الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




أصول السرخسي - أبو بكر السرخسي ج 2

أصول السرخسي

أبو بكر السرخسي ج 2


[ 1 ]

اصول السرخسي للامام الفقيه الاصولي النظار ابى بكر محمد بن احمد بن ابى سهل السرخسى المتوفى سنة 490 من الهجرة النبوية رضى الله عنه الجزء الثاني حقق أصوله أبو الوفاء الافغاني رئيس اللجنة العلمية لاحياء المعارف النعمانية عنيت بنشره لجنة احياء المعارف النعمانية بحيدر اباد الدكن بالهند دار الكتاب العلمية بيروت لبنان

[ 2 ]

الطبعة الاولى 1414 ه‍. - 1993 م.

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم فصل: في الخبر يلحقه التكذيب من جهة الراوي أو من جهة غيره أما ما يلحقه من جهة الراوي فأربعة أقسام: أحدها أن ينكر الرواية أصلا، والثاني أن يظهر منه مخالفة للحديث قولا أو عملا قبل الرواية أو بعدها، أو لم يعلم التاريخ، والثالث أن يظهر منه تعيين شئ مما هو من محتملات الخبر تأويلا أو تخصيصا، والرابع أن يترك العمل بالحديث أصلا. فأما الوجه الاول فقد اختلف فيه أهل الحديث من السلف فقال بعضهم: بإنكار الراوي يخرج الحديث من أن يكون حجة. وقال بعضهم: لا يخرج (من أن يكون حجة) وبيان هذا فيما رواه ربيعة عن سهيل بن أبي صالح من حديث القضاء بالشاهد واليمين، ثم قيل لسهيل: إن ربيعة يروي عنك هذا الحديث فلم يذكره وجعل يروي ويقول حدثني ربيعة عني وهو ثقة. وقد عمل الشافعي بالحديث مع إنكار الراوي ولم يعمل به علماؤنا رحمهم الله. وذكر سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام قال: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل الحديث، ثم روى أن ابن جريج سأل الزهري عن هذا الحديث فلم يعرفه، ثم عمل به محمد والشافعي مع إنكار الراوي، ولم يعمل به أبو حنيفة وأبو يوسف لانكار الراوي إياه، وقالوا ينبغي أن يكون هذا الفصل على الاختلاف بين علمائنا رحمهم الله بهذه الصفة، واستدلوا عليه بما لو ادعى رجل عند قاض أنه قضى له بحق على هذا الخصم ولم يعرف القاضي قضاءه فأقام المدعي شاهدين على قضائه بهذه الصفة، فإن على قول أبي يوسف لا يقبل القاضي هذه البينة ولا ينفذ قضاءه بها وعلى قول محمد يقبلها وينفذ قضاءه، فإذا ثبت هذا الخلاف بينهما في قضاء ينكره القاضي فكذلك في حديث ينكره الراوي الاصل. وعلى هذا ما يحكي من المحاورة التي جرت بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في الرواية عن أبي حنيفة في ثلاث مسائل من

[ 4 ]

الجامع الصغير، وقد بيناها في شرح الجامع الصغير، فإن محمدا ثبت على ما رواه عن أبي يوسف عنه بعد إنكار أبي يوسف، وأبو يوسف لم يعتمد رواية محمد عنه حين لم يتذكر. وزعم بعض مشايخنا أن على قياس قول علمائنا ينبغي أن لا يبطل الخبر بإنكار راوي الاصل إلا على قول زفر رحمه الله، وردوا هذا إلى قول زوج المعتدة أخبرتني أن عدتها قد انقضت وهي تنكر فإن على قول زفر لا يبقى الخبر معمولا به بعد إنكارها، وعندنا يبقى معمولا به إلا في حقها، والاول أصح، فإن جواز نكاح الاخت والاربع له هنا عندنا باعتبار ظهور انقضاء العدة في حقه (بقوله) لكونه أمينا في الاخبار عن أمر بينه وبين ربه لا لاتصال الخبر بها، ولهذا لو قال انقضت عدتها ولم يضف الخبر إليها كان الحكم كذلك في الصحيح من الجواب. فأما الفريق الاول فقد احتجوا بحديث ذي اليدين رضي الله عنه، فإن النبي عليه السلام لما قال لابي بكر وعمر رضي الله عنهما: (أحق ما يقول ذو اليدين ؟) فقالا نعم، فقام فأتم صلاته وقبل خبرهما عنه وإن لم يذكره، وعمر قبل خبر أنس بن مالك عنه في أمان الهرمزان بقوله له أتكلم كلام حي وإن لم يذكر ذلك، ولان النسيان غالب على الانسان فقد يحفظ الانسان شيئا ويرويه لغيره ثم ينسى بعد مدة فلا يتذكره أصلا، والراوي عنه عدل ثقة فبه يترجح جانب الصدق في خبره ثم لا يبطل ذلك بنسيانه. وهذا بخلاف الشهادة على الشهادة فإن شاهد الاصل إذا أنكره لم يكن للقاضي أن يقضي بشهادته، لان الفرعي هناك ليس بشاهد على الحق ليقضي بشهادته، وإنما هو ثابت في نقل شهادة الاصلي، ولهذا لو قال أشهد على فلان لا يكون صحيحا ما لم يقل أشهدني على شهادته وأمرني بالاداء فأنا أشهد على شهادته، ثم القضاء يكون بشهادة الاصلي ومع إنكار لا تثبت شهادته في مجلس القضاء، فأما هنا الفرعي إنما يروي الحديث باعتبار سماع صحيح له من الاصلي ولا يبطل ذلك بإنكار الاصلي بناء على نسيانه. وأما الفريق الثاني استدلوا بحديث عمار رضي الله عنه حين قال لعمر: أما تذكر إذ كنا في الابل فأجنبت فتمعكت في التراب ثم سألت رسول الله (ص) عن ذلك فقال: أما كان يكفيك أن تضرب بيديك الارض فتمسح بهما وجهك وذراعيك فلم

[ 5 ]

يرفع عمر رضي الله عنه رأسه ولم يعتمد روايته مع أنه كان عدلا ثقة، لانه روى عنه ولم يتذكر هو ما رواه فكان لا يرى التيمم للجنب بعد ذلك، ولان باعتبار تكذيب العادة يخرج الحديث من أن يكون حجة موجبة للعمل كما قررنا فيما سبق، وتكذيب الراوي أدل على الوهن من تكذيب العادة، وهذا لان الخبر إنما يكون معمولا به إذا اتصل برسول الله عليه السلام، وقد انقطع هذا الاتصال بإنكار راوي الاصل، لان إنكاره حجة في حقه فتنتفي به روايته الحديث أو يصير هو مناقضا بإنكاره ومع التناقض لا تثبت روايته وبدون روايته لا يثبت الاتصال فلا يكون حجة كما في الشهادة على الشهادة، وكما يتوهم نسيان راوي الاصل يتوهم غلط راوي الفرع، فقد يسمع الانسان حديثا فيحفظه ولا يحفظ من سمع منه فيظن أنه سمعه من فلان وإنما سمعه من غيره، فأدنى الدرجات فيه أن يقع التعارض فيما هو متوهم فلا يثبت الاتصال من جهته ولا من جهة غيره لانه مجهول وبالمجهول لا يثبت الاتصال. وأما حديث ذي اليدين فإنما يحمل على أن النبي عليه السلام تذكر ذلك عند خبرهما وهذا هو الظاهر، فإنه كان معصوما عن التقرير على الخطأ، وحديث عمر محتمل لذلك أيضا فربما تذكر حين شهد به غيره فلهذا عمل به، أو تذكر غفلة من نفسه وشغل القلب بشئ في ذلك الوقت، وقد يكون هذا للمرء بحيث يوجد شئ منه ثم لا يذكره، فأخذه بالاحتياط وجعله آمنا من هذا الوجه. ونحن لا نمنع من مثل هذا الاحتياط، وإنما ندعي أنه لا يبقى موجبا للعمل مع إنكار راوي الاصل، وكما أن راوي الفرع عدل ثقة فراوي الاصل كذلك وذلك يرجح جانب الصدق في إنكاره أيضا فتتحقق المعارضة من هذا الوجه، وأدنى ما فيه أن يتعارض قولاه في الرواية والانكار فيبقى الامر على ما كان قبل روايته. وأما الوجه الثاني وهو ما إذا ظهر منه المخالفة قولا أو عملا، فإن كان ذلك بتاريخ قبل الرواية فإنه لا يقدح في الخبر ويحمل على أنه كان ذلك مذهبه قبل أن يسمع الحديث فلما سمع الحديث رجع إليه، وكذلك إن لم يعلم التاريخ لان الحمل على أحسن الوجهين واجب ما لم يتبين خلافه، وهو أن يكون ذلك منه قبل أن يبلغه الحديث

[ 6 ]

ثم رجع إلى الحديث. وأما إذا علم ذلك منه بتاريخ بعد الحديث فإن الحديث يخرج به من أن يكون حجة لان فتواه بخلاف الحديث أو عمله من أبين الدلائل على الانقطاع وأنه الاصل للحديث، فإن الحالات لا تخلو إما إن كانت الرواية تقولا منه لا عن سماع فيكون واجب الرد، أو تكون فتواه وعمله بخلاف الحديث على وجه قلة المبالاة والتهاون بالحديث فيصير به فاسقا لا تقبل روايته أصلا، أو يكون ذلك منه عن غفلة ونسيان وشهادة المغفل لا تكون حجة فكذلك خبره، أو يكون ذلك منه على أنه علم انتساخ حكم الحديث، وهذا أحسن الوجوه فيجب الحمل عليه تحسينا للظن بروايته وعمله، فإنه روى على طريق إبقاء الاسناد وعلم أنه منسوخ فأفتى بخلافه، أو عمل بالناسخ دون المنسوخ، وكما يتوهم أن يكون فتواه أو عمله بناء على غفلة أو نسيان يتوهم أن تكون روايته بناء على غلط وقع له وباعتبار التعارض بينهما ينقطع الاتصال. وبيان هذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال: يغسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا ثم صح من فتواه أنه يطهر بالغسل ثلاثا فحملنا على أنه كان علم انتساخ هذا الحكم، أو علم بدلالة الحال أن مراد رسول الله عليه السلام الندب فيما وراء الثلاثة. وقال عمر رضي الله عنه: متعتان كانتا على عهد رسول الله عليه السلام وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج. فإنما يحمل هذا على علمه بالانتساخ، ولهذا قال ابن سيرين هم الذين رووا الرخصة في المتعة وهم الذين نهوا عنها، وليس في رأيهم ما يرغب عنه ولا في نصيحتهم ما يوجب التهمة. وأما في العمل فبيان هذا في حديث عائشة رضي الله عنها: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها) ثم صح أنها زوجت ابنة أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، فبعملها بخلاف الحديث يتبين النسخ، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الرجوع، ثم قد صح عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر سنين وكان لا يرفع يديه إلا عند تكبيرة الافتتاح فيثبت بعمله بخلاف الحديث نسخ الحكم. وأما الوجه الثالث وهو تعيينه بعض محتملات الحديث فإن ذلك لا يمنع كون الحديث معمولا به على ظاهره من قبل أنه إنما فعل ذلك بتأويل وتأويله لا يكون

[ 7 ]

حجة على غيره، وإنما الحجة الحديث، وبتأويله لا يتغير ظاهر الحديث فيبقى معمولا به على ظاهره، وهو وغيره في التأويل والتخصيص سواء. وبيان هذا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال: المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا وهذا يحتمل التفرق بالاقوال ويحتمل التفرق بالابدان ثم حمله ابن عمر على التفرق بالابدان حتى روى عنه أنه كان إذا أوجب البيع مشى هنيهة، ولم نأخذ بتأويله لان الحديث في احتمال كل واحد من الامرين كالمشترك فتعيين أحد المحتملين فيه يكون تأويلا لا تصرفا في الحديث. وكذلك قال الشافعي رحمه الله في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال: من بدل دينه فاقتلوه ثم قد ظهر من فتوى ابن عباس أن المرتدة لا تقتل فقال: هذا تخصيص لحق الحديث من الراوي وذلك بمنزلة التأويل لا يكون حجة على غيره، فأنا آخذ بظاهر الحديث وأوجب القتل على المرتدة. وأما ترك العمل بالحديث أصلا فهو بمنزلة العمل بخلاف الحديث حتى يخرج به من أن يكون حجة، لان ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله (ص) حرام كما أن العمل بخلافه حرام، ومن هذا النوع ترك ابن عمر العمل بحديث رفع اليدين عند الركوع كما بينا. وأما ما يكون من جهة غير الراوي فهو قسمان: أحدهما ما يكون من جهة الصحابة، والثاني ما يكون من جهة أئمة الحديث. فأما ما يكون من الصحابة فهو نوعان على ما ذكره عيسى بن أبان رحمه الله: أحدهما أن يعمل بخلاف الحديث بعض الائمة من الصحابة وهو ممن يعلم أنه لا يخفى عليه مثل ذلك الحديث، فيخرج الحديث به من أن يكون حجة، لانه لما انقطع توهم أنه لم يبلغه ولا يظن به مخالفة حديث صحيح عن رسول الله (ص) سواء رواه هو أو غيره، فأحسن الوجوه فيه أنه علم انتساخه أو أن ذلك الحكم لم يكن حتما فيجب حمله على هذا. وبيانه فيما روى البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة ثم صح عن الخلفاء أنهم أبوا الجمع بين الجلد والرجم بعد علمنا أنه لم يخف عليهم الحديث لشهرته، فعرفنا به انتساخ هذا الحكم، وكذلك صح عن عمر رضي الله عنه قوله: والله لا أنفي أحدا أبدا. وقول علي رضي الله عنه: كفى بالنفي فتنة، مع علمنا أنه لم يخف عليهما الحديث، فاستدللنا به على انتساخ حكم الجمع بين الجلد والتغريب.

[ 8 ]

وكذلك ما يروى أن عمر رضي الله عنه حين فتح السواد من بها على أهلها وأبى أن يقسمها بين الغانمين مع علمنا أنه لم يخف عليه قسمة رسول الله عليه السلام خيبر بين أصحابه حين افتتحها، فاستدللنا به على أنه علم أن ذلك لم يكن حكما حتما من رسول الله عليه السلام على وجه لا يجوز غيره في الغنائم. فإن قيل: أليس أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يطبق في الصلاة بعد ما ثبت انتساخه بحديث مشهور فيه أمر بالاخذ بالركب، ثم خفي عليه ذلك حتى لم يجعل عمله دليلا، على أن الحديث الذي فيه أمر بالاخذ بالركب منسوخ أو أن الاخذ بالركب لا يكون عينا في الصلاة ؟ قلنا: ما خفي على ابن مسعود حديث الامر بالاخذ بالركب، وإنما وقع عنده أنه على سبيل الرخصة فكان تلحقهم المشقة في التطبيق مع طول الركوع لانهم كانوا يخافون السقوط على الارض، فأمروا بالاخذ بالركب تيسيرا عليهم لا تعيينا عليهم، فلاجل هذا التأويل لم يترك العمل بظاهر الحديث الذي فيه أمر بالاخذ بالركب. والوجه الثاني أن يظهر منه العمل بخلاف الحديث وهو ممن يجوز أن يخفى عليه ذلك الحديث، فلا يخرج الحديث من أن يكون حجة بعمله بخلافه. وبيان هذا فيما روي أن النبي عليه السلام رخص للحائض في أن تترك طواف الصدر، ثم صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنها تقيم حتى تطهر فتطوف، ولا تترك بهذا العمل بالحديث الذي فيه رخصة لجواز أن يكون ذلك خفي عليه. وكذلك ما يروى عن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه أنه كان لا يوجب إعادة الوضوء على من قهقه في الصلاة، ولا يترك به العمل بالحديث الموجب للوضوء من القهقهة في الصلاة لجواز أن يكون ذلك خفي عليه. وكذلك قول ابن عمر: لا يحج أحد عن أحد، لا يمنع العمل بالحديث الوارد في الاحجاج عن الشيخ الكبير لجواز أن يكون ذلك خفي عليه، وهذا لان الحديث معمول به إذا صح عن رسول الله (ص) فلا يترك العمل به باعتبار عمل ممن هو دونه بخلافه، وإنما تحمل فتواه بخلاف الحديث على أحسن الوجهين وهو أنه إنما أفتى به برأيه، لانه خفي عليه النص ولو بلغه لرجع إليه فعلى من يبلغه الحديث بطريق صحيح أن يأخذ به.

[ 9 ]

وأما ما يكون من أئمة الحديث فهو الطعن في الرواة، وذلك نوعان: مبهم، ومفسر. ثم المفسر نوعان: ما لا يصلح أن يكون طعنا، وما يصلح أن يكون. والذي يصلح نوعان: مجتهد فيه، أو متفق عليه. والمتفق عليه نوعان: أن يكون ممن هو مشهور بالنصيحة والاتقان، أو ممن هو معروف بالتعصب والعداوة. فأما الطعن المبهم فهو عند الفقهاء لا يكون جرحا، لان العدالة باعتبار ظاهر الدين ثابت لكل مسلم خصوصا من كان من القرون الثلاثة، فلا يترك ذلك بطعن مبهم، ألا ترى أن الشهادة أضيق من رواية الخبر في هذا. ثم الطعن المبهم من المدعى عليه لا يكون جرحا فكذلك من المزكي، ولا يمتنع العمل بالشهادة لاجل الطعن المبهم، فلان لا يخرج الحديث بالطعن المبهم من أن يكون حجة أولى. وهذا للعادة الظاهرة أن الانسان إذا لحقه من غير ما يسوءه فإنه يعجز عن إمساك لسانه في ذلك الوقت حتى يطعن فيه طعنا مبهما إلا من عصمه الله تعالى، ثم إذا طلب منه تفسير ذلك لا يكون له أصل. والمفسر الذي لا يصلح أن يكون طعنا لا يوجب الجرح أيضا، وذلك مثل طعن بعض المتعنتين في أبي حنيفة أنه دس ابنه ليأخذ كتب أستاذه حماد فكان يروي من ذلك. وهذا إن صح فهو لا يصلح طعنا بل هو دليل الاتقان فقد كان هو لا يستجيز الرواية إلا عن حفظ، والانسان لا يقوى اعتماده على جميع ما يحفظه، ففعل ذلك ليقابل حفظه بكتب أستاذه فيزداد به معنى الاتقان. وكذلك الطعن بالتدليس على من يقول حدثني فلان عن فلان ولا يقول قال حدثني فلان فإن هذا لا يصلح أن يكون طعنا، لان هذا يوهم الارسال، وإذا كان حقيقة الارسال دليل زيادة الاتقان على ما بينا فما يوهم الارسال كيف يكون طعنا. ومنه الطعن بالتلبيس على من يكنى عن الراوي ولا يذكر اسمه ولا نسبه، نحو رواية سفيان الثوري بقوله حدثنا أبو سعيد من غير بيان يعلم به أن هذا ثقة أو غير ثقة، ونحو رواية محمد بقوله أخبرنا الثقة من غير تفسير، فإن هذا محمول على أحسن الوجوه وهو صيانة الراوي من أن يطعن فيه (بعض) من لا يبالي وصيانة السامع من أن

[ 10 ]

يبتلى بالطعن في أحد من غير حجة، على أن من يكون مطعونا في بعض رواياته بسبب لا يوجب عموم الطعن فيه فذلك لا يمنع قبول روايته والعمل به فيما سوى ذلك نحو الكلبي وأمثاله. ثم سفيان الثوري ممن لا يخفى حاله في الفقه والعدالة ولا يظن به إلا أحسن الوجوه. وكذلك محمد بن الحسن فتحمل الكناية منهما عن الراوي على أنهما قصدا صيانته، وكيف يجعل ذلك طعنا والقول بأنه ثقة شهادة بالعدالة له ؟. ومن ذلك أيضا طعن بعض الجهال في محمد بن الحسن بأنه سأل عبد الله بن المبارك رحمه الله أن يروي له أحاديث ليسمعها منه فأبى فلما قيل له في ذلك فقال: لا تعجبني أخلاقه. فإن هذا إن صح لم يصلح أن يكون طعنا لان أخلاق الفقهاء لا توافق أخلاق الزهاد في كل وجع، فهم بمحل القدوة والزهاد بمحل العزلة، وقد يحسن في مقام العزلة ما يقبح في مقام القدوة أو على عكس ذلك، فكيف يصلح أن يكون هذا طعنا لو صح مع أنه غير صحيح، فقد روي عن ابن المبارك أنه قال لا بد أن يكون في كل زمان من يحيي به الله للناس دينهم ودنياهم. فقيل له: من بهذه الصفة في هذا الزمان ؟ فقال: محمد بن الحسن. فهذا يتبين أنه لا أصل لذلك الطعن. ومن ذلك الطعن بركض الدواب، فإن ذلك من عمل الجهاد، لان السباق على الافراس والاقدام مشروع ليتقوى به المرء على الجهاد، فما يكون من جنسه مشروع لا يصلح أن يكون طعنا. ومن ذلك الطعن بكثرة المزاح فإن ذلك مباح شرعا إذا لم يتكلم بما ليس بحق، على ما روي أن النبي عليه السلام كان يمازح ولا يقول إلا حقا. ولكن هذا بشرط أن لا يكون متخبطا مجازفا يعتاد القصد إلى رفع الحجة والتلبيس به، ألا ترى إلى ما روي أن عليا رضي الله عنه كان به دعابة. وقد ذكر ذلك عمر حين ذكر اسمه في الشورى ولم يذكره على وجه الطعن، فعرفنا أن عينه لا يكون طعنا. ومن ذلك الطعن بحداثة سن الراوي، فإن كثيرا من الصحابة كانوا يروون في حداثة سنهم، منهم ابن عباس وابن عمر، ولكن هذا بشرط الاتقان عند التحمل

[ 11 ]

في الصغر، وعند الرواية بعد البلوغ، ولهذا أخذنا بحديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير رضي الله عنه في صدقة الفطر أنه نصف صاع من بر، ورجحنا حديثه على حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في التقدير بصاع من بر، لان حديثه أحسن متنا، فذلك دليل الاتقان، ووافقه رواية ابن عباس أيضا. والشافعي أخذ بحديث النعمان إبن بشير رضي الله عنهما في إثبات حق الرجوع للوالد فيما يهب لولده، وقد روي أنه نحله أبوه غلاما وهو ابن سبع سنين، فعرفنا أن مثل هذا لا يكون طعنا عند الفقهاء. ومن ذلك الطعن بأن رواية الاخبار ليست بعادة له، فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ما اعتاد الرواية ولا يظن بأحد أنه يطعن في حديثه بهذا السبب، وقبل رسول الله شهادة الاعرابي على رؤية هلال رمضان، والاعرابي ما كان اعتاد الرواية، وقد كان في الصحابة من يمتنع من الرواية في عامة الاوقات، وفيهم من يشتغل بالرواية في عامة الاوقات، ثم لم يرجح أحد رواية من اعتاد ذلك على من لم يعتد الرواية، وهذا لان المعتبر هو الاتقان، وربما يكون إتقان من لم تصر الرواية عادة له فيما يروي أكثر من إتقان من اعتاد الرواية. ومن ذلك الطعن بالاستكثار من تفريع مسائل الفقه، فإن ذلك دليل الاجتهاد وقوة الخاطر، فيستدل به على حسن الضبط والاتقان، فكيف يصلح أن يكون طعنا وما يكون مجتهدا فيه الطعن بالارسال ؟ وقد بينا أنه ليس بطعن عندنا لانه دليل تأكد الخبر وإتقان الراوي في السماع من غير واحد. وأما الطعن المفسر بما يكون موجبا للجرح، فإن حصل ممن هو معروف بالتعصب أو متهم به لظهور سبب باعث له على العداوة فإنه لا يوجب الجرح، وذلك نحو طعن الملحدين والمتهمين ببعض الاهواء المضلة في أهل السنة، وطعن بعض من ينتحل مذهب الشافعي رحمه الله في بعض المتقدمين من كبار أصحابنا، فإنه لا يوجب الجرح لعلمنا أنه كان عن تعصب وعداوة. فأما وجوه الطعن الموجب للجرح فربما ينتهي إلى أربعين وجها يطول الكتاب بذكر تلك الوجوه، ومن طلبها في كتاب الجرح والتعديل وقف عليها إن شاء الله تعالى.

[ 12 ]

فصل: في بيان المعارضة بين النصوص وتفسير المعارضة وركنها وحكمها وشرطها قال رضي الله عنه: اعلم بأن الحجج الشرعية من الكتاب والسنة لا يقع بينهما التعارض والتناقض وضعا، لان ذلك من أمارات العجز والله يتعالى عن أن يوصف به، وإنما يقع التعارض لجهلنا بالتاريخ، فإنه يتعذر به علينا التمييز بين الناسخ والمنسوخ، ألا ترى أن عند العلم بالتاريخ لا تقع المعارضة بوجه ولكن المتأخر ناسخ للمتقدم، فعرفنا أن الواجب في الاصل طلب التاريخ ليعلم به الناسخ من المنسوخ، وإذا لم يوجد ذلك يقع التعارض بينهما في حقنا من غير أن يتمكن التعارض فيما هو حكم الله تعالى في الحادثة، ولاجل هذا يحتاج إلى معرفة تفسير المعارضة، وركنها، وشرطها، وحكمها. فأما التفسير: فهي الممانعة على سبيل المقابلة. يقال: عرض لي كذا: أي استقبلني فمنعني مما قصدته، ومنه سميت الموانع عوارض، فإذا تقابل الحجتان على سبيل المدافعة والممانعة سميت معارضة. وأما الركن: فهو تقابل الحجتين المتساويتين على وجه يوجب كل واحد منهما ضد ما توجبه الاخرى، كالحل والحرمة والنفي والاثبات، لان ركن الشئ ما يقوم به ذلك الشئ، وبالحجتين المتساويتين تقوم المقابلة إذا لا مقابلة للضعيف مع القوي. وأما الشرط: فهو أن يكون تقابل الدليلين في وقت واحد وفي محل واحد، لان المضادة والتنافي لا يتحقق بين الشيئين في وقتين ولا في محلين حسا وحكما. ومن الحسيات الليل والنهار لا يتصور اجتماعهما في وقت واحد، ويجوز أن يكون بعض الزمان نهارا والبعض ليلا، وكذلك السواد مع البياض مجتمعان في العين في محلين ولا تصور لاجتماعهما في محل واحد. ومن الحكميات النكاح فإنه يوجب الحل في المنكوحة والحرمة في أمها وبنتها، ولا يتحقق التضاد بينهما في محلين حتى صح إثباتهما بسبب واحد. والصوم يجب في وقت والفطر في وقت آخر ولا يتحقق

[ 13 ]

معنى التضاد بينهما باختلاف الوقت، فعرفنا أن شرط التضاد والتمانع اتحاد المحل والوقت. ومن الشرط أن يكون كل واحد منهما موجبا على وجه يجوز أن يكون ناسخا للآخر إذا عرف التاريخ بينهما، ولهذا قلنا: يقع التعارض بين الآيتين، وبين القراءتين، وبين السنتين، وبين الآية والسنة المشهورة، لان كل واحد منهما يجوز أن يكون ناسخا إذا علم التاريخ بينهما، على ما نبينه في باب النسخ. ولا يقع التعارض بين القياسين، لان أحدهما لا يجوز أن يكون ناسخا للآخر، فإن النسخ لا يكون إلا فيما هو موجب للعلم والقياس لا يوجب ذلك ولا يكون ذلك إلا عن تاريخ وذلك لا يتحقق في القياسين. وكذلك لا يقع التعارض في أقاويل الصحابة لان كل واحد منهما (إنما) قال ذلك عن رأيه والرواية لا تثبت بالاحتمال، وكما أن الرأيين من واحد لا يصلح أن يكون أحدهما ناسخا للآخر فكذلك من اثنين. وأما الحكم فنقول: متى وقع التعارض بين الآيتين فالسبيل الرجوع إلى سبب النزول ليعلم التاريخ بينهما، فإذا علم ذلك كان المتأخر ناسخا للمتقدم فيجب العمل بالناسخ ولا يجوز العمل بالمنسوخ، فإن لم يعلم ذلك فحينئذ يجب المصير إلى السنة لمعرفة حكم الحادثة، ويجب العمل بذلك إن وجد في السنة، لان المعارضة لما تحققت في حقنا فقد تعذر علينا العمل بالآيتين، إذ ليست إحداهما بالعمل بها أولى من الاخرى والتحقق بما لو لم يوجد حكم الحادثة في الكتاب فيجب المصير إلى السنة في معرفة الحكم. وكذلك إن وقع التعارض بين السنتين ولم يعرف التاريخ فإنه يصار إلى ما بعد السنة فيما يكون حجة في حكم الحادثة، وذلك قول الصحابي أو القياس الصحيح على ما بينا من قبل في الترتيب في الحجج الشرعية، لان عند المعارضة يتعذر العمل بالمتعارضين، ففي حكم العمل يجعل ذلك كالمعدوم أصلا. وعلى هذا قلنا: إذا ادعى رجلان نكاح امرأة وأقام كل واحد منهما البينة وتعذر ترجيح إحدى البينتين بوجه من الوجوه فإنه تبطل الحجتان ويصير كأنه لم يقم كل واحد منهما البينة.

[ 14 ]

فأما إذا وقع التعارض بين القياسين، فإن أمكن ترجيح أحدهما على الآخر بدليل شرعي وذلك قوة في أحدهما لا يوجد مثله في الآخر يجب العمل بالراجح ويكون ذلك بمنزلة معرفة التاريخ في النصوص، وإن لم يوجد ذلك فإن المجتهد يعمل بأيهما شاء لا باعتبار أن كل واحد منهما حق أو صواب، فالحق أحدهما والآخر خطأ على ما هو المذهب عندنا في المجتهد أنه يصيب تارة ويخطئ أخرى، ولكنه معذور في العمل به في الظاهر ما لم يتبين له الخطأ بدليل أقوى من ذلك، وهذا لانه في طريق الاجتهاد مصيب، وإن لم يقف على الصواب باجتهاده وطمأنينة القلب إلى ما أدى إليه اجتهاده يصلح أن يكون دليلا في حكم العمل شرعا عند تحقق الضرورة بانقطاع الادلة. قال عليه السلام: المؤمن ينظر بنور الله وقال: فراسة المؤمن لا تخطئ ولهذا جوزنا التحري في باب القبلة عند انقطاع الادلة الدالة على الجهة، وحكمنا بجواز الصلاة سواء تبين أنه أصاب جهة الكعبة أو أخطأ، لانه اعتمد في عمله دليلا شرعيا، وإليه أشار علي رضي الله عنه بقوله: قبلة المتحري جهة قصده. وإنما جعلناه مخيرا عند تعارض القياسين لاجل الضرورة، لانه إن ترك العمل بهما للتعارض احتاج إلى اعتبار الحال لبناء حكم الحادثة عليه، إذ ليس بعد القياس دليل شرعي يرجع إليه في معرفة حكم الحادثة، والعمل بالحال عمل بلا دليل، ولا إشكال أن العمل بدليل شرعي فيه احتمال الخطأ والصواب يكون أولى من العمل بلا دليل، ولكن هذه الضرورة إنما تتحقق في القياسين ولا تتحقق في النصين لانه يترتب عليهما دليل شرعي يرجع إليه في معرفة حكم الحادثة، لهذا لا يتخير هناك في العمل بأي النصين شاء. وعلى هذا الاصل قلنا: إذا كان في السفر ومعه إناءان في أحدهما ماء طاهر وفي الآخر ماء نجس ولا يعرف الطاهر من النجس، فإنه يتحرى للشرب ولا يتحرى للوضوء بل يتيمم، لان في حق الشرب لا يجد بدلا يصير إليه في تحصيل مقصوده، فله أن يصير إلى التحري لتحقق الضرورة، وفي حكم الطهارة يجد شيئا آخر يطهر به عند العجز عن استعمال الماء الطاهر وهو التيمم فلا يتحقق فيه الضرورة، وبسبب المعارضة يجعل لعادم الماء فيصير إلى التيمم، وقلنا في المساليخ إذا استوت الذكية والميتة ففي حالة الضرورة بأن لم يجد حلالا سوى ذلك جاز له التحري، وعند عدم الضرورة بوجود طعام حلال لا يكون له أن يصير إلى التحري، ولهذا

[ 15 ]

لم يجوز التحري في الفروج أصلا عند اختلاط المعتقة عينا بغير المعتقة، لان جواز ذلك باعتبار الضرورة ولا مدخل للضرورة في إباحة الفرج بدون الملك بخلاف الطعام والشراب. ثم إذا عمل بأحد القياسين وحكم بصحة عمله باعتبار الظاهر يصير ذلك لازما له حتى لا يجوز له أن يتركه ويعمل بالآخر من غير دليل موجب لذلك. وعلى هذا قلنا في الثوبين: إذا كان أحدهما طاهرا والآخر نجسا وهو لا يجد ثوبا آخر فإنه يصير إلى التحري لتحقق الضرورة، فإنه لو ترك لبسهما لا يجد شيئا آخر يقيم به فرض الستر الذي هو شرط جواز الصلاة، وبعدما صلى في أحد الثوبين بالتحري لا يكون له أن يصلي في الثوب الآخر، لانا حين حكمنا بجواز الصلاة في ذلك الثوب فذلك دليل شرعي موجب طهارة ذلك الثوب، والحكم بنجاسة الثوب الآخر فلا تجوز الصلاة فيه بعد ذلك إلا بدليل أقوى منه. فإن قيل: أليس أنه لو تحرى عند اشتباه القبلة وصلى صلاة إلى جهة ثم وقع تحريه على جهة أخرى يجوز له أن يصلي في المستقبل إلى الجهة الثانية، ولم يجعل ذلك دليلا على أن جهة القبلة ما أدى إليه اجتهاده في الابتداء ؟ قلنا: لان هناك الحكم بجواز الصلاة إلى تلك الجهة لا يتضمن الحكم بكونها جهة الكعبة لا محالة، ألا ترى أنه وإن تبين له الخطأ بيقين بأن استدبر الكعبة جازت صلاته، وفي الثوب من ضرورة الحكم بجواز الصلاة في ثوب الحكم بطهارة ذلك الثوب، حتى إذا تبين أنه كان نجسا تلزمه إعادة الصلاة، والعمل بالقياس من هذا القبيل، فإن صحة العمل بأحد القياسين يتضمن الحكم بكونه حجة للعمل به ظاهرا، ولهذا لو تبين نص بخلافه بطل حكم العمل به، فلهذا كان العمل بأحد القياسين مانعا له من العمل بالقياس الآخر بعد ما لم يتبين دليل أقوى منه. ووجه آخر أن التعارض بين النصين إنما يقع لجهلنا بالتاريخ بينهما والجهل لا يصلح دليلا على حكم شرعي من حيث العلم لا من حيث العمل، والاختيار حكم شرعي لا يجوز أن يثبت باعتبار هذا الجهل. فأما التعارض بين القياسين باعتبار كون كل واحد منهما صالحا للعمل به في أصل الوضع وإن كان أحدهما صوابا حقيقة والآخر خطأ، ولكن من حيث الظاهر هو معمول

[ 16 ]

به شرعا ما لم يتبين وجه الخطأ فيه، فإثبات الخيار بينهما في حكم العمل إذا رجح أحدهما بنوع فراسة يكون إثبات الحكم بدليل شرعي، ثم إذا عمل بأحدهما صح ذلك بالاجماع فلا يكون له أن ينقض ما نفذ من القضاء منه بالاجماع، ولا يصير إلى العمل بالآخر إلا بدليل هو أقوى من الاول. فإن قيل: لو ثبت الخيار له في العمل بالقياسين لكان يبقى خياره بعدما عمل بأحدهما في حادثة حتى يكون له أن يعمل بالآخر في حادثة أخرى كما في كفارة اليمين، فإنه لو عين أحد الانواع في تكفير يمين به يبقى خياره في تعيين نوع آخر في كفارة يمين أخرى. قلنا: هناك التخيير ثبت على أن كل واحد من الانواع صالح للتكفير به بدليل موجب للعلم، وهنا الخيار ما ثبت بمثل هذا الدليل بل باعتبار أن كل واحد منهما صالح للعمل به ظاهرا، مع علمنا بأن الحق أحدهما والآخر خطأ، فبعد ما تأيد أحدهما بنفوذ القضاء به لا يكون له أن يصير إلى الآخر إلا بدليل هو أقوى من الاول، وهذا لان جهة الصواب تترجح بعمله فيما عمل به، ومن ضرورته ترجح جانب الخطأ في الآخر ظاهرا، فما لم يرتفع ذلك بدليل سوى ما كان موجودا عند العمل بأحدهما لا يكون له أن يصير إلى العمل بالآخر. والحاصل: أن فيما ليس فيه احتمال الانتقال من محل إلى محل إذا تعين المحل بعمله لا يبقى له خيار بعد ذلك كالنجاسة في الثوب، فإنها لا تحتمل الانتقال من ثوب إلى ثوب، فإذا تعين بصلاته في أحد الثوبين صفة الطهارة فيه والنجاسة في الآخر لا يبقى له رأي في الصلاة في الثوب الآخر ما لم يثبت طهارته بدليل موجب للعلم. وفي باب القبلة فرض التوجه يحتمل الانتقال، ألا ترى أنه انتقل من بيت المقدس إلى الكعبة، ومن عين الكعبة إلى الجهة إذا بعد من مكة، ومن جهة الكعبة إلى سائر الجهات إذا كان راكبا فإنه يصلي حيثما توجهت به راحلته، فبعد ما صلى بالتحري إلى جهة إذا تحول رأيه ينتقل فرض التوجه إلى تلك الجهة أيضا، لان الشرط أن يكون مبتلى في التوجه عند القيام إلى الصلاة، وإنما يتحقق هذا إذا صلى إلى الجهة التي وقع عليها تحريه. وكذلك حكم العمل بالقياس في المجتهدات فإن القضاء الذي نفذ بالقياس في محل لا يحتمل الانتقال إلى محل آخر فيلزم ذلك. فأما

[ 17 ]

فيما وراء ذلك الحكم محتمل للانتقال، فإن الكلام في حكم يحتمل النسخ، وشرط العمل بالقياس أن يكون مبتلى بطلب الطريق باعتبار أصل الوضع شرعا، فإذا استقر رأيه على أن الصواب هو الآخر كان عليه أن يعمل في المستقبل. وعلى هذا الاصل قلنا: إذا طلق إحدى امرأتيه بعينها ثم نسي أو أعتق أحد المملوكين بعينه ثم نسي لا يثبت له خيار البيان، لان الواقع من الطلاق والعتاق لا يحتمل الانتقال من محل إلى محل آخر، وإنما ثبتت المعارضة بين المحلين في حقه لجهله بالمحل الذي عينه عند الايقاع وجهله لا يثبت الخيار له شرعا، وبمثله لو أوجب في أحدهما بغير عينه ابتداء كان له الخيار في البيان، لان تعيين المحل كان مملوكا له شرعا كابتداء الايقاع، ولكنه بمباشرة الايقاع أسقط ما كان له من الخيار في أصل الايقاع، ولم يسقط ما كان له من الخيار في التعيين فيبقى ذلك الخيار ثابتا له شرعا، ومما يثبت فيه حكم التعارض سؤر الحمار والبغل، فقد تعارضت الادلة في الحكم بطهارته ونجاسته، وقد بينا هذا في فروع الفقه، ولكن لا يمكن المصير إلى القياس بعد هذا التعارض، لان القياس لا يصلح لنصب الحكم به ابتداء فوجب العمل بدليل فيه بحسب الامكان وهو المصير إلى الحال، فإن الماء كان طاهرا في الاصل فيبقى طاهرا. نص عليه في غير موضع من النوادر، حتى قال: لو غمس الثوب في سؤر الحمار تجوز الصلاة فيه ولا يتنجس العضو أيضا باستعماله، لانه عرق طاهر في الاصل. وهذا الدليل لا يصلح أن يكون مطلقا أداء الصلاة به وحده، لان الحدث كان ثابتا قبل استعماله فلا يزول باستعماله بيقين، فشرطنا ضم التيمم إليه حتى يحصل التيقن بالطهارة المطلقة لاداء الصلاة. وكذلك الخنثى إذا لم يظهر فيه دليل يترجح به صفة الذكورة أو الانوثة فإنه يكون مشكل الحال يجعل بمنزلة الذكور في بعض الاحكام وبمنزلة الاناث في البعض، على حسب ما يدل عليه الحال في كل حكم. وكذلك المفقود فإنه يجعل بمنزله الحي في مال نفسه حتى لا يورث عنه وبمنزلة الميت في الارث من الغير، لان أمره مشكل فوجب المصير إلى الحال لاجل الضرورة والحكم بما يدل عليه الحال في كل حادثة.

[ 18 ]

وأما بيان المخلص عن المعارضات فنقول: يطلب هذا المخلص أولا من نفس الحجة، فإن لم يوجد فمن الحكم، فإن لم يوجد فباعتبار الحال، فإن لم يوجد فبمعرفة التاريخ نصا، فإن لم يوجد فبدلالة التاريخ. فأما الوجه الاول وهو الطلب المخلص من نفس الحجة فبيانه من أوجه: أحدها أن يكون أحد النصين محكما والآخر مجملا أو مشكلا، فإن بهذا يتبين أن التعارض حقيقة غير موجود بين النصين وإن كان موجودا ظاهرا فيصار إلى العمل بالحكم دون المجمل والمشكل. وكذلك إن كان أحدهما نصا من الكتاب أو السنة المشهورة والآخر خبر الواحد. وكذلك إن كان أحدهما محتملا للخصوص فإنه ينتفي معنى التعارض بتخصيصه بالنص الآخر. وبيانه من الكتاب في قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * وقوله تعالى في المستأمن: * (ثم أبلغه مأمنه) * فإن التعارض يقع بين النصين ظاهرا ولكن قوله: * (فاقطعوا أيديهما) * عام يحتمل الخصوص فجعلنا قوله تعالى: * (ثم أبلغه مأمنه) * دليل تخصيص المستأمن من ذلك. ومن السنة قوله عليه السلام: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها ونهيه عن الصلاة في ثلاث ساعات، فالتعارض بين النصين ثبت ظاهرا ولكن قوله عليه السلام: فليصلها إذا ذكرها بعرض التخصيص فيجعل النص الآخر دليل التخصيص حتى ينتفي به التعارض. وكذلك إن ظهر عمل الناس بأحد النصين دون الآخر، لان الذي ظهر العمل به بين الناس ترجح بدليل الاجماع فينتفي به معنى التعارض بينهما، مع أن الظاهر أن اتفاقهم على العمل به لكونه متأخرا ناسخا لما كان قبله، وبالعلم بالتاريخ ينتفي التعارض فكذلك بالاجماع الدال عليه، وإن كان المعمول به سابقا فذلك دليل على أن الآخر مؤول أو سهو من بعض الرواة إن كان في الاخبار، لان المنسوخ إذا اشتهر فناسخه يشتهر بعده أيضا، كما اشتهر تحريم المتعة بعد الاباحة واشتهر إباحة زيارة القبور وإمساك لحوم الاضاحي والشرب في الاواني بعد النهي،

[ 19 ]

ولو اشتهر الناسخ لما أجمعوا على العمل بخلافه، فبهذا الطريق تنتفي المعارضة وكما ينتفي التعارض بدليل الاجماع يثبت التعارض بدليل الاجماع فإن النبي عليه السلام سئل عن ميراث العمة والخالة فقال: لا شئ لهما وقال: الخال وارث من لا وارث له فمن حيث الظاهر لا تعارض بين الحديثين، لان كل واحد منهما في محل آخر ولكن ثبت بإجماع الناس أنه لا فرق بين الخال والخالة والعمة في صفة الوراثة، فباعتبار هذا الاجماع يقع التعارض بين النصين، ثم رجح علماؤنا المثبت منهما، ورجح الشافعي ما كان معلوما باعتبار الاصل وهو عدم استحقاق الميراث. وبيان الطلب المخلص من حيث الحكم أن التعارض إنما يقع للمدافعة بين الحكمين، فإن كان الحكم الثابت بأحد النصين مدفوعا بالآخر لا محالة فهو التعارض حقيقة، وإن أمكن إثبات حكم بكل واحد من النصين سوى الحكم الآخر لا تتحقق المدافعة فينتفي التعارض. وبيان ذلك في قوله تعالى * (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) * مع قوله تعالى: * (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) * فبين النصين تعارض من حيث الظاهر في يمين الغموس فإنها من كسب القلوب، ولكنها غير معقودة لانها لم تصادف محل عقد اليمين وهو الخبر الذي فيه رجاء الصدق، ولكن انتفى هذا التعارض باعتبار الحكم فإن المؤاخذة المذكورة في قوله تعالى: * (بما عقدتم الايمان) * هي المؤاخذة بالكفارة في الدنيا، وفي قوله تعالى: * (بما كسبت قلوبكم) * المؤاخذة بالعقوبة في الآخرة، لانه أطلق المؤاخذة فيها والمؤاخذة المطلقة تكون في دار الجزاء فإن الجزاء بوفاق العمل، فأما في الدنيا فقد يبتلى المطيع ليكون تمحيصا لذنوبه وينعم على العاصي استدراجا، فبهذا الطريق تبين أن الحكم الثابت في أحد النصين غير الحكم الثابت في الآخر، وإذا انتفت المدافعة بين الحكمين ظهر المخلص عن التعارض. فأما المخلص بطريق الحال فبيانه في قوله تعالى: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * بالتخفيف في إحدى القراءتين وبالتشديد في الاخرى، فبينهما تعارض في الظاهر، لان حتى للغاية وبين امتداد الشئ إلى غاية وبين قصوره دونها منافاة، والاطهار هو الاغتسال والطهر يكون بانقطاع الدم فبين امتداد حرمة القربان إلى الاغتسال وبين ثبوت حل القربان عند انقطاع الدم منافاة، ولكن باعتبار الحال ينتفي هذا التعارض، وهو أن تحمل القراءة

[ 20 ]

بالتشديد على حال ما إذا كان أيامها دون العشرة، والقراءة بالتخفيف على حال ما إذا كان أيامها عشرة، لان الطهر بالانقطاع إنما يتيقن به في تلك الحالة، فإن الحيض لا يكون أكثر من عشرة أيام، فأما فيما دون العشرة لا يثبت الطهر بالانقطاع بيقين، لتوهم أن يعاودها الدم ويكون ذلك حيضا فتمتد حرمة القربان إلى الاطهار بالاغتسال. وكذلك قوله تعالى: * (وأرجلكم إلى الكعبين) * فالتعارض يقع في الظاهر بين القراءة بالنصب الذي يجعل الرجل عطفا على المغسول، والقراءة بالخفض الذي يجعل الرجل عطفا على الممسوح (ثم) تنتفي هذه المعارضة بأن تحمل القراءة بالخفض على حال ما إذا كان لابسا للخف، بطريق أن الجلد الذي استتر به الرجل يجعل قائما مقام بشرة الرجل، فإنما ذكر الرجل عبارة عنه بهذا الطريق، والقراءة بالنصب على حال ظهور القدم، فإن الفرض في هذه الحالة غسل الرجلين عينا. فأما طلب المخلص من حيث التاريخ فهو أن يعلم بالدليل التاريخ فيما بين النصين، فيكون المتأخر منهما ناسخا للمتقدم. وبيان هذا فيما قال ابن مسعود رضي الله عنه في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا محتجا به على من يقول إنها تعتد بأبعد الاجلين، فإنه قال: من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى: * (وأولات الاحمال أجلهن) * نزلت بعد سورة النساء الطولى: * (يتربصن بأنفسهن) * فجعل التأخر دليل النسخ، فعرفنا أنه كان معروفا فيما بينهم أن المتأخر من النصين ناسخ للمتقدم. فأما طلب المخلص بدلالة التاريخ وهو أن يكون أحد النصين موجبا للحظر والآخر موجبا للاباحة نحو ما روي أن النبي عليه السلام نهى عن أكل الضب وروي أنه رخص فيه، وما روي أنه عليه السلام نهى عن أكل الضبع وروي أنه عليه السلام رخص فيه، فإن التعارض بين النصين ثابت من حيث الظاهر ثم ينتفي ذلك بالمصير إلى دلالة التاريخ وهو أن النص الموجب للحظر يكون متأخرا عن الموجب للاباحة فكان الاخذ به أولى. وبيان ذلك وهو أن الموجب للاباحة يبقى ما كان على ما كان على طريقة بعض مشايخنا، لكون الاباحة أصلا في الاشياء، كما أشار إليه محمد في كتاب الاكراه، وعلى أقوى الطريقين باعتبار أن قبل مبعث

[ 21 ]

رسول الله (ص) كانت الاباحة ظاهرة في هذه الاشياء، فإن الناس لم يتركوا سدى في شئ من الاوقات، ولكن في زمان الفترة الاباحة كانت ظاهرة في الناس وذلك باق إلى أن ثبت الدليل الموجب للحرمة في شريعتنا، فبهذا الوجه يتبين أن الموجب للحظر متأخر، وهذا لانا لو جعلنا الموجب للاباحة متأخرا احتجنا إلى إثبات نسخين: نسخ الاباحة الثابتة في الابتداء بالنص الموجب للحظر، ثم نسخ الحظر بالنص الموجب للاباحة، وإذا جعلنا نص الحظر متأخرا احتجنا إلى إثبات النسخ في أحدهما خاصة فكان هذا الجانب أولى، ولانه قد ثبت بالاتفاق نسخ حكم الاباحة بالحظر. وأما نسخ حكم الحظر بالاباحة فمحتمل فبالاحتمال لا يثبت النسخ، ولان النص الموجب للحظر فيه زيادة حكم وهو نيل الثواب بالانتهاء عنه واستحقاق العقاب بالاقدام عليه، وذلك ينعدم في النص الموجب للاباحة، فكان تمام الاحتياط في إثبات التاريخ بينهما على أن يكون الموجب للحظر متأخرا والاخذ بالاحتياط أصل في الشرع. واختلف مشايخنا فيما إذا كان أحد النصين موجبا للنفي والآخر موجبا للاثبات، فكان الشيخ أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول: المثبت أولى من النافي، لان المثبت أقرب إلى الصدق من النافي ولهذا قبلت الشهادة على الاثبات دون النفي. وكان عيسى بن أبان رحمه الله يقول: تتحقق المعارضة بينهما، لان الخبر الموجب للنفي معمول به كالموجب للاثبات، وما يستدل به على صدق الراوي في الخبر الموجب للاثبات فإنه يستدل بعينه على صدق الراوي في الخبر الموجب للنفي. واختلف عمل المتقدمين من مشايخنا في مثل هذين النصين، فإنه روي أن رسول الله عليه السلام تزوج ميمونة رضي الله عنها وهو محرم، وروي أنه تزوجها وهو حلال، ثم أخذنا برواية من روى أنه تزوجها وهو محرم والاثبات في الرواية الاخرى، لانهم اتفقوا أن العقد كان بعد إحرامه، فمن روى أنه تزوجها وهو حلال فهو المثبت للتحلل من الاحرام قبل العقد ثم لم يرجح المثبت على النافي هنا. وروي أن بريرة أعتقت وزوجها كان حرا فخيرها رسول الله (ص)، وروي أنها أعتقت وزوجها عبد، ولا خلاف أن زوجها كان عبدا في الاصل، فكان الاثبات في رواية من روى أن زوجها كان حرا حين أعتقت فأخذنا بذلك، فهذا يدل على أن الترجيح

[ 22 ]

يحصل بالاثبات. وروي أن النبي عليه السلام رد ابنته زينب على أبي العاص رضي الله عنهما بنكاح جديد، وروي أنه ردها عليه بالنكاح الاول، والاثبات في رواية من روى أنه ردها عليه بعقد جديد، وبذلك أخذنا، فهو دليل على أن الترجيح يحصل بالاثبات. وذكر في كتاب الاستحسان: إذا أخبر عدل بطهارة الماء وعدل آخر بنجاسته فإنه يتعارض الخبران والاثبات في خبر من أخبر بنجاسته ثم لم يرجح الخبر به. وقال في التزكية: الشاهد إذا عدله واحد وجرحه آخر فإن الجرح يكون أولى لان في خبره إثباتا. فإذا تبين من أصول علمائنا هذا كله فلا بد من طلب وجه يحصل به التوفيق بين هذه الفصول ويستمر المذهب عليه مستقيما. وذلك الوجه أن خبر النفي إما أن يكون لدليل يوجب العلم به أو لعدم الدليل المثبت أو يكون مشتبها، فإن كان لدليل يوجب العلم به فهو مساو للمثبت وتتحقق المعارضة بينهما، وعلى هذا قال في السير الكبير: إذا قالت المرأة سمعت زوجي يقول المسيح ابن الله فبنت منه، وقال الزوج إنما قلت المسيح ابن الله قول النصارى، أو وقالت النصارى المسيح ابن الله، فالقول قوله، فإن شهد للمرأة شاهدان. وقالا لم نسمع من الزوج هذه الزيادة. فالقول قوله أيضا، وإن قالا لم يقل هذه الزيادة قبلت الشهادة وفرق بينهما. وكذا لو ادعى الاستثناء في الطلاق وشهد الشهود أنه لم يستثن قبلت الشهادة، وهذه شهادة على النفي ولكنها عن دليل موجب للعلم به وهو أن ما يكون من باب الكلام فهو مسموع من المتكلم لمن كان بالقرب منه، وما لم يسمع منه يكون دندنة لا كلاما، فإذا قبلت الشهادة على النفي إذا كان عن دليل كما تقبل على الاثبات قلنا في الخبر أيضا يقع التعارض بين النفي والاثبات. فأما إذا كان خبر النفي لعدم العلم بالاثبات فإنه لا يكون معارضا للمثبت، لانه خبر لا عن دليل موجب بل عن استصحاب حال، وخبر المثبت عن دليل موجب له، ولان السامع والمخبر في هذا النوع سواء، فإن السامع غير عالم بالدليل المثبت كالمخبر بالنفي، فلو جاز أن يكون هذا

[ 23 ]

الخبر معارضا لخبر المثبت لجاز أن يكون علم السامع معارضا لخبر المثبت. وإن كان الحال مشتبها فإنه يجب الرجوع إلى الخبر بالنفي واستفساره عما يخبر به ثم التأمل في كلامه، فإن ظهر أنه اعتمد في خبره دليلا موجبا العلم به فهو نظير القسم الاول، وإلا فهو نظير القسم الثاني. ففي مسألة التزكية من يزكي الشاهد فقد عرفنا أنه إنما يزكيه لعدم العلم بسبب الجرح منه، إذ لا طريق لاحد إلى الوقوف على جميع أحوال غيره حتى يكون إخباره عن تزكيته عن دليل موجب العلم به، والذي جرحه فخبره مثبت الجرح العارض لوقوفه على دليل موجب له، فلهذا جعل خبره أولى. وفي طهارة الماء ونجاسته المخبر بالطهارة يعتمد دليلا، لانه توقف على طهارة الماء حقيقة فإن الماء الذي نزل من السماء إذا أخذه الانسان في إناء طاهر وكان بمرأى العين منه إلى وقت الاستعمال فإنه يعلم طهارته بدليل موجب له، كما أن المخبر بنجاسته يعتمد الدليل فتتحقق المعارضة بين الخبرين. وعلى هذا أثبتنا المعارضة في حديث نكاح ميمونة لان المخبر بأنه كان محرما اعتمد دليلا، والمخبر بأنه كان حلالا اعتمد أيضا في خبره الدليل الموجب له، فإن هيئة المحرم ظاهرا يخالف هيئة الحلال فتتحقق المعارضة من هذا الوجه ويجب المصير إلى طلب الترجيح من جهة إتقان الراوي لما تعذر الترجيح من نفس الحجة، فأخذنا برواية ابن عباس رضي الله عنهما لانه روى القصة على وجهها وذلك دليل إتقانه، ولان يزيد بن الاصم لا يعادله في الضبط والاتقان. وحديث رد رسول الله (ص) زينب على أبي العاص رجحنا فيه المثبت للنكاح الجديد، لان من نفى ذلك فهو لم يعتمد في نفيه دليلا موجبا العلم به بل عدم الدليل للاثبات وهو مشاهدة النكاح الجديد، فتبنى روايته على استصحاب الحال وهو أنه عرف النكاح بينهما فيما مضى وشاهد ردها عليه فروى أنه ردها بالنكاح الاول. وفي حديث بريرة رجحنا الخبر المثبت لحرية الزوج عند عتقها، لان من يروي أنه كان عبدا فهو لم يعتمد في خبره دليلا موجبا لنفي الحرية، ولكن بنى خبره على استصحاب الحال لعدم علمه بدليل المثبت للحرية فلهذا رجحنا المثبت. ومن هذا النوع رواية أنس رضي الله عنه أن النبي عليه السلام كان قارنا في حجة الوداع، ورواية جابر رضي الله عنه أنه كان مفردا بالحج، فإنا رجحنا خبر المثبت للقران لان من روى الافراد

[ 24 ]

فهو ما اعتمد دليلا موجبا نفى القران ولكنه عدم الدليل الموجب للعلم به، وهو أنه لم يسمع تلبيته بالعمرة وسمع التلبية بالحج وروي أنه كان مفردا. ومن ذلك حديث بلال رضي الله عنه أن النبي عليه السلام لم يصل في الكعبة، مع حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى فيها عام الفتح، فإنهم اتفقوا أنه ما دخلها يومئذ إلا مرة، ومن أخبر أنه لم يصل فيها (فإنه) لم يعتمد دليلا موجبا للعلم به ولكنه لم يعاين صلاته فيها والآخر عاين ذلك فكان المثبت أولى من النافي. ومن أهل النظر من يقول يتخلص عن التعارض بكثرة عدد الرواة حتى إذا كان أحد الخبرين يرويه واحد والآخر يرويه اثنان فالذي يرويه اثنان أولى بالعمل به. واستدلوا بمسألة كتاب الاستحسان في الخبر بطهارة الماء ونجاسته وحل الطعام وحرمته، أنه إذا كان المخبر بأحد الامرين اثنين وبالآخر واحدا، فإنه يؤخذ بخبر الاثنين، وهذا لان خبر المثنى حجة تامة في الشهادات بخلاف خبر الواحد فطمأنينة القلب إلى خبر المثنى أكثر، وقد اشتهر عن الصحابة الاعتماد على خبر المثنى دون الواحد على ما سبق بيانه. وكذلك يتخلص عن التعارض أيضا بحرية الراوي استدلالا بما ذكر في الاستحسان أنه متى كان المخبر بأحد الامرين حرين وبالآخر عبدين فإنه يؤخذ بخبر الحرين. قال رضي الله عنه: والذي يصح عندي أن هذا النوع من الترجيح قول محمد رحمه الله خاصة، فقد ذكر نظيره في السير الكبير قال: أهل العلم بالسير ثلاث فرق: أهل الشام، وأهل الحجاز، وأهل العراق، فكل ما اتفق فيه الفريقان (منهم) على قول أخذت بذلك وتركت ما انفرد به فريق واحد. وهذا ترجيح بكثرة القائلين صار إليه محمد، وأبى ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف. والصحيح ما قالا، فإن كثرة العدد لا يكون دليل قوة الحجة، قال تعالى: * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * وقال تعالى: * (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) * وقال تعالى: * (ما يعلمهم إلا قليل) * وقال تعالى: * (وقليل ما هم) * ثم السلف من الصحابة وغيرهم لم يرجحوا بكثرة العدد في باب العمل بأخبار الآحاد فالقول به يكون

[ 25 ]

قولا بخلاف إجماعهم، ولما اتفقنا أن خبر الواحد موجب للعمل كخبر المثنى فيتحقق التعارض بين الخبرين بناء على هذا الاجماع، أرأيت لو وصل إلى السامع أحد الخبرين بطرق والآخر بطريق واحد أكان يرجح ما وصل إليه بطرق إذا كان راوي الاصل واحدا، فهذا لا يقول به أحد، ولا يؤخذ حكم رواية الاخبار من حكم الشهادات، ألا ترى أن في رواية الاخبار يقع التعارض بين خبر المرأة وخبر الرجل، وبين خبر المحدود في القذف بعد التوبة وخبر غير المحدود، وبين خبر المثنى وخبر الاربعة وإن كان يظهر التفاوت بينهما في الشهادات حتى يثبت بشهادة الاربعة ما لا يثبت بشهادة الاثنين وهو الزنا. وكذلك طمأنينة القلب إلى قول الاربعة أكثر ومع ذلك تتحقق المعارضة بين شهادة الاثنين وشهادة الاربعة في الاموال، ليعلم أنه لا يؤخذ حكم الحادثة من حادثة أخرى ما لم تعلم المساواة بينهما من كل وجه. وإنما رجح خبر المثنى على خبر الواحد وخبر الحرين على خبر العبدين في مسألة الاستحسان لظهور الترجيح في العمل به فيما يرجع إلى حقوق العباد، فأما في أحكام الشرع فخبر الواحد وخبر المثنى في وجوب العمل به سواء. ومن هذه الجملة إذا كان في أحد الخبرين زيادة لم تذكر تلك الزيادة في الخبر الثاني، فمذهبنا فيه أنه إذا كان الراوي واحدا يؤخذ بالمثبت للزيادة ويجعل حذف تلك الزيادة في بعض الطرق محالا على قلة ضبط الراوي وغفلته عن السماع، وذلك مثل ما يرويه ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال: إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها تحالفا وترادا وفي رواية أخرى لم تذكر هذه الزيادة، فأخذنا بما فيه إثبات هذه الزيادة وقلنا لا يجري التحالف إلا عند قيام السلعة. ومحمد والشافعي يقولان نعمل بالحديثين لان العمل بهما ممكن فلا نشتغل بترجيح أحدهما في العمل به. والصحيح ما قلنا لوجهين: أحدهما أن أصل الخبر واحد وذلك متيقن به وكونهما خبرين محتمل وبالاحتمال لا يثبت الخبر، وإذا كان الخبر واحدا فحذف الزيادة من بعض الرواة ليس له طريق سوى ما قلنا. والثاني أنا لو جعلناهما خبرين لم يكن للزيادة المذكورة في أحدهما فائدة فيما يرجع إلى بيان الحكم، لان الحكم واحد في الخبرين ولا يجوز حمل كلام رسول الله على ما فيه إخلاؤه عن الفائدة. فأما إذا اختلف الراوي فقد علم أنهما خبران، وأن النبي

[ 26 ]

عليه السلام إنما قال كل واحد منهما في وقت آخر فيجب العمل بهما عند الامكان كما هو مذهبنا في أن المطلق لا يحمل على المقيد في حكمين. وبيان هذا فيما روي أن النبي عليه السلام نهى عن بيع الطعام قبل القبض وقال لعتاب بن أسيد رضي الله عنه انههم عن أربعة: عن بيع ما لم يقبضوا فإنا نعمل بالحديثين ولا نجعل المطلق منهما محمولا على المقيد بالطعام حتى لا يجوز بيع سائر العروض قبل القبض كما لا يجوز بيع الطعام. وأهل الحديث يجعلون الرواة في هذا طبقات فيقولون: إذا كانت الزيادة يرويها من هو في الطبقة العليا يجب الاخذ بذلك، وإن كانت الزيادة إنما يرويها من ليس في الطبقة العليا ويروي الخبر بدون الزيادة من هو في الطبقة العليا فإنه يثبت التعارض بينهما. وكذلك قالوا في خبر يروى موقوفا على بعض الصحابة بطريق ومرفوعا إلى رسول الله (ص) بطريق، فإن كان يرويه عن رسول الله عليه السلام من هو في الطبقة العليا فإنه يثبت مرفوعا، وإن كان إنما يرويه عن رسول الله عليه السلام من ليس في الطبقة العليا ويرويه موقوفا من هو في الطبقة العليا فإنه يثبت موقوفا. وكذلك قالوا في المسند والمرسل، ولكن الفقهاء لم يأخذوا بهذا القول، لان الترجيح عند أهل الفقه يكون بالحجة لا بأعيان الرجال، والله أعلم. باب: البيان قال رضي الله عنه: اختلفت عبارة أصحابنا في معنى البيان. قال أكثرهم: هو إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب منفصلا عما تستر به. وقال بعضهم: هو ظهور المراد للمخاطب والعلم بالامر الذي حصل له عند الخطاب، وهو اختيار أصحاب الشافعي، لان الرجل يقول: بان لي هذا المعنى بيانا: أي ظهر، وبانت المرأة من زوجها بينونة: أي حرمت، وبان الحبيب بينا: أي بعد، وكل ذلك عبارة عن الانفصال والظهور ولكنها بمعان مختلفة فاختلفت المصادر بحسبها. والاصح هو الاول أن المراد هو الاظهار، فإن أحدا من العرب لا يفهم من إطلاق لفظ البيان العلم الواقع للمبين له، ولكن إذا قال الرجل: بين فلان كذا بيانا واضحا فإنما يفهم

[ 27 ]

منه أنه أظهره إظهارا لا يبقى معه شك، وإذا قيل: فلان ذو بيان فإنما يراد به الاظهار أيضا، وقول رسول الله: إن من البيان لسحرا يشهد لما قلنا إنه عبارة عن الاظهار، وقال تعالى: * (هذا بيان للناس) * وقال تعالى: * (علمه البيان) * والمراد الاظهار، وقد كان رسول الله (ص) مأمورا بالبيان للناس، قال تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * وقد علمنا أنه بين للكل. ومن وقع له العلم ببيانه أقر ومن لم يقع له العلم أصر. ولو كان البيان عبارة عن العلم الواقع للمبين لما كان هو متمما للبيان في حق الناس كلهم. وقول من يقول من أصحابنا حد البيان هو: الاخراج عن حد الاشكال إلى التجلي ليس بقوي، فإن هذا الحد أشكل من البيان والمقصود بذكر الحد زيادة كشف الشئ لا زيادة الاشكال فيه، ثم هذا الحد لبيان المجمل خاصة والبيان يكون فيه وفي غيره. ثم المذهب عند الفقهاء وأكثر المتكلمين أن البيان يحصل بالفعل من رسول الله عليه السلام كما يحصل بالقول. وقال بعض المتكلمين: لا يكون البيان إلا بالقول بناء على أصلهم أن بيان المجمل لا يكون إلا متصلا به، والفعل لا يكون متصلا بالقول. فأما عندنا: بيان المجمل قد يكون متصلا به وقد يكون منفصلا عنه، على ما نبينه إن شاء الله تعالى. ثم الدليل على أن البيان قد يحصل بالفعل أن جبريل عليه السلام بين مواقيت الصلاة للنبي عليه السلام بالفعل حيث أمه في البيت في اليومين، ولما سئل رسول الله (ص) عن مواقيت الصلاة قال للسائل: صل معنا ثم صلى في اليومين في وقتين، فبين له المواقيت بالفعل، وقال لاصحابه: خذوا عني مناسككم وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي ففي هذا تنصيص على أن فعله مبين لهم، ولان البيان عبارة عن إظهار المراد فربما يكون ذلك بالفعل أبلغ منه بالقول، ألا ترى أنه أمر أصحابه بالحلق عام الحديبية فلم يفعلوا ثم لما رأوه حلق بنفسه حلقوا في الحال، فعرفنا أن إظهار المراد يحصل بالفعل كما يحصل بالقول. ثم البيان على خمسة أوجه: بيان تقرير، وبيان تفسير، وبيان تغيير، وبيان تبديل، وبيان ضرورة.

[ 28 ]

فأما بيان التقرير: فهو في الحقيقة الذي يحتمل المجاز والعام المحتمل للخصوص، فيكون البيان قاطعا للاحتمال مقررا للحكم على ما اقتضاه الظاهر، وذلك نحو قوله تعالى: * (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) * فصيغة الجمع تعم الملائكة على احتمال أن يكون المراد بعضهم، وقوله تعالى: * (كلهم أجمعون) * بيان قاطع لهذا الاحتمال فهو بيان التقرير. وكذلك قوله تعالى: * (ولا طائر يطير بجناحيه) * يحتمل المجاز لان البريد يسمى طائرا فإذا قال يطير بجناحيه بين أنه أراد الحقيقة. وهذا البيان صحيح موصولا كان أو مفصولا، لانه مقرر للحكم الثابت بالظاهر. وعلى هذا قلنا: إذا قال لامرأته أنت طالق ثم قال نويت به الطلاق عن النكاح، أو قال لعبده أنت حر ثم قال نويت به الحرية عن الرق والملك، فإنه يكون ذلك بيانا صحيحا، لانه تقرير للحكم الثابت بظاهر الكلام لا تغيير له. وأما بيان التفسير: فهو بيان المجمل والمشترك، فإن العمل بظاهره غير ممكن، وإنما يوقف على المراد للعمل به بالبيان فيكون البيان تفسيرا له، وذلك نحو قوله تعالى: * (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * وقوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * ونظيره من مسائل الفقه إذا قال لامرأته أنت بائن أو أنت علي حرام، فإن البينونة والحرمة مشتركة فإذا قال عنيت به الطلاق كان هذا بيان تفسير، ثم بعد التفسير العمل بأصل الكلام، ولهذا أثبتنا به البينونة والحرمة. وكذلك إذا قال لفلان علي ألف درهم وفي البلد نقود مختلفة ثم قال عنيت به نقد كذا، فإنه يكون ذلك بيان تفسير. وسائر الكنايات في الطلاق والعتاق على هذا أيضا. ثم هذا النوع يصح عند الفقهاء موصولا ومفصولا، وتأخير البيان عن أصل الكلام لا يخرجه من أن يكون بيانا، وعلى قول بعض المتكلمين لا يجوز تأخير بيان المجمل والمشترك عن أصل الكلام، لان بدون البيان لا يمكن العمل به والمقصود بالخطاب فهمه والعمل به، فإذا كان ذلك لا يحصل بدون البيان فلو جوزنا

[ 29 ]

تأخير البيان أدى إلى تكليف ما ليس في الوسع، يوضحه أنه لا يحسن خطاب العربي بلغة التركية ولا خطاب التركي بلغة العرب إذا علم أنه لا يفهم ذلك إلا أن يكون هناك ترجمان يبين له، وإنما لا يحسن ذلك لان المقصود بالخطاب إفهام السامع وهو لا يفهم فكذلك الخطاب بلفظ مجمل بدون بيان يقترن به لا يكون حسنا شرعا، لان المخاطب لا يفهم المراد به، وإنما يصح مع البيان لان المخاطب يفهم المراد به. ولكنا نقول: الخطاب بالمجمل قبل البيان مفيد وهو الابتلاء باعتقاد الحقية فيما هو المراد به مع انتظار البيان للعمل به، وإنما يكون هذا تكليف ما ليس في الوسع أن لو أوجبنا العمل به قبل البيان ولا نوجب ذلك، ولكن الابتلاء باعتقاد الحقية فيه أهم من الابتلاء بالعمل به فكان حسنا صحيحا من هذا الوجه، ألا ترى أن الابتلاء بالمتشابه كان باعتقاد الحقية فيما هو المراد به من غير انتظار البيان فلان يكون الابتلاء باعتقاد الحقية في المجمل مع انتظار البيان صحيحا كان أولى. ومخاطبة العربي بلغ التركية تخلو عن هذه الفائدة، وإليه أشار الله في قوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) * وبيان ما قلنا في قصة موسى عليه السلام مع معلمه فإنه كان مبتلى باعتقاد الحقية فيما فعله معلمه مع انتظار البيان، وما كان سؤاله في كل مرة إلا استعجالا منه للبيان الذي كان منتظرا له، ولهذا قال بعدما بينه له ما أخبر الله عن معلمه * (ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا) *. ثم اختلف العلماء في جواز تأخير دليل الخصوص في العموم فقال علماؤنا رحمهم الله: دليل الخصوص إذا اقترن بالعموم يكون بيانا، وإذا تأخر لم يكن بيانا بل يكون نسخا. وقال الشافعي: يكون بيانا سواء كان متصلا بالعموم أو منفصلا عنه. وإنما يبتنى هذا الخلاف على الاصل الذي قلنا إن مطلق العام عندنا يوجب الحكم فيما يتناوله قطعا كالخاص، وعند الشافعي يوجب الحكم على احتمال الخصوص بمنزلة العام الذي ثبت خصوصه بالدليل فيكون دليل الخصوص على مذهبه فيهما بيان التفسير لا بيان التغيير فيصح موصولا ومفصولا. وعندنا لما

[ 30 ]

كان العام المطلق موجبا للحكم قطعا فدليل الخصوص فيه يكون مغيرا لهذا الحكم، فإن العام الذي دخله خصوص لا يكون حكمه عندنا مثل حكم العام الذي لم يدخله خصوص، وبيان التغيير إنما يكون موصولا لا مفصولا على ما يأتيك بيانه إن شاء الله تعالى. وعلى هذا قال علماؤنا: إذا أوصى لرجل بخاتم ولآخر بفصه، فإن كان في كلام موصول فهو بيان وتكون الحلقة لاحدهما والفص للآخر، وإن كان في كلام مفصول فإنه لا يكون بيانا ولكن يكون إيجاب الفص للآخر ابتداء حتى يقع التعارض بينهما في الفص فتكون الحلقة للموصى له بالخاتم والفص بينهما نصفان. وأما بيان المجمل فليس بهذه الصفة بل هو بيان محض لوجود شرطه وهو كون اللفظ محتملا غير موجب للعمل به بنفسه، واحتمال كون البيان الملحق به تفسيرا وإعلاما لما هو المراد به، فيكون بيانا من كل وجه ولا يكون معارضا فيصح موصولا ومفصولا، ودليل الخصوص في العام ليس ببيان من كل وجه بل هو بيان من حيث احتمال صيغة العموم للخصوص، وهو ابتداء دليل معارض من حيث كون العام موجبا العمل بنفسه فيما تناوله، فيكون بمنزلة الاستثناء والشرط فيصح موصولا على أنه بيان، ويكون معارضا ناسخا للحكم الاول إذا كان مفصولا. وقد بينا أدلة هذا الاصل الذي نشأ منه الخلاف، وإنما أعدناه هنا للحاجة إلى الجواب عن نصوص وشبه يحتج بها الخصم. فمن ذلك قوله تعالى: * (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) * وثم للتعقيب مع التراخي فقد ضمن البيان بعد إلزام الاتباع وإلزام الاتباع إنما يكون بالعام دون المجمل، إذ المراد بالاتباع العمل به، فعرفنا أن البيان الذي هو خصوص قد يتأخر عن العموم. وقال تعالى في قصة نوح عليه الصلاة والسلام: * (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك) * وعموم اسم الاهل يتناول ابنه ولاجله كان سؤال نوح بقوله: * (إن ابني من أهلي) * ثم بين الله تعالى له بقوله تعالى: * (إنه ليس من أهلك) * وقال تعالى في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع ضيفه المكرمين: * (إنا مهلكو أهل هذه القرية) * وعموم هذا اللفظ يتناول لوطا ولهذا قال الخليل عليه السلام إن فيها لوطا، ثم بينوا له فقالوا * (لننجينه وأهله) * فدل أن دليل الخصوص يجوز أن ينفصل عن العموم. وقال تعالى: * (إنكم وما تعبدون من دون

[ 31 ]

الله حصب جهنم) * ثم لما عارضه ابن الزبعري بعيسى والملائكة عليهم السلام نزل دليل الخصوص * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) * والدليل عليه قصة بني إسرائيل فإنهم أمروا بذبح بقرة كما قال تعالى: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) * ثم لما استوصفوها بين لهم صفتها وكان ذلك دليل الخصوص على وجه البيان منفصلا عن أصل الخطاب. والدليل عليه أن آية المواريث عامة في إيجاب الميراث للاقارب كفارا كانوا أو مسلمين، ثم بين رسول الله (ص) أن الارث يكون عند الموافقة في الدين لا عند المخالفة فيكون هذا تخصيصا منفصلا عن دليل العموم، وقوله تعالى: * (من بعد وصية يوصى بها أو دين) * عام في تأخير الميراث عن الوصية في جميع المال، ثم بيان رسول الله (ص) أن الوصية تختص بالثلث تخصيص منفصل عن دليل العموم فدل على أن ذلك جائز ولا يخرج به من أن يكون بيانا، واستدلوا بقوله تعالى: * (ولذي القربى) * فإنه عام تأخر بيان خصوصه إلى أن كلم عثمان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما رسول الله في ذلك فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب كشئ واحد وقال إنهم لم يفارقوني في الجاهلية ولا في الاسلام. ثم قالوا تأخير البيان في الاعيان معتبر بتأخير البيان في الازمان وبالاتفاق يجوز أن يرد لفظ مطلقه يقتضي عموم الازمان ثم يتأخر عنه بيان أن المراد بعض الازمان دون البعض بالنسخ فكذلك يجوز أن يرد لفظ ظاهره يقتضي عموم الاعيان، ثم يتأخر عنه دليل الخصوص الذي يتبين به أن المراد بعض الاعيان دون البعض. وحجتنا فيه أن الخصم يوافقنا بالقول في العموم وبطلان مذهب من يقول بالوقف في العموم، وقد أوضحنا ذلك بالدليل. ثم من ضرورة القول بالعموم لزوم اعتقاد العموم فيه، والقول بجواز تأخير دليل الخصوص يؤدي إلى أن يقال يلزمنا اعتقاد الشئ على خلاف ما هو عليه وهذا في غاية الفساد. وكما يجب اعتقاد العموم عند وجود صيغة العموم يجوز الاخبار به أيضا فيقال إنه عام. وفي جواز تأخير البيان بدليل الخصوص يؤدي إلى القول بجواز الكذب في الحجج الشرعية وذلك باطل،

[ 32 ]

وهذا بخلاف النسخ فإن الواجب اعتقاد الحقية في الحكم النازل، فأما في حياة رسول الله عليه السلام فما كان يجب اعتقاد التأبيد في ذلك الحكم، ولا إطلاق القول بأنه مؤبد، لان الوحي كان ينزل ساعة فساعة ويتبدل الحكم كالصلاة إلى بيت المقدس وتحريم شرب الخمر وما أشبه ذلك، وإنما اعتقاد التأبيد فيه وإطلاق القول به بعد رسول الله لقيام الدليل على أن شريعته لا تنسخ بعده بشريعة أخرى. فأما قوله تعالى * (ثم إن علينا بيانه) * فنقول: بالاتفاق ليس المراد جميع ما في القرآن فإن البيان من القرآن أيضا فيؤدي هذا القول بأن لذلك البيان بيانا إلى ما لا يتناهى، وإنما المراد بعض ما في القرآن وهو المجمل الذي يكون بيانه تفسيرا له ونحن نجوز تأخير البيان في مثله، فأما فيما يكون مغيرا أو مبدلا للحكم إذا اتصل به، فإذا تأخر عنه يكون نسخا ولا يكون بيانا محضا، ودليل الخصوص في العام بهذه الصفة. ونظيره المحكمات التي هن أم الكتاب، فإن فيها ما لا يحتمل النسخ ويحتمل بيان التقرير كصفات الله جل جلاله، فكذلك ما ورد من العام مطلقا قلنا إنه يحتمل البيان الذي هو نسخ، ولكنه لا يحتمل البيان المحض وهو ما يكون تفسيرا له إذا كان منفصلا عنه. فأما قوله تعالى: * (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك) * قلنا البيان هنا موصول فإنه قال: * (إلا من سبق عليه القول) * والمراد ما سبق من وعد إهلاك الكفار بقوله تعالى: * (إنهم مغرقون) *. فإن قيل: ففي ذلك الوعد نهي لنوح عليه الصلاة والسلام عن الكلام فيهم كما قال تعالى: * (ولا تخاطبني في الذين ظلموا) * فلو كان قوله * (إلا من سبق عليه القول) * منصرفا إلى ذلك لما استجاز نوح عليه الصلاة والسلام سؤال ابنه بقوله * (إن ابني من أهلي) * قلنا: إنما سأل لانه كان دعاه إلى الايمان وكان يظن فيه أنه يؤمن حين تنزل الآية الكبرى وامتد رجاؤه لذلك إلى أن آيسه الله تعالى من ذلك بقوله تعالى: * (إنه عمل غير صالح) * فأعرض عنه عند ذلك وقال: * (رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم) * ونظيره استغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام لابيه (بناء على رجاء أن يؤمن كما وعد، وإليه أشار في قوله تعالى: * (وما كان استغفار إبراهيم

[ 33 ]

لابيه) إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) * ثم قوله تعالى: * (وأهلك) * ما تناول ابنه الكافر، لان أهل المرسلين من يتابعهم على دينهم، وعلى هذا لفظ الاهل كان مشتركا فيه لاحتمال أن يكون المراد الاهل من حيث النسب واحتمال أن يكون المراد الاهل من حيث المتابعة في الدين، فلهذا سأل الله فبين الله له أن المراد أهله من حيث المتابعة في الدين وأن ابنه الكافر ليس من أهله وتأخير البيان في المشترك صحيح عندنا. فأما قوله تعالى: * (إنا مهلكو أهل هذه القرية) * فالبيان هنا موصول في هذه الآية بقوله: * (إن أهلها كانوا ظالمين) * وفي موضع آخر بقوله: * (إلا آل لوط) *. فإن قيل: فما معنى سؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام الرسل بقوله: * (إن فيها لوطا) * ؟ قلنا: فيه معنيان: أحدهما أن العذاب النازل قد يخص الظالمين كما في قصة أصحاب السبت، وقد يصيب الكل فيكون عذابا في حق الظالمين ابتلاء في حق المطيعين، كما قال تعالى: * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * فأراد الخليل عليه السلام أن يبين له أن عذاب أهل تلك القرية من أي الطريقين وأن يعلم أن لوطا عليه السلام هل ينجو من ذلك أم يبتلى به ؟ والثاني أنه علم يقينا أن لوطا ليس من المهلكين معهم ولكنه خصه في سؤاله ليزداد طمأنينة وليكون فيه زيادة تخصيص للوط. وهو نظير قوله تعالى: * (رب أرني كيف تحيي الموتى) * وقد كان عالما متيقنا بإحياء الموتى ولكن سأله لينضم العيان إلى ما كان له من علم اليقين فيزداد به طمأنينة قلبه. فأما قوله تعالى: * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) * فقد قيل إن هذا الخطاب كان لاهل مكة وهم كانوا عبدة الاوثان، وما كان فيهم من يعبد عيسى عليه الصلاة والسلام والملائكة فلم يكن أصل الكلام متناولا لهم. والاوجه أن يقول إن في صيغة الكلام ما هو دليل ظاهر على أنه غير متناول لهم، فإن كلمة ما يعبر بها عن ذات ما لا يعقل وإنما يعبر عن ذات من يعقل بكلمة من، إلا أن القوم كانوا متعنتين يجادلون بالباطل بعد ما تبين لهم فحين عارضوا بعيسى والملائكة عليه السلام علم رسول الله عليه السلام تعنتهم في ذلك، وأنهم يعلمون أن الكلام غير

[ 34 ]

متناول لمن عارضوا به، وقد كانوا أهل اللسان فأعرض عن جوابهم امتثالا بقوله تعالى: * (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) * ثم بين الله تعالى تعنتهم فيما عارضوا به بقوله: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) * ومثل هذا الكلام يكون ابتداء كلام هو حسن وإن لم يكن محتاجا إليه في حق من لا يتعنت، وإنما كلامنا فيما يكون محتاجا إليه من البيان ليوقف به على ما هو المراد. والذي يوضح تعنت القوم أنهم كانوا يسمونه مرة ساحرا ومرة مجنونا وبين الوصفين تناقض بين، فالساحر من يكون حاذقا في عمله حتى يلبس على العقلاء، والمجنون من لا يكون مهتديا إلى الاعمال والاقوال على ما عليه أصل الوضع، ولكنهم لشدة الحسد كانوا يتعنتون وينسبونه إلى ما يدعو إلى تنفير الناس عنه، من غير تأمل في التحرز عن التناقض واللغو. فأما قصة بقرة بني إسرائيل فنقول: كان ذلك بيانا بالزيادة على النص وهو يعدل النسخ عندنا والنسخ إنما يكون متأخرا عن أصل الخطاب، وإلى هذا أشار ابن عباس رضي الله عنهما فقال: لو أنهم عمدوا إلى أي بقرة كانت فذبحوها لاجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. فدل أن الامر الاول قد كان فيه تخفيف وأنه قد انتسخ ذلك بأمر فيه تشديد عليهم. فأما قوله: * (ولذي القربى) * فقد قيل إنه مشترك يحتمل أن يكون المراد قربى النصرة، ويحتمل أن يكون المراد قربى القرابة، فلهذا سأل عثمان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما رسول الله (ص) عن ذلك وبين لهما رسول الله (ص) أن المراد قربى النصرة. أو نقول: قد علمنا أنه ليس المراد من يناسبه إلى أقصى أب فإن ذلك يوجب دخول جميع بني آدم فيه، ولكن فيه إشكال أن المراد من يناسبه بأبيه خاصة أو بجده أو أعلى من ذلك، فبين رسول الله عليه السلام أن المراد من يناسبه إلى هاشم، ثم ألحق بهم بني المطلب لانضمامهم إلى بني هاشم في القيام بنصرته في الجاهلية والاسلام، فلم يكن هذا البيان من تخصيص العام في شئ، بل هذا بيان المراد في العام الذي يتعذر فيه القول بالعموم، وقد بينا أن مثل هذا العام في حكم العمل به كالمجمل كما في قوله: * (وما يستوي الاعمى والبصير) * فيكون البيان تفسيرا له فلهذا صح متأخرا. فأما تقييد حكم الميراث بالموافقة في الدين

[ 35 ]

فهو زيادة على النص وهو يعدل النسخ عندنا فلا يكون بيانا محضا. فأما قصر حكم تنفيذ الوصية على الثلث وجوبا قبل الميراث فيحتمل أن السنة المبينة له كانت قبل نزول آية الميراث فيكون ذلك بيانا مقارنا لما نزل في حقنا باعتبار المعنى، فإنه لما سبق علمنا بما نزل كان من ضرورته أن يكون مقارنا له. فأما البيان المتأخر في الازمان فهو نسخ ونحن لا ندعي إلا هذا، فإنا نقول إنما يكون دليل الخصوص بيانا محضا إذا كان متصلا بالعام، فأما إذا كان متأخرا عنه يكون نسخا. فتبين أن ما استدل به من الحجة هو لنا عليه. وسنقرره في باب النسخ إن شاء الله تعالى. فصل: في بيان التغيير والتبديل أما بيان التغيير: هو الاستثناء، كما قال تعالى: * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) * فإن الالف اسم موضوع لعدد معلوم فما يكون دون ذلك العدد يكون غيره لا محالة، فلولا الاستثناء لكان العلم يقع لنا بأنه لبث فيهم ألف سنة، ومع الاستثناء إنما يقع العلم لنا بأنه لبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما، فيكون هذا تغييرا لما كان مقتضى مطلق تسمية الالف. وبيان التبديل: هو التعليق بالشرط، كما قال الله تعالى: * (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) * فإنه يتبين به أنه لا يجب إيتاء الاجر بعد العقد إذا لم يوجد الارضاع، وإنما يجب ابتداء عند وجود الارضاع، فيكون تبديلا لحكم وجوب أداء البدل بنفس العقد. وإنما سمينا كل واحد منهما بهذا الاسم لما ظهر من أثر كل واحد منهما، فإن حد البيان غير حد النسخ، لان البيان إظهار حكم الحادثة عند وجوده ابتداء، والنسخ رفع للحكم بعد الثبوت، وعند وجود الشرط يثبت الحكم ابتداء ولكن بكلام كان سابقا على وجود الشرط تكلما به، إلا أنه لم يكن موجبا حكمه إلا عند وجود الشرط، فكان بيانا من حيث إن الحكم ثبت عند وجوده ابتداء، ولم يكن نسخا صورة من حيث إن النسخ هو رفع الحكم بعد ثبوته في محله، فكان تبديلا من حيث إن مقتضى قوله لعبده أنت حر نزول العتق

[ 36 ]

في المحل واستقراره فيه، وأن يكون علة للحكم بنفسه، وبذكر الشرط يتبدل ذلك كله، لانه يتبين به أنه ليس بعلة تامة للحكم قبل الشرط، وأنه ليس بإيجاب للعتق بل هو يمين، وأن محله الذمة حتى لا يصل إلى العبد إلا بعد خروجه من أن يكون يمينا بوجود الشرط، فعرفنا أنه تبديل. وكذلك الاستثناء، فإن قوله لفلان علي ألف درهم مقتضاه وجوب العدد المسمى في ذمته ويتغير ذلك بقوله إلا مائة، لا على طريق أنه يرتفع بعض ما كان واجبا ليكون نسخا، فإن هذا في الاخبار غير محتمل، ولكن على طريق أنه يصير عبارة عما وراء المستثنى فيكون إخبارا عن وجوب تسعمائة فقط، فعرفنا أنه تغيير لمقتضى صيغة الكلام الاول، وليس بتبديل، إنما التبديل أن يخرج كلامه من أن يكون إخبارا بالواجب أصلا، فلهذا سميناه بيان التغيير. ثم لا خلاف بين العلماء في هذين النوعين من البيان أنه يصح موصولا بالكلام ولا يصح مفصولا ممن لا يملك النسخ، وإنما يختلفون في كيفية إعمال الاستثناء والشرط. فقال علماؤنا: موجب الاستثناء أن الكلام به يصير عبارة عما وراء المستثنى، وأنه ينعدم ثبوت الحكم في المستثنى لانعدام الدليل الموجب له مع صورة التكلم به، بمنزلة الغاية فيما يقبل التوقيت فإنه ينعدم الحكم فيما وراء الغاية لانعدام الدليل الموجب له، لا لان الغاية توجب نفي الحكم فيما وراءه. وعلى قول الشافعي الحكم لا يثبت في المستثنى لوجود المعارض كما أن دليل الخصوص يمنع ثبوت حكم العام فيما يتناوله دليل الخصوص لوجود المعارض. وكذلك الشرط عندنا فإنه يمنع ثبوت الحكم في المحل لانعدام العلة الموجبة له حكما مع صورة التكلم به، لا لان الشرط مانع من وجود العلة، وعلى قوله الشرط مانع للحكم مع وجود علته. والكلام في فصل الشرط قد تقدم بيانه إنما الكلام هنا في الاستثناء، فإنهم احتجوا باتفاق أهل اللسان أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الاثبات نفي، فهذا تنصيص على أن الاستثناء موجب ما هو ضد موجب أصل الكلام على وجه المعارضة له في المستثنى، وعليه دل قوله تعالى: * (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين

[ 37 ]

إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته) * فالاستثناء الاول كان من المهلكين ثم فهم منه الانجاء، والاستثناء الثاني من المنجين فإنما فهم منه أنهم من المهلكين. وعلى هذا قالوا: إذا قال لفلان علي عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهمين يلزمه تسعة، لان الاستثناء الاول من الاثبات فكان نفيا، والاستثناء الثاني من النفي فكان إثباتا، والدليل عليه قوله تعالى: * (فشربوا منه إلا قليلا منهم) *: أي إلا قليلا منهم لم يشربوا، فقد نص على هذا في قوله تعالى: * (إلا إبليس لم يكن من الساجدين) * وإذا ثبت أن المراد بالكلام هذا كان في موجبه كالمنصوص عليه، والدليل عليه كلمة الشهادة فإنها كلمة التوحيد لاشتمالها على النفي والاثبات، وإنما يتحقق ذلك إذا جعل كأنه قال إلا الله فإنه هو الاله، والدليل عليه أن صيغة الايجاب إذا صح من المتكلم فهو مفيد حكمه إلا أن يمنع منه مانع وبالاستثناء لا ينتفي التكلم بكلام صحيح في جميع ما تناوله أصل الكلام، ولو لم يكن الاستثناء موجبا هو معارض مانع لما امتنع ثبوت الحكم فيه، لان بالاستثناء لا يخرج من أن يكون متكلما به فيه، لاستحالة أن يكون متكلما به غير متكلم في كلام واحد، ولكن يجوز أن يكون متكلما به ويمتنع ثبوت الحكم فيه لمانع منع منه كما في البيع بشرط الخيار، فعرفنا أن الطريق الصحيح في الاستثناء هذا، وعليه خرج مذهبه فقال في قوله تعالى: * (إلا الذين تابوا) * في آية القذف: إن المراد إلا الذين تابوا فأولئك هم الصالحون وتقبل شهادتهم، إلا أنه لا يتناول هذا الاستثناء الجلد على وجه المعارضة، لانه استثناء لبعض الاحوال بإيجاب حكم فيه سوى الحكم الاول وهو حال ما بعد التوبة فيختص بما يحتمل التوقيت دون ما لا يحتمل التوقيت، وإقامة الجلد لا يحتمل ذلك، فأما رد الشهادة والتفسيق يحتمل ذلك. وقال في قوله عليه السلام: لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء إن المراد لكن إن جعلتموه سواء بسواء فبيعوا أحدهما بالآخر حتى أثبت بالحديث حكمين: حكم الحرمة لمطلق الطعام (بالطعام) فأثبته في القليل والكثير، وحكم الحل بوجود المساواة كما هو موجب الاستثناء فيختص بالكثير الذي يقبل المساواة. وهو نظير قوله تعالى: * (فنصف ما فرضتم

[ 38 ]

إلا أن يعفون) * في أن الثابت به حكمان حكم بنصف المفروض بالطلاق فيكون عاما فيمن يصح منه العفو ومن لا يصح العفو منه نحو الصغيرة والمجنونة، وحكم سقوط الكل بالعفو كما هو موجب الاستثناء فيختص بالكبيرة العاقلة التي يصح منها العفو. وعلى هذا إذا قال: لفلان علي ألف درهم إلا ثوبا فإنه يلزمه الالف إلا قدر قيمة الثوب، لان موجب الاستثناء نفي الحكم في المستثنى بدليل المعارض والدليل المعارض يجب العمل به بحسب الامكان والامكان هنا أن يجعل موجبه نفي مقدار قيمة ثوب لا نفي عين الثوب، ولهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف فيما إذا قال له علي ألف درهم إلا كر حنطة: إنه ينقص من الالف قدر قيمة كر حنطة وإن الاستثناء يصحح بحسب الامكان على الوجه الذي قلنا، بخلاف ما يقوله محمد رحمه الله إنه لا يصح الاستثناء. قال: ولو كان الكلام عبارة عما وراء المستثنى من الوجه الذي قلتم لكان يلزمه الالف هنا كاملا لان مع وجوب الالف عليه نحن نعلم أنه لا كر عليه فكيف يجعل هذا عبارة عما وراء المستثنى، والكلام لم يتناول المستثنى أصلا، فظهر أن الطريق فيه ما قلنا. وحجتنا في إبطال طريقة الخصم الاستثناء المذكور في القرآن فيما هو خبر نحو قوله تعالى: * (فشربوا منه إلا قليلا منهم) *. * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) * فإن دليل المعارضة في الحكم إنما يتحقق في الايجاب دون الخبر لان ذلك يوهم الكذب باعتبار صدر الكلام ومع بقاء أصل الكلام للحكم لا يتصور امتناع الحكم فيه بمانع، فلو كان الطريق ما قاله الخصم لاختص الاستثناء بالايجاب كدليل الخصوص ودليل الخصوص يختص بالايجاب. والثاني أن الاستثناء إنما يصح إذا كان المستنثى بعض ما تناوله الكلام. ولا يصح إذا كان جميع ما تناوله الكلام، ودليل الخصوص الذي هو رفع للحكم كالنسخ كما يعمل في البعض

[ 39 ]

يعمل في الكل، فعرفنا أنه ليس الطريق في الاستثناء ما ذهب إليه ولكن الطريق فيه أنه عبارة عما وراء المستثنى، حتى إذا كان يتوهم بعد الاستثناء بقاء شئ دون الخبر يجعل الكلام عبارة عنه صح، وإن لم يبق من الحكم شئ. وبيان هذا أنه لو قال عبيدي أحرار إلا عبيدي لم يصح الاستثناء، ولو قال إلا هؤلاء وليس له سواهم صح الاستثناء، لانه يتوهم بقاء شئ وراء المستثنى يجعل الكلام عبارة عنه هنا ولا توهم لمثله في الاول، وكذلك الطلاق على هذا. ولا يجوز أن يقال إن استثناء الكل إنما لا يصح لانه رجوع، فإن فيما يصح الرجوع عنه لا يصح استثناء الكل أيضا، حتى إذا قال أوصيت لفلان بثلث مالي إلا ثلث مالي كان الاستثناء باطلا والرجوع عن الوصية يصح، وإنما بطل الاستثناء هنا لانه لا يتوهم وراء المستثنى شئ يكون الكلام عبارة عنه، فعرفنا أنه تصرف في الكلام لا في الحكم، وأنه عبارة عما وراء المستثنى بأطول الطريقين تارة وأقصرهما تارة، والدليل عليه أن الدليل المعارض يستقل بنفسه والاستثناء لا يستقل بنفسه، فإنه ما لم يسبق صدر الكلام لا يتحقق الاستثناء مفيدا شيئا بمنزلة الغاية التي لا تستقل بنفسها. فأما دليل الخصوص يصير مستقلا بنفسه وإن لم يسبقه الكلام ويكون مفيدا لحكمه. ثم الدليل على صحة ما قال علماؤنا أن الاستثناء يبين أن صدر الكلام لم يتناول المستثنى أصلا فإنه تصرف في الكلام كما أن دليل الخصوص تصرف في حكم الكلام، ثم يتبين بدليل الخصوص أن العام لم يكن موجبا الحكم في موضع الخصوص فكذلك بالاستثناء يتبين أن أصل الكلام لم يكن متناولا للمستثنى. والدليل على تصحيح هذه القاعدة قوله تعالى: * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) * فإن معناه لبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما، لان الالف اسم لعدد معلوم ليس فيه احتمال ما دونه بوجه فلو لم يجعل أصل الكلام هكذا لم يمكن تصحيح ذكر الالف بوجه لان اسم الالف لا ينطلق على تسعمائة وخمسين أصلا، وإذا قال الرجل لفلان علي ألف درهم إلا مائة فإنه يجعل كأنه قال له علي تسعمائة فإن مع بقاء صدر الكلام على حاله وهو الالف لا يمكن إيجاب

[ 40 ]

تسعمائة عليه ابتداء، لان القدر الذي يجب حكم صدر الكلام وإذا لم يكن في صدر الكلام احتمال هذا المقدار لا يمكن إيجابه حقيقة، فعرفنا به أنه يصير صدر الكلام عبارة عما وراء المستثنى وهو تسعمائة، وكان لهذا العدد عبارتان الاقصر وهو تسعمائة والاطول هو الالف إلا مائة. وهذا معنى قول أهل اللغة: إن الاستثناء استخراج، يعني استخراج بعض الكلام على أن يجعل الكلام عبارة عما وراء المستثنى، ألا ترى أن بعد دليل الخصوص الحكم الثابت بالعام ما يتناوله لفظ العموم حقيقة، حتى إذا كان العام بعبارة الفرد يجوز فيه الخصوص إلى أن لا يبقى منه إلا واحد، وإذا كان بلفظ الجمع يجوز فيه الخصوص إلى أن لا يبقى منه إلا ثلاثة، فإن أدنى ما تناوله اسم الجمع ثلاثة، وإذا كان الباقي دون ذلك كان رفعا للحكم بطريق النسخ. ثم كما يجوز أن يكون الكلام معتبرا في الحكم ويمتنع ثبوت الحكم به لمانع فكذلك يجوز أن تبقى صورة الكلام، ولا يكون معتبرا في حق الحكم أصلا كطلاق الصبي والمجنون، فإذا جعلنا طريق الاستثناء ما ذهبنا إليه بقي صورة التكلم في المستثنى غير موجب بحكمه وذلك جائز، وإذا جعلنا الطريق ما قاله الخصم احتجنا إلى أن نثبت بالكلام ما ليس من محتملاته وذلك لا يجوز، فعرفنا أن انعدام وجوب المائة عليه لانعدام العلة الموجبة لا لمعارض يمنع الوجوب بعد وجود العلة الموجبة، وكذلك في التعليق بالشرط فإن امتناع ثبوت الحكم في المحل لانعدام علته بطريق أن التعليق بالشرط لما منع الوصول إلى المحل، وصورة التكلم بدون المحل لا يكون علة للايجاب، فانعدام الحكم لانعدام العلة في الفصلين لا لمانع كما توهمه الخصم إلا أن الوصول إلى المحل في التعليق متوهم لوجود الشرط فلم يبطل الكلام في حق الحكم أصلا، ولكن نجعله تصرفا آخر وهو اليمين على أنه متى وصل إلى المحل ولم يبق يمينا كان إيجابا، فسميناه بيان التبديل لهذا، وانتفاء المستثنى من أصل الكلام ليس فيه توهم الارتفاع حتى تكون صورة الكلام عاملا فيه، فجعلناه بيان التغيير بطريق أنه عبارة عما وراء المستثنى، لانه لم يصر تصرفا آخر

[ 41 ]

بالاستثناء، وهذا لان الكلمة كما لا تكون مفهمة قبل انضمام بعض حروفها إلى البعض لا تكون مفهمة قبل انضمام بعض الكلمات إلى البعض، حتى تكون دالة على المراد، فتوقف أول الكلام على آخره في الفصلين ويكون الكل في حكم كلام واحد، فإن ظهر باعتبار آخره لصدر الكلام محل آخر وهو الذمة، كما في الشرط، جعل بيانا فيه تبديل، وإن لم يظهر لصدر الكلام محل آخر بآخره جعل آخره مغيرا لصدره بطريق البيان، وذلك بالاستثناء، على أن يجعل عبارة عما وراء المستثنى، ويجعل بمنزلة الغاية على معنى أنه ينتهي به صدر الكلام ولولاه لكان مجاوزا إليه، كما أن بالغاية ينتهي أصل الكلام على معنى أنه لولا الغاية لكان الكلام متناولا له، ثم انعدام الحكم بعد الغاية لعدم الدليل المثبت لا لمانع بعد وجود المثبت، فكذلك انعدام الحكم في المستثنى لعدم دليل الموجب لا لمعارض مانع. فأما قول أهل اللغة الاستثناء من النفي إثبات ومن الاثبات نفي، فإطلاق ذلك باعتبار نوع من المجاز، فإنهم كما قالوا هذا فقد قالوا إنه استخراج وإنه عبارة عما وراء المستثنى ولا بد من الجمع بين الكلمتين، ولا طريق للجمع سوى ما بينا وهو أنه باعتبار حقيقته في أصل الوضع عبارة عما وراء المستثنى، وهو نفي من الاثبات وإثبات من النفي باعتبار إشارته على معنى أن حكم الاثبات يتوقت به كما يتوقت بالغاية فإذا لم يبق بعده ظهر النفي لانعدام علة الاثبات فسمي نفيا مجازا. فإن قيل: هذا فاسد فإن قول القائل لا عالم إلا زيد يفهم منه الاخبار بأن زيدا عالم، وكذلك كلمة الشهادة تكون إقرارا بالتوحيد حقيقة كيف يستقيم حمل ذلك على نوع من المجاز ؟ قلنا: قول القائل لا عالم نفي لوصف العلم وقوله إلا زيد توقيت للوصف به ومقتضى التوقيت انعدام ذلك الوصف بعد الوقت، فمقتضى كلامه هنا نفي صفة العلم لغير زيد ثم ثبت به العلم لزيد بإشارة كلامه لا بنص كلامه، كما أن نفي النهار يتوقت إلى طلوع الفجر فبوجوده يثبت ما هو ضده وهو صفة النهار، ونفي السكون يتوقت بالحركة فبعد انعدام الحركة يثبت السكون، يقرره أن الآدمي لا يخلو عن أحد الوصفين إما العلم وإما نفي العلم عنه، فلما توقت النفي في صفة كلامه بزيد

[ 42 ]

ثبت صفة العلم فيه لانعدام ضده. وفي كلمة الشهادة كذلك نقول، فإن كلامه نفي الالوهية عن غير الله تعالى ونفي الشركة في صفة الالوهية لغير الله معه، ثم يثبت التوحيد بطريق الاشارة إليه، وكان المقصود بهذه العبارة إظهار التصديق بالقلب فإنه هو الاصل والاقرار باللسان يبتنى عليه، ومعنى التصديق بالقلب بهذا الطريق يكون أظهر. وعلى هذا الاصل قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا قال إن خرجت من هذه الدار إلا أن يأذن لي فلان فمات فلان قبل أن يأذن له بطلت اليمين، كما لو قال إن خرجت من هذه الدار حتى يأذن لي فلان، لان في الموضعين يثبت باليمين حظر الخروج موقتا بإذن فلان، ولا تصور لذلك إلا في حال حياة فلان، فأما بعد موته وانقطاع إذنه لو بقيت اليمين كان موجبها حظرا مطلقا والموقت غير المطلق. فإن قيل: أليس أنه لو قال لامرأته إن خرجت إلا بإذني فإنه يحتاج إلى تجديد الاذن في كل مرة، ولو كان الاستثناء بمنزلة الغاية لكانت اليمين ترتفع بالاذن مرة، كما لو قال إن خرجت من هذه الدار حتى آذن لك. قلنا: إنما اختلفا في هذا الوجه لان كل واحد من الكلامين يتناول محلا آخر، فإن قوله حتى آذن محله الحظر الثابت باليمين فإنه توقيت له، وقوله إلا بإذني محله الخروج الذي هو مصدر كلامه ومعناه إلا خروجا بإذني، والخروج غير الحظر الثابت باليمين، فعرفنا أن كل واحد منهما دخل في محل آخر هنا، فلهذا كان حكم الاستثناء مخالفا لحكم التصريح بالغاية، وبالاستثناء يظهر معنى التوقيت في كل خروج يكون بصفة الاذن، وكل خروج لا يكون بتلك الصفة فهو موجب للحنث. قال رضي الله عنه: اعلم بأن الاستثناء نوعان: حقيقة، ومجاز. فمعنى الاستثناء حقيقة ما بينا، وما هو مجاز منه فهو الاستثناء المنقطع، وهي بمعنى لكن أو بمعنى العطف. وبيانه في قوله تعالى: * (لا يعلمون الكتاب إلا أماني) *: أي لكن أباطيل. قال تعالى: * (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) *: أي لكن رب العالمين الذي خلقني. وقال: * (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما) *: أي لكن سلاما. وقيل في قوله تعالى: * (إلا الذين ظلموا منهم) *: إنه بمعنى العطف: ولا الذين ظلموا، وقيل لكن: أي لكن الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني. وقيل في قوله * (إلا خطأ) *: إنه

[ 43 ]

بمعنى لكن أي لكن إن قتله خطأ. وزعم بعض مشايخنا أنه بمعنى ولا. قال رضي عنه: وهذا غلط عندي، لانه حينئذ يكون عطفا على النهي فيكون نهيا والخطأ لا يكون منهيا عنه ولا مأمورا به بل هو موضوع، قال تعالى: * (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) *. ثم الكلام لحقيقته لا يحمل على المجاز إلا إذا تعذر حمله على الحقيقة، كما في قوله تعالى: * (إلا أن يعفون) * فإنه يتعذر حمله على حقيقة الاستثناء لانه إذا حمل عليه كان في معنى التوقيت فيتقرر به حكم التنصيف الثابت بصدر الكلام، فعرفنا أنه بمعنى لكن وأنه ابتداء حكم: أي لكن إن عفا الزوج بإيفاء الكل أو المرأة بالاسقاط فهو أقرب للتقوى. وكذلك قوله تعالى: * (إلا الذين تابوا) * في آية القذف فإنه استثناء منقطع: أي لكن إن تابوا من قبل أن التائبين هم القاذفون. فتعذر حمل اللفظ على حقيقة الاستثناء فإن الثابت لا يخرج من أن يكون قاذفا، وإن كان محمولا على حقيقة الاستثناء هو استثناء بعض الاحوال: أي وأولئك هم الفاسقون في جميع الاحوال إلا أن يتوبوا، فيكون هذا الاستثناء توقيتا بحال ما قبل التوبة فلا تبقى صفة الفسق بعد التوبة لانعدام الدليل الموجب لا لمعارض مانع كما توهمه الخصم. وقوله: لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء استثناء لبعض الاحوال أيضا: أي لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا حالة التساوي في الكيل. فيكون توقيتا للنهي بمنزلة الغاية ويثبت بهذا النص أن حكم الربا الحرمة الموقتة في المحل دون المطلقة. وإنما تتحقق الحرمة الموقتة في المحل الذي يقبل المساواة في الكيل، فأما في المحل الذي لا يقبل المساواة لو ثبت إنما يثبت حرمة مطلقة وذلك ليس من حكم هذا النص، فلهذا لا يثبت حكم الربا في القليل وفي المطعوم الذي لا يكون مكيلا أصلا. وعلى هذا قلنا إذا قال لفلان علي ألف درهم إلا ثوبا فإنه تلزمه الالف لان هذا ليس

[ 44 ]

باستثناء حقيقة، إذ حقيقة الاستثناء في أصل الوضع أن يكون الكلام عبارة عما وراء المستثنى، والمستثنى هنا لم يتناوله صدر الكلام صورة ومعنى حتى يجعل الكلام عبارة عما وراءه فيكون استثناء منقطعا، ومعناه لكن لا ثوب له علي. والتصريح بهذا الكلام لا يسقط عنه شيئا من الالف ولا يمنع إعمال أصل الكلام في إيجاب جميع الالف عليه فكذلك اللفظ الذي يدل عليه، ولهذا قال محمد في قوله إلا كر حنطة إنه تلزمه الالف كاملة. فأما أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما استحسنا هنا فقالا: كلامه استثناء حقيقة باعتبار المعنى، لان صورة صدر الكلام الاخبار بوجوب المسمى عليه، ومعناه إظهار ما هو لازم في ذمته، والمكيل والموزون كشئ واحد في حكم الثبوت في الذمة على معنى أن كل واحد منهما يثبت في الذمة ثبوتا صحيحا بمنزلة الاثمان، فهذا الاستثناء باعتبار صورة صدر الكلام لا يكون استخراجا، وباعتبار معناه يكون استخراجا، على أنه استخرج هذا القدر مما هو واجب في ذمته، والمعنى يترجح على الصورة لانه هو المطلوب، فلهذا جعلنا استثناءه استخراجا على أن يكون كلامه عبارة عما وراء مالية كر حنطة من الالف، فأما الثوب لا يكون مثل المكيل والموزون في الصورة ولا في المعنى، وهو الثبوت في الذمة، فإنه لا يثبت في الذمة إلا مبيعا والالف تثبت في الذمة ثمنا فلا يمكن جعل كلامه استخراجا باعتبار الصورة ولا باعتبار المعنى، فلهذا جعلناه استثناء منقطعا. ثم قال الشافعي بناء على أصله: الاستثناء متى تعقب كلمات معطوفة بعضها على بعض ينصرف إلى جميع ما تقدم ذكره، لانه معارض مانع للحكم بمنزلة الشرط، ثم الشرط ينصرف إلى جميع ما سبق حتى يتعلق الكل به فكذلك الاستثناء. واستدل عليه بقوله تعالى في آية قطاع الطريق: * (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) * فإنه ينصرف إلى جميع ما تقدم ذكره. وقال علماؤنا: الاستثناء تغيير وتصرف في الكلام فيقتصر على ما يليه خاصة

[ 45 ]

لوجهين: أحدهما أن إعمال الاستثناء باعتبار أن الكل في حكم كلام واحد وذلك لا يتحقق في الكلمات المعطوفة بعضها على بعض. والثاني أن أصل الكلام عامل باعتبار أصل الوضع، وإنما انعدم هذا الوصف منه بطريق الضرورة فيقتصر على ما تتحقق فيه الضرورة وهذه الضرورة ترتفع بصرفه إلى ما يليه، بخلاف الشرط فإنه تبديل ولا يخرج به أصل الكلام من أن يكون عاملا إنما يتبدل به الحكم كما بينا، ومطلق العطف يقتضي الاشتراك فلهذا أثبتنا حكم التبديل بالتعليق بالشرط في جميع ما سبق ذكره مع أن فيه كلاما في الفرق بين ما إذا عطفت جملة تامة على جملة تامة وبين ما إذا عطفت جملة ناقصة على جملة تامة ثم تعقبها شرط، ولكن ليس هذا موضع بيان ذلك. فأما قوله تعالى: * (إلا الذين تابوا) * فلاجل دليل في نص الكلام صرفناه إلى جميع ما تقدم وذلك التقييد بقوله تعالى: * (من قبل أن تقدروا عليهم) * فإن التوبة في محو الاثم ورجاء المغفرة والرحمة به في الآخرة لا تختلف بوجودها بعد قدرة الامام على التائب أو قبل ذلك، وإنما تختلف في حكم إقامة الحد، الذي يكون مفوضا إلى الامام، فعرفنا بهذا التقييد أن المراد ما سبق من الحد، وقد يتغير حكم مقتضى الكلام لدليل فيه، ألا ترى أن مقتضى مطلق الكلام الترتيب على أن يجعل المتقدم في الذكر متقدما في الحكم، ثم يتغير ذلك بدليل مغير، كما في قوله تعالى: * (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما) * فإن المراد أنزله قيما ولم يجعل له عوجا. وكذلك في قوله تعالى: * (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى) * فإن معناه: ولولا سبقت من ربك كلمة وأجل مسمى لكان لزاما، وضمة اللام دلنا على ذلك فهذا نظيره. وإذا تقرر هذا الاصل قلنا: البيان المغير والمبدل يصح موصولا ولا يصح مفصولا، لانه متى كان بيانا كان مقررا للحكم الثابت بصدر الكلام كبيان التقرير وبيان التفسير، وإنما يتحقق ذلك إذا كان موصولا، فأما إذا كان مفصولا فإنه يكون رفعا للحكم الثابت بمطلق الكلام. أما في الاستثناء فإن الكلام يتم موجبا لحكمه بآخره وذلك بالسكوت عنه أو الانتقال إلى كلام آخر،

[ 46 ]

والاستثناء الموصول ليس بكلام آخر فإنه غير مستقل بنفسه، فأما إذا سكت فقد تم الكلام موجبا لحكمه، ثم الاستثناء بعد ذلك يكون نسخا بطريق رفع الحكم الثابت فلا يكون بيانا مغيرا، وأما الشرط فهو مبدل باعتبار أنه يمتنع الوصول إلى المحل وهو العبد في كلمة الاعتاق ويجعل محله الذمة، وإنما يتحقق هذا إذا كان موصولا، فأما المفصول يكون رفعا عن المحل يعتبر هذا في المحسوسات، فإن تعليق القنديل بالحبل في الابتداء يكون مانعا من الوصول إلى مقره من الارض مبينا أن إزالة اليد عنه لم يكن كسرا، فأما بعد ما وصل إلى مقره من الارض تعليقه بالقنديل يكون رفعا عن محله. فتبين بهذا أن الشرط إذا كان مفصولا فإنه يكون رفعا للحكم عن محله بمنزلة النسخ، وهو لا يملك رفع الطلاق والعتاق عن المحل بعدما استقر فيه، فلهذا لا يعمل الاستثناء والشرط مفصولا. وعلى هذا قلنا: إذا قال لفلان علي ألف درهم وديعة فإنه يصدق موصولا ولا يصدق إذا قاله مفصولا، لان قوله وديعة بيان فيه تغيير أو تبديل، فإن مقتضى قوله علي ألف درهم الاخبار بوجوب الالف في ذمته، وقوله وديعة فيه بيان أن الواجب في ذمته حفظها وإمساكها إلى أن يؤديها إلى صاحبها لا أصل المال، فإما أن يكون تبديلا للمحل الذي أخبر بصدر الكلام أنه التزمه لصاحبه أو تغييرا لما اقتضاه أول الكلام، لانه لازم عليه للمقر له من أصل المال إلى الحفظ، فإذا كان موصولا كان بيانا صحيحا، وإذا كان مفصولا كان نسخا فيكون بمنزلة الرجوع عما أقر به. وعلى هذا لو قال لغيره أقرضتني عشرة دراهم أو اسلفتني أو أسلمت إلي أو أعطيتني إلا أني لم أقبض فإن قال ذلك مفصولا لم يصدق، وإن قال موصولا صدق استحسانا، لان هذا بيان تغيير، فإن حقيقة هذه الالفاظ تقتضي تسليم المال إليه ولا يكون ذلك إلا بقبضه، إلا أنه يحتمل أن يكون المراد به العقد مجازا، فقد تستعمل هذه الالفاظ للعقد، فكان قوله لم أقبض تغييرا للكلام عن الحقيقة إلى المجاز فيصح موصولا ولا يصح مفصولا. وإذا قال دفعت إلي ألف درهم أو نقدتني إلا أني لم أقبض فكذلك الجواب عند محمد، لان الدفع والنقد والاعطاء

[ 47 ]

في المعنى سواء، فتجعل هاتان الكلمتان كقوله أعطيتني ويصدق فيهما إذا كان موصولا لا إذا كان مفصولا بطريق أنه بيان تغيير. وأبو يوسف قال فيهما لا يصدق موصولا ولا مفصولا، لان الدفع والنقد اسم للفعل لا يتناول العقد مجازا ولا حقيقة، فكان قوله إلا أني لم أقبض رجوعا والرجوع لا يعمل موصولا ولا مفصولا، فأما الاعطاء قد سمي به العقد مجازا، يقال عقد الهبة وعقد العطية. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إذا قال لفلان علي ألف درهم إلا أنها زيوف لم يصدق موصولا ولا مفصولا. وقال أبو يوسف ومحمد: يصدق موصولا لان قوله إلا أنها زيوف بيان تغيير، فإن مطلق تسمية الالف في البيع ينصرف إلى الجياد، لانه هو النقد الغالب وبه المعاملة بين الناس وفيه احتمال الزيوف بدون هذه العادة، فكان كلامه بيان تغيير فيصح موصولا لا مفصولا، كما في قوله إلا أنها وزن خمسة وكما في الفصول المتقدمة بل أولى، فإن ذلك نوع من المجاز وهذا حقيقة لان إسم الدراهم للزيوف حقيقة كما أنها للجياد حقيقة. وأبو حنيفة يقول: مقتضى عقد المعاوضة وجوب المال بصفة السلامة، والزيافة في الدراهم عيب لان الزيافة إنما تكون بغش في الدراهم والغش عيب، فكان هذا رجوعا عن مقتضى أول كلامه والرجوع لا يعمل موصولا ولا مفصولا، وصار دعوى العيب في الثمن كدعوى العيب في البيع، بأن قال: بعتك هذه الجارية معيبا بعيب كذا، وقال المشتري بل اشتريتها سليمة، فإن البائع لا يصدق سواء قاله موصولا أو مفصولا، بخلاف قوله إلا أنها وزن خمسة فإن ذلك استثناء لبعض المقدار بمنزلة قوله إلا مائتين، وبخلاف قوله لفلان علي كر حنطة من ثمن بيع إلا أنها ردية لان الرداءة ليست بعيب في الحنطة، فالعيب ما يخلو عنه أصل الفطرة والرداءة في الحنطة تكون بأصل الخلقة، فكان هذا بيان النوع لا بيان العيب فيصح موصولا كان أو مفصولا. وعلى هذا لو قال لفلان علي ألف درهم من ثمن خمر، فإن عند أبي يوسف ومحمد هذا بيان تغيير من حقيقة وجوب المال إلى (بيان) مباشرة سبب الالتزام صورة وهو شراء الخمر فيصح موصولا لا مفصولا. وأبو حنيفة يقول هذا رجوع، لان

[ 48 ]

أول كلامه تنصيص على وجوب المال في ذمته وثمن الخمر لا يكون واجبا في ذمة المسلم بالشراء فيكون رجوعا. وعلى هذا لو قال لفلان علي ألف درهم من ثمن جارية باعنيها إلا أني لم أقبضها فإن على قول أبي يوسف ومحمد يصدق إذا كان موصولا، وإذا كان مفصولا يسأل المقر له عن الجهة فإن قال الالف لي عليه بجهة أخرى سوى البيع فالقول قوله والمال لازم على المقر، وإن قال بجهة البيع ولكنه قبضها فالقول حينئذ قول المقر أنه لم يقبضها لان هذا بيان تغيير، فإنه يتأخر به حق المقر له في المطالبة بالالف إلى أن يحضر الجارية ليسلمها بمنزلة شرط الخيار أو الاجل في العقد يكون مغير لمقتضى مطلق العقد، ولا يكون ناسخا لاصله فيصح هذا البيان منه موصولا، وإذا كان مفصولا فإن صدقه في الجهة فقد ثبتت الجهة بتصادقهما عليه، ثم ليس في إقراره بالشراء ووجوب المال عليه بالعقد إقرار بالقبض فكان المقر له مدعيا عليه ابتداء تسليم المبيع، وهو منكر ليس براجع عما أقر به فجعلنا القول قول المنكر، وإذا كذبه في الجهة لم تثبت الجهة التي ادعاها وقد صح تصديقه له في وجوب المال عليه، وبيانه الذي قال إنه من ثمن جارية لم يقبضها بيان تغيير فلا يصح مفصولا. وأبو حنيفة يقول هذا رجوع عما أقر به، لانه أقر بأول كلامه أن المال واجب له دينا في ذمته، وثمن جارية لا يوقف على أثرها لا تكون واجبة عليه إلا بعد القبض، فإن المبيعة قبل التسليم إذا صارت بحيث لا يوقف على عينها بحال بطل العقد ولا يكون ثمنها واجبا. وقوله من ثمن جارية باعنيها ولكني لم أقبضها إشارة إلى هذا، فإن الجارية التي هي غير معينة لا يوقف على أثرها، وما من جارية يحضرها البائع إلا وللمشتري أن يقول المبيعة غيرها، فعرفنا أن آخر كلامه رجوع عما أقر به من وجوب المال دينا في ذمته، والرجوع لا يصح موصولا ولا مفصولا. وعلى هذا قال أصحابنا في كتاب الشركة: إذا قال لغيره بعت منك هذا العبد بألف درهم إلا نصفه فإنه يجعل هذا بيعا لنصف العبد بجميع الالف، ولو قال علي أن لي نصفه يكون بائعا نصف العبد بخمسمائة، لانه إذا قيد كلامه بالاستثناء يصير عبارة عما وراء المستثنى وإنما أدخله على المبيع

[ 49 ]

دون الثمن، وما وراء المستثنى من المبيع نصف العبد فيصير بائعا لذلك بجميع الالف. فأما قوله على أن لي نصفه فهو معارض بحكمه لصدر الكلام ويصير بائعا جميع العبد من نفسه ومن المشتري بالالف وبيعه من نفسه معتبر إذا كان مفيدا، ألا ترى أن المضارب يبيع مال المضاربة من رب المال فيجوز لكونه مفيدا، وإذا كان كل واحد من البدلين مملوكا له فهنا أيضا إيجابه لنفسه مفيد في حق تقسيم الثمن فيعتبر ويتبين به أنه صار بائعا نصفه من المشتري بنصف الالف، كما لو باع منه عبدين بألف درهم وأحدهما مملوك له يصير بائعا عبد نفسه منه بحصته من الثمن إذا قسم على قيمته وقيمة العبد الذي هو ملك المشتري. وعلى هذا الاصل قال أبو يوسف فيمن أودع صبيا محجورا عليه مالا فاستهلكه إنه يكون ضامنا، لان تسليطه إياه على المال بإثبات يده عليه يتنوع نوعين استحفاظ وغير استحفاظ، فيكون قوله أحفظه بيانا منه لنوع ما كان من جهته وهو التمكين، وبيانه تصرف منه في حق نفسه مقصورا عليه غير متناول لحق الغير، فينعدم ما سوى الاستحفاظ لانعدام علته، وينعدم نفوذ الاستحفاظ لانعدام ولايته على المحل وكون الصبي ممن لا يحفظ، وبعد انعدام النوعين يصير كأنه لم يوجد تمكينه من المال أصلا فإذا استهلكه كان ضامنا، كما لو كان المال في يد صاحبه على حاله فجاء الصبي واستهلكه. وأبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما قالا: التسليط فعل مطلق وليس بعام حتى يصار فيه إلى التنويع، وقوله احفظ كلام ليس من جنس الفعل ليشتغل بتصحيحه بطريق الاستثناء ولكنه معارض، لان الدفع إليه تسليط مطلقا، وقوله احفظ معارض بمنزلة دليل الخصوص أو بمنزلة ما قاله الخصم في الاستثناء، وإنما يكون معارضا إذا صح منه هذا القول شرعا كدليل الخصوص إنما يكون معارضا إذا صح شرعا، ولا خلاف أن قوله احفظ غير صحيح في حكم الاستحفاظ شرعا فيبقى التسليط مطلقا، فالاستهلاك بعد تسليط من له الحق مطلقا لا يكون موجبا للضمان على الصبي ولا على البالغ. وما يخرج من المسائل على هذا الاصل يكثر تعدادها، فمن فهم ما أشرنا إليه فهو يهديه إلى ما سواها، والله أعلم.

[ 50 ]

فصل وأما بيان الضرورة فهو نوع من البيان يحصل بغير ما وضع له في الاصل. وهو على أربعة أوجه: منه ما ينزل منزلة المنصوص عليه في البيان، ومنه ما يكون بيانا بدلالة حال المتكلم، ومنه ما يكون بيانا بضرورة دفع الغرور، ومنه ما يكون بيانا بدلالة الكلام. فأما الاول فنحو قوله: * (وورثه أبواه فلامه الثلث) * فإنه لما أضاف الميراث إليهما في صدر الكلام ثم بين نصيب الام كان ذلك بيانا أن للاب ما بقي فلا يحصل هذا البيان بترك التنصيص على نصيب الاب، بل بدلالة صدر الكلام يصير نصيب الاب كالمنصوص عليه. وعلى هذا قال أصحابنا في المضاربة: إذا بين رب المال حصة المضارب من الربح ولم يبين حصة نفسه جاز العقد قياسا واستحسانا، لان المضارب هو الذي يستحق بالشرط وإنما الحاجة إلى بيان نصيبه خاصة وقد وجد، ولو بين نصيب نفسه من الربح ولم يبين نصيب المضارب جاز العقد استحسانا، لان مقتضى المضاربة الشركة بينهما في الربح فببيان نصيب أحدهما يصير نصيب الآخر معلوما ويجعل ذلك كالمنطوق به فكأنه قال ولك ما بقي. وكذلك في المزارعة إذا بين نصيب من البذر من قبله ولم يبين نصيب الآخر جاز العقد استحسانا لهذا المعنى. وكذلك لو قال في وصيته أوصيت لفلان وفلان بألف درهم لفلان منها أربعمائة، فإن ذلك بيان أن للآخر ستمائة بمنزلة ما لو نص عليه. وكذلك لو قال أوصيت بثلث مالي لزيد وعمرو لزيد من ذلك ألف درهم فإنه يجعل هذا بيانا منه أن ما يبقى من الثلث لعمرو كما لو نص عليه. وأما النوع الثاني فنحو سكوت صاحب الشرع عن معاينة شئ عن تغييره يكون بيانا منه لحقيته باعتبار حاله، فإن البيان واجب عند الحاجة إلى البيان، فلو كان الحكم بخلافه لبين ذلك لا محالة ولو بينه لظهر، وكذلك سكوت الصحابة عن بيان قيمة الخدمة للمستحق على المغرور يكون دليلا على نفيه بدلالة حالهم،

[ 51 ]

لان المستحق جاء يطلب حكم الحادثة وهو جاهل بما هو واجب له، وكانت هذه أول حادثة وقعت بعد رسول الله (ص) مما لم يسمعوا فيه نصا عنه، فكان يجب عليهم البيان بصفة الكمال، والسكوت بعد وجوب البيان دليل النفي. وعلى هذا قلنا: إذا ولدت أمة الرجل ثلاثة أولاد في بطون مختلفة فقال: الاكبر ابني، فإنه يكون ذلك بيانا منه أن الآخرين ليسا بولدين له، لان نفي نسب ولد ليس منه واجب، ودعوى نسب ولد هو منه ليتأكد به على وجه لا ينتفي واجب أيضا، فالسكوت عن البيان بعد تحقق الوجوب دليل النفي فيجعل ذلك كالتصريح بالنفي. وعلى هذا قلنا: البكر إذا بلغها نكاح الولي فسكتت يجعل ذلك إجازة منها باعتبار حالها فإنها تستحي، فيجعل سكوتها دليلا على جواب يحول الحياء بينها وبين التكلم به وهو الاجازة التي يكون فيها إظهار الرغبة في الرجال، فإنها إنما تستحي من ذلك. وأما النوع الثالث فنحو سكوت المولى عن النهي عند رؤية العبد يبيع ويشتري، فإنه يجعل إذنا له في التجارة لضرورة دفع الغرور عمن يعامل العبد، فإن في هذا الغرور إضرارا بهم والضرر مدفوع ولهذا لم يصح الحجر الخاص بعد الاذن العام المنتشر، والناس لا يتمكنون من استطلاع رأي المولى في كل معاملة يعاملونه مع العبد، وإنما يتمكنون من التصرف بمرأى العين منه، ويستدلون بسكوته على رضاه، فجعلنا سكوته كالتصريح بالاذن لضرورة دفع الغرور. وكذلك سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد العلم بالبيع يجعل بمنزلة إسقاط الشفعة لضرورة دفع الغرور عن المشتري، فإنه يحتاج إلى التصرف في المشتري، فإذا لم يجعل سكوت الشفيع عن طلب الشفعة إسقاطا للشفعة فإما أن يمتنع المشتري من التصرف أو ينقض الشفيع عليه تصرفه، فلدفع الضرر والغرور جعلنا ذلك كالتنصيص منه على إسقاط الشفعة، وإن كان السكوت في أصله غير موضوع للبيان بل هو ضده. وكذلك نكول المدعى عليه عن اليمين يجعل بمنزلة الاقرار منه إما لدفع الضرر عن المدعي فيكون من النوع الثالث، أو لحال الناكل وهو امتناعه من اليمين المستحقة عليه بعد تمكنه من إيفائه.

[ 52 ]

وأما النوع الرابع فبيانه فيما إذا قال لفلان علي مائة ودرهم أو مائة ودينار، فإن ذلك بيان للمائة أنها من جنس المعطوف عندنا. وعند الشافعي يلزمه المعطوف والقول في بيان جنس المائة قوله، وكذلك لو قال مائة وقفيز حنطة أو ذكر مكيلا أو موزونا آخر. واحتج فقال: إنه أقر بمائة مجملا ثم عطف ما هو مفسر فيلزمه المفسر ويرجع إليه في بيان المجمل، كما لو قال مائة وثوب أو مائة وشاة أو مائة وعبد، وهذا لان المعطوف غير المعطوف عليه فلا يكون العطف تفسيرا للمعطوف عليه بعينه، وكيف يكون تفسيرا وهو في نفسه مقر به لازم إياه ! ولو كان تفسيرا له لم يجب به شئ لان الوجوب بالكلام المفسر لا بالتفسير. ولكنا نقول: قوله ودرهم بيان للمائة عادة ودلالة. أما من حيث العادة فلان الناس اعتادوا حذف ما هو تفسير عن المعطوف عليه في العدد إذا كان المعطوف مفسرا بنفسه كما اعتادوا حذف التفسير عن المعطوف عليه والاكتفاء بذكر التفسير للمعطوف، فإنهم يقولون مائة وعشرة دراهم على أن يكون الكل من الدراهم، وإنما اعتادوا ذلك لضرورة طول الكلام وكثرة العدد والايجاز عند ذلك طريق معلوم عادة، وإنما اعتادوا هذا فيما يثبت في الذمة في عامة المعاملات كالمكيل والموزون دون ما لا يثبت في الذمة، إلا في معاملة خاصة كالثياب فإنها لا تثبت في الذمة قرضا ولا بيعا مطلقا، وإنما يثبت في السلم أو فيما هو في معنى السلم كالبيع بالثياب الموصوفة مؤجلا. وأما من حيث الدلالة فلان المعطوف مع المعطوف عليه كشئ واحد من حيث الحكم والاعراب بمنزلة المضاف مع المضاف إليه، ثم الاضافة للتعريف حتى يصير المضاف معرفا بالمضاف إليه، فكذلك العطف متى كان صالحا للتعريف يصير المعطوف عليه معرفا بالمعطوف باعتبار أنهما كشئ واحد، ولكن هذا فيما يجوز أن يثبت في الذمة عند مباشرة السبب بذكر المعطوف بالمعطوف عليه كالمكيل والموزون. فأما ما ليس بمقدر لا يثبت دينا في الذمة بذكر المعطوف (والمعطوف) عليه مع إلحاق التفسير بالمعطوف عليه، ولكن يحتاج إلى ذكر شرائط أخر، فلهذا لم نجعل المعطوف عليه مفسرا بالمعطوف هناك.

[ 53 ]

واتفقوا أنه لو قال لفلان علي مائة وثلاثة دراهم أنه تلزمه الكل من الدراهم. وكذلك لو قال مائة وثلاثة أثواب أو ثلاثة أفراس أو ثلاثة أعبد، لانه عطف إحدى الجملتين على الاخرى ثم عقبهما بتفسير، والعطف للاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه، فالتفسير المذكور يكون تفسيرا لهما. وكذلك لو قال له علي أحد وعشرون درهما فالكل دراهم، لانه عطف العدد المبهم على ما هو واحد مذكور على وجه الابهام، وقوله درهما مذكور على وجه التفسير فيكون تفسيرا لهما، والاختلاف في قوله له مائة ودرهمان كالاختلاف في قوله ودرهم. وقد روي عن أبي يوسف أنه إذا قال له علي مائة وثوب أو مائة وشاة فالمعطوف يكون تفسيرا للمعطوف عليه، بخلاف ما إذا قال مائة وعبد لان في قوله مائة ودرهم إنما جعلناه تفسيرا باعتبار أن المعطوف والمعطوف عليه كشئ واحد، وهذا يتحقق في كل ما يحتمل القسمة، فإن معنى الاتحاد بالعطف في مثله يتحقق، فأما ما لا يحتمل القسمة مطلقا كالعبد لا يتحقق فيه معنى الاتحاد بسبب العطف فلا يصير المجمل بالمعطوف فيه مفسرا، والله أعلم. باب: النسخ جوازا وتفسيرا قال رضي الله عنه: اعلم بأن الناس تكلموا في معنى النسخ لغة فقال بعضهم: هو عبارة عن النقل، من قول القائل: نسخت الكتاب إذا نقله من موضع إلى موضع. وقال بعضهم: هو عبارة عن الابطال، من قولهم نسخت الشمس الظل: أي أبطلته. وقال بعضهم: هو عبارة عن الازالة من قولهم نسخت الرياح الآثار: أي أزالتها. وكل ذلك مجاز لا حقيقة، فإن حقيقة النقل أن تحول عين الشئ من موضع إلى موضع آخر ونسخ الكتاب لا يكون بهذه الصفة إذ لا يتصور نقل عين المكتوب من موضع إلى موضع آخر وإنما يتصور إثبات مثله في المحل الآخر. وكذلك في الاحكام فإنه لا يتصور نقل الحكم الذي هو منسوخ إلى ناسخه وإنما المراد إثبات مثله مشروعا في المستقبل أو نقل المتعبد من الحكم الاول إلى الحكم الثاني. وكذلك معنى الازالة فإن إزالة الحجر عن مكانه لا يعدم عينه ولكن عينه باق في المكان الثاني، وبعد النسخ لا يبقى الحكم الاول، ولو كان حقيقة النسخ الازالة لكان يطلق هذا

[ 54 ]

اسم على كل ما توجد فيه الازالة وأحد لا يقول بذلك. وكذلك لفظ الابطال فإن بالنص لا تبطل الآية وكيف تكون حقيقة النسخ الابطال وقد أطلق الله تعالى ذلك في الاثبات بقوله تعالى: * (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) * فعرفنا أن الاسم شرعي عرفناه بقوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * وأوجه ما قيل فيه إنه عبارة عن التبديل من قول القائل نسخت الرسوم: أي بدلت برسوم أخر. وقد استبعد هذا المعنى بعض من صنف في هذا الباب من مشايخنا وقال: في إطلاق لفظ التبديل إشارة إلى أنه رفع الحكم المنسوخ وإقامة الناسخ مقامه، وفي ذلك إيهام البداء والله تعالى يتعالى عن ذلك. قال رضي الله عنه: وعندي أن هذا سهو منه وعبارة التبديل منصوص عليه في القرآن، قال تعالى: * (وإذا بدلنا آية مكان آية) * وإذا كان اسم النسخ شرعيا معلوما بالنص فجعله عبارة عما يكون معلوما بالنص أيضا يكون أولى الوجوه. ثم هو في حق الشارع بيان محض، فإن الله تعالى عالم بحقائق الامور لا يعزب عنه مثقال ذرة، ثم إطلاق الامر بشئ يوهمنا بقاء ذلك على التأبيد من غير أن نقطع القول به في زمن من ينزل عليه الوحي، فكان النسخ بيانا لمدة الحكم المنسوخ في حق الشارع وتبديلا لذلك الحكم بحكم آخر في حقنا على ما كان معلوما عندنا لو لم ينزل الناسخ، بمنزلة القتل فإنه انتهاء الاجل في حق من هو عالم بعواقب الامور. لان المقتول ميت بأجله بلا شبهة، ولكن في حق القاتل جعل فعله جناية على معنى أنه يعتبر في حقه حتى يستوجب به القصاص وإن كان ذلك موتا بالاجل المنصوص عليه في قوله تعالى: * (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) * ومن فهم معنى التبديل بهذه الصفة عرف أنه ليس فيه من إيهام البداء شئ. ثم المذهب عند المسلمين أن النسخ جائز في الامر والنهي الذي يجوز أن يكون ثابتا ويجوز أن لا يكون على ما نبينه في فصل محل النسخ، وعلى قول اليهود النسخ لا يجوز أصلا. وهم في ذلك فريقان: فريق منهم يأبى النسخ عقلا، وفريق يأبى جوازه سمعا وتوقيفا. وقد قال بعض من لا يعتد بقوله من المسلمين إنه لا يجوز النسخ أيضا، وربما قالوا لم يرد النسخ في شئ أصلا. ولا وجه للقول الاول إذا كان القائل ممن يعتقد الاسلام، فإن شريعة محمد (ص) ناسخة لما قبلها

[ 55 ]

من الشرائع فكيف يتحقق هذا القول منه مع اعتقاده لهذه الشريعة. والثاني باطل نصا، فإن قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) * وقوله: * (وإذا بدلنا آية مكان آية) * نص قاطع على جواز النسخ، وانتساخ التوجه إلى بيت المقدس بفرضية التوجه إلى الكعبة أمر ظاهر لا ينكره عاقل، فقول من يقول لم يوجد باطل من هذا الوجه. فأما من قال من اليهود إنه لا يجوز بطريق التوقيف استدل بما يروى عن موسى (ص) أنه قال: تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والارض. وزعموا أن هذا مكتوب في التوراة عندهم، وقالوا قد ثبت عندنا بالطريق الموجب للعلم وهو خبر التواتر عن موسى (ص) أنه قال: إن شريعتي لا تنسخ كما تزعمون أنتم أن ذلك ثبت عندكم بالنقل المتواتر عمن تزعمون أنه رسول الله (ص). وبهذا الطريق طعنوا في رسالة محمد (ص)، وقالوا من أجل العمل في السبت لا يجوز تصديقه ولا يجوز أن يأتي بمعجزة تدل على صدقه. ومن أنكر منهم ذلك عقلا قال الامر بالشئ دليل على حسن المأمور به، والنهي عن الشئ دليل على قبح المنهي عنه، والشئ الواحد لا يجوز أن يكون حسنا وقبيحا، فالقول بجواز النسخ قول بجواز البداء، وذلك إنما يتصور ممن يجهل عواقب الامور والله تعالى يتعالى عن ذلك، يوضحه أن مطلق الامر يقتضي التأبيد في الحكم وكذلك مطلق النهي، ولهذا حسن منا اعتقاد التأبيد فيه فيكون ذلك بمنزلة التصريح بالتأبيد، ولو ورد نص بأن العمل في السبت حرام عليكم أبدا لم يجز نسخه بعد ذلك بحال، فكذلك إذا ثبت التأبيد بمقتضى مطلق الامر إذ لو كان ذلك موقتا كما قلتم لكان تمام البيان فيه بالتنصيص على التوقيت، فما كان يحسن إطلاقه عن ذكر التوقيت وفي ذلك إيهام الخلل فيما بينه الله تعالى فلا يجوز القول به أصلا. وحجتنا فيه من طريق التوقيف اتفاق الكل على أن جواز النكاح بين الاخوة والاخوات قد كان في شريعة آدم عليه الصلاة والسلام، وبه حصل التناسل،

[ 56 ]

وقد انتسخ ذلك بعده، وكذلك جواز الاستمتاع بمن هو بعض من المرء قد كان في شريعته، فإن حواء رضي الله عنها خلقت منه وكان يستمتع بها ثم انتسخ ذلك الحكم حتى لا يجوز لاحد أن يستمتع بمن هو بعض منه بالنكاح نحو ابنته، ولان اليهود مقرون بأن يعقوب عليه السلام حرم شيئا من المطعومات على نفسه، وأن ذلك صار حراما عليهم كما أخبرنا الله تعالى به في قوله: * (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه) * الآية، والنسخ ليس إلا تحريم المباح أو إباحة الحرام، وكذلك العمل في السبت كان مباحا قبل زمن موسى عليه السلام فإنهم يوافقوننا على أن حرمة العمل في السبت من شريعة موسى، وإنما يكون من شريعته إذا كان ثبوته بنزول الوحي عليه، فأما إذا كان ذلك قبل شريعته على هذا الوجه أيضا فلا فائدة في تخصيصه أنه شريعته، فإذا جاز ثبوت الحرمة في شريعته بعد ما كان مباحا جاز ثبوت الحل في شريعة نبي آخر قامت الدلالة على صحة نبوته. ومن حيث المعقول الكلام من وجهين: أحدهما أن النسخ في المشروعات التي يجوز أن تكون مشروعا ويجوز أن لا تكون، ومعلوم أن هذه المشروعات شرعها الله تعالى على سبيل الابتلاء لعباده حتى يميز المطيع من العاصي. ومعنى الابتلاء يختلف باختلاف أحوال الناس، وباختلاف الاوقات، فإن في هذا الابتلاء حكمة بالغة وليس ذلك إلا منفعة للعباد في ذلك عاجلا أو آجلا، لان الله تعالى يتعالى عن أن يلحقه المضار والمنافع، وما لا منفعة فيه أصلا يكون عبثا ضدا للحكمة، ثم قد تكون المنفعة في إثبات شئ في وقت وفي نفيه في وقت آخر كإيجاب الصوم في النهار إلى غروب الشمس أو طلوع النجوم كما هو مذهبهم، ونفي الصوم بعد ذلك، ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس كوجوب اعتزال المرأة في حالة الحيض وانتفاء ذلك بعدما طهرت، ألا ترى أنه لو نص على ذكر الوقت فيه بأن قال حرمت عليكم العمل في السبت ألف سنة ثم هو مباح بعد ذلك كان مستقيما وكان معنى الابتلاء فيه متحققا ولم يكن فيه من معنى البداء شئ، فكذلك عند إطلاق اللفظ في التحريم. ثم النسخ بعد ذلك إذا انتهت مدة التحريم الذي كان معلوما عند

[ 57 ]

الشارع حين شرعه لا يكون فيه من معنى البداء شئ بل يكون امتحانا للمخاطبين في الوقتين جميعا، وهو بمنزلة تبديل الصحة بالمرض والمرض بالصحة، وتبديل الغنى بالفقر والفقر بالغنى، فإن ذلك ابتلاء بالطريق الذي قلنا إليه أشار الله تعالى فيما أنزله على نبينا (ص) وقال: * (إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه) * والثاني أن النسخ بيان مدة بقاء الحكم وذلك غيب عنا لو بينه لنا في وقت الامر كان حسنا لا يشوبه من معنى القبح شئ فكذلك إذا بينه بعد ذلك بالنسخ. وإنما قلنا ذلك لان النسخ إنما يكون فيما يجوز أن يكون مشروعا ويجوز أن لا يكون مشروعا ومع الشرع مطلقا يحتمل أن يكون موقتا ويحتمل أن يكون مؤبدا احتمالا على السواء، لان الامر يقتضي كونه مشروعا من غير أن يكون موجبا بقاءه مشروعا وإنما البقاء بعد الثبوت بدليل آخر سبق أو بعدم الدليل المزيل، فأما أن يكون ذلك واجبا بالامر فلا، لان إحياء الشريعة بالامر به كإحياء الشخص وذلك لا يوجب بقاءه وإنما يوجب وجوده، ثم البقاء بعد ذلك بإبقاء الله تعالى إياه أو بانعدام سبب الفناء، فكما أن الاماتة بعد الاحياء لا يكون فيه شئ من معنى القبح، ولا يكون دليل البداء والجهل بعواقب الامور بل يكون ذلك بيانا لمدة بقاء الحياة الذي كان معلوما عند الخالق حين خلقه، وإن كان ذلك غيبا عنا فكذلك النسخ في حكم الشرع. فإن قيل: فعلى هذا بقاء الحكم قبل أن يظهر ناسخه لا يكون مقطوعا به لانه ما لم يكن هناك دليل موجب له لا يكون مقطوعا به، ولا دليل سوى الامر به. قلنا: أما في حياة رسول الله (ص) فكذلك نقول بقاءه بعد الامر إنما يكون باستصحاب الحال لجواز نزول الوحي بما ينسخه ويبين به مدة بقائه إلا أن الواجب علينا التمسك بما ظهر عندنا لا بما هو غيب عنا، فما لم تظهر لنا مدة البقاء بنزول الناسخ يلزمنا العمل به، وكذلك بعد نزول الناسخ قبل أن يعلم المخاطب به. وهو نظير حياة المفقود بعدما غاب عنا فإنه يكون ثابتا باستصحاب الحال لا بدليل موجب لبقائه حيا، ولكنا نجعله في حكم الاحياء بناء على ما ظهر لنا حتى يتبين انتهاء مدة حياته بظهور موته، فأما بعد وفاة الرسول عليه السلام

[ 58 ]

فلم يبق احتمال النسخ وصار البقاء ثابتا بدليل مقطوع به وهو أن النسخ لا يكون إلا على لسان من ينزل عليه الوحي، ولا توهم لذلك بعدما قبض رسول الله (ص). فإن قيل: فعلى هذا لا يكون النسخ في أصل الامر لان الحكم الثابت بالامر غير الامر فببيان مدته لا يثبت تبديل الامر بالنهي. قلنا: وهكذا نقول فإنه ليس في النسخ تعرض للامر بوجه من الوجوه بل للحكم الثابت به ظاهرا بناء على ما هو معلوم لنا، فإنه كان يجوز البقاء بعد هذه المدة باعتبار الاطلاق الذي كان عندنا. فأما في حق الشارع فهو بيان مدة الحكم كما كان معلوما له حقيقة ولا يتحقق منه توهم التعرض للامر ولا لحكمه، كالاماتة بعد الاحياء، فإنه بيان المدة من غير أن يكون فيه تعرض لاصل الاحياء ولا لما يبتنى عليه من مدة البقاء، فاعتبار ما هو ظاهر لنا يكون فيه تبديل صفة الحياة بصفة الوفاة، وإنما تتحقق المنافاة بين القبح والحسن في محل واحد في وقت واحد، فأما في وقتين ومحلين فلا يتحقق ذلك، ألا ترى أنه لا يتوجه الخطاب على من لا يعقل من صبي أو مجنون ثم يتوجه عليه الخطاب بعدما عقل، ويكون كل واحد منهما حسنا لاختلاف الوقت أو لاختلاف المحل. وهذا لان أحوالنا تتبدل فيكون النسخ تبديلا بناء على ما يتبدل من أحوالنا من العلم مدة البقاء والجهل به لا يكون مؤديا إلى الجمع بين صفة القبح والحسن والله يتعالى عن ذلك، فكان في حقه بيانا محضا لمدة بقاء المشروع بمنزلة المنصوص عليه حين شرعه. وما استدلوا به من السمع لا يكاد يصح عندنا بعدما ثبت رسالة رسل بعد موسى عليه السلام بالآيات المعجزة، والدلائل القاطعة. ودعواهم أن ذلك في التوراة غير مسموعة منهم، لانه ثبت عندنا على لسان من ثبتت رسالته أنهم حرفوا التوراة وزادوا فيها ونقصوا، ولان كلام الله تعالى لا يثبت إلا بالنقل المتواتر وذلك لا يوجد في التوراة بعدما فعل بختنصر ببني إسرائيل ما فعل من القتل الذريع وإحراق أسفار التوراة. وفي المسألة كلام كثير بين أهل الاصول، ولكنا اقتصرنا هنا على قدر ما يتصل بأصول الفقه، والمقصود من بيان هذه المسألة هنا ما يترتب عليها من أصول الفقه، والله الموفق للاتمام.

[ 59 ]

فصل: في بيان محل النسخ قد بينا أن جواز النسخ مختص بما يجوز أن يكون مشروعا ويجوز أن لا يكون مشروعا وهو مما يحتمل التوقيت نصا مع كونه مشروعا، لانه بيان مدة بقاء الحكم وبعد انتهاء المدة لا يبقى مشروعا فلا بد من أن يكون فيه احتمال الوصفين. وبهذا البيان يظهر أنه إذا كان موقتا فلا بد من أن يكون محتملا للتوقيت نصا، وفي هذا بيان أنه ليس في أصل التوحيد احتمال النسخ بوجه من الوجوه، لان الله تعالى بأسمائه وصفاته لم يزل كان ولا يزال يكون، ومن صفاته أنه صادق حكيم عالم بحقائق الامور فلا احتمال للنسخ في هذا بوجه من الوجوه، ألا ترى أن الامر بالايمان بالله وكتبه ورسله لا يحتمل التوقيت بالنص، وأنه لا يجوز أن يكون غير مشروع بحال من الاحوال. وعلى هذا قال جمهور العلماء لا نسخ في الاخبار أيضا، يعنون في معاني الاخبار واعتقاد كون المخبر به على ما أخبر به الصادق الحكيم، بخلاف ما يقوله بعض أهل الزيغ من احتمال النسخ في الاخبار التي تكون في المستقبل، لظاهر قوله تعالى: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) * ولكنا نقول: الاخبار ثلاثة: خبر عن وجود ما هو ماض وذلك ليس فيه احتمال التوقيت ولا احتمال أن لا يكون موجودا، وخبر عما هو موجود في الحال وليس فيه هذا الاحتمال أيضا، وخبر عما هو كائن في المستقبل نحو الاخبار بقيام الساعة وليس فيه احتمال ما بينا من التردد، فتجويز النسخ في شئ من ذلك يكون قولا بتجويز الكذب والغلط على المخبر به، ألا ترى أنه لا يستقيم أن يقال اعتقدوا الصدق في هذا الخبر إلى وقت كذا ثم اعتقدوا فيه الكذب بعد ذلك. والقول بجواز النسخ في معاني الاخبار يؤدي إلى هذا لا محالة، وهو البداء والجهل الذي تدعيه اليهود في أصل النسخ. فأما قوله تعالى: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) * فقد فسره الحسن رضي الله عنه بالاحياء والاماتة. وفسره زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: * (يمحو الله ما يشاء) * مما أنزله من الوحي * (ويثبت) * بإنزال الوحي فيه. فعلى هذا يتبين أن المراد ما يجوز أن يكون مؤقتا أو أن المراد التلاوة، ونحن نجوز ذلك في الاخبار أيضا بأن تترك التلاوة فيه حتى يندرس وينعدم حفظه من قلوب العباد كما في الكتب المتقدمة، وإنما

[ 60 ]

لا يجوز ذلك في معاني الاخبار على ما قررنا. وإنما محل النسخ الاحكام المشروعة بالامر والنهي مما يجوز أن لا يكون مشروعا ويجوز أن يكون مشروعا موقتا. وذلك ينقسم أربعة أقسام: قسم منه ما هو مؤبد بالنص، وقسم منه ما يثبت التأبيد فيه بدلالة النص، وقسم منه ما هو موقت بالنص. فهذه الاقسام الثلاثة ليس فيها احتمال النسخ أيضا، وإنما احتمال النسخ في القسم الرابع وهو المطلق الذي يحتمل أن يكون موقتا ويحتمل أن يكون مؤبدا احتمالا على السواء. فأما بيان القسم الاول في قوله تعالى: * (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) * ففيه تنصيص على التأبيد، وكذلك في قوله تعالى: * (خالدين فيها أبدا) * لان بعد التنصيص على التأبيد بيان التوقيت فيه بالنسخ لا يكون إلا على وجه البداء وظهور الغلط، والله تعالى يتعالى عن ذلك. وما ثبت التأبيد فيه بدلالة النص فبيانه في الشرائع بعدما قبض رسول الله (ص) مستقرا عليها فإنه ليس فيها احتمال النسخ، لان النسخ لا يكون إلا على لسان من ينزل عليه الوحي، وقد ثبت بدليل مقطوع به أن رسول الله خاتم النبيين وأنه لا نسخ لشريعته فلا يبقى احتمال النسخ بعد هذه الدلالة فيما كان شريعة له حين قبض. ونظيره من المخلوقات الدار الآخرة فقد ثبت بدليل مقطوع به أنه لا فناء لها. وأما القسم الثالث: فبيانه في قول القائل: أذنت لك في أن تفعل كذا إلى مائة سنة، فإن النهي قبل مضي تلك المدة يكون من باب البداء، ويتبين به أن الاذن الاول كان غلطا منه لجهله بعاقبة الامر، والنسخ الذي يكون مؤديا إلى هذا لا يجوز القول به في أحكام الشرع، ولم يرد شرع بهذه الصفة. فأما القسم الرابع: فبيانه في العبادات المفروضة شرعا عند أسباب جعلها الشرع سببا لذلك فإنها تحتمل التوقيت نصا يعني في الاداء اللازم باعتبار الامر، وفي الاسباب التي جعلها الله تعالى سببا لذلك، فإنه لو قال جعلت زوال الشمس سببا لوجوب صلاة الظهر عليكم إلى وقت كذا كان مستقيما، ولو قال جعلت شهود الشهر سببا لوجوب الصوم عليكم إلى وقت كذا كان مستقيما. وهذا كله في الاصل مما يجوز أن يكون

[ 61 ]

مشروعا ويجوز أن لا يكون، فكان النسخ فيه بيانا لمدة بقاء الحكم وذلك جائز باعتبار ما بينا من المعنيين: أحدهما أن معنى الابتلاء والمنفعة للعباد في شئ يختلف باختلاف الاوقات واختلاف الناس في أحوالهم. والثاني أن دليل الايجاب غير موجب للبقاء بمنزلة البيع يوجب الملك في المبيع للمشتري ولا يوجب بقاء الملك بل بقاؤه بدليل آخر مبق أو بعدم دليل المزيل وهو موجب الثمن في ذمة المشتري ولا يوجب بقاء الثمن في ذمته لا محالة، ولا يكون في النسخ تعرضا للامر ولا للحكم الذي هو موجبه، وامتناع جواز النسخ فيما تقدم من الاقسام كان لاجتماع معنى القبح والحسن، وإنما يتحقق ذلك في وقت واحد لا في وقتين، حتى إن ما يكون حسنا لعينه لا يجوز أن يكون قبيحا لعينه بوجه من الوجوه. فإن قيل: أليس أن الخليل (ص) أمر بذبح ولده وكان الامر دليلا على حسن ذبحه ثم انتسخ ذلك فكان منهيا عن ذبحه مع قيام الامر حتى وجب ذبح الشاة فداء عنه، ولا شك أن النهي عن ذبح الولد الذي به يثبت الانتساخ كان دليلا على قبحه وقد قلتم باجتماعهما في وقت واحد. قلنا: لا كذلك فإنا لا نقول بأنه انتسخ الحكم الذي كان ثابتا بالامر، وكيف يقال به وقد سماه الله محققا رؤياه بقوله تعالى: * (وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) *: أي حققت ما أمرت به. وبعد النسخ لا يكون هو محققا ما أمر به، ولكنا نقول الشاة كانت فداء كما نص الله عليه في قوله: * (وفديناه بذبح عظيم) * على معنى أنه يقدم على الولد في قبول حكم الوجوب بعد أن كان الايجاب بالامر مضافا إلى الولد حقيقة، كمن يرمي سهما إلى غيره فيفديه آخر بنفسه بأن يتقدم عليه حتى ينفذ فيه بعد أن يكون خروج السهم من الرامي إلى المحل الذي قصده، وإذا كان فداء من هذا الوجه كان هو ممتثلا للحكم الثابت بالامر فلا يستقيم القول بالنسخ فيه، لان ذلك يبتنى على النهي الذي هو ضد الامر، فلا يتصور اجتماعهما في وقت واحد. فإن قيل: فإيش الحكمة في إضافة الايجاب إلى الولد إذا لم يجب به ذبح الولد ؟ قلنا: فيه تحقيق معنى الابتلاء في حق الخليل عليه السلام حتى يظهر منه الانقياد والاستسلام والصبر على ما به من حرقة القلب على ولده، وفي حق الولد بالصبر والمجاهدة على معرة الذبح إلى حال المكاشفة. وفيه إظهار معنى الكرامة والفضيلة

[ 62 ]

للخليل عليه السلام بالاسلام لرب العالمين، وللولد بأن يكون قربانا لله، وإليه أشار الله تعالى في قوله: * (فلما أسلما) * ثم استقر حكم الوجوب في الشاة بطريق الفداء للولد كما قال: * (وفديناه بذبح عظيم) * والفداء اسم لما يكون واجبا بالسبب الموجب للاصل فيه يتبين انعدام النسخ هنا لانعدام ركنه فإنه بيان مدة بقاء الواجب، وحين وجبت الشاة فداء كان الواجب قائما والولد حرام الذبح، فعرفنا أنه لا وجه للقول بأنه كان نسخا. ثم على مذهب علمائنا يجوز نسخ الاخف بالاثقل كما يجوز نسخ الاثقل بالاخف. وذكر الشافعي في كتاب الرسالة أن الله تعالى فرض فرائض أثبتها وأخرى نسخها رحمة وتخفيفا لعباده، فزعم بعض أصحابه أنه أشار بهذا إلى وجه الحكمة في النسخ. وقال بعضهم بل أراد به أن الناسخ أخف من المنسوخ وكان لا يجوز نسخ الاخف بالاثقل، واستدلوا فيه بقوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) * وبالاتفاق ليس المراد أن الناسخ أفضل من المنسوخ، فعرفنا أن المراد أنه خير من حيث إنه أخف، وعليه نص في موضع آخر فقال: * (الآن خفف الله عنكم) * الآية. ولكنا نستدل بقوله: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) * فالتقييد بكون الناسخ أخف من المنسوخ يكون زيادة على هذا النص من غير دليل، ثم المعنى الذي دل على جواز النسخ وهو ما أشرنا إليه من الابتلاء والنقل إلى ما فيه منفعة لنا عاجلا أو آجلا لا يفصل بينهما، فقد يكون المنفعة تارة في النقل إلى ما هو أخف على البدن، وتارة في النقل إلى ما هو أشق على البدن، ألا ترى أن الطبيب ينقل المريض من الغذاء إلى الدواء تارة، ومن الدواء إلى الغذاء تارة بحسب ما يعلم من منفعته فيه. ثم هو بيان مدة بقاء الحكم على وجه لو كان مقرونا بالامر لكان صحيحا مستقيما، وفي هذا لا فرق بين الاثقل والاخف، ولا حجة لهم في قوله: * (الآن خفف الله عنكم) * فإن النسخ في ذلك الحكم بعينه كان نقلا من الاثقل إلى الاخف، وهذا يدل على أن كل نسخ يكون بهذه الصفة، ألا ترى أن حد الزنا كان في الابتداء هو الحبس والاذى باللسان ثم انتسخ ذلك بالجلد والرجم. ولا شك أن الناسخ أثقل على البدن. وجاء عن معاذ وابن عمر رضي الله عنهم في قوله تعالى: * (وأن تصوموا خير لكم) * أن حكمه كان هو التخيير للصحيح بين الصوم والفدية ثم انتسخ ذلك بفرضية الصوم عزما بقوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * وانتسخ حكم إباحة الخمر بالتحريم وهو أشق على

[ 63 ]

البدن. ثم لا شك أنه قد افترض على العباد بعض ما كان مشروعا لا بصفة الفرضية وإلزام ما كان مباحا يكون أشق لا محالة. وبهذا يتبين أنه ليس المراد من قوله: * (نأت بخير منها) * الاخف على البدن، فإن الحج ما كان لازما قبل نزول قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * وكان كل مسلم مندوبا إلى أدائه ثم صار الاداء لازما بهذه الآية وهذا أشق على البدن، يوضحه أن ترك الخروج للحج يكون أخف على البدن من الخروج، ولا إشكال أن الخروج إلى أداء الحج بعد التمكن خير من الترك. فبهذا يتبين ضعف استدلالهم. فصل: في بيان شرط النسخ قال رضي الله عنه: اعلم بأن شرط جواز النسخ عندنا هو التمكن من عقد القلب، فأما الفعل أو التمكن من الفعل فليس بشرط، وعلى قول المعتزلة التمكن من الفعل شرط. وحاصل المسألة أن النسخ بيان لمدة عقد القلب والعمل بالبدن تارة، ولاحدهما وهو عقد القلب على الحكم تارة، فكان عقد القلب هو الحكم الاصلي فيه، والعمل بالبدن زيادة يجوز أن يكون النسخ بيانا للمدة فيه ويجوز أن لا يكون عندنا. وعلى قولهم النسخ يكون بيانا لمدة الحكم في حق العمل به وذلك لا يتحقق إلا بعد الفعل أو التمكن منه حكما، لان الترك بعد التمكن فيه تفريط من العبد فلا ينعدم به معنى بيان مدة العمل بالنسخ. قالوا لان العمل هو المقصود بالامر والنهي، ألا ترى أن ورودهما بذكر الفعل معنى قول القائل افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا. وتحقيق معنى الابتلاء في الفعل أيضا، فعرفنا أنه هو المقصود والنسخ قبل التمكن من الفعل لا يكون إلا بطريق البداء، ألا ترى أن الانسان يقول قد أمرت عبدي أن يفعل غدا كذا ثم بدا لي فنهيته عنه. وهذا لانه إنما ينتهي عما أمر بفعله قبل التمكن من الفعل، بأن يظهر له من حال المأمور به ما لم يكن معلوما حين يأمره به لعلمنا أنه بالامر إنما طلب من المأمور إيجاد الفعل بعد التمكن منه لا قبله، إذ التكليف لا يكون إلا بحسب الوسع، والبداء على الله تعالى لا يجوز، يقرره أن القول بجواز النسخ قبل التمكن يؤدي إلى أن يكون الشئ الواحد حسنا وقبيحا في وقت واحد، لان الامر دليل على حسن فعل المأمور به عند الامكان، والنهي قبل التمكن

[ 64 ]

دليل على قبح فعله في ذلك الوقت بعينه، يوضحه أن النسخ بيان مدة بقاء الحكم على وجه يجوز أن يكون مقرونا بالامر، ولهذا جاز النسخ في الامر والنهي دون الخبر، والنسخ قبل التمكن لا يصح مقرونا بالامر، فإنه لا يستقيم أن يقول افعل كذا إلى أن لا يكون متمكنا منه ثم لا يفعله بعد ذلك، فعرفنا أن النسخ قبل التمكن لا يجوز. وحجتنا في ذلك الحديث المشهور إن الله تعالى فرض على عباده خمسين صلاة في ليلة المعراج، ثم انتسخ ما زاد على الخمس لسؤال رسول الله (ص) فكان ذلك نسخا قبل التمكن من الفعل إلا أنه كان بعد عقد القلب عليه، فرسول الله (ص) هو الاصل لهذه الامة ولا شك أنه عقد قلبه على ذلك، ولا معنى لقولهم إن الله تعالى ما فرض ذلك عزما وإنما جعل ذلك إلى رأي رسوله ومشيئته، لان في الحديث أن رسول الله عليه السلام سأل التخفيف عن أمته غير مرة وما زال يسأل ذلك ويجيبه ربه إليه حتى انتهى إلى الخمس، فقيل له: لو سألت التخفيف أيضا فقال: أنا أستحي من ربي وفي هذا بيان أنه لم يكن ذلك مفوضا إلى اختياره بل كان نسخا على وجه التخفيف بسؤاله بعد الفرضية. ومنهم من استدل بقوله: * (فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) * إلى قوله * (فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم) * فإن هذا نسخ الامر قبل الفعل، ولكنهم يقولون كان هذا النسخ بعد التمكن من الفعل وإن كان قبل مباشرة الفعل ولا خلاف في جواز ذلك، والاصح هو الاول، ولان النسخ جائز بعد وجود جزء مما تناوله الامر بالفعل، فإن قول القائل افعلوا كذا في مستقبل أعماركم يجوز نسخه بالنهي عنه بعد مضي جزء من العمر، ولولا النسخ لكان أصل الكلام متناولا لجميع العمر، فبالنسخ يتبين أنه كان المراد الابتلاء بالعمل في ذلك الجزء خاصة ولا يتوهم فيه معنى البداء أو الجهل بعاقبة الامر، فكذلك النسخ بعد عقد القلب على الحكم، واعتقاد الحقية فيه قبل التمكن من العمل يكون بيانا أن المراد كان عقد القلب عليه إلى هذا الوقت واعتقاده الفرضية فيه دون مباشرة العمل، وإنما يكون مباشرة العمل مقصودا لمن ينتفع به، والله يتعالى عن ذلك، وإنما المقصود فيما يأمر الله به عباده الابتلاء، والابتلاء بعزيمة القلب

[ 65 ]

واعتقاد الحقية لا يكون دون الابتلاء بالعمل وربما يكون ذلك أهم، ألا ترى أن في المتشابه ما كان الابتلاء إلا بعقد القلب عليه واعتقاد الحقية فيه. وكذلك في المجمل الذي لا يمكن العمل به إلا بعد البيان يكون الابتلاء قبل البيان بعقد القلب عليه واعتقاد الحقية فيه، ويكون ذلك حسنا لا يشوبه من معنى القبح شئ، فكذلك الامر الذي يرد النسخ عقيبه قبل التمكن من الفعل، ويعتبر هذا بإحياء الشخص، فقد تبين انتهاء مدة حياته بالموت قبل أن يصير منتفعا بحياته إما في بطن أمه بأن ينفصل ميتا أو بعد الانفصال قبل أن ينتفع بحياته، وأحد لا يقول إنه يتمكن فيه معنى البداء أو إنه يجتمع فيه معنى الحسن والقبح، يوضحه أن الواحد منا قد يأمر عبده ومقصوده من ذلك أن يظهر عند الناس حسن طاعته وانقياده له ثم ينهاه عن ذلك بعد حصول هذا المقصود قبل أن يتمكن من مباشرة الفعل، ولا يجعل ذلك دليل البداء منه وإن كان ممن يجوز عليه البداء، فلان لا يجعل النسخ قبل التمكن من الفعل بعد عزم القلب واعتقاد الحقية موهما للبداء في حق من لا يجوز عليه البداء أولى، وإنما يجتمع الحسن والقبح في شئ واحد إذا كان مأمورا به ومنهيا عنه في وقت واحد، وذلك لا يكون، مع أن الحسن مطلقا ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، يقرره أن تمام الحسن على ما يزعمون إنما يظهر عند مباشرة العمل والاطلاق يقتضي صفة الكمال، ثم بالاتفاق يجوز النسخ بعد التمكن من الفعل قبل حقيقة الفعل، لان معنى الحسن فيه كامل من حيث عقد القلب واعتقاد الحقية فيه فكذلك قبل التمكن، ولا نقول بأن مثل هذا البيان لا يجوز مقرونا بالامر فإنه لو قال افعل كذا في وقت كذا (إن لم أنسخه عنك كان ذلك أمرا مستقيما بمنزلة قوله افعل كذا في وقت كذا) إن تمكنت منه، وتكون الفائدة في الحال هو القبول بالقلب واعتقاد الحقية فيه، فكذلك يجوز مثله بعد الامر بطريق النسخ، والله الموفق. فصل: في بيان الناسخ قال رضي الله عنه: اعلم بأن الحجج أربعة: الكتاب، والسنة، والاجماع،

[ 66 ]

والقياس. ولا خلاف بين جمهور العلماء في أنه لا يجوز نسخ الكتاب والسنة بالقياس، وكان ابن سريج من أصحاب الشافعي يجوز ذلك، والانماطي من أصحابه كان يقول لا يجوز ذلك بقياس الشبه ويجوز بقياس مستخرج من الاصول، وكل قياس هو مستخرج من القرآن يجوز نسخ الكتاب به، وكل قياس هو مستخرج من السنة يجوز نسخ السنة به، لان هذا في الحقيقة نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالسنة، فثبوت الحكم بمثل هذا القياس في الحقيقة يكون محالا به على الكتاب والسنة. وهذا قول باطل باتفاق الصحابة، فقد كانوا مجمعين على ترك الرأي بالكتاب والسنة، حتى قال عمر رضي الله عنه في حديث الجنين: كدنا أن نقضي فيه برأينا وفيه سنة عن رسول الله (ص). وقال علي رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره ولكني رأيت رسول الله يمسح على ظاهر الخف دون باطنه. ولان القياس كيفما كان لا يوجب العلم فكيف ينسخ به ما هو موجب للعلم قطعا، وقد بينا أن النسخ بيان مدة بقاء الحكم وكونه حسنا إلى ذلك الوقت، ولا مجال للرأي في معرفة انتهاء وقت الحسن، وما ادعاه من أن هذا الحكم يكون ثابتا بالكتاب فكلام ضعيف، فإن الوصف الذي به يرد الفرع إلى الاصل المنصوص عليه في الكتاب والسنة غير مقطوع بأنه هو المعنى في الحكم الثابت بالنص، وأحد من القائسين لا يقول بأن حكم الربا فيما عدا الاشياء الستة يكون ثابتا بالنص الذي فيه ذكر الاشياء الستة. وأما النسخ بالاجماع فقد جوزه بعض مشايخنا بطريق أن الاجماع موجب علم اليقين كالنص فيجوز أن يثبت النسخ به، والاجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور، وإذا كان يجوز النسخ بالخبر المشهور كما أشرنا إليه في الزيادة على النص فجوازه بالاجماع أولى. وأكثرهم على أنه لا يجوز ذلك، لان الاجماع عبارة عن اجتماع الآراء على شئ، وقد بينا أنه لا مجال للرأي في معرفة نهاية وقت الحسن والقبح في الشئ عند الله تعالى، ثم أوان النسخ حال حياة رسول الله (ص) لاتفاقنا على أنه لا نسخ بعده، وفي حال حياته ما كان ينعقد الاجماع بدون رأيه، وكان الرجوع إليه فرضا، وإذا وجد البيان منه فالموجب للعلم قطعا هو البيان المسموع

[ 67 ]

منه، وإنما يكون الاجماع موجبا للعلم بعده ولا نسخ بعده، فعرفنا أن النسخ بدليل الاجماع لا يجوز. ثم الاقسام بعد هذا أربعة: نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالسنة، ونسخ الكتاب بالسنة، ونسخ السنة بالكتاب. ولا خلاف بين العلماء في جواز القسمين الاولين، ويختلفون في القسمين الآخرين. فعندنا يجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة أو المشهورة على ما ذكره الكرخي عن أبي يوسف أنه يجوز نسخ الكتاب بمثل خبر المسح على الخفين وهو مشهور، وكذلك يجوز نسخ السنة بالكتاب. وعلى قول الشافعي لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة ولا نسخ السنة بالكتاب، فإنه قال في كتاب الرسالة: وسنة رسول الله (ص) لا ينسخها إلا سنة كما لا ينسخ الكتاب إلا الكتاب. فمن أصحابه من يقول مراده نفي الجواز، ومنهم من يقول مراده نفي الوجود: أي لم يوجد في الشريعة نسخ الكتاب بالسنة ولا نسخ السنة بالكتاب. فيحتاج إلى إثبات الفصلين بالحجة. فأما هو احتج بقوله تعالى: * (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * وفي هذا تنصيص على أنه كان متبعا لكل ما يوحى إليه ولم يكن مبدلا لشئ منه والنسخ تبديل، قال تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) * فأخبر أنه مبين لما هو المنزل حتى يعمل الناس بالمنزل بعدما تبين لهم ببيانه، وفي تجويز نسخ الكتاب بالسنة رفع هذا الحكم، لان العمل بالناسخ يكون، فإذا كان الناسخ من السنة لا يكون العمل به عملا بالمنزل. وقوله تعالى: * (ولعلهم يتفكرون) *: أي يتفكرون في المنزل ليعملوا به بعد بيانه، وفي الناسخ في المنسوخ التفكر في التاريخ بينهما ليجعل المتقدم منسوخا بالمتأخر لا في المنزل ليعمل به، وقال تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * ولا شك أن السنة لا تكون مثلا للقرآن ولا خيرا منه، والقرآن كلام الله غير محدث ولا مخلوق وهو معجز، والسنة كلام مخلوق وهو غير معجز. فعرفنا أن نسخ الكتاب لا يجوز بالسنة، وقال عليه السلام: إذا روي لكم

[ 68 ]

عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فاقبلوه، وما خالف كتاب الله فردوه ومع هذا البيان من رسول الله (ص) كيف يجوز نسخ الكتاب بالسنة ؟ ! ولان ما قلته أقرب إلى صيانة رسول الله عن طعن الطاعنين فيه، وبالاتفاق يجب المصير في باب بيان أحكام الشرع إلى طريق يكون أبعد عن الطعن فيه. وبيان ذلك أنه إذا جاز منه أن يقول ما هو مخالف للمنزل في الظاهر على وجه النسخ له فالطاعن يقول هو أول قائل وأول عامل بخلاف ما يزعم أنه أنزل إليه فكيف يعتمد قوله فيه ! وإذا ظهر منه قول ثم قرأ ما هو مخالف لما ظهر منه من القول فالطاعن يقول قد كذبه ربه فيما قال فكيف نصدقه ؟ وإلى هذا أشار الله تعالى في قوله: * (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) * ثم نفى عنه هذا الطعن بقوله: * (قل نزله روح القدس من ربك بالحق) * ففي هذا بيان أنه ليس في نسخ الكتاب بالكتاب تعريضه للطعن، وفي نسخ الكتاب بالسنة تعريضه للطعن من الوجه الذي قاله الطاعنون، فيجب سد هذا الباب لعلمنا أنه مصون عما يوهم الطعن فيه. واستدل على نفي جواز نسخ (السنة) بالكتاب بقوله: * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * والسنة شئ فيكون الكتاب تبيانا لحكمه لا رافعا له، وذلك في أن يكون مؤيدا إن كان موافقا ومبينا للغلط فيها إن كان مخالفا، ولهذا لا يجوز إلا عند وروده ليكون بيانا محضا، فإن رسول الله كان لا يقر على الخطأ، والبيان المحض ما يكون مقارنا، ولان النبي عليه السلام إذا أمر بشئ وتقرر ذلك فقد توجه علينا الامر من الله تعالى بتصديقه في ذلك واتباعه، فلا يجوز القول بأن ينزل في القرآن بعد ذلك ما يكون مخالفا له حقيقة أو ظاهرا، فإن ذلك يؤدي إلى القول بأنه لا يفترض تصديقه فيما يخبر به لجواز أن ينزل القرآن بخلافه وذلك خلاف النص وخلاف قول المسلمين أجمع، يقرره أن السنة نوع حجة لاثبات حكم الشرع، والكتاب كذلك، وحجج الشرع لا تتناقض وإنما يتأيد نوع منها بنوع

[ 69 ]

آخر، لان في التناقض ما يؤدي إلى تنفير الناس عن قبوله، وما يستدل به على أنه من عند غير الله، قال تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * فبهذا يتبين أن أحد النوعين يتأيد بالآخر، ولا يتمكن فيما بين النوعين تناقض، والقول بجواز نسخ السنة بالكتاب والكتاب بالسنة يؤدي إلى هذا. وحجتنا في ذلك من أصحابنا من استدل بقوله تعالى: * (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين) * ففي هذا تنصيص على أن الوصية للوالدين والاقربين فرض ثم انتسخ ذلك بقوله عليه السلام: لا وصية لوارث وهذه سنة مشهورة. ولا يجوز أن يقال إنما انتسخ ذلك بآية المواريث لان فيها إيجاب حق آخر لهم بطريق الارث وإيجاب حق بطريق الارث لا ينافي حقا آخر ثابتا بطريق آخر، وبدون المنافاة لا يثبت النسخ. ولا يجوز أن يقال لعل ناسخه مما أنزل في القرآن ولكن لم يبلغنا لانتساخ تلاوته مع بقاء حكمه، لان فتح هذا الباب يؤدي إلى القول بالوقف في جميع أحكام الشرع، فإنه يقال: ما من حكم إلا ويتوهم فيه أن يكون ناسخه قد نزل ثم لم يبلغنا لانتساخ تلاوته، ومع ذلك يؤدي هذا إلى مذهب الروافض، فإنهم يقولون قد نزلت آيات كثيرة فيها تنصيص على إمامة علي ولم يبلغنا ذلك، ويقولون إن لظاهر ما نزل من القرآن باطنا لا نعقله وقد كان يعقله رسول الله (ص) وأهل بيته، فيزعمون أن كثيرا من الاحكام قد خفي علينا ويجب الرجوع فيها إلى أهل البيت للوقوف على ذلك، وقد أجمع المسلمون على بطلان القول بهذا، فكل سؤال يؤدي إلى القول بذلك فهو ساقط. ولكن هذا الاستدلال مع هذا ليس بقوي من وجهين: أحدهما أن في آية المواريث تنصيصا على ترتيب الارث على وصية منكرة، فإنه قال: * (من بعد وصية يوصى بها أو دين) * والتي كانت مفروضة من الوصية هي الوصية المعهودة المعرفة بالالف واللام، فإنه قال: * (الوصية للوالدين) * فلو كانت تلك الوصية باقية عند نزول آية المواريث لكان فيها ترتيب الميراث على الوصية المعهودة، وفي التنصيص على ترتيب الارث على

[ 70 ]

وصية مطلقة دليل نسخ الوصية المعهودة، لان الاطلاق بعد التقييد نسخ كما أن التقييد بعد الاطلاق نسخ. والثاني أن النسخ في الشرع نوعان: أحدهما إثبات الحكم مبتدأ على وجه يكون دليلا على انتهاء الوقت في حكم كان قبله. والثاني نسخ بطريق التحويل للحكم من شئ إلى شئ، بمنزلة تحويل فرض التوجه عند أداء الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة، وانتساخ الوصية للوالدين والاقربين بآية الميراث من النوع الثاني، فإن الله تعالى فوض بيان نصيب كل فريق إلى من حضره الموت على أن يراعى الحدود في ذلك، ويبين حصة كل واحد منهم بحسب قرابته، ثم تولى بيان ذلك بنفسه في آية المواريث، وإليه أشار في قوله تعالى: * (يوصيكم الله) * وإنما تولى بيانه بنفسه لان الموصي ربما كان يقصد إلى المضارة في ذلك، وإلى ذلك أشار في قوله تعالى: * (غير مضار وصية من الله) * وربما كان لا يحسن التدبير في مقدار ما يوصى لكل واحد منهم بجهله فبين الله تعالى نصيب كل واحد منهم على وجه يتيقن بأنه هو الصواب وأن فيه الحكمة البالغة، وإلى ذلك أشار في قوله تعالى: * (لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) * وما هذا إلا نظير من أمر غيره بإعتاق عبده ثم يعتقه بنفسه فينتهي به حكم الوكالة لما باشره الموكل بنفسه، فهنا حين بين الله تعالى نصيب كل قريب لم يبق حكم الوصية إلى الوالدين والاقربين لحصول المقصود بأقوى الطرق، وإليه أشار النبي عليه السلام بقوله: إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث وكان النسخ بهذا الطريق بمنزلة الحوالة، فإن الدين إذا تحول من ذمة إلى ذمة حتى اشتغلت الذمة الثانية به فرغ منه الذمة الاولى وإن لم يكن بين وجوب الدين في الذمتين معنى المنافاة كما يكون بطريق الكفالة. ولكنا نقول بهذا الطريق يجوز أن يثبت انتهاء حكم وجوب الوصية للوالدين والاقربين، فأما انتهاء حكم جواز الوصية لهم لا يثبت بهذا الطريق، ألا ترى أن بالحوالة وإن لم يبق الدين واجبا في الذمة الاولى فقد بقيت الذمة محلا صالحا لوجوب الدين فيها، وليس من ضرورة انتفاء وجوب الوصية لهم

[ 71 ]

انتفاء الجواز كالوصية للاجانب. فعرفنا أنه إنما انتسخ انتفاء وجوب الوصية لهم لضرورة نفي أصل الوصية لهم وذلك ثابت بالسنة، وهو قوله عليه السلام لا وصية لوارث فمن هذا الوجه يتقرر الاستدلال بهذه الآية. ومنهم من استدل بحكم الحبس في البيوت والاذى باللسان في حق الزاني، فإنه كان بالكتاب ثم انتسخ بالسنة، وهو قوله عليه السلام البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة وهذا ليس بقوي أيضا، فقد ثبت برواية عمر رضي الله عنه أن الرجم مما كان يتلى في القرآن على ما قال: لولا أن الناس يقولون إن عمر زاد في كتاب الله لكتبت على حاشية المصحف: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. الحديث، فإنما كان هذا نسخ الكتاب بالكتاب. ثم الآية التي فيها بيان حكم الحبس والاذى باللسان فيها بيان توقيت ذلك الحكم بما هو مجمل وهو قوله تعالى: * (أو يجعل الله لهن سبيلا) * فإنما بين رسول الله (ص) ذلك المجمل، وإليه أشار في قوله عليه السلام خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ولا خلاف أن بيان المجمل في كتاب الله تعالى بالسنة يجوز. ومنهم من استدل بقوله تعالى: * (فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا) * فإن هذا حكم منصوص في القرآن، فقد انتسخ وناسخه لا يتلى في القرآن، فعرفنا أنه ثابت بالسنة. وهذا ضعيف أيضا. وبين أهل التفسير كلام فيما هو المراد بهذه الآية، وأثبت ما قيل فيه أن من ارتدت زوجته وهربت إلى دار الحرب فقد كان على المسلمين أن يعينوه من الغنيمة بما يندفع به الخسران عنه، وذلك بأن يعطوه مثل ما ساق إليها من الصداق، وإلى ذلك وقعت الاشارة في قوله تعالى: * (فعاقبتم) * أي عاقبتم المشركين بالسبي والاسترقاق واغتنام أموالهم. وكان ذلك بطريق الندب على سبيل المساواة ولم ينتسخ هذا الحكم. فبهذا تبين أنه لا يؤخذ نسخ حكم ثابت بالكتاب بحكم هو ثابت بالسنة ابتداء، وإنما يؤخذ من ذلك الزيادة بالسنة على الحكم الثابت بالكتاب، نحو ما ذهب إليه الشافعي في ضم التغريب إلى الجلد

[ 72 ]

في حد البكر، فإنه أثبته بقوله: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) ومثل هذه الزيادة عندنا نسخ وعنده بيان بطريق التخصيص ولا يكون نسخا. فعلى هذا، الكلام يبتنى على ذلك الاصل. وسنقرر هذا بعد هذا. ثم الحجة لاثبات جواز نسخ الكتاب بالسنة قوله تعالى: * (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) * فإن المراد بيان حكم غير متلو في الكتاب مكان حكم آخر، وهو متلو على وجه يتبين به مدة بقاء الحكم الاول وثبوت حكم الثاني، والنسخ ليس إلا هذا. والدليل على أن المراد هذا لا ما توهمه الخصم في بيان الحكم المنزل في الكتاب أنه قال تعالى: * (ما نزل إليهم) * ولو كان المراد الكتاب لقال ما نزل إليك كما قال تعالى: * (بلغ ما أنزل إليك من ربك) * والمنزل إلى الناس الحكم الذي أمروا باعتقاده والعمل به، وذلك يكون تارة بوحي متلو، وتارة بوحي غير متلو، وهو ما يكون مسموعا من رسول الله (ص) مما يقال إنه سنته، فقد ثبت بالنص أنه كان لا يقول ذلك إلا بالوحي قال تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * ومعنى قوله: * (لعلهم يتفكرون) *: أي يتفكرون في حجج الشرع ليقفوا بتفكرهم على الحكمة البالغة في كل حجة، أو ليعرفوا الناسخ من المنسوخ. ووجه الحكمة في تبديل المنسوخ بالناسخ ما يترتب عليه من المنافع للمخاطبين في الدنيا والآخرة، أو يتبين لهم إرادة اليسر والتوسعة للامر عليهم، أو ما يكون لهم فيه من عظيم الثواب، وفي هذا كله لا فرق بين ما يكون ثبوته بوحي متلو وبين ما يكون ثبوته بوحي غير متلو، وفيما تلا من الآية إشارة إلى ما قلنا فإنه قال تعالى: * (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * فعرفنا أن المراد بيان أنه لا يبدل شيئا من تلقاء نفسه بناء على متابعة الهوى وإنما يوحى إليه فيتبع ما يوحى إليه ويبينه للناس فيما ليس بمنزل في القرآن، ولكن العبارة فيه مفوض إلى رسول الله (ص) فيبينه بعبارته، وهو حكم ثابت من الله تعالى بدليل مقطوع به بمنزلة الحكم المتلو في القرآن، ودليل كونه مقطوعا به ما قال إن تصديقنا

[ 73 ]

إياه فرض علينا من الله تعالى، وكذلك أتباعه لازم بقوله تعالى: * (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * وقال تعالى: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) * فبهذا التقرير يتبين أن بالوحي الذي هو غير متلو (يجوز أن يتبين مدة بقاء الحكم المتلو كما يجوز أن يتبين ذلك بالوحي الذي هو متلو) والنسخ ليس إلا هذا، ألا ترى أنا لو سمعنا رسول الله (ص) يقول لحكم هو ثابت بوحي متلو: قد كان هذا الحكم ثابتا إلى الآن وقد انتهى وقته فلا تعملوا به بعده، يلزمنا تصديقه في ذلك والكف عن العمل به، وتكفير من يكذبه في ذلك. فكذلك إذا ثبت ذلك عندنا بالنقل المتواتر عنه. فإن قيل: مع هذا في الآية إشارة إلى (أن رسول الله مبين للحكم وفي النسخ بيان حكم ورفع حكم مشروع وليس في الآية إشارة إلى) أنه رافع لحكم ثابت بوحي متلو. قلنا: نحن نقول هو مبين ولكن في حق الحكم الاول مبين تأويلا وتبليغا وفي حق الحكم الثاني تبليغا وتأويلا. وبيان هذا أنا قد ذكرنا أن الدليل الموجب لثبوت الحكم وهو الوحي المتلو لا يكون موجبا بقاء الحكم وبالنسخ إنما يرتفع بقاء الحكم الاول، ولم يكن ذلك ثابتا بوحي متلو حتى يكون في بيانه رفع الحكم المتلو مع أنه ليس في النسخ رفع الحكم ولكنه بيان مدة بقاء الحكم، ثم الوقت لا يبقى بعد مضي وقته كما لو كان التوقيت فيه مذكورا في النص المثبت، فعلى هذا التقرير يكون هو مبينا للوقت فيما هو منزل. فإن قيل: فعلى هذا اختلاط البيان بالنسخ وبالاتفاق بين البيان والنسخ فرق. قلنا: لا كذلك، فإن كلا واحد منهما في الحقيقة بيان إلا أن البيان المحض يجوز أن يكون مقترنا بأصل الكلام، كدليل الخصوص في العموم، فإنه لا يكون إلا مقارنا، وبيان المجمل فإنه يجوز أن يكون مقارنا. فأما النسخ (بيان) لا يكون

[ 74 ]

إلا متأخرا. وبهذه العلامة يظهر الفرق بينهما، فأما أن يكون النسخ غير البيان فلا. فإن قيل: الحكم الثابت بالسنة يضاف إلى رسول الله (ص) فيقال إنه سنته، وما يكون طريقه الوحي فهو مضاف إلى الله تعالى كالثابت بالوحي المتلو، ففي إضافته إلى رسول الله دليل على أنه ليس ببيان لما هو المنزل بطريق الوحي. وإذا تقرر هذا فنقول: في النسخ بيان انتهاء مدة كون الحكم حسنا عند الله تعالى وذلك مما لا يمكن معرفته إلا بوحي من الله، فكيف يجوز إثبات نسخ الكتاب بالسنة ؟ قلنا: قد بينا أن ما بينه رسول الله (ص) فإنما يبينه عن وحي، والاضافة إلى رسول الله (ص) لان العبارة في ذلك له، فمن هذا الوجه يقال إنه سنته. فأما حقيقة الحكم من الله تعالى وقف عليه رسول الله بطريق الوحي ثم بينه للناس. وبهذا يتبين أنه ما عرف انتهاء مدة الحسن في ذلك الحكم إلا بوحي من الله تعالى، وما هو إلا نظير بيان رسول الله (ص) مدة الحياة لحي قد أحياه الله تعالى، فإن أحدا لا يظن أنه بين ذلك من غير طريق الوحي، وما كانت الاضافة إليه إلا نظير قوله تعالى: * (أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ؟) * فإن إضافة الامناء إلى العباد لا يمنع القول بأن الشخص مخلوق خلقه الله تعالى، فكذلك إضافة السنة إلى رسول الله (ص) بطريق أنه ظهر لنا بعبارته لا يكون دليلا على أن الحكم غير ثابت بطريق الوحي من الله تعالى، وكما أن الكتاب والسنة كل واحد منهما حجة موجبة للعلم فآيات الكتاب كلها حجة موجبة للعلم. ثم القول بجواز نسخ الكتاب بالكتاب لا يؤدي إلى القول بالتناقض في الحجة فكذلك في السنن، فإن جواز نسخ السنة بالسنة لا يؤدي إلى التناقض وتطرق الطاعنين إلى الطعن في رسول الله (ص)، فكذلك جواز نسخ الكتاب بالسنة لا يؤدي إلى ذلك بل يؤدي ذلك إلى تعظيم رسول الله (ص)، وإلى قرب منزلته من حيث إن الله تعالى فوض بيان الحكم الذي هو وحي في الاصل إليه ليبينه بعبارته، وجعل لعبارته من الدرجة ما يثبت به مدة الحكم الذي هو ثابت بوحي متلو حتى

[ 75 ]

يتبين به انتساخه. والدليل عليه أنه لا خلاف بيننا وبين الخصم على جواز نسخ التلاوة دون الحكم، ونسخ تلاوة الكتاب إنما يكون بغير الكتاب، إما بأن يرفع حفظه من القلوب، أو لا يبقى أحد ممن كان يحفظه نحو صحف إبراهيم ومن تقدمه من الانبياء عليهم السلام، وهذا نسخ الكتاب بغير الكتاب، وقد جاء في الحديث أن رسول الله (ص) قرأ في صلاته سورة المؤمنين فأسقط منها آية ثم قال بعد الفراغ ألم يكن فيكم أبي فقال: نعم يا رسول الله. فقال: هلا ذكرتنيها فقال: ظننت أنها نسخت. فقال: لو نسخت لانبأتكم بها فقد اعتقد نسخ الكتاب بغير الكتاب ولم ينكر ذلك عليه رسول الله (ص)، فإذا ثبت جواز نسخ التلاوة بغير الكتاب فكذلك جواز نسخ الحكم، لان وجوب التلاوة والعمل بحكمه كل واحد منهما حكم ثابت بالكتاب. والدليل على جواز نسخ الحكم الثابت بالكتاب بغيره أن قوله تعالى: * (لا يحل لك النساء من بعد) * قد انتسخ باتفاق الصحابة، على ما روي عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما أنهما قالا: ما خرج رسول الله (ص) من الدنيا حتى أبيح له النساء. وناسخ هذا لا يتلى في الكتاب، فعرفنا أنهم اعتقدوا جواز نسخ الكتاب بغير الكتاب. فأما قوله تعالى: * (نأت بخير منها أو مثلها) * فهو يخرج على ما ذكرنا من التقرير، فإن كل واحد من الحكمين ثابت بطريق الوحي، وشارعه علام الغيوب وإن كانت العبارة في أحدهما من حيث الظاهر لرسول الله، فيستقيم إطلاق القول بأن الحكم الثاني مثل الاول أو خير منه على معنى زيادة الثواب والدرجة فيه، أو كونه أيسر على العباد، أو أجمع لمصالحهم عاجلا وآجلا، إلا أن الوحي المتلو نظمه معجز والذي هو غير متلو نظمه ليس بمعجز، لانه عبارة مخلوق، وهو عليه السلام وإن كان أفصح العرب فكلامه ليس بمعجز، ألا ترى أنه ما تحدى الناس إلى الاتيان بمثل كلامه كما تحداهم إلى الاتيان بمثل سورة من القرآن. ولكن حكم النسخ لا يختص بالمعجز، ألا ترى أن النسخ يثبت بما دون الآية وبآية واحدة، واتفاق العلماء على صفة الاعجاز في سورة وإن تكلموا فيما دون

[ 76 ]

السورة. فعرفنا أن حكم النسخ لا يختص بالمعجز. وما روي من قوله عليه السلام: فاعرضوه على كتاب الله تعالى فقد قيل هذا الحديث لا يكاد يصح، لان هذا الحديث بعينه مخالف لكتاب الله تعالى، فإن في الكتاب فرضية اتباعه مطلقا، وفي هذا الحديث فرضية اتباعه مقيدا بأن لا يكون مخالفا لما يتلى في الكتاب ظاهرا. ثم ولئن ثبت فالمراد أخبار الآحاد لا المسموع منه بعينه أو الثابت عنه بالنقل المتواتر، وفي اللفظ ما دل عليه وهو قوله عليه السلام: إذا روي لكم عني حديث ولم يقل إذا سمعتم مني، وبه نقول إن بخبر الواحد لا يثبت نسخ الكتاب، لانه لا يثبت كونه مسموعا من رسول الله (ص) قطعا ولهذا لا يثبت به علم اليقين، على أن المراد بقوله: وما خالف فردوه عند التعارض إذا جعل التاريخ بينهما حتى لا يوقف على الناسخ والمنسوخ منهما فإنه يعمل بما في كتاب الله تعالى، ولا يجوز ترك ما هو ثابت في كتاب الله نصا عند التعارض، ونحن هكذا نقول، وإنما الكلام فيما إذا عرف التاريخ بينهما. والدليل على جواز نسخ السنة بالكتاب قوله تعالى: * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * فإن السنة شئ ومطلقها يحتمل التوقيت والتأبيد فناسخها يكون مبينا معنى التوقيت فيها، والله تعالى بين أن القرآن تبيان لكل شئ فبه يظهر جواز نسخ السنة بالكتاب. والدليل عليه جواز نسخ السنة بالسنة، فإن كل واحد منهما ثابت بوحي غير متلو فإذا جاز نسخ السنة بوحي غير متلو فلان يجوز نسخها بوحي متلو كان أولى. والدليل على وجود ذلك أن النبي عليه السلام بعدما قدم المدنية كان يصلي إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، وهذا الحكم ليس يتلى في القرآن وإنما يثبت بالسنة ثم انتسخ بقوله تعالى: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) *. فإن قيل: لا كذلك بل ثبوت هذا الحكم بالكتاب، فإنه كان في شريعة من قبلنا، وعندي شريعة من قبلنا تلزمنا حتى يقوم الدليل على انتساخه، وهذا حكم ثابت بالكتاب وهو قوله تعالى: * (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) * قلنا: عندك شريعة من قبلنا تلزمنا بطريق أنه تصير شريعة لنا بسنة رسول الله قولا أو عملا

[ 77 ]

فلا يخرج بهذا من أن يكون نسخ السنة بالكتاب، مع أن الناسخ ما كان في شريعة من قبلنا قد ثبت بفعل رسول الله حين كان بمكة فإنه كان يصلي إلى الكعبة، ثم بعدما قدم المدينة لما صلى إلى بيت المقدس انتسخت السنة بالسنة، ثم لما نزلت فرضية التوجه إلى الكعبة انتسخت السنة بالكتاب، ولا خلاف أن ما كان في شريعة من قبلنا ثبت انتساخه في حقنا بقول أو فعل من رسول الله (ص) بخلافه وهذا نسخ الكتاب بالسنة. والدليل عليه أن النبي عليه السلام صالح قريشا عام الحديبية على أن يرد عليهم من جاءه منهم مسلما ثم انتسخ بقوله: * (فلا ترجعوهن إلى الكفار) * الآية، وهذا نسخ السنة بالكتاب. وكذلك حكم إباحة الخمر في الابتداء فإنه كان ثابتا بالسنة ثم انتسخ بالكتاب، وهو قوله تعالى: * (فاجتنبوه) * وحكم حرمة الاكل والشرب والجماع بعد النوم في زمان الصوم كان ثابتا بالسنة ثم انتسخ بقوله تعالى: * (فالآن باشروهن) * الآية. ولهذا أمثلة كثيرة. وأما نسخ الكتاب بالكتاب فنحو وجوب الصفح والاعراض عن المشركين، فإنه كان ثابتا بالكتاب وهو قوله تعالى: * (فاصفح الصفح الجميل) * ثم انتسخ ذلك بالكتاب بقوله تعالى: * (فاقتلوا المشركين) * وحرمة فرار الواحد مما دون العشرة من المشركين حكما ثابتا بالكتاب وهو قوله: * (وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا) * ثم انتسخ بالكتاب وهو قوله: * (الآن خفف الله عنكم) *. وأما نسخ السنة بالسنة فبيانه فيما روي عن رسول الله (ص) قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه. وكنت نهيتكم عن لحوم الاضاحي أن تمسكوها فوق ثلاثة أيام فأمسكوا وادخروا ما بدا لكم. وكنت نهيتكم عن الشرب في الدباء والحنتم والمزفت فاشربوا في الظروف فإن الظروف لا تحل شيئا ولا تحرمه، ولا تشربوا مسكرا ثم إنما يجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة أو المشهورة على وجه لو جهل التاريخ بينهما يثبت حكم التعارض. فأما بخبر الواحد لا يجوز النسخ بعد رسول الله (ص)، لان التعارض به لا يثبت بينه وبين الكتاب، فإنه لا يعلم بأنه كلام رسول الله عليه السلام لتمكن الشبهة في طريق النقل، ولهذا لا يوجب العلم، فلا يتبين به أيضا مدة بقاء الحكم الثابت بما يوجب علم اليقين. فأما في حياة رسول الله (ص)

[ 78 ]

فقد كان يجوز أن يثبت نسخ الكتاب بخبر الواحد، ألا ترى أن أهل قباء تحولوا في خلال الصلاة من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة بخبر الواحد ولم ينكر عليهم ذلك رسول الله. وهذا لان في حياته كان احتمال النسخ والتوقيت قائما في كل حكم لان الوحي كان ينزل حالا فحالا، فأما بعده فلا احتمال للنسخ ابتداء. ولا بد من أن يكون ما يثبت به النسخ مستندا إلى حال حياته بطريق لا شبهة فيه، وهو النقل المتواتر أو ما يكون في حيز التواتر على الوجه الذي قررنا فيما سبق، والله أعلم. فصل: في بيان وجوه النسخ وهذه وجوه أربعة: نسخ التلاوة والحكم جميعا، ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ونسخ رسم التلاوة مع بقاء الحكم، والنسخ بطريق الزيادة على النص. فأما الوجه الاول: فنحو صحف إبراهيم ومن تقدمه من الرسل عليهم السلام، فقد علمنا بما يوجب العلم حقيقة أنها قد كانت نازلة تقرأ ويعمل بها، قال تعالى: * (إن هذا لفي الصحف الاولى صحف إبراهيم وموسى) * وقال تعالى: * (وإنه لفي زبر الاولين) * ثم لم يبق شئ من ذلك في أيدينا تلاوة ولا عملا به فلا طريق لذلك سوى القول بانتساخ التلاوة والحكم فيما يحتمل ذلك. وله طريقان: إما صرف الله تعالى عنها القلوب، وإما موت من يحفظها من العلماء لا إلى خلف. ثم هذا النوع من النسخ في القرآن كان جائزا في حياة رسول الله عليه السلام بقوله تعالى: * (سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله) * فالاستثناء دليل على جواز ذلك. وقال تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها) * وقال: * (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) * فأما بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام لا يجوز هذا النوع من النسخ في القرآن عند المسلمين. وقال بعض الملحدين ممن يتستر بإظهار الاسلام وهو قاصد إلى إفساده هذا جائز بعد وفاته أيضا، واستدل في ذلك بما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم.. وأنس رضي الله عنه كان يقول:

[ 79 ]

قرأنا في القرآن: بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا. وقال عمر رضي الله عنه: قرأنا آية الرجم في كتاب الله ووعيناها. وقال أبي بن كعب: إن سورة الاحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها. والشافعي لا يظن به موافقة هؤلاء في هذا القول، ولكنه استدل بما هو قريب من هذا في عدد الرضعات، فإنه صحح ما يروى عن عائشة رضي الله عنها: وإن مما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس رضعات معلومات، وكان ذلك مما يتلى في القرآن بعد وفاة رسول الله (ص) - الحديث. والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * ومعلوم أنه ليس المراد الحفظ لديه، فإن الله تعالى يتعالى من أن يوصف بالنسيان والغفلة، فعرفنا أن المراد الحفظ لدينا، فالغفلة والنسيان متوهم منا وبه ينعدم الحفظ إلا أن يحفظه الله عزوجل، ولانه لا يخلو شئ من أوقات بقاء الخلق في الدنيا عن أن يكون فيما بينهم ما هو ثابت بطريق الوحي فيما ابتلوا به من أداء الامانة التي حملوها، إذ العقل لا يوجب ذلك وليس به كفاية بوجه من الوجوه، وقد ثبت أنه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول الله عليه السلام، ولو جوزنا هذا في بعض ما أوحي إليه لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه فيؤدي إلى القول بأن لا يبقى شئ مما ثبت بالوحي بين الناس في (حال) بقاء التكليف، وأي قول أقبح من هذا ! ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما في أيدينا اليوم أو كله مخالف لشريعة رسول الله، بأن نسخ الله ذلك بعده وألف بين قلوب الناس على أن ألهمهم ما هو خلاف شريعته، فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر الله تعالى أنه هو الحافظ لما أنزله على رسوله، وبه يتبين أنه لا يجوز نسخ شئ منه بعد وفاته بطريق الاندراس وذهاب حفظه من قلوب العباد، وما ينقل من أخبار الآحاد شاذ لا يكاد يصح شئ منها، ويحمل قول من قال في آية الرجم إنه في كتاب الله: أي في حكم الله تعالى، كما قال تعالى * (كتاب الله عليكم) *: (أي حكم الله عليكم) وحديث عائشة لا يكاد يصح

[ 80 ]

لانه قال في ذلك الحديث وكانت الصحيفة تحت السرير فاشتغلنا بدفن رسول الله فدخل داجن البيت فأكله، ومعلوم أن بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب، ولا يتعذر عليهم إثباته في صحيفة أخرى، فعرفنا أنه لا أصل هذا الحديث. فأما الوجهان الآخران فهما جائزان في قول الجمهور من العلماء، ومن الناس من يأبى ذلك. قالوا لان المقصود بيان الحكم، وإنزال المتلو كان لاجله، فلا يجوز رفع الحكم مع بقاء التلاوة لخلوه عما هو المقصود، ولا يجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، لان الحكم لا يثبت بدون السبب ولا يبقى بدون بقاء السبب أيضا. ومنهم من يقول يجوز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة ولا يجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، فإنه لا شك في وجوب الاعتقاد في المتلو أنه قرآن وأنه كلام الله تعالى، كيف يصح أن يعتقد فيه خلاف هذا في شئ من الاوقات والقول بنسخ التلاوة يؤدي إلى هذا، فكان هذا نوعا من الاخبار التي لا يجوز فيها النسخ. فأما دليلنا على وجود نسخ الحكم مع بقاء التلاوة قوله تعالى: * (فأمسكوهن في البيوت) * فإن الحبس في البيوت والاذى باللسان كان حد الزنا وقد انتسخ هذا الحكم مع بقاء التلاوة. وكذلك قوله تعالى: * (متاعا إلى الحول غير إخراج) * فإن تقدير عدة الوفاة بحول كان منزلا وانتسخ هذا الحكم مع بقاء التلاوة. وقوله تعالى: * (فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) * فإن حكم هذا قد انتسخ بقوله: * (فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم) * وبقيت التلاوة. وحكم التخيير بين الصوم والفدية قد انتسخ بقوله * (فليصمه) * وبقيت التلاوة وهو قوله: * (وأن تصوموا خير لكم) * والدليل على جواز ذلك أنه يتعلق بصيغة التلاوة حكمان مقصودان: أحدهما جواز الصلاة، والثاني النظم المعجز، وبعد انتساخ الحكم الذي هو العمل به يبقى هذان الحكمان وهما مقصودان، ألا ترى أن بالمتشابه في القرآن إنما يثبت هذان الحكمان فقط، وإذا حسن ابتداء رسم التلاوة لهذين الحكمين فالبقاء أولى. وقد بينا أن

[ 81 ]

الدليل الموجب لثبوت الحكم لا يكون موجبا للبقاء، وبالانتساخ إنما ينعدم بقاء الحكم، وذلك ما كان مضافا إلى ما كان موجبا ثبوت الحكم، فانتهاء الحكم لا يمنع بقاء التلاوة من هذا الوجه. وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فبيانه فيما قال علماؤنا: إن صوم كفارة اليمين ثلاثة أيام متتابعة، بقراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. وقد كانت هذه قراءة مشهورة إلى زمن أبي حنيفة. ولكن لم يوجد فيه النقل المتواتر الذي يثبت بمثله القرآن، وابن مسعود لا يشك في عدالته وإتقانه، فلا وجه لذلك إلا أن نقول كان ذلك مما يتلى في القرآن كما حفظه ابن مسعود رضي الله عنه ثم انتسخت تلاوته في حياة رسول الله (ص)، بصرف الله القلوب عن حفظها إلا قلب ابن مسعود ليكون الحكم باقيا بنقله، فإن خبر الواحد موجب للعمل به وقراءته لا تكون دون روايته، فكان بقاء هذا الحكم بعد نسخ التلاوة بهذا الطريق. والدليل على جوازه ما بينا أن بقاء الحكم لا يكون ببقاء السبب الموجب له، فانتساخ التلاوة لا يمنع بقاء الحكم، ألا ترى أن البيع موجب للملك ثم لو قطع المشتري ملكه بالبيع من غيره أو أزاله بالاعتاق لم ينعدم ذلك البيع، لان البقاء لم يكن مضافا إليه. ثم قد بينا أن حكم تعلق جواز الصلاة بتلاوته وحرمة قراءته على الجنب والحائض مقصود، وهو مما يجوز أن يكون موقتا ينتهي بمضي مدته فيكون نسخ التلاوة بيان مدة ذلك الحكم، كما أن نسخ الحكم بيان المدة فيه، وما توهمه بعضهم فهو غلط بين، فإن بعدما اعتقدنا في المتلو أنه قرآن وأنه كلام الله تعالى لا نعتقد فيه أنه ليس بقرآن وأنه ليس بكلام الله تعالى بحال من الاحوال، ولكن بانتساخ التلاوة ينتهي حكم تعلق جواز الصلاة به، وحرمة قراءته على الجنب والحائض لضرورة أن الله تعالى رفع عنا تلاوته وحفظه وهو نظير ما يقول، فإن رسول الله (ص) بعد ما قبض نعتقد فيه أنه رسول الله وأنه خاتم الانبياء عليهم السلام على ما كان في حال حياته وإن أخرجه الله من بيننا بانتهاء مدة حياته في الدنيا. وأيد جميع ما ذكرنا قوله تعالى: * (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) * ثم قد بينا أنه يجوز إثبات الحكم ابتداء بوحي غير متلو فلان يجوز بقاء الحكم بعدما انتسخ حكم التلاوة من الوحي المتلو كان أولى.

[ 82 ]

وأما الوجه الرابع وهو الزيادة على النص فإنه بيان صورة ونسخ معنى عندنا سواء كانت الزيادة في السبب أو الحكم، وعلى قول الشافعي هو بمنزلة تخصيص العام ولا يكون فيه معنى النسخ حتى جوز ذلك بخبر الواحد والقياس. وبيان هذا في النفي مع الجلد، وقيد صفة الايمان في الرقبة في كفارة الظهار واليمين. وجه قوله إن الرقبة اسم عام يتناول المؤمنة والكافرة، فإخراج الكافرة منها يكون تخصيصا لا نسخا بمنزلة إخراج بعض الاعيان من الاسم العام، ألا ترى أن بني إسرائيل استوصفوا البقرة وكان ذلك منهم طلب البيان المحض دون النسخ، وبعدما بينها الله لهم امتثلوا الامر المذكور في قوله: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) * وهذا لان النسخ يكون برفع الحكم المشروع وفي الزيادة تقرير الحكم المشروع وإلحاق شئ آخر به بطريق المحاورة، فإن إلحاق النفي بالجلد لا يخرج الجلد من أن يكون مشروعا، وإلحاق صفة الايمان بالرقبة لا يخرج الرقبة من أن تكون مستحقة الاعتاق في الكفارة. وهذا نظير حقوق العباد، فإن من ادعى على غيره ألفا وخمسائة وشهد له شاهدان بألف وآخران بألف وخمسائة حتى قضى له بالمال كله كان مقدار الالف مقضيا به بشهادتهم جميعا، وإلحاق الزيادة بالالف في شهادة الآخر يوجب تقرير الاصل في كونه مشهودا به لا رفعه. فتبين بهذا أن الزيادة لا تتعرض لاصل الحكم المشروع فلا يكون فيها معنى النسخ بوجه من الوجوه. ثم قد يكون بطريق التخصيص وقد لا يكون، ولهذا لا يشترط فيها أن تكون مقرونة بالاصل كما يشترط ذلك في دليل الخصوص، وحاجتنا إلى إثبات أن ذلك ليس بنسخ وقد أثبتناه بما قررنا. وحجتنا في ذلك أن أكثر ما ذكره الخصم دليل على أن الزيادة بيان صورة، ونحن نسلم ذلك ولكنا ندعي أنه نسخ معنى، والدليل على إثبات ذلك أن ما يجب حقا لله تعالى من عبادة أو عقوبة أو كفارة لا يحتمل الوصف بالتجزي وليس للبعض منه حكم الجملة بوجه، فإن الركعة من صلاة الفجر لا تكون فجرا والركعتين من صلاة الظهر في حق المقيم لا تكون ظهرا، وكذلك المظاهر إذا صام شهرا ثم عجز فأطعم ثلاثين مسكينا لا يكون مكفرا به بالاطعام

[ 83 ]

ولا بالصوم، ولهذا قلنا: القاذف إذا جلد تسعة وسبعين سوطا لا تسقط شهادته، لان الحد ثمانون سوطا فبعضه لا يكون حدا. إذا تقرر هذا فنقول: الثابت بآية الزنا جلد وهو حد، فإذا التحق النفي به يخرج الجلد من أن يكون حدا لانه يكون بعض الحد حينئذ وبعض الحد ليس بحد، بمنزلة بعض العلة فإنه لا يوجب شيئا من الحكم الثابت بالعلة فكان نسخا من هذا الوجه، وكذلك في الرقبة فإن مع الاطلاق التكفير بتحرير رقبة، وبعد القيد تحرير رقبة بعض ما يتأدى به الكفارة. فعرفنا أنه نسخ وبه فارق حقوق العباد، فإنه مما يحتمل الوصف بالتجزي فيمكن أن يجعل إلحاق الزيادة به تقريرا للمزيد عليه، حتى إن فيما لا يحتمل التجزي من حقوق العباد الحكم كذلك أيضا، فإن البيع لما كان عبارة عن الايجاب والقبول لم يكن الايجاب المحض بيعا، ونكاح أربع نسوة لما كان موجبا حرمة النكاح عليه لا يثبت شئ من ذلك بنكاح امرأة أو امرأتين لان ليس بنكاح أربع نسوة، وقد بينا في قصة بني إسرائيل أن ذلك كان بيانا صورة وكان نسخا معنى، كما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنهما بقوله: شددوا فشدد الله عليهم. يدل عليه أن النسخ لبيان مدة بقاء الحكم وإثبات حكم آخر، ثم الاطلاق ضد التقييد فكان من ضرورة ثبوت التقييد انعدام صفة الاطلاق، وذلك لا يكون إلا بعد انتهاء مدة حكم الاطلاق وإثبات حكم هو ضده وهو التقييد، وإذا كان إثبات حكم غير الاول على وجه يعلم أنه لم يبق معه الاول نسخا فإثبات حكم هو ضد الاول أولى أن يكون نسخا بطريق المعنى، وبه فارق التخصيص فإن التخصيص لا يوجب حكما فيما تناوله العام غير الحكم الاول، ولكن يبين أن العام لم يكن متناولا لما صار مخصوصا منه، ولهذا لا يكون التخصيص إلا مقارنا، يقرره أن التخصيص للاخراج والتقييد للاثبات، وأي مشابهة تكون بين الاخراج من الحكم وبين إثبات الحكم. وهذا لان الاطلاق يعدم صفة التقييد والتقييد إيجاد لذلك الوصف، فبعد ما ثبت التقييد لا يتصور بقاء صفة الاطلاق، ولا يكون الحكم ثابتا لما تناوله صيغة الاطلاق، وإنما يكون ثابتا بالمقيد من اللفظ، فأما العام إذا خص منه شئ يبقى الحكم ثابتا فيما وراءه بمقتضى لفظ العموم فقط،

[ 84 ]

وإذا كان بقاء الحكم بما كان النص العام متناولا له عرفنا أن التخصيص لا يكون تعرضا لما وراء المخصوص بشئ. وبيان هذا أن قوله تعالى: * (فاقتلوا المشركين) * وإن خص منه أهل الذمة وغيرهم فمن لا أمان له يجب قتله لانه مشرك. وفي قوله: * (فتحرير رقبة) * إذا قيدنا بصفة الايمان لا تتأدى الكفارة بما يتناوله اسم الرقبة بل بما يتناوله اسم الرقبة المؤمنة. فعرفنا أنه في معنى النسخ وليس بتخصيص، ولان التخصيص يصرف فيما كان اللفظ متناولا له باعتبار دليل الظاهر لولا دليل الخصوص، والتقييد تصرف فيما لم يكن اللفظ متناولا له أصلا لولا التقييد، فإن اسم الرقبة لا يتناول صفتها من حيث الايمان والكفر، فعرفنا أنه نسخ والنسخ في الحكم الثابت بالنص لا يكون بخبر الواحد ولا بالقياس. وعلى هذا قلنا: لا تتعين الفاتحة للقراءة في الصلاة ركنا لانه زيادة على ما ثبت بالنص، ولا تثبت الطهارة عن الحدث شرطا في ركن الطواف لانه زيادة على النص، ولا يثبت النفي حدا مع الجلد في زنا البكر لانه زيادة، ولا يثبت اشتراط صفة الايمان في كفارة اليمين والظهار لانه زيادة. وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: شرب القليل من الطلاء المثلث لا يكون حراما لان المحرم السكر بالنص، وشرب القليل بعض العلة فيما يحصل به السكر فلا يكون مسكرا. وعلى هذا قال أصحابنا: إذا وجد المحدث من الماء ما لا يكفيه لوضوئه أو الجنب ما لا يكفيه لاغتساله فإنه يتيمم ولا يستعمل ذلك الماء، لان الواجب استعمال الماء الذي هو طهور، وهذا بمنزلة بعض العلة في حكم الطهارة فلا يكون طهورا فوجوده لا يمنع التيمم. وعلى هذا قلنا: إذا شهد أحد الشاهدين بالبيع بألف والآخر بالبيع بألف وخمسمائة لا تقبل الشهادة في إثبات العقد بألف، وإن اتفق عليه الشاهدان ظاهرا لان الذي شهد بألف وخمسمائة قد جعل الالف بعض الثمن وانعقاد البيع بجميع الثمن المسمى لا ببعضه، فمن هذا الوجه كل واحد منهما في المعنى شاهد لعقد آخر والالف المذكور في شهادة الثاني كان بحيث يثبت به العقد لولا وصل شئ آخر به بمنزلة التخيير في الطلاق والعتاق يصير شيئا آخر إذا اتصل به التعليق بالشرط فحكم الزيادة يكون بهذه الصفة أيضا. والذي يقرر جميع ما ذكرنا أن النسخ إنما يثبت بما لو جهل التاريخ فيه كان معارضا وهذا يتحقق في الاطلاق والتقييد، فإنه لو جهل التاريخ بين النص المطلق والمقيد يثبت التعارض بينهما، فعرفنا أنه عند معرفة التاريخ بينهما يكون

[ 85 ]

التقييد في النص المطلق نسخا من حيث المعنى، ويجوز أن يرد النسخ على ما هو ناسخ كما يجوز أن يرد النسخ على ما كان مشروعا ابتداء إذ المعنى لا يوجب الفرق بينهما. وبيان هذا فيما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن حرمة مفاداة الاسير الثابت بقوله تعالى: * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) * قد انتسخ بقوله تعالى: * (فإما منا بعد وإما فداء) * ثم قال السدي: هذا قد انتسخ بقوله تعالى: * (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) * لان سورة براءة من آخر ما نزل فكان ناسخا للحكم الذي كان قبله. وكذلك حكم الحبس في البيوت والاذى باللسان في كونه حدا قد انتسخ بقوله عليه السلام: (خذوا عني) الحديث. ثم هذا الحكم انتسخ بنزول قوله تعالى: * (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * وبرجم النبي عليه السلام ماعز بن مالك رضي الله عنه، واستقر الحكم على أن الحد الكامل في حق غير المحصن مائة جلدة وفي حق المحصن الرجم. ومما اختلفوا في أنه نسخ أم لا حكم الميراث، فقد كان التوريث بالحلف والهجرة ثابتا في الابتداء، قال تعالى: * (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) * وقال تعالى: * (إن الذين آمنوا وهاجروا) * إلى قوله: * (أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا) * الآية، ثم انتسخ هذا عند بعض العلماء بنزول قوله تعالى: * (وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) * الآية. ومنهم من قال: هذا ليس بنسخ ولكن هذا تقديم وارث على وارث فلا يكون نسخا، كتقديم الابن على الاخ في الميراث لا يكون نسخ التوريث بالاخوة، وتقديم الشريك على الجار في استحقاق الشفعة لا يكون نسخ حكم الشفعة بالجوار. والاصح أن نقول: هذا نسخ بعض الاحوال دون البعض، فإن قوله تعالى: * (فآتوهم نصيبهم) * تنصيص على أن بالحلف يستحق النصيب من الميراث مع وجود القريب، ثم انتسخ هذا الحكم بقوله تعالى: * (وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * حتى لا يستحق بالحلف شيئا مع وجود القريب أصلا. فعرفنا أن هذا الحكم قد انتهى في هذه الحالة فكان نسخا وإن كان

[ 86 ]

الارث بهذا السبب باقيا في غير هذه الحالة، وإلى ذلك أشار ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: يا معشر همدان إنه ليس حي من أحياء العرب أحرى أن يموت الرجل فيهم ولا يعرف له نسب منكم فإذا كان ذلك فليضع ماله حيث أحب. والله أعلم. باب: الكلام في أفعال النبي عليه السلام اعلم بأن أفعاله التي تكون عن قصد تنقسم أربعة أقسام: مباح، ومستحب، وواجب، وفرض. وهنا نوع خامس وهو الزلة، ولكنه غير داخل في هذا الباب، لانه لا يصلح للاقتداء به في ذلك، وعقد الباب لبيان حكم الاقتداء به في أفعاله، ولهذا لم يذكر في الجملة ما يحصل في حالة النوم والاغماء لان القصد لا يتحقق فيه فلا يكون داخلا فيما هو حد الخطاب. وأما الزلة فإنه لا يوجد فيها القصد إلى عينها أيضا، ولكن يوجد القصد إلى أصل الفعل. وبيان هذا أن الزلة أخذت من قول القائل: زل الرجل في الطين إذا لم يوجد القصد إلى الوقوع ولا إلى الثبات بعد الوقوع، ولكن وجد القصد إلى المشي في الطريق، فعرفنا بهذا أن الزلة ما تتصل بالفاعل عند فعله ما لم يكن قصده بعينه، ولكنه زل فاشتغل به عما قصد بعينه، والمعصية عند الاطلاق إنما يتناول ما يقصده المباشر بعينه وإن كان قد أطلق الشرع ذلك على الزلة مجازا. ثم لا بد أن يقترن بالزلة بيان من جهة الفاعل أو من الله تعالى، كما قال تعالى مخبرا عن موسى عليه السلام عند قتل القبطي: * (هذا من عمل الشيطان) * الآية، وكما قال تعالى: * (وعصى آدم ربه فغوى) * الآية وإذا كان البيان يقترن به لا محالة علم أنه غير صالح للاقتداء به. ثم اختلف الناس في أفعاله التي لا تكون عن سهو ولا من نتيجة الطبع على ما جبل عليه الانسان ما هو موجب ذلك في حق أمته. فقال بعضهم: الواجب هو الوقف في ذلك حتى يقوم الدليل. وقال بعضهم: بل يجب اتباعه والاقتداء به في جميع ذلك إلا ما يقوم عليه دليل. وكان أبو الحسن الكرخي

[ 87 ]

رحمه الله يقول: إن علم صفة فعله أنه فعله واجبا أو ندبا أو مباحا فإنه يتبع فيه بتلك الصفة، وإن لم يعلم فإنه يثبت فيه صفة الاباحة، ثم لا يكون الاتباع فيه ثابتا إلا بقيام الدليل. وكان الجصاص رحمه الله يقول بقول الكرخي رحمه الله إلا أنه يقول: إذا لم يعلم فالاتباع له في ذلك ثابت حتى يقوم الدليل على كونه مخصوصا. وهذا هو الصحيح. فأما الواقفون احتجوا فقالوا: لما أشكل صفة فعله فقد تعذر اتباعه في ذلك على وجه الموافقة، لان ذلك لا يكون بالموافقة في أصل الفعل دون الصفة، فإنه إذا كان هو فعل فعلا نفلا ونحن نفعله فرضا يكون ذلك منازعة لا موافقة، واعتبر هذا بفعل السحرة مع ما رأوه من الكليم ظاهرا فإنه كان منازعة منهم في الابتداء، لان فعلهم لم يكن بصفة فعله، فعرفنا أن الوصف إذا كان مشكلا لا تتحقق الموافقة في الفعل لا محالة، ولا وجه للمخالفة فيجب الوقف فيه حتى يقوم الدليل. وهذا الكلام عند التأمل باطل، فإن هذا القائل إن كان يمنع الامة من أن يفعلوا مثل فعله بهذا الطريق ويلومهم على ذلك فقد أثبت صفة الحظر في الاتباع، وإن كان لا يمنعهم من ذلك ولا يلومهم عليه فقد أثبت صفة الاباحة، فعرفنا أن القول بالوقف لا يتحقق في هذا الفصل. وأما الفريق الثاني فقد استدلوا بالنصوص الموجبة للاقتداء برسول الله (ص) في أقواله وأفعاله، نحو قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * وقوله تعالى: * (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) *، وقوله تعالى: * (فاتبعوني يحببكم الله) * وقوله تعالى: * (الذين يتبعون الرسول النبي الامي) * إلى قوله: * (واتبعوه لعلكم تهتدون) * وقوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) *: أي عن سمته وطريقته. وقال تعالى: * (وما أمر فرعون برشيد) * ففي هذه النصوص دليل على وجوب الاتباع علينا إلى أن يقوم الدليل يمنع من ذلك. فأما الدليل لنا في هذا الفصل أن نقول: صح في الحديث أن النبي عليه

[ 88 ]

السلام خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم، فلما فرغ قال: ما لكم خلعتم نعالكم الحديث. فلو كان مطلق فعله موجبا للمتابعة لم يكن لقوله: ما لكم خلعتم نعالكم معنى. وخرج للتراويح ليلة أو ليلتين فلما قيل له في ذلك قال: خشيت أن تكتب عليكم ولو كتبت عليكم ما قمتم بها فو كان مطلق فعله يلزمنا الاتباع له في ذلك لم يكن لقوله: خشيت أن تكتب عليكم معنى. ثم قد بينا أن الموافقة حقيقتها في أصل الفعل وصفته فعند الاطلاق إنما يثبت القدر المتيقن به وهو صفة الاباحة، فإنه يترتب عليه التمكن من إيجاد الفعل شرعا، فيثبت القدر المتيقن به (وهو صفة الاباحة) من الوصف، ويتوقف ما وراء ذلك على قيام الدليل، بمنزلة رجل يقول لغيره: وكلتك بمالي فإنه يملك الحفظ، لانه متيقن لكونه مراد الموكل، ولا يثبت ما سوى ذلك من التصرفات حتى يقوم الدليل، يقرر ما ذكرنا أن الفعل قسمان: أخذ، وترك. ثم أحد قسمي أفعاله وهو الترك لا يوجب الاتباع علينا إلا بدليل فكذلك القسم الآخر. وبيان هذا أنه حين كان الخمر مباحا قد ترك رسول الله (ص) شربها أصلا، ثم ذلك لا يوجب علينا ترك الشرب فيما هو مباح، يوضحه أن مطلق فعله لو كان موجبا للاتباع لكان ذلك عاما في جميع أفعاله ولا وجه للقول بذلك، لان ذلك يوجب على كل أحد أن لا يفارقه آناء الليل والنهار ليقف على جميع أفعاله فيقتدي به، لانه لا يخرج عن الواجب إلا بذلك، ومعلوم أن هذا مما لا يتحقق ولا يقول به أحد. فعرفنا أن مطلق الفعل لا يلزمنا اتباعه في ذلك. فأما الآيات ففي قوله: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * دليل على أن التأسي به في أفعاله ليس بواجب، لانه لو كان واجبا لكان من حق الكلام أن يقول عليكم، ففي قوله * (لكم) * دليل على أن ذلك مباح لنا لا أن يكون لازما علينا. والمراد بالامر بالاتباع التصديق والاقرار بما جاء به، فإن الخطاب بذلك لاهل الكتاب وذلك بين في سياق الآية، والمراد بالامر ما يفهم من مطلق لفظ الامر عند

[ 89 ]

الاطلاق، وقد تقدم بيان هذا في أول الكتاب. ثم قال الكرخي: قد ظهر خصوصية رسول الله (ص) بأشياء لاختصاصه بما لا شركة لاحد من أمته معه في ذلك، فكل فعل يكون منه فهو محتمل للوصف لجواز أن يكون هذا مما اختص هو به ويجوز أن يكون مما هو غير مخصوص به، وعند احتمال الجانبين على السواء يجب الوقف حتى يقوم الدليل لتحقق المعارضة. ولكن الصحيح ما ذهب إليه الجصاص، لان في قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * تنصيص على جواز التأسي به في أفعاله، فيكون هذا النص معمولا به حتى يقوم الدليل المانع وهو ما يوجب تخصيصه بذلك، وقد دل عليه قوله تعالى: * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم) * وفي هذا بيان أن ثبوت الحل في حقه مطلقا دليل ثبوته في حق الامة، ألا ترى أنه نص على تخصيصه فيما كان هو مخصوصا به بقوله تعالى: * (خالصة لك من دون المؤمنين) * وهو النكاح بغير مهر، فلو لم يكن مطلق فعله دليلا للامة في الاقدام على مثله لم يكن لقوله: * (خالصة لك) * فائدة، فإن الخصوصية تكون ثابتة بدون هذه الكلمة، والدليل عليه أنه عليه السلام لما قال لعبد الله بن رواحة حين صلى على الارض في يوم قد مطروا في السفر: ألم يكن لك في أسوة ؟ فقال: أنت تسعى في رقبة قد فكت وأنا أسعى في رقبة لم يعرف فكاكها. فقال: إني مع هذا أرجو أن أكون أخشاكم لله ولما سألت امرأة أم سلمة عن القبلة للصائم فقالت: إن رسول الله عليه السلام يقبل وهو صائم. فقالت لسنا كرسول الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم سألت أم سلمة رسول الله (ص) عن سؤالها فقال: هلا أخبرتها أني أقبل وأنا صائم ؟ فقالت: قد أخبرتها بذلك فقالت كذا. فقال: إني أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم بحدوده ففي هذا بيان أن اتباعه فيما يثبت من أفعاله أصل حتى يقوم الدليل على كونه مخصوصا بفعله، وهذا لان الرسل أئمة يقتدى بهم، كما قال تعالى: * (إني

[ 90 ]

جاعلك للناس إماما) * فالاصل في كل فعل يكون منهم جواز الاقتداء بهم، إلا ما يثبت فيه دليل الخصوصية باعتبار أحوالهم وعلو منازلهم، وإذا كان الاصل هذا ففي كل فعل يكون مبهم بصفة الخصوص يجب بيان الخصوصية مقارنا به، إذ الحاجة إلى ذلك ماسة عند كل فعل يكون (منهم) حكمه بخلاف هذا الاصل والسكوت عن البيان بعد تحقق الحاجة دليل النفي، فترك بيان الخصوصية يكون دليلا على أنه من جملة الافعال التي هو فيها قدوة أمته. فصل: في بيان طريقة رسول الله (ص) في إظهار أحكام الشرع قد بينا أنه كان يعتمد الوحي فيما بينه من أحكام الشرع. والوحي نوعان: ظاهر، وباطن. فالظاهر منه قسمان: (أحدهما) ما يكون على لسان الملك بما يقع في سمعه بعد علمه بالمبلغ بأنه قاطعة، وهو المراد بقوله تعالى: * (قل نزله روح القدس من ربك بالحق) * وبقوله تعالى: * (إنه لقول رسول كريم) * الآية، والآخر ما يتضح له بإشارة الملك من غير بيان بكلام، وإليه أشار رسول الله (ص) في قوله: إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب والوحي الباطن هو: تأييد القلب على وجه لا يبقى فيه شبهة ولا معارض ولا مزاحم، وذلك بأن يظهر له الحق بنور في قلبه من ربه يتضح له حكم الحادثة به، وإليه أشار الله تعالى بقوله: * (لتحكم بين الناس بما أراك الله) * وهذا كله مقرونا بالابتلاء، ومعنى الابتلاء هو: التأمل بقلبه في حقيقته حتى يظهر له ما هو المقصود، وكل ذلك خاص لرسول الله تثبت به الحجة القاطعة، ولا شركة للامة في ذلك إلا أن يكرم الله به من شاء من أمته لحقه وذلك الكرامة للاولياء. وأما ما يشبه الوحي في حق رسول الله (ص) فهو استنباط الاحكام من النصوص بالرأي

[ 91 ]

والاجتهاد فإنما يكون من رسول الله بهذا الطريق، فهو بمنزلة الثابت بالوحي لقيام الدليل على أنه يكون ثوابا لا محالة، فإنه كان لا يقر على الخطأ فكان ذلك منه حجة قاطعة، ومثل هذا من الامة لا يجعل بمنزلة الوحي، لان المجتهد يخطئ ويصيب، فقد علم أنه كان لرسول الله (ص) من صفة الكمال ما لا يحيط به إلا الله، فلا شك أن غيره لا يساويه في إعمال الرأي والاجتهاد في الاحكام. وهذا يبتنى على اختلاف العلماء في أنه عليه السلام هل كان يجتهد في الاحكام ويعمل بالرأي فيما لا نص فيه ؟ فأبى ذلك بعض العلماء وقال: هذا الطريق حظ الامة، فأما حظ رسول الله (ص) هو العمل بالوحي من الوجوه التي ذكرنا. وقال بعضهم: قد كان يعمل بطريق الوحي تارة وبالرأي تارة، وبكل واحد من الطريقين كان يبين الاحكام. وأصح الاقاويل عندنا أنه عليه السلام فيما كان يبتلى به من الحوادث التي ليس فيها وحي منزل كان ينتظر الوحي إلى أن تمضي مدة الانتظار، ثم كان يعمل بالرأي والاجتهاد ويبين الحكم به فإذا أقر عليه كان ذلك حجة قاطعة للحكم. فأما الفريق الاول فاحتجوا بقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * وقال تعالى: * (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * ولانه لا خلاف أنه كان لا يجوز لاحد مخالفة رسول الله عليه السلام فيما بينه من أحكام الشرع، والرأي قد يقع فيه الغلط في حقه وفي حق غيره، فلو كان يبين الحكم بالرأي لكان يجوز مخالفته في ذلك كما في أمر الحرب، فقد ظهر أنهم خالفوه في ذلك غير مرة واستصوبهم في ذلك، ألا ترى أنه لما أراد النزول يوم بدر دون الماء قال له الخباب بن المنذر رضي الله عنه: إن كان عن وحي فسمعا وطاعة، وإن كان عن رأي فإني أرى الصواب أن ننزل على الماء ونتخذ الحياض، فأخذ رسول الله (ص) برأيه ونزل على الماء. ولما أراد يوم الاحزاب أن يعطي المشركين شطر ثمار المدينة لينصرفوا قام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما وقالا: إن كان هذا عن وحي فسمعا وطاعة، وإن كان عن رأي فلا نعطيهم إلا السيف، قد كنا نحن وهم في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين فكانوا لا يطمعون

[ 92 ]

في ثمار المدينة إلا بشري أو بقري فإذا أعزنا الله تعالى بالدين نعطيهم الدنية لا نعطيهم إلا السيف. وقال عليه السلام: إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أصرفهم عنكم فإذا أبيتم أنتم وذاك ثم قال للذين جاءوا للصلح: اذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف ولما قدم المدينة استقبح ما كانوا يصنعونه من تلقيح النخيل فنهاهم عن ذلك فأحشفت وقال: عهدي بثماركم بخلاف هذا فقالوا: نهيتنا عن التلقيح وإنما كانت جودة الثمر من ذلك. قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم وأنا أعلم بأمر دينكم فتبين أن الرأي منه كالرأي من غيره في احتمال الغلط، وبالاتفاق لا تجوز مخالفته فيما ينص عليه من أحكام الشرع، فعرفنا أن طريق وقوفه على ذلك ما ليس فيه توهم الغلط أصلا وذلك الوحي، ثم الرأي الذي فيه توهم الغلط إنما يجوز المصير إليه عند الضرورة وهذه الضرورة تثبت في حق الامة لا في حقه، فقد كان الوحي يأتيه في كل وقت، وما هذا إلا نظير التحري في أمر القبلة فإنه لا يجوز المصير إليه لمن كان بمكة معاينا للكعبة، ويجوز المصير إليه لمن كان نائيا عن الكعبة، لان من كان معاينا فالضرورة المحوجة إلى التحري لا تتحقق في حقه لوجود الطريق الذي لا يتمكن فيه تهمة الغلط وهو المعاينة، وكذلك حال رسول الله (ص) في العمل بالرأي في الاحكام، ولانه عليه السلام كان ينصب أحكام الشرع ابتداء والرأي لا يصلح لنصب الحكم به ابتداء وإنما هو لتعدية حكم النص إلى نظيره مما لا نص فيه كما في حق الامة، لانه لا يجوز لاحد استعمال الرأي في نصب حكم ابتداء، فعرفنا أنه إنما كان ينصب الحكم ابتداء بطريق الوحي دون الرأي، وهذا لان الحق في أحكام الشرع لله تعالى فإنما يثبت حق الله تعالى بما يكون موجبا للعلم قطعا والرأي لا يوجب ذلك، وبه فارق أمر الحرب والشورى في المعاملات، لان ذلك من حقوق العباد، فالمطلوب به الدفع عنهم أو الجر إليهم فيما تقوم به مصالحهم، واستعمال الرأي جائز في مثله لحاجة العباد إلى ذلك، فإنه ليس في وسعهم فوق ذلك، والله تعالى يتعالى عما يوصف به العباد من العجز أو الحاجة، فما هو حق الله تعالى لا يثبت ابتداء إلا بما يكون موجبا علم اليقين.

[ 93 ]

والحجة للقول الثاني قوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * ورسول الله (ص) أولي الناس بهذا الوصف الذي ذكره عند الامر بالاعتبار، فعرفنا أنه داخل في هذا الخطاب، قال تعالى: * (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * وقد دخل في جملة المستنبطين من تقدم ذكره، فعرفنا أن الرسول من جملة الذين أخبر الله أنهم يعلمون بالاستنباط، وقال تعالى: * (ففهمناها سليمان) * والمراد أنه وقف على الحكم بطريق الرأي لا بطريق الوحي، لان ما كان بطريق الوحي فداود وسليمان عليهما السلام فيه سواء، وحيث خص سليمان عليه السلام بالفهم عرفنا أن المراد به بطريق الرأي، وقد حكم داود بين الخصمين حين تسوروا المحراب بالرأي، فإنه قال: * (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) * وهذا بيان بالقياس الظاهر. وقال النبي عليه السلام للخثعمية: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيت أكان يقبل منك ؟ وهذا بيان بطريق القياس. وقال لعمر رضي الله عنه حين سأله عن القبلة للصائم: أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك ؟ وقال في حرمة الصدقة على بني هاشم: أرأيت لو تمضمضت بالماء أكنت شاربه ؟ وهذا بيان بطريق القياس في حرمة الاوساخ واستعمال المستعمل. وقال: إن الرجل ليؤجر في كل شئ حتى في مباضعة أهله فقيل له: يقضي أحدنا شهوته ثم يؤجر على ذلك ؟ قال: أرأيتم لو وضع ذلك فيما لا يحل هل كان يأثم به ؟ قالوا: نعم. قال: فكذلك يؤجر إذا وضعه فيما يحل وهذا بيان بطريق الرأي والاجتهاد. والدليل عليه أنه كان مأمورا بالمشاورة مع أصحابه، قال تعالى: * (وشاورهم في الامر) * وقد صح أنه كان يشاورهم في أمر الحرب وغير ذلك حتى روي أنه شاور أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في مفاداة الاسارى يوم بدر فأشار عليه أبو بكر بأن يفادي بهم، ومال رأيه إلى ذلك حتى نزل قوله تعالى: * (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) * ومفاداة الاسير بالمال جوازه وفساده من أحكام الشرع ومما هو حق الله تعالى، وقد شاور فيه أصحابه وعمل فيه بالرأي إلى أن نزل الوحي بخلاف ما رآه، فعرفنا أنه كان يشاورهم في الاحكام كما في الحروب، وقد شاورهم فيما يكون جامعا لهم في أوقات الصلاة ليؤدوها بالجماعة، ثم لما جاء عبد الله بن زيد رضي الله عنه وذكر ما رأى في المنام من أمر الاذان

[ 94 ]

فأخذ به وقال: (ألقها على بلال) ومعلوم أنه أخذ بذلك بطريق الرأي دون طريق الوحي، ألا ترى أنه لما أتى عمر وأخبره أنه رأى مثل ذلك قال الله أكبر هذا أثبت، ولو كان قد نزل عليه الوحي به لم يكن لهذا الكلام معنى، ولا شك أن حكم الاذان مما هو (من) حق الله ثم قد جوز العمل فيه بالرأي، فعرفنا أن ذلك جائز، ولا معنى لقول من يقول إنه إنما كان يستشيرهم في الاحكام لتطييب نفوسهم، وهذا لان فيما كان الوحي فيه ظاهرا معلوما ما كان يستشيرهم، وفيما كان يستشيرهم الحال لا يخلو إما أن كان يعمل برأيهم أو لا يعمل، فإن كان لا يعمل برأيهم وكان ذلك معلوما لهم فليس في هذه الاستشارة تطييب النفس ولكنها من نوع الاستهزاء وظن ذلك برسول الله (ص) محال، وإن كان يستشيرهم ليعمل برأيهم فلا شك أن رأيه يكون أقوى من رأيهم، وإذا جاز له العمل برأيهم فيما لا نص فيه فجواز ذلك برأيه أولى. ويتبين بهذا أنه إنما كان يستشيرهم لتقريب الوجوه وتحميس الرأي، على ما كان يقول: المشورة تلقيح العقول وقال: من الحزم أن تستشير ذا رأي ثم تطيعه ثم الاستنباط بالرأي إنما يبتنى على العلم بمعاني النصوص، ولا شك أن درجته في ذلك أعلى من درجة غيره، وقد كان يعلم بالمتشابه الذي لا يقف أحد من الامة بعده على معناه، فعرفنا بهذا أن له من هذه الدرجة أعلى النهاية، وبعد العلم بالطريق الذي يوقف به على الحكم المنع من استعمال ذلك نوع من الحجر، وتجويز استعمال ذلك نوع إطلاق وإنما يليق بعلو درجته الاطلاق دون الحجر. وكذلك ما يعلم بطريق الوحي فهو محصور متناه، وما يعلم بالاستنباط من معاني الوحي غير متناه. وقيل أفضل درجات العلم للعباد طريق الاستنباط، ألا ترى أن من يكون مستنبطا من الامة فهو على درجة ممن يكون حافظا غير مستنبط، فالقول بما يوجب سد باب ما هو أعلى الدرجات في العلم عليه شبه المحال، ولولا طعن المتعنتين لكان الاولى بنا الكف عن الاشتغال بإظهار هذا بالحجة، فقد كان درجته في العلم ما لا

[ 95 ]

يحيط به إلا الله، وتمام معنى التعظيم في حق من هو دونه أن لا يشتغل بمثل هذا التقسيم في حقه، وإنما ذكرنا ذلك لدفع طعن المتعنتين. ثم ما بينه بالرأي إذا أقر عليه كان صوابا لا محالة فيثبت به علم اليقين، بخلاف ما يكون من غيره من البيان بالرأي، وهو نظير الالهام على ما أشرنا إليه في بيان الوحي الباطن، وأنه حجة قاطعة في حقه وإن كان الالهام في حق غيره لا يكون بهذه الصفة على ما نبينه في بابه. والدليل على هذه القاعدة ما روي أن خولة رضي الله عنها لما جاءت إليه تسأله عن ظهار زوجها منها قال: ما أراك إلا قد حرمت عليه فقالت: إني أشتكي إلى الله فأنزل الله تعالى قوله: * (قد سمع الله قول التي تجادلك) * الآية، فعرفنا أنه كان يفتي بالرأي في أحكام الشرع وكان لا يقر على الخطأ، وهذا لانا أمرنا باتباعه، قال تعالى: * (وما آتاكم الرسول فخذوه) * وحين بين بالرأي وأقر على ذلك كان اتباع ذلك فرضا علينا لا محالة، فعرفنا أن ذلك هو الحق المتيقن به، ومثل ذلك لا يوجد في حق الامة، فالمجتهد قد يخطئ ويقر على ذلك، فلهذا لم يكن الرأي في حق غيره موجبا علم اليقين ولا صالحا لنصب الحكم به ابتداء، بل لتعدية حكم النص إلى غير المنصوص عليه. والدليل عليه أنه قد ثبت بالنص عمله بالرأي فيما لم يقر عليه، وربما عوتب على ذلك وربما لم يعاتب. فمما عوتب عليه ما وقعت الاشارة إليه في قوله تعالى: * (عفا الله عنك لم أذنت لهم) * وفي قوله تعالى: * (عبس وتولى أن جاءه الاعمى) * ومما لم يعاتب عليه ما يروى أنه لما دخل بيته ووضع السلاح حين فرغ من حرب الاحزاب أتاه جبريل عليه السلام وقال: وضعت السلاح ولم تضعه الملائكة. وأمره بأن يذهب إلى بني قريظة. ومن ذلك أنه أمر أبا بكر رضي الله عنه بتبليغ سورة براءة إلى المشركين في العام الذي أمره فيه أن يحج بالناس، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: لا يبلغها إليهم إلا رجل منك. فبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أثره ليكون هو المبلغ للسورة إليهم، والقصة في ذلك معروفة، فبهذا يتبين أنه كان يعمل برأيه، وكان لا يقر إلا على ما هو الصواب، ولهذا كان لا تجوز مخالفته في ذلك لانه حين أقر عليه فقد حصل التيقن بكون الصواب فيه، فلا يسع لاحد أن يخالفه في ذلك. فأما قوله: * (وما ينطق عن الهوى) * فقد قيل: هذا فيما يتلو عليه من

[ 96 ]

القرآن، بدليل أول السورة قوله تعالى: * (والنجم إذا هوى) *: أي والقرآن إذا أنزل. وقيل المراد بالهوى: هوى النفس الامارة بالسوء، وأحد لا يجوز على رسول الله (ص) اتباع هوى النفس أو القول به، ولكن طريق الاستنباط والرأي غير هوى النفس. وهذا أيضا تأويل قوله تعالى: * (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي) * ثم في قوله: * (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * ما يوضح جميع ما قلنا، لان اتباع الوحي إنما يتم في العمل بما فيه الوحي بعينه، واستنباط المعنى فيه لاثبات الحكم في نظيره وذلك بالرأي يكون. ثم قد بينا أنه ما كان يقر إلا على الصواب فإذا أقر على ذلك كان ذلك وحيا في المعنى وهو يشبه الوحي في الابتداء على ما بينا، إلا أنا شرطنا في ذلك أن ينقطع طمعه عن الوحي، وهو نظير ما يشترط في حق الامة للعمل بالرأي العرض على الكتاب والسنة، فإذا لم يوجد في ذلك فحينئذ يصار إلى اجتهاد الرأي. ونظيره من الاحكام من كان في السفر ولا ماء معه وهو يرجو وجود الماء فعليه أن يطلب الماء ولا يعجل بالتيمم، وإن كان لا يرجو وجود الماء فحينئذ يتيمم ولا يشتغل بالطلب، فحال غير رسول الله ممن يبتلى بحادثة كحال من لا يرجو وجود الماء، لانه لا طمع له في الوحي فلا يؤخر العمل بالرأي والاجتهاد، ورسول الله (ص) كان يأتيه الوحي في كل ساعة عادة فكان حاله فيما يبتلى به من الحوادث كحال من يرجو وجود الماء، فلهذا كان ينتظر ولا يعجل بالعمل بالرأي، وكان هذا الانتظار في حقه بمنزلة التأمل في النص المؤول أو الخفي في حق غيره، ومدة الانتظار في ذلك أن ينقطع طمعه عن نزول الوحي فيه، بأن كان يخاف الفوت فحينئذ يعمل فيه بالرأي ويبينه للناس، فإذا أقر على ذلك كانت حجة قاطعة بمنزلة الثابت بالوحي.

[ 97 ]

فصل قال علماؤنا رحمهم الله: فعل النبي عليه السلام وقوله متى ورده وافقا لما هو في القرآن يجعل صادرا عن القرآن وبيانا لما فيه. وأصحاب الشافعي يقولون: يجعل ذلك بيان حكم مبتدأ حتى يقوم الدليل على خلافه. وعلى هذا قلنا: بيان النبي عليه السلام للتيمم في حق الجنب صادر عما في القرآن، وبه يتبين أن المراد من قوله تعالى: * (أو لامستم النساء) * الجماع دون المس باليد، وهم يجعلون ذلك بيان حكم مبتدأ ويحملون قوله * (أو لامستم النساء) * على المس باليد، قالوا: لانه يحتمل أن يكون ذلك صادرا عما في القرآن، ويحتمل أن يكون شرع الحكم ابتداء وهو في الظاهر غير متصل بالآية فيحمل على أنه بيان حكم مبتدأ باعتبار الظاهر، ولان في حمله على هذا زيادة فائدة، وفي حمله على ما قلتم تأكيد ما صار معلوما بالآية ببيانه فحمله على ما يفيد فائدة جديدة كان أولى. وحجتنا فيه قوله تعالى: * (إن هو إلا وحي يوحى) * ففي هذا تنصيص على أن قوله وفعله في حكم الشرع يكون عن وحي، فإذا كان ذلك ظاهرا معلوما في الوحي المتلو عرفنا أنه صادر عن ذلك، إذ لو لم نجعله صادرا عن ذلك احتجنا إلى إثبات وحي غير متلو فيه وإثبات الوحي من غير الحاجة ومع الشك لا يجوز. وقال تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) *: أي ردوه إلى كتاب الله وقال تعالى: * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * فإذا ظهر منه حكم في حادثة وذلك الحكم موجود فيما أنزل الله عرفنا أنه حكم فيه بما أنزل الله لانه ما كان يخالف ما أمر به، ولان الصحابة رضي الله عنهم فهموا ذلك من أفعاله، فإنهم حملوا قطعه يد السارق على الوجوب وأداءه الصلاة في مواقيتها على الوجوب، وقد بينا أن مطلق فعله لا يدل على ذلك، فلولا أنهم علموا أن فعله ذلك صادر عن الآيات الدالة على الوجوب نحو قوله تعالى: * (حافظوا على الصلوات) * وقوله تعالى: * (فاقطعوا أيديهما) * لاستفسروه وطلبوا منه بيان صفة فعله، وحيث لم يشتغلوا بذلك عرفنا أنهم علموا أن فعله ذلك منه صادر عن الآية، فأما دعواهم الاحتمال

[ 98 ]

ساقط، فإن الظاهر أن ذلك منه صادر عن القرآن، لانه مأمور باتباع ما في القرآن كغيره. وقال تعالى: * (واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) * فسقط اعتبار الاحتمال مع هذا الظاهر. وقولهم: فيه زيادة فائدة، ساقط فإن إثبات هذه الزيادة لا يمكن إلا بعد إثبات وحي بالشك ومن غير حاجة إليه، وقد بينا أن ذلك لا يجوز. فصل قال علماؤنا رحمهم الله: فعل النبي عليه السلام متى كان على وجه البيان لما في القرآن وحصل ذلك منه في مكان أو زمان فالبيان يكون واقعا بفعله وبما هو من صفاته عند الفعل، فأما المكان والزمان لا يكون شرطا فيه. وأصحاب الشافعي يقولون: البيان منه بالمداومة على فعل مندوب إليه في مكان أو على فعل واجب في مكان أو زمان يدل على أن ذلك المكان والزمان شرط فيه. وعلى هذا قلنا: إحرام النبي (ص) بالحج في أشهر الحج لا يكون بيانا في أن الاحرام تختص صحته بالوجود في أشهر الحج حتى يجوز الاحرام بالحج قبل أشهر الحج. وكذلك فعله ركعتي الطواف في مقام إبراهيم لا يكون بيانا أن ركعتي الطواف تختص بالاداء في ذلك المكان. وعلى قول الشافعي رحمه الله ينتصب الزمان شرطا ببيانه والمكان في أحد الوجهين أيضا، قال: لان مداومته على ذلك في مكان بعينه أو زمان بعينه لو لم يحمل على وجه البيان لم يبق له فائدة أخرى، وقد علمنا أنه ما داوم على ذلك إلا لفائدة، ثم قاس هذا بمداومته على فعل الصلوات المفروضة في الاوقات المخصوصة والامكنة الطاهرة، فإن ذلك بيان منه لوجوب مراعاة ذلك الزمان والمكان في أداء الفرائض، فكذلك في سائر أفعاله. ولكنا نقول: البيان إنما يحصل بفعله والمكان والزمان ليس من فعله في شئ، فما كان المكان والزمان إلا بمنزلة فعل غيره، وغيره وإن ساعده على ذلك الفعل فإن البيان يكون حاصلا بفعله لا بفعل غيره،

[ 99 ]

فكذلك المكان الذي يوجد فيه الفعل أو الزمان الذي يوجد فيه الفعل لا يكون له حظ في حصول البيان به، بل بجعل البيان حاصلا بفعله فقط إلا أن يكون هناك أمر مجمل في حق الزمان محتاجا إلى البيان أو في حق المكان، كما في باب الصلاة فإنا نعلم فرضيتها في بعض الاوقات (المخصوصة) واختصاص جواز أدائها ببعض الامكنة بالنص فيكون فعله في الاوقات المخصوصة والامكنة الطاهرة بيانا للمجمل في ذلك كله، فأما فعله في باب الحج بيان لقوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * وذلك حاصل بالفعل لا بالوقت، لانه ليس فيه أمر مجمل لاختصاص عقد الاحرام بالحج ببعض الاوقات دون البعض، وما كان ذلك إلا نظير مباشرة الطهارة بالماء في الوقت، فإن ذلك كان بيانا منه لاصل الطهارة المأمور بها في الكتاب، ولم يكن بيانا في التخصيص في الوقت حتى تجوز الطهارة بالماء قبل دخول الوقت بلا خلاف. فصل: في بيان شرائع من قبلنا اختلف العلماء في هذا الفصل على أقاويل. فمنهم من قال: ما كان شريعة لنبي فهو باق أبدا حتى يقوم دليل النسخ فيه وكل من يأتي فعليه أن يعمل به على أنه شريعة ذلك النبي عليه السلام ما لم يظهر ناسخه. وقال بعضهم: شريعة كل نبي تنتهي ببعث نبي آخر بعده حتى لا يعمل به إلا أن يقوم الدليل على بقائه وذلك ببيان من النبي المبعوث بعده. وقال بعضهم: شرائع من قبلنا يلزمنا العمل به على أن ذلك شريعة لنبينا عليه السلام فيما لم يظهر دليل النسخ فيه، ولا يفصلون بين ما يصير معلوما من شرائع من قبلنا بنقل أهل الكتاب أو برواية المسلمين عما في أيديهم من الكتاب وبين ما ثبت من ذلك ببيان في القرآن أو السنة. وأصح الاقاويل عندنا أن ما ثبت بكتاب الله أنه كان شريعة من قبلنا أو ببيان من رسول الله (ص) فإن علينا العمل به على أنه شريعة لنبينا عليه السلام ما لم يظهر ناسخه، فأما ما علم بنقل أهل الكتاب أو بفهم المسلمين

[ 100 ]

من كتبهم فإنه لا يجب اتباعه لقيام دليل موجب للعلم على أنهم حرفوا الكتب، فلا يعتبر نقلهم في ذلك لتوهم أن المنقول من جملة ما حرفوا، ولا يعتبر فهم المسلمين ذلك مما في أيديهم من الكتب لجواز أن يكون ذلك من جملة ما غيروا وبدلوا. والدليل على أن المذهب هذا أن محمدا قد استدل في كتاب الشرب على جواز القسمة بطريق المهايأة في الشرب بقوله تعالى: * (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم) * وبقوله تعالى: * (هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) * وإنما أخبر الله تعالى ذلك عن صالح عليه السلام، ومعلوم أنه ما استدل به إلا بعد اعتقاده بقاء ذلك الحكم شريعة لنبينا عليه السلام. واستدل أبو يوسف على جريان القصاص بين الذكر والانثى بقوله تعالى: * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * وبه كان يستدل الكرخي على جريان القصاص بين الحر والعبد والمسلم والذمي، والشافعي في هذا لا يخالفنا، وقد استدل برجم النبي (ص) اليهوديين بحكم التوراة، كما نص عليه بقوله أنا أحق من أحيا سنة أماتوها على وجوب الرجم على أهل الكتاب وعلى أن ذلك صار شريعة لنبينا. ونحن لا ننكر ذلك أيضا ولكنا ندعي انتساخ ذلك بطريق زيادة شرط الاحصان لايجاب الرجم في شريعتنا، ولمثل هذه الزيادة حكم النسخ عندنا. وبين المتكلمين اختلاف في أن النبي عليه السلام قبل نزول الوحي (عليه) هل كان متعبدا بشريعة من قبله ؟ فمنهم من أبى ذلك، ومنهم من توقف فيه، ومنهم من قال كان متعبدا بذلك، ولكن موضع بيان هذا الفصل أصول التوحيد، فإنا نذكر ههنا ما يتصل بأصول الفقه. فأما الفريق الاول قالوا: صفة الاطلاق في الشئ يقتضي التأبيد فيه إذا كان محتملا للتأبيد، فالتوقيت يكون زيادة فيه لا يجوز إثباته إلا بالدليل، ثم الرسول الذي كان الحكم شريعة له لم يخرج من أن يكون رسولا برسول آخر بعث بعده، فكذلك شريعته لا تخرج من أن تكون معمولا بها وإن بعث بعده رسول آخر ما لم يقم دليل النسخ فيه، ألا ترى أن علينا الاقرار بالرسل كلهم، وإلى ذلك وقعت الاشارة في قوله تعالى: * (والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته

[ 101 ]

وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله) * فكذلك ما ثبت شريعة لرسول فما لم يظهر ناسخه فهو بمنزلة ما ليس فيه احتمال النسخ في كونه باقيا معمولا به، يوضحه أن ما ثبت شريعة لرسول فقد ثبتت الحقية فيه وكونه مرضيا عند الله، وبعث الرسل لبيان ما هو مرضي عند الله فما علم كونه مرضيا قبل بعث رسول آخر لا يخرج من أن يكون مرضيا ببعث رسول آخر، وإذا بقي مرضيا كان معمولا به كما كان قبل بعث الرسول الثاني، وبهذا تبين الفرق أن الاصل هو الموافقة في شرائع الرسل إلا أذا تبين تغيير حكم بدليل النسخ. فأما الفريق الثاني فقد استدلوا بقوله تعالى: * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) * وبقوله: * (وجعلناه هدى لبني إسرائيل) * فتخصيص بني إسرائيل يكون التوراة هدى لهم يكون دليلا على أنه لا يلزمنا العمل بما فيه إلا أن يقوم دليل يوجب العمل به في شريعتنا، ولان بعث الرسل لبيان ما بالناس حاجة إلى بيانه، وإذا لم تجعل شريعة رسول منتهية ببعث رسول آخر لم يكن بالناس حاجة إلى البيان عند بعث الثاني، لان ذلك مبين عندهم بالطريق الموجب للعلم، فمن هذا الوجه يتبين أن بعث رسول آخر دليل النسخ لشريعة كانت قبله، ولهذا جعلنا هذا كالنسخ فيما يحتمل النسخ دون ما لا يحتمل النسخ أصلا كالتوحيد وأصل الدين، ألا ترى أن الرسل عليهم السلام ما اختلفوا في شئ من ذلك أصلا ولا وصفا ولا يجوز أن يكون بينهم فيه خلاف، ولهذا انقطع القول ببقاء شريعة نبينا محمد (ص) إلى قيام الساعة لعلمنا بدليل مقطوع به أنه لا نبي بعده حتى يكون ناسخا لشريعته، يوضحه أن الانبياء عليهم السلام قبل نبينا أكثرهم إنما بعثوا إلى قوم مخصوصين ورسولنا هو المبعوث إلى الناس كافة على ما قال عليه السلام: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الاحمر والاسود، وقد كان النبي قبلي يبعث إلى قومه الحديث، فإذا ثبت أنه قد كان في المرسلين من يكون وجوب العمل بشريعته على أهل مكان دون أهل مكان آخر وإن كان ذلك مرضيا عند الله تعالى علمنا أنه يجوز أن يكون وجوب العمل به على أهل زمان دون أهل زمان آخر

[ 102 ]

وإن كان (ذلك) منتهيا ببعث نبي آخر وقد كان يجوز اجتماع نبيين في ذلك الوقت في مكانين على أن يدعو كل واحد منهما إلى شريعته، فعرفنا أنه يجوز مثل ذلك في زمانين وأن المبعوث آخرا يدعو إلى العمل بشريعته ويأمر الناس باتباعه ولا يدعو إلى العمل بشريعة من قبله، فتعين الكلام في نبينا فإنه كان يدعو الناس إلى اتباعه كما قال تعالى: * (فاتبعوني يحببكم الله) * وإنما يأمر بالعمل بشريعته فلو بقيت شرائع من قبلنا معمولا بها بعد مبعثه لدعا الناس إلى العمل بذلك، ولكان يجب عليه أن يعلم ذلك أصحابه ليتمكنوا من العمل به ولو فعل ذلك لنقل إلينا نقلا مستفيضا والمنقول إلينا منعه إياهم عن ذلك، فإنه روي أنه (عليه الصلاة والسلام (لما رأى صحيفة في يد عمر سأله عنها فقال: هي التوراة. فغضب حتى احمرت وجنتاه وقال: أمتهوكون كما تهوكت اليهود والنصارى ! والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي وبهذا اللفظ يتبين أن الرسول المتقدم ببعث رسول آخر يكون كالواحد من أمته في لزوم اتباع شريعته لو كان حيا، وعليه دل كتاب الله كما قال تعالى: * (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به) * فأخذ الميثاق عليهم بذلك من أبين الدلائل على أنهم بمنزلة أمة من بعث آخرا في وجوب اتباعه، وبهذا ظهر شرف نبينا عليه السلام فإنه لا نبي بعده فكان الكل ممن تقدم وممن تأخر في حكم المتبع له وهو بمنزلة القلب يطيعه الرأس ويتبعه الرجل. والفريق الثالث استدلوا بهذا الكلام أيضا ولكن بطريق أن ما كان شريعة لمن قبلنا يصير شريعة لنبينا (ص)، ومن تقدم في العمل به يكون متبعا له، وفي حكم العامل بشريعته من هذا الوجه، فإن الله تعالى قال: * (ملة أبيكم إبراهيم) * وقال تعالى * (قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم) * وقال تعالى * (وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا) * وما يكون منتهيا منسوخا لا يكون متبعا، فبهذه النصوص يتبين أنه متبع، وأنه ملة إبراهيم فلم يبق

[ 103 ]

طريق سوى أن نقول قد صار ذلك شريعة لنبينا عليه السلام، ويجب على الناس العمل به بطريق أنه شريعة له حتى يقوم دليل نسخه في شريعته، ألا ترى أنه قد اجتمع نبيان في وقت واحد وفي مكان واحد فيمن قبلنا على أن كان أحدهما تبعا للآخر نحو هارون مع موسى، ولوط مع إبراهيم كما قال تعالى: * (فآمن له لوط) * فكانت الشريعة لاحدهما والآخر نبي مرسل وهو مأمور باتباعه والعمل بشريعته، ولا يجوز القول باجتماع نبيين في وقت واحد ومكان واحد على أن يكون لكل واحد منهما شريعة تخالف شريعة الآخر في وقت من الاوقات. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: * (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) * ومعلوم أن الهدى في أصل الدين وأحكام الشرع جميعا. فإن قيل: المراد به الامر بالاقتداء بهم في أصل الدين فإنه مبني على ما تقدم من قوله تعالى: * (فلما جن عليه الليل) * إلى قوله * (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم) * إلى قوله تعالى: * (أولئك الذين هدى الله) * والدليل عليه أنه قد كان في المذكورين من لم يكن نبيا فإنه قال * (ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم) * ومعلوم أن الامر بالاقتداء في أحكام الشرع لا يكون في غير الانبياء وإنما يكون ذلك في أصل الدين، ولانه قد كان في شرائعهم الناسخ والمنسوخ، فالامر باللاقتداء بهم في الاحكام على الاطلاق يكون آمرا بالعمل بشيئين مختلفين متضادين وذلك غير جائز. قلنا: في الآية تنصيص على الاقتداء بهداهم وذلك يعم أصل الدين وأحكام الشرع، ألا ترى إلى قوله تعالى: * (آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) * أنه يدلنا على أن الهدى كل ما يجب الاتقاء فيه وما يكون المهتدي فيه متقيا، وقال تعالى: * (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون) * والحكم إنما يكون بالشرائع، ولما سئل مجاهد عن سجدة ص قال: سجدها داود وهو ممن أمر نبيكم بأن يقتدي به، وتلا قوله تعالى: * (فبهداهم اقتده) * فبهذا تبين أن هذا أمر مبتدأ غير مبني على ما سبق فعمومه يتناول أصل الدين والشرائع جميعا. وقوله: فيها ناسخ ومنسوخ، قلنا: وفي شريعتنا أيضا ناسخ ومنسوخ ثم لم يمنع ذلك إطلاق القول بوجوب الاقتداء علينا برسول الله

[ 104 ]

(ص) في شريعته. وقوله: قد كان فيهم من ليس بنبي، لا كذلك فقد ألحق به من البيان ما يعلم به أن المراد الانبياء وهو قوله تعالى: * (واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم أولئك الذين آتيناهم الكتاب) * مع أن الامر بالاقتداء يعلم أنه لا يتناول إلا من يعلم أنه مرضي الطريقة، مقتدي به من نبي أو ولي، والاولياء على طريقة الانبياء عليهم السلام في العمل بشرائعهم، فبهذا يتبين أن المراد هو الامر بالاقتداء بالانبياء عليهم السلام، ومعلوم أنه ما أمر بالاقتداء بهم في دعاء الناس إلى شريعتهم وإنما أمر بذلك على أن يدعو الناس إلى شريعته، فعرفنا بهذا أن ذلك كله صار شريعة له، بمنزلة الملك ينتقل من المورث إلى الوارث فيكون ذلك الملك بعينه مضافا إلى الوارث بعدما كان مضافا إلى المورث في حياته، وإلى ذلك وقعت الاشارة في قوله تعالى: * (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) * فأما قوله: * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) * قد عرفنا يقينا أنه ليس المراد به المخالفة في المنهاج في الكل بل ذلك مراد في البعض وهو ما قام الدليل فيه على انتساخه. وقوله: * (هدى لبني إسرائيل) * لا يدل على أنه ليس بهدى لغيرهم، كقوله تعالى: * (هدى للمتقين) * والقرآن هدى للناس أجمع، وأيد هذا دعاء رسول الله عليه الصلاة والسلام بالتوراة وطلب حكم الرجم منه للعمل به، وقوله: أنا أحق من أحيا سنة أماتوها فإن إحياء سنة أميتت إنما يكون بالعمل بها، فعرفنا أن التوراة هدى لبني إسرائيل ولغيرهم، وأيد جميع ما ذكرنا قوله تعالى: * (مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) * ولا معنى لذلك سوى أن ما فيه يصير شريعة لنبينا بما أنزل عليه من الكتاب إلا ما ثبت نسخه، وهذا هو القول الصحيح عندنا، إلا أنه قد ظهر من أهل الكتاب الحسد وإظهار العداوة مع المسلمين فلا يعتمد قولهم فيما يزعمون أنه من شريعتهم وأن ذلك قد انتقل إليهم بالتواتر، ولا تقبل شهادتهم في ذلك لثبوت كفرهم وضلالهم فلم يبق لثبوت ذلك طريق سوى نزول القرآن به أو بيان الرسول له، فما وجد فيه هذا الطريق فعلينا فيه الاتباع والعمل به حتى يقوم دليل

[ 105 ]

النسخ، وأيد ما ذكرنا قوله تعالى: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) *. * (فأولئك هم الظالمون) * ومعلوم أنهم ما كانوا يمتنعون من العمل بأحكام التوراة وإنما كانوا يمتنعون من العمل به على طريق أنه شريعة رسولنا فإنهم كانوا لا يقرون برسالته وقد سماهم الله كافرين ظالمين ممتنعين من الحكم بما أنزل الله. وكذلك قال تعالى: * (وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) * وإنما سماهم فاسقين لتركهم العمل بما في الانجيل على أنه شريعة محمد (ص)، فبهذا يتبين أن ذلك كله قد صار شريعة لنبينا عليه السلام وأنه يجب اتباعه والعمل به على أنه شريعة نبينا. وفي قوله تعالى: * (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) * تنصيص على أنه معمول به. وقال تعالى: * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) * إلى قوله: * (أن أقيموا الدين) * والدين اسم لكل ما يدان الله به فتدخل الاحكام في ذلك، ويظهر أن ذلك كله قد صار شريعة لنبينا فيجب اتباعه والعمل به إلا ما قام دليل النسخ فيه. فصل: في تقليد الصحابي إذا قال قولا ولا يعرف له مخالف حكى أبو عمرو بن دانيكا الطبري عن أبي سعيد البردعي رحمه الله أنه كان يقول: قول الواحد من الصحابة مقدم على القياس يترك القياس بقوله، وعلى هذا أدركنا مشايخنا. وذكر أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي رحمه الله: أنه كان يقول: أرى أبا يوسف يقول في بعض مسائله: القياس كذا إلا أني تركته للاثر، وذلك الاثر قول واحد من الصحابة. فهذه دلالة بينة من مذهبه على تقديم قول الصحابي على القياس. قال: وأما أنا فلا يعجبني هذا المذهب. وهذا الذي ذكره الكرخي عن أبي يوسف موجود في كثير من المسائل عن أصحابنا، فقد قالوا في المضمضة والاستنشاق: إنهما سنتان في القياس في الجنابة والوضوء جميعا تركنا

[ 106 ]

القياس لقول ابن عباس وقالوا في الدم إذا ظهر على رأس الجرح ولم يسل فهو ناقض للطهارة في القياس تركناه لقول ابن عباس، وقالوا في الاغماء: إذا كان يوما وليلة أو أقل فإنه يمنع قضاء الصلوات في القياس تركناه لفعل عمار بن ياسر رضي الله عنهما، وقالوا في إقرار المريض لوارثه إنه جائز في القياس تركناه لقول ابن عمر رضي الله عنهما. وقال: أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فيمن اشترى شيئا على أنه (إن) لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما فالعقد فاسد في القياس تركناه لاثر يروى عن ابن عمر. وقال أبو حنيفة: إعلام قدر رأس المال فيما يتعلق العقد على قدره شرط لجواز السلم بلغنا نحو ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما، وخالفه أبو يوسف ومحمد بالرأي. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا ضاع العين في يد الاجير المشترك بما يمكن التحرز عنه فهو ضامن لاثر روي فيه عن علي رضي الله عنه. وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه، فأخذ بالرأي مع الرواية بخلافه عن علي. وقال محمد: لا تطلق الحامل أكثر من واحدة للسنة بلغنا ذلك عن ابن مسعود وجابر رضي الله عنهما. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف بالرأي: إنها تطلق ثلاثا للسنة. فعرفنا أن عمل علمائنا بهذا في مسائلهم مختلف. ول‍ لشافعي في المسألة قولان كان يقول في القديم: يقدم قول الصحابي على القياس، وهو قول مالك، وفي الجديد كان يقول: يقدم القياس في العمل به على قول الواحد والاثنين من الصحابة، كما ذهب إليه الكرخي. وبعض أهل الحديث يخصون بترك القياس في مقابلة قولهم الخلفاء الراشدين، ويستدلون بقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وبقوله عليه السلام: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر فظاهر الحديثين يقتضي وجوب اتباعهما وإن خالفهما غيرهما من الصحابة، ولكن يترك هذا الظاهر عند ظهور الخلاف بقيام الدليل، فبقي حال ظهور قولهما من غير مخالف لها على ما يقتضيه الظاهر. وأما الكرخي فقد احتج بقوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * والاعتبار هو العمل بالقياس والرأي فيما لا نص فيه، وقال تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * يعني إلى الكتاب والسنة، وقد دل عليه

[ 107 ]

حديث معاذ حين قال له رسول الله (ص): بم تقضي ؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله ؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ؟ قال: اجتهد رأيي. فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله فهذا دليل على أنه ليس بعد الكتاب والسنة شئ يعمل به سوى الرأي. قال: ولا حجة لكم في قوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم لان المراد الاقتداء بهم في الجري على طريقهم في طلب الصواب في الاحكام لا في تقليدهم وقد كانت طريقتهم العمل بالرأي والاجتهاد، ألا ترى أنه شبههم بالنجوم وإنما يهتدي بالنجم من حيث الاستدلال به على الطريق بما يدل عليه لا أن نفس النجم يوجب ذلك، وهو تأويل قوله: اقتدوا بالذين من بعدي وعليكم بسنة الخلفاء من بعدي فإنه إنما يعني سلوك طريقهم في اعتبار الرأي والاجتهاد فيما لا نص فيه، وهذا هو المعنى، فقد ظهر من الصحابة الفتوى بالرأي ظهورا لا يمكن إنكاره، والرأي قد يخطئ فكان فتوى الواحد منهم محتملا مترددا بين الصواب والخطأ، ولا يجوز ترك الرأي بمثله كما لا يترك بقول التابعي، وكما لا يترك أحد المجتهدين في عصر رأيه بقول مجتهد آخر. والدليل على أن الخطأ محتمل في فتواهم ما روي أن عمر سئل عن مسألة فأجاب فقال رجل: هذا هو الصواب. فقال: والله ما يدري عمر أن هذا هو الصواب أو الخطأ ولكني لم آل عن الحق. وقال ابن مسعود رضي الله عنه فيما أجاب به في المفوضة: وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان. فعرفنا أنه قد كان جهة الخطأ محتملا في فتواهم، ولا يقال هذا في إجماعهم موجود إذا صدر عن رأي ثم كان حجة، لان الرأي إذا تأيد بالاجماع تتعين جهة الصواب فيه بالنص، قال عليه السلام: إن الله لا يجمع أمتي على الضلالة ألا ترى أن إجماع أهل كل عصر يجعل حجة بهذا الطريق وإن لم يكن قول الواحد منهم مقدما على الرأي في العمل به، ولانه لم يظهر منهم دعاء الناس إلى أقاويلهم، ولو كان قول الواحد منهم مقدما على الرأي لدعا الناس إلى قوله كما كان رسول الله (ص) يدعو الناس إلى العمل بقوله، وكما كانت الصحابة تدعو الناس إلى العمل بالكتاب والسنة وإلى العمل

[ 108 ]

بإجماعهم فيما أجمعوا عليه، إذ الدعاء إلى الحجة واجب، ولان قول الواحد منهم لو كان حجة لم يجز لغيره مخالفته بالرأي كالكتاب والسنة، وقد رأينا أن بعضهم يخالف بعضا برأيه فكان ذلك شبه الاتفاق منهم على أن قول الواحد منهم لا يكون مقدما على الرأي. ولا يدخل على هذا إجماعهم، فإن مع بقاء الواحد منهم مخالفا لا ينعقد الاجماع، وبعد ما ثبت الاجماع باتفاقهم لو بدا لاحدهم فخالف لم يعتد بخلافه أيضا على ما بينا أن انقراض العصر ليس بشرط لثبوت حكم الاجماع، وأن مخالفة الاجماع بعد انعقاده كمخالفة النص. وجه ما ذهب إليه أبو سعيد البردعي وهو الاصح أن فتوى الصحابي فيه احتمال الرواية عمن ينزل عليه الوحي، فقد ظهر من عادتهم أن من كان عنده نص فربما روى وربما أفتى على موافقة النص مطلقا من غير الرواية، ولا شك أن ما فيه احتمال السماع من صاحب الوحي فهو مقدم على محض الرأي، فمن هذا الوجه تقديم قول الصحابي على الرأي بمنزلة تقديم خبر الواحد على القياس، ولئن كان قوله صادرا عن الرأي فرأيهم أقوى من رأي غيرهم، لانهم شاهدوا طريق رسول الله (ص) في بيان أحكام الحوادث وشاهدوا الاحوال التي نزلت فيها النصوص والمحال التي تتغير باعتبارها الاحكام، فبهذه المعاني يترجح رأيهم على رأي من لم يشاهد شيئا من ذلك، وعند تعارض الرأيين إذا ظهر لاحدهما نوع ترجيح وجب الاخذ بذلك، فكذلك إذا وقع التعارض بين رأي الواحد منا ورأي الواحد منهم يجب تقديم رأيه على رأينا لزيادة قوة في رأيه، وهكذا نقول في المجتهدين في زماننا، فإن على أصل أبي حنيفة إذا كان عند مجتهد أن من يخالفه في الرأي أعلم بطريق الاجتهاد، وأنه مقدم عليه في العلم فإنه يدع رأيه لرأي من عرف زيادة قوة في اجتهاده، كما أن العامي يدع رأيه لرأي المفتي المجتهد لعلمه بأنه متقدم عليه فيما يفصل به بين الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، وعلى قول أبي يوسف ومحمد لا يدع المجتهد في زماننا رأيه لرأي من هو مقدم عليه في الاجتهاد من أهل عصره لوجود المساواة بينهما في الحال وفي معرفة طريق الاجتهاد، ولكن هذا لا يوجد فيما بين المجتهد منا والمجتهد من الصحابة، فالتفاوت بينهما في الحال لا يخفى

[ 109 ]

وفي طريق العلم كذلك فهم قد شاهدوا أحوال من ينزل عليه الوحي وسمعوا منه، وإنما انتقل إلينا ذلك بخبرهم وليس الخبر كالمعاينة. فإن قيل: أليس أن تأويل الصحابي للنص لا يكون مقدما على تأويل غيره ولم يعتبر فيه هذه الاحوال فكذلك في الفتوى بالرأي ؟ قلنا: لان التأويل يكون بالتأمل في وجوه اللغة ومعاني الكلام، ولا مزية لهم في ذلك الباب على غيرهم ممن يعرف من معاني اللسان مثل ذلك. فأما الاجتهاد في الاحكام إنما يكون بالتأمل في النصوص التي هي أصل في أحكام الشرع، وذلك يختلف باختلاف الاحوال ولاجله تظهر لهم المزية بمشاهدة أحوال الخطاب على غيرهم ممن لم يشاهد، ولا يقال هذه أمور باطنة وإنما أمرنا ببناء الحكم على ما هو الظاهر، لان بناء الحكم على الظاهر مستقيم عندنا ولكن في موضع يتعذر اعتبارهما جميعا، فأما عند المقابلة لا إشكال أن اعتبار الظاهر والباطن جميعا يتقدم على مجرد اعتبار الظاهر (وفي الاخذ بقول الصحابي اعتبارهما وفي العمل بالرأي اعتبار الظاهر) فقط هذا مع ما لهم من الفضيلة بصحبة رسول الله (ص) والتفقه في الدين سماعا منه، وشهادة رسول الله (ص) لهم بالخيرية بعده وتقديمهم في ذلك على من بعدهم بقوله: خير الناس قرني الحديث، وقال: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه فعرفنا أنهم يوفقون لاصابة الرأي ما لا يوفق غيرهم لمثله فيكون رأيهم أبعد عن احتمال الخطأ من رأي من بعدهم، ولا حجة في قوله تعالى: * (فاعتبروا) * لان تقديم قولهم بهذا الطريق نوع من الاعتبار فالاعتبار يكون بترجيح أحد الدليلين بزيادة قوة فيه، وكذلك قوله تعالى: * (فردوه إلى الله والرسول) * لان في تقديم فتوى الصحابي رد الحكم إلى أمر الرسول عليه السلام، لان الرسول عليه السلام قد دعا الناس إلى الاقتداء بأصحابه بقوله بأيهم اقتديتم اهتديتم وإنما كان لا يدعو الواحد منهم غيره إلى قوله لان ذلك الغير إن أظهر قولا بخلاف قوله فعند تعارض القولين منهما تتحقق المساواة بينهما وليس أحدهما بأن يدعو صاحبه إلى قوله بأولى من الآخر، وإن لم يظهر منه قول بخلاف ذلك فهو لا يدري

[ 110 ]

لعله إذا دعاه إلى قوله أظهر خلافه فلا يكون قوله حجة عليه، فأما بعدما ظهر القول عن واحد منهم وانقرض عصرهم قبل أن يظهر قول بخلافه من غيره فقد انقطع احتمال ما ثبت به المساواة من الوجه الذي قررنا فيكون قوله حجة، وإنما ساغ لبعضهم مخالفة البعض لوجود المساواة بينهم فيما يتقوى به الرأي، وهو مشاهدة أحوال التنزيل ومعرفة أسبابه. ولا خلاف بين أصحابنا المتقدمين والمتأخرين أن قول الواحد من الصحابة حجة فيما لا مدخل للقياس في معرفة الحكم فيه، وذلك نحو المقادير التي لا تعرف بالرأي، فإنا أخذنا بقول علي رضي الله عنه في تقدير المهر بعشرة دراهم، وأخذنا بقول أنس في تقدير أقل الحيض بثلاثة أيام وأكثره بعشرة أيام، وبقول عثمان بن أبي العاص في تقدير أكثر النفاس بأربعين يوما، وبقول عائشة رضي الله عنها في أن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين، وهذا لان أحدا لا يظن بهم المجازفة في القول، ولا يجوز أن يحمل قولهم في حكم الشرع على الكذب، فإن طريق الدين من النصوص إنما انتقل إلينا بروايتهم، وفي حمل قولهم على الكذب والباطل قول بفسقهم، وذلك يبطل روايتهم فلم يبق إلا الرأي أو السماع ممن ينزل عليه الوحي ولا مدخل للرأي في هذا الباب، فتعين السماع وصار فتواه مطلقا كروايته عن رسول الله (ص)، ولا شك أنه لو ذكر سماعه من رسول الله لكان ذلك حجة لاثبات الحكم به فكذلك إذا أفتى به ولا طريق لفتواه إلا السماع، ولهذا قلنا: إن قول الواحد منهم فيما لا يوافقه القياس يكون حجة في العمل به، كالنص يترك القياس به، حتى إن في شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن أخذنا بقول عائشة رضي الله عنها في قصة زيد بن أرقم رضي الله عنه وتركنا القياس، لان القياس لما كان مخالفا لقولها تعين جهة السماع في فتواها، وكذلك أخذنا بقول ابن عباس رضي الله عنهما في النذر بذبح الولد إنه يوجب ذبح شاة لانه قول يخالف القياس فتتعين فيه جهة السماع، وأخذنا بقول ابن

[ 111 ]

مسعود رضي الله عنه في تقدير الجعل لراد الآبق من مسيرة سفر بأربعين درهما، لانه قول بخلاف القياس وهو إطلاق الفتوى منه فيما لا يعرف بالقياس فتتعين جهة السماع. فإن قيل: هذا المعنى يوجد في قول التابعي، فإنه لا يظن المجازفة في القول بالمجتهد في كل عصر، ولا يجوز حمل كلامه على الكذب قصدا، ومع ذلك لا تتعين جهة السماع لفتواه عند الاطلاق حتى لا يكون حجة فيما لا يستدرك بالقياس كما لا يكون حجة فيما يعرف بالقياس. قلنا: قد بينا أن قول الصحابي يكون أبعد عن احتمال الغلط وقلة التأمل فيه من قول غيره، ثم احتمال اتصال قولهم بالسماع يكون بغير واسطة، فقد صحبوا من كان ينزل عليه الوحي وسمعوا منه، واحتمال اتصال قول من بعدهم بالسماع يكون بواسطة النقل وتلك الواسطة لا يمكن إثباتها بغير دليل وبدونها لا يثبت اتصال قوله بالسماع بوجه من الوجوه، فمن هذا الوجه يقع الفرق بين قول الصحابي وبين قول من هو دونه فيما لا مدخل للقياس فيه. فإن قيل: قد قلتم في المقادير بالرأي من غير أثر فيه، فإن أبا حنيفة قدر مدة البلوغ بالسن بثماني عشرة سنة أو سبع عشرة سنة بالرأي، وقدر مدة وجوب دفع المال إلى السفيه الذي لم يؤنس منه الرشد بخمس وعشرين سنة بالرأي، وقدر أبو يوسف ومحمد مدة تمكن الرجل من نفي الولد بأربعين يوما بالرأي، وقدر أصحابنا جميعا ما يطهر به البئر من النزح عند وقوع الفأرة فيه بعشرين دلوا، فهذا يتبين فساد قول من يقول إنه لا مدخل للرأي في معرفة المقادير، وأنه تتعين جهة السماع في ذلك إذا قاله صحابي. قلنا: إنما أردنا بما قلنا المقادير التي تثبت لحق الله ابتداء دون مقدار يكون فيما يتردد بين القليل والكثير والصغير والكبير، فإن المقادير في الحدود والعبادات نحو أعداد الركعات في الصلوات مما لا يشكل على أحد أنه لا مدخل

[ 112 ]

للرأي في معرفة ذلك فكذلك ما يكون بتلك الصفة مما أشرنا إليه فأما ما استدللتم به فهو من باب الفرق بين القليل والكثير فيما يحتاج إليه، فإنا نعلم أن ابن عشر سنين لا يكون بالغا وأن ابن عشرين سنة يكون بالغا، ثم التردد فيما بين ذلك فيكون هذا استعمال الرأي في إزالة التردد، وهو نظير معرفة القيمة في المغصوب والمستهلك ومعرفة مهر المثل والتقدير في النفقة فإن للرأي مدخلا في معرفة ذلك من الوجه الذي قلنا، وكذلك حكم دفع المال إلى السفيه فإن الله تعالى قال * (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) * وقال: * (ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا) *. فوقعت الحاجة إلى معرفة الكبير على وجه يتيقن معه بنوع من الرشد وذلك مما يعرف بالرأي، فقدر أبو حنيفة ذلك بخمس وعشرين سنة لانه يتوهم أن يصير جدا في هذه المدة، ومن صار فرعه أصلا فقد تناهى في الاصلية فيتيقن له بصفة الكبر ويعلم إيناس الرشد منه باعتبار أنه بلغ أشده، فإنه قيل في تفسير الاشد المذكور في سورة يوسف عليه السلام إنه هذه المدة، وكذلك ما قال أبو يوسف ومحمد فإنه يتمكن من النفي بعد الولادة بساعة أو ساعتين لا محالة ولا يتمكن من النفي بعد سنة أو أكثر، فإنما وقع التردد فيما بين القليل والكثير من المدة فاعتبر الرأي فيه بالبناء على أكثر مدة النفاس. فأما حكم طهارة البئر بالنزح فإنما عرفناه بآثار الصحابة، فإن فتوى علي وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما في ذلك معروفة، مع أن ذلك من باب الفرق بين القليل من النزح والكثير، وقد بينا أن للرأي مدخلا في معرفة هذا كله في قول ظهر عن صحابي ولم يشتهر ذلك في أقرانه، فإنه بعدما اشتهر إذا لم يظهر النكير عن أحد منهم كان ذلك بمنزلة الاجماع وقد بينا الكلام فيه، وما اختلف فيه الصحابة فقد بينا أن الحق لا يعدو أقاويلهم حتى لا يتمكن أحد من أن يقول بالرأي قولا خارجا عن أقاويلهم، وكذلك لا يشتغل بطلب التاريخ بين أقاويلهم ليجعل المتأخر ناسخا للمتقدم كما يفعل في الآيتين والخبرين، لانه لما ظهر الخلاف بينهم ولم نجز المحاجة بسماع من صاحب الوحي فقد انقطع احتمال التوقيف فيه وبقي مجرد القول بالرأي والرأي

[ 113 ]

لا يكون ناسخا للرأي، ولهذا لم يجز نسخ أحد القياسين بالآخر، ولكن طريق العمل طلب الترجيح بزيادة قوة لاحد الاقاويل، فإن ظهر ذلك وجب العمل بالراجح، وإن لم يظهر يتخير المبتلي بالحادثة في الاخذ بقول أيهما شاء بعد أن يقع في أكثر رأيه أنه هو الصواب، وبعد ما عمل بأحد القولين لا يكون له أن يعمل بالقول الآخر إلا بدليل، وقد بينا (لك) هذا في باب المعارضة. هذا الذي بينا هو النهاية في الاخذ بالسنة حقيقتها وشبهتها ثم العمل بالرأي بعده، وبذلك يتم الفقه على ما أشار إليه محمد بن الحسن في أدب القاضي فقال: لا يستقيم العمل بالحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم العمل بالرأي إلا بالحديث. وأصحابنا هم المتمسكون بالسنة والرأي في الحقيقة، فقد ظهر منهم من تعظيم السنة ما لم يظهر من غيرهم ممن يدعي أنه صاحب الحديث، لانهم جوزوا نسخ الكتاب بالسنة لقوة درجتها، وجوزوا العمل بالمراسيل، وقدموا خبر المجهول على القياس، وقدموا قول الصحابي على القياس، لان فيه شبهة السماع من الوجه الذي قررنا، ثم بعد ذلك كله عملوا بالقياس الصحيح وهو المعنى الذي ظهر أثره بقوته. فأما الشافعي رحمه الله حين لم يجوز العمل بالمراسيل فقد ترك كثيرا من السنن، وحين لم يقبل رواية المجهول فقد عطل بعض السنة أيضا، وحين لم ير تقليد الواحد من الصحابة فقد جوز الاعراض عما فيه شبهة السماع، ثم جوز العمل بقياس الشبه وهو مما لا يجوز أن يضاف إليه الوجوب بحال، فما حاله إلا كحال من لم يجوز العمل بالقياس أصلا، ثم يعمل باستصحاب الحال فحمله ما صار إليه من الاحتياط على العمل بلا دليل وترك العمل بالدليل. وتبين أن أصحابنا هم القدوة في أحكام الشرع أصولها وفروعها، وأن بفتواهم اتضح الطريق للناس إلا أنه بحر عميق لا يسلكه كل سابح، ولا يستجمع شرائطه كل طالب، والله الموفق.

[ 114 ]

فصل: في خلاف التابعي هل يعتد به مع إجماع الصحابة لا خلاف أن قول التابعي لا يكون حجة على وجه يترك القياس بقوله، فقد روينا عن أبي حنيفة أنه كان يقول: ما جاءنا عن التابعين زاحمناهم. ولا خلاف أن من لم يدرك عصر الصحابة من التابعين أنه لا يعتد بخلافه في إجماعهم، فأما من أدرك عصر الصحابة من التابعين كالحسن وسعيد بن المسيب والنخعي والشعبي رضي الله عنهم فإنه يعتد بقوله في إجماعهم عندنا حتى لا يتم إجماعهم مع خلافه، وعلى قول الشافعي لا يعتد بقوله مع إجماعهم. وعلى هذا قال أبو حنيفة لا يثبت إجماع الصحابة في الاشعار، لان إبراهيم النخعي كان يكرهه وهو ممن أدرك عصر الصحابة فلا يثبت إجماعهم دون قوله. وجه قول الشافعي أن إجماع الصحابة حجة بطريق الكرامة لهم ولا مشاركة للتابعي معهم في السبب الذي استحقوا به زيادة الكرامة، وذلك صحبة رسول الله عليه السلام، ومشاهدة أحوال الوحي، ولهذا لم نجعل التابعي الذي أدرك عصرهم بمنزلتهم في الاحتجاج بقوله، فكذلك لا يقدح قوله في إجماعهم كما لا يقدح قول من لم يدرك عصر الصحابة في إجماعهم، ولان صاحب الشرع أمرنا بالاقتداء بهم، وندب إلى ذلك بقوله عليه السلام: بأيهم اقتديتم اهتديتم وهذا لا يوجد في حق التابعي وإن أدرك عصرهم فلا يكون مزاحما لهم، وإنما ينعدم انعقاد الاجماع بالمزاحم. وحجتنا في ذلك أنه لما أدرك عصرهم وسوغوا له اجتهاد الرأي والمزاحمة معهم في الفتوى والحكم بخلاف رأيهم قد صار هو كواحد منهم فيما يبتني على اجتهاد الرأي، ثم الاجماع لا ينعقد مع خلاف واحد منهم، فكذلك لا ينعقد مع خلاف التابعي الذي أدرك عصرهم، لانه من علماء ذلك العصر، فشرط انعقاد الاجماع أن لا يكون أحد من أهل العصر مخالفا لهم. وبيان هذا أن عمر وعليا رضي الله عنهما قلدا شريحا القضاء بعدما ظهر منه مخالفتهما في الرأي، وإنما قلداه القضاء ليحكم برأيه. فإن قيل: لا كذلك، بل قلداه القضاء ليحكم بقولهما أو بقول بعض الصحابة

[ 115 ]

سواهما. قلنا: قد روي أن عمر كتب إلى شريح: اقض بما في كتاب الله، فإن لم تجد فبسنة رسول الله، فإن لم تجد فاجتهد برأيك. فإن قيل: معنى قوله: (فاجتهد برأيك) في آرائنا وأقاويلنا. قلنا: هذه زيادة على النص وهي تنزل منزلة النسخ فلا يكون تأويلا، وقد صح أن عليا رضي الله عنه تحاكم إلى شريح وقضى عليه بخلاف رأيه في شهادة الولد لوالده ثم قلده القضاء في خلافته، وابن عباس رضي الله عنهما رجع إلى قول مسروق في النذر بذبح الولد فأوجب عليه شاة بعدما كان يوجب عليه مائة من الابل، وعمر رضي الله عنه أمر كعب بن سور أن يحكم برأيه بين الزوجين فجعل لها ليلة من أربع ليال وكان ذلك خلاف رأي عمر. قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: تذاكرنا مع ابن عباس وأبي هريرة عدة مرات عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس: تعتد بأبعد الاجلين، وقلت: تعتد بوضع الحمل، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، وعن مسروق أن ابن عباس رضي الله عنهما صنع طعاما لاصحاب عبد الله بن مسعود فجرت المسائل، وكان ابن عباس يخطئ في بعض فتاويه فما منعهم من أن يردوا عليه إلا كونهم على طعامه. وسئل ابن عمر عن مسألة فقال: سلوا عنها سعيد بن جبير فهو أعلم بها مني. وكان أنس بن مالك إذا سئل عن مسألة فقال سلوا عنها مولانا الحسن. فظهر أنهم سوغوا اجتهاد الرأي لمن أدرك عصرهم ولا معتبر بالصحبة في هذا الباب، ألا ترى أن إجماع أهل كل عصر حجة وإن انعدمت الصحبة لهم، وأنه قد كان في الصحابة الاعراب الذين لم يكونوا من أهل الاجتهاد في الاحكام فكان لا يعتبر قولهم في الاجماع مع وجود الصحبة، فعرفنا أن هذا الحكم إنما يبتنى على كونه من علماء العصر، وممن يجتهد في الاحكام ويعتد بقوله. ثم الصحابة فيما بينهم كانوا متفاضلين في الدرجة،

[ 116 ]

فإن درجة الخلفاء الراشدين فوق درجة غيرهم في الفضيلة ولم يدل ذلك على أن الاجماع الذي هو حجة يثبت بدون قولهم، وكما أمر رسول الله بالاقتداء بالصحابة فقد أمر بالاقتداء بالخلفاء الراشدين لسائر الصحابة بقوله عليه السلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي وأمر بالاقتداء بأبي بكر وعمر بقوله عليه السلام: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ثم هذا لا يدل على أن إجماعهم يكون حجة قاطعة مع خلاف سائر الصحابة. فصل: في حدوث الخلاف بعد الاجماع باعتبار معنى حادث فمذهب علمائنا أن الاتفاق متى حصل في شئ على حكم ثم حدث فيه معنى اختلفوا لاجله في حكمه، فالاجماع المتقدم لا يكون حجة فيه. وقال بعض العلماء ذلك الاجماع حجة فيه يجب التمسك به حتى يوجد إجماع آخر بخلافه. وبيان هذا في الماء الذي وقع فيه نجاسة ولم يتغير أحد أوصافه، فإن الاجماع الذي كان على طهارته قبل وقوع النجاسة فيه لا يكون حجة لاثبات صفة الطهارة فيه بعد وقوع النجاسة فيه، وعند بعضهم يكون حجة. وكذلك المتيمم إذا أبصر الماء في خلال الصلاة فالاجماع المنعقد على صحة شروعه في الصلاة قبل أن يبصر الماء لا يكون حجة لبقاء صلاته بعدما أبصر الماء، وعند بعضهم يكون حجة. وكذلك بيع أم الولد فالاجماع المنعقد على جواز بيعها قبل الاستيلاد لا يكون حجة لجواز بيعها بعد الاستيلاد عندنا، وعند بعضهم يكون حجة. ويقولون: قد انعقد الاجماع على حكم في هذا العين فنحن على ما كنا عليه من الاجماع حتى ينعقد إجماع آخر له، لان الشئ لا يرفعه ما هو دونه ولا شك أن الخلاف دون الاجماع، يوضحه أن التمسك باليقين وترك المشكوك فيه أصل في الشرع، فإن النبي عليه السلام أمر الشاك في الحدث بأن لا ينصرف من صلاته حتى يستيقن بالحدث، لانه على يقين من الطهارة وهو في شك من الحدث. وكذلك أمر الشاك في الصلاة بأن يأخذ بالاقل لكونه متيقنا به. وكذلك في الاحكام نقول اليقين لا يزال بالشك حتى إذا شك في طلاق امرأته لم يقع الطلاق عليها. وكذلك الاقرار بالمال لا يثبت مع الشك، لان براءة الذمة يقين باعتبار الاصل

[ 117 ]

فلا يزول المتيقن بالشك، وهذا لان اليقين كان معلوما في نفسه ومع الشك لا يثبت للعلم فلا يجوز ترك العمل بالعلم لاجل ما ليس بعلم. وأصحابنا قالوا: هذا مذهب باطل، فإن الاجماع كان ثابتا في عين على حكم لا لانه عين وإنما كان ذلك لمعنى وقد حدث معنى آخر خلاف ذلك ومع هذا المعنى الحادث لم يكن الاجماع قط فكيف يستقيم استصحابه ؟ وبه نبطل نحن على ما كنا عليه، فإنا لم نكن على الاجماع مع هذا المعنى قط. ثم لا يخلو: إما أن تكون الحجة نفس الاجماع، أو الدليل الذي نشأ منه الاجماع قبل حدوث هذا المعنى فيه، فإن كان نفس الاجماع فبعد الخلاف الاجماع، وفي الموضع الذي لا إجماع لا يتحقق الاحتجاج بنفس الاجماع وإن كان الدليل الذي نشأ منه الاجماع، فما لم يثبت بقاء ذلك الدليل بعد اعتراض المعنى الحادث لا يتحقق الاستدلال بالاجماع. ثم يحتج عليهم بعين ما احتجوا به فنقول: قد تيقنا بالحدث المانع من جواز أداء الصلاة في أعضاء المحدث قبل استعمال هذا الماء الذي وقعت فيه النجاسة، فنحن على ما كنا عليه من اليقين، والاجماع لا يترك بالخلاف عند استعمال هذا الماء، واتفقنا على أن أداء الصلاة واجب على من أدرك الوقت فنحن على ذلك الاتفاق لا نتركه بأداء يكون منه بالتيمم بعدما أبصر الماء، لان سقوط الفرض بهذا الاداء مشكوك فيه، واتفقنا على أن الامة بعد ما حبلت من مولاها قد امتنع بيعها، فنحن على ذلك الاتفاق لا نتركه بالخلاف في جواز بيعها بعدما انفصل الولد عنها، وكل كلام يمكن أن يحتج به على الخصم بعينه في إثبات ما رام إبطاله به فهو باطل في نفسه، وهو نظير احتجاجنا على من يقول لا دليل على النافي في أحكام الشرع، وإنما الدليل على المثبت كما في الدعاوى، فإن البينة تكون على المثبت دون النافي، فنقول: من قال لا حكم فهو يثبت صحة اعتقاد نفي الحكم، وهذا منه إثبات حكم شرعي، وخصمه ينفي صحة هذا الاعتقاد فينبغي أن تكون الحجة عليه للاثبات لا على خصمه فإنه ينفي، وسنقرر هذا الكلام في موضعه، ثم نستدل بقوله تعالى: * (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) * وفي هذا تنصيص على ترك العمل بما كان متيقنا به عند حدوث معنى

[ 118 ]

آخر وإن لم يكن ذلك المعنى متيقنا به، فإن كفرها قبل الهجرة كان متيقنا به وزوال ذلك بعد الهجرة إنما نعرفه بغالب الرأي لا باليقين، وليس هذا نظير ما استشهدوا به، لان هناك عند الشك في الطلاق لا نجد دليلا نعتمده في حكم الطلاق سوى ما تقدم، وكذلك عند الشك في وجوب المال لا نجد دليلا نعتمده سوى ما تقدم، وكذلك عند الشك في الحدث وعند الشك في أداء بعض الصلاة حتى إذا وجدنا فيه دليلا وهو التحري نقول بأنه يجب العمل بذلك الدليل، وهنا قد وجدنا دليلا نستدل به على الحكم بعد حدوث المعنى الحادث في العين فيجب العمل بذلك الدليل، ولا يجوز المصير إلى استصحاب ما كان قبل حدوث هذا المعنى، فاليقين إنما كان قبل وجود الدليل المغير، ومثله لا يكون يقينا بعد وجود الدليل المغير، وعلى هذا الاصل استصحاب العموم بعد حدوث الدليل المغير للحكم، فإنه لا يجوز لاحد أن يستدل على إباحة قتل المستأمن بقوله تعالى: * (فاقتلوا المشركين) * لان حكم هذا العام كان ثابتا قبل وجود الدليل المغير فلا يجوز الاستدلال به بعد ذلك في موضع فيه خلاف، وهو أن المستأمن إذا جعل نفسه طليعة للمشركين يخبرهم بعورات المسلمين فإنه لا يباح قتله استدلالا بقوله تعالى: * (فاقلتوا المشركين) * عندنا، وعند بعضهم يجوز قتله باعتبار هذه الحجة، والكلام في هذا مثل الكلام في الفصل الاول، والله أعلم. باب القياس قال رضي الله عنه: مذهب الصحابة ومن بعدهم من التابعين والصالحين والماضين من أئمة الدين رضوان الله عليهم جواز القياس بالرأي على الاصول التي تثبت أحكامها بالنص لتعدية حكم النص إلى الفروع جائز مستقيم يدان الله به، وهو مدرك من مدارك أحكام الشرع ولكنه غير صالح لاثبات الحكم به ابتداء، وعلى قول أصحاب الظواهر هو غير صالح لتعدية حكم النص به إلى ما لا نص فيه والعمل باطل أصلا في أحكام الشرع. وأول من أحدث هذا القول إبراهيم النظام، وطعن في السلف لاحتجاجهم بالقياس ونسبهم بتهوره إلى خلاف ما وصفهم الله به، فخلع به ربقة الاسلام من عنقه، وكان ذلك منه إما للقصد إلى إفساد طريق المسلمين عليهم،

[ 119 ]

أو للجهل منه بفقه الشريعة، ثم تبعه على هذا القول بعض المتكلمين ببغداد، ولكنه تحرز عن الطعن في السلف فرارا من الشنعة التي لحقت النظام، فذكر طريقا آخر لاحتجاج الصحابة بالقياس هو دليل على جهله، وهو أنه قال: ما جرى بين الصحابة لم يكن على وجه الاحتجاج بالقياس وإنما كان على وجه الصلح والتوسط بين الخصوم وذكر المسائل لتقريب ما قصدوه من الصلح إلى الافهام. وهذا مما لا يخفى فساده على من تأمل أدنى تأمل فيما نقل عن الصحابة في هذا الباب. ثم نشأ بعده رجل متجاهل يقال له داود الاصبهاني فأبطل العمل بالقياس من غير أن وقف على ما هو مراد كل فريق ممن كان قبله، ولكنه أخذ طرفا من كل كلام ولم يشتغل بالتأمل فيه ليتبين له وجه فساده، قال: القياس لا يكون حجة، ولا يجوز العمل به في أحكام الشرع وتابعه على ذلك أصحاب الظواهر الذين كانوا مثله في ترك التأمل، وروى بعضهم هذا المذهب عن قتادة ومسروق وابن سيرين، وهو افتراء عليهم، فقد كانوا أجل من أن ينسب إليهم القصد إلى مخالفة رسول الله (ص) وأصحابه فيما هو طريق أحكام الشرع بعد ما ثبت نقله عنهم. ثم قال بعض نفاة القياس: دلائل العقل لا تصلح لمعرفة شئ من أمور الدين بها والقياس يشبه ذلك. وقال بعضهم: لا يعمل بالدلائل العقلية في أحكام الشرع أصلا وإن كان يعمل بها في العقليات. وقال بعضهم: لا يعمل بها إلا عند الضرورة ولا ضرورة في أحكام الشرع لامكان العمل بالاصل الذي هو استصحاب الحال. وهذا أقرب أقاويلهم إلى القصد فيحتاج في تبين وجه الفساد فيه إلى إثبات أن القياس حجة أصلية في تعدية الاحكام لا حجة ضرورية، وإلى أنه مقدم في الاحتجاج به على استصحاب الحال. ولكن نبدأ ببيان شبهتهم، فإنهم استدلوا بظاهر آيات من الكتاب، منها قوله تعالى: * (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) * وفي المصير إلى الرأي لاثبات حكم في محل قول بأن الكتاب غير كاف. وقال

[ 120 ]

تعالى: * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * وقال تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * وقال تعالى: * (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * ففيها بيان أن الاشياء كلها في الكتاب إما في إشارته أو دلالته أو في اقتضائه أو في نصه، فإن لم يوجد في شئ من ذلك فبالابقاء على الاصل الذي علم ثبوته بالكتاب وهو دليل مستقيم، قال تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه) * الآية، فقد أمره بالاحتجاج بأصل الاباحة فيما لا يجد فيه دليل الحرمة في الكتاب، وهذا مستمر على أصل من يقول الاباحة في الاشياء أصل، وعلى أصلنا الذي نقول: إنما نعرف كل شئ بالكتاب، وهذا معلوم بقوله تعالى: * (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا) * فإن الاضافة بلام التمليك تكون أدل على إثبات صفة الحل من التنصيص على الاباحة فلم يبق الرأي بعد هذا إلا لتعرف الحكمة والوقوف على المصلحة فيه عاقبة وذلك مما لا مجال للرأي في معرفته، فإن المصلحة في العاقبة عبارة عن الفوز والنجاة، وما به الفوز والنجاة في الآخرة لا يمكن الوقوف عليه بالرأي، وإنما الرأي لمعرفة المصالح العاجلة التي يعلم جنسها بالحواس ثم نستدرك نظائرها بالرأي، وهذا مثل ما قلتم إن تعليل النصوص بعلة لا يتعدى إلى الفروع باطل، لانها خالية عن إثبات الحكم بها فالحكم في المنصوص ثابت بالنص فلا يكون في هذا التعليل إلا تعرف وجه الحكمة والوقوف على المصلحة في العاقبة والرأي لا يهتدي إلى ذلك. ومنها قوله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * وقال تعالى: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) * * (الظالمون) * * (الفاسقون) * والعمل بالرأي فيه تقدم بين يدي الله ورسوله وهو حكم بغير ما أنزل الله، فإن طريقة الاستنباط بآرائنا وما يبدو لنا من آرائنا لا يكون مما أنزل الله في شئ، إنما المنزل كتاب الله وسنة رسوله، فقد ثبت أنه ما كان ينطق إلا عن وحي، كما قال تعالى: * (إن هو إلا وحي يوحى) * وقال تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * وإنما الحكم بالرأي من جملة ما قال الله تعالى: * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام) * الآية، واستدلوا بآثار: فمن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: لم يزل بنو إسرائيل على طريقة مستقيمة حتى كثر فيهم أولاد السبايا، فقاسوا ما لم يكن بما

[ 121 ]

قد كان فضلوا وأضلوا وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: تعمل هذه الامة برهة بالكتاب ثم برهة بالسنة ثم برهة بالرأي، فإذا فعلوا ذلك ضلوا وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء الدين، أعيتهم السنة أن يحفظوها فقالوا برأيهم فضلوا وأضلوا. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إياكم وأرأيت وأرأيت ! فإنما هلك من كان قبلكم في أرأيت وأرأيت. وقال النبي عليه السلام: من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وإنما أراد به إعمال الرأي للعمل به في الاحكام، فإن إعمال الرأي للوقوف على معنى النص من حيث اللسان فقه مستقيم، ويكون العمل به عملا بالنص لا بالرأي. وبيان هذا فيما اختلف فيه ابن عباس وزيد رضي الله عنهم في زوج وأبوين فقال ابن عباس: للام ثلث جميع المال، فإن الله تعالى قال: * (فلامه الثلث) * والمفهوم من إطلاق هذه العبارة ثلث جميع المال. وقال زيد: للام ثلث ما بقي، لان في الآية بيان أن للام ثلث ما ورثه الابوان، فإنه قال: * (وورثه أبواه فلامه الثلث) * وميراث الابوين هو الباقي بعد نصيب الزوج فللام ثلث ذلك. هذا ونحوه عمل بالكتاب لا بالرأي فيكون مستقيما. ومن حيث المعقول يستدلون بأنواع من الكلام: أحدها من حيث الدليل وهو أن في القياس شبهة في أصله، لان الوصف الذي تعدى به الحكم غير منصوص عليه ولا هو ثابت بإشارة النص ولا بدلالته ولا بمقتضاه، فتعيينه من بين سائر الاوصاف بالرأي لا ينفك عن شبهة، والحكم الثابت به من إيجاب أو إسقاط أو تحليل أو تحريم محض حق الله تعالى، ولا وجه لاثبات ما هو حق الله بطريق فيه شبهة، لان من له الحق موصوف بكمال القدرة يتعالى عن أن ينتسب إليه العجز أو الحاجة إلى إثبات حقه بما فيه شبهة، ولا وجه لانكار هذه الشبهة فيه، فإن القياس لا يوجب العلم قطعا بالاتفاق وكان ذلك باعتبار أصله، وعلى هذا التقرير يكون هذا استدلالا بقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * وبقوله تعالى: * (ولا تقولوا على الله إلا الحق) * ولا يدخل على هذا أخبار الآحاد، فإن

[ 122 ]

أصله قول رسول الله (ص) وهو موجب للعلم قطعا، وإنما تتمكن الشبهة في طريق الانتقال إلينا، وقد كان قول رسول الله حجة قبل الانتقال إلينا بهذا الطريق، فلشبهة تتمكن في الطريق لا يخرج الحديث من أن يكون حجة موجبة للعلم، وهو كالنص المؤول، فإن الشبهة تتمكن في تأويلنا، فلا يخرج النص من أن يكون حجة موجبة للعلم. ومنهم من قرر هذا الكلام من وجه آخر وقال: تعيين وصف في المنصوص بالرأي لاضافة الحكم إليه يشبه قياس إبليس لعنه الله على ما أخبر الله تعالى عنه: * (أأسجد لمن خلقت طينا) * وكذلك التمييز بين هذا الوصف وسائر الاوصاف في إثبات حكم الشرع أو الترجيح بالرأي يشبه ما فعله إبليس كما أخبر الله تعالى عنه: * (خلقتني من نار وخلقته من طين) * فلا يشك أحد في أن ذلك كان باطلا ولم يكن حجة، فالعمل بالرأي في أحكام الشرع لا يكون عملا بالحجة أيضا. ونوع آخر من حيث المدلول فإنه طاعة لله تعالى ولا مدخل للرأي في معرفة ما هو طاعة لله، ولهذا لا يجوز إثبات أصل العبادة بالرأي، وهذا لان الطاعة في إظهار العبودية والانقياد، وما كان التعبد مبنيا على قضية الرأي بل طريقه طريق الابتلاء، ألا ترى أن من المشروعات ما لا يستدرك بالرأي (أصلا) كالمقادير في العقوبات والعبادات، ومنه ما هو خلاف ما يقتضيه الرأي وما هذه صفته فإنه لا يمكن معرفته بالرأي فيكون العمل بالرأي فيه عملا بالجهالة لا بالعلم، وكيف يمكن إعمال الرأي فيه والمشروعات متباينة في أنفسها يظهر ذلك عند التأمل في جميعها، والقياس عبارة عن رد الشئ إلى نظيره، يقال: قس النعل بالنعل: أي احذه به. فكيف يتأتى هذا مع التباين ؟ يوضحه أن العلل التي تعدى الحكم بها من المنصوص عليه إلى غيره متعددة مختلفة ولاجلها اختلف العلماء في طريق التعدية، وما يكون بهذه الصفة فإنه يتعذر تعيين واحد منها للعمل إلا بما يوجب العلم قطعا وهو النص، ولهذا جوزنا العمل بالعلة المنصوص عليها، كما في قوله عليه السلام: الهرة ليست بنجسة إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات فأثبتنا هذا الحكم في غيرها من حشرات البيت لان العلة

[ 123 ]

منصوص عليها، فأما بالرأي فلا يمكن الوقوف على ما هو العلة عينا فيكون العمل به باطلا. ولا يدخل عليه الاخبار فإنه لا اختلاف فيها في الاصل، لانه كلام رسول الله (ص) وقد بينا أنه قال ذلك عن وحي، وقد علمنا بالنص أنه لا اختلاف فيما هو من عند الله، قال تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * وإنما الاختلاف في الاخبار من جهة الرواة، والحجة هو الخبر لا الراوي. وما كان الاختلاف فيما بين الرواة إلا نظير اشتباه الناسخ من المنسوخ في كتاب الله فإن ذلك متى ارتفع بما هو الطريق في معرفته يكون العمل بالناسخ واجبا. ويكون ذلك عملا بالنص لا بالتاريخ، فكذلك في الاخبار. وتحت ما قررنا فائدتان بهما قوام الدين ونجاة المؤمنين: إحداهما المحافظة على نصوص الشريعة، فإنها قوالب الاحكام. والثاني التبحر في معاني اللسان فإن معانيه جمة غائرة لا يفضل عمر المرء عن التأمل فيها إذا أراد الوقوف عليها، ولا يتفرغ للعمل بالهوى الذي ينشأ منه الزيغ عن الحق والوقوع في البدعة، وما يحصل به التحرز عن البدع واجبا أحكام الشرع فلا شك أن قوام الدين ونجاة المؤمنين يكون فيه. ولا يدخل على شئ مما ذكرنا إعمال الرأي في أمر الحرب وقيم المتلفات ومهر النساء والوقوف على جهة الكعبة. أما على الوجه الاول فلان هذا كله من حقوق العباد، ويليق بحالهم العجز والاشتباه فيما يعود إلى مصالحهم العاجلة فيعتبر فيه الوسع ليتيسر عليهم الوصول إلى مقاصدهم، وهذا في غير أمر القبلة ظاهر وكذلك في أمر القبلة، فإن الاصل فيه معرفة جهات أقاليم الارض وذلك من حقوق العباد. وعلى الثاني فلان الاصل فيما هو من حقوق العباد ما يكون مستدركا بالحواس، وبه يثبت علم اليقين كما ثبت بالكتاب والسنة، ألا ترى أن الكعبة جهتها تكون محسوسة في حق من عاينها، وبعد البعد منها بإعمال الرأي يمكن تصييرها كالمحسوسة. وكذلك أمر الحرب، فالمقصود صيانة النفس عما يتلفها أو قهر الخصم وأصل ذلك محسوس، وما هو إلا نظير التوقي عن تناول سم الزعاف لعلمه أنه متلف، والتوقي عن الوقوع على السيف

[ 124 ]

والسكين لعلمه أنه ناقض للبنية، فعرفنا أن أصل ذلك محسوس، فإعمال الرأي فيه للعمل يكون في معنى العمل بما لا شبهة في أصله. ثم في هذه المواضع الضرورة تتحقق إلى إعمال الرأي، فإنه عند الاعراض عنه لا نجد طريقا آخر وهو دليل العمل به، فلاجل الضرورة جوزنا به العمل بالرأي فيه، وهنا الضرورة لا تدعو إلى ذلك لوجود دليل في أحكام الشرع للعمل به على وجه يغنيه عن إعمال الرأي فيه وهو اعتبار الاصل الذي قررنا. ولا يدخل على شئ مما ذكرنا إعمال الرأي والتفكر في أحوال القرون الماضية وما لحقهم من المثلات والكرامات، لان ذلك من حقوق العباد، فالمقصود أن يمتنعوا مما كان مهلكا لمن قبلهم حتى لا يهلكوا، أو أن يباشروا ما كان سببا لاستحقاق الكرامة لمن قبلهم حتى ينالوا مثل ذلك، وهو في الاصل من حقوق العباد بمنزلة الاكل الذي يكتسب به المرء سبب إبقاء نفسه، وإتيان الاناث في محل الحرث بطريقه ليكتسب به سبب إبقاء النسل. ثم طريق ذلك الاعتبار بالتأمل في معاني اللسان، فإن أصله الخبر وذلك مما يعلم بحاسة السمع، ثم بالتأمل فيه يدرك المقصود وليس ذلك من حكم الشريعة في شئ، فقد كان الوقوف على معاني اللغة في الجاهلية وهو باق اليوم بين الكفرة الذين لا يعلمون حكم الشريعة. وعلى هذا يخرج أيضا ما أمر به رسول الله عليه السلام من المشورة مع أصحابه، فإن المراد أمر الحرب وما هو من حقوق العباد، ألا ترى أن المروي عن رسول الله (ص) أنه شاورهم في ذلك ولم ينقل أنه شاورهم قط في حقيقة ما هم عليه ولا فيما أمرهم به من أحكام الشرع، وإلى هذا المعنى أشار بقوله عليه السلام: إذا أتيتكم بشئ من أمر دينكم فاعملوا به، وإذا أتيتكم بشئ من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمر دنياكم أو كلاما هذا معناه. وهذا بيان شبه الخصوم في المسألة. والحجة لجمهور العلماء دلائل الكتاب والسنة والمعقول، وهي كثيرة جدا قد أورد أكثرها المتقدمون من مشايخنا، ولكنا نذكر من كل نوع طرفا مما هو أقوى في الاعتماد عليه.

[ 125 ]

فمن دلائل الكتاب قوله تعالى * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * حكي عن ثعلب قال: الاعتبار في اللغة هو: رد حكم الشئ إلى نظيره ومنه يسمى الاصل الذي يرد إليه النظائر عبرة، ومن ذلك قوله تعالى * (إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار) * والرجل يقول: اعتبرت هذا الثوب بهذا الثوب أي سويته به في التقدير، وهذا هو حد القياس، فظهر أنه مأمور به بهذا النص. وقيل الاعتبار: التبيين ومنه قوله تعالى: * (إن كنتم للرؤيا تعبرون) *: أي تبينون، والتبيين الذي يكون مضافا إلينا هو إعمال الرأي في معنى المنصوص ليتبين به الحكم في نظيره. فإن قيل: الاعتبار هو التأمل والتفكر فيما أخبر الله تعالى مما صنعه بالقرون الماضية. قلنا: هذا مثله ولكنه غير مأمور به لعينه بل ليعتبر حاله بحالهم فيزجروا عما استوجبوا به ما استوجبوا من العقاب، إذ المقصود من الاعتبار هو أن يتعظ بالعبرة، ومنه يقال السعيد من وعظ بغيره. وبيان ما قلنا في القصاص، فإن الله تعالى يقول: * (ولكم في القصاص حياة) * وهو في العيان ضد الحياة، ولكن فيه حياة بطريق الاعتبار في شرعه واستبقائه، أما الحياة في شرعه وهو أن من قصد قتل غيره فإذا تفكر في نفسه أنه متى قتله قتل به انزجر عن قتله فتكون حياة لهما، والحياة في استبقائه أن القاتل عمدا يصير حربا لاولياء القتيل لخوفه على نفسه منهم، فالظاهر أنه يقصد قتلهم ويستعين على ذلك بأمثاله من السفهاء ليزيل الخوف عن نفسه، فإذا استوفى الولي القصاص منه اندفع شره عنه وعن عشيرته فيكون حياة لهم من هذا الوجه، لان إحياء الحي في دفع سبب الهلاك عنه، قال تعالى: * (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) * وإذا تبين هذا المعنى فنقول: لا فرق بين حكم هو هلاك في محل باعتبار معنى هو كفر، وبين حكم هو تحريم أو تحليل في محل باعتبار معنى هو قدر وجنس، فالتنصيص على الامر بالاعتبار في أحد الموضعين يكون تنصيصا على الامر به في الموضع الآخر. فإن قيل: الكفر في كونه علة لما استوجبوه منصوص عليه، وكذلك القتل في كونه علة للقصاص، ونحن لا ننكر هذا الاعتبار في العلة التي هي منصوصة

[ 126 ]

فذلك نحو ما روي أن ماعزا رضي الله عنه زنا وهو محصن فرجم، فإنا نثبت هذا الحكم بالزنا بعد الاحصان في حق غير ماعز، وإنما ننكر هذا في علة مستنبطة بالرأي نحو الكيل والجنس فإنكم تجعلونه علة الربا في الحنطة بالرأي، إذ ليس في نص الربا ما يوجب تعيين هذا الوصف من بين سائر أوصاف المحل دلالة ولا إشارة. قلنا: نحن لا نثبت حكم الربا في الفروع بعلة القدر والجنس إلا من الوجه الذي ثبت حكم الرجم في حق غير ماعز بعلة الزنا بعد الاحصان، فإن ماعزا إحصانه كان موجودا قبل الزنا ثم لما ظهر منه الزنا سأل رسول الله (ص) عن إحصانه فلما ظهر إحصانه عنده أمر برجمه، فعرفنا يقينا أن علة ما أمر به هو ما ظهر عنده، والزنا يصلح أن يكون علة لذلك، لان المأمور به عقوبة والزنا جريمة يستوجب بها العقوبة، والاحصان لا يصلح أن يكون علة، لانها خصال حميدة، وبها يستفيد المرء كمال الحال وتتم عليه النعمة، فلا يصلح علة للعقوبة، ولكن تتغلظ الجناية بالزنا بعد وجودها، لان بحسب زيادة النعمة يزداد غلظ الجريمة، ألا ترى أن الله تعالى هدد نساء رسوله بضعف ما هدد به سائر النساء فقال تعالى: * (من يأت منكن بفاحشة) * الآية وكان ذلك لزيادة النعمة عليهن، وبتغلظ الجريمة تتغلظ العقوبة فيصير رجما بعد أن كان جلدا في حق غير المحصن، فعرفنا أن الاحصان حال في الزاني يصير الزنا باعتباره موجبا للرجم فكان شرطا، وبمثل هذا الطريق تثبت علة الربا في موضع النص ثم تعدى الحكم به إلى الفروع، فإن النص قوله عليه السلام: الحنطة بالحنطة: أي بيعها، وقوله: مثل بمثل تفسير على معنى أنه إنما يكون بيعا في حال ما يكون مثلا بمثل (والفضل ربا): أي حراما بسبب الربا، فيثبت بالنص أن الفضل محرم، وقد علمنا أنه ليس المراد كل فصل، فالبيع ما شرع إلا للاستفضال والاسترباح، وإنما المراد الفضل الخالي عن العوض، لان البيع المشروع المعاوضة فلا يجوز أن يستحق به فضلا خاليا عن العوض، ثم خلو الفضل عن العوض لا يظهر يقينا بعدد الحبات والحفنات، ولا يظهر إلا بعد ثبوت المساواة قطعا في الوصف الذي صار به محلا للبيع وهو المالية، وهذه المساواة إنما يتوصل إلى معرفتها شرعا وعرفا، والشرع إنما أثبت هذه المساواة

[ 127 ]

بالكيل لا بالحبات والحفنات، فإنه قال: (كيلا بكيل) وكذلك في عرف التجار إنما يطلب المساواة بين الحنطة والحنطة بالكيل، وعند الاتلاف يجب ضمان المثل بالنص ويعتبر ذلك بالكيل، فثبت بهذا الطريق أن العلة الموجبة للحرمة ما يكون مؤثرا في المساواة حتى يظهر بعده الفضل الخالي عن المقابلة فيكون حراما، بمنزلة سائر الاشياء التي لها طول وعرض إذا قوبل واحد بآخر وبقي فضل في أحد الجانبين يكون خاليا عن المقابلة. ثم المساواة من حيث الذات لا تعرف إلا بالجنس، ومن حيث القدر على الوجه الذي هو معتبر شرعا وعرفا. لا يعرف إلا بالكيل، وهذه المساواة لا يتيقن إلا بعد سقوط قيمة الجودة، فأسقطنا قيمة الجودة منها عند المقابلة بجنسها بالنص، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (جيدها ورديئها سواء) وبدليل شرعي وهو حرمة الاعتياض عنها بالنص، فإنه لو باع قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة رديئة ودرهم على أن يكون الدرهم بمقابلة الجودة لا يجوز، وما يكون مالا متقوما يجوز الاعتياض عنه شرعا إلا أن إسقاط قيمة الجودة يكون شرطا لا علة، لانه لا تأثير لها في إحداث المساواة في المحل، والحكم الثابت بالنص وجوب المساواة، فكان بمنزلة الاحصان لايجاب الرجم، والمساواة التي هي الحكم لما كان يثبت بالقدر والجنس عرفنا أن هذين الوصفين هما العلة، وقد وجد التنصيص عليها في حديث الربا بمنزلة الزنا فإنه منصوص عليه في حديث ماعز، وهو مؤثر في إيجاب الحكم، فعرفنا أنه علة فيه، ثم بعد ما ثبت المساواة قطعا في صفة المالية باعتبار القدر إذا كان في أحد الجانبين فضل فهو خال عن العوض فيكون ربا حراما لا يجوز أن يكون مستحقا بالبيع، وإذا جعل مشروطا في البيع يفسد به البيع، وهذا فضل ظهر شرعا، ولو ظهر شرطا بأن باع من آخر عبدا بعبد على أن يسلم إليه مع ذلك ثوبا قد عينه من غير أن يكون بمقابلة الثوب عوض فإنه لا يجوز ذلك البيع، فكذلك إذا ثبت شرعا، ألا ترى أنه لما ثبت شرعا استحقاق صفة السلامة عن العيب بمطلق البيع فإذا فات ذلك يثبت حق الرد، بمنزلة ما هو ثابت شرطا بأن يشتري عبدا على

[ 128 ]

أنه كاتب فيجده غير كاتب، وبهذا تبين أن ما صرنا إليه هو الاعتبار المأمور به، فإنه تأمل في معنى النصوص لاضافة الحكم إلى الوصف الذي هو مؤثر فيه، بمنزلة إضافة الهلاك إلى الكفر الذي هو مؤثر فيه، والرجم إلى الزنا الذي هو مؤثر فيه، وكل عاقل يعرف أن قوام أموره بمثل هذا الرأي، فالآدمي ما سخر غيره ممن في الارض إلا بهذا الرأي، وما ظهر التفاوت بينهم في الامور العاجلة إلا بالتفاوت في هذا الرأي فالمنكر له يكون متعنتا. ومنها قوله تعالى: * (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * والاستنباط ليس إلا استخراج المعنى من المنصوص بالرأي. وقيل المراد بأولي الامر أمراء السرايا، وقيل المراد العلماء وهو الاظهر، فإن أمراء السرايا إنما يستنبطون بالرأي إذا كانوا علماء، واستنباط المعنى من المنصوص بالرأي إما أن يكون مطلوبا لتعدية حكمه إلى نظائره وهو عين القياس، أو ليحصل به طمأنينة القلب وطمأنينة القلب إنما تحصل بالوقوف على المعنى الذي لاجله ثبت الحكم في المنصوص، وهذا لان الله تعالى جعل هذه الشريعة نورا وشرحا للصدور فقال: * (أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه) * والقلب يرى الغائب بالتأمل فيه، كما أن العين ترى الحاضر بالنظر إليه، ألا ترى أن الله تعالى قال في بيان حال من ترك التأمل: * (فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) * ثم في رؤية العين لا إشكال أنه يحصل به من الطمأنينة فوق ما يحصل بالخبر، وإليه أشار رسول الله (ص) في قوله: ليس الخبر كالمعاينة ونحن نعلم أن الضال عن الطريق (العادل) يكون ضيق الصدر، فإذا أخبره مخبر بالطريق واعتقد الصدق في خبره يتبين في صدره بعض الانشراح، وإنما يتم انشراح صدره إذا عاين أعلام الطريق العادل، فكذلك في رؤية القلب، فإنه إذا تأمل في المعنى المنصوص حتى وقف عليه يتم به انشراح صدره، وتتحقق طمأنينة قلبه، وذلك بالنور الذي جعله الله في قلب كل مسلم، فالمنع من هذا التأمل والامر بالوقوف على مواضع النص من غير طلب المعنى فيه يكون نوع حجر ورفعا

[ 129 ]

لتحقيق معنى انشراح الصدر وطمأنينة القلب الثابت بقوله تعالى: * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) *. فإن قيل: كيف يستقيم هذا وعندكم القياس لا يوجب العلم والمجتهد قد يخطئ وقد يصيب ؟ قلنا: نعم ولكن يحصل له بالاجتهاد العلم من طريق الظاهر على وجه يطمئن قلبه وإن كان لا يدرك ما هو الحق باجتهاده لا محالة، فهو نظير قوله تعالى: * (فإن علمتموهن مؤمنات) * فإن المراد به العلم من حيث الظاهر. فإن قيل: كيف يستقيم هذا وأكثر المشروعات بخلاف المعهود المعتاد بين الناس ؟ قلنا: نعم هو بخلاف المعهود المعتاد عند اتباع هوى النفس وإشارتها، وأما إذا ترك ذلك ورجع إلى ما ينبغي للعاقل أن يرجع إليه فإنه يكون ذلك موافقا لما هو المعهود المعتاد عند العقلاء، فباعتبار هذا التأمل يحصل البيان على وجه يطمئن القلب إليه في الانتهاء، واعتقاد الحقية في النصوص فرض حق، وطلب طمأنينة القلب فيه حسن كما أخبر الله تعالى عن الخليل صلوات الله عليه: * (قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) *. ومنها قوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * فقد بينا أن المراد به القياس الصحيح، والرجوع إليه عند المنازعة، وفيه بيان أن الرجوع إليه يكون بأمر الله وأمر الرسول. ولا يجوز أن يقال المراد هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، لانه علق ذلك بالمنازعة، والامر بالعمل بالكتاب والسنة غير متعلق بشرط المنازعة، ولان المنازعة بين المؤمنين في أحكام الشرع قلما تقع فيما فيه نص من كتاب أو سنة، فعرفنا أن المراد به المنازعة فيما ليس في عينه نص، وأن المراد هو الامر بالرد إلى الكتاب والسنة بطريق التأمل فيما هو مثل ذلك الشئ من المنصوص، وإنما تعرف هذه المماثلة بإعمال الرأي وطلب المعنى فيه. ثم الاخبار عن رسول الله (ص) وعن الصحابة في هذا الباب أكثر من أن تحصى، وأشهر من أن تخفى.

[ 130 ]

فوجه من ذلك ما علمنا رسول الله (ص) من طريق المقايسة، على ما روي أنه قال لعمر حين سأله عن القبلة في حالة الصوم: أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك ؟ وهذا تعليم المقايسة فإن بالقبلة يفتتح طريق اقتضاء الشهوة، ولا يحصل بعينه اقتضاء الشهوة، كما أن بإدخال الماء في الفم يفتتح طريق الشرب ولا يحصل به الشرب. وقال للخثعمية: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضينه ؟ فقالت: نعم، قال: فدين الله أحق وهذا تعليم المقايسة وبيان بطريق إعمال الرأي. وقال للذي سأله عن قضاء رمضان متفرقا، أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم والدرهمين أكان يقبل منك ؟ قال: نعم، فقال: الله أحق بالتجاوز وقال للمستحاضة: إنه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صلاة فهذا تعليم للمقايسة بطريق أن النجس لما سال حتى صار ظاهرا ووجب غسل ذلك الموضع للتطهير وجب تطهير أعضاء الوضوء به. وقال عليه السلام: الهرة ليست بنجسة لانها من الطوافين عليكم والطوافات وهذا تعليم للمقايسة باعتبار الوصف الذي هو مؤثر في الحكم فإن الطوف مؤثر في معنى التخفيف، ودفع صفة النجاسة لاجل عموم البلوى والضرورة، فظهر أنه علمنا القياس والعمل بالرأي كما علمنا أحكام الشرع، ومعلوم أنه ما علمنا ذلك لنعمل به في معارضة النصوص، فعرفنا أنه علمنا ذلك لنعمل به فيما لا نص فيه. ووجه آخر أنه عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه بذلك، فإنه قال لمعاذ رضي الله عنه حين وجهه إلى اليمن: بم تقضي ؟ قال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد في كتاب الله ؟ قال: بسنة رسول الله. قال فإن لم تجد في سنة رسول الله ؟ قال: اجتهد رأيي. قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله وقال لابي موسى رضي الله عنه حين وجهه إلى اليمين: اقض بكتاب الله، فإن لم تجد فبسنة رسول الله، فإن لم تجد فاجتهد رأيك وقال لعمرو بن العاص رضي الله عنه: اقض بين هذين قال: على ماذا أقضي ؟ فقال على أنك إن اجتهدت فأصبت

[ 131 ]

فلك عشر حسنات، وإن أخطأت فلك حسنة واحدة فلو لم يكن اجتهاد الرأي فيما لا نص فيه مدركا من مدارك أحكام الشرع لما أمر به رسول الله (ص) بحضرته. ووجه آخر أنه عليه السلام كان يشاور أصحابه في أمور الحرب تارة، وفي أحكام الشرع تارة، ألا ترى أنه شاورهم في أمر الاذان والقصة فيه معروفة، وشاورهم في مفاداة الاسارى يوم بدر حتى أشار أبو بكر رضي الله عنه عليه بالفداء وأشار عمر رضي الله عنه بالقتل فاستحسن ما أشار به كل واحد منهما برأيه حتى شبه أبا بكر في ذلك بإبراهيم من الانبياء حيث قال: * (ومن عصاني فإنك غفور رحيم) * وبميكائيل من الملائكة فإنه ينزل بالرحمة، وشبه عمر بنوح من الانبياء عليهم السلام حيث قال: * (لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) * وبجبريل من الملائكة فإنه ينزل بالعذاب، ثم مال إلى رأي أبي بكر. فإن قيل: ففي ذلك نزل قوله: * (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم) * الآية، ولو كان مستحسنا لما عوتبوا عليه. قلنا: العتاب ما كان في المشورة بل فيما نص الله عليه بقوله: * (لمسكم فيما أخذتم) * ثم هذا إنما يلزم من يقول إن كل مجتهد مصيب ونحن لا نقول بهذا، ولكن نقول إعمال الرأي والمشورة مستحسن، ثم المجتهد قد يخطئ وقد يصيب كما في هذه الحادثة، فقد شاورهما رسول الله واجتهد كل واحد منهم رأيه، ثم أصاب أحدهما دون الآخر، وبهذا تبين أن قوله: * (وشاورهم في الامر) * ليس في الحرب خاصة، ولكن يتناول كل ما يتأتى فيه إعمال الرأي، وقال رسول الله (ص) لابي بكر وعمر رضي الله عنهما يوما وقد شاورهما في شئ: قولا فإني فيما لم يوح إلي مثلكما وقد تركهم رسول الله على المشاورة بعده في أمر الخلافة حين لم ينص على أحد بعينه مع علمه أنه لا بد لهم من ذلك، ولما شاوروا فيه تكلم كل واحد برأيه إلى أن استقر الامر على ما قاله عمر بطريق المقايسة والرأي، فإنه قال: ألا ترضون لامر

[ 132 ]

دنياكم بمن رضي به رسول الله لامر دينكم. يعني الامامة للصلاة، واتفقوا على رأيه، وأمر الخلافة من أهم ما يترتب عليه أحكام الشرع، وقد اتفقوا على جواز العمل فيه بطريق القياس، ولا معنى لقول من يقول إن كان هذا قياسا فهو منتقض، فإن رسول الله (ص) قد استخلف عبد الرحمن بن عوف ليصلي بالناس ولم يكن ذلك دليل كونه خليفة بعده، وذلك لان عمر رضي الله عنه أشار إلى الاستدلال على وجه لا يرد هذا النقض وهو أنه في حال توفر الصحابة وحضور جماعتهم ووقوع الحاجة إلى الاستخلاف، خص أبا بكر بأن يصلي بالناس بعدما راجعوه في ذلك وسموا له غيره، كل هذا قد صار معلوما بإشارة كلامه وإن لم ينص عليه، ولم يوجد ذلك في حق عبد الرحمن ولا في حق غيره. ثم عمر جعل الامر شورى بعده بين ستة نفر، فاتفقوا بالرأي على أن يجعلوا الامر في التعيين إلى عبد الرحمن بعدما أخرج نفسه منها فعرض على علي أن يعمل برأي أبى بكر وعمر فقال: أعمل بكتاب الله، وبسنة رسول الله، ثم أجتهد رأيي، وعرض على عثمان هذا الشرط أيضا فرضي به فقلده، وإنما كان ذلك منه عملا بالرأي لانه علم أن الناس قد استحسنوا سيرة العمرين، فتبين بهذا أن العمل بالرأي كان مشهورا متفقا عليه بين الصحابة، ثم محاجتهم بالرأي في المسائل لا تخفى على أحد، فإنهم تكلموا في مسألة الجد مع الاخوة، وشبهه بعضهم بواد يتشعب منه نهر، وبعضهم بشجرة تنبت غصنا، وقد بينا ذلك في فروع الفقه. وكذلك اختلفوا في العول وفي التشريك فقال كل واحد منهم فيه بالرأي، وبالرأي اعترضوا على قول عمر رضي الله عنه في عدم التشريك حين قالوا: هب أن أبانا كان حمارا، حتى رجع عمر إلى التشريك، فعرفنا أنهم كانوا مجمعين على جواز العمل بالرأي فيما لا نص فيه، وكفى بإجماعهم حجة. فإن قيل: كيف يستقيم هذا وقد قال أبو بكر رضي الله عنه: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله تعالى برأيي. وقال عمر رضي الله عنه: إياكم وأصحاب الرأي. وقال علي رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إياكم وأرأيت

[ 133 ]

وأرأيت. قلنا: أما القول بالرأي عن أبي بكر رضي الله عنه فهو أشهر من أن يمكن إنكاره، لانه قال في الكلالة: أقول قولا برأيي، فإن يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان. وما رووا عنه قد اختلفت فيه الرواية فقال في بعضها: إذا قلت في كتاب الله تعالى بخلاف ما أراد الله. ولئن ثبت ما رووا فإنما استبعد قوله بالرأي فيما فيه نص بخلاف النص، وهذا لا يجوز منه ولا من غيره ولا يظن به. وأما عمر رضي الله عنه: فالقول عنه بالرأي أشهر من الشمس، وبه يتبين أن مراده بذم الرأي عند مخالفة النص أو الاعراض عن النص فيما فيه نص والاشتغال بالرأي الذي فيه موافقة هوى النفس، وإلى ذلك أشار في قوله: أعيتهم السنة أن يحفظوها. والقول بالرأي عن علي رضي الله عنه مشهور، فإنه قال: اجتمع رأيي ورأي عمر على حرمة بيع أمهات الاولاد ثم رأيت أن أرقهن. وبهذا يتبين أن مراده بقوله: لو كان الدين بالرأي: أصل موضوع الشرع، وبه نقول، فإن أصل أحكام الشرع غير مبني على الرأي ولهذا لا يجوز إثبات الحكم به ابتداء. وقد اشتهر القول بالرأي عن ابن مسعود حيث قال في المفوضة: أجتهد رأيي. فعرفنا أن مراده ذم السؤال على وجه التعنت بعدما يتبين الحق أو التكلف فيما لا يحتاج المرء إليه، وهو نظير قوله عليه السلام: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم والآثار التي ذكرها محمد في أول أدب القاضي كلها دليل على أنهم (كانوا) مجمعين على العمل بالرأي، فإنه بدأ بحديث عمر حين كتب إلى أبي موسى: اعرف الامثال والاشباه وقس الامور عند ذلك. وذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لقد أتى علينا زمان لسنا نسأل ولسنا هنالك. الحديث. فاتضح بما ذكرنا اتفاقهم على العمل بالرأي في أحكام الشرع. فأما من طعن في السلف من نفاة القياس لاحتجاجهم بالرأي في الاحكام فكلامه كما قال الله تعالى: * (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا)

[ 134 ]

* لان الله تعالى أثنى عليهم في غير موضع من كتابه كما قال تعالى: * (محمد رسول الله والذين معه) * الآية، ورسول الله (ص) وصفهم بأنهم خير الناس فقال: خير الناس قرني الذين أنا فيهم والشريعة إنما بلغتنا بنقلهم، فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للاسلام دواؤه السيف إن لم يتب. ومن قال منهم إن القول بالرأي كان من الصحابة على طريق التوسط والصلح دون إلزام الحكم فهو مكابر جاحد لما هو معلوم ضرورة، لان الذين نقلوا إلينا ما احتجوا به من الرأي في الاحكام قوم عالمون عارفون بالفرق بين القضاء والصلح فلا يظن بهم أنهم أطلقوا لفظ القضاء فيما كان طريقه طريق الصلح بأن لم يعرفوا الفرق بينهما أو قصدوا التلبيس، ولا ينكر أنه كان في ذلك ما هو بطريق الصلح، كما قال ابن مسعود حين تحاكم إليه الاعرابي مع عثمان: أرى أن يأتي هذا واديه فيعطي به ثم إبلا مثل إبله وفصلانا مثل فصلانه. فرضي بذلك عثمان. وفي قوله فرضي به، بيان أن هذا كان بطريق الصلح، فعرفنا أن فيما لم يذكر مثل هذا اللفظ أو ذكر لفظ القضاء والحكم فالمراد به الالزام، وقد كان بعض ذلك على سبيل الفتوى، والمفتي في زماننا يبين الحكم للمستفتي ولا يدعوه إلى الصلح إلا نادرا، فكذلك في ذلك الوقت، وقد كان بعض ذلك بيانا فيما لم يكن فيه خصومة أولا تجري فيه الخصومة كالعبادات والطلاق والعتاق، نحو اختلافهم في ألفاظ الكنايات، واعتبار عدد الطلاق بالرجال والنساء وما أشبه ذلك، فعرفنا أن قول من قال لم يكن ذلك منهم إلا بطريق الصلح والتوسط، منكر من القول وزور. ومنهم من قال: كانوا مخصوصين بجواز العمل والفتوى بالرأي كرامة لهم، كما كان رسول الله مخصوصا بأن قوله موجب للعلم قطعا، ألا ترى أنه قد ظهر منهم العمل فيما فيه نص بخلاف النص بالرأي وبالاتفاق ذلك غير جائز لاحد بعدهم، فعرفنا أنهم كانوا مخصوصين بذلك. وبيان هذا فيما روي أن رسول الله (ص) خرج لصلح بين الانصار فأذن بلال وأقام فتقدم أبو بكر رضي الله عنه للصلاة، فجاء رسول الله وهو في الصلاة - الحديث، إلى أن قال:

[ 135 ]

فأشار على أبي بكر أن أثبت في مكانك، ورفع أبو بكر رضي الله عنه يديه وحمد الله ثم استأخر وتقدم رسول الله، وكانت سنة الامامة لرسول الله (ص) معلوما بالنص، ثم تقدم أبو بكر بالرأي، وقد أمره أن يثبت في مكانه نصا، ثم استأخر بالرأي. ولما أراد رسول الله أن يتقدم للصلاة على ابن أبي المنافق جذب عمر رضي الله عنه رداءه، وفي رواية استقبله وجعل يمنعه من الصلاة عليه والاستغفار له وكان ذلك منه بالرأي، ثم نزل القرآن على موافقة رأيه، يعني قوله تعالى: * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) * ولما أراد علي أن يكتب كتاب الصلح عام الحديبية كتب: هذا ما صالح محمد رسول الله وسهيل بن عمرو على أهل مكة. قال سهيل: لو عرفناك رسولا ما حاربناك، اكتب محمد بن عبد الله، فأمر رسول الله عليا أن يمحو رسول الله فأبى علي رضي الله عنه ذلك حتى أمره أن يريه موضعه فمحاه رسول الله بيده وكان هذا الاباء من علي بالرأي في مقابلة النص. وقد كان الحكم للمسبوق أن يبدأ بقضاء ما سبق به ثم يتابع الامام، حتى جاء معاذ يوما وقد سبقه رسول الله ببعض الصلاة فتابعه فيما بقي ثم قضى ما فاته، فقال له رسول الله: ما حملك على ما صنعت ؟ قال: وجدتك على شئ فكرهت أن أخالفك عليه. فقال: سن لكم معاذ سنة حسنة فاستنوا بها وكان هذا منه عملا بالرأي في موضع النص ثم استصوبه رسول الله في ذلك. وأبو ذر حين بعثه رسول الله مع إبل الصدقة إلى البادية أصابته جنابة فصلى صلوات بغير طهارة إلى أن جاء إلى رسول الله الحديث إلى أن قال له: التراب كافيك ولو إلى عشر حجج ما لم تجد الماء وكان ذلك منه عملا بالرأي في موضع النص. وكذلك عمرو بن العاص أصابته جنابة في ليلة باردة فتيمم وأم أصحابه مع وجود الماء وكان ذلك منه عملا بالرأي في موضع النص ثم لم ينكر عليه رسول الله (ص) ذلك، فعرفنا أنهم كانوا مخصوصين بذلك. وكذلك ظهر منهم الفتوى بالرأي فيما لا يعرف بالرأي من المقادير نحو حد الشرب كما قال علي رضي الله عنه فإنه ثبت بآرائنا. ولا وجه لذلك إلى الحمل على معنى الخصوصية.

[ 136 ]

والجواب أن نقول: هذا الكلام عند التأمل فيه من جنس الطعن عليهم لا بيان الكرامة لهم، لان كرامتهم إنما تكون بطاعة الله وطاعة رسوله، فالسعي لاظهار مخالفة منهم في أمر الله وأمر الرسول يكون طعنا فيهم، ومعلوم أن رسول الله ما وصفهم بأنهم خير الناس إلا بعد علمه بأنهم أطوع الناس له، وأظهر الناس انقيادا لامره وتعظيما لاحكام الشرع، ولو جاز إثبات مخالفة الامر بالرأي لهم بطريق الكرامة والاختصاص بناء على الخيرية التي وصفهم بها رسول الله لجاز مثل ذلك لمن بعدهم بناء على ما وصفهم الله به بقوله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس) * الآية، ولو جاز ذلك في فتاويهم لجاز فيما نقلوا إلينا من أحكام الشرع، فتبين أن هذا من جنس الطعن، وأنه لا بد من طلب التأويل فيما كان منهم في صورة الخلاف ظاهرا بما هو تعظيم وموافقة في الحقيقة. ووجه ذلك بطريق الفقه أن نقول: قد كان من الامور ما فيه احتمال معنى الرخصة والاكرام أو معنى العزيمة والالزام، ففهموا أن ما اقترن به من دلالة الحال أو غيره مما يتبين به أحد المحتملين، ثم رأوا التمسك بما هو العزيمة أولى لهم من الترخص بالرخصة، وهذا أصل في أحكام الشرع. وبيان هذا في حديث الصديق، فإن إشارة رسول الله (ص) له بأن يثبت في مكانه كان محتملا معنى الاكرام له ومعنى الالزام، وعلم بدلالة الحال أنه على سبيل الترخص والاكرام له، فحمد الله تعالى على ذلك، ثم تأخر تمسكا بالعزيمة الثابتة بقوله تعالى: * (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * وإليه أشار بقوله: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله (ص). وكذلك كان تقدمه للامامة قبل أن يحضر رسول الله، فإن التأخير إلى أن يحضر كان رخصة، ومراعاة حق الله في أداء الصلاة في الوقت المعهود كان عزيمة، فإنما قصد التمسك بما هو العزيمة لعلمه أن رسول الله عليه السلام كان يستحسن ذلك منه، فعرفنا أنه ما قصد إلا تعظيم أمر الله وتعظيم رسول الله فيما باشره

[ 137 ]

بالرأي. وكذلك فعل عمر رضي الله عنه بالامتناع من الصلاة على من شهد الله بكفره وهو العزيمة، لان الصلاة على الميت المسلم يكون إكراما له وذلك لا يشك فيه إذا كان المصلي عليه رسول الله (ص)، إلا أن التقدم للصلاة عليه كان بطريق حسن العشرة، ومراعاة قلوب المؤمنين من قراباته، فجذب عمر رداءه تمسكا بما هو العزيمة، وتعظيما لرسول الله لا قصدا منه إلى مخالفته. وكذلك حديث علي فإنه أبى أن يمحو ذلك تعظيما لرسول الله وهو العزيمة، وقد علم أن رسول الله ما قصد بما أمر به إلا تتميم الصلح لما رأى فيه من الحظ للمسلمين بفراغ قلوبهم، ولو علم علي أن ذلك كان أمرا بطريق الالزام لمحاه من ساعته، ألا ترى أنه قال لرسول الله (ص): إنك ستبعثني في أمر أفأكون فيه كالسكة المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال: بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فبهذا تبين أنه عرف بأن ذلك الامر منه لم يكن إلزاما ورأى إظهار الصلابة في الدين بمحضر من المشركين عزيمة فتمسك به، ثم الرغبة في الصلح مندوب إليه الامام بشرط أن يكون فيه منفعة للمسلمين، وتمام هذه المنفعة في أن يظهر الامام المسامحة والمساهلة معهم فيما يطلبون، ويظهر المسلمون القوة والشدة في ذلك، ليعلم العدو أنهم لا يرغبون في الصلح لضعفهم، فلاجل هذا فعل علي رضي الله عنه ما فعله، وكأنه تأويل قوله تعالى: * (ولا تهنوا ولا تحزنوا) * وكذلك حديث معاذ رضي الله عنه، فإن السنة التي كانت في حق المسبوق من البداية بما فاته، فيها احتمال معنى الرخصة ليكون الاداء عليه أيسر، فوقف معاذ على ذلك وعرف أن العزيمة متابعة رسول الله (ص)، واعتقاد الغنيمة فيما أدركه معه، فاشتغل بإحراز ذلك أولا تمسكا بالعزيمة لا مخالفة للنص. وكذلك حديث أبي ذر إن صح أنه أدى صلاته في تلك الحالة بغير طهارة، فإن في حكم التيمم للجنب بعض الاشتباه في النص باعتبار القراءتين * (أو لامستم) * * (أو لامستم النساء) * فلعله كان عنده أن

[ 138 ]

المراد المس باليد وأنه لا يجوز التيمم للجنب كما هو مذهب عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، ثم رأى أن بسبب العجز يسقط عنه فرض الطهارة في الوقت، وأن أداء الصلاة في الوقت عزيمة، فاشتغل بالاداء تعظيما لامر الله وتمسكا بالعزيمة. وكذلك حديث عمرو بن العاص، فإنه رأى أن فرض الاغتسال ساقط عنه لما يلحقه من الحرج بسبب البرد أو لخوفه الهلاك على نفسه، وقد ثبت بالنص أن التيمم مشروع لدفع الحرج، فعرفنا أنه ليس في شئ من هذه الآثار معنى يوهم مخالفة النص من أحد منهم، وأنهم في تعظيم رسول الله كما وصفهم الله به. وأما حد الشرب فإنما أثبتوه استدلالا بحد القذف، على ما روي أن عبد الرحمن بن عوف قال لعمر: يا أمير المؤمنين إذا شرب هذي وإذا هذي افترى، وحد المفترين في كتاب الله ثمانون جلدة. ثم الحكم الثابت بالاجماع لا يكون محالا به على الرأي، وقد بينا أن الاجماع يوجب علم اليقين والرأي لا يوجب ذلك، ثم هذا دعوى الخصوصية من غير دليل، ومن لا يرى إثبات شئ بالقياس فكيف يرى إثبات مجرد الدعوى من غير دليل والكتاب يشهد بخلاف ذلك، فالناس في تكليف الاعتبار المذكور في قوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * سواء، وهم كانوا أحق بهذا الوصف، وهذا أقوى ما نعتمده من الدليل المعقول في هذه المسألة، فإنه لا فرق بين التأمل في إشارات النص فيما أخبر الله به عن الذين لحقهم المثلات بسبب كفرهم كما قال تعالى: * (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب) * الآية، لنعتبر بذلك وننزجر عن مثل ذلك السبب، وبين التأمل في إشارات النص في حديث الربا ليعرف به أن المحرم هو الفضل الخالي عن العوض، فثبت ذلك الحكم بعينه في كل محل يتحقق فيه الفضل الخالي عن العوض مشروطا في البيع كالارز والسمسم والجص وما أشبه ذلك وقد قررنا هذا، يوضحه أن التأمل في معنى النص الثابت بإشارة صاحب الشرع بمنزلة التأمل في معنى اللسان

[ 139 ]

الثابت بوضع واضع اللغة، ثم التأمل في ذلك للوقوف على طريق الاستعارة حتى يجعل ذلك اللفظ مستعارا في محل آخر بطريقه، جائز مستقيم من عمل الراسخين في العلم، فكذلك التأمل في معاني النص لاثبات حكم النص في كل موضع علم أنه مثل المنصوص عليه، وهذا لنوعين من الكلام: أحدهما أن الله تعالى نص على أن القرآن تبيان لكل شئ بقوله تعالى: * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * ولا يتمكن أحد من أن يقول كل شئ في القرآن باسمه الموضوع له في اللغة، فعرفنا أنه تبيان لكل شئ بمعناه الذي يستدرك به حكمه، وما ثبت بالنص فإما أن يقال هو ثابت بصورة النص لا غير، أو بالمعنى الذي صار معلوما بإشارة النص، والاول باطل، فإن الله تعالى قال: * (فلا تقل لهما أف) * ثم أحد لا يقول إن هذا نهي عن صورة التأفيف دون الشتم والضرب. وكذلك قوله تعالى: * (ولا يظلمون نقيرا) * وقوله تعالى: * (من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار) * فعرفنا أن ثبوت الحكم باعتبار المعنى الذي وقعت الاشارة إليه في النص. ثم ذلك المعنى نوعان: جلي، وخفي، ويوقف على الجلي باعتبار الظاهر، ولا يوقف على الخفي إلا بزيادة التأمل وهو المراد بقوله: * (فاعتبروا) * وبعدما ثبت لزوم اعتبار ذلك المعنى بالنص وإثبات الحكم في كل محل قد وجد فيه ذلك المعنى يكون إثباتا بالنص لا بالرأي وإن لم يكن صيغة النص متناولا، إلا ترى أن الحكم بالرجم على ماعز لم يكن حكما على غيره باعتبار صورته ولكن باعتبار المعنى الذي لاجله توجه الحكم عليه بالرجم كان ذلك بيانا في حق سائر الاشخاص بالنص. والثاني أنه ما من حادثة إلا وفيها حكم لله تعالى من تحليل أو تحريم أو إيجاب أو إسقاط، ومعلوم أن كل حادثة لا يوجد فيها نص، فالنصوص معدودة متناهية ولا نهاية لما يقع من الحوادث إلى قيام الساعة، وفي تسميته حادثة إشارة إلى أنه لا نص فيها، فإن ما فيه النص يكون أصلا معهودا. وكذلك الصحابة ما اشتغلوا باعتماد نص في كل حادثة (طلبا أو رواية، فعرفنا أنه لا يوجد نص في كل حادثة)

[ 140 ]

وقد لزمنا معرفة حكم الحادثة بالحجة بحسب الوسع فإما أن يكون الحجة استنباط المعنى من النصوص، أو استصحاب الحال كما قالوا، ومعلوم أنه ليس في استصحاب الحال إلا عمل بلا دليل ولا دليل جهل، والجهل لا يصلح أن يكون حجة باعتبار الاصل، وهو أيضا مما لا يوقف عليه، فمن المحتمل أن لا يكون عند بعض الناس فيه دليل ويكون عند بعضهم، والقياس من الوجه الذي قررنا حجة وإن كان لا يوجب علم اليقين، ألا ترى أن الشرع جوز لنا الاقدام على المباحات لقصد تحصيل المنفعة، يعني المسافرة للتجارة والمحاربة للعدو والغلبة على الاعداء بغالب الرأي، والاجتهاد في أمر القبلة والاشتغال بالمعالجة لتحصيل صفة البرء، وكل ذلك إقدام من غير بناء على ما يوجب علم اليقين، ثم هو حسن في بعض المواضع واجب في بعض المواضع. وكذلك تقويم المتلفات، واعتقاد المعروف في النفقات والمتعة، فإن ذلك منصوص عليه، ثم الاقدام عليه بالرأي جائز فكان ذلك عملا بالحجة، فتبين أن القياس من نوع العمل بما هو حجة في الاصل ولكنه دون الثابت من الحكم بالنص، فلا يصار إليه إلا في وضع لا يوجد فيه نظر. فأما استصحاب الحال فهو عمل بالجهل فلا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة المحضة بمنزلة تناول الميتة. وسنقرر هذا في بابه إن شاء الله تعالى. فبهم التقرير يتبين أن نفاة القياس يتمسكون بالجهل، وأن فقهاء الامصار يعلمون بما هو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال. وأما استدلالهم بقوله تعالى: * (أو لم يكفهم ؟) * قلنا نحن نقول بأن ما أنزل من الكتاب كذلك ولكن الاحتجاج بالقياس مما أنزل في الكتاب إشارة وإن كان لا يوجد فيه نصا فإنه الاعتبار المأمور به من قوله تعالى: * (فاعتبروا) * وبهذا يتبين أن الحكم به حكم بما أنزل الله فيضعف به استدلالهم بقوله تعالى: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله) * وبه يتبين أنه من جملة ما تناوله قوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * وقوله تعالى: * (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * وقد قيل المراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، وبهذا يتبين أن العمل بالقياس

[ 141 ]

لا يكون تقدما بين يدي الله ورسوله بل هو ائتمار بأمر الله وأمر رسوله، وسلوك طريق قد علم رسول الله أمته بالوقوف به على أحكام الشرع، وهذا لانا إنما نثبت الحكم في الفروع بالعلة المؤثرة، والعلة ما صارت مؤثرة بآرائنا بل بجعل الله إياها مؤثرة، وإنما إعمال الرأي في تمييز الوصف المؤثر من سائر أوصاف الاصل وإظهار التأثير فيه فلا يكون العمل فيه عملا بالرأي، إنما التقدم بين يدي الله ورسوله فيما ذهب إليه الخصم من القول بأن العمل بالقياس باطل، لانه لا يجد ذلك في كتاب الله نصا، وهو لا يجوز الاستنباط ليقف به على إشارة النص فيكون ذلك قولا بغير حجة، ثم يكون عاملا في الاحكام بلا دليل، وقد بينا أن هذا لا يصلح أن يكون حجة أصلية. وأما قوله: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * فالمذكور هو علم منكر في موضع النفي والنكرة في موضع النفي تعم، فاستعمال الرأي يثبت نوع علم من طريق الظاهر وإن كان لا يثبت علم اليقين، وبالاتفاق علم اليقين ليس بشرط لوجوب العمل ولا لجوازه، فإن العمل بخبر الواحد واجب ولا يثبت به علم اليقين، والعمل بالرأي في الحرب جائز، وفي باب القبلة عند الاشتباه واجب، وفي المعالجة بالادوية جائز وإن كان شئ من ذلك لا يوجب علم اليقين، وهذا لان التكليف بحسب الوسع وليس في وسعنا تحصيل علم اليقين في حكم كل حادثة، والحرج مدفوع، ففي إثبات الحجر عن إعمال الرأي في الحوادث التي لا نص فيها من الحرج ما لا يخفى. ثم لا إشكال أن ما يثبت من العلم بطريق القياس فوق ما يثبت باستصحاب الحال، لان استصحاب الحال إنما يكون دليلا عندهم لعدم الدليل المغير، وذلك مما لا يعلم يقينا، قد يجوز أن يكون الدليل المغير ثابتا وإن لم يبلغ المبتلى به، ولهذا لا تقبل البينة على النفي في باب الخصومات وتقبل على الاثبات باعتبار طريق لا يوجب علم اليقين، فإن الشهادة بالملك لظاهر اليد أو اليد مع التصرف تكون مقبولة وإن كانت لا توجب علم اليقين. فأما قوله تعالى: * (ولا تقولوا على الله إلا الحق) * قلنا ما يظهر عند استعمال الرأي بالوصف المؤثر حق في حقنا وإن كنا لا نعلم أنه هو الحق عند الله تعالى، ألا ترى أن المتحري في باب القبلة يلزمه التوجه إلى الجهة التي يستقر عليها الرأي، ومعلوم أنه لا يلزمه مباشرة ما ليس بحق أصلا،

[ 142 ]

فعرفنا أنه حق عندنا وإن كنا لا نقطع القول بأنه الحق عند الله تعالى، فقد يصيب المجتهد ذلك باجتهاده وقد يخطئ، ثم التكليف بحسب الوسع وليس في وضعنا الوقوف على ما هو حق عند الله لا محالة، وإنما الذي في وسعنا طلبه بطريق الاعتبار الذي أمرنا به وبعد إصابة ذلك الطريق يلزمنا العمل به فكذلك في الاحكام، وما أشاروا إليه من الفرق بين ما هو محض حق الله تعالى وبين ما فيه حق العباد ليس بقوي، لان المطلوب هنا جهة القبلة لاداء ما هو محض حق الله تعالى والله تعالى موصوف بكمال القدرة، ومع ذلك أطلق لنا العمل بالرأي فيه، إما لتحقيق معنى الابتلاء، أو لانه ليس في وسعنا ما هو أقوى من ذلك بعد انقطاع الادلة الظاهرة، وهذا المعنى بعينه موجود في الاحكام، ثم الاحتمال الذي يبقى بعد استعمال الرأي بمنزلة الاحتمال في خبر الواحد، فإن قول صاحب الشرع موجب علم اليقين وإنما يثبت في حقنا العلم والعمل به إذا بلغنا ذلك، وفي البلوغ والاتصال برسول الله (ص) احتمال، فكذلك الحكم في المنصوص ثابت بالنص على وجه يوجب علم اليقين، وفيه معنى هو مؤثر في الحكم شرعا ولكن في بلوغ الآراء وإدراك ذلك المعنى نوع احتمال، فلا يمنع ذلك وجوب العمل به عند انعدام دليل هو أقوى منه، ولهذا شرطنا للعمل بالرأي أن تكون الحادثة لا نص فيها من كتاب ولا سنة، فتبين أن فيما قلنا مبالغة في المحافظة على النصوص بظواهرها ومعانيها، فإنه ما لم يقف على النصوص لا يعرف أن الحادثة لا نص فيها وما لم يقف على معاني النصوص لا يمكنه أن يرد الحادثة إلى ما يكون مثلها من النصوص، ثم مع ذلك فيه تعميم المعنى في الفروع وتعظيم ما هو حق الله تعالى، فإن اعتقاد الحقية في الحكم المنصوص ثابت بالنص، ومعنى شرح الصدر وطمأنينة القلب ثابت بالوقوف على المعنى. ولا معنى لاستدلالهم باختلاف أحكام النصوص، لانا إنما نجوز استعمال الرأي عند معرفة معاني النصوص وإنما يكون هذا فيما يكون معقول المعنى، فأما فيما لا يعقل المعنى فيه فنحن لا نجوز إعمال الرأي لتعدية الحكم إلى ما لا نص فيه، وسيأتيك بيان هذا في شرط القياس، ويتبين بهذا أن مراد رسول الله

[ 143 ]

(ص) بذم الرأي فيما رووا من الآثار الرأي الذي ينشأ عن متابعة هوى النفس، أو الرأي الذي يكون المقصود منه رد المنصوص نحو ما فعله إبليس، فأما الرأي الذي يكون المقصود به إظهار الحق من الوجه الذي قلنا لا يكون مذموما، ألا ترى أن الله تعالى أمر به في إظهار قيمة الصيد بقوله: * (يحكم به ذوا عدل منكم) * فإن رسول الله (ص) قد علم ذلك أصحابه والصحابة عن آخرهم أجمعوا على استعماله من غير نكير من أحد منهم على من استعمله، فكيف يظن بهم الاتفاق على ما ذمه رسول الله أو جعله مدرجة الضلال، هذا شئ لا يظنه إلا ضال، والله أعلم. فصل: في بيان ما لا بد للقياس من معرفته قال رضي الله عنه: وذلك معنى القياس لغة، فالصورة بلا معنى يكون فاسدا من الدعوى، ثم شرطه فإن وجود الشئ على وجه يكون معتبرا شرعا لا يكون إلا بوجود شرطه، ثم ركنه فقوام الشئ يكون بركنه، ثم حكمه فإن الشئ إنما يخرج من حد العبث والسفه إلى حد الحكمة بكونه مفيدا، وذلك إنما يكون بحكمه، ثم بالدفع بعد ذلك فإن تمام الالزام إنما يتبين بالعجز عن الدفع. فأما الاول فهو معرفة القياس لغة، فنقول: للقياس تفسير هو المراد بصيغته، ومعنى هو المراد بدلالته، بمنزله فعل الضرب فإن له تفسيرا هو المعلوم بصورته وهو إيقاع الخشبة على جسم، ومعنى هو المراد بدلالته وهو الايلام. فأما تفسير صيغة القياس فهو التقدير، يقال: قس النعل بالنعل: أي قدره به، وقاس الطبيب الجرح إذا سبره بالمسبار ليعرف مقدار غوره، وبهذا يتبين أن معناه لغة في الاحكام: رد الشئ إلى نظيره ليكون مثلا له في الحكم الذي وقعت الحاجة إلى إثباته، ولهذا يسمى ما يجري بين المناظرين مقايسة، لان كل واحد منهما يسعى ليجعل جوابه في الحادثة مثلا لما اتفقا على كونه أصلا بينهما، يقال: قايسته مقايسة وقياسا، ويسمى ذلك نظرا أيضا إذ لا يصاب إلا بالنظر عن إنصاف، ويسمى ذلك اجتهادا مجازا أيضا لان ببذل المجهود يحصل هذا المقصود.

[ 144 ]

وأما المعنى الذي هو المراد بدلالته، وهو أنه مدرك من مدارك أحكام الشرع، ومفصل من مفاصله، وإنما يتبين هنا ببسط الكلام فنقول: إن الله تعالى ابتلانا باستعمال الرأي والاعتبار، وجعل ذلك موضوعا على مثال ما يكون بين العباد مما شرعه من الدعوى والبينات، فالنصوص شهود على حقوق الله تعالى وأحكامه بمنزلة الشهود في الدعاوى، ومعنى النصوص (شهادته، بمنزلة) شهادة الشاهد، ثم لا بد من صلاحية الشاهد بكونه حرا عاقلا بالغا، فكذلك لا بد من صلاحية النص لكونه شاهدا بكونه معقول المعنى، ولا بد من صلاحية الشهادة بوجود لفظها، فكذلك لا بد من صلاحية الوصف الذي هو بمنزلة الشهادة، وذلك بأن يكون ملائما للحكم أو مؤثرا فيه على ما نبين الاختلاف فيه، ولا بد مما هو قائم مقام الطالب فيه وهو القائس، ولا بد من مطلوب وهو الحكم الشرعي، فالمقصود تعدية الحكم إلى الفروع، ولا بد من مقضي عليه وهو عقد القلب ليترتب عليه العمل بالبدن إن كان يحاج نفسه، وإن كان يحاج غيره فلا بد من خصم هو كالمقضي عليه من حيث إنه يلزمه الانقياد له، ولا بد من قاض فيه وهو القلب بمنزلة القاضي في الخصومات، ثم بعد اجتماع هذه المعاني يتمكن المشهود عليه من الدفع كما في الدعوى المشهود عليه يتمكن من الدفع بعد ظهور الحجة فإن تمام الالزام إنما يتبين بالعجز عن الدفع، وربما يخالفنا في بعض هذا الشافعي وغيره من العلماء أيضا. فصل: في تعليل الاصول قال فريق من العلماء: الاصول غير معلولة في الاصل ما لم يقم الدليل على كونه معلولا في كل أصل. وقال فريق آخر: هي معلولة إلا بدليل مانع، والاشبه بمذهب الشافعي رحمه الله أنها معلولة في الاصل إلا أنه لا بد لجواز التعليل في كل أصل من دليل مميز، والمذهب عند علمائنا أنه لا بد مع هذا من قيام دليل يدل على كونه معلولا في الحال، وإنما يتبين هذا في مسألة

[ 145 ]

الذهب والفضة، فإن استدلال من يستدل من أصحابنا على كون الحكم الثابت فيهما معلولا بأن الاصول في الاصل معلولة لا يكون صحيحا حتى يثبت بالدليل أن النص الذي فيهما معلول في الحال. وحجة الفريق الاول أن الحكم في المنصوص قبل التعليل ثابت بصيغة النص وفي التعليل تغيير لذلك الحكم حتى يكون ثابتا بالوصف الذي هو المعنى في المنصوص، فيكون ذلك بمنزلة المجاز من الحقيقة، ولا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل، بل أولى، فالمجاز أحد نوعي اللسان والمعنى الذي يستنبط من المنصوص ليس من نوع اللسان في شئ، يوضحه أن المعاني تتعارض في المنصوص وباعتبار المعارضة لا يتعين وصف منها بل كل وصف يحتمل أن يكون هو المعنى الموجب للحكم فيه والمحتمل لا يكون حجة، ولا بد من ترجيح بعض الاوصاف عند الاشتغال بالتعليل، والترجيح بعد المعارضة لا يكون إلا بالدليل، على أنا نفهم من خطاب الشرع ما نفهم من مخاطباتنا، ومن يقول لغيره أعتق عبدي، هذا لم يكن له أن يصير إلى التعليل في هذا الامر، فكذلك في مخاطبات الشرع لا يجوز المصير إلى التعليل حتى يقوم الدليل. وحجة الفريق الثاني أن الدليل الذي دل على صحة القياس وجواز العمل به يكون دليلا على جواز التعليل في كل أصل، فإن ما هو طريق التعليل وهو الوقوف على معنى النص والوصف الذي هو صالح لان يكون علة للحكم موجود في كل نص، فيكون جواز التعليل أصلا في كل نص، وتكون صفة الصلاحية أصلا في كل وصف، فيكون التعليل به أصلا ما لم يظهر المانع، بمنزلة العمل بالاخبار، فإن وجوب العمل بكل خبر ثبت عن صاحب الشرع هو الاصل حتى يمنع منه مانع، ولا تتحقق المعارضة الموجبة للتوقف بمجرد اختلاف الآثار عند إمكان العمل بالكل، فكذلك لا تثبت المعارضة الموجبة للتوقف عند كثرة أوصاف الاصل مع إمكان العمل بالكل إلا أن يمنع من ذلك مانع، وليس هذا نظير خطاب العباد في معاملاتهم، فإن ذلك مما لا نشتغل فيه

[ 146 ]

بطلب المعنى، لجواز أن يكون خاليا عن معنى مؤثر وعن حكمة حميدة بخلاف خطاب الشرع، ألا ترى أن هناك وإن كان التعليل فيه منصوصا لا يصار إلى التعدية، فإنه لو قال أعتق عبدي هذا فإنه أسود لم يكن له أن يعدي الحكم بهذا التعليل إلى غيره، وفي خطاب الشرع فيما يكون التعليل منصوصا يثبت حكم التعدية بالاتفاق، كقوله عليه السلام: الهرة ليست بنجسة لانها من الطوافين عليكم والطوافات ودعواهم أن في التعليل تغيير الحكم كلام باطل، فإن الحكم في المنصوص بعد التعليل ثابت بالنص كما كان قبل التعليل، وإنما التعليل لتعدية الحكم إلى محل آخر لا نص فيه على ما نبينه في فصل الشرط، فعرفنا أن أثر التعليل في المنصوص من حيث شرح الصدر وطمأنينة القلب، وذلك تقرير للحكم لا تغيير كالوقوف على معنى اللسان. وقولهم إن في كل وصف احتمالا، قلنا: لا كذلك بل الاصل في النصوص وجوب التعليل لتعميم الحكم على ما قررنا، فبعد هذا في كل وصف احتمال أنه ليس بمراد بعد قيام الدليل على كونه حجة (وما ثبت حجة بالدليل فإنه لا يخرج بالاحتمال من أن يكون حجة) وإنما يثبت ذلك بالدليل المانع. وأما الشافعي فإنه يقول: قد علمنا بالدليل أن علة النص أحد أوصافه لا كل وصف منه، فإن الصحابة اختلفوا في الفروع باختلافهم في الوصف الذي هو علة في النص، فكل واحد منهم ادعى أن العلة ما قاله، وذلك اتفاق منهم أن أحد الاوصاف هو العلة، ثم ذلك الوصف مجهول والمجهول لا يصلح استعماله مع الجهالة لتعدية الحكم فلا بد من دليل التمييز بينه وبين سائر الاوصاف حتى يجوز التعليل به، فإنه لا يجوز التعليل بسائر الاوصاف لاتفاق الصحابة على ذلك وعلمنا ببطلان التعليل في مخالفة الاجماع. ثم على أصله التعليل تارة يكون للمنع من التعدية، وتارة يكون لاثبات التعدية، ولا شك أن الوصف الذي به يثبت الحجر عن التعدية غير الوصف الذي يثبت به حكم التعدية، فما لم يتميز أحد الوصفين من الآخر بالدليل لا يجوز تعليل النص.

[ 147 ]

وأما علماؤنا فقد شرطوا الدليل المميز، ولكن بطريق آخر سوى ما ذكره الشافعي على ما نذكره في بابه (إن شاء الله) وشرطوا قبل ذلك أن يقوم الدليل في الاصل على كونه معلولا في الحال، لان النصوص نوعان: معلول، وغير معلول، والمصير إلى التعليل في كل نص، بعد زوال هذا الاحتمال، وذلك لا يكون إلا بدليل يقوم في النص على كونه معلولا في الحال. وإنما نظيره مجهول الحال إذا شهد، فإنه ما لم نثبت حريته بقيام الدليل عليه لا تكون شهادته حجة في الالزام، وقبل ثبوت ذلك بالدليل الحرية ثابتة بطريق الظاهر، ولكن هذا يصلح للدفع لا للالزام، فكذلك الدليل الذي دل في كل نص على أنه معلول ثابت من طريق الظاهر وفيه احتمال، فما لم يثبت بالدليل الموجب لكون هذا النص معلولا لا يجوز المصير إلى تعليله لتعدية الحكم إلى الفروع، ففيه معنى الالزام، وهو نظير استصحاب الحال، فإنه يصلح حجة للدفع لا للالزام لبقاء الاحتمال فيه. فإن قيل: أليس أن الاقتداء برسول الله (ص) في أفعاله جائز ما لم يقم الدليل المانع، وقد ظهرت خصوصيته في بعض الافعال، ثم لم يوجب ذلك الاحتمال في كل فعل حتى يقال لا يجوز الاقتداء به إلا بعد قيام الدليل ؟ قلنا: رسول الله (ص) إمام مقتدى به، ما بعث إلا ليأخذ الناس بهديه وهداه، فيكون الاقتداء به هو الاصل وإن كان قد يجوز أن يكون هو مخصوصا ببعض الاشياء، ولكن الخصوصية في حقه بمنزلة دليل التخصيص في العموم والعمل بالعام مستقيم حتى يقوم دليل التخصيص، فكذلك الاقتداء به في أفعاله. فأما هنا فاحتمال كون النص غير معلول ثابت في كل أصل مثل احتمال كونه معلولا، فيكون هذا بمنزلة المجمل فيما يرجع إلى الاحتمال، والعمل بالمجمل لا يكون إلا بعد قيام دليل هو بيان، فكذلك تعليل الاصول، يوضحه أن هناك

[ 148 ]

قد قام الدليل الموجب لعلم اليقين على جواز الاقتداء به مطلقا، وهو قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * وههنا الدليل هو صلاحية الوصف الموجود في النص، وذلك إنما يعلم بالرأي فلا ينعدم به احتمال كون النص غير معلول، لانا قد بينا أن في تعليل النص معنى الابتلاء، والابتلاء بما يكون غير معلول من النصوص أظهر، وبعدما تحققت المساواة في معنى الابتلاء لا بد من قيام الدليل في المنصوص على أنه معلول للحال. وبيان هذا في الذهب والفضة، فإن حكم الربا ثابت فيهما بالنص وهو معلول عندنا بعلة الوزن. وأنكر الشافعي هذا فيحتاج إلى أن يثبت بالدليل أنه معلول. وفيه نوعان من الدليل: أحدها قوله عليه السلام: يد بيد ففيه إيجاب التعيين وهو متعد إلى الفروع لانه لا بد من تعيين أحد البدلين في كل عقد، فإن الدين بالدين حرام بالنص وذلك ربا، كما قال عليه السلام: إنما الربا في النسيئة ثم وجوب التعيين في البدل الآخر هنا لاشتراط المساواة، فالمساواة في البدلين عند اتفاق الجنس شرط بقوله عليه السلام: مثل بمثل وعند اختلاف الجنس المساواة في العينية شرط بقوله عليه الصلاة والسلام: وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد وهذا حكم متعد إلى الفروع، فإن الشافعي يشترط التقايض في بيع الطعام بالطعام مع اختلاف الجنس بهذا النص، ونحن لا نجوز بيع قفيز من حنطة بعينها بقفيز من شعير بغير عينه غير مقبوض في المجلس وإن كان موصوفا وحل التفاضل بينهما، لان بترك التعيين في المجلس ينعدم المساواة في اليد باليد، وشرطنا القبض في رأس مال السلم في المجلس لتحقيق معنى التعيين، فعرفنا أنه معلول، والتعليل بالثمنية يمنع التعدية، فباعتبار كونه معلولا يكون متعديا إلى الفروع، فالوصف الذي يمنع التعدية لا يقدح فيه ولا يخرجه من أن يكون شاهدا، بمنزلة صفة الجهل في الشاهد فإنه لا يكون طعنا في شهادته لانه لا يخرج به من أن يكون أهلا للولاية، والشهادة تبتنى على ذلك، بخلاف صفة الرق فإن الطعن به يمنع العمل بشهادته حتى تثبت حريته بالحجة، لانه يخرج به من أن يكون أهل الولاية والصلاحية للشهادة تبتنى على

[ 149 ]

ذلك. ومثال هذا أيضا ما قاله الشافعي في تحريم الخمر إنه معلول من غير قيام الدليل فيه على كونه معلولا، بل الدليل من النص دال على أنه غير معلول، وهو قوله عليه السلام: حرمت الخمر لعينها والسكر من كل شراب وإثبات الحرمة وصفة النجاسة في بعض الاشربة المسكرة لا يكون تعدية للحكم الثابت في الخمر، ألا ترى أنه لا يثبت على ذلك الوجه حتى لا يكفر مستحله، ولا يكون التقدير في النجاسة فيه كالتقدير في الخمر، وإنما تلك حرمة ثابتة باعتبار نوع من الاحتياط، فلا يتبين به كون النص معلولا. ثم تعليل النص قد يكون تارة بالنص، نحو قوله تعالى: * (كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم) * وقول النبي عليه السلام لبريرة: ملكت بضعك فاختاري وقد يكون بفحوى النص كقول النبي عليه السلام في السمن الذي وقعت فيه فأرة: إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوا ما بقي، وإن مائعا فأريقوه فإن في هذا إشارة إلى أنه معلول بعلة مجاورة النجاسة إياه. وكذلك خبر الربا من هذا النوع كما بينا، وقد يكون بالاستدلال بحكم النص كقوله عليه السلام في دم الاستحاضة: إنه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صلاة. وقد يكون على اتفاق القائلين بالقياس على كونه معلولا، فعند وجود شئ من هذه الادلة في النص سقط اعتبار احتمال كونه غير معلول. فصل: في ذكر شرط القياس وإنما قدمنا الشرط لان الشرعيات لا تصير موجودة بركنها قبل وجود الشرط، ألا ترى أن من أراد النكاح فلا بد له من أن يبدأ بإحضار الشهود، ومن أراد الصلاة لم يجد بدا من البداية بالطهارة وستر العورة. وهذه الشروط خمسة: أحدها أن لا يكون حكم الاصل مخصوصا به بنص آخر، والثاني أن لا يكون معدولا به عن القياس، والثالث أن لا يكون التعليل للحكم الشرعي الثابت بالنص بعينه حتى يتعدى به إلى فرع هو نظيره ولا نص

[ 150 ]

فيه، والرابع أن يبقى الحكم في المنصوص بعد التعليل على ما كان قبله، والخامس أن لا يكون التعليل متضمنا إبطال شئ من ألفاظ المنصوص. أما الاول: فلان التعليل لتعدية الحكم، وذلك يبطل التخصيص الثابت بالنص، فكان هذا تعليلا في معارضة النص لدفع حكمه والقياس في معارضة النص باطل. وأما الثاني: فلان التعليل يكون مقايسة والحكم المعدول به عن القياس الثابت بالنص لا مدخل للقياس فيه على موافقة النص، ولا معتبر بالقياس فيه على مخالفة النص، لان المقصود بالتعليل إثبات الحكم به في الفرع والقياس ينفي هذا الحكم، ولا يتحقق الاثبات بحجة النفي كما لا يتحقق التحليل بما هو حجة التحريم. وأما الثالث: فلان المقايسة إنما تكون بين شيئين ليعلم به أنهما مثلان فلا تصور له في شئ واحد ولا في شيئين مختلفين لا تتحقق المماثلة بينهما، فإذا لم يتعد الحكم بالتعليل عن المنصوص عليه يكون شيئا واحدا لا تتحقق فيه المقايسة، وإذا كانا مختلفين لا يصيران بالتعليل مثلين، ومحل الانفعال شرط كل فعل وقول كمحل هو حي فإنه شرط ليكون صدمه ضربا وقطعه قتلا، واشتراط كونه حكما شرعيا، لان الكلام في القياس على الاصول الثابتة شرعا، وبمثل هذا القياس لا يعرف إلا حكم الشرع، فإن الطب واللغة لا يعرف بمثل هذا القياس. وأما الرابع: فلان العمل بالقياس يكون بعد النص، وفي الحكم الثابت بالنص لا مدخل للقياس في التغيير كما لا مدخل له في الابطال، فإذا لم يبق حكم النص بعد التعليل في المنصوص على ما كان قبله كان هذا بيانا مغيرا لحكم النص أو مبطلا له، ولا معتبر بالقياس في معارضة النص. وأما الخامس: فلان النص مقدم على القياس بلفظه ومعناه، فكما لا يعتبر

[ 151 ]

القياس في معارضة النص بإبطال حكمه لا يعتبر في ممارسته بإبطال لفظه. وفي بعض هذه الفصول يخالفنا الشافعي رحمه الله على ما نبينه. فأما المثال الاول وهو أن العدد معتبر في الشهادات المطلقة بالنص، وقد فسر الله تعالى الشاهدين برجلين أو رجل وامرأتين وذلك تنصيص على أدنى ما يكون من الحجة لاثبات الحق، ثم خص رسول الله (ص) خزيمة رضي الله عنه بقبول شهادته وحده، فكان ذلك حكما ثبت بالنص اختصاصه به كرامة له، فلم يجز تعليله أصلا حتى لا يثبت ذلك الحكم في شهادة غير خزيمة ممن هو مثله أو دونه أو فوقه في الفضيلة لان التعليل يبطل خصوصيته. وكذلك رسول الله (ص) كان مخصوصا بأن حل له تسع نسوة فقد ثبت بالنص أن الحل بالنكاح يقتصر على الاربعة ثم ظهرت خصوصية رسول الله عليه الصلاة والسلام بالزيادة بنص آخر فلم يكن ذلك قابلا للتعليل. وكذلك ظهرت خصوصيته بالنكاح (بغير مهر بالنص فلم يكن ذلك قابلا للتعليل. وقال الشافعي: قد ظهرت خصوصيته بالنكاح) بلفظ الهبة بالنص وهو قوله تعالى: * (خالصة لك من دون المؤمنين) * فلم يجز التعليل فيه لتعدية الحكم إلى نكاح غيره. ولكنا نقول: المراد بالنص الموجب للتخصيص ملك البضع نكاحا بغير مهر، فإنه ذكر فعل الهبة وذلك يقتضي مصدرا، ثم قوله تعالى: * (خالصة لك) * نعت ذلك المصدر: أي إن وهبت نفسها للنبي هبة خالصة، بدليل قوله تعالى: * (قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم) *: أي من الابتغاء بالمال المقدر، فالفرض عبارة عن التقدير وذلك في المال يكون لا في لفظ النكاح والتزويج، أو المراد اختصاصه بالمرأة حتى لا تحل لاحد بعده فيتأدى هو بكون الغير شريكا له في فراشها من حيث الزمان، وعليه دل قوله تعالى: * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) * ألا ترى أن معنى الكرامة بالاختصاص إنما تظهر فيما يتوهم فيه الحرج بإلزامه إياه وذلك

[ 152 ]

لا يتحقق في اللفظ، فقد كان أفصح العرب لا يلحقه الحرج في لفظ النكاح والتزويج. ومن هذه الجملة اشتراط الاجل في السلم، فإنه حكم ثابت بالنص في هذا العقد خاصا، وهو قوله عليه السلام: من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم. فلا يجوز المصير فيه إلى التعليل حتى يجوز السلم حالا بالقياس على البيع بعلة أنه نوع بيع، لان الاصل في جواز البيع اشتراط قيام المعقود عليه في تلك العاقد والقدرة على التسليم، حتى لو باع ما لا يملكه ثم اشتراه فسلمه لا يجوز، ثم ترك هذا الاصل في السلم رخصة بالنص وهو ما روي أن النبي (ص): نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص في السلم وهذا لان المسلم فيه غير مقدور التسليم للعاقد عند العقد، ولا يصير مقدور التسليم له بنفس العقد، لان العقد سبب للوجوب عليه وقدرته على التسليم يكون بما له لا بما عليه، ولكنه محتاج إلى مباشرة هذا العقد لتحصيل البدل مع عجزه عن تسليم المعقود عليه في الحال، وقدرته على ذلك بعد مضي مدة معلومة بطريق العادة إما بأن يكتسب أو يدرك غلاته بمجئ أوانه، فجوز الشرع هذا العقد مع عدم المعقود عليه في ملكه رخصة لحاجته، ولكن بطريق يقدر على التسليم عند وجوب التسليم عادة وذلك بأن يكون مؤجلا، فلم يجز التعليل فيه لكونه حكما خاصا ثبت الخصوصية فيه بالنص كما بينا. وكذلك قلنا: المنافع لا تضمن بالاتلاف والغصب، لان وجوب الضمان يستدعي المالية والتقوم في المتلف وذلك لا يسبق الاحراز ولا تصور للاحراز في المنافع، ثم ثبوت المالية والتقوم فيها بالعقد حكم خاص ثبت بالنص، فلم يكن قابلا للتعليل. وكذلك إثبات المعادلة بينهما وبين الاعيان في موجب العقد الفاسد، والصحيح حكم خاص فيها، لانه لا مماثلة بين المنافع وبين الاعيان باعتبار الاصل، فالعين جوهر يقوم به العرض، والمنفعة عرض يقوم بالجوهر،

[ 153 ]

والمنافع لا تبقى وقتين والعين تبقى، وبين ما يبقى وبين ما لا يبقى تفاوت، فعرفنا أن ثبوت المساواة بينهما في مقتضى العقد حكم خاص ثابت بالنص فلا يقبل التعليل. وكذلك إلزام العقد على المنافع قبل وجودها حكم خاص ثبت للحاجة أو للضرورة، من حيث إنه لا يتصور العقد عليها بعد الوجود، لان الموجود لا يبقى إلى وقت التسليم، وما لا يتأتى فيه التسليم بحكم العقد لا يكون محلا للعقد، فلا يجوز تعدية هذا الحكم بالتعليل إلى المحل الذي يتصور العقد عليه بعد الوجود، وهو نظير حل الميتة عند المخمصة، فإن ثبوته لما كان بطريق الضرورة لم يجز تعليله لتعدية ذلك الحكم إلى محل آخر. ومثال الفصل الثاني ما قال أبو حنيفة رحمه الله في جواز التوضي بنبيذ التمر، فإنه حكم معدول به عن القياس بالنص فلم يكن قابلا للتعليل حتى لا يتعدى ذلك الحكم (إلى سائر الانبذة، ووجوب الطهارة بالقهقهة في الصلاة حكم معدول به عن القياس بالنص فلم يكن قابلا للتعليل حتى لا يتعدى الحكم) إلى صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، لان النص ورد في صلاة مطلقة وهي ما تشتمل على جميع أركان الصلاة. وكذلك بقاء الصوم مع الاكل والشرب ناسيا، فإنه معدول به عن القياس بالنص، لان ركن الصوم ينعدم بالاكل مع النسيان، والركن هو الكف عن اقتضاء الشهوات، وأداء العبادة بعد فوات ركنها لا يتحقق، فعرفنا أنه عن معدول به عن القياس فلم يجز تعدية الحكم فيه إلى المخطئ والمكره والنائم يصب في حلقه بطريق التعليل. فإن قيل: قد عديتم حكم النص إلى الجماع، وقد ورد في الاكل والشرب وكان ذلك بطريق التعليل. قلنا: لا كذلك بل قد ثبت بالنص المساواة بين الاكل والشرب والجماع في حكم الصوم، وإن ركن الصوم هو الكف عن اقتضاء الشهوتين جميعا فيكون الحكم الثابت (بالنص)

[ 154 ]

في أحدهما ثابتا في الآخر بالنص أيضا لا بالمقايسة، لانه ليس بينهما فرق في حكم الصوم الشرعي سوى اختلاف الاسم، فإن الاقدام على كل واحد منهما فيه تفويت ركن الصوم، لانه جناية على محل الفعل من بضع أو طعام، وهو نظير جزء الرقبة مع شق البطن فإنهما فعلان مختلفان في الاسم، وكل واحد منهما قتل موجب للقود بالنص لا بالقياس. وكذلك من به سلس البول يتوضأ لوقت كل صلاة كالمستحاضة، وكان الحكم في كل واحد منهما ثابتا بالنص لا بالقياس، لان النص ورد عند استدامة العذر. وعلى هذا قلنا: من سبقه الحدث في خلال الصلاة بأي وجه سبقه فإنه يتوضأ ويبني على صلاته بالنص، وذلك حكم معدول به عن القياس، وإنما ورد النص في القئ والرعاف، ثم جعل ذلك ورودا في سائر الاحداث الموجبة للوضوء ولم يجعل ورودا في الحدث الموجب للاغتسال لتحقق المغايرة فيما بينهما. فإن قيل: فكذلك نقول في المكره والخاطئ، فالمساواة بينهما وبين الناسي ثابت من حيث إن كل واحد منهما غير قاصد إلى الجناية على الصوم. قلنا: نعم ولكن هذا إنما يستقيم إذا ثبت أن القصد معتبر في تفويت ركن الصوم، وإذا كان القصد لا يعتبر في تحقق ركن الصوم حتى إن من كان مغمى عليه في جميع النهار يتأدى ركن الصوم منه، فكذلك ترك القصد لا يمنع تحقق فوات ركن الصوم، وكذلك مع عدم القصد قد يتحقق فوات ركن الصوم وانعدام الاداء به، فإن من أغمى قبل غروب الشمس وبقي كذلك إلى آخر الغد فإنه لا يكون صائما، وإن انعدم منه القصد إلى ترك الصوم، ثم لا مساواة أيضا بين الخاطئ والمكره وبين الناسي فيما يرجع إلى عدم القصد، فإن الخاطئ إنما انعدام القصد منه باعتبار قصده إلى المضمضة، وإنما ابتلي بالشرب خطأ بطريق يمكن التحرز عنه. وأما الناسي فانعدم القصد منه لعدم علمه بالصوم أصلا وذلك بنسيان لا صنع له فيه، وإليه أشار عليه السلام في قوله: إن الله أطعمك وسقاك ولما كان سبب العذر ممن له الحق على وجه لا صنع للعباد فيه استقام أن يجعل الركن باعتباره

[ 155 ]

قائما حكما، فأما في المكره والنائم سبب العذر جاء من جهة العباد، والحق في أداء الصوم لله فلم يكن هذا في (معنى) سبب كان ممن له الحق، ألا ترى أن المريض يصلي قاعدا ثم لا تلزمه الاعادة إذا برأ، والمقيد يصلي قاعدا ثم تلزمه الاعادة إذا رفع القيد عنه. وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: الذي شج في صلاته لا يبني بعد الوضوء، والذي ابتلي بقئ أو رعاف يبني على صلاته بعد الوضوء، لما أن ذلك حكم معدول به عن القياس بالنص فلم يجز التعليل فيه، وما يبتنى على صنع العباد ليس نظير ما لا صنع للعباد من كل وجه. ومن هذه الجملة قلنا: حل الذبيحة مع ترك التسمية ناسيا حكم معدول به عن القياس بالنص، فلم يجز تعليله لتعدية الحكم إلى العامد ولا مساواة بينهما، فالناسي معذور غير معرض عن ذكر اسم الله تعالى، والعامد جان معرض عن ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة. ومن أصحابنا من ظن أن المستحسنات كلها بهذه الصفة وليس كما ظن، فالمستحسن قد يكون معدولا به عن القياس، وقد يكون ثابتا بنوع من القياس إلا أنه قياس خفي على ما نبينه في بابه إن شاء الله تعالى. ومن أصحابنا من ظن أن في الحكم الذي يكون ثابتا بالنص فيه معنى معقول، إلا أنه يعارض ذلك المعنى معان أخر تخالفه، فالجواب فيه كذلك، إلا أنه لا يجوز التعليل فيه وليس كذلك، فإن الاصل بمنزلة الراوي والوصف الذي به تعلل بمنزلة الحديث، وفي رواية الاخبار قد يقع الترجيح باعتبار كثرة الرواة على ما بينا، ولكن به لا يخرج من أن تكون رواية الواحد معتبرا، فعرفنا أنه متى كان النص معقول المعنى فإنه يجوز تعليله بذلك المعنى ليتعدى الحكم به إلى فرع، وإن عارض ذلك المعنى معان أخر في الاصل، فإنه ليس من شرط التعليل للتعدية اعتبار جميع معاني الاصل. وأما الفصل الثالث: فهو أعظم هذه الوجوه فقها، وأعمها نفعا، وهو شرط واحد اسما ولكن يدخل تحته أصول.

[ 156 ]

فمنها: أن الكلام متى كان من معنى اللغة فإنه لا يجوز المصير فيه إلى الاثبات بالقياس الشرعي. وبيان هذا في اليمين الغموس، فإن علماءنا قالوا إنها لا تنعقد موجبة للكفارة، لانها ليست بيمين معقودة ووجوب الكفارة بالنص في اليمين المعقودة، وكان الاشتغال في الحكم بالتعليل بقوله يمين بالله مقصودة باطلا من الكلام، لان الكلام في إثبات الاسم حقيقة، فعندنا هذه ليست بيمين حقيقة، وإنما سميت يمينا مجازا، لان ارتكاب هذه الكبيرة كان باستعمال صورة اليمين كبيع الحر يسمى بيعا مجازا وإن لم يكن بيعا على الحقيقة، وإذا كان الكلام في إثبات اسم اليمين حقيقة وذلك لا يمكن معرفته بالقياس الشرعي كان الاشتغال به فضلا من الكلام، ولكن طريق معرفته التأمل في أصول أهل اللغة، وهم إنما وضعوا اليمين لتحقيق معنى الصدق من الخبر، فعرفنا أن ما ليس فيه توهم الصدق بوجه لا يكون محلا لليمين لخلوه عن فائدة، وبدون المحل لا يتصور انعقاد اليمين، ولذلك قال أبو حنيفة في اللواطة إنها لا توجب الحد، لانها ليست بزنا واشتغال الخصوم بتعليل نص الزنا لتعدية الحكم أو إثبات المساواة بينه وبين اللواطة يكون فاسدا، لان طريق معرفة الاسم النظر في موضوعات أهل اللغة لا الاقيسة الشرعية. وكذلك سائر الاشربة سوى الخمر لا يجب الحد بشرب القليل ما لم يسكر، واشتغال الخصم بتعليل نص الخمر لتعدية الحكم أو لاثبات المساواة فاسد، لان الكلام في إثبات هذا الاسم كسائر الاشربة. فإن قيل: اعتبار المعنى لاثبات المساواة في الاسم لغة لا شرعا، فالزنا عند أهل اللغة اسم لفعل فيه اقتضاء الشهوة على قصد سفح الماء دون النسل، ولهذا سموه سفاحا وسموا النكاح إحصانا، واللواطة مثل الزنا في هذا المعنى من كل وجه. وكذلك الخمر اسم لعين تحصل مخامرة العقل

[ 157 ]

بشربه ولهذا لا يسمى العصير به قبل التخمر ولا بعد التخلل، وهذه الاشربة مساوية للخمر في هذا المعنى. قلنا هذا فاسد، لان الاسماء الموضوعة للاعيان أو للاشخاص عند أهل اللغة المقصود بها تعريف المسمى وإحضاره بذلك الاسم لا تحقق ذلك الوصف في المسمى، بمنزلة الاسماء الموضوعة للرجال والنساء كزيد وعمر وبكر وما أشبهه، فكذلك أسماء الافعال كالزنا واللواطة وأسماء الاعيان كالخمر، وما هذه الدعوى إلا نظير ما يحكى عن بعض الموسوسين أنه كان يقول: أنا أبين المعنى في كل اسم لغة أنه لماذا وضع ذلك الاسم لغة لما يسمى به. فقيل له: لماذا يسمى الجرجير جرجيرا ؟ فقال: لانه يتجرجر إذا ظهر على وجه الارض، أي يتحرك. فقيل له: فلحيتك تتحرك أيضا ولا تسمى جرجيرا ! فقيل له: لماذا سميت القارورة قارورة ؟ قال: لانه يستقر فيها المائع. فقيل له: فجوفك أيضا يستقر فيه المائع ولا يسمى قارورة !. ولا شك أن الاشتغال بمثل هذا في الاسماء الموضوعة يكون من نوع الجنون. فإن قيل: الاحكام الشرعية إنما تبتنى على الاسامي الثابتة شرعا وذلك نوع من الاسامي لا يعرفه أهل اللغة كاسم الصلاة للاركان المعلومة، واسم المنافق لبعض الاشخاص. وما أشبه ذلك. قلنا: الاسماء الثابتة شرعا تكون ثابتة بطريق معلوم شرعا كالاسماء الموضوعة لغة تكون ثابتة بطريق يعرفه أهل اللغة، ثم ذلك الاسم لا يختص بعلمه واحد من أهل اللغة، بل يشترك فيه جميع أهل اللغة لاشتراكهم في طريق معرفته، فكذلك هذا الاسم يشترك في معرفته جميع من يعرف أحكام الشرع، وما يكون بطريق الاستنباط والرأي فإنما يعرفه القايس، فبهذا يتبين أنه لا يجوز إثبات الاسم بالقياس على أي وجه كان، وعلى هذا لا يجوز استعمال القياس في إلحاق النباش بالسارق في حكم القطع، لان القطع بالنص واجب على السارق، فالكلام في إثبات اسم السرقة حقيقة وقد قدمنا البيان في نفي التسوية

[ 158 ]

بين النباش والسارق في فعل السرقة، وهذا لان الاسماء نوعان: حقيقة، ومجاز. فطريق معرفة الحقيقة هو السماع من أهل اللغة، وطريق معرفة المجاز منه الوقوف على استعارة أهل اللغة، ونحن نعلم أن طريق الاستعارة فيما بين أهل اللغة غير طريق التعدية في أحكام الشرع، فلا يمكن معرفة هذا النوع بالتعليل الذي هو لتعدية حكم الشرع. وعلى هذا قلنا: الاشتغال بالقياس لتصحيح استعارة ألفاظ الطلاق للعتق يكون باطلا، وإنما نشتغل فيه بالتأمل فيما هو طريق الاستعارة عند أهل اللغة. وكذلك الاشتغال بالقياس لاثبات الاستعارة في ألفاظ التمليك للنكاح يكون اشتغالا بما لا معنى له. وكذلك في إثبات استعارة لفظ النسب للعتق. وكذلك الاشتغال بالقياس في تصحيح إرادة العدد من لفظ الطلاق. والاشتغال بالقياس لاثبات الموافقة بين الشاهدين إذا شهد أحدهما بمائة والآخر بمائتين أو شهد أحدهما بتطليقة والآخر بنصف تطليقة فإنما يكون من نوع هذا (فالحاجة فيه إلى إثبات الاسم وطريق الوقوف عليه التأمل في طريقه عند أهل اللغة) فكان الاشتغال بالقياس الشرعي فيه اشتغالا بما لا يفيد. وكذلك الاطعام في الكفارات فإن اشتراط التمليك فيه بالقياس على الكسوة باطل، لان الكلام في معنى الاطعام المنصوص عليه ولا مدخل للقياس الشرعي في معرفة معنى الاسم لغة، وإنما الطريق فيه التأمل في معنى اللفظ لغة وهو فعل متعد فلازمه طعم وحقيقته فيما يصير المسكين به طاعما، وذلك بالتمكين من الاطعام، بمنزلة الايكال، ثم يجوز التمليك فيه بدلالة النص، فأما الكسوة فهو عبارة عن الملبوس دون فعل اللبس ودون منفعة الثوب وعين الملبوس لا يصير كفارة إلا بالتمليك من المسكين، فأما الالباس فهو تمكين من الانتفاع بالملبوس. ومن هذه الجملة: الاختلاف في شرط التعدية، والمذهب عندنا أن تعليل النص بما لا يتعدى لا يجوز أصلا. وعند الشافعي هذا التعليل جائز ولكنه لا يكون مقايسة، وعلى هذا جوز هو تعليل نص الربا في الذهب والفضة

[ 159 ]

بالثمينة وإن كانت لا تتعدى، فنحن لا نجوز ذلك. والمذهب عندنا أن حكم التعليل هو تعدية حكم الاصل إلى الفروع، وكل تعليل لا يفيد ذلك فهو خال عن حكمه، وعلى قوله حكم التعليل ثبوت الحكم في المنصوص بالعلة ثم تتعدى تلك العلة إلى الفروع تارة فيثبت بها الحكم في الفروع كما في الاصل، وتارة لا تتعدى فيبقى الحكم في الاصل ثابتا وبه يكون ذلك تعليلا مستقيما بمنزلة النص الذي هو عام مع النص الذي هو خاص. احتج وقال لان التعليل بالرأي حجة لاثبات حكم الشرع فيكون بمنزلة سائر أنواع الحجج، وسائر الحجج من الكتاب والسنة أينما وجدت يثبت الحكم بها، فكذلك التعليل بالرأي إلا أن سائر الحجج تكون ثابت بغير صنع منا، والتعليل بالرأي إنما يحصل بصنعنا، ومتى وجد ذلك كان ثبوت الحكم مضافا إليه سواء تعدى إلى الفروع أو لم يتعد، وهذا لان الشرط في الوصف الذي يتعلل الاصل به قيام دلالة التمييز بينه وبين سائر الاوصاف، وهذا المعنى يتحقق في الوصف الذي يقتصر على موضع النص وفي الوصف الذي يتعدى إلى محل آخر، وبعد ما وجد فيه شرط صحة التعليل به لا يثبت الحجر عن التعليل به إلا بمانع، فكونه غير متعد لا يصلح أن يكون مانعا إنما المانع ما يخرجه من أن يكون حجة، وانعدام وصف التعدي فيه لا يخرجه من أن يكون حجة كالنص. والجواب عن هذا الكلام بما هو الحجة لنا، وهو أن الحجج الشرعية لا بد أن تكون موجبة علما أو عملا، والتعليل بالرأي لا يوجب العلم بالاتفاق، فعرفنا أنه موجب للعمل وأنه باعتباره يصير حجة، والموجب للعمل ما يكون متعديا إلى الفروع، لان وجوب العمل بالعلة إنما يظهر في الفرع، فأما الاصل فقد كان موجبا للعمل في المحل الذي تناوله قبل التعليل، فإذا خلا عن التعليل لم يكن موجبا شيئا فلا يكون حجة شرعا.

[ 160 ]

فإن قيل: وجوب العمل في الاصل بعد أن التعليل يصير مضافا إلى العلة كما أن في الفرع بعد التعدية يصير وجوب العمل مضافا إلى العلة. قلنا: هذا فاسد، لان قبل التعليل كان وجوب العمل بالنص، والتعليل لا يجوز على وجه يكون مغيرا حكم الاصل، فكيف يجوز على وجه يكون مبطلا حكم الاصل وهو إضافة وجوب العمل إليه، ألا ترى أن وجوب العمل به لما كان مضافا إلى النص قبل التعليل بقي مضافا إليه بعد التعليل، وبه يتبين أن النص أقوى والضعيف لا يظهر في مقابلة القوي، فيكون الحكم وهو وجوب العمل في الاصل مضافا إلى أقوى الحجتين وهو النص بعد التعليل كما كان قبله. واعتباره الاصل بالفرع في أن الحكم فيه يكون مضافا إلى العلة في نهاية الفساد، لان الفرع يعتبر الاصل، فأما الاصل لا يعتبر بالفرع في معرفة حكمه بحال. فإن قيل مع هذا: التعليل صحيح ليثبت به تخصيص الاصل بذلك الحكم. قلنا: وهذا ثابت قبل التعليل بالنص، ثم تعليل الاصل بوصف لا يتعدى لا يمنع تعليله بوصف آخر يتعدى إذا وجد فيه ما هو شرط العلة، لانه كما يجوز أن يجتمع في الاصل وصفان كل واحد منهما يتعدى إلى فروع وأحدهما أكثر تعدية من الآخر يجوز أن يجتمع وصفان يتعدى أحدهما ولا يتعدى الآخر، فبهذا تبين أن هذا التعليل لا يوجب تخصيص الاصل أيضا. وكيف يقال هذا وبالاجماع بيننا وبينه انعدام العلة لا يوجب انعدام الحكم على ما نبينه في بابه إن شاء الله تعالى، وإنما يكون التعليل بما لا يتعدى موجبا تخصيص الاصل إذا كان الحكم ينعدم بانعدام العلة كما يوجد بوجودها. ومن هذه الجملة: تعليل الاصل لتعدية الحكم إلى موضع منصوص، فإن ذلك لا يجوز عندنا، نص عليه محمد السير الكبير، وقال: النص الوارد في هدي المتعة لا يجوز تعليله لتعدية حكم الصوم فيه إلى هدي الاحصار، لان ذلك منصوص عليه وإنما يقاس بالرأي على المنصوص ولا يقاس المنصوص

[ 161 ]

على المنصوص. والشافعي يجوز هذا التعليل لاثبات زيادة في حكم النص الآخر بالتعليل، ولهذا قال: يجوز تعليله على وجه يوجب زيادة في حكم النص الآخر لا على وجه يوجب ما هو خلاف حكم النص الآخر، لان وجوب الزيادة به إذا كان النص الآخر ساكتا عنه يكون بيانا، والكلام وإن كان ظاهرا فهو يحتمل زيادة البيان، ولكنه لا يحتمل من الحكم ما هو خلاف موجبه، والتعليل ليحصل به زيادة البيان، فلهذا جوزنا تعليل النص بوصف يتعدى إلى ما فيه نص آخر لاثبات الزيادة فيه، ولكنا نقول: الحكم الثابت بالتعليل في المحل الذي فيه نص إما أن يكون موافقا للحكم الثابت فيه بذلك النص أو مخالفا له، وعند الموافقة لا يفيد هذا التعليل شيئا، لان الحكم في ذلك الموضع مضاف إلى النص الوارد فيه فلا يصير بتعليل نص آخر مضافا إلى العلة، كما لا يصير الحكم في النص المعلول مضافا إلى العلة بعد التعليل كما قررنا، وإن كان مخالفا له فهو باطل، لان التعليل في معارضة النص أو فيما يبطل حكم النص باطل بالاتفاق، وإن كان زائدا فيه فهو مغير أيضا بحكم ذلك النص، لان جميع الحكم قبل التعليل في ذلك الموضع ما أوجبه النص الوارد فيه وبعد التعليل يصير بعضه والبعض غير الكل، فعرفنا أنه لا يخلو هذا التعليل من أن يكون مغيرا حكم النص، وتبين بهذا أن الكلام في هذا الفصل بناء على ما قدمنا أن الزيادة على النص عندنا بمنزلة النسخ، فكما لا يجوز إثبات نسخ المنصوص بالتعليل بالرأي فكذلك لا يجوز إثبات الزيادة فيه. ثم بيان قولنا: إن شرط التعليل تعدية حكم النص بعينه في مواضيع، منها أنا لا نجوز تعليل نص الربا في الاشياء الاربعة بالطعم، لان الحكم في النصوص كلها إثبات حرمة متناهية بالتساوي، وصفة الطعم توجب تعدية الحكم إلى محال تكون الحرمة فيها مطلقة غير متناهية، وهي المطعومات التي لا تدخل تحت المعيار، فعرفنا أن هذا الوصف لا يوجب تعدية حكم النص بعينه، إذ الحرمة المتناهية غير الحرمة المؤبدة، ألا ترى أن الحرمة الثابتة بالرضاع والمصاهرة غير الحرمة الثابتة بالتطليقات الثلاث، ولهذا قلنا:

[ 162 ]

إن النقود لا تتعين في العقود بالتعيين، بخلاف ما يقوله الشافعي إنها متعينة في الملك وتعيينها في العقد مفيد فتتعين بالتعيين كالسلع. وهذا لان هذا التعليل لا يوجب تعدية حكم الاصل بعينه، فحكم البيع في السلع وجوب الملك به فيها لا وجودها في نفسها، ولهذا لا بد من قيامها في ملك البائع عند العقد ليصح العقد، وحكم العقد في الثمن وجوبها ووجودها بالعقد، ولهذا لا يشترط قيام الثمن في ملك المشتري عند العقد لصحة العقد، ويجوز العقد بدون تعيينه لا على اعتبار أنه بمنزلة السلع، ولكن يسقط اعتبار وجوده بطريق الرخصة، فإن هذا الحكم فيما وراء موضع الرخصة ثابت حتى يجوز الاستبدال به قبل القبض، ولا يجب جبر النقص المتمكن فيه عند عدم التعيين بذكر الاجل ولا بقبض ما يقابله في المجلس بخلاف السلم، فعرفنا أن الحكم الاصلي في الثمن ما بينا، وفي التعيين تغيير لذلك الحكم وجعل ما هو الركن شرطا، وأي التغيير أبلغ من هذا. فتبين بهذا أنه ليس في هذا التعليل تعدية حكم النص بعينه بل إثبات حكم آخر في الفرع، ولهذا قلنا إن إظهار الذمي باطل، لان حكم الظهار في حق المسلم أنه يثبت به حرمة متناهية بالكفارة، فتعليل هذا الاصل بما يوجب تعدية الحكم إلى الذمي يكون باطلا، لانه لا يثبت به حكم الاصل بعينه وهو الحرمة المتناهية، فإن الذمي ليس من أهل الكفارة مطلقا. وبيان قولنا: إلى فرع: هو نظيره في فصول، منها ما بينا أنه لا يجوز تعليل النص الوارد في الناسي بالعذر ليتعدى الحكم به إلى الخاطئ والمكره، لان الفرع ليس بنظير للاصل، فعذرهما دون عذر الناسي فيما هو المقصود بالحكم، لان عذر الخاطئ لا ينفك عن تقصير من جهته بترك المبالغة في التحرز، وعذر المكره باعتبار صنع هو مضاف إلى العباد فلا تجوز تعدية الحكم للتعليل إلى ما ليس بنظير به. وكذلك قلنا: شرط النية في التيمم لا يجوز تعليله بأنه طهارة حكمية ليتعدى الحكم به إلى الوضوء، فإن الفرع ليس بنظير الاصل في كونه طهارة، لان التيمم باعتبار الاصل تلويث وهو لا يكون رافعا للحدث بيقين بخلاف الطهارة بالماء، ولهذا أمثلة كثيرة.

[ 163 ]

فإن قيل: فقد أوجبتم الكفارة بالاكل والشرب في رمضان على طريق تعدية حكم النص الوارد في الجماع إليه مع أن الاكل والشرب ليس بنظير للجماع لما في الجماع من الجناية على محل الفعل، ولهذا يتعلق به الحد رجما في غير الملك وذلك لا يوجد في الاكل والشرب، وأثبتم حرمة المصاهرة بالزنا بطريق تعدية الحكم من الوطئ الحلال إليه وهو ليس بنظير له فلان الاصل حلال يثبت به النسب والزنا حرام لا يثبت به النسب، وكذلك أثبتم الملك الذي هو حكم البيع بالغصب وهو ليس بنظير له، فالبيع مشروع والغصب عدوان محض وهو ضد المشروع. قلنا: أما في مسألة الكفارة فنحن ما أوجبنا الكفارة بطريق التعليل بالرأي، فكيف يقال هذا ! ومن أصلنا أن إثبات الكفارات بالقياس لا يجوز خصوصا في كفارة الفطر فإنها تنزع إلى العقوبات كالحد، ولكن إنما أوجبنا الكفارة بالنص الوارد بلفظ الفطر، وهو قوله عليه السلام: من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر ثم قد بينا أنهما نظيران في حكم الصوم فإن ركن الصوم هو الكف عن اقتضاء الشهوتين، ووجوب الكفارة باعتبار الجناية على الصوم بتفويت ركنه على أبلغ الوجوه لا باعتبار الجناية على المحل، وفي الجناية على الصوم هما سواء، ووجوب الكفارة باعتبار الفطر (المفوت) لركن الصوم صورة ومعنى، والجماع آلة لذلك كالاكل والشرب. وما هذا إلا نظير إيجاب القصاص في القتل بالسهم والسيف، فإن القصاص يجب بالقتل العمد والسيف آلة لذلك الفعل، كالسهم، فلا يكون ذلك بطريق تعدية الحكم من محل إلى محل، إنما التعدية فيما قاله الخصم إن الكفارة تجب بجماع الميتة والبهيمة. وعندنا هذا التعليل باطل، لان جماع الميتة والبهيمة ليس نظير جماع الاهل في تفويت ركن الصوم، فإن فوات الركن معنى بما تميل إليه الطباع السليمة لقصد قضاء الشهوة، وذلك يختص بمحل مشتهى وفرج الميتة والبهيمة ليس بهذه الصفة، فكان هذا تعليلا لتعدية الحكم إلى ما ليس

[ 164 ]

بنظير للاصل فكان باطلا. فأما مسألة الزنا فالاصل في ثبوت الحرمة ليس هو الوطئ بالولد الذي يتخلق من الماءين إذا اجتمعا في الرحم، لانه من جملة البشر له من الحرمات ما لغيره من بني آدم، ثم تتعدى تلك الحرمة إلى الزوجين باعتبار أن انخلاق الولد كان من مائهما، فيثبت معنى الاتحاد بينهما بواسطة الولد، فيصير أمهاتها وبناتها في الحرمة عليه كأمهاته وبناته، ويصير آباؤه وأبناؤه في كونها محرمة عليهم كآبائها وأبنائها، ثم يقام ما هو السبب لاجتماع الماءين في الرحم وهو الوطئ مقام حقيقة الاجتماع لاثبات هذه الحرمة، وذلك بوطئ يختص بمحل الحرث، ولا معتبر بصفة الحل في هذا المعنى، ولا أثر لحرمة الوطئ في منع هذا المعنى الذي لاجله أقيم هذا السبب مقام ما هو الاصل في إثبات الحرمة، إلا أن إقامة السبب مقام ما هو الاصل فيما يكون مبنيا على الاحتياط وهو الحرمة والنسب ليس بنظيره في معنى الاحتياط، فلهذا لا يقام الوطئ مطلقا مقام ما هو الاصل حقيقة في إثبات النسب، ولا يدخل على هذا أن هذه الحرمة لا تتعدى إلى الاخوات والعمات على أن يجعل أخواتها كأخواته في حقه، لان أصل الحرمة لا يمكن إثباته بالتعليل بالرأي، وإنما يثبت بالنص، والنص ما ورد بامتداد هذه الحرمة إلى الاخوات والعمات، فتعدية الحرمة إليهما تكون تغييرا لحكم النص، وقد بينا أن ذلك لا يجوز بالتعليل. وعلى هذا فصل الغصب، فإنا لا نوجب الملك به حكما للغصب، كما نوجبه بالبيع، وإنما نثبت الملك به شرطا للضمان الذي هو حكم الغصب، وذلك الضمان حكم مشروع كالبيع، وكون الاصل مشروعا يقتضي أن يكون شرطه مشروعا. وبيان قولنا: ولا نص فيه: في فصول، منها أنا لا نجوز القول بوجوب الكفارة في القتل العمد بالقياس على القتل الخطأ، لانه تعليل الاصل لتعدية الحكم إلى فرع فيه نص على حدة. ولا نجوز القول بوجوب الدية في العمد المحض بالقياس على الخطأ لهذا المعنى. ولا نوجب الكفارة في اليمين الغموس بالقياس على اليمين المعقودة على أمر في المستقبل لهذا المعنى أيضا. ولا نشترط صفة الايمان فيمن تصرف إليه الصدقات سوى الزكاة بالقياس على الزكاة،

[ 165 ]

لما فيه من تعليل الاصل لتعدية الحكم إلى ما فيه نص آخر. ولا نشترط الايمان في الرقبة في كفارة الظهار واليمين بالقياس على كفارة القتل، لان فيه تعليل الاصل لتعدية الحكم به إلى محل فيه نص آخر، وفيه تعرض لحكم النص الآخر بالتغيير فإن الاطلاق غير التقييد، وبعد ما ثبتت الرقبة مطلقا في كفارة اليمين والظهار فإثبات التقييد فيه بالايمان يكون تغييرا، كما أن إثبات صفة الاطلاق في المقيد يكون تغييرا، فإن الحرمة في الربائب لما تقيدت بالدخول، كان تعليل أمهات النساء لاثبات صفة الاطلاق في حرمة الربائب يكون تغييرا لا يجوز المصير إليه بالرأي، فكذلك إثبات التقييد فيما كان مطلقا بالنص. وبيان الفصل الرابع، وهو ما قلنا: إن الشرط أن يبقى حكم النص بعد التعليل في الاصل على ما كان قبله، فلانه لما ثبت أن التعليل لا يجوز أن يكون مغيرا حكم النص في الفروع ثبت بالطريق الاولى أنه لا يجوز أن يكون مغيرا حكم الاصل في نفسه، ففي كل موضع لا يبقى الحكم في المنصوص بعد التعليل على ما كان قبله، فذلك التعليل يكون باطلا، لكونه مغيرا لحكم الاصل، ولهذا لم نجوز التعليل في قبول شهادة المحدود في القذف بعد التوبة بالقياس على المحدود في سائر الجرائم بعلة أنه محدود في كبيرة، لان بعد هذا التعليل لا يبقى حكم النص الوارد فيه على ما كان قبله. فإن قيل: هذا التعليل يكون هو ساقط الشهادة بالنص أبدا ويكون ذلك متمما لحده، وبعد التعليل يتغير هذا الحكم، فإن الجلد قبل هذا التعليل يكون بعض الحد في حقه وبعده يكون تمام الحد، فيكون تغييرا على نحو ما قلنا في التغريب: إن الجلد إذا لم يضم إليه التغريب في زنا البكر يكون حدا كاملا، وإذا ضم إليه التغريب يكون بعض الحد. وكذلك تعليل الشافعي في إبطال شهادته بنفس القذف بالقياس على سائر الجرائم باطل، لانه تغيير للحكم بالنص، فإن مدة العجز عن إقامة أربعة من الشهداء بعد القذف ثابت بالنص لاقامة

[ 166 ]

الجلد وإسقاط الشهادة، فكان إثباته بنفس القذف بدون اعتبار تلك المدة بطريق التعليل باطلا، لان حكم النص لا يبقى بعد التعليل على ما كان قبله. وكذلك القول بسقوط شهادة الفاسق أصلا بالقياس على المحدود في القذف أو على العبد والصبي باطل، لان الحكم الثابت بالنص في حق الفاسق التوقف في شهادته، وبعد تعيين جهة البطلان فيه لا يبقى التوقف، فحكم النص بعد هذا التعليل لا يبقى على ما كان قبله. وكذلك قلنا: الفرقة بين الزوجين لا تقع بلعان الزوج، لان الحكم الثابت بالنص اللعان من الجانبين، وهي شهادات مؤكدة بالايمان وليس فيه ما يوجب الفرقة بينهما، وقد ثبت بالنص أنهما لا يجتمعان أبدا، وذلك أيضا لا يقتضي زوال الملك به كما بعد إسلام المرأة قبل إسلام الزوج، فإثبات حكم الفرقة بقذف الزوج عند لعانه لا يجوز بطريق التعليل، لانه لا يبقى حكم النص بعد هذا التعليل على ما كان قبله، فقبله المذكور جميع الحكم، وبعده يكون بعض الحكم، إلا أن بعد ما فرغا من اللعان يتحقق فوات الامساك بالمعروف ما داما مصرين على ذلك، واستحقاق الفرقة عند فوات الامساك بالمعروف يثبت موقوفا على قضاء القاضي به كما بعد إسلام أحد الزوجين إذا أبى الآخر الاسلام. وكذلك قلنا: إذا كذب الملاعن نفسه وضرب الحد جاز له أن يتزوجها، لان الثابت بالنص أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدا وبعد الاكذاب لا يكون متلاعنا، بدليل أنه يقام عليه حد القذف فلا يجتمع اللعان والحد بقذف واحد، فمن ضرورة القول بإقامة الحد عليه أن لا يبقى ملاعنا، ولهذا لو أكذب نفسه قبل اللعان فإنه يقام الحد عليه ولا يلاعنها، فإذا خرج من أن يكون ملاعنا بإكذابه نفسه قلنا إن كان قبل قضاء قاضي بالفرقة لم يفرق بينهما، وإن كان بعد القضاء جاز له أن يتزوجها، لانا لو بقينا الحرمة بالقياس على الحرمة الثابتة بالرضاع والمصاهرة لم يبق حكم النص بعد التعليل على ما كان قبله، فإن قبل التعليل كان الثابت بالنص

[ 167 ]

حرمة الاجتماع بين المتلاعنين، وبعد التعليل تكون حرمة الاجتماع بين غير المتلاعنين. فإن قيل: فقد فعلتم ما أنكرتموه في فصول، منها أن حكم نص الربا المساواة بين القليل والكثير قبل التعليل، ثم بعد التعليل خصصتم القليل من الحنطة فلم يبق حكم النص بعد التعليل بالكيل في المنصوص على ما كان قبله. وكذلك الشاة بصورتها ومعناها صار مستحقا للفقير بالنص، ثم بالتعليل بالمالية أبطلتم حقه عن الصورة فلم يبق حكم النص بعد التعليل في المنصوص على ما كان قبله، وجوزتم هذا التعليل لابطال حق المستحق مع أنه لا يجوز استعمال القياس في إبطال حق المستحق عن الصورة أو المعنى كما في سائر حقوق العباد. وقد ثبت بالنص حق الاصناف في الصدقات لوجود الاضافة إليهم بلام التمليك، ثم بالتعليل بالحاجة غيرتم هذا الحكم في المنصوص وجوزتم الصرف إلى صنف واحد. وثبت بالنص وجوب التكفير بإطعام عشرة مساكين، ثم بالتعليل غيرتم هذا الحكم في المنصوص فجوزتم الصرف إلى مسكين واحد في عشرة أيام. وبالنص ثبت لزوم التكبير عند الشروع في الصلاة، ثم بالتعليل بالثناء وذكر الله على سبيل التعظيم غيرتم هذا الحكم في المنصوص حتى جوزتم افتتاح الصلاة بغير لفظ التكبير. وبالنص ثبت وجوب استعمال الماء لتطهير الثوب عن النجاسة، ثم غيرتم بالتعليل بكونه مزيلا للعين والاثر هذا الحكم في المنصوص حتى جوزتم تطهير الثوب النجس باستعمال سائر المائعات سوى الماء. قلنا: أما الاول فهو دعوى من غير تأمل، وإنا ما خصصنا القليل من البر إلا بالنص، فإن النص قوله عليه السلام: لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء والاصل في الاستثناء من النفي أن المستثنى منه في معنى المستثني، وعلى هذا بنى علماؤنا مسائل: في الجامع: إذا قال إن كان في هذه الدار إلا رجل فعبده حر، فإذا في الدار سوى الرجل دابة أو ثوب لم يحنث، وإن كان فيها سوى الرجل امرأة أو صبي حنث. ولو كان قال إلا حمارا فإذا فيها حيوان آخر سوى الحمار يحنث، وإن كان فيها ثوب سوى الحمار لم

[ 168 ]

يحنث، وإن كان قال إلا ثوب فأي شئ يكون في الدار سوى الثوب مما هو مقصود بالامساك في الدور يحنث، فعرفنا أن المستثنى منه في معنى المستثنى، والمستثنى هنا حال التساوي في الكيل، واستثناء الحال من العين لا يكون، فعرفنا بدلالة النص أن المستثنى من عموم الاحوال حال التساوي وحال المجازفة وحالة التفاضل، وهذا لا يتحقق إلا في الكثير، وإلا فيما يكون مقدرا شرعا، فعرفنا أن اختصاص القليل كان بدلالة النص وأنه كان مصاحبا للتعليل لا أن يكون ثابتا بالتعليل. وأما الزكاة فنحن لا نبطل بالتعليل شيئا من الحق المستحق لانه تبين خطأ من يقول بأن الزكاة حق الفقراء مستحقة لهم شرعا، بل الزكاة محض حق الله تعالى، فإنها عبادة محضة وهي من أركان الدين، وهذا الوصف لا يليق بما هو حق العبد، ومعنى العبادة فيها أن المؤدي يجعل ذلك القدر من ماله خالصا لله تعالى حتى يكون مطهرا لنفسه وماله، ثم يصرفه إلى الفقير ليكون كفاية له من الله تعالى، فإنه وعد الرزق لعباده وهو لا يخلف الميعاد، ومعلوم أن حاجات العباد تختلف، فالامر بإنجاز المواعيد لهم من مال مسمى يتضمن الاذن في الاستبدال ضرورة ليكون المصروف إلى كل واحد منهم عين الموعود له، بمنزلة السلطان يجيز أولياءه بجوائز مختلفة يكتبها لهم ثم يأمر واحدا بإيفاء ذلك كله من مال يسميه بعينه، فإنه يكون ذلك إذنا له في الاستبدال ضرورة والثابت بضرورة النص كالثابت بالنص، فعرفنا أن ذلك كان ثابتا بالنص ولكنه كان مجامعا للتعليل، ثم التعليل بحكم شرعي لا بحق مستحق لاحد، فإن المؤدى بعد ما صار لله تعالى بابتداء يد الفقير يكون كفاية له من الله باستدامة اليد فيه، وثبت بهذا النص كونه محلا صالحا لكفاية الفقير، وصلاحية المحل وعدم صلاحيته حكم شرعي كالخمر لا يكون محلا صالحا للبيع والخل يكون محلا صالحا له، وهذه الصلاحية تثبت بالامر بالصرف إلى الفقير، لان باعتبار كونه مطهرا يصير من جملة الاوساخ، وإليه أشار عليه السلام في قوله: يا معشر

[ 169 ]

بني هاشم إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس، وعوضكم منها خمس الخمس فتبين أنه بمنزلة الماء المستعمل، ولهذا كان الحكم في شريعة من قبلنا أن الصدقات المقبولة والقرابين كانت تأكلها النار ولا يجوز الانتفاع بها، وفي شريعتنا لا يحل شئ منها للغني ويحل للفقير لحاجته، بمنزلة حل الميتة عند الضرورة، فعرفنا أن حكم النص صلاحية المحل للصرف إلى كفاية الفقير، وبعد التعليل تبقى هذه الصلاحية كما كانت قبلها ويتعدى حكم الصلاحية إلى سائر المحال كما هو حكم التعليل في القياس الشرعي، وبهذا يتبين أن اللام في قوله: للفقراء لام العاقبة، أي تصير لهم باعتبار العاقبة، ولكن بعد تمام أداء الصدقات يجعل المال لله بابتداء التسليم إلى الفقراء، أو يكون المراد بيان المصرف الذي يكون المال بقبضهم لله تعالى خالصا هو، لا بمنزلة الكعبة فإن الاركان باعتبار التوجه إليها تصير صلاة لا أن تكون الصلاة حقا للكعبة، ثم كل صنف من هذه الاصناف جزء من المصارف بمنزلة جزء من الكعبة، واستقبال جزء منها كاستقبال جميعها في حكم الصلاة وهو ثابت بالنص لا بالتعليل، فكذلك الصرف إلى صنف لما فيه من سد خلة المحتاج بمنزلة الصرف إلى الاصناف لا بطريق التعليل. وحكم الاطعام كذلك، فإن حكم النص أن المساكين العشرة محل لصرف طعام الكفارة إليهم، وهذا الحكم باق في المنصوص بعد التعليل كما قبله، ولكن ثبت بدلالة النص للتنصيص على صفة المسكنة في المصروف إليه أن المطلوب سد الخلة، وعلم يقينا تجدد الحاجة للمسكين بتجدد الايام فصار بدلالة النص ما يقع به التكفير سد عشر خلات وهو ثابت بالصرف إلى مسكين واحد في عشرة أيام كما يثبت بالصرف إلى عشرة مساكين. وأما التكبير فلا نقول حكم النص وجوب التكبير بعينه عند الشروع في الصلاة، ولكن الواجب التعظيم باللسان، لان اللسان من الاعضاء الظاهرة من وجه، والصلاة تعظيم الله تعالى بجميع الاعضاء، فتعلق بكل عضو ما يليق به من التعظيم، ثم التعظيم

[ 170 ]

باللسان يكون بالثناء والذكر، فكان ذكر الله على سبيل التعظيم لتحقيق أداء الفعل المتعلق باللسان، ولا عمل لذلك الفعل في تعيين التكبير، بل التكبير آلة صالحة لذلك، وقد بقيت بعد هذا التعليل آلة صالحة لاقامة هذا الفعل بها كما قبل التعليل. وكذلك غسل النجاسة بالمائعات فالمستحق ليس هو الغسل بعينه بل إزالة النجاسة عن الثوب حتى لا يكون مستعملا لها عند لبسه، ألا ترى أنه لو قطع موضع النجاسة بالمقراض أو ألقى ذلك الثوب أصلا لم يلزمه الغسل، ثم الماء آلة صالحة لازالة النجاسة باستعماله، وبعد التعليل يبقى كذلك آلة صالحة لازالة النجاسة لاستعماله، وحكم الغسل طهارة المحل باعتبار أنه لم يبق فيه عين النجاسة ولا أثرها، فكل مائع ينعصر بالعصر فهو يعمل عمل الماء في المحل، ثم طهارة المحل في الاصل وانعدام ثبوت صفة النجاسة في المزيل بابتداء ملاقاة النجاسة إلى أن يزايل الثوب بالعصر حكم شرعي ثبت بالنص، وبالتعليل تعدى هذا الحكم إلى الفروع وبقي في الاصل على ما كان قبل التعليل. ولا يدخل على هذا التطهير من الحدث بسائر المائعات سوى الماء، لان عمل الماء في إزالة عين عن المحل الذي يلاقيه، أو في إثبات صفة الطهارة للمحل بواسطة الازالة، وليس في أعضاء المحدث عين تزول باستعمال الماء، فإن أعضاءه طاهرة، وإنما فيها مانع حكمي من أداء الصلاة غير معقول المعنى، وقد ثبت بالنص رفع ذلك المانع بالماء وهو غير معقول المعنى، وقد بينا أن مثل هذا الحكم لا يمكن تعليله للتعدية إلى محل آخر. ولا يدخل على هذا الجواب تصحيح الوضوء بغير النية كغسل النجاسة، لان الذي لا يعقل المعنى فيه ما هو مزال عن المحل عند استعمال الماء، فأما الماء في كونه مزيلا إذا استعمل في المحل معقول المعنى فلا حاجة إلى اشتراط النية لحصول الازالة به كما في غسل النجاسات، فعلم أن هذه الحدود إنما يقف المرء عليها عند التأمل عن إنصاف. وأما بيان القسم الخامس ففيما قاله علماؤنا: إنه لا يجوز قياس السباع سوى

[ 171 ]

الخمس المؤذيات على الخمس بطريق التعليل في إباحة قتلها للمحرم وفي الحرم، لان في النص قال عليه الصلاة والسلام: خمس يقتلن في الحل والحرم وإذا تعدى الحكم إلى محل آخر يكون أكثر من خمس فكان في هذا التعليل إبطال لفظ من ألفاظ النص، بخلاف حكم الربا فإن النبي عليه السلام لم يقل الربا في ستة أشياء، ولكن ذكر حكم الربا في أشياء فلا يكون في تعليل ذلك النص إبطال شئ من ألفاظ النص. ومن هذا النوع تعليل الشافعي حكم الربا في الاشياء الاربعة بالطعم فإن في النص قال عليه الصلاة والسلام: والفضل ربا: أي الفضل حرام يفسد به العقد لانه ربا، والتعليل بالطعم يبطل كون الفضل ربا، لانه يقول بعلة الطعم فساد البيع في هذه الاموال أصل إلى أن يوجد المخلص وهو المساواة في المعيار الشرعي، فيكون هذا إبطالا لبعض ألفاظ النص. ومن ذلك تعليله لرد شهادة القاذف للفسق الثابت بالقذف، فإنه إبطال لبعض ألفاظ النص وهو قوله تعالى: * (أبدا) * فإن رد الشهادة باعتبار الفسق لا يتأبد، فكيف يتأبد وسببه وهو الفسق بعرض أن ينعدم بالتوبة، فكان هذا تعليلا باطلا لتضمنه إبطال لفظ من ألفاظ النص. ومن جملة ما لا يكون استعمال القياس فيه طريقا لمعرفة الحكم، النذر بصوم يوم النحر، وأداء الظهر يوم الجمعة في المصر بغير عذر قبل أداء الناس الجمعة، وفساد العقد لسبب الربا، فإن الكلام في هذه الفصول في موجب النهي وأن عمله بأي قدر يكون، والنهي أحد أقسام الكلام كالامر، فيكون طريق معرفته موجبة عند الاطلاق التأمل في معاني كلام أهل اللسان دون القياس الشرعي. ومن ذلك الكلام في الملك الثابت للزوج على المرأة بالنكاح أنه في حكم ملك العين أو في حكم ملك المنفعة، فإنه لا مدخل للقياس الشرعي فيه، لان بعد النكاح نفسها وأعضاؤها ومنافعها مملوكة لها فيما سوى المستوفى منها بالوطئ على ما كان قبل النكاح، فإثبات ملك عليها بدون تمكن الاشارة

[ 172 ]

إلى شئ من عينها أنه مملوك عليها يكون حكما ثابتا بخلاف القياس، وقد بينا أن مثل هذا لا يقبل التعليل وأنه ملك ضروري ظهر شرعا لتحقق الحاجة إلى تحصيل السكن والنسل بمنزلة حل الميتة عند الضرورة فلا يقبل التعليل، ولان التعليل إنما يجوز بشرط أن يكون الفرع نظير الاصل في الحكم الذي يقع التعليل له، ولا نظير لملك النكاح من سائر أنواع الملك، لان سائر أنواع الملك يثبت في محل مخلوق ليكون مملوكا للآدمي، وهذا الملك في الاصل يثبت على حرة هي مخلوقة لتكون مالكة، وأي مباينة فوق المالكية والمملوكية، فإذا ثبت أنه لا نظير لهذا الملك من سائر الاملاك ثبت أنه لا يمكن المصير إلى التعليل فيه لمعرفة صفته. ومن ذلك الكلام في موجب الالفاظ حتى يصير في الرهن أنه يد الاستيفاء حقا للمرتهن، بمنزلة اليد التي تثبت في المحل بحقيقة الاستيفاء، أم حق البيع في الدين، ثم اليد شرط لتتميم السبب كما في الهبة اليد شرط لتتميم السبب، والحكم ثبوت الملك في المحل بطريق العلة، فهذا مما لا يمكن إثباته (في القياس) بالقياس الشرعي، لان أحكام العقود مختلفة شرعا ووضعا، وباعتبار الاختلاف يعلم أنه ليس بعضها نظيرا للبعض، ومن شرط صحة التعليل أن يكون الفرع نظيرا للاصل، بل طريق معرفة حكم الرهن التأمل فيما لاجله وضع هذا العقد وشرع، فنقول: إنه مشروع ليكون وثيقة لجانب الاستيفاء لا مؤكدا للوجوب، ألا ترى أنه يختص بالمال الذي هو محل للاستيفاء فأما محل الوجوب فالذمة، وإذا كان وثيقة لجانب الاستيفاء علم أن موجبه من جنس ما يثبت بحقيقة الاستيفاء، والثابت بحقيقة الاستيفاء ملك العين وملك اليد، ثم بالرهن لا يثبت ملك العين. فعرفنا أن موجبه ملك يد الاستيفاء بمنزلة الكفالة فإنها وثيقة لجانب الوجوب ولهذا اختصت بالذمة، ثم كان موجبها من جنس ما يثبت بحقيقة الوجوب وهو ملك المطالبة، لان الثابت بالحقيقة ملك أصل الدين في ذمة من يجب عليه وثبوت حق المطالبة بالاداء، فالثابت بالوثيقة التي هي لجانب الوجوب من جنسه وهو حق المطالبة

[ 173 ]

حتى يملك مطالبة الكفيل بالدين مع بقاء أصله في ذمة المديون. ومن ذلك الكلام في المعتدة بعد البينونة أنه هل يقع عليها الطلاق ؟ فإن تعليل الخصم بأنه ليس له عليها ملك متعة ولا رجعة لا يلحقها طلاقه كمنقضية العدة تعليل باطل، لان الخلاف في أن العدة التي هي حق من حقوق النكاح هل تكون بمنزلة أصل النكاح في بقائها محلا لوقوع الطلاق عليها باعتباره أم لا ؟ وفي منقضية (العدة) لا عدة، ففي أي وجه يستقيم هذا التعليل ليثبت به هذا الحكم للخصم ؟ وكذلك هذا التعليل في نكاح الاخت في عدة الاخت بعد البينونة من الخصم باطل، لان الكلام في أن العدة التي هي حق النكاح هل تقوم مقام النكاح في بقاء المنع الثابت بسبب النكاح أم لا ؟ وفي منقضية العدة لا عدة، وهذا لان النافي ينكر أن يكون الحكم مشروعا وما ليس بمشروع كيف يمكن إثباته بالقياس الشرعي. ومن هذا النوع تعليله في إسلام المروي في المروي، لان العقد جمع بدلين لا يجري فيهما ربا الفضل فكان بمنزلة الهروي مع المروي، لان الكلام في أن الجنس هل هو علة لتحريم النساء، وفي الهروي مع المروي لا جنس، وبهذا تبين أن حجة المدعي المثبت غير حجة المنكر النافي. ومن هذا النوع الكلام فيما إذا قال لامرأته أنت طالق تطليقة بائنة أن الرجعة تنقطع بهذا اللفظ أم لا ؟ فإن تعليل الخصم بأنه ما اعتاض عن طلاقها يكون تعليلا باطلا، لان الكلام في أن صفة البينونة هل هي مملوكة للزوج بالنكاح كأصل الطلاق أم لا ؟ فالخصم ينكر كون ذلك مملوكا له، ونحن نقول إن ذلك مملوك له وإنما لم يثبت بصريح لفظ الطلاق لا لانه غير مملوك له بل لانه ساكت عن هذه الصفة، فإن وصفها بالطلاق يجامع النكاح ابتداء وبقاء، فإنما طريق معرفة هذا الحكم التأمل في موضوع هذا الملك وفيما صار له أصل الطلاق مملوكا له، فإذا ثبت باعتباره أن الوصف مملوك له كان التصريح به بذلك الوصف عملا، وعند عدم التصريح به لا يثبت لان سببه لم يوجد، كما لا يثبت أصل الطلاق إذا لم يوجد منه التكلم بلفظ الطلاق أو بلفظ آخر قائما مقامه.

[ 174 ]

ومن هذا النوع تعليل الخصم في عقد الاجارة أنها توجب ملك البدل في الحال بالقياس على عقد البيع، فإن شرط صحة القياس أن يكون الاصل والفرع نظيرين، وفي باب البيع ما هو المعقود عليه قائم مملوك في الحال، وفي الاجارة ما هو المعقود عليه معدوم غير مملوك عند العقد، فعلم أنهما متغايران، وإذا لم يكن أحدهما نظيرا للآخر في الحكم الذي وقع التعليل لاجله لا يستقيم تعدية الحكم من أحدهما إلى الآخر بالقياس الشرعي. ومن نوع ما بدأنا به هذا الفصل قول رسول الله (ص) للاعرابي في حديث كفارة الفطر كلها أنت وعيالك فإن من الناس من اشتغل بتعليل ذلك لتعدية الحكم إلى غير الاعرابي فيتطرق به (إلى) القول بانتساخ حكم الكفارة وذلك لا يجوز عندنا، لان النبي عليه السلام خص الاعرابي بصحة التكفير منه بالصرف إلى نفسه وعياله، وكان ذلك بطريق الاكرام له، وقد بينا أن مثل هذا لا يقبل التعليل، والله تعال أعلم. فصل: في الركن ركن القياس هو الوصف الذي جعل علما على حكم العين مع النص من بين الاوصاف التي يشتمل عليها اسم النص، ويكون الفرع به نظيرا للاصل في الحكم الثابت باعتباره في الفرع، لان ركن الشئ ما يقوم به ذلك الشئ وإنما يقوم القياس بهذا الوصف. ثم هذا الوصف قد يكون لازما للاصل وذلك نحو إيجاب الزكاة عندنا في الحلي باعتبار صفة الثمنية في الاصل، وعند الخصم إثبات حكم الربا في الذهب والفضة بعلة الثمنية والثمنية صفة لازمة لهذين الجوهرين، فإنهما خلقا جوهري الاثمان لا يفارقهما هذا الوصف بحال، وقد يكون عارضا أو اسما نحو قوله عليه السلام للمستحاضة في بيان علة نقض الطهارة: إنه دم عرق انفجر والدم اسم علم والانفجار صفة عارضة. مثاله تعليل علمائنا نص

[ 175 ]

الربا بالكيل والوزن فإن ذلك وصف عارض يختلف باختلاف عادات الناس في الاماكن والاوقات، وقد يكون حكما نحو قول رسول الله عليه السلام للخثعمية: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته الحديث، فإن الدين عبارة عن الوجوب في الذمة، وذلك حكم قد بين لها حكما بالاستدلال بحكم آخر، وذلك دليل جواز التعليل بالحكم، وقد يكون هذا الوصف فردا وقد يكون مثنى، وقد يكون عددا. فالفرد نحو تعليل ربا النساء بوصف واحد وهو الجنس أو الكيل أو الوزن عند اتحاد المعنى، والمثنى نحو علة (حرمة) التفاضل، فإنه القدر مع الجنس، والعدد نحو تعليلنا في نجاسة سؤر السباع بأنه حيوان محرم الاكل لا للكرامة ولا بلوى في سؤره، وإنما يكون العدد من الاوصاف علة إذا كانت لا تعمل حتى ينضم بعضها إلى بعض، فإن كل وصف يعمل في الحكم بانفراده فإنه لا يكون التعليل بالاوصاف كلها، وقد يكون ذلك الوصف في النص، وقد يكون في غيره. أما ما يكون في النص فغير مشكل، فإنه إنما يعلل النص والتعليل بوصف فيه يكون صحيحا لا محالة. وأما ما يكون في غيره فنحو ما روي أن النبي عليه السلام نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص في السلم، فإن هذه الرخصة معلولة بإعدام العاقد وذلك ليس في النص، ونهى رسول الله (ص) عن بيع الآبق وعن بيع الغرر، وهو معلول يعجز البائع عن تسليم المبيع أو جهالة في المبيع في نفسه على وجه يفضي إلى المنازعة وهذا ليس في النص، قال عليه السلام: لا تنكح الامة على الحرة ثم علل الشافعي هذه الحرمة بإرقاق الحر جزءا منه وهو الولد مع غنيته عنه وهذا ليس في النص، ولكن ذكر البيع يقتضي بائعا، وذكر السلم يقتضي عاقدا، وذكر النكاح يقتضي ناكحا، وما يثبت بمقتضى النص فهو كالمنصوص. وكذلك عللنا نحن نهي رسول الله عليه السلام عن صوم يوم النحر بعلة رد الضيافة التي للناس في هذا اليوم من الله تعالى بالقرابين وذلك ليس في النص. وكل نهي جاء لا لمعنى في عين المنهي عنه فهو من هذا النوع.

[ 176 ]

ومن التعليل بالحكم ما يقوله علماؤنا في بيع المدبر (إنه تعلق عتقه بمطلق الموت فإن التعلق حكم ثابت بالتعليق فيكون ذلك استدلالا) بحكم على حكم، وإنما جاز هذا كله لان الدليل الذي يثبت به كون الوصف حجة في الحكم قد ثبت بالدليل أنه علة الحكم شرعا. ثم لا خلاف أن جميع الاوصاف التي يشتمل عليها اسم النص لا تكون علة، لان جميع الاوصاف لا توجد إلا في المنصوص والحكم في المنصوص ثابت بالنص لا بالعلة، ولا خلاف أن كل وصف من أوصاف المنصوص لا يكون علة للحكم بل العلة للحكم بعضها، فإن الحنطة تشتمل على أوصاف فإنها مكيلة موزونة مطعومة مقتات مدخر حب شئ جسم، ولا يقول أحد إن كل وصف من هذه الاوصاف علة لحكم الربا فيها بل العلة أحد هذه الاوصاف. واتفقوا أنه لا يتخير المعلل حتى يجعل أي هذه الاوصاف شاغلة من غير دليل، لان دعواه لوصف من بين الاوصاف أنه علة بمنزلة دعواه الحكم أنه كذا، فكما لا يسمع منه دعوى الحكم إلا بدليل فكذلك لا تسمع منه الدعوى في وصف أنه هو العلة إلا بدليل. ثم اختلف العلماء في الدليل الذي به يكون الوصف علة للحكم. قال أهل الطرد: هو الاطراد فقط من غير أن يعتبر فيه معنى معقول. وتفسير الاطراد عند بعضهم: وجود الحكم عند وجود ذلك الوصف. وعند بعضهم يشترط أن يوجد الحكم عند وجوده وينعدم عند عدمه، وأن يكون المنصوص عليه قائما في الحالين ولا حكم له. وعند بعضهم يعتبر الدوران وجودا وعدما. فأما قيام الحكم في المنصوص (عليه في الحالين) ولا حكم له فهو مفسد للقياس لا أن يكون مصححا له. وقال جمهور الفقهاء: انعدام الحكم عند عدم العلة لا يكون دليل صحة العلة ووجود الحكم عند عدم العلة لا يكون دليل

[ 177 ]

فساد العلة، ولكن دليل صحة العلة أن يكون الوصف صالحا للحكم ثم يكون معدلا بمنزلة الشاهد، فإنه لا بد من أن يكون صالحا للشهادة لوجود ما به يعتبر أهلا للشهادة فيه، ثم يكون معدلا بظهور عدالته عند التعديل، ثم يأتي بلفظ الشهادة من بين سائر الالفاظ حتى تصير شهادته موجبة العمل بها. ثم لا خلاف بيننا وبين الشافعي رحمه الله أن صفة الصلاحية للعلة بالملاءمة، ومعناها أن تكون موافقة العلل المنقولة عن رسول الله (ص) وعن الصحابة غير نائية عن طريقهم في التعليل، لان الكلام في العلة الشرعية، والمقصود إثبات حكم الشرع بها، فلا تكون صالحة إلا أن تكون موافقة لما نقل عن الذين بنيانهم عرف أحكام الشرع. ثم الخلاف وراء ذلك في العدالة فقال علماؤنا: عدالة العلة تعرف بأثرها، ومتى كانت مؤثرة في الحكم المعلل فهي علة عادلة، وإن كان يجوز العمل بها قبل ظهور التأثير، ولكن إنما يجب العمل بها إذا علم تأثيرها ولا يجوز العمل بها عند عدم الصلاحية بالملاءمة، بمنزلة الشهادة فإن الشاهد قبل أن تثبت الصلاحية للشهادة فيه لا يجوز العمل بشهادته، وبعد ظهور الصلاحية قبل العلم بالعدالة كالمستور لا يجب العمل بشهادته، ولكن يجوز العمل حتى إن قضى القاضي بشهادة المستور قبل أن تظهر عدالته يكون نافذا. وقال بعض أصحاب الشافعي: عدالة الوصف بكونه مخيلا، أي موقعا في القلب خيال الصحة للعلة ثم العرض على الاصول بعد ذلك احتياط. وقال بعضهم: بل العدالة بالعرض على الاصول، فإذا لم يعارضه أصل من الاصول لا ناقضا ولا معارضا فحينئذ يصير معدلا وأدنى ما يكفي لذلك أصلان، بمنزلة عدالة الشاهد، فإن معرفة ذلك بعرض حالهم على المزكين وأدنى ما يكفي لذلك عنده اثنان، فعلى قول هذا الفريق من أصحابه لا يجوز العمل به وإن كان مخيلا قبل العرض على الاصول، وعلى قول الفريق الاول يجوز العمل به لانه صار معدلا بكونه مخيلا. ثم العرض على الاصول احتياط، والنقض جرح، والمعارضة دفع.

[ 178 ]

أما أهل الطرد احتجوا بالظواهر الموجبة للعمل بالقياس، فإنها لا تخص علة دون علة، فيقتضي الظاهر جواز العمل بكل وصف والتعليل به إلا ما قام عليه دليل، وأن كل وصف يوجد الحكم عند وجوده فإنه وصف صالح لان يكون علة، وهذا لان علل الشرع أمارات للاحكام وليست على نهج العلل العقلية، وأمارة الشئ ما يكون موجودا عند وجوده، وكما يجوز إثبات أحكام الشرع بعين النص من غير أن يعقل فيه المعنى على أن يجعل اسم النص أمارة ذلك الحكم يجوز إثبات الحكم بوصف ثابت باسم النص من غير أن يعقل فيه المعنى، على أن يكون ذلك الوصف علة للحكم، فإن للشرع ولاية شرع الاحكام كيف يشاء، ففي اشتراط كون المعنى معقولا فيما هو أمارة حكم الشرع إثبات نوع حجر لا يجوز القول به أصلا. والفريق الثاني منهم استدلوا بمثل هذا الكلام، ولكنهم قالوا: العلة ما يتغير به حكم الحال على ما نبينه في موضعه، ووجود الحكم مع وجود الوصف قد يكون اتفاقا وقد يكون لكونه علة لا تتعين جهة كونه مغيرا إلا بانعدام الحكم عند عدمه، فبه يتبين أنه لم يكن اتفاقا. ثم الحكم الثابت بالعلة إذا كان بحيث يحتمل الرفع لا يبقى بعد انعدام العلة، كالحكم الثابت بالبيع وهو الملك لا يبقى بعد فسخ البيع ورفعه، واشتراط قيام المنصوص عليه في الحالين ولا حكم له ليعلم به أن ثبوت الحكم بوجود علته لا بصورة النص، وذلك نحو آية الوضوء، ففي النص ذكر القيام إلى الصلاة والعلة الموجبة للطهارة الحدث، فإن الحكم يدور مع الحدث وجودا وعدما، والمنصوص عليه وهو القيام إلى الصلاة قائم في الحالين ولا حكم له، وقوله عليه السلام: لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان فيه تنصيص على الغضب، والعلة فيه شغل القلب حتى دار الحكم معه وجودا وعدما، والمنصوص عليه قائم في الحالين ولا حكم له، وقال عليه السلام: الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، ثم العلة الموجبة للحرمة والفساد الفضل على الكيل،

[ 179 ]

لان الحكم يدور معه وجودا وعدما، والمنصوص عليه وهو (الحنطة بالحنطة) قائم في الحالين ولا حكم له. وجواب أهل الفقه عن هذه الكلمات ظاهر، فإن الظواهر الدالة على جواز العمل بالقياس بالاتفاق لا تدل على أن كل وصف من أوصاف الاصل صالح لان يكون علة، فإنه لو كان كذلك لتحير المعلل وارتفع معنى الابتلاء بطلب الحكم في الحوادث أصلا، وإذا اتفقنا على أن دلالة هذه النصوص لوصف من بين أوصاف الاصل قد ابتلينا بطلبه حين أمرنا بالاعتبار، فلا بد من أن يكون في ذلك الوصف معنى معقول يمكن التمييز به بينه وبين سائر الاوصاف ليوقف عليه، وما هذا إلا نظير النصوص المثبتة لصفة الشهادة لهذه الامة، فإن ذلك لا يمنع القول باختصاص الصلاحية ببعض الاوصاف واختصاص الاداء بلفظ الشهادة من بين سائر الالفاظ، وهذا لان أوصاف النص تعلم بالحس أو السماع وذلك يشترك فيه أهل اللغة وغيرهم ممن له حاسة صحيحة مع الفقهاء، ثم التعليل بالقياس لاثبات الحكم قد اختص به الفقهاء، فعرفنا أن اختصاصهم بذلك لم يكن إلا لمعنى معقول في الوصف الذي هو علة لا يمكن الوقوف عليه إلا بالتأمل من طريق الفقه. وقوله علل الشرع أمارات. قلنا: هي أمارات من حيث إنها غير موجبة بذواتها ولكنها موجبة للحكم بجعل الشرع إياها موجبة العمل بها، ومعلوم أنه لا يمكن العمل بها إلا بعد معرفة عينها، وطريق ذلك التعيين بالنص أو الاستنباط بالرأي، وقد انعدم التعيين بالنص ولا يتأتى فيه الاستنباط بالرأي إذا لم يكن الحكم معقول المعنى، لان العقل طريق يدرك به ما يعقل كما أن الحس طريق يدرك به ما يحس دون ما لا يحس، وليس هذا نظير الاحكام الثابتة بالنص غير معقول المعنى، لان النص موجب بنفسه، فإنه كلام من يثبت علم اليقين بقوله وقد حصل التعيين بالنص هناك، فكونه غير معقول المعنى لا يعجزنا عن العمل به، فأما التعليل ببعض الاوصاف فهو غير موجب بنفسه وإنما يجب العمل به بطريق أنه إعمال الرأي ليتوصل به إلى الحجة في حكم شرعي، وما لم يكن معقول المعنى لا يتأتى إعمال الرأي فيه.

[ 180 ]

ثم الدليل على أن الدوران لا يصلح أن يكون علة أن الحكم كما يدور مع العلة وجودا وعدما يدور مع الشرط وجودا وعدما، فإن من قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فالعتق بهذا الكلام يدور مع الدخول وجودا وعدما، وأحد لا يقول دخول الدار علة العتق بل هو فإن قيل: الاصل دوران الحكم مع العلة وجودا وعدما، فأما الشرط شرط العتق عارض لا يكون إلا بعد تعليق الحكم به نصا. قلنا: فأين ذهب قولك إن علل الشرع أمارات، فإنه لا يفهم من ذلك اللفظ إلا أن الشرع جعلها أمارة للحكم بأن علق الحكم بها، وأي فرق بين تعليق حكم العتق من المولى بدخول الدار شرطا وبين التعليق الثابت شرعا، ثم هناك دوران الحكم بمجرده لا يدل على كونه علة فهنا كذلك، ثم هب كان الاصل هو دوران الحكم مع العلة ولكن مع هذا احتمال الدوران مع الشرط قائم وبالاحتمال لا تثبت العلة. فأما اشتراط قيام المنصوص عليه في الحالين ولا حكم له فقد جعل ذلك بعضهم مفسدا للقياس باعتبار ما ذكرنا أن شرط صحة التعليل هو أن يبقى الحكم في المنصوص عليه بعد التعليل على ما كان قبله، فإذا جعل التعليل على وجه لا يبقى للنص حكم بعده يكون ذلك آية فساد القياس لا دليل صحته، فأما من شرط ذلك مستدلا بما ذكرنا فالجواب عن كلامه أن هذا وهم ابتلي به لقلة تأمله، لان المقصود بالتعليل تعدية حكم النص إلى محل لا نص فيه، فكيف يجوز أن لا يبقى للنص حكم بعد التعليل ؟ وإذا لم يبق له حكم فالتعدية بعد التعليل في أي شئ يكون. فأما آية الوضوء فنحن لا نقول إن الحدث علة لوجوب الوضوء، ولكن من شرط القيام لاداء الصلاة الطهارة عن الحدث، فكان تقدير الآية: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، ولكن سقط ذكر الحدث للايجاز والاختصار على ما هو عادة أهل اللسان في إسقاط بعض الالفاظ إيجازا إذا كان في الباقي

[ 181 ]

دليل عليه، ففي المذكور هنا دليل على المحذوف وهو قوله تعالى: * (ولكن يريد ليطهركم) *. * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * وقوله تعالى عند ذكر البدل: * (أو جاء أحد منكم من الغائط) * وقد علم أن البدل إنما يجب عند عدم الاصل بما يجب به الاصل، فظهر أنا إنما جعلنا الحدث شرطا لوجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة بدلالة النص لا بطريق التعليل والاستنباط بالرأي. وكذلك قوله عليه السلام: لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان إنما عرفنا أن المراد النهي عن القضاء عند شغل القلب لمخافة الغلط بدليل الاجماع لا بطريق الاستنباط بالرأي، والاجماع حجة سوى الرأي، فإن التعليل بالرأي يكون بعد الاجماع بالاتفاق، وكيف يستقيم أن لا يكون للنص حكم بعد التعليل والشرع ما جعل التعليل بالرأي إلا بعد النص وإلا لاثبات الحكم فيما لا نص فيه. وبيان هذا في حديث معاذ حين قال له: (كيف تقضي) وحديث نص الربا هكذا، فإن المساواة في الكيل إنما عرفناه بالنص لا بالرأي وهو قوله عليه السلام في بعض الروايات مكان قوله (مثل بمثل) (كيل بكيل) أو بالاجماع، فقد اتفقوا أنه ليس المراد من قوله (مثل بمثل) إلا المماثلة في الكيل، وكذلك (في) قوله: (إلا سواء بسواء) اتفاق أن المراد المساواة في الكيل، فعرفنا أن من قال في هذه المواضع بأن الحكم دار مع العلة وجودا وعدما والمنصوص عليه قائم في الحالين ولا حكم له، فهو مخطئ غير متأمل في مورد النص ولا فيما هو طريق التعليل في الفقه. ثم الدليل على أن انعدام الحكم عند عدم الوصف لا يكون دليل صحة العلة ما ذكرنا من الشرط، ولان ثبوت الحكم لما كان بورود الشرع به فانعدام الحكم عند انعدام العلة الموجبة شرعا يكون بالعدم الذي هو أصل فيه لا أن يكون مضافا إلى العلة حتى

[ 182 ]

يكون دليل صحة العلة. والدليل على أن وجود الحكم عند عدم العلة لا يكون دليل فساد العلة اتفاق الكل على أن الحكم يجوز أن يكون ثابتا في محل بعلل، ثم بانعدام بعضها لا يمتنع بقاء الحكم بالبعض الذي هو باق، كما لا يمتنع ثبوت الحكم ابتدا بتلك العلة، وبهذا يتبين أنه لا بد من القول بأنه لا ينعدم الحكم إلا بانعدام جميع العلل التي كان الحكم ثابتا بكل واحد منها، فعرفنا أن وجود الحكم عند عدم العلة لا يكون دليل فسادها، وفساد القول بأن دليل صحة العلة دوران الحكم معه وجودا وعدما كالمتفق عليه، فإن القائسين اتفقوا أن علة الربا أحد أوصاف الاصل، وادعى كل واحد منهم أن الصحيح ما ذهب إليه، ومعلوم أن كل قائل يمكنه أن يستدل على صحة علته بدوران الحكم معه وجودا وعدما. وكذلك لو قال إن العلة في تكفير المستحل للخمر معنى الشدة والمرارة كان ذلك فاسدا بالاتفاق، فإن أحدا لا يقول بتكفير مستحل سائر الاشربة مع وجود الشدة والمرارة. ثم هذا القائل يتمكن من تصحيح قوله بدوران الحكم معه وجودا وعدما، فإن العصير قبل أن يتخمر لا يكفر مستحله، وبعد التخمر يكفر مستحله لوجود الشدة والمرارة، ثم بعد التحلل لا يكفر مستحله لانعدام الشدة والمرارة، إلا أن يقول بتخصيصه وقد قامت الدلالة على فساد القول بتخصيص العلل الشرعية على ما نبينه إن شاء الله تعالى، فيفسد به أيضا القول بتخصيص ما هو دليل صحة العلة، لان ذلك حجة شرعية ثابتة بطريق الرأي. فإن قيل: مثل هذا يلزم القائلين بأن دليل صحة العلة الاثر، فإن الحكم يدور مع العلة المأثورة وجودا وعدما عند من لا يجوز تخصيص العلة وهو الصحيح. قلنا: نعم ولكن لا نجعل الدوران دليل صحة العلة، وإنما نجعل كونه مؤثرا في الاصول دليل صحة العلة ولا يتحقق معنى دوران الحكم مع هذا الاثر في جميع الاصول، فأما دوران الحكم مع العلة وجودا وعدما يكون اتفاقا. فأما الذين قالوا من أصحاب الشافعي: بأن الاثر الذي هو دليل صحة

[ 183 ]

العلة أن يكون مخيلا، حجتهم أن هذا الاثر مما لا يحس بطريق الحس ولكنه يعقل فيكون طريق الوقوف عليه تحكيم القلب، حتى إذا تخايل في القلب به أثر القبول والصحة كان ذلك حجة للعمل به، بمنزلة التحري في باب القبلة عند انقطاع سائر الادلة، فإن تحكيم القلب فيه جائز ويجب العمل بما يقع في قلب من ابتلي به من أنه جهة الكعبة، وعليه دل قول رسول الله (ص) لوابصة بن معبد رضي الله عنه: ضع يدك على صدرك واستفت قلبك، فما حك في صدرك فدعه وإن أفتاك الناس به فعرفنا أن العدالة تحصل بصفة الا خالة ثم العرض على الاصول بعد ذلك احتياط والعمل به قبله جائز، بمنزلة ما لو كان الشاهد معلوم العدالة عند القاضي فإن العمل بشهادته جائز له، والعرض على المزكين بعد ذلك نوع احتياط، فإن لم يعجل ورجع إلى المزكين فهو احتياط أخذ به لجواز أن يظهر له بالرجوع إليهم ما لم يكن معلوما له، قال: وهذا بخلاف شهادة الشاهد فإن بصفة الصلاحية هناك لا تثبت العدالة، لان الشاهد مبتلى بالامر والنهي، وهو أمين فيما اؤتمن من حقوق الشرع، ويتوهم منه أداء الامانة فيكون عدلا به والخيانة فلا يكون عدلا معه، وإذا لم يكن أداء الامانة منه معلوم القاضي لا يصير عدلا عنده ما لم يعرض حاله على المزكين. فأما الوصف الذي هو علة بعدما علم صفة الصلاحية فيه تصير عدالته معلومة إذ ليس فيه توهم الخيانة، فلهذا كان العرض على الاصول هنا احتياطا، فإن سلم عما يناقضه ويعارضه بكونه مطردا في الاصول فحكم وجوب العمل به يزداد وكادة، وإن ورد عليه نقض فذلك النقض جرح، بمنزلة الشاهد الذي هو معلوم العدالة إذا ظهر فيه طعن من بعض المزكين، فإن ذلك يكون جرحا في عدالته إلا أن يتبين له أنه لم يكن عدلا، والمعارضة دفع بمنزلة شاهد آخر يشهد بخلاف ما شهد به العدل. وأما الفريق الثاني فإنهم قالوا: كونه مخيلا أمر باطن لا يمكن إثباته

[ 184 ]

على الخصم، وما لم تثبت صفة العدالة بما يكون حجة على الخصم لا يمكن إلزام الخصم به، وأثبتنا صفة العدالة فيه بما أثبتنا صفة الصلاحية وهو الملاءمة، فإن ذلك يكون بالعرض على العلل المنقولة عن السلف، حتى إذا علم الموافقة كان صالحا، وبعد صفة الصلاحية يحتمل أن لا يكون حجة، لان العلل الشرعية لا توجب الحكم بذواتها فلا بد من إثبات صفة العدالة فيه بالعرض على الاصول، حتى إذا كان مطردا سالما عن النقوض والمعارضات فحينئذ تثبت عدالته من قبل أن الاصول شهادة لله على أحكامه كما كان الرسول في حال حياته، فيكون العرض على الاصول وامتناع الاصول من رده بمنزلة العرض على رسول الله (ص) في حياته وسكوته عن الرد، وذلك دليل عدالته باعتبار أن السكوت بعد تحقق الحاجة إلى البيان لا يحل، فعرفنا أن بالعرض على الاصول تثبت العدالة، كما أن عدالة الشاهد تثبت بعرض حاله على المزكين. والفرق الثاني الذي قالوا ليس بقوي، فإن بعد ثبوت صفة الصلاحية للشاهد إنما بقي احتمال الكذب في أدائه، وهنا بعد ثبوت صفة الصلاحية بقي الاحتمال في أصله أن الشرع جعله علة للحكم أم لا، فإنه إن ورد عليه نقض أو معارضة يتبين به أن الشرع ما جعله علة للحكم، لان المناقضة اللازمة لا تكون في الحجج الشرعية، قال الله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * وكذلك المعارضة اللازمة لا تكون في الحجج الشرعية فإذا كان هناك مع بقاء الاحتمال في الوصف لا يكون حجة للعمل به فهنا مع بقاء الاحتمال في الاصل لان لا يكون حجة كان أولى، وكما أن طريق رفع ذلك الاحتمال هناك العرض على المزكين والادنى فيه اثنان، فالطريق هنا العرض على الاصول وأدنى ذلك أصلان، إذ لا نهاية للاعلى، وفي الوقوف على ذلك حرج بين، وبهذا التقرير يتبين أن العرض على جميع الاصول ليس بشرط عنده، كما ذهب إليه بعض شيوخنا وشيوخه، فإن من شرط ذلك لم يجد بدا من العمل بلا دليل،

[ 185 ]

لانه وإن استقصى في العرض فالخصم يقول وراء هذا أصل آخر (هو) معارض أو ناقض لما يدعيه، فلا يجد بدا من أن يقول لم يقم عندي دليل النقض والمعارضة، ومثل هذا لا يصلح حجة لالزام الخصم على ما نبينه في بابه، قالوا: والذي يحقق ما ذكرنا أن المعجزة التي أوجبت علم اليقين كان طريق ثبوتها السلامة عن النقوض والمعارضات، كما قال تعالى: * (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله) * قال تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * فبهذا يتبين أن طريق إثبات الحجة لما لا نحس هذا. وأما علماؤنا إنهم يقولون: حاجتنا إلى إثبات دليل الحجة فيما لا يحس ولا يعاين، وطريق ذلك أثره الذي ظهر في موضع من المواضع، ألا ترى أن الطريق في معرفة عدالة الشاهد هذا، وهو أن ينظر إلى أثر دينه في منعه عن ارتكاب ما يعتقد فيه الحرمة، فإذا ظهر أثر ذلك في سائر المواضع يترجح جانب الصدق في شهادته بطريق الاستدلال بالاثر، وهو أن الظاهر أنه ينزجر عن شهادة الزور لاعتقاده الحرمة فيه. وكذلك الدلالة على إثبات الصانع تكون بآثار صنعته بطريق الوصف والبيان على وجه مجمع عليه، كما نبينه في موضعه. وكذلك في المحسوسات كالجرح ونحو ذلك، فإنه يستدل عليه بأثره حسا، والاستدلال بالمحسوس لغير المحسوس يكون بالاثر أيضا، فتبين أن ما به يصير الوصف حجة بعد الصلاحية بالملاءمة على ما قرره الخصم وهو ظهور أثره في الاصول، فأما الا خالة فهو عبارة عن مجرد الظن إذ الخيال والظن واحد، والظن لا يغني من الحق شيئا. وأحسن العبارات فيه أن يجعل بمنزلة الالهام وهو لا يصلح للالزام على الغير، على ما نبينه، ثم هذا شئ في الباطن لا يطلع عليه غير صاحبه ومثله لا يكون حجة على الغير، كالتحري الذي استشهد به، فإن ما يؤدي إليه تحري الواحد لا يكون حجة على أصحابه، حتى لا يلزمهم اتباعه في تلك الجهة، وكلامنا فيما يكون حجة

[ 186 ]

لالزام الغير العمل به، ثم كل خصم يتمكن من أن يقول يخايل في قلبي أثر القبول والصحة للوصف الذي دعاه، بل للحكم الذي هو المقصود، وصفة التعارض لا يجوز أن يكون لازما في الحجج الشرعية كصفة المناقضة. وكذلك الاطراد لا يستقيم أن يجعل دليل كونه حجة، لانه عبارة عن عموم شهادة هذا الوصف في الاصول فيكون نظير كثرة أداء الشهادة من الشاهدين في الحوادث عند القاضي، أو تكرار الاداء منه في حادثة واحدة وذلك لا يكون موجبا عدالته. قوله بأن الاصول مزكون كالرسول، قلنا: لا كذلك، بل كل أصل شاهد، فالاصول كجماعة الشهود أو عدد الرواة للخبر، ودليل صحة الخبر وكونه حجة إنما يطلب من متن الحديث، فالاثر للوصف بمنزلة دليل الصحة من متن الخبر، والاطراد في الاصول بمنزلة كثرة الرواة، فكيف يستقيم أن يجعل الاصول مزكين ولا معرفة لهم بهذا الوصف وحاله، وأنى تكون التزكية ممن لا خبرة له ولا معرفة بحال الشاهد ؟ وما قالوا: إن المعجزة بمثل هذا صارت حجة فهو غلط، وإنما صارت حجة بكونها خارجة عن حد مقدور البشر، فإن القرآن بهذه الصفة، ولكن الكفار كانوا يتعنتون فيقولون إنه من جنس كلام البشر، كما أخبر الله تعالى عنهم * (قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا) * فطولبوا بالاتيان بمثله ليظهر به تعنتهم فإنهم لو قدروا على ذلك ما صبروا على الامتناع عنه إلى القتال وفيه ذهاب نفوسهم وأموالهم. فإن قيل: في اعتبار الاثر اعتبار ما لا يمكن الوقوف فيه على حد معلوم يعقل أو يظهر للخصوم. قلنا: لا كذلك فإن الاثر فيما يحس معلوم حسا كأثر المشي على الارض، وأثر الجراحة على البدن، وأثر الاسهال في الدواء المسهل، وفيما يعقل معلوم بطريق اللغة نحو عدالة الشاهد، فإنه يعلم بأثر دينه في المنع كما بينا، وهذا الاثر الذي ادعيناه يظهر للخصم بالتأمل، فإنه عبارة عن أثر ظاهر في بعض المواضع سوى المتنازع فيه، وهو موافق

[ 187 ]

للعلل المنقولة عن رسول الله (ص) وعن الصحابة والسلف من الفقهاء، رضوان الله عليهم أجمعين. فمن ذلك قول رسول الله (ص) في الهرة: إنها من الطوافين عليكم والطوافات لانها علة مؤثرة فيما يرجع إلى التخفيف، لانه عبارة عن عموم البلوى والضرورة في سؤره، وقد ظهر تأثير الضرورة في إسقاط حكم الحرمة أصلا بالنص، وهو قوله تعالى: * (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) * والاشارة إليه لدفع نجاسة سؤره أو لاثبات حكم التخفيف في سؤره يكون استدلالا له بعلة مؤثرة. وكذلك قوله عليه السلام: إنها دم عرق انفجر فإنه استدلال بعلة مؤثرة في نقض الطهارة، وهو أن الدم في نفسه نجس، وبالانفجار يصل إلى موضع يجب تطهير ذلك الموضع منه، ووجوب التطهير لا يكون إلا بعد وجود ما يعدم الطهارة. فإن قيل: هذا ليس بتعليل منه لانتقاض الطهارة بدم الاستحاضة بل لبيان أنه ليس بدم الحيض. قلنا: قد قال أولا ليست بالحيضة، وهذا اللفظ كاف لهذا المقصود فلا بد من أن يحمل قوله (ولكنها دم عرق انفجر) على فائدة جديدة وليس ذلك إلا بيان علة للحدث الموجب للطهارة. وقال عليه السلام لعمر رضي الله عنه في القبلة: أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك ؟ فهذا إشارة إلى علة مؤثرة، أي الفطر ضد الصوم، وإنما يتأدى الصوم بالكف عن اقتضاء الشهوتين، فكما أن اقتضاء شهوة البطن بما يصل إلى الحلق لا بما يصل إلى الفم حتى لا تكون المضمضة موجبة للفطر، فكذلك اقتضاء شهوة الفرج يكون بالايلاج أو الانزال لا بمجرد القبلة التي هي المقدمة. وكذلك قوله للخثعمية: أرأيت لو كان على أبيك دين ؟ الحديث، هو إشارة إلى العلة المؤثرة وهو أن صاحب الحق يقبل من غير من عليه الحق إذا جاء بحقه فأداه على سبيل الاحسان والمساهلة مع من عليه الحق، والله هو المحسن المتفضل على عباده فهو أحق من أن يقبل منك. وقال في حرمة الصدقة على بني هاشم: أرأيت لو تضمضت بماء أكنت شاربه ؟ ففيه إشارة إلى علة مؤثرة وهو

[ 188 ]

أن الصدقة من أوساخ الناس لكونها مطهرة من الذنوب فهي كالغسالة المستعملة، والامتناع من شرب ذلك يكون بطريق الاخذ بمعالي الامور، فكذلك حرمة الصدقة على بني هاشم يكون على وجه التعظيم والاكرام لهم ليكون لهم خصوصية بما هو من معالي الامور. وكذلك الصحابة حين اختلفوا في الجد مع الاخوة اشتغلوا بالتعليل لاظهار صفة القرب بالوادي الذي تتشعب منه الانهار والشجرة التي ينبت منها الاغصان، وما ذلك إلا باعتبار المؤثر في العلم بتفاوت القرب بطريق محسوس، وابن عباس علل في ذلك بقوله: ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الاب أبا. فهو استدلال المؤثر من حيث اعتبار أحد الطرفين بالطرف الآخر في القرب. وقال عمر لعبادة بن الصامت حين قال: ما أرى النار تحل شيئا في الطلاء أليس يكون خمرا ثم يكون خلا فتشربه، فهذا استدلال بمؤثر وهو التغيير بالطباع. وعلل محمد في كتاب الطلاق فيمن قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم طلقها ثلاثا أن اليمين لا يبقى، لانه ذهب تطليقات ذلك الملك كله، وهذا تعليل بوصف مؤثر، فإن اليمين لا تنعقد إلا في الملك باعتبار تطليقات مملوكة أو مضافة إلى الملك، والاضافة إلى الملك لم توجد هنا، فعرفنا أنها انعقدت على التطليقات المملوكة، وقد أوقع كلها والكل من كل شئ لا يتصور فيه تعدد، فعرفنا أنه لم يبق شئ من الجزاء واليمين شرط وجزاء، فكما لا يتصور انعقادها بدون الجزاء لا يتصور بقاؤها إذا لم يبق شئ من الجزاء. وقال أبو حنيفة رحمه الله فيمن اشترى قريبه مع غيره حتى عتق نصيبه منه لا يضمن لشريكه شيئا، لان شريكه رضي بالذي وقع به العتق بعينه، يعني ملك القريب الذي هو متمم لعلة العتق، وهذا تعليل بوصف مؤثر، فإن ضمان العتق إنما يجب بالافساد أو الاتلاف لملك الشريك فيكون واجبا بطريق الجبران له ورضاه بالسبب يغني عن الحاجة إلى الجبران، لان الحاجة إلى ذلك لدفع الضرر عنه وقد اندفع ذلك حكما حين رضي به كما لو أذن له نصا أن يعتقه. وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله فيمن أودع صبيا مالا فاستهلكه

[ 189 ]

لا ضمان عليه، لانه سلطه على ما فعل، أي حين مكنه من المال، فقد سلطه على إتلافه حسا، والتسليط يخرج فعل المسلط من أن يكون جناية في حق المسلط، ثم بقوله: احفظ، جعل التسليط مقصورا على الحفظ بطريق العقد، وهذا في حق البالغ صحيح وفي حق الصبي لا يصح أصلا وفي حق العبد المحجور لا يصح في حالة الرق. وعلل الشافعي في الزنا أنه لا يوجب حرمة المصاهرة، وقال: الزنا فعل رجمت عليه والنكاح أمر حمدت عليه، فهذا استدلال في الفرق بوصف مؤثر، أي ثبوت حرمة المصاهرة بطريق النعمة والكرامة، فيجوز أن يكون سبب الكرامة ما يحمد المرء عليه ولا يجوز أن يكون سببه ما يعاقب المرء عليه وهو الزنا الموجب للرجم. وقال: النكاح لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال، لان النكاح ليس بمال. وهذا تعليل بوصف مؤثر، يعني أن المال مبتذل وملك النكاح مصون عن الابتذال، وفي شهادة النساء مع الرجال ضرب شبهة أو هي حجة ضرورة فما يكون مبتذلا تجري المساهلة فيه وتكثر البلوى والحاجة إليه فيمكن إثباته بحجة فيها شبهة أو بما هو حجة ضرورة، فأما ما يكون مصونا عن الابتذال فإن البلوى لا تكثر فيه وهو عظيم الخطر أيضا فلا يثبت إلا بحجة أصلية خالية عن الشبهة، فعرفنا أن طريق تعليل السلف هو الاشارة إلى الوصف المؤثر، فعلى هذا النمط يكون أكثر ما عللنا به في الخلافيات. منها أن علماءنا قالوا في أنه لا يشترط التكرار في المسح بالرأس لاكمال السنة إنه مسح فلا يسن تكراره (كالمسح بالخف والتيمم. وقال الشافعي: هو ركن أصلي في الطهارة فيسن فيه التكرار) كالغسل في المغسولات، فكان المؤثر ما قلنا، لان في لفظ المسح ما يدل على التخفيف، فإن المسح يكون أيسر من الغسل لا محالة، وتأدى الفرض في هذا المحل بفعل المسح دليل التخفيف أيضا، وكون الاستيعاب فيه ليس بشرط بخلاف المغسولات تخفيف آخر، والاكتفاء بالمرة الواحدة لاقامة الفرض والسنة من باب التخفيف، ففي قولنا مسح إشارة إلى ما هو مؤثر فيه وليس في قوله ركن إشارة إلى ما ينفيه، ثم المقصود بالسنة

[ 190 ]

الاكمال، وفي الممسوح لما لم يكن الاستيعاب شرطا فبالمرة الواحدة مع الاستيعاب يحصل الاكمال، فعرفنا أنه يصير به مؤديا الفريضة والسنة، وفي المغسولات لما كان الاستيعاب شرطا لا يحصل بالمرة إلا إقامة الفرض فلا بد من التكرار لاقامة السنة، وليس في قوله ركن إشارة إلى هذا الفرق، وفي قولنا مسح إشارة إليه، فكان المؤثر ما قلنا. وقلنا في صوم الشهر بمطلق النية إنه يتأدى لانه صوم عين وهو يقول لا بد من نية الفرض لانه صوم فرض، فكان المؤثر ما قلنا، لان المقصود بالنية في الاصل التمييز ولا يراد بنية الجهة إلا التمييز بين تلك الجهة وغيرها، وإذا كان المشروع في هذا الزمان عينا ليس معه غيره، يصاب بمطلق الاسم فارتفعت الحاجة إلى الجهة للتمييز، وليس في صفة الفرضية ما ينفي هذا التعيين حتى يثبت به مساس الحاجة إلى نية الجهة للتمييز. وقلنا في الضرورة إذا حج بنية النفل لا يقع حجة عن الفرض، لانها عبادة تتأدى بأركان معلومة بأسبابها كالصلاة، وهذا إشارة إلى وصف مؤثر وهو أن تتأدى هذه العبادة بمباشرة أركانها لا بوقتها، فصحة أداء هذه الاركان في الوقت فرضا لا ينفي صحة أدائها نفلا، وإذا بقي الاداء بصفة النفلية مشروعا من هذا الوجه فتعيينه جهة النفل بالنية صادق محله، فيجب اعتباره لا محالة بخلاف الصوم في الشهر. وعللنا في الثيب الصغيرة أن الاب يزوجها لانها صغيرة ولا يزوج البكر البالغة إلا برضاها لانها بالغة، والخصم قال في الثيب الصغيرة لا يزوجها أبوها من غير رضاها لانها ثيب، وفي البكر البالغة يزوجها من غير رضاها لانها بكر فكان المؤثر ما قلنا، لان ثبوت ولاية الاستبداد بالعقد يكون على وجه النظر للمولى عليه باعتبار عجزه عن مباشرة ذلك بنفسه مع حاجته إلى مقصوده كالنفقة، والمؤثر في ذلك الصغر والبلوغ دون الثيابة والبكارة. وكذلك في سائر المواضع إنما ظهر الاثر للصغر والبلوغ في الولاية لا للثيابة والبكارة،

[ 191 ]

يعني الولاية في المال والولاية على الذكر، فعرفنا أنا سلكنا طريق السلف، في الاستدلال بالوصف (المؤثر). فإن قيل: كيف يستقيم هذا والقياس لا يكون إلا بفرع وأصل، فإن المقايسة تقدير الشئ بالشئ، وبمجرد ذكر الوصف بدون الرد إلى الاصل لا يكون قياسا. قلنا قد قال بعض مشايخنا: هذا النوع من التعليل عند ذكر الاصل يكون مقايسة وبدون ذكر الاصل يكون استدلالا بعلة مستنبطة بالرأي، بمنزلة ما قاله الخصم إن تعليل النص بعلة تتعدى إلى الفرع يكون مقايسة وبعلة لا تتعدى لا يكون مقايسة، لكن يكون بيان علة شرعية للحكم قال رضي الله عنه: والاصح عندي أن نقول: هو قياس على كل حال، فإن مثل هذا الوصف يكون له أصل في الشرع لا محالة ولكن يستغنى عن ذكره لوضوحه، وربما لا يقع الاستغناء عنه فنذكره. فمما يقع الاستغناء عن ذكره ما قلنا في إيداع الصبي لانه سلطه على ذلك فإنه بهذا الوصف يكون مقيسا على أصل واضح وهو أن من أباح لصبي طعاما فتناوله لم يضمن، لانه بالاباحة سلطه على تناوله، وتركنا ذكر هذا الاصل لوضوحه. ومما يذكر فيه الاصل ما قال علماؤنا في طول الحرة إنه لا يمنع نكاح الامة، لان كل نكاح يصح من العبد بإذن المولى فهو صحيح من الحر كنكاح حرة، وهذا إشارة إلى معنى مؤثر وهو أن الرق ينصف الحل الذي يبتنى عليه عقد النكاح شرعا ولا يبدله بحل آخر، فيكون الرقيق في النصف الباقي بمنزلة الحر في الكل، لانه ذلك الحل بعينه ولكن في هذا المعنى بعض الغموض فتقع الحاجة إلى ذكر الاصل. وكذلك عللنا في جواز نكاح الامة الكتابية للمسلم قلنا كل امرأة يجوز لمسلم نكاحها إذا كانت مسلمة يجوز له نكاحها إذا كانت كتابية كالحرة، وهذا إشارة إلى معنى مؤثر وهو أن تأثير الرق في تنصيف الحل، وما يبتنى على الحل الذي في جانب المرأة غير متعدد ليتحقق معنى التنصيف في عدد، فإن المرأة لا تحل إلا لرجل واحد فيظهر حكم التنصيف في الاحوال، وهو

[ 192 ]

أن الامة من المحللات منفردة عن الحرة، ومن المحرمات مضمومة إلى الحرة فلا يتزوجها على حرة ويتزوجها إذا لم يكن تحته حرة، ثم النصف الباقي في جانب الامة هو الثابت في حق الحرة، فإذا كان بهذا الحل يتزوج الحرة مسلمة كانت أو كتابية عرفنا أنه يتزوج الامة مسلمة كانت أو كتابية، ولكن في هذا الكلام بعض الغموض فيذكر الاصل عند التعليل، فعرفنا أن جميع ما ذكرنا استدلال بالقياس في الحقيقة وأنه موافق لطريق السلف في تعليل الاحكام الشرعية. فصل: الحكم حكم العلة التي نسميها قياسا أو علة ثابتة بالرأي تعدية حكم النص بها إلى فرع لا نص فيه عندنا. وعلى قول الشافعي حكمها تعلق الحكم في المنصوص بها، فأما التعدية بها جائز وليس بواجب حتى يكون التعليل بدونها صحيحا. وإنما يتبين هذا بفصلين سبق بيانهما: أحدهما تعليل الاصل بما لا يتعدى لمنع قياس غيره عليه، عندنا لا يكون صحيحا وعنده يصح. والثاني التعدية بالتعليل إلى محل منصوص عليه لا يصح عندنا خلافا له. ثم حجته في هذه المسألة اعتبار العلل الشرعية بالعلل العقلية كما أن الوجود هناك يتعلق بما هو علة له، فالوجوب في العلل الشرعية يتعلق بالعلة ويكون هو الحكم المطلوب بها دون التعدية، وإنما نعني بالوجوب وجوب العمل على وجه يبقى فيه احتمال الخطأ. واعتبر العلة المستنبطة من النص بالعلة المنصوص عليها في الشرع، فكما أن الحكم هناك يتعلق بالعلة وتكون علة صحيحة بدون التعدية فكذلك هنا، ألا ترى أن الاسباب الموجبة للحدود والكفارات جعلت سببا شرعا ليتعلق الحكم بها بالنص من غير تعدية إلى محل آخر، فكذلك العلل الشرعية يتعلق الحكم بها في المنصوص تعدى بها إلى محل آخر أو لم يتعد. والجواب ما هو حجتنا. أن نقول: ما ينازعنا فيه من العلة لا يكون حجة للحكم إلا بعد النص كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث معاذ: فإن لم تجده في الكتاب والسنة ؟

[ 193 ]

قال: اجتهد رأيي. وما يكون عاملا بعد النص كان شرط عمله انعدام النص في المحل الذي يعمل فيه، فعرفنا أنه لا عمل له في محل منصوص، وإذا لم يجز أن يكون عاملا على وجه المعارضة بحكم النص بخلافه عرفنا أنه لا عمل له في موضع النص فلا يمكن أن يجعل حكمه تعلق حكم الشرع به في المنصوص، يوضحه أن بالاجماع هذه العلة لا يجوز أن يتغير بها حكم النص، ومعلوم أن التغيير دون الابطال، فإذا كان الحكم في المنصوص مضافا إلى النص قبل التعليل، فلو قلنا بالتعليل يصير مضافا إلى العلة كان إبطالا، ولا شك أنه يكون تغييرا، على معنى أن فيه إخراج سائر أوصاف النص من أن يكون الحكم مضافا إليها، وكما لا يجوز إخراج بعض المحال الذي تناوله النص من حكم النص بالتعليل لا يجوز إخراج بعض الاوصاف عن ذلك بالتعليل، يوضحه أن العلة ما يتغير بها حكم الحال، ومعلوم أن حكم النص لا يتغير بالعلة في نفسه، فعرفنا أنه يتغير بها الحال في محل آخر وهو المحل الذي تعدى إليه الحكم، فيثبت فيه بها بعد أن لم يكن ثابتا، وهذا لا يتحقق في علة لا توجب تعدية الحكم، فهذا تبين أن حكم العلة على الخصوص تعدية الحكم لا إيجاب الحكم بها ابتداء، بمنزلة الحوالة فإنها لما كانت مشتقة من التحويل كان حكمها الخاص تحول الدين الواجب بها من ذمة إلى ذمة من غير أن تكون مؤثرة في إيجاب الدين بها ابتداء. ومن فهم هذا سقط عنه مؤنة الحفظ في ثلاثة أرباع ما يستعمل الناس القياس فيه، لان جميع ما يتكلم الناس فيه على سبيل المقايسة أربعة أقسام: الموجب للحكم وصفته، وما هو شرط في العلة وصفته، والحكم الثابت في الشرع وصفته، والحكم المتفق على كونه مشروعا معلوما بصفته أهو مقصور على المحل الذي ورد فيه النص أم تعدى إلى غيره من المحال الذي يماثله بالتعليل. وإنما يجوز استعمال القياس في القسم الرابع، فأما الاقسام الثلاثة فلا مدخل للقياس فيها في الاثبات ولا في النفي، لان الموجب ما جعله الشرع موجبا على ما بينا أن العلل الشرعية لا تكون موجبة بذواتها بل بجعل الشرع إياها موجبة، فلا مجال للرأي في معرفة ذلك وإنما طريق معرفته السماع ممن

[ 194 ]

ينزل عليه الوحي. وصفة الشئ معتبر بأصله، وكما لا يكون موجبا بدون ركنه لا يكون موجبا بدون شرطه، ولا مدخل للرأي في معرفة شرطه ولا صفة شرطه، كما لا مدخل للرأي في أصله، وكذلك نصب الحكم ابتداء إلى الشرع، وكما ليس إلى العباد ولاية نصب الاسباب فليس إليهم ولاية نصب الاحكام، لانها مشروعة بطريق الابتلاء فأنى يهتدى بالرأي إليه، كيف يتحقق معنى الابتلاء فيما يستنبط بالرأي ابتداء، فعرفنا أن التعليل في هذه الاقسام لا يصادف محلها، والاسباب الشرعية لا تصح بدون المحل كالبيع المضاف إلى الحر والنكاح المضاف إلى محرمة، ولان حكم التعليل التعدية، ففي هذه المواضع الثلاثة لا تتحقق التعدية، فكان استعمال القياس في هذه المواضع الثلاثة بمنزلة الحوالة قبل وجوب الدين وذلك باطل لخلوه عن حكمه وهو التحويل. وكما لا يجوز استعمال القياس لاثبات الحكم في هذه المواضع لا يجوز للنفي، لان المنكر لذلك يدعي أنه غير مشروع وما ليس بمشروع كيف يمكن إثباته بدليل شرعي، وإن كان يدعي رفعه بعد الثبوت وهو نسخ وإثبات النسخ بالتعليل بالرأي لا يجوز، فعرفنا أن ما يصنعه بعض الناس من استعمال القياس في مثل هذه المواضع ليس بفقه وأنه يكون من قلة التأمل، يتبين ذلك عند النظر. وأما بيان الموجب في مسائل. منها (أن) الجنس بانفراده هل يحرم النسأ، فإن الكلام فيه بطريق القياس للاثبات أو للنفي باطل، وإنما طريق إثباته الرجوع إلى النص أو دلالته أو إشارته أو مقتضاه، لان الثابت بهذه الوجوه كالثابت بالنص والموجب للحكم لا يعرف إلا بالنص كالحكم الواجب، فإنه إذا وقع الاختلاف في الوتر هل هي بمنزلة الفريضة زيادة على الخمس كان الاشتغال بإثباته بطريق القياس خطأ، وإنما أثبت ذلك أبو حنيفة رحمه الله بالنص المروي فيه وهو قوله عليه السلام: إن الله تعالى زادكم صلاة، ألا وهي الوتر فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر فكذلك طريق

[ 195 ]

إثبات كون الجنس علة الرجوع إلى النص ودلالته، وهو أنه قد ثبت بالنص حرمة الفضل الخالي عن العوض إذا كان مشروطا في العقد، وباشتراط الاجل يتوهم فضل مال خال عن المقابلة باعتبار صفة الحلول في أحد الجانبين، ولم يسقط اعتباره بالنص لكونه حاصلا بصنع العباد، والشبهة تعمل عمل الحقيقة فيما بني أمره على الاحتياط، فكما أن حقيقة الفضل تكون ربا فكذلك شبهة الفضل، وللجنسية أثر في إظهار ذلك، وكما أن القياس لا يكون طريقا للاثبات هنا لا يكون طريقا للنفي، لان من ينفي إنما يتمسك بالعدم الذي هو أصل، فعليه الاشتغال بإفساد دليل خصمه، لانه متى ثبت أن ما ادعاه الخصم دليل صحيح لا يبقى له حق التمسك بعدم الدليل، فأما الاشتغال بالقياس ليثبت العدم به يكون ظاهر الفساد. ونظيره الاختلاف في أن السفر هل يكون مسقطا شطر الصلاة فإنه لا مدخل للقياس هنا في الاثبات ولا في النفي، وإنما يعرف ذلك بالنص ودلالته وهو قول رسول الله (ص): هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ولا معنى للتصدق هنا سوى الاسقاط، ولا مرد لما أسقطه الله عن عباده بوجه. وكذلك الخلاف في أن استتار القدم بالخف هل يكون مانعا من سراية الحدث إلى القدم لا مدخل للقياس فيه في النفي ولا في الاثبات، وإنما يثبت ذلك بالنص ودلالته وهو قوله عليه السلام: إني أدخلتهما وهما طاهرتان ففي هذا إشارة إلى أن الحدث ما سرى إلى القدمين لاستتارهما بالخف. وكذلك الخلاف في أن مجرد الاسلام بدون الاحراز بالدار هل يوجب تقوم النفس والمال أم لا، وأن خبر الواحد هل يكون موجبا للعلم، وأن القياس هل يكون موجبا للعمل به ؟ هذا كله لا مدخل للتعليل بالرأي في إثباته ولا في نفيه. وأما بيان صفته فنحو الاختلاف الواقع في النصاب أنه موجب للزكاة بصفة النماء أم بدون هذا الوصف موجب، وفي اليمين أنها موجبة للكفارة بصفة أنها مقصودة أم بصفة أنها معقودة، وفي القتل بغير حق أنه موجب

[ 196 ]

للكفارة بصفة أنه حرام أم اشتماله على الوصفين الحظر والاباحة من وجهين، وكفارة الفطر أنها واجبة بفعل موصوف بأنه جماع أو هو فطر بجناية متكاملة ؟ فإن هذا كله مما لا مدخل للرأي في إثبات الوصف المطلوب به ولا في نفيه. وبيان الشرط فنحو اختلاف العلماء في اشتراط الشهود في النكاح للحل، واختلافهم في اشتراط التسمية في الذكاة للحل فإنه لا مدخل للرأي في معرفة ما هو شرط في السبب شرعا لا في الاثبات ولا في النفي، كما لا مدخل له في أصل السبب بأن بالشرط يرتفع الحكم قبل وجوده، فإذا لم يكن للرأي مدخل فيما يثبته عرفنا أنه لا مدخل للرأي فيما يرفعه أو يعدمه. وكذلك الخلاف في أن البلوغ عن عقل هل يكون شرطا لوجوب حقوق الله تعالى المالية نحو الزكوات والكفارات، ولايجاب ما هو عقوبة مالية نحو حرمان الميراث بالقتل، أو دفع الاختلاف في أن البلوغ عن عقل هل يكون شرطا لصحة الاداء فيما لا يحتمل النسخ والتبديل، فإن هذا لا مدخل للقياس فيه في الاثبات والنفي. وكذلك في أن بلوغ الدعوة هل تكون شرطا لاهدار النفوس والاموال بسبب الكفر، فإن هذا مما لا يمكن معرفته بالقياس، والتعليل بالرأي فيه للاثبات أو النفي يكون ساقطا. وكذلك الاختلاف في اشتراط الولي في النكاح، فأما في ثبوت الولاية للمرأة على نفسها يجوز استعمال القياس، لان المعنى الذي به تثبت الولاية للمرء على نفسه معقول وهو متفق عليه في الاصل وهو الرجل، فيستقيم تعدية الحكم به إلى المرأة. فإن قيل: فقد اختلفنا في التقابض في المجلس أنه هل يشترط في بيع الطعام بالطعام ؟ وقد تكلمتم بالقياس، وإليه أشار محمد فقال: من قبل أنه حاضر ليس له أجل. قلنا: لان هناك قد وجد أصل كان هذا الحكم، وهو بقاء العقد بعد الافتراق عن المجلس من غير قبض فيه ثابت بالاتفاق، وهو بيع الطعام وسائر الامتعة بالدراهم فأمكن تعليل ذلك الاصل لتعدية الحكم به إلى الفرع، والخصم وجد أصلا للحكم الذي ادعاه وهو فساد

[ 197 ]

العقد بعد الافتراق من غير قبض كما في الصرف استقام تعليله أيضا لتعدية الحكم به إلى الفرع، ومثله لا يوجد في اشتراط التسمية في الذكاة، فإن الخصم لا يجد فيه أصلا يسقط فيه اشتراط التسمية لحل الذبيحة، فإن أصله الناسي، ونحن لا نقول هناك سقط شرط التسمية، ولكن نجعل الناسي كالمسمى حكما بدلالة النص، كما يجعل الناسي كالمباشر لركن الصوم وهو الامساك حكما بالنص، وهذا معلول عن القياس وتعليل مثله لتعدية الحكم لا يجوز. وكذلك في النكاح فإنه لا يجد أصلا يكون فيه اتفاق على صحة النكاح وثبوت الحل به بغير شهود حتى لعلل ذلك الاصل فيتعدى الحكم فيه إلى هذا الفرع. فإن قيل: لا كذلك، فإن النكاح عقد معاملة حتى يصح من الكافر والمسلم، وقد وجدنا أصلا في عقود المعاملات يسقط اشتراط الشهود لصحته شرعا وهو البيع وإن كان يترتب عليه حل الاستمتاع، فنعلل ذلك الاصل لتعدية الحكم به إلى الفرع. قلنا: من حيث إن النكاح معاملة أمد لا يشترط فيه الشهود، فخصم هذا المعلل يقول بموجب علته، وإنما يدعي شرط الشهود فيه اعتبار أنه عقد مشروع للتناسل وأنه يرد على محل له خطر، وهو مصون عن الابتذال، فلاظهار خطره يختص شرط الشهود، ولا نجد أصلا في المشروعات بهذه الصفة لتعليل ذلك الاصل فيعدى الحكم به إلى الفرع. وأما بيان صفته فنحو الاختلاف في صفة العدالة في شهود النكاح وفي صفة الذكورة، وفي صفة الموالاة والترتيب والنية في الوضوء، فإن الوضوء شرط الصلاة، فكما لا مدخل للرأي في إثبات أصل الشرط به فكذلك في إثبات الصفة فيما هو شرط. وأما بيان الحكم فنحو الاختلاف في الركعة الواحدة، أهي صلاة مشروعة أم لا ؟ وفي القراءة المشروعة في الاخريين بالاتفاق، أهي فريضة

[ 198 ]

أم لا، وفي القراءة المفروضة في الاوليين، أتتعين الفاتحة ركنا أم لا ؟ فإنه لا مدخل للرأي في إثبات هذا الحكم، وفي المسح بالخف والمسح على الجرموق وعلى العمامة أهو جائز أم لا ؟ وأمثلة هذا في الكتب تكثر، فإن كل موضع يكون الكلام فيه في الحكم ابتداء أهو ثابت شرعا أم لا، لا مدخل للرأي في ذلك حتى يشتغل فيه بالتعليل للاثبات أو للنفي. وأما بيان صفته فنحو الاختلاف في صفة صدقة الفطر والاضحية والوتر، والاختلاف في صفة الابانة بالطلاق عند القصد إليه من غير جعل، وفي صفة الملك الثابت بالنكاح وهو الذي يقابله البدل أهو مشترك بين الزوجين أم يختص الرجل به ؟ وفي صفة ملك النكاح أنه في حكم ملك المنفعة أو في حكم ملك العين، وفي صفة الطلاق المشروع أنه مباح بأصل الوضع أو مكروه، والاباحة صفة عارضة فيه للحاجة، وفي صفة البيع المشروع حال بقاء المتعاقدين في المجلس (أنه لازم بنفس العقد أو متراخ إلى قطع المجلس)، وفي صفة الملك الثابت بعقد الرهن أنه ملك اليد من جنس ما يثبت به حقيقة الاستيفاء أو ملك المطالبة بالبيع في الدين من جنس ما يثبت بالكفالة، وأمثلة هذه الفصول في الكتب أكثر من أن تحصى، ذكرنا من كل قسم طرفا لبيان الطريق للمتأمل فيه. وأما بيان القسم الرابع: فنحو الاختلاف في المسح بالرأس أنه هل يسن تثليثه فإنه يوجد في الطهارة ما هو مسح ولا يكون التكرار فيه مسنونا فيمكن تعليل ذلك المتفق عليه لتعدية الحكم به إلى الفرع المختلف فيه، ويوجد في أعضاء الطهارة ما يكون التكرار فيه مسنونا بالاتفاق، فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين، ثم الكلام بعد ذلك يقع في الترجيح. وكذلك إذا وقع الاختلاف في اشتراط تعيين النية في

[ 199 ]

الصوم، فإن هناك أصلا متفقا عليه يتأدى فيه الصوم بمطلق النية، وهو النفل الذي هو عين مشروعا في وقته فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع، وهناك أصل في الصوم الذي هو فرض لا يتأدى إلا بتعيين النية، وهو صوم القضاء فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين، ثم الكلام في الترجيح بعد ذلك. فإن قيل: فقد تكلمتم بالقياس في العذر بصوم يوم النحر وكون الصوم فيه مشروعا أم لا حكم لا مدخل للرأي فيه ثم اشتغلتم بالمقايسة فيه. قلنا: لانا وجدنا أصلا متفقا عليه في كون الصوم مشروعا فيه وهو سائر الايام فأمكن تعدية الحكم بتعليله إلى الفرع، ثم يبقى وراء ذلك الكلام في أن النهي الذي جاء لمعنى في صفة هذا اليوم وهو أنه يوم عيد عمله يكون في إفساد المشروع مع بقائه في الاصل مشروعا أو في رفع المشروع وانتساخه، وهذا لا نثبته بالرأي وإنما نثبته بدليل النص، وهو الرجوع إلى موجب النهي أنه الانتهاء على وجه يبقى للمنتهي اختيار فيه كما قررنا. وقد تبين بما ذكرنا أن المجيب متى اشتغل بالتعليل بالرأي فالذي يحق على السائل أن ينظر أولا أن المتنازع فيه هل هو محل له وأن ما نذكره من العلة هل يتعدى الحكم به إلى الفرع، فإن لم يكن بهذه الصفة لا يشتغل بالاعتراض على علته ولكن يتبين له بطريق الفقه أن هذا التعليل في غير موضعه، وأنه مما لا يصلح أن يكون حجة حتى يتحول المجيب إلى شئ آخر أو يبين بطريق الفقه أنه تعليل صحيح في محله موافق لطريق السلف في تعليلاتهم ليكون ما يجري بعد ذلك بينهما على طريق الفقه. فصل: في بيان القياس والاستحسان قال رضي الله عنه: اعلم بأن القسم الرابع الذي بيناه في الفصل المتقدم يشتمل على هذين الوجهين، وهو القياس والاستحسان عندنا، وقد طعن بعض الفقهاء في تصنيف له على عبارة علمائنا في الكتب: إلا أنا تركنا القياس واستحسنا، وقال: القائلون بالاستحسان يتركون العمل بالقياس الذي هو حجة شرعية

[ 200 ]

ويزعمون أنهم يستحسنون ذلك، وكيف يستحسن ترك الحجة والعمل بما ليس بحجة لاتباع هوى أو شهوة نفس ؟ فإن كانوا يريدون ترك القياس الذي هو حجة فالحجة الشرعية هو حق وماذا بعد الحق إلا الضلال، وإن كانوا يريدون ترك القياس الباطل شرعا فالباطل مما لا يشتغل بذكره. وقد ذكروا في كتبهم في بعض المواضع أنا نأخذ بالقياس، فإن كان المراد هذا فكيف يجوزون الاخذ بالباطل. وذكر من هذا الجنس ما يكون دليل قلة الحياء وقلة الورع وكثرة التهور لقائله. فنقول وبالله التوفيق: الاستحسان لغة: وجود الشئ حسنا، يقول الرجل: استحسنت كذا: أي اعتقدته حسنا على ضد الاستقباح، أو معناه: طلب الاحسن للاتباع الذي هو مأمور به، كما قال تعالى: * (فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) * وهو في لسان الفقهاء نوعان: العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما جعله الشرع موكولا إلى آرائنا نحو المتعة المذكورة في قوله تعالى: * (متاعا بالمعروف حقا على المحسنين) * أوجب ذلك بحسب اليسار والعسرة وشرط أن يكون بالمعروف، فعرفنا أن المراد ما يعرف استحسانه بغالب الرأي. وكذلك قوله تعالى: * (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) * ولا يظن بأحد من الفقهاء أنه يخالف هذا النوع من الاستحسان. والنوع الآخر هو الدليل الذي يكون معارضا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الاوهام قبل إنعام التأمل فيه، وبعد إنعام التأمل في حكم الحادثة وأشباهها من الاصول يظهر أن الدليل الذي عارضه فوقه في القوة، فإن العمل به هو الواجب، فسموا ذلك استحسانا للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين الظاهر الذي تسبق إليه الاوهام قبل التأمل على معنى أنه يمال بالحكم عن ذلك الظاهر لكونه مستحسنا لقوة دليله، وهو نظير عبارات أهل الصناعات في التمييز بين الطرق لمعرفة المراد، فإن أهل النحو يقولون: هذا نصب على التفسير، وهذا نصب على المصدر، وهذا نصب على الظرف، وهذا نصب على التعجب،

[ 201 ]

وما وضعوا هذه العبارات إلا للتمييز بين الادوات الناصبة. وأهل العروض يقولون: هذا من البحر الطويل، وهذا من البحر المتقارب، وهذا من البحر المديد، فكذلك استعمال علمائنا عبارة القياس والاستحسان للتمييز بين الدليلين المتعارضين، وتخصيص أحدهما بالاستحسان لكون العمل به مستحسنا، ولكونه مائلا عن سنن القياس الظاهر، فكان هذا الاسم مستعارا لوجود معنى الاسم فيه، بمنزلة الصلاة فإنها اسم للدعاء ثم أطلقت على العبادة المشتملة على الاركان من الافعال والاقوال لما فيها من الدعاء عادة. ثم استحسان العمل بأقوى الدليلين لا يكون من اتباع الهوى وشهوة النفس في شئ. وقد قال الشافعي في نظائر هذا: أستحب ذلك. وأي فرق بين من يقول أستحسن كذا، وبين من يقول أستحبه ؟ بل الاستحسان أفصح اللغتين، وأقرب إلى موافقة عبارة الشرع في هذا المراد. وظن بعض المتأخرين من أصحابنا أن العمل بالاستحسان أولى مع جواز العمل بالقياس في موضع الاستحسان، وشبه ذلك بالطرد مع المؤثر، فإن العمل بالمؤثر أولى وإن كان العمل بالطرد جائزا. قال رضي الله عنه: وهذا وهم عندي فإن اللفظ المذكور في الكتب في أكثر المسائل: إلا أنا تركنا هذا القياس، والمتروك لا يجوز العمل به، وتارة يقول إلا أني أستقبح ذلك، وما يجوز العمل به من الدليل شرعا فاستقباحه يكون كفرا، فعرفنا أن الصحيح ترك القياس أصلا في الموضع الذي نأخذ بالاستحسان، وبه يتبين أن العمل بالاستحسان لا يكون مع قيام المعارضة ولكن باعتبار سقوط الاضعف بالاقوى أصلا. وقد قال في كتاب السرقة: إذا دخل جماعة البيت وجمعوا المتاع فحملوه على ظهر أحدهم فأخرجه وخرجوا معه: في القياس القطع على الحمال خاصة، وفي الاستحسان يقطعون جميعا. وقال في كتاب الحدود: إذا اختلف شهود الزنا في والزاويتين في بيت واحد: في القياس لا يحد المشهود عليه، وفي الاستحسان يقام الحد. ومعلوم أن الحد يسقط بالشبهة وأدنى درجات المعارض ايراث الشبهة، فكيف يستحسن إقامة الحد في موضع الشبهة. وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله:

[ 202 ]

تصحح ردة الصبي استحسانا. ومعلوم أن عند قيام دليل المعارضة يرجح الموجب للاسلام وإن كان هو أضعف كالمولود بين كافر ومسلمة، وكيف يستحسن الحكم بالردة مع بقاء دليل موجب الاسلام، فعرفنا أن القياس متروك أصلا في الموضع الذي يعمل فيه بالاستحسان، وإنما سميناهما تعارض الدليلين باعتبار أصل الوضع في كل واحد من النوعين، لا أن بينهما معارضة في موضع واحد. والدليل على أن المراد هذا ما قال في كتاب الطلاق: إذا قال لامرأته إذا حضت فأنت طالق فقالت: قد حضت فكذبها الزوج فإنها لا تصدق في القياس باعتبار الظاهر وهو أن الحيض شرط الطلاق كدخولها الدار وكلامها زيدا، وفي الاستحسان تطلق، لان الحيض شئ في باطنها لا يقف عليه غيرها فلا بد من قبول قولها فيه بمنزلة المحبة والبغض. قال: وقد يدخل في هذا الاستحسان بعض القياس يعني به أن في سائر الاحكام المتعلقة بالحيض قبلنا قولها نحو حرمة الوطئ وانقضاء العدة، فاعتبار هذا الحكم بسائر الاحكام نوع قياس، ثم ترك القياس الاول أصلا لقوة دليل الاستحسان، وهو أنها مأمورة بالاخبار عما في رحمها منهية عن الكتمان، قال تعالى: * (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) * ومن ضرورة النهي عن الكتمان كونها أمينة في الاظهار، وإليه أشار أبي بن كعب رضي الله عنه فقال: من الامانة أن تؤتمن المرأة على ما في رحمها. فصار ذلك القياس متروكا باعتراض هذا الدليل القوي الموجب للعمل به. فالحاصل: أن ترك القياس يكون بالنص تارة، وبالاجماع أخرى، وبالضرورة أخرى. فأما تركه بالنص فهو فيما أشار إليه أبو حنيفة رحمه الله في أكل الناسي للصوم: لولا قول الناس لقلت يقضي. يعني به رواية الاثر عن رسول الله (ص)، وهو نص يجب العمل به بعد ثبوته واعتقاد البطلان في كل قياس يخالفه. وهذا اللفظ نظير ما قال عمر رضي الله عنه في قصة الجنين: لقد كدنا أن نعمل برأينا فيما فيه أثر.

[ 203 ]

وكذلك القياس يأبى جواز السلم باعتبار أن المعقود عليه معدوم عند العقد، تركناه بالنص وهو الرخصة الثابتة بقوله عليه السلام: (ورخص في السلم) وأما ترك القياس بدليل الاجماع فنحو الاستصناع فيما فيه للناس تعامل، فإن القياس يأبى جوازه، تركنا القياس للاجماع على التعامل به فيما بين الناس من لدن رسول الله (ص) إلى يومنا هذا (وهذا) لان القياس فيه احتمال الخطأ والغلط، فبالنص أو الاجماع يتعين فيه جهة الخطأ فيه، فيكون واجب الترك لا جائز العمل به في الموضع الذي تعين جهة الخطأ فيه. وأما الترك لاجل الضرورة فنحو الحكم بطهارة الآبار والحياض بعدما نجست، والحكم بطهارة الثوب النجس إذا غسل في الاجانات، فإن القياس يأبى جوازه، لان ما يرد عليه النجاسة يتنجس بملاقاته، تركناه للضرورة المحوجة إلى ذلك لعامة الناس، فإن الحرج مدفوع بالنص، وفي موضع الضرورة يتحقق معنى الحرج لو أخذ فيه بالقياس فكان متروكا بالنص. وكذلك جواز عقد الاجارة فإنه ثابت بخلاف القياس لحاجة الناس إلى ذلك، فإن العقد على المنافع بعد وجودها لا يتحقق لانها لا تبقى زمانين فلا بد من إقامة العين المنتفع بها مقام الاجارة في حكم جواز العقد لحاجة الناس إلى ذلك. ثم كل واحد منهما نوعان في الحاصل: فأحد نوعي القياس ما ضعف أثره وهو ظاهر جلي، والنوع الآخر منه ما ظهر فساده واستتر وجه صحته وأثره. وأحد نوعي الاستحسان ما قوي أثره وإن كان خفيا، والثاني ما ظهر أثره وخفي وجه الفساد فيه. وإنما يكون الترجيح بقوة الاثر لا بالظهور ولا بالخفاء، لما بينا أن العلة الموجبة للعمل بها شرعا ما تكون مؤثرة، وضعيف الاثر يكون ساقطا في مقابلة قوي الاثر ظاهرا كان أو خفيا، بمنزلة الدنيا مع العقبى. فالدنيا ظاهرة والعقبى باطنة، ثم ترجح العقبى حتى وجب الاشتغال بطلبها والاعراض عن طلب الدنيا لقوة الاثر من حيث البقاء

[ 204 ]

والخلود والصفاء، فكذلك القلب مع النفس والعقل مع البصر. وبيان ما يسقط اعتباره من القياس لقوة الاثر الاستحسان الذي هو القياس المستحسن في سؤر سباع الطير، فالقياس فيه النجاسة اعتبارا بسؤر سباع الوحش بعلة حرمة التناول، وفي الاستحسان لا يكون نجسا لان السباع غير محرم الانتفاع بها، فعرفنا أن عينها ليست بنجسة، وإنما كانت نجاسة سؤر سباع الوحش باعتبار حرمة الاكل، لانها تشرب بلسانها وهو رطب من لعابها ولعابها يتجلب من لحمها، وهذا لا يوجد في سباع الطير، لانها تأخذ الماء بمنقارها ثم تبتلعه ومنقارها عظم جاف، والعظم لا يكون نجسا من الميت فكيف يكون نجسا من الحي. ثم تأيد هذا بالعلة المنصوص عليها في الهرة، فإن معنى البلوى يتحقق في سؤر سباع الطير، لانها تنقض من الهواء ولا يمكن صون الاواني عنها خصوصا في الصحارى، وبهذا يتبين أن من ادعى أن القول بالاستحسان قول بتخصيص العلة فقد أخطأ، لان بما ذكرنا تبين أن المعنى الموجب لنجاسة سؤر سباع الوحش الرطوبة النجسة في الآلة التي تشرب بها وقد انعدم ذلك في سباع الطير فانعدم الحكم لانعدام العلة وذلك لا يكون من تخصيص العلة في شئ، وعلى اعتبار الصورة يتراءى ذلك ولكن يتبين عند التأمل انعدام العلة أيضا، لان العلة وجوب التحرز عن الرطوبة النجسة التي يمكن التحرز عنها من غير حرج، وقد صار هذا معلوما بالتنصيص على هذا التعليل في الهرة ففي كل موضع ينعدم بعض أوصاف العلة كان انعدام الحكم لانعدام العلة فلا يكون تخصيصا وبيان الاستحسان الذي يظهر أثره ويخفى فساده مع القياس الذي يستتر أثره ويكون قويا في نفسه حتى يؤخذ فيه بالقياس ويترك الاستحسان فيما يقول في كتاب الصلاة: إذا قرأ المصلي سورة في آخرها سجدة فركع بها في القياس تجزيه، وفي الاستحسان لا تجزيه عن السجود، وبالقياس نأخذ، فوجه الاستحسان أن الركوع غير السجود وضعا، ألا ترى أن الركوع في الصلاة

[ 205 ]

لا ينوب عن سجود الصلاة فلا ينوب عن سجدة التلاوة بطريق الاولى، لان القرب بين ركوع الصلاة وسجودها أظهر من حيث إن كل واحد منهما موجب التحريمة، ولو تلا خارج الصلاة فركع لها لم يجز عن السجدة ففي الصلاة أولى، لان الركوع هنا مستحق لجهة أخرى وهناك لا، وفي القياس قال: الركوع والسجود يتشابهان، قال تعالى: * (وخر راكعا) *: أي ساجدا، ولكن هذا من حيث الظاهر مجاز محض، ووجه الاستحسان من حيث الظاهر اعتبار شبه صحيح ولكن قوة الاثر للقياس مستتر ووجه الفساد في الاستحسان خفي. وبيان ذلك أنه ليس المقصود من السجدة عند التلاوة عين السجدة، ولهذا لا تكون السجدة الواحدة قربة مقصودة بنفسها حتى لا تلزم بالنذر إنما المقصود إظهار التواضع وإظهار المخالفة للذين امتنعوا من السجود استكبارا منهم، كما أخبر الله عنهم في مواضع السجدة. قلنا: ومعنى التواضع يحصل بالركوع ولكن شرطه أن يكون بطريق هو عبادة وهذا يوجد في الصلاة، لان الركوع فيها عبادة كالسجود ولا يوجد خارج الصلاة، ولقوة الاثر من هذا الوجه أخذنا بالقياس وإن كان مستترا وسقط اعتبار الجانب الآخر في مقابلته. وكذلك قال في البيوع: إذا وقع الاختلاف بين المسلم إليه ورب السلم في ذرعان المسلم فيه في القياس يتحالفان، وبالقياس نأخذ، وفي الاستحسان القول قول المسلم إليه. ووجه الاستحسان أن المسلم فيه مبيع فالاختلاف في ذرعانه لا يكون اختلافا في أصله بل في صفته من حيث الطول والسعة، وذلك لا يوجب التحالف كالاختلاف في ذرعان الثوب المبيع بعينه. ووجه القياس أنهما اختلفا في المستحق بعقد السلم وذلك يوجب التحالف، ثم أثر القياس مستتر ولكنه قوي من حيث إن عند السلم إنما يعقد بالاوصاف المذكورة لا بالاشارة إلى العين، فكان الموصوف بأنه خمس في سبع غير الموصوف بأنه أربع في ستة، فبهذا يتبين أن الاختلاف

[ 206 ]

هنا في أصل المستحق بالعقد فأخذنا بالقياس لهذا. وقال في الرهن: إذا ادعى رجلان كل واحد منهما عينا في يد رجل أنه مرهون عنده بدين له عليه وأقاما البينة، ففي الاستحسان يقضي بأنه مرهون عندهما، بمنزلة ما لو رهن عينا من رجلين، وهو قياس البيع في ذلك، وفي القياس تبطل البينتان، لانه تعذر القضاء بالرهن لكل واحد منهما في جميعه فإن المحل يضيق عن ذلك، وفي نصفه لان الشيوع يمنع صحة الرهن، وأخذنا بالقياس لقوة أثره المستتر، وهو أن كل واحد منهما هنا إنما يثبت الحق لنفسه بتسمية على حدة، وكل واحد منهما غير راض بمزاحمة الآخر معه في ملك اليد المستفاد بعقد الرهن، بخلاف الرهن من رجلين فهناك العقد واحد فيمكن إثبات موجب العقد به متحدا في المحل وذلك لا يمكن هنا، وهذا النوع يعز وجوده في الكتب لا يوجد إلا قليلا، فأما النوع المتقدم فهو في الكتب أكثر من أن يحصى. ثم فرق ما بين الاستحسان الذي يكون بالنص أو الاجماع، وبين ما يكون بالقياس الخفي المستحسن أن حكم هذا النوع يتعدى وحكم النوع الآخر لا يتعدى، لما بينا أن حكم القياس الشرعي التعدية، فهذا الخفي وإن اختص باسم الاستحسان لمعنى فهو لا يخرج من أن يكون قياسا شرعيا فيكون حكمه التعدية، والاول معدول به عن القياس بالنص وهو لا يحتمل التعدية كما بينا. وبيانه فيما إذا اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن والمبيع غير مقبوض، في القياس القول قول المشتري، لان البائع يدعي عليه زيادة في حقه وهو الثمن، والمشتري منكر واليمين بالشرع في جانب المنكر، والمشتري لا يدعي على البائع شيئا في الظاهر إذ المبيع صار مملوكا له بالعقد، ولكن في الاستحسان يتخالفان، لان المشتري يدعي على البائع وجوب تسليم المبيع إليه عند إحضار أقل الثمنين والبائع منكر لذلك، والبيع كما يوجب استحقاق الملك على البائع

[ 207 ]

يوجب استحقاق اليد عليه عند وصول الثمن إليه، ثم هذا الاستحسان لكونه قياسا خفيا يتعدى حكمه إلى الاجازة وإلى النكاح في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وإلى ما لو وقع الاختلاف بين الورثة بعد موت المتبايعين، وإلى ما بعد هلاك السلعة إذا أخلف بدلا بأن قتل العبد المبيع قبل القبض ولو كان الاختلاف في الثمن بينهما بعد قبض المبيع، فإن حكم التخالف عند قيام السلعة فيه يثبت بالنص بخلاف القياس فلا يحتمل التعدية، حتى إذا كان بعد هلاك السلعة لا يجري التخالف سواء أخلف بدلا أو لم يخلف. وفي الاجازة بعد استيفاء المعقود عليه لا يجري التخالف، وإن كان الاختلاف بين الورثة بعد قبض السلعة لا يجري التخالف. وقد يكون القياس الذي في مقابلة الاستحسان الذي قلنا أصله مستحسن ثابت بالاثر نحو ما قال في الصلاة: وإذا نام في صلاته فاحتلم: في القياس يغتسل ويبني كما إذا سبقه الحدث، وذلك مستحسن بالاثر، وفي الاستحسان لا يبني. وفي هذا النوع المأخوذ به هو الاستحسان على كل حال، لانه في الحقيقة رجوع إلى القياس الاصلي ببيان يظهر به أن هذا ليس في معنى المعدول به من القياس الاصلي بالاثر من كل وجه، فلو ثبت الحكم فيه كان بطريق التعدية، والمعدول به عن القياس بالاثر لا يحتمل التعدية، وذلك البيان أن الحدث الصغرى لا يحوجه إلى كشف العورة ولا إلى عمل كثير، وتكثر البلوى فيه من الصلاة، بخلاف الحدث الكبرى، فإذا لم يكن في معناه من كل ما له كان إثبات الحكم فيه بطريق التعدية لا بالنص بعينه وذلك لا وجه له. فتبين بجميع ما ذكرنا أن القول بالاستحسان لا يكون تخصيص العلة في شئ، ولكن في اختبار هذة العبارة اتباع الكتاب والسنة والعلماء من السلف، وقد قال رسول الله (ص): ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وكثيرا ما كان يستعمل ابن مسعود هذه العبارة، ومالك بن أنس في كتابه ذكر لفظ الاستحسان في مواضع. وقال الشافعي رحمه الله: أستحسن في المتعة ثلاثين درهما. فعرفنا أنه لا طعن في هذه العبارة، ومن حيث المعنى

[ 208 ]

هو قول بانعدام الحكم عند انعدام العلة، وأحد لا يخالف هذا، فإنا إذا جوزنا دخول الحمام بأجر بطريق الاستحسان فإنما تركنا القول بالفساد الذي يوجبه القياس لانعدام علة الفساد، وهو أن فساد العقد بسبب جهالة المعقود عليه ليس لعين الجهالة بل لانها تفضي إلى منازعة مانعة عن التسليم، والتسلم وهذا لا يوجد هنا وفي نظائره، فكان انعدام الحكم لانعدام العلة لا أن يكون بطريق تخصيص العلة. فصل: في بيان فساد القول بجواز التخصيص في العلل الشرعية قال رضي الله عنه: زعم أهل الطرد أن الذي يقولون بالعلل المؤثرة ويجعلون التأثير مصححا للعلل الشرعية لا يجدون بدا من القول بتخصيص العلل الشرعية، وهو غلط عظيم كما نبينه. وزعم بعض أصحابنا أن التخصيص في العلل الشرعية جائز وأنه غير مخالف لطريق السلف ولا لمذهب أهل السنة، وذلك خطأ عظيم من قائله، فإن مذهب من هو مرضي من سلفنا أنه لا يجوز التخصيص في العلل الشرعية، ومن جوز ذلك فهو مخالف لاهل السنة، مائل إلى أقاويل المعتزلة في أصولهم. وصورة التخصيص أن المعلل إذا أورد عليه فصل يكون الجواب فيه بخلاف ما يروم إثباته بعلته، يقول موجب علتي كذا إلا أنه ظهر مانع فصار مخصوصا باعتبار ذلك المانع، بمنزلة العام الذي يخص منه بعض ما يتناوله بالدليل الموجب للتخصيص. ثم من جوز ذلك قال: التخصيص غير المناقضة لغة وشرعا وفقها وإجماعا. أما اللغة فلان النقض إبطال فعل قد سبق بفعل نشأه كنقض البنيان. والتخصيص بيان أن المخصوص لم يدخل في الجملة فكيف يكون نقضا ؟ ألا ترى أن ضد النقض البناء والتأليف، وضد الخصوص العموم. ومن حيث السنة التخصيص جائز في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة والتناقض لا يجوز فيهما بحال. ومن حيث الاجماع فالقياس الشرعي يترك العمل به في بعض المواضع بالنص أو الاجماع أو الضرورة، وذلك يكون تخصيصا لا مناقضة، ولهذا بقي ذلك القياس موجبا للعمل في غير ذلك الموضع،

[ 209 ]

والقياس المنتقض فاسد لا يجوز العمل به في موضع. ومن حيث المعقول إن المعلل متى ذكر وصفا صالحا وادعى أن الحكم متعلق بذلك الوصف فيورد عليه فصل يوجد فيه ذلك الوصف ويكون الحكم بخلافه، فإنه يحتمل أن يكون ذلك لفساد في أصل علته، ويحتمل أن يكون ذلك لمانع منع ثبوت الحكم، ألا ترى أن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب النامي، ثم يمتنع وجوب الزكاة بعد وجوده لمانع وهو انعدام حصول النماء بمضي الحول، ولم يكن ذلك دليل فساد السبب، والبيع بشرط الخيار يمنع ثبوت الملك به لمانع وهو الخيار المشروط لا لفساد أصل السبب وهو البيع. فأما إذا قال هذا الموضع صار مخصوصا من علتي لمانع فقد ادعى شيئا محتملا فيكون مطالبا بالحجة، فإن أبرز مانعا صالحا فقد أثبت ما ادعاه بالحجة فيكون ذلك مقبولا منه وإلا فقد سقط احتجاجه، لان المحتمل لا يكون حجة، وبه فارق المدعي التخصيص في النص، فإنه لا يطالب بإقامة الدليل على ما يدعي أنه صار مخصوصا مما استدل به من عموم الكتاب والسنة، لانه ليس فيما استدل به احتمال الفساد، فكان جهة التخصيص متعينا فيه بالاجماع، وهنا في علته احتمال الفساد، فما لم يتبين دليل الخصوص فيما ادعى أنه مخصوص من علة لا ينتفي عنه معنى الفساد، فلهذا لا يقبل منه ما لم يتبين المانع. ثم جعل القائل الموانع خمسة أقسام: ما يمنع أصل العلة، وما يمنع تمام العلة، وما يمنع ابتداء الحكم، وما يمنع تمام الحكم، وما يمنع لزوم الحكم، وذلك يتبين كله حسا وحكما، فمن حيث الحس يتبين هذا كله في الرمي، فإن انقطاع الوتر أو انكسار فوق السهم يمنع أصل الفعل الذي هو رمي بعد تمام قصد الرامي إلى مباشرته، وإصابة السهم حائطا أو شجرة ترده عن سننه يمنع تمام العلة بالوصول إلى المرمى، ودفع المرمي إليه عن نفسه بترس يجعله أمامه يمنع ابتداء الحكم الذي يكون الرمي لاجله بعد تمام العلة بالوصول إلى المقصد وذلك الجرح والقتل، ومداواته الجراحة بعدما أصابه حتى اندمل وبرأ يمنع تمام الحكم، وإذا صار به صاحب فراش ثم تطاول حتى أمن الموت منه يمنع

[ 210 ]

لزوم الحكم، بمنزلة صاحب الفالج إذا تطاول ما به وامن الموت منه كان بمنزلة الصحيح في تصرفاته. وفي الحكميات اضافة البيع الحر يمنع انعقاد اصل العلة، واضافة الى مال الغير يمنع انعقاد تمام العلة في حق المالك حتى يتعين جهة البطلان فيه بموته، واشتراط الخيار من المالك لنفسه في البيع يمنع ابتداء الحكم، وثبوت خيار الرؤية للمشترى يمنع الحكم حتى لا تتم الصفقة معه، وثبوت خيار العيب يمنع لزوم الحكم حتى يتمكن من رده بعد تمام الصفقة بالنقض. والحجة لعلمائنا في ابطال القول بتخصيص العلة الاستدلال بالكتاب، والمعقول، والبيان الذى لا يمكن انكاره. اما الكتاب فقوله تعالى: (قل الذكرين حرم ام الانثيين، اما اشتملت عليه ارحام الانثيين نبئونى بعلم ان كنتم صادقين) ففيه مطالبة الكفار ببيان العلة فيما ادعوا فيه الحرمة على وجه لا مدفع لهم فصاروا محجوجين به. وذلك الوجه انهم إذا بينوا احد هذه المعاني ان الحرمة لاجله انتقض عليهم باقرار هم بالحل في الموضع الاخر مع ذلك المعنى فيه، ولو كان التخصيص في علل الاحكام الشرعية جائزا ما كانوا محجوجين، فان احدا لا يعجز من ان يقول امتنع ثبوت حكم الحرمة في ذلك الموضع لمانع، وقد كانوا عقلاء يعتقدون الحل في الموضع الاخر لشبهة أو معنى تصورهم عندهم. وقوله تعالى: (نبئونى بعلم) اشارة الى ان المصير الى تخصيص العلل الشرعية ليس من العلم في شئ فيكون جهلا. واما المعقول فلان العلل الشرعية حكمها التعدية كما قررنا، وبدون التعدية لا تكون صحيحة اصلا، لانها خالية عن موجبها، وإذا جاز قيام المانع في بعض المواضع الذى يتعدى الحكم إليه بهذه العلة جاز قيامه في جميع المواضع فيؤدى الى القول بانها علة صحيحة من غير ان يتعدى الحكم بها الى شئ من الفروع، وقد اثبتنا فساد هذا القول بالدليل. ثم ان كان تعدية الحكم بها الى فرع

[ 211 ]

دليل صحتها فانعدام تعدية الحكم بها الى فرع اخر توجد فيه تلك العلة دليل فسادها، ومع مساواة دليل الصحة والفساد لا تثبت الحجة الشرعية موجبة للعمل يقرره ان المانع الذى يدعى في الموضع المخصوص لابد ان يكون ثابتا بمثل ما ثبتت به العلة الموجبة للحكم، لانه إذا كان دونه لا يصلح دافعا له ولا مانعا لحكمه، وإذا كان مثلا له فذلك المانع يمكن تعليله بعلة توجب تعدية حكم النفى الى سائر الفروع مثل الذى علله المعلل بما اشار إليه من الوصف لاثبات الحكم فيه فتتحقق المعارضة بينهما من هذه الوجه، واى مناقصة ابين من التعارض على وجه المضادة بصفة التساوى ثم قد بينا فيما سبق ان دليل الخصوص يشبه النسخ بصيغة والاستثناء بحكمه، فانه مستقل بنفسه كدليل النسخ ولا يكون ذلك الا مقارنا معنى كالاستثناء، وواحد من هذين الوجهين لا يتحقق في العلل، فان نسخ العلة بالعلة لا يجوز والخصم يجوز ان يكون المانع علة مثل العلة التى يدعى تخصيصها، وكيف يجوز النسخ والعلة فيها احتمال الفساد لكونها مستنبطة بالراى. فإذا ظهر ما يمنع العمل بها اصلا تتعين جهة الفساد فيها، بخلاف النص فانه لا يحتمل جهة الفساد، فالنسخ يكون بيانا لمدة العمل به. ولهذا نوع بيان اخر، فان بالخصوص يتبين انه معمول به في بعض المحال دون البعض، وذلك انما يجوز فيما يجوز القول فيه بالنسخ مع صحته حتى يقال انه معمول به في بعض الاوقات دون البعض، والاستثناء انما يكون في العبارات ليتبين به في بعض الاوقات دون البعض، والاستثناء وذلك لا يتحقق في المعاني الخالصة. فيتبين بما ذكرنا ان القول بالتخصيص مستقيم في النصوص من حيث ان بدليل الخصوص لا يتمكن شبهة الفساد في النص بوجه، بل يتبين ان اسم النص لم يكن متناولا للموضع المخصوص، مع كون العام صحيحا موجبا للعمل قطعا قبل قيام دليل الخصوص، فمن تخصيص العلة لا يجد بدا من القول بتصويب المجتهدين أجمع، وعصمته الاجتهاد عن احتمال الخطأ والفساد كعصمة النص من ذلك،

[ 212 ]

وهذا تصريح بأن كل مجتهد مصيب لما هو الحق حقيقة وأن الاجتهاد يوجب علم اليقين، وفيه قول بوجوب الاصلح، وفيه من وجه آخر قول بالمنزلة بين المنزلتين، وبالخلود في النار لاصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة. فهذا معنى قولنا: إن في القول بجواز تخصيص العلة ميلا إلى أصول المعتزلة من وجوه. ولكنا نقول: انعدام الحكم لا يكون إلا بعد نقصان وصف أو زيادة وصف وهو الذي يسمونه مانعا مخصصا، وبهذه الزيادة والنقصان تتغير العلة لا محالة، فيصير ما هو علة الحكم منعدما حكما، وعدم الحكم عند انعدام العلة لا يكون من تخصيص العلة في شئ. وبيان هذا أن الموجب للزكاة شرعا هو النصاب النامي الحولي، عرف بقوله عليه السلام: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) والمراد نفي الوجوب، والعلل الشرعية لا توجب الحكم بذواتها بل بجعل الشرع إياها موجبة على ما بينا أن الموجب هو الله تعالى، والاضافة إلى العلة لبيان أن الشرع جعلها موجبة تيسيرا علينا، فإذا كانت بهذا الوصف موجبة شرعا عرفنا أن عند انعدام هذا الوصف ينعدم الحكم لانعدام العلة الموجبة. ولا يلزمنا جواز الاداء لان العلة الموجبة غير العلة المجوزة للاداء، وقد قررنا هذا فيما سبق أن الجزء الاول من الوقت مجوز أداء الصلاة فرضا وإن لم يكن موجبا للاداء عينا مع أن هذا الوصف مؤثر، فإن النماء الذي هو مقصود إنما يحصل بمضي المدة، ألا ترى أن الوجوب يتكرر بتكرر الحول لتجدد معنى النماء بمضي كل حول، وكذلك البيع بشرط الخيار، فإن الموجب للملك شرعا البيع المطلق ومع شرط الخيار لا يكون مطلقا بل بهذه الزيادة يصير البيع في حق الحكم كالمتعلق بالشرط وقد بينا أن المتعلق بالشرط غير المطلق، ولصفة الاطلاق تأثير أيضا فإن الموجب للملك بالنص التجارة عن تراض وتمام الرضا يكون عند إطلاق الايجاب لا مع شرط الخيار، فظهر أن العلة تنعدم بزيادة وصف أو نقصان

[ 213 ]

وصف، وهو الحاصل الذي يجب مراعاته، فإنهم يسمون هذا المعنى المغير مانعا مخصصا، فيقولون: انعدام الحكم مع بقاء العلة بوجود مانع وذلك تخصيص كالنص العام يلحقه خصوص فيبقى نصا فيما وراء موضع الخصوص. ونحن نقول: تنعدم العلة حين ثبت المغير فينعدم الحكم لانعدام العلة، وهذا في العلل مستقيم، بخلاف النصوص فإن بالنص الخاص لا ينعدم النص العام، وعلى هذا الطريق ما استحسنه علماؤنا من القياس في كتبهم، فإن الاستحسان قد يكون بالنص، وبوجود النص تنعدم العلة الثابتة بالرأي، لانه لا معتبر بالعلة أصلا في موضع النص ولا في معارضة حكم النص. وكذلك الاستحسان إذا كان بسبب الاجماع، لان الاجماع كالنص من كتاب أو سنة في كونه موجبا العلم. وكذلك ما يكون عن ضرورة فإن موضع الضرورة مجمع عليه أو منصوص عليه ولا يعتبر بالعلة في موضع النص فكان انعدام الحكم في هذه المواضع لانعدام العلة وكذلك إذا كان الاستحسان بقياس مستحسن ظهر قوة أثره، لما بينا أن الضعيف في معارضة القوي معدوم حكما. وبيان ما ذكرنا في أن النائم إذا صب في حلقه ماء وهو صائم لم يفسد صومه على قول زفر، لانه معذور كالناسي أو أبلغ منه، وفسد صومه عندنا لفوات ركن الصوم، والعبادة لا تتأدى بدون ركنها فيلزم على هذا الناسي. فمن يجوز تخصيص العلة يقول: انعدم الحكم هناك لوجود مانع وهو الاثر فكان مخصوصا من هذه العلة بهذا الطريق مع بقاء العلة. ونحن نقول: انعدم الحكم في الناسي لانعدام العلة حكما، فإن النسيان لا صنع فيه لاحد من العباد، وقد ثبت بالنص أن الله تعالى أطعمه وسقاه، وصار فعله في الاكل ساقط الاعتبار، وتفويت الركن إنما يكون بفعل الاكل، فإذا لم يبق فعله في الاكل شرعا كان ركن الصوم قائما حكما، وإنما لم يحصل الفطر هنا لانعدام العلة الموجبة للفطر، ثم النائم ليس في معناه، لان الفعل الذي يفوت به ركن الصوم مضاف إلى العباد هنا فيبقى معتبرا مفوتا ركن

[ 214 ]

الصوم، بخلاف إذا كان مضافا الى من له الحق. وكذلك قلنا: إن المغصوب يصير مملوكا للغاصب عند تقرر الضمان عليه، لان بهذا السبب لما تقرر الملك في ضمان القيمة وهو حكم شرعى فيقرر الملك فيما يقابله فيلزم على هذا فصل المدبر من حيث انه يتقرر الملك في قيمته للمغصوب منه ولا يثبت الملك في المدبر للغاصب، فمن يرى تخصيص العلة يقول امتنع ثبوت الحكم في المدبر مع وجود العلة لمانع وهو انه غير محتمل للنقل من ملك الى ملك. ونحن نقول: انعدمت العلة الموجبة للملك في المدبر فينعدم الحكم لانعدام العلة، وهذا لان العلة تقرر الملك في قيمة هي بدل عن العين وقيمة المدبر ليس ببدل عن عينها، لان شرط كون القيمة بدلا عن العين ان تكون العين محتملا للتمليك وذلك لا يوجد في المدبر، لان المدبر جرى فيه عتق من وجه والعتق في المحل يمنع وجوب قيمة العين بسبب الغصب، ولكن الضمان واجب باعتبار الجناية التى تمكنت من الغاصب بتفويت يده، لان مع جريان العتق فيه من وجه قد بقيت اليد والمالية مستحقة للمالك، فان انعدام ذلك يعتمد ثبوت العتق في بقيت اليد كل وجه، فعرفنا انه انما انعدم الحكم لانعدام العلة بوجود ما يغيرها. وكذلك إذا قلنا في الزنا انه ثبتت به حرمة المصاهرة، لان ثبوت الحرمة في الاصل باعتبار الولد الذى يتخلق من الماءين فيصير بواسطة الولد امهاتها وبناتها في حقه كامهاته وبناته، وابناؤه وآباؤه في حقها كآبائها وابنائها. ثم الوطء في محل الحرث سبب لحصول هذا الولد فيقام مقامه، ويلزم على هذا انه لا يتعدى الحرمة الى الاخوات والعمات والخالات من الجانبين، فمن يقول بتخصيص العلة يقول: امتنع ثبوت الحكم مع قيام العلة في هذه المواضع للنص أو الاجماع. ونحن نقول، انما انعدم الحكم لانعدام العلة، لان في النص الموجب لحرمة المصاهرة ذكر الامهات والبنات والاباء والابناء خاصة، فامتداد الحرمة الى الاخوات والعمات والخالات يكون تغييرا

[ 215 ]

واثباتا لحرمة أخرى، لان المقصور غير الممتد، وانما يعلل المنصوص، ولا يجوز تبديل المنصوص بالتعليل، فكان انعدام الحكم في هذه المواضع لانعدام العلة لا لمانع مع قيام العلة. وكذلك ان الزم ان الموطوءة لا تحرم على الواطئ بواسطة الولد والقرب بينهما امس، فالتخريج هكذا انه انما انعدم الحكم هناك لانعدام العلة باعتبار مورد النص كما قررنا. وهذا اصل كبير، وفقه عظيم. من ترك التعنت وتامل عن انصاف يخرج له جميع ما لم يذكر بما هو من نظائر ما ذكرنا عليه. وعمدة هذا الفقه معرفته دليل الخصوص، فان النصين إذا كان احدهما عاما والاخر خاصا فالعام لا ينعدم بالخاص حقيقة ولا حكما، وليس في واحد من النصين توهم الفساد، فعرفنا ان الخاص كان مخصصا للموضع الذى تناوله من حكم العم مع بقاء العام حجة فيما وراء ذلك وان تمكن فيه نوع شبهة من حيث انه صار كالمستعار فيما هو حقيقة حكم العام. فاما العلة وان كانت مؤثرة ففيها احتمال الفساد والخطاء وهى تحتمل الاعدام حكما، فإذا جاء ما يغيرها جعلناها معدومة حكما في ذلك الموضع، ثم انعدم الحكم لانعدام العلة، ولا يكون فيها شئ من معنى التناقض، ولا يكون من التخصيص في شئ، والله اعلم. باب وجوه الاحتجاج بما ليس بحجة مطلقا قال رضى الله عنه: فهذا الباب يشتمل على فصول. فالذي نبدأ به الاحتجاج بلا دليل، فان العلماء اختلفوا فيه على أقاويل. قال بعضهم: لا دليل حجة للنافى على خصمه ولا يكون حجة للمثبت. وقال بعضهم: هي حجة دافعة لا موجبة. والذى دل عليه مسائل الشافعي رحمه الله انها حجة دافعة لابقاء ما ثبت بدليله لا لاثبات ما لم يعلم ثبوته بدليله. والذى دل عليه مسائل اصحابنا ان هذا في حق الله تعالى، فاما في حق

[ 216 ]

العباد لا تكون هي حجة لاحد الخصمين على الآخر في الدفع ولا في الايجاب لا في الابقاء ولا في الاثبات ابتداء. فأما الفريق الاول احتجوا وقالوا: أقوى المناظرة ما يكون في إثبات التوحيد وفي أمور النبوة، فقد علمنا الله تعالى الاحتجاج بلا دليل على نفي الشرك بقوله: * (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به) * ورسول الله (ص) كان يجادل المشركين في إثبات نبوته، وكانوا ينفون ذلك وهو يثبت، ثم كانوا لا يطالبون على هذا النفي بشئ فوق قولهم لا دليل على نبوته، واشتغل بعد جحودهم بإثبات نبوته بالآيات المعجزة، والبراهين القاطعة، فعرفنا بهذا أن لا دليل حجة للنافي على خصمه إلى أن يثبت الخصم ما يدعي ثبوته بالدليل، وهذا لان النافي إنما لا يطالب بدليل لكونه متمسكا بالاصل وهو عدم الدليل الموجب أو المانع والمحرم أو المبيح، ووجوب التمسك بالاصل إلى أن يظهر الدليل المغير له طريق في الشرع، ولهذا جعل الشرع البينة في جانب المدعي لا في جانب المنكر، لانه متمسك بالاصل وهو أنه لا حق للغير في ذمته ولا في يده وذلك حجة له على خصمه في الكف عن التعرض له ما لم يقم الدليل، وأيد ما ذكرنا قوله تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما) * الآية، فقد علم نبيه عليه السلام الاحتجاج بعدم الدليل الموجب للحرمة على الذين كانوا يثبتون الحرمة في أشياء كالسائبة والوصيلة والحام والبحيرة، فثبت بهذا أن لا دليل حجة للنافي على خصمه. وهذا الذي ذهبوا إليه غير موافق لشئ من العلل المنقولة عن السلف في نفي الحكم وإثباته وهو ينتهي إلى الجهل أيضا، فإنا نقول لهذا القائل: لا دليل على الاثبات عندك أو عند غيرك فإن خصمك يدعي قيام الدليل عنده، وكما أن دعواه الدليل عنده لا يكون حجة عليك حتى تبرزه فدعواك عليه أن لا دليل عندي لا يكون حجة عليه، وإن قلت لا دليل عندي فهذا إقرار منك بالجهل والتقصير في الطلب، فكيف يكون حجة على غيرك ! وإن انعدم منك التقصير في الطلب فأنت معذور إذا لم تقف على الدليل وعذرك لا يكون

[ 217 ]

حجة على الغير أصلا، ألا ترى أن في زمان النبي عليه السلام كان الناسخ ينزل فيبلغ ذلك بعض الناس دون البعض ومن لم يبلغه يكون معذورا في العمل بالمنسوخ ولا يكون ذلك حجة له على غيره. فإن قيل: قولكم هذا غير موافق لتعليل السلف فاسد، وقد قال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا خمس في العنبر لان الاثر لم يرد به. وهذا احتجاج بلا دليل. قلنا: هذا أن لو ذكر هذا اللفظ على سبيل الاحتجاج على من يوجب فيه الخمس وليس كذلك، بل إنما ذكره على وجه بيان العذر لنفسه ثم علل فيه بعلة مؤثرة في موضع الاحتجاج على الغير على ما ذكر محمد رحمه الله، فإنه قال: لا خمس في اللؤلؤ والعنبر. قلت: لم ؟ قال: لانه بمنزلة السمك. قلت: وما بال السمك لا يجب فيه الخمس ؟ قال: لانه بمنزلة الماء. وهو إشارة إلى مؤثر، فإن الاصل في الخمس الغنائم وإنما يوجب الخمس فيما يصاب مما كان أصله في يد العدو ووقع في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب فيكون في معنى الغنيمة، والمستخرج من البحار لم يكن في يد العدو قط، لان قهر الماء مانع قهرا آخر على ذلك الموضع، ثم القياس أن لا يجب الخمس في شئ وإنما أوجب الخمس في بعض الاموال بالاثر، فبين أن ما لم يرد فيه الاثر يؤخذ فيه بأصل القياس، وهذا لا يكون احتجاجا بلا دليل. ثم نقول لهذا القائل: إنك بهذه المقالة تثبت شيئا لا محالة وهو صحة اعتقادك أن لا دليل يوجب إثبات الحكم في هذه الحادثة فعليك الدليل لاثبات ما تدعي صحته عندك، ولا دليل على خصمك لانه ينفي صحة اعتقادك هذا، ولا دليل على النافي بزعمك، ثم قولك لا دليل شئ تقوله عن علم أو لا عن علم ؟ فإن زعمت أنك تقوله عن علم فالعلم الذي يحدث للمرء لا يكون إلا بدليل، وإن زعمت أنك تقوله لا عن علم فقد نهيت عن ذلك، قال تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * وقال تعالى: * (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) *

[ 218 ]

الاية، فما يكون مذموما منهيا عنه نصا فكيف يصلح حجة على الغير ! وايد ما ذكرنا قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى، تلك امانيهم) الاية، فقد علم رسوله مطالبة النافي باقامة الدليل وذلك تنصيص على ان لا دليل لا يكون حجة والدليل عليه الخصومات، فان انكار الخصم لا يكون حجة له على المدعى بوجه ما حتى انه بعد ما احضر مرة وجحد إذا طلب احضاره مرة اخرى احضره القاضى، وان طلب ان يكفله بنفسه أو بالعين الذى فيه الدعوى اجيره القاضى على ذلك، وإذا طلب يمينه حلفه على ذلك، فلو كان لا دليل حجة للنافى على خصمه لم يبق للمدعى عليه سبيل بعد انكاره وقوله لا حجة للمدعى. فاما جعل الشرع القول قول المنكر فذلك باعتبار دليل من حيث الظاهر، وهو ان المدعى عين في يده واليد دليل الملك ظاهرا، أو دين في ذمته وذمته بريئة ظاهرا، ومع هذا قوله لا يكون حجة على خصمه وان حلف حتى لا يصير المدعى مقضيا عليه بشئ، ولكنه لا يتعرض له ما لم يات بحجة يثبت بها الحق عليه. يحقق ما قلنا ان الاصل هو التفاوت بين الناس في العلم بالادلة الشرعية، واليه اشار الله تعالى في قوله: (وفوق كل ذى علم عليم) وهذا شبه المحسوس لمن يرجع الى احوال الناس، فقد يقف بعضهم على علم لا يقف عليه البعض، ومع هذا التفاوت لا يتمكن النافي من الاحتجاج بلا دليل الا بعد وقوفه على كل علم يبتنى عليه احكام الشرع، ومن ادعى هذه الدرجة لنفسه منا فهو متعنت لا يناظر، وكيف يتمكن احد من هذه الدعاوى مع قوله تعالى: (وما اوتيتم من العلم الا قليلا) وإذا علمنا يقينا ان المحتج بلا دليل لم يبلغ جميع انواع العلم عرفنا ان استدلاله بما لم يبلغه على الخصم باطل، ولهذا صح هذا النوع من الاحتجاج فيما نص الله تعالى عليه، لان الله تعالى عالم بالاشياء كلها لا يعزب عنه مثقال ذرة ولا تخفى عليه خافية، فبإخباره ان لا برهان لمن يدعى الشرك حصل لنا علم اليقين بانه لا دليل على الشرك بوجه. وكذلك قوله تعالى، (قل لا اجد فيما اوحى الى محرما) فقد صار معلوما يقينا انه لا دليل على حرمة ذلك، فكان

[ 219 ]

الاحتجاج صحيحا، ومثله لا يتصور فيما يحتج به النافي على خصمه. ولا نقول بان نفى الكفار نبوة رسول الله وقولهم لا دليل على نبوته كان حجة لهم عليه بوجه، ولكن كان ذلك اظهارا منهم لجهلهم، وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يزيل ذلك الجهل عنهم باظهار المعجزات الدالة على نبوته. فاما اهل المقالة الثابتة فانهم قالوا المنتفى معدوم والمعدوم ليس بشئ وانما يحتاج الى الدليل لاثبات المدلول عليه، ومعلوم ان العدم لا يكون متعلقا بدليل ولا بعدم الدليل، ولكن عدم الدليل يدل عليه كما يدل الحدث على المحدث، ثم الدليل قد يكون قائما على الاثبات عند البعض دون البعض، يقول النافي لا دليل على الاثبات محتمل يجوز ان يكون كما قال وهو انه ليس فيه دليل مشروع عند احد، ويجوز ان يكون عليه دليل عند غيره ولم يبلغه، ودعوى المثبت دليل الاثبات محتمل ايصا يجوز ان يكون صدقا بوجود الدليل عنده، ويجوز ان يكون كذبا أو غلطا فاستوى الجانبان من هذا الوجه، كما ان دعوى المثبت الدليل لا يكون حجة على خصمه ما لم يبرز الدليل لكونه محتملا والمحتمل لا فقول النافي لا دليل لا يكون حجة على خصمه لكونه محتملا ولكنه دافع لدعوى المثبت عنه بطريق المساواة في الاحتمال. فقلنا ان قوله: لا دليل، حجة دافعة لا موجبة. والشافعي يحتج بهذا الكلام ايضا لانه يقول: إذا كان قوله لا دليل مستندا الى دليل لا يخالف ما يقوله يكون دلك الدليل حجة على الخصم لا بمجرد قوله لا دليل. وبيان هذا ان ما يكون محتملا للبقاء من الاحكام والصحة في العلل والجواهر فانه إذا ثبت وجوه بالدليل يكون باقيا ما لم يعترض ما يزيله، الا ترى ان الملك بالشراء متى ثبت، أو الحل بالنكاح متى ثبت، أو الحرمة بالتطليقات الثلاث متى ثبت يكون باقيا، الا يعترض عليه

[ 220 ]

ما يزيله فما يمضي من الازمنة بعد صحة الدليل المثبت للحكم يكون الحكم فيه باقيا بذلك لدليل على احتمال أن يطرأ ما يزيله، وقبل ظهور طريان ما يزيله يكون الحكم ثابتا بذلك الدليل، بمنزلة النص العام فإنه موجب للحكم في كل ما يتناوله على احتمال قيام دليل الخصوص، فما لم يقم دليل الخصوص كان الحكم ثابتا بالعام وكان الاحتجاج به على الخصم صحيحا، فكذلك قول القائل فيما هو منتف لا دليل على إثباته، أو فيما هو ثابت بدليله لا دليل على نفيه يكون احتجاجا بذلك الدليل وذلك الدليل حجة على خصمه، فأما ما لا يستند إلى دليل فلا يبقى فيه إلا الاحتجاج بقوله لا دليل فذلك يكون حجة كما قلتم. وعلى هذا الاصل قال: الصلح على الانكار باطل، لان نفي المنكر دعوى المدعي يستند إلى دليل وهو المعلوم من براءة ذمته في الاصل أو اليد التي هي دليل لملك له في عين المدعي، فيكون ذلك حجة له على خصمه في إبقاء ما ثبت عليه، وبعد ما ظهرت براءة ذمته في حق المدعي بهذا الدليل يكون أخذه المال رشوة على الكف عن الدعوى ولا يكون ذلك اعتياضا عن حقه فيكون باطلا، بخلاف ما إذا شهد بحرية عبد إنسان ثم اشتراه بعد ذلك فإن الشراء يكون صحيحا ويلزمه الثمن للبائع، لان نفي البائع حريته ودعواه بقاء الملك له مستند إلى دليل وهو الدليل المثبت للملك له في العبد، فيكون ذلك حجة له على خصمه في إبقاء ملكه، وباعتباره هو إنما يأخذ العوض على ملك له، وباعتباره لا يثبت الاتفاق بينهما على فساد ذلك السبب، فبهذا تعين فيه وجه الصحة ووجب الثمن على المشتري ثم يعتق عليه بعدما دخل في ملكه باعتبار زعمه. وعلماؤنا رحمهم الله قالوا: الدليل المثبت للحكم لا يكون موجبا بقاء الحكم بوجه من الوجوه ولكن بقاؤه بعد الوجود لاستغناء البقاء عن دليل لا لوجود الدليل المنفي. فعرفنا أنه ليس للدليل الذي استند إليه الحكم عمل في البقاء أصلا، وأن دعوى البقاء فيما عرف ثبوته بدليله محتمل كدعوى

[ 221 ]

الاثبات فيما لا يعلم ثبوته بدليله، فكما أن هناك يستوي المثبت والنافي في أن قول كل واحد منهما لا يكون حجة على خصمه بغير دليل فكذلك هنا، وله فارق العام فإنه موجب للحكم في كل ما تناوله قطعا على احتمال قيام دليل الخصوص، فما لم يظهر دليل الخصوص كان الحكم ثابتا بنص موجب له، وهنا الدليل المثبت للحكم غير متعرض للازمنة أصلا فلا يكون ثبوته في الازمنة بعد قيام الدليل بدليل مثبت له، ولهذا لا يكون قيام دليل النفي من دليل الخصوص في شئ بل يكون نسخا، كما بيناه في باب النسخ، يوضحه أنه لما لم يكن ذلك الدليل عاملا الآن في شئ صار قول المتمسك به لا دليل على ارتفاعه كلاما محتملا، كما أن قول خصمه قام الدليل على ارتفاعه كلام محتمل فتتحقق المعارضة بينهما على وجه لا يكون زعم أحدهما حجة على الآخر ما لم يرجح قوله بدليل. وعلى هذا الاصل قلنا في الصلح على الانكار إنه جائز، لان الدليل المثبت لبراءة ذمة المنكر أو للملك له فيما في يده غير متعرض للبقاء أصلا فكان دعوى المدعي أن المدعي حقي وملكي خبرا محتملا، وإنكار المدعى عليه لذلك خبر محتمل أيضا فكما لا يكون خبر المدعي حجة على المدعى عليه في إلزام التسليم إليه لكونه محتملا، فكذلك خبر المدعي عليه لا يكون حجة على المدعي في فساد الاعتياض عنه بطريق الصلح، ولهذا لو صالحه أجنبي على مال جاز بالاتفاق، ولو ثبت براءة ذمته في حق المدعي بدليل كما ذكره الخصم لم يجز صلحه مع الاجنبي، كما لو أقر أنه مبطل في دعواه ثم صالح مع أجنبي. والدليل عليه فصل الشهادة بعتق العبد على مولاه فإن الشاهد إذا اشتراه صح الشراء ولزمه الثمن لهذا المعنى، وهو أن ما أخبر به الشاهد لكونه محتملا لم يصر حجة على مولى العبد حتى جاز له الاعتياض عنه بالبيع من غيره، فيجوز له الاعتياض عنه بالبيع من الشاهد وإن كان زعمه معتبرا في حقه حتى إنه يعتق كما اشتراه لا من جهته حتى لا يكون ولاؤه له، وما كان ذلك إلا بالطريق الذي قلنا، فإن الدليل الموجب للملك للمولى لا يكون دليل بقاء ملكه بل بقاء الملك بعد ثبوته لاستغنائه عن الدليل المنفي. وعلى هذا الاصل قلنا: مجهول الحال يكون حرا باعتبار الظاهر، ولكن لو جنى عليه جناية

[ 222 ]

فزعم الجاني أنه رقيق لا يلزمه أرش الجناية على الاحرار حتى تقوم البينة على حريته، لان ثبوت الحرية للحال ليس بدليل موجب لذلك بل باعتبار أصل الحرية لاولاد آدم وذلك لا يجوب البقاء فكان عدواه الحرية لنفسه فئ الحال محتملا ودعوى الغير الرق عليه محتمل، فبالمحتمل لا يثبت الرق عليه محتمل، فبالمحتمل لا يثبت الرق فيه لغيره ويجعل القول قوله في الحرية، وبالمحتمل لا يثبت دعوى استحقاق أرش الاحرار بسبب الجناية عليه غيره حتى يقيم البينة على حريته، لان قبل إقامة البينة ليس معه إلا الاحتجاج بلا دليل وذلك دافع عنه ولا يكون حجة له على غيره. وعلى هذا لو قذف إنسانا ثم زعم أنه عبد وقال المقذوب بل هو حر، فإنه لايقام حد الاحرار عليه حتى تقوم البينة للمقذوف على حريته. وكذلك لو قطع يد إنسان ثم زعم أنه عبد وأنه لاقصاص عليه. وكذلك لو شهد في حادثة ثم زعم المشهود عليه أنه عبد فإن شهادته لا تكون حجة حتى تقوم البينة على حريته. والشافعي رحمه الله يخالفنا في جميع ذلك للاصل الذى بينا له. وعلى هذا لو اشترى شقصا من دار فطلب الشفيع الشفعة وقال المشترى ما في يدك مما تدعى به الشفعة ليس بملك لك بل هي ملكى فإنه يكون القول قول مدعى الشفعة في دفع دعوى المشترى عما في يده، ويكون القول قول المشترى في إنكاره حق الشفعة له، حتى إن لشفيع ما لم يقم البينة على أن العين الذى في يده ملكه لا يستحق الشفعة عندنا، لان خبر كل واحد منهما محتمل فلا يكون حجة على خصمه في استحقاق ما في يده. وعند الشافعي ملك الشفيع فيما في يده ثابت باعتبار أن قوله مستند إلى دليل ثبت فيستحق به الشفعة. ونظير ما قاله علماؤنا قول المولى لعبده: إن لم أدخل اليوم الدار فأنت حر، ثم قال المولى بعد مضى اليوم قد دخلت وقال العبد لم تدخل، فإن القول قول المولى حتى لا يعتق العبد، ومعلوم أن قول العبد مستند إلى دليل من حيث الظاهر وهو أن الاصل عدم الدخول ولكن لما كان قوله في الحال محتملا قول المولى كذلك لم يثبت استحقاقه على المولى بما هو محتمل. وكذلك المفقود فإنه لا يرث أحدا من أقاربه إذا مات قبل أن يظهر حاله

[ 223 ]

ومعلوم أن بقاءه حيا مستند إلى دليل وهو ما علم من حياته، ولكن لما لم يكن ذلك دليلا للبقاء اعتبر في الحال الاحتمال، فقيل لا يرثه أحد لاحتمال بقائه حيا، ولا يرث أحدا لاحتمال أنه ميت. فإن قيل: عندي إذا استند قوله إلى دليل إنما يقبل قوله على خصمه في إبقاء ما هو مقصود له: في مسألة العتق لا مقصود للعبد في نفى دخول المولى الدار وإنما مقصوده في العتق ودعواه العتق ليس بمستند إلى دليل مثبت له. وكذلك عدوى من يدعى حياة المفقود بعد ما مات قريب له ليس بمقصود للمدعى حتى يعتبر فيه الاستناد إلى دليله، فأما دعوى المنكر براءة ذمته أو كون ما في يده ملكا له مقصود له وهو يستند إلى دليل كما بينا. وكذلك دعوى مجهول الحال الحرية لنفسه مقصود له. ودعوى الشفيع الملك لنفسه فيما في يده مقصود له، فإذا كان هذا مستندا إلى دليله وهو مقصود له كان حجة له على خصمه. قلنا: لا فرق، فإن دعوى المنكر فساد الصلح غير مقصود له ولكن يترتب عليه ما هو المقصود له وهو سقوط المطالبة عنه بتسليم ما التزمه بالصلح، كما أن دعوى العبد أن المولى لم يدخل الدار غير مقصود له ولكن يترتب عليه ما هو مقصود له وهو عتقه باعتبار وجود الشراط. ثم هناك لكون ما أخبر به محتملا لم يجعل حجة على خصمه، ولا يعتبر استناده إلى دليل باعتبار الاصل، فكذلك في مسألة الصلح فصل ومن الاحتجاج بلا دليل الاستدلال باستصحاب الحال، وذلك نحو ما يقول بعض أحصابنا في حكم الزكاة في مال الصبى إن الاصل عدم الوجوب فيستصحبه حتى يقوم دليل الوجوب، وفى الاستئناف أن وجوب الحقتين في مائة وعشرين ثابت بالنص والاجماع فيجب استصحابه حتى يقوم الدليل المغير، وهذا النوع من التعليل باطل، فإن ثبوت العدم وإن كان بدليل معدم فذلك لا يوجب

[ 224 ]

بقاء العدم، كما أن الدليل الموجد للشئ لا يكون دليل بقائه موجودا فكذلك الدليل المثبت للحكم لا يكون دليل بقائه ثابتا، ألا ترى أن عدم الشراء لا يمنع وجود الشراء في المستقبل، والشراء الموجب للملك لا يمنع انعدام الملك بدليله في المستقبل، ولكن البقاء بعد الوجود لاستغنائه عن الدليل، لا لان الدليل المثبت له موجب لبقائه، كما أن ثبوت الحياة بسببه لا يكون دليل بقاء الحياة، يوضحه أن بعد ثبوت حكم هو نفي إيجاده يستدعي دليلا، فمن ادعى وجوده احتاج إلى إثباته على خصمه بدليل. وكذلك من ادعى بقاءه منفيا فهو محتاج إلى إثباته بدليله على الخصم، إذ الدليل الاول غير موجب لذلك فليس أحدهما بالاحتجاج على صاحبه لعدم قيام الدليل بأولى من الآخر، وما كان البقاء فيما يحتمل البقاء بعد الوجود إلا نظير الوجود في الاعراض التي لا تبقى وقتين، فإن وجود شئ منه بدليل لا يكون دليل وجود مثله في الوقت الثاني. وبيان هذا في البعير الزائد على المائة والعشرين فإن عند الخصم ينتهي به عفو الحقتين فيتم به نصاب ثلاث بنات لبون. وعندنا هو ابتداء العفو لنصاب آخر، وليس في إيجاب الحقتين في مائة وعشرين ما يدل على واحد من الامرين، فكان الاحتجاج به لايجاب الحقتين بعد هذه الزيادة عند كمال الحول يكون احتجاجا بلا دليل. ثم استصحاب الحال ينقسم أربعة أقسام: أحدها استصحاب حكم الحال مع العلم يقينا بانعدام الدليل المغير، وذلك بطريق الخبر عمن ينزل عليه الوحي أو بطريق الحس فيما يعرف به، وهذا صحيح قد علمنا الاستدلال به في قوله تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما) * الآية، وهذا لانه لما علم يقينا بانعدام الدليل المغير وقد كان الحكم ثابتا بدليله وبقاؤه يستغني عن الدليل فقد علم بقاؤه ضرورة. والثاني: استصحاب حكم الحال بعد دليل مغير ثابت بطريق النظر

[ 225 ]

والاجتهاد بقدر الوسع، وهذا يصلح لابلاء العذر وللدفع ولا يصلح للاحتجاج به على غيره، لان المتأمل وإن بالغ في النظر فالخصم يقول قام الدليل عندي بخلافه، وبالتأمل والاجتهاد لا يبلغ المرء درجة يعلم بها يقينا أنه لم يخف عليه شئ من الادلة، بل يبقى له احتمال اشتباه بعض الادلة عليه، وما كان في نفسه محتملا عنده لا يمكنه أن يحتج به على غيره. والثالث: استصحاب حكم الحال قبل التأمل والاجتهاد في طلب الدليل المغير وهذا جهل، لان قبل الطلب لا يحصل له شئ من العلم بانتفاء الدليل المغير ظاهرا ولا باطنا، ولكنه يجهل ذلك بتقصير منه في الطلب، وجهله لا يكون حجة على غيره ولا عذرا في حقه أيضا إذا كان متمكنا من الطلب إلا أن لا يكون متمكنا منه. وعلى هذا قلنا: إذا أسلم الذمي في دار الاسلام ولم يعلم بوجوب العبادات عليه حتى مضى عليه زمان فعليه قضاء ما ترك، بخلاف الحربي إذا أسلم في دار الحرب ولم يعلم بوجوب العبادات عليه حتى مضى زمان. وعلى هذا قلنا: من لم يجتهد بعد الاشتباه في أمر القبلة حتى صلى إلى جهة فإنه لا تجزيه صلاته ما لم يعلم أنه أصاب، بخلاف ما إذا اجتهد وصلى إلى جهة فإنه تجزيه صلاته وإن تبين أنه أخطأ. والنوع الرابع: استصحاب الحال (لاثبات الحكم ابتداء، وهذا خطأ محض وهو ضلال محض ممن يتعمده لان استصحاب الحال) كاسمه، وهو التمسك بالحكم الذي كان ثابتا إلى أن يقوم الدليل المزيل، وفي إثبات الحكم ابتداء لا يوجد هذا المعنى، ولا عمل لاستصحاب الحال فيه صورة ولا معنى، وقد بينا في مسألة المفقود أن الحياة المعلومة باستصحاب الحال يكون حجة في إبقاء ملكه في ماله على ما كان، ولا يكون حجة في إثبات الملك له ابتداء في مال قريبه إذا مات. وبعض أصحاب الشافعي يجعلونه حجة في ذلك، لا باعتبار أنهم يجوزون إثبات الحكم ابتداء باستصحاب الحال، بل باعتبار أنه يبقى للوارث

[ 226 ]

الملك الذي كان للمورث، فإن الوراثة خلافة، وقد بينا أن عنده استصحاب الحال فيما يرجع إلى الابقاء حجة على الغير. ولكنا نقول: هذا البقاء في حق المورث، فأما في حق الوارث فصفة المالكية تثبت له ابتداء واستصحاب الحال لا يكون حجة فيه بوجه. وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إذا ادعى عينا في يد إنسان أنه له ميراث من أبيه وأقام الشاهدين فشهدا أن هذا كان لابيه لم تقبل هذه الشهادة. وفي قول أبي يوسف الآخر تقبل، لان الوراثة خلافة فإنما يبقى للوارث الملك الذي كان للمورث، ولهذا يرد بالعيب ويصير مغرورا فيما اشتراه المورث، وما ثبت فهو باق لاستغناء البقاء عن دليل. وهما يقولان في حق الوارث: هذا في معنى ابتداء التملك، لان صفة المالكية تثبت له في هذا المال بعد أن لم يكن مالكا، وإنما يكون البقاء في حق المورث أن لو حضر بنفسه يدعي أن العين ملكه فلا جرم إذا شهد الشاهدان أنه كان له كانت شهادة مقبولة كما إذا شهدا أنه له، فأما إذا كان المدعي هو الوارث وصفة المالكية للوارث تثبت ابتداء بعد موت المورث فهذه الشهادة لا تكون حجة للقضاء بالملك له، لان طريق القضاء بها استصحاب الحال وذلك غير صحيح. فصل ومن هذه الجملة الاستدلال بتعارض الاشباه، وذلك نحو احتجاج زفر رحمه الله في أنه لا يجب غسل المرافق في الوضوء، لان من الغايات ما يدخل ومنها ما لا يدخل فمع الشك لا تثبت فرضية الغسل فيما هو غاية بالنص، لان هذا في الحقيقة احتجاج بلا دليل لاثبات حكم، فإن الشك الذي يدعيه أمر حادث فلا يثبت حدوثه إلا بدليل. فإن قال: دليله تعارض الاشباه. قلنا: وتعارض الاشباه أيضا حادث فلا يثبت إلا بالدليل. فإن قال: الدليل عليه ما أعده من الغايات مما يدخل بالاجماع وما لا يدخل بالاجماع. قلنا: وهل تعلم أن هذا المتنازع فيه من أحد النوعين بدليل ؟ فإن قال أعلم ذلك. قلنا: فإذن عليك أن لا تشك فيه بل

[ 227 ]

تلحقه بما هو من نوعه بدليله. وإن قال: لا أعلم ذلك. قلنا: قد اعترفت بالجهل، فإن كان هذا مما يمكن الوقوف عليه بالطلب فإنما جهلته عن تقصير منك في طلبه وذلك لا يكون حجة أصلا، وإن كان مما لا يمكن الوقوف عليه بعد الطلب كنت معذورا في الوقوف فيه، ولكن هذا العذر لا يصير حجة لك على غيرك ممن يزعم أنه قد ظهر عنده دليل إلحاقه بأحد النوعين، فعرفنا أن حاصل كلامه احتجاج بلا دليل. فصل ومن هذه الجملة الاحتجاج بالاطراد على صحة العلة إما وجودا أو وجودا وعدما، فإنه احتجاج بلا دليل في الحقيقة، ومن حيث الظاهر هو احتجاج بكثرة أداء الشهادة، وقد بينا أن كثرة أداء الشهادة وتكرارها من الشاهد لا يكون دليل صحة شهادته. ثم الاطراد عبارة عن سلامة الوصف عن النقوض والعوارض، والناظر وإن بالغ في الاجتهاد بالعرض على الاصول المعلومة عنده فالخصم لا يعجز من أن يقول عندي أصل آخر هو مناقض لهذا الوصف أو معارض، فجهلك به لا يكون حجة لك علي، فتبين من هذا الوجه أنه احتجاج بلا دليل، ولكنه فوق ما تقدم في الاحتجاج به من حيث الظاهر، لان من حيث الظاهر الوصف صالح، ويحتمل أن يكون حجة للحكم إذا ظهر أثره عند التأمل، ولكن لكونه في الحقيقة استدلالا على صحته بعدم النقوض والعوارض لم يصلح أن يكون حجة لاثبات الحكم. فإن قيل: أليس أن النصوص بعد ثبوتها يجب العمل بها، واحتمال ورود الناسخ لا يمكن شبهة في الاحتجاج بها قبل أن يظهر الناسخ فكذلك ما تقدم ؟ قلنا: أما بعد وفاة رسول الله (ص) فلا احتمال للنسخ في كل نص كان حكمه ثابتا عند وفاته، فأما في حال حياته فهكذا نقول: إن الاحتجاج به لاثبات الحكم ابتداء صحيح، فأما لابقاء الحكم أو لنفي الناسخ لا يكون صحيحا، لان احتمال بقاء الحكم واحتمال قيام دليل النسخ فيه كان بصفة واحدة، وقد قررنا هذا في باب النسخ.

[ 228 ]

ثم الطرديات الفاسدة أنواع. منها ما لا يشكل فساده على أحد. ومنها ما يكون (بزيادة وصف في الاصل به يقع الفرق. ومنها ما يكون) بوصف مختلف فيه اختلافا ظاهرا. ومنها ما يكون استدلالا بالنفي والعدم. وبيان النوع الاول: فيما علل به بعض أصحاب الشافعي لكون قراءة الفاتحة ركنا في الصلاة لانها عبادة ذات أركان لها تحليل وتحريم، فكان من أركان ما له عدد السبع كالحج في حق الطواف، وربما يقولون: الثلاث أحد عددي مدة المسح فلا يتأدى به فرض القراءة في الصلاة كالواحد، وما دون الثلاث قاصر عن السبع فلا يتأدى به فرض القراءة كما دون الآية. ونحو ما يحكى عن بعضهم في أن الرجعة لا تحصل بالفعل، لان الوطئ فعل ينطلق مرة ويتعلق أخرى فلا تثبت به الرجعة كالقتل. ونحو ما يحكى عن بعض أصحابنا في الوضوء بغير النية أن هذا حكم متعلق بأعضاء الطهارة فلا تشترط النية في إقامته كالقطع في السرقة والقصاص. هذا النوع مما لا يخفى فساده على أحد، ولم ينقل من هذا الجنس شئ عن السلف إنما أحدثه بعض الجهال ممن كان بعيدا من طريق الفقهاء، فأما علل السلف ما كانت تخلو عن الملاءمة أو التأثير، ولهذا كان الواحد منهم يتأمل مدة فلا يقف في حادثة إلا على قياس أو قياسين، والواحد من المتأخرين ربما يتمكن في مجلس واحد من أن يذكر في حادثة خمسين علة من هذا النحو أو أكثر، ولا مشابهة بين غسل الاعضاء في الطهارة وبين القطع في السرقة، ولا بين مدة المسح والقراءة في الصلاة، ولا بين الطواف بالبيت وقراءة الفاتحة، فعرفنا أن هذا النوع مما لا يخفى فساده. وأما ما يكون بزيادة وصف فنحو تعليل بعض أصحاب الشافعي في مس الذكر إنه حدث، لانه مس الفرج فينتقض الوضوء به كما لو مسه عند البول، فإن هذا القياس لا يستقيم إلا بزيادة وصف في الاصل وبذلك

[ 229 ]

الوصف يثبت الفرق بين الفرع والاصل ويثبت الحكم به في الاصل. وكذلك قولهم في إعتاق المكاتب عن الكفارة إنه تكفير بتحرير المكاتب فلا يجوز، كما لو أدى بعض بدل الكتابة ثم أعتقه، لان استقامة هذا القياس بزيادة وصف في الاصل به يقع الفرق، وهو أن المستوفى من البدل يكون عوضا، والتكفير لا يجوز بالاعتاق بعوض. ونحو ما علل بعضهم في شراء الاب بنية الكفارة إنه تكفير بتحرير أبيه فلا يجوز، كما لو كان حلف بعتقه إن ملكه، فإن استقامة هذا التعليل بزيادة وصف به يقع الفرق من حيث إن المحلوف بعتقه إذا عتق عند وجود الشرط لا يصير مكفرا به وإن نواه عند ذلك أبا كان أو أجنبيا. والنوع الثالث: نحو ما يعلل به بعض أصحاب الشافعي في أن الاخ لا يعتق على أخيه إذا ملكه. قال: عتق الاخ تتأدى به الكفارة فلا يثبت بمجرد الملك كعتق ابن العم. وهذا تعليل بوصف مختلف فيه اختلافا ظاهرا، فإن عندنا عتق القريب وإن كان مستحقا عند وجود الملك تتأدى به الكفارة حتى قلنا: إذا اشترى أباه بنية الكفارة يجوز، خلافا للشافعي رحمه الله. ونحو ما علل به بعضهم في الكتاب الحالة أنها لا تمنع جواز التكفير بتحريره فتكون فاسدة كالكتابة على القيمة، فإن هذا تعليل بوصف مختلف فيه اختلافا ظاهرا، لان التكفير بإعتاق المكاتب كتابة صحيحة جائزة عندنا، وربما يكون هذا الاختلاف في الاصل نحو ما يعلل به بعض. أصحاب الشافعي في الافطار بالاكل والشرب إنه إفطار بالمطعوم، فلا يوجب الكفارة كما لو كان في يوم أبصر الهلال وحده ورد الامام شهادته. وأما النوع الرابع: فنحو تعليل الشافعي في النكاح إنه لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال لانه ليس بمال، وفي الاخ لا يعتق على أخيه لانه ليس

[ 230 ]

بينهما بعضية، وفي المبتوتة إنه لا يلحقها الطلاق لانه ليس بينهما نكاح، وفي إسلام المروي بالمروي إنه يجوز لانه لم يجمع البدلين الطعم والثمنية، وهذا فاسد لانه استدلال بعدم وصف والعدم لا يصلح أن يكون موجبا حكما، وقد بينا أن العدم الثابت بدليل لا يكون بقاؤه ثابتا بدليل فكيف يستدل به لاثبات حكم آخر. فإن قيل: مثل هذا التعليل كثير في كتبكم. قال محمد رحمه الله: ملك النكاح لا يضمن بالاتلاف لانه ليس بمال، والزوائد لا تضمن بالغصب لانه لم يغصب الولد. وقال أبو حنيفة رحمه الله: العقار لا يضمن بالغصب لانه لم ينقله ولم يحوله. وقال فيما لا يجب فيه الخمس: لانه لم يوجف عليه المسلمون. وقال في تناول الحصاة: لا تجب الكفارة لانه ليس بمطعوم. وقال في الجد: لا يؤدي صدقة الفطر عن النافلة لانه ليس عليه ذلك. فهذا استدلال بعدم وصف أو حكم. قلنا: أولا هذا عندنا غير مذكور على وجه المقايسة بل على وجه الاستدلال فيما كان سببه واحدا معينا بالاجماع نحو الغصب، فإن ضمان الغصب سببه واحد عين وهو الغصب، فالاستدلال بانتفاء الغصب على انتفاء الضمان يكون استدلالا بالاجماع. وكذلك وجوب ضمان المال بسبب يستدعي المماثلة بالنص وله سبب واحد عين وهو إتلاف المال، فيستقيم الاستدلال بانتفاء المالية في المحل على انتفاء هذا النوع من الضمان، وكذلك إذا كان دليل الحكم معلوما في الشرع بالاجماع نحو الخمس فإنه واجب في الغنيمة لا غير وطريق الاغتنام الايجاف عليه بالخيل والركاب، فالاستدلال به لنفي الخمس يكون استدلالا صحيحا، وقد بينا أنه إبلاء العذر في بعض المواضع لا الاحتجاج به على الخصم. فأما تعليل النكاح بأنه ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال يكون تعليلا بعدم الوصف وعدم الوصف لا يعدم الحكم لجواز أن يكون الحكم ثابتا باعتبار وصف آخر، لانه وإن لم يكن مالا فهو من جنس ما يثبت مع الشبهات والاصل المتفق عليه الحدود والقصاص، وبهذا الوصف لا يصير النكاح بمنزلة الحدود والقصاص حتى يثبت مع الشبهات بخلاف الحدود والقصاص، فعرفنا أن بعدم هذا الوصف لا ينعدم وصف آخر يصلح التعليل به لاثباته بشهادة

[ 231 ]

النساء مع الرجال. وكذلك ما علل به من أخوات هذا الفصل فهو يخرج على هذا الحرف إذا تأملت. فصل ومن هذا النوع الاحتجاج بأن الاوصاف محصورة عند القائسين، فإذا قامت الدلالة على فساد سائر الاوصاف إلا وصفا واحدا تثبت به صحة ذلك الوصف ويكون حجة. هذا طريق بعض أصحاب الطرد. وقد جوز الجصاص رحمه الله تصحيح الوصف للعلة بهذا الطريق. قال الشيخ رحمه الله: وقد كان بعض أصدقائي عظيم الجد في تصحيح هذا الكلام، بعلة أن الاوصاف لما كانت محصورة وجميعها ليست بعلة للحكم بل العلة وصف منها، فإذا قام الدليل على فساد سائر الاوصاف سوى واحد منها ثبت صحة ذلك الوصف بدليل الاجماع كأصل الحكم، فإن العلماء إذا اختلفوا في حكم حادثة على أقاويل، فإذا ثبت بالدليل فساد سائر الاقاويل إلا واحدا ثبت صحة ذلك القول، وذلك نحو اختلاف العلماء في جارية بين رجلين جاءت بولد فادعياه، فإنا إذا أفسدنا قول من يقول بالرجوع إلى قول القائف، وقول من يقول بالقرعة، وقول من يقول بالتوقف إنه لا يثبت النسب من واحد منهما يثبت به صحة قول من يقول بأنه يثبت النسب منهما جميعا. وإذا قال لنسائه الاربعة: إحداكن طالق ثلاثا ووطئ ثلاثا منهن حتى يكون ذلك دليلا على انتفاء المحرمة عنهن تعين بها الرابعة محرمة، فكان تقرب هذا من الادلة العقلية. قال الشيخ: وعندي أن هذا غلط لا نجوز القول به، وهو مع ذلك نوع من الاحتجاج بالدليل. أما بيان الغلط فيه وهو أن ما يجعله هذا القائل دليل صحة علته هو الدليل على فساده، لانه لا يمكنه سلوك هذا الطريق إلا بعد قوله بالمساواة بين الاوصاف في أن كل وصف منها صالح أن يكون علة للحكم، وبعد ثبوت هذه المساواة فالدليل الذي يدل على فساد بعضها هو الدليل على فساد ما بقي منها، لانه متى علم المساواة بين شيئين في الحكم ثم ظهر لاحدهما حكم بالدليل فذلك الدليل يوجب مثل

[ 232 ]

ذلك الحكم في الآخر، كمن يقول لغيره: اجعل زيدا وعمرا في العطية سواء ثم يقول أعط زيدا درهما، يكون ذلك تنصيصا على أنه يعطي عمرا أيضا درهما، فعرفنا أنه لا وجه للتحرز عن هذا الفساد إلا ببيان تفاوت بين هذا الوصف وبين سائر الاوصاف في كونه علة للحكم، وذلك التفاوت لا يتبين إلا ببيان التأثير أو الملاءمة فيضطر إلى بيانه شاء أو أبى، ثم وإن قام الدليل على فساد سائر الاوصاف على وجه لا عمل لذلك الدليل في إفساد هذا الوصف الواحد، فنحن نتيقن أن ذلك الدليل كما لا يوجب فساد هذا الوصف لا يوجب صحته، فلا يبقى على تصحيح هذا الوصف دليلا سوى أنه لم يقم الدليل على فساده، ولو جاز إثبات الوصف موجبا للحكم بهذا الطريق لجاز إثبات الحكم بدون هذا الوصف بهذا الطريق، وهو أن يقول حكم الحادثة كذا لانه لم يقم الدليل على فساد هذا الحكم، وما قاله من الاستدلال بالحكم فهو وهم، لان بإفساد مذهب الخصم لا يثبت صحة مذهب المدعي للحكم بوجه من الوجوه، وكيف يثبت ذلك والمبطل دافع والمدعي للحكم مثبت وحجة الدفع غير حجة الاثبات. ثم الدليل على أن بقيام دليل الفساد في سائر الاوصاف لا تثبت صحة الوصف الذي ادعاه المعلل في الشرعيات أن من أحكام الشرع ما هو غير معلول أصلا بل الحكم فيه ثابت بالنص، فبقيام الدليل على فساد سائر الاوصاف لا ينعدم احتمال قيام الدليل على فساد هذا الوصف حقيقة ولا حكما من هذا الوجه، لجواز أن يكون هذا النص غير معلول أصلا، وبه فارق العقليات، ثم احتمال الصحة والفساد في هذا الوصف بالاجماع كان مانعا من جعله حجة لاثبات الحكم قبل قيام الدليل على فساد سائر الاوصاف، فكذلك بعده لان احتمال تعينه قائم. باب: وجوه الاعتراض على العلل قال رضي الله عنه: العلل نوعان: طردية ومؤثرة. والاعتراض على كل نوع من وجهين: فاسد وصحيح. فالاعتراضات الفاسدة على العلل المؤثرة أربعة: المناقضة، وفساد الوضع، ووجود الحكم مع عدم العلة، والمفارقة بين

[ 233 ]

الاصل والفرع. والصحيحة أربعة: الممانعة، ثم القلب المبطل، ثم العكس الكاسر، ثم المعارضة بعلة أخرى. فأما المناقضة فإنها لا ترد على العلل المؤثرة، لان التأثير لا يتبين إلا بدليل الكتاب أو السنة أو الاجماع. وهذه الادلة لا تتناقض، فإن أحكام الشرع عليها تدور ولا تناقض في أحكام الشرع، وقد بينا أنه لا توجد العلة بدون الحكم على الوجه الذي ظهر أثرها في الحكم، بل لا بد أن ينعدم الحكم لتغير وصف بنقصان أو زيادة، وبه تتبدل العلة فتنعدم العلة المؤثرة التي أثبت المعلل الحكم بها، وانعدام الحكم عند انعدام العلة لا يكون دليل انتقاض العلة. وهو نظير الشاهد فإنه مع استجماع شرائط الاداء إذا ترك لفظة الشهادة أو زاد عليها فقال فيما أعلم فإنه لا يجوز العمل بشهادته، وكان ذلك باعتبار انعدام العلة الموجبة للعمل بشهادته معنى. وبيان هذا أنا إذا عللنا في تكرار المسح بالرأس أنه مسح مشروع في الطهارة فلا يستن تثليثه كالمسح بالخف لا يدخل الاستنجاء بالاحجار نقضا، لان المسح هناك غير مشروع في الطهارة إنما المشروع إزالة النجاسة العينية حتى لو تصور خروج الحدث من غير أن يتنجس شئ مما هو طاهر لم يجب المسح أصلا، وإزالة النجاسة غير المسح وهو لا يحصل بالمرة إلا نادرا، فعرفنا أن انعدام الحكم لانعدام العلة. وأما فساد الوضع فهو اعتراض فاسد على العلة المؤثرة، لانه دعوى لا يمكن تصحيحها، فإن تأثير العلة إنما يثبت بدليل موجب للحكم كما بينا، ومعلوم أنه لا يجوز دعوى فساد الوضع في الكتاب والسنة والاجماع. وأما وجود الحكم مع عدم العلة فإن الحكم يجوز أن يكون ثابتا بعلة أخرى، لان ثبوته بعلة لا ينافي كونه ثابتا بعلة أخرى، ألا ترى أن الحكم يجوز أن يثبت بشهادة الشاهدين، ويجوز أن يثبت بشهادة أربعة حتى إذا رجع اثنان قبل القضاء يبقى القضاء واجبا بشهادة الباقيين. وكذلك يجوز أن يكون الاصل معلولا بعلتين يتعدى الحكم بإحداهما إلى فروع

[ 234 ]

وبالاخرى إلى فروع أخر فلا يكون انعدام العلة مع بقاء الحكم في موضع ثابتا بالعلة الاخرى دليل فساد العلة. فأما المفارقة فمن الناس من ظن أنها مفاقهة، ولعمري المفارقة مفاقهة ولكن في غير هذا الموضع، فأما على وجه الاعتراض على العلل المؤثرة تكون مجادلة لا فائدة فيها في موضع النزاع. وبيان هذا من وجوه ثلاثة: أحدها أن شرط صحة القياس لتعدية الحكم إلى الفروع تعليل الاصل ببعض أوصافه لا بجميع أوصافه، وقد بينا أنه متى كان التعليل بجميع أوصاف الاصل لا يكون مقايسة، فبيان المفارقة بين الاصل والفرع بذكر وصف آخر لا يوجد ذلك في الفرع ويرجع إلى بيان صحة المقايسة، فأما أن يكون ذلك اعتراضا على العلة فلا. ثم ذكر وصف آخر في الاصل يكون ابتداء دعوى والسائل جاهل مسترشد في موقف المنكر إلى أن تتبين له الحجة لا في موضع الدعوى، وإن اشتغل بإثبات دعواه فذلك لا يكون سعيا في إثبات الحكم المقصود وإنما يكون سعيا في إثبات الحكم في الاصل وهو مفروغ عنه، ولا يتصل ما يثبته بالفرع إلا من حيث إنه ينعدم ذلك المعنى في الفرع وبالعدم لا يثبت الاتصال، وقد بينا أن العدم لا يصلح أن يكون موجبا شيئا، فكان هذا منه اشتغالا بما لا فائدة فيه. والثالث ما بينا أن الحكم في الاصل يجوز أن يكون معلولا بعلتين ثم يتعدى الحكم إلى بعض الفروع بإحدى العلتين دون الاخرى، فبان انعدام في الفرع الوصف الذي يروم به السائل الفرق، وإن سلم له أنه علة لاثبات الحكم في الاصل فذلك لا يمنع المجيب من أن يعدي حكم الاصل إلى الفرع بالوصف الذي يدعيه أنه علة للحكم، وما لا يكون قدحا في كلام المجيب فاشتغال السائل به يكون اشتغالا بما لا يفيد، وإنما المفاقهة في الممانعة حتى يبين المجيب تأثير علته، فالفقه حكمة باطنة، وما يكون مؤثرا في إثبات الحكم شرعا فهو الحكمة الباطنة، والمطالبة به تكون مفاقهة،

[ 235 ]

فأما الاعراض عنه والاشتغال بالفرق يكون قبولا لما فيه احتمال أن لا يكون حجة لاثبات الحكم، واشتغالا بإثبات الحكم بما ليس بحجة أصلا في موضع النزاع وهو عدم العلة، فتبين أن هذا ليس من المفاقهة في شئ، والله أعلم. فصل: الممانعة قال رضي الله عنه: اعلم بأن الممانعة أصل الاعتراض على العلة المؤثرة من حيث إن الخصم المجيب يدعي أن حكم الحادثة ما أجاب به، فإذا لم يسلم له ذلك يذكر وصفا يدعي أنه علة موجبة للحكم في الاصل المجمع عليه وأن هذا الفرع نظير ذلك الاصل، فيتعدى ذلك الحكم بهذا الوصف إلى الفرع، وفي هذا الحكم دعويان فهو أظهر في الدعوى من الاول، أي حكم الحادثة، وإن كانت المناظرة لا تتحقق إلا بمنع دعوى السابق عرفنا أنها لا تتحقق إلا بمنع هذه الدعاوى أيضا فيكون هو محتاجا إلى إثبات دعاويه بالحجة، والسائل منكر فليس عليه سوى المطالبة لاقامة الحجة بمنزلة المنكر في باب الدعاوى والخصومات، وإليه أشار صاحب الشرع (ص) حيث قال للمدعي: (ألك بينة) وبالممانعة يتبين العوار، ويظهر المدعي من المنكر، والملزم من الدافع بعدما ثبت شرعا أن حجة أحدهما غير حجة الآخر. ثم الممانعة على أربعة أوجه: ممانعة في نفس العلة، وممانعة في الوصف الذي يذكر المعلل أنه علة، وممانعة في شرط صحة العلة أنه موجود في ذلك الوصف، وممانعة في المعنى الذي به صار ذلك الوصف علة للحكم. أما الممانعة في نفس العلة فكما بينا أن كثيرا من العلل إذا تأملت فيها تكون احتجاجا بلا دليل، وذلك لا يكون حجة على الخصم لاثبات

[ 236 ]

الحكم. وبيان هذا فيما علل به الشافعي رحمه الله في النكاح أنه ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال كالحدود والقصاص. وهذا النوع لا يصلح حجة لايجاب الحكم عندنا على ما بينا، فترك الممانعة فيه تكون قبولا من الخصم ما لا يكون حجة أصلا وذلك دليل الجهل، فكانت الممانعة في هذا الموضع دليل المفاقهة. وأما ممانعة الوصف الذي هو العلة فبيانه فيما علل به أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما أن الايداع من الصبي تسليط على الاستهلاك، فإن مثل هذا الوصف لا بد أن يكون ممنوعا عند الخصم، لان بعد ثبوته لا يبقى للمنازعة في الحكم معنى. ونحو ما علل به أبو حنيفة فيمن اشترى قريبه مع غيره أن الاجنبي رضي بالذي وقع العتق به بعينه ونحو ما علل به علماؤنا في صوم يوم النحر أنه مشروع لانه منهي عنه، والنهي يدل على تحقق المشروع ليتحقق الانتهاء عنه كما هو موجب النهي، فإن عند الخصم مطلق النهي بمنزلة النسخ حتى ينعدم به المشروع أصلا. فلا بد من هذه الممانعة لمن يريد الكلام في المسألة على سبيل المفاقهة. وأما الممانعة في الشرط الذي لا بد منه ليصير الوصف علة، بيانه فيما ذكرنا أن من الاوصاف ما يكون مغيرا حكم الاصل ومن شرط صحة العلة أن لا يكون مغيرا حكم النص، وذلك نحو تعليل الاشياء الاربعة بالطعم فإنه يغير حكم النص، لان الحكم في نصوص الربا حرمة الفضل على القدر وثبوت الحرمة إلى غاية وهو المساواة، والتعليل بالطعم يثبت في المنصوص حرمة فضل لا على القدر، وحرمة مطلقة لا إلى غاية المساواة، يعني في الحفنة من الحنطة، وفيما لا يدخل تحت القدر من المطعومات التي هي فرع في هذا الحكم، فلا بد من هذه الممانعة، لان الحكم لا يثبت بوجود ركن الشئ مع انعدام شرطه. وأما الممانعة في المعنى الذي يكون به الوصف علة موجبة للحكم شرعا فهو المطالبة ببيان التأثير، لما بينا أن العلة به تصير موجبة للحكم شرعا وهي الحكمة الباطنة التي يعبر عنها بالفقه.

[ 237 ]

والحاصل أن في الدعوى والانكار يعتبر المعنى دون الصورة، فقد يكون المرء مدعيا صورة وهو منكر معنى، ألا ترى أن المودع إذا ادعى رد الوديعة يكون منكرا للضمان معنى، ولهذا كان القول قوله مع اليمين، وإنما جعل الشرع اليمين في جانب المنكر. والبكر إذا قالت: بلغني النكاح فرددت، وقال الزوج بل سكتت، فالقول قولها عندنا، وهي في الصورة تدعي الرد ولكنها تنكر ثبوت ملك النكاح عليها في المعنى، فكانت منكرة لا مدعية. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما: إذا اختلف المتبايعان في الثمن بعد هلاك السلعة فالقول قول المشتري مع يمينه، وهو في الصورة يدعي بيعا بأقل الثمنين ولكنه في المعنى منكر للزيادة التي يدعيها البائع، فعرفنا أنه إنما يعتبر المعنى في الدعوى والانكار دون الصورة. إذا ثبت هذا فنقول: هذه الوجوه من الممانعة تكون إنكارا من السائل فلا حاجة به إلى إثبات إنكاره بالحجة، واشتغاله بذلك يكون اشتغالا بما لا يفيد، وقوله إن الحكم في الاصل ما تعلق بهذا الوصف فقط بل به وبقرينة أخرى يكون إنكارا صحيحا من حيث المعنى وإن كان دعوى من حيث الصورة، لان الحكم المتعلق بعلة ذات وصفين لا يثبت بوجود أحد الوصفين. وذلك نحو ما يعلل به الشافعي رحمه الله في اليمين المعقودة على أمر في المستقبل لانها يمين بالله مقصودة فيتعدى الحكم بهذا الوصف إلى الغموس. فإنا نقول: الحكم في الاصل ثبت بهذا الوصف مع قرينة وهو توهم البر فيها فيكون هذا منعا لما ادعاه الخصم والخصم هو المحتاج إلى إثبات دعواه بالحجة. فأما قول السائل: ليس المعنى في الاصل ما قلت وإنما المعنى فيه كذا، هو إنكار صورة ولكنه من حيث المعنى دعوى وهو دعوى غير مفيد في موضع النزاع، لانه لا يمكنه أن يقول في موضع النزاع لتقرير ذلك المعنى سوى أن هذا المعنى معدوم في موضع النزاع، وعدم العلة لا يوجب عدم الحكم وإن كان هذا يصلح للترجيح به من وجه، على ما نبينه إن شاء الله تعالى.

[ 238 ]

فصل: القلب والعكس قال رضي الله عنه: تفسير القلب لغة: جعل أعلى الشئ أسفله وأسفله أعلاه. من قول القائل: قلبت الاناء إذا نكسه، أو هو: جعل بطن الشئ ظهرا والظهر بطنا. من قول القائل: قلبت الجراب إذا جعل باطنه ظاهرا وظاهره باطنا، وقلبت الامر إذا جعله ظهرا لبطن. وقلب العلة على هذين الوجهين. وهو نوعان: أحدهما جعل المعلول علة والعلة معلولا، وهذا مبطل للعلة، لان العلة هي الموجبة شرعا والمعلول هو الحكم الواجب به فيكون فرعا وتبعا للعلة، وإذا جعل التبع أصلا والاصل تبعا كان ذلك دليل بطلان العلة. وبيانه فيما قال الشافعي في الذمي إنه يجب عليه الرجم لانه من جنس من يجلد بكره مائة فيرجم ثيبه كالمسلم. فيقلب عليه فنقول: في الاصل إنما يجلد بكره لانه يرجم ثيبه فيكون ذلك قلبا مبطلا لعلته باعتبار أن ما جعل فرعا صار أصلا وما جعله أصلا صار تبعا. وكذلك قوله: القراءة ركن يتكرر فرضا في الاوليين فيتكرر أيضا فرضا في الاخريين كالركوع. وهذا النوع من القلب إنما يتأتى عند التعليل بحكم لحكم، فأما إذا كان التعليل بوصف لا يرد عليه هذا القلب، إذ الوصف لا يكون حكما شرعيا يثبت بحكم آخر. وطريق المخلص عن هذا القلب أن لا يذكر هذا على سبيل التعليل بل على سبيل الاستدلال بأحد الحكمين على الآخر، فإن الاستدلال بحكم على حكم طريق السلف في الحوادث، روينا ذلك عن النبي عليه السلام وعن الصحابة رضي الله عنهم، ولكن شرط هذا الاستدلال أن يثبت أنهما نظيران متساويان فيدل كل واحد منهما على صاحبه، هذا على ذاك في حال وذاك على هذا في حال، بمنزلة التوأم فإنه يثبت حرية الاصل لاحدهما أيهما كان بثبوته للآخر، ويثبت الرق في أيهما كان بثبوته للآخر، وذلك نحو ما يقوله علماؤنا رحمهم الله. وبيانه فيما قال علماؤنا: إن الصوم عبادة تلزم بالنذر فتلزم بالشروع كالحج، فلا يستقيم قلبهم علينا، لان الحج إنما يلزم بالنذر لانه يلزم بالشروع،

[ 239 ]

لانا نستدل بأحد الحكمين على الآخر بعد ثبوت المساواة بينهما من حيث إن المقصود بكل واحد منهما تحصيل عبادة زائدة هي محض حق الله تعالى، على وجه يكون المعنى فيها لازما، والرجوع عنها بعد الاداء حرام، وإبطالها بعد الصحة جناية، فبعد ثبوت المساواة بينهما يجعل هذا دليلا على ذاك تارة وذاك على هذا تارة. وكذلك قولنا في الثيب الصغيرة من يكون موليا عليه في ماله تصرفا يكون موليا عليه في نفسه تصرفا كالبكر، وفي البكر البالغة من لا يكون موليا عليه في ماله تصرفا لا يكون موليا عليه في نفسه تصرفا كالرجل، يكون استدلالا صحيحا بأحد الحكمين على الآخر، إذ المساواة قد تثبت بين التصرفين من حيث إن ثبوت الولاية في كل واحد منهما باعتبار حاجة المولى عليه وعجزه عن التصرف بنفسه، فلا يستقيم قلبهم إذا ذكرنا هذا على وجه الاستدلال، لان جواز الاستدلال بكل واحد منهما على الآخر يدل على قوة المشابهة والمساواة وهو المقصود بالاستدلال، بخلاف ما علل به الشافعي، فإنه لا مساواة بين الجلد والرجم، أما من حيث الذات فالرجم عقوبة غليظة تأتي على النفس والجلد لا، ومن حيث الشرط الرجم يستدعي من الشرائط ما لا يستدعي عليه الجلد كالثيوبة. وكذلك لا مساواة بين ركن القراءة وبين الركوع، فإن الركوع فعل هو أصل في الركعة، والقراءة ذكر هو زائد، حتى إن العاجز عن الاذكار القادر على الافعال يؤدي الصلاة، والعاجز عن الافعال القادر على الاذكار لا يؤديها، ويسقط ركن القراءة بالاقتداء عندنا وعند خوف فوت الركعة بالاتفاق، ولا يسقط ركن الركوع. وكذلك لا مساواة بين الشفع الثاني والشفع الاول في القراءة، فإنه يسقط في الشفع الثاني شطر ما كان مشروعا في الشفع الاول وهو قراءة السورة، والوصف المشروع فيه في الشفع الاول وهو الجهر بالقراءة، ومع انعدام المساواة لا يمكن الاستدلال بأحدهما على الآخر، والقلب يبطل التعليل على وجه المقايسة. والنوع الثاني من القلب: هو جعل الظاهر باطنا بأن يجعل الوصف الذي

[ 240 ]

علل به الخصم شاهدا عليه لصاحبه في إثبات ذلك الحكم بعد أن كان شاهدا له، وهذه معارضة فيها مناقضة، لان المطلوب هو الحكم، فالوصف الذي يشهد بإثباته من وجه وينفيه من وجه آخر يكون متناقضا في نفسه، بمنزلة الشاهد الذي يشهد لاحد الخصمين على الآخر في حادثة، ثم للخصم الآخر عليه في عين تلك الحادثة فإنه يتناقض كلامه، بخلاف المعارضة بعلة أخرى فإنه لا يكون فيها معنى التناقض، بل للاشتباه يتعذر العمل إلى أن يتبين الرجحان لاحدهما على الآخر، فأما ما يشهد لك على خصمك وبخصمك عليك في حادثة واحدة في وقت واحد بأنه يتحقق فيه التعارض مع التناقض. وبيان ذلك فيما علل به الشافعي في صوم رمضان بمطلق النية إنه صوم فرض فلا يتأدى إلا بتعيين النية كصوم القضاء. فإنما نقلب عليه فنقول: إنه صوم فرض فبعد ما تعين مرة لا يشترط لادائه تعيين بنية أخرى كصوم القضاء. وعلل في سنة التكرار في المسح بالرأس فإنه ركن في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه واليدين. فإنا نقلب عليه فنقول: ركن في الوضوء فبعد إكماله بالزيادة على المفروض في محل الفريضة لا يسن تثليثه كالمغسولات، وإقامة الفرض هنا يحصل بمسح الربع وبالاستيعاب يحصل الاكمال بالزيادة على الفريضة في محل الفريضة، كما في المغسولات بالغسل ثلاثا يحصل الاكمال بالزيادة على القدر المفروض وهو الاستيعاب في محل المفروض. فإن قيل: هذا القلب إنما يتأدى بزيادة وصف، وبهذه الزيادة يتبدل الوصف ويصير شيئا آخر فيكون هذا معارضة لا قلبا. قلنا: نعم في هذا زيادة وصف ولكنها تفسير للحكم على وجه التقرير له لا على وجه التغيير، فإنا نبين بهذه الزيادة أن صوم رمضان لما تعين مشروعا في الزمان وغيره ليس بمشروع كان قياسه من القضاء ما بعد التعيين بالشروع فيه، والاستيعاب في المسح بالرأس لما لم يكن ركنا كان قياسه من المغسولات بعد حصول الاستيعاب ما إذا حصل الاكمال في المغسولات بالزيادة بعد الاستيعاب، فيكون تقريرا لذلك الوصف بهذا التفسير لا تغييرا.

[ 241 ]

وتفسير العكس لغة وهو: رد الشئ على سننه وراءه، مأخود من عكس المرآة، فإن نورها يرد نور بصر الناظر فيما وراءه على سننه حتى يرى وجهه كأن له في المرآة وجها وعينا يبصر به. وكذلك عكس الماء نور الشمس، فإنه يرد نورها حتى يقع على جدار بمقابلة الماء كأن في الماء شمسا. ثم العكس في العلة على وجهين: أحدهما رد الحكم على سننه بما يكون قلبا لعلته حتى يثبت به ضد ما كان ثابتا بأصله، نحو قولنا في الشروع في صوم النفل إن ما يلتزم بالنذر يلتزم بالشروع كالحج، وعكسه إن ما لا يلتزم بالنذر لا يلتزم بالشروع كالوضوء، فيكون العكس على هذا المعنى ضد الطرد، وهذا لا يكون قادحا في العلة أصلا بل يصلح مرجحا لهذا النوع من العلة على العلة التي تطرد ولا تنعكس على ما نبينه في بابه. والنوع الآخر ما يكون عكسا يوجب الحكم لا على سنن حكم الاصل، بل على مخالفة حكم الاصل، وذلك نحو ما يعلل به الشافعي في أن الصوم عبادة لا يمضي في فاسدها فلا تصير لازمة بالشروع فيها كالوضوء، وعكسه الحج فهذا التعليل له، نظير التعليل الاول لنا، ونحن إذا قلنا بأن ما يلتزم بالنذر من العادة يلتزم بالشروع كالحج فهو يقول ينبغي أن يستوي حكم الشروع فيه بنية النفل وحكم الشروع فيه على ظن أنه عليه كالحج، فيكون في هذا العكس نوع كسر للعلة حيث تمكن الخصم به من إثبات حكم هو مخالف للحكم الاول ولكنه ليس بقوي، فإن الحكم الذي تعلقه مجمل غير مفسر وما علقنا به من الحكم مفسر فالمفسر أولى من المجمل، ثم هو تعلق به حكم التسوية والحكم المقصود شئ آخر يختلف فيه الفرع والاصل على سبيل التضاد، فإن في الاصل يستويان حتى يجب القضاء فيهما، وفي الفرع عنده يستويان حتى يسقط القضاء فيهما، وإنما يستقيم هذا التعليل إذا كان المقصود عين التسوية، ولانه في هذا

[ 242 ]

العكس ينص على حكم آخر سوى ما ذكرناه في التعليل، فلا يكون إبطالا بطريق النظر وإنما يكون العكس دفعا لما فيه من الابطال والمناقضة، فإذا عرى عن ذلك لم يكن دفعا، ولانه علل بحكم مجمل لا يتصل بالمتنازع فيه إلا بكلام هو ابتداء وليس للسائل دلك، فظهر أن العكس سؤال ضعيف. فصل في المعارضة وقد بينا تفسير المعارشة فيما مضى، وهذا الفصل لبيان إقسامها، وتمييز الفاسد من الصحيح منها. فنقول: المعارضة نوعان: نوع في علة الاصل: ونوع في حكم الفرع. فالذي في حكم الفرع على خمسة أوجه: معارضة بالتنصيص على خلاف حكم العلة في ذلك المحل بعينه، ومعارضة بتغيير هو تفسير لذلك الحكم على وجه التقرير له: ومعارضة بتغيير فيه إخلال بموضع الخلاف: ومعارضة فيها نفى ما لم يثبته المعلل أو إثبات ما لم ينفه المعلل ولكنه يتصل بموضع التعليل، ومعارضة بإثبات حكم في غير المحل الذى أثبت المعلل الحكم فيه بعلته والذى في علة الاصل أنواع ثلاثة: معارضة بذكر علة في الاصل لا تتعدى إلى فرع: ومعارضة بذكر علة تتعدى إلى فرع الحكم فيه متفق عليه، ومعارضة بعلة تتعدى إل يفرع الحكم فيه مختلف فيه. وبيان الوجه الاول من الاوجه الخمسة في تكرار المسح بالرأس، فإن الخصم يقول: ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالمغسول، ونحن نعارضه بقولنا: مسح في الطهارة فلا يسن تثليثه كالمسح بالخف، فهذه معارضة صحيحة لما فيها من التنصيص على خلاف حكم علته في ذلك المحل بعينه، وبيان الوجه الثاني في هذا الموضع أيضا، فإنا نقول: ركن في الوضوء فبعد صفة الاكمال بالزيادة على القدر المفروض في الفريضة لا يسن تثليثه كما في المغسولات. فهقه معارضة بتغيير هو تفسير للحكم في تقريره.

[ 243 ]

وهذان وجهان في المعارضة المحوجة إلى الترجيح، لان عند صحة المعارضة يصار إلى الترجيح. وبيان الوجه الثالث: فيما يعلل به في غير الاب والجد هل تثبت لهم ولاية التزويج على الصغيرة ؟ فنقول إنها صغيرة فتثبت علهيا ولاية التزويج كالتى لها أب، وهم يعارضون ويقولون: هذه صغيرة فلا تثبت عليها ولاية التزويج للاخ كالتى لها أب، فتكون هذه معارضة بتغيير فيه إخلال بموضع النزاع، لان موضع النزاع ثبوت ولاية التزويج على اليتيمة لاتعيين الولى الزوج لها، وهو في معارضته علل لنفى الولاية بشخص بعينه، ولكنه يقول: إن موضع النزاع إثبات الولاية للاقارب سوى الاب والجد على الصغيرة وأقربهم الاخ، فنحن بهذه المعارضة ننفي ولاية الاخ عنها، ثم ولاية من وراء الاخ منتفية عنها بالاخ، فمن هذا الوجه يظهر معنى الصحة في هذه العمارضة وإن لم يكن قويا. وبيان الوجه الرابع فيما ذكرنا في النوع الثاني من العكس، وذلك فيما يعلل به في مسألة الكافر يشترى عبدا مسلما إنه مال يملك الكافر بيعه فيملك شراءه كالعبد الكافر، فيقولون: وجب أن يستوى حكم شرائه ابتداء وحكم استدامة الملك فيه كالعبد الكافر الكافر. فنقول: في هذه المعارضة إثبات ما لم ينفه بالتعليل وهو التسوية بين أصل الشراء وبين استدامة الملك به فلا تكون متصلة بموضع النزاع إلا بعد البناء بإثبات التسوية بين الاستدامة وابتداء الشراء، وليس للسائل هذا البناء، فلم تكن هذه المعارضة صحيحة بطريق النظر وإن كان يظهر فيها معنى الصحة عند إثبات التسوية بينهما. وبيان الوجه الخامس فيما يقوله أبو حنيفة رضى الله عنه في المرأة إذا نعى إليها زوجها فاعتدت وتزوجت بروج آخر وولدت منه أولادا ثم جاء الزوج الاول حيا، فإن نسب الاولاد يثبت من الاول لاونه صاحب فراش صحيح عليها وثبوت النسب باعتبار الفراش. وهما يعارضان بأن الثاني صاحب فراش حاصر ومع صفة الفساد يثبت النسب من صاحب الفراش

[ 244 ]

كما لو تزوج امرأة بغير شهود ودخل بها، فهذه معارضة بإثبات حكم في غير المحل الذي وقع التعليل، إذ الفاسد غير الصحيح والكلام في أن النسب بعدما صار مستحقا بثبوته لشخص هل هو يجوز أن يثبت لغيره باعتبار فراشه، فإن الاول بفراشه السابق يصير مستحقا نسب أولادها ما بقي فراشها، فيقع الكلام بعد هذا في الترجيح، أن أصل الفراش للثاني باعتبار كونه حاضرا وكونه صاحب الماء هل يترجح على الفراش الصحيح الذي للغائب حتى ينتسخ به حكم الاستحقاق الثابت بفراشه أم لا ؟ وأبو حنيفة يقول: هذا لا يكون صالحا للترجيح، لان الشئ لا ينسخه إلا ما هو مثله أو فوقه، والفاسد من الفراش مع هذه القرائن لا يكون مثلا للصحيح فلا ينسخ به حكم الاستحقاق الثابت بالصحيح، وبعدما صار النسب مستحقا لزيد لا يمكن إثباته لعمرو بوجه ما، والنكاح بغير شهود ليس من هذا المحل في شئ، فعرفنا أنه معارضة في غير محل الحكم. فأما وجوه المعارضة في علة الاصل فهي فاسدة كلها لما بينا أن ذكر علة أخرى في الاصل لا يبقى تعليله بما ذكره المعلل، لجواز أن يكون في الاصل وصفان فيتعدى الحكم بأحد الوصفين إلى الفروع دون الآخر، ثم إن كان الوصف الذي يذكره المعارض لا يتعدى إلى فرع فهو فاسد، لما بينا أن حكم التعليل التعدية فما لا يفيد حكمه أصلا يكون فاسدا من التعليل، فإن كان يتعدى إلى فرع فلا اتصال له بموضع النزاع إلا من حيث إنه تنعدم تلك العلة في هذا الموضع، وقد بينا أن عدم العلة لا يوجب عدم الحكم، فعرفنا أنه لا اتصال لتلك العلة بموضع النزاع في النفي ولا في الاثبات، وكذلك إن كانت تتعدى إلى فرع مختلف فيه فالمتعدية إلى فرع مجمع عليه تكون أقوى من المتعدية إلى فرع مختلف فيه، ولما تبين فساد تلك تبين فساد هذا بطريق الاولى.

[ 245 ]

ومن الناس من يزعم أن هذه معارضة حسنة فيها معنى الممانعة، لان بالاجماع علة الحكم أحد الوصفين لا كلاهما فإذا ظهرت صحة علة السائل بظهور حكمها وهو التعدية يتبين فساد العلة الاخرى. بيانه: أنا نقول في تعليل الحنطة إنه باع مكيلا بمكيل من جنسه متفاضلا، ثم تعدى الحكم بها إلى الحص وغيره. والخصم يعارض فيقول: باع مطعوما بمطعوم من جنسه متفاضلا لتعدي الحكم به إلى المطعومات التي هي غير مقدرة كالتفاح ونحوها، وقد ثبت باتفاق الخصمين أن علة الحكم أحدهما فإذا ثبت صحة ما ادعاه أحدهما علة انتفى الآخر بالاجماع، فكانت في هذه المعارضة ممانعة من هذا الوجه. ولكنا نقول: لا تنافي بين العلتين ذاتا لجواز أن يعلق الحكم بكل واحد منهما، فمن أنكر صحة ما ادعاه خصمه من العلة لا يفسد ذلك بمجرد تصحيح علته بل بذكر معنى مفسد في علة خصمه، كما أنه لا يثبت وجه صحة علته بإفساد علة خصمه بل بمعنى هو دليل الصحة في علته، فعرفنا أن هذه المعارضة فاسدة أيضا. ثم السبيل في كل كلام يذكره أهل الطرد على سبيل المفارقة إذا كان فقيها أن يذكره على وجه الممانعة فيكون ذلك فقها صحيحا من السائل على حد الانكار لا بد من قبوله منه. وبيان ذلك أن الخصم يقول في عتق الرهن إن هذا تصرف من الراهن مبطل لحق المرتهن عن المرهون، فلا ينفذ بغير رضاه كالبيع، والفرق لنا بين هذا وبين البيع أن ذاك يحتمل الفسخ بعد وقوعه، فيمكن القول بانعقاده على وجه يتمكن المرتهن من فسخه، والعتق لا يحتمل الفسخ بعد وقوعه، وهو بهذا التعليل يلغي أصل العتق ولا نسلم له هذا الحكم في الاصل، ثم من شرط صحة العلة أن لا يكون مغيرا حكم الاصل، فإن كان هو بالتعليل يغير حكم الاصل فيجعل الحكم فيه الالغاء دون الانعقاد على وجه التوقف منعناه من التعليل لانه ينعدم به شرط صحة التعليل، وإن أثبت به حكم الاصل وهو امتناع اللزوم بعد الانعقاد في محله لمراعاة حق المرتهن فهذا لا تصور له فيما لا يحتمل الفسخ بعد وقوعه، وكذلك إن رده على إعتاق المريض فإن ذلك عندنا ليس يلغو،

[ 246 ]

فإن كان يعلل لالغاء العتق من الراهن فهذا تعليل يتغير به حكم الاصل وذلك غير صحيح عندنا فنمنعه بهذا الطريق، وعلى الوجه الذى هو حكم الاصل وهو تأخير تنفيذ الوصية عن قضاء الدين لا يمكنه إثباته بهذا التعليل في الفرع فكانت الممانعة صحيحة بهذا الطريق، وكذلك تعليل الخصم في قتل العمد بأنه قتل آدمى مضمون فيكون موجبا للمال كالخطأ، فإن الفرق بين الفرع والاصل لاهل الطرف أن في الخطأ لا يمكن إيجاب مثل التلفف من جنسه وهنا المثل من جنسه واجب، والاولى أن يقول في الاصل المال إنما يجب حلفا عما هو الاصل لفوات الاصل، وهو بهذا التعليل يوجب المال في الفرع أصلا فيكون في هذا التعليل يعرض بحكم الاصل بالتغيير، وشرط صحة التعليل أن لا يكوم متعرضا لحكم الاصل، فنمنعه من التعليل بهذا الطريق حتى يكون كلاما من السائلا على حد الانكار صحيحا. فصل في وجوه دفع المناقضة قد ذكرنا أن المناقضة لا ترد على العلل الؤثرة، لان دليل الصحة فيها بالتأثير الثابت بالاجماع، والنقض لايرد على الاجماع وإنما يرد النقض على العلل الطردية، لان دليل صحتها الاطراد وبالمناقضة ينعدم الاطراد، ثم تقع الحاجة إلى معرفة وجه دفع النقض صورة أو سؤالا معتبرا عن العلل. والحاصل فيه أن المجيب متى وفق بين ما ذكر من العلة وبين ما يورد نقضا عليها بتوفيق بين فإنه يندفع النقض عنه، وإذا لم يمكنه التوفيق بينهما يلزمه سؤال النقض، بمنزلة التناقض الذى يقع في مجلس القاضى من الدعوى والشهادة وبين شهادة الشهود، فإن ذلك ينتفى بتوفيق صحيح بين ثم وجوه الدفع أربعة، دفع بمعنى الوصف الذى جعله علة بما هو ثابت بصيغته ظاهرا، ودفع بمعنى الوصف الذى هو ثابت بدلالته وهى التى صارت بها حجة وهو التأصير الذى قلنا، ودفع بالحكم الذى هو المقصود، ودفع بالفرض المطلوب بالتعليل.

[ 247 ]

فبيان الوجه الاول في تكرار المسح فإنا نقول: مسح فلا يسن تثليثه كالمسح بالخف، فيورد عليه الاستنجاء بالاحجار نقضا، فندفعه بمعنى الوصف الثابت بصيغته ظاهرا، وهو قولنا: مسح، فإن في الاستنجاء بالاحجار لا معتبر بالمسح بل المعتبر إزالة النجاسة حتى لو تصور خروج الحدث من غير أن يتلوث شئ منه من ظاهر البدن لا يجب المسح، والدليل عليه أن الاستطابة بالماء بعد إزالة عين النجاسة بالحجر فيه أفضل، ومعلوم أن في العضو الممسوح لا يكون الغسل بعد المسح أفضل، وكذلك إذا قلنا في الخارج من غير السبيلين إنه حدث لانه خارج نجس يورد عليه ما إذا لم يسل عن رأس الجرح: ودفع هذا النقض بمعنى الوصف ظاهرا وهو قولنا: خارج، فما لم يسل فهو طاهر لتقشير الجلد عنه وليس بخارج إنما الخارج ما يفارق مكانه وتحت كل موضع من الجلد بلة وفى كل عرق دم، فإذا تقشر الجلد عن موضع ظهر ما تحته فلا يكون خارجا كمن يكون في البيت إذا رفع البنيان الذى كان هو مستترا به يكون ظاهرا ولا يكون خارجا، وإنما يسمى خارجا من البيت إذا فارق مكانه، ولهذا لا يجب تطهير ذلك الموضع، لانه ما لم يصر خارجا من مكانه لا يعطى له حكم النجاسة. وبيان الوجه الثاني في هذين الفصلين أيضا، فإن تأثير قولنا مسح أنه طهارة حكمية غير معقولة المعنى وهى مبنية على التخفيف، إلا ترى أنه لا تأثير للمسح في إثبات صفة الطهارة بعد تنجس المحل حقيقة، وأنه يتأدى ببعض المحل للتخفيف، فلا يرد عليه الاستنجاء، لان المطلوب هناك إزالة عين النجاسة ولهذا لا تنم باستعمال الحجر في بعض المحل دون العبض، فباعتبار الاستيعاب فيه والقصد إلى تطهير المحل بإزالة حقيقة النجاسة عنه يشبه الاستنجاء الغسل في الاعضاء المغسولة دون المسح له وكذلك قولنا الخارج النجس كان حجة بالتأثير لها وهو وجوب التطهير في ذلك الموضع، فإن بالاجماع غسل ذلك الموضع للتطهير واجب ووجوب التطهير في البدن باعتبار ما يكون منه لا يحتمل التجزى، فيندفع ما إذا لم تسل النجاسة لانه لم يجب

[ 248 ]

هناك تطهير ذلك الموضع بالغسل. فعرفنا أنه انعدم الحكم لانعدام العلة، وهذا يكون مرجحا للعلة فكيف يكون نقضا ؟ ! وسنقرر هذا في بيان ترجيح العلة التي تنعكس على العلة التي لا تنعكس. وبيان الوجه الثالث فيما يعلل به في النذر بصوم يوم النحر أنه يوم فيصح إضافة النذر إليه كسائر الايام، فيورد عليه يوم الحيض نقضا، ووجه الدفع بالحكم الذي هو المقصود بالتعليل وهو صحة إضافة النذر بالصوم إليه وذلك اليوم يصح إضافة النذر بالصوم إليه، فإنها لو قالت: لله علي أن أصوم غدا، يصح نذرها وإن حاضت من الغد، وإنما فسد نذرها بالاضافة إلى الحيض لا إلى اليوم. وكذلك يعلل في التكفير بالمكاتب، فنقول: عقد الكتابة يحتمل الفسخ فلا تخرج الرقبة من جواز التكفير بعتقها كالبيع والاجارة، فيورد عليه نقضا ما إذا أدى بعض بدل الكتابة، وطريق الدفع بالحكم وهو أن هذا العقد لا يخرج الرقبة من أن تكون محلا للتكفير بها، وهنا العقد لا يخرج الرقبة من ذلك، ولكن معنى المعاوضة هو الذي يمنع صحة التكفير بذلك التحرير، وبعض أهل النظر يعبرون عن هذا النوع من الدفع بأن التعليل للجملة فلا يرد عليه الافراد نقضا، وفقهه ما ذكرنا. وبيان الوجه الرابع من الدفع فيما عللنا به الخارج من غير السبيلين، فإنه خارج نجس فيكون حدثا كالخارج من السبيلين، فيورد عليه دم الاستحاضة مع بقاء الوقت نقضا. وللدفع فيه وجهان: أحدهما أن ذلك حدث عندنا ولكن يتأخر حكمه إلى ما بعد خروج الوقت ولهذا تلزمها الطهارة بعد خروج الوقت وإن لم يكن خروج الوقت حدثا، والحكم تارة يتصل بالسبب وتارة يتأخر عنه، فهذا الدفع من جملة الوجه الثالث ببيان أنه حدث بالجملة والثاني أن المقصود بهذا التعليل التسوية بين الفرع والاصل وقد سوينا، فإن الخارج المعتاد من السبيل إذا كان دائما يكون حدثا موجبا للطهارة بعد خروج الوقت لا في الوقت، فكذلك الذي هو غير المعتاد والذي هو خارج من غير سبيل. وكذا إذا عللنا في أن السنة في التأمين الاخفاء بقولنا إنه ذكر لا يدخل عليه الاذان ولا التكبيرات التي يجهر بها الامام، لان الغرض التسوية بين التأمين

[ 249 ]

وبين سائر الاذكار في أن الاصل هو الاخفاء وذلك ثابت، إلا إن جهر الامام بالتكبيرات لا لانها ذكر بل لاعلام من خلفه بالانتقال من ركن إلى ركن، والجهر بالاذان والاقامة كذلك أيضا، ولهذا لا يجهر المقتدي بالتكبيرات ولا يجهر المنفرد بالتكبيرات ولا بالاذان والاقامة، فيدفع النقض ببيان الغرض المطلوب بالتعليل وهو التسوية بين هذا الذكر وبين سائر أذكار الصلاة. وبعض أهل النظر يعبرون عن هذا فيقولون: مقصودنا بهذا التعليل التسوية بين الفرع والاصل وقد سوينا بينهما في موضع النقض كما سوينا في موضع التعليل، فيتبين به وجه التوفيق بطريق يندفع به التناقض، والله أعلم. باب الترجيح قال رضي الله عنه: الكلام في هذا الباب في فصول: أحدها في معنى الترجيح لغة وشريعة، والثاني في بيان ما يقع به الترجيح، والثالث في بيان المخلص من تعارض يقع في الترجيح، والرابع في بيان ما هو فاسد من وجوه الترجيح. فأما الاول فنقول: تفسير الترجيح لغة إظهار فضل في أحد جانبي المعادلة وصفا لا أصلا، فيكون عبارة عن مماثلة يتحقق بها التعارض، ثم يظهر في أحد الجانبين زيادة على وجه لا تقوم تلك الزيادة بنفسها فيما تحصل به المعارضة أو تثبت به المماثلة بين الشيئين، ومنه الرجحان في الوزن فإنه عبارة عن زيادة بعد ثبوت المعادلة بين كفتي الميزان وتلك الزيادة على وجه لا تقوم منها المماثلة ابتداء ولا يدخل تحت الوزن منفردا عن المزيد عليه مقصودا بنفسه في العادة نحو الحبة في العشرة، وهذا لان ضد الترجيح التطفيف، وإنما يكون التطفيف بنقصان يظهر في الوزن أو الكيل بعد وجود المعارضة بالطريق الذي تثبت به المماثلة على وجه لا تنعدم به المعارضة، فكذلك الرجحان يكون بزيادة وصف على وجه لا تقوم به المماثلة ولا ينعدم بظهوره أصل المعارضة، ولهذا لا تسمى زيادة درهم على العشرة في أحد

[ 250 ]

الحانبين رجحانا، لان المماثلة تقوم به أصلا، وتسمى زيادة الحبة ونحوها رجحانا لان المماثلة لا تقوم بها عادة. وكذل في لا شريعة هو عبارة عن زيادة تكون وصفا لا أصلا، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال للوازن: " زن وأرجح فإنا معشر الانبياء هكذا زن " ولهذاد لا يثبت حكم الهبة في مقدار الرجحان، لانه زيادة تقوم وصفا لا مقصودا بسببه، بخلاف زيادة الدرهم على العشرة، فإنه يثبت فيه حكم الهبة حتى لو لم يكن متميزا كان الحكم فيه كالحكم في هبة المشاع لانه مما تقوم به المماثلة فإنه يكون مقصودا بالوزن فلا بد من أن يجعل مقصودا في التمليك بسببه وليس ذلك إلا الهبة، فإن قضاء العشرة يكون بمثلها عشرة، فيتبين أن بالرجحان لا ينعدم أصل المماثلة لانه زيادة وصف بمنزلة زيادة وصف الجودة - وما يكون مقصودا بالوزن تنعدم به المماثلة ولا يكون ذلك من الجرحان في شئ وعلى هذا قلنا في العلل في الاحكام: إن ما يصلح علة للحكم ابتداء لا يصلح للترجيح به وإنما يكون الترجيح بمالا يصلح علة موجبة للحكم. وبيان ذلك في الشهادات، فإن أحد المدعيين لو أقام شاهدين وأقام الاخر أربعة من الشهود لم يترجح الذى شهد له أربعة لان زيادة الشهادين في حقه علة تامة للحكم فلا يصلح مرجحا للحجة في جانبه، وكذلك زيادة شاهد واحد لاحد المدعيين، لانه من جنس ما تقوم به الحجة إصلا فلا يقع الترجيح به إصلا وإنما يقع الترجيح بما يقوى ركن الحجة أو يقوى معنى الصدق في الشهادگة وذلك فى أن تتعارض شهادة المستور مع شهادة العدل بأن أقام أحد المدعيين مستورين والاخر عدلين، فإنه يترجح الذى شهد به العدلان بظهور ما يؤكد معنى الصدق في شهادة شهوده. وكذلك في النسب أو النكاح لو ترجح حجة أحد الخصمين باتصال القضاء بها، لان ذلك مما يؤكد ركن الحجة، فإن بقضاء القاضى يتم معنى الحجة في الشهادة ويتعين جانب الصدق - وعل يهذا قلنا في العلتين إذا تعارضتا لاتترجح إحداهما بانضمام علة إخرى إليها، وإنما تترجح بقوة الاثر فيها، فبه يتأكد ما هو الركن في صحة العلة. وكذلك الخبران إذا تعارضا لا يترجح أحدهما على الاخر بل بما به يتأكد معنى الحجة

[ 251 ]

فيه وهو الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يرجح المشهور بكثرة رواته على الشاذ لظهور زيادة القوة فيه من حيث الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويترجح بفقه الراوى وحسن ضبطه وإتقانه، لانه يتقوى به معنى الاتصال برسول الله على الوجه الذى وصل إلينا بالنقل. وكذلك الايتان إذا وقعت المعارضة بينهما لاتترجح إحداهما بآية أخرى بل تترجح بقوة في معنى الحجة وهو أنه نص مفسر والاخر مؤول وكذلك لا يترجح أحد الخبرين بالقياس. فعرفنا أن ما يقع به الترجيح هو مالا يصلح علة للحكم ابتداء، بل ما يكون مقويا لما به صارت العلة موجبة للحكم. وعلى هذا قلنا لو أن رجلا جرح رجلا جراحة وجرحه آخر عشر جراحات فمات من ذلك فإن الدية عليهما نصفان. لان كل جراحة علة تامة ولا يترجح أحدهما بزيادة عدد في العلة في جانبه حته يصير القتل مضافا إليه دون صاحبه بل يصير مضافا إلى فعلهما على وجوه التساوى. ولو قطع أحدهما يده ثم جز الاخر رقبته فالقاتل هو الذى جز رقبته دون الاخر لزيادة قوة فيما هو علة القتل من فعله وهو أنه لا يتوهم بقاؤه حيا بعد فعله بخلاف فعل الاخر. وعلى هذا الاصل رجحنا سبب استحقاق الشفعة للشريك في نفس المبيع على السبب في حق الشريك في حقوق المبيع، ثم رجحنا الشريك في حقوق المبيع على الجار لزيادة وكادة في الاتصال الذى ثبت بالجوار، فإن اتصال الملكين في حق الشريك في نفس المبيع في كل جزء في حق الشريك في حقوق المبيع الاتصال فيما هو بيع من المبيع، وفى حق الجار لا اتصال من حيث الاختلاط فيما هو مقصود ولا فيما هو تبع وإنما الاتصال من حيث المجاورة بين الملكين مع تميز أحدهما من الاخر، ثم من كان جواره من ثلاث جوانب لا يترجح عل يمن كان جواره من جانب واحد لان الموجود في جانبه زيادة العلة من حيث العدد فلا يثبت به الترجيح. وعلى هذا قلنا: صاحب القليل يساوى صاحب الكثير في استحقاق الشقص المبيع بالشفعة، لان الشركة بكل جزء علة تامة لاستحقاق جميع الشقص المبيع بالشفعة، فإنما وجد في جانب صاحب الكثير كثرة العلة وبه لا يقع الترجيح. وهكذا يقول الشافعي في اعتبار أصل الترجيح، فإنه لا يجرح

[ 252 ]

صاحب الكثير هنا حتى يكون لصاحب القليل حق المزاحمة معه في الاخذ بالشفعة، إلا أنه يجعل الشفعة من جملة مرافق الملك فتكون مقسومة بين الشفعاء على قدر الملك، كالولد والربح والثمار من الاشجار المشتركة، أو يجعل هذا بمنزلة ملك المبيع فيجعله مقسوما على مقدار ما يلتزم كل واحد من المشترين من بدله وهو الثمن، حتى إذا باع عبدا بثلاثة آلاف درهم من رجلين على أن يكون على أحدهما ألف درهم وعلى الآخر بعينه ألفا درهم فإن الملك بينهما في المبيع يكون أثلاثا على قدر الملك. وهذا غلط منه لانه جعل الحكم مقسوما على قدر العلة، أو بنى العلة على الحكم، وذلك غير مستقيم. وعلى هذا اتفقت الصحابة في امرأة ماتت عن ابني عم أحدهما زوجها، فإن للزوج النصف والباقي بنيهما العصوبة ولا يترجح الزوج بسبب الزوجية لان ذلك علة أخرى لاستحقاق الميراث سوى ما يستحق به العصوبة، فلا تترجح علته بعلة أخرى ولكن يعتبر كل واحد من السببين في حق من اجتمع في حقه السببان بمنزلة ما لو وجد كل واحد منهما في شخص آخر. وكذلك قال أكثر الصحابة في ابني عم أحدهما أخ لام إنه لا يترجح بالاخوة لام على الآخر ولكن له السدس بالفرضية، والباقي بينهما نصفان بالعصوبة. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: يترجح ابن العم الذي هو أخ لام لان الكل قرابة فتقوى إحدى الجهتين بالجهة الاخرى بمنزلة أخوين أحدهما لاب وأم والآخر لاب. وأخذنا بقول أكثر الصحابة، لان العصوبة المستحقة بكونه ابن عم مخالف للمستحق بالاخوة، ولهذا يكون استحقاق ابن العم العصوبة بعد استحقاق الاخ بدرجات، والترجيح بقرابة الام في استحقاق العصوبة إنما يكون عند اتحاد جهة العصوبة والاستواء في المنزلة، كما في حق الاخوان فحينئذ يقع الترجيح بقرابة الام لانه لا يستحق بها العصوبة ابتداء فيجوز أن تتقوى بها علة العصوبة في جانب الاخ لاب وأم، إذ الترجيح يكون بعد المعارضة والمساواة، فأما قرابة الاخوة فهي ليست من جنس قرابة ابن العم حتى تتقوى بها العصوبة الثابتة لابن العم الذي هو أخ لام بل يكون هذا السبب بمنزلة الزوجية فتعتبر حال اجتماعهما في شخص واحد بحال انفراد كل واحد من السببين في شخص آخر. وكثير من المسائل تخرج على ما تركنا من الاصل في هذا الفصل إذا تأملت.

[ 253 ]

فصل وما ينتهى إليه ما يقع به الترجيح في الحاصل أربعة: أحدها قوة الاثر، والثاني قوة الثبات على الحكم المشهود به، والثالث كثرة الاصول، والرابع عدم الحكم عند عدم العلة. أما الوجه الاول فلان المعنى الذي به صار الوصف حجة الاثر، فمهما كان الاثر أقوى كان الاحتجاج به أولى لصفة الوكادة فيما به صار حجة. فذلك نحو دليل الاستحسان مع القياس، ونحو الاخبار إذا تعارضت، فإن الخبر لما كان حجة لمعنى الاتصال برسول الله (ص) فما يزيد معنى الاتصال وكادة من الاشتهار، وفقه الراوي وحسن ضبطه واتقانه كان الاحتجاج به أولى. فإن قيل: أليس أن الشهادات متى تعارضت لم يترجح بعضها بقوة عدالة بعض الشاهد، وهي إنما صارت حجة باعتبار العدالة ثم بعد ظهور عادلة الفريقين لا يقع الترجيح بزيادة معنى العدالة ؟ قلنا: العدالة ليست بذي أنواع متفاوتة حتى يظهر لبعضها قوة عند المقابلة بالبعض، وهي عبارة عن التقوى والانزجار عن ارتكاب ما يعتقد الحرمة فيه، وذلك مما لا يمكن الوقوف فيه على حد أن يرجح البعض بزيادة قوة عند الرجوع إلى حده، بخلاف تأثير العلة فإن قوة الاثر عند المقابلة تظهر على وجه لا يمكن إنكاره. وبيان هذا في مسائل. منها أن الشافعي علل في طول الحرة أنه يمنع نكاح الامة لان في هذا العقد إرقاق جزء منه مع استغنائه عنه، فلا يجوز كما لو كان تحته حرة، وهذا الوصف بين الاثر، فإن الارقاق نظير القتل من وجه، ألا نرى أن الامام في الاسارى يتخير بين القتل والاسترقاق ؟ فكما يحرم عليه قتل ولده شرعا يحرم عليه إرقاقه مع استغنائه عنه. وقلنا: هذا النكاح يجوز لعبد المسلم، فإن المولى إذا دفع إليه مالا وأذن له في أن ينكح به ما شاء من حرة أو أمة جاز له أن ينكح الامة، فلما كان طول الحرة لا يمنع نكاح الامة للعبد المسلم لا يمنع للحر لوجود الحرة في الدنيا. وتأثير ما قلنا أن تأثير الرق

[ 254 ]

في تنصيف الحل الذى يترتب عليه عقد النكاح وحقيقة التنصيف في أن يكون حكم العبد في النصف الباقي له وحكم الحر في جميع ذلك سواء فما يكون شرطا في حق الحر يكون شرطا في حق العبد كالشهود وخلو المرأة عن العدة، وما لا يكون شرطا في حق العبد لا يكون شرطا في حق الحر كالخطبة وتسمية المهر لا يكون في حق العبد. ثم تظهر قوة التأثير لما قلنا في الرجوع إلى الاصول، فإن الرق من أوصاف النقصان والحرية من أوصاف الكمال، وهذا لاحل كرامة يختص به البشر فكيف يجوز القول بأنه يتسع الحل بسبب الرق حتى يحل للعبد ما لا يحل للحر. وبزداد قوة بالنظر في أحوال البشر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل أمته بزيادة اتساع في حله حتى جاز له نكاح تسع نسوة أو إلى ما لا يتناهى على حسب ما اختفوا فيه. فتبين بهذا تحقيق معنى الكرامة في زيادة الحل وظهر أنه لا يجوم القول بزيادة حل العبد على حل الحر. ويظهر ضعف أثر علته في الرجوع إلى الاصول، فإن إرقاق الماء دون التضييع لا محالة، ويحل له أن يضيعماءه بالعزل عن الحرة بإذنها فلان يجوز تعريض ما به الرق بنكاح الامة كان أولى. ويزداد ضعفا بالرجوع إلى أحوال البشر، فان من ملك نفسه على وجه يأمن أن يقع في الحرام يجوز له نكاح الامة ولا يحل له قتل ولده إذا أمن جانبه بحال من الاحوال. وعلى هذا قلنا: للحر أن يتزوج أمة على أمة، لان ذلك جائز للعبد فيجوز للحر من الوجه الذى قررنا، ولا يجوز للعبد أن ينكح أمة على حرة كما لا يجوز ذلك للحر، لان العبد في النصف الباقي له مثل الحر في الحكم. وعلل في حرمة نكاح الامة الكتابية على المسلم بأنها أمة كافرة فلا يجوز نكاحها للمسلم كالمجوسة. وهذا بين الاثر من وجهين: أحدهما أن الرق مؤثر في حرمة النكاح حتى لا يجوز نكاح الامة على الحرة. والكفر كذلك، فإذا اجتمع الوصفان في شخص تغلظ معنى الحرمة فيها فيلتحق بالكفر المتغلظ بعدم الكتاب في المنع من النكاح. والثانى أن جواز نكاح الامة بطريق الضرورة عند غشية العنت وهذه الضرورة ترتفع بحل الامة المسلمة فلا حاجة إلى حل الامة الكتابية للمسلم النكاح، وقلنا نحن: اليهودية

[ 255 ]

والنصرانية دين يجوز للمسلم نكاح الحرة من أهلها فيجوز نكاح الحرة من أهلها فيجوز نكاح الامة كدين الاسلام. وتأثيره فيما بينا أن الرق يؤثر في التنصيف من الجانبين فيما يبتنى على الحل. إلا أن ما يكون متعددا فالتنصيف يظهر في العدد كالطلاق والعمدة والقسم، والنكاح الذى يبتنى على الحل في جانب الرجل متعدد، فالتنصيف يظهر في العدد، وفى جانب المرأة غير متعدد فإنها لا تحل لرجلين بحال، ولكن من حيث الاحوال متعدد حال تقدم نكاحها على نكاح الحرة وحال التأخر وحال المقارنة، فيظهر التنصيف باعتبار الاحوال، وفى الحال الواحد يجتمع معنى الحل ومعنى الحرمة فيترجح معنى الحرمة بمنزلة الطلاق والعدة فإن طلاق الامة تطليقتان وعدتها حيضتان، وفى الحقيقة هما حالتان: حالة الانفراد عن الحرة بالسبق وحالة الانضمام إلى الحرة بالمقارنة أو التأخر، فتكون محللة في إحدى الحالتين دون الاخرى ثم تظهر قوة هذا الاثر بالتأمل في الاصول، فإن الحل تارة يثبت بالنكاح وتارة بملك اليمين، ووجدنا أن الامة الكتابية كالامة المسلمة في الحل يملك اليمين فكذلك في الحل بانكاح، ولسنا نسلسم أنه يتغلظ كفر الكتابية برقها في حكم النكاح، فإنه لو كان كذلك لم يحل ببملك اليمين كالمجوسية. ثم النقصان أو الخبث الثابت بكل واحد منهما من وجه سوى الوجه الاخر، و - نما يظهر التغليظ عند إمكان إثبات الاتحاد بينهما ومع اختلاف الجهة لا يتأتى ذلم، وقد بينا أن انضمام علة إلى علة ل يوجب قوة في الحكم ولا نسلم أن إباحة نكاح الامة بطريق الضرورة لما بينا أن الرقيق في النصف الباقي مساو للحر، فكما أن نكاح الحرة يكون أصلا مشروعا لا بطريق الضرورة فكذلك نكاح الامة في النصف الباقي لها، ونعتبرها بالعبد بل إولى لان معنى عدم الضرورة في حق الامة أضهر منه في حق العبد فإنها تستمع بمولاها بملك اليمين. والعبد لا طريق له سوى ؟ ؟ ؟ ؟ ثم لم بجعل بقاء ما بقى في حق العبد بعد التنصيف بالرق ثابتا بطريق الضرورة

[ 256 ]

ففي حق الامة أولى. وعلل الشافعي رحمه الله فيما إذا أسلم أحد الزوجين في دار الاسلام أو في دار الحرب، فإن كان قبل الدخول يتعجل الفرقة، وإن كان بعد الدخول يتوقف على انقضاء العدة، فإن الحادث اختلاف الدين بين الزوجين فيوجب الفرقة عند عدم العدة كالردة، وسوى بينهما في الجواب فقال: إذا ارتد أحدهما قبل الدخول تتعجل الفرقة في الحال، وبعد الدخول يتوقف على انقضاء ثلاث حيض. وبيان أثر هذا الوصف في ابتداء النكاح، فإن مع اختلاف الدين عند إسلام المرأة وكفر الزوج لا ينعقد النكاح ابتداء، كما أن عند ردة أحدهما لا ينعقد النكاح ابتداء، فكذلك في حالة البقاء تستوي ردة أحدهما وإسلام أحدهما إذا كان على وجه يمنع ابتداء النكاح، وفي الردة إنما يثبت هذا الحكم للاختلاف في الدين لا لمنافاة الردة النكاح فإنهما لو ارتدا معا - نعوذ بالله - لا تقع الفرقة بينهما، وإنما انعدم الاختلاف في الدين هنا، فأما الردة فمتحققة، ومع تحقق المنافي لا يتصور بقاء النكاح كالمحرمية بالرضاع والمصاهرة. وقلنا نحن: الاسلام سبب لعصمة الملك، فلا يجوز أن يستحق به زوال الملك بحال، وكفر الذي أصر منهما على الكفر كان موجودا وصح معه النكاح ابتداء وبقاء، فلا يجوز أن يكون سببا للفرقة أيضا. ولا يقال هذا الكفر إنما لم يكن سببا للفرقة في حال كفر الآخر لا بعد إسلامه، كما لا يكون سببا للمنع من ابتداء النكاح في حال كفر الآخر لا بعد إسلامه، لان اعتبار البقاء بالابتداء في أصول الشرع ضعيف جدا، فإن قيام العدة وعدم الشهود يمنع ابتداء النكاح، ولا يمنع البقاء والاستغناء عن نكاح الامة بنكاح الحرة يمنع نكاحها ابتداء ولا يمنع البقاء، إذا تزوج الحرة بعد الامة، فإن ظهر أن واحدا من هذين السببين لا يصلح سببا لاستحقاق الفرقة ولا بد من دفع ضرر الظلم المتعلق عنها، لان ما هو المقصود بالنكاح وهو الاستمتاع فائت شرعا، جعلنا السبب تفريق القاضي بعد عرض الاسلام على الذي يأبى منهما، وهو قوي الاثر بالرجوع إلى الاصول، فإن التفريق باللعان وبسبب الجب والعنة وبسبب الايلاء يكون ثابتا باعتبار هذا المعنى محالا به على من كان فوات الامساك بالمعروف من جهته،

[ 257 ]

فهنا أيضا يحال به على من كان فوات الامساك بالمعروف بالاصرار على الكفر من جهته، ولا يثبت إلا بقضاء القاضي. فأما الردة فهي غير موضوعة للفرقة بدليل صحتها حيث لا نكاح وبه فارق الطلاق، وإذا لم يكن موضوعا للفرقة عرفنا أن حصول الفرقة بها لكونها منافية للنكاح حكما وذلك وصف مؤثر، فإن النكاح يبتنى على الحل الذي هو كرامة، وبعد الردة لا يبقى الحل، لان الردة سبب لاسقاط ما هو كرامة، ولازالة الولاية والمالكية الثابتة بطريق الكرامة، فجعلها منافية للنكاح حكما يكون قوي الاثر من هذا الوجه، ومع وجود المنافي لا يبقى النكاح سواء دخل بها أو لم يدخل. فأما إذا ارتدا معا فحكم بقاء النكاح بينهما معلوم بإجماع الصحابة بخلاف القياس، وقد بينا أن المعدول به عن القياس بالنص أو بالاجماع لا يشتغل فيه بالتعليل ولا بإثبات الحكم فيه بعلة، وقد بينا فساد اعتبار حالة البقاء بحالة الابتداء، فلا يجوز أن يجعل امتناع صحة النكاح بينهما ابتداء بعد الردة علة للمنع من بقاء النكاح، وهذا لان البقاء لا يستدعي دليلا مبقيا، وإنما يستدعي الفائدة في الابقاء، وبعد ردتهما نعوذ بالله يتوهم منهما الرجوع إلى الاسلام وبه تظهر فائدة البقاء. فأما الثبوت ابتداء يستدعي الحل في المحل وذلك منعدم بعد الردة، وعند ردة أحدهما لا يظهر في الابقاء فائدة مع ما هما عليه من الاختلاف. وعلى هذا علل الشافعي رحمه الله في عدد الطلاق فإنه معتبر بحال الزوج لانه هو المالك للطلاق وعدد الملك معتبر بحال المالك كعدد النكاح، وهذا بين الاثر، لان المالكية عبارة عن القدرة والتمكن من التصرف، فإذا كان الزوج هو المتمكن من التصرف في الطلاق بالايقاع عرفنا أنه هو المالك له، وإنما يتم الملك باعتبار كمال حال المالك بالحرية كما أن ملك التصرف بالاعتاق وغيره إنما يتم بكمال حال المالك بالحرية. وقلنا نحن: الطلاق تصرف بملك بالنكاح فيتقدر بقدر ملك النكاح وذلك يختلف باختلاف حال المرأة في الرق والحرية، لان الملك إنما يثبت في المحل

[ 258 ]

باعتبار صفة الحل، والحل الذي يبتنى عليه النكاح في حق الامة على النصف منه في حق الحرة فبقدر ذلك يثبت الملك، ثم بقدر الملك يتمكن المالك من الابطال، كما أن بقدر ملك اليمين يتمكن من إبطاله بالعتق، حتى إنه إذا كان له عبد واحد يملك إعتاقا واحدا، فإن كان له عبدان يملك عتقين. ثم ظهر قوة الاثر لما قلنا بالرجوع إلى الاصل وهو أن ما يبتنى على ملك النكاح ويختص به فإنه يختلف باختلاف حالها، وذلك نحو القسم في حال قيام النكاح والعدة وحق المراجعة باعتبارها بعد الطلاق، فعرفنا أنه يتقدر ما يبتنى على ملك النكاح بقدر الملك الثابت بحسب ما يسع المحل له. وعلى هذا علل في تكرار المسح بأنه ركن في الوضوء فيسن فيه التكرار كالغسل. وقلنا نحن: إنه مسح فلا يسن فيه التكرار كالمسح بالخف، ثم كان تأثير المسح في إسقاط التكرار أقوى من تأثير الركنية في سنة التكرار فيه، فإن التكرار مشروع في المضمضة والاستنشاق وليسا بركن، وتأثير المسح في التخفيف فإن الاكتفاء بالمسح فيه مع إمكان الغسل ما كان إلا للتخفيف، وعند الرجوع إلى الاصول يظهر معنى التخفيف بترك التكرار بعد الاكمال مع ما فيه من دفع الضرر الذي يلحقه بإفساد عمامته بكثرة ما يصيب رأسه من البلة. وعلى هذا علل في اشتراط تعيين النية في الصوم بأنه صوم فرض، وهو بين الاثر، فإن اشتراط النية لمعنى التقرب وصفة الفرضية قربة كالاصل. وقلنا نحن: صوم عين، وتأثيره أن اشتراط النية، في العبادة في الاصل للتمييز بين أنواعها بتعين نوع منها، وهذا متعين شرعا فلا معنى لاشتراط النية للتعيين، ومعنى القربة يتم بوجود أصل النية، فباعتبار قوة الاثر من هذا الوجه يظهر الترجيح. وما يخرج على هذا من المسائل لا يحصى وفيما ذكرنا كفاية لمن يحسن التأمل في نظائرها. وأما الوجه الثاني وهو الترجيح بقوة ثبات الحكم المشهود به فلان أصل ذلك إنما يكون عن نص أو إجماع، وما يكون ثبوته بالنص أو الاجماع يكون ثابتا متأكدا، فما يظهر فيه زيادة القوة في الثبات عند العرض على الاصول يكون راجحا باعتبار ما به صار حجة. وبيان ذلك في مسألة

[ 259 ]

مسح الرأس أيضا، فإن الوصف الذي عللنا به له زيادة قوة الثبات على الحكم المشهود به، ألا ترى أن سائر أنواع المسح كالتيمم والمسح على الخف والمسح على الجورب عند من يجيزه والمسح على الجبائر يظهر الخفة فيها بترك اعتبار التكرار، وليس للوصف الذي علل به قوة الثبات بهذه الصفة، فإن في الصلاة أركانا كالقيام والقراءة والركوع والسجود، ثم تمامها يكون بالاكمال لا بالتكرار، فعرفنا أن الركنية ليس بوصف قوي ثابت في إثبات سنة التكرار به، وكذلك في الصوم، فإن صفة العينية قوي ثابت في إسقاط اشتراط نية التعيين فيه حتى يتعدى إلى سائر العبادات، كالزكاة إذا تصدق بالنصاب على الفقير وهو لا ينوي الزكاة، والحج إذا أطلق النية ولم يعين حجة الاسلام، والايمان بالله تعالى. ويتعدى إلى غير العبادات نحو رد الودائع والغصوب ورد المبيع على البائع لفساد البيع. وصفة الفرضية ليس بقوي ثابت في اشتراط نية التعيين بعدما صار متعينا في الصوم لا في غير الصوم. وكذلك ما علل به علماؤنا في أن المنافع لا تضمن بالاتلاف لان ضمان المتلفات مقدر بالمثل بالنص، وباعتبار ما هو المقصود وهو الجبران، وبين العين والمنفعة تفاوت في المالية من الوجه الذي ذكرنا، فلا يجوز أن يوجب على المتلف فوق ما أتلف في صفة المالية، كما لا يوجب الجيد بإتلاف الردئ. وقال الشافعي رحمه الله: المنافع تضمن بالعقد الجائز والفاسد بالدراهم فتضمن بالاتلاف كالاعيان، ثم تأثيره تحقق الحاجة إلى التحرر عن إهدار حق المتلف عليه، فإنه نظير تحقق الحاجة إلى ملك المنفعة بالعوض بالعقد. ثم هو يزعم أن علته أقوى في ثبات الحكم المشهود به عليه من وجهين: أحدهما أنه إذا لم يكن بد من الاضرار بأحدهما فمراعاة جانب المظلوم وإلحاق الخسران بالظالم بإيجاب الزيادة عليه أولى من إهدار حق المظلوم. والثاني أن في إيجاب الضمان إهدار حق الظالم فيما هو وصف محض وهو صفة البقاء، وفي الاصل هما شيئان وهو كونهما منتفعا به، غير أن في طرف الظالم فضل صفة وهو البقاء، فبهدر صيانة الاصل (هدر) حق المظلوم.

[ 260 ]

وإذا قلنا: لا يجب الضمان كان فيه إهدار حق المتلف عليه في أصل المالية، ولا شك أن الوصف دون الاصل. ونحن نقول: قوة ثبات الحكم فيما اعتبرناه، لان في إيجاب الزيادة معنى الجور، ولا يجوز نسبة ذلك إلى الشرع بغير واسطة من العباد بحال من الاحوال، وإذا لم نوجب الضمان فإنما لا نوجب لعجزنا عن إيجاب المثل في موضع ثبت اشتراط المماثلة فيه بالنص، وبه فارق ضمان العقد، فإنه غير مبني على المماثلة بأصل الوضع، وكيف يكون مبنيا على ذلك والمبتغي به الربح والامتناع من الاقدام عند تحقق العجز أصل مشروع لنا ؟ والثاني أن في إيجاب الزيادة إهدار حق المتلف في هذه الزيادة في الدنيا والآخرة. وإذا قلنا: لا يجب الضمان لا يهدر حق المتلف عليه أصلا بل يتأخر إلى الآخرة وضرر التأخير دون ضرر الاهدار. ولا يدخل على هذا إتلاف ما لا مثل له من جنسه، لان الواجب هو مثل المتلف في المالية شرعا إلا أنه آل الامر إلى الاستيفاء وذلك يبتنى على الوسع. قلنا يتقدر بقدر الوسع ويسقط اعتبار أدنى تفاوت في القيمة، لانه لا يستطاع التحرز عن ذلك ولكن لا يتحقق في هذا معنى نسبة الجور إلى الشرع، فالواجب شرعا هو المثل لا غير، وما اعتبر من ترجيح جانب المظلوم فهو ضعيف جدا، لان الظالم لا يظلم ولكن ينتصف منه مع قيام حقه في ملكه، فلو لم نوجب الضمان لسقط حق المظلوم لا بفعل مضاف إلينا، وعند ايجاب الضمان يسقط حق الظالم في الوصف بمعنى مضاف الينا وهو أنا نلزمه أداء ذلك بطريق الحكم به عليه، ومراعاة الوصف في الوجوب كمراعاة الاصل، ألا ترى أن في القصاص الذي يبتنى على المساواة التفاوت في الوصف كالصحيحة مع الشلاء يمنع جريان القصاص، ولا ينظر إلى ترجيح جانب المظلوم وإلى ترجيح جانب الاصل على الوصف، فعرفنا أن قوة الثبات فيما قلنا. وعلى هذا قلنا: إن ملك النكاح لا يضمن بالاتلاف في الشهادة على الطلاق قبل الدخول، وملك القصاص لا يضمن بالاتلاف في الشهادة على العفو، وقد بينا فيما سبق أن وجوب الدية عند إتلاف النفس أو الاطراف على وجه لا يمكن إيجاب المثل فيه حكم ثابت بالنص بخلاف القياس وهو لصيانة المحل عن

[ 261 ]

الاهدار لا للماثلة على وجه الخبران، لان النفوس بأطرافها مصونة عن الابتذال وعن الاهدار. وأما الوجه الثالث: وهو الترجيح بكثرة الاصول فلان كثرة الاصول في المعنى الذي صار الوصف به حجة بمنزلة الاشتهار في المعنى الذي صار الخبر به حجة، وهذا يظهر إذا تأملت فيما ذكرنا من المسائل وغيرها، وما من نوع من هذه الانواع الثلاثة إذا قررته في مسألة إلا وتبين به إمكان تقرير النوعين الآخرين فيه أيضا. وأما الوجه الرابع: وهو الترجيح بعدم الحكم عند عدم العلة فهو أضعف وجوه الترجيح، لما بينا أن العدم (لا يوجب شيئا، وأن العدم لا يكون متعلقا بعلة، ولكن انعدام الحكم عند انعدام العلة) يصلح أن يكون دليلا على وكادة اتصال الحكم بالعلة، فمن هذا الوجه يصلح للترجيح. وبيانه في المسح بالرأس أيضا، فإن التعليل بأنه ركن لا يكون في القوة كالتعليل بأنه مسح، لان حكم ثبوت التكرار لا ينعدم بانعدام الركنية كما في المضمضة والاستنشاق، وحكم سقوط التكرار ينعدم بانعدام وصف المسح كما في اغتسال الجنب والحائض، فإنه يسن فيه صفة التكرار لانه ليس بمسح. وكذلك في كل ما يعقل تطهيرا صفة التكرار فيه يكون مسنونا، وفيما لا يعقل تطهيرا لا يسن فيه صفة التكرار، وقولنا مسح ينبئ عن ذلك. وكذلك قلنا في الاخ إذا ملك أخته إن بينهما قرابة محرمة للنكاح، وينعدم حكم العتق بالملك عند انعدام هذا المعنى كما في بني الاعمام، وهو إذا قال شخصان يجوز لاحدهما أن يضع زكاة ماله في صاحبه فلا يعتق أحدهما على صاحبه إذا ملكه لانعدام هذا الحكم عند انعدام هذا المعنى، فإن المسلم لا يجوز له أن يضع زكاة ماله في الكافر، وذلك لا يدل على أنه يعتق أحدهما على صاحبه إذا ملكه. وكذلك قلنا في بيع الطعام بالطعام إنه لا يشترط قبضه في المجلس لانه عين بعين، وينعدم هذا الحكم عند انعدام

[ 262 ]

هذا الوصف، فإنه في باب الصرف يشترط القبض من الجانبين، لان الاصل فيه النقود وهي لا تتعين في العقود فكان دينا بدين، وفي السلم يشترط القبض في رأس المال، لان المسلم فيه دين ورأس المال في الغالب نقد فيكون دينا بدين، فعرفنا أنه ينعدم الحكم عند انعدام العلة. وهو يعلل فيقول: مالان لو قوبل كل واحد منهما بجنسه يحرم التفاضل بينهما فيشترط التقابض في بيع أحدهما بالآخر كالذهب والفضة. ثم الحكم لا ينعدم عند انعدام هذا المعنى في السلم، فإنه يشترط قبض رأس المال في المجلس، وإن جمع العقد هناك بدلين لا يحرم التفاضل إذا قوبل كل واحد منهما بجنسه. فهذا بيان الفصل الرابع. فصل وأما المخلص من التعارض في دليل الترجيح فطريق بيانه أن نقول: إن كل محدث موجود بصورته ومعناه الذي هو حقيقة له، ثم تقوم به أحوال تحدث عليه، فإذا قام دليل الترجيح لمعنى في ذات أحد المتعارضين وعارضه دليل الترجيح لمعنى في حال الآخر على مخالفة الاول فإنه يرجح المعنى الذي هو في الذات على المعنى الذي هو في الحال لوجهين: أحدهما أن الذات أسبق وجودا من الحال، فبعدما وقع الترجيح لمعنى فيه لا يتغير بما حدث من معنى في حال الآخر بعد ذلك، بمنزلة ما لو اتصل الحكم باجتهاد فتأيد به ثم لم ينسخ بما يحدث من اجتهاد آخر بعد ذلك، وإذا اتصل الحكم بشهادة المستورين بالنسب أو النكاح لرجل لم يتغير بعد ذلك بشهادة عدلين لآخر. والثاني أن الاحوال التي تحدث على الذات تقوم به فكان الذات بمنزلة الاصل وما يقوم به من الحال بمنزلة التبع، والاصل لا يتغير بالتبع على أي وجه كان. وبيان هذا فيما اتفقوا عليه أن ابن الاخ لاب وأم يكون مقدما في العصوبة على العم، لان المرجح فيه معنى في ذات

[ 263 ]

القرابة وهو الاخوة التي هي مقدمة على العمومة، وفي العم المرجح هو زيادة القرب باعتبار الحال. وكذلك العمة لام مع الخالة لاب وأم إذا اجتمعتا فللعمة الثلثان، باعتبار أن المرجح في حقها هو معنى في ذات القرابة وهو الادلاء بالاب، وفي الاخرى معنى في حالها وهو اتصالها من الجانبين بأم الميت. ولو كانا أخوين أحدهما لاب وأم والآخر لاب فإنه يقدم في العصوبة الذي لاب وأم، لانهما استويا في ذات القرابة فيصار إلى الترجيح باعتبار الحال وهو زيادة الاتصال لاحدهما. ولو كان ابن الاخ لاب معه ابن ابن أخ لاب وأم فإن الاخ لاب يقدم في العصوبة، باعتبار الحال لما استويا في ذات القرابة وهو الاخوة. وربما خفي على الشافعي هذا الحد في بعض المسائل فهو معذور لكونه خفيا، ومن أصاب مركز الدليل فهو مأجور مشكور. وبيانه في مسائل الغصب فإن علماءنا أثبتوا الترجيح باعتبار الصناعة والخياطة والطبخ والشي، وقالوا فيمن غصب ساحة وأدخلها في بنائه ينقطع حق المغصوب منه عن الساحة، لان الصنعة التي أحدثها الغاصب فيها قائمة من كل وجه غير مضاف إلى صاحب العين، وعين الساحة قائم من وجه مستهلك من وجه، لانه صار مضافا إلى الحادث بعمل الغاصب وهو البناء، فرجحنا ما هو قائم من كل وجه باعتبار معنى في الذات، وأسقطنا اعتبار معنى قوة الحال في الجانب الآخر وهو أنه أصل، وفي الساحة إذا بنى عليها لما استويا في أن كل واحد منهما قائم من كل وجه، فرجحنا باعتبار الحال حق صاحب الساحة على حق صاحب البناء (لان قوام البناء) للحال بالساحة وقوام الساحة ليس بالبناء. وكذلك الثوب إذا قطعه وخاطه، واللحم إذا طبخه أو شواه، لان الوصف الحادث بعمل الغاصب قائم من كل وجه، وما هو حق المغصوب منه قائم من وجه مستهلك من وجه باعتبار العمل المضاف إلى الغاصب، فيترجح ما هو قائم من كل وجه. وكذلك قلنا صوم رمضان يتأدى بالنية الموجودة في أكثر النهار لان الامساك

[ 264 ]

في جميع النهار ركن واحد، وشرط كونه صوما شرعيا النية ليحصل بها الاخلاص، فإذا ترجح جانب الوجود باقتران النية بأكثر هذا الركن قلنا يحصل به امتثال الامر. ف‍ الشافعي يقول: يؤخذ في العبادات بالاحتياط، فإذا انعدمت النية في جزء من هذا الركن يترجح جانب العدم على جانب الوجود لاجل الاحتياط في أداء الفريضة، فكان ما اعتبره معنى في الحال وهو أنه فرض يؤخذ فيه بالاحتياط، وما اعتبرناه معنى في الذات، والمرجح في الذات أولى بالاعتبار من المرجح في الحال. وقال أبو حنيفة: إذا كان لرجل مائتا درهم وخمس من الابل السائمة فسبق حول السائمة فأدى عنها شاة ثم باعها بمائتي درهم فإنه لا يضم ثمنها إلى ما عنده ولكن ينعقد على الثمن حول جديد، فلو استفاد مائتي درهم بهبة أو ميراث فإنه يضمها إلى أقرب المالين في الحول، وإن كان المستفاد ربح أحد المالين أو زيادة متولدة من عين أحد المالين يضم ذلك إلى الاصل، وإن كان أبعد في الحول لان المرجح هنا معنى في الذات وهو كونه نماء أحد المالين فيسقط بمقابلته اعتبار الحال في المال الآخر وهو القرب في الحول، وفي الاول لما استوى الجانبان فيما يرجع إلى الذات صرنا إلى الترجيح باعتبار الحال. والمسائل على هذا الاصل يكثر تعدادها، والله أعلم. فصل وأما الفاسد من الترجيح فأنواع أربعة: أحدها ما بينا من ترجيح قياس بقياس آخر، لان كل واحد منهما علة شرعية لثبوت الحكم بها فلا تكون إحداهما مرجحة للاخرى بمنزلة زيادة العدد في الشهود. وكذلك ترجيح أحد القياسين بالخبر فاسد، لان القياس متروك بالخبر فلا يكون حجة في مقابلته والمصير إلى الترجيح بعد وقوع التعارض باعتبار المماثلة كما بينا. وكذلك ترجيح أحد الخبرين بنص الكتاب فاسد، لان الخبر لا يكون حجة في معارضة النص. والنوع الثاني الترجيح بكثرة الاشباه فإنه فاسد عندنا. وبيانه فيما يقوله الخصم: إن الاخ يشبه الاب من وجه وهو المحرمية ويشبه ابن العم من وجوه نحو جريان القصاص من الطرفين، وقبول شهادة كل واحد منهما لصاحبه،

[ 265 ]

وجواز وضع الزكاة لكل واحد منهما في صاحبه، وحل حليلة كل واحد منهما لصاحبه وغير ذلك من الاحكام. قالوا: فيرجح باعتبار كثرة الاشباه، وهو فاسد عندنا لان الاصول شواهد، وقد بينا أن الترجيح بزيادة عدد الشهود في الخصومات فاسد، وفي الاحكام الترجيح بكثرة العلل فاسد، فكذلك الترجيح بكثرة الاشباه. والنوع الثالث الترجيح بعموم العلة، وذلك نحو ما يقوله الخصم: إن تعليل حكم الربا في الاشياء الاربعة بالطعم أولى لانه يعم القليل والكثير، والتعليل بالقدر يخص الكثير وما يكون أعم فهو أولى. وعندنا هذا فاسد، لان إثبات الحكم بالعلة فرع لاثبات الحكم بالنص، وعندنا الترجيح في النصوص لا يقع بالعموم والخصوص، وعنده الخاص يقضي على العام، كيف يقول في العلل إن ما يكون أعم فهو مرجح على ما يكون أخص، ثم معنى العموم والخصوص يبتنى على الصيغة، وذلك إنما يكون في النصوص، فأما العلل فالمعتبر فيها التأثير أو الاحالة على حسب ما اختلفا فيه، ولا مدخل للعموم والخصوص في ذلك. والنوع الرابع الترجيح بقلة الاوصاف، وذلك نحو ما يقوله الخصم في أن ما جعلته علة في باب الربا وصف واحد وهو الطعم، فأما الجنسية عندي شرط وأنتم تجعلون علة الربا ذات وصفين، فتترجح علتي باعتبار قلة الاوصاف. وهذا فاسد عندنا لما بينا أن ثبوت الحكم بالعلة فرع لثبوته بالنص، والنص الذي فيه بعض الايجاز والاختصار لا يترجح على ما فيه بعض الاشباع في البيان فكذلك العلة بل أولى، لان ثبوت الحكم هناك بصيغة النص الذي يتحقق فيه الاختصار والاشباع، وهنا باعتبار المعنى المؤثر ولا يتحقق فيه الايجاز والاشباع.

[ 266 ]

باب: وجوه الاعتراض على العلل الطردية التي يجوز الاحتجاج بها هذه الوجوه أربعة: القول بموجب العلة، ثم الممانعة، ثم بيان فساد الوضع، ثم النقض. فنقدم بيان القول بموجب العلة لان المصير إلى المنازعة عند تعذر إمكان الموافقة، وأما مع إمكان الموافقة وتحصيل المقصود به فلا معنى للمصير إلى المنازعة. ثم تفسير القول بموجب العلة هو التزام ما رام المعلل التزامه بتعليله. وبيان ذلك فيما علل به الشافعي رحمه الله في تكرار المسح بالرأس أنه ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالغسل في المغسول، لانا نقول بموجب هذا. فنقول: يسن تثليثه وتربيعه أيضا، لان المفروض هو المسح بربع الرأس عندنا، وعنده أدنى ما يتناوله الاسم، ثم استيعاب جميع الرأس بالمسح سنة، وبالاستيعاب يحصل التثليث والتربيع ولكن في محل غير المحل الذي قام فيه الفرض، لانه لا فرق بين أن يكون تثليث الفعل في محل أو محال، فإن من دخل ثلاث أدور يقول دخلت ثلاث دخلات، كما أن من دخل دارا واحدة ثلاث مرات يقول دخلت ثلاث دخلات، فإن غير الحكم فقال وجب أن يسن تكراره. قلنا: الآن هذا في الاصل ممنوع، فإن المسنون في الغسل ليس هو التكرار مقصودا عندنا بل الاكمال، وذلك بالزيادة على الفريضة إلا أن هناك الاستيعاب فرض، فالزيادة بعد ذلك الاكمال لا يكون إلا بالتكرار، فكان وقوع التكرار فيه اتفاقا لا أن يكون مقصودا، وهنا الاستيعاب ليس بفرض فيحصل الاكمال فيه بالاستيعاب لوجود الزيادة على القدر المفروض، والاكمال يحصل به في الاركان نحو القراءة في الصلاة، فالاكمال يكون فيه بالاطالة لا بالتكرار، وكذلك الاكمال في الركوع والسجود، ولان الاكمال فيما يعقل فيه المعنى وهو التطهير بتسييل الماء على العضو إنما يكون بالتكرار كما في غسل النجاسة العينية عن البدن أو الثوب يكون الاكمال فيه بالتكرار إلى طمأنينة القلب، فأما في المسح الذي لا يعقل فيه معنى التطهير لا يكون

[ 267 ]

للتكرار فيه تأثير في الاكمال، بل الاكمال فيه يكون بالاستيعاب الذي فيه زيادة على القدر المفروض، وعند ذلك يضطر المعلل إلى الرجوع إلى طلب التأثير بوصف الركنية ووصف المسح الذي تدور عليه المسألة، ثم يظهر تأثير المسح في التخفيف، وتحقيق معنى الاكمال فيه بالاستيعاب كما في المسح بالخف، ويتبين أنه لا أثر للركنية في اشتراط التكرار، فإن التكرار مسنون في المضمضة والاستنشاق مع انعدام الركنية، ويتبين أن ما يكون ركنا وما يكون سنة وما يكون أصلا وما يكون رخصة في معنى الاكمال بالزيادة على القدر المفروض سواء، ثم في المسح الذي هو رخصة لما لم يكن الاستيعاب ركنا كالمسح بالخف كان الاكمال فيه بالاستيعاب لا بالتكرار، وكذلك في المسح الذي هو أصل، وفيما يكون مسنونا لما كان إقامة أصل السنة فيه بالاستيعاب كان الاكمال فيه بالتكرار كالمضمضة، وكذلك فيما هو ركن إذا كان إقامة الفرض لا تحصل إلا بالاستيعاب كان الاكمال فيه بالتكرار، فيظهر فقه المسألة من هذا الوجه. ومن ذلك ما علل به الشافعي في صوم التطوع إنه باشر فعل قربة لا يمضي في فاسدها فلا يلزمه القضاء بالافساد، لانا نقول بموجب هذه العلة، فإن عندنا القضاء لا يجب بالافساد وإنما يجب بما وجب به الاداء وهو الشروع، فإن غير العبارة وقال وجب أن لا يلزم بالشروع كالوضوء. قلنا: الشروع في العبادة باعتبار كونها مما لا يمضي في فاسدها لا يكون ملزما عندنا بل باعتبار كونها مما تلتزم بالنذر، وعدم اللزوم باعتبار الوصف الذي قاله لا يمنع اللزوم باعتبار الوصف الذي قلنا، ولا بد من إضافة الحكم إلى الوصف الذي هو ركن تعليله، فإن لم يجب باعتبار وصف لا يدل على أنه لا يجب باعتبار وصف آخر، وعند ذلك يضطر إلى إقامة الدليل على أن الشروع غير ملزم وأنه ليس نظير النذر في كونه ملزما، فتبين فقه المسألة. ومن ذلك قولهم إسلام المروي في المروي جائز لانه أسلم مذروعا في مذروع فيجوز كإسلام الهروي بالمروي، لانا نقول بموجبه، فإن كونه مذروعا في مذروع لا يفسد العقد عندنا ولكن هذا الوصف لا يمنع فساد العقد باعتبار

[ 268 ]

معنى آخر هو مفسد، ألا ترى أنه يفسد بذكر شرط فاسد فيه وبترك قبض رأس المال في المجلس مع أنه أسلم مذروعا في مذروع. فإذا جاز أن يفسد هذا العقد مع وجود هذا الوصف باعتبار معنى آخر بالاتفاق فلماذا لا يجوز أن يفسد باعتبار الجنسية، فيضطر عند ذلك إلى الشروع في فقه المسألة والاشتغال بأن الجنسية لا تصلح علة لفساد هذا العقد بها إن أمكنه ذلك. ومن ذلك تعليلهم في الطلاق الرجعي إنها مطلقة فتكون محرمة الوطئ كالمبانة، لانا نقول بموجبه، فإنا لا نجعلها محللة الوطئ لكونها مطلقة بل لكونها منكوحة، وبالاتفاق مع كونها مطلقة إذا كانت منكوحة تكون محللة الوطئ كما بعد المراجعة، فإن الطلاق الواقع بالرجعة لا يرتفع ولا تخرج من أن تكون مطلقة، فيضطر حينئذ إلى الرجوع إلى فقه المسألة، وهو أن وقوع الطلاق هل يمكن خللا في النكاح أو هل يكون محرما للوطئ مع قيام ملك النكاح، وعلى هذا يدور فقه المسألة. ومن ذلك ما قالوا في المختلعة لا يلحقها الطلاق لانها ليست بمنكوحة، فإن عندنا باعتبار هذا الوصف لا يكون محلا لوقوع الطلاق عليها عند الايقاع، ولكن هذا لا يبقى وصفا آخر فيها يكون به محلا لوقوع الطلاق عليها، وهو ملك اليد الباقي له عليها ببقاء العدة، فيضطر بهذا إلى الرجوع إلى فقه المسألة. ومن ذلك تعليلهم في إعتاق الرقبة الكافرة عن كفارة الظهار فإنه تحرير في تكفير فلا يتأدى بالرقبة الكافرة كما في كفارة القتل، لانا نقول بموجب هذا، فإن عندنا لا يتأدى الواجب من الكفارة بهذا الوصف الذي قال بل بوجود الامتثال منه للامر، كما يتأدى بصوم شهرين متتابعين، وبإطعام ستين مسكينا عند العجز عن الصوم، فيضطر عند ذلك إلى الرجوع إلى فقه المسألة، وهو أن الامتثال لا يحصل هنا بتحرير الرقبة الكافرة كما لا يحصل في كفارة القتل، لان المطلق محمول على المقيد. ومن ذلك قولهم في الاخ إنه لا يعتق على أخيه إذا ملكه لانه ليس

[ 269 ]

بينهما جزئية، فإنا نقول بموجبه، فباعتبار انعدام الجزئية بينهما لا يثبت العتق عندنا، ولكن انعدام الجزئية لا ينفي وجود وصف آخر به تتم علة العتق وهو القرابة المحرمة للنكاح، فيضطر عند ذلك إلى الشروع في فقه المسألة، وهو أن القرابة المحرمة للنكاح هل تصلح متممة لعلة العتق مع الملك بدون الولاد أم لا. وأكثر ما يذكر من العلل الطردية يأتي عليها هذا النوع من الاعتراض، وهو طريق حسن لالجاء أصحاب الطرد إلى الشروع في فقه المسألة. فصل: في الممانعة قال رضي الله عنه: الممانعة على هذا الطريق على أربعة أوجه: إحداها في الوصف، والثانية في صلاحية الوصف للحكم، والثالثة في الحكم، والرابعة في إضافة الحكم إلى الوصف، وهذا لان شرط صحة العلة عند أصحاب الطرد كون الوصف صالحا للحكم ظاهرا وتعليق الحكم به وجودا وعدما. أما بيان النوع الاول فيما علل به الشافعي في الكفارة على من أفطر بالاكل والشرب قال: هذه عقوبة تتعلق بالجماع فلا تتعلق بغير الجماع كالرجم. لانا لا نسلم أن الكفارة تتعلق بالجماع وإنما تتعلق بالافطار على وجه يكون جناية متكاملة، وعند هذا المنع يضطر إلى بيان حرف المسألة، وهو أن السبب الموجب للكفارة الفطر على وجه تتكامل به الجناية أو الجماع المعدم للصوم، وإذا ثبت أن السبب هو الفطر بهذه الصفة ظهر تقرر السبب عند الاكل والشرب وعند الجماع بصفة واحدة. وبيان النوع الثاني في تكرار المسح بالرأس فإن الخصم إذا علل فقال: هذه طهارة مسح فيسن فيها التثليث كالاستنجاء بالاحجار. قلنا: لا نسلم هذا الوصف في الاصل، فإن الاستنجاء إزالة النجاسة العينية، فأما أن يكون طهارة بالمسح فلا، ولهذا لو لم يتلوث شئ من ظاهر بدنه لا يكون عليه الاستنجاء، ولهذا كان الغسل بالماء أفضل. ثم المسح الذي يدل على التخفيف لا يكون صالحا لتعليق حكم التثليث به، وبدون الصلاحية لا يصلح

[ 270 ]

التعليل، فيضطر عند هذا المنع إلى الرجوع إلى حرف المسألة وهو إثبات التسوية بين الممسوح والمغسول بوصف صالح لتعلق حكم التكرار به، أو التفرقة بينهما بوصف المسح والغسل، فإن أحدهما يدل على الاستيعاب والآخر يدل على التخفيف بعين المسح. وكذلك تعليلهم في بيع تفاحة بتفاحتين إنه باع مطعوما بمطعوم من جنسه مجازفة، فلا يجوز كبيع صبرة بصبرة من حنطة. لانا نقول: يعني بهذا المجازفة ذاتا أم قدرا ؟ فلا يجد بدا من أن يقول ذاتا، فنقول: حينئذ يعني المجازفة في الذات صورة أم عيارا، فلا يجد بدا من أن يقول عيارا، لان المجازفة من حيث الصورة في الذات لا تمنع جواز البيع بالاتفاق، فإن بيع قفيز حنطة بقفيز حنطة جائز مع وجود المجازفة في الذات صورة، فربما يكون أحدهما أكثر في عدد الحبات من الآخر. وإذا ادعى المجازفة عيارا قلنا: هذا الوصف إنما يستقيم فيما يكون داخلا تحت المعيار والتفاح وما أشبهه لا يدخل تحت المعيار، فلا يكون هذا الوصف صالحا لهذا الحكم، ولان المساواة كيلا شرط جواز العقد في الاموال الربوية بالاجماع، ومن ضرورته أن يكون ضده وهو الفضل في المعيار مفسدا للعقد، والفضل في المعيار لا يتحقق فيما لا يدخل تحت المعيار، كما أن المساواة في المعيار الذي هو شرط الجواز عنده لا يتحقق فيما لا يدخل تحت المعيار، فيضطر عند هذا إلى بيان الحرف الذي تدور عليه المسألة، وهو أن حرمة العقد في هذه الاموال عند المقابلة بجنسها أصل، والجواز يتعلق بشرطين: المساواة في المعيار، واليد باليد. وعندنا جواز العقد فيها أصل كما في سائر الاموال، والفساد باعتبار فضل هو حرام وهو الفضل في المعيار، وذلك لا يتحقق إلا فيما تتحقق فيه المساواة في المعيار، إذ الفضل يكون بعد تلك المساواة، ولا تتحقق هذه المساواة فيما لا يدخل تحت المعيار أصلا. ومن ذلك تعليلهم في الثيب الصغيرة لا يزوجها أبوها لانها ثيب يرجى مشورتها، فلا ينفذ العقد عليها بدون رأيها كالنائمة والمغمى عليها.

[ 271 ]

لانا نقول: ما تعنون بقولكم بدون رأيها ؟ رأي قائم في الحال أم رأي سيحدث أم أيهما كان ؟ فإن قالوا أيهما كان فهو باطل من الكلام، لان الثيب المجنونة تزوج في الحال، ورأيها غير مأنوس عنها لتوهم الافاقة، فلا نجد بدا من أن نقول المراد رأي قائم لها، وهذا ممنوع في الفرع، فإنه ليس لها رأي قائم في الحال في المنع ولا في الاطلاق، فإن من لم يجوز تزويجها لم يفصل في ذلك بين أن يكون العقد برأيها (وبدون رأيها) ومن جوز العقد فكذلك لم يفصل، فعرفنا أنه ليس لها رأي قائم، وما سيحدث من علة أو مانع لا يجوز أن يكون مؤثرا في الحكم قبل حدوثه، ومن جوز حدوثه في المنع لا في الاثبات، إذ الحكم لا يسبق علته، فيضطر عند بيان المنع بهذه الصفة إلى الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن رأي الولي هل يقوم مقام رأيها لانعدام اعتبار رأيها في الحال شرعا فيما يرجع إلى النظر لها كما في المال والبكر والغلام، أم لا يقوم رأيه مقام رأيها لما في ذلك من تفويت الرأي عليها إذا صارت من أهل الرأي بالبلوغ ؟ وبمثل هذا الحد يتبين عوار من شرع في الكلام بناء على حسن الظن قبل أن يتميز له الصواب من الخطأ بطريق الفقه. وبيان الممانعة في الحكم كثيرة. منها تعليلهم في تكرار المسح بأنه ركن في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه، لانا لا نسلم هذا الحكم في الاصل، فالمسنون هناك عندنا ليس التكرار، بل الاكمال بالزيادة على قدر المفروض في محله من جنسه كما في أركان الصلاة، فإن إكمال ركن القراءة بالزيادة على القدر المفروض في محله من جنسه وهو تلاوة القرآن. وكذلك الركوع والسجود إلا أن في الغسل لما كان الاستيعاب فرضا لا يتحقق فيه الاكمال بهذه الصفة إلا بالتكرار، فكان التكرار مسنونا لغيره وهو تحصيل صفة الاكمال به لا لعينه، وفي الممسوح الاستيعاب ليس بركن فيقع الاستغناء عن التكرار في إقامة سنة الكمال، بل بالزيادة على القدر

[ 272 ]

المفروض باستيعاب جميع الرأس بالمسح مرة واحدة يحصل الاكمال، وما كان مشروعا لغيره فإنما يشرع باعتباره في موضع تتحقق الحاجة إليه، فأما إذا كان ما شرع لاجله يحصل بدونه لا يفيد اعتباره، ألا ترى أنه لو كرر المسح في ربع الرأس أو أدنى ما يتناوله الاسم لا يحصل به كمال السنة ما لم يستوعب جميع الرأس بالمسح، فبهذا يتبين أن الاكمال هنا بالاستيعاب وأنه هو الاصل، فيجب المصير إليه إلا في موضع يتحقق العجز عنه بأن يكون الاستيعاب ركنا، كما في المغسولات، فحينئذ يصار إلى الاكمال بالتكرار، ولا يلزمنا المسح بالاذنين فإنه مسنون لاكمال المسح بالرأس، وإن لم يكن في محل المفروض حتى لا يتأدى مسح الرأس بمسح الاذنين بحال، لان ذلك المسح لاكمال السنة في المسح بالرأس، ولهذا لا يأخذ لاذنيه ماء جديدا عندنا، ولكن يمسح مقدمهما ومؤخرهما مع الرأس، والمسح فيهما أفضل من الغسل إلا أن كون الاذنين من الرأس لما كان ثابتا بالسنة دون نص الكتاب يثبت اتحاد المحل فيما يرجع إلى إكمال السنة به ولا تثبت المحلية فيما يتأدى به الفرض الثابت بالنص، فقلنا لا ينوب مسح الاذنين عن المسح بالرأس لهذا. ومن ذلك تعليلهم في صوم رمضان بمطلق النية أنه صوم فرض فلا يتأدى بدون التعيين بالنية كصوم القضاء. فإنا نقول: ما تعنون لهذا الحكم ؟ التعين بالنية بعد التعين أو قبل التعين أم في الوجهين جميعا ؟ فلا يجدون بدا من أن يقولوا قبل التعين، لان بعد التعين التعيين غير معتبر، وهو ليس بشرط في تأدي صوم القضاء، وإذا قالوا قبل التعين قلنا: هذا ممنوع في الفرع، فإن التعين حاصل هنا بأصل الشرع إذ المشروع في هذا الزمان صوم الفرض خاصة، فغيره ليس بمشروع، فلا نجد بدا حينئذ من الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن نية التعيين هل يسقط اشتراطه بكون المشروع متعينا في ذلك الزمان أم لا يسقط اعتباره ؟.

[ 273 ]

ومن ذلك تعليلهم في بيع المطعوم الذي لا يدخل تحت المعيار بجنسه أنه باع مطعوما بمطعوم من جنسه لا تعرف المساواة بينهما في المعيار فيكون حراما كبيع صبرة حنطة بصبرة حنطة. فإنا نقول: إيش تعنون بهذا الحكم ؟ أهو حرمة مطلقة أم حرمة إلى غاية التساوي ؟ فإن قالوا: بنا غنية عن بيان هذا. قلنا: لا كذلك، فالحرمة الثابتة إلى غاية غير الحرمة المطلقة، والحكم الذي يقع التعليل له لا بد أن يكون معلوما. فإن قال: أعني الحرمة المطلقة، منعنا هذا الحكم في الاصل، لان الحرمة هناك ثابتة إلى غاية وهي المساواة في القدر، وإن عنى الحرمة إلى غاية فقد تعذر إثبات هذه الحرمة بالتعليل في الفرع، لان إثبات الحرمة إلى غاية إنما يتحقق في مال تتصور فيه تلك الغاية، وما لا يدخل تحت المعيار لا يتصور فيه الغاية وهي المساواة في المعيار، فكيف يتحقق إثبات الحرمة فيه إلى غاية ؟ وعند هذا المنع يضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة كما أشرنا إليه. ومن ذلك تعليلهم في السلم في الحيوان أنه مال يثبت دينا في الذمة مهرا فيثبت دينا في الذمة سلما كالثياب. فإنا نقول: ما معنى قولكم يثبت دينا في الذمة ؟ أتريدون به معلوم الوصف أم معلوم المالية والقيمة ؟ فإن قال: أعني معلوم الوصف، منعنا ذلك في الاصل وهو المهر، فقد قامت الدلالة لنا على أنه لا يشترط فيما يثبت في الذمة مهرا أن يكون معلوم الوصف. فإن قال: نعني معلوم المالية والقيمة، منعنا ذلك في الفرع، فإن الحيوان بعد ذكر الاوصاف يتفاوت في المالية تفاوتا فاحشا. وإن قالوا: لا حاجة بنا إلى هذا التعيين، قلنا لا كذلك، فاعتبار أحد الدينين بالآخر لا يصح ما لم يثبت أنهما نظيران ولا طريق لثبوت ذلك إلا الايجاد في الطريق الذي يثبت به كل واحد من الدينين في الذمة، وعند ذلك يضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن إعلام المسلم فيه على وجه لا يبقى فيه تفاوت فاحش فيما هو المقصود، وهو المالية على وجه يلتحق بذوات الامثال في صفة المالية هل يكون شرطا لجواز عقد السلم أم لا ؟

[ 274 ]

ومن ذلك تعليلهم في اشتراط التقابض في المجلس في بيع الطعام بالطعام أن العقد جمع بدلين يجري فيهما ربا الفضل فيشترط التقابض كالاثمان، فإنا نقول: إيش المراد بقولكم فيشترط فيهما تقابض ؟ أهو التقابض لازالة صفة الدينية أو لاثبات زيادة معنى الصيانة، وأحدهما يخالف الآخر فلا بد من بيان هذا. فإن قالوا: لمعنى الصيانة، منعنا هذا الحكم في الاثمان، فاشتراط التقابض هناك عندنا لازالة صفة الدينية، فإن النقود لا تتعين في العقود ما لم تقبض، والدين بالدين حرام شرعا. وإن قالوا: لازالة صفة الدينية، لا يتمكنون من إثبات هذا الحكم في الفرع، فالطعام يتعين في العقد بالتعيين من غير قبض فلا يجدون بدا من الرجوع إلى حرف المسألة، وهو بيان أن اشتراط القبض في الصرف ليس لازالة صفة الدينية بل للصيانة عن معنى الربا، بمنزلة المساواة في القدر. ومن ذلك قولهم في من اشترى أباه ناويا عن كفارة يمينه إنه عتق الاب فلا تتأدى به الكفارة كما لو ورثه، لانا نقول: إن عنيتم أنه لا تتأدى الكفارة بالعتق فنحن نقول في الفرع لا تتأدى الكفارة بالعتق، بل الكفارة تتأدى بفعل منسوب إلى المكفر والعتق وصف في المحل ثابت شرعا، وإن عنيتم الاعتاق فهذا غير موجود في الاصل، لانه لا صنع للوارث في الارث حتى يصير به معتقا، وعند هذا لا بد من الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن شراء القريب هل هو إعتاق بطريق أنه متمم علة العتق ؟ أم ليس بإعتاق وإنما يحصل العتق به حكما للملك ؟ ومن ذلك قولهم في أن الكفارة لا تتأدى بطعام الاباحة إنه نوع تكفير يتأدى بالتمليك (فلا يتأدى بدون التمليك) كالكسوة، لانا نقول: لا تتأدى بدون التمليك مع امتثال الامر (أم بدون امتثال الامر. فإن قال: بي غنية عن بيان هذا، قلنا: لا كذلك، لان التكفير مأمور به شرعا فلا يتأدى

[ 275 ]

المأمور به إلا بما فيه امتثال الامر. فإن قال: مع امتثال الامر، منعنا هذا الحكم في الاصل وهو إعارة الثوب من المسكين. وإن قال: بدون امتثال الامر) قلنا: هذا مسلم، ولكنا نمنع انعدام امتثال الامر في الفرع، والمأمور به هو الاطعام، وحقيقته التمكين من الطعام، فيضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن حقيقة معنى الاطعام أهو التمكين بالتغدية والتعشية أم التمليك ؟ ومنه قولهم في القطع والضمان إنهما يجتمعان لانه أخذ مال الغير بغير إذن مالكه فيكون موجبا للضمان كالاخذ غصبا. فإنا نقول: ما معنى هذا الحكم ؟ أهو أن يكون موجبا للضمان مع وجود ما ينافيه، أم عند عدم ما ينافيه ؟ فإن قال: مع وجود ما ينافيه، منعنا ذلك في الاصل، فإن غصب الباغي مال العادل لا يكون موجبا للضمان، وإن كان آخذا بغير حق وبغير إذن المالك. وإن قال: عند عدم ما ينافيه، قلنا: بموجبه ولكن لا نسلم انعدام ما ينافي الضمان هنا، فإن قطع اليد بسبب السرقة مناف للضمان عندنا أو مسقط له كالابراء، فلا يجد بدا من الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن استيفاء القطع هل يكون منافيا للضمان أم لا ؟ وأما بيان إضافة الحكم إلى الوصف فهو على ما ذكرنا في القول بموجب العلة، فإن إضافة الحكم إلى العلل الطردية ليس بدليل موجب إضافة الحكم إلى ذلك الوصف، بل لكونه موجودا عند وجوده ومعدوما عند عدمه، وقد بينا أن العدم لا يصلح لاضافة الحكم إليه، وكذلك كل تعليل يكون بنفي وصف أو حكم، فإنا نمنع صلاحية ذلك الوصف لاضافة الحكم إليه، نحو تعليلهم في الاخ أنه لا يعتق على أخيه إذا ملكه لانه ليس بينهما بعضية كابن العم، فإنا نمنع في ابن العم أن يكون انتفاء العتق عند دخوله في ملكه لهذا الوصف، إذ العدم لا يجوز أن يكون موجبا شيئا. وكذلك قولهم في النكاح إنه لا يثبت بشهادة الرجال والنساء لانه ليس بمال كالحدود.

[ 276 ]

فإنا نمنع إضافة هذا الحكم في الحدود إلى هذا الوصف، لانه كون الحد ليس بمال لا يصلح علة لامتناع ثبوته بشهادة النساء مع الرجال. وتعليلهم في الاحصار بالمرض أنه لا يفارقه ما حل به بالاحلال، كالذي ضل الطريق الممانعة في الاصل على هذا الوجه. وتعليلهم في المبتوتة أنها لا تستوجب النفقة ولا يلحقها الطلاق لانها ليست بمنكوحة كالمطلقة قبل الدخول، فإنا نمنع إضافة هذا الحكم في الاصل إلى هذا الوصف، إذ العدم لا يصلح أن يكون موجبا شيئا. وعلى هذا فخرج ما شئت من المسائل. فصل: في بيان فساد الوضع قال رضي الله عنه: اعلم بأن فساد الوضع في العلل بمنزلة فساد الاداء في الشهادة وأنه مقدم على النقض، لان الاطراد إنما يطلب بعد صحة العلة، كما أن الشاهد إنما يشتغل بتعديله بعد صحة أداء الشهادة منه، فأما مع فساد في الاداء لا يصار إلى التعليل لكونه غير مفيد. ثم تأثير فساد الوضع أكثر من تأثير النقض، لان بعد ظهور فساد الوضع لا وجه سوى الانتقال إلى علة أخرى، فأما النقض فهو جحد مجلس يمكن الاحتراز عنه في مجلس آخر. وبيانه فيما قال الشافعي في إسلام أحد الزوجين إن الحادث بينهما اختلاف الدين، فالفرقة به لا تتوقف على قضاء القاضي كالفرقة بردة أحد الزوجين. لانا نقول: هذا الاختلاف إنما حصل بإسلام من أسلم منهما، فأما باعتبار بقاء من بقي على الكفر الحال حال الموافقة فقد كان بينهما الموافقة وهذا على دينه، فعرفنا أن الاختلاف الحادث بإسلام المسلم منهما هو سبب لعصمة الملك وزيادة معنى الصيانة فيه، فالتعليل به لاستحقاق الفرقة يكون فاسدا وضعا في الفرع وإن كان صحيحا في الاصل، من حيث إن الاختلاف هناك حادث بالردة وهي سبب لزوال الملك والعصمة. وكذلك قولهم في المسح بالرأس إنه ركن في الطهارة فيسن تثليثه كغسل الوجه فاسد وضعا، لانه يرد المسح المبني

[ 277 ]

على التخفيف إلى الغسل المبني على المبالغة ليثبت في المسح زيادة غلظ فوق ما في الغسل، فإن في الغسل الاكمال بالتثليث في محل الفرض خاصة، وبهذا التعليل يجعل التثليث في الممسوح مشروعا للاكمال في موضع الفرض وغير موضع الفرض، فإن الفرض يتأدى بالربع وهو يجعل التثليث مسنونا بالاستيعاب. ومن ذلك قولهم في الضرورة إذا حج بنية النفل يقع عن الفرض لان فرض هذه العبادة يتأدى بمطلق النية، فيتأدى بنية النفل أيضا كالزكاة، فإن التصدق بالنصاب على الفقير بمطلق النية لما كان يتأدى به الزكاة فنية النفل كان كذلك. ولكنا نقول: هذا فاسد وضعا، لانه بهذا الطريق يرد المفسر إلى المجمل، ويحمل المقيد على المطلق، وإنما المجمل يرد إلى المفسر ليصير به معلوم المراد، والمطلق يحمل على المقيد عنده في حادثتين أو في حكمين، وعندنا في حادثة واحدة في حكم واحد، حتى رددنا مطلق القراءة في صوم ثلاثة أيام في اليمين إلى المقيد بالتتابع في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه، وأحد لا يقول المقيد يحمل على المطلق، وهو نظير مطلق النقد ينصرف إلى نقد البلد المعروف لدلالة العرف، فأما المقيد بنقد آخر فإنه لا يحمل على المطلق لينصرف إلى نقد البلد. ومن ذلك قولهم في علة الربا إن صفة الطعم معنى يتعلق به البقاء، يعنون أن بقاء النفس يكون بالطعم فيكون ذلك علة موجبة لزيادة شرطين في العقد على المطعوم عند مقابلة الجنسية. ونحن نقول: هذا فاسد وضعا، لان البيع في الاصل ما شرع إلا للحاجة ولهذا اختص بالمال الذي بذله لحوائج الناس، وصفة الطعم تكون عبارة عن أعظم أسباب الحاجة إلى ذلك المال، لان ما يتعلق به البقاء يحتاج إليه كل واحد، وذلك إنما يصلح علة لصحة العقد وتوسعة الامر فيه لا للحرمة، لان تأثير الحاجة في

[ 278 ]

الاباحة بمنزلة إباحة الميتة عند الضرورة، ولهذا حل لكل واحد من الغانمين تناول مقدار الحاجة من الطعام والعلف الذي يكون في الغنيمة في دار الحرب قبل القسمة بخلاف سائر الاموال، فكانت العلة فاسدة وضعا مع أنه لا تأثير لها في إثبات المماثلة بين العوضين الذي هو شرط جواز العقد بالنص. ومن ذلك قولهم في طول الحرة إن الحر لا يجوز له أن يرق ماءه مع غنيته عنه، كما لو كان تحته حرة، فإن تأثير الحرية في أصل الشرع في استحقاق زيادة النعمة والكرامة وفي إثبات صفة الكمال في الملك، ولهذا حل للحر أربع نسوة بالنكاح ولم يحل للعبد إلا اثنتان، فالتعليل لاثبات الحجر عن العقد بصفة الحرية فيما لا يثبت الحجر عنه بسبب الرق يكون فاسدا في الوضع مخالفا لاصول الشرع. ومن ذلك قولهم فيمن جن في وقت صلاة كامل أو في يوم واحد في الصوم إنه لا يلزمه القضاء، لان الخطاب عنه ساقط أصلا ووجوب القضاء يبتنى على وجوب الاداء، بمنزلة ما لو جن أكثر من يوم وليلة في الصلاة، أو استوعب الجنون الشهر كله في الصوم. ونحن نقول: هذا فاسد وضعا، لان الحادث بالجنون عجز عن فهم الخطاب والائتمار بالامر ولا أثر للجنون في إخراجه من أن يكون أهلا للعبادة، لان ذلك يبتنى على كونه أهلا لثوابها، والاهلية لثواب العبادة بكونه مؤمنا والجنون لا يبطل إيمانه، ولهذا يرث المجنون قريبه المسلم، ولا يفرق بين المجنونة وزوجها المسلم. والدليل عليه أنه لا يبطل إحرامه بسبب الجنون، فدل أنه لا يبطل به إيمانه فكذلك لا يبطل صومه، حتى لو جن بعد الشروع في الصوم بقي صائما، ولا وجه لانكار هذا، فإن بعد صحة الشروع في الصوم لا يشترط قيام الاهلية للبقاء فيها سوى الكف عن اقتضاء الشهوات، والجنون لا ينفي تحقق هذا الفعل، وإذا بقي صائما حتى تأدى منه عرفنا أنه تأدى فرضا كما شرع

[ 279 ]

فيه، ولا يتحقق ذلك إلا مع تقرر سبب الوجوب في حقه. والدليل عليه بقاء حجة الاسلام فرضا له بعد الجنون، وبقاء ما أدى من الصلاة في حالة الافاقة فرضا في حقه، فبهذا التحقيق يتبين أن سبب الوجوب متحقق مع الجنون، والخطاب بالاداء ساقط عنه لعجزه عن فهم الخطاب، وذلك لا ينفي صحة الاداء فرضا، بمنزلة من لم يبلغه الخطاب، فإنه تتأدى منه العبادة بصفة الفرضية كمن أسلم في دار الحرب ولم تبلغه فرضية الخطاب لا يكون مخاطبا بها ومع ذلك إذا أداها كانت فرضا له. وكذلك النائم والمغمى عليه، فإن الخطاب بالاداء ساقط عنهما قبل الانتباه والافاقة ثم كان السبب متقررا في حقهما، فكان التعليل بسقوط فعل الاداء عنه لعجزه عن فهم الخطاب على نفي سبب الوجوب في حقه أصلا، فيكون فاسدا وضعا مخالفا للنص والاجماع، ولان الخطاب بالاداء يشترط لثبوت التمكن من الائتمار وذلك لا يكون بدون العقل والتمييز، فسقوطه لانعدام شرطه لا يجوز أن يكون دليلا على نفي تقرر السبب، وثبوت الوجوب الذي هو حكم السبب على وجه لا صنع للعبد فيه بل هو أمر شرعي يختص بمحل صالح له وهو الذمة، فإذا ثبت تقرر السبب ثبت صحة الاداء، ووجوب القضاء عند عدم الاداء بشرط أن لا يلحقه الحرج في القضاء، فإن الحرج عذر مسقط بالنص، قال تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وقال تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * فعند تطاول الجنون حقيقة أو حكما بتكرار الفوائت من الصلوات وباستيعاب الجنون الشهر كله أسقطنا القضاء لدفع الحرج وهو عذر مسقط. ومعنى الحرج فيه أنه تتضاعف عليه العبادة المشروعة في وقتها، ولا يشتبه معنى الحرج في الاداء عند تضاعف الواجب، ولهذا أسقطنا بعذر الحيض قضاء الصلوات لانها تبتلى بالحيض في كل شهر عادة، والصلاة يلزمها في اليوم والليلة خمس مرات، فلو أوجبنا القضاء تضاعف الواجب في زمان الطهر، ولا يسقط بالحيض قضاء الصوم، لان فرضية

[ 280 ]

الصوم في السنة في شهر واحد وأكثر الحيض في ذلك الشهر عشرة، فإيجاب قضاء عشرة أيام في أحد عشر شهرا لا يكون فيه كثير حرج، ولا يؤدي إلى تضاعف الواجب في وقته. وكذلك إذا لزمها صوم شهرين في كفارة القتل فأفطرت بعذر الحيض لم يلزمها الاستقبال، بخلاف ما إذا لزمها صوم عشرة أيام متتابعة بالنذر فأفطرت بعذر الحيض في خلالها يلزمها الاستقبال، لانها قلما تجد شهرين خاليين عن الحيض عادة، ففي التحرز عن الفطر بعذر الحيض في شهرين معنى الحرج ولا يتحقق ذلك في عشرة أيام، ولهذا أسقطنا قضاء العبادات عن الصبي بعد البلوغ، لان الصبي لا يكون إلا متطاولا عادة فيتحقق معنى الحرج في إيجاب القضاء. ولم يسقط القضاء عن النائم لانه لا يكون متطاولا عادة فلا يلحقه الحرج في إيجاب القضاء بعد الانتباه، وألحقنا الاغماء بالجنون في حكم الصلاة، لان ذلك يوجد عادة في مقدار ما يتكرر به الفائت من الصلاة، وألحقناه بالنوم في حكم الصوم لانه لا يتطاول عادة بقدر ما يثبت به حكم تطاول الجنون في حكم الصوم وهو أن يستوعب الشهر كله. ومن ذلك قولهم في النقود إنها تتعين في عقود المعاوضات لانها تتعين في التبرعات كالهبة والصدقة فتتعين في المعاوضات بمنزلة الحنطة وسائر السلع، لانا نقول: هذا التعليل فاسد وضعا، فإن التبرعات مشروعة في الاصل للايثار بالعين لا لايجاب شئ منها في الذمة، والمعاوضات لايجاب البدل بها في الذمة ابتداء، ألا ترى أن البيع في العرف الظاهر إنما يكون بثمن يجب في الذمة ابتداء، والنكاح يكون بصداق يجب في الذمة ابتداء، فكان اعتبار ما هو مشروع للالزام في الذمة ابتداء إنما هو مشروع لنقل الملك واليد في العين من شخص إلى شخص في حكم التعيين فاسدا وضعا، ألا ترى أن البيع لما كان لنقل الملك واليد في عين المعقود عليه لم يجز أن يكون موجبا المبيع في الذمة ابتداء لا رخصة بسبب الحاجة إليه في السلم، وذلك حكم ثابت بخلاف القياس،

[ 281 ]

ففيما يكون البيع موجبا له في الذمة ابتداء وهو الثمن لا يجوز أن يجعل موجبه نقل الملك واليد فيه من شخص إلى شخص بالتعيين، وقد عرفنا أنه لا يستحق النقد بالعقد الذي هو معاوضة إلا ثمنا، ومع التعيين لا يمكن إثبات موجبه، فظهر أن هذا التعيين لم يصادف محله وأنه بمنزلة هبة المال دينا في ذمته من إنسان فإنه لا يكون صحيحا، لان موجب الهبة نقل الملك واليد في العين، فلا يجوز أن يجعل موجبه الايجاب في الذمة ابتداء بالشك، وما كان تعيين النقد في عقد المعاوضة إلا نظير الايجاب في الذمة ابتداء بعقد الهبة، فكما أن ذلك ينافي صحة العقد لان موجبه نقل الملك في العين واليد، فبدون موجبه لا يكون صحيحا، فهنا لو تعين بطل العقد، لانه ينعدم ما هو موجب هذا العقد في الثمن وهو الالزام في الذمة ابتداء، وفي الحنطة كذلك، فإنه متى كان ثمنا كان واجبا في الذمة ابتداء، فأما بعد التعيين يصير مبيعا فيكون موجب العقد فيه تحويل ملك العين واليد من شخص إلى شخص، والسلع لا تكون إلا مبيعة، ولهذا لا يجوز ترك التعيين فيها في غير موضع الرخصة وهو السلم الذي هو ثابت بخلاف القياس، لانه لو صح ذلك كان ثابتا بالعقد في الذمة ابتداء وهو خلاف موجب العقد فيها. ومن ذلك قولهم في المشتري إذا أفلس في الثمن قبل النقد إنه يثبت للبائع حق نقض البيع واسترداد سلعته، لان الثمن أحد العوضين في البيع، فالعجز عن تسليمه بحكم العقد يثبت للمتملك حق فسخ العقد دفعا للضرر عن نفسه، كالعوض الآخر وهو المبيع إذا كان عينا فعجز البائع عن تسليمه بالاباق أو كان دينا كالسلم، فعجز البائع عن تسليمه بانقطاعه عن أيدي الناس. لانا نقول: هذا التعليل فاسد وضعا، فإن موجب البيع في المبيع استحقاق ملك العين واليد، ولهذا لا نجوز بيع العين قبل وجود الملك واليد للبائع في المبيع، لانه لا يتحقق منه اكتساب سبب استحقاق ذلك لغيره إذا لم يكن مستحقا له، وكذلك في المبيع الدين يشترط قدرته على التسليم باكتسابه حكما بكونه موجودا في العالم وباشتراط الاجل الذي هو مؤثر

[ 282 ]

في قدرته على التسليم باكتسابه في المدة أو إدراك غلاته، فإنه موجب بالعقد في الثمن التزامه في الذمة ابتداء، والشرط فيه ذمة صالحة للالتزام فيها، ولهذا لا يشترط قيام ملك المشتري في الثمن وقدرته على تسليمه عند العقد حقيقة وحكما. فتبين بهذا أن بسبب العجز عن تسليم المعقود عليه يتمكن خلل فيما هو موجب العقد فيه (وهو) مستحق به، وبسبب العجز عن تسليم الثمن لا يتمكن الخلل فيما هو موجب العقد فيه وهو التزام (الثمن) في الذمة، وأي فساد أبين من فساد قول من يقول إذا ثبت حق الفسخ عند تمكن الخلل في موجب العقد ينبغي أن يثبت حق الفسخ بدون تمكن الخلل في موجب العقد. والدليل على ما قلنا جواز إسقاط حق قبض الثمن بالابراء أصلا وعدم جواز ذلك في المبيع المعين قبل القبض، حتى إنه إذا وهبه من البائع وقبله كان فسخا للبيع بينهما. ولا يدخل على ما ذكرنا الكتابة، فإن عجز المكاتب عن أداء بدل الكتابة بعد محل الاجل تمكن المولى من الفسخ، والبدل هناك معقود به يثبت في الذمة ابتداء ولا يتمكن الخلل فيما هو موجب العقد فيه بسبب العجز عن تسليمه، لان موجب العقد لزوم بدل الكتابة على أن يصير ملكا للمولى بعد حل الاجل بالاداء، فإن المولى لا يستوجب على عبده دينا، ولهذا لا تجب الزكاة في بدل الكتابة ولا تصح الكفالة به. فعرفنا أن الملك هناك لا يسبق الاداء، فإذا عجز عن الاداء فقد تمكن الخلل في الملك الذي هو موجب العقد فيه، فأما هنا موجب العقد ملك الثمن دينا في الذمة ابتداء وذلك قد تم بنفس العقد، وبسبب الافلاس لا يتمكن الخلل فيما هو موجب العقد، ولهذا لو مات مفلسا لا يتمكن البائع من فسخ العقد أيضا، وإن لم تبق صلاحية المحل وهو الذمة بعد موته مفلسا، لان بنفس العقد قد تم موجب العقد فيه، فما كان فواته بعد ذلك إلا بمنزلة هلاك المبيع بعد القبض، وذلك لا يوجب انفساخ العقد ولا يثبت للمشتري به حق الفسخ فهذا مثله. وهذه المسائل فقههم فيها بطريق إحالة العلة أظهر وأنور للقلوب، وقد بينا فساد الوضع

[ 283 ]

في عللهم فيها ليتبين لك أن أكثر ما يعللون به في المسائل بهذا الطريق فاسد إذا تأملت فيه، وأن أعدل الطرق في تصحيح العلة ما كان عليه السلف من اعتبار التأثير. فصل: المناقضة قد بينا تفسير النقض وحده فيما مضى، وهذا الفصل لبيان الدفع بالمناقضة يلجئ أصحاب الطرد إلى الاحتجاج بالتأثير. وبيانه فيما علل به الشافعي رحمه الله في اشتراط النية في الوضوء أن التيمم والوضوء طهارتان كيف يفترقان، لان عند إطلاق إنكار التفرقة بينهما ينتقض بكل وجه يفترقان فيه من اشتراط أصل الفعل في التيمم دون الوضوء، ومن اشتراط الاعضاء الاربعة في الوضوء دون التيمم، ومن صفة كل واحد منهما، وغير ذلك مما يفترقان فيه. فإن قال: عنيت إثبات التسوية بينهما في اشتراط النية خاصة بهذا الوصف، قلنا: هو باطل بغسل النجاسة عن الثوب أو البدن فإنه طهارة ثم لا يشترط فيه النية، فيضطر عند ذلك إلى الرجوع إلى التأثير، وهو أن كل واحد منهما طهارة حكمية غير معقولة المعنى بل ثابتة شرعا بطريق التعبد، إذ ليس على الاعضاء شئ يزول بهذه الطهارة والعبادة لا تتأدى بدون النية، بخلاف غسل النجاسة فإنه معقول بما فيه من إزالة عين النجاسة عن الثوب أو البدن. ونحن نقول: الماء بطبعه مطهر كما أنه بطبعه مزيل فإنه خلق لذلك، قال الله تعالى: * (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) * والطهور الطاهر بنفسه المطهر لغيره يعمل في التطهير من غير النية، كالنار لما كانت محرقة بطبعها تعمل في الاحراق بغير النية، ثم الحدث لا يختص بالاعضاء بل يثبت حكمه في جميع البدن كالجنابة والحيض والنفاس، لانه لو اختص بموضع كان أولى المواضع به مخرج الحدث ولا يثبت لزوم التطهير في ذلك الموضع، فعرفنا أنه ثابت في جميع البدن إلا أن الشرع أقام غسل الاعضاء التي هي ظاهرة، وهي بمنزلة الامهات في تطهيرها بالماء، مقام جميع البدن تيسيرا على العباد، لان إقامة الغسل فيها تيسير على وجه

[ 284 ]

لا يتيسر في سائر أجزاء البدن، وسبب الحدث تعم به البلوى ويعتاد تكراره في كل وقت، وبقي حكم تطهير جميع البدن بالغسل في الجنابة والحيض والنفاس على أصل القياس، فظهر أن ما لا يعقل فيه المعنى بل هو ثابت شرعا إقامة المحال المخصوصة مقام جميع البدن لا فعل هو استعمال الماء في حصول الطهارة به، وكلامنا في اشتراط النية في الفعل الذي يحصل به الطهارة دون المحل، وفي هذه الطهارة من الحدث والجنابة بمنزلة غسل النجاسة. وكذلك المسح بالرأس فإنه قائم مقام فعل الغسل الذي هو تطهير في ذلك العضو بمعنى التيسير، بخلاف التيمم فإنه في الاصل تلويث وتغبير وهو ضد التطهير، ولهذا لا يرتفع به الحدث، فعرفنا أنه جعل طهارة لضرورة الحاجة إلى أداء الصلاة فإنما يكون طهارة بشرط إرادة الصلاة، وهذا الشرط لا يتحقق إلا بالنية، وما يقول إن في الوضوء والاغتسال معنى العبادة فشرط العبادة النية فهو مسلم عندنا، ومتى لم توجد النية لا يكون وضوءه عبادة، ولكن الطهارة التي هي شرط صحة أداء الصلاة ما يكون مزيلا للحدث لا ما يكون عبادة، واستعمال الماء في محل الطهارة بدون النية مزيل للحدث، فبهذا التقرير تبين أن الوضوء نوعان: نوع هو عبادة وهو لا يحصل بدون النية، ونوع هو مزيل للحدث وهو حاصل بغير النية بمنزلة الغسل الذي هو مزيل للنجاسة وهو مثبت شرط جواز الصلاة. ومن ذلك قولهم: الطلاق ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال كالحدود. فإن مطلق هذه العبارة تنتقض بالبكارة والرضاع فلا بد من الرجوع إلى التأثير وهو أن شهادة النساء مع الرجال ليس بحجة أصلية، ولكنها حجة ضرورة يجوز العمل بها شرعا فيما تكثر به البلوى والمعاملة فيه بين الناس في كل وقت، وذلك الاموال وما يتبع الاموال، ففيما لا يكثر فيه البلوى لا تجعل فيه شهادة النساء

[ 285 ]

حجة، والنكاح والطلاق والوكالة وما أشبه ذلك لا يوجد فيها من عموم البلوى مثل ما يكون في الاموال. ونحن نقول: إنها حجة أصلية بمنزلة شهادة الرجال، ولكن فيها ضرب شبهة باعتبار نقصان عقل النساء لتوهم الضلال والنسيان لكثرة غفلتهن، ولهذا ضمت إحدى المرأتين إلى الاخرى ليكونا كرجل واحد في الشهادة، فإنما لا يثبت بهذه الشهادة ما يندرئ بالشبهات كالحدود، فأما النكاح يثبت مع الشبهات، ألا ترى أنه أسرع ثبوتا من المال حتى يصح من الهازل والمكره والمخطئ عندنا، وكذلك الطلاق والوكالة فإنها تثبت مع الجهالة فتحتمل التعليق بالشرط، فكانت أقرب إلى الثبوت مع الشبهة من الاموال بخلاف الحدود. ومن ذلك قولهم: الغصب عدوان محض فلا يكون سببا للملك في العين كالقتل، لان هذا ينتقض باستيلاد الاب جارية ابنه واستيلاد أحد الشريكين الجارية المشتركة، فإنه عدوان من حيث إنه حرام ثم كان سببا للملك، فيضطر المعلل عند إيراد هذا النقض إلى الرجوع إلى التأثير، وهو أن الفعل إنما يتمخض عدوانا إذا خلا عن نوع شبهة، واستيلاد أحد الشريكين لم يخل عن ذلك، فإنه باعتبار جانب ملكه يتمكن شبهة في هذا الفعل، وكذلك ما للاب من الحق في مال ولده يمكن شبهة. فنقول عند ذلك: الغصب الذي هو عدوان محض لا يكون سببا لملك العين عندنا ولكن ثبوت الملك في بدل العين وهو حكم مشروع غير موصوف بأنه عدوان هو الذي ثبت به الملك في العين شرطا له على ما قررنا. ومن ذلك قوله في المنافع: إن المتلف مال فيكون مضمونا على المتلف ضمانا يستوفى كالعين، لان ظاهر هذا ينتقض بما إذا كان المتلف معسرا لا يجد شيئا. فإن قال هناك الضمان واجب عندي ولكن يتأخر الاستيفاء لعجز من عليه عن المثل الذي يؤدي به الضمان. قلنا: هكذا نقول في الفرع، فإن عندنا يتأخر استيفاء الضمان إلى الآخرة للعجز عن المثل الذي يوفي به هذا

[ 286 ]

الضمان، فإن ضمان العدوان يتقدر بالمثل بالنص وليس للمنفعة مثل في صفة المالية يمكن استيفاؤها في الدنيا، وعند ذلك يتبين فقه المسألة أن المانع من إلزام الضمان عندنا انعدام المماثلة لظهور التفاوت بين المنافع والاعيان في صفة المالية، وقد تقدم بيان ذلك، فيقرر بما ذكرنا أن الاعتماد على الاطراد من غير طلب التأثير ضعيف في باب الاحتجاج، وأنه بمنزلة الاحتجاج بلا دليل على ما أوضحنا فيه السبيل. فصل: في بيان الانتقال قال رضي الله عنه: الانتقال على أربعة أوجه: انتقال من علة إلى علة أخرى لاثبات الاولى بها، وانتقال من حكم إلى حكم لاثباته بالعلة الاولى، وانتقال من حكم إلى حكم (آخر) لاثباته بعلة أخرى. وهذه الاوجه الثلاثة مستقيمة على طريق النظر لا تعد من الانقطاع. أما الاول فلان المعلل إنما التزم إثبات الحكم بما ذكره من العلة ويمكنه من ذلك بإثبات العلة، فما دام سعيه فيما يرجع إلى إثبات تلك العلة يكون ذلك وفاء منه بما التزم لا أن يكون إعراضا عن ذلك واشتغالا بشئ آخر. وبيان هذا فيما إذا عللنا في نفي الضمان عن الصبي المستهلك للوديعة بأنه استهلاك عن تسليط صحيح ثم نشتغل بإثبات هذه العلة، فإنه يكون هذا انتقالا من علة إلى أخرى لاثبات العلة الاولى بها، ولا يشك أحد في أن ذلك مستقيم على طريق النظر، وعلى هذا إذا اشتغل بإثبات الاصل الذي يتفرع منه موضع الخلاف حتى يرتفع الخلاف بإثبات الاصل فإن ذلك حسن صحيح، نحو ما إذا وقع الاختلاف في الجهر بالتسمية، فإذا قال المعلل: هذا يبتنى على أصل وهو أن التسمية ليست بآية من الفاتحة ثم يشتغل بإثبات ذلك الاصل حتى يثبت الفرع بثبوت الاصل يكون مستقيما. وكذلك إذا علل بقياس فقال خصمه: القياس عندي ليس بحجة، فاشتغل بإثبات كونه حجة بقول صحابي، فيقول خصمه: قول الواحد

[ 287 ]

من الصحابة عندي ليس بحجة، فاشتغل بإثبات كونه حجة بخبر الواحد، فيقول خصمه: خبر الواحد عندي ليس بحجة، فيحتج بكتاب على أن خبر الواحد حجة، فإنه يكون طريقا مستقيما، ويكون هذا كله سعيا في إثبات ما رام إثباته في الابتداء. وأما الثاني فلان الانتقال من حكم إلى حكم إنما يكون عند موافقة الخصم في الحكم الاول، وما كان مقصود المعلل إلا طلب الموافقة في ذلك الحكم، فإذا وافقه خصمه فيه فقد تم مقصوده، ثم الانتقال بعده إلى حكم آخر ليثبته بالعلة الاولى يدل على قوة تلك العلة في إجرائها في المعلولات وعلى حذاقة المعلل في إثبات الحكم بالعلة، وذلك نحو ما إذا عللنا في تحرير المكاتب عن كفارة اليمين، لان الكتابة عقد معاوضة يحتمل الفسخ فلا تخرج الرقبة من أن تكون محلا للصرف إلى الكفارة كالبيع، فإذا قال الخصم: عندي عقد الكتابة لا يخرج الرقبة من الصلاحية لذلك، ولكن نقصان الرق هو الذي يخرج الرقبة من ذلك فنقول: بهذه العلة يجب أن لا يتمكن نقصان في الرق لان ما يمكن نقصانا في الرق لا يكون فيه احتمال الفسخ، فهذا إثبات الحكم الثاني بالعلة الاولى أيضا وهو نهاية في الحذاقة. وكذلك إن تعذر إثبات الحكم الثاني بالعلة الاولى فأراد إثباته بالعلة بعلة أخرى، لانه ما ضمن بتعليله إثبات جميع الاحكام بالعلة الاولى وإنما ضمن إثبات الحكم الذي زعم أن خصمه ينازعه فيه، فإذا أظهر الخصم الموافقة فيه واحتاج إلى إثبات حكم آخر يكون له أن يثبت ذلك بعلة أخرى ولا يكون هذا انقطاعا منه. فأما الوجه الرابع وهو الانتقال من علة إلى علة أخرى لاثبات الحكم الاول، فمن أهل النظر من صحح ذلك أيضا ولم يجعله انقطاعا، استدلالا بقصة الخليل عليه السلام حين حاج اللعين بقوله تعالى: * (ربي الذي يحيي ويميت) * فلما قال اللعين: * (أنا أحيي وأميت) * حاجه بقوله تعالى: * (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) * وكان ذلك (منه)

[ 288 ]

انتقالا من حجة إلى حجة لاثبات شئ واحد، وقد ذكر الله تعالى ذلك عنه على وجه المدح له به، فعرفنا أنه مستقيم. وكذلك المدعي إذا أقام شاهدين فعورض بجرح فيهما كان له أن يقيم شاهدين آخرين لاثبات حقه. والمذهب الصحيح عند عامة الفقهاء أن هذا النوع من الانقطاع، لانه رام إثبات الحكم بالعلة الاولى، فانتقاله عنها إلى علة أخرى قبل أن يثبت الحكم بالعلة الاولى لا يكون إلا لعجز عن إثباته بالعلة الاولى، وهذا انقطاع على ما نبينه في فصله. ثم مجالس النظر للابانة، فلو جوزنا الانتقال فيها من علة إلى علة أدى ذلك إلى أن يتطاول المجلس ولا يحصل ما هو المقصود وهو الابانة، وكان هذا نظير نقض يتوجه على العلة، فإنه لا يشتغل بالاحتراز عنه، ولكن إذا تعذر دفعه بما ذكره المعلل في الابتداء يظهر به انقطاعه في ذلك المجلس فهذا مثله. فأما قصة الخليل عليه الصلاة والسلام فهو ما انتقل قبل ظهور الحجة الاولى له، ولكن الاولى كانت حجة ظاهرة لم يطعن خصمه فيها إنما ادعى دعوى مبتدأة بقوله: * (أنا أحيي وأميت) * وكل ما صنعه معلوم الفساد عند المتأملين إلا أنه كان في القوم من يتبع الظاهر ولا يتأمل في حقيقة المعنى فخاف الخليل عليه الصلاة والسلام الاشتباه على أمثالهم فضم إلى الحجة الاولى حجة ظاهرة لا يكاد يقع فيها الاشتباه فبهت الذي كفر. وهذا مستحسن في طريق النظر لا يشك فيه، فإن المعلل إذا أثبت علته يقول: والذي يوضح ما ذكرت. فيأتي بكلام آخر هو أوضح من الاول في إثبات ما رام إثباته، وهذا لان حجج الشرع أنوار فضم حجة إلى حجة كضم سراج إلى سراج، وذلك لا يكون دليلا على ضعف أحدهما أو بطلان أثره فكذلك ضم حجة إلى حجة، وإنما جعلنا هذا انقطاعا في موضع يكون الانتقال للعجز عن إثبات الحكم بالعلة الاولى. ثم كل هذه التصرفات للمجيب لا للسائل، فإن المجيب بان والسائل هادم مانع، والحاجة إلى هذه الانتقالات للباني المثبت لا للمانع الدافع.

[ 289 ]

فصل: بيان الانقطاع ووجوه الانقطاع أربعة: أحدها - وهو أظهرها - السكوت على ما أخبر الله به عن اللعين عند إظهار الخليل (ص) حجته بقوله: * (فبهت الذي كفر) *. والثاني: جحد ما يعلم ضرورة بطريق المشاهدة، لان سعي المعلل ليجعل الغائب كالشاهد، والعلم بالمشاهدات يثبت ضرورة، فإذا اشتغل الخصم بجحد مثله علم أنه ما حمله على ذلك إلا عجزه عن دفع علة المعلل، فكان انقطاعا. والثالث: المنع بعد التسليم، فإنه يعلم أنه لا شئ يحمله على المنع بعد التسليم إلا عجزه عن الدفع لما استدل به خصمه. ولا يقال يحتمل أن يكون تسليمه عن سهو أو غفلة، لان عند ذلك يبين وجه الدفع بطريق التسليم ثم يبنى عليه استدراك ما سها فيه، فأما أن يرجع عن التسليم إلى المنع من غير بيان الدفع بطريق التسليم فذلك لا يكون إلا للعجز. والرابع: عجز المعلل عن تصحيح العلة التي قصد إثبات الحكم بها حتى انتقل منها إلى علة أخرى لاثبات الحكم، فإن ذلك انقطاع، لان حكم الانقطاع مقتضب من لفظه، وهو قصور المرء عن بلوغ مغزاه، وعجزه عن إظهار مراده ومبتغاه. وهذا العجز نظير العجز ابتداء عن إقامة الحجة على الحكم الذي ادعاه، والله أعلم. باب: أقسام الاحكام وأسبابها وعللها وشروطها وعلاماتها اعلم أن جملة ما ثبت بالحجج الشرعية الموجبة للعلم بما تقدم ذكرها قسمان: الاحكام المشروعة وما يتعلق بها المشروعات. فنبدأ ببيان قسم الاحكام فنقول: هذه الاحكام أربعة: حقوق الله خالصا، وحقوق العباد خالصا أيضا، وما يشتمل على الحقين وحق الله فيه أغلب، وما يشتمل عليهما وحق العباد فيه أغلب.

[ 290 ]

فأما حقوق الله خالصة فهي أنواع ثمانية: عبادات محضة، وعقوبات محضة، وعقوبة قاصرة، ودائرة بين العبادة والعقوبة، وعبادة فيها معنى المئونة، ومئونة فيها معنى العبادة، ومئونة فيها معنى العقوبة، وما يكون قائما بنفسه وهي على ثلاثة أوجه: ما يكون منه أصلا، وما يكون زائدا على الاصل، وما يكون ملحقا به. فأما العبادات المحضة فرأسها الايمان بالله تعالى، والاصل فيه التصديق بالقلب، فإنه لا يسقط بعذر ما من إكراه أو غيره، وتبديله بغيره يوجب الكفر على كل حال، والاقرار باللسان ركن فيه مع التصديق بالقلب في أحكام الدنيا والآخرة جميعا، وقد يصير الاقرار أصلا في أحكام الدنيا بمنزلة التصديق، حتى إذا أكره على الاسلام فأسلم باللسان فهو مسلم في أحكام الدنيا لوجود ركن الاقرار، وقيام السيف على رأسه دليل على أنه غير مصدق بالقلب، ولهذا لا يحكم بالردة إذا أكره المرء عليها، لان التكلم باللسان هناك دليل محض على ما في الضمير من غير أن يجعل أصلا بنفسه، والاقرار باللسان وإن كان دليلا على التصديق فعند الاكراه يجعل أصلا بنفسه يثبت به الايمان في أحكام الدنيا بمنزلة التصديق، ويستوي إن أكره الحربي على ذلك أو الذمي عندنا لهذا المعنى. وعند الشافعي متى كان الاكراه بحق بأن كان المكره حربيا لا أمان له كذلك الجواب، ومتى كان بغير حق بأن أكره الذمي عليه فإنه لا يصير مسلما به. ثم الصلاة بعد الايمان من أقوى الاركان، فإنها عماد الدين ما خلت عنها شريعة المرسلين. وهي تشمل الخدمة بظاهر البدن وباطنه، ولكنها صارت قربة بواسطة البيت الذي عظمه الله وأمرنا بتعظيمه لاضافته إلى نفسه فقال: * (أن طهرا بيتي للطائفين) * الآية، حتى لا تتأدى هذه القربة إلا باستقبال القبلة في حالة الامكان، وفي ذلك من معنى التعظيم ما أشار الله تعالى إليه في قوله: * (فأينما تولوا فثم وجه الله) * ليعلم به أن المطلوب

[ 291 ]

وجه الله، ووجه الله لا جهة له، فجعل الشرع استقبال جهة الكعبة قائما مقام ما هو المطلوب لاداء هذه القربة. وأصل الايمان فيه تقرب إلى الله تعالى بلا واسطة، وفي الصلاة تقرب بواسطة البيت فكانت من شرائع الايمان لا من نفس الايمان. ثم الزكاة التي تؤدي بأحد نوعي النعمة وهو المال، فالنعم الدنيوية نعمتان: نعمة البدن، ونعمة المال، والعبادات مشروعة لاظهار شكر النعمة بها في الدنيا ونيل الثواب في الآخرة، فكما أن شكر نعمة البدن بعبادة تؤدي بجميع البدن وهي الصلاة، فشكر نعمة المال بعبادة مؤداة بجنس تلك النعمة، وإنما صار الاداء قربة بواسطة المصروف إليه وهو المحتاج، على معنى أن المؤدي يجعل ذلك المال خالصا لله تعالى في ضمن صرفه إلى المحتاج ليكون كفاية له من الله تعالى، لهذا كان دون الصلاة بدرجة، فإنها قربة بواسطة البيت الذي ليس من أهل الاستحقاق بذاته، وهذا قربة بواسطة الفقير الذي هو من أهل أن يكون مستحقا بنفسه لحاجته. ثم الصوم الذي هو من جنس المشروع شكرا لنعمة البدن، ولكنه دون الصلاة من حيث إنه لا يشتمل على أعمال متفرقة على أعضاء البدن، بل يتأدى بركن واحد وهو الكف عن اقتضاء الشهوتين: شهوة البطن وشهوة الفرج، فإنما صارت قربة بواسطة النفس المحتاجة إلى نيل اللذات والشهوات، فهي أمارة بالسوء كما وصفها الله تعالى به، ففي قهرها بالكف عن اقتضاء شهواتها لابتغاء مرضاة الله تعالى معنى القربة، وبالتأمل في هذه الوسيلة يتبين أنه دون ما سبق. ثم الحج الذي هو زيارة البيت المعظم، وعبادة بطريق الهجرة يشتمل على أركان تختص بأوقات وأمكنة، وفيها معنى القربة باعتبار معنى التعظيم لتلك الاوقات والامكنة. فأما العمرة فإنها سنة قوية باعتبار أن أركانها من جنس أركان الحج، وما بينا من الوسيلة لا يوجب عددا من القربة ولهذا لا تتكرر فرضية

[ 292 ]

الحج في العمر، فعرفنا أن العمرة زيارة، وهي سنة قوية فعلها رسول الله عليه السلام وأمر بها. والجهاد قربة باعتبار إعلاء كلمة الله وإعزاز الدين، ولما فيه من توهين المشركين ودفع شرهم عن المسلمين، ولهذا سماه رسول الله عليه السلام سنام الدين. وكان أصله فرضا لان إعزاز الدين فرض ولكنه فرض كفاية، لان المقصود وهو كسر شوكة المشركين ودفع شرهم وفتنتهم يحصل ببعض المسلمين فإذا قام به البعض سقط عن الباقين. والاعتكاف قربة زائدة لما فيها من تعظيم المكان المعظم بالمقام فيه وهو المسجد، ولما في شرطها من منع النفس عن اقتضاء الشهوات، يعني الصوم. والمقصود بها تكثير الصلاة إما حقيقة أو حكما بانتظار الصلاة في مكانها على صفة الاستعداد لها بالطهارة. وأما صدقة الفطر فهي عبادة فيها معنى المئونة، ولهذا لا تتأدى بدون نية العبادة بحال، ولا تجب إلا على المالك لما يؤدي به حقيقة بمنزلة الزكاة، ولكن لا يشترط لوجوبها صفة كمال الملك والولاية حتى تجب على الصبي في ماله بخلاف الزكاة، وتجب على الغير بسبب الغير، فعرفنا أن فيها معنى المئونة كالنفقة. وأما العشر فهو مئونة فيه معنى العبادة. والخراج مئونة فيه معنى العقوبة من حيث إن وجوب كل واحد منهما باعتبار حفظ الاراضي وإنزالها، إلا أن في الخراج معنى الذل على ما أشار إليه رسول الله (ص) حين رأى آلة الزراعة في دار قوم فقال: ما دخل هذا في دار قوم إلا ذلوا وكأن ذلك لما في الاشتغال بالزراعة من الاعراض عن الجهاد، وإنما يلتزم الخراج من يشتغل بعمل الزراعة، ولهذا لا يبتدأ المسلم بالخراج في أرضه ويبقى عليه الخراج بعد إسلامه، لانه يتردد بين المئونة والعقوبة فلا يمكن إيجابه على المسلم ابتداء لمعنى المئونة لمعارضة معنى العقوبة إياه، ولا يمكن إسقاطه

[ 293 ]

بعد الوجوب إذا أسلم باعتبار معنى العقوبة لمعارضة معنى المئونة إياه. وأما العشر ففيه معنى العبادة على معنى أنه مصروف إلى الفقير كالزكاة، وقد بينا أن بواسطة هذا المصروف يثبت فيه معنى القربة وإن كان وجوبه باعتبار مئونة الارض، ولهذا يجب في الاراضي النامية من غير اشتراط المالك لها نحو الاراضي الموقوفة وأرض المكاتب، ولهذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه: إذا تحولت الارض العشرية إلى ملك الذمي تصير خراجية، لان فيها معنى العبادة والكافر ليس من أهل العبادة أصلا، وكل واحد منهما واجب بطريق المئونة فعند تعذر أحدهما يتعين الآخر، والخراج يبقى وظيفة الارض بعد انتقال الملك فيها إلى المسلم، لان المسلم من أهل أن توجب عليه المئونة التي فيها معنى العقوبة، فإنه بعد الاسلام أهل لالزام العقوبة عند تقرر سببها منه، والكافر ليس بأهل العبادة أصلا، فالاهلية للعبادة تبتنى على الاهلية لثوابها. وقال أبو يوسف رحمه الله: يتضاعف العشر على الكافر اعتبارا بالصدقات المضاعفة في حق بني تغلب. وأبى هذا أبو حنيفة رحمه الله، لان التضعيف حكم ثابت بخلاف القياس بإجماع الصحابة في قوم بأعيانهم، وغيرهم من الكفار ليسوا بمنزلتهم، فأولئك لا تؤخذ منهم الجزية، وغيرهم من الكفار تؤخذ منهم الجزية. ومحمد رحمه الله يقول: تبقى عشرية كما كانت، لان البقاء باعتبار معنى المئونة كالخراج في حق المسلم. ثم عنه روايتان في مصرف هذا العشر: في إحداهما يصرف إلى المقاتلة كالخراج لاعتبار معنى المئونة الخالصة (وفي الاخرى تكون مصروفة إلى الفقراء والمساكين، لانها لما بقيت باعتبار معنى المئونة تبقى) على ما كانت مصروفة إلى من كانت مصروفة إليه قبل هذا كالخراج في حق المسلم. وأما الحق القائم بنفسه فنحو خمس الغنائم والمعادن والركاز، فإنه لا يكون واجبا ابتداء على أحد، ولكن باعتبار الاصل الغنيمة كلها لله تعالى، كما قال تعالى: * (قل الانفال لله) * وهذا لانها أصيبت لاعلاء كلمة الله تعالى، إلا أن الله تعالى جعل أربعة أخماسها للغانمين على سبيل المنة عليهم، فبقي الخمس له كما

[ 294 ]

كان في الاصل مصروفا إلى من أمر بالصرف إليه. وكذلك خمس المعادن فإن الموجود ما كان لاحد فيه حق، فجعل الشرع أربعة أخماسه للواجد وبقي الخمس لله مصروفا إلى من أمر بالصرف إليه، ولهذا جاز وضع خمس الغنيمة فيمن هو من جملة الغانمين عند حاجتهم، وفي آبائهم وأولادهم، وجاز وضع خمس المعدن في الواجد عند الحاجة، فعرفنا أنه ليس بواجب عليه بل هو حق الله تعالى قائم كما كان، ولهذا جاز صرفه إلى بني هاشم، لان باعتبار هذا المعنى لا يتمكن فيه معنى الاوساخ بخلاف الصدقات، وأمر الله بصرف البعض منه إلى ذوي القربى، وكان ذلك عندنا باعتبار النصرة المخصوصة التي تحققت منهم بالانضمام إلى رسول الله (ص) في حال ما هجره الناس، ودخول الشعب معه لمؤانسته والقيام بنصرته، فإن ذلك كان فعلا من جنس القربة، فيجوز أن يتعلق به استحقاق ما هو صلة ومنة من الله تعالى كاستحقاق أربعة الاخماس، فأما القرابة خلقة لا تستحق بذاتها مال الله تعالى، ثم صيانة قرابة رسول الله (ص) عن استحقاق عوض مالي بمقابلتها أولى من إثبات الاستحقاق بسبب القرابة. ولا يجوز جعل القرابة قرينة للنصرة أو النصرة قرينة للقرابة، لما بينا أن الترجيح إنما يكون بما لا يصلح علة بانفرادها للاستحقاق دون ما يصلح لذلك. وعلى هذا الاصل استحقاق المصاب من الغنيمة وتمامه يكون بالاحراز بالدار بعد الاخذ. والمسائل على هذا الاصل يكثر تعدادها إذا تأملت، وذلك معلوم فيما أملينا من فروع الفقه. فأما العقوبات المحضة فهي الحدود التي شرعت زواجر عن ارتكاب أسبابها المحظورة حقا لله تعالى خالصا، نحو حد الزنا والسرقة وشرب الخمر. أما العقوبة القاصرة فنحو حرمان الميراث بسبب مباشرة القتل المحظور، فإنها عقوبة ولكنها قاصرة حتى تثبت في حق الخاطئ والنائم إذا انقلب

[ 295 ]

على مورثه، ولا تثبت في حق الصبي والمجنون عندنا أصلا، لانها عقوبة والاهلية للعقوبة لا تسبق الخطاب، بخلاف الخاطئ إذا كان بالغا عاقلا، فالبالغ العاقل مخاطب ولكنه بسبب الخطأ يعذر مع نوع تقصير منه في التحرز، والصبي لا يوصف بالتقصير الكامل والناقص فلا يثبت في حقه ما يكون عقوبة قاصرة كانت أو كاملة، ولهذا لا تثبت في حق القائد والسائق والشاهد إذا رجع عن شهادته، وحافر البئر وواضع الحجر، لانه جزاء على مباشرة القتل المحظور، والموجود من هؤلاء تسبب لا مباشرة. وعند الشافعي هذا ضمان يتعلق بهذا الفعل بمنزلة الدية، فيثبت في حق المسبب والمباشر جميعا وفي حق الصبي والبالغ، وهذا غلط بين، لان الضمان ما يجب جبرانا لحق المتلف عليه ويسقط باعتبار رضاه أو عفو من يقوم مقامه، وحرمان الميراث ليس من ذلك في شئ. فأما الدائر بين العبادة والعقوبة كالكفارات، لانها ما وجبت إلا جزاء على أسباب توجد من العباد، فسميت كفارة باعتبار أنها ستارة للذنب، فمن هذا الوجه عقوبة فإن العقوبة هي التي تجب جزاء على ارتكاب المحظور الذي يستحق المأثم به، وهي عبادة من حيث إنها تجب بطريق الفتوى ويؤمر من عليه بالاداء بنفسه من غير أن تقام عليه كرها، والشرع ما فوض إقامة شئ من العقوبات إلى المرء على نفسه، وتتأدى بما هو محض العبادة. فعرفنا أنها دائرة بين العبادة والعقوبة، وأن سببها دائر بين الحظر والاباحة كاليمين المعقودة على أمر في المستقبل والقتل بصفة الخطأ، ولهذا لم نجعل الغموس والعمد المحض سببا لوجوب الكفارة. وعند الشافعي رحمه الله هذه الكفارات وجوبها بطريق الضمان، وقد بينا أن هذا غلط، ووجوب الضمان في الاصل بطريق الجبران وذلك لا يتحقق فيما يخلص لله تعالى، لان الله تعالى يتعالى عن أن يلحقه خسران حتى تتحقق الحاجة إلى الجبران، وكان معنى العبادة في هذه الكفارات مرجحا على معنى العقوبة كما أشرنا إليه، وتكفير الاثم به باعتبار أنه طاعة وحسن في نفسه، قال تعالى: * (إن الحسنات

[ 296 ]

يذهبن السيئات) * ولهذا أوجبنا الكفارة على المخطئ والمكره والبار في اليمين والحنث جميعا بأن حلف لا يكلم هذا الكافر فيسلم ثم يكلمه، ولهذا لم نوجب شيئا من هذه الكفارات على الكافر. فأما كفارة الفطر في رمضان فمعنى العقوبة فيها مرجح على معنى العبادة حتى إن وجوبها يستدعي جناية متكاملة، عرفنا ذلك بخبر الاعرابي حيث قال هلكت وأهلكت. وقال عليه السلام: من أفطر في رمضان متعمدا فعليه ما على المظاهر فاتفق العلماء على أنه يسقط بعذر الخطأ والاشتباه، فلما ظهر رجحان معنى العقوبة فيها من هذا الوجه جعلنا وجوبها بطريق العقوبة، فقلنا إنها تندرئ بالشبهات حتى لا تجب على من أفطر بعد ما أبصر هلال رمضان وحده للشبهة الثابتة بظاهر قوله عليه السلام: صومكم يوم تصومون أو بصورة قضاء القاضي يكون (اليوم) من شعبان، ولم يوجب على المفطر في يوم إذا اعترض مرض أو حيض في ذلك اليوم لتمكن الشبهة، ولم يوجب على من أفطر وهو مسافر وإن كان الاداء مستحقا عليه في ذلك الوقت بعينه بكونه مقيما في أول النهار، ولم يوجب على من نوى قبل انتصاف النهار ثم أفطر للشبهة الثابتة بظاهر قوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل وقلنا بالتداخل في الكفارات والاكتفاء بكفارة واحدة إذا أفطر في أيام من رمضان، لان التداخل من باب الاسقاط بطريق الشبهة، وأثبتنا معنى العبادة في الاستيفاء لانها سميت كفارة، فإنه يجوز أن يكون الوجوب بطريق العقوبة، والاستيفاء بطريق الطهرة كالحدود بعد التوبة، ولا يجوز أن يكون الوجوب بطريق العبادة والاستيفاء بطريق العقوبة بحال. وما يجتمع فيه الحقان وحق الله فيه أغلب فنحو حد القذف عندنا. فأما حد قطاع الطريق فهو خالص لله تعالى بمنزلة العقوبات المحضة، ولهذا لا نوجب على المستأمن إذا ارتكب سيئة في دارنا بمنزلة حد الزنا والسرقة بخلاف حد القذف.

[ 297 ]

وأما ما يجتمع فيه الحقان وحق العباد أغلب فنحو القصاص، فإن فيها حق الله تعالى، ولهذا يسقط بالشبهات، وهي جزاء الفعل في الاصل، وأجزية الافعال تجب لحق الله تعالى، ولكن لما كان وجوبها بطريق المماثلة عرفنا أن معنى حق العبد راجح فيها، وأن وجوبها للجيران بحسب الامكان كما وقعت الاشارة إليه في قوله تعالى: * (ولكم في القصاص حياة) * ولهذا جرى فيه الارث والعفو والاعتياض بطريق الصلح بالمال كما في حقوق العباد. وأما ما يكون محض حق العباد فهو أكثر من أن يحصى نحو ضمان الدية وبدل المتلف والمغصوب وما أشبه ذلك. وهذه الحقوق كلها تشتمل على أصل وخلف. فالاصل فيما ثبت به الايمان التصديق والاقرار، ثم قد يكون الاقرار مستندا في حق المكره على أنه قائم مقام التصديق، ثم التصديق والاقرار من الابوين يثبت الايمان في حق الولد الصغير على أنه خلف عن التصديق والاقرار في حقه، ثم تبعية الدار في حق الذي سبى صغيرا وأخرج إلى دار الاسلام وحده حلف عن تبعية الابوين في ثبوت حكم الايمان له، ثم تبعية السابي إذا قسم أو بيع من مسلم في دار الحرب خلف عن تبعية الدار في ثبوت حكم الايمان له حتى إذا مات يصلى عليه. وكذلك في شرائط الصلاة، فإن من شرائطها الطهارة، والاصل فيه الوضوء أو الاغتسال، ثم التيمم يكون خلفا عن الاصل في حصول الطهارة التي هي شرط الصلاة به كما قال تعالى: * (ولكن يريد ليطهركم) * وهو خلف مطلق في قول علمائنا رحمهم الله. وعند الشافعي رحمه الله هو خلف ضروري، ولهذا لم يعتبر التيمم قبل دخول الوقت في حق أداء الفريضة، ولم يجوز أداء الفريضتين بتيمم واحد لانه خلف ضروري فيشترط فيه تحقق الضرورة بالحاجة إلى إسقاط الفرض عن ذمته، وباعتبار كل فريضة تتجدد ضرورة أخرى، ولم يجوز التيمم للمريض الذي لا يخاف الهلاك على نفسه لان تحقق الضرورة عند خوف الهلاك على نفسه، وجوز التحري في إناءين أحدهما طاهر

[ 298 ]

والآخر نجس لان الضرورة لا تتحقق مع وجود الماء الطاهر عنده ومع رجاء الوصول إليه بالتحري فلا تكون فرضية التيمم وشرط طلب الماء لان الضرورة قبل الطلب لا تتحقق. وعندنا هو بدل مطلق في حال العجز عن الاصل فثبت الحكم به على الوجه الذي يثبت بالاصل ما بقي عجزه. ثم على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما التراب خلف عن الماء. وعند محمد رحمه الله التيمم خلف عن الوضوء. وتظهر المسألة في المتيمم: عند محمد لا يؤم المتوضئين لان التيمم خلف فكان المتيمم صاحب الخلف، وليس لصاحب الاصل القوي أن يبني صلاته على صلاة صاحب الخلف، كما لا يبني المصلي بركوع وسجود صلاته على صلاة المومي. وعندهما التراب كان خلفا عن الماء في حصول الطهارة به ثم بعد حصول الطهارة كان شرط الصلاة موجودا في حق كل واحد منهما بكماله بمنزلة الماسح يؤم الغاسلين لهذا المعنى، وقد يكون التيمم خلفا ضرورة في حال وجود الماء وهو أن يخاف فوات صلاة الجنازة أن لو اشتغل بالوضوء أو يخاف فوات صلاة العيد أن لو اشتغل بالوضوء. ثم الخلافة هنا عند محمد بين التيمم والوضوء بطريق الضرورة حتى لو صلى عليها بالتيمم ثم جئ بجنازة أخرى يلزمه تيمم آخر وإن لم يجد بين الجنازتين من الوقت ما يمكنه أن يتوضأ فيه. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله التراب خلف عن الماء فيجوز له أن يصلي على الجنائز ما لم يدرك من الوقت مقدار ما يمكنه أن يتوضأ فيه على وجه لا تفوته الصلاة على جنازة. وهذا الذي بينا يتأتى في كل حق مما سبق ذكره إلا أن ببيان ذلك يطول الكتاب، والحاجة إلى معرفة الاصل هنا وهو أن الخلف يجب بما به يجب الاصل، وشرط كونه خلفا أن ينعقد السبب موجبا للاصل بمصادفته محله، ثم بالعجز عنه يتحول الحكم إلى الخلف، وإذا لم ينعقد السبب موجبا للاصل باعتبار أنه لم يصادف محله لا يكون موجبا للخلف حتى إن الخارج من البدن إذا لم يكن موجبا للوضوء كالدمع والبزاق والعرق لا يكون موجبا للتيمم، والطلاق قبل الدخول لما لم يكن موجبا لما هو الاصل وهو الاعتداد بالاقراء لا يكون موجبا لما هو خلف عنه وهو الاعتداد بالاشهر، واليمين الصادقة لما لم تكن موجبة للتكفير بالمال لا تكون موجبة لما هو

[ 299 ]

خلف عنه وهو التكفير بالصوم، واليمين الغموس عندنا لما لم تنعقد موجبة للاصل وهو البر باعتبار أنها أضيفت إلى محل ليس فيه تصور البر لا تنعقد موجبة لما هو خلف عنه وهو الكفارة، واليمين على مس السماء ونحوه لما انعقدت موجبة للبر لمصادفتها محلها كانت موجبة لما هو خلف عن البر وهو الكفارة، وقد تقدم بيان هذا فيمن أسلم في آخر الوقت بعدما بقي منه مقدار ما لا يمكنه أن يصلي فيه، فإن الجزء الآخر من الوقت لما صلح أن يكون موجبا لاداء الصلاة صلح موجبا لما هو خلف عنه وهو القضاء. وعلى هذا الاصل قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا جاء المشهود بقتله حيا أو رجع الشهود والولي جميعا بعد استيفاء القصاص فاختار ولي القتيل تضمين الشهود فإنهم يرجعون على الولي بما يضمنون، لان السبب وهو الضمان الذي لزمهم بطريق العدوان موجب للملك في المضمون، والمضمون وهو الدم مما يحتمل أن يكون مملوكا في الجملة، ألا ترى أن نفس من عليه القصاص في حكم القصاص كالمملوك لمن له القصاص، فإذا انعقد السبب موجبا للاصل لمصادفة محله ينعقد موجبا للخلف وهو الدية عند العجز عن إثبات ما هو الاصل وهو القصاص، بمنزلة من غصب مدبرا فغصبه منه آخر وأبق من يده، ثم ضمن المولى الغاصب الاول فإنه يرجع على الغاصب الثاني بالضمان وإن لم يملك المدبر، ولكن لما انعقد السبب موجبا للاصل بمصادفته محله يثبت الخلف قائما مقامه. وكذلك شهود الكتابة ببدل مؤجل إذا رجعوا فضمنهم المولى قيمة المكاتب كان لهم أن يرجعوا على المكاتب ببدل الكتابة، لان السبب قد تقرر موجبا للاصل وهو الملك في المضمون لمصادفته محله فثبت (به الخلف)، وهو الرجوع ببدل الكتابة لوجود العجز عما هو الاصل، وهو ملك الرقبة باعتبار قيام الكتابة. وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول قد وجد من الشهود التعدي بإتلاف النفس حكما ومن الولي التعدي بإتلاف النفس حقيقة والمساواة ثابتة بين الحكمي والحقيقي في حكم الضمان، ثم إذا اختار تضمين المتلف حقيقة

[ 300 ]

وهو الولي لم يرجع على الشهود بشئ، لانه ضمن بجنايته من حيث الاتلاف فكذلك إذا اختار تضمين الشهود قلنا لا يرجعون على الولي، لانهم ضمنوا بجنايتهم، بخلاف ما إذا شهدوا بالقتل الخطأ وأخذ الولي الدية، لان وجوب الضمان هناك باعتبار تملك المال على من ألزمه القاضي الدية، فإذا ضمن الولي كان هو المتملك والمملوك سالم له، وإذا ضمن الشهود كانوا هم الذين تملكوا والمملوك في يد المولى أو قد صرفه إلى حاجته فيرجعون عليه بما ملكوه لهذا المعنى. قولهما إن السبب هنا انعقد موجبا للاصل، ممنوع، لان الدم لا يملك بالضمان بحال، وفي القصاص الذي قالا الولي لا يملك نفس من عليه القصاص وإنما يستوفيه بطريق الاباحة، ولهذا لم يكن له حق الاستيفاء في الحرم، ولا يتحول حقه إلى البدل إذا قتل من عليه القصاص ظلما وإذا لم يكن محلا للملك عرفنا أن السبب ما انعقد موجبا للاصل، ولو كان الدم بمحل أن يملك لم يكن إيجاب الضمان للشهود على الولي أيضا، لانه صار متلفا عليهم ملك الدم، وإتلاف ملك الدم لا يوجب الضمان سواء أتلفه حقيقة أو حكما، ألا ترى أن من قتل من عليه القصاص فإنه لا يضمن لمن له القصاص شيئا. وكذلك شهود العفو إذا رجعوا أو المكره على العفو لا يضمن أحد منهم شيئا، وإن أتلف ملك الدم الثابت لمن له القصاص، وبه فارق المدبر والمكاتب، لان هناك ما هو الاصل وهو ملك الرقبة في الموضع الذي يكون ثابتا يكون موجبا ضمان خلفه عند الاتلاف، فكذلك إذا انعقد السبب موجبا للاصل ثم لم يعمل لعارض وهو التدبير والكتابة قلنا يكون موجبا لما هو خلفه وهو القيمة وبدل الكتابة فيرجع بهما.

[ 301 ]

فصل: في بيان الكلام في القسم الثاني وهو السبب أما الكلام في القسم الثاني فنقول: تفسير السبب لغة: الطريق إلى الشئ قال تعالى: * (وآتيناه من كل شئ سببا فأتبع سببا) * أي طريقا. وقيل هو بمعنى الباب، قال تعالى: * (لعلي أبلغ الاسباب أسباب السموات) *: أي أبوابها، ومنه قول زهير: ولو نال أسباب السماء بسلم أي أبوابها. وقيل هو بمعنى الحبل، قال تعالى: * (فليمدد بسبب إلى السماء) * الآية يعني بحبل من سقف البيت، فالكل يرجع إلى معنى (واحد) وهو طريق الوصول إلى الشئ. وفي الاحكام السبب: عبارة عما يكون طريقا للوصول إلى الحكم المطلوب من غير أن يكون الوصول به ولكنه طريق الوصول إليه، بمنزلة طريق الوصول إلى مكة، فإن الوصول إليها يكون بمشي الماشي وفي ذلك الطريق لا بالطريق، ولكن يتوصل إليها من ذلك الطريق عند قصد الوصول إليها. وكذلك الحبل، فإنه طريق للوصول إلى قعر البئر أو إلى الماء الذي في البئر ولكن لا بالحبل بل بنزول النازل أو استقاء النازح بالحبل. وأما تفسير العلة فهي: المغيرة بحلولها حكم الحال، ومنه سمي المرض علة لان بحلولها بالشخص يتغير حاله، ومنه يسمى الجرح علة لان بحلوله بالمجروح يتغير حكم الحال. وقيل العلة: حادث يظهر أثره فيما حل به لا عن اختبار منه، ولهذا سمي الجرح علة، ولا يسمى الجارح علة، لانه يفعل عن اختيار، ولانه غير حال بالمجروح. وفي أحكام الشرع العلة معنى في النصوص وهو تغير حكم الحال بحلوله بالمحل يوقف عليه بالاستنباط، فإن قوله عليه السلام: الحنطة بالحنطة مثلا بمثل غير حال بالحنطة ولكن في الحنطة وصف هو حال بها وهو كونه مكيلا مؤثرا في المماثلة ويتغير حكم الحال بحلوله فيكون علة لحكم الربا فيه، حتى إنه لما لم يحل

[ 302 ]

القليل الذي لا يدخل تحت الكيل لا يتغير حكم العقد فيه بل يبقى بعد هذا النص على ما كان عليه قبله. وكذلك البيع علة للملك شرعا، والنكاح علة للحل شرعا، والقتل العمد علة لوجوب القصاص شرعا، باعتبار أن الشرع جعلها موجبة لهذه الاحكام، وقد بينا أن العلل الشرعية لا تكون موجبة بذواتها وأنه لا موجب إلا الله إلا أن ذلك الايجاب غيب في حقنا فجعل الشرع الاسباب التي يمكننا الوقوف عليها علة لوجوب الحكم في حقنا للتيسير علينا، فأما في حق الشرع فهذه العلل لا تكون موجبة شيئا، وهو نظير الاماتة، فإن المميت والمحيي هو الله تعالى حقيقة ثم جعله مضافا إلى القاتل بعلة القتل فيما ينبني عليه من الاحكام. وكذلك أجزية الاعمال، فإن المعطي للجزاء هو الله تعالى بفضله ثم جعل ذلك مضافا إلى عمل العامل بقوله تعالى: * (جزاء بما كانوا يعملون) * فهذا هو المذهب المرضي التوسط بين الطريقين، لا كما ذهب إليه الجبرية من إلغاء العمل أصلا، ولا كما ذهب إليه القدرية من الاضافة إلى العمل حقيقة وجعل (العامل) مستبدا بعمله. ثم هذه العلل الشرعية تسمى نظرا، وتسمى قياسا، وتسمى دليلا أيضا على معنى أنه يوقف به على معرفة الحكم، والدليل على الشئ ما يوقف به على معرفته كالدخان دليل على النار، والبناء دليل على الباني، ولكن ما يكون علة يجوز أن يسمى دليلا، وما يكون دليلا محضا لا يجوز أن يسمى علة، ألا ترى أن حدوث الاعراض دليل على حدوث الاجسام ولا يجوز أن يقال إنها علة لحدوث الاجسام، والمصنوعات دليل على الصانع ولا يجوز أن يقال إنها علة للصانع تعالى، فعرفنا أن الدليل قط لا يكون علة، وقد تكون العلة دليلا. وأما الشرط فمعناه لغة: العلامة اللازمة، ومنه يقال أشراط الساعة:

[ 303 ]

أي علاماتها اللازمة لكون الساعة آتية لا محالة، ومنه الشرطي لانه نصب نفسه على زي وهيئة لا يفارقه ذلك في أغلب أحواله فكأنه لازم له، ومنه شرط الحجام لانه يحصل بفعله في موضع المحاجم علامة لازمة، ومنه الشروط في الوثائق لانها تكون لازمة، فعرفنا أن الشرط في اللغة: العلامة اللازمة، ومنه سمى أهل اللغة حرف إن حرف الشرط، من قول القائل لغيره: إن أكرمتني أكرمتك، فإن قوله أكرمتك بصيغة الفعل الماضي، ولكن بقوله إن أكرمتني يصير إكرام المخاطب علامة لازمة لاكرام المخاطب إياه، فكان شرطا من هذا الوجه. وفي أحكام الشرع (الشرط) اسم لما يضاف الحكم إليه وجودا عنده لا وجوبا به، فإن قول القائل لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق، يجعل دخول الدار شرطا حتى لا يقع الطلاق بهذا اللفظ إلا عند الدخول، ويصير الطلاق عند وجود الدخول مضافا إلى الدخول موجودا عنده لا واجبا به، بل الوقوع بقوله أنت طالق عند الدخول، ومن حيث إنه لا أثر للدخول في الطلاق من حيث الثبوت به ولا من حيث الوصول إليه لم يكن الدخول سببا ولا علة، ومن حيث إنه مضاف إليه وجودا عنده كان الدخول شرطا فيه، ولهذا لا نوجب الضمان على شهود الشرط بحال، وإنما نوجب الضمان على شهود التعليق بعد وجود الشرط إذا رجعوا. وقد يقام الشرط مقام السبب في حكم الضمان عند تعذر إضافة الاتلاف إلى السبب نحو حافر البئر على الطريق يكون ضامنا لما يسقط فيه، وهو صاحب الشرط من حيث إنه أزال بفعله المسكة عن الارض وهو محل يستقر فيه الثقيل، والمحال في حكم الشروط ولكن لما تعذر إضافة الاتلاف إلى ما هو السبب حقيقة وهو ثقل الماشي ومشبه جعل مضافا إلى الشرط في حكم الضمان، حتى لو دفع الواقع في البئر إنسان فإن الضمان يكون على الدافع دون الحافر، لان السبب هنا صالح لاضافة الاتلاف إليه. وسنقرر هذا في فصل الشرط، إن شاء الله تعالى.

[ 304 ]

أما العلامة لغة فهي: المعرف بمنزلة الميل والمنارة، والميل علامة الطريق لانه معرف له، والمنارة علامة الجامع لانها معرفة له، ومنه سمي المميز بين الارضين من المسناة منار الارض، قال عليه السلام: لعن الله من غير منار الارض: أي العلامة التي تعرف بها لتمييز بين الارضين. وكذلك في أحكام الشرع: العلامة ما يكون معرفا للحكم الثابت بعلته من غير أن يكون الحكم مضافا إلى العلامة وجوبا لها لا وجودا عندها، على ما نبينه في فصل على حدة إن شاء الله تعالى. فصل: في بيان تقسيم السبب قال رضي الله عنه: اعلم بأن أسباب الاحكام الشرعية أنواع أربعة: سبب صورة لا معنى وهو يسمى سببا مجازا، وسبب صورة ومعنى وهو يسمى سببا محضا، وسبب فيه شبهة العلة، وسبب هو بمعنى العلة. وقد بينا أن السبب: ما هو طريق الوصول إلى الشئ. فأما الذي يسمى السبب مجازا فنحو اليمين بالله تعالى: يسمى سببا للكفارة مجازا باعتبار الصورة، وهو ليس بسبب معنى، فإن أدنى حد السبب أن يكون طريقا للوصول إلى المقصود، والكفارة باليمين إنما تجب بعد الحنث، وهي مانعة من الحنث موجبة لضده وهو البر، فعرفنا أنه ليس بسبب للكفارة معنى قبل الحنث ولكن يسمى سببا مجازا، لانه طريق الوصول إلى وجوب الكفارة بعد زوال المانع وهو البر وكذلك النذر المعلق بالشرط الذي لا يريد كونه، سبب لوجوب المنذور صورة لا معنى، لانه يقصد به منع ما يجب المنذور عند وجوده وهو إيجاد الشرط، وإنما يكون سببا بعد زوال المانع حقيقة. وكذلك الطلاق والعتاق المعلق بالشرط، فإن التعليق سبب صورة لا معنى، لانه بالتعليق يمنع نفسه مما يقع الطلاق والعتاق عند وجوده.

[ 305 ]

وعلى هذا قلنا: التعليق بالملك صحيح وإن لم يكن الملك موجودا في الحال، لان المعلق ليس بطلاق ولا هو سبب الطلاق حقيقة ولكن يصير سببا عند وجود الشرط، وهذا لان الطلاق والعتاق لا يكون بدون المحل والتعليق يمنع الوصول إلى المحل. وكذلك النذر، فإنه التزام في الذمة والتعليق يمنع وصول المنذور إلى الذمة، والتصرف بدون المحل لا يكون سببا كبيع الحر، إلا أن هناك ينعقد تصرف آخر وهو اليمين، لانه عقد مشروع لمقصود وفي ذلك المقصود التصرف صادف محله وهو ذمة الحالف، بخلاف بيع الحر فإنه لا ينعقد أصلا، وعلى هذا لا يجوز التكفير بعد اليمين قبل الحنث بالمال ولا بالصوم، لانها ليست بسبب للكفارة معنى، والاداء قبل تحقق السبب لا يجوز، بخلاف تعجيل الكفارة بعد الجرح قبل زهوق الروح في الآدمي والصيد، لانه سبب محض من حيث إنه طريق مفض إلى القتل عند زهوق الروح بالسراية، يوضحه أن اليمين لا تبقى بعد الحنث لانها مشروعة لمقصود وهو البر، وذلك يفوت بالحنث أصلا، والعقد لا يبقى بعد فوات مقصوده. ولما كانت الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث الذي يرتفع به اليمين عرفنا أن اليمين ليست بسبب لها معنى إذ العقد لا يكون سببا للحكم الذي يثبت (بعد فسخه. وكذلك اليمين بالطلاق، فإن الطلاق إنما يكون واقعا بما يبقى بعد وجود الشرط وهو قوله أنت طالق، والنذر إنما يثبت) باعتبار ما يبقى بعد وجود الشرط وهو قوله على صوم أو صلاة، فعرفنا أن الموجود قبل وجود الشرط لا يكون سببا معنى، بخلاف كفارة القتل فإنه جزاء الفعل والفعل بالسراية يتقرر ولا يرتفع، فكان قبل السراية سببا وملك النصاب قبل كمال الحول هكذا، لانه يتقرر عنده ما لاجله كان النصاب سببا وهو معنى النمو، إلا أن مع هذا التعليق بالشرط لكونه سببا، مجازا أثبتنا فيه معنى السببية بوجه، بخلاف ما يقوله زفر رحمه الله إنه لا يثبت فيه حكم السببية بوجه. وبيان هذا في تنجيز الثلاث بعد

[ 306 ]

صحة التعليق فإنه مبطل للتعليق عندنا، لان التعليق يمين وموجبه البر فإذا كان هذا السبب مضمونا (بالبر) كان له شبهة السببية في الحكم الذي يجب به بعد فوات البر على وجه الخلف عنه، كالغصب، فإنه موجب ضمان الرد في العين ثم له شبهة السببية في حكم ضمان القيمة الذي ثبت خلفا عن رد العين عند فوات العين، فكما يشترط قيام الملك وصفة الحل في المحل لبقاء ما هو سبب للحكم حقيقة فكذلك يشترط لبقاء ما فيه شبهة السببية للحكم، وتنجيز الثلاث يفوت ذلك كله. وزفر يقول: ليس في التعليق شبهة السببية للحكم وهو الطلاق والعتاق وإنما هو تصرف آخر وهو اليمين محلها الذمة واشتراط الملك في المحل عند انعقاده ليترجح جانب الوجود على جانب العدم حتى يصح إيجاب اليمين به، وهذا غير معتبر في حال البقاء، ألا ترى أن بعد التطليقات الثلاث لو علق الطلاق ابتداء بالنكاح كان صحيحا، وصفة الحل الذي به يصير المحل محلا للطلاق معدوم أصلا. ولكنا نقول: الملك سبب هو في معنى العلة، فإن النكاح علة لملك الطلاق، فالتطليق بمنزلة سبب هو في معنى العلة، على ما نبينه إن شاء الله تعالى، فأما الاضافة إلى وقت لا تعدم السببية معنى كما يعدمه التعليق بالشرط، ولهذا قلنا في قوله تعالى: * (فعدة من أيام أخرى) *: إنه لا يخرج شهود الشهر من أن يكون سببا حقيقة في حق جواز الاداء. وقوله تعالى: * (وسبعة إذا رجعتم) * يخرج المتمتع من أن يكون سببا لصوم السبعة قبل الرجوع من منى حتى لو أداه لا يجوز، لانه لما تعلق بشرط الرجوع فقبل وجود الشرط لا يتم سببه معنى، وهناك إضافة الصوم إلى وقت فقبل وجود الوقت يتم السبب فيه معنى حتى يجوز الاداء. وأما السبب المحض وهو: ما يكون طريقا للوصول إلى الحكم ولكن

[ 307 ]

لا يضاف الحكم إليه وجوبا به ولا وجودا عنده بل تتخلل بين السبب والحكم العلة التي يضاف الحكم إليها وتلك العلة غير مضافة إلى السبب، وذلك نحو حل قيد العبد، فإنه طريق لوصول العبد إلى الاباق الذي هو متو مالية المولى فيه، ولكن يتخلل بينه وبين الاباق الذي تتوى به المالية قصد وذهاب من العبد وهو غير مضاف إلى السبب السابق، فيبقى حل القيد سببا محضا. وعلى هذا قلنا: لو فتح باب الاصطبل فندت الدابة أو باب القفص فطار الطير لم يجب الضمان عليه، لان العلة قوة الدابة في نفسها على الذهاب وقوة الطير على الطيران، وهو غير مضاف إلى السبب الاول. وكذلك لو دل إنسانا على مال الغير فأتلفه أو على نفسه فقتله أو على قافلة حتى قطع الطريق عليهم لم يكن ضامنا شيئا، لان الدلالة سبب محض من حيث إنه طريق الوصول إلى المقصود، ويتخلل بينه وبين حصول المقصود ما هو علة وهو غير مضاف إلى السبب الاول، وذلك الفعل الذي يباشره المدلول. وعلى هذا قلنا: لو قال لرجل هذه المرأة حرة فتزوجها، فذهب وتزوجها واستولدها ثم ظهر أنها كانت أمة فإنه لا يرجع بضمان قيمة الاولاد على المخبر، بخلاف ما إذا زوجها منه على أنها حرة، لان إخباره سبب للوصول إلى المقصود، ولكن تخلل بينه وبين المقصود وهو الاستيلاد ما هو علة فهو غير مضاف إلى السبب الاول، وذلك عقد النكاح الذي باشرته المرأة على نفسها. وعلى هذا قلنا: الموهوب له الجارية إذا استولدها ثم استحقت لم يرجع بقيمة الاولاد على الواهب، والمستعير إذا أتلف العين باستعماله ثم ظهر الاستحقاق لم يرجع بالقيمة على المعير، لان الهبة والاعارة سبب ولكن تخلل بينه وبين حصول الاولاد ما هو علة وهو الاستيلاد والاستعمال المفضي إلى التلف، وذلك غير مضاف إلى السبب الاول، بخلاف المشتري إذا استولدها ثم ظهر الاستحقاق فإنه يرجع بقيمة الاولاد، لان بمباشرة عقد الضمان قد التزم له صفة السلامة عن العيب، ولا عيب فوق الاستحقاق، وبمباشرة عقد التبرع لا يصير ملتزما سلامة المعقود عليه عن العيب، ولهذا لا يرجع بالعقد في الوجهين لانه لزمه بدلا عما استوفاه ولا رجوع

[ 308 ]

له بسبب العيب فيما استوفاه لنفسه، وإن كان البائع ضمن له صفة السلامة عن العيب. وزعم بعض أصحابنا أن رجوع المغرور باعتبار الكفالة وذلك باشتراط البدل، فإن البائع يصير كأنه قال ضمنت لك سلامة الاولاد على أنه إن لم يسلم لك فأنا ضامن لك ما يلزمك بسببه. وهذا الضمان لا يثبت في عقد التبرع وإنما يثبت في حق الضمان باشتراط البدل إلا أن الاول أصح. وقد قال في كتاب العارية: العبد المأذون إذا آجر دابة فتلفت باستعمال المستأجر ثم ظهر الاستحقاق رجع المستأجر بما ضمن من قيمتها على العبد في الحال، والعبد لا يؤاخذ بضمان الكفالة ما لم يعتق، وهو مؤاخذ بالضمان الذي يكون سببه العيب بعدما التزم صفة السلامة عن العيب بعقد الضمان. ولا يدخل على ما قلنا دلالة المحرم على قتل الصيد، فإنها توجب عليه ضمان الجزاء وهي سبب محض لا يتخلل بينها وبين المقصود ما هو العلة وهو القتل من المدلول، وهذا لان وجوب الضمان عليه بجنايته بإزالة الامن عن الصيد، فإن أمنه في البعد عن أيدي الناس وأعينهم، وقد التزم بعقد الاحرام الامن للصيد عنه، فإذا صار بالدلالة جانيا من حيث إزالته الامن كان ضامنا لذلك، إلا أن قبل القتل لا يجب عليه الضمان لبقاء التردد، فقد يتوارى الصيد على وجه لا يقدر المدلول عليه فيعود آمنا كما كان، فبالقتل تستقر جنايته بإزالة الامن. فهو نظير الجراحة التي يتوهم فيها الاندمال بالبرء على وجه لا يبقى لها أثر، فإنه يستأني فيها مع كون الجرح جناية، ولكن لبقاء التردد يستأني حتى يتقرر حكمها في حق الضمان، بخلاف الدلالة على مال الغير، فإن حفظ الاموال بالايدي لا بالبعد عن الايدي والاعين، فالدال لا يصير جانيا بإزالة الحفظ بدلالته، وهذا بخلاف المودع إذا دل سارقا على سرقة الوديعة فإنه يصير ضامنا، لانه جان بترك ما التزمه من الحفظ بعقده وهو ترك التضييع وبالدلالة يصير مضيعا، فهو نظير المحرم يدل على قتل الصيد حتى يصير ضامنا لتركه ما التزمه بالعقد وهو أمن الصيد عنه. وعلى هذا قلنا: من أخرج ظبية من الحرم فولدت فهو ضامن للولد لانها بالحرم آمنة، وثبوت يده عليها يفوت معنى الصيدية، فيثبت به معنى إزالة الامن في حق الولد،

[ 309 ]

بخلاف الغاصب فإنه لا يكون ضامنا للزوائد لان الاموال محفوظة بالايدي، فإنما يجب الضمان هنا بالغصب الذي هو موجب قصر يد المالك عن ماله، وذلك غير موجود في الزيادة مباشرة ولا تسبيبا، ولا ينكر كونه متعديا في إمساك الولد، ولهذا نجعله آثما ونوجب عليه رده. ولكنا نقول: هو ليس بغاصب للولد تسبيبا ولا مباشرة، وبتعد آخر سوى الغصب لا يوجب ضمان الغصب، واليد الثابتة على الام عند انفصال الولد عنها حكم الغصب لا نفس الغصب، فعرفنا أنه لم يثبت الغصب في الولد بطريق السراية ولا قصدا بطريق المباشرة ولا بطريق التسبب بغصب الام، لان قصر يد المالك تكون بإزالة يده عما كان في يده، أو بإزالة تمكنه من أخذ ما لم يكن في يده، وذلك غير موجود في الولد أصلا قبل أن يطالبه بالرد. ومن السبب المحض أن يدفع سكينا إلى صبي فيجأ الصبي به نفسه، فإنه لا يجب على الدافع ضمان وإن كان فعله بعلة طريق الوصول، ولكن قد تخلل بينه وبين المقصود ما هو علة وهو غير مضاف إلى السبب الاول، وذلك قتل الصبي به نفسه، بخلاف ما إذا سقط من يده على رجله فعقره، لان السقوط من يده مضاف إلى السبب الاول وهو مناولته إياه، فكان هذا سببا في معنى العلة، على ما نبينه إن شاء الله تعالى. وكذلك لو أخذ صبيا حرا من يد وليه فمات في يده بمرض لم يضمن الآخذ شيئا، بخلاف ما إذا قربه إلى مسبعة حتى افترسه سبع، فإن السبب هنا بمعنى العلة باعتبار الاضافة إليه، فإنه يقال لولا تقريبه إياه من هذه المسبعة ما افترسه السبع، ولا يقال لولا أخذه من يد وليه لم يمت من مرضه. ولو قتل الصبي في يد الآخذ رجلا فضمن عاقلته الدية لم يرجعوا به على عاقلة الآخذ، لانه تخلل بين السبب ووجوب الضمان عليهم ما هو علة وهو غير مضاف إلى ذلك التسبيب. وعلى هذا لو قال لصبي: ارق هذه الشجرة فانفضها لي، فسقط كان ضامنا، بخلاف ما لو قال: كل ثمرتها أو فانفضها لنفسك، لان كلامه تسبيب قد تخلل بينه وبين السقوط ما هو علة وهو صعود الصبي الشجرة لمنفعة نفسه، وفي الاول لما كان صعوده لمنفعة الآمر صار بسببه في معنى العلة بطريق

[ 310 ]

الاضافة إليه. وكذلك لو حمل صبيا على الدابة فسقط ميتا كان الحامل ضامنا لديته، ولو سيرها الصبي فسقط منها فمات لم يضمن الذي حمله عليها شيئا. ليعلم أن السائل على هذا الاصل أكثر من أن تحصى. ومما هو في معنى السبب المحض ما هو أحد شطري علة الحكم، نحو إيجاب البيع وأحد وصفي علة الربا، فإنه سبب محض على معنى أنه طريق الوصول إلى المقصود عند غيره، وذلك الغير ليس بمضاف إليه، فيكون سببا محضا. فإن قيل: قد جعلتم حد السبب ما يتخلل بينه وبين المقصود ما هو علة للحكم، وهنا الذي يتخلل هو الوصف الآخر وهو ليس بعلة للحكم بانفراده، فكيف يستقيم قولكم إن أحد الوصفين سبب محض ؟ قلنا: هو مستقيم من حيث إن الحكم متى تعلق بعلة ذات وصفين فإنه يضاف إلى آخر الوصفين على معنى أن تمام العلة به حصل، ولهذا قلنا: إن الموجب للعتق القرابة القريبة مع الملك ثم يضاف العتق إلى آخر الوصفين وجودا، حتى إذا كان العبد مشتركا بين اثنين ادعى أحدهما نسبه كان ضامنا لشريكه، وإذا اشترى نصف قريبه من أحد الشريكين كان ضامنا لشريكه. وكذلك النسب مع الموت موجب للارث فيضاف إلى آخر الوصفين ثبوتا، حتى إن شهود النسب بعد الوفاة إذا رجعوا ضمنوا، بخلاف شهود النسب في حالة الحياة، فإذا ثبت أن إضافة الحكم إلى آخر الوصفين وهو يتخلل بين الوصف الاول وبين الحكم، عرفنا أن الوصف الاول في معنى السبب المحض. وهذا أصل مستمر في الشروط والعلل جميعا، حتى قلنا: إذا قال لامرأته إن دخلت هاتين الدارين فأنت طالق، فأبانها ودخلت إحدى الدارين في غير ملكه ثم تزوجها فدخلت الاخرى في ملكه تطلق، لان الحكم يكون مضافا إلى تمام الشرط وجودا عنده، وذلك حصل بدخول الدار الاخرى، فيشترط قيام الملك عنده لا عند دخول الاولى. ومن الاسباب السفينة إذا كانت تحتمل مائة من وقد جعل فيها ذلك القدر فوضع إنسان آخر فيها منا فغرقت كان ضامنا

[ 311 ]

للجميع، لان تمام علة الغرق حصل بفعله. وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما في المثلث: إن السكر منه حرام، ثم السكر الذي هو حرام القدح الاخير، لان تمام علة الاسكار عندها فيكون مضافا إليها خاصة. ومحمد رحمه الله ترك هذا الاصل في هذه المسألة احتياطا لاثبات الحرمة، فإنها تثبت باعتبار الصورة تارة وباعتبار المعنى أخرى. وأما السبب الذي هو في معنى العلة فنحو قود الدابة وسوقها فإنه طريق الوصول إلى الاتلاف غير موضوع له ليكون علة، وهو في معنى العلة من حيث إن الاتلاف مضاف إليه، يقال: أتلفه بقود الدابة أو سوقها. وكذلك إذا أشرع جناحا في الطريق أو وضع حجرا أو ترك هدم الحائط المائل بعد التقدم إليه فيه، فهذا كله سبب في معنى العلة. وكذلك إذا أدخل دابته زرع إنسان حتى أكلت الدابة الزرع، فهذا سبب في معنى العلة للاتلاف، ولهذا كان موجبا عليه ضمان المتلف، ولا يكون شئ من هذا موجبا لحرمان الميراث ولا الكفارة، فإن ذلك جزاء مباشرة الفعل. وكذلك قطع حبل القنديل المعلق وشق الزق وفيه مائع: سبب هو في معنى العلة. وكذلك شهادة الشهود بالقصاص يكون سببا للقتل من غير مباشرة، لان قضاء القاضي بعد الشهادة يكون عن اختيار. وكذلك استيفاء الولي والشهادة غير موضوعة للقتل في الاصل، ولهذا لا يوجب الكفارة ولا يثبت حرمان الميراث في حق الشهود، ولا يوجب عليهم القصاص. والشافعي رحمه الله لا ينكر هذا ولكن يقول هو تسبيب قوي من حيث إنه قصد به شخصا بعينه فيصلح أن يكون موجبا للقود عليه، لان فيه معنى العلة من حيث إن قضاء القاضي من موجبات الشهادة، والقتل مضاف إلى ذلك. إلا أنا نقول: القاضي إنما يقضي عن اختيار منه وليس في وسع الشاهد ما يظهره القاضي بقضائه أو يوجبه، فبقيت شهادة الشهود تسبيبا في الحقيقة، ولا مماثلة بين التسبيب والمباشرة، ووجوب القصاص يعتمد المباشرة. وعلى هذا قال في السير: إذا قال للغزاة: أدلكم على حصن في دار الحرب تجدون فيه الغنائم، فإن ذهب معهم حتى دلهم عليه كان شريكهم في المصاب، لان فعله تسبيب

[ 312 ]

فيه معنى العلة، وإن وصف لهم الطريق حتى وصلوا إليه بوصفه ولم يذهب معهم لم يكن شريكهم في المصاب، لان ما صنعه تسبيب محض وليس فيه من معنى العلة شئ. وأما السبب الذي له شبهة العلة كحفر البئر في الطريق، فإنه سبب للقتل من حيث إيجاد شرط الوقوع وهو زوال المسكة وليس بعلة في الحقيقة، فالعلة ثقل الماشي في نفسه، والسبب المطلق مشيه في ذلك الموضع، فأما الحفر فهو إيجاد شرط الوقوع ولكن له شبهة العلة من حيث إن الحكم يضاف إليه وجودا عنده لا ثبوتا به، ولهذا لم يكن موجبا الكفارة ولا حرمان الميراث، فإن ذلك جزاء الفعل وفعله تم من غير اتصال بالمقتول، وإنما اتصل بالمقتول عند الوقوع بسبب آخر وهو مشيه، إلا أنه يجب ضمان الدية عليه، لان ذلك بدل المتلف لا جزاء الفعل وقد حصل التلف مضافا إلى حفره وجودا عنده، فإذا كان ذلك تعديا منه وجب الضمان عليه بمقابلة المتلف حتى لو اعترض على فعله ما يمكن إضافة الحكم إليه، نحو دفع دافع إياه في البئر، فإنه يكون الضمان على الدافع دون الحافر. وعلى هذا قلنا: إذا تزوج كبيرة ورضيعة فأرضعت الكبيرة الرضيعة، فإن الزوج يغرم نصف صادق الصغيرة ثم يرجع به على الكبيرة إن تعمدت الفساد، وإن لم تتعمد ذلك لم يرجع عليها بشئ، لان ثبوت الحرمة بالارضاع وذلك موجود من الصبية، إلا أن إلقام الثدي إياها سبب من الكبيرة له شبهة العلة من حيث إن الحكم يضاف إليه وجودا عنده. وهذا الضمان ليس بضمان إتلاف ملك النكاح، فإنه لا يضمن بالاتلاف عندنا، ولكن ضمان تقرير نصف صداق على الزوج، فإذا صار ذلك مضافا إلى فعلها وجودا عنده كان لفعلها شبهة العلة، وقد كانت متعدية في ذلك حين تعمدت الفساد، فيلزمها ضمان العدوان، والله أعلم. فصل: في تقسيم العلة قال رضي الله عنه: أنواع العلة ستة: علة اسما ومعنى وحكما وهو حقيقة العلة، وعلة اسما لا معنى ولا حكما وهو يسمى علة مجازا، وعلة

[ 313 ]

اسما ومعنى لا حكما، وعلة تشبه السبب، وعلة معنى وحكما لا اسما، وعلة اسما وحكما لا معنى. فالاول: نحو البيع للملك، والنكاح للحل، والاعتاق لزوال الرق وإثبات الحرية، وإيقاع الطلاق للوقوع، فإن هذا كله علة اسما من حيث إنه موضوع لهذا الموجب، فإن هذا الموجب مضاف إليه لا بواسطة، وهو علة معنى من حيث إنه مشروع لاجل هذا الموجب، وهو علة حكما من حيث إن هذا الحكم يثبت به ولا يجوز أن يتراخى عنه. واختلف مشايخنا في أن مثل هذه العلة المطلقة هل يجوز أن تكون موجودة والحكم متأخر عنه ؟ فمنهم من جوز ذلك وقال: الذي لا يجوز كون العلة خالية عن الحكم، فأما يجوز أن لا يتصل الحكم بها ولكن يتأخر لمانع. والاصح عندنا أنه لا يجوز تأخر الحكم عن هذه العلة ولكن الحكم يتصل ثبوته بوجود هذه العلة بعد صحتها لا محالة، وهو عندنا بمنزلة الاستطاعة مع الفعل لا يجوز القول بأنها تسبق الفعل. وأما العلة اسما لا معنى ولا حكما: فبيانها فيما ذكرنا من تعليق الطلاق والعتاق بالشرط واليمين قبل الحنث، فإنها علة اسما لا معنى ولا حكما، لان العلة معنى وحكما ما يكون ثبوت الحكم عند تقرره لا عند ارتفاعه، وبعد الحنث لا تبقى اليمين بل ترتفع، وكذلك بعد وجود الشرط في اليمين بالطلاق والعتاق لا يبقى اليمين. وأما العلة اسما ومعنى لا حكما: فنحو البيع الموقوف، فإنه علة للملك اسما من حيث إنه بيع حقيقة موضوع لهذا الموجب، ومعنى من حيث إنه منعقد شرعا بين المتعاقدين لافادة هذا الحكم، فإن انعقاده وتمامه معنى بما هو من خالص حقها، وليس فيه تعدي الضرر إلى الغير، وهو ليس بعلة حكما لما في ثبوت الملك به من الاضرار بالمالك في خروج العين عن ملكه من غير رضاه، ولهذا إذا وجد الاجازة منه يستند الحكم إلى وقت العقد حتى يملكه المشتري بزوائده، فيتبين به أن العلة موجودة اسما ومعنى.

[ 314 ]

وكذلك إذا صرح بشرط الخيار للبائع فإنه علة اسما ومعنى لا حكما، لان خيار الشرط داخل على الحكم لا على أصل البيع، وكان القياس أن لا يجوز اشتراط الخيار في البيع لمعنى الغرر إلا أنا لو أدخلنا الشرط على أصل السبب دخل على الحكم ضرورة، ولو أدخلناه على الحكم خاصة لم يكن داخلا على أصل السبب، فكان معنى الغرر والجهالة في هذا أقل، وإذا ظهر أن الشرط دخل على الحكم خاصة عرفنا أن البيع بهذا الشرط علة اسما ومعنى لموجبه لا حكما، ولهذا لو سقط الخيار يثبت الملك للمشتري من وقت العقد حتى يملك البيع بالزيادة المتصلة والمنفصلة، إلا أن أصل الملك لما صار متعلقا بالشرط لم يكن موجودا قبل الشرط أصلا، فالعتق الموجود في هذه الحالة من المشتري لا يتوقف على أن ينفذ ثبوت الملك له إذا سقط الخيار، وفي الاول إنما يثبت في الملك صفة التوقف لا التعليق بالشرط وتوقف الشئ لا يعدم أصله، فثبت إعتاقه بصفة التوقف أيضا على أن ينفذ بنفوذ الملك له بالاجارة. ومن هذا النوع الاجارة، فإنها علة للملك اسما ومعنى لا حكما، لانها تتناول المعدوم حقيقة، والمعدوم لا يكون محلا للملك، ولهذا لم يثبت الملك في الاجر لانعدام العلة حكما، ويملك بشرط التعجيل لوجود العلة اسما ومعنى، إلا أن هناك وجود العلة اسما ومعنى من حيث إن المنتفع به جعل كالمنفعة التي هي المقصودة بالعقد، فأما العقد في حق الحكم حقيقة وهو ملك المنفعة صار مضافا إلى حالة الوجود فيقتضي الملك في الاجر على حال استيفاء المنفعة لهذا، ولا يثبت مستندا إلى وقت العقد، لان إقامة العين مقام المنفعة في حكم صحة الايجاب دون الحكم، وعلى هذا الطلاق الرجعي، فإنه علة اسما ومعنى لا حكما، لان حكم زوال الملك به متعلق بشرط انقضاء العدة قبل الرجعة، وهو في حكم حرمة المحل ركن من أركان العلة، فعرفنا أنه

[ 315 ]

ليس بعلة حكما، ولهذا لم يثبت زوال ملك الحل به ولا حرمة الوطئ أصلا. وأما العلة التي تشبه السبب فصورتها أن يكون ما يضاف إليه الحكم أصله موجودا وصفته منتظرا متأخرا في وجوده خطر. فمن حيث وجود الاصل كان علة لان الصفة تابعة للاصل وبانعدام الوصف لا ينعدم الاصل، ومن حيث إن كونه موجبا للحكم باعتبار الصفة وهو منتظر متأخر فالاصل قبل وجود الوصف كان طريقا للوصول إليه فكان سببا. وبيان ذلك في النصاب للزكاة فإنه سبب لوجوب الزكاة بصفة النماء، وحصول هذا النماء منتظر لا يكون إلا بعد مدة قدر الشرع تلك المدة بالحول، وبما ذكره لم ينتصب الحول شرطا، فإنه قال: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) وحتى كلمة غاية لا كلمة شرط، وبانعدام صفة النماء للحال لا ينعدم أصل المال الذي يضاف إليه هذا الحكم شرعا، فجعلناه علة تشبه السبب حتى يجوز التعجيل بعد كمال النصاب، ولا يكون المؤدى زكاة للمال لانعدام صفة العلة، بخلاف المسافر إذا صام في شهر رمضان، والمقيم إذا صلى في أول الوقت، فالمؤدى يكون فرضا لوجود العلة، مطلقة بصفتها، ثم إذا تم الحول حتى وجب الزكاة جاز المؤدى عن الزكاة باعتبار أن الاداء وجد بعد وجود العلة، ولو كان محض سبب لم يكن المؤدى قبل وجود العلة محسوبا من الزكاة كالمؤدى قبل كمال النصاب. فبهذا يتبين أن حولان الحول ليس بتأجيل فيه، لان التأجيل مهلة لمن عليه الحق بعد كمال العلة فإذا أسقط المهلة بالتعجيل كان في الحال مؤديا للواجب وهنا لا يكون في الحال مؤديا للواجب، وإذا تم الحول ونصابه غير كامل كان المؤدى تطوعا، فعرفنا أن النصاب قبل وجود صفة النماء يمضي المدة يكون علة في معنى السبب، حتى يثبت حكم الاداء بحسب هذه العلة، ولا يثبت الوجوب أصلا بل يكون المؤدى موقوف الصحة على أن يكون عن الواجب إذا تم ما هو صفة العلة باستناد حكم الوجوب إليه، وعلى أن يكون تطوعا إذا لم يتم ذلك الوصف. ولا يدخل على هذا إذا كانت الابل علوفة، فعجل عنها الزكاة ثم جعلها سائمة، لان هناك أصل العلة لم يوجد

[ 316 ]

وهو المال النامي، فإن الغناء مطلقا لا يحصل شرعا إلا بالمال النامي، وبما لا يحصل الغناء من المال لا تكون العلة موجودة بمنزلة ما دون النصاب. وعلى هذا مرض الموت، فإنه علة للحجر عن التبرعات فيما هو حق الوارث بعد الموت بصفة إيصال الموت به وهذا منتظر، فكان الموجود في الحال علة تشبه السبب، فإذا تم باتصال الموت به استند حكمه إلى أول المرض حتى يبطل تبرعه بما زاد على الثلث، وإذا برأ من مرضه كان تبرعه نافذا لان العلة لم تتم بصفتها. وكذلك الجرح علة لوجوب الكفارة في الصيد والآدمي بصفة السراية وهي صفة منتظرة، فكان الموجود قبل السراية علة تشبه السبب حتى يجوز أداء الكفارة بالمال والصوم جميعا، وإذا اتصل به الموت كان المؤدى جائزا عن الواجب، وهذا كله لان الوصف لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بالموصوف، فلا يمكن جعل الموصوف أحد وصفي العلة ليكون سببا لا علة كما بينا في فصل السبب، ولا يمكن جعل الوصف علة معنى وحكما بمنزلة آخر الوصفين وجودا من علة هي ذات وصفين، فلهذا جعلناها علة تشبه السبب. ومن هذا النوع علة العلة، وذلك أن تكون العلة موجبة للحكم بواسطة تلك العلة من موجبات العلة الاولى فتكون بمنزلة علة توجب الحكم بوصف وذلك الوصف قائم بالعلة، فكما أن الحكم هناك يكون مضافا إلى العلة دون الصفة فهنا يكون أيضا مضافا إلى العلة دون الواسطة، وذلك نحو الرمي، فإنه يوجب تحرك السهم ومضيه في الهواء ونفوذه في المقصود حتى يبتنى عليه علة القتل، ولكن هذه الواسطات من موجبات الرمي، فكان الرمي علة تامة لمباشرة القتل حتى يجب القصاص على الرامي، ولهذا قلنا في شراء القريب إنه إعتاق تتأدى به الكفارة إذا نواه، لان الشراء موجب للملك والملك في القريب موجب للعتق، فيصير الحكم مضافا إلى السبب الاول لكون الواسطة من موجباته، بخلاف ما إذا اشترى المحلوف بعتقه بنية الكفارة، لان الواسطة وهي الشرط يضاف إليه العتق وجودا عنده، لا وجوبا به، والعتق عند وجوده

[ 317 ]

مضاف إلى ما وجد من التعليق بما هو باق بعد وجود الشرط، وهو قوله أنت حر، ولم تقترن به نية الكفارة. وعلى هذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه في المزكين لشهود الزنا: إذا رجعوا ضمنوا لان التزكية في معنى علة العلة فإن الموجب للحكم بالرجم شهادة الشهود، والشهادة لا تكون موجبة بدون التزكية، فمن هذا الوجه يصير الحكم مضافا إلى التزكية، ومن حيث إن التزكية صفة للشهادة بقي الحكم مضافا إلى الشهادة أيضا، فأي الفريقين رجع كان ضامنا. ومما هو نظير العلة التي تشبه السبب ما قال أبو حنيفة رضي الله عنه في رجل قال: آخر عبد أشتريه فهو حر، فاشترى عبدا ثم عبدا ثم مات، فإنه يعتق الثاني من حين اشتراه. وكذلك لو قال: آخر امرأة أتزوجها فهي طالق، لان الثاني موصوف بصفة الآخرية باعتبار معنى منتظر، وهو أن لا يشتري بعده غيره حتى يموت، ولا يتزوج بعدها غيرها فلم يكن الحكم ثابتا في الحال لمعنى الانتظار في هذا الوصف، فإذا زال الانتظار وتقرر الوصف كان الحكم ثابتا من حين وجدت العلة لا من حين زوال الانتظار، كما هو حكم العلة التي تشبه السبب. وقد جعل بعض مشايخنا الايجاب المضاف إلى وقت من هذا القسم. قال رضي الله عنه: والاصح عندي أنه من القسم الثالث فإنه علة اسما ومعنى لا حكما، ولهذا لو نذر أن يتصدق بدرهم غدا فتصدق به اليوم جاز عن المنذور للحال، ولو كان هذا من نظير القسم الرابع لتأخر حكم جوازه عن المنذور إلى مجئ ذلك الوقت كما بينا في تعجيل الزكاة. وكذلك قال أبو يوسف رحمه الله في النذر بالصوم والصلاة إذا أضافه إلى وقت في المستقبل: يجوز تعجيله قبل ذلك الوقت لوجود العلة اسما ومعنى، وإن تأخر حكم وجوب الاداء إلى مجئ ذلك الوقت بمنزلة الصوم في حق المسافر. وقال محمد رحمه الله: لا يجوز اعتبارا لما يوجبه على نفسه في وقت بعينه بما أوجب الله عليه في وقت بعينه حتى لا ينفك ذلك الوقت عن وجوب الاداء أو وجود الاداء فيه، وإذا جاز التعجيل خلا الوقت المضاف عن ذلك أصلا. فأما العلة التي هي معنى حكما لا اسما، فهو آخر الوصفين من علة تشتمل

[ 318 ]

على وصفين مؤثرين في العتق، نحو ما بينا في القرابة المحرمة للنكاح مع الملك، فإنهما وصفان مؤثران في العتق، ثم آخرهما وجودا يكون علة معنى وحكما، والمراد بالمعنى كونه مؤثرا فيه، وبالحكم أنه يثبت الحكم عنده، وهذا لان الوصف الثاني مع الاول استويا في الوجوب بهما وترجح الثاني بالوجود عنده فكان علة معنى وحكما لا اسما، فإن الحكم مضاف إلى الوصفين جميعا، فمن حيث الاسم الوصف الثاني شطر العلة. وعلى هذا قلنا: أحد وصفي علة الربا يحرم النسأ بانفراده لان كل واحد من الوصفين علة معنى وحكما إذا تأخر وجوده عن الوصف الآخر، وحرمة النسأ مبني على الاحتياط وهو أسرع ثبوتا من حرمة الفضل لقوله عليه السلام: إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد فجعل ثابتا بوجود أحد الوصفين. ولا يدخل على هذا حكم الشهادة، فإن شهادة الشاهد الثاني بعد الاول لا تجعل علة للاستحقاق معنى وحكما وإن كان استحقاق الحكم عنده يكون، لان هناك الاستحقاق لا يثبت بالشهادة بل بقضاء القاضي، وقضاء القاضي يكون بشهادة الشاهدين جميعا فلا يتصور فيه كون أحدهما سابقا والآخر متمما لعلة الاستحقاق. فأما العلة اسما وحكما لا معنى، فهو السفر والمرض في ثبوت الرخص بهما فإنها في الشريعة مضافة إلى السفر والمرض، فعرفنا أن كل واحد منهما علة اسما، وكذلك من حيث الحكم، فحكم جواز الترخص بالفطر ونحوه يثبت عند وجود السفر والمرض، فأما المعنى المؤثر في هذه الرخصة فهو المشقة التي تلحقه بالصوم دون السفر والمرض، لما بينا أن المعنى ما يكون مؤثرا في الحكم وذلك المشقة، وإليه أشار الله تعالى في قوله: * (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) * إلا أن المشقة باطن تتفاوت أحوال الناس فيه ولا يمكن الوقوف على حقيقته فأقام الشرع السفر بصفة مخصوصة مقام تلك المشقة لكونه دالا عليها غالبا، وكذلك أقام المرض بوصف مخصوص مقام تلك المشقة، فعرفنا أنه علة اسما وحكما لا معنى، ولهذا لو أصبح مقيما صائما ثم سافر فأفطر لم تلزمه الكفارة لوجود علة الاسقاط اسما، وإن انعدم

[ 319 ]

معنى وحكما حتى لا يكون الفطر مباحا له في هذا اليوم أصلا. وعلى هذا قلنا: النوم في كونه حدثا علة اسما وحكما لا معنى، إذ المعنى الذي هو مؤثر في الحدث خروج نجس من البدن أو من أحد السبيلين على حسب ما اختلف العلماء فيه وذلك غير موجود في النوم إلا أن النوم بصفة مخصوصة وهو أن يكون مضطجعا أو متكئا لكونه دليل استرخاء المفاصل يقوم مقام خروج شئ من البدن تيسيرا. وعلى هذا حكم النسب فإن ملك النكاح علة لثبوت النسب اسما وحكما لا معنى، لان المعنى الذي هو مؤثر في النسب كون الولد مخلوقا من مائه ولكنه باطن، فقام النكاح الذي هو ظاهر مقامه تيسيرا. وكذلك المس عن شهوة والنكاح في حكم حرمة المصاهرة، فإنه يكون اسما وحكما لا معنى. وكذلك الاستبراء، فإن استحداث ملك الوطئ بملك اليمين علة لوجوب الاستبراء اسما وحكما لا معنى، لان المؤثر في إيجاب الاستبراء اشتغال الرحم بماء الغير لمقصود صيانة مائه عن الخلط بماء آخر، وذلك باطن فقام السبب الظاهر الدال عليه وهو استحداث ملك الوطئ بملك اليمين مقام ذلك المعنى في وجوب الاستبراء به. ولم يقم ملك النكاح مقام ذلك المعنى لان زوال ملك النكاح بعد وجود السبب الموجب لشغل الرحم يعقب عدة بها يحصل المقصود وهو براءة الرحم فلا حاجة إلى إيجاب الاستبراء عند حدوث ملك، وأما زوال ملك اليمين بعد الوطئ لا يعقب وجوب ما هو دليل براءة الرحم، فتقع الحاجة إلى إيجاب الاستبراء عند حدوث ملك الحل بملك اليمين لمقصود براءة الرحم. وأمثلة هذا النوع أكثر من أن تحصى. وهذا في الحاصل نوعان: أحدهما إقامة الداعي مقام المدعو كالمس والنكاح الداعي (إلى) ما يثبت به معنى البعضية. والثاني إقامة الدليل مقام المدلول كاسترخاء المفاصل بالنوم، فإنه دليل خروج شئ من البدن، والتقاء الختانين في كونه موجبا للاغتسال، لانه دليل خروج المني عن شهوة، والمباشرة الفاحشة في كونه حدثا عند أبي حنيفة وأبى يوسف رحمة الله عليهما، لانه دليل خروج شئ منه حين انتشرت الآلة بالمباشرة. وعلى

[ 320 ]

هذا قلنا: إذا قال لامرأته: إن كنت تحبيني أو تبغضيني فأنت كذا، فإن إخبارها به في المجلس يكون دليل وجود ما جعله شرطا، فجعل قائما مقام المدلول. وفيه ثلاثة أوجه من الفقه: أحدها الضرورة والعجز عن الوقوف على ما هو الحقيقة كما في المحبة والبغض، وبه تعدى الحكم إلى قوله إن حضت فأنت كذا، فقالت حضت فإنه يقام خبرها به مقام حقيقة الشرط في وقوع الطلاق. والثاني الاحتياط في باب الحرمات والعبادات. والثالث دفع الحرج عن الناس فيما تتحقق فيه الحاجة لهم، ولهذا جعل الشرع في باب الاجارة ملك العين المنتفع به مقام ملك المعقود عليه وهو المنفعة في جواز العقد، وأقام سبب وجود المنفعة وهو كون العين منتفعا بها مقام حقيقة وجودها، لانها بعد الوجود لا تبقى وقتين فلا يمكن إبراد العقد عليها وتسليمها، فلدفع الحرج فيما للناس حاجة إليه أقام الشرع غير المقصود بالعقد مقام المقصود فيما ينبني عليه عقد المعاوضة، وهو وجود المعقود عليه وكونه مملوكا للعاقد. فهذه حدود يتم بمعرفتها فقه الرجل، ولكن في ضبط حدودها بعض الحرج لما فيها من الدقة، فلا يطلبها فقيه بكسل، ولا يقفن عن طلبها بفشل، والله الهادي لمن جاهد في سبيله. فصل: في بيان تقسيم الشرط وهي ستة أقسام: شرط محض، وشرط في حكم العلة، وشرط فيه شبهة العلة، وشرط في معنى السبب، وشرط اسما لا حكما، وشرط بمعنى العلامة الخالصة. فأما الشرط المحض فهو ما يتوقف وجود العلة على وجوده ويمتنع وجود العلة حقيقة بعد وجودها صورة، حتى يوجد ذلك الشرط فتصير موجودة عندها حقيقة، على ما بينا في الفرق بين الشرط والعلة أن الحكم مضاف إلى الشرط وجودا عنده لا وجوبا به، وذلك نحو كلمات الشرط كلها كقوله لعبده إن دخلت الدار فأنت حر أو إذا دخلت أو متى دخلت أو كلما دخلت، فإن التحرير الذي هو علة يتوقف وجوده على وجود الشرط حقيقة بعد

[ 321 ]

ما وجد صورته بكلماته من المولى، وعند وجود الشرط يوجد التحرير حقيقة فيثبت به حكم العتق. وعلى هذا حكم العبادات والمعاملات، فإنها تعلقت بأسباب جعلها الشرع سببا للوجوب كما بينا، ثم وجود العلة حقيقة يتأخر إلى وجود ما هو شرط فيه وهو العلم به أو ما يقوم مقام العلم به، حتى إن النص النازل قبل علم المخاطب به جعل في حقه كأنه غير نازل، ولهذا قلنا: من أسلم في دار الحرب ولم يعلم بوجوب العبادات عليه حتى مضى زمان ثم علم بذلك فإنه لا يلزمه قضاء شئ باعتبار السبب في الماضي، وإذا أسلم في دار الاسلام يلزمه القضاء لا لان العلم ليس بشرط ولكن لان شيوع الخطاب في دار الاسلام وتيسير الوصول إليه بأدنى طلب يقوم مقام وجود العلم به، فتصير العلة موجودة حقيقة بوجود الشرط حكما، وعلى هذا تؤدى العبادات بأداء أركانها نحو الصلاة، فإن أركانها القيام والقراءة والركوع والسجود، ثم لا يوجد الاداء بها إلا بعد وجود الشرط وهو النية والطهارة. وكذلك المعاملات، فإن ركن النكاح وهو الايجاب والقبول لا يوجد به انعقاد العقد إلا عند وجود الشرط وهو الشهود، ثم هذا النوع من الشرط إنما يعرف بصيغته أو بدلالته، فمتى وجد صيغة كلمة الشرط لم ينفك عن معنى الشرط. والذي قاله بعض المتأخرين من مشايخنا في قوله تعالى: * (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) * إنه مذكور على سبيل العادة، وإنه لا فائدة فيه سوى أن الحاجة إلى الكتابة أمس في هذه الحالة، قال رضي الله عنه: هذا ليس بقوي عندي، لان تحت هذا الكلام أنه ليس في ذكر هذا الشرط فائدة معنى الشرط، وكلام الله تعالى منزه عن هذا، بل فيه فائدة الشرط. وبيانه أن الامر للايجاب تارة وللندب أخرى، والمراد الندب هنا بدليل ما بعده وهو قوله: * (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) * فإنه للندب دون الايجاب، وعقد الكتابة وإن كان مباحا قبل أن يعلم فيه خيرا فإنما يصير مندوبا إليه إذا علم أن فيه خيرا، فظهر فائدة الشرط من هذا الوجه. وكذلك قوله تعالى: * (ومن لم يستطع منكم طولا) * فإنه غير مذكور على وفاق العادة عندنا بل لبيان الندب، فإن نكاح الامة مع طول الحرة وإن كان مباحا

[ 322 ]

له إلا أنه غير مندوب إليه وإنما يندب إليه بشرط عدم طول الحرة. وكذلك قوله تعالى: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) * غير مذكور على وفاق العادة بل هو بمعنى الشرط حقيقة، لان المراد هو القصر في أحوال الصلاة كالاداء راكبا بالايماء والايجاز في القراءة وتخفيف الركوع والسجود، وذلك إنما يوجد عند وجود هذا الشرط وهو الخوف، ألا ترى إلى قوله تعالى: * (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) * وقال تعالى: * (فإن اطمأننتم فأقيموا الصلاة) * فأما قوله تعالى: * (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) * فهو غير مذكور بصيغة الشرط فيه، وقوله تعالى: * (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) * وحكم الجواز لا يثبت إلا عند وجود هذا الشرط. وبيان دلالة الشرط فيما قال علماؤنا: إذا قال لنسوة: المرأة التي أتزوجها منكن طالق، أو قال لاربع نسوة له: المرأة التي تدخل الدار منكن طالق، فإنه يتوقف وجود العلة حقيقة على وجود التزوج والدخول لوجود دلالة الشرط فيه، وهو أنه مذكور على سبيل الوصف للنكرة، بخلاف ما لو قال: هذه المرأة التي أتزوجها أو هذه المرأة التي تدخل الدار، فإنه مذكور على سبيل الوصف للعين فلا يكون شرطا ولا يتوقف وجود العلة على وجوده، ولو أتى بصيغة الشرط في الوجهين يوقف وجود العلة على وجوده بأن قال: إن تزوجت امرأة منكن أو هذه المرأة إن تزوجتها. وأما الشرط الذي هو حكم العلة فنحو شق الزق حتى يسيل ما فيه من الدهن، وقطع حبل القنديل حتى يسقط فينكسر، فإن الشق في الصورة مباشرة إتلاف جزء من الزق، وفي حق الدهن هو إيجاد شرط السيلان، ولكن جعل هذا الشرط في حكم العلة حتى يجعل كأنه باشر إراقة الدهن، لان المائع لا يكون محفوظا إلا بوعاء، فإزالة ما به تماسكه يكون مباشرة تفويت ما كان محفوظا به، وكذلك القنديل على ما هو مصنوع له

[ 323 ]

عادة لا يكون محفوظا إلا بحبل يعلقه به، فكان قطع ذلك الحبل مباشرة تفويت ما كان محفوظا به فيكون إلقاء وكسرا. وعلى هذا جرح الانسان إذا اتصل به السراية يكون مباشرة القتل حتى يجب القصاص به إذا كان عمدا، لان الحياة لا يمكن إزهاقه حقيقة بالاخذ والاخراج ولكنه محفوظ في البدن بسلامة البنية، فنقض البنية بالجرح والقطع يكون تفويتا لما كان به محفوظا، فيجعل ذلك مباشرة علة القتل حكما، بخلاف الطلاق والعتاق فإنه محفوظ عند المالك بامتناعه عن التكلم بكلمة الايقاع، فبعد ما تكلم بكلمة الايقاع كان التعليق بالشرط للمنع من الوقوع، ومن أن يكون ذلك التكلم علة حقيقة، وإذا صار عند وجود الشرط علة حقيقة كان الحكم مضافا إلى العلة ثبوتا به، وإلى الشرط وجودا عنده، فلم يكن الشرط هناك في حكم العلة، حتى كان وجوب الضمان عند الرجوع على شهود التعليق دون شهود الشرط، ولا ضمان على شهود الشرط إذا رجعوا دون شهود التعليق. وعلى هذا قال أبو حنيفة فيمن قيد عبده ثم قال: إن كان في قيدك عشرة أرطال حديد فأنت حر وإن حل هذا القيد فأنت حر، فشهد الشاهدان أن في القيد عشرة أرطال حديد فأعتقه القاضي ثم حل القيد، فإذا فيه خمسة أرطال، فإن الشهود يضمنون قيمة العبد، لان قضاء القاضي عنده بشهادة الزور ينفذ ظاهرا وباطنا، فكان العتق ثابتا بقضاء القاضي بعد شهادتهما قبل أن يحل القيد، وهما في الصورة شاهدا الشرط، ولكنهما مثبتان علة العتق بشهادتهما، لانهما شهدا أن المولى علق عتقه بشرط موجود، والتعليق بشرط موجود يكون تنجيزا، فكأنهما شهدا بتنجيز العتق، فضمنا لاثباتهما شرطا هو علة في الحكم. وأما الشرط الذي يشبه العلة، فهو أن يعارضه ما لا يصلح أن يكون علة للحكم بانفراده، ومتى عارضه ما يصلح علة بانفراده فذلك الشرط لا يشبه العلة لمعنى وهو أن الاصل في إضافة الحكم إليه (العلة)

[ 324 ]

وعلل الشرع فيما يرجع إلى ثبوت الحكم بها كأنها شروط على معنى أنها أمارات غير موجبة للحكم بذواتها، بل بجعل الشرع إياها كذلك، والشرط من وجه يشبهها على معنى أن الحكم يصير مضافا إلى الشرط وجودا عنده، فأمكن جعله خلفا عن العلة في الحكم، فقلنا: متى عارض الشرط ما لا يصلح أن يكون علة في الحكم صار موجودا بعد وجود الشرط، فلا بد من أن يجعل الشرط خلفا عن العلة في إثبات الحكم به، ومتى أمكن جعل المعارض علة بانفراده فلا حاجة إلى إثبات هذه الخلافة، فلم يجعل للشرط شبه العلة. وبيانه فيما قلنا: إن حفر البئر في الطريق إيجاد شرط الوقوع بإزالة المسكة عن ذلك الموضع إلا أن ما عارضه من العلة وهو ثقل الماشي لا يصلح بانفراده علة الاتلاف بطريق العدوان، وما هو سببه وهو مشيه، لا يصلح علة لذلك فإنه مباح مطلقا، فكان الشرط بمنزلة العلة في إضافة الحكم إليه حتى يجب الضمان على الحافر، ولكن لا يصير مباشرا للاتلاف حتى تلزمه الكفارة ولا يحرم عن الميراث، فكان لهذا الشرط شبه العلة لا أن يكون على حكما. وقلنا في شهود التعليق وشهود الشرط: إذا رجعوا فالضمان على شهود التعليق خاصة، لانهم نقلوا قول المولى أنت حر، وهذا بانفراده علة تامة لاضافة حكم العتق إليه فلم يكن للشرط هناك شبه العلة، فلهذا لا يضمن شهود الشرط شيئا سواء رجع الفريقان أو رجع شهود الشرط خاصة. وكذلك إذا رجع شهود التخيير وشهود الاختيار، فإن الضمان على شهود الاختيار خاصة، لان التخيير سبب وما عارضه وهو الاختيار علة تامة للحكم، فكان الحكم مضافا إليه دون السبب، فلم يضمن شهود السبب شيئا كما لا يضمن شهود الشرط. وعلى هذا قلنا: إذا اختلف حافر البئر مع ولي الواقع فيها وقال الحافر أوقع فيها نفسه، وقال الولي لا بل وقع فيها، فالقول قول الحافر استحسانا، لان الحفر شرط جعل خلفا عن العلة لضرورة كون العلة غير صالحة، فالحافر يتمسك بما هو الاصل وهو صلاحية

[ 325 ]

العلة للحكم وينكر سبب الخلافة، وذلك حكم ضروري فكان القول قوله، بخلاف الجارح إذا ادعى أن المجروح مات بسبب آخر، وقال الولي: مات من تلك الجارحة، فإن القول قول الولي، لان الجارح صاحب علة لا صاحب شرط كما بينا، والاصل في العلة الصلاحية للحكم، فكان الولي هو المتمسك بالاصل هنا. وعلى هذا قلنا: إذا غصب من آخر حنطة فزرعها فإن الزرع يكون مملوكا للغاصب، لان ما هو العلة لحصول الخارج وهو قوة الارض والهواء والماء مسخر بتقدير الله تعالى لا اختيار له، فلا يصلح لاضافة الحكم إليه، والالقاء الذي هو شرط جامع بين هذه الاشياء يجعل كالعلة خلفا عنها في الحكم، فبهذا الطريق يصير الزرع كسب الغاصب مضافا إلى عمله فيكون مملوكا له، وإذا سقط الحب في الارض من غير صنع أحد بأن هبت به الريح فقد تعذر جعل هذا الشرط خلفا عن العلة، فجعل المحل الذي هو في حكم الشرط كالعلة خلفا حتى يكون الخارج لصاحب الحنطة لكونها محلا لما حصل وهو الخارج. وأما الشرط الذي هو في معنى السبب فهو أن يعترض عليه فعل من مختار ويكون سابقا عليه، وذلك نحو ما إذا حل قيد عبد فأبق لم يضمن عند أصحابنا جميعا، وحل القيد إزالة المانع للعبد من الذهاب فكان شرطا، فقد اعترض عليه فعل من مختار وهو الذهاب من العبد الذي هو علة تلف المالية فيه، فما هو الشرط كان سابقا عليه، وما هو العلة غير مضاف إلى السابق من الشرط، فتبين به أنه بمنزلة السبب المحض، لان سبب الشئ يتقدمه، وشرطه يكون متأخرا عن صورته وجودا، وإذا كان بمعنى السبب كان تلف المالية مضافا إلى ما اعترض عليه من العلة دون ما سبق من السبب. وعلى هذا لو أرسل دابة في الطريق فجالت يمنة أو يسرة عن سنن الطريق ثم سارت فأصابت شيئا فلا ضمان

[ 326 ]

على المرسل، لان الارسال هناك سبب محض وقد اعترض عليه فعل من مختار وهو غير منسوب إلى السبب الاول حين لم تذهب على سنن إرساله حتى يكون سابقا بذلك الارسال، فكان الاول المتقدم شرطا بمعنى السبب، ثم في الوجهين يضاف الهلاك إلى ما اعترض من الفعل دون ما سبق، وفعل الدابة لا يوجب الضمان على مالكها. وعلى هذا قلنا في الدابة المنفلتة: إذا أتلفت زرع إنسان ليلا أو نهارا لم يضمن صاحبها شيئا، لانه لم يوجد منه علة ولا سبب ولا شرط يصير به الاتلاف مضافا إليه. وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما: إذا فتح باب القفص فطار الطير أو فتح باب الاسطبل فندت الدابة في فور ذلك، فإن الفاتح للباب لم يضمن شيئا، لان فعله شرط لانه إزالة المانع من الانطلاق وذلك شرط الانطلاق، ثم اعترض عليه فعل من مختار غير منسوب إليه، فكان الاول شرطا في معنى السبب فلا يصير الهلاك مضافا إليه، وقد اعترض عليه ما هو العلة، بخلاف حفر البئر إذا وقع فيه الماشي، فإن ما اعترض هناك من مشيه لا يصلح أن يكون علة الاتلاف حين لم يكن عالما بعمق ذلك المكان، حتى لو أوقع نفسه في البئر لم يضمن الحافر شيئا، لان ما اعترض علة صالحة للحكم وهو فعل حصل من مختار على وجه القصد إليه، ولهذا لو مشى على قنطرة واهية موضوعة بغير حق وهو عالم به فانخسفت به لم يضمن الواضع شيئا، وكذلك إذا مشى في موضع من الطريق قد صب فيه الماء وهو عالم به فزلقت رجله. ولكن محمدا رضي الله عنه يقول فعل الدابة هدر شرعا وهو غير صالح لاضافة الحكم إليه فيكون مضافا إلى الشرط السابق الذي هو في معنى السبب، بخلاف فعل العبد من الاباق فإنه صالح شرعا لاضافة الحكم إليه. والجواب لهما أن فعل الدابة لا يصلح لايجاب حكم به، ولكن يصلح لقطع الحكم، ألا ترى أن في الدابة التي أرسلها صاحبها في الطريق إذا جالت يمنة أو يسرة اعتبر فعلها في قطع حكم إرسال صاحبها. وكذلك الصيد إذا خرج من الحرم يعتبر فعله في

[ 327 ]

قطع الحكم وهو الحرمة الثابتة له بسبب الحرم. وإذا صال على إنسان فكذلك الجواب. وبظاهر هذا الكلام يقول الشافعي في الجمل إذا صال على إنسان فقتله إنه لا يضمن شيئا، لان فعل الجمل صالح لقطع الحكم الثابت به وهو العصمة والتقوم الثابت فيه لحق المالك. ولكنا نقول: فعل الدابة غير صالح لايجاب الشئ على مالكها، وفي إسقاط حقه في تضمين المتلف إيجاب حكم عليه وهو الكف عن الاعتداء على من اعتدى عليه بإتلاف ماله ومثله لا يوجد في صيد الحرم. وعلى هذا قلنا: لو أرسل كلبا على صيد مملوك لانسان فقتله الكلب أو أشلاه على بعير إنسان فقتله أو على ثوب إنسان فخرقه، لم يضمن شيئا، لان ما وجد منه من الاشلاء سبب قد اعترض عليه فعل من مختار غير منسوب إلى ذلك السبب، فإن بمجرد الاشلاء لا يكون سابقا له، بخلاف ما إذا أرسل كلبه المعلم على صيد فذبحه فإنه يجعل كأنه ذبحه بنفسه في حكم الحل، لان الاصطياد نوع كسب ينفي عنه معنى الحرج ويبني الحكم فيه على قدر الامكان، فأما في ضمان العدوان يجب الاخذ بمحض القياس، لان مع الشك في السبب الموجب للضمان لا يجب الضمان بحال. وعلى هذا قلنا: لو أوقد نارا في ملكه فهبت الريح بها إلى أرض جاره حتى أحرقت كدسه لم يضمن، ولو ألقى شيئا من الهوام على الطريق فانقلبت من مكان إلى مكان آخر ثم لدغت إنسانا لم يضمن الملقي شيئا. فما كان من هذا الجنس فتخريجه على الاصل الذي قلنا. وأما الشرط اسما لا حكما وهو المجاز في هذا الباب فنحو الشرط السابق وجودا فيما علق بالشرطين، نحو أن يقول لعبده إن دخلت هاتين الدارين فأنت حر، فإن دخوله في الدار الاولى شرط اسما لا حكما، لان الحكم غير مضاف إليه وجوبا به ولا وجودا عنده، ولهذا لم يعتبر علماؤنا قيام الملك عند وجود الشرط الاول خلافا لزفر رضي الله عنه، وهذا لان الملك في المحل شرط

[ 328 ]

لنزول الجزاء أو لصحة الايجاب، والحكم غير مضاف إلى الشرط وجوبا به فإنه لا تأثير للشرط في ذلك، ولا وجودا عنده فإنه لا يترك الطلاق في المحل ما لم يتم الشرط، فلو اعتبرنا الملك عند وجوده إنما يعتبر لبقاء اليمين ومحل اليمين الذمة، فكانت باقية ببقاء محلها من غير أن يشترط فيه الملك في المحل. وأما الشرط الذي هو علامة فنحو الاحصان لايجاب الرجم، فإنه علامة يعرف بظهوره كون الزنا موجبا للرجم، وهو في نفسه ليس بعلة ولا سبب ولا شرط محض في إيجاب الرجم. وحد الشرط: ما يمتنع ثبوت العلة حقيقة بعد وجودها صورة إلى وجوده، كما في تعليق الطلاق بدخول الدار، والزنا موجب للعقوبة بنفسه ولا يمتنع ثبوت الحكم به إلى وجود الاحصان، كيف ولو وجد الاحصان بعد الزنا لا يثبت بوجوده حكم الرجم ؟ فعرفنا أنه غير مضاف إليه وجوبا به ولا وجودا عند وجوده، ولكنه يعرف بظهوره أن الزنا حين وجد كان موجبا للرجم فكان علامة، ولهذا لا يوجب الضمان على شهود الاحصان إذا رجعوا، بخلاف ما قال أبو حنيفة رضي الله عنه في المزكين لشهود الزنا إذا رجعوا بعد الرجم، فإن التزكية بمنزلة علة العلة (كما بينا) ولهذا يثبت الاحصان بعد الزنا بشهادة رجل وامرأتين عندنا خلافا لزفر، لانه لما كان معرفا ولم يكن الرجم مضافا إليه وجوبا ولا وجودا كانت هذه الحالة كغيرها من الاحوال في حكم الشهادة، فكما ثبت النكاح بشهادة رجل وامرأتين في غير هذه الحالة فكذلك في هذه الحالة. فإن قيل: أنا أثبت النكاح بهذه الشهادة ولكن لا يثبت التمكن للامام من إقامة الرجم، لانه كما لا مدخل لشهادة النساء في إيجاب الرجم فلا مدخل لشهادتهن في إثبات التمكن من إقامة الرجم، بمنزلة ما لو كان الزاني عبدا مسلما لنصراني فشهد عليه نصرانيان أن مولاه كان أعتقه قبل الزنا، فإنه تثبت الحرية بهذه الشهادة ولا يثبت تمكن الامام من إقامة الرجم عليه، لانه كما لا مدخل لشهادة الكفار في إيجاب الرجم على المسلم فلا مدخل لشهادتهم

[ 329 ]

في إثبات التمكن من إقامة الرجم على المسلم. قلنا: هذا ليس بصحيح، لان شهادة النساء دخلها الخصوص في المشهود به لا في المشهود عليه، والمشهود به ليس يمس الرجم أصلا، وشهادة الكفار دخلها الخصوص في المشهود عليه لا في المشهود به فإن شهادتهم حجة في الحد على الكفار ولكنها ليست بحجة على المسلم، والاقامة عند الشهادة تكون على المسلم وهو حادث فلا تجعل شهادتهم فيه حجة، وهذا لان في الموضعين جميعا في الشهادة معنى تكثير محل الجناية من حيث الجناية على نعمة الحرية في أحد الموضعين وعلى نعمة إصابة الحلال بطريقه في الموضع الآخر وهو الاحصان. ثم في تكثير محل الجناية يتضرر الجاني والجاني مسلم، وشهادة الكفار فيما يتضرر به المسلم لا تكون حجة أصلا، فأما شهادة النساء فيما يتضرر به الرجل تكون حجة، وإنما لا تكون حجة فيما تضاف إليه العقوبة وجوبا به أو جودا عنده، وذلك لا يوجد في هذه الشهادة أصلا. وعلى هذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إذا علق طلاقا أو عتاقا بولادة امرأة ولم يقر بأنها حبلى ثم شهدت القابلة على ولادتها، يثبت بها وقوع الطلاق والعتاق، لان هذا شرط بمنزلة العلامة من حيث إن الطلاق إنما يصير مضافا إلى نفس الولادة وجودا عندها، وأما ظهور الولادة فمعرف لا يضاف إليه الطلاق وجوبا به ولا وجودا عنده، والولادة تظهر بشهادة النساء في غير هذه الحالة حتى يثبت النسب بشهادة القابلة وحدها، فكذلك في هذه الحالة كما في مسألة الاحصان. ولكن أبو حنيفة رضي الله عنه يقول: الولادة شرط محض من حيث إنه يمنع ثبوت علة الطلاق والعتاق حقيقة إلى وجوده ثم لا يكون الطلاق والعتاق من أحكام الولادة، وشهادة القابلة حجة ضرورية في الولادة لانه لا يطلع عليها الرجال، فإنما تكون حجة فيما هو من أحكام الولادة أو مما لا تنفك الولادة عنه خاصة، فأما في الطلاق والعتاق هذا الشرط كغيره من الشرائط. وعلى هذا قال أبو يوسف ومحمد في المعتدة إذا جاءت بولد فشهدت القابلة على الولادة: يثبت النسب بشهادتها

[ 330 ]

وإن لم يكن هناك حبل ظاهر ولا فراش قائم ولا إقرار من الزوج بالحبل، لان الولادة لثبوت النسب شرط بمنزلة العلامة، فإن بها يظهر ويعرف ما كان موجودا في الرحم قبل الولادة، وكان ثابت النسب من حين وجد، فلم يكن النسب مضافا إلى الولادة وجوبا بها ولا وجودا عندها، والولادة في غير هذه الحالة تثبت بشهادة القابلة وحدها، يعني إذا كان هناك فراش قائم أو حبل ظاهر أو إقرار من الزوج بالحبل، فكذلك في هذه الحالة. وأبو حنيفة رحمه الله يقول: الولادة بمنزلة المعرف كما قالا ولكن في حق من يعرف الباطن، فأما في حقنا فالنسب مضاف إلى الولادة، لانا نبني الحكم على الظاهر ولا نعرف الباطن، فما كان باطنا يجعل في حقنا كالمعدوم إلى أن يظهر بالولادة، بمنزلة الخطاب النازل في حق من لم يعلم به، فإنه يجعل كالمعدوم ما لم يعلم به، وإذا صار النسب مضافا إلى الولادة من هذا الوجه لا تثبت الولادة في حقه إلا بما هو حجة لاثبات النسب، بخلاف ما إذا كان الفراش قائما، فالفراش المعلوم هناك مثبت للنسب قبل الولادة فكانت الولادة علامة معرفة، وكذلك إذا كان الحبل ظاهرا أو أقر الزوج بالحبل فقد كان السبب هناك ثابتا بظهور ما يثبته لنا قبل الولادة. وعلى هذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه: استهلال المولود في حكم الارث لا يثبت بشهادة القابلة وحدها، لان حياة الولد كان غيبا عنا وإنما يظهر عند استهلاله فيصير مضافا إليه في حقنا، والارث يبتنى عليه، فلا يثبت بشهادة القابلة كما لا يثبت حق الرد بالغيب بشهادة النساء في جارية اشتراها بشرط البكارة إذا شهدت أنها ثيب قبل القبض ولا بعده ولكن يستحلف البائع، فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله الاستهلال (معرف، فإن حياة الولد لا تكون مضافا إليه وجوبا به ولا وجودا عنده، ونفس الاستهلال) في غير حالة التوريث يثبت بشهادة القابلة حتى يصلى على المولود، فكذلك في حالة التوريث.

[ 331 ]

فصل: في بيان تقسيم العلامة العلامة أنواع أربعة: علامة هي دلالة الوجود فيما كان موجودا قبله. ومنه علم الثوب، ومنه علم العسكر، وهذا حد العلامة المحضة. وعلامة هي بمعنى الشرط، وذلك الاحصان في حكم الرجم كما بينا. وعلامة هي علة فقد بينا أن العلل الشرعية بمنزلة العلامات للاحكام، فإنها غير موجبة بذواتها شيئا بل بجعل الشرع إياها موجبة وعلامة تسمية ومجازا وهي علل الحقائق المعتبرة بذواتها على ما نبينها في موضعها. وقد جعل الشافعي عجز القاذف عن إقامة أربعة من الشهداء علامة لبطلان شهادة القاذف لا شرطا حتى قال القذف مبطل شهادته قبل ظهور عجزه عن إقامة الشهود، ثم ظهور العجز يعرف لنا هذا الحكم فكان علامة، بخلاف الجلد فإنه فعل يقام على القاذف فكان العجز فيه شرطا، لان إقامة الحد يصير مضافا إليه وجودا عنده، فأما سقوط شهادته أمر حكمي فيثبت بنفس القذف لانه كبيرة، لما فيه من إشاعة الفاحشة وهتك ستر العفة على المسلم، فالاصل في الناس هو العفة عن الزنا، والتمسك بالاصل واجب حتى يتبين خلافه، وباعتبار هذا الاصل كان القذف كبيرة، فيكون بمنزلة سائر الكبائر في ثبوت سمة الفسق وسقوط الشهادة بنفسها. ولكنا نقول: العجز عن إقامة أربعة من الشهداء شرط لاقامة الجلد ولابطال شهادة القاذف، والحكم المعلق بالشرط لا يكون ثابتا قبل وجود الشرط، وهذا لان كل واحد منهما فعل خوطب الامام بإقامته على القاذف وأحدهما معطوف على الآخر، كما قال تعالى: * (فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) * ثم هذا العجز الذي هو شرط يثبت بما ثبت به العجز عن دفع سائر الحجج في إلزام الحكم بها، وذلك بأن يمهله على قدر ما يرى إلى آخر المجلس أو إلى المجلس الثاني، والذي قال القذف كبيرة قلنا: هذه الصفة للقذف غير ثابت بنفسه مستحقا شرعا بدليل أنه يتمكن من إثباته بالبينة وهو في نفسه خبر متميل بين الصدق

[ 332 ]

والكذب، وقد يتعين فيه معنى الحسبة إذا كان الزاني مصرا غير تائب، وللقاذف شهود يشهدون عليه بالزنا ليقام عليه الحد، وكيف يكون نفس القذف كبيرة وقد تتم به الحجة موجبا للرجم، فإن الشهود على الزنا قذفة في الحقيقة، ثم كانت شهادتهم حجة لايجاب الرجم، فعرفنا أن ما ادعاه الخصم من المعنى الذي يجعل به نفس القذف مسقطا للشهادة بحث لا يمكن تحقيقة، وبعدما ظهر عجزه عن إقامة الشهود إنما تسقط شهادته بسبب ظهور عجزه وهو من حيث الظاهر حتى إن بعد إقامة الحد عليه وبطلان شهادته لو أقام أربعة من الشهداء على زنا المقذوف فإن الشهادة تكون مقبولة حتى يقام الحد على المشهود عليه، ويصير القاذف مقبول الشهادة إن لم يتقادم العهد، وإن تقادم العهد يصير مقبول الشهادة أيضا وإن كان لا يقام الحد على المشهود عليه. أورد ذلك في المنتقى رواية عن أبي يوسف أو محمد، هذا قول أحدهما، وفي قول الآخر لا تقبل الشهادة بعد إقامة الحد عليه، لان إقامة الحد على القاذف حكم يكذب الشهود في شهادتهم على المقذوف بالزنا، وكل شهادة جرى الحكم بتعين جهة الكذب فيها لا تكون مقبولة أصلا، كالفاسق إذا شهد في حادثة فردت شهادته ثم أعادها بعد التوبة، والله المجزي لمن اتقى وأحسن. باب: أهلية الآدمي لوجوب الحقوق له وعليه وفي الامانة التي حملها الانسان قال رضي الله عنه: فهذه الاهلية نوعان: أهلية الوجوب، وأهلية الاداء فأما أهلية الوجوب وإن كان يدخل في فروعها تقسيم فأصلها واحد، وهو الصلاحية لحكم الوجوب، فمن كان فيه هذه الصلاحية كان أهلا للوجوب عليه، ومن لا فلا. وأهلية الاداء نوعان: كامل، وقاصر.

[ 333 ]

فالكامل: ما يلحق به العهدة والتبعية. والقاصر: ما لا يلحق به ذلك. فنبدأ ببيان أهلية الوجوب. فنقول: أصل هذه الاهلية لا يكون إلا بعد ذمة صالحة لكونها محلا للوجوب، فإن المحل هو الذمة، ولهذا يضاف إليها ولا يضاف إلى غيرها بحال، ولهذا اختص به الآدمي دون سائر الحيوانات التي ليست لها ذمة صالحة. ثم الذمة في اللغة هو: العهد، قال تعالى: * (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة) * وقال عليه السلام: وإن أرادوكم أن تعطوهم ذمة الله فلا تعطوهم ومنه يقال أهل الذمة للمعاهدين، والمراد بهذا العهد ما أشار الله تعالى في قوله: * (وإذ أخذ ربك من بني آدم) * والجنين ما دام مجننا في البطن ليست له ذمة صالحة، لكونه في حكم جزء من الام ولكنه منفرد بالحياة معد ليكون نفسا له ذمة، فباعتبار هذا الوجه يكون أهلا لوجوب الحق له من عتق أو إرث أو نسب أو وصية، ولاعتبار الوجه الاول لا يكون أهلا لوجوب الحق عليه، فأما بعدما يولد فله ذمة صالحة، ولهذا لو انقلب على مال إنسان فأتلفه كان ضامنا له، ويلزمه مهر امرأته بعقد الولي عليه، وهذه حقوق تثبت شرعا. ثم بعد هذا زعم بعض مشايخنا أن باعتبار صلاحية الذمة يثبت وجوب حقوق الله تعالى في حقه من حين يولد. وإنما يسقط ما يسقط بعد ذلك بعذر الضمان لدفع الحرج. قال: لان الوجوب بأسباب هي الوجوب شرعا وقد تقدم بيانها، وتلك الاسباب متقررة في حقه والمحل صالح للوجوب فيه فيثبت الوجوب باعتبار السبب والمحل، وهذا لان الوجوب خبر ليس للعبد فيه اختيار حتى يعتبر فيه عقله وتمييزه، بل هو ثابت عند وجود السبب علينا شرعا شئنا أو أبينا، قال تعالى: * (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) * والمراد بالعنق الذمة، وإنما يعتبر تمييزه أو تمكنه من الاداء في وجوب الاداء، وذلك حكم وراء أصل الوجوب، ألا ترى أن النائم والمغمى عليه يثبت حكم وجوب الصلاة في حقهما بوجود النسب مع عدم التمييز والتمكن من الاداء للحال ثم يتأخر وجوب الاداء إلى الانتباه والافاقة، وهذا

[ 334 ]

لان الله تعالى لما خلق الانسان لحمل أمانته أكرمه بالعقل والذمة ليكون بها أهلا لوجوب حقوق الله تعالى عليه، ثم أثبت له العصمة والحرية والمالكية ليبقى فيتمكن من أداء ما حمل من الامانة، ثم هذه الحرية والعصمة والمالكية ثابتة للمرء من حين يولد، المميز وغير المميز فيه سواء، فكذلك الذمة الصالحة لوجوب الحقوق فيها ثابتا له من حين يولد يستوي فيه المميز وغير المميز، ثم كما يثبت الوجوب بوجود السبب شرعا في محله تثبت الحرمة، يعني الحرمة بالنسب والرضاع والمصاهرة، وتلك الحرمة تثبت في حق المميز وغير المميز لوجود السبب بعد صلاحية المحل وإن كان ذلك حكما شرعيا، فكذلك الوجوب، ثم وجوب الاداء بعد هذا يكون بالامر الثابت بالخطاب، وذلك لا يكون إلا بعد اعتدال الحال والعلم به، وقد بينا أن المطالبة بأداء الواجب غير أصل الوجوب، وهو تأويل الحديث المروي (رفع القلم عن ثلاث) فالمراد بالقلم الحساب، وذلك ينبني على وجوب الاداء (دون أصل الوجوب كما في الدين المؤجل إنما تكون المحاسبة بعد وجوب الاداء) بمضي الاجل، وأصل الوجوب ثابت لوجود سببه. وزعم بعض مشايخنا أن الوجوب لا يثبت إلا بعد اعتدال الحال بالبلوغ عن عقل، لان الموجب هو الله تعالى لما خاطب به عباده من الامر والنهي، وحكم هذا الخطاب لا يثبت في حق المخاطب ما لم يعلم به علما معتبرا في الالزام شرعا وذلك إنما يكون بعد اعتدال الحال. ومن جعل السبب موجبا فقد أخلى صيغة الامر عن حكمه، لان حكم الامر المطلق الوجوب واللزوم، وإذا كان الوجوب ثابتا بالسبب قبل ثبوت الخطاب في حقه لم يبق للامر حكم، فيؤدي هذا إلى القول بأنه لا فائدة في أوامر الله تعالى ونواهيه، وأي قول أقبح من هذا ! ولانه لا يفهم من الوجوب شئ سوى وجوب الاداء وذلك لا يكون إلا بعد اعتدال الحال وهو حكم الامر بالاتفاق، فعرفنا أن الوجوب كذلك، فكانت الاسباب بمنزلة العلامات في حقنا لنعرف بظهورها الوجوب بحكم

[ 335 ]

الامر، وقد بينا أن الحكم غير مضاف إلى العلامة وجوبا ولا وجودا. والدليل عليه أن الوجوب لفائدة راجعة إلى العباد، فإن الله يتعالى عن أن تلحقه المنافع والمضار، أي يوصف بالحاجة إلى إيجاب حق على عبده لنفسه، والفائدة للعباد ما يكون لهم به من الجزاء، وذلك لا يكون إلا بالاداء الذي يكون عن اختيار من العبد، فإثبات الوجوب بدون أهلية وجوب الاداء وبدون تصور الاداء يكون إثبات حكم شرعي هو خال من الفائدة والقول به لا يجوز. قال رضي الله عنه: وكلا الطريقين عندي غير مرضي، لما في الطريق الاول من مجاوزة الحد في الغلو، وفي الطريق الثاني من مجاوزة الحد في التقصير، فإن القول بأنه لا عبرة للاسباب التي جعلها الشرع سببا لوجوب حقوقه على سبيل الابتلاء للعباد ولتعظيم بعض الاوقات أو الامكنة وتفضيلها على بعض نوع تقصير، والقول بأن الوجوب ثابت بنفس السبب من غير اعتبار ما هو حكم الوجوب نوع غلو، ولكن الطريق الصحيح أن يقول بأن بعد وجوب السبب والمحل لا يثبت الوجوب إلا بوجود الصلاحية لما هو حكم الوجوب، لان الوجوب غير مراد ذمة لعينه بل لحكمه، فكما لا يثبت الوجوب إذا وجد السبب بدون نفس المحل فكذلك لا يثبت إذا وجد السبب والمحل بدون حكم، وهذا لان بدون الحكم لا يكون مفيدا في الدنيا ولا في الآخرة، فإن فائدة الحكم في الدنيا تحقيق معنى الابتلاء، وفي الآخرة الجزاء وذلك باعتبار الحكم، ونعني بهذا الحكم وجوب الاداء ووجود الاداء عند مباشرة العبد عن اختيار حتى يظهر به المطيع من العاصي، فيتحقق الابتلاء المذكور في قوله تعالى: * (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) * وكذلك المجازاة في الآخرة ينبني على هذا كما قال تعالى: * (جزاء بما كانوا يعملون) * وهذا لان الوجوب خبر لا اختيار فيه للعبد كما قالوا، وإنما ينال العبد الجزاء على ما له فيه اختيار، فتبين أن

[ 336 ]

الوجوب بدون حكمه غير مفيد، فلا يجوز القول بثبوته شرعا، ولهذا قلنا: إن قتل الاب ابنه لا يكون موجبا للقصاص، والسبب هو العمد المحض موجود والمحل موجود، ولكن لانعدام فائدة الوجوب وهو التمكن من الاستيفاء فإن الولد لا يكون متمكنا من أن يقصد قتل أبيه شرعا بحال. قلنا: لا يثبت الوجوب أصلا، وهذا أعدل الطرق، ففيه اعتبار السبب في ثبوت الوجوب به إذا كان موجبا حكمه وقد جعله الشرع كذلك، وفيه اعتبار الامر لاثبات ما هو حكم الوجوب به وهو لزوم الاداء أو إسقاط الواجب به عن نفسه. ومن تأمل صيغة الاوامر ظهر له أن موجبها ما قلنا، فإنه قال: * (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * والاقامة والايتاء هو إسقاط الواجب بالاداء. وكذلك قوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * وقوله تعالى: * (وأتموا الحج) * فإن مباشرة فعل الصوم وإتمام الحج يكون إسقاط الواجب والامر لالزام ذلك. ثم على هذا الطريق يتبين التقسيم في الحقوق، فنقول: أما حقوق العباد فما يكون فيه غرما أو عوضا كالثمن في البيع فالوجوب ثابت في حق الصبي الذي لا يعقل لوجود سببه وثبوت حكمه وهو وجوب الاداء بوليه الذي هو نائب عنه، لان المقصود المال هنا دون الفعل، فإن المراد به رفع الخسران بما يكون جبرانا له أو حصول الربح وذلك بالمال يكون، وأداء وليه كأدائه في حصول هذا المقصود به. وما كان منه صلة له شبه المؤونة كنفقة الزوجات والاقارب فوجوبه ثابت في حقه عند وجود سببه، لان في حق نفقة الزوجات معنى العوضية، وفي نفقة الاقارب معنى مؤونة اليسار، والمقصود إزالة حاجة المنفق عليه بوصول كفايته إليه وذلك بالمال يكون، وأداء الولي فيه كأدائه، فعرفنا أن الوجوب فيه غير خال عن الحكمة

[ 337 ]

وما يكون صلة له شبه الجزاء لا يثبت وجوبه في حقه أصلا، وذلك كتحمل العقل فإنه صلة ولكنها شبه الجزاء على ترك حفظ السفيه والاخذ على يد الظالم، ولهذا يختص برجال العشيرة الذين هم من أهل هذا الحفظ دون النساء فلا يثبت ذلك في حق الصبي أصلا. وكذلك ما يكون جزاء بطريق العقوبة كالقتل لاجل الردة بطريق الغرامة كالعقل لا يثبت وجوبه في حقه أصلا لانعدام ما هو حكم الوجوب في حقه. فأما في حقوق الله تعالى فنقول: وجوب الايمان بالله تعالى في حق الصبي الذي لا يعقل لا يمكن القول به لانعدام الاهلية لحكم الوجوب وذلك الاداء وجوبا أو وجودا في حقه، فما كان القول بالوجوب هنا إلا نظير القول بالوجوب باعتبار السبب بدون المحل كما في حق البهائم وذلك لا يجوز القول به. وكذلك العبادات المحضة، البدني والمالي في ذلك سواء، لان حكم الوجوب لا يثبت في حقه بحال فلا يثبت الوجوب، وبيانه أن الوجوب أفعال يتحقق في مباشرتها معنى الابتلاء وتعظيم حق الله تعالى، ولا تصور لذلك من الصبي الذي لا يعقل بنفسه، ولا يحصل ذلك بأداء وليه، لان ثبوت الولاية عليه يكون جبرا بغير اختياره وبمثله لا يصير هو متقربا حقيقة ولا حكما، فلو جعلنا أداء الوالي كأدائه فيما هو مالي كان يتبين به أن المقصود هو المال لا الفعل، وذلك مما لا يجوز القول به، فلهذا لا يثبت في حقه وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، يقرره أنه لو كان الوجوب ثابتا ثم سقوط الحكم لدفع الحرج بعذر الصبي لكان ينبغي أن يقال: إذا أنفق الاداء منه كان مؤديا للواجب كصوم الشهر في حق المريض والمسافر والجمعة في حق المسافر، إنه إذا أدى كان موديا للواجب وبالاتفاق لا يكون هو مؤديا للواجب، وإن تصور منه ما هو ركن هذه العبارات، فعرفنا أن الوجوب غير ثابت أصلا. وكذلك قال محمد رضي الله عنه في صدقة الفطر لرجحان معنى العبادة والقربة فيها. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما: فيها معنى المؤونة فيثبت الوجوب

[ 338 ]

كخبر الفاسق الواحد. ولفظ الكتاب مشتبه فإنه قال حتى يخبره رجلان أو رجل عدل فقيل: معناه: رجلان أو رجل عدل لان صيغة هذا النعت للفرد والجماعة واحد، ألا ترى أنه يقال: شاهدا عدل. ومن اعتمد القول الاول قال اشتراط زيادة العدد للتوكيد هنا بمنزلة اشتراط العدد في إخبار العدول في الشهادات فإنها للتوكيد، واستدل عليه بما قال في الاستحسان: لو أخبر أحد المخبرين بطهارة الماء والآخر بنجاسته وأحدهما عدل والآخر غير عدل فإنه يعتمد خبر العدل منهما. ولو كان في أحد الجانبين مخبران وفي الجانب الآخر واحد واستووا في صفة العدالة فإنه يأخذ بقول الاثنين. وكذلك في الجرح والتعديل كما يرجح خبر العدل على خبر غير العدل يترجح خبر المثنى من العدول على خبر الواحد، فعرفنا أن في زيادة العدد معنى التوكيد. والذي أسلم في دار الحرب إذا لم يعلم بوجوب العبادات عليه حتى مضى زمان لم يلزمه القضاء، فإن أخبره بذلك فاسق فقد قال مشايخنا هو على الخلاف أيضا: عند أبي حنيفة لا يعتبر هذا الخبر في إيجاب القضاء عليه، وعندهما يعتبر. قال رضي الله عنه: والاصح عندي أنه يعتبر الخبر هنا في إيجاب القضاء عندهم جميعا لان هذا المخبر نائب عن رسول الله (ص) مأمور من جهته بالتبليغ كما قال: ألا فليبلغ الشاهد الغائب فهو بمنزلة رسول المالك إلى عبده، ثم هو غير متكلف في هذا الخبر ولكنه مسقط عن نفسه ما لزمه من الامر بالمعروف فلهذا يعتبر خبره. فصل: في أقسام الرواة الذين يكون خبرهم حجة قال رضي الله عنه: اعلم بأن الرواة قسمان: معروف، ومجهول. فالمعروف نوعان: من كان معروفا بالفقه والرأي في الاجتهاد، ومن كان معروفا بالعدالة وحسن الضبط والحفظ ولكنه قليل الفقه. فالنوع الاول كالخلفاء الراشدين والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبي موسى الاشعري وعائشة وغيرهم من المشهورين بالفقه من الصحابة رضي الله عنهم، وخبرهم حجة موجبة

[ 339 ]

للعلم الذي هو غالب الرأي، ويبتني عليه وجوب العمل، سواء كان الخبر موافقا للقياس أو مخالفا له، فإن كان موافقا للقياس تأيد به، وإن كان مخالفا للقياس يترك القياس ويعمل بالخبر. وكان مالك بن أنس يقول يقدم القياس على خبر الواحد في العمل به، لان القياس حجة بإجماع السلف من الصحابة، ودليل الكتاب والسنة والاجماع أقوى من خبر الواحد فكذلك ما يكون ثابتا بالاجماع. ولكنا نقول: ترك القياس بالخبر الواحد في العمل به أمر مشهور في الصحابة ومن بعدهم من السلف لا يمكن إنكاره حتى يسمون ذلك معدولا به عن القياس، وعليه دل حديث عمر رضي الله عنه، فإن حمل ابن مالك رضي الله عنه حين روي له حديث الغرة في الجنين قال: كدنا أن نقضي فيه برأينا فيما فيه قضاء عن رسول الله (ص) بخلاف ما قضى به. وفي رواية: لولا ما رويت لرؤينا خلاف ذلك. وقال ابن عمر رضي الله عنه: كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي عليه السلام نهى عن كراء المزارع فتركناه لاجل قوله، ولان قول الرسول (ص) موجب للعلم باعتبار أصله وإنما الشبهة في النقل عنه. فأما الوصف الذي به القياس فالشبهة والاحتمال في أصله لانا لا نعلم يقينا أن ثبوت الحكم المنصوص باعتبار هذا الوصف من بين سائر الاوصاف، وما يكون الشبهة في أصله دون ما تكون الشبهة في طريقه بعد التيقن بأصله، يوضحه أن الشبهة هنا باعتبار توهم الغلط والنسيان في الراوي وذلك عارض، وهناك باعتبار التردد بين هذا الوصف وسائر الاوصاف وهو أصل، ثم الوصف الذي هو معنى من المنصوص كالخبر والرأي، والنظر فيه كالسماع، والقياس كالعمل به، ولا شك أن الوصف ساكت عن البيان والخبر بيان في نفسه فيكون الخبر أقوى من الوصف في الابانة، والسماع أقوى من الرأي في الاصابة، ولا يجوز ترك القوي بالضعيف. فأما المعروف بالعدالة والضبط والحفظ كأبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهما وغيرهما ممن اشتهر بالصحبة مع رسول الله (ص) والسماع منه مدة

[ 340 ]

في حقه وإن عقل ما لم يعتدل حاله بالبلوغ، فإن باعتبار عقله يصحح الاداء منه وصحة الاداء تستدعي كون الحكم مشروعا ولا تستدعي كونه واجب الاداء، فعرفنا بهذا أن حكم الوجوب وهو وجوب الاداء معدوم في حقه (وقد بينا أن الوجوب لا يثبت باعتبار السبب والمحل بدون حكم الوجوب) إلا أنه إذا أدى يكون المؤدي فرضا، لان بوجود الاداء صار ما هو حكم الوجوب موجودا بمقتضى الاداء (وإنما لم يكن الوجوب ثابتا لانعدام الحكم فإذا صار موجودا بمقتضى الاداء) كان المؤدى فرضا، بمنزلة العبد فإن وجوب الجمعة في حقه غير ثابت، حتى إنه إن أذن له المولى أو حضر الجامع مع المولى كان به أن لا يؤدي، ولكن إذا أدى كان المؤدى فرضا، لان ما هو حكم الوجوب صار موجودا بمقتضى الاداء، وإنما لم يكن الوجوب ثابتا لانعدام حكمه. وكذلك المسافر إذا أدى الجمعة كان مؤديا للغرض مع أن وجوب الجمعة لم يكن ثابتا في حقه قبل الاداء بالطريق الذي ذكرنا، والله أعلم. فصل: في بيان أهلية الاداء قال رضي الله عنه: هذه الاهلية نوعان: قاصرة وكاملة فالقاصرة باعتبار قوة البدن، وذلك ما يكون للصبي المميز قبل أن يبلغ، أو المعتوه بعد البلوغ فإنه بمنزلة الصبي من حيث إن له أصل العقل وقوة العمل بالبدن وليس له صفة الكمال في ذلك حقيقة ولا حكما. والكاملة تبتنى على قدرتين: قدرة فهم الخطاب وذلك يكون بالعقل، وقدرة العمل به وذلك بالبدن. ثم يبتنى على الاهلية القاصرة صحة الاداء، وعلى الكاملة وجوب الاداء وتوجه الخطاب به، لان الله تعالى قال: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * وقبل التمييز والتمكن من الاداء لا وجه لاثبات التكليف بالاداء، لانه تكليف ما لا يطاق وقد نفى الله تعالى ذلك بهذه الآية، ولا تصور للاداء على الوجه المشروع وهو

[ 341 ]

أن يكون على قصد التقرب إلى الله تعالى، وبعد وجود أصل العقل والتمكن من الاداء قبل كماله في إلزام الاداء حرج، قال الله تعالى: * (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) * وقال تعالى * (ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم) * وفي إلزام خطاب الاداء قبل إكمال العقل من معنى الاضرار والحرج ما لا يخفى. ثم أصل العقل يعرف بالعيان، وذلك نحو أن يختار المرء في أمر دنياه وأخراه ما يكون أنفع لديه ويعرف به مستوى عاقبة الامر فيما يأتيه ويذره، ونقصانه يعرف بالتجربة والامتحان، وبعد الترقي عن درجة النقصان ظاهرا تتفاوت أحوال البشر في صفة الكمال فيه على وجه يتعذر الوقوف عليه، فأقام الشرع اعتدال الحال بالبلوغ عن عقل مقام كمال العقل حقيقة في بناء إلزام الخطاب عليه تيسيرا عل العباد، ثم صار صفة الكمال الذي يتوهم وجوده قبل هذا الحد ساقط الاعتبار، وبقاء توهم النقصان بعد هذا الحد كذلك، على ما بينا أن السبب الظاهر متى قام مقام المعنى الباطن للتيسير دار الحكم معه وجودا وعدما وأيد هذا كله قوله (ص): (رفم القلم عن ثلاث) والمراد بالقلم الحساب، والحساب إنما يكون بعد لزوم الاداء، فدل أن ذلك لا يثبت إلا بالاهلية الكاملة، وهو اعتدال الحال بالبلوغ عن عقل. وعلى هذا قلنا: ما يكون من حقوق الله تعالى فهو صحيح الاداء عند وجود الاهلية القاصرة. وذلك أنواع: فمنها ما يكون صفة الحسن متعينا فيه على وجه لا يحتمل غيره، وصفة كونه مشروعا متعين فيه على وجه لا يحتمل أن لا يكون مشروعا بحال، وذلك نحو الايمان بالله تعالى، فإنه صحيح من الصبي العاقل في أحكام الدنيا والآخرة جميعا لوجود حقيقته بعد وجود الاهلية للاداء، فإن حقيقته يكون بالتصديق بالقلب والاقرار باللسان، ومن رجع إلى نفسه علم أنه في مثل هذه الحالة كان يعتقد وحدانية الله تعالى بقلبه، والاقرار منه مسموع لا يشك فيه ولا في كونه صادقا فيما يقر به، والحكم بوجود الشئ يبتنى على وجود حقيقته،

[ 342 ]

قال فيمن وطئ جارية امرأته: فإن طاوعته فهي له وعليه مثلها، وإن استكرهها فهي حرة وعليه مثلها فإن القياس الصحيح يرد هذا الحديث ويتبين أنه كالمخالف للكتاب والسنة المشهورة والاجماع. ثم هذا النوع من القصور لا يتوهم في الراوي إذا كان فقيها لان ذلك لا يخفى عليه لقوة فقهه، فالظاهر أنه إنما روى الحديث بالمعنى عن بصيرة فإنه علم سماعه (من رسول الله كذلك مخالفا للقياس ولا تهمة في روايته فكأنما سمعنا ذلك) من رسول الله (ص) فيلزمنا ترك كل قياس بمقابلته، ولهذا قلت رواية الكبار من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم، ألا ترى إلى ما روي عن عمرو بن ميمون قال صحبت ابن مسعود سنين فما سمعته يروي حديثا إلا مرة واحدة، فإنه قال سمعت رسول الله (ص) ثم أخذه البهر والفرق وجعلت فرائصه ترتعد فقال نحو هذا أو قريبا منه أو كلاما هذا معناه، سمعت رسول الله (ص) يقول كذا. فبهذا يتبين أن الوقوف على ما أراده رسول الله (ص) من معاني كلامه كان عظيما عندهم فلهذا قلت رواية الفقهاء منهم، فإذا صحت الرواية عنهم فهو متقدم على القياس. ومع هذا كله فالكبار من أصحابنا يعظمون رواية هذا النوع منهم ويعتمدون قولهم، فإن محمدا رحمه الله ذكر عن أبي حنيفة رحمه الله أنه أخذ بقول أنس بن مالك رضي الله عنه في مقدار الحيض وغيره، وكان درجة أبي هريرة فوق درجته، فعرفنا بهذا أنهم ما تركوا العمل بروايتهم إلا عند الضرورة لانسداد باب الرأي من الوجه الذي قررنا. فأما المجهول فإنما نعني بهذا اللفظ من لم يشتهر بطول الصحبة مع رسول الله (ص) إنما عرف بما روي من حديث أو حديثين، نحو وابصة بن معبد، وسلمة بن المحبق، ومعقل بن سنان الاشجعي رضي الله عنهم وغيرهم. ورواية هذا النوع على خمسة أوجه: أحدها أن يشتهر لقبول الفقهاء روايته والرواية عنه، والثاني أن يسكتوا عن الطعن فيه بعدما يشتهر، والثالث أن يختلفوا في الطعن في روايته، والرابع أن يطعنوا في روايته من غير خلاف بينهم في ذلك، والخامس أن لا تظهر روايته ولا الطعن فيه فيما بينهم. أما من قبل السلف منه روايته وجوزوا النقل عنه

[ 343 ]

فهو بمنزلة المشهورين في الرواية، لانهم ما كانوا متهمين بالتقصير في أمر الدين، وما كانوا يقبلون الحديث حتى يصح عندهم أنه يروى عن رسول الله (ص)، فإما أن يكون قبولهم لعلمهم بعدالته وحسن ضبطه، أو لانه موافق لما عندهم مما سمعوه من رسول الله (ص) أو من بعض المشهورين يروى عنه. وكذلك إن سكتوا عن الرد بعد ما اشتهر روايته عندهم، لان السكوت بعد تحقق الحاجة لا يحل إلا على وجه الرضا بالمسموع، فكان سكوتهم عن الرد دليل التقرير، بمنزلة ما لو قبلوه وردوا عنه. وكذلك ما اختلفوا في قبوله وروايته عنه عندنا، لانه حين قبله بعض الفقهاء المشهورين منهم فكأنما روى ذلك بنفسه. وبيان هذا في حديث معقل بن سنان أن رسول الله (ص) قضى لبروع بنت واشق الاشجعية بمهر مثلها حين مات عنها زوجها ولم يسم لها صداقا فإن ابن مسعود رضي الله عنه قبل روايته وسر به لما وافق قضاءه قضاء رسول الله (ص)، وعلي رضي الله عنه رده فقال: ماذا نصنع بقول أعرابي بوال على عقبه حسبها الميراث لا مهر لها. فلما اختلفوا فيه في الصدر الاول أخذنا بروايته، لان الفقهاء من القرن الثاني كعلقمة ومسروق والحسن ونافع بن جبير قبلوا روايته فصار معدلا بقبول الفقهاء روايته. وكذلك أبو الجراح صاحب راية الاشجعيين صدقه في هذه الرواية. وكأن عليا رضي الله عنه إنما لم يقبل روايته لانه كان مخالفا للقياس عنده، وابن مسعود رضي الله عنه قبل روايته لانه كان موافقا للقياس عنده. فتبين بهذا أن رواية مثل هذا فيما يوافق القياس يكون مقبولا ثم العمل يكون بالرواية. وأما إذا ردوا عليه روايته ولم يختلفوا في ذلك فإنه لا يجوز العمل بروايته، لانهم كانوا لا يتهمون برد الحديث الثابت عن رسول الله (ص) ولا بترك العمل به وترجيح الرأي بخلافه عليه، فاتفاقهم على الرد دليل على أنهم كذبوه في هذه الرواية وعلموا أن ذلك وهم منه. ولو قال الراوي أوهمت لم يعمل بروايته، فإذا ظهر دليل ذلك ممن هو فوقه أولى. وبيان هذا في حديث فاطمة بنت قيس، فإن عمر رضي الله عنه قال: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت. قال عيسى

[ 344 ]

يسترق والاسترقاق عقوبة على وجه الجزاء على الكفر، فإن الكفار حين أنكروا وحدانية الله تعالى جازاهم على ذلك فجعلهم عبيد عبيده، وفي الاسترقاق إتلاف حكمي بطريق الجزاء لم يثبت استحقاقه، فكيف لا يثبت استحقاق الاتلاف الحقيقي إذا صحت ردته شرعا ؟ قلنا: أما الضرب إذا أساء الادب فهو تأديب للرياضة في المستقبل وليس بجزاء على الفعل الماضي منه بطريق العقوبة، بمنزلة ضرب الدواب للتأديب، وقد ورد الشرع به فقال: (تضرب الدابة على النفار ولا تضرب على العثار) وأما الاسترقاق فليس بطريق الجزاء ولكن ما كان مباحا غير معصوم وهو محل التملك كالصيود، وذراري أهل الحرب بهذه الصفة. فإن قيل: فقد قلتم العصمة للآدمي أصل ثم زوال هذه العصمة الثابتة كرامة تكون بطريق الجزاء قلنا: لا كذلك ولكن زوال هذه العصمة كزوال صفة الصحة التي هي نعمة بالمرض، وصفة الحياة بالموت وصفة الغنى بملك المال بالفقر بهلاك المال، وأحد لا يقول إن ذلك جزاء بطريق العقوبة. فأما ما يتردد من حقوق الله تعالى ويحتمل أن لا يكون مشروعا في بعض الاوقات أو لا يكون حسنا في بعض الاوقات فإنه يثبت حكم صحة الاداء فيه قبل البلوغ باعتبار الاهلية القاصرة، ولا يثبت وجوب الاداء المالي والبدني فيه سواء كالصلاة والصوم والزكاة والحج عندنا، فإن في وجوب الاداء قبل اعتدال الحال إلزام العهدة وفي صحة الاداء فيما كان منه بدنيا محض المنفعة، لانه يعتاد أداءها فلا يشق ذلك عليه بعد البلوغ، ولهذا صح منه التنفل بجنس هذه العبادات بعد أداء ما هو مشروع بصفة الفرضية في حق البالغين، وما كان منه ماليا ففي صحة الاداء منه إضرار به في العاجل باعتبار نقصان ملكه فيبتنى ذلك على الاهلية الكاملة، ثم ليس من ضرورة صحة أداء البدني اللزوم، فإن من شرع في صوم أو صلاة على ظن أنها عليه ثم تبين أنها ليست عليه يصح منه الاتمام مع انعدام صفة اللزوم حتى إذا فسد لا يجب القضاء، وفي الحج إذا شرع بالظن ثم تبين أنه ليس عليه تنعدم صفة اللزوم حتى إذا أحصر فتحلل لم يلزمه القضاء ويصح الاتمام منه بعد انتفاء صفة اللزوم. والخصم

[ 345 ]

يفرق بين المالي والبدني في هذا النوع باعتبار أن المالي يقبل النيابة في الاداء فيتوجه الخطاب بالاداء في حقه على أن ينوب الولي عنه في الاداء، والبدني لا يحتمل هذه النيابة، فلو توجه عليه الخطاب به لحقه العهدة بسببه فربما يعجز عن الاداء لصغره، ثم يتضاعف عليه وجوب الاداء بعد البلوغ فيلحقه الحرج، فلدفع الحرج قلنا لا يثبت في حقه خطاب الاداء فيما هو بدني، وهذا لا معنى له، لان الواجب في الموضعين الفعل، فالاقامة والايتاء كل واحد منهما فعل، وقد بينا أن هذا الفعل لازم بطريق القربة وذلك لا يتحقق بأداء الولي، إذ الولاية ثابتة عليه شرعا بغير اختياره، وبمثل هذه الولاية لا تتأدى العبادة. ثم هو لا يلزمه الخطاب بالايمان كما هو مذهبنا، ولو كان المعنى فيه الحرج الذي يلحقه بتضاعف الاداء بعد البلوغ لكان الخطاب بالايمان يثبت في حقه لانه بدني، ولا يتضاعف وجوب الاداء عليه بعد البلوغ لتوجه الخطاب في حالة الصغر، بل ينبني عليه صحة الاداء فرضا على مذهبه، وقد جوز مثل هذا في العبادات البدنية لتوفير المنفعة عليه حتى قال: إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره فإن المؤدى يجوز عن الفرض، لان سقوط الخطاب لمعنى النظر، ومعنى النظر هنا في توجه الخطاب عليه في أول الوقت حتى لا تلزمه الاعادة. وكذلك قال: إذا أحرم بالحج ثم بلغ قبل الوقوف فإن حجه يكون عن الفرض، لان معنى النظر هنا في إلزام الخطاب إياه سابقا على الاحرام، فكان ينبغي أن يقول مثل هذا في الايمان. ونحن أثبتنا هذا في الصلاة والاحرام، لان توجه الخطاب لما كان لا يثبت إلا بعد البلوغ مقصورا عليه فالمؤدي قبله إذا كان بحيث يتردد بين الفرض والنفل لا يمكن أن يجعل فرضا بحال، أرأيت لو صلى رجل بعد زوال الشمس أربع ركعات قبل نزول فرضية الظهر ثم نزلت فرضية الظهر قبل مضي الوقت أكان ذلك جائزا عن فرضه ؟ هذا شئ لا يقول به أحد. وعلى هذا قلنا: إحرامه صحيح باعتبار الاهلية القاصرة ولكن لا تلزمه الكفارات بارتكاب المحظورات،

[ 346 ]

الكذب محظور عقله فنستدل بانزجاره عن سائر ما نعتقده محظورا على انزجاره عن الكذب الذي نعتقده محظورا، أو لما كان منزجرا عن الكذب في أمور الدنيا فذلك دليل انزجاره عن الكذب في أمور الدين وأحكام الشرع بالطريق الاولى، فأما إذا لم يكن عدلا في تعاطيه فاعتبار جانب تعاطيه يرجح معنى الكذب في خبره، لانه لما لم يبال من ارتكاب سائر المحظورات مع اعتقاده حرمته فالظاهر أنه لا يبالي من الكذب مع اعتقاده حرمته، واعتبار جانب اعتقاده يدل على الصدق في خبره فتقع المعارضة ويجب التوقف، وإذا كان ترجيح جانب الصدق باعتبار عدالته وبه يصير الخبر حجة للعمل شرعا، فعرفنا أن العدالة في الراوي شرط لكون خبره حجة. فأما اشتراط الاسلام: لانتفاء تهمة الكذب لا باعتبار نقصان حال المخبر بل باعتبار زيادة شئ فيه يدل على كذبه في خبره، وذلك لان الكلام في الاخبار التي يثبت بها أحكام الشرع، وهم يعادوننا في أصل الدين بغير حق على وجه هو نهاية في العداوة فيحملهم ذلك على السعي في هدم أركان الدين بإدخال ما ليس منه فيه، وإليه أشار الله تعالى في قوله: * (لا يألونكم خبالا) *: أي لا يقصرون في الافساد عليكم، وقد ظهر منهم هذا بطريق الكتمان، فإنهم كتموا نعت رسول الله (ص) ونبوته من كتابه بعدما أخذ عليهم الميثاق بإظهار ذلك فلا يؤمنون من أن يقصدوا مثل ذلك بزيادة هي كذب لا أصل له بطريق الرواية، بل هذا هو الظاهر، فلاجل هذا شرطنا الاسلام في الراوي لكون خبره حجة، ولهذا لم نجوز شهادتهم على المسلمين، لان العداوة ربما تحملهم على القصد للاضرار بالمسلمين بشهادة الزور، كما لا تقبل شهادة ذي الضغن لظهور عداوته بسبب الباطن، وقبلنا شهادة بعضهم على بعض لانعدام هذا المعنى الباعث على الكذب فيما بينهم. وبهذا تبين أن رد خبره ليس لعين الكفر بل لمعنى زائد يمكن تهمة الكذب في خبره، بمنزلة شهادة الاب للولد فإنها لا تكون مقبولة لمعنى زائد يمكن تهمة الكذب في شهادته وهو شفقة الابوة وميله إلى ولده طبعا. وأما بيان حد هذه الشروط وتفسيرها فنقول: العقل نور في الصدر به يبصر

[ 347 ]

القلب عند النظر في الحجج بمنزلة السراج، فإنه نور تبصر العين به عند النظر فترى ما يدرك بالحواس لا أن السراج يوجب رؤية ذلك ولكنه يدل العين عند النظر عليه، فكذلك نور الصدر الذي هو العقل يدل القلب على معرفة ما هو غائب عن الحواس من غير أن يكون موجبا لذلك، بل القلب يدرك (بالعقل) ذلك بتوفيق الله تعالى، وهو في الحاصل عبارة عن الاختيار الذي يبتنى عليه المرء ما يأتي به وما يذر مما لا ينتهي إلى إدراكه سائر الحواس، فإن الفعل أو الترك لا يعتبر إلا لحكمة وعاقبة حميدة، ولهذا لا يعتبر من البهائم لخلوه عن هذا المعنى، والعاقبة الحميدة لا تتحقق فيما يأتي به الانسان من فعل أو ترك له إلا بعد التأمل فيه بعقله، فمتى ظهرت أفعاله على سنن أفعال العقلاء كان ذلك دليلا لنا على أنه عاقل مميز وأن فعله وقوله ليس يخلو عن حكمة وعاقبة حميدة، وهذا لان العقل لا يكون موجودا في الآدمي باعتبار أصله ولكنه خلق من خلق الله تعالى يحدث شيئا فشيئا، ثم يتعذر الوقوف على وجود كل جزء منه بحسب ما يمضي من الزمان على الصبي إلى أن يبلغ صفة الكمال، فجعل الشرع الحد لمعرفة كمال العقل هو البلوغ تيسيرا للامر علينا، لان اعتدال الحال عند ذلك يكون عادة والله تعالى هو العالم حقيقة بما يحدثه من ذلك في كل أحد من عباده من نقصان أو كمال، ولكن لا طريق لنا إلى الوقوف على حد ذلك، فقام السبب الظاهر في حقنا مقام المطلوب حقيقة تيسيرا، وهو البلوغ مع انعدام الآفة، ثم يسقط اعتبار ما يوجد من العقل للصبي قبل هذا الحد شرعا لدفع الضرر عنه لا للاضرار به، فإن الصبا سبب للنظر له، ولهذا لم يعتبر فيما يتردد بين المنفعة والمضرة ويعتبر فيما يتمخض منفعة له. ثم خبره في أحكام الشرع لا يكون حجة للالزام دفعا لضرر العهدة عنه كما لا يجعل وليا في تصرفاته في أمور الدنيا دفعا لضرر العهدة عنه، ولهذا صح سماعه وتحمله للشهادة قبل البلوغ إذا كان مميزا، فقد كان في الصحابة من سمع في حالة الصغر وروي بعد البلوغ وكانت روايته مقبولة، لانه ليس في ذلك من معنى ضرر لزوم العهدة شئ، وإنما يكون ذلك في الاداء، فيشترط لصحة أدائه على وجه يكون حجة كونه عاقلا مطلقا، ولا يحصل ذلك إلا

[ 348 ]

استحق الرضخ، لان ذلك محض منفعة يثبت بالاهلية القاصرة كالاحتطاب والاحتشاش، وينبغي أن يكون هذا على أصل الخصم أيضا، فإنه يقول: كل منفعة من هذا الجنس يصلح له بوليه فإنه لا يكون أهلا لتحصيل ذلك لنفسه بنفسه، وما لا يحصل له بوليه يكون هو أهلا لتحصيله ذلك لنفسه. وفي قبول الهبة والصدقة له قولان: في أحدهما لا يصح ذلك منه بنفسه ويصح من الولي ذلك في حقه، وفي القول الآخر على عكس هذا. ثم استحقاق الرضخ بسبب القتال محض منفعة لا يمكن تحصيله له من قبل الولي بمباشرته سببه فينبغي أن يجعل هو أهلا لتحصيله لنفسه بمباشرته سببه. فأما ما هو ضرر محض فنحو إبطال الملك في الطلاق والعتاق، ونقل الملك بالهبة والصدقة، فإنه محض ضرر في العاجل لا يشوبه منفعة، ولهذا ينبني صحته شرعا على الاهلية الكاملة فلا يثبت بالاهلية القاصرة حتى لا يملكه الصبي بنفسه ولا بواسطة الولي إذا باشر ذلك في حقه. وزعم بعض مشايخنا أن هذا الحكم غير مشروع في حق الصبي أصلا حتى إن امرأته لا تكون محلا للطلاق. قال رضي الله عنه: وهذا عندي وهم، فإن الطلاق يملك بملك النكاح إذ لا ضرر في إثبات أصل الملك وإنما الضرر في الايقاع، حتى إذا تحققت الحاجة إلى صحة إيقاع الطلاق من جهته لدفع الضرر كان صحيحا، وبهذا يتبين فساد قول من يقول: إنا لو أثبتنا ملك الطلاق في حقه كان خاليا عن حكمه وهو ولاية الايقاع، والسبب الخالي عن حكمه غير معتبر شرعا كبيع الحر وطلاق البهيمة، فإن الحكم ثابت في حقه عند الحاجة حتى إذا أسلمت امرأته وعرض عليه الاسلام فأبى فرق بينهما وكان ذلك طلاقا في قول أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما، وإذا ارتد وقعت الفرقة بينه وبين امرأته وكان طلاقا في قول محمد، وإذا وجدته امرأته مجبوبا فخاصمت في ذلك فرق بينهما. ولم يبين في الجامع أن هذه الفرقة تكون بطلاق أم لا. وقال بعض مشايخنا إنها تكون بطلاق اكتفاء

[ 349 ]

بالاهلية القاصرة عند تحقق الحاجة إلى دفع الضرر عنها. وقال بعضهم: هذه تكون بغير طلاق، لان الصبي المميز والرضيع الذي لا يعقل في هذا الحكم سواء، وينعدم في حق الرضيع الاهلية القاصرة والكاملة جميعا. وإذا كاتب الاب أو الوصي نصيب الصغير من عبد مشترك بينه وبين غيره واستوفى بدل الكتابة صار الصبي معتقا بنصيبه حتى يضمن قيمة نصيب شريكه إن كان موسرا، وهذا الضمان لا يجب إلا بالاعتاق فيكفي بالاهلية القاصرة في جعله معتقا للحاجة إلى دفع الضرر عن الشريك، فعرفنا أن الحكم ثابت في حقه عند الحاجة، فأما بدون الحاجة لا يجعل ثابتا، لان الاكتفاء بالاهلية القاصرة لتوفير المنفعة على الصبي وهذا المعنى لا يتحقق فيما هو ضرر محض. فأما ما يتردد بين المنفعة والضرر فنحو المعاوضات كالبيع والشراء والنكاح، وهذا ثابت في حق الصبي عند مباشرة الولي أو عند المباشرة بإذن الولي، لان معنى توفير المنفعة فيه متوهم، وكذلك معنى الضرر ولا يندفع معنى الضرر إلا بالرأي الكامل وذلك يحصل عند مباشرة الولي أو عند مباشرة الصبي بعد استطلاع رأي الولي، فإذا اندفع توهم الضرر التحق بما تتمخض فيه المنفعة فيكون للصبي فيه عبارة صحيحة بالاهلية القاصرة، وهذا لان بهذه الاهلية اعتبرت عبارته في تصحيح التصرف شرعا في حق الغير فلان يعتبر في حق نفسه كان أولى. والمعنى فيه ما بينا أن في تصحيح عبارته نوع منفعة لا تحصل له تلك المنفعة بمباشرة الولي، ثم فيه فتح طريق يحصل المقصود عليه من وجهين: أحدهما بمباشرته بنفسه، والآخر بمباشرة الولي فيكون ذلك أنفع منه إذا كان الطريق واحدا، وقد بينا أن بالاهلية القاصرة يثبت ما فيه توفير المنفعة عليه. ثم على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه لما صار الرأي القاصر في حقه مجبورا بانضمام رأي الولي إليه التحقق بالبالغ حتى نفذ تصرفه بالغبن الفاحش مع الاجانب كما ينفذ من البالغ، ولما اندفع معنى توهم الضرر برأي الولي جعل بمنزلة ما لو اندفع ذلك برأيه الكامل بعد البلوغ فينفذ تصرفه بالغبن الفاحش

[ 350 ]

والمقصود ما في باطن الكتاب لا عين الكتاب فلا يتم ضبطه إلا بمعرفة ذلك، ولهذا استحب المتقدمون من السلف تقليل الرواية، ومن كان أكرمهم وأدوم صحبة وهو الصديق رضي الله عنه كان أقلم رواية، حتى روي عنه أنه قال: إذا سئلتم عن شئ فلا ترووا ولكن ردوا الناس إلى كتاب الله تعالى. وقال عمر رضي الله عنه: أقلوا الرواية عن رسول الله (ص) وأنا شريككم. ولما قيل ل‍ زيد بن أرقم ألا تروي لنا عن رسول الله (ص) شيئا فقال: قد كبرنا ونسينا والرواية عن رسول الله شديد. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كنا نحفظ الحديث والحديث يحفظ عن رسول الله (ص) فأما إذا ركبتم الصعب والذلول فهيهات ! فقد جمع أهل الحديث في هذا الباب آثارا كثيرة ولاجلها قلت رواية أبي حنيفة رضي الله عنه حتى قال بعض الطاعنين إنه كان لا يعرف الحديث. ولم يكن على ما ظن، بل كان أعلم أهل عصره بالحديث، ولكن لمراعاة شرط كمال الضبط قلت روايته. وبيان هذا أن الانسان قد ينتهي إلى مجلس وقد مضى صدر من الكلام فيخفى على المتكلم حاله لتوقفه على ما مضى من كلامه مما يكون بعده بناء عليه، فقلما يتم ضبط هذا السامع لمعنى ما يسمع بعدما فاته أول الكلام، ولا يجد في تأمل ذلك أيضا، لانه لا يرى نفسه أهلا بأن يؤخذ الدين عنه، ثم يكون من قضاء الله تعالى أن يصير صدرا يرجع إليه في معرفة أحكام الدين، فإذا لم يتم ضبطه في الابتداء لم ينبغ له أن يجازف في الرواية، وإنما ينبغي أن يشتغل بما وجد منه الجهد التام في ضبطه فيستدل بكثرة الرواية ممكن كان حاله في الابتداء بهذه الصفة على قلة المبالاة، ولهذا ذم السلف الصالح كثرة الرواية، وهذا معنى معتبر في الروايات والشهادات جميعا، ألا ترى أن من اشتهر في الناس بخصلة دالة على قلة المبالات من قضاء الحاجة بمرأى العين من الناس أو الاكل في الاسواق يتوقف في شهادته. فهذا بيان تفسير الضبط. وأما العدالة: فهي الاستقامة. يقال: فلان عادل إذا كان مستقيم السيرة في الانصاف والحكم بالحق. وطريق عادل، سمى به الجادة، وضده الجور. ومنه يقال: طريق جائر إذا كان من البنيات. ثم العدالة نوعان: ظاهرة. وباطنة. فالظاهرة

[ 351 ]

تثبت بالدين والعقل على معنى أن من أصابها فهو عدل ظاهرا، لانهما يحملانه على الاستقامة ويدعوانه إلى ذلك. والباطنة لا تعرف إلا بالنظر في معاملات المرء، ولا يمكن الوقوف على نهاية ذلك لتفاوت بين الناس فيهما، ولكن كل من كان ممتنعا من ارتكاب ما يعتقد الحرمة فيه فهو على طريق الاستقامة في حدود الدين. وعلى هذه العدالة نبني حكم رواية الخبر في كونه حجة، لان ما تثبت به العدالة الظاهرة يعارضه هوى النفس الشهوة الذي تصده عن الثبات على طريق الاستقامة، فإن الهوى أصل فيه سابق على إصابة العقل، ولا يزايله بعدما رزق العقل، وبعدما اجتمعا فيه يكون عدلا من وجه دون وجه، فيكون حاله كحال الصبي العاقل والمعتوه الذي يعقل من جملة العقلاء، وقد بينا أن المطلق يقتضي الكامل، فعرفنا أن العدل مطلقا من يترجح أمر دينه على هواه، ويكون ممتنعا بقوة الدين عما يعتقد الحرمة فيه من الشهوات، ولهذا قال في كتاب الشهادات: إن من ارتكب كبيرة فإنه لا يكون عدلا في الشهادة، وفيما دون الكبيرة من المعاصي إن أصر على ارتكاب شئ لم يكن مقبول الشهادة. وكان ينبغي أن لا يكون مقبول الشهادة أصر أو لم يصر، لانه فاسق بخروجه عن الحد المحدود له شرعا، والفاسق لا يكون عدلا في الشهادة، إلا أن في القول بهذا سد الباب أصلا فغير المعصوم لا يتحقق منه التحرر عن الزلات أجمع، لان لله تعالى على العباد في كل لحظة أمرا ونهيا يتعذر عليهم القيام بحقهما، ولكن التحرر عن الاصرار بالندم والرجوع عنه غير متعذر، والحرج مدفوع، وليس في التحرز عن ارتكاب الكبائر الموجبة للحد معنى الحرج، فلهذا بنينا حكم العدالة على التحرز المتأتي عما يعتقد الحركة فيه، ولهذا قلنا صاحب الهوى إذا كان ممتنعا عما يعتقد الحرمة فيه فهو مقبول الشهادة وإن كان فاسقا في اعتقاده ضالا، لانه بسبب الغلو في طلب الحجة والتعمق في اتباعه أخطأ الطريق فضل عن سواء السبيل، وشدة اتباع الحجة لا تمكن تهمة الكذب في شهادته وإن أخطأ الطريق، وكذلك الكافر من أهل الشهادة إذا كان عدلا في تعاطيه بأن كان منزجرا عما يعتقد الحرمة فيه، إلا أنه غير مقبول الشهادة على المسلمين

[ 352 ]

الفصول على شئ معلوم، فإنه يعتبر عبارته في الاختيار بين الابوين لالزام الحكم به، ولا يعتبر عبارته في الحكم بإسلامه إذا سمع منه الاقرار به، ولا شك أن المنفعة في هذا أظهر في الدنيا والآخرة، وتعتبر عبارته في الوصية والتدبير ولا تعتبر في صحة البيع والشراء، ومعنى المنفعة فيه أظهر منه في الوصية، وإنما له حرف واحد يطرده في جميع هذه الفصول، وهو أن كل منفعة يمكن تحصليها له بمباشرة وليه لا تعتبر عبارته في ذلك، وما لا يمكن تحصيله به بمباشرة وليه تعتبر عبارته فيه، فالمنفعة المقصودة من البيع والشراء يمكن تحصيلها به بمباشرة الولي، والمنفعة المطلوبة بالوصية لا يمكن تحصيلها به بمباشرة الولي، وكذلك المنفعة التي له باختيار أحد الابوين لا يمكن تحصيلها له بمباشرة الولي فتعتبر عبارته في ذلك، والمنفعة المطلوبة بالاسلام يمكن تحصيلها به بمباشرة الولي، فإنه يصير مسلما بإسلام أحد الابوين تبعا وإن كان عاقلا فلا تعتبر عبارته في ذلك. وقرر الشافعي رحمه الله هذا من طريق الفقه فقال: كونه موليا عليه سمة العجز، وكونه وليا دليل القدرة وبينهما مغايرة على سبيل المضادة فلا يجوز اجتماعهما. قال الشافعي: ولهذا لا أصحح ردته بنفسه، لان حكم الردة في حقه لما كان يثبت بطريق التبعية للابوين يسقط اعتبار مباشرته لذلك بنفسه. ثم قرر الشافعي رحمه الله هذا فقال: إذا أسلم أحد أبويه يحكم بإسلامه مع كونه معتقدا للكفر بنفسه، فإذا كان لا يعتبر اعتقاده في استدامة ما كان ثابتا في حقه فلان لا يعتبر اعتقاده في إثبات ما لم يكن ثابتا كان أولى. ولكنا نقول: هذا شئ نطرده من غير أن نتبين صحته بدليل شرعي، فإنه لا منافاة بين تحصيل منفعة له بواسطة الولي في حالة وبين تحصيل تلك المنفعة له بمباشرته بنفسه في حالة أخرى، ألا ترى أنه يصير مسلما بإسلام أبيه تارة وبإسلام أمه أخرى، وإنما تتحقق هذه (المنافاة) في حالة واحدة، ونحن إذا جعلناه مسلما بإسلام نفسه لا نجعله تبعا في تلك الحالة، وفي الحال الذي يكون تبعا لابويه لا يكون مسلما بإسلام نفسه، وما هذا إلا نظير العبد يكون تبعا لمولاه في السفر والاقامة في حالة واحدة،

[ 353 ]

ويكون أصلا بنفسه في حالة. وهو إذا خلى المولى بينه وبين ذلك، وهذا لما في تصحيح عبارته من تحصيل منفعة مقصودة له لا يحصل ذلك بمباشرة الولي بما في توسيع الطرق عليه من المنفعة التي لا تحصل إذا كان جهة الاصابة واحدا عينا، وإذا أسلم أحد أبويه فإنما نجعله مسلما تبعا، لانه في نفسه غير معتقد شيئا ولا واصف لشئ سوى ذلك، حتى لو علم أنه معتقد للكفر بأن وصف ذلك نجعله مرتدا ونجعل حكمه كحكم من أسلم بنفسه ثم ارتد (نعود بالله تعالى) بعد ذلك. فهذا تمام البيان فيما ينبني على الاهلية القاصرة والكاملة، والله أعلم بالحقيقة والصواب. هذا شئ نطرده من غير أن نتبين صحته بدليل شرعي، فإنه لا منافاة بين تحصيل منفعة له بواسطة الولي في حالة وبين تحصيل تلك المنفعة له بمباشرته بنفسه في حالة أخرى، ألا ترى أنه يصير مسلما بإسلام أبيه تارة وبإسلام أمه أخرى، وإنما تتحقق هذه (المنافاة) في حالة واحدة، ونحن إذا جعلناه مسلما بإسلام نفسه لا نجعله تبعا في تلك الحالة، وفي الحال الذي يكون تبعا لابويه لا يكون مسلما بإسلام نفسه، وما هذا إلا نظير العبد يكون تبعا لمولاه في السفر والاقامة في حالة واحدة،

[ 353 ]

ويكون أصلا بنفسه في حالة. وهو إذا خلى المولى بينه وبين ذلك، وهذا لما في تصحيح عبارته من تحصيل منفعة مقصودة له لا يحصل ذلك بمباشرة الولي بما في توسيع الطرق عليه من المنفعة التي لا تحصل إذا كان جهة الاصابة واحدا عينا، وإذا أسلم أحد أبويه فإنما نجعله مسلما تبعا، لانه في نفسه غير معتقد شيئا ولا واصف لشئ سوى ذلك، حتى لو علم أنه معتقد للكفر بأن وصف ذلك نجعله مرتدا ونجعل حكمه كحكم من أسلم بنفسه ثم ارتد (نعود بالله تعالى) بعد ذلك. فهذا تمام البيان فيما ينبني على الاهلية القاصرة والكاملة، والله أعلم بالحقيقة والصواب. وفي نهاية نسخة المكتبة الاحمدية: تم الكتاب ونجز وهذا آخره، ووافق الفراغ من كتابته يوم الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الاول، سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، على يد العبد الفقير إلى ربه، المعترف بذنبه، الراجي عفو ربه: عمر بن أحمد بن محمد الجرهمي الحنفي عفنجعله مرتدا ونجعل حكمه كحكم من أسلم بنفسه ثم ارتد (نعود بالله تعالى) بعد ذلك. فهذا تمام البيان فيما ينبني على الاهلية القاصرة والكاملة، والله أعلم بالحقيقة والصواب. وفي نهاية نسخة المكتبة الاحمدية: تم الكتاب ونجز وهذا آخره، ووافق الفراغ من كتابته يوم الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الاول، سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، على يد العبد الفقير إلى ربه، المعترف بذنبه، الراجي عفو ربه: عمر بن أحمد بن محمد الجرهمي الحنفي عفا الله تعالى عنهم أجمعين تكرما، بالمدرسة المقدمية الجولينية الحنفية، بدمشق المحروسة، رحم الله واقفها ونور ضريحه، الحمد لله رب العالمين، وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلامه.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية