الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الاحكام - الآمدي ج 1

الاحكام

الآمدي ج 1


[ 1 ]

الاحكام في اصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الامدي علق عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الاول المكتب الاسلامي

[ 2 ]

طبع بإذن فضيلة الشيخ المحقق و مؤسسة النور الطبعة الاولى 1387 ه‍. الرياض الطبعة الثانية 1402 ه‍. بيروت المكتب الاسلامي دمشق: ص ب 800 - هاتف: 111637 - برقيا: إسلامي بيروت: ص ب 3771 / 11 - هاتف: 638 450 - برقيا: إسلاميا

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كلمة - موجزة عن تاريخ اصول الفقه احمد اللهم حمدا يليق بجلالك، واشكرك شكرا يوافي نعمك، ويكافيء مزيدك سبحانك لا نحصي ثناءا عليك انت كما اثنيت على نفسك. واشهد ان لا اله الا انت وحدك لا شريك لك شهادة تكفر بها عنا السيئات، وترفعنا بها عندك اعلى الدرجات وأشهد ان محمدا عبدك المرتضى، ونبيك المجتبي، ورسولك المصطفى، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه الي يوم الدين. وبعد. فأصول الفقه من العلوم التي عم نفعها، وعظمت فائدتها، فقد استطاع به المجتهدون فطرة واستعدادا، أو دراسة واكتسابا ان يستثمروا نصوص الشريعة، وان يستنبطوا بها الاحكام من ادلتها التفصيلية على اكمل وجه وأتقنه، وأوضح طريق وابينه. ووقف من عني بدراسته من العلماء المقلدين على ماخذ الائمة المجتهدين ومدراكهم، وعرفوا طريقهم في اجتهادهم ومذاهبهم في استباطهم، فطبقوا قواعدهم على ماجد من أقضية، واستخرجوا على اصولهم أحكاما في كثير من المسائل نسبوها إليهم تخريجا حيث لم يثبت عنهم فيها حكم نصا. وقد يبلغ من يعني بعلم الاصول ويأخذ نفسه بدراسة قواعه استدلالا عليها وتطبيقا لها على نهج من تقدمه من الائمة ان يكون مجتهدا مطلقا يعتمد في بحثه على اصول الشريعة، ويرجع الى ادلتها ويستنبط منها الاحكام. وربما كان هذا ايسر له واعم نفعا، واسلم عاقبة من اجتهاده في المسائل على مقتضي اصول امام معين واستخراج الفروع على اصوله.

[ 4 ]

وقد كانت العربية سليقة للصحابة رضي الله عنهم وبلغتهم نزل القران، وبها بينه النبي صلى الله عليه وسلم، فكانو يعرفون مقصد الكلام ومغزاه من لحن القول وفحواه، وقد شهدوا عهد الوحي والتنزيل، ولزموا النبي صلى الله عليه وسلم في سفره واقامته، وكانو مع ذلك على جانب عظيم من الفطنة والذكاء وسلامة الذوق ونور البصيرة والحرص على التشريع علما وعملا، فوقفوا على أسرار الشريعة ومقاصدها، ولم يجدوا في انفسهم حاجة الى دراسة قواعد يستعينون بها في استثمار نصوص الشريعة ولا ضرورة تلجئهم الى تدوى اصول يرجع إليها في استنباط الاحكام من الادلة. وقد سار التابعون على مدرجتهم، وسلكو سبيلهم فاستغنوا غناهم لقرب العهد بالوحي، وقوة الصلة بالصحابة، وكثرة الاخذ عنهم والمخالطة لهم، وغلبة السلامة على اللغة العربية من الكلمات الدخيلة. ولما بعد العهد بزمن النبوة، وكثر اختلاط العرب بغيرهم من الفرس والروم، وترجم كثير من الكتب اليونانية وغيرها الى اللغة العربية أيام الدولة العباسية استعجم كثير من العرب في لغتهم، واساليب كلامهم، وتأثرت اذواقهم، واختلف مناهجهم وتغيرت اغراضهم في نثرهم وشعرهم. واللغة العربية لغة الكتاب والسنة اسلوبا ومنهجا، ومقصدا ومغزي فهي الطريق الى فهمهما والعمدة في ادراك اسرارهما وعليها يتوقف معرفة كثير من وجوه اعجاز القران، فلذا عني العلماء يحفظها في جوانبها المختلفة بشتى الوسائل وتوسعوا في تدوين قواعدها، وبدؤا يضعون قواعد اصول الفقه. وساعدهم على ذلك ما وقفوا عليه في الكتب المترجمة من صناعة التاليف ونظام التقعيد وحسن التبويب والترتيب. وزدا تدوين اصول الفقه سهولة أن قواعده عند علماء الحديث في الحجاز وعلماء الراي بالعراق بدات تتمايز في نقاش المجتهدين من الفريقين، وتظهر في حجاجهم واستدلالهم، وان لم تكن مدونة لديهم. وكان اول من عني بتدوين اصول الفقه فيما اشتهر بين العلماء أبو عبد الله محمد ابن ادريس الشافعي فأملى كتابه المعروف بالرسالة، وكتبه عنه الربيع بن سليمان المرادي، وقد جمع في املاء الرسالة بين امرين اجمالا.

[ 5 ]

الاول: تحرير القواعد الاصولية وإقامة الادلة عليها من الكتاب والسنة وإيضاح منهجه في الاستدلال وتأييده بالشواهد من اللغة العربية. الثاني: الاكثار من الامثلة لزيادة الايضاح، والتطبيق لكثير من الادلة على قضايا في اصول الشريعة وفروعها، مع نقاش للمخالفين تزيده جزالة العبارة قوة، وتكسبه جمالا فكان كتابه قاعدةت محكمة بنى عليها من جاء بعده، ومنهجه فيه طريقا واضحا سلكه من الف في هذا العلم وتوسع فيه. وقد تبعه في الامرين أبو محمد علي بن حزم في كتابه " الاحكام في اصول الاحكام " بل كان اكثر منه سردا للادلة النقلية مع نقدها، وايرادا للفروع الفقهية مع ذكر مذاهب العلماء فيها، وما احتجوا به عليها، ثم يوسع ذلك نقدا ونقاشا ويرجح ما يراه صوابا. غير ان ابا محمد وان كان غير مدافع في سعة علمه واطلاعه على النصوص. وتمييز صحيحها من سقيمها، و المعرفة بمذاهب العلماء وادلتها، وايراد ذلك في اسلوب رائع، وعبارات سهلة واضحة، لم يبلغ مبلغ الشافعي. فقد كان الشافعي اخبر منه بالنقل، واعرف بطرقه، وأقدر على نقده، واعدل في حكمه وادرى بمعاني النصوص ومغزاها، وارعى لمقاصد الشريعة واسرارها، وبناء الاحكام عليها مع جزالة في العبارة تذكر بالعربية في عهدها الاول، ومع حسن ادب في النقد، وعفة لسان في نقاش الخصوم والرد على المخالفين. ولو سلك المؤلفون في الاصول بعد الشافعي طريقته في الامرين تقعيدا واستدلالا وتطبيقا وايضاحا بكثرة الامثلة وتركوا الخيال وكثرة الجدل والفروض واطرحوا العصبية في النقاش والحجاج. ولم يزيدوا الا ما تقتضي طبيعة النماء في العلوم اضافته من مسائل وتفاصيل لما اصل في الابواب، والا ما تدعوا إليه الحاجة من التطبيق والتمثيل من واقع الحياة للايضاح، كما فعل ابن حزم لسهل هذا العلم على طالبيه ولانتهى بمن اشتغل به الى صفوف المجتهدين من قريب. ولكنهم اختلفوا فاخذ كل جانبا. فمنهم من عنى بالقواعد واثباتا بالادلة عقلا ونقلا مع بسط القول ووضوح العبارة في سوق الادلة ونقاشها وضوحا لا يعوز القاريء الى شرح أو بيان.

[ 6 ]

غير انهم قصروا في جانب الامثلة والتطبيق فلا يوجد في كتبهم من ذلك الا النزر اليسير، ثم هو تقليدي يرثه الاخر عن الاول فلا تنويع ولا تجديد ولا تطبيق لماجد من القضايا في العهود المختلفة واكثروا مع ذلك من الجدل والخيال والفروض والوان الاحتمال، وذكر مسائل لا تدعو لها الحاجة، وقد عرفت هذه الطريقة بطريقة علماء الكلام، وممن نسج على منوالها في تأليفه أبو الحسين محمد بن علي البصري المعتزلي الشافعي في كتابه المعتمد، وابو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الاشعري الشافعي الشهير بامام الحرمين في كتابه البرهان، وابو حامد محمد بن محمد الغزالي الاشعري الشافعي في كتابه المستصفى، فهولاء و من سلك سبيلهم لم يراعوا في تأليفهم فروع مذهب معين انما همهم تفصيل القواعد الاصولية وايضاحها بالامثلة وذكر خلاف العلماء فيها والاستدلال عليها ومناقشة الادلة وترجيح ما يرونه، وقد جمع ما في هذه الكتب فخر الدين محمد بن عمر الرازي الاشعري الشافعي في كتابه‌المحصول، وابو الحسن علي بن ابي علي محمد بن سالم السيف الامدي الاشعري الشافعي في‌كتابه (الاحكام) مع بسط في القول ووضوح في العبارة. ومنهم من اكثر من المسائل الفقهية، وعني فيها بالانتصار لمذهب معين، وقرر الى جانبها قواعد اصولية على ضوء ما حكم به امامه في هذه المسائل، فكان صنيعه في تأليفه اشبه بصنيع مجتهد المذهب الذي يعني بمعرفة اصول امامه من الفروع التي نص على حكمها، لا صنيع المجتهد المطلق أو العالم الاصولي المنصف الذي يعني ببحث القواعد الاصولية على ضوء اصول الشريعة والاستدلال عليها بالكتاب والسنة، دون ميل الى نصرة مذهب معين في الفروع الفقهية. وتسمى هذه الطريقة طريقة الحنفية لشيوعها فيهم، ممن نهج سبيلها أبو زيد عبيد الله بن عمر الدبوسي، ومحمد بن احمد السرخسي وعلي بن محمد البزدوي. ولو سلك هؤلاء طريق الاستقراء فاكثروا المسائل الفقهية من ابواب شتى على ان يجمعها وحدة اصولية كما فعل ذلك الشاطبي احيانا في كتاب الموافقات، وقصدوا بذلك الشرح والايضاح، والارشاد الى ما بينها من معنى جامع يقتضي اشتراكها

[ 7 ]

في الحكم دون تقيد بمذهب معين ليخلصوا الى القاعدة الاصولية، واتبعوا ذلك ما يؤيد الاستقراء من ادلة العقل والنقل لكان طريقة طبيعيا تالفه الفطر السليمة وتعتمده عقول الباحئين المنصفين ولاكسبوا من قرأ في كتبهم استقلالا في الحكم وفتحوا امامهم باب البحث والتنقيب، ويسروا لهم تطبيق القواعد الاصولية على ماجد ويجد من القضايا في مختلف العصور. واكتفى من جاء بعد هؤلاء باختصار كتب من سبقهم وتلخيصها غالبا على احدى الطريقتين كالبيضاوي في المنهاج، وربما جمع بعضهم في مختصره بين الطريقتين كابن الهمام في تحريره، وقد بلغ كثير من المختصرات حد الالغاز فاضطر من يقرؤها ان يرجع الى الاصول التي منها اختصرت ليتمكن من فهمها أو شرحها. وخير لمن يزيد فهم علم الاصول على وجهه ويرسخ فيه ان يرجع في قراءته الى كتب الاوئل فانها اقعد، عبارتها ادق واوضح، وتحريرهم لمحل النزاع وحكاتيهم الخلاف اوفق، لانهم بذلك اعرف، ونقاشهم للادلة جار على اصول النقد، وقواعد الجدل، والمناظرة عند العلماء. هذا ولما عزم الاخ الكريم الشيخ (على بن حمد الصالحي) على طبع كتاب (الاحكام في اصول الاحكام) للامدي لكونه من مراجع الدراسة في (المعهد العالي للقضاء) وانفاد ما طبع منه قبل ذلك سألني طلاب المعهد ان اكتب عليه كلمات فاستجاب لطلبهم تحقيقا لرغبتهم، واداءا لبعض الواجب على، ولم احاول ان اقف من الكتاب موقف الشارح، فالكتاب واضح العبارة، عالي الاسلوب بسط مؤلفه القول فيه، وارخى لقلمه العنان في بيان معانيه، فهو غني بوضوحه عن الشراح، بل من اراد ذلك منه احتقر عبارة نفسه الى جانب عبارة الامدي. لذا اقتصرت على نقد دليل، أو التنبيه على خطأ في راي، أو تأويل لنص، أو بيان ضعف حديث، أو تصحيح لتحريف في الاصول التي طبع عليها قدر المطاقة مع الايجاز، ولم أستقص في ذلك لضيق وقتي، وضعف قوتي، وطول الكتاب، وحرص الطابع على اخراج الكتاب بسرعة، وقد اكتفي عن تفصيل القول أو بيان الخطأ في البحث باشارة الى مراجع معتمدة في نظرى. والله اسال ان يلهمني الرشد والصواب فانه سبحانه الهادي الى سواء السبيل.

[ 8 ]

وفيما يلي ترجمة للؤلف أحببت ان أقدمها بين يدى الكتاب وتعليقاتي عليه. (ترجمه السيف الامدي) من الميزان للذهبي، ولسان الميزان لابن حجر، والبداية لابن كثير، والوفيات لابن خلكان، والطبقات لابن السبكي، مع بعض تصرف. هو أبو الحسن علي بن ابي علي محمد بن سالم التغلبي الامدي. ولد بآمد " بلدة بديار بكر " عام 551 ه‍ وقدم بغداد وتعلم وتفقه على مذهب الامام احمد بن حنبل وحفظ كتاب الهداية لابي الخطاب، ثم صار شافعيا واشتغل بعلم الخلاف وتفنن في علم النظر ويقال انه حفظ الوسيط لابي حامد الغزالي ويذكر عن ابن عبد السلام انه قال ما علمت قواعد البحث الا من السيف الامدي وما سمعت احدا يلقى الدرس احسن منه، وكان إذا غير لفظة من الوسيط كان اللفظ الذي يأتي به اقرب الى المعني قال ولو ورد على الاسلام من يشك فيه من المتزندقة لتعين الامدي لمناظرته. وذكر ابن خلكان انه لما انتقل الى الشام اشتغل بالعلوم العقلية ثم انتقل الى مصر متصدر بالجامع الظافري وانتشرت فضائله فحسده اقوام فسعوا به وكتبوا خطوطهم باتهامه بمذهب الاوائل ولا تعطيل والانحلال وطلبوا من بعضهم ان يوافقهم فكتب. حسدوا الفتي اذلم ينالوا سعيه * فالقوم اعداء له وخصوم فانتقل الامدي الى حماة وصنف بها التصانيف، ثم انتقل الى دمشق ودرس بالعزيزية ثم عزله الاشرف لاشتغاله بالمنطق وعلوم الفلسفة. وذكر ان الذهبي في الميزان انه صح عن الامدي انه كان تاركا للصلاة ا ه‍. ويظهر ان الذهبي استند في ذلك الى ما نقله في كتابه تاريخ الاسلام عن شيخه القاضي تقي لادين سليمان بن حمزة ابي الفضل المقدسي حكاية عن الشيخ شمس الدين ابن ابي عمر قال كنا نترد على السيف الامدي فشككنا هل يصلي

[ 9 ]

فتركناه حتى نام، وعلمنا على رجله بالحبر فقيت العلامة نحو يومين مكانها اقول قد يبقي الحبر اياما على العضو مع تتابع الوضوء والغسل وخاصة عضو من لا يرى التدليك فرضنا في الطهارة بل يكتفي باسالة الماء في غسله ووضوئه ولا ادري كيف سكت من كان يتردد عليه الطلب العلم عن الانكار عليه أو النصح له أو الحديث معه في الصلاة ان كان ما ذكروا دليلا عندهم على تركه للصلاة وعلى كل حال فالاصل البراءة حتى يثبت الناقل. وقال ابن كثير في البداية: كان حنبلي المذهب كثير البكاء رقيق القلب وقد تكلموا فيه باشياء الله اعلم بصحتها والذي يغلب على الظن انه ليس لغالبها صحة وقد كانت ملوك بني ايوب كالمعظم والكامل يكرمونه وان كانوا لا يحبونه كثيرا وقد فوض إليه المعظم التدريس بالعزيزية فلما ولي الاشرف عزله لاشتغاله بالمنطق وعلوم الاوائل، فلزم بيته حتى توفي في صفر سنة 631 ه‍ عن ثمانين سنة انتهي، وقد برأه ابن كثير مما رمي به في الجملة فانصفه من خصومة وانصفت خصومه منه. اقول ان الامدي درس الفلسفة باقسامها المختلفة وتوغل فيها وتشعب بها روحه حتى ظهر اثز ذلك في تأليفه. ومن قرأ كتبه وخاصة ما الفه في علم الكلام واصول الفقه يتبين له ما ذكرت، كما يتبين له منها انه كان قوي العارضة كثير الجدل واسع الخيال كثير التشقيقات في تفصيل المسائل والترديد والسبر والتقسيم في الادلة الى درجة قد تنتهي بالقاريء احيانا الى الحيرة. فمن كره من الولاة والعلماء منطق اليونان والخوض في سائر علوم الفلسفة وخاصة ما يتعلق منها بالالهيات وكره مثرة الجدل والاسترسال في الخيال والاكثار من تأويل النصوص وذكر الاحتمالات خشية ما تفظي إليه من الحيرة والمتاهات مع قلة الجدوي منها تارة وعدم الفائدة احيانا كالاشراف والذهبي كره الامدي دينا. وانكر عليه ما رآه منكرا، وقد يجد في كتبه ومسلكه في تأليفها ما يؤيد رأيه فيه ويدعوا الى النيل منه.

[ 10 ]

ومن لم يكره ذلك ولكنه ضاق ذرعا بالامدي لعجزه عن ان يصل الى ما وصل إليه من التبحر في العلوم، وقوة عارضته وحضور بديهية في الجدل والمناظرة وحسن اسلوبه وبارع بيانه في التدريس وصناعة التأليف حسده حيث لم يؤت مثل ما اوتي في نظره كما في ذكره ابن خلكان عن بعض العلماء في سبب خروجه عن مصر مستفيا. ومن لم ير بأسا بدراسة المنطق وسائر علوم الفلسفة والف التأويل للنصوص وكثرة الفروض والاحتمالات دراسة ومناظرة وتأليفها رفع من شأن الامدي وعني بالذب عنه وانهال بالملامة على من حط من قدره أو اتهمه في دينه، أو طعن في تأليفه كابن السبكي حيث عاب الذهبي في انتفاصه الامدي. وقصاري القول ان العلماء لهم منازع شتى ومشارب متباينة فمن اتفقت نزعاتهم تحاجوا وتناصورا واثني بعضهم على بعض خيرا، ومن اختلف افكارهم ووجهات نظرهم تناحروا وتراموا بالنبال الا من رحم الله. واسعدهم بالحق من كانت نزعة الى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ووسعه ما وسع السلف مع رعاية ما ثبت من مقاصد الشريعة باستقراء نصوصها فكلما كان العالم ارعي لذلك والزم له كان اقوم طريقا واهدي سبيلا والمعصوم من عصمه الله وكل احد يؤخذ من قوله ويترك الا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. وما الامدي الاعالم من علماء البشر يخطىء ويصيب فلننتفع بالصواب من قوله ولنرد عليه خطأه ولنستغفر الله له وليكن شأننا معه كشأننا مع غيره من علماء المسلمين وليكن شعارنا مع الجميع. (ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان. ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رءوف رحيم.) عبد الرزاق عفيفي

[ 1 ]

الاحكام في اصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الامدي علق‌عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الاول المكتب الاسلامي

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله خالق الافلاك ومديرها ومزينها بالشهب الثاقبة ومنيرها وجاعل حركات السيارات دالة على اختلاف احوال الكائنات وتدبيرها ومظهر حكمه في ابداعه لانواع موجودات العالم وتصويرها المتفضل بسوابغ الانعام قليلها وكثيرها. العادل فيما قضاه وامضاه من الاحكام وتقديرها. الذي شرف نوع الانسان بالعقل الهادي الى ادلة التوحيد وتحريرخا. واهل خاصة العلماء لاستثمار احكام الشريعة من مداركها وتقريرها حتى استقرت قاعدة الدين وظهرت حكمته في جمعها وتحبيرها. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة منجية من صغير الموبقات وكبيرها واشهد ان محمدا عبده ورسوله الذي ازال واضح برهانه وازاح بصادق بيانه. ما ظهر من شبه الملحدة وتزويرها. صلى الله عليه وعلى آله وصحابته المؤازرين له في اظهار دعوته بحدها وتشميرها والسلام. وبعد: فانه لما كانت الاحكام الشرعية والقضايا الفقهية وسائل مقاصد المكلفين ومناط مصالح الدنيا والدين. واجل العلوم قدرا واعلاها شرفا وذكرا. لما يتعلق بها من مصالح العباد في المعاش والمعاد كات اولى بالالتفات إليها. واجدر بالاعتماد عليها. وحيث كان لا سبيل الى استثمارها. دون النظر في مسالكها ولا مطمع في اقتناضها. من غير التفات الى مداركها كان من اللازمات والقضايا الواجبات البحث في اغوارها. والكشف عن اسرارها والاحاطة بمعانيها. والمعرفة بمبانيها حتى تذلل طرق الاستثمار وينقاد جموح غامض الافكار ولذلك كثر تدآبي وطال اغترابي. في جمع فوائدها. وتحقيق فرائدها. من

[ 4 ]

مباحثات الفضلاء ومطارحات النبلاء حتى لان من معركها ما استصعب على المتداربين وظهر منها ما خفي على حذاق المتبحرين واحطت منها بلباب الالباب. واحتويت من معانيها على العجب العجاب فاحببت ان اجمع فيها كتابا حاويا لجميع مقاصد قواعد الاصول مشتملا على حل ما انعقد من غوامضها على ارباب العقول متجنبا للاسهاب وغث الاطناب مميطا للقشرة عن اللباب خدمة لمولانا السلطان الملك المعظم المكرم سلطان الاجواد والامجاد. اجل العالم وافضل من تمتد إليه اعناق الهمم والعزائم. ملك ارباب الفضائل. ناقد خلاص الافاضيل. باعث اموات الخواطر. ناشر رفات العلوم. الدواثر بما خصه الله به من الفضائل التي حاز بها قصب سبق الاولين. والمناقب التي يقف دون احصائها عد الحاصرين فبيده زمامها. واليه حلها وإبرامها. وبه كشف اغوارها. والميز بين ظلمها وانوارها ادام الله سعادته ادامة لا تغرب طوالعها. ولا تنضب مشارعها وان كنت فط ضرب المثال كحامل تمر الى هجرة أو طل الى مطره لكنه اقصى درجات القدر. وغاية منال افكار البشر وارجو ان يصادف منه القبول وان يقع منه الاغضاء عما فيه من الغفلة والذهول. (وسميته كتاب الاحكام في اصول الاحكام) وقد جعلته مشتملا على اربع قواعد. الاولى في تحقيق مفهوم اصول الفقه ومباديه.

[ 5 ]

الثانية في تحقيق الدليل السمعي واقسامه وما يتعلق به من لوازمه واحكامه الثالثة في احكام المجتهدين واحوال المفتين والنستفتين. الرابعة في ترجيحات طرق المطوبات. اللهم فيسر ختامه وسهل اتمامه وبصرنا بسلوك مسالك الحق اليقين وجنبنا برحمتك عن طريق الزائغين وسلمنا من غوائل البدع واقطع عنا علائق الطمع وآمنا يوم الخوف والجزع. انك ملاذ القاصدين. وكهف الراغبين. القاعدة الاولى في تحقيق مفهوم أصول الفقه، وتعريف موضوعه وغايته، وم‍ فيه من البحث عنه من مسائله، وما منه استمداده، وتصوير مباديه وما لا بد من سبق معرفته قبل الخوض فيه فنقول حق على كل من حاول تحصيل علم من العلوم، أن يتصور معناه أولا بالحد أو الرسم ليكون على بصيرة فيما يطلبه، وأن يعرف موضوعه - وهو الشئ الذي يبحث في ذلك العلم عن أحواله العارضة له - تمييزا له عن غيره، وما هو الغاية المقصودة من تحصيله، حتى لا يكون سعيه عبثا، وما عنه البحث فيه من الاحوال التي هي مسائله لتصور طلبها، وما منه استمداده، لصحة إسناده عند روم تحقيقه إليه، وأن يتصور مباديه التي لا بد من سبق معرفتها فيه، لامكان البناء عليها. أما مفهوم أصول الفقه، فنقول: اعلم أن قول القائل: أصول الفقه قول مؤلف من مضاف، هو الاصول، ومضاف إليه، هو الفقه، ولن نعرف المضاف قبل معرفة المضاف إليه، فلا جرم أنه يجب تعريف معنى الفقه أولا، ثم معنى الاصول ثانيا.

[ 6 ]

أما الفقه: ففي اللغة عبارة عن الفهم، ومنه قوله تعالى: * (ما نفقه كثيرا مما تقول) * (11) هود: 91): أي لا نفهم، وقوله تعالى: * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) * (17) الاسراء: 44): أي لا تفهمون، وتقول العرب: فقهت كلامك، أي فهمته. وقيل: هو العلم، والاشبه أن الفهم مغاير للعلم، إذ الفهم عبارة عن جودة الذهن، من جهة تهيئه لاقتناص كل ما يرد عليه من المطالب، وإن لم يكن المتصف به عالما، كالعامي الفطن. وأما العلم فسيأتي تحقيقه عن قريب. وعلى هذا فكل عالم فهم، وليس كل فهم عالما. وفي عرف المتشرعين، الفقه مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الاحكام الشرعية الفروعية، بالنظر والاستدلال. فالعلم احتراز عن الظن بالاحكام الشرعية، فإنه وإن تجوز بإطلاق اسم الفقه عليه، في العرف العامي، فليس فقها في العرف اللغوي والاصولي، بل الفقه العلم بها أو العلم بالعمل بها بناء على الادراك القطعي، وإن كانت ظنية في نفسها. وقولنا: بجملة من الاحكام الشرعية احتراز عن العلم بالحكم الواحد، أو الاثنين لا غير، فإنه لا يسمى في عرفهم فقها. وإنما لم نقل بالاحكام، لان ذلك يشعر بكون الفقه هو العلم بجملة الاحكام. ويلزم منه أن لا يكون العلم بما دون ذلك فقها، وليس كذلك. وقولنا: الشرعية احتراز عما ليس بشرعي، كالامور العقلية، والحسية. وقولنا: الفروعية احتراز عن العلم بكون أنواع الادلة حججا، فإنه ليس فقها في العرف الاصولي، وإن كان المعلوم حكما شرعيا نظريا، لكونه غير فروعي. وقولنا: بالنظر والاستدلال احتراز عن علم الله تعالى بذلك، وعلم جبريل والنبي عليه السلام فيما علمه بالوحي، فإن علمهم بذلك لا يكون فقها في

[ 7 ]

العرف الاصولي، إذ ليس طريق العلم في حقهم بذلك النظر والاستدلال. وأما أصول الفقه: فاعلم أن أصل كل شئ، هو ما يستند تحقيق ذلك الشئ إليه. فأصول الفقه: هي أدلة الفقه، وجهات دلالاتها على الاحكام الشرعية، وكيفية حال المستدل بها، من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل، بخلاف الادلة الخاصة، المستعملة في آحاد المسائل الخاصة. وأما موضوع أصول الفقه: فاعلم أن موضوع كل علم، هو الشئ الذي يبحث في ذلك العلم عن أحواله العارضة لذاته. ولما كانت مباحث الاصوليين في علم الاصول، لا تخرج عن أحوال الادلة الموصلة إلى الاحكام الشرعية المبحوث عنها فيه، وأقسامها، واختلاف مراتبها، وكيفية استثمار الاحكام الشرعية عنها، على وجه كلي، كانت هي موضوع علم الاصول. وأما غاية علم الاصول: فالوصول إلى معرفة الاحكام الشرعية، التي هي مناط السعادة الدنيوية والاخروية. وأما مسائله فهي: أحوال الادلة المبحوث عنها فيه مما عرفناه. وأما ما منه استمداده، فعلم الكلام، والعربية، والاحكام الشرعية: أما علم الكلام: فلتوقف العلم بكون أدلة الاحكام مفيدة لها شرعا، على

[ 8 ]

معرفة الله تعالى وصفاته، وصدق رسوله فيما جاء به، وغير ذلك مما لا يعرف في غير علم الكلام. وأما علم العربية: فلتوقف معرفة دلالات الادلة اللفظية، من الكتاب، والسنة، وأقوال أهل الحل والعقد من الامة، على معرفة موضوعاتها لغة، من جهة الحقيقة، والمجاز، والعموم، والخصوص، والاطلاق، والتقييد، والحذف، والاضمار، والمنطوق، والمفهوم، والاقتضاء، والاشارة، والتنبيه، والايماء، وغيره، مما لا يعرف في غير علم العربية. وأما الاحكام الشرعية: فمن جهة أن الناظر في هذا العلم، إنما ينظر في أدلة الاحكام الشرعية، فلا بد أن يكون عالما بحقائق الاحكام، ليتصور القصد إلى إثباتها ونفيها، وأن يتمكن بذلك من إيضاح المسائل، بضرب الامثلة، وكثرة الشواهد، ويتأهل بالبحث فيها للنظر والاستدلال. ولا نقول إن استمداده من وجود هذه الاحكام ونفيها في آحاد المسائل، فإنها من هذه الجهة لاثبت لها بغير أدلتها، فلو توقفت الادلة على معرفتها من هذه الجهة، كان دورا ممتنعا. وأما مبادئه: فاعلم أن مبادئ كل علم هي التصورات والتصديقات المسلمة في ذلك العلم، وهي غير مبرهنة فيه، لتوقف مسائل ذلك العلم عليها. وسواء كانت مسلمة في نفسها كمبادئ العلم الاعلى، أو غير مسلمة في نفسها، بل مقبولة على سبيل المصادرة، أو الوضع، على أن تبرهن في علم أعلى من ذلك العلم، وما هذه المبادئ في علم الاصول ؟ فنقول: قد عرف أن استمداد علم أصول الفقه، إنما هو من علم الكلام، والعربية، والاحكام الشرعية. فمبادئه غير خارجة عن هذه الاقسام الثلاثة، فلنرسم في كل مبدإ قسما:

[ 9 ]

القسم الاول في المبادئ الكلامية فنقول: اعلم أنه لما كانت أصول الفقه، هي أدلة الفقه، وكان الكلام فيها مما يحوج إلى معرفة الدليل، وانقسامه إلى ما يفيد العلم أو الظن، وكان ذلك مما لا يتم دون النظر، دعت الحاجة إلى تعريف معنى الدليل، والنظر، والعلم، والظن، من جهة التحديد والتصوير لا غير. أما الدليل فقد يطلق في اللغة بمعنى الدال، وهو الناصب للدليل. وقيل هو الذاكر للدليل، وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد. وهذا هو المسمى دليلا في عرف الفقهاء، وسواء كان موصلا إلى علم أو ظن. والاصوليون يفرقون بين ما أوصل إلى العلم، وما أوصل إلى الظن، فيخصون اسم الدليل بما أوصل إلى العلم، واسم الامارة بما أوصل إلى الظن. وعلى هذا، فحده على أصول الفقهاء: أنه الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. فالقيد الاول: احتراز عما لم يتوصل به إلى المطلوب، لعدم النظر فيه، فإنه لا يخرج بذلك عن كونه دليلا، لما كان التوصل به ممكنا. والقيد الثاني: احتراز عما إذا كان الناظر في الدليل بنظر فاسد. والثالث: احتراز عن الحد الموصل إلى العلم التصوري. وهو عام للقاطع والظني. وأما حده على العرف الاصولي: فهو ما يمكن التوصل به إلى العلم بمطلوب خبري، وهو منقسم إلى عقلي محض، وسمعي محض، ومركب من الامرين.

[ 10 ]

فالاول: كقولنا في الدلالة على حدوث العالم: العالم مؤلف، وكل مؤلف حادث، فيلزم عنه العالم حادث. والثاني: كالنصوص من الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس، كما يأتي تحقيقه. والثالث: كقولنا في الدلالة على تحريم النبيذ: النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام - لقوله، عليه السلام: كل مسكر حرام - فيلزم عنه النبيذ حرام. وأما النظر، فإنه قد يطلق في اللغة بمعنى الانتظار، وبمعنى الرؤية بالعين، والرأفة، والرحمة، والمقابلة، والتفكر، والاعتبار. وهذا الاعتبار الاخير هو المسمى بالنظر في عرف المتكلمين. وقد قال القاضي أبو بكر في حده: هو الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو ظنا. وقد احترز بقوله: يطلب به عن الحياة وسائر الصفات المشروطة بالحياة، فإنها لا يطلب بها ذلك، وإن كان من قامت به يطلبه. وقصد بقوله: علما أو ظنا التعميم للعلم والظن، ليكون الحد جامعا، وهو حسن، غير أنه يمكن أن يعبر عنه بعبارة أخرى، لا يتجه عليها من الاشكالات ما قد يتجه على عبارة القاضي، على ما بيناه في أبكار الافكار وهو أن يقال: النظر عبارة عن التصرف بالعقل في الامور السابقة بالعلم والظن، للمناسبة للمطلوب بتأليف خاص، قصدا لتحصيل ما ليس حاصلا في العقل وهو عام للنظر المتضمن للتصور والتصديق، والقاطع والظني، وهو منقسم إلى ما وقف الناظر فيه على وجه دلالة الدليل على المطلوب،

[ 11 ]

فيكون صحيحا، وإلى ما ليس كذلك، فيكون فاسدا. وشرط وجوده مطلقا العقل وانتفاء أضداده من النوم، والغفلة، والموت، وحصول العلم بالمطلوب، وغير ذلك. وأما العلم: فقد اختلف المتكلمون في تحديده: فمنهم من زعم أنه لا سبيل إلى تحديده، لكن اختلف هؤلاء: فمنهم من قال: بيان طريق تعريفه إنما هو بالقسمة والمثال، كإمام الحرمين، والغزالي، وهو غير سديد. فإن القسمة، إن لم تكن مفيدة لتمييزه عما سواه، فليست معرفة له، وإن كانت مميزة له عما سواه. فلا معنى للتحديد بالرسم سوى هذا. ومنهم من زعم أن العلم بالعلم ضروري، غير نظري، لان كل ما سوى العلم لا يعلم إلا بالعلم، فلو علم بالغير، كان دورا ولان كل أحد يعلم وجود نفسه ضرورة، والعلم أحد تصورات هذا التصديق، فكان ضروريا. وهو أيضا غير سديد. أما الوجه الاول: فلان جهة توقف غير العلم على العلم، من جهة كون العلم إدراكا له، وتوقف العلم على الغير، لا من جهة كون ذلك الغير إدراكا للعلم، بل من جهة كونه صفة مميزة له عما سواه. ومع اختلاف جهة التوقف، فلا دور. وأما الوجه الثاني: فهو مبني على أن تصورات القضية الضرورية لا بد وأن تكون ضرورية، وليس كذلك، لان القضية الضرورية هي التي يصدق العقل بها بعد تصور مفرداتها من غير توقف بعد تصور المفردات على نظر واستدلال، وسواء كانت التصورات ضرورية، أو نظرية. ومنهم من سلك في تعريفة التحديد. وقد ذكر في ذلك حدود كثيرة، أبطلناها في أبكار الافكار والمختار في ذلك أن يقال: العلم عبارة عن صفة يحصل بها لنفس المتصف بها التميز بين حقائق المعاني الكلية حصولا لا يتطرق إليه احتمال نقيضه. فقولنا: صفة كالجنس له ولغيره من الصفات. وقولنا: يحصل بها التميز احتراز عن الحياة، وسائر الصفات المشروطة بالحياة. وقولنا: بين حقائق

[ 12 ]

الكليات احتراز عن الادراكات الجزئية، فإنها إنما تميز بين المحسوسات الجزئية، دون الامور الكلية. وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن في أن الادراكات نوع من العلم، لم نحتج إلى التقييد بالكليات. وهو منقسم إلى قديم لا أول لوجوده، وإلى حادث بعد العدم. والحادث ينقسم إلى ضروري، وهو العلم الحادث الذي لا قدرة للمكلف على تحصيله بنظر واستدلال. فقولنا: العلم الحادث احتراز عن علم الله تعالى. وقولنا: لا قدرة للمكلف على تحصيله بنظر واستدلال احتراز عن العلم النظري، والنظري هو العلم الذي تضمنه الصحيح. وأما الظن: فعبارة عن ترجح أحد الاحتمالين في النفس على الآخر من غير قطع.

[ 13 ]

القسم الثاني في المبادئ اللغوية كنا بينا فيما تقدم وجه استمداد الاصول من اللغة، فلا بد من تعريف المبادئ المأخوذة منها. ولنقدم على ذلك مقدمة فنقول: اعلم أنه لما كان نوع الانسان أشرف موجود في عالم السفليات، لكونه مخلوقا لمعرفة الله تعالى التي هي أجل المطلوبات، وأسنى المرغوبات، بما خصه الله به من العقل الذي به إدراك المعقولات، والمميز بين حقائق الموجودات، على ما قال، عليه السلام حكاية عن ربه: كنت كنزا لم أعرف، فخلقت خلقا لا عرف به. ولما كان هذا المقصود لا يتم دون الاطلاع على المقدمات النظرية، المستندة إلى القضايا الضرورية، المتوسل بها إلى مطلوباته وتحقيق ما جاء به، وكان كل واحد لا يستقل بتحصيل معارفه بنفسه وحده دون معين ومساعد له من نوعه، دعت الحاجة إلى نصب دلائل يتوصل بها كل واحد إلى معرفة ما في ضمير الآخر من المعلومات المعينة له في تحقيق غرضه. وأخف ما يكون من ذلك ما كان من الافعال الاختيارية، وأخف من ذلك ما كان منها لا يفتقر إلى الآلات والادوات، ولا فيه ضرر الازدحام، ولا بقاء له مع الاستغناء عنه، وهو مقدور عليه في كل الاوقات من غير مشقة ولا نصب. وذلك هو ما يتركب من المقاطع الصوتية التي خص بها نوع الانسان دون سائر أنواع الحيوان، عناية من الله تعالى به. ومن اختلاف تركيبات المقاطع الصوتية حدثت الدلائل الكلامية، والعبارات اللغوية.

[ 14 ]

وهي إما أن لا تكون موضوعة لمعنى، أو هي موضوعة. والقسم الاول: مهمل لا اعتبار به، والثاني: يستدعي النظر في أنواعه، وابتداء وضعه، وطريق معرفته. فهذان أصلان لا بد من النظر فيهما. الاصل الاول في أنواعه - وهي نوعان وذلك لانه إما أن يكون اللفظ الدال بالوضع مفردا، أو مركبا الاول: في المفرد - وفيه ستة فصول. الفصل الاول في حقيقته أما حقيقته فهو ما دل بالوضع على معنى، ولا جزء له يدل على شئ أصلا، كلفظ الانسان، فإن (إن) من قولنا إنسان، وإن دلت على الشرطية فليست إذ ذاك جزءا من لفظ الانسان، وحيث كانت جزءا من لفظ الانسان، لم تكن شرطية، لان دلالات الالفاظ ليست لذواتها، بل هي تابعة لقصد المتكلم وإرادته. ونعلم أن المتكلم حيث جعل: إن شرطية، لم يقصد جعلها غير شرطية. وعلى هذا، فعبد الله، إن جعل علما على شخص، كان مفردا، وإن قصد به النسبة إلى الله تعالى بالعبودية، كان مركبا، لدلالة أجزائه على أجزاء معناه.

[ 15 ]

الفصل الثاني في أقسام دلالته وهو إما أن تكون دلالته لفظية، أو غير لفظية. واللفظية: إما أن تعتبر بالنسبة إلى كمال المعنى الموضوع له اللفظ، أو إلى بعضه: فالاول: دلالة المطابقة، كدلالة لفظ الانسان على معناه. والثاني: دلالة التضمن، كدلالة لفظ الانسان على ما في معناه من الحيوان، أو الناطق. والمطابقة أعم من التضمن، لجواز أن يكون المدلول بسيطا لا جزء له. وأما غير اللفظية، فهي دلالة الالتزام، وهي أن يكون اللفظ له معنى، وذلك المعنى له لازم من خارج، فعند فهم مدلول اللفظ من اللفظ، ينتقل الذهن من مدلول اللفظ إلى لازمه، ولو قدر عدم هذا الانتقال الذهني، لما كان ذلك اللازم مفهوما. ودلالة الالتزام، وإن شاركت دلالة التضمن في افتقارهما إلى نظر عقلي، يعرف اللازم في الالتزام، والجزء في دلالة التضمن، غير أنه في التضمن لتعريف كون الجزء داخلا في مدلول اللفظ، وفي الالتزام لتعريف كونه خارجا عن مدلول اللفظ. فلذلك كانت دلالة التضمن لفظية، بخلاف دلالة الالتزام. ودلالة الالتزام مساوية لدلالة المطابقة ضرورة امتناع خلو مدلول اللفظ المطابق عن لازم، وأعم من دلالة التضمن، لجواز أن يكون اللازم لما لا جزء له.

[ 16 ]

الفصل الثالث في أقسام المفرد وهو إما أن يصح جعله أحد جزأي القضية الخبرية، التي هي ذات جزأين فقط، أو لا يصح. فإن كان الاول، فإما أن يصح تركب القضية الخبرية من جنسه، أو لا يصح، فإن كان الاول، فهو الاسم، وإن كان الثاني، فهو الفعل. وأما قسيم القسم الاول، فهو الحرف. ولا يلزم على ما ذكرناه، الاسماء النواقص، كالذي والتي، والمضمرات، كهو وهي، حيث إنه لا يمكن جعلها أحد جزأي القضية الخبرية عند تجردها، ولا تركب القضية الخبرية منها لانها وإن تعذر ذلك فيها عند تجردها فالنواقص عند تعينها بالصلة لا يمتنع ذلك منها، وكذلك المضمرات عند إضافتها إلى المظهرات بخلاف الحروف. الفصل الرابع في الاسم وهو ما دل على معنى في نفسه، ولا يلزم منه الزمان الخارج عن معناه لبنيته. ثم لا يخلو إما أن يكون واحدا، أو متعددا: فإن كان واحدا، فمسماه إما أن يكون واحدا، أو متعددا، فإن كان واحدا، فمفهومه منقسم على وجوه. القسمة الاولى: أنه إما أن يكون بحيث يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، أو لا يصح. فإن كان الاول، فهو كلي، وسواء وقعت فيه الشركة بالفعل ما بين أشخاص متناهية كاسم الكوكب، أو غير متناهية كاسم الانسان، أو لم تقع، إما لمانع من خارج كاسم العالم والشمس والقمر، أو بحكم الاتفاق كاسم عناق مغرب، أو جبل من ذهب.

[ 17 ]

وهو إما أن يكون صفة، أو لا يكون صفة. والصفة كالعالم والقادر. وما ليس بصفة، إما أن يكون عينا، كالانسان والفرس. وإما معنى كالعلم والجهل. وما كان من هذه الاسماء لا اختلاف في مدلوله بشدة ولا ضعف، ولا تقدم وتأخر. فهو المتواطئ، كلفظ الانسان والفرس، وإلا فمشكك، كلفظ الوجود والابيض وعلى كل تقدير، إما أن يكون ذاتيا للمشتركات فيه، أو عرضيا. فإن كان ذاتيا، فالمشتركات فيه إما أن تكون مختلفة بالذوات، أو بالعرض: فإن كان الاول، فإما أن يقال عليها في جواب ما هي، فهو الجنس، أو لا يقال كذلك، فهو ذاتي مشترك إما جنس جنس، أو فصل جنس. وإن كانت مختلفة بالعرض، فإما أن يقال عليها في جواب ما أو لا. والاول هو النوع، والثاني هو فصل النوع. وإن كان عرضيا، فإن كانت المشتركات مختلفة بالذوات، فهو العرض العام، وإلا فهو الخاصة. وأما إن كان مفهومه غير صالح لاشتراك كثيرين فيه، فهو الجزئي، وهو إما أن لا يكون فيه تأليف، أو فيه. والاول إما أن لا يكون مرتجلا، أو هو مرتجل: فإن لم يكن مرتجلا، فإما أن لا يكون منقولا كزيد وعمرو، أو هو منقول. والمنقول إما عن اسم أو فعل أو صوت. فإن كان الاول، فإما عن اسم عين كأسد وعقاب، أو اسم معنى كفضل، أو اسم صفة كحاتم، وإن كان الثاني، فإما عن ماض كشمر، أو مضارع كتغلب، أو فعل أمر كاصمت، وإن كان الثالث كببه.

[ 18 ]

وإن كان مرتجلا، وهو أن لا يكون بينه وبين ما نقل عنه مناسبة كحمدان. وإن كان مؤلفا، فإما من اسمين مضافين كعبد الله، أو غير مضافين، وأحدهما عامل في الآخر، أو غير عامل. والاول كتسمية بعض الناس زيد منطلق، والثاني كبعلبك وحضرموت وإما من فعلين كقام قعد، وإما من حرفين كتسميته إنما، وإما من اسم وفعل نحو تأبط شرا، وإما من حرف واسم كتسميته بزيد وإما من فعل وحرف كتسميته قام على. وأما إن كان الاسم واحدا، والمسمى مختلفا، فإما أن يكون موضوعا على الكل حقيقة بالوضع الاول، أو هو مستعار في بعضها. فإن كان الاول فهو المشترك، وسواء كانت المسميات متباينة كالجون: للسواد، والبياض، أو غير متباينة، كما إذا أطلقنا اسم الاسود على شخص من الاشخاص بطريق العلمية، وأطلقناه عليه بطريق الاشتقاق من السواد القائم به، فإن مدلوله عند كونه علما، إنما هو ذات الشخص، ومدلوله عند كونه مشتقا الذات مع الصفة، وهي السواد. فالذات التي هي مدلول العلم جزء من مدلول اللفظ المشتق، ومدلول اللفظ المشتق وصف لمدلول العلم وإن كان الثاني، فهو المجازي. وأما إن كان الاسم متعددا، فإما أن يكون المسمى متحدا أو متعددا، فإن كان متحدا، فتلك هي الاسماء المترادفة، كالبهتر والبحتر للقصير، وإن كان المسمى متعددا، فتلك هي الاسماء المتباينة كالانسان والفرس. مسائل هذه القسمة ثلاث:

[ 19 ]

المسألة الاولى اختلف الناس في اللفظ المشترك، هل له وجود في اللغة. فأثبته قوم، ونفاه آخرون. والمختار جوازه ووقوعه. أما الجواز العقلي فهو أنه لا يمتنع عقلا أن يضع واحد من أهل اللغة لفظا واحدا على معنيين مختلفين بالوضع الاول على طريق البدل، ويوافقه عليه الباقون، أو أن يتفق وضع إحدى القبيلتين للاسم على معنى حقيقة، ووضع الاخرى له بإزاء معنى آخر، من غير شعور لكل واحدة بما وضعته الاخرى. ثم يشتهر الوضعان، ويخفى سببه وهو الاشبه. ولو قدر ذلك لما لزم من فرض وقوعه محال عقلا. كيف وأن وضع اللفظ تابع لغرض الواضع والواضع كما أنه قد يقصد تعريف الشئ لغيره مفصلا، فقد يقصد تعريفه مجملا غير مفصل، إما لانه علمه كذلك ولم يعلمه مفصلا، أو لمحذور يتعلق بالتفصيل دون الاجمال، فلا يبعد لهذه الفائدة منهم وضع لفظ يدل عليه من غير تفصيل. وأما بيان الوقوع، فقد قال قوم إنه لو لم تكن الالفاظ المشتركة واقعة في اللغة مع أن المسميات غير متناهية والاسماء متناهية ضرورة تركبها من الحروف المتناهية، خلت أكثر المسميات عن الالفاظ الدالة عليها مع دعو الحاجة إليها، وهو ممتنع وغير سديد من حيث إن الاسماء، وإن كانت مركبة من الحروف المتناهية، فلا يلزم أن تكون متناهية، إلا أن يكون ما يحصل من تضاعيف التركيبات متناهية، وهو غير مسلم. وإن كانت الاسماء متناهية، فلا نسلم أن المسميات المتضادة، والمختلفة - وهي التي يكون اللفظ مشتركا بالنسبة إليها - غير متناهية.

[ 20 ]

وإن كانت غير متناهية، غير أن وضع الاسماء على مسمياتها مشروط بكون كل واحد من المسميات مقصودا بالوضع، وما لا نهاية له مما يستحيل فيه ذلك، ولئن سلمنا أنه غير ممتنع ولكن لا يلزم من ذلك الوضع. ولهذا فإن كثيرا من المعاني لم تضع العرب بإزائها ألفاظا تدل عليها، لا بطريق الاشتراك ولا التفصيل، كأنواع الروائح، وكثير من الصفات. قال أبو الحسين البصري: أطلق أهل اللغة اسم القرء على الطهر والحيض، وهما ضدان. فدل على وقوع الاسم المشترك في اللغة. ولقائل أن يقول: القول بكونه مشتركا غير منقول عن أهل الوضع، بل غاية المنقول اتحاد الاسم وتعدد المسمى. ولعله أطلق عليهما باعتبار معنى واحد مشترك بينهما، لا باعتبار اختلاف حقيقتهما، أو أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر، وإن خفي موضع الحقيقة والمجاز. وهذا هو الاولى. أما بالنظر إلى الاحتمال الاول، فلما فيه من نفي التجوز والاشتراك، وأما بالنظر إلى الاحتمال الثاني فلان التجوز أولى من الاشتراك، كما يأتي في موضعه. والاقرب في ذلك أن يقال: اتفق إجماع الكل على إطلاق اسم الموجود على القديم والحادث حقيقة. ولو كان مجازا في أحدهما، لصح نفيه إذ هو أمارة المجاز، وهو ممتنع. وعند ذلك فإما أن يكون اسم الموجود دالا على ذات الرب تعالى، أو على صفة زائدة على ذاته: فإن كان الاول، فلا يخفى أن ذات الرب تعالى مخالفة بذاتها لما سواها من الموجودات الحادثة، وإلا، لوجب الاشتراك بينها وبين ما شاركها في معناها في الوجوب، ضرورة التساوي في مفهوم

[ 21 ]

الذات، وهو محال. وإن كان مدلول اسم الوجود صفة زائدة على ذات الرب تعالى، فإما أن يكون المفهوم منه هو المفهوم من اسم الوجود في الحوادث، وإما خلافه. والاول يلزم منه أن يكون مسمى الوجود في الممكن واجبا لذاته ضرورة أن وجود الباري تعالى واجب لذاته، أو أن يكون وجود الرب ممكنا ضرورة إمكان وجود ما سوى الله تعالى، وهو محال. وإن كان الثاني لزم منه الاشتراك، وهو المطلوب. فإن قيل المقصود من وضع الالفاظ إنما هو التفاهم، وذلك غير متحقق مع الاشتراك من حيث إن فهم المدلول منه، ضرورة تساوي النسبة، غير معلوم من اللفظ، والقرائن فقد تظهر، وقد تخفى. وبتقدير خفائها يختل المقصود من الوضع وهو الفهم. قلنا: وإن اختل فهم التفصيل على ما ذكروه، فلا يختل معه الفهم في جهة الجملة كما سبق تقريره. وليس فهم التفصيل لغة من الضروريات، بدليل وضع أسماء الاجناس. فإنها لا تفيد تفاصيل ما تحتها. وإن سلمنا أن الفائدة المطلوبة إنما هي

[ 22 ]

فهم التفصيل، فإنما يمنع ذلك من وضع الالفاظ المشتركة، أن لو لم تكن مفيدة لجميع مدلولاتها بطريق العموم، وليس كذلك، على ما ذهب إليه القاضي والشافعي، رضي الله عنه، كما سيأتي تحقيقه. وإذا عرف وقوع الاشتراك لغة، فهو أيضا واقع في كلام الله تعالى. والدليل عليه قوله تعالى: * (والليل إذا عسعس) * (81) التكوير: 17)، فإنه مشترك بين إقبال الليل وإدباره، وهما ضدان، هكذا ذكره صاحب الصحاح. وما يقوله المانع لذلك: من أن المشترك إن كان المقصود منه الافهام، فإن وجد معه البيان، فهو تطويل من غير فائدة، وإن لم يوجد فقد فات المقصود، وإن لم يكن المقصود منه الافهام فهو عبث وهو قبيح، فوجب صيانة كلام الله عنه فهو مبني على الحسن والقبح الذاتي العقلي، وسيأتي إبطاله. كيف وقد بينا أن مذهب الشافعي، والقاضي أبي بكر، أن المشترك نوع من أنواع العموم، والعام غير ممتنع في كلام الله تعالى، وبتقدير عدم عمومه، فلا يمتنع أن يكون في الخطاب به فائدة لنيل الثواب بالاستعداد لامتثاله، بتقدير بيانه بظهور دليل يدل على تعيين البعض، وإبطال جميع الاقسام سوى الواحد منها. المسألة الثانية قد ظن في أشياء أنها مشتركة، وهي متواطئة، وفي أشياء أنها متواطئة، وهي مشتركة. أما الاول: فكقولنا: مبدأ للنقطة. والآن، فإنه لما اختلف الموضوع المنسوب إليه، وهو الزمان والخط، ظن الاشتراك في اسم المبدإ، وليس كذلك، فإن إطلاق اسم المبدإ عليهما إنما كان بالنظر إلى أن كل واحد منهما أول لشئ، لا من حيث هو أول للزمان أو الخط. وهو من هذا الوجه متواطئ، وليس بمشترك.

[ 23 ]

وأما الثاني، فكقولنا: خمري للون الشبيه بلون الخمر، وللعنب باعتبار أنه يؤول إلى الخمر، وللدواء إذا كان يسكر كالخمر، أو أن الخمر جزء منه، فإنه لما اتحد المنسوب إليه، وهو الخمر، ظن أنه متواطئ، وليس كذلك، فإن اسم الخمري، وإن اتحد المنسوب إليه، إنما كان بسبب النسب المختلفة إليه، ومع الاختلاف فلا تواطؤ. نعم لو أطلق اسم الخمري في هذه الصور باعتبار ما وقع به الاشتراك من عموم النسبة، وقطع النظر عن خصوصياتها، كان متواطئا. المسألة الثالثة ذهب شذوذ من الناس إلى امتناع وقوع الترادف في اللغة، مصيرا منهم إلى أن الاصل عند تعدد الاسماء تعدد المسميات، واختصاص كل اسم بمسمى غير مسمى الآخر. وبيانه من أربعة أوجه: الاول: إنه يلزم من اتحاد المسمى تعطيل فائدة أحد اللفظين لحصولها باللفظ الآخر. الثاني: إنه لو قيل باتحاد المسمى، فهو نادر بالنسبة إلى المسمى المتعدد بتعدد الاسماء، وغلبة استعمال الاسماء بازاء المسميا ت المتعددة تدل على أنه أقرب إلى تحصيل مقصود أهل الوضع من وضعهم، فاستعمال الالفاظ المتعددة فيما هو على خلاف الغالب خلاف الاصل. الثالث: إن المؤونة في حفظ الاسم الواحد أخف من حفظ الاسمين، والاصل إنما هو التزام أعظم المشتقين لتحصيل أعظم الفائدتين. الرابع: إنه إذا اتحد الاسم، دعت حاجة الكل إلى معرفته مع خفة المؤونة في حفظه، فعمت فائدة التخاطب به، ولا كذلك إذا تعددت الاسماء فإن كل واحد على أمرين: بين أن يحفظ مجموع الاسماء، أو البعض منها. والاول شاق جدا، وقلما يتفق ذلك، والثاني فيلزم منه الاخلال بفائدة التخاطب لجواز اختصاص كل واحد بمعرفة اسم لا يعرفه الآخر.

[ 24 ]

وجوابه: أن يقال لا سبيل إلى إنكار الجواز العقلي، فإنه لا يمتنع عقلا أن يضع واحد لفظين على مسمى واحد، ثم يتفق الكل عليه. أو أن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين على مسمى، وتضع الاخرى له اسما آخر، من غير شعور كل قبيلة بوضع الاخرى ثم يشيع الوضعان بعد بذلك كيف وإن ذلك جائز بل واقع بالنظر إلى لغتين ضرورة، فكان جائزا بالنظر إلى قبيلتين. قولهم في الوجه الاول: لا فائدة في أحد الاسمين ليس كذلك، فإنه يلزم منه التوسعة في اللغة، وتكثير الطرق المفيدة للمطلوب، فيكون أقرب إلى الوصول إليه، حيث إنه لا يلزم من تعذر حصول أحد الطريقين تعذر الآخر، بخلاف ما إذا اتحد الطريق. وقد يتعلق به فوائد أخر في النظم والنثر بمساعدة أحد اللفظين في الحرف الروي، ووزن البيت، والجناس، والمطابقة، والخفة في النطق به، إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة لارباب الادب وأهل الفصاحة. وما ذكروه في الوجه الثاني، فغير مانع من وقوع الترادف، بدليل الاسماء المشتركة والمجازية. وما ذكروه في الوجه الثالث، فإنما يلزم المحذور منه، وهو زيادة مؤونة الحفظ، أن لو وظف على كل واحد حفظ جميع المترادفات، وليس كذلك، بل هو مخير في حفظ الكل أو البعض، مع ما فيه من الفائدة التي ذكرناها. وعن الوجه الرابع، أنه ملغى بالترادف في لغتين، كيف وإنه يلزم من الاخلال بالترادف الاخلال بما ذكرناه من المقاصد أولا، وهو محذور. ثم الدليل على وقوع الترادف في اللغة، ما نقل عن العرب من قولهم: الصهلب والشوذب من أسماء الطويل، والبهتر والبحتر من أسماء القصير، إلى غير ذلك. ولا دليل على امتناع ذلك حتى يتبع ما يقوله من يتعسف في هذا الباب في بيان اختلاف المدلولات. لكنه ربما خفي بعض الالفاظ المترادفة، وظهر البعض، فيجعل الاشهر بيانا للاخفى، وهو الحد اللفظي.

[ 25 ]

وقد ظن بأسماء أنها مترادفة، وهي متباينة. وذلك عندما إذا كانت الاسماء لموضوع واحد باعتبار صفاته المختلفة، كالسيف، والصارم، والهندي، أو باعتبار صفته، وصفة صفته، كالناطق، والفصيح، وليس كذلك. ويفارق المرادف المؤكد من جهة أن اللفظ المرادف لا يزيد مرادفه إيضاحا، ولا يشترط تقدم أحدهما على الآخر، ولا يرادف الشئ بنفسه بخلاف المؤكد. والتابع في اللفظ، فمخالف لهما فإنه لا بد وأن يكون على وزن المتبوع، وأنه قد لا يفيد معنى أصلا، كقولهم: حس بسن، وشيطان ليطان، ولهذا قال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم: بسن فقال: ما أدري ما هو. القسمة الثانية: الاسم ينقسم إلى ظاهر، ومضمر، وما بينهما. وذلك لانه إما أن يقصد به البيان مع الاختصار، أو لا مع الاختصار فالاول هو الظاهر، والثاني إما أن لا يقصد معه التنبيه أو يقصد: فالاول هو المضمر، والثاني ما بينهما. فأما الاسم الظاهر: إما أن لا يكون آخره ألفا، ولا ياء قبلها كسرة، أو يكون. فالاول هو الاسم الصحيح، فإن دخله حركة الجر مع التنوين، فهو المنصرف، كزيد وعمرو، وإن لم يكن كذلك، فهو غير منصرف، كأحمد وإبراهيم. والثاني هو المعتل، فإن كان في آخره ياء قبلها كسرة، فهو المنقوص، كالقاضي والداعي، وإن كان في آخره ألف، فهو المقصور، كالدنيا والاخرى، وإن كان في آخره همزة قبلها ألف، فهو الممدود، كالرداء والكساء. وأما المضمر، فهو إما منفصل، وإما متصل: والمنفصل نحو: أنا، ونحن، وهو، وهي ونحوه. والمتصل نحو: فعلت وفعلنا - وما بينهما فهو اسم الاشارة. وهو إما أن يكون مفردا، ليس معه تنبيه ولا خطاب، أو يكون.

[ 26 ]

فالاول، نحو: ذا، وذان، وذين، وأولاء. وأما إن كان غير مفرد، فإن وجد معه التنبيه لا غير، فنحو: هذا، وهذان. وإن وجد معه الخطاب، فنحو: ذاك وذانك، وإن اجتمعا معه، فنحو: هذاك، وهاتيك. ثم ما كان من الاسماء الظاهرة، فلا يكون من أقل من ثلاثة أحرف أصول، نفيا للاجحاف عنه مع قوته بالنسبة إلى الفعل والحرف، إلا فيما شذ من قولهم: يد، ودم، وأب، وأخ ونحوه، مما حذف منه الحرف الثالث. وما كان من الاسماء المضمرة متصلا، كان من حرف واحد كالتاء من فعلت. وإن كان منفصلا، فلا يكون من أقل من حرفين، يبتدأ بأحدهما، ويوقف على الآخر: نحو هو، وهي. وكذلك ما كان من أسماء الاشارة، فلا يكون من أقل من حرفين أيضا، نحو ذا، وذي ونحوه. وبالجملة فإما أن يدل على شئ بعينه، أو لا بعينه. فالاول هو: المعرفة، كأسماء الاعلام، والمضمرات، والمبهمات، كأسماء الاشارة، والموصولات، وما دخل عليه لام التعريف، وما أضيف إلى أحد هذه المعارف. والثاني هو: النكرة، كإنسان وفرس. وما ألحق بآخره من الاسماء ياء مشددة، مكسور ما قبلها، فهو المنسوب، كالهاشمي والمكي ونحوه. القسمة الثالثة: الاسم ينقسم إلى ما هو حقيقة، ومجاز. أما الحقيقة فهي في اللغة مأخوذة من الحق، والحق هو الثابت اللازم، وهو نقيض الباطل، ومنه يقال حق الشئ حقه، ويقال حقيقة الشئ أي ذاته الثابتة اللازمة، ومنه قوله تعالى: * (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) * (39) الزمر: 71) أي وجبت. وكذلك قوله تعالى: * (حقيق على أن لا أقول) * (7) الاعراف: 105) أي واجب علي.

[ 27 ]

وأما في اصطلاح الاصوليين، فاعلم أن الاسماء الحقيقية قد يطلقها الاصوليون على لغوية وشرعية. واللغوية: تنقسم إلى وضعية وعرفية. والكلام إنما هو في الحقيقة الوضعية، فلنعرفها، ثم نعود إلى باقي الاقسام. وقد ذكر فيها حدود واهية يستغنى عن تضييع الزمان بذكرها، والحق في ذلك أن يقال: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في اللغة، كالاسد المستعمل في الحيوان الشجاع العريض الاعالي، والانسان في الحيوان الناطق. وأما الحقيقة العرفية اللغوية، فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له بعرف الاستعمال اللغوي، وهي قسمان: الاول: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام، ثم يخصص بعرف استعمال أهل اللغة ببعض مسمياته، كاختصاص لفظ الدابة بذوات الاربع عرفا، وإن كان في أصل اللغة لكل ما دب. وذلك إما لسرعة دبيبه أو كثرة مشاهدته، أو كثرة استعماله، أو غير ذلك. الثاني: أن يكون الاسم في أصل اللغة بمعنى، ثم يشتهر في عرف استعمالهم بالمجاز الخارج عن الموضوع اللغوي، بحيث إنه لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه غيره، كاسم الغائط، فإنه، وإن كان في أصل اللغة للموضع المطمئن من الارض، غير أنه قد اشتهر في عرفهم بالخارج المستقذر من الانسان، حتى إنه لا يفهم من ذلك اللفظ، عند إطلاقه غيره. ويمكن أن يكون شهرة استعمال لفظ الغائط من الخارج المستقذر من الانسان، لكثرة مباشرته وغلبة التخاطب به مع الاستنكاف من ذكر الاسم الخاص به، لنفرة الطباع عنه، فكنوا عنه بلازمه، أو لمعنى آخر. وأما الحقيقة الشرعية، فهي استعمال الاسم الشرعي فيما كان موضوعا له أولا في الشرع. وسواء كان الاسم الشرعي ومسماه لا يعرفهما أهل اللغة، أو هما معروفان لهم. غير أنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى، أو عرفوا المعنى، ولم يعرفوا الاسم ولم يعرفوا ذلك المعنى كاسم الصلاة،

[ 28 ]

والحج، والزكاة ونحوه. وكذلك اسم الايمان والكفر. لكن ربما خصت هذه بالاسماء الدينية. وإن شئت أن تحد الحقيقة على وجه يعم جميع هذه الاعتبارات، قلت: الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به التخاطب. فإنه جامع مانع. وأما المجاز فمأخوذ في اللغة من الجواز، وهو الانتقال من حال إلى حال. ومنه يقال جاز فلان من جهة كذا إلى كذا، وهو مخصوص في اصطلاح الاصوليين بانتقال اللفظ من جهة الحقيقة إلى غيرها. وقبل النظر في تحديده، يجب أن تعلم أن المجاز قد يكون لصرف اللفظ عن الحقيقة الوضعية وعن العرفية، والشرعية إلى غيرها، كما كانت الحقيقة منقسمة إلى وضعية وعرفية وشرعية. وعند هذا نقول: من اعتقد كون المجاز وضعيا، قال في حد المجاز في اللغة الوضعية هو اللفظ المتواضع على استعماله في غير ما وضع له أولا في اللغة لما بينهما من التعلق. ومن لم يعتقد كونه وضعيا، أبقى الحد بحاله، وأبدل المتواضع عليه بالمستعمل، وعلى هذا فلا يخفى حد التجوز عن الحقيقة العرفية والشرعية. وإن أردت التحديد على وجه يعم الجميع، قلت: هو اللفظ المتواضع على استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به المخاطبة، لما بينهما من التعلق، ونعني بالتعلق بين محل الحقيقة والمجاز أن يكون محل التجوز مشابها لمحل الحقيقة في شكله وصورته، كإطلاق اسم الانسان على المصور على الحائط، أو في صفة ظاهرة في محل الحقيقة، كإطلاق اسم الاسد على الانسان لاشتراكهما في صفة الشجاعة، لا في صفة البخر لخفائها، أو لانه كان حقيقة. كإطلاق اسم العبد على المعتق، أو لانه يؤول إليه في الغالب، كتسمية العصير خمرا، أو أنه مجاور له في الغالب، كقولهم: جرى النهر والميزاب، ونحوه.

[ 29 ]

وجميع جهات التجوز، وإن تعددت غير خارجة عما ذكرناه وإنما قيدنا الحد باللفظ، لان الكلام إنما هو في المجاز اللفظي لا مطلقا، وبقولنا: المتواضع على استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا تمييزا له عن الحقيقة. وبقولنا: لما بينهما من التعلق، لانه لو لم يكن كذلك، كان ذلك الاستعمال ابتداء وضع آخر، وكان اللفظ مشتركا لا مجازا. فإن قيل ما ذكرتموه من الحد غير جامع، لانه يخرج منه التجوز بتخصيص الاسم ببعض مدلولاته في اللغة، كتخصيص لفظ الدابة بذوات الاربع، فإنه مجاز، وهو غير مستعمل في غير ما وضع له أولا، لدخول ذوات الاربع في المدلول الاصلي، ويلزم منه أيضا خروج التجوز بزيادة الكاف في قوله: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11)، فإنه مجاز، وهو غير مستعمل في إفادة شئ أصلا. ويخرج أيضا منه التجوز بلفظ الاسد عن الانسان، حالة قصد تعظيمه، وإنما يحصل تعظيمه بتقدير كونه أسدا، لا بمجرد إطلاق اسم الاسد عليه، بدليل ما إذا جعل علما له، ومدلوله إذ ذاك لا يكون غير ما وضع له أولا. وتدخل فيه الحقيقة العرفية، كلفظ الغائط وإن كان اللفظ مستعملا في غير موضوعه أولا. والحقيقة من حيث هي حقيقة لا تكون مجازا. قلنا: أما الاشكال الاول فمندفع، لانه لا يخفى أن حقيقة المطلق مخالفة لحقيقة المقيد من حيث هما كذلك، فإذا كان لفظ الدابة حقيقة في مطلق دابة، فاستعماله في الدابة المقيدة على الخصوص يكون استعمالا له في غير ما وضع له أولا، وأما الكاف في قوله تعالى: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) فليست مستعملة للاسمية كوضعها في اللغة، ولا للتشبيه، وإلا كان معناها: ليس لمثله مثل، وهو مثل لمثيله، فكان تناقضا فكانت مستعملة، لا فيما وضعت له في اللغة أولا، فكانت داخلة في الحد.

[ 30 ]

وأما التعبير بلفظ الاسد عن الانسان تعظيما له، فليس لتقدير مسمى الاسد الحقيقي فيه، بل لمشاركته له في صفته من الشجاعة. والحقيقة العرفية وإن كانت حقيقة بالنظر إلى تواضع أهل العرف عليها، فلا تخرج عن كونها مجازا بالنسبة إلى استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا، ولا تناقض، وإذا عرف معنى الحقيقة والمجاز، فمهما ورد لفظ في معنى، وتردد بين القسمين، فقد يعرف كونه حقيقة ومجازا بالنقل عن أهل اللغة، وإن لم يكن نقل فقد يعرف كونه مجازا بصحة نفيه في نفس الامر ويعرف كونه حقيقة بعدم ذلك. ولهذا فإنه يصح أن يقال لمن سمي من الناس حمارا لبلادته، إنه ليس بحمار، ولا يصح أن يقال إنه ليس بإنسان في نفس الامر لما كان حقيقة فيه. ومنها أن يكون المدلول مما يتبادر إلى الفهم من إطلاق اللفظ من غير قرينة، مع عدم العلم بكونه مجازا، بخلاف غيره من المدلولات، فالمتبادر إلى الفهم هو الحقيقة، وغيره هو المجاز. فإن قيل هذا لا يطرد في المجاز المنقول، حيث إنه يسبق إلى الفهم من اللفظ دون حقيقته، فالامر فيهما بالضد مما ذكرتموه وينتقض أيضا باللفظ المشترك، فأنه حقيقة في مدلولاته، مع عدم تبادر شئ منها إلى الفهم عند إطلاقه. قلنا: أما الاول فمندفع. وذلك لان اللفظ الوارد، إذا تبادر مدلوله إلى الذهن عند إطلاقه، فإن علم كونه مجازا فهو غير وارد على ما ذكرناه، وإن لم يعلم، فالظاهر أنه يكون حقيقة فيه، لاختصاص ذلك بالحقيقة في الغالب، وإدراج النادر تحت الغالب أولى. وأما اللفظ المشترك فإن قلنا إنه عام في جميع محامله، فقد اندفع الاشكال. وإن قلنا إنه لا يتناول إلا واحدا من مدلولاته على طريق البدل، فهو

[ 31 ]

حقيقة في الواحد على البدل، لا في الواحد عينا. والذي هو حقيقة فيه فهو متبادر إلى الفهم عند إطلاقه، وهو الواحد على البدل. والذي لم يتبادر إلى الفهم وهو الواحد المعين غير حقيقة فيه، وفيه دقة. ومنها أن لا يكون اللفظ مطردا في مدلوله، مع عدم ورود المنع من أهل اللغة والشارع من الاطراد، وذلك كتسمية الرجل الطويل نخلة، إذ هو غير مطرد في كل طويل. فإن قيل: عدم الاطراد لا يدل على التجوز، فإن اسم السخي حقيقة في الكريم، والفاضل حقيقة في العالم، وهذان المدلولان موجودان في حق الله تعالى، ولا يقال له سخي ولا فاضل، وكذلك اسم القارورة حقيقة في الزجاجة المخصوصة، لكونها مقرا للمائعات، وهذا المعنى موجود في الجرة والكوز، ولا يسمى قارورة، وإن سلمنا ذلك. ولكن الاطراد لا يدل على الحقيقة، لجواز اطراد بعض المجازات، وعدم الاطراد في بعضها كما ذكرتموه فلا يلزم منه التعميم. قلنا: أما الاشكال الاول، فقد اندفع بقولنا: إذا لم يوجد مانع شرعي ولا لغوي وفيما أورد من الصور، قد وجد المنع، ولولاه لكان الاسم مطردا فيها. وأما الثاني، فإنا لا ندعي أن الاطراد دليل الحقيقة، ليلزم ما قيل، بل المدعى أن عدم الاطراد دليل المجاز. ومنها أن يكون الاسم قد اتفق على كونه حقيقة في غير المسمى المذكور، وجمعه مخالف لجمع المسمى المذكور، فنعلم أنه مجاز فيه، وذلك كإطلاق اسم الامر على القول المخصوص، وعلى الفعل في قوله تعالى: * (وما أمرنا إلا واحدة) * (54) القمر: 50) وقوله تعالى: * (وما أمر

[ 32 ]

فرعون برشيد) * (11) هود: 97) فإن جمعه في جهة الحقيقة أوامر، وفي الفعل أمور. ولا نقول إن المجاز لا يجمع والحقيقة تجمع، كما ذكر بعضهم، إذ الاجماع منعقد على التجوز بلفظ الحمار عن البليد، مع صحة تثنيته وجمعه، حيث يقال حماران وحمر. فإن قيل اختلاف الجمع لا يدل على التجوز في المسمى المذكور، لجواز أن يكون حقيقة فيه، واختلاف الجمع بسبب اختلاف المسمى. قلنا: الجمع إنما هو للاسم، لا للمسى فاختلافه لا يكون مؤثرا في اختلاف الجمع. ومنها أن يكون الاسم موضوعا لصفة، ولا يصح أن يشتق لموضوعها منها اسم، مع عدم ورود المنع من الاشتقاق، فيدل على كونه مجازا، وذلك كإطلاق اسم الامر على الفعل. فإنه لا يشتق لمن قام به منه اسم الآمر. بخلاف اسم القارورة، فإنه لا يطلق على الكوز والجرة بطريق الاشتقاق من قرار المائع فيه، مع كون اسم القرار فيه حقيقة كما اشتق في الزجاجة المخصوصة لورود المنع من أهل اللغة فيه. فإن قيل: هذا ينتقض باسم الرائحة القائمة بالجسم، فإنه حقيقة مع عدم الاشتقاق. قلنا: لا نسلم عدم الاشتقاق. فإنه يصح أن يقال للجسم الذي قامت به الرائحة متروح. ومنها أن يكون الاسم مضافا إلى شئ حقيقة، وهو متعذر الاضافة إليه، فيتعين أن يكون مجازا في شئ آخر، وذلك كقوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82). فإن قيل: لا يدل ذلك على كونه مجازا في الغير، لجواز أن يكون مشتركا، وتعذر حمل اللفظ المشترك على بعض محامله لا يوجب جعله مجازا في الباقي. قلنا: هذا مبني على القول بالاشتراك، وهو خلاف الاصل، والمجاز، وإن كان على خلاف الاصل، إلا أن المحذور فيه أدنى من محذور الاشتراك على ما يأتي،

[ 33 ]

فكان أولى. وعلى هذا نقول: مهما ثبت كون اللفظ حقيقة في بعض المعاني، لزم أن يكون مجازا فيما عداه، إذا لم يكن بينهما معنى مشترك يصلح أن يكون مدلولا للفظ بطريق التواطؤ. ومنها أن يكون قد ألف من أهل اللغة أنهم إذا استعملوا لفظا بإزاء معنى، أطلقوه إطلاقا، وإذا استعملوه بإزاء غيره، قرنوا به قرينة، فيدل ذلك على كونه حقيقة فيما أطلقوه مجازا في الغير، وذلك لان وضع الكلام للمعنى إنما كان ليكتفي به في الدلالة. والاصل أن يكون ذاك في الحقيقة دون المجاز لكونها أغلب في الاستعمال. ومنها أنه إذا كان اللفظ حقيقة في معنى، ولذلك المعنى متعلق فإطلاقه بإزاء ما ليس له ذلك المتعلق يدل على كونه مجازا فيه، كإطلاق اسم القدرة على الصفة المؤثرة في الايجاد. فإن لها مقدورا، وإطلاقها على المخلوقات في قولهم: انظر إلى قدرة الله لا مقدور لها. فإن: قيل التعلق ليس من توابع كون اللفظ حقيقيا، بل من توابع المسمى، ولا يلزم من اختلاف المسمى، إذا كان الاسم في أحدهما حقيقة، أن يكون مجازا في الآخر، لجواز الاشتراك، فجوابه ما سبق. ومنها أن يكون الاسم الموضوع لمعنى مما يتوقف إطلاقه عليه على تعلقه بمسمى ذلك الاسم في موضع آخر، ولا كذلك بالعكس فيعلم أن المتوقف مجاز، والآخر غير مجاز. وتشترك الحقيقة والمجاز في امتناع اتصاف أسماء الاعلام بهما، كزيد وعمرو. وذلك لان الحقيقة على ما تقدم إنما تكون عند استعمال اللفظ فيما وضع له أولا، والمجاز في غير ما وضع له أولا. وذلك يستدعي كون الاسم الحقيقي والمجازي في وضع اللغة موضوعا لشئ قبل هذا الاستعمال في وضع اللغة. وأسماء الاعلام ليست كذلك. فإن مستعملها لم يستعملها فيما وضعه أهل اللغة له أولا، ولا في غيره لانها لم تكن من وضعهم، فلا تكون حقيقة ولا مجازا.

[ 34 ]

وعلى هذا، فالالفاظ الموضوعة أولا في ابتداء الوضع في اللغة لا توصف بكونها حقيقة ولا مجازا، وإلا كانت موضوعة قبل ذلك الوضع، وهو خلاف الفرض. وكذلك كل وضع ابتدائي، حتى الاسماء المخترعة ابتداء لارباب الحرف والصناعات لادواتهم وآلاتهم، وإنما تصير حقيقة ومجازا باستعمالها بعد ذلك. وبهذا يعلم بطلان قول من قال: إن كل مجاز له حقيقة ولا عكس. وذلك لان غاية المجاز أن يكون مستعملا في غير ما وضع له أولا، وما وضع له اللفظ أولا ليس حقيقة، ولا مجازا، على ما عرف. وبالنظر إلى ما حققناه في معنى الحقيقة والمجاز، يعلم أن تسمية اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا حقيقة، وإن كان حقيقة بالنظر إلى الامر العرفي، غير أنه مجاز بالنظر إلى كونه منقولا من الوجوب والثبوت الذي هو مدلول الحقيقة أولا في اللغة، على ما سبق تحقيقه. وتشترك الحقيقة والمجاز أيضا أن كل ما كان من كلام العرب، ما عدا الوضع الاول، فإنه لا يخلو عن الحقيقة والمجاز معا، بل لا بد من أحدهما فيه. مسائل هذه القسمة خمس:

[ 35 ]

المسألة الاولى في الاسماء الشرعية ولا شك في إمكانها، إذ لا إحالة في وضع الشارع اسما من أسماء أهل اللغة، أو من غير أسمائهم على معنى يعرفونه، أو لا يعرفونه، لم يكن موضوعا لاسمائهم. فإن دلالات الاسماء على المعاني ليست لذواتها، ولا الاسم واجب للمعنى، بدليل انتفاء الاسم قبل التسمية، وجواز إبدال اسم البياض بالسواد في ابتداء الوضع، وكما في أسماء الاعلام، والاسماء الموضوعة لارباب الحرف والصناعات لادواتهم وآلاتهم. وإنما الخلاف نفيا وإثباتا في الوقوع. والحجاج هاهنا مفروض فيما استعمله الشارع من أسماء أهل اللغة، كلفظ الصوم والصلاة هل خرج به عن وضعهم، أم لا. فمنع القاضي أبو بكر من ذلك، وأثبته المعتزلة والخوارج والفقهاء احتج القاضي بمسلكين: الاول: أن الشارع لو فعل ذلك، لزمه تعريف الامة بالتوقيف نقل تلك الاسامي، وإلا كان مكلفا لهم بفهم مراده من تلك الاسماء، وهم لا يفهمونه، وهو تكليف بما لا يطاق والتوقيف الوارد في مثل هذه الامور لا بد وأن يكون متواترا لعدم قيام الحجة بالآحاد فيها، ولا تواتر. وهذه الحجة غير مرضية، أما أولا، فلانها مبنية على امتناع التكليف بما لا يطاق، وهو فاسد على ما عرف من أصول أصحابنا القائلين بخلافه في هذه

[ 36 ]

المسألة، وإن كان ذلك ممتنعا عند المعتزلة، وبتقدير امتناع التكليف بما لا يطاق، إنما يكون هذا تكليفا بما لا يطاق إذ لو كلفهم بفهمها قبل تفهيمهم. وليس كذلك. قوله: التفهيم، إنما يكون بالنقل. لا نسلم. وما المانع أن يكون تفهيمهم بالتكرير والقرائن المتضافرة مرة بعد مرة، كما يفعل الوالدان بالولد الصغير، والاخرس في تعريفه لما في ضميره لغيره بالاشارة. المسلك الثاني: أن هذه الالفاظ قد اشتمل عليها القرآن. فلو كانت مفيدة لغير مدلولاتها في اللغة، لما كانت من لسان أهل اللغة، كما لو قال: أكرم العلماء وأراد به الجهال أو الفقراء، وذلك لان كون اللفظ عربيا ليس لذاته وصورته، بل لدلالته على ما وضعه أهل اللغة بإزائه، وإلا، كانت جميع ألفاظهم قبل التواضع عليها عربية، وهو ممتنع، ويلزم من ذلك أن لا يكون القرآن عربيا، وهو على خلاف قوله تعالى: * (إنا جعلناه قرآنا عربيا) * (43) الزخرف: 3)، وقوله تعالى: * (بلسان عربي مبين) * (26) الشعراء: 195)، وقوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) * (14) إبراهيم: 4) وذلك ممتنع. وهذا المسلك ضعيف أيضا، إذ لقائل أن يقول: لا أسلم أنه يلزم من ذلك خروج القرآن عن كونه عربيا، فإن قيل لانه إذا كان مشتملا على ما ليس بعربي، فما بعضه عربي وبعضه غير عربي، لا يكون كله عربيا. وفي ذلك مخالفة ظواهر النصوص المذكورة، فيمكن أن يقال: لا نسلم دلالة النصوص على كون القرآن بكليته عربيا لان القرآن قد يطلق على السورة الواحدة منه، بل على الآية الواحدة كما يطلق على الكل. ولهذا يصح أن يقال للسورة الواحدة: هذا قرآن. والاصل في الاطلاق الحقيقة، ولان القرآن مأخوذ من الجمع، ومنه يقال: قرأت الناقة لبنها في ضرعها، إذا جمعته، وقرأت الماء في الحوض أي جمعته، والسورة الواحدة فيها معنى الجمع،

[ 37 ]

لتألفها من حروف وكلمات وآيات، فصح إطلاق القرآن عليها. غايته أنا خالفنا هذا في غير الكتاب العزيز، فوجب العمل بمقتضى هذا الاصل في الكتاب وبعضه، ولانه لو حلف أنه لا يقرأ القرآن، فقرأ سورة منه، حنث، ولو لم يكن قرآنا، لما حنث. وإذا كان كذلك فليس الحمل على الكل أولى من البعض. وعند ذلك أمكن حمله على البعض الذي ليس فيه غير العربية. فإن قيل: أجمعت الامة على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا، فلو كان البعض قرآنا، والكل قرآنا لزمت التثنية في القرآن، وهو خلاف الاجماع. وإذا لم يكن القرآن إلا واحدا، تعين أن يكون هو الكل ضرورة الاجماع على تسميته قرآنا. قلنا: أجمعت الامة على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا، لمعنى أنه لم ينزل غير هذا القرآن، أو بمعنى أن المجموع قرآن، وبعضه ليس بقرآن. الاول مسلم، والثاني ممنوع. فإن قيل: ما ذكرتموه من الدليل على كون بعض القرآن قرآنا معارض بما يدل على أنه ليس بقرآن، وهو صحة قول القائل عن السورة والآية: هذا بعض القرآن. قلنا: المراد به إنما هو بعض الجملة المسماة بالقرآن، وليس في ذلك ما يدل على أن البعض ليس بقرآن حقيقة. فإن جزء الشئ، إذا شارك كله في معناه، كان مشاركا له في اسمه، ولهذا يقال إن بعض اللحم لحم، وبعض العظم عظم، وبعض الماء ماء، لاشتراك الكل والبعض في المعنى المسمى بذلك الاسم، وإنما يمتنع ذلك فيما كان البعض فيه غير مشارك للكل في المعنى المسمى بذلك الاسم. ولهذا لا يقال: بعض العشرة عشرة، وبعض المائة مائة، وبعض الرغيف رغيف، وبعض الدار دار، إلى غير ذلك. وعند ذلك، فما لم يبينوا كون ما نحن فيه من القسم الثاني دون الاول، فهو غير لازم. وإن سلمنا التعارض من كل وجه،

[ 38 ]

فليس القول بالنفي أولى من القول بالاثبات. وعلى المستدل الترجيح. وإن سلمنا دلالة النصوص على كون القرآن بجملته عربيا، لكن بجهة الحقيقة، أو المجاز، الاول ممنوع، والثاني مسلم، وذلك لان ما الغالب منه العربية، يسمى عربيا، وإن كان فيه ما ليس بعربي، كما يسمى الزنجي أسود، وإن كان بعضه اليسير مبيضا، كأسنانه، وشحمة عينيه، والرومي أبيض وإن كان البعض اليسير منه أسود، كالناظر من عينيه. وكذل البيت من الشعر بالفارسية يسمى فارسيا، وإن كان مشتملا على كلمات يسيرة من العربية. ويدل على هذا التجوز ما اشتمل عليه القرآن من الحروف المعجمة، في أوائل السور، فإنها ليست من لغة العرب في شئ، وأيضا فإن القرآن قد اشتمل على عبادات غير معلومة للعرب، فلا يتصور التعبير عنها في لغتهم. فلا بد لها من أسماء تدل عليها غير عربية، وأيضا فإن القرآن مشتمل على قوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) وأراد به صلاتكم، وليس الايمان في اللغة بمعنى الصلاة، بل بمعنى التصديق، وعلى قوله: * (أقيموا الصلاة) * (2) البقرة: 43) والصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، وفي الشرع عبارة عن الافعال المخصوصة، وعلى قوله تعالى: * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) والزكاة في اللغة عبارة عن النماء والزيادة، وفي الشرع عبارة عن وجوب أداء مال مخصوص، وعلى قوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام) * (2) البقرة: 183) والصوم في اللغة عبارة عن مطلق إمساك، وفي الشرع عبارة عن إمساك مخصوص، بل وقد يطلق الصوم في الشرع في حالة لا إمساك فيها، كحالة الآكل ناسيا. وعلى قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (3) آل عمران: 97)

[ 39 ]

والحج في اللغة عبارة عن مطلق قصد، وفي الشرع عبارة عن القصد إلى مكان مخصوص. وهذا كله يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي، فكان إطلاق اسم العربي عليه مجازا. فإن قيل: أما الحروف المعجمة التي في أوائل السور فهي أسماؤها، وأما العبادات الحادثة فمن حيث إنها أفعال محسوسة معلومة للعرب ومسماة بأسماء خاصة لها لغة، غير أن الشرع اعتبرها في الثواب والعقاب عليها بتقدير الفعل أو الترك. وليس في ذلك ما يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي. وأما الآيات المذكورة فهي محمولة على مدلولاتها لغة. أما قوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143)، فالمراد به تصديقكم بالصلاة، وقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * (2) البقرة: 43) فالمراد به الدعاء، وكذلك قوله: * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43)، فالمراد به النمو. والمراد من الصوم الامساك، ومن الحج القصد. غير أن الشارع شرط في إجزائها وصحتها شرعا ضم غيرها إليها. وليس في ذلك ما يدل على تغيير الوضع اللغوي، وإن سلمنا دخول هذه الشروط في مسمى هذه الاسماء، لكن بطريق المجاز، أما في الصلاة، فمن جهة أن الدعاء جزؤها، والشئ قد يسمى باسم جزئه، ومنه قول الشاعر: يناشدني حاميم والرمح شاجر * * فهلا تلا حاميم قبل التقدم وأراد به القرآن، فسماه باسم جزئه. وكذلك الكلام في الصوم، والزكاة، والحج. ويمكن أن يقال بأن تسمية الصوم الخاص، وكذلك الزكاة، والحج، والايمان. من باب التصرف بتخصيص الاسم ببعض مسمياته لغة، كما في لفظ

[ 40 ]

الدابة والشارع له ولاية هذا التصرف، كما لاهل اللغة، ويخص الصلاة أن أفعالها، إنما سميت صلاة، لكونها مما يتبع بها فعل الامام. فإن التالي للسابق من الخيل يسمى مصليا، لكونه تابعا، ويخص الزكاة أن تسمية الواجب زكاة باسم سببه، والتجوز باسم السبب عن المسبب جائز لغة. والمجاز من اللغة لا من غيرها. قلنا: أما الحروف فإنها إذا كانت أسماء لآحاد السور، فهي أعلام لها، وليست لغوية. فقد اشتمل القرآن على ما ليس من لغة العرب. وما ذكروه في العبادات الحادثة في الشرع فإنما يصح، أن لو لم تكن قد أطلق عليها أسماء لم تكن العرب قد أطلقتها عليها. ويدل على هذا الاطلاق ما ذكر من الآيات، قولهم: إن هذه الاسماء محمولة على موضوعاتها لغة: غير أن الشارع شرط في إجزائها شروطا لا تصح بدونها، فإن مسمى الصلاة في اللغة هو الدعاء. وقد يطلق اسم الصلاة على الافعال التي لا دعاء فيها. كصلاة الاخرس الذي لا يفهم الدعاء في الصلاة حتى يأتي به. وبتقدير أن يكون الدعاء متحققا، فليس هو المسمى بالصلاة وحده. ودليله أنه يصح أن يقال إنه في الصلاة حالة كونه غير داع، ولم كان هو المسمى بالصلاة لا غير، لصح عند فراغه من الدعاء أن يقال: خرج من الصلاة. وإذا عاد إليه، يقال: عاد إلى الصلاة. وأن لا يسمى الشخص مصليا حالة عدم الدعاء مع تلبسه بباقي الافعال. وكل ذلك خلاف الاجماع. قولهم: تسمية هذه الافعال بهذه الاسماء إنما هو بطريق المجاز. قلنا: الاصل في الاطلاق الحقيقة. وقولهم: إن الدعاء جزء من هذه الافعال. والشئ قد يسمى باسم جزئه. قلنا: كل جزء أو بعض الاجزاء: الاول ممنوع، والثاني مسلم. ولهذا فإن العشرة لا تسمى خمسة، ولا الكل جزءا، وإن كان بعضه يسمى جزءا، إلى أمثلة كثيرة لا تحصى.

[ 41 ]

وليس القول بأن ما نحن فيه من القبيل الجائز أولى من غيره، وإن سلمنا صحة ذلك تجوزا. ولكن ليس القول بالتجوز في هذه الاسماء، وإجراء لفظ القرآن على حقيقته أولى من العكس. فإن قيل: بل ما ذكرناه أولى، فإن ما ذكرتموه يلزم منه النقل وتغيير اللغة، فيستدعي ثبوت أصل الوضع وإثبات وضع آخر. والوضع اللغوي لا يفتقر إلى شئ آخر، ولا يلزم منه تغيير، فكان أولى. وأيضا فإن الغالب من الاوضاع البقاء لا التغيير، وإدراج ما نحن فيه تحت الاغلب أغلب. قلنا: بل جانب الخصم أولى، لما فيه من ارتكاب مجاز واحد وما ذكرتموه ففيه ارتكاب مجازات كثيرة، فكان أولى. وعلى هذا فقد اندفع قولهم بالتجوز بجهة التخصيص أيضا. وما ذكروه من تسمية أفعال الصلاة، لما فيها من المتابعة للامام، فيلزم منه أن لا تسمى صلاة الامام والمنفرد صلاة لعدم هذا المعنى فيها. وقولهم في الزكاة: أن الواجب سمي زكاة باسم سببه تجوزا، فيلزم عليه أن لا تصح تسميته زكاة، عند عدم النماء في المال، وإن كان النماء حاصلا فالتجوز باسم السبب عن المسبب جائز مطلقا، أو في بعض الاسباب: الاول ممنوع، والثاني مسلم. ولهذا، فإنه لا يصح تسمية الصيد شبكة، وإن كان نصبها سببا له، ولا يسمى الابن أبا، وإن كان الاب سببا له. وكذلك لا يسمى العالم إلها، وإن كان الاله تعالى سببا له، إلى غير ذلك من النظائر. وعند ذلك فليس القول بأن ما نحن فيه، من قبيل التجوز به، أولى من غيره. وأما المعتزلة فقد احتجوا بما سبق من الآيات، وبقولهم إن الايمان في اللغة هو التصديق، وفي الشرع يطلق على غير التصديق. ويدل عليه قوله، عليه السلام:

[ 42 ]

الايمان بضع وسبعون بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الاذى عن الطريق سمي إماطة الاذى إيمانا، وليس بتصديق. وأيضا فإن الدين في الشرع، عبارة عن فعل العبادات، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، بدليل قوله تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * (98) البينة: 5) إلى آخر الآية. ثم قال: * (وذلك دين القيمة) * (98) البينة: 5) فكان راجعا إلى كل المذكور، والدين هو الاسلام، لقوله تعالى: * (إن الدين عند الله الاسلام) * (3) آل عمران: 19) والاسلام هو الايمان، فيكون الايمان، في الشرع، هو فعل العبادات. ودليل كون الايمان هو الاسلام، إنه لو كان الايمان غير الاسلام، لما كان مقبولا من صاحبه، لقوله تعالى: * (ومن يبتغ غير الاسلام دينا، فلن يقبل منه) * (3) آل عمران: 85) وأيضا فإنه استثنى المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى: * (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) * (51) الذاريات: 35) والاصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه. وأيضا قوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) وأراد به الصلاة إلى بيت المقدس. وأيضا فإن قاطع الطريق، وإن كان مصدقا، فليس بمؤمن، لانه يدخل النار، بقوله تعالى: * (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * (2) البقرة: 114) والداخل في النار مخزي، لقوله تعالى حكاية عن أهل النار: * (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) * (3) آل عمران: 192) مع التقرير لهم على ذلك. والمؤمن غير مخزي لقوله تعالى: * (يوم لا يخزي الله النبي والذين أمنوا معه) * (66) التحريم: 8)

[ 43 ]

وأيضا فإن المكلف يوصف بكونه مؤمنا، حالة كونه غافلا عن التصديق بالنوم وغيره، وأيضا فإنه لو كان الايمان في الشرع، هو الايمان اللغوي، أي التصديق لسمي في الشرع المصدق بشريك الاله تعالى مؤمنا، والمصدق بالله مع إنكار الرسالة مؤمنا، إلى نظائره. ولقائل أن يقول: أما الآيات السابق ذكرها، فيمكن أن يقال في جوابها إن إطلاق اسم الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، إنما كان بطريق المجاز على ما سبق، والمجاز غير خارج عن اللغة، وتسمية إماطة الاذى عن الطريق إيمانا أمكن أن يكون لكونه دليلا على الايمان فعبر باسم المدلول عن الدال، وهو أيضا جهة من جهات التجوز. فإن قيل: الاصل إنما هو الحقيقة. قلنا: إلا أنه يلزم منه التغيير، ومخالفة الوضع اللغوي، فيتقابلان وليس أحدهما أولى من الآخر لما سبق. وقولهم: إن الايمان هو الاسلام بما ذكروه، فهو معارض بقوله تعالى: * (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) * (49) الحجرات: 14)، ولو اتحدا، لما صح هذا القول. وليس أحدهما أولى من الآخر، بل الترجيح للتغاير، نظرا إلى أن الاصل عند تعدد الاسماء تعدد المسميات، ولئلا يلزم منه التغيير في الوضع. وبهذا يندفع ما ذكروه من الاستثناء. وقوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) فالمراد به التصديق بالصلاة،

[ 44 ]

لا نفس الصلاة، فلا تغيير، وإن كان المراد به الصلاة غير أن الصلاة، لما كانت تدل على التصديق، سميت باسم مدلولها، وذلك مجاز من وضع اللغة. وقوله تعالى: * (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) * (66) التحريم: 8) لا يتناول كل مؤمن، بل من آمن مع النبي، عليه السلام، وهو صريح في ذلك. وأولئك لم يصدر منهم ما دل صدر الآية عليه، من الحراب لله ورسوله، والسعي في الارض بالفساد الذي أوجب دخول النار في الآية. ولا يلزم من نفي الخزي عمن آمن مع النبي نفيه عن غيره. وقولهم: إن المكلف يوصف بالايمان، حالة كونه غافلا عن التصديق بالله تعالى، إنما كان ذلك بطريق المجاز، لكونه كان مصدقا، وأنه يؤول إلى التصديق. وهو جهة من جهات التجوز. وما يقال من أن الاصل الحقيقة، فقد سبق جوابه. كيف وإن ذلك لازم لهم في كل ما يفسرون الايمان به. ومع اتحاد المحذور، فتقرير الوضع أولى. والمصدق بشريك الاله تعالى، ليس مؤمنا شرعا، لان الايمان في الشرع مطلق تصديق، بل تصديق خاص، وهو التصديق بالله، وبما جاءت به رسله. وهو من باب تخصيص الاسم ببعض مسمياته في اللغة، فكان مجازا لغويا، وبه يندفع ما قيل من التصديق بالله، والكفر برسوله، حيث أن مسمى الايمان الشرعي لم يوجد. وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فالحق عندي في ذلك إنما هو إمكان كل واحد من المذهبين. وأما ترجيح الواقع منهما، فعسى أن يكون عند غيري تحقيقه.

[ 45 ]

المسألة الثانية اختلف الاصوليون في اشتمال اللغة على الاسماء المجازية: فنفاه الاستاذ أبو إسحاق، ومن تابعه، وأثبته الباقون وهو الحق. حجة المثبتين أنه قد ثبت إطلاق أهل اللغة اسم الاسد على الانسان الشجاع، والحمار على الانسان البليد، وقولهم: ظهر الطريق ومتنها، وفلان على جناح السفر، وشابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق، وكبد السماء، إلى غير ذلك، وإطلاق هذه الاسماء لغة مما لا ينكر إلا عن عناد. وعند ذلك فإما أن يقال إن هذه الاسماء حقيقة في هذه الصور، أو مجازية لاستحالة خلو الاسماء اللغوية عنهما ما سوى الوضع الاول كما سبق تحقيقه، لا جائز أن يقال بكونها حقيقة فيها، لانها حقيقة فيما سواها بالاتفاق. فإن لفظ الاسد حقيقة في السبع، والحمار في البهيمة، والظهر والمتن والساق والكبد في الاعضاء المخصوصة بالحيوان، واللمة في الشعر إذا جاوز شحمة الاذن. وعند ذلك فلو كانت هذه الاسماء حقيقية فيما ذكر من الصور، لكان اللفظ مشتركا، ولو كان مشتركا، لما سبق إلى الفهم، عند إطلاق هذه الالفاظ، البعض دون البعض، ضرورة التساوي في الدلالة الحقيقية. ولا شك أن السابق إلى الفهم من إطلاق لفظ الاسد، إنما هو السبع، ومن إطلاق لفظ الحمار، إنما هو البهيمة، وكذلك في باقي الصور. كيف وإن أهل الاعصار لم تزل تتناقل في أقوالها وكتبها عن أهل الوضع تسمية هذا حقيقة، وهذا مجازا.

[ 46 ]

فإن قيل: لو كان في لغة العرب لفظ مجازي، فأما أن يفيد معناه بقرينة، أو لا بقرينة. فإن كان الاول، فهو مع القرينة لا يحتمل غير ذلك المعنى، فكان مع القرينة حقيقة في ذلك المعنى. وإن كان الثاني، فهو أيضا حقيقة، إذا لا معنى للحقيقة إلا ما يكون مستقلا بالافادة من غير قرينة. وأيضا فإنه ما من صورة من الصور، إلا ويمكن أن يعبر عنها باللفظ الحقيقي الخاص بها. فاستعمال اللفظ المجازي فيها، مع افتقاره إلى القرينة من غير حاجة، بعيد عن أهل الحكمة والبلاغة في وضعهم. قلنا: جواب الاول، أن المجاز لا يفيد عند عدم الشهرة إلا بقرينة، ولا معنى للمجاز سوى هذا. والنزاع في ذلك لفظي، كيف وإن المجاز والحقيقة من صفات الالفاظ دون القرائن المعنوية، فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع. وجواب الثاني، أن الفائدة في استعمال اللفظ المجازي، دون الحقيقة، قد تكون لاختصاصه بالخفة على اللسان، أو لمساعدته في وزن الكلام نظما ونثرا، والمطابقة، والمجانسة، والسجع، وقصد التعظيم، والعدول عن الحقيقي للتحقير، إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة في الكلام.

[ 47 ]

المسألة الثالثة اختلفوا في دخول الاسماء المجازية في كلام الله تعالى: فنفاه أهل الظاهر، والرافضة. وأثبته الباقون. احتج المثبتون بقوله تعالى: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) وبقوله تعالى: * (واسأل القرية التي كنا فيها، والعير التي أقبلنا فيها) * (12) يوسف: 82) وبقوله تعالى: * (جدارا يريد أن ينقض) * (18) الكهف: 77). والاول: من باب التجوز بالزيادة. ولهذا لو حذفت الكاف بقي الكلام مستقلا. والثاني: من باب النقصان، فإن المراد به أهل القرية، لاستحالة سؤال القرية، والعير وهي البهائم. والثالث: من باب الاستعارة، لتعذر الارادة من الجدار وإذا امتنع حمل هذه الالفاظ على ظواهرها في اللغة، فما تكون محمولة عليه هو المجاز. فإن قيل: لا نسلم التجوز فيما ذكرتموه من الالفاظ، أما قوله تعالى: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) فهو حقيقة في نفي التشبيه، إذ الكاف للتشبيه. وأما قوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82) فالمراد به مجتمع الناس، فإن القرية مأخوذة من الجمع، ومنه يقال: قرأت الماء في الحوض، أي جمعته. وقرأت الناقة لبنها في ضرعها، أي جمعته. ويقال لمن صار معروفا بالضيافة، مقري ويقري، لاجتماع الاضياف عنده. وسمي القرآن قرآنا لذلك أيضا، لاشتماله على مجموع السور والآيات. وأما العير فهي القافلة ومن فيها من الناس. ثم وإن كان اسم القرية للجدران، والعير للبهائم، غير أن الله تعالى قادر على إنطاقها، وزمن النبوة زمن خرق العوائد، فلا يمتنع نطقها بسؤال النبي لها.

[ 48 ]

وقوله تعالى: * (جدارا يريد أن ينقض) * (18) الكهف: 77) فمحمول أيضا على حقيقته، لانه لا يتعذر على الله تعالى خلق الارادة فيه. سلمنا دلالة ما ذكرتموه على التجوز، لكنه معارض بما يدل على عدمه، وذلك لان المجاز كذب، ولذك يصدق نفيه عند قول القائل للبليد حمار، وللانسان الشجاع أسد. ونقيض النفي الصادق يكون كاذبا، ولان المجاز هو الركيك من الكلام، وكلام الرب تعالى مما يصان عنه. سلمنا أنه ليس بكذب، غير أنه إنما يصار إليه عند العجز عن الحقيقة، ويتعالى الرب عن ذلك. سلمنا أنه غير متوقف على العجز عن الحقيقة، غير أنه مما لا يفيد معناه بلفظه دون قرينة، وربما تخفى، فيقع الالتباس على المخاطب، وهو قبيح من الحكيم. سلمنا أنه لا يفضي إلى الالتباس، غير أنه إذا خاطب بالمجاز، وجب وصفه بكونه متجوزا، نظرا إلى الاشتقاق، كما في الواحد منا، وهو خلاف الاجماع. سلمنا عدم اتصافه بذلك، غير أن كلام الله تعالى حق فله حقيقة، والحقيقة مقابلة للمجاز. والجواب: قولهم: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) لنفي التشبيه ليس كذلك، فإنه لو كانت الكاف هاهنا للتشبيه، لكان معنى النفي: ليس مثل مثله شئ. وهو تناقض، ضرورة أنه مثل لمثله، فالمثل في الآية زائد، والمراد من قولهم مثلك لا يقول هذا المشارك له في صفاته. وقولهم: المراد من القرية الناس المجتمعون، ليس كذلك لان القرية هي المحل الذي يقع فيه الاجتماع، لا نفس الاجتماع. ومن ذلك سمي الزمان الذي فيه يجتمع دم الحيض قرأ. وكذلك يقال القاري لجامع القرآن، والمقري لجامع الاضياف. قولهم: إن العير هي القافلة المجتمعة من الناس. قلنا: من الناس والبهائم، لا نفس الناس فقط، ولهذا لا يقال لمجتمع الناس من غير أن يكون معهم بهائم، قافلة.

[ 49 ]

قولهم لو سأل لوقع الجواب. قلنا: جواب الجدران والبهائم ثم غير واقع على وفق الاختيار في عموم الاوقات، بل إن وقع، فإنما يقع بتقدير تحدي النبي عليه السلام به. ولم يكن كذلك فيما نحن فيه فلا يمكن الاعتماد عليه. ثم وإن أمكن تخيل ما قالوه مع بعده، فبماذا يعتذر عن قوله تعالى: * (تجري من تحتها الانهار) * (2) البقرة: 25) والانهار غير جارية، وعن قوله تعالى: * (واشتعل الرأس شيبا) * (19) مريم: 4) وهو غير مشتعل، وعن قوله تعالى: * (واخفض لهما جناح الذل) * (17) الاسراء: 24) والذل لا جناح له، وقوله تعالى: * (الحج أشهر معلومات) * (2) البقرة: 197) والاشهر ليست هي الحج، وإنما هي طرف لافعال الحج، وقوله تعالى: * (لهدمت صوامع وبيع وصلوات) * (22) الحج: 40) والصلوات لا تهدم، وقوله: * (أو جاء أحد منكم من الغائط) * (4) النساء: 43) وقوله: * (الله نور السموات والارض) * (24) النور: 35) وقوله: * (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (2) البقرة: 194) والقصاص ليس بعدوان، وقوله: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) * (42) الشورى: 40) وقوله: * (الله يستهزئ بهم) * (2) البقرة: 15)، * (ويمكرون ويمكر الله) * (8) الانفال: 30)، وقوله: * (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) * (5) المائدة: 64)، وقوله تعالى: * (أحاط بهم سرادقها) * (18) الكهف: 29) إلى ما لا يحصى ذكره من المجازات. وعن المعارضة الاولى بمنع كون المجاز كذبا، فإنه إنما يكون كذبا أن لو أثبت ذلك حقيقة لا مجازا، كيف وإن الكذب مستقبح عند العقلاء، بخلاف الاستعارة والتجوز، فإنه عندهم من المستحسنات. قولهم: إنه من ركيك الكلام، ليس كذلك، بل ربما كان المجاز أفصح وأقرب إلى تحصيل مقاصد المتكلم البليغ على ما سبق وعن الثانية، بمنع ما ذكروه من اشتراط المصير إلى المجاز بالعجز عن الحقيقة، بل إنما يصار إليه مع القدرة على الحقيقة لما ذكرناه من المقاصد فيما تقدم. وعن الثالثة، أنها مبنية على القول بالتقبيح العقلي، وقد أبطلناه،

[ 50 ]

كيف وهو لازم على الخصوم فيما ورد من الآيات المتشابهات. فما هو الجواب في المتشابهات ؟ هو الجواب لنا هاهنا. وعن الرابعة، أنه إنما لم يسم، متجوزا، لان ذلك مما يوهم التسمح في أقواله بالقبيح. ولهذا يفهم منه ذلك عند قول القائل: فلان متجوز في مقاله... (2) فيتوقف إطلاقه في حق الله تعالى على الاطلاق الشرعي ولم يرد. وعن الخامسة، أن كلام الله وإن كان له حقيقة، فبمعنى كونه صدقا، لا بمعنى الحقيقة المقابلة للمجاز. المسألة الرابعة اختلفوا في اشتمال القرآن على كلمة غير عربية. فأثبته ابن عباس وعكرمة، ونفاه الباقون. احتج النافون بقوله تعالى: * (ولو جعلناه قرآنا أعجميا، لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي) * (41) فصلت: 44) فنفى أن يكون أعجميا، وقطع اعتراضهم بتنوعه بين أعجمي وعربي. ولا ينتفي الاعتراض وفيه أعجمي، وبقوله تعالى: * (بلسان عربي مبين) * (26) الشعراء: 195) وبقوله: * (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) * (12) يوسف: 2) وظاهر ذلك ينافي أن يكون فيه ما ليس بعربي. واحتج المثبتون لذلك بقولهم: القرآن مشتمل على المشكاة. وهي هندية، وإستبرق، وسجيل بالفارسية، وطه، بالنبطية، وقسطاس، بالرومية، والاب، وهي كلمة لا تعرفها العرب، ولذلك روي عن عمر أنه لما تلا هذه الآية قال: هذه الفاكهة فما الاب

[ 51 ]

قالوا: ولان النبي عليه السلام مبعوث إلى أهل كل لسان كافة على ما قال تعالى: * (كافة للناس بشيرا ونذيرا) * (34) سبأ: 28) وقال عليه السلام بعثت إلى الاسود والاحمر، فلا ينكر أن يكون كتابه جامعا للغة الكل، ليتحقق خطابه للكل إعجازا وبيانا، وأيضا فإن النبي عليه السلام لم يدع أنه كلامه، بل كلام الله تعالى، رب العالمين، المحيط بجميع اللغات، فلا يكون تكلمه باللغات المختلفة منكرا، غايته أنه لا يكون مفهوما للعرب. وليس ذلك بدعا، بدليل تضمنه للآيات المتشابهات، والحروف المعجمة في أوائل السور. أجاب النافون، وقالوا: أما الكلمات المذكورة، فلا نسلم أنها ليست عربية، وغايته اشتراك اللغات المختلفة في بعض الكلمات، وهو غير ممتنع، كما في قولهم: سروال بدل سراويل، وفي قولهم: تنور، فإنه قد قيل إنه مما اتفق فيه جميع اللغات، ولا يلزم من خفاء كلمة الاب على عمر أن لا يكون عربيا، إذ ليس كل كلمات العربية مما أحاط بها كل واحد من آحاد العرب. ولهذا قال ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى: * (فاطر السموات والارض) * (35) فاطر: 1) حتى سمعت امرأة من العرب تقول: أنا فطرته أي ابتدأته. وأما بعثته إلى الكل، فلا يوجب ذلك اشتمال الكتاب على غير لغة العرب لما ذكروه. وإلا لزم اشتماله على جميع اللغات، ولما جاز الاقتصار من كل لغة على كلمة واحدة لتعذر البيان والاعجاز بها. وما ذكروه فغايته أنه إذا كان كلام الله المحيط بجميع اللغات، فلا يمتنع أن يكون مشتملا على اللغات المختلفة، ولكنه لا يوجبه، فلا يقع ذلك في مقابلة النصوص الدالة على عدمه.

[ 52 ]

المسألة الخامسة اختلفوا في إطلاق الاسم على مسماه المجازي: هل يفتقر في كل صورة إلى كونه منقولا عن العرب، أو يكفي فيه ظهور العلاقة المعتبرة في التجوز، كما عرفناه أولا، فمنهم من شرط في ذلك النقل مع العلاقة. ومنهم من اكتفى بالعلاقة لا غير. احتج الشارطون للنقل بأنه لو اكتفى بالعلاقة لجاز تسمية غير الانسان نخلة، لمشابهته لها في الطول، كما جاز في الانسان، ولجاز تسمية الصيد شبكة، والثمرة شجرة، وظل الحائط حائطا، والابن أبا، تعبيرا عن هذه الاشياء بأسماء أسبابها لما بينها وبين أسبابها من الملازمة في الغالب. وهي من الجهات المصححة للتجوز. وليس كذلك. فدل على أنه لا بد من نقل الاستعمال ولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون تحقق العلاقة بين محل الحقيقة ومحل التجوز كافيا في جواز إطلاق الاسم على جهة المجاز، وحيث وجدت العلاقة المجوزة للاطلاق في بعض الصور، وامتنع الاطلاق، فإنما كان لوجود المنع من قبل أهل اللغة، لا للتوقف على نقل استعمالهم للاسم فيها على الخصوص. فإن قيل: لو لم يكن نقل استعمال أهل اللغة معتبرا في محل التجوز، فتسميته باسم الحقيقة، إما بالقياس عليه: أو أنه مخترع للواضع المتأخر، الاول ممتنع لما يأتي، والثاني، فلا يكون من لغة العرب.

[ 53 ]

قلنا: لا يلزم من عدم التنصيص في آحاد الصور من أهل اللغة على التسمية أن يكون كما ذكروه، بل ثم قسم ثالث: وهو أن تنص العرب نصا كليا على جواز إطلاق الاسم الحقيقي على كل ما كان بينه وبينه علاقة منصوص عليها من قبلهم، كما بيناه. ولا معنى للمجاز إلا هذا. وهو غير خارج عن لغتهم. فإن قيل: لو كان الامر على ما ذكرتموه، لكان المنع منهم متحققا مع وجود المطلق، وهو تعارض مخالف للاصل بخلاف ما ذكرناه. قلنا: أمكن أن يكون المطلق ما ذكرناه مشروطا بعدم ظهور المنع، ومع ظهور المنع، فلا مطلق، وفيه عوص. واحتج النافون بأن إطلاق المجاز مما لا يفتقر إلى بحث ونظر دقيق في الجهات المصححة في التجوز. والامر النقلي لا يكون كذلك، وأيضا فإنه لو كان نقليا لما افتقر فيه إلى العلاقة بينه وبين محل الحقيقة، بل لكان النقل فيه كافيا. ولقائل أن يقول: أما الاول، فالنظر ليس في النقل بل في العلاقة التي بين محل التجوز والحقيقة. وأما الثاني، فلان الافتقار إلى العلاقة إنما كان لضرورة توقف المجاز، من حيث هو مجاز عليها. وإلا كان إطلاق الاسم عليه من باب الاشتراك، لا من باب المجاز. وإذا تقاومت الاحتمالات في هذه المسألة، فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجيح.

[ 54 ]

القسمة الرابعة: الاسم لا يخلو إما أن يكون بحيث لا يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، أو يصح. فالاول: اسم العلم، كزيد وعمرو، والثاني: إما أن لا يكون صفة، أو هو صفة: والاول هو اسم الجنس، وهو إما أن يكون عينا، كالانسان والفرس، أو غير عين، كالعلم والجهل، والصفة، كالقائم والقاعد. وهو الاسم المشتق، والمشتق هو ما غير من أسماء المعاني عن شكله بزيادة أو نقصان في الحروف أو الحركات أو فيهما، وجعل دالا على ذلك المعنى، وعلى موضوع له غير معين، كتسمية الجسم الذي قام به السواد أسود، والبياض أبيض، ونحوه. ولا يتصور أن يكون المشتق إلا كذلك. وهل يشترط قيام المشتق منها بما له الاشتقاق، وهل يلزم الاشتقاق من الصفة المعنوية لما قامت به، فذلك مما أوجبه أصحابنا، ونفاه المعتزلة، حيث إنهم جوزوا اشتقاق اسم المتكلم لله تعالى من كلام مخلوق له غير قائم بذاته، ولم يوجبوا الاشتقاق منه للمحل الذي خلق فيه. وقد عرفنا مأخذ الخلاف من الجانبين، وما هو الصحيح منه في أبكار الافكار فليلتمس. مسائل هذه القسمة مسألتان: المسألة الاولى في أن بقاء الصفة المشتق منها، هل يشترط في إطلاق اسم المشتق حقيقة، أم لا. فأثبته قوم، ونفاه آخرون، وقد فصل بعضهم بين ما هو ممكن الحصول، وما ليس ممكنا. فاشترط ذلك في الممكن دون غيره.

[ 55 ]

احتج الشارطون بأنه لو كان إطلاق الضارب على شخص ما حقيقة بعد انقضائه صفة الضرب منه، لما صح نفيه. ويصح أن يقال إنه في الحال ليس بضارب. ولقائل أن يقول: صحة سلب الضاربية عنه في الحال، إنما يلزم منه سلبها عنه مطلقا، إذ لو لم يكن أعم من الضاربية في الحال، وهو غير مسلم. وعند ذلك فلا يلزم من صحة سلب الاخص سلب الاعم. فإن قيل: قول القائل هذا ضارب لا يفيد سوى كونه ضاربا في الحال، فإذا سلم صحة سلبه في الحال، فهو المطلوب. قلنا: هذا بعينه إعادة دعوى محل النزاع. بل الضارب هو من حصل له الضرب، وهو أعم من حصول الضرب له في الحال. فالضارب أعم من الضارب في الحال. فإن قيل: وكما أن حصول الضرب أعم من حصول الضرب في الحال، لانقسامه إلى الماضي والحال فهو أعم من المستقبل أيضا، لانقسامه إلى الحال والمستقبل. فإن صدق اسم الضارب حقيقة باعتبار هذا المعنى الاعم، فليكن اسم الضارب حقيقة قبل وجود الضرب منه، كما كان حقيقة بعد زوال الضرب. قلنا: الضارب حقيقة من حصل منه الضرب. وهذا يصدق على من وجد منه الضرب في الماضي أو الحال، بخلاف من سيوجد منه الضرب في المستقبل، فإنه لا يصدق عليه أنه حصل منه الضرب. وعند ذلك فلا يلزم من صدق الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب، صدقه حقيقة على من سيوجد منه الضرب، ولم يوجد. واحتج النافون بوجوه:

[ 56 ]

الاول: أن أهل اللغة قالوا: إذا كان اسم الفاعل بتقدير الماضي لا يعمل عمل الفعل، فلا يقال ضارب زيدا أمس، كما يقال بتقدير المستقبل، بل يقال ضارب زيد، أطلقوا عليه اسم الفاعل باعتبار ما صدر عنه من الفعل الماضي. الثاني: أنه لو كان وجود ما منه الاشتقاق شرطا في صحة الاشتقاق حقيقة، لما كان إطلاق اسم المتكلم والمخبر حقيقة أصلا، لان ذلك لا يصح إلا بعد تحقق الكلام منه والخبر، وهو إنما يتم بمجموع حروفه وأجزائه، ولا وجود للحروف السابقة مع الحرف الاخير أصلا ولا حقا، بامتناع كونه متكلما حقيقة قبل وجود الكلام، فلو لم يكن حقيقة عند آخر جزء من الكلام والخبر مع عدم وجود الكلام والخبر في تلك الحالة، لما كان حقيقة أصلا، وهو ممتنع، وإلا لصح أن يقال إنه ليس بمتكلم إذ هو لازم نفي الحقيقة، ولما حنث من حلف أن فلانا لم يتكلم حقيقة، وإنني لا أكلم فلانا حقيقة، إذا كان قد تكلم أو كلمه. الثالث: إن الضارب من حصل منه الضرب، ومن وجد منه الضرب في الماضي، يصدق عليه أنه قد حصل منه الضرب فكان ضاربا حقيقة. ولقائل أن يقول: أما الوجه الاول: فإنه لا يلزم من إطلاق اسم الفاعل عليه أن يكون حقيقة، ولهذا فإنهم قالوا: اسم الفاعل، إذا كان بتقدير المستقبل، عمل عمل الفعل. فقيل ضارب زيدا غدا، وليس ذلك حقيقة بالاتفاق. وأما الوجه الثاني: فغير لازم أيضا، إذ للخصم أن يقول: شرط كون المشتق حقيقة إنما هو وجود ما منه الاشتقاق إن أمكن، وإلا فوجود آخر جزء منه. وذلك متحقق في الكلام والخبر بخلاف ما نحن فيه. وأما الثالث: فلا نسلم أن اسم الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب مطلقا، بل من الضرب حاصل منه حالة تسميته ضاربا. ثم يلزم تسمية أجلاء الصحابة كفرة، لما وجد منهم من الكفر السابق، والقائم قاعدا، والقاعد قائما، لما وجد منه من القعود والقيام السابق، وهو غير جائز بإجماع المسلمين وأهل اللسان. هذا ما عندي في هذه المسألة، وعليك بالنظر والاعتبار.

[ 57 ]

المسألة الثانية اختلفوا في الاسماء اللغوية: هل ثبتت قياسا أم لا. فأثبته القاضي أبو بكر، وابن سريج من أصحابنا، وكثير من الفقهاء وأهل العربية. وأنكره معظم أصحابنا، والحنفية، وجماعة من أهل الادب مع اتفاقهم على امتناع جريان القياس في أسماء الاعلام وأسماء الصفات. أما أسماء الاعلام: فلكونها غير موضوعة لمعان موجبة لها، والقياس لا بد فيه من معنى جامع، إما معرف وإما داع. وإذا قيل في حق الاشخاص في زماننا: هذا سيبويه، وهذا جالينوس. فليس بطريق القياس في التسمية، بل معناه: هذا حافظ كتاب سيبويه وعلم جالينوس بطريق التجوز، كما يقال: قرأت سيبويه، والمراد به كتابه. وأما أسماء الصفات: الموضوعة للفرق بين الصفات، كالعالم والقادر، فلانها واجبة الاطراد، نظرا إلى تحقق معنى الاسم، فإن مسمى العالم من قام به العلم، وهو متحقق في حق كل من قام به العلم، فكان إطلاق اسم العالم عليه ثابتا بالوضع لا بالقياس، إذ ليس قياس أحد المسميين المتماثلين في المسمى على الآخر أولى من العكس، وإنما الخلاف في الاسماء الموضوعة على مسمياتها مستلزمة لمعان في محالها وجودا وعدما، وذلك كإطلاق اسم الخمر على النبيذ بواسطة مشاركته للمعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة على العقل، وكإطلاق اسم السارق على النباش، بواسطة مشاركته للسارقين من الاحياء في أخذ المال على سبيل الخفية، وكإطلاق اسم الزاني على اللائط بواسطة مشاركته للزاني في إيلاج الفرج المحرم، والمختار أنه لا قياس، وذلك لانه إما أن ينقل عن العرب أنهم وضعوا اسم الخمر لكل مسكر، أو للمعتصر من العنب خاصة، أو لم ينقل شئ من ذلك فإن كان الاول، فاسم الخمر ثابت للنبيذ بالتوقيف لا بالقياس. وإن كان الثاني، فالتعدية تكون على خلاف المنقول عنهم، ولا يكون ذلك من لغتهم.

[ 58 ]

وإن كان الثالث، فيحتمل أن يكون الوصف الجامع الذي به التعدية دليلا على التعدية، ويحتمل أن لا يكون دليلا، بدليل ما صرح بذلك، وإذا احتمل، واحتمل، فليس أحد الامرين أولى من الآخر. فالتعدية تكون ممتنعة. فإن قيل الوصف الجامع، وإن احتمل أن لا يكون دليلا غير أن احتمال كونه دليلا أظهر وبيانه من ثلاثة أوجه: الاول: إن الاسم دار مع الوصف في الاصل وجودا وعدما. والدوران دليل كون وجود الوصف أمارة على الاسم، فيلزم من وجوده في الفرع وجود الاسم. الثاني: إن العرب إنما سمت باسم الفرس، والانسان الذي كان في زمانهم، وكذلك وصفوا الفاعل في زمانهم بأنه رفع، والمفعول نصب، وإنما وصفوا بعض الفاعلين والمفعولين، ومع ذلك فالاسم مطرد في زماننا بإجماع أهل اللغة في كل إنسان وفرس، وفاعل ومفعول، وليس ذلك إلا بطريق القياس. والثالث: قوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (59) الحشر: 2) وهو عام في كل قياس. ثم ما ذكرتموه باطل بالقياس الشرعي. فإن كل ما ذكرتموه من الاقسام بعينه متحقق فيه. ومع ذلك فالقياس صحيح متبع، وهو أيضا على خلاف مذهب الشافعي، فإنه سمى النبيذ خمرا، وأوجب الحد بشربه، وأوجب الحد على اللائط قياسا على الزنى، وأوجب الكفارة في يمين الغموس قياسا على اليمين في المستقبل، وتأول حديث: الشفعة للجار بحمله على الشريك في الممر، وقال: العرب تسمي الزوجة جارا، فالشريك أولى. قلنا: جواب الاول: إن دوران الاسم مع الوصف في الاصل وجودا وعدما لا يدل على كونه علة للاسم، بمعنى كونه داعيا إليه وباعثا، بل إن كان، ولا بد، فبمعنى كونه أمارة، وكما دار مع اسم الخمر مع الشدة المطربة، دار مع خصوص شدة المعتصر من العنب، وذلك غير موجود في النبيذ، فلا قياس.

[ 59 ]

ثم ما ذكروه منتقض بتسمية العرب للرجل الطويل نخلة، والفرس الاسود، أدهم، والملون بالبياض والسواد، أبلق، والاسم فيه دائر مع الوصف في الاصل وجودا وعدما. ومع ذلك لم يسموا الفرس والجمل لطوله نخلة، ولا الانسان المسود، أدهم، ولا المتلون من باقي الحيوانات بالسواد والبياض أبلق. وكل ما هو جوابهم في هذه الصور جوابنا في موضع النزاع. وجواب الثاني: أن ما وقع الاستشهاد به لم يكن مستند التسمية فيه على الاطلاق، القياس، بل العرب وضعت تلك الاسماء للاجناس المذكورة بطريق العموم، لا أنها وضعتها للمعين، ثم طرد القياس في الباقي. وجواب الثالث: بمنع العموم في كل اعتبار، وإن كان عاما في المعتبر، فلا يدخل فيه القياس في اللغة. وأما النقض بالقياس الشرعي فغير متجه، من جهة أن اجتماع الامة من السلف عندنا أوجب الالحاق عند ظن الاشتراك في علة حكم الاصل، حتى إنه لو لم يكن إجماع، لم يكن قياس. ولا إجماع فيما نحن فيه من الامة السابقة على الالحاق. فلا قياس. وأما تسمية الشافعي: رضي الله عنه، النبيذ خمرا، فلم يكن في ذلك مستندا إلى القياس، بل إلى قوله عليه السلام: إن من التمر خمرا وهو توقيف لا قياس، وإيجابه للحد في اللواط، وفي النبش، لم يكن لكون اللواط زنى، ولا لكون النبش سرقة، بل لمساواة اللواط للزنى، والنبش للسرقة في المفسدة المناسبة للحد المعتبر في الشرع. وأما يمين الغموس: فإنما سميت يمينا لا بالقياس، بل بقوله (ص): اليمن الغموس تدع الديار بلاقع فكان ذلك بالتوقيف.

[ 60 ]

وأما تسمية الشافعي للشريك جارا، إنما كان بالتوقيف لا بالقياس على الزوجة، وإنما ذكر الزوجة لقطع الاستبعاد في تسمية الشريك جارا، لزيادة قربه بالنسبة إلى الجار الملاصق فقال: الزوجة أقرب من الشريك، وهي جار، فلا يستبعد ذلك فيما هو أبعد منها، وبتقدير أن يكون قائلا بالقياس في اللغة، إلا أن غيره مخالف له. والحق من قوليهما أحق أن يتبع. الفصل الخامس في الفعل وأقسامه والفعل ما دل على حدث مقترن بزمان محصل والحدث المصدر، وهو اسم الفعل، والزمان المحصل، الماضي والحال، والمستقبل. وهو منقسم بحسب انقسام الزمان فالماضي منه، كقام وقعد والحاضر والمستقبل في اللفظ واحد، ويسمى المضارع، وهو ما في أوله إحدى الزوائد الاربع، وهي: الهمزة، والتاء، والنون، والياء، كقولك: أقوم، وتقوم ونقوم، ويقوم. وتخليص المستقبل عن الحاضر بدخول السين أو سوف عليه، كقولك: سيقوم وسوف يقوم. وأما فعل الامر، فما نزع منه حرف المضارعة لا غير، كقولك في يقوم قم، ونحوه. ويدخل في هذه الاقسام فعل ما لم يسم فاعله، وأفعال القلوب والجوارح، والافعال الناقصة، وأفعال المدح والذم، والتعجب. والفعل وإن كان كلمة مفردة عند النحاة مطلقا، فعند الحكماء المفرد منه إنما هو الماضي دون المضارع. وذلك، لان حرف المضارعة في المضارع هو

[ 61 ]

الدال على الموضوع، معينا كان أو غير معين، والمفرد هو الدال الذي لا جزء له يدل على شئ أصلا على ما سبق تحقيقه في حد المفرد. وهو بخلاف الماضي، فإنه، وإن دل على الفعل وعلى موضوعه، فليس فيه حرف يدل على الموضوع، فكان مفردا. وقد ألحق بعضهم ما كان من المضارع الذي في أوله الياء بالماضي في الافراد، دون غيره، لاشتراكهما في الدلالة على الفعل، وعلى موضوع له غير معين، وليس بحق. فإنهما، وإن اشتركا في هذا المعنى، فمفترقان من جهة دلالة الياء على الموضوع الذي ليس معينا، بخلاف الماضي، حيث إنه لم يوجد منه حرف يدل على الموضوع كما سبق. الفصل السادس في الحرف وأصنافه الحرف ما دل على معنى في غيره، وهو على أصناف: منها حرف الاضافة، وهو ما يفضي بمعاني الافعال إلى الاسماء. وهو ثلاثة أقسام: الاول: منه ما لا يكون إلا حرفا كمن، وإلى، وحتى، وفي، والباء، واللام، ورب، وواو القسم، وتائه. أما من فهي قد تكون لابتداء الغاية، كقولك: سرت من بغداد، وللتبعيض، كقولك: أكلت من الخبز، ولبيان الجنس، كقولك: خاتم من حديد، وزائدة، كقولك: ما جاءني من أحد.

[ 62 ]

وأما إلى فهي قد تكون لانتهاء الغاية، كقولك: سرت إلى بغداد، وبمعنى مع، كقوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) * (4) النساء: 2)، وأما حتى ففي معنى إلى وأما في فللظرفية، كقولك، وزيد في الدار. وقد ترد بمعنى على، كقوله تعالى: * (ولاصلبنكم في جذوع النخل) * (20) طه: 71). وقد يتجوز بها في قولهم، نظرت في العلم الفلاني. وأما الباء فللالصاق، كقولك: به داء. وقد تكون للاستعانة، كقولك: كتبت بالقلم. والمصاحبة، كقولك: اشتريت الفرس بسرجه، وقد ترد بمعنى على، قال الله تعالى: * (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) * (3) آل عمران: 75)، أي على قنطار، وعلى دينار، وقد ترد بمعنى من أجل، قال الله تعالى: * (ولم أكن بدعائك رب شقيا) * (19) مريم: 4) أي لاجل دعائك، وقيل بمعنى في دعائك. وقد تكون زائدة، كقوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (2) البقرة: 195). وأما اللام فهي للاختصاص، كقولك: المال لزيد، وقد تكون زائدة، كقوله: ردف لكم. وأما رب فهي للتقليل، ولا تدخل إلا على النكرة، كقولك: رب رجل عالم. وأما واو القسم فمبدلة عن باء الالصاق، في قولك: أقسمت بالله. والتاء مبدلة من الواو في تالله. القسم الثاني: ما يكون حرفا واسما، كعلى، وعن، والكاف، ومذ، ومنذ. فأما على فهي للاستعلاء، وهي إما حرف، كقولك: على زيد دين، وإما اسم، كقول الشاعر: غدت من عليه بعدما تظمئها تصل وعن قيض بزيزاء مجهل

[ 63 ]

وأما عن فللمباعدة: وهي إما حرف، كقوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * (24) النور: 63) وإما اسم، كقولك: جلست من عن يمينه. وأما الكاف فقد تكون حرفا للتشبيه، كقولك: زيد كعمرو. وقد تكون اسما، كقول الشاعر: يضحكن عن كالبرد المنهم وأما مذ ومنذ فحرفان لابتداء الغاية في الزمان، تقول: ما رأيته مذ اليوم، ومنذ يوم الجمعة. وقد يكونان اسمين، إذا رفعا ما بعدهما. القسم الثالث: ما يكون حرفا وفعلا، كحاشا، وخلا، وعدا. فإنها تخفض ما بعدها بالحرفية، وقد تنصبه بالفعلية ومنها الحرف المضارع للفعل، وهو ينصب الاسم ويرفع الخبر، مثل: إن، وأن، ولكن، وكأن، وليت، ولعل. ومنها حروف العطف، وهي عشرة: منها أربعة تشتر ك في جميع المعطوف والمعطوف عليه في حكم، غير أنها تختلف في أمور أخرى، وهذه هي الواو، والفاء، وثم وحتى. أما الواو فقد اتفق جماهير أهل الادب على أنها للجمع المطلق غير مقتضية ترتيبا ولا معية. ونقل عن بعضهم أنها للترتيب مطلقا، ونقل عن الفراء أنها للترتيب حيث يستحيل الجمع، كقوله: * (يا أيها الذين آمنوا، اركعوا، واسجدوا) * (22) الحج: 77)، وقيل إنها ترد بمعنى أو كقوله تعالى: * (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع) * (35) فاطر: 1) قيل، أراد مثنى، أو ثلاث، أو رباع. وقد ترد للاستئناف، كالواو في قوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) * (3) آل عمران: 7) تقديره، والراسخون يقولون آمنا به وقد ترد بمعنى مع في باب المفعول معه، تقول: جاء البرد والطيالسة. وقد ترد بمعنى إذ قال الله تعالى: * (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا) * (3) آل عمران: 154) إلى قوله: * (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) * (3) آل عمران: 154) أي إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم.

[ 64 ]

احتج القائلون بالجمع المطلق من تسعة أوجه: الاول: أنه لو كانت الواو في قول القائل: رأيت زيدا وعمرا للترتيب، لما صح قوله تعالى: (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) * (2) البقرة: 58) في آية، وفي آية أخرى: * (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا) * (7) الاعراف: 161) مع اتحاد القضية، لما فيه من جعل المتقدم متأخرا، والمتأخر متقدما. الثاني: أنه لو كانت للترتيب، لما حسن قول القائل: تقاتل زيد وعمرو إذ لا ترتيب فيه. الثالث: أنه كان يلزم أن يكون قول القائل: جاء زيد وعمرو كاذبا عند مجيئهما معا، أو تقدم المتأخر، وليس كذلك. الرابع: أنه كان يلزم أن يكون قوله: رأيت زيدا وعمرا بعده تكريرا، وقبله تناقضا. الخامس: أنها لو كانت للترتيب، لما حسن الاستفسار عن تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، لكونه مفهوما من ظاهر العطف. السادس: أنه كان يجب على العبد الترتيب، عند قول سيده له، إيت بزيد وعمرو. السابع: هو أن واو العطف في الاسماء المختلفة جارية مجرى واو الجمع، وفي الاسماء المتماثلة مجرى ياء التثنية، وهما لا يقتضيان الترتيب، فكذلك ما هو جار مجراهما. الثامن: أن الجمع المطلق معقول، فلا بد له من حرف يفيده، وليس ثم من الحروف ما يفيده سوى الواو بالاجماع فتعين أن يكون هو الواو. التاسع: أنها لو أفادت الترتيب، لدخلت في جواب الشرط كالفاء، ولا يحسن أن يقال: إذا دخل زيد الدار وأعطه درهما كما يحسن أن يقال: فأعطه درهما. ولقائل أن يقول: على الوجه الاول: إذا كان من أصل المخالف أن الواو ظاهرة في الترتيب، فلا يمنع ذلك من حملها على غير الترتيب تجوزا، وعلى هذا فحيث تعذر حملها على الترتيب في الآيتين المذكورتين، لا يمنع من استعمالها في غير الترتيب بجهة التجوز.

[ 65 ]

وكذلك الكلام في قولهم: تقاتل زيد وعمرو ولا يلزم من التجوز بالواو في غير الترتيب أن يتجوز عنه بالفاء وثم، إذ هو غير لازم مع اختلاف الحروف. وعلى الوجه الثالث: أنه لا يلزم أن يكون كاذبا بتقدير المعية، أو تقدم المتأخر في اللفظ لامكان التجوز بها عن الجمع المطلق، كما لو قال: رأيت أسدا وكان قد رأى إنسانا شجاعا. وعلى الرابع: أنه إذا قال: رأيت زيدا وعمرا بعده لا يكون تكريرا، لانه يكون مفيدا لامتناع حمله على الجمع المطلق، لاحتمال توهمه بجهة التجوز. وإذا قال: رأيت زيدا وعمرا قبله لا يكون تناقضا، لكونه مفيدا لارادة جهة التجوز. وعلى الخامس: أنه إنما حسن الاستفسار لاحتمال اللفظ له تجوزا. وعلى السادس: أنه إنما لم يجب على العبد الترتيب نظرا إلى قرينة الحال المقتضية لارادة جهة التجوز، حتى إنه لو فرض عدم القرينة، لقد كان ذلك موجبا للترتيب. فإن قيل: لو كانت الواو حقيقة في الترتيب، فإفادتها للجمع المطلق عند تفسيرها به: إن كان مجازا، فهو خلاف الاصل، وإن كان حقيقة، فليزم منه الاشتراك، وهو أيضا على خلاف الاصل. قلنا: ولو كانت حقيقة في الجمع المطلق، فإفادتها للترتيب عند تفسيرها به، وإن كان مجازا فهو خلاف الاصل، وإن كان حقيقة كان مشتركا، وهو خلاف الاصل. وليس أحد الامرين أولى من الآخر فإن قيل: بل ما ذكرناه أولى، لانها إذا كانت حقيقة في الترتيب خلا الجمع المطلق عن حرف يخصه، ويدل عليه، وإذا كانت حقيقة في الجمع المطلق، لم يخل الترتيب عن حرف يدل عليه لدلالة الفاء وثم عليه. قلنا: فنحن إنما نجعلها حقيقة في الترتيب المطلق المشترك بين الفاء وثم وذلك مما لا تدل عليه الفاء وثم دلالة مطابقة، بل إما بجهة التضمن أو

[ 66 ]

الالتزام. وكما أنها تدل على الترتيب المشترك بدلالة التضمن أو الالتزام، فتدل على الجمع المطلق هذه الدلالة. وعند ذلك فليس إخلاء الترتيب المشترك عن لفظ يطابقه، أولى من إخلاء الجمع المطلق. وعلى السابع: أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كانت الواو جارية مجرى واو الجمع وياء التثنية مطلقا، وليس كذلك، لانه لا مانع من كونها جارية مجراهما في مطلق الجمع، مع كونها مختصة بالترتيب. كما في الفاء وثم. وعلى الثامن: أنه كما أن الجمع المطلق معقول، ولا بد له من حرف يدل عليه فالترتيب المطلق أيضا معقول وبد له من حرف يدل عليه. وليس ما يفيده بالاجماع سوى الواو فتعين، كيف وإن الجمع المطلق حاصل بقوله: رأيت زيدا، رأيت عمرا. وعلى التاسع: أن ما ذكروه منتقض بثم وبعد. وأما المثبتون للترتيب، فقد احتجوا بالنقل، والحكم، والمعنى أما النقل فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، اركعوا، واسجدوا) * (22) الحج: 77) فإنه مقتض للترتيب، وأيضا ما روي أنه لما نزل قوله تعالى: * (إن الصفا والمروة من شعائر الله) * (2) البقرة: 58) قال الصحابة للنبي عليه السلام: بم نبدأ ؟ قال: ابدؤوا بما بدأ الله به ولولا أن الواو للترتيب، لما كان كذلك. وأيضا ما روي أن واحدا قام بين يدي رسول الله وقال: من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى، ومن عصاهما فقد غوى فقال عليه السلام بئس خطيب القوم أنت، قل ومن عصى الله ورسوله فقد غوى ولو كانت الواو للجمع المطلق، لما وقع الفرق.

[ 67 ]

وأيضا ما روي عن عمر أنه قال لشاعر قال: كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا لو قدمت الاسلام على الشيب لاجزتك وكان عمر من أهل اللسان، وذلك يدل على الترتيب. وأيضا ما روي أن الصحابة أنكروا على ابن عباس، وقالوا له: لم تأمرنا بالعمرة قبل الحج، وقد قال الله: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (2) البقرة: 196) وكانوا أيضا من أهل اللسان وذلك يدل على الترتيب ولولا أن الواو للترتيب، لما كان كذلك. وأما الحكم، فإنه لو قال الزوج لزوجته قبل الدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق وقع بها طلقة واحدة، ولو كانت الواو للجمع المطلق لوقعت الثلاث، كما لو قال لها: أنت طالق ثلاثا. وأما المعنى، فهو أن الترتيب في اللفظ يستدعي سببا، والترتيب في الوجود صالح له، فوجب الحمل عليه. أجاب النافون عن النقل: أما الآية، فلا نسلم أن الترتيب مستفاد منها، بل من دليل آخر، وهو أن النبي عليه السلام صلى ورتب الركوع قبل السجود، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي ولو كانت الواو للترتيب، لما احتاج النبي عليه السلام إلى هذا البيان. وأما قوله عليه السلام: ابدؤوا بما بدأ الله به فهو دليل عليهم، حيث سأله الصحابة عن ذلك مع أنهم من أهل اللسان، ولو كانت الواو للترتيب لما احتاجوا إلى ذلك السؤال. ولقائل أن يقول: ولو كانت للجمع المطلق، لما احتاجوا إلى السؤال، فيتعارضان، ويبقى قوله عليه السلام: ابدؤوا بما بدأ الله به وهو دليل الترتيب. وأما قوله عليه السلام: قل ومن عصى الله ورسوله فقد غوى إنما قصد به إفراد ذكر الله تعالى أولا مبالغة في تعظيمه، لا أن الواو للترتيب، ويدل عليه أن معصية الله ورسوله لا انفكاك لاحداهما عن الاخرى، حتى يتصور فيهما الترتيب.

[ 68 ]

وأما قول عمر، فمبني على قصد التعظيم بتقديم ذكر الاعظم، على قصد الترتيب. وأما قصة الصحابة مع ابن عباس، فلم يكن مستند إنكارهم لامره بتقديم العمرة على الحج، كون الآية مقتضية لترتيب العمرة بعد الحج، بل لانها مقتضية للجمع المطلق، وأمره بالترتيب مخالف لمقتضى الآية، كيف وإن فهمهم لترتيب العمرة على الحج من الآية معارض بما فهمه ابن عباس، وهو ترجمان القرآن. وأما الحكم فهو ممنوع على أصل من يعتقد أن الواو للجمع المطلق. وبه قال أحمد بن حنبل، وبعض أصحاب مالك، والليث بن سعد، وربيعة بن أبي ليلى. وقد نقل عن الشافعي ما يدل عليه في القديم. وإن سلم ذلك، فالوجه في تخريجه أن يقال: إذا قال لها أنت طالق ثلاثا، فالاخير تفسير للاول، والكلام يعتبر بجملته، بخلاف قوله: أنت طالق وطالق وطالق. وأما المعنى فهو منقوض بقوله: رأيت زيدا، رأيت عمرا فإن تقديم أحد الاسمين في الذكر لا يستدعي تقديمه في نفس الامر إجماعا. كيف وإنه يجوز أن يكون السبب في تقديمه ذكرا لزيادة حبه له واهتمامه بالاخبار عنه، أو لانه قصد الاخبار عنه لا غير، ثم تجدد له قصد الاخبار عن الآخر عند إخباره عن الاول. وبالجملة فالكلام في هذه المسألة متجاذب، وإن كان الارجح هو الاول في النفس. وأما الفاء وثم وحتى، فإنها تقتضي الترتيب. وتختلف من جهات أخر. فأما الفاء فمقتضاها إيجاب الثاني بعد الاول من غير مهلة. هذا مما اتفق الادباء على نقله عن أهل اللغة. وقوله تعالى * (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا) * (7) الاعراف: 4) وإن كان مجئ البأس لا يتأخر عن الهلاك، فيجب تأويله بالحكم بمجئ البأس بعد هلاكها ضرورة موافقة للنقل. وقوله تعالى: * (لا تفتروا على الله كذبا

[ 69 ]

فيسحتكم بعذاب) * (20) طه: 61) وقوله تعالى: * (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) * (2) البقرة: 283) فإنه، وإن كان الاسحات بالعذاب مما يتراخى عن الافتراءه بالكذب. وكذلك الرهن مما يتراخى عن المداينة، غير أنه يجب تأويله بأن حكم الافتراء، الاسحات، وحكم المداينة، الرهنية، لما ذكرناه من موافقة النقل. وقد ترد الفاء مورد الواو كقول الشاعر: بسقط اللوى بين الدخول فحومل وأما ثم فإنها توجب الثاني بعد الاول بمهلة: وقوله تعالى: * (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) * (20) طه: 82) وإن كان الاهتداء يتراخى عن التوبة والايمان والعمل الصالح، فيجب حمله على دوام الاهتداء وثباته، ضرورة موافقة النقل. وقيل إنها قد ترد بمعنى الواو كقوله تعالى: * (فإلينا مرجعهم، ثم الله شهيد على ما يفعلون) * (10) يونس: 46) لاستحالة كونه شاهدا بعد أن لم يكن شاهدا. وأما حتى فموجبة لكون المعطوف جزءا من المعطوف عليه، نحو قولك: مات الناس حتى الانبياء، وقدم الحاج حتى المشاة. فالاول أفضله، والثاني دونه. وثلاثة منها تشترك في تعليق الحكم بأحد المذكورين وهي: أو، وإما، وأم. إلا أن أو وإما يقعان في الخبر والامر والاستفهام. وأم لا تقع إلا في الاستفهام. غير أن أو وإما في الخبر للشك، تقول: جاء زيد أو عمرو، وجاء إما زيد وإما عمرو، وفي الامر للتخيير تقول: اضرب زيدا أو عمرا، واضرب إما زيدا وإما عمرا. وللاباحة تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين. وأو في الاستفهام مع الشك في وجود الامرين، وأم مع العلم بأحدهما والشك في تعيينه. وثلاثة منها تشترك في أن المعطوف مخالف للمعطوف عليه في حكمه، وهي: لا، وبل، ولكن. تقول: جاءني زيد لا عمر، بل عمرو، وما جاءني زيد لكن عمرو ومنها: حروف النفي، وهي: ما، ولا، ولم، ولما، ولن، وإن بالتخفيف.

[ 70 ]

فأما ما فلنفي الحال، أو الماضي القريب من الحال، كقولك ما تفعل، ما فعل. وأما لا فلنفي المستقبل، إما خبرا كقولك: لا رجل في الدار، أو نهيا، كقولك: لا تفعل، أو دعاء كقولك: لا رعاك الله. وأما لم ولما فلقلب المضارع إلى الماضي، تقول: لم يفعل، ولما يفعل، ولن لتأكيد المستقبل، كقولك: لن أبرح اليوم مكاني، تأكيدا كقولك: لا أبرح اليوم مكاني. وإن لنفي الحال كقوله تعالى: * (إن كانت إلا صيحة واحدة) * (36) يس: 29). ومنها حروف التنبيه، وهي: ها، وألا، وأما. تقول: ها أفعل كذا، وألا زيد قائم، وأما إنك خارج. ومنها حروف النداء، وهي: يا، وأيا، وهيا، وأي، والهمزة، ووا. والثلاثة الاول لنداء البعيد، وأي والهمزة للقريب، ووا للندبة. ومنها حروف التصديق والايجاب، وهي: نعم، وبلى، وأجل، وجير، وإي، وإن، فنعم، مصدقة لما سبق من قول القائل: قام زيد، ما قام زيد، وبلى لايجاب ما نفي، كقولك: بلى، لمن قال: ما قام زيد. وأجل لتصديق الخبر لا غير، كقولك: أجل، لمن قال: جاء زيد. وجير وإن وإي للتحقيق، تقول: جير لافعلن كذلك، وإن الامر كذا، وإي والله، ومنها حروف الاستثناء، وهي: إلا، وحاشا، وعدا، وخلا. والحرف المصدري، وهو: ما في قولك: أعجبني ما صنعت، أي صنعك. وأن في قولك: أريد أن تفعل كذا، أي فعلك. وحروف التحضيض، وهي: لولا، ولو ما، وهلا، وألا فعلت كذا، إذا أردت الحث على الفعل.

[ 71 ]

وحرف تقريب الماضي من الحال، وهو قد في قولك: قد قام زيد. وحروف الاستفهام، وهي: الهمزة، وهل، في قولك: أزيد قام ؟ وهل زيد قائم ؟ وحروف الاستقبال، وهي: السين، وسوف وأن، ولا، وإن. في قولك سيفعل، وسوف يفعل، وأريد أن تفعل، ولا تفعل، وإن تفعل. وحروف الشرط، وهي: إن، ولو، في قولك: إن جئتني، ولو جئتني أكرمتك. وحرف التعليل، وهو كي، في قولك: قصدت فلانا كي يحسن إلي. وحرف الردع، وهو: كلا، في قولك جوابا لمن قال لك: إن الامر كذا. ومنها حروف اللامات، وهي: لام التعريف الداخلة على الاسم المنكر لتعريفه كالرجل، ولام جواب القسم، في قولك: والله لافعلن كذا، والموطئة للقسم، في قولك: والله لئن أكرمتني لاكرمنك، ولام جواب لو، ولولا، في قولك: لو كان كذا لكان كذا، ولولا كان كذا لكان كذا، ولام الامر، في قولك: ليفعل زيد، ولام الابتداء في قولك: لزيد منطلق. ومنها تاء التأنيث الساكنة، في قولك: فعلت. ومنها التنوين، والنون المؤكدة، في قولك: والله لافعلن كذا. وهذا اخر الكلام في النوع الاول. النوع الثاني: في تحقيق مفهوم المركب من مفردات الالفاظ، وهو الكلام. اعلم أن اسم الكلام قد يطلق على العبارات الدالة بالوضع تارة، وعلى مدلولها القائم بالنفس تارة، على ما حققناه في كتبنا الكلامية. والمقصود هاهنا إنما هو معنى الكلام اللساني دون النفساني. والكلام اللساني قد يطلق تارة على ما ألف من الحروف والاصوات من غير دلالة على شئ، ويسمى مهملا، وإلى ما يدل. ولهذا، يقال في اللغة: هذا

[ 72 ]

كلام مهمل، وهذا كلام غير مهمل، وسواء كان إطلاق الكلام على المهمل حقيقة أو مجازا. والغرض هاهنا إنما هو بيان الكلام الذي ليس بمهمل لغة، وقد اختلف فيه: فذهب أكثر الاصوليين إلى أن الكلمة الواحدة، إذا كانت مركبة من حرفين فصاعدا، كلام ولا جرم، قالوا في حده: هو ما انتظم من الحروف المسموعة المميزة المتواضع على استعمالها الصادرة عن مختار واحد. وقصدوا بالقيد الاول، الاحتراز عن الحرف الواحد، كالزاي من زيد، وبالقيد الثاني، الاحتراز عن حروف الكتابة، وبالقيد الثالث، الاحتراز عن أصوات كثيرة من البهائم، والمهملات من الالفاظ، وبالقيد الرابع، الاحتراز عن الاسم الواحد، إذا صدرت حروفه كل حرف من شخص، فإنه لا يسمى كلاما. ومنهم من قال إن الكلمة الواحدة تسمى كلاما. لكن اختلفوا فيما اجتمع من كلمات، وهو غير مفيد، كقول القائل: زيد لا كلما، ونحوه، هل هو كلام، فمنهم من قال إنه كلام لان آحاد كلماته وضعت للدلالة. ومنهم من لم يسمه كلاما والنزاع في إطلاق اسم الكلام في هذه الصور مائل إلى الاصطلاح الخارج عن وضع اللغة باتفاق من أهل الادب. وأما مأخذه في اصطلاح أهل اللغة، قال الزمخشري، وهو ناقد بصير في هذه الصناعة: الكلام، هو المركب من كلمتين، أسندت إحداهما إلى الاخرى. فقوله: المركب من كلمتين احتراز عن الكلمة الواحدة. وقوله: أسندت إحداهما إلى الاخرى احتراز عن قولك: زيد عمرو، وعن قولك: زيد على، أو زيد في، أو قام في. فإن المجموع منهما مركب من كلمتين وليس بكلام، لعدم إسناد إحداهما إلى الاخرى. وأقل ما يكون ذلك من اسمين، كقولك: زيد قائم، أو اسم وفعل، كقولك: زيد قام، وتسمى الاولى جملة اسمية، والثانية جملة فعلية. ولا يتركب الكلام من الاسم والحرف فقط، ولا من الافعال وحدها، ولا من الحروف، ولا من الافعال والحروف.

[ 73 ]

فإن قيل: ما ذكرتموه من الحد منتقض بما تركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الاخرى، وهما مهملتان، فإنه لا يكون كلاما، وذلك كما لو أسندت مقلوب زيد إلى مقلوب رجل، فقلت: ديز هو لجر. قلنا: المراد من الكلمة التمنها التأليف، اللفظة الواحدة الدالة بالوضع على معنى مفرد، ولا وجود لذلك فيما ذكروه. غير أن ما ذكروه من الحد يدخل فيه قول القائل: حيوان ناطق، وإنسان عالم، وغير ذلك من النسب التقييدية. فإنه لا يعد كلاما مفيدا، وإن أسند فيه إحدى الكلمتين إلى الاخرى، والوجب أن يقال: الكلام ما تألف من كلمتين تأليفا يحسن السكوت عليه. الاصل الثاني في مبدإ اللغات وطرق معرفتها أول ما يجب تقديمه أن ما وضع من الالفاظ الدالة على معانيها هل هو لمناسبة طبيعية بين اللفظ ومعناه، أم لا. فذهب أرباب علم التكسير وبعض المعتزلة إلى ذلك، مصيرا منهم إلى أنه لو لم يكن بين اللفظ ومعناه مناسبة طبيعية، لما كان اختصاص ذلك المعنى بذلك اللفظ أولى من غيره، ولا وجه له فإنا نعلم أن الواضع في ابتداء الوضع، لو وضع لفظ الوجود على العدم، والعدم على الوجود، واسم كل ضد على مقابله، لما كان ممتنعا، كيف وقد وضع ذلك كما في اسم الجون، والقرء ونحوه، والاسم الواحد لا يكون مناسبا بطبعه لشئ، ولعدمه. وحيث خصص الواضع بعض الالفاظ ببعض المدلولات، إنما كان ذلك نظرا إلى الارادة المخصصة، كان الواضع هو الله تعالى، أو المخلوق إما لغرض، أو لا لغرض، وإذا بطلت المناسبة الطبيعية، وظهر أن مستند تخصيص بعض الالفاظ ببعض المعاني إنما هو الوضع الاختياري

[ 74 ]

فقد اختلف الاصوليون فيه: فذهب الاشعري وأهل الظاهر، وجماعة من الفقهاء إلى أن الواضع هو الله تعالى، ووضعه متلقي لنا من جهة التوقيف الالهي إما بالوحي، أو بأن يخلق الله الاصوات والحروف، ويسمعها لواحد أو لجماعة، ويخلق له أو لهم العلم الضروري بأنها قصدت للدلالة على المعاني، محتجين على ذلك بآيات، منها قوله تعالى: * (وعلم آدم الاسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا: سبحانك، لا علم لنا إلا ما علمتنا) * (2) البقرة: 31) دل على أن آدم والملائكة لا يعلمون إلا بتعليم الله تعالى، ومنها قوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (6) الانعام: 38) وقوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وقوله تعالى: * (اقرأ باسم ربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم) * (96) العلق: 3 - 5) واللغات داخلة في هذه المعلومات، وقوله تعالى: * (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) * (53) النجم: 23) ذمهم على تسمية بعض الاشياء من غير توقيف، فدل على أن ما عداها توقيف. وقوله تعالى: * (ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف ألسنتكم) * (30) الروم: 22) والمراد به اللغات لا نفس اختلاف هيئات الجوارح من الالسنة لان اختلاف اللغات أبلغ في مقصود الآية، فكان أولى بالحمل عليه. وذهبت البهشمية وجماعة من المتكلمين إلى أن ذلك من وضع أرباب اللغات واصطلاحهم، وأن واحدا أو جماعة انبعثت داعيته، أو دواعيهم، إلى وضع هذه الالفاظ بإزاء معانيها. ثم حصل تعريف الباقين بالاشارة والتكرار، كما يفعل الوالدان بالولد الرضيع، وكما يعرف الاخرس ما في ضميره بالاشارة والتكرار مرة بعد أخرى، محتجين على ذلك بقوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) * (14) إبراهيم: 4 وهذا دليل على تقدم اللغة على البعثة والتوقيف. وذهب الاستاذ أبو إسحاق الاسفرائني إلى أن القدر الذي يدعو به الانسان غيره إلى التواضع، بالتوقيف، وإلا فلو كان بالاصطلاح، فالاصطلاح عليه

[ 75 ]

متوقف على ما يدعو به الانسان غيره إلى الاصطلاح على ذلك الامر، فإن كان بالاصطلاح لزم التسلسل وهو ممتنع، فلم يبق غير التوقيف، وجوز حصول ما عدا ذلك بكل واحد من الطريقين. وذهب القاضي أبو بكر وغيره من أهل التحقيق، إلى أن كل واحد من هذه المذاهب ممكن بحيث لو فرض وقوعه، لم يلزم عنه محال لذاته، وأما وقوع البعض دون البعض، فليس عليه دليل قاطع، والظنون فمتعارضة يمتنع معها المصير إلى التعيين. هذا ما قيل، والحق أن يقال إن كان المطلوب في هذه المسألة يقين الوقوع لبعض هذه المذاهب. فالحق ما قاله القاضي أبو بكر إذ لا يقين من شئ منها على ما يأتي تحقيقه. وإن كان المقصود إنما هو الظن، وهو الحق، فالحق ما صار إليه الاشعري، لما قيل من النصوص لظهورها في المطلوب فإن قيل لا نسلم ظهور النصوص المذكورة في المطلوب. أما قوله تعالى: * (وعلم آدم الاسماء كلها) * (2) البقرة: 31) فالمراد بالتعليم إنما هو إلهامه، وبعث داعيته على الوضع، وسمي بذلك معلما لكونه الهادي إليه، لا بمعنى أنه أفهمه ذلك بالخطاب على ما قال تعالى في حق داود: * (وعلمناه صنعة لبوس لكم) * (21) الانبياء: 80) معناه ألهمناه ذلك. وقوله تعالى في حق سليمان: * (ففهمناها سليمان) * (21) الانبياء: 79) أي ألهمناه. سلمنا أن المراد به الافهام بالخطاب والتوقيف. ولكن أراد به كل الاسماء مطلقا. أو الاسماء الي كانت موجودة في زمانه. الاول ممنوع، والثاني مسلم. سلمنا أنه أراد به جميع الاسماء مطلقا، غير أن ذلك يدل على أن علم آدم بها كان توقيفيا، ولا يلزم أن يكون أصلها بالتوقيف لجواز أن يكون من مصطلح خلق سابق على آدم، والباري تعالى علمه ما اصطلح عليه غيره. سلمنا أن جميع الاسماء المعلومة لآدم بالتوقيف له، ولكنه يحتمل أنه أنسيها، ولم

[ 76 ]

يوقف عليها من بعده. واصطلح أولاده من بعده على هذه اللغات، والكلام إنما هو في هذه اللغات. وأما قول الملائكة: * (لا علم لنا إلا ما علمتنا) * (2) البقرة: 31) فلا يدل على أن أصل اللغات التوقيف لما عرف في حق آدم. وقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (6) الانعام: 38) فالمراد به أن ما ورد في الكتاب لا تفريط فيه، وإن كان المراد به أنه بين فيه كل شئ، فلا منافاة بينه وبين كونه معرفا للغات من تقدم. وعلى هذا يخرج الجواب عن قوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وعن قوله: * (علم الانسان ما لم يعلم) * (96) العلق: 5). وأما آية الذم فالذم فيها، إنما كان على إطلاقهم أسماء الاصنام مع اعتقادهم كونها آلهة. وأما آية اختلاف الالسنة، فهي غير محمولة على نفس الجارحة بالاجماع، فلا بد من التأويل. وليس تأويلها بالحمل على اللغات أولى من تأويلها بالحمل على الاقدار على اللغات، كيف وإن التوقيف يتوقف على معرفة كون تلك الالفاظ دالة على تلك المعاني. وذلك لا يعرف إلا بأمر خارج عن تلك الالفاظ، والكلام فيه إن كان توقيفيا كالكلام في الاول وهو تسلسل ممتنع، فلم يبق غير الاصطلاح. ثم ما ذكرتموه معارض بقوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) * (4) إبراهيم: 4). وذلك يدل على سبق اللغات على البعثة. والجواب: قولهم: المراد من تعليم آدم إلهامه بالوضع والاصطلاح مع نفسه، وهو خلاف الظاهر من إطلاق لفظ التعليم. ولهذا فإن من اخترع أمرا، واصطلح عليه مع نفسه، يصح أن يقال إنه ما علمه أحد ذلك، ولو كان إطلاق التعليم بمعنى الالهام بما يفعله الانسان مع نفسه حقيقة، لما صح نفيه. وحيث صح نفيه، دل

[ 77 ]

على كونه مجازا. والاصل في الاطلاق الحقيقة، ولا يلزم من التأويل فيما ذكروه من التعليم في حق داود وسليمان التأويل فيما نحن فيه، إلا أن الاشتراك في دليل التأويل، والاصل عدمه. وقولهم: أراد به الاسماء الموجودة في زمانه، إنما يصح أن لو لم يكن جميع الاسماء موجودة في زمانه، وهو غير مسلم، بل الباري تعالى علمه كل ما يمكن التخاطب به، ويجب الحمل عليه عملا بعموم اللفظ. قولهم: من الجائز أن يكون جميع الاسماء من مصطلح من كان قبل آدم. قلنا: وإن كان ذلك محتملا، إلا أن الاصل عدمه، فمن ادعاه يحتاج إلى دليل، وبه يبطل أنه يحتمل أنه أنسيها، إذ الاصل عدم النسيان، وبقاء ما كان على ما كان. وعلى هذا فقد خرج الجواب عما ذكروه من تأويل قول الملائكة: * (لا علم لنا إلا ما علمتنا) * (2) البقرة: 31) إذ هو مبني على ما قيل من التأويل في حق آدم، وقد عرف جوابه. قولهم: المراد من قوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (6) الانعام: 38) أنه لا تفريط فيما في الكتاب، ليس كذلك. فإن ذلك معلوم لكل عاقل قطعا. فحمل اللفظ عليه لا يكون مفيدا. قولهم: لا منافاة بينه وبين كونه معرفا للغات من تقدم، فقد سبق جوابه، وبه يخرج الجواب عما ذكروه على قوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وعن قوله: * (علم الانسان ما لم يعلم) * (96) العلق: 5). قولهم في آية الذم، إنما ذمهم على اعتقادهم، كون الاصنام آلهة، فهو خلاف الظاهر من إضافة الذم إلى التسمية. ولا يقبل من غير دليل.

[ 78 ]

وما ذكروه على الآية الاخيرة، فلا يخفى أن الترجيح بحمل اللفظ على اختلاف اللغات دون حمله على الاقدار على اللغات، لكونه أقل في الاضمار، إذ هو يفتقر إلى إضمار اللغات لا غير. وما ذكروه يفتقر إلى إضمار القدرة على اللغات، فلا يصار إليه. قولهم في المعنى إنه يفضي إلى التسلسل، ليس كذلك، فإنه لا مانع أن يخلق الله تعالى العبارات، ويخلق لمن يسمعها العلم الضروري بأن واضعا وضعها لتلك المعاني، كما سبق. ثم ما ذكروه لازم عليهم في القول بالاصطلاح فإن ما يدعى به إلى الوضع والاصطلاح لا بد وأن يكون معلوما. فإن كان معلوما بالاصطلاح لزم التسلسل، وهو ممتنع، فلم يبق غير التوقيف. وما ذكروه من المعارضة بالآية الاخيرة، فإنما يلزم أن لو كان طريق التوقيف منحصرا في الرسالة، وليس كذلك، بل جاز أن يكون أصل التوقيف معلوما، إما بالوحي من غير واسطة، وإما بخلق اللغات، وخلق العلم الضروري للسامعين بأن واضعا وضعها لتلك المعاني على ما سبق. وأما طرق معرفتها لنا، فاعلم أن ما كان منها معلوما بحيث لا يتشكك فيه مع التشكيك، كعلمنا بتسمية الجوهر جوهرا، والعرض عرضا، ونحوه من الاسامي، فنعلم أن مدرك ذلك إنما هو التواتر القاطع. وما لم يكن معلوما لنا، ولا تواتر فيه، فطريق تحصيل الظن به إنما هو إخبار الآحاد. ولعل الاكثر إنما هو الاول.

[ 79 ]

القسم الثالث في المبادئ الفقهية والاحكام الشرعية اعلم أن الحكم الشرعي يستدعي حاكما، ومحكوما فيه، ومحكوما عليه فلنفرض في كل واحد أصلا، وهي أربعة أصول: الاصل الاول في الحاكم اعلم أنه لا حاكم سوى الله تعالى، ولا حكم إلا ما حكم به. ويتفرع عليه أن العقل لا يحسن، ولا يقبح، ولا يوجب شكر المنعم، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع. ولنرسم في كل واحد مسألة: المسألة الاولى مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أن الافعال لا توصف بالحسن والقبح لذواتها، وأن العقل لا يحسن ولا يقبح، وإنما إطلاق اسم الحسن والقبح عندهم باعتبارات ثلاثة، إضافية غير حقيقية. أولها: إطلاق اسم الحسن على ما وافق الغرض، والقبيح على ما خالفه. وليس ذلك ذاتيا لاختلافه وتبدله بالنسبة إلى اختلاف الاغراض، بخلاف اتصاف المحل بالسواد والبياض. وثانيها: إطلاق اسم الحسن على ما أمر الشارع بالثناء على فاعله، ويدخل فيه أفعال الله تعالى، والواجبات والمندوبات، دون المباحات. وإطلاق اسم القبيح على ما أمر الشارع بذم فاعله، ويدخل فيه الحرام، دون المكروه والمباح، وذلك أيضا مما يختلف باختلاف ورود أمر الشارع في الافعال.

[ 80 ]

وثالثها: إطلاق اسم الحسن على ما لفاعله مع العلم به، والقدرة عليه أن يفعله، بمعنى نفي الحرج عنه في فعله. وهو أعم من الاعتبار الاول لدخول المباح فيه. والقبيح في مقابلته، ولا يخفى أن ذلك أيضا مما يختلف باختلاف الاحوال، فلا يكون ذاتيا. وعلى هذا فما كان من أفعال الله تعالى بعد ورود الشرع فحسن بالاعتبار الثاني والثالث، وقبله بالاعتبار الثالث، وما كان من أفعال العقلاء قبل ورود الشرع فحسنه وقبيحه بالاعتبار الاول والثالث، وبعده بالاعتبارات الثلاثة. وذهب المعتزلة، والكرامية، والخوارج، والبراهمة، والثنوية وغيرهم إلى أن الافعال منقسمة إلى حسنة وقبيحة لذواتها، لكن منها ما يدرك حسنه وقبحه بضرورة العقل، كحسن الايمان، وقبح الكفران، أو بنظره كحسن الصدق المضرة، وقبح الكذب النافع، أو بالسمع كحسن العبادات، لكن اختلفوا:

[ 81 ]

فزعمت الاوائل من المعتزلة أن الحسن، والقبيح غير مختص بصفة موجبة لحسنه وقبحه، ومنهم من أوجب ذلك كالجبائية، ومنهم من فصل وأوجب ذلك في القبيح دون الحسن. ونشأ بينهم بسبب هذا الاختلاف اختلاف في العبارات الدالة على معنى للحسن والقبيح، أومأنا إليها وإلى مناقضتهم فيها في علم الكلام وقد احتج أصحابنا بحجج: الاولى: أنه لو كان الكذب قبيحا لذاته، للزم منه أنه إذا قال: إن بقيت ساعة أخرى كذبت، أن يكون الحسن منه في الساعة الاخرى الصدق، أو الكذب والاول ممتنع لما يلزمه من كذب الخبر الاول، وهو قبيح، وما لزم منه القبيح فهو قبيح، فلم يبق غير الثاني وهو المطلوب. الثانية: لو كان قبح الخبر الكاذب ذاتيا، فإذا قال القائل: زيد في الدار، ولم يكن فيها فالمقتضي لقبحه، إما نفس ذلك اللفظ، وإما عدم المخبر عنه، وإما مجموع الامرين، وإما أمر خارج: الاول: يلزمه قبح ذلك الخبر، وإن كان صادقا، والثاني: يلزمه أن يكون العدم علة للامر الثبوتي، والثالث: يلزمه أن يكون العدم جزء علة الامر الثبوتي، والكل محال. وإن كان الرابع، فذلك المقتضي الخارج إما لازم للخبر المفروض وإما غير لازم. فإن كان الاول، فإن كان لازما لنفس اللفظ، لزم قبحه وإن كان صادقا، وإن كان لازما لعدم المخبر عنه أو لمجموع الامرين، كان العدم مؤثرا في الامر الثبوتي، وهو محال. وإن كان لازما لامر خارج، عاد التقسيم في ذلك الخارج، وهو تسلسل. وإن لم يكن ذلك المقتضي

[ 82 ]

الخارج لازما للخبر الكاذب أمكن مفارقته له، فلا يكون الخبر الكاذب قبيحا. الثالثة: لو كان الخبر الكاذب قبيحا لذاته، فالمقتضي له لا بد وأن يكون ثبوتيا، ضرورة اقتضائه للقبح الثبوتي، وهو إن كان صفة لمجموع حروف الخبر، فهو محال، لاستحالة اجتماعها في الوجود، وإن كان صفة لبعضها، لزم أن تكون أجزاء الخبر الكاذب كاذبة، ضرورة كون المقتضي لقبح الخبر الكاذب، إنما هو الكذب، وذلك محال. الرابعة: أنه لو كان قبح الكذب وصفا حقيقيا، لما اختلف باختلاف الاوضاع، وقد اختلف، حيث إن الخبر الكاذب قد يخرج عن كونه كذبا وقبيحا بوضع الواضع له أمرا أو نهيا. الخامسة: لو كان الكذب قبيحا لذاته، لما كان واجبا ولا حسنا عند ما إذا استفيد به عصمة دم نبي عن ظالم يقصد قتله. السادسة: لو كان الظلم قبيحا لكونه ظلما، لكان المعلول متقدما على علته، لان قبح الظلم الذي هو معلول للظلم متقدم على الظلم، ولهذا ليس لفاعله أن يفعله، وكان القبح مع كونه وصفا ثبوتيا ضرورة اتصاف العدم بنقيضه معللا بما العدم جزء منه، وذلك لان مفهوم الظلم أنه إضرار غير مستحق، ولا استحقاق، عدم، وهو ممتنع. السابعة: أن أفعال العبد غير مختارة له، وما يكون كذلك لا يكون حسنا ولا قبيحا لذاته إجماعا، وبيان كونه غير مختار أن فعله إن كان لازما له، لا يسعه تركه، فهو مضطر إليه، لا مختار له، وإن جاز تركه، فإن افتقر في فعله إلى مرجح عاد التقسيم، وهو تسلسل ممتنع، وإلا فهو اتفاقي لا اختياري.

[ 83 ]

وهذه الحجج ضعيفة: أما الاولى: فلانه أمكن أن يقال بأن صدقه في الساعة الاخرى حسن، ولا يلزم من ملازمة القبيح له قبحه، وإن كان قبيحا من جهة استلزامه للقبيح، فلا يمتنع الحكم عليه بالحسن والقبح بالنظر إلى ما اختص به من الوجوه والاعتبارات الموجبة للحسن والقبح، كما هو مذهب الجبائية. وإن قدر امتناع ذلك، فلا يمتنع الحكم بقبح صدقه لما ذكروه، وقبح كذبه لكونه كذبا. وأما الثانية: فلانه لا امتناع من القول بقبح الخبر مشروطا بعدم زيد في الدار، والشرط غير مؤثر. وأما الثالثة: فلما يلزمها من امتناع اتصاف الخبر بكونه كاذبا وهو محال. وأما الرابعة: فلانه لا مانع من أن يكون قبح الخبر الكاذب مشروطا بالوضع، وعدم مطابقته للمخبر عنه، مع علم المخبر به، كما كان ذلك مشروطا في كونه كذبا. وأما الخامسة: فلان الكذب في الصورة المفروضة غير متعين لخلاص النبي لامكان الاتيان بصورة الخبر من غير قصد له، أو مع التعريض وقصد الاخبار عن الغير. وإذا لم يكن متعينا له، كان قبيحا. وإن قدر تعيينه، فالحسن والواجب، ما لازمه من تخليص النبي، لا نفس الكذب، واللازم غير الملزوم، وغايته أنه لا يأثم به مع قبحه، ولا يحرم شرعا لترجح المانع عليه. وأما السادسة: فلانه أمكن منع تقدم قبح الظلم عليه ضرورة كونه صفة له، بل المتقدم إنما هو الحكم على ما سيوجد من الظلم بكونه قبيحا شرعا وعرفا. وأمكن منع تعليل القبح بالعدم، وعدم الاستحقاق، وإن كان لازما للظلم، فلا

[ 84 ]

يلزم أن يكون داخلا في مفهومه. فأمكن أن يكون الظلم علة القبح بما فيه من الامر الوجودي، والعدم شرطه. وأما السابعة: فلانه يلزم أن يكون الرب تعالى مضطرا إلى أفعاله، غير مختار فيها لتحقق عين ما ذكروه من القسمة في أفعاله، وهو محال. ويلزم أيضا منها امتناع الحكم بالحسن والقبح الشرعي على الافعال، والجواب يكون مشتركا. والمعتمد في ذلك أن يقال لو كان فعل من الافعال حسنا أو قبيحا لذاته، فالمفهوم من كونه قبيحا وحسنا، ليس هو نفس ذات الفعل، وإلا كان من علم حقيقة الفعل عالما بحسنه وقبحه، وليس كذلك، لجواز أن يعلم حقيقة الفعل ويتوقف العلم بحسنه وقبحه على النظر، كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع. وإن كان مفهومه زائدا على مفهوم الفعل الموصوف به فهو صفة وجودية، لان نقيضه، وهو لا حسن ولا قبح، صفة للعدم المحض، فكان عدميا. ويلزم من ذلك كون الحسن والقبح وجوديا، وهو قائم بالفعل لكونه صفة له، ويلزم من ذلك قيام العرض بالعرض، وهو محال. وذلك لان العرض الذي هو محل العرض، لا بد وأن يكون قائما بالجوهر، أو بما هو في آخر الامر قائم بالجوهر، قطعا للتسلسل الممتنع، وقيام العرض بالجوهر لا معنى له غير وجوده في حيث الجوهر، تبعا له فيه وقيام أحد العرضين بالآخر لا معنى له سوى أنه في حيث العرض الذي قيل إنه قائم به، وحيث ذلك العرض هو حيث الجوهر، فهما في حيث الجوهر وقائمان به، ولا معنى لقيام أحدهما بالآخر، وإن كان قيام أحدهما بالآخر مشروطا بقيام العرض الآخر به فإن قيل: ما ذكرتموه يلزم منه امتناع اتصاف الفعل بكونه ممكنا، ومعلوما، ومقدورا، ومذكورا، وهو محال. ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيض مدلوله. وبيانه من جهة الاستدلال، والالزام: أما الاستدلال: فمن وجهين:

[ 85 ]

الاول: اتفاق العقلاء على حسن الصدق النافع، وقبح الكذب المضر، وكذلك حسن الايمان، وقبح الكفران، وغير ذلك، مع قطع النظر عن كل حالة تقدر من عرف أو شريعة، أو غير ذلك، فكان ذاتيا والعلم به ضروري. الثاني: إنا نعلم أن من استوى في تحصيل غرضه الصدق والكذب، وقطع النظر في حقه عن الاعتقادات والشرائع وغير ذلك من الاحوال، فإنه يميل إلى الصدق، ويؤثره، وليس ذلك إلا لحسنه في نفسه، وكذلك نعلم أن من رأى شخصا مشرفا على الهلاك وهو قادر على إنقاذه، فإنه يميل إليه، وإن كان بحيث لا يتوقع في مقابلة ذلك حصول غرض دنياوي ولا أخروي، بل ربما كان يتضرر بالتعب والتعني. وليس ذلك إلا لحسنه في ذاته. وأما من جهة الالزام: فهو أنه لو كان السمع، وورود الامر والنهي، هو مدرك الحسن والقبح، لما فرق العاقل بين من أحسن إليه، وأساء، ولما كان فعل الله حسنا قبل ورود السمع، ولجاز من الله الامر بالمعصية، والنهي عن الطاعة، ولجاز إظهار المعجزة على يد الكذاب، ولا امتنع الحكم بقبح الكذب على الله تعالى قبل ورود السمع، ولكان الوجوب أيضا متوقفا على السمع. ويلزم من ذلك إفحام الرسل من حيث إن النبي إذا بعث وادعى الرسالة، ودعا إلى النظر في معجزته، فللمدعو أن يقول: لا أنظر في معجزتك، ما لم يجب علي النظر. ووجوب النظر متوقف على استقرار الشرع بالنظر في معجزتك وهو دور والجواب، عن الاول: أن ما ذكروه من الصفات فأمور تقديرية، فمفهوم نقائضها سلب التقدير، والامور المقدرة ليست من الصفات العرضية، فلا يلزم منه قيام العرض بالعرض. فإن قيل مثله في الحسن والقبح، فقد خرج عن كونه من الصفات الثبوتية للذات، وهو المطلوب، وعن المعارضة الاولى بمنع إجماع العقلاء على السن والقبح فيما ذكروه. فإن من العقلاء من لا يعتقد ذلك، كبعض الملاحدة، ونحن أيضا

[ 86 ]

لا نوافق على قبح إيلام البهائم من غير جرم ولا غرض، وهو من صور النزاع، وإن كان ذلك متفقا عليه بين العقلاء، فلا يلزم أن يكون العلم به ضروريا، وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء عادة. وإن كان ذلك معلوما ضرورة، فلا يلزم من أن يكون ذاتيا، إلا أن يكون مجردا من أمر خارج، وهو غير مسلم على ما يأتي. وعن المعارضة الثانية، أنه لا يخلو إما أن يقال بالتفاوت بين الصدق والكذب ولو بوجه أو لا يقال به. والاول يلزمه إبطال الاستدلال. والثاني يمنع معه إيثار أحد الامرين دون الآخر. وعلى هذا إن كان ميله إلى الانقاذ لتحقق أمر خارج، فالاستدلال باطل، وإن لم يكن، فالميل إلى الانقاذ لا يكون مسلما، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه في حق الشاهد، فلا يلزم مثله في حق الغائب إلا بطريق قياسه على الشاهد، وهو متعذر لما بيناه في علم الكلام. ثم كيف يقاس، والاجماع منعقد على التفرقة، بتقبيح تمكين السيد لعبيده من الفواحش، مع العلم بهم والقدرة على منعهم، دون تقبيح ذلك بالنسبة إلى الله تعالى. فإن قيل: إنما لم يقبح من الله ذلك لعدم قدرته على منع الخلق من المعاصي، وذلك لان ما يقع من العبد من المعصية، لا بد وأن يكون وقوعها معلوما للرب، وإلا كان جاهلا بعواقب الامور، وهو محال. ومنع الرب تعالى من وقوع ما هو معلوم الوقوع له، لا يكون مقدورا كما ذهب إليه النظام. قلنا: فما قيل فهو بعينه لازم بالنسبة إلى السيد، وأولى أن لا يكون السيد قادرا على المنع ومع ذلك فالفرق واقع.

[ 87 ]

والجواب: عن الالزام الاول: أن مفهوم الحسن والقبح بمعنى موافقة الغرض ومخالفته، وبمعنى ما للفاعل أن يفعله، وأن لا يفعله متحقق قبل ورود الشرع، لا بالمعنى الذاتي. وعن الثاني: أن فعل الله قبل ورود الشرع حسن، بمعنى أن له فعله. وعن الثالث: أنه لا معنى للطاعة عندنا إلا ما ورد الامر به، ولا معنى للمعصية إلا ما ورد النهي عنه. وعلى هذا، فلا يمتنع ورود الامر بما كان منهيا، والنهي بما كان مأمورا. وعن الرابع: أنه إنما يلزم أن لو لم يكن لامتناع إظهار المعجزة على يد الكاذب مدرك سوى القبح الذاتي، وليس كذلك، وبه اندفاع الالزام الخامس أيضا. وعن السادس: ما سيأتي في المسألة بعدها، وإذا بطل معنى الحسن والقبح الذاتي لزم منه امتناع وجوب شكر المنعم عقلا، وامتناع حكم عقلي قبل ورود الشرع، إذ هما مبنيان على ذلك. غير أن عادة الاصوليين جارية لفرض الكلام في هاتين المسألتين إظهارا لما يختص بكل واحد من الاشكالات والمناقضات. المسألة الثانية مذهب أصحابنا وأهل السنة أن شكر المنعم واجب سمعا، لا عقلا، خلافا للمعتزلة في الوجوب العقلي. احتج أصحابنا على امتناع إيجاب العقل لذلك، بأن قالوا: لو كان العقل موجبا، فلا بد وأن يوجب لفائدة، وإلا كان إيجابه عبثا، وهو قبيح. ويمتنع عود الفائدة إلى الله تعالى لتعاليه عنها، وإن عادت إلى العبد. فإما أن تعود إليه في الدنيا، أو في الاخرى. الاول: محال، فإن شكر الله تعالى عند الخصوم ليس هو معرفة الله تعالى، لان الشكر فرع المعرفة، وإنما هو عبارة عن إتعاب النفس وإلزام المشقة لها

[ 88 ]

بتكليفها تجنب المستقبحات العقلية، وفعل المستحسنات العقلية، وهو فرع التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه، فلم يبق سوى التعب والعناء المحض الذي لا حظ للنفس فيه. والثاني: محال، لعدم استقلال العقل بمعرفة الفائدة الاخروية دون إخبار الشارع بها، ولا إخبار، وأيضا فإنه لا معنى لكون الشئ واجبا سوى ترجح فعله على تركه. وبالعقل يعرف الترجيح لا أنه مرجح، فلا يكون موجبا، إذ الموجب هو المرجح. وإذا بطل الايجاب العقلي تعين الايجاب الشرعي ضرورة انعقاد الاجماع على حصر الوجوب في الشرع والعقل. فإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني منهما. فإن قيل: شكر المنعم معلوم لكل أحد ضرورة، فما ذكرتموه استدلال على إبطال أمر ضروري، فلا يقبل. وإن لم يكن كذلك، فلم قلتم إن إيجاب العقل للشكر لا بد وأن يكون لفائدة، قولكم: حتى لا يكون عبثا قبيحا. فهذا منكم لا يستقيم مع إنكار القبح العقلي، كيف وإن تلك الفائدة إما أن تكون واجبة التحصيل وإما أن لا تكون كذلك: فإن كانت واجبة التحصيل، استدعت فائدة أخرى، وهو تسلسل ممتنع.

[ 89 ]

وإن لم تكن واجبة، فما يوجبه العقل بها أولى أن لا يكون واجبا، وإن كان لفائدة، فما المانع أن تكون الفائدة في الشكر نفس الشكر لا أمرا خارجا عنه، كما أن تحصيل المصلحة، ودفع المفسدة عن النفس مطلوب لنفسه لا لغيره. وإن كان لا بد من فائدة خارجة عن كون الشكر شكرا، فما المانع أن تكون الفائدة الامن من احتمال العقاب بتقدير عدم الشكر على ما أنعم الله به عليه من النعم، إذ هو محتمل، ولا يخلو العاقل عن خطور هذا الاحتمال بباله، وذلك من أعظم الفوائد، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه على امتناع الايجاب العقلي، لكنه بعينه دال على امتناع الايجاب الشرعي. والجواب أن ذاك يكون مشتركا، وإن لم يكن كذلك. ولكن ما ذكرتموه معارض بما يدل على جواز الايجاب العقلي. وذلك إنه لم يكن العقل موجبا لانحصرت مدارك الوجوب في الشرع، لما ذكرتموه من الاجماع. وذلك محال، لما يلزم عنه من إفحام الرسل، وإبطال مقصود البعثة. وذلك أن النبي إذا ادعى الرسالة، وتحدى بالمعجزة، ودعا الناس إلى النظر فيها لظهور صدقه، فللمدعو أن يقول: لا أنظر في معجزتك، إلا أن يكون النظر واجبا علي شرعا. ووجوب النظر شرعا متوقف على استقرار الشرع، وذلك متوقف على وجوب النظر، وهو دور ممتنع. والجواب: لا نسلم أن العلم الضروري بما ذكروه عقلا، إذ هو دعوى محل النزاع، وإن سلم ذلك، لكن بالنسبة إلى من ينتفع بالشكر، ويتضرر بعدمه. وأما بالنسبة إلى الله تعالى مع استحالة ذلك في حقه، فلا. قولهم: لم قلتم برعاية الفائدة، قلنا: لما ذكرناه. قولهم: هذا منكم لا يستقيم - قلنا: إنما ذكرنا ذلك بطريق الالزام للخصم، لكونه قائلا به، وبه يبطل ما ذكروه في إبطال رعاية الفائدة. كيف وقد أمكن

[ 90 ]

أن يقال بوجوب تحصيل الحكمة لحكمة هي نفسها كما ذكروه من جلب المصلحة، ودفع المفسدة عن النفس. ولا يمكن أن يقال مثل ذلك ففعل الشكر. فإن نفس الفعل ليس هو الحكمة المطلوبة من إيجاده، ولو أمكن ذلك، لامكن أن يقال مثله في جميع الافعال، وهو خلاف الاجماع. وإذا لم تكن الفائدة المطلوبة من إيجاده بقي التقسيم بحالة. قولهم: ما المانع أن تكون الفائدة هي الامن على ما ذكروه، فهو مبني على امتناع خلو العاقل عن خطور ما ذكروه من الاحتمال بباله، وهو غير مسلم، على ما هو معلوم، من أكثر العقلاء شاهدا، وبتقدير صحة ذلك، فما ذكروه معارض باحتمال خطور العقاب بباله على شكر الله تعالى وإتعابه لنفسه، وتصرفه فيها، مع أنها مملوكة لله تعالى دون إذنه من غير منفعة ترجع إليه ولا إلى الله تعالى. وليس أحدهما أولى من الآخر، بل ربما كان هذا الاحتمال راجحا، وذلك من جهة أنه قد تقرر في العقول أن من أخذ في التقرب والخدمة إلى بعض الملوك العظماء بتحريك أنملته في كسر بيته، وإظهار شكره بين العباد في البلاد على إعطائه لقمة من الخبز مع استغنائه واستغناء الملك عنها، فإنه يعد مستهزئا بذلك الملك، مستحقا للعقاب على صنعه. ولا يخفى أن شكر الشاكرين بالنسبة إلى جلال الله تعالى دون تحريك الانملة بالنسبة إلى جلال الملك، وأن ما أنعم الله به على العبيد لعدم تناهي ملكه، وتناهي ملك غيره دون تلك اللقمة، فكان المتعاطي لخدمة الله وشكره على ما أنعم به عليه به أولى بالذم واستحقاق العقاب. ولولا ورود الشرع بطلب ذلك من العبيد وحثهم عليه، لما وقع الاقدام عليه. وما يقال من حال المشتغل بالشكر والخدمة أرجى حالا من المعرض عن ذلك عرفا، فكان أولى. فهو مسلم في حق من ينتفع بالخدمة والشكر، ويتضرر بعدمهما. والباري تعالى منزه عن ذلك، فلا يطرد ما ذكروه في حقه.

[ 91 ]

قولهم: ما ذكرتموه لازم عليكم في الايجاب الشرعي، ليس كذلك. فإن الفائدة الاخروية، ولم يستقل العاقل بمعرفتها، فالله تعالى عالم بها. كيف وإن ذلك إنما يلزم منا أن لو اعتبرنا الحكمة في الايجاب الشرعي، وليس ذلك على ما عرف من أصلنا. وأما المعارضة بما ذكروه من إفحام الرسل، فجوابه من وجهين: الاول، منع توقف استقرار الشرع على نظر المدعو في المعجزة بل مهما ظهرت المعجزة في نفسها وكان صدق النبي فيما ادعاه ممكنا وكان المدعو عاقلا متمكنا من النظر والمعرفة، فقد استقر الشرع وثبت، والمدعو مفرط في حق نفسه. الثاني، إن الدور لازم على القائل بالايجاب العقلي، لان العقل بجوهره غير موجب دون النظر والاستدلال، وإلا لما خلا عاقل عن ذلك. وعند ذلك فللمدعو أن يقول لا أنظر في معجزتك حتى أعرف وجوب النظر، ولا أعرف وجوب النظر حتى أنظر، وهو دور مفحم. والجواب إذ ذاك يكون واحدا. وعلى كل تقدير فالمسألة ظنية، لا قطعية. المسألة الثالثة مذهب الاشاعرة وأهل الحق أنه لا حكم لافعال العقلاء قبل ورود الشرع. وأما المعتزلة، فإنهم قسموا الافعال الخارجة عن الافعال الاضطرارية إلى ما حسنه العقل، وإلى ما قبحه، وإلى ما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح، فما حسنه العقل، إن استوى فعله وتركه في النفع والضرر، سموه مباحا، وإن ترجح فعله على تركه، فإن لحق الذم بتركه سموه واجبا، وسواء كان مقصودا لنفسه، كالايمان، أو لغيره، كالنظر المفضي إلى معرفة الله تعالى، وإن لم يلحق الذم بتركه، سموه مندوبا. وما قبحه العقل، فإن التحق الذم بفعله، سموه

[ 92 ]

حراما، وإلا فمكروه. وما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح، فقد اختلفوا فيه فمنهم من حظره، ومنهم من أباحه، ومنهم من وقف عن الامرين. احتجت الاشاعرة بالمنقول والمعقول: أما المنقول، فقول الله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * (17) الاسراء: 15) ووجه الدلالة منه أنه أمن من العذاب قبل بعثه الرسل. وذلك يستلزم انتفاء الوجوب والحرمة قبل البعثة. وإلا لما أمن من العذاب بتقدير ترك الواجب، وفعل المحرم، إذ هو لازم لهما. وأيضا قوله تعالى: * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * (4) النساء: 165) ومفهومه يدل على الاحتجاج قبل البعثة. ويلزم من ذلك نفي الموجب والمحرم. وأما من جهة المعقول، فلان ثبوت الحكم إما بالشرع أو بالعقل بالاجماع، ولا شرع قبل ورود الشرع، والعقل غير موجب ولا محرم لما سبق في المسألة المتقدمة، فلا حكم. فإن قيل: أما الآية الاولى، فلا حجة فيها، فإنه ليس العذاب من لوازم ترك الواجب وفعل المحرم، ولهذا يجوز انفكاكه عنهما بناء على عفو أو شفاعة، فنفيه قبل ورود الشرع لا يلزم منه نفيهما. سلمنا أنه لازم لهما لكن بعد ورود الشرع لا قبله. وعلى هذا، فلا يلزم نفيهما من نفيه قبل ورود الشرع. سلمنا أنه لازم لهما، لكنه لازم للواجب والمحرم شرعا أو عقلا: الاول مسلم، والثاني ممنوع. وعلى هذا فاللازم من نفيه قبل الشرع نفي الواجب والمحرم شرعا لا عقلا، سلمنا ذلك، ولكن ليس في الآية ما يدل على نفي الاباحة والوقف، لعدم ملازمة العذاب لشئ من ذلك إجماعا.

[ 93 ]

وأما الآية الاخرى: وإن سلمنا كون المفهوم حجة فالاعتراض على الآية الاولى بعينه وارد هاهنا. وأما ما ذكرتموه من المعقول، فقد سبق ما فيه كيف وأن ما ذكرتموه من الدلالة على نفي الحكم حكم بنفي الحكم فكان متناقضا. والجواب عن السؤال الاول، أن وقوع العذاب بالفعل، وإن لم يكن لازما من ترك الواجب وفعل المحرم، فلازمه عدم الامن من ذلك لعدم تحقق الواجب والمحرم دونه. وهذا اللازم منتف قبل ورود الشرع، على ما دلت عليه الآية، فلا ملزوم. وبه يندفع ما ذكروه من السؤال الثاني والثالث. والتمسك بالآية إنما هو في نفي الوجوب والحرمة قبل لا غير، ونفي ما سوى ذلك، فإنما يستفاد من دليل آخر على ما سنبينه، وبه اندفع السؤال الرابع. وما ذكروه على الدليل العقلي، فقد سبق أيضا جوابه، ونفي الحكم، وإن كان حكما، غير أن المنفي ليس هو الحكم مطلقا ليلزم التناقض، بل نفي ما أثبتوه من الاحكام المذكورة، فلا تناقض. وأما القائلون بالاباحة إن فسروها بنفي الحرج عن الفعل والترك، فلا نزاع في هذا المعنى، وإنما النزاع في صحة إطلاق لفظ الاباحة بإزائه. ولهذا فإنه يمتنع إطلاق لفظ الاباحة على أفعال الله تعالى مع تحقق ذلك المعنى فيها، وإن فسروها بتخيير الفاعل بين الفعل والترك، فإما أن يكون ذلك التخيير للفاعل من نفسه وإما من غيره: فإن كان الاول، فيلزم منه تسمية أفعال الله مباحة، لتحقق ذلك في حقه. وهو ممتنع بالاجماع. وإن كان الثاني، فالمخير إما الشرع وإما العقل بالاجماع، ولا شرع قبل ورود الشرع، وتخيير العقل عندهم إنما يكون فيما استوى فعله وتركه من الافعال الحسنة عقلا، أو فيما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح، وهو فرع الحسن والقبح العقلي، وقد أبطلناه، وإن فسروه بأمر آخر، فلا بد من تصويره.

[ 94 ]

فإن قيل: المباح هو المأذون في فعله، وقد ورد دليل الاذن من الله تعالى قبل ورود الشرع، وإن لم ترد صورة الاذن. وبيانه من وجهين: الاول: هو أن الله تعالى خلق الطعوم من المأكولات، والذوق فينا، وأقدرنا عليها، وعرفنا بالادلة العقلية أنها نافعة لنا، غير مضرة، ولا ضرر عليه في الانتفاع بها، وهو دليل الاذن منه لنا في ذلك. وصار هذا كما لو قدم إنسان طعاما بين يدي إنسان على هذه الصفات، فإن العقلاء يقضون بكونه قد أذن له فيه. الثاني: أن خلقه للطعوم في الاجسام مع إمكان ألا يخلقها، لا بد له من فائدة نفيا للعبث عنه، وليست تلك الفائدة عائدة إلى الله تعالى، لتعاليه عنها، فلا بد من عودها إلى العبد، وليست هي الاضرار، ولا ما هو خارج عن الاضرار والانتفاع، إذ هو خلاف الاجماع، فكانت فائدتها الانتفاع بها، وهو دليل الاذن في إدراكها. وسواء كان الانتفاع بها بجهة الالتذاذ بها، وتقوم البنية، أو بجهة تجنبها لنيل الثواب، أو الاستدلال بها على معرفة الله تعالى لتوقف ذلك كله على إدراكها واحتمال وجود مفسدة فيه مع عدم الاطلاع عليها، لا يكون مانعا من الاذن والحكم بالاباحة، بدليل الاستضاءة بسراج الغير، والاستظلال بحائطه. وقلنا: أما الوجه الاول: فحاصله يرجع إلى قياس الغائب على الشاهد، وقد أبطلناه. وأما الثاني: فمبني على وجوب رعاية الحكمة في أفعاله تعالى، وهو ممنوع على ما عرف من أصلنا. ثم إذا كان مأذونا فيه من جهة الشارع، فإباحته شرعية لا عقلية. وأما القائلون بالوقف، إن عنوا به توقف الحكم بهذه الاشياء على ورود السمع، فحق، وإن عنوا به الاحجام عن الحكم بالوجوب، أو الحظر، أو الاباحة لتعارض أدلتها، ففاسد لما سبق.

[ 95 ]

الاصل الثاني في حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه، وما يتعلق به من المسائل ويشتمل على مقدمة وستة فصول: أما المقدمة: ففي بيان حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه، أما حقيقته، فقد قال بعض الاصوليين: إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين. وقيل إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، وهما فاسدان، لان قوله تعالى: * (والله خلقكم وما تعملون) * (37) الصافات: 96) وقوله تعالى: * (خالق كل شئ) * (6) الانعام: 102) خطاب من الشارع، وله تعلق بأفعال المكلفين والعباد، وليس حكما شرعيا بالاتفاق. وقال آخرون: إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير. وهو غير جامع: فإن العلم بكون أنواع الادلة حججا، وكذلك الحكم بالملك والعصمة ونحوه أحكام شرعية، وليست على ما قيل. والواجب أن نعرف معنى الخطاب أولا ضرورة توقف معرفة الحكم الشرعي عليه فنقول: قد قيل فيه: هو الكلام الذي يفهم المستمع منه شيئا وهو غير مانع، فإنه يدخل فيه الكلام الذي لم يقصد التكلم به إفهام المستمع، فإنه على ما ذكر من الحد، وليس خطابا. والحق إنه: اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه. (فاللفظ) احتراز عما وقعت المواضعة عليه من الحركات والاشارات المفهمة. و (المتواضع عليه) احتراز عن الالفاظ المهملة. و (المقصود بها الافهام) احتراز عما ورد على الحد الاول.

[ 96 ]

وقولنا: (لمن هو متهيئ لفهمه) احتراز عن الكلام لمن لا يفهم، كالنائم والمغمى عليه ونحوه. وإذا عرف معنى الخطاب، فالاقرب أن يقال في حد الحكم الشرعي أنه: خطاب الشارع المفيد فائدة شرعية. فقولنا: (خطاب الشارع) احتراز عن خطاب غيره. والقيد الثاني احتراز عن خطابه بما لا يفيد فائدة شرعية، كالاخبار عن المعقولات والمحسوسات ونحوها، وهو مطرد منعكس لا غبار عليه. وإذا عرف معنى الحكم الشرعي، فهو إما أن يكون متعلقا بخطاب الطلب والاقتضاء أو لا يكون: فإن كان الاول، فالطلب إما للفعل أو للترك، وكل واحد منهما إما جازم أو غير جازم. فما تعلق بالطلب الجازم للفعل فهو الوجوب، وما تعلق بالطلب الجازم للترك فهو الحرمة، وما تعلق بغير الجازم منه فهو الكراهة. وإن لم يكن متعلقا بخطاب الاقتضاء، فإما أن يكون متعلقا بخطاب التخيير، أو غيره. فإن كان الاول، فهو الاباحة، وإن كان الثاني فهو الحكم الوضعي، كالصحة والبطلان ونصب الشئ سببا أو مانعا أو شرطا، وكون الفعل عبادة وقضاء وأداء وعزيمة ورخصة إلى غير ذلك. فلنرسم في كل قسم منها فصلا، وهي ستة فصول:

[ 97 ]

الفصل الاول في حقيقة الوجوب وما يتعلق به من المسائل أما حقيقة الوجوب: فاعلم أن الوجوب في اللغة قد يطلق بمعنى السقوط، ومنه يقال: وجبت الشمس إذا سقطت، ووجب الحائط إذا سقط. وقد يطلق بمعنى الثبوت والاستقرار، ومنه قوله عليه السلام: إذا وجب المريض، فلا تبكين باكية أي استقر وزال عنه التزلزل والاضطراب. وأما في العرف الشرعي، فقد قيل: هو ما يستحق تاركه العقاب على تركه وهو إن أريد (بالاستحقاق) ما يستدعي مستحقا عليه فباطل، لعدم تحقق ذلك بالنسبة إلى الله تعالى، على ما بيناه في علم الكلام، وبالنسبة إلى أحد من المخلوقين بالاجماع. وإن أريد به أنه لو عوقب، لكان ذلك ملائما لنظر الشارع، فلا بأس به. وقيل: هو ما توعد بالعقاب على تركه، وهو باطل، لان التوعد بالعقاب على الترك خبر، ولو ورد لتحقق العقاب بتقدير الترك لاستحالة الخلف في خبر الصادق، وإن كان ذلك في حق غيره يعد كرما وفضيلة، لما يلزمه من المصلحة الراجحة، وليس كذلك لجواز العفو عنه. وقيل: هو الذي يخاف العقاب على تركه، ويبطل بالمشكوك في وجوبه، كيف وإن هذه الحدود ليست حدا للحكم الشرعي، وهو الوجوب، بل للفعل الذي هو متعلق الوجوب.

[ 98 ]

والحق في ذلك أن يقال: الوجوب الشرعي عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا في حالة ما. فالقيد الاول احتراز عن خطاب غير الشارع، والثاني احتراز عن بقية الاحكام، والثالث احتراز عن ترك الواجب الموسع أول الوقت فإنه سبب للذم بتقدير إخلاء جميع الوقت عنه، وإخلاء أول الوقت من غير عزم على الفعل بعده، وعن ترك الواجب المخير، فإنه سبب للذم بتقدير ترك البدل، وليس سببا له بتقدير فعل البدل وعلى هذا، إن قلنا إن الاذان وصلاة العيد فرض كفاية، واتفق أهل بلدة على تركه قوتلوا. وإن قلنا إنه سنة، فلا. وبالجملة فلا بد في الوجوب من ترجيح الفعل على الترك بما يتعلق به من الذم أو الثواب الخاص به. فإنه لا تحقق للوجوب مع تساوي طرفي الفعل والترك في الغرض. وربما أشار القاضي أبو بكر إلى خلافه. وإذا عرف معنى الوجوب الشرعي فلا بد من الاشارة إلى ما يتعلق به من المسائل، وهي سبع. المسألة الاولى هل الفرض غير الواجب، أو هو هو ؟ أما في اللغة، فالواجب هو الساقط والثابت، كما سبق تعريفه وأما الفرض فقد يطلق في اللغة بمعنى التقدير، ومنه قولهم: فرضتا القوس، للحزتين اللتين في سيتيه موضع الوتر، وفرضة النهر وهو موضع اجتماع السفن، ومنه قولهم: فرض الحاكم النفقة، أي قدرها. وقد يطلق بمعنى الانزال. ومنه قوله تعالى: * (إن الذي فرض عليك القرآن) * (28) القصص: 85) أي أنزل،

[ 99 ]

وقد يطلق بمعنى الحل ومنه قوله تعالى: * (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له) * (33) الاحزاب: 38) أي أحل له. وأما في الشرع، فلا فرق بين الفرض والواجب عند أصحابنا، إذ الواجب في الشرع على ما ذكرناه، عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا في حالة ما. وهذا المعنى بعينه متحقق في الفرض الشرعي. وخص أصحاب أبي حنيفة اسم الفرض بما كان من ذلك مقطوعا به. واسم الواجب بما كان مظنونا، مصيرا منهم إلى أن الفرض هو التقدير والمظنون لم يعلم كونه مقدرا علينا، بخلاف المقطوع. فلذلك خص المقطوع باسم الفرض دون المظنون. والاشبه ما ذكره أصحابنا من حيث إن الاختلاف في طريق إثبات الحكم حتى يكون هذا معلوما، وهذا مظنونا، غير موجب لاختلاف ما ثبت به. ولهذا، فإن اختلاف طرق الواجبات في الظهور والخفاء، والقوة والضعف، بحيث إن المكلف يقتل بترك البعض منها دون البعض، لا يوجب اختلاف الواجب في حقيقته من حيث هو واجب. وكذا اختلاف طرق النوافل غير موجب لاختلاف حقائقها. وكذلك اختلاف طرق الحرام بالقطع والظن غير موجب لاختلافه في نفسه من حيث هو حرام، كيف وإن الشارع قد أطلق اسم الفرض على الواجب في قوله تعالى: * (فمن فرض فيهن الحج) * (2) البقرة: 197) أي أوجب. والاصل أن يكون مشعرا به حقيقة وأن لا يكون له مدلول سواه، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ. والذي يؤيد إخراج قيد القطع عن مفهوم الفرض إجماع الامة على إطلاق اسم الفرض على ما أدى من الصلوات المختلف في صحتها بين الائمة بقولهم: أد فرض الله تعالى. والاصل في الاطلاق الحقيقة، وما ذكره الخصوم في تخصيص اسم الفرض المقطوع به، فمن باب التحكم، حيث إن الفرض في اللغة هو التقدير مطلقا كان مقطوعا به أو مظنونا. فتخصيص ذلك بأحد القسمين دون الآخر بغير دليل، لا يكون مقبولا، وبالجملة فالمسألة لفظية.

[ 100 ]

المسألة الثانية لا فرق عند أصحابنا بين واجب العين، والواجب على الكفاية من جهة الوجوب، لشمول حد الواجب لهما. خلافا لبعض الناس، مصيرا منه إلى أن واجب العين لا يسقط بفعل الغير، بخلاف واجب الكفاية، وغايته الاختلاف في طريق الاسقاط، وذلك لا يوجب الاختلاف في الحقيقة، كالاختلاف في طريق الثبوت كما سبق. ولهذا، فإن من ارتد وقتل، فقتله بالردة، وبالقتل واجب. ومع ذلك فأحد الواجبين يسقط بالتوبة دون الواجب الآخر. ولم يلزم من ذلك اختلافهما. المسألة الثالثة اختلفوا في الواجب المخير كما في خصال الكفارة: فمذهب الاشاعرة والفقهاء أن الواجب منها واحد لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف. وأطلق الجبائي وابنه القول بوجوب الجميع على التخيير. حجة أصحابنا أنه لا يخلو إما أن يقال بوجوب الجميع، أو بوجوب واحد. والواحد، إما معين، وإما غير معين. لا جائز أن يقال بالاول لخمسة أوجه: الاول: أنه لو كان التخيير موجبا للجميع، لكان الامر بإيجاب عتق عبد من العبيد على طريق التخيير موجبا للجميع، وهو محال. الثاني: أن ذلك مما يمنع من التخيير، ولهذا فإنه لا يحسن أن يقول القائل لغيره: أوجبت عليك صلاتين، فصل أيهما شئت، واترك أيهما شئت. كما لا يحسن أن يقول: أوجبت عليك الصلاة، وخيرتك في فعلها وتركها، لما فيه من رفع الواجب وليس ذلك من لغة العرب في شئ.

[ 101 ]

الثالث: أن الواجب ما لا يجوز تركه مع القدرة عليه والامر فيما نحن فيه بخلافه. الرابع: أن الخصوم قد وافقوا على أنه لو أتى بالجميع، أو ترك الجميع، فإنه لا يثاب ولا يعاقب على الجميع. الخامس: أنه لو كان الجميع واجبا، لنوى نية أداء الواجب في كل واحدة من الخصال عندما إذا فعل الجميع، وهو خلاف الاجماع. ولا جائز أن يقال بأن الواجب واحد معين، إذ هو خلاف مقتضى التخيير، ولانه كان يلزم أن لا يحصل الاجزاء بتقدير أداء غيره مع القدرة عليه، وهو خلاف الاجماع. فلم يبق غير الابهام. غير أن أبا الحسين البصري قد تكلف رد الخلاف في هذه المسألة إلى اللفظ دون المعنى، وذلك أنه قال: معنى إيجاب الجميع أن الله تعالى حرم ترك الجميع، لا كل واحد واحد منها بتقدير فعل المكلف لواحد منها متفويض فعل أي واحد منها كان إلى المكلف. وهذا هو بعينه مذهب الفقهاء. غير أن ما ذكره في تفسير وجوب الجميع، وإن كان رافعا للخلاف، غير أنه خلاف ما نقله الائمة عن الجبائي وابنه من إطلاق القول بوجوب الجميع والدلائل المشعرة بذلك. فلننسج في الحجاج على منوالهم. فإن قيل: ما ذكرتموه من الدليل، إنما يلزم أن لو كانت آية التكفير وهي قوله تعالى: * (فكفارته إطعام عشرة مساكين) * (5) المائدة: 89) الآية، دالة على تخيير كل واحد واحد من الامة بين خصال الكفارة بجهة الايجاب. وما المانع أن يكون ذلك إخبارا عما يوجد من الكفارة وتقديره فما يوجد من الكفارة هو إطعام من حانث، أو كسوة من حانث آخر، أو عتق من حانث آخر.

[ 102 ]

سلمنا دلالتها على الايجاب لكن لا أنها خطاب بالتخيير لكل واحد واحد من الامة، بل المراد بها إيجاب الاطعام على البعض، والكسوة على البعض والعتق على البعض. فكأنه قال: فكفارته إطعام عشرة مساكين لبعضهم، أو الكسوة لبعض آخر، أو العتق لبعض آخر، سلمنا دلالة ما ذكرتموه، لكنه معارض بما يدل على إبطال مدلوله. وبيانه من أحد عشر وجها: الاول: أن الخصال المذكورة إما أن تكون مستوية فيما يرجع إلى الصفات المقتضية للوجوب، أو أنها مختصة بالبعض دون البعض. فإن كان الاول، فيلزم التسوية في الوجوب بين الكل. وإن كان الثاني، كان ذلك البعض هو الواجب بعينه دون غيره. الثاني: إن الواجب ما تعلق به خطاب الشرع بالايجاب، وخطاب الشرع إنما يتعلق بالمعين دون المبهم، ولهذا، فإنه يمتنع تعلق الايجاب بأحد شخصين لا بعينه، فكذلك بفعل أحد أمرين لا يعينه، وعند ذلك فيلزم تعلقه بالكل أو ببعض منه معين. الثالث: أن الايجاب طلب، والطلب يستدعي مطلوبا معينا لما تحقق قبل. والمعين إما الكل أو البعض. الرابع: أنه لو فعل العبد الجميع، فإنه يثاب ثواب من فعل واجبا، فسببه يجب أن يكون مقدورا للمكلف معينا لاستحالة الثواب على ما لا يكون من فعل العبد، واستحالة إسناد المعين إلى غير معين، والمبهم ليس كذلك، فلزم أن يكون الثواب على الجملة أو بعض معين منها. الخامس: أنه لو ترك الجميع فإنه يعاقب عقاب من ترك واجبا منها، وذلك يدل على أن الجميع واجب أو بعض منه معين كما سبق. السادس: أنه كان الواجب واحدا لا بعينه من الخصال، لكان منها شئ لا بعينه غير واجب. والتخيير بين الواجب وما ليس بواجب محال لما فيه من رفع حقيقة الواجب.

[ 103 ]

السابع: أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه، فعند التكفير بالجميع إما أن يسقط الفرض بمجموعها، أو بكل واحد منها، أو بواحد منها، فإن كان الاول أو الثاني، فالكل واجب، وإن كان الثالث، فذلك هو الفرض. الثامن: ويخص إيجاب الجميع أنه لو كان الواجب واحدا لنصب الله عليه دليلا، وليكله إلى تعيين العبد لعدم معرفته بما فيه المصلحة، كما في سائر الواجبات. فحيث لم يعين، دل على أن الكل واجب. التاسع: أنه إذا كان الواجب واحدا لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف، فالباري تعالى يعلم ما سيعينه العبد، فيكون الواجب معينا عند الله تعالى. وإن لم يكن معينا عند العبد قبل الفعل. ويلزم من ذلك التخيير بين الواجب المعين وبين ما ليس واجبا، وهو محال. فثبت أن الجميع واجب. العاشر: أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه، فكفر ثلاثة كل واحد بواحد من الخصال، غير ما كفر به الآخر، لكان الواحد منهم لا بعينه هو المكفر بالواجب دون الباقين. وحيث وقع ما فعله كل واحد موقع الواجب كان الجميع واجبا. الحادي عشر: أن الوجوب قد يعم عددا من المتعبدين ويسقط بفعل الواحد منهم، كفرض الكفاية، فلا يمتنع أن يعم الوجوب عددا من العبادات، ويسقط بفعل واحدة منها. والجواب: عن السؤال الاول: أن الاجماع من الامة منعقد على أن المراد من الآية الوجوب، لا نفس الاخبار. وعن الثاني أن حمل الآية على ما ذكروه مع مخالفته لاجماع السلف مما يحوج إلى إضمارات كثيرة في الآية، وهي ما قدروه من البعض في قولهم، فكفارته إطعام عشرة مساكين لبعضهم وكذلك في الكسوة والعتق، وهو على خلاف الاصل من غير حاجة، كيف وإنه لو كان كما ذكروه، لقال: فكفارته إطعام عشرة مساكين وكسوتهم وتحرير رقبة، لوجوب الخصال الثلاث على الجميع بالنسبة إلى الحانثين المذكورين.

[ 104 ]

وعن المعارض الاول أنه مبني على وجوب رعاية المصلحة في أحكام الله تعالى، وهو غير مسلم كيف وإنه يلزم منه أن يكون الامر على ما ذكروه في عقد الامامة لاحد الامامين الصالحين، وتزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين، وفي إيجاب عتق عبد من العبيد، وهو مخالف للاجماع وحيث تعذر الوجوب على أحد شخصين لا بعينه، إنما كان لتوقف تحقق الوجوب على ارتباطه بالذم والعقاب، على ما سبق في تحديده، وذم أحد شخصين لا بعينه متعذر بخلاف الذم على أحد فعلين لا بعينه. وبهذه الصور يكون اندفاع ما ذكروه من المعارض الثاني وما بعده إلى آخر التاسع. وعن العاشر: أن الواجب على كل واحد من المكفرين خصلة من الخصال الثلاث لا بعينها. وقد أتى بما وجب عليه، وسقط به الفرض عنه، فكان ما أتى به كل واحد واجبا، لا أن الواجب على الكل خصلة واحدة لا بعينها ليلزم ما قيل. وعن الحادي عشر: أنا لا نمنع سقوط الواجب دون أدائه، ولكن لا يلزم من ذلك أن تكون خصال الكفارة كلها واجبة كما كان الوجوب ثابتا على أعداد المكلفين في فرض الكفاية، لان الاجماع منعقد على تأثيم الكل بتقدير اتفاقهم على الترك، ولا كذلك في خصال الكفارة. وعلى هذه القاعدة لو قال لزوجتيه: إحداكما طالق. فالمطلقة منهما واحدة لا بعينها. وأن وجب الكف عنهما والتخيير في التعيين إلى المطلق، كما لو قيل في خصال الكفارة من غير فرق. ولا يخفى وجه الحجاج من الطرفين.

[ 105 ]

المسألة الرابعة إذا كان وقت الواجب فاضلا عنه، كصلاة الظهر مثلا، فمذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء وجماعة من المعتزلة كالجبائي وابنه وغيرهما أنه واجب موسع، وأن جميع أجزاء ذلك الوقت وقت لاداء ذلك الواجب فيه فيما يرجع إلى سقوط الفرض به وحصول مصلحة الوجوب. وهل للواجب في أول الوقت ووسطه بتقدير تأخير الواجب عنه إلى ما بعده بدل، اختلف هؤلاء فيه: فأثبته أصحابنا والجبائي وابنه، وهو العزم على الفعل. وأنكره بعض المعتزلة، كأبي الحسين البصري وغيره. وقال قوم: وقت الوجوب هو أول الوقت، وفعل الواجب بعد ذلك يكون قضاء. وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: وقت الوجوب هو آخر الوقت، لكن اختلفوا في وقوع الفعل قبل ذلك: فمنهم من قال: هو نفل يسقط به الفرض. ومنهم من قال، كالكرخي: إن المكلف إذا بقي بنعت المكلفين إلى آخر الوقت، كان ما فعله واجبا، وإلا فنفل. وحكي عنه أن الواجب يتعين بالفعل في أي وقت كان. حجة القائلين بالوجوب الموسع أن الامر بصلاة الظهر، وهو قوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) * (17) الاسراء: 78) عام لجميع أجزاء الوقت المذكور. وليس المراد به تطبيق أول فعل الصلاة على أول الوقت، وآخره على آخره، ولا إقامة الصلاة في كل وقت من أوقاته، حتى لا يخلو جزء منه عن صلاة، إذ هو خلاف الاجماع، ولا تعيين جزء منه لاختصاصه بوقوع الواجب فيه، إذ لا دلالة للفظ عليه. فلم يبق إلا أنه أراد به أن كل جزء منه صالح لوقوع الواجب فيه. ويكون المكلف مخيرا في إيقاع الفعل في أي جزء شاء منه، ضرورة امتناع قسم آخر، وهو المطلوب.

[ 106 ]

ويدل على إرداة هذا الاحتمال حصول الاجزاء عن الواجب بأداء الصلاة في أي وقت قدر منه، فإنه يدل على حصول مقصود الواجب من الكل، وأن الفعل في كل وقت قائم مقامه في غيره من الاوقات، فيكون واجبا، وإلا، فلو لم يكن محصلا لمقصود الواجب، فيلزم منه إما فوات مصلحة الواجب، بتقدير فعل الصلاة في غير وقت الوجوب، فتكون الصلاة حراما لكونها مفوتة لمصلحة الواجب، وهو محال، وإما بقاء مصلحة الوجوب ويلزم منه وجوب فعل الصلاة لبقاء مقصودها الموجب لها بعد فعل الصلاة في الوقت المفروض، وهو خلاف الاجماع. فإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيض مطلوبكم، وذلك أنه لو كان الفعل واجبا في أول الوقت أو وسطه، لما جاز تركه مع القدرة عليه، إذ هو حقيقة الواجب. وإنما يتحقق ذلك بالنسبة إلى آخر الوقت لانعقاد الاجماع على لحوق الاثم بتركه فيه، بتقدير عدم فعله قبله. وأما قبل ذلك فالفعل فيه ندب لكونه مثابا مع جواز تركه. ويسقط الفرض به في آخر الوقت، ولا يمتنع سقوط الفرض عن المكلف بفعل ما ليس بفرض، كالزكاة المعجلة قبل الحول، سلمنا أنه ليس بنفل، ولكن ما المانع من القول بتعيين وقت الوجوب بالفعل، أو تعيين الوقت الاول للوجوب وما بعده قضاء، أو الحكم بكونه واجبا بتقدير بقائه بصفة المكلفين إلى آخر الوقت، كما قيل من المذاهب السابقة. والجواب عن جواز ترك الفعل في أول الوقت أنه لا يدل على عدم الوجوب مطلقا، بل على عدم الوجوب المضيق. وأما الموسع، فلا. والفرق بين المندوب والواجب الموسع، جواز ترك المندوب مطلقا، والموسع بشرط الفعل بعده في الوقت الموسع. وحاصله راجع إلى أن الواجب على المكلف إيقاع الفعل في أي وقت شاء من أجزاء ذلك الوقت الموسع على طريق الابهام والتعيين إلى المكلف، كما سبق في خصال الكفارة، أو بشرط العزم على الفعل بعده. ثم لو كان نفلا لما سقط به الفرض لما سبق. والزكاة المعجلة واجبة

[ 107 ]

مؤجلة بعد انعقاد سببها وهو ملك النصاب، لا أنها نافلة، ولكان ينبغي أن تصح الصلاة بنية النفل، وليس كذلك فإن قيل: لو كان العزم بدلا عن الفعل في أول الوقت لما وجب الفعل بعده، ولما جاز المصير إليه مع القدرة على المبدل، كسائر الابدال مع مبدلاتها، ولكان من أخر الصلاة عن أول الوقت مع الغفلة عن العزم يكون عاصيا لكونه تاركا للاصل وبدله كيف وإن الامر الوارد بإيجاب الصلاة في هذا الوقت ليس فيه تعرض للعزم، فإيجابه يكون زيادة على مقتضى الامر. ثم جعل العزم بدلا من صفة الفعل أو عن أصل الفعل، مع أنه من أفعال القلوب بعيد، إذ لا عهد لنا في الشرع بجعل أفعال القلوب أبدالا عن الافعال. ولا يجعل صفة الفعل مبدلا. قلنا: لم يكن بدلا عن أصل الفعل، بل عن تقديم الفعل، فلا يكون موجبا لسقوط الفعل مطلقا. ومعنى كونه بدلا أنه مخير بينه وبين تقديم الفعل والمصير إلى أحد المخيرين، غير مشروط بالعجز عن الآخر. لا أنه من باب الوضوء من التيمم، وإنما لم يعص مع تركه غافلا لعدم تكليف الغافل والامر وإن لم يكن متعرضا للعزم، فلا يلزم منه امتناع جعله بدلا، فإنه لا يلزم من انتفاء بعض المدارك انتفاء الكل. وأما استبعاد كون العزم بدلا عن صفة الفعل على ما ذكروه فغير مستحق للجواب. ثم كيف يستبعد ذلك، والفدية في حق الحامل عند خوفها على جنينها، وكذلك المرضع على ولدها، بدل عن تقديم الصوم في حقها، وهو صفة الفعل. وكذلك الندم توبة وهو من أعمال القلوب. وقد جعل بدلا عما فرط من أفعال الطاعات الواجبة حالة الكفر الاصلي. والجواب: عن القول بتعيين وقت الوجوب بالفعل أنه إن أريد به أنا نتبين سقوط الغرض بالفعل في ذلك الوقت، فهو مسلم ولا منافاة بينه وبين ما ذكرناه.

[ 108 ]

وإن أرادوا به أنا نتبين أن غير ذلك الوقت لم يكن وقتا للوجوب، بمعنى أنه، لو أدى فيه الفعل، لم يقع الموقع، فهو خلاف الاجماع. وإن أريد به غير ذلك، فلا بد من تصويره. وعن القول بتعين الوقت الاول للوجوب وما بعده للقضاء فيما سبق. كيف وأن الاجماع منعقد على أن ما يفعل بعد ذلك الوقت ليس بقضاء ولا يصح بنية القضاء. وعن الوقت أنه خلاف الاجماع من السلف على أن من فعل الصلاة في أول الوقت، ومات فيه أثنائه أنه أدى فرض الله، وأثبت ثواب الواجب، وعلى ما حققناه من الوجوب الموسع لو أخر المكلف الصلاة عن أول الوقت بشرط العزم ومات، لم يلق الله عاصيا، نظرا إلى إجماع السلف على ذلك. وليس يلزم من ذلك إ بطال معنى الوجوب حيث إنه لا يجوز تركه مطلقا، بل بشرط العزم على ما تقدم. ولا يمكن أن يقال جواز التأخير مشروط بسلامة العاقبة، لكونها منطوية عنه، ولا بد من الحكم الجزم في هذه الحال، إما بالبعضية، وهو خلاف الاجماع، وإما بنفيها ضرورة امتناع التوقف على ظهور العاقبة بالاجماع من سلف الامة، وإذا عرف معنى الواجب الموسع، ففعله في وقته أول مرة يسمى أداء. وسواء كان فعله على نوع من الخلل لعذر، أو لا على نوع من الخلل. وإن فعل على نوع من الخلل لعذر، ثم فعل في ذلك الوقت مرة ثانية، سمي إعادة، وإن لم يفعل في وقته المقدر، وسواء كان ذلك بعذر أو بغير عذر، ثم فعل بعد خروج وقته سمي قضاء.

[ 109 ]

المسألة الخامسة اتفق الكل في الواجب الموسع على أن المكلف لو غلب على ظنه أنه يموت بتقدير التأخير عن أول الوقت فأخره، أنه يعصي، وإن لم يمت. واختلفوا في فعله بعد ذلك في الوقت: هل يكون قضاء أو أداء. فذهب القاضي أبو بكر إلى كونه قضاء، وخالفه غيره في ذلك. حجة القاضي أن الوقت صار مقدرا مضيقا بما غلب على ظن المكلف أنه لا يعيش أكثر منه، ولذلك عصى بالتأخير عنه. فإذا فعل الواجب بعد ذلك فقد فعله خارج وقته، فكان قضاء كما في غيره من العبادات الفائتة في أوقاتها المقدرة المحدودة. ولقائل أن يقول: غاية ظن المكلف أنه أوجب العصيان بالتأخير عن الوقت الذي ظن حياته فيدون ما بعده، فلا يلزم من ذلك تضييق الوقت، بمعنى أنه إذا بقي بعد ذلك الوقت كان فعله للواجب فيه قضاء، وذلك لانه كان وقتا للاداء. والاصل بقاء ماكان على ما كان. ولا يلزم من جعل ظن المكلف موجبا للعصيان بالتأخير مخالفة هذا الاصل أيضا. ولهذا فإنه لا يلزم من عصيان المكلف بتأخير الواجب الموسع عن أول الوقت من غير عزم على الفعل عند القاضي أن يكون فعل الواجب بعد ذلك في الوقت قضاء، وهو في غاية الاتجاه. المسألة السادسة اتفقوا على أن الواجب إذا لم يفعل في وقته المقدر، وفعل بعده، أنه يكون قضاء، وسواء تركه في وقته عمدا، أو سهوا. اتفقوا على أن ما لم يجب، ولم ينعقد سبب وجوبه في الاوقات المقدرة، ففعله بعد ذلك لا يكون قضاء، لا حقيقة ولا مجازا، كفوائت الصلوات في حالة الصبى والجنون.

[ 110 ]

واختلفوا فيما انعقد سبب وجوبه، ولم يجب لمانع، أو لفوات شرط من خارج، وسواء كان المكلف قادرا على الاتيان بالواجب في وقته، كالصوم في حق المريض والمسافر، أو غير قادر عليه، إما شرعا كالصوم في حق الحائض، وإما عقلا كالنائم، أنه هل يسمى قضاء حقيقة أو مجازا. فمنهم من مال إلى التجوز مصيرا منه إلى أن القضاء إنما يكون حقيقة عند فوات ما وجب في الوقت استدراكا لمصلحة الواجب الفائت. وذلك غير متحقق فيما نحن فيه، ووجوبه بعد ذلك الوقت بأمر مجدد لا ارتباط له بالوقت الاول. فكان إطلاق القضاء عليه تجوزا. ومنهم من مال إلى أنه قضاء حقيقة، لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه ولم يجب للمعارض وإطلاق اسم القضاء في هذه الصور في محل الوفاق، إنما كان باعتبار ما اشتركا فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه لا استدراك مصلحة ما وجب. وهذا هو الاشبه، لما فيه من نفي التجوز والاشتراك عن اسم القضاء. المسألة السابعة ما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب. اختلفوا فيه، ولا بد قبل الخوض في الحجاج من تلخيص محل النزاع، فنقول: ما لا يتم الواجب إلا به، إما أن يكون وجوبه مشروطا بذلك الشئ، أو لا يكون مشروطا به. فإن كان الاول، فهو كما لو قال الشارع: أوجبت عليك الصلاة، إن كنت متطهرا فلا خلاف في أن تحصيل الشرط ليس واجبا، وإنما الواجب الصلاة، إذا وجد الشرط.

[ 111 ]

وإن كان الثاني، وهو أن يكون وجوبه مطلقا غير مشروط الوجوب بذلك الغير، بل مشروط الوقوع، فذلك هو محل النزاع إن كان الشرط مقدورا للمكلف، وذلك كما لو وجبت الصلاة وتعذر وقوعها دون الطهارة، أو وجب غسل الوجه، ولم يكن إلا بغسل جزء من الرأس إلى غير ذلك. وإن لم يكن الشرط مقدورا للمكلف، فلا إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا يطاق. وذلك كحضور الامام الجمعة، وحصول تمام العدد فيها، فإن ذلك غير مقدور لآحاد المكلفين. وإذا تلخص محل النزاع، فنقول: اتفق أصحابنا والمعتزلة على أن ما لا يتم الواجب إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب. خلافا لبعض الاصوليين. قال أبو الحسين البصري: وإنما قلنا إن تحصيل الشرط واجب، لانه لو لم يجب، بل كان تركه مباحا لكان الآمر كأنه قال للمأمور: لك مباح ألا تأتي بالشرط، وأوجب عليك الفعل مع عدم الاتيان بما لا يتم إلا به. وذلك تكليف بما لا يطاق، وهو محال. وهذه الطريقة في غاية الفساد وذلك لان وجوب المشروط إذا كان مطلقا، فلا يلزم من إباحة الشرط أن يكون التكليف بالمشروط حالة عدم الشرط، فإن عدمه غير لازم من إباحته، بل حالة عدم وجوب الشرط. وفرق بين الامرين. فلا يكون التكليف بالمشروط تكليفا بما لا يطاق. ثم يقال له إن كان التكليف بالمشروط حالة عدم الشرط محالا فالتكليف بالمشروط مشروط بوجود الشرط، وكل ما وجوبه مشروط بشرط، فالشرط لا يكون واجب التحصيل لما سبق، ولا جواب عنه. وإلاقرب في ذلك أن يقال: انعقد إجماع الامة على إطلاق القول بوجوب تحصيل ما أوجبه الشارع. وتحصيله إنما هو بتعاطي الامور الممكنة من الاتيان به. فإذا قيل يجب التحصيل بما لا يكون واجبا، كان متناقضا. وبالجملة فالمسألة وعرة، والطرق ضيقة، فليقنع بمثل هذا في هذا المضيق.

[ 112 ]

فإن قيل: القول بوجوب الشرط زيادة على ما اقتضاه الامر بالمشروط، إذ لا دلالة عليه، والزيادة على النص نسخ، ونسخ مدلول النص لا يكون إلا بنص آخر، ولا نص. ثم لو كان واجبا، لكان مقدورا، حذرا من التكليف بما لا يطاق. وما يجب غسله من الرأس وإمساكه من الليل غير مقدور، ولكان مثابا عليه، ومعاقبا على تركه. والثواب والعقاب إنما هو على غسل الوجه وتركه، وعلى صوم اليوم وتركه، لا على مسح بعض الرأس، وإمساك شئ من الليل. ولهذا، فإنه لو تصور الاتيان بالمشروط دون شرطه، كان كذلك. قلنا: جواب الاول أن النسخ إنما يلزم إن لو كان ما قيل بوجوبه رافعا لمقتضى النص الوارد بالمشروط، وليس كذلك، فإن مقتضاه وجوبه، ووجوبه باق بحاله. وجواب الثاني أنه مبني على القول بأن كل واجب لا يقدر بقدر محدود. فالزيادة على أقل ما ينطلق عليه الاسم هل توصف بالوجوب لكون نسبة الكل إلى الوجوب نسبة واحدة، أو الواجب أقل ما ينطلق عليه الاسم والزيادة ندب. فمن ذهب إلى القول الاول، قال كل ما يأتي به من ذلك فهو واجب. والاصح إنما هو القول الثاني، وهو أن الواجب أقل ما ينطلق عليه الاسم، إذ هو مكتفي به من غير لوم على ترك الزيادة من غير بدل، وهو مقدور. وجواب الثالث بمنع ما ذكروه. وجواب الرابع بأن الوجوب إنما يتحقق بالنسبة إلى العاجز عن الاتيان بالمشروط دون الشرط لا القادر.

[ 113 ]

الفصل الثاني في المحظور وقد يطلق في اللغة على ما كثرت آفاته: ومنه يقال لبن محظور، أي كثير الآفة. وقد يطلق بمعنى المنع والقطع، ومنه قولهم: حظرت عليه كذا، أي منعته منه، ومنه الحظيرة للبقعة المنقطعة تأتي إليها المواشي. وأما في الشرع: فقد قيل فيه ضد ما قيل في الواجب من الحدود المزيفة السابق ذكرها. ولا يخفى وجه الكلام عليها. والحق فيه أن يقال: هو ما ينتهض فعله سببا للذم شرعا بوجه ما من حيث هو فعل له. فالقيد الاول فاصل له عن الواجب والمندوب وسائر الاحكام والثاني فاصل له عن المخير كما ذكرناه في الواجب. والثالث فاصل له عن المباح الذي يستلزم فعله ترك واجب، فإنه يذم عليه، لكن لا من جهة فعله، بل لما لزمه من ترك الواجب، والحظر: فهو خطاب الشارع بما فعله سبب للذم شرعا بوجه ما، من حيث هو فعله. ومن أسمائه أنه محرم ومعصية وذنب. وإذا عرف معنى المحظور، فلا بد من ذكر ما يختص به من المسائل، وهي ثلاث مسائل:

[ 114 ]

المسألة الاولى يجوز أن يكون المحرم أحد أمرين، لا بعينه عندنا، خلافا للمعتزلة، وذلك لانه لا مانع من ورود النهي بقوله: لا تكلم زيدا أو عمرا. وقد حرمت عليك كلام أحدهما لا بعينه، ولست أحرم عليك الجميع ولا واحدا بعينه. فهذا الورود كان معقولا غير ممتنع. ولا شك أنه إذا كان كذلك فليس المحرم مجموع كلاميهما، ولا كلام أحدهما على التعيين، لتصريحه بنقيضه، فلم يبق إلا أن يكون المحرم أحدهما لا بعينه. ومنهج الخصم في الاعتراض ومنهجنا في الجواب، فكما سبق في الواجب المخير، ولا يخفى وجهه. ولكن ربما تشبث الخصوم هاهنا بقولهم: إن حرف أو إذا ورد في النهي، اقتضى الجمع دون التخيير، ودليله قوله تعالى: * (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) * (76) الانسان: 24) فإن المراد به إنما هو النهي من الطاعة لكل واحد منهما، لا النهي عن أحدهما. وجوابه: أن يقال: مقتضى الآية إنما هو التخيير، وتحريم أحد الامرين لا بعينه، والجمع في التحريم هاهنا إنما كان مستفادا من دليل آخر، ويجب أن يكون كذلك جمعا بين الآية وما ذكرناه من الدليل.

[ 115 ]

المسألة الثانية اتفق العقلاء على استحالة الجمع بين الحظر والوجوب في فعل واحد من جهة واحدة، لتقابل حديهما، كما سبق تعريفه، إلا على رأي من يجوز التكليف بالمحال. وإنما الخلاف في أنه هل يجوز انقسام النوع الواحد من الافعال إلى واجب وحرام، كالسجود لله تعالى والسجود للصنم، وأن يكون الفعل الواحد بالشخص واجبا حراما من جهتين، كوجوب الفعل المعين الواقع في الدار المغصوبة من حيث هو صلاة، وتحريمه من حيث هو غصب شاغل لملك الغير، فذلك مما جوزه أصحابنا مطلقا وأكثر الفقهاء. وخالف في الصورة الاولى بعض المعتزلة، وقالوا: السجود نوع واحد، وهو مأمور به لله تعالى، فلا يكون حراما ولا منهيا بالنسبة إلى الصنم من حيث هو سجود، وإلا كان الشئ الواحد مأمورا منهيا، وذلك محال، وإنما المحرم المنهي قصد تعظيم الصنم، وهو غير السجود. وخالف في الصورة الثانية الجبائي وابنه وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر والزيدية. وقيل إنه رواية عن مالك. وقالوا الصلاة في الدار المغصوبة غير واجبة ولا صحيحة، ولا يسقط بها الفرض ولا عندها، ووافقهم على ذلك القاضي أبو بكر إلا في سقوط الفرض، فإنه قال: يسقط الفرض عندها لا بها، مصيرامنهم إلى أن الوجوب والتحريم إنما يتعلق بفعل الملكف، لا بما ليس من فعله والافعال الموجودة من المصلي في الدار المغصوبة أفعال اختيارية محرمة عليه، وهو عاص بها، مأثوم بفعلها، وليس له من الافعال غير ما صدر عنه، فلا يتصور أن تكون واجبة طاعة ولا مثابا عليها، متقربا بها إلى الله تعالى. لان الحرام لا يكون واجبا، والمعصية لا تكون طاعة، ولا مثابا عليها ولا متقربا بها، مع أن التقرب شرط في صحة الصلاة والحق في ذلك ما قاله الاصحاب.

[ 116 ]

أما في الصورة الاولى: فلضرورة التغاير بالشخصية بين السجود لله تعالى والسجود للصنم. ولا يلزم متحريم أحد السجودين تحريم الآخر، ولا من الوجوب الوجوب، وما قيل من أن السجود مأمور به لله تعالى، فإن أريد به السجود من حيث هو كذلك، فهو غير مسلم، بل السجود المقيد بقصد تعظيم الرب تعالى دون ما قصد به تعظيم الصنم. ولهذا قال الله تعالى: * (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله) * (37) فصلت: 41) ولو كان كما ذكروه لكان عين المأمور به منهيا عنه، وهو محال. وأما في الصورة الثانية: فلضرورة تغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار اختلاف جهتيه من الغصب والصلاة. وذلك لان التغاير بين الشيئين، كما أنه قد يقع بتعدد النوع تارة كالانسان والفرس، وبتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو. فقد يقع التغاير مع اتحاد الموضوع المحكوم عليه شخصا بسبب اختلاف صفاته، بأن يكون المحكوم عليه بأحد الحكمين المتقابلين هو الهيئة الاجتماعية من ذاته وإحدى صفتيه، والمحكوم عليه بالحكم الآخر بالهيئة الاجتماعية والصفة الاخرى كالحكم على زيد بكونه مذموما لفسقه، ومشكورا لكرمه، وذلك مما لا يتحقق معه التقابل بين الحكمين والمنع منهما وقولهم: إن الفعل الموجود منه في الدار المغصوبة متحد وهو حرام، فلا يكون واجبا. قلنا: المحكوم عليه بالحرمة ذات الفعل من حيث هو فعل، أو من جهة كونه غصبا، الاول غير مسلم. والثاني فلا يلزم منه امتناع الحكم عليه بالوجوب من جهة كونه صلاة ضرورة الاختلاف كما سبق. فإن قيل متعلق الوجوب إما أن يكون هو متعلق الحرمة أو هو مغاير له، والاول يلزم منه التكليف بما لا يطاق والخصم لا يقول بذلك فيما نحن فيه سواء قيل بإحالته أو بجوازه. والثاني إما أن يكون متعلق الوجوب والتحريم،

[ 117 ]

متلازمين أو غير متلازمين، لا جائز أن يقال بالثاني، فإن الغصب والصلاة، وإن انفك أحدهما عن الآخر في غير مسألة النزاع، فهما متلازمان في مسألة النزاع. فلم يبق غير التلازم، وعند ذلك فالواجب متوقف على فعل المحرم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فالمحرم الذي ذكرتموه يكون واجبا، وهو تكليف بما لا يطاق. وأيضا فإن الحركات المخصوصة في الصلاة والسكنات داخلة في مفهومها، والحركات والسكنات تشغل الحيز إذ الحركة عبارة عن شغل الجوهر للحيز بعد أن كان في غيره، والسكون شغل الجوهر للحيز أكثر من زمان واحد. فشغل الحيز داخل في مفهوم الحركة والسكون الداخلين في مفهوم الصلاة، فكان داخلا في مفهوم الصلاة لان جزء الجزء جزء، وشغل الحيز فيما نحن فيه حرام. فالصلاة التي جزءها حرام لا تكون واجبة، لان وجوبها إما أن يستلزم إيجاب جميع أجزائها، أو لا يستلزم. والاول يلزم منه إيجاب ما كان من أجزائها محرما، وهو تكليف بما لا يطاق. والثاني يلزم منه أن يكون الواجب بعض أجزاء الصلاة، لا نفس الصلاة، لان مفهوم الجزء مغاير لمفهوم الكل وذلك محال. قلنا: أما الاشكال الاول، فيلزم عليه ما لو قال السيد لعبده أوجبت عليك خياطة هذا الثوب، وحرمت عليك السكن في هذا الدار، فإن فعلت هذا أثبتك، وإن فعلت هذا عاقبتك، فإنه إذا سكن الدار، وخاط الثوب، فإنه يصح أن يقال فعل الواجب والمحرم ويحسن من السيد ثوابه له على الطاعة، وعقابه له على المعصية إجماعا. وعند ذلك فكل ما أوردوه من التقسيم فهو بعينه وارد هاهنا. وذلك أن يقال: متعلق الوجوب، إن كان هو متعلق الحرمة، فهو تكليف بما لا يطاق، وليس كذلك فيما فرض من الصورة، وإن تغايرا فهما في الصورة المفروضة متلازمان، وإن جاز انفكاكهما حسبما قيل في الصلاة في الدار المغصوبة. فالواجب متوقف على المحرم، فيلزم أن يكون واجبا لا محرما، لما قيل. وقد قيل بالجمع بين الواجب والمحرم فيها، فما هو الجواب في هذه الصورة، هو الجواب في صورة محل النزاع. على هذا فقد اندفع الاشكال الثاني أيضا من حيث إن شغل الحيز داخل في مفهوم الحركات المخصوصة الداخلة في مفهوم الخياطة. وشغل الحيز

[ 118 ]

بالسكن محرم على ما قيل في صورة محل النزاع من غير فرق، والجواب يكون مشتركا: كيف وإن إجماع سلف الامة وهلم جرا منعقد على الكف عن أمر الظلمة بقضاء الصلوات المؤدات في الدور المغصوبة مع كثرة وقوع ذلك منهم، ولو لم تكن صحيحة مع وجوبها عليهم، لبقي الوجوب مستمرا، وامتنع على الامة عدم الانكار عادة وهو لازم على المعتزلة وأحمد بن حنبل حيث اعترفوا ببقاء الفرض وعدم سقوطه. وأما القاضي أبو بكر فإنه قال إن الفرض يسقط عندها لا بها، جمعا بين الاجماع على عدم النكير على ترك القضاء وبين ما ظنه دليلا على امتناع صحة الصلاة. وقد بينا إبطال مستنده. المسألة الثالثة مذهب الشافعي أن المحرم بوصفه مضاد لوجوب أصله، خلافا لابي حنيفة. وصورة المسألة ما إذا أوجب الصوم وحرم إيقاعه في يوم العيد. وعلى هذا النحو فالشافعي اعتقد أن المحرم هو الصوم الواقع، وألحقه بالمحرم باعتبار أصله، فكان تحريمه مضادا لوجوبه. وأبو حنيفة اعتقد أن المحرم نفس الوقوع لا الواقع، وهما غيران فلا تضاد، إلحاقا له بالمحرم باعتبار غيره وحيث قضى بتحريم صلاة المحدث وبطلانها، إنما كان لفوات شرطها من الطهارة لا للنهي عن إيقاعها مع الحدث، بخلاف الطواف حيث لا يقم الدليل عنده على اشتراط الطهارة فيه. وبالجملة فالمسألة اجتهادية ظنية، لا حظ لها من اليقين، وإن كان الاشبه إنما هو مذهب الشافعي من حيث إن اللغوي لا يفرق عند سماعه لقول القائل: حرمت عليك الصوم في هذا اليوم مع كونه موجبا لتحريم الصوم، وبين قوله حرمت عليك إيقاع الصوم في هذا اليوم من جهة أنه لا معنى لايقاع الصوم في اليوم سوى فعل الصوم في اليوم. فإذا كان فعل الصوم فيه محرما، كان ذلك مضادا لوجوبه لا محالة.

[ 119 ]

فإن قيل: لو كان تحريم إيقاع الفعل في الوقت تحريما للفعل الواقع، لزم أن يكون تحريم إيقاع الطلاق في زمن الحيض تحريما لنفس الطلاق، ولو كان الطلاق نفسه محرما لما كان معتبرا، وكذلك وقوع الصلوات في الاوقات والاماكن المنهي عن إيقاعها فيها. قلنا: أما الطلاق في زمن الحيض إنما قضى الشافعي بصحته لظهور صرف التحريم عنده عن أصل الطلاق وصفته، إلى أمر خارج، وهو ما يفضي إليه من تطويل العدة، لدليل دل عليه. وأما الصلوات في الاوقات والاماكن المنهي عنها، فقد منع بعض أصحابنا صحتها في الاوقات دون الاماكن. ومن عمم، اعتقد صرف النهي فيها عن اصل الفعل وصفته إلى أمر خارج لدليل دل عليه أيضا، بخلاف ما نحن فيه، حتى لو قام الدليل فيه على ترك الظاهر لترك. الفصل الثالث في تحقيق معنى المندوب وما يتعلق به من المسائل والمندوب في اللغة مأخوذ من الندب، وهو الدعاء إلى أمر مهم، ومنه قول الشاعر: (لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا) وأما في الشرع، فقد قيل: هو ما فعله خير من تركه. ويبطل بالاكل قبل ورود الشرع، فإنه خير من تركه لما فيه من اللذة واستبقاء المهجة، وليس مندوبا، وقيل: هو ما يمدح على فعله، ولا يذم على تركه، ويبطل بأفعال الله تعالى، فإنها كذلك، وليست مندوبة. فالواجب أن يقال: هو المطلوب فعله شرعا من غير ذم على تركه مطلقا. (فالمطلوب فعله) احتراز عن الحرام والمكروه والمباح وغيره من الاحكام الثابتة بخطاب الوضع والاخبار. و (نفي الذم) احتراز عن الواجب المخير، والموسع، في أول الوقت. وإذا عرف معنى المندوب، ففيه مسألتان:

[ 120 ]

المسألة الاولى ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا إلى أن المندوب مأمور به خلافا للكرخي وأبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة. احتج المثبتون بأن فعل المندوب يسمى طاعة بالاتفاق، وليس ذلك لذات الفعل المندوب إليه وخصوص نفسه، وإلا كان طاعة بتقدير ورود النهي عنه، ولا لصفة من الصفات التي يشاركه فيها غيره من الحوادث، وإلا كان كل حادث طاعة، ولا لكونه مرادا لله تعالى، وإلا كان كل مراد الوقوع طاعة، وليس كذلك ولا لكونه مثابا عليه، فإنه لا يخرج عن كونه طاعة، وإن لم يثب عليه، ولا لكونه موعودا بالثواب عليه، لانه لو ورد فيه وعد لتحقق، لاستحالة الخلف في خبر الشارع، والثواب غير لازم له بالاجماع، والاصل عدم ما سوى ذلك. فتعين أن يكون طاعة لما فيه من امتثال الامر، فإن امتثال الامر يسمى طاعة، ولهذا يقال: فلان مطاع الامر، ومنه قول الشاعر: (ولو كنت ذا أمر مطاع لما بدا توان من المأمور في كل أمركا) كيف وقد شاع وذاع إطلاق أهل الادب قولهم بانقسام الامر إلى أمر إيجاب، وأمر ندب. فإن قيل: أمكن أن يكون طاعة لكون مقتضى ومطلوبا ممن له الطلب والاقتضاء، ولا يلزم أن يكون ذلك لكونه مأمورا. ثم لو كان فعله طاعة لكونه مأمورا، لكان تركه معصية لكونه مأمورا. ولذلك يقال أمر فعصى. ومنه قول الشاعر: (أمرتك أمرا جازما فعصيتني) وليس كذلك بالاجماع. ويدل على أنه غير مأمور قوله عليه السلام: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة وقوله عليه السلام لبريرة وقد عتقت تحت عبد: لو راجعتيه فقالت: بأمرك يا رسول الله فقال: لا، إنما أنا شافع نفى الامر في الصورتين مع أن الفعل فيهما مندوب. فدل على أن المندوب ليس مأمورا.

[ 121 ]

قلنا: أما الاقتضاء والطلب فهو الامر عندنا على ما يأتي، فتسليمه تسليم لمحل النزاع. قولهم لا يسمى تاركه عاصيا. قلنا لان العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الايجاب، ولا بمخالفة مطلق أمر. ويجب أن يكون كذلك جمعا بين ما ذكروه من الاطلاق وما ذكرناه من الدليل. ولمثل هذا يجب حمل الحديثين على أمر الايجاب دون الندب. ويخص الحديث الاول أنه قيده بالمشقة، وهي لا تكون في غير أمر الايجاب. وإذا ثبت كونه مأمورا فهو حسن بجميع الاعتبارات السابق ذكرها في مسألة التحسين والتقبيح، وهل هو داخل في مسمى الواجب، فالكلام فيه على ما سيأتي في الجائز نفيا وإثباتا. المسألة الثانية اختلف أصحابنا في المندوب هل هو من أحكام التكاليف ؟ فأثبته الاستاذ أبو إسحاق، ونفاه الاكثرون، وهو الحق. وحجة ذلك أن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة والمندوب مساو للمباح في التخيير بين الفعل والترك من غير حرج، مع زيادة الثواب على الفعل. والمباح ليس من أحكام التكليف على ما يأتي، فالمندوب أولى. نعم، إن قيل إنه تكليفي باعتبار وجوب اعتقاد كونه مندوبا، فلا حرج، فإن قيل المندوب لا يخلو عن كلفة ومشقة، فإنه سبب للثواب، فإن فعله رغبة في الثواب ففعله مشق كفعل الواجب، وإن تركه شق عليه ما فاته من الثواب الجزيل بفعله، وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل، بخلاف ترك المباح. قلنا: يلزم عليه أن يكون حكم الشارع على الفعل بكونه سببا للثواب حكما تكليفيا، لانه إن أتى بالفعل رغبة في الثواب الذي هو مسببه فهو مشق، وإن تركه شق عليه ما فاته من الثواب. وهو خلاف الاجماع.

[ 122 ]

الفصل الرابع في المكروه المكروه في اللغة مأخوذ من الكريهة، وهي الشدة في الحرب، ومنه قولهم جمل كره، أي شديد الرأس، وفي معنى ذلك الكراهة والكراهية. وأما في الشرع، فقد يطلق ويراد به الحرام، وقد يراد به ترك ما مصلحته راجحة، وإن لم يكن منهيا عنه، كترك المندوبات. وقد يراد به ما نهي عنه نهي تنزيه لا تحريم، كالصلاة في الاوقات والاماكن المخصوصة. وقد يراد به ما في القلب منه حزازة. وإن كان غالب الظن حله، كأكل لحم الضبع. وعلى هذا فمن نظر إلى الاعتبار الاول حده بحد الحرام، كما سبق. ومن نظر إلى الاعتبار الثاني، حده بترك الاولى. ومن نظر إلى الاعتبار الثالث، جده بالمنهي الذي لا ذم على فعله. ومن نظر إلى الاعتبار الرابع، حده بأنه الذي فيه شبهة وتردد. وإذا عرف معنى المكروه، فالخلاف في كونه منهيا عنه، وفي كونه من أحكام التكاليف، فعلى نحو ما سبق في المندوب، ولا يخفى وجه الكلام في الطرفين تزييفا واختيارا.

[ 123 ]

الفصل الخامس في المباح وما يتعلق به من المسائل أما المباح، فهو في اللغة مشتق من الاباحة، وهي الاظهار والاعلان. ومنه يقال باح بسره، إذا أظهره. وقد يرد أيضا بمعنى الاطلاق والاذن، ومنه يقال أبحته كذا، أي أطلقته فيه وأذنت له. وأما في الشرع، فقد قال قوم هو ما خير المرء فيه بين فعله وتركه شرعا. وهو منقوض بخصال الكفارة المخيرة. فإنه ما من خصلة منها إلا والمكفر مخير بين فعلها وتركها، وبتقدير فعلها لا تكون مباحة بل واجبة. وكذلك الصلاة في أول وقتها الموسع مخير بين فعلها وتركها مع العزم، وليست مباحة بل واجبة. وقال قوم، هو ما استوى جانباه في عدم الثواب والعقاب، وهو منتقض بأفعال الله تعالى، فإنها كذلك، وليست متصفة بكونها مباحة. ومنهم من قال هو ما أعلم فاعله أو دل أنه لا ضرر عليه في فعله ولا تركه، ولا نفع له في الآخرة، وهو غير جامع، لانه يخرج منه الفعل الذي خير الشارع فيه بين الفعل والترك مع إعلام فاعله، أو دلالة الدليل السمعي، على استواء فعله في المصلحة والمفسدة دنيا وأخرى، فإنه مباح، وإن اشتمل فعله وتركه على الضرر. والاقرب في ذلك أن يقال: هو ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل. فالقيد الاول فاصل له عن فعل الله تعالى: والثاني عن الواجب الموسع في أول الوقت والواجب المخير. وإذا عرف معنى المباح ففيه خمس مسائل:

[ 124 ]

المسألة الاولى اتفق المسلمون على أن الاباحة من الاحكام الشرعية خلافا لبعض المعتزلة، مصيرا منه إلى أن المباح لا معنى له سوى ما انتفى الحرج عن فعله وتركه. وذلك ثابت قبل ورود الشرع، وهو مستمر بعده، فلا يكون حكما شرعيا. ونحن لا ننكر أن انتفاء الحرج عن الفعل والترك ليس بإباحة شرعية، وإنما الاباحة الشرعية خطاب الشارع بالتخيير على ما قررناه. وذلك غير ثابت قبل ورود الشرع. ولا يخفى الفرق بين القسمين. فإذا ما أثبتناه من الاباحة الشرعية لم يتعرض لنفيها وما نفي غير ما أثبتناه. المسألة الثانية اتفق الفقهاء والاصوليون قاطبة على أن المباح غير مأمور به، خلافا للكعبي وأتباعه من المعتزلة، في قولهم إنه لا مباح في الشرع، بل كل فعل يفرض فو واجب مأمور به. احتج من قال إنه غير مأمور به أن الامر طلب يستلزم ترجيح الفعل على الترك، وهو غير متصور في المباح لما سبق في تحديده، ولان الامة مجمعة على انقسام الاحكام إلى: وجوب وندب، وإباحة، وغير ذلك. فمنكر المباح يكون خارقا للاجماع. وحجة الكعبي أنه ما من فعل يوصف بكونه مباحا إلا ويتحقق بالتلبس به ترك حرام ما، وترك الحرام واجب، ولا يتم تركه دون التلبس بضد من أضداده، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لما سبق. ثم اعتذر عن الاجماع المحتج به بأن قال: يجب حمله على ذات الفعل مع قطع النظر عن تعلق الامر به لسبب توقف ترك الحرام عليه. فإنه إذ ذاك لا يكون مأمورا به، ضرورة الجمع بين الادلة بأقصى الامكان. وقد اعترض عليه من لا

[ 125 ]

يعلم عور كلامه، بأنه وإن كان ترك الحرام واجبا، فالمباح ليس هو نفس ترك الحرام، بل شئ يترك به الحرام مع إمكان تحقق ترك الحرام بغيره، فلا يلزم أن يكون واجبا وهو غير سديد. فإنه إذا ثبت أن ترك الحرام واجب، وأنه لا يتم بدون التلبس بضد من أضداده. وقد تقرر أن مالا يتم الواحب دونه، فهو واجب. فالتلبس بضد من أضداده واجب، غايته أن الواجب من الاضداد غير معين قبل تعيين المكلف له. ولكن لا خلاف في وجوبه بعد التعيين، ولا خلاص عنه إلا بمنع وجوب ما لا يتم الواجب إلا به، وفيه خرق القاعدة الممهدة على أصول الاصحاب. وغاية ما ألزم عليه أنه لو كان الامر على ما ذكرت، لكان المندوب بل المحرم إذا ترك به محرم آخر، أن يكون واجبا، وكان يجب أن تكون الصلاة حراما على هذه القاعدة عندما إذا ترك بها واجبا آخر، وهو محال، فكان جوابه أنه لا مانع من الحكم على الفعل الواحد بالوجوب والتحريم، بالنظر إلى جهتين مختلفتين، كما في الصلاة في الدار المغصوبة ونحوه. وبالجملة، وإن استبعده من استبعده، فهو في غاية الغوص والاشكال، وعسى أن يكون عند غيري حله. المسألة الثالثة اختلفوا في المباح هل هو داخل في مسمى الواجب أم لا ؟ وحجة من قال بالدخول، أن المباح ما لا حرج على فعله. وهذا المعنى متحقق في الواجب، والزيادة إلى اختص بها الواجب غير نافية للاشتراك فيما قيل. وحجة من قال بالتباين، أن المباح ما خير فيه بين الفعل والترك بالقيود المذكورة، وهو غير متحقق في الواجب، وهو الحق.

[ 126 ]

فإن قيل: العادة مطردة بإطلاق الجائز على الصلاة الواجبة والصوم الواجب في قولهم صلاة جائزة، وصوم جائز، ولو لم يكن مفهوم الجائز متحققا في الواجب، لزم منه إما الاشتراك وإما التجوز، هو خلاف الاصل. قلنا: ولو كان إطلاقه عليه حقيقة، فلا مشترك بينهما سوى نفي الحرج عن الفعل بدليل البحث والسير. فلو كان ذلك هو المسمى حقيقة، فالعادة أيضا مطردة بإطلاق الجائز على ما انتفى الحرج عن تركه، ولهذا يقال: المحرم جائز الترك. وما هو مسمى الجائز أولا غير متحقق هاهنا. ويلزم من ذلك أن يكون إطلاق اسم الجائز على ترك المحرم مجازا أو مشتركا، وهو خلاف الاصل. وليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل احتمال التجوز فيما ذكرناه أولى، لما فيه من موافقة الاطلاق في قولهم: هذا واجب وليس بجائز. وعلى كل تقدير فالمسألة لفظية، وهي في محل الاجتهاد. المسألة الرابعة اختلفوا في المباح هل هو داخل تحت التكليف. واتفاق جمهور من العلماء على النفي خلافا للاستاذ أبي إسحاق الاسفرايني. والحق أن الخلاف في هذه المسألة لفظي. فإن النافي يقول إن التكليف إنما يكون بطلب ما فيه كلفة ومشقه. ومنه قولهم: كلفتك عظيما، أي حملتك ما فيه كلفة ومشقة. ولا طلب في المباح ولا كلفة، لكونه مخيرا بين الفعل والترك. ومن أثبت ذلك لم يثبته بالنسبة إلى أصل الفعل، بل بالنسبة إلى وجوب اعتقاد كونه مباحا. والوجوب من خطاب التكليف فما التقيا على محز واحد. المسألة الخامسة اختلفوا في المباح هل هو حسن أم لا ؟ والحق امتناع النفي والاثبات في ذلك مطلقا، بل الواجب أن يقال إنه حسن باعتبار أن لفاعله أن يفعله شرعا أو باعتبار موافقته للغرض. وليس حسنا باعتبار أنه مأمور بالثناء على فاعله على ما تقرر في مسألة التحسين والتقبيح

[ 127 ]

الفصل السادس في الاحكام الثابتة بخطاب الوضع والاخبار وهي على أصناف: الصنف الاول: الحكم على الوصف بكونه سببا، والسبب في اللغة عبارة عما يمكن التوصل به إلى مقصود ما، ومنه سمي الحبل سببا، والطريق سببا، لامكان التوصل بهما إلى المقصود. وإطلاقه في اصطلاح المتشرعين على بعض مسمياته في اللغة. وهو كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي. ولا يخفى ما فيه من الاحتراز، وهو منقسم إلى ما لا يستلزم في تعريفة للحكم حكمة باعثة عليه كجعل زوال الشمس أمارة معرفة لوجوب الصلاة، في قوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس) * (17) الاسراء: 78) وفي قوله عليه السلام: إذا زالت الشمس فصلوا وكجعل طلوع هلال رمضان أمارة على وجوب صوم رمضان، بقوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (2) البقرة: 185) وقوله عليه السلام: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته ونحوه، وإلى ما يستلزم حكمة باعثة للشرع على شرع الحكم المسبب كالشدة المطربة المعرفة لتحريم شرب النبيذ، لا لتحريم شرب الخمر في الاصل المقيس عليه. فإن تحريم شرب الخمر معروف بالنص أو الاجماع، لا بالشدة المطربة. ولانها لو كانت معرفة له، فهي لا يعرف كونها علة بالاستنباط. إلا بعد معرفة الحكم في الاصل. وذلك دور ممتنع. وعلى هذا فالحكم الشرعي ليس هو نفس الوصف المحكوم عليه بالسببية، بل حكم الشرع عليه بالسببية. وعلى هذا فكل واقعة عرف الحكم فيها بالسبب لا بدليل آخر من الادلة السمعية، فلله تعالى فيها حكمان أحدهما الحكم المعرف بالسبب، والآخر السببية المحكوم بها على الوصف المعرف للحكم، وفائدة نصبه سببا معرفا للحكم

[ 128 ]

عسر وقوف المكلفين على خطاب الشرع في كل واقعة من الوقائع، بعد انقطاع الوحي، حذرا من تعطيل أكثر الوقائع عن الاحكام الشرعية. وسواء كان السبب مما يتكرر بتكرره الحكم، كما ذكرناه من زوال الشمس وطلوع الهلال، وغيره من أسباب الضمانات والعقوبات والمعاملات، أو غير متكرر به، كالاستطاعة في الحج ونحوه، وسواء كان وصفا وجوديا، أو عدميا شرعيا، أو غير شرعي على ما يأتي تحقيقه في القياس. وإذا أطلق على السبب أنه موجب للحكم، فليس معناه أنه يوجبه لذاته، وصفة نفسه، وإلا كان موجبا له قبل ورود الشرع، وإنما معناه أنه معرف للحكم لا غير، كما ذكرناه في تحديده. فإن قيل لو كانت السببية حكما شرعيا، لافتقرت في معرفتها إلى سبب آخر يعرفها. ويلزم من ذلك إما الدور إن افتقر كل واحد من السببين إلى الآخر، وإما التسلسل، وهو محال. وأيضا فإن الوصف المعرف للحكم، إما يعرفة بنفسه، أو بصفة زائدة. وإما التسلسل وهو محال. فإن كان الاول، لزم أن يكون معرفا له قبل ورود الشرع وهو محال. وإن كان بصفة زائدة عليه، فالكلام في تلك الصفة كالكلام في الاول، وهو تسلسل ممتنع. وأيضا فإن الطريق إلى معرفة كون الوصف سببا للحكم، إنما هو ما يستلزمه من الحكمة المستدعية للحكم من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة. وذلك ممتنع لوجهين: الاول: أنه لو كانت الحكمة معرفة لحكم السببية، لامكن تعريف الحكم المسبب بها من غير حاجة إلى توسط الوصف. وليس كذلك بالاجماع. الثاني: أن الحكمة، إما أن تكون قديمة أو حادثة. فإن كان الاول لزم من قدمها قدم موجبها، وهو معرفة السببية. وإن كان الثاني، فلا بد لها من معرف آخر لخفائها. والتقسيم في ذلك المعرف عائد بعينه.

[ 129 ]

قلنا: معرفة السببية مستندة إلى الخطاب، أو إلى الحكمة الملازمة للوصف مع اقتران الحكم بها في صورة، فلا تستدعي سببا آخر يعرفها حتى يلزم الدور، أو التسلسل، وبما ذكرناه هاهنا يكون دفع إشكال الثاني أيضا. وأما الوجه الاول: من الاشكال الثالث، فالوجه في دفعه أن الحكمة المعرفة للسببية ليس طلق حكمة بل الحكمة المضبوطة بالوصف المقترن بالحكم، فلا تكون بمجردها معرفة للحكم فإنها إذا كانت خفية غير مضبوطة بنفسها ولا بملزومها من الوصف فلا يمكن تعريف الحكم بها، لعدم الوقوف على ما به التعريف لاضطرابها واختلافها باختلاف الاشخاص والاحوال والازمان، وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة المنضبطة المستلزمة لاحتمال الحكمة دفعا للعسر والحرج عنهم. وأما الوجه الثاني: منه، فالوجه في دفعه أن يقال الحكمة إذا كانت مضبوطة بالوصف فهي معروفة بنفسها غير مفتقرة إلى معرف آخر، ولا يلزم من تقدمها على ورود الشرع أن تكون معرفة للسببية، لتوقف ذلك على اعتبارها في الشرع، ولا اعتبار لها قبل ورود الشرع. وإذا عرف معنى السبب شرعا، فلو تخلف الحكم عنه في صورة من الصور، فهل تبطل سببيته أم لا. فسيأتي الكلام عليه في مسألة تخصيص العلة فيما بعد.

[ 130 ]

الصنف الثاني: الحكم على الوصف بكونه مانعا. والمانع منقسم إلى مانع الحكم، ومانع السبب. أما مانع الحكم فهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها بقاء نقيض حكم السبب، مع بقاء حكمة السبب كالابوة في باب القصاص مع القتل العمد العدوان. وأما مانع السبب فهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب يقينا، كالدين في باب الزكاة مع ملك النصاب. الصنف الثالث: الشرط. والشرط ما كان عدمه مخلا بحكمة السبب، فهو شرط السبب كالقدرة على التسليم في باب البيع، وما كان عدمه مشتملا على حكمة مقتضاها نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب، فهو شرط الحكم، كعدم الطهارة في الصلاة مع الاتيان بمسمى الصلاة والحكم الشرعي في ذلك إنما هو قضاء الشارع على الوصف بكونه مانعا أو شرطا، لا نفس الوصف المحكوم عليه. وقد يرد هاهنا من الاشكالات ما وردت على السبب، والوجه في دفعها ما سبق. الصنف الرابع: الحكم بالصحة. وهي في اللغة مقابل للسقم، وهو المرض، وأما في الشرع فقد تطلق الصحة على العبادات تارة، وعلى عقود المعاملات تارة. أما في العبادات، فعند المتكلم، الصحة عبارة عن موافقة أمر الشارع، وجب القضاء أو لم يجب. وعند الفقهاء، الصحة عبارة عن سقوط القضاء بالفعل، فمن صلى وهو يظن أنه متطهر، وتبين أنه لم يكن متطهرا، فصلاته صحيحة عند المتكلم لموافقة أمر الشارع بالصلاة على حسب حاله، وغير صحيحة عند الفقهاء لكونها غير مسقطة للقضاء.

[ 131 ]

وأما في عقود المعاملات، فمعنى صحة العقد ترتب ثمرته المطلوبة منه عليه. ولو قيل للعبادة صحيحة بهذا التفسير فلا حرج. ومن فسر صحة العقد بإذن الشارع في الانتفاع بالمعقود عليه، فهو فاسد. فإن البيع بشرط الخيار صحيح بالاجماع، وإن لم يتحقق إذن الشارع بالانتفاع بتقدير الفسخ قبل انقضاء المدة، مع أنه لا يطرد هذا التفسير في صحة الصلاة وغيرها من العبادات. وإن صح، فالنزاع في أمر لفظي، ولا بأس بتفسير كون العبادة مجزية بكونها مسقطة لوجوب القضاء. وحيث لم تكن متصفة بكونها مجزية عند أدائها مع اختلال شرطها، وسقوط القضاء بالموت، إنما كان لانه لم يسقط القضاء بفعلها بل بالموت. الصنف الخامس: الحكم بالبطلان. وهو نقيض الصحة بكل اعتبار من الاعتبارات السابقة. وأما الفاسد، فمرادف للباطل عندنا، وهو عند أبي حنيفة قسم ثالث مغاير للصحيح والباطل، وهو ما كان مشروعا بأصله، ممنوعا بوصفه، كبيع مال الربا بجنسه متفاضلا ونحوه. وسيأتي تحقيق ذلك في المناهي. الصنف السادس: العزيمة والرخصة. أما العزيمة: ففي اللغة الرقية، وهي مأخوذة من عقد القلب المؤكد على أمر ما، ومنه قوله تعالى: * (فنسي ولم نجد له عزما) * (20) طه: 115) أي قصدا مؤكدا. ومنه سمي بعض الرسل ألو العزم لتأكد قصدهم في إظهار الحق. وأما في الشرع فعبارة عما لزم العباد بإلزام الله تعالى، كالعبادات الخمس ونحوها. وأما الرخصة في اللغة، بتسكين الخاء، فعبارة عن التيسير والتسهيل. ومنه يقال رخص السعر. إذا تيسر وسهل. وبفتح الخاء، عبارة عن الاخذ بالرخص.

[ 132 ]

وأما في الشرع، فقد قيل الرخصة ما أبيح فعله مع كونه حراما، وهو تناقض ظاهر. وقيل ما رخص فيه، مع كونه حراما، وهو، مع ما فيه من تعريف الرخصة بالترخيص المشتق من الرخصة، غير خارج عن الاباحة. فكان في معنى الاول. وقال أصحابنا: الرخصة ما جاز فعله لعذر مع قيام السبب المحرم، وهو غير جامع. فإن الرخصة، كما قد تكون بالفعل، قد تكون بترك الفعل، كإسقاط وجوب صوم رمضان، والركعتين من الرباعية في السفر. فكان من الواجب أن يقال: الرخصة ما شرع من الاحكام لعذر إلى آخر الحد المذكور، حتى يعم النفي والاثبات. ثم العذر المرخص لا يخلو إما أن يكون راجحا على المحرم، أو مساويا، أو مرجوحا. فإن كان الاول، فموجبه لا يكون رخصة، بل عزيمة، وإلا كان كل حكم ثبت بدليل راجح مع وجود المعارض المرجوح رخصة، وهو خلاف الاجماع. وإن كان مساويا، فإن قلنا بتساقط الدليلين المتعارضين من كل وجه، والرجوع إلى الاصل، فلا يكون ذلك رخصة، وإلا كان كل فعل يقينا فيه على النفي الاصلي قبل ورود الشرع رخصة، وهو ممتنع. وإن لم نقل بالتساقط، فالقائل قائلان: قائل يقول بالوقف عن الحكم بالجواز وعدمه إلى حين ظهور الترجيح، وذلك عزيمة لا رخصة، وقائل يقول بالتخيير بين الحكم بالجواز، والحكم بالتحريم. ويلزم من ذلك أن لا يكون أكل الميتة حالة الاضطرار رخصة. ضرورة عدم التخيير بين جواز الاكل والتحريم. لان الاكل واجب جزما، وقد قيل بكونه رخصة. فلم يبق إلا أن يكون الدليل المحرم راجحا على المستبيح. ويلزم من ذلك العلم بالمرجوح ومخالفة الراجح، وهو في غاية الاشكال، وإن كان هذا القسم هو الاشبه بالرخصة، لما فيها من التيسير والتسهيل بالعمل بالمرجوح، ومخالفة الراجح. وعلى هذا فإباحة

[ 133 ]

شرب الخمر، والتلفظ بكلمة الكفر عند الاكراه، وإسقاط صورم مضان، والقصر في الرباعية في السفر، والتيمم مع وجود الماء للجراحة أو لبعد الماء أو لبيعه بأكثر من ثمن المثل رخصة حقيقة، وأكل الميتة حالة الاضطرار وإن كان عزيمة من حيث هو واجب استبقاء للمهجة، فرخصة من حهة ما في الميتة من الخبث المحرم وما لم يوجبه الله علينا، وإن كان واجبا على من قبلنا، فليس رخصة حقيقة، وإن سمي رخصة لعدم الدليل المحرم لتركه. وكذلك كل حكم ثبت جوازه على خلاف العموم للمخصص لا يكون رخصة، لان المخصص بين لنا أن المتكلم لم يرد باللفظ العام لغة صورة التخصيص، فلا يكون إثبات الحكم فيها على خلاف الدليل، لان العموم إنما يكون دليلا على الحكم في آحاد الصور الداخلة تحت العموم لغة مع إرداة المتكلم لها، ومع المخصص فلا إرداة. الاصل الثالث في المحكوم فيه وهو الافعال المكلف بها، وفيه خمس مسائل: المسألة الاولى اختلف قول أبي الحسن الاشعري في جواز التكليف بما لا يطاق نفيا وإثباتا، وذلك كالجمع بين الضدين، وقلب الاجناس، وإيجاد القديم وإعدامه ونحوه. وميله في أكثر أقواله إلى الجواز، وهو لازم على أصله في اعتقاد وجوب مقارنة

[ 134 ]

القدرة الحادثة للمقدور بها، متقدم التكليف بالفعل على الفعل، وأن القدرة الحادثة غير مؤثرة في مقدورها، مقدورها مخلوق لله تعالى، ولا يخفى أن التكليف بفعل الغير، حالة عدم القدرة عليه، تكليف بما لا يطاق. وهذا هو مذهب أكثر أصحابه وبعض معتزلة بغداد، حيث قالوا بجواز تكليف العبد بفعل في وقت علم الله تعالى أنه يكون ممنوعا عنه، والبكرية حيث زعموا أن الختم والطبع على الافئدة مانعان من الايمان مع التكليف به. غير أن من قال بجواز ذلك من أصحابه اختلفوا في وقوعه نفيا وإثباتا. ووافقه على القول بالنفي بعض الاصحاب، وهو مذهب البصريين من المعتزلة وأكثر البغداديين، وأجمع الكل على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون عقلا وعلى وقوعه شرعا، كالتكليف بالايمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل، خلافا لبعض الثنوية. والمختار إنما هو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته، كالجمع بين الضدين ونحوه، وجوازه في المستحيل باعتبار غيره، وإليه ميل الغزالي، رحمه الله.

[ 135 ]

ولنفرض الكلام في الطرفين: أما الطرف الاول: وهو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته، فيدل عليه أن التكليف طلب ما فيه كلفة. والطلب يستدعي مطلوبا متصورا في نفس الطالب. فإن طلب ما لا تصور له في النفس محال، والمستحيل لذاته، كالجمع بين الضدين، والنفي والاثبات معا في شئ واحد ونحوه، لا تصور له في النفس. ولو تصور في النفس، لما كان وقوعه في الخارج ممتنعا لذاته. وكما يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين في طرف الوجود، فكذلك يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين طرف السلب، إذا لم يكن بينهما واسطة، كالتكليف بسلب الحركة والسكون معا في شئ واحد، لاستحالة ذلك لذاتيهما. وعلى هذا فمن توسط مزرعة مغصوبة فلا يقال له: لا تمكث ولا تخرج، كما ذهب إليه أبو هاشم، وإن كان في كل واحد من المكث والخروج إفساد زرع الغير، بل يتعين التكليف بالخروج، لما فيه من تقليل الضرر، وتكثيره في المكث، كما يكلف المولج في الفرج الحرام بالنزع وإن كان به ماسا للفرج المحرم، لان ارتكاب أدنى الضررين يصير واجبا نظرا إلى رفع أعلاهما، كإيجاب شرب الخمر من غص بلقمة ونحوه. ووجوب الضمان عليه بما يفسده عند الخروج لا يدل على حرمة الخروج، كما يجب الضمان على المضطر في المخمصة بما يتلفه بالاكل، وإن كان الاكل واجبا وإن قدر انتفاء الترجيح بين الطرفين، وذلك، كما إذا سقط إنسان من شاهق على صدر صبي محفوف بصبيان، وهو يعلم أنه إن استمر قتل من تحته، وإن انتقل قتل من يليه، فيمكن أن يقال بالتخيير بينهما، أو يخلو مثل هذه الواقعة عن حكم الشارع، وهو أولى من تكليفه طلب ما لا تصور له في نفس الطالب على ما حققناه. وهذا بخلاف ما إذا كان محالا باعتبار غيره، فإنه يكون ممكنا باعتبار ذاته. فكان متصورا في نفس الطالب، وهو واضح لا غبار عليه.

[ 136 ]

فإن قيل: ما ذكرتموه من إحالة طلب الجمع بين الضدين بناء على عدم تصوره في نفس الطالب غير صحيح، وذلك لانه لو لم يكن متصورا في نفس الطالب، لما علم إحالته، فإن العلم بصفة الشئ فرع تصور ذلك الشئ، واللازم ممتنع، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه، إلا أنه معارض بما يدل على جواز التكليف بالجمع بين الضدين ووقوعه شرعا. وبيانه قوله تعالى لنوح: * (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) * (1) هود: 36) أخبر أنه لا يؤمن غير من لم يؤمن، مع أنهم كانوا مكلفين بتصديقه فيما يخبر به، ومن ضرورة ذلك تكليفهم بأن لا يصدقوه تصديقا له في خبره أنهم لا يؤمنون. وأيضا فإن الله تعالى كلف أبا لهب بتصديق النبي عليه السلام في أخباره. ومن أخبار النبي عليه السلام، أن أبا لهب لا يصدقه لاخبار الله تعالى لنبيه بذلك، فقد كلفه بتصديقه في إخباره بعدم تصديقه له وفي ذلك تكليفه بتصديقه وعدم تصديقه، وهو تكليف بالجمع بين الضدين. قلنا: أما الاشكال الاول، فمندفع. وذلك لان الجمع المعلوم المتصور المحكوم بنفيه عن الضدين إنما هو الجمع المعلوم بين المختلفات، التي ليست متضادة، ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره ثابتا لهما، وهو دقيق فليتأمل وما ذكروه من المعارضة. فلا نسلم وجود الاخبار بعدم الايمان في الآيتين مطلقا. أما في قصة أبي لهب، فغاية ما ورد فيه قوله تعالى: * (سيصلى نارا ذات لهب) * (111) المسد: 3) وليس في ذلك ما يدل على الاخبار بعدم تصديقه للنبي مطلقا، فإنه لا يمتنع تعذيب المؤمن، وبتقدير امتناع ذلك، أمكن حمل قوله تعالى: * (سيصلى نارا ذات لهب) * (111) المسد: 3) على تقدير عدم إيمانه. وكذلك التأويل في قوله تعالى: * (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) * (11) هود: 36) أي بتقدير عدم هداية الله تعالى لهم إلى ذلك. وذلك لا يدل على الاخبار بعدم الايمان مطلقا، وإن سلمنا ذلك، ولكن لا نسلم أنهم كلفوا بتصديق النبي عليه السلام فيما أخبر من عدم تصديقهم بتكذيبه. وهذا مما اتفق عليه نفاة التكليف بالجمع بين الضدين.

[ 137 ]

وأما الطرف الثاني: وهو بيان جواز التكليف بالمستحيل لغيره، فقد احتج الاصحاب عليه بالنص والمعقول: أما النص، فقوله تعالى: * (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) * (2) البقرة: 286) سألوا دفع التكليف بما لا يطاق. ولو كان ذلك ممتنعا، لكان مندفعا بنفسه، ولم يكن إلى سؤال دفعه عنهم حاجة. فإن قيل إنما يمكن حمل الآية على سؤال دفع ما لا يطاق أن لو كان ذلك ممكنا، وإلا لتعذر السؤال بدفع ما لا إمكان لوقوعه، كما ذكرتموه، وإمكانه متوقف على كون الآية ظاهرة فيه فيكون دورا، سلمنا كونها ظاهرة فيما ذكرتموه، ولكن أمكن تأويلها بالحمل على سؤال دفع ما فيه مشقة على النفس، وإن كان مما يطاق ويجب الحمل عليه لموافقته لما سنذكره من الدليل بعد هذا، سلمنا إرادة دفع ما لا يطاق، لكنه حكاية حال الداعين، ولا حجة فيه، سلمنا صحة الاحتجاج بقول الداعين، لكن لا يخلو إما أن يقال بأن جميع التكاليف غير مطاقة، أو البعض دون البعض. الاول، يوجب إبطال فائدة تخصيصهم بذكر ما لا يطاق، بل كان الواجب أيقال لا يكلفنا. وإن كان الثاني، فهو خلاف أصلكم، سلمنا دلالة ما ذكرتموه، لكنه معارض بقوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (2) البقرة: 286) وهو صريح في الباب. وقوله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (22) الحج: 87) ولا حرج أشد من التكليف بما لا يطاق. والجواب - عن السؤال الاول: أن الآية بوضعها ظاهرة فيما لا يطاق، فيجب تقدير إمكان التكليف به ضرورة حمل الآية على ما هي ظاهرة فيه، حذرا من التأويل من غير دليل. وعن الثاني: أنه ترك الظاهر من غير دليل.

[ 138 ]

وعن الثالث: أن الآية إنما وردت في معرض التقرير لهم، والحث على مثل هذه الدعوات. فكان الاحتجاج بذلك لا بقولهم. وعن الرابع: أنه وإن كان كل تكليف عندنا تكليفا بما لا يطاق، غير أنه يجب تنزيل السؤال على ما لا يطاق، وهو ما يتعذر الاتيان به مطلقا في عرفهم، دون ما لا يتعذر لما فيه من إجراء اللفظ على حقيقته، وموافقة أهل العرف في عرفهم غايته إخراج ما لا يطاق مما هو مستحيل في نفسه لذاته من عموم الآية لما ذكرنا من استحالة التكليف به، وامتناع سؤال الدفع للتكليف بما لا تكليف به، ولا يخفى أنه تخصيص، والتخصيص أولى من التأويل. وعن المعارضة بالآيتين أن غايتهما الدلالة على نفي وقوع التكليف بما لا يطاق. ولا يلزم من ذلك نفي الجواز المدلول عليه من جانبنا، كيف وإن الترجيح لما ذكرناه من الآية لاعتضادها بالدليل العقلي على ما يأتي، ومع ذلك فلا خروج لها عن الظن والتخمين. وربما احتج بعض الاصحاب بقوله تعالى: * (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) * (68) القلم: 42) وهو تكليف بالسجود مع عدم الاستطاعة، وإنما يصح الاحتجاج به أن لو أمكن أن يكون الدعاء في الآخرة بمعنى التكليف، وليس كذلك للاجماع على أن الدار الآخرة إنما هي دار مجازاة، لا دار تكليف. وأما من جهة المعقول، فقد احتج فيه بعضهم بحجج واهية: الاولى منها: هو أن الفعل المكلف به إن كان مع استواء داعي العبد إلى الفعل والترك، كان الفعل ممتنعا لامتناع حصول الرجحان معه، وإن كان مع الترجيح لاحد الطرفين، كان الراجح واجبا، والمرجوح ممتنعا، الثانية: أن الفعل الصادر من العبد إما أن والتكليف بهما يكون محالا يكون العبد متمكنا من فعله وتركه، أو لا يكون. فإن لم يكن متمكنا منه، فالتكليف له بالفعل يكون تكليفا بما لا يطاق، وإن كان متمكنا منه، فإما أن لا يتوقف ترجح فعله على تركه على مرجح،

[ 139 ]

أو يتوقف، الاول محال، وإلا كان كل موجود حادثا هكذا، ويلزم منه سد باب إثبات واجب الوجود، وإن توقف، فذلك المرجح إن كان من فعل العبد عاد التقسيم، وهو تسلسل ممتنع. وإن كان من فعل غيره، فإما أن يجب وقوع الفعل، أو لا يجب. وإذا لم يجب، كان ممتنعا أو جائزا. والاول محال، وإلا كان المرجح مانعا، وإن كان الثاني، عاد التقسيم بعينه، وهو ممتنع فلم يبق سوى الوجوب. والعبد إذ ذاك يكون مجبورا لا مخيرا، وهو عين التكليف بما لا يطاق. الثالثة: أن قدرة العبد غير مؤثرة في فعله، وإلا كانت مؤثرة فيه حال وجوده، وفيه إيجاد الموجود أو قبل وجوده، ويلزم من ذلك أن يكون تأثير القدرة في المقدور مغايرا له لتحقق التأثير في الزمن الاول دونه. والكلام في ذلك التأثير وتأثير مؤثره فيه، كالاول، وهو تسلسل ممتنع، والقدرة غير مؤثرة في الفعل، وهو المطلوب. الرابعة: أن العبد مكلف بالفعل قبل وجود الفعل، والقدرة غير موجودة قبل الفعل، لانها لو وجدت، لكان لها متعلق، ومتعلقها لا يكون عدما، لانه نفي محض، فلا يكون أثرا لها، فكان وجودا، ولزم من ذلك أن تكون موجودة مع الفعل لا قبله. الخامسة: أن العبد مأمور بالنظر لقوله تعالى: * (قل انظروا) * (10) يونس: 101) والنظر متوقف على القضايا الضرورية، قطعا للتسلسل، وهي متوقفة على تصور مفرداتها، وهي غير مقدورة التحصيل، لانه إن كان عالما بها، فتحصيل الحاصل محال، وإن لم يكن عالما بها، فطلبها محال. فالنظر يكون ممتنع التحصيل. وهذه الحجج ضعيفة جدا: أما الحجة الاولى: فلقائل أن يقول: ما المانع أن يكون وجود الفعل مع رجحان الداعي إلى الفعل، قوله لانه صار الفعل واجبا. قلنا صار واجبا بالداعي إليه والاختيار له، أو لذاته. الاول مسلم، والثاني ممنوع. وعلى هذا خرج العبد عن كونه مكلفا بما لا يطاق ثم يلزم عليه أن تكون أفعال الرب تعالى غير مقدورة بعين ما ذكروه وهو ممتنع. فما هو الجواب عن أفعال الله يكون مشتركا.

[ 140 ]

وأما الثانية: فهي بعينها أيضا لازمة على أفعال الله إذ أمكن أن يقال فعل الله. إما أن لا يكون متمكنا منه، أو يكون. وهو إما أن يفتقر إلى مرجح، أو لا، وإن افتقر إلى مرجح، فإن كان من فعله عاد التقسيم، وإن لم يكن من فعله، فإما أن يجب وقوع الفعل معه، أو لا يجب، وهلم جرا إلى آخره، والجواب يكون مشتركا. وكذلك الثالثة: أيضا لازمة على أفعال الله، مع أنها مقدورة له إجماعا. وأما الرابعة: فيلزم منها أن تكون قدرة الرب تعالى حادثة موجودة مع فعله، لا قبله، وهو مع إحالته، فقائل هذه الطريقة غير قائل به، وبيان ذلك أنه أمكن أن يقال: لو وجدت قدرة الرب قبل وجود فعله، لكان لها متعلق، وليس متعلقها العدم. فلم يبق غير الوجود، ويلزم أن لا يكون قبل الفعل بعين ما ذكروه. وأما الخامسة: فأشد ضعفا مما قبلها، إذ هي مبنية على امتناع اكتساب التصورات، وقد أبطلناه في كتاب دقائق الحقائق إبطالا لا ريبة فيه بما لا يحتمله هذا الكتاب، فعلى الناظر بمراجعته. وبتقدير أن لا تكون التصورات مكتسبة، فالعلم بها يكون بالضرورة، والتكليف بالنظر المستند إلى ما ينقطع التسلسل عنده من المعلومات الضرورية، لا يكون تكليفا بما لا يطاق، وهو معلوم بالضرورة. والمعتمد في ذلك مسلكان: المسلك الاول: أن العبد غير خالق لفعله، فكان مكلفا بفعل غيره، وهو تكليف بما لا يطاق. وبيان أنه غير خالق لفعله أنه لو كان خالقا لفعله، فليس خالقا له بالذات والطبع إجماعا، بل بالاختيار. والخالق بالاختيار، لا بد وأن يكون مخصصا لمخلوقه بالارادة. ويلزم من كونه مريدا له أن يكون عالما به ضرورة. والعبد غير عالم

[ 141 ]

بجميع أجزاء حركاته، في جميع حالاته، ولا سيما في حالة إسراعه، فلا يكون خالقا لها. المسلك الثاني: إن إجماع السلف منعقد قبل وجود المخالفين من الثنوية على أن الله تعالى مكلف بالايمان لمن علم أنه لا يؤمن، كمن مات على كفره، وهو تكليف بما يستحيل وقوعه، لانه لو وقع لزم أن يكون علم الباري تعالى جهلا وهو محال فإن قيل: أما المسلك الاول، وإن سلمنا أن العبد لا بد وأن يكون عالما بما يخلقه من أفعاله، لكن من جهة الجملة أو من جهة التفصيل. الاول لا سبيل إلى نفيه، والثاني ممنوع. وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن العبد غير خالق لفعله، لكنه معارض بما يدل على خلقه له. ودليله المعقول والمنقول: أما المعقول، فهو أن قدرة العبد ثابتة بالاجماع منا ومنكم على فعله، فلو لم تكن هي المؤثرة فيه، لا انتفي الفرق بين المقدور وغيره، وكان المؤثر فيه غير العبد، ويلزم منه وجود مقدور بين قادرين، ولما وقع الاختلاف بين القوي والضعيف، ولجاز أن يكون متعلقه بالجواهر والالوان، كما في العلم، ولكان العبد مضطرا بما خلف فيه من الفعل لا مختارا،

[ 142 ]

ولجاز أن يصدر عن العبد أفعال محكمة بديعة، وهو لا يشعر بها، ولما انقسم فعله إلى طاعة ومعصية، لانه ليس من فعله، ولكان الرب تعالى أضر على العبد من إبليس، حيث إنه خلق فيه الكفر وعاقبه عليه، وإبليس داع لا غير. ولما حسن شكر العبد ولا ذمه على أفعاله، ولا أمره ولا نهيه، ولا عقابه ولا ثوابه، ولكان الرب تعالى آمرا للعبد بفعل نفسه، وهو قبيح معدود عند العقلاء من الجهل والحمق، ولكان الكفر والايمان من قضاء الله تعالى وقدره، وهو إما أن يكون حقا أو باطلا. فإن كان حقا، فالكفر حق، وإن كان باطلا، فالايمان باطل، ولكان الرب تعالى إما راضيا به أو غير راض، والاول يلزم منه الرضى بالكفر، والثاني يلزم منه عدم الرضى بالايمان، والكل محال مخالف للاجماع. وأما النقل، فقوله تعالى: * (وإني لغفار لمن تاب وآمن، وعمل صالحا) * (20) طه: 82) وقوله تعالى: * (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) * (45) الجاثية: 21) وقول النبي عليه السلام: اعملوا وقاربوا وسددوا وقوله عليه السلام: نية المؤمن خير من عمله إلى غير ذلك من النصوص الدالة على نسبة العمل إلى العبد، والعقلاء متوافقون على إطلاق إضافة الفعل إلى العبد بقولهم: فلان فعل كذا وكذا. والاصل في الاطلاق الحقيقة. وأما المسلك الثاني: فهو أن تعلق علم الباري تعالى بالفعل أو بعدمه، إما أن يكون موجبا لوجود ما علم وجوده، وامتناع وجود ما علم عدمه، أو لا يكون كذلك. فإن كان الاول، فليزمه محالات، وهو أن يكون العلم هو القدرة، أو أن يستغنى به عن القدرة، ولا يكون الرب قادرا على إيجاد شئ أو عدمه، وأن لا يكون للرب اختيار، ولا للعبد في وجود فعل من الافعال لكونه واجبا بالعلم، أو ممتنعا، وإن لم يكن موجبا للوجود ولا للعدم، فقد بطل الاستدلال، وإن سلم ذلك، لكنه معارض بما سبق من الادلة العقلية والنقلية. والجواب عما ذكروه أولا على المسلك الاول بأن الفعل المخلوق للعبد بتقدير خلقه له مخلوق بجميع أجزائه، وكل جزء منه مخلوق له بانفراده، فيجب أن

[ 143 ]

يكون عالما به لما سبق وهذا هو العلم بالتفصيل، وهو غير عالم لما حققناه وعما ذكروه من لالزام الاول بمنع عدم الفرق بين المقدور وغيره. وعن الثاني: أنه إنما يمتنع وجود مقدور بين قادرين خالقين، أو مكتسبين، أما بين خالق ومكتسب، فهو غير مسلم. وعن الثالث: بأن الاختلاف بين القوي والضعيف إنما هو واقع في كثرة ما يخلقه الله تعالى من القدر على المقدورات في أحد الشخصين دون الآخر، لا في التأثير. وعن الرابع: أنه إنما يلزم أن لو كان تعلق العلم بالجواهر والاعراض من جهة كونه غير مؤثر فيها، وهو غير مسلم. وعن الخامس: أنه إنما يلزم أن يكون العبد مضطرا أن لو لم يكن فعله مكتسبا له ومقدورا، ولا يلزم من عدم التأثير عدم الاكتساب. وعن السادس: أنه لا مانع من تلازم القدرة على الشئ والعلم به. وعن السابع: أنه لا معنى لانقسام فعل العبد إلى الطاعة والمعصية غير كونه مأمورا بهذا، ومنهيا عن هذا، لكسبه، وهو كذلك. وعن الثامن: أنه لازم على أصلهم أيضا، فإن التمكن من الكفر بخلق القدرة عليه أضر من الدعاء إليه. وقد فعل الله تعالى ذلك بالعبد، فما هو جواب لهم هو جوابنا. وعما ذكروه من الامر والنهي، والشكر والذم، والثواب والعقاب والامر للعبد بما هو من فعل الله تعالى، بالمنع من تقبيح ذلك بتقدير أن يكون قادرا، غير مؤثر. كيف وإنه مبني على التحسين والتقبيح العقلي وقد أبطلناه. وعن الالزام بالقضاء والقدر، أن القضاء قد يطلق بمعنى الاعلام، والامر، والاختراع، وانقضاء الاجل، وإلزام الحكم، وتوفية الحقوق، والارادة لغة.

[ 144 ]

وعلى هذا فالايمان من قضائه بجميع هذه الاعتبارات، وهو حق وأما الكفر فليس من قضائه بمعنى كونه مأمورا، بل بمعنى خلقه وإرادة وقوعه، وهو حق من هذا الوجه أيضا. وعن الالزام بالرضى أنه راض بالايمان، وغير راض بالكفر وعن المنقول بأن ما ذكروه غايته إضافة إلى العبد حقيقية. ونحن نقول به فإن الفاعل عندنا على الحقيقة هو من وقع الفعل مقدورا له. وهو أعم من الموجد. والجواب عما ذكروه في المسلك الثاني بأن تعلق العلم بوجود الفعل بملازمة الوجود المقدور، فإنه إنما يعلم وجوده مقدورا، لا غير مقدور، وكذلك في العدم. وعلى هذا، فلا يلزم منه عدم القدرة في حق الله تعالى ولا سلب اختياره في فعله. وكذلك العبيد فإنه إنما علم وقوع فعل العبد مقدورا للعبد، والمعارضات فقد سبق الجواب عنها. المسألة الثانية مذهب الجمهور من أصحابنا ومن المعتزلة أنه لا يشترط في التكليف بالفعل، أن يكون شرطه حاصلا حالة التكليف، بل لا مانع من ورود التكليف بالمشروط، وتقديم شرطه عليه، وهو جائز عقلا، وواقع سمعا، خلافا لاكثر أصحاب الرأي وأبي حامد الاسفراني من أصحابنا، وذلك كتكليف الكفار بفروع الاسلام حالة كفرهم.

[ 145 ]

ودليل الجواز العقلي أنه لو خاطب الشارع الكافر المتمكن من فهم الخطاب، وقال له: أوجبت عليك العبادات الخمس المشروط صحتها بالايمان، وأوجبت عليك الاتيان بالايمان، مقدما عليها لم يلزم منه لذاته محال عقلا، ولا معنى للجواز العقلي سوى هذا. فإن قيل: التكليف بالفروع المشروطة بالايمان، إما أن تكون حالة وجود الايمان، أو حالة عدم. فإن كان الاول فلا تكليف قبل الايمان، وهو المطلوب. وإن كان حالة عدمه فهو تكليف بما هو غير جائز عقلا. وأيضا فإن التكليف بالفروع غير ممكن الامتثال، لاستحالة أدائها حالة الكفر، وامتناع أدائها بعد الايمان، لكونه مسقطا لها بالاجماع. وما لا يمكن امتثاله فالتكليف به تكليف بما لا يطاق، ولم يقل به قائل في هذه المسألة. قلنا: أما الاشكال الاول، فإنما يلزم منه التكليف بما لا يطاق بتقدير تكليفه بالفروع حالة الكفر، إن لو كان تكليفه بمعنى إلزامه الاتيان بها مع الكفر، وليس كذلك، بل بمعنى أنه لو أصر على الكفر، حتى مات، ولم يأت بها مع الايمان، فإنه يعاقب في الدار الآخرة، ولا إحالة فيه. وبهذا الحرف يندفع ما ذكروه من الاشكال الثاني أيضا. كيف وإن الامتثال بعد الاسلام غير ممتنع. غير أن الشارع أسقطه ترغيبا في الدخول في الاسلام، بقوله عليه السلام: الاسلام يجب ما قبله وهذا بخلاف المرتد، حيث إنه أوجب عليه فعل ما فاته في حال ردته ليكون ذلك مانعا من الردة. وأما الوقوع شرعا، فيدل عليه النص والحكم. أما النص فمن وجوه: الاول قوله تعالى: * (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) * (98) البينة: 1) إلى قوله تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) * (98) البينة: 5) والضمير في قوله: (وما أمروا) عائد إلى المذكورين أولا، وهو صريح في الباب.

[ 146 ]

وأيضا قوله تعالى: * (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى) * (75) القيامة: 31) ذم على ترك الجميع، ولو لم يكن مكلفا بالكل لما ذم عليه. وأيضا قوله تعالى: * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة) * (25) الفرقان: 68) حكم بمضاعفة العذاب على مجموع المذكور والزنى من جملته. ولولا أنه محرم عليه ومنهي عنه، لما أثمه به، وهذا حجة على من نفى التكليف بالامر والنهي، دون من جوز التكليف بالنهي دون الامر. وأيضا قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (3) آل عمران: 97) والكافر داخل فيه لكونه من الناس. وأيضا قوله تعالى: * (فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) * (41) فصلت: 6 - 7) لكن قال المفسرون: المراد بالزكاة في هذه الآية، إنما هو قول: * (لا إله إلا الله) * وأيضا قوله تعالى: * (ما سلككم في سقر. قالوا: لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين) * (74) المدثر: 42 - 44) ولو لم يكونوا قد كلفوا بالصلاة، لما عوقبوا عليها. فإن قيل: هذه حكاية قول الكفار، ولا حجة فيها، وإن كانت حجة، لكن أمكن أن يكون المراد من قولهم: لم نك من المصلين أي من المؤمنين. ومنه قوله عليه السلام: نهيت عن قتل المصلين وأراد به المؤمنين، وإن كان المراد الصلاة الشرعية حقيقة. غير أن العذاب إنما كان لتكذيبهم بيوم الدين، غير أنه غلظ بإضافة ترك الطاعات إليه، وأنه كان ذلك مضافا إلى الصلاة، لكن لا إلى تركها، بل إلى إخراجهم أنفسهم عن العلم بقبح تركها بترك الايمان، وإن كان ذلك على ترك الصلاة، لكن أمكن أن يكون ذلك إخبارا عن جماعة من المرتدين تركوا الصلاة حالة ردتهم، وذلك محل الوفاق.

[ 147 ]

والجواب عن قولهم إنه حكاية قول الكفار، أن علماء الامة من السلف وغيرهم أجمعوا على أن المراد بذلك إنما هو تصديقهم فيما قالوه، والتحذير لغيرهم من ذلك. ويدل على ذلك تعذيبهم بالتكذيب بيوم الدين، وقد عطف على ما قبله. والاصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في أصل الحكم. وعن حمل لفظ المصلين على المؤمنين أنه ترك للظاهر من غير دليل، وإن أمكن تأويل لفظ الصلاة فبماذا نتأول قوله: * (ولم نك نطعم المسكين) * (74) المدثر: 44) فإن المراد به إنما هو الاطعام الواجب، لا ستحالة التعذيب على ترك إطعام ليس بواجب. وعن قولهم بتغليظ عذاب التكذيب بإضافة ترك الطاعات إليه إنها لو كانت مباحة، لما غلظ العذاب بها. وعن قولهم بالتعذيب بإخراج أنفسهم عن العلم بقبح ترك الصلاة أنه ترك للظاهر من غير دليل، وأنه يوجب التسوية بين كافر ارتكب جميع المحرمات، وبين من لم يباشر شيئا منها، لاستوائهما فيما قيل، وهو خلاف الاجماع. وعن الحمل على صلاة المرتدين أن الآية بلفظها عامة في كل المجرمين المذكورين في قوله: يتساءلون عن المجرمين وهو عام في المرتدين وغيرهم، فلا يجوز تخصيصها من غير دليل. هذا من جهة النصوص. وأما من جهة الالزام، فهو أنه لو امتنع الكتليف بالفعل مع عدم شرط الفعل، لامتنع التكليف بالصلاة مع عدم الطهارة، ولكان من ترك الطهارة والصلاة أبدا لا يعاقب ولا يذم إلا على ترك الطهارة، بل ما لا تتم الطهارة إلا به. وذلك خلاف إجماع الامة. المسألة الثالثة اتفق أكثر المتكلمين على أن التكليف لا يتعلق إلا بما هو من كسب العبد من الفعل وكف النفس عن الفعل، فإنه فعل خلافا لابي هاشم في قوله: إن التكليف قد يكون بأن لا يفعل العبد مع قطع النظر عن التلبس بضد الفعل، وذلك ليس بفعل.

[ 148 ]

احتج المتكلمون بأن ممتثل التكليف مطيع، والطاعة حسنة، والحسنة مستلزمة للثواب، على ما قال تعالى: * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * (6) الانعام: 160) وقال تعالى: * (ليجزي الذين أساؤا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) * (53) النجم: 31) ولا فعل، عدم محض، وليس بشئ، وما ليس بشئ لا يكون من كسب العبد، ولا متعلق القدرة، وما لا يكون من كسب العبد، لا يكون مثابا عليه، لقوله تعالى: * (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) *. فإن قيل عدم الفعل، وإن لم يكن أمرا وجوديا ولا ذاتا ثابتة، فإنما يمتنع التكليف به، ويمتنع أن يكون الامتثال به طاعة وحسنة مثابا عليها أن لو لم يكن مقدورا للعبد ومكتسبا له، وهو غير مسلم، كما قاله القاضي أبو بكر في أحد قوليه. قال المتكلمون، عدم الفعل من حيث هو كذلك متحقق قبل قدرة العبد، وهو غير مقدور للعبد، قبل خلق قدرته، وهو مستمر إلى ما بعد خلق القدرة، فلا يكون مقدورا للعبد، ولا مكتسبا له، ويلزم من ذلك امتناع التكليف به على ما تقرر. إلا أن للخصم أن يقول: لا يلزم من كون عدم الفعل السابق على خلق القدرة غير مقدور أن يكون المقارن منه للقدرة غير مقدور. المسألة الرابعة اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا، وعلى امتناعه بعد حدوث الفعل، واختلفوا في جواز تعلقه به في أول زمان حدوثه: فأثبته أصحابنا. ونفاه المعتزلة. احتج أصحابنا بأن الفعل في أول زمان حدوثه مقدور بالاتفاق وسواء قيل بتقدم القدرة عليه، كما هو مذهب المعتزلة أم بوجودها مع وجوده، كما هو مذهب أصحابنا. وإذا كان مقدورا أمكن تعلق التكليف به.

[ 149 ]

فإن قبل: القول بجواز تعلق التكليف به في أول زمان حدوثه يلزم منه الامر بإيجاد الموجود، وهو محال. قلنا: يلزم منه الامر بإيجاد ما كان موجودا، أو بما لم يكن موجودا. الاول: ممنوع. والثاني، فدعوى إحالته نفس محل النزاع، ثم يلزمهم من ذلك أن لا يكون الفعل في أول زمان حدوثه أثرا للقدرة القديمة، ولا للحادثة على اختلاف المذهبين، ولا موجدة له لما فيه من إيجاد الموجود، وهو محال. فما هو جوابهم في إيجاد القدرة له فهو جوابنا في تعلق الامر به. المسألة الخامسة اختلف أصحابنا والمعتزلة في جواز دخول النيابة فيما كلف به من الافعال البدنية: فأثبته أصحابنا ونفاه المعتزلة. حجة أصحابنا على ذلك أنه لو قال القائل لغيره: أوجبت عليك خياطة هذا الثوب، فإن خطته أو استنبت في خياطته أثبتك، وإن تركت الامرين عاقبتك كان معقولا غير مردود. وما كان كذلك فوروده من الشارع لا يكون ممتنعا. ويدل على وقوعه ما روي عن النبي عليه السلام، أنه رأى شخصا يحرم بالحج عن شبرمة، فقال له النبي عليه السلام: أحججت عن نفسك - فقال: لا - فقال له: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة. وهو صريح فيما نحن فيه. فإن قيل: وجوب العبادات البدنية إنما كان ابتلاء وامتحانا من الله تعالى للعبد فإنه مطلوب للشارع، لما فيه من كسر النفس الامارة بالسوء، وقهرها، لكونها عدوة لله تعالى، على ما قال: عليه السلام، حكاية عن ربه: عاد نفسك، فإنها

[ 150 ]

انتصبت لمعاداتي تحصيلا للثواب على ذلك. وذلك مما لا مدخل للنيابة فيه كما لا مدخل لها في باقي الصفات من الآلام واللذات ونحوها. قلنا: أما الابتلاء والامتحان بالتكليف لما ذكروه، وإن كان مع تعيين المكلف لاداء ما كلف به أشق مما كلف به مع تسويغ النيابة فيه، فليس في ذلك مما يرفع أصل الكلفة والامتحان فيما سوغ له فيه الاستنابة. فإن المشقة لازمة له بتقدير الاتيان به بنفسه، وهو الغالب، وبما يبذله من العوض للنائب بتقدير النيابة، ويلتزمه من المنة بتقدير عدم العوض وليس المراعى في باب التكاليف أشقها وأعلاها رتبة، ولذلك كانت متفاوتة. وأما الثواب والعقاب فليس مما يجب على الله تعالى في مقابلة الفعل، بل إن أثاب فبفضله، وإن عاقب فبعدله، كما عرف من أصلنا، بل له أن يثيب العاصي ويعاقب الطائع. الاصل الرابع في المحكوم عليه وهو المكلف وفيه خمس مسائل المسألة الاولى اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلا فاهما للتكليف، لان التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، كالجماد والبهيمة. ومن وجد له أصل الفهم لاصل الخطاب. دون تفاصيله من كونه أمرا ونهيا، ومقتضيا للثواب والعقاب، ومن كون الآمر به هو الله تعالى، وأنه واجب الطاعة، وكون المأمور به على صفة كذا وكذا، كالمجنون، والصبي الذي لا يميز، فهو بالنظر إلى فهم التفاصيل، كالجماد والبهيمة بالنظر إلى فهم أصل الخطاب، ويتعذر تكليفه أيضا،

[ 151 ]

إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق، لان المقصود من التكليف كما يتوقف على فهم أصل الخطاب، فهو متوقف على فهم تفاصيله. وأما الصبي المميز، وإن كان يفهم ما لا يفهمه غير المميز، غير أنه أيضا غير فاهم على الكمال ما يعرفه كامل العقل من وجود الله تعالى، وكونه متكلما مخاطبا مكلفا بالعبادة، ومن وجود الرسول الصادق المبلغ عن الله تعالى، وغير ذلك مما يتوقف عليه مقصود التكليف. فنسبته إلى غير المميز، كنسبة غير المميز إلى البهيمة فيما يتعلق بفوات شرط التكليف، وإن كان مقاربا لحالة البلوغ، بحيث لم يبق بينه وبين البلوغ سوى لحظة واحدة، فإنه، وإن كان فهمه كفهمه الموجب لتكليفه بعد لحظة، غير أنه لما كان العقل والفهم فيه خفيا، وظهوره فيه على التدريج، ولم يكن له ضابط يعرف به، جعل له الشارع ضابطا، وهو البلوغ، وحط عنه التكليف قبله تخفيفا عليه. ودليله قوله عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق. فإن قيل: إذا كان الصبي والمجنون غير مكلف، فكيف وجبت عليهما الزكاة والنفقات والضمانات، وكيف أمر الصبي المميز بالصلاة. قلنا: هذه الواجبات ليست متعلقة بفعل الصبي والمجنون، بل بماله أو بذمته. فإنه أهل للذمة بإنسانيته المتهيئ بها لقبول فهم الخطاب عند البلوغ، بخلاف البهيمة، والمتولي لادائها الولي عنهما، أو هما بعد الافاقة والبلوغ. وليس ذلك من باب التكليف في شئ. وأما الامر بصلاة المميز فليس من جهة الشارع، وإنما هو من جهة الولي، لقوله عليه السلام: مروهم بالصلاة، وهم أبناء سبع وذلك لانه يعرف الولي، ويفهم خطابه، بخلاف خطاب الشارع على ما تقدم.

[ 152 ]

وعلى هذا، فالغافل عما كلف به، والسكران المتخبط لا يكون خطابه وتكليفه في حالة غفلته وسكره أيضا، إذ هو في تلك الحالة أسوأ حالا من الصبي المميز فيما يرجع إلى فهم خطاب الشارع، وحصول مقصوده منه، وما يجب عليه من الغرامات والضمانات بفعله في تلك الحال. فتخريجه كما سبق في الصبي والمجنون، ونفوذ طلاق السكران، ففيه منع خطاب الوضع والاخبار وإن نفذ، فليس من باب التكليف في شئ، بل من باب ما ثبت بخطاب الوضع والاخبار يجعل تلفظه بالطلاق علامة على نفوذه، كما جعل زوال الشمس، وطلوع الهلال، علامة على وجوب الصلاة والصوم. وكذلك الحكم في وجوب الحد عليه بالقتل والزنى وغيره. وقوله تعالى: * (لا تقربوا الصلاة، وأنتم سكارى) * (4) النساء: 43) وإن كان من باب خطاب التكليف بنهي السكران، فليس المقصود منه النهي عن الصلاة حالة السكر، بل النهي عن السكر في وقت إرادة الصلاة. وتقديره: إذا أردتم الصلاة، فلا تسكروا. كما يقال لمن أراد التهجد: لا تقرب التهجد وأنت شبعان. أي لا تشبع إذا أردت التهجد، حتى لا يثقل عليك التهجد. وهو، وإن دل بمفهومه على عدم النهي عن السكر في غير وقت الصلاة، فغير مانع لورود النهي عن ذلك في ابتداء الاسلام، حيت لم يكن الشرب حراما وإن كان وروده بعد التحريم، وفي حالة السكر، لكن يجب حمل لفظ السكران في الآية على من دب الخمر في شؤونه، وكان ثملا نشوانا، وأصل عقله ثابت. لان ذلك مما يؤول إلى السكر غالبا. والتعبير عن الشئ باسم ما يؤول إليه، يكون تجوزا، كما في قوله تعالى: * (إنك ميت، وإنهم ميتون) * (4) النساء: 43) وقوله تعالى: * (حتى تعلموا ما تقولون) * (4) النساء: 43) فيجب حمله على كمال التثبت على ما يقال، إذ هو غير ثابت حالة الانتشاء، وإن كان العقل والفهم حاصلا. وذلك، كما يقال لمن أراد فعل أمر، وهو غضبان: لا تفعل، حتى تعلم ما تفعل، أي حتى يزول عنك الغضب المانع من التثبت على ما تفعل. وإن كان عقله وفهمه حاصلا. ويجب المصير إلى هذه التأويلات، جمعا بين هذه الآية وما ذكرناه من الدليل المانع من التكليف.

[ 153 ]

المسألة الثانية مذهب أصحابنا جواز تكليف المعدوم، وربما أشكل فهم ذلك مع إحالتنا لتكليف الصبي والمجنون والغافل والسكران، لعدم الفهم للتكاليف. والمعدوم أسوأ حالا من هؤلاء في هذا المعنى لوجود أصل الفهم في حقهم، وعدمه بالكلية في حق المعدوم، حتى أنكر ذلك جميع الطوائف. وكشف الغطاء عن ذلك أنا لا نقول بكون المعدوم مكلفا بالاتيان بالفعل حالة عدمه بل معنى كونه مكلفا حالة العدم قيام الطلب القديم بذات الرب تعالى للفعل من المعدوم، بتقدير وجوده، وتهيئته لفهم الخطاب. فإذا وجدوا مهيأ للتكليف صار مكلفا بذلك الطلب والاقتضاء القديم. فإن الوالد لو وصى عند موته لمن سيوجد بعده من أولاده بوصية، فإن الولد، بتقدير وجوده وفهمه، يصير مكلفا بوصية والده، حتى أنه يوصف بالطاعة والعصيان، بتقدير المخالفة والامتثال. وأيضا، فإننا في وقتنا هذا، نوصف بكوننا مأمورين بأمر النبي عليه السلام، وإن كان أمره في الحال معدوما. وليس ذلك إلا بما وجد منه من الامر، حال وجوده. ومثل هذا التكليف ثابت بالنسبة إلى الصبي والمجنون، بتقدير فهمه، أيضا، بل أولى من حيث إن المشترط في حقه الفهم لا غير، وفي حق المعدوم الفهم والوجود. وهل يسمى التكليف بهذا التفسير في الازل خطابا للمعدوم، وأمرا له عرفا.

[ 154 ]

الحق أنه يسمى أمرا، ولا يسمى خطابا. ولهذا، فإنه يحسن أن يقال للوالد إذا وصى بأمر لمن سيوجد من أولاده بفعل من الافعال أنه أمر أولاده، ولا يحسن أن يقال خاطبهم. لكن تمام فهم هذه القاعدة موقوف على إثبات كلام النفس، وتحقيق كون الامر بمعنى الطلب والاقتضاء. وقد حققنا ذلك في الكلاميات بما يجب على الاصولي تقليد المتكلم فيه. المسألة الثالثة اختلفوا في الملجئ إلى الفعل بالاكراه، بحيث لا يسعه تركه في جواز تكليفه بذلك الفعل إيجادا وعدما. والحق أنه إذا خرج بالاكراه إلى حد الاضطرار، وصار نسبة ما يصدر عنه من الفعل إليه نسبة حركة المرتعش إليه أن تكليفه به إيجادا وعدما غير جائز، إلا على القول بتكليف ما لا يطاق، وإن كان ذلك جائزا عقلا، لكنه ممتنع الوقوع سمعا لقوله عليه السلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه والمراد منه لا رفع المؤاخذة، وهو مستلزم لرفع التكليف، وما يلزمه من الغرامات، فقد سبق جوابه غير مرة. وأما إن لم ينته إلى حد الاضطرار، فهو مختار، وتكليفه جائز عقلا وشرعا. وأما الخاطئ فغير مكلف إجماعا فيما هو مخطئ ولقوله عليه السلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان الحديث. المسألة الرابعة اختلفوا في تكليف الحائض بالصوم، فنفاه أصحابنا، وأثبته آخرون. والحق في ذلك أنه إن أريد بكونها مكلفة به بتقدير زوال الحيض المانع، فهو حق، وإن أريد به أنها مكلفة بالاتيان بالصوم حال الحيض، فهو ممتنع. وذلك لان

[ 155 ]

فعلها للصوم في حالة الحيض حرام ومنهي عنه، فيمتنع أن يكون واجبا ومأمورا به، لما بينهما من التضاد الممتنع، إلا على القول بجواز التكليف بما لا يطاق. فإن قيل: فلو لم يكن الصوم واجبا عليها، فلم وجب عليها قضاؤه. قلنا: القضاء عندنا إنما يجب بأمر مجدد، فلا يستدعي أمرا سابقا، وإنما سمي قضاء لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه من الصوم، ولم يجب لمانع الحيض. المسألة الخامسة في أن المكلف بالفعل أو الترك هل يعلم كونه مكلفا قبل التمكن من الامتثال، أم لا ؟ والذي عليه إجماع الاصوليين أنه يعلم ذلك إذا كان المأمور والآمر له جاهلا لعاقبة أمره وأنه يتمكن بما كلف به أم لا، كأمر السيد لعبده بخياطة الثوب في الغد، ومحل الخلاف فيما إذا كان الآمر عالما بعاقبة الامر دون المأمور، كأمر الله تعالى بالصوم لزيد في الغد. فأثبت ذلك القاضي أبو بكر، والجم الغفير من الاصوليين ونفاه المعتزلة. احتج المثبتون بأن الامر بالطاعات، والنهي عن المعاصي متحقق مع جهل المكلف بعاقبة الامر، فكان ذلك معلوما، ويدل على تحققه إجماع الامة من السلف قبل ظهور المخالفين على أن كل بالغ عاقل مأمور بالطاعات منهي عن المعاصي قبل التمكن مما أمر به ونهي عنه، وأنه يعد متقربا بالعزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وأنه يجب عليه الشروع في العبادات الخمس في أوقاتها بنية الفرض، وإن المانع له من ذلك بالحبس والصد عن فعلها آثم عاص بصده عن امتثال أمر الشارع. وذلك كله مع عدم النهي، والامر محال. وأيضا فإنه لو لم يكن الامر معلوما له في الحال، لتعذر قصد الامتثال في الواجبات المضيقة، لاستحالة العلم بتمام التمكن، إلا بعد انقضاء الوقت، وهو محال.

[ 156 ]

فإن قيل: لا خفاء بأن تعليق الامر على شرط معلوم الوقوع، وسواء كان وقوعه حاليا، كما إذا قال: صم إن كان الله موجودا، أو ماليا، كما إذا قال: صم إن صعدت الشمس غدا. أو معلوم الانتفاء، كما إذا قال: صم إن اجتمع الضدان، وهو محال بل الاول أمر جازم غير مشروط. كيف وإنه يمتنع تعليق الامر بشرط مستقبل، لان الشرط لا بد وأن يكون حاصلا مع المشروط أو قبله. والثاني، وإن كان فيه صيغة افعل، فليس بأمر لما فيه من التكليف بما لا يطاق، والباري تعالى عالم بعواقب الامور. فإن كان عالما بتمكن العبد مما كلف به، وأنه سيأتي به فهو أمر جزم لا شرط فيه، وإن كان عالما بعدم تمكنه مما قيل له افعله، أو لا تفعله، فلا يكون ذلك أمرا ولا نهيا. وإذا كان كذلك، فالامر والنهي قبل التمكن من الامتثال لا يكون معلوما للعبد، لتجويزه عدم الشرط، وهو التمكن في علم الله تعالى. وعلى هذا، فيجب حمل الاجماع فيما ذكرتموه على ظن الامر، بناء على أن الغالب من المكلف بقاؤه وتمكنه، لا على يقين الامر والعلم به. قلنا: أما امتناع تعليق الامر بشرط معلوم الوقوع أو الانتفاء عند المأمور، فلا نزاع فيه إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا يطاق، وإنما النزاع إذا كان ذلك معلوما للآمر دون المأمور. فإنه لا يبعد أمر السيد لعبده بفعل شئ في الغد، مع علمه برفع ذلك في الغد عنه، استصلاحا للعبد باستعداده في الحال للقيام بأمر سيده، واشتغاله بذلك عن معاصيه، أو امتحانه بما يظهر عليه من أمارات البشر والكراهة، حتى يثيبه على هذا، ويعاقبه على هذا، لا لقصد الاتيان بما أمره به، أم الانتهاء عما نهاه عنه. ولا يكون ذلك من باب التكليف بما لا يطاق. وإذا كان ذلك معقولا مفيدا، أمكن مثله في أمر الباري تعالى. قولهم إن شرط الامر لا يكون متأخرا عنه، مسلم، لما فيه من استحالة وجود المشروط بدون شرطه، غير أن الشرط المتأخر عن الامر، وهو التمكن من الفعل،

[ 157 ]

ليس شرطا في تحقق الامر وقيامه بنفس الامر، حتى يقال بتأخير شرط وجوده عن وجوده، بل هو شرط الامتثال. والامر عندنا لا يتوقف تحققه على الامتثال، كما علم من أصلنا. وعلى هذا، فقد بطل قولهم إن الامر والنهي قبل التمكن من الامتثال يمتنع أن يكون معلوما للعبد. ووجب حمل الاجماع فيما ذكروه من الاحكام على وجود الامر حقيقة، لا على ظن وجوده. لان احتمال الخطإ في الظن قائم وهو ممتنع في حق الاجماع. وإذا عرف ما حققناه، فمن أفسد صوم رمضان بالوقاع، ثم مات أوجن بعد ذلك في أثناء النهار وجبت عليه الكفارة على أحد قولينا، وعلى القول الآخر لا، لانها إنما تجب بإفساد صوم واجب لا يتعر ض للانقطاع في اليوم، لا لعدم قيام الامر بالصوم ووجوبه، وكذلك يجب على الحائض الشروع في صوم يوم علم الله أنها تحيض فيه. وأنه لو قال إن شرعت في الصوم أو الصلاة الواجبين، فزوجتي طالق، ثم شرع ومات في أثنائها حنث، ولزمه الطلاق، ولا كذلك عند المعتزلة، وعلى هذا، كل ما يرد من هذا القبيل.

[ 158 ]

القاعدة الثانية في بيان الدليل الشرعي وأقسامه وما يتعلق به من أحكامه ويشتمل على مقدمة وأصول: أما المقدمة ففي بيان الدليل الشرعي وأقسامه. فنقول: كما بينا في القاعدة الاولى حد الدليل وانقسامه إلى عقلي وشرعي. وليس من غرضنا هاهنا تعريف الدليل العقلي بل الشرعي. والمسمى بالدليل الشرعي منقسم إلى ما هو صحيح في نفسه، ويجب العمل به، وإلى ما ظن أنه دليل صحيح، وليس هو كذلك. أما القسم الاول فهو خمسة أنواع. وذلك أنه إما أن يكون واردا من جهة الرسول أو لا من جهته. فإن كان الاول، فلا يخلو إما أن يكون من قبيل ما يتلى. أو لا من قبيل ما يتلى. فإن كان من قبيل ما يتلى، فهو الكتاب. وإن كان من قبيل ما لا يتلى، فهو السنة. وإن لم يكن واردا من جهة الرسول، فلا يخلو إما أن يشترط فيه عصمة من صدر عنه، أو لا يشترط ذلك، فإن كان الاول، فهو الاجماع، وإن كان الثاني، فلا يخلو إما أن تكون صورته بحمل معلوم على معلوم في حكم بناء على جامع، أو لا يكون كذلك. فإن كان الاول، فهو القياس، وإن كان الثاني، فهو الاستدلال. وكل واحد من هذه الانواع، فهو دليل لظهور الحكم الشرعي عندنا به. والاصل فيها إنما هو الكتاب، لانه راجع إلى قول الله تعالى المشرع للاحكام، والسنة مخبرة عن قوله تعالى وحكمه. ومستند الاجماع فراجع إليهما. وأما القياس والاستدلال فحاصله يرجع إلى التمسك بمعقول النص أو الاجماع، فالنص والاجماع أصل، والقياس والاستدلال فرع تابع لهما. وأما القسم، الثاني وهو ما ظن أنه دليل وليس بدليل، فكشرع من قبلنا ومذهب الصحابي، والاستحسان، والمصلحة المرسلة على ما سيأتي تحقيق الكلام فيه.

[ 159 ]

القسم الاول فيما يجب العمل به مما يسمى دليلا شرعيا وكما بان أنه على خمسة أنواع، فالنظر المتعلق بها، منه ما هو مختص بكل واحد منها بخصوصه، ومنها ما هو مشترك بينها. فلنرسم في كل واحد منها أصلا، وهي ستة أصول: الاصل الاول في تحقيق معنى الكتاب، وما يتعلق به من المسائل، لانه الاول والاولى بتقديم النظر فيه أما حقيقة الكتاب، فقد قيل فيه: هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف بالاحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا، وفيه نظر. فإنه لا معنى للكتاب سوى القرآن المنزل علينا على لسان جبريل، وذلك مما لا يخرج عن حقيقته بتقدير عدم نقله إلينا متواترا، بل ولا بعدم نقله إلينا بالكلية، بل غايته جهلنا بوجود القرآن بتقدير عدم نقله إلينا، وعدم علمنا بكونه قرآنا، بتقدير عدم تواتره، وعلمنا بوجوده غير مأخوذ في حقيقته، فلا يمكن أخذه في تحديده. والاقرب في ذلك أن يقال: الكتاب هو القرآن المنزل. فقولنا: (القرآن) احتراز عن سائر الكتب المنزلة من التوراة والانجيل وغيرهما، فإنها وإن كانت كتبا لله تعالى، فليست هي الكتاب المعهود لنا، المحتج به في شرعنا على الاحكام الشرعية الذي نحن بصدد تعريفه، وفيه احتراز عن الكلام المنزل على النبي عليه السلام، مما ليس بمتلو. وقولنا: (المنزل) احتراز عن كلام النفس، فإنه ليس بكتاب، بل الكتاب هو الكلام المعبر عن الكلام النفساني، ولذلك، لم نقل هو الكلام القديم، ولم نقل هو المعجز، لان المعجز أعم من الكتاب، ولم نقل هو الكلام المعجز، لانه يخرج منه الآية وبعض الآية، مع أنها من الكتاب، وإن لم تكن معجزة.

[ 160 ]

وإذا أتينا على تعريف حقيقة الكتاب، فلا بد من النظر فيما يختص به من المسائل، وهي خمس مسائل: المسألة الاولى اتفقوا على أن ما نقل إلينا من القرآن نقلا متواترا، وعلمنا أنه من القرآن أنه حجة، واختلفوا فيما نقل إلينا منه آحادا، كمصحف ابن مسعود وغيره، أنه هل يكون حجة، أم لا ؟ فنفاه الشافعي، وأثبته أبو حنيفة، وبنى عليه وجوب التتابع في صوم اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه من قوله: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. والمختار إنما هو مذهب الشافعي. وحجته أن النبي عليه السلام كان مكلفا بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه. فالراوي له إذا كان واحدا، إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ، وإن لم يذكره على أنه قرآن، فقد تردد بين أن يكون خبرا عن النبي عليه السلام، وبين أن يكون ذلك مذهبا له، فلا يكون حجة. وهذا بخلاف خبر الواحد عن النبي عليه السلام، وعلى هذا منع من وجوب التتابع في صوم اليمين على أحد قوليه. فإن قيل: قولكم إن النبي عليه السلام كان يجب عليه إلقاء القرآن إلى عدد تقوم الحجة القاطعة بقولهم، لا نسلم ذلك، وكيف يمكن دعواه مع أن حفاظ القرآن في زمانه، عليه السلام، لم يبلغوا عدد التواتر لقلتهم، وإن جمعه إنما كان

[ 161 ]

بطريق تلقي آحاد آياته من الآحاد. ولذلك اختلفت مصاحف الصحابة. ولو كان قد ألقاه إلى جماعة تقوم الحجة بقولهم، لما كان كذلك. ولهذا أيضا اختلفوا في البسملة أنها من القرآن. وأنكر ابن مسعود كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن. سلمنا وجوب ذلك على النبي عليه السلام وأنه سمعه منه جمع تقوم الحجة بقولهم، ولكن إنما يمتنع السكوت عن نقله على الكل لعصمتهم عن الخطإ، ولا يمتنع ذلك بالنسبة إلى بضعهم، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم، وقد روى ما رواه، فلم يقع الاتفاق من الكل على الخطإ بالسكوت. وعند ذلك فيتعين حمل روايته لذلك في مصحفه على أنه من القرآن، لان الظاهر من حاله الصدق ولم يوجد ما يعارضه. غايته أنه غير مجمع على العمل به، لعدم تواتره وإن لم يصرح بكونه قرآنا، أمكن أن يكون من القرآن وأمكن أن لا يكون لكونه خبرا عن النبي عليه السلام، وأمكن أن يكون لكونه مذهبا له كما ذكرتموه، وهو حجة بتقدير كونه قرآنا، وتقدير كونه خبرا عن النبي عليه السلام. وهما احتمالان وإنما لا يكون حجة بتقدير كونه مذهبا له، وهو احتمال واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين، أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه. سلمنا أنه ليس بقرآن، وأنه متردد بين الخبر وبين كونه مذهبا له. إلا أن احتمال كونه خبرا راجح، لان روايته له موهم بالاحتجاج به. ولو كان مذهبا له لصرح به، نفيا للتلبيس عن السامع المعتقد كونه حجة، مع الاختلاف في مذهب الصحابي هل هو حجة أم لا. والجواب: أما وجوب إلقائه على عدد تقوم الحجة بقولهم، فذلك مما لم يخالف فيه أحد من المسلمين، لان القرآن هو المعجزة الدالة على صدقه، عليه السلام، قطعا ومع عدم بلوغه إلى من لم يشاهده بخبر التواتر، لا يكون حجة قاطعة بالنسبة إليه، فلا يكون حجة عليه في تصديق النبي عليه السلام، ولا يلزم من عدم بلوغ حفاظ القرآن في زمن النبي عليه السلام، عدد التواتر أن يكون الحفاظ لآحاد آياته كذلك.

[ 162 ]

وأما التوقف في جمع آيات القرآن على أخبار الآحاد، فلم يكن في كونها قرآنا، بل في تقديمها وتأخيرها بالنسبة إلى غيرها، وفي طولها وقصرها. وأما ما اختلت به المصاحف، فما كان من الآحاد فليس من القرآن، وما كان متواترا، فهو منه. وأما الاختلاف في التسمية، إنما كان في وضعها في أول كل سورة، لا في كونها من القرآن. وأما إنكار ابن مسعود، فلم يكن لانزال هذه السور على النبي عليه السلام، بل لاجرائها مجرى القرآن في حكمه قولهم إذا رواه ابن مسعود لم يتفق الكل على الخطإ. قلنا: وإن كان كذلك، إلا أن سكوت من سكت، وإن لم يكن ممتنعا، إلا أنه حرام لوجوب نقله عليه. وعند ذلك فلو قلنا إن ما نقله ابن مسعود قرآن، لزم ارتكاب من عداه من الصحابة للحرام بالسكوت. ولو قلنا إنه ليس بقرآن، لم يلزم منه ذلك، لا بالنسبة إلى الراوي ولا بالنسبة إلى من عداه من الساكتين، وبتقدير ارتكاب ابن مسعود للحرام، مع كونه واحدا أولى من ارتكاب الجماعة له، وعلى هذا فقد بطل قولهم بظهور صدقه فيما نقله من غير معارض، وتعين تردد نقله بين الخبر والمذهب. قولهم: حمله على الخبر راجح - لا نسلم ذلك. قولهم: لو كان مذهبا لصرح به نفيا للتلبيس - قلنا: أجمع المسلمون على أن كل خبر لم يصرح بكونه خبرا عن النبي عليه السلام ليس بحجة، وما نحن فيه كذلك، ولا يخفى أن الحمل على المذهب، مع أنه مختلف في الاحتجاج به، أولى من حمله على الخبر الذي ما صرح فيه بالخبرية، مع أنه ليس بحجة بالاتفاق. كيف وفيه موافقة النفي الاصلي، وبراءة الذمة من التتابع، بخلاف مقابله، فكان أولى.

[ 163 ]

المسألة الثانية اتفقوا على أن التسمية آية من القرآن في سورة النمل، وإنما اختلفوا في كونها آية من القرآن في أول كل سورة فنقل عن الشافعي في ذلك قولان. لكن من الاصحاب من حمل القولين على أنها من القرآن في أول كل سورة، كتبت مع القرآن بخط القرآن، أم لا. ومنهم من حمل القولين على أنها هل هي آية برأسها في أول كل سورة، أو هي مع أول آية من كل سورة آية، وهو الاصح. وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الاصوليين إلى أنها ليست آية من القرآن في غير سورة النمل. وقضى بتخطئة من قال بأنها آية من القرآن في غير سورة النمل، لكن من غير تكفير له لعدم ورود النص القاطع بإنكار ذلك. والحجة لمذهب الشافعي من ثلاثة أوجه: الاول: أنها أنزلت على رسول الله (ص) مع أول كل سورة. ولذلك نقل عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله لا يعرف ختم سورة وابتداء أخرى، حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم. وذلك يدل على أنها من القرآن حيث أنزلت. الثاني: أنها كانت تكتب بخط القرآن في أول كل سورة بأمر رسول الله، وأنه لم ينكر أحد من الصحابة على من كتبها بخط القرآن في أول كل سورة، مع تخشنهم في الدين وتحرزهم في صيانة القرآن عما ليس منه، حتى إنهم أنكروا على من أثبت أوائل السور والتعشير والنقط. وذلك كله يغلب على الظن أنها حيث كتبت مع القرآن بخط القرآن أنها منه. الثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: سرق الشيطان من الناس آية من القرآن لما أن ترك بعضهم قراءة التسمية في أول السورة ولم ينكر عليه منكر، فدل على كونها من القرآن في أول كل سورة.

[ 164 ]

فإن قيل: لو كانت التسمية آية من القرآن في أول كل سورة، لم يخل إما أن يشترط القطع في إثباتها، أو لا يشترط. فإن كان الاول، فما ذكرتموه من الوجوه الدالة غير قطعية بل ظنية، فلا تصلح للاثبات وأيضا فإنه كان يجب على النبي عليه السلام أن يبين كونها من القرآن حيث كتبت معه بيانا شافيا شائعا قاطعا للشك، كما فعل في سائر الآيات وإن كان الثاني، فليثبت التتابع في صوم اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه. قلنا: الاختلاف فيما نحن فيه لم يقع في إثبات كون التسمية من القرآن في الجملة، حتى يشترط القطع في طريق إثباتها، وإنما وقع في وضعها آية في أوائل السور والقطع غير مشترط فيه. ولهذا وقع الخلاف في ذلك من غير تكفير من أحد الخصمين للآخر، كما وقع الخلاف في عدد الآيات ومقاديرها. قولهم كان يجب على النبي عليه السلام، بيان ذلك بيانا قاطعا للشك. قلنا: ولو لم تكن من القرآن لتبين ذلك أيضا بيانا قاطعا للشك، كما فعل ذلك في التعوذ، بل أولى من حيث إن التسمية مكتوبة بخط القرآن في أول كل سورة، ومنزلة على النبي عليه السلام مع أول كل سورة، كما سبق بيانه، وذلك مما يوهم أنها من القرآن، مع علم النبي عليه السلام بذلك، وقدرته على البيان، بخلاف التعوذ. فإن قيل: كل ما هو من القرآن فهو منحصر يمكن بيانه، بخلاف ما ليس من القرآن، فإنه غير منحصر فلا يمكن بيان أنه ليس من القرآن، فلهذا قيل بوجوب بيان ما هو من القرآن، دون ما ليس من القرآن.

[ 165 ]

قلنا: نحن لم نوجب بيان كل ما ليس من القرآن أنه ليس من القرآن، بل إنما أوجبنا بيان ما يسبق إلى الافهام أنه من القرآن، بتقدير أن لا يكون منه، كما في التسمية. ولا يخفى أنه منحصر، بل هو أقل من بيان ما هو من القرآن. وعلى هذا، فلا يلزم من وضع كون التسمية آية مع أول كل سورة بالاجتهاد والظن. وقد ثبت كونها آية من القرآن في سورة النمل قطعا أن يقال مثله في ثبوت قراءة ابن مسعود في التتابع، مع أنها لم يثبت كونها من القرآن قطعا ولا ظنا. المسألة الثالثة القرآن مشتمل على آيات محكمة ومتشابهة على ما قال تعالى: * (منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات) * (3) آل عمران: 7) أما المحكم فأصح ما قيل فيه قولان: الاول أن المحكم ما ظهر معناه، وانكشف كشفا يزيل الاشكال، ويرفع الاحتمال، وهو موجود في كلام الله تعالى. والمتشابه المقابل له ما تعارض فيه الاحتمال، إما بجهة التساوي، كالالفاظ المجملة، كما في قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * (2) البقرة: 228) لاحتماله زمن الحيض، والطهر على السوية. وقوله تعالى: * (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) * (2) البقرة: 237) لتردده بين الزوج والولي. وقوله: * (أو لامستم النساء) * (2) النساء: 43) لتردده بين اللمس باليد والوطئ، أو لا على جهة التساوي كالاسماء المجازية، وما ظاهره موهم للتشبيه، وهو مفتقر

[ 166 ]

إلى تأويل، كقوله تعالى: * (ويبقى وجه ربك) * (55) الرحمن: 27). * (ونفخت فيه من روحي) * (15) الحجر: 29) * (مما عملت أيدينا) * (36) يس: 71). * (الله يستهزئ بهم) * (2) البقرة: 15) * (ومكروا ومكر الله) * (3) آل عمران: 54) * (والسموات مطويات بيمينه) * (39) الزمر: 67) ونحوه من الكنايات والاستعارات المؤولة بتأويلات مناسبة لافهام العرب. وإنما سمي متشابها، لاشتباه معناه على السامع. وهذا أيضا موجود في كلام الله تعالى. القول الثاني: إن المحكم ما انتظم وترتب على وجه يفيد إما من غير تأويل، أو مع التأويل من غير تناقض واختلاف فيه. وهذا أيضا متحقق في كلام الله تعالى. والمقابل له ما فسد نظمه، واختل لفظه ويقال فاسد، لا متشابه. وهذا غير متصور الوجود في كلام الله تعالى. وربما قيل: المحكم ما ثبت حكمه من الحلال والحرام، والوعد والوعيد ونحوه. والمتشابه ما كان من القصص والامثال، وهو بعيد عما يعرفه أهل اللغة، وعن مناسبة اللفظ له لغة.

[ 167 ]

المسألة الرابعة القرآن لا يتصور اشتماله على ما لا معنى له في نفسه، لكونه هذيانا ونقصا يتعالى كلام الرب عنه، خلافا لمن لا يؤبه له في قوله. كيف يقال ذلك، وكلام الرب تعالى مشتمل على ما لا معنى له، كحروف المعجم التي في أوائل السور، إذ هي غير موضوعة في اللغة لمعنى، وعلى التناقض الذي لا يفهم، كقوله تعالى: * (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) * (55) الرحمن: 39) وقوله: * (فوربك لنسألنهم أجمعين) * (15) الحجر: 92) وعلى الزيادة التي لا فائدة فيها، كقوله تعالى: * (فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) * (2) البقرة: 196) وقوله: (كاملة) غير مفيد لمعنى. وكذك قوله تعالى: * (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) * (69) الحاقة: 13) وقوله تعالى: * (لا تتخذوا إلهين اثنين) * (16) النحل: 51) إلى غير ذلك. قلنا: أما حروف المعجم، فلا نسلم أنه لا معنى لها، بل هي أسامي السور ومعرفة لها. وأما التناقض فغير صحيح، إذ التناقض لا بد فيه من اتحاد جهة السلب والايجاب والزمان. وزمان إيجابه وسلبه غير متحد، بل مختلف. وأما الزيادات المذكورة فهي للتأكيد، لا أنها غير معقولة المعنى. فإن قيل: وإن كان ليس في القرآن ما لا معنى له إلا أن فيه ما لا يفهم معناه. وهو في معنى ما لا معنى له. وذلك كقوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) * (3) آل عمران: 7) والواو في قوله: * (والراسخون في العلم) * (3) آل عمران: 7) ليست للعطف، وإلا كان الضمير في قوله: * (يقولون آمنا به كل من عند ربنا) * (3) آل عمران: 7) عائدا إلى جملة المذكور السابق من الله تعالى والراسخين في العلم، وهو محال في حق الله تعالى. فلم يبق إلا أن يكون للابتداء. ويلزم من ذلك أن لا يكون ما علمه الرب تعالى معلوما لهم. وأيضا فإن الآيات الدالة على اليد واليمين، والوجه والروح، ومكر الله والاستواء على العرش، وغير ذلك غير محمول على ما هو مفهوم منه في اللغة. وما هو المراد منه غير معلوم.

[ 168 ]

وأيضا فإن الخطاب بالقرآن، كما هو خطاب مع العرب، فهو خطاب مع العجم، ومعناه غير مفهوم لهم. قلنا: من قال بجواز التكليف بما لا يطاق، جوز أن يكون في القرآن ما له معنى وإن لم يكن معلوما للمخاطب، ولا له بيان، ولا كذلك فيما لا معنى له أصلا، لكونه هذيانا. ومن لم يجوز التكليف بما لا يطاق منع من ذلك، لكونه تكليفا بما لا يطاق ولما فيه من إخراج القرآن عن كونه بيانا للناس ضرورة كونه غير مفهوم. وهو خلاف قوله تعالى: * (هذا بيان للناس) * (3) آل عمران: 138) ولان ذلك مما يجر إلى عدم الوثوق بشئ من أخبار الله تعالى ورسوله، ضرورة أنه ما من خبر إلا ويجوز أن يكون المراد به ما لم يظهر منه. وذلك مبطل للشريعة مطلقا. وأجاب عن الآية الاولى بأن الواو فيها للعطف، وأن الضمير في قوله: * (يقولون آمنا به) * (3) آل عمران: 7) وإن كان ظاهرا في العود إلى جملة المذكور، غير أنه لا بعد في تخصيصه بإخراج الرب تعالى عنه، بدليل العقل المحيل لعود الضمير إليه. وأما باقي الآيات المذكورة، فكلها كنايات وتجوزات مفهومة للعرب بأدلة صارفة إليها، على ما بيناه في الكلاميات. المسألة الخامسة اختلفوا في اشتمال القرآن على ألفاظ مجازية وكلمات غير عربية. وقد استقصينا الكلام فيهما في القاعدة الاولى: في المبادئ اللغوية.

[ 169 ]

الاصل الثاني في السنة وهي في اللغة عبارة عن الطريقة، فسنة كل أحد ما عهدت منه المحافظة عليه، والاكثار منه، كان ذلك من الامور الحميدة أو غيرها. وأما في الشرع، فقد تطلق على ما كان من العبادات نافلة منقولة عن النبي عليه السلام، وقد تطلق على ما صدر عن الرسول من الادلة الشرعية مما ليس بمتلو، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز، وهذا النوع هو المقصود بالبيان هاهنا. ويدخل في ذلك أقوال النبي، عليه السلام، وأفعاله وتقاريره. أما الاقوال من الامر والنهي والتخيير والخبر وجهات دلالتها، فسيأتي إيضاحها في الاصل الرابع المخصوص ببيان ما تشترك فيه الادلة المنقولة الشرعية. وليكن البيان هاهنا مخصوصا بما يخص النبي عليه السلام من الافعال والتقارير، ويشتمل على مقدمتين وخمس مسائل. المقدمة الاولى في عصمة الانبياء عليهم السلام، وشرح الاختلاف في ذلك وما وقع الاتفاق من أهل الشرائع على عصمتهم عنه من المعاصي، وما فيه الاختلاف أما قبل النبوة، فقد ذهب القاضي أبو بكر، وأكثر أصحابنا، وكثير من المعتزلة إلى أنه لا يمتنع عليهم، المعصية كبيرة كانت أو صغيرة، بل ولا يمتنع عقلا إرسال من أسلم وآمن بعد كفره. وذهبت الروافض إلى امتناع ذلك كله منهم قبل النبوة، لان ذلك مما يوجب هضمهم في النفوس واحتقارهم، والنفرة عن اتباعهم، وهو خلاف مقتضى الحكمة من بعثة الرسل، ووافقهم على ذلك أكثر المعتزلة إلا في الصغائر.

[ 170 ]

والحق ما ذكره القاضي، لانه لا سمع قبل البعثة يدل على عصمتهم عن ذلك والعقل دلالته مبنية على التحسين والتقبيح العقلي، ووجوب رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وذلك كله مما أبطلناه في كتبنا الكلامية. وأما بعد النبوة، فالاتفاق من أهل الشرائع قاطبة على عصمتهم عن تعمد كل ما يخل بصدقهم فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه من دعوى الرسالة والتبليغ عن الله تعالى. واختلفوا في جواز ذلك عليهم بطريق الغلط والنسيان، فمنع منه الاستاذ أبو إسحاق وكثير من الائمة، لما فيه من مناقضة دلالة المعجزة القاطعة. وجوزه القاضي أبو بكر، مصيرا منه إلى أن ما كان من النسيان وفلتات اللسان غير داخل تحت التصديق المقصود بالمعجزة، وهو الاشبه. وأما ما كان من المعاصي القولية والفعلية التي لا دلالة للمعجزة على عصمتهم عنها، فما كان منها كفرا فلا نعرف خلافا بين أرباب الشرائع في عصمتهم عنه، إلا ما نقل عن الازارقة من الخوارج أنهم قالوا بجواز بعثة نبي علم الله أنه يكفر بعد نبوته، وما نقل عن الفضلية من الخوارج أنهم قضوا بأن كل ذنب يوجد فهو كفر، مع تجويزهم صدور الذنوب عن الانبياء. فكانت كفرا. وأما ما ليس بكفر، فإما أن يكون من الكبائر، أو ليس منها. فإن كان من الكبائر، فقد اتفقت الامة، سوى الحشوية ومن جوز الكفر على الانبياء، على عصمتهم عن تعمده من غير نسيان ولا تأويل، وإن اختلفوا في أن مدرك العصمة السمع، كما ذهب إليه القاضي أبو بكر والمحققون من أصحابنا، أو العقل، كما ذهب إليه المعتزلة. وأما إن كان فعل الكبيرة عن نسيان أو تأويل خطإ، فقد اتفق الكل على جوازه، سوى الرافضة.

[ 171 ]

وأما ما ليس بكبيرة، فإما أن يكون من قبيل ما يوجب الحكم على فاعله بالخسة ودناءة الهمة وسقوط المروءة، كسرقة خبة أو كسرة، فالحكم فيه كالحكم في الكبيرة. وأما ما لا يكون من هذا القبيل، كنظرة أو كلمة سفه نادرة في حالة غضب فقد اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا وسهوا، خلافا للشيعة مطلقا، وخلافا للجبائي والنظام وجعفر بن مبشر في العمد. وبالجملة، فالكلام فيما وقع فيه الاختلاف في هذه التفاصيل غير بالغ مبلغ القطع، بل هو من باب الظنون. والاعتماد فيه على ما يساعد فيه من الادلة الظنية نفيا وإثباتا. وقد أتينا في كل موضع من المواضع المتفق عليها، والمختلف فيها، تزييفا واختيارا بأبلغ بيان، وأوضح برهان في كتبنا الكلامية. فعلى الناظر الالتفات إليها.

[ 172 ]

المقدمة الثانية في معنى التأسي، والمتابعة، والموافقة، والمخالفة، إذ الحاجة داعية إلى معرفة ذلك فيما نرومه من النظر في مسائل الافعال أما التأسي بالغير: فقد يكون في الفعل والترك. أما التأسي في الفعل: فهو أن تفعل مثل فعله على وجهه، من أجل فعله. فقولنا: (مثل فعله) لانه لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل، كالقيام والقعود. وقولنا: (على وجهه) معناه المشاركة في غرض ذلك الفعل ونيته، لانه لا تأسي مع اختلاف الفعلين في كون أحدهما واجبا، والآخر ليس بواجب، وإن اتحدت الصورة. وقولنا: (من أجل فعله) لانه لو اتفق فعل شخصين في الصورة والصفة، ولم يكن أحدهما من أجل الآخر، كاتفاق جماعة في صلاة الظهر مثلا، أو صوم رمضان اتباعا لامر الله تعالى، فإنه لا يقال بتأسي البعض بالبعض. وعلى هذا، فلو وقع فعله في مكان أو زمان مخصوص، فلا مدخل له في المتابعة والتأسي وسواء تكرر أو لم يتكرر، إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة به، كاختصاص الحج بعرفات، واختصاص الصلوات بأوقاتها، وصوم رمضان. وأما التأسي: في الترك، فهو ترك أحد الشخصين مثل ما ترك الآخر من الافعال على وجهه وصفته من أجل أنه ترك. ولا يخفى وجه ما فيه من القيود. وأما المتابعة: فقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل والترك، فاتباع القول هو امتثاله على الوجه الذي اقتضاه القول. والاتباع في الفعل هو التأسي بعينه. وأما الموافقة: فمشاركة أحد الشخصين للآخر في صورة قول أو فعل، أو ترك أو اعتقاد، أو غير ذلك. وسواء كان ذلك من أجل ذلك الآخر، أو لا من أجله. وأما المخالفة: فقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل والترك: فالمخالفة في القول ترك امتثال ما اقتضاه القول. وأما المخالفة في الفعل، فهو العدول عن فعل مثل ما فعله الغير، مع وجوبه.

[ 173 ]

ولهذا فإن من فعل فعلا، ولم يجب على غيره مثل فعله، لا يقال له إنه مخالف في الفعل، بتقدير الترك. ولذلك لم تكن الحائض مخالفة بترك الصلاة لغيرها. وعلى هذا، فلا يخفى وجوه المخالفة في الترك. وإذ أتينا على ما أردناه من ذكر المقدمتين، فلنرجع إلى المقصود من المسائل المتعلقة بأفعال الرسول، عليه السلام. المسألة الاولى اختلف الاصوليون في أفعال النبي عليه السلام، هل هي دليل لشرع مثل ذلك الفعل بالنسبة إلينا، أم لا ؟ وقبل النظر في الحجاج، لا بد من تلخيص محل النزاع، فنقول: أما ما كان من الافعال الجبلية، كالقيام والقعود والاكل والشرب ونحوه، فلا نزاع في كونه على الاباحة بالنسبة إليه وإلى أمته. وأما ما سوى ذلك، مما ثبت كونه من خواصه التى لا يشاركه فيها أحد، فلا يدل ذلك على التشريك بيننا وبينه فيه إجماعا. وذلك كاختصاصه بوجوب الضحى والاضحى والوتر والتهجد بالليل والمشاورة والتخيير لنسائه، وكاختصاصه بإباحة الوصال في الصوم، وصفية المغنم، والاستبداد بخمس الخمس، ودخول مكة بغير إحرام، والزيادة في النكاح على أربع نسوة، إلى غير ذلك من خصائصه. وأما ما عرف كون فعله بيانا لنا، فهو دليل من غير خلاف، وذلك إما بصريح مقاله، كقوله: صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم أو بقرائن الاحوال، وذلك كما إذا ورد لفظ مجمل، أو عام أريد به الخصوص، أو مطلق أريد به التقييد، ولم يبينه قبل الحاجة إليه، ثم فعل عند الحاجة فعلا صالحا للبيان، فإنه يكون بيانا حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة، وذلك كقطعه يد السارق من الكوع، بيانا لقوله تعالى: * (فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) وكتيممه

[ 174 ]

إلى المرفقين، بيانا لقوله تعالى: * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) * (4) النساء: 43) ونحوه. والبيان تابع للمبين في الوجوب والندب والاباحة. وأما ما لم يقترن به ما يدل على أنه للبيان لا نفيا ولا إثباتا، فإما أن يظهر فيه قصد القربة أو لم يظهر. فإن ظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا فيه: فمنهم من قال إن فعله عليه السلام محمول على الوجوب في حقه، وفي حقنا، كابن سريج والاصطخري وابن أبي هريرة وابن خيران والحنابلة وجماعة من المعتزلة. ومنهم من صار إلى أنه للندب. وقد قيل إنه قول الشافعي، وهو اختيار إمام الحرمين. ومنهم من قال إنه للاباحة، وهو مذهب مالك، ومنهم من قال بالوقف، وهو مذهب جماعة من أصحاب الشافعي، كالصيرفي والغزالي وجماعة من المعتزلة. وأما ما لم يظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا أيضا فيه على نحو اختلافهم فيما ظهر فيه قصد القربة غير أن القول بالوجوب والندب، فيه أبعد مما ظهر فيه قصد القربة، والوقف والاباحة أقرب. وبعض من جوز على الانبياء المعاصي، قال إنها على الخطر. والمختار أن كل فعل لم يقترن به دليل يدل على أنه قصد به بيان خطاب سابق فإن ظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى، فهو دليل في حقه عليه السلام على القدر المشترك بين الواجب والمندوب: وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير، وأن الاباحة، وهي استواء الفعل والترك في رفع الحرج، خارجة عنه، وكذلك في حق أمته. وما لم يظهر فيه قصد القربة، فهو دليل في حقه على القدر المشترك بين الواجب والمندوب والمباح، وهو رفع الحرج عن الفعل لا غير، وكذلك عن أمته. وأما إذا ظهر من فعله قصد القربة، فلان القربة غير خارجة عن الواجب والمندوب، والقدر المشترك بينهما إنما هو ترجيح الفعل على الترك. والفعل دليل قاطع عليه.

[ 175 ]

وأما ما اختص به الواجب من الذم على الترك، وما اختص به المندوب من عدم اللوم على الترك فمشكوك فيه، وليس أحدهما أولى من الآخر. وأما إذا لم يظهر من فعله قصد القربة، فهو وإن جوزنا عليه فعل الصغيرة، غير أن احتمال وقوعها من آحاد عدول المسلمين نادر، فكيف من النبي عليه السلام. بل الغالب من فعله، انه لا يكون معصية، ولا منهيا عنه. وعند ذلك فما من فعل من احاد أفعاله، إلا واحتمال دخوله تحت الغالب أغلب. وإذا كان الغالب من فعله أنه لا يكون معصية، ولا منهيا عنه، فكل فعل لا يكون منهيا عنه لا يخرج عن الواجب والمندوب والمباح: والقدر المشترك بين الكل إنما هو رفع الحرج عن الفعل، دون الترك. والفعل دليل قاطع عليه. وأما ما اختص به الوجوب والندب عن المباح من ترجح الفعل على الترك، وما اختص به المباح عنهما من استواء الطرفين فمشكوك فيه. هذا بالنسبة إلى النبي عليه السلام. وأما بالنسبة إلى أمته فلانه، وإن كان عليه السلام، قد اختص عنهم بخصائص لا يشاركونه فيها، غير أنها نادرة، بل أندر من النادر بالنسبة إلى الاحكام المشترك فيها. وعند ذلك، فما من واحد من آحاد الافعال إلا واحتمال مشاركة الامة للنبي عليه السلام فيه أغلب من احتمال عدم المشاركة، إدراجا للنادر تحت الاعم الاغلب، فكانت المشاركة أظهر. وإذ أتينا على تفصيل المذاهب وتقرير ما هو المختار، فلا بد من ذكر شبه المخالفين، ووجه الانفصال عنها. وأما شبه القائلين بالوجوب، فمن جهة النص، والاجماع، والمعقول. أما من جهة النص، فمن جهة الكتاب، والسنة. أما من جهة الكتاب، فقوله تعالى: * (فاتبعوه واتقوا) * (6) الانعام: 155) أمر بمتابعته، ومتابعته امتثال القول والاتيان بمثل فعله. والامر ظاهر في الوجوب. وأيضا قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * (24) النور: 63) حذر من مخالفة أمره، والتحذير دليل الوجوب. واسم الامر يطلق على الفعل، كما سيأتي تقريره،

[ 176 ]

والاصل في الاطلاق الحقيقة. وغايته أن يكون مشتركا بينه وبين القول المخصوص، وسيأتي أن الاسم المشترك من قبيل الاسماء العامة. فكان متناولا للفعل. وأيضا قوله تعالى: * (وما آتاكم الرسول فخذوه) * (56) الحشر: 7) وفعله من جملة ما يأتي به، فكان الاخذ به واجبا. وأيضا قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر) * (33) الاحزاب: 21) وهذا زجر في طي أمر. وتقديره: من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر، فله فيه إسوة حسنة. ومن لم يتأس به فلا يكون مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر. وهو دليل الوجوب. وأيضا قوله تعالى: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * (3) آل عمران: 31) ومحبه الله واجبة، والآية دلت على أن متابعة النبي عليه السلام لازمة لمحبة الله الواجبة. ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم. وهو ممتنع. وأيضا قوله تعالى: * (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (24) النور: 54) أمر بطاعة الرسول. والامر ظاهر في الوجوب. ومن أتى بمثل فعل الغير على قصد إعظامه، فهو مطيع له، وأيضا قوله تعالى: * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، إذا قضوا منهن وطرا) * (33) الاحزاب: 37) وذلك يدل على أن فعله تشريع وواجب الاتباع، وإلا، لما كان تزويجه مزيلا عن المؤمنين الحرج في أزواج أدعيائهم. وأما من جهة السنة، فما روي أن الصحابة، رضي الله عنهم خلعوا نعالهم في الصلاة، لما خلع نعله، ففهموا وجوب المتابعة له في فعله. والنبي عليه السلام أقرهم على ذلك، ثم بين لهم علة انفراده بذلك. وأيضا ما روي عنه أنه أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ. فقالوا له: مالك أمرتنا بفسخ الحج ولم تفسخ ففهموا أن حكمهم كحكمه. والنبي عليه السلام لم ينكر عليه، ولم يقل: لي حكمي، ولكم حكمكم بل أبدى عذرا يختص به. وأيضا ما روي عنه عليه السلام، أنه نهى الصحابة عن الوصال في الصوم، وواصل. فقالوا له: نهيتنا عن الوصال، وواصلت فقال: لست كأحدكم،

[ 177 ]

إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني فأقرهم على ما فهموه من مشاركتهم له في الحكم، واعتذر بعذر يختص به. وأيضا ما روي عنه أنه لما سألته أم سلمة عن قبلة الصائم، فقال لها: لم لم تقولي لهم إني أقبل وأنا صائم ولو لم يكن متبعا في أفعاله، لما كان لذلك معنى. وأيضا ما روي عنه أنه، لما سألته أم سلمة عن بل الشعر في الاغتسال، قال: أما أنا فيكفيني أن أحثو على رأسي ثلاث حثيات من ماء وكان ذلك جوابا لها. ولولا أنه متبع في فعله، لما كان جوابا لها. وأيضا ما روي عنه أنه أمر الصحابة بالتحلل بالحلق والذبح، فتوقفوا، فشكا ذلك إلى أم سلمة، فأشارت إليه بأن يخرج وينحر ويحلق، ففعل ذلك، فذبحوا وحلقوا. ولولا أن فعله متبع، لما كان كذلك. وأما من جهة الاجماع فما روي عن الصحابة أنهم، لما اختلفوا في الغسل من غير إنزال، أنفذ عمر إلى عائشة، رضي الله عنها، وسألها عن ذلك، فقالت: فعلته أنا ورسول الله، واغتسلنا فأخذ عمر والناس بذلك. ولولا أن فعله متبع، لما ساغ ذلك. وأيضا ما روي عن عمر، رضي الله عنه، أنه كان يقبل الحجر الاسود، ويقول: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنني رأيت رسول الله يقبلك، لما قبلتك وكان ذلك شائعا فيما بين الصحابة من غير نكير، فكان إجماعا على اتباعه في فعله. وأما من جهة المعقول، فمن خمسة أوجه: الاول: هو أن فعله احتمل أن يكون موجبا للفعل علينا، واحتمل أن لا يكون موجبا. والحمل على الايجاب أولى لما فيه من الامن والتحرز عن ترك الواجب. ولذلك فإنه لو نسي صلاة من خمس صلوات من يوم، فإنه يجب عليه إعادة الكل حذرا من الاخلال بالواجب. وكذلك من طلق واحدة من نسائه، ثم نسيها، فإنه يحرم عليه جميعهن نظرا إلى الاحتياط.

[ 178 ]

الثاني: أن النبوة من الرتب العلية، والاوصاف السنية، ولا يخفى أن متابعة العظيم في أفعاله، من أتم الامور في تعظيمه وإجلاله، وأن عدم متابعته في أفعاله بأن صلى، وهم جلوس، أو قام يطوف، وهم يتسامرون، من أعظم الامور في إسقاط حرمته، والاخلال بعظمته، وهو حرام ممتنع. الثالث: أن أفعاله عليه السلام قائمة مقام أقواله في بيان المجمل، وتخصيص العموم، وتقييد المطلق من الكتاب والسنة، فكان فعله محمولا على الوجوب كالقول. الرابع: أن ما فعله النبي عليه السلام يجب أن يكون حقا وصوابا، وترك الحق والصواب يكون خطأ وباطلا، وهو ممتنع. الخامس: أن فعله احتمل أن يكون واجبا، واحتمل أن لا يكون واجبا. واحتمال كونه واجبا أظهر من احتمال كونه ليس بواجب، لان الظاهر من النبي عليه السلام أنه لا يختار لنفسه سوى الاكمل والافضل والواجب أكمل مما ليس بواجب، وإذا كان واجبا، فيجب اعتقاد مشاركة الامة له فيه، لما قررتموه في طريقتكم. وأما شبه القائلين بالندب فنقلية وعقلية أيضا. أما النقلية: فقوله: تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * (33) الاحزاب: 21) جعل التأسي به حسنة، وأدنى درجات الحسنة المندوب فكان محمولا عليه، وما زاد فهو مشكوك فيه. وأما العقلية: فهو أن فعله، وإن احتمل أن يكون معصية، إلا أنه خلاف الظاهر، والظاهر من فعله أنه لا يكون إلا حسنة، والحسنة لا تخرج عن الواجب والمندوب، وحمله على فعل المندوب أولى لوجهين. الاول: أن غالب أفعال النبي عليه السلام كانت هي المندوبات. الثاني: أن كل واجب مندوب وزيادة، وليس كل مندوب واجبا. فكان فعل المندوب لعمومه أغلب، ويلزم من ذلك مشاركة أمته له فيه لما ذكرتموه في طريقتكم. وأما شبه القائلين بالاباحة، فهي أن الاصل في الافعال كلها إنما هو الاباحة، ورفع الحرج عن الفعل، والترك، إلا ما دل الدليل على تغييره. والاصل عدم المغير. وأما شبه القائلين بالوقف، فإنهم قالوا: فعله، عليه السلام، متردد بين أن

[ 179 ]

يكون خاصا به، وبين أن لا يكون خاصا به. وما ليس خاصا به متردد بين الواجب والمندوب والمباح والفعل لا صيغة له ليدل على البعض دون البعض وليس البعض أولى من البعض، فلزم الوقف إلى أن يقوم الدليل على التعيين. والجواب عن شبه القائلين بالوجوب: أما عن الآية الاولى، فلا نسلم أن قوله: فاتبعوه يدل على الوجوب، وإن سلمنا ذلك ولكن قوله: فاتبعوه صريح في ابتاع شخص النبي عليه السلام، وهو غير مراد. فلا بد من إضمار المتابعة في أقواله وأفعاله. والاضمار على خلاف الاصل، فتمتنع الزيادة فيه من غير حاجة. وقد أمكن دفع الضرورة بإضمار أحد الامرين. وليس إضمار المتابعة في الفعل أولى من القول، بل إضمار المتابعة في القول أولى، لكونه متفقا عليه، ومختلفا في الفعل. كيف وأن المتابعة في الفعل إنما يتحقق وجوبها، أن لو علم كون الفعل المتبع واجبا، وإلا فبتقدير أن يكون غير واجب، فمتابعة ما ليس بواجب لا تكون واجبة، ولم يتحقق كون فعله واجبا، فلا تكون متابعته واجبة.

[ 180 ]

وعن الآية الثانية، أن يقال اسم الامر، وإن أطلق على الفعل والقول المخصوص، لكنه يجب اعتقاد كونه حقيقة في أمر مشترك بينهما، وهو الشأن والصفة نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ لكونهما على خلاف الاصل. وعند ذلك فلفظ الامر المحذر من مخالفته يكون مطلقا. والمطلق إذا عمل به في صورة فقد خرج عن كونه حجة ضرورة توفية العمل بدلالته. وقد عمل به في القول المخصوص، فلا يبقى حجة في الفعل سلمنا أنه غير متواطئ، ولكنه مجمع على كونه حقيقة في القول المخصوص، ومختلف في الفعل، فكان حمله على المتفق عليه دون المختلف فيه. أو سلمنا أنه حقيقة في الفعل، لكنه يكون مشتركا، وعند ذلك، إن قيل بأن اللفظ المشترك يمتنع حمله على جميع مدلولاته، فليس حمله على التحذير من مخالفة الامر بمعنى الفعل أولى من القول، وإن قيل بحمل اللفظ المشترك على جميع محامله، فالتحذير عن مخالفة الامر يتوقف على كون المحذر منه واجبا لاستحالة التحذير من ترك ما ليس واجبا. وعند ذلك، فالقول بالتحذير من مخالفة الفعل يستدعي وجوب ذلك الفعل، ووجوبه، إذا كان لا يعرف إلا من التحذير، كان دورا. كيف وإنه قد تقدم في الآية ذكر دعاء الرسول بقوله: * (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) * (24) النور: 63) والمراد بالدعاء إنما هو القول. فكان الامر المذكور بعده عائدا إلى قوله. ثم قد أمكن عود الضمير في أمره إلى الله تعالى، إذ هو

[ 181 ]

أقرب مذكور، حيث قال بعد ذكر الرسول: * (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا) * (24) النور: 63) فكان عوده إليه أولى. وعن الآية الثالثة بمنع دلالة الامر على الوجوب، وإن سلمنا ذلك. ولكن إنما يكون أخذ ما أتانا به واجبا، إذا كان ما أتى به واجبا. وأما إذا لم يكن واجبا، فأخذه لا يكون واجبا، فإن القول بوجوب فعل لا يكون واجبا تناقض في اللفظ والمعنى. وعند ذلك، فيتوقف دلالة الآية على الوجوب على كون الفعل المأتي به واجبا، ووجوبه إذا توقف على دلالة الآية على وجوبه كان دورا. كيف وإن في الآية ما يدل على أن المراد بوجوب أخذه إنما هو الامر بمعنى القول حيث إنه قابله بالنهي بقوله: وما نهاكم عنه فانتهوا والنهي لا يكون إلا بالقول. وكذلك الامر المقابل له. وعن الآية الرابعة من وجهين: الوجه الاول: إنا نقول المراد بالتأسي به في فعله أن نستخير لانفسنا ما استخاره لنفسه، واجبا وأن لا نعترض عليه فيما يفعله أو معنى آخر. الاول مسلم، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون ما استخاره لنفسه واجبا حتى يكون ما نستخيره نحن لانفسنا واجبا. والثاني ممنوع. الوجه الثاني: أن المراد بالتأسي به في فعله أن نوقع الفعل على الوجه الذي أوقعه هو عليه السلام، حتى أنه لو صلى واجبا، وصلينا متنفلين، أو بالعكس، فإن ذلك لا يكون تأسيا به، ولم يثبت كون ما فعله واجبا حتى يكون ما نفعله نحن واجبا. وعلى هذين الجوابين يخرج الجواب عن الآية الخامسة. وعن الآية السادسة أن المراد من الطاعة إنما هو امتثال أمره ومتابعته في فعله

[ 182 ]

على الوجه الذي فعله، إن كان واجبا فواجبا، وإن كان ندبا فندبا. ونحن نقول به، ولم يثبت أن ما فعله واجب، حتى تكون متابعتنا له فيه واجبة. وعن الآية السابعة إن غايتها الدلالة على أن حكم أمته مساو لحكمه في الوجوب والندب والاباحة، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل ما فعله واجبا ليكون فعلنا له واجبا. وعن الخبر الاول من السنة من وجهين: الاول أن ذلك لا يدل على أنهم فعلوا ذلك بجهة الوجوب، بل لعلهم رأوا متابعته في خلع النعل مبالغة في موافقته. والذي يدل على أن الخلع بطريق المتابعة له لم يكن واجبا إنكاره عليهم ذلك، وقوله: لم خلعتم نعالكم ولو كانت متابعته في فعله واجبة على الاطلاق، لما أنكر ذلك. الوجه الثاني أنه وإن ظنوا وجوب المتابعة، لكن لا من الفعل، بل لقيام دليل أوجب عليهم ذلك وبيانه من وجهين: الاول أنه، عليه السلام، كان قد قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي ففهموا أن صلاته بيان لصلاتهم، فلما رأوه قد خلع نعله، تابعوه فيه لظنهم أن ذلك من هيئات الصلاة. الثاني أنهم كانوا مأمورين بأخد زينتهم عند كل مسجد بقوله تعالى: * (خذوا زينتكم عند كل مسجد) * (7) الاعراف: 31) فلما رأوه قد خلع نعله، ظنوا وجوبه، وأنه لا يترك الامر المسنون المأمور إلا لواجب. ونحن لا ننكر وجوب المتابعة عند قيام الدليل. وعن الخبر الثاني: أن فهمهم لوجوب م‍ تابعته في أفعال الحج إنما كان مستندا إلى قوله عليه السلام: خذوا عني مناسككم لا إلى فعله. وعن الخبر الثالث: أن الوصال للنبي عليه السلام لم يكن واجبا عليه، بل غايته أنه كان مباحا له. ووجوب المتابعة فيما أصله غير واجب ممتنع، كما سبق، بل ظنهم إنما كان مشاركته في إباحة الوصال. ونحن نقول به، وهذا هو الجواب عن الخبر الرابع.

[ 183 ]

وعن الخبر الخامس: أنه لا دلالة له على وجوب، بل الشعر في حقه عليه السلام، ولا حق غيره. ولعله أراد بذلك الكفاية في الكمال، لا في الوجوب، بل وجوب البل إنما هو مستفاد من قوله عليه السلام: بلوا الشعر وانقوا البشرة. وعن الخبر السادس من وجهين: الاول أن فعله وقع بيانا لقوله عليه السلام: خذوا عني مناسككم ولا نزاع في وجوب اتباع فعله، إذا ورد بيانا لخطاب سابق، بل وهو أبلغ من دلالة القول المجرد عن الفعل، لكون الفعل ينبئ عن المقصود عيانا، بخلاف القول، فإنه لا يدل عليه عيانا. الثاني أن وجوب التحلل وقع مستفادا من أمر النبي عليه السلام لهم بذلك. غير أنهم كانوا يرتقبون إنجاز ما وعدهم الله به من الفتح والظهور على قريش في تلك السنة، وأن ينسخ الله عنهم الامر بالتحلل وأداء ما كانوا فيه من الحج. فلما تحلل عليه السلام، آيسوا من ذلك فتحللوا. وعن الاحتجاج بالاجماع الاول لا نسلم أن وجوب الغسل من التقاء الختانين كان مستفادا من فعل رسول الله، بل من قوله عليه السلام: إذا التقى الختانان، وجب الغسل وسؤال عمر لعائشة إنما كان ليعلم أن فعل النبي هل وقع موافقا لامره، أم لا. وعن الثاني أن تقبيل عمر الحجر إنما كان مستفادا من فعل رسول الله المبين لقوله: خذوا عني مناسككم كيف وأن تقبيل الحجر غير واجب على النبي عليه السلام، ولا على غيره، بل غايته أن فعل النبي عليه السلام يدل على ترجيح فعله على تركه من غير وجوب. وذلك مما لا ننكره، ولا ننكر مشاركة الامة له في ذلك.

[ 184 ]

وعن الشبهة الاولى: من المعقول، فقد قيل في دفعها إن الاحتياط إنما يمكن أن يقال به إذا خلا عن احتمال الضرر قطعا، وفيما نحن فيه يحتمل أن يكون الفعل حراما على الامة، وهو غير صحيح، فإنه لو غم الهلال ليلة الثلاثين من رمضان، فإنه يحتمل أن يكون يوم الثلاثين منه يوم العيد، واحتمل أن لا يكون يوم اليعد. ومع ذلك يجب صومه احتياطا للواجب، وإن احتمل أن يكون حراما لكونه من يوم العيد. والحق في ذلك أن يقال إنما يكون الاحتياط أولى لما ثبت وجوبه، كالصلاة الفائتة من صلوات يوم وليلة، أو كان الاصل وجوبه، كما في صوم يوم الثلاثين من رمضان، إذا كانت ليلته مغيمة. وأما ما عساه أن يكون واجبا وغير واجب، فلا. وما نحن فيه كذلك، حيث لم يتحقق وجوب الفعل، ولا الاصل وجوبه. وعن الشبهة الثانية: لا نسلم أن الاتيان بمثل ما يفعله العظيم يكون تعظيما له وأن تركه يكون إهانة له وحطا من قدره، بل ربما كان تعاطي الادنى لمساواته الاعلى فعله حطا من منزلته، وغضا من منصبه. ولهذا، يقبح من العبد الجلوس على سرير سيده في مرتبته، والركوب على مركبه، ولو فعل ذلك، استحق اللوم والتوبيخ. ثم لو كانت متابعة النبي في أفعاله موجبة لتعظيمه، وترك المتابعة موجبة لاهانته، لوجب متابعته عندما إذا ترك بعض ما تعبدنا به من العبادات، ولم يعلم سبب تركه، وهو خلاف الاجماع. وعن الشبهة الثالثة: إنه لا يلزم من كون الفعل بيانا للقول أن يكون موجبا لما يوجبه القول. فإن الخطاب القولي يستدعي وجوب الجواب، ولا كذلك الفعل. وعن الشبهة الرابعة: أن فعل النبي عليه السلام، وإن كان حقا وصوابا بالنسبة إليه، فلا يلزم أن يكون حقا وصوابا بالنسبة إلى أمته. إلا أن يكون فعله مما يوجب مشاركتهم له في ذلك الفعل. وهو محل النزاع.

[ 185 ]

وعن الشبهة الخامسة: إنه وإن كان فعل الواجب أفضل مما ليس بواجب، فلا يلزم أن يكون كل ما يفعله النبي عليه السلام واجبا. ولهذا، فإن فعله للمندوبات كان أغلب من فعله للواجبات، بل فعله للمباحات كان أغلب من فعله للمندوبات. وعن ذلك فليس حمل فعله على النادر من أفعاله أولى من حمله على الغالب منها وعن شبه القائلين بالندب. أما الآية، فجوابها مثل ما سبق في الاحتجاج بها على الوجوب. وأما الشبهة العقلية: فلا نسلم أن غالب فعله المندوبات، بل المباح. ولا نسلم أن المندوب داخل في الواجب على ما سبق تقريره. وأما شبهة الاباحة: فنحن قائلون بها في كل فعل لم يظهر من النبي عليه السلام قصد التقرب به، وأما ما ظهر معه قصد التقرب به، فيمتنع أن يكون مباحا بمعنى نفي الحرج عن فعله وتركه. فإن مثل ذلك لا يتقرب به. وذلك مما يجب حمله على ترجيح جانب الفعل على الترك، على ما قررناه. وأما الواقفية: فإن أرادوا بالوقف أنا لا نحكم بإيجاب ولا ندب إلا أن يقوم الدليل على ذلك، فهو الحق وهو عين ما قررناه. وإن أرادوا به أن الثابت أحد هذه الامور، لكنا لا نعرفه بعينه فخطأ. فإن ذلك يستدعي دليلا، وقد بينا أنه لا دلالة للفعل على شئ سوى ترجيح الفعل على الترك، عندما إذا ظهر من النبي عليه السلام قصد التقرب بفعله، أو نفي الحرج مطلقا، عندما إذا لم يظهر منه قصد القربة. والاصل عدم دليل سوى الفعل. والله أعلم.

[ 186 ]

المسألة الثانية إذا فعل النبي عليه السلام فعلا، ولم يكن بيانا لخطاب سابق، ولا قام الدليل على أنه من خواصه، وعلمت لنا صفته من الوجوب أو الندب أو الاباحة، إما بنصه، عليه السلام، على ذلك وتعريفه لنا، أو بغير ذلك من الادلة، فمعظم الائمة من الفقهاء والمتكلمين متفقون على أننا متعبدون بالتأسي به في فعله، واجبا كان أو مندوبا أو مباحا. ومنهم من منع مذلك مطلقا، ومنهم من فصل، كأبي علي بن خلاد، وقال بالتأسي في العبادات دون غيرها. والمختار إنما هو المذهب الجمهوري ودليله النص والاجماع. أما النص، فقوله تعالى: * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا) * (33) الاحزاب: 37) ولولا أنه متأسي به في فعله ومتبعا، لما كان للآية معنى. وهذا من أقوى ما يستدل به هاهنا. وأيضا قوله تعالى: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * (3) آل عمران: 31) ووجه الاستدلال به أنه جعل المتابعة له لازمة من محبة الله الواجبة، فلو لم تكن المتابعة له لازمة لزم من عدمها عدم المحبة الواجبة، وذلك حرام بالاجماع. وأيضا قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) * (33) الاحزاب: 21) ووجه الاحتجاج به أنه جعل التأسي بالنبي عليه السلام، من لوازم رجاء الله تعالى واليوم الآخر. ويلزم من عدم التأسي عدم الملزوم، وهو الرجاء لله واليوم الآخر. وذلك كفر. والمتابعة والتأسي في الفعل على ما بيناه في المقدمة هو أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل من أجل أنه فعل.

[ 187 ]

وأما الاجماع فهو أن الصحابة كانوا مجمعين على الرجوع إلى أفعاله، كرجوعهم إلى تزويجه لميمونة، وهو حرام، وفي تقبيله، عليه السلام للحجر الاسود، وجواز تقبيله، وهو صائم إلى غير ذلك من الوقائع الكثيرة التي لا تحصى. فإن قيل: أما الآية الاولى، وإن دلت على التأسي به والمتابعة في التزويج من إزواج الادعياء إذا قضوا منهن وطرا، فليس فيها ما يدل على التأسي والمتابعة في كل فعل. وأما الاخيرتان، فلا نسلم عموم دلالتها على المتابعة والتأسي في كل شئ إذ لا عموم لهما في ذلك. ولهذا فإنه يحسن أن يقال: لك في فلان أسوة في كل شئ ويقال: لك في فلان أسوة حسنة في هذا الشئ دون غيره ولو كان لفظ (الاسوة) عاما في كل شئ، لكان قوله: (في كل شئ) تكرارا وقوله: (في هذا الشئ دون غيره) مناقضة، بل غايتها الدلالة على المتابعة والتأسي في بعض الاشياء. ونحن قائلون بذلك في اتباع أقواله والتأسي بما دل الدليل القولي على التأسي به في أفعاله، كقوله: صلوا كما رأيتوني أصلي وخذوا عني مناسككم ونحوه. وأما ما ذكرتموه من الاجماع، فلا نسلم أن المستند فيما كانوا يفعلونه التأسي بالنبي في فعله، وإنما كان مستندهم في ذلك غيره، أما فيما كان مباحا، فالبقاء على الاصل، أما فيما كان واجبا أو مندوبا فالاقوال الدالة على ذلك. والجواب: عن الاعتراض على الآية الاولى، أن الآية ليس فيها دلالة على خصوص متابعة المؤمنين للنبي، عليه السلام، في ذلك. ولولا أن التأسي بالنبي عليه السلام في جميع أفعاله لازم، لما فهم المؤمنون من إباحة ذلك للنبي عليه السلام إباحة ذلك لهم، ولا يمكن أن يقال بأن فهم الاباحة إنما كان مستندا إلى الاباحة الاصلية، وإلا، لما كان لتعليل تزويج النبي عليه السلام، بنفي الحرج عن المؤمنين معنى، لكونه مدفوعا بغيره. وعن الاعتراض الثاني على الآيتين الاخريين، أن مقصودهما إنما هو بيان كون النبي، عليه السلام، أسوة لنا ومتبعا، إظهارا لشرفه، وإبانة لخطره. وذلك إنما يكون في شئ واحد، أو في جميع الاشياء. فإن كان في شئ واحد، فإما أن

[ 188 ]

يكون معينا أو مبهما: القول بالتعيين ممتنع لعدم دلالة اللفظ عليه، والقول بالابهام ممتنع، لانه على خلاف الغالب من خطاب الشرع، ولكونه أبعد إظهار شرف النبي، عليه السلام. فلم يبق إلا أن يكون في جميع الاشياء. وإذا قال: لك أسوة في فلان في جميع الاشياء فهو مفيد للتأكيد، ولي تكرارا خليا عن الفائدة وإذا قال: لك أسوة في فلان في هذا الشئ دون غيره فلا يكون مناقضة، لان العموم إنما هو مستفاد من التأسي والمتابعة المطلقة وهذا ليس بمطلق، بل الكل جملة واحدة مفيدة لشئ معين. وأما ما ذكروه على الاجماع، فهو خلاف المشهور المأثور عنهم عند اتفاقهم بعد اختلافهم في التمسك بأفعال النبي، عليه السلام، والرجوع إليها وسؤال زوجاته، والبحث عن أفعاله في ذلك، وسكون أنفسهم إليها، والاعتماد عليها، واحتجاج بعضهم على بعض بها. ولو كان ثم دليل يدل على المتابعة والتأسي غير النظر إلى أفعاله، لبادروا إليه من غير توقف على البحث عن فعله، عليه السلام، وعلى ما ذكرناه في فعله، يكون الحكم في تركه. المسألة الثالثة إذا فعل واحد بين يدى النبي عليه السلام فعلا أو في عصره، وهو عالم به قادر على إنكاره، فسكت عنه وقرره عليه من غير نكير عليه، فلا يخلو إما أن يكون النبي عليه السلام، قد عرف قبح ذلك الفعل وتحريمه من قبل، أو لم يكن كذلك. فإن كان الاول، فإما أن يكون قد علم إصرار ذلك الفاعل على فعله، وعلم من النبي، عليه السلام، الاصرار على قبح ذلك الفعل وتحريمه، كاختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم، أو لم يكن كذلك. فإن كان الاول، فالسكوت عنه لا يدل على جوازه وإباحته إجماعا، ولا يوهم كونه منسوخا. وإن كان الثاني، فالسكوت عنه وتقريره له من غير إنكار يدل على نسخه

[ 189 ]

عن ذلك الشخص. وإلا لما ساغ السكوت حتى لا يتوهم أنه منسوخ عنه، فيقع في المحذور، وفيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز بالاجماع، إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق. وأما، إن لم يكن النبي عليه السلام قد سبق منه النهي عن ذلك الفعل، ولا عرف تحريمه، فسكوته عن فاعله وتقريره له عليه ولا سيما إن وجد منه استبشار وثناء على الفاعل، فإنه يدل على جوازه ورفع الحرج عنه، وذلك لانه لو لم يكن فعلا جائزا لكان تقريره له عليه، مع القدرة على إنكاره، وكان استبشاره وثناؤه عليه حراما على النبي عليه السلام. وهو وإن كان من الصغائر الجائزة على النبي، عليه السلام، عند قوم، إلا أنه في غاية البعد، لا سيما فيما يتعلق ببيان الاحكام الشرعية. وإذا كان كذلك، فالانكار هو الغالب. فحيث لم يوجد ذلك منه دل على الجواز غالبا. فإن قيل: يحتمل أنه لم ينكر عليه: إما لعلمه بأنه لم يبلغه التحريم، فلم يكن الفعل عليه حراما إذ ذاك، أو لانه علم بلوغ التحريم إليه، ولم ينجع فيه وأصر على ما هو عليه، أو لانه منعه مانع من الانكار. قلنا: عدم بلوغ التحريم إليه غير مانع من الانكار والاعلام بأذلك الفعل حرام بل الاعلام بالتحريم واجب، حتى لا يعود إليه ثانيا، وإلا كان السكوت مما يوهم: إما عدم دخوله في عموم التحريم، أو النسخ. وأما، إذا علم ذلك الشخص التحريم، وأصر على فعله مع كونه مسلما متبعا للنبي عليه السلام، فلا بد من تجديد الانكار، حتى لا يتوهم نسخه. ولا يلزم على هذا تجديد الانكار على اختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم، إذ هم غير متبعين له، ولا يعتقدون تحريم ذلك، حتى يقال: يتوهم نسخ ذلك بسكوت النبي، عليه السلام، عن الانكار عليهم. وما ذكروه من احتمال المانع، وإن كان قائما عقلا، غير أن الاصل عدمه، وهو في غاية البعد، ولا سيما بعد ظهور شوكته واستيلائه وقهره لمن سواه.

[ 190 ]

المسألة الرابعة لا يتصور التعارض بين أفعال رسول الله، بحيث يكون البعض منها ناسخا للآخر، أو مخصصا له، وذلك لانهما إما من قبيل المتماثلين، كفعل صلاة الظهر مثلا في وقتين متماثلين أو في وقتين مختلفين، وإما من قبيل المختلفين. والفعلان المختلفان إما أن يتصور اجتماعهما، كالصوم والصلاة، أو لا يتصور اجتماعهما. وما لا يتصور اجتماعهما: إما أن لا تتناقض أحكامهما، كصلاة الظهر والعصر مثلا، أو تتناقض، كما لو صام في وقت معين، وأكل في مثل ذلك الوقت. فإن كان من القسم الاول، أو الثاني، أو الثالث، فلا خفاء بعدم التعارض بينهما، لامكان الجمع. وإن كان من القسم الرابع، فلا تعارض أيضا، إذ أمكن أن يكون الفعل في وقت واجبا أو مندوبا أو جائزا، وفي وقت آخر بخلافه، ولا يكون أحدهما رافعا، ولا مبطلا لحكم الآخر، إذا لا عموم للفعلين، ولا لاحدهما. نعم إن دل الدليل على أن ما فعله النبي عليه السلام، من الصوم، كان يجب تكريره عليه في مثل الوقت أو دل الدليل على لزوم وجوب تأسي أمته به في ذلك الوقت. فإذا ترك ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت بالتلبس بضده، كالاكل مع الذكر للصوم والقدرة عليه، فإن أكله يدل على نسخ حكم ذلك الدليل الدال على تكرار الصوم في حقه، لا نسخ حكم ذلك الصوم المتقدم لعدم اقتضائه للتكرار، ورفع حكم وجد محال، أو أنه رأى بعض الامة فمثل ذلك الوقت يأكل، فأقره عليه، ولم ينكر مع الذكر للصوم والقدرة على الانكار، فإن ذلك يدل على نسخ حكم ذلك الدليل المقتضي لتعميم الصوم على الامة في حق ذلك الشخص أو تخصيصه، لا نسخ حكم فعل الرسول ولا تخصيصه. وإن قيل النسخ فعل الرسول وتخصيصه، فلا يكون إلا بمعنى أنه قد زال التعبد بمثله عن الرسول، أو الواحد من الامة، وذلك من باب التجوز والتوسع لا أنه حقيقة.

[ 191 ]

المسألة الخامسة إذا تعارض فعل النبي وقوله، فإما أن يكون فعله لم يدل الدليل على تكرره في حقه، ولا على تأسي الامة به فيه، أو دل. فإن كان الاول، فقوله إما أن يكون خاصا به، أو بنا، أو هو عام له ولنا. فإن كان خاصا به، فإما أن يعلم تقدم أحدهما، أو يجهل التاريخ فإن علم تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، فإما أن يكون المتقدم هو الفعل، أو القول. فإن كان المتقدم هو الفعل مثل أن يفعل فعلا في وقت ويقول بعده، إما على الفور أو التراخي: لا يجوز لي مثل هذا الفعل في مثل هذا الوقت، فلا تعارض بينهما، لان القول لم يرفع حكم ما تقدم من الفعل في الماضي ولا في المستقبل. لان الفعل غير مقتض للتكرار على ما وقع به الغرض، وقد أمكن الجمع بين حكم القول والفعل، وأن كان المتقدم هو القول مثل أن يقول: الفعل الفلاني واجب علي في الوقت الفلاني، ثم يتلبس بضده في ذلك الوقت. فمن جوز نسخ الحكم قبل االتمكن من الامتثال، قال: إن الفعل ناسخ لحكم القول. ومن لم يجوز ذلك، منع كون الفعل رافعا لحكم القول، وقال: لا يتصور وجود مثل ذلك الفعل مع العمد، إن لم نجوز على النبي، عليه السلام. وإلا فهو معصية. وأما إن كان قوله خاصا بنا، فلا تعارض أيضا لعدم اجتماعهما في محل واحد من جهة واحدة. وأما إن كان قوله عاما لنا وله، فإن كان الفعل متقدما، فلا معارضة أيضا بين قوله وفعله. أما بالنسبة إليه، عليه السلام فلما تقدم فيما إذا كان قوله خاصا به، وأما إلينا فلان فعله غير متعلق بنا على ما وقع به الغرض. وإن كان القول هو المتقدم، فالحكم في التعارض بين قوله وفعله بالنسبة إليه، كما تقدم أيضا فيما إذا كان قوله خاصا به، ولا معارضة بالنسبة إلينا، لعدم توارد قوله وفعله علينا على ما وقع به الغرض. هذا كله فيما إذا لم يدل الدليل على تكرر ذلك الفعل في حقه، ولا تأسي الامة به. وأما إن دل الدليل على تكرره في حقه، وعلى تأسي الامة به، أو على تكرره في حقه، دون تأسي الامة به أو على تأسي الامة به، دون تكرره في حقه. فالحكم مختلف في هذه الصور.

[ 192 ]

فإن دل الدليل على تكرره في حقه، وعلى تأسي الامة به، فلا يخلو قوله، إما أن يكون خاصا به، أو بنا، أو هو عام له ولنا: فإن كان قوله خاصا به، فإما أن يعلم تقدم الفعل أو القول أو يجهل التاريخ: فإن علم تقدم، فالقول المتأخر يكون ناسخا لحكم الفعل في حقه في المستقبل، دون أمته لعدم تناول القول لهم. وإن كان القول هو المتقدم، ففعله يكون ناسخا لحكم القول في حقه، أن كان بعد التمكن من الامتثال أو قبله، على رأي من يجوزه، وموجبا للفعل على أمته. وأما إن جهل التاريخ، فلا معارضة بين فعله وقوله بالنسبة إلى الامة لعدم تناول قوله لهم. وأما بالنسبة إليه، فقد اختلف فيه: فمنهم من قال بوجوب العمل بالقول، ومنهم من قال بالعكس، ومنهم من أوجب المعارضة والوقف إلى حين قيام دليل التاريخ. والمختار إنما هو العمل بالقول لوجوه أربعة: الاول: أن القول يدل بنفسه من غير واسطة. والفعل إنما يدل على الجواز بواسطة أن النبي عليه السلام لا يفعل المحرم، وذلك مما يتوقف على الدلائل الغامضة البعيدة. الثاني: أن القول مما يمكن التعبير به عما ليس بمحسوس، كالمعقولات الصرفة، وعن المحسوس، والفعل لا ينبئ عن غير محسوس، فكانت دلالة القول أقوى وأتم. الثالث: أن القول قابل للتأكيد بقول آخر، ولا كذلك الفعل. القول. فكان القول لذلك أولى. الرابع: أن العمل بالقول ههنا مما يفضي إلى نسخ مقتضى الفعل في حق النبي عليه السلام دون الامة. والعمل بالفعل يفضي إلى إبطال مقتضى القول بالكلية، فكان الجمع بينهما، ولو من وجه، أولى. فإن قيل: بل الفعل آكد في الدلالة، فإنه يبين به القول، والمبين للشئ آكد في الدلالة من ذلك الشئ. وبيانه أن جبريل عليه السلام، بين للنبي عيله السلام كيفية الصلاة المأمور بها، وبين مواقيتها حيث صلى به في اليومين، وقال: يا محمد، الوقت ما بين هذين والنبي، عليه السلام، بين الصلاة للامة بفعله، حيث قال: صلوا كما رأيتموني أصلي وبين المراد من قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (3) آل عمران: 97) بفعله حيث قال: خذوا عني مناسككم وقال للذي سأله عن مواقيت الصلاة: صل معنا وبين الشهر بأصابعه حيث قال: إنما الشهر هكذا وهكذا

[ 193 ]

وأيضا فإن كل من رام تعليم غيره، إذا أراد المبالغة في إيصال معنى ما يقوله إلى فهمه، استعان في ذلك بالاشارة بيده، والتخطيط وتشكيل الاشكال، ولولا أن الفعل أدل لما كان كذلك. قلنا: غاية ما ذكرتموه وجود البيان بالفعل، وكما وجد البيان بالفعل، فقد وجد بالقول أغلب من البيان بالفعل. فإن أكثر الاحكام مستندها إنما هو الاقوال دون الافعال، وغايته أنهما يتساويان في ذلك ويبقى ما ذكرناه من الترجيحات الاولى بحالها. هذا كله إذا كان قوله خاصا به. وأما إن كان قوله خاصا بنا دونه، فإما أن يعلم تقدم الفعل أو القول، أو يجهل التاريخ. فإن علم تقدم الفعل، فالقول المتأخر يكون ناسخا للحكم في حقنا دونه، وإن كان القول هو المتقدم فالحكم في كون الفعل ناسخا لحكم القول في حقنا دون النبي فكما ذكرناه فيما إذا كان القول خاصا به. وأما إن جهل التاريخ فالخلاف كالخلاف فيما إذا كان القول خاصا به، والمختار إنما هو العمل بالقول لما علم. وأما إن كان القول عاما له ولنا، فأيهما تأخر كان ناسخا لحكم المتقدم في حقه وحقنا على ما ذكرناه من التفصيل في التعقيب والتراخي. وإن جهل التاريخ، فالخلاف كالخلاف. والمختار كالمختار. هذا كله فيما إذا دل الدليل على تكرر الفعل في حقه وعلى تأسي الامة به. وأما إن دل الدليل على تكرره في حقه دون تأسي الامة به، فالقول إن كان خاصا بالامة، فلا تعارض لعدم المزاحمة، بينهما. وإن كان خاصا بالنبي، أو هو عام له، وللامة، فالتعارض بين القول والفعل إنما يتحقق بالنسبة إليه، دون أمته، لعدم قيام الدليل على تأسي الامة به في فعله، ولا يخفى الحكم، سواء تقدم الفعل أو تأخر، أو جهل التاريخ.

[ 194 ]

وأما إن دل الدليل على تأسي الامة به في فعله، دون تكرره في حقه. فالقول إن كان خاصا به، فإن كان متأخرا عن الفعل فلا معارضة لا في حقه، ولا في حق أمته، وإن كان متقدما فالفعل المتأخر عنه يكون ناسخا لحكم القول في حقه على ما ذكرناه من التفصيل، دون أمته. وإن جهل التاريخ، فالخلاف على ما تقدم. وإن كان القول خاصا بأمته، فلا معارضة بين القول والفعل بالنسبة إلى النبي عليه السلام لعدم المزاحمة. وأما إن تحققت المعارضة بين القول والفعل بالنسبة إلى الامة، فأيهما كان متأخرا، فهو الناسخ، وإن جهل التاريخ، فالخلاف على ما سبق وكذلك المختار. وإن كان القول عاما له ولامته، فإن تقدم الفعل، فالقول المتأخر لا معارضة بينه وبين الفعل في حق النبي عليه السلام. وإنما هو ناسخ لحكم الفعل في حق الامة. وإن تقدم القول فالفعل ناسخ لحكم القول في حق النبي والامة. وإن جهل التاريخ، فالخلاف كالخلاف، والمختار كالمختار. والله أعلم.

[ 195 ]

الاصل الثالث في الاجماع ويشتمل على مقدمة، ومسائل. أما المقدمة: ففي تعريف الاجماع. وهو في اللغة باعتبارين: أحدهما العزم على الشئ والتصميم عليه، ومنه يقال: أجمع فلان على كذا، إذا عزم عليه، وإليه الاشارة بقوله تعالى: * (فأجمعوا أمركم) * (10) يونس: 71) أي اعزموا، وبقوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل أي يعزم. وعلى هذا فيصح إطلاق اسم الاجماع على عزم الواحد. الثاني: الاتفاق، ومنه يقال: أجمع القوم على كذا، إذا اتفقوا عليه. وعلى هذا، فاتفاق كل طائفة على أمر من الامور، دينيا كان أو دنيويا، يسمى إجماعا حتى اتفاق اليهود والنصارى. وأما في اصطلاح الاصوليين، فقد قال النظام: هو كل قول قامت حجته، حتى قول الواحد. وقصد بذلك الجمع بين إنكاره كون إجماع أهل الحل والعقد حجة، وبين موافقته لما اشتهر بين العلماء من تحريم مخالفة الاجماع، والنزاع معه في إطلاق اسم الاجماع على ذلك، مع كونه مخالفا للوضع اللغوي، والعرف الاصولي آيل إلى اللفظ. وقال الغزالي: الاجماع عبارة عن اتفاق أمة محمد خاصة على أمر من الامور الدينية. وهو مدخول من ثلاثة أوجه: الاول: أن ما ذكره يشعر بعدم انعقاد الاجماع إلى يوم القيامة. فإن أمة محمد جملة من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن وجد في بعض الاعصار منهم إنما يعم بعض الامة لا كلها، وليس ذلك مذهبا له ولا لمن اعترف بوجود الاجماع. الثاني أنه، وإن صدق على الموجودين منهم في بعض الاعصار أنهم أمة محمد، غير أنه يلزم مما ذكره أنه لو خلا عصر من الاعصار عن أهل الحل والعقد، وكان كل من فيه عاميا واتفقوا على أمر ديني أن يكون إجماعا شرعيا. وليس كذلك.

[ 196 ]

الثالث: أنه يلزم من تقييده للاجماع بالاتفاق على أمر من الامور الدينية أن لا يكون إجماع الامة على قضية عقلية أو عرفية حجة شرعية. وليس كذلك، لما يأتي بيانه. والحق في ذلك أن يقال: الاجماع عبارة عن اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد في عصر من الاعصار على حكم واقعة من الوقائع. هذا إن قلنا إن العامي لا يعتبر في الاجماع. وإلا فالواجب أن يقال: الاجماع عبارة عن اتفاق المكلفين من أمة محمد إلى آخر الحد المذكور. فقولنا: (اتفاق) يعم الاقوال والافعال، والسكوت والتقرير. وقولنا: (جملة أهل الحل والعقد) احتراز عن اتفاق بعضهم وعن اتفاق العامة. وقولنا: (من أمة محمد) احتراز عن اتفاق أهل الحل والعقد من أرباب الشرائع السالفة. وقولنا في: (عصر من الاعصار) حتى يندرج فيه إجماع أهل كل عصر. وإلا أوهم ذلك أن الاجماع لا يتم إلا باتفاق أهل الحل والعقد في جميع الاعصار إلى يوم القيامة. وقولنا: (على حكم واقعة) ليعم الاثبات والنفي، والاحكام العقلية والشرعية. وإذا عرف معنى الاجماع، فلنرجع إلى المسائل المتعلقة به. المسألة الاولى اختلفوا في تصور اتفاق أهل الحل والعقد على حكم واحد غير معلوم بالضرورة: فأثبته الاكثرون، ونفاه الاقلون، مصيرا منهم إلى أن اتفاقهم على ذلك الحكم إما أن يكون عن دليل قاطع لا يحتمل التأويل، أو عن دليل ظني. لا جائز أن يقال بالاول، وإلا لكانت العادة محيلة لعدم نقله وتواطي الجمع الكثير على إخفائه، فحيث لم ينقل، دل على عدمه. كيف وأنه لو نقل لكان كافيا في الدلالة عن إجماعهم، ولا جائز أن يقال بالثاني، لانهم مع كثرتهم واختلاف أذهانهم ودواعيهم في الاعتراف بالحق والعناد، فالعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الحكم الواحد، كما أنها تحيل اتفاقهم على أكل

[ 197 ]

طعام واحد معين في يوم واحد، وهو باطل، فأنه إن كان إجماعهم عن دليل قاطع فإنما يمتنع عدم نقله، أن لو دعت الحاجة إليه، وإنما تدعو الحاجة إليه أن لو لم يكن الاجماع على ذلك الحكم كافيا عنه. وهو محل النزاع وإن كان ذلك عن دليل ظني فلا يمتنع معه اتفاق الجمع الكبير على حكمه بدليل اتفاق أهل الشبه على أحكامها مع الادلة القاطعة على مناقضتها، كاتفاق اليهود والنصارى على إنكار بعثة محمد، صلى الله عليه وسلم، واتفاق الفلاسفة على قدم العالم، والمجوس على التثنية مع كثرة عددهم كثرة لا تحصى فالاتفاق على الدليل الظنى الخالي عن معارضة القاطع له، أولى أن لا يمتنع عادة، وخرج عليه امتناع اتفاق الجمع الكثير على أكل طعام معين في وقت واحد في العادة لعدم الصارف إليه كيف وأن جميع ما ذكروه منتقض بما وجد من اتفاق جميع المسلمين، فضلا عن اتفاق أهل الحل والعقد، مع خروج عددهم عن الحصر، على وجوب الصلوات الخمس وصوم رمضان ووجوب الزكاة والحج، وغير ذلك من الاحكام التى لم يكن طريق العلم بها الضرورة والوقوع دليل التصور وزيادة.

[ 198 ]

المسألة الثانية المتفقون على تصور انعقاد الاجماع اختلفوا في إمكان معرفته والاطلاع عليه: فأثبته الاكثرون أيضا، ونفاه الاقلون، ومنهم أحمد بن حنبل في أحدى الروايتين عنه. ولهذا نقل عنه أنه قال: من ادعى وجود الاجماع فهو كاذب، اعتمادا منهم على أن معرفة اتفاقهم على اعتقاد الحكم الواحد متوقف على سماع الاخبار بذلك من كل واحد من أهل الحل والعقد، أو مشاهدة فعل أو ترك منه يدل عليه. وذلك كله يتوقف على معرفة كل واحد منهم، وذلك، مع كثرتهم وتفرقهم في البلاد النائية والاماكن البعيدة، متعذر عادة. وبتقدير المعرفة بكل واحد منهم فمعرفة معتقده إنما تكون بالوصول إليه والاجتماع به، وهو أيضا متعذر. وبتقدير الاجتماع به، وسماع قوله، ورؤية فعله أو تركه قد لا يفيد ذلك اليقين بأنه معتقده، لجواز أن يكون إخباره وما يشاهد من فعله أو تركه على خلاف معتقده لغرض من الاغراض. وبتقدير حصول العلم بمعتقده، فلعله يرجع عنه قبل الوصول إلى الباقين وحصول العلم بمعتقدهم، ومع الاختلاف فلا إجماع. وطريق الرد عليهم أن يقال: جميع ما ذكرتموه باطل بالواقع ودليل الوقوع ما علمناه علما لا مراء فيه من أن مذهب جميع الشافعية امتناع قتل المسلم بالذمي، وبطلان النكاح بلا ولي، وأن مذهب جميع الحنفية نقيض ذلك مع وجود جميع ما ذكروه من التشكيكات والوقوع في هذه الصور دليل الجواز العادي وزيادة.

[ 199 ]

فإن قيل إنما علمنا أن مذهب أصحاب الشافعي وأبي حنيفة ذلك لانا علمنا قول الشافعي وقول أبي حنيفة في ذلك وهو قول واحد يمكن الاطلاع عليه. فعلمنا أن مذهب كل من يتبعه وهو مقلد له ذلك، ولا كذلك في الاجماع لانه لم يظهر لنا نص عن الله والرسول يكون مستند إجماعهم. ولو عرف ذلك لكان هو الحجة. قلنا: هذا، وإن استمر لكم هاهنا فلا يستمر فيما نقله قطعا من اعتقاد النصارى واليهود من إنكار بعثة النبي عليه السلام. فإن ذلك لم يظهر لنا فيه أنه قول موسى، ولا عيسى، ولا قول واحد معين، حتى يكون اعتقادهم ذلك لاتباعهم له. فما هو الجواب هاهنا، فهو الجواب في محل النزاع.

[ 200 ]

المسألة الثالثة اتفق أكثر المسلمين على أن الاجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم، خلافا للشيعة والخوارج والنظام من المعتزلة. وقد احتج أهل الحق في ذلك بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فخمس آيات: الآية الاولى، وهي أقواها، وبها تمسك الشافعي، رضي الله عنه، وهي قوله تعالى: * (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) * (4) النساء: 115) ووجه الاحتجاج بالآية أنه تعالى توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، ولو لم يكن ذلك محرما، لما توعد عليه، ولما حسن الجمع بينه، وبين المحرم من مشاقة الرسول، عليه السلام، في التوعد، كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر واكل الخبز المباح. فإن قيل لا نسلم أن من للعموم، على ما سيأتي في مسائل العموم، حتى يتناول كل من اتبع غير سبيل المؤمنين. سلمنا أنها للعموم، غير أن التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين إنما وقع مشروطا بمشاقة الرسول، والمشروط على العدم عند عدم الشرط سلمنا لحوق الذم باتباع غير سبيل المؤمنين على انفراده، لكنه متردد بين أن يراد به عدم متابعة سبيل المؤمنين، وتكون (غير) بمعنى إلا، وبين أن يراد به متابعة سبيل غير المؤمنين، وتكون (غير) هنها صفة لسبيل غير المؤمنين. وليس أحد الامرين أولى من الآخر، وبتقدير أن تكون (غير) صفة لسبيل غير المؤمنين، فسبيل غير المؤمنين هو الكفر. ونحن نسلم أن من شاقق الرسول وكفر، فإنه يكون متوعدا بالعقاب، وذلك لا يدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين. سلمنا أن سبيل غير المؤمنين ليس هو الكفر، ولكن ذلك لا يدل على التوعد على عدم اتباع سبيل المؤمنين، بل غاية ما يلزم من تخصيص اتباع سبيل غير المؤمنين بالتوعد عدم التوعد على اتباع سبيل المؤمنين بمفهومه. ولا نسلم أن

[ 201 ]

المفهوم حجة. وإن سلمنا أنه حجة، لكن في عدم التوعد على متابعة سبيل المؤمنين. ونحن نقول به. ولا يلزم من ذلك وجوب اتباعهم. سلمنا أن المراد به عدم اتباع سبيل المؤمنين، لكنه يتناول سبيل جميع المؤمنين، وجميع المؤمنين، كل من آمن بالله ورسوله إلى يوالقيامة. وذلك لا يدل على أن ما وجد من الاجماع في بعض الاعصار حجة. سلمنا أن المراد منه سبيل المؤمنين في كل عصر، لكنه عام في كل مؤمن عالم وجاهل. والجهال غير داخلين في الاجماع المتبع. وما دون ذلك، فالآية غير دالة عليه. سلمنا أن المراد بالمؤمنين أهل الحل والعقد في أي عصر اتفق، لكن لفظ (السبيل) مفرد لا عموم فيه، فلا يقتضي اتباع كل سبيل سلمنا عمومه، لكنه مما يمتنع حمله على متابعة كل سبيل، وإلا لوجب متابعة أهل الاجماع فيما فعلوه من المباحات، لانهم فعلوه، ولا يجب لحكمهم عليه بالاباحة. ولوجب اتباعهم في إجماعهم قبل الاتفاق على حكم من الاحكام على جواز الاجتهاد فيه لكل أحد واتباعهم في امتناع الاجتهاد فيه بعد اتفاقهم عليه. وذلك تناقض محض. وعند ذلك، فيحتمل أنه أراد به متابعة سبيلهم في متابعتهم للنبي عليه السلام، وترك مشاقته. ويحتمل أنه أراد به اتباع سبيلهم في الايمان واعتقاد دين الاسلام ويحتمل أنه أراد اتباع سبيلهم في الاجتهاد دون التقليد. ونحن نقول بذلك كله. كيف ويجب الحمل على ذلك، لما فيه من العمل باللفظ في زمن النبي، وفيما بعده. ولو كان محمولا على متابعتهم فيما اتفقوا عليه من الاحكام الشرعية، لكان ذلك خاصا بما بعد وفاة النبي عليه السلام، لاستحالة الاحتجاج بالاجماع في زمانه

[ 202 ]

سلمنا أن المراد به متابعتهم فيما أجمعوا عليه من الاحكام الشرعية لكنه مشروط بسابقة تبين الهدى، بدليل قوله تعالى: * (من بعد ما تبين له الهدي) * والهدى مذكور بالالف واللام المستغرقة، فيدخل فيه كل هدى، حتى إجماعهم على الحكم الشرعي، وإنما يتبين الهدى بدليله، وإذا كان الاجماع من جملة الهدى، فلا بد من تقدم بيانه بدليله. ودليل كون الاجماع هدى لا يكون هو نفس الاجماع بل هو غيره. وعند ذلك فظهور ذلك الدليل كاف في اتباعه عن اتباع الاجماع. سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين مطلقا، لكن المراد بالمؤمنين الائمة المعصومون، لان سبيلهم لا يكون إلا حقا، أو المؤمنين إذا كان فيهم الامام المعصوم، لان سبيلهم سبيله، وسبيل المعصوم لا يكون إلا حقا. فكان واجب الاتباع. والثاني ممنوع. سلمنا وجوب إتباع سبيل المؤمنين، وإن لم يكن فيهم الامام المعصوم، ولكن إذا علم كونهم مؤمنين، والايمان هو التصديق، وهو باطن لا سبيل إلى معرفته. وإذا لم يعلم كونهم مؤمنين، فالاتباع لا يكون واجبا لفوات شرطه. سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون الاجماع حجة، ولكنه معارض بالكتاب والسنة والمعقول. أما الكتاب، فقوله تعالى: * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وذلك يدل على عدم الحاجة إلى الاجماع،. وقوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (4) النساء: 59) اقتصر على الكتاب والسنة. وذلك يدل على عدم الحاجة إلى الاجماع. وقوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (2) البقرة: 188) وقوله: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (2) البقرة: 169) نهى كل الامة عن هاتين المعصيتين، وذلك يدل على تصورهما منهم، ومن تتصور منه المعصية لا يكون قوله ولا فعله موجبا للقطع. وأما السنة، فهو أن النبي عليه السلام أقر معاذا لما سأله عن الادلة المعمول بها، على إهماله لذكر الاجماع، ولو كان الاجماع دليلا، لما ساغ ذلك مع الحاجة إليه. وأيضا فإنه قد ورد عن النبي عليه السلام ما يدل على جواز خلو العصر عمن تقوم الحجة بقوله. عليه السلام: بدئ الاسلام غريبا، وسيعود كما بدأ

[ 203 ]

وأيضا قوله: لا ترجعوا بعدي كفارا نهى الكل عن الكفر، وهو دليل جواز وقوعه منهم. وقوله: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن بقبض العلماء حتى إذا يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وقوله: تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى وقوله عليه السلام: لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة وقوله: خير القرون القرن الذي أنا فيه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم تبقى حثالة كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم. وأما المعقول فما ذكرناه في المسألتين الاوليين. وأيضا فإن أمة محمد أمة من الامم، فلا يكون إجماعهم حجة كغيرهم من الامم. وأيضا فإن الاحكام الشرعية لا يصح إثباتها إلا بدليل، فلا يكون إجماع الامة دليلا عليها، كالتوحيد وسائر المسائل العقلية. والجواب: قولهم لا نسلم أن (من) للعموم سيأتي بيان ذلك في مسائل العموم. قولهم إن التوعد إنما وقع على الجبين المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين، فقد أجاب عنه بعض أصحابنا بأن التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، إن لم يكن مشروطا بمشاقة الرسول، فهو المطلوب، وإن كان مشروطا به، فيكون اتباع غير سبيل المؤمنين غير متوعد عليه عند عدم المشاقة مطلقا، وذلك باطل، لان مخالفة الاجماع، وإن لم تكن خطأ لكن لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا، وما لا يكون صوابا مطلقا لا يكون جائزا مطلقا، وليس بحق لانه إذا سلم أن مخالفة الاجماع عند عدم المشاقة ليست خطأ، فقوله لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا. قلنا: إن لم تكن صوابا، فإما أن يكون عدم الصواب خطأ، أو لا يكون خطأ: فإن كان الاول، فقد ناقض، وإن كان الثاني. فما لا يكون خطأ لا يلزم التوعد عليه وقال أبو الحسين البصري: هذا يقتضي أن من شاق الرسول يجب عليه اتباع سبيل المؤمنين مع مشاقته للرسول، ومشاقة الرسول ليست معصية فقط، وإنما هي

[ 204 ]

معصية على سبيل الرد عليه، لان من صدق النبي عليه السلام، وفعل بعض المعاصي، لا يقال إنه مشاق للرسول. ومن كذب النبي عليه السلام لا يصح أن يعلم صحة الاجماع بالسمع، ومن لا يصح عليه ذلك لا يصح أن يكون مأمورا باتباعه في تلك الحال، وهو غير سديد. فإن لقائل أن يقول: وإن سلمنا أن المفهوم من المشاقة للنبي تكذيبه، وأن من كذب النبي لا يعلم بالسمع صحة الاجماع، ولكن القول بأنه لا يكون مأمورا باتباع الاجماع مبني على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الاسلام، وهو باطل بما سبق تقريره. وقيل في جوابه أيضا إن الوعيد إذا علق على أمرين اقتضى ذلك التوعد بكل واحد من الامرين جملة وإفرادا. ويدل عليه قوله تعالى: * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون. ومن يفعل ذلك يلق أثآما) * (25) الفرقان: 68) فإنه يقتضي لحوق المأثم بكل واحد من هذه الامور جملة، وبكل واحد على انفراده. ولقائل أن يقول: لا نسلم ثبوت الاثم في كل واحد من هذه الامور على انفراده بهذه الآية، وإنما كان ذلك مستفادا من الادلة الخاصة الدالة على لزوم المأثم بكل واحد من هذه الامور بخصوصه. ولهذا، فإنه لما لم يدل الدليل الخاص على مضاعفة العذاب بكل واحد من هذ الامور، لم تكن الآية مقتضية لتضاعف العذاب على كل واحد بتقدير الانفراد إجماعا، ولو كانت مقتضية لذلك، لكان نفي المتضاعف بقوله: * (يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهانا) * (25) الفرقان: 69) على خلاف الدليل. ولهذا، فإنه لو قال لزوجته: إن كلمت زيدا وعمرا، أو إن كلمت زيدا، ودخلت الدار، فأنت طالق فإنه لا يقع الطلاق بوجود أحد الامرين، ولولا أن الحكم المعلق على أمرين، على العدم عند عدم أحدهما، لكان انتفاء الحكم في هذه الصورة، على خلاف الدليل، وهو ممتنع، والاقرب في ذلك أن يقال: لا خلاف في التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين

[ 205 ]

عند المشاقة. وعند ذلك إما أن يكون لمفسدة متعلقة، أو لا لمفسدة. لا جائز أن يقال بالثاني، فإن ما لا مفسدة فيه لا توعد عليه من غير خلاف، وإن كان الاول فالمفسدة في اتباع غير سبيل المؤمنين إما أن تكون من جهة مشاقة الرسول أو لا من جهة مشاقته. فإن كان الاول فذكر المشاقة كاف في التوعد كما قيل، ولا حاجة إلى قوله: ويتبع غير سبيل المؤمنين وإن كان الثاني، لزم التوعد لتحقق المفسدة سواء وجدت المشاقة أو لم توجد. قولهم إن (غير) مترددة بين أن تكون بمعنى إلا، أو بمعنى الصفة، قلنا: لا يمكن أن تكون (غير) هاهنا صفة، لانه يلزم من ذلك تحريم متابعة سبيل غير المؤمنين. ويلزم من ذلك أن الامة إذا أجمعت على إباحة فعل من الافعال أن يحرم على المكلف أن يقول بحظره أو وجوبه، والمخالف لا يقول بذلك. وبتقدير أن يكون المراد منه تحريم اتباع سبيل غير المؤمنين، فذلك يعم تحريم كل سبيل هو غير سبيل المؤمنين، لانه سبيل غير المؤمنين. ولهذا فإن من اختار لنفسه حالة، وتمسك بها، وكان معروفا بها، يقال إنها سبيلة، سواء تعددت الاحوال أو اتحدت.

[ 206 ]

وإذا قيل: فلان سلك سبيل التجار، فهم منه أنه يفعل أفعالهم، ويتزي بزيهم، ويتخلق بأخلاقهم، ويجر على عاداتهم. وعلى هذا، فيمتنع تخصيص السبيل المتوعد على اتباعه إذا كان غير سبيل المؤمنين بشئ معين من كفر أو غيره، بل يعم ذلك ما كان مخالفا لطريق الامة وسبيلهم. كيف وإنا لو لم نعتقد ذلك لزم منه أن يكون لفظ (السبيل) مبهما، وهو خلاف الاصل على ما سبق. قولهم إنه إنما يدل على عدم التوعد على متابعة سبيل المؤمنين بمفهومه، قلنا إذا سلم أنه يحرم اتباع كل سبيل سوى سبيل المؤمنين، فلا نريد بكون الاجماع حجة سوى هذا. وقولهم: المراد من (سبيل المؤمنين) كل من آمن به إلى يوم القيامة، لا يصح لوجهين: الاول أن الاصل تنزيل اللفظ على حقيقته. ولفظ (المؤمنين) حقيقة، يكون لمن هو متصف بالايمان، والاتصاف بالايمان مشروط بالوجود والحياة، ومن لا حياة له ممن مات أو لم يوجد بعد، لا يكون مؤمنا حقيقة. فلفظ (المؤمنين) حقيقة إنما يصدق على أهل كل عصر دون من تقدم أو تأخر. وهذا وإن منع من الاحتجاج، بإجماع أهل العصر على من بعدهم، فلا يمنع من الاحتجاج به على من في عصرهم، وهو خلاف مذهب الخصوم. الثاني أن المقصود من الآية إنما هو الزجر عن مخالفة المؤمنين والحث على متابعتهم، وذلك غير متصور عند حمل المؤمنين على كل من آمن إلى يوم القيامة، إذ لا زجر ولا حث في يوم القيامة. قولهم: الآية وإن دلت على وجوب اتباع سبيل المؤمنين في أي عصر كان، غير أنها عامة في العالم، والجاهل، والجاهل غير مراد بالاتفاق. ولا نسلم ذلك

[ 207 ]

على ما يأتي، وإن سلمنا ذلك، غير أن الآية حجة في اتباع جملة المؤمنين، إلا ما خصه الدليل، فتبقى الآية حجة في الباقي. قولهم لفظ (السبيل) مفرد لا عموم فيه، عنه جوابان: الاول أنه يجب اعتقاد عمومه لما سبق تقريره. الثاني أنه إما أن يكون عاما بلفظه، أو لا يكون عاما بلفظه. فإن كان الاول، فهو المطلوب، وإن كان الثاني، فهو إن لم يكن عاما بلفظه، فهو عام بمعناه وإيمائه، ذلك لان اتباع سبيل المؤمنين، أي سبيل كان مناسب، لكونه مصلحيا. وقد رتب الحكم على وفقه في كلام الشارع، فكان علة لوجوب الاتباع مهما تحقق. قولهم: يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الاجماع فيما فعلوه وحكموا بكونه مباحا، وهو تناقض. قلنا: الآية، وإن دلت على وجوب اتباع المؤمنين في كل سبيل لهم، ففعلهم للمباح سبيل، وحكمهم بجواز الترك سبيل. ولا يلزم من مخالفة الآية في إيجاب الفعل اتباعا لفعلهم له مخالفتها في اتباعهم في اعتقاد جواز تركه. قولهم: يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الاجماع في جواز الاجتهاد وتحريمه، قلنا: سنبين أنه مهما انعقد إجماع الامة على حكم أنه يستحيل انعقاد إجماعهم على مخالفته. قولهم: يحتمل أنه أراد متابعتهم في متابعتهم للنبي عليه السلام وترك مشاقته أو اتباعهم في الايمان أو في الاجتهاد،

[ 208 ]

قلنا: اللفظ يعم كل سبيل على ما قررناه. وما ذكروه تخصيص لعموم الاتباع من غير دليل، فلا يقبل قولهم إنه مشروط بسابقة تبين الهدى إلى آخره، فجوابه من ثلاثة أوجه. الاول: أن تبين الهدى إنما هو مشروط في الوعيد على المشاقة، لا في الوعيد على اتباع غير سبيل المؤمنين، وذلك لان المشاقة لا تكون إلا بعد تبين الهدى ومعرفته بدليله، ومن لم يعرف ذلك لا يوصف بالمشاقة. الثاني: أن تبين الاحكام الفروعية ليس شرطا في مشاقة الرسول بدليل أن من تبين صدق النبي، وحاد عنه، ورد عليه، فإنه يوصف بالمشاقة، وإن كان جاهلا بالفروع غير متبين لها. وإذا لم تكن معرفة أحكام الفروع شرطا في المشاقة، فلا تكون مشترطة في لحوق الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين فيها. الثالث: هو أن الآية إنما خرجت مخرج التعظيم والتبجيل للمؤمنين بإلحاق الذم باتباع غير سبيلهم. فلو كان ذلك مشروطا بتبين كونه هدى، ولم يكن اتباعهم في سبيلهم لاجل أنه سبيل لهم، بل لمشاركتهم فيما ذهبوا إليه لتبين كونه هدى، لبطلت فائدة تعظيم الامة الاسلامية وتميزهم بذلك. فإن كل من ظهر الهدى في قوله واعتقاده، فالوعيد حاصل بمخالفته، وإن لم يكن من المسلمين. وذلك كالوعيد على عدم مشاركة اليهود فيما ظهر كون معتقدهم فيه هدى، كإثبات الصانع واعتقاد كون موسى رسولا كريما. قولهم المراد من (المؤمنين) الائمة المعصومون أو من كان فيهم الامام المعصوم، عنه جوابان: الاول أنه مبني على وجود الامام المعصوم، وهو باطل بما حققناه في علم الكلام. الثاني أن الآية عامة، فتخصيصها بالائمة وبالمؤمنين الذين فيهم الامام المعصوم من غير دليل غير مقبول.

[ 209 ]

كيف وأن الاية دالة على الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين وعندهم التوعد إنما هو بسبب اتباع غير سبيل الامام وحده دون غيره، وهو خلاف الظاهر. قولهم سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين، لكن إذا علم أنهم مؤمنون، قلنا: المقصود من الآية إنما هو الحث على متابعة سبيل المؤمنين والزجر عن مخالفته، فإن كان سبيلهم معلوما، فلا إشكال، وإن لم يكن معلوما، فالتكليف باتباع ما لا يكون معلوما إما أن لا يكتفى فيه بالظن، أو يكتفى فيه بالظن. فإن كان الاول، فهو تكليف بما لا يطاق، وهو خلاف الاصل، وإن كان الثاني، فهو المطلوب. وأما ما ذكروه من المعارضة بالآية الاولى، فليس في بيان كون الاجماع حجة متبعة بالآية التي ذكرها ما ينافي كون الكتاب تبيانا لكل شئ، وأصلا له وأما الآية الثانية فهي دليل عليهم لانها دليل على وجوب الرد إلى الله والرسول في كل متنازع فيه، وكون الاجماع حجة متبعة مما وقع النزاع فيه. وقد رددناه إلى الله تعالى، حيث أثبتناه بالقرآن. وهم مخالفون في ذلك. وأما الآية الثالثة والرابعة فلا نسلم أن النهي فيهما راجع إلى اجتماع الامة على ما نهوا عنه، بل هو راجع إلى كل واحد على انفراده، ولا يلزم من جواز المعصية على كل واحد جوازها على الجملة. سلمنا أن النهي لجملة الامة عن الاجتماع على المعصية، ولكن غاية ذلك جواز وقوعها منهم عقلا. ولا يلزم من الجواز الوقوع. ولهذا فإن النبي عليه السلام قد نهي عن أن يكون من الجاهلين بقوله تعالى: * (ولا تكن من الجاهلين) * (6) الانعام: 35) وقال تعالى لنبيه: * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * (39) الزمر: 65) إذ ورد ذلك في معرض النهي مع العلم بكونه معصوما من ذلك.

[ 210 ]

وأيضا فإنا نعلم أن كل أحد منهي عن الزنى وشرب الخمر، وقتل النفس بغير حق، إلى غير ذلك من المعاصي. ومع ذكل فإن من مات، ولم يصدر عنه بعض المعاصي، نعلم أن الله قد علم منه أنه لا يأتي بتلك المعصية، فكان معصوما عنها ضرورة تعلق علم الله بأنه لا يأتي بها، ومع ذلك فهو منهي عنها. وأما خبر معاذ فإنما لم يذكر فيه الاجماع، لانه ليس بحجة في زمن النبي عليه السلام، فلم يكن مؤخرا لبيانه مع الحاجة إليه. وقوله عليه السلام: بدئ الاسلام غريبا وسيعود كما بدأ لا يدل على أنه لا يبقى من تقوم الحجة بقوله بل غايته أن أهل الاسلام هم الاقلون وقوله: لا ترجعوا بعدي كفارا فيحتمل أنه خطاب مع جماعة معينين، وإن كان خطابا مع الكل، فجوابه ما سبق في آيات المناهي للامة. وقوله: حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا الحديث إلى آخره، غايته الدلالة على جواز انقراض العلماء، ونحن لا ننكر امتناع وجود الاجماع مع انقراض العلماء، وإنما الكلام في اجتماع من كان من العلماء. وعلى هذا، يكون الجواب عن باقي الاحاديث الدالة على خلو الزمان من العلماء. كيف وأن ما ذكروه معارض بما يدل على امتناع خلو عصر من الاعصار عمن تقوم الحجة بقوله. وهو قوله عليه السلام: لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله، وحتى يظهر الدجال وأيضا ما روي أنه قال: واشوقاه إلى إخواني قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك ؟ فقال: أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون من بعدي يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد الناس. وما ذكروه من المعقول في المسألتين السابقتين، فقد سبق جوابه.

[ 211 ]

قولهم: إنها أمة من الامم، فلا يكون إجماعهم حجة كغيرهم من الامم، فقد ذهب أبو إسحاق الاسفرايني وغيره من أصحابنا، وجماعة من العلماء إلى أن إجماع علماء من تقدم من الملل أيضا حجة قبل النسخ. وإن سلمنا أنه ليس بحجة فلانه لم يرد في حقهم من الدلالة الدالة على الاحتجاج بإجماعهم ما ورد في علماء هذه الامة، فافترقا، وأما الحجة الاخيرة، فلا نسلم أنه إذا كان الحكم ثبت بالدليل لا يجوز إثباته بالاجماع. وأما التوحيد: فنسلم أن الاجماع فيه ليس بحجة، وإن سلمنا أنه لا يكون حجة فيه، بل في الاحكام الشرعية لا غير، غير أن الفرق بينهما أن التوحيد لا يجوز فيه تقليد العامي للعالم، وإنما يرجع إلى أدلة يشترك فيها الكل، وهي أدلة العقل، بخلاف الاحكام الشرعية، فإنه يجب على العامي الاخذ بقول العالم فيها. وإذا جاز أو وجب الاخذ بقول الواحد، كان الاخذ بقول الجماعة أولى. الآية الثانية قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا) * (2) البقرة: 143) وصف الامة بكونهم وسطا، والوسط هو العدل. ويدل عليه النص واللغة. أما النص فقوله تعالى: * (قال أوسطهم ألم أقل لكم) * (68) القلم: 28) أعدلهم، وقال عليه السلام، خير الامور أوساطها. وأما اللغة فقول الشاعر: هم وسط يرضى الانام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم أي عدول.

[ 212 ]

ووجه الاحتجاج بالآية أنه عدلهم وجعلهم حجة على الناس في قبول أقوالهم، كما جعل الرسول حجة علينا في قبول قوله علينا. ولا معنى لكون الاجماع حجة سوى كون أقوالهم حجة على غيرهم. فإن قيل. إنما وصفهم بالعدالة ليكونوا شهداء في الآخرة على الناس، بتبليغ الانبياء إليهم الرسالة، وذلك يقتضي عدالتهم وقبول شهادتهم في يوم القيامة حالة ما يشهدون دون حالة التحمل في الدنيا. سلمنا أنه وصفهم بذلك في الدنيا. ولكن ليس في قوله: * (لتكونوا شهداء على الناس) * (2) البقرة: 143) لفظ عموم يدل على قبول شهادتهم في كل شئ بل هو مطلق في المشهود به، وهو غير معين، فكانت الآية مجملة، ولا حجة في المجمل، سلمنا أنها ليست مجملة. ولكنا قد عملنا بها في قبول شهادتهم على من بعدهم بإيجاب النبي عليه السلام العبادات عليهم وتكليفهم بما كلفهم به، فلا يبقى حجة في غيره لتوفية العمل، بدلالة الآية. سلمنا قبول شهادتهم في كل شئ غير أن الآية تدل على عدالة كل واحد من الامة وقبول شهادته، وهو مخصص بالاجماع بالفساق والنساء والصبيان والمجانين. والعام بعد التخصيص. لا يبقى حجة على ما سيأتي. لكن ليس في ذلك ما يدل، سلمنا أنها تبقى حجة بعد التخصيص على عدالتهم وعصمتهم عن الخطإ باطنا، بل ظاهرا، فإن ذلك كان في قبول الشهادة. سلمنا أن ذلك يدل على عصمتهم عن الخطإ مطلقا، لكن فيما يشهدون به، لا فيما يحكمون به من الاحكام الشرعية بطريق الاجتهاد. فإن ذلك ليس من باب الشهادة في شئ، وهو محل النزاع. سلمنا قبول قولهم مطلقا، غير أن الخطاب إما أن يكون مع جميع أمة محمد إلى يوم القيامة، وإما مع الموجودين في وقت الخطاب. فإن كان الاول، فلا حجة في إجماع كل عصر، إذ ليسوا كل الامة.

[ 213 ]

وإن كان الثاني، فلا يكون إجماع من بعدهم حجة. وإجماع الموجودين في زمن الوحي ليس بحجة في زمن الوحي بالاجماع، وإنما يكون حجة بعد النبي عليه السلام. وذلك يتوقف على بقاء كل من كان من المخاطبين بذلك في زمن النبي بعد النبي، وأن يعرف مقاله كل واحد فيما ذهب إليه، وهو متعذر جدا. والجواب عن السؤال الاول أن وصف أمة محمد بالعدالة إنما كان في معرض الامتنان والانعام عليهم، وتعظيم شأنهم. وذلك إما أن يكون في الدنيا أو في الاخرى، أو فيهما، لاجائز أن يكون في الاخرى لا غير، لوجهين: الاول أن جميع الامم عدول يوم القيامة، بل معصومون عن الخطإ، لاستحالة ذلك منهم، وفيه إبطال فائدة التخصيص. الثاني لو كان كذلك لقال: سنجعلكم عدولا، لا أن يقول جعلناكم. وإن كان القسم الثاني والثالث، فهو المطلوب. وعن الثاني من وجهين: الاول أنه يجب اعتقاد العموم في قبول الشهادة نفيا للاجمال عن الكلام. الثاني إن الاحتجاج ليس في قوله: * (لتكونوا شهداء على الناس) * (2) البقرة: 143) بل في وصفهم بالعدالة، ومهما كانوا عدولا، وجب قبول قولهم في كل شئ، وبه يخرج الجواب عن السؤال الثالث. وأما الرابع: فجوابه أن الآية تدل على وصف جملة الامة بالعدالة، ومقتضى ذلك عدالتهم فيما يقولونه جملة، وآحادا، غير أنا خالفناه في بعض الآحاد، فتبقى الآية حجة في عدالتهم فيما يقولونه جملة، وهو المطلوب.

[ 214 ]

قولهم العام بعد التخصيص لا يبقى حجة، سنبطله فيما يأتي. وأما السؤال الخامس: فجوابه أن الله تعالى أخبر عنهم بكونهم عدولا، والاصل أن يكون كذلك حقيقة في نفس الامر لكونه عالما بالخفيات، فإن الحكيم إذا علم من حال شخص أنه غير عدل في نفس الامر، لا يخبر عنه بأنه عدل. وجواب السادس أنه إذا ثبت وصفهم بالعدالة في نفس الامر فيما يخبرون به مما يرونه من الاحكام الشرعية، يجب صدقهم فيه، وإلا لما كانوا عدولا في نفس الامر، وإذا كانوا صادقين فيه، فهو صواب، لكونه حسنا فهو حسن عند الله، لقوله عليه السلام: ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله وإذا كان صوابا، كان خلافة خطأ وهو المطلوب. وجواب السابع أنه لا سبيل إلى حمل لفظ الامة على كل من آمن بالرسول إلى يوم القيامة، لما سبق في الآية الاولى ولا على من كان موجودا في زمن النبي عليه السلام لا غير، لان أقوالهم غير محتج بها في زمنه، ولا وجود لهم بعد وفاته، فإن كثيرا منهم مات بعد الخطاب بهذه الآية، قبل وفاة النبي عليه السلام فلا يبقى لقوله تعالى: * (لتكونوا شهداء على الناس) * (2) البقرة: 143) فائدة فيجب حمله على أهل كل عصر، تحقيقا لفائدة كونهم شهداء. الآية الثالثة قوله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر) * (3) آل عمران: 110) والالف واللام إذا دخلت على اسم الجنس عمت، على ما سيأتي، ومقتضى صدق الخبر بذلك أمرهم بكل معروف، ونهيهم عن كل منكر، فإذا أمروا بشئ إما أن يكون معروفا أو منكرا، لا جائز أن يكون منكرا، وإلا لكانوا ناهين عنه ضرورة العمل بالعموم الذي ذكرناه، لا أمرين به، وإن كان

[ 215 ]

معروفا، فخلافه يكون منكرا وهو المطلوب، وإذا نهوا عن شئ، فإما أن يكون منكرا، أو معروفا لا جائز أن يكون معروفا وإلا لكانوا أمرين به ضرورة ما ذكرناه من العموم، لا ناهين عنه. وإن كان منكرا فخلافه يكون معروفا، وهو المطلوب. فإن قيل: لا نسلم أن الالف واللام الداخلة على اسم الجنس للاستغراق، على ما سيأتي، وعلى هذا، فلا تكون الآية عامة في الامر بكل معروف، ولا النهي عن كل منكر، سلمنا أنها للعموم، لكن قوله (كنتم) يدل على كونهم متصفين بهذه الصفة في الماضي، ولا يلزم من ذلك اتصافهم بذلك في الحال، بل ربما دل على عدم اتصافهم بذلك في الحال، نظرا إلى قاعدة المفهوم. وعلى هذا فما وجد من أمرهم ونهيهم، لا نعلم أنه كان قبل نزول الآية، فيكون حجة، أو بعدها، فلا يكون حجة. سلمنا اتصافهم بذلك في الماضي والحال، ولكن ليس فيه ما يدل على استدامتهم لذلك في المستقبل، وعلى هذا، فما وجد من أمرهم ونهيهم مما لا يعلم أنه كان في حالة كونه حجة، أو في غيرها سلمنا دلالة الآية على ذلك في جميع الازمان، لكنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام، ولا يلزم مثله في حق من بعدهم سلمنا أنه خطاب مع الكل، لكن ذلك يستدعي كون كل واحد منهم على هذه الصفة، ونحن نعلم خلاف ذلك ضرورة. وإذا كان المراد بالآية بعض الامة، فذلك البعض غير معين، ولا معلوم، فلا يكون قوله حجة. والجواب عن السؤال الاول ما سيأتي في العمومات، كيف وأن الآية إنما وردت في معرض التعظيم لهذه الامة، وتمييزها على غيرها من الامم، فلو كانت الآية محمولة على البعض دون البعض، لبطلت فائدة التخصيص، فإنه ما من أمة إلا وقد أمرت بالمعروف، كاتباع أنبيائهم وشرائعهم، ونهت عن المنكر كنهيهم عن الالحاد، وتكذيب أنبيائهم. وعن الثاني: إنه إما أن تكون (كان) هاهنا زائدة، أو تامة، أو زمانية.

[ 216 ]

فإن كانت زائدة كما في قول الفرزدق: فكيف إذا مررت بدار قوم وجيران لنا كانوا كراما فإنه جعل (كراما) نعتا للجيران وألغى (كان) فهي دالة على اتصافهم بذلك حالا، لا في الماضي، وإن أفادت نصب خير أمة كما في قوله تعالى: * (كيف نكلم من كان في المهد صبيا) * (19) مريم: 29). وإن كانت تامة، وهي التي تكون بمعنى الوقوع والحدوث، ويكتفى فيها باسم واحد لا خبر فيه، كما في قوله تعالى: * (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) * (2) البقرة: 280) معناه حضر أو وقع ذو عسرة، وكقول الشاعر: إذا كان الشتاء فأدفئوني فإن الشيخ يهدمه الشتاء فيكون معنى قوله: * (كنتم خير أمة) * (3) آل عمران: 110) أي وجدتم، ويكون قوله: خير أمة نصبا على الحال، فيكون ذلك دليلا على اتصافهم بذلك في الحال، لا في الماضي. وإن كانت زمانية، وهي الناقصة، التي تحتاج إلى اسم وخبر، فكان، وإن دلت على الماضي، فقوله: * (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) * (3) آل عمران: 110) يقتضي كونهم كذلك في كل حال، لورود ذلك في معرض التعظيم لهذه الامة على ما سبق تقريره في جواب السؤال الذي قبله. وعن الثالث: أن قوله: * (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) * (3) آل عمران: 110) فعل مضارع صالح للحال والاستقبال. ويجب أن يكون حقيقة فيهما على العموم نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ. وعن الرابع: إنه إذا سلم كون الآية حجة في إجماع الصحابة، فهو كاف إذ هو من جملة صور النزاع.

[ 217 ]

وعن الخامس: إن الخطاب إذا كان مع الامة، كان ذلك حجة في ما وجد من أمرهم ونهيهم جملة، وذلك هو المطلوب، وإن لم يكن ذلك حجة في الافراد. الآية الرابعة، قوله تعالى: * (واعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا) * (3) آل عمران: 103) ووجه الاحتجاج بها، أنه تعالى نهى عن التفرق، ومخالفة الاجماع تفرق، فكان منهيا عنه. ولا معنى لكون الاجماع حجة سوى النهي عن مخالفته. فإن قيل: لا نسلم وجود صيغة النهي، وإن سلمناها ولكن لا نسلم أن النهي يدل على التحريم، كما سيأتي تقريره في النواهي، سلمنا دلالة النهي على التحريم، ولكن لا نسلم عموم النهي عن التفرق في كل شئ، بل التفرق في الاعتصام بحبل الله، إذ هو المفهوم من الآية، ولهذا، فإنه لو قال القائل لعبيده: ادخلوا البلد أجمعين،، ولا تتفرقوا فإنه يفهم منه النهي عن التفرق في دخول البلد، وما لم يعلم أن ما أجمع عليه أهل العصر اعتصام بحبل الله، فلا يكون التفرق منهيا عنه. سلمنا أن النهي عام في كل تفرق، ولكنه مخصوص بما قبل الاجماع. فإن كل واحد من المجتهدين مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، وإذا كانت الظنون والآراء مختلفة، كان التفرق مأمورا به لا منهيا عنه. والعام بعد التخصيص لا يبقى حجة على ما سيأتي، سلمنا صحة الاحتجابه، لكنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام، فلا يكون متناولا لمن بعدهم. وإجماع الموجودين في زمن النبي غير محج به في زمانه إجماعا، ولا تحقق لوجودهم بجملتهم بعد وفاته، حتى يكون إجماعهم حجة على ما سبق تقريره. والجواب: عن السؤال الاول والثاني، ما سيأتي في النواهي. وعن الثالث: أن قوله: * (واعتصموا بحبل الله جميعا) * (3) آل عمران: 103) أمر بالاعتصام بحبل الله. وقوله: * (ولا تفرقوا) * (3) آل عمران: 103) نهي عن التفرق في كل شئ، ويجب الحمل عليه، وإلا كان النهي عن التفرق في الاعتصام بحبل الله مفيدا لما أفاده الامر بالاعتصام به، فكان تأكيدا. والاصل في الكلام التأسيس دون التأكيد.

[ 218 ]

وعن الرابع: بيان كون العام حجة بعد التخصيص كما يأتي في العمومات وعلى هذا، فيبقى حجة في امتناع التفرق بعد الاجماع، وفي امتناع مخالفة من وجد، بعد أهل الاجماع لهم، وهو المطلوب. وعن الخامس: بأن الامر والنهي إنما هو مع أهل كل عصر بتقدير وجودهم وفهمهم، على ما سيأتي تقريره في الاوامر. الآية الخامسة، قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم، فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (4) النساء: 59) ووجه الاحتجاج بالآية أنه شرط التنازع في وجوب الرد إلى الكتاب والسنة، والمشروط على العدم، عند عدم الشرط. وذلك يدل على أنه إذا لم يوجد التنازع، فالاتفاق على الحكم كاف عن الكتاب والسنة. ولا معنى لكون الاجماع حجة سوى هذا. فإن قيل: سقوط وجوب الرد إلى الكتاب والسنة عند الاتفاق على الحكم، بناء على الكتاب والسنة، أو من غير بناء عليهما: فإن كان الاول، فالكتاب والسنة كافيان في الحكم، ولا حاجة إلى الاجماع. وإن كان الثاني، ففيه تجويز وقوع الاجماع من غير دليل، وذلك محال مانع من صحة الاجماع. كيف وإنا لا نسلم انتفاء الشرط، فإن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا وجد التنازع ممن تأخر من المجتهدين لاجماع المتقدمين. قلنا: وإن كان الاجماع لا بد له من دليل، فلا نسلم انحصار دليله في الكتاب والسنة، ليصح ما ذكروه لجواز أن يكون مستندهم في ذلك إنما هو القياس والاستنباط على ما يأتي بيانه. وإن سلمنا انحصار دليل الاجماع في الكتاب والسنة، ولكن ليس في ذلك ما يدل على عدم اكتفاء من وجد بعد أهل الاجماع، أو اكتفاء من وجد في عصرهم من المقلدة بإجماعهم عن معرفة الكتاب والسنة. وأما السؤال الثاني، فمشكل جدا. واعلم أن التمسك بهذه الآيات، وإن كانت مفيدة للظن، فغير مفيدة للقطع. ومن زعم أن المسألة قطعية، فاحتجاجه فيها بأمر ظني غير مفيد للمطلوب، وإنما يصح ذلك على رأي من يزعم أنها اجتهادية ظنية. هذا ما يتعلق بالكتاب،

[ 219 ]

وأما السنة، وهي أقرب الطرق في إثبات كون الاجماع حجة قاطعة، فمن ذلك ما روى أجلاء الصحابة، كعمر وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم. بروايات مختلفة الالفاظ متفقة المعنى في الدلالة على عصمة هذه الامة عن الخطإ والضلالة، كقوله عليه السلام: أمتى لا تجتمع على الخطإ أمتي لا تجتمع على الضلالة ولم يكن الله بالذي يجمع أمتي على الضلالة، لم يكن الله ليجمع أمتي على الخطإ، وسألت الله أن لا يجمع أمتي على الضلالة، فأعطانيه وقوله: ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن. يد الله على الجماعة ولا يبالي بشذود من شذ، ومن سره بحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة، فإن دعوتهم لتحيط من ورائهم، وإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يظهر أمر الله، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم خلاف من خالفهم. ومن خرج عن الجماعة وفارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه. ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية. عليكم بالسواد الاعظم وقوله: تفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة قيل: يا رسول الله، ومن تلك الفرقة قال: هي الجماعة إلى غير ذلك من الاحاديث التي لا تحصى كثيرة. ولم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة معمولا بها، لم ينكرها منكر، ولا دفعها دفع.

[ 220 ]

فإن قيل هذه كلها أخبار آحاد تبلغ مبلغ التواتر، ولا تفيد اليقين. وإن سلمنا التواتر، ولكن يحتمل أنه أراد به الخطأ والضلالة عن الامة عصمة جميعهم عن الكفر، لا بتأويل ولا شبهة. ويحتمل أنه أراد بهم عصمتهم عن الخطإ في الشهادة في الآخرة أو فيما يوافق النص المتواتر أو دليل العقل، دون ما يكون بالاجتهاد. سلمنا دلالة هذه الاخبار على عصمتهم عن كل خطإ وضلال، لكن يحتمل أنه أراد بالامة كل من آمن به إلى يوم القيامة، وأهل كل عصر عصر ليسوا كل الامة، فلا يلزم امتناع الخطإ والضلال عليهم. سلمنا انتفاء الخطإ والضلال عن الاجماع في كل واحد من الاعصار، ولكن لم قلتم إنه يكون حجة على المجتهدين وأنه لا تجوز مخالفته، مع أن كل مجتهد في الفرعيات مصيب على ما يأتي تحقيقه. ولا يجب على أحد المصيبين اتباع المصيب الآخر. سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون الاجماع حجة، ولكنه معارض بما يدل على أنه ليس بحجة ودليله ما سبق من الآيات والاخبار والمعقول في الآية الاولى. والجواب: عن السؤال الاول من وجهين: الاول: أن كل واحد من هذ الاخبار، وإن كان خبر واحد يجوز تطرق الكذب إليه، إلا أن كل عاقل يجد من نفسه العلم الضروري من جملتها، قصد رسول الله عليه السلام تعظيم هذه الامة وعصمتها عن الخطإ، كما علم بالضرورة سخاء حاتم، وشجاعة علي، وفقه الشافعي ومالك وأبي حنيفة رضي الله عنهم، وميل رسول الله إلى عائشة دون باقي نسائه بالاخبار التي آحادها آحاد، غير أنها نازلة منزلة التواتر.

[ 221 ]

الوجه الثاني: أن هذه الاحاديث لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة ومن بعدهم متمسكا بها فيما بينهم في إثبات الاجماع من غير خلاف فيها ولا نكير إلى زمان وجود المخالفين: والعادة جارية بإحالة اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير مع تكرر الازمان واختلاف هممهم ودواعيهم ومذاهبهم على الاحتجاج بما لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة. وهو الاجماع المحكوم به على الكتاب والسنة من غير أن ينبه أحد على فساده وإبطاله وإظهار النكير فيه. فإن قيل من المحتمل أن أحدا أنكر هذه الاخبار ولم ينقل إلينا، ومع هذا الاحتمال فلا قطع. قولكم إن الصحابة والتابعين استدلوا بها على الاجماع، لا نسلم ذلك، وما المانع أن يكون استدلالهم على الاجماع لا بهذه الاحاديث، بل بغيرها والاستدلال على صحة الاحاديث بالاجماع. سلمنا استدلالهم بها على ذلك، لكنه دور لما فيه من الاستدلال بالاحاديث على الاجماع والاستدلال على صحة الاحاديث بالاجماع. ثم ما ذكرتموه في الدلالة على صحتها من عدم النكير معارض بما يدل على عدم صحتها. وذلك أنها لو كانت معلومة الصحة مع أن الحاجة داعية إلى معرفتها لبناء هذا الاصل العظيم عليها لاحالة العادة أن لا تعرف الصحابة للتابعين طريق صحتها، قطعا للشك والارتياب. قلنا جواب الاول: أن الاجماع من أعظم أصول الدين فلو وجد فيما يستدل به عليه نكير، لاشتهر ذلك فيما بينهم وعظم الخلاف فيه كاشتهار خلافهم فيما هو دونه من مسائل الفروع، كاختلافهم في دية الجنين. وقوله أنت علي حرام، وحد الشرب ومسائل الجد والاخوة إلى غير ذلك، ولو كان كذلك لكانت العادة تحيل عدم نقله، بل كان نقله أولى من نقل ما خولف فيه من مسائل الفروع، بل أولى من نقل خلاف النظام في ذلك مع خفائه وقلة الاعتبار بقوله. وجواب الثاني: ما ظهر واشتهر من تمسك الصحابة والتابعين والاحتجاج بهذه الاخبار في معرض التهديد لمخالف الجماعة والزجر عن الخروج عنهم ظهورا لا ريب فيه.

[ 222 ]

وجواب الثالث: أن الاستدلال على صحة الاخبار لم يكن بالاجماع، بل بالعادة المحيلة لعدم الانكار على الاستدلال بما لا صحة له فيما همن أعظم أصول الاحكام. والاستدلال بالعادة غير الاستدلال بالاجماع، وذلك كالاستدلال بالعادة على إحالة دعوى وجود معارض للقرآن واندراسه، ووجود دليل يدل على إيجاب صلاة الضحى وصوم شوال ونحوه. وجواب الرابع: أنه يحتمل أن تكون الصحابة قد علمت صحة الاخبار المذكورة وكونها مفيدة للعلم بعصمة الامة، لا بصريح مقال، بل بقرائن أحوال وأمارات دالة على ذلك لا سبيل إلى نقلها، ولو نقلت لتطرق إليها التأويل والاحتمال، واكتفوا بما يعلمه التابعون من أن العادة تحيل الاعتماد على ما لا أصل له فيما هو من أعظم الاصول. قولهم: يحتمل أنه نفى عنهم الضلال والخطأ بمعنى الكفر. قلنا: هذه الاخبار نعلم أنها إنما وردت تعظيما لشأن هذه الامة في معرض الامتنان والانعام عليهم، وفي حملها على نفي الكفر عنهم خاصة إبطال فائدة اختصاصهم بذلك لمشاركة بعض آحاد الناس للامة في ذلك. وإنما يصح ذلك أن لو أراد بها العصمة عما لا يعصم عنه الآحاد من أنواع الخطإ والكذب ونحوه. وما ذكروه من باقي التأويلات فباطل. فإن فائدة هذه الاخبار إنما وردت لايجاب متابعة الامة والحث عليه والزجر عن مخالفته. ولو لم يكن ذلك محمولا على جميع أنواع الخطإ. بل على بعض غير معلوم من ألفاظ الاخبار لامتنع إيجاب متابعتهم فيه، لكنه غير معلوم، ولبطلت فائدة تخصيص الامة بما ظهر منه قصد تعظيمها لمشاركة آحاد الناس لهم في نفي بعض أنواع الخطإ عنهم، على ما سبق تعريفه.

[ 223 ]

وعن السؤال الثالث: ما سبق في المسائل المتقدمة. وعن الرابع: أنه إذا ثبت انتقاء الخطإ عن الاجماع فيما ذهبوا إليه قطعا فمخالفه يكون مخطئا قطعا. والمخطئ. قطعا في أمور الدين إذا كان عالما به لا يخرج عن التبديع والتفسيق. ولا معنى لكون الاجماع حجة على الغير سوى ذلك. كيف وإنه إذا ثبت انتفاء الخطإ عن أهل الاجماع فيما ذهبوا إليه، فقد أجمعوا على وجوب اتباعهم فيما ذهبوا إليه، فكان واجبا، نفيا للخطإ عنهم، وعن المعارضات النقلية ما سبق في أول المسألة. وأما المعقول فهو أن الخلق الكثير، وهم أهل كل عصر إذا اتفقوا على حكم قضية وجزموا به جزما قاطعا، فالعادة تحيل على مثلهم الحكم الجزم بذلك والقطع به، وليس له مستند قاطع بحيث لا يتنبه واحد منهم إلى الخطإ في القطع بما ليس بقاطع. ولهذا وجدنا أهل كل عصر قاطعين بتخطئة مخالف ما تقدم من إجماع من قبلهم، ولولا أن يكون ذلك عن دليل قاطع، لاستحال في العادة اتفاقهم على القطع بتخطئة المخالف ولا يقف واحد منهم على وجه الحق في ذلك. ومن سلك هذه الطريقة المعنوية لم ير انعقاد الاجماع عندما إذا كان عدد المجمعين ينقص عن عدد التواتر. ويلزمه أن لا يكون الاجماع المحتج به خصيصا بإجماع أهل الحل والعقد من المسلمين، بل هو عام في إجماع كل من بلغ عددهم عدد التواتر، وإن لم يكونوا مسلمين، فضلا عن أهل الحل والعقد. وقد احتج الشيعة على صحة الاجماع بأن ما من عصر إلا ولا بد فيه من إمام معصوم على ما قررناه من قاعدتهم في ذلك في أبكار الافكار فإذا أجمع أهل الحل والعقد من أهل العصر على حكم حادثة فلا بد وأن يكون فيهم الامام المعصوم، لكونه سيد العلماء، وإلا لما كان الاتفاق من جميع أهل الحل والعقد، وهو خلاف الفرض. وإذا كان كذلك، فالامام المعصوم لا يقول إلا حقا

[ 224 ]

مقطعوعا به، وما وافقه من قول باقي الامة أيضا يكون مقطوعا به لكونه موافقا للمقطوع به ومخالف القاطع مخط لا محالة. ولقائل أن يقول: أما الحجة الاولى، فالعادة لا تحيل الخطأ على الخلق الكثير بظنهم ما ليس قاطعا قاطعا. ولهذا، فإن اليهود والنصارى، مع كثرتهم كثرة تخرج عن حد التواتر، قد أجمعوا على تكذيب محمد عليه السلام وإنكار رسالته. وليس ذلك إلا لخطئهم في ظن ما ليس قاطعا قاطعا. وبالجملة فإما أن يقال باستحالة الخطإ عليهم فيما ذهبوا إليه، أو لا يقال باستحالته، فإن كان الاول لزم أن لا يكون محمد نبيا حقا لاجماعهم على تكذيبه، وإن كان الثاني فهو المطلوب. فإن قيل: ما ذكرتموه في إبطال التمسك هاهنا بالعادة لازم عليكم فيما ذكرتموه في الاحتجاج بالسنة على كون الاجماع حجة، فإن حاصله آئل إلى الاحتجاج بالعادة وفيه إبطال ما قررتموه. قلنا: الذي تمسكنا به من العادة إحالة اتفاق الامة على إسناد المقطوع إلى الاخبار التي مستند العلم بها وبمدلولها السماع المحسوس أو قرائن الاحوال، والذي لا نحيله في العادة ههنا إنما هو الغلط بظن ما ليس مقطوعا مقطوعا به، فيما هو نظري وطرقه مختلفة، وهو غير محسوس ولا مستند العلم به قرائن الاحوال، فافترق البابان.

[ 225 ]

وأما حجة الشيعة فمبنية على وجود الامام المعصوم في كل عصر. وقد أبطلنا ذلك بالاعتراضات القادحة والاشكالات المشكلة على جهة الوفاء والاستقصاء في موضعه اللائق به من الامامة في علم الكلام، فعليك بمراجعته. المسألة الرابعة اتفق القائلون بكون الاجماع حجة على أنه لا اعتبار بموافقة من هو خارج عن الملة، ولا بمخالفته، وأنه لا يشترط فيه اتفاق كل أهل الملة إلى يوم القيامة. أما الاول فلان الاجماع إنما عرف كونه حجة بالادلة السمعية، على ما سبق. وهي، مع اختلاف ألفاظها، لا إشعار لها بإدراج من ليس من أهل الملة في الاجماع، ولا دلالة لها إلا على عصمة أهل الملة، ولان الكافر غير مقبول القول، فلا يكون قوله معتبرا في إثبات حجة شرعية، ولا إبطالها. وإذا تم الاجماع دونه. فلا اعتبار بمخالفته. وأما الثاني، فلا الاجماع حجة شرعية يستدل به على الاحكام الشرعية، فلو اعتبر فيه إجماع كل أهل الملة إلى يوم القيامة، لما أمكن الاحتجاج به: أما قبل يوم القيامة، فلعدم كمال المجمعين، وأما يوم القيامة، فلانه لا تكليف، ولا استدلال.

[ 226 ]

المسألة الخامسة ذهب الاكثرون إلى أنه لا اعتبار بموافقة العامي من أهل الملة في انعقاد الاجماع، ولا بمخالفته، واعتبره الاقلون، وإليه ميل القاضي أبي بكر، وهو المختار. وذلك لان قول الامة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطإ، بما دلت عليه الدلائل السمعية من قبل، ولا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من الخاصة والعامة. وإذا كان كذلك، فلا يلزم أن تكون العصمة الثابتة للكل ثابتة للبعض، لان الحكم الثابت للجملة لا يلزم أن يكون ثابتا للافراد. فإن قيل يجب تخصيص ما ورد من النصوص الدالة على عصمة الامة بأهل الحل والعقد منهم دون غيرهم لستة أوجه. الاول: أن العامي يلزمه المصير إلى أقوال العلماء بالاجماع، فلا تكون مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه. الثاني: أن الامة إنما كان قولها حجة، إذا كان ذلك مستندا إلى الاستدلال، لان إثبات الاحكام من غير دليل محال والعامي ليس أهلا للاستدلال والنظر، فلا يكون قوله معتبرا كالصبي والمجنون. الثالث: أن قول العامي في الدين من غير دليل خطأ مقطوع به، والمقطوع بخطئه لا تأثير لموافقته ولا لمخالفته. الرابع: أن أهل العصر الاول من الصحابة، علماؤهم وعوامهم أجمعوا على أنه لا عبرة بموافقة العامي ولا بمخالفته. الخامس: أن الامة إنما عصمت عن الخطإ في استدلالها، لان إثبات الاحكام الشرعية من غير استدلال ودليل خطأ، والعامي ليس هو من أهل الاستدلال، فلا يتصور ثبوت عصمة الاستدلال في حقه. السادس: هو أن العامي لا يتصور منه الاصابة، إذا كان قائلا بالحكم من غير دليل، فلا يتصور عصمته، لان العصمة مستلزمة للاصابة.

[ 227 ]

والجواب: عن الوجه الاول: أنه وإن كان يجب على العامي الرجوع إلى أقوال العلماء، فليس في ذلك ما يدل على أن أقوال العلماء دونه حجة قاطعة على غيرهم من المجتهدين من بعدهم لجواز أن يكون الاحتجاج بأقوالهم على من بعدهم مشروطا بموافقة العامة لهم، وإن لم يكن ذلك شرطا في وجوب اتباع العامة فيما لهم يفتون به. وعن الثاني: أنه وإن كان لا بد في الاجماع من الاستدلال لكن من أهل الاستدلال أو مطلقا: الاول مسلم، والثاني ممنوع، وعلى هذا فلا يمتنع أن تكون موافقه العامة للعلماء المستدلين شرطا في جعل الاجماع حجة، وإن لم يكن العامي مستدلا، ولا يلزم من عدم اشتراط موافقة الصبيان والمجانين عدم اشتراط موافقة العامة، لما بينهما من التفاوت في قرب الفهم في حق العامة، الموجب للتكليف، وبعده في حق الصبيان والمجانين، المانع من التكليف. وعن الثالث: أنه، وإن كان قول العامي في الدين من غير دليل خطأ، فلا يمنع ذلك من كون موافقته للعلماء في أقوالهم شرطا في الاحتجاج بها على غيرهم. وعن الرابع: أنه دعوى لم يقم عليها دليل. وعن الخامس: أن العامي، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا يمتنع أن تكون موافقته من غير استدلال شرطا في كون الاجماع حجة.

[ 228 ]

وعن السادس: أنه، وإن كان العامي إذا انفرد بالحكم لا يتصور منه الاصابة، فما المانع من تصويبه مع الجماعة بتقدير موافقته لهم في أقوالهم، ولا شك أن العامي مصيب في موافتقته للعلماء. وعلى هذا جاز أن تكون موافقته شرطا في جعل الاجماع حجة، على ما سبق تقريره. وبالجملة، فهذه المسألة اجتهادية، غير أن الاحتجاج بالاجماع عند دخول العوام فيه يكون قطعيا، وبدونهم يكون ظنيا. وعلى هذا فمن قال بإدخال العوام في الاجماع، قال بإدخال الفقيه الحافظ لاحكام الفروع فيه، وإن لم يكن أصوليا، وبإدخال الاصولي الذي ليس بفقيه بطريق الاولى لما بينهما وبين العامة من التفاوت في الاهلية وصحة النظر، هذا في الاحكام، وهذا في الاصول. ومن قال بأنه لا مدخل للعوام في الاجماع اختلفوا في الفقيه والاصولي، نفيا وإثباتا فمن أثبت نظر إلى ما اشتملا عليه من الاهلية التي لا وجود لها في العامي، ودخولهما في عموم لفظ الامة في الاحاديث السابق ذكرها. ومن نفى، نظر إلى عدم الاهلية المعتبرة في أئمة أهل الحل والعقد من المجتهدين، كالشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم. ومنهم من فصل بين الفقيه والاصولي، وهؤلاء اختلفوا: فمنهم من اعتبر قول الفقيه الذي ليس بأصولي، وألغى قول الاصولي الذي ليس بفقيه. ومنهم من عكس الحال واعتبر قول الاصولي دون الفقيه لكونه أقرب إلى مقصود الاجتهاد، لعمله بمدارك الاحكام على اختلاف أقسامها، وكيفية دلالاتها، وكيفية تلقي الاحكام من منطوقها ومفهومها ومعقولها، بخلاف الفقيه. ومن اعتبر قول الاصولي والفقيه، اعتبر قول من بلغ رتبة الاجتهاد، وإن لم يكن مشتهرا بالفتوى بطريق الاولى، وذلك كواصل بن عطاء ونحوه. وفيه خلاف، والمتبع في ذلك كله ما غلب على ظن المجتهد.

[ 229 ]

المسألة السادسة المجتهد المطلق، إذا كان مبتدعا لا يخلو، إما أن لا يكفر ببدعته، أو يكفر. فإن كان الاول، فقد اختلفوا في انعقاد الاجماع مع مخالفته نفيا وإثباتا. ومنهم من قال: الاجماع لا ينعقد عليه، بل على غيره، فيجوز له مخالفة إجماع من عداه. ولا يجوز ذلك لغيره. والمختار أنه لا ينعقد الاجماع دونه، لكونه من أهل الحل والعقد، وداخلا في مفهوم لفظ الامة المشهود لهم بالعصمة. وغايته أن يكون فاسقا، وفسقه غير مخل بأهلية الاجتهاد. والظاهر من حاله فيما يخبر به عن اجتهاده الصدق كإخبار غيره من المجتهدين. كيف وإنه قد يعلم صدق الفاسق بقرائن أحواله، في مباحثاته وفلتات لسانه، وإذا علم صدقه، وهو مجتهد كان كغيره من المجتهدين. فإن قيل: إذا كان فاسقا، فالفاسق غير مقبول القول إجماعا فيما يخبر به، فكان كالكافر والصبي، ولانه لا يجوز تقليده فيما يفتي به، فلا يعتبر خلافه كالصبي. قلنا: إنما لا يقبل قوله فيما يخبر به، إذا لم يكن متأولا وكان عالما بفسقه. وأما إذا لم يكن كذلك، فلا. وعلى هذا، فلا نسلم امتناع قبول فتواه بالنسبة إلى من ظهر صدقه عنده. وأما الصبي، فإنما لم يعتبر قوله لعدم أهليته بخلاف ما نحن فيه وإن كان الثاني، فلا خلاف في أنه غير داخل في الاجماع لعدم دخوله في مسمى الامة المشهود لهم بالعصمة، وإن لم يعلم هو كفر نفسه. وعلى هذا، فلو خالف في مسألة فرعية، وبقي مصرا على المخالفة حتى تاب عن بدعته، فلا أثر لمخالفته، لانعقاد إجماع جميع الامة الاسلامية، قبل إسلامه كما لو أسلم ثم خالف، إلا على رأي من يشترط في الاجماع انقراض عصر المجمعين،

[ 230 ]

ولو ترك بعض الفقهاء العمل بالاجماع، بخلاف هذا المبتدع المكفر، فهو معذور، إن لم يعلم ببدعته ولا يؤاخذ بالمخالفة، كما إذا عمل الحاكم بشهادة شاهد الزور من غير علم بتزويره، وإن علم ببدعته، وخالف الاجماع، لجهله بأن تلك البدعة مكفرة، فهو غير معذور لتقصيره عن البحث، والسؤال عن ذلك لعلماء الاصول العارفين بأدلة الايمان والتكفير، حتى يحصل له العلم بذلك بدليله، إن كانت له أهلية فهمه، وإلا قلدهم فيما يخبرون به من التكفير، وأما ماذا يكفر به من البدع، فقد استقصينا الكلام فيه في حكايات مذاهب أهل الملل والنحل في أبكار الافكار فعليك بمراجعته. المسألة السابعة ذهب الاكثرون من القائلين بالاجماع إلى أن الاجماع المحتج به غير مختص بإجماع الصحابة، بل إجماع أهل كل عصر حجة، خلافا لداود وشيعته من أهل الظاهر، ولاحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. والاول هو المختار، ويدل عليه أن حجة كون الاجماع حجة غير خارجة كما ذكرناه من الكتاب والسنة والمعقول. وكل واحد منها لا يفرق بين أهل عصر وعصر، بل هو متناول لاهل كل عصر حسب تناوله لاهل عصر الصحابة، فكان إجماع أهل كل عصر حجة. فإن قيل: حجة كون الاجماع حجة غير خارجة عن الآيات والاخبار السابق ذكرها، وقوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس) * (3) آل عمران: 110) وقوله: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (2) البقرة: 143) خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام، فلا يكون متناولا لغيرهم، وقوله تعالى: * (ويتبع غير سبيل المؤمنين) * (4) النساء: 115) والاخبار الدالة على عصمة الامة خاصة

[ 231 ]

بالصحابة الموجودين في زمن النبي عليه السلام، إذا هم كل المؤمنين وكل الامة، فإن من لم يوجد بعد، لا يكون موصوفا بالايمان، وبكونه من الامة. وأما التابعون، وكذلك من بعدهم، إذا أجمعوا على حكم، فليس هم كل المؤمنين ولا كل الامة، فلا يكون الخطاب متناولا لهم وحدهم، بل مع من تقدم من المؤمنين قبلهم ضرورة اتصافهم بذلك، حالة وجودهم، وبموتهم لم يخرجوا عن كونهم من المؤمنين ومن الامة. وكذلك فإنه لو ذهب واحد من الصحابة إلى حكم، واتفق التابعون على خلافه لم يكن إجماعهم منعقدا، ولو خرج بموته عن الامة والمؤمنين، لما كان كذلك. وإذا لم يكن التابعون كل الامة، ولا كل المؤمنين، فما اتفقوا عليه لا يكون هو قول كل الامة ولا كل المؤمنين فلا يكون حجة. وسواء وجد لمن تقدم قول أو لم يوجد، فمخالفهم لا يكون مخالفا لكل الامة، ولا لكل المؤمنين، فلا يكون بذلك مستحقا للذم والتوعد، سلمنا دلالة الآيات والاخبار على انعقاد إجماع من بعد الصحابة حجة، لكنه معارض بما بدل على عدمه، وبيانه من ستة أوجه: الاول: أن إجماع التابعين لا بد له من دليل، وذلك الدليل إما أن يكون نصا، أو إجماعا، أو قياسا. فإن كان إجماع من تقدم، فالحكم ثابت بإجماع الصحابة، لا بإجماع التابعين. وإن كان قياسا، فيستدعي أن يكون متفقا عليه بين جميع التابعين، ليكون مناط إجماعهم، وليس كذلك لوقوع الخلاف فيه فيما بينهم. وإن كان نصا، فلا بد وأن تكون الصحابة عالمة به ضرورة أنه لا طريق إلى معرفة التابعين به إلا من جهة الصحابة، ولو كان ذلك دليلا يمكن التمسك به في إثبات الحكم، لما تصور تواطئ الصحابة على تركه وإهماله. الثاني: هو أن الاصل أن لا يرجع إلى قول أحد سوى الصادق المؤيد بالمعجزة، لتطرق الخطإ والكذب إلى من عداه. غير أنه لما ورد الثناء من النبي عليه السلام

[ 232 ]

على الصحابة بقوله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقوله: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي والذم لاهل الاعصار المتأخرة بقوله عليه السلام: ثم يفشو الكذب وأن الرجل يصبح مؤمنا، ويمسي كافرا، وأن الواحد منهم يحلف على ما لا يعلم، ويشهد قبل أن يستشهد، وأن الناس يكونون كالذئاب، إلى غير ذلك من أنواع الذم التي سبق ذكرها، أوجب قصر الاحتجاج على إجماع الصحابة دون غيرهم. الثالث: أن الاحتجاج بالاجماع إنما يمكن بعد الاطلاع على قول كل واحد من أهل الحل والعقد ومعرفته في نفسه. وذلك إنما يتصور في حق الصحابة، لان أهل الحل والعقد منهم كانوا معروفين مشهورين محصورين لقلتهم وانحصارهم في قطر واحد، بخلاف التابعين ومن بعدهم لكثرتهم وتشتتهم في البلاد المتباعدة. الرابع: أن الاجماع من الصحابة واقع على أن كل مسألة لا تكون مجمعا عليها ولا فيها نص قاطع أنه يجوز الاجتهاد فيها. فإذا لم يكن إجماع من الصحابة، ولا ثم نص قاطع، وإلا ما ساغ من الصحابة تركه وإهماله، فتكون المسألة مجمعا على جواز الاجتهاد فيها منهم، فلو أجمع التابعون على حكم تلك المسألة، فإن منعنا من اجتهاد غيرهم فيها، فقد خرقنا إجماع الصحابة، وإن جوزنا، فإجماع التابعين لا يكون حجة، وهو المطلوب. الخامس: أنه لو كان في الامة من هو غائب، فإنه وإن لم يكن له في المسألة قول بنفي ولا إثبات، لا ينعقد الاجماع دونه في تلك المسألة، لكونه لو كان حاضرا، لكان له فيها قول، فكذلك الميت من الصحابة قبل التابعين.

[ 233 ]

السادس: أنه لو كان قد خالف واحد من الصحابة، فإن إجماع التابعين بعده لا ينعقد، وإذا لم ينقل خلاف من تقدم لا ينعقد الاجماع لاحتمال أن أحدا ممن تقدم خالف ولم ينقل خلافه، وإذا احتمل واحتمل، فالاجماع لا يكون متيقنا. والجواب عن السؤال الاول: قولهم في الآيات إنها خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام يلزمهم عليه أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان موجودا عند نزول هذه الآيات، لان إجماعهم ليس إجماع جميع المخاطبين وقت نزولها، وأن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد نزولها، لكونه خارجا عن المخاطبين. وقد أجمعنا على أن إجماع من بقي، من الصحابة بعد رسول الله، يكون حجة. قولهم: التابعون ليس هم كل الامة، ولا كل المؤمنين، يلزم عليه أن لا ينعقد إجماع من بقي من الصحابة بعد موت رسول الله، لان من مات من الصحابة، أو استشهد في حياة رسول الله داخل في مسمى المؤمنين والامة، وهو خلاف المجمع عليه بين القائلين بالاجماع، وليس ذلك، إلا لان الماضي إذا لم يكن له قول غير معتبر، كما أن المستقبل غير منتظر. وعلى هذا، فنقول: إنه إذا ذهب واحد من الصحابة إلى حكم في مسألة، ثم مات، وأجمع التابعون على خلافه في تلك المسألة، فقد قال بعض الاصوليين إنه ينعقد إجماع التابعين، ولا اعتبار بقول الماضي، وليس بحق، لانه يلزم منه أنه إذا أجمعت الصحابة على حكم، ثم ماتوا، وأجمع التابعون على خلاف إجماع الماضين، أنه ينعقد، وهو محال مخالف لاجماع القائلين بالاجماع. وإنما الحق في ذلك أن يقال: إذا حكم الواحد من الصحابة بحكم، ثم حكم التابعون بخلافه، فحكم التابعين ليس هو حكم جميع الامة المعتبرين في تلك المسألة التي وقع الخوض فيها. وإن كان حكمهم في مسألة لم يتقدم فيها خلاف بعض الصحابة، فهو حكم كل الامة المعتبرين وهذا كما لو أفتى الصحابي بحكم، ثم مات، وأجمع باقي الصحابة على خلافه، فإنه لا ينعقد إجماعهم، وإن انعقد إجماعهم إذا مات من غير مخالفة، لان حكمهم في الاول ليس هو حكم كل الامة المعتبرين بخلاف حكمهم في الثاني.

[ 234 ]

والجواب عن المعارضة الاولى أنه، وإن كان دليل التابعين معلوما للصحابة، غير أنه لا يمتنع أن تكون واقعة الحكم لم تقع في زمن الصحابة، فلم يتعرضوا لحكمها، وإنما وقعت في زمن التابعين، فتعرضوا لاثبات حكمها بناء على ما وجدوه من الدليل الذي كان معلوما للصحابة. وعن الثانية: أن الادلة الدالة على كون الاجماع حجة لا تفرق بين أهل عصر وعصر. وقوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم لا يدل على عدم الاهتداء بغيرهم إلا بطريق مفهوم اللقب، والمفهوم ليس بحجة فضلا عن مفهوم اللقب على ما سيأتي في مسائل المفهوم. وكذلك الكلام في قوله: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر كيف وأن ذلك مما يوجب كون إجماع أبي بكر وعمر مع مخالفة باقي الصحابة لهم حجة قاطعة، وهو خلاف الاجماع من الصحابة. قولهم إنه ذم أهل الاعصار المتأخرة. قلنا: غاية ما في ذلك غلبة ظهور الفساد والكذب، وليس فيه ما يدل على خلو كل عصر ممن تقوم الحجة بقوله، وأنه إذا اتفق أهل ذلك العصر على حكم يكونون معصومين عن الخطإ فيه. وعن الثالثة: ما سبق في مسألة تصور الاطلاع على إجماعهم ومعرفتهم. وعن الرابعة: أنه إن أجمع الصحابة على تجوير الخلاف مطلقا فلا يتصور انعقاد إجماع التابعين على الحكم في تلك المسألة، لما فيه من التعارض بين الاجماعين القاطعين.، وإن أجمعوا على تسويغ الاجتهاد مشروطا بعدم الاجماع، فلا تناقض. وعن الخامسة: أنها منتقضة بالواحد من الصحابة، فإنه لو مات انعقد الاجماع

[ 235 ]

من باقي الصحابة دونه، ولو كان غائبا لم ينعقد. وإنما كان كذلك، لان الغائب في الحال له أهلية القول والحكم والموافقة والمخالفة، بخلاف الميت. وعن السادسة: أنها باطلة بالميت الاول من الصحابة، فإنه يحتمل أنخالف، ولم ينقل خلافه. ومع ذلك فإن إجماع باقي الصحابة بعده يكون منعقدا. كيف وأن النظر إلى مثل هذه الاحتمالات البعيدة، مما لا التفات إليه. وإلا لما انعقد إجماع الصحابة لاحتمال أن يكون واحد منهم قد أظهر الموافقة، وأبطن المخالفة لامر من الامور، كما نقل عن ابن عباس في موافقته لعمر في مسألة العول وإظهار النكير بعده. المسألة الثامنة اختلفوا في انعقاد إجماع الاكثر مع مخالفة الاقل، فذهب الاكثرون إلى أنه لا ينعقد. وذهب محمد بن جرير الطبري وأبو بكر الرازي وأبو الحسين الخياط من المعتزلة، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، إلى انعقاده. وذهب قوم إلى أن عدد الاقل إن بلغ التواتر لم يعتد بالاجماع دونه، وإلا كان معتدا به. وقال أبو عبد الله الجرجاني: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف، كان خلافه معتدا به، كخلاف ابن عباس في مسألة العول. وإن أنكرت الجماعة عليه ذلك، كخلاف ابن عباس في المتعة والمنع من تحريم ربا الفضل، لم يكن خلافه معتدا به. ومنهم من قال أن قول الاكثر يكون حجة، وليس بإجماع، ومنهم من قال أن اتباع الاكثر أولى، وإن جاز خلافه. والمختار مذهب الاكثرين. ويدل عليه أمران: الاول أن التمسك في إثبات الاجماع حجة إنما هو بالاخبار الواردة في السنة الدالة على عصمة الامة على ما سبق تقريره. وعند ذلك فلفظ (الامة) في الاخبار يحتمل أنه أراد به كل الموجودين. من المسلمين في أي عصر كان، ويحتمل أنه أراد به الاكثر، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار ويكرمون الضيف، والمراد به الاكثر منهم: غير أن حمله على الجميع مما يوجب العمل بالاجماع

[ 236 ]

قطعا لدخول العدد الاكثر في الكل، ولا كذلك إذا حمل على الاكثر، فإنه لا يكون الاجماع مقطوعا به لاحتمال إرادة الكل والاكثر ليس هو الكل. الثاني أنه قد جرى مثل ذلك في زمن الصحابة، ولم ينكر أحد منهم على خلاف الواحد، بل سوغوا له الاجتهاد فيما ذهب إليه مع مخالفة الاكثر. ولو كان إجماع الاكثر حجة ملزمة للغير الاخذ به، لما كان كذلك. فمن ذلك اتفاق أكثر الصحابة على امتناع قتال ما نعي الزكاة مع خلاف أبي بكر لهم. وكذلك خلاف أكثر الصحابة لما انفرد به ابن عباس في مسألة العول وتحليل المتعة وأنه لا ربا إلا في النسيئة. وكذلك خلافهم لابن مسعود فيما انفرد به في مسائل الفرائض، ولزيد بن أرقم في مسألة العينة، ولابي موسى في قوله: النوم لا ينقض الوضوء، ولابي طلحة في قوله بأن أكل البرد لا يفطر، إلى غير ذلك. ولو كان إجماع الاكثر حجة، لبادروا بالانكار والتخطئة، وما وجد منهم من الانكار في هذه الصور لم يكن إنكار تخطئة بل إنكار مناظرة في المأخذ، كما جرت عادة المجتهدين بعضهم مع بعض. ولذلك بقي الخلاف الذي ذهب إليه الاقلون جائزا إلى وقتنا هذا. وربما كان ما ذهب إليه الاقل هو المعول عليه الآن، كقتال مانعي الزكاة. ولو كان ذلك مخالفا للاجماع المقطوع به، لما كان ذلك سائغا. وقد تمسك بعضهم هاهنا بطريقة أخرى، فقال إنه لو انعقد إجماع الاكثر مع مخالفة الاقل، فإما أن ينعقد الاجماع عليه، فيلزم منه ترك ما علمه بالدليل والرجوع إلى التقليد، وذلك في حق المجتهد ممتنع، وإن لم ينعقد الاجماع عليه، فلا يكون الاجماع حجة مقطوعا بها فإنه لو كان مقطوعا به لما ساغت مخالفته بالاجتهاد. ولقائل أن يقول: إذا فرضنا أن انعقاد الاجماع من الاكثر دون الاقل حجة قاطعة، فالقول برجوع المجتهد الواحد إليه. وإن كان على خلاف ما أوجبه اجتهاده، لا يكون منكرا لما فيه من ترك الاجتهاد بالرجوع إلى الاجماع القاطع. ولهذا، فإنه لو أجمعت الامة على حكم، ثم جاء من بعدهم مجتهد يرى في اجتهاده ما يخالف إجماع الامة السابقة، لم يجز له الحكم به، بل وجب عليه الرجوع إلى الامة.

[ 237 ]

احتج المخالفون بالنصوص والاجماع والمعقول: أما من جهة النصوص، فمنها ما ورد من الاخبار الدالة على عصمة الامة عن الخطإ. ولفظ (الامة) يصح إطلاقه على أهل العصر، وإن شذ منهم الواحد والاثنان، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار، ويكرمون الضيف. والمراد به الاكثر. فكان إجماعهم حجة لدلالة النصوص عليه. ومنها قوله عليه السلام: عليكم بالسواد الاعظم، عليكم بالجماعة، يد الله على الجماعة، إياكم والشذوذ والواحد والاثنان بالنسبة إلى الخلق الكثير شذوذ. الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد ونحو ذلك من الاخبار. وأما الاجماع فهو أن الامة اعتمدت في خلافة أبي بكر على انعقاد الاجماع عليه، لما اتفق عليه الاكثرون، وإن خالف في ذلك جماعة كعلي وسعد بن عبادة. ولولا أن إجماع الاكثر حجة مع مخالفة الاقل، لما كانت إمامة أبي بكر ثابتة بالاجماع. أما من جهة المعقول، فمن خمسة أوجه: الاول: أن خبر الواحد بأمر لا يفيد العلم. وخبر الجماعة إذا بلغ عددهم عدد التواتر يفيد العلم. فليكن مثله في باب الاجتهاد والاجماع. الثاني: أن الكثرة يحصل بها الترجيح في رواية الخبر، فليكن مثله في الاجتهاد. الثالث: أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد والاثنين، لما انعقد الاجماع أصلا، لانه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين فيه، إما سرا، وإما علانية. الرابع: أن الاجماع حجة في العصر الذي هم فيه، وفيما بعد، وذلك يقتضي أن يكون فيهم مخالف حتى يكون حجة عليه. الخامس: أن الصحابة أنكرت على ابن عباس خلافه في ربا الفضل في النقود، وتحليل المتعة، والعول. ولولا أن اتفاق الاكثر حجة لما أنكروا عليه، فإنه ليس للمجتهد الانكار على المجتهد. والجواب: قولهم: لفظ (الامة) يصح إطلاقه على الاكثر.

[ 238 ]

قلنا: بطريق المجاز، ولهذا يصح أن يقال: إذا شذ عن الجماعة واحد، ليس هم كل الامة ولا كل المؤمنين، بخلاف ما إذا لم يشذ منهم أحد. وعلى هذا، فيجب حمل لفظ (الامة) على الكل لكون الحجة فيه قطعية لما بيناه في حجتنا. وعلى هذا، فيجب حمل قوله عليه السلام: عليكم بالسواد الاعظم على جميع أهل العصر، لانه لا أعظم منه. فإن قيل: فظاهر هذا الخبر يقتضي أن يكون السواد الاعظم حجة على من ليس من السواد الاعظم وذلك لا يتم إلا بأن يكون في عصرهم مخالف لهم. قلنا: هو حجة على من يأتي بعدهم أقل عددا منهم. وعلى هذا يكون الجواب عن قوله: عليكم بالجماعة، يد الله على الجماعة وحيث قال عليه السلام: الاثنان فما فوقهما جماعة إنما أراد به انعقاد جماعة الصلاة بهما، وقوله: إياكم والشذوذ. قلنا: الشاذ هو المخالف بعد الموافقة، لا من خالف قبل الموافقة، وقوله: الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد أراد به الحث على طلب الرفيق في الطريق، ولهذا قال: والثلاثة ركب. وما ذكروه في عقد الامامة لابي بكر، فلا نسلم أن الاجماع معتبر في انعقاد الامامة، بل البيعة بمحضر من عدلين كافية. كيف وإنا لا نسلم عدم انعقاد إجماع الكل على بيعة أبي بكر، فإن كل من تأخر عن البيعة إنما تأخر لعذر وطرؤ أمر مع ظهور الموافقة منه بعد ذلك. وقد استقصينا الكلام في هذا المعنى في الامامة من علم الكلام. والجواب: عن الحجة الاولى من المعقول، أنه، إن كان صدق الاكثر فيما يخبرون به عن أمر محسوس مفيد للعلم، فلا يلزم مثله في الاجماع الصادر عن الاجتهاد، مع أن الاحتجاج فيه إنما هو بقول الامة، والاكثر ليس هم كل الامة على ما سبق. ثم لو كان كل من أفاد خبره اليقين، يكون قوله إجماعا محتجا به، لوجب أن يكون إجماع كل أهل بلد محتجا به مع مخالفة أهل البلد الآخر لهم، لان خبر أهل كل بلد يفيد العلم.

[ 239 ]

وعن الثانية: أنه لا يلزم من الترجيح بالكثرة في الرواية التي يطلب منها غلبة الظن دون اليقين مثله في الاجماع، مع كونه يقينيا، كيف وإنه لو اعتبر في الاجماع ما يعتبر في الرواية، لكان مصير الواحد إلى الحكم وحده إجماعا، كما أن روايته وحده مقبولة. وليس كذلك. وعن الثالثة: أن الاحتجاج بالاجماع إنما يكون حيث علم الاتفاق من الكل إما بصريح المقال أو قرائن الاحوال، وذلك ممكن حسب إمكان العلم باتفاق الاكثر، وأما حيث لا يعلم فلا. وإن قيل إن ذلك غير ممكن، فمثله أيضا جار في الاكثر. ويلزم من ذلك أن لا ينعقد الاجماع أصلا، وهو خلاف الاصلين. وعن الرابعة: أنه يكون حجة على من خالف منهم بعد الوفاق في زمنهم، وعلى من يوجد بعدهم ثم إن كان الاجماع يكون حجة إلا مع الخلاف، فليزم منه أنه إذا لم يكن خلاف، لا يكون إجماع، وهو ظاهر الاحالة. وعن الخامسة: أن إنكار الصحابة على ابن عباس فيما ذهب إليه لم يكن بناء على إجماعهم واجتهادهم، بل بناء على مخالفة ما رووه له من الاخبار الدالة على تحريم ربا الفضل ونسخ المتعة، على ما جرت به عادة المجتهدين في مناظراتهم، والانكار على مخالفة ما ظهر لهم من الدليل حتى يبين لهم المأخذ من جانب الخصم، وذلك كما قال ابن عباس: من شاء باهلني باهلته، والذي أحصى رمل عالج عددا ما جعل الله في الفريضة نصفا ونصفا وثلثا، هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث وقال آخر: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الاب أبا. وليس ذلك لان العود إلى قوله واجب على من خالفه، بل بمعنى طلب الكشف عن مأخذ المخالفة. وإذا عرف أنه لا يكون اتفاق الاكثر إجماعا، فيمتنع أن يكون حجة لخروجه عن الادلة المتفق عليها. وهي النص من الكتاب والسنة وإجماع الامة والقياس وعدم دليل يدل على صحة الاحتجاج به. ولذلك لا يكون أولى بالاتباع، لان الترجيح بالكثرة، وإن كان حقا في باب رواية الاخبار لما فيه من ظهور أحد الظنين على الآخر، فلا يلزم مثله في باب الاجتهاد، لما فيه من ترك ما ظهر له من الدليل لما لم يظهر له فيه دليل، أو ظهر، غير أنه مرجوح في نظره.

[ 240 ]

المسألة التاسعة اختلفوا في التابعي إذا كان من أهل الاجتهاد في عصر الصحابة هل ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته أم لا. فمنهم من قال: لا ينعقد بإجماعهم مع مخالفته، ثم اختلف هؤلاء. فمن لم يشترط انقراض العصر، قال إن كان من أهل الاجتهاد قبل انعقاد إجماع الصحابة، فلا يعتد بإجماعهم مع مخالفته، وإن بلغ رتبة الاجتهاد بعد انعقاد إجماع الصحابة، لا يعتد بخلافه. وهذا هو مذهب أصحاب الشافعي وأكثر المتكلمين وأصحاب أبي حنيفة، ومذهب أحمد بن حنبل في أحدى الروايتين عنه. ومن شرط انقراض العصر، قال لا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته، سواء كان من أهل الاجتهاد حالة إجماعهم، أو صار مجتهدا بعد إجماعهم، لكن في عصرهم. وذهب قوم إلى أنه لا عبرة بمخالفته أصلا، وهو مذهب بعض المتكلمين وأحمد بن حنبل في رواية. والمختار أنه إن كان من أهل الاجتهاد حالة إجماع الصحابة لا ينعقد إجماعهم دون موافقته. وقد استدل كثير من أصحابنا بقولهم إن الصحابة سوغت للتابعين المعاصرين لهم الاجتهاد معهم في الوقائع الحادثة في عصرهم، كسعيد بن المسيب وشريح القاضي والحسن البصري ومسروق وأبي وائل والشعبي وسعيد بن جبير وغيرهم، حتى إن عمر وعليا وليا شريحا القضاء ولم يعترضا عليه فيما خالفهما فيه، وحكم على علي، في خصومة عرضت له عنده على خلاف رأي علي، ولم ينكر عليه. وروي عن ابن عمر أنه سئل عن فريضة، فقال: اسألوا سعيد بن جبير، فإنه أعلم بها مني. وسئل الحسين بن علي كرم الله وجهه عن مسألة، فقال: اسألوا الحسن البصري. وسئل ابن عباس عن نذر ذبح الولد، فقال: اسألوا مسروقا. فلما أتاه السائل بجوابه اتبعه. وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: تذاكرت أنا وابن عباس وأبو هريرة في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس: عدتها أبعد الاجلين. وقلت أنا: عدتها أن تضع حملها. وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي. فسوغ ابن عباس لابي سلمة أن يخالفه مع أبي هريرة، إلى غير ذلك من الوقائع.

[ 241 ]

ولو كان قول التابعي باطلا لما ساغ للصحابة تجويزه والرجوع إليه. وفي هذه الحجة نظر، فإن لقائل أن يقول: إنما كان الاجتهاد مسوغا للتابعي عند اختلاف الصحابة، ولا يلزم من الاعتداد بقوله مع الاختلاف الاعتداد بقوله مع الاتفاق، وهو محل النزاع. ولهذا، فإن قول التابعي معتبر بعد انقراض عصر الصحابة، إذا لم يكن منهم اتفاق، وغير معتبر إذا كان على خلاف اتفاقهم. والمعتمد في ذلك أن يقال: الادلة الدالة على كون الاجماع حجة إنما هي الاخبار الدالة على عصمة الامة عن الخطإ على ما سبق. وهذا الاسم لا يصدق عليهم مع خروج التابعين المجتهدين عنهم. فإنه لا يقال إجماع جميع الامة، بل إجماع بعضهم فلا يكون حجة. احتج الخصوم بالنص والمعقول والآثار: أما النص فقوله عليه السلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وقوله: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر وقوله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. وأما المعقول، فهو أن الصحابة لهم مزية الصحبة وشهادة التنزيل وسماع التأويل، وأنهم مرضي عنهم على ما قال تعالى: * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) * (48) الفتح: 18) وقد قال النبي في حقهم: لو أنفق غيرهم ملء الارض ذهبا لما بلغ مد أحدهم. وذلك يدل على أن الحق معهم لا مع مخالفهم. وأما الآثار، فمنها أن عليا عليه السلام نقض على شريح حكمه في ابني عم أحدهما أخ لام، لما جعل المال كله للاخ. ومنها ما روي عن عائشة أنها أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مجاراته للصحابة وكلامه فيما بينهم، وزجرته عن ذلك، وقالت: فروج يصيح مع الديكة. والجواب: عن النصوص ما سبق في مسألة انعقاد إجماع غير الصحابة.

[ 242 ]

وعن المعقول: قولهم إن الصحابة لهم مزية الصحبة والفضيلة والدرجة الرفيعة. قلنا: لو كان ذلك مما يوجب اختصاص الاجماع بهم لما اعتبر قول الانصار مع المهاجرين، ولا قول المهاجرين مع قول العشرة، ولا قول باقي العشرة مع قول الخلفاء الاربعة، ولا قول عثمان وعلي مع قول أبي بكر وعمر، ولا قول غير الاهل مع الاهل، ولا قول غير الزوجات، مع الزوجات لوقوع التفاوت والتفاضل. ولم يقل به قائل. وعن الآثار، أما نقض علي على شريح حكمه، فليس لان قوله غير معتبر. ولهذا فإنه لما حكم عليه في مخاصمته بخلاف رأيه لم ينكر عليه، وإنما نقض حكمه، بمعنى أنه رد عليه بطريق الاستدلال والاعتراض، كما يقال نقض فلان كتاب فلان وكلامه إذا اعترض عليه. ويحتمل أنه نقضه بنص اطلع عليه أوجب نقض حكمه. وأما إنكار عائشة على أبي سلمة، فيحتمل أنه كان ذلك بخلافه فيما سبق فيه إجماع الصحابة أو لانه لم يكن قد بلغ رتبة الاجتهاد، أو بطريق التأديب مع الصحابة، أو لانها رأت ذلك مذهبا لها، فلا حجة فيه.

[ 243 ]

المسألة العاشرة اتفق الاكثرون على أن إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم، خلافا لمالك، فإنه قال: يكون حجة. ومن أصحابه من قال: إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم. ومنهم من قال أراد به أن يكون إجماعهم أولى. ولا تمتنع مخالفته. ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول الله (ص). والمختار مذهب الاكثرين. وذلك أن الادلة الدالة على كون الاجماع حجة، متناولة لاهل المدينة والخارج عن أهلها، وبدونه لا يكونون كل الامة ولا كل المؤمنين، فلا يكون إجماعهم حجة على ما عرف في المسائل المتقدمة. احتج من نصر مذهب مالك بالنص والمعقول: أما النص، فقوله عليه السلام: إن المدينة طيبة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد والخطأ من الخبث، فكان منفيا عنها. وقال عليه السلام: إن الاسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها وقال عليه السلام: لا يكايد أحد أهل المدينة إلا انماع كما ينماع الملح في الماء. وأما المعقول فمن ثلاثة أوجه: الاول: هو أن المدينة دار هجرة النبي عليه السلام وموضع قبره، ومهبط الوحي، ومستقر الاسلام، ومجمع الصحابة، فلا يجوز أن يخرج الحق عن قول أهلها. الثاني: أن أهل المدينة شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف بأحوال الرسول من غيرهم، فوجب أن لا يخرج الحق عنهم. الثالث: أن رواية أهل المدينة مقدمة على رواية غيرهم، فكان إجماعهم حجة على غيرهم. والجواب: عن النص الاول أنه، وإن دل على خلوص المدينة عن الخبث، فليس فيه ما يدل على أن من كان خارجا عنها لا يكون خالصا عن الخبث، ولا على كون إجماع أهل المدينة دونه حجة. وتخصيصه للمدينة بالذكر إنما كان إظهارا لشرفها وإبانة لخطرها وتمييزا لها عن غيرها لما اشتملت عليه من الصفات المذكورة في الوجه الاول من المعقول. وهو الجواب عن باقي النصوص.

[ 244 ]

وعن الوجه الاول من المعقول أن غايته اشتمال المدينة على صفات موجبة لفضلها، وليس في ذلك ما يدل على انتفاء الفضيلة عن غيرها، ولا على الاحتجاج بإجماع أهلها. ولهذا، فإن مكة أيضا مشتملة على أمور موجبة لفضلها، كالبيت المحترم، والمقام وزمزم، والحجر المستلم، والصفا، والمروة، ومواضع المناسك، وهي مولد النبي عليه السلام ومبعثه، ومولد إسماعيل، ومنزل إبراهيم. ولم يدل ذلك على الاحتجاج بإجماع أهلها على مخالفيهم إذ لا قائل به. وإنما الاعتبار بعلم العلماء واجتهاد المجتهدين، ولا أثر للبقاع في ذلك. وعن الوجه الثاني أن ذلك لا يدل على انحصار أهل العلم فيها، والمعتبرين من أهل الحل والعقد، ومن تقوم الحجة بقولهم، فإنهم كانوا منتشرين في البلاد، متفرقين في الامصار، وكلهم فيما يرجع إلى النظر والاعتبار سواء. ولهذا قال عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولم يخصص ذلك بموضع دون موضع، لعدم تأثير المواضع في ذلك. وعن الوجه الثالث أنه تمثيل من غير دليل موجب للجمع بين الرواية والدراية. كيف وإن الفرق حاصل، وذلك من جهة الاجمال والتفصيل: أما الاجمال فهو أن الرواية يرجح فيها بكثرة الرواة حتى إنه يجب على كل مجتهد الاخذ بقول الاكثر بعد التساوي في جميع الصفات المعتبرة في قبول الرواية، ولا كذلك في الاجتهاد، فإنه لا يجب على أحد من المجتهدين الاخذ بقول الاكثر من المجتهدين، ولا بقول الواحد أيضا. وأما من جهة التفصيل، فهو أن الرواية مستندها السماع ووقوع الحوادث المروية في زمن النبي عليه السلام وبحضرته. ولما كان أهل المدينة أعرف بذلك وأقرب إلى معرفة المروي، كانت روايتهم أرجح. وأما الاجتهاد فإن طريقه النظر والبحث بالقلب والاستدلال على الحكم. وذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد، ولا يختلف باختلاف الاماكن. وعلى ما ذكرناه، فلا يكون إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة، والمصرين الكوفة والبصرة، حجة على مخالفيهم، وإن خالف فيه قوم لما ذكرناه من الدليل.

[ 245 ]

المسألة الحادية عشرة لا يكفي في انعقاد الاجماع اتفاق أهل البيت مع مخالفة غيرهم لهم خلافا للشيعة، للدليل السابق في المسائل المتقدمة. احتج المثبتون بالكتاب والسنة والمعقول: أما الكتاب فقوله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (33) الاحزاب: 33) أخبر بذهاب الرجس عن أهل البيت بإنما، وهي للحصر فيهم، وأهل البيت علي وفاطمة والحسن والحسين. ويدل على هذا أنه لما نزلت هذه الآية أدار النبي عليه السلام الكساء على هؤلاء، وقال هؤلاء أهل بيتي والخطأ والضلال من الرجس، فكان منتفيا عنهم.

[ 246 ]

وأما السنة فقوله عليه السلام: إني تارك فيكم الثقلين، فإن تمسكتم بهما، لن تضلوا كتاب الله وعترتي حصر التمسك بهما، فلا تقف الحجة على غيرهما. وأما المعقول فهو أن أهل البيت اختصوا بالشرف والنسب وأنهم أهل بيت الرسالة، ومعدن النبوة والوقوف على أسباب التنزيل، ومعرفة التأويل، وأفعال الرسول وأقواله، لكثرة مخالطتهم له عليه السلام، وأنهم معصومون عن الخطإ

[ 247 ]

على ما عرف في موضعه من الامامة، والآية المذكورة أولا، فكانت أقوالهم وأفعالهم حجة على غيرهم، بل قول الواحد منهم، ضرورة عصمته عن الخطإ، كما في أقوال النبي عليه السلام وأفعاله. والجواب: عن التمسك بالآية أنها إنما نزلت في زوجات النبي عليه السلام، لقصد دفع التهمة عنهن وامتداد الاعين بالنظر إليهن. ويدل على ذلك أول الآية وآخرها، وهو قوله تعالى: * (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا) * (33) الاحزاب: 32) إلى قوله: * وقرن في بيوتكن، ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى، وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) * (33) الاحزاب: 33) وقوله عليه السلام: هؤلاء أهل بيتي لا ينافي كون الزوجات من أهل البيت ويدل عليه الآية المخاطبة لهم بأهل البيت. والخبر وهو ما روي عن أم سلمة أنها قالت للنبي عليه السلام: ألست من أهل البيت قال: بلى إن شاء الله. فإن قيل: لو كان المراد بقوله: ليذهب عنكم الرجس أهل البيت الزوجات، لقال (عنكن). قلنا: إنما قال (عنكم) لان أول الآية وإن كان خطابا مع الزوجات، غير أنه، لما خاطبهن بأهل البيت أدخل معهن غيرهن من الذكور كعلي والحسن والحسين، فجاء بخطاب التذكير، لان الجمع إذا اشتمل على مذكر ومؤنث، غلب جمع التذكير، وصار كما في قوله تعالى في حق زوجه إبراهيم: * (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. قالت يا ويلتى، أألد وأنا عجوز، وهذا بعلي شيخا، إن هذا لشئ عجيب. قالوا: أتعجبين من أمر الله، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) * (11) هود: 71 - 73) فكان ذلك عائدا إليها وإلى من حواه بيت إبراهيم من ذكر وأنثى.

[ 248 ]

وعن الخبر أنه من باب الآحاد. وعندهم أنه ليس بحجة، وإن كان حجة، ولكن لا نسلم أن المراد بالثقلين الكتاب والعترة، بل الكتاب والسنة على ما روي أنه قال: كتاب الله وسنتي وإن كان كما ذكروه، غير أنه أمكن حمله على الرواية عنه عليه السلام وروايتهم حجة. ويجب الحمل على ذلك جمعا بين الادلة، وإنما خصهم بذلك، لانهم أخبر بحاله من أقواله وأفعاله. ثم ما ذكروه معارض بقوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وبقوله: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وبقوله: خذوا شطر دينكم عن الحميراء وليس العمل بما ذكرتموه أولى مما ذكرناه. وعن المعقول، أما اختصاصهم بالشرف والنسب، فلا أثر له في الاجتهاد واستنباط الاحكام من مداركها، بل المعول في ذلك إنما هو على الاهلية للنظر والاستدلال ومعرفة المدارك الشرعية وكيفية استثمار الاحكام منها، وذلك مما لا يؤثر فيه الشرف ولا قرب القرابة. وأما كثرة المخالطة للنبي عليه السلام، فذلك مما يشارك العترة فيه الزوجات، ومن كان يصحبه من الصحابة في السفر والحضر من خدمه وغيرهم. وأما العصمة، فلا يمكن التمسك بها لما بيناه في الكتب الكلامية. وأما الآية فقد بينا أن المراد بنفي الرجس إنما هو نفي الظنة والتهمة عن زوجات النبي عليه السلام، وذلك بمعزل عن الخطإ والضلال في الاجتهاد والنظر في الاحكام الشرعية.

[ 249 ]

وعلى هذا، فقد بطل أن يكون قول الواحد منهم أيضا حجة. ويؤيد ذلك أن عليا، عليه السلام، لم ينكر على أحد ممن خالفه فيما ذهب إليه من الاحكام، ولم يقل له إن الحجة فيما أقول، مع كثرة مخالفيه. ولو كان ذلك منكرا، فقد كان متمكنا من الانكار فيما خولف فيه في زمن ولايته وظهور شوكته، فتركه لذلك يكون خطأ منه، ويخرج بذلك عن العصمة وعن وجوب اتباعه فيما ذهب إليه. المسألة الثانية عشرة لا ينعقد إجماع الائمة الاربعة مع وجود المخالف لهم من الصحابة عند الاكثرين، خلافا لاحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وللقاضي أبي حازم من أصحاب أبي حنيفة. وكذلك لا ينعقد إجماع الشيخين أبي بكر وعمر مع مخالفة غيرهما لهما، خلافا لبعض الناس. ودليل ذلك ما سبق في المسائل المتقدمة. حجة من قال بانعقاد إجماع الائمة الاربعة قوله عليه السلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ أوجب اتباع سنتهم كما أوجب اتباع سنته. والمخالف لسنته لا يعتد بقوله، فكذلك المخالف لسنتهم. وحجة من قال بانعقاد إجماع الشيخين قوله عليه السلام: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. والجواب عن الخبر الاول أنه عام في كل الخلفاء الراشدين ولا دلالة فيه على الحصر في الائمة الاربعة، وإن دل على الحصر فهو معارض بقوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم الحديث. وليس العمل بأحد الخبرين أولى من الآخر. وإذا تعارض الخبران سلم لنا ما ذكرناه، وبهذا يبطل الاستدلال بالخبر الآخر أيضا.

[ 250 ]

المسألة الثالثة عشرة اختلفوا في اشتراط عدد التواتر في الاجماع، فمن استدل على كون الاجماع حجة بدلالة العقل، وهو أن الجمع الكثير لا يتصور تواطئهم على الخطإ كإمام الحرمين وغيره، فلا بد من اشتراط ذلك عنده لتصور الخطإ على من دون عدد التواتر وأما من احتج على ذلك بالادلة السمعية، فقد اختلفوا: فمنهم من شرطه، ومنهم من لم يشترطه. والحق أنه غير مشترط لما بيناه من أن إثبات الاجماع بطريق العقل غير متصور، وأنه لا طريق إليه سوى الادلة السمعية من الكتاب والسنة. وعلى هذا، فمهما كان عدد الاجماع أنقص من عدد التواتر صدق عليهم لفظ (الامة) و (المؤمنين)، وكانت الادلة السمعية موجبة لعصمتهم عن الخطإ عليهم، ووجب اتباعهم. فإن قيل: ما ذكرتموه إنما يصح بتقدير عود عدد المسلمين إلى ما دون عدد التواتر، وذلك غير متصور، مهما دام التكليف من الله تعالى بدين الاسلام، وذلك لان التكليف به إنما يكون مع قيام الحجة على ذلك، والحجة على ذلك إنما تكون بالنقل المفيد لوجود محمد وتحديه بالرسالة، وما ورد على لسانه من معجز الكتاب والسنة وأدلة الاحكام يقينا، ولا يفيد ذلك غير التواتر من أخبار المسلمين لعدم نقل غيرهم لذلك، ومبالغتهم في محو ذلك وإعدامه. سلمنا إمكان انتفاء التكليف مع عود عدد المجمعين إلى ما دون عدد التواتر، ولكن ما دون عدد التواتر مما لا يعلم إسلامهم وإيمانهم بأقوالهم، ومن لا يعلم إيمانه لا يعلم صدقه في الخبر عن الدين. سلمنا إمكان حصول العلم بأقوال من عددهم دون عدد التواتر، فلو لم يبق من الامة سوى واحد، هل تقوم الحجة بقوله أم لا ؟ والجواب عن الاول أنا إن قلنا إن أهل الاجماع هم أهل الحل والعقد، فلا يلزم من نقصان عددهم عن عدد التواتر انقطاع الحجة بالتكليف، لامكان حصول المعرفة بذلك من أخبار المجتهدين والعامة جميعا، فإنه ليس من شرط التواتر أن

[ 251 ]

يكون ناقله مجتهدا. وإن قلنا إن العوام داخلة في الاجماع، ومع ذلك فعدد الجميع دون عدد التواتر، فلا يلزم أيضا انقطاع ذلك لامكان إدامة الله ذلك بأخبار المسلمين وأخبار الكفار معهم، وإن كانوا لا يعترفون بنبوة محمد عليه السلام، وبخبر العدد القليل لاحتفاف القرائن المفيدة للعلم بأخبارهم، ويدل على ذلك قوله عليه السلام: لا تزال طائفة من أمتي تقوم بالحق حتى يأتي أمر الله، وبتقدير عدم ذلك كله فانقطاع التكليف وانتهاء الاسلام غير ممتنع عقلا ولا شرعا. ولذلك قال عليه السلام: أول ما يفقد من دينكم الامانة، وآخر ما يفقد الصلاة وقال عليه السلام: إن الله لا ينزع العلم من صدور الرجال، ولكن ينزع العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فإذا سئلوا أفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. وعن السؤال الثاني انه لا بعد في حصول العلم بخبرهم بما يحتف به من القرائن، بل ولا بعد في ذلك، وأن كان المخبر واحدا، وأن يخلق الله لنا العلم الضروري بذلك. وعن السؤال الثالث أذلك مما اختلف فيه جواب الاصحاب فمنهم من قال إن قوله يكون حجة متبعة، لانه إذا لم يوجد من الامة سواه، صدق عليه إطلاق لفظ (الامة)، ودليله قوله تعالى: * (إن إبراهيم كان أمة قانتا) * (16) النحل: 120) أطلق لفظ (الامة) عليه وهو واحد. والاصل في الاطلاق الحقيقة وإذا كان أمة كانت النصوص السابق ذكرها متناولة له حسب تناولها للجمع الكثير. ومنهم من أنكر ذلك مصيرا منه إلى أن لفظ (الاجماع) مشعر بالاجتماع، وأقل ما يكون ذلك من اثنين فصاعدا.

[ 252 ]

المسألة الرابعة عشرة اختلفوا فيما إذا ذهب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم وعرف به أهل عصره. ولم ينكر عليه منكر: هل يكون ذلك إجماعا ؟ فذهب أحمد بن حنبل وأكثر أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي والجبائي إلى أنه إجماع وحجة. لكن من هؤلاء من شرط في ذلك انقراض العصر كالجبائي. وذهب الشافعي إلى نفي، الامرين وهو منقول عن داود وبعض أصحاب أبي حنيفة. وذهب أبو هاشم إلى أنه حجة، وليس بإجماع. وذهب أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أنه إن كان ذلك حكما من حاكم لم يكن إجماعا، وإن كان فتيا كان إجماعا، وقد احتج النافون لكونه إجماعا بأن سكوت من سكت يحتمل أن يكون لانه موافق. ويحتمل أنه لم يجتهد بعد في حكم الواقعة، ويحتمل أنه اجتهد، لكن لم يؤده اجتهاده إلى شئ، وإن أدى اجتهاده إلى شئ، فيحتمل أن يكون ذلك الشئ مخالفا للقول الذي ظهر. لكنه لم يظهره: إما للتروي والتفكر في ارتياد وقت يتمكن من إظهاره، وإما لاعتقاده أن القائل بذلك مجتهد، ولم ير الانكار على المجتهد لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب، أو لانه سكت خشية ومهابة وخوف ثوران فتنة، كما نقل عن ابن عباس أنه وافق عمر فمسألة العول، وأظهر النكير بعده، وقال هبته، وكان رجلا مهيبا، وإما لظنه أن غيره قد كفاه مؤنة الانكار وهو مخطئ فيه. ومع هذه الاحتمالات فلا يكون سكوتهم مع انتشار قول المجتهد فيما بينهم إجماعا ولا حجة.

[ 253 ]

وأما حجة ابن أبي هريرة أن العادة جارية بأن الحاضر مجالس الحكام يحضر على بصيرة من خلافهم له فيما ذهب إليه من غير إنكار، لما في الانكار من الافتيات عليهم، ولان حكم الحاكم يقطع الخلاف، ويسقط الاعتراض، بخلاف قول المفتي فإن فتواه غير لازمة ولا مانعة من الاجتهاد. وفي هاتين الحجتين نظر: أما الاولى فما ذكر فيها من الاحتمالات، وإن كانت منقدحة عقلا، فهي خلاف الظاهر من أحوال أرباب الدين وأهل الحل والعقد. أما احتمال عدم الاجتهاد في الواقعة فبعيد من الخلق الكثير، والجم الغفير، لما فيه من إهمال حكم الله تعالى فيما حدث، مع وجوبه عليهم وإلزامهم به، وامتناع تقليدهم لغيرهم، مع كونهم من المجتهدين، فإنه معصية. والظاهر عدم ارتكابها من المتدين المسلم. وأما احتمال عدم تأدية الاجتهاد إلى شئ من الاحكام، فبعيد أيضا، لان الظاهر أنه ما من حكم إلا ولله تعالى عليه دلائل وأمارات تدل عليه. والظاهر ممن له أهلية الاجتهاد، إنما هو الاطلاع عليها، والظفر بها. وأما احتمال تأخير الانكار للتروي والتفكر، وإن كان جائزا، غير أن العادة تحيل ذلك في حق الجميع، ولا سيما إذا مضت عليهم أزمنة كثيرة حتى انقرض العمر من غير نكير. وأما احتمال السكوت عنه لكونه مجتهدا، فذلك مما لا يمنع من مباحثته ومناظرته وطلب الكشف عن مأخذه، لا بطريق كالعادة الجارية من زمن الصحابة إلى زمننا هذا بمناظرة المجتهدين، وأئمة الدين فيما بينهم، لتحقيق الحق، وإبطال الباطل كمناظرتهم في مسائل الجد والاخوة وقوله: أنت علي حرام والعول، ودية الجنين، ونحو ذلك من المسائل. وأما احتمال التقية فبعيد أيضا، وذلك لان التقية إنما يكون فيما يحتمل المخافة ظاهرا، وليس كذلك لوجهين. الاول: أن مباحث المجتهدين غير مستلزمة لذلك، وذلك لان الغالب من حال المجتهد، وهو من سادات أرباب الدين أن مباحثته فيما ذهب إليه لا توجب خيفة في نفسه، ولا حقدا في صدره، تخاف عاقبته، إذ هو خلاف مقتضى الدين.

[ 254 ]

الثاني: أنه إما أن يكون خاملا غير مخوف، فلا تقية بالنسبة إليه، وإن كان ذا شوكة وقوة كالامام الاعظم، فمحاباته في ذلك تكون غشا في الدين، والكلام معه فيه يعد نصحا. والغالب إنما هو سلوك طريق النصح وترك الغش من أرباب الدين، كما نقل عن علي في رده على عمر في عزمه على إعادة الجلد على أحد الشهود على المغيرة، بقوله: إن جلدته، ارجم صاحبك. ورد معاذ عليه في عزمه على جلد الحامل بقوله: إن جعل الله لك على ظهرها سبيلا فما جعل لك على ما في بطنها سبيلا، حتى قال عمر: لولا معاذ لهلك عمر. ومن ذلك رد المرأة على عمر لما نهى عن المغالاة في مهور النساء بقولها: أيعطينا الله تعالى بقوله: * (وآتيتم إحداهن قنطارا، فلا تأخذوا منه شيئا) * (4) النساء: 20) ويمنعنا عمر، حتى قال عمر: امرأة خاصمت عمر فخصمته. ومن ذلك قول عبيدة السلماني لعلي، عليه السلام، لما ذكر أنه قد تجدد له رأي في بيع أمهات الاولاد: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، إلى غير ذلك من الوقائع. وأما حجة ابن أبي هريرة، فإنما تصح بعد استقرار المذاهب. وأما قبل ذلك، فلا نسلم أن السكوت لا يكون إلا عن رضى وعلى هذا، فالاجماع السكوتي ظني، والاحتجاج به ظاهر لا قطعي.

[ 255 ]

المسألة الخامسة عشرة إذا ذهب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم في مسألة. ولم ينتشر بين أهل عصره، لكنه يعرف له مخالف، هل يكون إجماعا ؟ اختلفوا فيه، والاكثر على أنه ليس بإجماع، وهو المختار. وذلك لانه إنما يتخيل كونه إجماعا من أهل العصر، إذا علموا بقوله وسكتوا عن الانكار، على ما تقدم في المسألة التي قبلها. وأما إذا لم يعلموا به، فيمتنع رضاهم به أو سخطهم. ومع ذلك فيحتمل أن لا يكون لهم في تلك المسألة قول، لعدم خطورها ببالهم. وإن كان لهم فيها قول، احتمل أن يكون موافقا للمنقول إلينا، واحتمل أن يكون مخالفا له، احتمالا على السواء. ومن لا قول له في نفس الامر في المسألة، أو له قول، لكنه متردد بين الموافقة والمخالفة، فلا تتحقق منه الموافقة والاجماع. وإذا لم يكن ذلك إجماعا، فهل يكون ما نقل إلينا من قول الصحابي حجة متبعة أو لا. فسيأتي الكلام فيه فيما بعد.

[ 256 ]

المسألة السادسة عشرة اختلفوا في انقراض العصر: هل هو شرط في انعقاد الاجماع أو لا ؟ فذهب أكثر أصحاب الشافعي وأبي حنيفة والاشاعرة والمعتزلة إلى أنه ليس بشرط. وذهب أحمد بن حنبل والاستاذ أبو بكر بن فورك إلى اعتباره شرطا. ومن الناس من فصل، وقال: إن كان قد اتفقوا بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما، لا يكون انقراض العصر شرطا. وإن كان الاجماع بذهاب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم، وسكت الباقون عن الانكار مع اشتهاره فيما بينهم، فهو شرط. وهذا هو المختار. لكن، قد احتج القائلون بعدم الاشتراط بمسلكين ضعيفين لا بد من الاشارة إليهما، ووجه ضعفهما. ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. المسلك الاول: أنهم قالوا: وقع الاجماع على كون الاجماع حجة بعد انقراض العصر، إذا لم يوجد لهم مخالف، فالحجة إما أن تكون في نفس الاتفاق، أو نفس انقراض العصر، أو مجموع الامرين. لا جائز أن يقال بالثاني، وإلا كان انقراض العصر دون الاتفاق حجة، وهو محال، ولا جائز أن يقال بالثالث، وإلا كان موتهم مؤثرا في جعل أقوالهم حجة، وهو محال كما في موت النبي عليه السلام. فلم يبق سوى الاول، وهو ثابت قبل انقراض العصر، وذلك هو المطلوب. ولقائل أن يقول: ما المانع أن تكون الحجة في اتفاقهم مشروطا بعدم المخالف لهم في عصرهم. ولا يخفى أن دعوى إحالة ذلك غير محل النزاع، ولا يلزم من عدم اشتراط عدم مخالفة النبي، عليه السلام، في صحة الاحتجاج بقوله عدم اشتراط ذلك فيما نحن فيه، إذ هو تمثيل من غير جامع صحيح، كيف والفرف حاصل من جهة أن قول النبي مستند إلى الوحي على ما قال تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3 - 4) وقول غيره: ليس عن وحي حتى يقع في مقابلة قوله: وأما قول غيره فمستند إلى الاجتهاد، وقول المخالف له أيضا مستند إلى الاجتهاد، وليس أحدهما أولى من الآخر، فافترقا.

[ 257 ]

المسك الثاني: هو أن القول باشتراط انقراض العصر يفضي إلى عدم تحقق الاجماع مطلقا، مع كونه حجة متبعة. وكل شرط أفضى إلى إبطال المشروط المتفق على تحقيقه كان باطلا. وبيان ذلك أن من اشترط انقراض العصر جوز لمن حدث من التابعين لاهل ذلك العصر، إذا كان من أهل الاجتهاد، مخالفتهم، وشرط في صحة إجماعهم موافقته لهم، وإذا صار التابعي من أهل الاجماع، فقد لا ينقرض عصرهم حتى يحدث تابع التابعي. والكلام فيه كالكلام في الاول وهلم جرا، إلى يوم القيامة. ومع ذلك، فلا يكون الاجماع متحققا في عصر من الاعصار. ولقائل أن يقول: القائلون باشتراط انقراض العصر اختلفوا في إدخال من أدرك المجمعين من التابعين لهم في إجماعهم: فذهب أحمد بن حنبل إلى أنه لا مدخل للتابعي في إجماع أهل ذلك العصر في إحدى الروايتين عنه، مع أنه يشترط انقراض العصر. وفائدة اشتراطه لذلك إمكان رجوع المجمعين أو بعضهم عما حكموا به أولا، لا لجواز وجود مجتهد آخر، وعلى هذا، فالاشكال يكون مندفعا. وبتقدير تسليم دخول التابع لهم في إجماعهم، فلا يمتنع أن يكون الشرط هو انقراض عصر المجمعين عند حدوث الحادثة، واعتبار موافقة من أدرك ذلك العصر من المجتهدين لا عصر من أدرك عصرهم. وعلى هذا، فالاشكال لا يكون متجها. والمعتمد في ذلك أن يقال: إذا اتفق إجماع أمة عصر من الاعصار على حكم حادثة، فهم كل الامة بالنسبة إلى تلك المسألة، وتجب عصمتهم في ذلك عن الخطإ على ما سبق من النصوص في مسألة إثبات كون الاجماع حجة، وذلك غير متوقف على انقراض عصرهم. هذا فيما إذا اتفقوا على الحكم بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما وأما إن حكم واحد بحكم، وانتشر حكمه فيما بينهم، وسكتوا عن الانكار، وإن كان الظاهر الموافقة، على ما سبق تقريره، فذلك مما لا يمنع من إظهار بعضهم

[ 258 ]

المخالفة في وقت آخر لاحتمال أن يكون في مهلة النظر. وقد ظهر له الدليل عند ذلك. ويدل على ظهور هذا الاحتمال إظهاره للمخالفة. فإنه لو كان سكوته عن موافقة ودليل، لكان الظاهر عدم مخالفته لذلك الدليل. وأما إن حدث تابعي مخالف، مع إصرار الباقين على السكوت، فالظاهر أنه لا يعتد بمخالفته في مقابلة الاجماع الظاهر. احتج المخالفون بالنص والآثار والمعقول: أما النص فقوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس) * (2) البقرة: 143) ووجه الدلالة أنه جعلهم حجة على الناس، ومن جعل إجماعهم مانعا لهم من الرجوع، فقد جعلهم حجة على أنفسهم. وأما الآثار، فمنها ما روي عن علي، عليه السلام، أنه قال اتفق رأيي ورأي عمر على أن لا تباع أمهات الاولاد، والآن فقد رأيت بيعهن، أظهر الخلاف بعد الوفاق، ودليله قول عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك. وقول عبيدة دليل سبق الاجماع. ومنها أن عمر خالف ما كان عليه أبو بكر والصحابة في زمانه من التسوية في القسم، وأقره الصحابة أيضا على ذلك. ومنها أن عمر حد الشارب ثمانين، وخالف ما كان أبو بكر والصحابة عليه من الحد أربعين. وأما المعقول، فمن أربعة أوجه. الاول أن إجماعهم ربما كان عن اجتهاد وظن، ولا حجر على المجتهد إذا تغير اجتهاده، وإلا كان الاجتهاد مانعا من الاجتهاد، وهو ممتنع. وذلك، لان العادة جارية بأن الرأي والنظر عند المراجعة وتكرر النظر يكون أوضح وأصح. ويدل عليه قوله تعالى: * (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي) * (11) هود: 27) جعلوا بادي الرأي ذما وطعنا، فلا يجوز أن يكون محكما على الرأي الثاني. الوجه الثاني أنه لو لم تعتبر المخالفة في عصرهم، لبطل مذهب المخالف لهم في عصرهم بموته، لان من بقي بعده كل الامة، وذلك خلاف الاجماع.

[ 259 ]

الوجه الثالث: أن قول الجماعة لا يزيد على قول النبي عليه السلام، ووفاة النبي شرط في استقرار الحجة فيما يقوله. فاشتراط ذاك في استقرار قول الجماعة أولى. الوجه الرابع أنه لو لم يشترط انقراض العصر، وإلا فبتقدير أن يتذكر واحد منهم أو جماعة منهم أو جملتهم، حديثا عن رسول الله، على خلاف إجماعهم. فإن جاز رجوعهم إليه، كان الاجماع الاول خطأ، وإن لم يجز الرجوع، كان استمرارهم على الحكم، مع ظهور دليل يناقضه، وهو أيضا خطأ، ولا مخلص منه إلا باشتراط انقراض العصر. والجواب عن الآية من وجهين: الاول أنه لا يلزم من وصفهم بأنهم شهداء على الناس وحجة على غيرهم امتناع كون أقوالهم حجة على أنفسهم، إلا بطريق المفهوم، ولا حجة فيه على ما يأتي، بل ربما كان قبول قولهم على أنفسهم أولى من قبوله على غيرهم لعدم التهمة، وتكون فائدة التخصيص التنبيه بالادنى على الاعلى. ولهذا، فإنه قد يقبل إقرار المرء على نفسه، وإن كان لا تقبل شهادته على غيره. الثاني أن المراد بجعلهم شهداء على الناس في يوم القيامة بإبلاغ الانبياء إليهم، فلا يكون ذلك حجة فيما نحن فيه. وعن الآثار: أما قول علي، فليس فيه ما يدل على اتفاق الامة، وإلا قال: أيي ورأي الامة. والذي يدل على ذلك أنه قد نقل أن جابر بن عبد الله كان يرى جواز بيعهن في زمن عمر، ومع مخالفته، فلا إجماع. وقول السلماني ليس فيه أيضا ما يدل على اتفاق الجماعة على ذلك. لانه يحتمل أنه أراد به رأيك مع رأي الجماعة، ويحتمل أنه أراد به رأيك في زمن الجماعة والالفة والطاعة للامام أحب إلينا من رأيك في زمن الفتنة وتشتيت الكلمة، نفيا للتهمة عن علي في تطرقها إليه في

[ 260 ]

مخالفة الشيخين، وبتقدير أن يكون علي قد خالف بعد انعقاد الاجماع، فلعله كان ممن يرى اشتراط انقراض العصر. ولا حجة في قول المجتهد الواحد في محل النزاع. وأما قضية التسوية، فلا نسلم أن عمر خالف فيها بعد الوفاق، فإنه روي أنه خالف أبا بكر في ذلك في زمانه، وقال له: أتجعل من جاهد في سبيل الله بنفسه وماله كمن دخل في الاسلام كرها ؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجرهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ. ولم يرو أن عمر رجع إلى قول أبي بكر، وإنما فضل في زمانه وعود الامر إليه، لانه كان مصرا على المخالفة. وأما حده للشارب ثمانين، فغايته أنه خالف الاجماع السكوتي، ونحن نقول بجواز ذلك لكونه كان من جملة الساكتين على ما بيناه في المسألة المتقدمة. وعن الحجة الاولى: من المعقول أنه، وإن كان مصير كل واحد من المجتهدين إلى الحكم عن اجتهاد وظن، ولكن بعد اتفاقهم على الحكم إنما يجوز الرجوع عنه بالاجتهاد أن لو لم يصر الحكم بإجماعهم قطعيا. وأما إذ صار قطعيا فيمتنع العود عنه وتركه بالاجتهاد الظني. وهذا بخلاف العود عن الاجتها الظني بالاجتهاد الظني. وعن الثانية: أنه قد ذهب بعض من نص هذا المذهب إلى إبطال مذهب المخالف بموته، وقال بانعقاد إجماع من بقي ومنهم من قال: إنما لم يبطل مذهبه، ولا ينعقد الاجماع بعده، لان من بعده ليس هم كل الامة بالنسبة إلى هذه المسألة التي خالف فيها الميت، فإن فتواه لا تبطل بموته، وهو الحق. وعن الثالثة: بالفرق بين النبي، عليه السلام، والامة، أن قوله إنما لم يستقر قبل موته لامكان نسخه من الله تعالى، وهو مرتقب. وذلك إنما هو بالوحي القاطع، ورفع القاطع بالقاطع على طريق النسخ غير ممتنع بخلاف رفع حكم الاجماع القاطع بطريق الاجتهاد. وعن الرابعة: أن ما فرضوه من تذكر الخبر المخالف لاجماعهم فهو فرض محال، بل الله تعالى يعصم الامة عن الاجماع على خلاف الخبر، وذلك يوجب إما عدم الخبر المخالف، أو أن يعصم الراوي له عن النسيان إلى تمام انعقاد الاجماع. وعلى هذا، يكون الحكم فيما يقال من اطلاع التابعين على خبر مخالف للاجماع السابق.

[ 261 ]

المسألة السابعة عشرة اتفق الكل على أن الامة لا تجتمع على الحكم إلا عن مأخذ ومستند يوجب اجتماعها خلافا لطائفة شاذة، فإنهم قالوا بجواز انعقاد الاجماع عن توفيق لا توقيف بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير مستند. وقد احتج النافون لذلك بمسالك: المسلك الاول: إنهم قالوا مع فقد الدليل والمستند لا يجب الوصول إلى الحق، أي لا يلزم. ولقائل أن يقول: متى لا يلزم ذلك، إذا لم تجمع الامة على الحكم، أو إذا أجمعت ؟ الاول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع، فإنه ما المانع أنهم إذا اتفق إجماعهم، أن يوفقهم الله تعالى للصواب، ضرورة استحالة إجماعهم على الخطإ لما سبق في المسالك السمعية، والكلام إنما هو في جواز ذلك لا في وقوعه. المسلك الثاني: إن الصحابة ليسوا بآكد حالا من النبي عليه السلام. ومعلوم أنه لا يقول ولا يحكم إلا عن وحي على ما نطق به النص، فالامة أولى أن لا تقول إلا عن دليل. ولقائل أن يقول: إذا دل الدليل على امتناع الخطإ على الرسول فيما يقول، وكذلك الامة، فلو قال الرسول قولا. وحكم بحكم عن غير دليل، لما كان إلا حقا ضرورة استحالة الخطإ عليه، غير أنه امتنع منه الحكم والقول من غير دليل لقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3 - 4) وأما الامة فقد دل الدليل على استحالة الخطإ عليهم فيما أجمعوا عليه، ولم يدل على أنهم لا يحكمون إلا عن دليل، فافترقا.

[ 262 ]

المسلك الثالث: إنه لو جاز أن يحكموا من غير مستند، لجاز ذلك لكل واحد منهم، فإنهم إنما يجمعون على الحكم بأن يقول كل واحد به، ولو جاز ذلك لآحادهم، لم يكن للجمع في ذلك مزية على الآحاد. ولقائل أن يقول: المزية للجمع على الآحاد من وجهين: الاول أن إجماعهم يكون حجة بخلاف قول كل واحد من الآحاد. الثاني أن جواز ذلك للآحاد مشروط بضم قول الباقي إليه، لا أنه جائز من غير ضم، ولا كذلك قول الجميع، فإنه جائز على الاطلاق. المسلك الرابع: إن القول في الدين من غير دلالة ولا أمارة خطأ، فلو اتفقوا عليه كانوا مجمعين على الخطإ، وذلك محال قادح في الاجماع. ولقائل أن يقول: متى يكون ذلك خطأ إذا لم تجمع الامة عليه، أو إذا أجمعت ؟ الاول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع. المسلك الخامس: إن المقالة إذا لم تستند إلى دليل لا يعلم انتسابها إلى وضع الشارع، وما يكون كذلك لا يجوز الاخذ به. ولقائل أن يقول: إما أن يراد بأنه لا يعرف انتسابها إلى وضع الشارع، أنه لا يعرف ذلك عن دليل شرعي، أو أنه لا يعلم كونها مصيبة لحكم الشارع أو معنى آخر: الاول مسلم، وهذا هو عين صورة الواقع المختلف فيه. والثاني دعوى محل النزاع، والثالث فلا بد من تصويره والدلالة عليه.

[ 263 ]

المسلك السادس: أنه لو جاز انعقاد الاجماع من غير دليل لم يكن لاشتراط الاجتهاد في قول المجمعين معنى، وهو محال، لان اشتراط الاجتهاد مجمع عليه. ولقائل أن يقول: الاجتهاد مشترط لا حالة الاجماع، أو حالة الاجماع ؟ الاول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع. فإن الخصم إذا قال بجواز الاصابة وامتناع الخطإ على الاجماع من غير دليل، كيف يسلم اشتراط الاجتهاد في مثل هذه الصورة. فهذه جملة ما ظفرت به من مسالك النافين وليس شئ منها موجبا لاستبعاد مقالة المخالف والحكم ببعده عن الصواب. وأما المثبتون فقد احتجوا بمسلكين: الاول أن الاجماع حجة، فلو افتقر في جعله حجة إلى دليل، لكان ذلك الدليل هو الحجة في إثبات الحكم المجمع عليه، ولم يكن في إثبات كون الاجماع حجة فائدة وهو باطل من ثلاثة أوجه. الاول: أنه أمكن أن يقال فائدة كون الاجماع حجة، جواز الاخذ به وإسقاط البحث عن ذلك الدليل وحرمة المخالفة الجائزة قبل الاتفاق. الثاني: أن ما ذكروه يوجب عدم انعقاد الاجماع عن الدليل ولم يقولوا به. الثالث: أنه ينتقض بقول الرسول، فإنه حجة بالاتفاق مع أنه لا يقول ما يقوله إلا عن دليل، وهو ما يوحى به إليه على ما نطق به النص. المسلك الثاني: استدلالهم بالواقع، وهو أنهم قالوا: قد انعقد الاجماع من غير دليل كإجماعهم على أجرة الحمام، وناصب الحباب على الطريق، وأجرة الحلاق، وأخذ الخراج ونحوه. ولقائل أن يقول: لا نسلم وقوع شئ من الاجماعات إلا عن دليل غايته أنه لم ينقل الاكتفاء بالاجماع عنه وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فالواجب أن يقال: إنهم إن أجمعوا عن غير دليل، فلا يكون إجماعهم إلا حقا ضرورة استحالة الخطإ عليهم. وأما أن يقال إنه لا يتصور إجماعهم إلا عن دليل أو يتصور، فذلك مما قد ظهر ضعف المأخذ فيه من الجانبين.

[ 264 ]

المسألة الثامنة عشرة القائلون بأنه لا ينعقد الاجماع إلا عن مستند اختلفوا في جواز انعقاده عن الاجتهاد والقياس. فجوزه الاكثرون، لكن اختلفوا في الوقوع نفيا وإثباتا. والقائلون بثبوته اختلفوا فمنهم من قال إن الاجماع مع ذلك يكون حجة تحرم مخالفته، وهم الاكثرون، ومنهم من قال لا تحرم مخالفته، لان القول بالاجتهاد في ذلك يفتح باب الاجتهاد ولا يحرمه. وذهبت الشيعة وداود الظاهري وابن جرير الطبري إلى المنع من ذلك. ومن الناس من قال بجواز ذلك بالقياس الجلي دون الخفي. والمختار جوازه ووقوعه. وأنه حجة تمتنع مخالفته. أما دليل الجواز العقلي، فهو أنا قد وجدنا الخلق الكثير الزائد على عدد التواتر مجمعين على أحكام باطلة لا تستند إلى دليل قطعي ولا دليل ظني، كما ذكرناه في مسألة تصور انعقاد الاجماع. فجواز انعقاد الاجماع عن الدليل الظني الظاهر أولى كيف وأنا لو قدرنا وقوع ذلك لما لزم عنه لذاته محال عقلا، ولا معنى للجائز سوى هذا. وأما دليل الوقوع فهو أن الصحابة أجمعت على إمامة أبي بكر من طريق الاجتهاد والرأي، حتى قال جماعة منهم رضيه رسول الله لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا ؟ وقال بعضهم: إن تولوها أبا بكر، تجدوه قويا في أمر الله، ضعيفا في بدنه وأيضا فإنهم اتفقوا على قتال مانعي الزكاة بطريق الاجتهاد، حتى قال أبو بكر: والله لا فرقت بين ما جمع الله، قال الله أقيموا الصلاة، وآتو الزكاة. وأجمعوا على تحريم شحم الخنزير قياسا على تحريم لحمه، وأجمعوا على إراقة الشيرج والدبس السيال، إذا وقعت فيه فأرة وماتت، قياسا على فأرة السمن، وعلى تأمير خالد بن الوليد في موضع كانوا فيه باجتهادهم.

[ 265 ]

وأجمعوا في زمن عمر على حد شارب الخمر ثمانين بالاجتهاد، حتى قال علي عليه السلام، إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فأرى أن يقام عليه حد المفترين. وقال عبد الرحمن بن عوف: هذا حد، وأقل الحدود ثمانون. وأجمعوا أيضا بطريق الاجتهاد على جزاء الصيد، ومقدار أرش الجناية، ومقدار نفقة القريب وعدالة الائمة والقضاة، ونحو ذلك. وإذا ثبت الجواز والوقوع، وجب أن يكون حجة متبعة لما ثبت في مسألة كون الاجماع حجة. فإن قيل: ما ذكرتموه من دليل الجواز معارض بما يدل على عدمه، وبيانه من خمسة أوجه: الاول: أنه ما من عصر إلا وفيه جماعة من نفاة القياس، وذلك مما يمنع من انعقاد الاجماع مستندا إلى القياس. الثاني: أن القياس أمر ظني. وقوى الناس وأفهامهم مختلفة في إدراك الوقوف عليه، وذلك مما يحيل اتفاقهم على إثبات الحكم به عادة، كما يستحيل اتفاقهم على أكل طعام واحد في وقت واحد لاختلاف أمزجتهم. الثالث: أن الاجماع دليل مقطوع به، حتى إن مخالفه يبدع ويفسق، والدليل المظنون الثابت بالاجتهاد على ضده وذلك مما يمنع إسناد الاجماع إليه. الرابع: أن الاجماع أصل من أصول الادلة، وهو معصوم عن الخطإ. والقياس فرع وعرضة للخطإ. واستناد الاصل وما هو معصوم عن الخطإ إلى الفرع وما هو عرضة للخطإ ممتنع. الخامس: أن الاجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد، فلو انعقد الاجماع عن اجتهاد أو قياس، لحرمت المخالفة الجائزة بالاجماع، وذلك تناقض. وأما ما ذكرتموه من دليل الوقوع، فلا نسلم أن إجماعهم في جميع صور الاجماع كان عن القياس والاجتهاد، بل إنما كان ذلك عن نصوص ظهرت للمجمعين منها ما ظهر لنا، وذلك كتمسك أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله تعالى:

[ 266 ]

* (أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) وباستثناء النبي عليه السلام وهو قوله (إلا) بحقها من قوله: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وكاستدلال الصحابة على تقديم أبي بكر بفعل النبي عليه السلام حيث قالوا: أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله ومنها ما لم يظهر لنا للاكتفاء بالاجماع عن نقله. والجواب: عن الوجه الاول أنا لا نسلم وقوع الخلاف في القياس في العصر الاول ليصح ما ذكروه. ووجدوه الخلاف بعده في القياس غايته المنع من وقوع انعقاد الاجماع على القياس بعد ظهور الخلاف فيه، ولا يمنع من ذلك مطلقا. كيف وهو منقوض بخبر الواحد، فإنه مختلف فيه وفي أسباب تزكيته، ومع ذلك فقد وافقوا على انعقاد الاجماع بناء عليه. وعن الثاني: أن القياس إذا ظهر وعدم الميل والهوى، فلا يبعد اتفاق العقلاء عليه، ويكون داعيا إلى الحكم به. وإن تعذر ذلك في وقت معين لتفاوت أفهامهم وجدهم في النظر والاجتهاد، فلا يتعذر ذلك في أزمنة متطاولة، كما لا يتعذر اتفاقهم على العمل بخبر الواحد، مع أن عدالته مظنونة بما يظهر من الامارات الدالة عليها والاسباب الموجبة لتزكيته. وهذا بخلاف اتفاق الكافة على أكل طعام واحد. فإن اختلاف أمزجتهم موجب لاختلاف أغراضهم وشهواتهم، ولا داعي لهم إلى الاجتماع عليه، كما وجد الداعي لهم عند ظهور القياس إلى الحكم بمقتضاه. وعن الثالث من وجهين: الاول أن الامة إذا اتفقت على ثبوت حكم القياس، فإجماعهم على ذلك يسبقه إجماعهم على صحة ذلك القياس، وبذلك يخرج عن كونه ظنيا، فإذا استناد الاجماع القطعي إنما هو إلى قطعي لا إلى ظني، الثاني أن ما ذكروه ينتقض بما وافقوا عليه من انعقاد الاجماع. بناء على خبر الواحد مع كونه ظنيا، والاجماع المستند إليه قطعي، فما هو الجواب في صورة الالزام يكون جوابا في محل النزاع.

[ 267 ]

وعن الرابع: أن القياس الذي هو مستند الاجماع ليس هو فرعا للاجماع بل لغيره من الكتاب والسنة، وذلك لا يتحقق معه بناء الاجماع على فرعه. قولهم إن القياس عرضة للخطإ بخلاف بالاجماع، فجوابه ما سبق في جواب الوجه الذي قبله. وعن الخامس: أن الاجماع إنما انعقد على جواز مخالفة المجتهد المنفرد باجتهاده، كالواحد والاثنين، دون اجتهاد الامة. قولهم الامة في الصورة المذكورة إنما أجمعت على نصوص. قلنا وإن أمكن التشبث بما أوردوه من النصوص في بعض الصور، فما العذر فيما لا يظهر فيه نص مع تصريحهم بالقياس وإلحاق صورة بصورة فيما ذكرناه، ولو كان لهم فيها نص، لما عدلوا عنه إلى التصريح بالقياس، وإذا ثبت جواز انعقاد الاجماع عن القياس وعن غيره من الادلة الظنية، فلو ظهر دليل من الادلة الظنية، ورأينا الامة قد حكمت بمقتضاه، وإن غلب على الظن كون هو المستند، فلا يجب تعينه لجواز أن المستند غيره لتكثر الادلة في نفس الامر، خلافا لابي عبد الله البصري.

[ 268 ]

المسألة التاسعة عشرة إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، هل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث ؟ اختلفوا فيه: فذهب الجمهور إلى المنع من ذلك، خلافا لبعض الشيعة وبعض الحنفية وبعض أهل الظاهر، وذلك كما لو قال بعض أهل العصر إن الجارية الثيب إذا وطئها المشتري، ثم وجد بها عيبا، يمنع الرد، وقال بعضهم بالرد مع العقر، فالقول بالرد مجانا قول ثالث. وكذلك لو قال بعضهم: الجد يرث جميع المال مع الاخ، وقال بعضهم بالمقاسمة، فالقول بأنه لا يرث شيئا قول ثالث. وكذلك إذا قال بعضهم: النية معتبرة في جميع الطهارات، وقال البعض النية معتبرة في البعض دون البعض، فالقول بأنها لا تعتبر في شئ من الطهارات قول ثالث. وفي معنى هذا ما لو قال بعضهم: بجواز فسخ النكاح بالعيوب الخمسة، وقال البعض لا يجوز الفسخ بشئ منها، فالقول بالفسخ بالبعض دون البعض قول ثالث. وكذلك إذا قال بعضهم في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين، للام ثلث الاصل في المسألتين، وقال بعضهم لها ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج والزوجة، فالقول بأن لها ثلث الاصل في إحدى المسألتين وثلث ما يبقى في المسألة الاخرى قول ثالث. احتج الغزالي على امتناع القول الثالث بأنه لو جاز القول الثالث فإما أن لا يكون له دليل أو له دليل. فإن كان الاول، فالقول به ممتنع، وإن كان الثاني، يلزم منه نسبته الخطأ إلى الامة بنسبتهم إلى تضييعه والغفلة عنه، وهو محال وهو ضعيف. فإنه إنما يلزم

[ 269 ]

من ذلك نسبة الامة إلى الخطإ، أن لو كان الحق في المسألة معينا وهو ليس كذلك على ما سيأتي، وإذا كان كل مجتهد مصيبا، فالتخطئة تكون ممتنعة. واحتج القاضي عبد الجبار على ذلك بأن الامة إذا اختلفت على قولين، فقد أجمعت من جهة المعنى على المنع من إحداث قول ثالث، لان كل طائفة توجب الاخذ بقولها أو بقول مخالفها، ويحرم الاخذ بغير ذلك، وهو ضعيف أيضا، وذلك لان الخصم إنما يسلم إيجاب كل واحدة من الطائفتين الاخذ بقولها أو قول مخالفها بتقدير أن لا يكون اجتهاد الغير قد يفضي إلى القول الثالث. والمختار في ذلك إنما هو التفصيل. وهو أنه إن كان القول الثالث مما يرفع ما اتفق عليه القولان، فهو ممتنع لما فيه من مخالفة الاجماع، وذلك كما في مسألة الجارية المشتراة، فإنه إذا اتفقت الامة فيها على قولين، وهما امتناع الرد، والرد مع العقر فالقولان متفقان على امتناع الرد مجانا، فالقول به يكون خرقا للاجماع السابق. وكذلك في مسألة الجد، فإنه إذا اتفقت الامة على قولين، وهما استقلاله بالميراث ومقاسمته للاخ، فقد اتفق الفريقان على أن للجد قسطا من المال، فالقول الحادث أنه لا يرث شيئا يكون خرقا للاجماع. وكذلك في مسألة النية في الطهارة إذا اتفقت الامة فيها على قولين، وهما اعتبار النية في جميع الطهارات، وعلى اعتبارها في البعض دون البعض، فقد اتفق القولان على اعتبارها في البعض، فالقول المحدث النافي لاعتبارها مطلقا يكون خرقا للاجماع السابق. وأما إن كان القول الثالث لا يرفع ما اتفق عليه القولان بل وافق كل واحد من القولين من وجه، وخالفه من وجه، فهو جائز، إذ ليس فيه خرق الاجماع، وذلك كما لو قال بعضهم باعتبار النية في جميع الطهارات، وقال البعض بنفي اعتبارها في جميع الطهارات، فالقول الثالث، وهو اعتبارها في البعض دون البعض، لا يكون خرقا للاجماع. لان خرق الاجماع إنما هو القول بما

[ 270 ]

يخالف ما اتفق عليه أهل الاجماع. وهاهنا ليس كذلك، فإن القائل بالنفي في البعض والاثبات في البعض قد وافق في كل صورة مذهب ذي مذهب، فلم يكن مخالفا للاجماع، لا في صورة اعتبار النية، لكونه موافقا لقول من قال باعتبارها في الكل، ولا في صورة النفي لكونه موافقا لمن قال بنفي الاعتبار في الكل. وكدلك لو قال بعضهم بأنه لا يقتل المسلم بالذمي، ولا يصح بيع الغائب، وقال بعضهم بجواز قتل المسلم بالذمي، وبصحة بيع الغائب، فمن قال بجواز قتل المسلم بالذمي، وبنفي صحة بيع الغائب، أو بالعكس، لم يكن خارقا للاجماع من غير خلاف، وكان ذلك جائزا له. وعلى هذا، يكون الحكم في مسألة فسخ النكاح بالعيوب الخمسة. فإن قيل: فمن قال بالاثبات مطلقا لم يقل بالتفصيل. وكذلك من قال بالنفي مطلقا، فالقول بالتفصيل قول لم يقل به قائل. قلنا: وعدم القائل به مما لا يمنع من القول به، وإلا لما جاز أن يحكم واقعة متجددة بحكم، إذا لم يكن قد سبق فيها لاحد قول، وهو خلاف الاجماع. فإن قيل: فكل من القائلين بالنفي والاثبات مطلقا قائل بنفي التفصيل، فالقول بالتفصيل يكون خرقا للاجماع. قلنا: لا نسلم ذلك، فإن قول كل واحد منهما بنفي التفصيل إما أن يعرف من صريح مقاله، أو من قوله بالنفي أو الاثبات مطلقا: الاول ممنوع، حتى أن كل واحد من الفريقين لو صرح بنفي التفصيل، لما ساغ القول بالتفصيل، والثاني غير مستلزم للقول بنفي التفصيل، وإلا لامتنع القول بالتفصيل فيما ذكرناه من مسألة المسلم بالذمي وبيع الغائب، وهو ممتنع. فإن قيل: القول بالتفصيل فيه تخطئة كل واحد من الفريقين في بعض ما ذهب إليه، وتخطئة الفريقين تخطئة للامة، وذلك محال.

[ 271 ]

قلنا: المحال إنما هو تخطئة الامة فيما اتفقوا عليه. وأما تخطئة كل بعض فيما لم يتفق عليه لا يكون محالا. وعلى هذا، يجوز انقسام الامة إلى قسمين، وكل قسم مخطئ في مسألة لما ذكرناه، وإن خالف فيه الاكثرون. (شبه المخالفين) الاولى: أن اختلاف الامة على قولين دليل تسويغ الاجتهاد، والقول الثالث حادث عن الاجتهاد، فكان جائزا. الثانية: أنهم قالوا: أجمعنا على أن الصحابة لو انقرض عصرهم، وكانوا قد استدلوا في مسألة من المسائل بدليلين، فإنه يجوز للتابعي الاستدلال بدليل ثالث، فكذلك القول الثالث. الثالثة: أنهم قالوا: دليل جواز إحداث قول ثالث الوقوع من غير إنكار من الامة، فمن ذلك أن الصحابة اختلفوا في مسألة زوج وأبوين وزوجة وأبوين، فقال ابن عباس للام ثلث الاصل بعد فرض الزوج والزوجة، وقال الباقون للام ثلث الباقي بعد فرض الزوج والزوجة، وقد أحدث التابعون قولا ثالثا، فقال ابن سيرين بقول ابن عباس في زوج وأبوين دون الزوجة والابوين وقال تابعي آخر بالعكس. ومن ذلك أن الصحابة اختلفوا في قوله: أنت علي حرام على ستة أوجه، فأحدث مسروق، وهو من التابعين، مذهبا سابعا، وهو أنه لا يتعلق بقوله حكم. والجواب عن الشبهة الاولى أن ذلك يدل على تسويغ الاجتهاد منهم أو من غيرهم ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع. وعن الثانية بالفرق، وبيانه من وجهين: الاول أن الاستدلال بدليل ثالث يؤكد ما صارت إليه الامة من الحكم، ولا يبطله بخلاف القول الثالث، على ما حققناه.

[ 272 ]

الثاني أن اتفاقهم على دليل واحد لا يمنع من دليل آخر. ومع ذلك، فإن اتفاقهم على حكم واحد مانع من إبداع حكم آخر مخالف له، فافترقا. وعن الثالثة: أما مسألة الزوج والزوجة مع الابوين، فهي من قبيل ما لا يرفع ما اتفق عليه الفريقان، بل قول ابن سيرين وغيره من التابعين فيما ذهبا إليه غير مخالف للاجماع، بل هو قائل في كل صورة بمذهب ذي مذهب، كما قررناه. وبتقدير أن يكون رافعا لما اتفق عليه الفريقان، فلا يخلو إما أن يكون لم يستقر قول جميع الصحابة على القولين، بل قول البعض، أو قد استقر عليهما قول جميع الصحابة، فإن كان الاول، فليس فيه مخالفة الاجماع، بل مخالفة البعض، وإن كان الثاني، فإما أن يكون قد خالفهم في وقت اتفاقهم على القولين، أو بعد ذلك، فإن كان الاول فهو من أهل الاجماع، وقد خالفهم حالة اتفاقهم على القولين فلا يكون بذلك خارقا للاجماع، وإن قدر إحداث قوله بعد ذلك فهو مردود غير مقبول، وعدم نقل الانكار لا يدل على عدمه في نفسه. وعلى هذا، يكون الجواب في مسألة أنت علي حرام.

[ 273 ]

المسألة العشرون إذا استدل أهل العصر في مسألة بدليل، أو تأولوا تأويلا فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر ؟ لا يخلو إما أن يكون أهل ذلك العصر قد نصوا على إبطال ذلك الدليل وذلك التأويل، أو على صحته، أو سكتوا عن الامرين. فإن كان الاول، لم يجز إحداثه لما فيه من تخطئة الامة فيما أجمعوا عليه. وإن كان الثاني، جاز إحداثه، إذ لا تخطئة فيه. وإن كان الثالث، فقد ذهب الجمهور إلى جوازه، ومنع منه الاقلون. والمختار جوازه، إلا إذا لزم من ذلك القدح فيما أجمع عليه أهل العصر. ودليل ذلك أنه إذا لم يلزم منه القدح فيما أجمعوا عليه، كان ذلك جائزا، كما لو لم يسبقه تأويل أو دليل آخر. ولهذا فإن الناس في كل عصر لم يزالوا يستخرجون الادلة والتأويلات المغايرة لادلة من تقدم وتأويلاته، ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعا. فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالكتاب والسنة والمعقول: أما الكتاب، فقوله تعالى: * (ويتبع غير سبيل المؤمنين) * (4) النساء: 115) والدليل والتأويل الثاني ليس هو سبيل المؤمنين. وأيضا قوله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف) * (3) آل عمران: 110) دل على أنهم يأمرون بكل معروف، لانه ذكر المعروف بالالف واللام المستغرقة للجنس، ولو كان الدليل والتأويل الثاني معروفا لامروا به، وحيث لم يأمروا به لم يكن معروفا، فكان منكرا. وأما السنة، فقوله عليه السلام: أمتي لا تجتمع على الخطإ وقد ذهبوا عن الدليل والتأويل الثاني، فلا يكون ذهابهم عنه خطأ. ولو كان دليلا صحيحا، أو تأويلا صحيحا لكان الذهاب عنه خطأ وهو محال.

[ 274 ]

وأما المعقول، فهو أنه لو جاز أن يذهب على أهل العصر الاول الدليل الثاني، لجاز أن يوحي الله تعالى إلى النبي، عليه السلام، بدليلين على حكم واحد، والنبي عليه السلام، يشرع الحكم لاحد الدليلين، ويذهب عن الآخر، وهو ممتنع. والجواب: عن الآية الاولى أن الذم فيها، إما أن يكون على ترك العمل بما اتفقوا عليه من إثبات أو نفي، وإما بسلوك ما لم يتعرضوا له بنفي ولا إثبات: الاول مسلم، غير أنه لا تحقق له فيما نحن فيه، فإن المحدث للدليل والتأويل الثاني غير تارك لدليل أهل العصر الاول، ولا لتأويلهم، بل غايته ضم دليل إلى دليل، وتأويل إلى تأويل، ولا هو تارك لما نهوا عنه من الدليل والتأويل الثاني، إذ الكلام فيما إذا لم يكن قد نهوا عنه. والثاني مما لاسبيل إلى حمل الآية عليه، لما فيه من إلحاق الذم بما لا تعرض فيه لابطال الاجماع لا بنفي ولا إثبات. وعن الآية الثانية أنها مشتركة الدلالة، وذلك لان قوله: * (وتنهون عن المنكر) * يقتضي كونهم ناهين عن كل منكر لما ذكروه من لام الاستغراق. ولو كان الدليل والتأويل الثاني منكرا، لنهوا عنه، ولم ينهوا عنه، فلا يكون منكرا. وعن السنة أن ذهابهم عن الدليل والتأويل الثاني مع صحته إنما يكون خطأ، أن لو لم يستغنوا عنه بدليلهم وتأويلهم. وعن المعقول أنه قياس من غير جامع صحيح، فلا يقبل كيف وإنه لا يخلو إما أن يكون مع تعريفه الحكم الواحد بدليلين قد كلف إثبات الحكم بهما أو بأحدهما، فإن كان الثاني فلا مانع من إثباته للحكم بأحدهما دون الآخر، وإن كان الاول فلا يلزم من امتناع إثباته للحكم بأحد الدليلين مع تكليفه إثبات الحكم بهما امتناع إثبات الامة للحكم بأحد الدليلين دون الآخر إلا أن يكونوا قد كلفوا بذلك، وهو غير مسلم.

[ 275 ]

المسألة الحادية والعشرون إذا اختلف أهل عصر من الاعصار في مسألة من المسائل على قولين واستقر خلافهم في ذلك، ولم يوجد له نكير: فهل يتصور انعقاد إجماع من بعدهم على أحد القولين، بحيث يمتنع على المجتهد المصير إلى القول الآخر، أم لا ؟ ذهب أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو الحسن الاشعري، وإمام الحرمين، والغزالي وجماعة من الاصوليين إلى امتناعه. وذهب المعتزلة وكثير من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة إلى جوازه. والاول هو المختار، وذلك لان الامة إذا اختلفت على القولين، واستقر خلافهم في ذلك بعد تمام النظر والاجتهاد، فقد انعقد إجماعهم على تسويغ الاخذ بكل واحد من القولين باجتهاد أو تقليد، وهم معصومون من الخطإ فيما أجمعوا عليه، على ما سبق من الادلة السمعية. فلو أجمع من بعدهم على أحد القولين على وجه يمتنع على المجتهد المصير إلى القول الآخر، مع أن الامة في العصر الاول مجمعة على جواز الاخذ به، ففيه تخطئة أهل العصر الاول فيما ذهبوا إليه. ويستحيل أن يكون الحق في جواز الاخذ بذلك القول والمنع من الاخذ به معا، فلا بد وأن يكون أحد الامرين خطأ، أو يلزمه تخطئة أحد الاجماعين القاطعين، وهو محال، فثبت أن إجماع التابعين على أحد قولي أهل العصر الاول يفضي إلى أمر ممتنع، فكان ممتنعا. لكن ليس هذا الامتناع عقليا، بل سمعيا.

[ 276 ]

فإن قيل: اتفاق أهل العصر على قولين لا يلزم منه اتفاقهم على تجويز الاخذ بكل واحد منهما، لان أحد القولين لا بد وأن يكون خطأ لقوله عليه السلام: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران وإجماع الامة على تجويز الاخذ بالخطإ خطأ، وإن سلمنا إجماعهم على ذلك ولكن ما المانع أن يقال بأن أهل العصر الاول إنما اتفقوا على تسويغ الاجتهاد والاخد بكل واحد من القولين بشرط أن لا يظهر إجماع كاتفاقهم على أن فرض العادم للماء هو التيمم مشروطا بعدم الماء. فإذا وجد الماء، زال حكم ذلك الاجماع. سلمنا أن إجماعهم على ذلك غير مشروط، ولكن إجماعهم على ذلك يدل على جواز الاخذ بأحد القولين. فإذا أجمع أهل العصر الثاني على أحد القولين، فإجماعهم عليه موافق لاجماع أهل العصر الاول على جواز الاخذ به، إلا أنه مخالف لاجماعهم وما يكون موافقا للاجماع لا يكون ممتنعا سمعا. سلمنا دلالة ما ذكرتموه على الامتناع، لكنه معارض بما يدل على جوازه، وبيانه بالوقوع، وذلك أن الصحابة اتفقوا على دفن رسول الله (ص) في بيت عائشة بعد اختلافهم في موضع دفنه، واتفقوا على إمامة أبي بكر بعد اختلافهم في من يكون إماما، اتفقوا على قتال مانعي الزكاة بعد اختلافهم في ذلك، واتفق التابعون على منع بيع أمهات الاولاد بعد اختلاف الصحابة في ذلك، ولو كان الاتفاق بعد الخلاف ممتنعا، لما كان ذلك واقعا. والجواب عن السؤال الاول: لا نسلم أن أحد القولين لا بد وأن يكون خطأ، بل كل مجتهد في مسائل الاجتهاد مصيب على ما يأتي تحقيقه. وما ذكروه من الخبر فسيأتي تأويله كيف وإنه يجب اعتقاد الاصابة نظرا إلى إجماع الامة على جواز الاخذ بكل واحد من أقوال المجتهدين، ولو لم يكن صوابا،

[ 277 ]

وإلا كان إجماعهم على تجويز الاخذ بالخطإ، وهو محال. وعن السؤال الثاني أنه لو جوز مثل هذا الاشتراط في إجماعهم على مثل هذا الحكم، مع أن الامة أطلقوا ولم يشترطوا، لساغ مثل ذلك في كل إجماع، ولساغ أن تتفق الامة على قول واحد، ومن بعدهم على خلافه، لجواز أن يكون إجماعهم مشروطا بأن لا يظهر إجماع مخالف له، بل ولجاز للواحد من المجتهدين من بعدهم المخالفة، لما قيل من الشرط، وهو محال لان الاجماع منعقد على أن كل من خالف الاجماع المطلق الذي لم يظهر فيه ما ذكروه من الشرط فهو مخطئ آثم، وبه إبطال ما صار إليه أبو عبد الله البصري من جواز انعقاد الاجماع على خلاف الاجماع السابق. وعن السؤال الثالث أن إجماع أهل العصر الثاني، لم يكن محالا لنفس إجماعهم على أحد القولين، بل لما يستلزمه من امتناع الاخذ بالقول الآخر. وعن السؤال الرابع أن الاتفاق فيما ذكروه من مسألة الدفن والامامة وقتال مانعي الزكاة لم يكن بعد استقرار الخلاف فيما بينهم واستمرار كل واحد من المجتهدين على الجزم بما ذهب إليه، بل إنما كان ذلك الخلاف على طريق المشورة، كما جرت به العادة في حالة البحث عما ينبغي أن يعمل بين العقلاء بخلاف ما وقع النزاع فيه. سلمنا أنه كان ذلك الاتفاق بعد استقرار الخلاف، غير أنه اتفاق من المختلفين بأعيانهم، ومن شرط في الاجماع انقراض عصر المجتهدين، لم يمنع من رجوعهم أو رجوع بعضهم عما أجمعوا عليه، والخلاف معه إنما يتصور في المجمعين. على خلافهم بعد انقراض عصر الاولين. غير أن الجواب الاول هو المختار.

[ 278 ]

وأما مسألة أمهات الاولاد، وإن كان خلاف الصحابة قد استقر واستمر إلى انقراض عصرهم، فلا نسلم إجماع التابعين قاطبة على امتناع بيعهن فإن مذهب علي في جواز بيعهن لم يزل، بل جميع الشيعة وكل من هو من أهل الحول والعقد على مذهبه قائل به، وإلى الآن، وهو مذهب الشافعي في أحد قوليه. المسألة الثانية والعشرون إذا اختلف الصحابة أو أهل أي عصر كان في المسألة على قولين، فهل يجوز اتفاقهم بعد استقرار خلافهم على أحد القولين، والمنع من جواز المصير إلى القول الآخر. اختلفوا فيه: فمن اعتبر انقراض العصر في الاجماع، قطع بجوازه، ومن لم يعتبر انقراض العصر اختلفوا: فمنهم من جوزه بشرط أن يكون مستند اتفاقهم على الخلاف القياس والاجتهاد لا دليلا قاطعا، ومنهم من منع ذلك مطلقا، ولم يجوز انعقاد إجماعهم على أحد أقوالهم، وهو المختار. وذلك لانا بينا أن اتفاق الامة على الحكم ولو في لحظة واحدة، كان ذلك مستند إلى دليل ظني أو قطعي أنه يكون حجة قاطعة مانعة من مخالفته. وقد بينا في المسألة المتقدمة أن الامة إذا استقر خلافهم في المسألة على قولين، فهو إجماع منهم على تجويز الاخذ بكل واحد من القولين. فلو تصور إجماعهم على أحد القولين بعد ذلك، لزم منه المحال الذي بيناه في تقرير المسألة التي قبلها. وكل ما ورد في المسألة المتقدمة من الاعتراض والانفصال فهو بعينه متوجه هاهنا فعليك باعتباره ونقله إلى هاهنا. غير أن هذه المسألة تختص بسؤال آخر، وهو أن يقال: إذا اتفق جميع الصحابة، أو أهل أي عصر كان، على حكم، وخالفهم واحد منهم، فإنه لا يمتنع أن يظهر لذلك الواحد ما ظهر لباقي الامة، ومع ظهور ذلك له إن منعناه من المصير إلى

[ 279 ]

مقتضاه، فقد منعناه من الحكم بالدليل الذي ظهر له ولباقي الامة معه، وأوجبنا عليه الحكم بما يخالف ذلك، ويقطع ببطلانه، وهو محال. وإن لم نمنعه من العمل به، فقد حصل الوفاق منهم بعد الخلاف، وهو المطلوب. قلنا: لو ظهر له ما ظهر للامة فنحن لا نحيل عليه الرجوع إليه، ولكنا نقول باستحالة ظهوره عليه، لا من جهة العقل، بل من جهة السمع، وهو ما يفضي إليه من تعارض الاجماعين، ولزوم الخطإ في أحدهما، كما بيناه في المسألة المتقدمة. ولا فارق بينهما إلا من جهة أن أهل الاجماع في هذه المسألة هم الراجعون بأعيانهم عما أجمعوا عليه، والمخالفون لانفسهم بخلاف المسألة الاولى، وأن المخالف في المسألة الاولى قد يتوهم أن بعض الامة الخائضين في تلك المسألة التي اتفقوا عليها، وفي هذه السألة المجمعون هم كل الامة. ولذلك كان الاشكال في هذه المسألة أعظم منه في الاولى. وعلى هذا، نقول إنه إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، ثم مات أحد القسمين، وبقي القسم الآخر فإنه لا يكون قولهم إجماعا مانعا من الاخذ بالقول الآخر. والوجه في تقريره ما سبق، وإن خالف فيه قوم. المسألة الثالثة والعشرون هل يمكن وجود خبر أو دليل، ولا معارض له، وتشترك الامة في عدم العلم به ؟ اختلفوا فيه: فمنهم من جوزه، مصيرا منه إلى أنهم غير مكلفين بالعمل بما لم يظهر لهم، ولم يبلغهم، فاشتراكهم في عدم العلم به لا يكون خطأ، فإن عدم العلم ليس من فعلهم، وخطأ المكلف من أوصاف فعله. ومنهم من أحاله، مصيرا منه إلى أنهم لو اشتركوا في عدم العلم به، لكان ذلك سبيلا لهم، ولوجب على غيرهم اتباعه، وامتنع تحصيل العلم به، لقوله تعالى: * (ويتبع غير سبيل المؤمنين) * الآية.

[ 280 ]

والمختار أنه لا مانع من اشتراكهم في عدم العلم به، وإن كان عملهم موافقا لمقتضاه، لعدم تكليفهم بمعرفة ما لم يبلغهم ولم يظهر لهم. وأما الآية فلا حجة فيها هاهنا، لان سبيل كل طائفة ما كان من الافعال المقصودة لهم المتداولة فيما بينهم باتفاق منهم، على ما هو المتبادر إلى الفهم من قول القائل: سبيل فلان كذا، وسبيل فلان كذا. وعدم العلم ليس من فعل الامة، فلا يكون سبيلا لهم. كيف وإنا نعلم أن المقصود من الآية إنم اهو الحث على متابعة سبيل المؤمنين، ولو كان عدم العلم بالدليل سبيلا لهم، لكانت الآية حاثة على متابعته، والشارع لا يحث على الجهل بأدلته الشرعية إجماعا. وأما إن كان عملهم على خلافه، فهو محال، لما فيه من إجماع الامة على الخطإ، المنفي بالادلة السمعية. المسألة الرابعة والعشرون اختلفوا في تصور ارتداد أمة محمد، عليه السلام، في عصر من الاعصار، نفيا وإثباتا. ولا شك في تصور ذلك عقلا. وإنما الخلاف في امتناعه سمعا. والمختار امتناعه، لقوله عليه السلام: أمتي لا تجتمع على ضلالة، أمتي لا تجتمع على الخطإ إلى غير ذلك من الاحاديث السابقة الدالة على عصمة الامة عن فعل الخطإ والضلال. فإن قيل: حال ارتدادهم ليس هم من أمته، عليه السلام، فلا تكون الاخبار متناولة لهم. قلنا: الاخبار دالة على أن أمة محمد لا يصدق عليهم الاتفاق على الخطإ، وإذا ارتدت الامة صدق قول القائل: إن أمة محمد قد اتفقت على الردة، والردة من الخطإ. وذلك ممتنع.

[ 281 ]

المسألة الخامسة والعشرون اختلف العلماء في دية اليهودي: فمنهم من قال إنها مثل دية المسلم، ومنهم من قال إنها على النصف منها، ومنهم من قال إنها على الثلث. فمن حصرها في الثلث كالشافعي رحمة الله عليه اختلفوا فيه، فظن بعض الفقهاء أنه متمسك في ذلك بالاجماع، وليس كذلك، بل الحصر في الثلث، مشتمل على وجوب الثلث ونفي الزيادة، فوجوب الثلث مجمع عليه، ولا خلاف فيه. وأما نفي الزيادة فغير مجمع عليه، لوقوع الخلاف فيه بل نفيه عند من نفى إنما هو مستند إما إلى ظهور دليل في نظره بنفيه، من وجود مانع، أو فوات شرط، أو عدم المدارك، والاعتماد على استصحاب النفي الاصلي. وليس ذلك من الاجماع في شئ. المسألة السادسة والعشرون اختلفوا في ثبوت الاجماع بخبر الواحد، فأجازه جماعة من أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة رحمه الله والحنابلة، وأنكره جماعة من أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحابنا كالغزالي، مع اتفاق الكل، على أن ما ثبت بخبر الواحد لا يكون إلا ظنيا في سنده، وإن كان قطعيا في متنه. وحجة من قال بجوازه، النص والقياس: أما النص، فقوله عليه السلام: نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر ذكر (الظاهر) بالالف واللام المستغرقة، فدخل فيه الاجماع الثابت بخبر الواحد، لكونه ظاهرا ظنيا. وأما القياس، فهو أن خبر الواحد عن الاجماع مفيد للظن، فكان حجة كخبره عن نص الرسول. وحجة المانعين من ذلك أن كون الاجماع المنقول على لسان الآحاد أصل من أصول الفقه، كالقياس، وخبر الواحد عن الرسول، وذلك مما لم يرد من الامة

[ 282 ]

فيه إجماع قاطع يدل على جواز الاحتجاج به، ولا نص قاطع من كتاب أو سنة، وما عدا ذلك من الظواهر فغير محتج بها في الاصول، وإن احتج بها في الفروع. وبالجملة فالمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الاصل مقطوعا به، وعلى عدم اشتراطه. فمن اشترط القطع، منع أن يكون خبر الواحد مفيدا في نقل الاجماع، ومن لم يشترط ذلك، كان الاجماع المنقول على لسان الآحاد عنده حجة والظهور في هذه المسألة للمعترض من الحانبين دون المستدل فيها. المسألة السابعة والعشرون اختلفوا في تكفير جاحد الحكم المجمع عليه، فأثبته بعض الفقهاء، وأنكره الباقون، مع اتفاقهم على أن إنكار حكم الاجماع الظني غير موجب للتكفير. والمختار إنما هو التفصيل. وهو أن حكم الاجماع إما أن يكون داخلا في مفهوم اسم الاسلام كالعبادات الخمس، ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة، أو لا يكون كذلك، كالحكم بحل البيع وصحة الاجازة ونحوه. فإن كان الاول فجاحده كافر، لمزايلة حقيقة الاسلام له، وإن كان الثاني فلا.

[ 283 ]

خاتمة فيما يكون الاجماع حجة فيه، وما لا يكون، وأن الاجماع في الاديان السالفة كان حجة أم لا. أما الاول فهو أن المجمع عليه لا يخلو إما أن تكون صحة الاجماع متوقفة عليه، أو لا يكون كذلك. فإن كان الاول فالاحتجاج بالاجماع على ذلك الشئ يكون ممتنعا لتوقف صحة كل واحد منهما على الآخر، وهو دور، وذلك كالاستدلال على وجود الرب تعالى وصحة رسالة النبي عليه السلام، من حيث إن صحة الاجماع متوقفة على النصوص الدالة على عصمة الامة عن الخطإ، كما سبق تقريره وصحة النصوص متوقفة على وجود الرب المرسل، وكون محمد رسولا. فإذا توقفت معرفة وجود الرب ورسالة رسوله محمد على صحة الاجماع، كان دورا. وإن كان من القسم الثاني، فالمجمع عليه إما أن يكون من أمور الدين أو الدنيا. فإن كان من أمور الدين فهو حجة مانعة من المخالفة إن كان قطعيا، من غير خلاف عند القائلين بالاجماع. وسواء كان ذلك المتفق عليه عقليا كرؤية الرب لا في جهة، ونفي الشريك لله تعالى، أو شرعيا كوجوب الصلاة والزكاة ونحوه.

[ 284 ]

وأما إن كان المجمع عليه من أمور الدنيا كالاجماع على ما يتفق من الاراء ممتنعا لتوقف صحة كل واحد منهما على الآخر، وهو دور، وذلك كالاستدلال على وجود الرب تعالى وصحة رسالة النبي عليه السلام، من حيث إن صحة الاجماع متوقفة على النصوص الدالة على عصمة الامة عن الخطإ، كما سبق تقريره وصحة النصوص متوقفة على وجود الرب المرسل، وكون محمد رسولا. فإذا توقفت معرفة وجود الرب ورسالة رسوله محمد على صحة الاجماع، كان دورا. وإن كان من القسم الثاني، فالمجمع عليه إما أن يكون من أمور الدين أو الدنيا. فإن كان من أمور الدين فهو حجة مانعة من المخالفة إن كان قطعيا، من غير خلاف عند القائلين بالاجماع. وسواء كان ذلك المتفق عليه عقليا كرؤية الرب لا في جهة، ونفي الشريك لله تعالى، أو شرعيا كوجوب الصلاة والزكاة ونحوه.

[ 284 ]

وأما إن كان المجمع عليه من أمور الدنيا كالاجماع على ما يتفق من الاراء في الحروب وترتيب الجيوش وتدبير أمور الرعية، فقد اختلف فيه قول القاضي عبد الجبار بالنفي والاثبات: فقال تارة بامتناع مخالفته، وتارة بالشريك لله تعالى، أو شرعيا كوجوب الصلاة والزكاة ونحوه.

[ 284 ]

وأما إن كان المجمع عليه من أمور الدنيا كالاجماع على ما يتفق من الاراء في الحروب وترتيب الجيوش وتدبير أمور الرعية، فقد اختلف فيه قول القاضي عبد الجبار بالنفي والاثبات: فقال تارة بامتناع مخالفته، وتارة بالجواز. وتابعه على كل واحد من القولين جماعة. والمختار إنما هو المنع من المخالفة، وإنه حجة لازمة، لان العمومات الدالة على عصمة الامة عن الخطإ ووجوب اتباعهم فيما أجمعوا عليه عامة في كل ما أجمعوا عليه. وأما أن الاجماع في الاديان السالفة كان حجة أم لا، فقد اختلف فيه الاصوليون. والحق في ذلك أن إثبات ذلك أو نفيه مع الاستغناء عنه لم يدل عليه عقل ولا نقل. فالحكم بنفيه أو إثباته متعذر. وهذا آخر الكلام في الاجماع.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية