الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




اصطلاحات الأصول- الشيخ علي المشكيني

اصطلاحات الأصول

الشيخ علي المشكيني


[ 1 ]

اصطلاحات الاصول ومعظم أبحاثها في بابه جيد فريد، وفى موضوعه مبتكر وحيد نتائج انظار المحققين، وعصارة افكار المتأخرين، يهديك إلى مطلبوك باقصر سبيل ويعطيك منيتك باحسن بيان. حضرة آية الله الحاج الميرزا علي المشكيني

[ 2 ]

تمتاز هذه الطبعة عن سوابقها ببعض الاضافات من قبل المؤلف دام ظله، وتصحيح الاخطاء المطبعية وبحسن الطباعة حتى اخرجت بحلتها القشيبة هذه، خدمة لطلاب العلم والفضيلة والله ولي التوفيق. الناشر إسم الكتاب: اصطلاحات الاصول ومعظم أبحاثها المؤلف: حضرة آية الله الحاج الميرزا علي المشكيني الطبعة: الخامس عدد الصفحات: 304 عدد النسخ: 2000 تاريخ النشر: صفر المظفر 1413 ه‍. ق مرداد 1371 ه‍. س المطبعة: الهادي الناشر: دفتر نشر الهادي قم تليفون 37001 حق الطبع محفوظ للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الذي له الاسماء الحسنى والصفات العليا، والحمد لله الذي علم ادم الاسماء كلها والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد المصطفى وعلى اله الاتقياء الاوصياء واللعن على اعدائهم في الاخرة والاولى. وبعد: اعلم انه قد كثر استعمال عدة من الالفاظ لدى الاصوليين في معاني مخصوصة تغاير معانيها الحقيقة أو تباينها، بحيث صارت عندهم منقولة عن المعاني الاولية وحصل لها وضع تخصصي أو تخصيصي في المعاني الحديثة. فانتج ذلك تعسر ادراك المقصود منها للباحث في هذا الفن، أو عدم نيله إلى حقيقة الغرض من البحث. فرأيت مستعينا بالله تعالى ان أضع كتابا شاملا لتوضيح ما اصطلحوا عليه وتفسيره مراعيا فيه حسن التعبير، مجتنبا عن الاطناب والتعسير، موضحا كل مطلب بمثال، مشيرا فيه إلى بعض الاقوال، وايراد ما يناسب البحث من الاستدلال، محافظا في ذلك على مقتضى الحال فاوردت ما تيسر لي ذكره من العناوين المصطلحة على ترتيب حروف اوائله ليكون سهل التناول للباحث الفاحص. ثم اني رجوت ان تكون في هذا التأليف خدمة لطلبة العلم ورواد الحقيقة وتسهيلا

[ 4 ]

لامرهم في دراسة علم الاصول، وحفظا لاوقاتهم الثمينة عن التضييع فيما لا يعنيهم، فقصدت القربة واقدمت على التأليف مع ضيق الباع وقلة الاطلاع والمرجو من الرب الكريم ان يتقبل ذلك بقبول حسن ويثيبني عليه ثوابا جميلا، وياجرني ومن يراجعه ويستفيد منه اجرا جزيلا فانه اهل لذلك وهو ولي التوفيق. وينبغي قبل الورود في المقصود من تقديم امرهام وهو انه قد وردت في شرف العلم وفضله والثناء عليه ومدحه وحمد طالبيه واطراء حامليه، اخبار كثيرة واحاديث غفيرة تبلغ حد التواتر بل تزيد عليه بكثير، ان تريدوها لا تحسبوها وان تعدوها لا تحصوها. فنذكر هنا نبذا يسيرا، ونزرا قليلا تشرفا بنقلها وتيمنا بذكرها. وليعلم قبل ذلك ان المراد من العلم الذي كثر الحث في تلك الاخبار على تحصيله والترغيب في تعلمه وتعليمه حتى انه عد من اعلا الفرائض واغلاها، واشرف الذخائر واسماها، انما هو علم الدين وفقه الشريعة من اصولها الاعتقادية وقوانينها الاخلاقية وفروعها العملية، فهي المتصفة بالشرف والفضيلة والممدوحة بمدائح جميلة كقوله " عليه السلام " " بالعلم حياة القلوب ونور الابصار من العمى، بالعلم يطاع الله ويعبد وبالعلم يعرف الله ويوحد، وبالعلم توصل الارحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وانه السبب بينكم وبين الله، وانه لا خير في دين لا تفقه فيه، وان ذخيرة العلم اجتناب الذنوب، وان تعلم العلم حسنة ومدارسته تسبيح، لانه معالم الحلال والحرام، وان بالعلم تحسن خدمة ربك " إلى غير ذلك مما ستسمعه. واما العلوم المتداولة الدارجة، والفنون المتعارفة الرائجة في هذه الاعصار فان كان الغرض منها تحصيل المعاش الحلال، وتوسعة الرزق، وعمارة الارض والبلاد، والخدمة للعباد، فهي لدى الشرع ومشرعه كسائر صنوف تحصيل المعاش والمكاسب والتجارات حلال محلل وممدوح محمود، تشمله الادلة الدالة على محبوبية طلب الحلال وتوسعة المعاش واعانة الضعفاء وحفظ نظام المجتمع والمعاونة على رفاههم، كل ذلك بشرطها وشروطها. وان كان الغرض مجرد الدنيا وجعلها مقدمة لتحصيل الثروة وحيازة المقام والترأس على ضعفة العباد وتوسعة السلطة على الملك والبلاد، واشباع القوى البهيمية

[ 5 ]

والشهوية، والاجابة للملتمس الميول النفسانية وتقوية الملكات السبعية يمنع منازعه في هواه ويدفع مزاحمه في مناه فهي الدنيا المبغوضة الملعونة والمشتغلون بها هم اهل الدنيا، وقد صارت هي اكبر همهم ومبلغ علمهم ونعوذ بالله من ذلك. واما ما اردنا ايراده من الاخبار فها اليك نبذا منها تتعلق بفضل نفس العلم وفضيلة التعلم والتعليم، ونبذا مما يتعلق بشرف طالبيه وحامليه وكرامتهم عند الله. فمن الاول: ما ورد من انه: " لا كنز انفع من العلم ". وان: " من سلك طريقا يطلب به علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ". وان تعلم العلم حسنة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وبذله لاهله قربة، لانه معالم الحلال والحرام وسالك بطالبه سبيل الجنة، وهو انيس في الوحشة وصاحب في الوحدة وسلاح على الاعداء وزين الاخلاء ; يرفع الله به اقواما يجعلهم في الخير ائمة يقتدى بهم، ترمق اعمالهم وتقتبس آثارهم وترغب الملائكة في خلتهم، يمسحونهم باجنحتهم في صلوتهم، لان العلم حياة القلوب ونور الابصار من العمى وقوة الابدان من الضعف، وينزل الله حامله منازل الابرار ويمنحه مجالسة الاخيار في الدنيا والاخرة، بالعلم يطاع الله ويعبد وبالعلم يعرف الله ويوحد وبالعلم توصل الارحام وبه يعرف الحلال من الحرام، والعلم امام العقل والعقل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الاشقياء. وان فضل العلم احب إلى الله من فضل العبادة. وان كمال المؤمن في ثلث خصال اولها تفقهه في دينه. وانه يلزم لكل ذى حجى استماع العلم وحفظه ونشره عند اهله والعمل به. وان العلم ضالة المؤمن. وانه وراثة كريمة. وان طلب العلم فريضة على كل مسلم في كل حال، فاطلبوا العلم من مظانه واقتبسوه من اهله. وانه السبب بينكم وبين الله تعالى. وان طلب العلم فريضة من فرائض الله.

[ 6 ]

وانه يجب تعلمه من حملته وتعليم الاخوان كما علمه العلماء. وانه لاخير في دين لا تفقه فيه. وان كمال الدين طلب العلم والعمل به. وان طلب العلم اوجب عليكم من طلب المال، ان المال مقسوم بينكم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم وسيفي لكم به ; والعلم مخزون عليكم عند اهله قد امرتم بطلبه منهم فاطلبوه، واعلموا ان كثرة المال مفسدة للدين مقساة للقلوب وان كثرة العلم والعمل به مصلحة للدين سبب إلى الجنة، والنفقات تنقص المال والعلم يزكو على انفاقه ; وانفاقه بثه على حفظته ورواته. وانه لا يسع الناس حتى يسألوا ويتفقهوا. وانه اف لكل مسلم لا يجعل في كل جمعة يوما يتفقه فيه امر دينه ويسئل عن دينه. وانه لا يستحى الجاهل إذا لم يعلم ان يتعلم. وانه يجب تعلمه قبل ان يقبض وقبل ان يجمع. وانه يجب طلبه ولو بالصين. وانه لا شرف كالعلم. وان هذا العلم والادب ثمن نفسك فاجتهد في تعلمهما فما يزيد في علمك وادبك يزيد في ثمنك وقدرك، فان بالعلم تهتدى إلى ربك وبالادب تحسن خدمة ربك، وبادب الخدمة يستوجب العبد ولايته وقربه. وانه ليس الخيران يكثر مالك وولدك ولكن الخير ان يكثر علمك ويعظم حلمك. وان كل وعاء يضيق بما جعل فيه الاوعاء العلم فانه يتسع. وان هذه القلوب تمل كما تمل الابدان فابتغوا لها طرائف الحكمة. وان العلم اشرف الاحساب. وانه لا كنز انفع من العلم ولا قرين سوء شر من الجهل. وانه صلة بين الاخوان ودال على المروة وتحفة في المجالس وصاحب في السفر

[ 7 ]

وانس في الغربة. وان الكلمة من حكمة يسمعها الرجل فيقول أو يعمل بها خير من عبادة سنة. وان بابا من العلم يتعلمه الرجل خير له من ان يكون ابو قبيس ذهبا فانفقه في سبيل الله. وان مثل العلم الذى بعث الله به النبي " صلى الله عليه وآله " كمثل غيث اصاب ارضا منها طائفة طيبة فقبلت الماء وانبتت الكلاء والعشب الكثير، وكان منها اجادب امسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منه وسقوا وزرعوا فذلك مثل من فقه في دين الله وتفقه فعلم ما بعث الله به نبيه وعلم. وان النوم مع العلم خير من صلوة مع الجهل. وان قليلا من العلم خير من كثير من العبادة. وانه كفى بالعلم شرفا ان يدعيه من لا يحسن ويفرح إذا نسب إليه. وان العلم افضل من المال لسبعة: الاول: انه ميراث الانبياء والمال ميراث الفراعنة. الثاني: ان العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص. الثالث: يحتاج المال إلى حافظ والعلم يحفظ صاحبه. الرابع: العلم يدخل في الكفن ويبقى المال. الخامس: المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل الا للمؤمن خاصة. السادس: جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في امر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال. السابع: العلم يقوى الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه. وانه ان لم يسعد لم يشق، وان لم يرفع لم يضع وان لم يغن لم يفقر وا ان لم ينفع لم يضر، والعلم يشفع لصاحبه وحق على الله ان لا يخزيه. وان بابا من العلم تتعلمه احب إلى ابى ذر من الف ركعة تطوعا. وان العلم عليه قفل ومفتاحه السؤال. وان المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم تكون تلك الورقة يوم القيمة

[ 8 ]

سترا فيما بينه وبين النار. وانه من جلس مجلسا يحيي فيه امر الائمة " عليهم السلام " لم يمت قلبه يوم يموت القلوب. وان حلق الذكر رياض الجنة. وانه يجب تحادث العلم، فان بالحديث تجلى القلوب الرائنة. وانه يجب التكلم في العلم ليتبين قدر الرجل. وان النبي " صلى الله عليه وآله " لما رأى مجلس الدعاء ومجلس مذاكرة الفقه قال: كلا المجلسين إلى خير، اما هؤلاء فيدعون الله واما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل، هؤلاء افضل، بالتعلم ارسلت، ثم قعد معهم. وانه رحم الله عبدا احيا العلم وتذاكر به عند اهل الدين والورع. وان تذكر العلم دراسة والدراسة صلوة حسنة. وانه يجب على الانسان ان يرتع في رياض الجنة اعني حلق الذكر، فان لله سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا اتوا عليهم حفوا بها. وانه لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج. ومن الثاني: اعني ما دل على فضل حملة العلم وكرامتهم عند الله فقد وردانه لاخير في العيش الا لرجلين، عالم مطاع أو مستمع واع. وانه منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا، فاما طالب العلم فيزداد رضا الرحمن، واما طالب الدنيا فيتمادى في الطغيان. وانه من خرج من بيته يطلب علما شيعه سبعون الف ملك يستغفرون له. وانه إذا رأيتم المتفقهين فاستوصوا بهم خيرا. وان العالم بين الجهال كالحى بين الاموات. وان الله يحب بغاة العلم. وان اكثر الناس قيمة اكثرهم علما واقل الناس قيمة اقلهم علما. وان قلبا ليس فيه علم كالبيت الخراب الذى لاعامر له.

[ 9 ]

وانه اوحى الله تعالى إلى النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله ": انه من سلك مسلكا يطلب فيه العلم سهلت له طريقا إلى الجنة. وانه ما من عبد يغدو في طلب العلم ويروح الا خاض الرحمة خوضا، وهتف به الملائكة مرحبا بزائر الله وسلك من الجنة مثل ذلك المسلك. وان صحبة العالم واتباعه دين يدان به الله ; وطاعته مكسبة للحسنات ممحاة للسيئات وذخيرة للمؤمنين ورفقة في حياتهم وجميل الاحدوثة عنهم بعد موتهم. وان فقيها واحدا اشد على ابليس من الف عابد. وان من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. وان من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقى في ذل الجهل ابدا. وان طالب العلم لا يموت أو يمتع جده بقدر كده. وان قوام الدنيا باربعة: اولهم عالم يستعمل علمه وثانيهم جاهل لا يستنكف ان يتعلم. وانه لاحرج على من لا يعلم ان يسئل من يعلم. وان طالب العلم احبه الله واحبه الملائكة واحبه النبيون ولا يحب العلم الا السعيد فطوبى لطالب العلم يوم القيمة ; وهذا كله تحت هذه الاية: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات ". وان من خرج يطلب بابا من علم ليرد به باطلا إلى حق اوضلالة إلى هدى كان عمله ذلك كعبادة متعبد اربعين عاما. وان الشاخص في طلب العلم كالمجاهد في سبيل الله، وكم من مؤمن يخرج في طلب العلم فلا يرجع الا مغفورا. وانه من تعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل كان افضل من ان يصلى الف ركعة تطوعا. وانه إذا خرج في طلب العلم ناداه الله عزوجل من فوق العرش مرحبا بك. وان اولى الناس بالانبياء اعلمهم بما جائوا به. وان الناس ابناء ما يحسنون.

[ 10 ]

وان العالم كبير وان كان حدثا والجاهل صغير وان كان شيخا وان الشريف من شرف علمه. وان الملوك حكام على الناس والعلماء، حكام على الملوك. وانه من طلب علما فادركه كتب الله له كفلين من الاجر ومن طلب علما فلم يدركه كتب الله له كفلا من الاجر. وان من جائه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الاسلام كان بينه وبين الانبياء درجة واحدة في الجنة. وان من غدا إلى مسجد ليتعلم خيرا، أو ليعلمه كان له اجر معتمر تام العمرة ومن راح إلى المسجد لا يريد الا ليتعلم خيرا أو ليعلمه فله اجر حاج تام الحجة. وان امقت الناس إلى الله الجاهل المستخف بحق اهل العلم التارك للاقتداء بهم. وان احب الناس إلى الله التقى الطالب للثواب الجزيل الملازم للعلماء. وانه ويل لمن سمع بالعلم ولم يطلبه كيف يشحر مع الجهال إلى النار. وان الله يقول يوم القيمة يا معشر العلماء ما ظنكم بربكم فيقولون ظننا ان ترحمنا وتغفر لنا فيقول الله تعالى فانى قد فعلت انى استودعتكم حكمتي لا لشر اردته بكم بل لخير اردته بكم فادخلوا في صالح عبادي إلى جنتي ورحمتي. وانه إذا جاء الموت لطالب العلم وهو على هذه الحالة مات شهيدا. وان الائمة " عليهم السلام " هم العلماء والشيعة هم المتعلمون وسائر الناس غثاء. وانه يجب ان يكون الانسان اما عالما واما متعلما واما محبا للعلماء ولا يكون قسما رابعا فيهلك ببغضهم. وان العلماء باقون ما بقى الدهر اعيانهم مفقودة وامثالهم في القلوب موجودة. وان النظر إلى وجه العالم عبادة. وان مروة الانسان مجالسة العلماء والنظر في الفقه. وان الفقهاء قادة والجلوس إليهم عبادة. وان الفقهاء سادة والجلوس إليهم زيادة.

[ 11 ]

وانه يجب الجلوس مع العلماء فانك ان تكن عالما ينفعك علمك ويزيدونك علما ; وان كنت جاهلا علموك، ولعل الله ان يظلهم برحمته فتعمك معهم. وان الله عزوجل يقول لملائكة عند انصراف اهل مجلس الذكر والعلم إلى منازلهم: اكتبوا ثواب ما شاهدتموه من اعمالهم فيكتبون لكل واحد ثواب عمله، ولا يكتبون لمن حضر معهم ممن ليس بعالم، ولا تكلم معهم بكلمة فيقول الجليل: اكتبوه معهم انهم قوم لا يشقى بهم جليسهم فيكتبون له ثوابا مثل ثواب احدهم. وان محادثة العالم على المزبلة خير من محادثة الجاهل على الزرابى. وان النظر إلى وجهه حبا له عبادة. وان من جالس العلماء وقر.

[ 12 ]

وها نحن نشرع في مطالب الكتاب على ترتيب حروف اوائل المصطلحات ليسهل الوصول إليها مستمدا من المحسن المجمل ومستعينا بالمنعم المفضل. الابتلاء وعدم الابتلاء المشهور ان كل تكليف الهى من ايجاب أو تحريم مشروط في مقام فعليته بعدة شرائط عقلية غير ما لاحظه الشارع شرطا له بالخصوص. والمسلم منها اربعة: البلوغ والعقل والقدرة والالتفات، وتسمى بالشرائط العامة ; فالصبي والمجنون والعاجز عن الامتثال والغافل لا حكم لهم فعليا ; وان قلنا بكونه ثابتا في حقهم اقتضاء وانشاء. بمعنى ان الملاك في افعالهم موجود والانشاء في حقهم مجعول ولكن لا ارادة جدية بالنسبة إليهم. هذا وقد اضيف إليها في التكليف التحريمي شرط آخر يسمى بالابتداء، فقيل ان النهى لا يكون فعليا ما لم يصر متعلقه محلا لابتدء المكلف. وبيانه: ان الغرض من النهى المنع عن ارادة المكلف للحرام لئلا يتحقق منه في الخارج وحينئذ لو كان الحرام مترقب الحصول منه بحيث كان المكلف مريدا له أو يصح ويمكن تولد الارادة في نفسه فلا اشكال في صحة النهى عنه فعلا ; ولو كان بعيد الحصول منه جدا كما لو كان الخمر المطلوب تركها في البلاد النائية ولا يصح من الشخص تولد الارادة فعلا على شربها، فلا يصح النهى عنها نهيا فعليا بل يصح معلقا على الظفر بها والوصول إليها لان الغرض من النهى وهو عدم الارادة وعدم تحقق الفعل

[ 13 ]

حاصلان حينئذ قهرا، فلا مقتضى للنهى الفعلى عنه، وهذا معنى ما افاده الشيخ (ره) في رسائله من قوله: " والمعيار في الابتلاء وعدمه صحة التكليف بذلك عند العرف وعدم صحته " ; ومراد صاحب الكفاية (ره) من قوله: " ان الملاك في الابتلاء المصحح لفعلية الزجر هو ما إذا صح انقداح الداعي إلى فعله في نفس العبد " فالاصوليون قد سموا ترقب حصول الفعل من المكلف الابتلاء وعدم ترقبة عدم الابتلاء. تنبيهان: الاول: إذا شككنا في كون متعلق التكليف داخلا في محل الابتلاء أو خارجا عنه ; كما إذا كان الاناء النجس في ملك زيد وتحت سلطنته لا يبيعه ولا يهبه، فشككنا في كونه عند العرف معدودا من محل الابتلاء بالنسبة الينا ليكون حكمه منجزا ام ليس بمحل الابتلاء فلا يكون بمنجز ففيه قولان: احدهما: الحكم بفعلية التكليف فيه بتقريب ان المورد من قبيل الشبهة المفهومية للمخصص ; أو ان المخصص فيه لبى والحكم فيها الرجوع إلى العموم أو الاطلاق، فقوله اجتنب عن الخمر مثلا مطلق والحاكم بعدم فعلية ذلك التكليف في الخمر الخارجة عن محل الابتلاء هو العقل وهو دليل لبى يقتصر في تخصيصه على المتيقن، أو انه وان فرضنا كون المخصص لفظيا فخرج به عنوان غير المبتلى به عن اطلاق وجوب الاجتناب الا ان مفهوم الابتداء مجمل عند العرف يشك في تحققه في المورد فاللازم ايضا التمسك بالمطلق. ثانيهما: الحكم بعدم الفعلية واجراء اصالة البرائة في المورد اما لان مفهوم الابتلاء معلوم والشك انما هو في تحقق مصداقة فالشبهة مصداقية حكمها الرجوع إلى الاصول، واما لان جواز التمسك بالاطلاق انما هو في موارد الشك في تقييد متعلق التكليف، كما إذا شككنافى ان الرقبة المأمور بها مقيدة بالايمان ام لا ; لا فيما شك في قيود نفس التكليف وفعليته كما في المقام فان كون المتعلق محلا للابتلاء شرط عقلي لفعلية التكليف وتنجزه فالشك في الابتلاء شك في فعلية التكليف والاصل فيه البرائة.

[ 14 ]

الثاني: قد يقع الشئ المعلوم خروجه عن محل الابتدء أو المشكوك الخروج طرفا للعلم الاجمالي، كما إذا فرضنا في صورة العلم الاجمالي بنجاسة احد الثوبين كون احدهما حاضرا عند المكلف والاخر في البلاد النائية أو في ملك زيد وتحت يده بحيث لا يبيعه ولا يهبه، فان كان الابتلاء شرطا في فعلية التكليف لم يجب الاجتناب عن الثوب الحاضر ; إذ يحتمل ان يكون النجس هو الخارج عن الابتلاء فالتكليف الواقعي ليس بفعلى، أو هو الداخل في محل الابتلاء فهو فعلى فلا علم للمكلف حينئذ بتكليف فعلى، والشرط في وجوب الاحتياط كون التكليف فعليا على كل تقدير ولو لم يكن شرطا وجب الاجتناب عن الحاضر ايضا وهذه من ثمرات كون الابتلاء شرطا وعدمه.

[ 15 ]

الاجتماع والامتناع لا اشكال عند العقل في عدم جواز صدور امر ونهى من الحكيم يتعلقان بفعل واحد له عنوان واحد في زمان واحد. فلا يجوز ان يامر عبده باكرام زيد وينهاه عن اكرامه، أو يأمره بشرب العصير وينهاه عن شربه في زمان واحد. ولكن قد وقع الاختلاف بين الاعلام في امكان تعلق الحكمين كذلك بواحد ذى عنوانين، فيأمر به بعنوان وينهى عنه بعنوان آخر كالامر بالصلوة في الدار المغصوبة بعنوان الصلوة والنهى عنها بعنوان الغصب. فذهب فريق من الاعلام إلى الجواز وامكان كون الواحد ذى الوجهين مامورا به ومنهيا عنه. فان متعلقيهما (ح) وان كانا متحدين وجودا الا انهما متعددان عنوانا ; وتعدد العنوان مستلزم لتعدد المعنون عقلا، فالموجود المترائى في نظر اهل العرف واحدا يكون بنظر العقل متعددا فهو وجود واحد عرفا ووجودان عقلا، فعل واحد ظاهر وفعلان واقعا، فلا مانع من تعلق الامر به بعنوان والنهى عنه بعنوان آخر، ويترتب عليه آثارهما من حصول الاطاعة واستحقاق المثوبة بالنسبة إلى الامر، والمعصية واستحقاق العقوبة

[ 16 ]

بالنسبة إلى النهى فسمى هذا المبنى بالاجتماع والقائلون بذلك بالاجتماعين. وذهب آخرون إلى الامتناع عقلا وان اتحاد متعلق الامر والنهى خارجا يستلزم اجتماع، الضدين، اعني تعلق ارادة الامر وكراهته بالنسبة إلى فعل واحد وهو مستحيل، ولا ينفع في ذلك تعدد العنوان، فان كثرة الاسم لا يجعل المسمى متكثرا ويسمى هذا المبنى بالامتناع والقائلون به بالامتناعيين. تنبيهان: الاول: قد علم مما ذكرنا ان وجه الاشكال في المسألة هو لزوم المحذور العقلي في ناحية الحكيم الصادر عنه الحكم، فالقائل بالامتناع يدعى استحالة توجيه الحكمين على النحو المذكور لاستلزامه اجتماع الارادة والكراهة في نفس المولى مع تعلقهما بفعل واحد في زمان واحد، فالمحذور هو كون نفس التكليف محالا، لا انه يلزم التكليف بالمحال فانه على فرض لزومه في بعض الموارد محذور آخر. الثاني: العنوانان المتعلقان للامر والنهى المنطبقان على وجود واحد يتصوران على اقسام ثلثة. اولها: أو يكون بينهما التساوى في الصدق كما إذا قال جئني بالضاحك، وقال لاتجئ بالكاتب. ثانيها: ان يكون بينهما العموم من وجه كما إذا قال صل ولا تغصب. ثالثها: ان يكن بينهما العموم المطلق كما إذا قال جئني بحيوان وقال لا تجئ ببقر. والظاهر ان في موارد التصادق في الجميع يجرى نزاع الاجتماع والامتناع، فيقول المجوزانه لا محذور عقلي من ناحية المولى في تعلق التكليفين بمورد الاجتماع وان كان المانع من ناحية العبد موجودا في القسم الاول، فانه لا قدرة له لو اراد الامتثال التام باتيان المأمور به وترك المنهى عنه للتلازم بينهما في الوجود، فعدم جواز القسم الاول لدى الاجتماعي انما هو للزوم التكليف بالمحال لا التكليف المحال بنفسه، بخلاف

[ 17 ]

القسمين الاخيرين فانه يمكن للمكلف امتثال كلا التكليفين، فان صلى في غير الغصب وترك الغصب اطاع الامر وامتثل النهى وان صلى فيه كان ذلك اطاعة وعصيانا. فعلم من ذلك انه لا تعارض عندهم بين دليلى صل ولا تغصب حتى يخصص احدهما بالاخر أو يتساقطا فيرجع إلى الاصول بالعملية، وكذا لا تعارض بين قوله جئني بحيوان ولا تجئ ببقر حتى يخصص الاول بالثاني لعدم اجتماعهما حقيقة في مورد واحد. واما الامتناعى فالقسم الاول عنده باطل من وجهين والقسم الثاني داخل في المتعارضين والثالث في الجمع الدلالى.

[ 18 ]

الاجتهاد والتقليد اما الاجتهاد: فهو في الاصطلاح تحصيل الحجة على الاحكام الشرعية الفرعية عن ملكة واستعداد. والمراد من تحصيل الحجة اعم من اقامتها على اثبات الاحكام أو على اسقاطها. وتقييد الاحكام بالفرعية لاخراج تحصيل الحجة على الاحكام الاصولية الاعتقادية، كوجوب الاعتقاد بالمبدء تعالى وصفاته والاعتقاد بالنبوة والامامة والمعاد، فتحصيل الدليل على تلك الاحكام كما يتمكن منه غالب العامة ولو باقل مراتبه لا يسمى اجتهادا في الاصطلاح. وتقييد التحصيل بكونه عن ملكة لاخراج فعل من قد يتفق له استنباط حكم فرعى مع عدم وجود الملكة له كما إذا تصدى من له حظ من علم اللغة لاستنباط حلية البيع وحرمة الربا من قوله تعالى: " احل الله البيع وحرم الربا " مع عدم قدرته على غير علم اللغة من مقدمات الاستنباط ; وايضا لاخراج من له ملكة الاستنباط ولكنه لم يستنبط شيئا من الاحكام فيشكل اطلاق اسم الفقيه والمجتهد عليه لظهور الادلة في فعلية الاستنباط والاستخراج. ثم انه يندرج في التعريف تحصيل العلم بالاحكام الفرعية، وكذا اقامة الدليل

[ 19 ]

والامارة الشرعية عليها، وكذا تحصيل الظن الانسدادى حكومة أو كشفا. ويندرج ايضا فيه اجراء الاصول العملية الشرعية والعقلية، فانها امور ممهدة لرعاية حال الاحكام الواقعية، معمول بها في سبيل اثباتها أو اسقاطها فهى اشبه شئ بحجج منجزة أو معذرة. ثم ان المجتهد اما ان يكون محصلا للحجة على معظم الاحكام عن ملكة استنباط جميع ما يحتاج إليه ويسئل عنه. فيسمى مجتهدا مطلقا، واما ان يحصل الحجة على البعض وله ملكه استنباط البعض دون بعض لتفاوت المدارك في السهولة والصعوبة فهو يسمى مجتهدا متجزيا، لتجزى الملكات في حقه، فالمتجزى من له ملكة أو ملكات قليلة والمطلق من له ملكات كثيرة، لا ان المتجزى من له ملكة ضعيفة والمطلق من له ملكة شديدة، فالتفاوت بالكمية لا بالكيفية. ثم ان للعلماء (ره) في اصل امكان التجزى وفى جواز عمل المتجزى بالحكم الذى اجتهد فيه وفي جواز رجوع غيره إليه في ذلك اقوال مختلفة. واما التقليد: فقد يعرف بانه اخذ قول الغير للعمل به في الفرعيات والالتزام به قلبا في الاعتقاديات تعبدا وبلا مطالبة دليل ; فإذا افتى الفقيه بوجوب صلوة الجمعة أو حرمة شرب العصير فالتزم به المقلد وبنى قلبا على العمل به من دون ان يطالبه بدليل الحكم تحقق التقليد وصح ان يقال انه قلدا الفقيه في هذه المسألة وان لم يعمل به بعد، وكذا إذا افتى المجتهد بان المعراج مثلا جسماني فتعلمه المقلد واعتقد به في قلبه تحقق التقليد فيها. وقد يعرف بانه العمل استنادا إلى قول الغير وعليه لا يتحقق التقليد بمجرد تعلم الحكم ما لم يعمل به. ولا يخفى عليك ان المناسب للمورد من معانيه اللغوية معنيان: الاول: كونه بمعنى جعل الشئ ذا قلادة ويتعدى حينئذ إلى مفعولين: اولهما: الشئ الذى تجعل القلادة له وثانيهما الشئ المجعول قلادة، يقال قلد الهدى نعله أي جعله قلادة له وقلدا العبد حبلا أي جعله قلادة على عنقه، فيكون معنى قلدت الفقيه صلوتى وصومي وحجى جعلها على عنقه والقيتها على عهدته ; وهذا المعنى يقتضى كون

[ 20 ]

التقليد هو العمل فانه مادام لم يعمل لم يصدق انه قلده والقى العمل على رقبته. الثاني: التبعية ويتعدى إلى المفعول الثاني بفى يقال قلده في مشيه أي تبعه فيه فيكون معنى قلدا الفقيه في وجوب الصلوة وحرمة الخمر اتبعه فيهما، وعلى هذا المعنى ان اريد في باب التقليد من التعية التبعية بحسب القلب والاعتقاد كان التقليد هو الالتزام وان اريد بها التبعية بحسب العمل كان هو العمل عن استناد. ثم ان كثرة استعمالهم التقليد متعديا بفى شاهدة على ارادتهم المعنى الثاني وان كان احدهما كناية عن الآخر. تنبيه: استدلوا على نفوذ الاجتهاد وحجية فتوى المجتهد، وعلى صحة تقليد الجاهل له بامور: منها: آية النفر ; قال الله تعالى: " فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " فاوجب الله تعالى لطائفة التفقه في الدين وهو يشتمل الاجتهاد وتحصيل الحجه على الاحكام كما يشمل نقل الرواية. وطلب من آخرين الحذر العملي من اخبار المنذرين وهو يشمل التقليد كما يشمل اخذ الرواية. ومنها: قوله " عليه السلام " " يا ابان اجلس في المسجد وافت للناس فانى احب ان يرى في اصحابي مثلك ". وليس الامر بافتائه الا لكونها حجة وقاطعا للعذر عن السامعين وكون العمل منهم على طبقها مطلوبا. ومنها: قوله في رواية أفيونس بن عبد الرحمان ثقة: " آخذ عنه معالم دينى ؟ قال (عليه السلام) نعم ". فاخذ معالم الدين يشمل التقليد وابلاغه وبيانه يشمل الافتاء. ومنها: جريان السيرة العملية العقلائية على العمل بقول اهل الخبرة والاطلاع في كل علم وفن بلا مطالبة دليل منهم.

[ 21 ]

الاجزاء هو في اللغة بمعنى الكفاية، وفى الاصطلاح عبارة عن تأثير اتيان متعلق الامر في حصول غرض الآمر لينتج سقوط الامر، وحيث انهم قسموا الامر إلى واقعى اولى وواقعى ثانوى كالامر الاضطراري والى ظاهري، وقع البحث منهم في مواضع ثلاثة: اولها: في اجزاء اتيان متعلق كل امر بالنسبة إلى نفس ذلك الامر فهل يجزى اتيان المأمور به بالامر الواقعي كصلوة الصبح مثلا في سقوط ذلك الامر واتيان المأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهرى كالصلوة بالتيمم أو مع استصحاب الطهارة في سقوط امرهما ام لا، والمخالف في هذا المقام نادر والنزاع فيه لا يليق بحال العلماء، فانه لو أمر المولى بفعل واتى المكلف به بتمام ماله دخل في غرض المولى ومتعلق امره فلا معنى لعدم سقوط غرضه وامره. ثانيها: في اجزاء اتيان المأمور به بالامر الاضطراري ونحوه في سقوط الامر الواقعي بان يقال انه لو اتى الفاقد للماء صلوة بتيمم ثم وجد الماء في الوقت أو خارجه فهل تجزى تلك الصلوة الاضطرارية عن الامر الواقعي فيسقط الاعادة والقضاء ام لا يجزى فيجبان. ثالثها: في اجزاء اتيان المأمور به بالامر الظاهرى في سقوط الامر الواقعي، فإذا

[ 22 ]

صلى باجراء اصالة الطهارة في ثوبه أو استصحابها مثلا ثم انكشف الخلاف في الوقت أو خارجه فهل تجزى تلك الصلوة الظاهرية عن الواقع فلا يجب الاعادة والقضاء ام لا فيجبان. تنبيه: استدلوا على اجزاء الاوامر الاضطرارية بالنسبة إلى الواقعية باطلاق مثل قوله تعالى: " وان لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا اه " وقوله " عليه السلام ": " التراب احد الطهورين ويكفيك عشر سنين " ونحوهما، فان ظاهرها كون العمل الاضطراري في هذه الحالة مشتملا على جميع مصالح الاختياري أو معظمها في حال الاختيار، ولازمه الاجزاء وعدم وجوب الاعادة أو القضاء. ولو لم يكن اطلاق لذلك الدليل فمقتضى اصالة البرائة (ح) عدم الوجوب فانه لشك في تجدد التكليف بعد رفع الاضطرار والاصل عدمه. واستدلوا ايضا على اجزاء الامر الظاهرى عن الواقعي بان مريد الصلوة مثلا إذا شك في الطهارة فاجرى قاعدة الطهارة أو استصحابها كان الاصلان مثبتين للطهارة حاكمين على اطلاق مادل على انه لاصلوة الا بطهور ولازم ذلك احراز الشرط واجزاء العمل وهنا تفاصيل لا يناسب هذا المختصر ذكرها.

[ 23 ]

الاجماع يطلق الاجماع تارة ويراد به اتفاق جميع علماء الاسلام أو التشيع حتى الامام " عليه السلام " ولو في عصر واحد على امر من الامور الدينية. ويطلق اخرى ويراد به اتفاق عدة من العلماء فيهم الامام " عليه السلام " ولو كانوا فئة قليلة. ويطلق ثالثة ويراد به اتفاق الجميع غير الامام " عليه السلام " ولو في عصر واحد. ويطلق رابعة على قول الامام " عليه السلام " وحده. اما القسم الاول والثانى: فيسمى كل منهما اجماعا دخوليا لدخول الامام في المجمعين، فمتى حصل لاحد ذلك النحو من الاتفاق وعلم به كان حجة على اثبات ذلك الامر المجمع عليه لاشتماله على ما هو من اعلى الحجج اعني قول المعصوم " عليه السلام " ولكن الكلام في حصول العلم والاطلاع على ذلك، نعم قد يتصور القسم الثاني بانه لو ورد احد من المؤمنين في مجلس أو مسجد فرأى عدة جالسة فسئلهم عن حكم السورة في الصلوة مثلا فافتوا جميعا بالوجوب ثم علم بعد ذلك ان الامام " عليه السلام " كان داخلا فيهم وان لم تحصل له المعرفة بشخصه فهذا الاتفاق اجماع دخولي فممكن حصوله.

[ 24 ]

واما القسم الثالث: ففى حجيته بالنسبة إلى من حصله أو من نقل إليه اختلاف بين الاعلام فقال عدة منهم بالحجية لاجل الملازمة بين اتفاقهم على حكم وقول الامام " عليه السلام " بقاعدة اللطف، بتقريب ان المجمعين لو اخطأوا في الحكم جميعا لوجب على الامام " عليه السلام " عقلا من جهة وجوب اللطف عليه ان يردعهم عن خطائهم بنحو من الانحاء، فحيث لم يردعهم فهم مع الحق والحق معهم، ويسمى هذا اجماعا لطفيا والقائل به الشيخ وعدة آخرون. وقال عدة اخرى بالحجية للملازمة بينهما بقاعدة التقرير بمعنى انهم لو اخطأوا جميعا لوجب على الامام " عليه السلام " شرعا من باب ارشاد الجاهل تنبيههم على خطائهم فحيث لم ينبههم عليه فهم على الحق ; ويسمى هذا اجماعا تقريريا. وذهب عدة ثالثة إلى انكار الملازمة بين قوله " عليه السلام " وقولهم ; وقالوا انه انما يكون حجة من جهة انه يحصل غالبا لمحصل هذا الاتفاق قطع أو اطمينان بتوافق رأيهم مع رأي الامام " عليه السلام "، فانه يبعد كل البعد ان يتلبس مثلا جميع جنود سلطان بلباس مخصوص مع عدم اطلاع سلطانهم عليه وامرهم به ويسمى هذا اجماعا حدسيا. وذهب عدة رابعة إلى عدم الملازمة وعدم حصول القطع بقول الامام " عليه السلام " الا انهم قالوا بان اتفاقهم كاشف عن وجود دليل معتبر في البين فهو حجة من هذه الجهة ويسمى هذا اجماعا كشفيا. واما القسم الرابع: فقد يتفق فيما إذا وصل اوحدى من الناس في زمان الغيبة إلى حضرة الامام " عليه السلام " وتشرف بخدمته واخذ منه " عليه السلام " حكما من الاحكام ولا يريد اظهار الامر على الناس، فيقول هذا الحكم مما قام عليه الاجماع مريدا به نفس الامام " عليه السلام " فانه واحد كالكل ولا جله خلق البعض والكل فبهم فتح الله وبهم يختم وهذا يسمى اجماعا تشرفيا. تنبيهان: الاول: قد عرفت ان الاجماع على اقسام ستة، دخولي ولطفى وتقريري وحدسي

[ 25 ]

وكشفى وتشرفى، ومتى حصل لاحد قسم من تلك الاقسام ونقله لغيره فهو بالنسبة إلى من حصله وتحقق في حقه يسمى اجماعا محصلا، وبالنسبة إلى من نقل إليه اجماعا منقولا. الثاني: وجه حجية الاجماع لمحصله وللمنقول إليه هو قول الامام " عليه السلام " فالدخولى والتشرفى لا اشكال في حجيتهما للسامع إذ الناقل ينقل قول الامام " عليه السلام " بلا واسطة وان ضم إليه اقوال آخرين فهو خبر عالى السند. واما اربعة الاخر فحجيتها في حق المنقول إليه منوطة باعتقاده اللطف والتقرير والكشف أو بحدسه قول الامام " عليه السلام " مثل الناقل بواسطة نقله والا فلا حجية فيها.

[ 26 ]

احوال اللفظ وتعارضها اعلم انه يعرض للفظ من ناحية الوضع والاستعمال حالات مختلفة وضعو الكل منها اسما خاصا وعنوانا معينا. فبملاحظة حاله قبل الوضع مهمل. وحاله بعده موضوع. وبلحاظ كون معناه جزئيا متشخصا علم شخص، وكونه طبيعة كلية اسم جنس، وبلحاظ وضعه لمعان مختلفة باوضاع متعددة مشترك لفظي، ولمعنى قابل للانطباق على كثيرين مشترك معنوى، وبلحاظ وضع الفاظ متعددة لمعنى واحد مترادف، وبلحاظ نقله عن معنى إلى آخر منقول، وبلحاظ استعماله في ما وضع له حقيقة واستعماله في غير ما وضع له مجاز وبملاحظة كون اسناده إلى ما هو له حقيقة في الاسناد، والى غير ما هو له مجاز في الاسناد، وبملاحظة حذف شئ وتقديره مجاز في الحذف إلى غير ذلك من الحالات. ثم ان علم الوضع وكيفية الاستعمال وانه وقع بنحو معين من تلك الانحاء فلا كلام. وان جهل الامر وتردد بين بعضها مع بعض اما من جهة الشك في كيفية الوضع

[ 27 ]

كأن شك في لفظ انه مشترك لفظي بين معنيين أو معان أو مشترك معنوى، أو من جهة كيفية الاستعمال كأن شك في انه مجاز في الكلمة أو في الاسناد. فقد وضع الاصوليون لترجيح بعض الاحتمالات على بعض قواعد عقلية لا تسمن ولا تغنى من جوع. فحكموا مثلا بكون المجاز ارجح من الاشتراك اللفظى والمعنوي كالامر المستعمل في الوجوب والندب، فإذا دار امره بين كونه حقيقة في الوجوب مجازا في الندب وبين كونه مشتركا لفظيا بينهما أو معنويا قدم الاول لعدم حصول اجمال فيه على الاول دون الاخيرين. وحكموا ايضا بكون الاشتراك ارجح من النقل فالحكم بكون لفظ الصلوة مشتركا بين الدعاء والاركان ارجح من الحكم بكونه منقولا إلى الثاني، لان النقل يقتضى نسخ الوضع الاول والاصل عدمه. وغير ذلك من الترجيحات والاستحسانات العقلية الباطلة في باب وضع الالفاظ. والحق انه كلما كان الشك راجعا إلى الوضع كانت الاصول العقلائية الجارية هناك محكمة وسيأتى ذلك تحت عنوان الوضع. وكلما شك في الاستعمال يرجع فيه إلى القرائن الشخصية أو النوعية ان كانت والا فيحكم بالاجمال. تنبيه: افردوا لبيان بعض حالات اللفظ في هذا العلم بابا مستقلا كالعموم والخصوص والاطلاق والتقييد والظهور والاجمال ونحوها فراجع مظانها.

[ 28 ]

الارادة هذه الكلمة موضوعة لغة واصطلاحا لصفة خاصة من صفات النفس تتعلق بايجاد فعل أو تركه، وتكون علة تامة لتحقق ذلك في الخارج. ولهذه الصفة مقدمات تحصل في النفس قبل حصولها، كما ان لها معلول ومسبب يوجد في الخارج بعد وجودها. اما المقدمات: فمنها: تصور فعل شئ أو تركه. ومنها: الميل إليه المسمى بهيجان الرغبة. ومنها: التصديق بحسنه وعدم البأس في صدوره بالتفكر في مصلحة الصدور ودفع مفسدته. ومنها: الجزم به والعزم عليه وهى الحالة الشبيهة بالارادة المتصلة بها ; وبعد كمال تلك المقدمات يتكون في النفس شوق مؤكد يقتضى تحريك المريد نحو المراد أو مقدمته ويكون موجبا لحركة العضلات إليه، ويسمى ذلك الشوق بالارادة كما قال الحكيم السبزواري: " عقيب داع دركنا الملائما شوقا مؤكدا ارادة سما ". واما معلولها فقد علم انه حركة عضلات المريد نحو المراد أو نحو مقدماته فيما كان فعليا. ثم انها تقسم بتقسيمات:

[ 29 ]

الاول: تقسيمها إلى الارادة الفعلية والارادة الاستقبالية. فالاولى: هي التى تتعلق بامر حالى كما إذا اراد الانسان تحريك يده أو اكله لشئ أو شربه بالفعل. والثانية: هي التى تتعلق بامر استقبالي، كما إذا اراد الانسان الصوم في الغد أو السفر بعد يوم أو شهر، وهذا تقسيم لها بالعرض والمجاز والا فهو في الحقيقة تقسيم للمراد. الثاني: تقسيمها إلى الارادة الحقيقية والارادة الانشائية وهذا التقسيم مبنى على تخيل كون لفظ الارادة مترادفا مع الطلب وحسبان ان لمعناهما مصداقين، مصداقا حقيقيا هي الصفة النفسانية المذكورة آنفا، ومصداقا انشائيا هو الطلب الانشائى والارادة الانشائية وسيجئ الكلام فيه. الثالث: تقسيمها إلى الارادة التكوينية والارادة التشريعية. فالاولى: ارادة الشخص صدور الفعل عنه بنفسه بلا تخلل ارادة غيره في صدوره ; كما في ارادة الله تعالى خلق العالم وايجاد الارض والسماء، وكارادتك اكلك وشربك وصلوتك وصيامك، فيسمى هذا القسم بالارادة التكوينية. والثانية: ارادة الشخص صدور الفعل عن غيره بارادته واختياره كما في ارادة الله تعالى صدور العبادات والواجبات من عباده باختيارهم وارادتهم، لا مجرد حصولها باعضائهم وصدورها بابدانهم بدون تخلل القصد منهم، وكما في ارادتك صدور الفعل من ابنك وخادمك بلا اجبار منك والجاء، وتسمى هذه بالارادة التشريعية. تنبيهان: الاول: ان تخلف ارادة الله تعالى عن مراده في الارادة التكوينية مستحيل عقلا، للزوم عجزه عن ايجاد مراده ; تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، واما في التشريعية فليس التخلف بمستحيل بل هو واقع كثيرا، فان موارد عصيان العباد وتركهم طاعة ربهم من الايمان والعقائد القلبية والواجبات البدنية ; من قبيل تخلف ارادة الله التشريعية عن

[ 30 ]

مراده ولا بأس بذلك. الثاني: هل الطلب والامر لفظان موضوعان للمعنى الذى وضع له لفظ الارادة فالجميع الفاظ مترادفة حاكية عن معنى واحد، أو هما موضوعان لمعنى آخر هو البعث والتحريك نحو فعل أو ترك، سواء كان بعثا خارجيا كجر المأمور قسرا نحو المأمور به، أو بعثا اعتباريا منشأ باللفظ كقوله اضرب أو اشرب، فهما في انفسهما مترادفان ومعناهما يباين معنى الارادة إذا لبعث والتحريك الفعلى أو الانشائى غير الصفة المتأصلة الحاصلة في النفس، وجهان اختار اولهما المحقق الخراساني لكن الاظهر هو الثاني. الرابع: تقسيمها إلى الارادة الاستعمالية والارادة الجدية. فالاولى ارادة المتكلم استعمال اللفظ في المعنى، والثانية ارادته المعنى المستعمل فيه اللفظ. واعلم انه ربما يعلم ان المتكلم استعمل اللفظ في معنى من المعاني ويشك في انه هل اراد المعنى المتسعمل فيه حقيقة ام رتب عليه الحكم في الكلام ظاهرا فقط، فيقال حينئذان الارادة الاستعمالية محققة موجودة والارادة الجدية مشكوكة بمعنى ان استعمال اللفظ في المعنى ثابت وقصد المعنى مشكوك، فالمراد من الارادة الاستعمالية نفس استعمال اللفظ في معناه ; فإذا ورد اكرم العلماء أو اعتق الرقبة نحكم باستعمال كلمة العلماء في معناها الحقيقي اعني الاستغراق ; والرقبة في الطبيعة لا بشرط السارية في كل فرد. ثم إذا شككنا في انه هل اراد جميع الافراد جدا ام لم يرد الفساق من العلماء والكافرة من الرقاب نقول ان الارادة الجدية بالنسبة إلى العالم الفاسق والرقبة الكافرة مشكوكة. ثم ان للعقلاء في هذه الموارد اصلا كليا يعملون به، وهو بنائهم على تحقق الارادة الجدية في مورد الشك وتطابقها مع الاستعمالية، ويمسميه الاصوليون باصالة التطابق بين الارادتين وحيث انه ينتزع من الارادة الاستعمالية الحكم بمرتبته الانشائية ومن الارادة الجدية الحكم بمرتبة الفعلية والتنجز تكون نتيجة بنائهم على تحقق الارادة

[ 31 ]

الجدية، البناء على فعلية الحكم والعمل عليه. ثم انه لو ظهر بعد ذلك وجود الارادة بنحو القطع يعلم بكون الحكم باكرام الفساق مثلا حكما فعليا واقعيا ; ولو ظهر عدمها كما لو فرض الظفر بمخصص ينكشف كون الحكم بوجوب اكرام الفساق حكما انشائيا محضا. ثم ان هذا كله لو قلنا بان تخصيص العام وتقييد المطلق لا يخرجهما عن حقيقتهما، بل التخصيص مثلا تصرف في الارادة لا في الاستعمال، واما على مبنى المشهور فالتلازم بين الارادتين ثابت، فإذا ظهر تخصيص فرد فكما يحصل العلم بعدم تعلق الارادة الجدية له يحصل العلم بعدم الاستعمال ايضا، ولو شك في التخصيص شك في الارادتين، واهل هذا المبنى ايضا يدعون ان هنا اصلا عقلائيا هو بنائهم على استعماله في العموم وارادته، ويسمونه باصالة العموم وهي من مصاديق اصالة الحقيقة كما سيجئ تحت عنوان الاصل.

[ 32 ]

الاستحسان هو رجحان ينقدح في نفس الفقيه بالنسبة إلى حكم خاص لموضوع خاص بسبب كثرة ملاحظة احكام الشرع في الموارد المناسبة لهذا الموضوع بلا ورود دليل عليه بالخصوص، كرجحان حرمة التكلم مع المرئة الاجنبية أو حرمة تخيل صورتها في نظره بواسطة ملاحظة حال النظر واللمس والتقبيل ونحوها، وصورة قياسه ان يقال حرمة التكلم والتخيل مثلا مما يترجح في النظر لمناسبتهما لموارد حكم الشرع وكلما ترجح في النظر لذلك فهو حكم الله فحرمة التكلم والتخيل حكم الله تعالى ; ثم انه لا اشكال في بطلان الاستحسان عندنا كالقياس المستنبط علته.

[ 33 ]

الاستصحاب هو حكم المكلف ببقاء شئ وترتيبه آثار البقاء فيما كان متيقنا ثبوتا ومشكوكا بقاء، فله موضوع ومحمول، موضوعه المتيقن ثبوته والمشكوك بقائه ومحموله الحكم بالبقاء بترتيب آثار بقائه في حال الشك، وعليه تكون حقيقة الاستصحاب هو فعل المكلف. وعرفه في الكفاية بانه حكم الشارع بلزوم ابقاء الشئ وترتيب آثار بقائه لدى الشك فيه فتكون حقيقته عنده هو حكم الشارع وتعريف الشيخ (ره) له بانه ابقاء ما كان يرجع إلى احد التعريفين السابقين. واطلاق الحجة عليه على التعريف الاول بمعنى كونه واجبا لازما وعلى الثاني بمعنى كونه ثابتا منكشفا بالادلة. ثم ان الدليل عليه عند عدة من الاصحاب اخبار مستفيضة. منها: قوله " عليه السلام ": " لا تنقض اليقين بالشك ". ومنها: قوله: " من كان على يقين فشك فليبن على يقينه ". وعند عدة اخرى بناء العقلاء وعند طائفة حكم العقل بذلك. وعند آخرين الظن بالبقاء ولو نوعا مع حكمهم بحجية ذلك الظن.

[ 34 ]

تنبيه: اعلم ان للاستصحاب تقسيمات باعتبار نفس الشئ المستصحب وتقسيما باعتبار الدليل الدال على ثبوت المستصحب سابقا وتقسيمات ايضا باعتبار الشك الطارى في بقاء المستصحب اما تقسيماته بالاعتبار الاول فهى كثيرة: منها: تقسيمه إلى الاستصحاب الوجودى والاستصحاب العدمي كاستصحاب وجوب الجمعة وحيوة زيد واستصحاب عدم وجوب الظهر وعدم كرية الماء. ومنها: تقسيمه إلى الاستصحاب الحكمى والاستصحاب الموضوعي، والاول نظير استصحاب حلية العصير بعد غليانه والثانى كاستصحاب حيوة زيد وكرية الماء. ومنها: تقسيمه إلى استصحاب الحكم التكليفى والحكم الوضعي، والاول كاستصحاب الوجوب والحرمة، والثانى كاستصحاب الطهارة والنجاسة والملكية والزوجية. ومنها: تقسيمه إلى الاستصحاب التعليقي والاستصحاب التنجيزي. والاول: ما كان المستصحب فيه حكما تعليقيا كما إذا ورد يحرم العنب إذا غلى و استفدنا منه للعنب حكما تحريميا تعليقيا معلقا على الغليان فإذا بقى العنب مدة وصار زبيبا وشككنا في بقاء حرمته التعليقية وعدمه كان الاستصحاب الجارى في حرمته استصحابا تعليقيا لكون المستصحب ومورد جريانه تعليقيا. والثانى: ما كان المستصحب فيه حكما تنجيزيا كاستصحاب حلية اكل العنب بعد صيرورته زبيبا وطهارته وملكيته لما لكه ونحوها. ومنها: تقسيمه إلى استصحاب الجزئي والكلى، وتقسيم الكلى إلى القسم الاول والقسم الثاني والقسم الثالث، وتقسيم القسم الثالث ايضا إلى اقسام ثلاثة. بيانه ان المستصحب تارة يكون امرا جزئيا كحيوة زيد وكرية ماء معين فيسمى ذلك باستصحاب الجزئي واخرى يكون كليا وهو على اقسام ثلاثة. الاول: ان يكون المستصحب كليا مع كون منشأ الشك في بقائه بقاء الفرد الذى تحقق في ضمنه، فإذا علمنا بوجود زيد في الدار وتحقق كلى الانسان في ضمنه ثم شككنا في بقاء الانسان فيها لاجل الشك في بقاء زيد، وفرضنا ان الشارع قال إذا كان زيد في الدار تصدق بدرهم وإذا كان الانسان فيه تصدق بدينار، كان اجراء

[ 35 ]

الاستصحاب في بقاء زيد لترتيب اثره من استصحاب الجزئي واجرائه في بقاء الانسان لترتيب اثره من استصحاب الكلى بنحو القسم الاول. الثاني: ان يكون المستصحب كليا ايضا مع كون منشأ الشك في بقائه تردد الخاص الذى تحقق الكلى في ضمنه بين فرد مقطوع البقاء وفرد مقطوع الارتفاع، مثلا إذا حصل لنا العلم بدخول حيوان إلى الدار وشككنا في انه بق أو فيل مع فرض ان البق لا يعيش ازيد من ثلاثة ايام ; ثم شككنا في اليوم الرابع والخامس مثلا في بقاء الحيوان في الدار وعدمه لاجل الشك في انه هل كان متحققا في ضمن البق حتى لا يكون باقيا أو كان متحققا في ضمن الفيل حتى يكون باقيا، فحينئذان اردنا اجراء الاستصحاب في خصوص البق فهو على فرض جريانه من استصحاب الجزئي وان اردنا اجرائه في الحيوان الكلى وترتيب آثاره سمى ذلك باستصحاب الكلى بنحو القسم الثاني. الثالث: ان يكون المستصحب كليا ايضا مع كون منشأ الشك وجود فرد آخر مقارن لوجود الفرد الزائل أو تحققه مقارنا لارتفاعه أو احتمال تبدل الفرد الاول بفرد آخر فهنا صور ثلاث يسمى جميعها باستصحاب الكلى بنحو القسم الثالث. الصورة الاولى: ان يعلم بارتفاع الفرد الذى كان الكلى متحققا في ضمنه ويشك في بقاء الكلى لاحتمال وحود فرد آخر مع الفرد الزائل، مثالها ما إذا رأينا زيدا انه دخل الدار فحصل لنا العلم بوجود الانسان فيها ثم رأيناه قد خرج عن الدار وذهب بسبيله، فشككنا في وجود الانسان فيها بالفعل من جهة احتمال كون عمرو فيها معه، فاستصحاب الانسان الكلى في هذا المثال يسمى باستصحاب الكلى بنحوالقسم الاول من القسم الثالث. الصورة الثانية: ان يعلم ايضا بارتفاع الفرد المعلوم و يشك في بقاء الكلى لاجل احتمال حدوث فرد مقارنا لارتفاع الاول، كما إذا علمنا في المثال بانه لم يكن احد في الدار غير زيد الا انا شككنا ايضا في وجود الانسان في الدار بعد خروجه لاحتمال دخول عمر وإلى الدار مقارنا لخروج زيد، ويسمى هذا باستصحاب الكلى بنحو القسم الثاني من القسم الثالث.

[ 36 ]

الصورة الثالثة: ان يشك في بقاء الكلى في مورد لاجل الشك في ان الفرد الذى كان الكلى متحققا في ضمنه هل تبدل بفرد آخر أو انه انعدم من غير تبدل، كما إذا رأينا الخمر في الاناء فعلمنا بوجود المايع فيه ثم حصل لنا العلم بعدم وجود الفرد الذى تحقق الكلى في ضمنه اعني الخمر اما لاتفاق اراقته أو تبدله بالخل فشككنا في بقاء الكلى اعني المايع في الاناء فاجراء الاستصحاب في بقاء المايع الكلى في الاناء يسمى باستصحاب الكلى بنحو القسم الثالث من القسم الثالث. ومنها: تقسيمه إلى الاستصحاب المثبت وغير المثبت، وسيأتي شرحهما تحت عنوان الاصل. واما تقسيمه بالاعتبار الثاني: اعني باعتبار الدليل فهو ان الدليل الدال على ثبوت المستصحب في السابق اما ان يكون دليلا شرعيا لفظيا كظاهر الكتاب والسنة أو يكون اجماعا قوليا أو عمليا أو يكون حكم العقل. فالاول: مثل ما إذا شككنا في بقاء نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره أو في طهارة الماء الذى شككنا في ملاقاته للنجس، فدليل الثبوت في السابق فيها قوله الماء ينجس إذا تغير وقوله الماء كله طاهر. والثانى: كما إذا قام الاجماع على نجاسة العصير العنبى ثم شككنا في بقائها بعد صيرورته دبسا قبل ذهاب الثلثين. والثالث: كما إذا حكم العقل بوجوب رد الوديعة في حال كون الودعى موسرا متمولا وفرضنا حكم الشارع ايضا على طبقه بقاعدة الملازمة ثم عرض للودعى الفقر الموجب لحصول الشك في وجوب ردها فنجري استصحاب الوجوب الشرعي المستنبط من الحكم العقلي. واما تقسيماته بالاعتبار الثالث: اعني الشك المأخوذ في موضوعه، فهى ايضا كثيرة. اولها: تقسيمه إلى الاستصحاب في الشبهة الموضوعية والاستصحاب في الشبهة الحكمية. فالموضوعية ما كان الشك في بقاء الشئ لاجل اشتباه الامور الخارجية كما إذا

[ 37 ]

شك في بقاء طهارة ثوب من جهة الشك في ملاقاته للنجس وعدمها أو في بقاء نجاسة الماء من جهة ورود الكر عليه وعدمه. والحكمية ما إذا كان الشك في بقاء الحكم لاجل عدم النص على البقاء أو اجماله أو تعارضه مع مثله، كما إذا شككنا في بقاء نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره لاجل عدم الدليل على البقاء ; وفى بقاء وجوب الصوم بعد استتار القرص وقبل ذهاب الحمرة المشرقية لاجل اجمال قوله تعالى ثم اتموا الصيام إلى الليل وتردد الليل بين ان يكون أو له الاستتار أو ذهاب الحمرة ; وشككنا في بقاء وجوب الجمعة وعدمه في زمان الغيبة لاجل تعارض النصوص، وتسمى هذه الاقسام الثلاثة بالشبهة الحكمية. ثانيها: تقسيمه إلى الاستصحاب في صورة الظن بالبقاء والظن بالارتفاع والشك المتساوي في البقاء والارتفاع ; فإذا علمنا بحيوة زيد يوم الخميس وحصل لنا التردد يوم الجمعة فقد يكون بقائها راجحا مظنونا وقد يكون مرجوحا مظنون الارتفاع وقد يكون مشكوكا بلا رجحان في البين، فبناء على حجية الاستصحاب من جهة الاخبار جاز اجرائه في الصور الثلاث ; وبناء على حجيته من جهة الظن الشخصي جاز في الصورة الاولى فقط ; وبناء على الظن النوعى أو بناء العقلاء فجريانه في الصورة الاولى والاخيرة بلا اشكال وفي الصورة الثانية مورد كلام واشكال. ثالثها: تقسيمه إلى استصحاب في الشك في المقتضى والشك في الرافع وتقسيم الشك في الرافع إلى اقسام، اما الشك في المتقضى فهو ما إذا كان الشك في البقاء لاجل الشك في مقدار استعداد الشئ للبقاء وكمية اقتضائه له، كما إذا علمنا بثبوت خيار الغبن للمغبون وشككنا في انه فورى وزمانه قصير أو هو باق وزمانه طويل. واما الشك في الرافع فهو عبارة عن الشك في البقاء بعد احراز استعداد الشئ للدوام واقتضاء ذاته للبقاء والاستمرار فيكون الشك في حدوث رافع له عن صفحة الوجود ويتصور هذا على انحاء. اولها: الشك في وجود الرافع كما إذا شك المتطهر من الحدث في خروج البول منه أو عروض النوم عليه. ثانيها: الشك في رافعية الموجود من جهة كون المتيقن السابق مرددا بين شيئين

[ 38 ]

كما إذ علم المكلف باشتغال ذمته يوم الجمعة بصلوة ولم يعلم بكونها الظهر أو الجمعة ; فإذا اتى بصلوة الجمعة مثلا فانه يشك في رافعيتها لاشتغال الذمة ; فانه لو كان الاشتغال بصلوة الظهر فهو باق ولو كان بالجمعة فهو مرتفع، فاستصحاب بقاء الاشتغال في المثال لاجل الشك في رافعية الموجود. ثالثها: الشك في رافعية الموجود من جهة الشك في وجود صفة الرافعية فيه كما إذا خرج المذى من المتطهر فشك في انه رافع كالبول ام لا. رابعها: الشك في رافعية الموجود من جهة الشك في انه مصداق للرافع المعلوم المفهوم كما إذا خرج عنه البلل وشك في انه بول ام لا. خامسها: الشك في رافعية الموجود من جهة الشك في انه مصداق للرافع المجهول المفهوم كما إذا علم بكون الببل مذيا وشك في مفهوم البول وانه خصوص ما هو المعروف أو انه اعم منه ومن المذى.

[ 39 ]

الاستقراء قيل هو عبارة عن تصفح الجزئيات لاثبات الحكم الكلى والتام منه يفيد القطع كما إذا تصفحنا جميع ما وصلنا إليه من افراد الحيوان فوجدناه جسما فحكمنا بان كل حيوان جسم، والناقص منه يفيد الظن سواء أحصل من تتبع قليل الافراد ام كثيرها. فالاول: كما إذا رأينا واحدا من اهل بلد يتكلم بكلام مخصوص أو يلبس لباسا مخصوصا ثم رأينا الثاني والثالث إلى خمسين مثلا حصل الظن بان من هو ساكن هناك حاله كذا. والثانى: كما إذا رأينا اكثرهم على ذلك المنوال، والاستقراء اعم من الغلبة عموما مطلقا فانه يحصل بقليل الافراد دون الغلبة وكلاهما يشتركان في ان النظر فيهما إلى اثبات الحكم الكلى من تصفح حال الجزئي ; ثم الاستقراء ايضا ليس بحجة عندنا ما لم يفد العلم.

[ 40 ]

الاستقلالي والآلى يطلق هذان الوصفان غالبا على المعنى الملحوظ عند استعمال اللفظ فالمعنى الملحوظ بما هو آلة وحالة للغير معنى آلى، والمعنى الملحوظ بنفسه بما هو هو معنى استقلالي، والكلام في هذين العنوانين وقع في الاصول في موارد: منها: معاني الحروف والاسماء فقيل ان معاني الحروف آلية ومعانى الاسماء استقلالية لا بمعنى انها غير ملتفت إليها اصلا بل بمعنى توجه الذهن إليها ولحاظها حالة للغير توضيح ذلك انك إذا قلت سرت من البصرة إلى الكوفة فكلامك هذا مركب من اربعة اسماء وثلاثة حروف ; اما الاسماء فمادة سرت وضمير المتكلم وكلمتا البصرة والكوفة واما الحروف فهيئة الفعل وكلمتا من والى ; فالفاظ ذلك الكلام سبعة كما ان معانيه ايضا سبعة، اربعة معان مستقلة باللحاظ وثلثة منها غير مستقلة اما المستقلة فهى السير والمتكلم والبصرة والكوفة، واما غير المستقلة فهى حالات السير الموجود في الخارج وصفاته، احدها ارتباطه بالمتكلم بصدوره عنه ; ثانيها كون مبدئه البصرة، ثالثها كون منتهاه الكوفة، ولا اشكال في ان المتكلم لاحظ في مقام الاستعمال الالفاظ السبعة والمعاني السبعة فاستعملها فيها لتفهيم المخاطب، فمراده من هيئة الفعل اعني سرت بيان ارتباط السير بالمتكلم بنحو الصدور ومن كلمة من بيان حال مبدئه

[ 41 ]

ومن كلمة إلى بيان حال منتهاه، فالمعاني الحرفية ملحوظة حالة للغير. ومنها: ما ذكروه في مقام الفرق بين القطع الطريقي والموضوعي بالنسبة إلى بعض الالفاظ كالعلم والقطع والارادة والقصد ونحوها، فانها قد تلاحظ آلية وقد تلاحظ استقلالية ; فربما يقول المولى إذا علمت بورود زيد إلى بلدك فزره فيريد ترتيب حكم الزيارة على نفس المجئ والورود لاعلى العلم به، فالمقصود إذا ورد بلدك فزره ; وحيث ان انكشاف الورود وثبوته لا يكون الا بالعلم اطلق اسم الكاشف واريد المنكشف كناية. وهذا هو العلم الذى يسمى في باب القطع بالقطع الطريقي. وربما يقول إذا علمت بانك تسافر فصل ركعتين أو تصدق على فقير، أو يقول إذا اردت الاكل فقل بسم الله، أو يقول إذا قطعت بكون مايع عصيرا حرم عليك شربه، ويريد ترتيب تلك الاحكام على صفة العلم والارادة فيقال (ح) ان تلك العناوين لوحظت استقلالية، ويسمى هذا القطع في بابه بالقطع الموضوعي. ومنها: ما ذكروه في باب الاستصحاب بالنسبة إلى كلمة اليقين من كون اليقين الوارد في اخبار ذلك الباب ملحوظا بنحو الالية لا الاستقلالية كقوله " عليه السلام ": " لا تنقض اليقين بالشك " فمن شك في بقاء حيوة زيد مثلا يكون المراد من اسناد حرمة النقض ووجوب الابقاء إلى يقينه اسنادهما إلى متيقنه كحيوة زيد فكأنه قال لا تنقض حيوة زيد بالشك فمن شدة الارتباط بين اليقين والمتيقن اطلق اليقين واريد به المتيقن كناية ولذلك ايضا اسند آثاره إليه واريد من حرمة نقض آثار اليقين ووجوب ترتيب احكامه، حرمة نقض آثار المتيقن كحيوة زيد وكرية الماء مثلا.

[ 42 ]

اصالة الاحتياط ويعبر عنها باصالة الاشتغال ومجراها في الاغلب الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي. وهى على قسمين: اصالة الاحتياط العقلية واصالة الاحتياط الشرعية. فالاولى: عبارة عن حكم العقل بلزوم اتيان فعل يحتمل الضرر الاخروي في تركه ولزوم ترك فعل يحتمل الضرر الاخروي في فعله، فهى حكم عقلي كلى له موضوع ومحمول موضوعه الشئ المحتمل فيه لضرر الاخروي من فعل أو ترك ومحموله لزوم الاجتناب عنه عقلا، فإذا علمنا بوجوب صلوة يوم الجمعة قبل صلوة العصر وشككنا في انها الظهر أو الجمعة فترك كل واحدة منهما مما يحتمل فيه الضرر الاخروي فالعقل يحكم بلزوم اتيان كلتيهما احتياطا، وكذا إذا علمنا بتحريم الشارع مايعا معينا وشككنا في انه الخمر أو العصير العنبى ففعل كل منهما يحتمل فيه الضرر الاخروي فيحكم العقل بلزوم ترك كليهما احتياطا. والثانية: عبارة عن حكم الشارع بلزوم اتيان ما احتمل وجوبه وترك ما احتمل حرمته، فموضوعها مشكوك الوجوب والحرمة ومحمولها وجوب الفعل أو الترك شرعا. ثم ان اصالة الاحتياط ايضا تنقسم إلى شبهة وجوبية وتحريمية حكمية وموضوعية. اما الشبهة الوجوبية فكالشك في ان الواجب هذا أو ذاك.

[ 43 ]

فتارة يكون منشأ الشك فيها عدم النص على تعيين احدهما بعد قيام الدليل على وجوب احدهما بنحو الاجمال. واخرى يكون المنشأ هو اجمال النص كقوله تعالى: " حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى " وكانت الوسطى مرددة بين الصبح والظهر. وثالثة: يكون المنشأ تعارض النصين أو النصوص على التعيين كمسألة الظهر والجمعة. ورابعة: يكون اشتباه المصداق والموضوع كما إذا حصل الشك في ان العالم الواجب اكرامه هذا أو ذاك أو انه نذر الاطعام أو الصيام والامثلة الثلثة الاول شبهة وجوبية حكمية والاخير وجوبية موضوعية. واما الشبهة التحريمية: ففيها ايضا تارة يكون منشأ الشك عدم الدليل على تعيين الحرام. واخرى يكون المنشأ اجمال النص الدال عليه. وثالثة تعارض النصوص. ورابعة اشتباه الامور الخارجية اعني اشتباه المصداق لاجلها كما إذا لم يعلم ان الخمر هل هو في هذا الاناء أو ذاك. ثلثة منها شبهة حكمية وواحد موضوعية. تنبيهات: الاول: قسم الشيخ الاعظم (قده) مجرى اصالة الاحتياط بتقسيم آخر مغاير لم ذكرنا وحاصله: انا إذا علمنا بنوع التكليف من وجوب وحرمة وشككنا في متعلقه وانه هذا الفعل أو ذاك، فتارة يدور الامر بين الواجب وغير الحرام كما إذا شككنا في ان الواجب يوم الجمعة هل هو صلوة الظهر أو الجمعة فكل من الصلوتين يدور امرها بين الوجوب وغير الحرمة من الاحكام الثلاثة الباقية واخرى بين الحرام وغير الواجب كما إذا علمنا حرمة احد الانائين فان كلا منهما يدور امره بين الحرمة وغير الوجوب من تلك الاحكام. وثالثة بين الحرام والواجب.

[ 44 ]

ويسمى القسم الاول بالشبهة الوجوبية للاحتياط، والثانى بالشبهة التحريمية، والثالث داخل في مسألة التخيير. ثم ان في كل واحد من الاقسام الثلاثة اما ان يكون منشأ الشك عدم النص أو اجماله أو تعارضه أو اشتباه المصداق والموضوع فالاقسام فيها ترتقى إلى اثنى عشر قسما ثمانية منها داخلة تحت مسائل الاحتياط واربعة في مسائل التخيير كما سيجئ. الثاني: مجرى اصالة الاحتياط لا ينحصر في الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي كما يظهر من تقسيم الشيخ قدس سره، بل قد تجرى في الشبهة البدوية ايضا كما إذا كان التكليف المشكوك مهما، فإذا اراد رمى شبح من بعيد ولم يعلم انه انسان أو حجر مثلالزم الاحتياط على المشهور وكذا في كل ما شك في وجوبه أو حرمته بالشبهة الحكمية وكان قبل الفحص وكذا إذا شك المكلف في اتيانه بالواجب الموقت قبل انقضاء وقته وغير ذلك من الموارد. الثالث: الدليل على اصالة الاحتياط العقلي هو احتمال الضرر الاخروي أو الضرر المهم، فالعقل حاكم بلزوم الاجتناب عن كل ما احتمل فيه الضرر الاخروي موهوما كان ذلك الضرر أو مشكوكا أو مظنونا كما ان العقل حاكم بلزوم ترك مقطوعه فهذه قاعدة كلية عقلية، ولزوم الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي انما هو من جهة ان كل فرد من الاطراف داخل تحت هذه الكلية وكذا بعض الشبهات البدوية كما ذكرنا فإذا علمت بخمرية احد الانائين اشرت إلى واحد منهما وقلت هذا مما احتمل فيه الضرر الاخروي وكل ما احتمل فيه الضرر الاخروي يجب الاجتناب عنه فهذا يجب الاجتناب عنه. فان قلت: ما الفرق بين كل واحد من الانائين في هذا المثال والاناء المحتمل الحرمة في الشبهة البدوية حيث حكموا في الاول بالاحتياط وفى الثاني بالبرائة مع ان احتمال الحرمة في الكل مستلزم لاحتمال العقاب الاخروي قلت: الفرق هو ان العلم الاجمالي في الاول حجة على المكلف منجز للواقع، فالمحتمل في كل طرف هو التكليف المنجز واحتماله مستلزم لاحتمال الضرر الاخروي فيجب تركه، وهذا بخلاف الشبهة البدوية التى لاعلم فيها بالتكليف ومعه لا يكون منجز أو يقبح العقاب

[ 45 ]

عليه فالمحتمل فيه تكليف غير منجز والعقاب فيه مأمون منه. واما الاحتياط النقلي فقد استدل عليه بعدة اخبار. منها: اخبار التوقف كقوله " صلى الله عليه وآله ": " قفوا عند الشبهة " وقوله " عليه السلام ": " الوقوف عند الشبهة خير عن الاقتحام في الهلكة " فيجب الوقوف عملا والاحتياط في كل محتمل التحريم من فعل أو ترك. ومنها: قوله " عليه السلام ": " إذا خفت ضلالة فان الكف عنده خير من ركوب الاهوال. " ومنها: قوله " عليه السلام ": " وامر اختلف فيه فرده إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وآله وسلم ". ومنها: قوله " عليه السلام ": " ومن ارتكب الشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم ". الرابع: الظاهر ان اكثر علمائنا الاخباريين (قدهم) قائلون بالاحتياط النقلي فقط في موارد العلم الاجمالي بمقتضى الاخبار المتقدمة، وبعضهم قائل بالشرعي والعقلي كليهما، واما الاصوليون قدس الله اسرارهم فمنهم من قال بالاحتياط العقلي فقط وحمل الاخبار السابقة على الارشاد إلى حكم العقل أو على الاستحباب أو على الاحتياط في المسائل الاعتقادية، ومنهم من قال بكلا قسمي الاحتياط العقلي منه والنقلى فراجع.

[ 46 ]

اصالة البرائة هي على قسمين: اصالة البرائة العقلية واصالة البرائة الشرعية. فالاولى: عبارة عن حكم العقل بعدم استحقاق العقوبة على ما شك في حكمه ولم يكن عليه دليل، فاصالة البرائة العقلية قاعدة كلية عقلية لها موضوع ومحمول ; موضوعها الفعل المشكوك الذى لا بيان على حكمه من الشارع ومحمولها الحكم بعدم العقوبة عليه وعدم حرمته بالفعل، فإذا شك المكلف في حرمة العصير التمرى مثلا بعد غليانه فتفحص ولم يجد دليلا على حرمته تحقق موضوع البرائة العقلية، فيحكم عقله بعدم استحقاق العقاب على شربه، وكذا إذا شك في وجوب الصوم اول كل شهر ولم يجد بيانا على الوجوب حكم عقله بعدمه. والثانية: عبارة عن حكم الشارع بعدم التكليف الفعلى أو بالاباحة والرخصة في فعل أو ترك شك في حكمهما الواقعي، فموضوعها العمل المشكوك حكمه واقعا ومحمولها الاباحة والرخصة، فإذا شك في حرمة شرب التتن أو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال ولم يوجد دليل على حرمة الاول ووجوب الثاني حكم الشارع بالاباحة فيهما. ثم ان مسألة اصالة البرائة مطلقا تنقسم إلى مسائل ثمان، فانه اما ان يكون الشك في وجوب شئ أو يكون في حرمته، والاول يسمى بالشبهة الوجوبية للبرائه

[ 47 ]

والثانى بالتحريمية لها وعلى كل تقدير اما ان يكون الشك في الحكم الكلى للموضوع الكلى أو في الحكم الجزئي للموضوع الجزئي، وعلى الاول اما ان يكون منشأ الشك هو عدم وجود دليل في المورد أو يكون اجمال الدليل الوارد أو يكون تعارضه مع آخر، كما انه على الثاني يكون منشأ الشك اشتباه الامور الخارجية. فالشبهة الوجوبية لها مسائل اربع: الاولى: ان يشك في الوجوب الكلى وكان منشأ الشك هو عدم الدليل كالشك في وجوب الاطعام في اول كل شهر مثلا. الثانية: ان يشك في الوجوب الكلى من جهة اجمال النص كما إذا ورد اغتسل للجمعة وشككنا في ان هيئة الامر تدل على الوجوب أو على استحباب. الثالثة: ان يشك في الوجوب الكلى من جهة تعارض الدليلين كما إذا ورد صل في اول كل شهر الصلوة الفلانية وورد ايضا لا تصلها، فإذا تعارض الدليلان فتساويا فتساقطا رجعنا إلى اصالة البرائة وهذه الاقسام الثلاثة تسمى بالشبهة الحكمية، لان الشك فيها انما هو في حكم الشارع دون موضوعه، ورفع الشك وكشف الحجاب عن الواقع فيها يتوقف على بيان الشارع ولا يمكن الا من قبله. الرابعة: الشك في الوجوب الجزئي كما إذا شك في وجوب اكرام هذا الشخص وعدم وجوبه من جهة الشك في انه عالم أو ليس بعالم ويسمى هذا القسم بالشبهة الموضوعية تارة والمصداقية اخرى، لان المفروض العلم بان كل عالم يجب اكرامه وانما الشك في ان هذا عالم أو ليس بعالم فالشبهة في المصداق والموضوع وفى الحكم الجزئي دون الكلى. والشبهة التحريمية ايضا تنقسم إلى مسائل اربع، مثل ما إذا شككنا في حرمة الفقاع من جهة عدم الدليل أو اجماله أو تعارضه وهذه اقسام الشبهة الحكمية التحريمية، أو شككنا في ان هذا المايع فقاع ام لامع العلم بان كل فقاع حرام، وهذه هي الشبهة الموضوعية التحريمية منشأ الشك فيه اشتباه الامور الخارجية.

[ 48 ]

تنبيهات: الاول: انهم ذكروا ان الدليل على البرائة العقلية هي قاعدة قبح العقاب بلا بيان ; بتقريب ان العقل حاكم بالاستقلال بانه لو التفت عبد إلى حكم فعل من افعاله وشك في وجوبه الواقعي وعدم وجوبه أو في حرمته وعدمها وتتبع وتفحص بقدر الوسع والامكان فلم يجد دليلا على الحكم فترك مشكوك الوجوب وفعل مشكوك الحرمة كان عقاب المولى ومؤاخذته عليه قبيحا، وهذا ما هو الشمهور من ان دليل الاصل العقلي هو قبح عقاب الحكيم بلا بيان ومؤاخذته بلا برهان. والدليل على البرائة الشرعية: اولا ظاهر الكتاب كقوله تعالى: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " والمعنى ما كان عادتنا سابقا ولا حقا ان نعذب احد على ترك واجب وفعل حرام حتى نبين حكمهما فبعث الرسول كناية عن بيان حكم الافعال. وقوله تعالى: " لا يكلف الله نفسا الا وسعها " بناء على ان المراد الوسع العلمي. " ولا يكلف الله نفسا الا ما اتيها " بناء على ان الايتاء الاعلام. وثانيا الاخبار، فمنها: قوله " صلى الله عليه وآله " في حديث الرفع: " رفع عن امتى ما لا يعلمون " فان الايجاب والتحريم المجهولين من قبيل ما لا يعلم فيكونان مرفوعين. ومنها قوله " عليه السلام " في حديث الحجب: " ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ". ومنها قوله " عليه السلام ": " الناس في سعة ما لا يعلمون " أي انهم من ناحية مجهولاتهم في سعة لا يؤاخذون عليها ولا يعاقبون. ومنها قوله " عليه السلام ": " كل شئ لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه " أي كل مشكوك الحرمة والحلية في الواقع فهو لك حلال ظاهرا وهو معنى البرائة. ومنها قوله " عليه السلام ": " كل شئ لك مطلق حتى يرد فيه نهى " أي كل فعل انت مرخص فيه حتى يصل اليك حرمته.

[ 49 ]

الثاني: ادلة البرائة الشرعية من حيث عمومها للشبهة الوجوبية والتحريمية مختلفة فالاجماع والكتاب واكثر الاخبار تشمل الشبهتين جميعا، والروايتان الاخيرتان لا تدلان الا على البرائة في الشبهات التحريمية فقط. الثالث: اختلف اقوال الاصحاب (قدس سرهم) في القول بالبرائة فالمشهور من الاصوليين القول بها مطلقا عقليها ونقليها في الوجوبية والتحريمية، وفصل بعض المحققين منهم في البرائة العقلية بين الشبهات الحكمية والموضوعية فقال بالجريان في الاولى دون الثانية. ومعظم الاخباريين منعوا البرائة العقلية مطلقا وعزلوا العقل عن الحكم في هذا المضمار واجروا البرائة النقلية في خصوص الشبهة الوجوبية فهم في الوجوبية قائلون بالبرائة ومشكوك الوجوب عندهم مباح وفى التحريمية قائلون بالاحتياط ومشكوك الحرمة عندهم حرام وهنا اقوال اخر اعرضنا عن ذكرها طلبا للاختصار. الرابع: للعلامة الانصاري (قدس سره) في بيان اقسام الشبهة الوجوبية والتحريمية للبرائة تقسيم ببيان آخر غير ما ذكرنا، وحاصله ان التكليف المشكوك فيه اما تحريم مشتبه بغير الوجوب اما وجوب مشتبه بغير التحريم واما تحريم مشتبه بالوجوب، ويعبر عن الاول بدوران الامر بين الحرمة وغير الوجوب، وعن الثاني بدورانه بين الوجوب و غير الحرمة، وعن الثالث بدورانه بين الوجوب والحرمة، وعلى كل من الاقسام الثلاثة تارة يكون متعلق التكليف الواقعة الكلية ويكون منشأ شكها عدم النص أو اجماله أو تعارضه ; واخرى الواقعة الجزئية مع كون منشأ شكها اشتباه الامور الخارجية ; فكل من الاقسام الثلاثة ينقسم إلى اقسام اربعة والمجموع اثنى عشر قسما ثمانية منها داخلة في مسائل البرائة واربعة في مسائل التخيير كما سيجئ.

[ 50 ]

اصالة التخيير هي عبارة عن حكم العقل بتخيير المكلف بين فعل شئ وتركه أو تخييره بين فعلين مع عدم امكان الاحتياط ; فهو حكم عقلي كل له موضوع ومحمول فموضوعه الامران لا رجحان لاحدهما على الاخر ولا امكان للاحتياط ومحموله جواز اختيار ايهما شاء ويتحقق موضوعه في موردين: احدهما: العمل الواحد، كما إذا علمنا بجنس التكليف المشترك بين الوجوب والتحريم اعني اصل الالزام المتعلق بعمل المكلف وشككنا في تعلقه بايجاد ذلك العمل أو بتركه ; ويعبر عنه تارة بدوران الامر بين الوجوب والحرمة واخرى بدورانه بين المحذورين، فإذا علمنا ان صلوة الجمعة مثلا اما واجبة واما محرمة ولا ترجيح لاحدهما على الاخر حكم العقل بالتخيير بين فعلها وتركها. ثانيهما: العمل المتعدد كما إذا كان هنا فعلان وعلمنا بوجوب احدهما وحرمة الاخر ولكن لم نعلم ان هذا واجب وذاك حرام أو ان ذاك واجب وهذا حرام حكم العقل ايضا بالتخيير بين فعل احدهما وترك الاخر ولا يجوز فعلهما معا ولا تركهما معالان في الاول يحصل العلم بمخالفة قطعية للحرام وفى الثاني بمخالفة قعطية للواجب وكلاهما ممنوعان.

[ 51 ]

وبعبارة اخرى لا يخلو حال المكلف من انه اما ان يفعلهما معا أو يتركهما معا أو يفعل احدهما ويترك الاخر ; ففى كل من الاولين يحصل العلم بالمخالفة القطعية والموافقة القطعية وعلى الثالث لاعلم في البين بل احتمال الموافقتين واحتمال المخالفتين والعقل يحكم باختياره. ثم ان مسألة اصالة التخيير ايضا تنقسم إلى مسائل اربع فان الشك اما ان يكون من جهة عدم الدليل على تعيين احدهما أو اجماله أو تعارضه أو اشتباه الامور الخارجية، فامثلة الشبهة الحكمية للمورد الاول من التخيير ما إذا اقام الاجماع على ان صلوة الجمعة في يومها لا تخلو من حكم الزامي، وشك في ان ذلك الحكم هو الوجوب أو الحرمة لعدم الدليل على التعيين أو انه " عليه السلام " قال: " صل الجمعة في يومها " ولم يعلم انه استعمل الامر في الايجاب أو التهديد وهذا اجمال النص أو انه ورد في رواية صل الجمعة وفى اخرى لا تصلها وهذا تعارض النصين، ومثال الشبهة الموضوعية ما لو علم بانه نذر السفر أو امره والده بذلك فشك في ان النذر أو امر الوالد كان بفعله أو بتركه. وامثلة الشبهة الحكمية للمورد الثاني من التخيير الظهر والجمعة بناء على القول بانه لو كانت احديهما واجبة كانت الاخرى محرمة ذاتا ولا دليل على تعيين الواجب والحرام، ومثل ما لو قال صل الصلوة الوسطى ولا تصل الاخرى وشك في ان الوسطى هل هي الجمعة والاخرى الظهر أو العكس وهذا اجمال النص، ومثل ما لو ورد في خبر صل الجمعة ولا تصل الظهر وفي آخر صل الظهر ولا تصل الجمعة وهذا تعارض النصين ومثال الشبهة الموضوعية كما إذا كان هنا فعلان كالسفر واطعام زيد وعلم بان والده امر باحدهما ونهى عن الاخر ونسى ما عينه الوالد. تنبيهان: الاول: في مسئلتنا هذه اقوال: اولها: حكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك كما ذكرنا والدليل عليه قبح الترجيح من غير مرجح واما من حيث الشرع فالمورد خال عن الحكم الظاهرى. ثانيها: الحكم بالبرائة في كل من الطرفين عقلا ونقلا، فإذا شككنا في وجوب

[ 52 ]

دفن المنافق وحرمته كان كل من الوجوب والحرمة مجهولا يجرى فيه اصالة البرائة، ولا يستلزم اجراء البرائة هنا مخالفة عملية إذا الفرض انها غير ممكنة هنا. ثالثها: وجوب الاخذ باحدهما معينا والبناء القلبى عليه والعمل به، كما ادعى انه يجب الاخذ بالحرمة بالخصوص وترك الوجوب لان دفع الضرر عند العقلاء ارجح من جلب المنفعة. رابعها: وجوب الاخذ باحدهما تخييرا بان يبنى قلبا على انه واجب فيأتى به أو حرام فيتركه. خامسها: التخيير عقلا كسابقه مع الحكم على كل واحد من الطرفين بالاباحة شرعا وهذا هو مختار صاحب الكفاية ويبالى انه يظهر من كلمات الشيخ (ره) ايضا. الثاني: دوران الامر بين الوجوب والحرمة يتصور على اقسام اربعة: اولها: دورانه بين الوجوب والحرمة التوصليين بان نعلم انه لو كان واجبا فوجوبه توصلي لا يحتاج إلى نية التقرب ولو كان حراما فحرمته كذلك. ثانيها: دورانه بين الوجوب والحرمة التعبديين بان نعلم انه لو كان واجبا فامتثاله لا يحصل الا بقصد القربة ولو كان حراما فتركه قربى ايضا كتروك الصائم والمحرم مثلا. ثالثها: ان يعلم بان احدهما المعين تعبدي والاخر توصلي كان يعلم بان صلوة الجمعة لو كانت واجبة فاللازم اتيانها قربيا ولو كانت محرمة فالمطلوب مجرد الترك ولو بلانية. رابعها: ان يعلم بان احدهما غير المعين تعبدي والاخر كذلك توصلي، ولا يخفى عليك ان الاقوال المذكورة في التنبيه السابق انما تجرى في الصورة الاولى والاخيرة من هذه الصور، واما الوسطان فلا مناص فيهما عن اختيار القول الثالث أو الرابع لاستلزام غيرهما المخالفة العملية القطعية، مثلا إذا حكمنا باباحة صلوة ا لجمعة في المثالين ولكن اتينابها اقتراحا وبلانية حصل لنا العلم بمخالفة حكم الله واقعا فانها لو كانت واجبة لم نكن ممتثلين اذاتيانها بلانية كتركها ولو كانت محرمة لم يتحقق منا الترك فضلا عن كون الترك بقصد القربة.

[ 53 ]

اصالة الصحة في عمل الغير هي الحكم بصحة العمل الصادر عن الغير وترتيب آثارها عليه عند الشك في صحته وفساده، فللقاعدة موضوع ومحمول، موضوعها العمل الصادر عن الغير المشكوك في صحته وفساده، ومحمولها الحكم بصحته وترتيب آثارها عليه ; عبادة كان المشكوك أو معاملة، عقدا كان أو ايقاعا، وهذه نظير قاعدة الفراغ الا ان مجريها عمل الغير ومجرى تلك القاعدة عمل نفس الشاك. فإذا رأينا احدا غسل ميتا أو صلى عليه فشككنا في صحة عمله جاز ترتيب آثار الصحة والحكم بسقوط الواجب عن ذمتنا. وإذا رأينا عادلا يصلى الفريضة جاز اجراء اصالة الصحة في صلوته والاقتداء به. وإذا وقع من احد بيع أو شراء أو ذبح حيوان أو غسل ثوب أو نكاح امرئة أو طلاقها أو اتيان عمل استيجاري، حكمنا بالصحة في الكل ورتبنا عليها آثارها. تنبيهات: الاول: ان الدليل على القاعدة امور:

[ 54 ]

اولها: الاجماع القولى المستفاد من تتبع كلمات الاعلام في مواطن كثيرة من الفقه، كتقديمهم قول مدعى الصحة على مدعى الفساد ونحوه. ثانيها: السيرة العملية من المسلمين لو لا العقلاء على حمل الاعمال على الصحيح وترتيب آثار الصحة في العبادات والمعاملات. ثالثها: عموم التعليل الوارد في موارد قاعدة اليد، فانه " عليه السلام " قال: " ولو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق " فمعنى التعليل ان كل ما يلزم من عدمه وترك العمل به اختلال السوق فهو لازم العمل المحكوم بترتيب الاثر عليه، وادعى فيما نحن فيه انه لو لا الحمل على الصحة لاختل السوق وبطل الحقوق. الثاني: مورد جريان القاعدة ما إذا كان الشك في الصحة موضوعيا ناشئا من جهة اشتباه الامور الخارجية ; لاحكميا ناشئا من ناحية الدليل، فإذا كان اعتقاد الامام والمأموم وجوب السورة في الصلوة، فشك المأموم ان الامام تركها عمدا ام لاحمل فعله على الصحة. وإذا كانت شرطية العربية في النكاح محرزة عند الفاعل الحامل فشك الحامل في ان العاقد اخل بها عمدا أو نسيانا ام لا حمل ايضا على الصحة. واما إذا علم الشخص بان الغير اشترى شيئا بالمعاطاة وشك في صحة المعاطاة شرعا فليس ذلك موردا لجريان هذا الاصل ; وان امكن الحكم بالصحة تمسكا بعموم الادلة واطلاقها الا ان هذه قاعدة اخرى واصل لفظي يجريها الشخص في عمل نفسه وغيره لدى الشك في شمول العموم والاطلاق واصالة الصحة المبحوث عنها اصل عملي. الثالث: مورد القاعدة كما ذكرنا هو الشك في الحكم الوضعي وهى الصحة والفساد ; فالموضوع هو مشكوك الصحة والمحمول ترتيب آثار الصحة. واما إذا شك في حلية فعل صادر عن الغير وحرمته فهنا اصل آخر يسمونه باصالة الصحة التكليفية وان شئت فسمه باصالة الحلية في فعل الغير ; وبينه وبين اصاله الصحة تباين ذاتا وعموم من وجه تحققا. فإذا شككنا في ان كلام المتكلم أو اكله أو شربه وقع بنحو الحرام أو الجائز

[ 55 ]

جرى (ح) اصالة الاباحة دون اصالة الصحة، وإذا علمنا بوقوع المعاملة منه وقت النداء إلى صلوة الجمعة وشككنا في صحتها من جهة اختلال شرائطها جرى اصالة الصحة دون اصالة الاباحة للعلم بحرمتها التكليفية، وإذا شككنا في كون البيع الصادر منه ربويا أو غير ربوي جرى الاصلان. ثم ان الدليل على قاعدة اصالة الحلية اخبار كثيرة تدل على لزوم حمل فعل المسلم على الحسن دون القبيح ففى الكافي في تفسير قوله تعالى: " وقولوا للناس حسنا " قال " عليه السلام ": " لا تقولوا الاخيرا حتى تعلموا ما هو ". وفيه ايضا عن على " عليه السلام " قال: " ضع امر أخيك على احسنه حتى ياتيك ما يقلبك عنه، ولا تظنن بكلمة خرجت من اخيك سوء وانت تجد لها في الخير سبيلا ". وما ورد مستفيضا ان: " من اتهم اخاه انماث الايمان في قلبه، أو فلا حرمة بينهما، أو انه ملعون " وغيرها من الروايات.

[ 56 ]

الاصل هو في الاصطلاح عبارة عن الحكم المجعول للشاك ليس فيه ناظرية وجهة كشف. بيانه ان المجعول للجاهل بالواقع لو كان فيه جهة كشف بالذات وكان الجعل بتتميم كشفه واعطاء الطريقية له فهو يسمى امارة ودليلا، ولو لم يكن كذلك بل فرض المشكوك مضوعا من الموضوعات ورتب عليه حكم من الاحكام سمى ذلك اصلا، فالاصل كالامارة حكم ظاهري مجعول في موضوع الجهل بالواقع وينقسم بتقسيمات: الاول: تقسيمه إلى الاصل العملي والاصل اللفظى. اما العملي: فهو الحكم الظاهرى المحتاج إليه في مقام العمل من دون ارتباط له بمقام الالفاظ ; فكل حكم ظاهري كان جريه باب الالفاظ فهو اصل لفظي ; وكل حكم ظاهري كان مجريه عمل المكلف وتعيين وظيفة له بالنسبة إلى عمله فهو اصل عملي، كاصالة البرائة والاحتياط والتخيير والاستصحاب والطهارة والصحة والفساد وغيرها، فراجع عنوان مجارى الاصول وعناوين نفس تلك الاصول. واما الاصل اللفظى: فهو الحكم الظاهرى الذى يعمل به في باب الالفاظ ويسمى اصلا لفظيا عقلائيا ; اما كونه اصلا فلكونه مجعولا في حق الشاك، واما كونه

[ 57 ]

لفظيا فلكون مجريه باب الالفاظ، واما كونه عقلائيا فلكون مدركه بناء العقلاء وعملهم وان كان الشارع قد امضاه ايضا بالعمل على طبق طريقتهم وهو كثير يرجع جلها إلى مقام وضع اللفظ واستعماله في معناه وارادة معناه منه، كاصالة عدم الوضع واصالة عدم الاشتراك واصالة عدم النقل واصالة عدم الاضمار واصالة الظهور واصالة الحقيقة واصالة العموم واصالة الاطلاق وغيرها. بيان ذلك: ان العقلاء إذا شكوا في ان هذا اللفظ المعين مثلا موضوع ام لا ؟ بنوا على عدم الوضع، وإذا علموا بوضعه لمعنى فشكوا في وضعه لمعنى آخر ام لا ؟ بنوا على العدم ايضا ويعبر عنه باصالة عدم الاشتراك، وإذا شكوا في انه اضمر في الكلام شئ من المضاف والمتعلق ونحوهما بنوا على العدم ويعبر عنه باصالة عدم الاضمار، وإذا شكوا في انه اريد ما كان اللفظ ظاهرا فيه ولو بالقرينة ام لا ؟ بنوا على اراداته ويعبر عنه باصالة الظهور، وإذا شكوا في انه اريد المعنى الحقيقي ام اريد غيره بنوا على ارادة المعنى الحقيقي ويعبر عنه باصالة الحقيقة، وإذا شكوا في الفاظ العموم، هل اريد منها الكل أو البعض بنوا على ارادة العموم ويعبر عنه باصالة العموم، وإذا شكوا في الالفاظ الموضوعة للطبايع الكلية مثلا انه هل اريد منها مطلق الطبيعة السارية في الافراد ولو بنحو البدل أو اريد الطبيعة المحدودة المقيدة ؟ بنوا على ارادة نفس الطبيعة ويعبر عنه باصالة الاطلاق وهكذا. تنبيهان: الاول: ان هنا اصلين آخرين لابد من التعرض لهما. احدهما: اصالة التطابق وتوضيح معناها انه ان قلنا بان استعمال العام والمطلق مع ارادة الخاص والمقيد مجاز فالاصل الجارى فيهما هو اصالتا العموم والاطلاق وهما من مصاديق اصالة الحقيقة غير ان مورد هذين الاصلين الشك في مجازية العام والمطلق ومورد اصالة الحقيقة الشك في مجازية كل لفظ واستعماله في غير ما وضع له، وان قلنا بعدم المجازية كما هو مذهب عدة من المحققين بتقريب ان المتكلم بالعام على هذا المبنى

[ 58 ]

لا يستعمله مطلقا الا في العموم ولا يريد منه الا تفهيم العموم للمخاطب ليرتب عليه حكما عاما ويعطى قاعدة كلية يعمل بها المخاطب. ثم ان السامع تارة يعلم بكون مراده الجدى موافقا لظاهر كلامه فيكون الحكم المرتب على جميع الافراد حكما فعليا حقيقيا ويطابق الانشاء الظاهرى الارادة الجدية فيقال حينئذ ان الارادة الاستعمالية قد طابقت الارادة الجدية. واخرى: يعلم بكن المراد مخالفا لظاهر الكلام فلم يرد بنحو الجد شمول الحكم لبعض الافراد مع شمول العام له استعمالا وترتب الحكم عليه انشاء فيكون الحكم المرتب عليه حكما انشائيا ويقال حينئذ ان الارادة الاستعمالية قد خالفت الارادة الجدية. وثالثة: يحصل التردد في بعض الافراد ويشك في ان المراد الجدى موافق للاستعمال ام لا ؟ فيبنى العقلاء حينئذ على كون المراد الجدى مطابقا لظاهر الاستعمال، ويعبر اهل الفن عن هذا البناء تارة باصالة التطابق بين الارادة الجدية والاستعمالية ; واخرى باصالة العموم أو الاطلاق، فظهر لك ان مجرى اصالة العموم والاطلاق على قول المشهور الشك في الاستعمال وعلى مبنى بعض المحققين الشك في الارادة مع العلم بالاستعمال فراجع بحث الارادة الجدية والاستعمالية. ثانيهما: اصالة عدم الادعاء وبيانها انه قد يدعى في بعض المجازات عدم استعمال اللفظ في غير معناه بل فيه مع دعوى الاتحاد بينه وبين المعنى المجازى فإذا قال القائل جائنى اسد مريدا به الرجل الشجاع فمعناه جائنى الحيوان المعهود وهو هذا الرجل فالشك في المجازية (ح) يرجع إلى الشك في انه هل اراد المعنى المجازى بدعوى الاتحاد ام لا ؟ فيبنى العقلاء (ح) على عدم تحقق الادعاء ويسمى هذا باصالة عدم الادعاء. الثاني: انه هل يبنى العقلاء على ارادة الحقيقة أو العموم أو غيرهما ابتداء من غير توسيط شئ آخر أو هم يبنون ابتداء على عدم وجود قرينة مانعة عن ارادة الحقيقة فيبنون بواسطته على تلك الامور فيكون مرجع تلك الاصول حقيقة إلى اصالة عدم القرينه ; قولان مشهوران بين الاصحاب، وهذا الخلاف هو المراد من قولهم ان حجية الظواهر هل هي من جهة اصالة الحقيقة أو من جهة اصالة عدم القرينة ؟ وتظهر الثمرة

[ 59 ]

بينهما فيما إذا شك في ارادة الظاهر مع العلم بعدم وجود القرينة فانه بناء على الاول يكون الظاهر حجة وبناء على الثاني لا معنى لاصالة عدم القرينة مع العلم بعدمها. الثاني: تقسيمه إلى الاصل الشرعي والاصل العقلي اما الاول: فكل حكم ظاهري كان مجعولا من ناحية الشارع فهو اصل شرعى، كالاستصحاب الشرعي والبرائة الشرعية واصالة الطهارة والصحة ونحوها. واما الثاني: فكلما كان بحكم العقل وبناء العقلاء فهو اصل عقلي ; كاصالة البرائة العقلية واصالة التخيير والاحتياط وجميع الاصول الجارية في باب الالفاظ كما ذكرنا. الثالث: تقسيمه إلى الاصل المحرز والاصل غير محرز قد عرفت ان معنى الاصل هو الحكم المجعول للجاهل بالواقع الذى ليس له إليه طريق، وحينئذ فان لوحظ في جعل تلك الاحكام حال الواقع وكان لسان الدليل جعل الاحكام المماثلة له سمى ذلك اصلا محرزا، وهذا كالاستصحاب واصالة الصحة وقاعدة الفراغ والتجاوز، ففى استصحاب حيوة زيد مثلا يحكم بترتيب آثار الحيوة ويكون الحكم المذكور مماثلا للواقع فكأنه محرز له ولذا سمى بالاصل المحرز. وان لم يلاحظ ذلك بل كان المجعول حكما ظاهريا مستقلا بلا لحاظ كون المجعول مما يماثل الواقع سمى اصلا غير محرز، كالبرائة والتخيير ونحوهما فان حكم الشارع بالاباحة في مشكوك الحرمة ليس بلسان ترتيب حكم الواقع بل هو حكم ظاهري مستقل. الرابع: تقسيمه إلى الاصل المثبت وغير المثبت. توضيحه: ان كل موضوع له اثر شرعى لابد في ترتيب اثره عليه من احراز ذلك الموضوع بالقطع أو بامارة معتبرة أو باصل عملي، فان احرز بالقطع فلا اشكال ولا كلام في لزوم ترتيب آثار نفس ذلك الموضوع وآثار جوانبه.

[ 60 ]

بيانه ان الشئ يتصور له جوانب اربعة: اللازم والملزوم والملازم والمقارن ; فحيوة زيد ملزوم وتنفسه وتغذيه وتلبسه ونبات لحيته لوازم عقلية وعادية والتنفس بالنسبة إلى نبات اللحية ملازم، وفيما لو حصل العلم الاجمالي بموت زيد وعمر وفموت كل منهما بالقياس إلى حيوة الآخر مقارن، ثم انه لاشكال في ان القطع بالشئ مستلزم للقطع بتحقق جميع لوازمه، فحينئذ إذا كانت تلك الجوانب لها آثار شرعية فلا اشكال في لزوم ترتيب آثارها عند القطع باصل الشئ لان الجوانب ايضا تكون محرزة بالوجدان كنفس الشئ. واما لو لم يحصل القطع وكان حيوة زيد مثلا مشكوكة فمن الواضح ان الجوانب ايضا تكون مشكوكة بالوجدان، إذ كما ان القطع بالملزوم مستلزم للقطع باللازم فكذلك الشك فيه مستلزم للشك فيه، فإذا فرضنا قيام امارة معتبرة على الشئ كاخبار البينة عن حيوة زيد فلا اشكال في لزوم ترتيب آثار نفس الحيوة من حرمة التصرف في ماله وحرمة تزويج زوجته ووجوب الانفاق عليه فانه معنى تصديق البينة في اخبارها، واما الاثار الشرعية المترتبة على الجوانب كما إذا كان ناذرا للتصدق بدرهم لو كان زيد متنفسا وبدينار لو كان متلبسا أو إذا نبت له لحية فالظاهر ايضا وجوب ترتيب تلك الاثار بمجرد قيام البينة على حيوة زيد إذ لا اشكال في ان اخبار العادل بالحيوة كما انه حاك في نفس الحيوة بالمطابقة حاك عن الجوانب بالملازمة والشارع كما امر بالعمل على ما حكى عنه بالمطابقة امر بالعمل على ما حكى عنه بالملازمة فيجب ترتيب آثار الجميع وهذا معنى ما يقال ان مثبتات الامارة حجة، ومرادهم ان الامارة تثبت لوازم ما ادى إليه ايضا وجوانبه فيجب ترتيب آثارها. هذا حال الامارات واما الاصول العملية الجارية في الموضوع عند عدم الامارة كاستصحاب حيوة زيد مثلا فهل يثبت بها نفس الحيوة ويجب ترتيب آثارها فقط أو يثبت بها آثار المستصحب وآثار جوانبه كالامارة وجهان بل قولان: اشهرهما انه لا يثبت به الآثار نفسها واما آثار الجوانب كما عرفت فلا تكاد تترتب باجراء الاستصحاب في نفس الحيوة، فلو اريد اثبات تلك الاثار فلابد من اجراء استصحاب آخر بالنسبة إلى كل من الجوانب لو كان لها حالة سابقة وجودية ;

[ 61 ]

فاستصحاب الحيوة ينفع لترتيب حرمة التصرف في ماله واما لزوم التصدق بدرهم أو دينار في المثال السابق فاثباته يحتاج إلى اجراء الاستصحاب في نفس التنفس والتلبس وهذا معنى ما اشتهر من ان الاصل المثبت غير حجة، ومرادهم ان الاصل الذى يراد به اثبات اللوازم للمستصحب ليترتب عليها آثارها لا يكون بحجة. فان قلت إذا حكم الشارع بحيوة زيد مثلا بالاستصحاب فلازمه ترتيب آثار التنفس والتلبس ونحوهما ايضا إذ الملازمة بينهما واضحة عقلا وعادة فكيف يحكم بترتيب آثار الحيوة دون آثارها. قلت المفروض ان اصل الحيوة ولوازمها كلها مشكوكة وجدانا وحكم الشارع بترتيب الاثار تعبدا لم يثبت الا في خصوص ما وقع مجرى الاستصحاب وهو الحيوة فالجوانب لم تحرز بعد بالقطع ولا بحكم تعبدي بترتيب آثارها.

[ 62 ]

الاصول عرفوا المعنى الاصطلاحي لهذه الكمة بتعاريف كثيرة: والاولى: تعريفها بانها العلم بالقواعد الممهدة لرعاية الاحكام الشرعية الفرعية اثباتا أو اسقاطا. فخرج بالعلم بالقواعد علم الفقه فانه علم بنفس الاحكام الشرعية والوظائف العملية لا بالقواعد المعدة لكشف حالها. وبعبارة اخرى هنا قواعد معينة مدونة قابلة لان يصل بها الباحث إلى الاحكام الفرعية والوظائف العملية ; فالعلم بتلك القواعد يسمى بعلم الاصول، والعلم بتلك الاحكام والوظائف يسمى بعلم الفقه. مثلا إذا وقع البحث عن خبر الثقة واثبتت له الحجية، سميت النتيجة مسألة اصولية، والعلم بها علم الاصول، وإذا جعلت تلك النتيجة كبرى لقياس مؤلف، فقيل وجوب الجمعة مما اخبر به الثقة وكلما اخبر به الثقة ثابت فالوجوب ثابت ; سميت النتيجة مسألة فقهية والعلم بها فقها واجتهادا. وخرج بقيد الرعاية القواعد التى لم يكن تمهيدها لخصوص رعاية الاحكام كعلم اللغة والمنطق وغيرهما.

[ 63 ]

وخرج بالتقييد بالفرعية ماله دخل في استخراج الاحكام الشرعية الاصولية كوجوب الاعتقاد بالمبدء تعالى والمعاد وسفرائه إلى العباد. ثم ان تلك القواعد اعم مما يوجب القطع بالحكم وغيره، ومن الشرعية والعقلية، ومن الامارات والاصول، ومن مثبتات الاحكام ومسقطاتها فيدخل في التعريف حجية نصوص الكتاب والاخبار المتواترة وهى مفيدة للقطع، وحجية ظواهر الكتاب واخبار الاحاد وهى تفيد الظن ويدخل ايضا الحديث والاجماع والشهرة مثلا وهى امارات، والاستصحاب والبرائة والاحتياط وهى اصول عملية، ويدخل ايضا اخبار الاحاد واستصحاب والبرائة النقلية وهى قواعد شرعية، والظن الانسدادى على الحكومة وقاعدة الملازمة والبرائة والاحتياط العقليين ونحوهما وهى قواعد عقلية ; ويدخل ايضا كل امارة أو اصل مثبت حكما من الاحكام وكلما ينفيه ويسقطه. تنبيهان: الاول: مقتضى التعريف المذكور انه ليس لهذا العلم موضوع معين معلوم المفهوم، بل هو القدر الجامع بين شتات موضوعات المسائل فبعد وقوع البحث عن خبر العدل وظاهر الكتاب والظن والانسدادى واليقين بثبوت شئ والشك في بقائه ونحوها ينتزع من تلك الموضوعات عنوان جامع يكون هو موضوع العلم وسيأتي الكلام في ذلك تحت عنوان الموضوع. الثاني: مسائل هذا العلم عبارة عن النتائج الحاصلة من ابحاثه القابلة لان تقع كبرى كلية في مقام الاستنباط كحجية الخبر والملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته ولزوم ابقاء ما كان ونحوها وبذلك يعلم ان الغرض منه النيل إلى هدف الاستنباط وتحصيل الاحكام الشرعية.

[ 64 ]

الاطراد وعدم الاطراد إذا اطلق لفظ على معنى باعتبار لحاظ ملاك وخصوصية كاطلاق لفظ العالم على زيد باعتبار وصف العالمية واريدان يعلم ان هذا الاطلاق هل هو بنحو الحقيقة أو المجاز فلابد من الاختبار ; فان صح اطلاقه على كل شئ كان له ذلك الوصف كعمرو العالم وغيره يطلق على هذا المعنى الاطراد ; أي شيوع استعمال اللفظ في المصاديق الواجدة لملاك الاستعمال، ويجعل ذلك علامة على كون اللفظ حقيقة في ذلك المعنى وان لم يصح الاطلاق كان ذلك علامة المجاز ويسمى بعدم الاطراد، كاستعمال لفظة اسد في زيد باعتبار مشابهته بالاسد فانه لا يصح استعماله في كل شئ كان شبيها بالاسد في شئ من الصفات وبشباهة ما من الشبه. فاللفظ هنا كلمة اسد والمستعمل فيه زيد والملاك والخصوصية هي الشباهة في شئ من الصفات فمع وجود هذا الملاك في فرد آخر كعمرو مثلا لا يصح الاستعمال وهو معنى عدم الاطراد وجعلوه قرينة على ان استعمال اسد في زيد مجاز. ولا يخفى عليك ان هذا البيان يتم لو كان المراد من الملاك اصل الشباهة بلا لحاظ مصاديقها فان استعمال اسد في زيد لشبه الشجاعة لا يصحح استعماله في الحجر لشبه الصلابة أو في المعز لكثرة الشعر، واما لو كان الملاك في الاستعمال نوعا

[ 65 ]

مخصوصا من العلائق وقسما معينا من الشباهات كالشجاعة مثلا فيطرد الاستعمال هنا أيضا ; فكل حيوان كان له شجاعة مثل الاسد صح الاستعمال فلا يكون الاطراد من علائم الحقيقة.

[ 66 ]

الاقل والاكثر (الاستقلاليان والارتباطيان) هما في الاصطلاح عبارة عن فعلين احدهما اقل من الاخر في الكمية ملحوظين في مقام تعلق التكليف، فإذا علم بتوجه بعث أو زجر وشك في انه تعلق بالقليل أو الكثير تحقق عنوان دوران الامر بين الاقل والاكثر وجرى الاختلاف والبحث في انه هل يجب اتيان بالاكثر أو انه يكفى الاقل ايضا، أو انه هل يحرم اتيان بالاكثر فقط أو يحرم الاقل ايضا. ثم ان معنى الاستقلاليين كون اتيان الاقل على فرض تعلق الحكم بالاكثر في الواقع، مجزيا بمقدار الاقل وامتثالا في الشبهة الوجوبية وعصيانا بمقداره ومخالفة في الشبهة التحريمية، بخلاف الارتباطيين فانه لو كان التكليف متعلقا بالاكثر في الواقع لكان اتيان الاقل لغوا وفاسدا لا طاعة فيه ولا مخالفة كما سيظهر من امثلة الباب. وبعبارة اخرى التكليف في الاستقلاليين متعدد، فالمكلف يعلم بوجود تكليف أو تكليفين مثلا ويشك في وجود ما زاد عنه، بخلاف الارتباطيين فان التكليف فيهما واحد لا شك فيه وانما الشك في انه متعلق بالاقل أو بالاكثر، ومن هنا قالوا ان مرجع الشك في الاستقلاليين إلى الشك في التكليف وفى الارتباطبين إلى الشك في المكلف به.

[ 67 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاقل والاكثر اما ان يكونا استقلاليين أو ارتباطيين وعلى كلا التقديرين فاما ان يلاحظا في الشبهة الوجوبية أو في الشبهة التحريمية. فهنا صور اربع: الاولى: الاقل والاكثر الاستقلاليان في الشبهة الوجوبية ومثاله ما إذا علم المكلف بفوات صلوات منه وشك في عددها وانها ثلث أو اربع، فهو عالم بتعلق الوجوب وشاك في وجوب القليل أو الكثير ; وكذا إذا علم بان عليه دين لزيد وشك في انه درهم أو درهمان. فذهب الاكثر فيه إلى وجوب اتيان الاقل واجراء اصالة البرائة عن الاكثر ; إذ قد عرفت ان الشك هنا يرجع إلى الشك في التكليف المستقل بالنسبة إلى ما زاد عن الاقل فتجرى البرائة. الثانية: الاقل والاكثر الاستقلاليان في الشبهة التحريمية، ومثاله ما إذا علم الجنب أو الحايض بحرمة قرائة العزائم وشك في ان المحرم خصوص آية السجدة أو جميع اجزاء السورة فيقول ان التكليف بالاقل معلوم وما زاد منه مشكوك يجرى فيه اصالة البرائة. الثالثة: الاقل والاكثر الارتباطيان في الشبهة الوجوبية وهذا القسم هو المهم المقصود بالبحث للاصوليين والاختلاف بينهم فيه كثير ويسمونه تارة بالاقل والاكثر الارتباطيين، واخرى بالشك في جزئية شئ للمأمور به أو شرطيته له. مثاله ما لو علم بتكليف وجوبي وشك في انه تعلق بالصلوة مع السورة أو بالصلوة بلا شرط السورة فالتكليف معلوم ومتعلقه مردد بين الاقل والاكثر فيرجع هذا الشك إلى الشك في جزئية السورة للصلوة وعدمها. والاقوال فيه ثلاثة: احدها: جريان البرائة العقلية والنقلية بالنسبة إلى تعلق التكليف بالاكثر. فيقال الاصل عدم تعلق الوجوب بالصلوة المركبة من السورة مثلا واما تعلقه بالاقل فهو معلوم لا مورد للبرائة فيه أو جريان حديث الرفع وغيره بالنسبة إلى الحكم الوضعي اعني جزئية المشكوك واليه ذهب الشيخ (ره) في رسائله. ثانيها: جريان البرائة الشرعية في الجزئية ورفعها بادلة البرائة الشرعية دون البرائة

[ 68 ]

العقلية، بل المورد بحسب العقل من موارد الاحتياط وهذا مذهب صاحب الكفاية (قده). ثالثها: عدم جريانها مطلقا بل لزوم الاحتياط باتيان الاكثر، ويظهر هذا من كلمات بعض المتأخرين وربما ينسب إلى بعض المتقدمين ايضا. الرابعة: الاقل والاكثر الارتباطيان في الشبهة التحريمية ; مثاله ما إذا علمنا بحرمة تصوير ذوات الارواح نقشا واو تجسيما وشككنا في ان الحرام هل هو نقش تمام الصورة أو ان البعض ايضا كذلك فالحرمة معلومة والشك انما هو في تعلقها بالاقل أو بالاكثر وحكم الارتباطيين في هذه الشبهة يباين حكم الارتباطيين في الوجوبية، فالاكثر هنا معلوم الحرمة والاقل مشكوك تجرى فيه البرائة كما ان الاكثر كان هناك مشكوكا والاقل معلوم الوجوب.

[ 69 ]

الامارة (أي الطريق المجعول في حق الجاهل بالواقع) المجعول في حق الجاهل بالواقع ان كان له كاشفية ذاتية عن الواقع ناقصة وناظرية وحكاية ولو نوعية واعتبره الشارع بلحاظ كشفه ونظره يسمى ذلك دليلا وامارة، والا فاصلا كما تقدم وقد يطلق على المجعول لكشف حال الاحكام الدليل وعلى المعتبر لبيان حال الموضوعات الامارة. فقوام امارية الامارة بامرين: احدهما: وجود كاشفية ناقصة فيها بالذات. والثانى: كون امضائها بنحو تتميم كشفها وامضاء طريقيتها. مثلا إذا اخبر العادل بوجوب الجمعة أو حرمة العصير فقوله حاك عن الواقع ظنا وبعد ورود ادلة تدل على وجوب تصديقه والعمل على طبقه يصير قوله دليلا اجتهاديا وامارة على الاحكام ومثل ذلك الظن الانسدادى والاجماع المنقول والشهرة في الفتوى على القول بحجيتها. وإذا قامت البينة على كون المال المعين ملكا لزيد كان ذلك دليلا وامارة في الموضوعات ويجب ترتيب آثار المخبر به بواسطة اخبارها.

[ 70 ]

تنبيهات: الاول: ان المعتبر للدليل ان كان هو الشارع يسمى ذلك دليلا شرعيا وامارة شرعية كخبر العدل والثقة والظن الانسدادى على الكشف، وان كان هو العقل يسمى دليلا عقليا وامارة عقلية كالظن الانسدادى على الحكومة فراجع عنوان الحكومة. الثاني: ان الدليل الشرعي قد يكون هو جعل الحجية له من الشارع جعلا بدئيا من غير سبق عمل عليه من العقلاء فيقال انه دليل شرعى تأسيسي، وان كان مع عمل العقلاء بذلك والشارع امضى عملهم ولو بالسكوت وعدم نهيهم عنه فيقال انه دليل امضائي ; وجل الادلة لو لم يكن كلها امضائية رخص الشارع فيها العمل بما عليه العقلاء. الثالث: ان وجه تقييد الدليل بالاجتهادى احيانا بملاحظة ما قيل في تعريف الاجتهاد ; فانهم عرفوا الاجتهاد بانه استفراغ الوسع وبذل الجهد في تحصيل الاحكام الواقعية فالمجتهد هو الطالب للاحكام الواقعية كما ان الدليل هو الحاكى عن تلك الاحكام فناسب ان ينسب هذا النحو من الدليل إليه. الرابع: ان افراد الامارة المعتبرة في الاحكام قليلة جدا فالذي تسلمه الجل لو لا الكل هو خبر العدل أو الثقة وحكم العقل. واما الاجماع المنقول وبعض مصاديق المحصل والشهرة في الفتوى والظن الانسدادى ونوحها فيمكن دعوى الشهرة من المتأخرين على عدم حجيتها. واما ادلة الموضوعات فهى كثيرة عمدتها البينة اعني اخبار العدلين فما زاد. ومنها: اخبار ذى اليد بالطهارة والنجاسة والملكية والكرية ونحوها. ومنها: اخبار المرئة في بعض الموارد. ومنها الامور المختصة بهن كالطهر والحيض والعدة ونحوها. ومنها: اخبار العدل مع انضمام اليمين. ومنها: اخبار الصبيان في القتل.

[ 71 ]

ومنها: اخبار الشخص فيما لا يعرف الا من قبله كعلمه وجهله ونحوهما. ومنها: اليد المثبتة للملكية بناء على كونها امارة. الخامس: قد ظهر مما ذكرنا ان قول العدل الواحد حجة في الاحكام دون الموضوعات الافى الجملة والوجه في ذلك الاستظهار من الروايات. ثم ان البحث عن كون حجية الامارات بنحو السببية أو الطريقية سيجئ انشاء الله تحت عنوان السببية.

[ 72 ]

الامتثال هو عبارة عن موافقة التكليف خارجا والجرى على وفقه عملا بعثا كان التكليف أو زجرا، اكيدا كان أو ضعيفا، وله مراتب اربع: الاولى: الامتثال التفصيلي وهو اتيان متعلق التكليف مع احراز انه متعلقه بعينه، والاحراز قد يكون علميا كما إذا كان احراز نفس العمل أو اجزائه وشرائطه بالعلم الوجداني، فإذا علم المكلف بان الواجب هو الظهر دون الجمعة فاتى به كان هذا امتثالا تفصيليا علميا، وهكذا العلم بالقبلة والطهارة وغيرهما، وقد يكون ظنيا بالظن المعتبر كما لو كان احراز اصل العمل أو كيفياته بدليل معتبر أو اصل كذلك ; فإذا أدت الامارة أو الاصل إلى وجوب الظهر أو جزئية السورة أو تعيين القبلة مثلا وعمل المكلف على طبقها كان ذلك امتثالا تفصيليا ظنيا ومنه العمل على طبق الظن الانسدادى على الحكومة والكشف. الثانية: الامتثال العلمي الاجمالي كالاحتياط في اطراف الشبهة المحصورة الوجوبية منها والتحريمية، فبعد حصول العلم الاجمالي بوجوب الجمعة أو الظهر كان الاتيان بهما امتثالا علميا اجماليا ومثله ترك الانائين المشتبهين. الثالثة: الامتثال الظنى بظن غير معتبر كاتيان الصلوة إلى القبلة المظنونة مع

[ 73 ]

امكان الاحراز العلمي. الرابعة: الامتثال الاحتمالى كاتيان احد اطراف الشبهة المحصورة في الوجوبية وترك احدها في التحريمية. تنبيه: لا اشكال في عدم كفاية الامتثال الاحتمالى مع امكان الامتثال الظنى ولا الظنى مع امكان الامتثال العلمي واما جواز الاكتفاء بالعلمى الاجمالي مع امكان الاحراز التفصيلي بقسميه ففيه اختلاف بين الاعلام.

[ 74 ]

الامر هو في اللغة موضوع لمعان كثيرة وفى هذا الاصطلاح عبارة عن الطلب الانشائى، والتقييد بالانشائى لاخراج الطلب الحقيقي الذى هو الارادة القلبية فلا يطلق عليها الامر الا مجازا. وهل يعتبر في الطلب الذى هو معنى الامر ان يكون اكيدا ينتزع عنه الوجوب فالطلب الضعيف المنتزع عنه الاستحباب ليس بامر حقيقة، أو يعتبر فيه كونه صادرا من العالي فالصادر من المساوى والدانى ليس بامر ; أو يعتبر فيه كون الطالب مستعليا مرتفعا وان لم يكن عاليا فالصادر من المتواضع الخافض جناحه ليس بامر، أو يعتبر فيه احد الامرين اما كون الطالب عاليا ولو طلب بخفض الجناح أو كونه مستعليا ولو لم يكن عاليا فالصادر من غير العالي بخفض الجناح ليس بامر وجوه بل اقوال. وينقسم الامر بتقسيمات: منها: تقسيمه إلى الامر المولوي والامر الارشادي. فالاول: هو البعث والطلب الحقيقي لمصلحة موجودة في متعلقه غالبا بحيث يحكم

[ 75 ]

العقل بترتب استحقاق المثوبة على موافقته والعقوبة على مخالفته مضافا إلى مصلحة الفعل المطلوب ; كغالب الاوامر الواقعة في الكتاب والسنة فإذا امر المولى بالصلوة والصيام وحصل من العبد امتثال ذلك الامر ترتب عليه امران: احدهما: حصول غرض المولى من امره وهو نيل العبد إلى المصالح الموجودة في الصلوة والصيام، وثانيهما: حكم العقل باستحقاقه للجزاء والمثوبة بواسطة حصول الطاعة منه. والثانى: هو البعث الصوري الذى ليس بطلب وامر حقيقة بل ليس بالدقة الا اخبارا عن مصلحة الفعل وارشادا وهداية إلى فعل ذى صلاح بحيث لا يترتب لدى العرف والعقلاء على موافقته الا الوصول إلى مصحلة العمل المرشد إليه وعلى مخالفته الافوت تلك المصلحة، فقوله تعالى: " اطيعوا الله واطيعوا الرسول " بعث إلى اطاعة الاوامر الصادرة منه تعالى فهو امر بالصلوة والزكوة والحج ونحوها فيجتمع حينئذ في الواجبات والمستحبات امران، امرها الاولى من قوله صل وصم وحج وغيرها، وامرها الثانوي بواسطة انطباق عنوان الاطاعة عليها، فلصلوة الظهر مثلا امر بعنوان انها ظهر وامر بعنوان انها اطاعة للامر الاول والاول حقيقي مولوى كما ذكرنا والثانى ارشادى يهدى إلى المصلحة الثابتة في متعلقه وهو الاطاعة باتيانه، فحينئذ إذ اتى العبد بالظهر لم يترتب على موافقة امرها الثانوي الانفس ما في الاطاعة مع قطع النظر عن هذا الامر وهو درك مصلحة الظهر وثواب اطاعة الامر المولوي، لا انه يستحق جزاء للامر الاول وجزاء ومثوبة للامر الثاني، ولو خالف ولم يأت بها لم يترتب عليها ايضا الا فوت مصالح الظهر وترتب عقاب الامر الاول لا ان هنا عقابين احدهما للامر الاول والثانى للامر الثاني وهكذا سائر موارد الارشاد. ثم ان تعيين كون الامر مولويا أو ارشاديا وتشخيص مواردهما موكول إلى حكم العقل ونظر اهل الفن وقد اختلفت كلماتهم في ذلك فقال بعضهم ان كل مورد يكون للعقل فيه حكم بالاستقلال فالحكم الوارد فيه حكم ارشادى كقبح الظلم وحسن الاحسان، وقال آخرون ان كل مورد يلزم من اعمال المولوية فيه اللغوية فهو مورد الارشاد، وذهبت عدة ثالثة إلى ان كل مورد يلزم من جعل الامر المولوي محذور عقلي

[ 76 ]

كالدور والتسلسل فهو مورد الارشاد كالاوامر الاطاعة فانها لو كانت مولوية لزم حصول اطاعة اخرى لها وحدوث امر جديد وهكذا فيتسلسل. ومنها: تقسيمه إلى التعبدى والتوصلى والى النفسي والغيري والى التعييني والتخييري والى العينى والكفائي ويأتى جميع ذلك ان شاء الله تحت عنوان الوجوب.

[ 77 ]

الامر بالشئ يقتضى النهى عن ضده ام لا ؟ من الابحاث الراجعة إلى الامر بحثهم عن ان الامر بالشئ هل يقتضى النهى عن ضده ام لا ؟ وبيانه انه إذا تعلق امر المولى بفعل من الافعال كازالة النجاسة عن المسجد فلا محالة يتصور له ضد أو اضداد يعاند وجوده وينافى تحققه، وجوديا كان المعاند كالصلوة والاكل والنوم، أو عدميا كترك ذلك الفعل. فوقع البحث (ح) في انه هل يكون للامر الدال على وجوب فعل بالمطابقة دلالة على النهى عن تلك المعاندات ام لا ؟. واو جز البيان في المقام ان نقول انه لا بأس بالقول بدلالة الامر بالشئ على النهى عن المعاند العدمي وهو ترك المأمور به بالملازمة العقلية فان ايجاب الازالة مثلا يلازم عقلا عدم رضا الآمر بتركها ومبغوضية ذلك الترك. واما الاضداد الوجودية ففيها وجهان: احدهما: دلالته على النهى عنها بتخيل ان ترك الاضداد مقدمة لفعل المأمور به ; فيترشح من الطلب المتعلق بالفعل طلب غيرى متعلق بترك الاضداد وهو معنى النهى عنه.

[ 78 ]

أو بتخيل ان فعل المأمور به وترك الاضداد متلازمان والامر باحد المتلازمين يستلزم الامر بالملازم الاخر فطلب الفعل يستلزم طلب ترك ضده وهو معنى النهى عنه. وثانيها: عدم الدلالة لان وجود المأمور به وعدم الضد امران متقارنان في الوجود لا علية لاحدهما الاخر ولا توقف، بل كل منهما معلول لعلة مستقلة، فالمكلف الداخل في المسجد إذا قصد الازالة ولم يقصد الصلوة أو النوم، يكون قصده للازالة علة لحصول الازالة وعدم قصده للصلوة علة لعدم الصلوة إذ يكفى في عدم الشئ عدم تحقق علة وجوده، فالمأمور به معلول لعلة ; وترك الضد معلول لعلة اخرى وحيث لا علية بينهما فلا توقف ولا تقدم، فان توقف شئ على شئ فرع كون الثاني من اجزاء علة الاول. نعم هما متلازمان في التحقق والوجود الا ان طلب احد المتلازمين لا يستلزم طلب الاخر بل غاية الامر عدم جعل حكم له يخالف حكم ملازمه. إذا فلا يدل الامر باشئ على النهى عن اضداده الوجودية. ثم ان ثمرة هذه المسألة حرمة الاضداد الوجودية على الاقتضاء وعدمها على العدم وتنتج الحرمة بطلان الضد إذا كان عبادة كما في المثال.

[ 79 ]

الامكان والوجوب والامتناع ينقسم الامكان إلى الذاتي والوقوعى وينقسم كل من الوجوب والامتناع إلى الذاتي والغيري والوقوعى ويعرف حقيقة كل منها ونسبته مع صاحبه في ضمن مثاله فنقول: الاول: الامكان الذاتي وهو كون الشئ بحيث ليس في ذاته اقتضاء للوجود ولا للعدم بل رجحان كل من وجوده وعدمه يحتاج إلى علة وان كان يكفى في طرف عدمه عدم علة الوجود، وهذا كجميع الممكنات الموجودة والمعدومة، فالفلك والشمس والقمر والفرس والنجم والشجر ممكنات اقتضت ارادة الله تعالى وجودها والانسان الذى له الف رأس ممكن لم يرد الواجب تعالى وجوده. الثاني: الامكان الوقوعى وهو كون الشئ بحيث لا يستلزم وجوده وعدمه ووقوعه ولا وقوعه محذورا عقليا كاجتماع النقيضين والضدين والخلف والقبح على الحكيم ونحوها، ومثاله غالب الحركات والافعال الصادرة منا والنسبة بين هذا الامكان وسابقه عموم مطلق، فكل ممكن وقوعي ممكن ذاتي ولا عكس لانه قد يكون الممكن الذاتي واجبا وقوعيا أو ممتنعا وقوعيا كما ستعرف ; فالامكان الذاتي اعم من الامكان الوقوعى. الثالث: الوجوب الذاتي وهو كون الشئ بحيث يقتضى الوجود لذاته اقتضاء

[ 80 ]

حتميا ويحكم العقل بمجرد تصور ذاته بانه لابدله من الوجود ويمتنع في حقه العدم، وهذا المعنى منحصر المصداق في ذات الله تعالى فهو الواجب لذاته دون غيره. الرابع: الوجوب الغيرى وهو وجود علة الشئ وتحققها خارجا، فيطلق على الشئ حينئذ انه واجب غيرى ; اما وجوبه فلانه لا يمكن ان لا يوجد مع فرض وجود علته التامة واما كونه غيريا فلان المقتضى لوجوده ليس نفس ذاته بل وجود علته والنسبة بينه وبين الواجب الذاتي هي التباين. الخامس: الوجوب الوقوعى وهو كون الشئ بحيث يلزم من عدم وجوده محذور عقلي ويستلزم عدمه امرا باطلا أو محالا عقليا وان كان ممكنا ذاتا، وذلك كالمعلول الصادر من العلة الواجبة لذاتها والاثار اللازمة للواجب بالذات، فكل موجود خلقه الله تعالى لاقتضاء ذاته وصفاته تعالى خلقه وايجاده من العقل والروح والنور والماء ونحوها فهو واجب وقوعي، إذ يلزم من عدمه عدم ذات الواجب وصفاته وهو خلف محال، والنسبة بينه وبين الوجوب الغيرى عموم من وجه فمادة الافتراق من الغيرى افعال العباد ومعلولات الممكنات غالبا إذ لا يلزم من عدم فعلنا الا عدم ارادتنا التى هي علة ولا محذور فيه، ومادة الافتراق من الواجب الوقوعى ذات الباري تعالى فانه كما هو واجب ذاتي واجب وقوعي ايضا إذ يلزم من عدمه الخلف وعدم كونه واجب الوجود، ومادة الاجتماع المعلول الاول الصادر من الله تعالى فانه واجب وقوعي وواجب غيرى، ومنه تعرف النسبة بين الواجب الذاتي والوقوعى ايضا فان الاول اخص من الثاني إذ كل واجب ذاتي واجب وقوعي وليس كل وقوعي ذاتيا. السادس: الامتناع الذاتي وهو كون الشئ بحيث يقتضى بذاته العدم اقتضاء حتميا ويحكم العقل بمجرد تصوره انه ممتنع الوجود كشريك الباري واجتماع النقيضين والضدين وتقدم الشئ على نفسه وصدور القبيح من الحكيم كما قيل. السابع: الامتناع الغيرى وهو عدم تحقق علة الشئ، فكل شئ لم يوجد علته التامة يطلق عليه انه ممتنع غيرى ; اما امتناعه فلعدم امكان الشئ بلا علة واما كونه غيريا فلان عدمه ليس لاقتضاء ذاته بل لعدم علة وجوده. ومثاله غالب الممكنات فإذا لم يصدر منك الاكل والشرب والنوم في وقت معين

[ 81 ]

مثلا صدق عليها انها ممتنعات غيرية. والنسبة بينه وبين الممتنع الذاتي عموم مطلق إذ كل ممتنع ذاتي ممتنع غيرى فانه لا يعقل تحقق علة للممتنع الذاتي فيكون ممتنعا غيريا ايضا وليس كل ممتنع غيرى ممتنعا ذاتيا كالممكنات غير الموجودة فالذاتي اخص من الغيرى. الثامن: الامتناع الوقوعى وهو كون الشئ بحيث يلزم من وقوعه باطل ومحال وان لم يكن ذاتا بمحال، وذلك كصدور معلول واحد عن علتين مستقلتين فالحرارة المحدودة المعينة في ماء مثلا لا يمكن صدورها عن النار والشمس عن الاستقلال، فهى وان كانت بنفسها ممكنة الا ان صدورها عن علتين مستقلتين ممتنع لاستلزامه صدور الواحد عن اثنين مع ان المشهور انه لا يصدر الواحد الا عن الواحد، وهذا اخص من الممتنع الغيرى فكل ممتنع وقوعي ممتنع غيرى إذ لا يعقل وجود العلة للمتنع الوقوعى فيكون غيريا ايضا وليس كل غيرى وقوعيا إذ غالب ما لم يوجد علته ممتنع غيرى مع عدم لزوم محذور من وجوده.

[ 82 ]

الانحلال استعمال هذا العنوان في علم الاصول يقع في موارد: منها: مورد وجود العلم الاجمالي بالتكليف المنجز، وينقسم بهذا الاطلاق إلى الانحلال الحقيقي والانحلال الحكمى. بيان ذلك انه إذا حصل للمكلف علم اجمالي بوجوب احد الشيئين أو الاشياء مثلا ثم حصل له الاحراز التفصيلي بالنسبة إلى بعض الاطراف بان انكشف له ان المعلوم بالاجمال هو هذا دون ذاك وزال العلم الاول وتحقق علم تفصيلي بالواجب أو الحرام سمى زوال الاول وحدوث الثاني انحلالا. مثلا إذا علم المكلف اجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة ثم علم على التفصيل بان الواجب هو الظهر دون الجمعة أو علم اولا بخمرية ما في احد الانائين ثم علم تفصيلا بان الخمر في هذا الاناء دون ذاك يقال حينئذ انه قد انحل العلم الاجمالي. هذا هو الانحلال الحقيقي وفى حكمه ما سموه بانحلال الحكمى، مثاله ما إذا قام دليل معتبر على تعيين المعلوم بالاجمال من دون حصول العلم على طبقه كما إذا اخبر العادل بان الواجب هو الظهر لا الجمعة أو قامت البينة على ان الخمر هي ما في هذا الاناء دون ذاك، فيجوز حينئذ الاخذ بمفاد ذاك الدليل وترتيب حكم الواقع عليه

[ 83 ]

وترك الاحتياط في الطرف الاخر وسمى ذلك بالانحلال الحكمى لانه في حكم الانحلال الحقيقي في جواز اخذ مؤديه وطرح الآخر بلا ترتب عقاب على المكلف ولو كان الدليل مخطئا عن الواقع. تنبيه: العلم التفصيلي الطارى بعد العلم الاجمالي يتصور على صور بعضها موجب للانحلال قطعا وبعضها غير موجب له على المشهور وبعضها مختلف فيه. فالاول: هو ما لو علم انطباق المعلوم بالاجمال على المعلوم بالتفصيل كما إذا علم تفصيلا بان المغصوب الموجود في البين هو ما في هذا الاناء دون ذاك. والثانى: ما إذا كان المعلوم بالتفصيل تكليفا حادثا أو عنوانا آخر غير عنوان المعلوم بالاجمال كما إذا علم اجمالا بغصبية احد الانائين ثم وقع قطرة من البول في احدهما المعين أو علم اجمالا بالغصبية ثم علم تفصيلا بكون هذا الاناء نجسا من اول الامرو ان احتمل الانطباق في كلتا الصورتين. والثالث: ما إذا احتمل وحدة التكليف واتحاد العنوانين كما إذا علم اجمالا بخمرية احد الانائين ثم علم بنجاسة احدهما المعين مع احتمال ان يكون نجاسته لكونه هو الخمر، أو علم اجمالا بنجاسة احدهما ثم علم تفصيلا بان هذا الاناء خمر ; أو علم بحرمة احدهما اجمالا ثم علم بحرمة هذا ولم يعلم وجه الحرمة في متعلق العلمين، ففى المثال الاول عنوان المعلوم بالاجمال معلوم دون عنوان المعلوم بالتفصيل وفى الثاني الامر بالعكس وفى الثالث كلا العنوانين مجهولان، وفى هذه الموارد وقع الاشكال والاختلاف في الانحلال وعدمه فراجع المطولات. ومنها: مورد انحلال الحكم التكليفى المنشأ بانشاء واحد إلى احكام كثيرة مستقلة فإذا قال المولى اكرم كل عالم، فالانشاء في هذا الكلام وان كان واحدا الا انه ينحل لدى العقل والعرف إلى انشائات كثيرة واحكام مستقلة شتى بعدد افراد الموضوع ومصاديقه، فكان المولى انشألاكرام كل فرد وجوبا مستقلا بانشاء مستقل فلكل منها

[ 84 ]

امتثال مستقل وعصيان كذلك وكذا إذا قال حرمت عليك الكذب. ومنها: مورد انحلال الحكم التكليفى المنشأ بانشاء واحد إلى ابعاض كثيرة، وذلك في الحكم الوحداني المتعلق بموضوع مركب ذي اجزاء، فإذا ورد تجب صلوة الصبح أو يحرم تصوير ذوات الارواح، كان الوجوب المترتب على الصلوة امرا وحدانيا بسيطا منبسطا على اجزاء العمل المركب ; فللوجوب وحدة حقيقية وتعدد اعتباري باعتبار ابعاضه ; ولمتعلقه تركب حقيقي ووحدة اعتبارية باعتبار اجتماعه تحت طلب المولى، فيقال (ح) ان الحكم الواحد منحل إلى اجزاء المركب وتعلق بكل جزء منه حصة من الامر ويطلق على تلك الحصة الامر النفسي الضمنى، وبهذا الاعتبار تجرى البرائة في الاقل والاكثر إذ يرجع الشك في جزئية شئ للمأمور به إلى الشك في تعلق ذلك الامر الضمنى به والاصل عدم تعلقه وكذلك الكلام في الحرمة من حيث انبساطها على اجزاء الحرام لا في اجراء البرائة عند الشك كما تقدم في آخر عنوان الاقل والاكثر. ومنها: مورد انحلال الحكم الوضعي المنشأ بانشاء واحد احكام وضعية مستقلة أو ابعاض عديدة غير مستقلة، فلو قال البايع بعد تعيين قيمة كل واحد من الاجناس المختلفة مريدا لايقاع بيع مستقل على كل واحد منها، بعت هذه الاشياء بما عينته لها من القيمة انحل التمليك والبيع الواحد إلى تمليكات كثيرة وبيوع مستقلة لكل واحد منها حكمه من اللزوم والجواز وطروا الخيار وعروض الفسخ والاقالة، ولو قال بعت هذه الدار مثلا انحل البيع الواحد إلى ابعاض كثيرة وتمليكات ضمنية فكل جزء من الدار مبيع ضمنا وجزء من بيع المجموع، وبهذا الاعتبار قد ينحل ذلك بظهور بعض المبيع مستحقا للغير ويحصل تبعض الصفقة فهذا من انحلال الحكم الوضعي اعني الملكية إلى ابعاض كثيرة.

[ 85 ]

الانشائى والاعتباري والانتزاعي قسموا الامور المتصورة للانسان، إلى المتأصل وغير المتأصل والثانى إلى الانشائى ويرادفه الاعتباري والى الانتزاعي. فالمتأصل، هو ما له وجود حقيقي في عالم التكوين معلول عن علل خاصة تكوينية ولا توجد بانشائه باللفظ ولا بقصده وارادته ; كالاعيان الخارجية واوصافها المقولية المتأصلة. واما الانشائى أو الاعتباري، فهى الامور المفروضة المقدرة القابلة للوجود في وعاء الفرض وعالم الاعتبار بمجرد الجعل والانشاء بلفظ أو غير لفظ يعتبر لها اهل العرف والعقلاء بعد تحقق عللها نحوا من الوجود يكون منشأ للآثار وموضوعا للاحكام. واما الانتزاعي فقد يظهر من عدة ترادفه مع الاعتباري، وقد يفرق بينه وبين سابقيه بان الامر المتأصل له وجود حقيقي وثبات في عالم التكوين، والامر الاعتباري له تقرر وثبات في عالم الاعتبار فيراه العقلاء امرا متحققا منشأ للاثار، واما الانتزاعي فلا تقرر له بنفسه في أي وعاء، ولا يراه العقلاء امرا متحققا موضوعا لحكم واثر ; وانما الوجود والتقرر لمنشأ انتزاعه ; وذلك كالكليات المنتزعة عن الاعيان الخارجية كان انتزاعها عن مقام الذات أو عن مرحلة اتصافها باحدى المقولات كالامكان والوجوب

[ 86 ]

والفوقية والتحتية والمحاذاة ونحوها، فهى امور تصورية تفترق عن المتأصل في انها لا تاصل لها ولا وجود وعن الاعتباري في انها لاتقبل الجعل والانشاء بل هي تابعة لتحقق منشاء انتزاعها. فرعان يتعلقان بالاعتبارى: الاول: المعتبر الذى بيده الجعل والانشاء قد يكون هو الشارع وقد يكون اهل العرف والعقلاء ; والنظر منهما قد يختلف في اعتبار شئ وقد يأتلف ; فربما يعتبر الشارع امرا اعتباريا في مورد لا يعتبره فيه العقلاء واهل العرف كملكية مال الميت لبعض الوراث وملكية الحبوة للولد الاكبر والزكوات والاخماس للفقراء والسادة والحدث الاكبر والاصغر على قول ونجاسة بعض الاعيان وطهارة بعضها، وقد يعتبره العقلاء دون الشارع كملكية الخمر والخنزير وبعض الاعيان النجسة وتحقق الضمان لمتلفها والزوجية مع بعض المحارم، وموارد التوافق كثيرة. الثاني: سبب الجعل ومنشأ الاعتبار تارة يكون امرا تكوينيا، واخرى فعلا من الافعال الاختيارية، وثالثة فعلا غير اختياري ; ورابعة لفظا من الالفاظ، وخامسة مجرد القصد والارادة وقد يتصور غير هذه فهيهنا اقسام: اولها: كموت المورث ووقوع الصيد في الحبالة وحصول الاحتلام والنوم ; فهى اسباب تكوينية ; والملكية والحدث الاكبر والاصغر امور اعتبارية تعتبر عند حصول تلك الاسباب. ثانيها: كبيع المعاطاة وحيازة المباحات وصيد الوحوش والجماع والبول واتلاف مال الغير عدوانا ونحوها، فهى افعال اختيارية ; والملكية والحدث والطهارة من الحدث والضمان وغيرها امور اعتبارية تعتبر عند تحقق تلك الافعال. ثالثها: كاخذ اللقطة والاتلاف الخطائيين والقتل بغير عمد ونحوها فهى افعال غير اختيارية وضمان العين أو البدل ووجوب الكفارة واشتغال الذمة بدية المقتول امور اعتبارية تعتبر عند حصول تلك الافعال. رابعها: كصيغ الاوامر والنواهي وسائر الكلمات الصادرة من الشارع مثلا المنشأ

[ 87 ]

بها الاحكام التكليفية والوضعية فالاسباب الفاظ والاحكام امور اعتبارية منشأة بها، فينشأ الشارع بقوله من حاز شيئا ملكه أو من قتل قتيلا فله سلبه ملكية المحوز للحائز والسلب للقاتل. وبقوله على اليد ما اخذت ضمان الآخد، وبقوله فإذا قالت نعم فهى زوجتك زوجية المرئة للعاقد، وبقوله جعلته حاكما أو قاضيا منصب الحكومة والقضاوة للفقيه وبقوله ما ادى عنى فعنى يؤدى حجية خبر الثقة وبقوله يا ابان اجلس في المسجد وافت للناس حجية فتواه ونحو ذلك. ومن هذا القسم ايضا صيغ العقود والايقاعات فينشأ المجرى لتلك الصيغ الملكية والزوجية والطلاق والانعتاق والابراء والخيار والفسخ في العقود والرجعة في الطلاق ونحوها فهى امور انشائية واسبابها الفاظ صادرة من المكلفين. ومنه ايضا المتكلم بكلمة أزيد قائم وليت الشباب يعود ولعل الله يشفى المريض والفاظ المدح والذم ونحوها فان الاستفهام والتمنى والترجى والمدح والذم امور انشائية اعتبارية توجد بتلك الالفاظ. خامسها: كاباحة بعض الاشياء للمكلفين برضا الشارع حيث قلنا بعدم الانشاء واباحة الاموال للمتصرف برضا صاحبها وحرمة ما اباحه بعدوله عن رضاه ونحوها.

[ 88 ]

الانفتاح والانسداد لااشكال في انفتاح باب العلم وامكان الوصول إلى الاحكام الواقعية الاعتقادية - عقلية كانت أو نقلية - كوجوب معرفة الباري جل شأنه ومعرفة اوصافه ووجوب معرفة الانبياء والائمة " عليهم السلام " واصل المعاد وبعض خصوصياته، فلنا ادلة كثيرة عقلية وسمعية توجب العلم بتلك الاحكام. فباب العلم بالاحكام الاعتقادية مفتوح وهذا انفتاح في الاعتقاديات والعلماء فيها انفتاحيون. واما الاحكام الشرعية الفرعية من التكليفية و الوضعية والواقعية والظاهرية، فقد اختلفت فيها آراء الاصحاب. فمنهم: من يدعى امكان الوصول إليها علما وان لنا إليها طريقا حقيقيا منجعلا وهو العلم ولا فرق بين حال حضور الامام " عليه السلام " وامكان التشرف بحضرته وبين حال الغيبة، فلنا ظواهر قطعية واخبار متواترة تورث للمتتبع العلم الوجداني بالاحكام كلها اوجلها وليسم هذا المعنى انفتاحا حقيقيا، والقائل بذلك كان بعض علمائنا في الصدر لاول كالسيد المرتضى وغيره ممن كانوا قريبى العهد من عصر بعض الائمة " عليهم السلام " وكان يمكنهم تحصيل العلم والاطلاع على الاحكام.

[ 89 ]

ومنهم: من ينكر الوصول بنحو العلم ويدعى انفتاح باب العلمي إلى غالب الاحكام بمعنى ان لنا طرقا وادلة مجعولة من طرف الشرع والعقل موصلة إلى معظمها أو جميعها وافية في اثباتها، كخبر الثقة والاجمال المحصل والمنقول والشهرة الفتوائية وحكم العقل، وتلك الطرق مقطوعة الاعتبار ويطلق عليها العلمي للعلم باعتبارها وكون دليل اعتبارها قطعيا، فهو يدعى انفتاح باب العلمي دون العلم، وليسم هذا المعنى انفتاحا حكميا والقول به مشهور شهرة عظيمة تقرب من الاتفاق. ومنهم: من يدعى الانسداد وانه لا طريق لنا إلى الواقع لا علما ولا علميا ويطلق على هذا المعنى الانسداد وعلى قائله الانسدادى. ثم اعلم ان للقائل بالانسداد عند الشك في التكاليف الواقعية دليلا عقليا يطلق عليه دليل الانسداد، وعلى مقدماته مقدمات الانسداد، ونتيجة ذلك الدليل وجوب العمل بكل ظن تعلق بثبوت الاحكام الواقعية أو بسقوطها سواء حصل من ظواهر الكتاب والسنة أو غيرهما ويعبرون عن كل ظن ثبت حجيته بهذا الدليل بالظن المطلق في مقابل الظن الخاص الذى ثبت حجيته بغير هذا الدليل. وهذا الدليل مبنى على مقدمات خمس: الاولى: انا نعلم اجمالا بوجود احكام واقعية كثيرة في الشرع. الثانية: انه قد انسد علينا باب العلم والعلمي بكثير منها. الثالثة: انه لا يجوز لنا اهمالها والاعراض عنها وعن التعرض لموافقتها وامتثالها لانه مستلزم للخروج عن الدين. الرابعة: انه لا يجب اولا يجوز الاحتياط الكلى في اطرافها بمعنى فعل جميع مظنونات الوجوب ومشكوكاته وموهوماته من افعال المكلفين وترك جميع مظنونات الحرمة والمشكوكات والموهومات منها فانه مستلزم للعسر والحرج فلا يجب اولاختلال النظام فلا يجوز ; ولا يجوز التقليد ايضا لان الكلام في المجتهد الذى يرى عدم وفاء نصوص الكتاب والمتواتر من الاخبار الا بالقليل من الاحكام وعدم حجية اخبار الآحاد ; فرجوعه إلى المجتهد الآخر واخذ فتاويه المأخوذة من الخبر الواحد مثلا من قبيل رجوع العالم إلى الجاهل.

[ 90 ]

الخامسة: ان ترجيح المرجوح على الراجح قبيح. وحاصل تلك المقدمات انه بعد العلم بوجود احكام فعلية وعدم امكان العلم التفصيلي بها وعدم جواز اهمالها أو الاحتياط التام في اطرافها يلزمنا التبعيض في الاحتياط فيدور الامر بين ان نعمل بظننا ونأتى بمظنونات الوجوب مثلا ونترك ما شككنا أو وهمنا وجوبه وبين عكسه ولا اشكال في وجوب الاول فينتج لزوم العمل بالظن. تنبيه: اختلف القائلون بالانسداد وتمامية هذا الدليل في ان مفاده ونتيجته هل هو حجية الظن عقلا بمعنى ان العقل يحكم بلزوم العمل عليه كحكمه بحجية القطع بلا حصول جعل من الشارع، أو ان مفاده حجيته شرعا بمعنى انا نستكشف منه ان الشارع جعله حجة وامرنا باتباعه كخبر العدل والثقة عند من قال بحجيتهما، وعلى التصوير الاول يقال ان الظن الانسدادى حجة على الحكومة وعلى التصوير الثاني يقال انه حجة على الكشف والمنشأ في هذا الاختلاف هو ان عدم لزوم الاحتياط هل هو بحكم العقل أو بحكم الشرع.

[ 91 ]

انقلاب النسبة ودوامها مورد هذين العنوانين هو تقابل اكثر من دليلين مع امكان الجمع العرفي بينها أو بين بعضها مع بعض آخر، فإذا لوحظ ابتداء حال احدهما مع صاحبه وعمل بينهما على نحو يقتضيه نظر العرف ثم لو حظ حاله مع الثالث فتارة تنقلب النسبة بينهما عما كانت قبل ذلك فيتحقق عنوان انقلاب النسبة واخرى لا تنقلب فيوجد عنوان دوامها. مثال الانقلاب ما إذا ورد اكرم العلماء وورد لا تكرم الفساق منهم وورد ايضا لا تكرم النحويين منهم، فالنسبة ابتداء بين الثاني والثالث عموم من وجه وبين كل منهما مع الاول عموم مطلق، فإذا جعلنا الخاص الاول مخصصا للعام تغير عنوان العام وانقلبت النسبة بينه وبين الخاص الثاني إلى العموم من وجه فكأنه قال اكرم العلماء غير الفساق ولا تكرم النحويين منهم فمادة الافتراق من ناحية الاول العالم الفقيه ومن الثاني النحوي الفاسق ومادة الاجتماع العادل النحوي. ثم ان الحكم هنا هو ملاحظة النسبة الاولية وجعل كلا الخاصين مخصصا للعام في عرض واحد ما لم يستلزم الاستغراق أو التخصيص المستهجن، فان استلزم ذلك يؤخذ باحد الخاصين ويخصص به العام ويطرح الخاص الآخر. ومثال عدم الانقلاب ما إذا ورد اكرم العلماء وورد لا تكرم الاصوليين وورد

[ 92 ]

ايضا لا تكرم النحويين وفرضنا التباين بين الخاصين، فإذا خصصنا العام بالخاص الاول وصار عنوان العام العالم الغير الاصولي كان النسبة بينه وبين الخاص الثاني هي النسبة الاولى بعينها فان كل عالم نحوى عالم غير اصولي وليس كل عالم غير اصولي عالما نحويا كالفقيه القليل المعرفة بالنحو. ثم ان اقسام انقلاب النسبة وعدمه كثيرة جدا واحكامها مختلفة اقتصرنا على المثالين خوفا من الاطالة فراجع مظانها.

[ 93 ]

التبادر هو في الاصطلاح عبارة عن انسباق المعنى إلى الذهن من اللفظ عند سماعه ; فان كان ذلك من نفس اللفظ بلا معونة قرينة كان ذلك علامة كون ذلك اللفظ حقيقة في ذلك المعنى وموضوعا له بوضع تخصيصي أو بوضع تخصصي، لبداهة انه لو لا وضعه له لما تبادر ذلك منه ولما انسبق، فإذا سمعت قول المولى جئني باسد واستبق إلى ذهنك من الكلام وجوب الاتيان بالحيوان المفترس قلت ان هيئة الامر حقيقة في الوجوب وكلمة اسد حقيقة في الحيوان المفترس وهكذا.

[ 94 ]

التجري هو في اللغة الجرئة وعدم الخوف في مورد يكون معرضا له. وفى اصطلاح هذا العلم فعل أو ترك، يقطع أو يتخيل كونه مخالفة للمولى وعصيانا لحكمه، مع عدم المخالفة واقعا. كما ان المعصية الحقيقية هو الاقدام على مخالفة المولى فيما صادف الواقع، فالنسبة بين التجرى والمعصية الحقيقية هو التباين، فمن شرب الماء معتقدا لخمريته تحقق التجرى دون المعصية، ومن شرب الخمر ملتفتا إلى الخمرية والحرمة تحقق العصيان دون التجرى. وقد يطلق التجرى على مطلق الجرئة على المولى صادف الواقع ام خالفه وعليه يكون التجرى اعم مطلقا من العصيان. ثم ان التجرى هل هو عنوان ينطبق على ارادة الشخص المتجرى، فهو فعل من افعال القلب ومعناه العزم على العصيان والقصد إلى مخالفة المولى مع اتيان ما يعتقد كونه عصيانا، أو هو عنوان ينطبق على الفعل الخارجي فهو من افعال الجوارح ومعناه العمل الذى يعتقدانه مخالفة للمولى، قولان اختار كل واحد منهما عدة من المحققين. فعلى الاول: يكون قبح التجرى عقليا، من جهة خبث باطن الشخص وسوء قصده

[ 95 ]

وارادته ويطلق عليه القبح الفاعلى، وعلى الثاني يكون من اجل سوء عمله الخارجي ويطلق عليه القبح الفعلى، وفى استلزام القبح العقلي فعليا كان أو فاعليا للحرمة الشرعية كلام سيجئ التعرض له. تنبيهان: الاول: يقع الكلام تارة في قبح التجرى عقلا واخرى في حرمته شرعا وثالثة في سببيته لاستحقاق العقوبة، وعلى التقادير اما ان نقول بانطباق عنوان التجرى على القصد والارادة واما بانطباقه على الفعل المتجرى به. وحينئذ نقول ان للاصوليين هيهنا اقوالا: منها: القول بانطباق عنوان التجرى على الارادة وسببيته لاستحقاق العقاب مع عدم قبحه عقلا وعدم حرمته شرعا، وهذا هو مختار صاحب الكفاية (ره) على ما يظهر من كلامه فذهب إلى ان الارادة المستتبعة لفعل ما يعتقد كونه معصية لا تكون قبيحا عقلا ولا حراما شرعا، فانهما من عوارض الامر الاختياري والارادة ليست اختيارية، والاستحقاق معلول للبعد عن المولى الحاصل بتلك الارادة. واما الفعل الخارجي كشرب الماء المقطوع بخمريته فهو باق على ما هو عليه من الاحوال والاحكام ولم ينطبق عليه عنوان يجعله قبيحا أو حراما. ومنها: القول بانطباقه على الارادة وقبحه عقلا مع عدم حرمته وعدم العقاب عليه شرعا وذلك لاجل ان النية والقبح الفاعلى لا تكون حراما ولا توجب استحقاق العقاب ; وان كان قبيحا عقلا، والملازمة بين القبح العقلي والحرمة الشرعية على القول بها انما هي في القبح الفعلى الذى هو مجرى قاعدة الملازمة لا الفاعلى كما فيما نحن فيه، وهذا ايضا مع بقاء الفعل المتجرى به على ما هو عليه وعدم انطباق عنوان عليه يغيره وهذا هو مختار الشيخ (ره) في رسائله. ومنها: القول بانطباق التجرى على الفعل الخارجي وقبحه عقلا وسببيته لاستحقاق العقاب مع عدم حرمته شرعا فان القبح والاستحقاق العقليين لا يستلزمان

[ 96 ]

الحرمة الشرعية فهما (ح) مترتبان على عنوان هتك حرمة المولى والاهانة له وطغيان العبد وخروجه عن زى الرقية ; وكل تلك العناوين تنطبق على الفعل المتجرى به فيكون قبيحا عقلا وسببا لاستحقاق العقاب. بل العلة التامة للاستحقاق حتى في المعصية الحقيقية انما هي تلك العناوين لا تفويت المصلحة الواقعية بترك الواجب أو الوقوع في المفسدة الواقعية بفعل الحرام، ولا مخالفة الامر والنهى الواقعيين، فانهما يتحققان كثيرا في موارد الخطاء والنسيان والجهل القصورى مع عدم العقاب حينئذ قطعا، وبالجملة ما يمكن ان يكون علة للعقاب امور ثلثة: الاول: تفويت المصلحة أو الوقوع في المفسدة. الثاني: مخالفة الامر أو النهى. الثالث: هتك حرمة المولى والطغيان عليه، والاظهر لدى التأمل هو الثالث وهو موجود في صورة التجرى ايضا كالمعصية الحقيقية وهذا القول قوى. الثاني: ان هنا عنوانا آخر يسمى بالانقياد يضاهى التجرى ويماثله، وهو الفعل أو الترك لما يقطع أو يتخيل كونه طاعة للمولى ومطلوبا له مع عدم كونه في الواقع كذلك، ويقابله الطاعة الحقيقية وهو الاقدام على طاعة المولى فيما صادف الواقع. والبحث في الانقياد نظير البحث في التجرى ; في انه هل هو عنوان ينطبق على القصد أو على الفعل الخارجي، وانه هل يكون حسنا عقلا ومطلوبا شرعا وسببا لاستحقاق المثوبة ام لا. والحاصل انهما متماثلان توأمان مرتضعان من ام واحدة بلبن واحد.

[ 97 ]

التخصص هو في الاصطلاح خروج مورد عن موضوع دليل خروجا حقيقيا وجدانيا بلا وساطة تعبد ولا معاونة دليل كخروج الخل عن موضوع دليل حرمة الخمر وخروج زيد الجاهل عن دليل وجوب اكرام العلماء. فنقول مثلا في مقام بيان: ان الحرمة مترتبة على افراد الخمر واما الخل فهو خارج عن موضوع ذلك الدليل تخصصا، ونقول في مقابل من تخيل ان زيدا عالم يجب اكرامه ان الواجب هو اكرام العالم واما زيد فهو خارج عن موضوع الوجوب تخصصا ; فيطلق على هذا النحو من الخروج التخصص وعلى الدليل المخرج عنه المتخصص (بالفتح) وعلى المورد المحكوم بالخروج الخارج بالتخصص والفرق بينه وبين الورود سيجئ تحت عنوان الورود.

[ 98 ]

التخطئة والتصويب التخطئة: في الاصطلاح عبارة عن ان يكون لحكم أو موضوع ذى حكم وجود واقعى محفوظ قد يخطئه المجتهد المريد للوصول إليه بطريق معتبر من علم أو امارة وقد يصيب فالقائلون بواقع محفوظ للشئ قد يصيبه طالبه وقد لا يصيبه يسمون بالمخطئة. والتصويب: عبارة عن تبعية واقع الشئ لما ادى إليه الطريق المعتبر والقائلون بذلك يسمون مصوبة. ثم ان التخطئة والتصوب تارة يلاحضان في الحكم العقلي واخرى في الحكم الشرعي وثالثة في الموضوع المرتب عليه الحكم، وعلى كل تقدير اما ان يلاحاظا فيما إذا حصل للمجتهد القطع بهذه الامور أو يلاحظا فيما إذا قامت الامارة المعتبرة عليها، واما الاصول العملية فهى ليست طرقا إلى الواقع فلا يلاحظ فيها عنوان التخطئة والتصويب. اما الاول: اعني العقليات سواء كان الطريق إليها علما أو غير علم فلا اشكال بل لا خلاف ظاهرا في التخطئة فيها، فالعقل يحكم بامتناع إجتماع الضدين والنقيضين وحسن الاحسان وقبح الظلم وغيرها مما استقل به العقول والمعتقد على وفق تلك الامور مصيب وعلى خلافها مخطئ، وليس اجتماع الضدين وامتناعهما تابعين لعلم

[ 99 ]

الناس فمن اعتقد الامتناع امتنع في حقه ومن اعتقد الجواز جاز. وكذا الكلام في الموضوعات سواء كانت عرفية محضة أو شرعية مستنبطة فانه لا يعرف القائل بالتصويب فيها ; فلكل موضوع كالغنى والفقير والبيع والاجارة والكرو القليل بل والطهارة والنجاسة واقع محفوظ يصيبه الطريق تارة ويخطئه اخرى لا ان البيع مثلا عند المعتقد بيعيته بيع وعند الجاهل ليس ببيع. واما الاحكام الشرعية فقد وقع الاختلاف فيها على اقوال: الاول: التصويب مطلقا في صورة العلم بالواقع وقيام الامارات عليه، الثاني: التخطئة كذلك، الثالث: التفصيل بين العلم والامارات بالقول بالتخطئة في الاول واما الثاني فبالنسبة إلى الحكم الواقعي الانشائى القول بالتخطئة ايضا وبالنسبة إلى الظاهرى الفعلى القول بالتصويب. ومنشأ القولين الاخيرين هو الاختلاف في ان حجية الامارة هل هي بنحو الطريقية أو السببية، فمن قال بالاول ذهب إلى القول الثاني ومن قال بالثاني ذهب إلى القول الثالث. مثلا إذا اخبر العادل بوجوب صلوة الجمعة وامر الشارع بتصديقه فبناء على الطريقية يكون امره بتصديقه عبارة عن جعل قوله طريقا إلى الواقع من دون جعل حكم آخر في قبال الواقع وهذا الطريق قد يكون مصيبا منجزا للواقع وقد يكون مخطئا معذرا عن تركه فلنا واقع ثابت اصبناه تارة واخطأناه اخرى. واما بناء على السببية يكون مفاد وجوب التصديق هو جعل حكم نفسي على طبق اخباره صادف قوله الواقع أو خالفه ويرجع الواقع إلى المرتبة الانشائية فهذا الطريق بالقياس إلى الواقعي الانشائى وان كان يلاحظ فيه الخطاء والصواب الا انه بالقياس إلى الفعلى الظاهرى لا معنى له بل ذلك الحكم تابع لقيامه وهذا ما قالوا من التخطئة والتصويب الاضافين. تنبيهات: اولها: ان مراد القائلين بالتصويب مطلقا يتصور على اقسام:

[ 100 ]

الاول: ان لا يكون في فعل المكلف الجاهل بالحكم مصلحة ولا مفسدة اصلا تقتضيان جعل الحكم في حقه فلم ينشأ الله تعالى بالنسبة إليه حكما واللوح المحفوظ المكتوب فيه حكم كل شئ خال عن حكم فعل هذا المكلف لخلوه عن علل الاحكام ومصالحها، فإذا تتبع وتفحص وقام عنده طريق معتبر على حكم من الاحكام انشاء الله واوجده في حقه وامر بان يكتب في اللوح المحفوظ. وحينئذ إذا قام عند احد طريق على وجوب الجمعة مثلا وعند آخر طريق على حرمتها وعند ثالث على استحبابها، تولد في فعل الاول المصلحة الملزمة فينشأ الله تعالى وجوبها في حقه وفى فعل الثاني المفسدة الملزمة فينشأ حرمتها في حقه وهكذا. الثاني: ان يكون في الواقع في كل فعل من الافعال الاقتضائية مصلحة أو مفسدة ملزمة أو غير ملزمة، وتكون احكام الافعال ايضا منشأة على حسب اقتضاء تلك المصالح والمفاسد سواء في ذلك العالم والجاهل، لكنه إذا تفحص الجاهل فاصاب الواقع كان ذلك هو حكمه الثابت غير المتغير ; وان اخطأ طريقه وادى إلى غير الواقع زال الملاك الواقعي من المصلحة والمفسدة وانتفى الحكم المسبب عنه ايضا انشاء وفعلية وحدث ملاك على طبق تأدية طريقه وحدث حكم مناسب للملاك الحادث أو غلب الملاك الحادث على الملاك السابق فتبعه الحكم، فلو كانت الجمعة ذات مفسدة ومحرمة وقام طريق عنده على وجوبها زالت المفسدة بالكلية أو غلبت المصلحة عليها بحيث كان المقدار الزائد بحد الالزام فصارت واجبة في حقه. الثالث: ان يكون الفعل كالصورة السابقة ذا ملاك وحكم في الواقع وبعد قيام الطريق على خلافه ايضا لم يزل ملاكه باقيا ولم يحدث فيه نقص اصلا ولم ينتف الحكم الواقعي ايضا الا عن مرتبة الفعلية فالجمعة المحرمة واقعا محرمة وان قامت الامارة على خلافها الا ان الحادث بسبب قيام الامارة امور: احدها: سقوط الحكم الواقعي عن الفعلية ورجوعه إلى مرتبة الانشاء. ثانيها: حدوث مصلحة في امر الشارع بتبعية تلك الطريق كمصلحة تسهيل الامر على المكلف أو احترام العادل مثلا ليجبربها ما فات من الواقع. ثالثها: حدوث حكم ظاهري مسبب عن تلك المصلحة الحادثة.

[ 101 ]

ثانيها: قد ادعى الاجماع وتواتر الاخبار على بطلان التصويب بالمعنى الاول والثانى وتسالموا على ان لله في كل واقعة حكما يشترك فيه العالم والجاهل، ومن قامت عنده الامارة على وفاته أو خلافه، واما التصويب بالمعنى الثالث فلا دليل على بطلانه بل يمكن ان يكون مراد القائلين بالسبية من اصحابنا الامامية هو هذا المعنى. فراجع عنوان السببية والطريقية. ثالثها: الفرق بين التصويب بالمعنى الاول والثانى من وجوه: احدها: انه قبل قيام الامارة لدى الجاهل لاحكم له في الواقعة اصلا على الاول وله حكم واقعى كالعالمين على الثاني. ثانيها: ان قيام الامارة الموافقة يؤثر في توليد المصلحة والمفسدة والحكم على الاول ولا تأثير له فيها على الثاني. ثالثها: انه بعد قيام الامارة المخالفة لا مقتضى لغير حكم الامارة على الاول دون الثاني فان فيه قد يكون ملاك الحكم الواقعي موجودا وان كان غير مؤثر شيئا ومغلوبا لملاك حكم الامارة. رابعها: ان قيام الامارة على الوجهين الاولين سبب لجعل الحكم الواقعي وعلى الوجه الثالث سبب لجعل الحكم الظاهرى.

[ 102 ]

التخيير واقسامه يستعمل هذا العنوان في علم الاصول في موارد ثلاثة: الاول: مورد دوران الامر بين وجوب فعل وحرمته ; كما إذا علم المكلف اجمالا بوجوب صلوة الجمعة أو حرمتها ; ومورد دورانه بين وجوب فعل وحرمة آخر وبين عكسه، فيتخير المكلف في المثال الاول بين فعل الجمعة وتركها ; وفى المثال الثاني بين فعل احدهما وترك الاخر وليس له الجمع بين فعلهما معا ولا تركهما كذلك، وهذا القسم هو مجرى اصالة التخيير. والتخيير هنا حكم عقلي ظاهري جار في المسألة الفرعية ولذا عدوا اصالة التخيير من الاصول العقلية راجع عنوان اصالة التخيير. الثاني: مورد تزاحم الحكمين في مقام الامتثال مع عجز المكلف عن امتثالهما معا كالضدين الواجبين أو المستحبين، كما إذا عجز عن انقاذ كلا الغريقين مع كونهما واجبى الانقاذ، والبحث في هذا القسم مربوط بباب التزاحم والتخيير هنا حكم عقلي واقعى مجراه المسألة الفرعية. الثالث: مورد تنافى الخبرين المتعارضين أو مطلق الامارتين المتعارضتين مع عدم مرجح لاحدهما في البين وعدم كون حكمهما التساقط والرجوع إلى الاصول العملية والبحث في ذلك موكول إلى باب التعارض وباب المرجحات والتخيير هنا حكم

[ 103 ]

ظاهري شرعى متعلق بالفقيه دون العامي ثابت بادلة العلاج جار في المسألة الاصولية اعني الحجية. تنبيه: هل التخيير الثابت للفقيه في القسم الاخير ابتدائى أو استمراري ؟ فيه وجهان بل قولان: بيانه: انه إذا دل دليل على وجوب الجمعة ودليل آخر وجوب الظهر مثلا وقلنا بتخيير الفقيه فهل له ان يختار مرة الخبر الدال على وجوب الجمعة واخرى الدال على الظهر وهكذا فله التخيير دائما وفى جميع الوقايع ; أو ليس له التخيير الا في الواقعة الاولى فإذا اختار احدهما ابتداء ليس له ان يعدل إلى الاخر بعد ذلك. وجهان: ذهب عدة إلى الاول تمسكا باطلاق ادلة التخيير، كقوله " عليه السلام ": " إذا فتخير " وقوله " عليه السلام ": " وبايهما اخذت من باب التسليم وسعك "، أو باستصحاب التخيير الثابت في اول الامر. وذهب آخرون إلى الثاني لمنع كون الاطلاق في مقام البيان من حيث البقاء على التخيير ومنع جريان الاستصحاب للشك في بقاء موضوعه، إذ موضوع التخيير ان كان هو المتحير ومن لم يختر لنفسه حجة فمرتفع قطعا ; وان كان هو الشاك في الحكم الواقعي والواصل إليه الخبران المتعارضان فباق قطعا فلا يجرى الاستصحاب، فيدخل المورد في مسألة دوران الامر بين التعيين والتخيير فيكون حجية ما اختاره أو لا مقطوعة وحجية الاخر مشكوكة محكومة بالعدم. واما القسم الاول ففى كون التخيير فيه ايضا بدويا أو استمراريا خلاف الا ان الاقوى هو التخيير الاستمراري لحكم العقل به في الزمان الثاني والوقايع البعدية التدريجية كما حكم به اولا والتفصيل في محله.

[ 104 ]

الترتب هو في الاصطلاح اجتماع حكمين فعليين في موضوع واحد أو موضوعين في وقت واحد بحيث لا يقدر المكلف على امتثالهما معا مع كون احدا الحكمين مطلقا والآخر مشروطا بعصيان الامر المطلق أو ببناء العبد على عصيانه. ويتصور الترتب في غالب امثلة تزاحم الحكمين كما سيجى ونذكر بعضها توضيحا لمعنى الترتب وتبيينا للقيود المأخوذة في تعريفه فنقول: الاول: تصويره بين حكمي الضدين الواجبين احدهما اهم والاخر مهم كما في مثال الغريقين احدهما ابن للمولى والآخر اخ له مع عدم قدرة عبده على انقاذهما معا، فيقول المولى بنحو الاطلاق يجب عليك انقاذ الولد ثم يقول لو عصيت امرى أو بنيت على عصيانه وجب عليك انقاذ الاخ، فقبل بناء العبد على عصيان الاهم ليس هنا الاحكم واحد فعلى متعلق بانقاذ الولد، فإذا بنى العبد على عصيانه وحصل شرط الامر الثاني اجتمع هنا حكمان فعليان في موضوعين متضادين احدهما انقاذ الولدو الآخر انقاذ الاخ مع عدم قدرة العبد على كلا الانقاذين وامتثال كلا الامرين. فالقائل ببطلان الترتب يقول ان توجيه الامرين إلى الملكف على هذا النحو يساوق توجيههما إليه مع كون الامرين مطلقين، في لزوم طلب الضدين والتكليف بما

[ 105 ]

لا يطاق القبيح على الحكيم. والقائل بصحته يجوز ذلك بدعوى حكم العقل والوجدان بعدم قبح توجيه الحكمين على هذا المنوال مع ان للمكلف مندوحة على المخالفة والعصيان، إذ له امتثال الامر الاهم وعدم البناء على عصيانه لئلا يتوجه إليه امر آخر وعقاب على مخالفته. ومن هذا القبيل الامر المطلق بازالة النجاسة عن المسجد والامر المشروط بالصلوة المضادة لها، فيأمر الشارع بكلا الفعلين مع جعله الامر الثاني مشروطا بعصيان الامر الاول، والترتب هنا بين حكمين وجوبين في موضوعين متضادين. والثمرة بين القول بالترتب وعدمه تظهر في صورة امتثال امر المهم وترك الاهم وصورة ترك امتثالهما معا كما إذا فرضنا انه في المثال السابق انقذ الاخ وترك انقاذ الولد أو ترك الفعلين معا فعلى القول ببطلان الترتب كان الثابت عقابا واحدا على التقديرين إذ ليس هنا الا وجوب واحد خالفه المكلف ; وعلى الصحة يستحق في الفرض الاول ثواب انقاذ الاخ وعقاب ترك الولد وفى المثال الثاني يستحق عقابين لمخالفة التكليفين. الثاني: تصويره في التزاحم بين حكمي المقدمة فيما إذا صار الحرام مقدمة لواجب اهم، كما إذا كان الدخول في دار الغير مقدمة الانقاذ غريق فاوجب المولى الدخول مقدمة للانقاذ ثم قال ان بنيت على عصيان امر الانقاذ حرمت عليك الدخول والتصرف ; فإذا بنى العبد على العصيان تحقق امران فعليان وجوب التصرف في ملك الغير مقدميا وحرمة التصرف نفسيا لحصول شرطها وهو البناء على العصيان في موضوع واحد اعني الدخول في ملك الغير أو التصرف في مائه. والترتب هنا بين حكمين احدهما ايجاب والاخر تحريم في موضوع واحد. والثمرة تظهر فيما إذا لم يرد العبد امتثال امر الاهم ومع ذلك دخل الدار فعلى البطلان يستحق عقابا واحدا على ترك ذى المقدمة وعلى الصحة يستحق عقابين لترك الانقاذ والتصرف المحرم بعد ارادة العصيان. الثالث: تصويره في التزاحم لاجل اختلاف حكمي المتزاحمين كما إذا لزم من اكرام عالم اهانة عام آخر وكان حكم حرمة الاهانة اقوى من وجوب الاكرام، فيقول

[ 106 ]

المولى يحرم اكرام زيد لاستلزامه اهانة عمرو فان بنيت على عصياني واردت اهانة عمرو فيجب عليك اكرام زيد، والترتب هنا بين حكمين تحريمي وايجابى في موضوع واحد هو اكرام زيد وحينئذ لو ترك اكرام زيد لم يتحقق معصية اصلا ولو اراد اهانة عمرو فاكرم زيدا فبناء على بطلان الترتب حيث يكون اهانة عمرو محرمة نفسا واكرام زيد مقدمة لا يستحق الا عقابا واحدا وبناء على الصحة يستحق عقابا لاهانة عمرو وثوابا لاكرام زيد. الرابع: تصويره في باب اجتماع الامر والنهى كوجوب غسل الثوب وحرمة التصرف في ماء الغير بان يقول المولى حرمت عليك الغصب والغسل ولو بنيت على العصيان والتصرف فاوجبت عليك الغسل والترتب هنا بين الوجوب والحرمة في موضوع واحد ; والثمرة تظهر فيما لو بنى على العصيان فتصرف بغسل الثوب فعلى البطلان لا يترتب الاعقاب واحد وعلى الصحة يترتب عقاب على التصرف وثواب على الغسل. تنبيهان: الاول: إذا جعل عصيان الامر المتعلق بانقاذ الولد مثلا شرطا في فعلية الامر المتعلق بانقاذ الاخ، فتارة يفرض ان نفس العصيان شرط واخرى يفرض ان الشرط هو بناء العبد على تركه. لا يقال إذا كان نفس العصيان شرطا فلا يحصل الشرط الا بعد انقضاء زمان انقاذ الولد وموته ; إذ لا يحصل العصيان الا بمضي الوقت وفى هذا الحال يفوت وقت انقاذ الاخ ايضا فيلزم ان يكون فعلية امر المهم بعد انعدام موضوعه. لانا نقول ان المراد من شرطية العصيان كونه شرطا متأخرا كشرطية الغسل الليلى لصوم المرئة المستحاضة لا شرطا متقدما أو مقارنا. الثاني: بناء على صحة الترتب لا يختص ذلك بحكمين بل يلاحظ في الاحكام الكثيرة في وقت واحد، فيقول المولى انقذ ولدى والافاخى والافعمى والا ففرسى

[ 107 ]

والافصل ركعتين والا فاغسل ثوبك مثلا فإذا اشتغل المكلف بالاهم الاول لم يتحقق شرائط الاوامر الباقية ولا يكون محذور في فوتها ; وان ترك الجميع استحق العقاب على جميعها ; وان فعل البعض فان كان الفعل المتوسط استحق العقاب على السابق دون اللاحق وهكذا.

[ 108 ]

التزاحم ومرجحاته هو تمانع الحكمين المجعولين في مقام الامتثال مع وجود ملاكهما وعدم المانع عن فعليتهما غالبا الا عجز المأمور عن امتثالهما. وعليه فالتزاحم وصف للحكم والمتزاحمان هما الحكمان، وعلى هذا فلو تمانعا في مقام الجعل بان لم يمكن للمولى الا جعل احدهما فلا يطلق عليهما المتزاحمان والتزاحم على اقسام خمسة يتضح معناه وامثلته في ضمن تلك الاقسام. القسم الاول: التزاحم لاجل اتحاد متعلق الحكمين اتفاقا كباب اجتماع الامر والنهى فإذا ورد الامر بغسل الثوب والنهى عن الغصب وكان ههنا ماء مغصوب، فالوجوب يقتضى وجود الغسل والحرمة تدعوا إلى عدمه فهما يتمانعان من حيث ان كلا منهما يقتضى صرف قدرة المكلف إلى متعلقه ويمنعه من الاتيان بالاخر مع وجود ملاك كلا الحكمين اعني مصلحة الغسل ومفسدة الغصب. القسم الثاني: التزاحم بين الضدين الواجبين أو المستحبين كالمؤمنين الغريقين مع عدم قدرة المكلف على انقاذ كليهما. القسم الثالث: التزاحم بين المقدمة وذى المقدمة فيما إذا صار الحرام مقدمه لواجب أو صار الواجب مستلزما لحرام، فإذا توقف انقاذ غريق على التصرف في ملك الغير

[ 109 ]

فهنا حكمان وجوب الانقاذ وحرمة الغصب فالحرام وقع مقدمة للواجب ووجود التمانع والملاكين معلومان، وكذا لو استلزم الوضوء في محل تخريب ملك الغير والواجب هنا مستلزم للحرام. القسم الرابع: التزاحم لاجل اختلاف حكم المتلازمين ; كما إذا لزم من اكرام عالم اهانة عالم آخر فيقع التزاحم بين الوجوب والحرمة ويدور الامر بين مراعاة جانب الوجوب وان حصل منها مخالفة للحرام ومراعاة جانب الحرمة وان استلزمت طرح الواجب. القسم الخامس: التزاحم لاجل اتحاد حكم الشئ وحكم عدمه كما إذا كان الصوم يوم العاشور مستحبا لوجود مصلحة في فعله وعدمه ايضا مطلوبا لمصلحة في تركه فيكون المورد من قبيل التزاحم بين المتناقضين. ثم انه إذا تحقق في مورد قسم من الاقسام فلا اشكال في حكم العقل بالتخيير إذا لم يكن ترجيح لاحد الطرفين وبالترجيح إذا كان مرجح في البين. مرجحات باب التزاحم والكلام في بيان مرجحات احد الحكمين وهى على اقسام: الاول: كون احدهما مقطوع الاهمية أو محتملها كما إذا كان احد الغريقين مؤمنا صالحا والاخر فاسقا طالحا قطعا أو احتمالا فيقدم الاول على الثاني. الثاني: ان يؤخذ القدرة الشرعية في موضوع احد المتزاحمين دون الاخر، مثلا إذا قال المولى اد دينك وقال ايضا حج إذا لم يكن عليك دين ودارامر المكلف المديون بين اداء الدين الواجب والسفر للحج فلا اشكال حينئذ في تقديم الدين على الحج كذا قيل. الثالث: ان يكون لاحدهما بدل اختياري دون الاخر كتزاحم الواجب الموسع مع المضيق، كالصلوة في اول الوقت مع ازالة الخبث عن المسجد، فان لفرد الصلوة المزاحم مع الازالة بدلا اختياريا هو اتيانها بعد ازالة النجاسة فيقدم الازالة عليها. الرابع: ان يكون لاحدهما بدل اضطرارى، كما إذا كان الشخص محدثا وكان

[ 110 ]

بدنه أو ثوبه نجسا وله من الماء مقدار لا يكفى للطهارة الحدثية والخبثية كلتيهما فيقدم الثانية فان للاولى بدلا اضطراريا هو التيمم. الخامس: ان يكون وجوب احدهما عينيا والاخر كفائيا بالذات، كتزاحم الصلوة اليومية في آخر وقتها مع تجهيز الميت بحيث لوصلى اليومية فات التجهيز فيقدم العينى. السادس: ان يكون ظرف امتثال احدهما وزمان اتيانه مقدما على الاخر كما إذا دار امر المريض بين القيام في الركعة الاولى والقيام في الثانية فيقدم الاول لان تقدم زمانه مرجح. ثم انه ظهر لك ان مسألة الترتب ومسألة الاجتماع فرعان من فروع التزاحم.

[ 111 ]

التعادل والترجيح إذا تعارض دليلان فاما ان يكونا متساويين في الاوصاف التى توجب الرجحان من عدالة الراوى وشهرة الرواية وموافقة الكتاب ومخالفة العامة ونحوها، واما ان يكونا متفاضلين فيها فيكون مثلا راوي احدهما اعدل من راوي الاخر أو اكثر منه أو يكون احدهما موافقا لظاهر الكتاب أو مخالفا لفتوى العامة دون الاخر. فعلى الاول: يطلق على وصف تساويهما اسم التعادل وعلى الدليلين المتصفين به المتعادلان، ووجه التسمية ان كل دليل عدل للاخر أي مثل له في المزايا والصفات. وعلى الثاني: يطلق على صفة تفاضلهما اسم الترجيح بمعنى الترجح وقد يطلق التراجيح ايضا باعتبار مصاديق الترجيح، وعلى الدليل ذى المزية اسم الراجح وعلى مقابله اسم المرجوح. ثم ان الامور الموجبة لترجيح احد الدليلين على الاخر كثيرة مذكورة تحت عنوان المرجح - فراجع -.

[ 112 ]

التعارض هو في الاصطلاح عبارة عن تنافى دليلين أو اكثر بحيث يتحير العرف في العمل بهما وكيفية الجمع بينهما. وهل المراد تنافيهما بحسب المدلول فيكون التنافى حقيقة وصفا للمعنيين ويكون اتصاف نفس الدليلين به بالعرض والمجاز، كاتصاف اللفظ بالكلية والجزئية ولذا عرفه بعض بانه تنافى مدلولي دليلين ؟ أو المراد تنافيهما بحسب الدلالة والظهور فيكون التنافى في الحقيقة وصفا للدلالة والظهور ويكون اتصاف المعنى به مجازيا، ولذا عرفه في الكفاية بانه تنافى الدليلين في مقام الدلالة والا ثبات، قولان اظهرهما الثاني. تنبيهات: الاول: يظهر من الكفاية ان الثمرة بين الوجهين تظهر في شمول التعريف لموارد الجمع العرفي كالعام مع الخاص والمطلق مع المقيد وعدم شموله، فإذا ورد اكرم العلماء وورد ايضا لا تكرم فساقهم، فان لوحظ المعنيان بالخصوص كوجوب اكرام

[ 113 ]

جميع العلماء وعدم وجوب اكرام بعضهم فهما متنافيان لمنافاة الموجبة الكلية مع السالبة الجزئية، وان لوحظ الدلالتان والظهور ان فلا تنافى بينهما إذ اهل العرف لا يرونهما متعارضين ويتصرفون في العام بما يوافق الخاص. الثاني: ان التنافى اما ان يكون على وجه التناقض أو على وجه التضاد وعلى التقديرين اما ان يكون حقيقيا أو عرضيا فهنا امثلة اربعة: الاول: التناقض الحقيقي كما إذا ورد يجب اكرام العالم وورد ايضا لا يجب اكرام العالم، فان عدم الوجوب نقيض للوجوب. الثاني: التناقض عرضا كما إذا ورد يجب اكرام زيد وورد لا يجب اكرام عمرو مع العلم الاجمالي بكذب احد الخبرين فهما متناقضان بسبب العلم الاجمالي. الثالث: التضاد الحقيقي كما إذا ورد يجب اكرام زيد وورد ايضا يحرم اكرام زيد فالوجوب والحرمة متضادان لكونهما وجوديين. الرابع: التضاد العرضى كما إذا ورد يجب اكرام زيد وورد ايضا يحرم اكرام عمرو، مع العلم الاجمالي بكذب احدهما. الثالث: انه قد ظهر مما ذكرنا انه لا تعارض بين الوارد والمورود والحاكم والمحكوم والعام والخاص والمطلق والمقيد ونحوها فان العرف لا يتحيرون فيها في مقام العمل.

[ 114 ]

الحجة هي في اللغة البرهان وعرفها اهل الميزان بانها تصديقات معلومة موصلة إلى تصديق مجهول وهذا التعريف ينطبق على مجموع الصغرى والكبرى في قولك العالم متغير وكل متغير حادث. وعرفها اهل المعقول بانها الوسط المحمول في الصغرى الموضوع في الكبرى وهذا ينطبق على خصوص التغير في المثال المتقدم. وعرفها الاصوليون بانها ما يوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبرى وهذا ايضا ينطبق على التغير في المثال وصحيح النظر فيه لحاظه محمولا على العالم وموضوعا للحادث. ثم انه لا يبعد ان يكون مراد الجميع معنا واحدا هو العلم بالصغرى والكبرى إذ لا اشكال في ان الحجة عندهم سبب العلم وسبب العلم بالنتيجة علمان علم بالصغرى وعلم بالكبرى وتعريف اهل الميزان ظاهر الانطباق عليه واشتراط كون الوسط محمولا في الصغرى وموضوعا في الكبرى في تعريف اهل المعقول وكذا اشتراط صحيح النظر في تعريف اهل الاصول معناه تأليف قياس تام فهما ايضا يرجعان إلى ذلك المعنى الواحد.

[ 115 ]

وعرفها الشيخ (ره) في رسائله بانها ما يقع وسطا لاثبات احكام متعلقه وهذا يغاير تلك التعاريف في موارد يأتي الاشارة إليها في تنبيه المسألة. تنبيهان: الاول: في صحة اطلاق الحجة على القطع فنقول الاظهر عدم الصحة في الطريقي المحض والصحة في الموضوعي، فاطلاقها على الطريقي بالنسبة إلى الحكم الذى تعلق به غير صحيح على جميع التعاريف اذالحجة كما عرفت علمان بنسبتين يستلزمان علما ثالثا بنسبة ثالثة، والقطع بحرمة الخمر أو وجوب الجمعة علم واحد بنسبة واحدة فكيف يكون حجة، وبتعبير آخر الحجة ما يوصلك إلى هذا العلم لا نفسه فلو كان هنا علمان آخر ان كانا سببا لحصول هذا العلم لصح اطلاق الحجة عليهما، نعم يطلق عليه الحجة بالنسبة إلى حكم العقل بوجوب الاتباع والجرى العملي على وفق القطع، مثلا إذا قطعت بخمرية مايع صح ان تقول هذا ما قطعت بخمريته وكل ما قطعت بخمريته فهو لازم الترك عقلا ولا يصح ان تقول هذا ما قطعت بخمريته وكل ما قطعت بخمريته فهو حرام شرعا والا لزم كون القطع موضوعا كما انه موضوع بالنسبة إلى الحكم العقلي. هذا بالنسبة إلى الطريقي واما الموضوعي فلا مانع من اطلاقها عليه بناء على تلك التعاريف، واما على تعريف الشيخ فلا يطلق عليه ايضا لكون الحجة عنده ما يكون وسطا لاثبات الاحكام المترتبة على المتعلق مع قطع النظر عن تعلق القطع به والحكم في الموضوعي ليس كذلك بل ثابت مع اخذ القطع فيه. ففى القطع بموضوع بلا حكم إذا وقع في موضوع حكم كما إذا رتب الحرمة شرعا على ما علم كونه عصيرا تقول هذا ما قطعت بكونه عصيرا وكل ما كان كذلك فهو حرام فالقياس صحيح على تلك التعاريف وقطعك حجة بالنسبة إلى اثبات ذلك الحكم، واما على قول الشيخ فلا يصح اطلاقها عليه اصطلاحا لعدم ترتب حكم على المتعلق نفسه، وفى صورة القطع بالحكم أو بموضوع ذى حكم كما إذا وقع القطع

[ 116 ]

بوجوب الجمعة أو بخمرية شئ موضوعا لوجوب التصدق مثلا تقول: قطعت بوجوب الجمعة أو بخمرية هذا المايع وكلما قطعت بهما وجب التصدق، فهنا حكمان حكم تعلق القطع به أو بموضوعه وحكم تعلق بالقطع والقطع بالنسبة إلى الاول طريقي لا يطلق عليه الحجة على جميع الاقوال وبالنسبة إلى الثاني موضوعي حجة عند غير الشيخ وليس بحجة عنده. الثاني: في صحة اطلاق الحجة على الامارات. وبيانه: انه ان قلنا فيها بالسببية وانها سبب لحدوث حكم ظاهري على وفقها ففى مورد قيام الامارة على وجوب الجمعة مثلا يتصور هنا حكمان واقعى تحكى عنه الامارة وظاهرى يتولد منها، فيطلق عليها الحجة بالنسبة إلى الظاهرى فيقال صلوة الجمعة مما قامت الامارة على وجوبها في الواقع وكلما كان كذلك فهو واجب ظاهرا، ولعل نظر الشيخ (قده) من كونها وسطا لاثبات احكام متعلقاتها هو هذه الاحكام الظاهرية، واما بالنسبة إلى الحكم الواقعي فهى كالقطع لا يطلق عليها اسم الحجة إذ لا يصح ان يقال وكل ما قامت الامارة على وجوبه فهو واجب واقعا. وان قلنا فيها بالطريقية وان اثرها تنجيز الواقع إذا اصاب والعذر إذا اخطأ من دون جعل حكم تكليفي في موردها فهى نظير القطع بعينه ولا تسمى حجة إذ لا يصح ان يقال وكل ما قامت الامارة على وجوبه فهو واجب واقعا ولا ان يقال فهو واجب ظاهرا والكبرى على كلا التقديرين باطلة، نعم بعد جعل الشارع طريقيتها حيث يعلم بتنجز الواقع على فرض وجوده يحكم العقل بمتابعتها مطلقا حذرا من مخالفة الواقع وتكون الامارة موضوعا لهذا الحكم العقلي ويصح اطلاق الحجة عليها بالنسبة إليه فيقال هذا ما قامت الامارة على حرمته وكلما كان كذلك فهو لازم الترك عند العقل فهذا لازم الترك عقلا فالامارة وسط لاثبات الحكم العقلي.

[ 117 ]

الحقيقة والمجاز اما الحقيقة: فهو اللفظ المستعمل فيما وضع له، وتنقسم إلى الشرعية واللغوية والعرفية. اما الاولى: فهو اللفظ الذى كان وضعه بيد الشارع وثابتا من قبله. فإذا ثبت ان الشارع وضع لفظا لمعنى كلفظ الصلوة للهيئة المعهودة والصوم للامساك المعلوم والزكوة للصدقة المعروفة اما بتنصيصه بانى وضعت هذه الالفاظ لهذه المعاني أو باستعماله لها في تلك المعاني مجازا ثم صيرورتها حقيقة بكثرة الاستعمال، يقال ان هذه الالفاظ حقيقة شرعية في هذه المعاني والحقيقة الشرعية فيها ثابتة وإذا لم يثبت وضعه لها باحد النحوين يقال انه لم يثبت الحقيقة الشرعية في هذه الالفاظ بالنسبة إلى هذه المعاني. وتظهر ثمرة النزاع فيما إذا وقعت الالفاظ المذكورة في كلام الشارع موضوعا لحكم فقال مثلا يجب الصلوة عند رؤية الهلال من كل شهر فعلى القول بثبوت الحقيقة الشرعية فيها كان الواجب هو الصلوة بمعنى الاركان المخصوصة والا كان الواجب هو معناها اللغوى اعني مطلق الدعاء. واما الثانية: اعني الحقيقة اللغوية فهو ما كان وضعه بيد واضع اللغة كالحجر

[ 118 ]

والشجر. واما الثالثة: أي الحقيقة العرفية فهو ما كان وضعه بيد اهل العرف كالسيارة والطيارة. واما المجاز: فهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، ويقسم تارة إلى المجاز في الكلمة والى المجاز في الاسناد والى المجاز في الحذف. اما الاول: فان كانت العلاقة بين المعنى الحقيقي والمستعمل فيه هي المشابهة فاستعارة. والافمجاز مرسل واقسامه كثيرة تنشأ من كثرة العلائق الملحوظة في الاستعمال المجازى. فمنها: تسمية الشئ باسم جزئه كاطلاق العين على الربيئة. ومنها: عكسه كقوله تعالى " يجعلون اصابعهم في آذاتهم " على ما قيل. ومنها: تسمية الشئ باسم سببه كاطلاق العقد على البيع. ومنها: تسمية السبب باسم مسببه كقولهم امطرت السماء نباتا أي غيثا. ومنها: تسمية الشئ باسم ما كان كاطلاق الحاج على الراجع عن سفر الحج. ومنها: تسمية الشئ باسم ما يكون كقوله تعالى: " انى ارانى اعصر خمرا ". ومنها: تسمية الشئ باسم محله كقوله تعالى: " فليدع نادية " والمراد اهل المجلس. ومنها: تسمية الشئ باسم حاله كقوله تعالى: " واما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله " أي الجنة كما قيل. ومنها: تسمية الشئ باسم آلته كقوله تعالى: " واجعل لى لسان صدق في الاخرين " أي ذكرا حسنا. واما المجاز في الاسناد فكقولهم جرى الميزاب وقوله " صلى الله عليه وآله ": " رفع عن امتى الخطاء والنسيان " اذالاسناد الحقيقي هو اسناد الجرى إلى الماء واسناد الرفع إلى حكم الفعل الصادر خطاء أو نسيانا لا إلى نفس الخطاء. واما المجاز في الحذف فكقوله تعالى: " واسئل القرية " اي اهل القرية بناء على كون القرية بمعنى الضيعة أو المصر لا بمعنى الناس والمجتمع.

[ 119 ]

تنبيه: استعمال اللفظ في المعنى المجازى في مجاز اللفظ والاسناد والحذف، لا يحتاج إلى ترخيص الواضع وتعيينه المعاني المجازية أو العلائق المجوزة للاستعمال، بل هو مستند إلى توافق النفوس واستحسان الطباع، وذهب بعض اهل الادب إلى وجود وضع للمجازات ايضا كالحقايق واشرنا إليه في آخر عنوان الوضع فراجع. ويقسم المجاز بتقسيم آخر إلى مجاز متعارف ومجاز راجح ومجاز مشهور. فالاول: واضح ومنه اغلب المجازات المتداولة. والثانى: هو المجاز الذى كان استعمال اللفظ فيه اكثر من سائر المعاني المجازية، سواء أكان اقل من المعنى الحقيقي ام كان مساويا له. كما في استعمال الاسد في الرجل الشجاع اكثر من الابخر ; واستعمال الامر في الندب اكثر من الاباحة على قول المشهور. والثالث: هو الذى كان الاستعمال فيه اكثر من المعنى الحقيقي ; كما ادعاه صاحب المعالم في صيغة الامر المستعملة في الاستحباب، وهذا القسم هو الذى اختلفوا فيه في ان اللفظ مع خلوه عن القرينة هل يحمل عليه أو على المعنى الحقيقي أو يتوقف فذهب إلى كل وجه فريق.

[ 120 ]

الحكم وقسموه بتقسيمات: الاول: تقسيمه إلى الحكم التكليفى والحكم الوضعي. فالاول: هو الانشاء الصادر بداعي البعث أو الزجر أو الترخيص وتسميته بالتكليفى لان فيه بحسب غالب مصاديقه كلفة ومشقة على المأمور ويقسم إلى اقسام خمسة تسمى بالاحكام الخمسة التكليفية، وهى الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة والاباحة، ومنشأ التقسيم هو ان فعل المكلف اما ان يكون ذا مصلحة خالصة بلاشوب مفسدة خالصة بلا وجود مصلحة أو يكون خاليا عنهما ليس فيه احد الامرين، وعلى الاولين اما ان تكون المصلحة أو المفسدة شديدة ملزمة أو ضعيفة غير ملزمة فهذه اقسام خمسة يتولد منها الاحكام الخمسة المذكورة. ثم انه بقى قسم آخر من فعل المكلف وهو ما يوجد فيه المصلحة والمفسدة كلتاهما، وحينئذ اما ان يغلب فيه جانب المصلحة أو جانب المفسدة أو يتساويان وعلى الاولين اما ان يكون المقدار الغالب كثيرا ملزما أو قليلا غير ملزم فهذه اقسام خمسة اخر يتولد منها ايضا احكام خمسة. فاقسام الافعال عشرة واحكامها خمسة وهذا كله مبنى على كون الاحكام

[ 121 ]

التكليفية معلولة للملاكات الموجودة في متعلقاتها واما بناعا على ان انشائها وجعلها لملاك في نفس الجعل كما ذهب إليه البعض فاللازم ملاحظة تلك الصور العشر في نفس الجعل. بقي هنا شئ وهو ان الاباحة كما تكون لعدم المصلحة والمفسدة في الفعل أو لتساويهما فيه كذلك قد تكون مع المصلحة الملزمة أو المفسدة الملزمة ولكن مع وجود مانع عن الالزام بالفعل أو الترك أو وجود المقتضى للترخيص والاباحة اللااقتضائية وعلى القسم الثاني الاباحة الاقتضائية. والثانى: أي الحكم الوضعي كل حكم مجعول منشأ لم يكن بحكم تكليفي كالملكية والزوجية ونحوهما مما يأتي مفصلا وتسميته بالحكم الوضعي لكونه غالبا موضوعا للحكم التكليفى. تنبيه: في قابلية الحكم الوضعي للجعل وعدمها اقوال: احدها: انه قابل للجعل والانشاء استقلالا بجميع اقسامه كالحكم التكليفى. ثانيها: انه غير قابل له مطلقا بل يكون دائما منتزعا عن الحكم التكليفى الموجود في مورده، فإذا قال الشارع يجوز شرب الماء أو يجب الاجتناب عن البول أو قال إذا انشأ عقد البيع جاز تصرف البايع في الثمن والمشترى في المبيع أو إذا انشاء عقد النكاح جاز لكل من الطرفين الاستمتاع من الآخر أو إذا اخذت مال الغير بغير رضاه وجب عليك رد عينه أو بدله أو نحو ذلك، انتزع من جواز شرب الماء طهارته ومن وجوب الاجتناب عن البول نجاسته ومن جواز تصرف كل من البايع والمشترى ملكيته لما انتقل إليه ومن جواز استمتاع طرفي النكاح الزوجية ومن وجوب الرد الضمان. ثالثها: التفصيل بين مصاديقه وان بعضها قابل للجعل بالاستقلال وبعضها قابل للانتزاع عن التكليف وبعضها لا يقبل هذا ولا ذاك فلا يمكن جعله استقلالا كما لا

[ 122 ]

يمكن انتزاعه عن الحكم التكليفى. فالاول: أي ما يمكن جعله استقلالا وايجاده باللفظ اصالة، كالملكية والزوجية والحجية والقضاوة والنيابة والحرية والرقية ونحوها، فالشارع بقوله من حاز شيئا من المباحات أو استرق احدا من الكفار فهو له ; انشاء وجعل ملكية المال والشخص الاسير للآخذ وبقوله صدق العادل جعل الحجية لقوله، وبقوله جعلته حاكما جعل القضاوة للفقيه. والثانى: كجزئية شئ للمأمور به وشرطيته فينتزع من تعلق الحكم التكليفى بصلوة ذات اجزاء وقيود الجزئية لكل واحد من اجزائها والشرطية لكل واحد من قيودها. والثالث: كسببية مصالح الصلوة مثلا للامربها وايجابها فان ذلك امر تكويني مقدم على الوجوب فلا يعقل جعله تشريعا فضلا عن ان ينتزع من التكليف المتأخر عنه رتبة. ثم ان الحكم الوضعي ليس محصورا في ثلاثة أو خمسة أو تسعة كما توهم، بل كلما كان من الامور الاعتبارية القابلة للجعل والاعتبار اطلق عليه اسم الحكم وكان غير التكليف فهو حكم وضعي كالصحة والبطلان والعلية كعلية الملاقاة للنجاسة، والعلامية كالسن والاحتلام ونبات الشعر بالنسبة إلى البلوغ، والتقديرات كالكرية والمسافة، والحجج كحجية خبر العدل والثقة، والبدلية كبدلية التيمم عن الوضوء والتراب عن الماء، والتقبل كقبول العمل الناقص عوضا عن التام، والضمان اعني كون الشئ على عهدة الشخص، والجنابة والحرية والرقية والوكالة والشرطية والسببية والمانعية والقاطعية ونحوها. الثاني: تقسيمه إلى الاقتضائى والانشائي والفعلى والمنجز. ولا يخفى عليك ان هذه الاقسام من مصطلحات بعض المتأخرين (قده) والاكثرون منهم لا يقولون الا بالانشائى والفعلى واما بيان تلك المراتب الاربع: فالاولى: مرتبة الاقتضاء وكون الحكم في تلك الرتبة معناه وجود المقتضى للجعل وكونه حسنا وذا مصلحة مع حصول مانع منه أو فقد شرط، واطلاق الحكم على هذه

[ 123 ]

المرتبة مع ان الموجود سببه ومقتضيه دون نفسه اطلاق مسامحي بلحاظ ان للمعلول والمقتضى نحو وجود في ضمن علته ومقتضيه، فالمصلحة في البعث والزجر مثلا كأنها وجود لنفس تلك الاحكام كما لوادعى فيما إذا وجد المادة التى تنقدح منها النار ان النار موجودة. وقيل انه من هذا القبيل الاحكام الشرعية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله والحكم في هذه المرتبة يسمى حكما اقتضائيا شأنيا. الثانية: مرتبة الانشاء وهى فيما إذا تحقق انشاء الحكم من الامر لوجود مقتضيه وفقد مانعه الا انه ليس له ارادة جدية بالنسبة إلى الفعل ولم يقصد الزام المأمور لوجود مانع عن الالزام فيطلق على الحكم في هذه المرتبة الحكم الانشائى ; وكانت عدة من الاحكام في صدر الاسلام من هذا القبيل فكانت الواجبات عندئذ بحكم المستحبات والمحرمات بحكم المكروهات لا تستلزم مخالفتها العقوبة. ومنه ايضا الاوامر الامتحانية والاعتذارية. والاحكام الواقعية التى قامت الامارة على خلافها بناء على السببية أو جرت الاصول العملية في مواردها. ومنه ايضا الحكم المستفاد من العموم بالنسبة إلى الافراد الخارجة بالتخصيص قبل انكشاف وجود المخصص. ولا يخفى عليك ان اطلاق الحكم على الانشائى ايضا اطلاق مسامحي فان الانشاء بلا ارادة جدية التى هي روح الحكم كالجسد بلا روح والحكم (ح) كصورة بلا حياة. الثالثة: مرتبة الفعلية بان انشأه الآمر وحصلت الارادة الجدية في نفسه وقصد الالزام وتسجيل الامر على المأمور ويسمى هذه المرتبة بالفعلية والحكم فيها حكم فعلي وهو الذى ينبغى اطلاق الحكم عليه حقيقة لكنه حينئذ فعلى فقط بلا حصول تنجز ولا ترتب عقاب على تركه مادام لم يلتفت إليه المكلف ولم تقم امارة على خلافه. الرابعة: مرتبة التنجزبان يعلم المكلف بالحكم الفعلى أو يقوم عنده الامارة عليه فيبلغ (ح) مرتبة التنجز ويسمى حكما منجزا ويترتب على تركه العقوبة. هذا وقد اشرنا إلى ان الاكثر قسموه إلى قسمين وذهبوا إلى انه قبل الانشاء

[ 124 ]

لاحكم هنا اصلا فاذاانشأ باللفظ حصل الحكم الانشائى والشأني، وحينئذ فان لم يكن على طبقه ارادة جدية فهو انشائي وشأني وان حصلت الارادة وقصد الالزام به فهو فعلى ومنجز. الثالث: تقسيمه إلى الواقعي الاولى والواقعي الثانوي والظاهري. فالاول: هو الحكم المجعول على الافعال والذوات بعناوينها الاولية الخالية عن قيد طرو العنوان الثانوي، وقيد الشك في حكمه الواقعي، كالوجوب المرتب على صلوة الصبح والحرمة المرتبة على شرب الخمر والطهارة والنجاسة المرتبتين على الماء والبول، فيطلق عليها الاحكام الواقعية وعلى متعلقاتها الموضوعات الواقعية. والثانى: هو الحكم المرتب على الموضوع المتصف بوصوف الاضطرار والاكراه ونحوهما من العناوين الثانوية غير عنوان مشكوك الحكم، فإذا كان صوم شهر رمضان ضرريا أو حرجيا على احدا وكره على الافطار كان جواز الافطار أو حرمة الامساك حكما واقعيا ثانويا والموضوع المعنون بتلك العناوين موضوعا ثانويا، وكذا إذا امر الوالد ولده بصوم اول شهر رجب مثلا أو نذره الشخص أو شرطه في ضمن عقد لازم أو صار مقدمة لواجب يقال ان هذا الصوم بما هو صوم شهر رجب وبعنوانه الاولى مستحب وبعنوانه الثانوي واجب فاستحبابه حكم واقعى اولى ووجوبه واقعى ثانوى. وتسميته ثانويا لانه في طول الواقع وموضوعه عنوان ثانوى عارض على العنوان الاولى الاصلى. والثالث: هو الحكم المجعول عند الجهل بالواقع والشك فيه كالحكم المستفاد من ادلة اعتبار الامارات وادلة الاصول العملية، فإذا اخبر العادل بوجوب صلوة الجمعة أو حرمة العصير وحكم الشارع بتصديقه فان قلنا فيه بالسببية وان مرجع وجوب التصديق إلى جعل الوجوب التكليفى للصلوة والحرمة التكليفية للعصير كان المجعول حكما تكليفيا ظاهريا لكونه مجعولا لدى الجهل بالواقع. وان قلنا فيه بالطريقية وان مفاد دليل الاعتبار جعل الحجية أو الطريقية لقول العادل كان ذلك حكما وضعيا ظاهريا. وإذا شككنا في حكم صلوة الجمعة وكانت الحالة السابقة هي الوجوب فالحكم

[ 125 ]

بالوجوب لاجل الاستصحاب حكم ظاهري موضوعه الشك في الحكم الواقعي، وكذا الحكم بالاباحة عند الشك في الحلية والحرمة بدوا والحكم بالتخيير في مورد دوران الامر بين المحذورين والحكم بالاحتياط في مورد العلم الاجمالي ; ثم ان الفرق بين الحكم الامارى والاصلي مضى تحت عنوان الامارة. الرابع: تقسيمه إلى المولوي والارشادي وقد مضى تحت عنوان الامر.

[ 126 ]

الحكومة يظهر عن عبائرهم ان الحكومة عبارة عن كون دليل ناظرا إلى حال دليل آخرر وشارحا ومفسرا لمضمونه سواء كان ناظرا إلى موضوعه ام إلى محموله وسواء كان النظر بنحو التوسعة ام التضييق وسواء كان دلالة الناظر بنحو المطابقة ام الالتزام وسواء كان متقدما ام متأخرا، فيسمى الدليل الناظر حاكما والمنظور إليه محكوما. فإذا ورد قوله اكرم العلماء وورد قوله ان الفاسق ليس بعالم كان الثاني ناظرا ومفسرا للاول وحاكما عليه إذ من المعلوم ان نفى الشارع عالمية الفاسق ليس على نحو الحقيقة بل يرجع ذلك إلى نفى وجوب الاكرام فهذا الدليل ناظر إلى ذلك ومفسر له وهو معنى الحكومة. ثم ان للحكومة بهذا المعنى مصاديق كثيرة وامثلة مختلفة لا بأس بالاشارة إلى بعضها لا يضاح معنى الحكومة. منها: ان يكون دليل نافيا لموضوع دليل آخر تعبدا لا حقيقة ووجدانا كالمثال السابق، وكما إذا ورد لاشك للمأموم مع حفظ الامام فإذا شك المأموم بين الثلث والاربع وكان الامام حافظا للثلث متيقنا لها فالدليل الثاني ينفى حكم الشك عن شك المأموم بلسان نفى الموضوع ويبين انه ليس له البناء على الاكثر واتيان صلوة الاحتياط

[ 127 ]

فيكون حاكما في قوله إذا شككت فابن على الاكثر، وانه لا يشمل شك المأموم مع حفظ الامام، وهذه حكومة بنحو تضييق دائرة الموضوع من المحكوم. ولعل إلى هذا القسم ينظر كلام الشيخ (قده) في رسائله حيث قال الحكومة هي الناظرية بحيث لو لا دليل المحكوم لكان دليل الحاكم لغوا. ومنها: ان يكون دليلا مثبتا لموضوع دليل آخر تعبدا لا وجدانا، فإذا ورد اكرم العلماء وورد ان الملازم لخدمة العالم عالم فالدليل الثاني يثبت موضوعا للدليل الاول، وحيث ان ذلك ليس بموضوع له وجدانا فيرجع تعميم الموضوع إلى تعميم الحكم وشموله لخادم العالم ومثله قوله " عليه السلام ": " الطواف بالبيت صلوة " بالنسبة إلى الادلة التى تثبت للصلوة احكاما خاصة وقوله كل مشكوك طاهر بالنسبة إلى قوله: " لاصلوة الا بطهور " وهذا من قبيل النظر إلى الموضوع بنحو التوسعة. ومنها: حكومة ادلة العناوين الثانوية على ادلة العناوين الاولية، فإذا حكم الشارع بحرمة الخمر ووجوب الغسل والصوم فالحرمة والوجوب متعلقان بفعل المكلف بعنوانه الاولى اعني الشرب والغسل فإذا طرء العسر أو الضرر على ترك الشرب وفعل الصوم فأنه يتعلق بهما بطر وهذا العنوان حكم الجواز بادلة الحرج والضرر ; فالغسل الحرجى والضررى مورد لتعارض الدليلين بدوا فهو بما انه غسل واجب وبما انه فعل حرجى أو ضررى ليس بواجب ولكن دليل العنوان الثانوي مقدم. فان معنى قوله " عليه السلام ": " لاضررر ولا ضرار ": لا حكم ضررى في الاسلام اولا فعل ضررى، فعلى الاول يكون ناظرا إلى ادلة الاحكام الواقعية وان احكامها لا تشمل الموارد التى تحقق فيها الحرج والضرر وعلى الثاني يكون المعنى لا وضوء ضررى ولا صوم ضررى فيكون نافيا لموضوعها ومضيقا لدائرته، ومن هنا قيل ان تصرف الدليل الحاكم اما في عقد حمل دليل المحكوم أو في عقد وضعه فعلى الاحتمال الاول يكون النظر في هذه القاعدة إلى حكم الادلة الاولية والتصرف تضييق في محمولها، وعلى الثاني يكون النظر إلى الموضوع والتصرف تضييق في الموضوع. ومن هذا القبيل ايضا حكومة قوله " عليه السلام " في حديث الرفع: " وما استكرهوا عليه وما اضطروا إليه "، فإذا استكره الانسان على شرب الخمر أو اضطر إليه يكون

[ 128 ]

الحديث رافعا لموضع دليل حرمة الخمر تعبدا وهو معنى الحكومة. ومنها: حكومة الامارات على الاستصحاب على مبنى الشيخ (قده) ; وبيانه ان مفاد دليل اعتبار الامارة جعلها طريقا إلى الواقع فهى علم مجعول لا يعتنى بخلافه فقوله صدق العادل يدل بالمطابقة على لزوم الجرى على وفقه وبالملازمة على عدم الاعتناء باحتمال مخالفته للواقع والغاء ذلك الاحتمال ; وحيث ان ذلك الاحتمال هو موضوع حكم الاصل كانت الامارة نافية لحكم الاصل عن موضوعه بلسان نفى موضوعه وهو معنى الحكومة. فإذا شككنا في حرمة العصير بعد الغليان، فاحتمال الحلية والحرمة في الواقع موضوع للحكم بالحلية الظاهرية وهو حكم الاصل، فإذا اخبر العادل بحرمته فاحتمال الحلية الواقعية وان كان باقيا ايضا إذ الفرض ان الخبر ظنى لا يفيد العلم ولكن مفاد دليل الاعتبار ينفى ذلك الاحتمال تعبدا ويحكم بعدم الاعتناء وعدم ترتيب اثره عليه وهو الحلية الظاهرية. ومنها: حكومة بعض الاصول العملية على بعض كالاستصحاب على البرائة وتقريبه ان موضوع البرائة الشرعية هو الفعل الذى لم يرد فيه نهى بالفعل وحكمه هو الاطلاق والاباحة لقوله " عليه السلام ": " كل شئ لك مطلق حتى يرد فيه نهى "، فالمعنى كلما لم يرد فيه نهى بالفعل فهو حلال، فإذا فرضنا مشكوكا ثبت له نهى في السابق كالعصير الذاهب ثلثاه بالشمس فهو وان كان مشكوكا لم يرد فيه نهى بالفعل وحكمه الحلية الا ان دليل الاستصحاب وقوله من كان على يقين فشك فيه فليبن على يقينه حاكم بلزوم ابقاء النهى السابق وفرض هذا الموضوع مما ورد فيه النهى تعبدا فهو ناظر إلى دليل البرائة. وبعبارة اخرى دليل البرائة مركب من جملتين مغياة وغاية والاولى كلما لم يرد فيه نهى فهو حلال والثانية كلما ورد فيه نهى فهو ليس بحلال، والعصير المذكور وان كان داخلا تحت الجملة الاولى دون الثانية وجدانا الا ان دليل الاستصحاب يخرجه عن موضوع الاولى ويدرجه في الثانية تعبدا وتنزيلا فهو حاكم على الجملة الاولى بنفى حكمها بلسان نفى الموضوع وعلى الجملة الثانية باثبات حكمها بلسان اثبات الموضوع،

[ 129 ]

كما انه بالنسبة إلى دليل العنون الاولى وهو قوله العصير إذا غلى يحرم المجمل من جهة دوام الحرمة وعدمه متمم لدلالته بحسب الظاهر. تنبيهات: الاول: قد ظهر مما قدمنا ان الفرق بين الحكومة والتخصيص من وجوه: اولها: ان الحاكم ناظر وشارح بدلالته اللفظية للمحكوم بخلاف المخصص فانه لا نظر له للعام ولا شرح له ولا تفسير، وبعبارة اخرى قد صدر الحاكم لبيان حال المحكوم وساقه القائل مفسرا لتحديد حكمه أو موضوعه وصدر المخصص لبيان حكم مستقل من دون نظر من القائل إلى كونه شارحا لدليل آخر ام لا، فيكون العام والخاص في مورد التصادم متعارضين من دون حكومة لاحد الطرفين ; وحيث ان الخاص يكون اظهر من العام غالبا في مورد التعارض يقدم عليه، فلو فرض في مورد تساويهما ظهورا فهما يتساقطان ويرجع إلى الاصل أو فرض اظهرية العام فانه يقدم هو ويطرح الخاص سندا. ثانيها: لحاظ الظهور والاظهرية في العام والخاص كما مر ولا يلاحظان في الحاكم والمحكوم بل يقدم الحاكم الظاهر في اقل مرتبة من الظهور على المحكوم ولو كان اظهر. ثالثها: عدم لحاظ النسبة بين الحاكم والمحكوم، ولذا قلنا بتقديم ادلة العناوين الثانوية كقوله لا ضرر ولاضرار على دليل وجوب اللصوم الضررى مع ان بينهما عموما من وجه ; فان دليل لاضرر يشمل غير الصوم كالوضوء والغسل الضرريين ودليل وجوب الصوم يشمل الصوم غير الضررى وكلاهما يشملان الصوم الضررى. الثاني: لا يخفى عليك ان الورود والحكومة كما كانا جاريين في الامارة والاصل كذلك يجريان في الخاص الوارد في مقابل العام فالخاص النص أو الاظهر قد يكون واردا على اصالة العموم وقد يكون حاكما. بيانه ان لنا في طرف العام اصلا عقلائيا وهو الحكم باستعماله في معناه الحقيقي اعني الاستغراق عند الشك في استعماله فيه أو هو الحكم بعدم وجود القرينة عند

[ 130 ]

الشك في وجودها وعدمها واقعا، ولهذا الاصل موضوع ومحمول، موضوعه الشك في استعماله في معناه ومحموله الحكم باستعماله فيه وارادته منه أو موضوعه احتمال وجود القرينة ومحموله الحكم بعدمها وارادة الظاهر، على المبنيين من ان حجة الظواهر من باب الظهور النوعى اومن باب اصالة عدم القرينة، وحينئذ فإذا ورد خاص في قبال العام فان كان قطعيا سندا ودلالة كان واردا على الاصل المذكور ; لانه ينتفى الشك وجدانا ويحصل اليقين بوجود القرينة واستعمال العام في المعنى المجازى فينتفى موضوع الاصل اللفظى حقيقة وهو الورود وان كان نصا ظنى السند فمقتضى دليل اعتباره هو الحكم بصدوره تعبدا وكونه قرينة وانه لم يستعمل العام في معناه الحقيقي فيكون الخاص بدليل اعتباره حاكما على اصالة العموم. هذا كله على القول بان العام المخصص مجاز مستعمل في غير ما وضع له كساير المجازات، واما على القول بعدم المجازية فيه وان التخصيص تصرف في الارادة الجدية فالاصل العقلائي هو اصالة التطابق بين الاستعمال والارادة والموضوع ايضا الشك في التطابق فيتصور فيه ايضا الورود والحكومة. الثالث: قد تطلق الحكومة في مقابل الكشف ويراد بها حكومة العقل بحجية الظن بعد تمامية مقدمات الانسداد فراجع التنبيه الاخير من بحث الانفتاح والانسداد.

[ 131 ]

الحمل الاولى الذاتي والحمل الشايع الصناعي لا اشكال في لزوم نحو من الاتحاد بين الموضوع والمحمول والا لبطل حمله عليه. والاتحاد يتصور على اقسام ثلاثة: الاول: الاتحاد مفهوما وماهية ووجودا كقولك في مقابل من يتوهم امكان سلب الشئ عن نفسه الانسان انسان فبين الموضوع والمحمول اتحاد في المراحل الثلث. الثاني: الاتحاد ماهية ووجودا مع الاختلاف في المفهوم، كقولك الانسان حيوان ناطق فبين المفهومين اختلاف بالاجمال والتفصيل واتحاد في المقامين أي الماهية والوجود. الثالث: الاتحاد في الوجود مع الاختلاف في المفهوم والمهية كقولك زيد انسان وعمرو جسم. ويطلق على الحمل في القسمين الاولين حمل الكلى على الكلى والحمل الاولى الذاتي، وعلى القسم الثالث حمل الكلى على الفرد والحمل الشايع الصناعي اما كونه شايعا فلشيوعه في الاستعمالات بين الناس واما كونه صناعيا فلاستعماله عند اهل الصناعات وارباب العلوم.

[ 132 ]

الدلالة وهى تنقسم بتقسيمات: منها: تقسيمها إلى دلالة المطابقة والتضمن والالتزام. فالاولى: دلالة اللفظ على تمام ما وضع له كدلالة لفظ الانسان على الحيوان الناطق، ودلالة الدار على جميع ما تحويه وتحيط به جدرانها. والثانية: دلالة اللفظ على جزء معناه كدلالة لفظة زيد على رأسه ورجليه. والثالثة: دلالة اللفظ على لازم معناه كدلالة الشمس على الضوء والانسان على تعقله وكتابته. ومنها: تقسيمها إلى الدلالة التصورية والتصديقية، فقد قيل ان اللفظ الموضوع الصادر من المتكلم له دلالتان. الاولى: الدلالة التصورية وهى خطور معنى اللفظ في الذهن عند سماعه وكون سماعه موجبا لتصور معناه، وهذه الدلالة تتوقف من طرف السامع على امور ثلثة: سماع اللفظ وكونه موضوعا وعلم السامع بالوضع ; ومن جانب اللافظ لاشرط لها بل لو صدر اللفظ من وراء الجدار من لافظ بلا شعور واختيار حصلت هذه الدلالة. الثانية: الدلالة التصديقية، وهى دلالة اللفظ على كون المعنى مرادا لقائله فتكون سببا لتصديقك بان اللافظ مريد مفاد لفظه ; فإذا قال احد زيد قائم تقول ان يعتقد

[ 133 ]

قيام زيد وان مراده الاخبار بقيامه، وهذه الدلالة للفظ ثابتة مسلمة عند العقلاء وهى المعبر عنها بحجية الظواهر. ومنها: تقسيمها إلى دلالة الاقتضاء والايماء والاشارة. اما الاقتضاء فهى دلالة الكلام على امر مقصود للمتكلم دلالة التزامية عقلية أو شرعية، من جهة توقف صحة الكلام عقلا أو شرعا على ارادة القائل ذلك المعنى، بحيث لو لم يكن من قصده ذلك لعد غالطا في كلامه فدلالة الاقتضاء على قسمين عقلية وشرعية. مثال الاولى دلالة قوله تعالى: " واسئل القرية " على كون المسئول اهل القرية لانفسها، فهذه الدلالة مقصودة بالملازمة العقلية للقائل وتتوقف صحة الكلام بحكم العقل على كون المراد ذلك. ومثال الثانية كما في قول القائل بع مالى عنك أو اعتق عبدى عنك، فان الكلامين يدلان على قصد المتكلم تمليك ماله للمخاطب قبل بيعه وعتقه حتى يجوز له البيع والعتق عن نفسه، فانه لا بيع الا في ملك ولا عتق الا في ملك، كما ان اقدام المخاطب على البيع والعتق بالشروع في الانشاء، يدل على قبول ذلك التمليك وقصده لتملكه المال قبلهما، فدلالة كلام الامر بالبيع على التمليك من دلالة الاقتضاء بحكم الشرع ; ودلالة بيع المخاطب وعتقه على التملك ايضا من قبيل تلك الدلالة. ومن ذلك ايضا قول من عليه الكفارة لمخاطبة الذى له مملوك: اعتق عبدك عنى وانشأ المخاطب عتق عبده بعد طلبه هنا فان الكلام الاول يدل بدلالة الاقتضاء الشرعية على طلب تمليك العبد له وبيعه منه بذلك الثمن قبل العتق، والكلام الثاني يدل بتلك الدلالة على قبول استدعائه بتمليكه العبد وبيعه منه ; فالكلامان يدلان اقتضاء على بيع بينهما حاصل بايجاب ضمنى وقبول كذلك. واما دلالة الايماء والاشارة فكدلالة قوله: " عليه السلام ": " كفر " عقيب قول القائل انى واقعت اهلي في نهار شهر رمضان، هذا الامر باعطاء الكفارة بعد ذلك السؤال لا يخلو عن الاشارة إلى علية الجماع لوجوب الكفارة ولذا يتعدى من المخاطب إلى غيره، ومن الاهل إلى غيرها.

[ 134 ]

الدليل العقلي والنقلى قد يطلق الدليل ويراد به الامارة التى تقابل الاصل وقد مر بيانه بهذا المعنى تحت عنوان الامارة. وقد يطلق ويراد به القياس المؤلف من صغرى وكبرى وهو بهذا اللحاظ ينقسم إلى اقسام ثلاثة ; دليل نقلى، ودليل عقلي مستقل، ودليل عقلي غير مستقل ويطلق عليه العقلي الظنى ايضا. اما القسم الاول: فهو القياس الذى كانت الكبرى المأخوذة فيه شرعية سواء كانت الصغرى ايضا شرعية ام لا، كقولك الماء المشكوك في طهارته طاهر وكل طاهر يجوز شربه فالماء المشكوك في طهارته كذلك فالكبرى والصغرى شرعيتان، وكقولك هذا خمر وكل خمر حرام فهذا حرام فالكبرى فقط فيه شرعية. واما القسم الثاني: فهو القياس الذى كانت مقدمتاه عقليتين كقولك العالم ممكن وكل ممكن محتاج إلى مؤثر فالعالم محتاج إلى مؤثر. واما القسم الثالث: فهو القياس الذى كانت الكبرى المأخوذة فيه عقلية والصغرى غير عقلية وامثلتها كثيرة اشار الشيخ (قدس سره) في الرسائل إلى عدة منها. فمنها: الاستصحاب على القول بكونه حجة من جهة العقل ; فتقول وجوب صلوة

[ 135 ]

الجمعة مظنون البقاء وكل مظنون البقاء باق بحكم العقل فالوجوب باق فهذا الدليل عقلي غير مستقل اما كونه عقليا فلان لزوم ابقاء كل مظنون البقاء وترتيب آثار البقاء عليه يكون على هذا القول بحكم العقل فالكبرى عقلية، واما كونه غير مستقل فلان الصغرى وجدانية من حيث النسبة الكلامية وشرعية من حيث الموضوع. ومنها: القياس وكيفية تأليف الشكل فيه ان تقول مثلا ان النبيذ مسكر وكل مسكر حرام لاستنباطه من قوله الخمر حرام فالنبيذ حرام. ومنها: الاستحسان والقياس المؤلف فيه ان يقول الفقيه حرمة العصير مما يترجح في ذهني بملاحظة اشباهه وموارد تناسبه وكل حكم ترجح في ذهني لذلك فهو حكم الله فحرمة العصير حكم الله والكبرى فيه عقلية. ومنها: المفاهيم فتقول في مفهوم الوصف وجوب الزكوة علق على وصف السوم في قوله " عليه السلام ": " في الغنم السائمة زكوة " وكلما علق عليه الحكم في الكلام ينتفى الحكم عند انتفاء ما علق عليه فالوجوب ينتفى عند عدم السوم، وكذلك تقول في مفهوم الشرط ونحوه فهذا الدليل عقلي غير مستقل لكون كبراه فقط عقلية. ومنها: الاستلزامات والمراد منها الملازمة بين وجوب الشئ وحرمة ضده أو وجوب الشئ ووجوب مقدمته فتقول الصلوة واجبة وكل واجب تجب مقدمته أو يحرم ضده فالصلوة كذلك فالكبرى عقلية والصغرى شرعية.

[ 136 ]

الدور قد يعرف الدوربانه توقف الشئ على نفسه ; وقد يعرف بانه توقف الشئ على ما يتوقف عليه، ولا اشكال في ان اثبات دورية شئ يتوقف على تشكيل شبه قياس مؤلف من صغرى وكبرى، فنقول مثلا ان الالف موقوف على الباء والباء موقوف على الالف فالالف موقوف على الالف، فمن عرفه بالتعريف الاول فهو ناظر في تعريفه إلى النتيجة في المثال وتعريفه ينطبق عليها، ومن عرفه بالتعريف الثاني فنظره إلى الكبرى وتعريفه ينطبق عليها. وعلى أي تقدير فان تم اثبات الدورية بكبرى واحدة في قياس الدليل كالمثال المذكور سمى ذلك دورا مصرحا وان احتاج إلى ضم كبرى اخرى إلى الكبرى الاولى سمى ذلك دورا مضمرا، وحينئذ فان كانت الكبرى الزائدة واحدة يسمى مضمرا بواسطة وان كانت اثنتين فمضمرا بواسطتين وهكذا فقولك الالف موقوف على الباء والباء موقوف على التاء والتاء موقوف على الالف دور مضمر بواسطة وان زدت عليه قولك والتاء موقوف على الثاء مثلا كان مضمرا بواسطتين. تنبيه:

[ 137 ]

لا اشكال ولا خلاف في بطلان الدور وهل الوجه في ذلك كون توقف الشئ على نفسه مما يدرك العقل بطلانه بنفسه كاجتماع الضدين والنقيضين، أو الوجه فيه استلزامه تقدم الشئ على نفسه إذا الشئ لو توقف على نفسه لزم ان يوجد أو لا مقدمة لوجوده ثم يوجد ثانيا، أو استلزامه اجتماع النقيضين أي وجود الشئ وعدمه في وقت واحد فان الشئ إذا وجد اولا مقدمة لوجوده ثانيا لزم على الفرض عدم وجوده في حال وجوده اولا وجوه، وعلى الوجهين الاخيرين فالدور امرو ملاك بطلانه امر آخر من تقدم الشئ على نفسه أو اجتماع النقيضين وفى بعض الموارد يوجد ملاك الدور دون نفسه فيقال ان هذا المطلب باطل لوجود ملاك الدور فيه.

[ 138 ]

السببية والطريقية هما وصفان عارضان للامارة الحاكية عن الحكم الشرعي أو عن موضوع ذى حكم شرعي. توضيحه: انه ذهب فريق من الاصوليين إلى ان قيام الامارة على حكم أو موضوع سبب لحدوث حكم تكليفي نفسي ظاهري على طبقها ; كانت الامارة مصيبة أو مخطئة، فمعنى جعل الامارة وامضائها من ناحية الشارع جعل حكم ظاهري على وفقها طابق الحكم الواقعي أو خالفه ; فإذا اخبر العدل مثلا بوجوب صلوة الجمعة، أو بحرمة العصير تولد من الاول حكم وجوبي متعلق بصلوة الجمعة، ومن الثاني حكم تحريمي متعلق بشرب العصير، فيطلق على هذا النحو من التأثير للامارة السببية والموضوعية. وذهب آخرون إلى عدم تأثير الامارة في حدوث حكم تكليفي، وليس معنى جعل الامارة الا اعطاء الطريقية لها وجعلها علما تعبد يا تنزيليا ليترتب عليها آثار العلم من تنجيز الواقع في صورة الاصابة والعذر عن مخالفتها في صورة الخطاء فالمجعول فيها حكم وضعي لا تكليفي فكما ان القطع الوجداني بالوجوب أو الحرمة لا اثر له الا التنجيز والعذرية فكذلك الامارة ويطلق على هذه الصفة للامارة الطريقية.

[ 139 ]

تنبيهات: الاول: يفرق بين السببية والطريقية في الامارة بامور: احدها: وجود مصلحة في تبعية الامارة وترتيب الاثر عليها على الاول وهذه المصلحة هي التى اوجبت جعل الحكم النفسي على وفقها، بخلاف الثاني فانه لا مصلحة في سلوكها غير ادراك الواقع لو اتفق. ثانيها: جعل الحكم التكليفى النفسي على طبقها بناء على الاول وجعل الحكم الوضعي على الثاني. ثالثها: سقوط الحكم الواقعي عن الفعلية في صورة اصابة الامارة وخطائها على الاول. إذ يستلزم بقائه على الفعلية مع فرض كون الحكم الظاهرى فعليا ايضا اجتماع المثلين أو الضدين ; وهذا بخلاف الثاني فانه عليه يتنجز الواقع لدى الاصابة ويسقط عن الفعلية لدى المخالفة. رابعها: كون مخالفة الامارة اصابت ام اخطأت ; عصيانا للشارع ناشئا من جهة مخالفة الحكم الظاهرى بلا محذور من ناحية الواقع على الاول وكونها عصيانا من جهة مخالفة الواقع في صورة الاصابة وكونها تجريا في صورة الخطاء على الثاني. خامسها: حصول الاجزاء في بعض الموارد على الاول دون الثاني ; فإذا اخبر العدل بعدم جزئية السورة للصلوة أو عدم مانعية لبس الحرير فيها ثم انكشف الخلاف بعد العمل صحت على الاول وبطلت على الثاني. الثاني: ظاهر الادلة الدالة على حجية الامارات من السيرة العقلائية والاخبار الواردة هي الطريقية لا السببية، فان العقلاء لا يعملون باخبار الثقة عندهم أو بظاهر الكلام مثلا الا لتوقع الوصول إلى الواقع المحكى بهما فلا مصلحة عندهم في تبعيتها الا النيل إلى الواقع ولا مفسدة لديهم في مخالفتها الا فوت الواقع من دون نفسية في سلوكها ومصلحة تعبدية في موافقتها. كما ان العرف ايضا لا يفهمون من ظواهر الادلة الشرعية المثبتة لحجيتها والباعثة على العمل على طبقها الا امضاء عمل العقلاء وتثبيت ما هم عليه وهذا هو الطريقية.

[ 140 ]

الثالث: قد يتوهم ان القول بالسببية هو القول بالتصويب المجمع على بطلانه عند الامامية ولكنه توهم فاسدفا ناقد ذكرنا تحت عنوان التخطئة والتصويب ان للتصويب اقساما ثلثة ; وان القسمين الاولين داخلان في التصويب الباطل والقسم الثالث الذى يساوق السببية فيما نحن فيه اما ليس بتصويب أو ليس بباطل فراجع.

[ 141 ]

السنة والحديث والحديث القدسي اما السنة: فهى في الاصطلاح عبارة عن قول المعصوم أو فعله أو تقريره. واما الحديث: فقد يطلق على كلام غير المعصوم الحاكى عن السنة الصادرة عن المعصوم كما انه قد يطلق على الاعم من الحاكى والمحكى ويرادفه الخبر. واما الحديث القدسي: فهو كلام الله تعالى غير المنزل على سبيل التحدي والتعجيز سواء نقله المعصوم عن الله بواسطة الملك ام نقله من الكتب السماوية الماضية. تنبيهات: الاول: قد اشرنا إلى ان السنة قول أو فعل أو تقرير، والاول واضح من حيث الموضوع ومن حيث الحجية كما سيجئ. واما الفعل: فهو حجة في الجملة ومثبت للحكم في بعض الموارد. اما في الافعال الضرورية ولوازم الحيوة كالاكل والشرب ونحوهما، فلا حاجة في اثبات جوازها إلى فعل المعصوم لثبوته بالعقل والضرورة من الشرع. واما في غيرها، فترك المعصوم فعلا من الافعال يدل على عدم وجوبه كما ان فعله

[ 142 ]

شيئا منها يدل على عدم حرمته، إذا لم يكن هناك خوف وتقية. واما اثبات رجحان عمل بالفعل أو اثبات كراهته بالترك سواء أكان مواظبا عليهما ام لا ; فلا اشكال فيه إذا علم بالصدور بقصد القربة ; فعند ذلك يثبت اصل الرجحان دون الوجوب، وان لم يعلم وجه العمل واحتمل كونه عبادة أو مباحا يفعله باقتضاء طبعه كما إذا كان يجلس بعد السجدتين وقبل القيام، فالظاهر عدم ثبوت الرجحان بذلك. واما التقرير: فهو ان يطلع المعصوم على معتقد شخص أو جماعة أو على صدور فعل كذلك ; أو على جريان سيرتهم على عمل فلم ينكره عليهم ولم يردعهم عنه مع عدم خوف وتقية ; (فح) يكون ذلك تقريرا لما صدر عنهم وحجة على صحة تلك العقيدة، واباحة تلك الاعمال والعادات. الثاني: قسموا الخبر إلى اقسام كثيرة نذكر هنا نبذا من ذلك. فمنها: خبر الواحد. ومنها: المستفيض وهو ما كان مخبره اكثر من واحد ولم يصل إلى حد التواتر. ومنها: المتواتر وهو الذى بلغ رواته في كل طبقه حدا يمتنع عادة تباينهم على الكذب، وينقسم إلى اقسام ثلثة: الاول: المتواتر اللفظى وهو اتفاق الرواة على نقل لفظ معين كما ادعى ذلك في قوله " عليه السلام ": " انما الاعمال بالنيات ". وقوله " صلى الله عليه وآله ": " انى تارك فيكم الثقلين "، وقوله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " من كنت مولاه فعلى مولاه ". الثاني: المتواتر المعنوي وهو اخبارهم بالفاظ مختلفة تشترك الجميع في اثبات معنى واحد كان ذاك المعنى مدلولا مطابقيا لها أو التزاميا أو بالاختلاف كما إذا روى احدهم ان الهر طاهر والاخر ان السنور نظيف وهكذا وكما إذا ورد ان الماء القليل ينجس بالملاقاة وورد ان الانقص من الكر ينفعل وورد ان الماء إذا بلغ قدركر لا ينجسه شئ ومثل الاخبار الحاكية عن غزوات مختلفة تشترك في الدلالة على شجاعة على " عليه السلام ".

[ 143 ]

الثالث: المتواتر الاجمالي وهو اخبار الناقلين بالفاظ مختلفة متفاوتة في سعة الدلالة وضيقها مع حصول العلم الاجمالي بصدور بعض تلك الالفاظ كما إذا روى البعض ان خبر المؤمن حجة وروى الاخر ان خبر الثقة حجة وروى الثالث ان خبر العدل حجة والحكم (ح) لزوم الاخذ بالخبر الاخص مضمونا. ومنها: الصحيح وهو ما كان افراد سلسلة سنده كلهم اماميين ممدوحين بالتعديل، وقد يطلق الصحيح منسوبا إلى راو معين فيقال صحيح ابن ابى عمير مثلا فيراد منه كون السند صحيحا إلى ذلك الرجل، وقد يقال روى الشيخ مثلا في الصحيح عن ابن بكير فيراد كون الوسائط المحذوفة بين الشيخ وابن بكير رجالا ثقات حذفوا للاختصار هذا عند المتأخرين واما عند القدماء فالصحيح كل حديث قابل للاعتماد عليه فيعم الحسن والموثق كما سيجئ. ومنها: الحسن وهو ما كان جميع رواة السند اماميين غير معدلين كلا أو بعضا. ومنها: الموثق وهو ما كانت السلسلة غير امايين كلا أو بعضا مع توثيق الجميع ويسمى هذا قويا ايضا. الثالث: لا اشكال في حجية التواتر من تلك الاقسام واما البواقى ففيها اختلاف بين الاعلام وان كان الامر في بعضها اسهل من بعض. فاستدل القائلون بالحجية في الصحيح والموثق بامور: الاول: قوله تعالى: " فلو لا نفر من كل فرقة منهم " الخ. حيث اوجب الله الانذار للمتفقه، وطلب من الفرقة الحذر العملي من بعد الانذار ولا يحصل العلم بطبع الحال من انذار واحد أو اثنين فلو لا الحجية لما صح حذرهم عملا بترتيب احكام الواقع على المنذر به. الثاني: الروايات المتكثرة الواردة في الابواب المختلفة فمنها ما ورد في الخبرين المتعارضين فاوجب مولانا الصادق " عليه السلام " في مقبولة ابن حنظلة: " الاخذ بما يقوله الاعدل والاصدق وما هو المشهور " ونحوها، وقال ابن ابى جهم للرضا " عليه السلام ": " يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم ايهما الحق، قال " عليه السلام " إذا لم تعلم فموسع عليك بايهما اخذت " ; فلو لا الحجية لما تعارضا ولما كان الترجيح بينهما

[ 144 ]

مطلوبا. ومنها: ما ورد عنهم، في ارجاع بعض اصحابهم إلى الاخرين، كقول الصادق " عليه السلام ": " إذا اردت حديثا فعليك بهذا المجالس - (مشيرا إلى زرارة) - " وقوله " عليه السلام " في حق ابان: " انه قد سمع منى حديثا كثيرا فما روى لك عنى فاروه عنى إلى غير ذلك ". الثالث: استقرار سيرة العقلاء جميعا على العمل في امور معاشهم بقول الثقة، مع كون هذه السيرة بمرئى من الشارع فلو لم تكن ماضية عنده لوجب ردعهم عن سلوكها وتعيين طريقة اخرى في اخذ الاحكام ونقلها.

[ 145 ]

الشبهة البدوية والشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي يطلق العنوان الاول في الغالب على المشتبه الذى لم يقارن علما اجماليا بتكليف. وتلاحظ هذه الشبهة تارة في الشبهات الوجوبية واخرى في التحريمية وثالثة في الاقل والاكثر، وعلى أي تقدير قد تكون الشبهة حكمية وقد تكون موضوعية فالاقسام ستة: الاول: لحاظها في الوجوبية الحكمية كما إذا شككنا في ان الدعاء عند رؤية الهلال واجب ام لا. الثاني: لحاظها في الوجوبية الموضوعية كما إذا شككنا في ان هذا عالم ام لا بعد العلم بوجوب اكرام كل عالم. الثالث: لحاظها في التحريمية الحكمية كالشك في حرمة شرب العصير شرعا وعدمها. الرابع: لحاظها في التحريمية الموضوعية كالشك في ان هذا المايع خمر ام لا. الخامس: لحاظها في الحكمية في الاقل والاكثر كما إذ شك في ان السورة واجبة في الصلوة ام لا أو شك في ان غير آية السجدة من سور العزايم حرام على الجنب ام لا. السادس: لحاظها في الموضوعية في الاقل والاكثر كما إذا شك في ان الستر الواجب حال الصلوة حاصل ام لا.

[ 146 ]

تنبيهات: الاول: ان الاقوال في الشبهة البدوية مختلفة فالمشهور على اجراء اصالة البرائة فيها مطلقا وذهب عدة إلى البرائة في الوجوبية منها والاحتياط في التحريمية وعدة اخرى إلى البرائة فيها مطلقا نقلا والاحتياط في الموضوعية عقلا وعدة ثالثة إلى الاحتياط في الاقل والاكثر والبرائة في غيرهما إلى غير ذلك واجملنا الكلام في نقل الاقوال مع عدم استقصائها طلبا للاختصار. الثاني: كما ان الشبهة البدوية مورد للبرائة على المشهور فكذلك لو كانت مقارنة للعلم الاجمالي غير المؤثر ولها امثلة كثيرة: منها: ما لو علمنا اجمالا بخمرية احد المايعين وكان احدهما خارجا عن محل الابتلاء فالشبهة في مورد الابتلاء بدوية موضوعا أو حكما. ومنها: ما لو كانت الشبهة غير محصورة وكانت اطراف العلم كثيرة جدا فكل واحد من اطرافه يكون بحكم الشبهة البدوية على المشهور. ومنها: ما لو كان الشك في احد اطراف العلم الاجمالي مسببا عن الشك في الطرف الاخر كملاقى احد الاطراف لحكمه حكم الشك البدوى لعدم تعارض اصله مع الاصل السببي. الثالث: مقابل الشبهة البدوية الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي وهو الشك الواقع في اطراف العلم الاجمالي المؤثر بحيث كان ارتكا به مظنة للضرر الاخروي سواء أكانت الشبهة وجوبية ام تحريمية حكمية ام موضوعية فإذا علم اجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة فالشبهة في كل صلوة وجوبية مقرونة بالعلم الاجمالي وكذا إذ علم بوجوب اكرام زيد وشك انه هذا الشخص أو ذاك وإذا علم بحرمة فعل شرعا وشك في انه شرب الخمر أو شرب العصير فالشبهة في كل فعل تحريمية مقرونة بالعلم الاجمالي وكذا إذا علم بحرمة الخمر وشك في انه هذا المايع أو ذاك والحكم في هذه الشبهة الاحتياط على المشهور وينسب إلى بعض جواز المخالفة الاحتمالية دون القطعية والى آخرين جوازهما معا فراجع بحث العلم الاجمالي.

[ 147 ]

الشبهة الحكمية والموضوعية يطلق هذان الاسمان غالبا على الشكوك التى تقع مجرى للاصول العملية، وموردا للاحكام الظاهرية، كالشك المأخوذ في موضوع الاستصحاب واصالة البرائة والتخيير والاحتياط وقاعدة الطهارة وغيرها. فالاولى: هي الشك المتعلق بالحكم الشرعي الكلى مع كون منشائه عدم النص في المسألة أو اجماله أو تعارضه مع نص آخر، وتوصيفها بالحكمية لان متعلقها هو الحكم الشرعي وحل الاشتباه ورفعه لا يكون الا من ناحية جاعل الحكم والدليل الواصل من قبله. فإذا شك المكلف في وجوب السواك، أو في بقاء وجوب الجمعة، أو في كون الواجب يوم الجمعة صلوتها أو صلوة الظهر ; أو في كون صلوة الجمعة واجبة أو محرمة أو في طهارة العصير المغلى ; كان ذلك من جهة عدم الدليل المعتبر في المورد أو اجمال الدليل الوارد أو تعارض الدليل الظاهر مع مثله، كان الاول من قبيل الشبهة الحكمية للبرائة والثانى للاستصحاب والثالث للاحتياط والرابع للتخيير والخامس لقاعدة الطهارة. والثانية: هي الشك المتعلق بالموضوع الخارجي أو الحكم الجزئي مع كون منشائه

[ 148 ]

اشتباه الامور الخارجية، والتوصيف بالموضوعية لكون متعلقها هو الموضوع الخارجي، ورفع الشبهة موقوف على الفحص عن الامور الخارجية من غير ارتباط له بالشرع. فإذا شك في كون هذا المايع خمرا اوخلا، أو ان خمر هذا الاناء هل انقلبت إلى الخل اولا، أو ان نهى والده هل تعلق بشرب التتن أو شرب الشاى، أو انه هل امره بشرب الشاى أو نهاه عنه، أو ان هذا الغذاء المأخوذ من السوق هل هو طاهر أو نجس، كان الاول شبهة موضوعية للبرائة والثانى للاستصحاب والثالث للاحتياط والرابع للتخيير والخامس للطهارة.

[ 149 ]

الشبهة المحصورة وغير المحصورة يطلق هذان العنوانان غالبا على المشتبهات الواقعة في اطراف العلم الاجمالي فإذا علمنا اجمالا بنجاسة احد الانائات فهنا علم اجمالي وشكوك تفصيلية بعدد محتملات المعلوم بالاجمال ; فان كل واحد من الاطراف مشتبه ومشكوك فإذا كانت الاطراف والمحتملات قليلة معدودة يطلق عليها الشبهة المحصورة لانحصار الشبهة أو المشتبهات وإذا كانت كثيرة لا تقبل الحصر يطلق عليها الشبهة غير المحصورة. ثم انهم ذكروا لبيان ما يكون ميزانا لتشخيص كون الشبهة محصورة أو غير محصورة امورا: منها: ان المحصورة ما كان محصورا في العرف والعادة بمعنى انه لا يعسر عده في زمان قليل، وغير المحصورة مالا يقبل الحصر والعد عرفا ويعسر عده في زمان قليل، فلو اشتبه النجس بين عشرة اناآت أو مأة بل أو الف فاطراف الشبهة محصورة ولو اشتبه بين عشرة الآف مثلا فاطرافها غير محصورة. ومنها: ما يقال انه إذا بلغ كثرة الاطراف إلى حيث لا يعتنى العقلاء بالعلم الاجمالي الحاصل فيها ويكون احتمال مصادفة كل واحد من اطراف الشبهة للحرام المعلوم بالاجمال موهوما في الغاية فالشبهة غير محصورة والا فهى محصورة، الا ترى انه لو

[ 150 ]

نهى المولى عبده عن المعاملة مع زيد فعامل العبد مع واحد من اهل قرية كبيرة يعلم بوجود زيد فيها لم يكن العبد ملوما وان صادف زيدا وهذا هو مختار الشيخ في رسائله. وهنا اقوال اخرطوينا عنها كشحا روما للاختصار. تنبيه: اشتباه متعلق التكليف بين الاطراف يتصور على اقسام ثلاثة: اولها: ان يكون المتعلق قليلا مرددا بين اطراف قليلة كالواجب المشتبه بين الظهر والجمعة أو النجس المشتبه بين انائين أو اكثر وهذا هو المسمى بالشبهة المحصورة ويطلق عليه ايضا المشتبه القليل في القليل. ثانيها: المتعلق القليل بين اطراف كثيرة وهذا هو المسمى بالشبهة غير المحصورة وقد علمت امثلتها. ثالثها: المتعلق الكثير بين اطراف كثيرة كما لو علم بحرمة خمسمأة شاة بين الفين أو الفا بين عشرة آلاف ويطلق عليه المشتبه الكثير في الكثير وهل هو بحكم المحصور أو غير المحصورة وجهان اوجههما الاول فان نسبة الحرام إلى المجموع كنسبة الواحد إلى الاربعة أو إلى العشرة وهو مشتبه محصور.

[ 151 ]

الشك يستعمل هذا اللفظ في الاصطلاح تارة في الحالة النفسانية المقابلة لوصفي القطع والظن وهو تردد الذهن في طرفي النقيض من غير رجحان وهذا المعنى هو الذى كثر استعمال الشك فيه في عرفنا الان. واخرى في المعنى المقابل لليقين الشامل للشك بالمعنى الاول والظن وهو معناه لغة. وثالثة في عدم قيام الحجة والبرهان على الشئ والمعنى الاول اخص من الاخيرين والثانى اخص من الثالث. فانه إذا شك الانسان في حرمة العصير مثلا شكا متساويا ولم يجد عليها دليلا معتبرا تحقق الشك بجميع معانيه ولو ظن الحرمة ظنا غير معتبر ولا دليل عليها معتبر تحقق الشك بالمعنيين الاخيرين دون الاول ولو ظن ظنا غير معتبر وعليها دليل معتبر تحقق الشك بالمعنى الثاني دون الثالث، ثم ان المأخوذ في موضوع الاحكام الظاهرية والاصول العملية هل هو خصوص المعنى الاول، أو احد المعنيين الاخيرين. وجوه بل اقوال تقدم الكلام فيها في عنوان الحكومة. ثم انه يقسم الشك بتقسيمات:

[ 152 ]

الاول: تقسيمه إلى الشك الطارى والشك السارى فالطارى هو الشك في البقاء المأخوذ في مجرى الاستصحاب والشك السارى هو الشك المأخوذ في مجرى قاعدة اليقين فراجع القاعدتين تعرف حقيقتهما، واطلاق السارى على الثاني لسرايته إلى نفس متعلق اليقين والطاري على الاول مع ان كل شك طار وعارض ليصح التقابل اللفظى مع الثاني. الثاني: تقسيمه إلى شك بدوى وشك مقرون بالعلم الاجمالي فراجع عنوان الشبهة. الثالث: تقسيمه إلى الشك السبى والشك المسببى. وتوضيحه انك قد عرفت ان الشك موضوع في غالب الاصول العملية مأخوذ في مجاريها، وان تلك الاصول احكام شرعية ظاهرية مترتبة على الشك (فح) نقول: اما ان يوجد هنا شك واحد موضوع لحكم واحد، أو يوجد شكان كل واحد منهما موضوع لحكم ومجرى لاصل ; وعلى الثاني فاما ان يكون كل واحد منهما مسببا عن سبب مستقل، أو يكونا مسببين عن سبب واحد أو يكون احدهما مسببا عن الاخر فالاقسام اربعة. لا كلام في القسمين الاولين كما إذا عرض لنا شك في بقاء وجوب الجمعة أو عرض شكان احدهما في بقاء حياة زيد والاخر في كرية ماء فيترتب على كل شك حكمه. واما الثالث: فكما إذا علم اجمالا بوقوع قطرة من النجس في احد الانائين فتولد منه شك في طهارة هذا وشك في طهارة ذاك فالشكان مسببان عن امر ثالث هو العلم الاجمالي فيقع التعارض بين اصليهما إذ اجراء الاستصحاب أو قاعدة الطهارة في كليهما ينافى العلم الاجمالي فالحكم (ح) هو التساقط والرجوع إلى الاحتياط مثلا. واما الرابع: فهو يتصور على قسمين: الاول: ان يكون اصلاهما متوافقين قابلين للعمل بهما. والثانى: ان يكونا متخالفين متعارضين. مثال الاول: ما إذا كان كرمشكوك الطهارة المسبوق بالطهارة فلاقاه شئ طاهر

[ 153 ]

فتولد من الشك في الماء الشك في ملاقيه فالاول سببي والثانى مسببي، وحكمه انه يجرى استصحاب الطهارة في الماء فيغنى عن استصحابها في الملاقى أو يجرى فيه استصحاب آخر. ومثال الثاني: ما إذا كان هناكر مسبوق بالطهارة فغسل فيه ثوب نجس فتولد من الشك في الماء الشك في طهارة الثوب، والاول سببي والثانى مسببي واصلهما (ح) متعارضان بدوا فمقتضى استصحاب طهارة الكر طهارة المغسول فيه ; ومقتضى استصحاب نجاسة الثوب الحكم بنجاسته. وهل اللازم حينئذ تقديم اصل السبب أو المسبب أو يتساقطان. وجوه اقواها الاول لامور: منها: لزوم المحذور العقلي لوقد منا المسببى بخلاف تقديم اصل السبب. بيانه: ان من آثار طهارة الماء شرعا طهارة المغسول به لقوله (ع) الماء يطهر ولا يطهر، فإذا حكم الشارع بطهارة الماء بالاستصحاب فقد حكم بطهارة المغسول فيه ; فيكون رفع اليد عن نجاسة الثوب بامر الشارع ودليل شرعى، اذالشارع (ح) قد الغى الشك المتعلق ببقاء نجاسة الثوب وحكم بعدمه تعبدا بعد الغسل بذلك الماء فرفع اليد عن استصحاب النجاسة لعدم الشك في بقائها تعبدا فلا موضوع له حتى يجرى حكمه، نظير ما إذا قامت البينة على طهارة الثوب في المثال. فتحصل ان اللازم من تقديم السببي عدم بقاء الموضوع للمسببى وكونه محكوما بل قد تعرضنا في بعض مواضع الكتاب لتقريب وروده عليه. وهذا بخلاف ما إذا قدمنا اصل المسبب وطرحنا الاصل الجارى في السبب فانه يلزم طرح الحكم الشرعي بلا دليل فانه ليس من آثار بقاء نحاسة المغسول في الكر مثلا نجاسة الكر شرعا بل هي من الاثار واللوازم العقلية للاستصحاب المسببى فانه إذا حكم بنجاسة المغسول بالكرفى المثال ينكشف لدى العقل انه لا وجه له الا كون الماء نجسا غير قابل للتطهير به فإذا كان الاصل في المسبب غير ناظر إلى حال السبب يكون رفع اليد عن اصله مع تحقق موضوعه تخصيصا بلا وجه وهذا معنى ما قيل ان الامر يدور حينئذ بين التخصص والتخصيص بلا وجه فتقديم السبب مستلزم

[ 154 ]

للتخصص في ناحية المسبب وعكسه مستلزم للتخصيص بلا وجه في ناحية السبب كما عرفت. ومنها: انه يظهر من صحيحة زرارة صحة استصحاب الوضوء واجزاء الصلوة المأتى بها بذلك الوضوء مع انه معارض باصالة عدم برائة الذمة بتلك الصلوة وهذا بعينه من تقديم السبب على المسبب إذ الشك في بقاء الاشتغال مسبب عن الشك في بقاء الوضوء. ومنها: الارتكاز العرفي وعمل العقلاء على التقديم فانهم إذا علموا بان الشارع حكم بطهارة ماء أو كريته ولو كان حكما ظاهريا رتبوا عليه الحكم برفعه للخبث والحدث وإذا حكم بحلية مال ادوا منه ديونهم ولا يلتفتون إلى ما يقابلها من استصحاب بقاء النجاسة أو الحدث أو اشتغال ذمتهم بالديون وهكذا. تنبيه: قد لا يكون الاصل الجارى في ناحية السبب ناظرا إلى حال المسبب وحاكما عليه لكون اللزوم عقليا، وقد يسقط عن الحجية لمانع أو مزاحم، وعلى التقديرين فتصل النوبة إلى الاصل الجارى في المسبب. مثال الاول ما إذا غاب عنا زيد وله من العمر عشر سنين فشككنا بعد عشرين سنة في بقاء حياته ; فاستصحاب الحياة لا يثبت بلوغ سنه إلى ثلثين أو نبات لحيته أو سائر اللوازم العقلية والعادية فانه مثبت فتصل النوبة إلى اجراء استصحاب عدم تحقق تلك اللوازم وعدم آثارها وهذه اصول مسسببية. ومثال الثاني ملاقي احد الاطراف في الشبهة المحصورة فيما إذا علم اجمالا بنجاسة احد الشيئين، فان الاصل في طرف السبب اعني الملاقى بالفتح قد سقط بالمعارضه فوصلت النوبة إلى اصل المسبب.

[ 155 ]

الشهرة هي في الاصطلاح عبارة عن اشتهار امر دينى بين المسلمين ولو بين عدة منهم. وتنقسم إلى اقسام ثلاثة: الاول: الشهرة الروائية وهى اشتهار نقل الرواية بين ارباب الحديث ورواته القريبين من عهد الحضور لا المتأخرين عنه سواء عمل بها ناقلها ام لم يعمل لوجود قصور فيها أو وجود رواية ارجح منها وهذا القسم هو الذى جعلوه في باب التراجيح من المرجحات وحملوا عليه قوله " عليه السلام ": " خذبما اشتهر بين اصحابك " فإذا ورد خبران متعارضان وكان احدهما اشهر رواية من الاخر اوجبوا اخذه وطرح الاخر لمرجحية الشهرة. الثاني: الشهرة العملية وهى اشتهار العمل برواية بين الاصحاب المذكورين وكثرة المستند إليها في مقام الفتوى ولو لم يتحملوا نقلها بشرائط التحمل والنقل وهى التى توجب جبر سند الرواية إذا كان ضعيفا فإذا لم يكن في المسألة الا رواية واحدة ضعيفة السند ولكن الاصحاب عملوا بها انجبر ضعفها وجاز الاستدلال بها. كما ان المشهور لو اعرضوا عن رواية كان ذلك موهنا لها ولو كان السند صحيحا سليما ومن هنا قيل: كلما ازداد الخبر صحة ازداد عند الاعراض عنه ضعفا، والنسبة

[ 156 ]

بين الشهرتين عموم من وجه فقد تكون الرواية مشهورة من حيث الرواية غير مشهورة من حيث العمل وقد ينعكس الامر وقد يتصادقان وهذان القسمان من الشهرة من صفات الرواية وحالاتها. الثالث: الشهرة الفتوائية وهى عبارة عن اشتهار الفتوى بحكم في مسألة من المسائل مع عدم استناد المفتين بها إلى رواية اما لعدم وجودها أو لاعراضهم عنها وهذه هي التى يبحث عن حجيتها في باب حجية الامارات وهذه الشهرة من الصفات العارضة للحكم الشرعي دون الخبر والرواية.

[ 157 ]

الصحيح والاعم وقع النزاع بين الاصوليين في ان اسامى العبادات كالصلوة والزكوة والحج والصوم بل وبعض اسامى المعاملات كالبيع والاجازة والنكاح ونحوها هل هي موضوعة ولو بوضع تخصصي للمعانى الجامعة للاجزاء والشرائط الشرعية الفاقدة للموانع والقواطع كذلك ; بحيث يكون الاستعمال في الناقصة الفاقدة لما يعتبر فيها غلطا باطلا أو مجازا لعناية وعلاقة ويكون ما هو الموضوع له هو المأمور به عند الشارع وما هو المأمور به عنده هو الموضوع له، أو هي موضوعة للاعم من التامة الجامعة لما يعتبر فيها والناقصة الفاقدة له، فاطلاقها على الناقصة ايضا استعمال حقيقي وان كان الطلب لم يتعلق الا بالكاملة الواجدة لما يعتبر فيها فاختيار الوجه الاول قول بالصحيح والقائل به يسمى صحيحيا واختيار الوجه الثاني قول بالاعم والقائل به يسمى اعميا. ثم انهم قد اطنبوا الكلام في تعيين الالفاظ الواقعة في محل النزاع وفى تصوير المعنى الصحيح والمعنى الاعم في موارد البحث وفى الاستدلال على ما اختاروه من الوجهين فراجع مظانه. واما الثمرة بين القولين فقالوا انها تظهر فيما إذا وقعت هذه الالفاظ بنحو الاطلاق موضوعا لحكم من الاحكام كما إذا قال المولى صل الظهر وشككنا في ان السورة جزء

[ 158 ]

لها ام لا، فعلى القول الاول يرجع الشك في الجزئية إلى الشك في اصل صدق الصلوة على الصلوة بلا سورة ومعه لا يجوز التمسك بالاطلاق كما إذا شك في قوله اعتق رقبة ان هذا الموجود عبد ام حر فاللازم حينئذ الاحتياط وعلى القول الثاني لا اشكال في ان العمل بلا سورة ايضا صلوة فيشك في تقييدها بقيد زائد على حقيقتها وعدمه والاطلاق حينئذ محكم.

[ 159 ]

الضد والنقيض قسم اهل المعقول العرضين المقيسين إلى موضوع واحد إلى اقسام ستة المثلين والخلافين والضدين والمتضايفين والملكة وعدمها والنقيضين وسموا الاربعة الاخير بالمتقابلين. فالمثلان: هما العرضان من نوع واحد كالبياضين والسوادين. والخلافان: هما العرضان من نوعين مع امكان اجتماعهما في محل واحد كالبياض والحلاوة. والضدان: هما العرضان الوجوديان من نوعين مع عدم امكان الاجتماع وعدم توقف تصور احدهما على تصور الآخر كسواد وبياض. والمتضايفان: هما الوجوديان من نوعين مع عدم الاجتماع وتوقف تصور احدهما على تصور الاخر كالابوة والبنوة في شخص خاص بالنسبة إلى شخص خاص آخر. والعدم والملكة: هما العرضان احدهما وجودي والاخر عدمي مع كون المحل المتصف فعلا بالعدمى من شأنه ان يتصف بالوجودى كعدم اللحية ووجودها في من بلغ خمسين سنة مثلا. والنقيضان: أو الايجاب والسلب هما الوجودى والعدمي مع عدم لحاظ الشأنية كوجود زيد وعدمه.

[ 160 ]

إذا عرفت ذلك علمت معنى الضد عند اهل المعقول واما عند الاصوليين فقد يطلق على ذلك وقد يطلق على المعنى الاعم من ذلك اعني المنافى للشئ والمعاند له سواء كان وجوديا أو عدميا، الا انهم سموا الوجودى بالضد الخاص والعدمي بالضد العام بمعنى الترك، فيقولون في مسألة " ان الامر بالشئ يقتضى النهى عن ضده ام لا " انه إذا امر المولى بازالة النجاسة عن المسجد فهل يقتضى ذلك، النهى عن الصلوة ام لا أو يقتضى النهى عن ترك الازالة ام لا، فالازالة والصلوة عندهم ضد ان كما ان الازالة وعدمها ايضا عندهم ضدان.

[ 161 ]

الظن هو لغة واصطلاحا عبارة عن الطرف الراجح من طرفي الترديد في الذهن، وقد يطلق اصطلاحا على الاسباب الذى تورث الظن بحسب الغالب كما ستعرف ولمطلق الظن عند الاصوليين تقسيمات: الاول: تقسيمه إلى الظن الشخصي والظن النوعى. فالاول: هو الظن اللغوى وهى صفة نفسانية تنقدح في النفس نظيرالعلم والشك. والثانى: هي الاسباب التى تكون غالبا سببا لانقداح الظن الشخصي في الذهن، كخبر العدل والثقة والاجماع المنقول وكون الشئ متيقن الوجود في السابق ونحوها فيطلق عليها الظنون النوعية، وبين الظنين تباين مهية وعموم من وجه تحققا فقد يفترقان في التحقق وقد يتحققان وفي صورة التحقق قد يتوافقان وقد يختلفان فإذا اخبرك العادل بوجوب الجمعة وكان ظنك الشخصي ايضا بالوجوب فقد اجتمعا وتوافقا وان كان ظنك الشخصي بحرمتها فقد اختلفا فان ثبت عندك حجة احدهما دون الآخر عملت بالحجة منهما وان ثبت حجيتهما معا كان المورد من قبيل تعارض الدليلين. الثاني: تقسيمه إلى الظن الخاص والظن المطلق.

[ 162 ]

فالاول: كل ظن شخصي أو نوعي دل على حجيته دليل خاص من عقل أو نقل كالظن بركعات الصلوة أو خبر العدل والثقة. والثانى: هو الظن الذى ثبت حجيته بدليل الانسداد ومعونة مقدمات الحكمة ويطلق عليه الظن الانسدادى ايضا وقد مضى بيان المقدمات تحت عنوان الانسداد. الثالث: تقسيمه إلى الظن المانع والظن الممنوع. وهذان اسمان لبعض مصاديق الظن المطلق الذى كان احد الشقين في التقسيم السابق، فهنا ظن مطلق مانع وظن مطلق ممنوع، مثلا إذا حصل للمكلف القائل بالانسداد ظن من قول الصبى أو الفاسق بوجوب صلوة الجمعة وحصل له ظن آخر بعدم حجية الظن الحاصل من قول الصبى والفاسق، يطلق على الظن الاول الممنوع وعلى الثاني المانع وفى حجية احدهما أو كليهما اقوال: اولها: حجية المانع دون الممنوع لانهما كالشك السببي والمسببي في الاستصحاب. ثانيها: حجية الممنوع دون المانع لان الاول ظن بالحكم الفرعي وهو الوجوب والثانى ظن بالحكم الاصولي وهى الحجية والمتقين من دليل الانسداد حجية الاول فقط. ثالثها: لزوم اختيار اقواهما لو كان والا فالتساقط لعدم الترجيح. الرابع: تقسيمه إلى الظن الطريقي والظن الموضوعي. والاول: ما كان طريقا محضا إلى واقع محفوظ من دون كونه ماخوذا في موضوع حكم كما في القطع الطريقي من غير فرق بينهما الا في كون طريقية القطع ذاتية غير قابلة للجعل شرعا وكون طريقية الظن عرضية مجعولة من الشرع أو العقل والاول كحجية الامارة شرعا بنحو الطريقية والثانى كالظن الاسندادى على الحكومة. والثانى: هو الظن الذى له دخل في الحكم شرعا بمعنى كونه مأخوذا في موضوعه والاقسام المتصورة في القطع الموضوعي تجرى في المقام ايضا مع اختصاصه بزيادة شئ. بيانه انه سيأتي في باب القطع امتناع اخذ القطع بالحكم أو بالموضوع ذى الحكم في موضوع حكم مماثل للمقطوع به أو مضاد له واما اخذ الظن بذلك في موضوع حكم

[ 163 ]

مماثل أو مضاد فهو جائز في الظن غير المعتبر وغير جائز في المعتبر ; فيجوز ان يقول المولى إذا ظننت بوجوب صلوة الجمعة من اخبار صبى أو فاسق فهى عليك واجبة أو هي عليك محرمة، والسر في ذلك ان الواقع على فرض وجوده غير منجز على الظان لعدم حجية ظنه فيكون الحكم المرتب على الظن حكما ظاهريا فعليا ولا تنافى بينه وبين الحكم الواقعي كما في موارد الشك ; ولا يجوز ان يقول بعد ان جعل قول العدل حجة وطريقا إذا اخبرك العدل بوجوب صلوة الجمعة فهى عليك واجبة أو هي عليك محرمة لان الواقع على فرض وجوده فعلى منجز والفرض ان الحكم المرتب على الظن ايضا كذلك فيلزم اجتماع المثلين أو الضدين ولو ظنا وهو باطل.

[ 164 ]

عدم خلوا الواقعة عن الحكم قد اشتهر بين الاصحاب عدم خلو واقعة من الوقايع عن الحكم الشرعي والقدر المسلم من هذه المسألة ما إذا كان المراد من الواقعة فعل المكلف ومن الحكم الشرعي الحكم التكليفى بمرتبته الانشائية. وحاصل الكلام حينئذ انه ليس للمكلف فعل من الافعال الاوله من ناحية الشارع حكم من الاحكام الخمسة مجعول بالغ مرتبة الانشاء سواء أكان واصلا إلى مرتبة الفعلية والتنجز ام لم يكن وهذا المعنى هو الذى يمكن دعوى الاتفاق عليه وادعى تواتر الاخبار فيه بان لله في كل واقعة حكما يشترك فيه العالم والجاهل. وما سوى ذلك مورد شبهة واشكال اما الاحكام الوضعية فتارة يكون الفعل خاليا عنها بالمرة واخرى يعرضه منها واحد وثالثة يعرضه اثنان أو اكثر. ففى غالب المباحات مثل الاكل والشرب والقيام والقعود لا يعرضه حكم وضعي اصلا، وفى مثل العقود والايقاعات يترتب عليه التسببية بالنسبة إلى الامور المقصودة منها من الملكية والزوجية والطلاق والعتاق ونحوها، وفى افعال الطهارات الثلاث مثلا يترتب عليها السببية للحالة النفسانية الحاصلة منها والرافعية للحدث السابق والشرطية للصلوة مثلا بناء على كونها بنفسها شرطا.

[ 165 ]

واما الاحكام التكليفية بمرتبتها الفعلية فهى ايضا لا تترتب دائما على الفعل بل توجد موارد خلت الافعال من مرتبة فعلية تلك الاحكام. منها: موارد حصول القطع للمكلف على خلاف الحكم الواقعي كما إذا قطع الشخص بوجوب الجمعة مع كونها حراما في الواقع فان ما قطع به ليس حكما شرعيا مجعولا اصلا والحكم الواقعي ليس بمنجز حتما وليس بفعلى على المشهور فليس هنا حكم شرعى في مرتبة الفعلية واقعيا كان أو ظاهريا وان كان التحريم موجودا انشأ، وكذا إذا قطع بحلية العصير مع حرمته في الواقع أو باستحباب شئ مع كونه واجبا هذا إذا كان القطع بالخلاف قصوريا واما إذا كان عن تقصير فالواقع فعلى منجز. ومنها: موارد الطرق الشرعية المؤدية إلى خلاف الواقع كما إذا اخبر العادل باباحة شئ وكان في الواقع واجبا أو حراما بناءا على القول بالطريقية فيها، فما اخبر به العادل ليس بمجعول ولو ظاهرا وما كان موجودا واقعا ليس بفعلى فلا حكم فعلى في المورد. ومنها: مورد الظن الانسدادى المخالف ايضا كالامارات الشرعية بناء على الحكومة والكشف الطريقي. ومنها: موارد مزاحمة المهم للاهم كالصلوة المزاحمة لازالة النجاسة من المسجد في اول الوقت ; فان الامر الفعلى لما توجه إلى الاهم بقى المهم خاليا عن الامر الفعلى بالكلية والا لزم طلب الضدين نعم الحكم بمرتبته الانشائية ثابت وهذا مبنى على بطلان الترتب واما بناءا على صحته فان اراد امتثال امر الاهم فكذلك ايضا وان اراد المخالفة فامر المهم ايضا فعلى كامر الاهم. ومنها: ما إذا استلزم امتثال واجب مخالفة حرام مع كون الواجب اهم كما لو استلزم اكرام عالم اهانة عالم آخر أو الوضوء في محل انصباب مائه في ملك الغير ; فالاهانة والتصرف في ملك الغير لاحكم لهما اصلا لان الحرمة الواقعية قد ارتفعت بالمزاحمة ولم يترتب عليهما من طرف ما يستلزمهما حكم ايضا.

[ 166 ]

عدم صحة السلب وصحته وصحة الحمل وعدمها اعلم انه قد يرتكز في ذهن الانسان من ايام الصغراوفى برهة من الزمان معنى من المعاني بنحو الاجمال للفظ مخصوص معين (فليلاحظ احدنا ما في ذهنه من كلمة الانسان والفرس والغنم وغيرها) وحينئذ إذا سمع من احد تعريف الحيوان الناطق وتصور في ذهنه ذلك الكلى فان رأى انه لم يصح سلب الانسان بمعناه المرتكز في ذهنه عن الكلى الذى تصوره أو انه يصح حمل الانسان بذلك المعنى على ما تصوره يعلم ان لفظ الانسان حقيقة في الحيوان الناطق وان ما ارتكز في ذهنه اجمالا متحد مع ما تصوره تفصيلا، فيتحقق حينئذ عنوان عدم صحة السلب وصحة الحمل ويكونان من علائم الحقيقة، فيحكم بان الانسان والحيوان الناطق مترادفان. وكذا ان رأى مصداقا من الانسان في الخارج كزيد مثلا وعلم انه لا يصح سلب المعنى المرتكز في ذهنه عنه بل صح حمله عليه يعلم بان زيدا مصداق حقيقي للمعنى المرتكز لا مجازى ومن هنا قيل ان عدم صحة سلب مفهوم كلى عن مفهوم كلى وصحة حمله عليه علامتا كونهما مترادفين وعدم صحة سلب المفهوم الكلى عن الفرد أو صحة حمله عليه علامتا كون الفرد مصداقا حقيقيا لذلك الكلى. هذا عدم صحة السلب واما صحته فإذا سمع الشخص من احد تعريف الحمار

[ 167 ]

فتصور في ذهنه معناه الكلى أو رأى فردا منه في الخارج فرأى انه يصح سلب الانسان بمعناه المرتكز عن متصوره أو عن ذلك الفرد ولا يصح حمله عليهما كان هذان عنده علامتا كون الحمار مباينا مع الانسان وعدم كون الفرد مصداقا حقيقيا له وكان الاستعمال مجازيا وهكذا سائر الامثلة.

[ 168 ]

العرض الذاتي والعرض الغريب قد يستعمل العرض فيما يوافق معناه اللغوى وهو الوصف العارض للشئ المقابل لذاتياته وهذا هو المستعمل في باب الكليات ويقسمونه إلى عرض خاص كالكتابة للانسان وعرض عام كالحركة بالارادة والمشى له ايضا. وقد يستعمل بمعنى مطلق الامر الخارج عن الشئ ولو تصورا المحمول عليه ذاتيا كان أو عرضيا، وهو بهذا المعنى يستعمل في تعريف موضوع العلم فيقال ان الموضوع هو الذى يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية، ويقسم العرض بهذا المعنى إلى عرض ذاتي وعرض غريب. فالاول: ما كان عارضا ومحمولا على الشئ حقيقة بحيث كان وصفا بحال نفس الموصوف وكان اتصاف الشئ به اتصافا حقيقيا سواء كان بلا واسطة أو بواسطة داخلية أو خارجية فهنا امثلة ثلاثة: اولها: المحمول العارض بلا واسطة كالفصل بالنسبة إلى الجنس والجنس بالنسبة إلى الفصل، في قولك الناطق حيوان والحيوان ناطق، فالبحث عن كون الناطق حيوانا أو عن كون الحيوان ناطقا بحث عن العوارض الذاتية أي عن محمول نفس الشئ. ثانيها: المحمول العارض بواسطة داخلية كالتكلم المحمول على الانسان بواسطة

[ 169 ]

كونه ناطقا والحركة الارادية له بواسطة كونه حيوانا، فهما عرضان والانسان معروض والنطق والحيوانية واسطتان داخلتان في حقيقة المعروض. ثالثها: المحمول العارض بواسطة خارجية كالضحك المحمول على الانسان بواسطة التعجب الخارج عن حقيقة ذاته والحرارة العارضة للماء بواسطة النار. والثانى: أي العرض الغريب ما كان عروضه على الشئ وحمله عليه مجازيا وكان الوصف بحال متعلق الموصوف لانفسه، وحيث كان المعروض الحقيقي مرتبطا مع هذا الشئ بنحو من الارتباط نسب وصفه إليه مجازا، مثاله توصيف الجسم بالسرعة والشدة فتقول هذا الفرس سريع وهذا الابيض شديد فهذا يطلق عليه الغريب لان الاتصاف ليس حقيقيا بل المتصف بالسرعة واقعا هي الحركة وبالشدة هو البياض ولاجل كونهما وصفين للفرس والشئ الخارجيين نسب عارضهما اليهما بالعناية. ثم ان عمدة الغرض من هذا البحث بيان ان مسائل علم الاصول من قبيل العوارض الذاتية لموضوعه فان الحجية مثلا بالقياس إلى ظاهر الكتاب وخبر العدل وغيرهما عرض ذاتي تتصف تلك الامور بها حقيقة لا بالعرض والمجاز كما ان الاحكام الفرعية المبحوث عنها في علم الفقه تكون من العوارض الذاتية لموضوعه اعني افعال المكلفين أو الموضوعات الخارجية.

[ 170 ]

العقل العقل قوة مودعة في النفس معدة لقبول العلم والادراك، ولذا قيل انه نور روحاني تدرك النفس به العلوم الضرورية والنظرية ; واول وجوده عند اجتنان الولد ثم لا يزال ينمو إلى ان يكمل عند البلوغ، وله جنود من الخصال الفاضلة والسجايا المرضية تبدو من عند التمييز وتكمل حين بلوغ الاربعين في الغالب. وقد يطلق العقل على نفس التعقل والادراك ; ويسمى على الاطلاق الاول عقلا مطبوعا، وهو المراد من قوله تعالى كما في الرواية: " ما خلقت خلقا هو احب إلى منك " وعلى الاطلاق الثاني عقلا مكسوبا مسموعا، وهو المراد من قوله " عليه السلام ": " ما اكتسب الانسان شيئا افضل من عقل يهديه إلى هدى "، قال على " عليه السلام " على ما نسب إليه: فان العقل عقلان * فمطبوع ومسموع - ولا ينفع مسموع * إذا لم يك مطبوع - كما لا تنفع الشمس * وضوء العين ممنوع ثم ان البحث عن العقل في هذا العلم بملاحظة حجية مدركاته وكون احكامه من ادلة استنباط الحكم الشرعي تارة، ومرجعا عمليا عند فقدان الامارات اخرى.

[ 171 ]

اما الاولى: فهى احكامه الاستقلالية التى تقع في طريق استنباط الاحكام الشرعية ; فيكون دليلا عقليا وامارة منجزة أو معذرة، ولذا قيل ان الدليل العقلي حكم عقلي يتوصل بصحيح النظر فيه إلى حكم شرعى والمراد بصحيح النظر جعله كبرى في قياس الانتاج كما تقدم، وذلك كحكمه بحجية الظن الانسدادى والظن الاستصحابى بناء على حجيتهما وحكمه بالملازمة بين وجوب شئ ووجوب مقدمته وبالملازمة بين وجوب شئ وحرمة ضده وبالملازمة بين حسن شئ أو قبحه ووجوبه أو حرمته شرعا بناء على حكمه بالملازمة في هذه الموارد وغيرها من احكامه. فتقول حرمة العصير مما تعلق بها الظن الانسدادى أو الاستصحابى وهو دليل مثبت للتكليف منجز له فالحرمة ثابتة منجزة ; وتقول الوضوء مقدمة للصلوة وكل مقدمة الواجب واجبة فالوضوء واجب، وتقول الصلوة المزاحمة لازالة النجاسة عن المسجد ضد للواجب وكل ضد الواجب حرام فتلك الصلوة محرمة ; وتقول رد الوديعة مما حكم العقل بحسنه وكلما حكم العقل بحسنه حكم الشرع بوجوبه فارد واجب شرعا وهكذا. واما الثانية: فهى احكامه الاستقلالية التى تعد احكاما ظاهرية واصولا عملية يرجع إليها عند فقد الامارات العقلية والقواعد النقلية، وذلك كحكمه بقبح العقاب على الحكم بلا ورود البيان عليه، وحكمه بتخيير المكلف عند دوران الامر بين المحذورين ; ولزوم الاحتياط عليه في موارد العلم الاجمالي ونحوها. تنبيهان: الاول: تنقسم مدركات العقل واحكامه إلى اقسام كثيرة تختلف لديه بالوضوح والخفاء. فمنها: المشهورات وهى التى توافقت عليها آراء العقلاء لوجود مصالح فيها وانحفاظ نظام المجتمع وبقاء النوع بها كحسن العدل وقبح الظلم. ومنها: الاوليات ككون الكل اعظم من الجزء والضدين لا يجتمعان.

[ 172 ]

ومنها: الحسيات المحسوسة بالحواس الظاهرة أو الباطنة ككون هذا الجسم ابيض وكحكمنا بان لنا علما وشوقا وشجاعة. ومنها: الفطريات وهى القضايا التى قياساتها معها ككون الاربعة زوجا لانها تنقسم إلى المتساويين وكل منقسم إلى المتساويين زوج. ومنها: التجربيات وهى الحاصلة بتكرر المشاهدة كحكمنا بان السم مهلك. ومنها: المتواترات كحكمنا بان مكة موجودة لاخبار جماعة يمتنع تبانيهم على الكذب. ومنها: الحدسيات الموجبة لليقين كحكمنا بان نور القمر مستفاد من الشمس لتشكله بدرا وهلالا. الثاني: لا اشكال في حجية ما استقل به العقل من الاحكام مما يعد امارة موصلة إلى الاحكام الشرعية، أو اصلا عمليا يرجع إليه في مرحلة العمل. والدليل عليه اولا ان ذلك مما يجده العقل في نفسه طبعيا وجدانيا وهو كاف في الحجية إذ حجية كل شئ ترجع إلى حكمه وقضائه فكيف يثبت حجية حكمه بشئ آخر. وثانيا ما ورد من الادلة النقلية على ذلك، ففى الكافي عن الكاظم " عليه السلام " قال: " يا هشام ان لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، فاما الظاهرة فالرسل والانبياء والائمة " عليهم السلام " واما الباطنة فالعقول ". وفى البحار عن كتاب الاحتجاج قال ابن السكيت للرضا " عليه السلام " فما الحجة على الخلق اليوم قال " عليه السلام ": " العقل تعرف به الصادق على الله فتصدقه والكاذب على الله فتكذبه " قال ابن الكسيت: هذا هو والله الجواب. وما ورد مستفيضا من: " ان الله لما خلق العقل قال بك اثيب وبك اعاقب وبك آخذوبك اعطى ". والاثابة والعقاب لا يكونان الا بالحجة ونحوها غيرها ; والمخالف في اصل ادراك العقل للحسن والقبح الاشاعرة وفى كون حكمه دليلا على الحكم الشرعي الطائفة الاخبارية ولهم في ذلك اقوال اخروسيأتى بعض الكلام فيه في قاعدة التحسين وقاعدة الملازمة.

[ 173 ]

العموم والعام العموم في الاصطلاح عبارة عن شمول المفهوم لكل ما يصلح ان ينطبق عليه وبعبارة اخرى فعلية الشمول فيما فيه قابليته، والعام عبارة عن اللفظ الدال على المفهوم وشموله. فمعنى لفظ العام يتركب من امرين المفهوم القابل للانطباق على كثيرين، وفعلية ذلك الانطباق. ثم ان الفاظ العام الدالة على ذلك المعنى ان كانت جامدة غير مركبة نظير ما ومن الشرطيتين ومتى وحيث وكيف وامثال ذلك فانها بمعنى كل شئ أو كل شخص أو كل زمان ومكان فواضح. والا فالجزء الذى يدل من اللفظ على نفس المفهوم هو مادة اللفظ والذى يدل على الشمول والسريان يسمى اداة العموم. ففى الفاظ كل رجل والعلماء ولا رجل تكون كلمة رجل وعالم هي المواد الدالة على المفهوم وكلمة كل وهيئة الجمع ووقوع النكرة في سياق النفى هي ادواة العموم. ثم ان للعام عند اهل الفن تقسيمات: منها: تقسيمه إلى العام البدلى والعام الاستغراقي والعام المجموعى.

[ 174 ]

بيانه ان اللفظ الدال على الاستيعاب ان دل على شمول المفهوم للافراد بنحو البدل كان الشمول بدليا واطلق عليه العام البدلى، كقولك اكرم أي رجل شئت وسافر إلى يوم اردت فكلمة أي وما يؤدى معناها من أدواة البدلى. وان دل على شموله دفعة وبنحو الاستيعاب كان الشمول استيعابيا وحينئذ ان قصد في الكلام ترتب الحكم الكلامي على كل فرد من افراد المفهوم مستقلا سمى ذلك " عاما استغراقيا " كما لو ورد اكرم كل عالم مع كون الفرض انشاء وجوب مستقل لكل فرد وان قصد ترتب حكم واحد على الجميع سمى العام مجموعيا. فظهر مما ذكرنا ان انقسام العام إلى البدلى والاستيعابى انقسام وضعي نشأ من وضع اللفظ للمعانى المختلفة ولذلك صارت الفاظهما ايضا مختلفة، وانقسام الاستيعابي إلى الاستغراقي والمجموعي انقسام بلحاظ الحكم المرتب عليله ويشهد لذلك اتحاد الفاظهما وجواز استعمال كل واحد منها في موضع الاخر. تنبيه: الفرق بين الاقسام في هذا التقسيم واضح إذ في الحكم المرتب على العام البدلى يتحقق الامتثال بالاتيان ولو في ضمن فرد واحد ويحصل الغرض ويسقط الامر بخلاف الاستيعابي، واما الفرق بين الاستغراقي والمجموعي فهو ان في الاول يكون الحكم متعددا بتعدد الافراد ولكل واحد منها اطاعة مستقلة وعصيان مستقل، فاى فرد من العلماء اكرمه المكلف في المثال السابق استحق ثوابه واى فرد لم يكرمه استحق عقابه ولا ارتباط بينهما، وفى الثاني يكون الحكم واحدا بحيث لو اكرم الجميع حصل امتثال واحد ولو ترك الكرام واحد حصل عصيان الامر بالكلية. ومنها: تقسيمه إلى العام الافرادى والعام الازماني. فالاول: عبارة عن شمول المفهوم وسريانه بحسب الافراد. والثانى: عبارة عن شموله وسريانه بحسب الا زمان بمعنى لحاظ استمرار المفهوم وبقائه في عمود الزمان.

[ 175 ]

بيان المطلب ان تعلق حكم شرعى بفعل من الافعال من حيث اخذ الزمان قيدا للحكم أو للموضوع يتصور على اقسام اربعة: الاول: ان لا يلاحظ الزمان اصلا لافى طرف الحكم ولا في طرف الموضوع بل تلاحظ طبيعة الحكم فترتب على طبيعة الموضوع بلا لحاظ تقيدهما بزمان، كما إذا قال المولى اوجبت عليك الجلوس في المسجد أو صيام يوم، أو قال اعتق رقبة واكرم عالما، وحكم هذا القسم هو حصول الغرض وسقوط الامر باتيان مسمى الجلوس والصيام وطبيعة العتق والاكرام. الثاني: ان يلاحظ مقدار من الزمان محدود كشهر أو سنة أو مستمر دائم، ظرفا لثبوت الحكم على الموضوع بان يجعل ويرتب طبيعي الحكم على طبيعي الموضوع ويراد بذكر الزمان دوام الحكم عليه واستمراره في تلك المدة في مقابل كونه آنيا من حيث الزمان أو منوطا بمجرد تحقق الطبيعة ولو في ضمن فرد واحد كما لو قال المولى يجب الصدق في الكلام ابدا واكرم زيدا دائما فلا يسقط الامر بتحقق الصدق ولو دفعة واكرام زيد ولو مرة. ونظير التصريح بالدوام استفادة ذلك من الاطلاق فيطلق (ح) على دوام الوجوب على عنوان الصدق وعنوان الاكرام العموم الازماني للحكم ; ويقال ان لهذا الحكم عموما ازمانيا ويطلق على عموم عنوان الاكرام لمصاديقه كاكرام زيد واكرام عمرو العموم الافرادى للموضوع وهذا القسم هو الذى ذكر الشيخ قده بان الزمان فيه لوحظ ظرفا للحكم لاقيدا للموضوع. الثالث: ان يلاحظ الزمان قيدا للموضوع بنحو المجموع بان يلاحظ الزمان جميعه ولو كان طويلا ويجعل قيدا واحدا لموضوع التكليف اعني فعل المكلف ويكون المطلوب الفعل المستمر في عمود الزمان بحيث لو ترك الفعل في جزء من الزمان لما امتثل للتكليف اصلا، كما إذا اوجب على المعتكف الكون في المسجد ايام أو الكون في عرفات ومنى يوما أو اياما ومنه الامساك الواقع بين الطلوع والغروب والعموم هنا ينسب إلى الموضوع ويقال ان له عموما ازمانيا مجموعيا. الرابع: لحاظ الزمان قيدا للموضوع بنحو الاستغراق بان يلاحظ كل جزء من

[ 176 ]

اجزائه قيدا مستقلا ويكون الفعل في كل آن أو ساعة مثلا مطلوبا مستقلا بحيث يكون ترك الفعل في جزء من الزمان تفويتا لغرض وعصيانا لطلب واتيانه في جزء آخر تحصيلا لغرض آخر وامتثالا لطلب كذلك. مثاله مالو قال اكرم العلماء أو اكرم زيدا في كل يوم إذا فرضنا ان الاكرام المقيد بكل يوم مطلوب مستقل ويسمى هذا عموما زمانيا استغراقيا في ناحية الموضوع ; وهذا القسم هو مراد الشيخ ره من قوله ان الزمان قد يلاحظ قيدا للموضوع وعبر عنه بان الزمان مفرد للموضوع لتكثر افراد الموضوع لا محالة بعدد الايام وكون الاكرام في كل يوم موضوعا مستقلا له حكم مستقل، فكما كان في القسم الثاني طبيعة الاكرام المتعلق بزيد موضوعا مستقلا بحكم مستقل والمتعلق بعمرو موضوعا آخر فكذلك الاكرام المتعلق بزيد في يوم الخميس مثلا موضوع مستقل له حكم مستقل والاكرام المتعلق به في يوم الجمعة موضوع آخر له حكم آخر. تنبيه: إذا عرفت ان العموم الزمانى عبارة عن استمرار الشئ في عمود الزمان وطوله وانه قد يلاحظ في نفس الحكم وقد يلاحظ في الموضوع المترتب عليه الحكم كالجلوس والاكرام والوفاء، وعرفت ايضا عدم ملاحظته في المتعلق كالعالم والخمر والماء إذ لا معنى له في المتعلق غالبا بان يقال ان العالم المقيد بيوم الخميس حكمه كذا وبيوم الجمعة كذا. فاعلم انه إذا ورد تخصيص على عام وكان المخصص مجملا غير واف لبيان حال المورد في ما بعد الزمان الاول، كما إذا قام الاجماع على عدم وجوب اكرام زيد يوم الجمعة بعد ورود قوله اكرم العلماء على الدوام، ففى لزوم استصحاب حكم المخصص فيما بعد الزمان الاول أو لزوم التمسك بالعام خلاف بين الاعلام. وفصل شيخنا الاعظم (ره) في رسائله ومكاسبه بانه ان كان الزمان الملحوظ في ناحية العام بنحو القسم الثاني وملحوظا ظرفا للحكم، فاللازم بعده استصحاب حكم

[ 177 ]

المخصص ; إذا المفروض ان في كل فرد من افراد العلماء كزيد وعمرو وخالد، رتب طبيعة الحكم على طبيعة الموضوع ومعنى قيام الاجماع على عدم وجوب اكرامه رفع الحكم عن ذلك الموضوع وحيث ارتفع بالنسبة إلى فرد مثلا طبيعي الحكم عن طبيعي الموضوع في وقت فترتبه عليه ثانيا يحتاج إلى دليل، وان كان ملحوظا قيدا للموضوع بنحو القسم الاخير فاللازم التمسك بعد الزمان الاول بعموم العام إذا الفرض كما ذكرنا ان الموضوع في كل يوم امر مستقل له حكم مستقل فتخصيصه لا يستلزم تخصيص موضوع آخر.

[ 178 ]

الغلبة هي في الاصطلاح عبارة عن مشاركة اغلب افراد الكلى في صفة من الصفات بحيث يظن بكون ذلك من آثار الطبيعة الصادقة عليها وانها العلة في اتصاف المصاديق بها. وثمرتها انه إذا شك في وجود هذا الحكم أو الصفة في فرد من افراد هذا الكلى يحكم على الفرد المشكوك بما وجد في اغلب افراده من الحكم والصفة. فظهر ان انتاج الغلبة موقوف على امور ثلاثة: اولها: وجود افراد غالبة تشترك في صفة من الاوصاف كالبياض والسواد مثلا. ثانيها: وجود جامع بينها يظن بكونه السبب في اتصاف تلك الافراد بها بحيث لو وجد فرد على الخلاف لكان على وجه الندرة والشذوذ. ثالثها: وجود فرد مشكوك اللحوق بالغالب ليلحق به بواسطة الغلبة. مثالها في غير الشرعيات انا إذا رأينا اكثر افراد الانسان الزنجي اسود على وجه ظننا ان الزنجية هي العلة في ثبوت السواد فإذا شككنا في زنجبى انه اسود أو ابيض نحكم بكوه اسود وانه واجد لتلك الصفة الحاقا له بالاعم الاغلب.

[ 179 ]

ومثالها في الشرعيات انا إذا وجدنا اغلب افراد الصلاة يؤدى إلى القبلة بحيث ظننا ان العلة في ذلك هي الصلوتية فلو شككنا في صلوة كالنافلة المأتى بها قائما مثلا انها تؤدى إلى القبلة ام لا حكمنا بعدم الجواز إلى غيرها ثم ان الغلبة ليست بحجة ما لم تفد الاطمينان بالحكم الشرعي.

[ 180 ]

الفقه الفقه في الاصطلاح هو العلم بالاحكام الشرعية الفرعية أو تحصيل الوظائف العملية عن الادلة التفصيلية. فخرج بقيد الفرعية العلم باحكام اصول الدين ; كوجوب الاعتقاد بالمبدء تعالى وصفاته والاعتقاد بالنبوة والامامة والمعاد ونحوها، فانها تسمى احكاما شرعية اصولية. وخرج ايضا العلم باحكام اصول الفقه كحجية ظواهر الكتاب وخبر العدل ونحوهما فانه لا يسمى بعلم الفقه بل هو علم الاصول والمراد من الاحكام الشرعية اعم من الواقعية والظاهرية ; فتدخل الاحكام الواقعية المستفادة من نصوص الكتاب الكريم والاخبار المتواترة والاجماعات القطعية ونحوها، والاحكام الظاهرية التكليفية أو الوضعية المستفادة من اخبار الاحاد وسائر الامارات على السببية ومن الاصول العملية الشرعية. ودخل بعطف الوظائف ما يحصله الفقيه من الامارات الشرعية بناء على الطريقية ومن الامارات والاصول العقلية كلزوم اتباع الظن الانسدادى عقلا على الحكومة، والحكم بعدم فعلية التكليف أو الامن من العقاب في البرائة العقلية، ولزوم العمل بالاحتياط في مسألة الاشتغال.

[ 181 ]

والتقييد بالادلة التفصيلية لاخراج علم المقلد باحكامه ووظائفه فان علومه مستفادة من التعبد بقول مقلده، وليست مأخوذة عن الادلة التفصيلية. والمراد من تلك الادلة كتاب الله العزيز من نصوصه وظواهره والنسة الواردة عن المعصوم " عليه السلام " بشتى اصنافها والاجماع والعقل وقد مر شرح كل واحد تحت عنوانه. تنبيهان: الاول: الفقه والاجتهاد اصطلاحان مترادفان وقد يفرق بينهما باستعمال كل واحد في معنى يناسب معناه اللغوى، فيقال ان الاجتهاد تحصيل الحجة واقامتها على الاحكام والفقه هو العلم بتلك الاحكام في الغالب، فمعناهما متلازمان، ويطلق على المستنبط لعلة جهده واستفراغ وسعه في اقامة الحجة المجتهد، ومن جهة حصول العلم له فقيها. فعلم ان الاصولي والمجتهد والفقيه عناوين مترتبة حسب الترتب التكويني، فان الباحث عن الاحكام يثبت اولا حجية خبر العدل مثلا فيكون اصوليا، ثم يتفحص ويحصل خبرا دالا على وجوب الجمعة فيكون مجتهدا ثم يحصل له العلم بذاك الحكم الشرعي فيكون فقيها. الثاني: ما عرفنا به الفقه هو تعريف الاكثرين ويخرج عنه جميع المباحث الواقعة في الفقه في تشخيص الموضوعات، لاسيما الموضوعات المستنبطة، كالبحث عن ماهية العبادات واجزائها وشرائطها وموانعها وقواطعها، وكذا البحث عن سائر الموضوعات العرفية في موارد الحاجة إلى تشخيص بعض مصاديقها كالمعدن والوطن والصعيد ونحوها، مع كون البحث عنها في العبادات اكثر من البحث عن احكامها غالبا، والالتزام بالاستطراد فيها بعيد فينبغي القول بدخول تلك البحوث في هذا العلم، ويضاف إلى التعريف قيد - أو موضوعاتها المستنبطه أو ما اشبهها - مثلا.

[ 182 ]

قاعدة التجاوز هي الحكم بوجود عمل شك في وجوده بعد التجاوز عن محله والدخول في غيره أو بعدما خرج وقته، فللقاعدة موضوع ومحمول موضوعها الشك في الوجود وانه هل اوجده ام لا ومحمولها الحكم بالوجود وترتيب آثاره، فإذا شك المصلى في انه اتى بالقرائة ام لا وهو في الركوع أو شك في الركوع وهو في السجود أو شك في السجود وهو قائم منتصب، يحكم بانه اوجدها ويمضى في صلوته والشك حينئذ في الوجود بعد تجاوز محل المشكوك ; وكذا لو شك بعد طلوع الشمس في انه هل اتى بصلوة الصبح ام لا حكم بالاتيان وفراغ الذمة، وهذا من قبيل الشك في الوجود بعد خروج الوقت. ثم ان الدليل عليها هو بناء العقلاء في اعمالهم وامضاء الشارع له بقوله: " كل شئ شك فيه مما جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه " وقوله: " يا زرارة إذا خرجت من شئ ودخلت في غيره فشكك ليس بشئ " وقوله: " متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة انك لم تصلها صليتها وان شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا اعادة عليك ". تنبيهان:

[ 183 ]

الاول: حيث ان مورد هذه القاعدة الشك في الوجود ومورد قاعدة الفراغ الشك في الصحة كما سيجئ تكون النسبة بين القاعدتين العموم من وجه موردا، فانه قد يوجد مورد تجرى فيه هذه دون تلك القاعدة ; كما إذا شك في إتيان الركوع بعد الدخول في السجود وقد يوجد مورد تجرى فيه تلك القاعدة دون هذه، كما إذا شك في صحة صلوته من جهة انه زاد جزءام لااو جهر في موضع الاخفات عمدا ام لا، وقد يوجد مورد يمكن التمسك بكلتا القاعدتين كما إذا شك في صحة صلوته من جهة انه اتى بالركوع ام لا فيحكم بصحة الصلوة باجراء قاعدة التجاوز في الركوع أو اجراء قاعدة الفراغ في نفس العمل لولا القول بالسببية والمسببية. الثاني: لا اشكال في عدم جريان هذه القاعدة في اجزاء الطهارات الثلث فإذا شك المتوضى في غسل الوجه وقد شرع في غسل اليدين، أو شك الجنب في غسل الرأس وقد دخل في غسل الطرف الايمن مثلا لا يجوز له عدم الاعتنا، والبناء على اتيانه بالجزء السابق بل اللازم اعادة الجزء على ما يحصل به الترتيب، الا ان الكلام في انه هل القاعدة جارية في اجزاء كل عمل ذى اجزاء كجريانها في الصلوة خرج عنها اجزاء الطهارات الثلث تخصيصا أو انها مخصوصة باجزاء الصلوة فقط ولا دليل عليها بنحو العموم، فاجزاء الطهارات كاجزاء غيرها خارجة تخصصا وجهان لا يخلو ثانيهما من رجحان.

[ 184 ]

قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وقع الاختلاف بين العلماء في انه هل يحكم العقل بحسن الافعال وقبحها أو انه لا يحكم بشئ من الحسن والقبح، بل هو منعزل عن منصب الحكومة والقضاوة وليس ذلك من حقه ولا هو من وظيفته. والمراد من حكم العقل ادراكه فان المعروف انه ليس للعقل بعث وزجر بل انما وظيفته ادراك كون الشئ حسنا وكونه قبيحا. والمراد من الحسسن كون الفعل بحيث يستحق فاعله المدح ومن القبح كونه بحيث يستحق فاعله الذم. وحاصل النزاع حينئذ انه هل تتصف للاشياء لدى العقل بحسن وقبح يدركهما ويحكم بهما حكما جاز ما فيمدح فاعل الحسن ويذم فاعل القبيح، ام لا تتصف بهما عنده، والنزاع في هذه المسألة وقع بين اصحابنا الامامية (ره) والمعتزلة وبين الاشاعرة، فذهب الفريق الاول إلى الوجه الاول والفريق الثاني إلى الوجه الثاني. قال صاحب الكفاية في مقام اثبات مختار اصحابنا الامامية ما ملخصه، والحق الذى عليه قاطبة اهل الحق هو الاول، فانه كما يختلف الاحجار والاشجار وساير الجمادات والنباتات في الخير والشر والنفع والضر تفاوتا فاحشا اكثر مما بين السماء

[ 185 ]

والارض، فكذا افعال الناس بالنسبة إلى حكم العقل فاين الضرب المورث للحزن والغم من الاحسان الموجب للفرح والسرور، وكما ان المسموعات بعضها يلائم القوة السامعة وبعضها ينافرها وكذا المبصرات والمذوقات وغيرها، فكذلك المدركات بالنسبة إلى القوة العاقلة التى هي رئيس تلك القوى فان لبعض الافعال بحسب خصوصيات وجوده نفعا وضرا وخيرا وشرا موجبة لاختلافها في الملائمة للقوة العاقلة والمنافرة، ومع هذا لا يبقى مجال لانكار الحسن والقبح عقلا إذ لا نعنى بهما الا كون الشئ في نفسه ملائما للعقل فيعجبه أو منافرا فيضربه فيوجبان ذلك صحة مدح الفاعل وصحة قدحه انتهى. واما الاشاعرة فوجه انكارهم الحسن والقبح اما في افعاله تعالى فلبنائهم على ان كلما فعله تعالى فهو صدر منه في محله، لانه مالك الخلق كله، فلو اثاب العاصى وعاقب المطيع لم يأت بقبيح لانه تصرف في مملكته ومحل سلطنته لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون، واما في افعال العباد فلبنائهم على عدم صدور الافعال منهم بالاختيار بل بالجبر والاضطرار ولا شئ من افعال المجبور متصف بحسن ولا قبح، وكلا البنائين باطلان لان قدرته تعالى لا يصير الحسن العقلي ققبيحا ولا القبيح العقلي حسنا وافعال العباد اختيارية على الغالب كما يشهد به الوجدان. تنبيه: تنقسم الافعال الاختيارية للمكلفين بناء على قول الامامية والمعتزلة إلى اقسام ثلثة، ما يدرك العقل حسنه، وما يدرك قبحه، وما لا يدرك له حسنا ولاقبحا ولا يحكم فيه بشئ، هذا بالنسبة إلى عقولنا القاصرة غير المحيطة بجهات الخير والشر والمصلحة والمفسدة، واما العقول الكاملة المحيطة بجميع جهات الافعال وملاكاتها كالموجودة في النبي الاعظم صلى الله عليه وآله واوصيائه " عليهم السلام " فتقسم عندها إلى ما هو حسن واقعا وما هو قبيح كذلك وما ليس له حسن ولا قبح، ولعل الصحيفة المكتوبة فيها جميع الاحكام الموروثة من امام إلى امام كناية عن عقلهم " عليهم السلام " المنعكس فيه جميع الكاينات على ما هي عليه وكذا الجفر وغيره.

[ 186 ]

قاعدة تداخل الاسباب والمسببات المراد من تداخل الاسباب صيرورتها كالسبب الواحد في عدم تأثيرها الا في مسبب واحد، بان يكون المؤثر هو ما يوجد اولا ان اختلفت في الزمان ; ومجموعها ان تقارنت فيه، ومن تداخل المسببات كفاية اتيان مصداق واحد جامع لعناوين متعددة في امتثال اوامرها. إذا عرفت ذلك فاعلم انه إذا ثبت سببية شى لشئ في الشرع ; فان كان كل من السبب والمسبب واحدا فلا اشكال كما لو ورد إذا مات زيد وجب تغسيله، وكذا إذا تعددت الاسباب والمسببات وتباينت، كما إذا ورد ان افطرت فصم شهرين وان ظاهرت فاعتق رقبة. واما ان كان ظاهر الدليل تعدد الاسباب ووحدة المسبب فهذا يتصور على صور: الاولى: ان يكون المسبب مهية واحدة غير قابلة للتكرر كما إذا قال ان قتل زيد مومنا فاقتله وان زنى فاقتله. ومثله الاسباب والعلل التكوينية المتواردة على مسبب واحد، فلا اشكال (ح) في تداخل الاسباب، وكون المؤثر منها هو الموجود أو لا ان حصلت تدريجا ; ومجموعها ان حصلت دفعة، لامتناع توارد علل متعددة على معلول واحد وصدور الواحد عن المتعدد ;

[ 187 ]

فهذه الصورة من قبيل تداخل الاسباب تداخلا قهريا عقليا. الثانية: ان يكون المسبب مهية واحدة قابلة للتكرار كالوضوء واعطاء الدرهم كما إذا قال إذا بلت فتوضأ وإذا نمت فتوضأ ; أو قال ان جائك زيد فاعطه درهما وان سلم عليك فاعطه درهما. فهل يحكم في هذه الصورة بتعدد المسبب، حسب تعدد السبب، فيجب على المكلف وضوء إذا بال ووضوء آخر إذا نام، ويجب عليه اعطاء درهمين لزيد إذا تحقق منه المجئ والتسليم. أو يحكم بتداخل الاسباب كالصورة الاولى، فيكون المؤثر في وجوب الوضوء اسبق العلل إذا اختلفت في الوجود وجميعها بالاشتراك إذا تقارنت. أو يحكم بتداخل المسببات بان يدعى ان للوضوء مثلا حقائق مختلفة فالمسبب عن البول حقيقة، والمسبب عن النوم حقيقة اخرى كغسل الجنابة والحيض، الا انهما قابلان للانطباق على وجود واحد وفرد خارجي فارد فيتداخل المسببات. وجوه بل اقوال وعلى الاخير يكون حكم المثال حكم الصورة الآتية. الثالثة: ان يكون المسبب مهيات مختلفة حسب تعدد الاسباب، الا انها قابلة للانطباق على الفرد الواحد كالاكرام والاضافة، كما إذا ورد ان افطرت فاكرم عالما وان ظاهرت فاضف فقيرا ولا اشكال في عدم تداخل الاسباب، وانما الكلام في تداخل المسببات فانه قد يقال بكفاية الاتيان بالمصداق الواحد الجامع للعنوانين بقصد امتثال امر كليهما، كما انه قد يقال بعدم الكفاية ما لم يكن دليل من الخارج على الجواز، وهذا هو محل النزاع في تداخل المسببات. تنبيهات: الاول: اختلاف الاقوال في الصورة الثانية مبنى غالبا على كيفية استفادتهم السببية من الجملة الشرطية، فان ظهورها في حدوث الجزاء المستقل عند حدوث الشرط يثبت القول الاول، ولازم ذلك حمل متعلق الوجوب على الفرد حتى يقبل

[ 188 ]

التكرار والتعدد فيحدث وجوب مستقل على فرد من الوضوء عند حدوث البول، ووجوب آخر على فرد آخر عند حدوث النوم وهكذا. وظهورها في كون متعلق الوجوب هي الطبيعة الكلية لا الفرد يثبت القول الثاني، فان الطبيعة بما هي لا تتكرر وانما التكرر في وجوداتها فلا يعقل عروض حكمين عليها فان اجتماع المثلين، كالضدين ممتنع ; فاللازم القول بتداخل الاسباب. كما انه يمكن القول ببقاء ظهور الشرطية في حدوث الجزاء، وظهور المتعلق في كونه طبيعة كلية ; بالقول بتعدد الطبايع وقابليتها للانطباق على الفرد فيجئ القول الثالث. الثاني: إذا لم يكن دليل لفظي في مورد العلم بالسببية، فمقتضى الاصل العملي عند الشك في تداخل الاسباب، هو التداخل وعدم وجوب ازيد من مسبب واحد، لرجوع الشك فيه إلى الشك في وحدة التكليف وتعدده، فالزائد عن المعلوم ينفى بالاصل، كما انك قد عرفت ان مقتضى ظاهر الجملة الشرطية عدم تداخلها. ومقتضى الاصل في الشك في تداخل المسببات عدم التداخل لقاعدة الاشتغال، لان كفاية الفعل الواحد في مقام الامتثال غير معلومة فيجب الاحتياط، فعلم ان مقتضى الدليل في الاسباب عدم التداخل، ومقتضى الاصل التداخل، وان مقتضى الاصل في المسببات عدم التداخل. الثالث: لم نذكر في ضمن الصور المذكورة وحدة السبب وتعدد المسبب لاجل انه لا مانع من ذلك عرفا وشرعا وان استشكل فيه عقلا كما إذا ورد إذا قلت في اثناء الصلوة اعتقت عبدى فصلاتك باطلة وعبدك محرر وان افطرت بالحرام فصومك باطل ووجبت عليك الكفارة وانت ضامن لبدل ما اتلفته وان قتلت مؤمنا خطأ وجبت عليك الكفارة وضمنت الدية للولى وعلى هذه فقس ما سواها.

[ 189 ]

قاعدة التسامح إذا ورد خبر ضعيف غير جامع لشرائط الحجية فدل على ترتب الثواب على فعل من الافعال، فلا اشكال في ترتب الثواب على ذلك الفعل إذا اتى به بقصد تحصيل ذلك الثواب أو برجاء احتمال المطلوبية. واما الحكم باستحباب ذلك الفعل ورجحانه شرعا ففيه اختلاف بين الاصحاب فقال عدة بالاستحباب وآخرون بعدمه. ثم انهم يسمون هذا الحكم الكلى بقاعدة التسامح في ادلة السنن يعنون بذلك ثبوت التسامح شرعا في الحكم بالثواب أو الاستحباب وحصولهما بورود خبر في هذا الباب ; ولو كان غير حجة في سائر الابواب. فللقاعدة موضوع ومحمول، موضوعها الفعل الذى بلغك ثواب على اتيانه ومحمولها الحكم بكونه ذا مثوبة مطلقا أو بالمقدار الذى بلغ أو الحكم باستحبابه ورجحانه شرعا. فإذا دل خبر غير حجة على ان من اغتسل في يوم النيروز فله كذا، قلنا ان غسل النيروز مما بلغنا الثواب عليه وكل ما كان كذلك فهو ذو ثواب أو فهو مستحب فغسل النيروز كذلك.

[ 190 ]

تنبيهات: الاول: استدلوا على هذه القاعدة بروايات كثيرة، منها قول الصادق " عليه السلام " في صحيحة هشام بن سالم: " من بلغه عن النبي " صلى الله عليه وآله " شئ من الثواب فعلمه كان اجر ذلك له " وان كان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يقله فان المراد من الشئ هو العمل ذوالثواب بقرينة رجوع الضمير إليه في قوله فعمله وقوله " عليه السلام ": " كان اجر ذلك له ". وفى خبر: " فعمله طلبا لقول النبي " صلى الله عليه وآله " وفى ثالث فعمله التماس ذلك الثواب ". الثاني: وجه الترديد في محمول القاعدة بانه الحكم بالمثوبة فقط أو الحكم بالاستحباب هو وقوع الاختلاف في ان المستفاد من روايات الباب هل هو الاخبار عن حصول الانقياد بالفعل الماتى به بداعي الثواب ; وانه لا محالة يترتب الثواب عليه فهى ارشادية حاثة إلى ما يحكم به العقل ويستقل به فوزانها وان قوله تعالى: " اطيعوا الله واطيعوا الرسول ". أو ان ذكر الثواب على الفعل كناية عن رجحانه واستحبابه فهى دالة على الحكم المولوي الاستحبابى ; فوزانها وزان اخبار تعرضت لذكر الثواب على عمل في مورد لم يكن لحكم العقل فيه مسرح كقوله من سرح لحيته فله كذا والمعنى الاول مختار العلامة الانصاري (قده) والثانى مختار المحقق الخراساني (ره). ثم انه على المعنى الاول لو كان المراد الوعد على الثواب المطلق لا خصوص الثواب الواصل، كان الكلام مساوقا لما يستقل به العقل من ترتب الثواب على الانقياد بنحو الاجمال، وان كان المراد الوعد على خصوص الثواب البالغ، فالاخبار مسوقة لبيان تفضل الله بثواب خاص على امر استقل العقل بحسنه فهى نظير قوله تعالى: " من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ". الثالث: تظهر الثمرة بين القولين في موارد منها جواز افتاء الفقيه بالاستحباب على القول الثاني دون الاول، إذ عليه لا تدل الاخبار على ازيد مما يحكم العقل به من

[ 191 ]

حسن الانقياد وترتب الثواب عليه. ومنها: فيما لو ورد خبر ضعيف على استحباب الوضوء في مورد خاص فعمله المكلف بذلك الداعي فعلى القول الاول لا يرفع الحدث وعلى الثاني يرفع وغير ذلك وللقاعدة فروع اخر اغمضنا عن ذكرها روما للاختصار.

[ 192 ]

قاعدة التعيين العقلية أو اصالة التعيين إذا تردد امر المكلف في مورد بين الشيئين أو الاشياء، بمعنى احتماله تعين احد الامرين أو الامور بالخصوص، واحتماله تخييره بينهما أو بينها، فلا محالة يكون احد الطرفين أو الاطراف (ح) محتمل التعيين والتخيير، والطرف الاخر محتمل التخيير فيحكم العقل بلزوم الاول وعدم لزوم الثاني. والاصوليون اسموا هذا الحكم الكلى العقلي بقاعدة التعيين أو اصالة التعيين ; يعنون بذلك حكم العقل باخذ محتمل الخصوصية وطرح محتمل التخيير، فللقاعدة موضوع ومحمول موضوعها محتمل التعيين والتخيير ومحمولها لزوم الاخذ به عقلا. ثم ان الدوران بذلك النحو قد يكون في المسألة الفرعية، كما إذا حصل للمفطر في شهر رمضان علم اجمالي بوجوب صيام شهرين متتابعين تعيينا أو وجوبه ووجوب اطعام ستين مسكينا تخييرا وقد يكون في المسألة الاصولية ; كما إذا شك الفقيه عند تعارض قول العدل والموثق في حجية الاول تعيينا أو حجية كليهما تخييرا فهذا من الدوران في المسألة الاصولية.

[ 193 ]

قاعدة الجمع مهما امكن اولى من الطرح مورد القاعدة هو الدليلان المتقابلان والمراد من الجمع هنا الجمع الدلالى اعني اخذ احدى الدلالتين والتصرف في الاخرى بحيث يرتفع التناعى بينهما، أو التصرف في كلتا الدلالتين كما ستعرف، ومن الامكان الامكان العرفي بحيث يساعد عليه نظر هم ويكون عليه عملهم، لا الامكان العقلي ولو عده العرف غير ممكن، ومن الاولوية اللزوم كقولك لان اكون صادقا اولى من ان اكون كاذبا. فمعنى القاعدة ان الجمع بين دلالة الدليلين فيما امكن عرفا وساعد عليه نظرهم لازم فليس المورد داخلا في باب التعارض، وهذه قاعدة مطردة معمول بها بين العقلاء والمتشرعة يسمون هذا النحو من العمل بالجمع الدلالى ايضا وعد الاصوليون من مصاديقها موارد: الاول: ما إذا كان احد الدليلين نصا والاخر ظاهرا كالخاص القطعي الدلالة مع العام فانه يجمع بينهما باخذ الخاص وتخصيص العام به كما إذا ورد اكرم العلماء وورد لا يجب اكرام فساقهم، وكالمقيد القطعي مع المطلق كما إذا ورد اعتق رقبة وورد ايضا لا يجب اعتاق الكافرة فيحمل المطلق على المقيد، ومثل الامر أو النهى المتعلقين بشئ مع دليل الترخيص كما إذا ورد صم يوم الخميس وورد ايضا لا بأس بترك الصوم يوم

[ 194 ]

الخميس فيحمل الامر على الاستحباب ; أو ورد لا تشرب العصير العنبى وورد لا بأس بشربه فيحمل النهى على الكراهة. الثاني: ما إذا كان احدهما ظاهرا والآخر اظهر كالعام مع الخاص الظنى الدلالة بحيث يكون اظهر من العام كما إذا ورد اكرم العلماء وورد ينبغى اكرام فساقهم فان ظهور ينبغى في الاستحباب اقوى من ظهور هيئة اكرم في الوجوب فيقدم عليه وان كان حمل كلمة ينبغى على الوجوب ممكنا لكنه مرجوح، فالنتيجة استحباب اكرام الفساق ووجوب اكرام العدول، وكذا المطلق الظاهر والمقيد الاظهر منه، ومن هذا القبيل ما إذا ورد اغتسل للجمعة وورد ينبغى غسل الجمعة. الثالث: ما إذا كان الدليلان ظاهرين متساويين وكان المورد بحيث يساعد العرف على جعل كل منهما قرينة على التصرف في الاخر فيجمع بينهما بالتصرف في كليهما كما إذا ورد ثمن العذرة سحت وورد لا بأس ببيع العذرة، وفرضنا ان العرف يوفقون بينهما بحمل الاول على عذرة غير مأكول اللحم والثانى على عذرة المأكول. الرابع: ما إذا كان احدهما حاكما والآخر محكوما، أو كان احدهما واردا والآخر مورودا، نصا كان الحاكم والوارد أو ظاهرا فراجع عنوان الحكومة والورود. تنبيهات: الاول: ان الجمع بين الخبرين كما اشرنا إليه على قسمين دلالى وسندي فالدلالى هو ما ذكرنا من مورد قاعدة الجمع وقلنا بانه اخذ السندين وتأويل الظاهر إلى ما يوافق النص أو الاظهر. واما السندي فهو راجع إلى السند ومعناه اخذ سند ودلالة احد الخبرين وطرح الآخر رأسا سندا ودلالة ; ومورد هذا الجمع ما إذا لم يمكن الجمع العرفي في الدلالة بل يبقى اهل العرف متحيرين في حكمهما، وحينئذ فان كان في احدهما رجحان اخذ ذلك تعيينا وطرح الآخر، وان لم يكن رجحان في البين اخذ احدهما تخييرا وطرح الآخر رأسا فراجع بحث التعارض وعنوان المرجح، وهذا المورد هو الذى تخيل ابن ابى

[ 195 ]

جمهور جريان قاعدة الجمع فيه ; فإذا ورد يجب اكرام العالم وورد ايضا لا يجب اكرام العالم فعلى مبنى المشهور يؤخذ احدهما ويعمل به ويطرح الآخر وعلى القول المنسوب إلى ابن ابى جمهور يؤخذ كلاهما ويحمل احدهما على العالم العادل والآخر على العالم الفاسق مثلا، وهذا النحو من الجمع غير منضبط لا شاهد له ويسمى جمعا تبرعيا ايضا. الثاني: كان الكلام إلى هنا في ادلة الاحكام وبيان حال الخبرين المتعارضين، واما ادلة الموضوعات وتعارض البينات فهى على قسمين: الاول: ان يكون كلام كل من البينتين قابلا للتبعيض في التصديق بان يصدق في بعض ما اخبر به ويرتب عليه آثار الصدق، ولا يصدق في العبض الاخر. كما إذا قامت بينة على كون جميع الدار لزيد وبينة اخرى على كون جميعها لعمرو، وطريق الجمع بينهما حينئذ احد امور: الاول: ترجيح احديهما بالقرعة. الثاني: التساقط والرجوع إلى القرعة. الثالث: التساقط والرجوع إلى قاعدة العدل والانصاف فيعطى نصف الدار لزيد ونصفها لعمرو. الرابع: التبعيض في التصديق فتصدق بينة زيد في نصفها وبينة عمرو في نصفها الآخر فيشتركان وهذا ما قواه الشهيد (ره) ومال إليه الشيخ (ره) في رسائله ولا بأس هنا بلزوم المخالفة القطعية للبينتين لمساعدة بناء العقلاء عليها كالسيرة والرواية. الثاني: ان لا يكون قابلا للتبعيض كما إذا قامت بينة على بنوة طفل لزيد والاخرى على بنوته لعمرو أو قامت احديهما على زوجية امرأة لرجل والاخرى على زوجيتها لرجل آخر والحكم حينئذ الاخذ باحد الامور المذكورة دون الاخير فان الزوجية والنسب لا يقبلان التبعيض. الثالث: المتعارضان من ادلة الاحكام يتصوران على اقسام ثلثة: الاول: المتعارضان غير القابلين للتبعيض في التصديق كما إذا اخبر عدل بوجوب الجمعة وعدل آخر بحرمتها.

[ 196 ]

الثاني: المتعارضان القابلان للتبعيض مع كونهما ظاهرين في الدلالة، كما إذا روى عدل عن المعصوم انه قال اكرم العلماء وروى آخر انه قال لا تكرمهم. الثالث: المتعارضان القابلان للتبعيض مع كونهما نصين كما إذا روى احدهما انه قال يجب اكرام جميع العلماء بلا استثناء ; وروى اخر انه قال يحرم اكرام الجميع بلا استثناء. ثم ان مبنى المشهور كما ذكرنا هو اخذ سند وطرح آخر ترجيحا أو تخييرا في جميع الامثلة الثلثة. ولكن قد وقع الخلاف من بعض في المثال الثاني والثالث، اما الثاني فقد عرفت ان مذهب ابن ابى جمهور فيه هو الجمع الدلالى، بان يؤخذ السندان ويؤول الظاهران. واما الثالث فحيث انهما نصان لا يمكن التأويل في دلالتهما فقد ذهب بعض إلى اخذ السندين والجمع بين الدلالتين بالتبعيض في التصديق كما ذكرنا في البينتين فيصدق كل واحد من العدلين في بعض ما اخبرا به، وتكون النتيجة (ح) وجوب اكرام البعض كعدولهم مثلا وحرمة اكرام آخرين كفساقهم، الا ان هذا النحو من الجمع مع انه لا تساعد عليه الادلة، يستلزم المخالفة القطعية في احكام الله تعالى بلا قيام دليل عليه ولا يقاس هذا بتعارض البينتين لما ذكرنا من السيرة العقلائية فيه.

[ 197 ]

قاعدة الطهارة هي الحكم ظاهرا بطهارة موضوع خارجي أو عنوان كلى شك في طهارته ونجاسته في الواقع. فللقاعدة موضوع ومحمول موضوعها المشكوك طهارته في الواقع ومحمولها هو الحكم بالطهارة ظاهرا وترتيب الاثار الشرعية الثابتة للطاهر الواقعي عليه. تنبيهان: الاول: الترديد في تعريف القاعدة بين الموضوع الخارجي والعنوان الكلى لبيان انه لافرق في جريان القاعدة بين كون الشبهة موضوعية أو حكمية. والاول: كما إذا شك في طهارة عين خارجية لاجل اشتباه الامور الخارجية، كالشك في ان الثوب المعين هل تنجس بملاقات النجس ام لا. والثانى: كما إذا شك في طهارة عنوان كلى، وكان منشأ الشك فيها عدم ورود النص أو اجماله أو تعارض بعضه مع البعض الآخر، وذلك نظير الشك في طهارة العصير العنب المغلى ونجاسته، أو في طهارة خرء الطائر غير المأكول لحمه.

[ 198 ]

الثاني: هذه القاعدة اصل من الاصول المثبتة للحكم الظاهرى وليست بامارة حاكية عن الواقع فان ظاهر قوله " عليه السلام ": " كل شئ لك طاهر حتى تعلم انه قذر "، كون الغاية قيدا للموضوع، ومعنى الرواية ان كل شئ لم تعلم قذراته فهو طاهر، فحكم الطهارة مرتب على الموضوع المشكوك في طهارته ونجاسته في الواقع، ومعلوم ان كل حكم رتب على الموضوع المشكوك حكمه فهو حكم ظاهري فمفاد القاعدة حكم ظاهري وهى اصل من الاصول العملية.

[ 199 ]

قاعدة الفراغ هي حكم المكلف بصحة عمله بعد الفراغ عنه والشك في صحته، فللقاعدة موضوع ومحمول، موضوعها العمل المفروغ عنه المشكوك في صحته وفساده، ومحمولها الحكم بالصحة وترتيب آثارها عليه. فإذا صلى الشخص صلوة الظهر مثلا ثم شك في صحتها وبطلانها من جهة احتماله ترك جزء أو شرط أو ايجاد مانع أو قاطع، حكم بالصحة ورتب آثارها، وكذا لو توضأ أو اغتسل أو غسل ثوبا بقصد تطهيره أو اوقع بيعا أو اجارة أو نكاحا فشك في صحتها بنى على الصحة في الجميع. وتفترق هذه القاعدة عن اصالة الصحة في فعل الغير بالاختلاف موضوعا ; فان الموضوع في هذه القاعدة عمل نفس الشاك وفى تلك القاعدة عمل الغير. وعن قاعدة التجاوز بالاختلاف موضوعا ومحمولا وشرطا فان الموضوع في تلك القاعدة المشكوك وجوده والمحمول الحكم بالوجود، بشرط الدخول في عمل آخر غير المشكوك، والمحمول فيما نحن فيه الحكم بالصحة بدون ذلك الشرط. تنبيه:

[ 200 ]

الدليل على هذه القاعدة امور: اولها: قوله " عليه السلام " في موثقة محمد بن مسلم: " كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو ". ثانيها: قوله " عليه السلام ": " كلما مضى من صلوتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه كما هو ولا اعادة عليك ". ثالثها: موثقة ابن ابى يعفور: " إذا شككت في شئ من الوضوء ودخلت في غيره فشكك ليس بشئ " بناء على رجوع الضمير في غيره إلى الوضوء. رابعها: بناء العقلاء عليها في اعمالهم العادية فانهم لا يحكمون بفساد كل عمل صدر عنهم في الماضي مع عدم خلو الانسان غالبا عن الشك في الصحة والفساد.

[ 201 ]

قاعدة القرعة القرعة في اللغة السهم والنصيب، وفى عرف الفقهاء والعرف العام الاحتيال في تعيين المطلوب لدى الشبهة والابهام بكتابة ونحوها. فللقاعدة موضوع ومحمول، موضوعها ما عينه الاحتيال ومحمولها ترتيب آثار الواقع عليه، أو موضوعها الاحتيال ومحمولها اعطاء الطريقية له وجعله كالعلم تعبدا وتنزيلا. والاول مبنى على كونها اصلا والثانى على كونها امارة. فتشمل القاعدة موارد الاشتباه في الظاهر مع وجود واقع محفوظ، وموارد الابهام وعدم التعين في الواقع ونفس الامر. فإذا اوصى الميت بعتق عبد معين من عبيده فحصل الاشتباه بعد موته في انه زيد أو عمرو عين المطلوب بالقرعة وحكم بكونه الموصى به واقعا ; كما انه إذا اوصى بعتق عبد من عبيده من غير تعيين عين احدهم بالقرعة واعتق، وان شئت فسم نظائر المثال الاول بالمشتبه والمجمل، ونظائر المثال الثاني بالمبهم والمهمل ; وسم كلا القسمين بالمشكل والمجهول. تنبيهات: الاول: استدلوا على مشروعية القرعة في الجملة بعدم الخلاف بين المسلمين بل

[ 202 ]

اجماعهم عليها، وبقوله تعالى: " فساهم فكان من المدحضين ". وبقوله تعالى: " وما كنت لديهم إذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم ". وباخبار يدعى تواترها، منها قول الكاظم " عليه السلام ": " كل مجهول ففيه القرعة فقلت ان القرعة تخطئ وتصيب فقال كل ما حكم الله به فليس بمخطئ ". وقول الصادق " عليه السلام ": " ما تقارع قوم ففوضوا امرهم إلى الله الا خرج سهم المحق ". الثاني: ان هذه القاعدة هل هي من الامارات، بمعنى ان الشارع جعل الاحتيال بالكتابة ونحوها طريقا إلى احراز الواقع تأسيسا أو امضاء. أو هي اصل من الاصول العملية، بان حكم الشارع بترتيب آثار الواقع على ما عين بها تعبدا من دون نظر إلى ايصال المكلف إلى واقع محفوظ وجهان اظهرهما الثاني، لشمولها لموارد الابهام مع عدم وجود واقع محفوظ هناك حتى تكون الامارة مؤدية إليه، فراجع اخبار الباب. وتظهر الثمرة في تقدمها على الاصول العملية حكومة أو ورودا وعدمه، فعلى الا مارية تتقدم وعلى فرض كونها اصلا يتعارضان. الثالث: لا تشمل قاعدة القرعة للشبهات الحكمية، والموضوعات المستنبطة ; للاجماع المحقق على ذلك، فليس للفقيه إذا شك في حرمة شرب التتن مثلا واباحته تعيين الحكم الواقعي بالقرعة، وكذا في موارد الاشتغال والتخيير ونحوهما. كما انه ليس له تعيين اجزاء الصلوة وشرائطها لدى الشك بها. فيختص موردها بالموضوعات الصرفة ; كتعيين ان الملك الذى يدعيه زيد وعمرو ولا يد لاحدهما عليه، لزيد أو لعمرو وان الفرد الموطوء من قطيع غنم هذا أو ذاك. ثم انه حيث كانت ادلة القرعة عامة لكل مورد شبهة، حكمية أو موضوعية مع قيام الاجماع على عدم العمل بها على ذلك العموم والشمول بل كان الخارج من تحتها اكثر من الباقي. فلا جرم كان دلالتها ضعيفة موهونة ومن هنا اشتهر ان التمسك بها في مواردها يحتاج إلى جبر بعمل الاصحاب فراجع.

[ 203 ]

قاعدة لاضرر هي اخبار الشارع بعدم جعله الحكم الضررى في شرعه ودينه تكليفيا كان أو وضعيا، أو هي حكمه بانتفاء الموضوع الضررى ادعاء بعناية عدم جعل الحكم له. فللقاعدة موضوع ومحمول، موضوعها الحكم الضررى أو الموضوع الخارجي الضررى، ومحمولها الاخبار عن عدم جعل ذلك الحكم حقيقة أو عدم ذلك الموضوع تنزيلا وادعاء بلحاظ عدم حكمه. مثلا إذا فرضنا في مورد تضرر المكلف بالتوضوء فايجاب الشارع للوضوء (ح) يكون حكما ضرريا ينشأ منه تضرر المكلف، فنقول (ح) ان وجوب الوضوء هيهنا حكم ضررى وكل حكم ضررى مرفوع، فالوجوب هنا مرفوع أو نقول الوضوء مثلا موضوع ضررى فهو مرفوع بعناية رفع حكمه ; ومثله الغسل والصوم والقيام في الصلوة وغيرها. ونقول في رفع حكم الحرمة ان حرمة الكذب أو شرب الخمر ضررية في هذا المورد فهى مرفوعة، أو ان نفس الكذب أو الشرب مرفوع بعناية رفع حكمه اعني الحرمة. ونقول في رفع الاباحة مثلا ان اباحة اضرار شخص بشخص أو اتلاف ماله حكم ضررى فهى مرفوعة. وفى الحكم الوضعي ان لزوم بيع المغبون حكم وضعي ضررى فهو مرفوع أو ان

[ 204 ]

نفس البيع مرفوع بعناية رفع لزومه. تنبيهات: الاول: ما ذكرنا من الترديد في كون معنى القاعدة هو نفى الحكم أو نفى الموضوع انما هو لاجل الاختلاف فيما يستفاد من الادلة من معناها كما سيجئ في التنبيه الثاني، والمعنيان في الغالب متحدان في النتيجة وقد يختلفان فيها. ففى الانائين المشتبه مضافهما بمطلقهما إذا فرضنا ان المكلف لا يتضرر بوضوء واحد ويتضرر بوضوئين، فعلى المعنى الاول يرتفع الوجوب، إذ بقائه مستلزم للاحتياط المستلزم للضرر فالضرر ينشأ من الحكم الشرعي فهو ضررى محكوم بالارتفاع بالقاعدة، وعلى المعنى الثاني فالموضوع الواقعي اعني التوضؤ بالماء ليس ضرريا بنفسه والضرر انما ينشأ من ضم غير الموضوع إلى الموضوع فهو غير مرفوع بالقاعدة الا إذا حكم العقل بعدمه، أو فرض شمول قاعدة الحرج للمورد وهو امر آخر. الثاني: ان المدرك للقاعدة، عدة اخبار يشتمل اكثرها على الجملة المشهورة وهى قوله لاضرر ولا ضرار اما مطلقا أو مقيدا بقوله على مؤمن أو بقوله في الاسلام، وحيث ان الضرر موجود في الخارج وجدانا وجب التصرف في ظاهر الكلمة، فذهب شيخنا الانصاري (قده) إلى المجاز في الحذف أي لا حكم ضررى، وصاحب الكفاية إلى المجاز في الاسناد وان المنفى نفس الضرر والنقص البدني أو المالى بعناية نفى حكمه كقوله " عليه السلام ": " يا اشباه الرجال ولا رجال ". الثالث: تجرى القاعدة في رفع الاحكام التكليفية الخمسة كما تجرى في الوضعية ; فالبعث المتعلق بالصوم الضررى كالزجر المتعلق بشرب الخمر، يرتفعان عند الضرر. واما اباحة الشئ واستحبابه فهما بالنسبة إلى نفس المكلف وما له لا يكونان ضرريين، فترخيص الشارع للمكلف في قطع يده أو اتلاف ماله بل وطلبهما منه على وجه الاستحباب ليسا بضرريين ; اذالموقع له في الضرر (ح) ارادته واختياره لا ترخيص اشارع وطلبه، نعم الشارع لم يمنعه عن الاضرار بنفسه أو ما له فاوقع نفسه فيه

[ 205 ]

وهذا غير ايقاع الشارع له في الضرر. نعم اباحة اضراره للغير في نفسه وماله أو طلب ذلك منه يكون حكما ضرريا مرفوعا بالقاعدة. الرابع: النسبة بين هذه القاعدة والاحكام الاولية الثابتة لموضوعاتها هي نسبة الحاكم إلى المحكوم، وقد مر تفصيل ذلك تحت عنوان الحكومة.

[ 206 ]

قاعدة المقتضى والمانع هي الحكم بوجود المسبب والمقتضى بالفتح في كل ما احرز سببه ومقتضيه وشك في وجود مانعه، فللقاعدة موضوع ومحمول فموضوعها احراز المقتضى بالكسر والشك في وجود المقتضى بالفتح ومحمولها هو الحكم بوجوده وترتيب آثاره، مثلا إذا علمنا بوقوع النار على ثوب أو فراش وشككنا في انه هل هناك رطوبة مانعة عن الاحتراق ام لا حكمنا بناء على القاعدة بحصول الاحتراق ; وكذا إذا علمنا بملاقاة النجاسة للماء المقتضية لتنجسه وشككنا في كريته المانعة وعدمها حكمنا بنجاسة الماء لهذه القاعدة، ومثله ما لو علمنا بوجود مصلحة ملزمة أو مفسدة ملزمة في فعل وشككنا في تعلق الوجوب أو التحريم به وعدمه لاحتمال وجود مانع عن جعل الحكم، حكمنا بوجوبه أو حرمته. ثم ان المشهور عدم حجية هذه القاعدة وعدم دليل عليها من نقل أو عقل. وايضا ان هذه القاعدة على فرض تماميتها فيما إذا كان وجود الشرط ايضا معلوما وكان المشكوك هو المانع فقط فلو فرض الشك في الشرط ايضا لم تكن جارية، كما انه ليس هنا قاعدة تجري فيما إذا علم عدم المانع وشك في وجود الشرط، فلو علم بارادة زيد الحج في عام معين وحصول شرائطه وشك في المانع جرت القاعدة ورتب آثار الحاج على زيد ولو علم المقتضي وعدم المانع وشك في تحقق بعض الشروط لم تترتب تلك الاثار فليس هنا قاعدة تسمى بقاعدة المقتضي والشرط. كما انا لم نقل بالاولى ايضا.

[ 207 ]

قاعدة الملازمة بين حكم العقل والشرع اعلم ان القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين كما مر في تلك المسألة اختلفوا في ثبوت الملازمة بين حكم العقل والشرع وعدمه. وهذه المسألة تنقسم إلى مسئلتين: الاولى: ان كلما حكم به العقل هل يحكم به الشرع ام لا، والثانية: ان كلما حكم به الشرع هل يحكم به العقل ام لا. اما المسألة الاولى: فحاصلها ان كل فعل ادرك العقل حسنه وكونه بحيث يمدح فاعله هل يلازمه حكم الشرع بالوجوب بحيث كلما ثبت الاول كشف عن الثاني، وان كل فعل ادرك العقل قبحه هل يلازمه حكم الشرع بحرمته ليستكشف الحرمة منه بالملازمة ام لا. فقال عدة من الاصحاب بالملازمة ; بتقريب ان الشارع اعقل العقلاء بل هو العقل كله، وهو العقل من خارج، كما ان العقل شرع من داخل، فلا يعقل تخالفهما في الحكم فما حكم به احدهما هو ما حكم به الآخر بعينه. وذهب عدة اخرى منهم إلى عدمها لان وجود الحسن والقبح في الفعل لا يستلزم جعل الحكم من الشرع، إذا الملاكات من قبيل المقتضيات للاحكام غالبا لا العلل التامة، فربما يكون وجود الملاك مقارنا لفقد شرط من شرائط جعل التكليف أو

[ 208 ]

وجود مانع من موانعه فيدرك العقل حسنه وقبحه لادراكه الملاك ولا يحكم الشارع بوجوبه وحرمته لاجل الموانع ولهذه الدعوى شواهد في موارد: منها: افعال الصبى المقارن للبلوغ، فانه لا اشكال في ان صدقه في الكلام ووفائه بالعهد وانقاذه الغريق وانجائه الحريق مشتملة على مصالح تلك الافعال الثابتة في حق البالغين الكاملين ; وان كذبه وخيانته وقتله النفوس واغارته على الاموال مشتملة على المفاسد كذلك. فيدرك العقل في هذه الموارد حسنها وقبحها مع ان الشارع لم يلزمه ايجابا وتحريما، بل الواجبات في حقه مستحبات والمحرمات في حقه مكروهات فاين قولهم كلما حكم العقل بحسنه حكم الشرع بوجوبه فظهر الانفكاك بين الحكمين. ومنها: موارد الواجبات المهمة عند تزاحمها مع ما هو اهم منها، كالصلوة المزاحمة بازالة النجاسة أو كانقاذ الغريق المهم المزاحم مع الانقاذ الاهم ; فانه لا حكم الزامي (ح) للمهم مع كونه واجدا للملاك الملزم ; فالعقل يدرك الحسن والشارع لا يحكم بالوجوب إذا فلا ملازمة بين الحكمين. ومنها: جل الاحكام الواجبة والمحرمة في بدء حدوث الشرع فان عدم استعداد العباد حينئذ للتحريم والايجاب لقرب عهدهم من الاسلام بحيث ربما كان يوجب بعثهم على الاحكام على نحو الحتم والالزام نفرتهم عن دين الاسلام، فلم يكن يلزمهم الشارع، مع ان حكم العقل بالحسن والقبح كان على حاله. ومنها: بعض موارد الحكم الارشادي كوجوب الاطاعة للاوامر والنواهي وحرمة المخالفة لها فان عنوان الاطاعة مما يحكم العقل بحسنه وعنوان العصيان مما يحكم العقل بقبحه، مع انه لا الزام فيهما شرعا اما للغوية ذلك أو لاستلزامه التسلسل أو غيرذلك. واما المسألة الثانية: اعني قاعدة كلما حكم به الشرع حكم به العقل، فالظاهر من الاصحاب تماميتها وصحتها وكونها مقبولة عندالجل لولا الكل ; فان معناها كل فعل حكم الشرع بوجوبه لاشتماله على المصلحة الملزمة، أو حكم بحرمته لاشتماله على المفسدة الملزمة لو ادرك العقل ذلك الملاك فلا جرم يحكم بحسن الاول وقبح الثاني وهذا ظاهر.

[ 209 ]

قاعدة الميسور إذا رتب طلب شرعى على موضوع عام بعموم استغراقي كقوله اكرم العلماء أو على موضوع مركب ذي اجزاء كقوله اكرم هؤلاء العشرة ; اوصل صلوة الصبح ; فعرض للمكلف عجز عن اتيان ما تعلق به الحكم تاما وكان اتيان بعض المصاديق أو بعض الاجزاء ممكنا، فهل يبقى البعض الميسور على عهدة المكلف، ويكون محكوما بحكم كان عليه عند امكان الجميع، ام يسقط الميسور ايضا بسقوط المعسور. فيه وجهان: المشهور عند الاصحاب الاول فانهم حكموا ببقاء البعض الممكن على عهدة المكلف وعدم سقوطه بطر والعجز عن البعض الاخر، وسموا هذه الكبرى الكلية بقاعدة الميسور تارة وقاعدة ما لا يدرك اخرى وان شئت فسمها بقاعدة الاستطاعة ثالثة. يعنون بذلك بقاء المقدار الميسور على ما كان عليه من الطلب الشرعي وعدم سقوطه عن عهدة المكلف. فللقاعدة موضوع ومحمول موضوعها الميسور اتيانه والممكن ادراكه، من مصاديق الكلى أو اجزاء الكل المرتب عليه الحكم الشرعي، ومحمولها البقاء على عهدة المكلف وعدم سقوطه.

[ 210 ]

فإذا تعلق الوجوب باكرام جميع العلماء فلم يقدر المكلف على اكرام بعضهم لم يسقط اكرام البعض الباقي وإذا تعلق الطلب بالصلوة ذات الاجزاء والشرائط، وعرض العجز عن اتيان بعض الاجزاء أو الشرائط لم تسقط الاجزاء الميسورة بفقد البعض المعسور. تنبيهات: الاول: استدلوا على القاعدة بالنبوي " صلى الله عليه وآله " والعلويين " عليه السلام " المرويات في غوالى اللئالى، فعن النبي " صلى الله عليه وآله ": " إذا امرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم " وعن على " عليه السلام ": " الميسور لا يسقط با لمعسور " وعنه " عليه السلام ": " ما لا يدرك كله لا يترك كله " وضعف هذه الاخبار مجبور بعمل الاصحاب، ودلالتها واضحة الانطباق على ما ذكرنا، فمعنى الخبر الاول إذا امرتكم بشئ ذي افراد أو اجزاء فأتوا بالممكن من افراده أو اجزائه ولا تتركوا ما امكن لاجل ما لا يمكن. ومعنى الثاني انه لا يسقط الميسور من الافراد والاجزاء بالعجز عن معسورهما، ومعنى الثالث ان مالا يمكن ادراك جميع مصاديقه أو جميع اجزائه أو شرائطه لا ينبغى تركه بالكلية بترك الباقي الممكن. الثاني: الظاهر شمول القاعدة للمستحبات كشمولها للواجبات، فان المراد بعدم السقوط بقاء الميسور على العهدة كما كان قبل العجز، ان واجبا فواجبا وان ندبا فندبا، كما ان الظاهر شمولها لصورة كون المعسور من الاجزاء وكونه من الشرائط، (فح) لو طرء للمكلف عجز عن اتيان السورة في صلوته أو عن غسل ثوبه لها فريضة كانت الصلوة أو تطوعا، كانت القاعدة في اثبات الباقي على عهدة المكلف محكمة. الثالث: لا اشكال في اشتراط شمول القاعدة للمركبات بما إذا كان بين الباقي الميسور والمركب المعسور رابطة وتناسب، لا تخالف وتباين فيشترط ان يعد الباقي لدى العرف ميسورا لذلك المعسور وفردا ناقصا منه مسامحيا بحيث يكتفى العرف بذلك عنه

[ 211 ]

لدى العجز والاضطرار. فلو قال جئني بحيوان ناطق فعجز عن تحصيل الناطق واراد المجئ بالناهق عملا بالقاعدة لم يكن مجزيا قطعا اذالحمار لا يعد ميسورا اضطراريا للانسان، كما ان السجدة الواحدة أو قرائة الفاتحة فقط لا يعد ميسورا للصلوة، فلا تجرى القاعدة لاثبات بقائهما.

[ 212 ]

قاعدة نفى الحرج (أو نفى العسر) اعلم انه ينقسم ما يتصور صدوره من العباد من الافعال والتروك إلى اقسام ثلثة: الاول: ما يقدرون عليه ويتمكنون من اتيانه بسهولة وسعة من دون ضيق وحرج، كتكلمهم، بالصدق والكذب واكلهم وشربهم. الثاني: ما لا يقدرون عليه ولا يطيقونه، كطيرانهم إلى السماء وعدم تنفسهم مع حياتهم. الثالث: ما يقدرون عليه مع ضيق وشدة وعسر وحرج، كصومهم في مرضهم وانفاقهم جميع ما يملكون وقطعهم لحوم ابدانهم عند تنجسها. ثم انه لا اشكال عقلا في جواز كون القسم الاول متعلقا للتكاليف الالهية بعثا وزجرا وترخيصا، بل الاحكام التكليفية كلها اوجلها انما تعلقت بهذا النوع من افعالهم، فالمطلوبات والمنهيات والمرخصات بحسب الغالب افعال أو تروك مقدورة للمكلفين بلا عسر في اتيانها ولا حرج. واما القسم الثاني فلا اشكال ايضا في عدم تعلق تكليف الهى بهذا النوع فعلا وتركا، ويدل عليه من العقل حكمه القطعي بقبح ان يكلف العاقل غيره بما لا يقدر عليه، فضلا عن الحكيم تعالى.

[ 213 ]

ومن النقل قوله تعالى: " لا يكلف الله نفسا الا وسعها " والوسع هو الطاقة وصحيحة هشام.. " الله اكرم من ان يكلف الناس ما لا يطيقون ". وخبر الاحتجاج.. " وذلك حكمي في جميع الامم ان لا اكلف خلقا فوق طاقتهم ". واما القسم الثالث فالذي يستفاد من الكتاب والسنة واستقر عليه كلمات الاصحاب (رض) كون تعلق التكليف الالزامي بالفعل الذى فيه عسر وحرج منفيا في هذه الشريعة ; وسموا هذا الحكم الكلى بقاعدة نفى الحرج أو نفى العسر ; فلهذه القاعدة موضوع ومحمول، موضوعها كل فعل أو ترك فيه حرج وشدة على الملكف، ومحمولها نفى حكمه الالزامي والاخبار عن عدم تعلق ذلك به في الشريعة، أو رفع نفس الموضوع الحرجى ادعاء وتنزيلا بلحاظ نفى حكمه. فالغسل في شدة البرد والقيام للصلوة والصيام في شهر رمضان بالنسبة إلى المريض والهرم ونحو ذلك، افعال حرجية رفع حكمها في هذه الشريعة بادلة نفى العسر والحرج. تنبيهات: الاول: استدل القوم على هذه القاعدة بادلة، فمن الايات قوله تعالى نقلا لمسألة النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله " ليلة المعراج: " ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا " والاصر الامر الشديد العسر. وقوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج ". وقوله تعالى: " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ". وقوله تعالى: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ". ومن الاخبار قوله " صلى الله عليه وآله وسلم " في حديث الرفع: " رفع عن امتى الخطاء والنسيان. وما لا يطيقون " الخ. ورواية عبد الاعلى فيمن وضع على اصبعه مرارة قال: " يعرف هذا واشباهه من كتاب الله ما جعل عليكم الخ " امسح على المرارة. والحديث المشهور: " بعثت بالشريعة السمحة السهلة " وغير ذلك.

[ 214 ]

الثاني: ادلة نفي الحرج رافعة للاحكام الشرعية في موارد ودافعة لها في اخرى. فالحكم المجعول الذى لا حرج في اصل جعله وتشريعه إذا عرضت له الحرجية في بعض الموارد تكون حكومة قاعدة الحرج عليه بالرفع، لاجل شمول اطلاق دليل الحكم لذلك المورد. والحكم الذى يكون جعله من اصله حرجيا تكون حكومتها عليه بالدفع فلا جعل ولا انشاء اصلا لمكان الحرج. ثم انهم جعلوا من امثلة الرفع العفو عن دم الجروح والقروح للمصلى والعفو عن نجاسة ثوب المربية للصبى ورفع شرطية الطهارة عن صلوة المبطون والمسلوس في بعض الفروض، والترخيص في الافطار للمريض والحامل والمرضعة والشيخ والشيخة وذى العطاش، وسقوط القيام عن صلوة المريض والهرم، واباحة المحرمات عند الاضطرار. ومن امثلة الدفع. تشريع القصر في السفر، وتشريع الطلاق، وعدم وجوب السواك، وعدم وجوب صلوة الليل وصلوة الجماعة وغير ذلك. الثالث: لا اشكال في خروج بعض الموارد من تحت هذه القاعدة وعدم شمولها لها كوجوب الجهاد للدعوة إلى الاسلام، ووجوب الدفع عن الاهل والمال ولو بالقتال ونحوه على القول به. (فح) نقول هل يكون خروجها من تحت القاعدة بالتخصيص كتخصيص قاعدة نفى الضرر ببعض الاحكام الضررية، أو بالتخصص بدعوى عدم وجود العسر والحرج فيها حقيقة، فان ادلة نفى الحرج غير قابلة للتخصيص فهى نظير قوله تعالى: " وما الله يريد ظلما للعباد " وقوله تعالى: " وما ربك بظلام للعبيد " فليس ما تخيل كونه من باب الحرج الا كما تخيل كونه ظلما للعباد من الاحكام.. فادلة تلك الموارد كاشفة عن الخروج الموضوعي وان كنا لم نعرف وجهه، وجهان اظهرهما الاول.

[ 215 ]

قاعدة اليد هي الحكم بملكية شئ لمن كان مسلطا عليه ومتصرفا فيه لدى الشك في الملكية. فللقاعدة موضوع ومحمول موضوعها الاستيلاء الخارجي والتسلط العرفي على ما يشك في كونه ملكا واقعا، ومحمولها الحكم بالملكية وترتيب آثارها شرعا، فإذا وجدنا زيدا مستوليا على عبائة يلبسها ويتصرف فيها حكمنا بان تلك العبائة ملكه وجاز شرائها منه والتصرف فيها باذنه. تنبيهان: الاول: ان الدليل على القاعدة هو بناء العقلاء على ذلك مع عدم ردع الشارع عنه، وقوله " عليه السلام " في خبر حفص: " حين قال السائل أرأيت ان رأيت في يد رجل شيئا ايجوز ان اشهد انه له، قال نعم إلى ان قال، ولو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق " وقوله في موثقة يعقوب: " في متاع البيت المشترك بين الزوج والزوجة من استولى على شئ منه فهو له ". الثاني: هل القاعدة امارة أو اصل فيه خلاف ومعنى اماريتها ان السلطنة

[ 216 ]

والاستيلاء على الشئ من لوازم الملكية وآثارها بحسب الغالب، لان الغالب ان المستولي على الشئ والمتصرف فيه هو المالك ولو قد يتفق كونه غاصبا ونحوه فالاستيلاء كاشف ظنى عن الملكية كشف اللازم عن ملزومه والاثر عن مؤثره والشارع اتم كشفه الناقص وجعله طريقا إلى الملكية، فهى امارة موضوعية مصوبة لدى العقلاء ممضاة من جانب الشارع. ومعنى كونها اصلا ان الشارع لم يلاحظ جهة كشفها بل حكم بترتيب آثار الملكية تعبدا عند الشك فيها فتكون من الاصول المحرزة كالاستصحاب.

[ 217 ]

قاعدة اليقين هو الحكم بوجود الشئ وترتيب آثار وجوده إذا حصل الشك في الوجود بعد العلم به بان شك في كون علمه مطابقا للواقع أو مخالفا له فللقاعدة موضوع ومحمول موضوعها الشك السارى في وجود ما تيقن به ومحمولها الحكم بالوجود بمعنى ترتيب آثاره. فإذا علمنا بعدالة زيد يوم الخميس فصلينا مؤتمين به صلوة ثم شككنا في يوم الجمعة في عدالته في ذلك اليوم وفسقه، حكمنا بعدالته في ذلك اليوم وصحة تلك الصلوة. ويتحقق موضوعها بامور ثلاثة. تقدم زمان اليقين على زمان الشك، وعدم اجتماع الوصفين في وقت واحد ووحدة المتعلق حتى بلحاظ الزمان، كالعدالة المقيدة بيوم الخميس. ثم ان في حجية هذه القاعدة مطلقا أو حجيتها في الجملة أو عدم حجيتها مطلقا وجوه بل اقوال: الاول: الحجية مطلقا وبلحاظ جميع الآثار بمعنى انه يجب الحكم بثبوت ما شك في ثبوته، بحيث يرتب عليه آثار زمان اليقين وزمان الشك وبعده إلى الابد، ففى المثال يحكم بصحة تلك الصلوة وبجواز الايتمام بزيد في حال الشك وبعده رعاية لحال

[ 218 ]

اليقين السابق ولو كان زائلا فعلا لقوله " عليه السلام ": " من كان على يقين فشك فليبن على يقينه أو فليمض على يقينه ". الثاني: حجيتها في الجملة بمعنى لزوم ترتيب آثار زمان اليقين فقط ولو كان زمان الاثر متأخرا، فيحكم بصحة تلك الصلوة وعدم وجوب قضائها بعد طروالشك لكنه لا يجوز الاقتداء بزيد فعلا. الثالث: عدم حجيتها مطلقا، فلا يحكم بكونه موجودا ولا يرتب عليه الاثر مطلقا ولا اثر لذلك اليقين الزائل اصلا، فيرجع في الاثار السابقة واللاحقة إلى قواعد واصول اخر، فيحكم بصحة تلك الصلوة لقاعدة الفراغ مثلا وبعدم جواز الايتمام بعد الشك لعدم احراز عدالة الامام، وهذا هو المشهور بين الاعلام فلا حجية لقاعدة اليقين ; والخبر المذكور محمول على قاعدة الاستصحاب فراجع بابه.

[ 219 ]

القطع ويرادفه في اصطلاح الاصوليين العلم واليقين. ومفهوم هذه الاسماء واضح ولم يثبت لها في هذا الاصطلاح معنى يغاير معناها اللغوي، كما انه لا اشكال في حجية المفهوم المراد بها اعني الوصف الحاصل في النفس المقابل للظن والشك حجية ذاتية يحكم بها العقل غير قابل للجعل التشريعي اثباتا ونفيا، فالحجية بالنسبة إليه كالزوجية بالنسبة إلى الاربعة يكون جعلها لها تحصيلا للحاصل ونفيها عنها تفكيكا بين الشئ وذاتياته ولذا قيل (القطع حجة بنفسه بلا)، (جعل والاداراو تسلسلا) وقيل ايضا (وهو بنفسه طريق الواقع)، (وليس قابلا لجعل الشارع). ثم انهم قد قسموا القطع بتقسيمات: الاول: تقسيمه إلى القطع الطريقي والقطع الموضوعي. فالاول: هو الذى يكون طريقا صرفا إلى حكم أو موضوع ذى حكم بحيث لا دخل له في الحكم شرعا ولم يؤخذ في متعلقه بنظر الشارع، فاذاورد الخمر حرام والبول نجس، فقطعك هنا قطع طريقي سواء تعلق بالحكم الكلى فعلمت بان الخمر حرام شرعا أو بالموضوع الخارجي فعلمت ان هذا الاناء خمر، إذ الفرض ان الحكم رتب على

[ 220 ]

العنوان الواقعي ; ولم يلاحظ الشارع في مقام جعله الا الحكم الكلى على الموضوع الكلى والقطع طريق إليه عند العقل. والثانى: هو الذى يكون مأخوذا في الخطاب ويكون له دخل في الحكم أو في موضوعه وهو على اقسام كثيرة بعضها ممكن وبعضها مستحيل. وتوضيحه: ان القطع المأخوذ في الموضوع اما ان يكون قطعا متعلقا بالحكم أو بموضوع ذى حكم أو بموضوع بلا حكم، وعلى التقديرين الاولين اما ان يقع موضوعا لعين الحكم الذى تعلق به أو بموضوعه أو يقع موضوعا لمثله أو موضوعا لضده أو موضوعا لخلافه، فصارت الاقسام تسعة، ستة منها مستحيلة وثلاثة منها ممكنة. اما الستة المستحيلة فهى ان يؤخذ القطع بالحكم أو بموضوع ذى حكم موضوعا لنفس ذلك الحكم أو موضوعا لحكم مثله أو لحكم ضده، واما الثلاثة الممكنة فهى ان يؤخذ القطع بالحكم أو بموضوع ذى حكم في موضوع حكم مخالف له، أو يؤخذ القطع بموضوع بلا حكم في موضوع أي حكم كان. اما امثلة الاقسام فالاول وهى ما كان القطع بالحكم مأخوذا في موضوع عين ذلك الحكم كما إذا ورد إذا علمت بوجوب الجمعة فهى تجب عليك بعين ذلك الوجوب وهذا باطل لاستلزامه الدور فان الوجوب يتوقف على العلم به والعلم به يتوقف على الوجوب. والثانى: وهو ما كان القطع بالحكم موضوعا لمثل ذلك كما لو قال إذا علمت بوجوب صلوة الجمعة فهى تجب عليك بوجوب آخر، وهذا باطل لاجتماع المثلين احدهما الوجوب الذى تعلق به القطع والاخر الوجوب الذى تعلق هو بالقطع. الثالث: وهو ما كان القطع بالحكم موضوعا لحكم ضد ذلك كما لو قال إذا علمت بوجوب الجمعة فهى عليك محرمة، وهذا باطل لاجتماع الضدين الوجوب والحرمة في موضوع واحد. الرابع: وهو ما كان القطع بالحكم مأخوذا في موضوع حكم مخالف لمتعلقه كما لو قال إذا علمت بوجوب الجمعة يجب عليك التصدق بدرهم ; وهذا من قبيل القطع الموضوعي الممكن.

[ 221 ]

الخامس والسادس والسابع: وهى ما كان القطع بموضوع ذى حكم مأخوذا في موضوع نفس ذلك أو مثله أو ضده، كما لو قال إذا علمت بخمرية مايع فهو محرم بعين حرمته السابقة أو بمثلها أو هو واجب، وهذا الثلثة مستحيلة للدور واجتماع المثلين والضدين. الثامن: وهو ما كان القطع بالموضوع مأخوذا في موضوع حكم مخالف، كما لو قال إذا علمت بخمرية مايع وجب عليك التصدق بدرهم وهذا ممكن. التاسع: وهو ما كان القطع بموضوع بلا حكم مأخوذا في موضوع أي حكم كان كما لو قال إذا علمت بان هذا بول يجب عليك الاجتناب عنه بناء على كون الحكم مرتبا على العلم بالبولية لاعلى الواقع ثم ان الانقسام إلى الطريقي والموضوعي يجرى في الظن ايضا الا ان له مزيد بحث ذكرناه تحت عنوانه. تنبيهان: الاول: الفرق بين الطريقي المحض والموضوعي في الجملة يظهر في موارد: اولها: في الاجزاء فإذا قطع بطهارة ثوبه أو القبلة فصلى ثم انكشف الخلاف فعلى فرض كون القطع طريقا محضا أو مأخوذا جزء الموضوء يجب اعادة الصلوة لظهور كون المأمور به غير المأتى به والمأتى به غير المأمور به، وعلى فرض كونه ماخوذا تمام الموضوع فلا اعادة. ثانيها: في قيام الامارة مقامه فانه إذا قامت الامارة على حرمة العصير أو الخمر فهى تقوم مقام الطريقي المحض في تنجيز الواقع بلا اشكال، واما الموضوعي ففيه اختلاف فقال في الكفاية بعدم القيام مطلقا وفصل في الرسائل بين الكشفى بالقيام مقامه والموضوعي الوصفى بعدم القيام فراجع الكتابين. ثالثها: ان الطريقي لا فرق فيه بين حصوله من أي شخص واى سبب واى زمان بخلاف الموضوعي فانه تابع لجعل الشارع فراجع تقسيمه إلى قطع القطاع وغيره. الثاني: قد يتوهم ان كون القطع موضوعا للحكم معناه انه يعرض الحكم عليه فإذا

[ 222 ]

قلنا ان القطع بالخمرية موضوع للحرمة أو النجاسة فمعناه كون نفس القطع محرما أو نجسا، ولكنه توهم فاسد فان معنى الموضوع هنا هو ماله دخل في الحكم سواء أكان شرطا للحكم ام وصفا للموضوع أو المتعلق. بيانه: انك قد عرفت في التقسيم الاول للقطع ان القطع الموضوعي الصحيح اصناف ثلاثة ; القطع المتعلق بالحكم أو بموضوع ذى حكم المأخوذان في موضع حكم مخالف، والقطع المتعلق بموضوع لاحكم له. ففى الجميع يكون معنى الموضوعية هو شرطيته للحكم المتعلق به لانه إذا قال الشارع ان علمت بوجوب الجمعة أو بخمرية مايع (ذى حكم أو بلا حكم) وجب عليك التصدق، كان موضوع الوجوب حقيقة هو التصدق والقطع بوجوب الجمعة أو بالخمرية شرطا لحدوث الحكم وترتبه على موضوعه كشرطية الاستطاعة لوجوب الحج. الثاني: تقسيمه إلى الوصفى والكشفي، وكل منهما إلى تمام الموضوع وجزئه. وهذا التقسيم للقطع الموضوعي فقط دون الطريقي وبيان ذلك يتوقف على مقدمتين: الاولى: ان القطع امر قلبى له جهتان، احديهما كونه صفة من الصفات النفسانية كالسرور والحزن والحب والبغض، ثانيتهما كونه كاشفا عن متعلقة كشفا تاما وطريقا إليه طريقا واضحا، ولاجل وجود هاتين الجهتين فيه ينتزع منه بمجرد حصوله وتعلقه بشئ وصفان للقاطع ووصفان للمتعلق ; فانت قاطع بالخمرية بمعنى كونك ذا صفة خاصة وقاطع بمعنى كونك ذا طريق إليها، وهذا الاناء مقطوعا به بمعنى كونه متعلق تلك الصفة الخاصة ومقطوعا به بمعنى كونه منكشفا ومؤدى للطريق. الثانية: انه لا اشكال في ان القطع قد يكون مصيبا ومطابقا للواقع وقد يكون مخطئا وجهلا مركبا وان كان القاطع لا يلتفت إلى ذلك. إذا عرفت ذلك فنقول الاقسام في هذا التقسيم اربعة: الاول: الوصفى الموضوعي الملحوظ تمام الموضوع كما لو ورد إذا قطعت بحرمة الخمر وجب عليك التصدق، فيما إذا لا حظ الشارع القطع بعنوان الوصفية، بان جعل موضوع وجوب التصدق هو عنوان القاطع بالمعنى الوصفى المنطبق على الشخص، أو عنوان المقطوع به بالمعنى المنطبق على الخمر، مع لحاظه له بنحو التمامية بان اخذه

[ 223 ]

موضوعا طابق الواقع ام لا. الثاني: الكشفى الموضوعي الملحوظ تمام الموضوع ففى المثال السابق إذا جعل الموضوع عنوان القاطع أو المقطوع به بالمعنى الثاني اعني الكشفية ولا حظه بنحو الاطلاق طابق الواقع أو خالفه كان هذا القطع كشفيا موضوعيا تاما. الثالث: الوصفى الموضوعي الملحوظ بنحو جزء الموضوع فإذا قال إذا قطعت بوجوب الجمعة وجب عليك التصدق، ولاحظ القطع وصفيا بالمعنى السابق، ولاحظه جزء الموضوع بان اخذ فيه خصوص القطع المطابق للواقع كان هذا وصفيا موضوعيا جزء الموضوع. الرابع: الكشفى الموضوعي الملحوظ جزء للموضوع فإذا قال إذا قطعت بوجوب الجمعة وجب عليك التصدق، ولا حظ القطع بنحو الكشف بالمعنى المتقدم ولا حظ خصوص القطع المصيب كان هذا موضوعيا كشفيا جزئيا. الثالث: تقسيمه إلى قطع القطاع وقطع غير القطاع فالاول: هو القطع الحاصل للشخص بنحو غير متعارف ومن سبب لا ينبغى حصوله منه والثانى هو الحاصل بنحو متعارف ومن سبب يليق حصوله منه، فالقطاع هو سريع القطع لا كثير القطع، وحكمها انه لا فرق بينهما فيما كان طريقا محضا فانه لا فرق عند العقل في وجوب متابعة القطع بين افراده كان حصوله من أي سبب ولاى شخص وفى أي زمان وان كان ربما ينسب إلى بعض الاخباريين ان القطع الحاصل بالحكم الشرعي من مقدمات عقلية لا يجب العمل به عقلا وان كان طريقا مخصا. واما فيما كان موضوعا فالفرق بينهما واضح إذا القطع (ح) يكون كسائر الموضوعات ; فكما انه يعقل ان يجعل موضوع وجوب الاكرام مطلق العالم أو العالم العادل فكذا يصح ان يجعل موضوع وجوب التصدق القطع الحاصل للفقيه دون العامي أو القطع الحاصل من خبر العادل دون الفاسق أو الحاصل في زمان البلوغ دون الصغر وهكذا. الرابع: تقسيمه إلى القطع الاجمالي والقطع التفصيلي ولا يخفى عليك انه لا يكون الاجمال في نفس القطع ابدا وانما يتصور في متعلقه ;

[ 224 ]

إذ حقيقة العلم التصديقي هو انكشاف النسبة لدى القاطع انكشافا تاما، فإذا حصل القطع بان احد الفعلين واجب اوان احد الانائين حرام فالنسبه الملحوظة بين الحكم وموضوعه الذى هو عنوان احدهما منكشفة لدى القاطع لااجمال فيها. نعم انطباق ذلك الموضوع الكلى على هذا المصداق بالخصوص وتعلق الحكم به مجمل مجهول، وهو امر آخر ونسبة اخرى غير النسبة المنكشفة، فالعلم الاجمالي في الحقيقة عبارة عن انضمام جهل إلى علم ونسبة مجهولة إلى نسبة معلومة، ويكون اسناد الاجمال إلى العلم بلحاظ حصوله في متعلقه لافيه نفسه، وان شئت فقل العلم الاجمالي هو العلم المتعلق بعنوان احد الشيئين أو الاشياء مع كون العنوان غير معين والعلم التفصيلي ما لا يكون كذلك. تنبيه: إذا حصل العلم الاجمالي بوجوب احد الفعلين مثلا فانه يتصور لكل من امتثال الحكم المعلوم بالاجمال ومخالفته مرتبتان، إذ لا يخلو حال المكلف عن احد امور ثلاثة، فعلهما معا وتركهما معا وفعل احدهما وترك الآخر، ويسمى الاول بالموافقة القطعية والثانى بالمخالفة القطعية والثالث بالموافقة والمخالفة الاحتماليتين، ففعل احدهما وترك الآخر هي المرتبة الاولى للموافقة والمخالفة وفعلهما معا المرتبة الثانية للموافقة وتركهما معا المرتبة الثانية للمخالفة. ثم ان في تأثير العلم الاجمالي في ايجاب الامتثال بالمرتبة الاولى أو الثانية أو عدم تأثيره اصلا اقوال. الاول: كونه علة تامة في ايجاب المرتبة الثانية ولزوم الموافقة القطعية كالعلم التفصيلي ; فلا يجوز حينئذ ترخيص الشارع في ترك البعض فضلا عن الكل وهذا مختار صاحب الكفاية (قده) في باب الاشتغال. الثاني: كونه مقتضيا بالنسبة إلى كلتا المرتبتين فيصح الترخيص في تركهما فضلا عن ترك احدهما، وهذا مختاره (قده) في بحث القطع.

[ 225 ]

الثالث: كونه علة تامة بالنسبة إلى المرتبة الاولى وايجاب الموافقة الاحتمالية ومقتضيا بالنسبة إلى المرتبة الثانية ; وهذا مختار الشيخ (ره) في رسائله. الرابع: عدم العلية والاقتضاء بالنسبة إلى المرتبتين فهو يساوق الشك البدوى في عدم التأثير ; ولعله مراد من اجاز المخالفة القطعية.

[ 226 ]

القياس هو في الاصطلاح عبارة عن تعدية الحكم من موضوع إلى موضوع آخر بسبب مشاركته له في علة ذلك الحكم ; فيطلق على الموضوع الاول الاصل والمقيس عليه وعلى الثاني الفرع والمقيس، وعلى الجهة التى بها يحكم بتعدية الحكم الملاك والعلة المشتركة. ثم ان العلة المشتركة ان كانت مظنونة مستخرجة من الكلام ظنا يطلق عليه القياس المستنبط علته ; وان كانت معلومة مصرحا بها في الكلام فهو القياس المنصوص علته. والقياس الباطل الذى ليس من مذهبنا هو الاول دون الثاني ; فانه صحيح معمول به على المشهور بل قد يقال انه ليس بقياس في الاصطلاح. فإذا ورد ان الخمر حرام وحصل لنا الظن بان العلة في حرمتها هو الاسكار الموجود في النبيذ والعصير مثلا، يكون تعدية حكم الحرمة من الخمر إلى النبيذ والعصير من قبيل القياس المستنبط علته الباطل عندنا. وإذا ورد لا تشرب الخمر لانه مسكر أو ورد لا تبع الحنطة بالحنطة مع التفاضل لانها مكيل، يكون تعدية الحكم من الخمر إلى النبيذ المسكر، أو من الحنطة إلى

[ 227 ]

العدس والحمص مثلا قياسا منصوص العلة صحيحا عندنا. ثم ان الفرق بين القياس والغلبة التى سبق بيانها واضح، إذ المقصود من الغلبة تعيين موضوع الحكم وبيان انه هو الكلى الشامل لمصاديقه، ليحكم بترتب ذاك الحكم على كل فرد من افراد الكلى من دون نظر إلى علة ثبوت الحكم على الموضوع، وهذا بخلاف القياس فان الموضوع فيه معلوم وانما المقصود تعيين ملاك الحكم ومناطه ليحكم بسرايته إلى موضوع آخر مباين له بسبب ذلك المناط.

[ 228 ]

الكتاب والقرآن والمصحف والفرقان هذه الالفاظ الشريفة حقيقة بالفعل في الكلام الذى نزل به الروح الامين على قلب نبينا الاعظم " صلى الله عليه وآله " بلسان عربي مبين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وهو يشتمل على آيات محكمات واخر متشابهات فمحكماته هي النصوص والظواهر، ومتشابهاته ما هو مجمل ليس له ظاهر. ثم انه لا اشكال في جواز العمل بالمحكمات، ولا يصغى إلى ما صدر عن بعض من المنع عن التمسك بالكتاب العزيز فانهم عزلوا العقل ايضا عن الحكم والقضاء ; وليت شعرى فماذا يبقى لنا بعد عزل عقولنا واخذ كتابنا، وهل هذا الا جناية على العقل وخيانة للكتاب. ويستدل على الحجية بامور: منها: قول مولانا على " عليه السلام " في نهج البلاغة: " وانزل عليه - أي على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " القرآن ليكون إلى الحق هاديا ; وبرحمته بشيرا، فالقرآن آمر زاجر وصامت ناطق، حجة الله على خلقه اخذ عليهم ميثاقه " الخ. ومنها: خبر الثقلين حيث قال: " صلى الله عليه وآله ": " ما ان تمسكتم بهما لن

[ 229 ]

تضلوا " فامر بالتمسك بالكتاب واهل البيت. ومنها: الاخبار الكثيرة الآمرة: " يعرض كل حديث على كتاب الله فما وافقه فخذوه وما خالفه فاضربوه على الجدار " فلو لم تكن الظواهر حجة فكيف يمكن عرض الاخبار عليه والحكم بصحتها وسقمها. ومنها: الاخبار الكثيرة الواردة عن الائمة " عليهم السلام " ارشادا لاصحابهم إلى التمسك بالقرآن واستفادة الحكم عنه كقول مولانا الصادق " عليه السلام ": " يعرف هذا واشباهه من كتاب الله "، وغيرها من الاخبار. تنبيه: حجية ظواهر الكتاب على ما ذكرنا ليست الا كحجية سائر الادلة والامارات من السنة والاجماع والعقل، مشروطة بالفحص عن المعارضات وسائر القرائن الصارفة عن الظهور من الحاكم والمخصص والمقيد وغيرها، فكما انه لا يجوز للمستدل بتلك الادلة التمسك بها قبل الفحص واليأس عن الظفر بالمخالف فكذلك الكتاب العزيز، للقطع بورود التخصيص والتقييد وسائر الصوارف على عدة من ظواهره. نعم لا بأس بالتمسك بما كان نصا من آياته بلا حاجة إلى الفحص فان دلالة النصوص كاصل السند غير قابلة لرفع اليد عنها فيحصل القطع بعدم وجود المعارض لها، الا ان الكلام في تشخيص ما هو نص عما هو ظاهر فعلى المستدل التحرى التام حتى لا يقع في الاشتباه والخطاء.

[ 230 ]

مجارى الاصول اعلم ان المكلف إذا توجه والتفت إلى حكم من احكام افعاله فلا يخلو حاله عن احد اقسام ثلاثة: الاول: ان يحصل له القطع بذلك الحكم، ووظيفته حينئذ بحكم العقل العمل بقطعه والجرى على وفق علمه ويسمى هذا المكلف بالقاطع والعالم. الثاني: ان لا يحصل له العلم به بل يقوم عنده طريق معتبر إلى حكمه من خبر عدل أو ثقة أو اجماع أو شبهها، وحكمه ايضا ان يعمل على طبق طريقه ويسمى هذا بمن قام عنده الطريق. الثالث: ان لا يحصل له العلم ولا يقوم عنده طريق معتبر، ويسمى بالجاهل والشاك وهو الذى يجرى في حقه الاصول العملية، الاستصحاب والبرائة والاحتياط والتخيير، فانه اما ان يكون للحكم الذى شك فيه حالة سابقة ام لا فعلى الاول يتحقق مجرى الاستصحاب وعلى الثاني فاما ان يكون الشك في التكليف أو في المكلف به مع العلم بالتكليف، فعلى الاول يتحقق مجرى البرائة، وعلى الثاني فاما ان يمكن فيه الاحتياط ام لا فعلى الاول يتحقق مجرى الاحتياط، وعلى الثاني مجرى التخيير.

[ 231 ]

ثم انه قد ظهر من هذا التقسيم ان للاستصحاب شرطا واحدا وهو ملاحظة الحالة السابقة، وللبرائة شرطين وهما عدم ملاحظة الحالة السابقة وكون الشك في التكليف، وللاحتياط شروطا ثلاثة ; عدم ملاحظة الحالة السابقة وكون الشك في المكلف به وامكان الاحتياط، وللتخير ايضا شروطا ثلاثة: عدم ملاحظة الحالة السابقة وكون الشك في المكلف به وعدم امكان الاحتياط. تنبيهات: الاول: ان الجاهل والشاك اما ان يكون شاكا في الحكم التكليفى أو في الحكم الوضعي أو في متعلقات الاحكام. اما الاول: فهو الذى يجرى في حقه الاصول المذكورة، وحصر الاصول العملية في الاربعة المشهورة انما هو بالنسبة إليه فلا يجرى في حقه غير تلك الاصول. واما الثاني: كمن شك في الطهارة والنجاسة والصحة والفساد والملكية والزوجية والحرية والرقية وغيرها، فلا يجرى في حقه من تلك الاصول غير الاستصحاب وله اصول اخر كاصالة الطهارة واصالة الصحة واصالة الفساد واصالة الحرية واصالة التحقق المسماة بقاعدة التجاوز، ولم يتعرض بعض المحققين لتلك الاصول ومجاريها في اول الباب زعما منه ان مباحثها قليلة وانها تختص ببعض الابواب. واما متعلقات الاحكام وموضوعاتها فلا يجرى فيها من الاصول الاربعة الا الاستصحاب، ويجرى فيها بعض الاصول الاخر والامارات كالقرعة واليد وخبر العدل ونحوها. الثاني: ان ما ذكرنا من المجاري للاصول العملية انما هو بيان لخصوص مجاريها بنحو الاجمال واما بيان نفس تلك الاصول وانها احكام شرعية أو عقلية وبيان مجاريها تحقيقا وتفصيلا فهو موكول إلى شرح حال ذلك الاصل تحت عنوانه الخاص فراجع تلك العناوين لتكون على بصيرة منها.

[ 232 ]

المجمل والمبين والظاهر والمأول والمحكم والمتشابه والنص والصريح اما المجمل: فهو اللفظ الذى ليس له ظهور بالفعل ولو كان ذلك بسبب اكتنافه بما اوجب اجماله وابهامه، واقسامه كثيرة. فمنها: المجمل بالذات كاوائل السور القرآنية من (ق) و (ن) وغيرهما. ومنها: المشترك اللفظى الذى لا قرينة على تعيين بعض معانية كقوله تعالى: " والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلثة قروء " فان لفظة قرء مشتركة بين الطهر والحيض فلا يدرى من ظاهر القرآن كون ايام التربص والعدة اطهار ثلثة أو حيضات ثلث. ومنها: المشترك المعنوي في بعض الموارد، كقوله تعالى: " أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح " فلا يعلم ان المراد من الموصول الزوج أو ولى المرئة. ومنها: العام والمطلق المقترنان بمخصص مجمل أو مقيد كذلك كما إذا قال اكرم العلماء الافساقهم، وتردد امر الفاسق بين مرتكب مطلق الذنب ومرتكب الكبيرة فقط فيكون العام بالنسبة إلى اهل الصغائر مجملا. ومنها: كل لفظ اقترن بما يصلح لصرفه عن ظاهره فحصل الاجمال بسببه. واما المبين: فهو ما كان ظاهر الدلالة على المعنى المقصود وينقسم إلى قسمين: الاول: النص وهو الظاهر البالغ في ظهور دلالته إلى حيث لا يقبل التأويل عند

[ 233 ]

اهل العرف بل يعدون التأويل له قبيحا خارجا عن رسوم المحاورة كقوله يجب اكرام زيد فحمل الوجوب على الاباحة أو الاكرام على الاهانة أو زيد على عدوه ببعض التأويلات لا يقبله اهل العرف ويرادفه الصريح ايضا. الثاني: الظاهر وهو اللفظ الذى له ظهور قابل للتأويل بسبب القرائن كالعام والمطلق ونحوهما. واما المأول: فهو اللفظ الذى خرج عن ظهوره الذاتي واريد منه خلاف ظاهره بواسطة القرينة، فيدخل فيه كل لفظ علم استعماله في غير ما وضع له بقرينة حالية أو مقالية. فمنه: العام الذى علم تخصيصه، والمطلق الذى علم تقييده. ومنه: ايضا قوله تعالى: " وجاء ربك والملك صفا صفا " وقوله تعالى: " وعصى آدم ربه فغوى " وقوله تعالى: " يضل من يشاء " وغيرها. واما المحكم والمتشابه، فالاول يساوق المبين والثانى يساوق المجمل.

[ 234 ]

المخصص ويطلق عليه الخاص ايضا وهو في الاصطلاح عبارة عن الدليل الواقع في مقابل ما هو اعم منه موردا عموما مطلقا، بحيث يكون غالبا اقوى دلالة منه ويصير سببا لرفع اليد عن حكمه وترك العمل به، وقد يطلق على احد العامين من وجه إذا قدمناه على الاخر وخصصناه به كما إذا قدمنا قوله اكرم العلما على قوله لا تكرم الفساق لقوة دلالته في مورد الاجتماع. وينقسم بتقسيمات: الاول: تقسيمه إلى المخصص اللفظى والمخصص اللبى. فاللفظى هو ما كان لفظا كما إذا ورد لا تكرم فساق العلماء بعد ورود اكرام كل عالم ; واللبى هو ما كان من قبيل المعنى ولا قالب لفظي له فكأنه لب لا قشر له كما إذا قام الاجماع أو دلت سيرة العلماء أو العقلاء على عدم لزوم اكرام الفاسق في المثال السابق، وكذا إذا قال المولى اكرم جيراني وحكم العقل بقبح اكرام من كان منهم عدوا للمولى، فالاجماع والسيرة وحكم العقل من المخصصات اللبية. الثاني: تقسيمه إلى المبين والمجمل. والثانى ينقسم إلى اقسام اربعة لانه اما ان يكون مجملا مفهوما أو مجملا مصداقا و

[ 235 ]

على التقديرين اما ان يكون مرددا بين الاقل والاكثر أو مرددا بين المتباينين فجميع الاقسام خمسة فمثال المبين مبين واضح. واما مثال المجمل المفهومى المردد بين الاقل والاكثر فكما إذا ورد اكرم العلماء وورد ايضا لا تكرم الفساق منهم، وحصل الشك في ان الفاسق هل هو مطلق من ارتكب المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، أو هو خصوص مرتكب الكبيرة، فإذا فرضنا العلماء مأة والمرتكبين للكبيرة منهم عشرين وللصغيرة عشرة، فالمخصص مردد بين عشرين وثلاثين من حيث اجمال المفهوم والقدر المتيقن عشرون والمشكوك عشرة، والحكم هنا بناء على المشهور الرجوع إلى عموم العام عى غير ما كان متيقنا من المخصص. ومثال المجمل المفهومى المردد بين المتباينين، كما لو قال المولى لا تكرم زيدا في المثال السابق مع كونه مشتركا بين رجلين، وحكمه عدم جواز التمسك بالعام في كلا الفردين والرجوع إلى الاصول العملية، من برائة واحتياط وتخيير. ومثال المجمل المصداقى المردد بين الاقل والاكثر، ما لو علم في المثال الاول بان المراد من الفاسق هو اهل الكبائر دون الصغائر، وعلم ايضا بان عشرين منهم قد ارتكبوا للكبيرة وشك في ارتكاب عشرة آخرين فالمخصص مردد بين عشرين وثلثين من حيث اشتباه المصداق، وفى جواز التمسك في العشرة المشكوكة بعموم العام أو عدمه ولزوم الرجوع إلى الاصول العملية وجهان اشهر هما الثاني. ومثال المجمل المصداقى المردد بين المتباينين، ما لو علم معنى الفاسق وعلم اجمالا فسق احد الرجلين وحكمه حكم المفهومى من المتباينين. الثالث: تقسيمه إلى المتصل والمنفصل. والاول: هو المقارن للعام بنظر العرف من وصف أو بدل أو شرط أو استثناء، كما إذا ورد اكرم كل عالم عادل، أو اكرم عالم عدولهم، أو ان كانوا عدولا، أو الا فساقهم. والثانى: ما كان في كلام مستقل بحيث لا يصح عند العرف عده جزء من العام أو من متمماته، سواء اكان صدوره قبل العام ام بعده، طالت المدة الفاصلة بينهما أو

[ 236 ]

قصرت، كما إذا ورد في خبر اكرم العلماء وورد في آخر لا تكرم فساق العلماء. الرابع: تقسيمه إلى المخصص القطعي الدلالة اعني النص وظنيها اعني الظاهر والى المخصص القطعي السند وظنيه. توضيح ذلك: ان الخاص والعام اما ان يكونا نصين أو يكون الخاص نصا والعام ظاهرا أو يكونا على عكس ذلك أو يكونا ظاهرين متساويين أو يكون احدهما اظهر من الاخر، على كل تقدير اما ان يكونا مقطوعي الصدور أو مظنوني الصدور أو يكون الخاص مقطوعا والعام مظنونا أو عكس ذلك فالاقسام عشرون. وفيما كانا نصين فان كان الصدور ان ايضا قطعيين فاللازم حمل احدهما على التقية لعدم امكان التصرف في الدلالة والسند، وان كانا مختلفين فاللازم اخذ قطعي الصدور وطرح الظنى رأسا، وان كانا مظنوني الصدور فالحكم ما في المتباينين من اخذ احدهما تخييرا وطرح الاخر رأسا. وفيما كان الخاص نصا والعام ظاهرا لا اشكال في تقديم الخاص على العام وتخصيصه به، كما إذا ورد اكرم العلماء وورد لا يجب اكرام زيد سواء كانا قطعيين سندا أو ظنيين أو مختلفين فهذه اقسام اربعة. وفيما كان العام نصا والخاص ظاهرا فلا شبهة في الاخذ بالعام والتأويل في الخاص، كما إذا ورد يجب اكرام العلماء بلا استثناء احد وورد ينبغى اكرام زيد، فيحمل ينبغى على الاستحباب، ولا فرق فيه بين قطعي السند وظنيه والاختلاف فالاقسام اربعة. وان كانا ظاهرين متساويين فان كانا قطعيين سندا يتساقط الظهوران ويكونان بحكم المجملين ويرجع إلى الاصول العملية، وان كانا ظنيين يؤخذ بسند احدهما تخييرا أو ترجيحا ويطرح الاخر رأسا سندا ودلالة، وان كانا مختلفين يؤخذ المقطوع سندا ويطرح المظنون رأسا على اشكال فيه. وفيما كان احدهما اظهر من الاخر يؤخذ به ويؤول الاخر بما يوافقه، مثلا إذا ورد اكرم العلماء وورد ينبغى اكرام زيد، وفرضنا ان ظهور هيئة اكرم في الوجوب اقوى من ظهور ينبغى في الاستحباب، فيقدم ظهور الهيئة ويؤول ظاهر ينبغى بحمله على

[ 237 ]

الوجوب وهذا مورد يقدم فيه العام على الخاص وان فرضنا اقوائية ظهور ينبغى في الاستحباب يؤخذ به ويخصص العام ولا فرق فيه ايضا بين اقسام السند. تنبيه: قد عرفت ان اطلاق الخاص والعام فيما ذكر من الاقسام بلحاظ متعلق الحكمين اعني زيدا والعلماء سواء اكان التصادم بين ظهور كلمة العلماء وزيد أو ظهور اكرم ولا تكرم، وقد عرفت ايضا ان اقسامهما وكيفية تقدم احدهما على الاخر مختلفة ; فتارة يقدم الخاص على العام ورودا أو حكومة، واخرى يقدم العام عليه ظهورا، وثالثة يقدم احدهما على الاخر سندا ترجيحا أو تخييرا ; ورابعة يتساقطان ظهورا فيرجع إلى الاصول، وخامسة يحمل احدهما على التقية وغير ذلك، وعليك بالتأمل في الاقسام المذكورة في التقسيم الاخير حتى يتبين لك الحال وان شئت ان تعرف كيفية ورود الخاص على العام وحكومته فراجع آخر بحث الحكومة.

[ 238 ]

المرجح هو في الاصطلاح امور وخصوصيات تكون سببا لتقديم احد المتقابلين على الاخر ومورد لحاظه ومحل اعماله تارة السندان ; فيحكم لا جل ذلك باخذ سند وطرح سند آخر، ويسمى بمرجح الصدور لكونه علة للحكم بصدور الدليل الواجد له وعدم صدور الفاقد. واخرى: الظاهران المتقابلان فيحكم لاجله بتقديم ظاهر على ظاهر آخر، ويسمى بمرجح الظهور لكونه سببا لترجيح ظهور على ظهور. وثالثة: الحكمان المتوجهان على المكلف مع عجزه عقلا أو شرعا عن امتثالهما، فيحكم لاجله باخذذى المزية وترك الآخر، وهذا يسمى بمرجح الحكم. فالمرجحات على اقسام ثلثة: يطلق على القسم الاول مرجح باب التعارض وعلى القسم الثاني مرجح باب الظواهر وعلى القسم الثالث مرجح باب التزاحم. اما القسم الاول: فهو كثير كالشهرة الروائية، والاعدلية، والاوثقية، والاورعية والاصدقية، ومخالفة العامة، ومخالفة ميل حكامهم، وموافقة الكتاب وموافقة السنة النبوية " صلى الله عليه وآله وسلم " ; وموافقة الامارات الظنية، وموافقة الاصول العملية، والشهرة الفتوائية، والافصحية، والنقل باللفظ، وقلة الوسائط في سلسلة السند ;

[ 239 ]

وغيرها وكل هذه المرجحات موجبة لتقديم السند فالدليلان المتعارضان إذا كان احدهما مشتملا على هذه المرجحات كلا أو بعضا ولم يكن الاخر كذلك فهو يؤخذ سندا ودلالة والاخر يطرح رأسا. ثم ان العلماء (رض) قسموا هذه المرجحات بتقسيمات مختلفة وادخلوها تحت عناوين متعددة. منها: تقسيمها باعتبار موردها ومحل عروضها، إلى ما يعرض السند وما يعرض المتن وما يعرض المضمون. بيانه: ان كل خبر وارد عن المعصوم " عليه السلام " مشتمل على امور اربعة: السند والمتن والجهة والمضمون، فالسند هو الشخص أو الاشخاص الناقلين له ; والمتن هي عبارات الخبر والفاظه الحاكية عن المعاني، والجهة هي علة صدور الكلام عن الامام " عليه السلام " من بيان الحكم الواقعي أو التقية والمضمون هو المعنى المراد من الالفاظ. فحينئذ نقول ان بعض تلك المرجحات يعرض السند كالاعدلية والاوثقية وغيرهما من صفات الراوى، وبعضها يعرض المتن كالشهرة الروائية والفصاحة ونحوهما ; وبعضها يعرض المضمون كموافقة الكتاب والسنة والاصل ومخالفة العامة، فان المتصف بها معنى الخبر لا الفاظه. ومنها: تقسيمها باعتبار مورد الرجحان اعني ما يكون المرجح سببا لتقديمه على صاحبه إلى ما يرجح الصدور، وما يرجح الجهة، وما يرجح المضمون. فالاصدقية والاوثقية مثلا ترجحان صدور ما رواه الاصدق والاوثق بمعنى انه لودار الامر بين الحكم بعدم صدور خبر الصادق أو خبر الاصدق فانه يقوى في الذهن عدم صدور الاول وصدور الثاني. ومخالفة العامة ترجح الجهة، بمعنى ان احتمال التقية وعدم الصدور لبيان الحكم الواقعي موجود في الموافق دون المخالف، فهذا المرجح يقوى جهة الخبر المخالف اولا وبالذات ويوجب ثانيا وبالعرض تقوية سنده فيؤخذ هو ويطرح الاخر الموافق سندا ودلالة، لا انه يؤخذ السند من كليهما ويحكم بصدور الموافق للعامة تقية والمخالف لها لبيان الحكم الواقعي كما توهم.

[ 240 ]

وموافقة الكتاب والسنة والاصل وحكم العقل وكذا موافقة الشهرة الفتوائية ترجح المضمون والمعنى المراد من اللفظ، فإذا ورد خبر دال على وجوب صلوة الجمعة وآخر دال على وجوب الظهر، وكان ظاهر الكتاب أو مقتضى الاستصحاب وجوب الجمعة فهو يؤيد مضمون الاول ويورث الظن بكونه الحكم الواقعي فيؤل الامر ايضا إلى اخذ سند ما قوى مضمونه وطرح الاخر رأسا. فعلم مما ذكر ان مرجع جميع المرجحات إلى ترجيح السند وان كان بعضها يؤيد في ابتداء الامر الجهة أو المضمون، فتحصل ان المستفاد من ادلة العلاج واخباره ان كل خبر كان ذات مزية في واحد من نواحيه واطرافه لم يكن لمقابله تلك المزية يجب اخذه سندا وطرح مخالفه رأسا. تنبيه: لا يخفى عليك ان الاقسام المذكورة في هذا التقسيم كلها من قبيل المرجحات الداخلية واما الخارجية فكلها من المرجحات المضمونية. ومنها: تقسيمها إلى الداخلية، والخارجية والخارجية إلى المعتبرة وغير المعتبرة، والى المؤثرة في اقربية المضمون وغير المؤثرة، فالاقسام بناء على هذا التقسيم خمسة: اولها: المرجحات الداخلية، وهى عبارة عن كل مزية غير مستقلة في نفسها متقومة بمعروضها، كصفات الراوى والفصاحة والنقل باللفظ وقلة الوسائط ونحوها، فانه لاقوام لها الا بمعروضها من السند والمتن، فصفات الراوى وقلة الوسائط تعرضان السند اعني الرجال الناقلين للخبر، والباقى يعرض المتن اعني الالفاظ والمعاني. ثانيها: المرجحات الخارجية المعتبرة وهى كل امر معتبر مستقل في نفسه ولو لم يكن هناك خبر ; مثل الكتاب والسنة والاصل العملي، فإذا ورد يحرم شرب العصير وورد ايضا يحل شربه، فالثاني يرجح على الاول لموافقته لظاهر قوله تعالى: " خلق لكم ما في الارض جميعا " أو موافقته للاستصحاب، أو اصالة الحلية بناء على كون الاصل مرجحا للامارات.

[ 241 ]

ثالثها: المرجحات الخارجية غير المعتبرة، كالشهرة الفتوائية والاجماع المنقول وقاعدة أو لوية الحرمة للاخذ بها من الوجوب ونحوها، فإذا ورد تجب صلوة الجمعة وورد ايضا تحرم صلوة الجمعة، فقد يقدم الثاني لموافقته للشهرة أو قاعدة الاولوية. رابعها: المرجحات الخارجية المؤثرة في اقربية المضمون، كموافقة احد الخبرين لظاهر الكتاب بناء على حجية الخبر من باب الطريقية، فان المرجح بالكسر والمرجح بالفتح كليهما حاكيان عن الواقع فيتعاضدان مضمونا. خامسها: المرجحات الخارجية غير المؤثرة، كموافقة احد الخبرين للاصل العملي فان الخبر ناظر إلى الواقع وحاك عنه والاصل غير ناظر إليه بل هو حكم تعبدي، فلا يعاضد به مضمون الخبر. في مرجحات باب الظواهر واما القسم الثاني: اعني مرجحات باب الظواهر ; فهى تلاحظ فيما كان الدليلان ظاهرين في المراد بحيث كان رفع اليد عن ظاهر كل منها ممكنا فيرجح احدهما على الاخر بتلك المرجحات، وعلى هذا فيخرج النص والظاهر عن محل الكلام لعدم احتمال الخلاف في النص، فالمتعين فيهما اخذ النص وتأويل الظاهر فحينئذ نقول ان مرجحات هذا الباب على اقسام ثلاثة: احدها المرجحات الشخصية، بمعنى ما يوجب تقديم شخص من الظواهر وفرد منها على فرد آخر بالوضع أو قرائن شخصية احتفت بالكلام وجعلته اظهر من صاحبه، وهذا القسم لا يدخل تحت ضابط كلى، بل تلاحظ الموارد الشخصية فيرجح بها، كما في قولك رأيت اسدا يرمى، فان ظهور يرمى في رمى السهم اقوى من ظهور اسد في الحيوان المفترس ; فيحمل على الرجل الشجاع لا انه يؤخذ بظهور اسد ويحمل الرمى على رمى التراب. ثانيها: المرجحات النوعية بمعنى ما يوجب تقديم نوع من الظواهر على نوع آخر منها ; فترى ان اهل الفن يقدمون نوعا معينا على نوع آخر وذكروالها موارد كثيرة: منها: ترجيح ظهور الكلام في الاستمرار والدوام اعني عمومه الازماني على العموم

[ 242 ]

الافرادى، ويعبر عن ذلك بان التخصيص اولى من النسخ، فإذا ورد خاص متقدم كقوله لا تكرم فساق العلماء ; ثم ورد عام متأخر كقوله اكرم العلماء، فللخاص ظهور في الشمول الازماني وان حكمه مستمر دائم ولازمه تخصيص العام به، وللعام ظهور في شمول حكمه لجميع افراده حتى الفساق ولازمه نسخ الخاص به والحكم بانقضاء مدته، فدار الامر بين نسخ الخاص وتخصيص العام، فقالوا (ح) بلزوم ارتكاب الثاني، وكذا الكلام فيما إذا ورد عام ثم ورد خاص بعد العمل به فدار الامر بين كون العام منسوخا أو مخصصا. ومنها: ترجيح ظهور العام على اطلاق المطلق، فإذا ورد اكرم العالم وورد لا تكرم الفساق، دار الامر في العالم الفاسق بين رفع اليد عن الاطلاق أو عن العموم فيرجح ظهور العام فيقيد المطلق. هذا إذا كان عموم العام المقابل للمطلق وضعيا، واما إذا كان هو ايضا بالاطلاق فيرجع الكلام إلى تعارض الاطلاق البدلى مع الاطلاق الشمولى، فيكون المورد من تعارض الصنفين من الظهور كما إذا ورد اجتنب يوم الجمعة عن التكسب في مقابل قوله تعالى: " احل الله البيع ". ومنها: تقديم مفهوم القضية الغائية على مفهوم الشرطية، كما إذا ورد لا تكرم الفساق إلى ان يصيروا علماء وورد اكرم العلماء ان كانوا عدولا، وهذا ما حكموا به من اظهرية القضية الغائية في دلالتها على المفهوم من القضية الشرطية. ومنها: ترجيح مفهوم القضية الشرطية على مفهوم الوصفية، كما إذا ورد اكرم العلماء ان كانوا عدولا وورد لا تكرم الفساق الجهال فيقدم الاول على الثاني. ومنها: تقديم الظواهر غير العموم على ظهور المطلق، كما إذا ورد يجب اكرام العالم وورد ينبغى اكرام زيد فيدور الامر بين تقييد المطلق وبين حمل كلمة ينبغى على الوجوب وهو خلاف ظاهره. ومنها: ترجيح ظهور الكلام في استمرار الحكم على غيره من الظهورات، كما إذا ورد اكرم العلماء وورد بعد العمل به ينبغى اكرام العلماء، فرجحوا حمل الثاني على الوجوب حفظا لظهور الاول في الاستمرار.

[ 243 ]

ومنها: ترجيح ساير الظواهر على العموم، كما إذا ورد اكرم العلماء وورد ينبغى اكرام زيد فلابد من التخصيص حفظا لظهور كلمة ينبغى. هذه انواع من الظواهر يقدم بعضها على بعض والمرجح في هذه الموارد هو نفس العنوان الذى قدموه على ما يقابله. ثالثها المرجحات الصنفية: فترى ان صنفا من المرجحات يرجح على الصنف الآخر ولو كان الصنفان من نوع واحد وعدوا لهذا القسم ايضا موارد: منها: تقديم ظهور اللفظ في المجاز الراجح على ظهوره في المجاز المرجوح ولذا يحمل الاسد في رأيت اسدا يرمى على الرجل الشجاع دون الرجل الابخر، ويحمل الامر المصروف عن معناه الحقيقي على الاستحباب لا الاباحة. ومنها: تقديم بعض اصناف التخصيص على البعض الآخر، فإذا تعارض عموم الجمع المحلى باللام مع عموم المفرد المحلى به بناء على افادته العموم، يرجح الصنف الاول على الثاني ; فإذا ورد اكرم العالم وورد لا تكرم الفساق يرتكب التخصيص في الاول دون الثاني، وكذا يقدم العموم القليل الافراد على العموم الكثير الافراد. واما القسم الثالث: اعني مرجحات باب التزاحم فراجع البحث تحت عنوان التزاحم.

[ 244 ]

المشتق هو في الاصطلاح كل لفظ اطلق على الذات باعتبار اتصافها بمبدء من المبادى، سواء كان مشتقا نحويا ام غيره، وسواء كان اتصاف الذات بتلك الصفة باعتبار حلول الصفة فيها أو صدورها منها أو انتزاعها عنها. فالعالم والجاهل مشتقان بهذا الاصطلاح، كما انهما مشتقان عند اهل الادب ايضا والزوج والزوجة والحر والعبد مشتقات بهذا الاصطلاح وجوامد عند اهل الادب وفى الحى والحار مثلا اتصاف الذات بالمبدء بنحو حلول الصفة في الذات وفى الضارب والقاتل بنحو صدورها عن الذات. وفى المالك والمملوك بنحو انتزاع الصفة عنها، اذالملكية امر ينتزع عن زيد مثلا وما له الذى يتصرف فيه. ثم ان استعمال المشتق في معناه يتصور على انحاء ثلاثة: الاول: استعماله في ذات متلبسة بالمبدأ في حال النسبة، كما تقول حاكيا عن زيد المتلبس بالسفر حال تكلمك زيد مسافر، فزمان نسبة السفر إلى زيد هو الان، وزمان اتصافه بالسفر ايضا ذلك واستعمال المشتق في زيد في هذا الفرض استعمال حقيقي عند الكل.

[ 245 ]

الثاني: استعماله في ذات كانت متلسبة بالمبدء قبل حال النسبة كما تقول لزيد الوارد من السفر زيد مسافر، فزمان النسبة هو الان وزمان التلبس بالمبدء هو الامس وفى كون هذا الاستعمال حقيقة أو مجازا اختلاف بين الاعلام. الثالث: استعماله في ذات لم تتلبس بعد بالمبدء ولكنه سيتلبس أو سوف يتلبس، كما تقول لزيد المريد للسفر غدا زيد مسافر فزمان النسبة هو الان وزمان التلبس هو الغد، والظاهر الاتفاق على ان اطلاقه بهذا النحو مجاز محتاج إلى القرينة والعناية. تنبيه: عرف اهل الادب المشتق بانه لفظ مأخوذ من لفظ آخر مع اشتماله على حروفه وموافقته معه في الترتيب أو مطلقا، وعلى هذا فالنسبة بين المشتق باصطلاح الاصوليين وبين المشتق عندهم هو العموم من وجه، فالزوج والزوجة مشتقان بهذا الاصطلاح دون اصطلاحهم، والماضي والمضارع بل المصدر مشتقات عندهم دون هذا الاصطلاح، لان الافعال وضعت لبيان النسبة بين الذات والصفة لا للذات المتصفة بالصفة واسم الفاعل والمفعول مشتقان في كلا الاصطلاحين.

[ 246 ]

المطلق والمقيد اما المطلق: فهو في اللغة بمعنى المرسل وما لا قيد له وفى الاصطلاح هو اللفظ الدال على معنى له نحو شيوع وسريان بالفعل فهو من صفات اللفظ وقد يقع صفة للمعنى ايضا. واما المقيد: فهو يقابل المطلق تقابل العدم والملكة فهو اللفظ الذى لا شيوع له بالفعل مع قابليته لذلك بالذات. ثم انهم عدوا للمطلق مصاديق: منها: اسماء الاجناس من الاعيان والاعراض والافعال، فإذا قال المولى يجب عليك في اول الشهر اعطاء الحنطة للفقير، كان لفظ الشهر والاعطاء والحنطة والفقير كلها مطلقات لوجود الارسال والشيوع في معانيها. وإذا قال يجب عليك في اول الشهر الحرام اعطاء الحنطة الحمراء سرا للفقير العادل كانت تلك الالفاظ مقيدات. ومنها: النكرة وهى عبارة عن اسم الجنس الذى دخل عليه التنوين المستفاد منه الوحدة، فهى ايضا لفظ دال على الشيوع في مصاديق جنسه، سواء اكان الشيوع بنظر السامع فقط كما في جائنى رجل وقوله تعالى: " وجاء رجل " أو في نظر القائل

[ 247 ]

والسامع كليهما كما في جئني برجل، فلو قال جائنى رجل عالم أو جئني برجل شاعر كان اللفظان مقيدين. تنبيهات: الاول: ان الاطلاق والتقييد امران اضافيان بمعنى انه لابد من مقايسة مجرى الاطلاق والتقييد بالامور الخارجية فكل امر لم يكن له دخل في مورد الاطلاق فالمورد بالقياس عليه مطلق وكل امر له دخل فيه فالمورد بالنسبة إليه مقيد فإذا قال اعتق رقبة مؤمنة كانت الرقبة بالنسبة إلى الايمان مقيدة وبالنسبة إلى العدالة مثلا مطلقة. الثاني: ان كلا من الاطلاق والتقييد يلاحظ تارة في اللفظ الدال على نفس الحكم الشرعي، واخرى فيما دل على موضوعه ; وثالثة في مادل على متعلقه، فإذا قال المولى يجب اكرام العالم يقال ان الوجوب والبعث غير مقيدلان كلمة يجب مطلقة، وان فعل الاكرام ايضا غير مقيد لاطلاق كلمة الاكرام ; وكذا لفظ العالم ايضا مطلق غير مقيد ; فالالفاظ مطلقات والمعاني ايضا مطلقات، ولو قال يجب في يوم الخميس اكرام العالم أو يجب اكرامه بالضيافة أو يجب اكرام العالم العادل كان اللفظ الدال على الحكم في المثال الاول وعلى الموضوع في الثاني وعلى المتعلق في الثالث مقيدات كما ان المعاني ايضا مقيدات. الثالث: الاطلاق قد يلاحظ بالنسبة إلى افراد المعنى فيسمى اطلاقا افراديا، وقد يلاحظ بالنسبة إلى حالاته فيسمى اطلاقا احواليا، والمراد من الاول شيوع المعنى الكلى في افراده ومن الثاني شمول المعنى بحسب احواله. وبين الاطلاقين عموم من وجه، فقد يتحقق الاحوالي دون الافرادى كما إذا قال المولى اكرم زيدا، فزيد وان كان جزئيا لا يتصف بالاطلاق الافرادى الا انه يتصف بالاطلاق الاحوالي، فهو مطلق من هذه الجهة قابل للتقييد بان يقول اكرمه إذا كان مسافرا أو مريضا.

[ 248 ]

ونظيره ما إذا ورد اكرم العلماء فان للعلماء وان كان عموما افراديا الا ان لكل واحد من الافراد اطلاقا احواليا. وقد يتحقق الافرادى دون الاحوالي كما إذا قال اعتق رقبة ثم قال وجميع حالاتها عندي متساوية ; أو انه لم يكن من جهة الحالات في مقام البيان فالرقبة مطلقة من حيث الافراد ولا اطلاق لها من حيث الاحوال. وقد يتحققان معا كما إذا قال ان ظاهرت فاعتق رقبة فللرقبة اطلاقان من حيث الافراد والاحوال أي اية رقبة كانت وفى أي حال كانت. الرابع: قد يكون مجرى الاطلاق والتقييد اللفظ وقد يكون الغرض المستفاد من المولى، فالاول: هو اللفظ المشكوك في شموله لما له من المعنى كالامثلة السابقة. والثانى: هو المعنى المستفاد فإذا استفدنا من ناحية المولى حكما من الاحكام بعثا أو زجرا أو غيرهما بواسطة لفظ أو غير لفظ وشككنا في دخالة شئ في غرضه أو مانعية امر عن ذلك، وكان في مقام بيان تمام ماله دخل في غرضه ولم يتعرض لشئ ولم ينبه على غير ما علمناه امكن التمسك حينئذ لعدم دخل شئ في غرضه بانه لو اراد ذلك لافاد واشار إلى ما يبين المراد ويسمى هذا بالاطلاق المقامى في مقابل الاطلاق اللفظى، فإذا قال اغتسل من الجنابة وشككنا في شرطية قصد الامر في الغسل جاز التمسك لنفى الشرطية بهذا الاطلاق وان لم يجز التمسك بالاطلاق اللفظي للزوم الدور أو الخلف. وكذا لو كان في مقام بيان شرائط المأمور به مثلا فعد شروطا خاصة جاز التمسك بعدم شرطية غيرها بالاطلاق، ويسمى هذا بالاطلاق المقامي. الخامس: يعرف مما ذكرنا ان الفاظ المطلق كالمذكورات وغيرها لا دلالة لها وضعا الا على الماهية المبهمة، فالشيوع والسريان من طواريها وعوارضها الثانوية يكون خارجا عما وضع له وحينئذ فلا بد في دلالة اللفظ عليه من قرينة مقالية كقوله: اعتق رقبة، اية رقبة كانت، أو حالية كما إذا علم من حاله ان يحب عتق الرقاب مطلقا، وقد تكون الدلالة بما يسمى مقدمات الحكمة، وهي مركبة من مقدمات ثلاث: احداها: احراز كون المتكلم في مقام بيان المراد لا بيان امر مجمل واحالة التوضيح إلى مقام آخر.

[ 249 ]

ثانيتها: عدم وجود قرينة حالية أو مقالية في مقام التخاطب. ثالثتها: عدم وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب، فإذا قال اعتق رقبة وكان في مقام البيان ولم يقل مؤمنة ولم يعلم من حاله انه يبغض عتق الكافرة، ولم يرتكز في اذهان السامعين مثلا عدم امكان عتق الكافرة انعقد الاطلاق للفظ بهذه المقدمات وهي كثيرة التحقق.

[ 250 ]

المفهوم والمنطوق عرفوا المنطوق بانه حكم مذكور في الكلام لموضوع مذكور. والمفهوم بانه حكم غير مذكور تستلزمه خصوصية المعنى المذكور. وينقسم المفهوم إلى قسمين: المفهوم الموافق والمفهوم المخالف. فالاول: هو المعنى غير المذكور الموافق للمعنى المذكور ; في الايجاب والسلب. والثانى: هو المعنى غير المذكور المخالف للمذكور فيها، فظهر ان المنطوق والمفهوم وصفان للمعنى دون اللفظ، وان الاول من قبيل المداليل المطابقية والتضمنية، والثانى من قبيل المداليل الالتزامية. مثال المنطوق والمفهوم الموافق قوله تعالى: " ولا تقل لهما اف " فحرمة التافيف وهو التلفظ باف حكم مذكور ومنطوق، وحرمة الضرب والشتم حكم غير مذكور يسمى بالمفهوم ; وهذا الحكم لازم لخصوصية المعنى الاول وهى كون التأفيف ادنى مرتبة من الايذاء والعقوق للوالدين، فحرمة الفعل الادنى بهذه الخصوصية تستلزم حرمة الاعلى. ومثال المنطوق والمفهوم المخالف ففى مفهوم الشرط، كما إذا ورد: ان جاء زيد فأكرمه، فان وجوب اكرام زيد عند مجيئة منطوق، وعدم وجوبه عند عدم المجئ مفهوم مخالف وهو لازم لخصوصية في المعنى المذكور وهو انفهام كون المجئ علة

[ 251 ]

منحصرة للوجوب، فلازم العلية المنحصرة انتفاء الحكم عند انتفائها. وفى مفهوم الوصف كما إذا ورد في الغنم السائمة زكوة، فالوجوب الثابت للسائمة منطوق، وعدمه للمعلوفة مفهوم، والخصوصية هو اشعار الكلام بكون السوم علة منحصرة للوجوب. وفى مفهوم الغاية كما إذا قيل هذا الغذاء حلال لك إلى مجئ زيد، أو قيل سر من البصرة إلى الكوفة ; فيكون عدم الحلية بعد مجئ زيد وعدم وجوب السير بعد دخول الكوفة مفهومين لازمين لخصوصية تحديد الحكم بذلك الحد المعين في المثال الاول ; وتحديد الموضوع بالحد المذكور في المثال الثاني. وفى مفهوم اللقب: كما إذا قيل اكرم زيدا فان عدم وجوب اكرام عمر ومفهوم مخالف للزومه لخصوصية حصر الوجوب في زيد والمراد من اللقب الاعلام الشخصية واسماء الاجناس وغيرها من الجوامد. وفى مفهوم الاستثناء كما إذا قيل جائنى القوم الا زيدا، فنسبة المجئ إلى قوم ليس فيهم زيد اعني الموضوع المتخصص بتلك الخصوصية تستلزم عدم مجئ زيد وهو مفهوم مخالف، وهذا مبنى على كون كلمة الاستثناء حرفا موضوعا للمعنى الآلي ; وهو تخصص القوم بخصوصية عدم كون زيد مثلا فيهم، واما بناء على كونها اسما أو فعلا فيكون الحكم المزبور منطوقا ايضا كقولك استثنى زيدا وقس عليها سائر المفاهيم. تنبيهان: الاول: انك قد عرفت ان المعتبر في المفهوم هو كون الحكم غير مذكور ; سواء كان الموضوع والمتعلق مذكورين أو كانا غير مذكورين، أو كان الاول مذكورا والثانى غير مذكور أو كان على عكس ذلك، فالامثلة اربعة. اولها: كمفهوم الشرط فان الاكرام الذى هو الموضوع وزيدا الذى هو المتعلق مذكوران في الكلام. ثانيها: كما إذا ورد لا تقل لامك اف واستفدنا منه حرمة ضرب الاب ايضا ;

[ 252 ]

فالضرب والاب موضوع ومتعلق غير مذكورين. ثالثها: كوجوب الزكوة في السائمة المستفاد منه عدمها في المعلوفة، فالموضوع أي الزكوة مذكور والمتعلق اعني المعلوفة غير مذكور. رابعها: كآية التأفيف للابوين بالنسبة إلى ضربهما، فالموضوع اعني الضرب غير مذكور والمتعلق اعني الابوين مذكور. الثاني: هل المفاهيم المذكورة كلها حجة أو ليس شئ منها بحجة، أو الموافق منها حجة دون المخالف، أو ان الشرط حجة دون غيره ; أو ان الغاية حجة دون غيرها وجوه يرجع إلى مظانها.

[ 253 ]

المفهوم المردد والفرد المردد يقع التكلم في هذين العنوانين في علم الاصول في باب الاستصحاب فيقال هل يجوز اجراء الاستصحاب في المفهوم المردد ام لا أو هل يجرى في الفرد المردد ام لا. وتوضيح العنوان الاول: انه لو كان هنا لفظ لم يعلم مفهومه على التفصيل وكان مرددا بين امرين أو امور كلفظ الكر مثلا إذا فرضنا الجهل بمعناه الشرعي وتردده بين ان يكون ثلاثة واربعين شبرا تقريبا أو ستة وثلثين فمفهوم الكر مردد بينهما ; فإذا علمنا بوجود ماء في الحوض بمقدار المفهوم الاول ثم اخذنا منه مقدارا فنقص وصار بمقدار الثاني، فهل يجوز استصحاب بقاء كريته فيقال انه كان كرا قبل نقصانه فالان هو ايضا كر، أو لا يجوز الاستصحاب لان الشك ليس في هذا الموجود بل في تعيين المعنى المراد من اللفظ وان المستعمل فيه اللفظ هذا أو ذاك وليس هو بمجرى الاستصحاب ; قولان ذكروهما في ذيل مسألة استصحاب الكلى. ومن ذلك ايضا ما لو شككنا في معنى النهار وانه عبارة عن استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية، فإذا استتر القرص ولم تذهب الحمرة جرت مسألة جواز استصحاب النهار وعدمه، ومنه ايضا ما لو شككنا في معنى العدالة وانها ترك الذنوب كلها أو خصوص ترك الكبائر، فإذا كان زيد عادلا قطعا أي تاركا لجميع الذنوب ثم

[ 254 ]

ارتكب ذنبا صغيرا فالكلام في صحة استصحاب العدالة وعدمها هو الكلام في سابقتها. والحاصل ان في تلك الامثلة يشك في بقاء المفهوم لتردده بين ما هو مقطوع الارتفاع وما هو مقطوع البقاء. وتوضيح العنوان الثاني: انه لو كان هنا لفظ معلوم المفهوم ووجد له مصداق في الخارج وحصل الشك في ان الموجود هل هو الفرد الفلاني أو فرد غيره وتردد الامر بينهما تحقق حينئذ معنى الفرد المردد، فإذا علمنا بوجود حيوان في الدار وشككنا في انه بق أو فيل فمضت ثلاثة ايام فعلمنا انه لو كان بقا لمات وانعدم ولو كان فيلا كان باقيا، فتارة يتكلم في جواز جريان الاستصحاب في نفس المفهوم الكلى كالحيوان واخرى يتكلم في جريانه في الفرد المردد، فيقال ان الموجود المردد بين ذاك وذاك، المعلوم وجوده في الثلاثة باق بعدها ايضا بالاستصحاب، وهذا هو استصحاب الفرد المردد، والمشهور عدم جريانه، ولا فرق في الكلى المرددة افراده بين الجنس كالمثال أو النوع والصنف.

[ 255 ]

المقدمة هي في الاصطلاح مطلق ما يتوقف عليه الشئ فتطلق على العلة التامة وعلى كل جزء من اجزائها. وتنقسم بانقسامات: الاول: انقسامها إلى المقدمة الداخلية والخارجية. والاولى: عبارة عن كل جزء من اجزاء الشئ المركب، فكل جزء مقدمة بالنسبة إلى وجود مجموع ذلك المركب وحصول ماهيته، فللشئ بعدد اجزائه مقدمات داخلية. فان قلت يلزم على هذا في المقدمات الداخلية اتحاد المقدمة وذى المقدمة فان ذا المقدمة هو المركب والمقدمة هي الاجزاء وهى ايضا عين المركب. قلت لا يلزم الاتحاد فان ذا المقدمة هو المجموع والمقدمة كل جزء من الاجزاء وليس كل جزء عين الكل قطعا، نعم اللازم هنا اتحاد ذى المقدمة مع جميع المقدمات فان المركب عين جميع الاجزاء فالصلوة ذوالمقدمة والركوع مقدمة والسجود مقدمة وهكذا.

[ 256 ]

والثانية: عبارة عن الامور الخارجة عن الشئ مما يتوقف الشئ عليه كالصلوة بالنسبة إلى غسل الثوب فهى مقدمة خارجية لها. الثاني: انقسامها إلى العقلية والشرعية والعادية. فالاولى: كالصعود بالنسبة إلى الكون على السطح، وطى الطريق بالاضافة إلى الكون في مكة مثلا. والثانية: كالطهارات الثلاث بالنسبة إلى الصلوة وطهارة الماء والتراب بالنسبة إلى الطهارات. والثالثة: والثالثة: كالتلبس بلباس خاص بالنسبة إلى الحضور عند بعض العظماء مثلا أو كالدخول من الباب بالاضافة إلى الكون في داخل البيت مع امكان الدخول من كوة في السطح وكركوب خصوص السيارة للكون في مكة فانه وان كان الجامع بين الامرين أو الامور مقدمة عقلية الا ان خصوص الدخول من الباب وركوب السيارة مقدمة عادية لامكان ايجاد ذى المقدمة بلا اتيان هذه المقدمة عقلا. الثالث: انقسامها إلى المتقدمة والمقارنة والمتأخرة زمانا بالنسبة إلى ذى المقدمة، وينقسم كل منها ايضا إلى ثلاثة اقسام لان كلا منها اما ان يكون مقدمة للحكم التكليفى أو للحكم الوضعي أو للمأمور به، فالاقسام تسعة ثلاثة للمقدمة المتقدمة زمانا وثلاثة للمقارنة وثلاثة للمتأخرة. فالمقدمة المتقدمة للحكم التكليفي كما إذا ورد ان جاء زيد فأكرمه بعد مجيئه بيوم، فمجئ زيد اليوم مقدمة لحدوث وجوب اكرامه في الغد. والمقدمة المتقدمة للحكم الوضعي كالعقد في الوصية، فان ملكية الموصى له للعين الخارجية بعد موت الموصى موقوفة على الانشاء السابق الواقع من الموصى. والمقدمة المتقدمة للمأمور به كالطهارات الثلث بالاضافة إلى الصلوة، والاغسال الليلية للمستحاضة بالنسبة إلى صوم اليوم البعدى، بناء على كون المقدمة نفس تلك الافعال لا الحالة الحاصلة منها المقارنة للعمل. واما اقسام المقدمة المقارنة، فالمقارنة للحكم التكليفى كالبلوغ والعقل والقدرة بالنسبة إلى وجوب الصلوة والصيام ونحوهما، فيشترط وجودها حاله ولا يلزم تقدمها

[ 257 ]

زمانا. والمقارنة للحكم الوضعي كشرائط المتعاقدين من البلوغ والعقل بالنسبة إلى حصول الملكية والزوجية وغيرهما. والمقارنة للمأمور به كالاستقبال والستر وطهارة الثوب بالنسبة إلى الصلوة. واما اقسام المقدمة المتأخرة. فالمتأخرة عن الحكم التكليفى كما إذا ورد ان سافر زيد فأكرمه قبل ذلك بيوم، فسفره في الغد مقدمة لوجوب اكرام اليوم، وكذا سببية يوم الجمعة لاستحباب غسلها في يوم الخميس لمن لم يتمكن منه يومها، وسببية يوم الفطر لوجوب الفطرة من اول شهر رمضان على القول به. والمتأخرة عن الحكم الوضعي كاجازه المالك في عقد الفضولي عن القول بالكشف، فان الملكية الموجودة حال العقد تتوقف على الاجازة المتأخرة بناء على ذلك القول. والمتأخرة عن المأمور به كالاغسال الليلية للمستحاضة بالاضافة إلى صوم يومها الماضي، فالصوم المتقدم يتوقف على الغسل المتأخر. الرابع: انقسامها إلى مقدمة الوجود ومقدمة الصحة ومقدمة الوجوب ومقدمة العلم اعني العلم بامتثال التكليف. فالاول: كالاجزاء والشرائط الركنية مما له دخل في تحقق مسمى المأمور به بالاضافة إلى المأمور به على القول بالاعم ومثل جميع الاجزاء والشرائط على القول بالصحيح فالركوع مثلا مقدمة وجودية للصلوة على الاعم والقرائة، وطهارة الثوب ايضا مقدمة وجودية لها على الصحيح. والثانية: كالجزء اللازم غيرالركنى مثل السورة والذكر في الصلوة فانه مقدمة للصحة لا للوجود بناء على الاعم إذ الوجود يتحقق بدونه ايضا. والثالثة: كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج فانها شرط لوجوبه لا لوجوده. والرابعة: كالعمل على طبق الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي، فإذا علم المكلف اجمالا بوجوب صلوة واحدة يوم الجمعة قبل صلوة العصر، وشك في انها الظهر

[ 258 ]

أو الجمعة فهو إذا أتى بالظهر مثلا وفرضنا ان الواجب واقعا في حقه هو الظهر، فحينئذ وان حصل به الامتثال واقعا لكنه لم يحصل له العلم بذلك فإذا اتى بالجمعة يحصل له العلم بالامتثال فيكون اتيان المحتملات مقدمة للعلم بامتثال التكليف لا لنفس الامتثال والعلم بالامتثال واجب عقلا كنفس الامتثال فتكون مقدمته كذلك. الخامس: انقسامها إلى الموصلة وغير الموصلة. بيانه: ان القائلين بوجوب المقدمة وكونها واجبة بوجوب غيرى مترشح من الوجوب النفسي اختلفوا في اطلاق تعلق الوجوب بها واطلاق انصافها بصفة الوجوب أو تقيدهما بقيد على اقوال: الاول: كون وجوبها الغيرى مشروطا بقصد اتيان ذى المقدمة، فإذا قصد المكلف الاتيان بالصلوة مثلا صارت مقدماتها واجبة والافلا، فقصد الاتيان بذي المقدمة بالنسبة إلى وجوب المقدمة من قبيل الاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج، فعلى هذا يكون وجوب الصلوة بعد دخول الوقت مطلقا ووجوب مقدماتها مشروطا بارادة الصلوة وهذا نوع من القول بالمقدمة الموصلة ومعناه ان المقدمة ان قصد بها الوصول إلى ذى المقدمة تعلق بها الوجوب والا فلا، وهذا مختار صاحب المعالم (قده). الثاني: ان الوجوب المتعلق بها وان كان مطلقا الا ان اتصافها بصفة الوجوب مشروط بقصد الوصول إلى ذيها، وعليه إذا دخل الوقت لصلوة الظهر مثلا ; فكما يتعلق الوجوب النفسي بالصلوة يتعلق الوجوب الغيرى ايضا بمقدماتها من غسل الثوب والوضوء ونحوهما، الا انه متعلق بالمقدمة المقصود بها التوصل لا بغيرها، والفرق بينه وبين سابقه ان قصد الوصول كان هناك شرطا للوجوب فقبل تحقق القصد لا وجوب اصلا وهو هنا شرط للواجب والمقدمة الموصلة وغير الموصلة بهذا المعنى نظير المقدمة المحللة والمحرمة ; فكما ان الوجوب الغيرى لا يتعلق الا بالمحللة دون المحرمة فكذا لا يتعلق هنا الا بالمقصود بها التوصل دون غيرها وهذا مختار الشيخ (ره). وتظهر الثمرة بينهما فيما إذا نذر الشخص بانه متى توجه إليه وجوب غيرى تصدق بدرهم، فإذا دخل وقت الصلوة في المثال ولم يقصد اتيانها لم يتوجه إليه وجوب غيرى اصلا فلا يجب التصدق على قول صاحب المعالم (ره)، وتوجه إليه ذلك ووجب التصدق

[ 259 ]

على مختار الشيخ (ره). الثالث: القول باطلاق الوجوب الغيرى كسابقه الا ان اتصاف المقدمة بالوجوب مشروط بترتب ذى المقدمة عليها وتحققه بعدها، سواء قصد الوصول إليه ام لا وسواء كان تحققه بعدها اتفاقيا اولاجل كون هذه المقدمة علة تامة لحصوله ; والشرط هنا ايضا من قبيل شرط الواجب لا شرط الوجوب الا ان الشرط في سابقه كان قصد الوصول وهنا نفسه، فإذا اتى الشخص بالمقدمة مع عدم قصده الاتيان بالواجب كأن غسل ثوبه النجس لا لغرض اتيان الصلوة ثم بداله في فعلها واتى بها اتصف الغسل بالوجوب الغيرى بناء على هذا الوجه ولم يتصف به على الوجه السابق وهذا مختار صاحب الفصول (ره). الرابع: اطلاق الوجوب ايضا الا انه مترتب على خصوص المقدمة المستلزمة لوجود ذى المقدمة والعلة التامة له، فيختص الوجوب بالعلة التامة من بين المقدمات، ففى الافعال الاختيارية لا يتصف بالوجوب من مقدماتها الا ارادة المكلف ان قلنا بصحة تعلق الوجوب بها إذ هي العلة التامة للفعل دون غيرها ; وفى الافعال التوليدية كالقتل بالتسبيب مثلا تتصف به المقدمة الاخيرة كرمى السهم والالقاء في النار والماء، وهذا هو المعنى الرابع للمقدمة الموصلة وهو الذى اورده صاحب الكفاية على الفصول بانه يلزمه القول بوجوب ذلك.

[ 260 ]

الموافقة والمخالفة يلاحظ كل واحد من العنوانين في الاصطلاح منسوبا إلى تكاليف الآمر ومضافا إليها فالمراد بها ههنا موافقة الاحكام الشرعية ومخالفتها. ثم ان كلا منهما اما ان يلاحظ في العمل اعني فعل الجوارح أو في الالتزام اعني فعل القلب والجوانح، ويسمى الاول بالموافقة والمخالفة العمليتين والثانى بالموافقة والمخالفة الالتزاميتين، وعلى التقادير اما ان تكون قطعية أو احتمالية فالاقسام ثمانية فإذا اعتقد المكلف بوجوب دفن ميت مثلا فتركه وذهب بسبيله فهو مخالفة عملية قطعية، وإذا لم يعتقده قلبا لكنه دفنه خوفا منه أو كراهة لرائحته فهو مخالفة قطعية التزامية، وإذا لم يعتقد ولم يدفن مع قيام الدليل على وجوب دفنه فهما مخالفتان قطعيتان عملية والتزامية، ولو اعتقد بعد حصول العلم الاجمالي بوجوب الظهر والجمعة وجوب احديهما فاتى بها ولم يعتقد وجوب الاخرى فتركها حصلت الموافقة الاحتمالية العملية والالتزامية بالنسبة إلى ما اتى بها والمخالفة الاحتمالية كذلك بالنسبة إلى الاخرى. تنبيهات: الاول: لا اشكال ولا خلاف في حرمة المخالفة العملية للاحكام الفرعية

[ 261 ]

واستحقاق العقوبة عليها عقلا وهو واضح، كما انه لا اشكال في حرمة المخالفة الالتزامية للاحكام الاصولية الاعتقادية، فإذا وجب عقد القلب على كون المعاد والمعراج جسمانيين كان ترك الاعتقاد بهما مخالفة التزامية وعصيانا ; واما حرمة المخالفة الالتزامية ووجوب موافقتها بالنسبة إلى الاحكام الفرعية ففيه خلاف واشكال، والمشهور عدمها إذ لا يستفاد من قوله ادفن الميت مثلا الا وجوب الدفن خارجا وحرمة تركه عملا لا لزوم الاعتقاد بوجوبه قلبا مضافا إلى العمل خارجا، فلو دفن الميت لم يكن مستحقا للعقاب ولو لم يعتقد قلبا بل فعله اقتراحا، كما انه لو تركه لم يستحق العقاب الا على تركه عملا اللهم الا ان تستلزم المخالفة الالتزامية المخالفة العملية كما في العبادات. وبعبارة اخرى لا يخلو حال المكلف عن احد امور اربعة: العمل خارجا والالتزام قلبا وترك العمل والالتزام معا وفعل الاول وترك الثاني وعكسه، فعلى القول بوجوب الالتزام مضافا إلى العمل يلزم استحقاقه لثوابين في الاول ولقعابين في الثاني ولثواب وعقاب في الثالث والرابع ; وهذا خلاف عمل العقلاء وبنائهم في التكليف الواحد فيرون المكلف مستحقا لثواب واحد في الاول والثالث ولعقاب واحد في الثاني والرابع، فنعلم حينئذ ان الملاك في الثواب والعقاب هو العمل لا الاعتقاد. الثاني: المراد من الالتزام المذكور هو البناء الباطني والعقد القلبى وفى اتحاد هذا المعنى مع العلم أو مغايرته له اقوال: احدها: مغايرته له بمعنى كونه قلبيا اختياريا يجتمع مع العلم بالمعتقد والشك فيه ويمكن تركه ولو مع وجود اليقين، فالشك في وجوب الجمعة مثلا امر وعقد القلب عليه امر آخر، والاول قهرى الحصول والزوال غالبا والثانى اختياري دائما، وكذا اليقين بوجوبها امرو الالتزام به وعدم الالتزام امر آخر، فبينهما تباين ذاتا وعموم من وجه تحققا. ثانيها: انه عين العلم بالحكم ولا نتعقل معنى للالتزام الباطني وعقد القلب على الوجوب مثلا سوى العلم به. ثالثها: انه وان كان غير العلم الا انه لا يتحقق الا في مورد العلم دون الشك

[ 262 ]

والظن فإذا علم بشئ امكن عقد القلب عليه. الثالث: لا اشكال في امكان الموافقة العملية القطعية ومخالفتها في غالب موارد العلم بالتكليف وقد يوجد مورد لا يمكن فيه الموافقة العملية القطعية ولا المخالفة كذلك، وهو مورد دوران الامر بين وجوب فعل وحرمته، فإذا علم المكلف اجمالا بان دفن الميت المنافق اما واجب واما حرام. فلا يعقل ان يعمل عملا تحصل به الموافقة القطعية أو المخالفة القطعية بل هو اما ان يفعل أو أن يترك وعلى كل منهما يحصل احتمال الموافقة والمخالفة. واما الموافقة والمخالفة الالتزاميتان فهما ممكنتان حتى في مورد الدوران بين المحذورين ايضا ففى مثال الدفن يلتزم قلبا بما هو حكم الله في الواقع إذ لا يشترط في الالتزام بحكم العلم بذلك تفصيلا فتكفى الموافقة اجمالا. ولو قلنا باشتراط ذلك وان الواجب هو الالتزام بحكم معلوم بالتفصيل، فهنا لا يخلو امر المكلف من احد امور ثلاثة: عدم الالتزام بشئ منهما والالتزام باحدهما والالتزام بكليهما، والصواب هو الاول، إذ على الثاني لو التزم بالوجوب مثلا احتمل ان يكون ما التزم به هو الواقع فيكون التزامه واجبا أو هو ضد الواقع فيكون حراما فالتزامه دائر بين الواجب والحرام ولا ترجيح في البين، وعلى الثالث كما انه يعلم بالالتزام بالواقع يعلم بالالتزام بضده ايضا وهو ايضا باطل فانحصر الامر في الاول.

[ 263 ]

الموضوع وقد يقابله المتعلق يطلق هذه الكلمة في علم الاصول في موارد: منها: في مقام بيان موضوع علم الاصول فتستعمل هناك ويراد منها موضوع العلم وحري بنا ان لتعرض هنا لبيان كلى الموضوع اولا ولبيان موضوع علم الاصول ومسائله ثانيا فنقول: اما الاول: فهو الذى يبحث في العلم عن الاوصاف العارضة له حقيقة، كالصحة والمرض للانسان، والرفع والنصب للكلمة، وهى التى تسمى بالعوارض الذاتية في مقابل ما ينسب إليه عناية ومجازا كالسرعة المنسوبة إلى الطائر ; فانها عارضة لحركته لا لنفسه وهوا المسمى بالعرض الغريب كما سيأتي في عنوان الواسطة. واما الثاني: فقد قيل في موضوعه اقوال: احدها: انه ذوات الادلة الاربعة ; اعني الكتاب العزيز والسنة الصادرة عن المعصوم " عليهم السلام " والاجماع والعقل، مع قطع النظر عن كونها حجة ودليلا في الفقه، وعلى هذا فالبحث عن حجية تلك الامور بحث عن المسألة الاصولية ويكون من مسائل هذا العلم، نعم يخرج عنها عدة من مباحث الالفاظ، كبحث الصحيح والاعم والمشتق والامر والنهى وكذا الظن الانسدادى والظن الاستصحابى، بل البحث عن

[ 264 ]

حجية قول العدل والثقة ; إذ ليس البحث فيها عن اموال الادلة الاربعة. ثانيها: ان الموضوع هو الادلة الاربعة بعد الفراغ عن دليليتها فالموضوع ظاهر الكتاب الثابت حجيته والسنة المفروغ عن حجيتها ; وعليه يكون البحث عن حجية ظاهر الكتاب والسنة خارجا عن مسائل هذا العلم داخلا في مباديه، إذ البحث عن وجود الموضوع أو عن جزئه وقيده يكون من المبادى لا المسائل. ثالثها: ان الموضوع هو عنوان الدليل في الفقه أو عنوان ما يمكن ان يقع في طريق الاستنباط وهذا اعم من سابقيه، فيشمل قول العدل والظن الانسدادى والاستصحابى، ويكون البحث عن حجية الشئ في مقام الاستنباط وعدمها من مسائل هذا العلم، إذ البحث عن انطباق عنوان الموضوع على مورد أو عن فعلية ما له شأنية الحجة بحث عن حالاته. رابعها: ان الموضوع هو كلى موضوعات المسائل والقدر المشترك بينها ولا نعلمه باسمه وعنوانه. توضيح ذلك ان الغرض من هذا العلم معلوم وهو التمكن من استنباط الاحكام الفرعية، فإذا جمعنا قضايا متشتتة مختلفة الموضوع والمحمول بلحاظ دخالتها في ذلك الغرض، وسميناها بعلم الاصول، تعينت مسائل هذا العلم كتعين غرضه، (فح) إذا سئلنا عن موضوعه اشرنا إلى موضوعات تلك المسائل وقلنا ان الموضوع هو القدر الجامع بينها والكلى المنطبق عليها فسمه باى اسم شئت وهذا مختار صاحب الكفاية (ره). واما مسائله فهى القضايا المختلفة التى يبحث فيها عن احوال ادلة الفقه بناء على غير الاخير من الاقوال، كقولك ظاهر الكتاب حجة، أو هي كل مسألة لها دخل قريب في استنباط الحكم الشرعي الفرعي، وبعبارة اخرى كل مسألة تقع كبرى كلية لاستنتاج الحكم الشرعي بناء على القول الاخير كحجية قول العدل فإذا اثبتت حجيته قلت، وجوب الجمعة مما اخبر به العدل وكلما اخبر به العدل ثابت فالوجوب ثابت. ثم انه علم مما ذكرنا الغرض من هذا العلم وهو التمكن من الاستنباط. ومنها: ما وقع التعرض له في باب الاستصحاب في مقام بيان اشتراط بقاء

[ 265 ]

الموضوع في استصحاب الحكم، فقسموه إلى موضوع عقلي ودليلي وعرفي. بيان ذلك انهم اشترطوا في جواز اجراء استصحاب الحكم احراز بقاء الموضوع فيلزم في استصحاب كرية الماء احراز بقاء نفس الماء، ومع القطع بعدم البقاء أو الشك فيه لا يجوز اجراء استصحاب الكرية، ثم ان تشخيص موضوعات الاحكام وتمييز الاوصاف الدخيلة فيها عن غيرها يختلف باختلاف الانظار، اعني نظر العقل المبنى على الدقة، ونظر العرف بما يفهمون الموضوع من ظاهر الدليل، ونظرهم بعد ملاحظة القرائن والمناسبات المغروسة في اذهانهم لدى ترتب الاحكام على الموضوعات، ففى موارد الشك في بقاء الموضوع قد لا يكون باقيا بنظر العقل ولو من جهة انتفاء ما له دخل في موضوعيته، لكنه باق بنظر غيره، فإذا اخذ مقدار من ما كرثم شك في بقاء كريته لم يجر الاستصحاب بناء على الموضوع العقلي، فان الماء الباقي بنظره غير الماء السابق وجرى بناء على الموضوع العرفي فان الباقي هو السابق ذاتا وان حصل له تغيير في كميته ووصفه. وإذا ورد دليل على ان الماء المتغير باوصاف نجس العين نجس، وكان هناك ماء متغير فزال تغيره من قبل نفسه فشككنا في بقاء نجاسته، لم يكن الموضوع الدليلى باقيا، فان ظاهر الدليل بنظر العرف البدوى هو الماء المقيد بالتغير، والمقيد ينتفى بانتفاء قيده الا ان الموضوع العرفي باق في المثال فان اهل العرف يعدون الموضوع للنجاسة نفس الماء ويحسبون ان التغير من اوصاف الموضوع وله دخل في ترتب الحكم عليه لا انه قيد للموضوع ومعروض للنجاسة، فيجعلون ما هو قيد بحسب الدليل خارجا عن القيدية راجعا إلى حالاته، فيرون الموضوع باقيا فإذا حصل الشك في بقاء الحكم لاجل زوال ما يحتمل دخله فيه جرى الاستصحاب، فالموضوع باق بهذا النظر وان كان زائلا بالنظرين الاولين. ومنها: موارد يقع التعرض فيها لموضوعات الاحكام الشرعية ومتعلقاتها فيقع الكلام هنا لك في الفراق بين الموضوع والمتعلق. بيانه ان الافعال الصادرة عن المكلف على قسمين: قسم لازم لا يتعدى منه إلى غيره كالصلوة والصيام والركوع والقيام، وقسم يتعدى ويتعلق بامر آخر كالاكل

[ 266 ]

والشرب والتمليك والغصب فهنا امران: الفعل الصادر عن الفاعل والامر الخارجي المتعلق به الفعل كالطعام والماء والمال. (فح) نقول انه قد يطلق كل واحد من الموضوع والمتعلق على كل واحد من الفعل ومتعلقه فيقال ان الصلوة والشرب والخمر متعلقات أو موضوعات، وقد يطلق الموضوع على خصوص الافعال الصادرة على المكلف لازمة أو متعدية والمتعلق على الموضوع الخارجي، ويستعملان ثالثة على عكس ذلك كما انه قد يطلق المتعلق على نفس المكلف ايضا.

[ 267 ]

الناقل والمقرر والحاظر والمبيح الناقل والمقرر في اصطلاح الاصوليين وصفان للخبرين المتعارضين أو لمطلق الدليلين كذلك فيما كان احدهما موافقا للاصل الجارى في موردهما والاخر مخالفا له، فيطلق على الدليل المخالف للاصل اسم الناقل لاقتضائه نقل المكلف عن مقتضى الاصل إلى التكليف المخالف له، وعلى الموافق اسم المقرر لتقريره المكلف وتثبيته على طبق الاصل، سواء اكان تعارضهما في اثبات الوجوب أو في اثبات الحرمة، فإذا اخبر احد العدلين بوجوب الجمعة والاخر بعدم وجوبها أو اخبر احدهما بحرمة شرب العصير والاخر بعدمها اطلق على الخبر المفيد للوجوب أو الحرمة الناقل وعلى مقابلهما المقرر. واما الحاظر والمبيح فهما ايضا وصفان للدليلين المتعارضين فيما كان مورد تعارضهما الحرمة والاباحة فيطلق على الخبر المخالف لاصالة الاباحة اسم الحاظر لكونه مانعا عن الفعل والحظر المنع، وعلى الموافق لها اسم المبيح لموافقة مضمونه لاصالة الاباحة فموردهما اخص من مورد العنوانين الاولين ; فعلم ان بين عنواني الناقل والمقرر والحاضر والمبيح عموم مطلق.

[ 268 ]

النسخ هو في اللغة بمعنى الازالة وفى الاصطلاح ارتفاع الحكم الكلى المجعول للامة في الشرعية عن موضوعه الكلى لاجل تمام امده وانتفاء الملاك في جعله. فخرج بقيد الكلى ارتفاع الحكم الجزئي، سواء اكان بانتهاء امده أو بانعدام موضوعه. فارتفاع وجوب الصوم عن المكلف بعد دخول الليل أو حرمة الاصطياد للمحرم بعد الاحلال لاجل انتهاء الامد ليس بنسخ. كما ان ارتفاع وجوب اكرام زيد بموته أو حرمة الشرب من اناء معين باراقته لانعدام الموضوع ليس بنسخ. وخرج بقيد المجعول للامة ارتفاع الحكم الكلى عن موضوعه بالنسبة إلى شخص خاص فارتفاع الاحكام الكلية عن زيد مثلا بسبب عروض جنون أو موت لا يسمى نسخا. والتقييد بكون الارتفاع بانتهاء الامد والملاك لبيان ان النسخ ليس رفعا في الحقيقة، بل هو في مقام الثبوت دفع للحكم وانقضاء لاقتضائه بيانه انه قد يكن مقتضى المصلحة جعل الحكم على الموضوع محدودا بحد وموقتا بوقت، فيريد الشارع الجاعل للحكم العالم بالملاك انشاء الحكم الموقت، الا انه قد ينشأه مطلقا غير محدود

[ 269 ]

في مقام الانشاء مع قصده ابلاغ حد الحكم ووقته في مقام آخر. أو عند انتهاء امد الحكم، فيكون (ح) مقتضى ظاهر الدليل دوامه واستمراره ; فالحكم (ح) موقت في مرحلة الثبوت مستمر دائم في مرحلة الاثبات. فإذا ورد دليل النسخ كان ذلك كاشفا عن انتهاء امد الحكم بتمام مقتضيه وملاكه فيحسب ذلك دفعا للحكم بالنظر إلى الواقع ورفعا بالنظر إلى الظاهر، ومن هنا قيل ان النسخ دفع ثبوتى ورفع اثباتي. تنبيهان: احدهما: في امكان النسخ والاخر في وقوعه: اما الاول: فقد ادعى استحالته في الاحكام الصادرة عن الحكيم، بتوهم انه إذا انشأ حكما كليا ثم انشأ نسخه بعد مدة ; فان كان لذلك الحكم ملاك ومصلحة في جعله، كان نسخه باطلا قبيحا، وان لم يكن مصلحة في جعله كان انشائه من اصله لغوا باطلا، فالنسخ من الحكيم يستلزم دائما احد المحذورين اما خلاف الحكمة في الجعل واما في النسخ. وجوابه: ان جعل الحكم ثم نسخه بعد مدة يتصور على قسمين: اولهما: ان لا تكون هناك مصلحة في جعل الحكم اصلا، أو كانت في جعله موقتا محدودا، فاعتقد الجاعل وجود ملاك دائم فانشأ حكما مستمرا، ثم ظهر له خطائه في اعتقاده فنسخه. أو كانت المصلحة في جعله دائما مستمرا فاعتقد كونه موقتا فنسخه بعد مدة زعما منه تمام امد الحكم وهذا القسم هو الذى يلزم منه لغوية الجعل تارة والنسخ اخرى ولا يتصور هذا في الشارع المحيط بجميع الاشياء علما والعالم بملاكات الامور سعة وضيقا. ثانيهما: ان تكون المصلحة في جعل الحكم موقتا محدودا فقصد الجاعل انشاء حكم كذلك، الا انه انشأه بكلام مطلق من حيث الزمان ظاهر في الاستمرار والدوام،

[ 270 ]

اما لوجود مانع عن التقييد اثباتا أو لمصلحة في تأخير بيان الامد، إذ لا يجب عقلا بيان امد كل حكم عند جعله وتشريعه فالحكم في الفرض موقت ثبوتا ظاهر في الدوام اثباتا، فيكون نسخه دفعا ثبوتيا ورفعا اثباتيا ; وهذا القسم لا يقبح من الحكيم تعالى بل قد يحسن ويجب وما يدعى وقوعه في الشريعة من هذا القسم فلا محذور. الثاني: لا اشكال في وقوع النسخ بالنسبة إلى اصل شريعة ودين فكلما كانت تحدث شريعة في الازمنة السابقة كانت تنسخ الشريعة التى قبلها بمعنى رفع عدة من احكامها لا رفع جميعها، ولذا قيل ان النسخ رفع المجموع لا رفع الجميع. واما نسخ بعض الاحكام في شريعة مع بقاء اصلها فقد ادعى وقوعه في شرعنا وعد لذلك موارد لا يسلم اغلبها من الخدشة والمسلم من ذلك قوله تعالى: " يا ايها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجويكم صدقة ذلك خير لكم واطهر فان لم تجدوا فان الله غفور رحيم " فانها نسخت بقوله تعالى في الاية اللاحقة لها: " ءاشفقتم ان تقدموا بين يدى نجويكم صدقات فاذلم تفعلوا وتاب الله عليكم فاقيموا الصلوة الخ ". بيانه ان الله تعالى اوجب على كل من اراد التكلم والنجوى مع النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله " ان يتصدق قبل ذلك شيئا على الفقراء، فلما ظهر اشفاق الناس من ذلك وتركوا النجوى واخذ الاحكام بخلا بالمال نسخ الحكم وتاب على المشفقين فالاية الاولى منسوخة والثانية ناسخة لها وروى الصدوق عن على " عليه السلام " انه قال في عداد مناقبه واما الرابعة والعشرون فان الله انزل على رسوله: " يا ايها الذين آمنوا.. " فكان لى دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله " صلى الله عليه وآله " اتصدق قبل ذلك بدرهم والله ما فعل هذا احد غيرى من اصحابه قبلى ولا بعدى فانزل الله: " ءاشفقتم الخ. "

[ 271 ]

النهى المشهور بين الاصوليين ان النهى عبارة عن الطلب الانشائى المتعلق بترك الشئ وعدمه، فهو يتحد مع الامر في الحقيقة النوعية اعني كونه الطلب الانشائى ويفترق عنه في المتعلق، فان متعلق الطلب في الامر هو وجود الشئ ومتعلقه في النهى هو عدمه. فمعنى لا تشرب الخمر ولا تكذب في القول اطلب عدم الشرب وترك الكذب وعند بعض المحققين هو عبارة عن الزجر الانشائى المتعلق بوجود الفعل، فعلى هذا يختلف النهى مع الامر بحسب الحقيقة والماهية إذا لامر هو البعث الانشائى نحو وجود الشئ في مقابل البعث التكويني، والنهى هو الزجر الانشائى عن الوجود في مقابل الزجر التكويني، ويتحدان في المتعلق فان المتعلق في كليهما هو الوجود. ثم ان في بيان حدود ماهيته وتعيين متعلقه على كلا القولين اختلافا من جهات: الاولى: انه هل هو عبارة عن مطلق الطلب أو الزجر فيشمل الكراهة، أو هو عبارة عن الطلب أو الزجر الاكيدين فلا يشمل الكراهة. الثانية: هل يشترط في حقيقته صدوره عن خصوص العالي أو عن خصوص المستعلى أو صدوره عن احدهما أو لا يشترط شئ منها فيه خلاف واقوال مضت في باب الامر.

[ 272 ]

الثالثة: بناء على كون حقيقته هو الطلب، فهل يكون متعلقه مجرد ترك الشئ نحو أو هو كف النفس عن الشئ فعلى الاول يكون معنى لا تشرب الخمر اطلب عدم تحقق شرب الخمر، وعلى الثاني يكون المعنى اطلب كف النفس عن شربها، وحينئذ لو كف المكلف نفسه على شربها وتركها عن اشتياق إلى الشرب تحقق الامتثال على كلا القولين واستحق المثوبة ولو تركها مع عدم الميل إليها لم يتحقق الامتثال واستحقاق المثوبة على الثاني إذ كف النفس عن الشئ فرع ميلها واشتياقها إليه، ويتحقق على الاول.

[ 273 ]

النهى عن الشئ يقتضى الفساد ام لا ؟ وقع البحث بين الاصوليين في ان تعلق النهى بشئ هل يقتضى فساده ام لا. وليعلم اولا ان مورد الكلام هي الافعال القابلة لان تتصف بالصحة بمعنى كونها تامة واجدة للاثار المطلوبة منها، وان تتصف بالفساد بمعنى كونها ناقصة فاقدة لتلك الاثار، وذلك كالغسل والصلوة وسائر العبادات وصيغ العقود والايقاعات وكالاصطياد والذبح ونحوهما من الموضوعات، فان لها افرادا جامعة لما له دخل في كما لها فيترتب عليها الآثار المطلوبة منها، وافرادا فاقدة للكمال والآثار. (وح) نقول إذا تعلق نهى تحريمي بفعل من تلك الافعال فيقع الكلام تارة في انه هل يحكم العقل بالملازمة بين المبغوضية والفساد فيحكم بفساد المنهى عنه وعدم ترتب الاثار على متعلقه ام لا فالمسألة (ح) عقلية، واخرى في انه هل يدل لفظ النهى على عدم ترتب الاثار على متعلقه ام لا فالمسألة (ح) لفظية. واخصر البيان في تحرير المسألة ان نقول ان كان متعلق النهى عبادة كالصلوة المزاحمة للازالة والنافلة الواقعة في وقت الفريضة مثلا. فالاظهر القول بالبطلان وعدم الاثر عقلا لكن لا من جهة دلالة اللفظ، وذلك لحكم العقل بعدم اجتماع المبغوضية المستفادة من النهى مع المقربية التى هي قوام العبادة واذ لا صحة فلا يترتب اثرها من

[ 274 ]

سقوط التكليف واستحقاق الاجر عليها وكونها وفاء للنذر ونحوها من الاثار، هذا ان كان متعلق النهى عبادة. وان كان غير عبادة فلا وجه للحكم بالفساد (ح) لعدم دلالة النهى الاعلى مبغوضية الفعل وعدم وجود الملازمة بين المبغوضية وعدم ترتب الاثار عقلا. فلو غسل ثوبه النجس بالماء المغصوب أو ذبح الحيوان المغصوب أو باع ما له وقت البداء أو اصطاد ما نذر عدم صيده لم تقع تلك الامور فاسدة وان وقعت محرمة وفى المسألة اقوال اغمضنا عن ذكرها روما للاختصار. وهنا فرعان: الاول: انه لا مجرى لهذا النزاع في الافعال التى لا تتصف بالصحة والفساد بل تتصف بالوجود والعدم فهى قد توجد وقد لا توجد كمسببات العقود والايقاعات فإذا حرم الشارع نقل مال أو عتق عبد فباع المكلف واعتق يحكم بحصول النقل والعتق وتحقق العصيان ولا معنى للنزاع في الصحة والبطلان فيهما. الثاني: ان محل البحث في المسألة هو النهى المولوي تحريميا كان أو تنزيهيا واما النهى الارشادي اعني الذى سيق لهداية المكلف إلى فساد العمل وبطلانه فلا كلام في دلالته على الفساد كما انه قد ادعى ظهور النواهي المتعلقة بتلك الاعمال في كونها ارشادا إلى البطلان، وذلك كما إذا ورد النهى عن الصلوة في ايام الحيض أو في الثوب النجس أو مستدبر القبلة مثلا أو ورد النهى عن غسل الثوب بالماء المضاف أو عن ذبح الحيوان بغير ذكر اسم الله تعالى عليه أو بغير الالة الحديدية ونحو ذلك.

[ 275 ]

الواجب هو كل فعل أو ترك تعلق به البعث الاكيد وقسموه بتقسيمات: الاول: تقسيمه إلى الموقت وغير الموقت والموقت إلى الموسع والمضيق. ومنشأ التقسيم هو ان الزمان وان كان لابد منه في فعل المكلف عقلا إذ هو زماني لا يوجد الا فيه، الا انه قد لا يكون له دخل في الفعل شرعا وقد يكون له دخل فيه ; وعلى الثاني قد يكون الزمان الدخيل فيه اوسع منه وقد يكون بمقداره. فالاول: يسمى واجبا غير موقت كالصدق في الكلام وترك شرب الخمر. والثانى: يسمى واجبا موسعا كالصلوة الواجبة لدلوك الشمس إلى غسق الليل. والثالث: يسمى واجبا مضيقا كالصوم الواجب بين الطلوع الاول والغروب. والثانى: تقسيمه إلى العينى والكفائي. فالاول: هو الفعل المطلوب من شخص خاص. والثانى: هو الفعل المطلوب من طبيعي صنف معين أو نوع خاص، وحينئذ فان كان المأتى به فردا واحدا من طبيعة العمل فلا اشكال سواء اتى به فرد واحد من المكلفين أو اكثر كغسل الميت إذا اوجده شخص أو اشترك فيه اشخاص، وكذا لو كان المأتى به فردين أو افرادا إذا اتى بها دفعة واحدة سواء كان الآتى شخصا أو

[ 276 ]

اشخاصا، كالاعتاق الواجب كفاية فاعتق شخص واحد عبيدا متعددين دفعة واحدة وكصلوة الميت المأتى بها جماعة، واما لو كان المأتى به فردين أو افرادا واتى بها تدريجا كما لو غسل الميت ثانيا وثالثا سواء غسله الغاسل الاول أو شخص آخر ففيه خلاف واشكال من جهة عدم تعقل الامتثال بعد الامتثال. الثالث: تقسيمه إلى المعلق والمنجز. اما المعلق: فهو الفعل الذى تعلق به الوجوب فعلا ويتوقف حصوله على امر غير مقدور زمانا كان أو غيره، أو على امر مقدور لم يترشح عليله الوجوب ويعبر عنه بانه ما كان الوجوب فيه فعليا والواجب استقباليا مثلا إذا استطاع المكلف الحج في شهر شوال وتوجه إليه الخطاب بالحج فيقال ان الحج في حقه واجب معلق لعدم مجئ وقته وتوقفه على الزمان الذى لا يقدر المكلف على انجازه، ولو فرضنا ان المولى اوجب بالوجوب الفعلى اكرام زيد عند مجيئه مع عدم قدرة المكلف على تحصيل مجيئه فهذا معلق على امر غير مقدور غير الزمان وإذا اوجب اكرامه وقال اكرم زيدا عند شرائك الدار مع عدم ايجابه شراء الدار بل لو اتفق له الشراء بميله وطيب نفسه فهذا معلق على مقدور لم يترشح عليه الوجوب. واما المنجر فهو العمل الواجب مع عدم توقفه على امر غير مقدور كالصلوة بعد دخول وقتها. الرابع: تقسيمه إلى التوصلى والتعبدي. فالاول: ما كان الغرض منه يحصل بمجرد حصوله في الخارج سواء اتى به المكلف بداعي امر المولى أو بد واع آخر، كغسل الثوب مثلافانه يطهر ويحصل الغرض منه باى قصد غسله ; الا انه إذا غسله بداعي الامر والتقرب حصل عنوان الاطاعة واستحق عليه المثوبة والا فلا اطاعة ولا مثوبة. والثانى: هو الفعل الذى لا تترتب عليه المصلحة ولا يحصل غرض الآمر الا باتيانه قريبا، وذلك كالصلوة والصيام وساير العبادات. ثم ان الاتيان القربى الذى به يكون العمل عباديا ويسمى بالتعبدى على انحاء: الاول: الاتيان به بقصد الامر.

[ 277 ]

الثاني: الاتيان به بقصد ان يتقرب من الآمر. الثالث: الاتيان به لكون الفعل حسنا ذاتا. الرابع: الاتيان به لكونه ذا مصلحة. الخامس: الاتيان به لمجرد كون الآمر مستحقا لان يطاع وجديرا بان يعبد. السادس: الاتيان به رجاء ثوابه وطمعا في اخذ شئ منه تعالى. السابع: الاتيان به خوفا من عذابه تعالى وفرارا عن عقابه. الثامن: الاتيان به لكونه شكرا لنعمه تعالى. وهل يكفى في مقام الامتثال كل واحد من تلك القصود لكن تختلف مراتب الثواب باختلافها، أو ان بعضها غير كاف في تحقيق العبادة وجهان مقرران في الفقه فراجع.

[ 278 ]

الواسطة في العروض والثبوت والاثبات إذا فرضنا عروض عارض على شئ اعني صحة حمله عليه فاما ان لا يكون هنا واسطة في البين فهو واضح ; كعروض الناطق للحيوان والحيوان للناطق، واما ان يكون في البين واسطة فيتحقق حينئذ امور ثلاثة: الواسطة والعارض والمعروض ويطلق عليه ذوالواسطة ايضا. ثم انهم قسموا الواسطة بين العارض والمعروض إلى اقسام ثلثة: الاول: الواسطة في العروض، وهى ما كان العارض حقيقة عارضا لنفس الواسطة ويكون نسبته إلى المعروض بالعرض والمجاز، كوساطة الحركة لعروض السرعة على الجسم في قولك الفرس سريع مثلا، فالسرعة عارض والفرس معروض والحركة واسطة في العروض مجازا ومعروض حقيقة. الثاني: الواسطة في الثبوت، وهى علة ثبوت العارض لمعروضه خارجا بحيث يكون اتصاف المعروض بذلك العارض حقيقيا سواء كانت الواسطة ايضا متصفة به ام لا، فالاول كوساطة النار لعروض الحرارة على الماء، والثانى كوساطة الحركة لعروض الحرارة على الجسم والتعجب لعروض الضحك على الانسان. الثالث: الواسطة في الاثبات، وهى ما كان علة للعلم بثبوت العارض لمعروضه

[ 279 ]

سواء كانت في الخارج ايضا علة أو كانت معلولا أو كانت ملازما. والاول: كقولك الصلوة ذات مصلحة ملزمة وكل ما فيه مصلحة ملزمة فهو واجب فالصلوة واجبة فيما إذا صار علمك بالمصلحة سببا للعلم بالوجوب. والثانى: كقولك الحج واجب وكل واجب له مصلحة ملزمة فالحج له مصلحة ملزمة فيما إذا صار علمك بالوجوب طريقا إلى علمك بالصلاح. والثالث: كقولك الصلوة تنهى عن الفحشاء وكل ما ينهى عن الفحشاء فهو معراج المؤمن فهى معراج بناء على تلازمهما، ومن هنا قيل ان الواسطة ان كانت علة في العين والذهن فهى واسطة في الثبوت وان كانت علة في الذهن فهى واسطة في الاثبات وهذا يكون في وسائط القياس. ثم ان النسبة بين الواسطة في العروض والثبوت هي التباين ; فلاشئ من وسائط العروض واسطة في الثبوت ولا شئ من وسائط الثبوت واسطة في العروض، إذ لا يعقل ان يكون شئ معروضا لعرض وعلة لثبوت نفس ذلك العرض لمعروض آخر، والنسبة بين الواسطة في العروض والاثبات عموم مطلق فكل واسطة في العروض يكون العلم بها علة للعلم بالاتصاف المجازى ولا عكس، فتقول هذا الفرس ذو حركة سريعة وكل ما كان كذلك فهو سريع فالفرس سريع. والنسبة بين الواسطة في الثبوت والاثبات ايضا كذلك فكل واسطة في الثبوت واسطة في الاثبات ايضا ولا عكس، ففى قولك العالم متغير وكل متغير حادث، المتغير واسطة في الثبوت والاثبات، وفى قولك الصلوة واجبة وكل واجب فيه مصلحة ملزمة، الوجوب واسطة في الاثبات وليس واسطة في الثبوت. ثم ان الاحتياج إلى بيان الوسائط في هذا العلم يقع في موارد: منها بيان ان مسائل هذا العلم من قبيل الامور العارضة لموضوعه مع الوساطة في الثبوت أو الاثبات، فان الحجية مثلا عارض وخبر العدل معروض والمصلحة الداعية إلى جعل الحجية له واسطة في الثبوت وما دل على ذلك من الكتاب والسنة واسطة في الاثبات، وكذلك يقال في علم الفقه فالوجوب عارض وصلوة الجمعة مثلا معروض ومصلحة الفعل واسطة في الثبوت والدليل الدال على الوجوب واسطة في الاثبات وهكذا.

[ 280 ]

الوجوب هو احد الاحكام الخمسة التكليفية، وحقيقته اما الارادة الاكيدة الحاصلة في نفس الآمر المتعلقة بفعل المأمور، أو هو امر انتزاعي ينتزع لدى العرف عن انشاء الطلب بواسطة لفظ أو غير لفظ مع عدم قرينة على الترخيص في الترك، واختار الوجه الاول فريق من العلماء والوجه الثاني فريق آخرون. ثم انه له عند اهل الفن تقسيمات: الاول: تقسيمه إلى الوجوب المطلق والمشروط. فالمطلق هو البعث الاكيد غير المقيد بامر وجودي أو عدمي، والمشروط هو البعث الاكيد المقيد بقيد بحيث لو لم يوجد القيد لم يوجد البعث. واللازم في الحكم بالاطلاق والتقييد هو ملاحظة امر معين وقياس الوجوب إليه ثم الحكم بانه مطلق أو مقيد، فكل امر لم يكن البعث منوطا به كان الوجوب بالنسبة إليه مطلقا، وكلما كان منوطا به كان بالقياس إليه مقيدا، فالاطلاق والتقييد امران اضافيان فترى ان كل تكليف اكيد بالنسبة إلى الشرائط العامة اعني البلوغ والعقل والقدرة والالتفات مقيد، وبالنسبة إلى امور اخر قد يكون مطلقا وقد يكون مقيدا. مثلا وجوب الصلوة اليومية بالنسبة إلى الوقت مشروط، فما لم يدخل الوقت لم

[ 281 ]

يوجد الوجوب، وبالنسبة إلى الوضوء أو عدالة المصلى أو فسقه مثلامطلق ; ووجوب الحج بالنسبة إلى الاستطاعة مشروط وبالنسبة إلى كونه مجتهدا أو مقلدا أو كونه قريبا من مكة أو بعيدا غير مشروط. ومنه يظهر انه ليس لنا وجوب مطلق على الاطلاق بحيث لم يكن مشروطا بشئ اصلا، إذ لا اقل من اشتراطه بالشرائط العامة ولا مشروط على الاطلاق بحيث كان مشروطا بكل شئ، بل كل بعث مطلق ومشروط بالاضافة، فاطلاق قولهم الوجوب المطلق انما هو بالنسبة إلى غير الشرائط العامة. الثاني: تقسيمه إلى الوجوب النفسي والوجوب الغيرى. فالنفسى: هو الوجوب المتعلق بفعل بداع من الدواعى غير داعى ايصال المكلف إلى واجب آخر، كوجوب الصلوة والصوم ونحوهما. والغيري: هو الوجوب بداعي ايصاله المكلف إلى واجب آخر، كوجوب غسل الثوب والوضوء ونحوهما، وان شئت فعبر عن النفسي بانه الارادة المستقلة وعن الغيرى بانه الارادة المترشحة والطلب المتولد عن الطلب الاستقلالي لمقدمية متعلقه لمتعلق الاستقلالي. الثالث: تقسيمه إلى الوجوب الاصلى والوجوب التبعى. فالأصلي هو البعث الفعلى المستقل الناشئ عن توجه الآمر نحو المتعلق ولحاظه له على ما هو عليه. والتبعى هو البعث التقديرى التابع للبعث الاصلى بحيث لو التفت إلى متعلقه لاراده ارادة تبعية. مثلا إذا التفت الآمر إلى الصلوة وانها معراج المؤمن والى الغسل وانه مما يتوقف عليه الصلوة وبعث نحوهما، فالوجوب فيهما اصلى وان كان الاول نفسيا والثانى غيريا. واما إذا توجه نحو الصلوة وطلبها ولم يتوجه إلى الغسل ومقدميته لها فيقال ان وجوبها اصلى ووجوب الغسل تبعى. وقد يقال ان الاصلى هو الوجوب المقصود بالافهام من اللفظ، والتبعى ما لم يقصد افهامه منه وان فهمه السامع منه بمثل دلالة الاشارة.

[ 282 ]

ثم ان بيان النسبة بين كل من الاصلى والتبعى والنفسي والغيري هو ان الاصلى اعم من النفسي، فكل نفسي اصلى إذا النفسي لا يكون تقديريا تبعيا فان التبعية من شئون المقدمة ; وليس كل اصلى نفسيا لشموله للغيرى ايضا كما عرفت. واما الاصلى والغيري فبينهما عموم من وجه، فقد يكون الوجوب اصليا ولا يكون غيريا كالاصلى النفسي وقد يكون غيريا ولا يكون اصليا كالتبعى، وقد يكون اصليا وغيريا كما عرفت. الرابع: تقسيمه إلى الوجوب التعييني والتخيرى. فالتعيينى: هو وجوب فعل بخصوصه. والتخييري: هو وجوب فعلين أو الافعال على البدل، كما لو ورد ان افطرت فاعتق رقبة أو اطعم ستين مسكينا أو صم شهرين متتابعين، ويتصور التخييري على وجوه ذهب إلى كل منها فريق. الاول: انه سنخ من الوجوب يتعلق بازيد من فعل واحد بنحو الترديد، ويكون امتثاله باتيان بعض الابدال وعصيانه بترك الجميع. الثاني: انه الوجوب المتعلق بالجامع بينها وهو عنوان احد الاشياء القابل للانطباق على كل منها. الثالث: انه ابعاث ووجوبات تعيينية متكثرة بتثكر عدد الابدال، ويسقط الكل بامتثال البعض. الرابع: انه الوجوب المتعلق بمعين عند الله تعالى المردد عند المكلف بين الاشياء وايا منها اتى به المكلف ينكشف انه كان مطلوبا عند الله تعالى ; أو انه ان اتى بما وافق الواقع كان امتثالا وان اتى بما خالفه كان مسقطا وله تصورات آخر اقل نفعا مما ذكرنا.

[ 283 ]

وحدة المطلوب وتعدده إذا تعلق تكليف من ناحية المولى الزامي كالوجوب أو غير الزامي كالاستحباب بموضوع مقيد بقيد أو محدود بوقت، فقد يكون الحال في مقام الثبوت، ان للمولى غرضا واحدا مترتبا على الفعل المقيد والمحدود، بحيث إذا حصل المتعلق بقيده ووصفه كان محصلا لذلك الغرض، وان حصل بدون ذلك القيد كان مساوقا لعدم الحصول وغير محصل للغرض اصلا. وذلك نظير جواب السلام المقيد بالفورية العرفية، فهنا مصلحة واحدة مترتبة على الفعل المقيد تحصل بحصوله وتنعدم بانعدامه ولو كان ذات الفعل موجودا. ويسمى تعلق الحكم والغرض بالفعل بهذا النحو من التعلق بوحدة المطلوب. وقد يكون هنا غرضان وصلاحان يترتب احدهما على ذات الفعل والاخر عليه بقيده أو وقته، أو يكون هنا مصلحة اكيده تترتب بمرتبتها الكاملة على الفعل المقيد، وبمرتبتها غير الكاملة على ذات الفعل، بحيث يكون ما به التفاوت ايضا مصلحة ملزمة لا يرضى المولى بتركها، (فح) إذا حصل الفعل المقيد مع قيده حصل الغرضان أو الغرض الاكيد وإذا حصل بدون القيد تحقق احد الغرضين وفات الاخر أو فات المقدار اللازم، وذلك نظيراداء الدين الحال مع قدرة المدين ومطالبة الغريم، فانه إذا عصى المدين

[ 284 ]

واخر الاداء مدة من الزمان فات احد المطلوبين أو مقدار منه وبقى الباقي مرتبا على اصلا الاداء. ويسمى هذا النحو بتعدد المطلوب ثم ان الثمرة بين الوجهين تظهر في موارد: منها: ما إذا تعلق تكليف بفعل مقيد ثم تعذر القيد ; كما في الصلوة المتعذر بعض قيودها وشرائطها، فالصلوة الواجدة للقيود إذا فرض كون مطلوبيتها بنحو وحدة المطلوب يسقط وجوب ادائها ويتحرى الدليل لقضائها، وإذا فرض بنحو التعدد المطلوبى يسقط المعسور ويبقى الميسور. ومنها: ما إذا تعلق تكليف بفعل موقت ففات من المكلف اتيانه في الوقت عصيانا أو نسيانا كالصلوة الموقوتة بوقت، فعلى القول بوحدة المطلوب لا يجب القضاء الا لدليل خارجي، وعلى القول بالتعدد يجب. ومنها: ما إذا شك المكلف بعد مضى وقت الفعل الموقت في انه اتى به في الوقت ام لا، فيجرى استصحاب بقاء التكليف الثابت في الوقت بناء على التعدد إذ المورد من قبيل الشك في بقاء التكليف وسقوطه بالامتثال ولا يجرى بناء على الوحدة لعدم بقاء الموضوع المترتب عليه الحكم.

[ 285 ]

الورود هو في الاصطلاح عبارة عن ان يرد دليل ويصير سببا لانعدام موضوع دليل آخر حقيقة بحيث لو لا ورود هذا الدليل لكان المورد مشمولا لذاك ويسمى الاول واردا والذى انعدم موضوعه مورودا واليك امثلة منه. الاول: الامارات الشرعية بالقياس إلى الاصول العقلية، والدليل القطعي كالخبر المتواتر بالقياس إلى الاصول الشرعية ; فإذا فرضنا ان موضوع البرائة العقلية هو عدم البيان والدليل، وموضوع التخيير هو عدم المرجح، وموضوع الاحتياط هو احتمال العقاب الاخروي ; فمبجرد ورود دليل معتبر في موردها ينتفى وجدانا موضوعاتها، فينقلب عدم البيان إلى وجود البيان، وينتفى عدم الترجيح ويتحقق الترجيح ; ويرتفع احتمال العقاب فيحصل الا من منه، فيقال حينئذان الدليل واردا على تلك الاصول. وكذا القول في الاصول الشرعية، فان موضوع البرائة الشرعية والاستصحاب هو الشك في التكليف والشك في بقاء المتيقن، وكلاهما ينتفيان وجدانا بالدليل القطعي كالخبر المتواتر والمحفوف بالقرائن القطعية. الثاني: تقدم الاستصحاب على الاصول العقلية كالبرائة العقلية والتخيير والاحتياط، فإذا اجرينا استصحاب حرمة العصير مثلا فيما إذا ذهب ثلثاه بنفسه أو بالشمس يكون ذلك دليلا شرعيا على الحرمة وبيانا لها فينتفى بالوجدان عدم البيان

[ 286 ]

وكذا استصحاب وجوب الجمعة وعدم وجوب الظهر (فيما إذا علمنا اجمالا بوجوب احديهما) يكون دليلا شرعيا على جواز ترك الظهر، فينتفى احتمال العقاب على تركه بالوجدان. وكذا استصحاب بقاء الوجوب وعدم الحرمة في مورد علمنا اجمالا بان صلوة الجمعة اما واجبة واما محرمة مرجح شرعى لطرف احتمال الوجوب فينتفى عدم الترجيح. الثالث: تقدم الاستصحاب ايضا على الاصول الشرعية على قول بعض المحققين بتقريب ان موضوع البرائة الشرعية هو المشكوك حكمه من جميع الجهات، فالمراد من قوله " صلى الله عليه وآله ": " رفع عن امتى مالا يعلمون " رفع الفعل الذى لا يعلم حكمه من جميع الجهات، ومن قوله: " كل شئ لك مطلق " اطلاق ما هو مشكوك من جميع الجهات، فإذا جرينا استصحاب الحرمة في العصير المشكوك مثلا، يكون شربه معلوم الحرمة من جهة كونه متيقنا سابقا مشكوكا لاحقا فينعدم موضوع البرائة الشرعية بالوجدان وهو الورود. الرابع: تقدم الخاص على العام ورودا كما تقدم بيانه في آخر بحث الحكومة. تنبيه: الفرق بين الورود والتخصص هو انهما يشتركان في امر ويفترقان في آخر. اما ما به يشتركان فهو ان موضوع المورود والمتخصص ينتفيان بالوجدان بعد مجئ الوارد والمتخصص. واما ما به يفترقان فهو ان انعدام الموضوع في الورود بواسطة التعبد وورود الدليل ولولاه لكان المورد مشمولا للمورود، وفى التخصص خارج عنه بالوجدان لا بالتعبد على الخروج، وبذلك تعرف الفرق بين هذين العنوانين وبين التخصيص والحكومة، إذ في هذين ينعدم الموضوع وجدانا وفى التخصيص والحكومة موجود وجدانا والمعدوم هو الحكم ; فراجع معنى التخصيص والحكومة ليظهر الفرق بينهما وبين الورود وبينهما في انفسهما.

[ 287 ]

الوضع هو اصطلاحا ارتباط خاص حاصل بين اللفظ والمعنى بحيث إذا فهم الاول فهم الثاني وينقسم بتقسيمات: الاول: تقسيمه إلى الوضع التعييني والتعيني. فالاول: هو ان يكون حصول ذلك الربط والاختصاص بوضع الواضع وجعله، كان يقول وضعت هذا اللفظ بازاء هذا المعنى، والثانى ان يكون حصوله بكثرة استعمال اللفظ في معنى بحيث لا يحتاج الانفهام إلى قرينة. الثاني: تقسيمه إلى الوضع الخاص والموضوع له الخاص، والوضع العام والموضوع له العام ; والوضع العام والموضوع له الخاص، وتوصيف الوضع الذى هو من فعل الواضع بالعام والخاص توصيف مسامحي، فان المتصف بها حقيقة هو الملحوظ للواضع عند الوضع فالوضع العام معناه الوضع الذى كان الملحوظ عنده عاما. وبيان الاقسام انه إذا اراد الواضع وضع لفظ في قبال معنى فعليه ان يتصور اللفظ والمعنى كليهما. فحينئذ تارة يتصور معنى جزئيا ولفظا معينا، ويقول مثلا وضعت لفظ زيد بازاء هذا الرجل المعين، فيكون ما لاحظه في ذهنه خاصا وما وضع له اللفظ خاصا ايضا

[ 288 ]

فيقال ان الوضع والموضوع له كليهما خاصان. واخرى يتصور ولا يلاحظ معنى كليا عاما ولفظا مخصوصا، فيقول وضعت لفظ الانسان لهذا المفهوم الكلى فيقال ان الوضع والموضوع له كليهما عامان، بمعنى انه وضع اللفظ في قبال عين الكلى الذى لاحظه. وثالثة يلاحظ معنى عاما ويجعل ذلك آلة للحاظ مصاديقه ويضع اللفظ في قبال كل فرد فرد من افراد الملحوظ فإذا لاحظ عنوانا كليا كالمذكر الفرد مثلا فوضع كلمة هذا لكل ما هو مصداق له يقال (ح) ان الوضع عام والموضوع له الخاص، واما الوضع الخاص والموضوع له العام فهو على المشهور تصور محض لاوقع له ولا امكان. تنبيهان: الاول: ان الاقوال في الوضع كثيرة. منها: ما هو المشهور من كون اقسامه في مقام التصور اربعة وفى مرحله الامكان والوقوع ثلاثة كما عرفت. ومنها: ما ذكره بعض الاعاظم من انها في مقام التصور والامكان اربعة وفى مرحله الوقوع ثلاثة فذهب (قده) إلى امكان الوضع الخاص والموضوع له العام، بان يرى الواضع شبحا من بعيد ولا يعلم انه من مصاديق الانسان مثلا أو البقر، فيعين لفظا ويقول وضعت هذا اللفظ لنوع ذلك الشبح أو لجنسه، فيكون الملحوظ هو ذلك الجزئي والموضوع له هو الكلى الملحوظ بنحو الاجمال. ومنها: ما ذكره في الكفاية من انها في مرحلة التصور اربعة وفى مقام الامكان ثلاثة وفى مرحلة الوقوع اثنان فادرج ما هو من القسم الثالث لدى المشهور في القسم الثاني. الثاني: انه من القسم الاول الاعلام الشخصية كلها، ومن القسم الثاني اسماء الاجناس ومواد الافعال واسماء الفاعلين والمفولين والصفات المشبهة ونحوها، ومن القسم الثالث جميع الحروف واسماء الاشارة والضمائر وشبهها.

[ 289 ]

الثالث: تقسيمه إلى الوضع الشخصي والوضع النوعى. بيانه ان اللفظ له مادة وهيئة فالمادة هي ذات الحروف المرتبة (نحو ض رب) بلا شرط لحاظ الاعراب والحركة، والهيئة هي الصور العارضة لتلك المواد كضرب وضارب ومضروب وايا منهما لاحظه الواضع تفصيلا في مقام الوضع فالوضع بالنسبة إليه شخصي، وما لاحظه اجمالا فهو بالاضافة إليه نوعي. فالاقسام ثلاثة: لحاظ الهيئة والمادة تفصيلا، ولحاظ الاول تفصيلا دون الثاني ; والعكس. فالاول: كوضع الاعلام الشخصية والجوامد من الالفاظ فان الواضع لاحظ لفظة انسان وزيد وحجر وشجر بموادها وهيئاتها ووضعها لمعانيها، ومنه الموضوع الاول في المشتقات كما ستعرف. والثانى: كوضع سائر المشتقات مما وضع بعد الوضع الاول. وتوضيحه: ان المشتقات على اقسام كثيرة ; كاسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة والماضي والمضارع والمصدر فانه ايضا من المشتقات، فلابد للواضع عند الوضع من تقديم واحد منها ولحاظ كل من هيئة ومادته مستقلا ووضعهما كذلك إذ لا وضع للمادة مجردة عن الهيئات، فايا منها قدمه كان وضعه بهيئته ومادته شخصيا فإذا قدم الماضي مثلا وقال وضعت كلمة ضرب لمعنى كذا وسمع لكذاوعلم لكذا وهكذا تم حينئذ وضع الماضيات من الافعال ; وبذلك تم وضوع نوع من الهيئات ووضع جميع المواد فيكون وضع الماضي شخصيا هيئة ومادة ويقال ان الماضي اصل في الكلام أو في الوضع، فإذا اراد وضع اسماء الفاعلين مثلا فيلاحظ فقط هيئتها معينة تفصيلا، ولا يلزمه حينئذ لحاظ المادة كذلك لثبوت المواد كلها في ضمن الموضوع اولا وهو الماضي من كل فعل، فيكفيه الاشارة الاجمالية إليها فيقول وضعت هيئة الفاعل في ضمن أي مادة من المواد الموجودة في ماضيات الافعال، لذات ثبت لها تلك المادة، فيكون وضع الهيئة شخصيا والمادة نوعيا، وهكذا ساير المشتقات حتى المصدر ولذلك يقال ان تلك المشتقات فرع للماضي في الوضع، ولو فرضنا كون الملحوظ اولا هو المصادر أو المضارعات، كان ذلك اصلا، ومن هنا ذهب طائفة إلى ان المصدر هو الاصل

[ 290 ]

وآخرون إلى ان المضارع هو الاصل، واما لحاظ المادة بالخصوص دون الهيئة فلا وجود له على ما قلنا. تتمة: كما ان اللفظ هيئة ومادة كذلك للمعنى ايضا هيئة ومادة، فمادة الضرب مثلا هي اصل تصادم جسم مع آخر وهيئته هي الخصوصيات الملازمة له وعوارضه الوجودية من الزمان والمكان وما منه وجوده اعني الضارب وما به وجوده اعني آلة الضرب، ومواد الالفاظ تحكى عن مواد المعاني وهياتها تحكى عن هيئاتها، فمادة ضرب تحكى عن اصل الضرب وهيئته عن زمانه، ومادة كلمة مضراب عن اصل الضرب وهيئتها عما به يوجد الضرب وهكذا. هذا كله في الحقائق واما المجازات ففيها اقوال: الاول: القول بان لها وضعا نوعيا من حيث الهيئة والمادة، بمعنى ان الواضع اشار هذا كله في الحقائق واما المجازات ففيها اقوال: الاول: القول بان لها وضعا نوعيا من حيث الهيئة والمادة، بمعنى ان الواضع اشار إلى كلتيهما بالاشارة الاجمالية بان جعل عنوان اللفظ آلة للحاظهما فقال وضعت كل لفظ موضوع لمعنى من المعاني لمشابه ذلك المعنى أو لسببه أو لمسببه أو للحال فيه أو لمحله على اختلاف انحاء المجازات، فكأنه وضع في ضمن هذا البيان لفظ الاسد للرجل الشجاع مع انه لم يلاحظ له هيئة ومادة، فاستعمال اللفظ في معناه المجازى ايضا يرجع إلى وضع الواضع ولذلك حصروا المجازات في اقسام تخيلوا تنصيص الواضع عليها. الثاني: القول بان استعمالها في المعاني المجازية لاربط له بالواضع ; بل هو منوط باستحسان طبع المستعمل، فاى ربط تصوره المستعمل بين معنى من المعاني وبين المعنى الحقيقي وطاب نفسه باستعمال لفظه فيه فالاستعمال جائز وصحيح، فلا تكون اقسام المجازات محصورة فيما حصورها فيه. الثالث: القول بان الالفاظ لم تستعمل في غير ما وضعت له اصلا حتى في المجازات بل هي مستعملة في معانيها الحقيقية بدعوى اتحادها مع المعاني المجازية، مثلا إذا قلت جائنى اسد مريدا به زيدا فانك لم تستعمل الاسد في زيد ابتداء وبلا واسطة بل كانك قلت جائنى الحيوان المفترس المعهود وزيد هو ذلك الحيوان، وهذا هو القول الذى

[ 291 ]

ذهب إليه السكاكى الا انه قال به في خصوص الاستعارة. وما بجمعه عنيت قد كمل * بحثا على جل المهمات اشتمل والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلواته على رسوله الكريم وآله الميامين ولعنة الله على مخالفيهم ومعانديهم إلى قيام يوم الدين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية