه إلى الكعبة وهذان مما لا خلاف فيهما عند القائلين بالنسخ. وإنما الخلاف في نسخ الحكم إلى بدل أثقل منه. ومذهب أكثر أصحابنا وجمهور المتكلمين والفقهاء جوازه، خلافا لبعض أصحاب الشافعي وبعض أهل الظاهر ومنهم من أجازه عقلا، ومنع منه سمعا. ودليل جوازه عقلا ما سبق في المسألة المتقدمة. ودليل الجواز الشرعي وقوع ذلك في الشرع. فمن ذلك أن الله تعالى أوجب صيام رمضان في ابتداء الاسلام، مخيرا بينه وبين الفداء بالمال، ونسخه بتحتم الصوم، وهو أثقل من الاول (1). ومن ذلك أن الله تعالى أوجب في ابتداء الاسلام الحبس في البيوت والتعنيف حدا على الزنا، ونسخه بالضرب بالسياط والتغريب عن الوطن في حق البكر، وبالرجم بالحجارة في حق الثيب، (2) ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان (3). وكل ذلك أثقل من الاول.


1 - يشير إلى ما دلت عليه آية الصيام وما رواه مسلم من طريق سلمة بين الاكوع انه قال: كنا في رمضان على عهد رسول الله (ص) من شاء صام ومن شاء افطر فافتدى بطعام مسكين حتى انزلت هذه الاية (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) 2 - يشير إلى ما رواه الجماعة الا البخاري والنسائي من طريق عبادة بن الصامت انه قال: قال رسول الله (ص): خذوا عنى خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. 3 - يشير إلى ما رواه احمد والبخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: كان يوم عاشوراء = (*)

[ 138 ]

فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه. وبيانه من جهة العقل، والسمع أما من جهة العقل، فهو أن النسخ إما أن يكون لا لمصلحة أو لمصلحة: فإن كان الاول، فهو عبث وقبيح، فلا يكون جائزا على الشارع. وإن كان لمصلحة: فإما أن تكون أدنى من مصلحة المنسوخ، أو مساوية لها، أو راجحة عليها: فإن كان الاول فهو أيضا ممتنع، لما فيه من إهمال أرجح المصلحتين واعتبار أدناهما وإن كان الثاني، فليس الناسخ أولى من المنسوخ، فلم يبق غير الثالث. وإذا كان النسخ إنما يكون للاصلح والانفع والاقرب إلى حصول الطاعة، وذلك (1) إنما يكون بنقل المكلفين من الاشد إلى الاخف، ومن الاصعب إلى الاسهل، لكونه أقرب إلى حصول الطاعة، وأسهل في الانقياد، وإذا كان بالعكس، كان إضرارا بالمكلفين، لانهم إن فعلوا، التزموا المشقة الزائدة. وإن تركوا استضروا بالعقوبة والمؤاخذة، وذلك غير لائق بحكمة الشارع. وأما من جهة السمع، فنصوص: أولها قوله تعالى: * (يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الانسان ضعيفا) * (4) النساء: 28) ولا تخفيف في نسخ الاخف إلى الاثقل. وثانيها قوله تعالى: * (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر) * (2) البقرة: 185) وفي نسخ الاخف إلى الاثقل إرادة العسر، وفيه تكذيب خبر الصادق. وثالثها قوله تعالى: * (ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم) * (7) الاعراف: 157) والاصر هو الثقل، أخبر أنه يضع عنهم الثقل الذي حمله للامم قبلهم، فلو نسخ ذلك بما هو أثقل منه كان تكذيبا لخبره تعالى، وهو محال. ورابعها قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * (2) البقرة: 106)


= يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله (ص) يصومه، فلما قدم المدينة صامه وامر الناس بصيامه وروه ايضا من طريق عبد الله بن عمر. 1 - وذلك - فيه تحريف والصواب فذلك لانه جواب قوله وإذا كان. (*)

[ 139 ]

وليس المراد منه أنه يأتي بخير من الآية في نفسها، إذ القرآن كله خير، لا تفاضل فيه، وإنما المراد به ما هو خير بالنسبة إلينا، وذلك هو الاخف والاسهل في الاحكام (1). والجواب عن المعقول أن ما ذكروه لازم عليهم في ابتداء التكليف، ونقل الخلق من الاباحة والاطلاق إلى مشقة التكليف، وكذلك في نقلهم من الصحة إلى السقم، ومن الشبيبة إلى الهرم، ومن الجدة إلى العدم، وإعدام القوي والحواس بعد وجودها، فإن ما نقلهم إليه أشق عليهم مما نقلهم عنه. وكل ما ذكروه فهو بعينه لازم ها هنا، وما هو الجواب في صورة الالزام فهو جوابنا في محل النزاع. وعن الآية الاولى أنه لا عموم فيها حتى يلزم من ذلك إرادة التخفيف في كل شئ، وبتقدير العموم، فليس فيه ما يدل على إرادة التخفيف على الفور، بل جاز أن يكون المراد من ذلك التخفيف في المآل برفع أثقال الآخرة، والعقاب على المعاصي، بما يحصل لنا من الثواب الجزيل على الاعمال الشاقة علينا في الدنيا وعلى طباعنا، تسمية للشئ بعاقبته (2) ومنه قوله تعالى: * (فما أصبرهم على النار) * (2) البقرة: 175) وقوله تعالى: * (إنما يأكلون في بطونهم نارا) * (4) النساء: 10) ومنه يقال (لدوا للموت وابنوا للخراب) (3) وبتقدير إرادة الفور، فلا يمتنع التخصيص، كما خص بأثقال تكاليفه المبتدأة وابتلائه في الابدان والاموال، كما سبق تقريره. وما ذكرناه من الادلة الدالة على وقوع ذلك صالح لتخصيص هذه الآية. وعن الآية الثانية أنه يجب حملها على ما فيه اليسر والعسر بالنظر إلى المآل حتى لا يلزم منه كثرة التخصيص بابتداء التكاليف، وما وقع به الابتلاء في الدنيا في الابدان والاموال.


1 - انظر ما ذكرخ تبن تيمية من وجوه التفاضل بين سور القرآن وآياتة في تفسيره لهذه الآية في كتابه جواب اهل العلم والايمان في أن قل هو الله احد تعدل ثلث القرآن 2 - تسمية للشئ مفعول لاجله وقع علة لقوله المراد من ذلك التخفيف. 3 - جزء من حديث رواه البيهقي في الشعب من ي ريق ابي هريرة والزبير مرفوعا ان الله ملكا (الحديث) ونقل القاري عن الامام احمد انه قال هو مما يدور في الاسواق والاصل له انظر تفصيل الكلام عليه في كشف الخفاء والالباس للعجلوني (*)

[ 140 ]

ولا يخفى أن التكليف بما هو أشق في الدنيا إذا كان ثوابه المآل أكثر وأدفع للعقاب المجتلب بالمعاصي أنه يسر لا عسر. وإن سلمنا أن المراد به إرادة اليسر وعدم إرادة العسر العاجل، لكنه يجب تخصيصه بما ذكرناه جمعا بين الادلة. وعن الآية الثالثة أنه لا يلزم من وضع الاصر والثقل الذي كان على من قبلنا عنا، امتناع ورود نسخ الاخف بالاثقل في شرعنا. وعن الآية الرابعة: أنه لو كان ذلك عائدا إلى نسخ التلاوة، فلا حجة فيه إذ النزاع إنما هو في نسخ الحكم الاخف بالاثقل وإن كان عائدا إلى نسخ حكم الآية، فالخير في الامور الدينية يرجع إلى ما هو أكثر في الثواب. ومنه يقال الفرض خير من النفل، بمعنى أنه أكثر في الثواب، وإن كان أشق من النفل على النفس، وفي الامور الدنيوية يرجع إلى ما هو خير في العاجل وأصلح ولا يختص ذلك بالاسهل. ولهذا يحسن أن يقول الطبيب للمريض الجوع والعطش أصلح، لك وخير من الشبع والري وعلى هذا، فلا يمتنع أن يكون التكليف بالاشق أكثر ثوابا وأصلح في المآل، على ما قال تعالى: * (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله) * (9) التوبة: 120) إلى قوله: * (إلا كتب لهم به عمل صالح) * (9) التوبة: 120) وقال تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * (99) الزلزلة: 7 - 8) وقال تعالى: * (جزاء بما كانوا يعملون) * (46) الاحقاف: 14) وقال (ص) لعائشة، رضي الله عنها: ثوابك على قدر نصبك (1) فكان التكليف بالاشق خيرا من الاخف.


1 - ذكر البخاري في ي باب (أجر العمرة على قدر النصب) عن عائشة قالت: (يا رسول الله يثدر الناس بنسكين وأصدر بنسك فقيل لها: انتظري فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي ثم أتينا بمكان كذا ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك) وذكر مسلم مثله في باب (وجوه الاحرام)... الخ. وفي المستدرك للحاكم عن عائشة أن النبي (ص) قال لها في عمرتها إن لك من الاجر على قدر نصبك وذكر الحاكم في المستدرك أيضا شاهدا له ان النبي (ص) قال لها في عمرتها (إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك) (*)

[ 141 ]

المسألة السادسة اتفق العلماء على جواز نسخ التلاوة دون الحكم، وبالعكس، ونسخهما معا خلافا لطائفة شاذة من المعتزلة. ويدل على ذلك العقل، والنقل. أما العقل فهو أن جواز تلاوة الآية حكم، ولهذا يثاب عليها بالاجماع. وقد قال (ص): من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف منه عشر حسنات (1) وما يترتب عليها من الوجوب والتحريم وغير ذلك حكم، وإذا كانا حكمين جاز أن يكون إثباتهما مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت، وأن لا يكون إثبات أحدهما مصلحة مطلقا وإثبات أحدهما مصلحة في وقت دون وقت، وإذا كان كذلك جاز رفعهما معا، ورفع أحدهما دون الآخر، كما سبق تقريره. وأما النقل، أما نسخ التلاوة، والحكم فيدل عليه ما روت عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات، فنسخت بخمس (2) وليس في المصحف عشر رضعات محرمات، ولا حكمها، فهما منسوخان. وأما نسخ الحكم دون التلاوة، فكنسخ حكم آية الاعتداد بالحول (3) ونسخ حكم آية الوصية للوالدين


1 - رواه البيهقي من حديث ابن عمر بلفظ (من قرأ القرآن فأعرب في قرائته كان له بكل حرف عشرون حسنة ومن قرأه بغير اعراب كان له بكل حرف عشر حسنات) انظر كتاب البرهان - مسألة في استحباب قراءة القرآن بالتفخيم 2 - في صحيح مسلم من طريق عمرة عن عائشة قالت: كان فيما انزل من القران عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس رضعات فتوفي رسول الله (ص) وهن فيما يقرأ من القرآن وفي رواية عنها (نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نزل خمس معلومات) 3 - هذا مبي على ما رأه جمهور العلماء من أن آية (والذين يتوفون منكم ويذرون إزواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج) نزلت في بيان حكم العدة والسكنى، اما على راي من قال انها نزلت في بيان حق، السكنى دون مدة العدة فليست منسوخة لانه لا تعارض بينها وبين آية اعتداد المتوفي عنها زوجها باربعة اشهر وعشرة لاختلاف موضوع الآيتين. (*)

[ 142 ]

وأما نسخ التلاوة دون الحكم، فما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: كان فيما أنزل الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله ورسوله فإنه منسوخ التلاوة دون الحكم. وهل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسها المحدث ويتلوها الجنب. فذلك مما تردد الاصوليون فيه. والاشبه المنع من ذلك. فإن قيل: الحكم مع التلاوة ينزل منزلة العلم مع العالمية، والحركة مع المتحركية والمنطوق مع المفهوم، وكما لا يمكن الانفكاك بين العلم والعالمية والمنطوق مع المفهوم، فكذلك التلاوة مع حكمها. وأما ما يخص نسخ الحكم دون التلاوة، فهو أن الحكم إذا نسخ وبقيت التلاوة كانت موهمة بقاء الحكم، وذلك مما يعرض المكلف إلى اعتقاد الجهل، والحكيم يقبح منه ذلك. وأيضا إذا بقيت التلاوة دون حكمها، تبقى عرية عن الفائدة، ويمتنع خلو القرآن عن الفائدة. وأما ما يخص نسخ التلاوة دون الحكم، فوجهان: الاول أن الآية ذريعة إلى معرفة الحكم، فإذا نسخت الآية دون الحكم، أشعر ذلك بارتفاع الحكم، وفيه تعريض المكلف لاعتقاد الجهل، وهو قبيح من الشارع. الثاني أن نسخ التلاوة دون حكمها يكون عريا عن الفائدة، حيث إنه لم يلزم من ذلك إثبات حكم ولا رفعه، وما عرى من التصرفات عن الفائدة كان عبثا والعبث على الله محال. والجواب عن الاول: لا نسلم أولا أن العالمية مغايرة لقيام العلم بالذات، ولا المتحركية مغايرة لقيام الحركة بالذات، ولا الملازمة بين المنطوق والمفهوم، ليصح التمثيل. وإن سلمنا جميع ذلك، ولكن لا نسلم أن التلاوة مع الحكم نازلة منزلة ما ذكروه، بل هي نازلة منزلة الامارة والعلامة على الحكم في ابتداء ثبوته دون حالة دوامه.

[ 143 ]

وعلى هذا فلا يلزم من انتفاء الامارة في طرف الدوام انتفاء ما دلت عليه. وذكلك لا يلزم من انتفاء الحكم لدليل انتفاء الامارة الدالة عليه. وعن قولهم إن التلاوة إذا ثبتت بعد نسخ الحكم عرضت المكلف لاعتقاد الجهل متى إذا نصب الله تعالى دليلا على نسخ الحكم، أو إذا لم ينصب ؟ الاول ممنوع والثاني مسلم. وذلك، لان الناظر إذا كان مجتهدا، عرف دليل النسخ، وإن كان مقلدا فغرضه تقليد المجتهد العارف بدليل النسخ. ثم وإن كان كما ذكروه، فلا نسلم أن ذلك ممتنع في حق الله تعالى إلا على فاسد أصل من يقول بالتحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه (1). وعن قولهم إنه ليس في بقاء التلاوة فائدة بعد نسخ الحكم أن ذلك مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو غير مسلم (2). وإن سلما ذلك، فلا يمتنع أن يكون الباري تعالى قد علم في ذلك حكمة استأثر بها، ونحن لا نشعر بذلك وعن قولهم إن الآية إذا نسخت عرضت المكلف لاعتقاد الجهل، إنما يلزم ذلك ان لو كان يلزم من انتفاء الدلالة على الحكم في الدوام انتفاء الحكم، وهو غير مسلم، ولا يلزم من الدليل الدال على نسخ التلاوة أن يكون دالا على نسخ الحكم. وعن قولهم إنه لا فائدة في نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ما سبق في قولهم إن بقاء التلاوة غير مفيد مع نسخ الحكم.


1 - انظر مسألة الحسن والقبح العقليين مع التعليق عليها في الجزء الاول. 2 - تقدم ما فيه مرارا في التعليق. (*)

[ 144 ]

المسألة السابعة فيما يتعلق بنسخ الاخبار. والنسخ إما أن يكون لنسخ الخبر أو لمدلوله وثمرته: فإن كان الاول فإما أن تنسخ تلاوته أو تكليفنا به بأن نكون قد كلفنا أن نخبر بشئ فينسخ عنا التكليف بذلك الاخبار، وكل واحد من الامرين جائز من غير خلاف بين القائلين بجواز النسخ، وسواء كان ما نسخت تلاوته ماضيا أو مستقبلا، وسواء كان ما نسخ تكليف الاخبار به مما لا يتغير مدلوله، كالاخبار بوجود الله تعالى وحدوث العالم. أو يتغير كالاخبار بكفر زيد وإيمانه، لان كل ذلك حكم من الاحكام الشرعية فجاز أن يكون مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت آخر. لكن هل يجوز أن ينسخ تكليفنا بالاخبار عما لا يتغير، بتكليفنا بالاخبار بنقيضه ؟ قالت المعتزلة: لا يجوز، لانه كذب، والتكليف بالكذب قبيح، وهو غير متصور من الشارع، وهو مبني على أصولهم في التحسين والتقبيح العقلي ووجوب رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه. وعلى هذا، فلا مانع من نسخ التكليف بالخبر، بنقيض الخبر. وأما إن كان النسخ لمدلول الخبر وفائدته، فذلك المدلول. إما أن يكون مما لا يتغير، كمدلول الخبر بوجود الاله سبحانه وحدوث العالم، أو مما يتغير: فإن كان الاول فنسخه محال بالاجماع. وأما إن كان مدلوله مما يتغير، وسواء كان ماضيا، كالاخبار بما وجد من إيمان زيد وكفره، أو مستقبلا، وسواء كان وعدا أو وعيدا، أو حكما شرعيا. فقد اختلف في رفعه ونسخه. فذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وجماعة من المتكلمين والفقهاء إلى امتناع رفعه. وذهب أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري إلى جوازه. ومنهم من فصل بين الخبر الماضي والمستقبل، فمنعه في الماضي، وجوزه في المستقبل.

[ 145 ]

والمختار جوازه، ماضيا كان أو مستقبلا. وذلك لانه إذا ما دل عليه، كان الاخبار متكررا، والخبر عام فيه، فأمكن أن يكون الناسخ مبينا لاخراج بعض ما تناوله اللفظ، وإن المراد بعض ذلك المذكور، كما في الاوامر والنواهي. قيل: الفرق بين الخبر وبين الامر والنهي أن نسخ الخبر يؤذن بكونه كذبا ولهذا فإنه لو قال أهلك الله زيدا ثم قال ما أهلك الله زيدا كان كذبا، بخلاف الامر والنهي. وإن سلمنا إمكان نسخ مدلول الخبر، لكن إذا كان مدلوله حكما شرعيا تكليفا. أما إذا لم يكن كذلك، فلا. وذلك لانه إذا كان حكمه تكليفا كان الخبر في معنى الامر والنهي. والامر يجوز نسخ حكمه، كما لو قال أمرتكم ونهيتكم وأوجبت عليكم بخلاف ما إذا لم يكن كذلك. والجواب عن الاول أن ذلك إنما يفضي إلى الكذب، إن لو لم يمكن حمل الناسخ على غير ما أريد من الخبر، وليس الامر كذلك على ما حققناه وأما إذا قال أهلك الله زيدا فإهلاكه إنما لم يدخله النسخ، لانه لا يتكرر حتى يمكن رفع بعضه وتبقية البعض، بل إنما يقع دفعة واحدة، فلو أخبر عن عدمه مع اتحاده، كان كذبا، لاتحاد المثبت والمنفي. وعن الثاني أنهم إن أرادوا بقولهم إن الخبر بالحكم الشرعي في معنى الامر أن صيغته كصغيته، فهو خلاف الحسن: (1) وإن أرادوا به أنه يفيد إيجاب الفعل كما في الامر، فمسلم ولكن لا يلزم أن يكون هو هو، فإنه لا يلزم من اشتراك شيئين مختلفين في لازم واحد عام لهما اتحادهما، وغايته، تسليم نسخ مدلول بعض الاخبار، وليس فيه ما يدل على امتناع نسخ غيره مما قد بينا.


1 - الحسن - الصواب بالسين المشددة (*)

[ 146 ]

المسألة الثامنة اتفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ القرآن بالقرآن، لتساويه في العلم به ووجوب العمل، وذلك كما بيناه من نسخ الاعتداد بالحول بأربعة أشهر وعشر، ونسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول بقوله * (أأشفقتم) *. الآية (58) المجادلة: 13) ونسخ وجوب ثبوت الواحد للعشرة، بقوله تعالى: * (الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا) * (8) الانفال: 66) واتفقوا أيضا على جواز نسخ السنة المتواترة بالمتواترة منها، ونسخ الآحاد منها بالمتواتر. ونسخ الآحاد بالآحاد كما روي أنه (ص)، حرم زيارة القبور بنهيه عنها ثم نسخ ذلك بقوله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها (1) وكما روي عنه (ص) أنه قال في شارب الخمر فإن شربها الرابعة فاقتلوه (2) فنسخ ذلك بما روي عنه أنه حمل إليه من شربها الرابعة فلم يقتله. وأما نسخ المتواتر منها بالآحاد، فقد اتفقوا على جوازه عقلا، واختلفوا في وقوعه سمعا. فأثبته داود وأهل الظاهر، ونفاه الباقون. وقد احتج النافون لذلك بالاجماع، والمعنى:


1 - جزء من حديث رواه ابن ماجه من حديث ابي سعيد الخدري والحاكم من طريق انس. 2 - يشير إلى ما رواه الخمسة الا النسائي من حديث معاوية ان النبي (ص) قال: إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا الرابعة فاقتلوهم) قال الترمذي انما كان هذا في اول الامر ثم نسخ، هكذا روى محمد بن اسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي (ص) قال ان شرب الخمر فاجلدوه فان عاد الرابعة فاقتلوه قال: ثم اتى النبي (ص) بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله. وذهب إلى قتله منهم ابن حزم وانكر الاجماع على النسخ. (*)

[ 147 ]

أما الاجماع: فما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت (1). وأيضا ما روي عن علي رضي الله عنه، أنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول أعرابي بوال على عقبيه (2). ووجه الاحتجاج به أنهما لم يعملا بخبر الواحد، ولم يحكما به على القرآن، وما ثبت من السنة تواترا، وكان ذلك مشتهرا فيما بين الصحابة ولم ينكر عليهما منكر، فكان ذلك إجماعا. وأما المعنى: فهو أن الآحاد ضعيف، والمتواتر أقوى منه، فلا يقع الاضعف في مقابلة الاقوى (3). ولقائل أن يقول: عدم قبول خبر الواحد فيما ذكر لا يمنع من قبول خبر الواحد مطلقا، وذلك لانه لا مانع أن يكون امتناع قبوله لعدم حصول الظن بصدقه. ولهذا قال عمر لا ندري أصدقت أم كذبت وقال علي في الاعرابي ما قال وإلا فكيف يمكن القول بعدم قبول خبر الواحد مع ما بينا من كون خبر الواحد حجة، ومع ما بيناه من جواز تخصيص التواتر بالآحاد (4). وما ذكروه من المعنى فهو باطل بالتخصيص على ما سبق.


1 - ثبوت السكنى للمبتولة من المسائل الاجتهادية، وقد رأى عمر الحكم بها لدلالة القرآن عليها في نظره وخالفته في ذلك فاطمة بنت قيس وغيرها وهي صاحبة الواقعة، وانكرت على عمر فهمه في آية، (تخرجوهن من بيوتهن)، وآية، (اسكنوهن من حيث سكنتم)، ورأت ان حديث حرمان المبتوتة من حق السكنى لا يعارض الآية فلا نسخ. انظر ص 79 ج. 2 - قيل ان ما روي عن علي من رد حديث معقل بن سنان الاشجعي في المفوضة لم يثبت. 3 - انظر جوابه الثالث عن المعارضة الاولى في مسألة نسخ السنة بالقرآن والتعليق ص 151 - ج 3. 4 - تخصيص التواتر بالاحاد - الصواب تخصيص المتواتر بالآحاد. (*)

[ 148 ]

كيف، وإنه وإن كان أضعف من المتواتر من جهة كونه آحادا إلا أنه أقوى من المتواتر من جهة كونه خاصا، والمتواتر عاما. والظن الحاصل من الخاص إذا كان آحادا أقوى من الظن الحاصل من العام المتواتر، لان تطرق الضعف إلى الواحد من جهة كذبه واحتمال غلطه، وتطرق الضعف إلى العام من جهة تخصيصه، واحتمال إرادة بعض ما دل عليه دون البعض، واحتمال تطرق التخصيص إلى العام أكثر من تطرق الخطإ والكذب إلى العدل، فكان الظن المستفاد من خبر الواحد أقوى. وأما المثبتون فقد احتجوا بالنقل، والمعنى. أما النقل فمن وجهين: الاول: أن وجوب التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة المتواترة، لانه لم يوجد في الكتاب ما يدل عليه، وإن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس، بناء على السنة المتواترة، فلما نسخ جاءهم منادي رسول الله (ص) فقال لهم: (إن القبلة قد حولت) (1) فاستداروا بخبره والنبي (ص)، لم ينكر عليهم، فدل على الجواز. الثاني: أن النبي (ص) كان ينفذ الآحاد إلى أطراف البلاد لتبليغ الناسخ والمنسوخ ولولا قبول خبر الواحد في ذلك، لما كان قبوله واجبا. وأما المعنى فمن وجهين: الاول أن النسخ أحد البيانين، فكان جائزا بخبر الواحد كالتخصيص. الثاني: أن نسخ القرآن بخبر الواحد جائز على ما سيأتي بيانه، فنسخ السنة المتواترة به أولى (2).


1 - يشير إلى ما رواه احمد ومسلم وغيرهما من حديث انس ان رسول (ص) كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت (قد نرى تقلب وجهلك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) قول وجهك شطر المسجد الحرام) فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى الا ان القبلة قد حولت فمالوا كما هم نحو القبلة 2 - هذة القاعدة اجتهادية للنظر فيها مجال، ومن اجل ذلك كانت موضع نزاع بين المجتهدين فتثبت بخبر الواحد كامثالها من مسائل الاصول، ولا ينبغي ان يتكلم بمثل هذا الاعتراض من يستدل في مسائل الاصول بالاحاديث الضعيفة والموضوعة (*)

[ 149 ]

ولقائل أن يقول: أما قصة أهل قبا فمن أخبار الآحاد، ولا نسلم ثبوت مثل هذه القاعدة به. كيف وإنه يحتمل أن يكون قد اقترن بقوله قرائن أوجبت العلم بصدقه من قربهم من مسجد رسول الله (ص)، وسماعهم لضجة الخلق في ذلك فكان نازلا منزلة الخبر المتواتر (1). وأما تنفيذ الآحاد للتبليغ فإنما يجوز فيما يجوز فيه خبر الواحد وما لا فلا (2). وما ذكروه من المعنى الاول فحاصله يرجع إلى قياس النسخ على التخصيص، وهو إنما يفيد في الامور الظنية، فلم قالوا إنما نحن فيه من هذا القبيل (3). كيف والفرق حاصل، وذلك أن النسخ رفع لما ثبت بخلاف التخصيص على ما سبق معرفته (4) فلم قالوا بأنه إذا قبل: خبر الواحد فيما لا يقتضي الرفع لما ثبت يقبل في رفع ما ثبت. وأما المعنى الثاني، فلا نسلم صحة نسخ القرآن بخبر الواحد على ما يأتي.


1 - حديث تحول الصحابة وهم في الصلاة إلى الكعبة ظاهرا في اضافة تحولهم الى خبر المنادي فلا يعدل عن ذلك إلى الاضافة للقرائن، إذ الاصل عدمها. 2 - ثبت ان النبي (ص) كان ينفذ الآحاد لتبليغ اصول الدين وفروعه وتحفيظ ما نزل من القرآن فخبر الواحد معمول به في جميع مسائل الدين. 3 - تقدم غير مرة ام كثيرا من مسائل اصول الفقه ظنية بل فيها ما خرج منه المؤلف بالشك والحيرة واذن فما نحن فيه من قبيل ما يستدل عليه بما يفيد غلبة الظن. 4 - قد يقال ان النسخ بيان لامد انتهاء الحكم وتعريف بمراد المتكلم من خطابه وانه لم يرد من اطلاق خطابه الاول الاستمرار فهو تخصيص للحكم ببعض الازمان انظر قوله في ص 122 - ج 3 (فانا وان اطلقنا لفظة الرفع في النسخ انما نريد به امتناع استمرار المنسوخ، إلى الخ) وقوله آخر لمسألة التاسعة (بل هو عبارة عن دلالة الخطاب على ان الشرع لم يرد بخطابه الاول ثبوت الحكم في وقت النسخ) لتعرف طريقة الجدلية في نقاشه ودفاعه. (*)

[ 150 ]

المسألة التاسعة المنقول عن الشافعي رضي الله عنه، في أحد قوليه إنه لا يجوز نسخ السنة بالقرآن. ومذهب الجمهور من الاشاعرة والمعتزلة والفقهاء جوازه عقلا، ووقوعه شرعا. احتج المثبتون على الجواز العقلي والوقوع الشرعي. أما الجواز العقلي: فهو أن الكتاب والسنة وحي من الله تعالى، على ما قال تعالى * (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * غير أن الكتاب متلو، والسنة غير متلوة، ونسخ حكم أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلا. ولهذا، فإنا لو فرضنا خطاب الشارع بجعل القرآن ناسخا للسنة لما لزم عنه لذاته محال عقلا. وأما الوقوع الشرعي فيدل عليه أمور الاول: أن النبي (ص)، صالح أهل مكة عام الحديبية على أن من جاءه مسلما رده، حتى إنه رد أبا جندل وجماعة من الرجال فجاءت امرأة فأنزل الله تعالى * (فإن علمتموهن مؤمنات، فلا ترجعوهن إلى الكفار) * (60) الممتحنة: 10) وهذا قرآن نسخ ما صالح عليه رسول الله (ص)، وهو من السنة. الثاني: أن التوجه إلى بيت المقدس لم يعرف إلا من السنة (1) وقد نسخ بقوله تعالى: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * (2) البقرة: 144) ولا يمكن أن يقال بأن التوجه إلى بيت المقدس كان معلوما بالقرآن، وهو قوله: * (فثم وجه الله) * (2) البقرة: 115) لان قوله (فثم وجه الله) تخيير بين القدس وغيره من الجهات. والمنسوخ إنما هو وجوب التوجه إليه عينا: وذلك غير معلوم من القرآن. الثالث: أن المباشرة في الليل كانت محرمة على الصائم بالسنة، وقد نسخ ذلك بقوله تعالى: * (فالآن باشروهن) * (2) البقرة: 187). الرابع: أن صوم عاشوراء كان واجبا بالسنة، ونسخ بصوم رمضان في قوله تعالى * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (2) البقرة: 185). الخامس: أن تأخير الصلاة إلى انجلاء القتال كان جائزا بالسنة. ولهذا قال


1 - تقدم تعليقا ص 149 ج 3. (*)

[ 151 ]

يوم الخندق، وقد أخر الصلاة حشا الله قبورهم نارا، لحبسهم له عن الصلاة (1) وقد نسخ ذلك الجواز بصلاة الخوف الواردة في القرآن. فإن قيل: ما ذكرتموه من صور نسخ السنة بالقرآن، ما المانع أن يكون الحكم في جميع ما ذكرتموه ثابتا بقرآن نسخ رسمه، وبقي حكمه ؟ وإن سلمنا أنه ثابت بالسنة، ولكن ما المانع أن يكون النسخ وقع بالسنة، ودلالة ما ذكرتموه من الآيات على أحكامها ليس فيه ما يدل على عدم ارتفاع الاحكام السابقة بالسنة. ويدل على أن الامر على ما ذكرناه أن الشافعي كان من أعلم الناس بالناسخ والمنسوخ وأحكام التنزيل، وقد أنكر نسخ السنة بالقرآن، ولولا أن الامر على ما ذكرناه لما كان إنكاره صحيحا. ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على نسخ السنة بالقرآن غير أنه معارض بالنص والمعقول. أما النص: فقوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) جعل السنة بيانا، فلو نسخت لخرجت عن كونها بيانا، وذلك غير جائز. وأما المعقول فمن وجهين: الاول أنه لو نسخت السنة بالقرآن، لزم تنفير الناس عن النبي (ص)، وعن طاعته لايهامهم أن الله تعالى لم يرض ما سنه الرسول، وذلك مناقض لمقصود البعثة ولقوله تعالى * (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) *. الثاني: أن السنة ليست من جنس القرآن لان القرآن معجزة ومتلو ومحرم تلاوته على الجنب، ولا كذلك السنة، وإذا لم يكن القرآن من جنس السنة امتنع نسخه لها كما يمتنع نسخ القرآن بحكم دليل العقل، وبالعكس.


1 - يشير إلى ما رواه احمد والنسائي من حديث ابي سعيد الخدري قال حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل كفينا، وذلك قول الله عزوجل (وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا) قال: فدعا رسول الله (ص) بلا لا فأقام الظهر فصلاها فاحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم امره فاقام العصر وصلاها فاحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم اقام المغرب فصلاها كذلك، قال: وذلك قبل ان ينزل الله عزوجل في صلاة الخوف (فان خفتم فرجلا أو ركبانا) (*)

[ 152 ]

والجواب عن السؤال الاول أن إسناد إثبات ما ذكرناه من الاحكام المنسوخة إلى ما وجد من السنة من أفعال النبي (ص)، وأقواله وتقريراته صالح لاثباتها، وقد اقترن بها الاثبات، فكان الاثبات مستندا إليها، وكذلك الكلام في إسناد نسخها إلى ما وجد من الآيات الصالحة للنسخ من ترتب النسخ عليها، فبتقدير (1) وجود خطاب آخر يكون إسناد الاحكام المذكورة إليه بتقدير نسخه وكذلك تقدير وجود سنة ناسخة لها مع عدم الاطلاع عليها وإمكان إسناد نسخها إلى ما وجد من الآيات الصالحة لنسخها من غير ضرورة يكون ممتنعا. ولو فتح هذا الباب، لما استقر لاحد قدم في إثبات ناسخ ولا منسوخ، لان ما من ناسخ يقدر إلا ويحتمل أن يكون الناسخ غيره، وما من منسوخ حكمه يقدر إلا ويحتمل أن يكون إسناد ذلك الحكم إلى غيره، وهو خلاف إجماع الامة في الاكتفاء بالحكم على كون ما وجد من الخطاب الصالح لنسخ الحكم هو الناسخ وأن ما وجد من الدليل الصالح لاثبات الحكم هو المثبت، وإن احتمل إضافة الحكم والنسخ إلى غير ما ظهر، مع عدم الظفر به بعد البحث التام عنه. وعن المعارضة بالنص من وجهين: الاول: أن المراد بقوله * (لتبين للناس) * (16) النحل: 44) إنما هو التبليغ وذلك يعم تبليغ الناس من القرآن وغيره، وليس فيه ما يدل على امتناع كون القرآن ناسخا للسنة. الثاني: وإن سلمنا أن المراد بقوله (لتبين للناس) إنما هو بيان المجمل والعام والمطلق والمنسوخ، لكن لا نسلم دلالة ذلك على انحصار ما ينطق به في البيان بل جاز مع كونه مبينا أن ينطق بغير البيان، ويكون محتاجا إلى بيان. وعن المعارضة الاولى من جهة المعقول من ثلاثة أوجه. الاول: أن ذلك إنما يصح أن لو كانت السنة من عند الرسول من تلقاء نفسه وليس كذلك، بل إنما هي من الوحي على ما قال تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3). الثاني: أنه لو امتنع نسخ السنة بالقرآن لدلالته على أن ما شرعه أولا غير مرضي لامتنع نسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وهو خلاف إجماع القائلين بالنسخ.


1 - فبتقدير - فيه تحريف والصواب فتقدير، الخ. (*)

[ 153 ]

الثالث: أن ما ذكروه إنما يدل على أن المشروع أولا غير مرضي أن لو كان النسخ رفع ما ثبت أولا، وليس كذلك، بل هو عبارة عن دلالة الخطاب على أن الشارع لم يرد بخطابه الاول ثبوت الحكم في وقت النسخ دون ما قبله. وعن المعارضة الثانية: أنه لا يلزم من اختلاف جنس السنة والقرآن بعد اشتراكهما في الوحي بما اختص بكل واحد منهما امتناع نسخ أحدهما بالآخر. وعلى هذا، فنقول القرآن يكون رافعا لحكم الدليل العقلي، وإن لم يسم ناسخا. المسألة العاشرة: قطع الشافعي وأكثر أصحابه وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. وأجاز ذلك جمهور المتكلمين من الاشاعرة والمعتزلة، ومن الفقهاء مالك وأصحاب أبي حنيفة وابن سريج، واختلف هؤلاء في الوقوع. والمختار جوازه عقلا، لما ذكرناه في المسألة المتقدمة. وأما الوقوع فقد احتج القائلون به بأن الوصية للوالدين والاقربين نسخت بقوله (ص) (ألا لا وصية لوارث (1)). قالوا: ولا يمكن أن يقال بأن الناسخ للوصية آية الميراث، لان الجمع ممكن من حيث إن الميراث لا يمنع من الوصية للاجانب، وهو ضعيف لما فيه من نسخ حكم القرآن المتواتر بخبر الآحاد، وهو ممتنع على ما يأتي (2) ولانه لا يلزم من كون الميراث مانعا من الوصية للوارث أن يكون مانعا من الوصية لغير الوارث. واحتجوا أيضا بأن جلد الزاني الثابت بقوله تعالى: * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (24) النور: 2) نسخ بالرجم الثابت بالسنة، وهو ضعيف لما فيه من نسخ القرآن بآحاد السنة، وهو ممتنع على ما يأتي (3)، وفي حق الشيخ والشيخة من جهة أنه أمكن


1 - جزء من حديث رواه الخمسة إلا ابا داود من طريق عمرو بن خارجة عن النبي (ص) بلفظ ان الله قد اعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) وقد رواه ايضا الخمسة الا النسائي من طريق ابي امامة. 2 - 3 - سيأتي أيضا الكلام على ذلك تعليقا ان شاء الله. (*)

[ 154 ]

أن يقال إن نسخ الجلد بالرجم إنما كان بقرآن نسخ رسمه، وهو ما روي عن عمر أنه قال (كان فيما أنزل الله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله ورسوله (1). ولا يمكن أن يقال إن ذلك لم يكن قرآنا بما روي عن عمر أنه قال (لولا أنني أخشى أن يقال: زاد عمر في القرآن ما ليس منه لكتبت: الشيخ والشيخة إذا زنيا على حاشية المصحف (2) وذلك يدل على أنه لم يكن قرآنا لانا نقول: غاية قول عمر الدلالة على إخراج ذلك عن المصحف والقرآن لنسخ تلاوته، وليس فيه دلالة على أنه لم يكن قرآنا. فإن قيل (الشيخ والشيخة) لم يثبت بالتواتر، بل بقول عمر، ونسخ المتواتر بالآحاد ممتنع على ما يأتي، وسواء كان ذلك قرآنا أو سنة.


1 - يتلخص الكلام على رجم المحصن في ثلاثة امور، الاول نقله عمليا نقلا متواترا عن النبي (ص) والخلفاء الراشدين ومن بعدهم إلى يومنا فلم يخل عهد من اقامة حد الزنا جلدا للبكر ورجما للثيب، ونقله ايضا بالقول من عدة طرق نقلا مستفيضا ان لم يكن متوترا وكل من النقلين يفيد وحده العلم بثبوت حد الرجم وباجتماعهما يتأكد العلم بمشروعيته ولا مدخل بعد هذا لشبهة والا موضع لريبة الثاني ان حكم مما نزل في كتاب الله ودلت عليه آية من آيات القرآن قراها الصحابة وحفظوها وعمل بها النبي (ص) حياته والصحابة بعده وقد ثبت ذلك في الاحاديث الصحيحة من ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق ابن عباس عن عمر في خطبة طويلة ان الله بعث محمدا (ص) بالحق وانزل عليه الكتاب فكان فيما انزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده فاخشى ان طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة انزلها الله الحديث، الا ان الاحاديث الصحيحة لم تذكر نص الآية ولم تعين موضعها من سور القرآن وقد ذكرها النسائي والترمذي وأبو داود وابن ماجة بلفظ (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) وذكر النسائي انها من سورة الاحزاب. الثالث قول عمر: ولولا ان يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب = (*)

[ 155 ]

قلنا: والسنة وهو رجم النبي (ص)، للزاني لم يثبت بالتواتر، بل بطريق الآحاد. وغايته أن الامة مجمعة على الرجم، والاجماع ليس بناسخ، بل هو دليل وجود الناسخ المتواتر، وليس إحالته على سنة متواترة لم تظهر لنا أولى من إحالته على قرآن متواتر لم يظهر لنا تواتره بسبب نسخ تلاوته (1). وأما النافون لذلك فقد احتجوا بحجج نقلية وعقلية: أما النقلية فمن خمسة أوجه. الاول: قوله تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) وصف نبيه بكونه مبينا، والناسخ رافع، والرافع غير البيان. الثاني: قوله تعالى: * (وإذا بدلنا آية مكان آية) * (16) النمل: 101) أخبر أنه إنما يبدل الآية بالآية، لا بالسنة.


= الله لاثبتها كما نزلت). وهذه المقالة فيها نظر من جهتين: الاولى أن عمر لم يكن ليمنعه قول الناس أو الخوف من كلامهم ان يكتب في القرآن ما هو منه في عقيدته وقد عرف بالصراحة في القول والصلابة في الحق لا يخشى في ذالك لومة لائم ولو كان معتذرا في ذلك بما يقال من أنها نسخت تلاوتها وبقي حكمها. الثانية: أن في أسانيد تلك المقالة ضعفا ففي أحد أسانيدها عند أحمد هشيم ابن بشير السلمي عن الزهري عن علي بن زيد بن جدعان. وعلى ضعيف. وعلى كل حال في هذه المقالة ريبة وفتح لباب الظنة في الصحابة والقرآن فيجب ان تبحث وتحقق كما ينبغي والله العالم. 1 - الامة مجمعة على رجم الزاني المحصن وهي مستندة في اجماعها عليه إلى نقله عمليا نقلا متوترا عن النبي (ص) ومن بعده إلى يومنا هذا في الدول التي تقام فيها الحدود، والى نقله بالقول نقلا صحيحا ان لم يبلغ درجة التواتر المصطلح عليه فلا أقل من ان يكون مستفيضا استفاضة يفيد معها العلم لكثرة طرقه وعدالة رواته. (*)

[ 156 ]

الثالث: أن المشركين عند تبديل الآية مكان آية، قالوا (إنما أنت مفتر) فأزال الله تعالى وهمهم بقوله * (قل نزله روح القدس من ربك بالحق) * (16) النحل: 102) وذلك يدل على أن التبديل لا يكون إلا بما نزله روح القدس الرابع: قوله تعالى: * (قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * (10) يونس: 15) وهو دليل على ان القرآن لا ينسخ بغير القرآن. الخامس قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها، ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * (2) البقرة: 106) وذلك يدل على أن الآية لا تنسخ إلا بآية. وبيانه من وجوه الاول: أنه قال: * (نأت بخير منها أو مثلها) * (2) البقرة: 106) والسنة ليست خيرا من القرآن، ولا مثله. الثاني: أن الله تعالى وصف نفسه بأنه الذي يأتي بخير منها، وذلك لا يكون إلا والناسخ قرآن لا سنة. الثالث: وصف البدل بأنه خير، أو مثل وكل واحد من الوصفين يدل على أن البدل من جنس المبدل أما المثل فظاهر وأما ما هو خير. فلانه لو قال القائل لغيره (لا آخذ منك درهما إلا وآتيك بخير منه) فإنه يفيد أنه يأتيه بدرهم خير من الاول. الرابع: قوله * (ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * (2) البقرة: 106) دل على أن الذي يأتي به هو المختص بالقدرة عليه وذلك هو القرآن دون غيره. وأما من جهة المعقول فمن وجهين: الاول: أن السنة إنما وجب اتباعها بالقرآن، في قوله تعالى: * (وما أتاكم الرسول فخذوه) * (59) الحشر: 7) وقوله (فاتبعوه) وذلك يدل على أن السنة فرع القرآن، والفرع لا يرجع إلى أصله بالابطال والاسقاط، كما لا ينسخ القرآن والسنة بالفرع المستنبط منهما وهو القياس الثاني: أن القرآن أقوى من السنة، ودليله من ثلاثة أوجه. الاول: قول النبي (ص)، لمعاذ بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله قدمه في العمل به على السنة، والنبي (ص)، أقره على ذلك. وذلك دليل قوته. الثاني: أنه أقوى من جهة لفظه، لانه معجز، والسنة ليست معجزة.

[ 157 ]

الثالث: أنه أقوى من جهة حكمه حيث اعتبرت الطهارة في تلاوته عن الجنابة والحيض، وفى مس مسطوره مطلقا، والاقوى لا يجوز رفعه بالاضعف. والجواب عن الآية الاولى من ثلاثة أوجه الاول: أنه يجب حمل قوله (لتبين للناس) على معنى لتظهر للناس لكونه أعم من بيان المجمل، والعموم، لانه يتناول إظهار كل شئ حتى المنسوخ، وإظهار المنسوخ أعم من إظهاره بالقرآن. الثاني: أن نسخ حكم الآية بيان لها فيدخل في قوله * (لتبين للناس) * وتبين القرآن أعم من تبيينه بالقرآن. الثالث: أنه وإن لم يكن النسخ بيانا غير أن وصف النبي (ص)، بكونه مبينا لا يخرجه عن اتصافه بكونه ناسخا. وعن الآية الثانية من وجهين: الاول: أنها ظاهرة في تبديل رسم آية بآية، النزاع إنما هو في تبديل حكم الآية، وليس فيه ما يدل على تبديل حكمها بآية أخرى. الثاني: أن الله تعالى أخبر أنه إذا بدل آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر، وليس في ذلك ما يدل على أن تبديل الآية لا يكون إلا بآية. وذلك كما لو قال القائل لغيره (إذا أكلت في السوق سقطت عدالتك) فإن ذلك لا يدل على أنه لا يأكل في السوق. وعن قوله * (قل نزله روح القدس) * (16) النحل: 102) أن ذلك لا يدل عل امتناع نسخ القرآن بالسنة إلا أن تكون السنة لم ينزل بها روح القدس. وليس كذلك، إذ السنة من الوحي، وإن كانت لا تتلى على ما سبق تقريره. وعن الآية الرابعة من وجهين: الاول: أن قوله * (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * (6) الانعام: 50) أي في تبديل آية مكان آية وليس فيه ما يدل على امتناع تبديل حكم الآية. الثاني: أن النسخ، وإن كان بالسنة، فهي من الوحي على ما تقدم، فلم يكن متبعا، إلا ما يوحى إليه به. وعن الآية الاخيرة من ثلاثة أوجه: الاول لا نسلم دلالتها على امتناع نسخ حكم الآية بغير الآية. قولهم: في الوجه الاول إن السنة ليست خيرا من القرآن ولا مثله.

[ 158 ]

قلنا: قوله * (ما ننسخ من آية) * (2) البقرة: 106) إما ان يراد به بسخ رسمها، أو نسخ حكمها. فإن كان الاول فهو ممتنع، فإنه وصف البدل بكونه خيرا منها، والقرآن خير كله ولا يفضل بعضه على بعض (1). وإن كان الثاني فذلك يدل على أن الحكم الناسخ يكون خيرا من الحكم المنسوخ أو مثله. ونحن نقول إنه لا يمتنع أن يكون الحكم الناسخ، أصلح في التكليف وأنفع للمكلف. وأما الوجه الثاني فلا دلالة فيه لان السنة إذا كانت ناسخة فالآتي بما هو خير إنما هو الله تعالى، والرسول مبلغ، ولا يدل ذلك على أن الناسخ لا يكون إلا قرآنا بل الاتيان بما هو خير أعم من ذلك. وأما الوجه الثالث، فلا دلالة فيه على لزوم المجانسة بين الآية المنسوخ حكمها وبين ناسخه، لانه وصفه بكونه خيرا، والقرآن لا تفاوت فيه، على ما سبق، فعلم أن المفاضلة والمماثلة إنما هي راجعة إلى الحكم المنسوخ والحكم الناسخ على ما سبق. وعلى هذا، فلا نسلم أنه إذا قال له ما آخذ منك درهما إلا وآتيك بخير منه أنه يدل على المجانسة، فإن ما هو خير أعم من الجنس، فكأنه قال آتيك بشئ هو خير مما أخذت منك والمذكور أولا. وإن كان هو الآية والضمير في قوله بخير منها، وإن كان عائدا إليها فلا يلزم منه المجانسة بين المضمر والمظهر. وأما الوجه الرابع، فنحن قائلون بموجبه، فإن المتمكن من إزالة الحكم بما هو خير منه إنما هو الله عزوجل. الوجه الثاني أن الآية تدل على أنه لا بد في نسخ كل آية من الاتيان بآية هي خير منها أو مثلها ضرورة الاخبار، ولكن ليس في ذلك دلالة على أن الآية المأتي بها هي الناسخة لامكان أن يكون بدلا عن الآية الاولى وإن كان الناسخ غيرها.


1 - الخيرية قد تكون في تأثير التالين والسامعين وقد تكون فيما تضمنته الآيات من الاحكام اصولا وفروعا، ضروريات ومكملات وقد تكون باختلاف احوال الناس واطوارهم فيكون حكم في حال وظروف اصلح وانفع للناس من غيره في تلك الحال، انظر ما كتبه ابن تيمية على الآية في كتاب جواب اهل اعلم والايمان. (*)

[ 159 ]

الثالث: أن ظاهر الآية يتناول نسخ رسم الآية، والاصل تنزيل اللفظ على حقيقته، وفي حمله على نسخ الحكم، صرفه إلى جهة المجاز، وهو خلاف الاصل والنزاع إنما وقع في نسخ الحكم، لا في نسخ الرسم. وعن المعارضة الاولى من جهة المعقول من ثلاثة أوجه. الاول أن ذلك إنما يمتنع إن لو كانت السنة رافعة لما هي فرع عليه من القرآن وليس كذلك بل ماهي فرع عليه غير مرفوع بها، وما هو مرفوع بها ليست فرعا عليه. الثاني: أن ما ذكروه حجة عليهم، فإن القرآن قد دل على وجوب الاخذ بما يأتي به الرسول ووجوب اتباعه، فإذا أتى بنسخ حكم الآية، ولم يتبع، كان على خلاف ما ذكروه. الثالث: أن السنة ليست رافعة للقرآن، وإنما هي رافعة لحكمه، وحكمه ليس أصلا لها، فإذا المرتفع ليس هو الاصل وما هو الاصل غير مرتفع. وعن المعارضة الثانية أن القرآن، وإن كان معجزا في نظمه وبلاغته، ومتلوا ومحترما، فليس فيه ما يدل على أن دلالة كل آية منه أقوى من دلالة غيره من الادلة، ولهذا، فإنه لو تعارض عام من الكتاب وخاص من السنة المتواترة، كانت السنة مقدمة عليه وكذلك أيضا لو تعارضت آية ودليل عقلي، فإن الدليل العقلي يكون حاكما عليها وكذلك الاجماع وكثير من الادلة على ما يأتي في الترجيحات. وعلى هذا، فلا يمتنع رفع حكم الآية بدليل السنة. كيف وإن السنة الناسخة ليست معارضة ولا نافية لمقتضى الآية، بل مبينة ومخصصة على ما سبق (1).


1 - انظر ما ذكره المؤلف في الجواب الثالث عن لمعارضة الاولى من جهة العقل آخر المسألة التاسعة. (*)

[ 160 ]

المسألة الحادية عشرة اختلفوا في جواز نسخ الحكم الثابت بالاجماع: فنفاه الاكثرون، وأثبته الاقلون. والمختار مذهب الجمهور، ودليله أن ما وجد من الاجماع بعد رسول الله (ص) وانقراض زمن الوحي لو نسخ حكمه فإما أن يكون بنص من كتاب أو سنة، أو بإجماع آخر، أو قياس: لا جائز أن يكون بنص، لان ذلك النص لا بد وأن يكون موجودا في زمن النبي (ص) سابقا على هذا الاجماع، لاستحالة حدوث نص بعد وفاة رسول الله (ص) ولو كان ذلك النص متقدما على الاجماع، لكان إجماعهم على خلاف مقتضاه خطأ، وهو غير متصور من الامة ولا جائز أن يكون بإجماع آخر لان الاجماع الثاني إما أن يكون بناء على دليل رافع لحكم الاجماع الاول، أو لا بناء على دليل، فإن لم يكن مبينا على دليل، كان خطأ والامة مصونة عنه، وإن كان ذلك بدليل، فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا لا جائز أن يكون نصا لانه لا بد وأن يكون متقدما على الاجماعين متحققا في زمن النبي (ص)، ويلزم من ذلك الخطأ في الاجماع الاول، وهو محال. ولا جائز أن يكون قياسا، لانه لا بد له من أصل، والحكم في ذلك الاصل إما أن يكون بدليل متجدد بعد الاجماع الاول، أو سابق عليه: فإن كان بدليل متجدد فهو إما إجماع أو قياس، لاستحالة تجدد النص، فإن كان إجماعا فلا بد له من دليل، وذلك الدليل لا بد وأن يكون نصا أو قياسا على أصل آخر، فإن كان قياسا على أصل آخر، فالكلام في ذلك الاصل كالكلام في الاول، فإما أن يتسلسل أو ينتهي إلى أصل ثابت بالنص، والتسلسل محال، والثاني يلزم منه أن يكون النص على أصل القياس سابقا على الاجماع الاول. وعند ذلك فصحة القياس عليه مشروطة بعد الاجماع الاول على مناقضته، ونسخ الاجماع الاول به متوقف على صحته، وهو دور ممتنع. هذا كله، إن كان دليل أصل القياس الذي هو مستند الاجماع متجددا. وإن كان سابقا على الاجماع الاول، فعدول أهل الاجماع عنه دليل على عدم صحة القياس عليه وإلا كان إجماعهم خطأ، وهو محال.

[ 161 ]

وأما إن كان الناسخ لحكم الاجماع الاول هو القياس، فلا بد وأن يكون مستندا إلى أصل ثابت بالنص، والكلام في نسخ النص به مما يفضي إلى الدور، كما قررناه قبل. فإن قيل: فلو اختلفت الامة في المسألة على قولين، فقد أجمعت على أن المقلد له الاخذ بأي القولين شاء. ولو أجمعت بعد ذلك على أحد القولين، فقد أجمعت على حصر (1) ما أجمعت أولا عل تجويزه، وهو نسخ حكم الاجماع بالاجماع. قلنا: نحن لا نسلم تصور انعقاد الاجماع الثاني على ما سبق في مسائل الاجماع. المسألة الثانية عشرة مذهب الجمهور أن الاجماع لا ينسخ به، خلافا لبعض المعتزلة وعيسى بن أبان (2). ودليل الامتناع أن المنسوخ به إما أن يكون حكم نص أو إجماع أو قياس: الاول محال، لان الاجماع إما أن يكون مستندا إلى دليل أو ليس مستندا إلى دليل فإن لم يكن مستندا إلى دليل فهو خطأ. وإن كان مستندا إلى دليل، فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا لا جائز أن يكون قياسا لما سنبينه بعد. وإن كان نصا فالناسخ ذلك النص، لا الاجماع وإن قيل إن الاجماع ناسخ، فليس إلا بمعنى أنه يدل على الناسخ، وإن كان ناسخا لحكم إجماع سابق، فهو باطل بما في المسألة التي قبلها. وإن كان ناسخا لحكم قياس، فالقياس إما أن يكون صحيحا أو لا يكون صحيحا: فإن كان صحيحا، فإجماع الامة على خلاف مقتضاه، إن كان لا لدليل فهو خطأ، وإن كان لدليل، فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا: فإن كان نصا فالرافع لحكم ذلك القياس هو النص، وإن كان قياسا، فإما أن يكون راجحا على القياس الاول، أو مرجوحا، أو مساويا: فإن كان راجحا، فالاول لا يكون مقتضاه ثابتا لان شرط ثبوت الحكم رجحان مقتضيه، وكذلك إن كان مساويا، وإن كان القياس الاول راجحا، فالاجماع على القياس الثاني خطأ، وهو ممتنع.


1 - حصر - الصواب حظر بالظاء. 2 - هو عيسى بن ابان بن صدقة أبو موسى الكوفي الحنفي القاضي مات عام 221 ه‍ (*)

[ 162 ]

فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنقل والمعنى. أما النقل فهو أن ابن عباس حين قال لعثمان كيف تحجب الام عن الثلث بالاخوين والله تعالى يقول * (فإن كان له إخوة، فلامه السدس) * (4) النساء: 11) والاخوان ليسا بإخوة ؟ قال عثمان حجبها قومك يا غلام (1) وذلك دليل النسخ بالاجماع. وأما المعنى، فهو أن الاجماع دليل من أدلة الشرع القطعية فجاز النسخ به كالقرآن والسنة المتواترة. قلنا: أما قصة ابن عباس مع عثمان إنما يصح الاستدلال بها إن لو كان حكم الام مع الاخوين منسوخا، وليس كذلك، إلا أن يكون الاخوان ليسا بإخوة، وليس كذلك على ما سبق بيانه في مسائل العموم. وما ذكروه من المعنى فحاصله يرجع إلى إثبات كونه ناسخا بالقياس على النص، وهو غير مسلم الصحة في مثل هذه المسائل، وإن كان صحيحا، غير أنه مما يمتنع التمسك به لما بيناه.


- مناظرة ابن عباس لعثمان رضي الله عنهم في رد الام للسدس بالاخوين خرجها الحاكم، وذكر ابن كثير في تفسيره لآيات المواريث ما رواه البيهقي من طريق شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس انه دخل على عثمان، فقال ان الاخوين لا يردان الام عن الثلث قال الله تعالى (فان كان له اخوة فلامه الثلث) والاخوان ليسا بلسان قومك إخوة، فقال عثمان الا استطيع تغيير ما كان قبلي ومضى في الامصار وتوارث به الناس. ثم قال ابن كثير: وفي صحة هذا الاثر نظر: فان شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس: ولو كان هذا صحيحا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الاخصاء. (*)

[ 163 ]

المسألة الثالثة عشرة اختلفوا في نسخ حكم القياس: فمنهم من منع من ذلك مطلقا، كالحنابلة والقاضي عبد الجبار في بعض أقواله مصيرا منهم إلى أن القياس إذا كان مستنبطا من أصل، فالقياس باق ببقاء الاصل فلا يتصور رفع حكمه مع بقاء أصله. ومنهم من جوز ذلك مطلقا، كأبي الحسين البصري، لكنه فصل بين القياس الموجود في زمن النبي (ص)، والقياس الموجود بعده، فقال. إن كان القياس موجودا في زمن النبي (ص)، بأن يكون قد نص على أصل كتنصيصه على تحريم بيع البر، بالبر متفاضلا وتعبد الناس بقياس غير البر على البر بواسطة الكيل مثلا بإمارة تدل عليه، فإذا قضى بتحريم بيع الارز بناء على القياس على البر، فلا يمتنع نسخه بالنص وبالقياس. أما النص: فبأن ينص بعد ذلك على إباحة بيع الارز وينسخ تحريمه. وأما القياس، فبأن ينص على إباحة بيع بعض المأكولات ويتعبد بالقياس عليه بواسطة كونه مأكولا بأمارة هي أقوى من الامارة الدالة على أن علة تحريم البر هي الكيل. وإن كان القياس موجودا بعد النبي (ص)، بأن يكون قد اجتهد بعض المجتهدين فأداه القياس إلى تحريم شئ بعد البحث عن الادلة المعارضة وعدم الظفر بها ثم اطلع بعد ذلك على نص أو إجماع متقدم، أو قياس أرجح من قياسه، فإنه يلزم من ذلك رفع حكم قياسه الاول، وإن كان ذلك لا يسمى نسخا. قال، وهذا كله إنما يتم على القول بأن كل مجتهد مصيب، حيث إنه تعبد بالقياس الاول، ثم رفع. وأما من لا يقول بأن كل مجتهد مصيب، فإنه لا يقول بتعبده بالقياس الاول فرفعه لا يكون متحققا. وهذا جملة ما ذكره أبو الحسين. وأما نحن فنقول: العلة الجامعة في القياس إما أن تكون منصوصة، أو مستنبطة بنظر المجتهد.

[ 164 ]

فإن كانت منصوصة، فهي في معنى النص، وما مثل هذا القياس فليكن نسخ حكمه بنص أو بقياس في معناه، ولو ذهب إليه ذاهب بعد النبي (ص) لعدم اطلاعه على ناسخه بعد البحث عنه، فإنه وإن كان متعبدا باتباع ما أوجبه ظنه، فرفع حكمه في حقه بعد اطلاعه على الناسخ لا يكون نسخا متحددا، بل تبين أنه كان منسوخا، وفرق بين الامرين. وأما إن كانت العلة الجامعة مستنبطة بنظر المجتهد، فحكمها في حقه غير ثابت بالخطاب، فرفعه في حقه عند الظفر بدليل يعارضه، ويترجح عليه لا يكون نسخا على قولنا إن النسخ رفع حكم خطاب، على ما قررناه، وإن كانت مشاركا للنسخ في رفع الحكم وقطع استمراره، وسواء قلنا إن كل مجتهد مصيب أو لم نقل بذلك. المسألة الرابعة عشرة اختلفوا في النسخ بالقياس على ثلاثة أقوال. ثالثها الفرق بين القياس الجلي والخفي، وهو قول أبي القاسم الانماطي (1) من أصحاب الشافعي. والمختار أنه إن كانت العلة الجامعة في القياس منصوصة، فهي في معنى النص فيصح النسخ به. وإن كانت غير منصوصة، فإما أن يكون القياس قطعيا أو ظنيا بأن تكون العلة فيه مستنبطة بنظر المجتهد. فإن كان قطعيا، كقياس الامة على العبد في تقويم الصيب على السيد المعتق فإنه وإن كان مانعا من إثبات حكم دليل آخر كان نصا أو قياسا، فلا يكون ذلك نسخا، وإن كان في معنى النسخ، لكونه ليس بخطاب، عل ما بيناه من أن النسخ إنما هو الخطاب الدال على ارتفاع حكم خطاب آخر. وإن كان القياس ظنيا، فيمنع أن يكون ناسخا، لان المنسوخ حكمه: إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا: الاول والثاني محال، إن كان النص والاجماع


1 - أبو القاسم الانماطي هو عثمان بن سعيد. (*)

[ 165 ]

خاصا، لكون النص الخاص والاجماع مقدما على القياس الظني بالاتفاق، وإن كان عاما، فلا نسخ، لان القياس ليس بخطاب على ما سبق. وإن كان قياسا، فلا بد وأن يكون القياس الثاني راجحا على الاول. وعند ذلك، فتارة نقول إن القياس الاول لا يكون قياسا لعدم ترجحه، وإن الترجح شرط في الاقتضاء، وتارة نقول إنه وإن لزم منه رفع حكمه، فهو في معنى النسخ، ولكنه ليس بنسخ، لما بيناه من أن النسخ هو الخطاب الدال على ارتفاع حكم خطاب. وهو غير متحقق فيما نحن فيه. وللمخالف شبهتان: الاولى قوله تعالى * (الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله) * (8) الانفال: 66) أوجب نسخ ثبات الواحد للعشرة، وليس مصرحا به، وإنما هو منبه عليه، وذلك هو نفس نسخ حكم النص بالقياس. الثاني أنهم قالوا: النسخ أحد البيانين، فجاز بالقياس كالتخصيص. والجواب عن الاولى أنها إنما تصح إن لو كان ثبوت الواحد للاثنين الرافع ثبوت الواحد للعشرة مستفادا من القياس، وليس كذلك، بل استفادته إنما هي من نفس مفهوم اللفظ. وعن الثانية أنها منقوضة بالاجماع وبدليل العقل وبخبر الواحد، فإنه يخصص به، ولا ينسخ به. المسألة الخامسة عشرة اتفق الكل على جواز النسخ بفحوى الخطاب، كدلالة قوله تعالى: * (ولا تقل لهما أف) * (17) الاسراء: 23) على تحريم الضرب وغيره من أنواع الاذى، وعلى جواز نسخ حكمه. وإنما اختلفوا في جواز نسخ الاصل دون الفحوى، والفحوى دون الاصل. غير أن الاكثر على أن نسخ الاصل يفيد نسخ الفحوى، لان الفحوى تابع للاصل، ولا يتصور بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع. وأما نسخ الفحوى دون الاصل، فقد تردد فيه قول القاضي عبد الجبار، فجوزه تارة نظر إلى أن ذلك جار مجرى التنصيص على تحريم التأفيف وتحريم

[ 166 ]

الضرب العنيف، فكأنه قال لا تقل لهما أف ولا تضربهما فرفع حكم أحدهما يفيد رفع حكم الآخر، ومنع منه تارة، ووافقه على المنع أبو الحسين البصري مصيرا منهما إلى أن تحريم التأفيف إنما كان إعظاما للوالدين. فإذا أبيح ضربهما كان ذلك نقضا للغرض من تحريم التأفيف. والمختار في ذلك أن يقال: إثبات تحريم الضرب في محل السكوت إما أن يقال إنه ثابت بالقياس على تحريم التأفيف في محل النطق، أو أنه ثابت بدلالة اللفظ لغة على اختلاف المذاهب فيه. فإن كان الاول: فيجب أن يقال بأن نسخ حكم الاصل يوجب رفع حكم الفرع، لاستحالة بقاء الفرع دون أصله، وإن لم يسم ذلك نسخا، لما سبق. وإن رفع حكم الفرع لا يوجب رفع حكم الاصل، إذ لا يلزم من رفع التابع رفع المتبوع وإن كان الثاني، فلا يخفى أن دلالة اللفظ على تحريم التأفيف بجهة صريح اللفظ، وعلى تحريم الضرب بجهة الفحوى، وهما دلالتان مختلفتان، غير أن دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق. وعند ذلك، أمكن أن يقال بأن رفع حكم إحدى الدلالتين لا يلزم منه رفع حكم الدلالة الاخرى. فإن قيل: فإذا كانت دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق، فرفع الاصل مما يمتنع معه بقاء التابع. وأيضا فإن الغرض من دلالة المنطوق إعظام الوالدين، فرفع حكم الفحوى مما يخل بالغرض من دلالة المنطوق، فيمتنع معه بقاء حكم المنطوق. قلنا: أما الاول فمندفع، وذلك لان دلالة الفحوى، وإن كانت تابعة لدلالة المنطوق، فنسخ حكم المنطوق ليس نسخا لدلالته، بل نسخا لحكمه، ودلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق على حكمه، لا أنها تابعة لحكمه، ودلالته باقية بعد نسخ حكمه كما كانت قبل نسخه، فما هو أصل لدلالة الفحوى غير مرتفع، وما هو المرتفع ليس أصلا للفحوى. وأما الثاني، فغاية ما يلزم من نسخ حكم الفحوى إبطال الغرض من أصل إثبات الحكم فيه، ولا يخفى أن غرض إثبات التحريم للتأفيف مغاير لغرض تخصيصه بالذكر، تنبيها بالادنى على الاعلى، ولا يلزم من إبطال أحد الغرضين إبطال الغرض الآخر.

[ 167 ]

المسألة السادسة عشرة اختلفوا في نسخ حكم أصل القياس، هل يبقى معه حكم الفرع أو لا ؟ فذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى بقائه، والباقون إلى امتناعه، وهو المختار، لان ثبوت الحكم في الفرع تابع لاعتبار علته بحكم الاصل، فإذا نسخ حكم الاصل خرجت العلة المستنبطة منه عن أن تكون معتبرة في نظر الشارع، فبطل ما كان تابعا لاعتبارها. فإن قيل: يلزم مما ذكرتموه نسخ حكم الفرع بالقياس على حكم الاصل، حيث جعلتم رفع حكم الفرع تابعا لرفع حكم الاصل، والنسخ بالقياس غير جائز على ما قررتموه، ثم ما ذكرتموه من انتفاء التابع لانتفاء المتبوع، متى يلزم ذلك، إذا كان الحكم يفتقر في دوامه إلى دوام سببه، أو إذا لم يفتقر ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع، فلم قلتم بافتقاره إليه ؟ وإن سلمنا ذلك، ولكن ما ذكرتموه منتقض بالاب، فإنه يتبعه ولده الطفل في الاسلام والكفر، ولو زال إسلام الاب بالردة، لم يلزم منه زوال ما كان ثابتا للولد من الاسلام تبعا له. قلنا: جواب الاول أنا لا نسلم أن رفع الحكم في الفرع كان بالقياس على رفع حكم الاصل، وإلا لافتقر إلى علة جامعة نافية لهما، وليس كذلك. وإنما قيل برفعه لانتفاء علته، وفرق بين انتفاء الحكم لانتفاء موجبه وبين انتفائه بالقياس. وجواب الثاني أنه إن قيل بافتقار الحكم في دوامه إلى دوام علته فهو المطلوب، وإن لم يقل بذلك، فلا خلاف بين أئمة الفقه أنه وإن لم يفتقر الحكم في دوامه إلى دوام ضابط حكمة الحكم المعرف للحكم في الفرع في ابتدائه انه لا بد من دوام احتمال الحكمة، حتى إنه لو انتهت حكمة الحكم قطعا، امتنع بقاؤه بعدها، وإذا لم يكن بد من دوام احتمال الحكمة، فلا بد من أن تكون معتبرة لاستحالة بقاء الحكم لحكمة غير معتبرة، وبنسخ حكم الاصل زال اعتبارها، وانتفاء ما لا بد منه في دوام الحكم يوجب رفع الحكم. وعلى هذا فقد اندفع النقض، فإنا لا نسلم أن إسلام الاب علة موجبة لاسلام الابن، حتى يلزم من انتفاء إسلامه انتفاء إسلام الابن، ولا أن دوام إسلام الاب معتبر في دوام إسلام الابن، ليلزم من انتفاؤه

[ 168 ]

المسألة السابعة عشرة لا نعرف خلافا بين الامة في أن الناسخ إذا كان مع جبريل عليه السلام، لم ينزل به إلى النبي (ص)، لم يثبت له حكم في حق المكلفين، بل هم في التكليف بالحكم الاول على ما كانوا عليه قبل إلقاء الناسخ إلى جبريل. وإنما الخلاف فيما إذا ورد النسخ إلى النبي (ص)، ولم يبلغ الامة، هل يتحقق بذلك النسخ في حقهم، أو لا ؟ فذهب بعض أصحاب الشافعي إلى الاثبات، وبعضهم إلى النفي، وبه قال أصحاب أبي حنيفة والامام أحمد بن حنبل، وهو المختار. وبيانه أن النسخ له لازم وهو ارتفاع حكم الخطاب السابق وامتناع الخروج بالفعل الواجب أولا عن العهدة، ولزوم الاتيان بالفعل الواجب الناسخ والاثم بتركه، والثواب على فعله. وهذه اللوازم منتفية، ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم. أما أن الحكم السابق لم يرتفع، فهو أن المكلف يثاب على فعله (1) ويخرج به عن العهدة، ويأثم بتركه له قبل بلوغ النسخ إليه (2) بالاجماع. ولهذا، فإن أهل قبا لما بلغهم نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة استداروا، والنبي (ص)، اعتد لهم بالركعات التي أتوا بها بعد نزول النسخ، قبل علمهم بالنسخ، ولم ينكر عليهم. وأما ان الخطاب بالنسخ غير لازم للمكلف قبل البلوغ فبيانه بالنص والحكم. أما النص فقوله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * (17) الاسراء: 15) وقوله تعالى: * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * (4) النساء: 165) وقوله تعالى: * (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا) * (28) القصص: 59). وأما الحكم فهو أن المكلف، لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ على وجهها كان آثما عاصيا غير خارج به عن العهدة، كما لو صلى إلى الكعبة، قبل بلوغ النسخ إليه، ولو كان مخاطبا بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصيا بفعل ما خوطب به


1 - يثاب على فعله - أي بتقدير وجوبه أو ندبه. 2 - ويأثم بتركه له قبل بلوغ النسخ إليه - أي بتقدير وجوبه (*)

[ 169 ]

وللمخالفين خمس شبه. الشبهة الاولى أن المكلف متصرف بالاذن من الشارع، فلزم رفعه برفع الشرع له، وإن لم يعلم المكلف بالرفع كما لو عزل الموكل الوكيل عن التصرف فإنه لا ينعقد تصرفه بعد ذلك، وإن لم يعلم يعزله. الثانية أن النسخ إسقاط حق لا يعتبر فيه رضي من يسقط عنه، فلا يعتبر فيه علمه، كالطلاق والعتق والابراء. الثالثة أن النسخ إباحة ترك الفعل بعد إيجابه، أو إباحة فعله بعد خطره، فلا يتوقف ذلك على علم من أبيح له، كما لو قال لزوجته إن خرجت بغير إذني، فأنت طالق، ثم أذن لها من حيث لا تعلم، فإنه يثبت حكم الاباحة في حق الزوجة ولا يقع الطلاق بخروجها. الرابعة أن نسخ الحكم إباحة ترك المنسوخ الذي هو حق الشارع، فوجب أن يثبت قبل علم المباح له، كما لو قال القائل أبحت ثمرة بستاني لكل من دخله فإنه يباح لكل داخل، وإن لم يعلم بذلك. الخامسة أن رفع الحكم يتحقق بعد علم المكلف بالنسخ، فرفعه إما أن يكون بعلمه أو بالنسخ، والعلم غير مؤثر في الرفع، فكان الرفع بالنسخ، ولزم رفعه عند تحقق النسخ. والجواب عن الاول بمنع عزل الوكيل قبل علمه بالعزل. وعن الثانية لم قالوا بأن النسخ إذا لم يتوقف على رضى المنسوخ عنه، لا يتوقف على علم. ولا يلزم من عدم اعتبار العلم في صورة الاستشهاد عدم اعتباره في النسخ فإنه لا مانع أن يكون عدم اعتبار العلم، ثم لعدم تضمنه رفع حكم خطاب سابق بخلاف ما نحن فيه، فكان العلم مشترطا فيه، لما ذكرناه. وعن الثالثة والرابعة بمنع الحكم فيما ذكروه من صوره الاستشهاد. وعن الخامسة أن رفع الحكم بالنسخ مشروط بالعلم، ولا تحقق للمشروط دون شرطه.

[ 170 ]

المسألة الثامنة عشرة الزيادة على النص هل تكون نسخا ؟ وقد اتفق العلماء على أن الزيادة إذا كانت عبادة منفردة بنفسها عن العبادة المزيد عليها أنها لا تكون نسخا لحكم المزيد عليه وذلك كزيادة صلاة على صلوات أو صوم أو حجة أو زكاة، إلا ما نقل عن بعض العراقيين أنهم قالوا: إن زيادة صلاة سادسة على الصلوات الخمس يكون نسخا من جهة أن الصلاة الوسطى المأمور بالمحافظة عليها في قوله تعالى: * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) * (2) البقرة: 238) تخرج عن كونها وسطى، وهو غير صحيح لوجهين: الاول أن النسخ إنما يكون لحكم شرعي على ما تقدم، وكون العبادة وسطى أمر حقيقي ليس بحكم شرعي. الثاني أنه يلزم عليه، أن لو أوجب الشارع أربع صلوات، ثم أوجب صلاة خامسة، أو زكاة أو صوما، أن يكون ذلك نسخا لاخراج العبادة الاخيرة عن كونها أخيرة، وإخراج العبادات السابقة عن كونها أربعا وهو خلاف الاجماع. وإنما اختلفوا في غير هذه الزيادة كزيادة ركعة على ركعات صلاة واحدة، وزيادة جلدات على جلدات حد واحد، وزيادة صفة في رقبة الكفارة، كالايمان إلى غير ذلك من الزيادات: فذهبت الشافعية والحنابلة وجماعة من المعتزلة، كالجبائي وأبي هاشم، إلى أنها لا تكون نسخا. وقالت الحنفية تكون نسخا ومنهم من فصل. ثم القائلون بالتفصيل، منهم من قال إن كانت الزيادة قد أفادت خلاف ما أفاده مفهوم المخالفة والشرط، كانت الزيادة نسخا، كإيجاب الزكاة في معلوفة الغنم فإنه خلاف ما أفاده قوله (ص) في الغنم السائمة زكاة من نفي الزكاة عن المعلوفة، وإلا فلا. ومنهم من قال إن كانت الزيادة مغيرة لحكم المزيد عليه في المستقبل، كزيادة التغريب في المستقبل، على الحد، وزيادة عشرين جلدة على حد القذف، كانت نسخا.

[ 171 ]

وإن لم تغير حكمه في المستقبل، فإنها لا تكون نسخا، وسواء كانت الزيادة لا تنفك عن المزيد عليه، كما لو وجب علينا ستر الفخذ، فإنه يجب ستر بعض الركبة. ضرورة أن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، أو كانت الزيادة عند تعذر المزيد عليه، وذلك كإيجاب قطع رجل السارق، بعد قطع يديه وهذا هو مذهب الكرخي وأبي عبد الله البصري من المعتزلة. ومنهم من قال إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغيرا شرعيا بحيث صار المزيد عليه، لو فعل بعد الزيادة على حسب ما كان يفعل قبلها، كان وجوده كعدمه، ووجب استئنافه، كزيادة ركعة على ركعتي الفجر، كان ذلك نسخا. أو كان قد خير بين فعلين، فزيد فعل ثالث، فإنه يكون نسخا لتحريم ترك الفعلين السابقين، وإلا فلا، وذلك كزيادة التغريب على الحد، وزيادة عشرين جلدة على حد القذف، وزيادة شرط منفصل في شرائط الصلاة. كزيادة الوضوء، وهذا هو مذهب القاضي عبد الجبار. ومنهم من قال إن كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع للتعدد والانفصال، كزيادة ركعتين على ركعتي الصبح، فهو نسخ، وإن لم تكن الزيادة كذلك، كزيادة عشرين جلدة على حد القذف، فلا تكون نسخا. وهذا هو الذي اختاره الغزالي والمختار أنه إن كانت الزيادة متأخرة عن المزيد عليه، وكانت رافعة لحكم شرعي كان ذلك نسخا، ووجب النظر في دليل الزيادة، فإن كان مما يجوز بمثله نسخ حكم النص، فهو نسخ، وإلا فلا. وإن لم تكن الزيادة متأخرة عن المزيد عليه أو كانت رافعة لحكم العقل الاصلي لا غير، لم يكن ذلك نسخا شرعيا، وإن كان نسخا لغويا، وجاز بكل ما يصلح أن يكون دليلا في موضعه، وإن لم يجز به النسخ، كالقياس وخبر الواحد ونحوه، وهذا هو اختيار أبي الحسين البصري. وإذ أتينا على شرح المذاهب بالتفصيل، فلا بد من النظر فيما يتفرع على هذه المذاهب من المسائل الفرعية، والكشف عن وجه الحق في كل واحدة منها، تتمة للمقصود، وهي عشرة فروع:

[ 172 ]

الفرع الاول إذا وجبت الزكاة في معلوفة الغنم، لا يكون ذلك نسخا لحكم قوله (ص): في الغنم السائمة زكاة لانه لا يقتضي نفي الزكاة عن المعلوفة كما سبق في إبطال دليل الخطاب، وإنما يقتضي نفي الزكاة عن المعلوفة، بناء على حكم العقل الاصلي، فرفعه لا يكون نسخا لما تقدم وإن سلمنا أن دليل الخطاب حجة، وأنه يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة فلا يخفى أن وجوب الزكاة فيها يكون رافعا لما اقتضاه دليل الخطاب، فيكون نسخا. الفرع الثاني إذا زيدت ركعة على ركعتي الصبح بحيث صارت صلاة الصبح ثلاث ركعات. قال أبو الحسين البصري هذا ليس بنسخ لحكم الدليل الدال على وجوب صلاة الصبح، لان زيادة الركعة، إما أن تكون نسخا للركعتين، أو نسخا لاجزائها ووجوبها، أو نسخا لوجوب التشهد عقيب الركعتين: لا جائز أن يكون نسخا للركعتين، لان النسخ لا يتعلق بالافعال كيف وإن الركعتين قارتان لم يرتفعا. ولا جائز أن يكون نسخا لاجزائها، وإلا كان زيادة غسل عضو آخر في طهارة الصلاة ناسخا لاجزائها ووجوبها، الذي كان قبل إيجاب غسل العضو الزائد، ولم يقل به من قال بهذا المذهب، كالقاضي عبد الجبار، كما عرف من مذهبه ولا جائز أن يكون نسخا لوجوب التشهد عقيب الركعتين، لانه إنما كان واجبا آخر الصلاة، وذلك غير مرتفع، ولا متغير، وإنما المتغير آخر الصلاة، فإن آخرها كان بآخر الركعتين، والآن صار آخر الثلاث. وقد قيل في إبطاله لا نسلم الحصر، فإنه كان يحرم الزيادة على الركعتين، والتحريم حكم شرعي، وقد ارتفع بالزيادة، وليس بحق إذ لقائل أن يقول: إنما يصح ذلك أن لو كان الامر بالركعتين مقتضيا للنهي عن الزيادة عليهما، وليس كذلك، بل أمكن أن يكون ذلك مستفادا من دليل آخر، فزيادة الركعة على الركعتين لا يكون نسخا لحكم الدليل الدال على وجوب الركعتين.

[ 173 ]

وقد قيل في إبطاله أيضا، إن النسخ إنما هو لاجزاء الركعتين بتقدير انفرادهما وهو حكم شرعي، وقد ارتفع بالزيادة، وفيه نظر، إذ يمكن أن يقال: معنى كون الركعتين مجزية أنه يخرج بها عن عهدة الامر ومعنى الخروج بها عن العهدة أنه لا يجب مع فعلها شئ آخر، وليس ذلك حكما شرعيا ليكون رفعه نسخا شرعيا، بل هو من مقتضيات النفي الاصلي. وإنما طريق الرد عليه أن يقال: ما ذكره من الالزام باشتراط غسل العضو الزائد. وإن كان لازما على القاضي عبد الجبار فغير لازم لغيره، كالغزالي ونحوه من القائلين بكون ذلك نسخا، فلا بد من الدلالة عليه، ولم يتعرض لذلك، وإن قدر لزوم ذلك، فلا يخفى أن وجوب التشهد بعد الركعتين حكم شرعي، وقد ارتفع بزيادة الركعة. والقول بأن المغير إنما هو آخر الصلاة ليس كذلك. فإن التشهد كان واجبا عقيب الركعتين، وبالزيادة صار غير واجب. الفرع الثالث زيادة التغريب على الحد، وزيادة عشرين جلدة على الثمانين ليس بنسخ لان النسخ يستدعي رفع ما ثبت للثمانين من الحكم الشرعي، ولا تحقق له، إذا الاصل بقاء ما كان لها من الحكم قبل الزيادة بعدها. فإن قيل: بيان ارتفاع حكم الثمانين من خمسة أوجه: الاول: أن الثمانين قبل الزيادة كانت كل الحد الواجب، وقد صارت بعد الزيادة بعض الحد. الثاني: أن الثمانين كانت مجزئة قبل الزيادة، وقد ارتفع إجزاؤها بالزيادة. الثالث: الثمانون وحدها كان يتعلق بها التفسيق. ورد الشهادة، وبعد الزيادة زال تعلق ذلك بالثمانين. الرابع: أن الثمانين قبل الزيادة كان يجب الاقتصار عليها، وبعد الزيادة زال هذا الوجوب. الخامس: أن قيل الزيادة كانت الزيادة غير واجبة (1) وقد زال هذا الحكم بإيجاب الزيادة. والجواب عن الاول: أنه لا معنى لكون الثمانين قبل الزيادة كل الواجب إلا.


1 - ان قيل الزيادة كانت الزيادة غير واجبة - فيه تحريف ولعل الاصل ان الزيادة كانت قبل الزيادة غير واجبة. (*)

[ 174 ]

أنها واجبة، وغيرها ليس بواجب، ووجوبها لم يرتفع، وإنما المرتفع بالزيادة عدم وجوب الزيادة، وذلك معلوم بالبراءة الاصلية، فلا يكون رفعه نسخا شرعيا. وعن الثاني ما سبق في الفرع الذي قبله. وعن الثالث لا نسلم أن التفسيق ورد الشهادة متعلق بالثمانين، بل بالقذف وإن سلمنا تعلق ذلك بالثمانين، إلا أن معنى التفسيق يرجع إلى عدم موافقة أمر الشارع، ورد الشهادة إلى عدم قبولها، وذلك معلوم بالنفي الاصلي، ورد الشهادة وإن كان معلوما من قوله تعالى: * (ولا تقبلوا لهم شهادة) * فليس من مقتضيات دليل إيجاب الثمانين، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا. وعن الرابع أن معنى وجوب الاقتصار على الثمانين قبل الزيادة أنها واجبة ولا تجوز الزيادة عليها، ووجوبها لم يرتفع، وإنما المرتفع عدم الجواز المستند إلى البراءة الاصلية، وذلك ليس بنسخ على ما تقدم. وعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الالزام الخامس أيضا. الفرع الرابع إذا أوجب الله تعالى غسل الرجلين على التعيين، ثم خيرنا بين ذلك وبين المسح على الخفين، أو خيرنا في الكفارة بين الاطعام والصيام، ثم زاد ثالثا، وهو الاعتاق، هل يكون ذلك نسخا لوجوب غسل الرجلين على التعيين ووجوب التخيير بين الاطعام والصيام على التعيين ؟ الحق إنه ليس بنسخ (1) لان معنى كون العمل واجبا على التعيين انه واجب وان غيره لا يقوم مقامه وكونه.


1 - حكى الاسنوى في كتابه نهاية السول في شرح منهاج الوصول للبيضاوي عن الآمدي انه أختلف قوله في المسألتين فقال في الاحكام ان الحق أنه ليس بنسخ في المسألتين، وقال في منتهى السول انه نسخ في الاولى وليس بنسخ في الثانية، وقد وجدت بمخطوطة المدينة التي هي العمدة في هذه الطبعة قول الآمدي انه لانسخ في المسألتين فآثرت أن أجعل ما فيها في أصل هذه الطبعة واجعل في التعليق قول الآمدي الآخر الذي ذكر الاسنوي أنه قوله في مننتهى السوال لا في الاحكام وهذا نصه: (الحق انه نسخ لغسل الرجلين وليس نسخا للتخيير بين الاطعام والصيام، لان التخيير بين الاطعام والصيام على التعيين) (*)

[ 175 ]

واجبا لم يرتفع وإنما المرتفع كون غيره لا يقوم مقامه وذلك ثابت بمقتضى النفي الاصلي، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا وكذلك لتخيير بين الاطعام والصيام على التعيين معناه ان الواجب منهما، وان غيرهما لا يقوم مقامهما ووجوب احدهما لا يعنية مرتفع، وانما المرتفع كون غيرهما لا يقوم مقامهما، وذلك ثابت بمقتضى النفي الاصلي، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا. الفرع الخامس إذا وقف الله تعالى الحكم على شاهدين بقوله * (فاستشهدوا شهيدين) * (2) البقرة: 282) فإذا جوز الحكم بشاهد ويمين بخبر الواحد، فهل يكون ذلك نسخا للحكم بالشاهدين على التعيين ؟ الحق أنه ليس بنسخ، وذلك لان مقتضى الآية جواز الحكم بالشاهدين، وأن شهادتهما حجة، وليس فيه ما يدل على امتناع الحكم بحجة أخرى إلا بالنظر إلى المفهوم، ولا حجة فيه على ما تقدم. وإن كان حجة فرفعه يكون نسخا، ولا يجوز بخبر الواحد (1). الفرع السادس: إذا أوجب الله تعالى عتق رقبة مطلقة في كفارة الظهار، فتقييدها بعد ذلك بالايمان إن ثبت أن الله تعالى أراد بكلامه الدلالة على أجزاء الرقبة الكافرة وغيرها، كان التقييد بالايمان نسخا، ولا يجوز بدليل العقل والقياس وخبر الواحد، وإلا كان تقييدا للمطلق لا نسخا (2). الفرع السابع: إذا أوجب الله تعالى قطع يد السارق ورجله على التعيين، فإباحة قطع رجله الاخرى بعد ذلك، إن كان رافعا لعدم الاباحة الثابتة بحكم العقل الاصلي، فلا يكون نسخا شرعيا وإن كان رافعا للتحريم، وإن جاز أن


1 - متى صح خبر القضاء بالشاهد واليمين، وجب العمل به مطلقا، اما لعدم اعتبار مفهوم المخالفة في قوله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) واما الرجحان الخبر عليه وان قلنا ان المفهوم حجة وجهل التاريخ لانه منطوق متفق على العمل به عند المختلفين في حجية مفهوم المخالفة، واما لانه ناسخ له ان علم التاريخ وكان متاخرا. 2 - يجب العمل بخبر الواحد في ذلك تقييدا أو نسخا فانه على تقدير افادته لغلبة الظن فقط فافادة المتواتر لاستمرار حكمه ظنية ما دام الوحي ينزل فلا بعد في ان يقطع الاستمرار بخبر الواحد، إذ كلاهما ظني - انظر التعليق 4 ص 149 ج 3. (*)

[ 176 ]

يكون نسخا، فليس نسخا لمقتضى النص الاول لعدم دلالته عليه. الفرع الثامن: إذا زيد في الطهارة اشتراط غسل عضو زائد على الاعضاء الستة، فلا يكون ذلك نسخا لوجوب غسل الاعضاء الستة، إذ هي واجبة مع وجوب غسل العضو الزائد، ولا لاجزائها عند الاقتصار عليها، لان معنى كونها مجزئة أن امتثال الامر بفعلها غير متوقف على أمر آخر، وامتثال الامر بفعلها غير مرتفع وإنما المرتفع عدم التوقف على شرط آخر، وذلك المرتفع وهو عدم اشتراط أمر آخر إنما كان مستندا إلى حكم العقل الاصلي، فلا يكون رفعه نسخا شرعيا. وعلى هذا، يكون الحكم فيما إذا زيد في الصلاة شرط آخر. الفرع التاسع: قوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: 187) دال على جعل أول الليل غاية للصوم، فإيجاب صوم أول الليل بعد ذلك هل يكون نسخا لما دلت عليه الآية من كون أول الليل غاية للصوم وظرفا له ؟ والحق في ذلك أن يقال: إن قلنا إن مفهوم الغاية ليس بحجة وأنه لا يدل على مد الحكم إلى غاية أن يكون الحكم فيما بعد الغاية على خلاف ما قبلها، فإيجاب صوم أول الليل لا يكون نسخا لمدلول الآية، وإلا كان نسخا، وامتنع ذلك بدليل العقل وخبر الواحد (1). الفرع العاشر: إذا قال الله تعالى (صلوا إن كنتم متطهرين) فاشتراط شرط آخر لا يكون نسخا، لانه إما أن يكون نسخا لوجوب الصلاة مع الطهارة، أو لاجزائها، أو لما فيه من رفع عدم اشتراط شرط آخر، أو لشئ آخر: لا سبيل إلى الاول لان الوجوب مع الطهارة لم يرتفع. والثاني لا سبيل إليه، لما سبق في الفرع الثامن. ولا سبيل إلى الثالث، لانه رفع حكم العقل الاصلي، فلا يكون نسخا شرعيا والرابع لا بد من تصويره لان الاصل عدمه. وعلى هذا أيضا قوله تعالى: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * (22) الحج: 29) موجب للطواف مطلقا مع الطهارة، ومن غير طهارة، فاشتراط الطهارة بقوله (ص): الطواف بالبيت


1 - انظر التعليق ص 175 ج 3. (*)

[ 177 ]

صلاة لا يكون نسخا لوجوب الطواف لبقاء وجوبه، ولا لاجزائه، ولا لعدم اشتراط الطهارة لما بيناه. ولذلك، منع الشافعي من الاجزاء بقوله: الطواف بالبيت صلاة (1). وأبو حنيفة لما لم يسعه مخالفة الخبر قال بوجوب الطهارة مع بقاء الطواف مجزئا من غير طهارة، حيث اعتقد أن رفع الاجزاء يكون نسخا لحكم الكتاب بخبر الواحد.


1 - (الطواف بالبيت) رواه ابن حبان في صحيحة من حديث فضيل بن عياض والحاكم في المستدرك من حديث سفيان كلاهما عن عطاء بن السائب عن طاووس عن بن عباس قال: قال رسول الله (ص) (الطواف بالبيت صلاة الا أن الله قد أدحل فيه النطق فمن نطق فيه فلا ينطق الا بخير. واخرجه الترمذي في كتابه عن جرير عن عطاء بن السائب به، بلفظ) الطواف حول البيت مثل الصلاة) قال وقد روي هذا الحديث عن ابن طاووس وغيره موقوفا، ولا نعرفه مرفوعا الا من حديث عطاء ابن السائب، انظر تفصيل الكلام على متنه وطرقه في نصب الراية وتلخيص الحبير. (*)

[ 178 ]

المسألة التاسعة عشرة اتفقوا على أن نسخ سنة من سنن العبادة لا يكون نسخا لتلك العبادة، كنسخ ستر الرأس، والوقوف على يمين الامام في الصلاة واختلفوا في أن نسخ ما تتوقف عليه صحة العبادة، هل يكون نسخا لتلك العبادة فذهب الكرخي وأبو الحسين البصري إلى أن ذلك لا يكون نسخا للعبادة. وسواء كان المنسوخ جزءا من مفهوم العبادة كالركعة من صلاة الظهر مثلا، أو شرطا خارجا عن مفهوم الصلاة، كالوضوء. ومن المتكلمين من قال: إنه نسخ للعبادة مطلقا. وإليه ميل الغزالي. ومنهم من فصل بين الجزء والشرط وأوجب نسخ العبادة بنسخ جزئها دون شرطها، كالقاضي عبد الجبار. والمختار أنه لا يكون ذلك نسخا للعبادة مطلقا. أما إذا كانت الصلاة أربع ركعات، فكل ركعتين منها واجبة، فنسخ أحد الواجبين لا يوجب نسخ الواجب الآخر، وكذلك إذا كانت الصلاة واجبة، والطهارة شرط فيها. فنسخ اشتراط الطهارة لا يكون موجبا لنسخ وجوب الصلاة، بل الوجوب باق بحاله، فلا نسخ. فإن قيل: إذا أوجب الشارع أربع ركعات، ثم نسخ منها وجوب ركعتين، فقد نسخ وجوب أصل العبادة، لا أنه نسخ للبعض، وتبقية للبعض، فإن الركعتين الباقيتين ليست بعض الاربع، بل هي عبادة أخرى، وإلا فلو كانت بعضا منها، لكان من صلى الصبح أربع ركعات آتيا بالواجب وزيادة، كما لو أوجب عليه التصدق بدرهم، فتصدق بدرهمين. وإن سلمنا أن وجوب الركعتين باق بحاله، غير أنها كانت قبل نسخ الركعتين لا تجزي، وقد ارتفع ذلك بنسخ الركعتين الزائدتين حيث صارت تجزئ، وكان يجب تأخير التشهد إلى ما بعد الاربع، وقد ارتفع ذلك، وهو عين النسخ. وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا نسخ شرط العبادة، فإنها كانت قبل النسخ لا تجزئ، وقد ارتفع ذلك بنسخ الشرط. والجواب: قولهم إن نسخ الركعتين نسخ لوجوب أصل العبادة ليس كذلك بدليل بقاء وجوب الركعتين:

[ 179 ]

قولهم الركعتان عبادة أخرى غير العبادة الاولى، إن أرادوا بالغيرية أنها بعض منها، والبعض غير الكل فمسلم، ولكن لا يكون نسخا للركعتين، وإن كان نسخا لوجوب الكل، وإن أرادوا به أنها ليست بعضا من الاربع، فهو غير مسلم. قولهم لو كانت بعضا من الاربع، لكان من صلى الصبح أربعا، قد أتى بالواجب وزيادة. قلنا ولو لم تكن بعضا من الواجب الاول، بل عبادة أخرى، لافتقرت في وجوبها إلى ورود أمر يدل على وجوبها، وهو خلاف الاجماع، وحيث لم تصح صلاة الصبح عند الاتيان بأربع ركعات فإنما كان لادخال ما ليس من الصلاة فيها. قولهم إنها كانت قبل نسخ الركعتين لا تجزئ. قلنا: إن أريد به عدم امتثال الامر والثواب عليها، فذلك مستند إلى النفي الاصلي، فرفعه لا يكون نسخا، وإن أريد به وجوب القضاء، فهو نسخ، لكن لا لنفس العبادة. قولهم إنه كان يجب تأخير التشهد إلى ما بعد الاربع ليس كذلك، فإن التشهد بعد الركعتين جائز. نعم غايته أنه لم يكن واجبا وعدم وجوبه فلبقائه على النفي الاصلي، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا على ما عرف. نعم لو قيل برفع جوازه بحكم الشرع، كان ذلك نسخا. وعلى هذا، عرف الجواب عن قولهم إن العبادة كانت لا تجزئ دون الطهارة، ثم صارت مجزئة.

[ 180 ]

المسألة العشرون: اتفق العلماء على جواز نسخ جميع التكاليف بإعدام العقل الذي هو شرط في التكليف، وأنه يستحيل أن يكلف الله أحدا بالنهي عن معرفته إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق. وذلك لان تكليفه بالنهي عن معرفته يستدعي العلم بنهيه، والعلم بنهيه يستدعي العلم بذاته، فإن من لا يعرف الباري تعالى يمتنع عليه أن يكون عالما بنهيه. فإذا تحريم معرفته متوقف على معرفته، وهو دور ممتنع. وإنما الخلاف في أمرين: الاول: أنه هل يتصور نسخ وجوب معرفة الله تعالى وشكر المنعم ونسخ تحريم الكفر والظلم والكذب، وكذلك كل ما قيل بوجوبه لحسنه وتحريمه لقبحه في ذاته: فذهبت المعتزلة بناء على فاسد أصولهم في اعتقاد الحسن والقبح الذاتي ورعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، إلى امتناع نسخ هذه الاحكام لاعتقادهم أن المقتضى لوجوبها وتحريمها إنما هو صفات ذاتية لا يجوز تبديلها ولا تغييرها، ونحن قد أبطلنا هذه الاصول، ونبهنا على فسادها فيما تقدم. الثاني: أنه وإن جاز نسخ هذه الاحكام، فبعد أن كلف الله العبد هل يجوز أن ينسخ عنه جميع التكاليف أو لا ؟ اختلفو فيه نفيا وإثباتا واختار الغزالي المنع من ذلك مصيرا منه إلى أن المنسوخ عنه يجب عليه معرفة النسخ والناسخ والدليل المنصوب عليه. فهذا النوع من التكليف لا يمكن نسخه، بل هو باق بالضرورة، وليس بحق، فإنا وإن قلنا بأن النسخ لا يحصل في حق المكلف دون علمه بنزول النسخ، فلا يمتنع تحقق النسخ لجميع التكاليف في حقه عند علمه بالنسخ، وإن لم يكن مكلفا بمعرفة النسخ.

[ 181 ]

خاتمة في طريق معرفة الناسخ والمنسوخ فنقول: النصان إذا تعارضا وتنافيا إما أن يتعارضا من كل وجه أو من وجه دون وجه: فإن تنافيا من كل وجه، فإما أن يكونا معلومين أو مظنونين، أو أحدهما معلوما والآخر مظنونا: فإن كانا معلومين أو مظنونين، فإما أن يعلم تأخر أحدهما عن الآخر فهو ناسخ، والمتقدم منسوخ. وذلك قد يعرف إما بلفظ النسخ والمنسوخ، كما لو قال النبي (ص): هذا ناسخ وهذا منسوخ (1) أو أجمعت الامة على ذلك. وإما بالتاريخ، وذلك قد يعلم إما بأن يكون في اللفظ ما يدل على التقدم والتأخر كقوله (ص): كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها وإما بإسناد الراوي أحدهما إلى شئ متقدم، كقوله، كان هذا في السنة الفلانية، وهذا في السنة الفلانية وإحداهما معلومة التقدم على الاخرى هذا كله إذا كان سند الناسخ والمنسوخ مستويا. وليس من الطرق الصحيحة في معرفة النسخ أن يقول الصحابي كان الحكم كذا، ثم نسخ فإنه ربما قال ذلك عن اجتهاد، ولا أن يقول في أحد المتواترين إنه كان قبل الآخر، لانه يتضمن نسخ المتواتر بقول الواحد ولا يلزم ثبوت نسب الولد من صاحب الفراش ضمنا من قبول قول القابلة في الولد إنه من إحدى المرأتين، وأن النسب لا يثبت بقولها ابتدأ، مثل ذلك ها هنا، كما قاله القاضي عبد الجبار، فإن غاية ذلك الجواز، ولا يلزم منه الوقوع. ولا أن يكون أحدهما مثبتا في المصحف بعد الآخر، لانه ليس ترتيب الآيات في المصحف على ترتيبها في النزول، ولا أن يكون راوي أحدهما من أحداث.


1 - هذا مجرد فرض وتقدير لم يعهد مثل هذا في عبارات الكتاب والسنة، فهو غير علمي في التمييز بين الناسخ والمنسوخ. (*)

[ 182 ]

الصحابة، لانه قد ينقل عمن تقدمت صحبته. وإن روى عن النبي (ص)، من غير واسطة، فلجواز أن تكون رواية متقدم الصحبة متأخرة. ولا أن يكون إسلام أحد الراويين بعد إسلام الآخر، لما ذكرناه في رواية الحدث ولا أن يكون أحد الراويين متجدد الصحبة بعد انقطاع صحبة الراوي الآخر، لجواز سماعه عمن تقدمت صحبته، ولا أن يكون أحد النصين على وفق قضية العقل والبراءة الاصلية، والآخر على خلافه فإنه ليس تقدم الموافق لذلك أولى من المخالف. وأما إن علم اقترانهما مع تعذر الجمع بينهما، فعندي أن ذلك غير متصور الوقوع، إن جوزه قوم، وبتقدير وقوعه، فالواجب إما الوقف عن العمل بأحدهما (1) أو التخيير بينهما إن أمكن. وكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شئ من ذلك. وأما إن كان أحدهما معلوما، والآخر مظنونا، فالعمل بالمعلوم واجب، سواء تقدم أو تأخر (2) أو جهل الحال في ذلك لكنه إن كان متأخرا عن المظنون كان ناسخا، وإلا كان مع وجوب العمل به غير ناسخ. هذا كله فيما إذا تنافيا من كل وجه وأما إن تنافيا من وجه دون وجه، بأن يكون كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه دون وجه كما في قوله (ص): من بدل دينه فاقتلوه (3) فإنه خاص بالمبدل، وعام في النساء والرجال، وقوله: نهيت عن قتل النسوان (4) فإنه خاص في النساء، وعام بالنسبة إلى المبدل، فالحكم فيهما كما لو تنافيا من كل وجه، فعليك بالاعتبار، والله أعلم.


1 - عن العمل بأحدهما - لعله عن العمل بكل منهما. 2 - بل العمل بالمتأخر منهما واجب فان المتواتر وان كان معلوم الثبوت لكنه ظني الاستمرار ما دام الوحي ينزل فيجوز قطع استمراره بالاحاد وليس في ذلك اكثر من تخصيص متواتر ظاهره العموم في الزمان بآحاد يبين اختصاصه ببعض الزمان وتخصيص المتواتر العام بالآحاد لاغرابة فيه، انظر التعليق 4 - ص 149 ج 3 3 - من بدل، رواه احمد والبخاري والاربعة من طريق ابن عباس. 4 - روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر نهى النبي (ص): عن قتل النساء والصبيان. (*)

[ 183 ]

الاصل الخامس في القياس ويشتمل على مقدمة وخمسة أبو اب. أما المقدمة ففي تحقيق معنى القياس وبيان أركانه. أما القياس فهو في اللغة عبارة عن التقدير، ومنه يقال: قست الارض بالقصبة وقست الثوب بالذراع، أي قدرته بذلك وهو يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر بالمساواة، فهو نسبة وأضافة بين شيئين ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان، ولا يقاس بفلان أي يساويه، ولا يساويه. وأما في اصطلاح الاصوليين فهو منقسم إلى قياس العكس، وقياس الطراد. أما قياس العكس، فعبارة عن تحصيل نقيض حكم معلوم ما في غيره، لافتراقهما (1) في علة الحكم، وذلك كما لو قيل: لو لو يكن الصوم شرطا في الاعتكاف، لما كان شرطا له عند نذره أن يعتكف صائما، كالصلاة فإن الصلاة لما لم تكن شرطا في الاعتكاف لم تكن من شرطه إذا نذر أن يعتكف مصليا، فالاصل هو الصلاة، والفرع هو الصوم، وحكم الصلاة أنها ليست شرطا في الاعتكاف، والثابت في الصوم نقيضه، وهو أنه شرط في الاعتكاف، وقد افترقا في العلة (2) لان العلة التي لاجلها لم تكن الصلاة شرطا في الاعتكاف أنها لم تكن شرطا فيه حالة النذر، وهذه العلة غير موجودة في الصوم، لانه شرط في الاعتكاف حالة النذر إجماعا (3).


1 - لافتراقهما - الصواب لتنافيهما فان مجرد الافتراق في العلة والاختلاف فيها لا يوجب التناقض في الحكم. 2 - افترقا في العلة - اي تنافيا وتقابلا بالسلب والايجاب. 3 - ومن امثلته ايضا ما تضمنه قوله تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق) فقد اثبت الله تعالى لنفسه التفرد باستحقاق الالوهية وانكر ان يكون غيره مستحقا لذلك استقلالها أو اشتراكا لتنافيهما في الموجب وهو الخلق فلله الخلق والامر وحده وغيره ليس إليه شئ من ذلك ومن ذلك قوله تعالى (ضرب الله مثلا عبد ا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا) الآيتين من سورة النحل، ومنه قوله (ص) (وفي احدكم صدقة = (*)

[ 184 ]

وأما قياس الطرد، فقد قيل فيه عبارات غير مرضية، لا بد من الاشارة إليها وإلى إبطالها. ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار فيه. فمنها قول بعضهم إنه عبارة عن إصابة الحق، وهو منتقض بإصابة الحق بالنص والاجماع، فإنه على ما قيل وليس بقياس كيف وإن إصابة الحق فرع للقياس وحكم له، وحكم القياس لا يكون هو القياس. ومنها قول بعضهم إنه بذل الجهد في استخراج الحق، وهو أيضا باطل بما أبطلنا به الحد الذي قبله. كيف وإن بذل الجهد إنما هو منبئ عن حال القائس، لا عن نفس القياس. وقد قيل في إبطاله إنه غير منعكس لوجود المحدود، دون الحد، وذلك أن من رأى حكما منصوصا عليه وعلى علته، وكانت علته مما يشهد الحس بها في الفرع فإن ذلك مقتضى تعدية الحكم من الاصل إلى الفرع بطريق القياس، وإن لم يوجد فيه بذل جهد في استخراج الحق فقد وجد المحدود دون حده، وليس بحق، فإنه وإن لم يلحق المكلف بذل جهد في معرفة الحكم وعلته، لكونهما منصوصين ولا في معرفة وجود العلة في الفرع لكونها محسة فيه، فلا بد من الاجتهاد في معرفة صحة النص إن كان آحادا، وإن كان متواترا، ولا بد من البحث عن كونه منسوخا أم لا، وإن لم يكن منسوخا، فلا بد من النظر في الاصل هل للعلة فيه معارض أو لا وإن لم يكن لها معارض في الاصل فلا بد من النظر في الفرع هل وجد فيه مانع أو فات شرط أو لا، ثم وإن قدر انتفاء الاجتهاد مطلقا في الصورة المفروضة فلا نسلم تحقق القياس فيها، بل الحكم إنما يثبت في الفرع على هذا التقدير بالاستدلال، لا بالقياس، على ما يأتي تحقيقه. ومنها قول بعضهم إن القياس هو التشبيه، ويلزم عليه أن يكون تشبيه أحد الشيئين بالآخر، في المقدار، وفي بعض صفات الكيفيات كالالوان والطعوم ونحوها.


= قالوا يا رسول الله أياتي أحدنا شهوته ويكون فيها اجر قال: أرايتم لو وضعها في حرام اكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له اجر). (*)

[ 185 ]

قياسا شرعيا، إذ الكلام إنما هو في حد القياس في اصطلاح المتشرعين، وليس كذلك. ومنها قول بعضهم: القياس هو الدليل الموصل إلى الحق، وهو باطل بالنص والاجماع. ومنهم من قال: هو العلم الواقع بالمعلوم عن نظر، وهو أيضا باطل بالعلم الحاصل بالنظر في دلالة النص والاجماع كيف وإن العلم غير حاصل من القياس، فإنه لا يفيد غير الظن، وإن كان حاصلا منه، فهو ثمرة القياس، فلا يكون هو القياس. وقال أبو هاشم إنه عبارة عن حمل الشئ على غيره وإجراء حكمه عليه وهو باطل من وجهين: الاول أنه غير جامع لانه يخرج منه القياس الذي فرعه معدوم ممتنع لذاته فإنه ليس بشئ الثاني: أن حمل الشئ على غيره وإجراء حكمه عليه قد يكون من غير جامع. فلا يكون قياسا، وإن كان بجامع، فيكون قياسا، وليس في لفظه ما يدل على الجامع، فكان لفظه عاما للقياس ولما ليس بقياس. وقال القاضي عبد الجبار: إنه حمل الشئ على الشئ في بعض أحكامه بضرب من الشبه، وهو باطل بما أبطلنا به حد أبي هاشم في الوجه الاول. وقال أبو الحسين البصري: القياس تحصيل حكم الاصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد. وقد أورد على نفسه في ذلك إشكالا وأجاب عنه. أما الاشكال فهو أن الفقهاء يسمون قياس العكس قياسا، وليس هو تحصيل حكم الاصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم، بل هو تحصيل نقيض حكم الشئ في غيره لافتراقهما في علة الحكم، كما سبق تحقيقه. وأما الجواب فحاصله أن تسمية قياس العكس قياسا إنما كان بطريق المجاز لفوات خاصية القياس فيه، وهو إلحاق الفرع بالاصل في حكمه لما بينهما من المشابهة. ويمكن أن يقال في جوابه أيضا إنه وإن كان قياس العكس قياسا حقيقة. غير أن اسم القياس مشترك بين قياس الطرد وقياس العكس، فتحديد أحدهما

[ 186 ]

بخاصيته لا ينتقض بالمسمى الآخر المخالف له في خاصيته، وإن كان مسمى باسمه. ولهذا، فإنه لو حدت العين بحد يخصها لا ينتقض بالعين الجارية المخالفة لها في حدها وإن اشتركا في الاسم، والمحدود ها هنا إنما هو قياس الطرد المخالف في حقيقته لقياس العكس، غير أن ما ذكره من الحد مدخول من وجهين. الاول أن قوله تحصيل حكم الاصل في الفرع مشعر بتحصيل عين حكم الاصل في الفرع، وهو ممتنع، فكان من حقه أن يقول: مثل حكم الاصل في الفرع. الثاني أن تحصيل حكم الاصل في الفرع هو حكم الفرع ونتيجة القياس. ونتيجة الشئ لا تكون هي نفس ذلك الشئ، فكان الاولى أن يقول: القياس هو اشتباه الفرع والاصل في علة حكم الاصل في نظر المجتهد على وجه يستلزم تحصيل الحكم في الفرع. وقال القاضي أبو بكر (1): القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما. أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما من اثبات حكم أو صفة لها أو نفيهما عنهما. وقد وافقه عليه أكثر أصحابنا، وهو مشتمل على خمسة قيود: الاول قوله: حمل معلوم على معلوم. الثاني قوله: في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما. الثالث قوله: بناء على جامع بينهما. الرابع قوله: من إثبات حكم أو صفة لهما. الخامس قوله: أو نفيه عنهما. أما القيد الاول يستدعي بيان معنى الحمل، وبيان فائدة إطلاق لفظ المعلوم وفائدة حمل المعلوم على المعلوم. أما الحمل فمعناه مشاركة أحد المعلومين للآخر في حكمه، وإنما أطلق لفظ المعلوم، لانه ربما كانت صورة المحمول والمحمول عليه عدمية، وربما كانت وجودية فلفظ المعلوم يكون شاملا لهما، فإنه لو أطلق لفظ الموجود، لخرج منه المعدوم، ولو أطلق لفظ الشئ لاختص أيضا بالموجود على رأي أهل الحق.


1 - وهو محمد بن الطيب الباقلاني. (*)

[ 187 ]

ولو قال: حمل فرع على أصل، ربما أوهم اختصاصه بالموجود من جهة أن وصف أحدهما بكونه فرعا، والآخر بكونه أصلا، قد يظن أنه صفة وجودية والصفات الوجودية لا تكون صفة للمعدوم، وإن لم يكن حقا، فكان استعمال لفظ المعلوم أجمع وأمنع وأبعد عن الوهم الفاسد، وإنما قال: حمل معلوم على معلوم لان القياس يستدعي المقايسة، وذلك لا يكون إلا بين شيئين، ولانه لولاه لكان إثبات الحكم أو نفيه في الفرع غير مستفاد من القياس، أو كان معللا بعلة غير معتبرة، فيكون بمجرد الرأي، والتحكم، وهو ممتنع. وأما القيد الثاني: فإنما ذكره، لان حمل الفرع على الاصل قد بان أن معناه التشريك في الحكم، وحكم الاصل، وهو المحمول عليه قد يكون إثباتا، وقد يكون نفيا وكانت عبارته بذلك أجمع للنفي والاثبات. وأما القيد الثالث: فإنما ذكره لان القياس لا يتم إلا بالجامع بين الاصل والفرع وإلا كان حمل الفرع على الاصل في حكمه من غير دليل، وهو ممتنع. وأما القيد الرابع: فإنما ذكره، لان الجامع بين الاصل والفرع قد يكون تارة حكما شرعيا، كما لو قال في تحريم بيع الكلب، نجس فلا يجوز بيعه كالخنزير وقد يكون وصفا حقيقيا، كما لو قال في النبيذ مسكر فكان حراما كالخمر. وأما القيد الخامس: فإنما ذكره لان الجامع من الحكم أو الصفة قد يكون إثباتا كما ذكرناه من المثالين. وقد يكون نفيا. أما في الحكم فكما لو قال في الثوب النجس إذا غسل بالخل، غير طاهر، فلا تصح الصلاة فيه، كما لو غسله باللبن والمرق. وأما في الصفة، فكما لو قال في الصبي، غير عاقل، فلا يكلف كالمجنون. وقد أورد عليه تشكيكات لا بد في ذكرها والاشارة إلى دفعها. الاشكال الاول أن القول بحمل المعلوم على المعلوم إما أن يراد به إثبات مثل حكم أحدهما للآخر، أو شئ آخر فإن كان الاول: فالقول ثانيا في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما يكون تكرارا من غير فائدة.

[ 188 ]

وإن كان الثاني فلا بد من بيانه، كيف وإنه بتقدير أن يراد به شئ آخر، فلا يجوز ذكره في تعريف القياس، لان ماهية القياس تتم بإثبات مثل حكم أحد المعلومين للآخر بأمر جامع، فكان ذكر ذلك الشئ زائدا عما يحتاج إليه. الثاني: أن قوله في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما مشعر بأن الحكم في الاصل والفرع مثبت بالقياس، وهو محال من جهة أن القياس فرع على ثبوت الحكم في الاصل، فلو كان ثبوت الحكم في الاصل فرعا على القياس كان دورا. الثالث: أنه كما يثبت الحكم بالقياس، فقد ثبتت الصفة أيضا بالقياس، كقولنا في الباري تعالى (عالم) فكان له علم كالشاهد. فالقياس أعم من القياس الشرعي والعقلي. وعند ذلك إما أن تكون الصفة مندرجة في الحكم، أو لا تكون. فإن كان الاول: كان القول بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما تكرارا لكون الصفة أحد أقسام الحكم. وإن كان الثاني: كان التعريف ناقصا. الرابع: أن المعتبر في ماهية القياس، الجامع من حيث هو جامع لا أقسام الجامع وذلك إن ماهية القياس قد تنفك عن كل واحد من أقسامه بعينه وما تنفك عنه الماهية لا يكون داخلا في حدها، وأيضا فإنه لو وجب في ذكر ماهية القياس ذكر أقسام الجامع، فالحكم والصفة الجامعة أيضا كل واحد منهما منقسم إلى أقسام كثيرة لا تحصى، فكان يجب استقصاؤها في الذكر، وإلا كان الحد ناقصا، وهو محال. الخامس: أن كلمة (أو) للترديد والشك، والتحديد إنما هو للتعيين، والترديد ينافي التعيين. السادس: أن القياس الفاسد قياس، وهو غير داخل في هذا الحد، وذلك لان هذا القائل قد اعتبر في حده حصول الجامع، ومهما حصل الجامع كان صحيحا فالفاسد الذي لم يحصل الجامع فيه في نفس الامر، لا يكون داخلا فيه، فكان يجب أن يقال بأمر جامع في ظن المجتهد، فإنه يعم القياس الفاسد الذي لم يحصل الجامع فيه في نفس الامر. والجواب عن الاشكال الاول أن المراد بحمل المعلوم على المعلوم إنما هو التشريك بينهما في حكم أحدهما مطلقا. وقوله بعد ذلك (في إثبات حكم أو نفيه) إشارة إلى ذكرها تفاصل ذلك الحكم وأقسامه،

[ 189 ]

وهي زائدة على نفس التسوية في مفهوم الحكم، فذكرها ثانيا لا يكون تكرارا. وعن الثاني: وإن كان هو أقوى الاشكالات الواردة ها هنا أن يقال: لا نسلم أن قول القائل (حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما) مشعر بإثبات حكم الاصل بالقياس، حتى يلزم منه الدور، لان القياس، على ما علم مركب من الاصل والفرع، وحكم الاصل والوصف الجامع بين الاصل والفرع والحكم في الاصل غير مستند في ثبوته ولا نفيه إلى مجموع هذه الامور، إذ هو غير متوقف على الفرع، ولا على نفسه، وإنما هو متوقف في ثبوته على الوصف الجامع وهو العلة حيث إن الشرع لم يثبت الحكم في الاصل إلا بناء عليه، ولهذا قال الحاد في هذه (في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما) والوصف الجامع ركن القياس، وليس هو نفس القياس، فلا يكون ثبوت الحكم في الاصل ولا نفيه بالقياس، بل بالعلة، وليست هي نفس القياس، وإنما الثابت والمنفي بالقياس إنما هو حكم الفرع لا غير (1). وعن الثالث من وجهين: الاول أنه مبني على تصور القياس، في غير الشرعيات وهو غير مسلم، على ما يأتي بيانه (2) وما ذكروه من المثال، فقد أبطلنا صحة القياس فيه في أبكار الافكار. الثاني وإن سلمنا تصور القياس في غير الشرعيات، غير أن الكلام إنما وقع في تحديد القياس الشرعي في مصطلح أهل الشرع، وذلك لا يكون إلا فيما كان حكم الاصل فيه شرعيا، والصفة ليست حكما شرعيا، فلا.


1 - انما الاولى زائدة وتقدير الكلام، والثابت والمنفى بالقياس انما هو حكم الفرع لا غير. 2 - قياس التعليل والتمثيل كما يجري في الاحكام الشرعية يجرى في طبائع الاشياء وخواصها وفي العقليات صفات وأفعالا بعد معرفة العلة - انظر الكلام على ذلك في ص 366 - من مسودة آل تيميه، واللمع لابي اسحاق الشيرازي، وروضة الناظر لابن قدامة، والكوكب المنير للفتوحي. (*)

[ 190 ]

تكون مندرجة فيه. وعلى هذا، فخروج القياس العقلي عن الحد المذكور للقياس الشرعي لا يكون موجبا لنقصانه وقصوره. وعن الرابع: أنه، وإن كان ذكر أقسام الجامع من الحكم والصفة وتعيين كل واحد غير داخل في مفهوم القياس، فذكره لم يكن لتوقف مفهوم القياس عليه، حتى يقال بقصور التعريف بل للمبالغة في الكشف والايضاح بذكر الاقسام وذلك مما لا يخل بالحد، ولا يلزم من ذلك الاستقصاء بذكر باقي أقسام الحكم والصفة لعدم وجوبه. وعن الخامس: أن التحديد والتعريف قد تم بقولنا (حمل معلوم على معلوم بأمر جامع بينهما) وما وقع فيه الترديد بحرف (أو)، فقد بان التحديد (1) والتعريف غير متوقف عليه، وإنما ذكر لزيادة البيان والايضاح، فلا يكون ذلك مانعا من تعريف المحدود، كيف وإنه لا معنى للترديد سوى بيان صحة انقسام الحكم والجامع إلى ما قيل، وصحة الانقسام من الصفات اللازمة التي لا ترديد فيها. وعن السادس: أن المطلوب إنما هو تحديد القياس الصحيح الشرعي، والفاسد ليس من هذا القبيل، فخروجه عن الحد لا يكون مبطلا له، لكنه يرد عليه إشكال مشكل لا محيص عنه، وهو أن الحكم في الفرع نفيا وإثباتا متفرع على القياس إجماعا، وليس هو ركنا في القياس، لان نتيجة الدليل لا تكون ركنا في الدليل، لما فيه من الدور الممتنع، وعند ذلك فيلزم من أخذ إثبات الحكم ونفيه في الفرع في حد القياس أن يكون ركنا في القياس، وهو دور ممتنع. وقد أخذه في حد القياس حيث قال (في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما) إشارة إلى الفرع والاصل. والمختار في حد القياس أن يقال إنه عبارة عن الاستواء بين الفرع والاصل في العلة المستنبطة من حكم الاصل. وهذه العبارة جامعة مانعة وافية بالغرض عرية عما يعترضها من التشكيكات العارضة لغيرها على ما تقدم (2).


1 - بان التحديد - تم وانتهي. 2 - هذه التعاريف دخلتها الصناعة المنطقية المتكلفة فصارت خفية غامضة، واحتاجت إلى شرح وبيان، ومع ذلك لم تسلم من النقد والاخذ والرد، واوسلكوا في = (*)

[ 191 ]

وإذا عرف معنى القياس، فهو يشتمل على أربعة أركان: الاصل، والفرع، وحكم الاصل، والوصف الجامع. أما الاصل فقد يطلق على أمرين: الاول ما بني عليه غيره، كقولنا: إن معرفة الله أصل في معرفة رسالة الرسول، من حيث ان معرفة الرسول تنبنى على معرفة المرسل الثاني ما عرف بنفسه من غير افتقار إلى غيره، وإن لم يبن عليه غيره، وذلك كما تقوله في تحريم الربا في النقدين، فإنه أصل، وإن لم يبن عليه غيره. وعلى هذا، اختلف العلماء في الاصل في القياس، وذلك كما إذا قسنا النبيذ على الخمر المنصوص عليه بقوله عليه السلام حرمت الخمرة لعينها (1) في تحريم الشراب، هل الاصل هو النص أو الخمر أو الحكم الثابت في الخمر، وهو التحريم مع اتفاق الكل على أن العلة في الخمر، وهي الشدة المطربة ليست هي الاصل. فقال بعض المتكلمين: الاصل هو النص الدال على تحريم الخمر، لانه الذي بني عليه التحريم، والاصل ما بني عليه. * هامش) * = البيان طريقة القرآن وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعهود العرب ومألوفهم من الايضاح بضرب الامثال لسهل الامر وهان الخطب. 1 - حديث حرمت الخمر لعينها، ويروي بعينها قليلها وكثيرها والمسكر من كل شراب رواه العقيلي في ترجمة محمد بن الفرات عن ابي اسحاق السبيعي عن الحارث عن علي مرفوعا واعله بمحمد بن الفرات ورواه العقبلي من طريق عبد الرحمن بن مجهول في الرواية والنسب وحديثه غير محفوظ، وانما يروى هذا عن ابن عباس من قوله. وقد رواه موقوفا على ابن عباس النسائي في سننه من طرق، والبزار في مسنده والطبراني في معجمه والدارقطني في سننه مع اختلاف في العبارة، ومن اراد تفصيل القول في ذلك فليرجع إلى كتاب نصب الراية للزيلعي، والى ترجمة ابي اسحاق السبيعي والحارث الاعور في تهذيب التهذيب لابن حجر فان ابا اسحاق يدلس وقد عنعن، والحارث الاعور كذاب. ومع ذلك فلغة اهل الجدل واصطلاح علماء الفقه واصوله بعد استحكام الخلاف بينهم ظاهرة في صناعة الحديث ووضعه لنصرة المذهب. (*)

[ 192 ]

وقالت الفقهاء: الاصل إنما هو الخمر الثابتة حرمته، لان الاصل ما كان حكم الفرع مقتبسا منه ومردودا إليه. وهذا إنما يتحقق في نفس الخمر. وقال بعضهم: الاصل إنما هو الحكم الثابت في الخمر، لان الاصل ما انبنى عليه غيره، وكان العلم به موصلا إلى العلم بغيره أو الظن. وهذه الخاصية موجودة في حكم الخمر، فكان هو الاصل. قالوا: وليس الاصل هو النص، لان النص هو الطريق إلى العلم بالحكم، ولو تصور العلم بالحكم في الخمر دون النص، كان القياس ممكنا، ولانه لو كان النص هو الاصل، لكونه طريقا إلى معرفة الحكم، باتفاق لكان قول الراوي هو أصل القياس بطريق الاولى، لكونه طريقا إلى معرفة النص، وليس كذلك بالاتفاق. وليس الاصل أيضا هو الخمر، لانه قد يعلم الخمر، ولا يعلم أن الحرمة جارية فيه، ولا في الفرع، بخلاف ما إذا علم الحكم، فكان هو الاصل. واعلم أن النزاع في هذه المسألة لفظي، وذلك لانه إذا كان معنى الاصل ما يبنى عليه غيره فالحكم أمكن أن يكون أصلا لبناء الحكم في الفرع عليه، على ما تقرر. وإذا كان الحكم في الخمر أصلا، فالنص الذي به. معرفة الحكم يكون أصلا للاصل. وعلى هذا، أي طريق عرف به حكم الخمر من إجماع أو غيره أمكن أن يكون أصلا، وكذلك الخمر، فإنه إذا كان محلا للفعل الموصوف بالحرمة، فهو أيضا أصل للاصل، فكان أصلا. والاشبه أن يكون الاصل هو المحل، على ما قاله الفقهاء، لافتقار الحكم والنص إليه ضرورة من غير عكس، فإن المحل غير مفتقر إلى النص ولا إلى الحكم. وأما الفرع: فهل هو نفس الحكم المتنازع فيه أو محله ؟ اختلفوا فيه: فمن قال بأن الاصل هو الحكم في الخمر، قال الفرع هو الحكم في النبيذ. ومن قال بأن الاصل هو المحل، قال الفرع هو المحل، وهو النبيذ، وإن كان الاولى أن يكون الفرع هو الحكم المتفرع على القياس، والمحل أصل الحكم المفرع على القياس. فتسمية الخمر أصلا أولى من تسمية النبيذ فرعا، من حيث إن الخمر أصل للتحريم الذي هو الاصل، بخلاف النبيذ فإنه أصل للفرع، لا أنه فرع له.

[ 193 ]

وأما الوصف الجامع فهو فرع في الحكم لكونه مستنبطا من محل حكم المنصوص عليه، فهو تبع للنص والحكم ومحله، وهو أصل في الفرع، لكون الحكم المتنازع فيه في النبيذ مبنيا عليه. وتسمية الوصف الجامع في الفرع أصلا، أولى من تسمية النص في الخمر والتحريم ومحله أصلا، للاختلاف في ذلك والاتفاق على كون الوصف في ذلك أصلا. وإذا عرف معنى القياس وأركانه، فلنشرع في بيان أبو ابه: الباب الاول في شرائط القياس ويشتمل على مقدمة وأقسام. أما المقدمة، فاعلم أن القياس، على ما سبق تعريفه، يستدعي أركانا لا يتم دونها، وثمرة هي نتيجته. فأما الاركان، فهي أربعة: الفرع المسمى بصورة محل النزاع، وهي الواقعة المتنازع عليها نفيا واثباتا. والاصل: وهو الواقعة التي يقصد تعدية حكمها إلى الفرع. والحكم: الشرعي الخاص بالاصل. والعلة الجامعة بين الاصل والفرع. وأما ثمرته: فحكم الفرع، فإنه إذا تم القياس أنتج حكم الفرع، وليس حكم الفرع من أركان القياس، إذ الحكم في الفرع متوقف على صحة القياس، فلو كان ركنا منه، لتوقف على نفسه، وهو محال. وعلى هذا، فشروط القياس لا تخرج عن شروط هذه الاركان، فمنها ما يعود إلى الاصل، ومنها ما يعود إلى الفرع: وما يعود إلى الاصل فمنها ما يعود إلى حكمه، ومنها ما يعود إلى علته. فلنرسم في كل واحد منهما قسما (1).


1 - منهما - الصواب منها (*)

[ 194 ]

القسم الاول في شرائط حكم الاصل وهي ثمانية الشرط الاول: أن يكون حكما شرعيا، لان الغرض من القياس الشرعي إنما هو تعريف الحكم الشرعي في الفرع نفيا وإثباتا. فإذا لم يكن الحكم في الاصل شرعيا بأن كان قضية لغوية أو عقلية فالحكم المتعدي إلى الفرع لا يكون شرعيا فلا فلا يكون الغرض من القياس الشرعي حاصلا، كيف وإنه إذا كان قضية لغوية فقد بينا امتناع جريان القياس فيه، في اللغات. الشرط الثاني: يكون ثابتا غير منسوخ، حتى يمكن بناء الفرع عليه وإلا فبتقدير أن لا يكون ثابتا، فلا ينتفع به ناظر ولا مناظر، لانه إنما تعدى الحكم من الاصل إلى الفرع بناء على الوصف الجامع، وذلك متوقف على اعتبار الشارع له. فإذا لم يكن الحكم المرتب على وصفه ثابتا في الشرع، فلا يكون معتبرا. الشرط الثالث: أن يكون دليل ثبوته شرعيا، لان ما لا يكون دليله شرعيا لا يكون حكما شرعيا. الشرط الرابع: أن لا يكون حكم الاصل متفرعا عن أصل آخر، وهذا ما ذهب إليه أكثر أصحابنا والكرخي، خلافا للحنابلة (1) وأبي عبد الله البصري، وذلك لان العلة الجامعة بينه وبين أصله إما أن تكون هي العلة الجامعة بينه وبين فرعه، أو هي غيرها: فإن كان الاول، فالاصل الذي به الشهادة بالاعتبار إنما هو الاصل الاخير لا الاصل الاول، فليقع الرد إليه، وإلا فهو تطويل من غير فائدة، وذلك كما لو قال


1 - ظاهر الاطلاق في قوله: خلافا للحنابلة جواز بناء القياس على القياس. وليس كذلك، فان منهم من منع ذلك، ومنهم من اجازه، بل منهم من روي عنه قولان في ذلك، المنع، والجواز، كالقاضي ابي يعلى وابي الخطاب - انظر روضة الناظر لابن قدامة، والكوكب المنير لابي العباس الفتوحي واللمع لابي اسحاق الشيرازي وانظر خلاف الحنابلة في حكم بناء القياس على القياس في ص 394 و 395 من مسودة آل تيمية طبعة المدني (*)

[ 195 ]

الشافعي مثلا في السفرجل مطعوم، فجرى فيه الربا، قياسا على التفاح، ثم قاس التفاح في تحريم الربا على البر بواسطة الطعم أيضا. وإن كان الثاني، وهو أن تكون العلة في القياسين مختلفة، فلا تخلو إما أن تكون العلة التي عدى بها الحكم من الاصل الممنوع حكمه إلى فرعه مؤثرة، أي ثابتة بنص أو إجماع أو مستنبطة: فإن كان الاول، فقد أمكن إثبات الحكم في الفرع الاول بالعلة المؤثرة، ولم يبق للقياس على الاصل الممنوع حكمه وقياسه على الاصل الاخير حاجة، بل هو تطويل غير مفيد. وإن كان الثاني، وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة فسخ النكاح بالجذام عيب يثبت به الفسخ في البيع، فيثبت به الفسخ في النكاح، قياسا على الرتق والقرن، ثم قاس الرتق والقرن عند توجيه منعه على الجب والعنة بواسطة فوات غرض الاستمتاع به، فلا يصح القياس فيه، وذلك لان الحكم في الفرع المتنازع فيه أولا إنما يثبت بما يثبت به حكم أصله، فإذا كان حكم أصله ثابتا بعلة أخرى، وهي ما استنبطت من الاصل الآخر، فيمتنع تعدية الحكم بغيرها، لان غيرها لم يثبت اعتبار الشارع له ضرورة أن الحكم الثابت معه ثابت بغيره بالاتفاق، فلو ثبت الحكم به في الفرع الاول مع عدم اعتباره، كان ذلك إثباتا للحكم بالمعنى المرسل الخلي عن الاعتبار، وذلك ممتنع. وعلى هذا، فإن قلنا بجواز تعليل الحكم الواحد بعلتين مع كونه ممتنعا، كما يأتي تقريره (1) فهو ممتنع ها هنا، حيث إنا قطعنا بأن العلة المستنبطة من الاصل الممنوع مما لم يلتفت إليها الشارع في إثبات الحكم في أصلها للاتفاق على ثبوته بغيرها. والجمع بين العلل إنما يكون حيث يمكن الظن باعتبار الشارع لها من إثبات الحكم على وفقها. هذا كله إن كان حكم الاصل مقولا به من جهة المستدل، ممنوعا من جهة المعترض، وأما إن كان مقولا به من جهة المعترض، ممنوعا من جهة المستدل. وذلك كما لو قال الحنفي في مسألة تعيين النية عندما إذا نوى النفل أتى بما أمر به، فوجب أن يصح، كما إذا كان عليه فريضة الحج، ونوى النفل، فإن الحكم.


1 - سيأتي الكلام على ذلك تعليقا في المسألة الثانية عشرة من مسائل شروط العلة ان شاء الله تعالى. (*)

[ 196 ]

في الاصل مما لا يقول به الحنفي، بل الشافعي، فلا يصح من المستدل بناء الفرع عليه، لانه إما أن يذكر ذلك في معرض التقرير لمأخذ من هو منتم إليه، أو في معرض الالزام للخصم: فإن كان الاول فهو ممتنع، لانه إنما يعرف كون الوصف الجامع مأخذا لامامه بإثباته للحكم على وفقه، وبالقياس على الاصل الذي لا يقول به إمامه لا يعرف ذلك. وإن كان الثاني، وذلك بأن يقول هذا هو عندك علة الحكم في الاصل المقيس عليه، وهو موجود في محل النزاع، فيلزمك الاعتراف بحكمه، وإلا فيلزم منه إبطال المعنى وانتقاضه لتخلف الحكم عنه من غير معارض، ويلزم من إبطال التعليل به امتناع إثبات الحكم به في الاصل، فهو أيضا ممتنع، لوجهين: الاول أن للمعترض أن يقول: الحكم في الاصل لم يكن عندي ثابتا على هذا الوصف، بل بناء على غيره، ويجب تصديقه فيه، لكونه عدلا، والظاهر من حاله الصدق، وهو أعرف بمأخذ مذهبه. الثاني أنه، وإن كان الحكم في الاصل معللا بالوصف المذكور، غير أن حاصل الالزام يرجع إلى إلزام المعترض بالتخطئة في الفرع بإثبات خلاف حكمه، ضرورة تصويبه في اعتقاد كون الوصف الجامع علة للحكم في الاصل المقيس عليه وهو غير لازم، إذ ليس تخطئته في الفرع ضرورة تصويبه في تعليل حكم الاصل بالوصف المذكور، أولى من تخطئته في تعليل حكم الاصل بالوصف المذكور وتصويبه في حكم الفرع. الشرط الخامس: أن لا يكون حكم الاصل معدولا به عن سنن القياس، والمعدول به عن سنن القياس على قسمين. الاول ما لا يعقل معناه، وهو على ضربين: إما مستثنى من قاعدة عامة أو مبتدأ به: فالاول كقبول شهادة خزيمة وحده، فإنه مع كونه غير معقول المعنى، مستثنى من قاعدة الشهادة. والثاني كأعداد الركعات، وتقدير نصب الزكوات، ومقادير الحدود،

[ 197 ]

والكفارات، فإنه مع كونه غير معقول المعنى، غير مستثنى من قاعدة سابقة عامة. وعلى كلا التقديرين يمتنع فيه القياس. القسم الثاني: ما شرع ابتداء، ولا نظير له، ولا يجري فيه القياس لعدم النظير وسواء كان معقول المعنى، كرخص السفر والمسح على الخفين لعلة دفع المشقة، أو هو غير معقول المعنى، كاليمين في القسامة وضرب الدية على العاقلة ونحوه. الشرط السادس: إذا كان حكم الاصل متفقا عليه، فقد اختلفوا في كيفية الاتفاق: فمنهم من قال بأنه يكفي أن يكون ذلك متفقا عليه بين الفريقين لا غير. ومنهم من قال: لا يكفي ذلك، بل لا بد وأن يكون متفقا عليه بين الامة، وإلا فإن كان متفقا عليه بين الفريقين فقط، فلا يصح القياس عليه، وسموه قياسا مركبا. وقبل النظر في مأخذ الحجاج، فلابد من النظر في معنى القياس المركب وأقسامه. أما القياس المركب فهو أن يكون الحكم في الاصل غير منصوص عليه، ولا مجمع عليه من الامة (1) وهو قسمان: الاول مركب الاصل، والثاني مركب الوصف. أما التركيب في الاصل فهو أن يعين المستدل علة في الاصل المذكور، ويجمع بها بينه وبين فرعه، فيعين المعترض فيه علة أخرى، ويقول: الحكم عندي ثابت بهذه العلة، وذلك كما إذا قال في مسألة الحر بالعبد مثلا، عبد فلا يقتل به الحر كالمكاتب، فإن المكاتب غير منصوص عليه، ولا مجمعا عليه بين الامة، لاختلاف الناس في وجوب القصاص على قاتله، وإنما هو متفق عليه بين الشافعي وأبي حنيفة، وعند ذلك فللحنفي أن يقول العلة في المكاتب (2) المتفق عليه المانعة من جريان القصاص فيه عندي إنما هو جهالة (3) المستحق من السيد أو الورثة. فإن سلم ذلك امتنعت التعدية إلى الفرع لخلو الفرع عن العلة، وإن أبطل التعليل بها فأنا أمنع الحكم في الاصل لانه إنما ثبت عندي بهذه العلة، وهي مدرك إثباته، ولا محذور في نفي الحكم.


1 - ولكنه متفق عليه من الخصمين المستدل والمعترض. 2 - العلة في المكاتب - أي علة الحكم بترك القصاص للمكاتب من قاتله الحر. 3 - انما هو جهالة - الصواب انما هي جهالة، لان كلا من مرجع الضمير وخبره مؤنث. (*)

[ 198 ]

لانتفاء مدركه إذ لم يلزم منه مخالفة نص ولا إجماع، وعلى كلا التقديرين، فالقياس يكون ممتنعا إما لمنع حكم الاصل، وإما لعدم علة الاصل في الفرع. قال بعض الاصوليين: وإنما سمي هذا النوع قياسا مركبا، لاختلاف الخصمين في علة الاصل، وليس بحق. وإلا كان كل قياس اختلف في علة أصله، وإن كان منصوصا أو متفقا عليه بين الامة، مركبا، وليس كذلك. والاشبه أنه إنما سمي بذلك لاختلاف الخصمين في تركيب الحكم على العلة في الاصل فإن المستدل يزعم أن العلة الجامعة مستنبطة من حكم الاصل، وهي فرع له. والمعترض يزعم أن الحكم في الاصل فرع على العلة وهي المثبتة له، وأنه لا طريق إلى إثباته سواها، وأنها غير مستنبطة منه، ولا هي فرع عليه، ولذلك منع ثبوت الحكم عند إبطالها، وإنما سمي مركب الاصل لانه نظير في علة حكم الاصل (1). وأما مركب الوصف فهو ما وقع الاختلاف فيه في وصف المستدل، هل له وجود في الاصل أو لا ؟ وذلك كما لو قال المستدل في مسألة تعليق الطلاق بالنكاح، تعليق، فلا يصح قبل النكاح، كما لو قال: زينب التي أتزوجها طالق، فللخصم أن يقول: لا نسلم وجود التعليق في الاصل، بل هو تنجيز، فإن ثبت أنه تعليق، فأنا أمنع الحكم وأقول بصحته، كما في الفرع، ولا يلزمني من المنع محذور، لعدم النص عليه وإجماع الامة، وإنما سمي مركب الوصف، لانه خلاف في تعيين الوصف الجامع. وإذ أتينا على بيان معنى القياس المركب وأقسامه. فنقول: لا يخلو إما أن ينظر في ذلك إلى الناظر المجتهد، أو المناظر: فإن كان الاول، فإن كان له مدرك في ثبوت حكم الاصل سوى النص والاجماع، فالقياس صحيح لانه إذا غلب على ظنه صحة القياس فلا يكابر نفسه فيما أوجبه ظنه، وإن


1 - قارن بين خلاف الحنفية والائمة الثلاثة هنا فيما ثبت حكم الاصل، وبيان الآمدي علة تسمية هذا النوع من القياس المركب مركب الاصل، وبين خلاف الحنفية والشافعية فيما ثبت به حكم الاصل في المسألة العشرين من مسائل شروط العلة مع مراعاة أن العلة هنا مستنبطة، وفي المسألة الآتية منصوصة. (*)

[ 199 ]

لم يكن له مدرك سوى النص والاجماع فالقياس متعذر لتعذر إثبات حكم الاصل وإن كان الثاني، فالمختار بعد إبطال ما يعارض به الخصم في القسم الاول من التركيب وتحقيق وجود ما يدعيه في الاصل في القسم الثاني منه، إنما هو التفصيل وهو أن الخصم إما أن يكون مجتهدا أو مقلدا. فإن كان مجتهدا وظهر في نظره إبطال المدرك الذي بني عليه حكم الاصل، فله منع حكم الاصل. وعند ذلك فالقياس لا يكون منتفعا به بالنسبة إلى الخصم. وإن كان مقلدا فليس له منع الحكم في الاصل وتخطئة إمامه فيه بناء على عجزه هو عن تمشية الكلام مع المستدل، وذلك لاحتمال أن لا يكون ما عينه المعترض هو المأخذ في نظر إمامه، وبتقدير أن يكون هو المأخذ في نظر إمامه، فلا يلزم من عجز المقلد عن تقريره عجز إمامه عنه لكونه أكمل حالا منه وأعرف بوجه ما ذهب إليه وتقريره. وقد قيل إنه وإن كان لا بد من تخطئة إمام المعترض إما في حكم الاصل أو الفرع، فليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الاصل دون الفرع، وليس بحق، فإنه كما أنه ليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الاصل دون الفرع، فليس للمستدل تخطئة إمام المعترض في الفرع دون الاصل، ولا أولوية. فإن قيل: بل تخطئته في الفرع أولى لوقوع الخلاف فيه بين إمام المستدل وإمام المعترض، بخلاف حكم الاصل، فيقال كما أن الخلاف واقع في الفرع بين الامامين فالخلاف في الاصل أيضا واقع بين الائمة، إذ هو غير مجمع عليه. وليس موافقة إمام المستدل في الفرع أولى من موافقة المخالف في الاصل. الشرط السابع: أن لا يكون الدليل الدال على إثبات حكم الاصل دالا على إثبات حكم الفرع، وإلا فليس جعل أحدهما أصلا للآخر أولى من العكس. الشرط الثامن: اختلف الاصوليون في اشتراط قيام الدليل على تعليل حكم الاصل وجواز القياس عليه نفيا وإثباتا. والمختار أنه إن أريد بالدليل الدال على ذلك أن يكون دليلا خاصا بذلك الاصل من كتاب أو سنة أو إجماع، فهو باطل.

[ 200 ]

وإن أريد به أنه لا بد من قيام دليل على ذلك بجهة العموم والشمول، فهو حق: وذلك لانا سنبين أن كل أصل أمكن تعليل حكمه فإنه يجب تعليله، وإنه يجوز القياس عليه، وذلك لان مدرك كون القياس حجة إنما هو إجماع الصحابة على ما يأتي (1) وقد علمنا من تتبع أحوالهم في مجاري اجتهاداتهم أنهم كانوا يقيسون الفرع على الاصل عند وجود ما يظن كونه علة لحكم الاصل في الاصل فظن وجوده في الفرع وإن لم يقم دليل خاص على وجوب تعليل حكم ذلك الاصل وجواز القياس عليه، حتى قال عمر لابي موسى الاشعري: اعرف الاشباه والامثال، ثم قس الامور برأيك (2) ولم يفصل. وكذلك اختلفوا في قوله أنت علي حرام حتى قاسه بعضهم على الطلاق، وبعضهم على الظهار، وبعضهم على اليمين. ولم ينقل نص خاص ولا إجماع، على القياس على تلك الاصول ولا على جواز تعليلها.


1 - سيأتي في أدلة التعبد بالقياس ان العمدة في ثبوت ذلك إجماع الصحابة، فحصره مدرك التعبد بالقياس هنا على الاجماع حصر ادعائي يقصد به بيان ان الاجماع هو المعول في اثباته لا نفي المدارك الاخرى التي استدل بها على التعبد بالقياس. 2 - سيأتي الكلام عليه تعليقا عند الكلام على ادلة التعبد بالقياس ان شاء الله تعالى. (*)

[ 201 ]

القسم الثاني في شروط علة الاصل وقد اتفق الكل على جواز تعليل حكم الاصل بالاوصاف الظاهرة الجلية العرية عن الاضطراب. وسواء أكان الوصف معقولا، كالرضى والسخط، أم محسا كالقتل والسرقة، أم عرفيا كالحسن والقبح. وسواء أكان موجودا في محل الحكم كما ذكر من الامثلة أم ملازما له غير موجود فيه، كتحريم نكاح الامة لعلة رق الولد، لكن اختلفوا في شروط. فلنفرض في كل واحد منها مسألة. المسألة الاولى ذهب الاكثرون إلى أن شرط علة الاصل (1) أن لا يكون محل حكم الاصل ولا جزأ من محله. وذهب آخرون إلى جوازه. والمختار إنما هو التفصيل، وهو امتناع ذلك في المحل دون الجزء، وذلك لان الكلام إنما هو واقع في علة أصل القياس فلو كانت العلة فيه هي محل حكم الاصل بخصوصه، لكانت العلة قاصرة لاستحالة كون محل حكم الاصل بخصوصه متحققا في الفرع، وإلا كان الاصل والفرع متحدا، وهو محال. نعم إنما يمكن ذلك فيما إذا لم تكن علة حكم الاصل متعدية، لانه لا يعد في استلزام محل الحكم لحكمة داعية إلى ذلك الحكم، كاستلزام الاوصاف العامة لمحل الاصل والفرع. وأما الجزء، فلا يمتنع التعليل به لاحتمال عمومه الاصل والفرع.


1 - علة الاصل - اي علة حكم الاصل. (*)

[ 202 ]

المسألة الثانية اختلفوا في جواز كون العلة في الاصل بمعنى الامارة المجردة. والمختار أنه لا بد وأن تكون العلة في الاصل بمعنى الباعث أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وإلا فلو كانت وصفا طرديا لا حكمة فيه. بل أمارة مجردة فالتعليل بها في الاصل ممتنع لوجهين: الاول: أنه لا فائدة في الامارة، سوى تعريف الحكم، والحكم في الاصل معروف بالخطاب لا بالعلة المستنبطة منه. الثاني: أن علة الاصل مستنبطة من حكم الاصل، ومتفرعة عنه، فلو كانت معرفة لحكم الاصل، لكان متوقفا عليها، ومتفرعا عنها، وهو دور ممتنع. المسألة الثالثة ذهب الاكثرون إلى امتناع تعليل الحكم بالحكمة المجردة عن الضابط (2). وجوزه الاقلون. ومنهم من فصل بين الحكمة الظاهرة المنضبطة بنفسها والحكمة الخفية المضطربة فجوز التعليل بالاولى دون الثانية، وهذا هو المختار.


1 - اختار ان تكون العلة في الاصل بمعنى الباعث لا لامارة وهذا وان كان بالنسبة للمكلف مناسبا فان المعنى الذي ثبت الحكم من اجله يبعث المكلف على العمل بمقتضاه، لكنه ينبغي ان يغبر عنه في حق الله بالمقصود من شرع الحكم ادبا مع الله قال في مسودة آل تيمية قد اطلق غير واحد من اصحابنا القاضي وابو الخطاب وابن عقيل والحلواني وغيرهم في غير موضع من علل الشرع انما هي امارات وعلامات نصبها الله ادلة على الاحكام فهي تجري مجرى الاسماء، ثم قال وهذا الكلام غير صحيح على الاطلاق، ثم قال: ذكر ابن عقيل وغيره انها وان كانت امارات فانها موجبة لمصالح ودافعة لمفاسد ليست من جنس الامارات الساذجة العاطلة عن الايجاب. 2 - المراد بالضابط هنا الوصف الظاهر المشتمل على لحكمة المقصودة للشارع من شرع الحكم. (*)

[ 203 ]

أما إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة غير مضطربة، فلانا أجمعنا على أن الحكم إذا اقترن بوصف ظاهر منضبط مشتمل على حكمة غير منضبطة بنفسها أنه يصح التعليل به، وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم، بل ما اشتمل عليه من الحكمة الخفية. فإذا كانت الحكمة، وهي المقصود من شرع الحكم، مساوية للوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها. وأما إذا كانت الحكمة خفية مضطربة غير منضبطة فيمتنع التعليل بها لثلاثة أوجه: الاول: أنها إذا كانت خفية مضطربة مختلفة باختلاف الصور والاشخاص والازمان والاحوال، فلا يمكن معرفة ما هو مناط الحكم منها والوقوف عليه إلا بعسر وحرج، ودأب الشارع فيما هذا شأنه على ما ألفناه منه، إنما هو رد الناس فيه إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعا للعسر عن الناس والتخبط في الاحكام. ولهذا فإنا نعلم أن الشارع إنما قضى بالترخص في السفر، دفعا للمشقة المضبوطة بالسفر الطويل إلى مقصد معين، ولم يعلقها بنفس المشقة، لما كانت مما يضطرب ويختلف. ولهذا فإنه لم يرخص للحمال المشقوق عليه في الحضر، وإن ظن أن مشقته تزيد على مشقة المسافر في كل يوم فرسخ، وإن كان في غاية الرفاهية والدعة، لما كان ذلك مما يختلف ويضطرب. الثاني: أن الاجماع منعقد على صحة تعليل الاحكام بالاوصاف الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان لحكمة الزجر أو الجبر، وتعليل صحة البيع بالتصرف الصادر من الاهل في المحل لحكمة الانتفاع، وتعليل تحريم شرب الخمر وإيجاب الحد به لحكمة دفع المفسدة الناشئة منه ونحوه، ولو كان التعليل بالحكمة الخفية مما يصح لم احتيج إلى التعليل بضوابط هذه الحكم والنظر إليها، لعدم الحاجة إليها، ولما فيه من زيادة الحرج بالبحث عن الحكمة، وعن ضابطها مع الاستغناء بأحدهما. الثالث: أن التعليل بالحكمة المجردة إذا كانت خفية مضطربة، مما يفضي إلى العسر والحرج في حق المكلف بالبحث عنها والاطلاع عليها، والحرج منفي بقوله تعالى: * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * (22) الحج: 78) غير أنا خالفناه في التعليل بالوصف

[ 204 ]

الظاهر المنضبط، لكون المشقة فيه أدنى، فبقينا عاملين بعموم النص فيما عداه. فإن قيل: ما ذكرتموه في جواز التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة فهو فرع إمكان ذلك، وهو غير مسلم في الحكمة، فإنها راجعة إلى الحاجات إلى المصالح ودفع المفاسد، والحاجات مما تخفى وتزيد وتنقص، فلا تكون ظاهرة ولا منضبطة وإن سلمنا إمكان ذلك نادرا. غير أنه يلزم من التوسل إلى معرفتها في آحاد الصور لتعيين القليل منها، نوع عسر وحرج لا يلزم في التوسل إلى معرفة الضوابط الجلية والمظان الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم في الغالب، وذلك مدفوع بقوله تعالى: * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) *. وما ذكرتموه في امتناع التعليل بالحكمة الخفية: أما الوجه الاول، فالبحث عن الحكمة الخفية، وإن كان فيه نوع حرج ومشقة، غير أنه لا بد منه عند التعليل بالوصف الظاهر المشتمل عليها ضرورة أنها علة لكون الوصف علة، ولولا اشتمال الوصف عليها لما كان علة للحكم وإذا لم يكن بد من معرفتها في جعل الوصف علة للحكم وقد جعلت علة للعلة أمكن أن تجعل علة للحكم من غير حاجة إلى ضابطها. وحيث لم تقض بالترخص في حق الحمال في الحضر دفعا للمشقة عنه، فغايته امتناع تعليل الرخصة بمطلق المشقة، بل بالمشقة الخاصة بالسفر، ولا يلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة مطلقا. وأما الوجه الثاني: فغاية ما فيه جواز التعليل بالضابط المشتمل على الحكمة. وليس فيه ما يدل على امتناع التعليل بالحكمة. قولكم: إنه لا حاجة إليه، لا نسلم ذلك، فإن الاطلاع عليه أسهل من الاطلاع على الحكمة. وأما الوجه الثالث: فهو أن الحرج اللازم عن البحث عن الحكمة الخفية وإن كان شاقا، غير أنه لا يزيد على البحث عنها عند التعليل بضابطها، بل المشقة في تعرفها، مع تعرف ضابطها، أشق من تعرفها دون ضابطها. وقد أجمعنا على مخالفة النص المذكور عند التعليل بالضابط، وكانت مخالفته عند التعليل بالحكمة، لا غير أقل مشقة وحرجا، فكان أولى بالمخالفة.

[ 205 ]

والجواب عن الاعتراض الاول: أن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها في بعض الصور لا فيما لم يكن ، قولهم إن الاطلاع عليها والبحث عنها أشق من البحث عن الضابط ليس كذلك. فإنها إذا كانت ظاهرة منضبطة، كالوصف، فلا تفاوت. وعن الاعتراض الاول: على الوجه الثاني (1) أن البحث عن الحكمة عند تجردها عن الضابط لا بد فيه من معرفة كميتها وخصوصيتها، حتى نأمن من الاختلاف بين الاصل والفرع فيها وذلك غير ممكن في الحكمة الخفية المضطربة، ولا يكفي فيه مجرد معرفة احتمالها بخلاف ما إذا كانت مضبوطة بضابط، فإنا نكتفي بمعرفة الضابط ومعرفة أصل احتمال الحكمة لا غير. ويدل على ذلك ما ذكرناه من الاستشهاد، وما ذكروه عليه، فهو اعتراف بامتناع التعليل بمجرد الحكمة، وهو المطلوب. وعن الاعتراض على الوجه الثاني أنه لو أمكن التعليل بالحكمة لما احتيج إلى التعليل بالضابط. قولهم إن الوقوف عليه أسهل من الوقوف على الحكمة بمجردها. قلنا: فيلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة لما فيه من تأخير إثبات الحكم الشرعي إلى زمان إمكان الاطلاع على الحكمة، مع إمكان إثباته بالضابط في أقرب زمان، وذلك ممتنع. وعن الاعتراض على الوجه الثالث أنا لا نسلم التساوي في الحرج والمشقة في البحث عن الحكمة مع ضابطها، ومع خلوها عن الضابط. وذلك لانا نفتقر في البحث عنها عند خلوها عن الضابط إلى معرفة خصوصيتها وكميتها، حتى نأمن من التفاوت فيها بين الاصل والفرع، كما سبق، ولا كذلك في البحث عنها مع ضابطها، فإنا لا نفتقر في البحث عنها إلى أكثر من معرفة أصل احتمالها. ولا يخفى أن الحرج في تعرفها على جهة التفصيل أتم من تعرفها لا بجهة التفصيل.


1 - وعن الاعتراض الاول على الوجه الثاني - فيه تحريف والصواب وعن الاعتراض على الوجه الاول. (*)

[ 206 ]

المسألة الرابعة اختلفوا في جواز تعليل الحكم الثبوتي بالعدم: فجوزه قوم. ومنع منه آخرون، وشرطوا أن تكون العلة للحكم الثبوتي أمرا وجوديا، وهو المختار. وبيانه من ثلاثة أوجه: الاول: أن الحكم بكون الوصف علة صفة وجودية، لان نقيض العلة (لا علة)، و (لا علة) أمكن أن يكون صفة لبعض الاعدام، ولو كان المفهوم (من لا علة) وجوديا، لكان الوجود صفة للعدم، وهو محال. وإذا كان (لا علة) عدما، فالمفهوم من نقيضها وجودي. الوجه الثاني: أنه يصح قول القائل أي شئ وجد حتى حدث هذا الامر ؟ ولو لم يكن الحدوث متوقفا على وجود شئ، لما صح هذا الكلام. كما لو قال: أي رجل مات، حتى حدث لفلان هذا المال ؟ حيث لم يكن حدوث المال لفلان متوقفا على ما قيل. الثالث: وهو خاص بما إذا كان الحكم ثابتا بخطاب التكليف، كالوجوب والحظر ونحوه، وهو أن يقال قد ثبت أن العلة المستنبطة من الحكم لا بد وأن تكون بمعنى الباعث لا بمعنى الامارة. والباعث ما اشتمل على تحصيل مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، كما يأتي بيانه. فإذا كان الحكم ثابتا بخطاب التكليف لمثل هذا الغرض، فلا بد وأن يكون ضابط ذلك الغرض مقدورا للمكلف في إيجاده وإعدامه، وإلا لما كان شرع ذلك الحكم مفيدا لمثل ذلك الغرض، لعدم إفضائه إلى الغرض المطلوب، والعدم المحض لا انتساب له إلى قدرة المكلف لا بإيجاد ولا إعدام، فجعل ضابطا لغرض الحكم، ومقصوده لا يكون مفضيا إلى مقصود شرع الحكم، فيمتنع التعليل به. فإن قيل: ما ذكرتموه من الوجه الاول معارض بما يدل على أن المفهوم من صفة العلة عدم، وبيانه من وجهين:

[ 207 ]

الاول أنه لو كانت صفة العلة أمرا وجوديا، لم يخل إما أن تكون واجبة لذاتها، أو ممكنة: الاول محال، وإلا لما افتقرت إلى الموصوف بها. والثاني يوجب افتقارها إلى علة مرجحة لها. والكلام في صفة تلك العلة كالكلام في الاولى، وهو تسلسل ممتنع. الوجه الثاني: أنه يصح وصف الامر العدمي بكونه علة للامر العدمي، ولهذا يصح أن يقال: إنما لم أسلم على فلان، لاني لم أره وإنما لم أفعل كذا، لعدم الداعي إليه. وأما الوجه الثاني، فليس فيه دلالة على توقف حدوث ذلك الامر على تجدد وجود أمر آخر. ولهذا، فإنه يصح أن يقال أي شئ صنع هذا، حتى حدث له هذا المال ؟ وإن لم يكن حصول المال له موقوفا على صنع من جهته، لجواز حدوثه له عن إرث أو وصية. وإن سلمنا دلالته على التوقف على الامر الوجودي، غير أنه معارض بما يدل على صحة تعليل الامر الوجودي بالامر العدمي. وبيانه أنه يصح أن يقال ضرب فلان عبد ه لانه لم يمتثل أمره وشتم فلان فلانا لانه لم يسلم عليه، وهو تعليل للامر الوجودي بالامر العدمي. وأما الوجه الثالث: فهو وإن سلمنا أن العلة لا بد وأن تكون بمعنى الباعث، وأن الباعث عبارة عما ذكرتموه، ولكن لا نسلم امتناع كون الوصف العدمي باعثا وذلك لانا أجمعنا على جواز التعليل بالوصف الوجودي الظاهر المنضبط، إذا كان يلزم من ترتيب الحكم على وفقه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة ظاهرا، فالعدم المقابل له يكون أيضا ظاهرا منضبطا، ويكون مشتملا على نقيض ما اشتمل عليه الوصف الوجودي، وهو لا يخرج عن المصلحة أو المفسدة، لانه إن كان ما اشتمل عليه الوصف الوجودي مصلحة، فعدمه يلزمه عدم تلك المصلحة، وعدم المصلحة مفسدة، وإن كان ما اشتمل عليه الوصف الوجودي مفسدة، فعدمه يلزمه عدم تلك المفسدة وعدم المفسدة مصلحة وهو مقدور للمكلف، لانه إذا كان مقابله، وهو الوصف الوجودي، مقدورا، فلا معنى لكونه مقدورا، إلا أنه مقدور على إيجاده وإعدامه، فإذا العدم المقابل للوجود مقدور، وإذا كان مقدورا وهو ظاهر

[ 208 ]

منضبط مشتمل على مصلحة أو مفسدة، فقد أمكن التعليل به كما أمكن التعليل بالوصف الوجودي. والجواب عن الاول أن ما ذكروه من لزوم التسلسل بتقدير كون العلية صفة وجودية لزم بتقدير كونها عدمية، وذلك، لان المفهوم من صفة العلية، إذا كان أمرا عدميا، فإما أن يكون واجبا لنفسه ومفهومه، أو ممكنا لا جائز أن يكون واجبا لذاته، والا لما افتقر في تحقيقه إلى نسبته إلى ذات العلة وكونه وصفا لها، وإن كان ممكنا، فلا بد له من علة مرجحة. والتسلسل لازم له وعند ذلك، فالجواب يكون متحدا. وما ذكروه من الاحتجاج ثانيا، فلا يصح. وذلك، لان وجود الداعي إلى الفعل شرط وجود الفعل. وكذلك الرؤية لزيد شرط في السلام عليه، لا أن ذلك علة له، وإنما أضيف عدم الاثر إليه بلام التعليل بجهة التجوز لمشابهته للعلة في افتقار الاثر إلى كل واحد منهما. ولذلك، يقال في صورة تعليق الطلاق والعتق بدخول الدار إنما طلقت الزوجة، وعتق العبد لدخول الدار ويجب حمل ذلك على جهة التجوز جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل. قولهم على الوجه الثاني: ليس فيه دلالة على توقف الحدوث عل تجدد الوجود قلنا: دليله ما ذكرناه، وما ذكروه من الاستشهاد. فإنما صح بناءا على الظاهر من جهة أن الغالب في حدوث المال لبعض الاشخاص أن يكون مستندا إلى صنعة لا إلى ما ذكروه. ونحن إنما نتمسك في هذا الوجه بالظاهر، لا بالقطع. وما ذكروه من المعارضة الدالة على تعليل الامر الوجودي بالامر العدمي غير صحيح. فإن المعلل به ليس هو العدم المحض، فإنه غير منتسب إلى فعل الشخص فلا يحسن جعله علة للعقاب، لا عقلا ولا شرعا، وإنما التعليل بالامتناع عن ذلك وكف النفس عنه، وهو أمر وجودي لا عدمي. وما ذكروه على الوجه الثالث فحاصله راجع إلى التعليل بالاعدام المقدور، وهو أمر وجودي لا بالعدم المحض الذي لا قدرة للمكلف عليه. وذلك غير ما وقع فيه النزاع.

[ 209 ]

وإذا عرف امتناع تعليل الوجود بالعدم المحض مما ذكرناه، فبمثله يعلم أن العدم لا يكون جزأ من العلة المقتضية للامر الوجودي، ولا داخلا فيها. والوجه في الاعتراض على ذلك والانفصال، فعلى ما تقدم. ويخصه اعتراض آخر وهو أن انتفاء معارضة المعجزة بمثلها جزء من المعرف لكونها معجزة. وكذلك الدوران فإنه معرف لعلية المدار وأحد أجزاء الدوران العدم مع العدم. وجوابه أنا لا نسلم أن العدم فيما ذكروه من صور الاستشهاد جزء من المعرف بل شرط، والشرط غير الجزء. وإذا عرف امتناع تعليل الحكم الثبوتي بالعدم المحض، وامتناع جعله جزأ من العلة لزم امتناع التعليل بالصفات الاضافية (1) وذلك لان المفهوم من الصفة الاضافية إما أن يكون وجودا أو عدما لا جائز أن يكون وجودا، لان الصفة الاضافية لا بد وأن تكون صفة للمضاف، ويلزم من ذلك قيام الصفة الوجودية بالمعدوم المحض وهو محال. وبيان لزوم ذلك أن الاضافة الواقعة بين المتناقضين وبين المتقدم والمتأخر قائمة بكل واحد من الامرين وأحد المتقابلين مما ذكرناه لا بد وأن يكون معدوما. وإذا بطل أن يكون المفهوم من الاضافة وجودا، تعين أن يكون عدما.


1 - انظر تعريف الصفة الاضافية في التعليق ص 174 ج 2. (*)

[ 210 ]

المسألة الخامسة اختلفوا في جواز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي: فجوزه قوم. ومنع منه آخرون. وشرطوا في العلة أن لا تكون حكما شرعيا. ونحن نشير إلى مأخذ الفريقين، وننبه على ما فيه، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. فأما من قال بأن الحكم يجوز أن يكون علة للحكم، فقد احتجوا عليه بأن أحد الحكمين قد يكون دائرا مع الحكم الآخر وجودا وعدما. والدوران دليل كون المدار عليه للدائر (1) وسنبين أن الدوران لا يدل على التعليل فيما بعد. وأما القائلون بامتناع التعليل بالحكم، فقد احتجوا بأن الحكم إذا كان علة لحكم آخر، فإما أن يكون متقدما عليه، أو متأخرا عنه، أو مقارنا له لا جائز أن يقال بالاول، وإلا لزم منه وجود العلة مع تخلف حكمها عنها وهو نقض للعلة. ولا جائز أن يقال بالثاني، لان المتأخر لا يكون علة للمتقدم. وإن كان الثالث: فليس جعل أحدهما علة للآخر أولى من العكس. وأيضا فإنه يحتمل أن لا يكون لحكم الاصل علة، ويحتمل أن يكون. وإذا كان معللا، احتمل أن لا يكون الحكم به هو العلة، واحتمل أن يكون، وعلى هذا فلا يكون علة على تقديرين، وإنما يكون علة على تقدير واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد. وأيضا فإنه لو كان الحكم علة للحكم، فإما أن يكون علة بمعنى الامارة المعرفة أو بمعنى الباعث. لا جائز أن يقال بالاول لما سبق (2) ولا جائز أن يقال بالثاني، لان القول بكون الحكم داعيا وباعثا على الحكم محال خارق للاجماع.


1 - عليه - الصواب علة للدائر. 2 - لما سبق، يعني لما تقدم اول المسألة الثانية من الادلة على انها بمعنى الباعث. (*)

[ 211 ]

ولقائل أن يقول: أما الحجة الاولى، فلا نسلم امتناع التقدم. قولهم: يلزم منه نقض العلة - ليس كذلك، فإن الحكم لم يكن علة لنفسه وذاته، بل إنما يصير علة باعتبار الشرع له بقران الحكم الآخر به، وذلك كما في تعليل تحريم شرب الخمر بالشدة المطربة، فإن الشدة المطربة، وإن كانت متقدمة على التحريم، فلا يقال إنها علة قبل اعتبارها من الشرع بقران التحريم بها، فلا تكون منتقضة بتخلف التحريم عنها قبل ورود الشرع. وإن سلمنا امتناع التقدم فما المانع أن يكون مقارنا ؟ قولهم: ليس جعل أحد المقترنين علة للآخر أولى من العكس ليس كذلك، فإن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا كان أحد الحكمين مناسبا للحكم الآخر من غير عكس، وإلا فمع قطع النظر عن جهة البعث في أحد الحكمين، فلا يكون علة. وما ذكروه من الترجيح، فهو لازم عليهم في التعليل بالاوصاف الحقيقة، وما هو جواب ثم، فهو الجواب فيما نحن فيه. وأما الحجة الثانية، فالمختار من قسميها أنه علة بمعنى الباعث. قولهم: إنه ممتنع، خارق للاجماع، دعوى مجردة، لا دليل عليها. وعند هذا، فنقول: المختار أنه يجوز أن يكون الحكم علة للحكم، بمعنى الامارة المعرفة لكن لا في أصل القياس، بل في غيره، فقد حرمت كذا فإنه لا يمتنع أن يقول الشارع: مهما رأيتم أنني حرمت كذا، فقد حرمت كذا، ومهما أبحت كذا كما لو قال: مهما زالت الشمس فصلوا، ومهما طلع هلال رمضان فصوموا. وأما في أصل القياس فقد بينا أنه لا يجوز أن تكون العلة فيه بمعنى الامارة المعرفة، بل بمعنى الباعث، فإذا كان الحكم علة لحكم أصل القياس، فلا بد وأن يكون باعثا عليه. وعلى هذا، فحكم الاصل إما أن يكون حكما تكليفيا أو ثابتا بخطاب الوضع والاخبار.

[ 212 ]

فإن كان ثابتا بخطاب التكليف، امتنع أن يكون الحكم الشرعي علة له، لانه غير مقدور للمكلف لا في إيجاده، ولا في إعدامه، فلا يصلح أن يكون علة له لما ذكرناه في امتناع التعليل بالوصف العدمي، وبما ذكرناه أيضا يمتنع تعليله بالوصف العرفي والتقديري والوصف الوجودي الذي لا قدرة للمكلف على تحصله، كالشدة المطربة والطعم والنقدية والصغر ونحوه. وأما إن كان حكم الاصل ثابتا بخطاب الوضع والاخبار، فلا بد وأن يكون الحكم المعلل به باعثا على حكم الاصل إما لدفع مفسدة لزمت من شرع الحكم. المعلل به، واما لتحصيل مصلحة تلزم منه: فإن كان الاول، فيمتنع أن يكون الحكم علة، لان المفسدة اللازمة من الحكم المعلل به كانت مطلوبة الانتفاء بشرع حكم الاصل، لما شرع الحكم المعلل به، لما يلزم من شرعه من وجوه مفسدة مطلوبة الانتفاء للشارع: وإن كان الثاني، فلا يمتنع تعليل الحكم بالحكم، فإنه لا يمتنع أن يكون ترتيب أحد الحكمين على الآخر يستلزم حصول مصلحة لا يستقل بها أحدهما، فقد ينحل من هذه الجملة أن إطلاق القول بامتناع التعليل بالحكم الشرعي وجوازه ممتنع، بل لا بد من النظر إلى ما ذكرناه، لما ذكرناه من التفصيل. المسألة السادسة اشترط قوم أن تكون العلة ذات وصف واحد، لا تركيب فيه، كتعليل تحريم الخمر بالاسكار ونحوه. ومنع من ذلك الاكثرون، وهو المختار وذلك كتعليل وجوب القصاص بالمحدد بالقتل العمد العدوان. ودليله أنه لا يمتنع أن تكون الهيئة الاجتماعية من الاوصاف المتعددة مما يقوم الدليل على ظن التعليل بها إما بمناسبة أو شبه، أو سبر وتقسيم، أو غير ذلك من طرق الاستنباط والتخريج مع اقتران الحكم بها حسب دلالته على علية الوصف الواحد، وكان علة. فإن قيل: ما ذكرتموه، وإن دل على جواز التعليل بعلة ذات أوصاف، غير أنه معارض بما يدل على امتناعه.

[ 213 ]

وبيانه من أربعة أوجه: المعارضة الاولى: أن مجموع الاوصاف إذا كان علة للحكم، فالعلية صفة زائدة على مجموع تلك الاوصاف. ودليله أمران: الاول أنا نعقل الهيئة الاجتماعية من الاوصاف، ونجهل كونها علة والمعلوم غير المجهول. الثاني أنه يحسن أن يقال: الهيئة الاجتماعية من الاوصاف علة، فنصفها بها، والصفة يجب أن تكون غير الموصوف. وعند ذلك فإما أن تكون صفة العلية بتمامها قائمة بكل واحد من الاوصاف، أو بواحد منها، أو أنها مع اتحادها قائمة بالمجموع، كل بعض منها قائم بوصف: لا جائز أن يقال بالاول، وإلا كان كل وصف علة مستقلة، لان العلة مجموع الاوصاف، وهو خلاف الفرض. كيف وإن ذلك محال كما يأتي. وإن قيل بالثاني: فالعلة ذلك الوصف الذي قامت به صفة العلية، لا مجموع الاوصاف، وهو أيضا خلاف الفرض. ولا جائز أن يقال بالثالث، لان صفة العلية متحدة، فيلزم من ذلك تعدد المتحد لقيامه بالمتعدد، أو اتحاد المتعدد، وهو محال. المعارضة الثانية أنه لو كانت العلية صفة لاوصاف متعددة، فهي متوقفة على كل واحد من تلك الاوصاف، ويلزم من ذلك أن يكون عدم كل وصف منها علة مستقلة لعدم صفة العلية ضرورة انتفائها عند عدمه، وذلك محال لوجهين: الاول أنه إذا انتفت جميع الاوصاف، فإما أن يكون عدم كل وصف علة مستقلة لعدم العلية أو البعض دون البعض، أو أنه لا واحد منها مستقل بل المستقل الجميع. لا جائز أن يقال بالاول، لان معنى استقلال عدم كل واحد من الاوصاف بعدم العلية، لا معنى له سوى أنه المفيد لذلك دون غيره، ويلزم من ذلك امتناع استقلال كل واحد منها. ولا جائز أن يقال بالثاني لانه لا أولوية لاختصاص البعض بذلك دون البعض.

[ 214 ]

ولا جائز أن يقال بالثالث لما فيه من إخراج كل واحد من تلك الاوصاف عن الاستقلال بالعلية، وقد قيل إنه مستقل. الوجه الثاني: أنه إذا كان عدم كل وصف منها يستقل عند انفراده بعدم العلية، فبتقدير انتفاء العلية عند انتفاء بعض الاوصاف، يلزم منه أنه إذا انتفى بعد ذلك وصف آخر من تلك الاوصاف أن لا يكون موجبا لعدم العلية لكونها معدومة ويلزم من ذلك نقض العلة العقلية، وهو محال. المعارضة الثالثة أنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد من تلك الاوصاف مناسبا للحكم، أو لا واحد منها مناسب له، أو المناسب البعض دون البعض. فإن كان الاول، فيلزم من مناسبة كل واحد للحكم مع اقتران الحكم به أن يكون مستقلا بالتعليل، وعند ذلك، فالحكم إما أن يضاف إلى كل واحد على سبيل الاستقلال، أو إلى البعض دون البعض، أو إلى الجملة، والكل محال لما تقدم في المعارضة السابقة. وإن كان الثاني فضم ما لا يصلح للتعليل إلى ما يصلح له لا يكون مفيدا للتعليل. وإن كان الثالث: فذلك هو العلة المستقلة لمناسبته وقران الحكم به، ولا مدخل لغيره في التعليل. المعارضة الرابعة: أن كل واحد من الاوصاف إذا لم يكن علة عند انفراده، فعند انضمامه، إن تجددت صفة العلية له، فلا بد من تجدد أمر يقتضي العلية. وذلك الامر المتجدد لا بد له من علة متجددة توجبه: والكلام في ذلك المتجدد كالكلام في الاول، وهو تسلسل ممتنع. الجواب عن المعارضة الاولى من ثلاثة أوجه: الاول: أنه لا معنى لكون مجموع الاوصاف علة سوى أن الشارع قضى بالحكم رعاية لما اشتملت عليه الاوصاف من الحكمة. وليس ذلك صفة لها فلا يلزم ما ذكروه، الا ان هذا يناقض ما ذكر من الوجه الاول في امتناع التعليل بالعدم الثاني الثاني: أنه إن كانت العلية صفة للاوصاف غير انه يمتنع ان تكون صفة وجودية وبيانه من وجهين:

[ 215 ]

الاول: أنها لو كانت صفة وجودية، لكانت عرضا، والصفات المعلل بها أعراض، والعرض لا يقوم بالعرض كما بيناه في أبكار الافكار وغيره. الثاني: أنها صفة إضافية وقد بينا فيما تقدم أن المفهوم من الصفة الاضافية غير وجودي، وما ذكروه من المحال، إنما يلزم بتقدير كونها صفة وجودية، وليس كذلك غير أن هذين الجوابين يناقضان ما ذكر من الوجه الاول في امتناع التعليل بالعدم. الثالث: أن ما ذكروه منتقض بكون القول المخصوص خبرا أو استخبارا أو وعدا أو وعيدا أو غير ذلك، مع تعدد ألفاظه وحروفه، فإن كل ما ذكروه من الاقسام بعينه متحقق فيه. ومع ذلك، لم يمتنع وصفه بما وصف به. فما هو الجواب ها هنا يكون جوابا في محل النزاع. وعن الثانية: أنها مبنية على كون عدم الاوصاف علة لعدم العلية. وليس كذلك لوجهين: الاول: أن العدم لا يصلح أن يكون علة لما تقدم. الثاني: أن وجود كل واحد من الاوصاف شرط في تحقق العلية، فانتفاء العلية عند انتفاء بعض الاوصاف أو كلها إنما هو لانتفاء الشرط لا لعلة علم العلية. وعن الثالثة: أنه وإن لم يكن كل واحد من الاوصاف مناسبا للحكم مناسبة استقلال فلا يمتنع أن تكون مناسبة الاستقلال ناشئة أو ملازمة للهيئة الاجتماعية من الاوصاف، كما في القتل العمد العدوان بالنسبة إلى وجوب القصاص ونحوه. وعن الرابعة: أن المتجدد والمستلزم للعلية إنما هو الانضمام الحادث بالفاعل المختار، فلا تسلسل ثم يلزم على ما ذكروه تجدد الهيئة الاجتماعية من الاوصاف المتعددة، فإنها غير متحققة في كل واحد واحد من الاوصاف مع لزوم ما ذكروه. فما هو الجواب عن تجدد الهيئة الاجتماعية يكون جوابا عن تجدد صفة العلية.

[ 216 ]

المسألة السابعة اتفق الكل على أن تعدية العلة شرط في صحة القياس وعلى صحة العلة القاصرة كانت منصوصة أو مجمعا عليها. وإنما اختلفوا في صحة العلة القاصرة إذا لم تكن منصوصة ولا مجمعا عليها. وذلك كتعليل أصحاب الشافعي حرمة الربا في النقدين بجوهرية الثمينة. فذهب الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل والقاضي أبو بكر والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى صحتها وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأبو عبد الله البصري والكرخي إلى إبطالها. والمختار صحتها. وقد احتج القائلون بذلك بمسالك: المسلك الاول أنهم قالوا: تعدية العلة إلى الفرع موقوف على صحتها في نفسها فلو كانت صحتها متوقفة على تعديتها كان دورا ممتنعا. ولقائل أن يقول إن أردتم بالتعدية الموقوفة على صحة العلة ثبوت الحكم بها في الفرع، فهو مسلم وإن أردتم بالتعدية الموقوفة على صحة العلة وجودها في الفرع لاغير، فهو غير مسلم. وعلى هذا فنحن لا نقول بان التعدية بالاعتبار الاول شرط في صحة العلة ليكون دورا، وإنما نقول بأن شرط صحة العلة التعدية بالاعتبار الثاني، وهو غير مفض إلى الدور، فإن صحة العلة، وإن كانت مشروطة بوجودها في غير محل النص، فوجودها غير متوقف على صحتها في نفسها، فلا دور، وإن سلمنا توقف التعدية على الصحة وتوقف الصحة على التعدية، فإنما يلزم الدوران لو كان ذلك التوقف مشروطا بتقدم كل واحد من الامرين على الاخر وأما إذا كان ذلك بجهة المعية كما في توقف كل واحد من المضافين على الآخر فلا دور. المسلك الثاني أنهم قالوا إذا دار الحكم مع الوصف القاصر وجودا وعدما دل على كونه علة كالمتعدي، وهو غير صحيح لما سنبينه من إبطال التمسك بالدوران.

[ 217 ]

المسلك الثالث: أنهم قالوا إذا جاز أن تكون علة عند دلالة النص عليها جاز أن تكون علة بالاستنباط، وهو غير صحيح أيضا. وذلك لان عليتها عند دلالة النص مستفادة من النص، ودلالة النص عليها غير متحققة حالة استنباطها، فلا يلزم أن تكون علة. فإن قيل: إذا دل النص على علية الوصوف القاصر، وجب الحكم بعلية المستنبط لما بينهما من الاشتراك في الحكمة قلنا: هذا قياس في الاسباب، وسيأتي إبطاله. والمعتمد في ذلك أن يقال إذا كان الوصف القاصر مناسبا للحكم، والحكم ثابت على وفقه، غلب على الظن كونه علة للحكم بمعنى كونه باعثا عليه، ولا معنى لصحة العلة سوى ذلك. فإن قيل القضاء بصحة العلة يستدعي فائدة، فإن ما لا فائدة فيه لا يمكن القضاء بصحته، وفائدة العلة إنما هي في إثبات الحكم بها، والعلة القاصرة غير مثبتة للحكم في الاصل لكونه ثابتا بالنص أو الاجماع، ولانها مستنبطة منه، فتكون فرعا عليه فلو كانت مثبتة له، لكان فرعا عليها، وهو دور، ولا هي مثبتة للحكم في الفرع لعدم تعديتها. فقد تعرت عن الفائدة بالكلية، فلا تكون صحيحة. قلنا: وإن سلمنا امتناع إثبات الحكم بالعلية القاصرة، وأن إثبات الحكم بها فائدة لها، ولكن لا نسلم انحصار فائدتها في ذلك، بل لها ثلاث فوائد أخر. الاولى معرفة كونها باعثة على الحكم بما اشتملت عليه من المناسبة أو الشبه وإذا كانت باعثة على الحكم، كان الحكم معقول المعنى، وكان أدعى إلى الانقياد وأسرع في القبول له مما لم يظهر فيه الباعث، وكان تعبدا، وإذا كان كذلك، كان أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع من شرع الحكم، فكان التعليل بها مفيدا. الثانية: أن العلة إذا كانت قاصرة، فبتقدير ظهور وصف آخر متعد في محلها يمتنع تعدية الحكم به دون ترجيحه على العلة القاصرة، وذلك من أجل الفوائد. الثالثة: أنه إذا كانت القاصرة علة، وعرفناها، فقد امتنع بسببها تعدية الحكم إلى الفرع، وذلك أيضا من أتم الفوائد.

[ 218 ]

فإن قيل: وإن كان ما ذكرتموه من جملة الفوائد، وأن ذلك مما يغلب على الظن الصحة، غير أن العمل بالظن على خلاف قوله تعالى: * (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * وحيث خالفناه في العلة المتعدية لاشتمالها على ما ذكرتموه من الفوائد وزيادة فائدة التعدية، فلا يلزم منه المخالفة فيها (1) دون ذلك. قلنا: يجب حمل الآية على ما المطلوب فيه القطع، جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل. سلمنا أنه لا فائدة في العلة القاصرة، ولكن لا يلزم من ذلك امتناع القضاء بصحتها بدليل ما لو كانت منصوصة. المسألة الثامنة اختلفوا في جواز تخصيص العلة المستنبطة: فجوزه أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل ومنع من ذلك أكثر أصحاب الشافعي. وقد قيل إنه منقول عن الشافعي.


1 - فيها - فيه تحريف والصواب فيما - بالميم. 2 - ذكر في روضة الناظر أن أبا حفص البرمكي حكى وجهين في اشتراط الاطراد لصحة العلة، الاول أن الاطراد - وهو ان يوجد الحكم كلما وجدت العلة - شرط صحتها، فمتى تخلف الحكم عنها استدللنا على انها ليست بعلة ان كانت مستنبطة، وعلى أنها بعض العلة ان كانت منصوصا عليها، ونصره القاضي أبو يعلى وبه قال بعض الشافعية - ويسمى تخلف الحكم عن العلة نقضا. الثاني: أن الاطراد ليس بشرط في صحتها فتبقى حجة فيما عدا المحل المخصوص كالعموم إذا خص واختاره أبو الخطاب. الخ. وفي المنهاج للبيضاوي خمسة اقوال في المسألة - الجواز مطلقا، المنع مطلقا، الجواز في المنصوصة دون المستنبطة - الجواز في المستنبطة بمانع أو فوات شرط، الجواز في المستنبطة ولو بلا مانع أو فوات شرط دون المنصوصة فارجع إلى الكتابي‍ تجد ذلك مع الامثلة. (*)

[ 219 ]

ثم القائلون بجواز تخصيصها اتفقوا على جواز تخصيص العلة المنصوصة. واختلفوا: في جواز تخصيص المستنبطة إذا لم يوجد في محل التخلف مانع ولا فوات شرط، فمنع منه الاكثرون وجوزه الاقلون. والقائلون بالمنع في تخصيص العلة المستنبطة اختلفوا في جواز تخصيص العلة المنصوصة. والمختار إنما هو التفصيل، وهو أن يقال: العلة الشرعية لا تخلو إما أن تكون قطعية أو ظنية: فإن كانت قطعية، فتخلف الحكم عنها لا يخلو إما أن يكون لا بدليل أو بدليل. لا جائز أن يقال بالاول، لانه محال. وان كان الثاني: فالدليل اما ظني أو قطعي، والظني لا يعارض القطعي، ئتعارض قاطعين ايضا محال، الا ان يكون احدهما ناسخا للآخر وإن كانت ظنية، فتخلف الحكم عنها إما في معرض الاستثناء أولا في معرض الاستثناء: فإن كان الاول كتخلف إيجاب المثل في لبن المصراة عن العلة الموجبة له وهي تماثل الاجزاء، بالعدول إلى إيجاب صاع من التمر، وتخلف وجوب الغرامة عمن صدرت عنه الجناية في باب ضرب الدية على العاقلة، وتخلف حكم الربا مع وجود الطعم في العرايا ونحوه، فذلك مما لا يدل على بطلان العلة، بل تبقي حجة فيما وراء صورة الاستثناء، وسواء كانت العلة المخصوصة منصوصة أو مستنبطة، وذلك لان الدليل من النص أو الاستنباط قد دل على كونها علة، وتخلف الحكم حيث ورد بطريق الاستثناء عن قاعدة القياس كان مقررا لصحة العلة لا ملغيا لها. وأما إن كان تخلف الحكم عنها لا بطريق الاستثناء فلا يخلو إما أن تكون العلة منصوصة أو مستنبطة: فإن كانت منصوصة فلا يخلو إما أن يمكن حمل النص على أن الوصف المنصوص عليه بعض العلة، وذلك

[ 220 ]

كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين مأخوذا (1) من قوله عليه السلام الوضوء مما خرج (2) فإنه إذا تخلف عنه الوضوء في الحجامة أمكن أخذ قيد الخارج من السبيلين في العلة، وتأويل النص بصرفه عن عموم الخارج النجس إلى الخارج من المخرج المعتاد أو حمله على تعليل حكم آخر غير الحكم المصرح به في النص، وذلك قوله (3) تعالى: * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) * (59) الحشر: 2) معللا بقوله تعالى * (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) * (59) الحشر: 4) فإن الحكم المعلل المصرح به إنما هو خراب البيت، وليس كل من شاق الله ورسوله يخرب بيته، فأمكن حمل الخراب على استحقاق الخراب، وجد الخراب أو لم يوجد. أو أنه لا يمكن ذلك، فإن أمكن تأويل النص بالحمل على معنى خاص أو حكم آخر خاص وجب التأويل لما فيه من الجمع بين دليل التعليل بتأويله، ودليل إبطال العلة المذكورة. وإن لم يمكن تأويله بغير الوصف المذكور والحكم المرتب عليه، فغايته امتناع إثبات حكم العلية، لما عارضها من النص النافي لحكمها و العلة المنصوصة في معنى النص وتخلف حكم النص عنه في صوره (4)، لما عارضه لا يوجب إبطال العمل به في غير صورة المعارضة، فكذلك العلة المنصوصة. و أما إن كانت العلة مستنبطة، فتخلف الحكم عنها إما أن يكون لمانع أو فوات شرط أو لا يكون. فإن كان الاول: وذلك كما في تعليل إيجاب القصاص على القاتل بالقتل العمد العدوان، وتخلف الحكم عنه في الاب والسيد بمانع الابوة والسيادة، فلا يكون


1 - كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين مأخوذا - الخ، فيه سقط وتقدير الكلام: كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين بالخارج النجس مأخوذا - وبالخارج الاول متعلق بانتقاض، والثاني متعلق بتعليل. وسيأتي للمؤلف مثل هذا في المسألة التاسعة عشرة من مسائل شروط العلة. 2 - رواه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس بلفظ (الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل) وفي اسناده الفضل بن المختار وشعبة مولى ابن عباس وكلاهما ضعيف - انظر تلخيص الحبير. 3 - وذلك قوله تعالى - الصواب وذلك كقوله. 4 - في صوره - الصواب في صورة. (*)

[ 221 ]

ذلك مبطلا للعلية فيما وراء صورة المخالفة، لان دليل الاستنباط قد دل على العلية بالمناسبة والاعتبار، وقد أمكن إحالة نفي الحكم على ما ظهر من المانع لا على إلغاء العلة فيجب الحمل عليه جمعا بين الدليل الدال على العلة والدليل الدال عل مانعية الوصف النافي للحكم، فإن الجمع بين الادلة أولى من إبطالها. ولا يخفى: أن القول بإبطال العلة بتخلف الحكم عنها مما يلزم منه إبطال الدليل الدال على العلة والدليل الدال على مانعية المانع، فكان القول بإحالة نفي الحكم على المانع أولى. فإن قيل: لا نسلم أن المناسبة وقران الحكم بها فقط دليل العلية، بل مع الاطراد، وإن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم إمكان تعليل انتفاء الحكم بالمانع لوجهين: الاول أن تعليل انتفاء الحكم بالمانع أو فوات الشرط في صورة التخلف يتوقف على وجود المقتضي للحكم فيها، فإنه لو لم يكن المقتضي للحكم موجودا فيها، لكان الحكم منتفيا لانتفاء المقتضي لا للمانع ولا لفوات الشرط، والقول بكون الوصف المذكور علة يتوقف في صورة التخلف على وجود المانع أو فوات الشرط، فإنا إذا لم نتبين وجود المانع ولا فوات الشرط، فالحكم يجب أن يكون منتفيا لانتفاء ما يقتضيه، وعند ذلك نتبين أن الوصف المذكور ليس بعلة، وإذا توقف كل واحد من المقتضي والمانع على الآخر، كان دورا ممتنعا وهذا الامتناع إنما لزم من التعليل بالمانع أو فوات الشرط في صورة التخلف، فكان ممتنعا. الوجه الثاني أن انتفاء الحكم في صورة التخلف كان متحققا قبل وجود المانع، وفي تعليله بالمانع تعليل المتقدم بالمتأخر وهو محال، وسواء كان المانع بمعنى الامارة أو الباعث. قلنا: جواب الاول أنا إذا رأينا الوصف مناسبا والحكم مقترنا به، غلب على الظن تأول النظر (1) إليه أنه علة مع قطع النظر عن البحث في جميع مجاري العلة، هل الحكم مقارن لها أو لا.


1 - تأول - الصواب بأول. (*)

[ 222 ]

وأما الاطراد فحاصله يرجع إلى السلامة عن النقص المعارض لدليل العلية وعدم المعارض عن داخل في دليل العلية وعن الدور من ثلاثة أوجه: الاول لا نسلم أن تعليل انتفاء الحكم بالمانع يستدعي وجود المقتضي. ودليله أنه يصح انتفاؤه بالمانع مع وجود المقتضي، ومع كون المقتضي معارضا للمانع، فلان يصح تعليل النفي به مع عدم المقتضي كان أولى (1). الثاني وإن سلمنا توقف التعليل بالمانع على وجود المقتضي، ولكن لا نسلم توقف وجود المقتضي على وجود المانع، فإن كون المقتضي مقتضيا إنما يعرف بدليله من المناسبة والاعتبار، أو غير ذلك من الطرق، وذلك متحقق فيما نحن فيه. فيجب القضاء بكونه مقتضيا. والمانع إنما هو من قبيل المعارض، فإن وجد انتفى الحكم المقتضي مع بقاء المقتضي بحاله مقتضيا، وإن لم يوجد، عمل المقتضي عمله. الثالث سلمنا توقف كل واحد منهما على الآخر، لكن توقف معية أو توقف تقدم: الاول مسلم، والثاني ممنوع. وعلى هذا، فلا دور. وعن قولهم: فيه تعليل المتقدم بالمتأخر أن المعلل نفيه بالمانع إنما هو انتفاء الحكم الذي صار بسبب وجود المقتضي بعرضية الثبوت عرضية لازمة لا مطلق حكم، وذلك مما لا يسلم تقدمه على المانع المفروض وأما إن لم يظهر في صورة التخلف مانع ولا فوات شرط، فالحق بطلان العلة، وذلك لان العلة المستنبطة إنما عرف كونها علة باعتبار الشارع لها بثبوت الحكم على وفقها، وذلك إن دل على اعتبارها. فتخلف الحكم عنها مع ظهور ما يكون مستندا لنفيه يدل على إلغائها، وليس أحد الدليلين أولى من الآخر، فيتقاومان ويبقى الوصف على ما كان قبل الاعتبار، ولم يكن قبل ذلك علة، فكذلك بعده. فإن قيل: مناسبة الوصف وقران الحكم به دليل ظاهر على كونه علة، وكذلك سائر طرق الاستنباط، وهذا الدليل قائم، وإن وجد النقص، وتخلف الحكم


1 - كان أولى - المناسب حذف كان وقد استعمل المؤلف هذا الاسلوب اكثر من مرة. (*)

[ 223 ]

عن الوصف، غايته أنه يوجب الشك في فساد العلة، وتقاوم احتمال انتفاء الحكم لانتفاء العلة، أو وجود المعارض على السواء، وإذا كان دليل العلة ظاهرا ودليل الفساد مشكوكا فيه، فالمشكوك فيه لا يقع في مقابلة الظاهر. ودليل وقوع الشك في فساد العلة في صورة النقض وتقاوم الاحتمال فيها، أنه يحتمل أن يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لمعارض، من وجود مانع أو فوات شرط، ويحتمل أنه لفساد العلة، وهما متقاومان. وبيان التقاوم أن احتمال الانتفاء لانتفاء العلة، وإن كان على وفق الاصل بالنسبة إلى احتمال انتفائه للمعارض، دفعا لمحذور المعارضة، غير أنه على خلاف الاصل بالنظر إلى إبطال العلة مع قيام الدليل الدال على كون الوصف علة، واحتمال انتفاء الحكم للمعارض وإن كان على خلاف الاصل لما فيه من نفي الحكم مع قيام دليله، غير أنه على وفق الاصل من جهة موافقة الدليل الدال على كون الوصف علة، فإذا احتمال انتفاء الحكم لانتفاء العلة موافق للاصل من وجه، ومخالف له من وجه، فيتقاوم الاحتمالان على السواء وذلك مما يوجب الشك في فساد العلة. والشك لا يعارض الظاهر بوجه. قلنا: إذا اعترف بالشك في دليل فساد العلة، فيلزم منه الشك في فساد العلة، ويلزم من الشك في فساد العلة انتفاء الظن بكونها علة، لان الصحة والفساد متقابلان، فمهما وقع الشك في أحد المتقابلين، وقع الشك في الآخر، وإن كان أحدهما ظاهرا، والآخر بعيدا، فالقول بوقوع الشك في أحد المتقابلين مع ظهور الآخر ممتنع، كما يمتنع الشك في الغيم مع ظن الصحو، والشك في موت زيد مع ظن حياته. وهذا بخلاف ما إذا شككنا في الطهارة، وحكمنا بالنجاسة، نظرا إلى النجاسة السابقة، فإن الشك في هذه الصور لا يجامع النظر إلى الاصل، بل عند النظر إلى الاصل يترجح أحد احتمالي الشك على الآخر، فلا يبقى الشك متحققا، حتى إنه لو وقع الشك في النجاسة أو الطهارة مع النظر إلى الاصل، لبقي الشك معمولا به. وهذا، بخلاف ما نحن فيه، فإن الشك انما وقع في فساد العلة في صورة النقض مع النظر إلى دليل العلة، ولولا النظر إلى دليل العلة، لكان الظاهر انتفاء الحكم لا انتفاء العلة. ومهما كان كذلك، فلا يمكن القضاء بظهور العلة، مع أن تقاوم الاحتمال إنما كان بالنظر إلى دليل العلة.

[ 224 ]

كيف وإنه قد يمكن أن يقال: انتفاء الحكم مع وجود الوصف دليل ظاهر على أنه ليس بعلة، وثبوت الحكم على وفقه مع مناسبته، مما يوجب الشك في صحة التعليل به في محل الاعتبار والمشكوك فيه لا يعارض الظاهر، وبيان وقوع الشك في صحة التعليل في الاصل المستروح إليه أنه وإن كان ثبوت الحكم به على وفق الاصل غير أنه على خلاف الاصل بالنظر إلى دليل الفساد. وثبوت الحكم لغيره، وإن كان على خلاف الاصل مع عدم الظفر به إلا أنه على وفق الاصل بالنظر إلى دليل الفساد ويلزم من ذلك تقاوم الاحتمالات في صحة العلة. وكان الظاهر قد دل على فسادها، فلا يترك بالمشكوك فيه. فإن قيل: ما ذكرتموه من دلائل عدم الانتقاض في الصور المذكورة معارض من ثمانية أوجه: (1) الاول وهو اختيار أبي الحسين البصري، أن تخصيص العلة مما يمنع من كونها أمارة على الحكم في شئ من الفروع، سواء ظن بها أنها جهة للمصلحة، أو لم يظن بها ذلك. وبيان ذلك أنا إذا علمنا أن علة تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلا هي كونه موزونا، ثم علمنا إباحة بيع الرصاص بالرصاص متفاضلا مع أنه موزون، لم يخل إما أن يعلم ذلك بعلة أخرى تقتضي إباحته، أو بنص فإن علمنا إباحته بعلة أخرى يقايس بها الرصاص على أصل مباح لكونه أبيض مثلا، فإنا عند ذلك لا نعلم تحريم بيع الحديد بالحديد متفاضلا إلا بكونه موزونا غير أبيض، فإنا لو شككنا في كونه أبيض لم نعلم قبح بيعه متفاضلا كما لو شككنا في كونه موزونا، فبان أنا لا نعلم بعد التخصيص تحريم شئ لكونه موزونا فقط، فبطل أن يكون الموزون


1 - هذه معارضات ممن يقول بمنع تخصيص العلة مطلقا لادلة من يقولون بجواز تخصيصها في الصورة الآتية - العلة القطعية مطلقا، والظنية في معرض الاستثناء، والمنصوصة الظنية في غير الاستثناء والمستنبطة إذا كان لها معارض من مانع أو فقد شرط. (*)

[ 225 ]

وحده علة، بل الموزون مع كونه غير أبيض. وعلى هذا، يكون الكلام فيما إذا دل على إباحة بيع الرصاص نص، وسواء علمت علة الاباحة أو لم تعلم. الثاني قال بعض أصحابنا: اقتضاء العلة للحكم إما أن يعتبر فيه انتفاء المعارض، أو لا يعتبر: فإن اعتبر لم تكن العلة علة الا عند انتفاء المعارض، وذلك يقتضي أن الحاصل قبل انتفاء المعارض ليس هو تمام العلة، بل بعضها. وإن لم يعتبر، فسواء حصل المعارض أو لم يحصل يكون الحكم حاصلا، وذلك يقدح في كون المعارض معارضا. الثالث: أنه لابد وأن يكون بين كون المقتضي مقتضيا اقتضاء حقيقيا بالفعل وبين كون المانع مانعا حقيقيا بالفعل منافاة بالذات، وشرط طريان أحد المتنافيين بالذات انتفاء الاول وليس انتفاء الاول لطريان اللاحق، وإلا لزم الدور وحيث كان شرط كون المانع مانعا خروج المقتضي عن كونه مقتضيا بالفعل لم يجز أن يكون خروجه عن كونه مقتضيا بالفعل لاجل تحقق والا لزم الدور فإذا المقتضي إنما خرج عن كونه مقتضيا لا بالمانع، بل بذاته، وقد انعقد الاجماع على أن ما يكون كذلك لا يصلح للعلية. الرابع أن الوصف وإن وجد مع الحكم في الاصل، فقد وجد مع الحكم في صورة النقض مع عدم الحكم. ووجوده مع الحكم لا يقتضي القطع بكونه علة لذلك الحكم ووجوده مع عدم الحكم في صورة النقض يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم في تلك الصورة. والوصف الحاصل في الفرع، كما إنه مثل الوصف الحاصل في الاصل، فهو مثل الوصف الحاصل في صورة النقض، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فلم يجز الحكم عليه بكونه علة. الخامس قالوا: لا طريق إلى صحة العلة الشرعية سوى جريانها مع معلولها، فإذا لم تجر معه، لم يكن إلى صحتها طريق. السادس قالوا: العلة الشرعية إذا دل الدليل على تعلق الحكم بها، امتنع تخصيصها، كالعلة العقلية.

[ 226 ]

السابع قالوا: العلة في القياس طريق إلى إثبات الحكم في الفرع، فإذا وجدت العلة في فرعين، امتنع أن تكون طريقا إلى العلم بحكم أحدهما دون الآخر، كما في الادراكات والادلة العقلية. الثامن قالوا: لو جاز وجود العلة الشرعية في فروع يثبت الحكم معها في البعض دون البعض لم يكن البعض بالاثبات أولى من البعض الآخر. وما ذكرتموه من دليل الانتقاض في الصورة الاخيرة معارض من أربعة أوجه: (1) الاول إجماع الصحابة على ذلك. ودليله ما روي عن ابن مسعود أنه كان يقول هذا حكم معدول به عن سنن القياس (2) واشتهر ذلك فيما بين الصحابة من غير نكير، فصار إجماعا. الثاني: أن العلة الشرعية أمارة على الحكم في الفرع، ووجودها في موضع من غير حكم لا يخرجها عن كونها أمارة، فإنه ليس من شرط كون الامارة أمارة على شئ أن يكون ذلك الشئ ملازما لها دائما بدليل وجود جميع الامارات الشرعية على إثبات الاحكام، وإن لم تكن الاحكام ملازمة لها قبل ورود الشرع وبدليل الغيم الرطب، فإنه أمارة على وجود المطر، وإن لم يكن المطر ملازما له ولذلك، فإن وقوف مركوب القاضي على باب الملك أمارة على كونه في دار الملك ولا يخرج في ذلك أمارة، لوجوده (3) في بعض الاوقات والقاضي غير موجود


1 - الصورة الاخيرة هي ما إذا كانت العلة مستنبطة وتخلف الحكم عنها على غير طريق الاستثناء، وبدون معارض لها من وجود مانع أو فقد شرط، وقد اختار الآمدي بطلان العلة بتخلف حكمها عنها في في هذه الصورة، واستدل على ذلك بما تقدم، فعارضه من يقول بجواز تخصيص العلة مطلقا باربعة أوجه ذكرها الآمدي وأجاب عنها 2 - هذا حكم معدول به عن سنن القياس لم أجد هذه الكلمة عن ابن مسعود وليست مما يشبه لغة عند الصحابة - لكنها شبيهة بلغة علماء الفقه وأصوله في نقاشهم وجدالهم عند الاستدلال واشتداد الخلاف بينهم ومع ذلك فقد ذكر ابن تيمية في ص 504 وما بعدها من ج 20 كثيرا من المسائل التي ادعى فيها علماء الفقه واصوله انهما على خلاف القياس وبين انها لم تخرج عن قاعدة القياس فارجع إليه. 3 - لوجوده - في العبارة تحريف والصواب بوجوده - والباء سببية، وجملة = (*)

[ 227 ]

في دار الملك، بأن يكون مركوبه مستعارا، وكذلك خبر الواحد فإنه أمارة على وجود الحكم، وتخلف حكمه عند وجود النص الراجح المخالف له لا يخرجه عن كونه أمارة، عليه عند عدم ذلك النص. الثالث أن العلة المستنبطة أمارة، فجاز تخصيصها كالمنصوصة. الرابع أن كون الوصف أمارة على الحكم في محل إما أن يتوقف على كونه إمارة على ذلك الحكم في محل آخر، أو لا يتوقف: فإن توقف فإما أن لا يتعاكس الحال في ذلك، أو يتعاكس (2): الاول محال، لما فيه من الدور. والثاني أيضا محال لعدم الاولوية. ولم يتوقف فهو المطلوب. والجواب عن المعارضة الاولى من المعارضات الدالة على امتناع التخصيص: أنا، وإن سلمنا أن علة القياس أمارة على حكم الفرع معرفة له، وأنه إذا تخلف الحكم عنها في صورة أخرى للمعارض لا يمكن إثبات الحكم بها في فرع من الفروع دون العلم بانتفاء ذلك المعارض لها المتفق عليه، ولكن لا يلزم أن يكون انتفاء ذلك لمعارض من جملة المعرف للحكم، بل المعرف للحكم إنما هو ما كان باعثا عليه في الاصل، وانتفاء المعارض انما توقف إثبات حكم الامارة عليه ضرورة أن الحكم لا يثبت مع تحقق المعارض النافي له، فكان نفيه شرطا في إثبات حكم الامارة لا أنه داخل في مفهوم الامارة. وعن الثانية أنه، وإن سلم أن اقتضاء العلة للحكم لا يتوقف على عدم المعارض، فما المانع منه ؟ قولهم إنه يكون الحكم حاصلا. وإن حصل المعارض، لا نسلم ذلك، فإن العلة، وان كانت مقتضية للحكم فإنما يلزم وجود الحكم، أن لو انتفى المعارض الراجح أو المساوي.


= (والقاضي غير موجود في دار الملك) حالية. 1 - اي عند عدم ذلك النص الراجح المعارض لخبر الواحد. 2 - فاما ان لا يتعاكس الحال في ذلك أو يتعاكس هكذا في المخطوطة والنسخ المطبوعة وفي جميعها تحريف، والصواب فاما أن يتعاكس الحال في ذلك أولا يتعاكس. وبذلك يتفق مع تعليل رد الاول بما فيه من الدور، ورد الثاني بعدم الاولوية. (*)

[ 228 ]

وعلى هذا فلا يلزم من النفى القدح في المعارض ولا في العلة. وعن الثالثة لا نسلم المنافاة بين اقتضاء المقتضي واقتضاء المانع، ولا استحالة الجمع بينهما، وإن استحال الجمع بين حكميهما. وعلى هذا، فلا يلزم من تحقق المانع خروج المقتضي عن جهة اقتضائه، لا بذاته، ولا بغيره، بخلاف المتنافيات بالذات. وعن الرابعة أنه، وإن كان وجود الوصف مع الحكم في الاصل لا يوجب القطع بكونه علة، لكنه يغلب على الظن كونه علة، ووجوده مع عدم الحكم في صورة النقض، لا نسلم أنه يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم، بل الظن بالعلية باق بحاله، وانتفاء الحكم إنما كان لوجود المعارض النافي للحكم على ما هو معلوم من قاعدة القائلين بتخصيص العلة. وعن الخامسة: لا نسلم أن اطراد العلة طريق إلى صحتها، كما يأتي مفصلا من كونه (1) لا طريق سواه وعن السادسة: لا نسلم أن العلة العقلية يمتنع تخلف الحكم عنها، بل ذلك جائز عند فوات القابل لحكمها، كما بيناه في الكلاميات. وإن سلمنا امتناع تخلف حكمها عنها، فليس ذلك لدلالة الدليل على تعلق الحكم بها، ولا لكونها علة، بل إنما كان ذلك بكونها مقتضية للحكم لذاتها، وذلك غير متحقق في العلة الشرعية فإنها ليست مقتضية للحكم لذاتها وإنما هي علة بوضع الشارع لها أمارة على الحكم في الفرع. وعن السابعة: أنه ليست العلة في امتناع الافتراق في الدليل العقلي المتعلق بمدلولين، وامتناع الافتراق في الادراك المتعلق بمدركين، كونه طريقا لا دليلا بل لكون الدليل العقلي موجبا لذاته، ولكون الادارك مما يجب العلم بالمدرك عنده عادة (2) بخلاف العلل الشرعية، على ما سبق.


1 - مفصلا من كونه - هكذا في المطبوعة والمخطوطة والصواب فصلا عن كونه الخ 2 - جرى في التعبير بلفظ عنده على طريقة الاشعرية فانهم يقولون المسببات توجد عند وجود الاسباب لا بها والنتائج توجد عند وجود الادلة بها، ومذهب اهل السنة والجماعة انها توجد بها لكن لا بذاتها بل بجعل الله لها اسبابا لمسبباتها ودلائل على نتائجها. (*)

[ 229 ]

وعن الثامنة: أنه إنما اختص البعض بتخلف الحكم دون البعض، لاختصاصه بمعارض لا تحقق له فيما كان الحكم ثابتا فيه. وعن المعارضة الاولى: من المعارضات الدالة على التخصيص أنه لا دلالة لقول ابن مسعود على أن القياس الذي كان الحكم ثابتا على خلافه أنه حجة، فالاجماع على ذلك لا يكون مفيدا. وإن كان حجة، لكن يمكن حمله على ما إذا كان تخلف الحكم عنه بطريق الاستثناء. ويجب الحمل عليه، جمعا بين الادلة. وعن الثانية: لا نسلم أن تخلف الحكم عن الامارة من غير معارض لا يخرجها عن كونها أمارة، وذلك، لانه إما أن يكون كل ما توقف عليه التعريف في صورة كانت الامارة أمارة فيه قد تحقق في صورة تخلف الحكم أو لم يتحقق. فإن كان الاول: فتخلف الحكم عنه ممتنع. وإن كان الثاني: فالموجود في صورة التخلف ليس هو الامارة التي توقف عليها التعريف، بل البعض منها. وعلى هذا، يكون تخريج كل ما ذكروه من الصور (1). وعن الثالثة: بمنع كون المستنبطة مع تخلف الحكم عنها من غير معارض أمارة. وعلى هذا، فلم يوجد الجامع بين الاصل والفرع. وإن دلوا على كونها أمارة مع التخصيص بطريق آخر، فهو كاف في المطلوب، وخروج عن خصوص هذه الدلالة. وعن الرابعة: أن المختار مما ذكروه من الاقسام قسم التوقف من الطرفين. قولهم: إن ذلك يفضي إلى الدور - إنما يلزم إن لو توقف كون الامارة في كل واحدة من الصورتين على كونها أمارة في الصورة الاخرى توقف تقدم أما إذا كان ذلك بطريق المعية فلا، كما عرف ذلك فيما تقدم والله أعلم.


1 - يعني صور الاستدلال بالغيم الرطب على المطر بوجود مركوب القاضي في مكان على وجوده فيه. والاستدلال بخبر الواحد عند عدم المعارض وان تخلف مع وجود المعارض الراجح. (*)

[ 230 ]

المسألة التاسعة اختلفوا في الكسر: وهو تخلف الحكم المعلل عن معنى العلة وهو الحكمة المقصودة من الحكم، هل هو مبطل للعلة أو لا ؟ وصورته: ما لو قال الحنفي في مسألة العاصي بسفره مسافر، فوجب أن يترخص في سفره كغير العاصي في سفره وبين مسافة السفر، بما فيه من المشقة. فقال المعترض: ما ذكرته من الحكمة، وهي المشقة، منتقضة،، فإنها موجودة في حق الحمال وأرباب الصنائع الشاقة في الحضر، ومع ذلك فإنه لا رخصة. والاكثرون على أن ذلك غير مبطل للعلة. والوجه فيه أن الكلام إنما هو مفروض في الحكمة التي ليست منطبطة بنفسها بل بضابطها وعند ذلك فلا يخفى أن مقدارها مما لا ينضبط، بل هو مختلف باختلاف الاشخاص والازمان والاحوال وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعا للعسر عن الناس والتخبط في الاحكام، على ما قال تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وعلى هذا، فيمتنع التعليل بها دون ضابطها. وإذا لم تكن علة، فلا معنى لايراد النقض عليها. فإن قيل: المقصود من شرع الحكم إنما هو الحكمة دون ضابطها، وعند ذلك فيحتمل أن يكون مقدار الحكمة في صورة النقض مساويا لمقدارها في صورة التعليل، ويحتمل أن يكون أزيد، ويحتمل أن يكون أنقص. وعلى تقدير المساواة والزيادة، فقد وجد في صورة النقص ما كان موجودا في صورة التعليل، وإنما لا يكون موجودا بتقدير أن يكون أنقض. ولا يخفى أن ما يتم على تقديرين أغلب على الظن مما لا يتم إلا على تقدير واحد. ومع ذلك، فيظهر إلغاء ما ظن أن الحكم معلل به. قلنا: الحكمة، وإن كانت هي المقصودة من شرع الحكم، لكن على وجه تكون مضبوطة إما بنفسها، أو بضابطها، لما ذكرناه. وما فرض من الحكمة في صورة النقض مجردة عن ضابطها، فامتنع كونها مقصودة، وبتقدير كونها

[ 231 ]

مقصودة، فالنقض إنما هو من قبيل المعارض لدليل كونها معللا بها. وعلى هذا فانتفاء الحكم، مع وجود الحكمة، في دلالته على إبطال التعليل بالحكمة مرجوح بالنظر إلى دليل التعليل بها، وذلك لانه من المحتمل أن يكون انتفاء الحكم في صورة النقص لمعارض. ومع هذا الاحتمال، فتخلف الحكم عنها لا يدل على إبطالها. فإن قيل: بحثنا وسبرنا فلم نطلع على ما يصلح معارضا في صورة النقص (1)، فيظهر أن انتفاءه لانتفاء العلة، فهو معارض بقول المستدل، بحثت في محل التعليل فلم أطلع على ما يصلح للتعليل سوى ما ذكرته فدل على التعليل به فإن قيل: بحثنا راجح، لما فيه من موافقة انتفاء الحكم لانتفاء علته إذ هو الاصل، نفيا للتعارض، فهو معارض بما بحث المستدل من موافقة ما ظهر من دليل العلة من المناسبة والاعتبار، فيتقاومان، ويترجح كلام المستدل بأن مقدار الحكمة في صورة التعليل، وإن كان مظنون الوجود في صورة النقض، فيحتمل أن لا يكون موجودا فيها، وإلا كان مقطوعا، لا مظنونا، وهو موجود في صورة التعليل قطعا مع قران الحكم به قطعا، وهو دليل العلية، وما هو دليل البطلان موجودها (2) في صورة النقض ظنا، مع انتفاء الحكم قطعا، والمقطوع به من وجهين راجح على ما هو مقطوع من وجه، ومظنون من وجه. ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح مما لا يتجه على النقض على المظنة. فلذلك، كان النقض لازما على المظنة دون الحكمة. فإن قيل: فلو فرض وجود الحكمة في صورة النقض قطعا، فما المختار فيه ؟ قلنا: ذلك مما يمتنع وقوعه. وبتقدير وقوعه، فقد قال بعض أصحابنا: إنه لا الفتات إليه، مصيرا منه إلى أن التوسل إلى معرفة ذلك في آحاد الصور بخفائه وندرته مما يلزم منه نوع عسر وحرج، ولا يلزم مثله في التوسل إلى معرفة الضوابط الجلية. فكان من المناسب حط هذه الكلفة عن المجتهد، ورد الناس إلى الضوابط الجلية المشتملة على احتمال الحكم في الغالب.


1 - في صورة النقص - الصواب في صورة النقض بالضاد المعجمة. 2 - في المخطوطة فوجودها وفي المطبوعات موجودها وكلها محرفة والصواب فموجود. (*)

[ 232 ]

ولقائل أن يقول: البحث عن الحكمة في آحاد الصور، هل هي موجودة قطعا وإن كان يفضي إلى العسر والحرج، إلا أنا نعلم أن المقصود الاصلي من إثبات الاحكام ونفيها إنما هو الحكم والمقاصد. فعلى تقدير وجود الحكمة في بعض الصور مماثلة لها في محل التعليل قطعا، لو لم نقل بوجوب التعليل بها في غير محل التعليل. لزم منه انتفاء الحكم مع وجود حكمته قطعا، وذلك ممتنع، كما يمتنع إثبات الحكم مع انتفاء حكمته قطعا فيما عدا الصورة النادرة، وكذلك لو لم نقل بإلغائها عند تخلف الحكم عنها فيصح مع تيقنها، فيلزم منه (1) إثبات الحكم بها مع الضابط مع كونها ملغاة قطعا. ولا يخفى أن محذور إثبات الحكم لحكمة ألغاها الشارع أو نفي الحكم مع وجود حكمته يقينا أعظم من المحذور اللازم للمجتهد من البحث عن الحكمة في آحاد الصور، على ما لا يخفى. وعلى هذا، يكون الكلام فيما إذا فرض وجود الحكمة في صورة النقض أزيد منها في محل التعليل يقينا. لكن إن كان قد ثبت معها في صورة النقض حكم هو أليق بها بأن يكون وافيا بتحصيل أصل الحكمة وزيادة ولو رتب عليها في تلك الصورة الحكم المعلل كان فيه الاخلال بتلك الزيادة في صورة النقض، فلا يكون ذلك نقضا للحكمة، ولا إلغاء لها، بل الواجب تخلف الحكم المعلل عنها وإثبات الحكم اللائق بها، الوافي بتحصيل الزيادة لما فيه من رعاية أصل المصلحة وزيادتها فإنه أولى من رعاية أصل المصلحة وإلغاء الزيادة. فإذا انتفاء الحكم في هذه الصورة لا يدل على إلغاء الحكمة بل على اعتبارها بأصلها وصفتها. ومثال ذلك ما إذا علل المستدل وجوب القطع قصاصا بحكمة الزجر فقال المعترض: مقصود الزجر في القتل العمد العدوان أعظم. ومع ذلك فإنه لا يجب به القطع، فللمستدل أن يقول: الحكمة في صورة النقض، وإن كانت أزيد منها في محل التعليل، غير أنه قد ثبت معها في صورة النقض حكم هو أليق بها، وهو وجوب القتل.


1 - فيلزم منه - المناسب للزم منه لانه جواب لو (*)

[ 233 ]

المسألة العاشرة اختلفوا في النقض المكسور، وهو النقض على بعض أوصاف العلة (1). وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة بيع الغائب: مبيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد، فلا يصح بيعه، كما لو قال بعتك عبد ا فقال المعترض هذا ينتقض بما لو تزوج امرأة لم يرها، فإنها مجهولة الصفة عند العاقد لدى العقد، ومع ذلك فإن النكاح يصح، والاكثرون على رده وإبطاله. وذلك، لان التعليل إنما وقع بكونه مبيعا مجهول الصفة، لا بكونه مجهول الصفة فقط، والمنكوحة ليست مبيعة، وإن كانت مجهولة الصفة. وإبطال التعليل ببعض أوصاف العلة لا يكون إبطالا بجملة العلة. نعم. إن بين المعترض أنه لا تأثير للوصف الذي وقع به الاحتراز عن النقص في الحكم لا بانفراده ولا مع ضميمة إلى الوصف الآخر، فالمستدل بين أمرين بين أن يبقى مصرا على التعليل بمجموع الوصفين، وبين أن يترك الكلام على التعليل بالوصف المنقوض: فإن كان الاول: فقد بطل التعليل بما علل به لعدم التأثير لا بالنقض. وإن كان الثاني: فقد بطل التعليل بالنقض لكونه واردا على كل العلة. فإن قيل: الوصف المحذوف وإن لم يكن مناسبا، ولا له تأثير في إثبات الحكم المعلل لا بانفراده، ولا مع ضميمة إلى غيره، فلا يمتنع أخذه في التعليل لفائدة الاحتراز عن النقض، وإنما يخرج عن التعليل، إن لو تعرى عن الفائدة بالكلية، وليست الفائدة منحصرة في المناسبة على ما تقدم. قلنا: فائدة الاحتراز به عن النقض متوقفة على كونه من أجزاء العلة، حتى إنه لو لم يكن من أجزاء العلة، لكانت العلة ما وراءه، والنقض إذ ذاك يكون واردا عليها. وكونه من أجزاء العلة يتوقف على إمكان الاحتراز به عن النقض وهو دور ممتنع.


1 - النقض المكسور كما عرفه المؤلف الخ. اما النقض فهو تخلف الحكم عن العلة (*)

[ 234 ]

المسألة الحادية عشرة اختلفوا في اشتراط العكس في العلل الشرعية: فأثبته قوم: ونفاه أصحابنا والمعتزلة. وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من بيان أقسام العكس، واختلاف الاصطلاحات فيه، وتعيين محل النزاع منها فنقول: أما العكس في اللغة فمأخوذ من رد أول الامر إلى آخره، وآخره إلى أوله، وأصله شد رأس البعير بخطامه إلى ذراعه. وأما في اصطلاح الحكماء فهو عبارة عن جعل اللازم ملزوما، والملزوم لازما مع بقاء كيفية القضية بحالها من السلب والايجاب (1) وذلك كقول القائل في عكس القضية الحملية إذا كانت موجبة كلية، كقولنا كل إنسان حيوان أو جزئية كقولنا بعض الانسان حيوان بعض الحيوان إنسان أو كلية سالبة، كقولنا لا شئ من الانسان بحجر لا شئ من الحجر بإنسان وعلى قياسه عكس القضية الشرطية. وأما في اصطلاح الفقهاء والاصوليين، فقد يطلق العكس باعتبارين: الاول: منهما مثل قول الحنفي: لما لم يجب القتل بصغير المثقل، لم يجب بكبيره بدليل عكسه في المحدد، وهو أنه لما وجب بكبير الجارح، وجب بصغيرة وهو باطل.


1 - الخلاف في اشتراط العكس متفرع على الخلاف في جواز تعدد العلل، فكان المناسب ان تجعل هذه المسألة بعد مسألة تعدد العلل. 2 - في المخطوطة بجعل الخبر مبتدا والمبتدا خبرا مع بقاء الخ، وتعريف المطبوعة خاص بعكس القضية وتعريف المخطوطة خاص بعكس القضية الحملية. وقد عرفه صاحب متن المسلم بتعريف يشملهما فقال: العكس قلب جزأي القضية * مع بقاء الكم والكيفية - والصدق الا الموجب الكلية * فعوضوها الموجب الجزئية فهذا اجمع من كل من التعريفين وانسب لما ذكر بعد من التمثيل لعكس كل منهما والقضية: الجملة الخبرية، والكم العدد الذي يعبر عنه بكل وبعض وما في معناهما والكيفية السلب والايجاب، اي النفي والاثبات. (*)

[ 235 ]

فإنه لا مانع من ورود الشارع بوجوب القصاص بكل جارح، وإن تخصص وجوبه في المثقل بالكبير منه. وأما الثاني: فهو انتفاء الحكم عند انتفاء العلة (1) والعكس بهذا الاعتبار هو المقصود بالخلاف ها هنا. والمختار فيه إنما هو التفصيل وهو أن جنس الحكم المعلل، إما أن لا يكون له سوى علة واحدة، أو أنه معلل بعلل، في كل صورة بعلة. فإن كان الاول، وذلك كتعليل جنس وجوب القصاص في النفس بالقتل العمد العدوان، فإنه لا علة له سواه، فلا شك في لزوم انتفائه عند انتفاء علته، لا لانه يلزم من نفي العلة الواحدة نفي الحكم، بل لان الحكم لا بد له من دليل، ولا دليل. وإن كان الثاني: كما في تعليل إباحة الدم بالقتل العمد العدوان، والردة عن الاسلام والزنا في الاحصان، وقطع الطريق، وتعليل نقض الوضوء بالمس واللمس والبول والغائط فلا شك أنه لا يلزم من انتفاء بعض هذه العلل نفي جنس الحكم لجواز وجود علة أخرى: وإنما يلزم نفيه بتقدير انتفاء جميع العلل. هذا في جنس الحكم المعلل وأما آحاد أشخاص الحكم في آحاد الصور، فإنه يمتنع تعليله بعلتين، على ما يأتي تقريره. وإنما يكون معللا بعلة واحدة على طريق البدل، فلا يلزم من نفي العلة المعينة نفيه لجواز وجود بدلها، لما سبق. فإن قيل: وإن كان الحكم معللا بعلة واحدة، ولا علة له سواها، في دليل عليه، فكانت مشابهة للدليل العقلي في العقليات، ولا يلزم من نفي الدليل في العقليات نفي المدلول، ولهذا فإن الصنعة دليل وجود الرب تعالى. ولو قدر انتفاؤها لم يلزم منه انتفاء وجود الرب تعالى فكذلك العلة الشرعية. قلنا: العلة، وإن كانت دليل الحكم، فلا نعني بانتفاء الحكم عند انتفائها انتفاءه في نفسه بل انتفاء العلم أو الظن به ضرورة توقف ذلك على النظر الصحيح في الدليل، ولا دليل. وكذلك الحكم في الصنعة مع الصانع.


1 - ويقابل العكس بهذا المعنى الطرد وهو عندهم كلما وجدت العلة وجد الحكم. (*)

[ 236 ]

المسألة الثانية عشرة (1) اتفقوا على جواز تعليل الحكم بعلل، في كل صورة بعلة. واختلفوا: في جواز تعليل الحكم الواحد (2) في صورة واحدة بعلتين معا فمنهم من منع ذلك مطلقا كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين ومن تابعهما. ومنهم من جوز ذلك مطلقا. ومنهم من فصل بين العلل المنصوصة والمستنبطة، فجوزه في المنصوصة، ومنع منه في المستنبطة، كالغزالي ومن تابعه. والمختار: إنما هو المذهب الاول. وذلك، لانه لو كان معللا بعلتين، لم يخل إما أن تستقل كل واحدة بالتعليل، أو أن المستقل بالتعليل إحداهما دون الاخرى أو أنه لا استقلال لواحدة منهما، بل التعليل لا يتم إلا باجتماعهما. لا جائز أن يقال بالاول، لان معنى كون الوصف مستقلا بالتعليل أنه علة الحكم دون غيره، ويلزم من استقلال كل واحدة منهما بهذا التفسير امتناع استقلال كل واحدة منهما، وهو محال. وإن كان الثاني: أو الثالث، فالعلة ليست إلا واحدة. وعلى هذا فلا فرق بين أن تكون العلة في محل التعليل بمعنى الباعث أو بمعنى الامارة. فإن قيل: نحن لا نفسر استقلال العلة بأن الحكم ثبت بها لا غير، ليلزمنا ما قيل، بل معنى استقلالها أنها لو انفردت لكان الحكم ثابتا لها، ولا أثر لانتفاء غيرها. ولا يخفى وجه الفرق بينه وبين القسمين الآخرين. سلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع تعليل الحكم بعلتين على وجه تكون كل واحدة مستقلة بالحكم، لكنه معارض بما يدل على جوازه، بالنظر إلى ما هو الواقع من أحكام الشرع. وذلك أنا قد اتفقنا على ثبوت الحكم الواحد عقيب علل مختلفة، كل واحدة قد ثبت استقلالها بالتعليل في صورة.


1 - انظر ص 167 ج 20 وص 273 - 274 ج 18 من مجموع الفتاوي. 2 - الواحد اي بالشخص. (*)

[ 237 ]

وعند ذلك، فإما أن يقال: العلة منها واحدة، أو الكل علة واحدة ذات أوصاف، أو أن كل واحدة علة مستقلة لا جائز أن يقال بالاول، وإلا فهي معينة أو مبهمة: القول بالتعيين ممتنع لعدم الاولوية، ولما فيه من خروج الباقي عن التعليل مع استقلال كل واحدة به، وبهذا يبطل الابهام. والقسم الثاني أيضا، فلم يبق سوى القسم الثالث وهو الاستقلال. ودليل ثبوت مثل هذه الاحكام، الاجماع على إباحة قتل من قتل مسلما قتلا عمدا عدوانا، وارتد عن الاسلام، وزنا محصنا، وقطع الطريق معا، وعلى ثبوت الولاية على الصغير المجنون، وعلى امتناع نكاح من أولدته وأرضعته، وعلى تحريم وطئ الحائض المعتدة المحرمة، وعلى انتقاض الوضوء بالمس واللمس والبول والغائط معا. والجواب عن الاشكال الاول أن الكلام إنما هو مفروض في حالة الاجتماع. لافي حالة الانفراد، والتقسيم في حالة الاجتماع، فعلى ما سبق. وأما الاحكام فالوجه في دفعها أن نقول أما إباحة قتل من قتل، وارتد، وزنا محصنا، وقطع الطريق، فالعلل وإن كانت فيه متعددة: فالحكم أيضا متعدد شخصا، وإن اتحد نوعا. ولذلك، فإنه لا يلزم من انتفاء إباحة القتل بعد العود عن الردة إلى الاسلام انتفاؤها بباقي الاسباب الاخر، ولا من انتفاء الاباحة بسبب إسقاط القصاص انتفاؤها بباقي الاسباب. ويدل على تعدد الحكم أيضا أن الاباحة بجهة القتل العمد العدوان حق للآدمي بجهة الخلوص. ولذلك، يتمكن من إسقاطه مطلقا، والاباحة بجهة الزنا والردة حق الله تعالى بجهة الخلوص دون الآدمي، وذلك غير متصور في شئ واحد، وعلى تقدير الاستيفاء، فالمقدم حق الآدمي، وهو الاباحة بجهة القصاص، لان حقه مبني على الشح والمضايقة، وحق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة، من حيث إن الآدمي يتضرر بفوات حقه دون الباري تعالى. وأما ثبوت الولاية على الصغير المجنون فمستندة إلى الصغر لسبقه على الجنون لكون الجنون لا يعرف إلا بعد حين. وكذلك امتناع نكاح الوالدة المرضعة. فإنه مستند إلى الولادة دون الرضاع لسبقها عليه.

[ 238 ]

وأما الوطئ في حق الحائض المعتدة المحرمة فغير محرم على التحقيق، وإنما المحرم في حق الحائض ملابسة الاذى، وفي حق المعتدة تطويل العدة، وفي حق المحرمة إفساد العبادة، وهي أحكام متعددة، لا أنها حكم واحد. وأما المس واللمس وباقي الاسباب فالاحداث المرتبة عليها متعددة على رأي لنا. وعلى هذا فلو نوى رفع حدث واحد منها لا يرتفع الباقي، فأحكامها أيضا متعددة، لا أنها حكم واحد، والنزاع إنما هو في تعليل الحكم الواحد بالشخص بعلتين، لا في تعليل حكمين. وعلى هذا فلا يخفى وجه التخريج لكل ما يرد من هذا القبيل. المسألة الثالثة عشرة اختلفوا في العلة الواحدة الشرعية هل تكون علة لحكمين شرعيين أو لا ؟ والمختار جوازه. وذلك، لان العلة إما بمعنى الامارة أو الباعث. فإن كانت بمعنى الامارة فغير ممتنع لا عقلا ولا شرعا نصب أمارة واحدة على حكمين مختلفين. وذلك مما لا نعرف فيه خلافا كما لو قال الشارع: جعلت طلوع الهلال أمارة على وجوب الصوم والصلاة ونحوه (1). وأما إن كانت بمعنى الباعث، فلا يمتنع أيضا أن يكون الوصف الواحد باعثا للشرع على حكمين مختلفين، أي مناسبا لهما. وذلك كمناسبة شرب الخمر للتحريم ووجوب الحد، وكذلك التصرف بالبيع من الاهل في المحل المرئي، فإنه مناسب لصحة البيع ولزومه. فإن قيل: إذا كان الوصف مناسبا لاحد الحكمين، فمعنى كونه مناسبا له أنه لو رتب ذلك الحكم عليه لحصل مقصوده. وعلى هذا، فيمتنع أن يكون مناسبا للحكم الآخر، لانه لو ناسبه لكان بمعنى أن ترتيبه عليه محصل للمقصود منه، وفي ذلك تحصيل الحاصل لكونه حاصلا بالحكم الآخر.


1 - هذا مثال فرضى ومثاله من واقع التشريع جعل غروب شمس يوم من رمضان امارة على مشروعية الفطر للصائم ووجوب صلاة المغرب. (*)

[ 239 ]

وأيضا فإنه إذا كان الوصف الواحد مناسبا لحكمين مختلفين: فإما أن يناسبهما من جهة واحدة، أو من جهتين مختلفتين: فإن كان الاول، فهو ممتنع، إذ الشئ الواحد لا يكون مناسبا لشئ من جهة ما يناسب مخالفه. وإن كان الثاني فعلة الحكمين مختلفة لا أنها متحدة. والجواب عن الاول أن معنى المناسب للحكم أعم مما ذكروه. وذلك لان المناسب ينقسم إلى ما ترتيب الحكم الواحد عليه يستقل بتحصيل مقصوده، وذلك مما يمنع كونه مناسبا لحكمين بهذا التفسير وإلى ما يتوقف حصول مقصوده على ترتيب الحكم عليه. وإن لم يكن ذلك الحكم وافيا بتحصيل المقصود دون الحكم الآخر. وعلى هذا، فامتناع مناسبة الوصف الواحد للحكمين بالتفسير الاول وإن كان لازما فلا يمتنع أن يكون مناسبا للحكمين بالتفسير الثاني. وعن الاشكال الثاني: أنه إذا عرف أن معنى مناسبة الوصف للحكمين توقف حصول المقصود منه على شرع الحكمين، فلا يمتنع أن يكون الوصف مناسبا لهما من جهة واحدة. المسألة الرابعة عشرة إذا كانت العلة في أصل القياس بمعنى الباعث، كما قررناه، فشرطها أن تكون ضابط الحكمة المقصودة للشرع من إثبات الحكم أو نفيه، بحيث لا يلزم منه (1) إثبات الحكم مع تيقن انتفاء الحكمة في صورة، وإلا كان فيه إثبات الحكم مع انتفاء الحكمة المطلوبة منه يقينا، وهو ممتنع، ومثاله ما لو قيل بأن حكمة القصاص إنما هي صيانة النفس المعصومة عن الفوات، فمن ضبط صيانة النفس عن الفوات بالجرح لا غير، كما يقوله أبو حنيفة، فيلزمه شرع القصاص في حق من جرح ميتا ضرورة وجود الضابط مع تيقن انتفاء الحكمة أو نفي الحكم مع وجود علته، وهو ممتنع. فإن قيل: وإن لزم من ذلك إثبات الحكم في صورة بدون حكمة واحدة.


1 - اي الوصف الذي جعل ضابطا للحكمة. (*)

[ 240 ]

وذلك الضابط (1) في الاصل المذكور إنما يمتنع الضبط به إن لو لم يكن له سوى حكمة واحدة. وأما إذا جاز أن يكون الوصف الواحد ضابطا في كل صورة لحكمة، فانتفاء حكمة إحدى الصورتين عن الاخرى لا يوجب أن يكون ثبوت الحكم في الصورة التي انتفت عنها تلك الحكمة عريا عن الفائدة، بل يكون ثبوته بالحكمة الخاصة بتلك الصورة والضابط لها، ولحكمة الحكم في الصورة الاخرى شئ واحد. قلنا: إذا اتحد الضابط فاختصاصه في كل صورة بحكمة مخالفة للحكمة المختصة به في الصورة الاخرى، إما أن يكون ذلك لذاته أو لمخصص مختص بتلك الصورة دون الصورة الاخرى. لا جائز أن يقال بالاول: وإلا لزم الاشتراك بين الصورتين في الحكمتين ضرورة اتحاد المستلزم لها. وإن قيل بالثاني: فما به التخصيص في كل واحدة من الصورتين،ي كل صورة بحكمة مخالفة للحكمة المختصة به في الصورة الاخرى، إما أن يكون ذلك لذاته أو لمخصص مختص بتلك الصورة دون الصورة الاخرى. لا جائز أن يقال بالاول: وإلا لزم الاشتراك بين الصورتين في الحكمتين ضرورة اتحاد المستلزم لها. وإن قيل بالثاني: فما به التخصيص في كل واحدة من الصورتين، ولا وجود له في الصورة الاخرى يكون من جملة الضابط، فالضابط للحكمتين يكون مختلفا وإن كان مركبا من الوصف المشترك وما به تخصصت كل صورة من المخصص الزائد (2). المسألة الخامسة عشرة ذهب جماعة إلى إن شرط ضابط الحكمة أن يكون جامعا بحيث لا توجد الحكمة يقينا في صورة دونه، مصيرا منهم إلى أنه لو كان كذلك فلا يخلو إما أن يثبت الحكم في الصورة التي وجدت فيها الحكمة دون ذلك الضابط أو لا يثبت فإن كان الاول، فيلزم مه إدارة الحكم على الحكمة دون ضابطها، وهو ممتنع، لما فيه من الاستغناء عن الضابط لامكان إثبات الحكم بالحكمة دونه. وإن كان الثاني فيلزم منه إهمال الحكمة مع العلم بأن الحكم لم يثبت إلا بها، وهو ممتنع. وصورة ذلك ضبط الحنفي العمدية باستعمال الجارح، حيث إنه يلزم منه إهمال العمدية مع تيقن وجودها فيما إذا أدار حجر البزارة على رأسه، أو ألقاه في بحر مغرق أو نار محرقة.


1 - وذلك الاولى فذلك. 2 - من المخصص الزائد - بيان لكلمة ما في قوله وما به تخصصت كل صورة. (*)

[ 241 ]

ولقائل أن يقول: ما ذكر من المحذور إنما يلزم إن لو امتنع تعليل الحكم في صورتين بعلتين، وهو باطل لما سبق. ومع جواز تعليل الحكم في صورتين بعلتين، لا يمتنع أن تكون حكمة الحكم في الصورتين واحدة، ولها في كل صورة ضابط بحسب تلك الصورة، وذلك لا يجر إلى إهمال الحكمة ولا إلى إلغاء الضابط. المسألة السادسة عشرة اختلفوا في جواز تعليل حكم الاصل بعلة متأخرة عن ذلك الحكم في الوجود وذلك كتعليل إثبات الولاية للاب على الصغير الذي عرض له الجنون بالجنون، فإن الولاية ثابتة قبل عروض الجنون. والمختار امتناعه. وذلك، لان علة حكم الاصل إما أن تكون بمعنى الباعث أو بمعنى الامارة المعرفة له. فإن كان الاول، فيلزم من تأخر العلة عن الحكم في الوجود أن يكون الحكم ثابتا قبل ذلك: إما لا بباعث أو بباعث غير العلة المتأخرة عنه لاستحالة ثبوت الحكم بباعث لا تحقق له مع الحكم. وإن كان الثاني، فهو ممتنع لوجهين: الاول: ما بيناه من امتناع كون العلة في الاصل بمعنى الامارة. الثاني: أنها وإن كانت بمعنى الامارة فإنما هو في تعريف الحكم، وقد عرف قبلها ضرورة سبقه في الوجود عليها، وتعريف المعروف محال. فإن قيل: ما ذكرتموه إنما يستقيم بتقدير امتناع تعليل الحكم الواحد بعلتين وإلا فبتقدير تعليله بعلتين، فلا يمتنع تعليله بعلة موجودة معه وعلة متأخرة عنه. قلنا: أما أولا فقد بينا امتناع تعليل الحكم بعلتين في صورة واحدة وبتقدير جواز ذلك فإنما يجوز لتقدير أن لا تكون إحدى العلتين متقدمة على الاخرى لما بيناه فيما تقدم.

[ 242 ]

المسألة السابعة عشرة إذا كان الحكم في الاصل نفيا، والعلة له وجود مانع أو فوات شرط، فقد اختلفوا في اشتراط وجود المقتضي لاثباته. والمختار اشتراطه. وذلك، لان الاحكام إنما شرعت لمصالح الخلق، فما لا فائدة في إثباته، فلا يشرع. فانتفاؤه يكون لانتفاء فائدته، وسواء وجدت ثم حكمة تقتضي نفيه أو لم توجد. وفرق بين انتفاء الحكم لانتفاء فائدته، وبين انتفائه لوجود فائدة نافية له. وإذا كان كذلك، فما لم يوجد المقتضي للاثبات، كان نفي الحكم للمانع أو لفوات الشرط ممتنعا. فإن قيل: لا خفاء بأن وجود المقتضى من قبيل المعارض لوجود المانع وفوات الشرط، فإذا استقل المانع وفوات الشرط بنفي الحكم مع وجود ما يعارضه ويكسر سورته، فلان يستقل بالنفي مع انتفاء المعارض كان أولى (1) وأيضا فإنا لو اشترطنا وجود المقتضي، فيلزم منه التعارض بينه وبين المانع أو فوات الشرط والتعارض على خلاف الاصل لما فيه من إهمال أحد الدليلين. وعند انتفاء المقتضي، لو أحلنا نفي الحكم على نفي المقتضى مع تحقق ما يناسب نفي الحكم من المانع أو فوات الشرط، لزم منه إهمال مناسبة المانع وفوات الشرط مع اقتران نفي الحكم به، وهو خلاف الاصل. قلنا: جواب الاشكال الاول أنه لا يلزم من انتفاء الحكم بالمانع وفوات الشرط مع وجود المقتضي المشترط في إعماله لما بيناه انتفاؤه له مع فوات شرط إعماله. وجواب الثاني: أنه وإن لزم من وجود المقتضي التعارض بينه وبين المانع أو فوات الشرط، فهو أهون من نفيه لوجود المانع مع فوات شرط إعماله على ما حققناه.


1 - كان أولى - الظاهر ان كان زائدة، وأولى خبر للمصدر المؤل من ان والفعل وقد تقدم للمؤلف استعمال مثل هذا التركيب في ص 222 ج 3 (*)

[ 243 ]

ولهذا كان نفي الحكم بالمانع وفوات الشرط مع وجود المقتضي متفقا عليه بين القائلين بتخصيص العلة، ومختلفا فيه مع انتفاء المقتضي. وبتقدير انتفاء المقتضي فنفي الحكم له دون ما ظهر من المانع وفوات الشرط وإن أفضى إلى إلغاء مناسبة المانع وفوات الشرط مع اعتباره إلا أنه أولى من انتفائه للمانع أو فوات الشرط. ولهذا، وقع الاتفاق من الكل على استقلاله بالنفي عند عدم المعارض ووقع الخلاف في استقلال المانع وفوات الشرط بالنفي مع القائلين بامتناع تخصيص العلة، فكان النفي له أولى (1). ولا يمكن أن يقال بإحالة النفي على نفي المقتضي والمانع معا لانه معا لانه لا يخلو إما أن يكون كل واحد مستقلا بالنفي أو أن المقتضي للنفي الهيئة الاجتماعية منهما وهما بمنزلة أجزاء العلة النافية: لا سبيل إلى الاول لما بيناه من امتناع تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلتين مستقلتين، ولا سبيل إلى الثاني لان نفي المقتضي بتقدير انتفاء معارضه مستقل بالنفي إجماعا، وفيه إخراج المستقل عن الاستقلال وهو ممتنع. وإذا ثبت أنه لا بد في التعليل بالمانع وفوات الشرط من وجود المقتضي فلا بد من بيانه بطريق تفصيلي يدل على وجوده وعليته بما يساعد من الادلة وإن اتفق أن كان الشارع قد نص على نفي الحكم، فهو دليل ظاهر على وجود المقتضى، لانه لو لم يكن المقتضي موجودا، كانت فائدة التنصيص على النفي التأكيد لاستقلال نفي المقتضي بالنفي. والاصل أن يحمل كلام الشارع على فائدة التأسيس، لكونها أصلا. وإنما يتم ذلك بالنظر إلى وجود المقتضي. فإن قيل: اعتقاد وجود المقتضي حملا للكلام على فائدة التأسيس يلزم منه نفي الحكم مع وجود ما يقتضيه، وهو خلاف الاصل، وليس مخالفة محذور مخالفة المقتضى مع كونه خلاف الاصل دفعا لمحذور حمل الكلام على فائدة التأكيد أولى من العكس.


1 - فكان النفي له أولى - يعني فكان النفي لاجله اولى، فاللام للتعليل. (*)

[ 244 ]

قلنا: بل المحذور اللازم من نفي الحكم مع وجود ما يقتضيه مخالفة المقتضي لا غير وهو غالب في الشرع، ومحذور التأكيد مع كونه نادرا فيه مخالفة ما ظهر من مناسبة المانع واعتباره، مع أن الغالب من حال الشارع اعتبار المناسبات، لا إلغاؤها. ولا يخفى أن التزام محذور عهد التزامه في الشرع غالبا وليس فيه التزام محذور آخر، أولى من التزام محذور لم يعهد التزامه في الشرع غالبا وفيه التزام محذور آ خر. المسألة الثامنة عشرة يجب أن لا تكون العلة المستنبطة من الحكم المعلل بها مما ترجع على الحكم الذي استنبطت منه بالابطال. وذلك كتعليل وجوب الشاة في باب الزكاة بدفع حاجة الفقراء، لما فيه من رفع وجوب الشاة (1) وأن ارتفاع الاصل المستنبط منه يوجب إبطال العلة المستنبطة منه ضرورة توقف عليتها على اعتبارها به. وأن لا تكون طردية محضة كالطول والقصر والسواد والبياض ونحوه. لما بيناه من أن العلة في الاصل لا تكون إلا بمعنى الباعث، والوصف الطردي (2) لا يكون باعثا، ولان الحكم في الفرع إنما يثبت بما غلب على الظن أن الحكم في الاصل ثابت له، وذلك غير متصور في الوصف الطردي. وأن لا يكون لها في الاصل معارض لا تحقق له في الفرع لما يأتي تقريره، وأن لا تكون مخالفة للنص الخاص أو للاجماع. وهذا كله من الشروط المتفق عليها. وقد اشترط فيها أن لا تكون مخصصة لعموم القرآن، وقد أبطلناه فيما تقدم (3) وأن لا تعارضها علة أخرى تقتضي نقيض حكمها.


1 - بيانه ان وجوب الشاة زكاة عن أربعين شاة إذا كان المقصود منه مجرد دفع حاجة الفقراء، ولو ببذل القيمة ارتفع وجوب الشاة على التعيين في الزكاة. 2 - العلة الطردية، أو الوصف الطردي هو الذى لم يشتمل على معنى مناسب يقتضي بناء الحكم على ذلك الوصف كالامثلة المذكورة. 3 - تقدم له ذلك في المسألة الرابعة عشرة من مسائل تخصيص العموم بالادلة المنفصلة. (*)

[ 245 ]

وإنما يصح ذلك أن لو كانت العلة المعارضة لها راجحة عليها، وممتنعة التخصيص وقد عرف ما في ذلك (1). وأن لا تتضمن زيادة على النص، وإنما يصح ذلك أن لو كانت الزيادة منافية لمقتضى النص (2). وأن تكون منتزعة من أصل مقطوع بحكمه، وليس كذلك لما بيناه من جواز القياس على أصل حكمه ثابت بدليل مظنون، وأن لا تكون مخالفة لمذهب الصحابي، وليس كذلك، لجواز أن يكون مذهب الصحابي مستندا إلى علة مستنبطة من أصل آخر، إلا أن تكون علته مع ظهورها راجحة، وأن يكون وجودها في الفرع مقطوعا به، وليس كذلك، لان وجودها أحد ما يتوقف عليه الحكم في الفرع، فكان الظن كافيا فيه، كما في وجودها في الاصل وفي كونها علة، وفي نفي المعارض عنها في الاصل والفرع. وبالجملة فهذه الشروط في محل الاجتهاد. المسألة التاسعة عشرة اتفقوا على أن نصب الوصف سببا وعلة من الشارع، وأن دليله لا بد وأن يكون شرعيا وسواء كان كونه سببا وعلة وحكما شرعيا، أو لم يكن، كما سبق وجه الكلام فيه، وإنما اختلفوا في الدليل الدال على العلة الجامعة في القياس: فذهب بعض أصحابنا إلى أن شرطه أن لا يكون متناولا لاثبات الحكم في الفرع وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة الفواكه مطعوم فجرى فيه الربا قياسا على البر، ثم دل على كون الطعم علة بقوله عليه السلام لا تبيعوا الطعام بالطعام


1 - تقدم في المسألة الثامنة في الكلام على خلاف العلماء في جواز تخصيص العلة. 2 - انظر ذلك مع ما تقدم في المسألة الثامنة عشرة من خلاف العلماء في الزيادة على النص، هل هي نسخ أو لا. (*)

[ 246 ]

إلا مثلا بمثل (1) فإنه وإن كان دليلا على كون الطعم علة بالايماء فهو دليل على تحريم الربا في الفواكه بعمومه. وربما كان الدليل الدال على العلة متناولا لحكم الفرع بخصوصه، دون حكم الاصل وذلك كما لو قال الحنفي في مسألة الخارج من غير السبيلين خارج نجس فينفض الوضوء كالخارج من السبيلين. ثم دل على كون الخارج النجس علة للنقض بقوله، عليه السلام من قاء أو رعف أو أمذى فليتوضأ وضوءه للصلاة (2) فإن القئ والرعاف والمذي من حيث هو خارج، نجس مناسب لنقض الوضوء، فترتيب الحكم عليه في كلام الشارع يدل على التعليل به، كما يأتي في طرق إثبات العلة، ولكنه مع ذلك متناول لاثبات حكم الفرع بخصوصه دون حكم الاصل، وإنما شرطوا امتناع ذلك مصيرا منهم إلى أنه إذا كان دليل العلة يستقل بالدلالة على الحكم المتنازع فيه، فالاستدلال بالعلة على الحكم على وجه لا بد من إثباتها بدليل يستقل بإثبات الحكم المتنازع فيه، يكون تطويلا بلا فائدة، فليعدل إليه أولا. ولقائل أن يقول: الاستدلال بالعلة المثبتة بالنص المتناول لحكم الفرع وإن أفضى إلى التطويل، فحاصله يرجع إلى مناقشة جدلية، وليس ذلك مما يقدح في صحة القياس المذكور، ولا يكون قادحا في المقصود، وقد ينقدح عنه جواب آخر في بعض الصور، وهو عندما إذا كان العام الدال على حكم الفرع قد خص في صورة، وكان المستدل ممن يرى أن العام بعد التخصيص لا يبقى حجة إلا في أقل الجمع، فله أن يقول: إنما لم أتمسك بعموم النص في إثبات حكم الفرع، لعدم مساعدة الدليل على إدراج الفرع فيه، وذلك لا يمنع من التمسك به في إثبات العلة ولو في صورة واحدة، ومهما كان كذلك، لزم إثبات الحكم بتلك العلة في أي صورة وجدت، ولذلك وقع التمسك به في إثبات العلة دون الحكم.


1 - رواه أحمد ومسلم من طريق معمر بن عبد الله القرشى أنه قال كنت اسمع النبي (ص) يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير. 2 - رواه ابن ماجه في سننه من طريق عائشة بلفظ من اصابه قئ أو رعاف أو قلس = (*)

[ 247 ]

المسألة العشرون اختلف الشافعية والحنفية في حكم أصل القياس المنصوص عليه، هل هو ثابت بالعلة، أو النص. فقالت: الشافعية إنه ثابت بالعلة وقالت: الحنفية إنه ثابت بالنص، محتجين على ذلك بأمور ثلاثة: الاول: أن الحكم في الاصل مقطوع به، والعلة المستنبطة منه مظنونة. والمقطوع به لا يكون ثابتا بالمظنون. الثاني: أن العلة مستنبطة من حكم الاصل، ومتفرعة عليه، وتابعة له في الوجود فلو كان الحكم ثابتا بها، لكان الاصل ثابتا بما لا ثبوت له دون ثبوته، وهو دور. الثالث: أنه قد يثبت الحكم تعبدا من غير علة، فلو كان ثابتا بالعلة، لما ثبت مع عدمها. واعلم أن الخلاف في هذه المسألة آيل إلى اختلاف في اللفظ. وذلك أن قول أصحابنا بأن الحكم ثابت بالعلة، لا يريدون به أن العلة معرفة له بالنسبة إلينا ضرورة أنها مستنبطة منه، وأنها لا تعرف دون معرفته وإنما يريدون به أنها الباعثة للشارع على إثبات الحكم في الاصل. وأنها التي لاجلها أثبت الشارع الحكم، وأصحاب أبي حنيفة غير منكرين لذلك وحيث قالت الحنفية: إن العلة غير مثبتة للحكم لم يريدوا بذلك أنها ليست باعثة وإنما أرادوا بذلك أنها غير معرفة لحكم الاصل بالنسبة إلينا وأصحابنا غير منكرين لذلك فلا خلاف في المعنى، بل في اللفظ.


= أو مذى فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم) وفي سند اسماعيل بن عياش عن ابن جريح، وهو ضعيف فيما رواه عن الحجازيين وايضا الصحيح فيه أنه مرسل، وقد رواه الدارقطني من طريق أبي سعيد الخدري بلفظ إذ اقاء أحدكم أو رعف وهو في الصلاة أو أحدث فلينصرف فليتوضأ ثم ليجي فليبن على ما مضى، وفي سنده أبو بكر الداهري وهو كذاب. (*)

[ 248 ]

القسم الثالث في شروط الفرع وهي خمسة الشرط الاول: أن يكون خاليا عن معارض راجح يقتضي نقيض ما اقتضته علة القياس، على رأي القائلين بجواز تخصيص العلة، ليكون القياس مفيدا. الشرط الثاني: أن تكون العلة الموجودة فيه مشاركة لعلة الاصل، إما في عينها كتعليل تحريم شرب النبيذ بالشدة المطربة المشتركة بينه وبين الخمر، أو في جنسها كتعليل وجوب القصاص في الاطراف بجامع الجناية المشتركة بين القطع والقتل، لان القياس على ما تقدم إنما هو تعدية حكم الاصل إلى الفرع، بواسطة علة الاصل. فإذا لم تكن علة الفرع مشاركة لها في صفة عمومها ولا خصوصها، فلم تكن (1) علة الاصل في الفرع، فلا يمكن تعدية حكم الاصل إلى الفرع. الشرط الثالث: أن يكون الحكم في الفرع مماثلا لحكم الاصل في عينه، كوجوب القصاص في النفس المشترك بين المثقل والمحدد، أو جنسه كإثبات الولاية على الصغيرة في نكاحها، قياسا على إثبات الولاية في مالها، فإن المشترك بينهما إنما هو جنس الولاية لا عينها، ولو لم يكن كذلك لكان القياس باطلا. وذلك، لان شرع الاحكام لم يكن مطلوبا لذاته، بل لما يفضي إليه من مقاصد العباد، وسواء ظهر المقصود أم لم يظهر. فان كان حكم الفرع مماثلا لحكم الاصل، علمنا أن ما يحصل به من المقصود مثل ما يحصل من حكم الاصل ضرورة اتحاد الوسيلة، فيجب إثباته. وأما إذا كان حكم الفرع مخالفا لحكم الاصل مع أنه الوسيلة إلى تحصيل المقصود، فإفضاؤه إلى الحكمة المطلوبة يجب أن يكون مخالفا لافضاء حكم الاصل إليها. والمخالفة بينهما من الافضاء إما أن تكون بزيادة في إفضاء حكم الاصل إليها أو في إفضاء حكم الفرع. فإن كان الاول، فلا يلزم من شرع الحكم في الاصل رعاية لاصل المقصود وزيادة الافضاء إليه، شرع حكم الفرع تحصيلا لاصل المقصود دون زيادة الافضاء إليه لان زيادة الافضاء إلى المقصود مقصودة في نظر العقلاء وأهل العرف.


1 - فلم تكن علة - الصواب لم تكن عله. (*)

[ 249 ]

وإن كان الثاني: فهو ممتنع، لانا أجمعنا على امتناع ثبوت مثل حكم الفرع في الاصل. وعند ذلك، فتنصيص الشارع على حكم الاصل دون حكم الفرع يدل على أن حكم الاصل أفضى إلى المقصود من حكم الفرع وإلا فلو كان حكم الفرع أفضى إلى المقصود من حكم الاصل، لكان أولى بالتنصيص عليه فإن قيل ما ذكرتموه فرع تصور الاختلاف في الاحكام الشرعية، وليس كذلك. وذلك لان حكم الله هو كلامه وخطابه، وذلك مما لا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف في تعلقاته ومتعلقاته. وحكم الشارع بالوجوب لا يخالف حكمه بالتحريم من حيث هو حكم الله وكلامه. وإن وقع الاختلاف في أمر خارج، كالذم على الفعل، والذم على الترك، بسبب اختلاف محل الخطاب. ولا يخفى أن اختلاف محل الخطاب غير موجود لاختلاف الحكم في نفسه، بدليل اشتراك الصوم والصلاة في حكم الوجوب، والقتل والزنا في التحريم (1).


1 - هذا مبني على مذهب الاشعرية من ان كلام الله صفة نفسية قديمة ليس بحرف، ولاصوت، وانه شئ واحد لا تعدد فيه من حيث ذاته، فأمره عين نهيه وخيره عين استخباره، ووعده عين وعيده، وانما يتنوع عندهم إلى هذه الانواع ويختلف باعتبار تعلقاته ومتعلقاته وهذا مخالف لما ذهب إليه اهل السنة والجماعة، فان كلام الله يطلق عندهم على اللفظ والمعنى حقيقة، وقد ينصرف إلى احدهما بقرينة ويتنوع في نفسه إلى أمر ونهى ووعد ووعيد وخبر وانشاء وقد تكلم سبحانه فيما مضى ولا يزال يتكلم وسيتكلم في الموقف يوم القيامة مع الؤمنين والكافرين، ومع اهل الجنة والنار، فيكلم كلا بما يناسبه، كما دلت على ذلك ايات القران والاحاديث الصحيحة، واذن فالاعتراض ساقط من أصله، وما ذكر بعد من اشتراك حكم الصوم والصلاة في حكم الوجوب فمسلم، لكنه اشتراك في جنس الوجوب لافي عينه وشخصه فوجوب الصلاة ثبت بامر يخصه تكلم الله به وقت فرضه الصلاة، ووجوب الصيام ثبت بأمر يخصه تكلم الله به بعد فرضه الصلاة بسنوات، والقصد ان وجوب كل منهما يختلف عن الآخر في شخصه وفيما وجب به من الامر، وفي درجته وآثاره، وكذلك القول في تحريم القتل والربا = (*)

[ 250 ]

وإن سلمنا تصور الاختلاف في نفس الحكم الشرعي، ولكن ما المانع أن يكون إفضاء حكم الفرع إلى المقصود أتم من إفضاء حكم الاصل إليه. قولكم: لو كان كذلك، لكان التنصيص عليه في الاصل أولى، إنما يلزم أن لو لم تكن فائدة التنصيص على حكم الاصل لقصد التنبيه بالادنى على الاعلى. وبتقدير أن لا يكون ذلك مقصودا للشارع، فإنما لم ينص عليه لاحتمال أن يكون ذلك لمانع مختص به، لا وجود له في حكم الاصل. والجواب عن السؤل الاول أنه ليس حكم الشارع عبارة عن مطلق كلامه وخطابه، ليصح ما قيل، بل الخطاب المقيد بتعلق خاص، كما بيناه في حد الحكم. وإذا كان التعلق داخلا في مفهوم الحكم فالتعلقات مختلفة، ويلزم من اختلافها اختلاف الاحكام. وعن الثاني أنه لو كانت فائدة تخصيص حكم الاصل بالتنصيص عليه التنبيه به على حكم الفرع، لكان حكم الفرع ثابتا بمفهوم الموافقة، لا بالقياس، ولجاز إثباته في الاصل، وهو ممتنع. قولهم: إنما لم ينص عليه لاحتمال اختصاصه بمانع. قلنا: المانع إما أن يكون من لوازم صورة الاصل، أو من لوازم مثل حكم الفرع أو ملوازم اجتماع الامرين. فإن كان الاول: فيلزم منه امتناع إثبات حكم الاصل في الاصل بطريق الاولى ضرورة كون مقصوده أدنى من مقصود حكم الفرع، على ما وقع به الفرض. وإن كان الثاني: فيلزم منه امتناع ثبوته في الفرع أيضا ضرورة أن ما هو المانع من إثباته في الاصل من لوازم نفس ذلك الحكم. وإن كان الثالث، فالاصل عدمه. الشرط الرابع: أن لا يكون حكم الفرع منصوصا عليه، وإلا ففيه قياس


= وغيرهما من المحرمات، فهي مندرجة تحت جنس واحد ولكنها مختلفة في اعيانها وفيما وجبت به من كلامه تعالى، وفي الزمن الذي تكلم الله بتحريم كل منها. (*)

[ 251 ]

المنصوص على المنصوص، وليس أحدهما بالقياس على الآخر أولى من العكس. وهذا مما لا نعرف خلافا بين الاصوليين في اشتراطه. الشرط الخامس: أن لا يكون حكم الفرع متقدما على حكم الاصل، وذلك كما لو قالو قاس للشافعي الوضوء على التيمم في الافتقار إلى النية، لانه يلزم منه أن يكون الحكم في الفرع ثابتا قبل كون العلة الجامعة في قياسه علة، ضرورة كونها مستنبطة من حكم متأخر عنه، اللهم إلا أن يذكر ذلك بطريق الالزام للخصم، لا بطريق مأخذ القياس. وقد شرط قوم أن يكون الحكم في الفرع ثابتا بالنص جملة لا تفصيلا، وهو باطل. فإن الصحابة قاسوا قوله أنت علي حرام على الطلاق واليمين والظهار، ولم يوجد في الفرع نص، لا جملة ولا تفصيلا. الباب الثاني في مسالك إثبات العلة الجامعة في القياس المسلك الاول: الاجماع وهو أن يذكر ما يدل على إجماع الامة في عصر من الاعصار على كون الوصف الجامع علة لحكم الاصل، إما قطعا، أو ظنا، فإنه كاف في المقصود. وذلك كإجماعهم على كون الصغر علة لثبوت الولاية على الصغير، في قياس ولاية النكاح على ولاية المال. فإن قيل: فإذا كانت العلة مجمعا عليها قطعا، فكيف يسوغ الخلاف معها في مسائل الاجتهاد ؟ قلنا: بأن يكون وجودها ظنيا في الاصل أو الفرع. وأما إن كان وجودها قطعيا فيهما مع كونها مقطوعا بعليتهما، فلا.

[ 252 ]

المسلك الثاني: النص الصريح وهو أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على التعليل بالوصف بلفظ موضوع له في اللغة، من غير احتياج فيه إلى نظر واستدلال. وهو قسمان: الاول: ما صرح فيه بكون الوصف علة أو سببا للحكم الفلاني، وذلك، كما لو قال: العلة كذا، أو السبب كذا (1). القسم الثاني: ما ورد فيه حرف من حروف التعليل كاللام وكي ومن وإن والباء. أما (اللام) فكقوله تعالى * (أقم الصلاة لدلوك الشمس) * (الاسراء: 78) أي زوال الشمس. وكقوله تعالى * (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) * (الذاريات: 56) وكقوله عليه السلام كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الاضاحي لاجل الدافة (2) أي القوافل السيارة. وذلك يدل على التعليل بالوصف الذي دخلت عليه (اللام) لتصريح أهل اللغة بأنها للتعليل. وأما (الكاف) فكقوله تعالى * (كيلا يكون دولة بين الاغنياء) * (الحشر: 7) أي كي لا تبقى الدولة بين الاغنياء، بل تنتقل إلى غيرهم. وأما (من) فكقوله تعالى * (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) * (المائدة: 32). وأما (إن) فكقوله عليه السلام في قتلى أحد زملوهم بكلومهم فإنهم يحشرون يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك (3) وكقوله عليه السلام في حق محرم وقصت به ناقته، لا تخمروا


1 - هذا التعبير لم يرد في الكتاب ولا في السنة، فهو مجرد فرض وتقدير. 2 - تقدم الكلام عليه تعليقا ص 136 - ج 3. 3 - رواه النسائي في سننه من حديث عبد الله بن ثعلبة قال قال رسول الله (ص) زملوهم بدمائهم فانه ليس كلم يكلم في سبيل الله الا ياتي يوم القيامة يدمي لونه لون الدم، والريح ريح المسك - ورواه الواقدي في مغازيه، قريبا من هذا ورواه غيرهما من طرق بالفاظ مختلفة، انظر نصب الراية. (*)

[ 253 ]

رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا (1). وأما (الباء) فكقوله تعالى * (جزاء بما كانوا يعملون) * (الاحقاف: 14). فهذه هي الصيغ الصريحة في التعليل، وعند ورودها يجب اعتقاد التعليل. إلا أن يدل الدليل على أنها لم يقصد بها التعليل فتكون مجازا فيما قصد بها وذلك في (اللام) كما لو قيل: لم فعلت كذا ؟ فقال لاني قصدت أن أفعل وكما في قول القائل أصلي لله وقول الشاعر لدوا للموت وابنوا للخراب (2) فقصد الفعل لا يصلح أن يكون علة للفعل وغرضا له وكذلك ذات الله تعالى لا تصلح أن تكون علة للصلاة، ولا الموت علة للولادة ولا الخراب علة للبناء، بل علة الفعل ما يكون باعثا على الفعل، وهي الاشياء التي تصلح أن تكون بواعث. وكما في قوله تعالى * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) * (الحشر: 2) * (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) * (الحشر: 4) وليس كل من شاق الله ورسوله يخرب بيته، فليست المشاقة علة لخراب البيت، اللهم إلا أن يحمل لفظ الخراب على استحقاق الخراب، أو على استحقاق العذاب، فإنه يكون معللا بالمشاقة.


1 - رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس قال كان رجل مع النبي (ص) فوقصته ناقه وهو محرم فمات فقال النبي (ص) اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه فأنه يبعث يوم القيامة ملبيا) وقد روى من عدة طرق بالفاظ مختلفه - انظر تلخيص الحبير ونصب الراية. 2 - جزء من حديث رواه البيهقى في الشعب عن ابي هريرة والزبير مرفوعا بلفظ ان ملكا بباب من أبو اب السماء الحديث، وهو غير صحيح - انظر كشف الحفا والالباس للمجلوني لتعرف طرقه وما فيها من المطاعن. (*)

[ 254 ]

المسلك الثالث: ما يدل على العلية بالتنبيه والايماء. وذلك بأن يكون التعليل لازما من مدلول اللفظ وضعا لا أن يكون اللفظ دالا بوضعه على التعليل، وهو ستة أقسام. القسم الاول - ترتيب الحكم على الموصف بفاء التعقيب والتسبيب في كلام الله أو رسوله أو الراوي عن الرسول. أما في كلام الله تعالى فكما في قوله تعالى * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (المائدة: 38) * (وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) * (المائدة: 6). وأما في كلام رسوله فكقوله عليه السلام من أحيا أرضا ميتة، فهي له (1) وقوله ملكت نفسك فاختاري. وأما في كلام الراوي فكما في قوله: سها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فسجد. وزنا ماعز، فرجمه رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وذلك في جميع هذه الصور يدل على أن ما رتب عليه الحكم (بالفاء) يكون علة للحكم لكون (الفاء) في اللغة ظاهرة في التعقيب ولهذا فإنه لو قيل جاء زيد فعمرو فإن ذلك يدل على مجئ عمرو عقيب مجئ زيد من غير مهلة، ويلزم من ذلك السببية لانه لا معنى لكون الوصف سببا، إلا ما ثبت الحكم عقيبه، وليس ذلك قطعا، بل ظاهرا


1 - رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده وابو داود الطيالسي في مسنده والدارقطني في سننه من طريق عائشة، ورواه البخاري ايضا في المزارعة في صحيحه من طريق عائشة بلفظ (من اعمر ارضا ليست لاحد فهو احق) وترجم له بباب من احيا ارضا مواتا، وقد رواه أبو داود والنسائي والترمذي من عدة طرق بالفاظ متقاربة 2 - يشير إلى ما رواه البخاري ومسلم في الصحيحن من حديث عائشة انها قالت كان في بريرة ثلاث سنن اعتقت فخيرت، وقال رسول الله (ص) الولاء لمن اعتق، ودخل رسول الله (ص) وبرمة على النار فقرب إليه خبز وإدام من ادم البيت، فقال الم ار البرمة، فقيل لحم تصدق به على بريرة وانت لا تأكل الصدقة قال: هو لها صدقة ولنا هدية. (*)

[ 255 ]

لان (الفاء) في اللغة قد ترد بمعنى الواو في إرادة الجمع المطلق. وقد ترد بمعنى (ثم) في إرادة التأخير مع المهلة، كما سبق تعريفه. غير أنها ظاهرة في التعقيب، بعيدة فيما سواه. وهذه الرتب متفاوتة، فأعلاها ما ورد في كلام الله تعالى، ثم ما ورد في كلام رسوله، ثم ما ورد في كلام الراوي. وسواء كان فقهيا أو لم يكن، لكنه إن كان فقيها كان الظن بقوله أظهر، وإذا لم يكن فقيها، وإن كان في أدنى الرتب، غير أنه مغلب على الظن، لانه إذا قال سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد، فالظاهر من حاله مع كونه متدينا عالما بكون (الفاء) موضوعة للتعقيب، أنه لو لم يفهم أن السهو سبب للسجود، وإلا لما رتب السجود بالفاء، لما فيه من التلبيس بنقل ما يفهم منه السببية، ولا يكون سببا، بل ولما كان تعليقه للسجود بالسهو أولى من غيره. القسم الثاني: ما لو حدثت واقعة، فرفعت إلى النبي عليه السلام، فحكم عقيبها بحكم، فإنه يدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم. وذلك كما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: هلكت وأهلكت. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا صنعت ؟ فقال واقعت أهلي في نهار رمضان عامدا. فقال له، عليه السلام: اعتق رقبة (1). فإنه يدل على كون الوقاع علة للعتق. وذلك لانا نعلم أن الاعرابي إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم، عن واقعته لبيان حكمها شرعا، وأن النبي عليه السلام، إنما ذكر ذلك الحكم في معرض الجواب له،


1 - يشير إلى ما رواه الجماعه من طريق ابي هريرة قال جاء رجل إلى النبي (ص) فقال هلكت يارسول الله قال، وما اهلكك قال: وقعت على امرأتي في رمضان قال هل تجد ما تعتق رقبة قال لا قال فهل تستطيع ان تصوم شهرين متتابعين قال قال فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا قال لا، قال ثم جلس قال فأتى النبي (ص) بعرق فيه تمر قال تصدق بهذا، قال فهل على أفقر منا فما بين لابتيها اهل بيت احوج إليه منا، فضحك النبي (ص) حتى بدت نواجذه وقال اذهب فاطعمه اهلك، وقد روى الحديث من طريق بالفاظ متقاربة. (*)

[ 256 ]

لا أنه ذكره ابتداء منه لما فيه من إخلاء السؤال عن الجواب وتأخير البيان عن وقت الحاجة، وكل ذلك وإن كان ممكنا، إلا أنه على خلاف الظاهر. وإذا كان ذلك جوابا عن سؤاله، فالسؤال الذي عنه الجواب يكون ذكره مقدرا في الجواب في كلام المجيب، فيصير كأنه قال: واقعت فكفر. وقد عرف أن الوصف إذا رتب الحكم عليه في كلام الشارع بفاء التعقيب تحقيقا، فإنه يكون علة، فكذلك إذا كان الحكم مرتبا عليه بفاء التعقيب تقديرا. ولهذا كان هذا القسم ملحقا بالقسم الذي قبله، وإن كان دونه في الظهور والدلالة، لكون (الفاء) فيه مقدرة، وفي الاول محققة، ولاحتمال أن يكون قد بدأ به لا عن قصد الجواب، وذلك، كما لو قال العبد لسيده: قد طلعت الشمس أو غربت. فقال له: اسقني ماء فإنه لا يفهم منه الجواب لسؤاله، ولا التعليل، بل هو أمر له ابتداء بسقي الماء وعدول عن السؤال بالكلية إما لذهوله عن السؤال أو لعدم الالتفات إليه لعدم تعلق الغرض به، غير أن هذا الاحتمال، وإن كان منقدحا ها هنا، فهو بعيد في حق النبي، عليه السلام، فيما فرض السؤال عنه إذ الغالب عدم الذهول، وأنه إنما قصد الجواب حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة، مع كونه خلاف الظاهر. القسم الثالث: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يقدر التعليل به لما كان لذكره فائدة، ومنصب الشارع مما ينزه عنه: وذلك، لان الوصف المذكور إما أن يكون مذكورا مع الحكم في كلام الله تعالى، أو كلام رسوله. فإن كان في كلام الله تعالى، وقدرنا أنه لو لم يقدر التعليل به، فذكره لا يكون مفيدا، ولا يخفى أن ذلك غير جائز في كلام الله تعالى إجماعا، نفيا لما لا يليق بكلامه عنه. وإن كان ذلك في كلام رسوله، فلا يخفى أن الاصل إنما هو انتفاء العبث عن العاقل في فعله وكلامه، ونسبة ما لا فائدة فيه إليه، لكونه عارفا بوجوه المصالح والمفاسد فلا يقدم في الغالب على ما لا فائدة فيه. وإذا كان ذلك هو الظاهر

[ 257 ]

من آحاد العقلاء فمن هو أهل للرسالة عن الله تعالى ونزول الوحي عليه وتشريع الاحكام، أولى. وإذا عرف ذلك، فيجب اعتقاد كون الوصف المذكور في كلامه مع الحكم علة له. وهذا القسم على أصناف. وذلك، لان الشارع إما أن يذكر ذلك ابتداء من غير سؤال أو بعد السؤال. فإن كان من غير سؤال، فهو الصنف الاول، وذلك كما في حديث ابن مسعود ليلة الجن، حيث توضأ، عليه السلام، بماء كان قد نبذ فيه تميرات لاجتناب ملوحته، فقال ثمرة طيبة وماء طهور (1) فإنه يدل على جواز الوضوء به. وإلا كان ذكره ضائعا. لكون ما ذكر ظاهرا غير محتاج إلى بيان. وان كان مع السؤال، فلا يخلو إما أن يذكر ذلك الوصف في محل السؤال أو في غيره فإن كان في محل السؤال، فهو الصنف الثاني، وذلك كما روي عنه عليه السلام، أنه سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا: نعم. فقال: فلا إذا (2) فهذا وإن فهم منه أن النقصان علة امتناع بيع الرطب بالتمر من ترتيبه الحكم على الوصف بالفاء واقترانه بحرف (إذا) وهي من صيغ التعليل، غير أنا لو قدرنا انتفاء هذين لبقي فهم التعليل بالنقصان بحاله نظرا إلى أنه لو لم يقدر التعليل به، لكان ذكره والاستفسار عنه غير مفيد. وإن كان في غير محل السؤال، وهو أن يعدل في بيان الحكم إلى ذكر نظير لمحل السؤال، فهو الصنف الثالث. وذلك كما روي عنه، عليه السلام، أنه لما


1 - جزء من حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه في السنن من طريق عبد الله بن مسعود ان النبي (ص) قال له ليلة الجن، عندك طهور، قال لا، إلا شئ من نبيذ في اداوة قال (ص) تمرة طيبة وماء طهور) زاد الترمذي فتوضأ منه وفي سنده أبو زيد مولى عمرو بن حريث وهو مجهول، وفي سنده ايضا أبو فزارة ولا يدرى من هو، واعل ايضا بالاختلاف في حضور ابن مسعود ليلة الجن. 2 - تقدم الكلام عليه تعليقا ص 237 ج 2 / انظر تفصيل الكلام عليه في نصب الراية. (*)

[ 258 ]

سألته الجارية الخثعمية، وقالت: يا رسول الله إن أبي أدركته الوفاة، وعليه فريضة الحج فإن حججت عنه أينفعه ذلك ؟ فقال، عليه السلام: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ذلك ؟ فقالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء (1). فالخثعمية إنما سألت عن الحج، والنبي، عليه السلام، ذكر دين الآدمي والحج من حيث هو دين، نظير لدين الآدمي، فذكره لنظير المسؤول عنه، مع ترتيب الحكم عليه يدل على التعليل به، وإلا كان ذكره عبثا. ويلزم من كون نظير الواقعة علة للحكم المرتب عليها، أن يكون المسؤول عنه أيضا علة لمثل ذلك الحكم، ضرورة المماثلة. وما مثل هذا يسميه الاصوليون التنبيه على أصل القياس. فكأنه نبه على الاصل، وعلى علة حكمه، وعلى صحة إلحاق المسؤول عنه بواسطة العلة المومي إليها. وليس من هذا القبيل ما مثل به بعض الاصوليين، وذلك كما روي عن عمر أنه سأل النبي، عليه السلام عن قبلة الصائم: هل تفسد الصوم ؟ فقال عليه السلام: أرأيت لو تمضمضت، أكان ذلك يفسد الصوم ؟ فقال: لا وذلك لان النبي، عليه السلام، إنما ذكر ذلك بطريق النقض، لما توهمه عمر من كون القبلة مفسدة للصوم، لكونها مقدمة للوقاع المفسد للصوم، فنقض النبي، عليه السلام ذلك بالمضمضة، فإنها مقدمة للشرب المفسد للصوم، وليست مفسدة للصوم. أما أن يكون ذلك تنبيها على تعليل عدم الافساد بكون المضمضة مقدمة للفساد فلا. وذلك لان كون القبلة والمضمضة مقدمة لافساد الصوم، ليس فيه ما يتخيل أن يكون مانعا من الافطار، بل غايته أن لا يكون مفطرا، فكان الاشبه بما ذكره النبي، عليه السلام، أن يكون نقضا، لا تعليلا. وأيضا فإن الاصل أن يكون الجواب مطابقا للسؤال، لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه


1 - يشير إلى ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أن امراة من خثعم قالت يا رسول الله ان فريضة الله على عباده في الحج ادركت ابي شيخا كبيرا لا يستطيع ان يستمسك على الراحلة (أفأحج عنه قال نعم. الخ انظر تلخيص الحبير (*)

[ 259 ]

أما الزيادة فلعدم تعلق الغرض بها. وأما النقصان فلما فيه من الاخلال بمقصود السائل. وعمر إنما سأل عن كون القبلة مفسدة للصوم أم لا ؟ فالجواب المطابق له إنما يكون بما يدل على الافساد أو عدمه وكون القبلة علة لنفي الفساد غير مسؤول عنه فلا يكون اللفظ الدال على ذلك جوابا مطابقا للسؤال، بخلاف النقض، فإنه يتحقق به أن القبلة غير مفسدة، فكان جوابا مطابقا للسؤال. القسم الرابع: أن يفرق الشارع بين أمرين في الحكم بذكر صفة، فإن ذلك يشعر بان تلك الصفة هي علة التفرقة في الحكم، حيث خصصها بالذكر دون غيرها فلو لم تكن علة، لكان ذلك على خلاف ما أشعر به اللفظ، وهو تلبيس يصان منصب الشارع عنه. وذلك منقسم إلى ما يكون حكم أحد الامرين مذكورا في ذلك الخطاب دون ذكر الآخر. وإلى ما لا يكون مذكورا فيه: (1) الاول: كما في قوله، عليه السلام: القاتل لا يرث فإنه خصص القاتل بعدم الميراث، بعد سابقة إرث من يرث. والثاني، فمنه ما تكون التفرقة فيه بلفظ الشرط والجزاء، كقوله لا تبيعوا البر بالبر إلى قوله فإذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم يدا بيد ومنه ما يكون بالغاية، كقوله تعالى * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (البقرة: 222) ومنه ما يكون بالاستثناء كقوله تعالى * (فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون) * (البقرة: 237) ومنه ما يكون بلفظ الاستدراك كقوله تعالى * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) * (المائدة: 89) ومنه أن يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر، كقوله عليه السلام للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم.


1 - والى مالا يكون مذكورا فيه - فيه تحريف والصواب والى ما يكون كل من الامرين مذكورا فيه. (*)

[ 260 ]

القسم الخامس - أن يكون الشارع قد أنشأ الكلام لبيان مقصود، وتحقيق مطلوب، ثم يذكر في أثنائه شيئا آخر، لو لم يقدر كونه علة لذلك الحكم المطلوب لم يكن له تعلق بالكلام، لا بأوله ولا بآخره، فإنه يعد خبطا في اللغة واضطرابا في الكلام، وذلك مما تبعد نسبته إلى الشارع، وذلك كقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) * فالآية إنما سيقت لبيان أحكام الجمعة لا لبيان أحكام البيع. فلو لم يعتقد كون النهي عن البيع علة للمنع عن السعي الواجب إلى الجمعة، لما كان مرتبطا بأحكام الجمعة، وما سيق له الكلام، ولا تعلق به، وذلك ممتنع، لما سبق. وقوله تعالى * (وذروا البيع) * وإن كانت صيغته صيغة أمر، إلا أنه في معنى النهي إذا النهي طلب ترك الفعل. وقوله تعالى * (وذروا البيع) * طلب لترك البيع، فكان نهيا. القسم السادس - أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا كقوله، عليه السلام لا يقضي القاضي، وهو غضبان فإنه يشعر بكون الغضب علة مانعة من القضاء لما فيه من تشويش الفكر واضطراب الحال، وكذلك إذا قال: أكرم العالم، وأهن الجاهل، فإنه يسبق إلى الفهم منه أن العلم علة للاكرام والجهل علة للاهانة وذلك لوجهين. الاول: ما ألف من عادة الشارع من اعتبار المناسبات دون إلغائها، فإذا قرن بالحكم في لفظه وصفا مناسبا غلب على الظن اعتباره له. الثاني: ما علمنا من حال الشارع أنه لا يرد بالحكم خليا عن الحكمة إذ الاحكام إنما شرعت لمصالح العبيد، وليس ذلك بطريق الوجوب، بل بالنظر إلى جري العادة المألوفة من شرع الاحكام (1) فإذا ذكر مع الحكم وصفا مناسبا، غلب


1 - رعاية المصلحة في شرع الاحكام لم يوجبها أحد سوى الله عليه وإنما أوجبها سبحانه على نفسه رحمة منه بعباده، ويقال ايضا إن رعاية المصلحة في التصرفات هو مقتضى الحكمة وموجب الرحمة فكان احكم الحاكمين، وارحم الراحمين، أولى بذلك في فعله وشرعه. (*)

[ 261 ]

على الظن أنه علة له إلا أن يدل الدليل على أنه لم يرد به ما هو الظاهر منه، فيجوز تركه. وذلك، كما في قوله لا يقضي القاضي وهو غضبان فإنه وإن دل بظاهره على أن مطلق الغضب علة، فجواز القضاء مع الغضب اليسير يدل على أن مطلق الغضب ليس بعلة، بل الغضب المانع من استيفاء النظر. وإذا عرفت أقسام الوصف المومي إليه، ترتب عليه النظر في مسألتين. المسألة الاولى اختلف الاصوليون في اشتراط مناسبة الوصف المومي إليه. فأثبته قوم، ونفاه آخرون، كالغزالي وأتباعه. حجة من قال باشتراط المناسبة أن الغالب من تصرفات الشارع أن تكون على وفق تصرفات العقلاء وأهل العرف (1) ولو قال الواحد من أهل العرف لغيره أكرم الجاهل، وأهن العالم قضى كل عاقل أنه لم يأمر بإكرام الجاهل لجهلة، ولا أن أمره بإهانة العالم لعلمه، وإن ذلك لا يصلح للتعليل، نظرا إلى أن تصرفات العقلاء لا تتعدى مسالك الحكمة وقضايا العقل. وأيضا فإن الاتفاق من الفقهاء واقع على امتناع خلو الاحكام الشرعية عن الحكم إما بطريق الوجوب على رأي المعتزلة، وإما بحكم الاتفاق على رأي أصحابنا (2) وسواء ظهرت الحكمة أم لم تظهر. وما يعلم قطعا أنه لا مناسبة فيه، ولا وهم المناسبة يعلم امتناع التعليل به. والمختار: أن تقول: أما ما كان من القسم السادس الذي فهم التعليل فيه مستندا إلى ذكر الحكم مع الوصف المناسب، فلا يتصور فهم التعليل فيه دون فهم المناسبة، لان عدم المناسبة فيما المناسبة شرط فيه يكون تناقضا. وأما ما سواه من


1 - لو قال تصرفات العقلاء لا تتعدى مسالك الحكمة وقضايا العقل، فاحكم الحاكمين أولى بذلك لكان انسب في حق الله ومغنيا عن قوله الغالب من تصرفات الشارع ان تكون على وفق تصرفات العقلاء فان فيها ما فيها. 2 - أصحابنا يعني الاشعرية - وقد تقدم ما في ذلك تعليقا ص 260 ج 3 الخ. (*)

[ 262 ]

الاقسام فلا يمتنع التعليل فيها بما لا مناسبة فيه، إلا أن تكون العلة بمعنى الباعث، وأما بمعنى الامارة والعلامة فلا. وعلى هذا، فما ذكروه من الحجة على امتناع التعليل بالوصف الطردي إنما يصح إن لو قيل إن التعليل بالوصف الطردي بمعنى الباعث، ولا اتجاه لها في التعليل بمعنى الامارة والعلامة. وعلى هذا، فلا امتناع في جعل الجهل علامة على الاكرام، والعلم علامة على الاهانة، إذا لم يكن هو الباعث بل الباعث غيره. المسألة الثانية اتفقوا على صحة الايماء فيما إذا كان حكم الوصف المومي إليه مدلولا عليه بصريح اللفظ، كالامثلة السابق ذكرها. وأما إذا كان اللفظ يدل على الوصف بصريحه، والحكم مستنبط منه، غير مصرح به، كما في قوله تعالى * (وأحل الله البيع وحرم الربا) * فإن اللفظ بصريحة يدل على الحل، والصحة مستنبطة منه. ووجه استنباط الصحة منه أنه لو لم يكن البيع صحيحا، لم يكن مثمرا، إذ هو معنى نفي الصحة وإذا لم يكن مثمرا مفيدا، كان تعاطيه عبثا، والعبث مكروه، والمكروه لا يحل. وعند ذلك، فيلزم من الحل الصحة لتعذر الحل مع انتفاء الصحة. وهذا (1) مما اختلف في كونه مومى إليه. فذهب قوم إلى امتناع الايماء تمسكا منهم بأن الايماء إنما يتحقق إذا دل اللفظ بوضعه على الوصف والحكم، كما سبق من الامثلة. وأما إذا دل على الوصف بالوضع، وكان الحكم مستنبطا منه، فلا يدل ذلك على كونه مومي إليه، كما إذا دل اللفظ على الحكم بوضعه، وكان الوصف مستنبطا منه، فإنه لا يدل على الايماء إلى الوصف، وذلك كما في قوله، عليه السلام حرمت الخمرة لعينها (2) فإنه يدل على الحكم، وهو التحريم وضعا، والشدة المطربة علة مستنبطة منه، وليست مومي إليها.


1 - وهذا - فيه تحريف، والصواب فهذا لانه جواب قوله واما إذا كان اللفظ. 2 - تقدم تعليقا ص 191 ج 3 ان هذا الحديث غير صحيح. فما بنى عليه من التمثيل = (*)

[ 263 ]

وذهب المحققون إلى كونه مومي إليه، وهو الحق. وذلك، لانه إذا كان اللفظ بصريحه يدل على الوصف، وهو الحل، والصحة لازمة له لما تقرر، فإثبات الحل وضعا يدل على إرادة ثبوت الصحة ضرورة كونها لازمة للحل، فيكون ثابتا بإثبات الشارع له مع وصف الحل وإثبات الشارع للحكم مقترنا بذكر وصف مناسب دليل الايماء إلى الوصف، كما لو ذكر معه الحكم بلفظ يدل عليه وضعا، ضرورة تساويهما في الثبوت، وإن اختلفا في طريق الثبوت، بأن كان أحدهما ثابتا بدلالة اللفظ وضعا، والآخر مستنبطا من مدلول اللفظ وضعا، لان الايماء إنما كان مستفادا عند ذكر الحكم والوصف بطريق الوضع من جهة اقتران الحكم بالوصف، لا من جهة كون الحكم ثابتا بطريق الوضع. وهذا بخلاف ما إذا كان الحكم مدلولا عليه وضعا، والوصف مستنبط منه. وذلك لان الوصف المستنبط من الحكم المصرح به، كما في المثال المذكور، لم يكن وجوده لازما من الحكم المصرح به، ولا مناسبته لتحققه قبل شرع الحكم بخلاف الصحة مع الحل، كما تقدم تحقيقه. والمعتبر في الايماء أن يكون الوصف المومي إليه مذكورا في كلام الشارع مع الحكم، أو لازما من مدلول كلامه (1) والامران مفقودان في الوصف المستبط بخلاف الحل مع الصحة (2).


= به لما حكمه منصوص وعلته مستنبط غير صحيح ايضا، والصحيح ان كلا من تحريم الخمر وعلته الموجبة له منصوص في الكتاب والسنة قال تعالى: يا أيها الذين أمنوا) - إلى قوله - (فهل انتم منتهون) وقوله (ص). 1 - أو لازما من مدلول كلامه - فيه سقط والاصل أو الحكم لازما من مدلول كلامه 2 - الحاصل ان الاقسام العقلية في هذا المقام اربعة. الاول ذكر الوصف والحكم في النص، كما في حديث لا يقضى القاضي وهو غضبان، وهذا متفق فيه على ان الوصف مومى إليه. الثاني ذكر الوصف والحكم مستنبط منه لازم له كما قوله تعالى (واحل الله البيع وحرم الربا) فحل البيع هنا وصف مستلزم للصحة والا لما كان للحل فائدة = (*)

[ 264 ]

المسلك الرابع: في إثبات العلة بالسير والتقسيم (1) وذلك أن يقال: الحكم الثابت في الاصل إما أن يكون ثابتا لعلة، أو لا لعلة لا جائز أن يقال بالثاني، إذا هو خلاف إجماع الفقهاء. على أن الحكم لا يخلو عن علة إما بجهة الوجوب، كما قالت المعتزلة. أولا بجهة الوجوب، كقول أصحابنا (2) وبتقدير جواز خلوه عن العلة فالخلو عنها على خلاف الغالب المألوف من شرع الاحكام، وذلك يدل ظاهرا على استلزام الحكم فيما نحن فيه للعلة. وإذا كان لا بد له من علة فإما بأن تكون ظاهرة أو غير ظاهرة. لا جائز أن تكون غير ظاهرة، وإلا كان الحكم تعبدا، وهو خلاف الاصل لوجوه ثلاثة. الاول أن إثبات الحكم بجهة التعقل أغلب من إثباته بجهة التعبد، وإدراج ما نحن فيه تحت الغالب أغلب على الظن. الثاني أنه إذا كان الحكم معقول المعنى، كان على وفق المألوف من تصرفات العقلاء وأهل العرف، والاصل تنزيل التصرفات الشرعية على وزان التصرفات العرفية.


= ولارتفع بارتفاع الصحة، وكذا القول في تحريم الربا فانه مستلزم لبطلان العقد، وهذا القسم مختلف في كون الوصف مومى إليه. والثالث ذكر الحكم في النص والوصف لازم له مستنبط منه كحل البيع للحاجة إلى تبادل المنافع فالحاصل منصوص والحاجة مستنبطة منه. وهذا متفق على انه ليس مومى إليه. الرابع وهو الا يذكر الحكم ولا الوصف فهذا لا وجود له. 1 - التقسيم لغة التجزئة، والمراد به هنا ترديد المستدل بين ما جمعه من الاوصاف التي يحتمل ان يكون كل منها علة الحكم، والسبر لغة الاختبار، والمراد منه هنا اختبار كل وصف من الاوصاف التي انحصر التعليل فيها بطريق من الطرق الآتية ليتميز ما يصلح منها للتعليل فيضاف إليه الحكم ويلغي منها ما لا يصلح للتعليل 2 - تقدم ما في ذلك تعليقا. (*)

[ 265 ]

الثالث أنه إذا كان معقول المعنى، كان أقرب إلى الانقياد، وأسرع في القبول، فكان أفضى إلى تحصيل مقصود الشارع من شرع الحكم فكان أولى وإذا كان لا بد من علة ظاهرة. فإذا قال المناظر، الموجود في محل الحكم لا يخرج عن وصفين أو ثلاثة مثلا، لاني بحثت وسبرت، فلم أطلع على ما سواه، وكان أهلا للنظر بأن كانت مدارك المعرفة بذلك لديه متحققة من الحس والعقل وكان عدلا ثقة فيما يقول. والغالب من حاله الصدق، غلب على الظن انتفاء ما سوى المذكور من الاوصاف أو قال (1) الاصل عدم كل موجود سوى ما وجد من الاوصاف المذكورة. إلا أن يدل الدليل عليه. والاصل عدم ذلك الدليل، فإنه يغلب على الظن الحصر فيما عينه. وإذا ثبت حصر الاوصاف فيما عينه فإذا بين بعد ذلك حذف البعض عن درجة الاعتبار في التعليل بدليل صالح مساعد له عليه، بحيث يغلب على الظن ذلك، فيلزم من مجموع الامرين (2) انحصار التعليل فيما استبقاه ضرورة امتناع خلو محل الحكم عن علة ظاهرة، وامتناع، وجود ما وراء الاوصاف المذكورة وامتناع إدراج المحذوف في التعليل لما دل عليه الدليل. فإن قيل: لعله لم يبحث ولم يسبر، وإن بحث وسبر، فلعله وجد وصفا وراء ما أدعى الحصر فيه، ولم يذكره ترويجا لكلامه وإن لم يجد شيئا وراء المذكور فلا يدل ذلك على عدمه فإن عدم العلم بالوصف جهل به والجهل بوجود الوصف لا يدل على عدمه وإن دل على عدمه بالنسبة إلى الباحث، فلا يدل على عدمه بالنسبة إلى الخصم، فإنه ربما كان عالما بوجود وصف آخر وراء المذكور. وعند ذلك فلا ينتهض بحث المستدل دليلا في نظر خصمه على العدم لعلمه بمناقضته. ثم وإن دل ذلك على حصر الاوصاف فيما ذكره، فحذف بعض الاوصاف عن درجة الاعتبار في التعليل إنما يلزم منه انحصار التعليل في المستبقي أن لو كان الحكم في


1 - أو قال - عطف على قوله قال الناظر. 2 - الامران هما حصر ما يحتمل ان يكون علة للحكم من الاوصاف والغاء ما لا يصلح منها للتعليل بطريق من طرق الالغاء الآتية ليتمحض ما بقي منها للتعليل. (*)

[ 266 ]

التعليل معقول المعنى. وإما على تقدير كونه غير معقول المعنى فلا، لانه جاز أن يشترك المحذوف والمستبقي في انتفاء الاعتبار وإن كان الحكم معقول المعنى، فغاية ما في حذف الوصف المحذوف إبطال معارض العللة. ولا يلزم من ذلك صحة كون المستبقي علة، لان صحة العلة إنما تكون بالنظر إلى وجود مصححها، لا بالنظر إلى انتفاء معارضها (1). قلنا: إذا كان الباحث مسلما عدلا، فالظاهر أنه صادق فيما أخبر به من البحث وعدم الاطلاع على وصف آخر. وعند ذلك فالقضاء بنفي الوصف لا يكون مستندا إلى عدم العلم به، بل بناء على الظن بعدمه، فإن الظن بعدم الشئ ملازم للبحث عن ذلك الشئ ممن هو أهله، مع عدم الاطلاع عليه. وعند ذلك، فالظاهر أنه لو كان الخصم يعلم وجود وصف آخر لابرزه، وأظهره إفحاما لخصمه، وإظهارا لعلم مست الحاجة إلى اظهاره، فدعوى العلم منه بوجود وصف آخر من غير بيان مع إمكان البيان، لا يكون مقبولا لظهور العناد فيه، ولو بين الخصم وجود وصف آخر، فإنا وإن تبينا انخرام حصر المستدل به. غير أنه إذا أدرجه في الابطال مع ما أبطل، فإنه لا يعد منقطعا فيما يقصده من التعليل بالوصف المستبقي. وإذا ثبت انحصار الاوصاف في القدر المذكور، فلا يخفى أنه إذا أخرج البعض عن درجة الاعتبار، تعين انحصار التعليل في المستبقي، فإنه وإن جاز أن يكون الحكم تعبدا غير أنه بعيد لما سبق تقريره. وليس القضاء بكون المستبقي علة بناء على إبطال المعارض بل على أن الحكم في محل التعليل لا بد له من علة ظاهرا. وعند ذلك، يغلب على الظن انحصارها في الاوصاف المذكورة. فإذا قام الدليل على إبطال البعض غلب على الظن التعليل بالمستبقي، ويكون ذلك الظن مستفادا من جملة القواعد الممهدة، لا من نفس إبطال المعارض. هذا كله في حق المناظر. (2)


1 - هذه ستة اعتراضات واردة على ما استدل به الناظر من قوله لاني بحثت الخ وقد اجاب عنها المستدل بستة اجوبة مرتبة ترتيبها. 2 - الناظر من بحث لنفسه فما غلب على ظنه وجب عليه العمل به والمناظر به = (*)

[ 267 ]

وأما الناظر المجتهد فإنه، مهما غلب على ظنه شئ من ذلك، فلا يكابر نفسه، وكان مؤاخذا بما أوجبه ظنه. وعند ذلك، فلا بد من بيان طرق الحذف. الاول: منها أن يبين المستدل أن الوصف الذي استبقاه قد ثبت به الحكم في صورة بدون الوصف المحذوف، وهو ملقب بالالغاء، وهو شديد الشبه بنفي العكس الذي ليس بمقبول، وسيأتي الفرق بينهما. ولا بد من بيان ثبوت الحكم مع الوصف المستبقي فإنه لو ثبت دونه كما ثبت المحذوف (1) كان ذلك إلغاء للمستبقي أيضا وعند ذلك (2) فيتبين استقلال المستبقي بالتعليل، ومع ظهور ذلك، فيمتنع إدخال الوصف المحذوف في التعليل في محل التعليل، لانه يلزم منه إلغاء وصف المستدل في الفرع مع استقلاله ضرورة تخلف ما لم يثبت كونه مستقلا، وهو ممتنع. ويمتنع أيضا إضافة الحكم في محل التعليل إلى الوصف المحذوف لا غير، لما فيه من إثبات الحكم بما لم يثبت استقلاله وإلغاء ما ثبت استقلاله، وهو ممتنع. لكن لقائل أن يقول: دعوى استقلال الوصف المستبقي في صورة الالغاء بالتعليل من مجرد إثبات الحكم مع وجوده وانتفاء الوصف المحذوف، غير صحيحة فإنه لو كان مجرد ثبوت الحكم مع الوصف في صورة الالغاء كافيا في التعليل بدون ضميمة ما يدل على استقلالة بطريق من طرق إثبات العلة لكان ذلك كافيا في أصل القياس، ولم يكن إلى البحث والسبر حاجة. وكذا غيره من الطرق فإذا لا بد من بيان الاستقلال بالاستدلال ببعض طرق إثبات العلة، وعند ذلك إن شرع المستدل في بيان الاستقلال ببعض طرق إثبات العلة، فإن بين الاستقلال في صورة الالغاء


= بحث مع خصم يناقشه في دليله فان اقنع المستدل خصمه أو ألزمه الحجة كان افحاما، وان عجز المستدل عن اتمام دليله أو انتقل إلى دليل آخر كان منقطعا 1 - وعند ذلك - يعني عند ثبوت الحكم دون الوصف المحذوف، وثبوته مع الوصف المستبقى في كل صورة فتبين.. الخ. (*)

[ 268 ]

بالبحث والبر، كما أثبت ذلك في الاصل الاول، فقد استقلت صورة الالغاء بالاعتبار، وأمكن أن تكون أصلا لعلته، وتبينا أن الاصل الاول لا حاجة إليه، فإن المصير إلى أصل لا يمكن التمسك به في الاعتبار إلا بذكر صورة أخرى مستقلة بالاعتبار، يكون تطويلا بلا فائدة وإن بين الاستقلال بطريق آخر، فيلزمه مع هذا المحذور محذور آخر، وهو الانتقال في إثبات كون الوصف. علة من طريق إلى طريق آخر، وهو شنيع في مقام النظر. الطريق الثاني - أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع عدم الالتفات إليه في إثبات الاحكام كالطول والقصر، والسواد والبياض، ونحوه. الطريق الثالث - أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع إلغاءه في جنس ذلك الحكم المعلل، فيجب إلغاؤه، وإن كان مناسبا. وذلك، كما في قوله عليه السلام من أعتق شركا له من عبد قوم عليه نصيب شريكه (1) فإنه وإن أمكن تقرير مناسبة بين صفة الذكورة وسراية العتق، غير أنا لما عهدنا من الشارع التسوية بين الذكر والانثى في أحكام العتق، ألغينا صفة الذكورة في السراية، بخلاف ما عداه من الاحكام. الطريق الرابع - إذا قال: بحثت في الوصف المحذوف، فلم أجد فيه مناسبة، ولا ما يوهم المناسبة، وكان أهلا للنظر والبحث عدلا، فالظاهر صدقه، وأن الوصف غير مناسب، ويلزم من ذلك حذفه، ضرورة كون العلة في الاصل بمعنى الباعث على ما تقرر قبل وامتناع اعتبار ما لا يكون مناسبا.


1 - جزء من حديث اخرجه السنة من طريق ابي هريرة قال قال رسول الله (ص) من اعتق شقصا له في عبد، فخلاصه في ماله ان كان له مال، فان لم يكن مال استعى العبد غير مشفوق عليه ورواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر قال قال رسول الله (ص) من اعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل فاعطي شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد والا فقد عتق منه ما عتق. (*)

[ 269 ]

فإن قيل: البحث والسبر وإن دل على عدم المناسبة في الوصف المحذوف فللمعترض أن يقول: بحثت في الوصف المستبقي، فلم أجد فيه مناسبة. وعند ذلك، فإن بين المستدل المناسبة فيه، فقد انتقل في إثبات العلة من طريق السبر إلى المناسبة. وإن لم يبين ذلك، لم يكن وصف المعترض بالحذف أولى من وصف المستدل. قلنا: إن كان قد سبق من المعترض تسليم مناسبة كل واحد من الوصفين، فلا يسمع منه بعد بيان المستدل نفي المناسبة في الوصف المحذوف، منع المناسبة في المستبقي، لكون مانعا لما سلمه، ولا يجب على المستدل بيان المناسبة في الوصف المستبقي. وإن لم يسبق من المعترض تسليم ذلك، فللمستدل طريق صالح في دفع السؤال من غير حاجة إلى بيان المناسبة في الوصف المستبقي، وهو ترجيح سبره على سبر المعترض بموافقته للتعدية، وموافقة سبر المعترض للقصور، والتعدية أولى من القصور، على ما يأتي تقريره في الترجيحات.

[ 270 ]

المسلك الخامس - في إثبات العلة المناسبة والاحالة (1). ويشتمل على ثمانية فصول الفصل الاول في تحقيق معنى المناسب قال أبو زيد: (2) المناسب عبارة عما لو عرض على العقول تلقته بالقبول. وما ذكروه، وإن كان موافقا للوضع اللغوي حيث يقال هذا الشئ مناسب لهذا الشئ، أي ملائم له، غير أن تفسير المناسب بهذا المعنى وإن أمكن أن يتحققه الناظر مع نفسه، فلا طريق للمناظر إلى إثباته على خصمه في مقام النظر لامكان أن يقول الخصم: هذا مما لم يتلقه عقلي بالقبول، فلا يكون مناسبا بالنسبة الي، وإن تلقاه عقل غيري بالقبول. فإنه ليس الاحتجاج علي بتلقي عقل غيري له بالقبول، أولى من الاحتجاج على غيري بعدم تلقي عقلي له بالقبول. وعلى هذا بني أبو زيد امتناع التمسك في إثبات العلة في مقام النظر بالمناسبة وقران الحكم بها، وإن لم يمتنع التمسك بذلك في حق الناظر، لانه لا يكابر نفسه فيما يقضي به عقله. والحق في ذلك أن يقال: المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم. وسواء كان ذلك الحكم نفيا أو إثباتا. وسواء كان ذلك المقصود جلب مصلحة أو دفع مفسدة. وهو أيضا غير خارج عن وضع اللغة لما بينه وبين الحكم من التعلق والارتباط. وكل ما له تعلق بغيره وارتباط فإنه يصح لغة أن يقال إنه مناسب له. ولا يخفى إمكان إثبات مثل ذلك في مقام النظر على الخصم، بما لو أعرض عنه الخصم وأصر معه على المنع، كان معاندا.


1 - والاحالة - الصواب والاخالة بالخاء المعجمة. 2 - ابو زيد - وهو عبيدالله بن عمر الدبوسي القاضي مات 430 ه‍. (*)

[ 271 ]

الفصل الثاني في تحقيق معنى المقصود المطلوب من شرع الحكم المقصود من شرع الحكم إما جلب مصلحة، أو دفع مضرة، أو مجموع الامرين بالنسبة إلى العبد، لتعالى الرب تعالى عن الضرر والانتفاع. وربما كان ذلك مقصودا للعبد لانه ملائم له، وموافق لنفسه. ولذلك، إذا خير العاقل بين وجود ذلك وعدمه، اختار وجوده على عدمه. وإذا عرف أن المقصود من شرع الحكم إنما هو تحصيل المصلحة أو دفع المضرة، فذلك إما أن يكون في الدنيا أو في الآخرة. فإن كان في الدنيا، فشرع الحكم إما أن يكون مفضيا إلى تحصيل أصل المقصود ابتداء، أو دواما، أو تكميلا. فالاول: مثل القضاء بصحة التصرف الصادر من الاهل في المحل تحصيلا لاصل المقصود المتعلق به من الملك أو المنفعة، كما في البيع والاجارة ونحوهما. وأما الثاني: فكالقضاء بتحريم القتل، وإيجاب القصاص على من قتل عمدا عدوانا، لافضائه إلى دوام المصلحة المعلقة بالنفس الانسانية المعصومة. وأما الثالث، فكالحكم باشتراط الشهادة ومهر المثل في النكاح، فإن مكمل لمصلحة النكاح، لا أنه محصل لاصلها لحصولها بنفس اعتبار التصرف وصحته. وأما في الاخرى فالمقصود العائد إليها من شرع الحكم لا يخرج عن جلب الثواب، ودفع العقاب. فالاول كالحكم بإيجاب الطاعات وأفعال العبادات، لافضائه إلى نيل الثواب ورفع الدرجات. والثاني فكالحكم بتحريم أفعال المعاصي، وشرع الزواجر عليها دفعا لمحذور العقاب المرتب عليها.

[ 272 ]

الفصل الثالث في بيان مراتب إفضاء الحكم إلى المقصود من شرع الحكم، واختلافها المقصود إما أن يكون حاصلا من شرع الحكم يقينا أو ظنا، أو أن الحصول وعدمه متساويان، أو أن عدم الحصول راجح على الحصول. أما الاول: فمثاله إفضاء الحكم بصحة التصرف بالبيع إلى إثبات الملك. وأما الثاني: فكشرع القصاص المرتب على القتل العمد العدوان صيانة للنفس المعصومة عن الفوات، فإنه مظنون الحصول راجح الوقوع، إذ الغالب من حال العاقل أنه إذا علم أنه إذا قتل قتل، أنه لا يقدم على القتل، فتبقى نفس المجني عليه، إلى نظائره من الزواجر، وليس ذلك مقطوعا به لتحقق الاقدام على القتل، مع شرع القصاص كثيرا. وأما القسم الثالث: فقلما يتفق له في الشرع مثال على التحقيق، بل على طريق التقريب، وذلك، كشرع الحد على شرب الخمر، لحفظ العقل، فإن إفضاءه إلى ذلك متردد، حيث إنا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين عليه، لا على وجه الترجيح والغلبة لاحد الفريقين على الآخر في العادة. ومثال القسم الرابع إفضاء الحكم بصحة نكاح الآيسة إلى مقصود التوالد والتناسل، فإنه، وإن كان ممكنا عقلا، غير أنه بعيد عادة، فكان الافضاء إليه مرجوحا. فهذه الاقسام الاربعة وإن كانت مناسبة نظرا إلى أنها موافقة للنفس، غير أن أعلاها القسم الاول لتيقنه، ويليه الثاني لكونه مظنونا راجحا. ويليه الثالث لتردده، ويليه الرابع لكونه مرجوحا. والقسمان الاولان متفق على صحة التعليل بهما عند القائلين بالمناسبة. وأما القسم الثالث والرابع، فلكون المقصود فيهما غير ظاهر، للمساواة في الثالث، والمرجوحية في الرابع. فالاتفاق واقع على صحة التعليل بهما إذا كان ذلك في آحاد الصور الشاذة، وكان المقصود ظاهرا من الوصف في غالب صور الجنس، وإلا فلا. وذلك، كما ذكرناه من مثال صحة نكاح الآيسة لمقصود التوالد، فإنه وإن

[ 273 ]

كان غير ظاهر بالنسبة إلى الآيسة، إلا انه ظاهر فيما عداها (1). وعلى هذا، فلو خلا الوصف الذي رتب عليه الحكم عن المقصود الموافق للنفس قطعا، وإن كان ظاهرا في غالب صور الجنس، كما في لحوق النسب في نكاح المشرقي للمغربية، وشرع الاستبراء في شراء الجارية لمعرفة فراغ الرحم، فيما إذا اشترى الجارية ممن باعها منه في مجلس البيع الاول لعلمنا بفراغ رحمها من غيره قطعا، وإن كان ذلك ظاهرا في غالب صور الجنس فيما عدا هذه الصور، فلا يكون مناسبا، ولا يصح التعليل به لان المقصود من شرع الاحكام الحكم (2) فشرع الاحكام مع انتفاء الحكمة يقينا لا يكون مفيدا، فلا يرد به الشرع خلافا لاصحاب أبي حنيفة.


1 - إذا كان التساوي والرجوحة في آحاد الصور الشاذة عاد الثالث والرابع إلى الثاني، ثم للنكاح مقاصد كثيرة، منها التناسل وعفة الفرج وإتراف النفس والتعاون على متاعب الحياة، وبعض مقاصده اهم من بعض، وإذن فبعد التناسل في نكاح الآيسة لا يفضي إلى عدم الحكمة أو المقصود مطلقا، وان افضى إلى ظن عدم مقصود من مقاصد النكاح. 2 - الحكم بكسر الحاء جمع حكمة. (*)

[ 274 ]

الفصل الرابع في أقسام المقصود من شرع الحكم واختلاف مراتبه في نفسه وذاته (1) وهو لا يخلو إما أن يكون من قبيل المقاصد الضرورية، أو لا يكون من قبيل المقاصد الضرورية. فإن كان من قبيل المقاصد الضرورية فإما أن يكون أصلا، أو لا يكون أصلا. فإن كان أصلا، فهو الراجع إلى المقاصد الخمسة التي لم تخل من رعايتها ملة من الملل، ولا شريعة من الشرائع، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال فإن حفظ هذه المقاصد الخمسة من الضروريات، وهي أعلى مراتب المناسبات. والحصر في هذه الخمسة الانواع إنما كان نظرا إلى الوقوع والعلم بانتفاء مقصد ضروري خارج عنها في العادة. أما حفظ الدين فبشرع قتل الكافر المضل وعقوبة الداعي إلى البدع. وأما حفظ النفوس فبشرع القصاص. وأما حفظ العقول فبشرع الحد على شرب المسكر. وأما حفظ الاموال التي بها معاش الخلق، فبشرع الزواجر للغصاب والسراق (2). وأما إن لم يكن أصلا فهو التابع المكمل للمقصود الضروري. وذلك كالمبالغة في حفظ العقل بتحريم شرب القليل من المسكر، الداعي إلى الكثير وإن لم يكن مسكرا. فإن أصل المقصود من حفظ العقل حاصل بتحريم شرب المسكر، لا بتحريم قليله، وإنما يحرم القليل للتكميل والتتميم. وأما إن لم يكن المقصود من المقاصد الضرورية. فإما أن يكون من قبيل ما تدعو حاجة الناس إليه، أو لا تدعو إليه الحاجة. فإن كان من قبيل ما تدعو إليه الحاجة، فإما أن يكون أصلا أو لا يكون أصلا.


1 - ارجع إلى كتاب المقاصد من كتاب الموافقات للشاطي فانه قسمها إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات وذكر مكملات كل منها، واوضحها بالتعاريف والامثلة. 2 - فيه سقط - تقديره واما حفظ النسل فبشرع النكاح وحد الجلد والرجم. (*)

[ 275 ]

فإن كان أصلا، فهو القسم الثاني: الراجع إلى الحاجات الزائدة. وذلك كتسليط الولي على تزويج الصغيرة، لا لضرورة ألجأت إليه، بل لحاجة تقييد الكفوء الراغب، خيفة فواته عند دعو الحاجة إليه، بعد البلوغ لا إلى خلف. وأما تسليط الولي على تربية الصغير وإرضاعه وشراء المطعوم والملبوس له، فليس من هذا القبيل، بل من قبيل الضروريات الاصلية التي لا تخلو شريعة عن رعايتها. وهذا القسم في الرتبة دون القسم الاول: ولهذا جاز اختلاف الشرائع فيه، دون القسم الاول، وهو في محل المعارضة، مع ما كان من قبيل التكملة والتتمة للقسم الاول. ولهذا، اشتركا في جواز اختلاف الشرائع فيهما. وإن لم يكن أصلا، فهو التابع الجاري مجرى التتمة والتكملة للقسم الثاني: وذلك كرعاية الكفاءة ومهر المثل في تزويج الصغيرة، فإنه أفضى إلى دوام النكاح وتكميل مقاصده، وإن كان أصل المقصود حاصلا دون ذلك. وهذ النوع في الرتبة دون ما تقدم، أما بالنظر إلى المقصود الذي هو من باب الضرورات والحاجات فظاهر، وأما بالنظر إلى ما هو من قبيل التكملة للمقصود الضروري فلكونه مكملا لما ليس بضروري. وأما إن كان المقصود ليس من قبيل الحاجات الزائدة، فهو القسم الثالث وهو ما يقع موقع التحسين والتزيين ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات وذلك كسلب العبيد أهلية الشهادة، من حيث إن العبد نازل القدر والمنزلة، لكونه مستسخرا للمالك مشغولا بخدمته، فلا يليق به منصب الشهادة لشرفها وعظم خطرها، جريا للناس على ما ألفوه وعدوه من محاسن العادات، وإن كان لا تتعلق به حاجة ضرورية ولا زائدة ولا هو من قبيل التكملة لاحدهما، وليس هذا من قبيل سلب ولايته على الطفل، فإن سلب ولايته من قبيل الحاجات، لان الولاية على الطفل تستدعي الخلو والفراغ والنظر في أحواله، واستغراق العبد بما هو الواجب عليه من خدمة مالكه مانع له من ذلك. ولا كذلك في الشهادة لاتفاقها في بعض الاحيان.

[ 276 ]

الفصل الخامس (1) اختلفوا في الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي على وجه يلزم منه وجود مفسدة مساوية له أو راجحة عليه، هل تنخرم مناسبته أو لا ؟ فأثبته قوم: ونفاه آخرون. وقد احتج من قال ببقاء المناسبة من وجوه أربعة. الاول: أن مناسبة الوصف تنبني على ما فيه من المصلحة، والمصلحة أمر حقيقي لا تختل (2) بمعارضة المفسدة. ودليله (3) أن المصلحة والمفسدة المتعارضتان إما أن يتساويا، أو تترجح إحداهما على الاخرى. فإن كان الاول، فإما أن تبطل كل إحداة منهما بالاخرى أو أن تبطل إحداهما بالاخرى من غير عكس، أو لا تبطل واحدة منها، بالاخرى الاول محال، لان عدم كل واحدة منهما إنما هو بوجود الاخرى، وذلك يجر إلى وجودهما مع عدمهما ضرورة أن العلة لا بد وأن تكون متحققة مع المعلول، والثاني محال (4) لعدم الاولوية، والثالث (5) هو المطلوب، وإن كانت إحداهما أرجح من الاخرى، فلا يلزم منه إبطال المرجوحة إلا أن تكون بينهما منافاة، ولا منافاة، لما بيناه من جواز اجتماعهما في القسم الاول ولان الراجحة منهما إذا كانت معارضة بالمرجوحة فإما أن ينتفي شئ من الراجحة لاجل المرجوحة، أو لا ينتفي منها شئ فإن كان الاول، فهو محال أن تتساويا لما سبق في القسم الاول، ولانه ليس انتفاء بعض الراحج وبقاء بعضه أولى من العكس ضرورة التساوي في الحقيقة، وإن تفاوتا، فالكلام في الراجح كالكلام في


1 - انظر ص 290 - 206 ج 19 من مجموع الفتاوي لابن تيمية. والجزء الثاني من الموافقات ومبحث الاوامر والنواهي من الجزء الثالث منها. 2 - لا تختل - الجملة خبر ثان للمصلحة. 3 - ودليله - دليل قوله (المصلحة امر حقيقي لا تختل الخ. 4 - والثاني محال - تحته صورتان الاولى بطلان المصلحة بالمفسدة دون العكس والثاني بطلان المفسدة بالمصلحة دون العكس، وعلة البطلان فيهما واحدة هي عدم الاولوية. 5 - هو في الحقيقة رابع لما تقدم من ان الثاني تحته صورتان (*)

[ 277 ]

الاول، وهو تسلسل ممتنع. وإذا كانت المصلحة لا تختل بمعارضة المفسدة، فالعقل يقضي بمناسبتها للحكم، وبالنظر إلى المعارض يقضي بانتفاء الحكم لاجل المعارض. ولهذا، يحسن من العاقل أن يقول الداعي إلى إثبات الحكم موجود غير أنه يمنعني منه مانع، ولو اختلت مناسبة الوصف، لما حسن من العاقل هذه المقالة. الوجه الثاني: أنه قد يتعارض في نظر الملك عند الظفر بجاسوس عدوه المنازع له في ملكه، قتله وعقوبته، زجرا له ولامثاله عن الحبس (1) المضر به والاحسان إليه وإكرامه إما للاستهانة بعدوه، أو لقصد كشف أسراره. وأي الامرين سلك فإنه لا يعد خارجا عن مذاق الحكمة، ومقتضى المناسبة، وإن لزم منه فوات المقصود الحاصل من سلوك مقابله، وسواء تساويا، أو كان أحدهما راجحا. الثالث: أنه إذا اجتمع الاخ من الابوين مع الاخ من الاب في الميراث، فإنه قد يتعارض في نظر الناظر تقديم الاخ من الابوين لاختصاصه بقرابة الامومة، والتسوية بينهما لاشتراكهما في جهة العصوبة، وإلغاء قرابة الامومة، وتفضيل الاخ من الابوين لاختصاصه بمزيد القرابة. ومع ذلك، فالعقل يقضي بتأدي النظر (2) من غير احتياج إلى ترجيح بأن ورود الشرع بالاحتمال الاول مناسب غير خارج عن مذاق العقول، ولو كان ترجيح الوصف المصلحي معتبرا في مناسبته لما كان كذلك. الرابع: أن الشارع قد ورد بصحة الصلاة في الدار المغصوبة نظرا إلى ما فيها من المصلحة، وبتحريمها نظرا إلى ما فيها من مفسدة الغصب. فلو اشترط الترجيح في المناسبة، لما ثبت الصحة، ولا التحريم، بتقدير التساوي بين مصلحة الصحة ومفسدة التحريم، ولا حكم الصحة بتقدير رجحان مفسدة الغصب، ولا التحريم بتقدير رجحان مصلحة الصحة لعدم المناسبة. وهذه الحجج ضعيفة:


1 - لحبس - فيه تحريف والصواب التجسس. 2 - بتأدي النظر - لعله ببادئ النظر - بباءين. (*)

[ 278 ]

أما الحجة الاولى فلقائل أن يقول: إن أردت أن مناسبة الوصف تنبني على أنه لا بد في المناسبة من المصلحة على وجه لا يستقل بالمناسبة، فمسلم. ولكن، لا يلزم من وجود بعض ما لا بد منه في المناسبة، تحقق المناسبة. وإن أردت أنها مستقلة بتحقيق المناسبة، فممنوع. وذلك، لان المصلحة وإن كانت متحققة في نفسها فالمناسبة أمر عرفي، وأهل العرف لا يعدون المصلحة العارضة بالمفسدة المساوية أو الراجحة مناسبة. ولهذا، إن من حصل مصلحة درهم على وجه يفوت عليه عشرة، يعد سفيها خارجا في تصرفه عن تصرفات العقلاء. ولو كان ذلك مناسبا، لما كان كذلك، وعلى هذا، فلا يلزم من اجتماع المصلحة والمفسدة تحقق المناسبة. وقوله: غير أنه يمنعني منه مانع. وإن كان صحيحا في العرف، فليس ذلك إلا لا خلال المانع المفسدي بمناسبة المصلحة، لا بمعنى أن الانتفاء محال على المفسدة (1) مع وجود المناسب للحكم. وعلى هذا، نقول بأن مناسبة كل واحدة من المصلحة والمفسدة تختل بتقدير التساوي وبتقدير مرجوحية إحداهما فالمختل مناسبتها دون مناسبة الراجحة ضرورة فوات شرط المناسبة، لا لان كل واحدة علة للاخلال بمناسبة الاخرى أو إحداهما، ليلزم في ذلك ما قيل. وأما الحجة الثانية: فلقائل أن يقول أيضا: مهما لم يترجح في نظر الملك وأهل العرف مصلحة ما عينه من أحد الطريقين من الاحسان أو الاساءة بمقتضى الحالة الراهنة، فإن فعله لا يكون مناسبا، ويكون بتصرفه خارجا عن تصرفات العقلاء. وأما الحجة الثالثة فلقائل أن يقول: لا نسلم جواز الجزم بمناسبة ما عين دون ظهور الترجيح في نظر الناظر، وبعد ظهور الترجيح، فليس الجزم بمناسبة الوصف في نفس الامر قطعا، لجواز أن يكون في نفسه مرجوحا، وإن لم يطلع عليه.


1 - محال على المفسدة - اي راجع إليها، ناشئ منها، وليس المراد بالمحال ما يقابل الواجب والجائز العقليين. (*)

[ 279 ]

وأما الحجة الرابعة، فبعيدة عن التحقيق، وذلك، لان الكلام إنما هو مفروض في إثبات حكم لمصلحة يلزم من إثباته تحصيلا للمصلحة مفسدة مساوية، أو راجحة، وما ذكر من مفسدة تحريم الغصب، وهي شغل ملك الغير غير لازمة من ترتيب حكم المصلحة عليها، وهو صحة الصلاة، فإنا وإن لم نقض بصحة الصلاة فالمفسدة اللازمة من الغضب لا تختل بل هي باقية بحالها، ولو كانت لازمة من حكم المصلحة لا غير، لانتفت المفسدة المفروضة بانتفاء حكم المصلحة، وليس كذلك. وحيث لم تكن مفسدة تحريم الغضب لازمة عن حكم المصلحة، كان من المناسب اعتبار كل واحدة منهما في حكمها، وهي المصلحة والمفسدة، إذ لا معارضة بينهما على ما تقرر. وإذا تقرر توقف المناسبة على الترجيح، فللمعلل ترجيح وصفه بطرق تفصيلية تختلف باختلاف المسائل، وله الترجيح بطريق إجمالي يطرد في جميع المسائل. وحاصله أن يقول المعلل لو لم يقدر ترجيح المصلحة على ما عارضها من المفسدة مع البحث وعدم الاطلاع على ما يمكن إضافة الحكم إليه في محل التعليل سوى ما ذكرته، لزم أن يكون الحكم قد ثبت تعبدا، وهو خلاف الاصل لوجهين. الاول: أن الغالب من الاحكام التعقل دون التعبد، فإدراج ما نحن فيه تحته أولى. الثاني: أنه إذا كان معقول المعنى، كان الحكم أقرب إلى الانقياد، وأدعى إلى القبول، فإن الانقياد إلى المعقول المألوف أقرب مما ليس كذلك، فكان أفضى إلى المقصود من شرع الحكم. لكن لقائل أن يقول: ما ذكرتموه من البحث عن وصف آخر تمكن إضافة الحكم إليه مع عدم الظفر به، وإن دل على ترجيح جهة المصلحة فهو معارض بما يدل على عدم ترجيحها، وهو عدم الاطلاع على ما به تكون راجحة على معارضها مع البحث عنه، وعدم الظفر به، وليس أحد البحثين أولى من الآخر. فإن قلتم: بل ما ذكرناه أولى من جهة أن بحثنا عن وصف صالح للتعليل وذلك لا يتعدى محل الحكم فمحله متحد وبحثكم إنما هو عما به الترجيح، وهو غير منحصر في محل الحكم، فإن ما به الترجيح قد يكون بما يعود إلى ذات العلة، وقد يكون بأمر خارج عنها، كما يأتي تقريره. فكان ما ذكرناه أولى.

[ 280 ]

قلنا: ما به الترجيح، إن كان خارجا عن محل الحكم، فلا يتحقق به الترجيح في محل الحكم، وإن كان في محل الحكم فقد استوى البحثان في اتحاد محلهما، ولا ترجيح بهذه الجهة، وبتقدير تسليم اتحاد محل بحث المستدل والتعدد في محل بحث المعترض. غير أن الظن الحاصل من البحثين، إما أن يكون متساويا أو متفاوتا: وبتقدير المساواة ورجحان ظن المعترض، فلا ترجيح في جانب المستدل. وإنما يترجح بتقدير أن يكون ظنه راجحا. ولا يخفى أن ما يقع على تقدير من تقديرين، يكون أغلب مما لا يقع إلا على تقدير واحد. وينبغي أن يعلم أن اشتراط الترجيح في تحقيق المناسبة إنما يتحقق على رأي من لا يرى تخصيص العلة. وأما من يرى جواز تخصيصها، وجواز إحالة انتفاء الحكم على تحقق المعارض مع وجود المقتضي، فلا بد له من الاعتراف بالمناسبة، وإن كانت المصلحة مرجوحة أو مساوية. فإن انتفاء الحكم بالمانع، مع وجود المقتضي، إما أن يكون لمقصود راجح على مقصود المقتضي للاثبات، أو مساو له أو مرجوح بالنسبة إليه، فإن كان راجحا فقد قيل بمناسبة المقتضي للاثبات مع كون مقصوده مرجوحا وإلا فلو لم يكن مناسبا كان الحكم منتفيا لانتفاء المناسب لا لوجود المانع وإن كان مساويا. فكذلك أيضا وإن كانت مفسدة المانع مرجوحة، فقد قيل بانتفاء الحكم له، ولولا مناسبته للانتفاء لما انتفى الحكم به، فإنه لو جاز أن ينتفي الحكم بما ليس بمناسب، لجاز أن يثبت بما ليس بمناسب.

[ 281 ]

الفصل السادس في كيفية ملازمة الحكمة لضابطها وبيان أقسامها فنقول: الحكمة اللازمة لضابطها إما أن تكون ناشئة عنه. وإما أن لا تكون ناشئة عنه. والتي لا تكون ناشئة عنه، إما أن تكون للوصف دلالة على الحاجة إليها، أو لا تكون كذلك. فالاول: كشرع الرخصة في السفر لدفع المشقة الناشئة من السفر. والثاني: كالحكم بصحة البيع بإفضائه، إلى الانتفاع بالعوض. فإن الانتفاع لازم لصحة البيع ظاهرا وليس ناشئا عن البيع، ولكن للبيع، وهو التصرف الصادر من الاهل في المحل، وهو الايجاب والقبول، دلالة على الجاحة إليه. والثالث: كما في ملك نصاب الزكاة فإنه يناسب إيجاب الزكاة من حيث إنه نعمة، والنعمة تناسب الشكر لافضاء الشكر إلى زيادة النعمة، على ما قال تعالى * (ولئن شكرتم لازيدنكم) *. والزكاة صالحة لان تكون شكرا لما فيها من إظهار النعمة، وإظهار النعمة في العرف يعد شكرا. ولا يخفى أن ما مثل هذا المقصود (1) وهو زيادة النعمة، ملازم لترتيب إيجاب الزكاة على ذلك النصاب وليس زيادة النعمة ناشئة عن نفس ملك النصاب، كما كانت المشقة ناشئة عن السفر، ولا لملك النصاب، دلالة على الحاجة إلى زيادة النعمة، كدلالة البيع على الحاجة إلى الانتفاع.


1 - ولا يخفى ان ما مثل هذا المقصود - تكرر من الآمدي استعمال هذا التركيب وعبارته قلقة وقد تقدم الكلام على ذلك تعليقا ص 141 ج 2. واقول لو حذفت ما، أو بقيت وزيد بعدها كان لسهلت العبارة ووضح معناها. (*)

[ 282 ]

الفصل السابع في أقسام المناسب بالنظر إلى اعتباره، وعدم اعتباره فنقول: الوصف المناسب إما أن يكون معتبرا في نظر الشارع، أو لا يكون معتبرا: فإن كان معتبرا، فاعتباره إما أن يكون بنص، أو إجماع، أو بترتيب الحكم على وفقه في صورة بنص أو إجماع. فإن كان معتبرا بنص أو إجماع، فيسمى المؤثر، على ما سبق تحقيقه في المسائل المتقدمة، وإذا كان معتبرا بترتيب الحكم على وفقه في صورة، فالذي تقتضيه القسمة العقلية تسعة أقسام. وذلك، لانه إما أن يكون معتبرا بخصوص وصفه، أو بعموم وصفه، أو بخصوصه وعمومه، وإن كان معتبرا بخصوص وصفه دون عموم وصفه. فإما أن يكون معتبرا في عين الحكم المعلل أو في جنسه، أو في عينه وجنسه. وإن كان معتبرا بعموم وصفه فإما أن يكون معتبرا في عين الحكم أو جنسه أو في عينه وجنسه وإن كان معتبرا بعموم وصفه وخصوصه فإما أن يكون معتبرا في عين الحكم أو جنسه أو في عينه وجنسه. وأما إن لم يكن الوصف معتبرا، فلا يخلو إما أن يظهر مع ذلك إلغاؤه أو لم يظهر منه ذلك. فهذه جملة الاقسام المذكورة غير أن الواقع منها في الشرع لا يزيد على خمسة. القسم الاول: أن يكون الشارع قد اعتبر خصوص الوصف في الحكم وعموم الوصف في عموم الحكم في أصل آخر، وذلك كما في إلحاق القتل بالمثقل، بالمحدد لجامع القتل العمد العدوان، فإنه قد ظهر تأثير عين القتل العمد العدوان في عين الحكم وهو وجوب القتل في المحدد وظهر تأثير جنس القتل من حيث هو جناية على المحل المعصوم بالقود في جنس القتل من حيث هو قصاص في الايدي، وهذا القسم هو المعبر عنه بالملائم، وهو متفق عليه بين القياسين، ومختلف فيما عداه. القسم الثاني: أن يكون الشارع قد اعتبر خصوص الوصف في خصوص

[ 283 ]

الحكم من غير أن يظهر اعتبار عينه في جنس ذلك الحكم في أصل آخر متفق عليه ولا جنسه في عين ذلك الحكم ولا جنسه في جنسه، ولا دل على كونه علة نص. ولا إجماع، لا بصريحه ولا إيمائه، وذلك كمعنى الاسكار، فإنه يناسب تحريم تناول النبيذ، وقد ثبت اعتبار عينه في عين التحريم في الخمر، ولم يظهر تأثير عينه في جنس ذلك الحكم، ولا جنسه في عينه ولا جنسه في جنسه، ولا إجماع عليه، فلو قدرنا انتفاء النصوص الدالة على كون الاسكار علة فلا يكون معتبرا بنص أيضا، وهذا هو المناسب الغريب، وهو مختلف فيه بين القياسين، وقد أنكره بعضهم، وإنكاره غير متجه لانه يفيد الظن بالتعليل. ولهذا فإنا إذا رأينا شخصا قابل الاحسان بالاحسان، والاساءة بالاساءة، مع أنه لم يعهد من حاله قبل ذلك شئ فيما يرجع إلى المكافأة وعدمها، غلب على الظن ما رتب الحكم عليه. والذي يؤيد ذلك أنه لا يخلو إما أن يكون الحكم قد ثبت لعلة، أو لا لعلة. فإن كان لا لعلة، فهو بعيد لما سبق تقريره من امتناع خلو الاحكام عن العلل. وإن كان لعلة، فإما أن يكون لما لم يظهر، أو لما ظهر: الاول ويلزم منه التعبد، وهو بعيد، على ما عرف، والثاني هو المطلوب. فإن قيل: الفرق بين ما نحن فيه، وبين صورة الاستشهاد إنا قد ألفنا من تصرفات العقلاء مقابلة الاحسان بالاحسان، والاساءة بالاساءة، فكان ذلك من قبيل القسم الاول، وهو الملائم المتفق عليه، لا من قبيل القسم الثاني، وهو الغريب المختلف فيه. قلنا: نحن إنما نفرض الكلام في شخص لم يعهد من حاله قبل ذلك الفعل موافقة ولا مخالفة، فلا يكون من الملائم المتفق عليه، ولا من الملغى. ومع ذلك فإن التعليل يظهر من فعله لكل عاقل، نظرا إلى أن الغالب إنما هو غلبة طبيعة المكافأة بالانتقام، والاحسان، في حق العاقل، كما أن الغالب من الشارع اعتبار المناسبات دون إلغائها. وليس هذا من القسم الاول في شئ، لان القسم الاول مفروض فيما علم من الشارع اعتبار العين في العين فيه، والجنس في الجنس، والفرق بين الامرين ظاهر. القسم الثالث: أن يكون الشارع قد اعتبر جنس الوصف في جنس الحكم لا غير، أي أنه لم يعتبر مع ذلك عينه في عينه، ولا عينه في جنسه، ولا جنسه في عينه،

[ 284 ]

ولا دل عليه نص ولا إجماع. وهذا أيضا من جنس المناسب الغريب المختلف فيه بين القياسين إلا أنه دون القسم الثاني، وذلك لان الظن الحاصل باعتبار الخصوص في الخصوص لكثرة ما به الاشتراك أقوى من الظن الحاصل من اعتبار العموم في العموم، وذلك كاعتبار جنس المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر، في جنس التخفيف. فإن عين مشقة الحائض ليست عين مشقة المسافر، بل من جنسها، وعين التخفيف عن المسافر بإسقاط الركعتين الزائدتين ليس عين التخفيف عن الحائض بإسقاط أصل الصلاة بل من جنسها. واعلم أن الوصف المعلل به، وكذلك الحكم المعلل له أجناس: منها ما هو عال ليس فوقه ما هو أعلى منه. ومنها ما هو قريب إليه، ليس بينه وبينه واسطة، ومنها ما هو متوسط بين الطرفين، إما على السواء، أو أنه إلى أحد الطرفين أقرب من الآخر. فأما الجنس العالي للحكم الخاص، فكونه حكما، وأخص منه كونه وجوبا أو تحريما أو غير ذلك من الاحكام. وأخص من الوجوب العبادة وغير العبادة. وأخص من العبادة الصلاة، وغير الصلاة وأخص من الصلاة الفرض والنفل. وأما الجنس العالي للوصف الخاص فكونه وصفا تناط الاحكام به، وأخص منه كونه مناسبا بحيث يخرج منه الشبهي، وأخص منه المصلحة الضرورية. وأخص منه حفظ النفس والعقل، وعلى هذا النحو فالظن في هذا القسم مما يزيد وينقص بسبب التفاوت فيما به الاشتراك، من الجنس العالي والسافل والمتوسط فيما كان الاشتراك فيه بالجنس السافل، فهو أغلب على الظن، وما كان الاشتراك فيه بالاعم، فهو أبعد، وما كان بالمتوسط، فمتوسط على الترتيب في الصعود والنزول. القسم الرابع: المناسب الذي لم يشهد له أصل من أصول الشريعة بالاعتبار بطريق من الطرق المذكورة، ولا ظهر إلغاؤه في صورة، ويعبر عنه بالمناسب المرسل (1) وسيأتي الكلام عنه فيما بعد.


1 - يعبر عنه ايضا بالمصلحة المرسلة. وسيأتي الكلام عليها في الادلة المختلف فيها. (*)

[ 285 ]

القسم الخامس: المناسب الذي لم يشهد له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه، وظهر مع ذلك إلغاؤه وإعراض الشارع عنه في صوره، فهذا مما اتفق على إبطاله، وامتناع التمسك به. وذلك كقول بعض العلماء، لبعض الملوك، لما جامع في نهار رمضان وهو صائم يجب عليك صوم شهرين متتابعين. فلما أنكر عليه، حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله، قال لو أمرته بذلك لسهل عليه ذلك واستحقر إعتاق رقبة في قضاء شهوة فرجه، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم، مبالغة في زجره. فهذا وإن كان مناسبا، غير أنه لم يشهد له شاهد في الشرع بالاعتبار مع ثبوت الغاية بنص الكتاب. الفصل الثامن في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة وذلك، لان الاحكام إنما شرعت لمقاصد العباد. أما أنها مشروعة لمقاصد وحكم فيدل عليه الاجماع والمعقول. أما الاجماع: فهو أن أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا تخلو عن حكمة ومقصود، وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجوب، كما قالت المعتزلة، أو بحكم الاتفاق والوقوع من غير وجوب كقول أصحابنا (1) وأما المعقول فهو أن الله تعالى حكيم في صنعه، فرعاية الغرض في صنعه، إما أن يكون واجبا، أو لا يكون واجبا: فإن كان واجبا، فلم يخل عن المقصود، وإن لم يكن واجبا، ففعله للمقصود يكون أقرب إلى موافقة المعقول من فعله بغير مقصود، فكان المقصود لازما من فعله ظنا. وإذا كان المقصود لازما في صنعه فالاحكام من صنعه (2) فكانت لغرض ومقصود. والغرض إما أن يكون عائدا إلى


1 - تقدم ما فيه تعليقا غير مرة. 2 - لو قال المعتزلي: أحكام الله من صنعه لقلنا انه بنى تعبيره على مذهبه من ان كلام الله مخلوق لفظه ومعناه، لكن الآمدي اشعري يرى احكام الله خطابه = (*)

[ 286 ]

الله تعالى، أو إلى العباد. ولا سبيل إلى الاول لتعاليه عن الضرر والانتفاع، ولانه على خلاف الاجماع، فلم يبق سوى الثاني. وأيضا فإن الاحكام مما جاء بها الرسول، فكانت رحمة للعالمين، لقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) * (الانبياء: 107). فلو خلت الاحكام عن حكمة عائدة إلى العالمين ما كانت رحمة، بل نقمة، لكون التكليف بها محض تعب ونصب. وأيضا قوله تعالى: * (ورحمتي وسعت كل شئ) * (الاعراف: 156) فلو كان شرع الاحكام في حق العباد لا لحكمة، لكانت نقمة لا رحمة، لما سبق، وأيضا قوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام (1) فلو كان التكليف بالاحكام لا لحكمة عائدة إلى العباد، لكان شرعها ضررا محضا، وكان ذلك بسبب الاسلام، وهو خلاف النص. وإذا ثبت أن الاحكام إنما شرعت لمصالح العباد، فإذا رأينا حكما مشروعا مستلزما لامر مصلحي، فلا يخلو إما أن يكون ذلك هو الغرض من شرع الحكم أو ما لم يظهر لنا، لا يمكن أن الغرض ما لم يظهر لنا، وإلا كان شرع الحكم تعبدا وهو خلاف الاصل، لما سبق تقريره. فلم يبق إلا أن يكون مشروعا لما ظهر،


= وانها قديمة غير مخلوقة، وانها شئ واحد في نفسه، وان تعددت باعتبار متعلقاتها وتعلقاتها كما تقدم ذلك ص 249 ج 3 فكيف يقول هنا ان احكام الله من صنعه: فكان ينبغي أن يقول احكام الله من شرعه، إحقاقا للحق وتأدبا مع الله في نسبة صفاته إليه وليسلم من التناقض. 1 - رواه احمد في مسنده، وعبد الرزاق في مصنفه، وابن ماجه في سننه من طريق ابن عباس بلفظ (لاضرر ولاضرار) وفي سنده جابر بن يزيد الجعفي وهو رافضي مدلس، وقد ضعفه جماعة ورماه آخرون بالكذب، مات سنة عام 128 أو 132 ه‍ وقد رواه الطبراني في معجمه الوسط من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (ص) (لا ضرر ولاضرار في الاسلام) وفي اسناده محمد بن اسحاق وهو مدلس وقد عنعن، وللحديث طرق اخرى لا يخلو بعضها من مطعن، ولكن معناه صحيح يشهد له استقراء نصوص الشريعة والاصول العامة في الكتاب والسنة. (*)

[ 287 ]

، وإذا كان ذلك مظنونا، فيجب العمل به، لان الظن واجب الاتباع في الشرع، ويدل على ذلك إجماع الصحابة على العمل بالظن ووجوب اتباعه في الاحكام الشرعية. فمن ذلك ما اشتهر عنهم في زمن عمر من تقدير حد شارب الخمر بثمانين جلدة بسبب ظن وقع لهم من قول علي، رضي الله عنه أرى أنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي وإذا هذي افترى، فأرى أن يقام عليه حد المفترين (1) إقامة للشرب الذي هو مظنة الافتراء مقام الافتراء في حكمه. ومن ذلك حكمهم في إمامة أبي بكر بالرأي والظن، وقياسهم العهد على العقد في الامامة، ورجوعهم إلى اجتهاد أبي بكر في قتال بني حنيفة حيث امتنعوا من أداء الزكاة، واتفاقهم على كتبة المصحف وجمع القرآن بين الدفتين بالرأي والظن واتفاقهم على الاجتهاد في مسألة الجد والاخوة على وجوه مختلفة. ومن ذلك ما اشتهر عن آحاد الصحابة من العمل بالظن والرأي من غير نكير عليه. فمن ذلك قول أبي بكر أقول في الكلالة برأيي وحكمه. بالرأي في التسوية في العطاء. ومن ذلك قول عمر أقول في الجد برأيي، وأقضي فيه برأيي وقضى فيه بآراء مختلفة. وقوله في حديث الجنين لولا هذا، لقضينا فيه برأينا. وتشريكه في المسألة الحمارية، لما قيل له هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا من أم واحدة ؟ ومن ذلك ما نقل عن عثمان إنه قال لعمر في بعض الاحكام إن اتبعت رأيك فرأيك أسد، وإن تتبع من قبلك، فنعم ذلك الرأي. إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى ولان عملهم بالرأي مع الاختلاف، اما ان يكون مع وجود دليل قاطع


1 - روى القصة مالك في الموطأ من طريق ثور بن يزيد الديلي عن عمر، واخرجها الحاكم في المستدرك من طريق ثور عن عكرمة عن ابن عباس، ورواها عبد الرزاق في مصنفه من طريق عكرمة عن عمر بن الخطاب، وقد روى مسلم القصة في صحيحه من طريق انس بن مالك، وفيها ان الذي اشار على عمر هو عبد الرحمن بن عوف، فيجوز ان يكون كل من علي وعبد الرحمن اشار على عمر ان يجلد الشارب ثمانين جلدة. (*)

[ 288 ]

فيما اختلفوا فيه، أو لا مع وجود دليل قاطع، لا جائز ان يقال بالاول وإلا كان المخالف فاسقا والموافق بالسكوت عن الانكار فاسقا، ويلزم من ذلك تعيمم الفسق بجميع الصحابة، وهو ممتنع لما سبق من الدلالة على عصمتهم فلم يبق سوى الثاني وهو المطلوب فإن قيل: لا نسلم استلزام شرع الاحكام للحكم والمقاصد، وذلك لان شرع الاحكام من صنع الله تعالى (1) وصنعه إما أن يستلزم الحكمة والمقصود، أو لا يستلزم، والاول ممتنع لسبعة عشر وجها: الاول: أن القائل قائلان: قائل يقول بأن أفعال العبيد مخلوقة لله تعالى، وقائل إنها مخلوقة للعبيد فمن قال إنها مخلوقة لله تعالى فيلزمه من ذلك أن يكون خالقا للكفر والمعاصي وأنواع الشرور، مع أنه لا حكمة ولا مقصود في خلق هذه الاشياء، ومن قال إنها مخلوقة للعبيد فإنما كانت مخلوقة لهم بواسطة خلق الله تعالى القدرة لهم على ذلك، فخلقه للقدرة الموجبة لهذه الامور لا يكون أيضا لحكمة. الثاني: أنه لو استلزم فعله للحكمة، ما أمات الانبياء، وأنظر إبليس، وما أوجب تخليد أهل النار في النار، لعدم الحكمة في ذلك. الثالث: أنه لو كان لحكمة ومقصود، فعند تحقق الحكمة، لا يخلو إما أن يجب الفعل، بحيث لا يمكن عدمه، أو لا يجب: فإن كان الاول، فيلزم منه أن يصير الباري تعالى مضطرا غير مختار، وإن لم يجب الفعل فقد أمكن وجوده تارة وعدمه تارة وعند ذلك إما أن يترجح أحد الممكنين على الآخر لمقصود، أو لا لمقصود فإن كان الاول، فالكلام فيه كالكلام في الاول، وهو تسلسل ممتنع. وإن كان الثاني، فهو المطلوب. الرابع: أنه لو كان صنع الرب تعالى يستلزم الغرض والمقصود، فذلك المقصود إما أن يكون حادثا أو قديما: فإن كان قديما، فيلزم منه قدم الصنع والمصنوع، وهو محال. وإن كان حادثا، فإما أن يتوقف حدوثه على مقصود آخر، أو لا يتوقف، فالاول يلزم منه التسلسل، والثاني هو المطلوب.


1 - تقدم ما فيه تعليقا ص 285 ج 3، وقد يقال هنا إن شرع الاحكام غير الاحكام. (*)

[ 289 ]

الخامس: أنه تعالى قد كلف بالايمان من علم أنه لا يؤمن، كأبي جهل وغيره، وذلك مما يستحيل معه الايمان، وإلا كان علمه جهلا. والتكليف بما لا يمكن وقوعه على وجه يعاقب المكلف على عدم فعله، مجرد عن الغرض والحكمة. السادس: أن حكم الله هو كلامه وخطابه. وكلامه وخطابه قديم، والمقصود لا جائز أن يكون قديما، وإلا لزم منه موجود قديم غير الباري تعالى وصفاته، وهو محال. وإن كان حادثا، فيلزم منه تعليل القديم بالحادث، وهو ممتنع. السابع: أن خلق الباري تعالى للعالم في وقته المعلوم المحدود، مع جواز خلقه قبله أو بعده، وتقديره بشكله المقدر، مع جواز أن يكون أصغر أو أكبر، مما لا يوقف منه على غرض ومقصود. الثامن: أنه لو كان له في فعله غرض ومقصود، لم يخل إما أن يكون فعله لذلك الغرض أولى من تركه، أو لا يكون أولى: فإن كان الاول، فيلزمه منه أن يكون الرب تعالى مستكملا بذلك الصنع، وناقصا قبله، وهو محال، وإن لم يكن فعله أولى من الترك، امتنع الفعل لعدم الاولوية. التاسع: أن الحكم والمقاصد خفية، وفي ربط الاحكام الشرعية بها ما يوجب الحرج في حق المكلف باطلاعه عليها بالبحث عنها. والحرج منفي بقوله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) *. العاشر: أن وجود الحكمة مما يجب تأخره عن وجود شرع الحكم، وما يكون متأخرا في الوجود يمتنع أن يكون علة لما هو متقدم عليه. الحادي عشر: أنه لو كان شرع الاحكام للحكم، لكانت مفيدة لها قطعا، وذلك لان الله تعالى قادر على تحصيل تلك الحكمة قطعا. فلو فعل ما فعله قصدا لتحصيل تلك الحكمة، لكان الظاهر منه أنه فعله على وجه تحصل الحكمة به قطعا، وأكثر الاحكام من الزواجر وغيرها غير مفيدة لما ظن أنها حكم لها قطعا. الثاني عشر: أنه لا يخلو إما أن يكون الرب تعالى قادرا على تحصيل تلك الحكمة الحاصلة من شرع الحكم دون شرع الحكم أو لا يكون قادرا عليه: لا جائز أن لا يكون قادرا إذ هو صفة نقص، والنقص على الله محال، وإن كان قادرا على ذلك، فشرع الحكم وتوسطه في البين لا يكون مفيدا، بل هو محض عناء وتعب.

[ 290 ]

الثالث عشر: أن خلق الكافر شقيا في الدنيا مخلدا في العذاب في الاخرى، مما لا حكمة فيه ولا مقصود. الرابع عشر: أن الله تعالى قد أوجب على المكلف معرفته، وذلك إما أن لا يكون على العارف به أو على غير العارف: الاول فيه تحصيل الحاصل، والثاني يلزم منه المحال، حيث أوجب معرفته على من لا يعرفه مع توقف معرفة إيجابه على معرفة ذاته، وهو دور، ولا مصلحة في شئ من ذلك. الخامس عشر: أن الله تعالى قد أقدر العباد على المعاصي وتركهم يرتكبون الفواحش، وهو مطلع عليهم، وقادر على منعهم من ذلك، ولم يفعل شيئا من ذلك، وذلك مما لا حكمة فيه. السادس عشر: أن الحكمة إنما تطلب في حق من تميل نفسه في صنعه إلى جلب نفع أو دفع ضرر، والرب تعالى منزه عن ذلك. السابع عشر: أن الحكمة إنما تطلب في فعل من لو خلا فعله عن الحكمة، لحقه الذم، وكان عابثا، والرب يتعالى عن ذلك، لكونه متصرفا في ملكه بحسب ما يشاء ويختار من غير سؤال عما يفعل، على ما قال تعالى: * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * (الانبياء: 23) وإن لم يكن فعله مستلزما للحكمة فهو المطلوب. سلمنا استلزام شرع الحكم للحكمة، ولكن لا يلزم أن يكون ما ظهر من المناسب علة، ولو كان يدل المناسب على كونه علة، لكانت أجزاء العلة المناسبة عللا، بل غايته أن تكون جزء علة. ولا يلزم من وجود جزء العلة في الفرع وجود الحكم. سلمنا غلبة الظن بكون ما ظهر من المناسب علة، ولكن لا نسلم وجوب العمل بالظن مطلقا لما سنبينه في مسألة كون القياس حجة، وما ذكرتموه من الدلائل فسيأتي الكلام عليها أيضا في مسألة كون القياس حجة. والجواب عما ذكروه من المنع ما سبق تقريره (1)، وعن الشبهة الاولى من ثلاثة أوجه: الاول: أن القدرة إنما تتعلق بالحدوث والوجود لا غير، والكفر وأنواع المعاصي والشرور راجعة إلى مخالفة نهي الشارع، وليس ذلك من متعلق القدرة في شئ. (2)


1 - يعني دليل الاجماع وأدلة العقل والنقل التي ذكرها أول الفصل الثامن ص 285 ج 3 2 - هذا الجواب غير صحيح لوجهين الاول ان الاول ان الامور المنهى عنها من الكفر = (*)

[ 291 ]

الثاني: وإن سلمنا أن جميع ذلك مخلوق لله تعالى، فنحن لا ندعي ملازمة الحكمة لا فعاله مطلقا، حتى يطرد ذلك في كل مخلوق، بل إنما ندعي ذلك فيما يمكن مراعاة الحكمة فيه، وذلك ممكن فيما عدا أنواع الشرور والمعاصي (1)، ولا ندعي ذلك قطعا بل ظاهرا. الثالث: وإن سلمنا لزوم الحكمة لافعاله مطلقا، ولكن لا نسلم امتناع ذلك فيما ذكروه من الصور قطعا، لجواز أن يكون لازمها حكم لا يعلمها سوى الرب تعالى. وبهذين الجوابين الاخيرين يكون جواب الشبهة الثانية. وعن الثالثة أن وجود الفعل وإن قدر تحقق الحكمة، غير واجب، بل هو تبع لتعلق القدرة والارادة به، ومع ذلك فالباري لا يكون مضطرا بل مختارا. وعن الرابعة: أن المقصود حادث، ولكن لا يفتقر إلى مقصود آخر، فإنا إنما ندعي ذلك فيما هو ممكن، وافتقار المقصود إلى مقصود آخر غير ممكن لافضائه إلى التسلسل الممتنع، وإن كان مفتقرا إلى مقصود، فذلك المقصود هو نفسه لا غيره، فلا تسلسل.


= والربا والزنا ونحوها من المعاصي، والشرور، افعال تتعلق بها القدرة فمخالف الامور المنهي عنها تتعلق قدرته باحداثها وايجادها واما موافقة النهى بترك المنهي عنه فمن باب التروك، والتروك قد يدعى فيها انها ليست بافعال، فلا تتعلق بها قدرة ولا يكون فيها تكليف. وقد يفسر ترك المنهى بالكف عنه والكف فعل تتعلق به القدرة والتكليف والثاني ان مخالفة نهي الشارع بالكفر ونحوه لو لم تتعلق به القدرة لم يكن العبد مكلفا به ولم يكن من كسبه فلا يعاقب عليه، وذلك باطل. 1 - الجواب الثاني: أيضا غير صحيح. فان ما ذكر من الاجماع وادلة العقل والنقل اول الفصل الثامن دل على ان جميع فعال الله وأحكام شرعه مبنية على الحكمة دون فرق بين انواعها من خير وشر وأمر ونهي، فالجواب الصحيح أن الافعال مخلوقة، لله وهي باعتبار صدورها عنه مقتضى الحكمة وموجب العدالة. وان تألم منها العباد وكانت في ظاهرها شرا فقد تكون ابتلاء وامتحانا لرفع الدرجات = (*)

[ 292 ]

وعن الخامسة: أنا لا ندعي لزوم المقصود في كل فعل ليلزمنا ما قيل، وإن كان ذلك لازما، فلا يمتنع أن يكون ذلك لحكمة استأثر الرب تعالى بالعلم بها، كما بيناه في التكليف بما لا يطاق. وعن السادسة: أن الحكم ليس هو نفس الكلام القديم كما سبق تقريره، بل الكلام بصفة التعلق، فكان حادثا (1)، وإن كان الحكم قديما. والمقصود حادثا فإنما يمتنع تعليله به أن لو كان موجبا للحكم، وليس كذلك، (2) بل إما بمعنى الامارة والعلامة عند من يقول بذلك، والحادث لا يمتنع أن يكون أمارة على القديم، وإما بمعنى الباعث فلا يمتنع أيضا أن يكون متأخرا، ويكون حكم الله القديم بما حكم به لاجل ما سيوجد من المقصود الحادث. وعن السابعة: بمنع انتفاء الحكمة فيما قيل، وإن لم تكن معلومة لنا. وعن الثامنة: أن فعله لذلك الغرض أولى من تركه، لكن بالنظر إلى المخلوق دون الخالق. وعن التاسعة: أنه لا حرج في ربط الاحكام بالحكم، إذا كانت منضبطة بأنفسها أو بأوصاف ظاهرة ضابطة لها لعدم العسر في معرفتها، وإن كان في ذلك نوع عسر وحرج يكد العقل في الاجتهاد فيها، فلا نسلم خلو ذلك عن المقصود، وهو زيادة الثواب على ما قال عليه السلام " ثوابك على قدر نصبك " (3)


= وتمييز الطيب من الخبيث، وقد تكون تمحيصا للذنوب وتكفيرا للسيئات، وقد تكون عقوبة وجزاءا عادلا على ذنب سابق، وقد تكون لغير ذلك مما لا يعلمه الا الله وقريب من ذلك ما ذكره الآمدي في الوجه الثالث من الجواب. 1 - تقدم ما فيه تعليقا ص 249 ج 3 والتعلق امر اعتباري لا ينفعه التعلل به 2 - بل الحكم مقتضية للاحكام موجبة لها لكن لا بنفسها بل باعتبار الشرع لها فلا يتخلف عنها حكمها الا لمعارض معتبر شرعا من فقد شرط أو وجود مانع، والجواب الصحيح عن الشبهة السادسة ان آحاد كلام الله وخطابه وآحاد احكام شريعته حادثة وقت نزول الوحي بشرعها، وانها لحكم ومقاصد اقتضت شرعها وخطاب المكلفين بها في ذلك الوقت دون ما قبله ولم يكن لشي من ذلك وجود في نفسه قبل زمنه الذي على الله وجوده فيه. وعلى ذلك فلا مانع من تعليل الاحكام بالحكم والمقاصد 3 - تقدم الكلام على الحديث تعليقا ص 140 ج 3. (*)

[ 293 ]

وعن العاشرة: أن الحكمة، وإن كانت متأخرة في الوجود عن شرع الحكم، فإنما يمتنع أن تكون علة بمعنى المؤثر لا بمعنى الباعث. (1) وعن الحادية عشرة: أنه لا يمتنع أن تكون الحكمة المقصودة من شرع الحكم إنما هو حصول الحكمة ظاهرا لا قطعا. وعن الثانية عشرة: أنه لا يمتنع على بعض آراء المعتزلة أن يقال بأن الرب تعالى غير قادر على تحصيل ذلك الغرض الخاص من شرع ذلك الحكم دون شرعه، ولا يلزم منه العجز، ضرورة كونه غير ممكن، وإن قدر أنه قادر على ذلك وهو الحق، فلا يلزم أن يكون شرع الحكم غير مفيد مع حصول الفائدة به، وإن قدر إمكان حصول الفائدة بطريق آخر. وعن الثالثة عشرة: أن الحكمة فيما ذكروه إما أن تكون ممتنعة أو جائزة. فإن كان الاول، فلا يلزم امتناعها فيما هي ممكنة فيه، وإن كان الثاني، فلا مانع من وجودها، وإن لم نطلع نحن عليها. وهو الجواب عن الرابعة عشرة، كيف وأنه إنما يلزم الدور الممتنع، أن لو قيل بتوقف الوجوب على معرفة المكلف للوجوب، وليس كذلك على ما سبق تقريره في شكر المنعم. وعن الخامسة عشرة: ما هو جواب الشبهتين قبلها. وعن السادسة عشرة بمنع ما ذكروه في رعاية الحكمة، بل الحكمة إنما تطلب في فعل من لو وجدت الحكمة في فعله لما كان ممتنعا، بل واقعا في الغالب. وعن السابعة عشرة: أن ما ذكروه إنما يلزم في حق من تجب مراعاة الحكمة في فعله، والباري تعالى ليس كذلك (2)، على ما حققناه في كتبنا الكلامية.


1 - لحكمة الحكم جهتان، الاولى رعايتها والقصد إلى تحصيلها فشرع الحكم لاجلها، والثانية تحققها في الخارج ثمرة لتنفيذ الحكم وتطبيقه، وهي باعتبار الجهة الاولى علمية متقدمة على الحكم علما وقصدا باعتبار الجهة الثانية متحققة في الخارج متأخرة عن الحكم وعن تطبيقه، وقد تكون مقارنة لتطبيقه، وقديما قيل: اول الفكرة آخر العمل. 2 - الحق ان من كمال الله وجوب مراعاته الحكمة في فعله وشرعه فذلك مقتضى = (*)

[ 294 ]

قولهم: لا يلزم أن يكون ما ظهر من المناسب علة. قلنا لا يلزم أن يكون علة قطعا، وإنما يلزم أن يكون علة ظاهرا، ضرورة أنه لا بد للحكم من علة ظاهرة، على ما سبق تقريره، ولا ظاهر سواه. وأما أجزاء العلة، وإن كانت مناسبة، فإنما يمتنع التعليل بكل واحد منها، لما سبق من امتناع تعليل الحكم الواحد في محل واحد بعلل، بخلاف ما إذا اتحد الوصف، أو تعدد، وكانت العلة مجموع الاوصاف. قولهم: لا نسلم وجوب العمل بذلك، وإن كان مظنونا. قلنا: دليله ما ذكرناه وما سيأتي في مسألة إثبات القياس على منكريه. وما يذكرونه على ذلك فسيأتي جوابه ثم أيضا المسلك السادس - إثبات العلة بالشبه ويشتمل على ثلاثة فصول الفصل الاول في حقيقة الشبه واختلاف الناس فيه، وما هو المختار فيه نقول: اعلم أن اسم الشبه، وإن أطلق على كل قياس، ألحق الفرع فيه بالاصل لجامع يشبهه فيه، غير أن آراء الاصوليين مختلفة فيه: (1) فمنهم من فسره بما تردد فيه الفرع بين أصلين، ووجد فيه المناط الموجود في كل واحد من الاصلين، إلا أنه يشبه أحدهما في أوصاف هي أكثر من الاوصاف التي بها مشابهته للاصل الآخر، فإلحاقه بما هو أكثر مشابهة هو الشبه. وذلك كالعبد المقتول خطأ إذا زادت قيمته على دية الحر، فإنه قد اجتمع فيه مناطان متعارضان،


= كما له وموجب عدله واحسانه وان قيل ذلك واجب عليه فهو سبحانه الذي اوجبه على نفسه رحمة منه بعباده (كتب ربكم على نفسه الرحمة). 1 - لو قال غير انه اطلق في الاصطلاح على نوع من الاقيسة معين، وقد اختلفت آراء الاصوليين في تعريفه لكان انسب، فانه لا يريد في هذا الفصل تعريف كل قياس ولا تعريف القياس من حيث هو وإنما يريد نوعا معينا يسمى بهذا الاسم = (*)

[ 295 ]

أحدهما النفسية، وهو مشابه للحر فيها، ومقتضى ذلك أن لا يزاد فيه على الدية، والثاني المالية وهو مشابه للفرس فيها، ومقتضى ذلك الزيادة. إلا أن مشابهته للحر في كونه آدميا مثابا معاقبا، ومشابهته للفرس في كونه مملوكا مقوما في الاسواق، فكان إلحاقه بالحر أولى لكثرة مشابهته له، وليس هذا من الشبه في شئ. فإن كل واحد من المناطين مناسب، وما ذكر من كثرة المشابهة إن كانت مؤثرة، فليست إلا من باب الترجيح لاحد المناطين على الآخر، وذلك لا يخرجه عن المناسب، وإن كان يفتقر إلى نوع ترجيح. ومنهم من فسره بما عرف المناط فيه قطعا، غير أنه يفتقر في آحاد الصور إلى تحقيقه، وذلك كما في طلب المثل في جزاء الصيد بعد أن عرف أن المثل واجب بقوله تعالى: * (فجزاء مثل ما قتل من النعم) * (المائدة: 95) وليس هذا أيضا من الشبه، إذ الكلام إنما هو مفروض في العلة الشبهية، والنظر ههنا إنما هو في تحقيق الحكم الواجب، وهو الاشبه لا في تحقيق المناط، وهو معلوم بدلالة النص. ودليل أن الواجب هو الاشبه، أنه أوجب المثل، ونعلم أن الصيد لا يماثله شئ من النعم، فكان ذلك محمولا على الاشبه، كيف وهو مجزوم مقطوع به، والشبه مختلف فيه، وكيف يكون المتفق عليه هو نفس المختلف فيه. ومنهم من فسره بما اجتمع فيه مناطان مختلفان، لا على سبيل الكمال، إلا أن أحدهما أغلب من الآخر، فالحكم بالاغلب حكم بالاشبه، وذلك كاللعان، فإنه قد وجد فيه لفظ الشهادة واليمين، وليسا بمتمحضين، لان الملاعن مدع، والمدعي لا تقبل شهادته لنفسه ولا يمينه، وهذا وإن كان أقرب من المذاهب المتقدمة إلا أنه مهما غلبت إحدى الشائبتين، فقد ظهرت المصلحة الملازمة لها في نظرنا، فيجب الحكم بها، ولكنه غير خارج عن التعليل بالمناسب. وقد ذهب القاضي أبو بكر إلى تفسيره بقياس الدلالة، وهو الجمع بين الاصل والفرع بما لا يناسب الحكم، ولكن يستلزم ما يناسب الحكم، وسيأتي تحقيقه في موضعه بعد.


= بدليل بنائه على جامع معين، واختياره آخر المسألة تعريفا له لا يشاركه فيه غيره من الاقيسة وجعله اثناء المسألة قسيما للقياس المناسب والقياس الطردي. (*)

[ 296 ]

ومنهم من فسره بما يوهم المناسبة من غير اطلاع عليها، وذلك أن الوصف المعلل به لا يخلو إما أن تظهر فيه المناسبة، أو لا تظهر فيه المناسبة (1)، بوقوف من هو أهل معرفة المناسبة عليها، وذلك بأن يكون ترتيب الحكم على وفقه مما يفضي إلى تحصيل مقصود من المقاصد المبينة من قبل، فهو المناسب. وإن لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام ممن هو أهله، فإما أن يكون مع ذلك مما لم يؤلف من الشارع الالتفات إليه في شئ من الاحكام، أو هو مما ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الاحكام. فإن كان من الاول فهو الطردي الذي لا التفات إليه. ومثاله ما لو قال الشافعي مثلا في إزالة النجاسة بمائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا تجوز إزالة النجاسة به كالدهن، وكما لو علل في مسألة من المسائل بالطول والقصر والسواد والبياض ونحوهما وإن كان الثاني فهو الشبهي وذلك لانه بالنظر إلى عدم الوقوف على المناسبة فيه بعد البحث، يجزم المجتهد بانتفاء مناسبته، وبالنظر إلى اعتباره في بعض الاحكام يوجب إيقاف المجتهد عن الجزم بانتفاء المناسبة فيه، فهو مشابه للمناسب في أنه غير مجزوم بنفي المناسبة عنه، ومشابه للطردي في أنه غير مجزوم بظهور المناسبة فيه. فهو دون المناسب وفوق الطردي. ولعل المستند في تسميته شبهيا إنما هو هذا المعنى ومثاله قول الشافعي في مسألة إزالة النجاسة، طهارة تراد لاجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فإن الجامع هو الطهارة، ومناسبتها لتعيين الماء فيها بعد البحث التام غير ظاهرة. وبالنظر إلى كون الشارع اعتبرها في بعض الاحكام كمس المصحف والصلاة والطواف، يوهم اشتمالها على المناسبة كما تقرر. واعلم أن إطلاق اسم الشبه، وإن كان حاصله في هذه الصورة راجعا إلى الاصطلاحات اللفظية، غير أن أقربها إلى قواعد الاصول، الاصطلاح الاخير، وهو الذي ذهب إليه أكثر المحققين، ويليه في القرب مذهب القاضي أبي بكر.


1 - فيه سقط حرف الشرط وفعله، والتقدير فان ظهرت فيه المناسبة بوقوف الخ وجواب الشرط قوله بعد فهو المناسب (*)

[ 297 ]

الفصل الثاني في أن الشبه مع قران الحكم به دليل على كون الوصف علة وبيانه أنا إذا رأينا حكما ثابتا عقيب وصفين، وأحد الوصفين شبهي بالتفسير الاخير، والآخر طردي، فلا يخلو: إما أن يكون الحكم ثابتا لمصلحة، أو لا لمصلحة، لا جائز أن يقال بالثاني إذ الحكم الشرعي لا يخلو عن مصلحة، وإن لم يكن ذلك بطريق الوجوب كما تقرر قبل (1)، فلم يبق غير الاول، وهو أنه ثابت لمصلحة وتلك المصلحة لا تخلو: إما أن تكون في ضمن الوصف الشبهي، أو الطردي لعدم ما سواهما، ولا يخفى أن اشتمال الوصف الشبهي على المصلحة، أغلب على الظن من اشتمال الطردي عليها، لان الطردي مجزوم بنفي مناسبته، والشبهي متردد فيه على ما تقرر. وإذا كان ذلك هو الغالب على الظن فالظن معمول به في الشرعيات على ما تقدم تقريره. الفصل الثالث زعم بعض أصحابنا أن الشبهي إذا اعتبر جنسه في جنس الحكم دون اعتبار عينه في عينه، لا يكون حجة بخلاف الوصف المناسب، مصيرا منه إلى أن الشبهي إذا ظهر تأثير عينه في عين الحكم، فالظن المستفاد منه في أدنى درجات الظن، فإذا انحط عن هذه الرتبة إلى رتبة اعتبار الجنس في الجنس، فقد اضمحل الظن بالكلية، لانه ليس تحت أدنى درجات الظن درجة سوى ما ليس بظن، وما ليس بمظنون، لا يكون حجة، وهذا بخلاف المناسب، فإن الظن المستفاد منه باعتبار العين في العين قوي جدا، فنزوله عن هذه الرتبة إلى رتبة اعتبار الجنس في الجنس، وإن فات معه ذلك الظن الغالب، فقد بقي له أصل الظن، فكان حجة.


1 - تقدم ما فيه تعليقا غير مرة. (*)

[ 298 ]

وأيضا فإن الوصف الشبهي إنما صار شبهيا باعتبار الشارع له في جنس الحكم المعلل، وذلك في إفادة الظن دون المناسب المرسل، والمناسب المرسل ليس بحجة، لما سيأتي تقريره (1)، فما هو دونه أولى أن لا يكون حجة، وهذا بخلاف المناسب المتأيد بشهادة الجنس في الجنس، فإنه فوق المناسب المرسل. فلا يلزم من كون المرسل ليس بحجة، أن يكون ذلك ليس بحجة. ولقائل أن يقول: أما الاول فهو مبني على أن الشبهي المتأيد بشهادة العين في العين، في أدنى درجات الظنون، وهو غير مسلم، بل للخصم أن يقول: ما هو في أدنى درجات الظنون إنما هو الشبهي المتأيد بشهادة الجنس في الجنس، والنزول عن تلك الدرجة إلى ما دونها (2) لا يوجب انمحاق الظن بالكلية كما قيل. وأما الثاني: فهو وإن سلم أن الشبهي إنما صار شبهيا بالتفات الشارع إليه في بعض الاحكام، وأنه أدنى من المناسب المرسل من حيث إن مناسبة المرسل ظاهرة، ومناسبة الشبهي غير ظاهرة، بل موهمة متردد فيها. غير أن الشبهي بعد أن ثبت كونه شبيها بالتفات الشارع إليه في بعض الاحكام إذا رأينا الشارع قد اعتبر جنسه في جنس الحكم المعلل، فقد صار معتبرا، ولا كذلك المرسل فإنه غير معتبر، ولا يلزم من عدم الاحتجاج بما ليس معتبرا عدم الاحتجاج بالمعتبر.


1 - سيأتي ذلك في النوع الرابع من انواع الادلة المختلف في حجيتها تحت عنوان (المصلحة المرسلة) 2 - يعني والنزول عن رتبة تأثير العين في العين إلى رتبة تأثر الجنس في الجنس لا يوجب... الخ. (*)

[ 299 ]

المسلك السابع - إثبات العلة بالطرد والعكس وقد اختلف فيه: فذهب جماعة من الاصوليين إلى أنه يدل على كون الوصف علة. لكن اختلف هؤلاء: فمنهم من قال إنه يدل على العلية قطعا، كبعض المعتزلة، ومنهم من قال يدل عليها ظنا، كالقاضي أبي بكر وبعض الاصوليين، وهو مذهب أكثر أبناء زماننا. والذي عليه المحققون من أصحابنا وغيرهم أنه لا يفيد العلية لا قطعا ولا ظنا، وهو المختار، وصورته ما إذا قيل في مسألة النبيذ مثلا (مسكر) فكان حراما كالخمر، وأثبت كون المسكر علة للتحريم، بدورانه مع التحريم وجودا وعدما في الخمر، فإنه إذا صار مسكرا حرم، وإن زال الاسكار عنه بأن صار خلا فإنه لا يحرم، وقد احتج القائلون إنه ليس بحجة بأمرين: الاول ما ذكره الغزالي وهو أن قال حاصل الاطراد يرجع إلى سلامة العلة عن النقض، وسلامة العلة عن مفسد واحد لا يوجب سلامتها عن كل مفسد، وعلى تقدير السلامة عن كل مفسد، فصحة الشئ لا تكون بسلامته عن المفسدات، بل لوجود المصحح، والعكس ليس شرطا في العلل، فلا يؤثر. وهذه الحجة ضعيفة، فإنه وإن سلم أن كل واحد من الامرين على انفراده لا دلالة له على العلية، فلا يلزم منه عدم التأثير بتقدير الاجتماع، ودليله إجزاء العلة، فإن كل واحد منها لا يستقل بإثبات الحكم، ولم يلزم من ذلك عدم استقلال المجموع. الحجة الثانية لبعض أصحابنا: قال إن الصور التي دار الحكم فيها مع الوصف وجودا وعدما لا بد أن تكون متمايزة بصفات خاصة بها، وإلا كانت متحدة لا متعددة. وعند ذلك، فللخصم أن يأخذ الوصف الخاص بكل صورة من صور الطرد والعكس في العلة في تلك الصورة، ويجعل العلة في كل صورة مجموع الوصفين وهما الوصف المشترك والوصف الخاص بها وهي من النمط الاول، إذ لقائل أن يقول: الترجيح للتعليل بالوصف المشترك لكونه مطردا في جميع مجاري الحكم، فيكون أغلب على الظن، بخلاف التعليل بالمركب من الوصف الخاص والمشترك.

[ 300 ]

فإن قيل: بل التعليل بالمركب أولى لما فيه من تعدد مدارك الحكم، فإنه أولى من اتحاده لكونه أقرب إلى تحصيل مقصود الشارع من الحكم، فهو مقابل بأن التعليل بالوصف المشترك يكون منعكسا بخلاف التعليل بالمركب من الوصفين في كل صورة، ولا يخفى أن التعليل بالمطرد المنعكس، أولى من التعليل بالمطرد الذي لا ينعكس، للاتفاق عليه، ولان التعليل بالوصف المشترك يكون متعديا، بخلاف التعليل بالمركب من الوصفين في كل صورة، فإنه يكون قاصرا، والتعليل بالمتعدية أولى للاتفاق عليها والاختلاف في القاصرة. والحق في ذلك أن يقال: مجرد الدوران لا يدل على التعليل بالوصف لوجهين: الاول: أنه يجوز أن يكون الوصف وصفا ملازما للعلة، وليس هو العلة، وذلك كالرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة، ولا سبيل إلى دفع ذلك إلا بالتعرض لانتفاء وصف غيره بدلالة البحث والسبر، أو بأن الاصل عدمه. ويلزم من ذلك الانتقال من طريقة الدوران إلى طريقة السبر والتقسيم، وهو كاف في الاستدلال على العلية. الثاني: أن الدوران قد وجد فيما لا دلالة له على العلية، كدوران أحد المتلازمين المتعاكسين، كالمتضايفين، وليس أحدهما علة للآخر، وكذلك فإن الدوران كما وجد في جانب الحكم مع الوصف، فقد وجد في جانب الوصف مع الحكم، وليس الحكم علة للوصف. فإن قيل: نحن لا ندعي أن مطلق الدوران دليل على علية الوصف ليلزم ما قيل، بل بقيود ثلاثة وهي أن يكون حدوث ذلك الاثر مرتبا على وجود ذلك الوصف ترتبا عقليا، بحيث يصدق قول القائل: وجد هذا الشئ فحدث ذلك الاثر. وأن لا يقطع بخروج هذا الوصف عن أن يكون علة وموجبا لحدوث ذلك الاثر. وأن لا يقطع بوجود علة أخرى لهذا الحكم سوى هذا الوصف. ومهما وجد الدوران على هذه القيود كان دليلا على العلية. وذلك كما إذا دعي الانسان باسم فغضب منه، وإذا لم يدع به لم يغضب، ورأينا ذلك منه مرارا، مرة بعد مرة، وجودا وعدما، فإنه يغلب على الظن أن ذلك الاسم هو سبب الغضب، حتى إن الصبيان يعلمون ذلك منه، ويتبعونه في الدروب، داعين له بذلك الاسم المغضب له،

[ 301 ]

والدوران بهذه القيود متحقق في السكر مع التحريم، فكان دليلا على كونه علة وخرج عليه ما ذكر من الرائحة الفائحة، حيث قطعنا أنها ليست علة، وكذلك الحكم في كل واحد من المتضايفين بالنسبة إلى الآخر، ولانه يمتنع ترتيب كل واحد على الآخر في الوجود بالتفسير المذكور، وكذلك الكلام في نسبة الحكم إلى الوصف. وخرج عليه أيضا ما إذا ظهر ثم علة مغايرة للمدار. قلنا: إذا كان من جملة قيود صحة دلالة الدوران ان يكون حدوث ذلك الامر مرتبا على وجود ذلك الوصف بالتفسير المذكور، فاما ان يراد به أن وجود الحكم يتعقب وجود الوصف أو أنه امارة عليه أو باعث عليه، أو معنى آخر والاول ممتنع إذ الكلام انما هو في شرعية الحكم ولا يخفى ان شرعيته تكون سابقة في الوجود على وجود سببها والثاني أيضا ممتنع إذ الكلام انما هو في العلة المستنبطة من حكم الاصل وهي فلا تكون الا بمعنى الباعث على ما سبق تقريره، وعند ذلك فاما ان يظهر فيه معنى يقتضي كونه باعثا على الحكم من مناسبة أو شبه أو لا يظهر ذلك، فان كان الاول فلا يكون باعثا، وان كان الثاني فالمناسبة مع قرآن الحكم بها كاف في التعليل ولا حاجة إلى الدوران، وان كان بمعنى آخر فلا بد من تصويره والدلالة عليه، وقد ترد عليه أسئلة قلنا: ما ذكروه من دوران غضب الانسان مع دعائه ببعض الاسماء بالقيود المذكورة، لا نسلم غلبة الظن بكون ذلك الاسم علة، بل به أو بملازمه، وإنما يظهر كونه علة مع ظهور انتفاء الملازم. والطريق في ذلك إنما هو التمسك بالعدم الاصلي أو بعدم الاطلاع عليه بعد البحث والسبر والتقسيم، ويلزم منه الانتقال من طريقة الدوران إلى طريقة السبر والتقسيم، وهي كافية في التعليل. وقد ترد عليه أسئلة أخرى مشهورة الجواب، آثرنا الاعراض عن ذكرها، اكتفاء في إبطال الدوران بما ذكرناه، فإنه في غاية القوة والدقة. وإذا عرف أن الطرد والعكس لا يصلح دليلا على العلية، فالاطراد بانفراده أولى أن لا يكون دليلا، نظرا إلى أن الاطراد عبارة عن السلامة عن النقض المفسد، والسلامة عن مفسد واحد غير موجبة للتصحيح.

[ 302 ]

(خاتمة) في أنواع النظر والاجتهاد في مناط الحكم، وهو العلة (1). ولما كانت العلة متعلق الحكم ومناطه، فالنظر والاجتهاد فيه إما في تحقيق المناط أو تنقيحه أو تخريجه، أما تحقيق المناط فهو النظر في معرفة وجود العلة في آحاد الصور، بعد معرفتها في نفسها (2)، وسواء كانت معروفة بنص أو إجماع أو استنباط، أما إذا كانت معروفة بالنص، فكما في جهة القبلة فإنها مناط وجوب استقبالها، وهي معروفة بإيماء النص، وهو قوله تعالى: * (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) * (البقرة: 144). وكون هذه الجهة هي جهة القبلة في حالة الاشتباه، فمظنون بالاجتهاد والنظر في الامارات. وأما إذا كانت معلومة بالاجماع فكالعدالة، فإنها مناط وجوب قبول الشهادة، وهي معلومة بالاجماع، وأما كون هذا الشخص عدلا فمظنون بالاجتهاد. وأما إذا كانت مظنونة بالاستنباط، فكالشدة المطربة، فإنها مناط تحريم الشرب في الخمر (3)، فالنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط، ولا نعرف خلافا في صحة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا كانت العلة فيه معلومة بنص أو إجماع (4)، وإنما الخلاف فيه فيما إذا كان مدرك معرفتها الاستنباط.


1 - مناط الحكم متعلقة كما يكون علة منصوصة أو مستنبطة يكون قاعدة كلية منصوصة، أو مجمعا عليها، فتفسير المناط بالعلة تفسير له ببعض انواعه. 2 - تحقيق المناط قد يكون بتطبيق القاعدة الكلية المنصوصة أو المجمع عليها في آحاد الصور، وقد يكون بالنظر في معرفة وجود العلة في آحاد الصور فتعريف الآمدي له بما ذكر تعريف بالاخص. 3 - مناط تحريم الخمر منصوص لا مستنبط لقوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر) إلى قوله (فهل انتم منتهون) وقوله (ص) " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام " رواه الجماعة الا البخاري، وفي رواية مسلم (كل مسكر خمر وكل خمر حرام) 4 - وكذا لا خلاف في تحقيق القاعدة الكلية الثابتة بنص أو اجماع. (*)

[ 303 ]

وأما تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النص على كونه علة، من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الاوصاف، كل واحد بطريقة (1)، كما علم فيما تقدم، مما ذكرناه من التعليل بالوقاع في قصة الاعرابي، فإنه وإن كان مومى إليه بالنص، غير أنه يفتقر في معرفته عينا إلى حذف كل ما اقترن به من الاوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي والاجتهاد، وذلك بأن يبين أن كونه أعرابيا، وكونه شخصا معينا، وأن كون ذلك الزمان وذلك الشهر بخصوصه، وذلك اليوم بعينه، وكون الموطوءة زوجة وامرأة معينة، لا مدخل له في التأثير، بما يساعد من الادلة في ذلك حتى يتعدى إلى كل من وطئ في نهار رمضان عامدا، وهو مكلف صائم. وهذا النوع، وإن أقر به أكثر منكري القياس، فهو دون الاول. وأما تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد في إثبات علة الحكم الذي دل النص أو الاجماع عليه دون عليته. وذلك كالاجتهاد في إثبات كون الشدة المطربة علة لتحريم شرب الخمر، وكون القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص في المحدد (2)، وكون الطعم علة ربا الفضل في البر ونحوه، حتى يقاس عليه كل ما ساواه في علته، وهذا في الرتبة دون النوعين الاولين، ولذلك أنكره أهل الظاهر والشيعة وطائفة من المعتزلة البغداديين.


1 - بطريقة - الصواب بطريقه الهاء، فانه ليس بلازم ان يكون الغاء كل وصف بطريقة خاصة، بل قد تجتمع اوصاف في الحذف بطريق واحد من الطرق التي سبق ذكرها في السبر والتقسيم. 2 - تحريم الخمر منصوص العلة كما تقدم وكذا وجوب القصاص لقوله تعالى (ومن

[ 303 ]

وأما تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النص على كونه علة، من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الاوصاف، كل واحد بطريقة (1)، كما علم فيما تقدم، مما ذكرناه من التعليل بالوقاع في قصة الاعرابي، فإنه وإن كان مومى إليه بالنص، غير أنه يفتقر في معرفته عينا إلى حذف كل ما اقترن به من الاوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي والاجتهاد، وذلك بأن يبين أن كونه أعرابيا، وكونه شخصا معينا، وأن كون ذلك الزمان وذلك الشهر بخصوصه، وذلك اليوم بعينه، وكون الموطوءة زوجة وامرأة معينة، لا مدخل له في التأثير، بما يساعد من الادلة في ذلك حتى يتعدى إلى كل من وطئ في نهار رمضان عامدا، وهو مكلف صائم. وهذا النوع، وإن أقر به أكثر منكري القياس، فهو دون الاول. وأما تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد في إثبات علة الحكم الذي دل النص أو الاجماع عليه دون عليته. وذلك كالاجتهاد في إثبات كون الشدة المطربة علة لتحريم شرب الخمر، وكون القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص في المحدد (2)، وكون الطعم علة ربا الفضل في البر ونحوه، حتى يقاس عليه كل ما ساواه في علته، وهذا في الرتبة دون النوعين الاولين، ولذلك أنكره أهل الظاهر والشيعة وطائفة من المعتزلة البغداديين.


1 - بطريقة - الصواب بطريقه الهاء، فانه ليس بلازم ان يكون الغاء كل وصف بطريقة خاصة، بل قد تجتمع اوصاف في الحذف بطريق واحد من الطرق التي سبق ذكرها في السبر والتقسيم. 2 - تحريم الخمر منصوص العلة كما تقدم وكذا وجوب القصاص لقوله تعالى (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) وللاحاديث الكثيرة في ذلك ولكن بطريق الايماء. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية