الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الاحكام - الآمدي ج 2

الاحكام

الآمدي ج 2


[ 1 ]

الاحكام في اصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الامدي علق عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الثاني المكتب الاسلامي

[ 3 ]

الاصل الرابع فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والاجماع وهو نوعان، يتعلق أحدهما بالنظر في السند، والآخر بالنظر في المتن النوع الاول - النظر في السند وهو الاخبار عن المتن، ويشتمل على ثلاثة أبواب: الباب الاول في حقيقة الخبر وأقسامه أما حقيقة الخبر، فاعلم أولا أن اسم الخبر قد يطلق على الاشارات الحالية والدلائل المعنوية، كما في قولهم عيناك تخبرني بكذا، والغراب يخبر بكذا. ومنه قول الشاعر: وكم لظلام الليل عندك من يدتخبر أن المانوية تكذب وقد يطلق على قول مخصوص، لكنه مجاز في الاول، وحقيقة في الثاني، بدليل تبادره إلى الفهم من إطلاق لفظ الخبر والغالب إنما هو اشتهار استعمال اللفظ في حقيقته دون مجازه. ثم القول المخصوص قد يطلق على الصيغة كقول القائل: قام زيد، وقعد

[ 4 ]

عمرو. وقد يطلق على المعنى القائم بالنفس المعبر عنه بالصيغة كما قررناه في الكلاميات والاشبه أنه في اللغة حقيقة في الصيغة، لتبادرها إلى الفهم من إطلاق لفظ الخبر وإذا عرف مسمى الخبر حقيقة فما حده ؟ اختلفوا فيه: فمن أصحابنا من قال: لا سبيل إلى تحديده، بل معناه معلوم بضرورة العقل. ودل على ذلك بأمرين.. الاول: أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه موجود، وأنه ليس بمعدوم، وأن الشئ الواحد لا يكون موجودا، معدوما. ومطلق الخبر جزء من معنى الخبر الخاص، والعلم بالكل موقوف على العلم بالجزء. فلو كان تصور ماهية مطلق الخبر موقوفا على الاكتساب، لكان تصور الخبر الخاص أولى أن يكون كذلك. الثاني: أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر عن الموضع الذي يحسن فيه الامر، ولولا أن هذه الحقائق متصورة، لما كان كذلك. وهو ضعيف. أما قوله إنه معلوم بالضرورة فدعوى مجردة، وهي مقابلة بنقيضها. وما ذكره من الدلالة على ذلك، فهو دليل على أن العلم به غير ضروري، لان الضروري هو الذي لا يفتقر في العلم به إلى نظر ودليل يوصل إليه، وما يفتقر إلى ذلك فهو نظري، لا ضروري. فإن قيل: ما ذكرناه إنما هو بطريق التنبيه، لا بطريق الدلالة، لان من الضروريات ما يفتقر إلى نوع تذكير وتنبيه على ما علم في مواضعه، فهو باطل من وجهين: الاول: أنه لو قيل ذلك لامكن دعوى الضرورة في كل علم نظري. وأن ما ذكروه من الدليل إنما هو بطريق التنبيه دون الدلالة، وهو محال. الثاني: أن ما ذكره في معرض التنبيه غير مفيد أما الوجه الاول فهو باطل من وجهين: الاول: أن علم الانسان بوجود نفسه، وإن كان ضروريا وكذلك العلم باستحالة كون الشئ الواحد موجودا معدوما معا، فغايته أنه علم ضروري بنسبة خاصة،

[ 5 ]

أو بسلب نسبة خاصة ولا يلزم منه أن يكون ذلك علما بحقيقة الخبر من حيث وهو خبر وهو محل النزاع. فإن قيل: إذ كانت تلك النسبة الخاصة معلومة بالضرورة فلا معنى لكون ذلك المعلوم خبر اسوى تلك النسبة الخاصة، فهو عود إلى التحديد وترك لما قيل. الثاني: إنا، وإن سلمنا أن مثل هذه الاخبار الخاصة معلومة بالضرورة، فلا يلزم أن يكون الخبر المطلق من حيث هو خبر: كذلك، قوله: لان الخبر المطلق جزء من الخبر الخاص، ليس كذلك، لان الخبر المطلق أعم من الخبر الخاص. فلو كان جزءا من معنى الخبر الخاص، لكان الاعم منحصرا في الاخص وهو محال. فإن قيل: الاعم لا بد وأن يكون مشتركا فيه بين الامور الخاصة التي تحته، ولا معنى لاشتراكها فيه سوى كونه جزءا من معناها. قلنا: أما أولا، فإنه لا معنى لكون الاعم مشتركا فيه أنه موجود في الانواع أو الاشخاص التي هي أخص منه، بل بمعنى لحد أن حد الطبيعة التي عرض لها إن كانت كلية مطلقة مطابق طبائع الامور الخاصة تحتها. وأما ثانيا، فلانه ليس كل عام يكون جزءا من معنى الخاص، ومقوما له بجواز أن يكون من الاعراض العامة الخارجة عن مفهوم المعنى الخاص، كالاسود والابيض بالنسبة إلى ما تحتهما من معنى الانسان والفرس ونحوه. وأما الوجه الثاني فباطل أيضا من جهة أن العلم الضروري إنما هو واقع بالتفرقة بين ما يحسن فيه بيان الامر، وبيان ما يحسن فيه الخبر بعد معرفة الامر والخبر، أما قبل ذلك فهو غير مسلم. نعم، غاية ما في ذلك أنه يعلم التفرقة بين ما يجده في نفسه من طلب الفعل والنسبة بين أمرين على وجه خاص، وليس هو العلم بحقيقة الامر والخبر. فإن قيل إنه لا معنى للامر والخبر سوى ذلك المعلوم الخاص، فهو أيضا عود إلى التحديد. كيف وإن

[ 6 ]

ما ذكروه يوجب أن يكون الامر أيضا مستغنيا عن التحديد كاستغناء الخبر. وهذا القائل بعينه قد عرف الامر بالتحديد، حيث قال: الامر هو طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء. وأيضا فإن الكلام إنما هو واقع في مفهوم الخبر اللفظي. وحقائق أنواع الالفاظ وانقسامها إلى أمر ونهى وخبر وغير ذلك مما لا سبيل إلى القول بكونه معلوما بالضرورة، لكونه مبنيا على الوضع والاصطلاح. ولهذا، فإن العرب لو أطلقوا اسم الامر على المفهوم من الخبر الآن، واسم الخبر على مفهوم الامر، لما كان ممتنعا، وما يتبدل ويختلف باختلاف الاصطلاحات. فالعلم بمعناه لا يكون ضروريا. وإذا عرف ذلك فقد أجمع الباقون على أن العلم بمفهوم الخبر إنما يعرف بالحد والنظر، لكن اختلفوا في حده، فقالت المعتزلة كالجبائي وابنه وأبي عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وغيرهم: إن الخبر هو الكلام الذي يدخله الصدق والكذب. وقد أورد عليه إشكالات أربعة: الاول أنه منتقض بقول القائل: محمد ومسيلمة صادقان في دعوى النبوة، ولا يدخله الصدق، وإلا كان مسيلمة صادقا، ولا الكذب، وإلا كان محمد كاذبا وهو خبر، وكذلك، فإن من كذب في جميع أخباره، فقال: جميع أخباري كذب، فإن قوله هذا خبر، ولا يدخله الصدق. وإلا كانت جميع أخباره كذبا، وهو من جملة أخباره ولا يدخله الكذب، وإلا كانت جميع أخباره مع هذا الخبر كذبا، وصدق في قوله جميع أخباري كذب. الثاني: أن تعريف الخبر بما يدخله الصدق والكذب يفضي إلى الدور، لان تعريف الصدق والكذب متوقف على معرفة الخبر من حيث إن الصدق هو الخبر الموافق للمخبر، والكذب بضده، وهو ممتنع. الثالث: إن الصدق والكذب متقابلان، ولا يتصور اجتماعهما في خبر واحد. ويلزم من ذلك إما امتناع وجود الخبر مطلقا، وهو محال، وإما وجود الخبر مع امتناع اجتماع دخول الصدق والكذب فيه، فيكون المحدود متحققا دون ما قيل بكونه حدا له، وهو أيضا محال.

[ 7 ]

الرابع: أن الباري تعالى له خبر، ولا يتصور دخول الكذب فيه. وقد أجاب الجبائي عن قول القائل محمد ومسيلمة صادقان بأن هذا الكلام يفيد صدق أحدهما في حال صدق الآخر، فكأنه قال أحدهما صادق حال صدق الآخر. ولو قال ذلك كان قوله كاذبا، فكذلك إذا قال: هما صادقان، وهو إنما يصح أن لو كان معنى هذا الكلام ما قيل، وليس كذلك، بل قوله. هما صادقان، أعم من كون أحدهما صادقا، حال صدق الآخر، وقبله وبعده. والاعم غير مشعر بالاخص، ولا يلزم من كذب الاخص كذب الاعم. وأجاب أبو هاشم بأن هذا الخبر جار مجرى خبرين: أحدهما خبر بصدق الرسول، والآخر خبر بصدق مسيلمة. والخبران لا يوصفان بالصدق ولا بالكذب، فكذلك هاهنا. وإنما الذي يوصف بالصدق والكذب الخبر الواحد من حيث هو خبر، وليس بحق أيضا فإنه إنما ينزل منزلة الخبر من حيث إنه أفاد حكما واحدا لشخصين، وهو غير مانع من وصفه بالصدق والكذب، بدليل الكذب في قول القائل: كل موجود حادث وإن كان يفيد حكما واحدا لاشخاص متعددة. وأجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن قال: المراد من قولنا: ما دخله الصدق والكذب أن اللغة لا تحرم أن يقال للمتكلم به: صدقت أو كذبت. وهو أيضا غير صحيح. فإن حاصله يرجع إلى التصديق والتكذيب، وهو غير الصدق والكذب في نفس الخبر. وأجاب عنه أبو عبد الله البصري بأنه كذب لانه يفيد إضافة الصدق إليهما معا، مع عدم اضافته اليهما معا. وهو وإن كان كما ذكر غير أنه إذا كان كاذبا فلا يدخله الصدق، وقد قيل الخبر ما يدخله الصدق والكذب، والحق في الجواب أن يقال حاصل هذا وإن كانت صورته صورة خبر واحد يرجع إلى خبرين أحدهما صادق وهو إضافة الصدق إلى محمد والثاني كاذب وهو إضافته إلى مسيلمة. وأما الالزام الثاني فلا يخلو الخبر فيه، إما أن يكون مطابقا للمخبر عنه، أو غير مطابق. فإن كان الاول، فهو صدق، وإن كان الثاني، فهو كذب لاستحالة الجمع بين المتناقضين في السلب أو الايجاب.

[ 8 ]

وأما الاشكال الثاني، فقد أجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن الخبر معلوم لنا، وما ذكرناه لم نقصد به تعريف الخبر بل فصله وتمييزه عن غيره فإذا عرفنا الصدق والكذب بالخبر فلا يكون دورا، وهو غير صحيح، لانه إذا كان تمييز الخبر عن غيره إنما يكون بالنظر إلى الصدق والكذب. فتمييز الصدق والكذب بالخبر يوجب توقف كل واحد من الامرين في تمييزه عن غيره على الآخر، وهو عين الدور، بل، لو قيل: إن الصدق والكذب، وإن كان داخلا في حد الخبر ومميزا له، فلا نسلم أن الصدق والكذب، مفتقر في معرفته إلى الخبر، بل الصدق والكذب معلوم لنا بالضرورة، لكان أولى. وأما الاشكال الثالث، فقد قيل في جوابه إن المحدود إنما هو جنس الخبر، وهو قابل لدخول الصدق والكذب فيه، كاجتماع السواد والبياض في جنس اللون، وهو غير صحيح فإن الحد، وإن كان لجنس الخبر، فلا بد وأن يكون الحد موجودا في كل واحد من آحاد الاخبار، وإلا لزم منه وجود الخبر دون حد الخبر وهو ممتنع. ولا يخفى أن آحاد الاخبار الشخصية مما لا يجتمع فيه الصدق والكذب. والحق في ذلك أن (الواو) وإن كانت ظاهرة في الجمع المطلق، غير أن المراد بها الترديد بين القسمين تجوزا. وأما الاشكال الرابع فقد قيل في جوابه مثل جواب الاشكال الذي قبله. وقد عرف ما فيه. ومن الناس من قال: الخبر ما دخله الصدق أو الكذب، ويرد عليه الاشكالان الاولان من الاشكالات الواردة على الحد الاول دون الاخيرين. وقد عرف ما فيهما. ويرد عليه إشكال آخر خاص به، وهو أن الحد معرف للمحدود، وحرف (أو) للترديد، وهو مناف للتعريف. ويمكن أن يقال في جوابه، إن الحكم بقبول الخبر لاحد هذين الامرين من غير تعيين جازم لا تردد فيه، وهو المأخوذ في التحديد. وإنما التردد في اتصافه بأحدهما عينا، وهو غير داخل في الحد. ومنهم من قال: هو ما يدخله التصديق والتكذيب وقيل ما يدخله التصديق أو التكذيب

[ 9 ]

ومنهم من قال: هو ما يدخله التصديق والتكذيب ويرد عليهما تعريف الخبر بالتصديق والتكذيب المتوقف على معرفة الصدق والكذب المتوقف على معرفة الخبر والترديد. وقد عرف ما في كل واحد منهما. وقال أبو الحسين البصري: الخبر كلام يفيد بنفسه إضافة أمر إلى أمر نفيا أو إثباتا. واحترز بقوله: (بنفسه) عن الامر، فإنه يستدعي كون الفعل المأمور به واجبا، لكن لا بنفسه، بل بواسطة ما استدعاه الامر بنفسه من طلب الفعل الصادر من الحكيم، وهو منتقض بالنسب التقييدية، كقول القائل: حيوان ناطق، فإنه أفاد بنفسه إثبات النطق للحيوان، وليس بخبر. فإن قال: إن ذلك ليس بكلام، ونحن فقد قيدنا الحد بالكلام. قلنا: هذا منه لا يصح، فإن حد الكلام بما انتظم من الحروف المسموعة المميزة من غير اعتبار قيد آخر. وحد الكلام بهذا الاعتبار متحقق فيما نحن فيه، فكان على أصله كلاما. والمختار فيه أن يقال: الخبر عبارة عن اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم إلى معلوم أو سلبها على وجه يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام مع قصد المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها. أما قولنا: (اللفظ) فهو كالجنس للخبر وغيره من أقسام الكلام، ويمكن أن يحترز به عن الخبر المجازي مما ذكرناه أولا. وقولنا: (الدال) احتراز عن اللفظ المهمل. وقولنا: (بالوضع) احتراز عن اللفظ الدال بجهة الملازمة وقولنا: (على نسبة) احتراز عن أسماء الاعلام، وعن كل ما ليس له دلالة على نسبة. وقولنا: (معلوم إلى معلوم) حتى يدخل فيه الموجود والمعدوم. وقولنا: (سلبا أو إيجابا) حتى يعم ما مثل قولنا: زيد في الدار، ليس في الدار. وقولنا: (يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام) احتراز عن اللفظ الدال على النسب التقييدية.

[ 10 ]

وقولنا: (مع قصد المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها) احتراز عن صيغة الخبر إذا وردت، ولا تكون خبرا، كالواردة على لسان النائم والساهي والحاكي لها، أو لقصد الامر مجازا كقوله تعالى: * (والجروح قصاص) * (5) المائدة: 45) وقوله: * (والوالدات يرضعن أولادهن) * (2) البقرة: 233) * (والمطلقات يتربصن) * (2) البقرة: 228) * (ومن دخله كان آمنا) * (3) آل عمران: 97) ونحوه حيث إنه لم يقصد بها الدلالة على النسبة ولا سلبها. وإذا عرف معنى الخبر، فهو ينقسم ثلاث قسم. القسمة الاولى: إن الخبر ينقسم إلى صادق وكاذب، لانه لا يخلو إما أن يكون مطابقا للمخبر به، أو غير مطابق فإن كان الاول، فهو الصادق وإن كان الثاني، فهو الكاذب. وقال الجاحظ: الخبر ينقسم ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وما ليس بصادق ولا كاذب. وقد احتج على ذلك بالنص والمعقول. أما النص فحكاية القرآن عن الكفار قولهم عن النبي عليه السلام * (افترى على الله كذبا أم به جنة) * (24) سبأ: 8) حصروا دعواه النبوة في الكذب والجنة، وليس إخباره بالنبوة حالة جنونه كذبا، لانهم جعلوها في مقابلة الكذب، ولا صدقا، لانهم لم يعتقدوا صدقه على كل تقدير. فإخباره حالة جنة ليس بصدق ولا كذب أما المعقول فمن وجهين: الاول أنه ليس الصادق هو الخبر المطابق للمخبر. فإن من أخبر بأن زيدا في الدار، على اعتقاد أنه ليس فيها، وكان فيها، فإنه لا يوصف بكونه صادقا، ولا يستحق المدح على ذلك وإن كان خبره مطابقا للمخبر، ولا يوصف بكونه كاذبا لمطابقة خبره للمخبر. وكذلك ليس الكذب هو عدم مطابقة الخبر للمخبر لوجهين: الاول: أنه كان يلزم منه الكذب في كلام الله تعالى بتخصيص عموم خبره وتقييد مطلقه لعدم المطابقة، وهو محال. الثاني: أنه لو أخبر مخبر أن زيدا في الدار، على اعتقاد كونه فيها ولم يكن فيها،

[ 11 ]

فإنه لا يوصف بكونه كاذبا، ولا يستحق الذم على ذلك. ولا يوصف بكونه صادقا لعدم مطابقة الخبر للمخبر. وإنما الصادق ما طابق المخبر مع اعتقاد المخبر أنه كذلك. والكذب ما لم يطابق المخبر، مع اعتقاده أنه كذلك الثاني أنه إذا جاز أن يفرض في الاعتقاد واسطة بين كونه علما أو جهلا، لا يوصف بكونه علما، ولا جهلا مركبا، كاعتقاد العامي المقلد وجود الاله تعالى، جاز أن يفرض بين الصادق والكاذب خبر ليس بصادق ولا كاذب. والجواب عن الآية أنهم إنما حصروا أمره بين الكذب والجنة، لان قصد الدلالة به على مدلوله شرط في كونه خبرا والمجنون ليس له قصد صحيح، فصار كالنائم والساهي، إذا صدرت منه صيغة الخبر، فإنه لا يكون خبرا، وحيث لم يعتقدوا صدقه، لم يبق إلا أن يكون كاذبا، أو لا يكون ما أتى به خبرا، وإن كانت صورته صورة الخبر أما أن يكون خبرا، وليس صادقا فيه ولا كاذبا، فلا. وعن الوجه الاول من المعقول: أنا لا نسلم أن من أخبر عن كون زيد في الدار، على اعتقاد أنه ليس فيها وهو فيها، أن خبره لا يكون صادقا، وإن كان لا يستحق المدح على الصدق. وكذلك لا نسلم أن من أخبر بأن زيدا في الدار، على اعتقاد كونه فيها، ولم يكن فيها، أنه ليس كاذبا وإن كان لا يستحق الذم على كذبه. لان المدح والذم ليس على نفس الصدق والكذب لا غير، بل على الصدق مع قصده، والكذب مع قصده. ولهذا: فإن الامة حاكمة بأن الكافر الذي علم منه اعتقاد بطلان رسالة محمد، عليه السلام، صادق بإخباره بنبوة محمد، لما كان خبره مطابقا للمخبر، وإن لم يكن معتقدا لذلك، ولا قاصدا للصدق، وحاكمة بكذبه في إخباره أنه ليس برسول، وإن كان معتقدا لما أخبر به لما كان خبره غير مطابق للمخبر. وأما تخصيص عموم خبر القرآن، وتقييد مطلقه، فإنما لم يكن كذبا، وإن لم يكن الخبر محمولا على ظاهره من العموم والاطلاق لانه مصروف عن حقيقته إلى مجازه، وصرف اللفظ عن أحد مدلوليه إلى الآخر لا يكون كذبا، وسواء كان ذلك اللفظ من قبيل الالفاظ المشتركة أو

[ 12 ]

المجازية. ولهذا، فإن من أخبر بلفظ مشترك، وأراد به بعض مدلولاته دون البعض، كما لو قال رأيت عينا وأراد به العين الجارية دون الباصرة، وبالعكس فإنه لا يعد كاذبا. وكذلك من أخبر بلفظ هو حقيقة في شئ ومجاز في شئ، وأراد جهة المجاز دون الحقيقة، فإنه لا يعد كاذبا، وذلك كما لو قال رأيت أسدا وأراد به المحمل المجازي دون الحقيقي، وهو الانسان. وعن الوجه الثاني أنه لا يلزم من انقسام. الاعتقاد إلى علم وجهل مركب، وحالة متوسطة ليست علما ولا جهلا مركبا، انقسام الخبر إلى صدق وكذب، وما ليس بصدق ولا كذب، إذ هو قياس تمثيلي من غير جامع. ولو كان ذلك كافيا، لوجب أن يقال إنه أيضا يلزم من ذلك أن يكون بين النفي والاثبات واسطة، وهو محال. وبالجملة، فالنزاع في هذه المسألة لفظي حيث إن أحد الخصمين يطلق اسم الصدق والكذب على ما لا يطلقه الآخر إلا بشرط زائد. القسمة الثانية: إن الخبر ينقسم إلى ما يعلم صدقه، وإلى ما يعلم كذبه، وإلى ما يعلم صدقه ولا كذبه. فأما ما يعلم صدقه فمنه ما يعلم صدقه بمجرد الخبر، كخبر التواتر ومنه ما يعلم صدقه لا بنفس الخبر، بل بدليل يدل على كونه صادقا، كخبر الله، وخبر الرسول، فيما يخبر به عن الله تعالى، وخبر أهل الاجماع، وخبر من أخبر الله تعالى عنه أو رسوله أو أهل الاجماع أنه صادق، وخبر من وافق خبره خبر الصادق أو دليل العقل وأما ما وراء ذلك مما ادعي أنه معلوم الصدق ففيه اختلاف وتفصيل يأتي ذكره في أخبار الآحاد. وأما ما يعلم كذبه، فما كان مخالفا لضرورة العقل أو النظر أو الحس أو أخبار التواتر أو النص القاطع أو الاجماع القاطع أو ما صرح الجمع الذين لا يتصور تواطؤهم على الكذب بتكذيبه ومن ذلك، قول من لم يكذب قط فيما أخبر به أنا كاذب فخبره ذلك، كاذب، لان المخبر عنه ليس هو نفس هذا الخبر، لان الخبر يجب أن يكون غير المخبر عنه، ولا ما لم يوجد من أخباره، فإنها لا توصف بصدق ولا كذب فلم يبق غير الاخبار السالفة. وقد كان صادقا فيها، فخبره عنها بأنه كاذب فيها يكون

[ 13 ]

كذبا. وقد اختلف في أخبار قيل إنها معلومة الكذب، وسيأتي الكلام فيها بعد هذا في أخبار الآحاد. وأما ما لا يعلم صدقه ولا كذبه، فمنه ما يظن صدقه ككثير من الاخبار الواردة في أحكام الشرائع والعادات ممن هو مشهور بالعدالة والصدق، ومنه ما يظن كذبه كخبر من اشتهر بالكذب ومنه ما هو غير مظنون الصدق ولا الكذب، بل مشكوك فيه، كخبر من لم يعلم حاله ولم يشتهر أمره بصدق ولا كذب فإن قيل: كل خبر لم يقم الدليل على صدقه قطعا فهو كاذب لانه لو كان صادقا لما أخلانا الله تعالى عن نصب دليل يدل عليه، ولهذا، فإن المتحدي بالنبوة، إذا لم تظهر على يده معجزة تدل على صدقه، فإنا نقطع بكذبه. قلنا: جوابه من ثلاثة أوجه: الاول: لا نسلم امتناع الخلو من نصب دليل يدل على صدقه بتقدير أن يكون صادقا في نفس الامر. ومن أوجب ذلك فإنما بناه على وجوب رعاية الصلاح أو لا صلح، وقد أبطلناه في علم الكلام. الثاني: أنه مقابل بمثله، وهو أن يقال: ولو كان كاذبا لما أخلانا الله تعالى عن نصب دليل يدل على كذبه. الثالث: أنه يلزم مما ذكروه أن يقطع بكذب كل شاهد لم يقم الدليل القاطع على صدقه، وكفر كل مسلم وفسقه، إذا لم يقم دليل قاطع على إيمانه وعدالته، وهو محال. وأما المتحدي بالرسالة إذا لم تظهر المعجزة الدالة على صدقه إنما قطعنا بكذبه بالنظر إلى العادة لا بالنظر إلى العقل، وذلك لان الرسالة عن الله تعالى على خلاف العادة، والعادة تقضي بكذب من يدعي ما يخالف العادة من غير دليل ولا كذلك الصدق في الاخبار عن الامور المحسوسة، لانه غير مخالف للعادة. القسمة الثالثة: إن الخبر ينقسم إلى متواتر، وآحاد. ولما كان النظر في كل واحد من هذين القسمين هو المقصود الاعظم من هذا النوع، وجب رسم الباب الثاني في المتواتر، والباب الثالث في الآحاد.

[ 14 ]

الباب الثاني في المتواتر ويشتمل على مقدمة، ومسائل. أما المقدمة ففي بيان معنى التواتر والمتواتر. أما التواتر في اللغة، فعبارة عن تتابع أشياء واحدا بعد واحد، بينهما مهلة. ومنه قوله تعالى: * (ثم أرسلنا رسلنا تترى) * (23) المؤمنون: 44) أي واحدا بعد واحد بمهلة. وأما في اصطلاح الاصوليين، فقد قال بعض أصحابنا إنه عبارة عن خبر جماعة بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم. وهو غلط، فإن ما ذكره إنما هو حد الخبر المتواتر لا حد نفس التواتر، وفرق بين التواتر والمتواتر. وإنما التواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن تتابع الخبر عن جماعة مفيد للعلم بمخبره. وأما المتواتر فقد قال بعض أصحابنا أيضا إنه الخبر المفيد للعلم اليقيني بمخبره، وهو غير مانع لدخول خبر الواحد الصادق فيه. كيف وفيه زيادة لا حاجة إليها، وهي قوله: (العلم اليقيني) فإن أحدهما كاف عن الآخر. والحق أن المتواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن خبر جماعة مفيد بنفسه للعلم بمخبره. فقولنا: (خبر) كالجنس للمتواتر والآحاد، وقولنا: (جماعة) احتراز عن خبر الواحد، وقولنا: (مفيد للعلم) احتراز عن خبر جماعة لا يفيد العلم، فإنه لا يكون متواترا، وقولنا: (بنفسه) احتراز عن خبر جماعة وافق دليل العقل أو دل قول الصادق على صدقهم، كما سبق، وقولنا: (بمخبره) احتراز عن خبر جماعة أفاد العلم بخبرهم لا (بمخبره) فإنه لا يسمى متواترا. وإذ أتينا على بيان المقدمة، فلا بد من ذكر المسائل المتعلقة بخبر التواتر، وهي ست مسائل.

[ 15 ]

المسألة الاولى اتفق الكل على أن خبر التواتر مفيد للعلم بمخبره، خلافا للسمنية والبراهمة في قولهم: لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الاخبار وغيرها، ودليل ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري بالبلاد النائية، والامم السالفة، والقرون الخالية والملوك والانبياء والائمة والفضلاء المشهورين، والوقائع الجارية بين السلف الماضين بما يرد علينا من الاخبار حسب وجداننا كالعلم بالمحسوسات، عند إدراكنا لها بالحواس. ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته، وظهر جنونه أو مجاحدته. فإن قيل ما ذكرتموه فرع تصور اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير على الاخبار بخبر واحد، وذلك غير مسلم، مع اختلافهم في الامزجة والآراء والاغراض وقصد الصدق والكذب، كما لا يتصور اتفاق أهل بلد من البلاد على حب طعام واحد معين، وحب الخير أو الشر. وإن سلمنا تصور اتفاق الخلق الكثير على الاخبار بشئ واحد، إلا أن كل واحد منهم يجوز أن يكون كاذبا في خبره بتقدير انفراده كما يجوز عليه الصدق. فلو امتنع ذلك عليه حالة الاجتماع لانقلب الجائز ممتنعا، وهو محال وإذا جاز ذلك على كل واحد واحد. والجملة لا تخرج عن الآحاد، كان خبر الجملة جائز الكذب، وما يجوز أن يكون كاذبا، لا يكون العلم بما يخبر به واقعا. وإن سلمنا أنه لا يلزم أن ما ثبت للآحاد يكون ثابتا للجملة، غير أن القول بحصول العلم بخبر التواتر يلزم منه أمر ممتنع فيمتنع، وبيانه من ستة أوجه. الاول: أنه لو جاز أن تخبر جماعة بما يفيد العلم، لجاز على مثلهم الخبر بنقيض خبرهم، كما لو أخبر الاولون بأن زيدا كان في وقت كذا ميتا، ونقل الآخرون حياته في ذلك الوقت بعينه، فإن حصل العلم بالخبرين، لزم اجتماع العلم الضروري بموته وحياته فوقت واحد معين، وهو محال، وإن حصل العلم بأحد الخبرين دون الآخر، فلا أولوية مع فرض تساوي المخبرين في الكمية والكيفية.

[ 16 ]

الثاني: أنه لو حصل العلم بخبر الجماعة الكثيرة لحصل العلم بما ينقله اليهود عن موسى، والنصارى عن عيسى، من الامور المكذبة لرسالة نبينا، التي دلت المعجزة القاطعة على صدقه فيها ووجوب علمنا بها، واجتماع علمين متناقضين محال. الثالث: أنه لو حصل العلم الضروري بخبر التواتر، لما خالف في نبوة نبينا أحد، لان ما علم بالضرورة لا يخالف، وحيث وقع الخلاف في ذلك من الخلق الكثير علمنا أن خبر التواتر لا يفيد العلم. الرابع: أنه لو كان العلم الضروري حاصلا بخبر التواتر، لما وقع التفاوت بين علمنا بما أخبر به أهل التواتر من وجود بعض الملوك، وعلمنا بأنه لا واسطة بين النفي والاثبات واستحالة اجتماع الضدين، وأن الجسم الواحد لا يكون في آن واحد في مكانين، لان الضروريات لا تختلف ولا يخفى وجه الاختلاف في سكون النفس إليهما. الخامس: هو أن ما يحصل من الاعتقاد الجازم بما يخبر به أهل التواتر لا يزيد على الاعتقاد الجازم بأن ما شاهدناه بالامس من وجود الافلاك الدائرة، والكواكب السيارة، والجبال الشامخة، أنه الذي نشاهده اليوم مع جواز أن يكون الله تعالى قد أعدم ذلك، وما نشاهده الآن قد خلقه الله تعالى على مثاله فإذا لم يكن هذا يقينيا، فما لا يزيد عليه في الجزم والاعتقاد أيضا لا يكون يقينيا. السادس: أنه لو كان العلم الضروري حاصلا من خبر التواتر، لما خالفناكم فيه، لان الضروري لا يخالف. والجواب من جهة الاجمال والتفصيل. أما الاجمال فهو أن ما ذكروه تشكيك على ما علم بالضرورة، فلا يكون مقبولا، وأما التفصيل فأما السؤال الاول، فجوابه بما سبق في بيان تصور الاجماع، فيما تقدم. وأما السؤال الثاني فلانه لا يلزم أن ما كان ثابتا لآحاد الجملة، وجائزا عليها، أن يكون ثابتا للجملة، وجائزا عليها. ولهذا فإنه ما من واحد من معلومات الله إلا وهو متناه، وجملة معلوماته غير متناهية. وكذلك كل واحد من آحاد الجملة،

[ 17 ]

فإنه جزء من الجملة، والجملة ليست جزءا من الجملة. وكذلك كل لبنة أو خشبة داخلة في مسمى الدار، وهي جزء منها، وليست دارا، والمجتمع من الكل دار. وكذلك العشرة مركبة من خمسة وخمسة وكل واحدة من الخمستين ليست عشرة، والمجموع منهما عشرة، ونحوه. وأما ما ذكروه في السؤال الثالث من الالزام الاول، فهو فرض محال فإنه مهما أخبر جمع بما يحصل منه العلم بالمخبر فيمتنع إخبار مثلهم في الكمية والكيفية وقرائن الاحوال بما يناقض ذلك. وأما الالزام الثاني، فإنما يصح أن لو قلنا إن العلم يحصل من خبر كل جماعة وإن خبر كل جماعة تواتر، وليس كذلك، وإنما دعوانا أن العلم قد يحصل من خبر الجماعة، ولا يلزم أن يكون خبر كل جماعة محصلا للعلم. وأما الالزام الثالث، فغير صحيح لان التواتر إنما يفيد العلم في الاخبار عن المحسات والمشاهدات والنبوة حكم، فلذلك، لم يثبت بخبر التواتر كيف وإنا لا ندعي أن كل تواتر يجب حصول العلم بمخبره مطلقا لكل أحد لتفاوت

[ 18 ]

الناس في السماع وقوة الفهم والاطلاع على القرائن المقترنة بالاخبار المفيدة للعلم فمخالفة من يخالف غير قادحة فيما ندعيه من حصول العلم به لبعض الناس. وأما الالزام الرابع والخامس، فإنما يصح أن لو ادعينا أن ما يحصل من العلم بخبر التواتر من الامور البديهية، وليس كذلك، بل إنما ندعي العلم العادي. وعلى هذا، فلا يخرج عن كونه علما بتقاصره عن العلوم البديهية، ولا بمساواته لما قيل من العلوم العادية. وأما الالزام السادس، فحاصله يرجع إلى المكابرة والمجاحدة وذلك غير متصور في العادة في خلق لا يتصور عليهم التواطؤ على الخطإ. ثم لو كان الخلاف مما يمنع من كونه علما ضروريا، لكان خلاف السوفسطائية في حصول العلم بالمحسوسات مما يخرجه عن كونه علما ضروريا، وهو خلاف مذهب السمنية. وما هو اعتذارهم في خلاف السوفسطائية في العلم بالمحسوسات يكون عذرا لنا في خلافهم لنا في المتواترات. المسألة الثانية اتفق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين من الاشاعرة والمعتزلة على أن العلم الحاصل عن خبر التواتر ضروري. وقال الكعبي وأبو الحسين البصري من المعتزلة والدقاق من أصحاب الشافعي: أنه نظري. وقال الغزالي: إنه ضروري بمعنى أنه لا يحتاج في حصوله إلى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه مع أن الواسطة حاضرة في الذهن، وليس ضروريا بمعنى

[ 19 ]

أنه حاصل من غير واسطة، كقولنا: القديم لا يكون محدثا، والموجود لا يكون معدوما، فإنه لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس إحداهما أن هؤلاء مع كثرتهم واختلاف أحوالهم، لا يجمعهم على الكذب جامع. الثانية: أنهم قد اتفقوا على الاخبار عن الواقعة، ولكنه لا يفتقر إلى ترتيب المقدمتين بلفظ منظوم، ولا إلى الشعور بتوسطهما وإفضائهما إليه. ومنهم من توقف في ذلك، كالشريف المرتضى من الشيعة. وإذ أتينا على تفصيل المذاهب فلا بد من ذكر حججها، والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. أما حجج القائلين بالضرورة، فأولها، وهي الاقوى، أنه لو كان حصول العلم بخبر التواتر بطريق الاستدلال والنظر، لما وقع ذلك لمن ليس له أهلية النظر والاستدلال، كالصبيان والعوام، وهو واقع لهم لا محالة. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الصبيان والعوام الذين يحصل لهم العلم بخبر التواتر ليس لهم أهلية النظر في مثل هذا العلم، وإن لم يكونوا من أهل النظر فيما عداه من المسائل الغامضة، كحدوث العالم ووجود الصانع ونحوه. وذلك، لان العلم النظري منقسم إلى ما مقدماته المفضية إليه نظرية، فيكون خفيا، وإلى ما مقدماته المفضية إليه نظرية، فيكون خفيا، وإلى ما مقدماته المفضية إليه ضرورية غير نظرية، وعند ذلك، فلا يمتنع أن يكون العلم بخبر التواتر من القبيل الثاني، دون الاول. وعلى هذا، فلا يمتنع أن يكون العلم بأحوال المخبرين التي يتوقف عليها العلم بمخبرهم حاصلة بالضرورة للصبيان والعوام، ويكون العلم بالنتيجة اللازمة عنها ضروريا. وإنما تتم الحجة المذكورة أن لو بين أن العلم بمخبرهم من قبيل ما مقدماته نظرية لا ضرورية وذلك مما لا سبيل إلى بيانه. الحجة الثانية أن كل عاقل يجد من نفسه العلم بوجود مكة وبغداد والبلاد النائية، عند خبر التواتر بها، مع أنه لا يجد من نفسه سابقة فكر ولا نظر فيما يناسبه من العلوم

[ 20 ]

المتقدمة عليه، ولا في ترتيبها المفضي إليه. ولو كان نظريا لما كان كذلك. ولقائل أن يقول إنما يحتاج ذلك إلى الفكر والنظر المقدمات وترتيبها، إن لو لم يكن العلم بتلك الامور حاصلا بالضرورة على ما بيناه في إبطال الحجة الاولى. وأما إذا كان حاصلا بالضرورة، فلا. الحجة الثالثة أن العلم بخبر التواتر لا ينتفي بالشبهة، وهذه هي أمارة الضرورة. ولقائل أن يقول: المنفي بالشبهة العلم النظري الذي مقدماته نظرية، أو الذي مقدماته ضرورية. الاول مسلم، والثاني ممنوع. الحجة الرابعة أنه لو كان نظريا، لامكن الاضراب عنه، كما في سائر النظريات. وحيث لم يمكن ذلك، دل على كونه ضروريا. ولقائل أن يقول: الذي يمكن الاضراب عنه من العلوم النظرية إنما هو العلم المفتقر إلى المقدمات النظرية. وأما ما لزمه من مقدمات حاصلة بالضرورة، فلا. الحجة الخامسة أنه لو كان نظريا، لوقع الخلاف فيه بين العقلاء، وحيث لم يقع إلامن معاند كما سبق، كان ضروريا كالعلم بالمحسات ونحوه. ولقائل أن يقول: تسويغ الخلاف عقلا إنما يكون في العلوم النظرية التي مقدماتها نظرية. وأما مقدماتها ضرورية فلا، كما في المحسات. وأما حجج القائلين بالنظر، فأولها، وهي ما استدل بها أبو الحسين البصري أن قال الاستدلال ترتيب علوم يتوصل بها إلى علم آخر، فكلما وقف وجوده عل ترتيب فهو نظري، والعلم الواقع بخبر التواتر كذلك، فكان نظريا. وذلك، لانا إنما نعلم ذلك، إذا علمنا أن المخبر لم يخبر عن رواية بل عن أمر محسوس، لا لبس فيه وأنه لا داعي له إلى الكذب، فيعلم أنه لا يكون كذبا. وإذا لم يكن كذبا تعين كونه صدقا. ومهما اختل شئ من هذه الامور لم نعلم صحة الخبر، ولا معنى لكونه نظريا سوى ذلك.

[ 21 ]

ولقائل أن يقول: سلمنا أن النظر عبارة عما ذكر، لكن لا نسلم تحققه فيما نحن فيه. وما المانع أن يكون اتفاقهم على الكذب، لا لغرض مع كونه مقدورا لهم، فإن قال بأن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على الكذب لا لغرض ومقصود. قلنا: والعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الصدق لا لغرض ومقصود، فلم قلت بعدم الغرض في الصدق دون الكذب، وإذا لم يكن غرض، فليس الصدق أولى من الكذب. فإن قلنا: الغرض في الصدق كونه صدقا، لكونه حسنا، ولا كذلك الكذب لكونه قبيحا، فهو مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه. فإن قال: المراد إنما هو التحسين والتقبيح العرفي دون العقلي، ولا شك أن أهل العرف يعدون الكذب قبيحا، والصدق حسنا. قلنا: التحسين والتقبيح العرفي راجع إلى موافقة الغرض ومخالفته. وعلى هذا، فلعل الكذب من حيث هو كذب فيما أخبروا به موافق لا غراضهم دون الصدق، فكان حسنا، كما في اتفاقهم على الصدق في بعض ما أخبروا به، سلمنا أنهم لا يجمعون على الكذب إلا لغرض، ولكن ما المانع منه ؟ فإنا قد نجد الجمع الكثير متفقين على وضع الاحاديث والاخبار لحكمة عائدة إليهم، وذلك كأهل مدينة أو جيش عظيم اتفقوا على وضع خبر لا أصل له، إما لدفع مفسدة عنهم لا سبيل إلى دفعها إلا به، وإما لجلب مصلحة لا تحصل إلا به. وهذا مما يغلب مثله في كل عصر وزمان حتى إن أكثر الاخبار العامة الشائعة الواقعة في المعتاد كذلك. فإن قال بأن ذلك، وإن كان واقعا، إلا أن العادة تحيل دوامه، وتوجب انكشافه عن قرب من الزمان. قلنا: فإذا آل الامر إلى التمسك بالعادة في استحالة اتفاقهم على الكذب دائما فما المانع أن يقال بأن العادة موجبة لصدق المخبرين، إذا كانوا جمعا كثيرا، وحصول العلم بخبرهم، وليس القول بأن العادة تحيل اتفاقهم على الكذب، ويلزم من ذلك الصدق، أولى من أن يقال العادة توجب اتفاقهم على الصدق، ويلزم من ذلك امتناع اتفاقهم على الكذب، وعند ذلك، فيخرج العلم بخبر التواتر عن كونه نظريا.

[ 22 ]

سلمنا أنه لا بدفي حصول العلم بخبر التواتر من حصول العلم بامتناع الكذب على المخبرين، ولكن نسلم أن ذلك يكون كافيا في كون العلم الحاصل من التواتر نظريا، إلا أن يكون العلم بالمقدمات قد علم معه أنها مرتبطة بالعلم الحاصل بخبر التواتر، وأنها الواسطة المفضية إليه، وذلك غير مسلم الوجود فيما نحن فيه، كما ذهب إليه الغزالي. الحجة الثانية: أنه لو كان العلم بخبر التواتر ضروريا لنا، لكنا عالمين بذلك العلم على ما هو عليه، كما في سائر العلوم الضرورية. وذلك، لان حصول علم للانسان، وهو لا يشعر به، محال. فإذا كان ذلك العلم ضروريا، وجب أن يعلم كونه ضروريا، وليس كذلك. ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه إذا كان ضروريا بد وأن يعلم أنه ضروري، بل جاز أن يكون أصل العلم بالمخبر بالضرورة، والعلم بصفته، وهي الضرورة، غير ضروري. كيف وأنه معارض بأنه لو كان نظريا، لعلمناه على صفته نظريا على ما قرروه، وليس كذلك، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. الحجة الثالثة أنه لو كان العلم بخبر التواتر ضروريا، لما اختلف العقلاء فيه، كما في غيره من الضروريات. ولقائل أن يقول: الاختلاف فيه لا يدل على أنه غير ضروري، وإلا كان خلاف السوفسطانية في حصول العلم بالضروريات، مانعا من كونها ضرورية، وليس كذلك بالاتفاق من الخصمين هاهنا، بل ولكان خلاف السمنية في حصول أصل العلم بخبر التواتر مانعا منه، وليس كذلك. الحجة الرابعة، أن خبر التواتر لا يزيد في القوة على خبر الله تعالى، وخبر رسوله، بل هو مماثل أو أدنى، والعلم بخبر الله ورسوله غير حاصل بالضرورة، بل بالاستدلال، فما هو مثله كذلك، والادنى أولى. ولقائل أن يقول: حاصل ما ذكر راجع إلى التمثيل، وهو غير مفيد لليقين، كما عرفناه في مواضعه. كيف وإن العلم بخبر التواتر من حيث هو علم، وإن كان لا يقع التفاوت بينه وبين العلم الحاصل من خبر الله والرسول، فكذلك لا تفاوت

[ 23 ]

بين العلوم الضرورية المتفق على ضروريتها، كالعلم بأن لا واسطة بين النفي والاثبات، والعلم بأن الواحد أقل من الاثنين ونحوه وبين العلم الحاصل بخبر الله وخبر رسوله من حيث إن كل واحد منهما علم. ومع ذلك، ما لزم من كون العلوم الضرورية ضرورية أن يكون العلم الحاصل من خبر الله وخبر رسوله ضروريا، ولا من كون خبر الله ورسوله غير ضروري، أن تكون العلوم الضرورية غير ضرورية. وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين وتفاوت الكلام بين الطرفين، فقد ظهر أن الواجب إنما هو الوقف عن الجزم بأحد الامرين. المسألة الثالثة اتفقت الاشاعرة والمعتزلة وجميع الفقهاء على أن خبر التواتر لا يولد العلم، خلافا لبعض الناس. وقد اعتمد القائلون بامتناع ذلك على مسلكين ضعيفين: الاول: أنهم قالوا: لو كان خبر التواتر مولدا للعلم، فالعلم إما أن يكون متولدا من الخبر الاخير، أو منه ومن جملة الاخبار المتقضية: فإن كان الاول، فهو محال، وإلا لتولد منه بتقدير انفراده. وإن كان الثاني، فهو ممتنع لان الاخبار متعددة، والمسبب الواحد لا يصدر عن سببين، كما لا يكون مخلوق بين خالقين. ولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون متولدا عن الخبر الاخير مشروطا بتقدم ما وجد من الاخبار قبله وعدمت، وإن كان متولدا عن الجميع، فما المانع أن يكون متولدا عن الهيئة الاجتماعية، وهي شئ واحد، لا أنه متولد عن كل واحد واحد من تلك الاخبار. وهذا مما لا مدفع له. نعم لو قيل إن تولده من جميع الاخبار ممتنع ضرورة أن ما تقضى من الاخبار معدوم، ولا تولد عن المعدوم، كان متجها. المسلك الثاني: أنهم قالوا. قد استقر من مذهب القائلين بالتولد أن كل ما هو طالب لجهة من الجهات فإنه يجوز أن يتولد عنه شئ في غير محله، كالاعتمادات والحركات، وما ليس كذلك لا يتولد عنه شئ في غير محله. والقول والخبر ليس

[ 24 ]

له جهة، فلا يتولد عنه العلم، لانه، لو تولد عنه العلم، لتولد في غير محله، وهو ممتنع. وذلك مما لا اتجاه له مهما عرف من مذاهب الخصوم أن إرعابات الانسان لغيره مما يولد فيه الوجل المولد للاصفرار بعد الاحمرار، وأن تهجينه له مما يولد فيه الخجل المولد للاحمرار بعد الاصفرار، وإن كان ما تولد عن القول المرهب والمهجن في غير محله. والمعتمد في إبطال ذلك ليس إلا ما حققناه في أبكار الافكار من الدليل الدال على امتناع موجود غير الله تعالى، وأن كل موجود ممكن، فوجوده ليس إلا بالله تعالى، فعليك باعتباره ونقله إلى هاهنا. فإن قيل: اختياركم في المسألة المتقدمة إنما هو الوقف عن الجزم بكون الحاصل عن خبر التواتر ضروريا أو نظريا، وما ذكرتموه هاهنا من كونه مخلوقا لله تعالى يوجب كونه اضطراريا للعبد، وهو تناقض. كيف وإنه لو كان مخلوقا لله تعالى لامكن حصوله عن خبر الجماعة المفروضين بسبب خلق الله تعالى له، وأمكن أن لا يحصل بسبب عدم خلقه. فلما كان ذلك واجب الحصول بخبر التواتر علم أنه غير موجود بالاختيار مباشرة، بل بالتولد عما هو مباشر بالقدرة. قلنا: أما التناقض فمندفع، فإنا سواء قلنا إن العلم مكتسب للعبد، أو هو حاصل له ضروريا، فلا يخرج بذلك عن كونه مخلوقا لله تعالى على ما عرف من أصلنا. قولهم: لو كان مخلوقا لله تعالى لامكن أن يحصل وأن لا يحصل، قلنا: ذلك ممكن عقلا، غير أن الله تعالى قد أجرى العادة بخلقه للعلم عند خبر التواتر، كما أجرى العادة بالشبع عند أكل الخبز، والري عند شرب الماء ونحوه.

[ 25 ]

المسألة الرابعة اتفق القائلون بحصول العلم عن الخبر المتواتر على شروط، واختلفوا في شروط. فأما المتفق عليه، فمنها ما يرجع إلى المخبر، ومنها ما يرجع إلى المستمعين. فأما ما يرجع إلى المخبرين، فأربعة شروط: الاول: أن يكونوا قد انتهوا في الكثرة إلى حد يمتنع معه تواطؤهم على الكذب. الثاني: أن يكونوا عالمين بما أخبروا به، لا ظانين. الثالث: أن يكون علمهم مستندا إلى الحس، لا إلى دليل العقل. الرابع: أن يستوي طرفا الخبر ووسطه في هذه الشروط، لان خبر أهل كل عصر مستقل بنفسه، فكانت هذه الشروط معتبرة فيه. وأما ما يرجع إلى المستمعين، فأن يكون المستمع متأهلا لقبول العلم بما أخبر به، غير عالم به قبل ذلك، وإلا كان فيه تحصيل الحاصل. غير أن من زعم أن حصول العلم بخبر التواتر نظري شرط تقدم العلم بهذه الامور على حصول العلم بخبر التواتر، ومن زعم أنه ضروري لم يشترط سبق العلم بهذه الامور، لان العلم عنده حاصل عند خبر التواتر بخلق الله تعالى، فإن خلق العلم له علم أن الخبر مشتمل على هذه الشروط، وإن لم يخلق له العلم علم اختلال هذه الشروط أو بعضها، فضابط العلم بتكامل هذه الشروط حصول العلم بخبر التواتر عنده، لا أن ضابط حصول العلم بخبر التواتر سابقة حصول العلم بهذه الشروط. ثم اختلف هؤلاء في أقل عدد يحصل معه العلم: فقال بعضهم: هو خمسة. لان ما دون ذلك، كالاربعة بينة شرعية يجوز للقاضي عرضها على المزكين بالاجماع لتحصيل غلبة الظن، ولو كان العلم حاصلا بقول الاربعة، لما كان كذلك. وقد قطع القاضي أبو بكر بأن الاربعة عدد ناقص، وتشكك في الخمسة.

[ 26 ]

ومنهم من قال: أقل ذلك اثنا عشر، بعدد النقباء من بني إسرائيل، على ما قال تعالى: * (وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) * (5) المائدة: 12) وإنما خصهم بذلك العدد لحصول العلم بخبرهم ومنهم من قال: أقله عشرون، تمسكا بقوله تعالى: * (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) * (8) الانفال: 65) وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به. ومنهم من قال: أقل ذلك أربعون، أخذا من عدد أهل الجمعة. ومنهم من قال: أقلهم سبعون، تمسكا بقوله تعالى: * (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا) * (7) الاعراف: 155) وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به. ومنهم من قال: أقله ثلاثمائة وثلاثة عشر، نظرا إلى عدد أهل بدر، إنما خصوا بذلك ليعلم ما يخبرون به للمشركين. ومنهم من قال: أقل عدد يحصل به العلم معلوم لله تعالى، غير معلوم لنا، وهذا هو المختار. وذلك لانا لا نجد من أنفسنا معرفة العدد الذي حصل علمنا بوجود مكة، وبغداد، وغير ذلك من المتواترات عنده. ولو كلفنا أنفسنا معرفة ذلك عند توارد المخبرين بأمر من الامور بترقب الحالة التي يكمل علمنا فيها بعد تزايد ظننا بخبر واحد بعد واحد، لم نجد إليه سبيلا عادة، كما لم نجد من أنفسنا العلم بالحالة التي يحصل فيها كمال عقولنا بعد نقصها، بالتدريج الخفي، لقصور القوة البشرية عن الوقوف على ذلك، بل يحصل لنا العلم بخبر التواتر، وإن كنا لا نقف على أقل عدد أفاده، كما نعلم حصول الشبع بأكل الخبز، والري بشرب الماء، وإن كنا لا نقف على المقدار الذي حصل به الشبع والري. وما قيل من الاقاويل في ضبط عدد التواتر، فهي مع اختلافها وتعارضها وعدم مناسبتها وملائمتها للمطلوب، مضطربة فإنه ما من عدد يفرض حصول العلم به لقوم إلا وقد يمكن فرض خبرهم بعينه غير مفيد للعلم، بالنظر إلى آخرين، بل ولو أخبروا بأعيانهم بواقعة أخرى لم يحصل بها العلم لمن حصل له العلم بخبرهم الاول، ولو كان ذلك العدد هو الضابط لحصول العلم لما اختلف، وإنما وقع الاختلاف بسبب الاختلاف في القرائن المقترنة بالخبر، وقوة سماع المستمع وفهمه وإدراكه للقرائن.

[ 27 ]

وبالجملة، فضابط التواتر ما حصل العلم عنده من أقوال المخبرين، لا أن العلم مضبوط بعدد مخصوص، وعلى هذا فما من عدد يفرض كان أربعة أو ما زاد، إلا ويمكن أن يحصل به العلم، ويمكن أن لا يحصل. ويختلف ذلك باختلاف القرائن. وما ذكر في كل صورة من أن تعيين ذلك العدد فيها إنما كان لحصول العلم بخبرهم، تحكم لا دليل عليه، بل أمكن أن يكون لا غراض أخر غير ذلك، أو أن ذلك واقع بحكم الاتفاق. وعلى قولنا بأن ضابط التواتر حصول العلم عنده يمتنع الاستدلال بالتواتر على من لم يحصل له العلم منه، وإنما المرجع فيه إلى الوجدان، هذا ما يرجع إلى الشرائط المعتبرة المتفق عليها. وأما الشروط المختلف فيها فستة: الاول: ذهب قوم إلى أن شرط عدد التواتر أن لا يحويهم بلد ولا يحصرهم عدد، ومذهب الباقين خلافه، وهو الحق. وذلك، لانه قد يحصل العلم بخبر أهل بلد من البلاد، بل بخبر الحجيج، أو أهل الجامع بواقعة وقعت، وحادثة حدثت، مع أنهم محصورون. الثاني: ذهب قوم إلى اشتراط اختلاف أنساب المخبرين وأوطانهم وأديانهم، وهو فاسد، لانا لو قدرنا أهل بلد اتفقت أديانهم وأنسابهم، وأخبروا بقضية شاهدوها، لم يمتنع حصول العلم بخبرهم. الثالث: ذهب بعضهم إلى أن شرط المخبرين أن يكونوا مسلمين عدولا، لان الكفر عرضة للكذب والتحريف، والاسلام والعدالة ضابط الصدق والتحقيق في القول، ولهذه العلة اختص المسلمون بدلالة إجماعهم على القطع، ولانه لو وقع العلم بتواتر خبر الكفار، لوقع العلم بما أخبر به النصارى، مع كثرة عددهم، عن قتل المسيح وصلبه وما نقلوه عنه من كلمة التثليث، وهو باطل. فإنا نجد من أنفسنا العلم بأخبار العدد الكثير، وإن كانوا كفارا، كما لو أخبر أهل قسطنطينية بقتل ملكهم. وليس ذلك إلا لان الكثر مانعة من التواطئ على الكذب، وإن لم يكن ذلك ممتنعا فيما كان دون تلك الكثرة.

[ 28 ]

وأما الاجماع، فإنما اختص علماء الاسلام بالاحتجاج به للادلة السمعية، دون الادلة العقلية، كما سبق، بخلاف التواتر وأما أنه لم يحصل لنا العلم بما أخبر به النصارى من قتل المسيح وصلبه وكلمة التثليث، فيجب أن يكون ذلك محالا على عدم شرط من شروط التواتر، وهو إما اختلال استواء طرفي الخبر ووسطه فيما ذكرناه من الشروط قبل، أو لانهم ما سمعوا كلمة التثليث صريحا، بل سمعوا كلمة موهمة لذلك، فنقلوا التثليث ويجب اعتقاد ذلك نفيا للكفر عن المسيح، على ما قال تعالى * (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) * (5) المائدة: 73) أو لان المسيح شبه لهم، فنقلوا قتله وصلبه، ولا بعد في ذلك، وإن كان الغلط فيه غير معتاد، إذا وقع في زمان خرق العوائد، وهو زمان النبوة، وإن كان بعيدا في غير زمانه. ويجب اعتقاد ذلك، عملا بقوله تعالى: * (وما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شبه لهم) * (4) النساء: 157). فإن قيل: فخرق العوائد جائز في غير زمان النبوة بكرامات الاولياء، فليجز في كل ما أخبر به أهل ذلك العصر عن المحسات ووقوع الغلط فيه. قلنا: إن حصل لنا العلم بخبرهم، علمنا استحالة الغلط عليهم وإن لم يحصل لنا العلم به، علمنا أنه قد اختل شرط من شرائط التواتر، وإن لم يكن ذلك الشرط معينا عندنا. الرابع: ذهب قوم إلى أن شرطه أن يكونوا محمولين على أخبارهم بالسيف، وهو باطل، فإنهم إن حملوا على الصدق لم يمتنع حصول العلم بقولهم، كما لو لم يحملوا عليه. ولهذا فإنه لو حمل الملك أهل مدينة عظيمة على الاخبار عن أمر محس. وجدنا أنفسنا عالمة بخبرهم حسب علمنا بخبرهم من غير حمل، وإن حملوا على الكذب فيمتنع حصول العلم بخبرهم، لفوات شرط وهو إخبارهم عن معلوم محس.

[ 29 ]

الخامس: شرطت الشيعة وابن الراوندي وجود المعصوم في خبر التواتر، حتى لا يتفقوا على الكذب، وهو باطل أيضا، لما بيناه من أنه لو اتفق أهل بلد من بلاد الكفار على الاخبار عن قتل ملكهم أو أخذ مدينة، فإن العلم يحصل بخبرهم، مع كونهم كفارا فضلا عن كون الامام المعصوم ليس فيهم. ثم لو كان كذلك، فالعلم يكون حاصلا بقول الامام المعصوم بالنسبة إلى من سمعه لا بخبر التواتر. السادس: شرطت اليهود في خبر التواتر أن يكون مشتملا على أخبار أهل الذلة والمسكنة، لانه إذا لم يكن فيهم مثل هؤلاء، فلا يؤمن تواطيهم على الكذب لغرض من الاغراض، بخلاف ما إذا كانوا أهل ذلة ومسكنة، فإن خوف مؤاخذتهم بالكذب يمنعهم من الكذب. ولو صح لهم هذا الشرط، لثبت غرضهم من إبطال العلم بخبر التواتر بمعجزات عيسى ونبينا، عليه السلام، حيث إنهم لم يدخلوا في الاخبار بها، وهم أهل الذلة والمسكنة، لكنه باطل بما نجده من أنفسنا من العلم بأخبار الاكابر والشرفاء العظماء إذا أخبروا بأمر محس، وكانوا خلقا كثيرا، بل ربما كان حصول العلم من خبرهم أسرع من حصول العلم بخبر أهل المسكنة والذلة لترفع هؤلاء عن رذيلة الكذب لشرفهم وقلة مبالاة هؤلاء به لخستهم. وبالجملة، لا يمتنع أن يكون شئ من هذه الشروط إذا تحقق كان حصول العلم بخبر التواتر معه أسرع من غيره. أما أن يكون ذلك شرطا ينتفي العلم بخبر التواتر عند انتفائه، فلا. المسألة الخامسة ذهب القاضي أبو بكر وأبو الحسين البصري إلى أن كل عدد وقع العلم بخبره في واقعة لشخص، لا بد وأن يكون مفيدا للعلم بغير تلك الواقعة لغير ذلك الشخص إذا سمعه، وهذا إنما يصح على إطلاقه إذا كان العلم قد حصل من نفس خبر ذلك العدد مجردا عما احتف به من القرائن العائدة إلى أخبار المخبرين وأحوالهم، واستواء السامعين في قوة السماع للخبر والفهم لمدلوله، مع فرض التساوي في

[ 30 ]

القرائن، مع أن القرائن قد تفيد آحادها الظن، وبتضافرها واجتماعها العلم، كما سنبينه. فلا يمتنع أن يحصل العلم بمثل ذلك العدد في بعض الوقائع للمستمع دون البعض، لما اختص به من القرائن التي لا وجود لها في غيره، وبتقدير اتحاد الواقعة وقرانها لا يلزم من حصول العلم بذلك العدد لبعض الاشخاص حصوله لشخص آخر، لتفاوتهما في قوة الادراك والفهم للقرائن، إذ التفاوت فيما بين الناس في ذلك ظاهر جدا، حتى أن منهم من له قوة فهم أدق المعاني وأغمضها في أدنى دقيقة من غير كد ولا تعب، ومنهم من انتهى في البلادة إلى حد لا قدرة له على فهم أظهر ما يكون من المعاني مع الجد والاجتهاد في ذلك، ومنهم من حاله متوسطة بين الدرجتين. وهذا أمر واضح لا مراء فيه، ومع التفاوت في هذه الامور يظهر أن ما ذكره القاضي وأبو الحسين البصري مما لا سبيل إلى تصحيحه على إطلاقه المسألة السادسة إذا عرف أن التواتر يفيد العلم بالمخبر الواحد، كالاخبار عن قتل ملك أو هجوم بلد، كما ذكرناه، فلو بلغ عدد المخبرين إلى حد التواتر، لكن اختلفت أخبارهم والوقائع التي أخبروا عنها مع اشتراك جميع أخبارهم في معنى كلي مشترك بين مخبراتهم، فالكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك ضرورة إخبارهم عن جريانه، إما بجهة التضمن أو الالتزام، فكان معلوما من أخبارهم وذلك كالاخبار التي وردت خارجة عن الحصر عن وقائع عنتر في حروبه، ووقائع حاتم في هباته وضيافاته، وإن اختلفت وقائع هذه الاخبار، فكلها دالة على القدر المشترك من شجاعة هذا وكرم هذا. غير أنه ربما كان حصول العلم بها مثل التواتر الاول، لاتحاد لفظه ومعناه أسرع حصولا من الثاني، لاختلاف ألفاظه وما طابقها من المعاني، وإن اتحد مدلولها من جهة التضمن أو الالتزام وهذا آخر باب التواتر.

[ 31 ]

الباب الثالث في أخبار الآحاد ويشتمل على أربعة أقسام: أولها: النظر في حقيقة خبر الواحد، وما يتعلق به من المسائل. وثانيها: النظر في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد، وما يتعلق به من المسائل. وثالثها: النظر في مستند الراوي، وكيفية روايته، وما يتعلق به من المسائل. ورابعها: النظر فيما اختلف في رد خبر الواحد به ومسائله. القسم الاول في حقيقة خبر الواحد ويشتمل على مقدمة ومسائل. أما المقدمة، ففي حقيقة خبر الواحد وشرح معناه. قال بعض أصحابنا: خبر الواحد ما أفاد الظن، وهو غير مطرد ولا منعكس. أما أنه غير مطرد، فلان القياس مفيد للظن، وليس هو خبر واحد فقد وجد الحد، ولا محدود. وأما أنه غير منعكس، فهو أن الواحد، إذا أخبر بخبر، ولم يفد الظن، فإنه خبر واحد، وإن لم يفد الظن فقد وجد المحدود، ولا حد. كيف وإن التعريف بما أفاد الظن، تعريف بلفظ متردد بين العلم، كما في قول الله تعالى: * (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم) * (2) البقرة: 46) أي يعلمون، وبين ترجح أحد الاحتمالين على الآخر في النفس من غير قطع. والحدود مما يجب صيانتها عن الالفاظ المشتركة لا خلالها بالتفاهم وافتقارها إلى القرينة. والاقرب في ذلك أن يقال: خبر الآحاد ما كان من الاخبار غير منته إلى حد التواتر. وهو منقسم إلى ما لا يفيد الظن أصلا، وهو ما تقابلت فيه الاحتمالات على السواء، وإلى ما يفيد الظن، وهو: ترجح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر في النفس من غير قطع. فإن نقله جماعة تزيد على الثلاثة والاربعة سمي مستفيضا مشهورا.

[ 32 ]

وإذا عرف ذلك فلنذكر ما يتعلق به من المسائل، وهي سبع: المسألة الاولى اختلفوا في الواحد العدل، إذا أخبر بخبر، هل يفيد خبره العلم ؟ فذهب قوم إلى أنه يفيد العلم، ثم اختلف هؤلاء: فمنهم من قال إنه يفيد العلم بمعنى الظن لا بمعنى اليقين، فإن العلم قد يطلق ويراد به الظن، كما في قوله تعالى: * (فإن علمتموهن مؤمنات) * (60) الممتحنة: 10) أي ظننتموهن. ومنهم من قال إنه يفيد العلم اليقيني من غير قرينة، لكن من هؤلاء من قال: ذلك مطرد في خبر كل واحد، كبعض أهل الظاهر، وهو مذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. ومنهم من قال إنما يوجد ذلك في بعض أخبار الآحاد، لا في الكل، وإليه ذهب بعض أصحاب الحديث. ومنهم من قال إنه يفيد العلم، إذا اقترنت به قرينة، كالنظام، ومن تابعه في مقالته. وذهب الباقون إلى أنه لا يفيد العلم اليقيني مطلقا، لا بقرينة ولا بغير قرينة. والمختار حصول العلم بخبره، إذا احتفت به القرائن. ويمتنع ذلك عادة دون القرائن، وإن كان لا يمتنع خرق العادة بأن يخلق الله تعالى لنا العلم بخبره من غير قرينة. أما أنه لا يفيد العلم بمجرده، فقد احتج القائلون بذلك بحجج واهية لا بد من التنبيه عليها، والاشارة بعد ذلك إلى ما هو المعتمد في ذلك. الحجة الاولى: من الحجج الواهية قولهم: لو كان خبر الواحد مفيدا للعلم لافاد كل خبر واحد، كما أن خبر التواتر لما كان موجبا كان كل خبر متواتر كذلك. ولقائل أن يقول، هذا قياس تمثيلي، وهو غير مفيد للعلم. كيف وإن خبر التواتر قبل العلم به ضروري غير مكتسب، فلا يمتنع أن يخلقه الله تعالى عند كل تواتر، لعلمه بما يشتمل عليه من مصلحة مختصة به، أو لمصلحة، كما يشاء ويختار ومثل ذلك غير لازم في أخبار الآحاد.

[ 33 ]

وإن قيل إنه نظري مكتسب. فلا مانع من استواء جميع أخبار التواتر فيما لا بد منه في حصول العلم. ولا يلزم من ذلك استواء جميع أخبار الآحاد في ذلك. الحجة الثانية: أن تأثيرات الادلة في النفوس بحسب المؤثر، ولا نجد من أنفسنا من خبر الواحد، وإن بلغ الغاية في العدالة، سوى ترجح صدقه على كذبه من غير قطع، وذلك غير موجب للعلم. وهذه الحجة في غاية الضعف، لان حاصلها يرجع إلى محض الدعوى في موضع الخلاف من غير دلالة، ومع ذلك، فهي مقابلة بمثلها، وهو أن يقول الخصم: وأنا أجد في نفسي العلم بذلك. وليس أحد الامرين أولى من الآخر. الحجة الثالثة: أنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم، لما روعي فيه شرط الاسلام والعدالة كما في خبر التواتر. وحاصل هذه الحجة أيضا يرجع إلى التمثيل، وهو غير مفيد لليقين. ثم ما المانع أن يكون حصول العلم بخبر التواتر، لان الله تعالى أجرى العادة بخلق العلم عنده إن قيل إن العلم بخبر التواتر ضروري، وذلك غير لازم في خلقه عند خبر من ليس بمسلم ولا عدل، أو أن يكون التواتر من حيث هو تواتر مشتمل على ما يوجب العلم. إن قيل بأن العلم بخبر التواتر كسبي، وخبر من ليس بمسلم ولا عدل غير مشتمل على ذلك. والمعتمد في ذلك أربع حجج: الحجة الاولى: أنه لو كان خبر الواحد الثقة مفيدا للعلم بمجرده، فلو أخبر ثقة آخر بضد خبره، فإن قلنا خبر كل واحد يكون مفيدا للعلم، لزم اجتماع العلم بالشئ وبنقيضه، وهو محال. وإن قلنا خبر أحدهما يفيد العلم دون الآخر، فإما أن يكون معينا، أو غير معين. فإن كان الاول، فليس أحدهما أولى من الآخر، ضرورة تساويهما في العدالة والخبر. وإن لم يكن معينا، فلم يحصل العلم بخبر واحد منهما على التعيين، بل كل واحد منهما إذا جردنا النظر إليه، كان خبره غير مفيد للعلم، لجواز أن يكون المفيد للعلم هو خبر الآخر. كيف وأنه لا مزية لاحدهما على الآخر، حتى يقال بحصول العلم بخبره، دون خبر الآخر.

[ 34 ]

الحجة الثانية: إن كل عاقل يجد من نفسه عند ما إذا أخبره واحد بعد واحد بمخبر واحد يزيد اعتقاده بذلك المخبر. ولو كان الخبر الاول والثاني مفيدا للعلم، فالعلم غير قابل للتزيد والنقصان. فإن قيل: كيف يقال بأن العلم غير قابل للزيادة والنقصان، مع أن بعض العلوم قد يكون أجلى من بعض، وأظهر، كالعلم الضروري، فإنه أقوى من العلم المكتسب، والعلم بالعيان أقوى من العلم بالخبر. قلنا: لا نسلم تصور التفاوت بين العلوم من حيث هي علوم بزيادة ولا نقصان، لانتفاء احتمال النقيض عنها قطعا، ولو لم يكن كذلك، لما كانت علوما، بل ظنونا. والتفاوت الواقع بين العلم النظري والعلم الضروري ليس في نفس العلم بالمعلوم، بل من جهة أن أحدهما مفتقر في حصوله إلى النظر دون الآخر، أو أن أحدهما أسرع حصولا من الآخر، لتوقفه على النظر. والتفاوت الواقع بين العلم بالخبر والعلم بالنظر غير متصور فيما تعلقا به، وإنما التفاوت بينهما من جهة أن ما لا يدرك بالخبر يكون مدركا بالعيان والنظر. الحجة الثالثة: أنه لو كان الخبر الواحد بمجرده موجبا للعلم، لكان العلم حاصلا بنبوة من أخبر بكونه نبيا من غير حاجة إلى معجزة دالة على صدقه، ولوجب أن يحصل للحاكم العلم بشهادة الشاهد الواحد، وأن لا يفتقر معه إلى شاهد آخر، ولا إلى تزكيته، لما فيه من طلب تحصيل الحاصل، إذ العلم غير قابل للزيادة والنقصان، كما سبق تقريره.

[ 35 ]

الحجة الرابعة: أنه لو حصل العلم بخبر الواحد بمجرده لوجب تخطئة مخالفه بالاجتهاد وتفسيقه وتبديعه، إن كان ذلك فيما يبدع بمخالفته، ويفسق، ولكان مما يصح معارضته بخبر التواتر، وأن يمتنع التشكيك بما يعارضه كما في خبر التواتر، وكل ذلك خلاف الاجماع. فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالنص، والمعقول، والاثر: أما النص فقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * نهى عن اتباع غير العلم. وقد أجمعنا على جواز اتباع خبر الواحد في أحكام الشرع، ولزوم العلم به، فلو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم، لكان الاجماع منعقدا على مخالفة النص، وهو ممتنع. وأيضا فإن الله تعالى قد ذم على اتباع الظن بقوله تعالى: * (إن يتبعون إلا الظن) * (6) الانعام: 116) وقوله تعالى: * (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا، إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (10) يونس: 36) فلو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم، بل للظن، لكنا مذمومين على اتباعه، وهو خلاف الاجماع وأما من جهة المعقول، فمن وجهين: الاول أنه، لو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم، لما أوجبه، وإن كثر العدد إلى حد التواتر، لان ما جاز على الاول جاز على من بعده. الثاني أنه، لو لم يكن خبره موجبا للعلم، لما أبيح قتل المقر بالقتل على نفسه ولا بشهادة اثنين عليه، ولا وجبت الحدود بأخبار الآحاد، لكون ذلك قاضيا على دليل العقل، وبراءة الذمة.

[ 36 ]

وأما من جهة الاثر، ونخص مذهب من فرق بين خبر وخبر كبعض المحدثين، فهو أن عليا، كرم الله وجه، قال ما حدثنى أحد بحديث إلا استحلفته، سوى أبي بكر صدق أبا بكر وقطع بصدقه، وهو واحد. قلنا: أما الآيات، فالجواب عنها من وجهين: الاول أن وجوب العمل بخبر الواحد واتباعه في الشرعيات إنما كان بناء على انعقاد الاجماع على ذلك، والاجماع قاطع. فاتباعه لا يكون اتباعا لما ليس بعلم ولا اتباعا للظن. الثاني أنه يحتمل أن يكون المراد من الآيات إنما هو المنع من اتباع غير العلم فيما المطلوب منه العلم، كالاعتقادات في أصول الدين من اعتقاد وجود الله تعالى، وما يجوز عليه وما لا يجوز، ويجب الحمل على ذلك عملا بما ذكرناه من الادلة. وأما ما ذكروه من الوجه الاول من جهة المعقول، فغير لازم، لان حكم الجملة قد يغاير حكم الآحاد، على ما سبق مرارا. وأما الوجه الثاني، فمبني على أن أحكام الشرع لا تبنى على غير العلم، وهو غير مسلم، وعلى خلاف إجماع السلف قبل وجود المخالفين. وما ذكروه من الاثر، فغايته أن يدل على أن عليا صدق أبا بكر، رضي الله عنهما، من غير يمين، لحصول ظنه بخبره من غير يمين دون خبر غيره، لكون ما اختص به من زيادة الرتبة وعلو الشأن في العدالة، والثقة في مقابلة يمين غيره. والتصديق بناء على غلبة الظن جائز في باب الظنون، وإن لم يكن الصدق معلوما.

[ 37 ]

وأما جواز وقوع العلم بخبر الواحد، إذا احتفت به القرائن، فيدل عليه أن القرينة قد تفيد الظن مجردة عن الخبر. وذلك كما إذا رأينا إنسانا يكثر من النظر إلى شخص مستحسن،، فإنا نظن حبه له. فإذا اقترن بذلك ملازمته له، زاد ذلك الظن ولا يزال في التزايد بزيادة خدمته له وبذل ما له وتغير حاله، إلى غير ذلك من القرائن، حتى يحصل العلم بحبه له، كما في تزايد الظن بأخبار الآحاد حتى يصير تواترا. وكذلك علمنا بخجل من هجن، ووجل من خوف، باحمرار هذا، واصفرار هذا. وبهذا الطريق نعلم عند ارتضاع الطفل وصول اللبن إلى جوفه بكثرة امتصاصه وازدراده، وحركة حلقه مع كون المرأة شابة نفساء، وبسكون الصبي بعد بكائه، إلى غير ذلك من القرائن. وإذا كانت القرائن المتضافرة بمجردها مفيدة للعلم، فلا يبعد أن تقترن بالخبر المفيد للظن قرينة مفيدة للظن، قائمة مقام اقتران خبر آخر به. ثم لا يزال التزايد في الظن بزيادة اقتران القرائن إلى أن يحصل العلم، كما في خبر التواتر. وإذا ثبت الجواز فبيان الوقوع أنه لو أخبر واحد أن ولد الملك قد مات، واقترن بذلك علمنا بمرضه، وأنه لا مريض في دار الملك سواه، وما شاهدناه من الصراخ العالي في داره، والنحيب الخارج عن العادة، وخروج الجنازة محتفة بالخدم، والجواري حاسرات مبرحات يلطمن خدودهن، وينقضن شعورهن، والملك ممزق الثوب حاسر الرأس يلطم وجهه، وهو مضطرب البال، مشوش الحال، على خلاف ما كان من عادته من التزام الوقار والهيبة، والمحافظة على أسباب المروءة، فإن كل عاقل سمع ذلك الخبر، وشاهد هذه القرائن يعلم صدق ذلك المخبر، ويحصل له العلم بمخبره، كما يعلم صدق خبر التواتر ووقوع مخبره. وكذلك إذا أخبر واحد، مع كمال عقله، وحسه بحياة نفسه وكراهته للالم، وهو في أرغد عيشة، نافذ الامر، قائم الجاه أنه قتل من يكافئه عمدا عدوانا، بآلة يقتل مثلها غالبا، من غير شبهة له في قتله ولا مانع له من القصاص، كان خبره مع هذه القرائن موجبا للعلم بصدقه عادة. وكذلك، إذا كان في جوار إنسان امرأة حامل، وقد انتهت مدة حملها، فسمع الطلق من وراء الجدار، وضجة النسوان حول تلك الحامل، ثم سمع صراخ

[ 38 ]

الطفل، وخرج نسوة يقلن إنها قد ولدت، فإنه لا يستريب في ذلك، ويحصل له العلم به قطعا.. وإنكار ذلك مما يخرج المناظرة إلى المكابرة. فإن قيل العلم الحاصل بموت ولد الملك في الصورة المفروضة إما أن يكون حاصلا من نفس الخبر أو من نفس القرائن، أو من الخبر مشروطا بالقرائن، أو بالقرائن مشروطا بالخبر الاول أو من الامرين معا، لا جائز أن يكون من مجرد الخبر لما ذكرتموه أولا، ولا جائز أن يكون من الخبر مشروطا بالقرائن، ولا من القرائن بشرط الخبر، ولا من الخبر والقرائن معا، لاستقلال تلك القرائن المذكورة بإفادة العلم بالموت سواء وجد الخبر أو لم يوجد. فلم يبق إلا أن يكون حاصلا من نفس القرائن، ولا أثر للخبر. ثم ما ذكرتموه معارض بما ذكرتموه من الحجج الدالة على امتناع وقوع العلم بخبر الواحد مجردا عن القرائن، فإنها متجهة بعينها هاهنا. والجواب عن السؤال الاول أنه لا يمتنع أن يكون سبب ما وجد من القرائن موت غير ولد الملك فجأة. فإذا انضم إليها الخبر بموت ذلك المريض بعينه، كان اعتقاد موته آكد من اعتقاد موته مع القرائن دون الخبر. وعن المعارضات أنها غير لازمة فيما نحن فيه. أما الحجة الاولى:، فلانا إذا فرضنا حصول العلم بخبر من احتفت بخبره القرائن، فيمتنع تصور اقتران مثل تلك القرائن، أو ما يقوم مقامها، بالخبر المناقض له، وإن كان نفس الخبر مناقضا، بخلاف ما إذا كان الخبر بمجرده مفيدا للعلم، فإن ذلك غير مانع من خبر آخر مناقض له على ما هو معلوم في الشاهد. وأما الحجة الثانية: فلان ما نجده من التزيد عند أخبار الآحاد إنما يكون فيما لم يحصل العلم فيه بخبر الاول والثاني وأما متى كان العلم قد حصل بخبر الاول،

[ 39 ]

فالتزيد من ذلك يكون ممتنعا، ولا كذلك فيما إذا أخبر واحد بخبر فإنا إذا جردنا النظر إلى خبره من غير قرينة، وجدنا أنفسنا مما يزيد فيها الظن بما أخبر به باقتران خبر غيره بخبره. وأما الحجة الثالثة: فلانا إذا قلنا إن خبر الواحد يفيد العلم بمخبره، لزم تصديق مدعي النبوة في خبره، ولا كذلك إذا قلنا إن الخبر لا يفيد العلم إلا بالقرائن. فخبر الواحد بنبوته لا يكون مفيدا للعلم بصدقه دون اقتران القرائن بقوله والمعجزة من القرائن. وأما الحجة الرابعة: فغايتها أنها تدل على أنه لم يوجد خبر من أخبار الآحاد في الشرعيات موجبا للعلم بمجرده، ولا يلزم منه انتفاء ذلك مطلقا. المسألة الثانية إذا أخبر واحد بين يدي رسول الله، (ص)، بخبر، ولم ينكر عليه، هل يعلم كونه صادقا فيه ؟ منهم من قال بأن ذلك دليل العلم بصدقه فيما أخبر به، فإنه لو كان كاذبا لانكر النبي، عليه السلام، عليه، وإلا كان مقرا له على الكذب مع كونه محرما، وذلك محال في حق النبي (ص)، وهو غير صحيح، فإنه من الجائز أن يكون النبي، (ص)، غير سامع له، بل هو ذاهل عنه، وإن غلب على الظن السماع وعدم الغفلة، وبتقدير أن يعلم سماعه له وعدم غفلته عنه، فمن الجائز أن لا يكون فاهما لما يقول، وإن غلب على الظن فهمه له، وبتقدير أن يكون فاهما له، فلا يخلو إما أن يكون ما أخبر به متعلقا بالدين، أو الدنيا: فإن كان متعلقا بالدين، وقدر كونه كاذبا فيه، فيحتمل أن يكون قد بينه له، وعلم أن إنكاره عليه ثانيا غير منجع فيه فلم ير في

[ 40 ]

الانكار عليه فائدة، ورأى المصلحة في إهماله إلى وقت آخر. وبتقدير عدم ذلك كله، احتمل أن يكون كذبه في ذلك صغيرة، وعدم الانكار عليه في ذلك غايته أن يكون صغيرة في حق النبي، (ص)، وانتفاء الصغائر عن النبي (ص)، غير مقطوع به على ما بيناه في كتبنا الكلامية. هذا، إن كان إخباره بأمر ديني. وأما إن كان إخباره بأمر دنيوي، فيحتمل أن النبي، (ص)، لم يعلم بكونه كاذبا فيما أخبر به، وإن ظن علمه به، وبتقدير أن يكون عالما بكذبه، فيحتمل أنه امتنع من الانكار لمانع، أو لعلمه بأنه لا فائدة في إنكاره، وبتقدير عدم ذلك كله، فيحتمل أن يكون ذلك من الصغائر، والصغائر غير ممتنعة على الانبياء، كما علم. وعلى هذا، فعدم الانكار لا يدل على صدقه قطعا، وإن دل عليه ظنا. المسألة الثالثة إذا أخبر واحد بخبر عن أمر محس بين يدي جماعة عظيمة وسكتوا عن تكذيبه، قال قوم: علم من ذلك صدقه لانه يمتنع عادة أن لا يطلع واحد منهم على كذبه، وبتقدير الاطلاع، يمتنع عادة سكوت الجمع العظيم عن التكذيب مع اختلاف أمزجتهم وطباعهم، واختلاف دواعيهم، فحيث سكتوا عن التكذيب دل على صدقه، وليس بحق، لانه من الجائز أن لا يكون لهم اطلاع على ما أخبر به، ولا يعلمون كونه صادقا ولا كاذبا، ولا واحد منهم، ولا العادة مما تحيل اطلاع بعض الناس على أمر لم يطلع عليه غيره. وبتقدير أن يعلم واحد منهم أو اثنان كذبه، فالعادة لا تحيل سكوت الواحد والاثنين عن تكذيبه، وبتقدير أن يعلم الكل بكذبه، فيحتمل أن مانعا منعهم من تكذيبه، ومع هذه الاحتمالات يمتنع القطع بتصديقه وإن كان صدقه مظنونا.

[ 41 ]

المسألة الرابعة إذا روى واحد خبرا، ورأينا الامة مجمعة على العمل بمقتضاه، قال جماعة من المعتزلة، كأبي هاشم وأبي عبد الله البصري وغيرهما، إن ذلك يدل على صدقه قطعا، وإلا كان عملهم بمقتضاه خطأ، والامة لا تجتمع على الخطإ، وهو باطل. وذلك لانه من المحتمل أنهم لم يعملوا به، بل بغيره من الادلة أو بعضهم به، وبعضهم بغيره. وبتقدير عمل الكل به، فلا يدل ذلك على صدقه قطعا، لانه إذا كان مظنون الصدق، فالامة مكلفة بالعمل بموجبه، وعملهم بموجبه مع تكليفهم بذلك لا يكون خطأ، لان خطأهم إنما يكون بتركهم لما كلفوا به، أو العمل بما نهوا عنه. ومع هذه الاحتمالات، فصدقه لا يكون مقطوعا، وإن كان مظنونا. وعلى هذا، لو روى واحد خبرا، واتفق أهل الاجماع فيه على قولين، فطائفة عملت بمقتضاه، وطائفة اشتغلت بتأويله، فلا يدل ذلك على صدقه قطعا، وذلك لان الطائفة التي عملت بمقتضاه لعلها لم تعمل به، بل بغيره، كما سبق. وبتقدير أن تكون عاملة به، فاتفاقهم على قبوله لا يوجب كونه صادقا قطعا لما ذكرناه من تكليفهم باتباع الظني. المسألة الخامسة اختلفوا فيما لو وجد شئ بمشهد من الخلق الكثير، لتوفرت الدواعي على نقله، إذا انفرد الواحد بروايته عن باقي الخلق، كما إذا أخبر بأن الخليفة ببغداد قتل في وسط الجامع يوم الجمعة بمشهد من الخلق، ولم يخبر بذلك أحد سواه، فذهب الكل إلى أن ذلك يدل على كذبه، خلافا للشيعة، وهو الحق. وذلك، لان الله تعالى قد ركز في طباع الخلق من توفير الدواعي على نقل ما علموه، والتحدث بما عرفوه، حتى إن العادة لتحيل كتمان ما لا يؤبه له مما جرى من صغار الامور على الجمع القليل فكيف على الجمع الكثير فيما هو من عظائم الامور ومهماتها، والنفوس مشرئبة إلى معرفته، وفي نقله صلاح للخلق، بل السكوت عن نقل ذلك وإشاعته في إحالة العادة له أشد من إحالة العادة لسكوتهم وتواطيهم على عدم نقل وجود مكة وبغداد. فلو جاز كتمان ذلك لجاز أن يوجد مثل مصر وبغداد، ولم يخبر أحد

[ 42 ]

عنهما، وذلك محال عادة. وبمثل هذا عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن والتنصيص على إمام بعينه، من حيث إنه لو وجد ذلك لشاع وتوفرت الدواعي على نقله. فإن قيل: العادة إنما تحيل اتفاق الجمع الكثير على كتمان ما جرى بمشهد منهم من الامور العظيمة، إذا لم يتحقق الداعي إلى الكتمان معارضا لداعي الاظهار، ولا بعد في ذلك، إما لغرض واحد يعم الكل نظرا إلى مصلحة تتعلق بالكل في أمر الولاية وإصلاح المعيشة، أو خوف ورهبة من عدو غالب وملك قاهر، أو لاغراض متعددة، كل غرض لواحد، ويدل على ذلك الوقوع. وهو أن النصارى، مع كثرتهم كثرة تخرج عن الحصر، لم ينقلوا كلام المسيح في المهد، مع أنه من أعجب حادث حدث في الارض، ومن أعظم ما تتوفر الدواعي على نقله وإشاعته، ونقلوا ما دون ذلك من معجزاته. وأيضا فإن الناس نقلوا أعلام الرسل، ولم ينقلوا أعلام شعيب وغيره من الرسل. وأيضا فإن آحاد المسلمين قد انفردوا بنقل ما تتوفر الدواعي على نقله مع شيوعه فيما بين الصحابة والجمع الكثير، كنقل ما عدا القرآن من معجزاته، كانشقاق القمر، وتسبيح الحصا في يده، ونبع الماء من بين أصابعه، وحنين الجذع إليه، وتسليم الغزالة عليه، وكدخول مكة عنوة أو صلحا، وتثنية الاقامة وإفرادها وإفراده في الحج، وقرانه، ونكاحه لميمونة وهو حرام، وقبوله لشهادة الاعرابي وحده في هلال رمضان، ورفع اليدين في الصلاة والجهر بالتسمية إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى.

[ 43 ]

قلنا: قد بينا أن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على كتمان ما يجري بينهم من الوقائع العظيمة. قولهم ذلك، إنما يصح أن لو لم يوجد الداعي إلى الكتمان. قلنا: والكلام فيه، وذلك أن العادة أيضا تحيل اشتراك الخلق الكثير في الداعي إلى الكتمان، كما يستحيل اشتراكهم في الداعي إلى الكذب وإلى أكل طعام واحد في يوم واحد، وما ذكروه من صور الاستشهاد. أما كلام عيسى في المهد، فإنما تولى نقله الآحاد، لانه لم يتكلم إلا بحضرة نفر يسير، حيث لم يكن أمره قد ظهر، ولا شأنه قد اشتهر، ولا عرف برسالة ولا نبوة، وذلك بخلاف إحياء الميت، وإبراء الاكمه والابرص، فإنه كان وقت اشتهاره ودعواه الرسالة، مستدلا بذلك على صدقه، وتطلع الناس إليه، وامتداد الاعين إلى ما يدعيه. فلذلك، لم يقع اتفاقهم على كتمانه وأما أعلام شعيب وغيره من الانبياء، فإنما لم ينقل، لانهم لم يدعوا الرسالة حتى يستدلوا عليها بالمعجزات، ولا كان لهم شريعة انفردوا بها، بل كانوا يدعون إلشريعة من قبلهم من الرسل، كدعوى غيرهم من الائمة وآحاد العلماء. وأما نقل باقي معجزات الرسول غير القرآن، فإنما تولاه الآحاد، لانه لم يوجد شئ من ذلك بمشهد من الخلق العظيم، بل إنما جرى ما جرى منهم بحضور طائفة يسيرة، (2) ولا سيما انشقاق القمر، فإنه كان من الآيات الليلية، وقعت والناس بين نائم وغافل في لمح البصر، ولم يكن النبي، (ص)، قد دعاهم إلى رؤيته، ولا نبههم على

[ 44 ]

ذلك سوى من رآه من النفر اليسير. ولهذا، فإنه كم من أمر مهول يقع في الليل، من زلزلة أو صاعقة أو ريح عاصف أو انقضاض شهاب عظيم، ولا يشعر به سوى الآحاد. وهذا، بخلاف القرآن، فإنه كان، (ص)، يردده بين الخلق في جميع عمره، فلم يبق أحد من الجمع العظيم في زمانه إلا وقد علمه وشاهده. فلذلك، استحال تواطؤهم على عدم نقله. وأما دخول مكة، فقد نقله الجمع الكثير، وهو مستفيض مشهور، أنه دخلها عنوة متسلحا بالالوية والاعلام على سبيل القهر والغلبة، مع بذل الامان لمن ألقى سلاحه، واعتصم بالكعبة ودار أبي سفيان. وإنما خالف بعض الفقهاء لما اشتبه عليه ذلك بأداء دية من قتله خالد بن الوليد. ولا يبعد ظن ذلك من الآحاد

[ 45 ]

وأما تثنية الاقامة وإفرادها، فإنما اختلفوا فيه لاحتمال أن المؤذن كان يفرد تارة، يثني أخرى، فنقل كل بعض ما سمعه، وأهمل الباقي لعلمه بأنه من الفروع المتسامح فيها، وهو الجواب عن الجهر بالتسمية ورفع اليدين في الصلاة. وأما إفراد النبي وقرانه في الحج، فإنما نقله الآحاد، لان ذلك مما يتعلق بالنية، وليس ذلك مما يجب ظهوره ومناداة النبي (ص) به. وأما نكاحه ميمونة، وهو حرام، فليس ذلك أيضا مما يجب إظهاره، بل جاز أن يكون قد وقع ذلك بمحضر جماعة يسيرة. فلذلك انفرد به الآحاد. وهو الجواب عن قبول شهادة الاعرابي وحده. المسألة السادسة مذهب الاكثرين جواز التعبد بخبر الواحد العدل عقلا، خلافا للجبائي وجماعة من المتكلمين. ودليل جوازه عقلا أنا، لو فرضنا ورود الشارع بالتعبد بالعمل بخبر الواحد إذا غلب على الظن صدقه، لم يلزم عنه لذاته محال في العقل، ولا معنى للجائز العقلي سوى ذلك. وغاية ما يقدر في اتباعه احتمال كونه كاذبا أو مخطئا. وذلك لا يمنع من التعبد به، بدليل اتفاقنا على التعبد بالعمل بقول المفتي، والعمل بقول الشاهدين، مع احتمال الكذب والخطإ على المفتي والشاهد فيما أخبرا به. فإن قيل: وإن سلمنا أنه لو ورد الشرع بذلك لم يلزم عنه لذاته محال، وأنه ليس محالا لذاته عقلا، لكنه محال عقلا باعتبار أمر خارج عن ذاته، وذلك لان

[ 46 ]

التكاليف مبنية على المصالح ودفع المفاسد، فلو تعبدنا باتباع خبر الواحد والعمل به، فإذا أخبر بخبر عن رسول الله بسفك دم واستحلال بضع محرم، مع احتمال كونه كاذبا، فلا يكون في العمل بمقتضى قوله مصلحة بل محض مفسدة، وهو خلاف وضع الشرع. ولهذا، امتنع ورود التعبد بالعمل بخبر الفاسق والصبي، فيما يتعلق بالاحكام الشرعية إجماعا. وأما ما ذكرتموه من التعبد بالعمل بقول الشاهدين، فالفرق بين الشهادة والخبر من ثلاثة أوجه: الاول: أن الشهادة إنما تقبل فيما يجوز فيه الصلح، ولا كذلك الخبر عن الله تعالى والرسول. فكانت المفسدة في الشهادة أبعد. الثاني: أن الخبر يقتضي إثبات شرع بخلاف الشهادة. الثالث: هو أن الحكم عند الشهادة إنما يثبت بدليل قاطع وهو الاجماع والشهادة شرط، لا مثبت، بخلاف خبر الواحد، فإنه عندكم دليل مثبت للحكم الشرعي. ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز التعبد بخبر الواحد إلا أنه معارض بما يدل على نقيضه. وبيانه من جهة المنقول، والمعقول. أما المنقول، فقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (17) الاسراء: 36) وقوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (2) البقرة: 169) وقوله تعالى: * (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (10) يونس: 36). وأما المعقول، فمن أربعة أوجه: الاول: أنه لو جاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد في الاحكام الشرعية عن الرسول عند ظننا بصدقه، لاحتمال كونه مصلحة، لجاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد عن الله تعالى بالاحكام الشرعية، وذلك دون اقتران المعجزة بقوله محال الثاني: أنه لو جاز ورود التعبد بخبر الواحد في الفروع، لجاز ورود التعبد به في

[ 47 ]

الاصول، وليس كذلك. الثالث: أنه لو جاز التعبد بقبول خبر الواحد، لجاز التعبد به في نقل القرآن، وهو محال. الرابع: أن أخبار الآحاد قد تتعارض، فلو ورد التعبد بالعمل بها، لكان واردا بالعمل بما لا يكن العمل به ضرورة التعارض، وهو ممتنع على الشارع. والجواب عن السؤال الاول من وجهين: الاول أنه مبني على وجوب رعاية المصالح في أحكام الشرع وأفعاله، وهو غير مسلم على ما عرفناه في الكلاميات. الثاني أن ما ذكروه منتقض بورود التعبد بقبول شهادة الشهود وقول المفتي وما ذكروه من الفروق فباطلة. أما الفرق الاول فمن وجهين: الاول أنه لا يطرد في الاخبار المتعلقة بأنواع المعاملات. الثاني أنه ينتقض بالشهادة فيما لا يجري فيه الصلح، كالدماء والفروج. وأما الفرق الثاني فمن جهة أن الخبر كما يستلزم إثبات أمر شرعي، كالشهادة على القتل والسرقة وغير ذلك، يستلزم إثبات أمر شرعي، وهو وجوب القتل والقطع. وأما الثالث، فمن جهة أنه لا فرق بين الخبر والشهادة من حيث إنه لا بد عند الشهادة من دليل يوجب العمل بها، كما في العمل بالخبر. وأما المعارضة بالآيات، فجوابها من وجهين:

[ 48 ]

الاول أنا نقول بموجبها، وذلك أن العمل بخبر الواحد ووجوب اتباعه إنما هو بدليل مقطوع به مفيد للعلم بذلك، وهو الاجماع. الثاني أنه لازم على الخصوم في اعتقادهم امتنا التعبد بخبر الواحد، إذ هو غير معلوم بدليل قاطع، بل غايته أن يكون مظنونا لهم. فالآيات مشتركة الدلالة، فكما تدل على امتناع اتباع خبر الواحد، تدل على امتناع القول بعدم اتباعه. وإذا تعارضت جهات الدلالة فيها، امتنع العمل بها، وسلم لنا ما ذكرناه. وعلى هذا، نقول بجواز ورود التعبد بقبول خبر الفاسق والصبي عقلا، إذا غلب على الظن صدقه، وإن كان ذلك غير واقع. وما ذكروه من المعارضات العقلية، فجوابها من وجهين: أحدهما عام للكل، والثاني خاص بكل واحد منها. أما العام فهو أن ما ذكروه إلزاما علينا في خبر الواحد، فهو لازم عليهم في ورود التعبد بقبول قول الشاهدين والمفتي، فما هو جوابهم عنه يكون جوابا لنا في خبر الواحد. وأما ما يخص كل معارضة: أما الاولى، فالجواب عنها من وجهين: الاول هو أن دعوى الواحد للرسالة ونزول الوحي إليه من أندر الاشياء فإذا لم يقترن بدعواه ما يوجب القطع بصدقه فلا يتصور حصول الظن بصدقه،

[ 49 ]

بل الذي يجزم به إنما هو كذبه. ونحن وإن قلنا بجواز ورود التعبد بخبر من يغلب على الظن صدقه، فقد لا نسلم جواز ورود التعبد بقول من غلب على الظن كذبه. الثاني هو أنا إذا جوزنا ورود التعبد بخبر الواحد فوجوب العمل به لا بد وأن يستند إلى دليل قاطع من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا كذلك المدعي للرسالة، إذا لم تقترن بقوله معجزة تدل على وجوب العمل بقوله. فإن قيل: فلو بعث رسول، وظهرت المعجزة القاطعة الدالة على صدقه، ثم قال مهما أخبركم إنسان بأن الله تعالى أرسله بشريعة، وظننتم صدقه، فاعملوا بقوله، فقد استند وجوب العمل بقوله إلى دليل قاطع، وهو قول النبي الصادق. ومع ذلك، فإنه لا يجوز. قلنا: لا نسلم، مع فرض هذا التقدير، أنه لا يجوز الاخذ بقوله: ثم الفرق بين الامرين هو أن المفسدة اللازمة من قبول قول المدعي للرسالة من غير معجزة أعظم من مفسدة قبول خبر الواحد في الاحكام الشرعية. وذلك، لان رئاسة النبوة أعظم من كل رئاسة، ورتبتها أعلى من كل رتبة، فلو ورد التعبد باتباع كل مدع للرسالة إذا غلب على الظن صدقه من غير معجزة دالة على صدقه، فما من أحد من الناس إلا وقد يسلك المسالك المغلبة على الظن صدقه، ويتوخى من الافعال والاقوال ما تظهر به عدالته، طمعا في نيل مثل هذه الرئاسة العظمى بمجرد دعواه. وذلك يفضي إلى أن كل واحد يدعي نسخ شريعة الآخر ورفعها على قرب من الزمان، ولا يخفى ما في ذلك من المفسدة التي لا تحقق لمثلها في خبر الواحد.

[ 50 ]

وأما المعارضة الثانية: فجوابها أن المعتبر في الاصول القطع واليقين، ولا قطع في خبر الواحد، بخلاف الفروع، فإنها مبنية على الظنون. وأما المعارضة الثالثة: فجوابها أن القرآن معجزة الرسول الدالة على صدقه، ولا بد وأن يكون طريق إثباته قاطعا، وخبر الواحد ليس بقاطع، بخلاف أحكام الشرع، فإن ما يثبت منها بخبر الواحد ظنية غير قطعية. وأما المعارضة الرابعة: فجوابها أن التعارض بين الخبرين لا يمنع من العمل بما يرجح منها. وبتقدير عدم الترجيح مطلقا، فقد يمكن أن يقال التخيير بينهما، على ما هو مذهب الشافعي. وبتقدير امتناع التخيير، فغايته امتناع ورود التعبد بمثل الاخبار التي لا يمكن العمل بها، ولا يلزم منه امتناع ورود التعبد بما أمكن العمل بمقتضاه.

[ 51 ]

المسألة السابعة الذين قالوا بجواز التعبد بخبر الواحد عقلا اختلفوا في وجوب العمل به: فمنهم من نفاه، كالقاساني والرافضة وابن داود. ومنهم من أثبته. والقائلون بثبوته اتفقوا على أن أدلة السمع دلت عليه، واختلفوا في وجوب وقوعه بدليل العقل: فأثبته أحمد بن حنبل والقفال وابن سريج من أصحاب الشافعي، وأبو الحسين البصري من المعتزلة، وجماعة كثيرة. ونفاه الباقون. وفصل أبو عبد الله البصري بين الخبر الدال على ما يسقط بالشبهة، وما لا يسقط بها: فمنع منه في الاول، وجوزه في الثاني. فأما من قال بكونه حجة فقد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها، والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. الحجة الاولى: من جهة المعقول، وهي ما اعتمد عليها أبو الحسين البصري وجماعة من المعتزلة، وهي أنهم قالوا: العقلاء يعلمون وجوب العلم بخبر الواحد في العقليات، ولا يجوز أن يعلموا وجوب ذلك إلا وقد علموا علة وجوبه، ولا علة لذلك سوى أنهم ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل. وبيان ذلك أنه قد علم بالعقل وجوب التحرز من المضار وحسن اجتلاب المنافع. فإذا ظننا صدق من أخبرنا بمضرة، يلزمنا أن لا نشرب الدواء الفلاني، وأن لا نفصد، وأن لا نقوم من تحت حائط مستهدم، فقد ظننا تفصيلا لما علمناه جملة من وجوب التحرز عن المضار. وبيان أن العلة للوجوب ما ذكره دورانها معها وجودا وعدما، وذلك بعينه موجود في خبر الواحد في الشرعيات، فوجب العمل به. وذلك، لانا قد علمنا في

[ 52 ]

الجملة وجوب الانقياد للنبي، (ص)، فيما يخبرنا به من مصالحنا ودفع المضار عنا فإذا ظننا بخبر الواحد أن النبي، (ص)، قد دعانا إلى الانقياد له في فعل أخبر أنه مصلحة وخلافه مضرة، فقد ظننا تفصيل ما علمناه في الجملة، فوجب العمل به. ولقائل أن يقول: أما أولا، فلا نسلم وجوب العمل بخبر الواحد في العقليات، بل غايته إذا ظننا صدقه أن يكون العمل بخبره أولى من تركه. وكون الفعل أولى من الترك أمر أعم من الواجب لشموله للمندوب فلا يلزم منه الوجوب. سلمنا أن العمل بخبره واجب في العقليات، ولكن لا نسلم أن علة الوجوب ما ذكرتموه. وما ذكرتموه من الدوران فلا يدل على أن المدار علة للدائر، لجواز أن تكون علة الوجوب غير ما ذكرتموه من ظن تفصيل جملة معلومة بالعقل، وذلك بأن تكون العلة معنى ملازما لما ذكرتموه، لا نفس ما ذكرتموه. ولا يلزم من التلازم بينهما في العقليات التلازم بينهما في الشرعيات بجواز أن يكون ذلك التلازم في العقليات اتفاقيا. وإن سلمنا أن علة الوجوب ما ذكرتموه، لكن لا يلزم أن يكون ذلك علة في الشرعيات، لجواز أن يكون خصوص ما ظن تفصيل جملته في العقليات داخلا في التعليل، وتلك الخصوصية غير محققة في الشرعيات سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أنه علة بجهة عمومه، لكن قطعا أو ظنا: الاول ممنوع، والثاني مسلم. غير أنه منقوض بخبر الفاسق والصبي، إذا غلب على الظن صدقه. فإن ما ذكرتموه من الوصف الجامع متحقق فيه وقد انعقد الاجماع على أنه لا يجب العمل به في

[ 53 ]

الشرعيات. سلمنا عدم الانتقاض، لكن غاية ما ذكرتموه أنه استعمال لقياس ظني في إفادة كون خبر الواحد حجة في الشرعيات مع كونه أصلا من أصول الفقه، وإنما يصح ذلك أن لو لم يكن التعبد في إثبات مثل ذلك بالطرق اليقينية، وهو غير مسلم. الحجة الثانية: أنهم قالوا: صدق الواحد في خبره ممكن فلو لم يعمل به، لكنا تاركين لامر الله تعالى وأمر رسوله، وهو خلاف ما يقتضيه الاحتياط. ولقائل أن يقول: صدق الراوي، وإن كان ممكنا وراجحا، فلم قلتم بوجوب العمل به والاحتياط بالاخذ بقوله. وإن كان مناسبا، ولكن لا بد له من شاهد بالاعتبار، ولا شاهد له سوى خبر التواتر، وقول الواحد في الفتوى والشهادة ولا يمكن القياس على الاول، لان ذلك مفيد للعلم، ولا يلزم من إفادته للوجوب إفادة الخبر الظني له، ولا يمكن قياسه على الثاني وذلك، لان براءة الذمة معلومة، وهي الاصل. وغاية قول الشاهد والمفتي، إذا غلب على الظن صدقه مخالفة البراءة الاصلية بالنظر إلى شخص واحد، ولا يلزم من العمل بخبر الشاهد والمفتي مع مخالفته للبراءة الاصلية بالنظر إلى شخص واحد العمل بخبر الواحد المخالف لبراءة الذمة، بالنظر إلى جميع الناس وإن سلمنا صحة القياس، فغايته أنه مفيد لظن الالحاق، وهو غير معتبر في إثبات الاصول، كما تقدم في

[ 54 ]

الحجة التي قبلها كيف وأنه منقوض بخبر الفاسق والصبي، إذا غلب على الظن صدقه. الحجة الثالثة: أنهم قالوا إذا وقعت واقعة، ولم يجد المفتي سوى خبر الواحد، فلو لم يحكم به لتعطلت الواقعة عن حكم الشارع، وذلك ممتنع. ولقائل أن يقول: خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، إنما يمتنع مع وجود دليله، وأما مع عدم الدليل، فلا. ولهذا، فإنه لو لم يظفر المفتي في الواقعة بدليل ولا خبر الواحد، فإنه لا يمتنع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي والمصير إلى البراءة الاصلية. وعلى هذا، فامتناع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي عند الظفر بخبر الواحد يتوقف على كون خبر الواحد حجة ودليلا، وكونه حجة يتوقف على امتناع خلو الواقعة مع وجوده عن الحكم، وهو دور ممتنع. كيف وإنا لا نسلم خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، فإن حكم الله تعالى في حق المكلف عند عدم الادلة. المقتضية لاثبات الحكم الشرعي نفي ذلك الحكم ومدركه شرعي فإن انتفاء مدارك الشرع بعد ورود الشرع مدرك شرعي لنفي الحكم.

[ 55 ]

الحجة الرابعة: أنه لو لم يكن خبر الواحد واجب القبول، لتعذر تحقيق بعثة الرسول إلى كل أهل عصره، وذلك ممتنع. وبيان ذلك أنه لا طريق إلى تعريف أهل عصره إلا بالمشافهة أو الرسل، ولا سبيل له إلى المشافهة للكل لتعذره. والرسالة منحصرة في عدد التواتر والآحاد. والتواتر إلى كل أحد متعذر. فلو لم يكن خبر الواحد مقبولا، لما تحقق معنى التبليغ والرسالة إلى جميع الخلق فيما أرسل به، وهو محال مخالف لقوله تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44). ولقائل أن يقول: إنما يمتنع ذلك، أن لو كان التبليغ إلى كل من في عصره واجبا، وأن كل من في عصره مكلف بما بعث به، وليس كذلك، بل إنما هو مكلف بالتبليغ إلى من يقدر على إبلاغه إما بالمشافهة أو بخبر التواتر. وكذلك كل واحد من الامة إنما كلف بما أرسل به الرسول إذا علمه. وإما مع عدم علمه به، فلا. ولهذا، فإن من كان في زمن الرسول في البلاد النائية والجزائر المنقطعة، ولا سبيل إلى إعلامه، فإن النبي، (ص)، لم يكن مكلفا بتبليغه، ولا ذلك الشخص كان مكلفا بما أرسل به. الحجة الخامسة: قالوا: قد ثبت أن مخالفة أمر الرسول سبب لاستحقاق العقاب، فإذا أخبر الواحد بذلك عن الرسول وغلب على الظن صدقه، فإما أن يجب العمل بالاحتمال الراجح والمرجوح معا، أو تركهما معا، أو العمل بالمرجوح دون الراجح، أو بالعكس: بالاحتمال لا سبيل إلى الاول والثاني والثالث، لانه محال فلم يبق سوى الرابع وهو المطلوب. ولقائل أن يقول: ما المانع من القول بأنه لا يجب العمل بقوله، ولا يجب تركه، بل هو جائز الترك ؟ والقول بأن مخالفة أمر الرسول موجبة لاستحقاق العقاب مسلم فيما علم فيه

[ 56 ]

أمر الرسول وأما مع عدم العلم به، فهو محل النزاع. هذا ما قيل من الحجج العقلية. وأما ما قيل من الحجج النقلية الواهية، فمنها قوله تعالى: * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * (9) التوبة: 122) ووجه الاحتجاج بها أن الله تعالى أوجب الانذار على كل طائفة من فرقة خرجت للتفقه في الدين عند رجوعهم إلى قومهم، بقوله تعالى: * (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) * (9) التوبة: 122) أمر بالانذار، والانذار هو الاخبار والامر للوجوب. وإنما أمر بالانذار طلبا للحذر بدليل قوله تعالى: * (لعلهم يحذرون) * (9) التوبة: 122) و (لعل) ظاهرة في الترجي، وهو مستحيل في حق الله تعالى، فتعين حمل ذلك على ما هو ملازم للترجي، وهو الطلب، فكان الامر بالانذار طلبا للتحذير، فكان أمرا بالتحذير فكان الحذر واجبا. وإذا ثبت أن إخبار كل طائفة موجب للحذر، فالمراد من لفظ الطائفة إنما هو العدد الذي لا ينتهي إلى حد التواتر. وبيانه من ثلاثة أوجه: الاول: أن لفظ (الطائفة) قد يطلق على عدد لا ينتهي إلى حد التواتر، كالاثنين والثلاثة، وعلى العدد المنتهي إلى حد التواتر، والاصل في الاطلاق الحقيقة، ويجب اعتقاد اتحاد المسمى، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ. والقدر المشترك لا يخرج عن العدد القليل وما لازمه، فكان هو المسمى.

[ 57 ]

الثاني: أن الثلاثة فرقة، فالطائفة الخارجة منها إما واحد أو اثنان. الثالث: أنه لا يخلو إما أن يكون المراد من لفظ (الطائفة) التي وجب عليها الخروج للتفقه والانذار العدد الذي ينتهي إلى حد التواتر، أو ما دونه، لا جائز أن يقال بالاول، وإلا لوجب على كل طائفة وأهل بلدة، إذا كان ما دونهم لا ينتهون إلى حد التواتر أن يخرجوا بأجمعهم للتفقه والانذار، وذلك لا قائل به، في عصر النبي، ولا في عصر من بعده فلم يبق غير الثاني. وإذا ثبت أن إخبار العدد الذي لا ينتهي إلى حد التواتر حجة موجبة في هذه الصورة، لزم أن يكون حجة في غيرها ضرورة أن لا قائل بالفرق، وذلك هو المطلوب ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه أوجب الانذار على كل طائفة كما ذكرتموه. وصيغة قوله (لينذروا) لا نسلم أنها للامر. وإن كانت للامر، فلا نسلم للوجوب على ما يأتي. سلمنا أنها للوجوب، ولكن لا نسلم أن الانذار هو الاخبار، بل أمكن أن يكون المراد به التخويف من فعل شئ أو تركه، بناء على العلم بما فيه من المصلحة أو المفسدة. والتخويف خارج عن الاخبار.

[ 58 ]

سلمنا أن المراد به الاخبار، ولكن أمكن أن يكون ذلك بطريق الفتوى في الفروع والاصول، ونحن نقول به. سلمنا أن المراد به الاخبار عن الرسول بما سمع عنه ومنه، ولكن لا نسلم أنه يلزم من إيجاب الاخبار بذلك إيجاب الحذر على من أخبر. قولكم يجب حمل قوله تعالى: (لعل) على طلب الحذر، لكونه ملازما للترجي. قلنا: الطلب الملازم للترجي الطلب الذي هو بمعنى ميل النفس، أو بمعنى الامر. الاول مسلم، ولكنه مستحيل في حق الله تعالى. والثاني ممنوع. وإذا لم يكن الحذر مأمورا به لا يكون واجبا. ومع تطرق هذه الاحتمالات، فالاستدلال بالآية على كون خبر الواحد حجة في الشرعيات غير خارج عن باب الظنون فيما هو من جملة الاصول. والخصم مانع لصحته. ومنها قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا) * (49) الحجرات: 6) ووجه الاحتجاج بهذه الآية من وجهين: الاول: أنه علق وجوب التثبت على خبر الفاسق، فدل على أن خبر غير الفاسق بخلافه، وذلك إما أن يكون بالجزم برده أو بقبوله، لا جائز أن يقال الاول، وإلا كان خبر العدل أنزل درجة من خبر الفاسق، وهو محال فلم يبق غير الثاني. وهو المطلوب. الثاني: أن سبب نزول هذه الآية أن النبي (ص)، بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط ساعيا إلى قوم، فعاد وأخبر

[ 59 ]

النبي، (ص)، أن الذين بعثه إليهم قد ارتدوا، وأرادوا قتله، فأجمع النبي، (ص)، على غزوهم وقتلهم. وذلك حكم شرعي. وكان النبي قد أراد العمل فيه بخبر الواحد، ولو لم يكن جائزا لما أراده، ولا نكره الله تعالى عليه. وهذه الحجة أيضا ضعيفة: أما الوجه الاول: فلان الاستدلال بهذه الآية غير خارج عن مفهوم المخالفة، وسنبين أنه ليس بحجة، وإن كان حجة، لكنه حجة ظنية، فلا يصح الاستدلال به في باب الاصول. وأما الوجه الثاني: فمن وجهين: الاول لا نسلم أن النبي أجمع على قتلهم وقتالهم بخبر الوليد بن عقبة، فإنه قد روي أنه بعث خالد بن الوليد وأمره بالتثبت في أمرهم، فانطلق حتى أتاهم ليلا، فبعث عيونه، فعادوا إليه، وأخبروه بأنهم على الاسلام، وأنهم سمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا، أتاهم خالد بن الوليد، ورأى ما يعجبه منهم، فرجع إلى النبي، وأخبره بذلك. الثاني: أن ما ذكروه من سبب النزول من أخبار الآحاد، فلا يكون حجة في الاصول. ومنها قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس) * (2) البقرة: 143) ووجه الحجة من ذلك أن المخبر بخبر لنا عن الرسول شاهد على الناس، ولا يجوز أن يجعله الله شاهدا على الناس، وهو غير مقبول القول. ولقائل أن يقول: الآية خطاب مع الامة لا مع الآحاد، فلا تكون حجة في محل النزاع. ومنها قوله تعالى: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) * (2) البقرة: 159) الآية. ووجه الحجة بها أن الله تعالى توعد على كتمان الهدى، وذلك يدل على إيجاب إظهار الهدى، وما يسمعه الواحد من النبي، (ص)، فهو من الهدى. فيجب عليه إظهاره. فلو لم يجب علينا قبوله، لكان الاظهار كعدمه، فلا يجب.

[ 60 ]

ولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون المراد من قوله: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) * (2) البقرة: 159) العدد الذي تقوم به الحجة، ويحتمل أنه أراد به ما دون ذلك. وبتقدير إرادة ما دون ذلك، فيحتمل أن يكون المراد بما أنزل من البينات والهدى الكتاب العزيز، وهو الظاهر المتبادر إلى الفهم منه عند الاطلاق، وبتقدير أن يكون المراد به كل ما أنزل على الرسول حتى السنة، فغاية التهديد على كتمان ذلك الدلالة على وجوب إظهار ما سمع من الرسول على من سمعه. وليس في ذلك ما يدل على وجوب قبوله على من بلغه على لسان الآحاد. ولهذا، فإنه بمقتضى الآية يجب على الفاسق إظهار ما سمعه، وإن كان لا يجب على سامعه قبوله. وذلك، لانه من المحتمل أن يكون وجوب الاظهار على كل واحد واحد، حتى يتألف من خبر المجموع التواتر المفيد للعلم. ومع ذلك كله، فدلالة الآية على وجوب قبول خبر الواحد ظنية، فلا تكون حجة في الاصول لما سبق. ومنها قوله تعالى: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (16) النحل: 43) أمر بسؤال أهل الذكر، والامر للوجوب، ولم يفرق بين المجتهد وغيره. وسؤال المجتهد لغيره

[ 61 ]

منحصر في طلب الاخبار بما سمعه دون الفتوى، ولو لم يكن القبول واجبا، لما كان السؤال واجبا ولقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله فاسألوا صيغة أمر وإن كانت أمرا، فلا نسلم أنها للوجوب، كما يأتي. وإن كانت للوجوب، فيحتمل أن يكون المراد من أهل الذكر أهل العلم، وأن يكون المراد من المسؤول عنه الفتوى. وبتقدير أن يكون المراد السؤال عن الخبر، فيحتمل أن يكون المراد من السؤال العلم بالمخبر عنه، وهو الظاهر، وذلك، لانه أوجب السؤال عند عدم العلم. فلو لم يكن المطلوب حصول العلم بالسؤال، لكان السؤال واجبا بعد حصول خبر الواحد، لعدم حصول العلم بخبره، فإنه لا يفيد غير الظن. وذلك يدل على أن العمل بخبر الواحد غير واجب، لانه لا قائل بوجوب العمل بخبره مع وجوب السؤال عن غيره. وإذا كان المطلوب إنما هو حصول العلم من السؤال، فذلك إنما يتم بخبر التواتر، لا بما دونه. وإن سلمنا أن السؤال واجب على الاطلاق، فلا يلزم أن يكون العمل بخبر الواحد واجبا، بدليل ما ذكرناه في الحجة المتقدمة.

[ 62 ]

وبتقدير دلالة ذلك على وجوب القبول لكنها دلالة ظنية، فلا يحتج بها في الاصول. ومنها قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، كونوا قوامين بالقسط، شهداء لله) * (4) النساء: 135) أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله، والامر للوجوب. ومن أخبر عن الرسول بما سمعه منه، فقد قام بالقسط وشهد لله، فكان ذلك واجبا عليه، وإنما يكون ذلك واجبا إن لو كان القبول واجبا، وإلا كان وجود الشهادة كعدمها، وهو ممتنع. ولقائل أن يقول: لا أسلم دلالة الآية على وجوب القيام بالقسط والشهادة لله على ما يأتي. وإن سلمنا دلالتها على وجوب ذلك، غير أنا نقول بموجب الآية، فإن الشهادة لله، والقيام بالقسط إنما يكون فيما يجوز العمل به. وأما ما لا يجوز العمل به فلا يكون قياما بالقسط، ولا شهادة لله. وعند ذلك، فيتوقف العمل بالآية في وجوب قبول خبر الواحد. على أنه قام بالقسط، وأنه شاهد لله وقيامه بالقسط وشهادته لله متوقف عل قبول خبره وجواز العمل به، وهو دور ممتنع. وإن سلمنا أنه شهد لله، وقام بالقسط، ولكن لا نسلم أنه واجب القبول، ودليله ما سبق وبتقدير دلالة الآية على وجوب القبول، ولكن لجهة الظن، فلا يصح. ومنها ما اشتهر، واستفاض بالنقل المتواتر عن النبي، (ص) أنه كان ينفذ آحاد الصحابة إلى النواحي والقبائل والبلاد بالدعاء إلى الاسلام، وتبليغ الاخبار والاحكام، وفصل الخصومات، وقبض الزكوات ونحو ذلك، مع علمنا بتكليف المبعوث إليه بالطاعة والانقياد لقبول قول المبعوث إليهم، والعمل بمقتضى ما يقول، مع كون المنفذ من الآحاد. ولو لم يكن خبر الواحد حجة، لما كان كذلك.

[ 63 ]

ولقائل أن يقول: وإن سلمنا تنفيذ الآحاد بطريق الرسالة، والقضاء وأخذ الزكوات، والفتوى، وتعليم الاحكام، فلا نسلم وقوع تنفيذ الآحاد بالاخبار التي هي مدارك الاحكام الشرعية ليجتهدوا فيها، وذلك محل النزاع. سلمنا صحة التنفيد بالاخبار الدالة على الاحكام الشرعية، وتعريفهم إياها، ولكن لا نسلم أن ذلك يدل على كون خبر الواحد في ذلك حجة، بل جاز أن يكون ذلك لفائدة حصول العلم للمبعوث إليهم بما تواتر بضم خبر غير ذلك الواحد إليه. ومع هذه الاحتمالات، فلا يثبت كون خبر الواحد حجة فيما نحن فيه. وقد أورد على هذه الحجة سؤالان آخران لا وجه لهما: الاول: أن النبي، (ص)، كما أنه كان ينفذ الآحاد لتبليغ الاخبار، كان ينفذهم لتعريف وحدانية الله تعالى، وتعريف الرسالة. فلو كان خبر الواحد حجة في الاخبار بالاحكام الشرعية، لكان حجة في تعريف التوحيد والرسالة، وهو خلاف الاجماع. الثاني: أن من الجائز أن يكون تنفيذ الآحاد بالاخبار عن أحكام شرعية كانت معلومة للمبعوث لهم قبل إرسال ذلك الواحد بها، كما أنهم علموا وجوب العمل بخبر الواحد قبل إرسال ذلك الواحد إليهم على أصلكم.

[ 64 ]

والجواب: عن الاول أن إنفاذ الآحاد لتعريف التوحيد والرسالة لم يكن واجب القبول، لكونه خبر واحد، بل إنما كان واجب القبول من جهة ما يخبرهم به من الادلة العقلية، ويعرفهم من الدلائل اليقينية التي تشهد بصحتها عقولهم، ولا كذلك فيما يخبر به من الاخبار الدالة على الاحكام الشرعية. وعن الثاني أنهم لو كانوا عالمين بالاحكام الشرعية التي دل عليها خبر الواحد، لما احتيج إلى إرساله لتعريفهم لما قد عرفوه، لما فيه من تحصيل الحاصل. كيف وإن تعريف المعلوم بالخبر المظنون محال، وهذا بخلاف ما إذا علم كون خبر الواحد مما يجب العمل به في الجملة، فإن تنفيذ الواحد لا يعرف وجوب العمل بقوله بل إنما يعرف المخبر به على ما هو عليه، وذلك لم يكن معروفا قبل خبره، فكان تنفيذه لتعريف ذلك مفيدا. والاقرب في هذه المسألة إنما هو التمسك بإجماع الصحابة. ويدل على ذلك ما نقل عن الصحابة من الوقائع المختلفة الخارجة عن العد والحصر، المتفقة على العمل بخبر الواحد، ووجوب العمل به. فمن ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أنه عمل بخبر المغيرة ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة، أن النبي أطعمها السدس، فجعل لها السدس ومن ذلك عمل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس، وهو قوله، (ص) سنوا بهم سنة أهل الكتاب وعمل أيضا بخبر حمل ابن مالك في الجنين، وهو قوله: كنت بين جاريتين لي (يعني ضرتين) فضربت إحداهما الاخرى بمسطح، فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله، (ص) بغرة، فقال عمر: لو لم نسمع بهذا، لقضينا فيه بغير هذا. وروي عنه أنه قال: كدنا نقضي فيه برأينا. وأيضا فإنه كان لا يرى توريث المرأة من دية زوجها، فأخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله، (ص) كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته فرجع إليه.

[ 65 ]

وأيضا فإنه كان يرى في الاصابع نصف الدية، ويفاضل بينها، فيجعل في الخنصر ستة، وفي البنصر تسعة، وفي الوسطى والسبابة عشرة عشرة، وفي الابهام خمسة عشرة. ثم رجع إلى خبر عمرو بن جزم أن في كل أصبع عشرة. ومن ذلك عمل عثمان وعلي، رضي الله عنهما، بخبر فريعة بنت مالك في اعتداد المتوفى عنها زوجها في منزل زوجها، وهو أنها قالت: جئت إلى النبي (ص)، بعد وفاة زوجي أستأذنه في موضع العدة، فقال، (ص): امكثي حتى تنقضي عدتك. ومن ذلك ما اشتهر من عمل علي، عليه السلام، بخبر الواحد وقوله، كنت إذا سمعت من رسول الله حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني غيره، حلفته، فإذا حلف صدقته. ومن ذلك عمل ابن عباس بخبر أبي سعيد الخدري في الربا في النقد، بعد أن كان لا يحكم بالربا في غير النسيئة. ومن ذلك عمل زيد بن ثابت بخبر امرأة من الانصار أن الحائض تنفر بلا وداع. ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك أنه قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة وأبي بن كعب شرابا من فضيخ التمر، إذ أتانا آت، فقال إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها. قال فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله، حتى تكسرت. ومن ذلك عمل أهل قبا في التحول من القبلة بخبر الواحد أن القبلة قد نسخت فالتفتوا إلى الكعبة بخبره. ومن ذلك ما روي عن ابن عباس أنه بلغه عن رجل أنه قال إن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله. أخبرني أبي بن كعب قال: خطبنا رسول الله، (ص)، ثم ذكر موسى والخضر بشئ يدل على أن موسى بني إسرائيل صاحب الخضر، فعمل بخبر أبي حتى كذب الرجل وسماه عدوا لله.

[ 66 ]

ومن ذلك ما روي أنه لما باع معاوية شيئا من أواني ذهب وورق بأكثر من وزنه أنه قال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله، (ص)، ينهى عن ذلك. فقال له معاوية: لا أرى بذلك بأسا. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية، أخبره عن رسول الله، (ص) ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أبدا. ومن ذلك عمل جميع الصحابة بما رواه أبو بكر الصديق من قوله: الائمة من قريش، ومن قوله الانبياء يدفنون حيث يموتون، ومن قوله: نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة. وعملهم بأجمعهم في الرجوع عن سقوط فرض الغسل بالتقاء الختانين بقول عائشة: فعلته أنا ورسول الله، (ص)، واغتلسنا. وعمل جميعهم بخبر رافع بن خديج في المخابرة. وذلك ما روي عن ابن عمر أنه قال: كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا، حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي، (ص) نهى عن ذلك، فانتهينا، وإلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى عددا، وكان ذلك شائعا ذائعا فيما بينهم من غير نكير. وعلى هذا جرت سنة التابعين، كعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجبير بن مطعم ونافع ابن جبير وخارجة بن زيد وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار وطاوس وعطاء بن مجاهد وسعيد بن المسيب وفقهاء الحرمين والمصرين (يعني الكوفة والبصرة) إلى حين ظهور المخالفين. فإن قيل: ما ذكرتموه من الاخبار في إثبات كون خبر الواحد حجة أخبار آحاد، وذلك يتوقف على كونها حجة، وهو دور ممتنع.

[ 67 ]

سلمنا عدم الدور، ولكن لا نسلم أن الصحابة عملوا بها، بل من الجائز أنهم عملوا بنصوص متواترة أو بها مع ما اقترن بها من المقاييس، أو قرائن الاحوال، أو غير ذلك من الاسباب. سلمنا أنهم عملوا بها لا غير، لكن كل الصحابة أو بعضهم، الاول: ممنوع، ولا سبيل إلى الدلالة عليه، والثاني: مسلم، لكن لا حجة فيه. قولكم لم يوجد له نكير، لا نسلم ذلك. وبيانه من وجوه منها رد أبي بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة، حتى انضم إليه خبر محمد بن مسلمة. ومنها رد أبي بكر وعمر خبر عثمان في إذن رسول الله (ص)، في رد الحكم ابن أبي العاص. ومنها رد عمر خبر أبي موسى الاشعري في الاستيذان، وهو قوله: سمعت رسول الله، (ص)، يقول: إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثا فلم يؤذن له، فلينصرف حتى روى معه أبو سعيد الخدري. ومنها رد علي، رضي الله عنه، خبر أبي سنان الاشجعي في المفوضة، وأنه كان لا يقبل خبر أحد، حتى يحلفه، سوى أبي بكر. ومنها رد عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه. سلمنا عدم الرد والانكار ظاهرا، غير أن سكوت الباقين عن الانكار لا يدل على الموافقة لما سبق في مسائل الاجماع. سلمنا دلالة ذلك على الموافقة فيما تلقوه بالقبول، وعملوا بموجبه، أو مطلقا في كل خبر: الاول مسلم. وذلك، لان اتفاقهم عليه يدل على صحته قطعا، نفيا للخطإ عن الاجماع. والثاني ممنوع. وعلى هذا فيمتنع الاستدلال بكل خبر لم يقبلوه.

[ 68 ]

سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون خبر الواحد حجة. لكنه معارض بما يدل على أنه ليس بحجة. وبيانه من جهة المعقول، والمنقول: أما المنقول، فمن جهة الكتاب، والسنة: أما الكتاب، فقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (17) الاسراء: 36) وقوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (7) الاعراف: 33)، وقوله تعالى: * (إن يتبعون إلا الظن) * (53) النجم: 23) ذكر ذلك في معرض الذم والعمل بخبر الواحد عمل بغير علم وبالظن، فكان ممتنعا. وأما السنة، فما روي عن النبي (ص)، أنه توقف في خبر ذي اليدين حين سلم النبي (ص)، عن اثنتين وهو قوله أقصرت الصلاة أم نسيت حتى أخبر أبو بكر وعمر ومن كان في الصف بصدقه، فأتم وسجد للسهو وأما المعقول فمن وجوه. الاول: أنه لو جاز التعبد بخبر الواحد، إذا ظن صدقه في الفروع، لجاز ذلك في الرسالة والاصول، وهو ممتنع. الثاني: أن الاصل براءة الذمة من الحقوق والعبادات وتحمل المشاق، وهو مقطوع به، فلا تجوز مخالفته بخبر الواحد مع كونه مظنونا. الثالث: أن العمل بخبر الواحد يفضي إلى ترك العمل بخبر الواحد، لانه ما من خبر إلا ويجوز أن يكون معه خبر آخر مقابل له. الرابع: أن قبول خبر الواحد تقليد لذلك الواحد، فلا يجوز للمجتهد ذلك، كما لا يجوز تقليده لمجتهد آخر. والجواب: عن السؤال الاول أن ما ذكرناه من الاخبار، وإن كانت آحادها آحادا، فهي متواترة من جهة الجملة كالاخبار الواردة بسخاء حاتم، وشجاعة عنترة. وعن الثاني أنهم لو عملوا بغير الاخبار المروية، لكانت العادة تحيل تواطؤهم على عدم نقله، ولا سيما في موضع الاشكال وظهور استنادهم في العمل إلى ما ظهر

[ 69 ]

من الاخبار. كيف والمنقول عنهم خلاف ذلك حيث قال عمر لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا وقول ابن عمر حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي (ص) نهى عن ذلك، فانتهينا وكذلك ما ظهر منهم من رجوعهم إلى خبر عائشة في التقاء الختانين إلى غير ذلك. وجدهم في طلب الاخبار، والسؤال عنها عند وقوع الوقائع دليل العمل بها. وعن الثالث أن عمل بعض الصحابة، بل الاكثر من المجتهدين منهم بأخبار الآحاد، مع سكوت الباقين عن النكير، دليل الاجماع على ذلك، كما سبق تقريره في مسائل الاجماع. وما رووه من الاخبار أو توقفوا فيه إنما كان لامور اقتضت ذلك من وجود معارض أو فوات شرط، لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها، مع كونهم متفقين على العمل بها. ولهذا، أجمعنا على أن ظواهر الكتاب والسنة حجة، وإن جاز تركها والتوقف فيها لامور خارجة عنها. وعن الرابع أن اتفاقهم على العمل بخبر الواحد إنما يوجب العلم بصدقه، أن لو لم يكونوا متعبدين باتباع الظن، وليس كذلك، بدليل تعبدهم باتباع ظواهر الكتاب والسنة المتواترة، والعمل بالقياس على ما يأتي. وإذا كان اتباعهم لخبر الواحد، لكونه ظنيا مضبوطا بالعدالة، كان خبر الواحد من تلك الجهة حجة معمولا بها ضرورة بالاتفاق عليه من تلك الجهة، وذلك يعم خبر كل عدل. وأما المعارضة بالآيات، فجوابها ما سبق في بيان جواز التعبد بخبر الواحد عقلا. وعن السنة، أنه، عليه السلام، إنما توقف في خبر ذي اليدين لتوهمه غلطه لبعد انفراده بمعرفة ذلك دون من حضره من الجمع الكثير. ومع ظهور أمارة الوهم في خبر الواحد يجب التوقف فيه، فحيث وافقه الباقون على ذلك، ارتفع حكم الامارة الدالة على وهم ذي اليدين، وعمل بموجب خبره. كيف وإن

[ 70 ]

عمل النبي (ص)، بخبر أبي بكر وعمر وغيرهما، مع خبر ذي اليدين، عمل بخبر لم ينته إلى حد التواتر، وهو موضع النزاع. وفي تسليمه تسليم المطلوب. وعن المعارضة الاولى من المعقول أنها منتقضة بخبر الواحد في الفتوى والشهادة. كيف والفرق حاصل. وذلك أن المشترط في إثبات الرسالة والاصول الدليل القطعي، فلم يكن الدليل الظني معتبرا فيها، بخلاف الفروع. وعن الثانية من وجهين: الاول: أن براءة الذمة غير مقطوع بها بعد الوجود والتكليف في نفس الامر، بل الشغل محتمل، وإن لم يظهر لنا سبب الشغل، فمخالفة براءة الذمة بخبر الواحد لا يكون رفع مقطوع بمظنون. الثاني: أنه منتقض بالشهادة والفتوى. وعن الثالث أن تجويز وجود خبر معارض للخبر الذي ظهر لا يمنع من الاحتجاج به، وإلا لما ساغ التمسك بدليل من ظواهر الكتاب والسنة المتواترة، لانه ما من واحد منها إلا ويجوز ورود ناسخ له أو مخصص له، بل ولما جاز التمسك بدليل مستنبط معارض له، ولما ساغ أيضا للقاضي الحكم بشهادة الشاهدين، ولا للعامي الاخذ بفتوى المجتهد له، لجواز وجود ما يعارضه وذلك خلاف الاجماع. وعن الرابع أنه إنما لم يجز تقليد العالم للعالم، لاستوائهما في درجة الاجتهاد، وليس تقليد أحدهما للآخر أولى من العكس، ولا كذلك المجتهد مع الراوي، فإنهما لم يستويا في معرفة ما استبد بمعرفته الراوي من الخبر فلذلك وجب عليه تقليده فيما رواه. وبالجملة فالاحتجاج بمسلك الاجماع في هذه المسألة غير خارج عن مسالك الظنون، وإن كان التمسك به أقرب مما سبق من المسالك.

[ 71 ]

وعلى هذا، فمن اعتقد كون المسألة قطعية، فقد تعذر عليه النفي والاثبات، لعدم مساعدة الدليل القاطع على ذلك. ومن اعتقد كونها ظنية، فليتمسك بما شاء من المسالك المتقدمة. والله أعلم بالصواب. القسم الثاني في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد وما يتشعب عنها من المسائل أما الشروط فمنها ما لا بد منها، ومنها ما ظن أنها شروط وليست كذلك. أما الشروط المعتبرة فهي أربعة: الشرط الاول: أن يكون الراوي مكلفا. وذلك لان من لا يكون مكلفا، إما أن يكون بحيث لا يقدر على الضبط والاحتراز فيما يتحمله ويؤديه، كالمجنون والصبي غير المميز فلا تقبل روايته، لتمكن الخلل فيها. وإما أن يكون بحيث يقدر على الضبط والمعرفة، كالصبي المميز والمراهق الذي لم يبق بينه وبين البلوغ سوى الزمان اليسير، فلا تقبل روايته لا لعدم ضبطه، فإنه قادر عليه متمكن منه، ولا لما قيل من أنه لا يقبل إقراره على نفسه، فلا يقبل قوله على غيره بطريق الاولى، لانه منتقض بالعبد وبالمحجور عليه، فإنه لا يقبل إقراره على نفسه وروايته مقبولة بالاجماع، بل لانا أجمعنا على عدم قبول رواية الفاسق، لاحتمال كذبه، مع أنه يخاف الله تعالى، لكونه مكلفا فاحتمال الكذب من الصبي مع أنه لا يخاف الله تعالى لعدم تكليفه يكون أظهر

[ 72 ]

من احتمال الكذب في حق الفاسق، فكان أولى بالرد ولا يلزم من قبول قوله في إخباره أنه متطهر، حتى إنه يصح الاقتداء به في الصلاة، مع أن الظن بكونه متطهرا شرط في صحة الاقتداء به وقبول روايته،، لان الاحتياط والتحفظ في الرواية أشد منه في الاقتداء به في الصلاة. ولهذا، صح الاقتداء بالفاسق عند ظن طهارته، ولا تقبل روايته، وإن ظن صدقه ومن قال بقبول شهادة الصبيان فيما يجري بينهم من الجنايات فإنما كان اعتماده في ذلك على أن الجنايات فيما بينهم مما تكثر، وأن الحاجة ماسة إلى معرفة ذلك بالقرائن، وهي شهادتهم مع كثرتهم قبل تفرقهم. وليس ذلك جاريا على منهاج الشهادة ولا الرواية. وهذا بخلاف ما إذا تحمل الرواية قبل البلوغ، وكان ضابطا لها، وأداها بعد البلوغ وظهور رشده في دينه، فإنها تكون مقبولة، لانه لا خلل في تحمله ولا في أدائه ويدل على قبول روايته الاجماع، والمعقول. أما الاجماع فمن وجهين. الاول: أن الصحابة أجمعت على قبول رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهم من أحداث الصحابة مطلقا، من غير فرق بين ما تحملوه في حالة الصغر وبعد البلوغ. الثاني: إجماع السلف والخلف على إحضار الصبيان مجالس الحديث وقبول روايتهم لما تحملوه في حالة الصبا بعد البلوغ. وأما المعقول، فهو أن التحرز في أمر الشهادة أكثر منه في الرواية. ولهذا اختلف في قبول شهادة العبد، والاكثر على ردها. ولم يختلف في قبول رواية العبد، واعتبر العدد في الشهادة بالاجماع، واختلف في اعتباره في الرواية. وقد أجمعنا على أن ما تحمله الصبي من الشهادة قبل البلوغ، إذا شهد به بعد البلوغ قبلت شهادته. فالرواية أولى بالقبول.

[ 73 ]

الشرط الثاني: أن يكون مسلما. وذلك، لان الكافر إما أن لا يكون منتميا إلى الملة الاسلامية، كاليهودي والنصراني ونحوه، أو هو منتم إليها كالمجسم. فإن كان الاول، فلا خلاف في امتناع قبول روايته، لا لما قيل من أن الكفر أعظم أنواع الفسق، والفاسق غير مقبول الرواية، فالكافر أولى، وذلك لان الفاسق إنما لم تقبل روايته لما علم من جرأته على فعل المحرمات مع اعتقاد تحريمها. وهذا المعنى غير متحقق في حق الكافر، إذا كان مترهبا عدلا في دينه، معتقدا لتحريم الكذب، ممتنعا منه حسب امتناع العدل المسلم. وإنما الاعتماد في امتناع قبول روايته على إجماع الامة الاسلامية على ردها سلبا لاهلية هذا المنصب الشريف عنه لخسته. وإن كان الثاني، فقد اختلفوا فيه: فمذهب أكثر أصحابنا، كالقاضي أبي بكر والغزالي والقاضي عبد الجبار من المعتزلة، أنه مردود الرواية. وقال أبو الحسين البصري: إن كان ذلك فيمن اشتهر بالكذب والتدين به لنصرة مذهبه، فلا تقبل روايته لعدم الوثوق بصدقه، وإن كان متحرجا في مذهبه متحرزا عن الكذب حسب احتراز العدل عنه، فهو مقبول الرواية، لان صدقه ظاهر مظنون. والمختار رده، لا لما قيل من إجماع الامة على رده، ولا لقياسه على الكافر الخارج عن الملة بواسطة اشتراكهما في الكفر المناسب لسلب أهلية هذا المنصب عنه، إذلالا له.

[ 74 ]

أما الاول، فلان للخصم منع اتفاق الامة على رد قول الكافر مطلقا، ولا سبيل إلى الدلالة عليه، والقياس على الكافر الخارج عن الملة متعذر من جهة أن كفره أشد وأغلظ وأظهر من كفر من هو من أهل القبلة، لكثرة مخالفته للقاعدة الاسلامية أصولا وفروعا، بالنسبة إلى مخالفة المتأول لها. فكان إذلاله بسلب هذا المنصب عنه أولى. ومع هذه الاولوية، فلا قياس، بل الواجب الاعتماد في ذلك على قوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبإ، فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة) * (49) الحجرات: 6) أمر بالتثبت عند إخبار الفاسق، والكافر فاسق، لان الكفر أعلى درجات الفسق. وإذا كان فاسقا، فالآية إن كانت عامة بلفظها في كل فاسق، فالكافر داخل تحتها، وإن لم تكن عامة بلفظها في كل فاسق، فهي عامة بالنظر إلى المعنى المومى إليه، وهو الفسق من حيث إنه رتب رد الخبر على كون الآتي به فاسقا مطلقا في كلام الشارع مع مناسبته له، فكان ذلك علة للرد، وهو متحقق فيما نحن فيه. فإن قيل المرتب عليه رد الاخبار إنما هو مسمى الفاسق، وهو في عرف الشرع خاص بمن هو مسلم صدرت منه كبيرة، أو واظب على صغيرة، فلا يكون متناولا للكافر. وإن سلمنا تناوله للكافر، غير أنه معارض بقوله (ص): نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر والكافر المتأول، إذا كان متحرزا عن الكذب، فقد ظهر صدقه، فوجب العمل به للخبر. والجواب عن السؤال الاول بمنع اختصاص اسم الفاسق في الشرع بالمسلم، وإن كان ذلك عرفا للمتأخرين من الفقهاء، وكلام الشارع إنما ينزل على عرفه، لا على ما صار عرفا للفقهاء. كيف وإن حمل الآية على الفاسق المسلم مما يوهم قبول خبر الفاسق الكافر على الاطلاق، نظرا إلى قضية المفهوم، وهو خلاف الاجماع. ولا يخفى أن حمل اللفظ على ما يلزم منه مخالفة دليل، أو ما اختلف في كونه دليلا على خلاف الاصل. وعن السؤال الثاني أن العمل بما ذكرناه أولى، لتواتره وخصوصه بالفاسق، وأنه غير متفق على تخصيصه ومخالفته. وما ذكروه آحاد، وهو متناول للكافر

[ 75 ]

بعموم كون خبره ظاهرا، أو هو مخالف لخبر الكافر الخارج عن الملة، والفاسق إذا ظن صدقه، فإن خبره لا يكون مقبولا بالاجماع. الشرط الثالث: أن يكون ضبطه لما يسمعه أرجح من عدم ضبطه، وذكره له أرجح من سهوه، لحصول غلبة الظن بصدقه فيما يرويه. وإلا، فبتقدير رجحان مقابل كل واحد من الامرين عليه، أو معادلته له، فروايته لا تكون مقبولة لعدم حصول الظن بصدقه، أما على أحد التقديرين، فلكون صدقه مرجوحا، وأما على التقدير الآخر، فلضرورة التساوي. وإن جهل حال الراوي في ذلك، كان الاعتماد على ما هو الاغلب من حال الرواة، وإن لم يعلم الاغلب من ذلك، فلا بد من الاختبار والامتحان. فإن قيل إنه وإن غلب السهو على الذكر، أو تعادلا، فالراوي عدل، والظاهر منه أنه لا يروي إلا ما يثق من نفسه بذكره له وضبطه. ولهذا، فإن الصحابة أنكرت على أبي هريرة كثرة روايته، حتى قالت عائشة، رضي الله عنها رحم الله أبا هريرة، لقد كان رجلا مهزارا في حديث المهراس ومع ذلك قبلوا أخباره، لما كان الظاهر من حاله أنه لا يروي إلا ما يثق من نفسه بضبطه وذكره. وأيضا فإن الخبر دليل والاصل فيه الصحة، فتساوي الضبط والاختلال، والذكر والنسيان غايته أنه موجب للشك في الصحة، والشك في ذلك لا يقدح في الاصل، كما إذا كان متطهرا، ثم شك بعد ذلك أنه محدث أو طاهر، فإن الاصل ههنا لا يترك بهذا الشك.

[ 76 ]

قلنا: إذا كان الغرض إنما هو غلبة السهو، أو التعادل، فالراوي، وإن كان الغالب من حاله أنه لا يروي إلا ما يظن أنه ذاكر له، فذلك لا يوجب حصول الظن بصحة روايته، لان من شأنه النسيان يظن أنه ما نسي، وإن كان ناسيا. وأما إنكار الصحابة على أبي هريرة كثرة الرواية، فلم يكن ذلك لاختلال ضبطه وغلبة النسيان عليه، بل لان الاكثار مما لا يؤمن معه اختلال الضبط الذي لا يعرض لمن قلت روايته وإن كان ذلك بعيدا. وما قيل من أن الخبر دليل، والاصل فيه الصحة، فلا يترك بالشك. قلنا إنما يكون دليلا، والاصل فيه الصحة، إذا كان مغلبا على الظن، ومع عدم ترجيح ذكر الراوي على نسيانه لا يكون مغلبا على الظن، فلا يكون دليلا لوقوع التردد في كونه دليلا، لا في أمر خارج عنه، ولا كذلك فيما إذا شك في الحدث، ثم تيقن سابقة الطهارة، فإن تيقن الطهارة السابقة لا يقدح فيه الشك الطارئي، وبالنظر إليه يترجح إليه أحد الاحتمالين، فلا يبقى معه الشك في الدوام، حتى إنه لو بقي الشك مع النظر إلى الاصل، لما حكم بالطهارة. الشرط الرابع: أن يكون الراوي متصفا بصفة العدالة وذلك يتوقف على معرفة (العدل) لغة وشرعا. أما العدل في اللغة، فهو عبارة عن المتوسط في الامور من غير إفراط في طرفي الزيادة والنقصان، ومنه قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (2) البقرة: 143) أي عدلا. فالوسط والعدل بمعنى واحد. وقد يطلق في اللغة ويراد به المصدر المقابل للجور، وهو اتصاف الغير بفعل ما يجب له، وترك ما لا يجب، والجور في مقابلته. وقد يطلق ويراد به ما كان من الافعال الحسنة يتعدى الفاعل إلى غيره، ومنه يقال للملك المحسن إلى رعيته: عادل. وأما في لسان المتشرعة، فقد يطلق ويراد به أهلية قبول الشهادة والرواية عن النبي (ص).

[ 77 ]

وقد قال الغزالي في معنى هذه الاهلية إنها عبارة عن استقامة السيرة والدين. وحاصلها يرجع إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه. وذلك إنما يتحقق باجتناب الكبائر وبعض الصغائر وبعض المباحات. أما الكبائر فقد روى ابن عمر عن أبيه عن النبي، (ص)، أنه قال: الكبائر تسع: الشرك بالله تعالى، وقتل النفس المؤمنة، وقذف المحصنة، والزنى، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والالحاد بالبيت الحرام. وروى أبو هريرة مع ذلك: أكل الربا، والانقلاب إلى الاعراب بعد هجرة. وروي عن علي، عليه السلام، أنه أضاف إلى ذلك: السرقة وشرب الخمر. وأما بعض الصغائر فما يدل فعله على نقض الدين، وعدم الترفع عن الكذب، وذلك كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة، واشتراط أخذ الاجرة على إسماع الحديث ونحوه. وأما بعض المباحات فما يدل على نقص المروءة، ودناءة الهمة، كالاكل في السوق، والبول في الشوارع، وصحبة الاراذل والافراط في المزح، ونحو ذلك مما يدل على سرعة الاقدام على الكذب، وعدم الاكتراث به. ولا خلاف في اعتبار اجتناب هذه الامور في العدالة المعتبرة في قبول الشهادة والرواية عن النبي، (ص)، لان من لا يجتنب هذه الامور أحرى أن لا يجتنب الكذب، فلا يكون موثوقا بقوله. ولا خلاف أيضا في اشتراط هذه الامور الاربعة في الشهادة. وتختص الشهادة بشروط أخر: كالحرية، والذكورة، والعدد والبصر، وعدم القرابة، والعداوة. وإذ أتينا على تحقيق شروط الرواية، فلا بد من الاشارة إلى ذكر مسائل متشعبة عن شروط العدالة جرت العادة بذكرها وهي ثمان مسائل:

[ 78 ]

المسألة الاولى مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أن مجهول الحال غير مقبول الرواية، بل لا بد من خبرة باطنة بحاله ومعرفة سيرته، وكشف سريرته، أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له. وقال أبو حنيفة وأتباعه: يكتفى في قبول الرواية بظهور الاسلام والسلامة عن الفسق ظاهرا. وقد احتج النافون بحجج: الاولى: أن الدليل بنفي قبول خبر الفاسق وهو قوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) * (49) الحجرات: 6) غير أنا خالفناه فيمن ظهرت عدالته بالاختبار بمعنى لا وجود له في محل النزاع، وهو ما اختص به من زيادة ظهور الثقة بقوله، فوجب أن لا يقبل. ولقائل أن يقول: الآية إنما دلت على امتناع قبول خبر الفاسق، ومن ظهر إسلامه وسلم من الفسق ظاهرا، لا نسلم أنه فاسق حتى يندرج تحت عموم الآية. واحتمال وجود الفسق فيه لا يوجب كونه فاسقا، بدليل العدل المتفق على عدالته. الحجة الثانية: أنه مجهول الحال فلا يقبل إخباره في الرواية دفعا لاحتمال مفسدة الكذب، كالشهادة في العقوبات. ولقائل أن يقول: وإن كان احتمال الكذب قائما ظاهرا، غير أن أحتمال الصدق مع ظهور الاسلام والسلامة من الفسق ظاهرا أظهر من احتمال الكذب. ومع ذلك، فاحتمال القبول يكون أولى من احتمال الرد، ولا يمكن القياس على الشهادة، لان الاحتياط في باب الشهادة أتم منه في باب الرواية. ولهذا، كان العدد والحرية مشترطا في الشهادة دون الرواية، ومتعبدا فيها بألفاظ خاصة غير معتبرة في الرواية، حتى إنه لو قال أعلم بدل قوله أشهد لم يكن مقبولا.

[ 79 ]

وعلى هذا، فلا يلزم من اشتراط ظهور العدالة في الشهادة بالخبرة الباطنة اشتراط ذلك في الرواية. الحجة الثالثة: قالوا: أجمعنا على أن العدالة شرط في قبول الرواية عن النبي، (ص)، وعلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد في الفقه شرط في قبول الفتوى، فإذا لم يظهر حال الراوي بالاختبار، فلا تقبل أخباره، دفعا للمفسدة اللازمة من فوات الشرط، كما إذا لم يظهر بالاختبار بلوغ المفتي رتبة الاجتهاد فإنه لا يجب على المقلد اتباعه إجماعا. ولقائل أن يقول: المجمع على اشتراطه في الرواية العدالة بمعنى ظهور الاسلام، والسلامة من الفسق ظاهرا أو بمعنى آخر والاول مسلم، غير أن ما هو الشرط متحقق فيما نحن فيه. والثاني ممنوع. كيف وإن ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق في الحجة المتقدمة. وبتقدير ظهور مناسبة الوصف الجامع، فالاعتبار بالمفتي غير ممكن. وذلك لان بلوغ رتبة الاجتهاد أبعد في الحصول من حصول صفة العدالة ولهذا كانت العدالة أغلب وقوعا من رتبة الاجتهاد في الاحكام الشرعية وعند ذلك فاحتمال عدم صفة الاجتهاد يكون أغلب من عدم صفة العدالة، فلا يلزم من عدم قبول قول المفتي مع الجهل بحاله القول بعدم قبول الراوي مع الجهل بحاله. الحجة الرابعة: أن عدم الفسق شرط في قبول الرواية، فاعتبر فيه الخبرة الباطنية مبالغة في دفع الضرر، كما في عدم الصبي والرق والكفر في قبول الشهادة. ولقائل أن يقول ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق تقريره في الحجة الثانية. وبتقدير مناسبته، فالقياس على الشهادة غير ممكن لما تقدم. الحجة الخامسة: قالوا: رد عمر رواية فاطمة بنت قيس لما كانت مجهولة الحال، وعلي عليه السلام رد قول الاشجعي في المفوضة، واشتهر ذلك فيما بين الصحابة، ولم ينكره منكر، فكان إجماعا. ولقائل أن يقول: أما رد عمر لخبر فاطمة إنما كان لانه لم يظهر له صدقها.

[ 80 ]

ولهذا، قال: كيف نقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت. وما نحن فيه ليس كذلك، فإن من ظهر إسلامه وسلامته من الفسق ظاهرا، فاحتمال صدقه لا محالة أظهر من احتمال كذبه. وأما رد علي، عليه السلام، لخبر الاشجعي فإنما كان أيضا لعدم ظهور صدقه عنده. ولهذا، وصفه بكونه بوالا على عقبيه، أي غير محترز في أمور دينه. ويجب أن يكون كذلك، وإلا كان مخالفا لقوله، (ص) نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر. والمعتمد في المسألة أنا نقول: القول بوجوب قبول رواية مجهول الحال يستدعي دليلا. والاصل عدم ذلك الدليل. والمسألة اجتهادية ظنية. فكان ذلك كافيا فيها. فإن قيل: بيان وجود الدليل من جهة النص، والاجماع، والمعقول: أما النص فمن جهة الكتاب والسنة: أما الكتاب، فقوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا) * (49) الحجرات: 6) أمر بالتثبت مشروطا بالفسق، فما لم يظهر الفسق لا يجب التثبت فيه. وأما السنة، فمن وجهين: الاول قوله عليه السلام إنما أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر وما نحن فيه فالظاهر من حاله الصدق، فكان داخلا تحت عموم الخبر. الثاني أن النبي، (ص)، لما جاءه الاعرابي، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وشهد برؤية الهلال عنده، قبل شهادته، وأمر بالنداء بالصوم لما ثبت عنده إسلامه

[ 81 ]

ولم يعلم منه ما يوجب فسقا، فالرواية أولى. وأما الاجماع فهو أن الصحابة كانوا متفقين على قبول أقوال العبيد والنسوان والاعراب المجاهيل لما ظهر إسلامهم وسلامتهم من الفسق ظاهرا. وأما المعقول فمن وجهين: الاول أن الراوي مسلم لم يظهر منه فسق، فكان خبره مقبولا كإخباره بكون اللحم لحم مذكى، وكون الماء طاهرا أو نجسا، وكون الجارية المبيعة رقيقة وكونه متطهرا عن الحدثين، حتى يصح الاقتداء به ونحوه. والثاني أنه لو أسلم كافر، وروى عقيب إسلامه خبرا من غير مهلة، فمع ظهور إسلامه وعدم وجود ما يوجب فسقه بعد إسلامه، يمتنع رد روايته. وإذا قبلت روايته حال إسلامه، فطول مدته في الاسلام أولى أن لا توجب رده. والجواب عن الآية أن العمل بموجبها، نفيا وإثباتا، متوقف على معرفة كونه فاسقا، أو ليس فاسقا، لا على عدم علمنا بفسقه. وذلك لا يتم دون البحث والكشف عن حاله. وعن الخبر الاول، من ثلاثة أوجه: الاول: أن النبي، (ص)، أضاف الحكم بالظاهر إلى نفسه، ولا يلزم مثله في حق غيره إلا بطريق القياس عليه، لا بنفس النص المذكور. والقياس عليه ممتنع، لان ما للنبي، (ص)، من الاطلاع والمعرفة بأحوال المخبر لصفاء جوهر نفسه واختصاصه عن الخلق بمعرفة ما لا يعرفه أحد منهم من الامور الغيبية، غير متحقق في حق غيره. الثاني: أنه رتب الحكم على الظاهر، وذلك، وإن كان يدل على كونه علة لقبوله والعمل به فتخلف الحكم عنه في الشهادة على العقوبات والفتوى يدل على أنه ليس بعلة.

[ 82 ]

الثالث: المعارضة بقوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (53) النجم: 28) وليس العمل بعموم أحد النصين، وتأويل الآخر أولى من الآخر، بل العمل بالآية أولى، لانها متواترة، وما ذكروه آحاد. وعن الخبر الثاني: لا نسلم أن النبي، (ص)، لم يعلم من حال الاعرابي سوى الاسلام. وعن الاجماع، لا نسلم أن الصحابة قبلوا رواية أحد من المجاهيل فيما يتعلق بأخبار النبي، (ص). ولهذا، ردوا رواية من جهلوه، كرد عمر شهادة فاطمة بنت قيس، ورد علي شهادة الاعرابي. وعن الوجه الاول من المعقول بالفرق بين صور الاستشهاد ومحل النزاع. وذلك، من وجهين: الاول أن الرواية عن النبي، (ص)، أعلى رتبة وأشرف منصبا من الاخبار فيما ذكروه من الصور، فلا يلزم من القبول مع الجهل بحال الراوي فيما هو أدنى الرتبتين قبوله في أعلاهما. الثاني أن الاخبار فيما ذكروه من الصور مقبول مع ظهور الفسق، ولا كذلك فيما نحن فيه. وعن الوجه الثاني من المعقول بمنع قبول روايته دون الخبرة بحاله، لاحتمال أن يكون كذوبا، وهو باق على طبعه. وإن قلنا: روايته في مبدإ إسلامه، فلا يلزم ذلك في حالة دوامه، لما بين ابتداء الاسلام ودوامه من رقة القلب، وشدة الاخذ بموجباته، والحرص على امتثال مأموراته، واجتناب منهياته على ما يشهد به العرف والعادة في حق كل من دخل في أمر محبوب، والتزمه، فإن غرامه به في الابتداء يكون أشد منه في دوامه.

[ 83 ]

المسألة الثانية الفاسق المتأول الذي لا يعلم فسق نفسه لا يخلو إما أن يكون فسقه مظنونا، أو مقطوعا به فإن كان مظنونا، كفسق الحنفي إذا شرب النبيذ، فالاظهر قبول روايته وشهادته. وقد قال الشافعي، رضي الله عنه: إذا شرب الحنفي النبيذ أحده وأقبل شهادته. وإن كان فسقه مقطوعا به، فإما أن يكون ممن يرى الكذب ويتدين به، أو لا يكون كذلك: فإن كان الاول، فلا نعرف خلافا في امتناع قبول شهادته، كالخطابية من الرافضة، لانهم يرون شهادة الزور لموافقهم في المذهب. وإن كان الثاني، كفسق الخوارج الذين استباحوا الدار، وقتلوا الاطفال والنسوان، فهو موضع الخلاف. فمذهب الشافعي وأتباعه وأكثر الفقهاء أن روايته وشهادته مقبولة. وهو اختيار الغزالي وأبي الحسين البصري وكثير من الاصوليين. وذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وجماعة من الاصوليين إلى امتناع قبول شهادته وروايته. وهو المختار. وقد احتج النافون بحجة ضعيفة. وذلك أنهم قالوا: أجمعنا على أن الفاسق المفروض، لو كان عالما بفسقه، لم يقبل خبره. فإذا كان جاهلا بفسقه، معتقدا أنه ليس بفاسق، فقد انضم إلى فسقه فسق آخر وخطيئة أخرى، وهو اعتقاده في الفسق أنه ليس بفسق، فكان أولى أن لا يقبل خبره. ولقائل أن يقول: إذا لم يعتقد أنه فاسق، وكان متحرجا محترزا في دينه عن الكذب وارتكاب المعصية، فكان إخباره مغلبا على الظن صدقه، بخلاف ما إذا علم أن ما يأتي به فسقا فذلك يدل على قلة مبالاته بالمعصية، وعدم تحرزه عن الكذب فافترقا. والمعتمد في ذلك النص والمعقول. أما النص، فقوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبإ فتثبتوا) * (49) الحجرات: 6) أمر برد نبأ الفاسق.

[ 84 ]

والخلاف إنما هو فيمن قطع بفسقه، فكان مندرجا تحت عموم الآية. غير أنا خالفناه فيمن كان فسقه مظنونا، وما نحن فيه مقطوع بفسقه، فلا يكون في معنى صورة المخالفة. وأيضا قوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (53) النجم: 28) غير أنا خالفناه في خبر من ظهرت عدالته، وفيمن كان فسقه مظنونا، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. وأما المعقول، فهو أن القول بقبول خبره يستدعي دليلا، والاصل عدمه. فإن قيل: بيان وجود الدليل النص، والاجماع، والقياس: أما النص فقوله، (ص): إنما أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر والفاسق فيما نحن فيه محترز عن الكذب، متدين بتحريمه، فكان صدقه في خبره ظاهرا، فكان مندرجا تحت عموم الخبر. وأما الاجماع، فهو أن عليا، عليه السلام، والصحابة قبلوا أقوال قتلة عثمان والخوارج مع فسقهم، ولم ينكر ذلك منكر: فكان ذلك إجماعا. وأما القياس فهو أن الظن بصدقه موجود. فكان واجب القبول مبالغة في تحصيل مقصوده قياسا على العدل والمظنون فسقه والجواب: عن الخبر ما سبق في المسألة التي قبلها. وعن الاجماع: أنا لا نسلم أن كل من قبل شهادة الخوارج وقتلة عثمان كانوا يعتقدون فسقهم، فإن الخوارج من جملة المسلمين والصحابة، ولم يكونوا معتقدين فسق أنفسهم. ومع عدم اعتقاد الجميع لفسقهم، وإن قبلوا شهادتهم، فلا يتحقق انعقاد الاجماع على قبول خبر الفاسق. وعن القياس بالفرق في الاصول المستشهد بها. أما في العدل فلظهور عدالته واستحقاقه لمنصب الشهادة والرواية. وذلك يناسب قبوله إعظاما له وإجلالا بخلاف الفاسق. وأما في مظنون الفسق فلان حاله في استحقاق منصب الشهادة والرواية أقرب من حال من كان فسقه مقطوعا به فلا يلزم من القبول ثم القبول ههنا.

[ 85 ]

المسألة الثالثة اختلفوا في الجرح والتعديل: هل يثبت بقول الواحد أو لا ؟ فذهب قوم إلى أنه لا بد في التعديل والجرح من اعتبار العدد في الرواية والشهادة. وذهب آخرون إلى الاكتفاء بالواحد فيهما، وهو اختيار القاضي أبي بكر. والذي عليه الاكثر إنما هو الاكتفاء بالواحد في باب الرواية دون الشهادة، وهو الاشبه وذلك لانه لا نص ولا إجماع في هذه المسألة يدل على تعيين أحد هذه المذاهب. فلم يبق غير التشبيه والقياس. ولا يخفى أن العدالة شرط في قبول الشهادة والرواية، والشرط لا يزيد في إثباته على مشروطه، فكان إلحاق الشرط بالمشروط في طريق إثباته أولى من إلحاقه بغيره وقد اعتبر العدد في قبول الشهادة دون قبول الرواية، فكان الحكم في شرط كل واحد منها ما هو الحكم في مشروطه. فإن قيل، التزكية والتعديل شهادة، فكان العدد معتبرا فيهما كالشهادة على الحقوق. قلنا: ليس ذلك أولى من قول القائل بأنها إخبار، فلا يعتبر العدد في قبولها، كنفس الرواية. فإن قيل: إلا أن ما ذكرناه أولى لما فيه من زيادة الاحتياط. قلنا: بل ما يقوله الخصم أولى حذرا من تضييع أوامر الله تعالى ونواهيه. كيف وأن اعتبار قول الواحد في الجرح والتعديل أصل متفق عليه، واعتبار ضم قول غيره إليه يستدعي دليلا. والاصل عدمه. ولا يخفى أن ما يلزم منه موافقة النفي الاصلي أولى مما يلزم منه مخالفته.

[ 86 ]

المسألة الرابعة اختلفوا في قبول الجرح والتعديل دون ذكر سببهما: فقال قوم: لا بد من ذكر السبب فيهما، أما في الجرح فلاختلاف الناس فيما يجرح به، فلعله اعتقده جارحا وغيره لا يراه جارحا، وأما في العدالة فلان مطلق التعديل لا يكون محصلا للثقة بالعدالة لجري العادة بتسارع الناس إلى ذلك بناء على الظاهر. وقال قوم: لا حاجة إلى ذلك فيهما اكتفاء ببصيرة المزكي والجارح، وهو اختيار القاضي أبى بكر. وقال الشافعي، رضي الله عنه: لا بد من ذكر سبب الجرح، لاختلاف الناس فيما يجرح به، بخلاف العدالة، فإن سببها واحد لا اختلاف فيه. ومنهم من عكس الحال واعتبر ذكر سبب العدالة دون الجرح والمختار إنما هو مذهب القاضي أبي بكر. وذلك، لانه إما أن يكون المزكي والجارح عدلا بصيرا بما يجرح به ويعدل، أو لا يكون كذلك. فإن لم يكن عدلا، أو كان عدلا وليس بصيرا فلا اعتبار بقوله: وإن كان عدلا بصيرا وجب الاكتفاء بمطلق جرحه وتعديله، إذا الغالب مع كونه عدلا بصيرا أنه ما أخبر بالعدالة والجرح، إلا وهو صادق في مقاله. فلا معنى لاشتراط إظهار السبب مع ذلك. والقول بأن الناس قد اختلفوا فيما يجرح به، وإن كان حقا إلا أن الظاهر من حال العدل البصير بجهات الجرح والتعديل أنه أيضا يكون عارفا بمواقع الخلاف في ذلك. والظاهر أنه لا يطلق الجرح إلا في صورة علم الوفاق عليها، وإلا كان مدلسا ملبسا بما يوهم الجرح على من لا يعتقده، وهو خلاف مقتضى العدالة والدين وبمثل هذا يظهر أنه ما أطلق التعديل إلا بعد الخبرة الباطنة، والاحاطة بسريرة المخبر عنه، ومعرفة اشتماله على سبب العدالة دون البناء على ظاهر الحال.

[ 87 ]

المسألة الخامسة إذا تعارض الجرح والتعديل، فلا يخلو إما أن يكون الجارح قد عين السبب، أو لم يعينه: فإن لم يعينه، فقول الجارح يكون مقدما لاطلاعه على ما لم يعرفه العدل، ولا نفاه لامتناع الشهادة على النفي. وإن عين السبب بأن يقول تقديرا: رأيته، وقد قتل فلانا، فلا يخلو إما أن لا يتعرض المعدل لنفي ذلك، أو يتعرض لنفيه. فإن كان الاول، فقول الجارح يكون مقدما لما سبق. وإن تعرض لنفيه بأن قال: رأيت فلانا المدعي قتله حيا بعد ذلك، فهاهنا يتعارضان، ويصح ترجيح أحدهما على الآخر بكثرة العدد، وشدة الورع والتحفظ، وزيادة البصيرة إلى غير ذلك مما ترجح به إحدى الروايتين على الاخرى كما سيأتي تحقيقه.

[ 88 ]

المسألة السادسة في طرق الجرح والتعديل أما طرق التعديل فمتفاوتة في القوة والضعف. وذلك، لانه لا يخلو إما أن يصرح المزكي بالتعديل قولا، أو لا يصرح به فإن صرح به بأن يقول: هو عدل رضا، فإما أن يذكر مع ذلك السبب بأن يقول لاني عرفت منه كذا وكذ أو لا يذكر السبب. فإن كان الاول، فهو تعديل متفق عليه. وإن كان الثاني فمختلف فيه. والاظهر منه التعديل، كما سبق في المسألة المتقدمة. فهذا الطريق مرجوح بالنسبة إلى الاول للاختلاف فيه ولنقصان البيان فيه بخلاف الاول. وأما إن لم يصرح بالتعديل قولا، لكن حكم بشهادته أو عمل بروايته، أو روى عنه خبرا. فإن حكم بشهادته فهو أيضا تعديل متفق عليه. وإلا كان الحاكم فاسقا بشهادة من ليس بعدل عنده. وهذه الطريق أعلى من التزكية بالقول من غير ذكر سبب لتفاوتهما في الاتفاق والاختلاف، اللهم إلا أن يكون الحاكم ممن يرى الحكم بشهادة الفاسق. وأما بالنسبة إلى التزكية بالقول مع ذكر السبب فالاشبه التعادل بينهما لاستوائهما في الاتفاق عليهما. والاول، وإن اختص بذكر السبب، فهذا مختص بإلزام الغير بقبول الشاهد، بخلاف الاول. وأما إن عمل بروايته على وجه علم أنه لا مستند له في العمل سواها، ولا يكون ذلك من باب الاحتياط، فهو أيضا تعديل متفق عليه، وإلا كان عمله برواية من ليس بعدل فسقا. وهذا الطريق، وإن احتمل أن يكون العمل فيه مستندا إلى ظهور الاسلام والسلامة من الفسق ظاهرا، كما في التعديل بالقول من غير ذكر

[ 89 ]

السبب، فهو راجح على التعديل بالقول من غير ذكر السبب، للاتفاق عليه والاختلاف في ذلك، ومرجوح بالنسبة إلى التزكية بالقول مع ذكر السبب، وبالنسبة إلى الحكم بالشهادة، لان باب الشهادة أعلى من باب بالرواية. ولذلك، اشترط فيه ما لم يشترط في باب الرواية كما سيأتي تعريفه، فكان الاحتياط والاحتراز فيها أتم وأوفى. وأما إن روى عنه، فهذا مما اختلف فيه هل هو تعديل أو لا. ومنهم من فصل وقال: إن عرف من قول المزكي أو عادته أنه لا يروي إلا عن العدل، فهو تعديل، وإلا فلا. وهو المختار. وذلك، لان العادة جارية بالرواية عمن لو سئل عن عدالته لتوقف فيها. ولا يلزم من روايته عنه. مع عدم معرفته بعدالته، أن يكون ملبسا مدلسا في الدين، كما قيل. لانه إنما يكون كذلك إن لو أوجبت روايته عنه على الغير العمل بها، وليس كذلك، بل غايته أنه قال سمعته يقول كذا فعلى السامع بالكشف عن حال المروي عنه إن رام العمل بمقتضى روايته. وإلا، كان مقصرا. وهذا الطريق يشبه أن يكون مرجوحا بالنسبة إلى باقي الطرق. أما بالنسبة إلى التصريح بالتعديل فظاهر، ولا سيما إن اقترن بذكر السبب للاتفاق عليه والاختلاف في هذا الطريق. ولهذا، يكون مرجوحا بالنسبة إلى الحكم بالشهادة للاتفاق عليه ولاختصاص الشهادة بما ذكرناه قبل. وأما بالنسبة إلى العمل بالرواية، فلاشتراكهما في أصل الرواية واختصاص أحدهما بالعمل بها. وأما طرق الجرح فهو أن يصرح بكونه مجروجا، ويذكر مع ذلك سبب الجرح. وإن لم يذكر معه سبب الجرح، فهو جرح كما سبق في المسألة المتقدمة، لكنه دون الاول للاختلاف فيه، وللاتفاق على الاول. وليس من الجرح ترك العمل بروايته والحكم بشهادته، لجواز أن يكون ذلك بسبب غير الجرح. وذلك، إما لمعارض، وإما لانه غير ضابط، أو لغلبة النسيان والغفلة عليه ونحوه، ولا الشهادة بالزنى وكل ما يوجب الحد على المشهود عليه، إذا لم يكمل نصاب الشهادة، لانه

[ 90 ]

لم يأت بصريح القذف، وإنما جاء ذلك محيي الشهادة، ولا بما يسوغ فيه الاجتهاد وقد قال به بعض الائمة المجتهدين، كاللعب بالشطرنج وشرب النبيذ ونحوه، ولا بالتدليس، وذلك كقول من لم يعاصر الزهري مثلا، ولكنه روى عمن لقيه، قولا يوهم أنه لقيه، ولقوله: حدثنا فلان وراء النهر، موهما أنه يريد جيحان، وإنما يشير به إلى نهر عيسى مثلا، لانه ليس بكذب، وإنما هو من المعاريض المغنية عن الكذب. المسألة السابعة اتفق الجمهور من الائمة على عدالة الصحابة. وقال قوم إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية. ومنهم من قال إنهم لم يزالوا عدولا إلى حين ما وقع من الاختلاف والفتن فيما بينهم، وبعد ذلك، فلا بد من البحث في العدالة عن الراوي أو الشاهد منهم، إذا لم يكن ظاهر العدالة

[ 91 ]

ومنهم من قال بأن كل من قاتل عليا عالما منهم، فهو فاسق مردود الرواية والشهادة، لخروجهم عن الامام الحق. ومنهم من قال برد رواية الكل وشهادتهم، لان أحد الفريقين فاسق، وهو غير معلوم ولا معين. ومنهم من قال بقبول رواية كل واحد منهم وشهادته، إذا انفرد، لان الاصل فيه العدالة، وقد شككنا في فسقه، ولا يقبل ذلك منه مع مخالفة التحقق فسق أحدهما من غير تعيين. والمختار إنما هو مذهب الجمهور من الائمة، وذلك بما تحقق من الادلة الدالة على عدالتهم ونزاهتهم وتخييرهم على من بعدهم. فمن ذلك قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (2) البقرة: 143) أي عدولا. وقوله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس) * (3) آل عمر ان: 110) وهو خطاب مع الصحابة الموجودين في زمن النبي، (ص). ومنها قوله (ص): أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم والاهتداء بغير عدل محال. وقوله (ص): إن الله اختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا واختيار الله تعالى لا يكون لمن ليس بعدل. ومنها ما ظهر واشتهر بالنقل المتواتر الذي لا مراء فيه من مناصرتهم للرسول، والهجرة إليه، والجهاد بين يديه، والمحافظة على أمور الدين، وإقامة القوانين، والتشدد في امتثال أوامر الشرع ونواهيه، والقيام بحدوده ومراسيمه، حتى إنهم قتلوا الاهل والاولاد حتى قام الدين واستقام، ولا أدل على العدالة أكثر من ذلك. وعند ذلك، فالواجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال، وإن كان ذلك إنما لما أدى إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين. وعلى هذا، فإما أن يكون كل مجتهد مصيبا، أو أن المصيب واحد، والآخر مخطء في اجتهاده.

[ 92 ]

وعلى كلا التقديرين، فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة، أما بتقدير الاصابة فظاهر، وأما بتقدير الخطإ مع الاجتهاد فبالاجماع. وإذ أتينا على ما أردناه من بيان عدالة الصحابة، فلا بد من الاشارة إلى بيان من يقع عليه اسم الصحابي. المسألة الثامنة اختلفوا في مسمى الصحابي: فذهب أكثر أصحابنا وأحمد بن حنبل إلى أن الصحابي من رأى النبي، (ص)، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه، ولا طالت مدة صحبته. وذهب آخرون إلى أن الصحابي إنما يطلق على من رأى النبي (ص)، واختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، وإن لم يرو عنه. وذهب عمر بن يحيى إلى أن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي، (ص)، وأخذ عنه العلم. والخلاف في هذه المسألة، وإن كان آيلا إلى النزاع في الاطلاق اللفظي، فالاشبه إنما هو الاول. ويدل على ذلك ثلاثة أمور. الاول: أن الصاحب اسم مشتق من الصحبة، والصحبة تعم القليل والكثير: ومنه يقال صحبته ساعة، وصحبته يوما وشهرا، وأكثر من ذلك، كما يقال: فلان كلمني وحدثني وزارني، وإن كان لم يكلمه ولم يحدثه ولم يزره سوى مرة واحدة. الثاني: أنه لو حلف أنه لا يصحب فلانا في السفر، أو ليصحبنه، فإنه يبر ويحنث بصحبته ساعة. الثالث: أنه لو قال قائل: صحبت فلانا،، فيصح أن يقال: صحبته ساعة أو يوما أو أكثر من ذلك، وهل أخذت عنه العلم ورويت عنه، أو لا ؟ ولولا أن الصحبة شاملة لجميع هذه الصور، ولم تكن مختصة بحالة منها، لما احتيج إلى الاستفهام.

[ 93 ]

فإن قيل: إن الصاحب في العرف إنما يطلق على المكاثر الملازم، ومنه يقال: أصحاب القرية، وأصحاب الكهف والرقيم، وأصحاب الرسول، وأصحاب الجنة، للملازمين لذلك، وأصحاب الحديث للملازمين لدراسته وملازمته دون غيرهم. ويدل على ذلك أيضا أنه يصح أن يقال: فلان لم يصحب فلانا، لكنه وفد عليه أو رآه، أو عامله. والاصل في النفي أن يكون محمولا على حقيقته، بل ولا يكفي ذلك، بل لا بد مع طول المدة من أخذ العلم والرواية عنه، ولهذا، يصح أن يقال المزني صاحب الشافعي، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، ولا يصح أن يقال لمن رآهما وعاشرهما طويلا، ولم يأخذ عنهما، أنه صاحب لهما. والجواب عن الشبهة الاولى أنا لا نسلم أن اسم الصاحب لا يطلق إلا على المكاثر الملازم، ولا يلزم من صحة إطلاق اسم الصاحب على الملازم المكاثر كما في الصور المستشهد بها امتناع إطلاقه على غيره، بل يجب أن يقال بصحة إطلاق ذلك على المكاثر وغيره حقيقة، نظرا إلى ما وقع به الاشتراك نفيا للتجوز، والاشتراك عن اللفظ وصحة النفي إنما كان لان الصاحب في أصل الوضع، وإن كان لمن قلت صحبته أو كثرت، غير أنه في عرف الاستعمال لمن طالت صحبته. فإن أريد نفي الصحبة بالمعنى العرفي، فحق. وإن أريد نفيها بالمعنى الاصلي، فلا يصح. وهذا هو الجواب عما قيل من اشتراط أخذ العلم والرواية عنه أيضا. وإذا عرف ذلك، فلو قال من عاصر النبي، (ص)، أنا صحابي مع إسلامه وعدالته، فالظاهر صدقه. ويحتمل أن لا يصدق في ذلك، لكونه متهما بدعوى رتبة يثبتها لنفسه، كما لو قال: أنا عدل، أو شهد لنفسه بحق. هذا ما أردناه من الشروط المعتبرة.

[ 94 ]

وأما الشروط التي ظن أنها شروط، وليست كذلك، فشروط منها أنه ليس من شرط قبول الخبر العدد، بل يكفي في القبول خبر العدل الواحد، خلافا للجبائي، فإنه قال: لا يقبل إلا أن يضاف إليه خبر عدل آخر، أو موافقة ظاهرا، وإن يكون منتشرا فيما بين الصحابة أو عمل به بعض الصحابة. ونقل عنه أيضا أنه لا يقبل الخبر في الزنى إلا من أربعة. والوجه في الاحتجاج والانفصال ما سبق في مسألة وجوب التعبد بخبر الواحد. وأيضا فليس من شرطه الذكورة لما اشتهر من أخذ الصحابة بأخبار النساء، كما سبق بيانه، ولا البصر، بل يجوز قبول رواية الضرير إذا كان حافظا لما يسمعه، وله آلة إدائه. ولهذا كانت الصحابة تروي عن عائشة ما تسمعه من صوتها، مع أنهم لا يرون شخصها، ولا عدم القرابة، بل تجوز رواية الولد عن الوالد، وبالعكس، لاتفاق الصحابة على ذلك، ولا عدم العداوة، لان حكم الرواية عام، فلا يختص بواحد معين، حتى تكون العداوة مؤثرة فيه، ولا الحرية، بل هذه الامور إنما تشترط في الشهادة. ولا يشترط أيضا في الراوي أن يكون مكثرا من سماع الاحاديث مشهور النسب، لاتفاق الصحابة على قبول رواية من لم يرو سوى خبر واحد، وعلى قبول رواية من لا يعرف نسبه، إذا كان مشتملا على الشرائط المعتبرة. ولا يشترط أيضا أن يكون فقيها عالما بالعربية وبمعنى الخبر، وسواء كانت روايته موافقة للقياس أو مخالفة، خلافا لابي حنيفة فيما يخالف القياس، لقوله، (ص): نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها إلى قوله: فرب حامل فقه ليس بفقيه دعا له وأقره على الرواية، ولو لم يكن مقبول القول لما كان كذلك، ولان الصحابة سمعوا أخبار آحاد لم يكونوا فقهاء كما ذكرناه فيما تقدم، ولان الاعتماد على خبر النبي، (ص). والظاهر من الراوي إذا كان عدلا متدينا أنه لا يروي إلا ما يتحققه على الوجه الذي سمعه.

[ 95 ]

القسم الثالث في مستند الراوي وكيفية روايته الراوي لا يخلو إما أن يكون صحابيا، أو غير صحابي. فإن كان صحابيا فقد اتفقوا على أنه إذا قال: سمعت رسول الله، (ص)، يقول كذا، أو أخبرني، أو حدثني، أو شافهني رسول الله بكذا، فهو خبر عن النبي، (ص)، واجب القبول، واختلفوا في مسائل. المسألة الاولى إذا قال الصحابي: قال رسول الله كذا، اختلفوا فيه فذهب الاكثرون إلى أنه سمعه من النبي، (ص) فيكون حجة من غير خلاف، وقال القاضي أبو بكر: لا يحكم بذلك، بل هو متردد بين أن يكون قد سمعه من النبي عليه السلام، وبين أن يكون قد سمعه من غيره. وبتقدير أن يكون قد سمعه من غير النبي، (ص)، فمن قال بعدالة جميع الصحابة، فحكمه حكم ما لو سمعه من النبي، (ص)، ومن قال بأن حكم الراوي من الصحابة حكم غيرهم في وجوب الكشف عن حال الراوي منهم، فحكمه حكم مراسيل تابع التابعين، وسيأتي تفصيل القول فيه. والظاهر أن ذلك محمول على سماعه من غير واسطة مع إمكان سماعه من الواسطة، لان قوله قال يوهم السماع من النبي، (ص)، من غير واسطة إيهاما ظاهرا. والظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة أنه لا يأتي بلفظ يوهم معنى، ويريد غيره.

[ 96 ]

المسألة الثانية إذا قال الصحابي سمعت رسول الله، (ص)، يأمر بكذا، أو ينهى عن كذا اختلفوا في كونه حجة. فذهب قوم إلى أنه ليس بحجة لان الاحتجاج إنما هو بلفظ النبي، (ص)، وقول الصحابي سمعته يأمر وينهى لا يدل على وجود الامر والنهي من النبي (ص)، لاختلاف الناس في صيغ الامر والنهي، فلعله سمع صيغة اعتقد أنها أمر أو نهي، وليست كذلك عند غيره، ويحتمل أنه سمع النبي، (ص)، يأمر بشئ أو ينهى عن شئ، وهو ممن يعتقد أن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، وأن النهي عن الشئ أمر بأحد أضداده، فنقل الامر والنهي، وليس بأمر ولا نهي عند غيره. والذي عليه اعتماد الاكثرين أنه حجة، وهو الاظهر. وذلك لان الظاهر من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة أن يكون عارفا بمواقع الخلاف والوفاق. وعند ذلك. فالظاهر من حاله أنه لا ينقل إلا ما تحقق أنه أمر أو نهي من غير خلاف، نفيا للتدليس والتلبيس عنه بنقل ما يوجب على سامعه اعتقاد الامر والنهي فيما لا يعتقده أمرا ولا نهيا.

[ 97 ]

المسألة الثالثة إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، وأوجب علينا كذا وحرم علينا كذا، أو أبيح لنا كذا، فمذهب الشافعي وأكثر الائمة أنه يجب إضافة ذلك إلى النبي عليه السلام. وذهب جماعة من الاصوليين والكرخي من أصحاب أبي حنيفة إلى المنع من ذلك، مصيرا منهم إلى أن ذلك متردد بين كونه مضافا إلى النبي عليه السلام، وبين كونه مضافا إلى أمر الكتاب أو الامة، أو بعض الائمة، وبين أن يكون قد قال ذلك عن الاستنباط والقياس، وأضافه إلى صاحب الشرع، بناء على أن موجب القياس مأمور باتباعه من الشارع. وإذا احتمل واحتمل، لا يكون مضافا إلى النبي، (ص)، بل ولا يكون حجة. والظاهر مذهب الشافعي وذلك، لان من كان مقدما على جماعة، وهم بصدد امتثال أوامره ونواهيه، فإذا قال الواحد منهم: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، فالظاهر أنه يريد أمر ذلك المقدم ونهيه والصحابة بالنسبة إلى النبي، (ص)، على هذا النحو. فإذا قال الصحابي منهم: أمرنا أو نهينا: كان الظاهر منه أمر النبي، (ص)، ونهيه. ولا يمكن حمله على أمر الكتاب ونهيه، لانه لو كان كذلك، لكان ظاهرا للكل، فلا يختص بمعرفته الواحد منهم، ولا على أمر الامة ونهيها، لان قول الصحابي: أمرنا ونهينا قول الامة، وهم لا يأمرون وينهون أنفسهم، ولا على أمر الواحد من الصحابة، إذ ليس أمر البعض للبعض أولى من العكس. كيف وإن الظاهر من الصحابي أنه إنما يقصد بذلك تعريف الشرع. وذلك لا يكون ثابتا بأمر الواحد من الصحابة ونهيه، ولا أن يكون ذلك بناء على ما قيل من القياس والاستنباط لوجهين: الاول: أن قول الصحابي: أمرنا ونهينا، خطاب مع الجماعة، وما ظهر لبعض المجتهدين من القياس، وإن كان مأمورا باتباع حكمه، فذلك غير موجب للامر باتباع من لم يظهر له ذلك القياس. الثاني: أن قوله: أمرنا ونهينا بكذا عن كذا، إنما يفهم منه مطلق الامر والنهي، لا الامر باتباع حكم القياس.

[ 98 ]

المسألة الرابعة اختلفوا في قول الصحابي: من السنة كذا. فذهب الاكثرون إلى أن ذلك محمول على سنة رسول الله (ص)، خلافا لابي الحسن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة. والمختار مذهب الاكثرين، وذلك لما ذكرناه في المسألة المتقدمة. فإن قيل: اسم السنة متردد بين سنة النبي، وسنة الخلفاء الراشدين، على ما قال، (ص): عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وإذا كان اللفظ مترددا بين احتمالين، فلا يكون صرفه إلى أحدهما دون الآخر أولى من العكس. قلنا: وإن سلمنا صحة إطلاق السنة على ما ذكروه، غير أن احتمال إرادة سنة النبي، (ص)، أولى لوجهين: الاول: أن سنة النبي، (ص)، أصل، وسنة الخلفاء الراشدين تبع لسنة النبي، (ص)، ومقصود الصحابي إنما هو بيان الشرعية. ولا يخفى أن إسناد ما قصد بيانه إلى الاصل أولى من إسناده إلى التابع. الثاني: أن ذلك هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ السنة في كلام الصحابي لما ذكرناه في المسألة المتقدمة، فكان الحمل عليه أولى.

[ 99 ]

المسألة الخامسة إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا، وكانوا يفعلون كذا، وذلك كقول عائشة: كانوا لا يقطعون في الشئ التافه، وكقول إبراهيم النخعي: كانوا يحذفون التكبير حذفا فهو عند الاكثرين محمول على فعل الجماعة دون بعضهم، خلافا لبعض الاصوليين. ويدل على مذهب الاكثرين أن الظاهر من الصحابي أنه إنما أورد ذلك في معرض الاحتجاج، وإنما يكون ذلك حجة إن لو كان ما نقله مستندا إلى فعل الجميع، لان فعل البعض لا يكون حجة على البعض الآخر، ولا على غيرهم فإن قيل: لو كان ذلك مستندا إلى فعل الجميع، لكان إجماعا، ولما ساغ مخالفته بطريق الاجتهاد فيه، وحيث سوغتم ذلك دل على عوده إلى البعض دون الكل. قلنا: تسويغ الاجتهاد فيه إنما كان لان إضافة ذلك إلى الجميع وقع ظنا لا قطعا، وذلك، كما يسوغ الاجتهاد فيما يرويه الواحد من الالفاظ القاطعة في الدلالة عن النبي، (ص، لما كان طريق اتباعه ظنيا، وإن كان لا يسوغ فيه الاجتهاد عندما إذا ثبت بطريق قاطع، وأما إن كان الراوي غير صحابي، فمستنده في الرواية إما قراءة الشيخ لما يرويه عنه، أو القراءة على الشيخ، أو إجازة الشيخ له، أو أن يكتب له كتابا بما يرويه عنه، أو يناوله الكتاب الذي يرويه عنه، أو أن يرى خطا يظنه خط الشيخ بأني سمعت عن فلان كذا. فإن كان مستنده في الرواية قراءة الشيخ، فإما أن يكون الشيخ قد قصد إسماعه بالقراءة، أو لم يقصد إسماعه بطريق من الطرق: فإن قصد إسماعه بالقراءة أو مع غيره، فهذا هو أعلى الرتب في الرواية، وللراوي عنه

[ 100 ]

أن يقول: حدثنا، وأخبرنا، وقال فلان، وسمعته يقول كذا، وإن لم يقصد إسماعه، فليس له أن يقول: حدثنا، وأخبرنا، لانه يكون كاذبا في ذلك، بل له أن يقول: قال فلان كذا، وسمعته يقول كذا، ويحدث بكذا، ويخبر بكذا. وأما القراءة على الشيخ، مع سكوت الشيخ من غير ما يوجب السكوت عن الانكار، من إكراه أو غفلة أو غير ذلك، فقد اتفقوا على وجوب العمل به، خلافا لبعض أهل الظاهر، لانه لو لم تكن روايته صحيحة، لكان سكوته عن الانكار مع القدرة عليه فسقا، لما فيه من إيهام صحة ما ليس بصحيح، وذلك بعيد عن العدل المتدين. ثم اتفق القائلون بالصحة على تسليط الراوي على قوله: أخبرنا وحدثنا فلان، قراءة عليه، واختلفوا في جواز قوله: حدثنا وأخبرنا مطلقا، والاظهر امتناعه، لان ذلك يشعر بنطق الشيخ، وذلك من غير نطق منه كذب. وأما إجازة الشيخ وذلك بأن يقول: أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، أو ما صح عندك من مسموعاتي، فقد اختلفوا في جواز الرواية بالاجازة: فجوزه أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل، وأكثر المحدثين، واتفق هؤلاء على تسليط الراوي على قوله: أجازني فلان كذا، وحدثني، وأخبرني إجازة واختلفوا في قوله: حدثني وأخبرني مطلقا. والذي عليه الاكثر، وهو الاظهر، أنه لا يجوز، لان ذلك يشعر بنطق الشيخ بذلك وهو كذب، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تجوز الرواية بالاجازة مطلقا. وقال أبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة إنه إن كان المجيز والمجاز له قد علما ما في الكتاب الذي أجاز روايته، جازت روايته بقوله: أخبرني وحدثني.

[ 101 ]

وذلك، كما لو كتب إنسان صكا، والشهود يرونه، ثم قال لهم: اشهدوا علي بجميع ما في هذا الصك، فإنه يجوز لهم إقامة الشهادة عليه بما في ذلك الكتاب، وإلا فلا. والمختار إنما هو جواز الرواية بالاجازة، وذلك لان المجيز عدل ثقة، والظاهر أنه لم يجز إلا ما علم صحته، وإلا كان بإجازته رواية ما لم يروه فاسقا، وهو بعيد عن العدل. وإذا علمت الرواية أو ظنت بإجازته، جازت الرواية عنه كما لو كان هو القارئ أو قرئ عليه وهو ساكت. فإن قيل إنه لم يوجد من المحدث فعل الحديث، ولا ما يجري مجرى فعله، فلم يجز أن يقول الراوي عنه: أخبرني، ولا حدثني لانه يكون كذبا، ولانه قادر على أن يحدث به. فحيث لم يحدث به دل على أنه غير صحيح عنده. قلنا: هذا باطل بما إذا كان الراوي عن الشيخ هو القارئ، فإنه لم يوجد من الشيخ فعل الحديث، ولا ما يجري مجراه، وهو قادر على القراءة بنفسه. ومع ذلك. فإنه يجوز للراوي أن يقول: أخبرني وحدثني، حيث كانت قراءته عليه مع السكوت دليل صحة الحديث. وعلى ما ذكرناه من الخلاف في الاجازة والخريف، والمختار يكون الكلام فيما إذا ناوله كتابا فيه حديث هو سماعه، وقال له: قد أجزت لك أن تروي عني ما فيه وله أن يقول: ناولني فلان كذا، وأخبرني، وحدثني مناولة. وكذلك الحكم أيضا إذا كتب إليه بحديث وقال: أجزت لك روايته عني، فإنه يدل على صحته، ويسلط الراوي على أن يقول: كاتبني بكذا، وحدثني أو أخبرني بكذا كتابة. ولو اقتصر على المناولة أو الكتابة دون لفظ الاجازة، لم تجز له الرواية، إذ ليس في الكتابة والمناولة ما يدل على تسويغ الرواية عنه، ولا على صحة الحديث في نفسه. أما رؤية خط الشيخ بأني سمعت من فلان كذا، فلا يجوز مع ذلك الرواية عنه، وسواء قال: هذا خطي، أو لم يقل، لانه قد يكتب ما سمعه. ثم يشكك فيه، فلا بد من التسليط من قبل الشيخ على الرواية عنه بطريقة، إذ ليس لاحد رواية ما شك في روايته إجماعا. وعلى هذا، فلو روى كتابا عن بعض المحدثين، وشك في حديث واحد منه

[ 102 ]

غير معين، لم تجز له روايته شئ منه، لانه ما من واحد ومن تلك الاحاديث إلا ويجوز أن يكون هو المشكوك فيه. وكذلك، لو روى عن جماعة حديثا، وشك في روايته عن بعضهم من غير تعيين، فليس له الرواية عن واحد منهم، لانه ما من واحد إلا ويجوز أن يكون هو المشكوك في الرواية عنه. والرواية مع الشك ممتنعة. نعم، لو غلب على ظنه رواية الحديث عن بعض المشايخ وسماعه منه، فهذا مما اختلف فيه. فقال أبو حنيفة: لا تجوز روايته ولا العمل به، لانه حكم على المروي عنه بأنه حدثه به، فلا يجوز مع عدم العلم، كما في الشهادة، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن: تجوز له الرواية والعمل به،، لان ذلك مما يغلب على الظن صحته. ولهذا، فإن آحاد أصحاب رسول الله (ص)، كانوا يحملون كتب الرسول إلى أطراف البلاد في أمور الصدقات وغيرها، وكان يجب على كل أحد الاخذ بها بإخبار حاملها أنها من كتب الرسول، وإن لم يكن ما فيها مما سمعه الحامل، ولا المحمول إليه، لكونها مغلبة على الظن. ولا كذلك في الشهادة، لانه قد اعتبر فيها من الاحتياط، ما لم يعتبر مثله في الرواية، كما ذكرناه فيما تقدم. وعلى هذا، فلو قال عدل من عدول المحدثين عن كتاب من كتب الحديث، إنه صحيح، فالحكم في جواز الاخذ به والخلاف فيه، كما سبق فيما إذا ظن أنه يرويه، مع الاتفاق على أنه لا تجوز روايته عنه، بخلاف ما إذا ظن الرواية، عنه.

[ 103 ]

القسم الرابع فيما اختلف في رد خبر الواحد به وفيه عشر مسائل المسألة الاولى اختلفوا في نقل حديث النبي، (ص)، بالمعنى دون اللفظ. والذي عليه اتفاق الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والحسن البصري وأكثر الائمة أنه يحرم ذلك على الناقل، إذا كان غير عارف بدلالات الالفاظ واختلاف مواقعها، وإن كان عالما بذلك، فالاولى له النقل بنفس اللفظ إذ هو أبعد عن التغيير والتبديل وسوء التأويل. وإن نقله بالمعنى من غير زيادة في المعنى، ولا نقصان منه، فهو جائز. ونقل عن ابن سيرين وجماعة من السلف وجوب نقل اللفظ على صورته. وهو اختيار أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة. ومنهم من فصل وقال بجواز إبدال اللفظ بما يرادفه، ولا يشتبه الحال فيه، ولا يجوز بما عدا ذلك. والمختار مذهب الجمهور. ويدل عليه النص، والاجماع، والاثر، والمعقول. أما النص، فما روي ابن مسعود أن رجلا سأل النبي، (ص)، وقال له: يا رسول الله، تحدثنا بحديث لا نقدر أن نسوقه كما سمعناه فقال (ص): إذا أصاب أحدكم المعنى، فليحدث وأيضا، فإن النبي، (ص)، كان مقررا لآحاد رسله إلى البلاد في إبلاغ أوامره ونواهيه بلغة المبعوث إليهم دون لفظ النبي، (ص)، وهو دليل الجواز.

[ 104 ]

وأما الاجماع فما روي عن ابن مسعود أنه كان إذا حدث قال: قال رسول الله، (ص)، هكذا، أو نحوه. ولم ينكر عليه منكر، فكان إجماعا. وأما الاثر فما روي عن مكحول أنه قال: دخلنا على واثلة بن الاسقع، فقلنا: حدثنا حديثا ليس فيه تقديم ولا تأخير فغضب وقال لا بأس إذا قدمت وأخرت إذا أصبت المعنى. وأما المعقول فمن وجهين: الاول أن الاجماع منعقد على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم، وإذا جاز الابدال بغير العربية في تفهيم المعنى، فالعربية أولى. الثاني هو أنا نعلم أن اللفظ غير مقصود لذاته ونفسه، ولهذا، فإن النبي، (ص)، كان يذكر المعنى في الكرات المتعددة بألفاظ مختلفة، بل المقصود إنما هو المعنى، ومع حصول المعنى، فلا أثر لاختلاف اللفظ. فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول: أما النص فقوله (ص): نضر الله امرأ سمع مقالتي، فوعاها وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. وأما المعقول فمن وجهين: الاول أن العلماء بالعربية وأهل الاجتهاد، قد يختلفون في معنى اللفظ الوارد مع اتحاده، حتى إن كل واحد منهم قد يتنبه منه على ما لا يتنبه عليه الآخر. وعند ذلك، فالراوي وإن كان عالما بالعربية واختلاف دلالات الالفاظ فقد يحمل اللفظ على معنى فهمه من الحديث مع الغفلة عن غير ذلك. فإذا أتى بلفظ يؤدي المعنى الذي فهمه من اللفظ النبوي دون غيره مع احتمال أن يكون ما أخل به هو المقصود، أو بعض المقصود، فلا يكون وافيا بالغرض من اللفظ، وربما اختل المقصود من اللفظ بالكلية بتقدير تعدد النقلة بأن ينقل كل واحد ما سمعه من الراوي الذي قبله بألفاظ غير ألفاظه على حسب ما يعقله من لفظه، مع التفاوت اليسير في المعنى، حتى ينتهي المعنى الاخير إلى مخالفة المعنى المقصود باللفظ النبوي بالكلية، وهو ممتع.

[ 105 ]

الثاني: أن خبر النبي، (ص)، قول تعبدنا باتباعه، فلا يجوز تبديله بغيره، كالقرآن وكلمات الاذان والتشهد والتكبير. والجواب عن النص من وجهين: الاول: القول بموجبه، وذلك لان من نقل معنى اللفظ من غير زيادة ولا نقصان يصح أن يقال أدى ما سمع كما سمع ولهذا، يقال لمن ترجم لغة إلى لغة، ولم يغير المعنى، أدى ما سمع كما سمع. ويدل على أن المراد من الخبر إنما هو نقل المعنى دون اللفظ ما ذكره من التعليل، وهو اختلاف الناس في الفقه، إذ هو المؤثر في اختلاف المعنى. وأما الالفاظ التي لا يختلف اجتهاد الناس في قيام بعضها مقام بعض، فذلك مما يستوي فيه الفقيه والافقه ومن ليس بفقيه، ولا يكون مؤثرا في تغيير المعنى. الثاني: أن هذا الخبر بعينه يدل على جواز نقل الخبر بالمعنى دون اللفظ، وذلك لان الظاهر أن الخبر المروي حديث واحد، والاصل عدم تكرره من النبي (ص). ومع ذلك فقد روي بألفاظ مختلفة، فإنه قد روي نضر الله امرا، ورحم الله امرأ، ورب حامل فقه غير فقيه وروي لا فقه له. وعن المعنى الاول من المعقول أن الكلام إنما هو مفروض في نقل المعنى من غير زيادة ولا نقصان، حتى إنه لو ظهرت فيه الزيادة والنقصان لم يكن جائزا. وعن الثاني بالفرق بين ما نحن فيه وما ذكروه من الاصول المقيس عليها. أما القرآن فلان المقصود من ألفاظه الاعجاز، فتغييره مما يخرجه عن الاعجاز، فلا يجوز. ولا كذلك الخبر، فإن المقصود منه المعنى دون اللفظ. ولهذا، فإنه لا يجوز التقديم والتأخير في القرآن، وإن لم يختلف المعنى، كما لو قال بدل اسجدي اركعي، واركعي واسجدي. ولا كذلك في الخبر. وأما كلمات الاذان والتشهد والتكبير، فالمقصود منها إنما هو التعبد بها. وذلك لا يحصل بمعناها، والمقصود من الخبر هو المعنى دون اللفظ. كيف وإنه ليس قياس الخبر على ما ذكروه أولى من قياسه على الشهادة حيث تجوز الشهادة على شهادة الغير مع اتحاد المعنى، وإن كان اللفظ مختلفا.

[ 106 ]

المسألة الثانية إذا أنكر الشيخ رواية الفرع عنه، فلا يخلو إما أن يكون إنكاره لذلك إنكار جحود وتكذيب للفرع، أو إنكار نسيان وتوقف فإن كان الاول، فلا خلاف في امتناع العمل بالخبر، لان كل واحد منهما مكذب للآخر فيما يدعيه، ولا بد من كذب أحدهما، وهو موجب للقدح في الحديث. غير أن ذلك لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين، لان كل واحد منهما عدل، وقد وقع الشك في كذبه. والاصل العدالة، فلا تترك بالشك. وتظهر فائدة ذلك في قبول رواية كل واحد منهما في غير ذلك الخبر. وأما إن كان الثاني، فقد اختلفوا في قبول ذلك الخبر والعمل به: فذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل في أصح الروايتين عنه وأكثر المتكلمين إلى جواز العمل به، خلافا للكرخي وجماعة من أصحاب أبي حنيفة ولاحمد بن حنبل في الرواية الاخرى عنه. ودليله الاجماع، والمعقول. أما الاجماع، فما روي أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن روى عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي، (ص)، أنه قضى باليمين مع الشاهد، ثم نسيه سهيل، فان يقول. حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي هريرة عن النبي، (ص)، ويرويه هكذا. ولم ينكر عليه أحد من التابعين ذلك. فكان إجماعا منهم على جوازه.

[ 107 ]

وأما المعقول فمن وجهين: الاول أن الفرع عدل، وهو جازم بروايته عن الاصل، والاصل غير مكذب له، وهما عدلان، فوجب قبول الرواية والعمل بها. الثاني أن نسيان الاصل للرواية لا تزيد على موته وجنونه، ولو مات أو جن، كانت رواية الفرع عنه مقبولة، ويجب العمل بها إجماعا، فكذلك، إذا نسي. فإن قيل: أما الاستدلال بقضية ربيعة، فلا حجة فيه، لاحتمال أن سهيلا ذكر الرواية برواية ربيعة عنه، ومع الذكر فالرواية تكون مقبولة. ثم هو معارض بما روي أن عمار بن ياسر قال لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه أما تذكر يا أمير المؤمنين، لما كنا في الابل، فأجنبت فتمعكت في التراب، ثم سألت النبي، (ص)، فقال: إنما يكفيك أن تضرب بيديك فلم يقبل عمر من عمار ما رواه، مع كونه عدلا عنده، لما كان ناسيا له. وأما ما ذكرتموه من المعقول، فالاصل وإن لم يكن مكذبا للفرع، غير أن نسيانه لما نسب إليه يجب أن يكون مانعا من العمل به، كما لو ادعى مدع أن الحاكم حكم له بشئ فقال الحاكم: لا أذكر ذلك، فأقام المدعي شاهدين شهدا بذلك، فإنه لا يقبل. وكذلك إذا أنكر شاهد الاصل شهادة الفرع عليه على سبيل النسيان، فإن الشهادة لا تقبل. والجواب عن قولهم إن سهيلا ذكر الرواية. قلنا: لو كان كذلك، لانطوى ذكر ربيعة، وكان يروي عن شيخه، كما لو نسي، ثم تذكر بنفسه، وأما رد عمر لرواية عمار عند نسيانه، فليس نظيرا لما نحن فيه. فإن عمارا لم يكن راويا عن عمر، بل عن النبي، (ص). وحيث لم يعمل عمر بروايته، فلعله كان شاكا في روايته، أو كأن ذلك كان مذهبا له، فلا يكون حجة على غيره من المجتهدين على ما سيأتي تقريره.

[ 108 ]

وأما الحاكم إذا نسي ما حكم به، وشهد شاهدان بحكمه، فقد قال مالك وأبو يوسف: يلزمه الحكم بشهادتهما. وعندنا، وإن لم يجب عليه ذلك، فهو واجب على غيره من القضاة. وأما القياس على الشهادة، فلا يصح، لان باب الشهادة أضيق من باب الرواية، وقد اعتبر فيها من الشروط والقيود ما لم يعتبر في الرواية، وذلك كاعتبار العدد والحرية والذكورة، ولا يقبل فيها العنعنة، ولا تصح الشهادة على الشهادة من وراء حجاب. ولو قال أعلم بدل قوله أشهد لا يصح، ولا كذلك في الرواية، فامتنع القياس. المسألة الثالثة إذا روى جماعة من الثقات حديثا، وانفرد واحد منهم بزيادة في الحديث لا تخالف المزيد عليه، كما لو روى جماعة أن النبي، (ص)، دخل البيت، وانفرد واحد منهم بزيادة، فقال: دخل البيت وصلى، فلا يخلو إما أن يكون مجلس الرواية مختلفا بأن يكون المنفرد بالزيادة روايته عن مجلس غير مجلس الباقين، أو أن مجلس الرواية متحد، ويجهل الامران. فإن كان المجلس مختلفا، فلا نعرف خلافا في قبول الزيادة، لاحتمال أن يكون النبي، (ص)، قد فعل الزيادة في أحد المجلسين دون الآخر، والراوي عدل ثقة، ولم يوجد ما يقدح في روايته، فكانت روايته مقبولة. ولهذا، فإنه لو روى حديثا لم ينقله غيره مع عدم حضوره لم يقدح ذلك في روايته، وكذلك لو شهد اثنان على شخص بألفي درهم لزيد في مجلس، وشهدت بينة أخرى عليه في مجلس آخر بألف، لا يكون ذلك قادحا في الالف الزائدة، مع أن باب الشهادة أضيق من باب الرواية، كما قررنا. وأما إن اتحد المجلس، فإن كان من لم يرو الزيادة قد انتهوا إلى عدد لا يتصور في العادة غفلة مثلهم عن سماع تلك الزيادة وفهمها، فلا يخفى أن تطرق الغلط والسهو إلى الواحد فيما نقله من الزيادة، يكون أولى من تطرق ذلك إلى العدد المفروض،

[ 109 ]

فيجب ردها، وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد، فقد اتفق جماعة الفقهاء والمتكلمين على وجوب قبول الزيادة، خلافا لجماعة من المحدثين ولاحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. ودليل ذلك أن الراوي عدل ثقة، وقد جزم بالرواية، وعدم نقل الغير لها فلاحتمال أن يكون من لم ينقل الزيادة قد دخل في أثناء المجلس وسمع بعض الحديث أو خرج في أثناء المجلس لطارئ أوجب له الخروج قبل سماع الزيادة. وبتقدير أن يكون حاضرا من أول المجلس إلى آخره، فلاحتمال أن يكون قد طرأ ما شغله عن سماع الزيادة وفهمها من سهو أو ألم أو جوع أو عطش مفرط أو فكرة في أمر مهم، أو اشتغال بحديث مع غيره والتفات إليه، أو أنه نسيها بعد ما سمعها. ومع تطرق هذه الاحتمالات، وجزم العدل بالرواية، لا يكون عدم نقل غيره للزيادة قادحا في روايته. فإن قيل: هذه الاحتمالات وإن كانت منقدحة في حق من لم يرو الزيادة، فاحتمال الغلط والسهو على الناقل للزيادة أيضا منقدح. وذلك، بأن يتوهم أنه سمع تلك الزيادة، ولم يكن قد سمعها، أو أنه سمعها من غير الرسول، وتوهم سماعها من الرسول، أو أنه ذكرها على سبيل التفسير والتأويل، فظن السامع أنها زيادة في الحديث المروي، وذلك، كما روى ابن عباس عن النبي، (ص) أنه نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى. قال ابن عباس: ولا أحسب غير الطعام إلا كالطعام فأدرجه بعض الرواة في الحديث. وكذلك ما روي عن النبي (ص) أنه قال: فإذا زادت الابل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة فظن الراوي أن الاستئناف إعادة للفرض الاول في المائة الاولى، فقال: في كل خمس شاة. وأدرج ذلك في كلام النبي، (ص). ومع تعارض الاحتمالات، فليس العمل بالزيادة أولى من تركها، بل الترجيح بجانب الترك لوجهين:

[ 110 ]

الاول: أن احتمال تطرق الغلط والسهو على الواحد أكثر من احتمال تطرقه إلى الجماعة. الثاني أن الترك على وفق النفي الاصلي، والاثبات على خلافه، فكان أولى، ولهذا، فإنه لو اجتمع المقومون على قيمة متلف، وخالفهم واحد بزيادة في تقويمه في القيمة، فإن الزيادة تلغى بالاجماع. والجواب عما عارضوا به من السهو في حق راوي الزيادة، أنه وإن كان منقدحا، غير أن ما ذكرناه من الاحتمالات في حق من لم يرو الزيادة أكثر، ولان سهو الانسان عما سمعه يكون أكثر من سهوه فيما لم يسمعه أنه سمعه. وما ذكروه من الزيادة بناء على احتمال التفسير والتأويل، وإن كان قائما، غير أنه في غاية البعد، إذ الظاهر من حال العدل الثقة أنه لا يدرج في كلام النبي، (ص)، ما ليس فيه، لما فيه من التدليس والتلبيس. ولو جوز مثل ذلك فما من حديث إلا ويمكن أن يتطرق إليه هذا الاحتمال. ويلزم من ذلك إبطال جميع الاحاديث. وما ذكروه من الترجيح الاول فغير مطرد فيما إذا كان عدد الناقل للزيادة مساويا لعدد الآخرين، وهو من جملة صور النزاع وبتقدير أن يكون أكثر، فقد بينا أن الترجيح بجانب الواحد. وما ذكروه من الترجيح الثاني فهو معارض بما إذا كانت الزيادة مقتضية لنفي حكم، لولاها لثبت. وأما التقويم فحاصله يرجع إلى ظن وتخمين، بطريق الاجتهاد. ولا يخفى أن تطرق الخطإ في ذلك إلى الواحد أكثر من تطرقه إلى الجمع، بخلاف الرواية، فإنها لا تكون إلا بنقل ما هو محسوس بالسمع، وتطرق الخطإ إليه بعيد. وأما إن جهل الحال في أن الرواية عن مجلس واحد أو مجالس مختلفة، فالحكم على ما سبق فيما إذا اتحد المجلس، وقبول الزيادة فيه أولى، نظرا إلى احتمال اختلاف مجلس الرواية. هذا كله فيما إذا لم تكن الزيادة مخالفة للمزيد عليه

[ 111 ]

وأما إن كانت مخالفة له، بحيث لا يمكن الجمع بينهما، فالظاهر التعارض خلافا لبعض المعتزلة. وعلى هذا، لو روى الواحد الزيادة مرة، وأهملها مرة، في حديث واحد، فالتفصيل والحكم على ما تقدم فيما إذا تعددت الرواة. فعليك بالاعتبار. وكذلك الخلاف فيما إذا أسند الخبر واحد، وأرسله الباقون، أو رفعه إلى النبي، (ص)، وأوقفه الباقون على بعض الصحابة. المسألة الرابعة إذا سمع الراوي خبرا وأراد نقل بعضه وحذف بعضه، فلا يخلو إما أن يكون الخبر متضمنا لاحكام لا يتعلق بعضها ببعض، أو يتعلق بعضها ببعض. فإن كان الاول كقوله المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم فلا نعرف خلافا في جواز نقل البعض وترك البعض. فإن ذلك بمنزلة أخبار متعددة، ومن سمع أخبارا متعددة، فله رواية البعض دون البعض، وإن كان الاولى إنما هو نقل الخبر بتمامه، لقوله، (ص): نضر الله امرأ سمع مقالتي، فوعاها، فأداها كما سمعها. وإن كان الثاني، وذلك بأن يكون الخبر مشتملا على ذكر غاية. كنهيه (ص) عن بيع الطعام، حتى تحوزه التجار إلى رحالهم وكنهيه عن بيع الثمار حتى تزهى، أو شرط كقوله من قاء أو رعف أو أمذى، فليتوضأ وضوءه للصلاة، أو استثناء: كقوله: لا تبيعوا البر بالبر إلى قوله إلا سواء بسواء مثلا بمثل فإذا ذكر بعض الخبر. وقطعه عن الغاية أو الشرط أو الاستثناء فهو غير جائز لما فيه من تغيير الحكم وتبديل الشرع.

[ 112 ]

المسألة الخامسة خبر الواحد إذا ورد موجبا للعمل فيما تعم به البلوى كخبر ابن مسعود في نقض الوضوء بمس الذكر، وخبر أبي هريرة في غسل اليدين عند القيام من نوم الليل، وخبره في رفع اليدين في الركوع، والاكل في الصوم ناسيا ونحوه، مقبول عند الاكثرين، خلافا للكرخي وبعض أصحاب أبي حنيفة. دليل ذلك النص، والاجماع، والمعقول، والالزام: وأما النص، فقوله تعالى: * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * (9) التوبة: 122) أوجب الانذار على كل طائفة خرجت للتفقه في الدين، وإن كانت آحادا، وهو مطلق فيمتعم به البلوى، وما لا تعم. ولولا أنه واجب القبول لما كان لوجوبه فائدة، وتقريره كما سبق، وأما الاجماع فهو أن الصحابة اتفقت على العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى. فمن ذلك ما روي عن ابن عمر أنه قال كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا، حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي، (ص)، نهى عن ذلك، فانتهينا ومن ذلك رجوع الصحابة بعد اختلافهم في وجوب الغسل بالتقاء الختانين من غير إنزال، إلى خبر عائشة وهو قولها إذا التقى الختانان، وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل، فعلته أنا ورسول الله، (ص)، واغتسلنا ومن ذلك رجوع أبي بكر وعمر في سدس الجدة لما قال لها لا أجد لك في كتاب الله شيئا خبر المغيرة، وهو قوله إن النبي، (ص)، أطعمها السدس، وصار ذلك إجماعا. وأما المعقول، فمن وجهين:

[ 113 ]

الاول أن الراوي عدل ثقة، وهو جازم بالرواية فيما يمكن فيه صدقه، وذلك يغلب على الظن صدقه، فوجب تصديقه كخبره فيما لا تعم به البلوى. الثاني أنه يغلب على الظن، فكان واجب الاتباع، كالقياس، والمسألة ظنية، فكان الظن فيها حجة. وأما الالزام فهو أن الوتر وحكم الفصد والحجامة والقهقهة في الصلاة ووجوب الغسل من غسل الميت وإفراد الاقامة وتثنيتها فمن قبيل ما تعم به البلوى، ومع ذلك فقد أثبتها الخصوم بأخبار الآحاد فإن قيل لا نسلم إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، فإن أبا بكر رد خبر المغيرة في الجدة وما ذكرتموه من المعقول فمبني على أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى مظنون، وليس كذلك. وبيانه من وجهين. الاول: أن ما تعم به البلوى، كخروج الخارج من السبيلين، ومس الذكر، مما يتكرر في كل وقت. فلو كانت الطهارة مما تنتقض به، لوجب على النبي (ص)، إشاعته وأن لا يقتصر على مخاطبة الآحاد به، بل يلقيه على عدد التواتر مبالغة في إشاعته، حتى لا يفضي ذلك إلى إبطال صلاة أكثر الخلق، وهم لا يشعرون، فحيث لم ينقله سوى الواحد دل على كذبه. الثاني: أن ذلك مما يكثر السؤال عنه، والجواب والدواعي متوفرة على نقله. فحيث انفرد به الواحد دل على كذبه، كانفراد الواحد بنقل قتل أمير البلد في السوق بمشهد من الخلق وطروء حادثة منعت الناس من صلاة الجمعة، وإن الخطيب سب الله ورسوله على رأس المنبر، إلى غير ذلك من الوقائع. ولهذا، فإنه لما كان القرآن مما تعم به البلوى بمعرفته امتنع إثباته بخبر الواحد. وأما ما ذكرتموه من الالزامات فغير مساوية في عموم البلوى لمس الذكر، فلا تكون في معناه. والجواب: عن رد أبي بكر بخبر المغيرة في الجدة أنه لم يكن مطلقا. ولهذا عمل به لما تابعه على ذلك محمد بن مسلمة، وخبرهما غير خارج عن الآحاد.

[ 114 ]

وما ذكروه في الوجه الاول من التكذيب فإنما يصح أن لو كان النبي، (ص)، مكلفا بالاشاعة على لسان أهل التواتر، وهو غير مسلم. قولهم إنه يلزم من عدم ذلك إبطال صلاة أكثر الخلق، لا نسلم فإن من لم يبلغه ذلك، فالنقض غير ثابت في حقه. ولا تكليف بمعرفة ما يقم عليه دليل. وما ذكروه في الوجه الثاني فإنما يلزم توفر الدواعي على نقله إن لو كان لا طريق إلى إثباته سوى النقل المتواتر. وأما إذا كان طريق معرفة ذلك إنما هو الظن، فخبر الواحد كاف فيه. ولهذا، جاز إثباته بالقياس إجماعا، وما استشهدوا به من الوقائع فغير مناظرة لما نحن فيه، إذ الطباع مما تتوفر على نقلها وإشاعتها عادة، فانفراد الواحد يدل على كذبه. ثم ما ذكروه من الوجهين منتقض عليهم، حيث عملوا بأخبار الآحاد فيما ذكرناه من صور الالزام، ومس الذكر وإن كان أعم في الوقوع من تلك الصور، فذلك لا يخرج تلك الصورة عن كونها واقعة في عموم البلوى. وأما القرآن فإنما امتنع إثباته بخبر الواحد، لا لانه مما تعم به البلوى، بل لانه المعجز في إثبات نبوة النبي، (ص)، وطريق معرفته متوقف على القطع. ولذلك وجب على النبي إشاعته وإلقاؤه على عدد التواتر. ولا كذلك ما نحن فيه. فإن الظن كاف فيه. ولذلك، يجوز إثباته بالقياس، وما عدا القرآن مما أشيع إشاعة اشترك فيها الخاص والعام، كالعبادات الخمس، وأصول المعاملات كالبيع والنكاح والطلاق والعتاق، وغير ذلك من الاحكام مما كان يجوز أن لا يشيع، فذلك إما بحكم الاتفاق، وإما لانه، (ص)، كان متعبدا بإشاعته. والله أعلم.

[ 115 ]

المسألة السادسة إذا روى الصحابي خبرا، فلا يخلو إما أن يكون مجملا، أو ظاهرا، أو نصا قاطعا في متنه. فإن كان مجملا مشتركا بين محامل على السوية، كلفظ القروء ونحوه، فإن حمله الراوي على بعض محامله، فإن قلنا إن اللفظ المشترك ظاهر العموم في جميع محامله، كما سيأتي تقريره، فهو القسم الثاني، وسيأتي الكلام فيه. وإن قلنا بامتناع حمله على جميع محامله، فلا نعرف خلافا في وجوب حمل الخبر على ما حمله الراوي عليه، لان الظاهر من حال النبي، (ص)، أنه لا ينطق باللفظ المجمل، لقصد التشريع وتعريف الاحكام، ويخليه عن قرينة حالية أو مقالية تعين المقصود من الكلام. والصحابي الراوي المشاهد للحال أعرف بذلك من غيره، فوجب الحمل عليه. ولا يبعد أن يقال بأن تعيينه لا يكون حجة على غيره من المجتهدين، حتى ينظر، فإن انقدح له وجه يوجب تعيين غير ذلك الاحتمال، وجب عليه اتباعه، وإلا فتعيين الراوي صالح للترجيح، فيجب اتباعه. وأما إن كان اللفظ ظاهرا في معنى، وحمله الراوي على غيره، فمذهب الشافعي وأبي الحسين الكرخي وأكثر الفقهاء أنه يجب الحمل على ظاهر الخبر دون، تأويل الراوي: ولهذا، قال الشافعي كيف أترك الخبر لاقوال أقوام، لو عاصرتهم لحاججتهم بالحديث ؟ وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة وغيرهم إلى وجوب العمل بمذهب الراوي. وقال القاضي عبد الجبار إن لم يكن لمذهب الراوي وتأويله وجه، سوى علمه بقصد النبي (ص)، لذلك التأويل، وجب المصير إليه. وإن لم يعلم ذلك بل جوز أن يكون قد صار إليه لدليل ظهر له، من نص أو قياس وجب النظر إلى ذلك الدليل، فإن كان مقتضيا لما ذهب إليه، وجب المصير إليه، وإلا فلا. وهذا اختيار أبي الحسين البصري. والمختار أنه إن علم مأخذه في المخالفة، وكان ذلك مما يوجب حمل الخبر على ما ذهب إليه الراوي، وجب اتباع ذلك الدليل، لا لان الراوي عمل به، فإنه ليس عمل أحد المجتهدين حجة على الآخر.

[ 116 ]

وإن جهل مأخذه فالواجب العمل بظاهر اللفظ، وذلك لان الراوي عدل، وقد جزم بالرواية عن النبي، (ص)، وهو الاصل في وجوب العمل بالخبر، ومخالفة الراوي له، فيحتمل أنه كان لنسيان طرأ عليه، ويحتمل أنه كان لدليل اجتهد فيه، وهو مخطئ فيه، أو هو مما يقول به دون غيره من المجتهدين، كما عرف من مخالفة مالك، لخبر خيار المجلس، بما رآه من إجماع أهل المدينة على خلافه. ويحتمل أنه علم ذلك علما لا مراء فيه، من قصد النبي له. وإذا تردد بين هذه الاحتمالات، فالظاهر لا يترك بالشك والاحتمال. وعلى كل تقدير فبمخالفته للخبر، لا يكون فاسقا، حتى يمتنع العمل بروايته. وبهذا، يندفع قول الخصم إنه إن أحسن الظن بالراوي وجب حمل الخبر على ما حمله عليه، وإن أسيئ به الظن امتنع العمل بروايته. وأما إن كان الخبر نصا في دلالته، غير محتمل للتأويل والمخالفة، فلا وجه لمخالفة الراوي له، سوى احتمال اطلاعه على ناسخ، ولعله يكون ناسخا في نظره، ولا يكون ناسخا عند غيره من المجتهدين. وما ظهر في نظره لا يكون حجة على غيره. وإذا كان ذلك محتملا، فلا يترك النص الذي لا احتمال فيه، لامر يحتمل. المسألة السابعة خبر الواحد العدل، إذا ثبت أن النبي، (ص)، عمل بخلافه، فلا يرد له الخبر،، إن لم يكن النبي، (ص)، داخلا تحت عمومه، أو كان داخلا تحت عمومه، لكنه قام الدليل على أن ما فعله من خواصه التي لا يشاركه فيها أحد وإن لم يكن من خواصه فيجب العمل بالراجح من الفعل أو الخبر، إن تعذر تخصيص أحدهما بالآخر. وإن عمل بخلافه أكثر الامة، فهبعض الامة، فلا يرد الخبر بذلك إجماعا، وإن خالف باقي الحفاظ للراوي فيما نقله. فالمختار الوقف في ذلك نظرا إلى أن تطرق السهو والخطإ إلى الجماعة، وإن كان أبعد من تطرقه إلى الواحد، غير أن تطرق السهو إلى ما لم يسمع أنه سمع أبعد من تطرق السهو إلى ما سمع أنه لم يسمع.

[ 117 ]

المسألة الثامنة اتفقت الشافعية والحنابلة وأبو يوسف وأبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة، وأكثر الناس على قبول خبر الواحد فيما يوجب الحد، وفي كل ما يسقط بالشبهة، خلافا لابي عبد الله البصري والكرخي. ودليل ذلك أنه يغلب على الظن، فوجب قبوله لقوله، (ص): نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر ولانه حكم يجوز إثباته بالظن، بدليل ثبوته بالشهادة، وبظاهر الكتاب، فجاز إثباته بخبر الواحد كسائر الاحكام الظنية، والمسألة ظنية، فكان الظن كافيا فيها. وسقوطه بالشبهة لو كان، لكان مانعا من الاعمال، والاصل عدم ذلك، وعلى من يدعيه بيانه. فإن قيل: خبر الواحد مما يدخله احتمال الكذب، فكان ذلك شبهة في درء الحد، لقوله، (ص) ادرؤوا الحدود بالشبهات فهو باطل بإثباته بالشهادة، فإنها محتملة للكذب، ومع ذلك يثبت بها.

[ 118 ]

المسألة التاسعة خبر الواحد، إذا خالف القياس، فإما أن يتعارضا من كل وجه بأن يكون أحدهما مثبتا لما نفاه الآخر، أو من وجه دون وجه، بأن يكون أحدهما مخصصا للآخر. فإن كان الاول، فقد قال الشافعي، رضي الله عنه، وأحمد بن حنبل، والكرخي، وكثير من الفقهاء أن الخبر مقدم على القياس. وقال أصحاب مالك: يقدم القياس. وقال عيسى بن أبان: إن كان الراوي ضابطا عالما غير متساهل فيما يرويه، قدم خبره على القياس، وإلا فهو موضع اجتهاد. وفضل أبو الحسين البصري، فقال: علة القياس الجامعة أن تكون منصوصة أو مستنبطة: فإن كانت منصوصة، فالنص عليها إما أن يكون مقطوعا به، أو غير مقطوع: فإن كان مقطوعا به، وتعذر الجمع بينهما، وجب العمل بالعلة، لان النص على العلة كالنص على حكمها، وهو مقطوع به،، وخبر الواحد مظنون، فكانت مقدمة. وإن لم يكن النص على العلة مقطوعا به، ولا حكمها في الاصل مقطوعا به، فيجب الرجوع إلى خبر الواحد لاستواء النصين في الظن، واختصاص خبر الواحد بالدلالة على الحكم بصريحه من غير واسطة، بخلاف النص الدال على العلة فإنه إنما يدل على الحكم بواسطة العلة، وإن كان حكمها ثابتا قطعا فذلك موضع الاجتهاد. وإن كانت العلة مستنبطة فحكم الاصل إما أن يكون ثابتا بخبر واحد أو بدليل مقطوع به: فإن كان ثابتا بخبر واحد فالاخذ بالخبر أولى، وإن كان ثابتا قطعا، قال فينبغي أن يكون هذا موضع الاختلاف بين الناس. ومختاره أنه مجتهد فيه وقال القاضي أبو بكر بالوقف. والمختار في ذلك أن يقال: إما أن يكون متن خبر الواحد قطعيا، أو ظنيا: فإن كان متنه قطعيا، فعلة القياس إما أن تكون منصوصة، أو مستنبطة فإن كانت منصوصة وقلنا إن التنصيص على علة القياس لا يخرجه عن القياس - فالنص

[ 119 ]

الدال عليها إما أن يكون مساويا في الدلالة لخبر الواحد، أو راجحا عليه، أو مرجوحا: فإن كان مساويا فخبر الواحد أولى لدلالته على الحكم من غير واسطة، ودلالة نص العلة على حكمها بواسطة. وإن كان مرجوحا، فخبر الواحد أولى مع دلالته على الحكم من غير واسطة وإن كان راجحا على خبر الواحد، فوجود العلة في الفزع إما أن يكون مقطوعا به أو مظنونا: فإن كان مقطوعا، فالمصير إلى القياس أولى، وإن كان وجودها فيه مظنونا، فالظاهر الوقف، لان نص العلة، وإن كان في دلالته على العلة راجحا، غير أنه إنما يدل على الحكم بواسطة العلة، وخبر الواحد لا بواسطة، فاعتدلا. وأما إن كانت العلة مستنبطة، فالخبر مقدم على القياس مطلقا. ودليله النص، والاجماع، والمعقول. أما النص فما روي عن النبي، (ص)، أنه قال لمعاذ، حيث بعثه إلى اليمن قاضيا بم تحكم ؟ - قال: بكتاب الله - قال: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله - قال: فإن لم تجد ؟ قال أجتهد رأيي، ولا آلو، أخر العمل بالقياس عن السنة من غير تفصيل بين المتواتر والآحاد. والنبي (ص)، أقره على ذلك، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه الله ورسوله. وإما الاجماع، فهو أن عمر، رضي الله عنه ترك القياس في الجنين لخبر حمل بن مالك، وقال: لولا هذا، لقضينا فيه برأينا وأيضا ما روي عنه أنه ترك القياس، في تفريق دية الاصابع على قدر منافعها، بخبر الواحد الذي روى فكل إصبع عشر من الابل، وترك اجتهاده. وأيضا، فإنه ترك اجتهاده في منع ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الواحد، وقال: أعيتهم الاحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا وكان ذلك مشهورا فيما بين الصحابة، ولم ينكر عليه منكر، فصار إجماعا.

[ 120 ]

وأما المعقول، فهو أن خبر الواحد راجح على القياس، وأغلب على الظن، فكان مقدما عليه. وبيان ذلك أن الاجتهاد في الخبر واحتمال الخطإ فيه أقل من القياس، لان خبر الواحد لا يخرج الاجتهاد فيه عن عدالة الراوي، وعن دلالته على الحكم، وعن كونه حجة معمولا بها، فهذه ثلاثة أمور. وأما القياس فإنه إن كان حكم أصله ثابتا بخبر الواحد، فهو مفتقر إلى الاجتهاد في الامور الثلاثة. وبتقدير أن يكون ثابتا بدليل مقطوع به، فيفتقر إلى الاجتهاد في كون الحكم في الاصل مما يمكن تعليله أو لا. وبتقدير إمكان تعليله، فيفتقر إلى الاجتهاد في إظهار وصف صالح للتعليل. وبتقدير ظهور وصف صالح يفتقر إلى الاجتهاد في نفي المعارض له في الاصل. وبتقدير سلامته عن ذلك، يفتقر إلى الاجتهاد في وجوده في الفرع. وبتقدير وجوده فيه، يفتقر إلى الاجتهاد في نفي المعارض في الفرع من وجود مانع أو فوات شرط. وبتقدير انتفاء ذلك، يحتاج إلى النظر في كونه حجة. فهذه سبعة أمور لا بد من النظر فيها. وما يفتقر في دلالته إلى بيان ثلاثة أمور لا غير، فاحتمال الخطا فيه يكون أقل احتمالا من احتمال الخطإ فيما يفتقر في بيانه إلى سبعة أمور. فكان خبر الواحد أولى. وربما قيل في ترجيح خبر الواحد هاهنا وجوه أخر واهية آثرنا الاعراض عن ذكرها، لظهور فسادها بأول نظر. فإن قيل: أما ما ذكرتموه من خبر معاذ، فقد خالفتموه فيما إذا كانت العلة الجامعة في القياس مقطوعا بعليتها وبوجودها في الفرع، كما تقدم. وما ذكرتموه من الاجماع على تقديم خبر الواحد على القياس، فغير مسلم. فإن ابن عباس قد خالف في ذلك حيث إنه لم يقبل خبر أبي هريرة فيما رواه عن النبي (ص) من قوله: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا لكونه مخالفا للقياس. وأيضا فإنه رد خبر أبي هريرة في التوضي مما مست النار بالقياس وقال: ألسنا نتوضأ بماء الحميم، فكيف نتوضأ بما عنه نتوضأ ؟.

[ 121 ]

وأما ما ذكرتموه من الترجيح، فهو معارض لما يتطرق إلى الخبر من احتمال كذب الراوي، وأن يكون في نفسه كافرا أو فاسقا أو مخطئا. واحتمال الاجمال في دلالة الخبر والتجوز والاضمار والنسخ، وكل ذلك غير متطرق إلى القياس. وأيضا، فإن القياس يجوز به تخصيص عموم الكتاب، وهو أقوى من خبر الواحد، فكان ترك خبر الواحد بالقياس أولى، وأيضا، فإن الظن بالقياس يحصل للمجتهد من جهة نفسه واجتهاده، والظن الحاصل من خبر الواحد يحصل له من جهة غيره. وثقة الانسان بنفسه أتم من ثقته بغيره. وأيضا، فإن خبر الواحد، بتقدير إكذاب المخبر لنفسه، يخرج الخبر عن كونه شرعيا، ولا كذلك القياس. والجواب: قولهم إنكم خالفتم خبر معاذ، قلنا: غايته أنا خصصناه في صورة لمعنى لم يوجد فيما نحن فيه، فبقينا عاملين بعمومه فيما عدا تلك الصورة. قولهم إن ابن عباس قد رد خبر أبي هريرة بالقياس فيما ذكروه، ليس كذلك. أما رده لخبر غسل اليدين، فإنما يمكن الاحتجاج به، أن لو كان قد رده لمخالفة القياس المقتضي لجواز غسل اليدين من ذلك الاناء، وليس كذلك. أما أولا، فلانا لا نسلم وجود القياس المقتضي لذلك. وبتقدير تسليمه، فهو إنما رده لا للقياس، بل لانه لا يمكن الاخذ به. ولهذا قال ابن عباس: فماذا تصنع بالمهراس. والمهراس كان حجرا عظيما يصب فيه الماء لاجل الوضوء. فاستبعد الاخذ بالخبر لاستبعاده صب الماء من المهراس على اليد. وقد وافق ابن عباس على ما تخيله من الاستبعاد عائشة حيث قالت: رحم الله أبا هريرة لقد كان رجلا مهذارا، فماذا يصنع بالمهراس ؟. وأما تركه لخبر التوضي مما مست النار، فلم يكن بالقياس، بل بما روي عن النبي، (ص)، أنه أكل كتف شاة مصلية، وصلى، ولم يتوضأ. ثم ذكر القياس بعد معارضته بالخبر.

[ 122 ]

وأما ما ذكروه من ترجيحات القياس على خبر الواحد فمندفعة. أما تطرق احتمال الكذب والكفر والفسق والخطإ إلى الراوي، وإن كان منقدحا، فمثله متطرق إلى دليل حكم الاصل، إذا كان ثابتا بخبر الواحد. وهو من جملة صور النزاع. وبتقدير ثبوته بدليل مقطوع به، فلا يخفى أن تطرق ذلك إلى من ظهرت عدالته وإسلامه أبعد من تطرق الخطإ إلى القياس في اجتهاده فيما ذكرناه من احتمالات الخطإ في القياس، لكونه معاقبا على الكذب والكفر والفسق، بخلاف الخطإ في الاجتهاد، فإنه غير معاقب عليه، بل مثاب. وما ذكروه من تطرق التجوز والاشتراك والنسخ إلى خبر الواحد، فذلك مما لا يوجب ترجيح القياس عليه، بدليل الظاهر من الكتاب والسنة المتواترة. فإن جميع ذلك متطرق إليه، وهو مقدم على القياس. قولهم إن القياس يجوز تخصيص عموم الكتاب به، قلنا: وكذلك خبر الواحد، فلا ترجيح من هذه الجهة. كيف وإنه لا يلزم من تخصيص الكتاب بالقياس، مع أنه غير معطل للكتاب، أن يكون معطلا لخبر الواحد بالكلية، إذ الكلام مفروض فيما إذا تعارضا وتعذر الجمع بينهما وقولهم إن الظن من القياس يحصل له من جهة نفسه، بخلاف خبر الواحد، قلنا: إلا أن تطرق الخطإ إليه أقرب من تطرقه إلى خبر الواحد لما سبق تقريره. وقولهم إن الخبر يخرج عن كونه شرعيا بإكذاب المخبر لنفسه بخلاف القياس. قلنا: وبتقدير الخطإ في القياس يخرج عن كونه قياسيا شرعيا، فاستويا. كيف وإن الترجيح للخبر من جهات أخرى غير ما ذكرناها أولا، وهو أنه مستند إلى كلام المعصوم، بخلاف القياس، فإنه مستند إلى اجتهاد المجتهد، وهو غير معصوم. وأيضا، فإن القياس مفتقر إلى جنس النص في إثبات حكم الاصل، وفي كونه حجة، وخبر الواحد غير مفتقر الى شرف القياس. وايضا فان خبر الواحد يصير قطعيا بما يعتضد بمن جنسه حتى يصير متواترا. ولا كذلك القياس، فإنه لا ينتهي إلى القطع بما يعتضد به من جنس الاقيسة أصلا، فكان أولى.

[ 123 ]

هذا كله فيما إذا تعارضا، وتعذر الجمع بينهما. وأما إن كان أحدهما أعم من الآخر، فإن كان الخبر هو الاعم، جاز أن يكون القياس مخصصا له، على ما سيأتي في تخصيص العموم. وإن كان القياس أعم من خبر الواحد، فإن قلنا: إن العلة لا تبطل بتقدير تخصيصها، وجب العمل بخبر الواحد فيما دل عليه، وبالقياس فيما عدا ذلك جمعا بينهما. وإن قلنا بأن العلة تبطل بتقدير تخصيصها، فالحكم فيها على ما عرف فيما إذا تعذر الجمع بين القياس وخبر الواحد. المسألة العاشرة. اختلفوا في قبول الخبر المرسل، وصورته، ما إذا قال من لم يلق النبي، (ص)، وكان عدلا قال رسول الله فقبله أبو حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل في أشهر الروايتين عنه، وجماهير المعتزلة، كأبي هاشم. وفصل عيسى بن أبان، فقبل مراسيل الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، ومن هو من أئمة النقل مطلقا، دون من عدا هؤلاء. وأما الشافعي، رضي الله عنه، فإنه قال: إن كان المرسل من مراسيل الصحابة أو مرسلا قد أسنده غير مرسله أو أرسله راو آخر يروي عن غير شيوخ الاول، أو عضده قول صحابي، أو قول أكثر أهل العلم، أو أن يكون المرسل قد عرف من حاله أنه لا يرسل عمن فيه علة من جهالة أو غيرها، كمراسيل ابن المسيب، فهو مقبول، وإلا فلا. ووافقه على ذلك أكثر أصحابه، والقاضي أبو بكر وجماعة من الفقهاء. والمختار قبول مراسيل العدل مطلقا. ودليله الاجماع، والمعقول. أما الاجماع فهو أن الصحابة والتابعين أجمعوا على قبول المراسيل من العدل:

[ 124 ]

أما الصحابة فإنهم قبلوا أخبار عبد الله بن عباس، مع كثرة روايته. وقد قيل إنه لم يسمع من رسول الله (ص). سوى أربعة أحاديث، لصغر سنه. ولما روى عن النبي، (ص)، إنما الربا في النسيئة، وأن النبي، (ص)، لم يزل يلبي حتى رمى حجر العقبة. قال في الخبر الاول، لما روجع فيه: أخبرني به أسامة بن زيد. وقال في الخبر الثاني: أخبرني به أخي الفضل بن عباس. وأيضا ما روى ابن عمر، عن النبي، (ص)، أنه قال: من صلى على جنازة، فله قيراط وأسنده بعد ذلك إلى أبي هريرة. وأيضا ما روى أبو هريرة عن النبي (ص)، أنه قال من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم له وقال: ما أنا قلته، ورب الكعبة ولكن محمد قاله فلما روجع فيه، قال: حدثني به الفضل بن عباس. وأيضا ما روي عن البراء بن عازب أنه قال: ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله، (ص)، ولكن سمعنا بعضه، وحدثنا أصحابنا ببعضه. وأما التابعون فقد كان من عادتهم إرسال الاخبار. ويدل على ذلك ما روي عن الاعمش أنه قال: قلت لابراهيم النخعي إذا حدثتني فأسند. فقال: إذا قلت لك حدثني فلان عن عبد الله، فهو الذي حدثني، وإذا قلت لك: حدثني عبد الله، فقد حدثني جماعة عنه. وأيضا ما روي عن الحسن أنه روى حديثا، فلما روجع فيه قال أخبرني به سبعون بدريا، ويدل على ذلك ما اشتهر من إرسال ابن المسيب والشعبي وغيرهما. ولم يزل ذلك مشهورا فيما بين الصحابة والتابعين من غير نكير. فكان إجماعا.

[ 125 ]

وأما المعقول فهو أن العدل الثقة إذا قال: قال رسول الله، (ص)، كذا، مظهرا للجزم بذلك، فالظاهر من حاله أنه لا يستجيز ذلك إلا وهو عالم أو ظان أن النبي، (ص)، قال ذلك. فإنه لو كان ظانا أن النبي، (ص)، لم يقله، أو كان شاكا فيه، لما استجاز في دينه النقل الجازم عنه، لما فيه من الكذب والتدليس على المستمعين. وذلك يستلزم تعديل من روى عنه. وإلا لما كان عالما ولا ظانا بصدقه في خبره. فإن قيل: لا نسلم الاجماع، ودليله من جهة الاجمال والتفصيل: أما الاجمال فهو أن المسألة اجتهادية، والاجماع قاطع، فلا يساعد في مسائل الاجتهاد. وأما من جهة التفصيل فهو أن غاية ما ذكر مصير بعض الصحابة أو التابعين إلى الارسال، وليس في ذلك ما يدل على إجماع الكل. قولكم: لم ينكر ذلك منكر لا نسلم ذلك. ولهذا، باحثوا ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة في ذلك، حتى أسند كل واحد ما أخبر به. وقال ابن سيرين: لا نأخذ بمراسيل الحسن وأبي العالية. وإن سلمنا عدم النكير فغايته أنهم سكتوا. والسكوت لا يدل على الموافقة، لما سبق تقريره في مسائل الاجماع. سلمنا الموافقة، غير أن الارسال المحتج بوقوعه، إنما وقع من الصحابة والتابعين. ونحن نقول بذلك، لان الصحابي والتابعي إنما يروي عن الصحابي، والصحابة عدول على ما سبق تحقيقه.

[ 126 ]

وأما ما ذكرتموه من المعقول فلا نسلم أن قول الراوي قال رسول الله تعديل للمروي عنه، وذلك لانه قد يروي الشخص عمن لو سئل عنه، لجرحه، أو توقف فيه، فالراوي ساكت عن التعديل والجرح، والسكوت عن الجرح لا يكون تعديلا، وإلا كان السكوت عن التعديل جرحا. ولهذا، فإن شاهد الفرع لو أرسل شهادة الاصل، فإنه لا يكون تعديلا لشاهد الاصل لما ذكرناه. قولكم: لو لم يكن ظانا لعدالة المروي عنه، أو عالما بها، لما جاز له أن يجزم بالرواية عن النبي، (ص)، قلنا: قد بينا إمكان الرواية عن الكاذب والجزم بالرواية عن النبي (ص)، مع تجويز كذ ب الراوي، وذلك قادح في الرواية عن النبي (ص). وإذا تعذر الجزم، فليس حمل قوله (قال) على معنى (أظن أنه قال) أولى من حمله على (أني سمعت أنه قال) ولو حمل على (أني سمعت أنه قال) لم يكن ذلك تعديلا، وعلى هذا فلا يكون بروايته مدلسا ولا ملبسا. سلمنا أن الارسال تعديل للمروي عنه، ولكن لا نسلم أن مطلق التعديل مع قطع النظر عن ذكر أسباب العدالة كاف في التعديل، كما سبق. سلمنا أن مطلق التعديل كاف، لكن إذا عين المروي عنه ولم يعرف بفسق. وأما إذا لم يعينه، فلعله اعتقده عدلا في نظره، ولو عينه لعرفنا فيه فسقا لم يطلع المعدل عليه. ولهذا لم يقبل تعديل شاهد الفرع لشاهد الاصل مع عدم تعيينه. سلمنا دلالة ما ذكرتموه على التعديل، لكنه معارض بما يدل على عدم التعديل، وبيانه من ستة أوجه. الاول: أن الجهالة بعين الراوي آكد من الجهل بصفته وذلك لان من جهلت ذاته فقد جهلت صفته، ولا كذلك بالعكس. ولو كان معلوم العين، مجهول الصفة، لم يكن خبره مقبولا، فإذا كان مجهول العين والصفة، أولى أن لا يكون خبره مقبولا. الثاني: أن من شرط قبول الرواية المعرفة بعدالة الراوي، والمرسل لا يعرف عدالة الراوي له،، فلا يكون خبره مقبولا لفوات الشرط. الثالث: هو أن الخبر كالشهادة في اعتبار العدالة. وقد ثبت أن الارسال في الشهادة مانع من قبولها، فكذلك الخبر.

[ 127 ]

الرابع: أنه لو جاز العمل بالمراسيل، لم يكن لذكر أسماء الرواة والبحث عن عدالتهم معنى. الخامس: أنه لو وجب العمل بالمراسيل لزم في عصرنا هذا أن يعمل بقول الانسان: قال رسول الله، (ص): كذا وإن لم يذكر الرواة، وهو ممتنع. السادس: أن الخبر خبران، تواتر وآحاد. ولو قال الراوي أخبرني من لا أحصيهم عددا لا يقبل قوله في التواتر. فكذلك في الآحاد. والجواب قولهم: الاجماع لا يساعد في مسائل الاجتهاد، قلنا: الذي لا يساعد إنما هو الاجماع القاطع في متنه وسنده، وما ذكرناه من الاجماع السكوتي فظني، فلا يمتنع التمسك به في مسائل الاجتهاد، كالظاهر من الكتاب والسنة. قولهم: لا نسلم عدم الانكار، قلنا: الاصل عدمه. قولهم: إنهم باحثوا ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة، قلنا: المراجعة في ذلك لا تدل على إنكار الارسال، بل غايته طلب زيادة علم لم تكن حاصلة بالارسال، وقول ابن سيرين ليس إنكارا للارسال مطلقا، بل إرسال الحسن وأبي العالية لا غير لظنه أنهما لم يلتزما في ذلك تعديل المروي عنه. ولهذا قال فإنهما لا يباليان عمن أخذا الحديث منه، لا على الارسال. قولهم: السكوت لا يدل على الموافقة، قلنا: وإن لم يدل عليها قطعا، فهو دليل عليها ظنا، كما سبق تقريره في الاجماع. قولهم: نحن لا ننكر أن إرسال الصحابة والتابعين حجة، قلنا: إنما يصح ذلك، أن لو كانوا لا يروون إلا عن الصحابي العدل، وليس كذلك. ولهذا قال الزهري بعد الارسال: حدثني به رجل على باب عبد الملك. وقال عروة بن الزبير فيما أرسله: حدثني به بعض الحرسية.

[ 128 ]

قولهم: لا نسلم أن قول الراوي قال رسول الله تعديل للمروي عنه، قلنا: دليله ما سبق. قولهم إن الراوي قد يروي عمن لو سئل عنه لجرحه أو عدله، قلنا: ذلك إنما يكون فيما إذا كان قد عين الراوي ووكل النظر فيه إلى المجتهدين، ولم يجزم بأن النبي، (ص)، قال كذا، بل غايته أنه قال: قال فلان إن النبي، (ص) قال كذا، وأما إذا لم يعين، فالظاهر أنه لا يجزم بقوله: قال النبي (ص) إلا وقد علم أو ظن عدالة الراوي على ما سبق. وأما إرسال الشهادة فلا يلزم من عدم قبولها عدم قبول الارسال في الرواية، لان الشهادة قد اعتبر فيها من الاحتياط ما لم يعتبر في الرواية، كما سبق تقريره. قولهم: إن الجزم مع تجويز كذب من روي عنه كذب، قلنا: إنما يكون كذبا، إن لو ظن أو علم أنه كاذب. وأما إذا قال ذلك مع ظن الصدق، فلا يكون كاذبا، وإن احتمل في نفس الامر أن يكون المروي عنه كاذبا، كما لو قال: قال رسول الله، ص)، مع العنعنة. قولهم: سلمنا أن الارسال من الراوي تعديل للمروي عنه، لكنه تعديل مطلق، فلا يكون حجة موجبة للعمل به على الغير، قلنا: قد بينا أن التعديل المطلق دون تعيين سببه، كاف فيما تقدم. قولهم: لعله اعتقده عدلا، ولو عينه لعرفنا فيه فسقا لم يعرفه المعدل، قلنا: وإن كان ذلك محتملا، غير أن الظاهر عدمه، ولا سيما مع تعديل العدل العالم بأحوال الجرح والتعديل، وعدم الظفر بما يوجب الجرح. وأما اعتبار الرواية بالشهادة، فقد عرف وجه الفارق فيهما. وما ذكروه من المعارضة الاولى، فإنما يصح أن لو كان يلزم من الجهل بعين الراوي، الجهل بصفته مطلقا، وليس كذلك مما بيناه من أن الارسال يدل على تعديله من جهة الجملة، وإن جهلت عينه

[ 129 ]

وبهذا يبطل ما ذكروه من المعارضة الثانية. وأما المعارضة الثالثة، فقد عرف جوابها بالفرق بين الرواية والشهادة. وأما المعارضة الرابعة فجوابها ببيان فائدة ذكر الراوي، وذلك من وجهين: الاول: أن الراوي قد يشتبه عليه حال المروي عنه فيعينه ليكل النظر في أمره إلى المجتهد، بخلاف ما إذا أرسل. الثاني: أنه إذا عين الراوي، فالظن الحاصل للمجتهد بفحصه بنفسه عن حاله يكون أقوى من الظن الحاصل له بفحص غيره. وأما المعارضة الخامسة فمندفعة أيضا، فإنه مهما كان المرسل للخبر في زماننا عدلا، ولم يكذبه الحفاظ، فهو حجة. وأما المعارضة السادسة، فإنما لم يصر الخبر بقول الواحد متواترا، لان المتواتر يشترط فيه استواء طرفيه ووسطه، والواحد ليس كذلك، فلا يحصل بخبره التواتر. وإذا عرف أن المرسل مقبول من العدل، فمن لم يقل به كالشافعي، فقد قيل إنه لا معنى لقوله إنه يكون مقبولا إذا أسنده غير المرسل، أو أسنده المرسل مرة، لان الاعتماد في ذلك إنما هو على الاسناد، لا على الارسال، ولا معنى لقوله: إنه يكون مقبولا إذا أرسله اثنان، وكانت مشايخهما مختلفة، لان ضم الباطل إلى الباطل غير موجب للقبول، وليس بحق، لان الظن الحاصل بصدق الراوي من الارسال مع هذه الامور أقوى منه عند عدمها وعلى هذا، فلا يلزم من عدم الاحتجاج بأضعف الظنين عدم الاحتجاج بأقواهما. وإذا عرف الخبر المقبول، وغير المقبول فإذا تعارض خبران مقبولان، فالعمل بأحدهما متوقف على الترجيح، وسيأتي في قاعدة الترجيحات، بأقصى الممكن إن شاء الله تعالى.

[ 130 ]

النوع الثاني - فيما يتعلق بالنظر في المتن وفيه بابان أولهما: فيما يشترك فيه الكتاب، والسنة والاجماع. وثانيهما فيما يشترك فيه الكتاب والسنة، دون ما عداهما من الادلة. الباب الاول فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والاجماع وكل واحد من هذه الاصول الثلاثة إما أن يدل على المطلوب بمنظومه، أو لا بمنظومه. فلنفرض في كل واحد منهما قسما. القسم الاول في دلالات المنظوم، وهي تسعة أصناف الصنف الاول - في الامر وفيه أربعة أبحاث أولهما فيما يدل اسم الامر عليه حقيقة. وثانيهما في حد الامر الحقيقي. وثالثها في صيغة الامر الدالة عليه. ورابعها في مقتضاه. البحث الاول: فيما يطلق عليه اسم الامر حقيقة. فنقول اتفق الاصوليون على أن اسم الامر، حقيقة في القول المخصوص، وهو قسم من أقسام الكلام. ولذلك قسمت العرب الكلام إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار، ووعد ووعيد ونداء. وسواء قلنا إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، أو العبارة الدالة بالوضع والاصطلاح، على اختلاف المذاهب، والكلام القديم النفساني عندنا، وإن كان صفة واحدة لا تعدد فيه في ذاته، غير أنه يسمى أمرا

[ 131 ]

ونهيا وخبرا إلى غير ذلك من أقسام الكلام، بسبب اختلاف تعلقاته، ومتعلقاته، كما سبق تقريره في أبكار الافكار فلا يمتنع أن يكون الامر قسما من أقسامه بهذا التفسير. وإنما وقع الخلاف بينهم في إطلاق اسم الامر على الفعل: هل هو حقيقة أو لا ؟ والاكثرون على أنه مجاز. واختيار أبي الحسين البصري أنه مشترك بين الشئ والصفة، وبين جملة الشأن والطرائق، ووافق على أنه ليس حقيقة في نفس الفعل، من حيث هو فعل، بل من حيث هو شئ. وها نحن نذكر حجج كل فريق وننبه على ما فيها، ونذكر بعد ذلك ما هو المختار. أما حجة أبي الحسين البصري، على ما ذهب إليه، أن الانسان إذا قال هذا أمر لم يدر السامع مراده من قوله إلا بقرينة وهو غير صحيح، لكونه مصادرا بدعوى التردد في إطلاق اسم الامر. ولا يخفى ظهور المنع من مدعي الحقيقة في القول المخصوص، وأنه مهما أطلق اسم الامر عنده، كان المتبادر إلى فهمه القول المخصوص، وأنه لا ينصرف إلى غيره إلا بقرينة ولا يخفى امتناع تقرير التردد مع هذا المنع. وأما حجج القائلين بكونه مجازا في الفعل فكثيرة. الاولى: منها، أنه لو كان حقيقة في الفعل مع كونه حقيقة في القول لزم منه الاشتراك في اللفظ، وهو خلاف الاصل، لكونه مخلا بالتفاهم لاحتياجه في فهم المدلول المعين منه إلى قرينة. وعلى تقدير خفائها، لا يحصل المقصود من الكلام. الثانية: أنه لو كان حقيقة في الفعل لا طرد في كل فعل، إذ هو لازم الحقيقة. ولهذا، فإنه لما كان إطلاق اسم العالم على من قام به العلم حقيقة، اطرد في كل من قام به العلم، ولما كان قوله: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82) مجازا عن أهلها، لما بينهما من المجاورة، لم يصح التجوز بلفظ السؤال للبساط والكوز عن صاحبه، وإن كانت الملازمة بينهما أشد، وهو غير مطرد، إذ لا يقال للاكل والشرب أمر. الثالثة: أنه لو كان حقيقة في الفعل، لاشتق لمن قام به منه اسم الامر، كما في القول المخصوص، إذ هو الاصل، إلا أن يمنع مانع من جهة أهل اللغة،

[ 132 ]

كما اشتقوا اسم القارورة للزجاجة المخصوصة، من قرار المائع فيها، ومنعوا من ذلك في الجرة والكوز ولم يرد مثله فيما نحن فيه. الرابعة: أن جمع الامر الحقيقي في القول المخصوص بأوامر، وهو لازم له لنفس الامر لا للمسمى، وهو غير متحقق في الفعل، بل إن جمع فإنما يجمع بأمور. الخامسة: أن الامر الحقيقي له متعلق وهو المأمور، وهو غير متحقق في الفعل، فإنه، وإن سمي أمرا، فلا يقال له مأمور. ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم. السادسة: أن من لوازم الامر الحقيقي وصفه بكونه مطاعا أو مخالفا، ولا كذلك الفعل. وفي هذه الحجج نظر: أما الاولى فلقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من كونه حقيقة في الفعل، أن يكون مشتركا إذا أمكن أن يكون حقيقة فيهما، باعتبار معنى مشترك بين القول المخصوص، والفعل، فيكون متواطئا. فإن قيل: الاصل عدم ذلك المسمى المشترك، فلا تواطؤ، قيل: لاخفاء باشتراكهما في صفات، وافتراقهما في صفات فأمكن أن يكون بعض الصفات المشتركة هو المسمى كيف وإن الاصل أن لا يكون اللفظ مشتركا ولا مجازا، لما فيه من الافتقار إلى القرينة المخلة بالتفاهم. وليس أحد الامرين أولى من الآخر. فإن قيل: ما وقع به الاشتراك لا يخرج عن الموجود والصفة والشيئية وغير ذلك، وأي أمر قدر الاشتراك فيه، فهو متحقق في النهي وسائر أقسام الكلام، ولا يسمى أمرا والقول بأنه متواطئ ممتنع. كيف وإن القائل قائلان: قائل إنه مشترك وقائل إنه مجاز في الفعل. فإحداث قول ثالث يكون خرقا للاجماع، وهو ممتنع.

[ 133 ]

قلنا: أما الاول، فغير صحيح، وذلك أن مسمى اسم الامر إنما هو الشأن والصفة، وكل ما صدق عليه ذلك، كان نهيا أو غيره ؟ فإنه يسمى أمرا حقيقة. وعلى هذا فقد اندفع ما ذكروه من خرق الاجماع فإن ما ذكرناه من جعل الشأن والصفة مدلولا لاسم الامر، فمن جملة ما قيل وإن سلمنا أن ذلك يفضي إلى الاشتراك، ولكن لم قيل بامتناعه. والقول بأنه مجاز مخل بالتفاهم، لافتقاره إلى القرينة، وإنما يصح أن لو لم يكن اللفظ المشترك عند إطلاقه محمولا على جميع محامله، وليس كذلك على ما سيأتي تقديره في مذهب الشافعي والقاضي أبي بكر، سلمنا أنه خلاف الاصل، غير أن التجوز أيضا خلاف الاصل، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. فإن قيل: إلا أن محذور الاشتراك أعظم من محذور التجوز، فكان المجاز أولى، وبيانه من جهة الاجمال، والتفصيل: أما الاجمال فهو أن المجاز أغلب في لغة العرب من الاشتراك، ولولا أنه أوفى بتحصيل مقصود الوضع، لما كان كذلك وأما التفصيل فمن وجهين: الاول: أن المحذور اللازم من الاشتراك بافتقاره إلى القرينة لازم له أبدا، بخلاف المجاز، فإن المحذور إنما يلزمه بتقدير إرادة جهة المجاز، وهو احتمال نادر، إذ الغالب إنما هو إرادة جهة الحقيقة. الثاني: أن المحذور لازم في المشترك في كل محمل من محامله، لافتقاره إلى القرينة في كل واحد منها، بخلاف المجاز، فإنه إنما يفتقر إلى القرينة بتقدير إرادة جهة المجاز، لا بتقدير إرادة جهة الحقيقة. قيل هذا معارض من عشرة أوجه:

[ 134 ]

الاول: أن المشترك، لكونه حقيقة في كل واحد من مسمياته مما يطرد، بخلاف المجاز كما سبق، وما يطرد أولى لقلة اضطرابه. الثاني: أنه يصح منه الاشتقاق، لكونه حقيقة بخلاف المجاز، فكان أوسع في اللغة، وأكثر فائدة. الثالث: أنه لكونه حقيقيا، مما يصح التجوز به في غير محله الحقيقي، بخلاف المجاز، فكان أولى لكثرة فائدته. الرابع: أنه، وإن افتقر إلى قرينة، لكن يكفي أن يكون أدنى ما يغلب على الظن، بخلاف المجاز، لافتقاره إلى قرينة مغلبة على الظن، وأن تكون راجحة على جهة ظهور اللفظ في حقيقته، فكان تمكن الخلل منه لذلك أكثر. الخامس: أن المجاز لا بد فيه من علاقة بينه وبين محل الحقيقة تكون مصححة للتجوز باللفظ، على ما سلف، بخلاف المشترك. السادس: أن المجاز لا يتم فهمه دون فهم محل الحقيقة، ضرورة كونه مستعارا منه. وفهم كل واحد من مدلولات اللفظ المشترك غير متوقف على فهم غيره، فكان أولى. السابع: أن المجاز متوقف على تصرف من قبلنا في تحقيق العلاقة التي هي شرط في التجوز، وربما وقع الخطأ فيه، بخلاف اللفظ المشترك. الثامن: أنه يلزم من العمل باللفظ في جهة المجاز مخالفة الظهور في جهة الحقيقة، بخلاف اللفظ المشترك إذ لا يلزم من العمل به في أحد مدلوليه مخالفة ظاهر أصلا. التاسع: أن المجاز تابع للحقيقة ولا عكس، فكان المشترك أولى. العاشر: أن السامع للمجاز بتقدير عدم معرفته بالقرينة الصارفة إلى المجاز، إذا كان هو مراد المتكلم فقد يبادر إلى العمل بالحقيقة، ويلزم منه ترك المراد وفعل ما ليس بمراد، بخلاف المشترك، فإنه بتقدير عدم ظهور القرينة مطلقا، لا يفعل شيئا، فلا يلزم سوى عدم المقصود. فإن قيل إلا أن المجاز يتعلق به فوائد، فإنه ربما كان أبلغ وأوجز وأوقف في بديع الكلام ونظمه ونثره للسجع والمطابقة والمجانسة واتحاد الروي في الشعر، إلى غير ذلك.

[ 135 ]

قلنا: ومثل هذا الاحتمال أيضا منقدح في اللفظ المشترك مع كونه حقيقة، فكان اللفظ المشترك أولى. وإن لم يكن أولى فلا أقل من المساواة، وهي كافية في مقام المعارضة. وأما الحجة الثانية: فلا نسلم امتناع إطلاق الامر على الاكل والشرب، وإن سلم ذلك، فعدم اطراده في كل فعل ان كان مما يمنع من كونه حقيقة في بعض الأفعال فعدم اطراده في كل قول مما يمنع من كونه حقيقة في القول المخصوص، وهو غير مطرد في كل قول على ما لا يخفى. وإن كان لا يمنع من ذلك في القول فكذلك في الفعل. فإن قيل: إنما يجب اطراد الاسم في المعنى الذي كان الاسم حقيقة فيه، لا في غيره، والامر إنما كان حقيقة في القول المخصوص، في مطلق قول، وذلك مطرد في ذلك القول، فمثله لازم في الافعال إذ للخصم أن يقول: إنما هو حقيقة في بعض الافعال، لا في كل فعل. وأما الحجة الثالثة أنه لو كان الاصل في الحقائق الاشتقاق لكان المنع من اشتقاق اسم القارورة للجرة والكوز من قرار المائع فيها على خلاف الاصل. فإن قيل: ولو لم يكن على وفق الاصل لكان الاشتقاق في صور الاشتقاق على خلاف الاصل، والمحذور اللازم منه أكثر لان صور الاشتقاق أغلب وأكثر من صور عدم الاشتقاق. قيل: لا يلزم من عدم الاصالة في الاشتقاق أن يكون الاشتقاق على خلاف الاصل لجواز أن يكون الاشتقاق وعدمه لا على وفق أصل فيقتضيه، بل هما تابعان للنقل والوضع. كيف وإنه إذا جاز أن يكون الاشتقاق من توابع الحقيقة جاز أن يكون من توابع بعض المسميات، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. وعلى هذا، فلا يلزم من الاشتقاق في بعض المسميات الاشتقاق في غيره، لعدم الاشتراك في ذلك المسمى.

[ 136 ]

وبهذا يندفع ما ذكروه من الحجة الرابعة والخامسة والسادسة. كيف وقد قيل في الحجة الرابعة إن (أوامر) ليست جمع (أمر) بل جمع (إمرة) وأما القائلون بكونه مشتركا بين القول المخصوص والفعل فقد احتجوا بثلاث حجج. الاولى: أن المسمى في نفسه مختلف، وكما قد أطلق اسم الامر على القول المخصوص، فقد أطلق على الفعل. والاصل في الاطلاق الحقيقة. ويدل على الاطلاق قول العرب: أمر فلان مستقيم، أي عمله. وإليه الاشارة بقوله تعالى: * (وما أمرنا إلا واحدة) * (54) القمر: 50) أي فعلنا * (وما أمر فرعون برشيد) * (11) هود: 97). الحجة الثانية: أن اسم الامر في الفعل قد جمع بأمور، والجمع علامة الحقيقة. الحجة الثالثة: أنه لو كان اسم الامر في الفعل مجازا لم يخل إما أن يكون مجازا بالزيادة أو بالنقصان، أو لمشابهته لمحل الحقيقة أو لمجاور له، أو لانه كان عليه، أو سيؤول إليه، ولم يتحقق شئ من ذلك في الفعل. وإذا لم يكن مجازا كان حقيقة. وهذه الحجج ضعيفة أيضا. أما الحجة الاولى فلقائل أن يقول لا نسلم صحة إطلاق اسم الامر على الفعل. وقولهم: أمر فلان مستقيم ليس مسماه الفعل، بل شأنه وصفته وهو المراد من قوله تعالى: * (وما أمرنا إلا واحدة) * (54) القمر: 50) ومن قوله: * (وما أمر فرعون برشيد) * (11) هود: 97) وأما الحجة الثانية، فلا نسلم أن الجمع دليل الحقيقة، بدليل قولهم في جمع من سمي (حمارا) لبلادته (حمر) وهو مجاز. وإن سلمنا بأن الجمع يدل على الحقيقة، ولكن لا نسلم أن (أمور) جمع (أمر) بل الامر والامور كل واحد منهما يقع موقع الآخر وليس أحدهما جمعا للآخر. ولهذا يقال أمر فلان مستقيم فيفهم منه ما يفهم من قولهم أمور فلان مستقيمة. وأما الحجة الثالثة: فهو أنه لا يلزم من كون الامر ليس مجازا في الفعل أن يكون حقيقة فيه، من حيث هو فعل وإنما هو حقيقة فيه من جهة ما اشتمل عليه من معنى الشأن والصفة كما سبق.

[ 137 ]

وعلى هذا، فالمختار إنما هو كون الاسم اسم الامر متواطئا في القول المخصوص والفعل، لا أنه مشترك، ولا مجاز في أحدهما. البحث الثاني: في حد الامر. وقد اختلفت المعتزلة فيه بناء على إنكارهم لكلام النفس: فذهب البلخي وأكثر المعتزلة إلى أن الامر هو قول القائل لمن دونه افعل أو ما يقوم مقامه. وأراد بقوله (يقوم مقامه) أي في الدلالة على مدلوله، وقصد بذلك إدراج صيغة الامر من غير العربي في الحد. وهو فاسد من ثلاثة أوجه: الاول: أن مثل ذلك قد يوجد فيما ليس بأمر بالاتفاق، كالتهديد في قوله تعالى: * (اعملوا ما شئتم) * (41) فصلت: 40) والاباحة في قوله: * (وإذا حللتم فاصطادوا) * (5) المائدة: 2) والارشاد في قوله: * (فاستشهدوا) * (6) النساء: 15) والامتنان كقوله: * (كلوا مما رزقكم الله) * (6) الانعام: 142) والاكرام كقوله * (ادخلوها بسلام آمنين) * (15) الحجر: 46) والتسخير، والتعجيز، إلى غير ذلك من المحامل التي يأتي ذكرها. الثاني: أنه يلزم من ذلك أن تكون صيغة افعل الواردة من النبي (ص)، نحونا، أمرا حقيقة لتحقق ما ذكروه من شروط الامر فيها. ويلزم من ذلك أن يكون هو الآمر لنا بها، ويخرج بذلك عن كونه رسولا، لانه لا معنى للرسول غير المبلغ لكلام المرسل، لا أن يكون هو الآمر والناهي، كالسيد إذا أمر عبده وسواء كانت صيغته مخلوقة له، كما هو مذهبهم، أو لله تعالى، كما هو مذهبنا. الثالث: أنه قد يرد مثل هذه الصيغة من الاعلى نحو الادنى ولا يكون أمرا، بأن يكون ذلك على سبيل التضرع والخضوع وقد يرد من الادنى نحو الاعلى، ويكون أمرا، إذا كانت على سبيل الاستعلاء، لا على سبيل الخضوع والتذلل، ولذلك يوصف قائلها بالجهل والحمق بأمره لمن هو أعلى رتبة منه. ومنهم من قال: الامر صيغة افعل على تجردها من القرائن الصارفة لها عن جهة الامر إلى التهديد، وما عداه من المحامل.

[ 138 ]

وهو أيضا فاسد من حيث إنه أخذ الامر في تعريف الامر وتعريف الشئ بنفسه محال. وإن اقتصروا في التحديد على القول بأن الامر صيغة افعل المجردة عن القرائن لا غير، وزعموا أن صيغة افعل فيما ليس بأمر لا تكون مجردة عن القرائن، فليس ما ذكروه أولى من قول القائل: التهديد عبارة عن صيغة افعل المجردة عن القرائن، إلا أن يدل عليه دليل من جهة السمع، وهو غير متحقق. ومنهم من قال: الامر صيغة افعل بشرط إرادات ثلاث إرادة إحداث الصيغة، وإرادة الدلالة بها على الامر، وإرادة الامتثال: فإرادة إحداث الصيغة، احتراز عن النائم إذا وجدت هذه الصيغة منه، وإرادة الدلالة بها على الامر احتراز عما إذا أريد بها التهديد أو ما سواه من المحامل، وإرادة الامتثال احتراز عن الرسول الحاكي المبلغ، فإنه، وإن أراد إحداث الصيغة والدلالة بها على الامر، فقد لا يريد بها الامتثال. وهو أيضا فاسد من وجهين: الاول: أنه أخذ الامر في حد الامر، وتعريف الشئ بنفسه محال ممتنع الثاني: هو أن الامر الذي هو مدلول الصيغة إما أن يكون هو الصيغة، أو غير الصيغة: فإن كان هو نفس الصيغة، كان الكلام متهافتا من حيث إن حاصله يرجع إلى أن الصيغة، دالة على الصيغة، والدال غير المدلول. وإن كان هو غير الصيغة، فيمتنع أن يكون الامر هو الصيغة، وقد قال بأن الامر هو صيغة افعل بشرط الدلالة على الامر، فإن الشرط غير المشروط. وإذا كان الامر غير الصيغة، فلا بد من تعريفه والكشف عنه، إذ هو المقصود في هذا المقام. ولما انحسمت عليهم طرق التعريف، قال قائلون منهم: الامر هو إرادة الفعل، وقد احتج الاصحاب على إبطاله بأن السيد المعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده، إذا اعتذر عن ذلك قصد إظهار أمره وأمره بين يدي السلطان قصدا لاظهار مخالفته، لبسط عذره والخلاص من عقاب السلطان له، فإنه يعد آمرا، والعبد مأمورا، ومطيعا بتقدير الامتثال، وعاصيا بتقدير المخالفة، مع علمنا بأنه لا يريد منه الامتثال لما فيه من ظهور كذبه وتحقيق عقاب السلطان له، والعاقل لا يقصد ذلك. غير أن مثل هذا لازم على أصحابنا

[ 139 ]

إن كان صحيحا في تفسيرهم الامر، بطلب الفعل، من جهة أن السيد أيضا آمر في مثل الصورة لعبده مع علمنا بأنه يستحيل منه طلب الفعل من عبده، لما فيه من تحقيق عقابه وكذبه، والعاقل لا يطلب ما فيه مضرته وإظهار كذبه. وعند ذلك فما هو جواب أصحابنا في تفسير الامر بالطلب يكون جوابا للخصم في تفسيره بالارادة. وإن زعم بعض أصحابنا أن الامر ليس هو الطلب، بل الاخبار باستحقاق الثواب على الفعل، فيلزمه أن يكون الآمر لعبده مما يصح تصديقه وتكذيبه في أمره لعبده ضرورة كون الامر خبرا وهو ممتنع. كيف وإنه على خلاف تقسيم أهل اللغة الكلام، إلى أمر وخبر. والحق في ذلك أن يقال. أجمع المسلمون، من غير مخالفة من الخصوم، على أن من علم الله تعالى أنه يموت على كفره أنه مأمور بالايمان، وليس الايمان منه مرادا لله تعالى، لانه لا معنى لكونه مرادا لله تعالى سوى تعلق الارادة به، ولا معنى لتعلق الارادة بالفعل سوى تخصيصها له بحالة حدوثه، فلا يعقل تعلقها به دون تخصيصها له بحالة حدوثه، وما لم يوجد لم تكن الارادة مخصصة له بحالة حدوثه، فلا تكون متعلقة به. وليقنع بهذا هاهنا عما استقصيناه من الوجوه الكثيرة في علم الكلام. وأما أصحابنا، فمنهم من قال: الامر عبارة عن الخبر على الثواب على الفعل تارة، والعقاب على الترك تارة، وهو فاسد، لما سبق من امتناع تصديق الآمر وتكذيبه، ولانه يلزم منه لزوم الثواب على فعل ما أمر به، والعقاب على تركه، من جهة الشارع حذرا من الخلف في خبر الصادق، وليس كذلك بالاجماع. أما الثواب فلجواز إحباط العمل بالردة، وأما العقاب فلجواز العفو والشفاعة. ويمكن أن يحترز عن هذا الاشكال بأن يقال: هو الاخبار باستحقاق الثواب والعقاب غير أنه يبقى عليه الاشكال الاول من غير دافع.

[ 140 ]

ومنهم من قال، وهم الاكثرون، كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم: الامر هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به. فقولهم (القول) كالجنس للامر وغيره من أقسام الكلام. وقولهم (المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به) للفصل بين الامر وغيره من أقسام الكلام، ولفصل الامر عن الدعاء والسؤال. ومنهم من زاد في الحد (بنفسه) احترازا عن الصيغة، فإنها لا تقتضي الطاعة بنفسها، بل بالتوقيف والاصطلاح وعلى كل تقدير فهو باطل لما فيه من تعريف الامر بالمأمور والمأمور به، وهما مشتقان من الامر، والمشتق من الشئ أخفى من ذلك الشئ، وتعريف الشئ بما لا يعرف إلا بعد معرفة ذلك الشئ محال. ومنهم من قال: الامر هو طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعا. وهو أيضا باطل لما فيه من تعريف الامر بالطاعة المتعلقة بالفعل، والطاعة المتعلقة بالفعل لا تعرف إلا بموافقة الامر، وهو دور ممتنع. كيف وإن فعل الرب تعالى لما طلبه العبد منه بالسؤال يقال له باعتبار موافقة طلب للعبد مطيعا، بدليل قوله عليه السلام إن أطعت الله أطاعك أي إن فعلت ما أراد فعل ما تريد. وليس طلب العبد من الله تعالى بجهة السؤال لله أمرا، إذ الامر لله قبيح شرعا، بخلاف السؤال. ويمكن الاحتراز عنه بما يعد فاعله مطيعا في العرف العام، والباري تعالى ليس كذلك. والاقرب في ذلك إنما هو القول الجاري على قاعدة الاصحاب، وهو أن يقال: الامر طلب الفعل على جهة الاستعلاء. فقولنا (طلب الفعل) احتراز عن النهي وغيره من أقسام الكلام، وقولنا (على جهة الاستعلاء) احتراز عن الطلب بجهة الدعاء والالتماس. فإن قيل: قولكم (الامر هو طلب الفعل) إن أردتم به الارادة، فهو مذهب المعتزلة، وليس مذهبا لكم، وإن أردتم غيره، فلا بد من تصويره، وإلا كان فيه تعريف الامر بما هو أخفى من الامر.

[ 141 ]

قلنا: إجماع العقلاء منعقد على أن الامر قسم من أقسام الكلام وأنه واقع موجود لا ريب فيه، وقد بينا امتناع تفسيره بالصيغة والارادة بما سبق، فما وراء ذلك هو المعني بالطلب، والنزاع في تسميته بالطلب بعد الموافقة على وجوده، فآيل إلى خلاف لفظي. البحث الثالث: في الصيغة الدالة على الامر. وقد اختلف القائلون بكلام النفس: هل للامر صيغة تخصه وتدل عليه دون غيره في اللغة، أم لا ؟ فذهب الشيخ أبو الحسن، رحمه الله، ومن تابعه إلى النفي وذهب من عداهم إلى الاثبات. قال إمام الحرمين والغزالي: والذي نراه أن هذه الترجمة عن الاشعري خطأ. فإن قول القائل لغيره أمرتك، وأنت مأمور صيغة خاصة بالامر من غير منازعة. وإنما الخلاف في أن صيغة افعل هل هي خاصة بالامر أو لا، لكونها مترددة في اللغة بين محامل كثيرة يأتي ذكرها. واعلم أنه لا وجه لاستبعاد هذا الخلاف. وقول القائل أمرتك، وأنت مأمور لا يرفع هذا الخلاف إذ الخلاف إنما هو في صيغة الامر الموضوعة للانشاء، وما مثل هذه الصيغ أمكن أن يقال إنها إخبارات عن الامر لا إنشاآت. وإن كان الظاهر صحة استعمالها للانشاء، فإنه لا مانع من استعمال صيغة الخبر للانشاء، كما في قوله: طلقت وبعت واشتريت ونحوه.

[ 142 ]

وبيانه أنه إذا قال لزوجته (طلقتك) فإن الطلاق يقع عليه إجماعا، ولو كان إخبارا، لكان إخبارا عن الماضي أو الحال، لعدم صلاحية هذه الصيغة للاستقبال. ولو كان كذلك، لم يخل إما أن يكون قد وجد منه الطلاق، أو لم يوجد: فإن كان الاول، امتنع تعليقه بالشرط في قوله إن دخلت الدار لان تعليق وجود ما وجد على وجود ما لم يوجد محال، وإن كان الثاني، وجب أن يعد كاذبا، وأن لا يقع الطلاق عليه، وهو خلاف الاجماع. وإن قدر أنه إخبار عن المستقبل مع الاحالة، فيجب أيضا أن لا يقع به الطلاق، كما لو صرح بذلك، وقال لها ستصيرين طالقا في المستقبل فإنه لا يقع به الطلاق مع أنه صريح إخبار عن وقوع الطلاق في المستقبل، فما ليس بصريح أولى. وإذا بطل كونه إخبارا تعين أن يكون إنشاء إذ الاجماع منعقد على امتناع الخلو منهما. فإذا بطل أحدهما تعين الآخر. البحث الرابع: في مقتضى صيغة الامر وفيه اثنتا عشرة مسألة. المسألة الاولى فيما ذا صيغة الامر حقيقة فيه إذا وردت مطلقة عرية عن القرائن وقد اتفق الاصوليون على إطلاقها بإزاء خمسة عشر اعتبار الوجوب كقوله: * (أقم الصلاة) * (31 لقمان: 17) والندب كقوله: * (فكاتبوهم) * (24 النور: 33) والارشاد كقوله تعالى: * (فاستشهدوا) * (4 النساء: 15) وهو قريب من الندب لاشتراكهما في طلب تحصيل المصلحة، غير أن الندب لمصلحة أخروية، والارشاد لمصلحة دنيوية. والاباحة كقوله: * (فاصطادوا) * (5 المائدة: 2) والتأديب، وهو داخل في الندب، كقوله: كل مما يليك

[ 143 ]

والامتنان كقوله: * (كلوا مما رزقكم الله) * (6 الانعام: 142) والاكرام كقوله: * (ادخلوها بسلام) * (15 الحجر: 46) والتهديد كقوله: * (اعملوا ما شئتم) * (41 فصلت: 40) والانذار كقوله: * (تمتعوا) * (14 إبراهيم: 30) وهو في معنى التهديد. والتسخير كقوله: * (كونوا قردة خاسئين) * (2 البقرة: 65) والتعجيز كقوله: * (كونوا حجارة) * (17 الاسراء: 50) والاهانة كقوله تعالى: * (ذق إنك أنت العزيز) * (44 الدخان: 49) والتسوية كقوله: * (فاصبروا أو لا تصبروا) * (52 الطور: 16) والدعاء كقوله: * (اغفر لي) * (14 إبراهيم: 41) والتمني كقول الشاعر: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي وكمال القدرة كقوله: * (كن فيكون) * (16 النحل: 40). وقد اتفقوا على أنها مجاز فيما سوى الطلب والتهديد والاباحة غير أنهم اختلفوا: فمنهم من قال إنها مشتركة، كاشتراك لفظ القرء بين الطلب للفعل، وبين للتهديد المستدعي لترك الفعل، وبين الاباحة المخيرة بين الفعل والترك. ومنهم من قال إنها حقيقة في الاباحة، مجاز فيما سواها ومنهم من قال إنها حقيقة في الطلب ومجاز فيما سواه. وهذا هو الاصح، وذلك لانا إذا سمعنا أن أحدا قال لغيره افعل كذا وتجرد ذلك عن جميع القرائن، وفرضناه كذلك، فإنه يسبق إلى الافهام منه طلب الفعل واقتضاؤه من غير توقف على أمر خارج دون التهديد المستدعي لترك الفعل، والاباحة المخيرة بين الفعل والترك. ولو كان مشتركا أو ظاهرا في الاباحة، لما كان كذلك. وإذا كان الطلب هو السابق إلى الفهم عند عدم القرائن مطلقا، دل ذلك على كون صيغة (افعل) ظاهرة فيه. فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك بناء عل عرف طارئ على الوضع اللغوي، كما في لفظ الغائط والدابة وإن سلم دلالة ما ذكرتموه على الظهور في الطلب،

[ 144 ]

غير أنه معارض بما يدل على ظهوره في الاباحة، لكونها أقل الدرجات، فكانت مستيقنة. قلنا جواب الاول أن الاصل عدم العرف الطارئ، وبقاء الوضع الاصلي بحاله. وجواب الثاني لا نسلم أن الاباحة متيقنة، إذ هي مقابلة للطلب والتهديد، لكونها غير مستدعية للفعل ولا للترك، والطلب مستدع للفعل، والتهديد مستدع لترك الفعل، فلا تيقن لواحد منهما. المسألة الثانية إذا ثبت أن صيغة افعل ظاهرة في الطلب والاقتضاء فالفعل المطلوب لا بد وأن يكون فعله راجحا على تركه، فإن كان ممتنع الترك، كان واجبا، وإن لم يكن ممتنع الترك، فإما أن يكون ترجحه لمصلحة أخروية، فهو المندوب، وإما لمصلحة دنيوية، فهو الارشاد. وقد اختلف الاصوليون: فمنهم من قال إنه مشترك بين الكل، وهو مذهب الشيعة، ومنهم من قال إنه لا دلالة له على الوجوب والندب بخصوصه، وإنما هو حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو ترجيح الفعل على الترك، ومنهم من قال إنه حقيقة في الوجوب، مجاز فيما عداه، وهذا هو مذهب الشافعي، رضي الله عنه، والفقهاء وجماعة من المتكلمين، كأبي الحسين البصري، وهو قول الجباشي في أحد قوليه، ومنهم من قال إنه حقيقة من الندب، وهو مذهب أبي هاشم وكثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم وجماعة من الفقهاء، وهو أيضا منقول عن الشافعي رحمه الله تعالى.

[ 145 ]

ومنهم من توقف، وهو مذهب الاشعري، رحمه الله، ومن تابعه من أصحابه، كالقاضي أبي بكر والغزالي وغيرهما، وهو الاصح. وذلك لان وضعه مشتركا، أو حقيقة في البعض، مجازا في البعض، إما أن يكون مدركه عقليا أو نقليا: الاول محال، إذ العقول لا مدخل لها في المنقول، لا ضرورة ولا نظرا والثاني فإما أن يكون قطعيا أو ظنيا: والقطعي غير متحقق فيما نحن فيه، والظني إنما ينفع أن لو كان إثبات مثل هذه المسألة مما يقنع فيه بالظن، وهو غير مسلم، فلم يبق غير التوقف. فإن قيل: ما ذكرتموه مبني على أن مدار مثل هذه المسألة على القطع، وهو غير مسلم ولا في شئ من اللغات، وإن سلمنا ذلك، لكن ما المانع أن يكون المدرك لا عقليا محضا ولا نقليا محضا، بل هو مركب منهما، كما يأتي تحقيقه، وإن سلمنا الحصر فيما ذكرتموه، غير أنه لازم عليكم في القول بالوقف أيضا، فإن العقل لا يقتضيه، والنقل القطعي غير متحقق فيه، والظن إنما يكتفى به أن لو كانت المسألة ظنية، فما هو جوابكم عنه في القول بالوقف يكون جوابا لخصومكم فيما ذهبوا إليه على اختلاف فذاهبهم. قلنا: أما إنكار القطع في اللغات على الاطلاق فمما يفضي إلى إنكار القطع في جميع الاحكام الشرعية، لان مبناها على الخطاب بالالفاظ اللغوية ومعقولها، وذلك كفر صراح، والقول بأن ما ذكرتموه مبني على أن مدار ما نحن فيه على القطع. قلنا: نحن في هذه المسألة غير متعرضين لنفي ولا إثبات بل نحن متوقفون، فمن رام إثبات اللغة فيما نحن فيه بطريق ظني أمكن أن يقال له متى يكتفى بذلك فيما نحن فيه أإذا كان شرط إثباته القطع أم لا ؟ ولا بد عند توجه التقسيم، من تنزيل الكلام على الممنوع أو المسلم، وكل واحد منهما متعذر لما سبق.

[ 146 ]

قولهم: ما المانع من كونه مركبا من العقل والنقل ؟ قلنا: لان ما ذكرناه من التقسيم في النقلي، ثابت هاهنا كان مستقلا أو غير مستقل، والقطع لا سبيل إليه، وإن كان ظنيا فالمركب منه ومن العقلي يكون ظنيا، سواء كان العقلي ظنيا أو قطعيا. قولهم: ما ذكرتموه لازم عليكم في الوقف، قلنا: ليس كذلك، لان الواقف غير حاكم، بل هو ساكت عن الحكم والساكت عن الحكم، لا يفتقر إلى دليل، فلا يكون ما ذكروه لازما علينا شبه القائلين بالوجوب. وقد ذكر أبو الحسين البصري في ذلك ما يناهز ثلاثين شبهة دائرة بين غث وثمين، وها نحن نلخص حاصلها، ونأتي على المعتمد من جملتها، مع حذف الزيادات العرية عن الفائدة، ونشير إلى جهة الانفصال عنها، ثم نذكر بعد ذلك شبه القائلين بالندب، وطرق تخريجها إن شاء الله تعالى. إما شبه القائلين بالوجوب فشرعية، ولغوية، وعقلية. أما الشرعية فمنها ما يرجع إلى الكتاب، ومنها ما يرجع إلى السنة، ومنها ما يرجع إلى الاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (24 النور: 54) ثم هدد عليه بقوله: * (فإن توليتم، فإنما عليه ما حمل، وعليكم ما حملتم) * (24 النور: 54) والتهديد على المخالفة دليل الوجوب. وأيضا قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم) * (24 النور: 63) ووجه الاستدلال به ما سبق في الآية التي قبلها. وأيضا قوله تعالى لابليس * (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك) * (7 الاعراف: 12) أو رد ذلك في معرض الذم بالمخالفة، لا في معرض الاستفهام، اتفاقا، وهو دليل الوجوب.

[ 147 ]

وأيضا قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) * (77 المرسلات: 48) ذمهم على المخالفة وهو دليل الوجوب وأيضا قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم) * (33 الاحزاب: 36) والمراد من قوله (قضى) أي ألزم، ومن قوله (أمرا) أي مأمورا، وما لا خيرة فيه من المأمورات لا يكون إلا واجبا. وأيضا قوله تعالى: * (أفعصيت أمري) * (220 طه: 93) وقوله: * (لا يعصون الله ما أمرهم) * (66 التحريم: 6) وقوله: * (لا أعصي لك أمرا) * (18 الكهف: 69) وصف مخالف الامر بالعصيان، وهو اسم ذم، وذلك لا يكون في غير الوجوب. وأيضا قوله تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) * (4 النساء: 65) أي أمرت، ولولا أن الامر للوجوب لما كان كذلك. وأما السنة فقوله (ص) لبريرة وقد عتقت تحت عبد وكرهته لو راجعته - فقالت: بأمرك يا رسول الله فقال: لا، إنما أنا شافع - فقالت: لا حاجة لي فيه فقد عقلت أنه لو كان أمرا، لكان واجبا، والنبي، (ص)، قررها عليه. وأيضا قوله، (ص): لولا أن أشق على أمتي، لامرتهم بالسواك عند كل صلاة وهو دليل الوجوب، وإلا فلو كان الامر للندب، فالسواك مندوب. وأيضا قوله لابي سعيد الخدري حيث لم يجب دعاءه وهو في الصلاة أما سمعت الله تعالى يقول: * (استجيبوا لله، وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) * (8 الانفال: 24) وبخه على مخالفة أمره، وهو دليل الوجوب وأيضا، فإنه لما سأله الاقرع بن حابس أحجنا هذا لعامنا أم للابد قال (ص): بل للابد ولو قلت نعم لوجب. وذلك دليل على أن أوامره للوجوب.

[ 148 ]

وأما الاجماع فهو أن الامة في كل عصر لم تزل راجعة في إيجاب العبادات إلى الاوامر من قوله تعالى: * (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (2 البقرة: 43) إلى غير ذلك، من غير توقف. وما كانوا يعدلون إلى غير الوجوب إلا لمعارض. وأيضا، فإن أبا بكر، رضي الله عنه، استدل على وجوب الزكاة على أهل الردة بقوله: * (وآتوا الزكاة) * (2 البقرة: 43) ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان ذلك إجماعا. وأما من جهة اللغة فمن وجوه: الاول وصف أهل اللغة من خالف الامر بكونه عاصيا ومنه قولهم: أمرتك، فعصيتني وقوله تعالى: * (أفعصيت أمري) * (20 طه: 93) وقول الشاعر: أمرتك أمرا حازما فعصيتني والعصيان اسم ذم، وذلك في غير الوجوب ممتنع. وأيضا فإن السيد إذا أمر عبده بأمر، فخالفه، حسن الحكم من أهل اللغة بذمه واستحقاقه للعقاب، ولولا أن الامر للوجوب لما كان كذلك. أما من جهة العقل فمن وجوه: الاول أن الايجاب من المهمات في مخاطبة أهل اللغة، فلو لم يكن الامر للوجوب لخلا الوجوب عن لفظ يدل عليه، وهو ممتنع مع دعو الحاجة إليه. وأيضا فإنه قد ثبت أن الطلب لا يخرج عن الوجوب والندب، ويمتنع أن يكون حقيقة في الندب، لا بجهة الاشتراك ولا التعيين ولا بطريق التخيير،

[ 149 ]

لان حمل الطلب على الندب معناه: افعل إن شئت. وهذا الشرط غير مذكور في الطلب فيمتنع حمل الطلب عليه بوجه من هذه الوجوه. ويلزم من ذلك أن يكون حقيقة في الوجوب وأيضا فإن الامر مقابل للنهي، والنهي يقتضي ترك الفعل والامتناع من الفعل جزما، فالامر يجب أن يكون مقتضيا للفعل ومانعا من الترك جزما. وأيضا فإن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداده مما يمنع من فعلها وذلك غير متصور دون فعل المأمور به، فكان واجبا. وأيضا فإن حمل الامر على الوجوب أحوط للمكلف، لانه إن كان للوجوب فقد حصل المقصود الراجح، وأمنا من ضرر تركه. وإن كان للندب فحمله على الوجوب يكون أيضا نافعا غير مضر. ولو حملناه على الندب، لم نأمن من الضرر، بتقدير كونه واجبا لفوات المقصود الراجح. وأيضا فإن المندوب داخل في الواجب من غير عكس فحمل الامر على الوجوب لا يفوت معه المقصود من الندب بخلاف الحمل على الندب فكان حمله على الوجوب أولى. وأيضا فإن الامر موضوع لافادة معنى، وهو إيجاد الفعل، فكان مانعا من نقيضه كالخبر. وأيضا فإن الامر بالفعل يفيد رجحان وجود الفعل على عدمه، وإلا كان مرجوحا أو مساويا. ولو كان مرجوحا لما أمر به لما فيه من الاخلال بالمصلحة الزائدة في الترك والتزام المفسدة الراجحة في الفعل، وهو قبيح. ولو كان مساويا، لم يكن الامر به أولى من النهي عنه، وذلك أيضا قبيح. وإذا كان راجحا، فلو جاز تركه، لزم منه الاخلال بأرجح المقصودين، وهو قبيح، فلا يرد به الشرع فتعين الامتناع من الترك، وهو معنى الوجوب. والجواب من جهة الاجمال، والتفصيل. أما الاجمال فهو أن جميع ما ذكروه لا خروج له عن الظن، وإنما يكون مفيدا فيما يطلب فيه الظن فقط، وهو غير مسلم فيما نحن فيه. وقوله، (ص): نحن نحكم بالظاهر فظني، والكلام في صحة الاحتجاج به فيما نحن فيه، فعلى ما تقدم.

[ 150 ]

وأما من جهة التفصيل، فإنا نخص كل شبهة بجواب. أما قوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (24 النور: 54) فهو أمر والخلاف في اقتضائه للوجوب، بحاله وقوله: * (فإن توليتم، فإنما عليه ما حمل، وعليكم ما حملتم) * (24 النور: 54) فإما أن لا يكون للتهديد بل للاخبار بأن الرسول عليه ما حمل من التبليغ، وعليكم ما حملتم من القبول، وليس في ذلك ما يدل على كون الامر للوجوب، وإن كان للتهديد فهو دليل على الوجوب فيما هدد على تركه ومخالفته من الاوامر، وليس فيه ما يدل على أن كل أمر مهدد بمخالفته، بدليل أمر الندب، فإن المندوب مأمور به، على ما سيأتي، وليس مهددا على مخالفته. وإذا انقسم الامر إلى مهدد عليه، وغير مهدد، وجب اعتقاد الوجوب فيما هدد عليه، دون غيره، وبه يخرج الجواب عن كل صيغة أمر هدد على مخالفتها وحذر منها، ووصف مخالفها بكونه عاصيا، وبه دفع أكثر ما ذكروه من الآيات. ويخص قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * (24 النور: 63) بأنه غير عام في كل أمر بصيغته. وإن قيل بالتعميم بالنظر إلى معقوله، من جهة أنه مناسب، رتب التحذير على مخالفته، فإنما يصح أن لو لم يتخلف الحكم عنه في أمر الندب، وقد تخلف فلا يكون حجة، وأيضا، فإن غايته أنه حذر من مخالفة أمره ومخالفة أمره أن لا يعتقد موجبه، وأن لا يفعل على ما هو عليه من إيجاب أو ندب، ونحن نقول به، وليس فيه ما يدل على أن كل أمر للوجوب. ويخص قوله لابليس * (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك) * (7 الاعراف: 12) بأنه غير عام في كل أمر.

[ 151 ]

ويخص قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة) * (33 الاحزاب: 36) الآية، بأن المراد من قوله أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، أي في اعتقاد وجوب المأمور به أو ندبه، وفعله على ما هو عليه، إن كان واجبا فواجب، وإن كان ندبا فندب. ويخص قوله تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك) * (4 النساء: 65) الآية بأنه لا حجة فيها. وقوله: * (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) * (4 النساء: 65) أي حكمت به من الوجوب والندب والاباحة والتحريم ونحوه، وليس فيه ما يدل على أن كل ما يقضي به يكون واجبا. وأما حديث بريرة فلا حجة فيه، فإنها إنما سألت عن الامر، طلبا للثواب بطاعته، والثواب والطاعة قد يكون بفعل المندوب، وليس في ذلك ما يدل على أنها فهمت من الامر الوجوب، فحيث لم يكن أمرا لمصلحة أخروية لا بجهة الوجوب، ولا بجهة الندب، قالت: لا حاجة لي فيه. فإن قيل: فإجابة شفاعة النبي، (ص) مندوب إليها، فإذا لم يكن مأمورا بها، تعين أن يكون الامر للوجوب. قلنا: إذا سلم أن الشفاعة في صورة بريرة غير مأمور بإجابتها، فلا نسلم أنها كانت في تلك الصورة مندوبة، ضرورة أن المندوب عندنا لا بد وأن يكون مأمورا به. وأما السواك ففيه ما يدل على أنه أراد بالامر أمر الوجوب، بدليل أنه قرن به المشقة، والمشقة لا تكون إلا في فعل الواجب، لكونه متحتما، بخلاف المندوب، لكونه في محل الخيرة بين الفعل والترك، ولا يمتنع صرف الامر إلى الوجوب بقرينة، ودخول حرف (لولا) على مطلق الامر لا يمنع من هذا التأويل.

[ 152 ]

وأما خبر أبي سعيد الخدري فلا حجة فيه أيضا، فإن قوله تعالى: * (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) * (8 الانفال: 24) إنما كان محمولا على وجوب إجابة النداء، تعظيما لله تعالى، ولرسوله في إجابة دعائه، ونفيا للاهانة عنه، والتحقير له، بالاعراض عن إجابة دعائه، لما فيه من هضمه في النفوس، وإفضاء ذلك إلى الاخلال بمقصود البعثة، ولا يمتنع صرف الامر إلى الوجوب بقرينة. وأما خبر الحج، فلا دلالة فيه، وقول النبي (ص): ولو قلت نعم لوجب ليس أمرا ليكون للوجوب، بل لانه يكون بيانا لقوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (3 آل عمران: 97) فإنه مقتض للوجوب، غير أنه متردد بين التكرار والمرة الواحدة، فقوله: لو قلت نعم لوجب أي تكرره لانه يكون بيانا لما أوجبه الله تعالى، لا أنه يكون موجبا. وأما ما ذكروه من الاجماع، فإن أريد به أن الامة كانت ترجع في الوجوب إلى مطلق الاوامر فهو غير مسلم، وليس هو أولى من قول القائل: إنهم كانوا يرجعون في الندب إلى مطلق الاوامر، مع أن أكثر الاوامر للمندوبات، وإن أريد به أنهم كانوا يرجعون في الوجوب إلى الاوامر المقترنة بالقرائن، فلا حجة فيه. وأما قصة أبي بكر، فلا حجة في احتجاجه بقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة وأتوا الزكاة) * (2 البقرة: 43) على أن الامر بمطلقه للوجو ب، وذلك لانهم لم يكونوا منكرين لاصل الوجوب، حتى يستدل على الوجوب بالآية، بل إنما أنكروا التكرار، والاستدلال على تكرار ما وجب، لا يكون استدلالا على نف‍ س اقتضاء الامر بمطلقه للوجوب. وأما قولهم: إن أهل اللغة يصفون من خالف الامر المطلق بالعصيان، ويحكمون عليه باستحقاق الذم والتوبيخ، ليس كذلك فإنه ليس القول بملازمة هذه الامور للامر المطلق، وملازمة انتفائها للامر المقيد بالقرينة في المندوبات، أولى من العكس.

[ 153 ]

فإن قيل: بل تقييد المندوب بالقرينة، أولى من تقييد الواجب بها فإنها بتقدير خفائها تحمل على الوجوب، وهو نافع غير مضر. وبتقدير تقييد الواجب بها يلزم الاضرار بترك الواجب بتقدير خفائها، لفوات المقصود الاعظم منه، فهو معارض بأن الاوامر الواردة في المندوبات، أكثر منها في الواجبات، فإنه ما من واجب إلا ويتبعه مندوبات، والواجب غير لازم للمندوب ولا يخفى أن المحذور في تقييد الاعم بالقرينة لاحتمال خفائها، أعظم من محذور ذلك في الاخص. وأما الشبه العقلية قولهم: إن الوجوب من المهمات. قلنا: والندب من المهمات، وليس إخلاء أحد الامرين من لفظ يدل عليه، أولى من الآخر. وإن قيل بأن المندوب له لفظ يدل عليه، وهو قول القائل ندبت ورغبت فللوجوب أيضا لفظ يدل عليه، وهو قوله أوجبت وألزمت وحتمت. قولهم أنه يمتنع أن يكون الامر حقيقة في الندب لما ذكروه، فهو مقابل بمثله، فإن حمل الطلب على الوجوب معناه: افعل وأنت ممنوع من الترك وهو غير مذكور في الطلب، فلا يكون حمله على أحدهما أولى من الآخر. قولهم إن النهي يقتضي المنع من الفعل فيجب أن يكون الامر مقتضيا للمنع من الترك. قلنا: لا نسلم أن مطلق النهي يقتضي المنع من الفعل، إلا أن يدل عليه دليل، كما ذكرناه في الامر. وإن صح ذلك في النهي فحاصل ما ذكروه راجع إلى القياس في اللغة، وهو باطل بما سبق. قولهم إن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده غير مسلم كما يأتي، وإن سلم، ولكن إنما يمكن القول بأن النهي عن أضداد المأمور به مما يمنع من فعلها، إن لو كان الامر للوجوب، وإلا فبتقدير أن يكون للندب، فالنهي عن أضداده يكون نهي تنزيه، فلا يمنع من فعلها، وعند ذلك فيلزم منه توقف الوجوب على كون النهي عن أضداده، مانعا من فعلها، وذلك متوقف على كون الامر للوجوب، وهو دور ممتنع. قولهم إن حمل الطلب على الوجوب أحوط للمكلف على ما ذكروه، فهو معارض بما يلزم من حمله على الوجوب من الاضرار اللازم من الفعل الشاق بتقدير

[ 154 ]

فعله، والعقاب بتقدير تركه، ولما فيه من مخالفة النفي الاصلي بما اختص به الوجوب من زيادة الذم والوصف بالعصيان، بخلاف المندوب كيف وإن المكلف إذا نظر وظهر له أن الامر للندب فقد أمن من الضرر، وحصل مقصود الامر. قولهم إن المندوب داخل في الواجب ليس كذلك على ما سبق تقريره. قولهم إن الامر موضوع لمعنى، فكان مانعا من نقيضه، دعوى محل النزاع، والقياس على الخبر من باب القياس في اللغات، وهو باطل بما سبق. ثم إنه منقوض بالامر بالمندوب، فإنه مأمور به على ما سبق. فإن قيل: لا يلزم من مخالفة الدليل في المندوب المخالفة مطلقا. قلنا: يجب أن نعتقد أن ما ذكروه ليس بدليل حتى لا يلزم منه المخالفة في المندوب. وما ذكروه من الشبهة الاخيرة فهي منتقضة بالمندوب وأما شبه القائلين بالندب، فمنها نقلية وعقلية. أما النقلية فقوله، (ص): إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذ نهيتكم عن شئ فانتهوا فوض الامر إلى استطاعتنا ومشيئتنا، وهو دليل الندبية. وأما العقلية فهو أن المندوب ما فعله خير من تركه، وهو داخل في الواجب، فكل واجب مندوب، وليس كل مندوب واجبا، لان الواجب ما يلام على تركه، والمندوب ليس كذلك، فوجب جعل الامر حقيقة فيه لكونه متيقنا. وجوابهما من جهة الاجمال، فما سبق في جواب شبه القائلين بالوجوب. ومن جهة التفصيل: عن الاولى أنه لا يلزم من قوله: ما استطعتم تفويض الامر إلى مشيئتنا، فإنه لم يقل فافعلوا ما شئتم بل قال: ما استطعتم وليس ذلك خاصية للندب، فإن كل واجب كذلك. وعن الثانية ما سبق من امتناع وجود المندوب في الواجب، ثم لو كان تنزيل لفظ الامر على المتيقن لازما، لكان جعله حقيقة في رفع الحرج عن الفعل أولى، لكونه متيقنا، بخلاف المندوب، فإنه متميز بكون الفعل مترجحا على الترك، وهو غير متيقن.

[ 155 ]

المسألة الثالثة اختلف الاصوليون في الامر العري عن القرائن: فذهب الاستاذ أبو إسحاق الاسفرايني وجماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه مقتض للتكرار المستوعب لزمان العمر مع الامكان، وذهب آخرون إلى أنه للمرة الواحدة، ومحتمل للتكرار، ومنهم من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي الحسين البصري وكثير من الاصوليين، ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقض فيها بنفي ولا إثبات، وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية. والمختار أن المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال، وهو معلوم قطعا، والتكرار محتمل، فإن اقترن به قرينة أشعرت بإرادة المتكلم التكرار حمل عليه، وإلا كان الاقتصار على المرة الواحدة كافيا. والدليل على ذلك أنه إذا قال له صل أو صم فقد أمره بإيقاع فعل الصلاة والصوم، وهو مصدر (افعل)، والمصدر محتمل للاستغراق والعدد: ولهذا يصح تفسيره به، فإنه لو قال لزوجته أنت طالق ثلاثا وقع به لما كان تفسيرا للمصدر، وهو الطلاق، ولو اقتصر على قوله أنت طالق لم يقع سوى طلقة واحدة، مع احتمال اللفظ للثلاث، فإذا قال صل فقد أمره بإيقاع المصدر، وهو الصلاة، والمصدر محتمل للعدد، فإن اقترن به قرينة مشعرة بإرادة العدد حمل عليه، وإلا فالمرة الواحدة تكون كافية. ولهذا فإنه لو أمر عبده أن يتصدق صدقة، أو يشتري خبزا أو لحما، فإنه يكتفى منه بصدقة واحدة وشراء واحد، ولو زاد على ذلك، فإنه يستحق اللوم والتوبيخ لعدم القرينة الصارفة إليه، وإن كان اللفظ محتملا له، وإنما كان كذلك لان حال الآمر متردد بين إرادة العدد وعدم إرادته، وإنما يجب العدد مع ظهور الارادة، ولا ظهور، إذ الفرض فيما إذا عدمت القرائن المشعرة به. فقد بطل القول بعدم إشعار اللفظ بالعدد مطلقا، وبطل القول بظهوره فيه وبالوقف أيضا. والاعتراض هاهنا يختلف باختلاف مذاهب الخصوم: فمن اعتقد ظهوره في التكرار اعترض بشبه. الاولى: منها أن أوامر الشارع في الصوم والصلاة محمولة على التكرار، فدل على إشعار الامر به.

[ 156 ]

الثانية: أن قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * يعم كل مشرك فقوله صم وصل ينبغي أن يعم جميع الازمان، لان نسبة اللفظ إلى الازمان كنسبته إلى الاشخاص. الثالثة: أن قوله صم كقوله لا تصم ومقتضى النهي الترك أبدا، فوجب أن يكون الامر مقتضيا للفعل أبدا لاشتراكهما في الاقتضاء والطلب. الرابعة: أن الامر اقتضى فعل الصوم، واقتضى اعتقاد وجوبه والعزم عليه أبدا، فكذلك الموجب الآخر. الخامسة: أن الامر لا اختصاص له بزمان دون زمان، فليس حمله على البعض ولى من البعض، فوجب التعميم. السادسة: أنه لو لم يكن الامر للتكرار لما صح الاستثناء منه، لاستحالة الاستثناء من المرة الواحدة، ولا تطرق النسخ إليه لان ذلك يدل على البدا، وهو محال على الله تعالى، ولا حسن الاستفهام من الآمر أنك أردت المرة الواحدة أو التكرار. ولكان قول الآمر لغيره صل مرة واحدة غير مفيد، وكان قوله صل مرارا تناقضا، ولكان إذا لم يفعل المأمور ما أمر به في أول الوقت، محتاجا في فعله ثانيا إلى دليل، وهو ممتنع. السابعة: أن الحمل على التكرار أحوط للمكلف، لانه إن كان للتكرار، فقد حصل المقصود، ولا ضرر، وإن لم يكن للتكرار لم يكن فعله مضرا. الثامنة: إن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداده يقتضي استغراق الزمان، وذلك يستلزم استدامة فعل المأمور به. التاسعة: قوله، (ص): إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم أي فأتوا بما أمرتكم به ما استطعتم، وذلك يقتضي وجوب التكرار. العاشرة: أن عمر بن الخطاب سأل النبي، (ص)، لما رآه قد جمع بطهارة واحدة بين صلوات عام الفتح، وقال: أعمدا فعلت هذا يا رسول الله ؟ فقال: نعم ولولا أنه فهم تكرار الطهارة من قوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) * (5 المائدة: 6) لما كان للسؤال معنى. الحادية عشرة: أنه إذا قال الرجل لغيره: أحسن عشرة فلان، فإنه يفهم منه التكرار والدوام.

[ 157 ]

وأما شبه القائلين بامتناع احتمال التكرار، فأولها أن من قال لغيره ادخل الدار يعد ممتثلا بالدخول مرة واحدة، كما أنه يصير ممتثلا لقوله اضرب رجلا بضرب رجل واحد. ولذلك، فإنه لا يلام بترك التكرار، بل يلام من لامه عليه. وثانيها: أنه لو قال القائل صام زيد صدق على المرة الواحدة من غير إدامة، فليكن مثله في الامر. وثالثها: أنه لو حلف أنه ليصلين أو ليصومن، برت يمينه بصلاة واحدة وصوم يوم واحد، وعد آتيا بما التزمه، فكذلك في الالتزام بالامر. ورابعها: أنه لو قال الرجل لوكيله طلق زوجتي لم يملك أكثر من تطليقة واحدة. وخامسها: أنه لو كان الامر للتكرار، لكان قوله صل مرارا غير مفيد، وكان قوله صل مرة واحدة نقصا، وليس كذلك. وسادسها: أنه لو كان مطلق الامر للتكرار، لكان الامر بعبادتين مختلفتين لا يمكن الجمع بينهما إما تكليفا بما لا يطاق، أو أن يكون الامر بكل واحدة مناقضا للامر بالاخرى، وهو ممتنع. وأما شبه القائلين بالوقف، فأولها أن الامر بمطلقه غير ظاهر في المرة الواحدة ولا في التكرار، ولهذا، فإنه يحسن أن يستفهم من الآمر عند قوله اضرب ويقال له مرة واحدة أو مرارا. ولو كان ظاهرا في أحد الامرين لما حسن الاستفهام. وثانيها أنه لو كان ظاهرا في المرة الواحدة لكان قول الآمر اضرب مرة واحدة تكرارا أو مرارا تناقضا، وكذلك لو كان ظاهرا في التكرار. والجواب: عن الشبهة الاولى للقائلين بالتكرار هو أن حمل بعض الاوامر، وإن كانت متكررة، على التكرار، لا يدل على استفادة ذلك من ظاهرها، وإلا كان ما حمل من الاوامر على المرة الواحدة، كالحج ونحوه، مستفادا من ظاهر الامر، ويلزم من ذلك إما التناقض أو اعتقاد الظهور في أحد الامرين دون الآخر من غير أولوية وهو محال.

[ 158 ]

فإن قيل: اعتقاد الظهور في التكرار أولى، لان ما حمل من الاوامر على التكرار أكثر من المحمول على المرة الواحدة، وعند ذلك فلو جعلناه ظاهرا في المرة الواحدة لكان المحذور اللازم من مخالفته في الحمل على التكرار أقل من المحذور اللازم من جعله ظاهرا في التكرار عند حمله على المرة الواحدة. قلنا: هذا إنما يلزم أن لو قلنا إن الامر ظاهر في أحد الامرين، وليس كذلك، بل الامر عندنا إنما يقتضي إيقاع مصدر الفعل والمرة الواحدة من ضروراته، لأن الامر ظاهر فيها، وكذلك في التكرار، فحمل الامر على أحدهما بالقرينة لا يوجب مخالفة الظاهر في الآخر، لعدم تحققه فيه. وعن الثانية: وإن سلمنا أن العموم في قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9 التوبة: 5) أنه يتناول كل مشرك فليس ذلك إلا لعموم اللفظ، ولا يلزم مثله فيما نحن فيه لعدم العموم في قوله صم بالنسبة إلى جميع الازمان، بل لو قال صم في جميع الازمان كان نظيرا لقوله اقتلوا المشركين. وعن الثالثة: لا نسلم أن النهي المطلق للدوام، وإنما يقتضيه عند التصريح بالدوام أو ظهور قرينة تدل عليه، كما في الامر، وإن سلمنا اقتضاءه للدوام، لكن ما ذكروه من إلحاق الامر بالنهي بواسطة الاشتراك بينهما في الاقتضاء فرع صحة القياس في اللغات، وقد أبطلناه. وإن سلمنا صحة ذلك، غير أنا نفرق، وبيانه من وجهين: الاول أن من أمر غيره أن يضرب فقد أمره بإيقاع مصدره وهو الضرب، فإذا ضرب مرة واحدة يصح أن يقال: لم يعدم الضرب. الثاني إن حمل الامر على التكرار مما يفضي إلى تعطيل الحوائج المهمة، وامتناع الاتيان بالمأمورات التي لا يمكن اجتماعها بخلاف الانتهاء عن المنهي مطلقا.

[ 159 ]

وعن الرابعة: أنها غير متجهة، وذلك لان دوام اعتقاد الوجوب عند قيام دليل الوجوب ليس مستفادا من نفس الامر، وإنما هو من أحكام الايمان، فتركه يكون كفرا، والكفر منهي عنه دائما، ولهذا، كان اعتقاد الوجوب دائما في الاوامر المقيدة. وأما العزم فلا نسلم وجوبه، ولهذا فإن من دخل عليه الوقت، وهو نائم، لا يجب على من حضره إنباهه، ولو كان العزم واجبا في ذلك الوقت، لوجب عليه، كما لو ضاق وقت العبادة، وهو نائم. وإن سلمنا وجوب العزم، لكن لا نسلم وجوبه دائما، بل هو تبع لوجوب المأمور به، وإن سلمنا وجوبه دائما، فلا نسلم كونه مستفادا من نفس الامر، ليلزم ما قيل، بل إنما هو مستفاد من دليل اقتضى دوامه غير الامر الوارد بالعبادة، ولهذا، وجب في الاوامر بالفعل مرة واحدة. وعن الخامسة: أنها باطلة من جهة أن الامر غير مشعر بالزمان، وإنما الزمان من ضرورات وقوع الفعل المأمور به، ولا يلزم من عدم اختصاصه ببعض الازمنة دون البعض التعميم كالمكان. وعن السادسة: وهي قولهم لو كان الامر للمرة الواحدة لما دخله النسخ ليس كذلك عندنا، فإنه لو أمر بالحج في السنة المستقبلة، جاز نسخه عندنا قبل التمكن من الامتثال، على ما يأتي. وإنما ذلك لازم على المعتزلة. وأما دخول الاستثناء فمن أوجب الفعل على الفور، يمنع منه، ومن أوجبه على التراخي، فلا يمنع من استثناء بعض الاوقات التي المكلف مخير في إيقاع الواجب فيها. وأما حسن الاستفهام، فإنما كان لتحصيل اليقين فيما اللفظ محتمل له، تأكيدا، فإنه محتمل لارادة التكرار وإرادة المرة الواحدة، وبه يخرج الجواب عن قوله صل مرة وحدة وقوله: صل مرارا غير متناقض، بل غايته دلالة الدليل على إرادة التكرار المحتمل. وإذا لم يفعل ما أمر به في أول الوقت، فمن قال بالتراخي، لا يحتاج إلى دليل آخر، لان مقتضى الامر المطلق عنده تخيير المأمور في إيقاع الفعل في أي وقت شاء من ذلك الوقت، ومن قال بالفور، فلا بد له من دليل في ثاني الحال.

[ 160 ]

وعن السابعة ما سبق في الواجب والمندوب. وعن الثامنة لا نسلم أن الامر بالشئ نهي عن أضداده، وإن سلم ذلك، ولكن اقتضاء النهي للاضداد بصفة الدوام، فرع كون الامر مقتضيا للفعل على الدوام، وهو محل النزاع. وأما قوله، (ص): إذا أمرتكم بأمر الحديث، إنما يلزم أن لو كان ما زاد على المرة الواحدة مأمورا به، وليس كذلك. وأما حديث عمر فلا يدل على أنه فهم أن الامر بالطهارة يقتضي تكرارها بتكرر الصلاة، بل لعله أشكل عليه أنه للتكرار، فسأل النبي عن عمده وسهوه في ذلك، لازاحة الاشكال، بمعرفة كونه للتكرار، إن كان فعل النبي، (ص)، سهوا أو لا للتكرار، إن كان فعله عمدا. كيف وإن فهم عمر لذلك مقابل بإعراض النبي، (ص)، عن التكرار، ولو كان للتكرار لما أعرض عنه، وله الترجيح. وأما الشبهة الاخيرة فإنما عم الامر فيها بالاكرام وحسن العشرة للازمان، لان ذلك إنما يقصد به التعظيم، وذلك يستدعي استحقاق المأمور بإكرامه للاكرام، وهو سبب الامر، فمهما لم يعلم زوال ذلك السبب وجب دوام المسبب، فكان الدوام مستفادا من هذه القرينة، لا من مطلق الامر. والجواب عن الشبهة الاولى للقائلين بامتناع احتمال الامر المطلق للتكرار، أن ذلك يدل على أن الامر غير ظاهر في التكرار، ولا يلزم منه امتناع احتماله له. ولهذا، فإنه لو قال: ادخل الدار مرارا، بطريق التفسير، فإنه يصح ويلزم، ولو عدم الاحتمال لما صح التفسير. وعن الثانية أن ذلك قياس في اللغات، فلا يصح، وبه دفع الشبهة الثالثة. وإذا قال لوكيله طلق زوجتي إنما لم يملك ما زاد على الطلقة الواحدة، لعدم ظهور الامر فيها، لا لعدم الاحتمال لغة. ولهذا لو قال طلقها ثلاثا على التفسير، صح. وعن الخامسة ما سبق.

[ 161 ]

وعن السادسة أنها باطلة، وذلك لان زيادة المشقة من حمل الامر على التكرار، إما أن لا يكون منافيا له، أو يكون منافيا: فإن كان الاول، فلا اتجاه لما ذكروه، وإن كان الثاني فغايته تعذر العمل بالامر في التكرار، عند لزوم الحرج، فيلون ذلك قرينة مانعة من صرف الامر إليه، ولا يلزم من ذلك امتناع احتماله له لغة. وجواب شبهة القائلين بالوقف ما سبق في جواب من تقدم، والله أعلم. المسألة الرابعة الامر المعلق بشرط، كقوله: إذا زالت الشمس فصلوا أو صفة كقوله: * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (24 النور: 2) هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرر الشرط والصفة، أم لا ؟ فمن قال إن الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هاهنا أولى. ومن قال إن الامر المطلق لا يقتضي التكرار اختلفوا هاهنا: فمنهم من أوجبه، ومنهم من نفاه. وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من تلخيص محل النزاع، فنقول: ما علق به المأمور من الشرط أو الصفة، إما أن يكون قد ثبت كونه علة في نفس الامر لوجوب الفعل المأمور به، كالزنى، أو لا يكون كذلك، بل الحكم متوقف عليه من غير تأثير له فيه، كالاحصان الذي يتوقف عليه الرجم في الزنى، فإن كان الاول، فالاتفاق واقع على تكرر الفعل بتكرره نظرا إلى تكرر العلة، ووقوع الاتفاق على التعبد باتباع العلة، مهم وجدت، فالتكرار مستند إلى تكرار العلة، لا إلى الامر، وإن كان الثاني، فهو محل الخلاف. والمختار أنه لا تكرار. وقد احتج القائلون بهذا المذهب بحجج واهية، لا بد من التنبيه عليها، وعلى ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. الحجة الاولى أنهم قالوا: أجمعنا على أن الخبر المعلق بالشرط أو الصفة لا يقتضي تكرار المخبر عنه كما لو قال إن جاء زيد جاء عمرو فإنه لا يلزم تكرر مجئ عمرو في تكرر مجئ زيد، فكذلك في الامر، وهي باطلة، فإن حاصلها يرجع إلى القياس في اللغة، وقد أبطلناه.

[ 162 ]

الثانية أنه لو قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنه لا يتكرر الطلاق بتكرار الدخول، فكذلك في قوله إذا زالت الشمس فصلوا وهو أيضا من جنس ما تقدم، لما فيه من قياس الامر على إنشاء الطلاق الذي ليس بأمر. الثالثة أن اللفظ لا دلالة فيه إلا على تعليق شئ بشئ، وهو أعم من تعليقه عليه في كل صورة، أو في صورة واحدة، والمشعر بالاعم لا يلزم أن يكون مشعرا بالاخص. وحاصل هذه الحجة أيضا يرجع إلى محض الدعوى، بأن الامر المضاف إلى الشرط أو الصفة لا يفهم منه اقتضاء التكرار بتكرر الشرط أو الصفة، وهو عين محل النزاع. وإنما الواجب أن يقال إنه مشعر بالاعم. والاصل عدم إشعاره، بالاخص. والمعتمد في ذلك أن يقال: لو وجب التكرار لم يخل، إما أن يكون المقتضي له نفس الامر، أو الشرط، أو مجموع الامرين: لا جائز أن يقال بالاول لما سبق في المسألة المتقدمة، ولا بالثاني لان الشرط غير مؤثر في المشروط، بحيث يلزم من وجوده وجوده، بل إنما تأثيره في انتفاء المشروط عند انتفائه وحيث قيل بملازمة المشروط لوجود الشرط في قوله لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق إنما كان لضرورة وجود الموجب، وهو قوله أنت طالق لا لنفس دخول الدار، وإلا كان دخول الدار موجبا للطلاق مطلقا، وهو محال، ولا جائز أن يقال بالثالث، لانا أجمعنا على أنه لو قال لعبده إذا دخلت السوق فاشتر لحما أنه لا يقتضي التكرار، وذلك إما أن يكون مع تحقق الموجب للتكرار، أو لا مع تحققه: لا جائز أن يقال بالاول، وإلا فانتفاء التكرار إما لمعارض، أو لا لمعارض: والاول ممتنع لما فيه من المعارضة وتعطيل الدليل عن أعماله، وهو خلاف الاصل، والثاني أيضا باطل لما فيه من مخالفة الدليل من غير معارض، فلم يبق سوى الثاني، وهو المطلوب فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من وجوه. الاول: أنه قد وجد في كتاب الله تعالى أوامر متعلقة بشروط وصفات، وهي متكررة بتكررها، كقوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلاة، فاغسلوا) * (5 المائدة: 6) الآية، وقوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5 المائدة: 38) * (والزانية والزاني) * (24 النور: 2) الآية ولو لم يكن ذلك مقتضيا للتكرار لما كان متكررا.

[ 163 ]

الثاني: أن العلة يتكرر الحكم بتكررها إجماعا، والشرط أقوى من العلة لانتفاء الحكم بانتفائه بخلاف العلة، فكان اقتضاؤه للتكرار أولى. الثالث: أن نسبة الحكم إلى إعداد الشرط المعلق عليه نسبة واحدة، ولا اختصاص له بالموجود الاول منها، دون ما بعده، وعند ذلك فإما أن يلزم من انتفاء الحكم مع وجود الشرط ثانيا وثالثا انتفاؤه مع وجود الشرط الاول، أو من وجوده مع الاول الوجود مع الثاني، وما بعده، ضرورة التسوية: والاول خلاف الاجماع، والثاني هو المطلوب. الرابع: أنه لو لم يكن الامر مقتضيا لتعليق الحكم بجميع الشروط، بل بالاول منها، فليزم أن يكون فعل العبادة مع الشرط الثاني، دون الاول، قضاء، وكانت مفتقرة إلى دليل آخر وهو ممتنع. الخامس: أن النهي المعلق بالشرط مفيد للتكرار، كما إذا قال إن دخل زيد الدار، فلا تعطه درهما والامر ضد النهي، فكان مشاركا له في حكمه، ضرورة اشتراكهما في الطلب والاقتضاء. السادس: أن تعليق الامر على الشرط الدائم، موجب لدوام المأمور به بدوامه، كما لو قال إذا وجد شهر رمضان فصمه فإن الصوم يكون دائما بدوام الشهر، وتعليق الامر على الشرط المتكرر في معناه فكان دائما. والجواب عن الاول أنه إذا ثبت بما ذكرناه أن الامر المعلق بالشرط والضفة غير مقتض للتكرار، فحيث قضي بالتكرار إما أن يكون الشرط والصفة علة للحكم المكرر في نفس الامر، كما في الزنى والسرقة، أو لا يكون علة له: فإن كان الاول، فالتكرار إنما كان لتكرر العلة الموجبة للحكم، ولا كلام فيه، وإن كان الثاني، فيجب اعتقاد كونه متكررا لدليل اقتضاه غير الامر المعلق بالشرط والصفة، لما ذكرناه من عدم اقتضائه. كيف وإنه كما قد يتكرر الفعل المأمور به بتكرر الشرط، فقد لا يتكرر كالامر بالحج، فإنه مشروط بالاستطاعة وهو غير متكرر بتكررها.

[ 164 ]

وعن الثاني: أنه لا يلزم من تكرر الحكم بتكرر العلة لكونها موجبة للحكم، تكرره بتكرر الشرط، مع أنه غير موجب للحكم، كما تقرر. وعن الثالث: أنه إنما يلزم القائلين بالوجوب على الفور، وليس كذلك عندنا، بل الامر مقتض للامتثال مع استواء التقديم والتأخير فيه، إذا علم تجدد الشرط، وغلب على الظن بقاء المأمور، ويكون الامر قد اقتضى تعلق المأمور به على الشروط كلها على طريق البدل من غير اختصاص له ببعضها دون بعض. وأما إن لم يغلب على الظن تجدد الشرط، ولا بقاء المأمور إلى حالة وجود الشرط الثاني، فقد تعين اختصاص المأمور بالشرط الاول، لعدم تحقق ما سواه. وعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الرابع أيضا. وعن الخامس أن حاصله يرجع إلى قياس الامر على النهي في اللغة، وهو باطل بما سبق. كيف وإنا لا نسلم أن النهي المضاف إلى الشرط يتكرر بتكرر الشرط، بل ما اقتضاه النهي إنما هو دوام المنع عند تحقق الشرط الاول، سواء تجدد الشرط ثانيا، أو لم يتجدد. وعن السادس أن الشرط المستشهد به، وإن كان له دوام في زمان معين، والحكم موجود معه، فهو واحد والمشروط به غير متكرر بتكرره. وعند ذلك فلا يلزم من لزوم وجود المشروط عند تحقق شرطه من غير تكرر، لزوم التكرر بتكرر الشرط في محل النزاع.

[ 165 ]

المسألة الخامسة اختلفوا في الامر المطلق: هل يقتضي تعجيل فعل المأمور به ؟ فذهبت الحنفية والحنابلة وكل من قال بحمل الامر على التكرار، إلى وجوب التعجيل. وذهبت الشافعية والقاضي أبو بكر وجماعة من الاشاعرة والجبائي وابنه وأبو الحسين البصري إلى التراخي، وجواز التأخير عن أول وقت الامكان. وأما الواقفية فقد توقفوا، لكن منهم من قال: التوقف إنما هو في المؤخر هل هو ممتثل أو لا ؟ وأما المبادر فإنه ممتثل قطعا، لكن هل يأثم بالتأخير ؟ اختلفوا فيه: فمنهم من قال بالتأثيم، وهو اختيار إمام الحرمين، ومنهم من لم يؤثمه، ومنهم من توقف في المبادر أيضا، وخالف في ذلك إجماع السلف. والمختار أنه مهما فعل، كان مقدما أو مؤخرا، كان ممتثلا للامر، ولا إثم عليه بالتأخير. والدليل على ذلك أن الامر حقيقة في طلب الفعل لا غير، فمهما أتى بالفعل في أي زمان كان، مقدما أو مؤخرا كان آتيا بمدلول الامر، فيكون ممتثلا للامر، ولا إثم عليه بالتأخير، لكونه آتيا بما أمر به على الوجه الذي أمر به، وبيان أن مدلول الامر طلب الفعل لا غير، وجهان. الاول: أنه دليل على طلب الفعل بالاجماع، والاصل عدم دلالته على أمر خارج، والزمان وإن كان لا بد منه من ضرورة وقوع الفعل المأمور به، ولا يلزم أن يكون داخلا في مدلول الامر، فإن اللازم من الشئ أعم من الداخل في معناه، ولا أن يكون متعينا، كما لا تتعين الآلة في الضرب، ولا الشخص المضروب، وإن كان ذلك من ضرورات امتثال الامر بالضرب. الوجه الثاني: أنه يجوز ورود الامر بالفعل على الفور وعلى التراخي، ويصح مع ذلك أن يقال بوجود الامر في الصورتين. والاصل في الاطلاق الحقيقة، ولا مشترك بين الصورتين سوى طلب الفعل، لان الاصل عدم ما سواه، فيجب أن يكون هو مدلول الامر في الصورتين، دون ما به الاقتران من الزمان وغيره، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ.

[ 166 ]

فإن قيل: ما ذكرتموه في بيان امتناع خروج الوقت عن الدخول في مقتضى الامر معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من خمسة وجوه: الاول: أنه إذا قال السيد لعبده اسقني ماء فإنه يفهم منه تعجيل السقي، حتى أنه يحسن لوم العبد وذمه في نظر العقلاء بتقدير التأخير، ولولا أنه من مقتضيات الامر لما كان كذلك. إذ الاصل عدم القرينة. الثاني: هو أن مدلول الامر، وهو الفعل المأمور به، لا يقع إلا في وقت وزمان، فوجب أن يكون الامر مقتضيا للفعل في أقرب زمان كالمكان، وكما لو قال لزوجته أنت طالق ولعبده أنت حر فإن مدلول لفظه يقع على الفور في أقرب زمان. الثالث: أن الامر مشارك للنهي في مطلق الطلب، والنهي مقتض للامتثال على الفور، فوجب أن يكون الامر كذلك. الرابع: أن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداد المأمور به مقتض للانتهاء عنها على الفور، وذلك متوقف على فعل المأمور به على الفور، فكان الامر مقتضيا له على الفور. الخامس: أنه تعالى عاتب إبليس ووبخه على مخالفة الامر بالسجود لآدم في الحال بقوله: * (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك ؟) * (7 الاعراف: 12) ولو لم يكن الامر بالسجود مقتضيا له في الحال، لما حسن توبيخه عليه، ولكان تلك عذرا لابليس في تأخيره. سلمنا عدم دلالة الامر على وجوب الفعل على الفور لفظا لكن لم قلتم إنه لا يكون مستلزما له بواسطة دلالته على أصل الوجوب ؟ وبيان ذلك من وجوه أربعة: الاول: أن الامر إذا دل على وجوب الفعل، فقد أجمعنا على وجوب اعتقاده على الفور، مع أن ذلك لم يكن مقتضى للامر، بل هو من لوازم مقتضاه فكان مقتضاه على الفور أولى لاصالته. الثاني: أن إجماع السلف منعقد على أن المبادر يخرج عن عهدة الامر، ولا إجماع في المؤخر، فكان القول بالتعجيل أحوط وأولى.

[ 167 ]

الثالث: أن الفعل واجب بالاتفاق، فلو جاز تأخيره إما أن يجوز إلى غاية معينة، أو لا إلى غاية. فإن جاز تأخيره إلى غاية معينة، فإما أن تكون معلومة للمأمور، أو لا تكون معلومة له: فإن كانت معلومة له، فإما أن تكون مذكورة بأن يقال له إلى عشرة أيام مثلا، أو موصوفة. الاول خلاف الفرض، إذ الفرض فيما إذا كان أمرا مطلقا غير مقيد بوقت في الذكر. وإن كان الثاني فالوقت الموصوف لا يخرج بالاجماع عن الوقت الذي إذا انتهى إليه غلب على ظنه أنه لو أخر المأمور به عنه، لفات، وذلك لا يكون إلا بأمارة تدل عليه، وهي الاجماع غير خارجة عن المرض المرجو وعلو السن، وكل واحد من الامرين مضطرب مختلف، فإنه قد يموت قبل ذلك، أو يعيش بعده فلا يعتمد عليه. وإن كانت الغاية غير معلومة له مع أنه لا يجوز له التأخير عنها، كان ذلك تكليفا بما لا يطاق، وهو ممتنع، وهذا كله فيما إذا جاز التأخير إلى غاية. وإن كان التأخير لا إلى غاية، فإما أن يجوز ذلك ببدل، أو لا ببدل: فإن كان ببدل، فذلك البدل إما أن يكون واجبا أو غير واجب: لا جائز أن لا يكون واجبا، وإلا لما كان بدلا عن الواجب بالاجماع. وإن كان واجبا فهو ممتنع لوجوه أربعة. الاول أنه لو كان واجبا لوجب إنباه المأمور حالة ورود الامر نحوه على من حضره حذرا من فوات الواجب الذي هو البدل، كما لو ضاق عليه الوقت وكان نائما، الثاني هو أن الامر لا تعرض فيه لوجوب البدل، والاصل عدم دليل آخر، ويمتنع القول بوجوب مالا دليل عليه، الثالث: أن البدل لو كان واجبا، لكان قائما مقام المبدل ومحصلا لمقصوده، وإلا لما كان بدلا، لما فيه من فوات مقصود الاصل، ويلزم من ذلك سقوط المأمور به بالكلية بتقدير الاتيان بالبدل ضرورة حصول مقصوده، وهو محال، الرابع: أنه لو كان البدل واجبا لم يخل إما أن يجوز تأخيره عن الوقت الثاني من ورود الامر، أو لا يجوز: فإن كان الاول فالكلام فيه كالكلام في أصل المأمور به، وهو تسلسل ممتنع،

[ 168 ]

وإن كان الثاني، فهو أيضا ممتنع، لان البدل لا يزيد على نفس المبدل، ووقت المبدل غير معين، فكذلك البدل، وإن جاز التأخير أبدا لا ببدل، ففيه إخراج الواجب عن حقيقته، وهو محال. الرابع من الوجوه الاول أن امتثال المأمور به من الخيرات وهو سبب الثواب فوجب تعجيله، لقوله تعالى: * (فاستبقوا الخيرات) * (2 البقرات: 148) وقوله تعالى: * (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، وجنة عرضها السموات والارض) * (3 آل عمران: 133) أمر بالمسارعة والمسابقة، وهي التعجيل، والامر للوجوب. والجواب عن الوجه الاول أنه إنما فهم التعجيل من أمر السيد بسقي الماء من الظن الحاصل بحاجة السيد إليه في الحال، إذ الظاهر أنه لا يطلب سقي الماء من غير حاجة إليه، حتى أنه لو لم يعلم أو يظن أن حاجته إليه داعية في الحال، لما فهم من أمره التعجيل، ولا حسن ذم العبد بالتأخير. فإن قيل: أهل العرف إنما يذمون العبد بمخالفة مطلق الامر، ويقولون في معرض الذم خالف أمر سيده وذلك يدل على أن مطلق الامر هو المقتضي للتعجيل دون غيره. قلنا: إنما نسلم صحة ذلك في الامر المقيد بالقرينة دون المطلق، والامر فيما نحن فيه مقيد، ثم هو معارض عند مطلق الامر بصحة عذر العبد بقوله إنما أخرت لعدم علمي وظني بدعو حاجته إليه في الحال وليس أحد الامرين أولى من الآخر. وعن الثاني من وجهين: الاول: لا نسلم تعين أقرب الاماكن، ولا نسلم أن قوله أنت طالق، وأنت حر يفيد صحة الطلاق والعتق بوضعه له لغة، بل ذلك لسبب جعل الشرع له علامة على ذلك الحكم الخالي، ولا يلزم من ذلك أن يكون الامر موضوعا للفور. الثاني: أن حاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وهو ممتنع كما سبق. وعن الثالث والرابع: ما سبق في المسألة المتقدمة. وعن الخامس: أن توبيخه لابليس إنما كان ذلك لابائه واستكباره، ويدل عليه قوله تعالى * (إلا إبليس أبى واستكبر) * (2 البقرة: 34) ولتخيره على آدم بقوله: * (أنا خير منه،

[ 169 ]

خلقتني من نار وخلقته من طين) * (7 الاعراف: 12) ولا يمكن إضافة التوبيخ إلى مطلق الامر من هو حيث هو أمر، لانه منقسم إلى أمر إيجاب واستحباب، كما سبق تقريره، ولا توبيخ على مخالفة أمر الاستحباب إجماعا. ولو كان التوبيخ على مطلق الامر، لكان أمر الاستحباب موبخا على مخالفته، فلم يبق إلا أن يكون التوبيخ على أمر الايجاب، وهو منقسم إلى أمر إيجاب على الفور، وأمر إيجاب على التراخي، كما إذا قال أوجبت عليك متراخيا ولا يلزم منه أن يكون مطلق الامر للايجاب حالا. وإن سلمنا أنه وبخه على مخالفة الامر في الحال، ولكن لا نسلم أن الامر بالسجود كان مطلقا، بل هو مقترن بقرينة لفظية موجبة لحمله على الفور، وهي قوله تعالى: * (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين) * (15 الحجر: 29) رتب السجود على هذه الاوصاف بفاء التعقيب، وهي مقتضية للسجود عقبها على الفور من غير مهلة. قولهم: لم قلتم بأنه لا يكون مستلزما للفور بواسطة دلالته على وجوب الفعل ؟ قلنا: الاصل عدم ذلك. قولهم إنه يجب تعجيل اعتقاد وجوب الفعل، قلنا: ولم يلزم منه تعجيل وجوب الفعل. قولهم إنه من لوازم وجوب الفعل، قلنا من لوازم وجوب تقديم الفعل، أو من لوازم وجوب الفعل ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لا يلزم منه وجوب تقديم الفعل، بدليل ما لو أوجب الفعل مصرحا بتأخيره، فإنه يجب تعجيل اعتقاد وجوبه، وإن لم يكن وجوب الفعل على الفور. قولهم: القول بالتعجيل أحوط للمكلف، قلنا الاحتياط إنما هو باتباع المكلف ما أوجبه ظنه: فإن ظن الفور، وجب عليه اتباعه، وإن ظن التراخي، وجب عليه اتباعه، وإلا فبتقدير أن يكون قد غلب على ظنه التراخي، فالقول بوجوب التعجيل على خلاف ظنه، يكون حراما وارتكاب المحرم يكون إضرارا، فلا يكون احتياطا. قولهم: لو جاز التأخير، إما أن يكون إلى غاية، أو لا إلى غاية إلى آخره،

[ 170 ]

فهو منقوض بما لو صرح الآمر بجواز التأخير، فإن كل ما ذكروه من الاقسام متحقق فيه، مع جواز تأخيره، وما ذكروه من الآيتين الاخيرتين فهو غير دال على وجوب تعجيل الفعل المأمور به، فإنهما بمنطوقهما يدلان على المسارعة إلى الخيرات والمغفرة. والمراد به إنما هو المسارعة إلى سبب ذلك، ودلالتهما على السبب إنما هي بجهة الاقتضاء، والاقتضاء لا عموم له، على ما يأتي تقريره، فلا دلالة لهما على المسارعة إلى كل سبب للخيرات والمغفرة، فيختص ذلك بما اتفق على وجوب تعجيله من الافعال المأمور بها، ولا يعم كل فعل مأمور به. المسألة السادسة الامر بالشئ على التعيين، هل هو نهي عن أضداده ؟ اختلفوا فيه: وتفصيل المذاهب: أما أصحابنا فالامر عندهم هو الطلب القائم بالنفس، وقد اختلفوا: فمنهم من قال: الامر بالشئ بعينه نهي عن أضداده، وإن طلب الفعل بعينه، طلب ترك أضداده، وهو قول القاضي أبي بكر في أول أقواله. ومنهم من قال: هو نهي عن أضداده، بمعنى أنه يستلزم النهي عن الاضداد، لا أن الامر هو عين المنهي، وهو آخر ما اختاره القاضي في أخر أقواله.

[ 171 ]

ومنهم من منع من ذلك مطلقا، وإليه ذهب إمام الحرمين والغزالي. وأما المعتزلة فالامر عندهم نفس صيغة: افعل وقد اتفقوا على أن عين صيغة افعل لا تكون نهيا، لان صيغة النهي لا تفعل وليس إحداهما عين الاخرى، وإنما اختلفوا في أن الآمر بالشئ هل يكون نهيا عن أضداده من جهة المعنى: فذهب القدماء من مشايخ المعتزلة إلى منعه ومن المعتزلة من صار إليه، كالعارضي وأبي الحسين البصري وغيرهما من المعتبرين منهم. ومعنى كونه نهيا عن الاضداد من جهة المعنى عندهم، أن صيغة الامر تقتضي إيجاد الفعل والمنع من كل ما يمنع منه. ومنهم من فصل بين أمر الايجاب، والندب، وحكم بأن أمر الايجاب يكون نهيا عن أضداده ومقبحا لها، لكونها مانعة من فعل الواجب، بخلاف المندوب. ولهذا، فإن أضداد المندوب من الافعال المباحة غير منهي عنها، لا نهي تحريم ولا نهي تنزيه. والمختار إنما هو التفصيل، وهو إما أن نقول بجواز التكليف بما لا يطاق، أو لا يقول به: فإن قلنا بجوازه، على ما هو مذهب الشيخ أبي الحسن، رحمة الله عليه، كما سبق تقريره، فالامر بالفعل لا يكون بعينه نهيا عن أضداده، ولا مستلزما للنهي عنها، بل جائز أن نؤمر بالفعل وبضده، في الحالة الواحدة، فضلا عن كونه لا يكون منهيا عنه.

[ 172 ]

وإن منعنا ذلك فالمختار أن الامر بالشئ يكون مستلزما للنهي عن أضداده، لا أن يكون عين الامر هو عين النهي عن الضد، وسواء كان الامر أمر إيجاب أو ندب. أما أنه مستلزم للنهي عن الاضداد، فلان فعل المأمور به لا يتصور إلا بترك أضداده. وما لا يتم فعل المأمور به دون تركه، فهو واجب الترك، إن كان الامر للايجاب ومندوب إلى تركه، إن كان الامر للندب، على ما سبق تقريره، وهو معنى كونه منهيا عنه، غير أن النهي عن أضداد الواجب يكون نهي تحريم، وعن أضداد المندوب، نهي كراهة وتنزيه، وأما أنه لا يكون عين الامر هو عين النهي. فإذا قلنا إن الامر هو صيغة افعل فظاهر، على ما سبق، وأما على قولنا إن الامر هو الطلب القائم بالنفس، فلانا إذا فرضنا الكلام في الطلب النفساني القديم، فهو وإن اتحد على أصلنا، فإنما يكون أمرا بسبب تعلقه بإيجاد الفعل، وهو من هذه الجهة لا يكون نهيا، لانه إنما يكون نهيا بسبب تعلقه بترك الفعل وهما، بسبب التغاير في التعلق والمتعلق، متغايران. وإن فرضنا الكلام في الطلب القائم بالمخلوق، فهو وإن تعدد، فالامر منه أيضا، إنما هو الطلب المتعلق بإيجاد الفعل، وهما غيران. فإن قيل: لو كان الامر بالفعل مستلزما للنهي عن أضداده لكان الامر بالعبادة مستلزما للنهي عن جميع المباحات المضادة لها، ويلزم من ذلك أن تكون حراما إن كان النهي نهي تحريم أو مكروهة إن كان النهي نهي تنزيه، وخرج المباح عن كونه مباحا، كما ذهب إليه الكعبي من المعتزلة،

[ 173 ]

بل ويلزم منه أن يكون ما عدا العبادة المأمور بها من العبادات المضادة لها منهيا عنها، ومحرمة أو مكروهة، وهو محال. كيف وإن الآمر بالفعل قد يكون غافلا عن أضداده، والغافل عن الشئ لا يكون ناهيا عنه، لان النهي عن الشئ يستدعي العلم به، والعلم بالشئ مع الذهول عنه محال. سلمنا أنه مستلزم للنهي عن أضداده، لكن يمتنع أن يكون النهي عن الاضداد غير الامر، بل يجب أن يكون هو هو بعينه، كما قاله القاضي أبو بكر في أحد قوليه ومأخذه أنه إذا وقع الاتفاق على أنه يلزم من الامر بالفعل النهي عن أضداده، فذلك النهي إن كان هو غير الامر، فإما أن يكون ضدا له، أو مثلا، أو خلافا: لا جائز أن يقال بالمضادة، وإلا لما اجتمعا، وقد اجتمعا. ولا جائز أن يكون مثلا لان المتماثلات أضداد على ما عرف في الكلاميات. ولا جائز أن يكون خلافا، وإلا جاز وجود أحدهما دون الآخر، كما في العلم والارادة ونحوهما، ولجاز أن يوجد أحدهما مع ضد الآخر، كما يوجد العلم بالشئ مع الكراهة المضادة لارادته، ويلزم من ذلك، أنه إذا أمر بالحركة المضادة للسكون إذا كان النهي عن السكون مخالفا للامر بالحركة أن يجتمع الامر بالحركة والامر بالسكون المضاد المنهي عنه وفيه الامر بالضدين معا، وهو ممتنع على ما وقع به الفرض. وإذا بطلت المغايرة تعين الاتحاد. وعلى هذا، فالحركة عين ترك

[ 174 ]

السكون، وشغل الجوهر بحيز هو عين تفريغه لغيره، وعين القرب من المشرق بالفعل الواحد هو عين البعد من المغرب، فطلب أحدهما بعينه طلب الآخر لاتحاد المطلوب. والجواب: عن السؤال الاول أنا لا نمنع من كون المباحات بل الواجبات المضادة المأمور بها منهيا عنها من جهة كونها مانعة من فعل المأمور به، لا في ذاتها، كما نقول في فعل الصلاة في الدار المغصوبة، فإنه في ذاته غير منهي عنه، وإن كا ن منهيا عنه من جهة ما يتعلق به من شغل ملك الغير، كما سبق ذكره. والالتفات إلى ما يهول به من خروج المباحات عن كونها مباحة، فإن ذلك إنما يلزم إن لو قيل بكونها منهيا عنها في ذواتها. وأما إذا قيل بكونها منهيا مانعة من فعل المأمور به، فلا. قولهم إنه قد يأمر بالفعل من هو غافل عن أضداده، قلنا لا نسلم أن الآمر بالشئ عند كونه آمرا به يتصور أن يكون عافلا عن طلب ترك ما يمنع من فعل المأمور به من جهة الجملة، وإن كان غافلا عن تفصيله. ونحن إنما نريد بقولنا إن الامر بالشئ يستلزم النهي عن الاضداد من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل قولهم إنه يمتنع أن يكون النهي عن الاضداد غير الامر، قلنا: دليله ما سبق. وما ذكره القاضي أبو بكر من الدليل، فالمختار منه إنما هو قسم التخالف، ولا يلزم من ذلك جواز انفكاك أحدهما عن الآخر لجواز أن يكونا من قبيل المختلفات المتلازمة، كما في المتضايفات، وكل متلازمين من الطرفين، وبه

[ 175 ]

يمتنع الجمع بين وجود أحدهما وضد الآخر، ولا يلزم من جواز ذلك في بعض المختلفات جوازه في الباقي. وإذا بطل ما ذكره من دليل الاتحاد بطل ما هو مبني عليه. المسألة السابعة مذهب أصحابنا والفقهاء وأكثر المعتزلة، أن الاتيان بالمأمور به يدل على الاجزاء، خلافا للقاضي عبد الجبار من المعتزلة ومتبعيه فإنه قال: لا يدل على الاجزاء. وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من تحقيق معنى الاجزاء ليكون التوارد بالنفي والاثبات على محز واحد، فنقول: كون الفعل مجزئا قد يطلق بمعنى أنه امتثل به الامر عندما إذا أتي به على الوجه الذي أمر به، وقد يطلق بمعنى أنه مسقط للقضاء، وإذا علم معنى كون الفعل مجزئا فقد اتفق الكل على أن الاتيان بالمأمور به على الوجه الذي أمر به، يكون مجزئا، بمعنى كونه امتثالا للامر، وذلك مما لا خلاف فيه. وإنما خالف القاضي عبد الجبار في كونه مجزئا، بالاعتبار الآخر، وهو أنه لا يسقط القضاء، ولا يمتنع مع فعله من الامر بالقضاء وهو مصرح به في عمده. وعلى هذا، فكل من استدل من أصحابنا كإمام الحرمين وغيره من القائلين بالاجزاء على كون الفعل امتثالا وخروجا عن عهدة الامر الاول، فقد استدل على محل الوفاق، وحاد عن موضع التزاع. لكن قد أورد أبو الحسين البصري إشكالا على تفسير إجزاء الفعل بكونه مسقطا للقضاء، وقال: لو أمر بالصلاة مع الطهارة، فأتى بها من غير طهارة، ومات عقيب الصلاة، فإنه لا يكون فعله مجزئا، وإن كان القضاء ساقطا. وربما زاد عليه بعض الاصحاب، وقال: يمتنع تفسير الاجزاء بسقوط القضاء، لانا نعلل وجوب القضاء بكون الفعل الاول لم يكن مجزئا، والعلة لا بد وأن تكون مغايرة للمعلول.

[ 176 ]

والوجه في إبطالهما أن يقال: أما الاول فلان الاجزاء ليس هو نفس سقوط القضاء مطلقا، ليلزم ما قيل، بل سقوط القضاء بالفعل في حق من يتصور في حقه وجوب القضاء، وذلك غير متصور في حق الميت. وأما الثاني: فلان علة صحة وجوب القضاء إنما هو استدراك ما فات من مصلحة أصل العبادة، أو صفتها، أو مصلحة ما انعقد سبب وجوبه. ولم يجب لمانع، لا ما قيل. وإذا تنقح محل النزاع فنعود إلى المقصود فنقول: الفعل المأمور به لا يخلو: إما أن يكون قد أتى به المأمور على نحو ما أمر به من غير خلل ولا نقص في صفته وشرطه، أو أتى به على نوع من الخلل. والقسم الثاني: أنه لا نزاع في كونه غير مجزئ ولا مسقط للقضاء، وإنما النزاع في القسم الاول، وليس النزاع فيه أيضا من جهة أنه يمتنع ورود أمر مجدد بعد خروج الوقت بفعل مثل ما أمر به أولا، وإنما النزاع في ورود الامر بالفعل متصفا بصفة القضاء، والحق نفيه، لان القضاء عبارة عن استدراك ما فات من مصلحة الاداء أو مصلحة صفته، أو شرطه. وإذا كان المأمور به قد فعل على جهة الكمال والتمام، من غير نقص ولا خلل، فوجوب القضاء استدراكا لما قد حصل، تحصيل للحاصل، وهو محال. ومن ينفي القضاء إنما ينفيه بهذا التفسير، وهذا مما يتعذر مع تحقيقه المنازعة فيه، وإن كان لا ينكر إمكان ورود الامر خارج الوقت، بمثل ما فعل أولا، غير أنه لا يسميه قضاء. ومن سماه قضاء، فحاصل النزاع معه آيل، إلى اللفظ دون المعنى.

[ 177 ]

شبه الخصوم: الاولى أن من صلى، وهو يظن أنه متطهر، ولم يكن متطهرا مأمور بالصلاة، فإن كان مأمورا بها مع الطهارة حقيقة، فهو عاص آثم بصلاته، حيث لم يكن متطهرا، وإن كان مأمورا بالصلاة على حسب حاله، فقد أتى بما أمر به على الوجه الذي أمر به، ومع ذلك يجب عليه القضاء، إذ لم يكن متطهرا. وكذلك المفسد للحج مأمور بمضيه في حجة الفاسد، ويجب عليه القضاء. الثانية: أن الامر لا يدل على غير طلب الفعل، ولا دلالة له على امتناع التكليف بمثل فعل ما أمر به، فلا يكون مقتضيا له. الثالثة: أن الامر، مثل النهي في الطلب، والنهي لا دلالة فيه على فساد المنهي عنه، فالامر لا يدل على كون المأمور به مجزئا. وجواب الاولى أنا لا نسلم وجوب القضاء فيما إذا صلى على ظن الطهارة، ثم علم أنه لم يكن متطهرا، على قول لنا، وإن سلمنا وجوب القضاء، لكنه ليس واجبا عما أمر به من الصلاة المظنون طهارتها، ولا عما أمر به من المضي في الحج الفاسد، لانه قد أتى بما أمر به على النحو الذي أمر به، وإنما القضاء استدراك لمصلحة ما أمر به أولا، من الصلاة مع الطهارة، والحج العري عن الفساد. وعن الثانية: أنا لا نمنع من ورود أمر يدل على مثل ما فعل أولا، وإنما المدعى أنه إذا أتى المأمور بفعل المأمور به على نحو ما أمر به، امتنع وجوب القضاء بما ذكرناه من التفسير. وعن الثالثة أنه قياس في اللغة وقد أبطلناه، وإن سلم صحته، غير أنا لا نقول بأن الامر يدل على الاجزاء بمعنى امتناع وجوب القضاء، بل امتثال الامر هو المانع من وجوب القضاء على ما تقرر وفرق بين الامرين.

[ 178 ]

المسألة الثامنة إذا وردت صيغة افعل بعد الحظر، فمن قال إنها للوجوب قبل الحظر، اختلفوا، فمنهم من أجراها على الوجوب، ولم يجعل لسبق الحظر تأثيرا كالمعتزلة، ومنهم من قال بأنها للاباحة ورفع الحجر لا غير، وهم أكثر الفقهاء، ومنهم من توقف كإمام الحرمين وغيره. والمختار أنها، وإن كانت ظاهرة في الطلب والاقتضاء، وموقوفة بالنسبة إلى الوجوب والندب، على ما سبق تقرير كل واحد من الامرين، إلا أنها محتملة للاباحة والاذن في الفعل، كما تقدم. فإذا وردت بعد الحظر، احتمل أن تكون مصروفة إلى الاباحة ورفع الحجر، كما في قوله تعالى: * (وإذا حللتم فاصطادوا) * (5) المائدة: 2) * (وإذا طعمتم فانتشروا) * (33) الاحزاب: 53) * (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا) * (62) الجمعة: 10) وقوله (ص): كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الاضاحي فادخروا واحتمل أن تكون مصروفة إلى الوجوب، كما لو قيل للحائض والنفساء: إذا زال عنك الحيض فصلي وصومي. وعند هذا، فإما أن يقال بتساوي الاحتمالين، أو بترجيح أحدهما على الآخر. فإن قيل بالتساوي، امتنع الجزم بأحدهما، ووجب التوقف. وإن قيل بوجوب الترجيح وامتناع التعارض من كل وجه، فليس اختصاص الوجوب به، أولى من الاباحة، إلا أن يقوم الدليل على التخصيص، والاصل عدمه. وعلى هذا أيضا، فيجب التوقف كيف وأن احتمال الحمل على الاباحة أرجح، نظرا إلى غلبة ورود مثل ذلك للاباحة، دون الوجوب. وعلى كل تقدير، فيمتنع الصرف إلى الوجوب. وبالجملة، فهذه المسألة مستمدة من مسألة أن صيغة افعل إذا وردت مطلقة، هل هي ظاهرة في الوجوب، أو الندب، أو موقوفة. وقد تقرر مأخذ كل فريق، وما هو المختار فيه، والله أعلم.

[ 179 ]

المسألة التاسعة إذا ورد الامر بعبادة في وقت مقدر، فلم تفعل فيه لعذر، أو لغير عذر، أو فعلت فيه على نوع من الخلل، اختلفوا في وجوب قضائها بعد ذلك الوقت، هل هو بالامر الاول، أو بأمر مجدد: الاول هو مذهب الحنابلة وكثير من الفقهاء، والثاني هو مذهب المحققين من أصحابنا والمعتزلة. ونقل عن أبي زيد الدبوسي أنه قال بوجوب القضاء بقياس الشرع. وإن ورد مطلقا غير مقيد بوقت، فمن قال بحمله على الفور، اختلفوا فيما إذا وقع الاخلال به في أول وقت الامكان هل يجب قضاؤه بنفس ذلك الامر، أو بأمر مجدد. والمختار أنه، مهما قيد الامر بوقت، فالقضاء بعده لا يكون إلا بأمر مجدد. وبيانه من وجوه. الاول: أنه لو كان الامر الاول مقتضيا للقضاء، لكان مشعرا به، وهو غير مشعر به، فإنه إذا قال: صم في يوم الخميس، أو صل في وقت الزوال فإنه لا إشعار له بإيقاع الفعل في غير ذلك الوقت لغة. الثاني: أنه إذا علق الفعل بوقت معين، فلا بد وأن يكون ذلك لحكمة ترجع إلى المكلف، إذ هو الاصل في شرع الاحكام. وسواء ظهرت الحكمة، أم لم تظهر، وتلك الحكمة إما أن تكون حاصلة من الفعل في غير ذلك الوقت، أو غير حاصلة، وليست حاصلة لثلاثة أوجه: الاول: أنه يحتمل أن يكون ويحتمل أن لا يكون، والاصل العدم. الثاني: أنها لو كانت حاصلة، فإما أن تكون مثلا لها في الوقت الاول أو أزيد، لا جائز أن تكون أزيد، وإلا كان الحث على إيجاد الفعل بعد فوات وقته أولى من فعله في الوقت، وهو محال. وإن كانت مثلا، فهو ممتنع، وإلا لما كان تخصيص أحد الوقتين بالذكر أولى من الآخر.

[ 180 ]

الثالث: أن الفعل في الوقت موصوف بكونه أداء، وقد قال عليه السلام: لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم. وإذا لم تكن حاصلة في الوقت الثاني حسب حصولها في الوقت الاول، فلا يلزم من اقتضاء الامر للفعل في الوقت الاول أن يكون مقتضيا له فيما بعده. وصار هذا كما لو أمر الطبيب بشرب الدواء في وقت، فإنه لا يكون متناولا لغير ذلك الوقت. وكذلك إذا علق الامر بشرط معين كاستقبال جهة معينة، أو بمكان معين، كالامر بالوقوف بعرفة، فإنه لا يكون متناولا لغيره. الوجه الثالث من الوجوه الاول أن العبادات المأمور بها منقسمة إلى ما يجب قضاؤه كالصوم والصلاة، وإلى ما لا يجب، كالجمعة والجهاد. فلو كان الامر الاول مقتضيا للقضاء لكان القول بعدم القضاء فيما فرض من الصور على خلاف الدليل، وهو ممتنع. الرابع قوله (ص): من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها أمر بالقضاء، ولو كان مأمورا به بالامر الاول، لكانت فائدة الخبر التأكيد، ولو لم يكن مأمورا به، لكانت فائدته التأسيس، وهو أولى لعظم فائدته. فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من خمسة أوجه. الاول: قوله، (ص): إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ومن فاته الوقت الاول فهو مستطيع للفعل في الوقت الثاني. الثاني: أن الامر إنما يدل على طلب الفعل، وهو مقتضاه لا غير، وأما الزمان فلا يكون مطلوبا بالامر، إذ ليس هو من فعل المكلف، وإنما وقع ذلك ضرورة كونه ظرفا للفعل، فاختلاله لا يؤثر في مقتضى الامر، وهو الفعل. الثالث: أن الغالب من المأمورات في الشرع إنما هو القضاء بتقدير فوات أوقاتها المعينة، ولا بد لذلك من مقتض، والاصل عدم كل ما سوى الامر السابق، فكان هو المقتضي.

[ 181 ]

الرابع: أنه لو وجب القضاء بأمر مجدد لكان أداء كما في الامر الاول، ولما كان لتسميته قضاء معنى. الخامس: أن العبادة حق لله تعالى، والوقت المفروض كالاجل لها، ففوات أجلها لا يوجب سقوطها، كما في الدين للآدمي، ولانه لو سقط وجوب الفعل بفوات الوقت لسقط المأثم لانه من أحكام وجوب الفعل، ولان الاصل بقاء الوجوب. فالقول بالسقوط بفوات الاجل على خلاف مقتضى الاصل. والجواب: عن المعارضة الاولى أن الخبر دليل وجوب الاتيان بما استطيع من المأمور به، وإنما يفيد أن لو كان الفعل في الوقت الثاني داخلا تحت الامر الاول، وهو محل النزاع. وعن الثاني أن الامر اقتضى مطلق الفعل، أو فعلا مخصوصا بصفة وقوعه، في وقت معين ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. وعن الثالث أن القضاء فيما قيل بقضائه، إنما كان بناء على أدلة أخرى، لا بالامر الاول. قولهم، الاصل عدم ما سوى الامر الاول، قلنا: والاصل عدم دلالة الامر الاول عليه، كيف وقد بينا عدم دلالته. وعن الرابع أنه إنما سمي قضاء لكونه مستدركا لما فات من مصلحة الفعل المأمور به أولا، أو مصلحة وصفه، كما تقدم تحقيقه. وعن الخامس بمنع كون الوقت أجلا للفعل المأمور به، إذ الاجل عبارة عن وقت مهلة وتأخير المطالبة بالواجب من أوله إلى آخره، كما في الحول بالنسبة إلى وجوب الزكاة. ولذلك لا يأثم بإخراج وقت الاجل عن قضاء الدين، وإخراج الحول عن أداء الزكاة فيه، ولا كذلك الوقت المقدر للصلاة، بل هو صفة الفعل الواجب. ومن وجب عليه فعل بصفة لا يكون مؤديا له دون تلك الصفة. وعلى هذا، فلا يخفى الكلام في الامر المطلق إذا كان محمولا على الفور، ولم يؤت بالمأمور به في أول وقت الامكان.

[ 182 ]

المسألة العاشرة الامر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من الافعال لا يكون أمرا لذلك الغير بذلك الفعل. وبيانه من وجهين: الاول: أنه لو كان أمرا لذلك الغير لكان ذلك مقتضاه لغة، ولو كان كذلك لكان أمره، (ص)، لاولياء الصبيان قوله: مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع أمرا للصبيان بالصلاة من الشارع، وليس كذلك، لوجهين، الاول أن الامر الموجه نحو الاولياء أمر تكليف، ولذلك يذم الولي بتركه شرعا، فلو كان ذلك أيضا أمرا للصبيان لكانوا مكلفين بأمر الشارع، وخاصة ذلك لحوق الذم بالمخالفة شرعا، وهو غير متصور في حق الصبيان، لعدم فهمهم لخطاب الشارع، ويدل عليه قوله، (ص): رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ الخبر، ويمكن أن يقال فيه: الامر للولي والصبي، وإن كان واحدا، غير أن نسبته إليهما مختلفة، فلا يمتنع اختلافهما في الذم بسبب ذلك. الثاني: أنه لو كان أمرا للصبي لم يخل إما أن يكون أهلا لفهم خطاب الشارع، أو لا يكون أهلا له. فإن كان الاول، فلا حاجة إلى أمر الولي له، أو أن يكون أحد الامرين تأكيدا، والاصل في إفادة الالفاظ لمعانيها إنما هو التأسيس، وإذا لم يكن أمر الولي بأمر الصبيان أمرا للصبيان، فإما أن يكون ذلك لعدم اقتضائه لذلك لغة، أو لمعارض، والمعارضة يلزم منها تعطيل أحد الدليلين عن إعماله، وهو خلاف الاصل، فلم يبق إلا أن يكون ذلك لعدم اقتضائه له لغة وهو المطلوب. الثاني: من الوجهين الاولين أنه يحسن أن يقول السيد لعبده سالم مر غانما بكذا ويقول لغانم لا تطعه ولا يعد ذلك مناقضة في كلامه، ولو كان ذلك أمرا لغانم، لكان كأنه قال أوجبت عليك طاعتي، ولا تطعني وهو تناقض. وعلى هذا، لو أوجب الآمر على المأمور أن يأخذ من غيره مالا، لا يكون ذلك إيجابا للاعطاء على ذلك الغير، كما في قوله تعالى لنبيه: * (خذ من أموالهم صدقة) * (9) التوبة: 103) فإن ذلك لا يدل على إيجاب إعطاء الصدقة على الامة بنفس ذلك الايجاب، بل إن

[ 183 ]

وجب فإنما يجب بدليل آخر، موجب لطاعة الرسول فيما يحكم به، تعظيما له، ونفيا لما يلزم من مخالفته، من تحقيره وهضمه في أعين الناس المبعوث إليهم، المفضي إلى الاخلال بمقصود البعثة، وإلا، فلا يبعد أن يقول السيد لاحد عبديه أوجبت عليك أن تأخذ من العبد الآخر كذا ويقول الآخر حرمت عليك موافقته من غير مناقضة فيما أوجبه، ولو كان إيجاب ذلك على أحد العبدين إيجابا على العبد الآخر لكان تناقضا. فإن قيل: وجوب الاخذ إنما يتم بالاعطاء، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. قلنا: إن كان الوجوب متعلقا بنفس الطلب، فهو غير متوقف على الاعطاء. وإن كان متعلقا بنفس الاخذ، (وإن كان لا يتم ذلك دون الاعطاء) فليس كل ما يتوقف عليه الواجب يكون واجبا، إلا أن يكون ذلك مقدورا لمن وجب عليه الاخذ، وإعطاء الغير غير مقدور لمن وجب عليه الاخذ، فلا يكون واجبا. المسألة الحادية عشرة إذا أمر بفعل من الافعال مطلقا غير مقيد في اللفظ بقيد خاص، قال بعض أصحابنا: الامر إنما تعلق بالماهية الكلية المشتركة، ولا تعلق له بشئ من جزئياتها، وذلك كالامر بالبيع، فإنه لا يكون أمرا بالبيع بالغبن الفاحش، ولا بثمن المثل، إذ هما متفقان في مسمى البيع، ومختلفان بصفتهما. والامر إنما تعلق بالقدر المشترك، وهو غير مستلزم لما تخصص به كل واحد من الامرين، فلا يكون الامر المتعلق بالاعم متعلقا بالاخص، اللهم إلا أن تدل القرينة على إرادة أحد الامرين. قال: ولذلك قلنا إن الوكيل في البيع المطلق لا يملك البيع بالغبن الفاحش، وهو غير صحيح. وذلك لان ما به الاشتراك بين الجزئيات معنى كلي لا تصور لوجوده في الاعيان، وإلا كان موجودا في جزئياته. ويلزم من ذلك انحصار ما يصلح اشتراك كثيرين فيه فيما لا يصلح لذلك وهو محال.

[ 184 ]

وعلى هذا، فليس معنى اشتراك الجزئيات في المعنى الكلي هو أن الحد المطابق للطبيعة الموصوفة بالكلية مطابق للطبيعة الجزئية بل إن تصور وجوده، فليس في غير الاذهان. وإذا كان كذلك، فالامر: طلب إيقاع الفعل على ما تقدم، وطلب الشئ يستدعي كونه متصورا في نفس الطالب، على ما تقدم تقريره. وإيقاع المعنى الكلي في الاعيان غير متصور في نفسه فلا يكون متصورا في نفس الطالب، فلا يكون أمرا به، ولانه يلزم منه التكليف بما لا يطاق، ومن أمر بالفعل مطلقا لا يقال إنه مكلف بما لا يطاق، فإذا الامر لا يكون بغير الجزئيات الواقعة في الاعيان، لا بالمعنى الكلي، وبطل ما ذكره. ثم وإن سلم أن الامر متعلق بالمعنى الكلي المشترك، وهو المسمى بالبيع، فإذا أتى المأمور ببعض الجزئيات، كالبيع بالغبن الفاحش، فقد أتى بما هو مسمى البيع المأمور به، الموكل فيه، فوجب أن يصح، نظرا إلى مقتضى صيغة الامر المطلق بالبيع. وإن قيل بالبطلان، فلا يكون ذلك لعدم دلالة الامر به، بل لدليل معارض. المسألة الثانية عشرة الامران المتعاقبان إما أن لا يكون الثاني معطوفا على الاول أو يكون معطوفا، فإن كان الاول، فإما أن يختلف المأمور به أو يتماثل: فإن اختلف، فلا خلاف في اقتضاء المأمورين على اختلاف المذاهب في الوجوب والندب والوقف، وسواء أمكن الجمع بينهما، كالصلاة مع الصوم، أم لا يمكن الجمع، كالصلاة في مكانين، أو الصلاة مع أداء الزكاة، وإن تماثل، فإما أن يكون المأمور به قابلا للتكرار، أو لا يكون قابلا له: فإن لم يكن قابلا له كقوله صم يوم الجمعة، صم يوم الجمعة فإنه للتأكيد المحض، وإن كان قابلا للتكرار، فإن كانت العادة مما تمنع من تكرره كقول السيد لعبده اسقني ماء، اسقني ماء أو كان الثاني منهما

[ 185 ]

معرفا كقوله أعط زيدا درهما، أعط زيدا الدرهم فلا خلاف أيضا في كون الثاني مؤكدا للاول. وإنما الخلاف فيما لم تكن العادة مانعة من التكرار، والثاني غير معرف، كقوله: صل ركعتين، صل ركعتين. فقال القاضي عبد الجبار: إن الثاني يفيد غير ما أفاده الاول، ويلزم الاتيان بأربع ركعات، مصيرا منه إلى أن الامر الثاني، لو انفرد أفاد اقتضاء الركعتين، فكذلك إذا تقدمه أمر آخر، لان الاقتضاء لا يختلف. وخالفه أبو الحسين البصري بالذهاب إلى الوقف والتردد بين حمل الامر الثاني على الوجوب، أو التأكيد للاول والاظهر أنه إذا لم تكون العادة مانعة من التكرار، ولا الثاني معرف، أن مقتضى الثاني غير مقتضى الاول. وسواء قلنا إن مقتضى الامر الوجوب أم الندب، أم هو موقوف بين الوجوب والندب، كما سبق، لانه لو كان مقتضيا عين ما اقتضاه الاول، لكانت فائدته التأكيد، ولو كان مقتضيا غير ما اقتضاه الاول، لكانت فائدته التأسيس، والتأسيس أصل، والتأكيد فرع، وحمل اللفظ على الفائدة الاصلية أولى. فإن قيل إلا أنه يلزم منه تكثير مخالفة النفي الاصلي، ودليل براءة الذمة من القدر الزائد، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، فهو معارض بما يلزم من التأكيد من مخالفة ظاهر الامر فإنه إما أن يكون ظاهرا في الوجوب أو الندب، أو هو متردد بينهما، على وجه لا خروج له عنهما، على اختلاف المذاهب، وحمله على التأكيد خلاف ما هو الظاهر من الامر. وإذا تعارض الترجيحان، سلم لنا ما ذكرناه أولا. كيف وإنه يحتمل أن يكون للوجوب في نفس الامر، وفي تركه محذور فوات المقصود من الواجب، وتحصيل مقصود التأكيد، ولا يخفى أن تفويت مقصود التأكيد وتحصيل مقصود الواجب أولى. وأما إن كان الامر الثاني معطوفا على الاول، فإن كان المأمور به مختلفا، فلا نزاع أيضا في اقتضائهما للمأمورين، أمكن الجمع بينهما أو لم يمكن. وإن تماثلا فالمأمور به إن لم يقبل التكرار، فالامر الثاني للتأكيد من غير خلاف، كقوله: صم يوم الجمعة، وصم يوم الجمعة وإن كان قابلا للتكرار فإن لم تكن العادة مانعة

[ 186 ]

من التكرار، ولا الثاني معرف، فالحكم على ما تقدم فيما إذا لم يكن حرف عطف، ويزيد ترجيح آخر، وهو موافقة الظاهر من حروف العطف، وذلك كقوله: صل ركعتين، وصل ركعتين. وأما إن كانت العادة تمنع من التكرار، أو كان الثاني معرفا، كقوله: اسقني ماء، واسقني ماء وكقوله: صل ركعتين، وصل ركعتين فقد تعارض الظاهر من حروف العطف مع اللام المعرف، أو مع منع العادة من التكرار، ويبقى الامر على ما ذكرناه فيما إذا لم يكن حرف عطف، ولا ثم تعريف ولا عادة مانعة من التكرار. وقد عرف ما فيه. وأما إن اجتمع التعريف والعادة المانعة من التكرار في معارضة حرف العطف، كقوله: اسقني ماء واسقني الماء فالظاهر الوقف لان حرف العطف مع ما ذكرناه من الترجيح السابق الموجب لحمل الامر الثاني على التأسيس واقع في مقابلة العادة المانعة من التكرار، ولام التعريف، ولا يبعد ترجيح أحد الامرين بما يقترن به من ترجيحات أخر.

[ 187 ]

(الصنف الثاني في - النهي) أعلم أنه لما كان النهي مقابلا للامر، فكل ما قيل في حد الامر على أصولنا وأصول المعتزلة من المزيف والمختار، فقد قيل مقابله في حد النهي، ولا يخفى وجه الكلام فيه. والكلام في أن النهي على أصول أصحابنا هل له صيغة تخصه وتدل عليه ؟ فعلى ما سبق في الامر أيضا، وأن صيغة لا تفعل وإن ترددت بين سبعة محامل، وهي التحريم، والكراهة، والتحقير كقوله تعالى: * (ولا تمدن عينيك) * (55) الحجر: 88) وبيان العاقبة كقوله: * (ولا تحسبن الله غافلا) * (14) إبراهيم: 42) والدعاء كقوله: لا تكلنا إلى أنفسنا واليأس كقوله: * (لا تعتذروا اليوم) * (66) التحريم: 7) والارشاد كقوله: * (لا تسألوا عن أشياء) * فهي حقيقة في طلب الترك واقتضائه، ومجاز فيما عداه. وأنها هل هي حقية في التحريم أو الكراهة، أو مشتركة بينهما، أو موقوفة ؟ فعلى ما سبق في الامر من المزيف والمختار. والخلاف في أكثر مسائله، فعلى وزان الخلاف في مقابلاتها من مسائل الامر، ومأخذها كمأخذها، فعلى الناظر بالنقل والاعتبار. غير أنه لا بد من الاشارة إلى ما تدعو الحاجة إلى معرفته من المسائل الخاصة بالنهي، لاختصاصها بمأخذ لا تحقق له في مقابلاتها من مسائل الامر، وهي ثلاث مسائل.

[ 188 ]

المسألة الاولى اختلفوا في أن النهي عن التصرفات والعقود المفيدة لاحكامها كالبيع والنكاح ونحوهما، هل يقتضي فسادها أو لا ؟ فذهب جماهير الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والحنابلة وجميع أهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى فسادها، لكن اختلفوا في جهة الفساد: فمنهم من قال إن ذلك من جهة اللغة، ومنهم من قال إنه من جهة الشرع دون اللغة، ومنهم من لم يقل بالفساد، وهو اختيار المحققين من أصحابنا كالقفال وإمام الحرمين والغزالي وكثير من الحنفية، وبه قال جماعة من المعتزلة كأبي عبد الله البصري وأبي الحسين الكرخي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري وكثير من مشايخهم. ولا نعرف خلافا في أن ما نهى عنه لغيره أنه لا يفسد كالنهي عن البيع في وقت النداء يوم الجمعة، إلا ما نقل عن مذهب مالك وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. والمختار أن ما نهي عنه لعينه، فالنهي لا يدل على فساده من جهة اللغة، بل من جهة المعنى. أما أنه لا يدل على الفساد من جهة اللغة، فلانه لا معنى لكون التصرف فاسدا سوى انتفاء أحكامه وثمراته المقصودة منه، وخروجه عن كونه سببا مفيدا لها، والنهي هو طلب ترك الفعل، ولا إشعار له بسلب أحكامه وثمراته وإخراجه عن كونه سببا مفيدا لها. ولهذا، فإنه لو قال: نهيتك عن ذبح شاة الغير بغير إذنه لعينه، ولكن إن فعلت حلت الذبيحة، وكان ذلك سببا للحل، ونهيتك عن استيلاد جارية الابن لعينه، وإن فعلت ملكتها، ونهيتك عن بيع مال الربا بجنسه متفاضلا لعينه، وإن فعلت

[ 189 ]

ثبت الملك، وكان البيع سببا له فإنه لا يكون متناقضا. ولو كان النهي عن التصرف لعينه مقتضيا لفساده، لكان ذلك متناقضا. وأما أنه يدل على الفساد من جهة المعنى، فذلك لان النهي طلب ترك الفعل، وهو إما أن يكون لمقصود دعا الشارع إلى طلب ترك الفعل، أو لا لمقصود: لا جائز أن يقال إنه لا لمقصود. أما على أصول المعتزلة، فلانه عبث، والعبث قبيح، والقبيح لا يصدر من الشارع. وأما على أصولنا، فإنا، وإن جوزنا خلو أفعال الله تعالى عن الحكم والمقاصد، غير أنا نعتقد أن الاحكام المشروعة لا تخلو عن حكمة ومقصود راجع إلى العبد، لكن لا بطريق الوجوب، بل بحكم الوقوع. فالاجماع إذا منعقد على امتناع خلو الاحكام الشرعية عن الحكم، وسواء ظهرت لنا، أم لم تظهر. وبتقدير تسليم خلو بعض الاحكام عن الحكمة إلا أنه نادر والغالب عدم الخلو. وعند ذلك، فإدراج ما وقع فيه النزاع تحت الغالب يكون أغلب. وإذا بطل أن يكون ذلك لا لمقصود تعين أن يكون لمقصود، وإذا كان لمقصود، فلو صح التصرف وكان سببا لحكمه المطلوب منه، فإما أن يكون مقصود النهي راجحا على مقصود الصحة أو مساويا، أو مرجوحا: لا جائز أن يكون مرجوحا إذ المرجوح لا يكون مقصودا مطلوبا في نظر العقلاء. والغالب من الشارع إنما هو التقرير لا التغيير. وما لا يكون مقصودا فلا يرد طلب الترك لاجله، وإلا كان الطلب خليا عن الحكمة، وهو ممتنع لما سبق.

[ 190 ]

وبمثل ذلك يتبين أنه لا يكون مساويا، فلم يبق إلا أن يكون راحجا على مقصود الصحة، ويلزم من ذلك امتناع الصحة وامتناع انعقاد التصرف لافادة أحكامه، وإلا كان الحكم بالصحة خليا عن حكمة ومقصود، ضرورة كون مقصودها مرجوحا على ما تقدم تقريره، وإثبات الحكم خليا عن الحكمة في نفس الامر ممتنع لما فيه من مخالفة الاجماع، وهو المطلوب. فإن: قيل: ما ذكرتموه من كون النهي لا يدل على الفساد لغة معارض بما يدل عليه. وبيانه من جهة النص، والاجماع والمعنى. أما من جهة النص فقوله (ص): من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد وفي رواية أدخل في ديننا ما ليس منه، فهو رد والمردود ما ليس بصحيح ولا مقبول. ولا يخفى أن المنهي ليس بمأمور، ولا هو من الدين، فكان مردودا. وأما الاجماع فهو أن الصحابة استدلوا على فساد العقود بالنهي، فمن ذلك احتجاج ابن عمر على فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات) * (2) البقرة: 221) ولم ينكر عليه منكر، فكان إجماعا. ومنها احتجاج الصحابة على فساد عقود الربا بقوله تعالى: * (وذروا ما بقي من الربا) * (2) البقرة: 278) وبقوله (ص): لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق الحديث إلى آخره. وأما المعنى فمن وجهين: الاول: أنا أجمعنا على حمل بعض المناهي على الفساد، كالنهي عن بيع الجزء المجهول، ولو لم يكن ذلك مقتضى النهي، لكان لامر خارج، والاصل عدمه فكان ذلك مقتضى النهي ويلزم منه الفساد حيث وجد، وإلا كان فيه نفي المدلول مع تحقق دليله، وهو ممتنع مخالف للاصل. الثاني: النهي مشارك للامر في الطلب والاقتضاء، ومخالف له في طلب الترك، والامر دليل الصحة، فليكن النهي دليل الفساد المقابل للصحة، ضرورة كون النهي مقابلا للامر، وأنه يجب أن يكون حكم أحد المتقابلين مقابلا لحكم الآخر.

[ 191 ]

ثم ما ذكرتموه منقوض بالنهي عن العبادة لعينها، فإنا أجمعنا على أنها لا تصح، ولو صرح الناهي بالصحة، لكان متناقضا. وإن سلمنا أن النهي لا يدل على الفساد لغة، ولكن لا نسلم دلالته على الفساد من جهة المعنى. وما ذكرتموه من وجوب ترجيح مقصود النهي على مقصود الصحة فغايته أنه يناسب نفي الصحة، وليس يلزم من ذلك نفي الصحة، إلا أن يتبين له شاهد بالاعتبار. ولو بينتم له شاهدا بالاعتبار كان الفساد لازما من القياس، لا من نفس النهي ولا من معناه. والجواب عن قوله (ص): من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد من ثلاثة أوجه: الاول: لا نسلم أن الفعل المأتي به من حيث إنه سبب لترتب أحكامه عليه ليس من الدين حتى يكون مرودا. الثاني: أنه أراد به الفاعل، وتقديره: من أدخل في ديننا ما ليس منه، فالفاعل رد، أي مردود، ومعنى كونه مردودا أنه غير مثاب عليه، ونحن نقول به. فإن قيل: عود الضمير إلى الفعل أولى، إذ هو أقرب مذكور، قلنا: إلا أنه يلزم منه المعارضة بينه وبين ما ذكرناه من الدليل، ولا كذلك فيما إذا عاد إلى نفس الفاعل، فكان عوده إلى الفاعل أولى. الثالث: أنه، وإن عاد إلى نفس الفعل المنهي عنه، إلا أن معنى كونه ردا أنه مردود بمعنى أنه غير مقبول، وما لا يكون مقبولا هو الذي لا يكون مثابا عليه، ولا يلزم من كونه غير مثاب عليه أن لا يكون سببا لترتب أحكامه الخاصة به عليه، وهو عين محل النزاع. وعن الحديث الآخر ما ذكرناه من الوجه الثاني والثالث. ثم وإن سلمنا دلالتهما على الفساد فليس في ذلك ما يدل على أن الفساد من مقتضيات النهي، بل من دليل آخر، وهو قوله فهو رد ونحن لا ننكر ذلك.

[ 192 ]

وعن الاجماع لا نسلم صحة احتجاجهم بدلالة النهي لغة على الفساد، بل إن صح ذلك فإنما يصح بالنظر إلى دلالة الالتزام على ما قررنا، ويجب الحمل عليه جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل، وبه يخرج الجواب عن الوجه الاول من المعنى. وعن الثاني من المعنى أن النهي وإن كان مقابلا للامر، فلا نسلم أن الامر مقتض للصحة، حتى يكون النهي مقتضيا للفساد. وإن سلمنا اقتضاء الامر للصحة، وأن النهي مقابل له، فلا نسلم لزوم اختلاف حكميهما لجواز اشتراك المتقابلات في لازم واحد. وإن سلم أنه يلزم من ذلك تقابل حكميهما، فيلزم أن لا يكون النهي مقتضيا للصحة. أما أن يكون مقتضيا للفساد، فلا، وأما النقض بالنهي عن العبادة فمندفع، لانه مهما كان النهي عن الفعل لعينه، فلا يتصور أن يكون عبادة مأمورا بها، وما لم يكن عبادة فلا يتصور صحته عبادة، وإن قيل بفساده من جهة خروجه عن كونه سببا لترتيب الاحكام الخاصة به عليه، فهو محل النزاع. وعن الاعتراض الاخير أنا لا نقضي بالفساد لوجود مناسب الفساد ليفتقر إلى شاهد بالاعتبار، وإنما قضينا بالفساد لعدم المناسب المعتبر بما بيناه من استلزام النهي لذلك. المسألة الثانية اتفق أصحابنا على أن النهي عن الفعل لا يدل على صحته ونقل أبو زيد عن محمد بن الحسن وأبي حنيفة أنهما قالا: يدل على صحته. والمختار مذهب أصحابنا لوجهين: الاول: أن النهي لو دل على الصحة، فإما أن يدل عليها بلفظه أو بمعناه، إذ الاصل عدم ما سوى ذلك، واللازم ممتنع، وبيان امتناع دلالته على الصحة بلفظه أن صحة الفعل لا معنى لها سوى ترتب أحكامه الخاصة به عليه، والنهي لغة لا يزيد على طلب ترك الفعل، ولا إشعار له بغير ذلك نفيا ولا إثباتا.

[ 193 ]

وبيان امتناع دلالته على الصحة بمعناه ما بيناه من أن النهي بمعناه يدل على الفساد في المسألة المتقدمة، فلا يكون ذلك مفيدا لنقيضه، وهو الصحة. الوجه الثاني: أنا أجمعنا على وجود النهي حيث لا صحة، كالنهي عن بيع الملاقيح والمضامين، وبيع حبل الحبلة، وكالنهي عن الصلاة في أيام الحيض، بقوله، (ص): دعي الصلاة أيام إقرائك والنهي عن نكاح ما نكح الاباء بقوله تعالى: * (ولا تنحكوا ما نكح آباؤكم من النساء) * (4) النساء: 22) ولو كان النهي مقتضيا للصحة، لكان تخلف الصحة مع وجود النهي على خلاف الدليل وهو خلاف الاصل، وسواء كان لمعارض أو لا لمعارض. فإن قيل: إذا نهى الشرع عن صوم يوم النحر وعن الصلاة في الاوقات والاماكن المكروهة، وعن بيع الربا، فالاصل تنزيل لفظ الصلاة والصوم والبيع على عرف الشارع، وعرف الشارع في ذلك إنما هو الفعل المعتبر في حكمه شرعا، فلو لم يكن التصرف المنهي عنه كذلك، لما كان هو التصرف الشرعي وهو ممتنع. قلنا: أولا لا نسلم وجود عرف الشرع في هذه الاسماء، لما سبق، وإن سلمنا أن له عرفا، لكن في طرف الاوامر أو النواهي ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع. وعلى هذا، فالنهي إنما هو عن التصرف اللغوي دون الشرعي، وإن سلمنا عرف الشارع في هذه الاسماء، ولكن لا نسلم أن عرفه فيها ما ذكروه، بل ما هو بحال يصح ويمكن صحته، ويجب الحمل على ذلك جمعا بين الادلة، ولا يلزم من كون التصرف ممكن الصحة، وقوع الصحة كيف وإن ما ذكروه منتقض بما ذكرناه من المناهي مع انتفاء الصحة عن منهياتها.

[ 194 ]

المسألة الثالثة اتفق العقلاء على أن النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه دائما، خلافا لبعض الشاذين. ودليل ذلك، أنه لو قال السيد لعبده لا تفعل كذا وقدرنا نهيه مجردا عن جميع القرائن، فإن العبد لو فعل ذلك في أي وقت قدر، يعد مخالفا لنهي سيده، ومستحقا للذم في عرف العقلاء وأهل اللغة. ولو لم يكن النهي مقتضيا للتكرار والدوام، لما كان كذلك. فإن قيل: لا خفاء بأن النهي قد يرد ويراد به الدوام، كما في النهي عن الربا وشرب الخمر ونحوه، وقد يرد ولا يراد به الدوام، كما في نهي الحائض عن الصوم والصلاة ونحوه، والصورتان مشتركتان في طلب ترك الفعل لا غير، ومفترقتان في دوامه في إحدى الصورتين، وعدم دوامه في الاخرى. والاصل أن يكون اللفظ حقيقة فيهما من غير اشتراك ولا تجوز، والدال على القدر المشترك لا يكون دالا على ما اختص بكل واحد من الطرفين المختلفين، وأيضا فإنه لو كان النهي مقتضيا للدوام، لكان عدم الدوام في بعض صور النهي على خلاف الدليل، وهو ممتنع. قلنا: النهي حيث ورد غير مراد به الدوام، يجب أن يكون ذلك لقرينة، نظرا إلى ما ذكرناه من الدليل. وما قيل: إن ذلك يلزم منه الاشتراك أو التجوز. قلنا: وإن لزم منه التجوز، وهو على خلاف الدليل، لافتقاره إلى القرينة الصارفة، غير أن جعله حقيقة في المرة الواحدة، مما يوجب جعله مجازا في الدوام والتكرار لاختلاف حقيقيتهما. وليس القول بجعله مجازا في التكرار وحقيقة في المرة الواحدة أولى من العكس، بل جعله حقيقة في التكرار أولى، لامكان التجوز به عن البعض، لكونه مستلزما له. ولو جعلناه حقيقة في البعض لما أمكن التجوز به عن التكرار لعدم استلزامه له، وبه يندفع ما ذكروه من الوجه الثاني أيضا.

[ 195 ]

الصنف الثالث - في معنى العام والخاص ويشتمل على مقدمة ومسائل. أما المقدمة: ففي بيان معنى العام والخاص وصيغ العموم. أما العام: فقد قال أبو الحسين البصري: العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له، ووافقه على ذلك بعض أصحابنا، وهو فاسد من وجهين: الاول: أنه عرف العام بالمستغرق، وهما لفظان مترادفان، وليس المقصود هاهنا من التحديد شرح اسم العام، حتى يكون الحد لفظيا، بل شرح المسمى إما بالحد الحقيقي أو الرسمي، وما ذكره خارج عن القسمين. الثاني: أنه غير مانع، لانه يدخل فيه قول القائل ضرب زيد عمرا فإنه لفظ مستغرق لجميع ما هو صالح له، وليس بعام. وقال الغزالي إنه اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا، وهو غير جامع، فإن لفظ المعدوم، والمستحيل من الالفاظ العامة، ولا دلالة له على شيئين فصاعدا، إذ المعدوم ليس بشئ عنده وعند أهل الحق من أصحابنا، والمستحيل بالاجماع، وإن كان جامعا، إلا أنه غير مانع. فإن قولنا: عشرة،

[ 196 ]

ومائة ليس من الالفاظ العامة، وإن كان مع اتحاده دالا على شيئين فصاعدا وهي الآحاد الداخلة فيها، والحق في ذلك أن يقال العام: هو اللفظ الواحد الدال على مسميين فصاعدا مطلقا معا. فقولنا: (اللفظ) وإن كان كالجنس للعام والخاص، ففيه فائدة تقييد العموم بالالفاظ، لكونه من العوارض الحقيقية لها دون غيرها عند أصحابنا وجمهور الائمة، كما يأتي تعريفه. وقولنا (الواحد) احتراز عن قولنا ضرب زيد عمرا وقولنا: (الدال على مسميين) ليندرج فيه الموجود والمعدوم، وفيه أيضا احتراز عن الالفاظ المطلقة كقولنا: رجل ودرهم وإن كانت صالحة لكل واحد من آحاد الرجال وآحاد الدراهم فلا يتناولها مقابل على سبيل البدل. وقولنا: (فصاعدا) احتراز عن لفظ اثنين وقولنا: (مطلقا) احتراز عن قولنا عشرة ومائة ونحوه من الاعداد المقيدة ولا حاجة بنا إلى قولنا من جهة واحدة احتراز عن الالفاظ المشتركة والمجازية. أما عند من يعتقد كونها من الالفاظ العامة، كما يأتي تحقيقه، فالحد لا يكون مع أخذ هذا القيد جامعا. وأما عند من لا يقول بالتعميم، فلا حاجة به إلى هذا القيد أيضا، إذ اللفظ المشترك غير دال على مسمياته معا، بل على طريق البدل وكذلك الحكم في اللفظ الدال على جهة الحقيقة والمجاز. وفي الحد المذكور ما يدرأ النقض بذلك، وهو قولنا: (الدال على مسميين معا). وأما الخاص، فقد قيل فيه: هو كل ما ليس بعام، وهو غير مانع لدخول الالفاظ المهملة فيه، فإنها، لعدم دلالتها، لا توصف بعموم ولا بخصوص. ثم فيه تعريف الخاص بسلب العام عنه، ولا يخلو إما أن يكون بينهما واسطة، أو لا: فإن كان الاول، فلا يلزم من سلب العام تعين الخاص،

[ 197 ]

وإن كان الثاني، فليس تعريف أحدهما بسلب حقيقة الآخر عنه أولى من العكس، وأيضا فإن اللفظ قد يكون خاصا كلفظ الانسان، فإنه خاص بالنسبة إلى لفظ الحيوان وما خرج عن كونه عاما بالنسبة إلى ما تحته. وإن قيل إنه ليس بعام من جهة ما هو خاص، ففيه تعريف الخاص بالخاص، وهو ممتنع. والحق في ذلك أن يقال: الخاص قد يطلق باعتبارين: الاول: وهو اللفظ الواحد الذي لا يصلح مدلوله لاشتراك كثيرين فيه، كأسماء الاعلام من زيد وعمرو ونحوه، الثاني: ما خصوصيته بالنسبة إلى ما هو أعم منه وحده أنه اللفظ الذي يقال على مدلوله، وعلى غير مدلوله، لفظ آخر من جهة واحدة، كلفظ الانسان، فإنه خاص، ويقال على مدلوله وعلى غيره، كالفرس والحمار، لفظ الحيوان من جهة واحدة. وإذا تحقق معنى العام والخاص فاعلم أن اللفظ الدال ينقسم إلى عام لا أعم منه، كالمذكور، فإنه يتناول الموجود والمعدوم، والمعلوم والمجهول، وإلى خاص لا أخص منه، كأسماء الاعلام، وإلى ما هو عام بالنسبة، وخاص بالنسبة، كلفظ الحيوان، فإنه عام بالنسبة إلى ما تحته من الانسان والفرس، وخاص بالنسبة إلى ما فوقه، كلفظ الجوهر والجسم. وأما صيغ العموم عند القائلين بها فهي: إما أن تكون عامة فيمن يعقل وما لا يعقل جمعا وأفرادا مثل (أي) في الجزاء والاستفهام، وأسماء الجموع المعرفة إذا لم يكن عهد، سواء كان جمع سلامة أو جمع تكسير (كالمسلمين والرجال) والمنكرة (كرجال ومسلمين)، والاسماء المؤكدة لها، مثل (كل وجميع) واسم الجنس إذا دخله الالف واللام من غير عهد (كالرجل والدرهم) والنكرة المنفية كقولك: (لا رجل في الدار) و (ما في الدار من رجل) والاضافة كقولك: (ضربت عبيدي) و (أنفقت دراهمي). وإما عامة فيمن يعقل دون غيره (كمن) في الجزاء والاستفهام، تقول: من عندك ؟ ومن جاءني أكرمته.

[ 198 ]

وإما عامة فيما لا يعقل، إما مطلقا من غير اختصاص بجنس مثل ما) في الجزاء، كقوله، على اليد ما أخذت حتى ترد، والاستفهام تقول: ماذا صنعت ؟ وإما لا مطلقا، بل مختصة ببعض أجناس ما لا يعقل مثل (متى) في الزمان جزاء واستفهاما، و (أين) و (حيث) في المكان جزاء واستفهاما، تقول: متى جاء القوم، ومتى جئتني أكرمتك، وأين كنت، وأينما كنت أكرمتك. وإذ أتينا على ما أردناه من بيان المقدمة، فلنشرع الآن في المسأل، وهي خمس وعشرون مسألة: المسألة الاولى اتفق العلماء على أن العموم من عوارض الالفاظ حقيقة، واختلفوا في عروضه، حقيقة للمعاني: فنفاه الجمهور،، وأثبته الاقلون. وقد احتج المثبتون بقولهم: الاطلاق شائع ذائع في لسان أهل اللغة بقولهم: عم الملك الناس بالعطاء والانعام، وعمهم المطر والخصب والخير، وعمهم القحط. وهذه الامور من المعاني، لا من الالفاظ. والاصل في الاطلاق الحقيقة. أجاب النافون بأن الاطلاق في مثل هذه المعاني مجاز لوجهين: الاول: أنه لو كان حقيقة في المعاني، لاطرد في كل معنى، إذ هو لازم الحقيقة، وهو غير مطرد. ولهذا، فإنه لا يوصف شئ من الخاصة الواقعة في امتداد الاشارة إليها، كزيد وعمرو، بكونه عاما لا حقيقة ولا مجازا. الثاني: أن من لوازم العام أن يكون متحدا، ومع اتحاده متناولا لامور متعددة من جهة واحدة. والعطاء والانعام الخاص بكل واحد من الناس غير الخاص بالآخر، وكذلك المطر فإن كل جزء اختص منه بجزء من الارض، لا وجود له بالنسبة إلى الجزء الآخر منها، وكذلك الكلام في الخصب والقحط، فلم يوجد من

[ 199 ]

ذلك ما هو مع اتحاده يتناول أشياء من جهة واحدة، فلم يكن عاما حقيقة، بخلاف اللفظ الواحد، كلفظ الانسان والفرس. أجاب المثبتون عن الاول. بأن العموم، وإن لم يكن مطردا في كل معنى، فهو غير مطرد في كل لفظ، فإن أسماء الاعلام، كزيد وعمرو ونحوه، لا يتصور عروض العموم لها، لا حقيقة ولا مجازا، فإن كان عدم اطراده في المعاني مما يبطل عروضه للمعاني حقيقة، فكذلك في الالفاظ، وإن كان ذلك لا يمنع في الالفاظ، فكذلك في المعاني، ضرورة عدم الفرق. وعن الوجه الثاني أنه، وإن تعذر عروض العموم للمعاني الجزئية الواقعة في امتداد الاشارة إليها حقيقة، فليس في ذلك ما يدل على امتناع عروضه للمعاني الكلية المتصورة في الاذهان، كالمتصور من معنى الانسان المجرد عن الامور الموجبة لتشخيصه وتعيينه، فإنه مع اتحاده، فمطابق لمعناه وطبيعته لمعاني الجزئيات الداخلة تحته من زيد وعمرو من جهة واحدة، كمطابقة اللفظ الواحد العام لمدلولاته. وإذا كان عروض العموم للفظ حقيقة، إنما كان لمطابقته مع اتحاده للمعاني الداخلة تحته من جهة واحدة. فهذا المعنى بعينه متحقق في المعاني الكلية بالنسبة إلى جزئياتها، فكان العموم من عوارضها حقيقة.

[ 200 ]

المسألة الثانية اختلف العلماء في معنى العموم: هل له في اللغة صيغة موضوعة له خاصة به تدل عليه، أو لا ؟ فذهبت المرجئة إلى أن العموم لا صيغة له في لغة العرب. وذهب الشافعي وجماهير المعتزلة وكثير من الفقهاء إلى أن ما سبق ذكره من الصيغ حقيقة في العموم، مجاز فيما عداه ومنهم من خالف في الجميع المنكر والمعروف واسم الجنس إذا دخله الالف واللام، كما يأتي تعريفه، وهو مذهب أبي هاشم. وذهب أرباب الخصوص إلى أن هذه الصيغ حقيقة في الخصوص ومجاز فيما عداه وقد نقل عن الاشعري قولان: أحدهما: القول بالاشتراك بين العموم والخصوص، والآخر: الوقف وهو عدم الحكم بشئ مما قيل في الحقيقة في العموم، والخصوص، أو الاشتراك، ووافقه على الوقف القاضي أبو بكر، وعلى كل واحد من القولين جماعة من الاصوليين.

[ 201 ]

ومن الواقفية من فصل بين الاخبار، والوعد، والوعيد، والامر، والنهي، فقال بالوقف في الاخبار والوعد والوعيد، دون الامر والنهي. والمختار إنما هو صحة الاحتجاج بهذه الالفاظ في الخصوص لكونه مرادا من اللفظ يقينا سواء أريد به الكل أو البعض، والوقف فيما زاد على ذلك. ومنهاج الكلام فعلى ما عرف في التوقف في الامر بين الوجوب والندب فعليك بنقله إلى هاهنا، وإنما يتحقق هذا المقصود بذكر شبه المخالفين والانفصال عنها. ولنبدأ من ذلك بشبه أرباب العموم، وهي نصية، وإجماعية، ومعنوية. أما النصية، فمنها قول الله تعالى: * (ونادى نوح ربه، فقال: رب، إن ابني من أهلي، وإن وعدك الحق) * (11) هود: 45) تمسكا منه بقوله تعالى: * (إنا منجوك وأهلك) * (2) العنكبوت: 33) وأقره الباري تعالى على ذلك، وأجابه بما دل على أنه ليس من أهله، ولولا أن إضافة الاهل إلى نوح للعموم، لما صح ذلك. ومنها أنه لما نزل قوله تعالى: * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) * (21) الانبياء: 98) قال ابن الزبعرى لاخصمن محمدا ثم جاء إلى النبي، (ص)، فقال له: وقد عبدت الملائكة والمسيح، أفتراهم يدخلون النار واستدل بعموم (ما) ولم ينكر عليه النبي، (ص)، ذلك، بل نزل قوله تعالى غير منكر لقوله، بل مخصصا له بقوله تعالى: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) * (21) الانبياء: 101)

[ 202 ]

ومنها قوله تعالى: * (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى، قالوا: إنا مهلكو أهل هذه القرية، إن أهلها كانوا ظالمين - قال: إن فيها لوطا - قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله، إلا امرأته كانت من الغابرين) * (29) العنكبوت: 31 - 32) ووجه الاحتجاج بذلك أن إبراهيم فهم من أهل هذه القرية العموم، حيث ذكر لوطا، والملائكة أقروه على ذلك، وأجابوه بتخصيص لوط وأهله بالاستثناء واستثناء امرأته من الناجين. وذلك كله يدل على العموم. وأما الاجماعية، فمنها احتجاج عمر على أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله: كيف تقاتلهم، وقد قال النبي، (ص): أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم ولم ينكر عليه أحد من الصحابة احتجاجه بذلك، بل عدل أبو بكر إلى التعليق بالاستثناء وهو قوله، (ص) إلا بحقها فدل على أن لفظ الجمع المعرف للعموم. ومنها احتجاج فاطمة على أبي بكر في توريثها من أبيها، فدك والعوالي بقوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) * (4) النساء: 11) ولم ينكر عليها أحد من الصحابة، بل عدل أبو بكر، رضي الله عنه، إلى ما رواه عن النبي، (ص) إلى دليل التخصيص، وهو قوله، عليه السلام: نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة ومنها احتجاج عثمان على علي، رضي الله عنه، في جواز الجمع بين الاختين بقوله تعالى:، * (إلا على أزواجهم) * (3) المؤمنون: 6) واحتجاج علي بقوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الاختين) * (4) النساء: 23) ولم ينكر على أحد منهما صحة ما احتج به. وإنما يصح ذلك، أن لو كانت الازواج المضافة، والاختان على العموم. ومنها أن عثمان، لما سمع قول الشاعر: ألا كل شئ، ما خلا الله، باطل وكل نعيم، لا محالة، زائل قال له كذبت، فإن نعيم أهل الجنة لا يزول ولم ينكر عليه منكر، ولولا أن (كل) للعموم، لما كان كذلك.

[ 203 ]

ومنها احتجاج أبي بكر على الانصار بقوله، (ص) الائمة من قريش ووافقه الكل على صحة هذا الاحتجاج من غير نكير، ولو لم يكن لفظ (الائمة) عاما، لما صح الاحتجاج. ومنها إجماع الصحابة على إجراء قوله تعالى: * (الزانية والزاني) * (24) النور: 2)، * (والسارق والسارقة) * (5) المائدة: 38)، * (ومن قتل مظلوما) * (17) الاسراء: 33)، * (وذروا ما بقي من الربا) * (2) البقرة: 278)، * (ولا تقتلوا نفسكم) * (4) النساء: 29)، * (ولا تقتلوا الصيد، وأنتم حرم) * (5) المائدة: 95) وقوله (ص): لا وصية لوارث، ولا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها، ومن ألقى سلاحه فهو آمن إلى غير ذلك على العموم. وأما الشبه المعنوية، فمنها أن العموم من الامور الظاهرة الجلية، والحاجة مشتدة إلى معرفته في التخاطب، وذلك مما تحيل العادة مع توالي الاعصار على أهل اللغة إهماله، وعدم تواضعهم على لفظ يدل عليه، مع أنه لا يتقاصر في دعو الحاجة إلى معرفته، عن معرفة الواحد والاثنين، وسائر الاعداد، والخبر، والاستخبار، والترجي، والتمني، والنداء، وغير ذلك من المعاني التي وضعت لها الاسماء، وربما وضعوا لكثير من المسميات ألفاظا مترادفة مع الاستغناء عنها، ومنها ما يخص كل واحد واحد من الالفاظ المذكورة من قبل. أما (من) الاستفهامية: كقول القائل من جاءك ؟ فلا يخلو إما أن تكون حقيقة في الخصوص، أو العموم، أو مشتركة بينهما، أو موقوفة، أو ليست موضوعة لاحد الامرين، لا حقيقة ولا تجوزا: والاول محال، وإلا لما حسن أن يجاب بجملة العقلاء، لكونه جوابا عن غير ما سأل عنه، ولا جائز أن تكون مشتركة أو موقوفة، وإلا لما حسن الجواب بشئ إلا بعد

[ 204 ]

الاستفهام عن مراد المسائل، وليس كذلك، ولا جائز أن يقال بالاخير للاتفاق على إبطاله، فلم يبق إلا أن تكون حقيقة في العموم. وأما الشرطية: وهي عندما إذا قال السيد لعبده من دخل داري، فأكرمه فإنه إذا أكرم كل داخل لا يحسن من السيد الاعتراض عليه، ولو أخل بإكرام بعض الداخلين، فإنه يحسن لومه وتوبيخه في العرف. وأيضا فإنه يحسن الاستثناء من ذلك بقوله إلا أن يكون فاسقا والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لكان داخلا فيه، ولولا أن (من) للعموم، لما صح ذلك. وعلى هذا يكون الكلام في جميع الحروف المستعملة للشرط، والاستفهام، مثل: ما، وأي، ومتى، وأين، وكم، وكيف ونحوه، ومؤكداتها مثل: كل، وجميع، فإنها للعموم. وبيانه من وجوه: الاول: أنه إذا قال القائل لعبده أكرم كل من رأيته فإنه يسقط عنه اللوم بإكرام كل واحد، ولا يسقط بتقدير إخلاله بإكرام البعض، وأنه يحسن الاستثناء بقوله: إلا الفساق، وذلك دليل العموم كما سبق. الثاني: أنه لو قال رأيت كل من في البلد فإنه يعد كاذبا بتقدير عدم رؤيته لبعضهم. الثالث: أنه إذا قال القائل: كل الناس علماء كذبه قول القائل كل الناس ليسوا علماء. ولو لم يكن اسم (كل) للعموم، لما كان كل واحد مكذبا للآخر، لجواز أن يتناول كل واحد غير ما تناوله الآخر. الرابع: أنا ندرك التفرقة بين (كل) و (بعض) ولو كان كل غير مفيد للعموم لما تحقق الفرق، لكونه مساويا في الافادة للبعض. الخامس: أنه لو كان قول القائل: كل الناس يفيد العموم، ولكنه يعبر عنه تارة عن البعض، وتارة عن العموم حقيقة، لكان قول القائل كلهم بيانا لاحد الامرين فيما دخل عليه، لا تأكيدا له، كما لو قال رأيت عينا باصرة.

[ 205 ]

وأما الجمع المعرف فهو للعموم لوجهين الاول: أن كثرة الجمع المعرف تزيد على كثرة الجمع المنكر، ولهذا يقال رجال من الرجال، ولا عكس، وعند ذلك، فالجمع المعرف إما أن يكون مفيدا للاستغراق، أو للعدد غير مستغرق، لا جائز أن يقال بالثاني، لان ما من عدد يفرض من ذلك إلا ويصح نسبته إلى المعرفة بأنه منه، والاول هو المطلوب. الثاني: أنه يصح تأكيد بما هو مفيد للاستغراق، والتأكيد إنما يفيد تقوية المؤكد، لا أمرا جديدا، فلو لم يكن المؤكد يفيد الاستغراق، لما كان المؤكد مفيدا له، أو كان مفيدا لامر جديد، وهو ممتنع. وأما النكرة المنفية، كقوله لا رجل في الدار أو في سياق النفي كقوله ما في الدار من رجل فإن القائل لذلك يعد كاذبا بتقدير رؤيته لرجل ما، وأنه يحسن الاستثناء بقوله إلا زيد وأنه يصح تكذيبه بأنك رأيت رجلا، كما ورد قوله تعالى: * (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى) * تكذيبا لمن قال ما أنزل الله على بشر من شئ وكل ذلك يدل على كونها للعموم، ولانها لو لم تكن للعموم، لما كان قولنا لا إله إلا الله توحيدا، لعدم دلالته على نفي كل إله سوى الله تعالى. وأما الاضافة، كقوله: أعتقت عبيدي وإمائي فإنه يدل على العموم، بدليل لزوم العتق في الكل، وأنه يجوز لمن سمعه أن يزوج من أي العبيد شاء، وأن يتزوج من الاماء من شاء، دون رضى الورثة، وكذلك لو قال العبيد الذين هم في يدي لفلان صح الاقرار بالنسبة إلى الجميع، ولولا أن ذلك للعموم، لما كان كذلك. وأما الجنس إذا دخله الالف واللام، ولا عهد فإنه للعموم لاربعة أوجه: الاول: أنه إذا قال القائل رأيت إنسانا أفاد رؤية واحد معين، فإذا دخلت عليه الالف واللام، فلو لم تكن الالف واللام مفيدة للاستغراق، لكانت معطلة لتعذر حملها على تعريف الجنس، لكونه معلوما دونها، وهو ممتنع.

[ 206 ]

الثاني: أنه يصح نعته بالجمع المعرف، وقد ثبت أن الجمع المعرف للعموم، فكذلك المنعوت به، وذلك في قولهم أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض وأنه يصح الاستثناء منه، كما في قوله تعالى: * (إن الانسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا) * وهو دليل العموم. الثالث: أن القائل قائلان: قائل يقول إن الالف واللام الداخلة على الاسم المفرد والجمع تفيد العموم، وقائل بالنفي مطلقا. وقد ثبت أنها مفيد ة للعموم في الجمع، فالتفرقة تكون قولا بتفصيل لم يقل به قائل. الرابع: أنه إذا كانت الالف واللام لتعريف المعهود عائدة إلى جميعه لعدم أولوية عودها إلى البعض منه دون البعض، فكذلك إذا كانت لتعريف الجنس. وأما الجمع المنكر فيدل على أنه للعموم ثلاثة أوجه. الاول: أن قول القائل رجال يطلق على كل جمع على الحقيقة، حتى الجمع المستغرق، فإذا حمل الاستغراق كان حملا له على جميع حقائقه، فكان أولى. الثاني: أنه لو أراد المتكلم بلفظ الجمع المنكر البعض لعينه، وإلا كان مراده مبهما، فحيث لم يعينه دل على أنه للاستغراق. الثالث: أنه يصح دخول الاستثناء عليه بكل واحد واحد من آحاد الجنس، فكان للعموم. ومن شبههم أن العرب فرقت بين تأكيد العموم والخصوص في أصل الوضع، فقالوا في الخصوص رأيت زيدا عينه نفسه ولا يقولون رأيت زيدا كلهم أجمعين وقالوا في العموم رأيت الرجال كلهم أجمعين ولا يقولون رأيت لرجال عينه نفسه واختلاف التأكيد يدل على اختلاف المؤكد، لان التأكيد مطابق للمؤكد. ومنها: أنهم قالوا: وقع الاجماع على أن الباري تعالى قد كلفنا أحكاما تعم جميع المكلفين، فلو لم يكن للعموم صيغة تفيده، لما وقع التكليف به لعدم ما يدل عليه، أو كان التكليف به تكليفا بما لا يطاق، وهو محال.

[ 207 ]

وأما شبه أرباب الخصوص، فأولها: أن تناول اللفظ للخصوص متيقن، وتناوله للعموم محتمل، فجعله حقيقة في المتيقن أولى. وثانيها: أن أكثر استعمال هذه الصيغ في الخصوص دون العموم، ومنه يقال: جمع السلطان التجار والصناع وكل صاحب حرفة، وأنفقت دراهمي، وصرمت نخيلي ونحوه، فكان جعلها حقيقة فيما استعمالها فيه أغلب، أولى. وثالثها: أنه إذا قال السيد لعبده أكرم الرجال، ومن دخل داري فأعطه درهما، ومتى جاءك فقير فتصدق عليه، ومتى جاء زيد فأكرمه وأين كان وحيث حل فإنه لا يحسن الاستفسار عن إرادة البعض ويحسن الاستفسار عما وراء ذلك، فكان جعل هذه الصيغ حقيقة فيما لا يحسن الاستفسار عندون ما يحسن. ورابعها: أنه لو كان قول القائل رأيت الرجال للعموم، لكان إذا أريد به الخصوص كان المخبر كاذبا، كما لو قال رأيت عشرين ولم ير غير عشرة، بخلاف ما إذا كانت للخصوص، وأريد به العموم. وخامسها: لو كانت للعموم، لكان تأكيدها غير مفيد لغير ما أفادته، فكان عبثا، وكان الاستثناء منها نقضا. وسادسها: (ويخص من) أنها لو كانت للعموم، لما جمعت، لان الجمع لا بد وأن يفيد ما لا يفيده المجموع، وليس بعد العموم والاستغراق كثرة، فلا يجمع، وقد جمعت في باب حكاية النكرات عند الاستفهام، فإنه إذا قال القائل جاءني رجال قلت: منون ؟ في حالة الوقف دون الوصل، ومنه قول الشاعر: أتوا ناري، فقلت: منون أنتم ؟ فقالوا: الجن. قلت: عموا ظلاما فقد قال سيبويه أنه شاذ غير معمول به.

[ 208 ]

وأما شبه أرباب الاشتراك، فأولها: أن هذه الالفاظ والصيغ قد تطلق للعموم تارة، وللخصوص تارة، والاصل في الاطلاق الحقيقة، وحقيقة الخصوص غير حقيقة العموم فكان اللفظ المتحد الدال عليهما حقيقة، مشتركا، كلفظ العين والقرء ونحوه. وثانيها: أنه يحسن عند إطلاق هذه الصيغ الاستفهام من مطلقها أنك أردت البعض أو الكل، وحسن الاستفهام عن كل واحد منهما دليل الاشتراك، فإنه لو كان حقيقة في أحد الامرين دون الآخر لما حسن الاستفهام عن جهة الحقيقة. وأما شبه من قال بالتعميم في الاوامر والنواهي دون الاخبار، فهو أن الاجماع منعقد على التكاليف بأوامر عامة لجميع المكلفين وبنواه عامة لهم، فلو لم يكن الامر والنهي للعموم، لما كان التكليف عاما، أو كان تكليفا بما لا يطاق، وهو محال. وهذا بخلاف الاخبار، فإنه ليس بتكليف، ولان الخبر يجوز وروده بالمجهول، ولا بيان له أصلا كقوله تعالى: * (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) * (19) مريم: 74)، * (وقرونا بين ذلك كثير) * (25) الفرقان: 38) بخلاف الامر، فإنه، وإن ورد بالمجمل، كقوله: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (6) الانعام: 141) وقوله: * (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) فإنه لا يخلو عن بيان متقدم أو متأخر أو مقارن. والجواب من جهة الاجمال عن جملة هذه الشبه ما أسلفناه في مسألة أن الامر للوجوب أو الندب، فعليك بنقله إلى هاهنا. وأما من جهة التفصيل، أما ما ذكره أرباب العموم من الآيات، أما قصة نوح فلا حجة فيها، وذلك لان إضافة الاهل قد تطلق تارة للعموم، وتارة للخصوص، كما في قولهم جمع السلطان أهل البلد وإن كان لم يجمع النساء والصبيان والمرضى. وعند ذلك، فليس القول

[ 209 ]

بحمل ذلك على الخصوص بقرينة أولى من القول بحمله على العموم بقرينة ونحن لا ننكر صحة الحمل على العموم بالقرينة، وإنما الخلاف في كونه حقيقة أم لا. وأما قصة ابن الزبعرى، فلا حجة فيها أيضا، لان سؤاله وقع فاسدا حيث ظن أن (ما) عامة فيمن يعقل، وليس كذلك. ولهذا قال له النبي (ص) منكرا عليه ما أجهلك بلغة قومك أما علمت أن (ما) لما لا يعقل وهي وإن أطلقت على من يعقل كما في قوله تعالى: * (والسماء وما بناها، والارض وما طحاها، ونفس وما سواها) * (91) الشمس: 5 - 7) فليس حقيقة، بل مجازا. ويجب القول بذلك، جمعا بينه وبين قوله (ص): أما علمت أن (ما) لما لا يعقل ولما فيه من موافقة المنقول عن أهل اللغة في ذلك. وأما قصة إبراهيم، فجوابها بما سبق في قصة نوح. وأما الاحتجاج بقصة عمر مع أبي بكر، فلا حجة فيها أيضا، لانه إنما فهم العصمة من العلة الموجبة لها في الاموال والدماء، وهي قول: لا إله إلا الله فإنها مناسبة لذلك، والحكم مرتب عليها في كلام النبي (ص)، فكان ذلك إيماء إليها بالتعليل. أما أن يكون ذلك مأخوذا من عموم دمائهم وأموالهم، فلا. ومعارضة أبي بكر إنما كانت لما فهمه عمر من التعليل المقتضي للتعميم، لا لغيره.

[ 210 ]

وأما قصة فاطمة مع أبي بكر، فالكلام في اعتقاد العموم في قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم) * (4) النساء: 11) ما سبق في قصة نوح وهو الجواب أيضا عن احتجاج عثمان على جواز الجمع بين الاختين، ثم قد أمكن أن يضاف ذلك إلى ما فهم من العلة الموجبة لرفع الحرج، وهي الزوجية، لا إلى عموم اللفظ. وكذلك احتجاج علي بقوله: * (وأن تجمعوا بين الاختين) * (4) النساء: 23) لم يكن لعموم اللفظ، بل بما أومى إليه اللفظ من العلة المانعة من الجمع، وهي الاخوة، فإنها مناسبة لذلك، دفعا للاضرار الواقع بين الاختين من المزاحمة على الزوج الواحد، وإنما يصح الاحتجاج باللفظ بمجرده، إن لو كان للعموم، وهو محل النزاع. وإن صح الاحتجاج في هذه الصور بنفس اللفظ، فلا يمتنع أن يكون ذلك بما اقترن به من قرينة العلة الرافعة للحرج في احتجاج عثمان، والعلة المانعة من الجمع في احتجاج علي، رضي الله عنه. وأما تكذيب عثمان للشاعر في قوله وكل نعيم لا محالة زائل فإنما كان لما فهمه من قرينة حال الشاعر الدالة على قصد تعظيم الرب ببقائه وبطلان كل ما سواه. أما أن يكون ذلك مستفادا من ذلك مستفادا من مجرد قوله (كل) فلا.

[ 211 ]

وأما استدلال أبي بكر بقوله، (ص) الائمة من قريش إنما فهم منه التعميم لما ظهر له من قصد النبي (ص)، لتعظيم قريش وميزتهم على غيرهم من القبائل، فلو لم يكن ذلك يدل على الخصوص فيهم والاستغراق، لما حصلت هذه الفائدة. وأما إجماع الصحابة على إجراء ما ذكروه من الآيات والاخبار على التعميم في كل سارق وزان وغير ذلك، فإنما كان ذلك بناء على ما اقترن بها من العلل المومى إليها الموجبة للتعميم، وهي السرقة والزنى وقتل الظالم إلى غير ذلك، أما أن يكون اعتقاد تعميم تلك الاحكام مستندا إلى عموم تلك الالفاظ، فلا. وأما ما ذكر من الشبهة الاولى المعنوية، فالجواب عنها: أنا وإن سلمنا أن العموم ظاهر، وأن الحاجة داعية إلى وضع لفظ يدل عليه، ولكن لا نسلم إحالة الاخلال به على الواضعين. ولهذا قد أخلوا بالالفاظ الدالة على كثير من المعاني الظاهرة التي تدعو الحاجة إلى تعريفها بوضع اللفظ عليها، وذلك كالفعل الحالي، ورائحة المسك والعود، وغير ذلك من أنواع الروائح والطعوم الخاصة بمحالها. فإن قيل لا نسلم أنهم أخلوا بشئ من ذلك، فإنهم يقولون: رائحة المسك، ورائحة العود، وطعم العسل، وطعم السكر إلى غير ذلك. والاضافة من جملة الاوضاع المعرفة، ولهذا، فإن الباري تعالى قد عرف نفسه بالاضافة في قوله: * (ذو العرش) * (85) البروج: 15)، * (ذو الطول) * (40) غافر: 3) إلى غير ذلك. قلنا: وعلى هذا، لا نسلم أن العرب أخلت بما يعرف العموم، فإن الاسماء المجازية والمشتركة أيضا من الاسماء المعرفة، كما سيأتي بيانه. وما وقع فيه الخلاف من ألفاظ العموم، فهي غير خارجة في نفس الامر عن كونها حقيقة في العموم دون غيره، أو مجازا فيه وحقيقة فيه وفي غيره، فتكون مشتركة. وعلى كل تقدير، فما خلا العموم في وضعهم عن معر ف، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في جهة دلالته عليه، هل هي حقيقة أو مجاز ؟ وخفاء جهة الدلالة والوقوف في تعيينها لا يبطل أصل الوضع والتعريف.

[ 212 ]

وأما الشبهة الثانية وقولهم إن (من) إذا كانت استفهامية، لا تخلو عن الاقسام المذكورة في نفس الامر، مسلم. ولكن لم قالوا بوجوب تعيين بعضها مع عدم الدليل القاطع على ذلك. قولهم: لو كانت للخصوص لما حسن الجواب بكل العقلاء. قلنا: ولو كانت للعموم، لما حسن الجواب بالبعض الخاص لما قرروه، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، كيف وإن الجواب بالكل بتقدير أن يكون للخصوص يكون جوابا عن المسؤول عنه وزيادة، والجواب بالخصوص، بتقدير أن يكون للعموم، لا يكون جوابا عن المسؤول عنه. ولذلك، كان الجواب بالكل مستحسنا. ثم ما المانع أن تكون مشتركة ؟ قولهم: لانه لا يحسن الجواب إلا بعد الاستفهام. قلنا: إذا كانت مشتركة، وهي استفهامية، فالاستفهام إنما هو عن مدلولها، ومدلولها عند الاستفهام إنما هو أحد المدلولين، لا بعينه، فإذا أجاب بأحد الامرين فقد أجاب عما سئل عنه، فلا حاجة بالمسؤول إلى الاستفهام. قولهم في الشرطية إن المفهوم من قول السيد لعبده من دخل داري فأكرمه العموم، لما قرروه. قلنا: ليس ذلك مفهوما من نفس اللفظ، بل من قرينة إكرام الزائر، حتى أنا لو قدرنا أنه لا قرينة أصلا، ولا تحقق لما سوى اللفظ المذكور، فإنا لا نسلم فهم العموم منه، ولا جواز التعميم دون الاستفهام أو ظهور دليل يدل عليه بناء على قولنا بالوقف. ويدل على ذلك أنه يحسن الاستفهام من العبد، ولو كان على أي صفة قدر، وحسن ذلك يدل على الترديد، ولولا الترديد لما حسن الاستفهام. قولهم إنه يحسن الاستثناء منه مسلم، ولكن لا نسلم أنه لا بد من دخول ما استثني تحت المستثنى منه، فإن الاستثناء من غير الجنس صحيح، وإن لم يكن المستثنى داخلا تحت المستثنى منه، ولا له عليه دلالة. ويدل على صحة ذلك قوله تعالى: * (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) * (4) النساء: 157) والظن هاهنا غير داخل تحت لفظ العلم، وقول الشاعر:

[ 213 ]

وقفت فيها أصيلا لا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أواري لايا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد فإن قيل: نحن إنما ندعي ذلك فيما كان من الجنس، لا في غيره. قلنا: وإذا كان من الجنس، فالاستثناء يدل على وجوب دخول ما استثني تحت المستثنى منه، أو على صلاحيته للدخول تحته: الاول ممنوع، والثاني مسلم. ويدل على ذلك صحة استثناء كل واحد من آحاد الجنس من جموع القلة، وهي ما يتناول العشرة فما دونها، وهي: أفعل نحو أفلس، وأفعال نحو أصنام، وأفعلة نحو أرغفة، وفعلة نحو صبية، مع أن آحاد الجنس غير واجبة الدخول تحت المستثنى منه، والاستثناء من جمع السلامة، إذا لم تدخله الالف واللام، فإنه من جموع القلة بنص سيبويه. فإن قيل: نحن إنما ندعي ذلك فيما يصح استثناء العدد الكثير والقليل منه، واستثناء العدد الكثير، وهو ما زاد على العشرة، لا يصح من جمع القلة. قلنا: فيلزم عليه استثناء ما لا يصح من جمع القلة. قلنا فيلزم عليه استثناء ما زاد على العشرة من الجمع المنكر، فإنه يصح، وإن كان كل واحد من المستثنيات غير واجب الدخول تحت الجمع المنكر، بل ممكن الدخول. فإن قيل: لو صح الاستثناء لاخراج ما يصح دخوله، لا ما يجب دخوله، لصح أن يقول القائل: رأيت رجلا إلا زيدا، لصلاحية دخوله تحت لفظ رجل، وهو غير صحيح. وأيضا، فإن الاستثناء يدخل في الاعداد كقول القائل له علي عشرة دراهم إلا درهما وهو واجب الدخول. وأيضا فإن أهل اللغة قالوا بأن الاستثناء إخراج جزء من كل، والجزء واجب الدخول في كله. قلنا: أما الاول فلان قوله رأيت رجلا لا يكون إلا معينا في نفس الامر ضرورة وقوع الرؤية عليه، وإن لم يكن معينا عند المستمع، والمعين لا يصح الاستثناء منه إجماعا. وأما الثاني فبعيد عن التحقيق من حيث إن وجوب دخول الواحد في العشرة لا يمنع من صحة دخوله فيها، بمعنى أنه لا يمتنع دخوله فيها، وما ليس بممتنع أعم من

[ 214 ]

الواجب، وعند ذلك، فلا يلزم أن يكون الاستثناء لوجوب الدخول، بل لصحة الدخول، وهو الجواب عن الوجه الثالث أيضا. كيف وإن استثناء واجب الدخول لا يمنع من استثناء ممكن الدخول، وعلى ما قررناه في إبطا الاستدلال على عموم (من) استفهامية وجزائية يكون بعينه جوابا عما ذكروه من الوجه الاول في عموم (كل) و (جميع). قولهم في الوجه الثاني إنه لو قال: رأيت كل من في البلد يعد كاذبا، بتقدير عدم رؤية بعضهم، لا نسلم لزوم ذلك مطلقا. فإنه لو قال القائل جمع السلطان كل التجار وكل الصناع، وجاء كل العسكر فإنه لا يعد في العرف كاذبا بتقدير تخلف آحاد الناس. والعرف بذلك شائع ذائع، وليس حوالة ذلك على القرينة أولى من حوالة صورة التكذيب على القرينة. قولهم في الوجه الثالث إن قول القائل كل الناس علماء يكذبه قول الآخر كل الناس ليس علماء ليس كذلك مطلقا فإنه لو فسر كلامه بالغالب عنده، كان تفسيره صحيحا مقبولا. ومهما أمكن حمل كلامه على ذلك، فلا تكاذب. نعم إنما يصح التكاذب بتقدير ظهور الدليل الدال على إرادة الكل، بحيث لا يشذ منهم واحد، وذلك مما لا ينكر، وإنما النزاع في اقتضاء اللفظ لذلك بمطلقه. قولهم في الوجه الرابع إنا ندرك التفرقة بين (بعض) و (كل) مسلم، لكن من جهة أن بعضا لا يصلح للاستغراق وكلا صالح له ولما دونه، ولا يلزم من ذلك ظهور (كل) في العموم. قولهم في الوجه الخامس إنه يلزم أن يكون قوله (كلهم) بيانا لا تأكيدا،

[ 215 ]

قلنا: وإن بين به مراده من لفظه لا يخرجه ذلك عن كونه تأكيدا لما أراده من العموم، فإن لفظه صالح له. قولهم في الجمع المعرف إن كثرة الجمع المعرف تزيد على كثرة المنكر، قلنا: متى إذا أريد به الاستغراق، أو إذا لم يرد به ذلك ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع، ولا يلزم من كونه صالحا للاستغراق أن يكون متعينا له، بل غايته أنه إذا قال رأيت رجالا من الرجال كان ذلك قرينة صارفة للجمع المعرف إلى الاستغراق. قولهم إنه يصح تأكيده بما يفيد الاستغراق، قلنا: ذلك يستدعي كون المؤكد صالحا للعموم، والدلالة على العموم عند التأكيد، ولا يدل على كونه بوضعه للعموم. قولهم في تعميم النكرة المنفية: لو قال لا رجل في الدار فإنه يعد كاذبا بتقدير رؤيته لرجل ما، قلنا: إنما عد كاذبا بذلك، لان قوله لا رجل في الدار إنما ينفي حقيقة رجل في الدار، فإذا وجد رجل في الدار، كان كاذبا ولا يلزم من ذلك العموم، في طرف النفي، إذ هو نفي ما ليس بعام. قولهم إنه يحسن الاستثناء، سبق جوابه. قولهم: إنه يصح تكذيبه بأنك رأيت رجلا، قلنا سبق جوابه أيضا.

[ 216 ]

قولهم: لو لم يكن للعموم، لما كان قول القائل لا إله إلا الله توحيدا، قلنا وإن لم يكن حقيقة في العموم، فلا يمتنع إرادة العموم بها. وعلى هذا، فمهما لم ير المتكلم بها العموم، فلا يكون قوله توحيدا، وإن أراد ذلك كان توحيدا، لكن لا يكون العموم من مقتضيات اللفظ، بل من قرينة حال المتكم الدالة على إرادة التوحيد، وعلى هذا، يكون الحكم أيضا فيما إذا قال ما في الدار من رجل وقول أهل الادب إنها للعموم يمكن حمله على عموم الصلاحية دون الوجوب. قولهم في الاضافة إذا قال: أعتقت عبيدي وإمائي ثم مات، جاز لمن سمعه أن يزوج من شاء من العبيد، دون رضى الورثة. قلنا: ولو قال أنفقت دراهمي، وصرمت نخيلي، وضرب عبيدي فإنه لا يعد كاذبا بتقدير عدم إنفاق بعض دراهمه، وعدم صرم بعض نخيله، وعدم ضرب بعض عبيده، ولو كان ذلك للعموم، لكان كاذبا، وليس صرف ذلك إلى القرينة أولى من صرف ما ذكروه إلى القرينة، وهو الجواب عن قوله: العبيد الذين في يدي لفلان. وما ذكروه في الدلالة على تعميم اسم الجنس، إذا دخله الالف واللام. أما الوجه الاول منه قولهم إنه لا بد للالف واللام من فائدة، قلنا: يمكن أن تكون فائدتها تعريف المعهود، وإن لم يكن ثم معهود، فالتردد بين العموم والخصوص على السوية، بخلاف ما قبل دخولها.

[ 217 ]

وأما الوجه الثاني فقد قيل إنه من النقل الشاذ الذي لا اعتماد عليه، وهو مع ذلك مجاز. ولهذا فإنه لم يطرد في كل اسم فرد، فإنه لا يقال جاءني الرجل العلماء، والرجل المسلمون ثم وإن إمكن نعته بالجمع، فإنما كان كذلك لان المراد من قولهم إنما هو جنس الدينار، وجنس الدرهم، لا جملة الدنانير، وجملة الدراهم. وحيث كان الهلاك بجنس الدينار والدرهم لامر متحقق في كل واحد من ذلك الجنس، جاز نعته بالجمع، نظرا إلى اقتضاء المعنى للجمع، لا نظرا إلى اقتضاء لفظ الدينار. وأما الاستثناء في الآية، فهو مجاز. ولهذا، لم يطرد، فإنه لا يحسن أن يقال رأيت الرجل إلا العلماء، وعلى هذا النحو. ثم لو كان ذلك صالحا للاستغراق، لامكن مع اتحاده أن يؤكد (بكل) و (جميع) كما في (من) في قولك من دخل داري أكرمته وهو غير جائز، فإنه يحسن أن يقال جاءني الرجل كلهم أجمعون ويمكن أن يقال: إن مثل هذا قياس في اللغة، وهو غير جائز. وأما الوجه الثالث فدفعه بمنع الحصر فيما قيل، بل القائل ثلاثة، والثالث هو القائل بالتفصيل. وأما الوجه الرابع فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وقد أبطلناه. وأما ما ذكروه في تعميم الجمع المنكر، أما الوجه الاول منه، فعنه جوابان: الاول: أن قول القائل رجال حقيقة في كل عدد على خصوصه، ممنوع، وإن أراد به أنه حقيقة في الجمع المشترك بين جميع الاعداد فمسلم. ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون دالا على ما هو الاخص، لا حقيقة ولا مجازا. وعلى هذا، فقد بطل القول بإنا إذا حملناه على الاستغراق، كان حملا له على جميع حقائقه، ضرورة اتحاد مدلوله. الثاني: وإن سلمنا أنه حقيقة في كل عدد بخصوصه، غير أنه ليس حمله على الاستغراق، مع احتمال عدم الارادة، أولى من حمله على الاقل، مع كونه مستيقنا. وأما الوجه الثاني فإنما يلزم المتكلم به بيان إرادة البعض عينا، أن لو كان اللفظ موضوعا له.

[ 218 ]

وأما إذا كان موضوعا لبعض مطلق فلا. وأما الاستثناء فقد عرف جوابه، كيف وإن أهل اللغة اتفقوا على تسميته نكرة، ولو كان للاستغراق، لكان معروفا كله، فلا يكون منكرا مختلطا بغيره. قولهم: إن العرب فرقت بين تأكيد الواحد والعموم بما ذكروه، إنما يصح إن لو كان (كلهم أجمعون تأكيدا للعموم، وليس كذلك، بل هو تأكيد للفظ الذي يجوز أن يراد به العموم وغير العموم. قولهم: لو لم يكن للعموم صيغة تدل عليه، لكان التكليف بالامور العامة تكليفا بما لا يطاق. قلنا: إنما يكون كذلك، إن لو لم يكن ثم ما يدل على التعميم، وليس كذلك، ولا يلزم من عدم صيغة تدل عليه بوضعها دون قرينة، التكليف بالمحال مع وجود صيغة تدل عليه مع القرينة. وأما شبه أرباب الخصوص: قولهم في الشبهة الاولى أن الخصوص متيقن، قلنا: ذلك لا يدل على كونه مجازا في الزيادة، فإن الثلاثة مستيقنة في العشرة، ولا يدل على كونه لفظ العشرة. حقيقة في الثلاثة مجازا في الزيادة. فإن قيل: إلا أن الزيادة في العشرة على الثلاثة أيضا مستيقنة، قيل ليس كذلك، وإلا لما صح استثناؤها بقوله: علي عشرة إلا ثلاثة كيف وإن ما ذكروه من الترجيح معارض بما يدل على كونه حقيقة في العموم، وذلك لانه من المحتمل أن يكون مراد المتكلم العموم، فلو حمل لفظه على الخصوص لم يحصل مراده، وبتقدير أن يكون مراده الخصوص لا يمتنع حصول مقصوده منه بتقدير الحمل على العموم، بل المقصود حاصل وزيادة، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. قولهم في الشبهة الثانية إن أكثر استعمال هذه الصيغ في الخصوص، لا نسلم ذلك، وإن سلم إلا أن ذلك لا يدل على كون هذه الصيغ حقيقة في الخصوص ومجازا في العموم، ويدل عليه أن استعمال لفظ الغائط والعذرة غالب في الخارج المستقذر

[ 219 ]

من الانسان، وإن كان مجازا فيه، وحقيقة في الموضع المطمئن من الارض، وفناء الدار. وكذلك لفظ الشجاع حقيقة في الحية المخصوصة، وإن كان غالب الاستعمال في الرجل المقدام. قولهم في الثالثة إنه لا يحسن الاستفهام عن إرادة البعض بخلاف العموم. قلنا: حسن الاستفهام عن إرادة العموم لا يخرج الصيغة عن كونها حقيقة في العموم، ودليل ذلك أنه لو قال القائل دخل السلطان البلد، ولقيت بحرا، وناطحت جبلا، ورأيت حمارا فإنه يحسن استفهامه هل أردت بالسلطان نفسه أو عسكره ؟ وهل أردت بالجبل الجبل الحقيقي أو الرجل العظيم وهل أردت بالحمار الحمار الحقيقي أو البليد ؟ وأردت بالبحر البحر الحقيقي أو رجلا كريما ؟ وعدم حسن الاستفهام عن البعض لتيقنه لا يوجب كون الصيغة حقيقية فيه بدليل الثلاثة من العشرة. قولهم في الرابعة: لو كان قوله رأيت الرجال للعموم، لكان كاذبا بتقدير إرادة الخصوص، قلنا: إنما يكون كاذبا مع كون لفظه حقيقة في العموم، إن لو لم يكن لفظه صالحا لارادة البعض تجوزا، ولهذا، فإنه لو قال: رأيت أسدا وحمارا أو بحرا وكان قد رأى إنسانا شجاعا وإنسانا بليدا وإنسانا كريما، لم يكن كاذبا، وإن كان لفظه حقيقة في غيره، وهذا بخلاف ما إذا قال: رأيت عشرة رجال ولم يكن رأى غير خمسة، فإن لفظ العشرة مما لا يصلح للخمسة، لا حقيقة ولا تجوزا. قولهم في الخامسة إنه لو كانت هذه الصيغ للعموم، لكان تأكيدها عبثا، ليس كذلك، فإنه يكون أبعد عن مجازفة المتكلم، وأبعد عن قبول التخصيص، وأغلب على الظن. كيف وإنه يلزم على ما ذكروه صحة تأكيد الخاص بقولهم جاء زيد عينه نفسه وتأكيد عقود الاعداد كقوله تعالى: * (تلك عشرة كاملة) * (2) البقرة: 196) وما هو الجواب ههنا عن التأكيد يكون جوابا في العموم.

[ 220 ]

قولهم: وكان الاستثناء منها نقضا يلزم عليه الاستثناء من الاعداد المقيدة كقوله له علي عشرة إلا خمسة فإنه صحيح بالاتفاق، مع أن لفظ العشرة صريح فيها، وجوابه في الاعداد جوابه في العموم. قولهم في السادسة إن (من) لو كانت للعموم، لما جمعت، قلنا: قد قيل إن ذلك ليس بجمع وإنما هو الحاق زيادة الواو وإشباع الحركة، وبتقدير أن يكون جمعا، فقد قال سيبويه إنه لا عمل عليه، لما فيه من جمع (من) حالة الوصل، وإنما تجمع عندما إذا حكى بها الجمع المنكر حالة الوقف. وإذ ذاك فلا تكون العموم. وأما شبه أرباب الاشتراك: قولهم في الشبهة الاولى إن هذه الصيغ قد تطلق تارة للعموم، وتارة للخصوص، والاصل في الاطلاق الحقيقة. قلنا: الاصل في الاطلاق الحقيقة بصفة الاشتراك، أو لا بصفة الاشتراك ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم وذلك لانه إذا كان مشتركا افتقر في فهم كل واحد من مدلولاته إلى قرينة تعينه ضرورة تساوي نسبة اللفظ فيه إلى الكل، والقرينة قد تظهر، وقد تخفى. وذلك يفضي إلى الاخلال بمقصود الوضع، وهو التفاهم، وهذا بخلاف ما إذا كان اللفظ حقيقة في مدلول واحد، فإنه يحمل عليه عند إطلاقه من غير افتقار إلى قرينة مخلة بالفهم. قولهم في الثانية إنه يحسن الاستفهام. قلنا: ذلك لا يدل على كون اللفظ مشتركا، فإنه يحسن مع كون اللفظ متحد المدلول، كما لو قال القائل خاصمت السلطان فيقال أخاصمته ؟ مع كون اللفظ حقيقة في شئ ومجازا في غيره، كما سبق تمثيله من قول القائل صدمت جبلا، ورأيت بحرا، ولقيت حمارا فإنه يحسن استفهامه، أنك أردت بذلك المدلولات الحقيقية أو المجازية من الرجل العظيم، والكريم، والبليد. وذلك لفائدة زيادة الامن من المجازفة في الكلام، وزيادة غلبة الظن وتأكده بما اللفظ ظاهر فيه، وللمبالغة في دفع المعارض، كما سبق في التأكيد. وأما طريق الرد على من فرق من الواقفية بين الاوامر والاخبار، فهو أن كل ما يذكرونه في الدلالة على وجوب التوقف في الاخبار، فهو بعينه مطرد في الاوامر.

[ 221 ]

قولهم أولا إن الامر تكليف. قلنا: ومن الاخبار العامة ما كلفنا بمعرفتها، كقوله تعالى: * (الله خالق كل شئ، وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد: 3) وكذلك عمومات الوعد والوعيد، فإنا مكلفون بمعرفتها، لان بذلك يتحقق الانزجار عن المعاصي، والانقياد إلى الطاعات، ومع التساوي في التكليف، فلا معنى للوقوف. وإن سلمنا أن ذلك يفضي إلى التكليف بما لا يطاق، فهو غير ممتنع عندنا على ما سبق تقريره. قولهم ثانيا إن من الاخبار ما يرد بالمجهول من غير بيان، بخلاف الامر. قلنا: لا نسلم امتناع ورود الامر بالمجهول، كيف وإن هذا الفرق، وإن دل على عدم الحاجة فيما كان من الاخبار لم نكلف بمعرفتها إلى وضع اللفظ العام بإزائه فغير مطرد فيما كلفنا بمعرفته كما سبق، وهم غير قائلين بالتفصيل بين خبر وخبر.

[ 222 ]

المسألة الثالثة اختلف العلماء في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة ؟ وليس محل الخلاف ما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شئ إلى شئ، فإن ذلك في الاثنين والثلاثة، وما زاد من غير خلاف، وإنما محل النزاع في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة. مثل قولهم رجال ومسلمون. وإذ تنقح محل النزاع فنقول مذهب عمر وزيد بن ثابت ومالك وداود والقاضي أبي بكر والاستاذ أبي إسحاق وجماعة من أصحاب الشافعي، رضي الله عنه، كالغزالي وغيره أنه اثنان، ومذهب ابن عباس والشافعي وأبي حنيفة ومشايخ المعتزلة وجماعة من أصحاب الشافعي أنه ثلاثة، وذهب إمام الحرمين إلى أنه لا يمتنع رد لفظ الجمع إلى الواحد. احتج الاولون بحجج من جهة الكتاب، والسنة، وإشعار اللغة، والاطلاق. أما من جهة الكتاب، فقوله تعالى: * (إنا معكم مستمعون) * (26) الشعراء: 15) وأراد به موسى وهرون، وقوله تعالى: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) * (49) الحجرات: 9)، وقوله تعالى: * (وهل أتاك نبؤ الخصم إذ تسوروا المحراب، إذ دخلوا على داود ففزع منهم، قالوا: لا تخف، خصمان بغي بعضنا على بعض) * (38) ص: 21) وقوله تعالى: * (فإن كان له إخوة، فلامه السدس) * (4) النساء: 11) وأراد به الاخوين، وقوله تعالى: * (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) * (12) يوسف: 83) وأراد به يوسف وأخاه، وقوله تعالى: * (وكنا لحكمهم شاهدين) * (21) الانبياء: 78) وأراد به داود وسليمان، وقوله تعالى: * (هذان خصمان اختصموا) * (22) الحج: 19) وقوله تعالى: * (إن تتوبا إلى الله، فقد صغت قلوبكما) * (66) التحريم: 4).

[ 223 ]

وأما من جهة السنة ما روي عن النبي، (ص) أنه قال: الاثنان فما فوقهما جماعة. وأما من جهة الاشعار اللغوي فهو أن اسم الجماعة مشتق من الاجتماع، وهو ضم شئ إلى شئ، وهو متحقق في الاثنين حسب تحققه في الثلاثة وما زاد عليها، ولذلك تتصرف العرب وتقول: جمعت بين زيد وعمرو، فاجتمعا، وهما مجتمعان، كما يقال ذلك في الثلاثة، فكان إطلاق اسم الجماعة على الاثنين حقيقة وأما من جهة الاطلاق فمن وجهين: الاول: أن الاثنين يخبران عن أنفسهما بلفظ الجمع، فيقولان: قمنا، وقعدنا، وأكلنا، وشربنا، كما تقول الثلاثة. الثاني: أنه يصح أن يقول القائل إذا أقبل عليه رجلان في مخافة: أقبل الرجال. وذلك كله يدل على أن لفظ الجمع حقيقة في الاثنين، إذ الاصل في الاطلاق الحقيقة. قال النافون لذلك: أما قوله تعالى: * (إنا معكم مستمعون) * (26) الشعراء: 15) فالمراد به موسى وهرون وفرعون وقومه، وهم جمع، وقوله تعالى: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) * (49) الحجرات: 9) فكل طائفة جمع. وأما قصة داود فلا حجة فيها، فإن الخصم قد يطلق على الواحد وعلى الجماعة، فيقال هذا خصمي، وهؤلاء خصمي، وليس في الآية ما يدل على أن كل واحد من الخصمين كان واحدا، وقوله تعالى: * (فإن كان له إخوة فلامه السدس) * (4) النساء: 11) فالمراد به الثلاثة، وحيث ورثناها السدس مع الاخوين لم يكن ذلك مخالفا لمنطوق اللفظ، بل لمفهومه، بدليل آخر، وهو انعقاد الاجماع على ذلك. والمراد من قوله تعالى: * (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) * (12) يوسف: 83) يوسف وأخوه وشمعون الذي قال: * (لن أبرح الارض حتى يأذن لي أبي) * (12) يوسف: 80) والمراد من قوله تعالى: * (وكنا لحكمهم شاهدين) * (21) الانبياء: 78)

[ 224 ]

داود وسليمان والمحكوم له، وهم جماعة، وقوله تعالى: * (هذان خصمان اختصموا) * (22) الحج: 19) فالجواب عنه ما تقدم في قصة داود، وقوله تعالى: * (إن تتوبا إلى الله، فقد صغت قلوبكما) * (66) التحريم: 4) فهو أشبه مما يحتج به هاهنا، ويمكن أن يجاب عنه بأن الخطاب، وإن كان مع اثنين، وأنه ليس لكل واحد منهما في الحقيقة سوى قلب واحد، غير أنه قد يطلق اسم القلوب على ما يوجد للقلب الواحد من الترددات المختلفة إلى الجهات المختلفة، مجازا، ومن ذلك قولهم لمن مال قلبه إلى جهتين أو تردد بينهما: إنه ذو قلبين، وعند ذلك، فيجب حمل قوله قلوبكما على جهة التجوز دون الحقيقة، جمعا بينه وبين ما سنذكره من الادلة الدالة على امتناع إطلاق لفظ الجمع على الاثنين حقيقة. ويمكن أن يقال إنما قال قلوبكما تجوزا حذرا من استثقال الجمع بين تثنيتين. وقوله (ص)، الاثنان فما فوقهما جماعة إنما أراد به أن حكمهما حكم الجماعة في انعقاد صلاة الجماعة بهما وإدراك فضيلة الجماعة، ويجب الحمل عليه، لان الغالب من النبي، (ص)، أن يعرفنا الاحكام الشرعية، لا الامور اللغوية، لكونها معلومة للمخاطب ولما سيأتي من الادلة. وأما ما ذكروه من الاشعار اللغوي فجوابه أن يقال: وإن كان ما منه اشتقاق لفظ الجماعة في الثلاثة موجودا في الاثنين، فلا يلزم إطلاق اسم الجماعة عليهما، إذ هو من باب القياس في اللغة وقد أبطلناه، ولهذا فإن المعنى الذي صح منه اشتقاق اسم القارورة للزجاجة المخصوصة، وهو قرار المائع فيها، متحقق في الجرة والكوز، ولا يصح تسميتهما قارورة. كيف وإن ذلك لا يطرد في اسم الرجال والمؤمنين وغيرهما من أسماء الجموع، إذ هو غير مشتق من الجمع، والخلاف واقع في إطلاقه على الاثنين حقيقة.

[ 225 ]

وجواب الاطلاق الاول أن ذلك لا يدل على أن الاثنين جمع، بدليل صحة قول الواحد لذلك، مع أنه ليس بجماعة. ولهذا، فإنه لا يصح إخبار غيرهما عنهما بذلك، فلا يقال عن الاثنين قاموا وقعدوا بل قاما وقعدا. وجواب الاطلاق الثاني أن ذلك أيضا لا يدل على أن الاثنين جماعة، بدليل صحة قوله: جاء الرجال عند ما إذا أقبل عليه الواحد في حال المخافة، والواحد ليس بجمع بالاتفاق. وأما حجج القائلين بأن أقل الجمع ثلاثة فست. الاولى: ما روي عن ابن عباس أنه قال لعثمان حين رد الام من الثلث إلى السدس بأخوين. قال الله تعالى: * (فإن كان له إخوة فلامه السدس) * (4) النساء: 11) وليس الاخوان إخوة في لسان قومك فقال عثمان: لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلي وتوارثه الناس ولولا أن ذلك مقتضى اللغة لما احتج به ابن عباس على عثمان، وأقره عليه عثمان، وهما من أهل اللغة وفصحاء العرب. الثانية: أن أهل اللغة فرقوا بين رجلين ورجال، فإطلاق اسم الرجال على الرجلين رفع لهذا الفرق. الثالثة: أنه لو صح إطلاق الرجال على الرجلين، لصح نعتهما بما ينعت به الرجال، ولا يصح أن يقال: جاءني رجلان ثلاثة، كما يقال: جاءني رجال ثلاثة، ولصح أن يقال، رأيت اثنين رجالا، كما يقال: رأيت ثلاثة رجال. الرابعة: أن أهل اللغة فرقوا بين ضمير التثنية والجمع، فقالوا في الاثنين: فعلا، وفي الجميع: فعلوا. الخامسة: أنه يصح أن يقال: ما رأيت رجالا بل رجلين. ولو كان اسم الرجال للرجلين حقيقة، لما صح نفيه.

[ 226 ]

السادسة: أنه لو قال: لفلان علي دراهم، فإنه لا يقبل تفسيره بأقل من ثلاثة. وكذلك في النذر والوصية. وهذه الحجج ضعيفة: أما الحجة الاولى، فهي معارضة بما روي عن زيد بن ثابت أنه قال: الاخوان أخوة. وروي عنه أنه قال: أقل الجمع اثنان، وليس العمل بأحدهما أولى من الآخر. وأما الثانية، فهو أن التفرقة بين الرجلين والرجال أن اسم الرجلين جمع خاص بالاثنين، والرجال جمع عام للاثنين وما زاد عليهما. وأما الثالثة، فهو أن الثلاثة نعت للجمع العام، وهو الرجال، ولا يلزم أن يكون نعتا للجمع الخاص، وهو رجلان وبه يعرف الجواب عن امتناع قولهم: رأيت اثنين رجالا، من حيث إن رجالا اسم للجمع العام، وهو الثلاثة وما زاد عليها، فلا يلزم أن يكون اسما لما دون ذلك، وبه يخرج الجواب عن الفرق بين ضمير التثنية وضمير الجمع: فإن ضمير (فعلا) لجمع خاص وهو الاثنان، و (فعلوا) ضمير ما زاد على ذلك. وأما الخامسة فإنه إذا رأى رجلين، لا نسلم أنه يصح قوله: ما رأيت رجالا، إلا أن يريد به ما زاد على الاثنين. وأما الاحكام فممنوعة على أصل من يرى أن أقل الجمع اثنين. وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجيح وإلا فالوقف لازم.

[ 227 ]

المسألة الرابعة اختلف القائلون بالعموم، في العام بعد التخصيص، هل هو حقيقة في الباقي أو مجاز، على ثمانية مذاهب. فمنهم من قال إنه يبقى حقيقة مطلقا على أي وجه كان المخصص، وهو مذهب الحنابلة وكثير من أصحابنا. ومنهم من قال إنه يبقى مجازا كيف ما كان المخصص، وهو مذهب كثير من أصحابنا، وإليه ميل الغزالي وكثير من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة، كعيسى بن أبان وغيره. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن كان الباقي جمعا، فهو حقيقة، وإلا فلا. وهو اختيار أبي بكر الرازي. ومنهم من قال إن خص بدليل لفظي فهو حقيقة، كيف ما كان المخصص، متصلا أو منفصلا، وإلا فهو مجاز. ومنهم من قال إن خص بدليل متصل من شرط، كقوله من دخل داري وأكرمني أكرمته أو استثناء، كقوله من دخل داري أكرمته سوى بني تميم فحقيقة، وإلا فمجاز، وهو اختيار القاضي أبي بكر. وقال القاضي عبد الجبار من المعتزلة: إن كان مخصصه شرطا، كما سبق تمثيله، أو تقييدا بصفة، كقوله من دخل داري عالما أكرمته فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز، حتى في الاستثناء. وقال أبو الحسين البصري: إن كانت القرينة المخصصة مستقلة بنفسها، وسواء كانت عقلية، كالدلالة الدالة على أن غير القادر غير مراد بالخطاب في العبادات، أو لفظية، كقول المتكلم بالعموم: أردت به البعض الفلاني، فهو مجاز، وإلا فهو حقيقة وسواء كانت القرينة شرطا، أو صفة مقيدة، أو استثناء. ومن الناس من قال إنه حقيقة في تناول اللفظ له، مجاز في الاقتصار عليه.

[ 228 ]

والمختار تفريعا على القول بالعموم، أنه يكون مجازا في المستبقى، واحدا كان أو جماعة، وسواء كان المخصص متصلا أو منفصلا، عقليا أو لفظيا، باستثناء أو شرط أو تقييد بصفة. ودليل ذلك أنه إذا كان اللفظ حقيقة في الاستغرق والهيئة الاجتماعية من كل الجنس، فصرفه إلى البعض بالقرينة، كيف ما كانت القرينة. إما أن يكون لدلالة اللفظ عليه حقيقة أو مجازا، لا جائز أن يقال بكونه حقيقة فيه، وإلا كان اللفظ مشتركا بينه وبين الاستغراق، ضرورة اختلاف معنييهما بالبعضية والكلية، وعدم اشتراكهما في معنى جامع يكون مدلولا للفظ، والمشترك لا يكون ظاهرا بلفظه في بعض مدلولاته دون البعض، وهو خلاف مذهب القائلين بالعموم، فلم يبق إلا أن يكون مجازا. فإن قيل: ما المانع أن يكون حقيقة فيهما، باعتبار اشتراكهما في الجنسية، على وجه لا يكون مشتركا ولا مجازا في أحدهما، والذي يدل على كونه حقيقة في البعض المستبقى أن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص، فخروج غيره عن عموم اللفظ لا يكون مؤثرا فيه، سلمنا أنه ليس حقيقة في الجنس المشترك، ولكن ما المانع من كون اللفظ بمطلقه، حقيقة في الاستغراق ومع القرينة يكون حقيقة في البعض، سلمنا امتناع بقائه حقيقة فيه، ولكن متى إذا كان دليل التخصيص لفظيا متصلا، أو منفصلا. الاول ممنوع، والثاني مسلم. وذلك لانه إذا كان الدليل المخصص لفظيا متصلا، وسواء كان شرطا أو تقييدا بصفة أو استثناء، فإن الكلام يصير بسبب الزيادة المتصلة به كلاما آخر مستقلا موضوعا للبعض، فإنه إذا قال من دخل داري أكرمته كان له معنى، فإذا زاد شرطا أو صفة أو استثناء، كقوله من دخل داري وأكرمني أكرمته، ومن دخل داري عالما أكرمته، أو من دخل داري أكرمته

[ 229 ]

إلا بني تميم تغير ذلك المعنى الاول، وصار معنى الشرط الداخل المكرم، ومعنى الصفة الداخل العالم، ومعنى الاستثناء الداخل ممن ليس من بني تميم فكان اللفظ والمعنى مختلفا، وكل واحد من اللفظين حقيقة في معناه، وصار هذا بمنزلة قول القائل مسلم فإنه له معنى، فإذا زاد فيه الالف واللام فقال المسلم أو زاد فيه الواو والنون فقال مسلمون فإن اللفظ بإلحاق الزيادة فيه صار دالا على معنى زائد بجهة الحقيقة، لا بجهة التجوز، فكذلك فيما نحن فيه. وعلى هذا نقول إن قوله تعالى: * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) * (29) العنكبوت: 14) إن مجموع هذا القول دل على المستبقى بجهة الحقيقة، وهو قائم مقام قوله فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما. هذا كله فيما إذا كان الاستثناء والمستثنى في كلام متكلم واحد، وأما لو قال الله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) فقال الرسول عقيبه إلا زيدا فهذا مما اختلف فيه أنه كالمتصل الذي لا يجعل لفظ المشركين مجازا، أم لا. فمن قال بكونه متصلا، نظر إلى أن كلام النبي، (ص)، لا يكون في تشريع الاحكام يغير الوحي، فكان في البيان كما لو كان ذلك بكلام الله تعالى. ومنهم من أجراه مجرى الدليل المنفصل، دون المتصل، ولهذا، فإنه لو قال الباري تعالى زيد فقال النبي (ص) قام لا يكون خبرا صادرا من الله تعالى، لان نظم الكلام إنما يكون من متكلم واحد، ولعل هذا هو الاظهر. سلمنا أنه يكون مجازا في جميع الصور إلا في الشرط، وذلك لانه إذا قال أكرم بني تميم إن دخلوا داري فإن الشرط لم يخرج شيئا مما تناوله اللفظ من أعيان الاشخاص، بل هو باق بحاله. وإنما أخرج حالا من الاحوال، وهي حالة عدم دخول الدار، بخلاف الاستثناء وغيره، فلا يكون مجازا. سلمنا التجوز مطلقا، لكن متى إذا كان المستبقى جمعا غير منحصر، أو إذا لم يكن ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.

[ 230 ]

والجواب عن السؤال الاول أن البعض، وإن كان من جنس الكل، إلا أن اللفظ العام حقيقة في استغراق الجنس من حيث هو كذلك، لا في الجنس مطلقا، ولهذا، تعذر حمله على البعض، وإن كان من الجنس، إلا بقرينة، باتفاق القائلين بالعموم، ومعنى الاستغراق غير متحقق في المستبقى، فلا يكون حقيقة فيه. قولم إن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص، قلنا بانفراده أو مع المخصص الخارج ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. وعلى هذا، فلا يلزم مع التخصيص أن يبقى حقيقة فيه، كيف ويلزم عليه الواحد، فإن اللفظ كان متناولا له حقيقة، قبل التخصيص، وبعد التخصيص، فهو مجاز فيه بالاتفاق. وعن السؤال الثاني جوابان: الاول أن ذلك مما يرفع جميع المجازات عن الكلام، فإنه ما من مجاز إلا ويمكن أن يقال أنه مع القرينة حقيقة في مدلوله، وبدون القرينة حقيقة في غيره. الثاني أنه لو كان كما ذكروه لكان استعمال ذلك اللفظ في الاستغراق مع اقترانه بالقرينة المخصصة له بالبعض استعمالا له في غير الحقيقة، وصارفا له عن الحقيقة، وهو خلاف إجماع القائلين بالعموم. وعن السؤال الثالث أن دلالة اللفظ عند اقترانه بالدليل اللفظي المتصل لا يخرج عن حقيقته وصورته بما اقترن به، وإلا كان كل مقترن بشئ خارجا عن حقيقته. ويلزم من ذلك خروج الجسم عن حقيقته من حيث هو جسم عند اتصافه بالبياض أو السواد، وكذلك في كل موصوف بصفة، وهو محال. وإذا كان باقيا على حقيقته، فمعناه لا يكون مختلفا، بل غايته أن يصير مصروفا عن معناه بالقرينة المقترنة به، وهو التجوز بعينه. وعلى هذا، فألفاظ الآية المذكورة في قصة نوح الالف للالف، والخمسون للخمسين، وإلا للرفع، ومعرفة ما بقي حاصلة بالحساب. وخرج عن هذا زيادة الالف واللام في المسلم، والواو والنون في

[ 231 ]

المسلمين، فإنها لا معنى لها في نفسها دون المزيد عليه، ولا سبيل إلى إهمالها. فلذلك، كانت موجبة للتعيين في الوضع. فإن قيل: لو قال لا إله فإنه بمطلقه يكون كفرا، ولو اقترن به الاستثناء وهو قوله إلا الله كان إيمانا، وكذلك لو قال لزوجته أنت طالق كان بمطلقه تنجيزا للطلاق، ولو اقترن به الشرط، وهو قوله إن دخلت الدار كان تعليقا، مع أن الاستثناء والشرط له معنى، ولولا تغير الدلالة والوضع، لما كان كذلك. قلنا: لا نسلم التغير في الوضع، بل غايته صرف اللفظ عما اقتضاه في جهة إطلاقه إلى غيره بالقرينة كيف وإنه لو صح ما ذكروه، لم يكن ذلك من باب تخصيص العموم الذي نحن فيه وعن السؤال الرابع من وجهين: الاول: أنه مهما أخرج الشرط بعض الاحوال، فيلزم منه إخراج بعض الاعيان، وذلك أنه إذا قال أكرم بني تميم إن دخلوا داري فقد أخرج من لم يدخل الدار، الثاني أنه، وإن لم يخرج شيئا من الاعيان، ولكن لا نسلم انحصار التجوز في إخراج الاعيان، وما المانع من القول بالتجوز في إخراج بعض الاحوال مع عموم اللفظ بالنسبة إليها ؟ وعن السؤال الخامس، لا نسلم أن المستبقى، وإن كان جمعا غير منحصر، أنه يكون عاما إذا لم يكن مستغرقا للجنس وإن سلمنا عمومه، غير أنه بعض مدلول اللفظ العام المخصص، وإذا كان بعضا منه لزم أن يكون صرف اللفظ إليه مجازا لما ذكرناه من الدليل.

[ 232 ]

المسألة الخامسة اختلف القائلون بالعموم في صحة الاحتجاج به بعد التخصيص فيما بقي، فأثبته الفقهاء مطلقا، وأنكره عيسى بن أبان وأبو ثور مطلقا، ومنهم من فصل: ثم اختلف القائلون بالتفصيل: فقال البلخي إن خص بدليل متصل كالشرط والصفة والاستثناء، فهو حجة، وإن خص بدليل منفصل، فليس بحجة. وقال أبو عبد الله البصري: إن كان المخصص قد منع من تعلق الحكم بالاسم العام، وأوجب تعلقه بشرط لا ينبئ عنه الظاهر، لم يجز التعلق به، كما في قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) فإن قيام الدلالة على اعتبار الحرز ومقدار المسروق مانع من تعلق الحكم بعموم اسم السارق، وموجب لتعلقه بشرط لا ينبئ عنه ظاهر اللفظ. وإن كان المخصص لم يمنع من تعلق الحكم الاسم العام، فهو حجة، كقوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) فإن قيام الدلالة على المنع من قتل الذمي غير مانع من تعلق الحكم باسم المشركين. وقال القاضي عبد الجبار: إن كان العام المخصوص، لو تركنا وظاهره من دون التخصيص، كنا نمتثل ما أريد منا، ونضم إليه ما لم يرد منا، صح الاحتجاج به، وذلك كقوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * المخصص بأهل الذمة، وإن كان العام بحيث لو تركنا وظاهره من غير تخصيص، لم يمكنا امتثال ما أريد منا دون بيان، فلا يكون حجة، وذلك كقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * (2) البقرة: 43) فإنا لو تركنا والآية، لم يمكنا امتثاله ما أريد منا من الصلاة الشرعية قبل تخصيصه بالحائض، فكذلك بعد التخصيص.

[ 233 ]

ومن الناس من قال إنه يكون حجة في أقل الجمع، ولا يكون حجة فيما زاد على ذلك. واتفق الكل على أن العام، لو خص تخصيصا مجملا، فإنه لا يبقى حجة، كما لو قال اقتلوا المشركين إلا بعضهم. والمختار صحة الاحتجاج به فيما وراء صور التخصيص وقد احتج بعض الاصحاب على ذلك بأن قال: اللفظ العام كان متناولا للكل بالاجماع، فكونه حجة في كل قسم من أقسام ذلك الكل إما أن يكون موقوفا على كونه حجة في القسم الآخر، أو على كونه حجة في الكل، أو لا يتوقف على واحد منهما: فإن كان الاول، فهو باطل، لانه إن كان كونه حجة في كل واحد من الاقسام مشروطا بكونه حجة في القسم الآخر فهو دور ممتنع، وإن كان كونه حجة في بعض الاقسام مشروطا بكونه حجة في قسم آخر، ولا عكس، فكونه حجة في ذلك القسم الآخر يبقى بدون كونه حجة في القسم المشروط وليس بعض الاقسام بذلك أولى من البعض مع تساوي نسبة اللفظ العام إلى كل أقسامه. وإن كان الثاني، فهو أيضا باطل لان كونه حجة في الكل يتوقف على كونه حجة في كل واحد من تلك الاقسام، لان الكل لا يتحقق إلا عند تحقق جميع الافراد، وذلك أيضا دور ممتنع. وإذا بطل القسمان، ثبت كونه حجة في كل واحد من الاقسام من غير توقف على كونه حجة في القسم الآخر، ولا على الكل، ثبت كونه حجة في البعض المستبقى، وإن لم يبق حجة في غيره. وهذه الحجة مع طولها ضعيفة جدا، إذ لقائل أن يقول: ما المانع من صحة توقف الاحتجاج به في كل واحد من الاقسام على الآخر، أو على الكل مع التعاكس. قوله: إنه دور ممتنع متى يكون ذلك ممتنعا إذا كان التوقف توقف معية أو توقف تقدم ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. ولكن لم قلت بأن التوقف هاهنا بجهة التقدم. ولا يخفى أن بيان ذلك مما لا سبيل إليه.

[ 234 ]

والمعتمد في ذلك الاجماع، والمعقول. أما الاجماع فهو أن فاطمة، رضي الله عنها، احتجت على أبي بكر في ميراثها من أبيها بعموم قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم) * (4) النساء: 11) الآية، مع أنه مخصص بالكافر والقاتل، ولم ينكر أحد من الصحابة صحة احتجاجها مع ظهوره وشهرته، بل عدل أبو بكر في حرمانها إلى الاحتجاج بقوله، (ص): نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة. وأيضا فإن عليا، عليه السلام، احتج على جواز الجمع بين الاختين في الملك بقوله تعالى: * (أو ما ملكت أيمانكم) * (4) النساء: 3) مع كونه مخصصا بالاخوات والبنات، وكان ذلك مشهورا فيما بين الصحابة ولم يوجد له نكير، فكان إجماعا. وأيضا، فإن ابن عباس احتج على تحريم نكاح المرضعة بعموم قوله تعالى: * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) * (4) النساء: 23) وقال: قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير، مع أنه مخصوص لكون الرضاع المحرم متوقفا على شروط وقيود، فليس كل مرضعة محرمة، ولم ينكر عليه منكر صحة احتجاجه به، فكان إجماعا.

[ 235 ]

وأما المعقول فهو أن العام قبل التخصيص حجة في كل واحد من أقسامه إجماعا. والاصل بقاء ما كان قبل التخصيص بعده إلا أن يوجد له معارض. والاصل عدمه. فإن قيل: لو كان حجة في الباقي بعد التخصيص، لم يخل إما أن يدل عليه حقيقة أو تجوزا، لا جائز أن يقال بالاول، إذ يلزم منه أن يكون اللفظ مشتركا بينه وبين الاستغراق ضرورة اتفاق القائلين بالعموم على كونه حقيقة في الاستغراق، والاشتراك على خلاف الاصل. وإن كان مجازا، فيمتنع الاحتجاج به لثلاثة أوجه. الاول: أن المجاز فيما وراء صورة التخصيص متردد بين اقل الجمع وما عدا صورة التخصيص، ويمتنع الحمل على الكل لما فيه من تكثير جهات التجوز، وليس حمله على أحد المجازين أولى من الآخر، لعدم دلالة اللفظ عليه، فكان مجملا. الثاني: أن المجاز ليس بظاهر، وما لا يكون ظاهرا لا يكون حجة. الثالث: أن العام بعد التخصيص ينزل منزلة قوله: اقتلوا المشركين إلا بعضهم والمشبه به ليس بحجة، فكذلك المشبه سلمنا أنه حجة، لكن في أقل الجمع، أو فيما عدا صورة التخصيص ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع. وذلك لان الحمل على أقل الجمع متيقن، بخلاف الحمل على ما زاد عليه، فإنه مشكوك فيه، فكان حجة في المتيقن. والجواب عن السؤال الاول من جهة الاجمال، والتفصيل: أما الاجمال، فهو أن اللفظ العام حجة في كل واحد من أقسامه، قبل التخصيص إجماعا، وهو إما أن يكون دالا عليه حقيقة، أو مجازا، ضرورة، وكل ما ذكروه من الاشكالات تكون لازمة، ومع ذلك فهو حجة، والعذر يكون متحدا. وأما التفصيل، فنقول: ما المانع أن يكون مشتركا ؟ قولهم: الاشتراك على خلاف الاصل، قلنا إنما يكون خلاف الاصل، أن لو لم يكن من قبيل الاسماء العامة، وليس كذلك على ما يأتي عن قرب إن شاء الله تعالى. وإن سلمنا أنه ليس مشتركا، فما المانع من التجوز ؟

[ 236 ]

قولهم إنه مجمل لتردده بين جهات التجوز. قلنا: يجب اعتقاد ظهوره في بعضها نفيا للاجمال عن الكلام، إذ هو خلاف الاصل، ثم متى يكون كذلك إذا كان حمله على ما عدا صورة التخصيص مشهورا، أو إذا لم يكن ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. وبيان اشتهاره ما نقل عن الصحابة من علمهم بالعمومات المخصصة فيما وراء صورة التخصيص نقلا شائعا ذائعا سلمنا أنه غير مشهور فيه، ولكن يجب حمل اللفظ بعد التخصيص عليه، لانه أولى من حمله على أقل الجمع لثلاثة أوجه. الاول: لكونه معينا، وكون أقل الجمع مبهما في الجنس. والثاني: إن حمله عليه بتقدير أن يكون المراد من اللفظ أقل الجمع غير مخل بمراد المتكلم، وحمله على أقل الجميع بتقدير أن يكون المراد من اللفظ ما عدا صورة التخصيص مخل بمراد المتكلم، فكان الحمل عليه أولى. والثالث: إنه أقرب إلى الحقيقة، فكان أولى. قولهم: المجاز ليس بظاهر إن أرادوا به أنه ليس حقيقة فمسلم، ولكن لا يدل ذلك على أنه لا يكون حجة، إلا أن تكون الحجة منحصرة في الحقيقة، وهو محل النزاع وإن أرادوا به أنه لا يكون حجة، فهو محل النزاع. قولهم إنه ينزل منزلة قوله: اقتلوا المشركين إلا بعضهم ليس كذلك فإن الخارج عن العموم، إذا كان مجهولا، تعذر العمل بالعموم مطلقا، لان العمل به في أي واحد قدر لا يؤمن معه أن يكون هو المستثنى، بخلاف ما إذا كان الخارج معينا. وعن السؤال الثاني بما ذكرناه من الترجيحات السابقة.

[ 237 ]

المسألة السادسة إذا ورد خطاب جوابا لسؤال سائل داع إلى الجواب، فالجواب إما أن يكون غير مستقل بنفسه دون السؤال، أو هو مستقل: فإن كان الاول، فهو تابع للسؤال في عمومه وخصوصه: أما في عمومه، فمن غير خلاف، وذلك كما روي عن النبي، (ص)، أنه سئل عن بيع الرطب التمر، فقال: أينقص الرطب إذا يبس ؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذا. وأما في خصوصه فكما لو سأله سائل، وقال: توضأت بماء البحر. فقال له: يجزئك فهذا وأمثاله، وإن ترك فيه الاستفصال مع تعارض الاحوال، لا يدل على التعميم في حق الغير، كما قاله الشافعي، رضي الله عنه، إذ اللفظ لا عموم له. ولعل الحكم على ذلك الشخص كان لمعنى يختص به، كتخصيص أبي بردة في الاضحية بجذعة من المعز، وقوله له تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك، وتخصيصه خزيمة بقبول شهادته وحده، وبتقدير تعميم المعنى الجالب للحكم، فالحكم في حق غيره إن ثبت فبالعلة المتعدية، لا بالنص. وأما إن كان الجواب مستقلا بنفسه دون السؤال، فإما أن يكون مساويا للسؤال، أو أعم منه، أو أخص.

[ 238 ]

فإن كان مساويا له، فالحكم في عمومه وخصوصه عند كون السؤال عاما أو خاصا، فكما لو لم يكن مستقلا ومثاله عند كون السؤال خاصا سؤال الاعرابي عن وطئه في نهار رمضان وقوله (ص): اعتق رقبة ومثاله عند كون السؤال عاما ما روي عن النبي (ص)، أنه سئل، فقيل له إنا نركب البحر على أرماث لنا، وليس معنا من الماء العذب ما يكفينا، أفنتوضأ بما البحر ؟ فقال (ص): البحر هو الطهور. وأما إن كان الجواب أخص من السؤال، فالجواب يكون خاصا، ولا يجوز تعديه الحكم من محل التنصيص إلى غيره إلا بدليل خارج عن اللفظ، إذ اللفظ لا عموم له، كما سبق تقريره، بل وفي هذه الصورة الحكم بالخصوص أولى من القول به، فيما إذا كان السؤال خاصا، والجواب مساويا له، حيث إنه هاهنا عدل عن مطابقة سؤال السائل بالجواب مع دعوى الحاجة إليه، بخلاف تلك الصورة، فإنه طابق بجوابه سؤال السائل. وأما إن كان الجواب أعم من السؤال، فإما أن يكون أعم من السؤال في ذلك الحكم لا غير، كسؤاله، (ص)، عن ماء بئر بضاعة، فقال: خلق الماء طهورا، لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه أو أنه أعم من السؤال في غير ذلك الحكم، كسؤاله، (ص)، عن التوضئ بماء البحر، فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته

[ 239 ]

فإن كان من القسم الثاني، فلا خلاف في عمومه في حل ميتته، لانه عام مبتدأ به، لا في معرض الجواب، إذ هو غير مسؤول عنه، وكل عام ورد مبتدأ بطريق الاستقلال، فلا خلاف في عمومه عند القائلين بالعموم. وأما إن كان من القسم الاول، فمذهب أبي حنيفة والجم الغفير أنه عام، وأنه لا يسقط عمومه بالسبب الذي ورد عليه، والمنقول عن الشافعي، رضي الله عنه، ومالك والمزني وأبي ثور خلافه. وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا ورد العام على سبب خاص لا تعلق له بالسؤال، كما روي عنه، (ص) أنه مر بشاة ميمونة، وهي ميتة، فقال، (ص): أيما إهاب دبغ فقد طهر. والمختار إنما هو القول بالتعميم إلى أن يدل الدليل على التخصيص. ودليله أنه لو عري اللفظ الوارد عن السبب كان عاما، وليس ذلك إلا لاقتضائه للعموم بلفظه، لا لعدم السبب، فإن عدم السبب لا مدخل له في الدلالات اللفظية، ودلالة العموم لفظية، وإذا كانت دلالته على العموم مستفادة من لفظه، فاللفظ وارد مع وجوب السبب، حسب وروده مع عدم السبب، فكان مقتضيا للعموم، ووجود السبب لو كان، لكان مانعا من اقتضائه للعموم، وهو ممتنع لثلاثة أوجه: الاول: أن الاصل عدم المانعية، فمدعيها يحتاج إلى البيان. الثاني: أنه لو كان مانعا من الاقتضاء للعموم، لكان تصريح الشارع بوجوب العمل بعمومه، مع وجود السبب، إما إثبات حكم العموم مع انتفاء العموم، أو إبطال الدليل المخصص، وهو خلاف الاصل. الثالث: أن أكثر العمومات وردت على أسباب خاصة، فآية السرقة نزلت في سرقة المجن أو رداء صفوان، وآية الظهار نزلت في حق سلمة بن صخر، وآية اللعان نزلت في حق هلال بن أمية، إلى غير ذلك. والصحابة عمموا أحكام هذه

[ 240 ]

الآيات من غير نكير، فدل على أن السبب غير مسقط للعموم، ولو كان مسقطا للعموم لكان إجماع الامة على التعميم خلاف الدليل ولم يقل أحد بذلك. فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على اختصاص العموم بالسبب، وبيانه من ستة أوجه: الاول: أنه لو لم يكن المراد بيان حكم السبب لا غير، بل بيان القاعدة العامة، لما أخر البيان إلى حالة وقوع تلك الواقعة، واللازم ممتنع. وإذا كان المقصود إنما هو بيان حكم السبب الخاص، وجب الاقتصار عليه. الثاني: أنه لو كان الخطاب عاما، لكان جوابا وابتداء، وقصد الجواب والابتداء متنافيان. الثالث: أنه لو كان الخطاب مع السبب عاما، لجاز إخراج السبب عن العموم بالاجتهاد، كما في غيره من الصور الداخلة تحت العموم ضرورة تساوي نسبة العموم إلى الكل، وهو خلاف الاجماع. الرابع: أنه لو لم يكن للسبب مدخل في التأثير، لما نقله الراوي لعدم فائدته. الخامس: أنه لو قال القائل لغيره تغدى عندي فقال لا والله لا تغديت فإنه، وإن كان جوابا عاما، فمقصور على سببه، حتى إنه لا يحنث بغدائه عند غيره، ولولا أن السبب يقتضي التخصيص، لما كان كذلك. السادس: أنه إذا كان السؤال خاصا، فلو كان الجواب عاما، لم يكن مطابقا للسؤال، والاصل المطابقة لكون الزيادة عديمة التأثير فيما تعلق به غرض السائل. والجواب عن المعارضة الاولى أنها مبنية على وجوب رعاية الغرض والحكمة في أفعال الله، وهو غير مسلم، وإن كان ذلك مسلما، لكن لا مانع من اختصاص إظهار الحكم عند وجود السبب لحكمة استأثر الرب تعالى بالعلم بها دون غيره،

[ 241 ]

ثم يلزم مما ذكروه أن تكون العمومات الواردة على الاسباب الخاصة مما ذكرناه مختصة بأسبابها، وهو خلاف الاجماع. وعن الثانية أنه إن أريد بالتنافي بين الجواب والابتداء امتناع ذكره، لحكم السبب مع غيره، فهو محل النزاع، وإن أرادوا غير ذلك، فلا بد من تصويره. وعن الثالثة أنه لا خلاف في كون الخطاب ورد بيانا لحكم السبب، فكان مقطوعا به فيه، فلذلك امتنع تخصيصه بالاجتهاد، بخلاف غيره، فإن تناوله له ظني، وهو ظاهر فيه، فلذلك جاز إخراجه عن عموم اللفظ بالاجتهاد، وما نقل عن أبي حنيفة من أنه كان يجوز إخراج السبب عن عموم اللفظ بالاجتهاد، حتى أنه أخرج الامة المستفرشة عن عموم قوله عليه السلام: الولد للفراش ولم يلحق ولدها بمولاها، مع وروده في وليد زمعة. وقد قال عبد الله بن زمعة: هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه. فلعله فعل ذلك لعدم اطلاعه على ورود الخبر على ذلك السبب. وعن الرابعة أن فائدة نقل السبب امتناع إخراجه عن العموم بطريق الاجتهاد ومعرفة أسباب التنزيل. وعن الخامسة أن الموجب للتخصيص بالسبب في الصورة المستشهد بها عادة أهل العرف بعضهم مع بعض، ولا كذلك في الاسباب الخاصة بالنسبة إلى خطاب الشارع بالاحكام الشرعية. وعن السادسة إن أرادوا بمطابقة الجواب للسؤال الكشف عنه وبيان حكمه، فقد وجد، وإن أرادوا بذلك أن لا يكون بيانا لغير ما سئل عنه، فلا نسلم أنه الاصل. ويدل على ذلك أن النبي، (ص)، لما سئل عن التوضؤ بماء البحر فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته، تعرض لحل الميتة ولم يكن مسؤولا عنها. ولو كان الاقتصار على نفس المسؤول عنه هو الاصل، لكان بيان النبي، (ص)، لحل الميتة على خلاف الاصل، وهو بعيد.

[ 242 ]

المسألة السابعة اختلف العلماء في اللفظ الواحد من متكلم واحد في وقت واحد إذا كان مشتركا بين معنيين، كالقرء للطهر، والحيض، أو حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر، كالنكاح المطلق على العقد، والوطئ ولم تكن الفائدة فيهما واحدة، هل يجوز أن يراد به كلا المعنيين معا، أو لا ؟ فذهب الشافعي والقاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا وجماعة من مشايخ المعتزلة، كالجبائي والقاضي عبد الجبار وغيرهم، إلى جوازه، بشرط أن لا يمتنع الجمع بينهما، وذلك كاستعمال صيغة (افعل) في الامر بالشئ والتهديد عليه، غير أن مذهب الشافعي أنه مهما تجرد ذلك اللفظ عن القرينة الصارفة له إلى أحد معنييه، وجب حمله على المعنيين، ولا كذلك عند من جوز ذلك من مشايخ المعتزلة. وذهب جماعة من أصحابنا وجماعة من المعتزلة، كأبي هاشم وأبي عبد الله البصري وغيرهما، إلى المنع من جواز ذلك مطلقا. وفصل أبو الحسين البصري والغزالي، فقالا: يجوز ذلك بالنظر إلى الارادة دون اللغة. وعلى هذا النحو من الخلاف في اللفظ المفرد، اختلفوا في جمعه، كالاقراء التي هي جمع قرء، هل يجوز حمله على الحيض والاطهار معا، وسواء كان إثباتا، كما لو قيل للمرأة: اعتدي بالاقراء أو نفيا كما لو قيل لها: لا تعتدى بالاقراء. وذلك لان جمع الاسم يفيد جمع ما اقتضاه الاسم، فإن كان الاسم متناولا لمعنييه، كان الجمع كذلك، وإن كان لا يفيد سوى أحد المعنيين، فكذلك أيضا جمعه. والحجاج فيه متفرع على الحجاج في المفرد. وربما قال بالتعميم في طرف النفي، كان فردا أو جمعا، بعض من قال بنفيه في طرف الاثبات، ولهذا قال أبو الحسين البصري: وفيه بعض الاشتباه، إذ يجوز أن يقال بنفي الاعتداد بالحيض والطهر معا. والحق أن النفي لما اقتضاه الاثبات، فإن كان مقتضى الاثبات الجمع، فكذلك النفي، وإن كان مقتضاه أحد الامرين، فكذلك النفي. وإذ أتينا على بيان اختلاف المذاهب بالتفصيل، فلنعد إلى طرف الحجاج. وقد احتج القائلون بجواز التعميم.

[ 243 ]

أما في إمكان إرادة الامرين باللفظ الواحد، فهو أنا لو قدرنا عدم التكلم بلفظ القرء، لم يمنع الجمع بين إرادة الاعتداد بالحيض وإرادة الاعتداد بالطهر، فوجود اللفظ لا يحيل ما كان جائزا وكذلك الكلام في إرادة الجمع بين الحقيقة والمجاز. وأما بالنظر عند الوقوع لغة، فقوله تعالى: * (إن الله وملائكته يصلون على النبي) * (33) الاحزاب: 56) والصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، وهما معنيان مختلفان، وقد أريدا بلفظ واحد. وأيضا قوله تعالى: * (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات، ومن في الارض، والشمس والقمر) * (22) الحج: 18:) إلى آخر الآية، وسجود الناس غير سجود غير الناس، وقد أريدا بلفظ واحد. واحتجوا أيضا بأن سيبويه قال: قول القائل لغيره الويل لك خبر ودعاء، فقد جعله مع اتحاده مفيدا لكلا الامرين. اعترض النافون، أما على إرادة إنكار الجمع بين المسميين فهو أن المتكلم إذا استعمل الكلمة الواحدة في حقيقتها ومجازها معا، كان مريدا لاستعمالها فيما وضعت له ومريدا للعدول بها عما وضعت له، وهو محال. وأيضا فإن المستعمل للكلمة فيما هي مجاز فيه، لا بد وأن يضمر فيها كاف التشبيه، والمستعمل لها في حقيقتها لا بد وأن لا يضمر فيها ذلك: والجمع بين الاضمار وعدمه في الكلمة الواحدة محال. هذا ما يخص الاسم المجازي، وأما ما يخص الاسم المشترك فهو أن اللفظ المشترك موضوع في اللغة لاحد أمرين مختلفين على سبيل البدل، ولا يلزم من ذلك أن يكون موضوعا لهما على الجمع، إذ المغايرة بين المجموع وبين كل واحد من أفراده واقعة بالضرورة، والمساواة بينهما في جميع الاحكام، غير لازمة وعلى هذا، فلا يلزم من كون كل واحد من المفردين مسمى باسم تسمية المجموع به، وعند ذلك فالواضع إذا وضع لفظا لاحد مفهومين على سبيل البدل، فإن لم يكن قد وضعه لمجموعهما، فاستعماله في المجموع استعمال اللفظ في غير ما وضع له، وهو ممتنع. وإن كان قد وضعه له، فإما أن يستعمل اللفظ لافادة المجموع وحده، أو لافادته مع إفادة الافراد. فإن كان الاول لم يكن اللفظ مفيدا لاحد مفهوماته، لان الواضع إن كان

[ 244 ]

قد وضعه بإزاء أمور ثلاثة على البدل، واحدها ذلك المجموع، فاستعمال اللفظ فيه وحده لا يكون استعمالا للفظ في جميع مفهوماته. وإن استعمله في إفادة المجموع والافراد على الجمع، فهو محال لان إفادة الجموع معناها أن الاكتفاء لا يحصل إلا به، وإفادته للمفرد معناها أنه يحصل الاكتفاء بكل واحد منها، وهو جمع بين النقيضين، وهو محال، فلا يكون اللفظ المشترك من حيث هو مشترك ممكن الاستعمال في إفادة مفهوماته جملة. وأما على دليل الوقوع لغة، أما النص الاول، فقد قال الغزالي فيه إن لفظ الصلاة المطلق على صلاة الله تعالى والملائكة إنما هو باعتبار اشتراكهما في معنى العناية بأمر الرسول (ص)، إظهارا لشرفه وحرمته، فهو لفظ متواطئ لا مشترك، وكذلك لفظ السجود في الآية الاخرى، فإن مسماه إنما هو القدر المشترك من معنى الخضوع لله تعالى، والدخول تحت تسخيره وإرادته. وقال أبو هاشم: وإن سلم اختلاف المسمى وإرادتهما بلفظ واحد، فلا يبعد أن يقال إن ذلك من قبيل ما نقلته الشريعة من الاسماء اللغوية إلى غير معانيها في اللغة. فأما قول سيبويه، فإنه وإن دل على أن العرب وضعت قوله الويل لك للخبر والدعاء معا، فليس فيه ما يدل على أن كل الالفاظ المشتركة، أو الالفاظ التي هي حقيقة في شئ ومجاز في شئ، موضوعة للجمع. كيف وإن قول سيبويه لا يدل على كون ذلك القول مستعملا في الخبر والدعاء معا، بل جاز أن يكون موضوعا للخبر، وهو مستعمل في الدعاء مجازا، معا. أجاب المثبتون عن الاعتراض الاول على الامكان بمنع أن المستعمل للفظة في حقيقتها ومجازها مريد لاستعمالها فيما وضعت له، ومريد للعدول بها عما وضعت له، بل هو مريد لما وضعت له حقيقة، ولما لم توضع له حقيقة. وعن الثاني أن إضمار التشبيه وعدمه في الكلمة الواحدة إنما يمتنع بالنسبة إلى شئ واحد، وأما بالنسبة إلى شيئين فلا، كيف وإن ذلك لا يطرد في كل مجاز.

[ 245 ]

وعن الثالث أنه مبني على أن الاسم المشترك موضوع لاحد مسمياته على سبيل البدل حقيقة، وليس كذلك عند الشافعي والقاضي أبي بكر، بل هو حقيقة في المجموع، كسائر الالفاظ العامة، ولهذا فإنه إذا تجرد عن القرينة عندهما، وجب حمله على الجميع، وإنما فارق باقي الالفاظ العامة من جهة تناوله لاشياء لا تشترك في معنى واحد يصلح أن يكون مدلولا للفظ، بخلاف باقي العمومات، فنسبه اللفظ المشترك في دلالته إلى جملة مدلولاتها وإلى أفرادها، كنسبة غيره من الالفاظ العامة إلى مدلولاتها جملة وإفرادا. وعلى هذا، فقد بطل كل ما قيل من التقسيم المبني على أن اللفظ المشترك موضوع لاحد مسمياته على طريق البدل حقيقة، ضرورة كونه مبنيا عليه، وإنما هو لازم على مشايخ المعتزلة المعتقدين كون اللفظ المشترك موضوعا لاحد مسمياته حقيقة على طريق البدل. فإن قيل: وإن كان اللفظ المشترك حقيقة في الجمع، فلا خفاء بجواز استعماله في آحاد مدلولاته عند ظهور القرينة عند الشافعي والقاضي أبي بكر، وسواء كان ذلك حقيقة أو مجازا. وعند ذلك فاستعماله في المجموع، وإن كان على وجه لا يدخل فيه الافراد، فإن كان اللفظ حقيقة في الافراد، فاللفظ يكون مشتركا، ولم يدخل فيه جميع مسمياته، وإن كان مجازا، فلم تدخل فيه الحقيقة وا لمجاز معا، وهو خلاف مذهبكم، وإن كان على وجه يدخل فيه الافراد، فهو محال، لان إفادته للمجموع معناها أن الاكتفاء لا يحصل إلا به، وإفادته للافراد معناها أنه يحصل الاكتفاء بكل واحد منها، وهو جمع بين النقيضين كما سبق. قلنا: استعماله في الافراد متى يكون معناه الاكتفاء بها إذا كانت داخلة في المجموع، أو إذا لم تكن داخلة فيه ؟ والاول ممنوع، بل معنى استعماله فيها أنه لا بد منها. والثاني مسلم، ولا يلزم منه التناقض على كلا التقديرين، أما على تقدير العمل باللفظ في آحاد أفراده مع الاقتصار عند ظهور القرينة، فلان الجملة غير مشترطة في

[ 246 ]

الاكتفاء، وأما عند كون الافراد داخلة في مسمى الجملة، فلانها لا بد منها، لا بمعنى أنه يكتفى بها. فإن قيل: وإذا كانت الافراد داخلة في مسمى الجملة، فليس للفظ عليها دلالة بجهة الحقيقة، ولا بجهة التجوز، بل بطريق الملازمة الذهنية، وليست دلالة لفظية ليلزم ما قيل. قلنا: لا خفاء بدخول الافراد في الجملة، فتكون مفهومة من اللفظ الدال على الجملة، فله عليها دلالة، وهي إما أن تكون بجهة الحقيقة، أو التجوز، لما سبق. وعن الاعتراض الاول على النصوص، أنه لو كان مسمى الصلاة هو القدر المشترك من الاعتناء، ومسمى السجود القدر المشترك من الخضوع، والانقياد، لاطرد الاسم باطرادهما، وليس كذلك، فإنه لا يسمى كل اعتناء بأمر صلاة، ولا كل خضوع وانقياد سجودا. وإن كان المسمى باسم الصلاة اعتناء خاصا، وبالسجود خضوعا خاصا فلا بد من تصويره وبيان الاشتراك فيه. فإن قيل: يجب اعتقاده، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ، فهو مبني على أن التجوز والاشتراك على خلاف الاصل، وإنما يكون كذلك إن لو تعذر الجمع، وهو محل النزاع. وعن اعتراض أبي هاشم أنه مبني على تحقيق الاسماء الشرعية ونقلها من موضوعاتها في اللغة، وهو باطل، على ما سبق من مذهب القاضي أبي بكر. وعن الاعتراض على قول سيبويه: أما الاول فلانه إنما يلزم أن لو كان الاستدلال بقول سيبويه على أن كل لفظ مشترك أو مجاز يجب أن يكون موضوعا لمجموع مسمياته، وليس كذلك، بل إنما قصد به بيان الوقوع لا غير. وأما الثاني فلانه لا انفكاك في قوله الويل لك عن الخبر والدعاء، واللفظ واحد، ولا معنى لاستعماله فيهما، سوى فهمهما منه عند إطلاقه.

[ 247 ]

المسألة الثامنة نفي المساواة بين الشيئين، كما في قوله تعالى: * (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) * (59) الحشر: 20) يقتضي نفي الاستواء في جميع الامور عند أصحابنا القائلين بالعموم، خلافا لابي حنيفة، فإنه قال: إذا وقع التفاوت، ولو من وجه واحد، فقد وفى بالعمل بدلالة اللفظ. حجة أصحابنا أنه إذا قال القائل لا مساواة بين زيد وعمرو فالنفي داخل على مسمى المساواة، فلو وجدت المساواة من وجه، لما كان مسمى المساواة منتفيا، وهو خلاف مقتضى اللفظ. فإن قيل الاستواء ينقسم إلى الاستواء من كل وجه، وإلى الاستواء من بعض الوجوه، ولهذا يصدق قول القائل استوى زيد وعمرو عند تحقق كل واحد من الامرين. والاستواء مطلقا أعم من الاستواء من كل وجه، ومن وجه دون وجه، والنفي إنما دخل على الاستواء الاعم، فلا يكون مشعرا بأحد القسمين الخاصين. وأيضا فإنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة الاستواء من بعض الوجوه، وإلا لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الاشياء لانه ما من شيئين إلا ولا بد من استوائهما في أمر ما، ولو في نفي ما سواهما عنهما. ولو صدق ذلك وجب أن يكذب عليه غير المساوي لتناقضهما عرفا. ولهذا، فإن من قال هذا مساو لهذا فمن أراد تكذيبه قال لا يساويه والمتناقضان لا يصدقان معا، ويلزم من ذلك أن لا يصدق على شيئين أنهما غير متساويين، وذلك باطل، فعلم أنه لا بد في اعتبار المساواة من التساوي من كل وجه. وعند ذلك، فيكفي في نفي المساواة نفي الاستواء من بعض الوجوه، لان نقيض الكلي الموجب، جزئي سالب، فثبت أن نفي المساواة لا يقتضي نفي المساواة من كل وجه. وأيضا فإنه لو كان نفي المساواة يقتضي نفي المساواة من كل وجه، لما صدق نفي المساواة حقيقة على شيئين أصلا، لانه ما من شيئين إلا وقد استويا في أمر ما كما سبق. وهو على خلاف الاصل، إذ الاصل في الاطلاق الحقيقة دون المجاز.

[ 248 ]

والجواب عن الاول أن ذكر الاعم متى لا يكون مشعرا بالاخص، إذا كان ذلك في طرف الاثبات أو النفي ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع. ولهذا، فإنه لو قال القائل ما رأيت حيوانا وكان قد رأى إنسانا أو غيره من أنواع الحيوان، فإنه يعد كاذبا. وعن الثاني، لا نسلم أنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة التساوي من بعض الوجوه. قولهم: لو كفى ذلك، لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الاشياء لما قرر، مسلم. قولهم: يلزم من ذلك أن يكذب عليه غير المساوي، وهو باطل بما قرر. فهو مقابل بمثله، وهو أن يقال: لا يكفي في إطلاق نفي المساواة نفي المساواة من بعض الوجوه، وإلا لوجب إطلاق نفي المساواة على كل شيئين، لانه ما من شيئين إلا وقد تفاوتا من وجه، ضرورة تعينهما، ولو صدق ذلك لوجب أن يكذب عليه المساوي لتناقضهما عرفا. ولهذا، فإن من قال هذا غير مساو لهذا فمن أراد تكذيبه قال إنه مساو له والمتناقضان لا يصدقان معا. ويلزم من ذلك أن لا يصدق على شيئين أنهما متساويان، وذلك باطل، فإنه ما من شيئين إلا ولا بد من استوائهما، ولو في نفي ما سواهما عنهما، فعلم أنه لا بد في اعتبار نفي المساواة من نفي المساواة من كل وجه. وعند ذلك فيكفي في إثبات المساواة المساواة من بعض الوجوه، لان نقيض الكلي السالب جزئي موجب. وفيه إبطال ما ذكر من عدم الاكتفاء في إطلاق لفظ المساواة بالمساواة من وجه. وإذا تقابل الامران سلم لنا ما ذكرناه أولا. وعن الثالث، لا نسلم صدق نفي المساواة مطلقا على ما وقع التساوي بينهما من وجه. قولهم: الاصل في الاطلاق الحقيقة، قلنا: إلا أن يدل الدليل على مخالفته. ودليله ما ذكرناه. وفي معنى نفي المساواة قوله تعالى: * (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) *.

[ 249 ]

المسألة التاسعة المقتضي، وهو ما أضمر ضرورة صدق المتكلم، لا عموم له، وذلك كما في قوله، (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإنه أخبر عن رفع الخطإ والنسيان، ويتعذر حمله على حقيقته، لافضائه إلى الكذب في كلام الرسول، ضرورة تحقق الخطإ والنسيان في حق الامة، فلا بد من إضمار حكم يمكن نفيه، من الاحكام الدنيوية أو الاخروية، ضرورة صدقه في كلامه. وإذا كانت أحكام الخطإ والنسيان متعددة، فيمتنع إضمار الجميع، إذ الاضمار على خلاف الاصل، والمقصود حاصل بإضمار البعض، فوجب الاكتفاء به، ضرورة تقليل مخالفة الاصل. فإن قيل: ما ذكرتموه إنما يصح أن لو لم يكن لفظ الرفع دالا على رفع جميع أحكام الخطإ والنسيان، وليس كذلك، وبيانه أن قوله: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان يدل على رفعهما، مستلزما لرفع أحكامها. فإذا تعذر العمل به في نفي الحقيقة، تعين العمل به في نفي الاحكام. سلمنا أنه لا دلالة عليها وضعا، ولكن لم قلتم بأنه لا يدل عليها بعرف الاستعمال ؟ ولهذا يقال ليس للبلد سلطان، وليس له ناظر ولا مدبر. والمراد به نفي الصفات. سلمنا أنه لا يدل عليها بعرف الاستعمال، غير أن اللفظ دال على رفع الخطإ والنسيان. فإذا تعذر ذلك، وجب إضمار جميع الاحكام لوجهين: الاول أنه يجعل وجود الخطإ والنسيان كعدمه، والثاني أنه لا يخلو إما أن يقال بإضمار الكل أو البعض أو لا بإضمار شئ أصلا. والقول بعدم الاضمار خلاف الاجماع، وليس إضمار البعض أولى من البعض، ضرورة تساوي نسبة اللفظ إلى الكل، فلم يبق سوى إضمار الجميع. والجواب: عن الاول أن اللفظ إنما يستلزم نفي الاحكام بواسطة نفي حقيقة الخطإ والنسيان، فإذا لم يكن الخطأ والنسيان متيقنا، فلا يكون مستلزما لنفي الاحكام.

[ 250 ]

وعن الثاني أن الاصل إنما هو العمل بالوضع الاصلي وعدم العرف الطارئ، فمن ادعاه يحتاج إلى بيانه. وما ذكروه من الاستشهاد بالصور، فلا نسلم صحة حملها على جميع الصفات وإلا لما كان السلطان موجودا ولا عالما ولا قادرا، ونحو ذلك من الصفات، وهو محال. وعن الثالث قولهم: إضمار جميع الاحكام يكون أقرب إلى المقصود من نفي الحقيقة. قلنا إلا أنه يلزم منه تكثير مخالفة الدليل المقتضي للاحكام، وهو وجود الخطإ والنسيان. قولهم ليس إضمار البعض أولى من البعض، إنما يصح أن لو قلنا بإضمار حكم معين، وليس كذلك، بل بإضمار حكم ما، والتعيين إلى الشارع. فإن قيل فيلزم من ذلك الاجمال في مراد الشارع، وهو على خلاف الاصل. قلنا: لو قيل بإضمار الكل لزم منه زيادة الاضمار وتكثير مخالفة الدليل كما سبق، وكل واحد منهم على خلاف الاصل. ثم ما ذكرناه من الاصول إما أن تكون راجحة على ما ذكروه، أو مساوية له، أو مرجوحة. فإن كانت راجحة، لزم العمل بها. وإن كانت مساوية، فهو كاف لنا في هذا المقام في نفي زيادة الاضمار، وهما تقديران، وما ذكروه إنما يمكن التمسك به على تقدير كونه راجحا، ولا يخفى أن ما يتم التمسك به على تقديرين أرجح مما لا يمكن التمسك به إلا على تقدير واحد.

[ 251 ]

المسألة العاشرة الفعل المتعدي إلى مفعول كقوله والله لا آكل، أو إن أكلت فأنت طالق هل يجري مجرى العموم بالنسبة إلى مفعولاته أم لا ؟ اختلفوا فيه: فأثبته أصحابنا والقاضي أبو يوسف، ونفاه أبو حنيفة. وتظهر فائدة الخلاف في أنه لو نوى به مأكولا معينا، قبل عند أصحابنا حتى إنه لا يحنث بأكل غيره، بناء على عموم لفظه له وقبول العام للتخصيص ببعض مدلولاته، ولا يقبل عند أبي حنيفة تخصيصه به، لان التخصيص من توابع العموم، ولا عموم. حجة أصحابنا، أما في طرف النفي، وذلك عند ما إذا قال والله لا أكلت أن قوله أكلت فعل يتعدى إلى المأكول ويدل عليه بوضعه وصيغته، فإذا قال لا أكلت فهو ناف لحقيقة الاكل من حيث هو أكل، ويلزم من ذلك نفيه بالنسبة إلى كل مأكول، وإلا لما كان نافيا لحقيقة الاكل من حيث هو أكل وهو خلاف دلالة لفظه. وإذا كان لفظه دالا على نفي حقيقة الاكل بالنسبة إلى كل مأكول، فقد ثبت عموم لفظه بالنسبة إلى كل مأكول، فكان قابلا للتخصيص. وأما في طرف الاثبات، وهو ما إذا قال إن أكلت فأنت طالق فلا يخفى أن وقوع الاكل المطلق يستدعي مأكولا مطلقا، لكونه متعديا إليه، والمطلق ما كان شائعا في جنس المقيدات الداخلة تحته، فكان صالحا لتفسيره وتقييده بأي منها كان، ولهذا لو قال الشارع أعتق رقبة صح تقييدها بالرقبة المؤمنة، ولو لم يكن للمطلق على المقيد دلالة، لما صح تفسيره به. فإن قيل: يلزم على ما ذكرتموه الزمان والمكان، فإن حقيقة الاكل لا تتم نفيا، ولا إثباتا، إلا بالنسبة إليهما، ومع ذلك، لو نوى بلفظه مكانا معينا، أو زمانا معينا، فإنه لا يقبل. قلنا: لا نسلم ذلك وإن سلمنا فالفرق حاصل. وذلك لان الفعل، وهو قوله (أكلت) غير متعد إلى الزمان والمكان، بل هو من ضرورات الفعل، فلم يكن اللفظ

[ 252 ]

دالا عليه بوضعه فلذلك لم يقبل تخصيص لفظه به، لان التخصيص عبارة عن حمل اللفظ على بعض مدلولاته، لا على غير مدلولاته، بخلاف المأكول على ما سبق. فإن قيل ؟ إذا قال إن أكلت فأنت طالق فالاكل الذي هو مدلول لفظه كلي مطلق، والمطلق لا إشعار له بالمخصص، فلا يصح تفسيره به. قلنا: المحلوف عليه ليس هو المفهوم من الاكل الكلي الذي لا وجود له إلا في الاذهان، وإلا لما حنث بالاكل الخاص، إذ هو غير المحلوف عليه، وهو خلاف الاجماع، فلم يبق إلا أن يكون المراد به أكلا مقيدا من جملة الاكلات المقيدة التي يمكن وقوعها في الاعيان أيا منها كان، وإذا كان لفظه لا إشعار له بغير المقيد صح تفسيره به، كما إذا قال أعتق رقبة وفسره بالرقبة المؤمنة، كما سبق. المسألة الحادية عشرة الفعل، وإن انقسم إلى أقسام وجهات، فالواقع منه لا يقع إلا على وجه واحد منها، فلا يكون عاما لجميعها، بحيث يحمل وقوعه على جميع جهاته، وذلك كما روي عنه، عليه السلام، أنه صلى داخل الكعبة، فصلاته الواقعة يحتمل أنها كانت فرضا، ويحتمل أنها كانت نفلا، ولا يتصور وقوعها فرضا نفلا، فيمتنع الاستدلال بذلك على جواز الفرض والنفل في داخل الكعبة جميعا، إذ لا عموم للفعل الواقع بالنسبة إليهما، ولا يمكن تعيين أحد القسمين إلا بدليل. وأما ما روي عنه، (ص)، أنه صلى بعد غيبوبة الشفق، فالشفق اسم مشترك بين الحمرة والبياض، فصلاته يحتمل أنها وقعت بعد الحمرة، ويحتمل أنها وقعت بعد البياض، فلا يمكن حمل ذلك على وقوع فعل الصلاة بعدهما، على رأي من لا يرى حمل اللفظ المشترك على جميع محامله، وإنما يمكن ذلك على رأي من يرى ذلك كما سبق تحقيقه. فإن قول الراوي، صلى بعد غيبوبة الشفق، ينزل منزلة قوله، صلى بعد الشفقين.

[ 253 ]

وفي هذا المعنى أيضا قول الراوي كان النبي، (ص)، يجمع بين الصلاتين في السفر فإنه يحتمل وقوع ذلك في وقت الاولى، ويحتمل وقوعه في وقت الثانية: وليس في نفس وقوع الفعل ما يدل على وقوعه فيهما، بل في أحدهما. والتعين متوقف على الدليل. وأما وقوع ذلك منه، (ص)، متكررا على وجه يعم سفر النسك وغيره، فليس أيضا في نفس وقوع الفعل ما يدل عليه، بل إن كان ولا بد، فاستفادة ذلك إنما هي من قول الراوي: كان يجمع بين الصلاتين. ولهذا، فإنه إذا قيل كان فلان يكرم الضيف يفهم منه التكرار دون القصور على المرة الواحدة. وعلى هذا أيضا، يجب أن يعلم أن ما فعله النبي، (ص)، واجبا كان عليه أو جائزا له، لا عموم له بالاضافة إلى غيره، بل هو خاص في حقه، إلا أن يدل دليل من خارج على المساواة بينه وبين غيره في ذلك الفعل، كما لو صلى وقال صلوا كما رأيتموني أصلي أو غير ذلك. فإن قيل: فقد أجمعت الامة على تعميم سجود السهو في كل سهو، بما روي عنه، (ص)، أنه سها في الصلاة، فسجد، وكذلك اتفقوا على تعميم ما نقل عن عائشة أنها قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله، (ص)، وهو في الصلاة في حق كل أحد، حتى إن الشافعي استدل بذلك على طهارة مني الآدمي، واستدل به أبو حنيفة على جواز الاقتصار على الفرك في حق غير النبي، مع حكمه بنجاسته.

[ 254 ]

وكذلك إجماعهم على وجوب الغسل من التقاء الختانين بقول عائشة: فعلته أنا ورسول الله، (ص)، واغتسلنا وأيضا فإن النبي، (ص)، كان إذا سئل عن حكم، أجاب بما يخصه، وأحال معرفة ذلك على فعل نفسه. فمن ذلك لما سألته أم سلمة عن الاغتسال قال: أما أنا فأفيض الماء على رأسي ومن ذلك أنه لما سئل عن قبلة الصائم قال أنا أفعل ذلك ولولا أن للفعل عموما لما كان كذلك. قلنا: أما تعميم سجود السهو فإنه إنما كان لعموم العلة، وهي السهو، من حيث إنه رتب السجود على السهو بفاء التعقيب، وهو دليل العلة، كما يأتي ذكره، لا لعموم الفعل. وكذلك الحكم في قوله زنى ماعز فرجم وفي قوله رضخ يهودي رأس جارية، فرضخ رسول الله، (ص)، رأسه. وأما العمل بخبر عائشة في فرك المني، ووجوب الغسل من التقاء الختانين، وإفاضة الماء على الرأس، وقبلة الصائم، فكل ذلك مستند إلى القياس، لا إلى عموم الفعل لتعذره، كما سبق، والله أعلم.

[ 255 ]

المسألة الثانية عشرة قول الصحابي: نهى رسول الله، (ص)، عن بيع الغرر، وقوله: قضى رسول الله، (ص)، بالشفعة للجار، ونحوه، اختلفوا في تعميمه لكل غرر، وكل جار. والذي عليه معول أكثر الاصوليين أنه لا عموم له، لانه حكاية الراوي، ولعله رأى النبي، (ص)، قد نهى عن فعل خاص لا عموم له، فيه غرر، وقضى لجار مخصوص بالشفعة فنقل صيغة العموم لظنه عموم الحكم. ويحتمل أنه سمع صيغة ظنها عامة، وليست عامة، ويحتمل أنه سمع صيغة عامة. وإذا تعارضت الاحتمالات، لم يثبت العموم، والاحتجاج إنما هو بالمحكي لا بنفس الحكاية. ولقائل أن يقول: وإن كانت هذه الاحتمالات منقدحة، غير أن الصحابي الراوي من أهل العدالة والمعرفة باللغة، فالظاهر أنه لم ينقل صيغة العموم، إلا وقد سمع صيغة لا يشك في عمومها، لما هو مشتمل عليه من الداعي الديني والعقلي المانع له من إيقاع الناس في ورطة الالتباس، واتباع ما لا يجوز اتباعه وبتقدير أن لا يكون قاطعا بالعموم، فلا يكون نقله للعموم إلا وقد ظهر له العموم، والغالب إصابته فيما ظنه ظاهرا فكان صدقه فيما نقله غالبا على الظن، ومهما ظن صدق الراوي فيما نقله عن النبي، (ص)، وجب اتباعه.

[ 256 ]

المسألة الثالثة عشرة مذهب الشافعي، رضي الله عنه، أنه، إذا حكم النبي (ص)، بحكم في واقعة خاصة، وذكر علته، أنه يعم من وجدت في حقه تلك العلة، خلافا للقاضي أبي بكر. وذلك، كقوله (ص)، في حق أعرابي محرم وقصت به ناقته لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا وكقوله، (ص) في قتلى أحد زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يحشرون يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دما وكما لو قال الشارع حرمت المسكر لكونه حلوا عم التحريم كل حلو. والحق في ذلك أنه إن ادعى عموم الحكم نظرا إلى الصيغة الواردة، فهو باطل قطعا، كيف وإنه لو كان التنصيص على إثبات الحكم المعلل يقتضي بعمومه الحكم في كل محل وجدت فيه العلة، لكان للوكيل إذا قال له الموكل اعتق عبدي سالما لكونه أسود أن يعتق كل عبد أسود له، كما لو قال اعتق عبيدي السودان وليس كذلك بالاجماع. وإن قيل بالعموم، نظرا إلى الاشتراك في العلة، فهو الحق، ولا يلزم من التعميم في الحكم بالعلة المشتركة شرعا، مثله فيما إذا قال لوكيله اعتق عبدي سالما لكونه أسود إذ الوكيل إنما يتصرف بأمر الموكل لا بالقياس على ما أمره به. وعلى هذا، فالفائدة في ذكر العلة معرفة كون الحكم معللا، إلا أن يكون اللفظ الدال على الحكم عاما لغير محل التنصيص. وما يقوله القاضي أبو بكر من أنه يحتمل أن يكون النبي، (ص)، علل ذلك في حق الاعرابي بما علمه من موته مسلما مخلصا في عبادته محشورا ملبيا وقصت به ناقته، لا بمجرد إحرامه. وفي قتلى أحد بعلو درجتهم في الجهاد، وتحقق شهادتهم، لا بمجرد الجهاد. وفي تحريم المسكر لكونه حلوا مسكرا، وذلك كله غير معلوم في حق الغير. وإن كان ما ذكروه منقدحا، غير أنه على خلاف ما ظهر من تعليله، عليه السلام بمجرد الاحرام والجهاد، وترك ما ظهر من التعليل لمجرد الاحتمال ممتنع.

[ 257 ]

المسألة الرابعة عشرة اختلفوا في دلالة المفهوم تفريعا على القول به: هل لها عموم أو لا ؟. وكشف الغطاء عن ذلك أن نقول: المفهوم ينقسم إلى مفهوم الموافقة، وهو ما كان حكم السكوت عنه موافقا لحكم المنطوق كما يأتي تحقيقه. فإن كان من قبيل مفهوم الموافقة، كما في تحريم ضرب الوالدين من تنصيصه على تحريم التأفيف لهما، فحكم التحريم، وإن كان شاملا للصورتين، لكن مع اختلاف جهة الدلالة، فثبوته في صورة النطق بالمنطوق، وفي صورة السكوت بالمفهوم، فلا المنطوق عام بالنسبة إلى الصورتين، ولا المفهوم من غير خلاف. وإنما الخلاف في عموم المفهوم، بالنسبة إلى صورة السكوت، ولا شك أن حاصل النزاع فيه آيل إلى اللفظ. فإن من قال بكونه عاما بالنسبة إليهما، إنما يريد به ثبوت الحكم به في جميعها، لا بالدلالة اللفظية، وذلك مما لا خلاف فيه بين القائلين بالمفهوم. ومن نفى العموم، كالغزالي، فلم يرد به أن الحكم لم يثبت به في جميع صور السكوت، إذ هو خلاف الفرض، وإنما أراد نفي ثبوته، مستندا إلى الدلالة اللفظية، وذلك مما لا يخالف فيه القائل بعموم المفهوم. وأما مفهوم المخالفة، كما في نفي الزكاة عن المعلوفة من تنصيصه، (ص)، على وجوب الزكاة في الغنم السائمة، فلا شك أيضا بأن اللفظ فيه غير عام بمنطوقه للصورتين، ولا بمفهومه، وإنما النزاع في عمومه بالنسبة إلى جميع صور السكوت وحاصل النزاع أيضا فيه آيل إلى اللفظ، كما سبق في مفهوم الموافقة.

[ 258 ]

المسألة الخامسة عشرة العطف على العام هل يوجب العموم في المعطوف ؟ اختلفوا فيه، فمنع أصحابنا من ذلك، وأوجبه أصحاب أبي حنيفة رحمه الله. ومثاله استدلال أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالذمي بقوله، (ص) لا يقتل مسلم بكافر وهو عام بالنسبة إلى كل كافر، حربيا كان أو ذميا. فقال أصحاب أبي حنيفة: لو كان ذلك عاما للذمي، لكان المعطوف عليه كذلك، وهو قوله ولا ذو عهد في عهده ضرورة الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم وصفته، وليس كذلك، فإن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد إنما هو الكافر الحربي دون الذمي. احتج أصحابنا بثلاثة أمور: الاول: أن المعطوف لا يستقل بنفسه في إفادة حكمه، واللفظ الدال على حكم المعطوف عليه لا دلالة له على حكم المعطوف بصريحه، وإنما أضمر حكم المعطوف عليه في المعطوف، ضرورة الافادة، وحذرا من التعطيل. والاضمار على خلاف الاصل، فيجب الاقتصار فيه على ما تندفع به الضرورة، وهو التشريك في أصل الحكم دون تفصيله من صفة العموم وغيره، تقليلا لمخالفة الدليل. الثاني: أنه قد ورد عطف الخاص على العام في قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * (2) البقرة: 228) فإنه عام في الرجعية والبائن، وقوله: * (وبعولتهن أحق بردهن) * (2) البقرة: 228) خاص. وورد عطف الواجب على المندوب في قوله تعالى: * (فكاتبوهم) * (24) النور: 33) فإنه للندب، وقوله: * (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) * (24) النور: 33) للايجاب، وورد عطف الواجب على المباح في قوله تعالى: * (كلوا من ثمره إذا أثمر) * (6) الانعام: 141) فإنه للاباحة وقوله: * (وآتوا حقه) * (6) الانعام: 141) للايجاب. ولو كان الاصل هو الاشتراك في أصل الحكم وتفصيله، لكان العطف في جميع هذه المواضع على خلاف الاصل، وهو ممتنع. الثالث: أن الاشتراك في أصل الحكم متيقن، وفي صفته محتمل، فجعل العطف أصلا في المتيقن دون المحتمل أولى.

[ 259 ]

فإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على وجوب التشريك بينهما في أصل الحكم وتفصيلله: وبيانه من وجهين. الاول: أن حرف العطف يوجب جعل المعطوف والمعطوف عليه في حكم جملة واحدة، فالحكم على أحدهما يكون حكما على الاخر. الثاني: أن المعطوف إذا لم يكن مستقلا بنفسه، فلا بد من إضمار حكم المعطوف عليه فيه، لتحقق الافادة. وعند ذلك لا يخلو. إما أن يقال بإضمار كل ما ثبت للمعطوف عليه للمعطوف، أو بعضه، لا جائز أن يقال بالثاني لان الاضمار إما لبعض معين أو غير معين، القول بالتعيين ممتنع، إذ هو غير واقع من نفس العطف. كيف وإنه ليس البعض أولى من البعض الآخر،، والقول بعدم التعيين موجب للابهام والاجمال في الكلام، وهو خلاف الاصل، فلم يبق سوى القسم الاول، وهو المطلوب. قلنا: جواب الاول أن العطف يوجب جعل المعطوف والمعطوف عليه في حكم جملة واحدة، فيما فيه العطف أو في غيره ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع، فلم قلتم إن ما زاد على أصل الحكم معتبر في العطف إذ هو محل النزاع. وجواب الثاني أن نقول بالتشريك في أصل الحكم المذكور دون صفته، وهو مدلول اللفظ من غير إبهام ولا إجمال.

[ 260 ]

المسألة السادسة عشرة إذا ورد خطاب خاص بالنبي، (ص)، كقوله تعالى: * (يا أيها المزمل قم الليل) * (73) المزمل: 1) * (يا أيها المدثر قم فأنذر) * (74) المدثر: 1) * (يا أيها النبي اتق الله) * (33) الاحزاب: 1) * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * (39) الزمر: 65) لا يعم الامة ذلك الخطاب عند أصحابنا، خلافا لابي حنيفة وأحمد بن حنبل وأصحابهما في قولهم إنه يكون خطابا للامة، إلا ما دل الدليل فيه على الفرق. ودليلنا في ذلك أن الخطاب الوارد نحو الواحد موضوع في أصل اللغة لذلك الواحد فلا يكون متناولا لغيره بوضعه. ولهذا فإن السيد إذا أمر بعض عبيده بخطاب يخصه لا يكون أمرا للباقين. وكذلك في النهي والاخبار وسائر أنواع الخطاب. كيف وإنه من المحتمل أن يكون الامر للواحد المعين مصلحة له، وهو مفسدة في حق غيره، وذلك كما في أمر الطبيب لبعض الناس بشرب بعض الادوية، فإنه لا يكون ذلك أمرا لغيره لاحتمال التفاوت بين الناس في الامزجة الاحوال المقتضية لذلك الامر. ولهذا خص النبي، (ص)، بأحكام لم يشاركه فيها أحد من أمته، من الواجبات والمندوبات، والمحظورات والمباحات، ومع امتناع اتحاد الخطاب، وجواز الاختلاف في الحكمة والمقصود يمتنع التشريك في الحكم، اللهم إلا أن يقوم دليل من خارج يدل على الاشتراك في العلة الداعية إلى ذلك الحكم، فالاشتراك في الحكم يكون مستندا إلى نفس القياس، لا إلى نفس الخطاب الخاص بمحل التنصيص، أو دليل آخر.

[ 261 ]

فإن قيل: نحن لا ننكر أن الخطاب الخاص بالواحد لا يكون خطابا لغيره مطلقا، بل المدعى أن من كان مقدما على قوم، وقد عقدت له الولاية والامارة عليهم، وجعل له منصب الاقتداء به، فإنه إذا قيل له اركب لمناجزة العدو، وشن الغارة عليه وعلى بلاده فإن أهل اللغة يعدون ذلك أمرا لاتباعه وأصحابه. وكذلك إذا أخبر عنه بأنه قد فتح البلد الفلاني، وكسر العدو، فإنه يكون إخبارا عن أتباعه أيضا. والنبي، (ص)، ممن قد ثبت كونه قدوة للامة ومتبعا لهم، فأمره ونهيه يكون أمرا ونهيا لامته، إلا ما دل الدليل فيه على الفرق. ويدل على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: * (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) * (65) الطلاق: 1) ولم يقل إذا طلقت النساء فطلقهن وذلك يدل على أن خطابه خطاب لامته وأيضا قوله تعالى: * (فلما قضى زيد منها وطرا، زوجناكها، لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا) * (33) الاحزاب: 37) أخبره أنه إنما أباحه ذلك ليكون ذلك مباحا للامة، ولو كانت الاباحة خاصة به، لما انتفى الحرج عن الامة. وأيضا فإنه قد ورد الخطاب بتخصيصه، عليه السلام، بأحكام دون أمته كقوله تعالى: * (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) * (33) الاحزاب: 50) إلى قوله: * (خالصة لك من دون المؤمنين) * (33) الاحزاب: 50) وكقوله تعالى: * (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) * (17) الاسراء: 79) ولو لم يكن الخطاب المطلق له خطابا لامته، بل خاصا به، لما احتيج إلى بيان التخصيص به هاهنا. وما ذكرتموه من احتمال التفاوت في المصلحة والمفسدة، فغير قادح مع ظهور المشاركة في الخطاب، كما تقرر. ولهذا، جاز تكليف الكل مع هذا الاحتمال، لظهور الخطاب، وجاز تعدية الحكم من الاصل إلى الفرع عند ظن الاشتراك في الداعي مع احتمال التفاوت بين الاصل والفرع في المصلحة والمفسدة.

[ 262 ]

والجواب: لا نسلم أن أمر المقدم يكون أمرا لاتباعه لغة، ولهذا فإنه يصح أن يقال: أمر المقدم، ولم يأمر الاتباع، وأنه لو حلف أنه لم يأمر الاتباع لم يحنث بالاجماع. ولو كان أمره للمقدم أمرا لاتباعه لحنث، نعم غايته أنه يفهم عند أمر المقدم بالركوب وشن الغار لزوم توقف مقصود الامر على اتباع أصحابه له، فكان ذلك من باب الاستلزام، لا من باب دلالة اللفظ مطابقة ولا ضمنا، ولا يلزم مثله في خطاب النبي (ص)، بشئ من العبادات، أو بتحريم شئ من الافعال، أو إباحتها، من حيث إنه لا يتوقف المقصود من ذلك على مشاركة الامة له في ذلك. وقوله تعالى: * (إذا طلقتم النساء) * (65) الطلاق: 1) فخطاب عام مع الكل على وجه يدخل فيه النبي (ص)، وغيره من الامة، وتخصيص النبي في أول الآية بالنداء جرى مجرى التشريف والتكريم له. كيف وإن في الآية ما يدل على أن خطاب النبي لا يكون خطابا للامة، فإنه لو كان كذلك، لما احتيج إلى قوله * (طلقتم النساء فطلقوهن) * (65) الطلاق: 1) لان قوله * (إذا طلقت النساء فطلقهن) * كاف في خطاب الامة مع اتساقه مع أول الآية. وقوله تعالى * (فلما قضى زيد منها وطرا) * (33) الاحزاب: 37) لا حجة فيه على المقصود. وقوله: * (لكي لا يكون على المؤمنين حرج) * (33) الاحزاب: 37) ليس فيه ما يدل على أن نفي الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم مدلول لقوله زوجناكها بل غايته أن رفع الحرج عن النبي (ص)، كان لمقصود رفع الحرج عن المؤمنين وذلك حاصل بقياسهم عليه بواسطة دفع الحاجة وحصول المصلحة، وعموم الخطاب غير متعين لذلك.

[ 263 ]

وما ذكروه من الآيات الدالة على خصوصية النبي (ص)، بما ذكروه لا يدل على أن مطلق الخطاب له عام لامته، بل إنما كان ذلك لقطع إلحاق غيره به في تلك الاحكام بطريق القياس، ولو لم يرد التخصيص، لامكن الالحاق بطريق القياس. المسألة السابعة عشرة اختلفوا في خطاب النبي (ص)، لاحد من أمته: هل هو خطاب للباقين أم لا ؟ فنفاه أصحابنا، وأثبته الحنابلة وجماعة من الناس. ودليلنا ما سبق في المسألة التي قبلها. فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص، والاجماع، والمعنى. أما النص فقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * (34) سبأ: 28) وقوله (ص): بعثت إلى الناس كافة، وبعثت إلى الاحمر والاسود وقوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة. وأما الاجماع فاتفاق الصحابة على رجوعهم في أحكام الحوادث إلى ما حكم به النبي عليه السلام. على آحاد الامة. فمن ذلك رجوعهم في حد الزنى إلى ما حكم به على (ماعز)، ورجوعهم في المفوضة إلى قصة (بروع بنت واشق)، ورجوعهم في ضرب الجزية على المجوس إلى ضربه، عليه السلام، الجزية على مجوس هجر. ولولا أن حكمه على الواحد حكم على الجماعة، لما كان كذلك. وأما المعنى فهو أن النبي (ص)، خصص بعض الصحابة بأحكام دون غيره، فمن ذلك قوله (ص)، لابي بردة في التضحية بعناق تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك وقوله لابي بكرة لما دخل الصف راكعا زادك الله حرصا ولا تعد وقوله لاعرابي زوجه بما معه من القرآن هذا لك وليس لاحد بعدك

[ 264 ]

وتخصيصه لخزيمة بقبول شهادته وحده وتخصيصه لعبد الرحمن بن عوف بلبس الحرير. ولولا أن الحكم بإطلاقه على الواحد حكم على الامة، لما احتاج إلى التنصيص بالتخصيص. والجواب عن الآية وعن قوله بعثت إلى الناس كافة وإلى الاحمر والاسود أنه وإن كان مبعوثا إلى الناس كافة، فبمعنى أنه يعرف كل واحد ما يختص به من الاحكام، كأحكام المريض والصحيح والمقيم والمسافر، والحر والعبد والحائض والطاهر وغير ذلك، ولا يلزم من ذلك اشتراك الكل فيما أثبت للبعض منهم. وعن قوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أنه يجب تأويله على أن المراد به أنه حكم على الجماعة من جهة المعنى والقياس، لا من جهة اللفظ، لثلاثة أوجه. الاول: أن الحكم هو الخطاب، وقد بينا في المسألة المتقدمة أن خطاب الواحد ليس هو بعينه خطابا للباقين. الثاني: أنه لو كان بعينه خطابا للباقين، لزم منه التخصيص بإخراج من لم يكن موافقا لذلك الواحد في السبب الموجب للحكم عليه.

[ 265 ]

الثالث: أنه لو كان خطابه المطلق للواحد خطابا للجماعة، لما احتاج إلى قوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو كانت فائدته التأكيد، والاصل في الدلالات اللفظية إنما هو التأسيس. ثم وإن كان حكمه على الواحد، حكما على الجماعة، فلا يلزم اطراده في حكمه للواحد أن يكون حكما للجماعة، فإنه فرق بين حكمه للواحد وحكمه عليه، والخلاف واقع في الكل. وأما ما ذكروه من رجوع الصحابة في أحكام الوقائع إلى حكمه على الآحاد، فلا يخلو إما أن يقال بذلك مع معرفتهم بالتساوي في السبب الموجب، أو لا مع معرفتهم بذلك: الثاني خلاف الاجماع، وإن كان الاول، فمستند التشريك في الحكم إنما كان الاشتراك في السبب لا في الخطاب. وأما المعنى، فقد سبق الجواب عنه في المسألة المتقدمة. المسألة الثامنة عشرة اتفق العلماء على أن كل واحد من المذكر والمؤنث لا يدخل في الجمع الخاص بالآخر، كالرجال والنساء، وعلى دخولهما في الجمع الذي لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث، كالناس. وإنما وقع الخلاف بينهم في الجمع الذي ظهرت فيه علامة التذكير، كالمسلمين والمؤمنين، هل هو ظاهر في دخول الاناث فيه أو لا ؟ فذهبت الشافعية والاشاعرة والجمع الكثير من الحنفية والمعتزلة إلى نفيه. وذهبت الحنابلة وابن داود وشذوذ من الناس إلى إثباته.

[ 266 ]

احتج النافون بالكتاب، والسنة، والمعقول: أما الكتاب فقوله تعالى: * (إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات) * (33) الاحزاب: 35) عطف جمع التأنيث على جمع المسلمين والمؤمنين، ولو كان داخلا فيه، لما حسن عطفه عليه، لعدم فائدته. وأما السنة فما روي عن أم سلمة أنها قالت يا رسول الله، إن النساء قلن: ما نرى الله ذكر إلا الرجال فأنزل الله: * (إن المسلمين والمسلمات) * (33) الاحزاب: 35) الآية. ولو كن قد دخلن في جمع التذكير، لكن مذكورات، وامتنعت صحة السؤال والتقرير عليه. وأيضا ما روي عن النبي (ص)، أنه قال: ويل للذين يمسون فروجهم، ثم يصلون، ولا يتوضؤون فقالت عائشة هذا للرجال فما للنساء ؟ ولولا خروجهن من جمع الذكور، لما صح السؤال ولا التقرير من النبي (ص). وأما المعقول، فهو أن الجمع تضعيف الواحد، فقولنا قام لا يتناول المؤنث بالاجماع. فالجمع الذي هو تضعيفه، كقولنا قاموا لا يكون متناولا له. فإن قيل: أما الآية فالعطف فيها لا يدل على عدم دخول الاناث في جمع التذكير، قولكم: لا فائدة فيه، ليس كذلك، إذ المقصود منه إنما هو الاتيان بلفظ يخصهن تأكيدا، فلا يكون عريا عن الفائدة. وأما سؤال أم سلمة وعائشة، فلم يكن لعدم دخول النساء في جمع الذكور، بل لعدم تخصيصهن بلفظ صريح فيهن، كما ورد في المذكر. وأما قولكم إن الجمع تضعيف الواحد فمسلم، ولكن لم قلتم بامتناع دخول المؤنث فيه مع أنه محل النزاع. والذي يدل على دخول المؤنث في جمع التذكير ثلاثة أمور:

[ 267 ]

الاول: أن المألوف من عادة العرب أنه إذا اجتمع التذكير والتأنيث غلبوا جانب التذكير. ولهذا فإنه يقال للنساء إذا تمحضن: أدخلن، وإن كان معهن رجل، قيل: ادخلوا. قال الله تعالى لآدم وحواء وإبليس * (قلنا اهبطوا منها جميعا) * (2) البقرة: 38) كما ألف منهم تغليب جمع من يعقل إذا كان معه من لا يعقل. ومنه قوله تعالى: * (والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه) * (24) النور: 45) بل أبلغ من ذلك أنهم إذا وصفوا ما لا يعقل بصفة من يعقل غلبوا فيه من يعقل. ومنه قوله تعالى: * (أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) * (12) يوسف: 4) جمعهم جمع من يعقل لوصفهم بالسجود الذي هو صفة من يعقل. وكتغليبهم الكثرة على القلة حتى إنهم يصفون بالكرم والبخل جمعا أكثرهم متصف بالكرم أو البخل. وكتغليبهم في التثنية أحد الاسمين على الآخر، كقولهم الاسودان للتمر والماء، والعمران لابي بكر وعمر، والقمران للشمس والقمر. الثاني: أنه يستهجن من العربي أن يقول لاهل حلة أو قرية أنتم آمنون، ونساؤكم آمنات لحصول الامن للنساء بقوله أنتم آمنون ولولا دخولهن في قوله أنتم آمنون لما كان كذلك. وكذلك لا يحسن منه أن يقول لجماعة فيهم رجال ونساء قوموا وقمن بل لو قال قوموا كان ذلك كافيا في الامر للنساء بالقيام. ولولا دخولهن في جمع التذكير، لما كان كذلك. الثالث: أن أكثر أوامر الشرع بخطاب المذكر مع انعقاد الاجماع على أن النساء يشاركن الرجال في أحكام تلك الاوامر، ولو لم يدخلن في ذلك الخطاب، لما كان كذلك. والجواب: قولهم في الآية: فائدة التخصيص بلفظ يخصهن التأكيد. قلنا: لو اعتقدنا عدم دخولهن في جمع التذكير، كانت فائدة تخصيصهن بالذكر التأسيس، ولا يخفى أن فائدة التأسيس أولى في كلام الشارع. قولهم: سؤال أم سلمة وعائشة إنما كان لعدم تخصيص النساء بلفظ يخصهن، لا لعدم دخول النساء في جمع التذكير، ليس كذلك: أما سؤال أم سلمة فهو صريح في عدم الذكر مطلقا، لا في عدم ذكر ما يخصهن، بحيث قالت ما نرى الله ذكر إلا الرجال ولو ذكر النساء، ولو بطريق الضمن، لما صح هذا الاخبار

[ 268 ]

على إطلاقه. وأما حديث عائشة، فلانها قالت هذا للرجال ولو كان الحكم عاما، لما صح منها تخصيص ذلك بالرجال. قولهم: المألوف من عادة العرب تغليب جانب التذكير، مسلم، ونحن لا ننازع في أن العربي إذا أراد أن يعبر عن جمع، فيهم ذكور وإناث، أنه يغلب جانب التذكير، ويعبر بلفظ التذكير، ويكون ذلك من باب التجوز، وإنما النزاع في أن جمع التذكير إذا أطلق، هل يكون ظاهرا في دخول المؤنث ومستلزما له أو لا ؟ وليس فيما قيل ما يدل على ذلك. وهذا كما أنه يصح التجوز بلفظ الاسد عن الانسان، ولا يلزم أن يكون ظاهرا فيه، مهما أطلق. فإن قيل: إذا صح دخول المؤنث في جمع المذكر، فالاصل أن يكون مشعرا به حقيقة، لا تجوزا. قلنا: ولو كان جمع التذكير حقيقة للذكور والاناث، مع انعقاد الاجماع على أنه حقيقة في تمحض الذكور، كان اللفظ مشتركا، وهو خلاف الاصل. فإن قيل: ولو كان مجازا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد لدخول المسمى الحقيقي فيه، وهم الذكور، وهو ممتنع. قلنا: ليس كذلك، فإنه لا يكون حقيقة في الذكور، إلا مع الاقتصار. وأما إذا كان جزءا من المذكور، لا مع الاقتصار فلا. كيف وإنا لا نسلم امتناع الجمع بين الحقيقة والمجاز، كما سبق تقريره. وأما الوجه الثاني: فإنما استهجن من العربي أن يقول أنتم آمنون، ونساؤكم آمنات لان تأمين الرجال يستلزم الامن من جميع المخاوف المتعلقة بأنفسهم وأموالهم ونسائهم، فلو لم تكن النساء آمنات، لما حصل أمن الرجال مطلقا، وهو تناقض. أما أن ذلك يدل على ظهور دخول النساء في الخطاب فلا، وبه يظهر لزوم أمن النساء من الاقتصار على قوله للرجال أنتم آمنون. وأما الوجه الثالث: فغير لازم، وذلك أن النساء وإن شاركن الرجال في كثير من أحكام التذكير، فيفارقن للرجال في كثير من الاحكام الثابتة بخطاب التذكير، كأحكام الجهاد في قوله تعالى: * (وجاهدوا في الله حق جهاده) * (22) الحج: 78) وأحكام الجمعة في قوله تعالى:

[ 269 ]

* (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع) * (62) الجمعة: 9) إلى غير ذلك من الاحكام. ولو كان جمع التذكير مقتضيا لدخول الاناث فيه، لكان خروجهن عن هذه الاوامر على خلاف الدليل، وهو ممتنع، فحيث وقع الاشتراك تارة، والافتراق تارة، علم أن ذلك إنما هو مستند إلى دليل خارج، لا إلى نفس اقتضاء اللفظ لذلك. المسألة التاسعة عشرة إذا ورد لفظ عام لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث سوى لفظ الجمع، مثل (من) في الشرط والجزاء، هل يعم المذكر والمؤنث ؟ اختلفوا فيه: فأثبته الاكثرون، ونفاه الاقلون. والمختار تفريعا على القول بالعموم دخول المؤنث فيه. ودليله أنه لو قال القائل لعبده من دخل داري فأكرمه فإن العبد يلام بإخراج الداخل من المؤنثات عن الاكرام، ويلام السيد بلوم العبد بإكرامهن. وكذلك الحكم في النذر والوصية. والاصل في كل ما فهم من اللفظ أن يكون حقيقة فيه لا مجازا. فإن قيل: التعميم فيما ذكرتموه إنما فهم من قرينة الحال، وهي ما جرت به العادة من مقابلة الداخل إلى دار الانسان والحلول في منزله بالاكرام، فكان ذلك من باب المجاز، لا أنه من مقتضيات اللفظ حقيقة. قلنا: هذا باطل بما لو قال: من دخل داري فأهنه فإنه يفهم منه العموم، وإن كان على خلاف القرينة المذكورة. وكذا لو قال له من قال لك ألف، فقل له (ب) فإنه لا قرينة أصلا، والعموم مفهوم منه، فدل على كونه حقيقة فيه.

[ 270 ]

المسألة العشرون اختلفوا في دخول العبد تحت خطاب التكاليف بالالفاظ العامة المطقلة، كلفظ الناس والمؤمنين، فأثبته الاكثرون، ونفاه الاقلون، إلا بقرينة ودليل يخصه. ومنهم من قال بدخوله في العمومات المثبتة لحقوق الله دون حقوق الآدميين، وهو منسوب إلى أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة. والمختار إنما هو الدخول، وذلك لان الخطاب إذا كان بلفظ الناس أو المؤمنين، فهو خطاب لكل من هو من الناس والمؤمنين، والعبد من الناس والمؤمنين حقيقة، فكان داخلا في عمومات الخطاب بوضعه لغة، إلا أن يدل دليل على إخراجه منه. فإن قيل: العبد، من حيث هو عبد، مال لسيده، ولذلك يتمكن من التصرف فيه حسب تصرفه في سائر الاموال، وإذا كان مالا، كان بمنزلة البهائم، فلا يكون داخلا تحت عموم خطاب الشارع. سلمنا أنه ليس كالبهائم، إلا أن أفعاله التي يتعلق بها التكليف، ويحصل بها الامتثال، مملوكة لسيده، ويجب صرفها إلى منافعه بخطاب الشرع، فلا يكون الخطاب متعلقا بصرفها إلى غير منافع السيد، لما فيه من التناقض. سلمنا عدم التناقض، غير أن الاجماع منعقد على إخراج العبد عن مطلق الخطاب العام بالجهاد والحج والعمرة والجمعة والعمومات الواردة بصحة التبرع والاقرار بالحقوق البدنية والمالية، ولو كان داخلا تحت عموم الخطاب بمطلقه، لكان خروجه عنها في هذه الصور على خلاف الدليل.

[ 271 ]

سلمنا إمكان دخوله تحت مطلق الخطاب لغة، إلا أن الرق مقتض لاخراجه عن عمومات الخطاب بطريق التخصيص، وبيانه أنه صالح لذلك من حيث إنه مكلف بشغل جميع أوقاته بخدمة سيده بخطاب الشرع، وحق السيد مقدم على حق الله تعالى لوجهين: الاول: أن السيد متمكن من منع العبد من التطوع بالنوافل، مع أنها حق لله تعالى، ولولا أن حق السيد مرجح، لما كان كذلك. الثاني: أن حق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة، لانه لا يتضرر بفوات حقوقه، ولا ينتفع بحصولها، وحق الآدمي مبني على الشح والمضايقة، لانه ينتفع بحصوله ويتضرر بفواته. والجواب عن السؤال الاول: أن كون العبد مالا مملوكا لا يخرجه عن جنس المكلفين، إلى جنس البهائم، وإلا لما توجه نحوه التكليف بالخطاب الخاص بالصلاة والصوم ونحوه، وهو خلاف الاجماع. وعن السؤال الثاني: لا نسلم أن السيد مالك لصرف منافع العبد إليه في جميع الاوقات، حتى في وقت تضايق وقت العبادة المأمور بها، بل في غيره. وعلى هذا، فلا تناقض،. وعن الثالث: أن ذلك لا يدل على إخراج العبد عن كون العمومات متناولة له لغة، لما بيناه، بل غايته أنه خص بدليل، والتخصيص غير مانع من العموم لغة. ولا يخفى أن القول بالتخصيص، أولى من القول برفع العموم لغة مع تحققه، وصار كما في تخصيص المريض والحائض والمسافر عن العمومات الواردة بالصوم والصلاة والجمعة والجهاد. وعن الرابع بمنع تعلق حق السيد بمنافعه المصروفة إلى العبادات المأمور بها عند ضيق أوقاتها، كما سبق، والرق، وإن اقتضى ذلك لمناسبته واعتباره، فلا يقع في مقابلة الدلالة النصية على العبادة في ذلك الوقت، لقوة دلالة النصوص على دلالة ما الحجة به مستندة إليها. والنصوص، وإن كانت متناولة للعبد بعمومها، إلا أنها متناولة للعبادة في وقتها المعين بخصوصها. والرق وإن كان مقتضيا لحق السيد

[ 272 ]

بخصوصه، إلا أن اقتضاءه لذلك الحق في وقت العبادة بعمومه، فيتقابلان، ويسلم الترجيح بالتنصيص، كما سبق. قولهم: حق الآدمي مرجح على حق الله تعالى، لا نسلم ذلك مطلقا. ولهذا، فإن حق الله تعالى مرجح على حق السيد فيما وجب على العبد بالخطاب الخاص به إجماعا، وبه يندفع ما ذكروه من الترجيح الاول. قولهم في الترجيح الثاني: إن السيد يتمكن من منع العبد من التنفل. قلنا، وإن أوجب ذلك ترجح جانب حق السيد على حقوق الله تعالى في النوافل، فغير موجب لترجحه عليه في الفرائض. المسألة الحادية والعشرون ورود الخطاب على لسان الرسول (ص) بقوله: * (يا أيها الذين آمنوا) * (2) البقرة: 104) * (يا أيها الناس) * (2) البقرة: 21)، * (يا عبادي) * (29) العنكبوت: 56) يدخل الرسول في عمومه عندنا، وعند أكثر العلماء، خلافا لطائفة من الفقهاء والمتكلمين. ومنهم من قال: كل خطاب ورد مطلقا، ولم يكن الرسول مأمورا، في أوله بأمر الامة به، كهذه الآيات، فهو داخل فيه، وإليه ذهب أبو بكر الصيرفي والحليمي من أصحاب الشافعي. حجة من قال: يدخل في العموم، وهو المختار، حجتان. الاولى: أن هذه الصيغ عامة لكل إنسان، وكل مؤمن، وكل عبد، والنبي (ص)، سيد الناس والمؤمنين والعبادة، والنبوة غير مخرجة له عن إطلاق هذه الاسماء عليه، فلا تكون مخرجة له عن هذه العمومات.

[ 273 ]

الحجة الثانية، أنه (ص)، كان إذا أمر الصحابة بأمر، وتخلف عنه ولم يفعله، فإنهم كانوا يسألونه ما بالك لم تفعله ؟ ولو لم يعقلوا دخوله فيما أمرهم به، لما سألوه عن ذلك. وذلك، كما روي عنه (ص)، أنه أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ، فقالوا له أمرتنا بالفسخ، ولم تفسخ ولم ينكر عليهم ما فهموه من دخوله في ذلك الامر، بل عدل إلى الاعتذار، وهو قوله إني قلدت هديا وروي عنه أنه قال لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة. فإن قيل: يمنع أن يكون النبي (ص)، داخلا تحت عموم هذه الاوامر ثلاثة أوجه: الاول: أنه إذا كان النبي (ص)، آمرا لامته بهذه الاوامر، فلو كان مأمورا بها، لزم من ذلك أن يكون بخطاب واحد آمرا ومأمورا، وهو ممتنع، ولانه يلزم أن يكون آمرا لنفسه، وأمر الانسان لنفسه ممتنع لوجهين: الاول: أن الامر طلب الاعلى من الادنى، والواحد لا يكون أعلى من نفسه وأدنى منها. الثاني: أنه وقع الاتفاق على أن أمر الانسان لنفسه على الخصوص ممتنع، فكذلك أمره لنفسه على العموم. الثاني من الوجوه الثلاثة أنه يلزم من ذلك أن يكون بخطاب واحد مبلغا ومبلغا إليه، وهو محال. الثالث: أن النبي (ص)، قد اختص بأحكام لم تشاركه فيها الامة كوجوب ركعتي الفجر والضحى والاضحى وتحريم الزكاة عليه وأبيح له النكاح بغير ولي ولا مهر ولا شهود، والصفي من المغنم، ونحوه من الخصائص، وذلك يدل على مزيته وانفراده عن الامة في الاحكام التكليفية، فلا يكون داخلا تحت الخطاب المتناول لهم.

[ 274 ]

قلنا: جواب الاول أن ما ذكروه مبني على كون الرسول آمرا، وليس كذلك، بل هو مبلغ لامر الله وفرق بين الآمر والمبلغ للامر. ولهذا، أعاد صيغ الاوامر له بالتبليغ، كقوله: * (قل أوحي إلي) * (72) الجن: 1) * (واتل ما أوحي إليك) * (18) الكهف: 27) ونحوه. وجواب الثاني أنه مبلغ للامة بما ورد على لسانه، وليس مبلغا لنفسه بذلك الخطاب، بل بما سمعه من جبريل، عليه السلام. وجواب الثالث أن اختصاصه ببعض الاحكام غير موجب لخروجه عن عمومات الخطاب. ولهذا، فإن الحائض والمريض والمسافر والمرأة، كل واحد قد اختص بأحكام لا يشاركه غيره فيها، ولم يخرج بذلك عن الدخول في عمومات الخطاب، والله أعلم بالصواب. المسألة الثانية والعشرون الخطاب الوارد شفاها في زمن النبي (ص)، والاوامر العامة، كقوله تعالى: * (يا أيها الناس) * (2) البقرة: 21) * (ويا أيها الذين آمنوا) * (2) البقرة: 104) ونحوه، هل يخص الموجود ين في زمنه، أو هو عام لهم، ولمن بعدهم ؟ اختلفوا فيه: فذهب أكثر أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والمعتزلة إلى اختصاصه بالموجودين في زمن رسول الله (ص)، ولا يثبت حكمه في حق من بعدهم إلا بدليل آخر. وذهبت الحنابلة وطائفة من السالفين والفقهاء إلى تناول ذلك لمن وجد بعد عصر النبي (ص). حجة النافين من وجهين: الاول: أن المخاطبة شفاها بقوله تعالى: * (يا أيها الناس) * (2) البقرة: 21) * (ويا أيها الذين آمنوا) * (2) البقرة: 104) تستدعي كون المخاطب موجودا أهلا للخطاب إنسانا مؤمنا، ومن لم يكن موجودا في وقت الخطاب لم يكن متصفا بشئ من هذه الصفات، فلا يكون الخطاب متناولا له.

[ 275 ]

الثاني: أن خطاب المجنون والصبي الذي لا يميز ممتنع، حتى إن من شافهه بالخطاب استهجن كلامه، وسفه في رأيه، مع أن حالهما لوجودهما واتصافهما بصفة الانسانية وأصل الفهم، وقبولهما للتأديب بالضرب وغيره، أقرب إلى الخطاب لهما، ممن لا وجود له. احتج الخصوم بالكتاب، والسنة، وإجماع الامة، والمعقول: أما الكتاب فقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * (34) سبأ: 28) وأما السنة فقوله (ص): بعثت إلى الاحمر والاسود ولو لم يكن خطابه متناولا لمن بعده، لم يكن رسولا إليه، ولا مبلغا إليه شرع الله تعالى، وهو خلاف الاجماع. وأيضا قوله (ص): حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ولفظ (الجماعة) يستغرق كل من بعده. فلو لم يكن حكمه على من في زمانه حكما على غيرهم، كان على خلاف الظاهر.

[ 276 ]

وأما الاجماع فهو أن الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، وإلى زماننا هذا، ما زالوا يحتجون في المسائل الشرعية على من وجد بعد النبي (ص)، بالآيات والاخبار الواردة على لسان النبي (ص)، ولولا عموم تلك الدلائل اللفظية لمن وجد بعد ذلك، لما كان التمسك بها صحيحا، وكان الاسترواح إليها خطأ، وهو بعيد عن أهل الاجماع. وأما المعقول فهو أن النبي (ص)، كان إذا أراد التخصيص ببعض الامة نص عليه، كما ذكرناه في مسألة خطاب النبي (ص)، للواحد هل هو خطاب للباقين ؟ ولولا أن الخطاب المطلق العام يكون خطابا للكل لما احتاج إلى التخصيص. والجواب على النصوص الدالة على كون النبي (ص) عليه وسلم، مبعوثا إلى الناس كافة، أنها إنما تلزم أن لو توقف مفهوم الرسالة والبعثة إلى كل الناس، على المخاطبة للكل بالاحكام الشرعية شفاها، وليس كذلك، بل ذلك يتحقق بتعريف البعض بالمشافهة، وتعريف البعض بنصب الدلائل والامارات، وقياس بعض الوقائع على بعض. ويدل على ذلك أن أكثر الاحكام الشرعية لم يثبت بالخطاب شفاها لقلة النصوص وندرتها، وكثرة الوقائع، وما لزم من ذلك أن لا يكون النبي (ص)، رسولا ولا مبلغا بالنسبة إلى الاحكام التي لم تثبت بالخطاب شفاها. فإن قيل: والدلائل التي يمكن الاحتجاج بها في الاحكام الشرعية على من وجد بعد النبي (ص)، غير الخطاب، فيما ذكرتموه. إنما يعلم كونها حجة بالدلائل الخطابية فإذا كان الخطاب الموجود في زمن النبي (ص)، لا يتناول من بعده، فقد تعذر الاحتجاج به عليه.

[ 277 ]

قلنا: أمكن معرفة كونها حجة بالنقل عن النبي (ص)، أنه حكم بكونها حجة على من بعده، أو بالاجماع المنقول عن الصحابة على ذلك. وأما قوله (ص): حكمي على الواحد حكمي على الجماعة فالكلام في اختصاصه بالموجودين في زمنه، كالكلام في الاول. وأما انعقاد الاجماع على صحة الاستدلال بالآيات والاخبار الواردة على لسانه (ص)، على من وجد بعده، وهو أشبه حجج الخصوم، فجوابه أنا بينا امتناع المخاطبة لمن ليس بموجود بما لا مراء فيه. وعند ذلك، فيجب اعتقاد استناد أهل الاجماع إلى النصوص من جهة معقولها، لا من جهة ألفاظها، جمعا بين الادلة. وأما ما ذكروه من المعنى، فقد سبق جوابه في مسألة خطاب النبي للواحد من الامة.

[ 278 ]

المسألة الثالثة والعشرون اختلفوا في المخاطب: هل يمكن دخوله في عموم خطابه لغة، أو لا ؟ والمختار دخوله، وعليه اعتماد الاكثرين، وسواء كان خطابه العام، أمرا، أو نهيا، أو خبرا. أما الخبر فكما في قوله تعالى: * (وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد: 3) فإن اللفظ بعمومه يقتضي كون كل شئ معلوما لله تعالى، وذاته وصفاته أشياء، فكانت داخلة تحت عموم الخطاب. والامر فكما لو قال السيد لعبده من أحسن إليك فأكرمه فإن خطابه لغة يقتضي إكرام كل من أحسن إلى العبد. فإذا أحسن السيد إليه، صدق عليه أنه من جملة المحسنين إلى العبد فكان إكرامه على العبد لازما بمقتضى عموم خطاب السيد. وكذلك في النهي كما إذا قال له من أحسن إليك فلا تسئ إليه وهذا في الوضوح غير محتاج إلى الاطناب فيه. فإن قيل: ما ذكرتموه يمتنع العمل به للنص، والمعنى: أما النص، فقوله تعالى: * (الله خالق كل شئ) * (13) الرعد: 16) وذاته وصفاته أشياء، وهو غير خالق لها، ولو كان داخلا في عموم خبره، لكان خالقا لها، وهو محال. وأما المعنى، فإن السيد إذا قال لعبده من دخل داري، فتصدق عليه بدرهم ولو دخل السيد، فإنه يصد عليه أنه من الداخلين إلى الدار، ومع ذلك لا يحسن أن يتصدق عليه العبد بدرهم ولو كان داخلا تحت عموم أمره، لكان ذلك حسنا. قلنا: أما الآية، فإنها بالنظر إلى عموم اللفظ تقتضي كون الرب تعالى خالقا لذاته وصفاته، غير أنه لما كان ممتنعا في نفس الامر عقلا، كان مخصصا لعموم الآية، ولا منافاة بين دخوله في العموم بمقتضى اللفظ، وخروجه عنه بالتخصيص. وكذلك الحكم فيما ذكروه من المثال، فإنه بعمومه مقتض للتصدق على السيد عند دخوله، غير أنه بالنظر إلى القرينة الحالية، والدليل المخصص، امتنع ثبوت حكم العموم في حقه، ولا منافاة كما سبق.

[ 279 ]

المسألة الرابعة والعشرون اختلف العلماء في قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * (9) التوبة: 103) هل يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك، أو أخذ صدقة واحدة من نوع واحد ؟ والاول مذهب الاكثرين، والثاني مذهب الكرخي. احتج القائلون بتعميم كل نوع، بأنه تعالى أضاف الصدقة إلى جميع الاموال، بقوله: * (من أموالهم) * (9) التوبة: 103) والجمع المضاف من ألفاظ العموم، على ما عرف من مذهب أربابه، فنزل ذلك منزلة قوله خذ من كل نوع من أموالهم صدقة فكانت الصدقة متعددة بتعدد أنواع الاموال. وللنافي أن يقول: المأمور به صدقة منكرة مضافة إلى جملة الاموال، فمهما أخذ من نوع واحد منها من المالك صدقة، صدق قول القائل أخذ من أمواله صدقة لان المال الواحد جزء من جملة الاموال. فإذا أخذت الصدقة من جزء المال، صدق أخذها من المال. ولهذا، وقع الاجماع على أن كل درهم ودينار من دراهم المالك ودنانيره، موصوف بأنه من ماله. ومع ذلك فإنه لا يجب أخذ الصدقة من خصوص كل ودرهم ودينار له، والاصل أن يكون ذلك لعدم دلالة اللفظ عليه، لا للمعارض. وبالجملة فالمسألة محتملة. ومأخذ الكرخي دقيق.

[ 280 ]

المسألة الخامسة والعشرون اللفظ العام إذا قصد به المخاطب الذم أو المدح، كقوله تعالى: * (إن الابرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم) * (82) الانفطار: 13) وكقوله: * (والذين يكنزون الذهب والفضة. ولا ينفقونها في سبيل الله، فبشرهم بعذاب أليم) * (9) التوبة: 34). نقل عن الشافعي، رضي الله عنه، أنه منع من عمومه، حتى أنه منع من التمسك به في وجوب زكاة الحلي مصيرا منه إلى أن العموم لم يقع مقصودا في الكلام، وإنما سيق لقصد الذم والمدح مبالغة في الحث على الفعل أو الزجر عنه. وخالفه الاكثرون، وهو الحق من حيث إن قصد الذم أو المدح، وإن كان مطلوبا للمتكلم، فلا يمنع ذلك من قصد العموم معه، إذ لا منافاة بين الامرين، وقد أتى بالصيغة الدالة على العموم، فكان الجمع بين المقصودين أولى، ومن العمل بأحدهما وتعطيل الآخر، والله أعلم.

[ 281 ]

الصنف الرابع في تخصيص العموم ويشتمل على مقدمة ومسألتين. أما المقدمة، ففي بيان معنى التخصيص، وما يجوز تخصيصه، وما لا يجوز. أما التخصيص، فقد قال أبو الحسين البصري: هو إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه وذلك مما لا يمكن حمله على ظاهره على كل مذهب. أما على مذهب أرباب الخصوص، فلان الخطاب عندهم منزل على أقل ما يحتمله اللفظ، فلا يتصور إخراج شئ منه. وأما على مذهب أرباب الاشتراك، فمن جهة أن العمل باللفظ المشترك في بعض محامله، لا يكون إخراجا لبعض ما تناوله الخطاب عنه، بل غايته استعمال اللفظ في بعض محامله، دون البعض. وأما على مذهب أرباب الوقف فظاهر، إذ اللفظ عندهم موقوف لا يعلم كونه للخصوص أو للعموم، وهو صالح لاستعماله في كل واحد منهما. فإن قام الدليل على أنه أريد به العموم، وجب حمله عليه، وامتنع إخراج شئ منه. وإن قام الدليل على أنه للخصوص، لم يكن اللفظ إذ ذاك دليلا على العموم، ولا متناولا له: فلا يتحقق بالحمل على الخاص، إخراج بعض ما تناوله اللفظ على بعض محامله الصالح لها. وأما على مذهب أرباب العموم، فغايته أن اللفظ عندهم حقيقة في الاستغراق، ومجاز في الخصوص. وعلى هذا، فإن لم يقم الدليل على مخالفة الحقيقة، وجب إجراء اللفظ على جميع محامله، من غير إخراج شي منها. وإن قام الدليل على مخالفة الحقيقة، وامتناع العمل باللفظ في الاستغراق، وجب صرفه إلى محمله المجازي، وهو الخصوص. وعند حمل اللفظ على المجاز لا يكون اللفظ متناولا للحقيقة، وهي الاستغراق، فلا تحقق لاخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه، إذ هو، حالة كونه مستعملا في المجاز، لا يكون مستعملا في الحقيقة. وعلى هذا، فإطلاق القول بتخصيص العام، وأن هذا عام مخصص، لا يكون حقيقة.

[ 282 ]

وإذا عرف ذلك، فالتخصيص على ما يناسب مذهب أرباب العموم، هو تعريف أن المراد باللفظ الموضوع للعموم حقيقة، إنما هو الخصوص، وعلى ما يناسب مذهب أرباب الاشتراك، تعريف أن المراد باللفظ الصالح للعموم والخصوص، إنما هو الخصوص. والمعرف لذلك، بأي طريق كان، يسمى مخصصا، واللفظ المصروف عن جهة العموم إلى الخصوص، مخصصا. وإذا عرف معنى تخصيص العموم، فاعلم أن كل خطاب لا يتصور فيه معنى الشمول، كقوله (ص)، لابي بردة: تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك فلا يتصور تخصيصه لان التخصيص على ما عرف، صرف اللفظ عن جهة العموم إلى جهة الخصوص، وما لا عموم له، لا يتصور فيه هذا الصرف. وأما ما يتصور فيه الشمول والعموم، فتصور فيه التخصيص، وسواء كان خطابا أو لم يكن خطابا، كالعلة الشاملة، لامكان صرفه عن جهة عمومه إلى جهة خصوصه. هذا إتمام المقدمة. وأما المسائل، فمسألتان المسألة الاولى اتفق القائلون بالعموم على جواز تخصيصه على أي حال كان، من الاخبار، والامر وغيره، خلافا لشذوذ لا يؤبه لهم في تخصيص الخبر. ويدل على جواز ذلك، الشرع والمعقول: أما الشرع، فوقوع ذلك في كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: * (الله خالق كل شئ) * (13) الرعد: 16) * (وهو على كل شئ قدير) * (5) المائدة: 120) وليس خالقا لذاته، ولا قادرا عليها، وهي شئ. وقوله تعالى: * (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) * (51) الذاريات: 42) وقد أتت على الارض والجبال، ولم تجعلها رميما. وقوله تعالى: * (تدمر كل شئ) * (الاحقاف: 25) * (وأوتيت من كل شئ) * (27) النمل: 23) إلى غير ذلك من الآيات الخبرية المخصصة، حتى إنه قد قيل لم يرد عام إلا وهو مخصص، إلا في قوله تعالى: * (وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد: 3) ولو لم يكن ذلك جائزا، لما وقع في الكتاب.

[ 283 ]

وأما المعقول فهو أنه لا معنى لتخصص العموم سوى صرف اللفظ عن جهة العموم الذي هو حقيقة فيه، إلى جهة الخصوص بطريق المجاز، كما سبق تقريره، والتجوز غير ممتنع في ذاته. ولهذا. لو قدرنا وقوعه، لم يلزم المحال عنه لذاته، ولا بالنظر إلى وضع اللغة. ولهذا يصح من اللغوي أن يقول جاءني كل أهل البلد وإن تخلف عنه بعضهم، ولا بالنظر إلى الداعي إلى ذلك والاصل عدم كل مانع سوى ذلك، ويدل على جواز تخصيص الاوامر العامة، وإن لم نعرف فيها خلافا، قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) مع خروج أهل الذمة عنه، وقوله تعالى: * (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38 * (والزانية والزاني فاجدلوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (24) النور: 2) مع أنه ليس كل سارق يقطع، ولا كل زان يجلد، وقوله تعالى * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) * (4) النساء: 11) مع خروج الكافر والرقيق والقاتل عنه. فإن قيل: القول بجواز تخصيص الخبر مما يوجب الكذب في الخبر، لما فيه من مخالفة المخبر للخبر، وهو غير جائز على الشارع، كما في نسخ الخبر. قلنا: لا نسلم لزوم الكذب، ولا وهم الكذب، بتقدير إرادة جهة المجاز، وقيام الدليل على ذلك. وإلا كان القائل إذا قال: رأيت أسدا وأراد به الانسان، أن يكون كاذبا، إذا تبينا أنه لم يرد الاسد الحقيقي، وليس كذلك بالاجماع. وعلى هذا، فلا نسلم امتناع نسخ الخبر، كما سيأتي تقريره. المسألة الثانية اختلف القائلون بالعموم وتخصيصه، في الغاية التي يقع انتهاء التخصيص إليها: فمنهم من قال بجواز انتهاء التخصيص في جميع ألفاظ العموم إلى الواحد. ومنهم من أجاز ذلك في (من) خاصة دون ما عداها من أسماء الجموع، كالرجال والمسلمين، وجعل نهاية التخصيص فيها أن يبقى تحتها ثلاثة. وهذا هو مذهب القفال من أصحاب الشافعي، ومنهم من جعل نهاية التخصيص في جميع الالفاظ العامة، جمعا كثيرا يعرف

[ 284 ]

من مدلول اللفظ، وإن لم يكن محدودا، وهو مذهب أبي الحسين البصري، وإليه ميل إمام الحرمين وأكثر أصحابنا. احتج من جوز الانتهاء في التخصيص إلى الواحد بالنص، والاطلاق، والمعنى. أما النص فقوله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون) * (15) الحجر: 9) وأراد به نفسه وحده. وأما الاطلاق فقول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لسعد بن أبي وقاص، وقد أنفذ إليه القعقاع مع ألف فارس قد أنفذت إليك ألفي رجل أطلق اسم الالف الاخرى، وأراد بها القعقاع. وأما المعنى فمن وجهين: الاول: أنه لو امتنع الانتهاء في التخصيص إلى الواحد، فإما أن يكون لان الخطاب صار مجازا، أو لانه إذا استعمل اللفظ فيه، لم يكن مستعملا فيما هو حقيقة فيه من الاستغراق، وكل واحد من الامرين لو قيل بكونه مانعا، لزم امتناع تخصيص العام مطلقا، ولا بعدد ما، لانه يكون مجازا في ذلك العدد وغير مستعمل فيما هو حقيقة فيه. وذلك خلاف الاجماع. الثاني: أن استعمال اللفظ في الواحد من حيث إنه بعض من الكل، يكون مجازا، كما في استعماله في الكثرة، فإذا جاز التجوز باللفظ العام عن الكثرة، فكذا في الواحد. ولقائل أن يقول: أما الآية فهي محمولة على تعظيم المتكلم وهو بمعزل عن التخصيص بالواحد. وأما الاطلاق العمري فمحمول على قصد بيان أن ذلك الواحد قائم مقام الالف، وهو غير معنى التخصيص.

[ 285 ]

وأما المعنى الاول، فلا نسلم الحصر فيما قيل من القسمين، بل المنع من ذلك إنما كان لعدم استعماله لغة. وأما المعنى الثاني فمبني على جواز إطلاق اللفظ العام، وإرادة الواحد مجازا، وهو محل النزاع. وأما حجة أبي الحسين البصري فإنه قال: لو قال القائل قتلت كل من في البلد، وأكلت كل رمانة في الدار وكان فيها تقدير ألف رمانة، وكان قد قتل شخصا واحدا، أو ثلاثة. وأكل رمانة واحدة، أو ثلاث رمانات، فإن كلامه يعد مستقبحا مستهجنا عند أهل اللغة. وكذلك إذا قال لعبده من دخل داري فأكرمه أو قال لغيره من عندك وقال: أردت به زيدا وحده أو ثلاثة أشخاص معينة، أو غير معينة، كان قبيحا مستهجنا، ولا كذلك فيما إذا حمل على الكثرة القريبة من مدلول اللفظ، فإنه يعد موافقا مطابقا لوضع أهل اللغة. وهذه الحجة وإن كانت قريبة من السداد، وقد قلده فيها جماعة كثيرة، إلا أن لقائل أن يقول: متى يكون ذلك مستهجنا منه، إذا كان مريدا للواحد من جنس ذلك العدد الذي هو مدلول اللفظ، وقد اقترن به قرينة، أو إذا لم يكن ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. وبيان ذلك، النص وصحة الاطلاق. أما النص فقوله تعالى: * (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) * (3) آل عمران: 173) وأراد بالناس القائلين، نعيم بن مسعود الاشجعي بعينه، ولم يعد ذلك مستهجنا لاقترانه بالدليل. وأما الاطلاق فصحة قول القائل أكلت الخبز واللحم، وشربت الماء والمراد به واحد من جنس مدلولات اللفظ العام، ولم يكن ذلك مستقبحا، لاقترانه بالدليل. نعم إذا أطلق اللفظ العام، وكان الظاهر منه إرادة الكل، وما يقاربه في الكثرة، وهو مريد للواحد البعيد من ظاهر اللفظ، من غير اقتران دليل به يدل عليه، فإنه يكون مستهجنا. وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فعليك بالاجتهاد في الترجيح.

[ 286 ]

الصنف الخامس - في أدلة تخصيص العموم وهي قسمان: متصلة ومنفصلة القسم الاول في الادلة المتصلة وهي أربعة أنواع: الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية النوع الاول الاستثناء وفيه مقدمة ومسائل أما المقدمة، ففي معنى الاستثناء، وصيغه، وأقسامه. أما الاستثناء، فقال الغزالي: هو قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن المذكور به لم يرد بالقول الاول. وهو باطل من وجهين: الاول: أنه ينتقض بآحاد الاستثناءات، كقولنا: جاء القوم إلا زيدا فإنه استثناء حقيقة، وليس بذي صيغ، بل صيغة واحدة، وهي: إلا زيدا. الثاني: أنه يبطل بالاقوال الموجبة لتخصيص العموم الخارجة عن الاستثناء، فإنها صيغ مخصوصة، وهي محصورة لاستحالة القول بعدم النهاية في الالفاظ الدالة، وهي دالة على أن المذكور بها لم يرد بالقول الاول، وليست من الاستثناء في شئ، وذلك كما لو قال القائل رأيت أهل البلد، ولم أر زيدا، واقتلوا المشركين، ولا تقتلوا أهل الذمة، ومن دخل داري فأكرمه، والفاسق منهم أهنه، وأهل البلد كلهم علماء، وزيد جاهل إلى غير ذلك. وقال بعض المتبحرين من النحاة: الاستثناء إخراج بعض الجملة عن الجملة بلفظ (إلا) أو ما يقوم مقامه، وهو منتقض بقول القائل رأيت أهل البلد، ولم أر زيدا فإنه قائم مقام قوله: إلا زيدا، في إخراج بعض الجملة عن الجملة، وليس باستثناء.

[ 287 ]

وقيل: إنه عبارة عما لا يدخل في الكلام، إلا لاخراج بعضه بلفظ (إلا)، ولا يستقل بنفسه، وهو أيضا مدخول من وجهين: الاول: أن الاستثناء لا لاخراج بعض الكلام، وإنما يكون إخراجا لبعض ما دل عليه الكلام الاول، وفرق بين الامرين. الثاني: أنه لو قال القائل جاء القوم غير زيد فإنه استثناء مع أن لفظة (غير) قد وجد فيها جميع ما ذكروه من القيود، سوى قوله: لا يدخل في الكلام إلا لاخراج بعضه. فإن (غير) قد يدخل في الكلام لغرض النعتية، إذا لم يجز في موضعها (إلا) كقولك: عندي درهم غير جيد فإنه لا يحسن أن تقول في موضعها عندي درهم إلا جيدا فلا جرم كانت نعتا للدرهم، وتابعة له في إعرابه. وهذا بخلاف ما إذا قلت عندي درهم غير قيراط فإن (غير) تكون استثنائية منصوبة لامكان دخول إلا في موضعها. ويمكن أن يقال هاهنا إن النعتية ليست استثنائية، فلا ترد على الحد. والمختار في ذلك أن يقال: الاستثناء عبارة عن لفظ متصل بجملة لا يستقل بنفسه دال بحرف (إلا) أو أخواتها على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به، ليس بشرط، ولا صفة، ولا غاية. فقولنا: (لفظ) احتراز عن الدلالات العقلية والحسية الموجبة للتخصيص. وقولنا: (متصل بجملة) احتراز عن الدلائل المنفصلة. وقولنا: (ولا يستقل بنفسه) احتراز عن مثل قولنا: قام القوم، وزيد لم يقم وقولنا: (دال) احتراز عن الصيغ المهملة. وقولنا: (على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به) احتراز عن الاسماء المؤكدة والنعتية. كقول القائل جاءني القوم العلماء كلهم. وقولنا: (بحرف إلا أو أخواتها) احتراز عن قولنا قام القوم دون زيد. وفيه احتراز عن أكثر الالزامات السابق ذكرها وقولنا: (ليس بشرط) احتراز عن قول القائل لعبده من دخل داري فأكرمه إن كان مسلما وقولنا: (ليس بصفة) احتراز من قول القائل جاءني بنو تميم الطوال

[ 288 ]

وقولنا: (ليس بغاية) احتراز عن قول القائل لعبده (أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار وهذا الحد مطرد منعكس لا غبار عليه. وإذا عرف معنى الاستثناء فصيغه كثيرة، وهي: إلا، وغير، وسوى، وخلا، وحاشا، وعدا، وما عدا، وما خلا، وليس، ولا يكون، ونحوه. وأم الباب في هذه الصيغ (إلا) لكونها حرفا مطلقا، ولوقوعها في جميع أبواب الاستثناء لا غير. ولها أحكام مختلفة في الاعراب مستقصاة في كتب أهل الادب، لا مناسبة لذكرها فيما نحن فيه، كما قد فعله من غلب عليه حب العربية. وهو منقسم إلى الاستثناء من الجنس، ومن غير الجنس، كما يأتي تحقيقه عن قريب إن شاء الله تعالى. ويجوز أن يكون متأخرا عن المستثنى منه، كما ذكرناه من الامثلة، وأن يكون متقدما عليه مع الاتصال، كقولك خرج إلا زيدا القوم ومنه قول الكميت. فما لي إلا آل أحمد شيعة وما لي إلا مذهب الحق مذهب ويجوز الاستثناء من الاستثناء من غير خلاف، كقول القائل له علي عشرة دراهم إلا أربعة، إلا اثنين، ويدل عليه قوله تعالى: * (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) * (51) الذاريات: 32) إلى قوله: * (إلا آل لوط، إنا لمنجوهم أجمعين، إلا امرأته) * (15) الحجر: 59) استثنى إلى لوط من أهل القرية، واستثنى المرأة من الآل المنجين من الهلاك. وهذا ما أردنا ذكره من المقدمة. وأما المسائل فخمس:

[ 289 ]

المسألة الاولى شرط صحة الاستثناء عند أصحابنا، وعند الاكثرين أن يكون متصلا بالمستثنى منه حقيقة، من غير تخلل فاصل بينهما، أو في حكم المتصل، وهو ما لا يعد المتكلم به آتيا به بعد فراغه من كلامه الاول عرفا، وإن تخلل بينهما فاصل بانقطاع النفس أو سعال مانع من الاتصال حقيقة. ونقل عن ابن عباس أنه كان يقول بصحة الاستثناء المنفصل، وإن طال الزمان شهرا. وذهب بعض أصحاب مالك إلى جواز تأخير الاستثناء لفظا لكن مع إضمار الاستثناء متصلا بالمسثنى منه، ويكون المتكلم به مدينا فيما بينه وبين الله تعالى. ولعله مذهب ابن عباس. وذهب بعض الفقهاء إلى صحة الاستثناء المنفصل في كتاب الله تعالى دون غيره. حجة القائلين بالاتصال من ثلاثة أوجه: الاول: ما روي عن النبي (ص)، أنه قال: من حلف على شئ فرأى غيره خيرا منه، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه وروي فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير ولو كان الاستثناء المنفصل صحيحا لارشد النبي (ص)، إليه لكونه طريقا مخلصا للحالف عند تأمل الخير، في البر وعدم الحنث، لان النبي (ص) إنما يقصد التيسير والتسهيل، ولا يخفى أن الاستثناء أيسر وأسهل من التكفير، فحيث لم يرشد إليه دل على عدم صحته. الثاني: أن أهل اللغة لا يعدون ذلك كلاما منتظما، ولا معدودا من كلام العرب، ولهذا فإنه لو قال: لفلان علي عشرة دراهم ثم قال بعد شهر أو سنة إلا درهما وقال رأيت بني تميم ثم قال بعد شهر إلا زيدا فإنه لا يعد اسثتناء ولا كلاما صحيحا، كما لو قال رأيت زيدا ثم قال بعد شهر قائما فإنهم لا يعدونه بذلك مخبرا عن زيد بشئ، وكذلك لو قال السيد لعبده أكرم زيدا ثم قال بعد شهر إن دخل داري فإنهم لا يعدون ذلك شرطا.

[ 290 ]

الثالث: أنه لو قيل بصحة الاستثناء المنفصل، لما علم صدق صادق، ولا كذب كاذب، ولا حصل وثوق بيمين، ولا وعد ولا وعيد، ولا حصل الجزم بصحة عقد نكاح، وبيع وإجارة ولا لزوم معاملة أصلا، لامكان الاستثناء المنفصل، ولو بعد حين ولا يخفى ما في ذلك من التلاعب وإبطال التصرفات الشرعية، وهو محال. احتج الخصوم بأربعة أمور: الاول: ما روي عن النبي (ص)، أنه قال: والله لاغزون قريشا. ثم سكت، وقال بعده: إن شاء الله ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت، لما فعله، لكونه مقتدى به. وأيضا ما روي عنه (ص)، أنه سألته اليهود عن عدة أهل الكهف وعن مدة لبثهم فيه، فقال: غدا أجيبكم ولم يقل إن شاء الله فتأخر عنه الوحي مدة بضعة عشر يوما، ثم نزعليه * (ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) * (28) الكهف: 22)، إلى قوله * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا، إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت) * (28) الكهف: 23، 24). فقال: إن شاء الله بطريق الالحاق بخبره الاول. ولو لم يكن ذلك صحيحا، لما فعله. الثاني: أن ابن عباس ترجمان القرآن، ومن أفصح فصحاء العرب، وقد قال بصحة الاستثناء المنفصل. وذلك يدل على صحته. الثالث: أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الاول، فجاز تأخيره، كالنسخ والادلة المنفصلة المخصصة للعموم. الرابع: أن الاستثناء رافع لحكم اليمين، فجاز تأخيره، كالكفارة.

[ 291 ]

والجواب عن الخبر الاول أن سكوته قبل الاستثناء يحتمل أنه من السكوت الذي لا يخل بالاتصال الحكمي، كما أسلفناه، ويجب الحمل عليه موافقة لما ذكرناه من الادلة. وعن الخبر الثاني أن قوله (ص): إن شاء الله، ليس عائدا إلى خبر الاول، بل إلى ذكر ربه، إذا نسي، تقديره أذكر ربي إذا نسيت إن شاء الله. وذلك كما إذا قال القائل لغيره افعل كذا فقال: إن شاء الله، أي أفعل إن شاء الله. وعن المنقول عن ابن عباس، إن صح ذلك. فلعله كان يعتقد صحة إضمار الاستثناء، ويدين المكلف بذلك فيما بينه وبين الله تعالى، وإن تأخر الاستثناء لفظا، وهو غير ما نحن فيه، وإن لم يكن كذلك فهو أيضا مخصوم بما ذكرناه من الادلة واتفاق أهل اللغة على إبطاله ممن سواه. وعن الوجه الثالث: أنه قياس في اللغة، فلا يصح لما سبق. ثم هو منقوض بالخبر والشرط، كما سبق. كيف والفرق بين التخصيص والاستثناء واقع من جهة الجملة من حيث إن التخصيص قد يكون بدليل العقل والحس، ولا كذلك الاستثناء وبينه وبين النسخ، أن النسخ مما يمتنع اتصاله بالمنسوخ، بخلاف الاستثناء. وعن الوجه الرابع بالفرق، وهو أن الكفارة رافعة لاثم الحنث، لا لنفس الحنث، والاستثناء مانع من الحنث، فما التقيا في الحكم حتى يصح قياس أحدهما على الآخر. كيف وإن الخلاف إنما وقع في صحة الاستثناء المنفصل من جهة اللغة، لا من جهة الشرع، ولا قياس في اللغة على ما سبق. المسألة الثانية اختلف العلماء في صحة الاستثناء من غير الجنس: فجوزه أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والقاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين والنحاة، ومنع منه الاكثرون. وأما أصحابنا، فمنهم من قال بالنفي، ومنهم من قال بالاثبات.

[ 292 ]

احتج من قال بالبطلان بأن الاستثناء استفعال مأخوذ من الثني، ومنه تقول: ثنيت الشئ إذا عطفت بعضه على بعض، وثنيت فلانا عن رأيه، وثنيت عنان الفرس. وحقيقته أنه استخراج بعض ما تناوله اللفظ، وذلك غير متحقق في مثل قول القائل رأيت الناس إلا الحمر لان الحمر المستثناة غير داخلة في مدلول المستثنى منه، حتى يقال بإخراجها وثنيها عنه، بل الجملة الاولى باقية بحالها، لم تتغير، ولا تعلق للثاني بالاول أصلا. ومع ذلك فلا تحقق للاستثناء من اللفظ، ولا يمكن أن يقال بصحة الاستثناء بناء على ما وقع به الاشتراك من المعنى، بين والمستثنى منه، وإلا لصح استثناء كل شئ من كل شئ، ضرورة أنه ما من شيئين إلا وهما مشتركان في معنى عام لهما، وليس كذلك. كيف وأنه لو قال القائل جاء العلماء إلا الكلاب، وقدم الحاج إلا الحمير كان مستهجنا لغة وعقلا، وما هذا شأنه لا يكون وضعه مضافا إلى أهل اللغة. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الاستثناء مأخوذ من الثني، بل من التثنية، وكأن الكلام كان واحدا فثني، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. فإن قيل: لو كان الاستثناء مأخوذا من التثنية، لكان كل ما وجد فيه معنى التثنية من الكلام اسثناء، وليس كذلك. قلنا: ولو كان مأخوذا من الثني، لكان كل ما وجد فيه الثني والعطف استثناء، وليس كذلك. ولهذا لا يقال لمن عطف الثوب بعضه على بعض، أو عطف عنان الفرس إنه استثناء. قولكم إن الاسثتناء استخراج بعض ما تناوله اللفظ دعوى في محل النزاع، وكيف يدعى ذلك مع قول الخصم بصحة الاستثناء من غير الجنس، ولا دخول للمستثنى تحت المستثنى منه. وما ذكرتموه من الاستقباح لا يدل على امتناع صحته في اللغة. ولهذا فإنه لو قال القائل في دعائه يا رب الكلاب والحمير وخالقهم، ارزقني وأعطني كان مستهجنا، وإن كان صحيحا من جهة اللغة والمعنى. ثم وإن سلمنا امتناع صحة الاستثناء من نفس الملفوظ به مطابقة، فما المانع من صحته، نظرا إلى ما وقع به الاشتراك بين المستثنى والمستثنى منه في المعنى اللازم

[ 293 ]

المدلول للفظ مطابقه، كما قال الشافعي إنه لو قال القائل: لفلان علي مائة درهم إلا ثوبا فإنه يصح، ويكون معناه إلا قيمة ثوب، لاشتراكهما في ثبوت صفة القيمة لهما، وكما قاله أبو حنيفة في استثناء المكيل من الموزون، وبالعكس، لاشتراكهما في علة الربا. قولكم: لو صح ذلك لصح استثناء كل شئ من كل شئ، ليس كذلك. وما المانع أن تكون صحة الاستثناء مشروطة بمناسبة بين المستثنى والمستثنى منه، كما إذا قال القائل ليس لي نخل إلا شجر، ولا إبل إلا بقر، ولا بنت إلا ذكر ولا كذلك فيما إذا قال ليس لفلان بنت إلا أنه باع داره. وأما القائلون بالصحة، فقد احتجوا بالمنقول والمعقول: أما المنقول، فمن جهة القرآن، والشعر، والنثر. أما القرآن، فقوله تعالى: * (وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين) * (7) الاعراف: 11) وإبليس لم يكن من جنس الملائكة، لقوله تعالى في آية أخرى * (إلا إبليس كان من الجن، ففسق عن أمر ربه) * (18) الكهف: 50) والجن ليسوا من جنس الملائكة، ولانه كان مخلوقا من نار على ما قال * (خلقتني من نار) * (7) الاعراف: 12) والملائكة من نور، ولان إبليس له ذرية على ما قال تعالى * (أفتتخذونه وذريته أولياء) * (18) الكهف: 50) ولا ذرية للملائكة، فلا يكون من جنسهم، وهو مستثنى منهم. وقوله تعالى: * (أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الاقدمون، فإنهم عدو لي، إلا رب العالمين) * (26) الشعراء: 75، 77) استثنى الباري تعالى من جملة ما كانوا يعبدون من الاصنام وغيرها، والباري تعالى ليس من جنس شئ من المخلوقات. وقوله تعالى: * (وما لهم به من علم إلا اتباع الظن) * (4) النساء: 157) استثنى الظن من العلم، وليس من جنسه. وقوله تعالى * (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، إلا قيلا سلاما سلاما) * (56) الواقعة: 25) استثنى السلام من اللغو، وليس من جنسه، وقوله تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (4) النساء: 29) والتجارة ليست من جنس الباطل، وقد استثناها منه. وقوله تعالى: * (فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون، إلا رحمة منا) * (36) يس: 43) استثنى الرحمة من نفي الصريخ والانقاذ، وليست من جنسه. وقوله تعالى: * (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) * (11) هود: 43) ومن رحم ليس بعاصم، بل معصوم، وليس المعصوم من جنس العاصم.

[ 294 ]

وقوله تعالى: * (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا، إلا خطأ) * (4) النساء: 92) استثنى الخطأ من القتل، وليس من جنسه. وأما الشعر فمن ذلك قول القائل منهم: وبلدة ليس بها أنيس * * إلا اليعافير وإلا العيس والعيس ليست من جنس الانيس. وقال النابغة الذبياني: وقفت فيها أصيلا لا أسائلها * * عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أواري لأيا ما أبينها * * والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد والاواري ليست من جنس الاحد. وقال: ولا عيب فينا غير أن سيوفنا * * بهن فلول من قراع الكتائب وليس فلول السيوف عيبا لاربابها، بل فخرا لهم، وقد استثناها من العيوب وليست من جنسها. وأما النثر فقول العرب: ما زاد إلا ما نقص، وما بالدار أحد إلا الوتد، وما جاءني زيد إلا عمرو. استثنوا النقص من الزيادة، والوتد من أحد، وعمرا من زيد، وليس من جنسه.

[ 295 ]

وأما المعقول فهو أن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه، فصح، كاستثناء الدراهم من الدنانير، وبالعكس. ولقائل أن يقول: أما الآية الاولى، فلا نسلم أن إبليس لم يكن من جنس الملائكة. قولكم إنه كان من الجن، قلنا: لا منافاة بين الامرين: فإنه قد قال ابن عباس وغيره من المفسرين إن إبليس كان من الملائكة من قبيل يقال لهم الجن، لانهم كانوا خزان الجنان، وكان إبليس رئيسهم، وتسميته جنيا لنسبته إلى الجنة، كما يقال بغدادي ومكي. ويحتمل أنه سمي بذلك لاجتنانه واختفائه، ويدل على كونه من الملائكة أمران: الاول: أن الله تعالى استثناه من الملائكة، والاصل أن يكون من جنسهم للاتفاق على صحة الاستثناء من الجنس ووقع الخلاف في غيره. الثاني: أن الامر بالسجود لآدم إنما كان للملائكة بدليل قوله تعالى: * (وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم) * (2) البقرة: 34) ولو لم يكن، إبليس من الملائكة، لما كان عاصيا للامر المتوجه إلى الملائكة، لكونه ليس منهم، إذ الاصل عدم أمر وراء ذلك الامر. ودليل عصيانه قوله تعالى: * (إلا إبليس أبى واستكبر، وكان من الكافرين) * (2) البقرة: 34). قولكم إن إبليس له ذرية، ليس في ذلك ما ينافي كونه من جنس الملائكة. فلئن قلتم بأن التوالد لا يكون إلا من ذكر وأنثى والملائكة لا إناث فيهم، بدليل قوله تعالى: * (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) * (43) الزخرف: 19) ذكر ذلك في معرض الانكار والتوعد على قول ذلك. قلنا: إنما يلزم من ذلك الاناث في الملائكة أن لو امتنع حصول الذرية إلا من جنسين، وهو غير مسلم. قولكم: إن إبليس مخلوق من نار، والملائكة من نور، لا منافاة أيضا بين ذلك وبين كونه من الملائكة. وأما الآية الثانية، فاستثناء الرب تعالى فيها من المعبودين، وذلك قوله: * (ما كنتم تعبدون) * (26) الشعراء: 75) وهم كانوا ممن يعبد الله مع الاصنام، لانهم كانوا مشركين، لا جاحدين لله تعالى، فلا يكون الاستثناء من غير الجنس.

[ 296 ]

وأما الآية الثالثة، فجوابها من وجهين: الاول: أن قوله تعالى: * (وما لهم به من علم إلا اتباع الظن) * (4) النساء: 157) عام في كل ما يسمى علما، والظن يسمى علما، ودليله قوله تعالى * (فإن علمتموهن مؤمنات) * (60) الممتحنة: 10) وأراد إن ظننتموهن لاستحالة اليقين بذلك، وذلك إن كان من الاسماء المتواطئة، فلا يكون الاستثناء من غير الجنس، وإن كان من الاسماء المشتركة أو المجازية، فهو من جملة الاسماء العامة كما سبق. الثاني: أن (إلا) فيها ليست للاستثناء، بل هي بمعنى (لكن) وكذلك الحكم فيما بعدها من الآيات. وأما استثناء (اليعافير والعيس) من (الانيس)، فليس استثناء من غير الجنس، لانها مما يؤنس بها، فهي من جنس الانيس، وإن لم تكن من جنس الانس، بل وقد يحصل الانس بالآثار والابنية والاشجار، فضلا عن الحيوان. وأما استثناء (الاواري) من (أحد) فإنما كان لانه كما يطلق الاحد على الآدمي، فقد يطلق على غيره من الحيوانات والجمادات ولذلك يقال: رأيت أحد الحمارين، وركبت أحد الفرسين، ورميت أحد الحجرين وأحد السهمين، فلم يكن الاستثناء من غير الجنس من حيث إن الاواري مما يصدق عليها لفظة (أحد) وبتقدير أن لا يكون من الجنس، فإلا ليست استثنائية حقيقة، بل بمعنى (لكن) كما سبق. وأما (فلول السيوف) فهو عيب في السيوف، وإن كان يسبب فلولها فخرا ومدحة لاربابها، فهو في الجملة استثناء من الجنس. وقول العرب: (ما زاد إلا ما نقص) تقديره: ما زاد شئ إلا الذي نقص أي ينقص، وهو اسثتناء من الجنس. وقولهم: (ما في الدار أحد إلا الوتد) فجوابه كما سبق في (الاواري) من (أحد). وقوله: (ما جاءني زيد إلا عمرو) فإلا بمعنى (لكن). وما ذكروه من المعقول، قولهم: إن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه، فشئ لا إشعار له بصحة الاستثناء من غير الجنس.

[ 297 ]

وأما استثناء (الدراهم) من (الدنانير) وبالعكس، فهو أيضا محل النزاع عند القائلين بعدم صحة الاستثناء من غير الجنس، وإن تكلف بيان صحة الاستثناء من جهة اشتراكهما في النقدية وجوهرية الثمنية فآئل إلى الاستثناء من الجنس. المسألة الثالثة اتفقوا على امتناع الاستثناء المستغرق كقوله: له علي عشرة إلا عشرة وإنما اختلفوا في استثناء النصف والاكثر، فذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى صحة استثناء الاكثر حتى إنه لو قال له علي عشرة إلا تسعة لم يلزمه سوى درهم واحد. القاضي أبو بكر في آخر أقواله، والحنابلة وابن درستويه النحوي إلى المنع من ذلك، وزاد القاضي أبو بكر والحنابلة القول بالمنع من استثناء المساوي. وقد نقل عن بعض أهل اللغة استقباح استثناء عقد صحيح، فلا يقول: له علي مائة إلا عشرة، بل خمسة، أو غير ذلك. احتج من قال بصحة استثناء الاكثر والمساوي بالمنقول، والمعقول، والحكم. أما المنقول، فمن جهة القرآن، والشعر. أما القرآن فقوله تعالى: * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) * (15) الحجر: 42) وقال * (لاغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين) * (38) ص: 83) فإن استووا، فقد استثنى المساوي، وإن تفاوتوا، فأيهما كان أكثر، فقد استثناه. كيف وإن الغاوين أكثر، بدليل قوله تعالى * (وقليل من عبادي الشكور) * (34) سبأ: 13) وقوله تعالى: * (ولا تجد أكثرهم شاكرين) * (7) الاعراف: 17) وقوله تعالى: * (وما أكثر الناس، ولو حرصت، بمؤمنين) * (12) يوسف: 103) ولكن أكثرهم لا يعقلون، ولا يؤمنون. وأما الشعر فقوله: أدوا التي نقصت تسعين من مائة * * ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا

[ 298 ]

وأما المعقول فهو أن الاستثناء لفظ يخرج من الجملة ما لولاه لدخل فيها، فجاز إخراج الاكثر به، كالتخصيص بالدليل المنفصل، كاستثناء الاقل. هذا ما يخص الاكثر، وأما المساوي فدليله قوله تعالى: * (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه) * (73) المزمل: 1) استثنى النصف، وليس بأقل. وأما الحكم فعام للاكثر والمساوي، وهو أنه لو قال له علي عشرة واستثنى منها خمسة، أو تسعة، فإنه يلزمه في الاول خمسة، وفي الثاني درهم، باتفاق الفقهاء. ولولا صحة الاستثناء لما كان كذلك. وفي هذه الحجج ضعف، إذ لقائل أن يقول: أما الآية فالغاوون فيها، وإن كانوا أكثر من العباد المخلصين، بدليل النصوص المذكورة، فلا نسلم أن (إلا) في قوله إلا من اتبعك من الغاوين للاستثناء، بل هي بمعنى (لكن). وإن سلمنا أنها للاستثناء، ولكن نحن إنما نمنع من استثناء الاكثر، إذا كان عدد المستثنى والمستثنى منه مصرحا به، كما إذا قال له علي مائة إلا تسعة وتسعين درهما وأما إذا لم يكن العدد مصرحا به، كما إذا قال له خذ ما في الكيس من الدراهم سوى الزيوف منها فإنه يصح، وإن كانت الزيوف في نفس الامر أكثر في العدد، وكما إذا قال جاءني بنو تميم سوى الاوباش منهم فإنه يصح من غير استقباح وإن كان عدد الاوباش منهم أكثر. وأما الشعر، فلا استثناء فيه، بل معناه: أدوا المائة التي سقط منها تسعون، ولا يلزم أن يكون سقوطها بطريق الاستثناء. وما ذكروه من المعقول فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وهو فاسد، كما سبق. كيف والفرق بين الاصل والفرع واقع من جهة الاجمال.

[ 299 ]

أما التخصيص فمن جهة أنه قد يكون بدليل منفصل، وبغير دليل لفظي، كما يأتي. وأما استثناء الاقل، فلكونه غير مستقبح، كما إذا قال له علي عشرة إلا درهما ولا كذلك قوله له علي مائة إلا تسعة وتسعين. وأما قوله تعالى: * (يا أيها المزمل) * (73) المزمل: 1) فلا دلالة فيه على جواز استثناء النصف، إذ النصف غير مستثنى، وإنما هو ظرف للقيام فيه، وتقديره: قم الليل ونصفه إلا قليلا. وأما الحكم فدعوى الاتفاق عليه خطأ، فإن من لا يرى صحة استثناء الاكثر والمساوي، فهو عنده بمنزلة الاستثناء المستغرق. ولو قال له علي عشرة إلا عشرة لزمه العشرة، وإنما ذهب إلى ذلك الفقهاء القائلون بصحة استثناء الاكثر والمساوي. وأما من قال بامتناع صحة استثناء الاكثر والمساوي، فقد احتج بأن الاستثناء على خلاف الاصل، لكونه إنكارا بعد إقرار، وجحدا بعد اعتراف. غير أنا خالفناه في استثناء الاقل لمعنى لم يوجد في المساوي والاكثر، فوجب أن لا يقال بصحته فيه. وبيان ذلك من وجهين: الاول: أن المقر ربما أقر بمال، وقد وفى بعضه، غير أنه نسيه لقلته، وعند إقراره ربما تذكره فاستثناه. فلو لم يصح استثناؤه لتضرر، ولا كذلك في الاكثر والنصف، لانه قلما يتفق الذهول عنه. والثاني: أنه إذا قال له علي مائة إلا درهما لم يكن مستقبحا وإذا قال له علي مائة إلا تسعة وتسعين كان مستقبحا والمستقبح في لغة العرب لا يكون من لغتهم. وهذه الحجة ضعيفة أيضا، إذ لقائل أن يقول: لا نسلم أن الاستثناء على خلاف الاصل، والقول بأنه إنكار بعد إقرار أنما يصح ذلك أن لو لم يكن المستثنى والمستثنى منه جملة واحدة وإلا فلا. وإن سلمنا عدم الاتحاد، ولكن لا نسلم مخالفة ذلك الاصل، بل الاصل قبوله لامكان صدق المتكلم به، ودفعا للضرر عنه، ويجب اعتقاد ذلك حتى لا يكون قبول ذلك في استثناء الاقل على خلاف الاصل. والقول بأن ذلك مستقبح ركيك في لغة العرب ليس فيه ما يمنع مع ذلك من استعماله. ولهذا، فإنه لو قال له علي عشرة إلا درهما كان مستحسنا ولو قال له علي عشرة إلا دانقا ودانقا... إلى تمام عشرين مرة، كان في غاية الاستقباح، وما منع ذلك من صحته واستعماله لغة.

[ 300 ]

المسألة الرابعة الجمل المتعاقبة بالواو، إذا تعقبها الاستثناء رجع إلى جميعها عند أصحاب الشافعي رضي الله عنه، وإلى الجملة الاخيرة عند أصحاب أبي حنيفة. وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري وجماعة من المعتزلة: إن كان الشروع في الجملة الثانية إضرابا عن الاولى،، ولا يضمر فيها شئ مما في الاولى، فالاستثناء مختص بالجملة الاخيرة، لان الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة الاولى، مع استقلالها بنفسها إلى غيرها، إلا وقد تم مقصوده منها. وذلك على أقسام أربعة: الاول: أن تختلف الجملتان نوعا، كما لو قال أكرم بني تميم، والنحاة البصريون إلا البغاددة إذ الجملة الاولى أمر، والثانية خبر. القسم الثاني: أن تتحدا نوعا وتختلفا اسما وحكما، كما لو قال أكرم بني تميم، واضرب ربيعة إلا الطوال إذ هما أمران. الثالث: أن تتحدا نوعا، وتشتركا حكما، لا اسما كما لو قال سلم على بني تميم، وسلم على بني ربيعة إلا الطوال. الرابع: أن تتحدا نوعا، وتشتركا اسما لا حكما، ولا يشترك الحكمان في غرض من الاغراض، كما لو قال سلم على بني تميم واستأجر بني تميم إلا الطوال. وأقوى هذه الاقسام في اقتضاء اختصاص الاستثناء بالجملة الاخيرة القسم الاول، ثم الثاني، ثم الثالث والرابع. وأما إن لم تكن الجملة الاخيرة مضربة عن الاولى، بل لها بها نوع تعلق، فالاستثناء راجع إلى الكل. وذلك أربعة أقسام. القسم الاول: أن تتحد الجملتان نوعا واسما، لا حكما غير أن الحكمين قد اشتركا في غرض واحد، كما لو قال أكرم بني تميم وسلم على بني تميم إلا الطوال لاشتراكهما في غرض الاعظام.

[ 301 ]

الثاني: أن تتحد الجملتان نوعا، وتختلفا حكما، واسم الاولى مضمر في الثانية، كما لو قال أكرم بني تميم، واستأجرهم إلا الطوال. القسم الثالث: بالعكس من الذي قبله، كما لو قال أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال. القسم الرابع: أن يختلف نوع الجمل المتعاقبة، إلا انه قد أضمر في الجملة الاخيرة ما تقدم، أو كان غرض الاحكام المختلفة فيها واحدا، كما في آية القذف، فإن جملها مختلفة النوع من حيث إن قوله تعالى * (فاجلدوهم ثمانين جلدة) * (24) النور: 4) أمر، وقوله * (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) * (24) النور: 4) نهي، وقوله * (وأولئك هم الفاسقون) * (24) النور: 4) خبر. غير أنها داخلة تحت القسم الاول من هذه الاقسام الاربعة، لاشتراك أحكام هذه الجمل في غرض الانتقام والاهانة، وداخلة تحت القسم الثاني، من جهة إضمار الاسم المتقدم فيها. وذهب المرتضى من الشيعة إلى القول بالاشتراك، وذهب القاضي أبو بكر والغزالي وجماعة من الاصحاب إلى الوقف. والمختار انه، مهما ظهر كون (الواو) للابتداء فالاستثناء يكون مختصا بالجملة الاخيرة، كما في القسم الاول من الاقسام الثانية المذكورة لعدم تعلق إحدى الجملتين بالاخرى، وهو ظاهر. وحيث أمكن أن تكون (الواو) للعطف أو الابتداء، كما في باقي الاقسام السبعة فالواجب إنما هو الوقف. وتحقيق ذلك متوقف على ذكر حجج المخالفين وإبطالها، ولنبدأ من ذلك بحجج القائلين بالعود إلى الجميع: الحجة الاولى: أن الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة، ولهذا فإنه لا فرق في اللغة بين قوله اضرب الجماعة التي منها قتلة وسراق وزناة، إلا من تاب وبين قوله اضرب من قتل وسرق وزنى، إلا من تاب فوجب اشتراكهما في عود الاستثناء إلى الجميع، وهي غير صحيحة. وذلك لانه إن قيل إنه لا فارق بين الجملة والجملتين في أمر ما، لزم أن يكون المتكثر واحدا والواحد متكثرا، وهو محال. وإن قيل بالفرق فلا بد من جامع موجب للاشتراك في الحكم. ومع ذلك، فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، ولا سبيل إليه، لما تقدم.

[ 302 ]

الحجة الثانية: أن الاجماع منعقد على أنه لو قال والله لا أكلت الطعام، ولا دخلت الدار، ولا كلمت زيدا واستثنى بقوله: إن شاء الله أنه يعود إلى الجميع. وهذه الحجة أيضا باطلة، فإن العلماء، وإن أطلقوا لفظ الاستثناء على التعليق على المشيئة، فمجاز، وليس باستثناء حقيقة، بل ذلك شرط، كما في قوله إن دخلت الدار ويدل على كونه شرطا لا استثناء أنه يجوز دخوله على الواحد، مع أن الواحد لا يدخله الاستثناء، وذلك كقوله أنت طالق إن شاء الله ولو قال أنت طالق طلقة إلا طلقة لم يصح، ووقع به طلقة. وكذل‍ ك إذا قال له علي درهم إلا درهما وإذا كان شرطا، فلا يلزم من عوده إلى الجميع عود الاستثناء، إلا بطريق القياس، ولا بد من جامع مؤثر. ومع ذلك، يكون قياسا في اللغة، وهو باطل بما سبق. وبهذا يبطل إلحاقهم الاستثناء بالشرط، وهو قولهم: الاستثناء غير مستقل بنفسه، فكان عائدا إلى الكل، كالشرط، وهو ما إذا قال أكرم بني تميم، وبني ربيعة إن دخلوا الدار في معنى قوله ان دخل بنو تميم وينو ربيعة الدار فاكرمهم ولو صرح بذلك كان صحيحا، ولا كذلك في الاستثناء. ولهذا فإنه لو قال إلا أن يتوبوا، اضرب بني تميم وبني ربيعة لا يكون صحيحا. الحجة الثالثة: أن الحاجة قد تدعو إلى الاستثناء من جميع الجمل، وأهل اللغة مطبقون على أن تكرار الاستثناء في كل جملة مستقبح ركيك مستثقل، وذلك كما لو قال إن دخل زيد الدار فاضربه، إلا أن يتوب، وإن زنى فاضربه إلا أن يتوب فلم يبق سوى تعقب الاستثناء للجملة الاخيرة. ولقائل أن يقول: وإن كان ذلك مطولا، غير أنه يعرف شمول الاستثناء للكل بيقين، فلا يكون مستقبحا، وإن كان مستقبحا، فإنما يمتنع أن لو كان وضع اللغة مشروطا بالمستحسن وهو غير مسلم. ودليله أنه لو وقع الاستثناء كذلك، فإنه يصح لغة ويثبت حكمه: ولولا أنه من وضع اللغة، لما كان كذلك.

[ 303 ]

الحجة الرابعة: إن الاستثناء صالح أن يعود إلى كل واحدة من الجمل، وليس البعض أولى من البعض، فوجب العود إلى الجميع، كالعام. ولقائل أن يقول: كونه صالحا للعود إلى الجميع غير موجب لذلك، ولهذا فإن اللفظ إذا كان حقيقة في شئ ومجازا في شئ، فهو صالح للحمل على المجاز، ولا يجب حمله على المجاز. وما ذكروه من الالحاق بالعموم فغير صحيح، لما علم مرارا. الحجة الخامسة: أنه لو قال علي خمسة وخمسة إلا ستة فإنه يصح. ولو كان مختصا بالجملة الاخيرة لما صح، لكونه مستغرقا لها. قلنا: لا نسلم صحة الاستثناء على رأي لنا. وإن سلمنا فإنما عاد إلى الجميع، لقيام الدليل عليه، وذلك لانه لا بد من إعمال لفظه مع الامكان، وقد تعذر استثناء الستة من الجملة الاخيرة، لكونه مستغرقا لها، وهو صالح للعود إلى الجميع فحمل عليه: ومع قيام الدليل على ذلك، فلا نزاع، وإنما النزاع فيما إذا ورد الاستثناء مقارنا للجملة الاخيرة من غير دليل يوجب عوده إلى ما تقدم. الحجة السادسة: أنه لو قال القائل بنو تميم وربيعة أكرموهم إلا الطوال فإن الاستثناء يعود إلى الجميع، فكذلك إذا تقدم الامر بالاكرام، ضرورة اتحاد المعنى. ولقائل أن يقول: حاصل ما ذكروه يرجع إلى القياس في اللغة، وهو باطل لما علم، كيف والفرق ظاهر، لانه إذا تأخر الامر عن الجمل، فقد اقترن باسم الجميع، وهو قوله أكرموهم بخلاف الامر المتقدم، فإنه لم يتصل باسم الفريقين، بل باسم الفريق الاول. الحجة السابعة: أنه إذا قال القائل اضربوا بني تميم وبني ربيعة إلا من دخل الدار فمعناه من دخل من الفريقين. ولقائل أن يقول: ليس تقدير هذا المعنى أولى من تقدير إلا من دخل من ربيعة. وأما حجج القائلين بعود الاستثناء إلى الجملة الاخيرة، فمن جهة النص والمعقول.

[ 304 ]

أما النص فقوله تعالى * (والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) * (24) النور: 4 - 5) فإنه راجع إلى قوله وأولئك هم الفاسقون ولم يرجع إلى الجلد بالاتفاق. وأيضا قوله تعالى * (فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله) * (4) النساء: 92) وقوله * (إلا أن يصدقوا) * (4) النساء: 92) راجع إلى الدية دون الاعتاق بالاتفاق. قلنا: أما الآية الاولى، فلا نسلم اختصاص الاستثناء بالجملة الاخيرة منها، بل هو عائد إلى جميع الجمل عدا الجلد، لدليل دل عليه، وهو المحافظة على حق الآدمي. أما الآية الاخرى، فإنما امتنع عود الاستثناء إلى الاعتاق، لانه حق الله تعالى، وتصدق الولي لا يكون مسقطا لحق الله تعالى. وأما من جهة المعقول فحجج: الحجة الاولى أن الاستثناء من الجملة إذا تعقبه استثناء كان الاستثناء الثاني عائدا إلى الجملة الاستثنائية، لا إلى الجملة الاولى، فدل على اختصاص الاستثناء بالجملة المقارنة دون المتقدمة، وإلا كان عدم عوده إلى المتقدمة على خلاف الاصل، وذلك كما لو قال له علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين فإن الاستثناء الثاني يختص بالاربعة دون العشرة. ولقائل أن يقول: الاستثناء الثاني إما أن يكون بحرف عطف أو لا بحرف عطف. فإن كان الاول، فهو راجع إلى الجملة المستثنى منها كقوله له علي عشرة إلا ثلاثة، وإلا اثنين فيكون المقر به خمسة. وإن كان الثاني، كقوله له علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين فإنما امتنع عوده إلى الجملة المستثنى منها لدليل، لا لعدم اقتضائه لذلك لغة، وذلك، أن الاستثناء الثاني لو عاد إلى الجملة المستثنى منها فإما أن يعود إليها لا غير، أو إليها وإلى الاستثناء: الاول ممتنع، لان الاجماع منعقد على دخول الاستثناء الاول تحت الاستثناء الثاني، فقطعه عنه ورده إلى الجملة المستثنى منها لا غير، يكون على خلاف الاجماع وإن كان عائدا إلى الاستثناء والمستثنى والمستثنى منه فالمستثنى منه إثبات فالاستثناء منه يكون نفيا، لان الاستثناء من الاثبات نفي، والاستثناء من الاستثناء يكون إثباتا، لان الاستثناء من النفي إثبات

[ 305 ]

على ما يأتي تقريره عن قريب، وذلك ممتنع لوجهين: الاول: أنه يلزم منه أن يكون قد أثبت لعوده إلى أحدهما مثل ما نفاه عن الآخر، ويكون جابرا للنفي بالاثبات، ويبقى ما كان متحققا قبل الاستثناء الثاني بحاله وفيه إلغاء الاستثناء الثاني وخروجه عن التأثير، وهو خلاف الاجماع. الوجه الثاني: أنه يلزم منه أن يكون بعوده إلى الجملة الاولى قد نفى عنها مثل ما أثبته لها بعوده إلى الاستثناء الثاني، فيكون الاستثناء الواحد مقتضيا لنفي شئ وإثباته بالنسبة إلى شئ واحد، وهو محال. الحجة الثانية: أن الجملة الاخيرة حائلة بين الاستثناء والجملة الاولى، فكان ذلك مانعا من العود إليها كالسكوت. ولقائل أن يقول: إنما يصح ذلك أن لو لم يكون الكلام كله بمنزلة جملة واحدة. وأما إذا كان كالجملة الواحدة، فلا. الحجة الثالثة: أنه استثناء تعقب جملتين، فلا يكون بظاهره عائدا إليهما، كما لو قال أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعة فأنه لا يعود إلى الجميع وإلا لوقع به طلقتان لا ثلاث طلقات. قلنا: لا نسلم امتناع عوده إلى الجميع، بل هو عائد إلى الجميع، والواقع طلقتان على رأي لنا. وإن سلمنا امتناع عوده إلى الجميع، فلان المعتبر من قوله ثلاثا وثلاثا إنما هو الجملة الاولى دون الثانية. فلو عاد الاستثناء إليها لكان مستغرقا وهو باطل. الحجة الرابعة: أن دخول الجملة الاولى تحت لفظه معلوم، ودخولها تحت الاستثناء مشكوك فيه، والشك لا يرفع اليقين. قلنا: لا نسلم تيقن دخوله مع اتصال الاستثناء بالكلام، ثم وإن كان ذلك مما يمنع من عود الاستثناء إلى الجمل المتقدمة، فهو مانع من اختصاصه بالجملة الاخيرة لجواز عوده بالدليل إلى الجملة المتقدمة دون المتأخرة، ثم يلزم منه أن لا يعود الشرط والصفة على باقي الجمل لما ذكروه، وهو عائد عند أكثر القائلين باختصاص الاستثناء بالجملة الاخيرة.

[ 306 ]

الحجة الخامسة: أنه لما كان الاستثناء مما تدعو الحاجة إليه، ولا يستقل بنفسه دعت الحاجة إلى عوده إلى غيره، وهذه الحاجة والضرورة مندفعة بعوده إلى ما يليه، فلا حاجة إلى عوده إلى غيره، إذ هو خارج عن محل الحاجة، وإنما وجب اختصاصه بما يليه دون غيره لوجهين. الاول: أنه إذا ثبت اختصاصه بجملة واحدة وجب عوده إلى ما يليه لامتناع عوده إلى غيره بالاجماع. الثاني: أنه قريب منه، والقرب مرجح، ولهذا وجب عود الضمير في قولهم جاء زيد وعمرو أبوه منطلق إلى عمرو، لكونه أقرب مذكور، فكان ما يلي الفعل من الاسمين اللذين لا يظهر فيهما الاعراب بالفاعلية أولى كقولهم ضربت سلمى سعدى. وهذه الحجة أيضا مدخولة، إذ لقائل أن يقول ما ذكرتموه إنما يصح أن لو لم تكن الحاجة ماسة إلى عود الاستثناء إلى كل ما تقدم، وذلك غير مسلم، وإذا كانت الحاجة ماسة إلى عوده إلى كل ما تقدم، فلا تكون الحاجة مندفعة بعوده إلى ما يليه فقط. ثم ما ذكرتموه منتقض بالشرط والصفة. وإن سلمنا أنه لا ضرورة، ولكن لم قلتم بامتناع عوده إلى ما تقدم وإن لم تكن ثم ضرورة، ولهذا فإنه لو قام دليل على إرادة عوده إلى الجميع فإنه يكون عائدا إليه إجماعا. وإنما الخلاف في كونه حقيقة في الكلام أم لا. الحجة السادسة: ذكرها القلانسي، وهي أن قال: نصب ما بعد الاستثناء في الاثبات إنما كان بالفعل المتقدم بإعانة (إلا) على ما هو مذهب أكابر البصريين، فلو قيل إن الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل، لكان ما بعد (إلا) منتصبا بالافعال المقدرة في كل جملة، ويلزم منه اجتماع عاملين على معمول واحد، وذلك لا يجوز، لانه بتقدير مضادة أحد العاملين في عمله للعامل الآخر يلزم منه أن يكون المعمول الواحد مرفوعا منصوبا معا، وذلك كما لو قلت: ما زيد بذاهب، ولا قام عمرو وهو

[ 307 ]

محال، ولانه إما أن يكون كل واحد مستقلا بالاعمال أو لا كل واحد منهما مستقل، أو المستقل البعض دون البعض. فإن كان الاول، لزم من ذلك عدم استقلال كل واحد، ضرورة أنه لا معنى لكون كل واحد مستقلا، إلا أن الحكم ثبت به دون غيره. وإن كان الثاني، فهو خلاف الفرض، وإن كان الثالث، فليس البعض أولى من البعض. ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه إذا قال قام القوم إلا زيدا أن زيدا منصوب بقام، وإن سلمنا أنه منصوب بقام، لكن بالفعل المحقق أو المقدر في كل جملة. الاول مسلم، والثاني ممنوع. والفعل المحقق غير زائد على واحد. وأما حجج القائلين بالاشتراك فثلاث: الحجة الاولى: أنه يحسن الاستفهام من المتكلم عن إرادة عود الاستثناء إلى ما يليه أو إلى الكل، ولو كان حقيقة في أحد هذه المحامل دون غيره، لما حسن ذلك، وذلك يدل على الاشتراك وهذه الحجة مدخولة، لجواز أن يكون الاستفهام لعدم المعرفة بالمدلول الحقيقي والمجازي أصلا، كما تقوله الواقفية، أو لانه حقيقة في البعض، مجاز في البعض، والاستفهام للحصول على اليقين ودفع الاحتمال البعيد، كما بيناه فيما تقدم. الحجة الثانية: أنه يصح إطلاق الاستثناء، وإرادة عوده إلى ما يليه، وإلى الجمل كلها، وإلى بعض الجمل المتقدمة دون البعض، بإجماع أهل اللغة، والاصل في الاطلاق الحقيقة، والمعاني مختلفة، فكان مشتركا. ولقائل أن يقول: متى يكون الاصل في الاطلاق الحقيقة إذا أفضى إلى الاشتراك المخل بمقصود أهل الوضع من وضعهم أو إذا لم يفض ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. ثم وإن كان ذلك هو الاصل مطلقا، غير أنه أمر ظني، ولم قلتم بإمكان التمسك به فيما نحن فيه، على ما هو معلوم من قاعدة الواقفية. الحجة الثالثة: أن الاستثناء فضلة لا تستقل بنفسها، فكان احتمال عوده إلى ما يليه، وإلى جميع الجمل مساويا، كالحال وظرف الزمان والمكان في قوله ضربت زيدا وعمرا قائما في الدار يوم الجمعة. ولقائل أن يقول: لا نسلم صحة ما ذكره في الحال والظرف بل هو عائد إلى الكل أو ما يليه على اختلاف المذهبين، وإن سلم ذلك، غير أنه آئل إلى القياس في اللغة، وهو باطل كما سبق.

[ 308 ]

المسألة الخامسة مذهب أصحابنا أن الاستثناء من الاثبات نفي، ومن النفي إثبات، خلافا لابي حنيفة. ودليلنا في ذلك أن القائل إذا قال لا إله إلا الله كان موحدا مثبتا للالوهية لله سبحانه وتعالى، ونافيا لها عما سواه. ولو كان نافيا للالوهية عما سوى الرب تعالى غير مثبت لها بالنسبة إلى الرب تعالى، لما كان ذلك توحيدا لله تعالى، لعدم إشعار لفظه بإثبات الالوهية لله تعالى، وذلك خلاف الاجماع. وأيضا فإنه إذا قال القائل: لا عالم في البلد إلا زيد كان ذلك من أدل الالفاظ على علم زيد وفضيلته، وكان ذلك متبادرا إلى فهم كل سامع لغوي، ولو كان نافيا للعلم عما سوى زيد، غير مثبت للعلم لزيد، لما كان كذلك. وعلى هذا النحو في كل ما هو من هذا القبيل. فإن قيل: لو كان الاستثناء من النفي إثباتا، لكان قوله، صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بطهور، ولا نكاح إلا بولي، ولا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء مقتضيا تحقق الصلاة عند وجود الطهور، والنكاح عند وجود الولي، والبيع عند المساواة ولما لم يكن كذلك، علم أن المراد بالاستثناء إخراج المستثنى عن دخوله في المستثنى منه، وأنه غير متعرض لنفيه ولا إثباته. قلنا: الطهور والولي والمساواة لا يصدق عليه اسم ما استثني منه، فكان استثناء من غير الجنس، وهو باطل بما تقدم، وإنما سبق ذلك لبيان اشتراط الطهور في الصلاة، والولي في النكاح، والمساواة في صحة بيع البر بالبر. والشرط وإن لزم من فواته فوات المشروط، فلا يلزم من وجوده وجود المشروط لجواز انتفاء المقتضي أو فوات شرط آخر، أو وجود مانع، والله أعلم.

[ 309 ]

النوع الثاني التخصيص بالشرط والنظر في حده وأقسامه وصيغ الشرط اللغوي وأحكامه أما حده، قال الغزالي: هو ما لا يوجد المشروط دونه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده. وهو فاسد من وجهين: الاول: أن فيه تعريف الشرط بالمشروط، والمشروط مشتق من الشرط، فكان أخفى من الشرط، وتعريف الشئ بما هو أخفى منه ممتنع. الثاني: أنه يلزم عليه جزء السبب إذا اتحد، فإنه لا يوجد الحكم دونه، ولا يلزم من وجود الحكم عند وجوده، وليس بشرط. وقال بعض أصحابنا: الشرط هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر في تأثيره، لا في ذاته. وهو فاسد أيضا فإن الحياة القديمة شرط في وجود علم الباري تعالى وكونه عالما، ولا تأثير ولا مؤثر. والحق في ذلك أن يقال: الشرط هو ما يلزم من نفيه نفي أمر ما على وجه لا يكون سببا لوجوده، ولا داخلا في السبب. ويدخل في هذا الحد شرط الحكم، وهو ظاهر، وشرط السبب، من حيث إنه يلزم من نفي شرط السبب انتفاء السبب وليس هو سبب السبب، ولا جزؤه، وفيه احتراز عن انتفاء الحكم لانتفاء مداركه، وعن انتفاء المدرك المعين وجزئه. وهو منقسم إلى شرط عقلي، كالحياة للعلم والارادة، وإلى شرعي، كالطهارة للصلاة، والاحصان للرجم، وإلى لغوي. وصيغه كثيرة، وهي: إن الخفيفة، وإذا، ومن، ومهما، وحيثما، وأينما، وإذما.

[ 310 ]

وأم هذه الصيغ (إن) الشرطية، لانها حرف، وما عداها من أدوات الشرط أسماء. والاصل في إفادة المعاني للاسماء إنما هو الحروف، ولانها تستعمل في جميع صور الشرط، بخلاف أخواتها، فإن كل واحدة منها تختص بمعنى لا تجري في غيره: (فمن) لمن يعقل، و (ما) لما لا يعقل، و (إذا) لما لا بد من وقوعه كقولك: إذا احمر البسر فأتنا ونحو ذلك. وأما أحكامه: فمنها أنه يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، وذلك ضربان: الاول: أن يخرج منه ما علمنا خروجه بدليل آخر، كقوله أكرم بني تميم إن استطعت فإنه يخرج من الكلام حالة عدم الاستطاعة، وإن كان ذلك معلوما دون قوله، فيكون قوله مؤكدا. الثاني: أنه يخرج منه ما لا يعلم خروجه دونه، كقوله أكرم بني تميم إن دخلوا الدار فإنه يخرج منه حالة عدم دخول الدار، ولولا الشرط لعم الاكرام جميع الاحوال، ولم يكن العلم بعدم الاكرام حالة عدم دخول الدار حاصلا لنا، فكان مخصصا للعموم. وعلى كل تقدير، لا يخلو إما أن يتحد الشرط والمشروط، أو يتحد الشرط، ويتعدد المشروط، أو بالعكس، أو يتعددان معا. فإن اتحد الشرط والمشروط، فمثاله ما سبق. وأما إن اتحد الشرط، وتعدد المشروط، فإما أن تكون المشروطات على الجمع، وعلى البدل: فإن كانت على الجمع، كقوله إن دخل زيد الدار فأعطه دينارا ودرهما وإن كانت على البدل، كقوله إن دخل زيد الدار فأعطه دينارا أو درهما فالحكم كما لو اتحد المشروط.

[ 311 ]

وأما إن تعدد الشرط، واتحد المشروط، فإما أن تكون الشروط على الجمع أو البدل: فإن كان الاول، فكقوله أكرم بني تميم أبدا إن دخلوا الدار والسوق فمقتضى ذلك توقف الاكرام على اجتماع الشرطين، واختلاله باختلال أحدهما. وإن كان على البدل كقوله أكرم بني تميم إن دخلوا السوق أو الدار فمقتضى ذلك توقف الاكرام على تحقق أحد الشرطين، واختلاله عند اختلالهما جميعا. وأما إن تعدد الشرط والمشروط، فإما أن يكون الشرط والمشروط على الجمع أو البدل، أو الشرط على الجمع، والمشروطات على البدل، أو بالعكس: فإن كان القسم الاول كقوله إن دخل زيد الدار والسوق فأعطه درهما ودينارا فالاعطاء متوقف على اجتماع الشرطين، ومختل باختلالهما، أو باختلال أحدهما. وإن كان القسم الثاني فكقوله إن دخل زيد الدار أو السوق فأعطه درهما أو دينارا فإعطاء أحد الامرين متوقف على تحقق أحد الشرطين، واختلاله باختلال مجموع الامرين. وإن كان القسم الثالث كقوله إن دخل زيد الدار والسوق فأعطه درهما أو دينارا فإعطاء أحد الامرين متوقف على اجتماع الشرطين، واختلاله باختلال أحدهما. وإن كان الرابع كقوله إن دخل زيد الدار أو السوق، فأعطه درهما ودينارا فإعطاء الامرين متوقف على أحد الشرطين، ومختل باختلالهما معا، وسواء كان حصول الشرط دفعة، أو لا دفعة، بل شيئا فشيئا. ومن أحكامه أنه لا بد من اتصاله بالمشروط لما تقدم في الاستثناء، وأنه يجوز تقديمه على المشروط وتأخيره، وإن كان الوضع الطبيعي له إنما هو صدر الكلام والتقدم على المشروط لفظا، لكونه متقدما عليه في الوجود طبعا. ولو تعقب الشرط للجمل المتعاقبة، فقد اتفق الشافعي وأبو حنيفة على عوده إلى جميعها خلافا لبعض النحاة في اعتقاده اختصاصه بالجملة التي تليه كانت متقدمة أو متأخرة. والكلام في الطرفين فعلى ما سبق في الاستثناء. والمختار كالمختار، ولا يخفى وجهه.

[ 312 ]

النوع الثالث تخصيص العام بالصفة وهي لا تخلو إما أن تكون مذكورة عقب جملة واحدة أو جمل: فإن كان الاول، كقوله اكرم بني تميم الطوال فإنه يقتضي اختصاص الاكرام بالطوال منهم، ولولا ذلك لعم الطوال والقصار، فكانت الصفة مخرجة لبعض ما كان داخلا تحت اللفظ لولا الصفة. وإن كان الثاني كقوله أكرم بني تميم وبني ربيعة الطوال فالكلام في عود الصفة إلى ما يليها، أو إلى الجميع، كالكلام في الاستثناء.

[ 313 ]

النوع الرابع التخصيص بالغاية وصيغها إلى، وحتى، ولا بد وأن يكون حكم ما بعدها مخالفا لما قبلها، وإلا كانت الغاية وسطا، وخرجت عن كونها غاية، ولزم من ذلك إلغاء دلالة إلى، وحتى، وهي لا تخلو أيضا إما أن تكون مذكورة عقب جملة واحدة أو جمل متعددة. فإن كان الاول، فإما أن تكون الغاية واحدة، أو متعددة. فإن كانت واحدة كقوله أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار فإن دخول الدار يقتضي اختصاص الاكرام بما قبل الدخول، وإخراج ما بعد الدخول عن عموم اللفظ. ولولا ذلك، لعم الاكرام حالة ما بعد الدخول. وإن كانت متعددة فلا يخلو إما أن تكون على الجمع، أو على البدل: فالاول كقوله أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار، ويأكلوا الطعام فمقتضى ذلك استمرار الاكرام إلى تمام الغايتين، دون ما بعدهما. والثاني كقوله أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار أو السوق فمقتضى ذلك استمرار الاكرام إلى انتهاء إحدى الغايتين، أيهما كانت، دون ما بعدها. وأما إن كانت الغاية مذكورة عقب جمل متعددة، فالكلام في اختصاصها بما يليها. وفي عودها إلى جميع الجمل، كالكلام في الاستثناء، وسواء كانت الغاية واحدة أو متعددة، على الجمع أو البدل. ولا تخفى أمثلتها، ووجه الكلام فيها، وسواء كانت الغاية معلومة الوقوع في وقتها، كقوله إلى أن تطلع الشمس أو غير معلومة الوقت، كقوله إلى دخول الدار.

[ 314 ]

القسم الثاني في التخصيص بالادلة المنفصلة وفيه أربع عشرة مسألة المسألة الاولى مذهب الجمهور من العلماء جواز تخصيص العموم بالدليل العقلي، خلافا لطائفة شاذة من المتكلمين. ودليل ذلك أن قوله تعالى * (الله خالق كل شئ) * (39) الزمر: 62) وقوله * (وهو على كل شئ قدير) * (5) المائدة: 120) متناول بعموم لفظه لغة، كل شئ، مع أن ذاته وصفاته أشياء حقيقة، وليس خالقا لها، ولا هي مقدورة له، لاستحالة خلق القديم الواجب لذاته، واستحالة كونه مقدورا بضرورة العقل، فقد خرجت ذاته وصفاته بدلالة ضرورة العقل عن عموم اللفظ، وذلك مما لا خلاف فيه بين العقلاء، ولا نعني بالتخصيص سوى ذلك، فمن خالف في كون دليل العقل مخصصا مع ذلك، فهو موافق على معنى التخصيص، ومخالف في التسمية. وكذلك قوله تعالى * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (3) آل عمران: 97) فإن الصبي والمجنون من الناس حقيقة، وهما غير مرادين من العموم، بدلالة نظر العقل على امتناع تكليف من لا يفهم ولا معنى للتخصيص سوى ذلك. فإن قيل نحن لا ننكر أن ذات الباري تعالى وصفاته وأن الصبي والمجنون مما لم يرد باللفظ، وإنما ننكر كون دليل العقل مخصصا لثلاثة أوجه.

[ 315 ]

الاول: أن التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه، وهو غير متصور فيما ذكرتموه وبيانه، أن دلالات الالفاظ على المعاني ليست لذواتها، وإلا كانت دالة عليها قبل المواضعة، وإنما دلالتها تابعة لمقصد المتكلم وإرادته، ونحن نعلم بالضرورة أن المتكلم لا يريد بلفظه الدلالة على ما هو مخالف لصريح العقل فلا يكون لفظه دالا عليه لغة، ومع عدم الدلالة اللغوية على الصورة المخرجة، لا يكون تخصيصا. الثاني: أن التخصيص بيان، والمخصص مبين. والبيان إنما يكون بعد سابقة الاشكال، فيجب أن يكون البيان متأخرا عن المبين، ودليل العقل سابق فلا يكون مبينا ولا مخصصا كالاستثناء المقدم. الثالث: أن التخصيص بيان، فلا يجوز بالعقل، كالنسخ. ثم وإن سلمنا دلالة اللفظ لغة على ما ذكرتموه، وجواز كون المخصص متقدا، ولكن ما المانع أن تكون صحة الاحتجاج بالدليل العقلي مشروطة بعدم معارضة عموم الكتاب له، وبتقدير الاشتراط بذلك لا يكون حجة في التمسك به، على الكتاب. وإن سلمنا صحة التخصيص في الآيتين المذكورتين أولا، ولكن لا نسلم صحة تخصيص الصبي والمجنون عن عموم آية الحج، فإن ما ذكرتموه مبني على امتناع خطابهما، وكيف يمكن دعوى ذلك مع دخولهما تحت الخطاب بأروش الجنايات وقيم المتلفات. وإجماع الفقهاء على صحة صلاة الصبي، واختلافهم في صحة إسلامه، ولولا إمكان دخوله تحت الخطاب، لما كان كذلك. والجواب عن الاول: قولهم، إن دلالات الالفاظ ليست لذواتها مسلم، وأنه لا بد في دلالتها من قصد الواضع لها دالة على المعنى. قولهم: العاقل لا يقصد بلفظة الدلالة على ما هو ممتنع بصريح العقل. قلنا: ذلك ممتنع بالنظر إلى ما وضع اللفظ عليه لغة، أو بالنظر إلى إرادته من اللفظ ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. وعند ذلك، فلا منافاة بين كون اللفظ دالا على المعنى لغة، وبين كونه غير مراد من اللفظ.

[ 316 ]

قولهم إن حق المخصص أن يكون متأخرا عما خصصه. قلنا: يجب أن يكون متأخرا بالنظر إلى ذاته، أو بالنظر إلى صفته، وهو كونه مبينا ومخصصا ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. وذلك لان دليل العقل، وإن كان متقدما في ذاته على الخطاب المفروض، غير أنه لا يوصف قبل ذلك بكونه مخصصا لما يوجد، وإنما يصير مخصصا ومبينا بعد وجود الخطاب. وأما الاستثناء فإنما لم يجز تقديمه، لان المتكلم به لا يعد متكلما بكلام أهل اللغة، كما إذا قال إلا زيدا ثم قال بعد ذلك قام القوم. وهذا بخلاف التخصيص، فإنه إذا قال * (الله خالق كل شئ) * (39) الزمر: 62) وقام الدليل العقلي على أنه لم يرد بكلامه ذات الباري تعالى، فإنه لا يخرج بذلك الكلام عن كونه متكلما بكلام العرب. وأما امتناع النسخ بالعقل،، فإنما كان من جهة أن الناسخ معرف لبيان مدة الحكم المقصودة في نظر الشارع، وذلك ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه بمجرد قولهم: العقل، بخلاف معرفة استحالة كون ذات الرب تعالى مخلوقة مقدورة قولهم ما المانع أن يكون التمسك بدليل العقل مشروطا بعدم معارضة الكتاب له. قلنا: إذ وقع التعارض بينهما، وأحدهما مقتض للاثبات، والآخر للنفي، فلا سبيل إلى الجمع بين موجبيهما، لما فيه من التناقض، ولا إلى نفيهما، لما فيه من وجود واسطة بين النفي والاثبات، فلم يبق إلا العمل بأحدهما والعمل بعموم اللفظ مما يبطل دلالة صريح العقل بالكلية، وهو محال، والعمل بدليل العقل لا يبطل عموم الكتاب بالكلية، بل غايته إخراج بعض ما تناوله اللفظ من جهة اللغة، عن كونه مرادا للمتكلم، وهو غير ممتنع، فكان العمل بدليل العقل متعينا.

[ 317 ]

قولهم إن الصبي والمجنون داخلان تحت الخطاب بأروش الجنايات وقيم المتلفات ليس كذلك. فإنا إن نظرنا إلى تعلق الحق بمالهما، فهو ثابت بخطاب الوضع والاخبار، وهو غير متعلق بالصبي والمجنون، وإن نظرنا إلى وجوب الاداء الثابت بخطاب التكليف، فهو متعلق بفعل وليهما، لا بفعلهما. وأما صحة صلاة الصبي واختلاف الناس في صحة إسلامه، فلا يدل ذلك على كونه داخلا تحت خطاب التكليف بالصلاة والاسلام. أما صحة الصلاة، فمعناها انعقادها سببا لثوابه، وسقوط الخطاب عنه بها إذا صلى في أول الوقت، وبلغ في آخره، لا بمعنى أنه امتثل أمر الشارع، حتى يكون داخلا تحت خطاب التكليف من الشارع، بل إن كان ولا بد، فهو داخل تحت خطاب الولي لفهمه بخطابه، دون خطاب الشرع. وعلى هذا، يكون الجواب عن صحة إسلامه عند من يقول بذلك، وبتقدير امتناع تخصيص الصبي بدليل العقل مع تسليم جواز التخصيص به في الجملة، كما تقدم بيانه، فغير مضر ولا قادح، فإنه ليس المقصود تحقيق ذلك في آحاد الصور. وكما ان دليل العقل قد يكون مخصصا للعموم، فكذلك دليل الحس، وذلك كما في قوله تعالى * (تدمر كل شئ) * (46) الاحقاف: 25) مع خروج السموات والارض عن ذلك حسا، وكذلك قوله تعالى * (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) * (51) الذاريات: 42) وقد أتت على الارض والجبال، ولم تجعلها رميما، بدلالة الحس، فكان الحس هو الدال على أن ما خرج عن عموم اللفظ لم يكن مرادا للمتكلم، فكان مخصصا.

[ 318 ]

المسألة الثانية اتفق العلماء على جواز تخصيص الكتاب بالكتاب، خلافا لبعض الطوائف. ودليله المنقول، والمعقول. وأما المنقول فهو أن قوله * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * (65) الطلاق: 4) ورد مخصصا لقوله تعالى * (والذين يتوفون منكم، ويذرون أزواجا، يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) * (2) البقرة: 234) وقوله تعالى * (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) * (5) المائدة: 5) ورد مخصصا لقوله تعالى * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * (2) البقرة: 221) والوقوع دليل الجواز. وأما المعقول فهو أنه إذا اجتمع نصان من الكتاب، أحدهما عام، والآخر خاص، وتعذر الجمع بين حكميهما، فإما أن يعمل بالعام أو الخاص: فإن عمل بالعام لزم منه إبطال الدليل الخاص مطلقا، ولو عمل بالخاص لا يلزم منه إبطال العام مطلقا، لامكان العمل به فيما خرج عنه، كما سبق، فكان العمل بالخاص أولى، ولان الخاص أقوى في دلالته، وأغلب على الظن لبعده عن احتمال التخصيص، بخلاف العام، فكان أولى بالعمل. وعند ذلك، فإما أن يكون الدليل الخاص المعمول به ناسخا لحكم العام في الصورة الخارجة عنه، أو مخصصا له. والتخصيص أولى من النسخ لثلاثة أوجه: الاول: أن النسخ يستدعي ثبوت أصل الحكم في الصورة الخاصة ورفعه بعد ثبوته، والتخصيص ليس فيه سوى دلالته على عدم إرادة المتكلم للصور المفروضة بلفظ العام، فكان ما يتوقف عليه النسخ أكثر مما يتوقف عليه التخصيص، فكان التخصيص أولى. الثاني: أن النسخ رفع بعد الاثبات، والتخصيص منع من الاثبات، والدفع أسهل من الرفع. الثالث: أن وقوع التخصيص في الشرع أغلب من النسخ، فكان الحمل على التخصيص أولى، إدراجا له تحت الاغلب، وسواء جهل التاريخ أو علم، وسواء كان الخاص متقدما أو متأخرا.

[ 319 ]

فإن قيل: لو كان الكتاب مبينا للكتاب، لخرج النبي، صلى الله عليه وسلم، عن كونه مبينا للكتاب، وهو خلاف قوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) وهو ممتنع. قلنا: إضافة البيان إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ليس فيه ما يمنع من كونه مبينا للكتاب بالكتاب، إذ الكل وارد على لسانه، فذكره الآية المخصصة يكون بيانا منه، ويجب حمل وصفه بكونه مبينا على أن البيان وارد على لسانه، كان الوارد على لسانه الكتاب أو السنة، لما فيه من موافقة عموم قوله تعالى * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) فإن مقتضاه أن يكون الكتاب مبينا لكل ما هو من الكتاب، لكونه شيئا، غير أنا خالفناه في البعض، فيجب بالبعض الآخر تقليلا لمخالفة الدليل العام. فإن قيل: ما ذكرتموه، وإن صح فيما إذا كان الخاص متأخرا، ولا يصح فيما اما جهل التاريخ، وذلك لانه يحتمل أن يكون الخاص مقدما، فيكون العام بعده ناسخا له، ويحتمل أن يكون العام متقدما، فيكون الخاص مخصصا له، ولم يترجح أحدهما على الآخر، فوجب التعارض والتساقط، والرجوع إلى دليل آخر، كما ذهب إليه أبو حنيفة والقاضي أبو بكر والامام أبو المعالي. وإن سلمنا كون الخاص مخصصا، مع الجهل بالتاريخ، فلا يصح فيما إذا كان العام متأخرا عن الخاص، فإنه يتعين أن يكون ناسخا لمدلول الخاص، لا أن يكون الخاص مخصصا للعام، على ما ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة. وبيانه من أربعة أوجه: الاول: أنه إذا قال اقتلوا المشركين فهو جار مجرى قوله اقتلوا زيدا المشرك، وعمرا المشرك وخالدا وهلم جرا. فإذا الخاص كقوله اقتلوا زيدا المشرك إذا ورد العام بعده بنفي القتل عن الجميع، فهو ناص على زيد، ولو قال اقتلوا زيدا لا تقتلوا زيدا كان نسخا. الثاني: أن الخاص المتقدم يمكن نسخه والعام الوارد بعده مما يمكن أن يكون ناسخا، فكان ناسخا.

[ 320 ]

الثالث: هو أن الخاص المتقدم متردد بين كونه منسوخا، ومخصصا لما بعده، وذلك مما يمنع من كونه مخصصا، لان البيان لا يكون ملتبسا. الرابع: قول ابن عباس كنا نأخذ بالاحدث فالاحدث والعام المتأخر أحدث، فوجب الاخذ به. قلنا: أما الجواب عن التعارض عند الجهل بالتاريخ، فيمذكرناه من الادلة السابقة على الترجيح. وأما الجواب عن حجج أصحاب أبي حنيفة أما عن الاول فيمتنع كون العام في تناوله لما تحته من الاشخاص جار مجرى الالفاظ الخاصة، إذ الالفاظ الخاصة بكل واحد واحد، غير قابلة للتخصيص، بخلاف اللفظ العام. وعن الثاني أنه لا يلزم من إمكان نسخه للخاص الوقوع، ولو لزم من الامكان الوقوع، للزم أن يكون الخاص مخصصا للعام لامكان كونه مخصصا له، ويلزم من ذلك أن يكون الخاص منسوخا، ومخصصا لناسخه وهو محال. وعن الثالث أنهم إن أرادوا بتردد الخاص بين كونه منسوخا ومخصصا، أن احتمال التخصيص مساو لاحتمال النسخ، فهو ممنوع لما تقدم. وإن أرادوا بذلك تطرق الاحتمالين إليه في الجملة، فذلك لا يمنع من كونه مخصصا. ولو منع ذلك من كونه مخصصا، لمنع تطرق احتمال كون العام مخصصا بالخاص إليه، من كونه ناسخا. وعن الرابع أنه قول واحد من الصحابة، فيجب حمله على ما إذا كان الا حدث هو الخاص، جمعا بين الادلة.

[ 321 ]

المسألة الثالثة تخصيص السنة بالسنة جائز عند الاكثرين، ودليله المعقول، والمنقول. أما المعقول، فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب وأما المنقول فهو أن قوله، صلى الله عليه وسلم، لا زكاة فيما دون خمسة أوسق ورد مخصصا لعموم قوله، صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر فإنه عام في النصاب وما دونه، وقوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) مما لا يمنع من كونه مبينا لما ورد على لسانه من السنة، بسنة أخرى، كما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب. المسألة الرابعة يجوز تخصيص عموم السنة بخصوص القرآن عندنا، وعند أكثر الفقهاء والمتكلمين. ومنهم من منع من ذلك ودليله العقل، والعقل. أما النقل فقوله تعالى * (وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الاشياء، فكانت داخلة تحت العموم، إلا انه قد خص في البعض، فيلزم العمل به في الباقي. وأما المعقول، فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب. فإن قيل: الآية معارضة بقوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) ووجه الاحتجاج به أنه جعل النبي، صلى الله عليه وسلم، مبينا للكتاب المنزل، وذلك إنما يكون بسنته. فلو كان الكتاب مبينا للسنة، لكان المبين بالسنة مبينا لها، وهو ممتنع. وأيضا فإن المبين أصل، والبيان تبع له، ومقصود من أجله، فلو كان القرآن مبينا للسنة، لكانت السنة أصلا، والقرآن تبعا، وهو محال. وجواب الآية أنه لا يلزم من وصف النبي، صلى الله عليه وسلم، بكونه مبينا لما أنزل امتناع كونه مبينا للسنة بما يرد على لسانه من القرآن، إذ السنة أيضا منزلة على ما قال تعالى * (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3) غير أن الوحي، منه ما يتلى فيسمى كتابا، ومنه ما لا يتلى فيسمى سنة، وبيان أحد المنزلين بالآخر غير ممتنع.

[ 322 ]

وما ذكروه من المعنى فغير صحيح، فإن القرآن لا بد وأن يكون مبينا لشئ ضرورة قوله تعالى * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وأي شئ قدر كون القرآن مبينا له، فليس القرآن تبعا له، ولا ذلك الشئ متبوعا. وأيضا، فإن الدليل القطعي قد يبين به مراد الدليل الظني، وليس منحطا عن رتبة الظني. المسألة الخامسة يجوز تخصيص عموم القرآن بالسنة. أما إذا كانت السنة متواترة، فلم أعرف فيه خلافا، ويدل على جواز ذلك ما مر من الدليل العقلي. وأما إذا كانت السنة من أخبار الآحاد، فمذهب الائمة الاربعة جوازه. ومن الناس من منع ذلك مطلقا، ومنهم من فصل، وهؤلاء اختلفوا: فذهب عيسى بن أبان إلى أنه إن كان قد خص بدليل مقطوع به، جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإلا فلا. وذهب الكرخي إلى أنه إن كان قد خص بدليل منفصل لا متصل جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإلا فلا. وذهب القاضي أبو بكر إلى الوقف. والمختار مذهب الائمة، ودليله العقل، والنقل. أما النقل فهو أن الصحابة خصوا قوله تعالى * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) * (4) النساء: 24) بما رواه أبو هريرة، عن النبي، صلى الله عليه وسلم من قوله لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها وخصوا قوله تعالى * (يوصيكم الله في أولادكم) * (4) النساء: 11) الآية، بقوله صلى الله عليه وسلم لا يرث القاتل، ولا يرث الكافر من المسلم، ولا المسلم من الكافر

[ 323 ]

وبما رواه أبو بكر من قوله، صلى الله عليه وسلم نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة وخصوا قوله تعالى * (فإن كن نساء فوق اثنتين، فلهن ثلثا ما ترك) * (4) النساء: 11) بما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه جعل للجدة السدس، وخصوا قوله تعالى * (وأحل الله البيع) * (2) البقرة: 275) بما روي عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن بيع الدرهم بالدرهمين، وخصوا قوله تعالى: * (والسارق والسارقة) * (5) المائدة: 38) وأخرجوا منه ما دون النصاب بقوله صلى الله عليه وسلم لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا، وخصوا قوله تعالى * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) بإخراج المجوس منه بما روي عنه، عليه السلام، أنه قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب إلى غير ذلك من الصور المتعددة، ولم يوجد لما فعلوه نكير، فكان ذلك إجماعا. والوقوع دليل الجواز وزيادة. وأما المعقول فما ذكرناه فيما تقدم في تخصيص الكتاب بالكتاب. فإن قيل: ما ذكرتموه من التخصيص في الصور المذكورة لا نسلم أن تخصيصها كان بخبر الواحد، ويدل عليه قوله، صلى الله عليه وسلم إذا روي عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فاقبلوه، وما خالفه فردوه والخبر فيما نحن فيه مخالف للكتاب، فكان مردودا.

[ 324 ]

قولهم إن الصحابة أجمعوا على ذلك، إن لم يصح، فليس بحجة، وإن صح فالتخصيص بإجماعهم عليه، لا بخبر الواحد. كيف وأنه لا إجماع على ذلك،

[ 325 ]

ويدل عليه ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كذب فاطمة بنت قيس فيما روته عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، لما كان ذلك مخصصا لعموم قوله تعالى * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * (65) الطلاق: 6) وقال كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة. وإن سلمنا الاجماع على أن التخصيص كان بخبر الواحد، لكن ليس في ذلك ما يدل على أن قول الواحد بمجرده مخصص، بل ربما قامت الحجة عندهم على صدقه، وصحة قوله بقرائن وأدلة اقترنت بقوله، فلا يكون مجرد إخباره حجة. وأما ما ذكرتموه من المعقول، فنقول: خبر الواحد، وإن كان نصا في مدلوله، نظرا إلى متنه، غير أن سنده مظنون محتمل للكذب، بخلاف القرآن المتواتر، فإنه قطعي السند، وقطعي في دلالته على كل واحد من الآحاد الداخلة فيه لما بيناه في المسألة المتقدمة، ولا يكون خبر الواحد واقعا في معارضته، كما في النسخ. وإن سلمنا أن العموم ظني الدلالة بالنسبة إلى آحاده، لكن متى، إذا خص بدليل مقطوع، على ما قاله عيسى بن إبان، أو بدليل منفصل، على ما قاله الكرخي، أو قبل التخصيص ؟ الاول مسلم، لكونه صار مجازا ظنيا، والثاني ممنوع، لبقائه على حقيقته، وعند ذلك، فيمتنع التخصيص بخبر الواحد مطلقا لترجيح العام عليه قبل التخصيص، بكونه قاطعا في متنه وسنده.

[ 326 ]

وإن سلمنا أن دلالة العام بالنظر إلى متنه ظنية مطلقا، غير أنه قطعي السند، والخبر وإن كان قاطعا في متنه، فظني في سنده، فقد تقابلا وتعارضا، ووجب التوقف على دليل خارج لعدم أولوية أحدهما، كما قال القاضي أبو بكر. والجواب: قد بينا أن الصحابة أجمعوا على تخصيص العمومات بأخبار الآحاد، حيث إنهم أضافوا التخصيص إليها من غير نكير، فكان إجماعا. وما ذكروه من الخبر، فإنما يمنع من تخصيص عموم القرآن بالخبر، أن لو كان الخبر المخصص مخالفا للقرآن، وهو غير مسلم بل هو مبين للمراد منه، فكان مقررا لا مخالفا، ويجب اعتقاد ذلك، حتى لا يفضي إلى تخصيص ما ذكروه من الخبر، بالخبر المتواتر من السنة، فإنه مخصص للقرآن من غير خلاف. قولهم إن صح إجماع الصحابة، فالتخصيص بإجماعهم، لا بالخبر، ليس كذلك، فإن إجماعهم لم يكن على تخصيص تلك العمومات مطلقا، بل على تخصيصها بأخبار الآحاد، ومهما كان التخصيص بأخبار الآحاد مجمعا عليه، فهو المطلوب. وأما ما ذكروه من تكذيب عمر لفاطمة بنت قيس فلم يكن ذلك لان خبر الواحد في تخصيص العموم مردود عنده، بل لتردده في صدقها، ولهذا قال كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ولو كان خبر الواحد في ذلك مردودا مطلقا، لما احتاج إلى هذا التعليل. قولهم: لم يكن إجماعهم على ذلك لمجرد خبر الواحد. قلنا: ونحن لا نقول بأن مجرد خبر الواحد يكون مقبولا، بل إنما يقبل إذا كان مغلبا على الظن صدقه، ومع ذلك فالاصل عدم اعتبار ما سواه في القول. قولهم إن سند الخبر ظني، مسلم، ولكن، لا نسلم أن دلالة العموم على الآحاد الداخلة فيه، قطعية، لاحتماله للتخصيص بالنسبة إلى أي واحد منها قدر، وسواء كان قد خص، أو لم يكن، على ما سبق بيانه.

[ 327 ]

وأما النسخ، فلا نسلم امتناعه بخبر الواحد، وبتقدير التسليم فلان النسخ رفع الحكم بعد إثباته، بخلاف التخصيص، لانه بيان لا رفع، فلا يلزم مع ذلك من امتناع النسخ به، امتناع التخصيص. وما ذكروه من السؤال الاخير في جهة التعارض، فجوابه أن احتمال الضعف في خبر الواحد من جهة كذبه، وفي العام من جهة جواز تخصيصه، ولا يخفى أن احتمال الكذب في حق من ظهرت عدالته أبعد من احتمال التخصيص العام. ولهذا، كانت أكثر العمومات مخصصة، وليس أكثر أخبار العدول كاذبة، فكان العمل بالخبر أولى، ولانه لو عمل بعموم العام، لزم إبطال العمل بالخبر مطلقا، ولو عمل بالخبر لم يلزم منه إبطال العمل بالعام مطلقا، لامكان العمل به فيما سوى صورة التخصيص، والجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من تعطيل أحدهما، ولان العمل بالعام إبطال للخاص، والعمل بالخاص بيان للعام، لا إبطال له. ولا يخفى أن البيان أولى من الابطال. المسألة السادسة لا أعرف خلافا في تخصيص القرآن والسنة بالاجماع. ودليله المنقول، والمعقول: أما المنقول: فهو أن إجماع الامة خصص آية القذف بتنصيف الجلد في حق العبد، كالامة. وأما المعقول: فهو أن الاجماع دليل قاطع، والعام غير قاطع في آحاد مسمياته، كما سبق تعريفه. فإذا رأينا أهل الاجماع قاضين بما يخالف العموم في بعض الصور، علمنا أنهم ما قضوا به إلا وقد اطلعوا على دليل مخصص له، نفيا للخطإ عنهم. وعلى هذا، فمعنى إطلاقنا أن الاجماع مخصص للنص أنه معرف للدليل المخصص، لا أنه في نفسه هو المخصص. وبالنظر إلى هذا المعنى أيضا، نقول: إنا إذا رأينا عمل الصحابة وأهل الاجماع بما يخالف النص الخاص، لا يكون ذلك إلا لاطلاعهم على ناسخ للنص، فيكون الاجماع معرفا للناسخ، لا أنه ناسخ. وإنما قلنا إن الاجماع نفسه لا يكون ناسخا لان النسخ لا يكون بغير خطاب الشارع، والاجماع ليس خطابا للشرع، وإن كان دليلا على الخطاب الناسخ.

[ 328 ]

المسألة السابعة لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم. والمفهوم، أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة، أو من قبيل مفهوم المخالفة، حتى إنه لو قال السيد لعبده كل من دخل داري فاضربه ثم قال إن دخل زيد داري، فلا تقل له: أف فإن ذلك يدل على تحريم ضرب زيد وإخراجه عن العموم، نظرا إلى مفهوم الموافقة، وما سيق له الكلام من كف الاذى عن زيد، وسواء قيل إن تحريم الضرب مستفاد من دلالة اللفظ، أو من القياس الجلي على اختلاف المذاهب في ذلك، كما يأتي. وكذا، لو ورد نص عام يدل على وجوب الزكاة في الانعام كلها، ثم ورد قوله، صلى الله عليه وسلم في الغنم السائمة زكاة فإنه يكون مخصصا للعموم بإخراج معلوفة الغنم عن وجوب الزكاة بمفهومه. وإنما كان كذلك، لان كل واحد من المفهومين دليل شرعي، وهو خاص في مورده، فوجب أن يكون مخصصا للعموم، لترجح دلالة الخاص على دلالة العام، كما سبق تقريره. فإن قيل: المفهوم، وإن كان خاصا وأقوى في الدلالة من العموم، إلا أن العام منطوق به، والمنطوق أقوى في دلالته من المفهوم، لافتقار المفهوم في دلالته إلى المنطوق، وعدم افتقار المنطوق في دلالته إلى المفهوم قلنا: إلا أن العمل بالمفهوم لا يلزم منه إبطال العمل بالعموم مطلقا، ولا كذلك بالعكس. ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من العمل بظاهر أحدهما، وإبطال أصل الآخر.

[ 329 ]

المسألة الثامنة في تخصيص العموم بفعل الرسول، صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف القائلون بكون فعل الرسول حجة على غيره هل يجوز تخصيصه للعموم أم لا ؟ فأثبته الاكثرون، كالشافعية، والحنفية والحنابلة، ونفاه الاقلون، كالكرخي. وتحقيق الحق من ذلك يتوقف على التفصيل، وهو أن نقول: العام الوارد، إما أن يكون عاما للامة والرسول، كما لو قال، صلى الله عليه وسلم الوصال، أو استقبال القبلة في قضاء الحاجة، أو كشف الفخذ، حرام على كل مسلم. وإما أن يكون عاما للامة دون الرسول، كما لو قال صلى الله عليه وسلم: نهيتكم عن الوصال، أو استقبال القبلة في قضاء الحاجة، أو كشف الفخذ، فإن كان الاول فإذا رأيناه قد واصل أو استقبل القبلة في قضاء الحاجة أو كشف فخذه، فلا خلاف في أن فعله يدل على إباحة ذلك الفعل في حقه، ويكون مخرجا له عن العموم ومخصصا. وأما بالنسبة إلى غيره، فإما أن نقول بأن اتباعه في فعله والتأسي به واجب على كل من سواه، أو لا نقول ذلك. فإن قيل بالاول، فيلزم منه رفع حكم العموم مطلقا في حقه بفعله، وفي حق غيره بوجوب التأسي به، فلا يكون ذلك تخصيصا، بل نسخا لحكم العموم مطلقا، بالنسبة إليه وإلى غيره. وإن قيل بالثاني، كان ذلك تخصيصا له عن العموم، دون أمته. وأما إن كان عاما للامة دون الرسول، ففعله لا يكون مخصصا لنفسه عن العموم، لعدم دخوله فيه. وأما بالنسبة إلى الامة، فإن قيل أيضا بوجوب اتباع الامة له في فعله، كان ذلك أيضا نسخا عنهم لا تخصيصا، كما سبق. وإن لم يكن ذلك واجبا عليهم، فلا يكون فعله مخصصا للعموم أصلا، لا بالنسبة إليه، لعدم دخوله في العموم، ولا بالنسبة إلى الامة. وعلى هذا التفصيل، فلا أرى للخلاف على هذا التخصيص بفعل النبي وجها:

[ 330 ]

أما إذا كان هو المخصص عن العموم وحده، فلعدم الخلاف فيه، وأما في باقي الاقسام، فلعدم تحقق التخصيص. بل إن وقع الخلاف في باقي الاقسام، هل فعله يكون ناسخا لحكم العموم فيها، فخارج عن الخوض في باب التخصيص، والاظهر في ذلك إنما هو الوقف، من جهة أن دليل وجوب التأسي، واتباع النبي، صلى الله عليه وسلم، إنما هو بدليل عام للامة، وهو مساو للعموم الآخر في عمومه، وليس العمل بأحدهما، وإبطال الآخر، أولى من العكس. فإن قيل: بل العمل بالفعل أولى، لانه خاص، والخاص مقدم على العام، قلنا: الفعل لم يكن دليلا على لزوم الحكم في حق باقي الامة بنفسه، بل لادلة عامة موجبة على الامة لزوم الاتباع.

[ 331 ]

فإن قيل: إلا أن الفعل الخاص مع العمومات الموجبة للتأسي أخص من اللفظ العام مطلقا، ولانه متأخر عن العام، والمتأخر أولى بالعمل. قلنا: أما الفعل، فلا نسلم أن له دلالة على وجوب تأسي الامة بالنبي بوجه من الوجوه، بل الموجب شئ آخر، وهو مساو للعام الآخر في عمومه، وسواء كان الفعل خاصا أو عاما. وذلك الموجب للتأسي غير متأخر عن العام، بل محتمل للتقدم والتأخر من غير ترجيح، حتى إنه لو علم التاريخ وجب العمل بالمتأخر منهما. كيف وإن القول بوجوب التأسي متوقف على وجود الفعل، وعلى الدليل الدال على التأسي، ولا كذلك العام الآخر، وما يتوقف العمل به على أمرين يكون أبعد مما لا يتوقف العمل به إلا على شئ واحد. المسألة التاسعة تقرير النبي، صلى الله عليه وسلم، لما يفعله الواحد من أمته بين يديه مخالفا للعموم، وعدم إنكاره عليه، مع علمه به، وعدم الغفلة والذهول عنه، مخصص لذلك العام عند الاكثرين، خلافا لطائفة شاذة. ودليل ذلك أن تقريره له عليه، دليل على جواز ذلك الفعل له، وإلا كان فعله منكرا، ولو كان كذلك، لاستحال من النبي صلى الله عليه وسلم، السكوت عنه وعدم

[ 332 ]

النكير عليه. وإذا كان التقرير دليل الجواز، وإن أمكن نسخ ذلك الحكم مطلقا أو نسخه عن ذلك الواحد بعينه، لكنه بعيد، واحتمال تخصيصه من العموم أولى وأقرب، لما قررناه فيما تقدم. وعند ذلك، فإن أمكن تعقل معنى أوجب جواز مخالفة ذلك الواحد للعموم، فكل من كان مشاركا له في ذلك المعنى، فهو مشارك له في تخصيصه عن ذلك العام بالقياس عليه، عند من يرى جواز تخصيص العام بالقياس على محل التخصيص. وأما إن لم يظهر المعنى الجامع، فلا. فإن قيل: التقرير لا صيغة له، فلا يقع في مقابلة ما له صيغة، فلا يكون مخصصا للعموم، وبتقدير أن يكون مخصصا فلا بد وأن يكون غير ذلك الواحد مشاركا له في حكمه، وإلا فلو لم يكن غير ذلك الواحد مشاركا له في حكمه، لصرح النبي، صلى الله عليه وسلم، بتخصيصه بذلك الحكم، دون غيره، دفعا لمحذور التلبيس على الامة، باعتقادهم المشاركة لذلك الواحد في حكمه، لقوله، صلى الله عليه وسلم حكمي على الواحد حكمي على الجماعة. قلنا: وإن كان التقرير لا صيغة له، غير أنه حجة قاطعة في جواز الفعل، نفيا للخطإ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بخلاف العام، فإنه ظني محتمل للتخصيص، فكان موجبا لتخصيصه. وما ذكروه من وجوب المشاركة فبعيد. وذلك، لان حكم ذلك الواحد لا يخلو: إما أن يكون له أو عليه. فإن كان له، فقوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة لا يكون مرتبطا به، وإن كان عليه، فقوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة إنما يكون حجة موهمة لمشاركة الجماعة لذلك الواحد، إن لو كان قوله: (حكمي) عاما في كل حكم، وهو غير مسلم. وإذا لم يكن ذلك حجة عامة، فلا تدليس ولا تلبيس. وبتقدير مشاركة الامة لذلك الواحد في ذلك الحكم، يكون نسخا، ولا يكون تخصيصا، كما ظن بعضهم.

[ 333 ]

المسألة العاشرة مذهب الشافعي في القول الجديد، ومذهب أكثر الفقهاء والاصوليين، أن مذهب الصحابي إذا كان على خلاف ظاهر العموم، وسواء كان هو الراوي، أو لم يكن، لا يكون مخصصا للعموم، خلافا لاصحاب أبي حنيفة والحنابلة وعيسى ابن أبان وجماعة من الفقهاء. ودليله أن ظاهر العموم حجة شرعية يجب العمل بها باتفاق القائلين بالعموم. ومذهب الصحابي ليس بحجة على ما سنبينه، فلا يجوز ترك العموم به. فإن قيل: إذا خالف مذهب الصحابي العموم، فلا يخلو، إما أن يكون ذلك لدليل، أو لا لدليل، لا جائز أن يكون لا لدليل وإلا وجب تفسيقه، والحكم بخروجه عن العدالة، وهو خلاف الاجماع. وإن كان ذلك لدليل، وجب تخصيص العموم به، جمعا بين الدليلين، إذ هو أولى من تعطيل أحدهما، كما علم غير مرة. قلنا: مخالفة الصحابي للعموم إنما كانت لدليل عن له في نطره، وسواء كان في نفس الامر مخطئا فيه، أو مصيبا. فلذلك لم نقض بتفسيقه، لكونه مأخوذا باتباع اجتهاده وما أوجبه ظنه ومع ذلك، فلا يكون ما عن له في نظره حجة متبعة بالنسبة إلى غيره، بدليل جواز مخالفة صحابي آخر له من غير تفسيق، ولا تبديع. وإذا لم يكن ما صار إليه حجة واجبة الاتباع بالنسبة إلى الغير، فلا يكون مخصصا لظاهر العموم المتفق على صحة الاحتجاج به مطلقا.

[ 334 ]

المسألة الحادية عشرة إذا كان من عادة المخاطبين تناول طعام خاص، فورد خطاب عام بتحريم الطعام، كقوله حرمت عليكم الطعام فقد اتفق الجمهور من العلماء على إجراء اللفظ على عمومه في تحريم كل طعام، على وجه يدخل فيه المعتاد وغيره، وأن العادة لا تكون منزلة للعموم على تحريم المعتاد دون غيره، خلافا لابي حنيفة، وذلك لان الحجة إنما هي في اللفظ الوارد، وهو مستغرق لكل مطعوم بلفظه، ولا ارتباط له بالعوائد، وهو حاكم على العوائد، فلا تكون العوائد حاكمة عليه. فإن قيل: إذا منعتم من تجويز تخصيص العموم بالعادة وتنزيل لفظ الطعام على ما هو المعتاد المتعارف عند المخاطبين، فما الفرق بينه وبين تخصيص اللفظ ببعض مسمياته في اللغة، بالعادة، وذلك كتخصيص اسم الدابة بذوات الاربع، وإن كان لفظ الدابة عاما في كل ما يدب، وكتخصيص اسم الثمن في البيع بالنقد الغالب في البلد، حتى إنه لا يفهم من إطلاق لفظ الدابة والثمن غير ذوات الاربع والنقد الغالب في البلد. قلنا: الفرق بين الامرين أن العادة في محل النزاع إنما هي مطردة في اعتياد أكل ذلك الطعام المخصوص، لا في تخصيص اسم الطعام بذلك الطعام الخاص، فلا يكون ذلك قاضيا على ما اقتضاه عموم لفظ الطعام مع بقائه على الوضع الاصلي، وهذا بخلاف لفظ الدابة، فإنه صار بعرف الاستعمال ظاهرا في ذوات الاربع وضعا، حتى إنه لا يفهم من إطلاق لفظ الدابة غير ذوات الاربع، فكان قاضيا على الاستعمال الاصلي، حتى إنه لو كانت العادة في الطعام المعتاد أكله قد خصصت بعرف الاستعمال اسم الطعام بذلك الطعام، لكان لفظ الطعام منزلا عليه دون غيره ضرورة تنزيل مخاطبة الشارع للعرب، على ما هو المفهوم لهم من لغتهم، وفيه دقة مع وضوحه.

[ 335 ]

المسألة الثانية عشرة اتفق الجمهور على أنه إذا ورد لفظ عام ولفظ خاص يدل على بعض ما يدل عليه العام، لا يكون الخاص مخصصا للعام بجنس مدلول الخاص ومخرجا عنه ما سواه، خلافا لابي ثور من أصحاب الشافعي. وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر فإنه عام في كل إهاب، وقوله صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة دباغها طهورها وإنما لم يكن مخصصا له، لانه لا تنافي بين العمل بالخاص وإجراء العام على عمومه، ومع إمكان إجراء كل واحد على ظاهره لا حاجة إلى العمل بأحدهما ومخالفة الآخر. فإن قيل: فقد اخترتم أن المفهوم يكون مخصصا للعموم عند القائل به، وتخصيص جلد الشاة بالذكر يدل بمفهومه على نفي الحكم عما سوى الشاة من جلود باقي الحيوانات، فكان مخصصا للعموم الوارد بتطهيرها. قلنا: أما من نفى كون المفهوم حجة، وأبطل دلالته كما يأتي تحقيقه، فلا أثر لالزامه به هاهنا. ومن قال بالمفهوم المخصص للعموم إنما قال به في مفهوم الموافقة ومفهوم الصفة المشتقة، كما سبق في المسألة المتقدمة، لا في مفهوم اللقب، وتخصيص جلد الشاة بالذكر لا يدل على نفي الطهارة بالدباغ عن باقي جلود الحيوانات، كالابل والبقرة وغيرها، إلا بطريق مفهوم اللقب، وليس بحجة، على ما يأتي تحقيقه. ولهذا، فإنه لو قال: عيسى رسول الله، فإنه لا يدل على أن محمدا ليس برسول الله. وكذلك إذا قال الحادث موجود لا يدل على أن القديم ليس بموجود، وإلا كان ذلك كفرا.

[ 336 ]

المسألة الثالثة عشرة اللفظ العام إذا عقب بما فيه ضمير عائد إلى بعض العام المتقدم لا إلى كله. هل يكون خصوص المتأخر مخصصا للعام المتقدم بما الضمير عائد إليه أو لا ؟ اختلفوا فيه: فذهب بعض أصحابنا وبعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار وغيره إلى امتناع التخصيص بذلك، ومنهم من جوزه، ومنهم من توقف، كإمام الحرمين وأبي الحسين البصري. وذلك كما في قوله تعالى * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قرؤ) * (2) البقرة: 228) فإنه عام في كل الحرائر المطلقات بوائن كن أو رجعيات. ثم قال: * (وبعولتهن أحق بردهن) * (2) البقرة: 228) فإن الضمير فيه إنما يرجع إلى الرجعيات دون البوائن، وعلى هذا النحو. والمختار بقاء اللفظ الاول على عمومه، وامتناع تخصيصه بما تعقبه. وذلك، لان مقتضى اللفظ إجراؤه على ظاهره من العموم، ومقتضى اللفظ الثاني عود الضمير إلى جميع ما دل عليه اللفظ المتقدم، إذ لا أولوية لاختصاص بعض المذكور السابق به دون البعض، فإذا قام الدليل على تخصيص الضمير ببعض المذكور السابق وخولف ظاهره، لم يلزم منه مخالفة الظاهر الاخير، بل يجب إجراؤه على ظاهره، إلى أن يقوم الدليل على تخصيصه. فإن قيل إنما يلزم مخالفة ظاهر ما اقتضاه الضمير، من العود إلى كل المذكور السابق، إذا أجرينا اللفظ السابق على عمومه، وليس القول بإجرائه على عمومه، ومخالفة ظاهر الضمير، أولى من إجراء ظاهر الضمير على مقتضاه، وتخصيص المذكور السابق، وإذا لم يترجح أحدهما وجب الوقف. قلنا: بل إجراء اللفظ المتقدم على عمومه، وتخصيص المتأخر أولى من العكس، لان دلالة الاول ظاهرة، ودلالة الثاني غير ظاهرة، ولا يخفى أن دلالة المظهر، أقوى من دلالة المضمر، فكان راجحا.

[ 337 ]

المسألة الرابعة عشرة القائلون بكون العموم والقياس حجة، اختلفوا في جواز تخصيص العموم بالقياس: فذهب الائمة الاربعة والاشعري وجماعة من المعتزلة، كأبي هاشم وأبي الحسين البصري إلى جوازه مطلقا، وذهب الجبائي وجماعة من المعتزلة إلى تقديم العام على القياس، وذهب ابن سريج وغيره من أصحاب الشافعي إلى جواز التخصيص بجلي القياس دون خفيه، وذهب عيسى بن أبان والكرخي إلى جواز التخصيص بالقياس للعام المخصص دون غيره، غير أن الكرخي اشترط أن يكون العام مخصصا بدليل منفصل، وأطلق عيسى بن أبان، ومنهم من جوز التخصيص بالقياس، إذا كان أصل القياس من الصور التي خصت عن العموم دون غيره، وذهب القاضي أبو بكر وإمام الحرمين إلى الوقف. والمختار أنه إذا كانت العلة الجامعة في القياس ثابتة بالتأثير، أي بنص أو إجماع، جاز تخصيص العموم به، وإلا فلا. أما إذا كانت العلة مؤثرة، فلانها نازلة منزلة النص الخاص، فكانت مخصصة للعموم، كتخصيصه بالنص، كما سبق تعريفه وأما إذا كانت العلة مستنبطة غير مؤثرة، فإنما قلنا بامتناع التخصيص بها للاجمال والتفصيل: أما الاجمال: فهو أن العام في محل التخصيص: إما أن يكون راجحا على القياس المخالف له، أو مرجوحا أو مساويا: فإن كان راجحا، امتنع تخصيصه بالمرجوح وإن كان مساويا، فليس العمل بأحدهما أولى من الآخر. وإنما يمكن التخصيص بتقدير أن يكون القياس في محل المعارضة راجحا. ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه.

[ 338 ]

وأما التفصيل: فهو أن العموم ظاهر في كل صورة من آحاد الصور الداخلة تحته، وجهة ضعفه غير خارجة عن احتمال تخصيصه أو كذب الراوي، إن كان العام من أخبار الآحاد. وأما احتمالات ضعف القياس فكثيرة جدا، وذلك، لانه، وإن كان متناولا، لمحل المعارضة بخصوصه، إلا أنه يحتمل أن يكون دليل حكم الاصل من أخبار الآحاد التي يتطرق إليها الكذب. وبتقدير أن يكون طريق إثباته قطعيا، فيحتمل أن يكون المستنبط القياس ليس أهلا له. وبتقدير أن يكون أهلا، فيحتمل أن لا يكون الحكم في نفس الامر معللا بعلة ظاهرة. وبتقدير أن يكون معللا بعلة ظاهرة، فلعلها غير ما ظنه القائس علة، ولم يظهر عليها، أو أنه أخطأ في طريق إثبات العلة، فأثبتها بما لا يصلح للاثبات. وبتقدير أن تكون موجودة فيه، يحتمل أن يكون قد وجد في الفرع مانع السبب أو مانع الحكم، أو فات شرط السبب فيه أو شرط الحكم، فكان العموم لذلك راجحا. كيف وأن العموم من جنس النصوص، والنص غير مفتقر في العمل به في جنسه إلى القياس، والقياس متوقف في العمل به على النص، لانه إن ثبت كونه حجة بالنص فظاهر، وإن كان بالاجماع، فالاجماع متوقف على النص، فكان القياس متوقفا على النص، فكان جنس النص لذلك راجحا. ولذلك وقع القياس مؤخرا في حديث معاذ في العمل به عن العمل بالكتاب والسنة حيث قال له النبي، صلى الله عليه وسلم، حين بعثه إلى اليمن قاضيا بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد ؟ - قال: بسنة رسول الله - قال: فإن لم تجد ؟ - قال: أجتهد رأيي - فقال، صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله. ومقتضى ذلك أن لا تتقدم السنة على الكتاب غير أنا خالفناه في تقديم خاص السنة على عام الكتاب، فوجب العمل به فيما عداه.

[ 339 ]

وهذه الاحتمالات كلها إن لم توجب الترجيح، فلا أقل من المساواة. وعلى كلا التقديرين، فيمتنع تخصيص العام بالقياس. فإن قيل: القول بالوقف خلاف الاجماع قبل وجود الواقفية، إذ الامة مجمعة على تقديم أحدهما، وإن اختلفوا في التعيين، ولان القول بالوقف مما يفضي إلى تعطيل الدليلين عن العمل بهما، والمحذور فيه فوق المحذور في العمل بأحدهما، فالعمل بالقياس أولى، لانا لو عملنا بالعموم لزم منه إبطال العمل بالقياس مطلقا. ولو عملنا بالقياس، لم يلزم منه إبطال العموم مطلقا، لامكان العمل به فيما عدا صورة التخصيص. ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من العمل بأحدهما وتعطيل الآخر. قلنا: نحن لا نقول بالوقف لما بيناه من ترجيح العمل بالعموم على العمل بالقياس. وبتقدير القول بالوقف، لا نسلم إجماعهم على إبطال الوقف، إلا أن يوجد منهم التصريح بذلك، وهو غير مسلم. ولهذا فإن كل واحد من المجتهدين لا يقطع بإبطال مذهب مخالفه، مع مصيره إلى نفي ما أثبته، أو إثبات ما نفاه فلان لا يكون قاطعا بإبطاله عند توقفه في نفي ما أثبته، أو إثبات ما نفاه، أولى. قولهم إن العمل بالقياس غير مبطل للعمل بالعموم، قلنا في محل المعارضة أو في غيرها ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. والنزاع إنما ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من العمل بأحدهما وتعطيل الآخر. قلنا: نحن لا نقول بالوقف لما بيناه من ترجيح العمل بالعموم على العمل بالقياس. وبتقدير القول بالوقف، لا نسلم إجماعهم على إبطال الوقف، إلا أن يوجد منهم التصريح بذلك، وهو غير مسلم. ولهذا فإن كل واحد من المجتهدين لا يقطع بإبطال مذهب مخالفه، مع مصيره إلى نفي ما أثبته، أو إثبات ما نفاه فلان لا يكون قاطعا بإبطاله عند توقفه في نفي ما أثبته، أو إثبات ما نفاه، أولى. قولهم إن العمل بالقياس غير مبطل للعمل بالعموم، قلنا في محل المعارضة أو في غيرها ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم. والنزاع إنما وقع في الترجيح في محل المعارضة دون غيره. وبالجملة، فلا يمتنع على المجتهد في هذه المسألة الحكم بالوقف أو الترجيح، على حسب ما يظهر في نظره في آحاد الوقائع من القرائن والترجيحات الموجبة التفاوت أو التساوي من غير تخطئة إذ الادلة فيها نفيا وإثباتا، ظنية، غير قطعية، فكانت ملحقة بالمسائل الاجتهادية دون القطعية، خلافا للقاضي أبي بكر.

[ 340 ]

ويجب أن نختم الكلام في أدلة التخصيص بالفرق بين التخصيص والاستثناء. أما على رأي من يزعم أن الاستثناء والمستثنى منه كالكلمة الواحدة،، كما سبق، فلا خفاء بأن الاستثناء لا يكون تخصيصا بل هو مباين له. وأما من يرى أن الاستثناء تخصيص، فهو نوع من التخصيص عنده، فكل استثناء تخصيص، وليية، خلافا للقاضي أبي بكر.

[ 340 ]

ويجب أن نختم الكلام في أدلة التخصيص بالفرق بين التخصيص والاستثناء. أما على رأي من يزعم أن الاستثناء والمستثنى منه كالكلمة الواحدة،، كما سبق، فلا خفاء بأن الاستثناء لا يكون تخصيصا بل هو مباين له. وأما من يرى أن الاستثناء تخصيص، فهو نوع من التخصيص عنده، فكل استثناء تخصيص، وليس كل تخصيص استثناء، وذلك لان الاستثناء لا بد وأن يكون متصلا بالمستثنى منه، على ما تقدم تقريره، وأنه لا يثبت بقرائن الاحوال، بخلاف غيره من أنواع التخصيص. وعلى هذا، يكون الحكم في التخصيص بذكر الشرط والغاية أيضا.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية